لتنزيل الموسوعة او تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الرابع والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
يارون
قرية في طرف جبل عامل متصلة أرضها بأرض فلسطين، هي آخر قرية على حدوده الجنوبية، حدثت بالقرب منها معركة بين جيش أحمد باشا الجزار وبين العامليين بقيادة ناصيف فاكتسح جماعة الجزار جبل عامل قتلاً ونهباً واستباحة وحرقاً وإبادة للمكتبات. وقد كتب محمد جابر عن هذه المعركة ما يلي:
لما تولى أحمد باشا الجزار إيالة صيدا واستفحل أمره وانقضى عهد الشيخ ظاهر العمر ودانت له فلسطين وألقى الخلاف بين الأمراء اللبنانيين فأصبحوا يناوئ بعضهم الآخر، وهو يصفق طرباً ويضحك في سره. حول نظره إلى جبل عامل يريد أن يخضعه لسلطته، وكان يومئذٍ أمنع من عقاب الجو، وكان زعيمه الأكبر الشيخ ناصيف النصار من أشجع رجال عصره وأعرضهم جاهاً وأوسعهم شهرة.
فساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة، فلم يتسن له الفوز. وكان في كل مرة يرجع خائباً وتدور الدائرة عليه. حتى إذا شاءت الأقدار هاجمه بجيش كثيف في سنة 1195هـ ــ 1780م من الجهة الجنوبية متظاهراً بأنه يريد اجتيازه إلى وادي التيم لتأديب العصاة. فأدرك الشيخ ناصيف قصده فأسرع لصده بشرذمة من خيله لا تزيد عن سبعماية فارس كانت ترابط معه دائماً في حصن تبنين.
وكان الشيخ ناصيف بطلاً مقداماً تعوَّد خوض المعارك وممارسة الحروب، يهزأ بالمنايا ولا يبالي بالموت. فحملته الجرأة والبسالة على منازلة ذلك الجيش اللجب بخيله القليلة، ولم ينتظر وصول بقية الجنود والأعوان المرابطة في القلاع. وزلت قدم جواده على بلاطة يارون وعاجله بعض الجنود بإطلاق الرصاص فخر قتيلاً وتشتت جنوده وطويت صفحة استقلال جبل عامل بعد ناصيف([1]) وسقطت بمقتله الحكومة الإقطاعية الأولى بحصونها وقلاعها.
ثم اكتسحت جنود الجزار البلاد وأحرقت القرى ودمرت المنازل. وشحن ما في مكاتب جبل عامل من التآليف والمخطوطات النادرة حيث أحرقت في عكا. وشكاه علماء البلاد إلى الآستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت إليه الشكوى عيناً فانتقم من موقعيها. وأسرف رجاله في ذلك الشعب قتلاً وذبحاً وقبض على فريق من الوجهاءء فأماتهم خنقاً في سجون عكا، وشرّد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة. وهاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد النائية كالهند والعراق وإيران وأفغانستان. وفر من بقي من الحكام وأبناء العشائر إلى جبال حلب والأناضول وقصد بعضهم «عكار» فأنزلهم حاكمها علي بك الأسعد المرعبي في دار رحبة لم تزل للآن تعرف بدار العشائر.
وهكذا دامت الحال سنين والعامليون يقاسون ضروب العسف والشقاء. فحملهم ذلك على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم. فثار الزعماء وأبناء العشائر وألّفوا العصابات الثورية.
وفي سنة 1198هـ ـ 1783م اجتمع في (شحور) جماعة من أعيان البلاد وقد أعياهم أمر الجزار وأرهقهم جوره وما أصاب البلاد من شروره. فأجمع رأيهم على الكفاح وإنقاذ البقية الباقية من وطنهم من الدمار. فألفوا فرقة من رجالهم الأشداء للفتك بعمّال الجزار وجنوده التي كانت ترابط في حواجز جبل عامل وتحتلها احتلالاً عسكرياً صارماً، وتلزمها بنفقاتها وعلف خيولها وإعاشتها واحتمال أضرارها وأذاها. وقد جمعهم الجزار من شذاذ الآفاق كما كان سائر جنده مؤلفاً من أرناؤوط ودالاتية وأكراد. وكان على رأس الثورة الشيخ حمزة بن محمد النصار من آل علي الصغير. ومدير شؤونها الشيخ علي الزين صاحب شحور. وهاجمت الفرقة حاكم البلاد العام في (تبنين) من طرف الجزار فذبحوه ذبح النعاج، وأثخنوا بأعوانه وجنده ونهبوا الخزينة الأميرية([2]). فأرسل الجزار جنوده وزبانيته تتعقب الثوار فداهموهم في قرية شحور ودارت بينهما حرب دامية قتل فيها الشيخ حمزة النصار وفر أعوانه.
وسار الشيخ علي الزين وإخوانه إلى العراق، وواصل الشيخ علي سيره إلى إيران في عهد (محمد شاه) فأكرم وفادته. ثم أتى الهند فاستوزره أحد ملوكها (نوابها) وأقام فيها زمناً إلى أن وقعت البلاد في يد الإنكليز فعاد إلى وطنه.
وقد ذكر هذه القطعة المؤرخ اللغوي الشيخ علي سبيتي في مجموعته، ووردت في تاريخ صيدا صحيفة 156:
كان دور العصابات والفدائيين ويسمى بعهد (الطياحة) أتعس دور مر على جبل عامل. وقع فيها بين نارين: نار زبانية الجزار ونار رجال الثورة. فالزبانية التي كان يقذفها الطاغية تعيث في البلاد فساداً وتضيق الخناق على الأهلين المساكين، وتؤلف منهم فرقاً لمطاردة العصابات فلا تظفر بهم. والثوار يشنون الغارة للسلب والنهب وحرق القرى وتدمير البيوت متغلغلين في بطون الأودية بين الأحراج والغابات معتصمين برؤوس الجبال.
المعاهدة مع الوالي سليمان باشا
ولم تهدأ الأحوال بعد هلاك الطاغية الجزار سنة 1219هـ ـ 1804م وتعيين سليم باشا ثم سليمان باشا خلفاً له. فاتسعت حرب العصابات وامتدت سلطة الثوار فشملت بلاد عكا وصفد وكانوا يفرضون الضرائب والرسوم على البلاد ويفتكون بمن يخالفهم.
ورأى الوالي سليمان باشا، وكان سلس القيادة ليّن العريكة، ما أصاب جنده من الفشل، وما ألم بالبلاد من بؤس وشقاء، فأيقن أنها سائرة إلى الخراب التام حتماً فمال إلى اللين، واستدعى إلى عكا الشيخ علي الفارس عميد آل صعب فأقامه حاكماً عاماً في قلعة (تبنين) ولم يكن يجسر أحد على قبول ذلك المنصب بعد ذبح الحاكم السابق كما أشرنا، ولم يقبل الشيخ علي الفارس (وكان شيخاً محنكاً) ذلك المنصب إلا بعد اتفاقه مع زعماء الثوار على أن يسعى بإجلاء جيش الأتراك والأرناؤوط عن البلاد، وإرجاع الحكم إلى أهلها.
وأرسل الوالي سليمان باشا ضابطاً ألبانياً يدعى (بكر آغا) لمفاوضة الثوار والاتفاق معهم على شروط الصلح والتسليم فرفضوا مفاوضته حذراً من الغدر والخديعة. فكتب سليمان باشا إلى الأمير بشير الشهابي الثاني يطلب وساطته لإخماد نار الثورة وإقناع الثوار بالكف عن العدوان على أن تجاب مطالبهم. وإثر تدخل الأمير الشهابي مع الزعماء قبلوا أن يغمدوا سيوفهم ويسكنوا حركاتهم ويدخلوا في مفاوضة مع الوالي سليمان باشا. ثم عقدوا اجتماعاً في حضرة الأمير بشير في بيت الدين حضره الشيخ فارس الناصيف وذوو قرابته وأقروا فيه الخطة التي يجب أن يسار عليها.
وتولى (كاخية)، معتمد الأمير الشهابي، الشيخ جرجس باز والحاج حسن الشيت (كاخية)، معتمد الشيخ فارس الناصيف، إدارة المفاوضة بين الوالي والثوار. وأقر الوالي سليمان باشا وراغب أفندي معتمد الباب العالي شروط الصلح وإخماد الثورة على الوجه الآتي:
أولاً: العفو العام عن عموم الثائرين.
ثانياً: يعطى لهم إقليم الشومر ملكاً لهم ولذريتهم مقسوماً بالتساوي بدلاً عن أملاكهم التي ضبطتها /الدولة([3]) (على أن يستثنى منه قرى: الصرفند وأنصار ـ وقلعة ميس) مرفوعة القدم ممنوعة القلم (أي معفاة من الضرائب والأموال الأميرية) من دون معارض ولا منازع كما ذكر في (البيولريدي) المنشور الرسمي.
ثالثاً: أن لا يكون دخل في حكم البلاد ولا سلطة لموظفي الدولة عليهم. وإنما يرجعون في أمورهم وفصل الخلاف الذي يقع بينهم إلى شيخ المشايخ الشيخ فارس الناصيف. فهو يمثلهم تجاه الحكومة وبه تنحصر المخابرات، وعليه تعود المسؤولية.
وفي تاريخ المعلم إبراهيم العورا الذي نشره وصححه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي تفصيل وافٍ لهذه الحوادث، ووصف أهوال العصابات، ومساعي الأمير بشير الشهابي، ووصول الوفد العاملي برئاسة الشيخ فارس الناصيف إلى عكا، وما لقيه من إكرام الوالي ورعايته. وأن الوالي أجلس الشيخ فارس عن يمينه، وقدم له الشبق والقهوة. (والشبق هو قصبة طويلة فيها غليون لشرب التبغ لها فم من الكهرباء) وكانت قواعد التشريفات يومئذ لا تجيز تقديم الشبق إلا لكبار الزعماء. وأنزلوا في دار رحبة ضرب على ظهرها (صيوان) قبة كبيرة لرئيس الوفد. وأرسلت لهم الموائد. ولخيولهم العلايف.
وبعد ثلاثة أيام عقد مجلس حافل حضره المفتي والقاضي وكبار القواد.
وطيب الوالي خاطر الوفد، وأثنى على طاعتهم، ووقع الاتفاق وأرسل مع (جفت تتار) اثنين من سعاة البريد إلى الآستانة فصادق عليه الباب العالي، وصدرت به (البيولوريدي) المرسوم الرسمي، واحتفل بتلاوته احتفالاً جامعاً.
ثم انفض الجمع وأكرم الوالي سليمان باشا الشيخ فارس الناصيف بخمسة آلاف غرش (أي ما يعادل خمسين ألف غرش ذهباً في هذه الأيام لأن غرش هاتيك الأيام يساوي عشرة ذهباً صاغاً عملة اليوم) وفروة من السمور تشعر بأنه شيخ المشايخ. وأنعم على بقية الوفد بأفرية السمور والعطايا. وذكرها أيضاً صاحب العقد المنضد صحيفة (130) وقبله صاحب الجوهر المجرّد.
وقال: إن الوالي سليمان باشا أمر باتخاذ قرية (الزرارية) مقراً لشيخ المشايخ. وبنيت فيها دار لرئاسة العشائر على نفقة الدولة. وعيّن لبيت الرئاسة مائتي كيس (ألف جنيه) تدفع في كل سنة من خزينة عكا وذخائر مرجعيون.
الحكومة الإقطاعية الثانية
في جبل عامل
وذكر غيرهم من المؤرخين أن هذه الاتفاقية تعدلت في عهد عبد الله باشا الخزندار والي إيالة عكا الذي خلف سليمان باشا. ففي سنة 1237هـ ـ 1821م عقد عبد الله باشا اتفاقاً مع زعماء جبل عامل وأعاد لهم حكم بلادهم كما كانوا سابقاً. وضم إليهم مقاطعة مرج العيون وكانت تتبع وادي التيم، وترك لهم خمسين ألف غرش من أموالهم الأميرية، ورتب لهم مائة غرارة شعير علائف لخيولهم، على أن يمدّوه بألفي مقاتل عند الطلب.
ولما اشتد الخلاف بينه وبين درويش باشا والي الشام خاضوا الحرب معه في معركة المزّة ومعركة جسر بنات يعقوب وأبلوا بلاءً حسناً. وقتل في إحدى المعارك الشيخ أحمد العباس من آل علي الصغير ودفن في المزة. وذكرها الأمير حيدر الشهابي في تاريخه صحيفة 710 في حوادث 1237هـ ـ 1821م وأنها تمت في عهد عبد الله باشا الخزندار الذي تولى إيالة عكا بعد سليمان باشا. ومن الغريب أنه أغفل ذكر الاتفاق الأول الذي حصل في عهد سليمان باشا وأثبته المؤرخ إبراهيم العورا وكان من كتاب سليمان باشا وحضره بنفسه.
وفي سنة 1247هـ ـ 1832م احتل الجيش المصري سوريا بقيادة الفاتح إبراهيم باشا فألغى النظام الإقطاعي وسقطت الحكومة الإقطاعية الثانية في جبل عامل.
الحالة السياسية في جبل عامل
قبل ناصيف النصار
عاش جبل عامل قبل ظهور ناصيف النصار نصف قرن في صراع دائم وصدام مستمر مع الأمراء الشهابيين. إذ كان يصر هؤلاء، يساعدهم على ذلك والي صيدا العثماني على السيطرة على جبل عامل لأهميته الاقتصادية بالنسبة إليهم. فهو يشكل بنتاجه الزراعي متمماً اقتصادياً للشوف الذي تقل فيه زراعة الحبوب. يضاف إلى ذلك بعض الاعتبارات المذهبية.
وكانت زعامة آل علي الصغير في بلاد بشارة تناضل دائماً من أجل تحقيق شكل من أشكال الاستقلال الذاتي للجبل. وكانت الزعامة في هذه المرحلة بعد 1697م قد انتهت إلى الشيخ مشرف آل الصغير الذي حاول عن طريق مناصرته للزعامة اليمنية، المناوئة للزعامة القيسية الجديدة أن يضمن استقلال الجبل. وأعلن العصيان على والي صيدا إرسلان باشا سنة 1698م وقبض على جماعة من غلمانه.
استنهض الوالي إرسلان باشا الأمير بشير الشهابي الأول على الشيخ مشرف وأطلق للأمير ولاية صفد ومقاطعات جبل عامل. زحف الأمير على العامليين واستطاع أن يهزمهم قرب قرية «المزرعة» وقبض على زعيمهم الشيخ مشرف وأخيه الحاج محمد ومدبرهما الحاج حسين المرجا وأرسلهم لإرسلان باشا الذي سجن الشيخين وقتل مدبرهما وكان آل صعب وآل منكر العامليين حكام مقاطعة الشقيف وإقليمي الشومر والتفاح قد حضروا إلى الأمير وأطاعوه وأظهروا التعصب للقيسية فقبلهم وقررهم على ديارهم ولاة من قبله([4]).
وهكذا خسر جبل عامل جولته الأولى في سعيه للاستقلال الذاتي عن الوالي العثماني وانتهى إلى سيطرة الأمير الشهابي حتى كانت سنة 1705 حين تولى الأمير حيدر الشهابي إمارة الشوف وعُزل إرسلان باشا عن ولاية صيدا، وخلفه أخوه بشير باشا فأفرد ولاية صفد وولى عليها ظاهر العمر وأقر آل صعب وآل منكر على مقاطعاتهم وأعاد آل الصغير إلى ولاية بلاد بشارة ولاة من قبله([5]).
وما إن عاد آل الصغير إلى حكم مقاطعاتهم من قبل والي صيدا حتى بدأ حنينهم إلى «الاستقلال» يعود من جديد. فعملوا بإخلاص على توحيد صفوف العامليين فانضم إليهم آل منكر وآل صعب «لما بينهم من الاتحاد بالتشيع والتعصب لليمنية»([6]).
ولكن الأمير حيدر ما لبث أن تمكن من «شراء» ولاية جبل عامل من والي صيدا. وهكذا أعلن والي صيدا حيدراً الشهابي حاكماً على جبل عامل. رفض العامليون هذا الأمر فنهض إليهم الأمير حيدر من دير القمر سنة 1707 وبلغ بلدة النبطية التي اجتمع فيها العامليون استعداداً لقتاله وجرت المعركة بين الفريقين خارج البلدة وتمكن الأمير حيدر من الانتصار على العامليين وارتكب بحقهم أبشع المجازر. وأجلى آل الصغير ثانية عن حكم بلاد بشارة وتولاها محمود أبو هرموش من قبل الأمير حيدر لجباية المال المرتب عليها.
ولئن جعل المؤرخون الشهابيون أسباب هذه الحملة مجرد «مخرقة» العامليين في أطراف بلاد الشوف فإن الشيخ علي الزين ذهب بعيداً وجعل: «غزو الأمير حيدر للنبطية جرياً على خطة رسمت للشهابيين في الخفاء يستشفها الباحث من تاريخ سلفه الأمير بشير الأول سنة 1110/ 1698 وتاريخ خلفه الأمير ملحم 1144/ 1732 ثم خلفه الأمير يوسف 1185/ 1770 يوم جعل كل منهم باكورة أعماله في حكم الشوف غزو بلاد المتاولة ونهبها»([7]).
ومن يعد إلى المصادر التاريخية يلاحظ أن آل الصغير كانوا لا يطمئنون إطلاقاً للأمراء الشهابيين، وأثبتت الوقائع التاريخية أنهم كانوا على حق في ذلك ـ ولم يكن هم الولاة العثمانيين سوى جمع الأموال. أما رفض العامليين لسيطرة الأمير الشهابي فكان منسجماً مع رغبتهم في الحفاظ على حريتهم وعاداتهم وعقيدتهم، لذلك كان اتحادهم لمواجهة حكام الجور وتسلطهم وليس «بدافع التشيع والتعصب لليمنية» فحسب كما علله المؤرخ الشهابي مختزلاً دوافع الكرامة الوطنية:
وبدأت بعد معركة النبطية حكاية أخرى مع محمود أبو هرموش الذي جعل جل همه جمع المال من العامليين لإغناء ثروته. ولكنه ما لبث أن تمرد على الأمير حيدر نفسه وفر بالأموال إلى والي صيدا الذي حصل له على لقب باشا من الباب العالي وولاه ولاية جبل لبنان مكان الأمير حيدر الذي ترك إلى غزير ليعود من جديد إلى دير القمر ويقضي على الحزب اليمني قضاء نهائياً بعد معركة عين دارة 1711 والتي هزم فيها أبو هرموش وولاة الشام وصيدا مجتمعين.
وهكذا بعد خروج أبي هرموش من جبل عامل وبعد معركة عين دارة حضر عثمان باشا أبو طوق وأراد أن يسترضي العامليين فأعاد آل الصغير إلى حكم الجبل، مع ذلك لم يسلم الجبل من محاولة «شهابي» آخر التحكم به. وبالفعل فإن أمير حاصبيا هذه المرة الأمير قاسم الشهابي سنة 1712 حاول السيطرة على الجبل ولكنه لم يوفق إذا استطاع المشايخ المحليون أن يعودوا إلى حكم مقاطعاتهم وأن يبنوا السرايات في مراكز حكوماتهم.
أثار ازدهار العامليين حفيظة الأمير حيدر وهاله ما أصبحوا فيه من قوة واستقرار فزحف في سنة 1719 باثني عشر ألف رجل إلى بلاد المتاولة والقبلية وبلاد الشقيف وإقليم الشومر ونهب البلاد وقتل نحو أربعين رجلاً وأخذ منهم ألف وحرق البلاد وقطع الأشجار وهدم سرايات الحكومة هدماً مريعاً ورجع إلى موضعه([8]).
وبعودة الأمير حيدر إلى موضعه عاد العامليون إلى حكم بلادهم وعمرانها بعيداً عن تهديد الشهابيين لأن صراعاً كان قد دب في الشوف بين أبناء العمومة والأخوة من الأمراء واستمر حتى تنازل الأمير حيدر إلى الأمير ملحم سنة 1719.
وكأنه لم يكف جبل عامل ما لقيه على أيدي الشهابيين إذ ما لبث أن ظهر طامع جديد بحكم الجبل ولكن هذه المرة من الجنوب أعني بذلك ظاهر العمر حاكم بلاد صفد والذي كان «وادًّا للأمير حيدر لكونه سنياً قيسياً»([9]).
استغل ظاهر العمر الظروف السيئة للعامليين بعد هزيمتهم أمام الأمير حيدر فسار ومعه أمراء صفد 1722 لقتالهم ولكنهم ألحقوا به هزيمة مرة([10]) جعلته يحجم عن مقارعتهم ثانية بل لعلها دفعته إلى السعي لاتخاذهم حلفاء له ـ كما سنرى فيما بعد ـ على مناهضيه داخل بلاده.
أما الأمير ملحم فإنه عندما استتب له الأمر لم يخرج على سنة سابقيه: أمير شهابي جديد يزيد في مال التزام جبل عامل من والي صيدا فيوليه عليه، فرفض عاملي … فحملة تأديبية شهابية تنتهي كسابقاتها بقتل ودمار.
ففي سنة 1732 التزم الأمير ملحم جبل عامل من أسعد باشا العظم والي صيدا في ذلك الحين وكان ذلك رداً على ما أسماه شماتة آل الصغير بموت والده «وقيل إنهم من سرورهم خضبوا ذيول خيولهم بالحناء»([11]).
ورفض العامليون ولاية الأمير ملحم عليهم فقام هذا من دير القمر لقتالهم فمال لجانبه سلمان الصعبي والي مقاطعة الشقيف … فأطلق له الأمان وبقي سايراً ودهم بني علي الصغير للقتال فالتقى بهم في أرض قرية يارون([12]) … فحصل النصر والظفر للأمير ملحم وكسرهم وأهلك منهم خلقاً وقبض على مقدمهم نصار([13]) وفر إخوته إلى جويا فسار خلفهم ففروا إلى القنيطرة فظفر بجماعة من غلمانهم فأهلكهم. ثم أطلق الغارة على تلك الديار فنهب ما فيها وقفل راجعاً إلى ديار لبنان ومعه نصار الصغير وولى على ديار بشارة حليفه سليمان الصعبي المذكور.
وبعد أيام عاد إخوة نصار وافتدوا أخاهم بمال وافر فأطلق الأمير ملحم سراحه وأعادهم إلى ديارهم ولاة من قبله.
وينعم جبل عامل بشيء من الاستقلال الذاتي. لكنه عندما شعر الأمير ملحم بتزايد قوة العامليين قام بعملية كبيرة ذهب ضحيتها العشرات من العامليين سنة 1156/ 1742 عرفت في التاريخ باسم وقعة أنصار والتي يفهم من سكوت المؤرخين عنها والتناقض الذي وقعوا فيه حولها أنها ربما كانت لأسباب محض مذهبية.
يقول المؤرخ العاملي السبيتي: «1147 (1733) صارت وقعة أنصار مع الأمير ملحم وأسر من الشيعة ألف وأربعمائة ومات في الكنيف في بيروت ومكث الأسرى وكانت الوقعة بفتوى الشيخ نوح.
ويتعامل بعض المؤرخين مع هذه الحملة بكثير من الريبة ويرون أن العامليين «أخذوا غدراً واغتيلوا خارج القرية ثم نهبت وأحرقت وقتل جميع من فيها وبلغ عدد القتلى من الطرفين نحو ألف قتيل».
على الرغم من سلسلة الهزائم هذه لم يلبث العامليون أن وحدوا صفوفهم ليحققوا أول انتصار لهم على الأمراء الشهابيين في سنة 1743! «ففي سنة 1743 كانت الوقعة بين المشايخ بني متوال وأهالي وادي التيم ومعهم دروز جبل الشوف وكانت الكسرة على الدروز وعكسر وادي التيم وقتل منهم مقدار ثلاثماية رجل وأحرقت المتاولة جميع قرى مرجعيون ثم اجتمعت المتاولة من قرية النبطية وأرادوا أن يغزوا جبل الدروز فمنعهم وزير صيدا([14]).
ويشير الشيخ سليمان ظاهر إلى هذه المعركة ويعلق عليها بقوله: وفي هذه المعركة يقول بعض الزجليين:
يا بنت مردم بك طلي وشوفي
دخان مرجعيون غطى الشوفي([15])
وهكذا مضى نصف قرن على الأقل في صراع دائم بين العامليين الذين يصرون على استقلالهم الذاتي وبين الأمراء الشهابيين: بشير الأول، حيدر، ملحم، الذين حاولوا إخضاع الجبل وسلبه خيراته بتواطؤ مكشوف مع ولاة الدولة العثمانية.
ولم يخل هذا النزاع من خلفيات مذهبية وهذا واضح من خلال حضور قوي لرجال الدين العامليين الذين استشهد عدد منهم في ساحات المعارك دفاعاً عن الكرامة والعقيدة والوجود.
ومع أن العامليين لم يكونوا دائماً موحدي الصفوف إلا أن ما ينبغي تسجيله هو عدم حصول صدام مباشر بين الأسر العاملية. كما أن أياً من الأسر العاملية لم يقاتل مع الشهابيين ضد أشقائه من أبناء الجبل. وكان على الوحدة الحقيقية لأبناء جبل عامل أن تترجم نفسها مع ظهور ناصيف النصار كشيخ مشايخ جبل عامل.
الشيخ ناصيف النصار الإنسان
ذكر الشيخ عبد المحسن الظاهر المعاصر ـ وهو من سلالة أسرة ناصيف ـ ذكر نسب ناصيف النصار في مخطوطة له بعنوان: «الدلالة العاملية بتاريخ الأسرة الوائلية» نقلاً عما ذكر الحاج محمد سهيل، وشبيب باشا الأسود وحسين بك البندر عن حمد البيك وأقره عدد من شيوخ العائلة قال: ناصيف النصار هو ناصيف ابن نصار الثالث بن نصار بن احمد بن نصار بن مشرف ابن أحمد بن نصار بن حسين بن علي الصغير ثم استرسل الشيخ الظاهر فأوصل النسب إلى معد بن عدنان مما لا يعلم حقيقته إلا الله. وبعد إيراده النسب قال الشيخ عبد المحسن:
هو أشهر من نار على علم: طائر الصيت عاطر الذكر رئيس عاملة على الإطلاق، مدبر شؤونها وحامي صونتها ومفرج كربتها ومعيد حريتها ومحطم نير الاستعباد ومبيد الظلم والجور والاستبداد. جمع من المآثر الحميدة. مواقفه في الحروب مشهورة وأعلام ذكره بين الآنام منشورة حيث الرجال بالأفعال لا بالأقوال».
السيد محسن الأمين يذكر في ترجمته في «أعيان الشيعة»: يقال له الشيخ ناصيف النصار جرياً على العادة في إدخال الألف واللام على اسم الأب حين إرادة نسبة الابن إليه. ولفظ الشيخ أحد ألقاب الأمراء في بلاد الشام. فأمراء جبل عامل والأمراء الحماديون وغيرهم كانوا يلقبون بالمشايخ والحرافشة والشهابيون كانوا يوصفون بالأمراء. وكانت إمرة جبل عامل لثلاث طوائف: فإمرة بلاد بشارة لآل علي الصغير وأمرة بلاد الشقيف للصعبية وأمرة إقليم الشومر لآل منكر. وكان يطلق على ناصيف شيخ المشايخ أي أمير الأمراء.
ويذكر السيد محسن في مخطوط اطلعنا عليه عند نجله السيد حسن الأمين: «زرنا قبره سنة 1349 وقرأنا له الفاتحة فوجدناه قبراً بسيطاً قد بني حوله أساس فقط. والعجب من أقاربه الذين ملكوا البلاد بعده كيف لم يبنوا قبره ويشيدوه مع أنه أهل لذلك بما كان فيه من جميل الصفات من الشجاعة والكرم وحفظ الجوار وجودة الرأي ومحاسن الأخلاق وتعظيم العلماء وأهل الدين. وقد قتل شهيداً في الدفاع عن استقلال بلاده ورد الظالمين الفراعنة عنها رحمه الله رحمة واسعة».
بعض المصادر التاريخية التي اهتمت بجبل عامل تذهب إلى القول إن الشيخ ناصيف ولد في قرية مجدل سلم القريبة من تبنين حيث توفي والده وحيث كانت إقامة الأسرة فيما بعد طلوعها من قرية شحور.
وعبثاً نفتش في المصادر التي بين أيدينا عن ذكر للسنة التي ولد فيها ناصيف النصار. وغير أن مصادر الشيخ عبد المحسن الظاهر ذكرت عنه قوله: سمعت من بعض شيوخنا عن سلفهم أنه لما قتل ناصيف النصار سنة 1195/ 1780 كان عمره خمساً وستين سنة» فتكون سنة ميلاده 1130/ 1715.
وكما كان مولده غامضاً كذلك كانت نشأته أكثر غموضاً إلا أنه تجدر الإشارة إلى نشأته في بيئة اجتماعية تسودها علاقات إقطاعية تميز فيها الأعيان عن الفلاحين ببعض المميزات الخاصة كتعليم الفروسية وبث روح الشجاعة في أولادهم لأنها كانت من مؤهلات الرئاسة في القوم في ذلك العصر([16]).
وكان لكل ولد من أولاد الأعيان خادم أو عبد خاص([17]) ومن تقاليدهم أيضاً التزاوج من نساء الأسرة. وقد تخلف ناصيف النصار بستة أولاد هم: نصار وفارس ومحمد وعقيل وشبيب وخليل.
المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا فكرة واضحة عن حقيقة ثقافة الرجل. ولكننا نستطيع أن نستخلص فكرة عنها من الإشارات العرضية التي ذكرها بعض المؤرخين. فقد سبق وأشرنا إلى ما ذكره السيد محسن الأمين من تقديم الشيخ ناصيف النصار للعلماء وتميزه بجودة الرأي. والفضل لا يعرفه إلا ذووه على حد ما قالت العرب.
المؤرخون العامليون يرسمون له صورة أقرب إلى الكمال فإذا هو القائد المطاع والجندي الباسل الفاتح والمصلح المفكر والأمير الحكيم العليم([18]). هذا وقد عرف من ناصيف النصار تقديره للشعر وإكرامه للشعراء فقد كان لكل منهم أعطية لديه. وقد عرف عن أخيه أبي حمد النصار أنه كان ينظم الشعر أحياناً وله مساجلات مع علي الظاهر بن ظاهر العمر من أكثرها طرافة:
يقول علي الظاهر:
ومن عجب الأيام تنكر صحبتي
وتلحظني شزراً بطرف مريع
كأني وإياها صحائف نظمت
مديح أبي بكر يفلبه شيعي
فأجابه أبو حمد النصار قائلاً:
عجبت لدهر كيف أكمه رشده
ولم يرع بالعتبى مقاماً لصاحب
كأني وإياها صحائف نظمت
مدائح أهل البيت في كف ناصبي
وهناك من يذكر أن ناصيفاً كانت تحضره بعض أبيات من مناسبات معينة.
لم يشر المؤرخون وخاصة العامليون منهم إلى تاريخ توليه الحكم على بلاد بشارة. لكن يبدو أنه كان خلال سنة 1163/ 1749 ولم يكن بعد هذه السنة لأن المؤرخ العاملي الركيني الذي عاصره وبدأ تدوين تاريخ «جبل عامل في قرن» في هذه السنة لم يشر إلى توليه الحكم قبل هذه السنة أو في أوائلها.
وكذلك فإن المخطوطات العاملية التي تحدثت عن معارك مرجعيون ـ القليعة التي جرت في هذه السنة بين العامليين والأمير ملحم الشهابي لم تشر إلى اشتراك ناصيف فيها إنما أشارت إلى اشتراك أخويه ظاهر النصار كحاكم ومراد النصار كقائد.
ومن المرجح أن توليه الحكم كان خلال سنة 1163هـ أو في أواسطها بعد المعارك السالفة الذكر لأن المؤرخ السبيتي العاملي أشار إليه كحاكم عندما تحدث عن تحصين القلاع العاملية وعن اقتسام مقاطعات بلاد بشارة بين مشايخ آل الصغير فقال: وكانت لناصيف تبنين»([19]).
لكن الشيخ عبد المحسن الظاهر يزعم أن توليه كان سنة 1145/ 1731 بعد وفاة والده فاتفقت آراء أعيان آل الصغير على «الشيخ ناصيف لأنه أكبر أولاده وعليه سمة الشجاعة والإباء (وطلبوا من والي صيدا أسعد باشا العظم في تلك الأثناء) فأجاب الباشا طلبهم وأسند حكم البلاد إلى ناصيف بموجب صك يتعهد فيه بدفع الأموال الأميرية المرتبة على البلاد»([20]).
استشهد ناصيف النصار يوم الاثنين 5 شوال 1195/ 1780 قرب بلدة يارون في المعركة التي سميت باسم البلدة نفسها بين العامليين ووالي عكا أحمد الجزار ولنا إلى ذلك عودة.
ناصيف النصار: زعامة الأسرة
أو الطريق إلى وحدة الجبل
كان على الشيخ ناصيف النصار أن يواجه أهله الأقربين لينطلق من أرض صلبة في محاولته لتوحيد العامليين إزاء المخاطر التي تتهددهم.
وكان أكثر ما يقلقه بادئ ذي بدء الصراع الذي برز بين الشيخ قبلان والشيخ عباس. فقد أعطيت صور أول الأمر للشيخ قبلان فرفض قبولها بحجة أنها بلدة خربة لا يوجد فيها إلا مصنع للملح (ملاحة) فأعطيت للشيخ عباس. استلم عباس صور وبنى فيها داراً للحكومة لم تزل عامرة إلى اليوم وموقعها على باب المدينة وشاد فيها مسجداً وكنيسة وسوقاً ودوراً كثيرة. وأسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين من سكان جبل عامل وجبل لبنان.
وكان يصرف فيها فصل الشتاء ويصيف في قلعة مارون الواقعة في ناحية شحور بالقرب من دير دغيا. ولم يمض أربع سنين حتى غدت صور بلدة تجارية وكثر فيها الأخذ والعطاء وأمت إليها السفن الشراعية لإفراغ شحنها وابتياع حاصلات البلاد من حبوب وتبغ وقطن وزيوت([21]).
ولما رأى قبلان تقدم العمران في صور ندم على تسليمها لابن عمه الشيخ عباس ففاوضه بإعطائها له فلم يجب طلبه ووقع الخصام بينهما فحدثته نفسه بالاستيلاء عليها قسراً.
اغتنم الشيخ قبلان فرصة غياب الشيخ عباس وولده حسين عن صور في زيارة للشيخ علي الظاهر في الجش (فلسطين) فهاجم صور ونهب دورها ومتاجرها حتى حُلي النساء واسر الشيخ حمزة شقيق الشيخ عباس وسار به إلى هونين.
وصل الخبر إلى الشيخ عباس فأسرع بخيله ليقطع على المهاجمين الطريق والتقاهم في وادي الحجير وتمكن من إلحاق هزيمة قاسية بالشيخ قبلان واقتاده أسيراً إلى قلعة مارون حيث أبقاه عدة أشهر إلى أن تدخل الشيخ ناصيف.
أدمت هذه الأحداث قلب الشيخ ناصيف وهذا واضح في موقفه من أخوة الشيخ قبلان الذين جاؤوا يطلبون شفاعته لإنقاذ أخيهم فرد طلبهم بادئ الأمر وقال لهم: لقد هتكتم ستر العشيرة باعتدائكم الشائن»([22]) ولكنه أجاب طلبهم وركب في شرذمة من رجاله وسار قاصداً قلعة مارون فلقيه الشيخ عباس بالحفاوة والترحيب.
«وصل ناصيف تواً إلى باب القلعة فهب الشيخ عباس لاستقباله ولكن ناصيف وقبل أن ينزل عن جواده قال لعباس: هل جازت يا ابن العم؟ فأجاب عباس: نعم جازت على ما تختار وتريد عدا عمنا الشيخ قبلان. فقال ناصيف: إياه أردت ولسنا بحاجة إلى طعامك وشرابك ولوى عنان جواده يريد الرجوع وتبعته الخيل. فلحقه عباس وقبض على عنان الجواد وقال نعم نعم جازت على القلعة ومن فيها حتى قبلان. وعقد الشيخ ناصيف راية الصلح بيده ولفظ عليها العبارة المأثورة التي يقولها عاقد الراية وهي: «يا أهل المعونة من مكة والمدينة ليعلم الحاضر والغائب والغادي والبادي أن الراية عقدت بين فلان وفلان بكفالة الزعيم فلان».
وكان الشيخ ناصيف يعرف أن إعادة الأموال المسلوبة غير ممكن وكان من العدل بحيث يعرف أن تركها أمر غير مستحب فقدر الخسائر تقديراً ممكن التنفيذ وكفل ذلك المبلغ بنفسه وانطلق إلى مركزه في قلعة تبنين.
وعندما وصل إلى كفردونين فكر بما حدث وكان يخشى من نكث الشيخ قبلان لالتزاماته، لذلك أمر ولده عقيلاً بالرجوع إلى قلعة مارون وقال له قل لعمك عباس إن والدي أمرني أن أبقى رهينة عندك في القلعة حتى يفي قبلان بما عليه.
رجع عقيل إلى قلعة مارون وأبلغ عمه عباس رسالة والده فأجابه عباس قائلاً: أو حسبني أبوك خالي المروءة حتى بعثك وأنت فلذة كبده رهينة عندي من أجل دريهمات. وأمر كاتبه بإحضار السندات الأربع فمزقها وألقاها في النار وقال لعقيل بعد أن أهداه جواداً عربياً مسروجاً بسرج محلى بالذهب والفضة: عد لأبيك وأخبره بما رأيت وقد سامحت قبلان بهذا المال إكراماً له وسأعوض على أصحابها من مالي الخاص.
وعاد عقيل ومعه خادماه ووراءهما الحصان يقوده سائسه فلحق بأبيه عند «عين المزراب» قرب تبنين فأخبره بما وقع فترنح سروراً وطرباً وأنشد متحمساً قول أبي فراس:
أنا إذا اشتد الزمان
وناب خطب وادلهم
ألفيت حول بيوتنا
عدد الشجاعة والكرم
للقا العدى بيض السيوف
وللندى حمر النعم
هذا وهذا دأبنا
يودى دم ويراق دم([23])
كانت هذه الحادثة منطلقاً لتسليم أفراد الأسرة تسليماً شبه مطلق بزعامة الشيخ ناصيف الذي ما لبث أن التزم ميناء صور من والي صيدا وأصبح هذا الميناء خاصاً بالعامليين ومهماً بالنسبة لتجارة الشيخ ناصيف الذي كان «يتعاطى التجارة والحرب في وقت واحد والذي كان مخيفاً كتاجر كما كان مخيفاً كجندي …» ([24]).
وما إن أحكم الشيخ ناصيف سيطرته على أسرته وعشيرته حتى ضعفت في وجهه مقاومة سائر الأسر العاملية. ويبدو أنه تمكن من إرضاء آل صعب بالمصاهرة وأخضع آل منكر.
والثابت أنه بعد 1180/ 1766 لم يظهر أي صراع عائلي في الجبل، وبعد سنة 1765 أي صدام عشائري بدليل أن العامليين ظهروا متفقين في اتصالاتهم الودية مع الدروز 1179/ 1765. فقد ذكر الركيني أنه في شهر رجب المبارك صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والشيخ عباس وعلي فارس والأمير إسماعيل والشيخ علي جنبلاط في حاصبيا([25]).
ويضيف الشيخ عبد المحسن الظاهر في حديثه عن هذا الاجتماع قائلاً: إن الشيخ علي جنبلاط لما لم ير أحداً من أصدقائه من آل منكر طلب إلى ناصيف أن يرسل إلى ممثلهم الشيخ حسن المنكري أن يكون في الاجتماع. فحضر وقرروا قواعد الاتفاق والمعاهدة على عدم الاعتداء والغدر ببعضهم (أي العامليين والدروز) ([26]).
بعد إنجاز وحدة العامليين كان على ناصيف أن يحمي ما حققه من إنجازات وأن يواجه أطماع جيرانه بجبل عامل سواء من الشمال أو من الجنوب وهكذا تبدأ حكايته مع ظاهر العمر.
ناصيف النصار وظاهر العمر
ما إن استتب الأمر للشيخ ناصيف النصار في حكم جبل عامل حتى بدأت التهديدات الخارجية للعامليين تطل برأسها من جديد.
ولكنها كانت هذه المرة من فلسطين ومن ظاهر العمر على وجه التحديد. فقد ظن هذا الأخير أن حروب العامليين مع الأمراء الشهابيين قد أرهقتهم فلا بأس أن يجرب حظه معهم.
ولم يكن ظاهر العمر هذا شخصية عادية في عصره بل كان على ما يبدو رجلاً عصامياً وبطلاً من أبطال الشرق عظيم الهمة، شديد البأس واسع الحيلة حكيم التدبير علوي النسب([27]).
يقول عنه الرحالة الفرنسي فولني إنه مضى زمن طويل على سوريا لم تر رجلاً مثله وكانت أطماعه فوق قدرته. وكانت العدالة ضاربة أطنابها في بلاده لا فارق عنده في شمولها أهل المذاهب المختلفة.
ولد ظاهر العمر سنة 1686 وقتل سنة 1776 أي قبل أربع سنوات من استشهاد الشيخ ناصيف وقد تولى حكومة صفد وطبريا وما يليها بعد أبيه الشيخ عمر بن أبي زيدان.
وكانت عكا من ملحقات صفد وكانت أشبه ما تكون بقرية حقيرة غير عامرة. ولما استولى عليها ظاهر العمر 1163/ 1749 بنى أبراجها وشيد حصونها المنيعة وملأها بالمدافع والذخائر وعززها بالسلاح وأحاطها بسور متين. ولم يترك لها إلا بابين. وازدحم الناس فيها من أنحاء سوريا وقبرص مهاجرين إليها وفيهم المسلم والمسيحي وكان يرعاهم بعنايته ويهتم بشؤونهم. ويتساهل بأمور عقائدهم مما لم يكن مألوفاً في ذلك العصر:
استمر نجمه بالصعود وأحكم سيطرته على أجزاء من فلسطين وسوريا بعد أن تمكن من إخضاع البدو سواء بالقوة أو بالمصاهرة.
وفي سنة 1768 منحته الدولة العثمانية لقب شيخ عكا. وأمير الأمراء وحاكم الناصرة وطبريا وصفد وسائر الجليل وفي سنة 1188/ 1774 ورد الفرمان السلطاني بإحالة ولاية صيدا لعهدته([28]).
وما إن شعر الشيخ ظاهر العمر بتزايد قوته حتى حوّل وجهه إلى جبل عامل يريد أن يبسط سلطته عليه. «غير أن جبل عامل في ذاك الوقت كان أمنع من عقاب الجو»([29]).
تحرش ظاهر العمر بناصيف النصار عميد عشائر جبل عامل «وناهيك بناصيف النصار بطلاً مغواراً وقائداً محنكاً جمع إلى الشجاعة والنخوة سخاء الكف وحسن التدبير والغيرة القومية والمروءة المحضة».
اتخذ الشيخ ناصيف من قلعة تبنين مقراً لحكومته وكانت عامرة بأبراجها الشامخة وحصونها المنيعة. وجدد بناء الحصون وشحنها بالمقاتلة والسلاح وبسط العدل فارتاح له العامليون وأخلصوا له الولاء.
في العام 1766 تفجر الخلاف بين الشيخ ناصيف وابن عمه الشيخ قبلان الذي سبق للشيخ ناصيف أن أنقذه من الأسر فظن ظاهر العمر أن الفرصة مؤاتية له ليسفر عن أطماعه بالأرض العاملية. فكتب إلى العميد الوائلي يطلب إليه أن يتخلى عن قريتي البصة ومارون بدعوى أنهما تابعتان لفلسطين.
فرد الشيخ ناصيف رسول ظاهر العمر رداً عنيفاً: «وأرسل له الجواب بالرفض وأغلظ له القول ومن جملة ذلك قال له: لا تظن إنا نظير سوانا، فوالله إنا عندنا مقابل سيفك سيوف أحدّ منه، وبإزاء كيدك مكائد كثيرة. فالأولى بك أن تدعنا غافلين عنك باعتدائك على جيراننا. والآن والله العظيم إنك تندم لأننا نحن طالما بغي علينا فانتصفنا من الباغي. وعاهدنا فقمنا بعهدنا. وكنّا من أعظم أنصار أصحابك فدونك الآمرين. وأنت ورأيك ونحن نرى فيما يبدو منك والسلام».
ولما وصل هذا الجواب إلى الشيخ ظاهر العمر طار صوابه وأعلن النفير العام وطرد عمال الشيخ ناصيف من القريتين ونهض لاجتياح بلاد عاملة.
لم يكن الشيخ ناصيف أقل استعداداً للقاء. فلاقت خيوله ظاهر العمر عند الحدود. ونشبت بين الفريقين عدة معارك أشهرها معركة دولاب ـ طربيخا 1181/ 1767.
وفي هذه المعركة أكره ظاهر العمر على التراجع فانقض عليه ناصيف ومكن الرمح من صدره ثم عفا عنه واكتفى بسلبه فرسه المعروفة «بالبريصة» التي قال فيها ناصيف كلمته المشهورة ـ والتي ذهبت مثلاً ـ بعد أن استعاد البصة وأعاد البريصة لظاهر: لا بأس إن أعدنا البريصة بعد أن عادت البصيصة (تصغير بصة). وقد أثارت هذه المعركة قرائح العديد من الشعراء العامليين. من أبرز هؤلاء الشيخ ابراهيم الحاريصي الذي أرسل قصيدة طويلة للشيخ عبد الحليم النابلسي وكانت بينهما فاخرات ومراسلات أدبية.
ومن أبرز ما جاء في هذه القصيدة قوله:
يا للرجال لمحنة لا يرتجى
غير ابن نصار يحل عقالها
ناصيف من يحمي الثغور ومن به
أبدت سماء المكرمات هلالها
بطل له ألقى الزمان قياده
لو طاولته الشامخات لطالها
ويد مقبلة البنان كريمة
مدت على المستضعفين ظلالها([30])
والمساجلات بين هذين الشاعرين واردة بتمامها في أعيان الشيعة «في ترجمة الشاعر العاملي الشيخ إبراهيم الحاريصي».
أسقط في يد ظاهر العمر ورأى نفسه أمام قيادة جديدة في جبل عامل عليه أن يبدل أسلوبه في التعامل معها. وفي هذا الوقت حصل حادث مريب وملفت للنظر في آن معاً. وذلك أن أحمد آغا الدنكزلي وهو رجل مغربي كان في خدمة ظاهر تسلل خفية وهاجم قلعة تبنين على حين غرة من الحامية القليلة الباقية فيها.
تمكن الدنكزلي في هذه العملية من القبض على ولدين صغيرين في سن المراهقة من أبناء الشيخ ناصيف وفر بهما إلى عكا.
ومن غير الواضح من خلال المصادر التي بين أيدينا إذا كانت هذه العملية تمت بناء لأوامر صادرة عن ظاهر العمر أم أنها تمت بمبادرة شخصية من الدنكزلي هذا. ولكن الثابت أن هذه العملية جعلت ظاهر العمر في موقع أقوى للحصول على معاهدة سلام بشروط مناسبة ولا سيما أنه كان راجح العقل: فقد احتفى احتفاء تاماً بابني ناصيف وأنزلهما مكرمين معززين في جناح خاص من قصره.
وكتب ابنا ناصيف إلى والدهما يصفان ما لقياه من إكرام ظاهر العمر ومروءته. ومع ذلك طلبا إليه تجهيز حملة لتخليصهما من الأسر. فأرسل إليهما كتاباً يعاهدهما على ذلك ويتوعد ظاهر العمر ويتهدده. فأعادا الكتاب إلى والدهما بعد أن كتبا عليه:
كتب الزمان عجائباً
في جبهة الأيام سطرا
هلا سمعتم أو رأيتم
أن نهراً صدّ بحرا
وكان ظاهر واقفاً على هذه المراسلات فدعا بالغلامين وسرحهما إلى أبيهما مكرمين بعد أن أهداهما جوادين من خيرة خيوله.
ثم توسط الأمر بين العميدين الشيخ سعد أخو ظاهر العمر فتصالحا وتصافيا وعقدا محالفة هجوم ودفاع وقعت في عكا يوم الجمعة الواقع في اليوم الثامن من رجب 1181/ 1767 وحلفا اليمين على السيف والمصحف أن يكونا وشعباهما متصافيين متضامنين ما دامت الأرض والسماء وأعيدت البصة ومارون إلى ناصيف وبنى بالقرب من الأولى خاناً يعرف للآن بخان ناصيف([31]) ويذكر الصباغ بعضاً من تفاصيل المعاهدة إضافة إلى عودة القريتين (البصة ومارون) إلى ناصيف فيقول: إنه لا يكون للباشا شان مع جميع المتاولة في دفع مال الميري وعلى أن يساعدهم ظاهر على كل من ناوأهم كما عليهم أن يساعدوه على من يهاجمه أي تحالفوا معه محالفة هجومية دفاعية. وعقد الصلح بين الطرفين على ذلك. وأسقط ظاهر لناصيف من مال الميري المقرر على بلاد بشارة الربع.
وجدد له ناصيف اليمين على السيف والمصحف وأن يكون هو وقومه معه يداً واحدة ففرح المتاولة بذلك لأن الباشا كان يكرههم للدين ويعدهم من الروافض([32]).
وبدأ الرجلان معاً مسيرة صعبة في مواجهة الأعداء المشتركين وقد كانا بأمس الحاجة إلى هذا التحالف لأسباب داخلية وخارجية على حد سواء.
ناصيف النصار والثورة على العثمانيين
معركة الحولة ـ البحرة
كان لتحالف الشيخ ناصيف مع ظاهر العمر أبلغ الأثر في تقوية وضعه الداخلي والخارجي على حد سواء وقد وصف أحد مؤرخي هذه الفترة الوضع في جبل عامل في 1183/ 1769 بما نصه: «كان أكبر مشايخ بني متوال وأقواهم في المال والرجال الشيخ ناصيف النصار وكان تحت يده حصون وقلع وبلدان وضيع يركبون فداوية وفرسان وأبطال شجعان وقد راق لهم الزمان وتملكوا في تلك البلدان وهجعت عنهم حكام الدروز واستكنت ورقت حالهم واطمأنت»([33]).
وكانت ظروف الدولة العثمانية تسمح بازدياد تطلعات الشيخ ناصيف الاستقلالية: إذ كانت في هذه الأثناء واقعة في مرض الضعف الطبيعي الذي لا ينفع معه دواء ولا له شفاء وذلك أن السلطان كان يقيم بسرايه ويترك الحكم لوزرائه ونسائه وخدامه([34]) فكان من الطبيعي أن تصبح هذه الدولة عرضة لمطامع جيرانها خارجياً وعمالها داخلياً.
وكانت روسيا في مقدمة الدول الطامعة بأملاك الدولة العثمانية. وهكذا أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وأصبح على الأستانة أن تواجه الخطر الداهم من الشمال دون أن توفق.
ثم ما لبثت روسيا أن طورت أساليب هجومها وأخذ أسطولها يضرب موانئ الدولة العثمانية في شرق البحر المتوسط كما أخذت تغري بعض عمال الدولة بالثورة عليها من مثل علي بك الكبير في مصر 1768([35]).
وكان ظاهر العمر قد اشتد أزره بمحالفته لزعماء الشيعة واعتز جانب الشيعيين وطمحت نفوس الفريقين للاستقلال الناجز فخلعوا نير السلطنة التركية وأبوا دفع الضرائب([36]). وأفلت الزمام من يد السلطان وأطلق الولاة لأنفسهم العنان فعمت الرشوة وانتشر الفساد في الحكم فثارت سوريا كلها تقريباً على الدولة العثمانية([37]).
خافت الدولة العثمانية مغبة التحالف بين ظاهر العمر وناصيف النصار خاصة وأن هذا التحالف كان مسبوقاً بتحالف بين ظاهر العمر وعلي بك الكبير حاكم مصر فانتدبت عثمان باشا الصادق والي الشام يعاونه والي صيدا على رأس ثلاثين ألف مقاتل لإخضاع جبل عامل وبلاد فلسطين وهدم سلطة المتاولة وظاهر العمر.
وهنا يختلط التاريخ بالأسطورة والوقائع العسكرية بالعقائد الإيمانية. فقد أجمعت المصادر على الإشادة ببطولة العامليين في المواجهة التي حصلت مع جيش السلطنة. وبالفعل «فقد عسكر الشيخ ناصيف بجنوده في جوار النبي يوشع الواقع في الشرق الجنوبي من جبل عامل. وعقد مشايخ الشيعة ديوان مشورة ورتبوا خطة بالهجوم. وتضرعوا إلى الله أن ينصرهم على العدو الباغي.
وكان مقام النبي يوشع بناية حقيرة فقطع الشيخ ناصيف عهداً على نفسه أن يبني المقام بناء فخماً إذا ظفر بالعدو. ثم كنس المقام بعمامته تواضعاً وتبركاً. ولما أحرز النصر بناه كما وعد ورفع فوق الضريح قبة شامخة وفي هذا يقول الشيخ إبراهيم يحيى العاملي في قصيدة أوردها صاحب أعيان الشيعة:
مقام شريف أطلع اليوم شمسه
خليفة نصار المؤيد بالنصر
فلذ بحماه طالباً للذي بنى
من الله طول العمر مع وافر الأجر
وقل عند إهداء السلام مؤرخاً
عليك سلام الله يا ثاوي القبر
وانتدب ناصيف النصار فرقة من أبسل جنوده وأوفرها شجاعةً لا تزيد عن خمسمائة فارس فبيتت للعدو وزحفت إليه ليلاً فأحاطت به من جهات ثلاث وأعملت فيه السيف ولم ينج من القتل إلا من ألقى نفسه في البحيرة ولم يقتل من المهاجمين جندي واحد. وفر الوالي عثمان باشا منهزماً لا يلوي على شيء([38]).
وينقل محمد جابر آل صفا عن أستاذه السيد محمد علي إبراهيم الحسيني نادرة لطيفة حدثت خلال هذه المعركة «تدل على ما لسلامة الاعتقاد من التأثير» وهي أنه لما بدأ ناصيف بالزحف برجاله ليلاً بعد الصلاة والدعاء شاهدوا ظبياً يقفز أمامهم بين تلك الروابي وخلفه رجل معمم ينشد أبياتاً أولها:
أيحل لساكنة العلم
تفتي في الحب بسفك دمي
وسرى الخبر بين المهاجمين ونشطهم رؤساؤهم أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءهم ببركة النبي يوشع وأن روحه الشريفة تجسدت هذا الغزال اللطيف وأن الفوز بجانبهم وكان ما أملوا».
كما ينقل المؤرخ نفسه عن الأمير حيدر الشهابي أنه كتب في تاريخه: إن أبطال المتاولة بعد تلك الكسرة الهائلة شهدوا درويش باشا والي صيدا وهو ابن عثمان باشا والي الشام فخاف على نفسه وكان جباناً ففر منها([39]).
وفي معركة البحيرة نظم شعراء جبل عامل قصائد وزجليات نكتفي بذكر أبيات من قصيدة للشيخ إبراهيم الحاريصي:
أكرم بالخيل إذا وفدت
إذ ذاك بناصيف البطل
بحر يحبوك بلجته
والبحر ضنين بالوشل
سل يوم البحرة ما فعلت
كفاه بفرسان الدول
وقد أجمع المؤرخون العامليون على اعتبار هذه المعركة معركة عاملية خالصة. واستند هؤلاء في ذلك إلى مؤشرات عدة أبرزها أن عثمان باشا كان يقصد بحملته بلاد المتاولة لأنه عندما اجتاز بعساكره جسر بنات يعقوب جنوب الحولة لم ينحرف بهم نحو بلاد ظاهر العمر في صفد وطبريا بل انحرف بالعسكر إلى شمال الجسر حيث نزل بهم على حدود بلاد المتاولة بين بحيرة الحولة وبين الجبال العاملية المطلة على البحرة وما حولها من سهل الخيط وسهل الخالصة.
يضاف إلى هذا أن العامليين جميعاً هم وحدهم الذين واجهوا جيش الوالي العثماني فقد اشترك في هذه المعركة الشيخ حمزة المحمد والشيخ حمد العباس والشيخ علي الفارس الصعبي تحت قيادة ناصيف النصار([40]).
وقد ترتب على هذه المعركة نتائج مهمة. فقد كان انتصار العامليين البارز عاملاً حاسماً في ازدياد ثقتهم بأنفسهم وأصبحوا يتطلعون إلى أبعد من الدفاع عن أنفسهم بل أخذوا بالتوجه نحو صيدا لتحريرها من نير الوالي العثماني.
وبالفعل فإن درويش باشا والي صيدا هرب إلى الشام بعد هزيمة والده في الحولة([41]).
أما النتيجة الثانية لهذه المعركة فهي اندلاع الصراع في مصر بين علي بك وأبي الذهب الذي ادعى أنه تراجع عن دمشق بسبب تخاذل ظاهر وناصيف في القتال. فجاءت نتائج هذه المعركة لتفضح تآمر أبي الذهب وأرسل علي بك حملة للقضاء عليه.
وأخيراً كان من أهم نتائج هذه المعركة فيما يخص جبل عامل زيادة خوف الدولة العثمانية من هذه الزعامات القادرة القوية فزادت من ضغوطها على الأمير يوسف الشهابي لقتال العامليين. فكانت معركة كفر رمان بينه وبين العامليين بعد خمسين يوماً من معركة الحولة.
معركة كفر رمان([42])
تعامل بعض المؤرخين العامليين مع معركة كفر رمان وكأنها معركة مستقلة بذاتها غير مرتبطة بعركة الحولة ـ البحرة التي سبقتها ولا بالنتائج التي أسفرت عنها تلك المعركة.
وذهب بعض هؤلاء إلى أن سبب المعركة الحقيقي أن مكاريين من قرية كفر رمان مرا بعنب لهما بقرية نيحا الشوف فاعتدى عليهما بين الكروم بعض أهالي نيحا وسلبوهما وضربوهما ضرباً أليماً قضى على حياتهما. فشكا أهل القتيلين أمرهما إلى الشيخ علي بن أحمد الفارس عميد آل صعب وحاكم المقاطعة وكان مقيماً في قلعة الشقيف. فكتب إلى الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان يومئذ يطلب منه إرسال المعتدين لمحاكمتهم وذكر له أسماءهم. فكتب إليه الشهابي بعدم إمكانية القبض على الجناة وعرض عليه دية القتيلين توزع على أهالي نيحا. وأصر الصعبي على طلبه وكتب للأمير يوسف كتاباً شديد اللهجة قائلاً: إن الشيعة لم تعتد بيع دماء أبنائها بمال ونحن نعرف كيف نثأر لبني قومنا. واقتحم بعض الشيعيين قرية نيحا فقتلوا أربعة من أهلها بين الكروم في المكان الذي ضرب فيه الرجلان الشيعيان.
«واتصل الأمر بالأمير يوسف فاحتدم غيظاً وكان الحقد يغلي في صدره لارتفاع شأن الشيعة واستفحال أمرهم وتطاولهم على أطراف الشوف ووادي التيم وإنذاره لدرويش باشا والي صيدا منذ انتصارهم في معركة البحرة وهزيمة عثمان باشا التي تلكأ الأمير يوسف عن نصرته فيها. فزحف الأمير يوسف لاكتساح جبل عامل بجيش كثيف يزيد على أربعين ألف مقاتل مؤلف من طوائف شتى كما ثبت من تقارير القناصل. ولما دخلوا البلاد من جهة صيدا بدؤوا يحرقون القرى ويدمرون المزارع ويقطعون الأشجار ويقتلون من يقع في أيديهم من السكان الآمنين ولا يعفون عن شيوخ ولا صبية ولا نساء([43]).
والواقع أن هذه الحادثة على أهميتها لم تكن سبب الحرب بقدر ما كانت شرارتها الأولى. إذ من الثابت أن ناصيف النصار وحليفه ظاهر العمر قد اتفقا على خلع نير الدولة العثمانية عن كاهلهما. وقد كان لانتصار الشيخ ناصيف في معركة الحولة أكبر الأثر في دفع عثمان باشا والي دمشق للأمير يوسف الشهابي لقتال الشيخ ناصيف النصار. يضاف إلى ذلك أن ناصيفاً نبذ طاعة درويش باشا والي صيدا بعد معركة الحولة وأرسل يهدده طالباً إليه ترك المدينة «فراعه قرب المتاولة منه وفر لدمشق»([44]) لهذه الأسباب، أرسل عثمان باشا ينخي الأمير يوسف على بني متوال»([45]).
ومن ناحية أخرى فقد كان الأمير يوسف نفسه يرغب في قتال المتاولة الذين أظهروا الشحناء للأمير بسبب توليه مكان عمه الأمير منصور لأنهم كانوا يميلون إليه. وكان أكثرهم هياجاً الصغيرية والصعبية([46]).
وإذا كانت الأمور مرهونة بنتائجها فإن هذه المعركة تبدو وكأنها جزء من خطة مسبقة لتحرير صيدا من النير العثماني من قبل الشيخ ناصيف كما يبدو أن الأمير يوسف كان في حملته في موقع الهجوم الدفاعي.
لهذه الأسباب جميعاً كان لا بد لمعركة كفر رمان أن تقع وكان مقتل «المكاريين» شرارتها الأولى. وكما سبق وأشرنا هجم الأمير يوسف متبعاً في هجومه سياسة «الأرض المحروقة» «وكتب الشيخ علي الفارس إلى الشيخ ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل يبسط له القضية ويسنجده للدفاع عن البلاد وحماية الطائفة. فهب ناصيف للنجدة وأرسل (الصوات) لجمع الجنود وكتب إلى حليفه الشيخ ظاهر العمر الزيداني صاحب فلسطين يطلب النجدة … كان جيش الأمير يوسف يسير في أربع فرق: الفرقة الأولى وهي المقدمة وفيها الأمير يوسف في أول الجيش. الفرقة الثانية وهي الجناح الأيمن كانت تسير في طريق جباع ـ حومين حبوش ـ النبطية. الفرقة الثالثة وهي الجناح الأيسر كانت تسير في طريق العرقوب ـ الميذنة ـ الجرمق ـ كفرتبنيت ـ النبطية.
وأخيراً الفرقة الرابعة وهي القلب كانت تسير في طريق جرجوع ـ عربصاليم ـ النبطية.
وكانت قوى الشيخ علي الفارس وأخيه الشيخ حيدر الفارس تعسكر في الضاحية الشرقية الشمالية من النبطية في أرض تسمى (قلادش) ودعيت بعد المعركة «عريض القهوة» لأن جيش الشيعة شرب فيها قهوة النصر والظفر.
قاوم الصعبيون جحافل الأمير يوسف مقاومة شرسة وكان جيش الشيخ ناصيف المؤلف من ثلاثة آلاف مقاتل يتجه نحو النبطية من طريق زبدين ودخل البلدة من الجهة الغربية ليدهم مقدمة الجيش المخيمة غربي البلدة وسار بخيله إلى ساحة العراك وهجم هجوم المستميت ولم يلبث العدو أن لوى عنانه متقهقراً إلى كفر رمان.
لم يثبت في وجه الشيخ ناصيف سوى بعض الفرق بقيادة المشايخ النكديين وهجم الشيعيون بالسلاح الأبيض فانهزم الجيش كله انهزاماً تاماً يصعدون في جبل العرقوب وروابي سجد المطلة على سهل الميذنة وعقبة جرجوع وحراب الشيعة تعمل في أقفيتهم …. ويقول المؤرخ العاملي الشيخ علي رضا إن الشيخ ناصيف النصار تعقب بنفسه الأمير يوسف الشهابي فأدركه في عقبة جرجوع فقنع رأسه بالرمح وأنزله عن ظهر بغلته على الأرض وألبسه الفرو مقلوباً وقال له عفوت عنك رأفة بشبابك واحتراماً لأسرتك وأنا ابن نصار! فأجابه الأمير يوسف: «قدها أولاد أم علي». أي أنكم أهل للعفو. و«أولاد أم علي لقب يطلق على الشيعة وكانوا يفخرون به»([47]).
وقد اختلف المؤرخون في تقدير عدد القتلى فذكر بعضهم أنه حوالي ألف وخمسماية قتيل([48]). أما مؤرخو جبل عامل فذكروا أن جيش الأمير يوسف ترك في ساحة المعركة ما يزيد على ثلاثة آلاف قتيل([49]).
وكما اختلفوا في تقدير عدد القتلى اختلفوا في الأسباب التي أدت إلى هزيمة الأمير يوسف على الرغم من تفوق جيشه من الناحية العددية تفوقاً لا يقبل الشك. فأشار البعض إلى أن جماعة الشيخ علي جنبلاط خذلوا الأمير يوسف مع بدء المعركة «ولما انفصلوا عن العسكر تقلقلت الصفوف»([50]). وكذلك فعل الشيخ عبد السلام العماد «الذي راسل المتاولة سراً» أن يقدموا على الأمير يوسف وأنه متى وقعت الواقعة ينكسر قدامهم فيتبعه العسكر وهكذا كان.
أما إدوار لاكروا فيذكر أن طليعة جيش الأمير يوسف كانت تنحدر بسرعة في أكمة فإذا بها أمام خمسمائة أو ستمائة خيال متوالياً لأن المتاولة احتدموا غيظاً لنهب قراهم فحملوا على الدروز حملة شعواء فارتدت طليعة جيش الأمير يوسف تتسلق الأكمة التي نزلت منها والحراب تعمل في أقفيتها.
ولما وصلت إلى القمة التقت بالجيش (جيش الأمير) وهكذا رآها تصل بكل سرعة فظنها العدو … بدأ هو بالركض فكان الانكسار هائلاً([51]).
ويبدو أن التعبئة العاملية لهذه المعركة كانت عامة وشاملة فقد ساهمت المرأة العاملية فيها بشكل أو بآخر، فقد كانت الفتيات تمد عسكر الشيعة بالماء والزاد وتسير زرافات من فرقة إلى فرقة تثير نخوة المقاتلة وحميتهم بالزغاريد والأغاني الحماسية كقولهن:
«وين راحوا أولاد أم علي، وين سياج العذارى، وين بني متوال يا عز الرجال»([52]).
وكذلك ألهمت هذه المعركة عدداً كبيراً من الشعراء والزجالين قصائد طويلة ومن أبرز من أشار إلى هذه المعركة الزجال الفلسطيني «شناعة بن مريح» من شعراء ظاهر العمر:
وين مير الشوف يوسف يوم صال
من عرب صالين على الوادي نزل
في عساكر عدها تسعون ألف
أو تزيد عداد خوفاً أن نزل
قادها من حمص لديرة حما
لقرايا الشام صواتوا وصل
من أرض بيروت للشوف العريض
من بلاد جبيل كم فارس وصل …
وانتخى علي لناصيف يقول
إن هذا الأمر ما عاد ينهمل
ما يخش المير ديرتنا حرام
لو نبت من فوق راياته نخل
لبني متوال ظهر العاديات
من متون الخيل يمضون الصقال
قادها ناصيف كساب الثنا
وافترعها قبل أن جازت فحل
سيفهم ناصيف يا نعم العقيد
شاهراً للسيف في إيدو يفل ….
صاح مير الشوف هاتولي الحصان
عن عظم ما صار جابولو بغل
وين مير الشوف يوسف وين راح
الذي للحرب راكبلو نفل
يحسبون الحرب هي شلة حرير
ويش يجيب الحرب لغزل الشلل([53])
تحرير صيدا
بعد هزيمة الأمير يوسف في كفر رمان خاف درويش باشا والي صيدا والشيخ علي جنبلاط «فنزعا بعسكريهما وقاد الواحد حريمه والآخر جيوشه لكن الدروز قبل براحهم للمدينة نهبوها ثم جاءها رجال ظاهر بقيادة المغربي دعنزلي … فأعادوا نهبها»([54]).
وإن لم تكن هذه الإشارة تشير إلى دور العامليين في احتلال صيدا فإن المؤرخ الشهابي أوضح دورهم بقوله: إن عثمان باشا الكرجي والي الشام حين بلغه ما أظهر المتاولة من العصاوة أعرب إلى الدولة عن تملكهم صيدا([55]).
الركيني أكد بدوره اشتراكهم إذ ذكر صراحة أنه في خامس عشر رجب 1185/ 1771 وصل الشيخ ظاهر العمر والشيخ ناصيف إلى صيدا ونهبوها وأحرقوا إقليم الخروب اجمع وأمروا الغزان يقيموا فيها (أي صيدا) ([56]).
كان تحرير صيدا وطرد واليها عبارة عن مرحلة جديدة من تصعيد ظاهر وناصيف لثورتهم على الدولة العثمانية وتحدياً مباشراً لها.
ولما كانت الدولة منشغلة في حربها مع روسيا لم تستطع أن تعالج أمرها بقواتها الرسمية لذلك فإنها أوعزت إلى الأمير يوسف القيام بهذه المهمة وحضر منها «خط شريف إلى الأمير يوسف في القيام إلى الشيخ ظاهر العمر والمتاولة … وأن تكون ميري مدينة بيروت ومال ميري الجبل تلك السنة له خرج عسكر»([57]).
وعلم الثوار بهذا الأمر فسار ظاهر بعسكره وجرد ناصيف ومعه مشايخ جبل عامل والتقوا جميعاً في رأس العين في 6 شعبان 1185/ 1771 وفي هذه الأثناء توفي عثمان باشا صادق وخلفه محمد باشا العظم في دمشق فقعد الأمير عن القتال وتراجع ظاهر وناصيف. ثم أرسل عثمان باشا المصري الدالي خليل والجزار ومعهم ألف خيال ومدافع والتقاهم الأمير إلى «عين السوق» وحاصروا صيدا بنحو 20 ألفاً.
وفي هذه الأثناء كان أبو الذهب يحسم نزاعه مع علي بك الكبير في مصر لصالحه فوصل علي بك عند ظاهر العمر ومن ثم طلبا المساعدة من الأسطول الروسي لفك الحصار.
واتجه الأسطول الروسي إلى صيدا بينما اتجه ظاهر ومعه ثمانماية من المماليك وألف من المغاربة من رجال علي بك الكبير إلى الحولة ثم إلى بلاد الشقيف حيث التقوا ناصيفاً وساروا بعشرة آلاف نحو صيدا.
وطلب الثوار من يوسف التراجع سلماً فرفض عندما زحفوا إلى سهل الصباغ ونظموا قواتهم فكان جناحهم الأيمن مؤلفاً من رجال ناصيف والمغاربة وكان عليهم صد الدروز وجعل الجناح الأيسر الذي بقيادة علي ابن الشيخ ظاهر العمر مقابل العقال … وكان في الوسط العثماني مئة مملوك ووراءهم علي بك والشيخ ظاهر»([58]).
وضربت السفن الروسية قنابلها فانسحب المحاصرون إلى «سهل الغازية» فضربوا عساكر المتاولة والغز في المدافع والزنبركات وراح منهم مئة قتيل وهجم الدالي خليل والجزار على المتاولة فانكسر عسكر الدروز من خلف الدولة([59]).
لأن هؤلاء لم يكن تأييدهم للأتراك عن رغبة كبيرة أو نفس طيبة كما يؤكد المؤرخ الشهابي نفسه.
وانهزم الوزراء وتبعهم الآخرون وقتل من الدروز فوق ألف وخمسمائة رجل وكان الوجه للبشارية (سكان بلاد بشارة) والشيخ ظاهر والغز أخذوا مدافع الدروز والدولة والدالي خليل وغنموا منهم غنيمة عظيمة([60]).
وهكذا انتهت المعركة لصالح الثوار بعد أن فكوا الحصار عن صيدا الذي استمر 7 أيام وبقيت صيدا في أيديهم حتى 1775 حين قتل ظاهر العمر وجاءها الجزار والياً.
عاد ظاهر وناصيف من صيدا لحصار يافا التي وقفت في وجه علي بك الكبير أثناء هروبه من مصر وفي مطلع ربيع الآخر سنة 1186/ 1772 سار الشيخ حمد العباس والشيخ أبو حمد المحمود النصار أخو ناصيف بصحبة ظاهر وعلي بك الكبير لحصار يافا ومكثوا هناك شهراً ونصف الشهر([61]). وما لبث أن بدأ العامليون يعودون إلى جبلهم لأنهم لم يكونوا معتادين الحصارات فكانوا يركبون خيولهم كل وقت ويعودون إلى منازلهم ولم يكن يرجع أحد منهم للحرب إلا بتعب شديد.
ولما أتى وقت الحصار استحال منعهم عن السفر زرافات. لذلك لم يكن الجيش على أتمه قط. بل كان يتناقص إلى ثلاثة أرباعه وطوراً إلى نصفه … أما المماليك فكانوا بلا فائدة تقريباً([62]).
واستمر الحصار أربعين يوماً سقطت بعده يافا في شباط 1772 في قبضة ظاهر بمؤازرة المراكب الروسية. أما علي بك الكبير فقد عاوده حلمه بالعودة إلى مصر فاتجه إليها من يافا بثلاثة آلاف رجل لكن نهايته كانت في هذه الحملة إذ قتله أبو الذهب في معركة الصالحية قرب القاهرة([63]).
ولعل فيما ذكر من تفاصيل حصار يافا ما يلقي ضوءاً جديداً على دور ناصيف وقواته في أحداث تلك الفترة. فعندما كان العامليون يتركون الحصار أحياناً ويعودون إلى بلدهم كان يتناقص الجيش إلى ثلاثة أرباعه وأحياناً إلى نصفه وفي هذا دليل على أن قوة ناصيف كانت دائماً تعادل قوة ظاهر. كما أن في استمرار الحصار بدون العامليين أربعين يوماً يعطي صورة عن مدى فعالية العامليين في المعارك الأخرى التي لم ينسحبوا منها.
ناصيف النصار وأحمد باشا الجزار
على الرغم من صدور فرمان سلطاني بالعفو عن ظاهر وناصيف([64]) فإن الدولة العثمانية كانت تعمل على الخلاص من كل من تمرد عليها أثناء حربها مع روسيا وهكذا جاءت النهاية المأساوية لظاهر العمر حيث قتل غدراً بيد أحد جنوده أثناء محاولته الهرب واللجوء إلى جبل عامل من القوى العثمانية التي حاصرت عكا([65]). إن هذه النهاية ترسم المستقبل الصعب، الذي كان على ناصيف النصار أن يواجهه فيما بعد، لسيد جبل عامل الشيخ ناصيف في علاقته مع الطاغية القادم من الجنوب أعني بذلك أحمد باشا الجزار والي عكا الجديد.
ناصيف النصار والجزار
(مرحلة التناصر أو الائتلاف)
كانت سياسة الجزار تقوم على المبدأ الأساسي الذي يطبقه كل طامع ومستعمر وهو فرق تسد! ولم يحد الجزار عن هذه السياسة وكانت خطته تقضي بتشتت الخصوم وإثارة التنافس فيما بينهم ومساعدة الواحد منهم على الآخر تمهيداً للقضاء عليهم جميعاً.
لذلك قد لا نعجب إذا كانت الظروف قد أجبرت الشيخ ناصيف على أن يكون حليفاً للجزار على الأقل في المرحلة الأولى من حكم هذا الطاغية.
ومما لا شك فيه أن هناك عوامل عديدة دفعت الجزار إلى ممالأة الشيخ ناصيف في بداية الأمر فقد عملت الغزوات المتكررة التي تعرض لها جبل عامل على جعل العامليين يهتمون بتحصين جبلهم للوقوف في وجه الطغاة. من هنا كان اهتمامهم بتحصين القلاع وتمتين الحصون كالشقيف وميس وهونين وتبنين ومارون ودوبيه … وكانت هذه القلاع تستدعي قوة عسكرية كبيرة لاحتلالها وهذا ما لم يكن متوفراً للجزار في بداية عهده على الأقل.
يضاف إلى هذا طبيعة نظام الحكم الذي كان أقامه ناصيف النصار في جبل عامل والذي كان يعتمد على شكل من أشكال اللامركزية السياسية خلافاً لما كان عليه الأمر في جبل لبنان. ففي جبل لبنان كانت دير القمر تشكل العاصمة المركزية حتى إذا سقطت هذه العاصمة سيطر الفاتح على كل جبل لبنان. أما في جبل عامل فإن السلطة السياسية كانت موزعة على عدد من المراكز أبرزها تبنين، جبع، هونين، الشقيف وسواها من المراكز المهمة. وكان هذا التوزيع يعيق عملية اجتياح الجبل.
وربما كان السبب الأبرز أن مبادرة الثوار على الدولة العثمانية كانت من قبل ظاهر العمر وعلي بك الكبير وأن ناصيفاً رأى فيها فرصة مناسبة فشارك فيها.
لم يكن بإمكان ناصيف النصار التفلت من سياسة الجزار الجديدة.
ولكن بالمقابل لم يستطع الجزار إيقاعه مبكراً في حبائله. شأنه مع الأمير يوسف الشهابي وأولاد ظاهر العمر لأن ركيزة ناصيف في جبل عامل ومتانة وضعه العسكري والسياسي جعله يصمد فترة قصيرة بالقياس الزمني وطويلة بالمقياس السياسي أمام خطة الجزار. فكانت العلاقات تنقلب لفترة في المواقف المتدرجة في حدتها من الائتلاف إلى الفتور فالاختلاف والتصادم الذي يقود إلى الاستشهاد.
ومن يدرس طبيعة الأوضاع في تلك المرحلة يلاحظ أن الجزار لم يؤخر صدامه مع الشيخ ناصيف إلا لأنه كان مضطراً أو مكرهاً على ذلك بسبب القوة الذاتية التي امتلكها ناصيف النصار.
فأطراف التجمع العاملي كانوا وحدة متماسكة وقد زاد من تماسكهم تحسبهم لأحداث ستطرأ على المنطقة من قبل الجزار.
كما كان لحكمة الشيخ ناصيف أكبر الأثر في الحرص على تماسك هذه الوحدة حفاظاً على إبقاء الجبل خارج دائرة أطماع الجزار أطول مدة ممكنة.
وليس أدل على قوة ناصيف من محاولة بعض الأمراء الشهابيين ومشايخ الشوف اللجوء إليه خلال نزاعهم مع الأمير يوسف الشهابي. ففي سنة 1776 كان حسن باشا ـ قائد الحملة التي قضت على ظاهر العمر ـ والجزار من بعده يلح بمطالبة الأمير يوسف عما تأخر عليه من أموال الميري خلال فترة ولاية ظاهر العمر على صيدا. فوقع الأمير بعجز مالي عالجه بمصادرة أملاك بعض الأمراء الشهابيين. ففر هؤلاء إلى الأمير إسماعيل الشهابي في حاصبيا. وقد استطاع هذا تسوية الأمور وإقناع الأمراء بالعودة إلى دير القمر باستثناء الأمير سيد أحمد وأفندي اللذين «بقيا ثائرين على أخيهما وجعلا يحزبان الأحزاب ويستميلان إليهما ناصيف النصار كبير المتاولة»([66]).
وتبدو قوة ناصيف أكبر فيما لو عرف أن استرضاء الأمير يوسف لأخويه في حينه وإعادة أملاكهما إليها يعود ببعض جوانبه إلى خشية الأمير يوسف من الاصطدام بناصيف([67]).
وفي سنة 1780 جعل الأمير يوسف ينتقم من النكديين ويلحق القهر بهم وخاصة «بالشيخ كليب ففر من دير القمر وأولاده وخواصه هارباً إلى جبل عامل وأقام عند الشيخ ناصيف النصار»([68]). ومكث في جبل عامل فترة طويلة حتى 1782.
من كل ما تقدم نلاحظ حرص الأمير يوسف على عدم التورط في نزاع حقيقي مع ناصيف النصار على الرغم من حرص الشيخ ناصيف على الاستمرار بعلاقة طيبة مع بعض أعيان الشوف. لا سيما مع الذين عرفوا بمناهضتهم للأمير يوسف. وقد تجلى هذا الأمر حتى بالمناسبات الاجتماعية ففي ذي القعدة 1191 ـ 1777 حضر الأمير عثمان بن سليمان باشا الشهابي إلى قلعة مارون وعزى بالشيخ أسعد بن محمد النصار الذي كان قد توفي في يوم الجمعة 13 شوال من السنة نفسها.
وفي 21 شعبان 1192 ـ 1778 ذهب جميع مشايخ جبل عامل إلى بلاد الدروز للتعزية بالشيخ علي جنبلاط الذي كان قد توفي في 18 شعبان. وفي ذي القعدة من السنة نفسها ذهب عقيل بن ناصيف إلى عند أولاد علي جنبلاط([69]).
وما هذه الإشارات إلا دليلاً على مدى الاستقرار والطمأنينة التي كان يتمتع بها العامليون.
ويبدو استقرار العامليين وقوتهم واستقلالهم النسبي من طبيعة علاقات ناصيف الخاصة مع آل الحرفوش (شيعة بعلبك) إذ أن أحد أمرائهم محمد الحرفوش حضر إلى جبل عامل في أول رمضان 1193/ 1779 وسكن لدى آل الصغير في بلدة شحور العاملية. ثم تطورت هذه العلاقات لتزداد عمقاً وتصل إلى حد التحالف.
وقد عبر الركيني عن ذلك بقوله: في محرم 1195/ 1780 صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والأمير محمد الحرفوش في الطيبة. وركبت خيل الشيخ ناصيف مع الأمير محمد الحرفوش إلى بلاد بعلبك([70]).
وكان ناصيف ككل قائد مجرب يعلم أن الهجوم خير وسيلة للدفاع. وكانت إمارة جبل عامل ككل الإمارات في تلك الأيام تعاني من مشكلة غزوات البدو. فلم يهمل الشيخ ناصيف هذا الموضوع. وعرفت تلك الفترة إغارات قام بها العامليون على بعض المناطق المجاورة بقصد الهجوم الدفاعي حيناً أو بقصد تقديم المساعدة لقبيلة على أخرى: ففي ذي القعدة 1191/ 1777 هاجم حيدر فارس مرجعيون وغنم منها عدداً من الأبقار وأسر خمسة عشر رجلاً.
وفي 1193/ 1779 ربيع الثاني نهب ناصيف مواشي من الزركشية والتركمان وفي جمادى الأولى 1194/ 1780 غزا حيدر الفارس عرب العزية وقتل منهم رجلاً. وفي 29 رمضان 1195/ 1780 غزا ناصيف قريتين في الحولة ونهب طرشها([71]).
وأخيراً في 1193/ 1779 حصل خصام بين قبائل عربان عنزة وقبيلة بني حسن (المرؤوسة بآل المزيد) فحضر آل عنزة إلى تبنين واستنجدوا بناصيف. فأرسل ناصيف أخاه أبا حمد بجيش من العامليين وسار قاصداً قبيلة آل مزيد في الجولان حتى وافى الجيدور من أعمال حوران قرب قرية الحارة حيث التقى بالعربان واشتبك معهم وانجلت المعركة عن مقتله ومقتل قاسم المراد ومئة فارس من قوات العامليين ودفن أبو حمد في مكان يعرف بنهر الرقاد([72]).
عندما وصل الخبر إلى ناصيف زحف للثأر من آل مزيد فهربوا تاركين أولادهم ونساءهم في مضاربهم فما كان من ناصيف إلا أن «حملته الشهامة وحركه الناموس لأن أمر قومه بالاعتزال عن تحلل تلك الربوع … ونزل في بيت كبيرهم (فاضل المهنا) ودعا بأكبر أولاده وكان دون العشر سنوات فألبسه فرواً ثميناً ثم دعى بأولاد الشيوخ ذوي الوجاهة من أولئك القوم وألبس كلاً منهم ما لاق به فضجت عموم النساء والأطفال بالدعاء … فكانت تلك مأثرة تناقلها الركبان جيلاً بعد جيل من العربان»([73]).
وكأن الشيخ ناصيف كان يدرك أن السياسة تستطيع تحقيق ما قد يعجز السلاح عن تحقيقه.
مع ذلك، وإذا كان القول أن بعض الناس يدفعون ثمن ضعفهم صحيحاً. فالصحيح أيضاً أن بعضهم الآخر يدفع غالياً ثمن قوته. وهذا ما سيحدث لناصيف النصار الذي وإن شارك في هذه الثورات إلا أنه لم يبادر إليها.
لهذه الأسباب جميعاً بدأت علاقة الشيخ ناصيف بالجزار بداية طيبة في أول الأمر فقد كان الجزار «ينزل برجاله في جبل عامل (صور ورأس العين) للراحة والتزود بالمؤن ففي 1190/ 1776 ليلة العشرين من صفر جاء الجزار إلى صور ونام عند حاكمها حمد العباس. كما نزل في السنة نفسها في 21 جمادى الثانية في رأس العين ونام فيها ليلة، ومرة أخرى جاءها في 7 شوال 1194/ 1779 وقضى فيها ليلة. وكان الشيخ ناصيف يتباحث مع الجزار عند مروره أحياناً في صور، ففي سنة 1190 في عشرين ربيع الأول سار ناصيف ببعض رجاله ومرافقيه إلى صور حيث قابل الجزار»([74]).
ولكن هذا الأمر لم يدم طويلاً إذ ما إن تمكن الجزار من القضاء على ظاهر العمر حتى شعر الشيخ ناصيف بقوة الجزار المتزايدة ورأى من الحكمة أن يتقدم من طور المودة إلى مرحلة التحالف عله يحول بين جبل عامل وبين شرب الكأس المرة لذلك فإنه ساهم بالفعل في محاربة علي ظاهر إلى جانب الجزار([75]).
ولكنه عندما رأى أن الجزار يحاول تأديب الأمير يوسف ازدادت شكوكه حول نوايا الجزار التوسعية لذلك أخذ يعد العدة لمحاربة الجزار إن هو حاول الاعتداء على العامليين.
ويروي أحد المؤرخين العامليين نادرة تبين لنا شكوك الشيخ ناصيف حول نوايا الجزار: فقد حدث أن ذهب الشيخ ناصيف مع عدد من مرافقيه لزيارة الجزار. فقال الشيخ ناصيف لهؤلاء: إذا سمعتم الجزار يقول لي أنت كشعرة من شاربي فثقوا به واركنوا إليه وإن قال أنت كشعرة من لحيتي فيكون قصده الغدر([76]).
وفي الاجتماع قال الجزار الجملة الثانية من وصية ناصيف. عندها انتهز الوفد فرصة انشغال الجزار لمدة وجيزة وركبوا وعادوا إلى بلادهم طالبين النجاة.
وبدأت العلاقات بالتوتر. وزاد من هذا التوتر أن الجزار طلب من مشايخ العامليين موافاته إلى عكا فرفضوا ذلك قائلين: «إنهم يخافون أن يعاملهم كما عامل أبناء ظاهر العمر (غدر بهم بعد أن آمنهم) وما شذ عنهم إلا الشيخ قبلان الذي كان يتطوع للتوسط بين المختلفين فقدم عكا ودبر المسائل بالنيابة عن الآخرين»([77]).
عملت ظروف عدة على تأجيل المواجهة المحتمة بين الزعيمين بسبب عوامل خارجة عن إرادة الجزار من جهة وبسبب محاولة الشيخ ناصيف تحاشيها من جهة ثانية وذلك بمناصرة الجزار في كل قضية لا تمس من وحدة العامليين ولا تهدد استقلالهم.
فقد كان محمد باشا العظم يسيطر على وادي التيم ويتحكم بسياسة الأمير إسماعيل الشهابي وكان الجزار يتطلع إلى الأمير يوسف في الشوف ويتحكم بسياسته. لذلك كان الصدام يحتدم بين هذين الواليين على توسيع مناطق سيطرتهما. وقد وقف ناصيف مع الجزار وخاض إلى جانبه عدة معارك ضد ابن العظم.
وبالفعل فقد ذهب الشيخ ناصيف بجمع من رجاله إلى عكا ليزحف مع الجزار لقتال محمد باشا العظم([78]).
ولما تهدد موقع الأمير يوسف ـ حليف الجزار ـ كحاكم لبلاد الشوف لم يتردد الشيخ ناصيف في تقديم يد المساعدة للأمير. والوقائع تؤكد أن الأمير يوسف ألمح بعد عودته إلى الحكم إلى رأي ناصيف السديد في كتاب يشكره فيه على مساعدته له في العودة إلى حكم الشوف.
يضاف إلى هذا أنه في محرم 1195/ 1780 كان محمد الحرفوش مجتمعاً بناصيف في الطيبة ومنها اتجها إلى بعلبك وفي عشرين محرم وصل محمد الحرفوش إلى دير القمر ومنها خرج يوسف إلى صيدا ثم إلى صور حيث التقى بناصيف وكليب أبي نكد في 28 محرم ومنها توجه يوسف إلى عكا عند الجزار([79]).
ولما حظي الأمير يوسف بدعم الجزار لقاء مبلغ من المال زوده بقوة من عنده وزحف مع الشيخ ناصيف وحمد العباس لاسترداد إمارته. وقد أبلى الشيخ ناصيف بلاء حسناً في معاركه ضد الدروز المناوئين للأمير يوسف الذي ما أن شعر بخضوع الدروز لحكمه حتى كتب إلى الشيخ ناصيف الرسالة التالية: إلى جناب حضرة الشيخ ناصيف المؤيد الموقف المسدد ونطلب من الله العظيم وشعيب النبي الكريم أن لا يعدونا صاحب الهمة العلية والنفس الزكية الرضية إن رأيتم لائقاً من غيرنا غير مأمور على جنابكم الشريف أن تكفوا العسكر عن القتل والنهب والحريق. لأن البلاد بلادكم والرعية رعيتكم وأمر جنابكم ماض علينا في الرخاء والضيق ورفيقنا ورفيق جنابكم فرد رفيق وإن شاء الله عز شأنه الطريق فرد طريق. لأن غيرتكم ورأيكم السديد الذي بدا معنا وبذلتموه لدينا ما سبقكم عليه لا أخ ولا صديق فيجب علينا حفظه على الدوام على ممر الدهور والأيام»([80]).
ظن ناصيف النصار أن موقعه قد تعزز عند الجزار بعد هذه الحادثة فحاول التوسط لبعض الجنبلاطيين الذين كانوا على خلاف مع الجزار فطلب هذا الطاغية مبلغاً كبيراً من المال «حتى نسمح لهم عن دمهم ونسكنهم في الموقع الذي نريده لا في الموضع الذي يختارونه هم»([81]) ولم يوفق الشيخ ناصيف في وساطته هذه. وربما كان ذلك إشارة من طاغية عكا إلى انتهاء دور الشيخ ناصيف النصار والانتقال بالتالي من مرحلة التناصر إلى مرحلة التناحر!
ناصيف النصار والجزار:
مرحلة التناحر والاستشهاد
كان الجزار مطبوعاً على الغدر، متنكراً للحلفاء لا يقيم للأخلاق وزناً في تحالفاته وعداواته لذلك عندما شعر بإحكام قبضته على بعض مناطق فلسطين وأصبح الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان ألعوبة بين يديه سال لعابه للسيطرة على جبل عامل والقضاء على ما كان يتمتع به من استقلال. وكان يدرك استحالة تحقيق هذا الأمر ما دام الشيخ ناصيف سيد الجبل بلا منازع. وقد عزز هذا الاعتقاد فشله المستمر بتحرشاته بقوات الشيخ ناصيف فقد «ساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة فلم يتسن له الفوز. وكان في كل مرة يرجع خائباً وتدور الدائرة عليه»([82]).
ثم تهاوى زعماء جبل عامل الأشداء الواحد تلو الآخر تحت ضربات السنين. فقد توفي عباس المحمد وعلي المنصور المنكري سنة 1187/ 1773 وعلي الفارس الصعبي 1189/ 1775 ومحمود النصار وقاسم المراد وهما ساعدا ناصيف النصار سنة 1193/1779([83]) عندما تهاوى هؤلاء افتقد جبل عامل تماسكه السابق، فهناك إشارة سريعة ومقتضبة إلى أن الشيخ حيدر الفارس حاكم بلاد الشقيف «كبس … اللزازات في صور ونهب طرشها في صفر 1195/ 1780» فمثل هذه الحادثة لم تكن تحدث أيام أخيه علي الفارس. كما نقل في المخطوطات العاملية عن تواطؤ الشيخ قبلان الحسن حاكم قلعة هونين مع الجزار على ناصيف ظناً منه أن البلاد ستؤول إليه بعد ذهابه([84]).
ولكن هذه الخلافات رغم أثرها السلبي على قوة العامليين لم تكن من الحدة بحيث تدفع فريقاً منهم للقضاء المباشر على فريق آخر. فبالرغم من هاتين الإشارتين لا يمكن الذهاب في تصور واسع لصراعهم لأنه لم ينقل بتاتاً في المخطوطات المتوافرة عن اشتراك عسكر حيدر الفارس أو عسكر قبلان الحسن مع الجزار في محاربة ناصيف في معركة يارون 1195/ 1780 بل نقل أنه بعد مقتل ناصيف فر قبلان إلى دمشق بعد أن سقطت قلعة هونين بيد الجزار وأن حيدر الفارس حوصر في قلعة الشقيف من قبل الجزار الذي واصل زحفه في جبل عامل([85]).
ومهما يكن من أمر فقد قرر الجزار الاستيلاء على الجبل وقرر ناصيف الدفاع عنه مهما كان الثمن غالياً. أرسل الجزار جماعة من جنده إلى جهات علما للتحرش فهاجم جند الشيخ ناصيف الذين ما لبثوا أن انسحبوا إلى قرية الزيب حيث جرت معركة لمدة ساعتين قتل على أثرها ستة من جنود الجزار وبدأ بعدها الجزار يضاعف استبداده ويعزز جيوشه في بلاد بشارة([86]) استعداداً لمعركة تقرر نهاية ناصيف النصار.
معركة يارون
الاثنين 5 شوال 1195/ 1780
لقد اختلفت الروايات بشأن هذه المعركة وكيفية حدوثها فمن رواية تفيد أنها كانت بين فريقين مهيأين مسبقاً للقتال. إلى رواية تفيد أنها كانت بتواطؤ من قبلان على ابن عمه ناصيف. ومن رواية تزعم أن الجزار تظاهر بأنه يزحف إلى وادي التيم في حين كان يقصد مباغتة جبل عامل، إلى رواية تزعم أن الجزار كان يقصد حاصبيا فعلاً وليس جبل عامل.
ومن ناحية ثانية فقد اختلفت الروايات في كيفية مقتل ناصيف النصار فمن رواية تفيد أن مقتله كان برصاصة في خاصرته إلى رواية تفيد أنه كان «بطبنجة» من أحد رجال الجزار ضرب ناصيفاً بها بعد أن زلت قدم جواده.
محمد جابر آل صفا يروي الحادثة كما يلي: هاجم الجزار جبل عامل بجيش كثيف في سنة 1195/ 1780 من الجهة الجنوبية متظاهراً بأنه يريد اجتيازه إلى وادي التيم لتأديب العصاة. فأدرك الشيخ ناصيف قصده فأسرع لعنده بشرذمة من خيله لا تزيد عن سبعمائة فارس كانت ترابط معه دائماً في حصن تبنين.
وكان الشيخ ناصيف بطلاً مقداماً تعود خوض المعارك وممارسة الحروب يهزأ بالمنايا ولا يبالي بالموت. فحملته الجرأة والبسالة على منازل ذلك الجيش اللجب بخيله القليلة ولم ينتظر وصول بقية الجنود والأعوان المرابطة في القلاع. وزلت قدم جواده على بلاطة يارون وعاجله بعض الجنود بإطلاق الرصاص فخر قتيلاً وتشتت جنوده وطويت صحيفة استقلال جبل عامل بعد ناصيف وسقطت بمقتله الحكومة الأولى بحصونها وقلاعها([87]).
الشيخ سليمان ظاهر يروي الحادثة معتمداً على الأمير حيدر الشهابي فيذكر تصميم الجزار الاستيلاء على جبل عامل: «جهز (الجزار) لهم هذه المرة عسكراً عظيماً ولما بلغ الشيخ ناصيف النصار قدوم العسكر جمع رجاله ونادى لقبائل بني متوال. فاجتمعوا إليه من القبائل الثلاث (آل الصغير ـ آل منكر ـ آل صعب) لأنه كان كبير المشايخ والجميع ينقادون إليه. وسار بتلك العساكر قاصداً عسكر الجزار حتى التقوا بهم. فهجم عليهم الجزار ونشبت بينهم الحرب وحمل في مقدمة العسكر الشيخ ناصيف النصار ولم يلبث أن أصابت رأسه رصاصة فقتل. فانهزمت المتاولة وأخلت البلاد ودخل عسكر الجزار إلى بلاد بشارة وتسلموا قلعة تبنين وقلعة هونين وحاصروا قلعة شقيف ارنون وكان فيها الشيخ حيدر الفارس وبعد أيام سلم فأخذها بالأمان ثم قتلوا كل من كان فيها»([88]).
أما الشيخ علي السبيتي فيذكر أنه «سنة 1195 أرسل الجزار عسكراً إلى حاصبيا فجاء إلى يارون فظن أهل بلاد بشارة أن العسكر يريدهم فحضر ناصيف وصارت وقعة قتل فيها ناصيف وخربت البلاد. وقيل إن عسكر الجزار حضر إلى البلاد بواسطة صاحب قلعة هونين وصار قتل ناصيف بواسطته وظن أن البلاد تضل (تظل) له. فلم يبق (الجزار) أحداً منهم»([89]).
شبيب باشا الأسعد يروي بأن الجزار كان يقصد جبل عامل مباشرة ويوافق صفا في كيفية حدوث المعركة ويتابع قائلاً: جاء من جانب آخر زنجي وأطلق عليه الرمح فأصابه بجرح ثبت له فانثنى كاراً عليه وضربه بالسيف وقتله فجاءه ثلاثة فوارس فأراد أن يميل عنان جواده نحوهم فزلت نعال جواده على بلاطة … فسقطا معاً هو والجواد فحمل أولئك عليه وأطلق أحدهم الطبنجة فأصابته وطعنه الآخر في صدره فغودر عند ذلك قتيلاً ودفن بجانب قرية يارون»([90]).
الشيخ محمد تقي الفقيه يقول: «استشهد ناصيف في يارون على بلاطة واسعة تعرف اليوم باسمه والظاهر أنها سطح صخرة ضخمة مضمورة بالأرض سطحها يساوي سطح الأرض متصلة بمقبرة يارون رأيتها بنفسي في سنة 1963م ورأيت فيها أثراً يشبه تزلق حافر حصان وكنت أظنه مصطنعاً. ورأيت حمرة بسيطة في نفس الصخرة يزعمون أنها بقايا لون دمه».
ثم يروي رواية غريبة عن أحد أبناء تبنين مفادها أن ناصيفاً أراد أن يستعمل ضرباً من ضروب الفروسية فأشار إلى جواده بإشارة يعرفها فارتفع به عن الأرض ووقف على رجل واحدة وأراد أن يهوي بسيفه على قرنه عند هَوْي الجواد فتكون الضربة مضاعفة فانزلق به جواده ووقع على الأرض فهجم عليه ثلاثة أو أكثر وتعاونوا على قتله فقتل([91]).
من خلال جميع الروايات العاملية نلاحظ حرصاً على جعل استشهاد الشيخ ناصيف مميزاً بل وأسطورياً مما يدل على مدى تعلق العامليين بشخصية الشيخ ناصيف القائد. كما يبدو لنا الشيخ ناصيف خريجاً «لمدرسة كربلاء» بما فيها من معاني القيادة والإخلاص والإيمان القائد إلى الاستشهاد. وقد أرخ المرحوم الشيخ إبراهيم يحيى العاملي مقتل الشيخ ناصيف النصار بهذه الأبيات:
قتل ابن نصار فيا لله من
مولى شهيد بالدماء مضرج
وتداولتنا بعده أيدي العدى
من فاجر أو غادر أو أهوج
هي دولة عم البلاد الظلم في
تاريخها الله خير مفرج([92])
وإذا كانت نتيجة أي عمل تعتبر جزءاً لا يتجزأ منه فإن النتائج التي ترتبت على استشهاد ناصيف وما ارتكبه الجزار من فظائع في جبل عامل تؤكد أن هدف الجزار كان جبل عامل لا سواه.
مآسي الجزار في جبل عامل
اكتسحت جنود الجزار البلاد وأحرقت القرى ودمرت المنازل. وشحن ما في مكاتب جبل عامل من التآليف والمخطوطات النادرة حيث أحرقت في عكا. وشكاه علماء البلاد إلى الأستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت إليه الشكوى عيناً فانتقم من موقعيها. وأسرف رجاله في ذلك الشعب قتلاً وذبحاً وقبض على فريق من الوجهاء فأماتهم خنقاً في سجون عكا وشرد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة. وهاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد الإسلامية النائية كالهند والعراق وإيران والأفغان وخدموا فيها الإسلام والشيعة الإمامية أجل خدمة.
وفر من بقي من الحكام وأبناء العشائر إلى جبال حلب والأناضول وقصد بعضهم «عكار» فأنزلهم حاكمها علي بك الأسعد المرعبي في دار رحبة لم تزل للآن تعرف بدار العشائر …. وللعلامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي وكان فيمن فر من العلماء وسكن دمشق متستراً قصيدة غراء ألمح فيها لهذه الكوارث:
من لي برد مواسم اللذات
والعيش بين فتى وبين فتاة
ورجوع أيام مضين بعامل
بين الجبال الشم والهضبات ….
إلى أن قال:
خطب دعاني للخروج عن الحمى
فخرجت بعد تلوم وأناة
وتركته خوف الهوان وربما
ترك النمير مخافة الهلكات
وهكذا دامت الحال سنين والعامليون يقاسون ضروب العسف والشقاء فحملهم ذلك على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم فثار الزعماء وأبناء العشائر وألفوا العصابات الثورية ليبدؤا مرحلة من حرب العصابات([93]).
وقد أطنب المؤرخون في وصف مآسي الجزار التي ألحقها بجبل عامل بعد مقتل زعيمه ناصيف النصار. كما أن العامليين لا يزالون يتناقلون الروايات الفظيعة حول ذلك. فقد قضى الجزار على الاستقلال الذاتي لجبل عامل الذي كان ينعم به في ظل مشايخه وتابع انتقامه من العامليين بجيش مؤلف من «الأكراد والأتراك وأعمل السيف بهم واستباح أعراضهم ونهب أموالهم([94]) …. ولا بدع فهتك العرض واغتصاب العذارى من شيم اللئام» «وصار الأمير إسماعيل يعد النساء ويأخذ عليهم خفراً كما أخذ العداد والخراج وهدمت الدولة القلع وأخذوا الأولاد والنساء»([95]) وكانوا يبيعون المرأة بعشرة مصاري([96]) وكان الرجال يساقون إلى عكا حيث ينتظرهم الموت على الخازوق([97]) وهرب المشايخ إلى بلاد بعلبك والشيخ قبلان وإخوته إلى الشام وجعل الأمير إسماعيل يمسك أتباعهم ويبلغهم بأمر الجزار …. وجعلت الدولة تأخذ من الرعية الأموال والخيل والسلاح وكانت هذه السنة سنة خوف وجزع وذعر شديد([98]).
وفر أولاد ناصيف النصار فارس ومحمد مع بعض مشايخ آل الصغير إلى عكا حيث نزلوا عند آل المرعبي وقيل عند محمد الأسعد حيث أقطعوا أرضاً لا تزال تدعى حتى اليوم «بجبل الأسود»([99]).
أما الشيخ قبلان ففر إلى دمشق حيث كان واليها محمد باشا العظم يكن له احتراماً وصداقة فاقتطع من بلاد الهرمل قريتي القاع ورأس بعلبك ومنحها له لكن الجزار ما عتم أن أصبح والياً في دمشق ففر قبلان إلى بغداد حيث توفي فيها سنة 1199هـ.
ومع غياب السلطة السياسية بعد مقتل ناصيف آلت القيادة العامة إلى علماء جبل عامل فأخذوا بالتحريض على الجزار وشكوه إلى الأستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت إليه الشكوى فانتقم من موقعيها: فكانت نكبة كبرى حلت بجبل عامل على الصعيد الثقافي لأن ظلم الجزار بلغ مبلغاً عظيماً في الضغط على العلماء والكبراء حيث تعقبهم قتلاً وتعذيباً ومصادرة وتشتيت من بقي منهم في الأقطار واستصفى آثارهم العلمية وكان لأفران عكا من كتب جبل عامل ما أشعلها بالوقود أسبوعاً كاملاً وكانت هي الضربة الكبرى على العلم وأهله.
وما ظنك ببلاد حرص أهلها على طلب العلم حرصاً شديداً ولم ينقطع عنها مدده وجابت علماؤها البلاد النائية في طلبه واقتناء كتبه حتى جمعت لديهم تلك الذخائر في قرون وأجيال كانت بعد ذلك طعماً للنار في مصادرات الجزار([100]).
المقاومة العاملية للجزار
بعد سيطرة الجزار على جبل عامل وهرب مشايخه وزعمائه وتشتت أهاليه جعل الجزار فيه إبراهيم مشاقة متسلماً للادارة وجعل مركزه قلعة مارون وكان لانتقائه هذا ما يعلله إذ أن إبراهيم مشاقة كان على خبرة في أحوال جبل عامل ونفسية العامليين منذ كان كاتباً لناصيف في صور فنشأت بينه وبينهم علاقات تجارية زاهرة. وقد أحسن هذا إدارة الجبل لكن العامليين كانوا لا يرضون عن الاستقلال بديلاً([101]) فبدؤا يضطرمون حقداً على الجزار وينتظرون سانحة للانقضاض عليه. لجؤوا إلى تأليف «عصابات» مقاومة تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار السارحة في هذا الجبل وتعيث فيهم قتلاً ونهباً وهي تقصد إيجاد حالة من البلبلة والفوضى لكي لا يدعوا الجزار يستقر في جبلهم([102]).
لكن ثورتهم الكبرى كانت سنة 1197/ 1783 حين اشتد الخصام بين الأمير يوسف الشهابي والجزار بسبب تلاعب وتقلب الجزار في سياسته مع الدورز بين الأمير يوسف والأمير إسماعيل الشهابي. عندها أرسل أولاد ناصيف ورجالهم يعربون ليوسف عن استعدادهم لقتال الجزار إذا أمن لهم السلاح اللازم فوافقهم وحضروا إلى بلاد الشوف ومنها توجهوا إلى شحور حيث اجتمع العامليون وتدارسوا الأمر فيما بينهم.
وكان الشيخ علي الزين مدير الاجتماع. ورأسوا عليهم حمزة ابن ناصيف النصار وتوجهوا بضع مئات وهاجموا قلعة تبنين وقتلوا حاميتها ومتسلمها وهددوا إبراهيم مشاقة الذي فر إلى الجزار طالباً إعفاءه من مهمته لكن الجزار زحف برجاله إلى العامليين والتقى بهم قرب قرية شحور حيث جرت معركة حامية قتل فيها حمزة الناصيف مع مئة من رجاله([103]).
واستمر الجزار في انتقامه من العامليين مما دفعهم لمؤازرة نابليون حين حاصر عكا سنة 1799 وقدموا المؤن لجيشه حقداً على الجزار. لكن تراجع نابليون عن عكا جعل الجزار يستمر ثانية في انتقامه وعسفه وظلمه للعامليين([104]).
وبقي الحال كذلك في جبل عامل حتى بعد أن خلفه عبد الله باشا في ولاية عكا، ولم تتغير حالة العامليين هذه إلا بعد أن تولى سليمان باشا سنة 1805 على ولاية صيدا حين اعتمد معهم سياسة اللين والعدل فعادوا إلى بلدهم وعاد مشايخهم من آل صعب وآل الصغير (فارس ومحمد الناصيف) إلى التزامه بعد أن عوض سليمان باشا عليهم بعضاً من أملاكهم.
جبل عامل
في عهد الشيخ ناصيف النصار
كان جبل عامل قبل المرحلة التي نتكلم عليها يشكل جزءاً من البلاد الشامية التي وقعت تحت سيطرة العثمانيين إثر معركة مرج دابق 1516. وكانت الدولة العثمانية تقسم البلاد إدارياً وعسكرياً إلى إيالات وسناجق. كما كانت تمنح هذه الإيالات والسناجق بطريق «الالتزام» من يدفع أكثر يحصل على الولاية وله أن يجبي الاموال بالطريقة التي تناسبه وغالباً ما كان «الملتزم» يعتمد على الأعيان والمشايخ في عمله هذا.
في هذا الإطار كان يحكم جبل عامل في ظل العهود العثمانية عدد من الأسر البارزة عن طريق استقلال أحد مشايخ هذه الأسر بالحكم شرط أن يحفظ الأمن ويؤدي الأموال المترتبة لخزينة الوالي.
أما في عهد ناصيف النصار الذي استطاع أن يوحد العامليين ويبعد الشهابيين عن الجبل فقد تراجعت سلطة الدولة العثمانية وأصبحت سلطة إسمية فقط ولم يعد بإمكانها التدخل في شؤون البلاد المحلية ولا يهمها إلا قبض الضريبة المفروضة على مقاطعات جبل عامل ومقدارها ستون ألف غرش توزع على المقاطعات الثمانية([105]).
ويبدو أن اختيار ناصيف تبنين مركزاً لقيادته لم يكن وليد الصدفة إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه عندما جدد الأمراء العامليون الوافر من قلاعهم وأحدثوا بعض الحصون في منتصف القرن الثاني عشر الهجري كانت المقاطعات ثمانية: تبنين وهونين وساحل معركة وساحل قانا ومرجعيون والشقيف وإقليم الشومر وجباع والمرجع العام للثمانية كانت تبنين والحاكم فيها من آل علي الصغير.
ثم انتقل ناصيف النصار بجبل عامل إلى مرحلة الاستقلال التام عن الدولة العثمانية عندما أعلن الثورة مع ظاهر العمر سنة 1190 ـ 1775 فكان المشايخ الإقطاعيون العامليون غير ملتزمين «برفع علم الدولة الرسمي في اجتماعاتهم بل كان لهم أعلام خاصة من نسيج حريري ـ أخضر وأحمر ـ كتب عليها بالنسيج الأبيض ثلاثة سطور: لا إله إلا الله محمد رسول الله والثاني: لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار. والثالث: نصر من الله وفتح قريب»([106]).
أما فيما يختص بالأمور القضائية فقد كانت الدولة العثمانية تعين قضاة من قبلها باسم نائب ونظراً لكون أغلبية العامليين على مذهب الشيعة الإمامية «فقد كان مرجع القضاء والفتوى الحقيقي في جميع أدوار جبل عامل العلماء والمجتهدون العدول»([107]) وخاصة في قضايا الأحوال الشخصية والفض في المنازعات وقضايا البيع والشراء والميراث وهذا يعني أن التنظيم القضائي والقوانين التي كانت تطبق فيه لم ترد في نصوص أخرجتها السلطة التشريعية كما هي الحال اليوم. وإنما كانت تتبع التعاليم الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة على مذهب أئمة آل البيت والإجماع والاجتهاد وإن ما نقل عن ناصيف النصار من إكرامه للعلماء وتقديره لهم انعكس تعزيزاً لمنصب القضاء الذين كانوا يشغلونه وبالتالي أصبحت فتاواهم «حكماً مبرماً يوجب على الحاكم الزمني العمل بنصه ولو كان ضد الحاكم نفسه»([108]).
من الناحية الاجتماعية: عرف المجتمع العاملي فئات ثلاث: فئة الأعيان التي تمثل الطبقة الحاكمة وكبار الموظفين وتتمتع هذه الفئة بالشأن الرفيع. وكان الإقطاعي ينفذ في عامة الشعب أحكامه «وينظر في شؤونهم على هواه وهم أتبع له من ظله يعضدونه في تعزيز قوته وإعلاء مكانته «غير أنهم» لم يكونوا عبيداً لأصحاب الإقطاعات أرقاء لهم»([109]).
فئة رجال الدين وتضم السادة والشيوخ المجتهدين. أما السادة فهم العلماء الذين يرجعون بنسبهم إلى النبي من ابنته الزهراء وينظر إليهم من قبل الشيعة بتقدير وإجلال كبيرين لنسبهم الشريف وأما الشيوخ المجتهدون فهم في الأصل من عامة الشعب درسوا العلوم الدينية والفقهية. وقد كان لرجال الدين عامة سلطة معنوية على أفراد الشعب والمشايخ الإقطاعيين على حد سواء. وقد عزز هذه السلطة العصبيات المذهبية التي كانت سائدة آنذاك إضافة إلى كونهم على مستوى المرحلة فقد استشهد عدد منهم دفاعاً عن العقيدة والوجود.
أما الفئة الثالثة فقد كانت عامة الشعب من فلاحين ومزارعين. ومعظم هؤلاء كانوا يعانون الفقر لكن أحوالهم تحسنت في عهد الشيخ ناصيف بعد أن تمركزت السلطة السياسية في يد قوية أشاعت الأمن والاستقرار وقد تحددت الضرائب على جميع مقاطعات جبل عامل بستين ألف غرش سنوياً! «ولم يعودوا يدفعون الضرائب المتنوعة التي فرضها الترك على الأراضي من ويركو وأعشار ورسوم تمليك … ولم تكن شبانهم تساق إلى الجندية»([110]).
أضف إلى أن التحالف الذي أقامه ناصيف مع ظاهر العمر أعفى العامليين من كثير من المشاكل التي كانوا يتعرضون لها على يد جيرانهم الفلسطينيين([111]).
وقد تميز العلماء في عهد ناصيف «بسلطة عليا تفوق كل سلطة تتطأطأ لها الرؤوس وتحنى الرقاب»([112]).
من الناحية الاقتصادية: كانت الحالة الاقتصادية في جبل عامل في ظل الدولة العثمانية تتصف بالفقر على وجه الإجمال لعدة عوامل أبرزها: موقع جبل عامل المتوسط بين مقاطعات البلاد الشامية مما جعله ممراً للجيوش ومسرحاً لمعارك المتخاصمين، مع ما يقتضي هذا الأمر من نفقات العسكر المار في الجبل من علائف ومؤن ….
فقد كان يرهق الشعب المعدم بمطالبهم حتى أن الفرد أصبح يفر من الغنى لأن هذا سيجلعه محط رحال العسكر. ويروي عن أحد التجار أن حاكماً وهبه مرة قرية لإيقاعه بهذا المأزق الآنف الذكر، فسعى التاجر بعناء حتى تخلى عن ثلاثة أرباع هذه القرية([113]).
كما أن حالة الجور والاستبداد التي كان يلقاها العامليون على أيدي حكامه وملتزميه من غير العامليين ساهمت بدورها في تردي الحالة الاقتصادية. إضافة إلى حال عدم الاستقرار بفعل هجمات الدمار والخراب التي كان يتعرض لها العامليون على أيدي الشهابيين والولاة العثمانيين. وأخيراً عملية الإفقار التي كان يعتمدها الولاة في تحصيل الأموال السلطانية إذ كانوا يوعزون لرجالهم بنهب البيادر والمحاصيل([114]).
ومن المعروف أن الناس لا يقدمون على الكد في تحصيل معاشهم إلا إذا كانوا على ثقة من التمتع بما يكسبون «لأنهم يفضلون الاكتفاء بالقليل التافه الذي يحصلونه بالتعب القليل على الكثير إذا جنوه بالكد ذهب طعمة للظالمين. فنشأ عن هذا إهمال الزراعة والصناعة والتجارة»([115]).
ومن الطبيعي أن تتغير الحالة الاقتصادية للجبل في عهد ناصيف النصار بعد أن تغيرت الأوضاع السياسية والاجتماعية حيث عرف الجبل مزيداً من الاستقرار السياسي وابتعاداً عن سلطة ولاة الجور.
فقد ازدهرت الزراعة في الجبل بسبب خصوبة أراضيه ونشاط فلاحيه يدل على ذلك مجموعة الآثار والظواهر المتوافرة في الجبل: كثرة معاصر الزيت ومعاصر العنب والخروب والمطاحن المائية على مجاري الأنهار وخاصة نهر الليطاني.
كما كثرت في جبل عامل مزارع الزيتون كمزارع البصة وجاليل: التي كان يقلع منها كل سنة جانب عظيم ويصدر لجميع جهات بلاد بشارة وساحل عكا([116]).
كما كثرت كروم التين والعنب في جميع أنحاء هذا الجبل وقد أطنب الرحالة روبنسون الذي زار البلاد في تلك الفترة في وصف لذة عنبها وكبر عناقيدها([117]).
أما زراعة التبغ فقد كثرت على هضاب جبال عامل وخاصة في ساحل قانا والجبال المجاورة لصور وكان تبغها «يشابه في جودته تبغ اللاذقية ويفوقه أحياناً»([118]).
كما كانت زراعة قصب السكر منتشرة على مجاري المياه في جبل عامل([119]) أما زراعة الفواكه فقد كانت بساتينها منتشرة حول صور وتروى بمياه رأس العين لكن العناية بها كانت ضئيلة([120]).
فيما يتعلق بالصناعة يبدو أن الجبل لم يعرف في تاريخه صناعة مزدهرة لذلك اقتصرت الصناعات في جبل عامل على بعض المصنوعات اليدوية كصناعة الآلات الحراثية وصناعة الحصر من مساكب «البابير» وصناعة الزقاق من الجلود قرب الحولة([121]).
كما كانت هناك بعض الصناعات التحويلية كتصنيع الزبيب والتين المجفف واستخراج الزيوت من الزيتون والبطم واستخراج الطحين من الحبوب بأنواعها. تدل على ذلك كثرة المعاصر والمطاحن المائية التي ما تزال آثارها ماثلة إلى اليوم. وكان العامليون يلبسون ثيابهم من قطن أرضهم منسوجاً على أنوالهم اليدوية([122]).
هذا بالإضافة إلى تصنيع إنتاج المواشي كالألبان والأسمان وقد استعمل العامليون السمن للإنارة. كما قاموا بتربية النحل واستخراج العسل منه. واستخرجوا الملح من مياه البحر على طول الساحل العاملي وخاصة في صور.
أما التجارة فقد حظيت بعناية خاصة من ناصيف النصار لأنه كان مشهوراً كتاجر كما كان مشهوراً كجندي على حد قول إدوار لاكروا([123]). وقد تمثل ازدهار التجارة الخارجية بالظواهر التالية: تعمير ميناء صور، فقد جاء على لسان الرحالة الفرنسي فولني أن المتاولة رمموا هذا المرفأ في سنة 1766 وبنوا له سوراً بعلو 20 قدماً. بحيث يمكن للسفن إيجاد ملجأ وهذا المرفأ يفضل على مرفأ صيدا([124]).
وقد أصبح مرفأ صور مركزاً لتصدير المنتوجات العاملية من جميع مقاطعات الجبل ما خلا المناطق التي جاورت صيدا. كما هيأ هذا المرفأ لأهالي صور بصورة خاصة سوقاً تجارية رائجة وأصبحت حالتهم المعيشية جيدة فقد كنت ترى في بيوتها وسائل الراحة([125]).
وساهمت حالة الأمن والاستقرار التي سادت جبل عامل سواء لانكفاء الشهابيين أو لانحسار غزوات البدو إضافة إلى قطع دابر اللصوصية في عهد ناصيف على تحويل جبل عامل إلى طريق للقوافل التجارية. فقد كانت تمر البضائع التجارية من سوريا إلى فلسطين عن طريقين: طريق دمشق طبريا وطريق دمشق ـ تبنين.
يضاف إلى هذا: العلاقات السياسية الودية بين ناصيف والشهابيين وظاهر العمر وعلي بك الكبير فقد عززت التبادل التجاري بين جبل عامل وسائر المناطق الشامية.
وساعد موقع الجبل المتوسط بين المناطق المجاورة من ناحية وإشرافه على ساحل البحر المتوسط من جهة ثانية على ازدهار التجارة. وبالفعل فقد تعززت التجارة بين صور ودمياط في مصر فقد ذكر أن جرجس مشارقة كان يتعاطى تجارة التبغ ويصدرها إلى مصر وقد تمكنت «صلته بمشايخ آل الصغير حكام بلاد بشارة والشقيف الشيعيين حيث كان يشتري منهم حاصلات أراضيهم الواسعة من التبغ … وفي 1757 اضطرته المصلحة أن يقدم من صيدا إلى صور فانتقل إليها لتسهيل تجارته مع مشايخ المتاولة القاطنين في جوارها والذين لهم من أغلالها النصيب الوافر مثل التبغ والحبوب والأخشاب([126]).
أما التجارة المحلية فقد تمثلت في مجموعة الأسواق المحلية التي كانت تقام في بعض البلدان الكبرى المتوسطة الموقع بين المقاطعات كسوق تبنين، النبطية، العديسة، الطيبة، بدياس، جويا، بنت جبيل، وكان الفلاح العاملي يعرض في هذه الأسواق منتوجاته الزراعية ومشتقاتها وصناعاته اليدوية([127]).
فيما يتعلق بالحالة الفكرية فقد عرف جبل عامل منذ القدم بإقبال خاصة من علمائه على نهل العلم وخاصة العلوم الدينية والفقهية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشهيد الأول محمد بن مكي 786هـ/ 1384م، الشهيد الثاني زين الدين بن علي 996هـ/ 1559م، الحر العاملي الشيخ محمد بن الحسن بن علي 1104هـ/ 1692م. السيد جواد المعروف بمحمد الجواد ابن محمد 1226هـ/ 1811م وسواهم ممن عرفوا شهرة واسعة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي ولا سيما الشيعي منه.
وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي وبعد أن بدأت هجمات الولاة العثمانيين والملتزمين تتوالى على الجبل فقد شهدت الحالة الفكرية تراجعاً نسبياً وخاصة حركة الشعر وذلك لسببين: الانشغال في الاهتمامات المعيشية الصعبة، وجود الحكام الغرباء والذين لا يمكن أن يكونوا من ممدوحي الشعراء العامليين.
ولكن مع ظهور ناصيف النصار في جبل عامل ومع إكرامه وتقديره للعلماء والشعراء ومع انتفاء الهجمات الخارجية ومع بروز الهوية العاملية ومع انطلاقة ناصيف النصار خارج حدود الجبل ومع كثرة المعارك والبطولات … مع كل هذا ظهرت حركة الشعر واشتهر من شعراء تلك المرحلة الشيخ إبراهيم الحاريصي والشيخ إبراهيم يحيى العاملي. فقد عاصر هذان الشاعران ناصيف النصار وعزفا بطولاته ألحاناً تفيض بالعزة والكرامة والعنفوان فكان ناصيف يرد كيد المعتدين والشعراء يردون أقوالهم.
ولما غُيب ناصيف النصار وكانت نكبة جبل عامل على يد الجزار وكان تشرد القادة والعلماء والشعراء جاءت قصائد هؤلاء صورة معبرة عن هذه النكبة فكان شعرهم أنيناً وقصائدهم حنيناً.
وخلاصة القول أنه: في أواخر القرن الثاني عشر إلى أوائل القرن الثالث عشر للهجرة «تكون النهضة الشعرية في جبل عامل قد تكاملت فتفتحت عن مجموعة من الشعراء الأفذاذ عاشوا أحداث بلادهم بشعرهم وشعورهم فكانوا لسانها الناطق وضميرها الحي وذهنها الوقاد»([128]).
وقد استمرت هذه النهضة الشعرية حتى تولى حمد المحمود زعامة الجبل «وهو رجل من أنبغ من أنجبت أسرته كان فارساً مقداماً وكان أديباً شاعراً … وكانت تبنين قاعدة حكم وفيها ملتقى وفاده وكان قد جدد بناء قلعتها هذه القلعة التي شهدت أزهى أمجادها أيام سلفه الشيخ ناصيف النصار … فاجتمع للشعراء: أمير تشوقه المدائح وشاعر يفهم ما يقولون وأمجاد مغرية بالمدح فالتقى في قصر حمد مجموعة من الشعراء لم يلتق مثلها إلا في قصور الملوك السالفين … ويخيل إليك وأنت تراجع شعر تلك الفترة أن حياة مصغرة لسيف الدولة الحمداني قد انبعثت في الجبل»([129]).
ومهما يكن من أمر فإن الحركة الشعرية ازدهرت في عصر ناصيف النصار وربما كانت تستحق وقفة خاصة ودراسة مستقلة فكما كان ناصيف النصار يعزف ألحان البطولة بوقائعه وشهامته ودفاعه عن الحق كان الشعراء يخلدون هذه الألحان بترانيم لغوية أغنت التراث العاملي وسجلت مآثر هذه الأقلية التي عاشت في الجبل ودافعت عن نفسها لتستمر بعقيدتها وحريتها وكرامتها.
وكانت وما زالت تقدم الشهداء من أبنائها ومن قادتها ومن علمائها على حد سواء وهذا أمر سهل الفهم إذا تذكرنا أن العاملي يرضع مع حليب أمه ما حدث في كربلاء.
د. محمد حمود
الجزار
ولا بد لنا بعد ذلك من التعريف بأحمد باشا الجزار بعض التعريف، وهو الذي جرى ما جرى على يديه من استشهاد ناصيف النصار وخراب جبل عامل وغير ذلك من الأحداث المرتبطة بجبل عامل وغير جبل عامل. وهو تعريف مكتوب بقلم: قسطنطين خمار.
شهدت البلاد السورية في القرن الثامن عشر أحداثاً مروعة وانتابتها ضروب من المظالم وصنوف من المآسي، نتيجة لاستقلال بعض الولاة والحكام الإقطاعيين بالمقاطعات التي دانت لسلطانهم فعاثوا بها عتواً وبرعاياهم طغياناً.
ذلك أن هؤلاء الولاة الذين كانت أولى واجباتهم فرض القانون وتطبيق النظام كانت كثرتهم من العجز الحربي والسياسي بمكان، وكثيراً ما كانت الدولة العثمانية تغيرهم باستمرار فمنهم من لم يكن يمكث في الحكم أكثر من سنة أو سنتين فكان همهم الأكبر وشاغلهم الاوحد أن يجمعوا أكبر مقدار من المال يستطيعون، ولذا لجؤوا إلى سلب الرعية ممارسين أشد أنواع الظلم وأدهى صنوف الاستبداد، فلا غرو أن شهدت البلاد في هذا القرن انهياراً في الأحوال الأمنية والاقتصادية وانحطاطاً في حياة السكان كما كان من نتائج هذه الأوضاع السائدة ازدياد تدريجي في أهمية الشيوخ المحليين، هذا عدا أن الاستبداد بحد ذاته من طبيعة الإنسان إذا لم يجد رادعاً يردعه وحائلاً يصده.
وقد بلغ (أحمد باشا الجزار) حاكم عكا والمسيطر على سائر البلاد السورية طوال الربع الأخير من القرن الثامن عشر القمة في ذلك وحلق فيه تحليقاً ما عليه مزيد فبزّ جميع نظرائه قسوة وفاقهم طغياناً مالئاً البلاد جوراً والشعب رعباً حتى ضرب به المثل في القسوة على مر الأجيال التالية فقيل «أظلم من الجزار».
المولد والنشأة
كان مولد الجزار في أوائل العقد الرابع من القرن الثامن عشر في إحدى قرى البوسنة ـ وقد نشأ وترعرع فيها فتى شرس الأخلاق سيئ السلوك، ويروى أنه ارتكب جرماً أخلاقياً، قيل إنه اغتصب امرأة أخيه مما اضطره إلى الفرار من وجه ذويه طريداً شريداً حتى عاصمة السلطنة العثمانية (الآستانة) حيث عمل حمالاً في الميناء ثم عاملاً في الزوارق. ملاقياً أسوأ معاملة، فاغتنم فرصة سانحة في رسو المركب الذي كان يعمل فيه في إحدى موانئ الأناضول، وفر منه عائداً إلى التسول آناً والسرقة حيناً، سائراً على غير هدى إلى أن باع نفسه أخيراً إلى نخاس يهودي صادف مروره في إحدى الموانئ فضمه إلى ما كان قد ابتاعه من الأولاد وتوجه بالجميع إلى القاهرة حيث كانت سوق الرقيق رائجة وحكام مصر كلهم من المماليك.
وهناك باعهم إلى تاجر آخر أسلم الجزار على يده وتسمى (أحمد) وكان قد أصبح شاباً بهي الطلعة، طويل القامة، قوي العضلات ذا وجه مشرب بالحمرة. ولا ريب أن جميع هذه الأهوال التي قاساها وشظف العيش الذي صبغ حياته السابقة قد ولدت فيه عقداً انعكست فيما بعد، عندما دانت له السلطة، على تصرفاته من عتو واستبداد ومظالم وكأنه بذلك ينتقم من البشرية جمعاء.
كانت مصر في هذه الفترة مسرحاً لنزاعات مستمرة بين مماليك معظمهم رقيق مشترى في صغره، حالهم كحاله لا تهدأ بينهم المعارك ولا تفتر المذابح بغية الوصول إلى الحكم والثروة، لا يرعون في ذلك عهداً ولا ديناً. وقد مكنته شجاعته الفائقة من الدخول في خدمة علي بك الكبير حاكم مصر وأعظم مماليكها شأناً، فنال رتبة (البكويه) ولشدة بطشه وفتكه ببدو إقليم (البحيرة) الذين أيدوا أحد خصوم علي بك أطلق عليه لقب (الجزار) فأصبح يدعى (أحمد بك الجزار). وأصبح الجلاد المفضل لدى سيده ممتهن قطع الرؤوس. وكان هذا اللقب الجديد مدعاة فخر واعتزاز له وبات يشعر بنشوة هائلة كلما رأى رؤوس قتلاه تتدحرج ودماءهم تهرق. وأصبح اسمه عند الناس مرادفاً للرعب ولازمه هذا اللقب طوال حياته، وأغدقت عليه الأموال فأصبح يمتلك الخيل والسلاح والجواري الحسان ويقيم حفلات الأنس والطرب موزعاً المآكل الشهية على فقراء الحي ـ إلا أنه عندما رفض أمراً بقتل أحد المماليك ـ وكان له صديقاً وتأكد من غضب علي بك عليه وعزمه على إعدامه، فر من منزله متخفياً بلباس إحدى جواريه حتى وصل إحدى الموانئ فاستقل مركباً متوجهاً إلى الآستانة يعرض خدماته على الباب العالي وكان ذلك عام 1771م وسنه آنذاك يقارب الأربعين، إلا أن آماله خابت في الحصول على ما كانت نفسه تحدثه به من مكانة، فولى وجهه شطر سورية ونزل في ضيافة الأمير يوسف الشهابي في دير القمر ـ وكانت شهرة بطشه وجبروته قد سبقته، فحمله هذا الأمير كتاب توصية إلى عثمان باشا والي دمشق من قبل الباب العالي، فجعله هذا الأخير قائداً لمفرزة من أربعين رجلاً وسلمه ميناء بيروت فرمم أسوارها بهمة ونشاط فائقين وبنى فيها أبراجاً عدة حتى منحه الأمير يوسف الشهابي لقب (قائد أعلى) ـ إلا أنه لما كانت شيمته الغدر، تحصن في بيروت وأغلق أبواب الاسوار دون الأمير يوسف وحرم عليه دخولها، وزيادة في التهديد والوعيد قبض على رجلين من أتباع الأمير فقطع رأسيهما ثم أجلس كلاً من الجثتين على خازوق ونصبهما على السوار وأجرى مذابح شنيعة في المدينة وفتناً طائفية حتى أرهب القوم، وبلغ من سخريته بسيده الأمير يوسف أن أمر بصنع (فزاع) على مثاله وعلقه على أحد أبواب المدينة ولما أخذ ببناء سور متين للميناء دفن عشرين رجلاً أحياء ضمن السور زاعماً أن هذا يدعم البناء ومخرجاً سواعد هؤلاء الضحايا من بين الأحجار علها تصلح لربط السفن ـ إلا أنه أخذ يغدق الهبات على جنوده مشجعاً إياهم على الشراب والعبث والفحشاء، واهباً إياهم الآلات الموسيقية مبتهجاً بآثامهم. إذ أن معظمهم كان من الأشقياء والمجرمين، وبذلك عم خطرهم وامتلأت المدينة منهم رعباً ودانوا له بالطاعة العمياء، وقد نجح في حكم المدينة مدة عام واحد وكان سكانها في هذه الفترة لا يزيدون عن ستة آلاف نسمة.
الصراع مع ظاهر العمر
والواقع أن السلطنة العثمانية كانت بحاجة إليه لتنفيذ خططها بإعادة (إيالة صيدا) إلى الحكم المركزي الفعلي بعد أن قويت شوكة ظاهر العمر حاكم عكا لدرجة أن نفوذه وسلطانه كانا هما السائدين على هذه الأيالة ومعظم فلسطين. فوجدت في الجزار رجلاً ذا بأس يمكنها الاعتماد عليه للحد من سيطرة ظاهر. ولكن خصوم الجزار تألبوا عليه وحاصر بيروت دروز الجبل بقيادة الأمير يوسف وساندهم في ذلك الأسطول الروسي بضرب المدينة وجعل في أسوارها ثغرات كثيرة، ولما لم يتلق من الدولة العثمانية مساعدة عملية ووجد أن المدينة ساقطة لا محالة وأن أيامه باتت معدودة، لجأ إلى الدهاء والخديعة فأرسل من يبلغ ظاهر العمر أنه يعترف بخصومته الشريفة وأنه على أتم الاستعداد للانضمام إليه ضد قوى السلطنة العثمانية إذا أمنه وحاشيته، وكان في أثناء ذلك قد أخرج من بيروت، بطريقة سرية، الأموال والأمتعة والتحف الثمينة التي كان الأمير يوسف قد ائتمنه عليها. ولما كان ظاهر العمر قد سمع بشدة مراس الجزار وشجاعة جنوده وبأسهم في القتال أجبر حلفاءه قادة الأسطول الروسي والجيوش المحاصرة على السماح للجزار وحاميته بمغادرة بيروت مع المحافظة على شرفها العسكري، ودخل الأمير يوسف والروس المدينة فوجدوها خاوية على عروشها، أما الجزار فأبحر بجنوده إلى صيدا ثم صور وكان يفترض أن يسير من هناك بجنوده إلى منطقة نابلس لينضم إلى جيش ظاهر العمر ليسانده في محاربة العصاة وإخضاعهم، إلا أنه كعادته غدر بظاهر، كما غدر سابقاً بسيده القديم يوسف. وتوجه إلى دمشق منضماً لجيوش الدولة العثمانية، ومجدداً بذلك ولاءه وتبعيته للباب العالي الذي ما زال ناقماً ومصمماً على القضاء على ظاهر العمر الزيداني المتمرد عليه والمنفرد بالسلطة على مناطق واسعة من البلاد، فرحب بفعلة الجزار هذه وعزم على مكافأته في أول فرصة …
أرسلت الدولة العثمانية عمارة بحرية بقيادة حسن باشا لضرب المقر الرئيسي لظاهر، وهي مدينة عكا، من البحر كما تقدمت جيوشها من دمشق وتم لها الاستيلاء على المدينة بعد أن فر منها ظاهر وقتل خارج أسوارها، وعندها استدعي الجزار، ثقة من الدولة العثمانية أنه من أتباعها وولته عكا عام 1775م فوجدها في حالة بائسة أثر الحصار البري والبحري وقد هجرها معظم سكانها إلى المناطق المجاورة فطلب من الأهالي الفارين العودة لاستعادة أمتعتهم ومقتنياتهم.
ولما تأكد من عودة معظمهم حرم عليهم مغادرتها تحت طائلة الإعدام وبذلك امتلأت ثانية بسكانها القدامى، إلا أنه بقي في حاجة ماسة إلى المال فقام بفرض الضرائب الجمركية على معظم السلع. كما أجبر وكيل القنصلية الفرنسية والتجار الفرنسيين على إقراضه الأموال واحتكر معظم المرافق التجارية.
ولما وجد أن خزائنه امتلأت بالأموال شرع بإصلاح الأسوار وإتقان البنيان وذلك بتسخير أهالي القرى المجاورة للعمل ثلاثة أيام في الأسبوع بالتناوب ثم أنشأ أسطولاً صغيراً. كما مكنته موارده المالية من تأليف فرقة فرسان من أبناء البوسنة وألبانيا من (800) فارس ومن مرتزقة المغاربة ألف جندي من المشاة. ثم أخذ باستقدام اللصوص والفارين من وجه العدالة جاعلاً منهم حرس شرف له وبذلك أصبح لديه قوة مقاتلة فاعلة من مرتزقة البشانقة والأرناؤوط والأكراد والمغاربة.
تسلم ولاية صيدا
وبعد أن فرغ من ذلك وآنس من نفسه القوة العسكرية والمالية تولى أمر أبناء ظاهر العمر فقضى عليهم جميعاً. وبذلك دانت له قطاعات صفد وطبريا التي كانت ما تزال تحت سيطرتهم فسر ذلك الدولة العثمانية فعينته في النصف الثاني من تشرين أول (أكتوبر) عام 1775 والياً على صيدا ومنحته رتبة الباشوية!
وفي شباط (فبراير) من عام 1776م منح رتبة (وزير) وأصبحت الدولة العثمانية تخاطبه في جميع الفرامانات والمراسلات باللقب الجديد (الوزير أحمد باشا الجزار) وزيادة في اعتراف الدولة بفضله برد سلطتها على جميع المقاطعات التي كانت تابعة للزيداني منحته ما كان يعرف (بالمالكان) أي حق الحكم مدى الحياة وبذا استمر الحاكم على هذه البلاد حتى وفاته عام 1804م أي ما يزيد على 28 عاماً.
إلا أنه على الرغم من ذلك لم يغير مكان إقامته في عكا، ولم يكن يؤم صيدا (مع أنها كانت المركز الرسمي للإيالة) أكثر من شهرين في العام الواحد. وبعد أن دان له معظم الجليل أخذ بمهاجمة الشمال جبل عامل وتسلم بعد معركة يارون وقتل ناصيف النصار قلعة (هونين) وقلعة (الشقيف) وقلعة (جباع) فقتل الكثير وسلب الأموال وسبى النساء حتى كانت المرأة تباع بثلث قرش وبعد ذلك أخضع مدينة صور، كما هاجم جنوده بيروت فهرب معظم سكانها وأحرقوا وقتلوا وباعوا الأسرى وأرسلوا إليه منهم الكثير فقطع رؤوس البعض وأجلس آخرين على الخازوق …
الحاكم المطلق في الشام
وبعد ذلك ولى وجهه نحو منطقتي نابلس وجنين فأخضعهما. إلا أنه عجز عن الاستيلاء على قلعة (سانور) في منطقة جنين وكان يسيطر عليها يوسف الجزار على الرغم من محاصرته لها أربعة أشهر، وعلى الرغم من تكرار مهاجمته لها بعد ذلك. وبذلك ازداد إيمان الدولة العثمانية رسوخاً به لا سيما أنه كان لا يتوانى عن إرسال الأموال لها باستمرار فتسلم منها براءة بتعيينه والياً على دمشق عام 1780. وكان من مهام والي دمشق إمارة الحج فهو الذي يسير بقافلة الحجيج إلى مكة ويحميها من هجمات البدو في الطريق، وقد تولى هذه المهمة وولاية دمشق أربع مرات في حياته إذ أن الدولة العثمانية كانت تمنح الأيالة لمن يرسل إليها الأموال الأميرية في انتظام فتعزل الواحد لتولي الآخر تبعاً للمبالغ المرسلة. وقد أظهر الجزار سخاء متناهياً بإرسال الهدايا والذهب إلى السلطان العثماني وحاشيته مما مكنه من الحصول على إيالة طرابلس في تلك الفترة بالإضافة إلى إيالة دمشق.
وبذلك خضعت له سوريا بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، فانتشر عماله من اللاذقية شمالاً إلى غزة جنوباً كما أتم سيطرته على الشوف والجبل اللبناني وكان على أمرائهما وشيوخهما أن يرضوه بالأموال لإبقائهم في سدة الحكم، مما اضطرهم إلى ظلم رعاياهم وإثقال كاهلهم بالضرائب ليتمكنوا من جمع ما وعدوا به الجزار الذي كان يبقى عنده أبناءهم ومديري ماليتهم أحياناً رهائن لديه في عكا حتى إذا تقاعسوا عن إرسال الأموال المطلوبة قام بإعدام الرهائن، وكان لهذه الغاية يلقي بذور الشقاق بين أمراء أفراد العائلة الواحدة الحاكمة، فكم من مرة فعل ذلك بين الأمير يوسف الشهابي وخاله الأمير إسماعيل ثم بين الأمير يوسف وإخوته، كما أخذ فيما بعد يحرض الأمير الفتى بشير الشهابي (الكبير فيما بعد) على الأمير يوسف ثم أبناء الأمير يوسف على الأمير بشير ـ كل ذلك تبعاً للمبالغ التي يستطيع دفعها كل منهم، فمن زادها له سانده وتنكر لغيره وهكذا ….
وفي إحدى المرات طلب من الأمير يوسف الشهابي ستمائة كيس (وكان الكيس يحتوي 500 قرش) وهذه مبالغ باهظة إذا ما تذكرنا قيمة النقد الشرائية في ذلك العهد، بدليل أنه عندما شح المطر في إحدى السنين وحصل قحط ارتفع سعر مد القمح إلى ثلاثة قروش ….
جنون وقسوة
وكانت حاجة الجزار إلى الأموال لا تفتر ليتمكن من الاحتفاظ بجيش قوي، إذ كان هو عماده الوحيد، فولاء هؤلاء الجنود المرتزقة كان يتوقف على انتظام دفع رواتبهم، ولذا عمد بالإضافة إلى ما كان يجبي من الضرائب ويفرض من المغارم ويصادر من الأموال والممتلكات إلى احتكار التجارة وكانت أولى خطواته احتكار القطن فحدد أسعاره ومنع بيعه أو شراءه من قبل أية وكالة إلا هو …. وعندما حاول التجار الأجانب تذكيره بالاتفاقات المعقودة مع الدولة العثمانية سخر من ذلك وأفهمهم أن لا سلطان غيره فهو وحده الآمر الناهي، في الأراضي التي يحكمها، ثم امتد احتكاره إلى الحبوب فأجبر المزارعين على زراعة القمح ومنعهم من بيعه أو تخزينه وصدر جميعه إلى مصر والمناطق المجاورة.
ولما امتد حكمه إلى ولاية دمشق فعل مثل ذلك في غلال حوران. وأصبح جميع المحصول يباع إلى وكلائه في عكا ومنهم فقط يستطيع التجار أن يشتروا ولم يجرؤ أي كائن على الاحتيال إذ كانت سفنه وعيونه تراقب الشواطئ والموانئ بدقة لا سيما وأنه كان قد حظر على أية سفينة مغادرة الميناء بعد الساعة الثامنة مساء، وبذلك لم يعد هناك أي مجال للتهريب، كما كانت أية محاولة من قبل التجار الفرنسيين لشراء القمح من الفلاحين يكون الرد عليها دون رحمة. ومثل هذه المحاولات أدت إلى طرده التجار الفرنسيين من عكا وصيدا عام 1790 فهو وحده يقرر أي المحاصيل يجب أن تنتج للتصدير. وبذلك كانت موارده المالية تنمو باضطراد بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الباهظة التي كان يفرضها على جميع الصادرات والواردات هذا عدا الغرامات الخاصة التي كان يفرضها بين حين وآخر على التجار والسكان المحليين ومصادرته الأملاك والمقتنيات الخاصة لسبب أو لآخر، إلا أن الدخل الأكبر كان يأتيه من الضرائب المباشرة التي كان يفرضها على الرعية.
كل ذلك جعله على جانب كبير من الثراء حتى قدر القنصل الفرنسي في عكا عام 1792م ثروته بأربعين إلى خمسين مليون قرش بينما كان الباب العالي قدر ثروة سلفه ظاهر العمر الزيداني عند وفاته عام 1775م بخمسة وعشرين مليون قرش أي أن الجزار استطاع خلال سبعة عشر عاماً من حكمه مضاعفة ثروته.
فهذه الثروة مكنته من بناء قوته الحربية وحملت إليه ولاية دمشق أربع مرات وقد حصلت عليه ثورة من قبل بعض مماليكه في 3 أيار (مايو) من عام 1789م فقمعها دون رحمة، وهذا ما زاد رغبته في جمع الأموال وتقوية جيشه، إذ رأى نفسه وحيداً، غريب الدار، لا جذور شعبية له، تكتنفه الكراهية من جميع رعاياه لشدة ظلمه وجبروته ولا مكان يلجأ إليه إذا انكسرت شوكته لا سيما بعد أن شعر أن الباب العالي قد شجع هذه الثورة عليه سراً للحد من نفوذه بعد أن تعاظمت قوته كثيراً وجعلته يتطاول على السلطنة ولا يأبه لأوامرها، كما ساعدت فرنسا على ذلك بطريقة خفية. ولما تأكد من ذلك قام بطرد التجار الفرنسيين من عكا وصيدا كما أسلفنا ومنع أي ممثل لفرنسا من العودة إلى عكا. إن تمكنه من القضاء على هذه الثورة زاد طغيانه وأصبح يشك حتى في من يصطفيهم وزاد اهتمامه بمرتزقته.
أما مظالم الجزار التي تحدث بها الركبان فكانت أكثر من أن تحصى، مظالم شملت قطع الرؤوس والشنق والقتل إفرادياً وجماعياً بالخناجر والسيوف والفؤوس واستعمال الخازوق. وقد روى شاهد عيان أنه شاهد أربعين رجلاً يصطفون أمام الأسوار لإجلاسهم على الخازوق الواحد بعد الآخر، ولم ينج من بطشه حتى رجال حاشيته فكثير منهم فروا خفية، أمثال الياس إبراهيم إده الذي فر إلى الشوف ويوسف القرداحي الذي فر إلى أوروبا. أما مديرا ماليته مخائيل وبطرس السكروج فقتلهما وصادر أموالهما كما أنه جدع أنف خازنه حاييم فارحي اليهودي وقلع عينه وأودعه السجن حيث بقي فيه إلى حين وفاة الجزار. كما كان يضع الأحياء ضمن الأسوار ويأمر بالبناء عليهم وقد شوهدت فيما بعد كثير من الهياكل العظيمة ضمن الأسوار لدى تساقط بعض حجارتها. وعند عودته من الحج في إحدى المرات وشكه في خيانة إحدى جواريه روي أنه نضا عنها ثيابها ثم قطع ثدييها وبعد ذلك بقر بطنها وألقى بأحشائها إلى السقف ثم أمر بإضرام كومة من الحطب حرق فيها 27 من جواريه إذ كان يقبض على الواحدة منهن من شعرها ويلقيها في النار. وفي رواية أخرى أنه جعل كلاً منهن في كيس وضع فيه ثعباناً وهرة ثم أمر بإلقاء الأكياس في البحر.
وبعد حادثة الخيانة هذه داخله شعور بأن الناس يسخرون منه في قرارة نفوسهم وإن لم يستطيعوا إظهار ذلك خوفاً ورعباً فتشفى منهم بصلم الآذان وجدع الأنوف وسمل العيون. ويروى أنه أمر مرة أحد الحلاقين بسمل عين أحدهم فارتجفت يد الحلاق، فقام الجزار بنفسه بالعمل بأن وضع إصبعه في عين المحكوم مقتلعاً عينه وملقياً بها في وجه الحلاق ليعلمه كيف يجيد حرفته. ومما يروى أنه كان يقتل على هواه جميع طبقات الناس سواء كانوا من العامة أو من الخاصة أو من أرباب الحرف والصناعات كيفما اتفق، ثم يطرحهم خارج الأسوار طعاماً للوحوش ثم يأمر المنادين أن يخرج أقرباء القتلى لدفن الموتى دون أن ينبسوا ببنت شفة وأن أية امرأة تبدي عويلاً تقتل فوراً.
عاش الجزار بعد انتصاره على نابليون في عكا خمس سنوات وكانت وفاته عام 1219هـ ـ 1804م فتبارى الشعراء في ذمه وتعداد مظالمه مؤرخين ذلك.
صدى الأحداث في الشعر
ومن كبار شعراء ناصيف النصار الشاعران الشيخ إبراهيم الحاريصي والشيخ إبراهيم يحيى. وقد ساهما في شعرهما بتسجيل الكثير من أحداث ذلك العصر. وقد مر في بحث (تربيخا) شعر الشيخ إبراهيم الحاريصي. وننشر هنا ما لم ينشر هناك من المساجلة بين الحاريصي والشيخ عبد الحليم، كما ننشر بعض شعر الشيخ إبراهيم يحيى الذي كان بين من تشردوا عن جبل عامل بعد واقعة (يارون) واستشهاد ناصيف النصار، فكان شعره صدى للنكبة والتشرد والغربة.
لما استولى الجزار على جبل عامل بعد قتل الأمير ناصيف بن نصار وقبض على من قبض من رؤسائه وعلمائه وقتل من قتل كالشيخ علي الخاتوني وسلمان البزي وأمثالهم وهرب من أفلت منهم من الجزار فبعضهم ذهب إلى بعلبك كالسيد محمد الأمين وبعض آل الحر وبعضهم إلى عكار وبعضهم إلى العراق وبعضهم إلى الهند وبعضهم إلى دمشق. كان الشيخ إبراهيم يحيى في جملة من هرب إلى بعلبك ولقي في هربه شدة عظيمة حتى قيل إنه بقي أياماً لا يذوق الطعام حتى وصل بعلبك فبقي فيها نحو عشرين يوماً. وفي ذلك قال القصيدة اللامية الآتية يصف فيها ما ناله ثم تردد بين دمشق وبعلبك ثم سافر إلى العراق فأقام بها مدة ثم سافر لزيارة الرضا عليه السلام في خراسان ثم عاد إلى دمشق وتوطنها إلى أن مات. وكان يتردد إلى بعلبك ويكثر الإقامة فيها.
قال وهو في النجف يحن إلى بلاده ويمدح علياً عليه السلام:
سلام به تغدو الصبا وتروح
ويعبق في ذاك الحمى ويفوح
تحية مشتاق إذا ذكر الغضا
أو السفح بات الجفن وهو سفوح
نزحتم فأجفاني تفيض دموعها
فليس لها بعد النزوح نزوح
وقد كان لي جفن شحيح بدمعه
ولكن لأمر ما يجود شحيح
لي الله كم أخفي الهوى وهو ظاهر
وأكتم سري والدموع تبيح
ومما شجا قلبي هديل حمامة
مطوقة بين الغصون تصيح
تغني سروراً بالحبيب وقربه
وأذكر بعداً منكم فأنوح
ولو ساعدتني بالجناح لكان لي
رفيف إلى مغناكم وجنوح
ألا فارحموا صبا له في عراقكم
فؤاد وجسم في الشام طريح
تحركه ريح الصبا فاضطرابه
بها كاضطراب الطير وهو ذبيح
وإن عز وصل منكم فتفضلوا
بوعد فوعد الصادقين نجيح
وإن كان في هجر المحب رضاكم
فكل الذي يرضي المليح مليح
ليسقك يا وادي السلام مجلجل
من الغيث محلول النطاق دلوح
وحسبك يا ربع الهوى من مدامعي
غبوق إذا ضن الحيا وصبوح
فقد خط في مغناك للمجد والعلا
ضريح له قلب الولي ضريح
إمام له من خالص التبر قبة
سناها على بعد المزار يلوح
أميري أمير المؤمنين وجنتي
إذا صد عني مشفق ونصيح
ويوم الغدير استوضح الحق سامع
مطيع وهل بعد الوضوح وضوح
ولكنها مالت رجال عن الهدى
وقد لاح وجه للصباح صبيح
وقد يكره الشمس المنيرة أرمد
ويعرض عن شرب القراح قريح
بعيد مناط الفخر أما مقامه
فعال وأما ربعه ففسيح
خفيف إلى داعي الوغى غير أنه
وقور إذا طاش الحليم رجيح
جواد يبذ الغاديات إذا جرى
رويداً وسار الغيث وهو مشيح
صفوح عن الجانين من بعد قدرة
وكل كريم العنصرين صفوح
حيي إذا كان الحياء فضيلة
وشهم إذا سيم الهوان جموح
جرى للعلى والحاسدون وراءه
على رسلكم أن المناخ طروح
ولست ترى في الناس أجهل من فتى
يروم لحاق الريح وهو رزيح
علا قدره عن كل مدح فقلما
يليق بجيد من علاه مديح
وما لي إذا اشتد العنا غير حبه
وحب بنيه الطاهرين مريح
عليهم سلام الله ما انبجس الحيا
وأومض برق أو تنسم ريح
وقال وهو في النجف من قصيدة:
عج بالغري وقل يا حامي النجف
تلافنا قبل أن نفضي إلى التلف
عطفاً علينا فقد أرسى بعقوتنا
من الحوادث صرف غير منصرف
خطب من الدهر لا تنبو صوارمه
ولا يطيش له سهم عن الهدف
ضرب دراك ورمي طل كل دم
منا بمتفق منه ومختلف
فيا أعز الورى جاراً وأقومهم
بالقسط في زمن العدوان والجنف
أعجوبة كيف حل الضيم ساحتنا
ونحن من حبلك الموضون في كنف
يعدو العدو علينا بين منتهب
ما نصطفيه من الدنيا ومختطف
وما هنالك ذنب غير حبكم
وبغض أعدائكم والأمر غير خفي
نمسي ونصبح في هم وفي حزن
ولا معول غير المدمع الذرف
مشردين عن الأوطان ليس لنا
مغنى يحيط بنا إلا من الأسف
فوضى إذا ما قطعنا جوف ملتقم
من العداة حوانا كف ملتفف
أرغمت يا دهر والأقدار غالبة
منا أنوف أباة الضيم والأنُف
كأننا ما رفعنا للعلى علما
يناطح الفلك الدوار بالكتف
ولا غدونا إلى الهيجاء تحملنا
خيل جياد تبذ الريح بالهرف
إذا اصبنا عظيماً هان مصرعه
فينا وأسد الشرى تجني ولم تخف
وإن أصبنا بندب قال قائلنا
ما أطيب الموت بين البيض والحجف
وكم تركنا حياض الجود مترعة
والناس من كارع فيها ومغترف
وكم ترعرع فينا ماجد بطل
سمح ينوب مناب العارض الوطف
إذا تهلل جوداً قال حاسده
تالله لا عيب في هذا سوى السرف
وكم رفعنا في التقوى منار هدى
والناس خابطة في ظلمة السدف
وكم تركنا قطوف العلم دانية
والناس ما بين مشتم ومقتطف
وكم أناخ بنا والأرض مجدبة
ضيف فألقى العصا في روضة أنف
فضل من الله آثرت الحديث به
وما سلكت سبيل البذخ والترف
يا لهف نفسي وهل يطفي أوار جوى
بين الجوانح قول المرء يا لهفي
فيا لها ليلة ليلاء قد عصفت
رياحها بجذوع الدوح والسعف
وهاكها يا علي الشأن قافية
كالبدر حسناً وحاشاها من الكلف
حوت صفاتكم ألفاظها فزهت
والفضل للدر ليس الفضل للصدف
صلى عليكم إله العرش ما طرفت
عين وما حن مشتاق إلى النجف
وقال من قصيدة:
أشكو إلى الله الزمان وطالما
مد الكسير يديه للجبار
كم سامني ضيماً وهل يرضى الفتى
وهو العزيز بذلة وصغار
يجني علي مقارباً ومجانبا
لا مرحباً بحديدة المنشار
خوف وفقر واغتراب حيث لا
يسر ولا عدوى على الاعسار
وإذا تأملت الشدائد لم تجد
كيمين مغترب بغير يسار
خطب رماني حيث لا روض الثنا
زاه ولا ماء المكارم جاري
فلأصبرن فما تطاول غيهب
إلا محاه الله بالأنوار
والحر يظهر بالنوائب فضله
وانظر إلى نار وحر نضار
وأماط عني الهم أني واثق
بالله في الإعلان والإسرار
والخير كل الخير في الأمر الذي
يجري بحكم الفاعل المختار
وبديعة كالروض تمري فوقه
أيدي الجنوب حوافل الأمطار
ما زال يبكيه الحيا حتى جرت
عبراته من أعين الأزهار
هي نفثة المصدور يخفي داءه
أبداً وقد يضطر للإظهار
وقال وأرسلها من أصفهان إلى دمشق لبعض الإخوان:
غرام وتشتيت وشوق مبرح
فلله ما يلقى الفؤاد المقرح
أما والهوى يا مي لولا معاهد
لأحبابنا فيهن مسرى ومسرح
لما بت في نار من الوجد أصطلي
لظاها وفي بحر من الدمع أسبح
أما تتقين الله يا مي في فتى
على سروات النيب يمسي ويصبح
يشيم بروق الشام وهو بفارس
لقد بعد المغدى وشط المروح
ليسقكم يا جيرة الشام وابل
من المزن محلول النطاقين مدلح
وما زلت مذ فارقتكم في صبابة
لواعجها في حبة القلب تقدح
وتضطرب الأحشاء عند ادكاركم
كما اضطرب المذبوح ساعة يذبح
فيا ليت شعري هل يبل بقربكم
فؤاد باسياف البعاد مقرح
وهل تنظر العينان يا مي أوجهاً
لها شبه بالصبح بل هي أصبح
وأنزل في الحي الذي ترتع المها
به والظباء الحاجريات تسنح
واطرح رحلي بين أهل وجيرة
لهم في سواد القلب مغنى ومطرح
وأصبح في الأحباب حيث يلفني
وإياهم روض من العيش أفيح
منى أرتجيها من كريم وقادر
فما زال يوليني الجميل ويمنح
أطوّف في الآفاق شرقاً ومغربا
ولكنني عن بابه لست أبرح
وما اخترت هذا البعد أبغي تجارة
يبور بها دين الفتى حين يربح
ولكنني والحمد لله زائر
قبوراً إذا ما زارها المرء يفلح
ولما قضيت الفرض هبت إلى السرى
نجائب منها ناجيات ورزح
إذا ما تخطت صحصحاً من مفازة
أتيح لها من قاتم ألد وصحصح
أسيربها أبغي الرضا وهي حاجة
إذا أنعم الرحمن بالنجح تنجح
فيا أيها الناؤون عني عليكم
سلام يمسي حيكم ويصبح
تحية مشتاق يكني عن الهوى
حياء ولكن الدموع تصرح
أحاول صبراً عنكم فيذودني
عن الصبر نار في الجوانح تلفح
وأرسل طرفي كي أراكم فينبري
لتشييعه دمع على الخد يسفح
وقال يحن إلى بلدة (جبع) في جبل عامل من قصيدة:
ولي أمل أن يجمع الله شملنا
على خير ما نرجوه في خير مقعد
لدى «جبع» الغراء حيث تنافست
بنو المجد في كسب الثناء المخلد
وحيث عيون المكرمات تفجرت
على رائح يشكو الظماء ومغتدي
وحيث الهدى والدين شد نطاقه
على كل حر بالفضائل مرتدي
وحيث الرياض الخضر يبكي بها الحيا
فتضحك عن مثل الجمان المنضد
وحيث لجين الماء يجري وفوقه
من الدوح أزهى خيمة من زبرجد
منازل أحباب ودار مسرة
ومطمح آمال وغاية مقصد
سقى الله هاتيك البلاد
ملث الغوادي من لجين وعسجد
واطلع في آفاقها أنجم الهدى
وطهرها من كل رجس ومعتدي
ورد إلى أوطانه كل شاسع
يكابد ذلاً بعد عز موطد
فقد عيل صبر الصابرين ومزقت
يد الجور جلد الصابر المتجلد
وقال وأرسلها من العراق إلى الشام من قصيدة:
سلام وهل يشفي الغليل سلام
وقد نزحت دار وعز مرام
تحية مشغوف يحن إلى اللقا
حنين وليد نال منه فطام
حليف سهاد طلق النوم بعدكم
ثلاثاً فراح اليوم وهو حرام
قضى لي هواكم أن أبيت مسهداً
وأنتم نيام والخلي ينام
وما ضر إبراهيم نار غرامه
إذا صح برد منكم وسلام
لعمري لقد أججتم بفراقكم
لواعج لا يخبو لهن ضرام
وحملتم جسمي على ضعفه جوى
يئط ثبير تحته وشمام
أما وهواكم وهي حلفة صادق
يرى أن مكذوب الكلام كلام
لقد لعبت أيدي الهوى بحشاشتي
كما لعبت بالشاربين مدام
أشيم بروق الشام شوقاً إليكم
وهيهات من دار السلام شآم
وارمي بطرفي نحوكم كي أراكم
فتأبى موام بينا وأكام
ليسقكم يا جيرة الشام وابل
ركام وهل يسقي الغمام غمام
ولا غرو إن سقت الحيا لمعالم
لأفلاذ قلبي بينهن مقام
مسرة نفسي والجديرون بالهوى
وإن نبهوني للغرام وناموا
تركتهم فوضى وحسبي وحسبهم
من الله مولى كافل وعصام
نعم حبذا تلك المغاني وحبذا
نزولي بها والمزعجات نيام
قضى حسنها أن لا نلام بحبها
ومن هام بالفردوس كيف يلام
معاهد يأتيها الخلي من الهوى
فيصدر عنها والغرام غرام
وثم رياض مونقات يزينها
من النور فذ مشرق وتوام
حدائق بالأكمام يرقص دوحها
إذا ما تغنى في الغصون حمام
وإني لحران إلى مائها الذي
له بين هاتيك الرياض زحام
لي الله كم خيمت فيهن نازلا
وما لي سوى الظل الظليل خيام
وحولي إخوان كرام تعاقدوا
على المجد شيخ منهم وغلام
مساميح أما ما أصابوا من الغنى
فطل وأما جودهم فركام
ميامين تنجاب الهموم بقربهم
كما انجاب من نور الصباح ظلام
يضيع ذمام الود إلا لديهم
وعند كريم لا يضيع ذمام
وقال في غربته يحن إلى جبل عامل:
أكفكف دمع العين وهو غزير
وأكتم نار القلب وهي تفور
وأنتشق الأرواح من نحو (عامل)
وفيها لمثلي سلوة وسرور
وأنهض من شوق إلى ذلك الحمى
وكيف نهوضي والجناح كسير
منازل أحباب إذا ما ذكرتهم
شرقت بماء المزن وهو نمير
وبي ظمأ برح وفيها موارد
وما هي إلا أوجه وثغور
ولي عندها أفلاذ قلب تركتها
ومنها صغير باغم وكبير
وقد كان يشجيني تفرق ساعة
فكيف وقد مرت علي شهور
ولي أمل أن يجمع الله بيننا
وينظم هذا الشمل وهو نثير
فقد زال صبري عنهم وتصبري
وإن كان شيء منه فهو يسير
وغراء من عليا نزار تطلعت
إلي بعين الظبي وهو غرير
تسائل عني لا بألفاظ ناطق
ولكن بأغصان اللجين تشير
فقلت لها والعين يرفض دمعها
وقد بادرتني أنة وزفير
كريم رماه الدهر في دار غربة
فأصبح في دور الضلال يدور
صبور على جور الزمان وقلما
يخيب وإن طال البلاء صبور
تروح عليه النائبات وتغتدي
وليس يبالي بالرياح ثبير
قضى ما قضى في (عامل) تصرمت
حبال الأماني والحياة غرور
وقوض عنها حين أظلم جوها
وغابت من الحي الحلال بدور
وكيف يطيب العيش بين منازل
وفيهن كلب للكرام عقور
خليلي إن الظلم طال ظلامه
فهل من تباشير الصباح بشير
سئمت مقامي في دمشق وقلما
يسر وما زال الوثاق أسير
أروح وأغدو ظامياً في ربوعها
وللماء حولي صيحة وخرير
لحى الله دهراً سامني خطة الردى
وجار وبعض المالكين يجور
وحملني ما لا أطيق احتماله
ألا كل شيء لا يطاق عسير
وأخلى سماء المجد من زهرة العلا
وكان لها نور يضوع ونور
وبدد أنصاري على الدهر حيث لا
يصاب لمثلي في الزمان نصير
وصيرهم ما بين حي مروع
يطير مع العنقاء حيث تطير
وبين قتيل يشهد الله أنه
شهيد له قبل النشور نشور
كأن لم يكونوا في مقام من العلى
عليٍ يرد الطرف وهو حسير
ولا خطبوا بكر العلا ونفوسهم
لها وهي أغلى ما يساق مهور
ولا فاز منهم بالأمان وبالمنى
غني أتاهم خائفاً وفقير
ولا نال ما يرجو من الدهر عنوة
رئيس ثوى في ظلهم وأمير
ولا خفقت أعلامهم فوق فيلق
كما رفرفت فوق الفضاء طيور
ولا سمعوا صوت المنادي فبادروا
كبير كسرحان الغضا وصغير
ولا طوقوا بالمشرفية والقنا
وزيراً غشوماً يقتفيه وزير
ولا أرغموا من آل قيس معاطساً
لها العز شرب والثناء سمير
وما أنس لا أنس الغداة وقد أتوا
لهم عدد فيما يرون كثير
ألموا بنا رأد الضحى ثم هجهجوا
بنا فتلاقى زائر ومزور
فما واقفوا إلا قليلاً وأدبروا
فقل في هشيم دغدغته دبور
يشلهم من آل نصار ضيغم
وصل إذا سيم الهوان يثور
وأبلج ميمون النقيبة وجهه
إذا ما دجا ليل القتام منير
طويل إذا ما طاولته بنو العلى
وإن طلب الأوتار فهو قصير
فغادرهم صرعى كأن جسومهم
زقاق جرى منها الغداة خمور
وجب سنام المجد منهم فأصبحوا
وللذل فيهم روحة وبكور
ومن نكد الأيام أن «شهابهم»
له بعد ما زال النهار ظهور
فلا تعذلاني إن شكوت فإنما
يجرجر من حمل الثقيل بعير
ولا تأنفا لي إن شكرت عصابة
بهم طاب عيشي فالكريم شكور
وما عذر مثلي أن يضمن بشكره
على منعم إني إذاً لكفور
وعندي مما خول الله مقول
يدور البديع الفرد حيث يدور
قواف إذا جرت جلابيب حسنها
تطامن حسان لها وجرير
وإن كثر المستشعرون فعندنا
لباب وعند المدعين قشور
ولا تستوي والحق أبلج واضح
قصور تناجيها الصبا وقبور
ولا أرتجي بلّ الغليل من الورى
فقد قلّ ورد فيهم وصدور
عناء لعمري نالني بعد راحة
وللدهر ظل مرة وحرور
سأصبر أو تنجاب كل ملمة
وللصبح من بعد الظلام سفور
وقال يتشوق إلى أهله ووطنه من قصيدة:
من لي برد مواسم اللذات
والعين بين فتى وبين فتاة
ورجوع أيام مضين بعامل
بين الجبال الشم والهضبات
عهدي بهاتيك المعاهد والدمى
فيهن مثل الحور في الجنات
والروض أفيح والجناب ممنع
والورد صاف والزمان مواتي
والشمل مجتمع وإخوان الصفا
أحنى من الآباء والأمات
إذ لا ترى إلا كريماً كفه
والوجه عين حيا وعين حياة
أو مولعاً بالجود تفهق قدره
ويداه بالمعروف في اللزبات
تختال في المغنى الرحيب ضيوفه
إن الكرام رحيبة الساحات
أو فارساً يغشى الوغد بمهند
ينقض مثل النجم في الهبوات
يجلو بهمته الهموم إذا دجت
إن الهموم تزول بالهمات
ما دام في قيد الحياة فدهره
يومان يوم وغى ويوم هبات
وإذا مضى لم يبق غير مكرم
ومطهم ومخذم وقناة
أو عالماً حبراً إذا باحثته
حشد المحيط عليك بالغمرات
وإذا اقتبست النور من مشكاته
أهدى إليك البدر في الظلمات
أو عابداً لله تعظيماً له
لم يعن بالرغبات والرهبات
يخشى الإله وما أصاب محرما
فكأنه يخشى من الحسنات
حتى إذا سيم الهوان رأيته
كالليث أيقظه نطاح الشاة
أو شاعراً ذرب اللسان تخاله
قحاً ترعرع في الزمان العاتي
طباً بكل غريبة وحشية
نشأت مع الأرام في الفلوات
ويصوغ كل بدية حضرية
مصقولة الألفاظ كالمرآة
إن قال بذ القائلين وقصروا
عن درك سباق إلى الغايات
لهفي على تلك الديار وأهلها
لو كان تنفع غلتي لهفاتي
يا ليت شعري هل أرى ذاك الحمى
حال من الفتيان والفتيات
سرعان ما درجت أويقات اللقا
إن البروق سريعة الخطوات
أشكو إلى الرحمن بُعد أحبة
عصف الزمان بهم وقرب عداة
خطب دعاني للخروج من الحمى
فخرجت بعد تلوم وأناة
وتركته خوف الهوان وربما
ترك النمير مخافة الهلكات
وقال يرثي ناصيف النصار ويصف دمشق الشام وذلك عند خروجه من الوطن هارباً إلى دمشق من قصيدة:
مضى ما مضى والدهر بؤس وأنعم
وصبر الفتى إن مسه الضر أحزم
وإن كان في الشكوى كما قيل راحة
فعندي منها ما يمض ويؤلم
إلى الله نشكو لا إلى الناس إنه
بنا من ذوي القربى أبر وأرحم
فراق ولا وصل وفقر ولا غنى
وخوف ولا أمن وضد محكم
يقولون بُعد الألف أعظم شدة
وقرب العدى عندي أشد وأعظم
يعز علينا أن نروح ومصرنا
لفرعون مغنى يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خلية
وفيها لأهل الجور جيش عرمرم
فلا باذل زاداً ولا قائل هدى
ولا دافع ضيماً ولا متكرم
وعهدي بها مأهولة وربيعها
على كل مرتاد العناد محرم
وكان لها من آل نصار صارم
صقيل وسهم لا يطيش ولهذم
هو الليث بل أعدى من الليث في العدى
هو الغيث بل أندى بناناً وأكرم
جواد جرى والسابقين إلى العلا
فجاز مداها والكرام تجمجم
ولا أمتري إن الأنابيب فضلها
جلي ولكن السنان المقدم
هو البدر وافاه المحاق وإنما
يكون خسوف البدر وهو متمم
قضى في ظلال المرهفات مطهرا
وأي شهيد لا يطهره الدم
فقدناه فقدان الصباح ومن لنا
بطلعته الغراء والدهر مظلم
فجعلنا به والشمس في رونق الضحى
فلم نمس إلا والبلاء مخيم
وعاثت يد الأيام فينا فمجدنا
وبالرغم مني أن أقول مهدم
ولست ترى إلا قتيلاً وهارباً
سليباً ومكبولاً يغل ويرغم
وكم عالم في عامل طوحت به
طوائح خطب جرحها ليس يلأم
وأصبح في قيد الهوان مكبلاً
وأعظم شيء عالم لا يعظم
وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى
وفي جيده حبل من الذل محكم
يدين بدين الكافرين مخافة
ألا رب شيء حل وهو محرم
وكم هائم في الأرض تهفو بلبه
قوادم أفكار تغول وتتهم
ولما رأيت الظلم طال ظلامه
وإن صباح العدل لا يتبسم
ترحلت عن دار الهوان وقلما
يطيب الثوا في الدار والجار أرقم
ولما بلغت الشام صادفت جنة
بها الحور والولدان فذ وتوأم
هي الغادة الحسناء ترقص فرحة
فينثر دينار عليها ودرهم
تبختر في ثوب الغنى وهو مسبل
وتختال في برد الهنا وهو معلم
وأنهارها تفتر عن درر الحصا
ويظهر مكنون الثغور التبسم
وكم روضة فيحاء قد نثر الحيا
عليها فريداً قلما يتنظم
رياض إذا هز النسيم غصونها
تأوه مشتاق وحن متيم
وإن أخرجت من كمها يانع الجنا
تشارك فيه العين والأنف والفم
لها مبسم بالأقحوان مفضض
وخد أسيل بالشقيق معندم
تبارك من أولى الشآم محاسنا
غرائبها يمن لمن يتشأم
محاسنها شتى جلي وغامض
وجوهرها في الحسن لا يتقسم
هي الدار نعم الدار لو أن عيشها
يدوم ولكن الفناء محتم
وفيها هنات لو أردت كشفتها
ولكنني عن مثل ذلك ملجم
إلى الله نشكو من خطوب أخفها
يئط ثبير تحته ويلملم
لقد جرحتنا شر جرح وما لنا
سوى فرج يأتي به الله مرهم
وظني أن الله جل جلاله
سيجبر هذا الكسر منا ويرحم
وقال من قصيدة:
تذكرت والمحزون جم التذكر
مسرة أيام مضين وأعصر
إذا الدهر سمح والشبيبة عودها
رطيب وصفو العيش لم يتكدر
ندير كؤوس الود تطفح بالصفا
ونأوي إلى روض من العيش أخضر
منازلنا مأوى الغريب وظلنا
ترف حواشيه على كل مصحر
وأكنافنا مخضلة وأكفنا
تفيض على مثر لدينا ومقتر
نسوق الأبي المستميت بأبيض
صقيل ونقتاد الحرون بأسمر
وجار سوانا في الحضيض وجارنا
منصته فوق السحاب المسخر
وتشرق أشراق الصباح وجوهنا
إذا ما دجا في مأزق ليل عثير
نغلس في كسب المعالي وغيرنا
نؤوم الضحى والمجد حظ المبكر
نسوس الورى بالعدل شرقاً ومغربا
فكم أسد جار حكم جؤذر
وسامرنا في الحي كل مهلل
يصيح بأعلى صوته ومكبر
ما زال هذا دأبنا وزنادنا
وراء المنى من كل مكرمة وري
ولا غرو إن جار الزمان فإنه
على سنة في الجور لم تتغير
شريد فريد في الشآم مقلقل
كأني بها ثاو على روق أعفر
ثلاثة أعوام أكابد ضيمها
صبوراً على مثل الشراب المصبر
وقال وهو في مدينة الحلة بالعراق من قصيدة:
لقد طال عمر الهجر يا أم عامر
ورثت حبال الصبر من كل صابر
وحن إلى أرض الشآم معرق
تدافعه عنها أكف المقادر
وباح بمكنون الصبابة مدنف
على حمل أعباء الهوى غير قادر
وما كلفي بالشام والله عالم
لزاه يروق الناظرين وزاهر
ولا هزني مر النسيم بناضر
من الدوح يغري بالهوى كل ناظر
ولا نزعت نفسي إلى ظلها الذي
له هجرتي كانت زمان الهواجر
ولا آنست نار الهوى من أوانس
هنالك أمثال الظباء النوافر
ربارب لا ينجو من الأسر ضيغم
لديها إذا بثت حبال الظفائر
وليس حنيني للشآم وإنما
حنيني لأفلاذ الفؤاد الأصاغر
تركتهم والله خير خليفة
وأسلمتهم والله أعظم ناصر
رعى الله أحباباً إذا ما ذكرتهم
حسبت فؤادي في مخاليب كاسر
أسائل عن أخبارهم كل وارد
وأطرح أخباري على كل صادر
وإن ضحك البرق الشآمي أسبلت
جفوني بمنهل من الدمع هامر
وإن خفقت ريح الشمال تبرجت
على الرغم مني محصنات السرائر
فيا ليت شعري هل يزول دجى النوى
ونصبح في صبح من الوصل سافر
ويلقي العصا بين الأحبة مزمع
مضى عمره ما بين خف وحافر
ويسفر وجه الدين في أرض (عامل)
على رغم ضليل هناك وكافر
وينشر فيها العدل رايته التي
يذوق الردى في ظلها كل جائر
أكف رفعناها إلى خير منعم
وكسر شكوناه إلى خير جابر
فراق وفقر واغتراب ثلاثة
قد اعترضت بين اللهى والحناجر
وأصبح باقينا ترامى به النوى
فمن منجد في المنجدين وغائر
ففي جلق يوماً ويوماً ببابل
وبالمنحنى يوماً ويوماً بحاجر
أخاطر بالنفس النفيسة راكبا
متون السرى والمجد حظ المخاطر
إذا ما أماط الصبح عني رداءه
لبست جلابيب الدجى والدياجر
ولا نهر إلا سراب بقيعة
ولا سمر إلا حنين الأباعر
وقال يشكو الزمان ويتشوق إلى الأهل والأوطان من قصيدة:
غريب يمد الطرف نحو بلاده
فيرجع بالحرمان وهو همول
إذا ذكر الأوطان فاضت دموعه
كما استبقت يوم الرهان خيول
وإن ذكر الاحباب حن إليهم
كما حن من بعد الفطام فصيل
هم الأهل لا برق المودة خلب
لديهم ولا ربع الوداد محيل
مساميح أما ما حوته أكفهم
فنزر وأما جودهم فجزيل
فيا روضة فيحاء لي من لبابها
ولا فخر فرع طيب وأصول
سقى الله مغناكم وجاد بلادكم
من الغيث محلول النطاق هطول
فيصبح في جيد الرياض وسوقها
قلائد من دمع الحيا وحجول
وإن بخل الوسمي عنكم بمائه
فجفني لكم بالغاديات كفيل
خرجت برغمي من بلاد وأسرة
ويسر فهل بعد الخروج دخول
وصرت غريباً لا حميم ولا حمى
فهل في حماكم للغريب مقيل
وإني لحران الفؤاد إليكم
فهل لي إلى عين الحياة سبيل
وتعترض الحاجات بيني وبينكم
وليس لنا غير النسيم رسول
ليهنكم أن القلوب لديكم
وإن بعدت منا الجسوم حلول
أزيدكم حباً وإن زدتم نوى
وأكرم نفسي أن يقال ملول
وأنتحل السلوان عنكم وربما
تماسك بعض الناس وهو نحيل
إلى الله أشو ما لقيت من النوى
وعهدي به يعطي المنى وينيل
ويحلو لعيني أن تراكم وجفنها
بتربكم طول الزمان كحيل
وكيف اكتحالي من ثراكم وبيننا
من الأرض ميل لا يرام وميل
ومما شجا قلبي وأجرى مدامعي
وألقى علي الهم وهو ثقيل
نزولي وقد فارقتكم في عصابة
سواء لديهم عالم وجهول
وكيف يطيب العيش بين معاشر
جوادهم بالأبيضين بخيل
سواسية لا يأمن الجور جارهم
ولو أنه للنيرين سليل
يضام لدى أبياتهم كل نازل
وعند كريم لا يضام نزيل
وليس مقام الذل ضربة لازم
وفي الأرض حزن واسع وسهول
وأي نتاج يرتجى من مطالب
مواعيد عرقوب لهن بعول
نزلت نزول الغيث فيها وليتني
عبرت عبور الريح وهو عجول
لقد جار دهر ساقني لجوارهم
ومني ومنهم شمأل وقبول
تراب لها من بلدة لو وردتها
سقتك بكأس الهم وهو قتول
وجدت بها من الهوان كأنني
مهين ومجدي لو علمت أثيل
أكابد ذلاً بعد عز موطد
وكل غريب في اللئام ذليل
كأني لم أسحب من الفضل حلة
لها فوق أعناق السحاب ذيول
ولا ضمني صدر رحيب تحوطه
أسود لها زرق الأسنة غيل
ولا طار ذكري في رجال تخالهم
بزاة إذا لف الرعيل رعيل
بلابل صدر تبعث القول عنوة
لكل جواد في الرباط صهيل
أنابذها والصبر لي خير ناصر
وأصدر عنها والنصير قتيل
لقد عثرت منا الجدود وحسبنا
من الله وهو المستعان مقيل
ويعجبني خطب من الدهر أدهم
له غرر من لطفه وحجول
كذاك تناهي الشر خير لأنه
على فرج الله القريب دليل
وعدا القصيدة التي نظمها الشيخ عبد الحليم ورد عليها الشيخ إبراهيم، اللتين نشرناهما في بحث (تربيخا) فإن الشيخ عبد الحليم رد على رد الشيخ إبراهيم، فرد الشيخ إبراهيم مرة ثانية على الشيخ عبد الحليم.
قال الشيخ عبد الحليم:
سبقت فما شق الغبي غبارها
وسمت فما بلغ البليغ مدارها
وسرت مسار النجم وهي مصونة
عن درك غير ذوي النهى أسرارها
وتحجبت ببراقع شيحية
وتسربلت رند الربَى وعرارها
وحشية ترعى بقيعان الغضى
قيصومها وبريرها وبهارها
ما أوجست في النفس نبأة خاتر
إلا استزادت بالوجيس نفارها
عجباً لها كيف البصير وقد نأت
عن ذي البصيرة حاول استبصارها
واهاً له من ذي شطاطٍ عاسفٍ
لم يهد من طرق الرشاد منارها
كيف السبيل لنقض أهرامية
نقل الرواة إلى الورى أخبارها
بجعاجع لو جسمت من عنبرٍ
واستافها الحادي لمج خيارها
غفل فلا معنى يروق لناظرٍ
فيها ولا سبل يزين فقارها
لو كنت معنياً بقول زعانفٍ
لأمطت عن تلك العقيم خمارها
وكشفت عن تلك المريبة جلها
لترى البرية عرها وعرارها
لكن رأيت من السفاه مساسها
عبثاً وإن من المجون سبارها
وكفى بمطلعها الركيك وتلوه
فهما أبانا للغبي شنارها
وانظر لهذاك النسيب ترى به
عنفاً يطير من النفوس شرارها
وكفى بمخلصها المشوب رقاعة
ومتى جعلتم في الثغور مدارها
قل لي متى ألقى الزمان قياده
لذويك سقّيت المنون خمارها
أو ما شعرت بضد ما برقشته
حيث الزيادة جاوزت مقدارها
ما أنت في عليا معدٍ معرقاً
كلا ولم تكُ في الفخار نزارها
لو نافرتك بنو شهاب في الفعلا
هل تستطيع هبلت أنت نفارها
كم طوقوك بمنةٍ وبضدها
لولا عوالينا استدمت مرارها
فهم إذا عد المفاخر مُصقع
كانوا من الجل الكرام كبارها
فاسأل معاشرك الكرام فإنهم
أدرى بمن فك الأسار صغارها
من آل زيدان الألى شادوا العلى
بعوارفٍ لم تستطع إنكارها
فهم الأُلى اتخذوا العوارف سنة
واستسهلوا من صعبها أوعارها
وسواهم إن رام ذاك فمقتف
تلك الجحاجح تابع آثارها
وهم الألى قد عودوا سمر القنا
والمرهقات طوالها وقصارها
وِرْدَ العلاصم والأباهر والكلا
حتى استردوا للجفون غرارها
فاعرف ولا يجديك ما لم ترعوِ
إن الحمية حركت أوتارها
ما محسن إيراد نيبٍ جلة
من لا يراعي محسناً إصدارها
طَرّيتَ نعم فتًى ونعم مجلياً
حامي الحقيقة دافع أضرارها
ناصيف نعم أخو المكارم والعلا
حامي العشيرة حامل أوزارها
ولرب مظلمة تفاقم خطبها
بالمرهفات دعي لها فأنارها
سباق غايات وليس مصلياً
حيث المذاكي ألهبت مضمارها
سخنين ما سخنين ويك وهل بها
خضتم وقد حمي الوطيس غمارها
وبيوم قاقون شهدتم حربها
ردأ وكنتم لليمين سوارها
لكن شهدتم من صلى نيرانها
ومن الذي تلك الصحون أدارها
لم تشهدوا منها سوى دخانها
وكما تناقد ألهبت أقطارها
إن دمتم عند السوالف منكم
لم تبلغوا مما لنا معشارها
ومن السفاهة والسفاهة كاسمها
قول الشويعر أشعرته شعارها
يا جيرة مالت بها أهواؤها
وهو الذي قد أزرته إزارها
قل لي لحاك الله ما جلب القضا
ومن التي جلب الفساد عثارها
ومن التي باءت بأخسر صفقةٍ
ومن التي كان المآل دثارها
ومن التي جاءت بما لا ينبغي
ومن التي أعفى الإله ديارها
إن لم نعظم ويحكم سنن النبي
وآله أو لم نكن أنصارها
فمن الذي يحمي حماها عنوة
إن عضها أهل الهوى أحبارها
ومن الذي بادا بظلم واعتدى
ومن الذي تلك الحروب أثارها
ساورت نعما لست من أكفائها
ثكلتك أمك لو عرفت نجارها
لولا ذكرت صرامها وعرامها
فصغرت عن ذكراكها ومزارها
أتقول نعما أعرضت لا عن قلاً
منها وهذا موضح إنكارها
أخطأت لم تدر مدارات المها
ولقد أثرت بذي اللحى أوغارها
فلئن قلتك فرفض مثلك ما عدا
عين الصواب وقد خفرت جوارها
فأجابه الشيخ إبراهيم:
ما السبق فخراً إن بدا ما ضارها
ولقد بدى فادخل بها أوكارها
أو ما ترى الأخرى أتت في أثرها
تعدو ولم يشك الزمان عثارها
وثَبَت بغير تكلفٍ وتعنت
فقضت بأيسر خطوها أوطارها
ليس الوجيه بذي الوجاهة عندها
كلا ولا الغبرا تشق غبارها
أنسيَّة الأخلاق لا وحشية
ترعى البهار وتستزيد نفارها
وكفاك حاريصية أودى بهاد
فرط الحياة فصيرته خمارها
وبدت لناظر حسنها آدابها
ومن المكارم أسبلت أستارها
تعطيك معناها أوائل لفظها
كملاً ويستحلي الحجا تكرارها
برعت بأحسن مطلع وبمخلص
كذب الذي ألفا بذين عوارها
ما أنشدت في محفل إلا زها
برقيق معنى مجتلٍ أنوارها
أبدت محاسنها مساوي غيرها
لذوي العقول وأظهرت إضمارها
ومشت إليها وهي فاغرةٌ لها
ثغراً تلقفها وأبقى عارها
كعصاة موسى حين جاء بسحره
فرعونه فاستنكر استظهارها
فعلام مولانا يصغر شأنها
ويحط عند أولي النهى مقدارها
ويقول تلك جعاجع مع أنها
حسناء عينيه الغزال أعارها
لو كان ناظرها بعين كثّير
لرأى الرقاعة كلها استحقارها
لكن دعوه فضرة من شأنها
تهزأ بِضرتها لتأخذ ثارها
وتقول إفكاً تلك غير عفيفة
من غير ليلتها تضاجع جارها
والوجد هيّج ما بها من ساكنٍ
منها وإن هي زيَّنت أطمارها
ومن السفاهة أنه قد نال من
نفرٍ حمت بشبا الحسام ذمارها
ورقت بأجنحة الإباء إلى العلا
فبنّت على هام المجرة دارها
وأتَت إليها بكركل فضيلةٍ
تسعى وقد حلَّت لها أزرارها
من آل نصار الأُلى كم أعملت
في دفع كل ملمةٍ أفكارها
هي إن تسِر فإلى العراك وإن تُقِم
بلغ الكفاية من يَؤم عقارها
فمتى ترى الحرب العوان ولم تكن
تذكي بأطراف الأسنة نارها
أياً كنا صيفٍ ترى وهو الذي
حاز المفاخر واجتلا أبكارها
ما حاربته قبيلة إلا انثنى
نكصاً على أعقابه جبَّارها
ما قلت فيه وما أقول فإنه
لم يحصِ من أوصافه معشارها
أعلى بني نصار ويحك تجتري
لم لا تراع قدرها وفخارها
فبني الشهاب شهاب كل ممرّدٍ
ولربما بالأمس ذقت شرارها
وبلوتها فرأيت كل بليةٍ
هذا وما سلّت عليك شفارها
أوَ عاقلٍ يومي إلى من فوقه
أفٍّ لنفس لا ترى إكبارها
وتقول من جهلٍ وعدم تدبرٍ
إن الحمية حركت أوتارها
أحميةٌ في غير نيل فضيلةٍ
في الدين يرضى ربنا إيثارها
ماذا صنعتم يوم وقعة ملحم
أجهلت إن لم تركبوا أخطارها
بل يوم مرجعيون كنتم أعيناً
تلك الجليلة لا نرى إنكارها
كنتم لنا فيها على الأعدا يداً
بيضاء لا ننسى لكم آثارها
لكن بعثمان اجترأتم يومها
لولاه ما خضتم هناك غمارها
فهو الذي ما قاد يوم كريهة
خيلاً وولت خصمها أدبارها
وغشمشم صعب اللقا لا ينثني
حيث المنيّة أنشبت أظفارها
لم لا ترى أيامنا في خصمكم
والحرب فيها لم تضع أوزارها
فعلام نجل العظم جاء بجحفل
لجبٍ وأنزل بالبلاد دثارها
لا علم مع حُمقٍ فلا تكُ سالكاً
طرق الجهالة حاملاً أوزارها
فقل الصواب فلا يليق بك الخطا
والكذب ليس بمرخصٍ أسعارها
تيك الفوارس خيلها وسيوفها
ورماحها قد خالفت أخبارها
شهدت بأن كماتها من فورها
قد أسلمتها وانتحت أوعارها
واسأل بقية من نجا من هولها
هل غير ناصيف التقى أخيارها
قلب اليمين على الشمال وساقها
قسراً وألحق باليمين يسارها
وتقول نعما لست من أكفائها
أصلاً وإني قد خفرت جوارها
ما أنت من أنساب أرباب العلا
فيما علمت نجارنا ونجارها
يا شاعر الدنيا وليس شويعراً
لكن عليه رحى الهجاء أدارها
قعدت عن العليا به آدابه
حنقاً عليه ومزقت أطمارها
وهوت لمركزها الثرى وتسترت
لما رأته مقرها وقرارها
كانت ممتعة به فتنغصت
لما بوحشته الضجيج أغارها
وارى ذكاها في دجنة وهمه
المدخول فاستولى الكسوف نهارها
طلبتك من شهم ذكيٍّ نبذة
نَبَذَتْكَ فاطعم ما حييت مرارها
أبَلَغَت من عُظم المقام سوى اجتنا
هائية ألقت عليك شنارها
لم لا تراعي للأمور عواقباً
تلك السفاهة أزرتك إزارها
أتميل أرباب العلوم إلى الهجا
فلقد خفضت مقامها ومنارها
ألبست ثوب فضيحة ومذلة
أبناء جنسك واجتلبت صغارها
إنّ الإنا وإذا أتتك مذمتي
قد أذهبا عن مهجتي أوغارها
أتقول لا حرج علي وتبتغي
حربي فها هي أسعرت مضمارها
فاقدم إذا شئت العراك أو اتئب
عن ورطةٍ مدت عليك غبارها
ومن شعراء عهد ناصيف النصار الشيخ حسن سليمان المتوفى سنة 1184هـ وهو لم يدرك وقعة يارون، ولكنه ساهم بالنضال الشعري الذي قام بين شعراء ظاهر العمر وشعراء ناصيف، فقال يرد على الشيخ عبد الحليم النابلسي الذي هاجم العامليين بشعره، فرد عليه الشيخ إبراهيم الحاريصي، كما تقدم، كما رد عليه الشيخ حسن بهذه القصيدة:
عني إليك فهل بلغت مزارها
وحللت في طلب الوصال ديارها
وشممت أيام الحياة أريجها
وخلعت في روق الشباب خمارها
وأسمت لحظك في رياض جنانها
وقطفت فيما تدعي أزهارها
أنى تفوز بها وقد ضربت على
هام المجرة عنوة أستارها
أين الثريا والسماك من الثرى
إن كنت ممن يستبين مدارها
دع عنك يا مغرور نخوة مبدع
لا يهتدي أبد الزمان منارها
لا تبلغن بك الحمية مبلغا
لا يرتدي أهلوه إلا عارها
هي عزة لمن اهتدى ومذلة
لمن اعتدى متحملاً أوزارها
كم حركت قدما أغرة معشر
فتبؤوا يوم القيامة نارها
ما أنت والتعريض بالنفر الأولى
أمسى الكفاح شعارها ودثارها
من كل شريب النجيع وأشوس
يبتز من أسد الشرى أعمارها
سل يوم طربيخا وقد هجم الردى
والحرب تقتدح الكماة شرارها
هل كان غيرهم يمج سنانه
حتفاً ويردي في الوغى أشرارها
حتى أصابوا الخيل ثمة مغنما
وحملتم أبد الزمان شنارها
ونكصتم رغماً على أعقابكم
تتطلبون من الربى أوكارها
ما خلت إلا أن أملاك السما
كانت كما كنا به أنصارها
في فيلق لا يستقر حمية
حتى يبيد من العدى فجارها
لا يبتغي إلا الصوارم عصمة
في كل ملحمة يخوض غمارها
من كل مفتول السواعد ألأشوس
لا يرعوي حتى يسد عوارها
أقسمت لو أن المنية سلعة
ما سامها الأهم واختارها
لو كنت تفهم ما أقول منحتني
صفو المودة إذ حميت ذمارها
لا ألفينك ما حييت معرضا
بهجاء قوم لا تشق غبارها
وإليك شعرور الزمان هدية
تحيي النفوس إذا شممت عرارها
يادكار
اسم مجلة أصدرها في طهران الباحث الإيراني عباس إقبال المولود سنة 1314هـ والمتوفى سنة 1374. وقد صدر أول عدد منها سنة 1365هـ واستمرت في الصدور خمس سنوات. وكانت في رأس المجلات الإيرانية في عهدها، تتفرد بالتحقيقات والمباحث المطولة وتكاد تكون من دفتها حتى دفتها أبواباً مقسمة يختص كل باب منها بنوع أدبي أو علمي واحد، مثال ذلك: (تحقيقات أدبية) و(صفحة من تاريخ المشروطة)، و(نسخ خطية) ثم (مسائل اليوم) وهو الباب الوحيد الذي يطرق مختلف النواحي الاجتماعية وكان يكتبه صاحب المجلة بنفسه في كل عدد، وغير ذلك من أبواب عديدة.
الياقوت
اسم كتاب لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت.
أوّل من شرح هذا الكتاب عبد الحميد بن محمد المدائني المعروف بابن أبي الحديد، ثم شرحه العلامة الحلي وسماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وحققه السيد محمد النجمي الزنجاني وطبع في جامعة طهران وأعيد طبعه بالأوفست في قم ومع ذلك وجد فيه أخطاء كثيرة.
ومن الجدير بالذكر أن المقارنة بين المباحث الكلامية المطروحة في كتابي الياقوت ونهج المسترشدين للعلامة الحلي ترشدنا إلى أن العلامة كان إلى حد كبير متأثراً بابن نوبخت وأسلوبه البياني في كتاب الياقوت. وشرح أنوار الملكوت السيد عميد الدين الاعرجي الحلّي.
ثم شرح الياقوت أيضاً الشيخ شهاب الدين إسماعيل ابن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله الحسين العاملي وسمّاه أرجوزة في شرح الياقوت.
وبنو نوبخت([130]) بيت معروف من الشيعة منسوبون إلى نوبخت الفارسي المنجِّم([131])، نبغ منهم كثير من أهل العلم والمعرفة بالكلام والأخبار والنجوم([132]) والفرق الإسلامية واشتهر منهم بعلم الكلام جماعة أشهرهم أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو محمد الحسن ابن موسى النوبختي وأبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وكان لهم إلمام بالفلسفة وسائر علوم الأوائل ونظر في الأصول واطلاع على الكتب الفلسفية المترجمة إلى العربية والحركات السياسية في عهد الدولة العباسية.
ولما كان لبعضهم مخالفات يسيرة في خصوص بعض المسائل مع سائر متكلِّمي الشيعة وأهل الفقه والحديث منهم، تعرض متكلمو الشيعة لجملة منها في أثناء كتبهم وأشاروا إلى من يوافقهم في تلك المسائل أو يخالفهم.
والظاهر أن الشيخ المفيد هو أول من أشار إلى هذه الخلافات الكلامية في كتابه المسمى بـ «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات». قال المؤلف([133]) في مقدمته: «فإني بتوفيق الله ومشيئته مثبت في هذا الكتاب ما أثر إثباته من فرق ما بين الشيعة والمعتزلة وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة في أصول التوحيد والعدل والقول من اللطيف من الكلام وما كان موافقاً منه لبني نوبخت رحمهم الله وما هو خلال لآرائهم في المقال وما يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلاً معتمداً فيما يمتحن للاعتقاد» وقد تعرض الشيخ المفيد لآرائهم الكلامية في أثناء كتابه مرّات كثيرة.
وتعرض تلميذه السيد المرتضى لبعض آرائهم في كتاب الذخيرة وجاء بعدهما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي وأشار إلى آرائهم في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام وهو شرح على القسم النظري من جمل العلم والعمل للسيد المرتضى وأيضاً الفيلسوف الكبير خواجه نصير الدين الطوسي في كتاب تلخيص المحصل والعلامة الحلي في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد وكتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت وجمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي في كتاب إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين.
ثم انتشرت آراؤهم في الكتب الكلامية وذاعت شهرتهم بين متكلِّمي الشيعة والمعتزلة وتعرضت آراؤهم للبحث والنقد في عالم الفكر الإسلامي.
ومؤلف الياقوت هو أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت على ما قاله العلاّمة الحلِّي في مقدمة كتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت: «قد صنّف شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت قدّست روحه الزكية ونفسه العلية مختصراً سمّاه الياقوت»([134]). لكنه اشتهر باسم ابن نوبخت في الكتب الكلامية.
أما المؤرخون فاختلفوا في اسمه، فقال الميرزا عبد الله الأفندي الأصبهاني: «ابن نوبخت قد يطلق على الشيخ إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت الفاضل المتكلم المعروف الذي هو من قدماء الإمامية، صاحب الياقوت في علم الكلام»([135]) وقال: إنَّ هذا الاسم أعني ـ نوبخت ـ يطلق على إسماعيل ابن نوبخت الذي كان معاصراً لأبي نواس الشاعر وعلى الشيخ إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلم الذي كان من كبار الشيعة وعلى أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت([136]) ولا ندري ما هو مستنده في هذا القول ولكننا وجدنا في الكتب الكلامية أن هذا الاسم ـ اي ابن نوبخت ـ يطلق فقط على مؤلف الياقوت، لا غيره من بني نوبخت.
وقال السيد حسن الصدر: «أبو إسحاق إسماعيل ابن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلاّمة ابن المطهر الحلّي» ثم أشار إلى قول العلامة في مقدمة كتاب أنوار الملكوت في أن مؤلف الياقوت هو أبو إسحاق بن نوبخت ولكنه لم يشر إلى اسمه أعني إبراهيم وزعم أن اسمه إسماعيل»([137]).
وقال الشيخ عباس القمي([138]): «ومن غلمان أبي سهل: أبو الحسن السرسنجردي واسمه محمد بن بشير ويعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون وحفيده أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن أبي سهل صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلامة».
وقال عباس إقبال الاشتياني([139]): «كلّما ذكر في الكتب الكلامية قول من الياقوت ذكر اسم «ابن نوبخت»، إلا أن العلامة في مقدمة انوار الملكوت ذكر أنه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وهذه الكنية والاسم رأيتها في ثلاث نسخ من كتاب أنوار الملكوت واحد(ة) وبدون اختلاف ومع تصريح العلامة باسم ابن نوبخت ما علمت دليل الميرزا عبد الله أفندي مؤلف رياض العلماء ومن تبعه من المؤلفين المتأخرين في العراق وسوريا بأن اسم ابن نوبخت إسماعيل وأنه إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت ومستند صاحب الرياض في ذلك غير معلوم».
وتردد محقق كتاب أنوار الملكوت([140]) في اسم ابن نوبخت وقال: «لكنني لا أرى ترجيحاً لقول العلامة على قول صاحب الرياض، إذ لو كان قرب عهد المؤلف (مؤلف الياقوت) من العلامة مرجحاً لقوله، فتضلع صاحب الرياض في تراجم العلماء وتبحره فيه أيضاً يرجح قوله» ولكنه اختار في نهاية القول ما قاله العلامة، لأن خلاف ذلك يحتاج إلى دليل قاطع.
وأما مستند قول الميرزا عبد الله أفندي في اسم أبيه وجده فغير معلوم أيضاً وتبعه في ذلك الشيخ عباس القمي والسيد حسن الصدر وأما إذا علمنا أن عهد المؤلف بعيد جداً عن عهد أبي سهل بحيث يبعد أن يكون المؤلف حفيداً له ولنا دلائل تؤيد ذلك، فإنا نشك في ما قاله أفندي الأصبهاني في اسم أبيه وجده.
وجاء في كتاب بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض([141]) الذي ألّف في حدود 560هـ اسم إبراهيم النوبختي ولكن لا ندري أهو مؤلف الياقوت، أم هو إبراهيم آخر غير مؤلف هذا الكتاب وأما إبراهيم الذي أشار إليه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة([142]) فهو غير مؤلف الياقوت، لأن من ذكره الشيخ كان حياً في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع وعهد المؤلف ـ أعني أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت ـ في رأينا بعيد عنه جداً.
عهد ابن نوبخت:
وقع في تحديد عهده خلاف كبير بين المؤرخين الإسلاميين والمستشرقين.
لم يحدد الميرزا عبد الله أفندي([143]) عهده، لكنه يعتقد أن مؤلف الياقوت هو حفيد أبي سهل بن نوبخت (كان حياً في القرن الثاني) وهذا يعني أن أبا إسحاق كان يعيش في حدود القرن الثالث وزعم السيد حسن الصدر([144]) أن أبا إسحاق عاش في القرن الثاني واستند إلى قول الجاحظ البصري([145]):
«كان أبو نواس يرتعي([146]) على خوان إسماعيل بن نوبخت كما ترتعي الإبل في الحمض([147]) بعد طول الخلة([148])، ثم كان جزاؤه أنه قال:
خبز إسماعيل كالوشي([149])
إذا ما شُقّ يُرْقا
ثم قال الصدر: «أبو نواس مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة وقيل: قبل ذلك، فلا بد أن يكون إسماعيل بن إسحاق المذكور من أعيان المائة الثانية ولا أعرف إسماعيل قبله في آل نوبخت». ثم استند إلى قول الميرزا أفندي في أن إسماعيل بن نوبخت كان معاصراً لأبي نواس الشاعر ولكن ليس لدينا أي دليل على أن اسمه إسماعيل، لا إبراهيم ومع هذا الشك يبقى دليل السيد الصدر مشكوكاً فيه.
وزعم عباس إقبال الآشتياني([150]) أن أبا إسحاق بن نوبخت صنّف الياقوت في حدود 340 ق/ 950م وله دلائل متعددة تؤيد نظره واشتهر هذا القول عنه بين المستشرقين([151]).
وأما ما ذهب إليه ابنا نوبخت في معنى المكلف، على ما قاله السيد المرتضى([152])، فلا نعلم ما المراد منهما، لا سيّما إذا علمنا أن الشيخ ابن نوبخت ذهب إلى خلاف ما نسب إلى بني نوبخت في معنى المكلّف.
نقل بول كراوز عن الميرزا محمد خان القزويني أنّ منهج أبي إسحاق بن نوبخت في تأليف الياقوت يدل على أن عهد المؤلف قريب من عهد العلامة الحلّي (ت 776هـ).
واعتقد هنري كوربن أنَّ أبا إسحاق هو أوّل من نظم الفلسفة الإسلامية في كتاب الياقوت في حدود 350هـ/ 961م وتبعه نصير الدين الطوسي وأتمّ فعله.
وقد أشرنا إلى أقوال العلماء في تحديد عهد المؤلف ونحن نعتقد أن المؤلف عاش بين النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السابع ولنا دلائل متعددة نشير إليها بالاختصار كما يلي:
1 ـ إن المعتقدات الكلامية للمصنف في هذا الكتاب لا تناسب الأفكار التي نسبها الشيخ المفيد إلى بني نوبخت في كتاب أوائل المقالات والتي نسبها السيد المرتضى في كتاب الذخيرة والشيخ الطوسي في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام.
والظاهر أن ولفرد مادلونغ هو أوّل من نبّه على هذا الموضوع من المقارنة بين أقوال بني نوبخت في أوائل المقالات وكتاب الياقوت وأعتقد أن زمن تأليف الياقوت يجب أن يكون القرن الخامس أو بعده.
2 ـ ذهب أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن مناط حاجة الممكن إلى العلة هو الإمكان.
وقال نصير الدين الطوسي: «والقائلون بكون الإمكان علّة الحاجة هم الفلاسفة والمتأخرون من المتكلمين والقائلون يكون الحدوث علّة لها هم الأقدمون منهم».
والجدير بالذكر أن نصير الدين الطوسي ولد في 597هـ ومات في 672هـ وهذا يدل على أن أبا إسحاق كان معاصراً لنصير الدين الطوسي.
3 ـ شرح هذا الكتاب ابن أبي الحديد المعتزلي الذي مات في سنة 656هـ وهذا يعني أن زمن تأليف الياقوت لا يكون بعد النصف الأول من القرن السابع والمقارنة بين هذا الكتاب وكتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين لفخر الدين الرازي (ت 606هـ) تكشف لنا أن الياقوت قد ألَّف على ترتيب كتاب الرازي والمؤلف ـ اي أبو إسحاق ـ قبل بعض آراء الرازي وردَّ على البعض الآخر.
آراؤه الكلامية:
نشير إليها كما يلي:
1 ـ ذهبت الحكماء إلى زيادة الوجود على الماهية في الذهن، لا في الخارج واستدلوا على ذلك بصحة سلب الوجود عن الماهية وبافتقار حمل الوجود على الماهية إلى الدليل وبانفكاك الماهية من الوجود في الذهن وبلزوم اتحاد كل الماهيات لو كان الوجود عيناً لها وبلزوم التسلسل لو كان الوجود جزءاً للماهية.
أما أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأبو إسحاق بن نوبخت فذهبوا إلى أن الوجود هو نفس الماهيات، واجبة كانت أو ممكنة.
2 ـ ذهب الشيخ أبو إسحاق إلى أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، كما ذهب إليه كمال الدين بن ميثم في قواعده وجمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلِّي في إرشاده وأمّا المحقق الطوسي والعلامة الحلّي فذهبا إلى أنَّه التصديق بالقلب واللسان معاً وذهب ابن أبي الجمهور الإحسائي إلى أنّ الإيمان لغةً هو التصديق وأما شرعاً فهو التصديق القلبي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما علم مجيئه به بالضرورة، أي فيما علم أنه من الدين، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كوجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك.
3 ـ ذهب الشيخ أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن الأجسام يجوز خلوها عن الأعراض إلا اللون والطعم والرائحة كالهواء وذهبت المعتزلة والحكماء وفخر الدين الرازي والعلامة الحلي إلى جواز خلوها عن الأعراض إلا الكون وقيد المحقق الطوسي بالمذوقة والمرئية والمشمومة وخالفت الأشاعرة في ذلك وقالوا بامتناع خلوها عن شيء من الأعراض.
4 ـ ومن معتقداته أن ماهيته تعالى معلومة كوجوده.
5 ـ وأنّ ماهيته تعالى الوجود المعلوم.
6 ـ واعتقد أن اللذة العقلية عليه تعالى جائزة، مع تفسيرها بإرادة الكمال من حيث إنه كمال.
7 ـ وذهب إلى أن استحقاق الثواب والعقاب سمعي، لا عقلي وأما جمهور المعتزلة فيذهب إلى أنه عقلي، لا سمعي.
8 ـ وذهب إلى أن العلم بدوام الثواب والعقاب سمعي وقالت المعتزلة إنه عقلي واختاره المحقق الطوسي والعلامة الحلي وذهبت المرجئة إلى أنه سمعي.
9 ـ وله في مبحث الإرادة والحركة والسكون آراء يطول ذكرها.
علي أكبر ضيائي
الياقوت الأزرق
في أعلام الحويزة والدورق
الحويزة والدورق من الحواضر العربية في إقليم خوزستان برز منها الكثير من أعلام الفكر والأدب.
وقد قام السيد هادي باليل بكتابة تاريخ تلك المنطقة وتراجم رجالها بعد أن عكف على البحث والمطالعة سنين طويلة، وسمى ما كتبه بالاسم المذكور.
ولا تزال هذه الموسوعة الفريدة مخطوطة.
يزد
يعتقد العديد من خبراء الجغرافيا أن مناطق مركزية في بلاد إيران، ومن ضمنها مدينة يزد، كانت في يومٍ ما جزءاً من بحر جفّ بمرور الزمن. ووجود الصحراء والأراضي الحصباء إنما هو دليل على صحة هذا الرأي.
ويُذكر أنه كان يوجد في كاشان جبلان تدلَّ الآثار الموجودة على سفوحهما على أن أمواجاً من المياه كانت تلتطم بهما في ما يسمّى بعمليتي المدّ والجزر، بل إن هناك دلائل وعلامات على ذلك من خلال هياكل عظمية متحجرة للأسماك، تمّ العثور عليها على أحد هذه الجبال. إن هذه القرائن والأدلّة تعزّز أكثر وجهة نظر هؤلاء الخبراء الجغرافيين، وتؤكّد مذهبهم من أن هذه المساحات الأرضية الواسعة كانت بحراً في يوم ما من الزمان.
إن يزد ـ وطبقاً لما حقّقه حسن بيرنيا ـ هي نفسها مدينة «إيساتيس» التي أشار إليها بطليموس، ويعتقد هذا الرأي أيضاً المستشرق دانويل. أما المستشرق الإنكليزي المعاصر الدكتور لكهارت، والذي زار إيران مرات متعدّدة، وله كتاب حول بلاد إيران، فإنه يتردّد في قبول هذا الرأي، وأشار إلى ذلك في كتابه القيّم «المدن المعروفة في إيران» (شهرهاي نامي إيران).
لقد كانت يزد تعرف في قديم الأزمنة بـ (كثة) أو (كث)، وقد كانت تعرف مدن في خوارزم بأسماء تنتهي بـ (كث)، مثل: أبردكث، وخاتون كث، وتبكث، وأمثال ذلك، فمن المعتقد أن معنى (كثة) يقابل معنى (آباد)، والتي تعني (عمران)، أو (عامر)، أو (مسكون)، أو (مزروع). فيما يعتقد آخرون أن (كثة) مأخوذة من (كندن)، بسبب الخندق الكبير الذي يحيط بأطراف مدينة يزد، حيث إن (كندة) تعني: الخندق.
وذكر صاحب (بستان السياحة) أن «يزد مدينة يشتهر القول بأن يزدجرد بن شهريار (وعلى قول: يزدجرد بن بهرام) هو الذي أحدثها». وقد ذكر السير برسي سايكس في كتابه «ثماني سنوات في إيران» اسم ملك يزد هذا.
إن كلمة «يزد» ترد في اللغة بمعنى (طاهر)، وذكرت المعاجم أنها تعني: (الله تعالى)، وهي نفسها (يزدان) و(إيزد).
فيما يتعلق ببناء يزد، يذكر بعض المؤرخين أن الإسكندر المقدوني قد انتخب يزد لاستحداث سجن ومنفى يبعد إليه المحكومين، وفعلاً فقد أجرى ذلك وأرسل إليها السجناء، فأصبحت تعرف بسجن الإسكندر.
وقد ذكر هذا المعنى أحمد بن حسين بن علي الكاتب اليزدي في «تاريخ يزد الجديد» الذي كتبه في القرن التاسع، فقال: «و(كثة) هي سجن ذي القرنين، وذكرها في أحد أبياته حافظ الشيرازي على أنها بنيت على يد الإسكندر كسجن.
إن من المُسلَّم، وبناء على الأدلة المتوفرة، لا يمكن القول: إن الإسكندر قد بنى المدينة، وإنما أنشأ فيها سجناً.
إن الاسم الذي تشتهر به مدينة يزد هو «دار العبادة» وذلك لأن (علاء الدولة كرشاسب) عندما استولى على حكومة يزد من (ملك شاه)، أقام العبادة في ذلك المكان، فعرفت يزد منذ ذلك اليوم بدار العبادة.
يقول صاحب كتاب (فارسنامه): «إن يزد وتوابعها، مثل: جون ميبد، ونائين، وكثة، وفهرج، من فارس، وتبدأ حدودها من (إصطخر)، ومناخها على الاعتدال، على أنه يميل إلى الحرارة شيئاً ما، لأنها تجاور بيابان. وتكثر فيها أنواع مختلفة من الفاكهة، وفي مقدمة ذلك؛ الرمان، وكذلك الشمام والبطيخ».
يستفاد من النص المتقدم أن يزد إلى القرن السادس الهجري، زمان تأليف كتاب «فارسنامه» كانت تعرف بـ (كثة)، وقد ذكرها بهذا الاسم (دومينار) في كتابه (المعجم الجغرافي والتاريخي) الذي هو عبارة عن ترجمة للكتاب المعروف (معجم البلدان).
وقال صاحب (التاريخ الجعفري)، وهو من مؤرخي يزد في القرن العاشر الهجري: «تعتبر دار العبادة يزد من أشرف البلاد، ومن الأقاليم التي تتمتع بمناخ معتدل سليم …».
إن أراضي يزد من طرف بيابان، غير مزروعة، وتحيطها من ثلاثة جوانب جبال عالية الارتفاع، وتقع بين كرمان، وخراسان، وأصفهان، وكاشان، وفارس. وأعلى قمة في جبالها هي «شيركوه» (جبل الأسد) الذي يبلغ ارتفاعه أربعة آلاف وثمانين متراً، وقمته مغطاة بالجليد تماماً، حيث تذوب هذه الثلوج ويستفاد منها في فصل الصيف.
إن مناخ يزد حار جاف صيفاً، بارد قارس شتاءً.
ومن الناحية الاجتماعية والدينية؛ توجد في يزد أقليتان دينيتان، هما: اليهودية، والزرادشتية، ويتركز أغلب الزرادشت فيها بسبب كون يزد محفوظة نسبياً أيام الفتوحات الإسلامية، حتى أن يزدجرد احتمى بها لدى فراره من جيوش المسلمين، وبقي فيها لفترة قبل أن يغادرها إلى كرمان.
ومن الوقائع المهمة في تاريخ يزد الحديث؛ ظهور البهاء، وذلك في زمان حكم ناصر الدين شاه، عام 1310.
إن اليزديين يعدّون من أشدّ المحافظين على العادات والتقاليد، وعلى الرغم من تأثّرهم بالعادات والتقاليد الغربية الوافدة. إلا أنهم يعتبرون أكثر محافظة والتزاماً، قياساً بغيرهم من الإيرانيين.
وقد كتب الأوروبيون الذين زاروا يزد، مثل: ماركو بولو، وتاورنيه: «إن أحداً إذا شاء أن يتذوق لذائذ الحياة فلا بد أن تكون له زوجة يزدية، وأن يأكل من خبز (إيزد خواست) وأن يشرب من شراب شيراز».
ويذكر السائح والتاجر الإيطالي ماركو بولو الذي كان متوجهاً إلى الصين، لدى مروره بيزد أن أفضل أنواع ملابس الحرير كانت في هذه المدينة. إن يزد من أهم مراكز النسيج الإيراني قبل ذلك الزمان وبعده ولا تزال كذلك.
ومن الآثار التاريخية المهمة في يزد؛ محراب يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن، ومسجد جامع قديم من آثار القرن الثامن أيضاً، وبنيان الأمير جمخاق الذي يشتمل على مسجد ومنارتين، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع، ومقبرة السيد ركن الدين، ومسجد ريك.
ومن توابع يزد المهمة؛ بافق، وتفت، وأنارك، ونائين، وأردكان، وميبد، ومهريز، وعقدا، وأبرقو، ومروست، وبشتكوه.
وتعتبر «تفت» بخاصة، من أجمل وألطف المناطق ماءً وهواءً وأرضاً، حتى أن الشاعر المعروف وحشي وصفها بأنها من رياض جنة رضوان، وقد ذكر منها كتاب «حدود العالم» الذي أُلِّف عام 372 هجري، ولا يعرف مصنّفه: أنار، وبهرة، وكثة، وميبذ، ونائين، ووصفها بأنها موفورة النعمة، وقال: تتوسّط فارس وبيابان. كما ذكر ايضاً «برقوة»، ووصف أهلها بالاشتغال بالطاعة والعبادة، وأن فيها مزاراً يعرف بـ «طاووس الحرمين».
وقال صاحب نزهة القلوب: إنها تعريب «بركوه» ولا تزال أطلال قديمة ماثلة عند سفح جبل (أبرقو)، تشير إلى المدينة القديمة.
وعلى أن الغالب كون يزد في حفظ وأمان من هجمات وحملات الأجانب أو الغارات الداخلية، فقد ابتليت بالقتل العام حسب أمر محمود أفغان لدى حركته من أصفهان إلى كرمان، وذلك بسبب موقف اليزديين في مقاومة ابن عمه أشرف أفغان.
المسجد الجامع في يزد([153])
يعتبر المسجد الجامع الكبير في يزد من أروع وأجمل فنون العمارة الإسلامية، وقد بدأ الشروع ببنائه في القرن السادس الهجري، وهو من العظمة وإتقان الصنعة بمكان بحديث يعدّ من موارد الإعجاب التي يقلّ نظيرها.
يقع هذا المسجد الكبير وسط المدينة القديمة، وتبلغ مساحته الواقعة تحت البناء 9800 متر مربع، أما مساحة أقسامه المكسوة بالكاشي والمزيّنة فبحدود 500 متر مربع. طول المسجد مائة وأربعة أمتار، وعرضه تسعة وتسعون متراً. وله سبعة مداخل تطلّ على عدد من الطرق والأزقة.
أوّل من بناه هو «علاء الدولة كالنجار» من أسرة «آل بويه»، والذي كان أميراً على يزد أيام حكم ملك شاه السلجوقي، وقد كان رجلاً متديناً وعلى عقيدة، وقد قدم إلى يزد عام 504 هجري، وتوفي فيها عام 527 هجري، ولم يبق من آثاره التي بناها سوى أطلال وخرائب.
وبعد عام 724 هجري اختار المولى الأعظم السيد ركن الدين نظام الحسيني أرضاً واسعة باتجاه القبلة من بناء علاء الدولة (المسجد الجامع العتيق) وشرع ببناء ضخم هو (مسجد جامع كنوني). ولهذا الرجل الذي يعتبر من أكابر أهل زمانه وذا همة عالية آثار خيرية أخرى، من ضمنها؛ وقف مياه للزراعة. وقد توفي هذا السيد في الوقت الذي كان بناء المحراب والإيوان لم يتمّ بعد، وذلك في عام 732 هجري، وبعده قام بإتمام العمل المولى شرف الدين علي يزدي بناءً على وصية السيد ركن الدين، فأتمّ بناء المحراب والإيوان. وقد زيّن المحراب والإيوان بالكاشي في زمان الأمير تيمور عام 777 هجري.
منارتا المسجد الجامع في يزد
وطول المحراب من مبتدأ الإيوان إلى المحراب ثلاثون متراً، أما عرضه فأربعة عشر متراً. وعلى طرفي المحراب كتبت عبارات تشير إلى تاريخ إتمام التزيين بالكاشي، واسم المعمار القائم بالعمل.
على الطرف الأيمن كتب: «عمل الحاج بهاء الدين محمد بن الحسين يعرف بوالا اليزدي».
وعلى الطرف الأيسر كتب: «تمّ في شهر محرم الحرام سنة سبع وسبعين وسبع مائة الهجرية».
وكان الخواجه جلال الدين محمود الخوارزمي قد قدم إلى يزد في زمان ابن الأمير تيمور (الأمير محمد عمر شيخ)، فأضاف كتابة خطّت عليها بخط النسخ سورة الفتح المباركة، إلى المحراب والإيوان، وكان الخطاط أشهر خطاطي ذلك الزمان وأكثرهم فناً المولى بهاء الدين هزار أسب، ولكن هذه الكتابة لم تتم حتى سنة 819 هجرية، فتمّت على يد شاه نظام كرماني في عهد شاهرخ ميرزا، وبأمره نقش على كتابة الإيوان أسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، كما نقشت ألقاب شاهرخ على الكتابة الكائنة في المدخل الكبير، وهي مصنوعة من الكاشي الأبيض ومخطوط عليها بخطّ النسخ، وإلى الأعلى منها خطوط كوفية مكتوبة على الكاشي الأصفر.
وفي عام 836 هجري قدم إلى يزد الأمير جلال الدين جقماق الشامي وهو من أصدقاء شاهرخ ميرزا، وكانت زوجته «الست فاطمة خاتون» تصحبه في زيارته، وكانت من النساء الخيّرات الصالحات فقامت بجملة من أعمال الخير في يزد، من ضمنها أنها كست إيوان المسجد بأحجار المرمر التي جيء بها من تبريز حسب أمر الست فاطمة خاتون، وكذلك نصبت أسطوانتين من المرمر على طرفي الإيوان، وكانت هاتان الأسطوانتان مكسوتين بالكاشي من الأعلى بارتفاع 18 متراً.
وكانت هذه العبارات مكتوبة على القسم الفوقاني من الأسطوانتين:
1 ـ جهة اليمين: «في زمن السلطان الأعظم معين الحق والخلافة والدين شاهرخ بهادر خان سلطان خلّد الله تعالى ملكه وسلطنته في العالم.
(وكانت كلمة «شاهرخ» مبرّزة بنقشها على كاشي أصفر).
2 ـ جهة اليسار: «أمرت بإعلاء المباني توفيقاً بفضل الله الحامي امرأة الأمير جقماق الشامي سميّة بنت الرسول فاطمة البتول فتقبلها بقبول حسن سنة 836».
ويقع قبر هذه السيدة بجوار ميدان الأمير جقماق، داخل قبّة صغيرة مصنوعة من الآجر، إلا أنّه للأسف أصبح اليوم خرائب بتقادم الزمن وعدم الاعتناء بحفظه.
وعلى يمين المحراب بنى الخواجه غياث الدين عقيل قاعة أو رواقاً بطول 38 متراً وعرض 9 أمتار بالآجر والجص، كما بنى على يسار المحراب رواقاً آخر مشابهاً لرواق الخواجه غياث الدين، بناه الشاه يحيى آخر حكام آل مظفر.
وفي سنة 862 قام الأمير نظام الدين حاجي قنبر جهانشاهي وزير يزد بترميم المسجد، ووضع ألقاب ميرزا جهانشاه على كاشي مكتوب بخط النسخ على المدخل الكبير للمسجد، تحت كتابة شاه نظام كرماني (ألقاب شاهرخ).
وفي سنة 930 بنى جمال الدين محمد الذي كان يحكم يزد مع ابتداء تولّي الشاه طهماسب عرش الدولة الصفوية، بنى منارتين على طرفي المدخل الكبير؛ محيط قاعدة كل منارة 8 أمتار، وارتفاعها 50 متراً، ورأسها مزيّن بالكاشي الملون المنقوش عليه أسماء الجلالة وآيات مباركة من القرآن الكريم.
وعلى عهد فتح علي شاه قاجار، وفي سنة 1240، حيث كان شاه زاده محمد ولي ميرزا حاكماً على يزد، قام الأخير بتعمير صحن المسجد وبنى أروقة بالآجر والجص على أطرافه، وكذلك رواقاً مسقوفاً إلى جهة الغرب من المسجد بمساحة ألف وثمانية أمتار مربعة. علماً أن رواقاً مسقوفاً إلى جهة الشرق من المسجد كان موجوداً، بمساحة ألفين وستة وأربعين متراً مربعاً، غير أنه أصبح خراباً، وهو من آثار بناء علاء الدولة كالنجار. وتوجد أيضاً أروقة على طرفي المحراب، كطرق اتصال قصيرة وواسعة تربط داخل المحراب والإيوان، هدفها أن يتم الاتصال بين المصلّين في صلاة الجمعة.
من مواقع يزد
يبلغ طول صحن المسجد 53 متراً، وعرضه 20 متراً. وفي وسطه صُفّة (مصطبة) طولها 35 متراً وعرضها 15 متراً، تتخذ كمصلى لصلاتي الصبح والعشاء في أيام فصل الصيف.
وتوجد جداول مياه صغيرة من مبتدأ البناء إلى وسط المسجد.
وأمام باب المدخل الرئيسي يوجد حوض كبير نسبياً، وله ثمانية أطراف وزوايا، وهو مشيّد في زمن المولى السيد ركن الدين.
وفي داخل المحراب توجد كتابة مزينة بالكاشي الأبيض المنقوش عليه بخط النسخ الآية المباركة: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، وإلى الأعلى منها كاشي أصفر عليه نفس الآية الكريمة، ولكن بخط كوفي. وفي وسط المحراب كتبت عبارات «لا إله إلا الله محمد رسول الله علي وليّ الله حقاً حقاً» على كاشي أصفر غاية في الجودة، بالإضافة إلى أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام.
ولا يعلم التاريخ الدقيق لهذا القسم، ولكن هذه العبارات، ونوع الكاشي المستخدم في التشييد، والخطوط التي عليه تمكننا من القول: بأن يزد من المدن الشيعية القديمة.
إن قسماً من كاشي المنارتين والمحراب والإيوان قد أصبح مخرّباً بسبب عدم الاهتمام والعناية وكذلك الأمر فيما يخص السقف والاسطوانات حتى أن المرمر الذي كسيت به أرضية المسجد أصبح في وضع غير منتظم، غير أن مساعي بذلت في السنوات الأخيرة من قبل السيد علي محمد وزيري لتشكيل هيئة باسم «هيئة حماية المسجد الجامع الكبير»، وعهدت إدارتها للسيد غلام رضا ضرابي من أجل تعمير وترميم هذا المسجد، وتحت إشراف السيد حسين علي محمودي مهريزي، وقد تولّت الهيئة المذكورة هذه المهمة المباركة.
ايرج أفشار
ومن مدارس يزد الفقهية: مدرسة كوجك خان والمدرسة الشفيعية القديمة ومدرسة برزك خان ومدرسة ملا إسماعيل ومدرسة محمد حسين الملاري.
ومن مزاراتها: إمام زاده جعفر وإمام زاده ركن الدين ومقبرة شهداء فهرج.
من علماء يزد
محمد باقر بن حسن علي الأردكاني اليزدي، له منظومة في الأصول باللغة العربية، نظمها سنة 1223هـ.
والملا محمد باقر بن زين العابدين اليزدي. كان فاضلاً حكيماً ماهراً في الرياضيات، له كتاب عيون الحساب وهو من مشايخ الشيخ البهائي.
والقاضي مير حسين الميبدي اليزدي كمال الدين ابن الخواجه معين الدين علي الوزير، من تلامذة جلال الدين الدواني، وهو من المشاهير في علم الحكمة والعرفان. له شرح هداية الميبدي، وشرح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام. توفي في بداية حكم الشاه إسماعيل بهادرخان، وكان شاعراً بالفارسية.
والشيخ البافقي بن إبراهيم اليزدي الحائري. كان حياً سنة 1263 وشهاب الدين علي اليزدي المتوفى سنة 740.
والملا علي أكبر الزارجي اليزدي. هو من تلاميذ السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض. توفي سنة 1296.
والشيخ عباس بن رضا بن أحمد أبرند آبادي اليزدي الحائري المعروف بالأخفش لتبحره في العلوم العربية والمتوفى سنة 1329هـ.
والشيخ علي بن رضا بن احمد أبرند آبادي اليزدي الحائري المعروف بسيبويه لتبحره أيضاً في العلوم العربية وهو شقيق الشيخ عباس المتقدم ذكره. توفي سنة 1320هـ.
والملا عبد الله اليزدي أستاذ الشيخ البهائي. توفي سنة 988هـ.
والملا محمد علي النحوي (الفاضل الأردكاني) ابن محمد حسن اليزدي التوفى سنة 1335.
ومحمد بن نصير ابن القاضي اليزدي مؤلف كتاب (التحفة العباسية في شرح الرسالة الرضوية) المكتوب سنة 1101.
والحاج معين الدين اليزدي من علماء عصر محمد مظفر. وقد ألف كتاباً في تاريخ آل مظفر سنة 757 وتوفي سنة 780.
وكاشف الدين محمد الأردكاني اليزدي من علماء عصر الشاه عباس الثاني الصفوي.
وعلي ابن شاه محمود البافقي المعاصر للشيخ البهائي.
والشيخ أحمد العلومي ابن الآخوند الملا حسين الأردكاني المتوفى سنة 1393هـ والذي أسس حوزة علمية في قم وله العديد من المؤلفات.
والسيد علي ابن الميرزا محمد رضا الجعفري اليزدي الحائري المتوفى سنة 1330هـ وولده السيد علي رضا كان فقيهاً شاعراً أديباً ينظم الشعر بالعربية والفارسية.
والسيد كاظم اليزدي الذي انتهت إليه المرجعية الشيعية في النجف والمتوفى سنة 1338.
أقدم مدينة في العمارة الطينية:
تعد مدينة يزد من المواقع الحضارية العريقة، وهي واحدة من أجمل المدن الصحراوية في العالم إذ تقع في وسط الصحراء المركزية بإيران، على بعد 677 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من العاصمة طهران، وتبلغ مساحتها 6336 كيلومتراً مربعاً، أما سكانها فيبلغ عددهم 372 ألف نسمة، ويتركز معظم سكانها في المدينة أما الباقي منهم فيسكنون في المناطق الريفية المحيطة بها.
من الصعوبة الوقوف على تاريخ هذه المدينة ونشأتها بالنسبة إلى تاريخ إيران، وإن كان البعض يذكر أنها تعود إلى عهد يزدجرد الأول والبعض الآخر ينسبها إلى عهد الإسكندر المقدوني. غير أن التنقيبات الأخيرة، واستناداً إلى الرسومات الأثرية التي وجدت على صخور جبل أرنان بالقرب من مدينة يزد، تشير إلى أن تاريخها يعود إلى 8 ـ 12 ألف عام. وكانت تعرف في التاريخ القديم باسم «إيساتيس» و«كثة» وأيضاً بمدينة البادكيرات «الملاقف الهوائية» وكذلك بمدينة الدراجات الهوائية (الطواحين الهوائية).
ومنذ دخول إيران الإسلام في العهد الراشدي وإلى يومنا كانت المدينة مرصداً للعلماء والمصلحين، ومن أشهرهم الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم)، السيد كاظم اليزدي (صاحب كتاب العروة الوثقى الشهير) وغيرهما من العلماء.
تميزت يزد عن باقي المدن الإيرانية الأخرى بأن معظم مبانيها، خصوصاً القديمة منها والمنتشرة في وسطها، شيدت بمادة اللبن (وهي كميات من الطين المخمر المخلوط مع التبن) الموضوعة في قوالب من الخشب والمجففة بواسطة أشعة الشمس للحصول على أشكال منتظمة شبيهة بالطابوق (الآجر) لبناء جدران مستقيمة ذات قوة ومتانة.
ونظراً إلى الخصائص المعمارية الفريدة للمباني، ومنها المذكورة أعلاه، فقد اعتبرتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة ثاني أقدم مدينة في العالم من ناحية العمارة الطينية، كما اعتبرها المجلس الأعلى للعمارة وتخطيط المدن في إيران أحد أهم ستة مراكز تاريخية وثقافية في البلد.
تعرف مدينة يزد بشحة المياه فيها وذلك لقلة الأمطار، ويصل متوسطها إلى أقل من 50 ملم، ومع ذلك فإن سكانها استطاعوا أن يجعلوا منها بلدة مشهورة ببعض المحاصيل الزراعية كالرمان والفستق وغيرهما، إضافة إلى بروزها في الجانب الصناعي، إذ أنشئت فيها سبعة مجمعات صناعية كبيرة و25 مجمعاً متوسطاً، وكثير من الصناعات الحرفية التي تشتهر بها كصناعة الأقمشة الحريرية والسجاد والبسط والبطانيات.
كانت مدينة يزد قبل دخول إيران الإسلام أحد أهم المراكز السكنية والدينية لأتباع طائفة الزرادشتية (عباد النار)، ولا يزال حوالي 12 ألفاً منهم موجودين حالياً في المدينة. أما أهم معالم يزد العمرانية والأثرية فهي:
بقعة السيد ركن الدين في يزد
المسجد الجامع الكبير
يعتبر هذا الجامع نموذجاً راسخاً وواضحاً للمساجد الإيرانية من حيث طرازه المعماري، ويعد أبرز معالم يزد التاريخية والعمرانية. ويعود البناء الأصلي إلى القرن السادس الهجري أو قبل ذلك، شيده السيد ركن الدين محمد بن قوام الدين محمد بن نظام حسيني يزدي القاضي. أما البناء الحالي فيعود إلى عهد المظفر في القرن الثامن الهجري.
تبلغ مساحة المسجد حوالي 9800 متر مربع، وتعلو بوابة المدخل العالية مئذنتان جميلتان تقعان على جانبي المدخل ومزينتان بالبلاط القاشاني المزخرف الجميل. وتعتبر الزخارف القاشانية التي تغطي معظم أجزاء واجهة البوابة والقبة من أجمل النقوش المعمارية في المدينة.
مرقد ركن الدين
شيد هذا البناء الأمير سيد ركن الدين محمد القاضي سنة 725هـ (1325م)، وتعرف القبة حالياً باسم سيد ركن الدين. والآثار الباقية عبارة عن سلسلة من الأبنية الفخمة كانت تشتمل على مرصد فلكي ومدرسة خانقاه للطرق الصوفية ومكتبة. أما قبة المرقد ومدخله فقد غطيا بالبلاط القاشاني الجميل تتخلله كتابات كوفية بديعة تعود إلى القرن الثامن الهجري.
المدرسة الضيائية
تعرف هذه المدرسة بـ «سجن الإسكندر» شيدت سنة 631هـ (1234م) من قبل مولانا شرف الدين علي الرضي، وتقع في محلة فهادان ولها قبة مرتفعة ومزينة بأجمل الزخارف القاشانية. وكانت هذه المدرسة في زمن مولانا مجد الدين حسن مركزاً لتحصيل العلوم والفنون، واستفاد منها الكثير من العلماء.
مسجد ريك
شيد هذا المسجد من قبل معين الدين أشرف سنة 730هـ (1330م)، وقد تهدم بسبب سيل جارف، ثم أعيد بناؤه، ويقع في شارع قيام. وكانت أرض المسجد قديماً منزلاً للقوافل (خان)، واشتراها مرتضى أعظم سعيد أمير معين الدين أشرف وشيد عليها البناء وأوقف لها الخيرات والمبرات.
مجمع أمير جقماق
يشتمل هذا المجمع العمراني على مسجد وخزان للمياه وساحة واسعة وتكية (بيت الدراويش). وقد تم الانتهاء من بنائه سنة 830هـ (1427م) حيث شيدت للمسجد قبة ضخمة بسعي من بيبي فاطمة خاتون زوجة أمير جقماق حاكم يزد آنذاك.
ويعتبر بناء المسجد من الناحية المعمارية والجمالية ثاني معلم عمراني بعد المسجد الجامع الكبير في يزد، وذكرته المصادر التاريخية باسم المسجد الجامع الجديد. ويقع في الجانب الجنوبي من الساحة التي يضمها المجمع والتي سميت باسمه.
أما خزان المياه فقد شيد سنة 841هـ (1438م) متزامناً مع إنشاء تكية أمير جقماق من قبل أمير جلال الدين جقماق وزوجته. ويحتوي المجمع على خمس بادكيرات (ملاقف هوائية) عالية تقع في الجانب الشمالي للساحة.
مسجد ملا إسماعيل
شيد هذا المسجد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري من قبل ملا محمد إسماعيل عقدائي، ويعلو مدخله قوس كبير عالٍ تتدلى منه مقرنصات آجرية رائعة. ويحتوي المسجد على إيوان واسع تحول في السنوات الأخيرة إلى مصلى تقام فيه صلاة الجمعة.
مسجد الروضة المحمدية
يقع هذا المسجد في شارع الإمام الخميني، والبناء الحالي ما عدا الرخام الموجود في المحراب هو بناء جديد كما ذكر في أوقاف الروضة المحمدية، أما المسجد الأصلي فيعود تاريخه إلى 1230هـ (1815م) وقد أكمل البناء من قبل آية الله الصدوقي.
مخازن المياه
يعد مبنى مخازن المياه في مدينة يزد أحد معالمها العمرانية المميزة. وتشتمل المخازن على قبة مبنية بالآجر تحيطها ست بادكيرات (ملاقف هوائية)، انتهى العمل من بناء هذه المخازن سنة 1379هـ (1959م) من قبل الحاج حسين ميراه.
مدرسة خان
يتكون بناء مدرسة خان من مدرستين واحدة صغيرة والأخرى كبيرة، وتتألف من طابقين وتحتوي على 27 غرفة ولها مدخلان أحدهما يطل على بازار (سوق) قيصرية والآخر في رأس بازار التبريزيين. شيدت مدرسة خان من قبل محمد تقي خان ابن ميرزا محمد باقر فقي الذي اشتهر باسم الخان. وحالياً هي محل دراسة وسكن طلاب العلوم الدينية.
المدرسة الكمالية
تقع المدرسة إلى الغرب من المسجد الجامع، شيدت في العهد المغولي (الإيلخاني) سنة 720هـ (1320م) من قبل كمال الدين أبو المعالي، وتقع في محلة شاه أبو القاسم، ويشتمل بناؤها على قبة جميلة شيدت من الآجر والجص.
قبة المصلى العتيق
تعود هذه القبة إلى مبنى المصلى العتيق الذي شيد في أوائل القرن الثامن الهجري، ولم يبق منه حالياً إلا القبة التي تم ترميمها سنة 825هـ (1422م) من قبل الأمير شمس الدين.
برج وقلعة المدينة
يقع هذا البرج في أطراف مدينة يزد، وشيد سنة 432هـ (1041م) في زمن عضد الدين علاء الدولة أبي جعفر كاكوئيه، ولم يبق من البرج والقلعة سوى أجزاء من البناء ظاهرة للعيان إلى يومنا الحاضر.
بازار قيصرية
يتكون هذا البناء من سوق وأماكن لتوقف القوافل التجارية، وهو يفصل بين ميدان خان ومدرسة خان، ويعود بناؤه إلى زمن محمد تقي خان سنة 1186هـ (1772م)، ويشتمل السوق على 28 محلاً تجارياً وبوابتين خشبيتين كبيرتين.
معبد النار
يعود هذا المعبد إلى أتباع طائفة الزرادشتية (عباد النار)، ويقع في شارع كاشاني، وتعرف النار الموجودة داخل هذا المبنى باسم (نار ورهرام)، وأخذت هذه النار من معبد واريان فارس ونقلت إلى مدينة يزد وبقيت 700 سنة، ثم نقلت إلى مدينة ترك آباد في أردكان بالقرب من يزد وبقيت 300 سنة ثم أعيدت إلى مدينة يزد ومضى عليها الآن 55 سنة، ويعود قدم نار هذا المعبد إلى 1522 سنة من دون أن تطفأ.
رؤوف الأنصاري
يلملم
من معالم الحج والزيارة
يلملم معلم من معالم الحج المهمة لأنه من المواقيت التي وقّتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث فيه أو البحث عنه يتطلب تصنيف الموضوع إلى الجوانب التالية:
1 ـ البحث عنه لغوياً.
2 ـ البحث عنه جغرافياً.
3 ـ البحث عنه حديثياً.
4 ـ البحث عنه فقهياً.
فنقول:
يلملم لغوياً
ـ (لغات الكلمة):
ذكرت المعاجم التي بين يدي ثلاث لغات (لهجات) للكلمة، هي: (يلملم)، (ألملم)، (يرمرم).
وسمعت عند زيارتي للمنطقة من بعض أفراد قبيلة (فَهْم) القاطنين في أرض (الوَدْيان) من مركز يلملم ثلاث لهجات، هي: يلملم، وألملم، وململم … ويضيف الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 326 لهجة أخرى هي: (لملم).
ـ (جذر الكلمة):
وقد أدى تعدد اللهجة في هذه الكلمة إلى الاختلاف بين اللغويين في تحديد جذر الكلمة والمادة الأصلية لها التي تدرج في المعجم تحت عنوانها ويرجع إليها لمعرفة معناها اللغوي إلى الأقوال التالية:
1 ـ ذهب الأزهري وابن فارس إلى أن الكلمة من المزيد الذي في أوله ياء، قال ابن فارس في (المجمل) ـ 4/ 943 ـ 944 ـ (باب مزاد على ثلاثة أحرف أوله ياء): «اليسروع: دويبة تشبّه بها أصابع النساء لنعمتها وبياضها، ويبرين: موضع، وكذلك [يمؤود] ويلملم …، وسبيل الياء سبيل الهمزة الزائدة في الرباعي والخماسي، لأن الياء إنما يعتبر بها في هذين البابين الحرف الذي بعدها».
وقال في (المقاييس) ـ 6/ 160 ـ : «فأمّا ما زاد على الثلاثة في هذا الباب مثل (اليربوع) وهي دويبة، و(يبرين) وهو موضع، و(يمؤود) و(يلملم) وهما موضعان، و(اليرندج) وهي جلود سود، وما أشبه ذلك، فإن سبيل الياء في أوائلها سبيل الهمزة في الرباعي والخماسي فإنهما زائدتان، وإنما الاعتبار بما يجيء بعد الياء، كما هو الاعتبار في باب الهمزة بما يجيء بعدها».
ونستخلص منه: أن جذر الكلمة ومادتها عنده (لملم)، والياء في (يلملم) مزيدة، والألف في (ألملم) مبدلة من الياء، وفي (يرمرم) زيدت الياء، وأبدلت الراءان من اللامين.
وتابعهما على ذلك المعلم البستاني في (محيط المحيط) فذكر الكلمة بلغاتها الثلاث في مادة (لملم).
2 ـ وذكر ابن منظور في (لسان العرب): يلملم في مادة (يلم)، ويرمرم في مادة (رمم)، ويلملم وألملم في مادة (لمم).
ويعني هذا أن جذر الكلمة عنده ومادتها ثلاثي، وهو بالنسبة إلى كلمة (يرمرم): (رمم)، و(يلملم) من غير إبدال (يلم)، وبإبدال يائها همزة (لمم).
وتابعه على ذلك الفيومي في (المصباح المنير) مع فارق اعتباره الأصل في الكلمة (ألملم) ـ بالهمزة ـ، والياء في (يلملم) مبدلة من الهمزة، ولذا اعتد جذر الكلمة ومادتها (ألم).
ونسق (المعجم الكبير) نسق (المصباح المنير)، وكذلك (تاج العروس) حيث ذكرت الكلمة فيه في مواد: (يلم) و(لمم) و(رمم).
ـ (وزن الكلمة):
أما وزن الكلمة فلا خلاف بينهم في أن وزنها (فَعَلْعَل)، قال ابن منظور في (اللسان) ـ مادة يلم ـ: «قال ابن بري: قال أبو علي: يلملم فَعَلْعَل، الياء فاء الكلمة واللام عينها والميم لامها».
ويدل هذا على أن الياء في الكلمة أصل وليس زائداً، وهو ما ذهب إليه ابن منظور ـ كما تقدم.
يلملم جغرافياً:
قال البكري في (معجم ما استعجم من أسماء البلدان والمواضع) ـ 1/ 187 ـ : ألملم ـ بفتح أوله ـ قال أبو الفتح: هو فَعَلْعَل ـ بفتح أوله ـ كصَمَحْمَح، ولا يكون من لفظ لملمتُ، لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة في أولها إلاّ في الأسماء الجارية على أفعالها، نحو مُدَحْرج.
ويقال أيضاً: يلملم، وكذلك القول فيه، لأن الياء بدل من الهمزة.
وهو جبل من كبار جبال تهامة، على ليلتين من مكة، أهله كنانة، وأوديته تصب في البحر، قال سلمى بن المُقْعَد:
«ولقد نزعنا من مجالس نخلة
فنجيزُ من حُتُنٍ بياضَ ألملما»
وفي 2/ 1398 قال: «يلملم ـ بفتح أوله وثانيه ـ جبل على ليلتين من مكة، من جبال تهامة، وأهله كنانة، تنحدر أوديته إلى البحر.
وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو ميقات من حج من هناك.
ويقال: ألملم ـ بالهمز ـ وهو الأصل، والياء بدل من الهمزة، ـ وقد تقدم ذلك في حرف الهمزة ـ، وقال طُفيل:
وسهلبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلَّتْ من فروع يلملم
وقال ابن مُقبل:
«تداعي عنوداً في الرياد كأنها
سهيل بدا في عارضٍ من يلملما»
وقال الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 326: «ويلملم: ميقات أهل تهامة».
وجاء في بعض الحديث: ألملم، مكان الياء همزة، قال طُفيل:
وسلهبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من فروع يلملم
ويقال: «لملم أيضاً».
وقال ياقوت في (معجم البلدان) ـ 5/ 441 ـ : «يلملم: ويقال: ألملم ـ والململم المجموع ـ : موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل».
وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.
وقيل: هو وادٍ هناك. قال أبو دهبل:
«فما نام من راعٍ ولا ارتد سامرٌ
من الحي حتى جاوزتْ بي يلملما»
وقال البلادي في (معجم معالم الحجاز) ـ 10/ 28 ـ 29 ـ : «يلملم ـ ياء مثناة تحت، مفتوحة، وتكرير اللام والميم ـ: وادٍ من أدوية الحجاز التهامية يأخذ أعلى مساقط مياهه من شفا بني سفيان، على قرابة (30) كيلاً جنوب غربي الطائف، ثم يندفع غرباً في انحدار عميق بين صلاهيج([154]) جبال فيمر بالاسعدية ميقات أهل اليمن على طريق تهامة، على (100 كيل) جنوب مكة، فيصب في البحر جنوب جدة على مسافة مرحلتين.
وهو وادٍ متعدد الروافد، منها: حُثُن، ووَدْيان، وتَصِيل، ونُمار، وشكيل، وغيرها كثير مما يجعل سيله جارفاً.
وبه بعض الأراضي الصالحة للزراعة، ولكن لم تستصلح بعد.
ونباته الأراك.
وسكانه: في صدره: فَهْم، وبقية بني صاهلة من هُذيل، وأسفله: الجحادلة من بني شعبة من كنانة.
وروافده الشمالية من ديار هُذيل.
فيه مركز حكومي تابع لإمارة الليث، وبه مركز صحي، ومقترح إنشاء مدرسة في السعدية، وقد أنشئت، وأنشئت مدرسة بالملاقي حيث الإمارة.
وإمارته تضم قبيلة فَهْم فقط.
أمّا أسافله ففي السعدية إمارة تابعة لقائم مقام مكة».
وقال في المصدر نفسه ص 29: «يلملم، ويقال: ألملم، والململم المجموع: موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل.
وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.
وقيل: هو وادٍ هناك، قال أبو دهبل:
فما نام من راعٍ ولا ارتد سامرٌ
من الحي حتى جاوزتْ بي يلملما([155])
وقال البكري: من جبال تهامة، وأهله كنانة، تنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو ميقات من حج من هناك، ويقال: ألملم ـ بالهمزة ـ وهو الأصل، والياء بدل من الهمزة ـ وقد تقدم في حرف الهمزة ـ، وقال طُفيل:
وسلهبةٍ تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من فروع يلملم
وقال ابن مقبل:
تداعي عنوداً في الرواة كأنها
سهيل بدا في عارض من يلملما
وجاء في (المعجم الكبير) ـ مادة ألملم ـ: «ألملم (فَعَلْعَل): جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة (نحو 60 ك.م)، وهو ميقات أهل اليمن وأهل تهامة في الحج.
وأهله كنانة، وأوديته تصب في البحر».
وفي (محيط المحيط) ـ مادة لملم ـ : «ويلملم أو ألملم أو يرمرم: ميقات أهل اليمن، وهو جبل على مرحلتين من مكة».
وفي (المصباح المنير) ـ مادة ألم ـ : «وألملم: جبل «في» تهامة، على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن».
وفي (النهاية) ـ لابن الأثير ـ : «يلملم: فيه ذكر (يلملم) وهو ميقات أهل اليمن، بينه وبين مكة ليلتان».
وقال الزبيدي في (تاج العروس) ـ مادة لمم ـ: «ويلملم وألملم أو يرمرم، الثانية على البدل، ميقات أهل اليمن، للإحرام بالحج، وهو جبل على مرحلتين من مكة، وقد وردتُهُ».
ونستنتج من هذا:
1 ـ أن الجغرافيين واللغويين القدامى اتبعوا في تحديد موقع (يلملم) الطريقة المألوفة لديهم قديماً، وهي اعتبار الوحدة القياسية للمسافة بين منزلين (والمنزل ـ هنا ـ يراد به ما تنزله القوافل أثناء قطعها للمسافات) الليلة، ويريدون بها الامتداد المكاني الذي يقطعه السائر في نحو ليلة زمنية.
وقد يطلقون على الليلة باعتبارها وحدة قياسية للمسافة المرحلة ـ كما رأينا في نص التاج ـ.
وتقدر الليلة بالكيلومتر (الوحدة القياسية المتعارفة الآن في بلداننا الإسلامية) بـ (50 كم) ـ خمسين كيلومتراً ـ قد تنقص قليلاً، نظراً لاختلاف الطرق التي كانت تسلك قديماً سهولة وحزونة.
2 ـ إن يلملم منزل من منازل الطريق بين مكة المكرمة واليمن، ويبعد عن مكة بمرحلتين أو ليلتين، أي: بينه وبين مكة المكرمة حوالي (100 كم) ـ مئة كيلومتراً ـ.
وقدّرت المسافة في بعض المناسك ـ أمثال: منسك الشيخ محمد طاهر الخاقاني ومنسك الشهيد الصدر ومنسك السيد الكلبايكاني ـ بـ (94 كم) ـ أربعة وتسعين كيلومتراً.
وهنا لا بد من التنبيه على أن لليمن إلى مكة المكرمة ثلاثة طرق، هي:
1 ـ طريق تهامة، وهو الذي يمر بيلملم.
2 ـ طريق صنعاء ـ صعدة، ويمر ببيشة فوادي تُرَبَة فقرن المنازل فمكة.
3 ـ طريق حضرموت ـ نجران، ويلتقي مع الطريق الثاني بقرن تثليث، فيمر أيضاً بقرن المنازل.
فالطريق المقصود هنا هو طريق تهامة.
ومنازله ـ كما في (مناسك) الحربي ص 643 ـ هي: صنعاء ـ جازان ـ الليث ـ يلملم ـ مكة.
وعليه تكون النتيجة: أن لمعرفة موقع يلملم أمارتين هما:
أ ـ وقوعه على طريق اليمن ـ مكة التهامي.
ب ـ وعلى بُعد مرحلتين أو ليلتين من مكة.
وقد قمت في يوم الأحد 15/6/1409هـ الموافق 27/1/1989م برحلة استطلاعية بغية إجراء دراسة ميدانية للموقع الراهن.
غادرت جدة الساعة الثامنة صباحاً بسيارة (جيب تويوتا)، ومعي ابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان حسن وحسين الخليفة، وسلكنا من مكة المكرمة الطريق الساحلي الذي يعرف بطريق الليث، وطريق اليمن الساحلي.
وأهم المدن التي يمر بها الطريق، هي: مكة المكرمة ـ الليث ـ القنفذة ـ جيزان ـ حرض (وهو جمرك الحدود السعودية) ـ اليمن.
وبعد 100 كم من مكة تقع على يمين الطريق محطة بنزين تعرف بـ (محطة الطَفيل) ـ بفتح الطاء ـ، ويقابلها على يسرة الطريق مسجد حديث من إنشاء الحكومة السعودية للإحرام منه باعتباره محاذياً للميقات، إلاّ أنه كان مغلقاً ومهملاً حال وصولنا إليه لعزوف الحجاج عن الإحرام منه بسبب عدم تيقنهم محاذاته للميقات.
وبعد 110 كم من مكة وعلى يمين الطريق أيضاً هناك محطة تسمى (محطة المجيرمة)، وتحاذي هذه المحطة مركز السعدية الآتي ذكره بعد قليل.
وبعد 126 كم من مكة على يسار الطريق محطة ثالثة معروفة بـ (محطة الميقات) لأنها تحاذي ميقات يلملم، وقد أشير إلى هذا في لوحة منصوبة على حافة الطريق، وفيها مسجد من الطين يرجع بناؤه إلى عهد قريب، وآخر من البناء الجاهز من إنشاء الحكومة السعودية، وحمامات بدائية مصنوعة من الخشب العادي لاغتسال الحجاج، ينقل إليها الماء يدوياً من صهاريج من الصفيح قريبة من المقهى، وفيها أكثر من مقهى وأكثر من بقالة لبيع المواد الغذائية وملابس الإحرام، وأكثر من مطعم، وكلها من النوع الشعبي البدوي.
وعندما وصلنا إلى محطة الطفيل المذكورة في الساعة العاشرة قبل الظهر انحدرنا يسرة الطريق العام من منعطف قبيل المسجد المغلق ـ المشار إليه ـ في طريق ترابية ممهدة تمهيداً يسيراً.
وسار بنا هذا الطريق آخذاً إلى اليمين حتى صب ـ بعد مسافة قصيرة ـ في وادي يلملم.
وبعد أن قطعنا حوالي 25 كم من هذا الطريق وصلنا إلى مركز (السعدية).
ورأينا في هذا المركز على حافة الوادي اليمنى بستاناً لأحد أهالي مكة كما قال لنا شخص كان يستقي الماء هناك.
وعلى مقربة من حافته اليسرى رأينا بئراً عميقة وقديمة، عليها مضخة كهربائية تنقل الماء إلى خزان منصوب على حافة الوادي اليسرى، وفي داخل البئر على الجهة المقابلة للقبة صخرة ملصقة في جدارها كتب عليها العبارة التالية: «هذا بئر العلي سلطان الهند ذي الإجلال محمد علي خان رحمه الله. صلى الله على محمد وآله. سنة 711».
وعلى حافة الوادي اليسرى قريباً من البئر مسجد حديث ومدرسة ومستوصف، وهي من منشآت الحكومة السعودية، وبقالة وورشة لإصلاح السيارات.
وبعد بئر السعدية بحوالي كيلوين بئر أخرى مندثرة، وبالقرب منها على حافة الوادي اليسرى قلعة حربية صغيرة، تشبه تماماً في تصميمها العام وأحجارها وألوانها محطة قطار الحجاز بالمدينة المنورة، كتب على إحدى أحجارها: «991 محمد علي بركسحاي(؟)….».
ودلفنا إلى يلملم مع الوادي، وبعد مسافة غير قليلة ضللنا الطريق خارجين من الوادي إلى حَرَّة على مرتفع حافته اليسرى، ثم وبعد السؤال من رعاة هناك اهتدينا الطريق وهبطنا الوادي ثانية، حتى انتهى بنا بعد خمسة وعشرين كيلو تقريباً من السعدية، إلى الوَدْيان، وهو مركز يلملم.
وفيه محطة بنزين وعدة بقالات ومطعمان ومقهى ومسجد حديث من إنشاء الحكومة السعودية سنة 1402هـ، ومدرسة للبنات وأخرى للبنين ومركز حكومي للإمارة، مكتوب على لوحته: (مركز إمارة يلملم التابعة لإمارة الليث)، وإمارة الليث تتبع إمارة مكة المكرمة.
وفيه أيضاً بعض الورش لإصلاح السيارات ولصناعة الأبواب والشبابيك الحديدية، وورش نجارة.
كما أن فيه بيوتاً قليلة بدوية المادة والبناء.
ويشرف على المركز في شرقي جنوبه جبل يلملم، ويسميه أبناء الوادي (يلملم) و(الوعرة)([156]).
وقمنا بتصوير الجبل وبعض المرافق كالمسجد والمستوصف ومدرسة البنين.
وكان وصولنا إليه في الساعة الثانية عشرة قبيل الظهر بنصف ساعة.
وبعد أن تناولنا الغداء في أحد مطعميه، عدنا يضمنا بطن الوادي، الذي مررنا فيه على كثير من شجر السُمُر والأراك.
ورأينا في جزء منه عين تنز الماء نزاً، ويسيل منها إلى مسافة لا تقل عن أربعة أو خمسة كيلوات وسط نهر صغير.
وشاهدنا في أكثر من موضع في الوادي، وفي الجرار على حافتيه محارق لصنع الفحم من أخشاب شجر الوادي، يعمل فيها سكان الوادي، وهي على الطريقة البدائية: حفرة صغيرة لا تزيد على مترين في ثلاثة أمتار، يطرح فيها الخشب ويغطى بشيء من الأعشاب اليابسة، ثم يلقى عليه قليل من النفط لإشعال النار، وتغلق الحضرة بالصفيح، ويستمر الإحراق نهاراً كاملاً.
وابتعنا كيساً كبيراً من هذا الفحم بخمسين ريالاً للاستعمال المنزلي.
وصلينا الظهرين في مسجد السعدية، ووصلنا إلى جدة الساعة الرابعة عصراً، والحمد لله على التوفيق والسلامة.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن سكان الوادي من جهة يلملم هم قبيلة (فهم)، ومن جهة السعدية قبيلة (الجحادلة).
(نتائج الاستطلاع):
1 ـ إن وادي يلملم يبدأ من سفح جبل يلملم ضيقاً ثم يتسع شيئاً فشيئاً حتى يتلاشى بعد السعدية وقبيل الطريق الساحلي العام، ليلتقي مع أودية أخرى تصب جميعها في البحر الأحمر.
2 ـ إن قمة جبل يلملم تشبه في شكلها الإسطواني قمة جبل النور بمكة المكرمة.
3 ـ لم نهتد إلى رؤية أثر من بقايا طريق اليمن القديم المار بيلملم مباشرة، والذي ذكره غير واحد من الجغرافيين والمؤرخين، ومنهم الحربي في (المناسك) ـ كما تقدم ـ.
وما ذكره الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 341 قال: «محجة صنعاء إلى مكة ـ طريق تهامة: من صنعاء: صِلِيت من البون ثم الموبد ثم اسفل العرقة وأخرف ثم الصرجة ثم رأس الشقيقة ثم حرض ثم الخصوف من بلد حكم ثم الهجر ثم عثر ثم بيض ثم زنيف ثم ضنكان ثم المعقد ثم حلي ثم الجو ثم الجوينية من قنونا وتسمى القناة ثم دوفة وهي للعبديين من بقايا جرهم ثم إلى السرين ثم المعجر ثم الخيال ثم إلى يلملم ثم ملكان ثم مكة. هذه طريق الساحل.
والمحجة القديمة ترتفع إلى حلي العليا وتسمى حلية، وإليها ينسب أسود حلية، وهي التي يعني الشنفري بقوله:
بريحانة من بطن حلية نورت
لها أرج من حولها غير مسنت
ثم إلى عشم ثم على الليث ومركوب إلى يلملم».
4 ـ رأينا آثاراً تدل على أن طريق الحاج كان يمر بالسعدية ـ التي هي محاذية ليلملم على بعد 25 كم ـ منها: إصلاح بئرها، والبئر الأخرى الواقعة قريباً منها، والقلعة الحربية.
ويستنتج من نسبة إنشاء بئر السعدية والقلعة بعدها إلى الهنود أن حجاج الهند كانوا يمرون من هنا.
ويؤيد هذا ما جاء في محاضرة للأستاذ حسن بن إبراهيم الفقيه عميد الكلية المتوسطة بالقنفذة التي ألقاها في قاعة المسرح بمقر قيادة سلاح الحدود بالقنفذة، ونشر عدد الأربعاء الأسبوعي من جريدة (المدينة) ـ التي تصدر بجدة ـ تعريفا لها ومقتطفات منها، بتاريخ 23 رجب سنة 1409هـ، وعنوانها: (القنفذة مدينة قديمة يعود تاريخها إلى القرن الثامن الهجري)، فقد جاء فيها: «وتسجل بعض الوثائق التاريخية استخدام مينائها (ميناء القنفذة) باباً لمكة المكرمة يدخل عن طريقه حجاج جنوب الجزيرة العربية وحجاج جنوب شرق آسيا وخاصة حجاج الهند».
ولعل ما جاء في (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة) ـ 1/ 640 ـ من أن يلملم ميقات لأهل اليمن والهند، يشير إلى هذا أيضاً ويؤكده.
ويعني هذا أن الطريق القديم المار بيلملم مباشرة تحول إلى طريق السعدية، ثم تحول إلى الطريق الساحلي الحاضر.
وبين طريق يلملم وطريق السعدية 25 كم، وكذلك بين طريق السعدية والطريق الراهن 25 كم، فيكون بين موضع المحاذاة في الطريق الراهن وجبل يلملم 50 كم.
وممن أشار إلى اتخاذ حجاج اليمن موضع السعدية محرماً المؤرخ التركي أيوب صبري باشا في كتابه (مرآة جزيرة العرب) ـ 2/ 246 ـ ترجمة الدكتور أحمد فؤاد صولي والدكتور الصفصافي أحمد المرسي، فقد جاء فيه تحت عنوان: (بداية المحمل اليمني وانقطاعه): «بدأ الوزير مصطفى باشا والي اليمن ينظم موكب المحمل الشريف باسم محمل صنعاء اليمن منذ سنة 963هـ بعد الفرمان الصادر بهذا الخصوص، والذي يسمح له بذلك، وعند وصول المحمل المذكور إلى مكة المكرمة كان المرحوم الشريف حسن يستقبله في (بركة ماجن) ثم يدخل المدينة.
تتحرك القوافل من (حيس) وتتجه نحو زبيد وتبقى في موقع (المخا) الواقع إلى الجنوب من الموقع السابق.
وتتحرك القافلة من زبيد متجهة نحو مرحلة (رفع) ومنها إلى (بيت العقبة الصغير) ومن هناك إلى (قطيع) ومنها إلى (المنصورية) ثم قلعة (فراوع) ومنها إلى (غاغية) ثم تنزل القوافل في (بيت الفقيه الكبير).
وأحياناً يسلك حجاج صنعاء طريق بلاد (حباب وطويلة وبلاد بني الخياط وبلاد بني الأهلية) ثم يواصلون سيرهم في الطريق المعتاد.
وتتجه القوافل التي ترد من أحد هذين الطريقين من بيت فقيه إلى (صعلب) ومنها إلى (دوحة)، ومن هناك إلى (حيوان) وبعدها إلى (عالية)، ومنها إلى (أبو عريش) ثم (سلامة)، ومنها إلى (ربيش) ومن هناك إلى (نماو) ومن نماو إلى (عتود) ومنها إلى (شفيق) ثم (أبيار)، ومن هناك إلى (دهيان) حيث تحط القوافل رحالها لتستريح وتتزود بزاد الطريق.
وتكثر الأشجار المسماة (شجر المقل) في أراضي مرحلة دهيان هذه.
وتدخل قوافل الحج التي تغادر دهيان إلى منزل (بركة) التي من جملة آثار عمرو بن منصور من ملوك بني رسول.
ثم تتحرك القوافل نحو (شفق)، ومنها تعاود سيرها حتى تنزل في استراحة (قنونا)، وهذه الاستراحة في وادٍ مياهه وفيرة، وله اسم آخر هو (الواديين).
وتصل القوافل التي تغادر مرحلة قنونا إلى (ليثة) [ = الليث]، ثم منزل (هصم) المشهور بكثرة مائه، ثم تصل مرحلة (سعدية) التي تعد ميقات سكان تهامة اليمن.
وتعتبر مرحلة سعدية هذه من أكثر المراحل ماءً وتبعد عن منزل (يلملم) ثمانية عشر ميلاً».
5 ـ إن ما يعرف الآن بمحطة الميقات والتي هي محرم الحاج في عصرنا هذا، لا تحاذي السعدية، ولكن بالإمكان أن تحاذي يلملم لانعطاف الوادي.
والمحطة التي تليها والتي تعرف بمحطة المجيرمة تحاذي السعدية ولأنها تحاذي السعدية تحاذي يلملم أيضاً.
أما محطة الطَفيل فتحاذي السعدية ويلملم معاً، وقد أنشأت الحكومة السعودية فيها مسجداً ليكون المحرم المحاذي، ولكن عزوف الحاج اليماني عنه واستمراره على الإحرام من محطة الميقات استدعى الحكومة غلقه والإعراض عنه.
يلملم حديثياً:
ورد توقيت (يلملم) محرماً في الأحاديث التي تكفلت بذكر المواقيت الخمسة، وهي أمثال:
ـ صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: قال: «من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (ص)، لا تجاوزها إلا وأنت محرم، فإنه وقّت لأهل العراق ـ ولم يكن يومئذٍ عراق ـ بطن العقيق من قبل أهل العراق، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ـ وهي مهيعة ـ ووقّت لاهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت من ما يلي مكة فوقته منزله»([157]).
ـ حسن الحلبي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «الإحرام من مواقيت خمسة، وقتها رسول الله (ص)، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها.
وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة، يصلى فيه ويفرض الحج، ووقّت لاهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله (ص)»([158]).
وبهذين الحديثين الشريفين وأمثالهما احتج فقهاؤنا على مشروعية توقيت يلملم محرماً، وشرعية الإحرام منه.
وهناك أحاديث أخرى ذكر فيها أن وقت أهل اليمن هو قرن المنازل، كالذي رواه عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام عن الأوقات التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل اليمن قرن المنازل، ولأهل نجد العقيق»([159]).
والجمع بين الطائفتين من أحاديث التوقيت لأهل اليمن، هو أن الأحاديث التي ذكر فيها أن يلملم هو وقت أهل اليمن أريد بها من يمر من أهل اليمن على طريق تهامة ـ وهو الطريق الساحلي ـ والأول من الطرق الثلاثة التي ذكرتها آنفاً نقلاً عن (مناسك الحربي).
أما الأحاديث التي ذكر فيها أن ميقات أهل اليمن هو قرن المنازل، فأريد بها من يسلك من أهل اليمن أحد الطريقين الآخرين اللذين يمران بقرن المنازل، وهما: طريق صنعاء ـ صعدة وطريق حضرموت ـ نجران، أو غيرهما من الطرق المارة بالطائف.
وبهذا تكون الأحاديث بمجموعتيها قد غطت جميع الطرق من اليمن إلى مكة المكرمة التي كانت على عهد رسول الله (ص) أو في العصر الإسلامي الأول وما بعده حتى عصرنا هذا.
يلملم فقهياً:
واستناداً إلى النصوص الشرعية المتقدمة وأمثالها أفتى فقهاؤنا بمشروعية اعتبار يلملم محرماً وبشرعية الإحرام منه، ولا خلاف بينهم في ذلك.
وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن ذلك بين مطلق ومقيد، ومنها:
ـ ما جاء في (المقنع) و(الهداية) للصدوق و(النهاية) و(الجمل) للطوسي و(الشرائع) للمحقق: «ولأهل اليمن يلملم».
ـ وفي (المقنعة) للمفيد: «ووقّت لأهل اليمن يلملم، وهي ميقاتهم وميقات كل من صحبهم من الحاج في طريقهم ومر عليه».
ـ وفي (الجمل) للمرتضى و(الكافي) لابن الصلاح و(المراسم) لسلاّر و(الجامع) لابن سعيد: «وميقات أهل اليمن يلملم».
ـ وفي (الإصباح) للصهرشتي و(الغنية) لابن زُهرة: «ولمن حج على طريق اليمن يلملم».
ـ وفي (المهذب) لابن البراج: «ويلملم وذلك ميقات أهل اليمن ومن حج على طريقهم».
ـ وفي (السرائر) لابن إدريس: «ووقّت لأهل اليمن جبلاً يقال له يلملمِ، ويقال ألملم».
ـ وفي (الإشارة) لابن أبي الفضل: «أو يلملم ويختص باليمنيين ومن نحا نحوهم».
ـ وفي (الوسيلة) لابن حمزة: «والرابع ميقات أهل اليمن وهو يلملم».
ـ وفي (القواعد) للعلامة و(الابتهاج) لآل عصفور: «ولليمن جبل يقال له يلملم».
ـ وفي (اللمعة) للشهيد: «ويلملم لليمن»([160]).
ـ وفي (الهداية) لفتاوى الشيخ يوسف البحراني: «ويلملم لأهل اليمن ومن والاهم».
ـ وفي (العروة) لليزدي: «الرابع يلملم وهو لأهل اليمن».
ـ وفي (المنهاج) للحكيم: «الخامس يلملم وهو ميقات أهل اليمن ومن عبر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق الأُخر».
ـ وفي (المنهج) للخنيزي: «ويلملم لأهل اليمن».
ـ وفي (المناسك) للخوئي: «الرابع يلملم وهو ميقات من أراد الحج عن طريق اليمن».
ـ وفي (الموجز) للصدر: «الرابع يلملم، وهو جبل من جبال تهامة، ويقال إن بعده عن مكة يقدر بأربعة وتسعين كيلومتراً».
وفي (الرسالة) للخاقاني: «الميقات الرابع يلملم وهو ميقات أهل اليمن وكل من جاء على طريق يلملم وجب عليه الإحرام منه، ويبعد هذا الميقات عن مكة بأربعة وتسعين كيلومتراً».
ـ وفي (المناسك) للكلبايكاني: «خامساً يلملم وهو جبل من جبال تهامة، ويبعد عن مكة المكرمة أربعة وتسعين كيلومتراً تقريباً، وهو ميقات أهل اليمن ومن يمر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق والأقطار والأمصار الأخرى»([161]).
أطلت بذكر الفتاوى لأنبه على شيء مهم هنا، وهو أن جميع هؤلاء المفتين قصروا ميقات أهل اليمن على يلملم، والأمر ـ كما رأينا في النصوص الشرعية من الروايات المذكورة في أعلاه وأمثالها ـ ليس كذلك، لأن لليمن طرقاً أخرى لا تمر على يلملم، وإنما تسلك على الطائف حيث يكون الميقات قرن المنازل، والمحرم المحاذي وادي محرم.
ولأن الفتاوى ـ عادة ـ يفتى بها ليعمل المقلد على وفقها، كان على المفتي تعرف طرق اليمن أولاً والمنازل التي تمر بها إلى مكة، ثم الإفتاء في ضوء هذا.
فكان الذي ينبغي أن يعبّر به للإفتاء أن يقال: (يلملم: ميقات من يسلك طريق اليمن التهامي (أو الساحلي) ماراً به سواء كان من أهل اليمن أو تهامة أو غيرهما).
وليس هذا الأمر من الإطلاق في التعبير قاصراً على فقهاء الإمامية، فقد رأيت فيما لدي من كتب الفقه السني ما يشارك كتبنا الفقهية في هذا، ومنه:
ـ ما جاء في (المحلى) لابن حزم 7/ 70: «ولمن جاء على طريق اليمن منها أو من جميع البلاد يلملم، وهو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً».
ـ وفي (الروض المربع) للبهوتي «وميقات أهل اليمن يلملم، بينه وبين مكة ليلتان».
ـ وفي (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة) 1/ 640: «والميقات لاهل اليمن والهند يلملم ـ بفتح اللامين وسكون الميم بينهما ـ وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة».
ـ وفي (فقه السنة) لسيد سابق: «وميقات أهل اليمن يلملم، جبل يقع جنوب مكة، بينه وبينها 54 كيلومتراً.
ـ وفي (التحقيق والإيضاح) لابن باز: «الرابع يلملم وهو ميقات أهل اليمن».
نعم، يستثنى من هذه الملاحظة الإمام الشافعي فقد تنبه لذلك، وكانت عبارته وافية بالمطلوب، وشاملة لطرق اليمن جميعها.
وقد يرجع هذا إلى أنه ابن مكة، فهو أعرف من سواه بالطرق المؤدية إليها، قال في (الأُم) 1/ 152 ـ 153: «وإن قوله (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) إنما هو لأنهم يخرجون من بلادهم وقد يكون ذو الحليفة طريقهم وأول ميقات يمرون به».
وقوله: «(وأهل الشام من الجحفة) لأنهم يخرجون من بلادهم والجحفة طريقهم وأول ميقات يمرون به، ليست المدينة ولا ذو الحليفة طريقهم، إلا أن يعرجوا إليها.
وكذلك قوله في أهل نجد اليمن، لأن كل واحد منهم خارج من بلده، وكذلك أول ميقات يمرون به.
وفيه معنى آخر أن أهل نجد اليمن يمرون بقرن، فلما كانت طريقهم لم يكلفوا أن يأتوا يلملم، وإنما ميقات يلملم لأهل غور اليمن وتهامتها ممن هي طريقهم».
ـ وهنا ملاحظة ثانية هي أن تقدير المسافة بين يلملم ومكة بـ (54 كم) أو (94 كم) لا تصدق على الطريق السالك بينها في عصرنا هذا، وإنما المراد بها الطريق القديم الذي يمر بيلملم مباشرة قبل اندثاره.
ولأن المناسك والكتب الفقهية التي ذكرت فيها هذه التقديرات لفقهاء معاصرين كان ينبغي لهم تقدير المسافة وفق واقعها الحاضر.
والواقع الحاضر هو أن المسافة بين مكة المكرمة وموضع المحاذاة تتراوح بين 100 كم و126 كم ـ كما تقدم ـ ، ومن موضع المحاذاة إلى جبل يلملم في مركز يلملم (الوَدْيان) حوالي 50 كم.
ولهذا لا بد من ذكر الطرق الراهنة السالكة إلى مكة من اليمن وتهامة لأضعها بين يدي الفقهاء الأجلاء للإفادة منها في مجال الإفتاء، وهي:

وبعد هذه التطوافة العلمية لا بد من التلميح للترويح بتطوافة أدبية نذكر فيها بعض الشعر العربي الذي ورد فيه ذكر يلملم، فقد تغنى الشعراء العرب به مثله مثل المعالم والمعاهد العربية الأخرى … ومنه:
ـ قول أبي دَهْبَل وهب بن زمعة الجمحي (ت 63هـ) يصف ناقة له «لم يكن في زمانها أسير منها ولا أحسن»([162]):
خرجتُ بها من بطن مكة بعدما
أصات المنادي للصلاة وأعتما
فما نام من راعٍ ولا ارتد سامر
من الليل حتى جاوزتْ بي يلملما
وما ذرَّ قرن الشمس حتى تبينت
بعُليبَ نخلاً مشرفاً ومخيّما
ومرّتْ ببطن الليث تهوي كأنما
تبادر بالإصباح نهباً مقسّما
وجازت على البزواء والليل كاسر
جناحيه بالزواء ورداً وأدهما
فقلت لها قد تعتِ غير ذميمة
وأصبح وادي البِرْك غيثاً مديما
ـ قول سلمى بن المقعد:
ولقد نزعنا من مجالس نخلة
فنجيزُ من حُثُنٍ بياضَ ألملما
ـ قول طُفيل:
وسلهبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من صخور يلملم
ـ قول ابن مُقبل:
تداعي عنوداً في الرداة كأنها
سهيل بدا في عارض من يلملما
ـ قول السيد جعفر الحلي:
والليل يشهد لي بأني ساهر
إن طاب للناس الرقاد وهوموا
من قرحة لو أنها بيلملم
نسفت جوانبه وساخ يلملم
ـ وقول شاعر الحجازيات الشريف الرضي من قصيدة له في رثاء والده الحسين الموسوي المتوفى سنة 400هـ والتي مطلعها:
وسمتك حالية الربيع المرهم
وسقتك ساقية الغمام المرزم
* * *
ملأ الزمان منائحاً وجرائحاً
خَبَطاً ببؤسى في الرجال وأنعم
واستخدم الأيام في أوطاره
فبلغن أبعد غاية المستخدم
اليوم أغمدتُ المهندَ في الثرى
ودفنتُ هَضْبَ متالعٍ ويلملم
ـ وقوله الآخر:
إني وإن ضرب الحجابُ بطوده
أو حال دونك يذبلٌ ويلملمُ
لأراك في مرآة جودك مثلما
يلقى العيانَ الناظر المتوسم
ـ ومن قصيدة يهنئ بها الوزير أبا منصور محمد بن الحسن بالمهرجان سنة 378هـ:
إلى كم تَصبّاني الغواني وبينها
وبيني عفاف مثلُ طود يلملم
اليمن([163])
ـ 1 ـ
على مساحة تتجاوز نصف مليون كيلومتر مربع في جنوب الجزيرة العربية، حيث البحر الأحمر وبحر العرب وبينهما باب المندب، أحد أهم المضائق الاستراتيجية في العالم تقوم اليمن.
وإذا كان النفط هو القاسم المشترك، على صعيد الموارد الأولية، بين اليمن وبعض جيرانه، فإن الزراعة هي المورد التقليدي الذي تميّزت به البلاد اليمنية، منذ سد مأرب، وما كان يعرف باليمن السعيد.
ولا يزال القطاع الزراعي محافظاً على أهميته في الاقتصاد اليمني، على رغم أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة لا تتجاوز سبعة في المئة من إجمالي مساحة الجمهورية اليمنية، وأن المستغل منها في شكل دائم لا يتجاوز 2 في المئة. ويساهم القطاع الزراعي في نحو خمس الناتج الإجمالي. وخلال الأعوام 1980 ـ 1986 كانت نسبة العمالة في الزراعة 55 في المئة من إجمالي قوة العمل بيد أن أزمة الأمن الغذائي في البلاد ما زالت تتفاقم، ويعزى ذلك إلى الفارق بين وتائر نمو الطلب ونمو الإنتاج الزراعي المحلي. وفي مؤشرات الفترة 1966 ـ 1976 يتضح أن معدل النمو السكاني في اليمن كان 3 في المئة، ومعدل الإنتاج الغذائي 4 في المئة، في حين زاد معدل الطلب على الغذاء 3,9 في المئة ومعدل الإنفاق على استيراد المواد الغذائية 124 في المئة في عائدات التصدير المخصصة لاستيراد الغذاء.
وعلى مستوى القطاع النفطي، يمكن النظر كعامل قوة للدولة اليمنية بالمعايير المادية والسياسية معاً.
فقبل إنجاز الوحدة، حين ظهر النفط في الشطر الشمالي، تساءل الكثيرون هل هذا الحدث سيقرب هدف تحقيق الوحدة اليمنية أو لا؟ وفي البدء بدا كأن النفط سوف يساعد على الابتعاد عن الوحدة، باعتبار أن الشمال أضحت لديه ثروة نفطية. ولكن بعدما تم اكتشاف النفط في الجنوب، وثبت وجود احتياط نفطي كبير هناك حدث التوازن بين الشطرين، وبدا إمكان التوازن المستقبلي مع الجيران وارداً.
مشهد من حاضرة يمنية
وبدا الخوف على هذه الثروة وأراضيها في الداخل والأطراف قائماً لدى النظامين السياسيين في صنعاء وعدن([164])، الأمر الذي دفع نحو المزيد من السعي الوحدوي. وهكذا، حينما تم التواصل إلى اتفاق تعز وصنعاء في نيسان وأيار 1988، كان من أبرز نتائجهما الاتفاق على عملية الاستثمار المشترك للثروات الطبيعية في كل من محافظتي مأرب وشبوة.
ويقدر الاحتياط المؤكد من النفط اليمني بنحو 14 مليار برميل، ويصل الإنتاج إلى 350 ألف برميل يومياً وفي تصريح لرئيس الجمهورية اليمنية علي عبد الله صالح في شهر شباط سنة 1996 قال فيه: ينبغي أن لا نخدع بالدعايات المضللة عن عائدات النفط، فالذي نستخرجه يعتبر كميات متواضعة تصل إلى 350 ألف برميل يومياً نستهلك منها 70 ألف برميل والبقية تتوزع بين الشركات والحكومة، ولا يتجاوز دخل اليمن سنوياً من النفط 570 مليون دولار يدفع منها 500 مليون دولار لدعم القمح والدقيق وتغطية مشتريات قطع الغيار والأدوية ودعم الصحة والتربية والتعليم. ويقدر احتياط الغاز الطبيعي بمعدل 5 ملايين طن سنوياً.
ويقدر عدد الشركات العاملة حالياً في قطاع النفط والغاز بنحو 30 شركة، إضافة الى 60 شركة في مجال الخدمات النفطية.
وعلى رغم الآفاق الواعدة لمستقبل اليمن النفطي، فإنه يصعب القول إن اليمن سيصبح دولة نفطية على المدى القريب، أو أن انضمامه إلى نادي الأغنياء العرب بات وشيكاً، ذلك أن الاستثمارات في حقلي النفط والغاز تقوم بها الشركات الأجنبية على أساس تقاسم الإنتاج. كما أن البنية التحتية في البلاد تعاني تخلفاً ملحوظاً، والدخل الفردي فيها من أقل المعدلات في العالم.
في العام 1981 أنجزت اللجنة الدستورية المشتركة للشطرين الشمالي والجنوبي دستور الجمهورية اليمنية وأقر هذا الدستور وتمت المصادقة عليه في اتفاق عدن الموقع في الثلاثين من تشرين الثاني 1989.
وفي أسس الدولة، نص الدستور على أن الجمهورية اليمنية دولة مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، وأن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع (المواد 1، 2، 3).
وفي نظام الرئاسة، نص الدستور على أن رئاسة الجمهورية اليمنية يمارسها مجلس الرئاسة عقب انتخابه رئيساً له من بين أعضائه لمدة خمس سنوات هي المدة الدستورية للمجلس (المواد 82، 84، 87).
ولم ينص الدستور صراحة على حق تأليف الأحزاب السياسية، بيد أنه أوضح أن للمواطنين في عموم الجمهورية ـ بما لا يتعارض مع الدستور ـ الحق في تنظيم أنفسهم سياسياً ومهنياً وتقنياً، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية، بما يخدم أهداف الدستور، وتضمن الدولة هذا الحق (المادة 39).
بيد أن قيام مناخ سياسي تعددي في اليمن، لم يعن، حتى الآن، الانتقال من سيادة الولاءات التحتية إلى المجتمع المدني.
إن الطبيعة القبلية ما زالت سمة عامة للحياة الاجتماعية في اليمن. ولا تستثني الأنماط القبلية للحياة سوى فئات محدودة من المجتمع. وهناك ثلاثة تجمعات أساسية يتألف منها التكوين القبلي لليمن. هي حاشد وبكيل ومذحج.
وقد أسقط الوضع القبلي نفسه على معظم أوجه الحياة في اليمن، بما في ذلك جوانبها الاقتصادية والسياسية. وفي قمة الهرم السياسي في البلاد نجد أن مجلس الرئاسة اليمني قد أخذ في تشكيلته الاعتبارات القبلية، وما يصاحبها من اعتبارات مذهبية ومناطقية.
وحتى اليوم، ليس في البلاد برامج جدية لصهر التكوينات القبلية وصولاً إلى المجتمع المدني الحديث. وفي الشمال يبدو الطابع القبلي أكثر بروزاً وتجلياً.
لمحةٌ تاريخيةٌ سريعةٌ
عن بلادِ العرب الجنوبيةِ ولغاتِها
يُقصد باللغات العربية الجنوبية لغات بلاد اليمن وعُمان. وكانت اليمن المعروفة ببلاد العرب السعيدة عند اليونان غنيَّة بثرواتها الزراعية والطبيعية. لذلك عرفت الشعوب القاطنة فيها استقراراً اقتصاديًّا وتقدماً اجتماعيًّا نظراً لممارستها الأعمال الزراعية وتنظيم الري وتطوير بعض الصناعات وإقامة علاقات تجارية مهمة بين بلاد الهند والدول الكبرى في تلك الحقبة من الزمن، مثل مصر والدولة الآرامية واليونانية وغيرها من دول تناوبت الريادة في المنطقة الشمالية ـ الغربية، والشمالية ـ الشرقية من شبه الجزيرة العربية. وقد دلَّت الاكتشافات والآثار على حضارة اليمن وعلى لغتها التي تعود بأصولها إلى العربية الأولى والتي تختلف كثيراً عن العربية الإسلامية (الفصحى) أو عن عربيتنا الحديثة، ورغم ضياع العديد من الآثار وتهديم عدد كبير من النقوش واستخدام الحجارة الأثرية في البناء فإن ما وصلَنا يكفي لإعطاء لمحة تاريخية سريعة عن بلاد اليمن ولغاتها في حقبة متوسطة من التاريخ القديم.
فالكتابة اليمنية أتت واضحة تعبِّر عن تكوّن الهجاء الصوتي، فقد عرف الجنوبيون من العرب في هذه الفترة الحروف التي كانت ترمز للاصوات الساكنة. وواضح أن هؤلاء اليمنيين كانوا على علاقة بالشعوب المجاورة، فلا غرابة إذا كانت الكتابة الجنوبية على علاقة بالكتابة الفينيقية. لكن هذه الكتابة الجنوبية كانت تمتلك مميزات شكلية مختلفة كما هو شأن العربية اليوم في خطها المتميز عن الكتابة الفينيقية والكتابة العربية الجنوبية. لكن هذه التميّز لا ينفي المبدأ الأساسي الذي أُخذ من الفينيقية.
ويقسم المؤرّخون الدول التي قامت في بلاد اليمن إلى ما يلي:
الدولة المعينية: وقد نشأت حوالي 1300 ق.م. واستمرَّت إلى حوالي 630 ق.م. وقد ذكر إسترابون أن عاصمة هذه الدولة كانت مدينة «قرنا» Karna.
وبعد اكتشافات كل من جوزيف هاليفي وجلازر وجوسن ومولر وغيرهم تمَّت معرفة العدد الكبير من ملوك هذه الدولة الذين كانوا يلقِّبون بلقب «يطوع» ويعني المخلص ولقب «صدوق» يعني العادل ولقب «ريام» المضيء و«فرود» المقدس و«كبر» العظيم الكبير.
الدولة القتبانية: عايشت الدولة المعينية ويمكن إرجاع تأسيسها إلى الألف الثاني قبل الميلاد، كالدولة المعينية، واستمرَّت حتى نهاية الفترة التاريخية قبل الميلاد اي حوالي 25ق.م. ويرجّح أن عاصمة هذه الدولة كانت تمنع.
دولة حضرموت: وقد عاصرت دولة معين وسبأ وقتبان، وقد دخلت في الفترة الحِميرية. ولذلك اعتبر الحضارمة من العرب العاربة، ومن أهم مدنها القديمة: «مضيعة» ومن المعتقد أنها كانت العاصمة القديمة، ثم مدينة «شبوة» Sbota (عند الكتّاب اليونان والرومان). وقد عُثر على بقايا سدود في شبوة كانت مبنية لحصر مياه الأمطار والإفادة منها في ريّ المناطق المجاورة.
الدولة السبئية: وقد تأسَّست حوالي 800ق.م. واستمرت حتى 115ق.م. وجاء ذكرها في نقوش آشورية وفي التوراة والقرآن الكريم (سورة النمل). ومن أهم مدنها صرواح ومأرب. وقد أطلق عليها فيليب حتي اسم فينيقيا البحر الجنوبي. وقد عرف السبئيون تطوُّراً حضاريًّا مهماً خصوصاً في تنظيم الزراعة. وعرفوا كذلك الكتابة وخلَّفوا نقوشاً هامة تدلّ على لمحات من تاريخ المنطقة.
ومن الجدير بالذكر:
أولاً: أن تاريخ هذه الدول الأربع مترابط بحيث كان نفوذ الدولة في مراحل قوتها يشمل الدول الأخرى وفي حالة الضعف كانت تخضع بدورها لدولة ثانية، وهذا الواقع يؤكد وحدة العنصر البشري وانتماءه.
ثانياً: ن جميع هذه الدول اعتمدت التطوُّر الزراعي فنظِّمت عملية الري بشكل ممتاز. حتى أن اليمن الحديث قد يحسد اليمن القديم على هذا التنظيم الرائع لمشاريع الري المنتجة.
ثالثاً: جميع هذه الدول لعبت دوراً تجاريًّا مهماً في المنطقة وكانت على صلات تجارية وثقافية وحضارية مع دول العالم الأساسية من بلاد الهند وأشور وكنعان ومصر القديمة وبلاد اليونان.
رابعاً: توزعت هذه الدول على كلِّ المنطقة المعروفة اليوم من أقصى اليمن الشمالي شمالاً وعلى امتداد البحر الأحمر حتى جبال عُمان على الخليج العربي، ولم يكن لها حدود معيَّنة باتجاه الصحراء والواحات الواقعة داخل شبه الجزيرة العربية بحيث كانت رقعة الدولة تتسع وتضيق حسب الظروف المناخية والاقتصادية والسياسية.
خامساً: كان سكان هذه الدول في معظمهم من أصول عربية تعود إلى العرب الأصليين الجنوبيين أو إلى عرب الصحراء الداخلية أو إلى المهاجرين من الأطراف الشمالية من بلاد أشور وكنعان ومصر بصورة الهجرة العكسية. لذلك لا يجوز فصل دراسة التركيب الجنسي والعرقي لهذه الشعوب عن الأصل العرقي للشعوب الشمالية. وينعكس الترابط ليس فقط في الملامح العرقية وإنما في الطبيعة اللغوية والفكرية.
سادساً: إن لغات هذه الشعوب كانت متقاربة ومتشابهة، وكذلك الحال مع كتابتها رغم اكتناف الغموض المراحل السابقة، أي المراحل ما بين خمسة آلاف وألفين قبل الميلاد، حيث يلاحظ أن معظم الحضارات الشمالية الغربية والشمالية الشرقية في شبه الجزيرة العربية أخذت تتكوَّن بين الألف الخامس والألف الثالث قبل الميلاد. أي أنه في غضون ألفي سنة كانت قد وُضعت أسس الحضارات الشمالية في بلاد أشور وكنعان ومصر، ففي هذه الفترة التاريخية المهمّة من تطور الحضارة الإنسانية نرى أن عرب الجنوب لم يكن لهم ذكر معيّن. وفي تصوُّرنا أن الهجرات السابقة التي نشأت جنوبية قضت على التجمع البشري، بحيث تبقَّى عدد قليل من السكان بعد خراب مدمّر حصل في جنوبي الجزيرة العربية وبصورة خاصة في وسطها. وفي اعتقادنا أن هذه المرحلة قد ترجع إلى أكثر من عشرة آلاف سنة. وعلى هذا الاساس نعتقد بأن التجمع البشري في الجنوب نشأ مؤخراً على أساس الهجرات العكسية وعلى أساس النمو البطيء لما تبقَّى في جنوبي الجزيرة العربية من تجمعات بشرية قليلة.
كتابة ثمودية
وتحتاج هذه التصوُّرات إلى تأكيدات علمية عبر الاكتشافات والدراسات الجيولوجية المساعِدة.
الدولة الحِميرية: 151ق.م. ـ 525م. وتنقسم إلى مرحلتين: الأولى وتمتد من 115ق.م. تقريباً وحتى 300 ميلادية. ومن الواضح أن هذه الدولة وحَّدت أراضي الدول العربية الجنوبية وسلطة ملوك سبأ وذي ريدان. وواضح من مراجعة التاريخ القديم بأن هذه الدولة كانت محطّ أنظار الدولة الرومانية، وقد حاول الرومان السيطرة على الطرق البحرية الموصلة إلى الهند، لكنهم لم يستطيعوا إخضاع العرب الجنوبيين آنذاك.
وفي ظل الدولة الحِميرية الثانية (ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت) عرفت بلاد اليمن مرحلة تاريخية جديدة اكتنف الغموض جوانب أساسية منها وخصوصاً ما يتعلَّق بالتدهور السريع لهذه الحضارة القوية والغزوات التي تعرَّضت لها، وربما النكبات الطبيعية. وفي هذه المرحلة وقعت هذه البلاد تحت سيطرة الأحباش بعد احتلالها.
الحبشة: لقد أقام العرب الجنوبيون مستعمرات لهم على شواطئ الحبشة من الجنوب وباتجاه الشمال وانتقل قسم كبير منهم إلى هذه المناطق وأقام فيها في فترات تاريخية سحيقة، وقد فعل اليمنيون تماماً كما فعل الفينيقيون في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط.
إن هذه الهجرة العربية إلى إفريقيا الشرقية انعكست فيما بعد على الناحية العرقية فاختلط العرب بالأحباش والعكس، وانتقلت اللغة العربية الجنوبية إلى الحبشة لتكوِّن فيما بعد مع اللغات المحلية اللغة الإثيوبية القديمة التي تعود بأصلها الأساسي إلى العربية القديمة عبر عربية الجنوب.
الحرف الحبشي
الدكتور محمد قدوح

اليمن
ـ 2 ـ
تقع اليمن في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية. وهي كما حددها جغرافيو العرب، تشمل:
1 ـ مناطق عسير ونجران، وهما تتبعان اليوم ما سمي بالمملكة العربية السعودية.
2 ـ ما أطلق عليه اسم الجمهورية العربية اليمنية. وهو اليمن الشمالي.
3 ـ ما كان يطلق عليه اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهو اليمن الجنوبي. وتتألف مساحة القسم الثالث من حوالي 112 ألف ميل مربع، وكان يضم قبل الاستقلال 24 إمارة ومشيخة وسلطنة، تشكل من 14 منها ما سمي باسم اتحاد الجنوب وبعد الاستقلال انصهر الاتحاد وغيره في ست محافظات تحمل أرقاماً دون اسماء.
ومما يذكر أن المحافظة الثانية قامت مكان تسع سلطنات سابقة هي: لحج والصبيحة والضالع والشعيب والحواشب والعلوي وردفان والمفلحي وحالمين. وأصبح مركزها (الحوطة).
وقد جلت القوات البريطانية عن هذا القسم سنة 1968.
من تاريخ اليمن القديم
الممالك اليمنية التي جاءت في كتب التاريخ خمس ممالك باستثناء بعض الإمارات كإمارة (جبا) التي عاصرت مملكة قتبان وقامت في جنوبها الغربي. وإمارة (سمعى) التي عاصرت مملكة سبأ وقامت غربي صنعاء.
وإمارة (بني مراثد) التي عاصرت الدولة الحميرية في عمران والبون، وإمارة (أربع) أو (أربعن) في همدان. ولا تزال المعلومات عن هذه الإمارات غامضة.
والممالك الخمس هي:
1 ـ مملكة معين، وقد بدأت من القرن الرابع عشر قبل الميلاد وانتهت عام 850 قبل الميلاد بقيام مملكة سبأ. وكان لها عاصمتان: (قرناو) و(معين).
2 ـ مملكة حضرموت وقد بدأت عام 1020ق.م. وانتتهت عام 65 ق.م. عندما تغلبت عليها مملكة سبأ. وكانت عاصمتها (شبوة).
3 ـ مملكة سبأ وقد بدأت عام 850ق.م. وانتهت عام 115ق.م. بقيام مملكة سبأ وريدان الحميرية، وكان لها عاصمتان: الأولى (صرواح) والثانية (مأرب).
4 ـ مملكة (قتبان) وقد بدأت سنة 865ق.م. وانتهت سنة 540ق.م. عندما تغلبت عليها مملكة سبأ، وكانت عاصتها (تمنع).
5 ـ مملكة سبأ وريدان وحضرموت ويمنات وتسمى دولة (التبابعة)، وقد بدأت سنة 115ق.م. وانتهت سنة 523ب.م. وكانت عاصمتها ظفار.
اليهودية والنصرانية في اليمن
في عام 70 ميلادية كان اليهود قد نزحوا من فلسطين بعد أن دمرها الإمبراطور الروماني (تيتوس) Titus وحطم هيكل أورشليم فتفرقوا في الأقطار، ووجد بعضهم في اليمن بلداً آمناً يأوون إليه ومكاناً حصيناً يقيمون فيه، وبعد مضي برهة من الزمن تمكنوا من السيطرة على مرافق اليمن التجارية مما ساعدهم على نشر الدين اليهودي في اليمن. وكان أول من اعتنقه هو الملك أسعد الكامل ثم من بعده ذو نواس، وهو آخر الملوك الكبار لدولة حِمير.
من معالم اليمن التراثية
وقد أدى تعصب «ذو نواس» ـ الذي سمى نفسه يوسف ـ للدين اليهودي إلى إيقاعه بنصارى نجران في قصة الأخدود المعروفة وذلك بعد أن شكى إليه يهود نجران غلبة النصارى إثر نشوب فتنة بين الجانبين، فنهض يوسف ذو نواس إلى نجران في سنة 523م، وحفر الأخدود، وأضرم فيه النار وخيَّر النصارى بين الرجوع عن دينهم أو إلقائِهم في الأخدود، فأبى الكثير منهم عن الرجوع عن دينهم فأحرقهم.
لقد كان هذا الفعل الفظيع مثاراً لاستنكار معتنقي دين النصرانية في أوروبا والحبشة أصبحت بعده اليمن مسرحاً للنزاع والحروب بين اليهودية ـ وعلى رأسها يوسف ذو نواس ـ وبين المسيحية ـ ومن ورائها قيصر الروم ونجاشي الحبشة ـ فقد وجه (مار شمعون) أسقف بيت أرشام رسالة نداء إلى الأساقفة، وبالأخص أساقفة الروم والحبشة دعاهم فيها إلى مناصرة إخوانهم في الدين، كما غضب لهذا الحادث ملك الروم أيضاً، فكتب إلى نجاشي الحبشة وهو على دين النصرانية أن يجرد حملة عسكرية من جهته للقضاء على يوسف ذو نواس وأتباعه من اليهود في اليمن، فأرسل النجاشي قوة كبيرة تتكون من أربعة آلاف جندي بقيادة (أرياط) وجرت بين الفريقين معارك دامية كانت الغلبة في نهايتها للأحباش مما اضطر يوسف ذو نواس إلى إلقاء نفسه في البحر، وهكذا انتهت دولة الحميريين واستولى الأحباش على اليمن عام 525م، وفي هذه الآونة قام أبرهة بن الصباح الأشرم ـ وكان أحد قواد جيش النجاشي ـ بثورة ضد النجاشي في اليمن بأن قتل القائد أرياط ـ وكان قد حكم اليمن خمسة عشر عاماً كما تقدم ـ ودعى نفسه ملكاً على البلاد، وعمل على تنصيرها، وهو الذي بنى كاتدرائية (القليس) بصنعاء والمعروفة الآن بـ (غرفة القليس) وأرغم الناس بالحج إليها بدلاً عن البيت الحرام، وهو صاحب قصة الفيل المعروفة في القرآن، وكان متحمساً للنصرانية، وقد بنى بيعة في مأرب وقد دام حكمه على اليمن 32 عاماً، ثم خلفه ولده (يبكسوم)
فتح معبد الشمس «عرش بلقيس» أمام الزوار بعد الترميم

لمدة تسعة عشر عاماً، ثم ابنه الآخر (مسروق)، ولبث 12 عاماً، وكانت صنعاء عاصمة لهم وقد انتهى حكم (مسروق بن أبرهة) عام 599م عندما قام سيف بن ذي يزن بثورته المشهورة ضد الأحباش.
جلاء الأحباش الأخير:
لقد دام الاحتلال الحبشي لليمن حوالي أربعة وسبعين عاماً كانت اليمن فيها مسرحاً لحروب طاحنة بين أقيال اليمن وقوات الاحتلال الحبشي، وبالرغم من قوات الأحباش المتدفقة على اليمن فقد استمر من بقي من الأقيال في مناضلتهم وقتالهم بعزائم ثابتة وبسالة عظيمة، فقد جاء في نفس أبرهة ذكر بعض التحركات التي قام بها اليزنيون. وكان سيف بن ذي يزن النعمان بن عفير أحد سلالة ملوك حمير، وكان أبوه النعمان بن عفير اليزني قد ثبت على جزءٍ صغير من اليمن بعد يوسف ذي نواس، ثم بعد موت أبيه النعمان تمكن الأحباش من انتزاع الملك من يده، فاضطره ذلك إلى السفر إلى كسرى أنو شيروان ملك فارس طالباً منه النجدة على طرد الأحباش واستعادة ملك آبائه وأجداده، فأجابه كسرى إلى مطلوبه وأمده بالقوة والمال، وبعث معه القائد (وهرز) على رأس قوة كبيرة ووقعت معارك بينه وبين قوات الأحباش بقيادة مسروق بن أبرهة، ولقي سيف بن ذي يزن تأييداً كبيراً من أهل اليمن أعانه على هزم قوات الأحباش بعد أن قتل مسروق في إحدى المعارك، وتولى سيف أمر اليمن من قبل كسرى فارس، ووفدت إليه الوفود العربية، وكان ممن وفد إليه وفد مكة وفي مقدمتهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك قبل مبعث النبي الكريم العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يقرب من عشرين عاماً.
ثم ولي بعد موت سيف بن ذي يزن المرزبان بن وهرز الفارسي كعامل من قبل كسرى، ثم التيجان بن المرزبان، ثم خسرو بن التيجان، ثم (باذان) وقد بقي الأخير والياً على اليمن حتى جاءت البعثة الإسلامية في عام 622م ودخل مع أهل اليمن في الإسلام.
تقسيم اليمن
واليمن من حيث تكوينها الطبيعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم جبلي يشغل أكبر مساحة في البلاد وهو في الوسط شرقي تهامة. وقسم سهلي يعرف باسم تهامة. لا تزيد مساحته على ربع مساحة البلاد، ويقع على ساحل البحر الأحمر. وقسم صحراوي يعرف باسم (الجوف) ([165]) يقع في الداخل شرقي الجبال، ويمضي ممتداً شرقاً نحو حضرموت.
وجبال اليمن تتدرج في الارتفاع حتى لتبلغ الألف متر ثم تمضي وتتعالى حتى تبلغ في أعلى القمم ثلاثة آلاف وخمسمائة متر. وهذه الجبال هي امتداد جبال السراة القادمة من شمال الحجاز حتى جنوب اليمن، وكان من فضلها على اليمن أنها نأت به عن جو خط الاستواء بعد أن أدناه الموقع منه، فعاد اليمن الجبلي معتدل المناخ صيفاً وإن برد واشتد برده شتاء ولا يزيد معدل الحرارة بصنعاء في السنة على 28 درجة مئوية، بل يمكن القول إن

المعدل لها يتراوح بين 27 إلى 28 درجة، الرطوبة تتأرجح فيها بين 60 و20 درجة.
ويفيض السائحون في الحديث عن جمال جبال اليمن فيصورونها على أنها من أروع الجبال منظراً وأتعبها مرتقى، ويمثلونها أخاذة المشاهد سواء بقممها التي تناطح السحاب علواً وامتداداً، أو بمزارعها المعلقة التي تنتشر على ما يشبه القناطر والجسور بتنسيق رائع الحسن.
وهنالك على تلك الجبال تقوم هذه المدن: صنعاء، وعمران، ورضوان، وكوبان([166])، وذمار وغيرها.
وسهول اليمن هي سواحل البحر الأحمر تتراوح في العرض ما بين ستين إلى سبعين كيلومتراً ما عدا سهول الحديدة التي يتراوح العرض فيها ما بين الأربعة عشر كيلومتراً إلى العشرين وهي كثيرة الجزائر المرجانية، وتعرف هذه السهول بخصب التربة وهي برار منبسطة تتخللها الرمال والكثبان وتشتد الحرارة فيها صيفاً فتتراوح بين 41 و43 درجة مئوية وقد تصل أحياناً في الظل إلى الخمسين درجة، أما الشتاء في تهامة فدافئ لذيذ جميل لا تنخفض فيه درجة الحرارة عن 21 درجة مئوية.
وفي تهامة على تلك السهول الساحلية تقوم المدن الآتية: الحديدة مرفأ اليمن الأكبر، وباجل وزبيد([167]) وبيت الفقيه([168]) والمخا وغيرها.
والصحراء (الجوف) هي في الداخل شرقي الجبال تمتد وتمضي ممعنة في امتدادها نحو حضرموت وهي برار واسعة ومفازات رحبة كانت أيام سبأ وحمير غناء عامرة ثم عدا عليها الزمن فعادت مقفرة إلا في القليل منها.
والجوف حار ولكن هواءه جاف غير مؤذ وفيه المدن الآتية: مأرب وشبوة([169]) والبيضاء([170]) وحرب وغيرها.
بلاد البن
كتبت الكاتبة الأوروبية (جاكلين بيرين) في كتابها (اكتشاف جزيرة العرب) ما تعريبه عن اللغة الفرنسية:
كانت الجزيرة العربية طوال عصور عديدة بلد الطيوب والعطور، وساحل الطريق البحرية إلى بلاد الهند، إلا أنها غدت في القرن الثامن عشر، لمدة طويلة، بلاد البن.
ولا شيء يعطي فكرة عما كانت عليه بلاد العرب آنئذٍ، وما كانت تمثله للأوروبيين، أفضل من الفكرة التي أعطاها الكتيب المسمى «رحلة إلى العربية السعيدة» الذي وضعه دي لاروك النبيل الفرنسي، المشبع بروح التطلع والموضوعية والنقد، واختيار الأحسن، التي اتصف بها واضعوا الموسوعات في ذلك العصر.
لقد تمكن دي لاروك من جمع الرسائل والكتب التي خطها بحارة سان مالو الذين كانوا قد قاموا برحلة إلى اليمن في سنتين 1708 و1710 أولاً، ثم في سنتي 1711 و1713 فنشرها بشكل رسائل. ولم يكن أولئك البريطانيون قد ركبوا البحار إلى تلك البلاد النائية إلا سعياً وراء البن الذي كان مبتغاهم الوحيد في تينك الرحلتين.
لقد اهتم الطبيب الجراح ـ على ظهر إحدى تلك السفن، وكان قوي الملاحظة، عالماً في الطبيعيات ـ بقضاء أوقات فراغه على اليابسة للحصول على معلومات عن زراعة تلك الشجرة الثمينة وتصويرها. وقد نشر دي لاروك هذه المعلومات بشكل بحث صغير، وأهاب به فضوله من جهة أخرى، إلى جمع كل ما أمكنه جمعه من المعلومات والكتب عن البن. فتفحص بعين الناقد المدقق كل الأبحاث التي كتبت في الموضوع، ولزم ـ بنوع خاص ـ جانب الكتاب الذي كان قد وضعه السيد دي غالند نقلاً عن كتابين عربيين وضعا في الموضوع، في ذلك الوقت.
وكان دي لاروك ابن رحالة كبير من مرسيليا جاء بالبن إلى فرنسا لاستعماله الخاص منذ سنة 1644، كما كان باريسي الأصل متضلعاً من تاريخ مدينته، فأضاف إلى كل ما تمكن من جمعه، قصة انتشار البن في فرنسا وفي مدينة باريس. حتى أنه نشر نخبة من القصائد باللاتينية والفرنسية، ولم يأنف ألمع رجال الفكر والأدب من نظمها في مدح «هذا المشروب المفيد» الذي خصه جان سيباستيان باخ نفسه بأحد ألحانه.
لقد شاع استعمال البن إلى درجة رسخ معها في أذهاننا الاعتقاد بأنه كان مستعملاً عندنا منذ أقدم الأزمنة، وشق علينا التصديق بأن استعماله لم ينتشر في بلاد الشرق إلا منذ أربعة قرون خلت، في حين أنه لم يمض على استعماله في بلاد أوروبا أكثر من قرنين. ولم نعد نتصور قط الحماسة التي أثارها عبر أوروبا في الشعر الغنائي، ظهور هذا المشروب:
أية لذة تعدل لذتك
حين تُعدّك أيد ماهرة
تكفي رائحتك لامتلاك
من لم يختبروا سحرك
أيها المشروب الذي أحب
سدْ وسِل في كل مكان
واطرد الكوثر نفسه
من موائد الآلهة
أعلن الحرب أبداً
على عصير بنت الكرمة الفتان
وأذق الأرض
هدوء السماء اللذيذ([171])
ولكننا ما زلنا لا نعرف إلا القليل من المعارك الحامية الوطيس التي نجمت عن ظهور البن، بين عشاقه ورجال الدين، في الشرق والغرب على السواء.
تذكر الأساطير أن بعض الرعاة هم الذين اكتشفوا مزايا شجيرة البن، إذ أحسوا أن ماعزهم الذي رعاها، أخذ يقفز مرحاً، نشيطاً، مبدياً علامات الجذل والغبطة. ومهما يكن من أمر، لم ينشأ التعامل التجاري بالبن في أول عهده في بلاد الحبشة حيث تنمو شجيراته من تلقاء نفسها، بل في جنوبي الجزيرة العربية. ويقال إن شيخاً من عدن عمم استعمال البن بين دراويشه بعد أن لاحظ أنه يطرد النعاس، ليسهل عليهم إقامة الصلوات ليلاً. ولم يلبث سكان عدن أن قدروا مزايا هذا المشروب تقديراً أقل روحانية من تقدير شيخهم.
وانتقلت عادة استعماله من عدن إلى مكة حوالي سنة 1500، ثم إلى المدينة والمدن العربية الأخرى، ثم إلى القاهرة. وأنشئ في هذه العواصم، ومن بعد ذلك من القسطنطية، مقاهٍ لشرب القهوة فتحت أبوابها للجميع، وكان الناس يستطيعون، وهم يشربونها، أن يلعبوا بالشطرنج وطاولة النرد.
ولكن انتشار استعمال القهوة لم يتم دون حرب شعواء أعلنها على شاربيها رجال الدين المسلمون الذين رأوا، لما تحدثه من تنبه، أن من الواجب أن تحرم تحريم المسكر. واشتد الجدال الديني في مكة والقاهرة، وأغلقت المقاهي في القسطنطية ثم أعيد فتحها، ولكن رجال الدين خسروا المعركة في نهاية الأمر. فإذا كانت المقاهي قد اغلقت فإن القهوة تربعت على العرش في المنازل، وأصبح إبريق القهوة من أدوات المنزل الضرورية كالدست، وإبريق الوضوء.
وفي ذلك الحين ذاق بعض الرحالين طعم هذا المشروب الأسود في شبه جزيرة العرب، وتعرف إليه بعض الأوروبيين في مصر، وتركيا معاً.
وصل البن إلى البندقية في مطلع القرن السابع عشر، وقد رأينا أن أمستردام عرفته سنة 1633 ومثلها لندن في ذات الوقت على وجه التقريب، وبعد أن أدخل بعض المسافرين عادة استعمال القهوة في منازل أصدقائهم في مرسيليا، أخذ بعض التجار يستوردونها من القاهرة.
وأصبحت مرسيليا وليون ميدان معركة جديدة قامت بسبب القهوة. ولم يكن معلنو الحرب في هذه المرة علماء الدين الإسلامي، بل علماء معهد الطب.
وبلغت المعركة أوجها سنة 1679 حين قدم طبيب شاب أطروحة، بمناسبة تخرجه من معهد الطب، وكان قد طُلب إليه أن يبحث فيما إذا كان استعمال القهوة مضراً بصحة سكان مرسيليا، إلى جانب ثلاثة موضوعات أخرى تتعلق بمسألة القهوة، وقد جزم الطبيب الشاب في أطروحته بأن المواد النافذة التي تكثر في القهوة، قوية النفوذ عظيمة الحركة إلى درجة أنها إذا ما انتشرت في الدم، تنتقل بادئ ذي بدء إلى جميع أجزاء الجسد، ومن هناك، تهاجم الدماغ وبعد أن تذيب كل رطوبة وكل مواد خشنة فيه، تفتح جميع مسامه، وتحول دون وصول الأرواح الحيوانية التي تحدث النوم إلى الدماغ، عندما تأخذ هذه المسام في الانغلاق، ومن ثم تحدث هذه الأجزاء البالغة بما فيها من خواص سهراً عاصياً في غالب الأحيان إلى درجة أن العصارة العصبية التي تعتبر قوتها ضرورية لتجديد الأرواح تنفذ كلياً، فترتخي الأعصاب، وينجم عن ذلك العجز والشلل. وبنشاف الدم الذي سبق له أن أحرق، تُستنزف العصارة من جميع أجزاء الجسم إلى درجة ينحف معها الجسم كله نحافة مخيفة … فيجب الاستنتاج من هذا كله أن القهوة مضرة لمعظم سكان مرسيليا.
ولكن معهد الطب لم يتمكن من حمل سكان مرسيليا على النفور من القهوة التي أصبحت منافسة للخمور في سائر أنحاء فرنسا، على أن هذا التقرير لم يكن خاطئاً كلياً، وقد أدرك ذلك مدمنوها بطريقة أقل تفلسفاً وتحليلاً، ولكن أشد إقناعاً ولا ريب.
إن زيارة أحد السفراء الأتراك لباريس في سنة 1669 هي التي فتحت الباب رسمياً لدخول القهوة إليها، وقد حاول بعض الأرمن والشرقيين، افتتاح محلات لتقديم القهوة فيها، ولكن نوع هذه المحلات لم يجتذب الباريسين. وقد نجح أكثر من هؤلاء باعة القهوة المتجولون في الشوارع.
وفي أواخر القرن السابع عشر فكر الفرنسيون في افتتاح قاعات لشرب القهوة لا عامية ولا عادية بل مزينة بالفرش، والمرايا، واللوحات، والثريات، حيث كان يقدم الشاي والمشروبات الروحية، والحلويات، والمربيات. وكانت تلك الفكرة ممتازة قدّرها الباريسيون قدرها أكثر من المشروب العربي ذاته، لما فيها من سحر المنادمة والمحادثة، فقد غدت المقاهي ملتقى الأشراف من الناس. ويذكر دي لاروك «أن رجال الأدب، والشخصيات المعروفة برزانتها، لم يكونوا يستخفون بهذه المجتمعات المريحة كل الراحة، الملائمة للمناقشات الأدبية والتاريخية في جو من اللهو، دون أي إزعاج أو تكلف» وفي الوقت الذي كتب فيه دي لاروك ما كتبه عن القهوة، كان قد افتتح في باريس ما لا يقل عن ثلاثمائة مقهى. ومن المعلوم ما أصبح لهذه المقاهي من أهمية في تاريخ الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر.
هكذا غدت الحبوب الصغيرة التي تحملها شجيرات البن في اليمن في الأعوام الأولى من القرن الثامن عشر، ليس فقط ذات قيمة بالنسبة إلى أوروبا، بل ضرورية للحفاظ على حقيقة اجتماعية ذات طابع فرنسي، كانت قد دفعت إلى نشأتها.
وكان تجار مرسيليا قد احتفظوا حتى ذلك الحين باحتكار استيراد البن من القاهرة، ولكنهم أخذوا يتساءلون عن سبب عدم إقدامهم على شرائه من اليمن مباشرة.
كانت الثورات العربية قد طردت الأتراك من شبه الجزيرة، ولم يكن قد بقي في أيديهم إلا ميناء جدة، وكانت بلاد اليمن خاضعة لحكم إمام. وما كاد الهدوء يستتب حتى افتتح الهولنديون ثانية وكالة تجارية في (المخا)، بالنظر إلى أن التجارب التي أجروها في زراعة البن في (باتافيا) لم تسفر عن النتائج المرجوة. أما الشركة الإنكليزية للهند الشرقية، فإنها كانت ترسل في كل سنة بعض السفن إلى المخا، وكانت تستورد حمولة سفينة من البن كل سنتين مرة واحدة إلى مدينة لندن.
وقد أسس تجار سانت مالو هم أيضاً شركة لاستيراد البن من منشئه. وهكذا تمت بين سني 1708 ـ 1710 ـ 1711 ـ 1713 الرحلتان اللتان كتب دي لاروك قصتهما. وللرحلة الثانية أهميتها الخاصة في تاريخ اكتشاف شبه جزيرة العرب، لأن القدر كان سيتيح لاثنين من البحارة في تلك الرحلة، سلوك طريق العاصمة، والبقاء فيها وقتاً كافياً للتجول فيها وفي ضواحيها، كضيفين مكرمين قدمت لهما كل واجبات الضيافة.
فقد سأل الملك المصاب بمرض، الفرنسيين اللذين كانوا قد نزلوا إلى ميناء المخا هل بينهم طبيب يستطيع شفاءه من دملين كان مصاباً بهما. فأرسل إليه الجراح الثاني في البعثة، يصحبه أليد دي لاغرولوديير الضابط الأكبر لبحارة السفينة بونديشيري، كمندوب عن فرنسا لدى ملك اليمن. فبَدَآ السير باتجاه العاصمة حاملين الهدايا تخفرهما فصيلة من الخيالة، وعدد من الجمال.
قطعا الطريق في أسرع ما يمكن مارين بمَوْزَع، وتعز، ومنزول، وقبالة، وبريم، وذمار، وكانت هي الطريق التي سبق لدي فارتيما أن سلكها. ولكنهما توقفا على بعد ربع فرسخ من ذمار، لأن الملك الذي كان قد أعيد إلى العرش بفضل الثورة العربية، قد شاد عاصمته هناك، في سهل لطيف من منطقة مؤاب، يزرع فيه الأرز، والقمح، وأشجار الفاكهة، وكروم العنب، إلى جانب البن الذي شاهدوا شجيراته ابتداء من (تعز).
كانت اليمن قد غدت السوق العالمية لتجارة البن. ولم تكن سوق البن تقام في المخا، بل في بيت الفقيه التي كانت تبعد عنها مسيرة يومين، والتي كانت بقلعتها ومساجدها، أكبر من المخا. تقام سوق البن في بقعة تجارية تشمل فناءين كبيرين قامت على جوانبهما أروقة مسقوفة، يأتيها العرب من الريف، حاملين البن في خروج كبيرة من الحصير، يحمل الجمل خرجاً واحداً منها. ويتم شراء البن عن طريق السماسرة البانيانيين … فقد وضع في صدر السوق أريكة يبلغ ارتفاعها أربع أقدام، فرشت بالسجاد يجلس عليها ضباط الجمرك والحاكم نفسه في بعض الأحيان. ويقوم هؤلاء الضباط بتسجيل وزن البن الذي يجري وزنه أمامهم، وثمن البن الذي يتم بيعه ليصار إلى استيفاء حصة الملك منه، ويستخدم الوزانون موازين كبيرة، وعيارات ليست سوى أحجار ضخمة ملفوفة بالقماش … يؤتى بالبن يومياً إلى بيت الفقيه من الجبل الذي لا يبعد عنها أكثر من ثلاثة فراسخ. وفيها يجري شراء كميات البن لحساب تركية ومصر، وتشحن على ظهور الجمال إلى أقرب ميناء، ومنه بحراً إلى جدة التي كانت ما تزال في أيدي الأتراك، ومنها إلى السويس حيث تقوم قوافل الجمال بتوزيعها على جميع أنحاء مصر، أو السفن بنقلها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط الواقعة تحت حكم الأتراك.
لقد لفت نظر هذين الرحالتين طريقة زراعة البن. فذكرا أنه إذا ما زرع على ارتفاع يقل عن ألف متر عن سطح البحر، وجب زرعه تحت نوع من أشجار الحور. أما إذا زرع في أماكن يفوق ارتفاعها ألف متر، وتبلغ أعلى قمم اليمن ثلاثة آلاف متر من الارتفاع، فلا حاجة إلى حمايته. ويجري ريه، وفقاً لمراحل أزهاره، بوساطة حفرة تحفر حول جذوره. ويمكن أن تحمل شجيرة البن في آن واحد أزهاراً، وأثماراً حمراء، وأثماراً جافة، ولكي تجمع الحبوب الجافة. تفرش حصر تحت الشجيرات، وتهز هذه الشجيرات فتتساقط عليها حبوبها الجافة، وأراد لاغرولوديير وباربيه أن يعطيا مواطنيهما فكرة واضحة عن شجبرات البن، فقاما برسم بعض الشجيرات وما عليها من الأزهار، والأثمار الحمراء، والأثمار الجافة. ولكن بعض الباريسسيين، تمكنوا من أن يشهدوا بأم العين شجيرة بن تحمل ثماراً، كان قد جاء بها بعض الهولنديين، وأهدتها مدينة أمستردام إلى الملك لويس الخامس عشر الذي عرضها في حديقة قصره.
لا شك في أن رحلة دي لاغرولوديير وباربيه لم تزد من غنى المعلومات الجغرافية عن جزيرة العرب، لأن الطريق التي سلكاها كان قد سلكها غيرهما من قبل، ولأنهما لم يرسما أي مخطط لها. ولكن الناس كانوا ما يزالون في حاجة إلى الكثير من المعلومات غير المعلومات الجغرافية، ففضل هذين الرجلين كامن في أنهما عاشا مع العرب، مظهرين لهم كل مجاملة واحترام ومحبة.
العثمانيون في اليمن
كانت اليمن من أهداف السلطان سليمان القانوني بعد أن وطد ملكه في البلاد العربية مكملاً خطوات أبيه السلطان سليم ولا شك أن حوافز كثيرة كانت تدعوه إلى الزحف إلى اليمن والاستيلاء عليه فإن موقعه المسيطر على البحر الأحمر والبحر العربي المؤدي إلى الهند يتيح لمن يحتله مزايا جمة لا سيما إذا كان ذا مطامح بعيدة كالسلطان سليمان.
وقد جهز حملة كبيرة جعل قيادتها لسليمان باشا الأرناؤوطي وساقها في البحر من ميناء السويس فوصلت عدن في 3 آب سنة 1538 جاعلة شعارها الظاهري مطاردة البرتغاليين الذين كانوا يعيثون في البحر الأحمر والعربي.
وفي عام 954هـ ـ 1547م زحف الأتراك بقيادة أزدمر باشا إلى صنعاء فقابلهم الإمام شرف الدين وبعد معارك طاحنة استعملوا فيها أشد وسائل التدمير والفتك والإبادة وصلوا صنعاء في 13 ربيع سنة 954 ومن أشهر تلك المعارك معركة (الصافية) ومعركة (باب المنجل) في أرباض صنعاء ورحل شرف الدين إلى كوكبان وترك لولده المطهر ـ الذي كان قد انسحب إلى (تلا) ـ تدبير شؤون القتال، وكان المطهر كفواً لهذا، فبعد أن تمركز في قلعة (تلا) الحصينة أخذ يشن الغارات على الأتراك مما اضطر أزدمر أن يخرج بنفسه إليه بجيشه الجرار ولكن المطهر استطاع بعد معارك دامت أكثر من أربعين يوماً أن يهزم أزدمر وفيالقه.
وكما صمد المطهر لأزدمر صمد كذلك من بعده لرضوان باشا ومراد باشا حتى كانت معركة شعوب على أبواب صنعاء سنة 975 فكانت هي الحاسمة إذ قتل القائد مراد باشا وحوصر الأتراك في صنعاء أياماً معدودة ثم كان جلاؤهم التام عن أرض اليمن ووصل المطهر بنفسه إلى تعز وعدن ودانت له اليمن. كلها ما عدا (زبيد) التي استمات الأتراك في الاحتفاظ بها لتكون لهم ركيزة للمستقبل وقد فشلت جميع الحملات التي جهزها عليها المطهر بقيادة علي بن محمد الشويع.
ولما رأى ذلك المطهر عزم على أن يقصد زبيد بنفسه وبينما هو يتهيأ لذلك علم بأن جيوشاً تركية جرارة تصل بقيادة الوزير سنان باشا وأنها زاحفة إليه من زبيد، ومضت تلك القوى تجتاح في طريقها هدماً وحرقاً وتقتيلاً ونهباً حتى وصلت صنعاء في صفر سنة 977 بعد أن انسحب منها المطهر إلى حصن (تلا).
وأغرى هذا الانسحاب سنان باشا فمضى بقواه الكثيفة في طريق (تلا) ولكنه اضطر للعودة إلى صنعاء بعد ما لقيه من مقاومة عنيفة ألحقت بجيوشه هزائم منكرة.
ولا شك أنه كان لقوة شخصية المطهر وحسن تدبيره أثر كبير في صمود اليمنيين لذلك رأينا الأتراك بعد وفاته عام 980 يمضون في السيطرة على اليمن يوماً بعد يوم دون أن تقوم في وجههم أية حركة حتى عام 1006 حين قام الإمام المنصور القاسم بن محمد فلباه اليمنيون وخاض مع الأتراك معارك عنيفة أشهرها معارك (شهارة) و(الشقاب) بصعدة و(عرة الأشمور) على أن المعركة الحاسمة كانت معركة (غارب أثلة) بالقفلة سنة 1022 مما اضطر الأتراك للانهزام إلى صنعاء وطلب عقد الصلح مع الإمام القاسم، هذا الصلح الذي لم يطل أكثر من عام واحد إذ تجددت الحرب وكانت كلها نصراً للقاسم بقيادة ولديه الحسن والحسين حيث تم لهما حيازة معظم المناطق الشمالية.
وبعد وفاة القاسم قام ابنه المؤيد محمد مقامه متابعاً خطة والده في مناهضة الأتراك واستطاع سنة 1045 أن يحاصرهم في صنعاء وأن يشتبك معهم على أبوابها بمعركة الصافية التي انتهت بهزيمتهم وجلائهم للمرة الثانية عن اليمن جلاءً تاماً مما لم يبق لهم هذه المرة موطئ قدم لا في زبيد ولا في غير زبيد. واحتل اليمنيون جزيرة كمران وجزائر فرسان فيما احتلوه مما كان في أيدي الأتراك.
وهكذا عاد اليمن سيد نفسه طيلة مائتين وعشرين سنة حتى كان سنة 1265 في عهد السلطان عبد المجيد بن محمود حيث أوعز إلى عامله على جدّة توفيق باشا بالتوجه إلى اليمن مغتنماً فرصة نزاع شب في تهامة. فمضى توفيق باشا مصطحباً معه أمير مكة الشريف محمد بن عون يقود قوة أقلعت معه بحراً من جدة إلى الحديدة ومنها رأساً إلى صنعاء دون مقاومة لأن الإمام المتوكل محمد بن يحيى استقبل توفيق باشا في الحديدة وحضر معه إلى صنعاء معتقداً أنه سيستفيد من قواته في إخماد بعض الفتن الداخلية. ولكن هذا التصرف أثار الصنعائيين ومن جاورهم فثاروا على الأتراك وأرغموهم على إخلاء صنعاء وقبضوا على المتوكل وسجنوه ونصبوا إماماً مكانه علي بن المهدي.
ولم ينته الأمر بسلام بل قامت فتن داخلية مستمرة بين عدد من طالبي الإمامة شقت القبائل فاغتنم هذه الفرصة أحمد مختار باشا قائد القوات التركية في عسير وزحف بجيشه عن طريق الساحل سنة 1299هـ ـ 1872م حتى وصل صنعاء، ولكنه لم يستطع التجاوز إلى الشمال الذي خضع للمتوكل المحسن بن أحمد، وتوفي المحسن سنة 1295 وخلفه الإمام الهادي شرف الدين بن محمد.
وفي سنة 1309 كانت سياسة القائد الجديد مصطفى باشا الذي خلف أحمد مختار سياسة شدة وعنف فاعتقل كبار علماء صنعاء وسجنهم في الحديدة.
وكان الإمام الهادي قد توفي سنة 1307 فبايع أهل الأهنوم المنصور محمد بن يحيى حميد الدين الذي كان قد لجأ إلى الأهنوم فاستطاع أن يحشد رجال القبائل ويقاتل بهم أحمد فيضي باشا ثم حسين حلمي ثم عبد الله باشا في معارك كثيرة منها معركة (عصر) غربي صنعاء التي وقعت في 2 المحرم سنة 1309 ومعركة نقم والجرداء والجران وكلها في ضواحي صنعاء. كما احتدمت المعارك في حجة والشرفين وآنس والمحويت فأعادت الحكومة العثمانية أحمد فيضي باشا إلى قيادة اليمن وكان من أقدر قوادها فاستطاع بقواته الكبيرة فك الحصار عن صنعاء ودخولها بعد أن غادرها المنصور إلى حاشد. ولكنه لم يفز منه بطائل واستمر الحال حتى توفي المنصور في 29 ربيع الآخر سنة 1322 وخلفه ولده المتوكل على الله يحيى.
وقام الإمام يحيى في (قفلة عذر) متطلعاً إلى القوى التركية المتحفزة للانقضاض عليه وكانت من العدد والعدة بمكان كبير. ولم تلبث هذه القوى حين علمت بوفاة المنصور أن تحفزت للقضاء على خليفته المتوكل ولكن محاولتها فشلت واستطاع الإمام يحيى أن يحصر الأتراك في صنعاء ثم دخلها ظافراً في 2 المحرم سنة 1323 ولكنه اضطر بعد ذلك إلى تركها بعد قدوم النجدات الجديدة بقيادة أحمد فيضي باشا، والاحتماء في شهارة ومضى القائد التركي وراءه بقواه الكبيرة متوغلاً في جبال اليمن وأوديتها وهنا فاجأته القبائل من بين الشعاب والثنايا والقمم فكانت هزيمته التي لم يعرف الأتراك قبلها مثلها هزيمة قضت على كل أمل للأتراك بالانتصار، وهكذا كانت معركة (شهارة) ([172]) حاسمة صح معها القول الذي اشتهر عن اليمن (إنها مقبرة الأتراك) فاضطر الأتراك لمفاوضة الإمام يحيى عام 1329هـ ـ 1911م فالتقى به مندوبهم عزت باشا الألباني في قرية (دعان) وتم الاتفاق على أن يقوم الإمام بالإشراف على شؤون القضاء والأوقاف وتعيين القضاة والمرشدين وتشكيل هيئة شرعية (محكمة استئناف) وأن تكون جباية الأموال على الطريقة الشرعية.
ولم تلبث الحرب العالمية الأولى أن أعلنت بعد ثلاث سنين من هذا الاتفاق وفي نهايتها تم جلاء الأتراك النهائي عن اليمن.
الزيدية في اليمن
مر ذلك مفصلاً في بحث (الزيدية) … ونكتفي هنا أن نشير إلى المناطق الزيدية في اليمن، وهي كما يلي:
1 ـ الألوية الزيدية الخالصة: لواء مسعدة، لواء صنعاء، لواء ذمار، لواء حجة.
2 ـ الألوية الشافعية الخالصة: لواء الحديدة، لواء تعز.
3 ـ الأولوية المختلطة: لواء أب، لواء البيضاء وهو ذو أكثرية شافعية.
الإسماعيلية في اليمن
استطاع الداعي الإسماعيلي الحسن بن حوشب الملقب بمنصور اليمن أن ينجح في بث دعوته في اليمن وأن يتغلغل بين القبائل اليمنية فيركز المذهب الإسماعيلي، ثم يقودها باسم الإمام المستور فيفتح بها القلاع والحصون ويسيطر على رقعة من الأرض أقام عليها لأول مرة في التاريخ دولة شيعية إسماعيلية سبقت الدولة الفاطمية الكبرى بنحو من واحد وثلاثين سنة.
وكان يزامل ابن حوشب بالدعوة في اليمن علي بن الفضل وفيما يرى ابن خلدون أن علياً هذا يمني من جند كان ممن استهوته الدعوة الإسماعيلية فجاء يزور الإمام محمد بن الحبيب في سلمية ولما عاد لليمن بعث الإمام معه ابن حوشب.
ويفهم من كلام ابن خلدون أنه كان للدعوة الإسماعيلية جذور قبل ابن حوشب فإن ابن خلدون يقول وهو يتحدث عن الدعوة الإسماعيلية: «وكان باليمن قوم يعرفون ببني موسى، ورجل آخر يعرف بعلي بن الفضل، وجاء علي إلى زيارة الإمام الحبيب فبعث معه رستم».
على أنه ليس لدينا أية تفاصيل عن الحركة الإسماعيلية قبل ابن حوشب فيما عدا نتفاً محدودة كمثل الذي ذكره ابن خلدون ومثل الذي سنذكره فيما يأتي:
ويبدو أن الإمام الإسماعيلي كان قد أعد ابن حوشب للسفر إلى اليمن لمعرفة ذلك الإمام بالتحركات الإسماعيلية هناك، أو بالأحرى بالتحركات الشيعية وإن لم تكن إسماعيلية كلها، لعله يستطيع تحويلها إلى إسماعيلية فيستعين بها وبغيرها من الإسماعيليين على إنجاح دعوته.
وبينما ابن حوشب يستعد للسفر جاء ابن الفضل فضم الإمام، ابن حوشب إليه وسيرهما معاً. ويقول الحمادي اليماني: إن الإمام قال لابن حوشب: «وثم باليمن خلق من الشيعة فاخرج وعرفهم أنك رسول المهدي وأنه في هذا الزمان يظهر باليمن واجمع المال والرجال والزم الصوم والصلاة والتقشف» إلى أن يقول: «إن ورد عليك ما لا تعلمه فقل لهذا من يعلمه، وليس هذا وقت ذكره».
وهذا النص يؤكد ما قلناه آنفاً من أنه كان قبل ابن حوشب دعوة شيعية في اليمن، وتعبير الإمام الإسماعيلي عن ذلك بقوله: «ثم باليمن خلق من الشيعة يدل على أن الحركة الشيعية اليمنية كانت حركة فعالة، وإن كان لا يدل على أنها كانت حركة إسماعيلية بحتة».
مضى هذان الداعيان مزودين بنصائح الإمام المستور فعرجا على مكة حيث قضيا مناسك الحج في ذي الحجة سنة 267، ثم أتما الرحلة فبلغا اليمن ونزلا ببلدة (غليفقة) على البحر الأحمر. وفي هذه البلدة افترقا حيث ذهب كل واحد إلى ناحية يتولى الدعوة فيها، فذهب ابن حوشب في اتجاه الجنوب حتى بلغ مدينة جند الجبلية إلى الجنوب من صنعاء وعلى بعد ستة أيام منها. وذهب ابن الفضل إلى جيشان ويافع غير بعيد عن جند. ثم تمكن ابن حوشب من الوصول إلى (لاعة) وهي على جبل جنوبي صنعاء، وقريباً منها تقع قلعة «عدن لاعة». فاستقر ابن حوشب في هذه الربوع، واتخذ من هذه الدسكرة المنيعة مركزاً لينشر منه دعوته. ومضى متقشفاً زاهداً ورعاً، فجذب إليه النفوس، وتغلب على الحاكم العباسي وعلى الأمراء المحليين واحداً بعد واحد.
وفي العام 270 خطا خطوة جديدة حيث بنى دار هجرته جنوبي صنعاء بجبل مسور، الذي صار منذ ذلك اليوم منطلق الدعوة الإسماعيلية وقامت فيه أول قوة عسكرية إسماعيلية مرهوبة اعتمد عليها ابن حوشب في السيطرة على اليمن وإنشاء حكمه الإسماعيلي فيه باسم الإمام المستور ومن هنا لقب بمنصور اليمن. ولم يقف ابن حوشب نشاطه على اليمن وحده بل «فرق الدعاة في البحرين واليمامة والسند والهند ومصر والمغرب» وكان آخر دعاته إلى المغرب أبو عبد الله الشيعي الذي كان له بعد ذلك من الشأن ما أدى إلى إنهاء الستر وإعلان الخلافة الفاطمية على يد أول خلفائها الظاهرين عبد الله المهدي.
هذا أمر ابن حوشب وأما علي بن الفضل فلم يكن أقل نجاحاً من ابن حوشب فاستطاع أن يجمع حوله الناس. وكان من مقره في جيشان ويافع ينشر الدعوة ويبشر بها حتى استقر الأمر له ولابن حوشب.
وفجأة يقع خلاف بينهما ويقاتل ابن حوشب صاحبه ابن الفضل. وقد نسب لابن فضل أنه خرج عن الإسلام لا عن الإسماعيلية فقط، وهي أقوال لا نستطيع أن نأخذ بها على علاتها فقد رأينا أن الخصومات يتهم بعضها بعضاً بهذا وأمثاله في كل عصر ومصر، ونسبوا لابن الفضل أنه ادعى النبوة، وأن البهاء الجندي قال فيه:
خذي الدف يا هذه والعبي
وغني هزاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعة
وهذي شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وحط الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولا ندري أحقاً بلغ الأمر بابن الفضل إلى مثل هذا الادعاء، وأن طاعة الناس له أغرته بهذا الشطط أم أن صراعاً خفياً نشأ بين الداعيين حمل ابن حوشب على أن يرمي صاحبه مثل ما رماه به، وأن يوحي بهذا الشعر وأشباهه؟! أجل لا ندري!.
الصليحيون
لم تطل دولة ابن حوشب في اليمن فبعد موته اختلف أبناؤه فقد ثار أبو الحسن على الخليفة المهدي في أخريات حياته مما أدى إلى نقمة أخيه جعفر عليه وتركه اليمن إلى المغرب سنة 322 ثم بعد ذلك إلى مصر حيث حظي لدى الفاطميين فكان من أركان دولتهم في العلم والفكر والتأليف.
ولئن تكن دولة الحواشب قد انتهت فقد تركت ركائز إسماعيلية ثابتة حتى جاءت سنة 439 وفيها قام الداعي علي بن محمد الصليحي بأمر الدعوة، وكان الصليحي هذا سني المذهب، وأبوه من القضاة السنيين في اليمن، ولكن داعي الداعي في اليمن عامر بن عبد الله الرواحي استماله وهو في حداثة السن فصار إسماعيلياً، وبعد وفاة الرواحي حل محله في الدعوة وأعاد من جديد النشاط الإسماعيلي بعد أن كان قد ركد بموت ابن حوشب ثم سعى إلى بسط سيطرته على اليمن فقام بثورة كتب لها النجاح فأخضع بعض القلاع والحصون ودعا للخليفة الفاطمي المستنصر بالله، ثم مضى يفتح البلاد بلداً بعد بلد حتى دان له اليمن كله سنة 455 واستمر حتى دخل مكة وأعادها إلى الطاعة الإسماعيلية. وكان ـ كما يقال ـ يتهيأ لغزو العراق واستخلاصه من العباسيين ولكنه قتل سنة 459 على يد سعيد الأحول بن نجاح وهو في طريقه إلى مكة لأداء الحج. وهكذا نراه خلال عشرين سنة هي مدة حكمه قد استطاع أن يوحد اليمن ويضم إليه الحجاز كما رد اليمن إلى الدعوة الإسماعيلية وظل يحكمه هو وأسرته باسم الخليفة الفاطمي في القاهرة.
وقد خلف الصليحي ابنه أحمد المكرم الذي ظل على ولائه للمستنصر ثم تغلب على قاتل أبيه سعيد الأحول بن نجاح وراسله المستتنصر مشجعاً مؤيداً، ثم ولاه على عمان سنة 469، كما حثه على أن يثبت السلطة الفاطمية في الحجاز وأن يؤيد الأمير عبد الله بن علي العلوي أمير الأحساء وتوفي المكرم سنة 484. وكان المفروض أن يخلفه ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد المظفر، لأن المكرم كان قد أوصى إليه. ولكن زوجة المكرم السيدة أروى الحرة رفضت إقرار هذه الوصية معلنة أنها تريد الأمر لولدها عبد المستنصر الذي كان لا يزال طفلاً، وراسلت المستنصر بذلك طالبة تأييده فأقرها المستنصر على ذلك.
ولكن عبد المستنصر ابن الملكة الحرة لم يعمر طويلاً، فحسب أبو حمير بن سبأ أن الفرصة قد واتت للاستئثار بالسلطة بعد وفاة ابن المكرم، فرغب بالزواج من السيدة الحرة ولكنها رفضت ذلك فاستنجد بالمستنصرفكتب للسيدة الحرة يأمرها بإجابة سبأ إلى طلبه فرضيت كارهة، ولكنها ظلت الحاكمة الفعلية وعرفت باسم الملكة الحرة وظلت على ولائها للقاهرة.
ولما وقع الانقسام الإسماعيلي بعد وفاة المستنصر وتولى ابنه المستعلي حالت دون وصول هذا الانشقاق إلى اليمن رغماً عن وصول دعاة النزاريين إلى اليمن وتأييد الخولانيين لهم. ويبدو أنه بعد وفاة المستعلي وتولي الآمر، قام نشاط نزاري قوي في اليمن مما حمل الخليفة الفاطمي الآمر أن يرسل الداعي علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة إلى اليمن سنة 513، ليشد أزر الملكة الحرة في نضالها ضد النزاريين كما أرسل المأمون البعائجي وزير الآمر إلى ابن نجيب الدولة قوة عسكرية يستعين بها على حرب أمراء اليمن، ولكن الدعوة النزارية استهوت هذا الأخير فمال إليها مما أدى إلى أن يطلب الخليفة الحافظ تسليم ابن نجيب الدولة فأرسل إليه فقتله.
وبعد اغتيال الخليفة الآمر بن المستعلي بأيدي النزاريين رأى أتباع الآمر أن الإمامة انتقلت إلى ولده الطفل «الطيب» وأن والده قبل وفاته أوصى بنقله إلى اليمن واستودعه الملكة الحرة. وأن الطيب لم يظهر بل استتر، وبذلك عاد دور الستر من جديد. وقد رفضت الملكة الحرة الاعتراف بخلافة الحافظ وسمت نفسها «كفيلة الإمام المستور الطيب ابن الآمر» ولكن الحافظ استمال غيرها من اليمنيين فقلد علي بن سبأ بن زريع حكم اليمن ولقبه «الداعي المعظم المتوج المكنى بسيف أمير المؤمنين» وبذلك شاطرت اليمن الانقسام الجديد بعد أن نجت من الانقسام القديم … ففريق وهم الصليحيون يؤيدون الإمام المستور «الطيب» والآخرين يؤيدون الحافظ. وكما يقع في كل انقسام تضعضعت أحوال اليمن، وكانت الخلافة الفاطمية نفسها تمشي إلى الزوال، وما لبث نور الدين محمود بن زنكي أن مد يده إلى مصر، وتقلد صلاح الدين الوزراة وانتهت الخلافة الفاطمية سنة 567 فأرسل حملة إلى اليمن بقيادة الأمير توران شاه الذي سيطر على البلاد.
ويقول مؤرخ إسماعيلي: «أما الطيب فقد ولى دعاة مطلقين بعد الملكة الحرة وأصبحت هذه الدولة دينية محضة، بعد الصليحيين لا شأن لها بالسياسة الدنيوية».
وقد اعتصم الإسماعيليون بجبل حصين من جبال اليمن يتعاقب منهم الدعاة المطلقون. حتى بلغ عددهم ثلاثة وعشرين. فبعد الملكة الحرة قام بالدعوة في اليمن ذؤيب بن موسى الداعي المطلق. وتعاقب بعده الدعاة حتى محمد عز الدين. ثم انتقلت الدعوة إلى الهند.
اليمن
ـ 3 ـ
قسم الجغرافيون العرب الساحل الغربي لشبه الجزيرة إلى قسمين هما الحجاز واليمن. وجعلوا الحجاز متصلاً باليمن من ناحيتي السراة وتهامة. ولم يكن اسم عسير كاصطلاح جغرافي معروفاً قبل القرن 13 (19) بل اعتبرت أراضيها جزءاً من اليمن والحجاز. وعرف باسم عسير قبيلة أزدية يمانية تسكن في منطقة السراة الجبلية بين اليمن والحجز ودعيت أراضيها بديرة عسير. ولما أحدث العثمانيون متصرفية في تلك الديرة ووسعوا حدودها أطلقوا اسم القبيلة على مساحات واسعة من الأرض لا يسكنها أحد من عسير. والقسم الجنوبي من هذا الساحل هو أكثر أجزاء الساحل خصباً وأكثفه سكاناً بحيث دعي منذ القدم باسم العربية السعيدة ونعرفه اليوم باسم اليمن.
القبائل اليمنية
القبائل العربية تنقسم إلى بائدة وباقية، البائدة هي قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وجُرهم وغيرها. كما أن الباقية هي قحطان وعدنان، ولا يختلف علماء الأنساب في أن قحطان هو أبو اليمن، وهو قحطان بن عابد وهو هود، وقد تفرع من ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ـ حمير وكهلان ولكل منهما بطون كثيرة، منها ما خرج من اليمن وانتشر في بلاد العرب الأخرى، ومنها ما لا يزال باقياً إلى وقتنا هذا. على أن أشهر بطون كهلان هم الأزد، وكانوا في بادية اليمن، وهم أولاد الأزد بن الغوث بن النبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وقد تفرقوا بعد خراب السّد، ومنهم بارق والمع وعامد ودوس، وهؤلاء هم أزد شنوءة، وقد سكنوا في سراة عسير ومن الأزد أيضاً العتيك، وقد سكنوا عمان، ولذلك يقال لهم أزد عمان، للتفرقة بينهم وبين أزد شنوءة.
ومن الأزد أيضاً الغساسنة آل جفنة الذين نزلوا بلاد الشام، والأوس والخزرج الذين نزلوا المدينة. ومنهم أيضاً خُزاعة الذين نزلوا مُرّ الظهران.
ومن كهلان همدان([173]) بن أوسلة بن مالك بن زيد بن كهلان، ومن همدان القبيلتان العظيمتان اللتان تعتبران من أشهر قبائل اليمن وأشدها باسا، وهما حاشد وبكيل ابنا جُشم بن حُبران بن نوْف بن همدان، ومساكنهم في الشمال ما بين مدينتي صنعاء وصعدة، وتقع منازل بكيل غالباً في مشارق منازل حاشد، كما تقع منازل حاشد في الغرب من بكيل.
ومن بطون بكيل أولاد أرْحب بن الدَّعَّام الأكبر ونهم ومرْهبَة وسُفْيان بن أرحب وأولاد شاكر وهم وائلة وأختها دُهمة. ومن دهمة ذو غيْلان الساكنون جبل برط وهم ذو محمد وذو حسين. وقد قال الهمداني في صفة الجزيرة عند ذكر جبل بَرَط: إن أهله هم أنجد همدان وحماة العورة ومنعة الجار ويسمون باسم قريش همدان.
وبطون حاشد كثيرة منها عِذَر والعُصيمات وخارف وبنو صُريم، ومنهم أيضاً على ما ذكره أكثر النسابين وادعة وقد قيل إنهم من الأزد([174])، وقيل إنهم من حمير والأول أصح، و منازلهم في بلاد حاشد، ومنهم أيضاً من يسكنون في بلاد صعدة، وقد قال الهمداني في الجزء العاشر من كتابه (الإكليل) «إنما جاءت الغباوة من وادعة في قولهم نحن من الأزد من أجل أمهم أم الغيث بنت عدي بن ثعلبة بن كنانة بن بارقة بن عمرو بن عامر بن مَزْيقيا الأزدي».
ومن حاشد أيضاً قبيلة يام المشهورة. التي يسكن أفرادها وادي نجران وما حوله، كما أن من حاشد كذلك قبيلة حجُور بن عُليَّان والأهنوم وحجَّة وبنو شاور.
ومن كهلان مذْحج وهم أولاد مالك بن أُدَد بن عُريب بن زيد بن كهلان. ومن مذحج قبائل عنس ومراد والحدا والحكم بن سعد العشيرة وزُبيد بأرض خبان وزُبيد شمال نجران، ومن قراهم تثليث مسكن عمرو بن معد يكرب الزُّبيدي، ومن عنس عمَّار بن ياسر الصحابي، ومن مراد أويس بن عبدالله القرني التابعي المشهور، وقيس بن المكشوح، وفروة بن مسيك الوافد على النبي (ص)، ومن مذحج أيضاً بنو الحارث بن كعب وصُدا والنَّخع ومساكن النخع في البيضاء، وصُدا بينها وبين حضرموت.
ومن كهلان الأشاعرة من ولد الأشعر بن عُريب بن زيد بن كهلان ومساكنهم بوادي زبيد في تهامة.
ومن كهلان كنْدة وطي وخثعم وبجيلة ولخم وجُذام ومن لخم نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة.
بطون حمير
أما بطون حمير فترجع إلى بطنين: البطن الأول الهَمَيْسع أبو الملوك التبابعة والأقيال والأذواء والمثامنة والعباهلة.
والبطن الثاني مالك، وهو أبو قضاعة ومن تفرع منها، وهذا هو المشهور في نسب قضاعة، ومن النساب من يدخل قضاعة في عدنان.
وقد قال القاضي نشوان([175]) في (كتابه شمس العلوم) وإنما كان ذلك أيام العصبية في وقت معاوية وابنه يزيد اللذين بذلا لرؤسائهم (رؤساء قضاعة) أموالاً جسيمة لحضهم على الانتفاء من اليمن والانتساب في معد وقد ساعدهما في ذلك بعض رؤسائهم. فلما بلغ قضاعة ذلك، غضبوا غضباً شديداً وأنكروا ذلك الأمر أشد الإنكار، فحشدوا واجتمعوا، ثم دخلوا مسجد دمشق يوم الجمعة على يزيد وهم يرتجزون ويقول راجزهم:
يا أيها الداعي ادعنا وابشر
وكن قُضاعياً ولا تنزر
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر
قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر
من قال قولاً غير ذا تنصر([176])
ثم قالوا ليزيد، إنا قوم من أهل اليمن يسعنا ما يسعهم ويضيق عنا ما ضاق عنهم فألحقنا بهم. قال قد فعلت. ومن ولد الهميسع قبيلة يحصب والأشعوب وذو الكلاع ومن هذه الأخيرة انحدر بنو وائل الذين كانوا ملوك وُحاظة وذو رُعين.
ومن ذي رعين، الأمْلُوك وآل مهدي ملوك عُتُمة والشرَّاحيُّون الذين كانوا ملوك وُصاب ومن أشهرهم عبد الله بن يوسف الشراحي الذي كان معاصراً للخليفة المأمون ولم يدن له بغير السكة.
ومن الهميسع أيضاً يافع وهم بطون كثيرة، وسبأ الأصغر، ومنه آل الكرندي ملوك المعافر وأصحاب حصن الدُّمْلُوة، ومن ذو حُوال جد آل يعفر الذين تولوا الملك في مخلاف أقيان وشبام كوبان.
ومن سبأ الأصغر آل ذي يهر صاحب حصن بيت حنبص بجبل حضور ومن ذريته الشيخ أبو نصر أستاذ الحسن بن أحمد الهمداني مؤلف كتاب الإكليل. وقد هرب أبو نصر هذا إلى صعدة أيام أبي الملاحف القرمطي قائد جيش علي بن الفضل لما قصد بيت حنبص وخرَّب حصن ذي يهر. كما ذكر ذلك القاضي نشوان في شمس العلوم.
ومن الهميسع التباعيون والسحول وجهران والشوافي ووحاظة وبعدان وميتم وآل ذي مناخ ومنهم الأمير جعفر بن إبراهيم بن محمد ذي المُثلة المناخي وإليه ينسب مخلاف جعفر، لا إلى جعفر مولى ابن زياد كما قال القاضي عمارة اليمني في كتابه «المفيد».
وأما بطون قضاعة فخولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة في بلاد صعدة وخولان التي في مشارق صنعاء ويقال لهم خولان العالية.
وقد قال القاضي نشوان إنهم سموا بهذا الاسم لأن خولان كلها كانت بمأرب في صرواح وهو قصر لهم. ولما ارتفع بعضهم إلى الجبال الكائنة شرقي صنعاء أطلق عليهم هذا الأسم. وأما سائرهم فبقي بمأرب حتى خرجوا فيما بعد إلى صعدة. وقد قال شاعر خولان العالية في ذلك:
أيها السائل عن أنسابنا
نحن خولان بن عمرو بن قضاعه
نحن من حمير في ذروتها
ولنا المرباع([177]) فيها والرَّباعه
ومن خولان العالية، أبو مسلم الخولاني واسمه عبد الرحمن بن مِشكم، وكان من خيار التابعين. وقيل إن خولان العالية من خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن عمرو من عُريب بن زيد بن كهلان، لأنهم لو كانوا من خولان قضاعة لما قيل لهم خولان العالية. على أن هذا القول لا قيمة له إذ أنه يخالف قول علماء الأنساب، ولأن خولان العالية أنفسهم متعرفون بأنهم من قضاعة، ولأن اسم خولان العالية إنما أتى من الخلاف في البلاد لا للفرق في النسب. كما تقول العرب طي السهل وطي الجبل، وأزد شنوءة وأزد عمان، وهمدان البون وهمدان الحجاز، وزبيد نجران وزبيد اليمن، وعذر مِطره وعذر شعب، ونحو ذلك وهذا كثير لا يحصى انتهى.
ومن قضاعة أيضاً بنو شهاب أهل المخلاف المسمى باسمهم في جبل حضور كما قال القاضي نشوان بن سعيد وقيل من كندة.
ومن قضاعة مهرة بن حيدان وبنو جماعة وبنو مجيد وكانوا ملوكاً فيما بين عدن وعمان.
ومن قضاعة أيضاً سحار ورازح وبنو منبه والصَّيْعر وغيرهم. وتسكن تهامة اليمن قبيلة عك المشهورة وأفرادها ولد عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد في أصح القولين ويقال أيضاً إنهم ولد عك بن عدنان أخي معد.
وقد قال القاضي نشوان بن سعيد في (شمس العلوم) إن الأمر ليس كذلك، وإنما سبب نسبتهم في معد، أن غسان وقت خروج الأزد من مأرب نزلوا تهامة وبها عك فتلاحت عك وغسان واقتتلوا فقتلت غسان عكا قتلاً ذريعاً وأجلتها عن الكثير من أوطائها. فمن ثمة انتفت عك من اليمن وانتسبت في عدنان. وقد قال القاضي نشوان:
ألم تر عكاً هامة الأزد أصحبت
مذبذبة الأنساب بين القبائل
وعقت أباها الأزد واستبدلت به
أباً لم يلدها في القرون الأوائل
وعك بطون كثيرة بتهامة منها عبس وغافق والقُحري والجرابح والحجبا والواعظات والزَّعليَّة وبنو جامع والعُجيبة من قبائل اللحية وصُليل والعبسية وغيرهم.
ومن القبائل التي تسكن بلاد اليمن قبائل الزرانيق والمعازبة، وهؤلاء يتفرعون إلى بطون كثيرة. ومن قبائل تهامة قبيلة بني مروان والمسارحة والحرث وغيرهم، ومنها أيضاً قبيلة الصَّبيحة وهم الأصابح من حمير ومنهم الإمام مالك بن أنس الأصبحي صاحب المذهب الشهير.
ومن سكان تهامة في الشمال الحكميُّون من أولاد الحكم بن سعد العشيرة، وينسب لهم خلاف الحكم ونسبهم في مذحج كما سبق.
على أن هذا الذي ذكرناه آنفاً إنما هو بعض من كل وأنموذج للقبائل اليمنية ذكرناه ليكوِّن القارئ فكرة عن القبائل اليمنية ولم يكن غرضنا الحصر لأن ذلك لا يتسع له هذا المقام.
أشراف اليمن
ومن سكان اليمن الأشراف سادات الجبال وأكثرهم من أولاد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو مؤسس الدولة الهاشمية في اليمن، وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد.
ومنهم السادة: الكباسية وهم أولاد صنوه عبد الله بن الحسين بن القاسم وأكثرهم يسكنون قرية الكبس بخولان العالية ومنهم الحمزات من أولاد الأمير حمزة بن أبي هاشم، ويسكن أكثرهم في بلاد الجوف، ومنهم السادة بنو الإمام يحيى بن حمزة صنو الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
ويسكن اليمن من الإشراف أيضاً أولاد محمد بن القاسم الرَّسي وهم ذرية الإمام المنصور بالله القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم المشهور بالعياني لسكونه حصن عيان ويطلق عليهم اسم القواسم وأكثرهم في بلاد الجوف.
ومن سادات الجبال آل الوزير الذين يجمعهم الأميرالعفيف بن منصور ومنهم الإمام الحجة محمد بن إبراهيم مؤلف «العواصف والقواصم» ومختصر الروض الباسم والسادة بنو الشامي من آل يحيى بن يحيى.
ومن سادات اليمن الذين فيهم كثرة وأدب أولاد الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين ابن شمس الدين ابن الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، والمهدي هو مؤلف كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار وغيره من المؤلفات الشهيرة.
والإمام المنصور بالله القاسم بن محمد مؤسس الدولة القاسمية. كان في أولاده الملك والرياسة باليمن من بعد الألف إلى انقضاء عهد الإمامة. وأولاده المؤيد بالله محمد بن القاسم والحسن والحسين والمتوكل على الله إسماعيل وأحمد وعبد الله وعلي وهذا الأخير لم يعقب.
ومن سادات اليمن أيضاً العباسيون، وهم من أولاد العباس بن علي بن أبي طالب كبني المطاع. وكذلك يوجد بين السادة لليمن حسينيون من ذرية الحسين بن علي منهم السادة بيت عشيش وآل الشرعي في حوث، وهم من ذرية الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة. ومن سادات اليمن بنو الديلمي من ذرية الإمام أبو الفتح ناصر بن الحسين الديلمي.
ومن سادات اليمن أيضاً أشراف تهامة أولاد موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهم كثيرون منهم النعميون والخواجيون والغوائم والذّروات والقطبيون والحوازمة وغيرهم.
ومن أشراف تهامة بنو الأهدل وبنو القديمي وبنو علوي وهم من ذرية الإمام موسى الكاظم ابن جعفر الصادق عليهم السلام وفيهم كثير من أهل العلم والأدب.
ومن أشراف تهامة أيضاً أشراف أبي عريش من ذرية الشريف أحمد بن محمد بن خيرات بن بشير من آل أبى نُمي، وقد خرج جدهم خيرات بن بشير من مكة المشرفة في القرن الحادي عشر وسكن بأبي عريش، ومن هذا البيت أمراء تولوا حكم المخلاف السليماني في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، منهم الشريف الماجد حمود بن محمد الذي ألف في سيرته القاضي البهلكي كتاب نفح العود في أخبار الشريف حمود.
ومن أشراف تهامة السادة الأدراسة الساكنون في مدينة صبيا وهم من ذرية السيد أحمد بن محمد الإدريسي الذي وصل إلى اليمن من بلاد المغرب في القرن الثالث عشر وسكن صبيا، بعد تنقله في تهامة وينتهي نسبه إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.
ولا يفوتنا أن نذكر بين أشراف اليمن سادات حضرموت وهم آل باعلوي من ذرية السيد أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويعرفون هناك باسم الأحباب آل باعلوي، ولهم سلطة روحية عظيمة في البلاد، وكان خروج جدهم أحمد بن عيسى إلى حضرموت من البصرة في القرن الرابع، ولذلك عرف باسم المهاجر وسكن قرية الحُسَيْسَة بحضرموت.
وقد عرف سادة حضرموت بعلو الهمة والمروءة كما أن لهم أكبر الأثر في الدعاية الإسلامية وفي بثها في إفريقية الجنوبية وفي أندونيسيا وقد صلح بهم جيل عظيم من الناس.
ومن مشاهيرهم السادة آل السقاف وآل الكاف وبنو الحبشي والعيدروس وغيرهم.
وفي حضرموت قبائل مشهورة منهم من يسكنون الحواضر كآل كثير ونهد وآل تميم والعوامر وآل جابر وآل باجري، ومنهم من يسكنون البوادي كالمناهل والأحموم والمشقاص والصَّيعر وبعض من بطون حمير.
وفي اليمن أشراف آخرون غير من ذكرنا، ومن بيوتات قريش آل أبي الرجال وينتسبون إلى عمر بن الخطاب، وفي اليمن بقية من الحبشة والأتراك وغيرهم.
هذا وقد سكن اليمن جم غفير من اليهود ولكنهم أخلوها في الزمن الحاضر بهجرتهم إلى فلسطين.
مراحل
في تاريخ اليمن
ظل أمر اليمن في العهود الإسلامية أمر غيرها من البلاد حتى خلافة المأمون حين أرسل محمد بن عبيد الله بن زياد إلى تهامة فما لبث هذا الوالي أن انفصل عن الدولة العباسية وأسس الدولة الزيادية، وكانت هذه الدولة مستقلة في داخل اليمن، وعلى أثر ذلك استقل بنو يعفر ببلاد الجبال، وقد عارضهم في بعض السنين عمال بني العباس كما عارضهم بعض رؤساء اليمن كإبراهيم بن الدعام الأرحبي وغيره.
دولة بن زياد بزبيد
من سنة 203 إلى سنة 391هـ
في سنة ثلاث ومائتين([178]) شق أهل تهامة عصا الطاعة على الخليفة المأمون بن هارون الرشيد فبعث إلى اليمن الأمير محمد بن عبيد الله بن زياد وقلده أعمال اليمن وأناط به أمر تأديب العصاة فقاتل قبيلة الأشاعرة وغيرهم واستولى على تهامة وعدن وحضر موت وامتد نفوذه إلى مكة واختط مدينة «زبيد» سنة أربع ومائتين([179]) وبنى حولها سوراً عظيماً وقد قام بنصرته في حروبه هذه مولاه جعفر حتى كان يقال (ابن زياد بجعفره) وقد توفي محمد بن زياد سنة اثنتين وأربعين ومائتين([180]) بعد أن أسس دولة مستقلة عن دولة الخلافة، وقد قام بالأمر بعده ابنه إبراهيم وتوفي سنة تسع وثمانين ومائتين([181]) وتولى بعده ابنه أبوالجيش إسحق بن إبراهيم وقد طال عمره وامتد زمن حكمه وتوفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة([182]) وقد اختلف الرواة في التاريخ الذي توفي فيه.
وقد خلف أبو الجيش ولداً صغيراً قام بأمره مولاهم الحسين بن سلامة وكان رجلاً خيراً عظيم الهمة له مآثر كثيرة إذ هو الذي أقام دولة بني زياد بعد اندثارها. وقد روى الشيخ عمارة اليمني في تاريخه «المفيد» أن ارتفاع أعمال الحسين بن سلامة من الدنانير قد بلغ ألف ألف عثرية وهذا خلاف ضرائبه على مراكب الهند من العود والمسك والكافور والعنبر والصندل والصيني كما ذكر أن سليمان بن طرف صاحب مخلاف عَثْر([183]) الذي كان معارضاً لأبي الجيش بن زياد كان مبلغ ارتفاع أعماله خمسمائة ألف دينار.
وقد توفي الحسين بن سلامة سنة اثنتين وأربعمائة([184]) وتولى الأمر بعده مولى له يسمى مرجان وقد عهد بالأمر إلى مولاه نفيس وإلى طفل صغير من آل زياد وإلى مولى آخر اسمه نجاح. وسيأتي ذكر ما كان من أمرهم عند الكلام على دولة بني نجاح التي قامت بزبيد وقد ذكر الخزرجي وغيره من المؤرخين أنه لما مات الحسين بن سلامة مولى آل زياد استولى علي بن معن على عدن ولحج وأبين والشحر وحضرموت كما تغلب يعفر بن أحمد الكرندي الحميري على حصن السمدان وحصن الدُّملوة وجبل صبر وحصن التعكر الحاكم على مخلاف الجند ومخلاف عنّه والمعافر ولقد اتسعت سلطة بني الكرندي وعظم أمرهم وهم من ولد أبيض بن حمّال المأربي.
وتغلب أيضاً عبد الله الحسين التُّبعي على حصن حب وعزَّان وخِدد وحصن الشعر وحصن أنود والسحول والشوافي كما تغلب بنو وائل من ولد ذي الكلاع الحميري على وحاظة وحصونها وتغلب بنو المناخي ومنهم جعفر بن إبراهيم بن محمد ذي المثلة على الجند وكان هؤلاء من آل ذي مناخ الحميري. وقد أسس كل هؤلاء لهم دويلات مستقلة وستأتي الإشارة إلى اضمحلالها عند قيام الملك علي بن محمد الصليحي الذي سيأتي ذكره.
دولة بني يعفر([185]) الحوالي الحميري بشبام
من سنة 225 إلى سنة 393هـ
قال الخزرجي وغيره من المؤرخين إن الخليفة المعتصم بن الرشيد بعث في سنة خمس وعشرين ومائتين([186]) بأمر اليمن للأمير عبد الرحيم بن إبراهيم الحوالي.
وفي سنة سبع وأربعين ومائتين([187]) تولى حكم اليمن محمد بن يعفر بن عبد الرحيم من قبل الخليفة المنتصر بن المتوكل وبقي فيها في عهد الخليفتين المتوكل ثم الهادي. وقد سار محمد بن يعفر إلى مكة لأداء فريضة الحج وخلّف على اليمن ابنه أبا يعفر إبراهيم بن محمد ولما عاد من مكة جدد عمارة جامع صنعاء وكان قد تهدم جانب منه بفعل السيول في سنة خمس وستين ومائتين([188]) وبعد أن أتم إصلاحه أوقف عليه أموالاً وأملاكاً بمحل شاهرة غربي مدينة صنعاء إلى الشمال. وقد ذكر المؤرخون أن أبا يعفر إبراهيم بن محمد قد قتل أباه وعمه بمدينة شبام نزولاً على أمر جده يعفر بن عبد الرحيم وقد ذكر الهمداني في العاشر من الإكليل أن الدعام بن إبراهيم كبير أرحب وسيد همدان في عصره كانت له حظوة ومكانة عظيمة عند محمد بن يعفر وكان يسكن بلاد الجوف فقدم على أبي يعفر معزياً له ومنتقداً له على ما فعل بأبيه وعمه وجرى بينهما عتاب فلطم أبو يعفر الدعام بن إبراهيم فخرج الدعام من عنده غاضباً ساخطاً ثائراً فلما أصحى أبو يعفر أخبر بما كان منه فأسرع بالاعتذار إلى الدعام وقربه منه وقال له: إن كرامة اليوم ترفع هوان أمس فأظهر الدعام الرضاء حتى خرج من عنده فلما صار في بلاد همدان أظهر الخلاف واجتمعت له بكيل كلها وقد حدث أيضاً أن قُتل محمد بن الضحاك وكان قاتله هو غلام أبي يعفر بأمر من مولاه فغضبت فيه حاشد وكانت لهم مع أبي يعفر وقائع مشهورة منها يوم خيوان ويوم وَرْوَر ويوم خمر وقد عظمت صولة الدعام واشتد ساعده حتى ضرب به المثل فيما استعظم من الأمور حتى ليقال: «لا فعلته لو قام فيما قام في الغبراء أو ما قام في لطمة الدعام» وفي ذلك يقول بعض شعراء أرحب:
سلبنا من حوال الملك قسراً
بلطمة شيخ كهلان الدعام
وقد انتهت هذه الوقائع باستلاب الدعام لملك آل يعفر وامتلاك بلدهم والتآمر على صنعاء وجبيت له اليمن كلها إلى ساحل عدن. على أن ذلك لم يطل لأن الخليفة العباسي أرسل الأمير جفتم بن الحسن نصرة لآل يعفر فخرج الدعام من صنعاء ثم عاد إليها كرة أخرى مع الإمام الهادي يحيى بن الحسين وقام معه علي بني طريف والقرامطة. وقد بقي الأمير جفتم بن الحسن عاملاً على اليمن في أيام الخليفتين الموفق والمعتمد ثم في أيام المعتصد وكان يتردد بين صنعاء وبغداد. وسيأتي ذكر بقية الكلام على آل يعفر في الفصلين التاليين.
دولة آل نجاح بزبيد([189])
من سنة 403 إلى سنة 555هـ
سبق أن أشرنا عند حديثنا عن دولة بني زياد إلى مولاهم الحسين بن سلامة وقيامه بأمور دولة آل زياد خير قيام. وقلنا إنه حين وفاته لم يبق من آل زياد سوى ولد صغير. وقد كفلت هذا الصغير عمته وعبد حبشي يقال له مرجان وكان لمرجان هذا عبدان، أحدهما يقال له نفيس وثانيهما اسمه نجاح فعهد إلى نجاح بأعمال مدينة الكدري والمهجم ومور والمخلاف السليماني كما عهد إلى نفيس بأعمال داخليته. وقد دب التنافس بين نفيس ونجاح وكان مرجان يقرب نفيساً ويفضله على نجاح وكان ابن زياد وعمته يفضلان نجاحاً فشكا نفيس إلى مرجان فعلهما، فما كان منه إلا أن سلمهما إليه فأدخلهما في جدار وبنى عليهما فهلكا.
وبذلك انقطع عقب بني زياد وانتهى عهدهم بزبيد، وكانت مدة ملكهم مائتي سنة إلا سنة واحدة. ووثب نفيس على ملكهم وكان نجاح غائباً فلما بلغه ما فعل نفيس بابن زياد وعمته غضب غضباً شديداً لذلك واستنفر القبائل ودعاهم لمحاربته والانتقام منه، فوقعت بينهما حروب طويلة انتهت بقتل نفيس على باب مدينة زبيد ودخل نجاح المدينة وقبض على مولاه مرجان وجعله في الموضع الذي كان فيه ابن زياد وعمته بعد أن أخرجهما منه وصلى عليهما واحتفل بدفنهما.
وبعد ذلك استولى نجاح على تهامة وضرب النقود باسمه وكاتب بني العباس ودان لهم بالطاعة ولم يزل حتى دس له السم علي بن محمد الصليحي بواسطة جارية أهداها له سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة([190])، وضم إليه ملك التهائم التي كانت بيد نجاح وفر أولاد نجاح إلى جزيرة دهلك في البحر الأحمر ثم كان من أمرهم مع الصليحي ما سيأتي ذكره وجرت بين بني نجاح وآل الصليحي حروب وقلاقل سيأتي الإشارة إلى بعضها.
وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة([191]) قتل الأمير سعيد بن نجاح وفر صنوه جياش إلى الهند ثم لم يلبث أن عاد إلى زبيد متنكراً وأخذ يعمل على استرداد ملكه حتى تولاها واستمرت ولايته عليها إلى أن مات سنة ثمان وتسعين وأربعمائة([192])، وكان رجلاً من أهل العلم له تاريخ نفيس اسمه «المفيد» ويقال: «مفيد جياش» للتفرقة بينه وبين كتاب «المفيد» الذي وضعه القاضي عمارة اليمني.
وقام بالأمر بعده ولده فاتك بن جياش إلى أن مات سنة ثلاث وخمسمائة([193]) وكانت له عملة ضربها من الذهب الأحمر وقد عثر على دفائن منها في بلاد يريم في عصر التحرير وعليها اسمه وقام من بعده ولده منصور بن فاتك ثم فاتك بن المنصور ثم فاتك بن محمد بن فاتك وفي أيام هذا الأخير ظهر علي بن مهدي الحميري في محل العنبرة خارج زبيد وتغلب على زبيد سنة خمس وخمسين وخمسمائة([194]) ثم هلك في شهر شوال من تلك السنة وقام من بعده ابناه مهدي بن علي وعبد النبي بن علي بن مهدي ثم انتهت أيام بني مهدي بزحف السلطان توران شاه ابن أيوب من مصر إلى اليمن سنة تسع وستين وخمسمائة([195]) وفيها قتل عبد النبي بن مهدي عن أمر السلطان توران شاه. واضمحلت دولة بني مهدي. وسيأتي تاريخ خروج السلطان توران شاه إلى اليمن.
دولة بني الصليحي الهمدانيين
من سنة 439 إلى سنة 532هـ
كانت الرياسة على همدان من أواخر القرن الثالث للسلطان محمد بن الضحاك بن العباس بن سعيد بن قيس بن أبي معيد بن حمزة الهمداني ثم كانت من بعده لأبي جعفر بن محمد بن الضحاك ثم بعد ذلك لأبي حاشد بن العباس بن الضحاك ثم ليحيى بن أبي حاشد وكانت عاصمتهم قرية ريدة من بلاد حاشد، وكانوا يلقبون بالسلاطين.
وفي سنة تسع([196]) وثلاثين وأربعمائة([197]) ظهر علي بن محمد الصليحي حيث خرج من جبل مسار من أعمال حراز ولم يكن قد ولي الأمر أحد من أهله وكان والده القاضي محمد بن علي شافعي المذهب وكان مطاعاً في عشيرته يتولى فصل الخصومات في جهته وكان محل بني الصليحي في مغارب جبل حضور كما قال الهمداني في صفة الجزيرة وأهله كانوا أشرافاً كرماء، وكان علي بن محمد في أول أمره يسير على طريقة والده ولم يزل هذا شأنه حتى استماله عامر بن عبد الله الزُّواجي أحد دعاة الفاطميين إلى مذهبه وأوصى له بجميع كتبه وما كان قد جمعه من مال فسمت نفس علي بن محمد إلى القيام بالدعوة للفاطميين وتحدث الناس بأنه سيملك اليمن وكان يدخل مكة لأداة فريضة الحج ويتفق ببعض رجال أخذ يستميلهم إلى نشر الدعوة في بلاد اليمن للمستنصر الفاطمي.
ثم انتشر أمره وذاع فقصده الأمير جعفر ابن الإمام القاسم بن علي بن العياني والأمير جعفر بن العباس في طائفة من همدان لمقاتلته فنزل إليهم علي بن محمد في جماعة ممن استمالهم إليه فأوقع بهم وقتل جعفر بن العباس وتفرق الآخرون، وهكذا استفحل أمر الصليحي وقصد بلاد حضور واستولى عليها وعندئذٍ اجتمع رجال قبائل همدان مع السلطان يحيى بن أبي حاشد وانضم إليهم بنو شهاب وبنو الراعي وقصدوا الصليحي للقتال فلقيهم هذا في محل صفوف بالقرب من قرية يازل وجرت بين الفريقين وقعة عظيمة انتهت بانتصار الصليحي وقتل السلطان يحيى بن أبي حاشد وألف رجل من همدان. وكان من أثر هذا الانتصار الذي ناله الصليحي أن عظم أمره واتسعت مطامعه فسار إلى صنعاء وملكها وبعث بعماله إلى مخاليف اليمن.
وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة([198]) قتل الإمام أبو الفتح الديلمي في وقعة بينه وبين الصليحي في قاع فَيْد في بلاد عنس. وفي سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة([199]) اجتمع رؤساء همدان مع الشريف الفاضل القاسم بن جعفر ابن الإمام القاسم بن علي العياني وصنوه الأمير ذو الشرفين محمد بن جعفر وقصدوا قتال الصليحي في صنعاء فقاتلهم الصليحي برجاله فهزمهم ولكن الشريف الفاضل وصنوه الأمير ذا الشرفين ثبتا مع طائفة من همدان وساروا إلى حصن الهرابة من بلاد وادعة وتحصنوا به فتبعهم الصليحي وحاصرهم حصاراً شديداً وعندئذ خرج الشريف الفاضل إلى يد الصليحي فأبقاه لديه مدة ثم أطلق سراحه، ولكن الأمير ذا الشرفين رأى أن يتحصن في شهارة وعمرها ولذلك يقال لها شهارة الأمير.
وسار الصليحي بعد ذلك إلى بلاد اليمن الجنوبية واستولى على بلاد بني الكرندي ملوك المعافر وحصن الدُّملوة كما استولى على بلاد الحسين التُّبعي الحميري صاحب حصن حَبّْ وبعدان والسحول والشوافي ثم سار إلى عدن واستولى على بلاد بني معن الذين كانوا يملكون عدن ونزل تهامة واستولى على ما كان تحت يد نجاح صاحب زبيد بعد موته بالسم على يد جارية أرسلها إليه الصليحي كما سلف.
ولما استولى الصليحي على تهامة جعل عليها صهره أسعد بن شهاب وقد قال الكبسي في تاريخه إن خراج تهامة الذي كان يحمل إلى الصليحي بعد النفقات قد بلغ ألف ألف دينار.
وفي سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة([200]) سار الأمير حمزة بن أبي هاشم في جيش كبير من همدان لقتال الصليحي فالتقى مع جيش الصليحي في الملوى من بلاد أرحب في بلد الخشب وجرت بين الجيشين وقعة عظيمة قتل فيها الأمير حمزة بن أبي هاشم في سبعين رجلاً من رؤساء همدان وكان يتولى قيادة رجال الصليحي عامر بن سليمان الزواجي وسوف يأتي ذكر مقتله وأخذ الثأر منه.
وفي تلك السنة سار علي بن محمد الصليحي من صنعاء في موكب عظيم إلى تهامة يريد مكة لأداة فريضة الحج وكان بصحبته عدد كبير من آل الصليحي وملوك اليمن الذين خضعوا له وكان معه كثير من الخيل والرجال بعد أن خلف على اليمن ولده المكرم أحمد بن علي وكان يريد زيارة المستنصر الفاطمي بمصر وكانت له نفس طموح وأنشد على لسان حاله:
وألذ من قرع المثاني عنده
في الحرب ألجم يا غلام وأسرج
خيل بأقصى حضرموت مجالها
وصهيلها بين العراق ومنبج
ولما نزل ظاهر المهجم من تهامة ضرب مخيمه في ضيعة تعرف باسم الدُّهيم وبئر أم معبد وخيمت عساكره والملوك الذين كانوا معه حوله وكان أولاد نجاح قد نزلوا بعد زوال ملكهم بجزيرة دهلك وسكنوا بها. وكان سعيد الأحول يخرج خفية إلى زبيد ويترقب الفرصة لاسترجاع ملك أبيه ولما بلغه خبر نزول الصليحي في تهامة كتب إلى أخيه جياش وهو في دهلك طالباً إليه أن ينهض هو ومن يقدر عليه من مواليهم فخرج جياش في أربعمائة رجل وجمع سعيد الأحول سبعين رجلاً من عبيدهم ولم يكن معهم من السلاح غير جريد النخل وقد جعلوا على رؤوسها مسامير الحديد، فلما بلغ الصليحي أمر خروجهم من دهلك وجه إليهم نحو خمسة آلاف مقاتل ولكنهم اختلفوا في الطريق في حين وصل آل نجاح إلى مخيم الصليحي ودخلوا في غمار الناس وظن من شاهدهم أنهم من عبيد من في المهجم ولما وصلوا إلى خيمة علي بن محمد الصليحي عرفهم أخوه عبد الله بن محمد وقال لأخيه علي بن محمد : يا مولاي هذا سعيد الأحول بن نجاح ففشل ولم يبرح مكانه حتى قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه عبد الله ومن حضر مخيمه وركب سعيد الأحول وأخوه جياش فرسي علي بن محمد الصليحي وأخيه عبد الله وعلقا رأسيهما في الرماح ونادى المنادي في المعسكر بأن الصليحي قد قتل، وسرعان ما دب الفشل بين عساكر الصليحي وتفرق شملهم وذهبوا في كل وجه وتخطفتهم قبائل تهامة واستولى آل نجاح على خزائن الصليحي وأمر سعيد الأحول زوجة علي بن محمد الصليحي السيدة أسماء بنت شِهَاب بأن تسير معه وسار بها إلى زبيد حيث بقيت في أسره حتى أنقذها ولدها المكرم بعد ثمانية أشهر في غزوته الشهيرة لزبيد مع قبائل همدان وتملك زبيد وفر أمامه أولاد نجاح وقد سبقت الإشارة إلى عودة الملك بزبيد إلى آل نجاح.
وبعد قتل علي بن محمد تولى أمر اليمن ولده المُكَرَّم وكانت بينه وبين الأمير ذي الشرفين حروب عظيمة وقد تحصن الأمير ذو الشرفين في أثنائها بحصن شهارة التي أطلق عليها اسم شهارة الأمير كما ذكرنا أولاً وشاركت المكرم الإمارة زوجته السيدة أرْوى بنت أحمد بن جعفر بن موسى بن محمد الصليحي وموسى أخو علي بن محمد. وقد مات المكرم سنة أربع وثمانين وأربعمائة([201]) وقام بأمر الدعاية إلى العبيدية الداعي سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي بن محمد وتزوج السيدة عن أمر المستنصر الفاطمي وكانت له حصون مطلة على تهامة منها حصن أشيح بآنس وظلت تهامة متداولة بين آل الصليحي وآل نجاح فكانوا بنو الصليحي يغزونها في أيام الشتاء وعندئذٍ يدخل آل نجاح جُزر البحر الأحمر. وفي أيام الصيف كان بنو الصليحي يرتفعون إلى الجبال ويعود آل نجاح إلى تهامة. وقد كان سبأ بن أحمد شاعراً فصيحاً وفيه يقول الحسين بن القِمّ الشاعر المشهور:
ولما مدحت الهزبرى ابن أحمد
أجاز وكافاني على المدح بالمدح
وعوضني شعراً بشعري وزادني
نوالاً فهذا رأس مالي وذا ربحي
ومات سبأ سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة([202]) وعندئذٍ استقلت السيدة أروى بنت أحمد بدولة آل الصليحي حتى توفيت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة([203]) بجبلة وقد بلغت من العمر ثمانٍ وثمانين سنة. وكانت عاقلة كاملة وقد عملت الحيلة في قتل سعيد الأحول حتى خرج من زبيد وبعثت جيوش الصليحيين لقتاله ففاجؤوه بالقرب من زبيد وكانت بينهم معركة حامية الوطيس قتل فيها سعيد الأحول وأسرت امرأته وأتي بها إلى السيدة أروى بنت أحمد فتمنت لو أن أسماء بنت شهاب كانت شهدت ذلك نظراً لأنه سبق أسرها عند قتل زوجها علي بن محمد الصليحي بتهامة.
وللسيدة أروى بنت أحمد مآثر عظيمة باليمن منها بناء جامع جبلة والجناح الشرقي بجامع صنعاء كما ذكره مؤلف كتاب «أنباء الزمن». وأن جودة الأخشاب ورشاقة نقوشها في سقفه ليشهدان على مخالفته لعمارة محمد بن يعفر كما أن لها مآثر أخرى. وبموتها اضمحلت دولة بني الصليحي وانتقل ما كان بأيدي ملوكها من الحصون إلى منصور بن الفضل الحميري الذي باعها إلى الداعي محمد بن سبأ الزريعي كما تغلب على بلاد الجبال السلطان حاتم بن الغشم الهمداني الآتي ذكره.
دولة بني زريع الهمدانيين بعدن
من سنة 467 إلى سنة 569هـ
لما مات الحسين بن سلامة مولى آل زياد كما سبقت الإشارة إلى ذلك تغلب علي بن معن على عدن وعندما دخلها علي بن محمد الصليحي فرض على ابن معن جُعْلاً يسلمونه إلى السيدة أروى بنت أحمد الصليحي مقابل مهرها من ولده المكرم ثم تغلبت بنو معن على عدن ومات العباس بن معن سنة أربعمائة واثنتين وستين وقام بالأمر بعده أخوه محمد بن معن. ولما دخل المكرم بن علي الصليحي مدينة عدن سنة أربعمائة وسبع وستين([204]) هرب منه محمد بن معن إلى أحور وولى المكرم على عدن العباس ومسعود ابني المكرم الجشمي الهمداني وكانت لهما سابقة معرفة عند المكرم لقيامهما معه عند نزوله زبيد واستنقاذه أمه من سعيد الأحول فجعل للعباس حصن التعكر بعدن كما جعل للمسعود حصن الخضراء.
وكان ارتفاع حاصل عدن يحمل إلى السيدة كل سنة مائة ألف دينار وقد يزيد وقد ينقص واستمر الأمر كذلك حتى وفاة العباس بن المكرم فخلفه ولده زريع بن العباس على ما كان متولياً عليه ولما بعثت السيدة بنت أحمد المفضل بن أبي البركات ـ لقتال أولاد نجاح بعد أن احتالت على خروجهم من زبيد كتبت إلى زريع وعمه المسعود طالبة إليهما أن يلقيا المفضل بزبيد فلقياه وقاتلا معه حتى قتلا بباب زبيد سنة خمس وثمانين وأربعمائة([205]) وقام بعدهما أبو السعود بن زريع وأبو السعادات بن المسعود وكل منهما في جهة ولما مات أبو الغارات قام بعده ابنه علي بن أبي الغارات وقام بعد أبي السعود بن زريع ابنه سبأ وقد توفي الملك سبأ سنة أربع وتسعين وأربعمائة([206]) وقام بعده ابنه محمد بن سبأ الذي اشتهر بالكرم والفصاحة وتوفي سنة خمسمائة وخمسين([207]) وقام بعده ابنه عمران بن محمد بن سبأ وكان كأبيه في السماحة وحسن الخلق وتوفي سنة خمسمائة وستين([208]) وخلف أولاداً صغاراً قام بأمرهم أبو الدر جوهر المعظمي في حصن الدملوة حتى خرج إلى اليمن السلطان توران شاه بن أيوب فانتقل بهم إلى الحبشة وانقضت دولتهم. وقد ذكر محمد بن سبأ وابنه عمران ـ القاضي عمارة اليمني في تاريخه «المفيد» وأثنى عليهما أحسن الثناء وذكر بعض ما قاله في مدحهما أبو بكر العندي الأديب المشهور في زمنهما ـ : وكانت بين آل زريع وآل مسعود حروب طويلة استمرت بعض سنين ولما تغلب سبأ بن زريع على قرية الرعارع وأخذها من يد علي بن أبي الغارات قال علي بن زياد المازني:
خلت الرَّعارع من بني المسعود
فعهودهم عنها كغير عهود
حلت بها آل الزريع وإنما
حلت أسود في مقام أسود
ومن آثار آل الزريع بعدن ذلك السور الممتد من جبل حُقَّات، وقد أشار إلى ذلك مؤلف كتاب «بهجة الزمن في تاريخ لحج وعدن».
دولة «السلاطين» بني حاتم الهمدانيين
من سنة 492 إلى سنة 569هـ
لما مات سبأ بن أحمد الصليحي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة([209]) وأقامت السيدة أروى بنت أحمد بمدينة جبلة قام بأمر صنعاء وبلادها السلطان حاتم بن الغشم الهمداني وناصرته قبائل همدان، ثم قام ابنه عبد الله ومات مسموماً، فقام بالأمر أخوه معن بن حاتم أياماً ثم خلعته همدان وولت مكانه كلاً من هشام وحمّاس ابني القُبَيْب الهمداني.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة([210]) ألقت همدان أمرها إلى السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامي فقام بأمر همدان. وفي أيامه قام الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان واستولى على صنعاء بعد حصار السلطان حاتم بها. وكان السلطان حاتم شاعراً فصيحاً وهو القائل في كتابه إلى الإمام أحمد بن سليمان أيام حصار الإمام لصنعاء وقد عثر السلطان حاتم على رسول الإمام يشتري ورقاً من صنعاء:
أبالورق الطَّلحي تأخذ أرضنا
ولم تشتجر تحت العجاج رماح
وتأخذ صنعا وهي كرسي ملكنا
ونحن بأطراف البلاد شحاح
ولما تم الأمر للإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان وتملك صنعاء وخرج منها السلطان حاتم قال السلطان حاتم متسلياً:
غلبنا بني حوّاء مجداً وسؤدداً
ولكننا لم نستطع غلب الدهر
فلا لوم فيما لا يُطاق وإنما
يلام الفتى فيما يطاق من الأمر
وسار السلطان حاتم في جماعة من أصحابه إلى الإمام وكان في محل بيت بَوْس جنوب مدينة صنعاء وأنشد السلطان حاتم عند وصوله إلى الإمام قول كعب بن زهير:
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
فعفا عنه الإمام وبايع السلطان حاتم ومن معه الإمام، ودخل الإمام صنعاء في اليوم التالي دخولاً معظماً واستعمل عليها القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام. وسكن السلطان حاتم مدينة الروضة وفي جانب منها درب السلاطين نسبة إلى السلاطين بني حاتم ثم إنه حصل خلاف بين السلطان حاتم وأصحاب الإمام فزحف السلطان حاتم على صنعاء ثم خرج منها مرة ثانية ودخلها الإمام المتوكل على الله. وكان السلطان حاتم عاقلاً ذكياً كريماً مدحه كثير من الشعراء وتوفي سنة خمسين وخمسمائة([211]).
وفي أيامه خرج إلى اليمن من مصر القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الإسواني وكان من أهل الفضل والرياسة وكان مجيداً في الشعر والنثر ومن شعره في مدح السلطان حاتم:
إذا أجدبت أرض الصعيد وأقحطت
فلست أخاف القحط في أرض قحطان
ومذ كفلت لي مأرب بمآربي
فلست على إسوان يوماً بأسوان
وقام بأمر همدان بعد السلطان حاتم ابنه السلطان علي بن حاتم وقد استنجده آل زُرَيْع سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة([212]) لقتال عبد النبي بن مهدي الحميري فسار إليهم في قبائل همدان ووصل مدينة تعز والتقت به أجناد عبد النبي بن مهدي وكانت بين الطائفتين وقعة عظيمة بذي عُدَيْنة انتصر فيها السلطان علي بن حاتم نصراً عظيماً وفرَّ عبد النبي بن مهدي إلى زبيد. ولم تزل دولة علي بن حاتم مسيطرة على معظم اليمن الأعلى حتى خرج السلطان توران شاه بن أيوب إلى اليمن سنة تسع وستين وخمسمائة([213]) فانقطعت دولة بني حاتم وبني مهدي وآل زُرَيْع وقامت دولة بني أيوب التي سيأتي الكلام عليها.
دولة بني أيوب باليمن
من سنة 569 إلى سنة 626هـ
كانت بلاد اليمن قد تفرق شملها قُبَيل حكم الأيوبيين لها وغزوهم بلادها وكانت قد انقسمت إلى عدة دُوَيْلات صغيرة قامت كل منها في ناحية من نواحي البلاد واختصمت فيها بينها، فكانت عدن ومخلاف الجَنَد بيد آل زُرَيْع وكانت صنعاء وبعض مخاليفها بيد السلطان علي بن حاتم كما كانت بلاد صعدة والجوف بيد الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان والمخلاف السليماني بيد الشريف غانم بن يحيى بن حمزة وبلاد زبيد وأطرافها بيد عبد الغني بن مهدي الحميري، وعندما استفحل أمر عبد النبي بن مهدي في بلاد تهامة وقامت بينه وبين الشريف غانم بن يحيى بن حمزة حروب طويلة قتل فيها الشريف غانم بن يحيى سنة ستين وخمسمائة([214]) استنجد صنوه الشريف قاسم بن يحيى الخليفة الناصر بن أحمد المستضيء العباسي صاحب بغداد على عبد النبي بن مهدي فكتب له هذا إلى صلاح الدين بن أيوب وأمره بنصرته، ولقد بادر صلاح الدين بإرسال أخيه السلطان توران شاه إلى اليمن وأرسل معه نحو ثلاثة آلاف مقاتل وعندما وصل توران شاه إلى ناحية صبيا([215]) من بلاد تهامة انضم إليه الأشراف وبعدئذٍ قصد مدينة زبيد فأخذها عَنْوَةً وقضى على دولة عبد النبي بن مهدي وأمر بقتله ثم سار بعد ذلك إلى عدن ففتحها وقضى على دولة بني زريع وكان القائم بأمرهم فيها جوهر المعظمي الذي تحصن بالدملوة مدة ثم حاول الخروج من الحصن خفية مع من بقي من آل زريع وانتقل بهم إلى بلاد الحبشة.
وبعد أن أخضع توران شاه بلاد تهامة واستولى عليها بأجمعها سار بجيوشه نحو بلاد الجبال فأجمعت عليه القبائل اليمنية وعندما وصل إلى ذمار أنشده شاعره قصيدة جاء فيها:
وقال لقومه موتوا كراماً
فأين ديار مصر من ذمار
ولقد ساعدته الأيام على فتح بلاد اليمن كلها وهكذا قضى على دولة علي بن حاتم واستتب له الأمر في البلاد واختار مدينة زبيد عاصمة لمملكته. ولكن لم تطب له الإقامة فيها وشعر بالحنين إلى مصر فكتب إلى أخيه السلطان صلاح الدين كتاباً يبدي فيه تَبَرُّمَه من الإقامة باليمن ويطلب إليه السماح له بالعودة إلى مصر وقال في كتابه هذا شعراً:
وإذا أراد الله أن يشفي امرءاً
وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالترحال عن مصر بلا
سبب وأسكنه بأرض زبيد
ثم أعقب هذا الكتاب بكتاب ظريف آخر أنشأه على لسانه الأديب أبو بكر بن أحمد العندي الشاعر المشهور وضمنه شعراً ونثراً وجاء فيه قوله:
يا بارق الشام ما الأوطان من يمن
أوطان شجوي ولا الأوطار أوطاري
ما الدار إلاَّ دمشق والمنى حَلَبٌ
والسؤل مصر وفي الزّوراء مُزْداري
تلك المنازل لا لحج ولا عدن
ولا زبيد ولا أكناف تعشاري
هذا على قدر أن الملك في يمن
غالٍ ولكنه من دون مقداري
ولقد أجابه صلاح الدين بأن اليمن قطر مبارك كثير الخيرات ثم أذن له بالقدوم عليه فسار إلى مصر وتولى دمشق أياماً ثم مات بمدينة الإسكندرية سنة ست وسبعين وخمسمائة([216]).
السلطان طغتكين بن أيوب
وعندما ترك توران شاه اليمن وقفل راجعاً إلى مصر خرج إلى اليمن أخوه السلطان طغتكين بن أيوب وكان يلقب بالعزيز فملكها سنة تسع وسبعين وخمسمائة([217]) وقامت بينه وبين الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة وقائع. ولقد أقام السلطان طغتكين بمدينة صنعاء وبنى سورها العظيم بعد أن أدخل فيها الجهة الغربية من السائلة إلى باب السبحة كما بنى له داراً في البستان الذي يعرف الآن باسم بستان السلطان.
ولقد سار بجيوشه إلى حضرموت واستولى عليها وسكن مدينة تعز([218]) وعمر مدرسة المنصورة وأرسل إليها نهراً من جبل صَبر كما بنى مدينة المنصورة بالحجرية في أرض المعافر. وتوفي السلطان طغتكين بمدينة المنصورة سنة تسعين وخمسمائة([219]) وكان رجلاً كريماً عالي الهمة واسع الصدر مما جعل الناس يفدون عليه من أقاصي البلاد، ولقد كان من بين من قصدوه شرف الدين أبو المحاسن محمد بن عُنَيْن الشاعر المشهور الذي مدحه فأجزل صلته، ولما عاد إلى الديار المصرية وسلطانها يومئذٍ العزيز عماد الدين بن عثمان بن صلاح الدين ألزمه رجال الديوان دفع زكاة المتاجر والأمتعة التي دخل بها فقال:
ما كل من يتسمى بالعزيز لها
أهلاً ولا كل برق سحبه غدقه
بين العزيزين بَوْنٌ في فعالهما
هذاك يعطي وهذا يأخذ الصدقه
ولقد روى الجندي والخزرجي وغيرهما من المؤرخين، أن طغتكين همّ بشراء الأموال من الأرض اليمنية ويجعلها باسم الديوان كما كان يومئذٍ بمصر فكره الناس ذلك واجتمع منهم طائفة عكفت ببعض المساجد تسأل الله الفرج فخرج أحدهم وإذا به يسمع قائلاً يقول: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ وأخبرهم بموت طغتكين.
وتولى بعده على بلاد اليمن ابنه الملك العزيز بن طغتكين وكان رجلاً سيئ السيرة اشتهر بسوء الخُلُق والشراسة حتى قيل عنه إنه كان مولعاً بأكل لحوم البشر وكانت الأحوال في أيامه مضطربة وقتل سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة([220]) بمدينة زبيد فاستولت أمه على الأموال واستبقتها عندها حتى وصل إلى اليمن خلفه الملك سليمان بن سعد الدين بن تقي الدين بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
وعندما وصل الملك سليمان إلى اليمن استدعته والدة الملك إسماعيل وتزوجته وملك البلاد ولكنه جار في أعماله وظلم الناس حتى ضجوا من أعماله ولذلك أرسل الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ابنه الملك المسعود يوسف إلى اليمن فدخل زبيد في سنة ستمائة واثنتي عشرة([221]) وقبض على الملك سليمان هذا وأرسله إلى مصر وتولى هو أمر اليمن من بعده.
لم تطل إقامة الملك المسعود باليمن بعد توليه الملك إذ عاد إلى مصر سنة تسع عشرة وستمائة([222]) واستخلف عليها نور الدين عمر بن علي بن رسول ولكنه عاد إلى اليمن مرة ثانية سنة أربع وعشرين وستمائة([223]) ثم تركها وعاد إلى مكة سنة 635([224]) واستخلف على اليمن الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول بعد أن قبض على إخوته الأمير بدر الدين بن علي ومحمد بن علي وموسى وأبي بكر وساقهم معه إلى مكة حيث توفي بها.
وبعد وفاته تخوف الأمير نور الدين من بني أيوب فأعلن الاستقلال باليمن وأسس الدولة الرسولية. أما أمراء دولة بني أيوب باليمن الذين كانوا يقومون بجباية الأموال وقيادة الجيوش فقد قامت بينهم وبين أئمة اليمن حروب وقلاقل وقد ذكر المؤرخون من بين هؤلاء الأمراء الأمير وَرْدَسان والأتابك سنقر والشهاب الجزري والأمير جكُّو والأمير شمس الخواص وغيرهم.
دولة بني رسول الغسانيين
من سنة 626 إلى سنة 858هـ
قلنا فيما سبق إنه كانت لآل علي بن رسول رياسة في أيام حكم بني أيوب باليمن وكانوا قد وفدوا على بلاد اليمن من مصر مع بني أيوب، أما جدهم رسول واسمه محمد بن هارون فقد كان أميناً في دولة الأيوبيين في مصر وينتهي نسبهم إلى جفنة بن عمرو الغساني الذي رحل من اليمن إلى بلاد الشام بعد خراب سد مأرب.
ولقد كان نور الدين بنوع خاص محل ثقة بني أيوب وعندما استخلفه الملك المسعود الأيوبي على اليمن وقبض على إخوته الذين ذكروا آنفاً، تخوف نور الدين من بني أيوب وخشي على نفسه منهم فأعلن الاستقلال بملك اليمن سنة ست وعشرين وستمائة([225]) وأسس الدولة الرسولية واتخذ من مدينة تعز عاصمة لمملكته وتلقب بالملك المنصور واستمد من الخليفة الظاهر بن الناصر العباسي النيابة عنه على اليمن وملكها فطار صيته وعظم أمره وسار إلى مكة لأداء فريضة الحج سنة ثلاث وثلاثين وستمائة([226]) وحارب عمال بني أيوب بمكة حتى أخضعهم وامتلكها ثم عاد منصوراً إلى بلاد اليمن. وفي سنة سبع وأربعين وستمائة([227]) قتلته المماليك غيلة في قصر الجند وكان قد استكثر منهم حتى بلغ عددهم ألف فارس ولقد كانت للسلطان نور الدين هذا مآثر عظيمة إذ أنشأ الكثير من المدارس.
وبعد وفاة الملك المنصور قام بالأمر بعده ابنه الملك المظفر يوسف بن عمر وكان حازم الرأي قوي الحركة ولقد طالت أيام حكمه باليمن وفتح ظفار الحبوظي بأقصى بلاد حضرموت وأخذها من يد سالم بن إدريس الحبوظي بعد أن جهز عليه جيشاً كبيراً حاصره من البر والبحر وسار بعد ذلك إلى مكة المشرفة لأداء فريضة الحج بقوة عظيمة من البر وكانت السفن الشراعية تسير بحذاء جنوده في البحر الأحمر واستولى على مكة وطرد منها أمراء بني أيوب.
وقامت بينه وبين أئمة اليمن حروب عظيمة وكان يستميل الأشراف من بني حمزة ويمنحهم المنح العظيمة ولقد قصده الأمير شمس الدين أحمد ابن المنصور بالله عبد الله بن حمزة إلى زبيد فقابله الملك المظفر بكل إجلال واحترام وجاء عيد الفطر وهو في ضيافة الملك المظفر فقال الأمير شمس الدين في مدحه قصيدة مطلعها:
لعل الليالي الماضيات تعود
فتبدو نجوم العيد وهي سعود
عفا منزل ما بين نعمان واللوا
وخرت به للراسيات برود
هواي بنجد والمنى بتهامة
متى تلتقي بالمتهمين نجود
فيا دارنا بين العيينة والحمى
هل الدار دار والزَّرُود زرود
ومنها:
ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفا
علمت بأن الهمّ ليس يعود
وأدنيت كفي من أنامل لم تُخنْ
عهودا ولم تُخلف لهن وعود
إلى آخرها.
وقال الكبسي: إن الملك المظفر أقطعه مدينة القحمة وجهز معه مائة فارس من المماليك وعاد إلى الجوف. وقد توفي الملك المظفر سنة أربع وتسعين وستمائة([228]) وكان يقال له «تُبع الأصغر» ومن مآثره جامع المظفر بمدينة تعز.
وبعد وفاة المظفر قام بعده ولده الملك الأشرف عمر بن يوسف وقد نازعه في بداية الأمر شقيقه داود بن المظفر وكان عند وفاة والده غائباً بالشحر فجمعه الجنود واستولى على لحج وعدن ولذلك جمع أخوه الملك الأشرف عساكره لمحاربته، واجتمع الفريقان في أبين وتمكنت عساكر الملك الأشرف من محاصرة داود وإلقاء القبض عليه بعد أن تفرق أصحابه فاعتقله الملك الأشرف في مدينة تعز سنة خمس وتسعين وستمائة([229]) وفي ذلك يقول تاج الدين موسى بن حسن الموصلي في قصيدة هنأ بها الأشرف:
ولولا أن ضرَّك منك قلنا
مقالاً منه تنفلق الصخور
ولكنا نرجي السخط منكم
يعود رضى وتنجبر الأمور
وتوفي الملك الأشرف سنة ست وتسعين وستمائة([230]).
وتولى بعده أخوه الملك المؤيد داود بن يوسف وكان رجلاً عالماً أديباً له شغف عظيم بالعلم والأدب جمع الكثير من الكتب النفيسة وألف كتاب «المعتمد» في الطب كما ألف كتباً أخرى غيره وقصده أهل الفضل من أقاصي البلدان وكان يكرم وفادتهم وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة([231]).
وقام بالأمر بعد المؤيد ولده الملك المجاهد علي بن المؤيد وقامت بينه وبين ابن عمه الظاهر بن المنصور حروب طويلة انتهت باستيلاء الملك المجاهد على البلاد ثم سار بعد ذلك إلى مكة لأداء فريضة الحج سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة([232]) وعاد إلى اليمن ثم سار إلى مكة مرة ثانية سنة إحدى وخمسين وسبعمائة([233]) ووقع بينه وبين أمير المحمل المصري خلاف كان من شأنه إلقاء القبض على الملك المجاهد وحمله إلى القاهرة وحبسه بالكرك ولكنه أفرج عنه سنة اثنتين وخمسين([234]) وعاد إلى اليمن وبقي بها إلى أن توفي سنة أربع وستين وسبعمائة([235]) وقد نزل في أيامه الإمام المهدي محمد بن المطهر إلى عدن في قوة عظيمة كما سيأتي الكلام على ذلك فيما بعد.
بعد أن توفي الملك المجاهد تولى بعده ابنه الملك الأفضل العباس بن علي وتوفي سنة ثمانٍ وسبعين وسبعمائة([236]).
وبعد وفاة الملك الأفضل قام بعده الملك الأشرف إسماعيل بن العباس الذي توفي سنة ثلاث وثمانمائة([237]) والذي كان آخر ملوك بني رسول ذوي الصَّولة والرياسة وكان هو الذي ألف علي بن الحسن الخزرجي المؤلفات النفيسة التاريخية بناء على إشارته وقد ذكره في خطبة كتابه «طراز أعلام الزمن» وفي أيامه قدم مجد الدين الفيروزآبادي إلى مدينة زبيد وشرع وهو مقيم فيها في تأليف كتابه «القاموس» وذكره في خطبة الكتاب. ومن مآثر الملك الأشرف إنشاء جامع الأشرفية بمدينة تعز وفي أيامه هاجم الإمام صلاح الدين علي بن محمد بني رسول في زبيد كما ستأتي الإشارة إلى ذلك وتولى بعده ابنه الملك الناصر أحمد بن الأشرف.
حدث في أيام الملك الناصر أن توفي الشيخ معوضة بن تاج الدين جد ملوك بني طاهر الذين سيأتي ذكرهم ووصل ابنه طاهر إلى الملك الناصر وكان بنو طاهر أمناء في دولة بني رسول في عدن وأطرافها وفي سنة تسع وعشرين وثمانمائة([238]) مات الملك الناصر وتولى بعده الملك المنصور عبد الله بن الناصر.
لم تطل أيام الملك المنصور إذ توفي سنة ثلاثين وثمانمائة([239]).
وقام بالأمر بعده ابنه الأشرف إسماعيل الذي خلعه الأمراء وأقاموا مكانه عمه الملك الطاهر يحيى بن إسماعيل.
وقد مات الملك الطاهر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة([240]) وولي الملك بعده الملك الأشرف بن إسماعيل بن الطاهر.
مات الملك الأشرف هذا سنة خمس وأربعين([241]) وثمانمائة وقد عارض هذا الملك أمراء آخرون من بني رسول ولكن لم يستتب لهم الأمر ولما رأى المشايخ بنو طاهر اضطراب الأحوال واختلاف بني رسول فيما بينهم صمموا على الاستقلال بملك اليمن ولكن قاومهم الملك المسعود أبو القاسم بن الأشرف بن الناصر بن الأشرف الذي كان مقيماً بعدن وقامت الحرب بينه وبينهم، وأخيراً انتصروا عليه وهزموا جيوشه وأسسوا الدولة الطاهرية.
دولة بني طاهر
من سنة 858 إلى سنة 933هـ
السلطان عامر بن طاهر
كانت للمشايخ من بني طاهر بن معوضة بن تاج الدين بن محمد بن سعيد بن عامر بن مسعود بن فهد بن وهب بن حرب القرشي رياسة في دولة بني رسول كما كانوا أمناء لسلاطين بني رسول ووكلاء عنهم في عدن وما جاورها من النواحي، ولقد اشتد ساعدهم وقويت شوكتهم عندما ضعفت دولة بني رسول فملكوا الحصون واستولوا على الخزائن والأموال وملكوا عدن سنة ثمانٍ وخمسين وثمانمائة([242]) وأخرجوا منها الملك المسعود بن الأشرف آخر ملوك بني رسول، وتولى الأمر منهم عامر بن طاهر الذي تلقب بالملك الظافر وناصره أخواه علي بن طاهر وداود بن طاهر وفتحوا كثيراً من البلاد اليمنية وجعلوا عاصمة ملكهم المقرانة من بلاد رداع.
ثم سار السلطان عامر بن طاهر لفتح مدينة صنعاء وكان بها الأمير محمد بن الناصر فسلمت له المدينة صلحاً على أن يبقى الأمر فيها مشتركاً بين محمد بن الناصر وعامل آل طاهر. على أن السلطان عامر بن طاهر لم يلبث أن طمع في الاستقلال بأمر صنعاء وبلادها فسار إليها سنة ثمانمائة وسبعين([243]) وحاصرها حصاراً شديداً وفي خلال هذا الحصار وصل النقيب محمد بن عيسى شارب من بعض الجهات وكان من كبار أصحاب محمد بن الناصر ومعه جماعة من الفرسان وتقدم بشجاعة واستبسال إلى معسكر عامر ولما عرف ذلك أهل صنعاء خرجوا لفك الحصار وهاجموا رجال السلطان عامر ونهبوا معسكره واستولوا على الإبل وما عليها ولما علم السلطان عامر بهذه الهزيمة التي مُني بها جيشه مات غمًّا وقيل إنه أصيب بسهم ذهب بحياته وانهزم أصحابه.
وقام بالأمر بعده شقيقه الملك المجاهد علي بن طاهر وكان كيساً حكيماً فأعرض عن الفتن وأحسن السياسة وتدبير شؤون المملكة وبنى الكثير من المساجد والرباطات ومات بمدينة جُبن من بلاد رداع سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة([244]).
وتولى الملك بعده ابن أخيه الملك المنصور عبد الوهاب بن داود بن طاهر ومات سنة أربع وتسعين وثمانمائة([245]) ببلد جُبن.
وقام بالأمر بعده السلطان عامر بن عبد الوهاب وتلقب بالملك الظافر وفي بداية حكمه تم الصلح بينه وبين الأمير محمد بن الناصر. وقد امتد نفوذه حتى شمل بلاد تهامة وغيرها وعظم شأنه وفي سنة سبع وتسعمائة([246]) تقدم نحو مدينة ذمار فأخذها ثم يمم مدينة صنعاء وحاصرها وعندئذٍ وصل الإمام محمد بن علي الوشلي والأمير محمد بن الحسين الحمزي لفك حصار المدينة ومناصرة محمد بن الناصر وشنوا الغارة علة الأمير محمد البعداني رئيس أصحاب السلطان عامر وهزموه ونهبوا معسكره فعاد إلى اليمن الأسفل، وفي سنة عشر وتسعمائة أعاد السلطان عامر الكرة على صنعاء بجمع وافر من الجند ونصب لمحاصرتها العرادات والمُنجنيقات وكان ذلك في أيام الأمير أحمد بن الناصر وعندئذٍ أقبل الإمام محمد بن علي الوشلي والأمير محمد بن الحسين الحمزي لشد أزر أحمد بن الناصر وأحاطا بجنود السلطان عامر ولكن السلطان عامراً تغلب عليهما وأسر الإمام محمد بن علي الوشلي وحبسه في صنعاء بعد أن فتحها عنوة حتى مات في حبسه كما هزم الأمير محمد بن الحسين الحمزي.
ولما استولى السلطان عامر على صنعاء استسلم له الأمير أحمد بن الناصر فنقله السلطان عامر إلى مدينة تعز هو وطائفة من أصحابه وحبسهم بها وبعد فتح صنعاء تقدم السلطان نحو بلاد حاشد وامتد نفوذه في كثير من بلاد الجبال ووصل إلى ظفار داود المشرف على ذي بين واقتلع منها صروف الذهب وأخذها معه إلى المقرانة. وسوف نتكلم في الفصل القادم عن غزوة المقرانة التي قام بها المطهر بن شرف الدين وإعادة صروف الذهب كما كانت.
وفي سنة إحدى وعشرين وتسعمائة([247]) ظهرت بوادر زوال دولة آل طاهر عندها خرجت طائفة من الجراكسة من قبل ملك مصر السلطان قانصوه الغوري ونزلت في جزيرة كمران في البحر الأحمر لمطاردة البرتغاليين وغيرهم وعند نزولهم في كمران طلبوا إلى السلطان عامر أن يرسل لهم الميرة من الطعام ولكنه منعها عنهم فخرجوا لقتاله من بندر اللحية وكانوا مسلحين بالبنادق النارية ولم تكن العرب قد عرفتها حتى ذلك الحين فذعروا منها وانهزموا بسببها شر هزيمة وهكذا فشل أصحاب السلطان عامر فشلاً ذريعا واستولت الجراكسة على زبيد وتعز ورداع وقتل عبد الملك بن عبد الوهاب شقيق السلطان عامر في معركة تعز كما قتل عبد الوهاب ابن السلطان عامر في زبيد وانهزم السلطان عامر وتقهقر إلى صنعاء وأراد التحصن بذي مرْمر ولكنه لم يصله وقتل حول مدينة صنعاء في شهر ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة([248]). ولقد قال القاضي الحافظ عبد الرحمن الديبع الزبيدي في رثاء السلطان عامر وشقيقه عبد الملك أبياتاً جاء فيها:
أخلاي ضاع الدين من بعد عامر
وبعد أخيه أعدل الناس بالناس
فمذ فقدا والله والله إننا
من الإنس والسلوان في غاية اليأس
ولقد كان السلطان عامر محسناً إلى القاضي عبد الرحمن الديبع كما ذكر القاضي ذلك في بعض مؤلفاته التاريخية وذكر في كتابه «فضل المزيد» ذيل بغية المستفيد في أخبار ما ياتي:
«لم يكن في الملك الظافر خصلة تُذم سوى تعرضه للوقف وأظن أن ذلك هو الذي كان سبباً لزوال دولته وما في يديه وأنا ناصح، والنصيحة من الدين لكل من يتولى أمور المسلمين من الملوك والسلاطين وسائر المتصرفين ألا يتعرض للوقف وأهله ولا يمنع من بذله الخ» وأنشد:
يا صاحبي لا تكلم
في الوقوف أولى وأصلح
فإننا ما رأينا
شخصاً تولاه أفلح
واضمحلت دولة بني طاهر بسبب الجراكسة ولم يبق منهم سوى عامر بن داود بن عامر بن طاهر في جهة لحج وعدن.
دولة الجراكسة باليمن
في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة([249]) خرجت من مصر طائفة من الجراكسة على رأسها الأمير حسين الجركسي من قبل السلطان قانصوه([250]) الغَوْري ملك مصر إلى جزيرة كمران لمطاردة البرتغاليين في البحر الأحمر ولما نزلت بالجزيرة المذكورة طالبت السلطان عامر بن عبد الوهاب بمعاونتها على جهاد النصارى ولكن هذا أبى ومنع عنهم المِيْرة ولذلك خرج الأمير حسين الجركسي في نحو ألف مقاتل من رجاله من بندر اللحية وانضم إليه الفقيه المقبول بن أبي بكر الزَّيْلعي صاحب اللحية وكذلك قام بمعاونته الشريف عز الدين بن دُرَيْب صاحب صبيا وأتباعهما من العرب كما خرجت طائفة أخرى من الجراكسة واتجهت نحو عدن وكان رجالها مسلحين بالبنادق النارية التي لم تكن العرب تعرف عنها شيئاً في ذلك الوقت ـ كما أسلفنا ـ ولذلك ذعرت أمامها عساكر بني طاهر وانهزمت في جميع المعارك التي وقعت بينها وبين الجراكسة الذين احتلوا زبيد، ودخلها الأمير حسين الجركسي هو ورجاله وكان قد وعدهم بأن يعطي كل واحد منهم مائة أشرفي. ولما جمع المال الكثير طالبوه بالوفاء بما وعد ولكنه خاف منهم وخرج من زبيد إلى بندر البُقْعة وركب بعض الزَّوارق إلى زيلع ومنها رحل إلى بلاد الهند وخلف على عساكر مصر أميراً اسمه بَرْسَبَاي الذي تقدم بهم إلى مدينة تعز ودخلها وقاتل فيها السلطان عامراً الذي دافع دفاع الأبطال ولكنه انهزم شر هزيمة بعد أن قتل أخوه عبد الملك وسار إلى صنعاء وقتل خارجها.
وسار الأمير برسباي بعد ذلك نحو رداع واستولى على مدينة المقرانة وعثر بها على أموال كثيرة، ثم تقدم نحو بلاد آل عمار ولكنه قتل بها. وعندئذٍ ولى الجراكسة عليهم واحداً منهم اسمه الإسكندر تقدم بهم إلى صنعاء، فدخلوها واستولوا على جميع ما فيها من أموال وانتهكوا الحرمات وسفكوا الدماء، وفي خلال تلك الأيام تقدم الإمام المتوكل على الله شرف الدين نحو حصن ثلا فأخذه من يد عامل السلطان عامر.
ولما علمت الجراكسة بذلك الأمر أرسلوا طائفة من رجالهم من صنعاء لقتاله وبينما كانوا يقومون بحصار ثلا وصلهم خبر دخول السلطان العثماني سليم بن بايزيد في أرض مصر ومقتل السلطان الغوري فسقطت في أيديهم وبادر أميرهم الإسكندر إلى جمع الناس بجامع صنعاء وأخبرهم بانتمائه إلى الدولة العثمانية، وإنما فعل ذلك مخافة أن يتخطفه الناس هو ورجاله ثم سار إلى زبيد ومعه الأموال التي كان قد جمعها وأقام بها حتى مات وتولى بعده أمر الجراكسة بزبيد الأمير أحمد الناخوذة وقد قتله الأتراك عند دخولهم بلاد اليمن أما بقية الجنود الجراكسة فقد انضموا إلى الأتراك.
وأما الطائفة التي كانت قد خرجت من صنعاء لقتال الإمام شرف الدين في ثلا فإنها عادت إلى صنعاء وزحف بعضها إلى بلاد بني بهلول ولكنها عادت مهزومة وثار عليها أهل صنعاء واضطروها إلى التحصن والاعتصام بالقصر وعندما رأى أهل صنعاء ذلك كاتبوا الإمام شرف الدين فبادر بالحضور إلى صنعاء على رأس بعض القبائل اليمنية وحاصر الجراكسة حتى خرجوا صلحاً إلى زبيد وفتحت اليمن أبوابها للإمام شرف الدين وولده المطهر. وقد ابتهجت صنعاء وأهلها بدخول الإمام شرف الدين بعد تلك الكوارث وأنشأ الشعراء في تهنئة الإمام القصائد البليغة.
من تاريخ اليمن الحديث
بويع الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين يوم الجمعة 20 ذي الحجة 1322هـ (1905م) وقد استطاع أن يفرض حصاراً شديداً على صنعاء، فاستسلمت له في العام التالي.
ولم يتمكن الوالي الجديد أحمد فيضي باشا من إصلاح الأمور فعزل وعين خلفاً له حسن تحسين باشا (عزل 1328: 1910م) ثم كامل بك متصرف تعز لثلاثة أشهر.
ولم يوفق محمد علي باشا في عمله فعين عزت باشا والياً، فاستطاع أن يعقد صلحاً مع الإمام يحيى في ذي القعدة سنة 1329 (1911م). وتتألف شروط الصلح من عشرين مادة نظمت العلاقات بين الإمام والسلطات العثمانية. اعترفت الحكومة العثمانية بموجبها بالإمام رئيساً للمذهب الزيدي وأعطته حق تعيين القضاة الزيديين بموافقة السلطان. وكان خلف عزت باشا الوالي محمود نديم بك (1331/ 1913، 1337/ 1918) آخر الولاة العثمانيين في اليمن. ودخل الإمام يحيى صنعاء في صفر 1337/ 1918 وأعلن نفسه حاكماً مستقلاً على اليمن.
وما أن أصبح الإمام سيد نفسه حتى وجد نفسه محاطاً بالمتاعب. فقد عاداه جميع جيرانه: الإدريسي في عسير والسعودي في نجد والانجليز في عدن.
وقذف الأسطول البريطاني الحديدة في 30 تشرين الأول 1918 واحتلها. وأرسلت بريطانيا في آب 1919 بعثة برئاسة الكولونيل جاكوب فأسرها عرب الصحراء ومنعوها من الوصول إلى صنعاء وأعادوها إلى الحديدة. وحاول الإمام بدوره مصافاة بريطانيا فأرسل القاضي عبد الله العرشي مندوباً له مقيماً في عدن. ولكن فوجئ الإمام في آخر كانون الثاني 1920 بتسليم الحديدة لخصمه السيد الإدريسي. فثار الإمام لهذا العمل واستدعى العرشي من عدن وشنَّ هجوماً على بعض المحميات كالضالع والشعيب والقطبي وغيرها واحتل البيضاء وأوفدت بريطانيا السير جلبرت كلايتون إلى صنعاء في العام التالي (1340/ 1921) لمباحثة الإمام إلا أنه لم ينجح في مهمته. وقام كلايتون بزيارة ثانية لصنعاء في 24 كانون الثاني 1925 واستمرت مفاوضاته مع الإمام قرابة الشهر دون أن تؤدي هذه المفاوضات إلى نتيجة مرضية. وشنّت قوات الإمام حملات جديدة على المحميات ولجأ بعض الشيوخ إلى عدن. وقامت الطائرات البريطانية بغارات على مدن اليمن في أيلول 1927 وتموز 1928. وجرت محاولة أخرى في أيلول 1928 لتسوية العلاقات بين الإمام وبريطانيا وتم وضع صيغة لمعاهدة بين الطرفين في تشرين أول 1931 إلا أن بريطانيا لم توقعها إلا بعد ثلاثة أعوام في صنعاء في 26 شوال 1352/ 11 شباط 1934 وتبودلت وثائق الإبرام في الرابع من أيلول. ونصت مواد المعاهدة السبع على اعتراف بريطانيا بالإمام يحيى ملكاً مستقلاً على اليمن وتعهد الفريقان باتباع سياسة صداقة وحسن جوار وتخطيط الحدود وتسوية المشاكل بالمفاوضات. وعقدت معاهدة جديدة بين الطرفين عام 1951 دون أن تؤدي إلى حل الخلاف على الحدود.
وكانت علاقات الإمام مع الدول الأجنبية الأخرى أكثر صفاءً من علاقاته مع بريطانيا. فقد سبقت اليمن جميع أقطار العالم العربي إلى توقيع معاهدة مع الاتحاد السوفياتي في 17 جمادى الأولى 1347/ 1 تشرين الثاني 1928. وتجددت العلاقات مع الاتحاد السوفياتي فعقد الإمام معه معاهدة صداقة في 15 ربيع الأول 1375/ 31 تشرين الأول 1955 ومعاهدة تجارية في العام التالي. وكان الإمام قد عقد في 15 ذي القعدة 1351/ 12 آذار 1933 معاهدة تجارية مع هولندا تعهد بموجبها الطرفان «بمعاملة رعايا وسفن ومنتجات بعضهما البعض معاملة الدول الأكثر رعاية» وعقد معاهدة مماثلة مع بلجيكا في 23 رمضان 1355/ 7 كانون الأول 1936 ومع أثيوبيا (الحبشة) 17 ذي الحجة 1352/ 22 آذار 1935 ومع فرنسا في 3 صفر 1355/ 25 نيسان 1936.
وسعت فرنسا إلى توثيق علاقاتها مع الإمام فأوفدت عام 1342/ 1923 بعثة تسعى لنيل امتياز بمد خط حديدي بين صنعاء والحديدة. ودخل الإمام في علاقات ودية مع الجمهورية التركية أوائل 1345/ 1927 فأرسل أحمد أفندي الإنسي ممثلاً له في تركيا كما وصل اليمن محمد نديم بك (آخر الولاة العثمانيين في اليمن) ممثلاً لتركيا الجديدة. ولم تقم علاقات بين الإمام والولايات المتحدة الأمريكية إلا عام 1365/ 1946 حينما عقدت معاهدة تجارية بين البلدين. واعتبر النص العربي هو النص المعتمد في جميع هذه المعاهدات.
وكانت إيطاليا أكثر الدول اهتماماً باليمن وغدت أوثقها علاقة بالإمام. فقد وصل صنعاء عام 1345/ 1927 السنيور غاسباريني حاكم أرتريا الإيطالي وعقد معاهدة مدتها عشر سنوات اعترفت فيها إيطاليا باستقلال اليمن وأعرب فيها الإمام عن رغبته باستيراد الآلات من إيطاليا. وقام ولي العهد سيف الإسلام أحمد بزيارة رسمية لإيطاليا في العام نفسه. وجددت المعاهدة الإيطالية عام 1936 وقدمت إيطاليا لليمن بعض الأسلحة والطائرات.
وسعى الإمام إلى توسيع مملكته فأرسل قواته لاحتلال مناطق غير زيدية واحتلت قوات الإمام مأرب ونجران وتوغلت في عسير واحتلت الحديدة وبعض تهامة. وسبب هذا التوسع خلافاً مع سلطان نجد الذي كان يتوسع بدوره في نفس الاتجاه. وفشلت الجهود للوصول إلى حل الخلاف الوهابي ـ الزيدي فنشب القتال بين الفريقين ثم انتهى الأمر بعقد معاهدة الطائف في العشرين من أيار 1934. وكانت هذه المعاهدة معاهدة أخوة لا معاهدة فرضها المنتصر على المهزوم. وانضم الإمام في نيسان 1936 إلى معاهدة الأخوة العربية بين السعودية والعراق وأرسل ابنه إلى لندن في المباحثات حول القضية الفلسطينية.
وازدادت علاقات اليمن مع العالم العربي والعالم الخارجي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد اشترك في مباحثات الوحدة العربية التي بدأها النحاس باشا ووقع على ميثاق الجامعة العربية عام 1945. وأصبح اليمن عضواً في هيئة الأمم المتحدة في أيلول 1947. ودخل اليمن في الثامن من آذار 1958 في اتحاد فدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة.
وازدادت المعارضة في داخل اليمن على طريقة الإمام في الحكم. ووصل عدن في منتصف أيار 1944 عدد من اللاجئين السياسيين اليمنيين الذين شكلوا جماعة الأحرار اليمنيين وأصدروا جريدة فتاة الجزيرة. وازداد نشاطهم في العام التالي بعد أن انضم إليهم ابن الإمام الأمير سيف الإسلام إبراهيم. وقام ولي العهد في نيسان 1946 بزيارة إلى عدن مؤملاً إقناع حكومتها بكبح هذه الحركة. ولكن فشلت هذه المساعي. وتوحدت الهيئات اليمانية المناوئة لحكم الإمام وشكلت الجامعة اليمنية الكبرى وأصدرت جريدة صوت اليمن. وقامت مؤامرة في صنعاء أدت إلى مقتل الإمام يحيى ووزيره وحفيده واثنين من أولاده يوم الثلاثاء السابع عشر من شباط 1948، وبويع في اليوم التالي عبد الله الوزير إماماً وأبلغت الجامعة العربية والملك السعودي بذلك.
وكان ولي العهد أحمد عند مقتل أبيه مقيماً في (تعز) فاستعد أولاً لحماية تعز ثم تركها ومعه قوة محدودة على عدة سيارات عن طريق حبس فزبيد فبيت الفقيه فالحديدة، فكان يتوقف في كل مكان ريثما يكسب به الموقف ويفرض شخصيته القوية ويستثير عواطف الناس لمقتل أبيه حتى بلغ الحديدة، على أنه كان قد أبرق إلى عبد الله الوزير يحثه على حفظ الأمن في صنعاء، ثم غادر الحديدة متجهاً إلى صنعاء فلما وصل إلى (باجل) تلقى جواب الوزير بهذا النص:
من أمير المؤمنين الهادي عبد الله الوزير إلى الأخ سيف الإسلام أحمد حفظه الله، نعزيكم وأنفسنا بوفاة والدكم الإمام يحيى رحمه الله وعلى أثر وفاته أجمع ذوو الحل والعقد على اختيارنا للإمامة وكلفونا بالقيام بها فلم يسعنا نظراً إلى الموقف إلا الإجابة مكلفين غير مختارين، فليكن منكم الدخول فيما دخل فيه الناس ولكم لدينا المكانة والاحترام والسلام.
فكان جواب أحمد أن أعلن نفسه إماماً في باجل، وبث هذا الإعلان ببرقيات ورسائل وتلقب بالمؤيد بالله الناصر، وأجاب عبد الله الوزير بالبرقية التالية:
من أمير المؤمنين المؤيد بالله الناصر أحمد ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى ابن أمير المؤمنين المنصور بالله محمد بن يحيى ابن رسول الله إلى الناكث الذليل الحقير عبد الله وزير لقد ركبت مركباً صعباً عن طريق الغدر والخيانة وإنك ستسقط إلى الهاوية في القريب ذليلاً حقيراً وإني زاحف إليك بأنصار الله الذين سترى نفسك تحت ضرباتهم معفراً فريداً ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله والعاقبة للمتقين والله المستعان.
ثم أرسل رسله ورسائله وبرقياته إلى العشائر والأعيان يعلن إمامته ويستصرخ الدين والغيرة للأخذ بثأر الإمام يحيى مهولاً الحادثة وأنها فاقرة في الإسلام وأن الوزير تآمر مع النصارى والكفار على قتل الإمام وبيع اليمن إلى النصارى.
ثم توجه نحو (حجة) وكان وهو بالحديدة أرسل إلى الملك السعودي عبد العزيز رسالة يعلمه بالحادث وأن خطورته لا تقف عند اليمن لأن الثورة ومقتل أبيه الإمام يحيى وليدا حركة من يسمون أنفسهم بالأحرار والإخوان المسلمين، وكلاهما خطر على العروش والأسر والملوك وعلى الدين، طالباً من عبد العزيز أن يتناسى ما كان بينهما من خلاف فاليوم غير الأمس، وأنه سيكون له ابنا إذا رضي أن يكون له أباً مستمداً منه النجدة والمؤازرة.
وأرسلت رسالة أحمد من الحديدة على سيارة إلى (جيزان) مرفقة بكتاب من حسين الحلالي أمير الحديدة إلى أمير جيزان وأخرى إلى عبد العزيز. وقد ارسلت رسالة الأمير أحمد وكتاب الحلالي من جيزان إلى الرياض باللاسلكي. فقام عبد العزيز وقعد وأمر أمير جيزان بأن ينجد الأمير أحمد بكل ما يطلب، فلم يصل أحمد إلى (حجة) ويستقر بها حتى كان أمير جيزان قد أرسل إليه أوائل النجدة ذخيرة ومالاً وجهاز لاسلكي، مصحوب ذلك برسالة من عبد العزيز معلماً إياه بالمؤازرة حاثاً إياه على خوض المعركة باستبسال، واعداً بالمساعدة حتى آخر نفس وريال.
وعمد إمام الثورة عبد الله الوزير إلى إرسال حملتين عسكريتين لصد تقدم الأمير أحمد، إحداهما إلى عمران حجة والثانية إلى شبام حجة، ففشلت الحملتان فشلاً ذريعاً مما قوى موقع أحمد وجعل منه الحاكم الفعلي لقبائل الشمال والشرق والغرب، وقوّى شك القبائل اليمنية الأخرى في الثورة والإمام الوزير، وراح معظم أعيان القبائل الجنوبية يتصلون بأحمد ويتقربون إليه ما عدا قبائل رداع ومراد والبيضاء وأصبحت صنعاء في نهاية الأسبوع الثاني للثورة في موقف تكاد فيه أن تنقطع صلتها بالقسم الجنوبي والغربي، وأمام زحف يهددها من الشمال ومن خولان([251]).
ويصف عبد الله المجاهد الشماهي صاحب كتاب (اليمن، الإنسان والحضارة) أن من في صنعاء كانوا في شاغل عن ذلك قائلاً فيما قال: «إن الانتصارات المبكرة والتأييد الشامل المبكر حجب عن قادة الثورة ذلك الخطر».
ويقول أيضاً: «طغت في الأسبوع الأول والثاني للثورة موجة التزاحم على المناصب والكراسي والوظائف والمكاسب تزاحماً اكتسح التفكير والخطط التي كان ينبغي أن تتخذ لحماية الثورة من الأخطار المحدقة بها فإذا بصنعاء ودار ضيافتها بابل الثانية تتبلبل فيها ألسن المطامع المستغلة والبلاهة الثورية والمكايد المندسة وسمومها».
ويقول: «أصبحت صنعاء ولم يمض على عمر الثورة إلا أسبوعان في أمر مريج من داخلها ومعرضة لحصار خانق من خارجها».
ويقول: «فلم يكن أمام الشباب وطبقة المنتسبين إلى الثقافة والسياسة إلا إرسال سيول من البرقيات وكتلات من الرسائل إلى الإمام الوزير ومجلس الوزراء في صنعاء يطالبون فيها بإقامة المشاريع والمساواة في الوظائف وإصلاح جهاز الحكم إلى ما هناك من مطالب قد فات أوانها ونسف الموقف الحربي في الشمال بنيانها».
وبينما كان (الإمام) أحمد (وسنطلق عليه لقب الإمام لأنه كان قد أعلن إمامته كما تقدم) ـ بينما كان يدير أموره ويعد العدة للوصول إلى صنعاء، كان انقلاب داخل قصر غمدان على الثورة يعده أولاد الإمام يحيى المحجوزون في مكان مستقل في القصر، فاستطاعوا الاتصال بأنصارهم في صنعاء وفي القصر نفسه وبأخيهم الإمام أحمد والنجاح في السيطرة على القصر الذي كان فيه إمام الثورة عبد الله الوزير فطلب الامان واستسلم لهم مع رفاقه فأودعوا السجن. وتقدمت القبائل المحاصرة لصنعاء فدخلتها وأباحتها نهباً. وسيق زعماء الثورة ورجالها إلى حجة فأعدم منهم فيها عشرون منهم إمام الثورة عبد الله الوزير، وتسعة في صنعاء وتعز.
وهكذا قضي على هذه الحركة وأصبح سيف الإسلام أحمد إماماً بلا منازع.
وقام سيف الإسلام عبد الله على أخيه أحمد سنة 1945 وأجبره على التنازل، ثم نجح أحمد باستعادة ملكه للمرة الثانية.
أما في اليمن الجنوبي فقد تطورت الأمور تطورات مصيرية فمن اتحاد بين سلطناته إلى ثورة مسلحة إلى استقلال خرج فيه آخر جندي بريطاني منه في 30 تشرين الثاني سنة 1967 وظهرت به دولة جديدة مستقلة استطاعت أن تضم الأقسام الإدارية المكونة لأقسامه في دولة مركزية واحدة بدلاً من السلطنات والمشيخات المنفصلة بعضها عن بعض، وبدأت في تطوير المؤسسات الحكومية وأنشأت مؤسساتها الخاصة المدنية والعسكرية وأقامت علاقات دبلوماسية على النطاق العالمي.
وبدأ التفكير بتوحيد شطري اليمن: الشمالي والجنوبي، فطوراً يتقارب الرأي، وطوراً يتباعد إلى حد الحرب بين الشطرين.
وفي 20/2/1972م سقطت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استدرج الجنوب عدداً كبيراً من مشايخ الشمال وقضى عليهم في مأدبة غداء على طريقة (محمد علي والمماليك) مع الفارق تكنولوجياً. ومنذ ذلك اليوم بدأت طبول الحرب تدق في الشمال واستمر التصعيد بين الشطرين حتى بلغ ذروته يوم 27 أيلول/ سبتمبر 1972م، عندما عبرت القوات الشمالية التي كان أغلبها إن لم تكن كلها من الجيش الشعبي «القبائل» خط الحدود بين الشطرين.
لقد كان للقيادة تحفظات كثيرة على الحرب، ولم تشترك قوات الشمال النظامية في هذه الحرب بصورة فعالة إلا عندما قامت بإخراج القوات الجنوبية من مدينة قعطبة والاستيلاء على جزيرة كمران. وتجدر الإشارة إلى أن القوات الشمالية قد عجزت عن تحقيق أي هدف عسكري مرسوم لها، ولذلك فإنه بينما كانت جامعة الدول العربية تبذل مساعيها لإيقاف الحرب جرت مكالمة هاتفية بين رئيسي وزراء الشطرين اتفق خلالها على وقف إطلاق النار تحت إشراف الدول العربية والالتقاء في القاهرة يوم 21 تشرين الأول 1972 لبحث سبل تحقيق الوحدة بين الشطرين.
وفجأة بعثت الوحدة اليمنية على المستوى الرسمي من بين دخان الرصاص ودوي المدافع، عندما وقع الشطران على اتفاقية القاهرة يوم 28 تشرين الأول 1972م وبيان طرابلس يوم 28 تشرين الثاني 1972م.
وجاء بيان طرابلس بين الشطرين في 28 تشرين الثاني 1972 ينص على «إقامة دولة واحدة في اليمن، عاصمتها صنعاء، وتهدف الدولة إلى تحقيق الاشتراكية مستلهمة من التراث العربي الإسلامي، وإقامة تنظيم سياسي موحد يضم كافة فئات الشعب المنتجة صاحبة المصلحة في الثورة للعمل ضد التخلف وميراث العهدين الإمامي والاستعماري».
صدام 1979
وبيان قمة الكويت
ولكن حادثة الاقتتال بين الشطرين تكررت في شباط 1979م ولم تحقق أية فوائد تذكر للطرفين بقدر ما عمقت العداء بين أجهزة السلطتين، وعقدت أكثر فأكثر عملية التواصل الشعبي بين أبناء الشعب اليمني، وظهرت مجموعة من الإجراءات غير القانونية والشرعية للحد من عملية التواصل الطبيعي بين الشطرين.
وجاء بعد ذلك اجتماع الشطرين في الكويت (آذار 1979) والذي تمخض عنه وقف الاقتتال بين الشطرين والعودة إلى مشروع الوحدة اليمنية حيث نص البيان على: «قيام اللجنة الدستورية بصياغة دستور دولة الوحدة خلال فترة أربعة أشهر».
وبصدام العام 1979 سقطت مقولة تحقيق وحدة الأرض والشعب اليمني بواسطة الحرب، وظهرت مقولة تحقيق وحدة الأرض والشعب بالطرق السلمية والديمقراطية.
لقد تمخضت الأعوام من 1980 ـ 1986 عن التقاء رئيسي الشطرين في عاصمتي اليمن (صنعاء وعدن) وتم بحث سبل تحقيق الوحدة اليمنية، إلا أنه لا يمكن ذكر شيء ملموس في هذا الطريق أكثر من «إنشاء المجلس اليمني الاعلى بقيادة رئيس الشطرين وشركات النقل البري بين الشطرين واتفاق بانتقال المواطنين بين الشطرين بحرّية».
إلا أن هذه الاجتماعات الدورية بين رئيسي الشطرين وسكرتارية المجلس اليمني الأعلى كانت صمام أمان في عودة الحروب من جديد بين الشطرين.
لكن أحداث 13 يناير في عدن جاءت لتضع حداً لكل ما تم الاتفاق عليه، وفي بداية الامر لم تعترف حكومة صنعاء بالحكومة الجديدة في عدن التي جاءت في أعقاب الأحداث برئاسة حيدر أبو بكر العطاس، بل احتضنت صنعاء علي ناصر محمد وعينته رئيساً شرعياً لليمن الديمقراطي يمارس سلطته من داخل صنعاء فأوجدت له إذاعة خاصة موجهة للجنوب، وصحيفة أسبوعية «كفاح الشعب» وأتاحت له حرية إصدار القرارات الإعلامية والصحفية الموجهة ضد عدن وحكامها، بل واستقبلت صنعاء كل النازحين من الجنوب وتبرر صنعاء ذلك «بأنهم ينتقلون بحرية بين أرجاء وطنهم الواحد» وازدادت بذلك مجموعة علي ناصر محمد لتصل إلى ما يقارب 30,000 ثلاثين ألف شخص، وفي العام 1987م رأت قيادة الشطر الشمالي من اليمن أن الفرصة مناسبة لطرح قضية إعادة الوحدة اليمنية على بساط بحث القضايا المركزية بين الشطرين، وأنه يمكن احتواء النظام في الجنوب لتقديرات سياسية نشأت عن معلومات جديدة وفرتها مجموعة علي ناصر محمد وحسابات دول خارجية أخرى مفادها أن النظام في الجنوب يعيش بمعزل عن الشعب وأنه لا يوجد إجماع حزبي داخلي ووجود تناقضات داخل الحزب الحاكم «الحزب الاشتراكي» وأن هذين السببين هما لصالح النظام في الشمال الذي يقوده علي عبد الله صالح، وكفيلان بالسيطرة الكاملة على اليمن وتكوين دولة مركزية واحدة يذوّبان الحزب الاشتراكي في المجتمع ككل بعد فترة من الزمن، وقد طرحت القيادة السياسية في الشمال ثلاثة مخارج لحل المشكلة هي:
1 ـ الوحدة الفورية دون شرط.
2 ـ الانفصال النهائي والاعتراف بوجود دولتين لشعب واحد.
3 ـ الحرب بين الشطرين.
وقد تعدلت هذه الصيغة في المشروع الذي حمله يحيى حسين العرشي وزير الدولة لشؤون الوحدة اليمنية في الشطر الشمالي إلى عدن في حزيران 1987 والذي حاول فقط أن يترجم الوحدة الفورية بفترة زمنية لا تزيد عن ثلاثة أشهر، تبدأ بإنزال الدستور ومناقشته وإقراره من قبل القيادتين، وتكوين المؤسسات الدستورية الوحدوية تمهيداً لإعلان دولة الوحدة اليمنية في 26 أيلول 1987.
ولكن الأيام مرت، وشيء من ذلك لم يتحقق في ذلك التاريخ. ولكن الوحدة قامت بعد ذلك وتم توحيد الشطرين على أنه لم يكن لليمن الجنوبي تاريخ مستقل عن اليمن الشمالي قبل القرن (التاسع عشر) إلا خلال فترات قصيرة من تاريخها السابق. فقد قامت دولة آل معن (412/ 1021/ 460 ـ 1068) الذين حكموا عدن ولحج وحضرموت وأعمالها إلى أن أخرجهم منها المكرم الصليحي. وقامت بعدهم في عدن دولة بني زريع الشيعية (467/ 1070 ـ 569/ 1173) التي قضى عليها الأيوبيون.
واتبعت عدن بعد ذلك إلى الأيوبيين (569/ 1173 ـ 625/ 1228) وبني رسول (626/ 1228 ـ 858/ 1453) إلى أن أقامت فيها دولة بني طاهر (858/ 1454 ـ 945/ 1538). وخضعت عدن بعد ذلك للولاة العثمانيين.
واستطاع أهل هذه المنطقة، رغم كونهم يمنيين، أن يبقوا أنفسهم مستقلين عن زيدية اليمن محافظين على سنيتهم الشافعية. وكانت دولة بني طاهر دولة شافعية وعلى نزاع مستمر مع الإمام الزيدي.
وتعرضت عدن لخطر البرتغاليين. وصد الطاهريون محاولات برتغالية ضد عدن (916/ 1510 ـ 920/ 1514) وساعدوا الحملة المصرية التي مرت بعدن عام 913/ 1507 في طريقها لحرب البرتغاليين. ولكن المصريين عادوا عام 922/ 1516 يحاولون احتلال عدن ففشلوا كما فشلت محاولة زيدية ضد عدن عام 942/ 1535. وأخيراً استطاع الأسطول العثماني انتزاع عدن والقضاء على الطاهريين عام 945/ 1538. وثار علي بن سليمان البدري وسيطر على عدن إلى أن قضى عليه العثمانيون عام 954/ 1547. وازداد نفوذ يافع حول عدن أوائل القرن 11/17. وقاوم اليوافع النفوذ الزيدي وأبعدوه عن عدن وساهموا في إجلائه عن حضرموت وأسسوا فيها الدولة القعيطية اليافعية.
وأعلن الشيخ الفضل العبدلي استقلاله في منطقة عدن عام 1145/ 1728 ملقباً نفسه بالسلطان. وخلفه ابنه عبد الكريم (1155/ 1744 ـ 1180/ 1766) ثم حفيده عبد الهادي (1194/ 1780). ونازع عبد الهادي الحكم عمه محسن. وانتقل الحكم إلى فضل بن عبد الكريم (م 1207/ 1792) ثم إلى أحمد بن عبد الكريم (م 1243/ 1827). وتم في عهد الأخير عقد المعاهدة البريطانية الأولى.
وكان الاهتمام البريطاني بعدن قد بدأ قبل ذلك بقرنين. وترددت السفن البريطانية على عدن بين عامي 1021/ 1612 ـ 1027/ 1617. واحتلت بريطانيا جزيرة ميون (بريم) عام 1214/ 1799 ثم أخلتها لقلة الماء.
ولم يبدأ الاهتمام البريطاني الفعال بعدن والمحميات إلا بعد عام 1217/ 1802. فقد عقدت بريطانيا معاهدة مع السلطان أحمد بن عبد الكريم سلطان لحج في جمادى الأولى 1217/ 6 أيلول 1802 وتطورت الأمور بعد ذلك إلى ما تطورت إليه من سيطرة الإنكليز على عدن وما يحيط بها.
وفي اليمن الشمالي استمر الإمام أحمد في الحكم حتى وفاته.
وبعد وفاته تسلم الحكم ولده محمد البدر، فلم يلبث أن قام عليه انقلاب عسكري، فدارت في اليمن رحى حرب أهلية، إذ ناصرت القبائل محمداً البدر فأرسل المصريون حملة عسكرية لمناصرة الانقلابيين فطال الأمر ولم ينجح المصريون في حملتهم وتعقدت الأمور إلى أن تم التوافق بعد ذلك على قيام حكم جمهوري. ثم أعلنت في 23 أيار سنة 1990 الوحدة بين اليمنين الشمالي والجنوبي باسم الجمهورية اليمنية على أن تكون صنعاء العاصمة السياسية وعدن العاصمة الاقتصادية، وأخذت الجمهورية تشق طريقها في التقدم الحضاري والحياة الديمقراطية.
ولكن الوحدة أخذت في سنة 1994 تتعثر ووقعت اغتيالات سياسية، وصدامات عسكرية بين قوى الشمال وقوى الجنوب. وأدى الأمر في اليوم الخامس من أيار إلى أن يغير طيران الجنوب على صنعاء وأن تقوم الحرب بين الشمال والجنوب وتستمر المعارك بأهوالها حتى الثامن من تموز حيث أعلن توقف القتال بعد سقوط عدن والمكلا بيد الشماليين ولجوء زعماء الجنوب إلى عُمان والحجاز وجيبوتي فتوطدت الوحدة بين اليمنين.
كان عدد سكان الجنوب سنة 1967 حوالي مليون ونصف المليون، وعدد سكان الشمال أقل من خمسة ملايين، وفي سنة 1990 أصبح سكان الجنوب أقل من ثلاثة ملايين بينما تجاوز عدد سكان الشمال الأحد عشر مليوناً. وفي شباط سنة 1996 أعلن في صنعاء أن تعداد سكان اليمن يصل إلى 18,6 مليون نسمة. وبلغ معدل النمو السكاني 3,5 في المئة سنوياً وأن أكثر من 50 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة، ما يزيد الطلب على خدمات التعليم والصحة.
وأن 86 في المئة من سكان اليمن يعيشون في الريف ولا يزال ثلثا السكان يعيشون في تجمعات تقل عن 500 نسمة. وأشارت الإحصاءات إلى أن عدد الطلاب والطالبات في المراحل التعليمية ارتفع من 2,3 مليون طالب عام 1990 إلى نحو أربعة ملايين عام 2000 لكن الدولة لم تستطع تأمين متطلبات العملية التعليمية.
وتقدر نسبة الأمية في اليمن بحوالي 56 في المئة منها 76 في المئة في أوساط الإناث و 24 في المئة في أوساط الذكور ولا يزيد تعداد الملتحقين في برامج محو الأمية عن 50 ألف شخص في السنة الدراسية الحالية.
السكان يتضاعفون
حذر رئيس الوزراء اليمني من انفجار سكاني يواجهه اليمن ويضع عوائق عدة ويؤثر في جهود التنمية ويلتهم كل الموارد.
وقال في افتتاح الملتقى التشاوري لقادة الرأي وعلماء الدين البرلمانيين والإعلاميين في شأن دعم السياسات السكانية، إن المؤشرات الإحصائية تشير إلى وجود 37,5 ألف قرية و105 آلاف نقطة تجمع سكاني في اليمن مترامية الأطراف، وإن سكان الريف يمثلون 75 في المئة من إجمالي السكان.
وأوضح الأرياني أن الأمية في اليمن تبلغ في المتوسط 53 في المئة وترتفع عند الإناث إلى 73 في المئة، وأن 50 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة.
ويهدف الملتقى، الذي ينظمه المجلس الوطني للسكان، إلى تعميق قناعات قادة الرأي في اليمن بخطورة التزايد السكاني وضرورة تنظيم الأسرة.
وتحدث في الملتقى وزير التخطيط والتنمية قائلاً: إن النمو السكاني في اليمن يقدر بنسبة 3,7 في المئة سنوياً، وهي من أعلى النسب في العالم. وأضاف أن سكان اليمن يتضاعفون كل 18,7 سنة وأن عددهم حالياً يبلغ 17,7 مليون نسمة، وسيرتفعون في السنة 2017 إلى 35 مليون نسمة.
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن اليمن من بين البلدان الأعلى خصوبة في العالم، إذ يبلغ المعدل 7,6 طفل لكل امرأة. وقال تقرير التنمية البشرية لعام 1998 إن معدل استخدام وسائل منع الحمل في اليمن لا يتجاوز ستة في المئة. وتأمل السياسة السكانية اليمنية إلى خفض معدل النمو السكاني في السنة 2006 إلى 2,6 في المئة من خلال برامج توعية وتثقيف تدعمها المنظمات الإقليمية والدول المانحة.
36 مليون نسمة
سكان اليمن سنة 2020
وجاء في دراسة حديثة أن عدد سكان اليمن ارتفع من 14,9 مليون نسمة عام 1994 إلى 18,5 مليون نسمة حالياً بمعدل نمو سنوي 3,5 في المئة وسيصل إلى 36 مليون نسمة سنة 2020.
وأوضحت دراسة أعدها المدير العام لتنمية الموارد البشرية في وزارة التخطيط والتنمية اليمنية عبد الله هزاع «أن السياسات السكانية التي انتهجتها الحكومة اليمنية في التسعينات أدت إلى خفض بسيط في معدل النمو وانخفاض معدل الخصوبة والوفيات لكن ذلك لم يؤثر على احتمال تضاعف السكان إلى 36 مليون نسمة سنة 2020».
ولاحظت الدراسة أن اليمن يواجه تحديات كبيرة بسبب تزايد السكان أهمها تراجع استهلاك الفرد من المياه إلى 100 متر مكعب سنوياً وعجز شبكة المياه العامة عن تغطية أكثر من 27 في المئة من حاجة السكان. وحذرت من مخاطر الزيادة السكانية على فرص التعليم الأساسي إذ يتعين على الدولة أن تؤمن مقاعد دراسية لـ 4,3 مليون تلميذ سنة 2010، ويعني ذلك التوسع في عدد الفصول الدراسية إلى 320 ألف فصل وزيادة عدد المدارس إلى 35 ألف مدرسة سنة 2020.
وأشارت الدراسة إلى أن الأعباء المالية المطلوبة لمواجهة ارتفاع أعداد الملتحقين بالتعليم الأساسي فقط تصل إلى 252 مليون دولار في السنوات الخمس المقبلة بمعدل 50,4 مليون دولار سنوياً من دون تكاليف الصيانة والتشغيل.
وشددت الدراسة على أن النمو السكاني سيؤدي إلى تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل بمعدل مليون شخص من خلال ارتفاع القوى العاملة من 4,6 مليون شخص سنة 2000 إلى 5,9 مليون شخص سنة 2005.
وقالت الدراسة إن شبكة الخدمات الصحية لا تغطي حالياً سوى 40 في المئة من السكان ولا تزيد حصة كل ألفي نسمة عن سرير واحد.
وكشف تقرير أولي عن نتانئج مسح لموازنة الأسرة في اليمن أن متوسط الإنفاق الشهري للأسرة العام الماضي بلغ 28138 ريالاً (نحو 188 دولاراً)، فيما بلغ متوسط إنفاق الفرد 3865 ريالاً (نحو 25 دولار).
وقال التقرير الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء إن نسبة الإنفاق على الغذاء بلغت 65 في المئة من إجمالي الإنفاق العام، حيث وصل إلى 18310 ريالات، فيما قدرت نسبة الإنفاق على السلع والخدمات غير الغذائية 35 في المئة.
ولاحظ التقرير تزايد الإنفاق في الحضر عن الريف بالنسبة للأسرة والفرد بسبب أنماط الاستهلاك، مشيراً إلى أن الأسرة في الريف تنفق على الغذاء ما نسبته 69 في المئة، ما يعني أن معظم السكان الذين يتمركزون في الريف يتعرضون للحرمان من مستويات الحياة المطلوبة في حدودها الدنيا. ووفقاً للتقرير فإن مجموعة الحبوب ومشتقاتها تحتل المركز الأول بين مجموعات السلع الغذائية بنسبة 24,2 في المئة وبمتوسط إنفاق شهري 4432 ريالاً للأسرة على مستوى الجمهورية.
ويحتل التبغ والقات المرتبة الثانية في السلع الغذائية بنسبة 17,3 في المئة، فيما تأتي اللحوم في المرتبة الثالثة بنسبة 11,3 في المئة.
وكان الإنفاق على المياه المعدنية والمشروبات الأدنى بنسبة 1,3 في المئة.
وفي الحضر يتصدر القات والتبغ المرتبة الأولى قبل الحبوب بنسبة 19,8 في المئة.
ولفت التقرير إلى أن الإنفاق على المسكن يتصدر مجموعة السلع والخدمات غير الغذائية بنسبة 17,24 في المئة تليه مجموعة مواد الوقود والإضاءة بنسبة 16,06 في المئة ثم مجموعة الإنفاق على النقل والاتصالات بنسبة 12,93 في المئة، في حين لم يتجاوز الإنفاق على السلع المعمرة للترفيه 0,76 في المئة. وأظهر التقرير أن الإنفاق على المسكن يرتفع في الحضر إلى 32,88 في المئة بينما يرتفع الإنفاق على الوقود والإضاءة في الريف إلى 20,03 في المئة.
وقال إن قوة العمل في اليمن تمثل 25 في المئة من إجمالي السكان في حين تبلغ نسبة المشتغلين 92,5 في المئة من قوة العمل. وأشار إلى أن نسبة قوة العمل في إجمالي القوة البشرية تظهر انخفاض نسبة السكان المنتجين والراغبين في العمل والباحثين عنه حيث يترتب على ذلك انخفاض نسبة السكان النشطين اقتصادياً إلى 39,7 في المئة، ما يرفع معدلات الإعالة في المجتمع.
الطباعة في اليمن
في القرن التاسع عشر الميلادي
كان الحجاز واليمن ولايتين عثمانيتين في فترة ظهور الطباعة فيهما، وكانت سيطرة العثمانيين على الحجاز ثابتة متواصلة دون انقطاع منذ حلولهم فيه في عام 923هـ = 1517م، في حين راوحت سيطرتهم على اليمن بين مد وجزر إلى أن تم لهم الاستيلاء عليه مرة ثانية في عام 1289هـ = 1872م عقب افتتاح قناة السويس عندما رغبت الدولة العثمانية في نشر نفوذها في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية للحد من النفوذ البريطاني فيها، ويشير أحد الباحثين إلى أن افتتاح القناة شجّع الدولة العثمانية على إعادة النظر في سياستها العربية بقصد تقوية نفوذها في الجزيرة العربية، فأرسل الباب العالي رؤوف باشا على رأس قوة حربية لضم اليمن إلى الدولة …، وكان وصول العثمانيين (إلى صنعاء) في السادس عشر من شهر صفر سنة 1289هـ، الموافق 26 أبريل سنة 1872م.
وكانت الأوضاع الثقافية والفكرية فيهما متفاوتة من حيث النشاط والقوة، ففي الحجاز كانت هناك حركة نشطة، تمثلت في وجود حلقات للدرس العلمي في المسجد الحرام، ومدارس نظامية رسمية أسسها العثمانيون، من بينها المدرسة الرشيدية، إضافة إلى مدارس وكتاتيب أهلية أسسها أشخاص من أبناء المنطقة، وظهر في الحجاز في الفترة المحددة لهذه الدراسة مجموعة من العلماء والأعلام الذين وضعوا مؤلفات في اللغة والدين والأدب، نشروا بعضها في مناطق مجاورة، وعلى وجه الخصوص في مصر.
أما اليمن، فكان الوضع الثقافي والفكري فيه متردياً بصفة عامة، كما يشير إلى ذلك عبد الواسع بن يحيى الواسعي بقوله: «في أيام الأتراك كانت المعارف والعلوم في غاية الانحطاط مع الفتن …». ومع ذلك لم يخل اليمن من أعلام من العلماء الذين أسهموا بتأليف كتب في معارف شتى، أدركوا الفترة التي تركز هذه الدراسة على موضوع الطباعة خلالها، من بينهم محمد ابن أحمد الأهدل (ت 1298هـ) ومحمد بن حسن فرج (ت 1306 هـ)، وأحمد بن محمد الجراخي (ت 1316هـ)، والحرزي صاحب رياض الصالحين.
أما فيما يخص موضوع هذه الدراسة، وهو ظهور الطباعة وتطورها في شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي: فإن المعلومات المدونة المتوافرة لا تزال غير وافية، ولا تقدم صورة واقعية عنها. ورغم الملاحظة السابقة، إلا أننا يمكن أن نؤكد على وجود معلومات كافية موجزة مفيدة عن الطباعة والنشر في المنطقتين المدروستين، من بينها ما كتبه الفيكونت فيليب دي طرازي، وخليل صابات، ومحمد ماهر حمادة، ودليل الصحافة. وفيما يخص اليمن تأتي دراسة عبد الله الزين على شيء من التفصيل والتوضيح الذي لا نجده في غيرها، أما الحجاز، فقد أورد معلومات طيبة عن وضع الطباعة فيه كل من رشدي ملحس، ومحمد الشامخ، وأحمد بن محمد الضبيب، ويحيى ساعاتي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تتبع وضع الطباعة في المنطقتين بشكل موحد، بحيث يتم التعرض لنشوء الطباعة فيهما، والحديث عن الوضع الإداري والفني الخاص بهما، وكذلك الإشارة إلى ما طبع فيهما بشيء من التفصيل، اعتماداً على الدراسات السابقة التي أشرت إلى أسماء مُعديها، وكذلك اعتماداً على الفهارس والببليوغرافيات التي ضمت إشارات عن بعض ما طبع فيهما، وبالاطلاع على بعض الأعمال المنشورة نفسها التي قدر لُمعد البحث الوقوف عليها مباشرة.
نشأة الطباعة وتطورها
يعود تاريخ ظهور الطباعة في شبه الجزيرة العربية إلى سبعينات القرن التاسع عشر الميلادي، عندما أسس العثمانيون مطبعة في صنعاء عقب استيلائهم على اليمن مرة ثانية في عام 1289هـ = 1872م. ورغم اتفاق المصادر على أسبقية ظهورها في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية إلا أننا نجد اختلافاً واضحاً بين الدارسين في تحديد تاريخ تأسيسها.
والمتداول بين أوائل الذين عرضوا لتاريخ هذه المطبعة وأقدمهم جرجي زيدان عند حديثه عن جريدة صنعاء أن تأسيسها كان عام 1877م.
ثم تلاه الفيكونت فيليب دي طرازي عند حديثه عن الجريدة نفسها، وربط الاثنان التاريخ بجريدة صنعاء دون أن يخصا به ظهور المطبعة في اليمن، ودون أن يوردا أية معلومات تتعلق بمطبوعات ظهرت في اليمن قبل عام 1877م = 1294هـ.
غير أن خليل صابات يُعد أول من نص صراحة على أن عام 1877م = 1294هـ هو العام الذي عرفت فيه اليمن بداية الطباعة بقوله: على الرغم من تأخر هذه البلاد ثقافياً واجتماعياً فقد عرفت الطباعة منذ سنة 1877م، أي قبل أن تعرفها العربية السعودية بحوالي خمس سنوات، وقد أمر بإنشاء أول مطبعة السلطان عبد الحميد الثاني في مدينة صنعاء عاصمة البلاد.
ويؤكد عليه أيضاً محمد الشامخ الذي يشير إلى أن شبه الجزيرة العربية «لم تعرف الطباعة إلا في عام 1877م، وذلك عندما أسست الحكومة العثمانية المطبعة الرسمية في صنعاء باليمن».
كما أن الشامخ يشير إلى ذلك التاريخ في كتاب آخر له موضحاً أن السلطات العثمانية أصدرت صحيفة صنعاء في عام 1877م.
ووردت إشارة إلى أن بدايتها في عام 1877م في موسوعة المكتبات والمعلومات. وسار على المنوال نفسه محمد ماهر حمادة الذي يقول: الأتراك هم الذين أدخلوا الطباعة إلى الجزيرة العربية. وأول قطر عربي في شبه الجزيرة تدخله الطباعة هو اليمن، وكانت متأخرة في جميع المرافق … وتكاد تكون الأمية تامة في البلاد، ومع ذلك أصدر السلطان عبد الحميد أوامره بتأسيس أول مطبعة في صنعاء سنة 1877م.
ويذهب بنا الظن أن القائلين بهذا الرأي اعتمدوا جميعهم على ما أورده جرجي زيدان وفيليب دي طرازي، عندما جعلا هذا التاريخ بداية لتأسيس جريدة صنعاء. وخالف ثلاثة من الباحثين الرأي السابق فذهبوا إلى أن جريدة صنعاء تأسست في عام 1297هـ = 1879م. أولهم أديب مروة، الذي يقول: «أما في اليمن فلم تصدر قبل الحرب العالمية الأولى سوى صحيفة واحدة هي جريدة صنعاء التي صدرت عام 1879م …». وتبعه محمد سعيد العامودي، الذي أورد التاريخ ذاته، ثم محمد بن ناصر بن عباس قائلاً: «أما في شبه الجزيرة العربية، فإن أول جريدة صدرت كانت جريدة صنعاء، وكان صدورها في عام 1297هـ = 1879م».
ولم نقف في المصادر التي اطلعنا عليها على معلومة تساند الأخذ بهذا التاريخ، ولا نعرف المصدر الذي اعتمد عليه في إثباته، إلا أن يكون ناتجاً لرؤية عدد أو أعداد من جريدة صنعاء يعود تاريخها إلى ذلك العام.
وهناك رأي انفرد به مصدر واحد، جعل بداية ظهور جريدة صنعاء في عام 1292هـ = 1875م، وهو رأي غير مقنع، نظراً لعدم وقوف هذا المصدر على الأعداد الأولى من جريدة صنعاء.
وذهب بعض الباحثين العرب، وأغلبهم من اليمنيين، إلى أن التاريخ الحقيقي لبداية ظهور الطباعة في اليمن هو عام 1872م = 1289هـ أي العام نفسه الذي عاد فيه العثمانيون إلى اليمن مرة أخرى. فيذكر أحدهم: «أن الأتراك بعد جلائهم من اليمن عام 1918م تركوا خلفهم مطبعة كانوا قد أدخلوها إلى اليمن عام 1872م، وهي المطبعة التي كانت تسمى مطبعة الولاية».
وثبت هذا التاريخ في مصدر آخر ورد فيه أن اليمن ومعها شبه الجزيرة العربية عرفت «أول مطبعة في صنعاء عام 1872م، أي قبل إنشاء مطبعة الحجاز بخمسة أعوام …».
ويشير إلى التاريخ نفسه أحد الباحثين اليمنيين قائلاً: «أدخلت أول مطبعة سنة 1872م في بداية العهد العثماني الثاني للاستخدام الرسمي، وكانت أول مطبعة تنشأ في الجزيرة العربية، وكانت مطبعة صنعاء …».
كما يرد هذا التحديد لبداية ظهور الطباعة في اليمن في الموسوعة اليمنية وفقاً للنص التالي: «لم تعرف اليمن الصحافة المطبوعة إلا عام 1872م حين حمل الأتراك في غزوتهم الثانية لليمن مطبعة الولاية، وهي أول مطبعة تعرفها الجزيرة العربية».
ووفقاً لما ورد في المصادر السابقة، فإن تاريخ ظهور الطباعة في شبه الجزيرة العربية يعود إلى عام 1872م، وهو تاريخ يخالف المتواتر في المصادر العربية والأجنبية الأخرى، التي جعلته في عام 1877م على وجه التحديد، مع وجود آراء تجعله عام 1879م، و1875م، والملاحظ أن التواريخ الثلاثة الأخيرة تربط ظهور المطبعة بظهور جريدة صنعاء.
وعلى خلاف مطبعة ولاية اليمن التي تضاربت الآراء حول تحديد تاريخ إنشائها فإن تاريخ إنشاء المطبعة الثانية في شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي جاء واضحاً ومُحدداً دون أدنى خلاف عليها، فحسب ما تورده المصادر العربية والأجنبية التي وقفنا عليها فإن عام 1300هـ هو العام الذي شهدت فيه مكة المكرمة تأسيس أول مطبعة فيها، ويقابل ذلك ميلادياً 1882م أو 1883م، ولعل الاختلاف في تحديد التاريخ الميلادي يعود إلى أن 1300هـ يقابل 2 نوفمبر 1883م، والملاحظ أن جل الباحثين العرب جعلوا الموافق لـ 1300هـ، هو (1883م) في حين جعلها بعضهم ومن بينهم دائرة معارف المكتبات والمعلومات موافقاً عام 1882م.
ونظراً لعدم تحديد الشهر الذي أنشئت فيه المطبعة، فإن كلا التاريخين الميلاديين يمكن الأخذ بهما.
أسباب ظهور الطباعة
في اليمن قبل الحجاز
ومن المرجح أن ظهور الطباعة في اليمن قبل الحجاز يعود إلى أسباب، منها:
1 ـ العزلة الجغرافية لليمن وبعد موقعه عن مركز الخلافة، مما تطلب من الدولة العثمانية المبادرة إلى إنشاء مطبعة فيه لخدمة أغراضها الرسمية بالدرجة الأولى، ويؤكد على هذه الحقيقة عدم قيام هذه المطبعة بطباعة أي كتاب عربي والاكتفاء بنشر الجريدة الرسمية والتقويم السنوي للولاية باللغة التركية.
2 ـ قرب الحجاز من مركز الخلافة، وسهولة اتصال أهله بالمناطق المجاورة التي كانت تضم مطابع متطورة قياساً بالمتوافر منها في ذلك الزمن، يدل على ذلك ما نجده من عناوين نشرت لأعلام من الحجاز في مطابع خارج شبه الجزيرة العربية.
مطبعة صنعاء:
تنسب بعض المصادر الفضل في إنشاء المطبعة التي أسسها العثمانيون في اليمن إلى السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909م)، وممن أشار إلى ذلك خليل صابات ومحمد ماهر حمادة، وقد عرفت هذه المطبعة باسم مطبعة صنعاء ومطبعة الولاية، أو مطبعة ولاية اليمن، ويتبين من طريقة الإشارة إلى مسمى هذه المطبعة كما وردت على سالنامات اليمن عدم الاستقرار على مسمى واحد لها، فقد أشير إليها تحت مسمى مطبعة صنعاء في الأعداد (3، 4، 5، 6، 7، و8) بينما ذكرت بمسمى مطبعة ولاية اليمن في العددين الأول والثاني، وبمسمى مطبعة الولاية في العدد التاسع.
وكانت مطبعة متواضعة جداً من الناحية الفنية، يدل على ذلك النمط الطباعي الذي جاءت عليه سالنامة اليمن المنشورة عام 1298هـ، فورقها خفيف الوزن يميل إلى الصفرة، لعله من أرخص أنواع الورق الذي كان يستخدم في تلك الفترة وما قبلها، وبمقارنته بورق الطباعة الذي طبعت عليه بعض الكتب في إستانبول في فترات سابقة مثل كتب متفرقة، أو مطبوعات البحرية، يلاحظ سوء نوعيته، كما أن طريقة الصف والبنط الطباعي يقدمان دليلاً على رداءة العمل الفني في هذه المطبعة، في حين أنه كان متقدماً في مناطق أخرى من الدولة العثمانية، حيث ظهرت كتب متقنة الصف، ذات أبناط طباعية جيدة، ووصفت هذه المطبعة بأنها «مطبعة هزيلة»، وأنها كانت «صغيرة يدوية، لا تطبع أكثر من صفحتين صغيرتين في حجم خمسين سنتيمتراً طولاً واثنين وثلاثين عرضاً، وحروف تجمع وترتب باليد عن طريق العمال».
وكانت تضم عند تأسيسها جهازاً إدارياً وفنياً يتكون من العثمانيين.
والمعتقد أن المسؤول عن المطبعة في عام 1881م كان حميد وهبي الذي كان بمنزلة رئيس تحرير لجريدة صنعاء، ومشرفاً على تحرير سالنامة اليمن في بداية ظهورها، ونستدل على ذلك مما ورد على غلاف العدد الأول من سالنامة اليمن الصادر عام 1881م، حيث ورد النص التالي «محرري صنعاء غزته سي محرري ويدنجي أردوي، وهمايون تحريرات باش كاتبي حميد وهبي».
المطبعة الميرية:
أما مطبعة ولاية الحجاز فيعود الفضل في إنشائها إلى الوالي العثماني الوزير عثمان نوري باشا الذي عرف بمشاريعه الإصلاحية في الحجاز. وقد بنى لها مقراً مستقلاً في مكة المكرمة، حدد الكردي موقعه خلاف الحميدية، التي كانت بمنزلة المركز الإداري لوالي الحجاز، وذكر باحث آخر أنها كانت تقع بجوار المالية سابقاً، ولا شك أن إيجاد مقر مستقل لها يدل على اهتمام وعناية فائقتين بها، وأنها كانت مطبعة متكاملة إدارياً وفنياً.
وعرفت هذه المطبعة باسم المطبعة الميرية، ويشار إليها بهذا الاسم في جميع الأعمال العربية التي طبعت فيها، كما أطلق عليها مسمى مطبعة ولاية الحجاز ومطبعة الولاية في السالنامات التي طبعت فيها، وكذلك المطبوعات التركية التي كانت تنشرها.
وكانت في بادئ أمرها يدوية، وصفها محمد سعيد عبد المقصود بأنها عبارة عن (مكنة بدال صغيرة)، وأضاف بأن الحكومة التركية قد زودتها في عام 1352هـ = 1884 أو 1885م بآلة طباعة متوسطة، من النوع المعروف في المطابع بالفرنساوي مقاس 82 في 57 سم، وبعدها بعدة سنوات استحضرت مكنة حجرية مقاس 50 و70. وقد أشار رشدي لحس في عام 1347هـ = 1928م إلى الإصلاح الذي أدخل على هذه المطبعة في عام 1302هـ، فقال بأنه قد جلبت لها حينئذٍ ماكنة كبيرة وأدوات أخرى.
وورد في العدد الثاني من سالنامة الحجاز حديث عن الوضع الفني الذي كانت عليه خلال السنوات الثلاث الأولى لقيامها، فذكر أنها كانت تضم آلة طبع وكمية من الحروف، واثنين من الموظفين. ونتيجة تراكم المؤلفات التي كانت ترسل إلى الخارج للطباعة، فقد زودت بآلة طبع ذات عجلة واحدة، أحضرت من فيينا مع كمية وافية من الحروف، وزودت بحروف ملائمة لطباعة الكتب الجاوية، كما طلب لها آلة طبع خاصة لطبع الرسائل المتنوعة المشكلة، ودرب أبناء البلد خلال هذه المدة القصيرة على تعلم صف الحروف وتجليد الكتب.
ويبدو من إشارات الباحثين الذين تعرضوا لوصف هذه المطبعة أنها حظيت بعناية طيبة من قبل الحكومة العثمانية بهدف تطويرها وجعلها مناسبة لطباعة الكتب العربية والتركية والجاوية.
وعمل فيها من بداية تأسيسها مجموعة من الإداريين والفنيين، بلغ عددهم أحد عشر موظفاً في عام 1301هـ = 1883م.
مطبعة صنعاء:
اقتصر نشاط مطبعة ولاية اليمن على طباعة عناوين محددة جداً تصب في المجال الرسمي بالدرجة الاولى، وكان أول عمل صدر عنها كما يرى بعض الباحثين اليمنيين والعرب نشرة صغيرة عنوانها: يمن، كانت موجهة للعاملين في الإدارة العثمانية بولاية اليمن من عسكريين ومدنيين، وأن العدد الأول منها صدر في عام 1872م المقابل لعام 1288 هجرية شمسية، و1289 هجرية قمرية.
وكانت في البداية تعدُّ صحيفة الولاية، صدرت في أربع صفحات بحجم متوسط دون ذكر مكان الصدور ومسؤول التحرير، وهي تعدُّ أول ثمرة من ثمار المطبعة اليدوية التي أدخلها العثمانيون إلى اليمن. واهتمت هذه الصحيفة (يمن) بنشر القوانين وأهم أخبار العاصمة المركزية، كما اهتمت بالشؤون العسكرية، وكانت دون شك توزع بشكل محدود على أفراد الحاميات العثمانية والمسؤولين الإداريين، وقد صدر منها بعض أعداد ثم توقفت. وأشير إليها في مصدر آخر على أنها نشرة يمنية كانت باللغة التركية، وأنها حكومية، أصدرتها السلطات العثمانية عام 1872م في صنعاء، وأنها ظهرت في أربع صفحات متوسطة الحجم، وعملت على نشر القوانين وأهم أخبار الآستانة، وتوقفت بعد صدور أعداد قليلة. وعرفت في مصدر ثالث بأنها «نشرة دورية … خصصت لنشر قرارات وتعليمات الولاة الأتراك».
ولا تقدم لنا المصادر السابقة أية معلومات عن الأعداد التي صدرت من هذه المطبوعة أو تاريخ توقفها، مما يدفع إلى الظن أنها توقفت عقب صدورها بوقت قصير، وأن تأثيرها كان محدوداً، لم يتخط حدود الإدارة العثمانية، كما أن عدم وجود أية إشارة تخص مكان طباعتها وقصر فترة صدورها يدفع بنا إلى الافتراض أنها لم تطبع في اليمن، وأنها كانت تطبع خارجه في إستانبول أو غيرها، ثم تحمل إلى صنعاء لتوزع فيها على الهيئة الإدارية والعسكرية، وإن صح مثل هذا الافتراض، فهو يرجح رأي الذين جعلوا بداية ظهور الطباعة في اليمن عام 1877م = 1294هـ.
وكان المطبوع الثاني من حيث الترتيب الزمني في تاريخ الطباعة في شبه الجزيرة العربية هي صحيفة صنعاء التي يعرض لنشأتها أحد الباحثين قائلاً بعد خطاب العرش الذي ألقاه السلطان عبد الحميد الثاني في مارس 1877م ربيع الأول سنة 1294هـ، الذي أبدى فيه استعداده لإلغاء الرقابة على الصحافة وتشجيع نشوء الصحافة وحرية استمرارها، فقد أمر بإصدار صحيفة صنعاء كصحيفة رسمية لولاية اليمن أسوة بغيرها في الولايات. وقد ظهرت صحيفة أسبوعية سنة 1297هـ، الموافق 1878م، كانت تصدر كل يوم ثلاثاء، وكانت أول صحيفة تصدر في شبه الجزيرة العربية بناء على رغبة السلطان عبد الحميد الثاني بهدف خدمة المصالح الحكومية.
وقد وضع على رأس الصفحة الأولى على الجانب الأيمن ما يأتي: مدير المطبعة ومحررها شوقي افندي يلزم المراجعة لدائرة مكتوبي الولاية بخصوص الاشتراك وأمور تحريرها في داخل الولاية ثمنها عن سنة ثلاثة ريالات، وعن ستة أشهر ريال ونصف، وريال عن ثلاثة أشهر، قيمة النسخة الواحدة أربعة بارة. وكتب في الجانب الأيسر، وتخرج يوم الثلاثاء من كل أسبوع. والأوراق التي تعطى من الخارج إن كانت تشتمل على المعارف والأدبيات العائد نفعها للعموم تُقبل مجاناً وتُطبع، والاعلانات يؤخذ عليها أجرة. ولعل ما يورده عبد الله الزين هو أدق ما وقفنا عليه من معلومات عن هذه الصحيفة التي تضاربت المعلومات حول تحديد تاريخ تأسيسها الذي جعل عند أغلب الباحثين عام 1877م.
وفي الفهرس الموحد للصحف والمجلات المطبوعة بالحروف العربية في مكتبات إستانبول، أشير إلى أنها كانت تصدر أسبوعياً كل يوم ثلاثاء، ثم أصبحت تصدر يوم الخميس، وأن العدد الأول منها صدر عام 1292هـ ـ 1875م. وحدد بعض الباحثين تاريخ صدورها بعام 1879م، وهو يوافق عام (1297هـ).
ونخرج مما سبق إلى أن هناك أربعة تواريخ مختلفة تتعلق بفترة ظهور هذه الصحيفة، وهي 1875، و1877، 1878، و1879م، ولعل أكثر هذه التواريخ غرابة هو عام 1875م، رغم وروده في فهرس رسمي صادر عن هيئة إقليمية إسلامية، تزاول نشاطها في تركيا.
وكانت هذه الصحيفة تخدم أفكار الدولة العثمانية ومصالحها، وتطبع بالعربية والتركية في أربع صفحات كبيرة، ثم صدرت «في ثماني صفحات صغيرة بحرف جلي أكثر إتقاناً، أما عبارتها فكانت ركيكة، تدل على قصر باع كتَّابها في صناعة الإنشاء، ثم تحسنت قليلاً في السنين الأخيرة ويذكر مروة أنها كانت جريدة رسمية، يشرف عليها المتصرف العثماني وتنطق بلسان الدولة العثمانية.
وكما فصّل في الحديث عن نشأتها، والظروف التي أحاطت بتلك النشأة فصّل الزين في الحديث عن هذه الصحيفة، ووصفها بدقة قائلاً: وكانت تطبع في مطبعة الولاية باللغة التركية، وابتداء من العدد 248 صدرت باللغتين العربية والتركية وكان رئيس تحريرها وقت صدورها رجب أفندي، وفي بادئ الأمر ظهرت في أربع صفحات من حجم 46 في 31 سم، ثم طبعت بعد ذلك في ثماني صفحات ذات قطع متوسط، وكانت تهتم بنشر القوانين والمراسيم التي تصدر في عاصمة الولاية تحت عنوان باب حوادث الولاية، وتشتمل أيضاً على التعيينات السامية، وتحركات كبار القادة، ثم باب التوجهات، وهي عبارة عن نشرة أخبار التعيينات والتنقلات والوظيفية … وباب محكمة استئناف الولاية، وفي هذا الباب تنشر قرارات المحاكم … وكانت توزع على الإدارات والمصالح والقوات المسلحة، ونظراً لما كان يعتمل في نفوس اليمنيين من نفور تجاه العثمانيين لم يكن يقرأ هذه الصحيفة غير الأتراك المتعاطفين، وكانت تعد أداة الدعاية العثمانية في اليمن.
وكان أسلوب هذه الصحيفة في بداية أمرها أسلوباً شائعاً ودارجاً، مما يبين عدم كفاءة محرريها، وضعف قدراتهم، ولكن ما لبثت أن تحسن تحريرها وعرضها نوعاً ما … وابتداء من أوائل سنة 1302هـ غيرت يوم صدورها إلى يوم الخميس بدلاً من الثلاثاء دون أي تغيير في سياسة الصحيفة المستمدة من الوالي، إلا أن أسلوبها تحسن نوعاً ما، يضاف إلى هذا أنها أصبحت تنشر بعض الأخبار الرياضية …
وفي عام 1881م ـ 1298هـ ظهرت سالنامة اليمن التي كانت بمنزلة الكتاب السنوي الرسمي لولاية اليمن العثمانية. وطبع العدد الأول بطريقة بدائية على ورق أوروبي سيئ، وكتب على صفحة الغلاف ما يلي:
برنجي دفعه
يمن سالنامة سي
سنة هجرية
1298
محرري
صنعاء غزته سي محرري وبدغجي أردوي
همايون تحريرات باش كاتبي
حميد وهبي.
وكما يظهر من العنوان فقد أشرف على تحريرها المحررون في جريدة صنعاء برئاسة حميد وهبي، وتظهر المقدمة أن الهدف من ظهور السالنامة كان العمل على رقي اليمن وتقدمها، وجاء العدد الأول في 112 صفحة، إضافة إلى بعض الرسوم وخريطة واحدة.
ويوضح الزين الذي يطلق عليها اسم المجلة السنوية، أنها كانت تهتم بنشر الأنباء والإحصاءات الخاصة بالحياة في الولاية. وقد تضمن العدد الثالث الصادر في 1887م مقالاً رئيسياً، استمرت المجلة في الصدور باللغة التركية إلى غاية العدد السابع، وتأخر صدور العدد الثامن، إذ عمد مدير المطبعة الجديد الذي كان يعدّ رئيس التحرير إلى التأخير للتمكن من إصدار العدد باللغتين العربية والتركية … ويمكن القول إن التوزيع كان محدوداً في ولاية اليمن، فلم يكن يشمل سوى فئة محدودة من الأشخاص كالعسكريين والموظفين الأتراك في اليمن. ورغم أن أحد الباحثين يشير إلى أن مما صدر منها هو أحد عشر عدداً للسنوات 1298، 1299، 1302، 1304، 1305 حتى 1308، 1311، 1313، 1314هـ، إلا أن المرجح اعتماداً على سرد دقيق موثق لما صدر منها أنها اقتصرت على تسعة أعداد صدرت في الأعوام 1298 (1881م)، و1299 (1882م)، و1304 (1887م)، و1305 (1888م)، و1306 (1889م)، و1307 (1890م)، و1308 (1891م)، و1311 (1893م)، و1313 (1895م). وفيما عدا هذه الأعمال الثلاثة التي وفقنا على معلومات عنها، لا نجد أي مطبوع آخر أشير إلى صدوره عن مطبعة ولاية اليمن في أي مصدر من المصادر التي تناولت هذا الموضوع غير كتاب إيسماغوجي لأثير الدين الأبهري، نشر باللغة التركية عام 1309هـ (1892م) بترجمة إبراهيم خليل بن حافظ عبد الحميد مما يعني أن تلك المطبعة لم تنشر أي عمل عربي على شكل كتاب، ولعل الأمية التي كانت متفشية في اليمن هي السبب في ذلك، إضافة إلى شعور المسؤولين في الإدارة العثمانية بأن الكتاب المطبوع لا يمكنه مزاحمة الكتاب المخطوط الذي كان شائع الاستخدام في تلك الفترة بين المتنورين من اليمنيين، ويدل الاقتصار على طباعة الأعمال السابقة على أن الهدف منها كان إيصال المعلومات إلى العاملين في الإدارة العثمانية في صنعاء بالدرجة الأولى.
الخلاصة والنتائج
تخلص من هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج هي:
ـ أن الطباعة في شبه الجزيرة العربية وفقاً لاجتهادات بعض الباحثين، وأغلبهم من اليمنيين، بدأت عام 1872م اعتماداً على التاريخ المثبت على نشرة “يمن” التي لم يشر أي واحد من الذين تحدثوا عن وجودها إلى ما يثبت أنها طبعت في صنعاء وهو ما يدفع إلى التردد في اعتبارها مطبوعة يمنية، خاصة أنها لم تستمر طويلاً، ولم يشر إليها نهائياً في الفهرس الموحد للصحف والمجلات المطبوعة بالحروف العربية في مكتبات إستانبول، ولا في فهرس المطبوعات التركية بالحروف القديمة، ولا يعرف متى كان توقفها، كما لم يقدم لنا أي واحد من الذين تعرضوا لها ما يثبت أن أعداداً منها قد صدرت فعلياً، ويبدو لنا من خلال صورة العدد الذي نشره الزين في كتابه أن هذه النشرة هي عبارة عن إعلان صدر مرة واحدة فقط، لعله طبع خارج اليمن.
ـ أن عام 1877م هو العام الذي رجحه أغلب الباحثين الذين تعرضوا لهذا الموضوع مع ربط هذه البداية بظهور جريدة صنعاء.
ـ أن الطباعة في اليمن خلال القرن التاسع عشر الميلادي اقتصرت على إصدار جريدة صنعاء وتسعة أعداد من سالنامة ولاية اليمن، وكتاب واحد مترجم إلى التركية، وهو ما يعني أن تركيز مطبعة الولاية في صنعاء كان على الأعمال الموجهة إلى العاملين في الإدارة العثمانية، دون أدنى اهتمام بتطوير ثقافة السكان المحليين، وبالتالي لم يصدر عنها أي كتاب عربي في الفترة المحددة لهذه الدراسة.
ـ أن الوضع الفني لمطبعة الولاية في صنعاء كان متواضعاً جداً من حيث التجهيزات الآلية ومهارة الفنيين العاملين فيها ونوعية الورق الذي استخدم في نشر ما كانت تقوم بطباعته، ولم تحظ بأدنى اهتمام من المجتمع اليمني في تلك الفترة.
ـ أن أسبقية اليمن على الحجاز في ظهور الطباعة يعود إلى بعده عن مركز الدولة وصعوبة إيصال التعليمات إلى الرسميين العثمانيين في تلك الولاية التي كانت تعاني أيضاً عن عزلة جغرافية قياساً بالحجاز، مما دفع بالعثمانيين إلى الإسراع في تاسيس مطبعة خاصة فيه عقب الاستيلاء عليه في المرة الثانية.
الدكتور يحيى محمود الساعاتي
الفنون والحفريات
أقيم في بيت الفنانين المخصص للمعارض والاجتماعات في فيينا معرض عن اليمن تحت عنوان «الفن والحفريات في بلاد ملكة سبأ» عرضت فيه 600 قطعة أثرية. والمعرض افتتح في اليوم التاسع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 استمر لغاية الواحد والعشرين من شهر شباط (فبراير) من هذا العام. والمعرض يغطي حقبة طويلة من تاريخ جنوب الجزيرة العربية تبدأ بفترة ما قبل التأريخ مروراً بالعصر البرونزي وتنتهي عند دخول الإسلام حيث كان خلالها جنوب الجزيرة العربية ومنذ القدم مأهول السكان، وقد دلت الحفريات الآثارية على وجود ثقافة فيه منذ العصر الحجري وأن آثار اليمن ترجع إلى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد.
العدد المهم من المعروضات جيء به من اليمن، خصوصاً من المتحف الوطني بصنعاء، كما أعار المتحف البريطاني ومتحف الشرق الأدنى البرليني والمتحف الوطني لتأريخ الشعوب في ميونخ وكذلك المؤسسة الأميركية لدراسات الإنسان مقتنياتها، هذا بالإضافة إلى ما تملكه المتاحف النمساوية من آثار قيّمة من اليمن. من ضمن المعروضات عدد من القطع ذات الشهرة العالمية وكذلك ما هو جديد بعد الاكتشافات الأخيرة تعرض لأول مرة خارج اليمن وبعضها لم يعرض من قبل حتى في اليمن نفسها. والمعروضات تلقي الضوء على التطور الحضاري في جنوب الجزيرة العربية، وفي الوقت نفسه تؤكد بأن للعرب هناك منذ العصور الغابرة معرفة جيدة، ليس فقط في مجال الزراعة وبناء القصور والمعابد والسدود، وإنما أيضاً في مجال الفنون وأساليبها بما في ذلك التناسب بين العناصر ووحداتها. إن الاهتمام بالمعرض كبير وذلك لارتباط اسم اليمن بمخيلة الكثيرين، ليس فقط بسبب ما جاء في العهد القديم عن علاقة ملكة سبأ بالنبي سليمان، وإنما أيضاً لأنها أعطيت الاسم الذي تستحقه: بلاد العرب السعيدة (Arabia Felix)، حيث كتب عن جنوب الجزيرة العربية عدد من المؤرخين الأوروبيين ومنذ العقود الثلاثة الأولى قبل الميلاد، ابتداء من مؤلفات المؤرخ سترابو الذي كان بمعية الحملة الرومانية على جنوب الجزيرة العربية في العام 24/25 قبل الميلاد.
منذ زمن بعيد يعتبر اليمن بلد الأسرار، ومن اليمن انتقل عرش بلقيس إلى الملك سليمان، كما جاء في العهد القديم. وقد ذكرت في القرآن الكريم الممالك المزدهرة في جنوب الجزيرة العربية في عدة مواضع كما في سورة (سبأ) وسيل العرم، وقصة أصحاب الأخدود (سورة البروج، آية 4 ـ 10). فجنوب الجزيرة العربية خصوصاً، كان منذ زمن بعيد مقصد كثير من السياح والباحثين الذين جلبوا عدداً غير قليل من المقتنيات التي يعرض بعضاً منها المعرض الفْينَّاوي.
إن تأريخ البحث العلمي في تأريخ العرب القديم يدين بالكثير للمستشرقين الذين قدموا أبحاثاً جادة في مختلف الميادين وكذلك ما عثروا عليه من آثار ثمينة، من ضمنها نقوش عربية قديمة (حضرمية، سبئية، ديدانية، ولحيانية وثمودية) والتي يفتخر المعرض في عرض بعضها الآن.
لقد نجح العلماء منذ زمن في فك رموز الكتابة العربية الجنوبية وأطلقوا عليها اسم «الحروف الحميرية» والتي تضم بعضها رموز معينية وسبئية، وهذه الكتابة سميت بخط «المسند» أو بالقلم «المسند» وفي الخط المسند تبدأ الكتابات السبئية. إن اكتشاف بعض النصوص في اليمن كان ولا يزال ذا أهمية تأريخية كبيرة، لأن هذه النصوص تلقي الضوء على تأريخ بعض الملوك الذين حكموا جنوب الجزيرة العربية من دون تحديد للفترة الزمنية لحكمهم. ولكن التأريخ الحميري الذي كتبت به بعض النصوص يدلّ من دون شك إلى أن بداية التأريخ المدون بدأ في العام 115 قبل الميلاد.
إن تلك الكتابات، وفي المعرض عدد منها، ليست فقط محفورة على الحجر وإنما كانت أيضاً مدونة على جدران المعابد وعلى المباخر المصنوعة من المرمر وعلى الأدوات الأخرى ذات الاستعمال اليومي، ومن تلك المعروضات، على سبيل المثال لا الحصر، مقتنيات المتحف البريطاني ومنها مجموعة من النقوش عثر عليها في مدينة عمران واشتراها الضابط البريطاني «كوجلان»، وهي جزء من معبد «المقة» الذي يطلق عليه العرب اسم «محرم بلقيس».
أثارت كتابات «كارستن نيبور» عن رحلته إلى الجزيرة العربية رغبات عدد من الباحثين للقدوم إلى اليمن للتعرف إلى ما أشار إليه عن النقوش والرُقُم العربية والتي يمكن أن يُرى عدد منها في المعرض، وقد عثر عليها فيما بعد العالم جاسبار سيتزن. كما أثارت الاهتمام كتابات العالم غلاسر الذي زار سد مأرب ورسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود القديمة. إن الحضارة التي تطورت في جنوب الجزيرة كانت مرتبطة بالمعتقد الديني، فالمعرض يقدم عدة نماذج لمعابد، منها نموذج لمعبد مَعِين وكذلك بعض من أجزائها ومن ضمنها أهم نصب لـ «معبد يكرب» من النحاس، دقيق في تفاصيله وتنسيق أجزائه، هذا بالإضافة إلى عدد من مشاهد القبور التي تمتاز بتلوينها بالأبيض والأحمر على شكل مربعات وتعطي الإحساس بخصائص الفن الحديثة وتمثل بحد ذاتها شاهداً على التطور النوعي لحضارة جنوب الجزيرة العربية في مجالات عدة ومنها مجال فن النحت والزخرفة.
في مقدمة المعروضات ذات الشهرة العالمية تمثال من المرمر الأبيض سماه علماء الآثار باسم «مريم» أو «السيدة العذراء» يشعر المشاهد بجماله كأنه عمل من إنتاج أحد مبدعي الفن الحديث. كما وأن هناك بعض المنحوتات التي كانت أجزاء من البيوت ومنها تمثالان لراكبين على ظهر أسدين. وفي القاعة الأولى من العصر البرونزي هناك معروضات تمثل بعض السهام، وهناك أربع منحوتات من الحجر الكلسي لمقاتلين على شكل نحت ناتئ يمتاز بتصوير الملابس التي يرتديها الأشخاص والتي ما زال طرازها يستخدم في اليمن.
وعلى رغم عدم وجود الأنهار الجارية ووعورة الأرض اليمنية نفسها فقد استطاع الإنسان اليمني بعبقرية فذة أن يوسع الأرض المزروعة ويطور أنظمة الري بأساليب ما تزال تذهل العلماء إلى يومنا هذا. ولما كان الرخاء الاقتصادي في اليمن يعتمد على الحياة الزراعية وليس الرعي، لجأ اليمنيون إلى إنشاء السدود والخزانات والصهاريج التي تخترق جبالهم وذلك لحبس كل قطرة من مياه السيول وخزنها داخل السدود ثم إخلائها في جداول ري وقنوات لاستزراع الأراضي حسب الحاجة.
لقد شهد القرن التاسع قبل الميلاد تطوراً حضارياً عاشه عرب جنوب الجزيرة حيث عرفوا نظام الري، وتعتبر آثار سد مأرب ولحد الآن من المعالم المهمة التي يقصدها الباحث والسائح على حد سواء، وفي المعرض نموذج كبير يحتل وسط إحدى القاعات لسد مأرب يبيّن تفصيلاته.
والسد عبارة عن حائط ضخم مبني بعرض الوادي على زاوية منفرجة ويمتد من الجنوب إلى الشمال مسافة 650 متراً وفيه ثلاثة مخارج للمياه. سد مأرب أكبر عمل هندسي شهدته بلاد العرب في تأريخها القديم وقد تم إنشاؤه في القرن السابع قبل الميلاد وكان الغرض منه زيادة مساحة الأراضي الزراعية وخصوصاً حول مأرب، مما كان السبب في الإعلاء من شأنها وزيادة عدد سكانها ورخائهم. وكان المؤسسون الحقيقيون لسد مأرب «تبع أمر» وأبوه «سمه علي بنوف»، وقد أكتمل بناء السد في زمن «شهر يرعش» عند نهاية القرن الثالث للميلاد وبقي قائماً لمدة 1300 سنة تعرض خلالها أكثر من مرة للتصدع.
ومأرب تقع على مبعدة مائة كيلومتر إلى شمال شرق صنعاء الحالية وعلى ارتفاع 3900 متر على مستوى سطح البحر، وقد بنيت المدينة على شكل مستطيل ولها أربعة أبواب في كل جهة منها وقد بني سور المدينة من حجر البلق.
أما المملكة السبئية التي ارتبطت حضارة جنوب الجزيرة بها قبل غيرها حيث ذكرت في الكتب المقدسة وكذلك في حوليات الحضارات القديمة إذ وردت كلمة سبأ (Sabu) في نص سومري يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد بدأت هجرة القبائل العربية إلى جنوب الجزيرة، إلى معين وحضرموت في حدود 1500 قبل الميلاد. وقد جاء في المصادر الآشورية، كما في التوراة، أن المجتمع هناك كان مجتمعاً منظماً سياسياً واقتصادياً وله حكومة قوية منذ القرن العاشر قبل الميلاد وذلك كما جاء في النص القرآني الكريم في سورة (سبأ)، لأن النبي سليمان حكم في الفترة (960 ـ 922ق.م). وفي طبيعة المعروضات ذات الشهرة العالمية تمثالاً لأبرهة عليه نقش يصور إنجازاته، مطلقاً على نفسه الألقاب الملكية المعروفة لملوك سبأ. كما تعرض بعض من مواد البناء كالرخام والحجارة المنقوشة بالذهب وغيرها التي نقلها أبرهة من «قصر بلقيس» لكي يشيّد بها كنيسته «القليس» التي بناها في صنعاء والتي كانت سبب حملته في العام المعروف بعام الفيل (571م) على مكة المكرمة وذلك بغية صرف الحجيج عنها وتحويلهم إلى «القليس».
استفاد اليمنيون من موقع بلادهم الجغرافي فاحتكروا نقل البضائع والسلع والأطياب التي تأتي من الهند والحبشة إلى شواطئ جزيرة العرب فنقلوها إلى مصر والشام وبلاد ما بين النهرين، ويعد هذا الطريق التجاري أقدم الطرق التي عرفتها البشرية في حضاراتها.
فالقاعة الأخيرة تمثل الفترة الأخيرة في التأريخ اليمني وقبل دخول الإسلام، وفيها بعض المعروضات التي تمثل التأثير اليوناني والروماني على جنوب الجزيرة العربية.
كانت لممالك جنوب الجزيرة العربية سمعة كبيرة في ذلك الوقت لسيطرتها على طرق التجارة العالمية بين البحرين الأحمر والأبيض وغناها بالبخور والمر واللبان والصموغ وغيرها من المنتجات. وكان للمر والبخور أهمية خاصة في العالم القديم توازي أهمية الذهب والبترول في عصرنا الحاضر وهي من المقتنيات الثمينة إذ كانت تقدم للملوك وكانت من مستلزمات المعابد القديمة. علم الرومان بذلك كما علموا باحتكار اليمنيين لطرق النقل التجاري بين البحر الأحمر والأبيض المتوسط. ومن أجل تملك مصادر الغنى وجعل البحر الأحمر بحراً رومانياً، ومن أجل القضاء على المنافسة العربية، جهزوا حملة كبيرة من مصر بقيادة إيلوس غالليوس في العام 24/25 قبل الميلاد. لقد فشلت الحملة عند سبأ وباءت بالفشل الذريع فكانت انتكاسة شديدة لهيبة روما. كان بمعية الحملة المؤرخ سترابو ( 66 -24 ق.م.) الذي عاش في الاسكندرية لبضع سنوات وأصبح صديقاً لقائد الحملة غالليوس. وقد ذكر سترابو أن عدد العرب قد تضاعف على الضفة الغربية من البحر الأحمر حتى شغلوا كل المنطقة بينه وبين النيل من أعلى الصعيد، وكانت لهم جمال ينقلون عليها التجارة. وقد أكدت الاكتشافات الحديثة ما كتبه المؤرخ حيث تعرض بعض الآثار منها جمال محملة بالبضائع وغيرها.
الكشف عن «عرش بلقيس»
بعد 13 عاماً من أعمال الحفر والتنقيب والترميم حقّق خبراء الآثار والباحثون الألمان واليمنيون إنجازاً أثرياً تمثل في الكشف عن معبد «الشمس» السبئي المعروف تاريخياً بعرش الملكة السبئية الأسطورة «بلقيس» والذي افتتح رسمياً أمام الزوار في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في محافظة مأرب (170 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة صنعاء) ليصبح أعظم كشف أثري يحققه الأثريون في اليمن خلال قرن من الزمن.
ويعتبر الكشف أهم البراهين التاريخية على الحضارة السبئية في المنطقة بأكملها منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وتحديداً أواخر الألف الأول قبل الميلاد المواكبة لعصر الملكة «بلقيس» التي ظلت وعرشها ومعبدها أسطورة تاريخية، ونقوشاً أثرية، وصوراً متناثرة على أحجار «البلق» المهدمة وهي الملكة التي جلست على عرش الحضارة السبئية بعراقتها وقوة نفوذها الحضاري الذي امتد تجارياً وعسكرياً إلى مناطق القرن الإفريقي غرباً وبلاد الشام شمالاً حتى مصر وغزة وما وراء النهرين.
ومن أرض «سبأ» ومن فوق سماء عرش بلقيس ومعبد الشمس عاد «الهدهد» إلى النبي سليمان بالنبأ العظيم كما جاء في القرآن الكريم على لسان «الهدهد» عندما وجدها وقومها يعبدون الشمس من دون الله وهي تحكمهم ولها عرش عظيم …
وتشير النقوش والدلائل الأثرية إلى أن الحضارة السبئية كانت أول حضارة يمارس أهلها الشورى (الديموقراطية) منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وهو ما أكده القرآن الكريم على لسان الملكة «بلقيس» وهي تشاور الناس في رسالة سليمان التي يدعوها فيها إلى الدخول في دين الله.
قال تعالى في سورة النمل: ﴿قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون* قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾.
ويبدو معبد «الشمس» اليوم على أرض مأرب بأعمدته الستة وساحته وبيت الصلاة وأروقته الفسيحة معلماً بارزاً للحضارة السبئية القديمة إضافة إلى البوابة الخارجية المنحوتة من كتل صخرية يبلغ ارتفاع الواحدة منها أكثر من ثمانية أمتار، وكذلك الدرج الذي يؤدي إلى داخل المعبد والمقابل لمجمع العرش (عرش بلقيس) وفق نظام معماري فريد ونادر ومتين يوحي بالروعة والجمال وعظمة الحضارة في البناء والتشييد يخرج من تحت رمال ظلت تتراكم عليه آلاف السنين لتخفي واحداً من أهم معالم الحضارة القديمة في العالم.
وتميز العام 1999 بالاكتشافات الأثرية المهمة الأخرى. فعلى بعد نحو 3 كيلومترات من معبد «الشمس» في مأرب يستأنف فريق من الخبراء الأثريين الأميركيين أعمال التنقيب والحفر والترميم لمعبد «القمر» محرم «بلقيس» الذي يعتبره خبراء الآثار التابعون للمؤسسة الأميركية لدراسات الإنسان أعجوبة الدنيا الثامنة. ومن المتوقع أن تستمر أعمال الحفر الأثري في المعبد 12 عاماً وتكلف 12 مليون دولار. وسيكون جاهزاً لاستقبال الزوار بين عامي 2011 ـ 2012 ميلادية.
وفي هذا السياق أعلن فريق أثري فرنسي في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في صنعاء عن اكتشاف مقبرة أثرية كبيرة على مشارف الصحراء في جبل جدران شمال شرقي منطقة مأرب تضم 1500 قبر جماعي يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وكان الفريق الفرنسي بدأ أعمال التنقيب فيها أوائل العام 1999م وانتهى من الجولة الثانية أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وكُشف خلال ذلك 11 قبراً بتكويناتها ومحتوياتها من العظام البشرية والحلي التي كانت تدفن مع الموتى إضافة إلى بعض الأواني الفخارية.
عند مدخل مدينة مأرب يمتزج دفء الشمس، معبودة اليمنيين القدماء، مع حرارة استقبال رجال القبائل لضيوفهم وابتسامتهم الصافية القريبة من القلب والمعبرة عن الفطرة. ومع بدء الرحلة إلى مأرب تحتشد الرؤوس بأفكار رومانسية وخيالات ساحرة عن الملكة بلقيس التي ملأت شهرتها الآفاق وتناولتها الكتب السماوية بما فيها القرآن والتوراة.
ويعتبر اليمنيون ملكتهم الشهيرة بلقيس رمزاً وطنياً تاريخياً ينبغي الحفاظ عليه وحمايته. من هنا أعادت الحكومة اليمنية الشهر الماضي افتتاح عرش بلقيس أمام الزوار والسياح بعد أعمال ترميم وحفريات استمرت 15 عاماً بالتعاون مع معهد الآثار الألماني.
ويحرص السياح الأجانب على تضمين برنامجهم إلى اليمن زيارة إلى عرش الملكة بلقيس، وهو حرص يشاطرهم إياه المواطنون اليمنيون الذين ينظرون باهتمام إلى الإرث العريق الذي تركته أكثر النساء شهرة في تاريخهم.
مع ملكة سبأ العظيمة يجدد الزوار إعلان العشق والتقدير والزهو لسيدة أسست تراثاً عريقاً للديموقراطية والشورى وحق المرأة في تبوء أرفع المناصب. المنطقة المسماة بمعبد المقة برآن، والمحاطة بمزارع برتقال وموالح. تقول السِيَر التي تحكي قصة المعبد إن مدينة مأرب كانت عاصمة مملكة سبأ العظيمة ومركزها الاقتصادي والسياسي والديني لقرون كثيرة، وكانت المدينة مهد الحضارة السبئية التي كرمت بالذكر في القرآن الكريم.
وفي مقدمة معالم مأرب الشهيرة عرش بلقيس المعروف بأعمدته الخمسة وسادسها المكسور الذي يشهد على عدوانية الإنسان ضد تاريخه وحضارته. ومنذ عام 1888 أضحى معروفاً لدى الباحثين أن عرش بلقيس يعني التسمية الشعبية لمعبد سبئي قديم يتحدث عن المعبود السبئي المقة رب المعبد برآن. ويحذر النص الذي عثر عليه كل من يحاول نهب كنوز المعبد الفضية. وأما المقة فكانت ترمز إلى عبادة القمر أحد الكواكب السماوية، وأما برآن فهو الاسم السبئي القديم لقسم من الجنة اليسرى في أرض مأرب. وتقول المعلومات إنه في أيام الرحالة النمساوي إدوارد جلازر كان المعبد في حال أفضل لكنه استخدم في أربعينات القرن العشرين كمنجم للأحجار التي كانت تنهب منه وتحمل على عربات تجرها الثيران ليبني بها القصر الجديد لعامل مأرب. وعام 1951 أمر الإمام أحمد بالبحث عن الكنوز في المعبد من دون جدوى وعندما بدأ التنقيب في المنطقة عام 1988 لم يكن قد تبقى من المعبد سوى تل منخفض يرتفع عن الحقول المجاورة بنحو ثلاثة أمتار ويبرز في أعلاه صفان من الأعمدة تنتشر حولها أحجار البلق المنهدمة وبعض العناصر المعمارية المتكسرة.
ويقول المدير العام لمصلحة آثار مأرب إن المعبد الحالي بني فوق ثلاثة معابد يرجع أولها إلى القرن العاشر قبل الميلاد ويشتمل على بئر للمياه المقدسة، ونص بخط المسند القديم يتحدث عمن قام ببنائه مع ملحقاته.
ويشير إلى أن جدران المعبد مغطاة بلوحات زخرفية من المرمر ومرسوم عليها رسوم من الوعل والظباء.
ويوضح المدير أن البعثة الأثرية عثرت على نقوش وموائد وقرابين ومباخر برونزية وبعض العملات والأواني الفخارية والتماثيل الحيوانية للثيران والجمال والطيور، وهي كلها تغطي فترة زمنية محددة. ويشرح المدير العام آثار مأرب ومكونات المعبد بقوله إنها تشمل ثلاثة أجزاء: الأول، يطلق عليه قدس الأقداس، والثاني، فناء مكشوف محاط بأروقة، ثم سور من اللبن.
ولم يعرف بعد من أين أتى اليمنيون القدماء بالأعمدة الطويلة لعرش مأرب وبقية المعابد، والتي تم نحتها بأشكال مربعة ومسدسة ومثمنة رائعة. ويصل طول الواحد منها إلى 8,5 متراً ولكن الأعمدة الرخامية، كما يرجع المؤرخون، جُلبت من منطقة المخدرة في صرواح.
نقش سبئي بالخط المسماري في جدار سد مأرب
وتعرض المعبد لعمليات اعتداء واسعة ونهب أشهرها عام 24 قبل الميلاد، خلال حملة القائد الروماني جاليوس الذي فشل في احتلال مأرب فعمد إلى تكسير قنوات الري الممتدة من سد مأرب بالإضافة إلى بعض المعابد، ومنها معبد برآن. ويقرأ السيد المدير بعض أسماء الآلهة التي كانت تُعبد قديماً والموثقة في النصوص السبئية ومنها: عثتار وحميم التي تعني الشمس، وذات بعدان وغيرها، ويُترجم أحد النصوص الذي يقول: «هكذا شرعوا وأصدر عمي أمر كبير كهنة أقيال معبد برآم، وبموجب سلطة الإمام المقة، أن أي ماعز يرد أرض المعبد للرعي فليذبح ودمه شاهد عليه بمقتضى هذا المرسوم».
ويقول تقرير أعده خبراء الآثار الألمان: بوركهارد فوجت وفيرنر هربرج ونيكول رورينج الذين عملوا في المنطقة، على مدى سنوات طويلة، أن أحداً لا يعرف سبب إقامة المعبد في هذه المنطقة من مأرب، وهل اقتضت ذلك ظاهرة طبيعية مثلاً كصخرة ما، أو نبع ما أو توافق أبراج فلكية، على أن المعبد ربما شيد لأول مرة في القرن العاشر قبل الميلاد بما يوافق تقريباً عهد ملكة سبأ الشهيرة. ويشير التقرير إلى أن المعبد شيد على أربع مراحل ولا يعرف عن أولاها معلومات كثيرة لكن بناءه الثاني أقيم من حجارة قدت من صخر بركاني بقيت قائمة في حدود ثلاثة أمتار. وكان المبنى مستطيل الشكل وله ساحة متوسطة محاطة بصف من الغرف الصغيرة عددها خمس في الطرف الشرقي، ورواقين في الشمال والجنوب. وكان في الوسط، وتحت أرضية المعبد الحالية، بيت الصلاة. وتدل كسر الفخار التي عثر عليها أن المعبد الثاني أنشئ في مطلع الألف الأول قبل الميلاد وأنه ظل قائماً حتى الربع الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد.
ويستطرد التقرير الألماني: «عندما بلغت مملكة سبأ أوج ازدهارها في أواخر القرن السادس قبل الميلاد شيد المبنى الرابع على أنقاض المباني السابقة وجرت توسعته بإضافة فناء فسيح، فأصبح بذلك مجمعاً فخماً يتيح المساحة الكافية لإقامة الاحتفالات للمعبود السبئي. وكان المعبد الرابع يرتفع عن سطح الأرض بنحو 15 متراً ويتألف من مساحة معبدة وبيت للصلاة في الوسط وأروقة بأعمدتها في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية، وأمام الواجهة الغربية شيدت البوابة الخارجية لتشكل معلماً بارزاً بأعمدته الستة التي نُحت كل منها من كتلة صخرية واحدة».
ولاحظ علماء الآثار الألمان أن فترة إنشاء المبنى الرابع للمعبد ارتبطت مع دلائل نقشية مدونة في الساحة الأمامية بخط المسند السبئي، وأقدم تلك النقوش كتب على طريقة سير المحراث وقدم نذوراً للمعبود السبئي.
وتنقش النذور غالباً على موائد القربان وأحجار البلق المنهدمة وغيرها من أحجار البناء الكلسية. والنذور المقدمة للمعبد تكون غالباً متعددة كأن تكون قطعاً من الأرض أو البساتين، أو حسب اعتقاد الناس، مما يعكس نفوذ المعبد وأهميته في الحياة الاقتصادية.
وكان الدخول إلى المعبد في هذه الفترة حكراً على أولي المراتب العليا من أهل البلاط ونفر من الطبقة العليا في المجتمع السبئي، ومن هؤلاء من أسهم بسخاء في تجهيز أروقة الساحة الأمامية. فمثلاً القين «وهو إداري ذكرت النقوش أنه عمل مع حكام سبأ مثل تدع إيل ويثع أمر وكرب أيل»، أما العامة فلا يسمح لهم، كما يبدو، بدخول حرم المعبد وكانوا يضعون قرابينهم المصنوعة من الفخار على امتداد واجهة الساحة الأمامية.
وبعد القرن الثاني للميلاد تزايد إهمال المعبد على رغم العثور على نقوش متكسرة تذكر ملوك سبأ وذي ريدان في منتصف القرن الثالث الميلادي. ومع نهاية القرن الرابع لم يعد المعبد متنسكاً يفد إليه الناس، وهذا ما يوافق الدلائل النقشية التي عثر عليها في أنحاء شتى من اليمن، والتي تشير إلى أن حكام اليمن في الفترة 380 للميلاد لم يعودوا يحبذون الوثنية وإنما اتجهوا إلى ديانات التوحيد كالمسيحية واليهودية.
تبدأ زيارة المعبد من خلال درج يوصل إلى منصة أعدت على ركيزة حجرية ومن عندها يمكن رؤية الوحدات المعمارية للموقع كله. وأول ما يلفت نظر المشاهد الفروق الكبيرة في الارتفاع، وهو أمر يمكن تفسيره من خلال وجود تراكم متتالٍ للبقايا الأثرية وترسبات التربة الزراعية.
وهناك منشآت طينية تنقسم إلى غرف صغيرة ولها وظائف متعددة وفي مكانها عثر على الختام الجصية التي كانت تختم بها الجرار المعدة للنقل والتخزين وكان يختم عليها في الغالب علامة المنتج واسمه أو اسم المالك.
وفرضت الساحة الأمامية نفسها في المعبد مذ أضيفت إليه أواخر القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، مما زاد في أهميتها ذلك السور الذي يحيط بها والذي بني من أحجار كلسية صفت بعناية.
وبقي السور في بعض الأماكن قائماً بارتفاع يصل إلى أربعة أمتار وما زال بعض أحجار السور يحمل نقوشاً سبئية نذرية أو إدارية. وتحيط بالساحة الأمامية في جهاتها الأربع أروقة تقوم على أعمدة مؤلف كل منها من كتلة حجرية واحدة وما زالت قواعدها بادية إلى اليوم.
وكانت تقوم على امتداد الجدران الخلفية للأروقة مصاطب من البلق، وفي داخلها عثر على عظام للغنم والماعز، وهي الماشية التي كان يضحى بها في المعبد خلال عملية البناء.
وتقع البئر السبئية في وسط الساحة تقريباً وأسفل الدرج الكبير للمعبد. ويعود تاريخها إلى القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد، وأعلاها مكعب وفوقها حجر جيري كبير. وللبئر نقش يتحدث عن تقديم البئر هدية للمعبود المقة كما يذكر اسم البئر «نبطم» وعناصرها الإنشائية وبعد حفرها تبين أنها مطوبة بحجارة كلسية وأن عمقها يزيد على 18 متراً.
ويمكن الوصول إلى أعلى البئر عن طريق درج يوصل إليه من الناحية الغربية. ويوجد، أعلى حجر البئر، ثمانية ثقوب صغيرة مستطيلة الشكل وظيفتها تثبيت جهاز المسنى لحجر الماء من البئر. ويتضح ذلك من خلال آثار الحبال في الطرف الشمالي من الحجر. وكان الماء يصب على الحجر في أعلى البئر ثم يسيل من خلال فتحة برونزية صغيرة إلى ميزاب بشكل رأس الثور، ومن ثم يصب الماء في حوض أسفل منه وأخيراً يسيل الماء في حوض مستطيل الشكل.
ويقول العلماء الألمان إن الاعمدة الستة، التي بينها عمود مكسور، تعد الرمز البارز لمعبد بلقيس والتجسيد الحي للعمارة اليمنية قبل الإسلام.
وأقيمت تلك الأعمدة بهندستها العجيبة على مصطبتين متدرجتين. ويبدو أن النصف الشمالي للمصطبة قد رمم في فترة بداية التقويم المسيحي، كما تدل على ذلك الحجارة التي أعيد استخدامها والعناصر المعمارية الأخرى. أما الأعمدة الضخمة بتيجانها المزخرفة فهي الاعلى بين ما عثر عليه في اليمن القديم، غير أن أفاريزها مفقودة وتميل قليلاً باتجاه المعبد، وهي بذلك تعزز الطابع التذكاري للمبنى كله، كما تضيق المسافات بين صفوف الأعمدة. ولهذا كان على المتنسكين أن يطوفوا حولها حتى يتمكنوا من الدخول إلى بيت العبادة.
وتكمن أهمية هذا العمل الإنشائي الدقيق أنه صمد عبر القرون، ولم ينهر حتى خلال الهزات الكبيرة ومنها زلزال عام 1982 الذي ضرب المنطقة.
ويبلغ وزن كل عمود 13 طناً.
وهناك معبد أوام، الذي يبعد بضعة كيلومترات عن موقع عرش بلقيس. تصريحات عالم الآثار ورئيس البعثة الأثرية للمؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان بيل غلانزمان، التي قال فيها إن معبد القمر الذي ما زال نصفه مدفوناً في الصحراء هو أعجوبة الدنيا الثامنة، وسيجتذب سياحاً من كل حدب وصوب. إن الاكتشاف ينطوي على احتمالات سياحية عالمية، وقد يعادل في الأهمية أهرامات الجيزة في مصر وأطلال بومبي في إيطاليا، والاكروبليس في اليونان. إن الموقع متخم بالقطع الفنية والفخاريات والنقوش ما يفتح باباً جديداً إلى الحضارة القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية.
إن معبد أوام شهد أول عملية تنقيب عام 1952 على يد ويندل فيلبس العالم الأمريكي المعروف، الذي أوصى شقيقته بمواصلة العمل للبحث عن كنوز مدينة بلقيس التي دون بعضها في كتاب يحمل الاسم نفسه، ويشير إلى أن معبد أوام كان يحج إليه الناس في أيام محددة من السنة قبل آلاف السنين.
وعند الاقتراب من المعبد يلاحظ الزائر أنه دائري الشكل ما يعزز دوره كبرلمان عريق في الديمقراطية السبئية المعروفة. غير أن الرمال التي تهاجمه من دون هوادة جعلته مطموراً تحت الأرض، بما في ذلك الحفريات التي تمت في الخمسينات والتي استهدفت صالة مدخله فقط.
وفي مقدمة المعبد ثمانية أعمدة عملاقة تشبه الموجودة عند عرش بلقيس تماماً، وألحقت به مقابر كثيرة كشفت، كما يقول المدير العام للآثار في مأرب عن وجود بقايا لنحو 180 جثة. ويلاحظ وجود نقوش ورسوم لوجوه شخصيات سبئية تم دفنها مع متطلباتها حسب المعتقدات القديمة.
والطريف أن من بين الوجوه شخصين ملامحهما مصرية بحتة، حسب إفادة علماء الآثار، الامر الذي قد يكشف مستقبلاً عن روابط ما بين الحضارتين اليمنية والمصرية.
إن الكثير من النقوش في المعبد سمح بمعرفة الكثير من الجوانب التاريخية كما ساعد للغاية في إعداد قائمة الملوك السبئيين.
ويلاحظ الزائر حجم الإهمال والتباطؤ الذي يعتري استكمال عملية التنقيب وإزاحة الأتربة والرمال لكي يرى الناس أعجوبة الدنيا الثامنة. إذ في كل مكان تم فيه استخدام مجسات يظهر جزء من سور المعبد الدائري الشكل، ومعه مقابر ونقوش وأعمدة. إلا أن المؤسف أن الأعمدة العظيمة أصبحت هدفاً للمتدربين على الرماية من شباب مأرب، وخلّف ذلك آثاراً وندوباً سيئة عليها.
ولا تكتمل زيارتك إلى مأرب من دون أن تشاهد مدينة مأرب القديمة التي بنيت قول تلٍ عالٍ، ربما لحمايتها من السيول والمياه. وهي لا تزال تنتصب على حالها كأطلال مجيدة تحكي حضارة الإنسان اليمني.
ومن السهل أن ترى أعمدة ونقوشاً ملقاة في الشارع والممرات المؤدية إلى المدينة. ويلفت النظر الطراز المعماري الفريد من نوعه في أحد المعابد الذي تحول إلى مسجد ثم أصبح مهجوراً بكل ما يحتويه من كنوز، ورأينا أيضاً أحد قصور العاملين في مأرب منذ سنوات وقد بنيت جدرانه من أحجار وأعمدة يرجع تاريخها إلى آلاف السنين ثم هجر المكان كله.
العمارة اليمنية تحافظ على تراثها وتنفتح
على جماليات الفن والهندسة
يكتسب الفن المعماري اليمني تقديراً كبيراً لتفرده وعراقته وأصالته. وتعتبر العمارة اليمنية أحد أفضل نماذج العمارة التي حافظت على طرازها التقليدي ولا تزال. كما أنها استوعبت الجديد في نموذج فريد يحظى بإعجاب من يشاهده كما يحظى باهتمام المتخصصين في الفن المعماري.
العمارة في اليمن شاهد حي على تاريخ أو عراقة اليمن، مهد العروبة والحضارات العظيمة التي تركت آثاراً قيمة منها سد مأرب، أشهر آثار اليمن وأعظم بناء هندسي قديم في شبه الجزيرة العربية. ويعود تاريخ بناء سد مأرب إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو معلم ثابت لازم حضارة سبأ منذ البداية مروراً بذروة الازدهار حتى لحظات الانهيار. ثم تصدع على أثرها ولا تزال جدران مصرفيه قائمة حتى اليوم، بالإضافة إلى محرم بلقيس (معبد الشمس) الذي يقع على مقربة من قرية مأرب الترابية وهو معبد للإله القديم المقة (إله القمر) ويرتبط اسمه بقصة الملكة بلقيس وعلاقتها بالملك سليمان ويعود تاريخ بناء هذا المعبد إلى ما قبل القرن الثامن قبل الميلاد.
شاهد آخر يدل على عظمة الحضارة اليمنية وإبداع الإنسان اليمني في فنون العمارة عرش بلقيس أو معبد برآن الذي يعود تاريخ بنائه إلى الألف الثاني قبل الميلاد وهو معبد لإله القمر.
لم يتوقف إبداع الإنسان اليمني في مجال العمارة عند بناء المعابد الحجرية بل امتد هذا الإبداع ليشمل فناً اعتبره الكثيرون أجمل ما أبدعته أيدي البنّاء اليمني وهو فن العمارة الطينية الذي مزج ما بين الماضي والحاضر، لأنه حتى اليوم ما زالت العمارة الطينية معلماً من معالم كثير من المدن اليمنية وبشكل خاص مدينة شبام حضرموت التي شيدت فيها أبنية طينية عالية اعتبرت أقدم ناطحات سحاب في العالم.
والبناء الطيني يعتمد على مكونات بسيطة هي الطين والتبن والماء وجذوع النخيل وأخشاب شجرة السدر (الحمر) وحرارة شمس استوائية لتجفيف اللبن (الطين والتبن المخلوط)، وبهذه المواد البسيطة أقام اليمنيون أبنية وصلت إلى ستة طوابق يعلوها سقف مسطح مكلل ومطلي بالجير (النورة) وتاج أبيض جميل يزين أعالي كل منزل في المدينة. بالإضافة إلى النقوش التي تزينها، كما توجد قواعد قوية وأعمدة مستقيمة تحمل الأسقف وتعين على تماسك البنيان تسمى «الأسهم» ونوافذ جميلة وأبواب أجمل منقوشة بنقوش بديعة تعكس مهارة وإتقان صانعها.
مشهد من اليمن
كما أبدع اليمنيون في زخرفة منازلهم ومساجدهم ومبانيهم الأخرى في شكل يعكس الذوق الرفيع والإحساس بالجمال لديهم وتجلى هذا الإبداع في «القمرية» التي تنفرد بها اليمن عن غيرها من بلدان العالم. ولذلك ليس من الغريب أن تفوز القمرية اليمنية بالجوائز في المهرجانات الدولية كعمل تراثي غني يعبر عن أصالة وتاريخ شعب.
فالقمرية تضفي على المكان جمالاً وسحراً بألوانها الزاهية التي ينفذ من خلفها الضوء ليشع داخل المكان. وهي تكسو عقود واجهات أبنية صنعاء وتوضع فوق النوافذ الخشبية ومادتها الأولية هي الجص، وقد ابتدعها اليمنيون لتأمين الإضاءة الداخلية بعد إغلاق النوافذ ليلاً أو نهاراً. وقد أطلق أهل صنعاء عليها هذا الاسم بسبب شفافيتها وصفائها اللذين يسمحان لضوء القمر بالدخول إلى المبنى الداخلي. وتمثل القمرية فناً شعبياً وتراثاً توارثهما الأبناء عن الأجداد. كما تعتبر مهنة صناعة القمريات من المهن المستقرة لأن الطلب يزداد عليها يوماً بعد يوم فأي شخص في اليمن لا يستطيع أن يبني منزله من دون قمريات، حتى المساجد والمدارس لا يكتمل بناؤها إلا بها. أما أشكالها الزخرفية فمتنوعة وتعتمد على موهبة وخيال صانعها ورغبة الزبون الذي يحدد الشكل الزخرفي الذي يريده.
ولكن ما الذي ألهم الإنسان اليمني في صناعته للقمرية ومن أين أتى بها؟
يجيب عن هذا السؤال الدكتور ربيع حامد أستاذ الآثار الإسلامية بقوله إن فن القمريات ارتبط بالفترة العثمانية ونشأ في مدينة صنعاء خصوصاً في حي (بئر العزب) الذي نشأ في الفترة العثمانية وكان مسكناً لكبار رجال الدولة وطبقتها الأرستقراطية. ثم انتشرت بعد ذلك وامتدت إلى المساجد التي شيدت في الفترة نفسها، وهناك من يرى أن ازدهار القمرية ارتبط بتطورها في مصر وخصوصاً بعد ازدهار العلاقات بين الفاطميين في مصر والصليحيين في اليمن، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري بدليل الستائر الجصية المزخرفة الموجودة في الأزهر الشريف وجامع الحاكم بأمر الله.
وقد مر استخدام القمرية بمرحلتين، الأولى استخدام المرمر، والثانية استخدام الزجاج بعد فترة طويلة إذ أقبل الناس عليه لأنه يضفي على العقود بهاء عند نفاذ الضوء خلف القمرية. وهناك نوعان من القمريات خارجية وداخلية ويمكن أن تجتمع القمريتان ويطلق عليهما قمرية مزدوجة. وللقمريات أيضاً أشكال متعددة إلا أن هناك ثلاثة أنماط لزخرفتها وهي الشكل الهندسي مثل النجمة السداسية أو الثمانية.
وقد انتشرت النجمة السداسية بسبب وجود بعض اليهود اليمنيين الذين اشتغلوا في هذه المهنة. والشكل النباتي مثل ورقة البن أو العنب والشكل الحيواني الذي ينتمي للقصص الشعبية، وبعد ثورة أيلول (سبتمبر) عام 1962 ظهر النسر الجمهوري كشكل هندسي يرمز إلى الثورة والجمهورية.
لقد استخدم اليمنيون الحجر المنحوت في البناء والقمرية في تزيين منازلهم في شكل يكشف عن النظرة الجمالية الخاصة لديهم، وعشقهم لبلادهم اليمن السعيد.
من الشعر اليماني
حفلت اليمن على طول عصورها بالشعراء المبدعين. وإننا لنأخذ هنا نموذجاً من أولئك الشعراء هو حسن بن علي بن جابر الهبل:
ولد بصنعاء سنة 1048 (1639م) ونشأ فيها وبها توفي سنة 1079 (1668م).
ذكره المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال ـ وهو من معاصريه ـ في الجزء الثالث من كتابه (مطلع البدور) (ص 125 مخطوطة زبارة) أثناء ترجمته للقاضي علي بن سعيد الهبل فقال: «ورثاه الفقيه الفاضل بديع الزمان الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمه الله بمرثية فاضلة وهي:
أتدري من تخرمت المنون
ومن أرقت لمصرعه العيون
وبعد أن أورد المرثاة قال: وناظم هذه القصيدة هو الناظم لكل فريدة بديع الزمان وقريع الأوان من لا عيب فيه إلا قرب بلاده وقرب ميلاده، فالمندل الرطب في أوطانه خشب، إلا عند قوم ميزوا ما خلص مما أتشب، وفرقوا بين النفيس والمخشْلَب، غير معولين على البلاد ولا ناظرين إلى الميلاد. أما الصغر فلله أبو الطيب حيث يقول:
ليس الحداثة من حلم بمانعة
قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
وأما بعد البلاد فأمر لا يعتبره الحذّاق، وإن قالوا القرب المفرط مانع لإدراك الأهداف. وقال بعض الناس:
عذيري من عصبة بالعراق
قلوبهم بالجفا قُلّب
يرون العجيب كلام الغريب
وأما القريب فلا يعجب
وعذرهم عند توبيخهم
مغنية الحي لا تطرب
ثم قال: نشأ رحمه الله على العبادة والزهادة وعلى مودة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يلويه عن ذلك لاو، واشتغل بالعلوم والآداب حتى برع عن المشيخة القرح فضلاً عن الأتراب. وله ديوان شعر فائق وسحر حلال رائق في كل معنى مليح، نهج مناهج الأدباء وجاراهم في رقيقهم وزجلهم وجدهم وهزلهم، وهو مع ذلك السابق المجلي، ولقد رأيت له مقاطع وقصائد باهرة، ونفسه أشبه بشعر الأديب الحسين بن حجاج غير أنه مصون عن الأقذاع، وإنما الفصاحة والنصاعة وجودة الصناعة، ولقد كان يقال إن ابن حجاج نفسه نفس امرئ القيس بن حجر اهـ.
ثم اختار من شعره عدة قصائد.
أما الشوكاني في (البدر الطالع) ج 1/ 199 فقال: الحسن بن علي بن جابر الهبل اليماني الشاعر المفلق الفائق المكثر المجيد، وله شعر يكاد يسيل رقّة ولطافة وجودة سبك وحسن معاني، وغالبه الجودة، وله ديوان شعر موجود بأيدي الناس.
لو كان يعلم أنها الأحداق
يوم النقا ما خاطر المشتاق
ولو طال عمر هذا الشاب الظريف، لكان أشعر شعراء اليمن بعد الألف على الإطلاق.
وختم الشوكاني كلامه قائلاً:
وقد بالغ صاحب (نسمة السحر) في حقه فقال: إنه لم يوجد باليمن أشعر منه من أول الإسلام.
وقال الأستاذ أحمد الشامي:
سيظل الهبل أشعر شعراء اليمن كما قال الشاعر الناقد يوسف بن يحيى في كتابه القيم (نسمة السحر) وهو الأقرب إلى الإنصاف والصواب عند دارسي آداب اليمن.
والهَبَل كما قال شيخه أحمد بن صالح بن أبي الرجال: «نشأ على مودّة آل محمد (ص) لا يَلْويهِ عن ذلك لاو»، فالتشيّع مفتاح شخصيته، فيه يُوالي، وبه يعادي، ويحبُ ويكره، ويسخط ويرضى، ويخطئ ويصيب، وهو زيديّ الرأي والأُصول؛ ولكنّه ـ وذلك ما ينطق به شعره ـ كان متطرّفاً ينهج نهج «الجاروديّين»، ولأنّه نشأ في بيئة فروسيّة وزهد وفي ظلال أسرة وجماعة يلتفّون مع قبيلتهم حول «الإمام القاسم بن محمد المنصور»، وكان لابيه وعمّه وغيرهم من أفراد أسرته الحظ الوافر من الجهاد والنضال ضد الأتراك والسلاطين و«الإقطاعيين» و«العملاء»، الذين كانوا يوالونهم في بعض الأصقاع اليمنية، والعمل باللسان والسنان لتكوين الدولة «القاسمية» التي ما إن توفي مؤسّسها «القاسم» حتى تمكّن أولاده «الحسين» و«الحسن» و«المؤيد» و«المتوكّل»، وحفيده «أحمد بن الحسن» ممدوح «الهبل»؛ والذي أصبح إماماً بعد وفاة شاعره وتلقّب بالمهدي .. من رفع راية «اليمن الكبرى» على كلّ أقطارها، وأحاط البحر بدولتها من الشرق والغرب والجنوب. بل إن الشاعر نفسه قد شارك أميره أحمد بن الحسن «سيل اللّيل»، في بعض الحروب التي خاضها، ورافقه في قمع التمردّات القبلية هنا وهناك، وحضر بعض المعارك، ووصفها وصفاً بديعاً كما فعل شاعر العربيّة الأول أبو الطيّب المتنبّي مع أميره سيف الدولة؛ وكان «الهبل» قد كتب على سيفه البتّار هذين البيتين:
أنا السّيف لا تُخْتَشى نَبْوتي
إذا خُشِيَتْ نَبْوَةُ القاضبِ
إلى «ذي الفقار» اعتزائي كما
إلى «حيدَر» يعتزي صاحبي
وكأنه لتفانيه في حبّ «عليّ» سيد الفرسان لم يكتف بذلك، بل جعل سيفه «شيعياً» لسيف «علي» «ذي الفقار» وأنطقه بهذين البيتين الرائعين.
لقد ظُلِمَ الشاعر الهبل حيًّا وميّتاً؛ فإنه؛ وهو العالم الذي قال «ابن أبي الرجال» إنه «اشتغل بالعلوم والآداب حتى بَرُعَ على المَشْيَخَةِ القُرَّح، فضلاً عن الأتراب»، قد اعتنق مذهب «الثورة» والخروج على الظلمة والمنحرفين، وألزم نفسه محاربة الفساد بلسانه وسنانه كما جهر بنقد المنحرفين والفاسدين، فِكْراً، أو عقيدة، أو سلوكاً ـ نقداً لاذعاً مريراً، وعندما رآهم يحاولون جرجَرة القائمين بالأمر إلى ما يخشاه على جوهر الحكم لم يصمت، ولم يجامل بل نصح وحذّر، ثم حرّض من يحسبه قادراً على الإصلاح والتغيير شأنه شأن المصلحين، وأصحاب المبادئ في كل زمان ومكان.
وكل ذلك قد جرّ عليه الويل، فحاربه ـ بل وحارب ديوان شعره ـ من لا يقول برأيه من الفقهاء وذوي السلطة حتى ولو كانوا من أبناء وأتباع فرقته وطائفته.
لقد التقى المتنافرون رأياً، ومذهباً، ومزاجاً؛ وعن وعي، وعن غير وعيٍ، وبقصْدٍ، وبدون قصد، على غمط الهبل، وتحاشي ذكره أو الاستشهاد بشيء من شعره، جمعهم على ذلك قاسم مشترك، وحّد بين المتنافرين رأياً ومذهباً، والمختلفين هوى وشعوراً، والمتباينين ثقافةً وتفكيراً، على مدى الأيام والعصور، وحلَّ بذلك على شاعر اليمن «الهبل» ظلمٌ كبير.
ثم يمضي الأستاذ الشاعر الشامي في كلامه متحدثاً عن الديوان المخطوط الذي جمعه أحمد بن ناصر الخلافي صديق الشاعر.
أين شعر الهبل؟
لقد سمّى جامع الديوان ما قدمه لنا من الهبل: «قلائد الجواهر» من شعر الحسن بن علي بن جابر … والمفهوم من التسمية أن هذا الديوان ليس كل شعر الهبل ولم يكتف «المخلافي» بهذا بل قال في «المقدمة»: «وقد حرصتُ على كتْب ما وجدتُ من شعره ـ رضوان الله عليه ـ مع علمي أن هذا الذي أثبتُّ له هو النزر الحقير، وإن الفائت عليّ هو الجمّ الغفير، ولقد أخبرني رضوان الله تعالى عليه أنه قد مزّق من أشعاره المتقدمة دفاتر، وأعدم منها كثيراً في الزمن الآخر، فما ظفرتُ به إن شاء الله تعالى بعد ذلك فسألحقه إلى نظيره». وإذاً فما بين أيدينا الآن إنما هو النزر اليسير من شعر الهبل؛ وكان الهبل نفسه قد مزّق الكثير من أشعاره المتقدّمة ـ أي التي أنشأها وهو في عنفوان شبابه الشعري، كما أعدم بعض ما قاله في أُخريات أيامه، ولا شك أن فيها ما يؤسَف عليه من شعره السياسي والاجتماعي، وأن الذي دفعه إلى إعدامها ليس الاستهجان، ولكنّه الحذر، أو الندم، أو الخوف؛ غير أن قول جامع الديوان بأنه سيُلْحق ما يظفر به من شعره بنظيره في الديوان يجعلنا نتساءل هل اضاف إلى ما جمعه بعد وفاة صاحبه شيئاً جديداً ولا سيما وقد عاش بعده وفيًّا لذكراه ثمانية وثلاثين عاماً؟؟ وإذا كان قد ظل مع تتابع السنين يضيف ما يظفر به إلى نظيره، فهل هناك نسخ تختلف مع اختلاف السنين وتتابع الإضافات؟ وإذا كان «المخلافي» قد شغلته ظروفه؛ وقد ابتُلي وسُجِنَ؛ فأين ما كان يطمع أنه سيظفر به، ووعد بأنه سيلحقه بنظيره؟ أسئلة ليس عندي جوابها الآن. كل ما أستطيع أن أقوله: إنه من الحرام أن يظل للهبل شعر موؤود، وإن من سيساهم في إخراجه من قبور الإهمال سيقدم يداً للأدب اليمني، وها قد نشرت الموجود، فليتفضل أدباء اليمن بالبحث عن المفقود، إمّا في النسخ المتعددة إذا كان يوجد فيها ما ليس في النسختين اللتين اعتمدت عليهما، أو في «السّفُن»، والمجاميع المخطوطة في الخزائن العامة والخاصة داخل اليمن وخارجها.
من شعره
قال:
لو كان يعلم أنها الأحداق
يوم النقا ما خاطر المشتاق
جهل الهوى حتى غدا في أسره
والحب ما لأسيره إطلاق
يا صاحبي، وما الرفيق بصاحب
إن لم يكن من دأبه الإشفاق
هذا النقا حيث النفوس تباح
والألباب تسلب، والدماء تراق
حيث الظباء لهن سوق في الهوى
فيها لألباب الرجال نفاق
فخذا يميناً عن مضاربه، فمن
دون المضارب …. تضرب الأعناق
وحذار من تلك الظباء، فما لها
في الحب، لا عهد، ولا ميثاق
وبمهجتي من شاركتني لومي
وجداً عليه، فكلنا عشاق
كالبدر، إلا أنه في تمه،
لا يختشى أن يعتريه محاق
كالغصن، لكن حسنه في ذاته
والغصن زانت قده الأوراق
مهما شكوت له الجفاء، يقول لي
ما الحب إلا جفوة وفراق
أو اشتكي سهري عليه، يقل: متى
نامت لمن حمل الهوى آماق
أو قلت: قد أشرقتني بمدامعي
قال: الأهلة شأنها الإشراق
ما كنت أدري قبله أن الهوى
مهج تصدع، أو دم مهراق
كنت الخليّ فعرضتني للهوى
يوم النقا الوجنات والأحداق
إني أعبر بالنقا عن غيره
وأقول: «شام» والمراد «عراق»
ما للنقا قصي، ولا بمحجر
وجدي، ولا أنا للحمى مشتاق
برح الخفا، «نعمان» أقصى مطلبي
لو ساعدتني صحبة ورفاق
يا برق «نعمان» أفق، حتى متى؟
وإلى متى الإرعاد والإبراق
قل لي عن الأحباب، هل عهدي على
عهدي؟ وهل ميثاقي الميثاق
يا ليت شعري، إنّ ليت وأختها
لسمير من لعبت به الأشواق
أيعود لي بعد الصدود تواصل
ويعاد لي بعد البعاد عناق
إني أقول لعصبة «زيدية»
وخدت بهم نحو «العراق» نياق
بأبي وبي، وبطارفي وبتالدي
من يمموه ومن إليه ساقوا
هل منة في حمل جسم حل في
أرض «الغري» فؤاده الخفاق([252])
أسمعتهم ذكر «الغري» وقد سرت
بعقولهم خمر السري فأفاقوا
حباً لمن يسقي الأنام غداً، ومن
تشفى بترب نعاله الأحداق
لمن استقامت ملة الباري به
وعلت وقامت للعلى أسواق
ولمن إليه حديث كل فضيلة
من بعد خير المرسلين يساق
لمحطم الردن الرماح وقد غدا
للنقع من فوق الرماح رواق
لفتى، تحيته لعظم جلاله
من زائريه الصمت والإطراق
صهر النبي وصنوه، يا حبذا
صنوان قد وشجتهما الأعراق
وأبو الأُلى فاقوا وراقوا، والألى
بمديحهم تتزين الاوراق
أنظر إلى غايات كل سيادة …
أسواه كان جوادها السباق
وامدحه لا متحرجاً في مدحه
إذ لا مبالغة، ولا إغراق
ولاه أحمد في «الغدير» ولاية
أضحت مطوقة بها الأعناق
حتى إذا أجرى إليها طرفه
حادوه عن سنن الطريق وعاقوا
ما كان أسرع ما تناسوا عهده
ظلماً، وحلت تلكم الأطواق
شهدوا بها يوم «الغدير» لحيدر
إذ عم من أنوارها الإشراق
وقال في أمير المؤمنين عليه السلام ويتجرم عليه من أعدائه ويفتخر بما له من الخؤولة في بني هاشم، وبنسبه الحميري، وشعره، وافتتحها بالتجرم من زمانه:
غير مستنكر من الأيام
ما أرى من إهانتي واهتضامي
هكذا لم تزل تحط الكرام الصـ
ـيد عن رتبة الخسار اللئام
أخرتني على نباهة قدري
عن أناس عن المعالي نيام
وتحملت ـ في الحداثة ـ من أحدا
ثها ما يهد ركني شمام
غير أني حملت نفساً أرتني
ليس يدري غناي من إعدامي
لست أرجو من الأنام نوالا
إنني في غنى برب الأنام
كيف ترضى بأن ترى باذلاً ماء
محياك في يسير حطام
ليس فقر الكريم ينقص شيئاً
من فخار الأخوال والأعمام
أيها السائلون عني مهلاً
أنا من نبعة المليك الهمام
«أسعد الكامل» الذي كان في الشر
ق وفي الغرب نافذ الأحكام
ذاك جدي إذا افتخرت
وأخوالي «بنو هاشم» نجوم الظلام
من ترى مثل «أسعد» كان، أو من
مثل قومي تراه في الأقوام
أنا من معشر أتاحهم
الله … لنصر النبي والإسلام
من أناس كانوا ملوك البرايا
كل كهل منهم، وكل غلام
ناصروا سيد الأنام، وأفنوا
دونه كل ذابل وحسام
حين لا تنكر الأنجم الزهر،
إذا قلت: فوقهن مقامي
وأبيّ، فلو رأيت الدنايا
في منامي، إذاً هجرت منامي
وكريم بما وجدت على فقري
وكم باخل برد السلام
ولعوب بالشعر، يستنزل العصم
من الشاهق الأشم كلامي
تتوقى نوافثي عصب النصب
كأني أرميهم بسهام
وكفاني حب الوصي فخارا
فهو إن أظلم السبيل أمامي
لا تلمني، إذا مدحت «علياً»
إن أولى من لامني بالملام
أنا في حبه لعمرك «عمار»،
فلم لا أبني بيوت نظامي
هات، قل لي بالله: من كأبي «السـ
ـبطين» إن أدبر الهزبر المحامي
بدر أفق الوغى، إذا ما استهلت
برؤوس من العداة، وهام
ضارب الهام في الكريهة، ثبت
يتحاماه كل جيش لهام
بمزيد الجلال دون البرايا
خصه ذو الجلال والإكرام
لست أحصي لذي الجلال ثناء
إذ هدانا بآل خير الأنام
أذهب الله عنهم الرجس حتى
طهروا من بواطن الآثام
فهم السادة المطاعيم، والقادة
والصيد والبحور الطوامي
إن دُعوا، خلتهم غيوث نوال،
أو دَعوا، خلتهم ليوث صدام
أخذوا دين ربهم عن أبيهم
لم يشيبوا حلاله بحرام
من يكن ضل في الغرام، فإني
ليس إلا لهم جعلت غرامي
فعليهم مني التحية تبقى
ببقاء الشهور والأعوام
قال وقد بلغه أنّ بعض «النّاصبة». قالَ فيه لَمّا لزمهُ دَيْنٌ في المكارم: «ما ربح إلا الفقر من حب علي»!.
قالوا: إلام تَحبّ آلَ «محمدٍ»
وتَظَلّ مَشغوفاً بِهِمْ وَتَبيتُ
فأجبتُهم: كفّوا الملامَ فإنّني
أُرْشِدتُ نهجَ وِدادِهِمْ؛ فَهُديتُ
قالوا: فإنَّ الفقْرَ حَظُّ مُحبّهمْ
أرضيتَ؟ قلتُ: نعم؛ رَضيتُ، رضيتُ
إنّي ملكتُ ذَخائراً اَحْرَزْتُها
مِنْ «كيمياء» ودَادهمْ … فَغَنِيتُ!
فدَعوا الملامَ؛ فقد أهاب بمهجَتي
داعي الهُدَى، فَأجبْبُ حينَ دُعيتُ
وقال يمدح أمير المؤمنين عليًّا عليه السلام:
حدثاني عن «عليّ» حدثاني
ودعاني عن فلانٍ وفلانِ!
وانظرا هل تَرَيا مَا عِشْتما
غيرَه لِلْمصْطَفى المختارِ ثاني
كيف أخفي حبَّهُ: وهو الذي
قرن الباري تعالى بالقُرآنِ
إن ديني واعتقادي حُبُّه؛
وَنَجاتي يومَ حَشْري، واماني
أيها السائل عني؛ جاهلاً
أنا من قد عَلِمَ الناسُ مكاني
قسماً لو لم يكنْ لي مَفْخَر
غير حُبّي لِعَليٍّ … لَكَفاني
مع أنني في أعالي ذروةٍ
كلٌّ عَن غاياتها مَرْمَى العِيانِ
أنا من أخواله مِنْ «هاشِم»
ضُمّر الحَلْبَةِ في يوم الرِّهانِ
أنجبته سادةٌ مِنْ «حمير»
يَنثَني عن فخْرِهم كلُّ مُداني
أهل بيت المصْطفى؛ ودّي لكُم
دونَ أهلِ الأرض من قاصٍ وداني
لامني قوم على مَدْحي لكم،
وبه أحوي فراديس الجنان
إن يكن مدحُ «عليٍّ» مُنكِراً؛
فَمَنِ الأَوْلى بأبكارِ المعاني
سوف أرعى ما اسْتطال العُمر مِن
حُبِّهِ؛ ما أبوايَ استودعاني
سأوالي مِدَحي فيهِ، وفي
آله؛ ما مَلك النّطْقَ لِساني
وقال وهما من أوّل شعره:
مَدْحِي لكم، يا آل «طَهَ» مَذْهبي
وبه أفُوز لَدى الإِلَهِ، وأُفلحُ
وأودُّ ـ من حُبّي لكُمْ ـ لو أنّ لي
في كلِّ جارحةٍ لساناً يَمْدَحُ
وقال:
لكُمْ آلَ الرَّسولِ جعلتُ ودّي
وذاكَ أجلُّ أسْبابِ السَّعادَهْ
وَلَوْ أَنّي اسْتَطعتُ لَزِدْتُ حُبًّا
ولكِنْ؛ لاَ سَبيل إلى الزِّيادَهْ
أعيشُ؛ وحبُّكُمْ فَرضي ونَفلي
وأُحْشَرُ؛ وهو في عُنقِي قِلادَهْ
أناضِلُ عَنْ مكارِمِكمْ لأَنّي
كريمُ الأصْلِ ميمونُ الولادهْ!
أظلُّ مجاهداً لحَليفِ «نَصْبٍ»؛
أَضَلّ بِبغْضِكم أبداً رَشَادَهْ؛
فإن أَسْلَم؛ فَأَجْرٌ لَمْ يَفْتِني؛
وَإِنْ أُقْتَلْ؛ فتُهْنيني الشّهادهْ!
وقال:
خُذوا بيَدي في الحشَرِ؛ يا آلَ «أحمدٍ»
فإنّي لَكُمْ ما طَالَ عُمري خادم
وعِندي لِسَانٌ مُرهفٌ إن سَلَلْتُهُ
غَدَتْ تَتَحَامَاهُ السّيوفُ الصوارم
تَقَلَّدتُ مِنْه مُرهَفَ الحدِّ صَارِماً
أذبُّ به عَنْ مجدِكمْ، وأصارم
وقال وهي من أول ما قاله في أمير المؤمنين عليه السلام:
مَنْ ترَى غير «عليٍّ»
كانَ صنِواً للنبي
مَن ترى؛ من بعد خيـ
ـر الأنبيا … خيرَ وصي
مَن ترى؛ فاز «بُخمٍّ»
بالْفِخارِ الأبدي
مَنْ تُرى ولاّه خير
الرُّسْلِ عنْ أمر العلي
مَن ترى؛ كانَ إمامَ
الخلق بالنصِّ الجلي
من ترى؛ السَّابق
في دين القديم الأزلي
من ترى قاتِلَ عَمْروٍ([253])؛
ذي الثبات العامري
منْ ترى آسر عمرو([254])؛
عِندَ إحجامِ الكمي
مَن تراهُ … حاط ديـ
ـنَ «المصطفى» بالمشرفي([255])
وقال:
رُمْنا الفخارَ فَنِلنا مِنْه مَا شِينَا
لمَّا مَشَى في طريقِ المجدِ ماشينَا
نحنُ الكرامُ وأبناء الكرامِ فإنْ
تجهل مكارمنا؛ فَاسأل أعادينا
واسألْ لسانَ المعالي؛ ما تَلاَفينا
وقُل لِلاَحِقنا: ما أنتَ لاَ فينا([256])
فَرُبّ مجدٍ تَلاَفينا بِنَاهُ وقَدْ
وَهَى؛ فَمَنْ ذا تَلاَفَاهُ تَلاَ فينا([257])
الشّمسُ والبدرُ أدْنَى مِن مَراتبنا،
والأَنْجمُ الشّهب غَارتْ مِنْ مَساعينا
سَعَى إلى غايةِ العَليَا فأدركها،
ونالَ مِن شأوِها مَا رَام سَاعينا
لَنَا طريقٌ إلى العلياء واضحةٌ
يَسيرُ رائحُنا فيها وغادينا
يسيرُ في طرق العلياء سائِرنا
فيهتدي بنجومٍ من أيادينا
وكم بخيل تراه في الأنام؛ ولا
والله لا كان لا مِنّا، ولا فينا
هَلْ يُعْرفُ المجدُ إلاّ في منازِلِنا؛
وَهَل يحلّ الندى إلاّ بنادينا
ما إن سُئِلْنا مَدَى الأيّامِ بَذْلُ قِرى
إلاّ وَجُدْنا بما تحويه أيدينا
لا نسأم الضَّيفَ إن طالَتْ إقَامتُه،
ولا نخيّب فينا ظنّ راجينا
نمشي إلى الموت في يوم الوغى قدماً،
وهاتفُ النّصر بالبُشْرى يُنادينا
لَنا عزَائمُ تُدْني ما نَرومُ فَما
أدْنَى «خُراسان» إنْ رُمناهُ و«الصِّينا»!
لا يَسْتميل الهوى مِنّا النّفوسَ، ولاَ
حُبُّ البَقَا عن سَبيلِ المجدِ يُثْنِينا!
ماذا يعيب العِدا مِنّا سوى حَسَبٍ
ضخمٍ؛ به سَادَ قَاصِينا ودَانينا؟
وإننا لَوْ دَعونا الدّهْرَ نأمرُه
لَقامَ طوعاً يلبّي صوتَ داعينا؛
ما نابَ جاراً لَنا في الدهر نائبةٌ
إلاّ وكنّا إذن عَنْهُ الْمحامِينا!
يا مَنْ يُسائِلُ عن قومي؛ رويدكَ ما
جَهلت إلاّ العُلى والمجدَ والدّينا!
قَوْمي الأُلى ما انتضوا أسيافَهم لِوَغى،
إلاّ وعادُوا لآي النَّصرِ تالينا؛
قومٌ إذا لَبِسوا ثَوبَ القتام غَدَتْ
أعداؤهم، في ثياب النّصر عارينا!
إن تَلْقَهمْ تَلْقَ أحْباراً جَهَابذةٌ؛
أو طاعنين العدا شَزراً، ورامينا!
وحُبّ آل رسول الله شيمتنا،
وفخر حاضرنا دوماً وبادينا؛
سَلِ «الأَئِمَّةَ» عَنَّا أَيّ مَلْحَمةٍ
لَسْنا بأرواحنا فيها مواسينا؟
مَضَتْ على حب «أهْل البيت» أُسْرَتُنا:
ونحنُ نمشي على آثارِ ماضينا؛
فمنْ يُفاخرنا؟ أمْ مَنْ يُساجلُنا؟
أمْ من يُطاولنا؟ أمْ مَنْ يدانينا؟
يكفيك أنّ لَنا الفخر الطويل على
كل الورى ما عدا «الآل» الميامينا!
عليهِمُ بعد خيرِ الرّسلِ جدّهم
أزكى وأفْضل ما صَلّى المصلّونا…
وقال يمدحُ أمير المؤمنين علياً عليه السلام ويتجرم لأهل البيت عليهم السلام من قصيدة:
مَلكْتُم فؤاداً ليسَ يدخلُه العذلُ
فَذِكْرُ سواكم كلّما مَرَّ لا يَحْلُو!
يؤنِّبني في حُبّكمْ كلُّ فارغ
ولي بهواكم عَنْ ملامَتهم شغلُ
وماذا عَسَى تُجْدي الملامةُ في الهوى
لِمَنْ لا له في الحُبَّ لُبٌّ ولا عَقلُ؟
لَئِنْ فرضوا مِنِّي السلوَّ جهالةً
فحبكُم عندي؛ هو الفرضُ والنَّفْلُ
أأسْلو ولا صبغ المشيبِ بِعارِضي
يلوحُ، ولا صبغُ الشبيبة مُنحَلُّ؟
ولَو في سواكم أهلَ بيت محمدٍ
غرامي لَكَانَ العَذْلُ عندي هو الْعَدْلُ
حَملتُ هواكمْ في زمان شَبيبتي
وقد كنتُ طِفلاً والغرامُ بكم طِفلٌ
فيا عاذلي في حُبّ آل محمدٍ
رويدكَ إنّي عنهمُ قطّ لا أسْلو
أأسلُو هوى قومٍ قَرى باجْتبائِهمْ،
وتَفضيلهمْ بينَ الورى والعقلُ والنّقلُ
أُولئِكَ أبناءُ النبيّ محمدٍ؛
فقل ما تشاء فيهم؛ فإنَّكَ لا تغلو
فروعٌ تَسَامتْ؛ أصلُها سيّد الورى،
و«حَيْدَرة»؛ يا حبذا الفرع والأصل
تَفَانَوا على إظهار دِينِ أبيهمُ
كراماً؛ ولا جبن لديهم ولا بخل
إلى الله أشْكو عُصْبةً قد تَحاملوا
عليهمْ، ودانُوا بالأباطيل واعتلوا
يرومون إطفاءً لأَنوارِ فَضْلِهِمْ
وما بَرحتْ أَنوار فضلهم تعلو
…………………………………………..
…………………………………………………
وهُمْ أَنْكروا في شَأْنِه بَعْدَ «أحمدٍ»
مِنَ النصّ أمراً ليس ينكره العقل
وقد نوَّه «المختار» «طه» بِذكْرِهِ
وقالَ لهم: هذا الخليفة والأهل
وَوَلاّهُ في يوم «الغدير» ولايةً
على الخلقِ طرًّا ما له أبداً عزل
ونصّ عليه بالإمامة دونهم
ولو لم يكن نصًّا لقدمه الفضل
أليسع أخاهُ، والمُواسي بنفسِهِ
إِذا ما الْتقى يَوْمَ الوغى الخيل والرجل
أما كانَ أدناهُمْ إليه قرابةً
وأكثرهُمْ عِلماً؛ إذا عظّم الجهل
«أما كانَ أوفاهمْ إذا قال ذمّةً
وأعظمُهم حلْماً إذا زلت النعل
وأفصَحَهُمُ عند التلاحي؛ وخيرَهم
نَوالاً إذا ما شِيم نائله الجزل
المعادن في اليمن
يتميز الموقع الفريد لليمن في جنوب الجزيرة العربية بتنوع واضح في البنية الجيولوجية انعكس في تنوع الصخور والمعادن، ما أدى إلى تكوين أقاليم جيولوجية بركانية ورسوبية غنية بالصخور والمعادن.
ويؤكد الدليل الجيولوجي الذي أصدرته هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية أن التنوع الصخري الواضح والمعادن الفلزية واللافلزية والنفط والغاز تجعل هذه التشكيلة الاقتصادية قابلة للاستخراج والاستثمار.
ويقول الدليل إن المعلومات المتوافرة تدعم التواجد الاقتصادي للذهب وتمعدنات الزنك والرصاص والفضة. وينحصر اكتشاف تمعدن الذهب في الوقت الحاضر في اليمن بعروق الكوارتز المتواجدة ضمن صخور القاعدة لعصر ما قبل الكمبري.
ويتركز وجود الذهب في منطقة وادي مدن وهي تقع على بعد 280 كم جنوب شرقي صنعاء وتمثل أكبر منطقة تواجد وصلت إليها الدراسات الحالية للذهب في اليمن منذ عام 1976. ويقدر الاحتياط المعروف إلى الآن فيها بنحو 136 ألف طن، بمعدل 15 كغم للطن الواحد، فيما يقدر الاحتياط المحتمل بنحو 350 ألف طن.
وتشير التقارير الفنية إلى وجود مناطق قريبة من وادي مدن تحوي نحو مليوني طن من الذهب القابل للاستخراج. أما منطقة شمال شرقي وادي الجوف فقد تم اكتشاف أكثر من منجم قديم فيها. وتمثل هذه المنطقة امتداداً للدرع العربي النوبي الممتد في السعودية وشرق السودان. وعلى رغم أن أعمال التنقيب عن الذهب في المنطقة ما زالت أولية وغير كافية، إلا أن نتائجها أدت إلى اكتشاف مواقع ذات نتائج مشجعة.
الزنك والرصاص والفضة
وتشير التقاريبر الرسمية إلى أن أعمال التنقيب عن المعادن التي تم تنفيذها خلال الأعوام الماضية أدت إلى اكتشاف عدد كبير من ظواهر تمعدنات تصاحب الزنك والرصاص والفضة في الصخور الرسوبية الجيرية وبصورة خاصة في مناطق حواف الأحواض. واعتبرت الدراسات اليمنية أن هناك عدداً من المناطق ذات أهمية اقتصادية، أهمها منطقة الجبلي ومنطقة طبق، وتقدر الدراسات الاحتياط الحالي لهذه التمعدنات بنحو 3,8 مليون طن وبنسبة 16 في المئة للزنك و2,1 في المئة للرصاص و135 غراماً/ طناً للفضة.
وأثبتت الدراسات اليمنية وجود تمعدنات للنحاس والنيكل في منطقة الحامورة على بعد 50 كم جنوب شرقي مدينة تعز. وقدرت الأعمال المنجمية تحت السطحية الاحتياط للخام بنحو أربعة ملايين طن وبمعدل 0,75 في المئة نحاس و0,39 في المئة نيكل.
ويترسب الحديد والتيتانيوم في منطقة مكيراس (محافظة أبين) على بعد 210 كم شمال شرقي عدن. وأثبتت دراسات غطت مساحة 30 كم مربعاً وجود احتياط الخام بنحو 860 مليون طن كتقديرات أولية.
وتقع ترسبات المعتادن الأرضية النادرة في منطقة لورد (محافظة أبين) على بعد 160 كم شمال شرقي عدن وتتكون جيولوجية المنطقة من صخور متحولة تتبع عصر البروتيروزويك المتأخر.
وتتواجد رواسب الجبس في مناطق متعددة من اليمن أهمها بيت ظهرة وبني ستر وخلقة والغراس في شمال شرقي صنعاء، ومنطقة الكنايس شمال مأرب ومنطقة الصليف وجبل معرب وجبل قمة شمال الحديدة ومنطقة غيل باوزير شرق المكلا وأحور شمال عدن، ومنطقة الرضوم على الشريط الساحلي بين عرفة وبئر علي. ويستخدم الجبس محلياً في العديد من الأغراض مثل صناعة الإسمنت وفي الأغراض الإنشائية والعمرانية كطلاء الجدران الداخلية في الأبنية والزخرفة وعمل الديكورات والقمريات.
وتتواجد رواسب الملح في مناطق عدة من اليمن مصاحباً لرواسب الجبس والطين والدولوميت ومن أهمها منطقة الصليف وجبل قمة وشبوة وصافر. ويستخدم الملح محلياً في صورته كملح للطعام ودباغة الجلود وكحافظ للمواد الغذائية.
الرخام
يتواجد الرخام في اليمن بألوان مختلفة منها اللون الأبيض والرمادي والوردي في مناطق عدة منها وادي مقصب جنوب غربي تعز ووادي شيبان وجبل العرف ووادي البرج وجبال الثنية ومنطقة القورية شمال شرقي عدن.
وتستخدم صخور الرخام كأحجار زينة وفي صناعة البلاط وصناعة الطلاء ويستخدم في الوقت الحاضر في اليمن كبلاط وكأحجار لتزيين واجهات المباني، كما يستخدم لأغراض أخرى داخل المنازل مثل المطابخ وغيرها.
وتتميز صخور الحجر الجيري في اليمن بالانتشار الكبير والواسع ما يجعله يختلف في خواصه الفيزيائية والكيميائية لخدمة أغراض الصناعة المختلفة. ومن أهم مواقع الحجر الجيري في اليمن جبل العر وجنادبه وجبل الظامر وجبل الطويل وجبل السلفية وجبل البلق ومنطقة خمر وباتيس وحطاط والمكلا.
وتستخدم صخور الحجر الجيري في أغراض كثيرة منها صناعة الإسمنت وكأحجار بناء وبلاط وزينة وصناعة الحديد والفولاذ وصناعة الزجاج وفي الزراعة وصناعة المطاط والأصباغ وغيرها ويستخدم محلياً في صناعة الإسمنت وكأحجار بناء وزينة.
ويتواجد الغرانيت في اليمن وفقاً لعصوره المتعددة وتوجد صخور عصر ما قبل الكمبري في محافظتي حجة وصعدة. أما صخور العصر الثلاثي فتوجد في جبل صبر وحفاش وسردد وحوث.
ومن أهم مناطق تواجد الغرانيت في اليمن مناطق واحدي عقمة وجبل سورق والحيكل والسوادية ومحرق وجبل دنة وسويدا والطفة وجبل عبيلي ووادي علاف والطور. ويستخدم الغرانيت محلياً للأغراض الإنشائية مثل أحجار البناء والبلاط وأحجار زينة.
كما تتواجد الرواسب الطينية في العديد من مناطق اليمن في شكل طبقات وأهم أماكن تواجدها إب وصنعاء وحيس وصعدة وذمار ولحج. وتستغل الأطيان محلياً في صناعة الطوب الحراري وتدخل في صناعة الإسمنت وصناعة مواد البناء.
الزجاج البركاني
يتواجد الزجاج البركاني في العديد من مناطق اليمن بكميات مختلفة مصاحباً لصخور الريولايت والتف البركانية وذلك في ذمار وإب وتعز ومأرب وصنعاء. وللزجاج البركاني استخدامات عديدة منها استخدامه كمادة عازلة حرارياً وصوتياً في كثير من الأغراض، وكمادة مخثرة ويدخل في صناعة الأسمدة الكيماوية وفي صناعة مستحضرات الأدوية وغيرها من الاستخدامات الأخرى.
وتوجد صخور البازلت في منطقة صبر، مقصصة، المخادر، معبر، ماور، ورقة، صنعاء جحانة، جبل اللوز، جبل خرز، جبل سورق، قدس، الشعوبة، النشمة، جنادب، سودان، وداي حسان، زراجة، حمة سليمان ويريم.
وتستخدم صخور البازلت كأحجار بناء وزينة وفي أعمال الرصف، كما تستخدم تحت فلنكات السكك الحديد وكركام للخرسانة وكذلك في صناعة الصوف الصخري، وتستخدم صخور البازلت محلياً كأحجار بناء وزينة وفي أعمال الرصف.
وتستخدم الصخور البركانية بشكل واسع كأحجار زينة لإضفاء منظر طبيعي أرضي جميل، كمواد لرصف الطرق وعمل حصى لرصف السكك الحديد، وفي العوازل الحرارية والصوتية وفي صناعة الإسمنت ورصف الطرق.
وحسب الدليل الجيولوجي يوجد الفلورايت في اليمن في بعض المناطق أهمها المكلا ويستخدم في إنتاج حمض الهيدروفلوريك وصناعة السيراميك والزجاج والطلاء ويستخدم كعامل صهر في صناعة الفولاذ.
استثمار
تؤكد وزارة النفط والمعادن أن الاستثمار في مجال المعادن شهد إقبالاً جيداً من الشركات الأجنبية خلال الفترة المنصرمة، إذ تم منح تراخيص لخمس شركات للاستكشاف والتنقيب عن المعادن أسفرت النشاطات الأولية لها عن اكتشافات مشجعة.
وتقوم شركة «ميناركو» بدرس الجدوى الاقتصادية لتمعدنات الزنك والرصاص والفضة المكتشفة في منطقة الجبلي / نهم بمساحة 1,058 كيلومتر مربع ومنطقة طبق / سبوة لمساحة 1212 كيلومتراً مربعاً.
وتنفذ شركة «مينورا» حالياً دراسة الجدوى الاقتصادية لمنجم الذهب المكتشف في وادي مدن في حضرموت بمساحة 340 كم مربعاً.
أما شركة «كنديان مونتين» فتقوم بالبحث والتنقيب عن تمعدنات الذهب والنيكل والكوبلت والنحاس ومجموعة البلاتين في كل من حجة وصعدة والجوف على مساحة 42 ألف كم مربع. وتنقب شركة «فيليكس مايننغ» عن تمعدنات النيكل والنحاس في منطقة الحامورة في تعز وبمساحة تقدر بنحو 2010 كيلومترات مربعة. وتعمل «الشركة اليمنية الإسبانية للتعدين» في مجال التنقيب عن الالومنيوم وسِليكات المغنيسيوم في المكلا في حضرموت.
اليقين المنطقي والموضوعي والذاتي
لكي ندرس ذلك يجب أن نحدد معنى اليقين الذي نتحدث عنه، حينما نتساءل عن تحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين في مرحلة تالية من الدليل الاستقرائي.
فإنا يجب أن نميز بين ثلاثة معان لليقين:
1 ـ اليقين المنطقي «أو الرياضي»، وهو المعنى الذي يقصده منطق البرهان الأرسطي بكلمة «اليقين»، ويعني اليقين المنطقي: العلم بقضية معينة، والعلم بأن من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي علم. فاليقين المنطقي مركب من علمين، وما لم ينضم العلم الثاني إلى العلم الأول لا يعتبر يقيناً في منطق البرهان، فإذا فرضنا ـ مثلاً ـ تلازماً منطقياً بين قضيتين على أساس تضمن إحداهما للأخرى من قبيل «زيد إنسان»، «زيد إنسان عالم» فنحن نعلم بأن زيداً إذا كان إنساناً عالماً فهو إنسان، أي نعلم بأن القضية الثانية إذا كانت صادقة فالقضية الأولى صادقة، وهذا العلم يقين منطقي لأنه يستبطن العلم بأن من المستحيل أن لا يكون الأمر كذلك.
وكما يمكن أن ينصب اليقين المنطقي ـ من وجهة نظر البرهان ـ على العلاقة بين قضيتين بوصفها علاقة ضرورة من المستحيل أن لا تكون قائمة بينهما، كذلك يمكن أن ينصب على قضية واحدة حين يكون ثبوت محمولها لموضوعها ضرورياً. فعلمنا مثلاً بأن الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين، يعتبر ـ من وجهة نظر المنطق الأرسطي للبرهان ـ يقيناً لأننا نعلم بأن من المستحيل أن لا يكون الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.
وأما اليقين الرياضي فهو يندرج في اليقين المنطقي بمفهومه الذي رأيناه في منطق البرهان الأرسطي، لأن اليقين الرياضي يعني: تضمن إحدى القضيتين للأخرى. فإذا كانت هناك دالة قضية تعتبر متضمنة في دالة قضية أخرى من قبيل: (س) إنسان، مع (س) إنسان عالم، قيل من وجهة نظر رياضية: إن دالة القضية الأولى تعتبر يقينية من حيث علاقتها بدالة القضية الثانية.
فاليقين الرياضي يستمد معناه من تضمن إحدى الدالتين في الأخرى، بينما اليقين المنطقي في منطق البرهان يستمد معناه من اقتران العلم بثبوت شيء لشيء بالعلم باستحالة أن لا يكون هذا الشيء ثابتاً لذاك، سواء كانت هذه الاستحالة من أجل تضمن أحدهما في الآخر، أو لأن أحدهما من لوازم الآخر.
2 ـ اليقين الذاتي، وهو يعني: جزم الإنسان بقضية من القضايا بشكل لا يراوده أي شك أو احتمال للخلاف فيها.
وليس من الضروري في اليقين الذاتي أن يستبطن أي فكرة عن استحالة الوضع المخالف لما علم، فالإنسان قد يرى رؤيا مزعجة في نومه فيجزم بأن وفاته قريبة، وقد يرى خطاً شديد الشبه بما يعهده من خط رفيق له فيجزم بأن هذا هو خطه، ولكنه في نفس الوقت لا يرى أي استحالة في أن يبقى حياً، أو في أن يكون هذا الخط لشخص آخر، رغم أنه لا يحتمل ذلك، لأن كونه غير محتمل لا يعني أنه مستحيل.
3 ـ اليقين الموضوعي: وفي سبيل توضيح هذا المعنى لليقين يجب أن نميز في اليقين ـ أي يقين ـ بين ناحيتين: إحداهما القضية التي تعلق بها اليقين. والأخرى درجة التصديق التي يمثلها اليقين. فحين يوجد في نفسك يقين بأن جارك قد مات، تواجه قضية تعلق بها اليقين: وهي: أن فلاناً مات، وتواجه درجة معينة من التصديق يمثلها هذا اليقين، لأن التصديق له درجات تتراوح من أدنى درجة للاحتمال إلى الجزم، واليقين يمثل أعلى تلك الدرجات، وهي درجة الجزم الذي لا يوجد في إطاره أي احتمال للخلاف.
وإذا ميزنا بين القضية التي تعلق بها اليقين ودرجة التصديق التي يمثلها ذاك اليقين، أمكننا أن نلاحظ أن هناك نوعين ممكنين من الحقيقة والخطأ في المعرفة البشرية:
أحدهما: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الأولى، أي من ناحية القضية التي تعلّق بها. والحقيقة والخطأ من هذه الناحية مردهما إلى تطابق القضية التي تعلق بها اليقين مع الواقع وعدم تطابقها، فإذا كانت متطابقة فاليقين صادق في الكشف عن الحقيقة، وإلا فهو مخطئ.
والآخر: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الثانية، أي من ناحية الدرجة التي يمثلها من درجات التصديق، فقد يكون اليقين مصيباً وكاشفاً عن الحقيقة من الناحية الأولى ولكنه مخطئ في درجة التصديق التي يمثلها. فإذا تسرع شخص وهو يلقي قطعة النقد، فجزم بأنها سوف تبرز وجه الصورة نتيجة لرغبته النفسية في ذلك، وبرز وجه الصورة فعلاً، فإن هذا الجزم واليقين المسبق يعتبر صحيحاً وصادقاً من ناحية القضية التي تعلّق بها، لأن هذه القضية طابقت الواقع، ولكنه رغم ذلك يعتبر يقيناً خاطئاً من ناحية درجة التصديق التي اتخذها بصورة مسبقة، إذ لم يكن من حقه أن يعطي درجة للتصديق بالقضية «إن وجه الصورة سوف يظهر» أكبر من الدرجة التي يعطيها للتصديق بالقضية الأخرى «إن وجه الكتابة سوف يظهر».
وما دمنا قد افترضنا إمكانية الخطأ في درجة التصديق، فهذا يعني: افتراض أن للتصديق درجة محددة في الواقع طبق مبررات موضوعية، وأن معنى كون اليقين مخطئاً أو مصيباً في درجة التصديق: أن درجة التصديق التي اتخذها اليقين في نفس المتيقن تطابق أو لا تطابق الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية للتصديق.
ولنأخذ مثالاً: آخر: نفترض أننا دخلنا إلى مكتبة ضخمة تضم مائة ألف كتاب، وقيل لنا: إن كتاباً واحداً فقط من مجموعة هذه الكتب قد وقع نقص في أوراقه، ولم يعين لنا هذا الكتاب. ففي هذه الحالة إذا ألقينا نظرة على كتاب معين من تلك المجموعة فسوف نستبعد جداً أن يكون هو الكتاب الناقص، لأن قيمة احتمال أن يكون هو ذاك هي: 1/ 100000، ولكن إذا افترضنا أن شخصاً ما تسرع وجزم ـ على أساس هذا الاستبعاد ـ بأن هذا الكتاب ليس هو الكتاب الناقص، فهذا يعني: أن اليقين الذاتي قد وجد لديه، ولكننا نستطيع أن نقول بأنه مخطئ في يقينه هذا، وحتى إذا لم يكن هذا الكتاب هو الكتاب الناقص حقاً فإن ذلك لا يقلل من أهمية الخطأ الذي تورط فيه هذا الشخص. وسوف يكون بإمكاننا أن نحاجّه: قائلين: وما رأيك في الكتاب الآخر وفي الكتاب الثالث … وهكذا؟ فإن أكد جزمه ويقينه الذاتي بأن الكتاب الآخر ليس هو الناقص أيضاً، وكذلك الثالث … وهكذا، فسوف يناقض نفسه، لأنه يعترف فعلاً بأن هناك كتاباً ناقصاً في مجموعة الكتب. وإن لم يسرع إلى الجزم في الكتاب الثاني أو الثالث طالبناه بالفرق بين الكتاب الأول والثاني … وهكذا، حتى نغير موقفه من الكتاب الأول، ونجعل درجة تصديقه بعدم نقصانه لا تتجاوز القدر المعقول لها، فلا تصل إلى اليقين والجزم.
فهناك ـ إذن ـ تطابقان في كل يقين: تطابق القضية التي تعلّق اليقين بها مع الواقع، وتطابق درجة التصديق التي يمثلها اليقين مع الدرجة التي تحددها المبررات الموضوعية.
ومن هنا نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي، فاليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة سواء كان هناك مبررات موضوعية لهذه الدرجة أم لا، واليقين الموضوعي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية. أو بتعبير آخر: إن اليقين الموضوعي هو أن تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية إلى الجزم.
وعلى هذا الأساس قد يوجد يقين ذاتي ولا يقين موضوعي كما في يقين ذلك الشخص الذي يرمي قطعة النقد ويجزم مسبقاً بأن وجه الصورة سوف يبرز، وقد يوجد يقين موضوعي ولا يقين ذاتي، أي تكون الدرجة الجديرة وفق المبررات الموضوعية هي درجة الجزم ولكن إنساناً معيناً لا يجزم فعلاً، نظراً إلى ظرف غير طبيعي يلمّ به.
وهكذا نعرف: أن اليقين الموضوعي له طابع موضوعي مستقل عن الحالة النفسية والمحتوى السيكولوجي الذي يعيشه هذا الإنسان أو ذاك فعلاً. وأما اليقين الذاتي فهو يمثل الجانب السيكولوجي من المعرفة.
وكما يوجد يقين موضوعي بهذا المعنى في مقابل اليقين الذاتي، كذلك يوجد احتمال موضوعي في مقابل الاحتمال الذاتي. فالاحتمال الموضوعي يعبّر عن درجة محددة من التصديق الاحتمالي وهي الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية، فيكون الاحتمال موضوعياً إذا كانت درجته تتطابق مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية. والاحتمال الذاتي يعبِّر عن الدرجة الاحتمالية الموجودة فعلاً في نفس شخص معين سواء كانت متطابقة مع تلك المبررات أم لا.
وسوف نعبِّر بكلمة التصديق الموضوعي عن اليقين الموضوعي والاحتمال الموضوعي بدرجاته المتفاوتة، ونعبر بكلمة التصديق الذاتي عن اليقين الذاتي والاحتمال الذاتي بدرجاته المتفاوتة أيضاً.
بقي علينا أن نعرف ما هي المبررات الموضوعية التي تحدد درجة التصديق، وكيف يمكن أن نحدد الدرجة الموضوعية لتصديقاتنا؟.
إن الدرجة الموضوعية للتصديق هي: تلك الدرجة التي يمكن استنباطها من الدرجات الموضوعية لتصديقات سابقة، فكما أن قضية من قضايا الرياضة أو المنطق تستنبط من قضايا أخرى كذلك الدرجات الموضوعية للتصديقات تستنبط من الدرجات الموضوعية لتصديقات سابقة. وكما يجب في مجال استنباط القضايا بعضها من بعض أن نفترض بداية غير مستنبطة ولا مندرجة ضمن قانون أعم وأشمل منها ـ كمصادرات الرياضة البحتة التي تشكل البداية والقاعدة لاستنباط كل القضايا النظرية في هذا الميدان ـ، كذلك يجب، في مجال استنباط الدرجة الموضوعية للتصديق، أن نفترض في بداية تحتوي على عدد من الدرجات لتصديقات معينة، وتكون هذه الدرجات موضوعية ومعطاة عطاء مباشراً في نفس الوقت، أي أنها لا تستمد موضوعيتها وصحتها من درجات سابقة.
وهذا يعني: أن الدرجات الموضوعية للتصديق على قسمين: أحدهما: الدرجة التي يمكن البرهنة على موضوعيتها ـ أي على صحتها ـ عن طريق درجات صحيحة لتصديقات سابقة. والآخر: الدرجة التي تكون موضوعيتها ـ أي صحتها ـ أولية ومعطاة بصورة مباشرة.
وفي هذا الضوء نعرف: أن أي تقييم موضوعي لدرجة التصديق يجب أن يفترض مصادرة مفادها: أن هناك درجات وتقييمات بديهية أولية وغير مستنبطة، إذ ما لم تكن هناك درجات تتمتع بالصحة الموضوعية بصورة مباشرة، لا يمكن أن توجد درجات مستنبطة.
كما نعرف في هذا الضوء أيضاً أن هناك خطين للاستنباط في المعرفة البشرية: أحدهما: خط استنباط القضايا التي يتعلق بها التصديق بعضها من بعض، والآخر: خط استنباط درجات التصديق المتعددة بعضها من بعض، فاستنباط القضية القائلة: «إن زوايا المثلث تساوي قائمتين» من مصادرات الهندسة الإقليدية ينتمي إلى الخط الأول، وأما استنباط درجة التصديق الموضوعي بأن قطعة النقد سوف تبرز وجه الصورة من درجة التصديق الموضوعي بأن قطعة النقد سوف تواجه إحدى حالتين فقط، فهو من الخط الثاني، لأن الاستنباط هنا ليس استنباط قضية من أخرى، إذ أن القضية القائلة: «إن قطعة النقد سوف تبرز وجه الصورة» لا يمكن استنباطها من القضية القائلة: «إن قطعة النقد سوف تواجه إحدى حالتين فقط»، وإنما ينصب الاستنباط هنا على درجة التصديق، فتحدد درجة التصديق بالقضية الأولى بأنها: 2/ 1، وتستنبط هذه الدرجة من الدرجة المحددة للتصديق بالقضية الثانية وفق نظرية الاحتمال.
وعلى أساس ما حصلنا عليه حتى الآن من تمييز بين اليقين المنطقي واليقين الذاتي واليقين الموضوعي، نطرح من جديد السؤال الذي أثرناه في بداية البحث: هل أن القيمة الاحتمالية الكبيرة التي يحققها الدليل الاستقرائي في مرحلته الأولى الاستنباطية تتحول إلى يقين في مرحلة تالية من هذا الدليل أو لا؟.
مدخل إلى حياة السيد الشهيد
محمد باقر الصدر الشخصية
آيات نابغة … ومعالم عبقرية
أحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل الذي يحظى بعنايةً وتقدير فائقين من قبل مدير ومعلّمي مدرسته ـ هكذا تحدّث معلم نُسِّب إلى هذه المدرسة (منتدى النشر الابتدائية) حديثاً ـ فرحت أرقبه عن كثب، وأقرِّبه إليَّ … وجدت فيه نبوغاً عجيباً، وذكاء مفرطاً، يدفعانك إلى الاعتزاز به، ويرغمانك على احترامه ….
لقد كان طفلاً يحمل أحلام الرجال، ويتحلَّى بوقار الشيوخ …
كان كلُّ ما في هذه المدرسة دون مستواه العقلي والفكري ….
شغوفاً بالقراءة، محبًّا لتوسيع دائرة معارفه…
لا تقع عيناه على كتاب إلاَّ وقرأه، وفَقِه ما يحتويه، فيما يعزُّ فهمه على كثير ممَّن أنهوا المرحلة الثانوية …
كان يقرأ كلَّ شيءٍ … آداب، علوم، اقتصاد، تاريخ، فلسفة … كلَّ شيء، ما طرق سمعه اسم كتاب إلاَّ وسعى إلى طلبه …
جاءني يوماً مبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسية … تردَّدتُ، خشية أن يتأثَّر بها، فألحَّ، فأرشدته إلى بعض المجلات والكتب المبسَّطة، وهيَّأتها له، فأعادها إليَّ بعد أن قرأها، وهو يقول: أُريد كتباً أكثر موضوعية، وأعمق عرضاً لآراء الماركسية!!
فهيَّأت له ما طلب وأنا أظنُّ أنَّه سوف لا يفقه منها شيئاً … وبعد أُسبوع واحد أعادها إليَّ وطلب غيرها، فأحببت أن أعرف هل فهم منها شيئاً، هذا الطفل. الصغير؟! وإذا به يدخل في شرح الماركسية طولاً وعرضاً، فأخذت عنه كلَّ ما كان قد غمض عليَّ معناه عند قراءتي لها!!
عجبت لهذا الطفل المعجزة … إنَّه في الصف الثالث الابتدائي … يقرأ هذه الكتب المعقَّدة ناقداً متبحِّراً …
ـ والله لولا الأنظمة والقوانين، ولو كانت هنا حكومة تقدِّر النبوغ والكفاءة، لمنحته الشهادة الثانوية بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب الكلِّيات ليختار منها ما يشاء … هكذا تحدَّث معلِّم آخر له في المرحلة ذاتها ـ معلَّم اللغة العربية.
ـ المعلِّم الأول: وهكذا قال مدرِّسو العلوم الأُخرى، مبدين دهشتهم في نبوغه، خائفين أن يقتله ذكاؤه …
ـ زميل يتقدَّمه بأربع مراحل: وقبل أن يعرفه ذلك الأُستاذ بعام، في سنته الثانية من دراسته الابتدائية، كانت له في زاوية من زوايا المدرسة «حوزة»! هكذا اشتهرت في أوساط الطلاب، في كل استراحة بعد كل درس … يقول تلميذ الصف النهائي في هذه المدرسة: كنّا نرقبه وهو يتحدث إلى المحيطين به، وكلهم إصغاء له … أثارت فضولنا هذه الحالة، ونحن كبار المدرسة وأولئك صغارها، فهممنا عدَّة مرات لأن ننضمّ إليهم، فنتردّد لفارق السن بيننا … وجاء ذلك الذي لم أنسه، ولا أنساه، كان يوماً جديداً لم يمرَّ بنا مثله …
اندفعنا وكأننا مقادون صوبه، فإذا بنا نصغي أكثر منهم إلى حديثٍ لم نألفه من قبل، ولا صلة له بدروسنا …. لأول مرَّةٍ سمعنا فيها كلمات مثل: «الماركسية» و«الانتهازية» و«الامبريالية» و«الديالكتيك» وكلمات أُخرى نسيتها، وبعضها أسماء لم نسمع بها من قبل ولم يحضرني منها اليوم سوى اسم «فيكتور هيجو» و«غوته» وغاب عنِّي غيرها …
لقد كان يهيم في حديثه … ويسبح في فضاءٍ من الخيال … أو يغوص في بحرٍ لُجَّي يلتقط منه المعاني والألفاظ والأفكار … كلُّنا نرغب أن نفهم أحاديث هذا الصغير! والعجب لزملائه، فهلا يفهمون شيئاً ممَّا يسمعون؟
كنَّا نستزيده، فيزيد … ونستعيده، فيعيد … كان أُستاذاً كبيراً في حديثه وفي سلوكه معنا([258]) …
فتًى يخترق فضاء الحوزة
بجدارة يتجاوز التقليد التعليمي ويدرس أكثر أبحاث السطح العالي، بلا أستاذ، في الحادية عشرة من عمره يكتب رسالةً في المنطق، يثير فيها اعتراضات علمية كبيرة على بعض كتب المنطق.
درس المعالم في الأُصول في الثانية عشرة من عمره في درس أخيه إسماعيل، وكان يشدُّ انتباه أُستاذه وزملائه باعتراضات علمية على صاحب المعالم، وكان بعض ما يأتي به موافقاً لما أورده صاحب الكفاية في الأُصول على صاحب المعالم.
هاجر إلى النجف في الرابعة عشرة من عمره ليشبع طموحه العلمي في مركزه الكبير، فعُرف مبكِّراً لدى أكابر أساتذة النجف بالذكاء المفرط والنبوغ العلمي.
قال عنه أستاذه الأول، أخوه: بلغ سيدنا الأخ ما بلغ في أوان بلوغه!
وكتب في السابعة عشرة من عمره تعليقة على الرسالة الفقهية للمرجع الشيخ محمد رضا آل ياسين، اطلع عليها أُستاذه الشيخ عباس الرميثي، فقال له: إنَّ التقليد عليك حرام!
لكنَّه كان قد أدرك هذا في نفسه منذ سنوات، فانفرد باجتهاده منذ بلغ الحلم، منذ ذلك العمر لم يقلِّد أحداً، وهذا ما أدركه فيه أخوه، أُستاذه الأول.
وهكذا أقرَّت الحوزة العلمية في النجف لفقيه مجتهد في السابعة عشرة من عمره، وكان قبل إقرارها مجتهداً …
وفي الثامنة عشرة من عمره كتب «فدك في التاريخ» دراسة تاريخية راقية، مشحونة بأبحاث فقهية عالية، فكان شهادة لمؤرِّخ خبير، وفقيه مجتهد، وبليغ ذي بيان رفيع، لا يظنُّ قارئونه أن صاحب هذا الكتاب دون الأربعين سنة.
قبل المدرسة
«ليس في ذاكرتي شيء، عن أبي … إلاَّ صورة غير واضحة … فأنا بحكم من لم يرَ أباه»([259]).
يتيماً دخل المدرسة الابتدائية، محمَّد باقر الصدر …
له ثلاث سنين وسبعة أشهر يوم توفِّي والده، حيدر بن إسماعيل الصدر …
والذي بين مولد حيدر بن إسماعيل الصدر في جمادى الآخرة 1309هـ بسامرَّاء، وبين وفاته مرجعاً من مراجع الشيعة في 27 جمادى الآخرة من سنة 1356هـ بالكاظمية، سبع وأربعون سنة، لا غير … ومنذ عنفوان شبابه أصبح من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان …
وهكذا قصيرة هي أعمار العباقرة … وسيكون عمر ولده أقصر … يأتيه القصر من جهتين … ذكاء بلا نظير، وفداء بلا حدود …
ستلمُّه، مع أخيه الأكبر إسماعيل (ولد 1340هـ) وأخته الأصغر آمنة (ولدت 1356) أمُّهم الزاهدة، بنت المرجع الكبير عبد الحسين آل ياسين.
وقبل أن يكونوا في كنف أخوالهم الكبار: محمَّد رضا آل ياسين، كبير الفقهاء المجتهدين … وراضي آل ياسين، العالم الكبير، والكاتب ذو البيان الرشيق([260]) …. ومرتضى آل ياسين، مرجع التقليد الشهير.
قبل أن يكون الأُخوة الثلاثة وأمُّهم في رعاية أخوالهم، تقول أمُّهم: كنّا أكثر من شهر بعد وفاة أبيهم حائرين في لقمة العيش([261]) …
ومَنْ كان الأب الراحل الذي لم يخلّف لأُسرته الصغيرة ميراثاً؟
لقد كان مرجعاً من مراجع التقليد في العراق!!
كثير أولئك الذين يحملون علوماً جمَّة … ولكن قليل منهم فقط الذين يتمثَّلونها سلوكاً … ولا يرتزقون بها …
والعفَّة والورع تورَّثان أحياناً …
وهو خير ميراث سيحيا به الأُخوة الثلاثة … ثُمَّ يورِّثونه من جديد لخلفهم الآتي …
وهذه من سنن الله في عباده …
مجدٌ يتصاعد في السماء، كلَّما اقترب التراث من الأرض … وشأن يغور تحت القاع، كلّما تكدّس التراث وتصاعدت القصور صوب السماء …
قليلاً في أجواء الأُسرة
ليس يهون توديعها … وأشدُّ من ذلك أن تمكث معها طويلاً …
الصدق والفقر توأمان في هذه الدنيا، توأمان لهما توائم أُخرى … شرفٌ وإباء … مجدٌ وحسَّاد …
توائم سنراها تأتلف تحت سقف واحد …
لكنه ليس إلاَّ السقف الذي لا يحجبها عن ماء السماء …
وعلى مهاد واحد … لكنَّه المهاد الذي لا يحبِّب إليك الجلوس عليه، بله الاسترخاء! وعلى مائدة واحدة، مائدة ليس عليها غير رغيف الخبز وشربة ماء … خبز في أحسن أحواله لا يابس ولا عَفَنٌ فيه … وليكن ماؤك بعد ذلك ماء الفرات العذب … أو دجلة الريَّان …
أرأيت كيف مات «حيدر» ولم يترك لعياله وجبة طعام!!
لقد ورث التوأمان، الصدق والفقر، من أبيه «إسماعيل»!!
فمن أولى بذلك الميراث كلَّه من «محمد»؟!
وهل سيشاطر «محمداً» ميراثه قبل «آمنة» أحد؟!
أسماء ومسمَّيات …. أنزل الله بها كلَّ سلطان ….
عجباً …. هل صار حديثي فيهم شعراً!! لم أقصد ذلك أبداً، أبداً، ومنذ زمن كنت هجرت الشعر …. ونسيت فنَّه وقوافيه …. ونسيت أسماء الشعراء …. ألم أقل لك إنَّ الوداع عسيرٌ، جدُّ عسير ….
وأنا على وعدي، ألاّ أُطيل المقام ها هنا …. فليس في قلبينا موضعٌ لآه، وبكلَّ قسوةٍ سأقهر نفسي على أن أُغادر النَغَم …. وأُعلّلها بأنّي أكتب التاريخ ….
فليس في القلب بَعدُ نياطٌ تهتزُّ على نَغَم …. غير أنَّي في التاريخ أُلفي ألفَ عزاء ….
كان المرجع الكبير، السيد صالح الصدر قد توفِّي بعد رأس القرن الثالث عشر الهجري، في سنة 1317هـ، وقد خلَّف ولده محمد بن صالح، الشهير بصدر الدين الصدر (1193 ـ 1264هـ) آيةً في الذكاء تبهر العقول، ونادرةً من نوادر الدنيا، ففي السابعة من عمره كتب تعليقة قيِّمة على (قطر الندى)! وتقدَّم في الشعر والأدب تقدُّماً مذهلاً، حتى قال بعض شعراء عصره: إنه أشعر من الشريف الرضي ….
وفي الثانية عشرة من عمره (1205هـ) كان يواظب على حضور دروس المرجع الأعلى الوحيد البهبهاني …. وفي الثالثة عشرة من عمره كان مجتهداً بحقٍّ، ولم يكن قد بلغ سنخ التكليف …. وأُجيز (رسمياً) بالاجتهاد في السابعة عشرة من عمره (1210هـ)!
عابد، خاشع، بكَّاء . …. ما زالت لكلماته وحالاته في المناجاة طعمها الرائق عند من عرفها ….أصبح المرجع الأكبر الذي تخرج من درسه مراجع كبار، أشهرهم: المجدِّد الشيرازي، والشيخ الأنصاري.
ثمَّ خلَّف ولده إسماعيل (1258 ـ 1338هـ) الذي سيكون هو المرجع الكبير في زمانه …. فقد خَلَف المجدِّد الشيرازي في المرجعية بسامرَّاء، قلعة العلم يومها، ثُمَّ ارتحل إلى كربلاء، فارتحلت القلعة معه …. فلمَّا غادرها إلى الكاظمية للتداوي، توفّي هناك، فدفن في الكاظمية بين أبناء عمومته، في مقبرة صغيرة خاصة بآل الصدر.
العفَّة آيته …. كتم نفسه وغيَّب اسمه على أُستاذه الكبير، المجدِّد الشيرازي، الذي كان تلميذاً لوالده صدر الدين ….
أصرّ أن يبقى في حوزته مجهولاً، خشية أن يحيطه أُستاذه بعناية خاصة!!
والفقر علامته …. عسيرةٌ أيامه، يعيش الفاقة كأي واحد من ضعـاف الفـقـراء والمـحـتاجـين ….
ثمَّ العفَّة الفائقة دعته أن يعاهد الله ألاَّ يقترض من أحدٍ مبلغاً لسدِّ حاجة …. وطوى أيامه على تلك الحال، ومرضت والدته العجوز، وهو لا يملك أُجور الطبيب وثمن الدواء …. ذهب إلى حرم أمير المؤمنين، وهو على عهده …. فساق الله إليه رزقه من حيث لا يحتسب، على يد رجلٍ جاء يحمل مالاً نذره لسيد علويٍّ، فرأى هذا السيد وهو لا يعرفه فعرض عليه نذره، ووضع المال بين يديه …. صدق مع الله فصدق الله معه وعده، ووعده الحقُّ ….
كان هذا ابناً لاثنين من مراجع التقليد على التوالي ….
فاعرف كيف كان يعيش آباؤه …. لتعرف كيف مات ولده «حيدر» وهو مرجع، وابن لثلاثة مراجع على التوالي، ولم يخلَّف لعياله زاد ليلة واحدة([262])!!
ابناً لتلك الأُسرة كان محمَّد باقر الصدر.
محمد باقر الصدر الذي أمضى ردحاً من حياته لا يزيد قوت يومه على قطعة صغيرة من الخبز، ولا شيء معه …. فقيل له في ذلك، فقال: «إنَّ الذي يستطيع أن يعيش على قطعة صغيرة من الخبز أياماً عديدة لهو قادر على أن يستمر إلى آخر العمر كذلك …. فأنا اليوم لا أخشى من الفقر، ولا أخاف من الجوع»([263]).
وهو المرجع ابن مراجع أربعة على التوالي، يفارق الدنيا ولا يخلّف لعياله ميراثاً يذكر، بيتاً هو أشبه بالبيوت الخربة من بقايا الأقدمين ….
إنَّهم شهود، وأيُّ شهود، على أقرانهم الذين ليس لهم إلاَّ جزء ممَّا كان لتلك الأُسرة من مجدٍ ورئاسة، ثُمَّ تراهم يُخيَّل إليهم أنَّ ما يساق بين أيدي آبائهم من أموال المسلمين إنَّما هو ملك مشاع لهم، يرتعون به رتع المواشي في مزارع لا أهل لها ولا نواطير تحرسها.
وليس آباء الصدر وحدهم كانوا مراجع دينيين، بل أخواله أيضاً الذين في كنفهم عاش منذ صغره ….
ويقول النعماني: من العجيب أنّ السيد الشهيد يتصل بجده الإمام موسى الكاظم إمَّا بمجتهد أو عالم فاضل، فكلُّ رجال هذه الأُسرة علماء أفاضل، أو مراجع كبار([264]) ….
عاش معه أخوه الأكبر، «اسماعيل» قصير العمر شأنه شأن أبيه، عاش ثمان وأربعين سنة، لا غير، بين 1340هـ عام مولده في الكاظمية، و1388هـ عام وفاته في النجف، فقيهاً، أُصولياً، مفسِّراً، رجالياً، طبع القليل من كتبه: محاضرات في تفسير القرآن، وتعليقه على كتاب التشريع الجنائي الإسلامي، وبقيت سائر كتبه مخطوطة.
وأُخته «آمنة» وهي الصغرى، ولدت سنة وفاة أبيها (1356هـ) لازمت أخاها في سيرته العلمية والجهادية، فكانت المرأة الأولى في العراق في وعيها الديني والسياسي ونتاجها الثقافي، داعيةً كبيرة ذات تأثيرٍ لا نظير له، أديبة متفوِّقة، تركت أحد عشر كتاباً مطبوعاً، كانت ولا تزال الرافد الأول للنساء في العراق بالدرجة الأولى.
نصرت أخاها أعزَّ نصرٍ إثر اعتقالاته، واعتُقلت عقيب اعتقاله الأخير لنشاطها المؤثِّر وأُعدمت معه([265]).
وللأُسرة شأن سياسي رفيع
قبل أن يقود الشهيد الصدر جهاداً سياسياً، كان لأُسرته أثر كبير في الأحداث السياسية نابع من موقعها الديني والاجتماعي.
كتبت المس بيل، المندوبة البريطانية في العراق، إلى وزارة الخارجية البريطانية تقول:
ـ هناك مجموعة من هؤلاء الذوات في الكاظمية، المدينة المقدسة الواقعة على بعد ثمانية أميال من بغداد، المتطرِّفة في إيمانها بالوحدة الإسلامية، والمتشدِّدة في مناوأة الإنجليز، في مقدَّمة هؤلاء «أُسرة الصدر» التي قد تكون أبرز أُسرة عرفت بالتعليم الديني في العالم الشيعي كلّه([266]).
وكان من أقطاب هذه الأُسرة «محمد الصدر 1887 ـ 1956» صاحب الدور السياسي المباشر، بعد دوره الديني والاجتماعي الكبير … أحد الأقطاب الذين يعود لهم الفضل في شحذ الشعب العراقي ضد الإنجليز وتوجيه ثورة العشرين الخالدة.
«حنّا بطاطو» كتب عن أولئك الذين استقبلوا الغزو الإنجليزي برضًى، وراحوا يمهّدون له في البلاد، ثُمَّ انتقل إلى الحديث عن الفريق الآخر المخالف، فقال:
ومن الناحية الأُخرى فإنَّ محمد الصدر وهو سيد عالم شيعي من سامراء، وأحمد داود وهو سيد عالم سني من شرقي بغداد، ويوسف السويدي وهو قاضٍ شرعي سني سابق في الكرخ، وكلُّهم من ذوي الدخل المتوسط، وإن كانوا في منزلة رفيعة، مارسوا نفوذهم على العامَّة في العاصمة ضد الإنجليز، وشاركوا بنشاط في تحريض العشائر على الثورة، وتحت رعاية هؤلاء جرى الكثير من المؤاخاة بين السُنَّة والشيعة في سنتي 1919 و1920 من خلال اجتماعات دينية سياسية عُقدت في مساجد بغداد، وهو حدث لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق([267]).
ترأس محمّد الصدر حزب «حرس الاستقلال» الذي تأسَّس في شباط عام 1919م.
انتخب عضواً في مجلس الأعيان منذ دورته الأولى عام 1925م، وأصبح رئيساً لهذا المجلس في معظم دوراته.
رأس وزارة العراق إثر الاضطرابات التي حدثت آخر أيام وزارة صالح جبر، الذي وقَّع مع الإنجليز معاهدة بورتسموث، في 15/ كانون الثاني/ 1948، التي تُجدَّد ربط العراق ببريطانيا لمدة عشرين سنة أُخرى.
تقلَّد محمد الصدر رئاسة الوزارة في 29 كانون الثاني نفسه، بإيحاء من الأحزاب الوطنية، التي كانت قد أعدَّت قائمة بأهمَّ مطالب الشعب، فسعى إلى تحقيق هذه المطالب كلَّها في فترة قياسية.
ـ أعلن في أول شباك ـ بعد يومين من تشكيل الوزارة ـ عن تشكيل لجنة للتحقيق في حوادث الاضطرابات وتعيين المسؤول عن إطلاق النار … وأطلق سراح السجناء من المتظاهرين.
في اليوم التالي، 2 شباط، أعلن رفض حكومته لمعاهدة بورتسموث، وأبلغ الحكومة البريطانية بذلك، الأمر الذي لا يقلُّ أهميةً عن إعلان الاستقلال التام من الوصاية البريطانية، فسعت بريطانيا مع الملك وحواشيه إلى إثارة الفتن والبلابل لإرباك وزارته.
ـ حقَّق المطلب الجماهيري بحلِّ مجلس النواب، والتمهيد لانتخابات حرَّة لمجلس جديد.
وأخذ على ذلك الموافقة الملكية في 22 شباط، وسعى لإنجاز الانتخابات في حزيران.
ـ منح الحرية للصحافة، ومنح الأحزاب حرِّيتها في ممارسة أنشطتها السياسية.
ـ في وقته اندلعت أوّل حربٍ بين العرب والكيان الصهيوني، فأصدر مرسوماً بإرسال قواتٍ عراقيةٍ إلى فلسطين.
ـ وفي 15 حزيران انتهت الانتخابات النيابية للمجلس الجديد، فوجد السيد محمد الصدر أنه قد حقق جميع المطالب المرفوعة باسم الشعب، فقدم استقالته في اليوم التالي مباشرة، 16 حزيران 1948، وعاد إلى مجلس الأعيان حتى توفي عام 1956([268]).
ـ السيد الشهيد محمد باقر يحكي شيئاً عن صلته بالسيد محمد الصدر وذكرياته معه، فيقول: «كان المرحوم السيد محمد الصدر يصطحبني معه إلى مزرعته خارج بغداد على ظهر جوادٍ له، فكان يمنِّيني بمنصب كبير في الدولة وبحياة ناعمة مرفَّهة إن أنا واصلت دراستي في المدارس الحكومية. فقلت له: إن حياة الحوزة والدراسة فيها هي خياري الوحيد، وإنَّ قناعتي في ذلك تامة، رغم حاجتي للمال»([269]).
* * *
المشروع الفكري
حركية الفكر
بين الاتِّباع والتقليد، والإبداع والتجديد، بون شاسع في عالم الفكر، تظهر على طرفيه صورتان متغايرتان للفكر البشري في الجوهر والمظهر والعطاء.
والفكر الإسلامي منذ عهد الانحطاط مُني بذهنية التقليد والاتّباع، فلم يتجاوز الخَلَف حدود الدوائر التي رسمها السلف، فأسقطوا عامل الزمان والمكان، وتجمَّد الزمان عند نهاية القرن الخامس، ومهما تمدَّد فلا يجاوز القرن السابع للهجرة.
ومن الطبيعي أن نشهد ضموراً في الفكر والإبداع وتدهوراً حضارياً شاملاً مصاحباً للانحطاط السياسي والثقافي والتفكُّك الأمني الذي مُنيت به الدولة الإسلامية أواخر العهد العبَّاسي … ومن نتائج الضمور والانحطاط؛ الانشداد الفائق لعصور ما قبل الانحطاط، عصور النهضة والعطاء، انشداداً يبلغ في أغلب الأحيان درجة التقديس، ليصبح النتاج الفكري لتلك العصور المصدر التشريعي الأهمَّ الذي يُفسِّر على ضوئه الكتاب والسُنَّة! ليصبح ذلك النتاج ليس محوراً للفكر فقط، بل حدوداً له أيضاً في أغلب الأحيان، فيتحوَّل إلى ثابت فوق تاريخي، تُهمل معه كل العوامل التاريخية التي أسهمت في إنتاجه، فلا يُقرأ على أنه إنتاج مرحلةٍ تاريخية، مواكباً للتطور الحضاري وحركة الوعي في زمانه، مجيباً على أسئلة الحياة التي كانت يعيشها، بل يقرأ على أنَّه التفسير الأوحد والأكمل للإسلام، على امتداد الزمن، كلِّ الزمن، أُنتج مجرَّداً عن المتغيِّر الزماني والمكاني، أنتجته عقول كانت تعيش فوق الزمان والمكان، عقول أصبحت وفق هذا التصور تمثل آلهة الفكر، وإن تفاوتت في سلطانها نسبياً! وكأنّ سذاجة العقل البشري ملازم أكيد لضعفه وتدهوره وانحطاطه، والأمر كذلك تماماً، فالسذاجة ليست ذات حدٍّ ثابت ولون واحد لننسبها إلى مرحلة من مراحل التاريخ البشري دون غيرها، فالسذاجة تعني كلَّ تبسيط مفرط إلى حدّ السطحية، كما تعني الاتِّكاء على تصورات لا قيمة لها ولا تصمد أمام النقد، يركِّب منها صاحبها مقدِّمات ويعلّق عليها نتائج، تأخذ في نظره قيمة الاستنتاجات المنطقية اليقينية، مع أنَّ النتيجة خرافة، قامت على مقدِّمات فارغة من أيِّ محتوى، لا حقيقة لها ولا واقع …
واستبعاد المتغيِّر التاريخي وأثره في النتاج الفكري واحد من مظاهر السذاجة في العقل البشري.
ولا يُتصوَّر أنَّ مواجهة هذه الذهنية السطحية هي دون مستوى الثورة، بل هي الثورة بعينها في عالم الفكر، وخير شاهدٍ على ذلك حجم التضحيات التي يقدِّمها روَّاد الإحياء والتجديد الفكري، على مستوى السمعة والأموال والأنفس … إنها ثورة من سنخ ثورات الأنبياء التي تنصبُّ في مراحلها الأُولى على مواجهة سطحية العقل البشري ومغالطاته وهيامه في التقليد اللاواعي لآثار أسلافه.
والمطلوب من الإحياء والتجديد في الفكر الإسلامي ليس هو الاستهانة بالتراث الإسلامي وتجاهله، وإنَّما الخروج من ذهنية «ليس في الإمكان أبدع مما كان» إلى الذهنية الفعالة المنتجة، التي تعيش زمانها ومكانها، وتعي معامل التغيُّر والتطوُّر الحياتي بعمق … التمييز بدقَّة بين الثابت والمتغيِّر في الإسلام … الفصل بين ما هو مقدس، فوق تاريخي، في ذاته، وبين ما هو تاريخي ولكن أضفت عليه ذهنية التقليد والاتّباع صفة القداسة ومنحته سمة الثبات … التمرُّد على العقلية «الاستصحابية» والاندفاع نحو تفعيل العقل من أجل تثوير النص الشرعي، ثم تجسير العلاقة بينه وبين الواقع المتغيّر باطّراد …
ومن هنا سيحتفظ التراث الفكري الإسلامي بقيمته، دليلاً ومرشداً، إلى طرق التعامل مع النصِّ الثابت بعد تغير ظروفه، من خلال استيعاب دلالاته وغاياته ومقاصده، بحثاً عن إجابات الشريعة وأدواتها ورسائلها في إصلاح الواقع المعاصر، والتأسيس للمستقبل.
هذا بدلاً من أن يتحول تراثنا الضخم إلى قيدٍ ثقيلٍ على العقل الإسلامي، وغلٍّ وخيم يجرُّه إلى الوراء، الوراء، بعكس اتّجاه الزمن، غريباً على لغته وأدواته.
وأصعب من الإطاحة بطاغية، الإطاحة بالذهنية المتكلِّسة وتغيير متبنَّياتها وركائزها … لذلك كان الأنبياء أصعب مهمةً من الملوك الفاتحين، ومن العسكر الثائر لقلب نظام الحكم.
لقد حطم الإسلام صناديد الشرك، وبسط نفوذه على أرض الجزيرة منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ما يزال يداري رواسب جاهلية ترسَّخت في الأذهان!
هنا تكمن قيمة جهاد الفكر، في الإحياء والتجديد والإبداع، ومن هنا تبرز أهميته الفائقة …
غير أن الناس، كل الناس، ما زالت تشغلها قعقعة السيوف عن إبريق الفكر ونداه. فلما لم يشهر جمال الدين الأفغاني سيفاً، ظلَّت الأُمّة تجهله حتى بعد وفاته بعقودٍ من الزمن، لكنَّها استفاقت على فكره بعد الزمن الطويل، ثم ما زالت تستلهم منه وتستنير به.
وتجربتنا مع الصدر من نوع آخر على قدر من التشابه، فالصدر قدح الفكر وسلَّ السيف في آنٍ واحد، فمالت الناس ـ العراقيون خاصَّةً، إسقاطاً لواقعهم السياسي والاجتماعي ـ مع كفَّة السيف، وما زالت، لأن ميدانهم ما زال ظامئاً لذلك السيف … وتأخَّر الفكر في المرتبة الثانية، فما زال الاستلهام منه محدوداً للغاية، رغم ضخامة المدَّعى … وما زالت الاستنارة به دون ما ينبغي بكثير، رغم كثرة المزاعم …
فهذه ميادين الفكر التي شقَّها ما زالت على حالها، كما غادرها، رغم حاجتنا الماسَّة إليها، فالحقُّ، كل الحق، أننا لا نملك سواها سبيلاً إلى مواجهة الواقع المعاصر، والكشف عن صورة الإسلام الناصعة، منهجاً متكاملاً للحياة، ودستوراً شاملاً للعمل.
إننا مع الصدر نعيش الإسلام الحيَّ القادر على بناء واقع معاصر وفق المنهج الإسلامي، قادر على إثبات الوجود، والتحدِّي، بين أُمم تتسابق في عالم التكنولوجيا والحياة المدنية المعقدة.
نعيش في الفكر مبادئ خلاَّقة قادرة على تحصيل المعرفة الحقيقية، غير الموهومة أو المصطنعة.
مع الصدر نعيش حركية الفكر وحيويته، نعيش الإبداع والتجدُّد. نعيش المعاصرة، ونعيش ثروةً هائلةً من التأصيل النظري ـ وفي كلَّ هذا تجده سابقاً، غير مسبوق.
لقد أدرك الصدر قيمة الفكر وغاياته، بموهبة ولياقة، لا بتعليم؛ فقدح زناد الفكر، وفكَّ عقاله، وأطلقه من أسر الذهنية التقليدية المنكمشة، بعد أن قدَّم لهذه الذهنية تفسيرها التاريخي، معلناً عن أنها قد فقدت مبرراتها منذ زمن طويل، وأن التاريخ قد تجاوزها كثيراً …
فغادرها بثقةٍ وشجاعة، وتخطَّاها بجدارة أهَّله لها مخزون معرفي كبير توفَّر عليه واستوعبه بوعيٍّ وبصيرة … أدرك أنَّ الحياة المعاصرة هي المحكُّ الذي يميِّز المفكَّر الحقيقي عن غيره، والعالم الذي استوعب رسالة الإسلام وأهدافها، عن آخر تجمد عند حرفيات مفرداتها، والمفكّر الذي يعي حقيقة أن «الإسلام يقود الحياة» ويجسّد هذا الوعي عملياً في الواقع، عن آخر يدرك من الإسلام أحكاماً فردية في العبادات والمعاملات، وأفكاراً تجريديةً لا علاقة لها بواقع الحياة ومتغيِّراتها.
من أجل ذلك وفَّر القسط الأعظم من حياته في تجسير العلاقة بين الإسلام وبين الواقع المعاش، من خلال اكتشاف أُطروحة الإسلام ونظرياته؛ على صعيد الفكر والمعرفة، وعلى صعيد الدولة ومشروعها، وعلى مستوى البنى الأساسية لمجتمع متحضِّر.
فاتَّسمت دراساته، بعد العمق والأصالة، بالشمول، والمعاصرة، والحركية، والإبداع، إضافةً إلى التأصيل النظري «تخطِّي فقه الأحكام إلى فقه النظريَّات» الذي مثَّل الذروة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
في الصفحات القليلة الآتية سنقف على صورٍ من معالم هذا النتاج الثر، بعد وقفةٍ قصيرةٍ على العلاقة بين حركته هذه وبين والواقع المعاش، تعيننا أكثر على معرفة هذا الرجل العملاق.
حركية الفكر
الفكر الحيُّ هو الفكر الذي يحيا زمانه؛ يعيش حاجاته، يحاور مشكلاته، يجيب على أسئلته، يملأ فراغاته، ويثبت أمام تحدِّياته، ليأخذ بزمامه إلى نافذة غده … بهذا يكتسب الحياة، وبهذا يتميَّز على نتاج كثير متراكم لم يتعرَّف من زمانه على شيء، بل ما زال يحاور أهل القرون الغابرة، بأدواتهم هم، يشاركهم في حلِّ مشكلاتهم التي مضت عليها القرون، بل إنَّ من ذوي الفكر والأثر من أفنى عمره يعيش مع الغابرين، بأدواتهم، دون أن يعالج واحدة حتى من مشكلات أولئك الغابرين أنفسهم …
الحياة تسأل، فلا تُمهل، وتتراكم أسئلتها، فيتراكم أمامها العجز، فلا مناص من الانزواء، وإشغال النفس ومن حولها عن دويِّ هذه الأسئلة، ثُمَّ لتسكن النفوس إلى ما هي فيه، راضيةً، مطمئنة، وعمَّا قليل سيغلب عليها شعاران يأخذان عليها مجامع الأذهان: غرور بلا نهاية في ما هي عليه، وحقد بلا حدود على كلِّ وجهٍ آخر … فلقد بعدت الشقَّة بين الوجهين، وأصبح ذلك الحوار بين السائل و«اللا مجيب» حرباً شعواء، تهدِّد بالاكتساح والدمار … وهكذا يتراكم ـ في سائر الأمم، في حقبٍ مختلفةٍ من أعمارها ـ نتاج فكري يجر بأيدي أهله إلى الوراء الوراء، بعيداً عن ساحات الصراع مع الحياة، نتاج ينمو على نفسه في محيطه الضيِّق، حتى يتشظَّى بأيدي حَمَلَتِه، لتُصبح «الباطنية» باطنيات، و«الصوفية» صوفيات، و«السلفية» سلفيات … تتصارع كلُّها، وهي هاربة من الصراع، إلى الوراء …
نعرف، ولا بدَّ أن نؤكِّد، أنَّ أُمَّتنا لم تعدم في أشد حقب تراجعها الحضاري علماء أحياء ومكافحين ينفخون فيها الروح ويجدَّدون وعيها برسالتها الحيَّة، وقد شهد القرن الأخير كثافةً ملموسةً لدعوات اليقظة ومبارزة تحدِّيات العصر في ميادين الحياة، فكانت حركات إصلاحية كبيرة، ونتاجات فكرية واسعة، تركت أحسن الأثر في تجديد الوعي وعودة الروح إلى هذه الأُمّة، في معظم البقاع التي تتمركز فيها شعوبها.
هذا حقٌّ لا يُجحد، ولكلِّ ذي حقٍّ حقَّه …
لكنَّا مع الشهيد الصدر نجد مزيةً، غير شمولية المعرفة التي جاءت من توزيعه عطاءه في مشاربها المختلفة، تمثلت هذه المزية بحركية الفكر ومواكبته مراحل الحركة ومواضع الحاجة، فجاءت معظم نتاجاته الفكرية في وقتها المناسب لتملأ فراغاً شاغراً لا يملؤه غيرها …
هذا ما يُكتشف من قراءةٍ تجمع بين تاريخ حركته الفكرية والسياسية وبين تاريخ نتاجه الفكري …
الثانية والعشرون من عمره عام 1957م كانت بداية نشاطه السياسي من خلال مشروع تأسيس حزب إسلامي يسعى وفق مراحل مدروسة إلى استلام السلطة، فطفق في أُولى خطوات مشروعه يجمع الأنظمة الداخلية لعددٍ من الأحزاب المعروفة، وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ فيها وضع كتاباً في الأسس الفكرية لعملٍ حزبيٍّ إسلامي، وأطلق على كتابه هذا اسم «الأُسس»([270]).
وكان الاجتماع التأسيسي لهذا الحزب قد تحقَّق في سنة 1958م، بعد ثورة 14 تموز([271]). في ظرفٍ أصبح تشكيل عملٍ إسلاميٍّ منظَّم ضرورةً أكثر إلحاحاً، بعدما شهد العراق من مدٍّ شيوعي وفَّر له عبد الكريم قاسم فرصته التاريخية.
وفي العام الثاني 1959م انبثقت في النجف الأشرف جمعية إسلامية، بدافع التصدِّي لهذا المدّ الشيوعي، وبثّ الوعي الديني تألّفت «جماعة العلماء» هذه من عشرة من كبار العلماء من ذوي الوعي الديني والحس الاجتماعي، وكان من أبرزهم: الشيخ مرتضى آل ياسين، والسيد إسماعيل الصدر، الأول خال الشهيد الصدر، والثاني أخوه. فكان له عن هذا الطريق نفوذ مهمٌّ في «جماعة العلماء» من خلال تحمُّله مهمَّة كتابة المقال الافتتاحي لمجلة «الأضواء» التي أصدرتها الجماعة([272])، وهو آنذاك ابن الرابعة والعشرين، وقد أثبت قدرته على الكتابات السياسية الناجحة والمؤثِّرة في مواجهة الأفكار الغازية.
وفي تلك السنة نفسها أصدر دراسته الموسِّعة «فلسفتنا» التي ناقش فيها بعمقٍ أصول المدارس الفلسفية المادِّية بشكلٍ عام، والمادِّية الجدلية بشكل خاص، وعلى نحو لم يسبق له نظير، كشف عمَّا تنطوي عليه من ثغرات ومن تهافت، ممَّا يجعلها عاجزةً عن أن تكون الحلَّ الأمثل للمشكلة الاجتماعية، فكان كتابه هذا صاعقة كبرى على الشيوعية وهي في أوج مدِّها في العراق؛ فانشغلت تدافع عن نفسها بعد أن كانت غارقةً في نشوة الانتصار، لكنه الدفاع الذي لم يسفر عن نتاج يصلح لأن يكون ردًّا على «فلسفتنا».
ولأوَّل مرّة تعرض الفلسفة الإسلامية بهذا النحو الذي دوَّخ الخصوم، وجعل الإسلام هو الذي يتحدَّى، وعلى المدارس الأُخرى أن تدافع عن نفسها.
وفيما كان هؤلاء منهمكون في دفع الكرات التي ألقتها «فلسفتنا» في مراميهم، داهمهم الصدر مرَّةً أُخرى في دراسته الموسّعة الثانية، في «اقتصادنا» سنة 1961م. هذه الدراسة التي قوَّضت شبح النظرية الاقتصادية الماركسية الذي كان العالم ينظر إليها وكأنَّها طود شامخ مهيب يصعب النيل منه، وكذا فعلت مع خصيمتها الرأسمالية، في دراسة معمَّقة ميَّزت بجدارة بين علم الاقتصاد كعلم مستقل مشاع للجميع يستثمرونه ويبذلون الجهد في تطويره، وبين المذاهب الاقتصادية التي تبنى على أسس معرفية وفلسفية مختلفة، ثُمَّ استعرض في دراسة تحليلية نقدية ما انطوت عليه الماركسية والرأسمالية في النظرية الاقتصادية من تناقضات فلسفية، ومصادرات على الواقع التاريخي، ثُمَّ توَّج الدراسة بمحاولة تأسيسية موفَّقة لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي.
فسحب بهاتين الدراستين كلَّ ما في أيدي الشيوعية من سلاح تناجز به الإسلام، وقدَّم الإسلام مشروعاً حيوياً بديلاً لحل المشكلة الاجتماعية بنواحيها المختلفة.
لقد رأينا قبل كيف كان السيد الصدر مهيمناً على النظريَّات الماركسية، فاتحاً لمغاليقها، كاشفاً عن مبهماتها، منذ صباه، فلا غرابة في أن يصدر فيها دراستيه الموسَّعتين في بواكير شبابه، وهما الدراستان اللتان ما زالتا أكمل وأعمق ما قدَّمه الإسلاميون في نقد المادية الجدلية والديالكتيكية، وما زالتا قائمتان بوجه الماركسية حتى اليوم.
وكلُّ شيءٍ في هاتين الدراستين شاهد على العمق والجدِّية والدقَّة المنقطعة النظير في بحثه لأصول هذه النظريَّات ومنهجه الاستكشافي([273]).
كان صدور هاتين الدراستين متزامناً مع مقالاته الافتتاحية في مجلة «الأضواء» والتي وضعها تحت عنوان «رسالتنا».
تعاظم شأن الصدر، فنشط حسَّاده، وأثاروا من حوله ضجَّةً عارمة، مستثمرين نشاطه السياسي الذي يعدُّونه غير مناسب لمجتهد مرشَّح للمرجعية! ووقع نفر من جماعة العلماء تحت تأثير هذه الضجَّة، فأثاروا قضية: إن كانت مقالاته في «الأضواء» تحت عنوان «رسالتنا» تعبِّر عن رسالة الجماعة بالحدود التي أرادوها لها، أم هي رسالة الصدر نفسه ومنهجه في الخطاب وفي معالجة قضايا المجتمع؟!
إثر ذلك بعث المرجع السيد محسن الحكيم ولده السيد مهدي الحكيم إلى السيد الصدر يطلب منه اعتزال العمل السياسي والتخلِّي عن دوره كفقيه لحزب الدعوة الإسلامية، وعن افتتاحية «الأضواء»!
أدرك السيد الصدر أنَّ في هذا الطلب مداراةً للوضع العام من ناحية، ولمستقبل الصدر كمرشّحٍ للمرجعية من ناحية ثانية، فاعتزل ذلك كلَّه في عام 1961م، لينصرف إلى العلوم الحوزوية الصرفة. وتحت تلك الضغوط كتب شرحه المفصَّل للعروة الوثقى، مصرِّحاً في مقدِّمته أنَّه يكتب ويُدرِّس هذه المادَّة وفق المنهج التقليدي السائد في الحوزة، وليس وفق المنهج الذي يريده هو.
لكنَّ المفكِّر الحقيقي متمرِّد بطبعه ولا يستطيع أن يرضخ طويلاً، ففكَّر باستكمال مشروعه الذي ابتدأه بفلسفتنا واقتصادنا ورسالتنا، بدراسة موسَّعة في «مجتمعنا» لكنَّه توقَّف عن هذا المشروع قائلاً: «إنَّ مجتمعنا لا يسمح بمجتمعنا»!!([274]). أي أن مستوى الوعي العام في المجتمع لا يسمح بدراسةٍ جادَّةٍ تشخِّص مواضع الخلل، وتأخذ بيد المجتمع إلى مستوى أرفع.
الإصلاح في الحوزة العلمية
كان شغله الشاغل بعد ذلك الإصلاح في شؤون الحوزة العلمية، في اهتماماتها، وفي هيكلها الإداري، وفي مناهجها الدراسية … مشروع إصلاحي متكامل، قطع في تنفيذه خطوات مهمَّة:
ـ مارس دوراً مباشراً في اختيار وكلاء السيد محسن الحكيم، ثُمَّ السيد الخوئي في مناطق مختلفة، من بين من يقدِّر فيهم وعياً دينياً وحسًّا اجتماعياً.
ـ وضع مخططاً مفصَّلاً تأسيسياً لهيكل المرجعية «الصالحة» التي عرَّفها بقوله: «إنَّ أهمَّ ما يميِّز المرجعية الصالحة تبنّيها للأهداف الحقيقية التي يجب أن تسير المرجعية في سبيل تحقيقها لخدمة الإسلام، وامتلاكها صورة واضحة محدَّدة لهذه الأهداف، فهي مرجعية هادفة، بوضوح ووعي، تتصرَّف دائماً على أساس تلك الأهداف، بدلاً من أن تمارس تصرُّفات عشوائية، وروح تجزيئية، وبدافع من ضغط الحاجات الجزئية المتجدِّدة … وعلى هذا الأساس يكون المرجع الصالح قادراً على عطاء جديد في خدمة الإسلام، وإيجاد تغيير أفضل لصالح الإسلام في كلِّ الأوضاع التي يمتدُّ إليها تأثيره ونفوذه»([275]).
ثمَّ حدَّد هذه الأهداف بوضوح ووضع المخطَّط التفصيلي للجهاز المرجعي الضروري لتحقيق هذه الأهداف، ووضع للمرجعية الصالحة مراحل ثلاث في طريق تكاملها، ولكلِّ مرحلةٍ برامجها ومسؤوليتها على طريق تحقيق تلك الأهداف([276]).
فقدَّم في هذه الفقرة وحدها مشروعاً متكاملاً في إصلاح المرجعية، لم تهضمه الأحوال التقليدية السائدة حتى يومنا هذا، أي بعد ما يقرب من أربعين سنة!!
ـ وأمَّا على المحور الثالث ـ التجديد في المناهج ـ فقد كان دوره تأسيسياً وبنَّاءً أيضاً، فقد كان دوره رئيسياً في إنشاء «كلِّية أُصول الدين» التي أسهم في تأسيسها السيد مرتضى العسكري ببغداد، وصبَّ الصدر جهده في صياغة منهجها التدريسي، وألَّف بنفسه ثلاثة من كتبها الدراسية التي تُعدُّ فتحاً جديداً في مجال الدراسات الدينية، هذه المؤلَّفات هي: «المعالم الجديدة للأُصول» و«الاقتصاد الإسلامي» و«علوم القرآن» الذي وضع مخطَّطه وكتب مباحثه الأُولى ثُمَّ أوكل إلى السيد محمد باقر الحكيم تدريسه وإكماله.
وإتماماً لدوره في هذا المشروع البنَّاء فقد أسهم بشكلٍ فعَّال في مجلة «رسالة الإسلام» التي تصدرها الكلِّية.
أمَّا على مستوى الحوزة العلمية فقد صنَّف كتابه الكبير في علم الأُصول، وفق منهج جديد، بنَّاء، ما زال يعتمد في مراحل الحوزة المختلفة إلى يومنا هذا.
كما أسَّس لأسلوب جديد في بناء الرسائل العملية، المرجع الفقهي للجمهور، في كتابه الشهير «الفتاوى الواضحة» … هذا الأُسلوب البالغ الأهمِّية والأثر، لم تألفه الحوزة، لا في حينه، ولا بعد ثلاثين سنةً من تأليفه.
نقف هنا لنرصد كيف كانت إذن مؤلَّفات السيد الشهيد الصدر تتحرَّك معه في سُلَّم مواجهة الواقع والارتفاع بمستوى الوعي الجماهيري إلى درجةٍ أرفع …
نظرية المعرفة
تجديد في البناء والتطبيقات
البناء النظري للمعرفة، هو الذي يمثِّل المنطلق والأساس في بناء فلسفةٍ عن الكون والحياة.
والبحث في نظرية المعرفة يقع على محورين، الأوَّل: مصادر المعرفة. والثاني: قيمة المعرفة.
وعلى مستوى مصادر المعرفة يتصدَّر السؤال: ما هو المصدر الأساس للإدراك بصورةٍ عامَّةٍ في الذهن البشري؟
وهنا ينشعب الكلام بانشعاب الإدراك إلى تصوُّرٍ وتصديق …
والتصوُّر بشكلٍ عامٍّ يمثِّل الإدراك البسيط، إدراك المعاني المجرَّدة، بغض النظر عن مصاديقها الموجودة في الخارج، وبغض النظر عن وجود مصاديق لها في الخارج أو عدمه، كتصوُّرنا لمعنى الحرارة، أو الصوت، أو تصوُّرنا للإنسان، أو الشجرة، أو الجبل، بشكلٍ عامٍّ، لا من حيث الأفراد التي يتشخَّص فيها.
وبمعنى آخر هو الوجود الذهني للأشياء أو المعاني، وقد تتولَّد في الذهن صورة ليس لها وجود خارجي. بعض هذه المدركات الذهنية بسيط، صورة واحدة في الذهن للحرارة، وبعضها مركَّب من صورتين ذهنيتين أو أكثر، وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب التصوُّر، التصوُّر المركَّب، كأن نتصوَّر ناراً زرقاء، أو جبلاً نصفه من ذهب ونصفه الآخر فضَّة.
كيف تنشأ هذه التصوُّرات في الذهن؟ ما هو مصدرها الأساس، العام؟
الإجابات متعدَّدة، في مراحل مرَّت بها نظرية المعرفة، وقامت على أساسها الفلسفات المختلفة ….
عند أفلاطون كان «الاستذكار» هو مصدر كل الصور الذهنية، ذلك أنَّ النفس الإنسانية ـ في فلسفة أفلاطون ـ موجودة قديماً قبل البدن، طليقة، قادرة على الاتصال بكلِّ الحقائق المجرَّدة عن المادَّة «المُثُل» فلمَّا هبطت إلى الجسد وعالم المادَّة ذهلت ذهولاً تامًّا عن معلوماتها، لكنَّها تعود إلى «استذكار» تلك المعلومات عن طريق مشاهداتها وإحساسها بالمعاني والأشياء التي ما هي إلا انعكاسات لتلك المُثُل التي تعرَّفت عليها في عهدها الأوَّل … وهكذا أقامت فلسفة صرحها على خرافة، زيَّفها تلميذه أرسطو الذي أدرك أن المعاني المحسوسة في الذهن هي نفسها المعاني التي يدركها الذهن بعد تجريدها عن الخصائص المميِّزة لأفرادها.
وفي أوروبا عهد النهضة وأوروبا الحديثة تعدَّدت الإجابات واختلفت، بين ثنائية «الحسِّ، والفطرة» في المدرسة العقلية، ديكارت نموذجاً، حيث يكون الحسُّ مصدراً للكثير من التصوُّرات، فيما يختفي أثر الحسِّ في طائفةٍ أُخرى من التصوُّرات ليكون مصدرها الفطرة، التي تولَّد طائفةً من التصوُّرات عن طريق الاستنباط. وبين تفرُّد «الحسِّ» في صناعة التصوُّرات، لدى المدرسة الحسية، جون لوك نموذجاً.
وبين الاتجاهين معارك فلسفية واسعة، انتهت في أوروبا لصالح المدرسة الثانية، الحسِّية التجريبية، التي اختزلت دور العقل بالاستجابة للمحسوسات، ذاهلةً عن أن التجربة التي أثبتت لديها مصدرية الحسَّ لجميع التصوُّرات، لا يمكنها أن تنفي قدرة الذهن على توليد معانٍ جديدة، لم تدرك بالحسِّ من المعاني المحسوسة، فالعلَّة والمعلول حقيقتان تقوم عليهما التجربة، وكلاهما محسوس، فليسا مدار بحثٍ هنا، غير أنَّ هنالك حقيقةً ثالثةً، هي تلك الصلة الأكيدة بين العلَّة والمعلول، والتي على أساسها ينتج المعلول عن علَّته، هذه الحقيقة الثالثة لا يمكن للحسِّ أن يدركها، ولكنَّ الذهن يولدها من ملاحظة ترتُّب المعلول على علَّته([277]).
هذا التوليد الذهني هو الذي اصطلح عليه الشهيد الصدر «الانتزاع» ليسمّي به النظرية المعتمدة لديه:
«نظرية الانتزاع»: وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورةٍ عامَّة وتتلخَّص في تقسيم التصوُّرات الذهنية إلى قسمين: تصوُّرات أوَّلية، وتصوُّرات ثانوية. فالتصوُّرات الأولية: هي الأساس التصوُّري للذهن البشري، وتتولّد من الإحساس بمحتوياتها بصورةٍ مباشرة، فنحن نتصوَّر الحرارة لأنَّنا أدركناها باللمس، ونتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر … وهكذا مع جميع المعاني التي ندركها عن طريق الحواس، فإن الإحساس بكلِّ واحدٍ منها هو السبب في تصوُّره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري.
وتتشكَّل من هذه المعاني القاعدة الأوَّلية للتصوُّر، وينشئ الذهن بناءً على هذه القاعدة «التصوُّرات الثانوية» … فيبدأ بذلك دور الابتكاء والإنشاء … وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ «الانتزاع» فيولِّد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأوَّلية، وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحسِّ وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدِّمها الحسُّ إلى الذهن والفكر ….
وهذه النظرية تتَّسق مع البرهان والتجربة، ويمكنها أن تفسِّر جميع المفردات التصوُّرية تفسيراً متماسكاً([278]).
وبهذا يُحسم القول بوضوحٍ في المرتبة الأُولى من مراتب الإدراك … «التصوُّر» لينتقل إلى المرحلة الأصعب، مصادر «التصديق» الذي ينطوي على الحكم، ويحصل به الإنسان على المعرفة الموضوعية.
وهذا هو الشطر الأهمُّ في بحث مصادر المعرفة، فأصل المعرفة التصديقية هو الذي يقوم عليه صرح العلم الإنساني بالمستوى الأهمّ، ذلك لأن التصوُّر بمختلف ألوانه لا يشكِّل «قيمةً موضوعية» فهو وجود ذهني «لا يبرهن على وجود الشيء موضوعياً خارج الإدراك» وإنَّما المعرفة التصديقية وحدها هي التي «تملك خاصية الكشف الذاتي عن الواقع الموضوعي»([279]).
وفي تفسير مصادر المعرفة التصديقية مذهبان رئيسان:
يرى الأول أنَّ التجربة هي المصدر الأول لجميع المعارف البشرية، فبدونها لا يمكن للإنسان أن يعرف حقيقةً واحدة من الحقائق مهما كانت واضحة، هذه هي خلاصة «المذهب التجريبي» الذي يمكن أن يكون مأزقه الأساس هو اختزال المعارف البشرية في حدود التجربة، فما لا يمكن إثباته تجريباً فهو منفي، لا وجود له … ومع ما ينطوي عليه هذا الفهم من مفارقةٍ فلسفيةٍ، إذ أنَّ نفي الشيء هو في نفسه معرفة يقينية، والمعرفة اليقينية غير ممكنة بدون التجربة، والتجربة لم تثبت أن هذا الشيء لا وجود له، بل غاية قولها إن هذا الشيء لا يمكنه أن يدخل ميداني الخاص، هذا كلُّ ما تقوله التجربة، فيكون إنكار وجوده مفارقة فلسفية، وقول بشيءٍ لم تثبته التجربة.
ومع هذا فإنَّ المأزق الأساس الذي يقع فيه المذهب التجريبي يبقى هو اختزال المعارف البشرية في حدود التجربة، الأمر الذي تمرَّد عليه بعض أنصار هذا المذهب والمدافعين عنه، فالماركسيون، وهم تجريبيون، اعترفوا بمساحةٍ مهمَّةٍ للذهن البشري في استنباط المعارف وراء حدود التجربة، فالمعارف التي نكتسبها من التجربة لا تمثِّل سوى الخطوة الأُولى من خطوات المعرفة، أما الخطوة الثانية والأهمُّ فهي دور العقل في صياغة المفاهيم والاستنتاجات، على ضوء ما حصَّله من معارف أوَّلية عن طريق التجربة.
هنا ستبرز قوَّة المذهب الثاني «المذهب العقلي» فما هو ذلك الشيء الذي يصبح معه انتقالنا من الخطوة الأُولى إلى الثانية مفهوماً؟ ما هي أدوات الذهن في الانتقال من المدركات الأوَّلية إلى الاستنتاج وصياغة المفهوم والنظرية في المعرفة التصديقية؟
تلك هي دعامة المذهب العقلي: «المعارف العقلية المستقلَّة عن التجربة».
فالمذهب العقلي يؤمن بأنَّ الركيزة الأساس للمعرفة هي المعارف العقلية الضرورية … معارف يقينية، غنية عن البرهان، خارجة عن حدود التجربة، من قبيل: «النفي والإثبات لا يصدقان معاً في شيءٍ واحد في آنٍ واحد» وهو مبدأ عدم التناقض، و«الحادث لا يوجد من دون سبب» و«الكلُّ أكبر من الجزء» و«ترتُّب المعلول على علَّته» ونظائرها …
وهذه المعارف الضرورية ليست فقط ركيزة للمعرفة، بل هي ميزان أيضاً تقاس على ضوئه صحَّة كلِّ فكرةٍ أو خطؤها.
فهذه المعارف هي الأساس في الانتقال من المدركات الحاصلة من الحسِّ والتجربة، إلى المفاهيم والاستنتاجات النظرية، فلا يمكن للمذهب التجريبي الاستغناء عنها وهو يصدر أحكامه في تعميم استنتاجاته الجزئية على الموضوع الذي خضعت بعض أفراده للتجربة.
لكن في الوقت الذي مثَّلت هذه القضية نقطة القوَّة في المذهب العقلي، فإنها ستجرُّه لاحقاً إلى مأزقٍ من نوعٍ آخر، كان المذهب التجريبي في منجاةٍ منه.
تلك هي مسألة التعميم في الأفكار، واتِّجاه السير الفكري، فهو عند العقليين اتِّجاه نزولي، من الكلِّيات إلى الجزئيات، ونموذجه القياس المنطقي، ومثاله: «كلُّ إنسانٍ فانٍ» قضية كبرى وكلِّية، و«محمد إنسان» قضية صغرى، فـ «محمد فان» نتيجة، فالنتيجة لا تكون أكبر من مقدِّماتها، فهي إمَّا أصغر منها أو مساوية لها. هذا نمط السير الفكري في المذهب العقلي.
وبخلافه المذهب التجريبي، فهو يسير صعوداً من الجزئيات الخاضعة للتجربة، إلى الكليّات. من هنا فهو يعتمد الاستقراء، ولا يعترف بالقياس. وليس للقياس معنًى في دائرته، فما معنًى استنتاجنا أن «محمداً فان» من تينك المقدِّمتين: «كلُّ إنسانٍ فان» و«محمد إنسان»؟ فعند قولنا «كلُّ إنسان فان» عمَّمنا قاعدةً ثابتةً على جميع أفراد الإنسان، فإذا قلنا بعدها «محمد إنسان» فإمَّا أن نكون عارفين منذ البداية أنَّ محمداً إنسان، وعندئذٍ قد حكمنا بفنائه عند إطلاق المقدَّمة الأُولى التي تقضي على سائر أفراد الناس بالفناء، فلا معنى لهذه العملية العقلية أصلاً … وإمَّا أن نكون جاهلين بانطباق القانون على هذا الفرد من الناس، محمد، وعندئذٍ يكون تعميمنا باطلاً، لأننا أطلقنا حكماً عامًّا قبل أن نقطع بانطباقه على سائر أفراده…
القضية المهمَّة هنا، هي: أن السيد الشهيد الذي انتظر لنمط السير الفكري في المذهب العقلي إلى حدِّ تفسير عملية الاستقراء ذاتها في المذهب التجريبي بعكس اتِّجاهها، لتتواءم مع المذهب العقلي، سيعود بعد حين ليجهز على ما انتصر له اليوم.
فيقول هنا: إن السير الفكري، حتى في المجال التجريبي الذي يبدو لأوّل وهلةٍ أنَّ الذهن ينتقل فيه من موضوعات جزئية إلى قواعد وقوانين، إنَّما يكون السير في حقيقته من العام إلى الخاص … أي موافقاً لما في القياس العقلي … بحجة أن تعميم المدركات الجزئية إنَّما يستند إلى قاعدةٍ عقليةٍ كلِّية، مفادها: أنَّ الظروف المتماثلة والأشياء المتشابهة في النوع والحقيقة يجب أن تشترك في القوانين والنواميس([280]).
هذه هي القضية المهمَّة هنا التي سيعود الشهيد إلى ضدِّها في «الأُسس المنطقية للاستقراء» دون أن يتراجع عن الأساس الذي يقوم عليه المذهب العقلي، والذي شكَّل نقطةً واحدة فيه، وهو الارتكاز إلى معارف عقلية ضرورية في بناء المعارف التصديقية، ودون أن يمسَّ «نظرية الانتزاع» في مصدر المعرفة التصوُّرية.
وهناك، في «الأُسس المنطقية للاستقراء» الفتح الفكري الجبَّار، سيوظف هذا السير التصاعدي، من الخاصِّ إلى العامِّ، من الجزئي إلى الكلَّي، في البرهان على أُصول الدين، ليدخل هذا الفن ميدان علم الكلام لأوَّل مرَّة على هذا النحو العلمي الجاد.
وقبل الانتقال إلى ذلك الميدان الجديد نقف عند الخلاصة في قيمة المعرفة في «فلسفتنا» عند السيد الشهيد، وهي: «إنَّ مردَّ المعارف التصديقية جميعاً إلى معارف أساسية ضرورية، هي الأساس العام لجميع الحقائق العلمية …
وإنَّ قيمة النظريَّات والنتائج العلمية في المجالات التجريبية موقوفة على مدى دقَّتها في تطبيق تلك المبادئ الضرورية …
وفي المجالات غير التجريبية، كما في مسائل الميتافيزيقيا، ترتكز النظرية الفلسفية على تطبيق المبادئ الضرورية على تلك المجالات، ولكنَّ هذا التطبيق قد يتمُّ فيها بصورةٍ مستقلةٍ عن التجربة، عن طريق عملية تفكيرٍ واستنباطٍ عقليٍّ بحت … وقد يتوقَّف استنتاج النظرية الفلسفية أو الميتافيزيقية من المبادئ الضرورية على التجربة أيضاً، فيكون للنظرية الفلسفية حينئذٍ نفس ما للنظريات العلمية من قيمةٍ ودرجة»([281]).
المعرفة وفق «المذهب الذاتي»
تدخل نظرية المعرفة دوراً جديداً يظهر فيه التجديد والإبداع على مستوى الفكر الإنساني كلَّه، في الفتح المعرفي الكبير الذي أنجزته «الأسس المنطقية للاستقراء».
والاستقراء منهج في المعرفة يدخل على يد السيد الشهيد عهداً جديداً، يبلغ فيه ذروته في تحقيق قيمة المعرفة والحصول على المعارف اليقينية.
فهنا سيكون الاستقراء هو المصدر العلمي لمعظم المبادئ العقلية الضرورية، التي تمثِّل أساس المعرفة وفق المذهب العقلي. لكنَّه الاستقراء الذي استطاع أن يتخلَّص من كلِّ المشكلات التي تلاحقه في إطار المذهب العقلي، وإطار المذهب التجريبي معاً.
والمراد بالاستقراء، هو: كلُّ استدلالٍ تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدِّمات التي ساهمت في تكوينه، أي أنَّ السير الفكري فيه سيكون من الخاصِّ إلى العام، معاكساً للسير الفكري في الدليل الاستنباطي الذي يقوم على القياس([282]).
إنَّه نمط من الاستدلال لا يؤدِّي إلى العلم بالتعميم دون الاستعانة بأيِّ مبادئ عقلية قبلية([283]).
وليس هذا الاستقراء هو نفسه الذي يتحدَّث عنه المنطق الأرسطي الذي يفهم الاستقراء بأنه كلُّ استدلالٍ يقوم على أساس تعداد الحالات والأفراد، دون أن يميِّز بين الملاحظة والتجربة، والذي قسَّم الاستقراء على هذا الأساس إلى استقراءٍ كاملٍ واستقراءٍ ناقص([284]).
ومنطق الاستقراء في المذهب الذاتي «الصدري» لا يعدُّ الاستقراء الكامل استقراءً، إذ أنَّ نتيجته مساوية دائماً لمقدِّماته، فلا يصدق عليه السير من الخاصِّ إلى العام، وإنَّما الذي تنصبُّ عليه الدراسة هنا هو الاستقراء الناقص وفق المنطق الأرسطي، والذي سيكتسب قيمته المعرفية التَّامة من خلال نظرية الاحتمالات في ثوبها الجديد، ليكون دليلاً عملياً على كثير من المعارف، ليس الطبيعية فحسب، بل الميتافيزيقية أيضاً.
ومن هنا تكتسب المعارف البشرية، حتى الميتافيزيقية منها، قيمةً أكبر، فالنظرية الميتافيزيقية ستكون هنا شأنها شأن النظرية العلمية، تأتي منسجمة مع التسلسل الفكري التصاعدي من الجزئي إلى الكلِّي، لتأخذ موقعها في ذروة العملية الفكرية … بدلاً من أن تتدلَّى من كلِّيةٍ عقلية كبرى تلعب دور السلطة على الفكر، دون أن يكون للفكر دور في إثباتها.
فمنطق الاستقراء في المذهب الذاتي يضيف نوعاً جديداً من المعارف، فوق النوعين اللذين أقرَّهما المذهب العقلي، ففوق المعارف الأوَّلية، ثمَّ المعارف الثانوية المستنتجة من المعارف السابقة بالتوالد الموضوعي، يأتي الصنف الثالث وهو المعارف الثانوية المستنتجة بالتوالد الذاتي، وتشمل كلَّ التعميمات الاستقرائية، فكلُّ تعميمٍ استقرائي هو مستنتج من مجموع أمثلةٍ وشواهد لا يوجد بينها وبين ذلك التعميم أيُّ تلازم، ثُمَّ ينشأ العلم بالتعميم عن طريق العلم بتلك الأمثلة والشواهد على أساس التوالد الذاتي.
أي أنَّ المعرفة لا يشترط أن تقوم على أساس التلازم الموضوعي بين المقدِّمات والنتائج.
ومن هنا يقدِّم الشهيد الصدر صياغةً جديدةً لمصادر المعرفة التصديقية، وقيمتها، خلاصتها:
ـ إن هناك مبدأين عقليين قبليين فقط تستند إليهما المعارف البشرية، هما: مبدأ عدم التناقض، وبديهيات حساب الاحتمال.
ـ وإنَّ المعرفة البشرية تستمدُّ قيمتها من مدى اعتمادها هذين المبدأين وانطلاقها منهما([285]).
ـ أمَّا المبادئ العقلية القبلية في المذهب العقلي فهي على نحوين: الأوَّل، ويشمل معظم هذه المبادئ «أربعة من ستَّة: القضايا التجريبية، والحدسية، والمتواترة، والمحسوسة» وهذه كلُّها قضايا استقرائية تقوم على أساس تراكم القيم الاحتمالية في محورٍ واحد([286]).
أمَّا النحو الثاني، ويشمل «الأوَّليات، والفطريات، فهي وإن كانت مبادئ قبلية إلاَّ أنَّه يمكن الاستدلال عليها استقرائياً»([287]).
ومن هنا فإنَّ المذهب التجريبي أيضاً يقع في المأزق المعرفي حين يختزل مصادر المعرفة بالحسِّ والتجربة، الأمر الذي أرغمه على التشكيك بقيمة المعرفة الناتجة عن هذا المصدر الوحيد في العلوم الطبيعية، ثُمَّ إلغاء كلِّ القضايا التي لا تخضع للحسِّ والتجربة وتجريدها من أيِّ قيمةٍ معرفية، بعد أن عجز وفق مذهبه هذا عن إيجاد ما يبرِّر التعميم الموضوعي الصادق، الأمر الذي ينجو منه المذهب الذاتي بإثبات المبدأين الأوَّليين: مبدأ عم التناقض، وبديهيات حساب الاحتمال([288]).
لقد كشف المذهب الذاتي في المعرفة عن «الأُسس المنطقية للاستدلال الاستقرائي، الذي يضم كلَّ ألوان الاستدلال العلمي القائم على أساس الملاحظة والتجربة …».
«واستطاع أن يقدِّم اتِّجاهاً جديداً في نظرية المعرفة البشرية، يفسِّر الجزء الأكبر منها الناحية العقائدية …
وهذه الحقيقة: هي: أن الأُسس المنطقية التي تقوم عليها كلُّ الاستدلالات العلمية المستمدَّة من الملاحظة والتجربة، هي نفس الأُسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبِّر لهذا العالم عن طريق ما يتَّصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير، فإنَّ هذا الاستدلال استقرائي بطبيعته …
«وهكذا نبرهن على أنَّ العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي، ولا يمكن من وجهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما»([289]).
وهكذا اقتحم على المذهب التجريبي أسواره، لينفخ فيه الروح، ويثبت بأنَّه قادر على أن يتسلح بالسلاح العلمي الدقيق الذي يؤهِّله ليس فقط إلى بلوغ المعرفة اليقينية في حدود التجربة والحس، بل إلى المعرفة اليقينية أيضاً في القضايا الميتافيزيقية، وبالأدوات ذاتها التي يتعامل من خلالها مع القضايا التجريبية.
ويطلُّ الشهيد الصدر بعد ذلك على مختلف مباحث العقيدة، من خلال هذا المنهج نفسه الذي يمثِّل نقلةً نوعيةً في علم الكلام الإسلامي.
ويدرك الباحث أنَّ هذا المنهج كفيل بأن يعيد صياغة علم الكلام الإسلامي كلَّه، الذي قام على أساس المنطق الأرسطي في دائرة المذهب العقلي.
ولقد كان السيد الشهيد ينوِّه بذلك ويصرِّح أحياناً بمؤاخذاته على البراهين الكلامية التي اعتمدها السلف «فقد كان يتحفَّظ على كثيرٍ من آراء السلف، ورغم تحفُّظه العام تسرَّبت على لسانه الكريم أسرار تطلقها كلمات موجزة أصغى إليها بعض المقرَّبين من طلاَّبه تنبئ بتحوُّل كبير سيطرأ على نظرية الوجود وأبحاث الميتافيزيقيا …
«وقد كان السيد الشهيد في خيفةٍ وتردُّدٍ وهو على أعتاب طرح هذا التحوُّل … ولعلَّ العقل لم يبلغ الرشد الكافي لقبول تلك الأفكار»([290]).
العقل الذي لم يكن يسمح بكتاب «مجتمعنا» هو أولى أن لا يسمح بكتاب من هذا النوع في «عقائدنا».
ولكن في الحدود التي يسمح بها العقل تعامل السيد الشهيد وفق منهجٍ جديدٍ في مباحث أُصول الدين.
منهج الاستدلال على أصول الدين
الجديد هنا جديد حقًّا أيضاً، وهو تطبيق منهج الاستقراء في علم الكلام، للبرهان على أُصول الدين بمنهجٍ جديدٍ يمتاز على المنهج التقليدي القائم على أسس المنطق الأرسطي من وجوه:
فهو مستغنٍ عن المصادرات التي يلجأ إليها الدليل الاستنباطي، من ناحية، وهو «أقرب إلى الفهم البشري، وأقدر على ملء وجدان الإنسان بالإيمان»([291]). من ناحية أخرى.
ولأوَّل مرَّةٍ يدخل منهج الاستقراء، بعد تقييمه على نحوٍ دقيقٍ ومعمَّقٍ كمنهجٍ استدلالي، مجال علم الكلام الإسلامي، فبعد التأسيس النظري المعمَّق لهذا المنهج، وتقييمه علمياً بكلِّ وسائل التقييم العلمية، ينتقل به الشهيد الصدر إلى حيِّز التطبيق، فيمارسه في إثبات وجود الصانع، وفي مسلِّماتٍ مهمَّةٍ في مبحث النبوَّة، وفي إثبات كفاءة الرسالة الإسلامية وصلاحيَّتها لكلِّ زمانٍ ومكان.
ويلخِّص منهجه في الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات بالخطوات الخمس الآتية:
1 ـ نواجه في مجال الحسِّ والتجربة ظواهر عديدة.
2 ـ ننتقل بعد ملاحظتها وتجميعها إلى مرحلة تفسيرها … والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضيةً صالحةً لتفسير تلك الظواهر وتبريرها جميعاً، فإذا كانت هذه الفرضية ثابتة في الواقع فهي تستبطن وجوداً، أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلاً.
3 ـ إثبات أن هذه الفرضية إذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة تواجد تلك الظواهر كلَّها مجتمعةً ضئيلة جدًّا، كنسبة واحدٍ في المئة، أو واحدٍ في الألف، وهكذا.
4 ـ نستخلص من ذلك أنَّ الفرضية صادقة، ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا وجودها في الخطوة الأولى.
5 ـ العودة إلى حساب الاحتمالات لمعرفة مدى إثبات تلك الظواهر لهذه الفرضية، إذ أنَّ درجة الإثبات هذه تتناسب عكسياً مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر إلى عدم وجودها، على افتراض كذب الفرضية … فكلَّما كانت هذه النسبة أقلَّ كانت درجة الإثبات أكبر، حتى تبلغ في حالاتٍ اعتياديةٍ كثيرةٍ إلى درجة اليقين الكامل بصحَّة الفرضية([292]).
يتناول الصدر هذا الموضوع بتفصيل أعمق وتقييمات أوسع في «الأُسس المنطقية للاستقراء» ثُمَّ يعرضه موجزاً مبسَّطاً في «موجز في أُصول الدين» لذا كثيراً ما يُحيل من «موجز» إلى «الأُسس» لغرض التوسُّع في الاطلاع.
وعلى أساس هذه الخطوات يأتي على إثبات وجود الله تعالى، وفق المنهج العلمي الاستقرائي وقواعده وأدواته، فبعد جمع الملاحظات والوظاهر، وتقديم الفرضيات الممكنة في تفسير هذه الظواهر، ثُمَّ تقييم هذه الفرضيات على ضوء حساب الاحتمالات «نصل إلى النتيجة القاطعة، وهي انَّ للكون صانعاً حكيماً، بدلالة كلِّ ما في الكون من آيات الاتِّساق والتدبير»([293]) بعد أن أخفقت جميع الفرضيات الأُخرى في تفسيرها.
ويأخذ هذا المنهج العلمي دوره الرائع في إثبات ظاهر النبوَّة، من خلال الدراسة المفصَّلة لطبيعة الإنسان والتاريخ، حقيقة طبيعة الإنسان التي يكشفها السبر التاريخي، والتي تتَّخذ فيها النبوَّة والوحي موقعها الطبيعي. وفي المسار نفسه يأخذ المعاد موقعه دون الحادجة إلى مصادراتٍ عقليةٍ قد لا توفِّر درجة اليقين التي يوفِّرها هذا الاستدلال العلمي.
فقضية نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ومصداقية رسالته تُدرس على أساس طبيعة الرسالة وخصائصها، وطبيعة المرسل واستعداداته قبل الرسالة وبعدها … وبعد توفير كلِّ الملاحظات والظروف ذات العلاقة، وتقديم الفرضيات الممكنة في تفسيرها يخلص إلى «أنَّ النتيجة إذا جاءت أكثر من الظروف والعوامل المحسوسة، بحكم الاستقراء للحالات المماثلة، كشفت عن وجود شيءٍ غير منظورٍ وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة»([294]).
وذلك هو «عامل الوحي، عامل النبوَّة، الذي يمثِّل تدخُّل السماء في توجيه الأرض»([295]).
إنَّ اعتماد هذا المنهج في الاستدلال على أُصول الدين في الوقت الذي يمثِّل الخطوة الرائدة في تطبيقات المنهج الذاتي المكتشف في المعرفة لينقل النظرية المكتشفة إلى الواقع التطبيقي، يعدُّ في الوقت نفسه خطوة رائعة على مستوى علم الكلام الإسلامي، أحدثت فيه نقلةً نوعية، وسلَّحته بالأدوات الكافية للإجابة على أسئلة العصر المثارة بوجه الاستدلال الكلامي التقليدي.
من فقه الفرد إلى فقه المجتمع
الطريق إلى النظرية الإسلامية
الفكر الاجتماعي مزية كبرى في فكر الشهيد الصدر، كوَّنت الإطار العامَّ له، وأضفت عليه صبغتها وطبعته بطابعها، فمنذ البداية كانت المشكلة الاجتماعية هي المنطلق في مناقشته الفلسفتين المعاصرتين، الديمقراطية الرأسمالية والماركسية، ليكون البعد الاجتماعي بعد ذلك الدافع الرئيس في البحث عن النظرية الإسلامية في الميادين كافَّة ….
ولمَّا كان هذا البعد متأصِّلاً في تفكيره فقد أخذ إطاره الشمولي في بنائه التأسيسي للنظرية الإسلامية، على مستوى الأُصول والفروع، والبنى الأساسية لثقافةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ وكيانٍ إسلاميٍّ واقعي.
فعلى مستوى أُصول الدين كان البعد الاجتماعي للتوحيد والنبوَّة والمعاد ثم العدل والإمامة مبرَّزاً على نحوٍ أضفى على هذه الأُصول حيويةً فائقة، تكتسبها لأوَّل مرَّةٍ على مستوى علم الكلام الإسلامي.
فالتوحيد هو العنصر الذي «يحدث تغييراً نوعياً في بُنية العلاقات الاجتماعية»([296]) لأنَّ التوحيد هو «سند الإنسانية في تحرُّرها الداخلي من كلِّ العبوديات، كما أنَّه سند التحرُّر الإنساني في كلِّ المجالات»([297]).
فالتوحيد ليس فقط يصنع إنساناً «يرفع رأسه حرًّا أبيًّا، ولا يستشعر ذلَّ العبودية والهوان أمام أيِّ قوةٍ من قوى الأرض أو صنمٍ من أصنامها»([298]) بل هو إلى جانب ذلك «ينشئ في الإنسان العقل الاستدلالي أو البرهاني الذي لا يتقبَّل فكرةً دون تمحيص، ولا يؤمن بعقيدةٍ ما لم تحصل على برهان، ليكون هذا العقل الواعي ضماناً للحرية الفكرية، وعاصماً للإنسان من التفريط بها بدافعٍ من تقليد أو تعصُّبٍ أو خرافة»([299]).
أمَّا النبوَّة فهي ليست علاقة غيبية بالأرض تنتهي عند الوعظ والإرشاد، بل هي «عملية استبدالٍ ثوري … وتصفية نهائية للاستغلال ولكلِّ أنواع الظلم البشري»([300]).
وعلى ضوء هذا الفهم الاجتماعي تكون أُصول الدين «التي تمثِّل على الصعيد العقائدي جوهر الإسلام والمحتوى الأساس لرسالة السماء، هي في نفس الوقت تمثِّل بأوجهها الاجتماعية على صعيد الثورة الاجتماعية التي قادها الأنبياء الصورة المتكاملة لأسس هذه الثورة، وترسم للمسيرة البشرية معالم خلافتها العامَّة على الأرض»([301]).
وهكذا ينتهي التصوُّر الاجتماعي لأُصول الدين ومبادئ العقيدة إلى «أنَّ الإسلام ثورة لا تنفصل فيها الحياة عن العقيدة، ولا ينفصل فيها الوجه الاجتماعي عن المحتوى الروحي، ومن هنا كان ثورةً فريدةً على مرَّ التاريخ»([302])([303]).
الفقه والمجتمع
وعلى مستوى الفروع يؤطِّر البعد الاجتماعي دائرة الفقه ويتغلغل إلى مركزها، ليعانق الفقه الحياة، حياة المجتمع، ويتحرَّك معها، فقهاً حيوياً، لا يعجزه الاندفاع إلى أمام مع سيرورة الحياة، ولا يتوقَّف عن مواكبتها كما هو شأنه في أُفقه الماضي والحاضر.
الأُفق الفقهي المألوف محدود وسلبي للغاية، فهو مهيَّأ فقط للتراجع أمام كلِّ واقعٍ مستجدٍ، وليس مهيَّأً لمعالجة الواقع … فإذا كان هناك ما يبرِّره في أدوار تاريخية سالفة، فإنَّ كلَّ تلك المبرِّرات لا تصلح لأن تكون مبرِّراً مقبولاً لإدامة هذه الحال.
ليس من المبرّر أن يظلّ الفقه يدور مدار الأحكام الفردية، لتكون ذروة إنجازاته في إيجاد الحلول لأحكام مستعصية يتعرض لها فرد يواجه قضية دخلت على موضوعها ملابسات جديدة، فرضتها قوانين الحياة المستجدة، على نحو الفتوى التي تبرر للمتعبد موقفه إزاءها، ومن ثم تدعى هذه الفتاوى بالمسائل المستحدثة، وليس فيها من الاستحداث سوى طرق تبرير السلوك الجديد وتسويغه فقهياً، ولو على سبيل الغض عن الحقيقة الخارجية للموضوع، والاستعانة بـ «الحيل الشرعية»!
إن المسائل الحيوية المستحدثة في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أكبر بكثير من أن تعالج عن طريق الالتفاف على موضوعاتها من أجل البحث عن سلوك مبرّر حيالها … إنها تتوقف بشكل كامل على استيعاب دقيق وشامل لموضوعاتها، ولما لهذه الموضوعات من علائق معقّدة بموضوعات أخرى تفرض نفسها على الواقع … وهذا الاستيعاب لا يمكن تحصيله دون تحصيل المعرفة الجيدة بإنجازات العلوم الإنسانية الحديثة، والأسس النظرية التي تقوم عليها هذه المعاملات المستجدة … ولمَّا لم يتوفر الفقيه التقليدي على هذا الشرط الأساسي، فإنه لا يستطيع أن يتجاوز تلك الأنساق الفردية المحدودة، كما لا يستطيع أن يقدّم حلوله «المستحدثة» على نحو الاستيعاب للقضية وموضوعها، فيلجأ مرغماً إلى «الفتاوى الشرطية»: إذا كان الموضوع كذا، فحكمه كذا! هذه الفتاوى التي إذا كانت قد أخرجت الفقيه من مأزق الحرج أمام مسألة لا يملك عدة توفير الإجابة الموضوعية عليها، فإنها ألقت بالتبعة على الفرد الذي سيكون هو المسؤول عن تحديد الموضوع الذي عجز الفقيه عن تحديده.
لقد ترك هذا الدور السلبي للفقيه آثاره الكبيرة في أُفق الفقه ومداه ….
ـ حصل انكماش في الهدف الذي يصبو إليه الفقه، فأُهملت وغابت المواضيع التي تمهِّد للمجال التطبيقي الاجتماعي، كلُّها، نتيجة الانكماش في الهدف، فاتَّجه الفقيه إلى الفرد وحده وحاجاته الخاصَّة، تاركاً المجتمع وحاجاته إلى تنظيم الحياة الاجتماعية …
ـ لقد طال الزمن على هذا المنهج الارتدادي فترسَّخ في الذهن على أنَّه غاية الشريعة ومداها، تسرَّبت الفردية إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها، فأصبح ينظر إلى الشريعة في نطاق الفرد، وكأنَّ الشريعة ذاتها كانت تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل له الفقيه فحسب([304])!.
مما لا شك فيه أن التتبّع التاريخي لحركة الاجتهاد في الإسلام يرسم لنا خطًّا بيانياً كثير الزوايا والمنعطفات الشاهدة على أدوار البعث والانحسار المتعاقبة على هذه الحركة، وعلى الوعي الشامل لدورها في الحياة.
ولعلّ أول انحسار تواجهه عملية الاجتهاد في الإسلام هو ما نتج عن تقليص مساحة الفقه، وقصره على الأحكام الشرعية التي تتركّز حول الأفراد في عباداتهم ومعاملاتهم، المبدأ الذي لا ينسجم مع شمول الإسلام، وانفتاح الفقه على جوانب الحياة المختلفة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وتربوياً.
إن العامل الأساس الذي تسبّب في انكماش الفقه إلى هذه المساحة الضيّقة هو بلا ترديد: الظروف السياسية القاهرة التي أرغمت الكثير من علماء ومفكّري الإسلام على «الانفصال عن الواقع ومتطلّباته»([305]) ذلك منذ تحولت دولة الخلافة إلى ملك في النظام الملكي الذي أقامه معاوية … فحدث تحوّل، بيقين، في قضايا إسلامية مهمة، وبدأ يتجمّد الفقه السياسي والدستوري للدولة، كما تجمّد فقه العلاقات الاقتصادية والمالية، وبدأ يتجمّد فقه العلاقات الدولية كذلك … والتزم الفقهاء ناحية فروع الفقه، كما التزم المحدّثون رواية السنن، وغلب على هؤلاء وأولئك الرغبة في أن لا يصطدموا بالنظام القائم … واكتفوا بأنَّهم قبلوا الأمر الواقع واستفاضوا في شروح العبادات والمعاملات على النحو الذي وصل إلينا … وجاءت الدولة العباسية فتحقق في نفوس الناس اليأس من الإصلاح([306]).
أم على الصعيد الشيعي فإنّ حركة الاجتهاد قد قاست منذ ولدت تقريباً عزلاً سياسياً عن المجالات الاجتماعية للفقه الإسلامي …. وهذا العزل السياسي أدّى تدريجياً إلى تقليص نطاق الهدف الذي تعمل لحسابه حركة الاجتهاد … وتعمق على الزمن شعورها بأن مجالها الوحيد الذي يمكن أن تنعكس عليه في واقع الحياة وتستهدفه هو مجال التطبيق الفردي … وهكذا ارتبط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه، لا بصورة المجتمع المسلم([307]).
إذن ثمة حقيقة تاريخية كانت وراء معادلة متكافئة الطرفين، مفادها: أن الانكماش والفردية في الفقه سببه «غياب التشريع الإسلامي عن الحياة العامة للناس»([308]).
وقد نجد عند آخرين تفسيراً آخر لهذه الظاهرة، هو في نفسه يحتاج إلى تفسير! كالذي رآه الدكتور الفاروقي من أن انحسار الوعي الإسلامي نفسه هو الذي دعا إلى انحسار الاجتهاد على يد السلف([309]). إذ السؤال راجع عليه: ما الذي دعا إلى انحسار الوعي الإسلامي نفسه؟.
لقد تحدّث التاريخ عن قرار سلطاني قديم قضى على الفقه السنّي بسدّ الأبواب أمام مجتهدين جدد يوضعون في مصاف الفقهاء الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد … ولقد تعايش الفقه السنّي مع هذه الصورة المملاة من فوق، ووجد لها من الظروف الدينية والاجتماعية والسياسية ما يبرّرها، وزحفت سريعاً على طول المساحة الفقهية وعرضها، ولم يوقف زحفها حتى جهود أكابر الفقهاء الذين عاصروا أعوام مدّها الأول، بعد أن أصبحت خياراً جماهيرياً مقدّساً، ولطالما تمكن الرعيل الشعبي ـ بما فيه من همجٍ رعاع، وأنصاف متعلّمين ـ من تطويع العلماء لأذواقهم وميولهم، وغالباً ما تكون ميول هذا الرعيل «مقدّسة» لا تقبل النقاش! ومن لم يلن لها من أهل العلم وقع ضحية أحكامها التي لا يتعقّبها «تمييز» البتة!
إن دعوات واعية، قديماً وحديثاً، قد هاجمت هذه الظاهرة وبرّزت ضرورة الاجتهاد، على درجات متفاوتة عمقاً وشدةً، فبينما اعتمد بعضهم الهجوم المباشر، ابتداءً بالعز بن عبد السلام (660هـ) وأبي شامة المقدسي (665هـ) مروراً بابن تيمية (728هـ) وابن القيم (751هـ) وانتقالاً إلى السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا، وناصر الدين الألباني … حاول البعض الآخر احترام التبريرات السائدة نافذاً إلى التصريح بضرورة تجاوزها «فلما ضعف المستوى العلمي للمجتهدين، وأصبحوا مجرّد مقلّدين لمن سبقهم، وخيف أن يتصدّى للاجتهاد من ليس أهلاً له، رأى البعض أن باب الاجتهاد قد أقفل، وكأن حاجات الجماعة الإسلامية لا يجدُّ فيها جديد يحتاج إلى اجتهاد جديد»([310])!
ويحافظ الدكتور الفاروقي على تلك التبريرات فيما ينقلنا في الوقت نفسه نقلة كبيرة إلى واقع متجدّد: «ليس بين علماء المسلمين اليوم ما يمنع الاجتهاد … كان ذلك في عصر مضى، رُثي فيه أن المذاهب الأربعة كافية» أما في عصرنا هذا «فلا يُقبل من علمائنا ادعاؤهم بأن باب الاجتهاد مغلق، فالأمة تقف على مفترق طرق لا يجوز لها اجتيازه دون اجتهاد مطلق»([311]).
الشيخ شمس الدين يطالعنا بقراءة جديدة لواقع الاجتهاد من خلال رؤية نقدية كاشفة عن طبيعة الاجتهاد الذي ينشده، فهو لا يرى الاجتهاد من خلال الإعلان المبدئي عن انفتاح أبوابه، بل ينظر إلى الانفتاح والانغلاق، والحركة والجمود، من خلال الواقع التطبيقي لتلك المواقف المبدئية، وكأنه يرصد من خلال استقرائه الخاص تطابقاً في الحالين لم تؤثّر فيه المبادئ شيئاً، وما هذه الميزة المبدئية التي تتحدث عن أن باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، مغلق عند السنّة. إلا «مكرمة وهمية» ويفسّر الشيخ وجهة نظره هذه على الفور، فيقول: «تارةً نتحدث عن اجتهاد مطلق في الشريعة، في الإسلام، الشيعة ليس عنهم اجتهاد في هذا المجال، وباب الاجتهاد عندهم لا أقول هو مغلق، ولكن هم أغلقوه، فمن النادر أن تجد فقيهاً شيعياً يعرف فقه المذاهب وله رأي فيه وفقاً لمنهجها، أو وفقاً لمنهجه. أما أن نقول إنه ثبت بالبرهان أن أصول الاستنباط عند الشيعة هي الحقيقية، وكل المذاهب الأخرى باطلة، فهذه مسألة سهلة، ويستطيع الشافعي أيضاً أن يقول: ثبت بالبرهان أن منهج الاستنباط عندي هو الصحيح، فالمذاهب الأخرى باطلة».
ثم يواصل المقارنة بوجه معكوس، فيقول: «إن الموجود في خط التشيّع الإمامي هو موجود عند الشوافع أو الحنابلة أو الزيدية أو الأحناف، يوجد مجتهدو مذاهب، يوجد مجتهدون في مذهب الشيعة الإمامية ومجتهدون في مذهب الأحناف…»([312]).
مخاطر الانكماش الفقهي وأمثلته
الشهيد الصدر يلفت النظر إلى أعمق آثار ذلك الانكماش، فهو يرى أن آثاره لم تقف عند انكماش الفقه من الناحية الموضوعية، بل قادت بالتدريج إلى تسرّب «الفردية» إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها! وذلك بسبب اعتياده المتواصل أن ينظر إلى الفرد ومشاكله … ولم يترك الشهيد ـ وهو إمام التحليل والتنظير ـ رؤيته سائبة، بل انتخب لها من أبواب الأصول والفقه أمثلة حيّة تجسّد تلك الروح الفردية التي تسرّبت إلى هدف الفقيه ونظرته للشريعة:
أ ـ ففي مناقشة الأصوليين لاتّباع الظن في مبحث دليل الانسداد، وافتراضهم إيجاب الاحتياط على المكلّف بدلاً من اتباع الظن، يقول السيد الشهيد: انظروا إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض، وكيف سيطرت على أصحابه ـ أصحاب هذا الافتراض ـ النظرة الفردية إلى الشريعة، فإن الشريعة إنما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب، أما حين تكون تشريعاً للجماعة وأساساً لتنظيم حياتها فلا يمكن ذلك بشأنها، لأن الفرد قد يقيم سلوكه على أساس الاحتياط، أما الجماعة كلها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية السياسية على أساس الاحتياط.
ب ـ الفهم الفردي السائد لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أدّى إلى أن يرد لدى البعض اعتراض بأن في الشريعة ضراراً، فالقصاص والضمان والزكاة مثلاً إضرار بمن يكلَّف بها! إن هذا الاعتراض إنما يقوم على أساس النظرة الفردية إلى التشريع، فهي التي أتاحت لهم أن يعتبروا هذه الأحكام ضررية، بينما لا يمكن أن تعتبر ضرريةً في شريعة تفكّر في الفرد بوصفه جزءاً من جماعة مرتبطاً بمصالحها.
ج ـ ونظام الصيرفة القائم على أساس الربا، مثلاً، بوصفه جزءاً من الواقع الاجتماعي المعاش يجعل الفقيه يحسُّ بأنَّ الفرد المسلم يعاني مشكلة تحديد موقفه من التعامل مع مصارف الربا، ويتَّجه البحث عندئذٍ لحلّ مشكلة الفرد المسلم عن طريق تقديم تفسير مشروعٍ للواقع المعاش، بدلاً من الإحساس بأنَّ نظام الصيرفة الربوي يعتبر مشكلةً في حياة الجماعة ككلِّ حتى بعد أن يقدِّم التفسير المشروع للواقع المعاش من زاوية الفرد …
وليس ذلك إلا لأنَّ ذهن الفقيه في عملية الاستنباط قد استحضر صورة الفرد والمشكلة بالقدر الذي يرتبط به بما هو فرد»([313]).
فالمشكلة تبرز بنحو أكبر في عجز الإسلام، وفق هذه النظرية، عن تقديم أُطروحته في حلِّ هذه المشكلة الاجتماعية أو تلك، وإنَّما تبقى الحلول تتنقل تنقُّل مشكلات الأفراد وتنوُّعها.
وعلى صعيد المثال الثالث «الصيرفة» نموذجاً، لا يقف الشهيد عند الإثارات، بل يتجاوزها إلى وضع أُطروحةٍ متكاملةٍ في مشروع «البنك اللاربوي في الإسلام» مثبتاً أنَّ العجز إنَّما هو في الفقه المألوف في إطار المنكمش، وليس في الإسلام كمنهجٍ للحياة.
وهو في اُطروحته ليس بالرجل الذي ينسج نظريةً تجريديةً معلَّقةً في الهواء، بل هو يعي تماماً ما يصنع، فيؤسِّس لهذا المشروع على: «أن يكون قادراً على الحركة والنجاح في ضمن إطار الواقع المعاش، بوصفه مؤسَّسةً تجاريةً تتوخَّى الربح».
وعلى: «أن تمكّنه صيغته الإسلامية من النجاح بوصفه بنكاً، ومن ممارسة الدور الذي تتطلّبه الحياة الاقتصادية والصناعية والتجارية من البنوك، وما تتطلَّبه ظروف الاقتصاد النامي والصناعة الناشئة من ضرورة التدعيم والتطوُّر».
فيجعل هذين الشرطين اثنين من أُسسٍ ثلاثة يقوم عليها هذا المشروع، بعد الأساس الأوَّل، وهو: «أن لا يخالف أحكام الشريعة»([314]).
ولم تنحصر إشكالية الانكماش الفقهي في ترسيخ الفردية للفقه والشريعة كلَّها، وحسب، وإنَّما انعكست مرَّة أُخرى في ظاهر أكثر خطورةً على صورة الفقه نفسه، وأكثر سلبية تجاه الشريعة التي جاءت لتنظيم الحياة الاجتماعية بأسرها.
ذلك هو خطر «الذاتية» على الفقه، الذي سيكون على مستوى الدائرة الاجتماعية الواسعة أكبر منه خطراً على مستوى الأحكام الفردية.
ومن أبرز مظاهر «الذاتية» في الفقه:
1 ـ الاندفاع بقصد، أو بدون قصد، إلى إيجاد سبلٍ لفهم النصوص فهماً خاصًّا يبرِّر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس لعملية الاستنباط …
2 ـ محاولة دمج النصّ في إطارٍ خاصٍّ، قد يكون منبثقاً عن الواقع المعاش وقد لا يكون، فتأتي المحاولة هنا لفهم النصِّ ضمن ذلك الإطار المعيَّن، فإذا وجد النصَّ لا ينسجم مع هذا الإطار أهمله.
3 ـ عملية تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه، دون مبرِّرٍ موضوعي، وهذه المحاولة كثيراً ما تُرتكب في نوعٍ خاصٍّ من الأدلَّة الشرعية، وهو «التقرير» أي سكوت النبيّ أو الإمام عن عملٍ معيَّنٍ يقع على مرأًى منه ومسمعٍ سكوتاً يكشف عن سماحه به، كاشفاً عن جوازه في الإسلام.
5 ـ اتّخاذ موقفٍ مسبقٍ تجاه النصّ، موقف منطلق دائماً من الموقف النفسي الذي تفترضه ذاتية الممارس لعملية الفهم والاستنباط، لا موضوعية البحث، وهذا خطر لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع، بل قد يؤدّي أحياناً إلى التضليل في فهم النصّ الشرعي([315]).
هذه المخاطر قد تتسرَّب إلى عملية الاجتهاد في تفسير النصّ، من أجل اكتشاف الأحكام أو المفاهيم.
والشهيد مرتضى المطهّري يشاطره الرأي، كالشارح لبعض فقراته، فصحيح أن عمل الفقيه هو استنباط الأحكام «إلا أن معرفته وإحاطته وطراز نظرته إلى العالم، تؤثر تأثيراً كبيراً في فتاواه … فإذا افترضنا فقيهاً دائم الانزواء في بيته أو مدرسته، ثم نقارنه بفقيه آخر يواكب الحياة، نجد أن كليهما يرجعان إلى الأدلة الشرعية لاستنباط الحكم، ولكن كلاً منهما يستنبط حكمه على أساس وجهة نظره الخاصة».
وهذه آثار ظاهرة في فتاوى الفقهاء، حتى «لو أن أحداً أجرى مقارنة بين فتاوى الفقهاء، وتعرّف في الوقت نفسه على ظروف حياة كل فرد منهم وطريقة تفكيرهم في مسائل الحياة، لعرف كيف أن المنظورات الفكرية لكل فقيه ومعلوماته عن العالم الخارجي المحيط به تؤثر في فتاواه، بحيث إن فتوى العربي تفوح منها رائحة العرب، وفتوى الأعجمي تفوح منها رائحة العجم، ومن فتوى القروي رائحة القرية، ومن فتوى المدني رائحة المدينة»([316]).
هي حقيقة قديمة، لكن الكشف عنها وبناء الخطوات اللاحقة هو الجديد، فالفقيه لا يستنبط أحكامه من خلال أدوات الاستنباط وحدها، بل تتدخّل في ذلك، شعورياً أو لا شعورياً، ذات الفقيه نفسه، رؤيته للحياة، توجّهاته العقيدية، استيعابه لمعادلات الحياة، كل هذه عوامل تكمن وراء اختلاف الفقهاء.
وعلى ضوء هذا يصبح من المعقول ومن المحتمل أن توجد لدى كلِّ مجتهدٍ مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي، وإن كان معذوراً فيها، ويصبح من المعقول أيضاً أن يكون واقع التشريع الإسلامي في مجموعةٍ من المسائل التي يعالجها موزِّعاً هنا وهناك بنسبٍ متفاوتة في آراء المجتهدين، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألةٍ وصواب في أُخرى … ويكون الآخر على العكس …
ولهذا يجب أن نفرِّق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معيّن خلال ممارسته للنصوص([317]).
الفهم الاجتماعي للنص
من هنا يبدأ الحلُّ، وتبدأ انطلاقة الإسلام من أُسار النظرية الفقهية المنكمشة.
وعند الصدر، الفقيه المبدع الذي عاش للمجتمع وأعطاه دمه وروحه، وعاش الشريعة ووعاها وتذوّقها، سيدخل الفقه أفقاً جديداً، هو في غاية الأهمية، أُطلق عليه «الفهم الاجتماعي للنصّ» ذلك الفهم الذي يمثّل ذهنية موحّدة، وارتكاز تشريعي عام، يستطيع الفقيه أن يحكم على ضوئه بأنّ الشيء الذي يناسب أن يكون موضوعاً للنصّ هو أوسع نطاقاً من الأشياء المنصوص عليها في الصيغة اللفظية للنص.
فالفهم الاجتماعي للنصِّ: «فهم النصَّ على ضوء ارتكازٍ عامٍّ يشترك فيه الأفراد نتيجةً لخبرة عامَّةٍ وذوقٍ موحّد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظي واللغوي للنصّ الذي يعين تحديد الدلالات الوضعية والسياقية للكلام»([318]).
وهذا لا يختلف من حيث المفهوم عن أسلوب الاستدلال المتَّفَق عليه لدى الفقهاء تحت عنوان «مناسبات الحكم والموضوع». فهذا الاصطلاح الأخير هو أيضاً تعبير آخر عن ذهنيةٍ موحّدةٍ وارتكازٍ تشريعيٍّ عامٍّ، يحكم الفقيه على ضوئه بأنَّ الشيء الذي يناسب أن يكون موضوعاً للحكم المنصوص عليه هو أوسع نطاقاً من الأشياء المنصوص عليها في الصيغة اللفظية. «وهذا هو ما نعنيه بالفهم الاجتماعي للنص»([319]). ولكنَّ الاختلاف سيأتي عندما يمارس الفهم الاجتماعي للنصِّ دوره في التطبيقات على مستوى القضية الاجتماعية والنظرية الاجتماعية وراء حدود الأحكام الفردية.
إذن فالفهم الاجتماعي للنصِّ يبدأ من حيث ينتهي دور الفهم اللفظي واللغوي، ليُقرأ النصّ في الخطوة الثانية من خلال الارتكاز الاجتماعي، ليعطي ثمراتٍ جديدةً لم تكن تبدو على مستوى حدود الفهم اللغوي الأوَّلي.
أما المبرِّرات للاعتماد على الارتكاز الاجتماعي في فهم النصِّ، فهو نفس مبدأ حجَّية الظهور، لأن هذا الارتكاز يُكسب النص ظهوراً في المعنى الذي يتّفق معه، وهذا الظهور حجة لدى العقلاء كالظهور اللغوي.
ولا بدَّ من التمييز، والمائز دقيق، بين هذا الأُسلوب وبين القياس، فهما وإن كانا يشتركان في تعميم الحكم، إلا أن الأمر هنا ليس من قبيل قياس غير المنصوص على المنصوص، بل راجع إلى الاستناد إلى ظهور عامٍّ، ارتكاز، يشكِّل قرينةً على أن ما ذُكر في النص «إنما جاء على سبيل المثال لا الحصر، أو لأسباب رافقته فجعلته موضوعاً للحكم، وعلى هذا يكون الدليل نفسه ظاهراً في الحكم العامّ، أو الحكم على مفرداتٍ أُخرى تحمل في ظرفٍ ما نفس تلك الخصوصيات والأسباب التي جعلت المثال السابق محلاًّ للنصّ([320]).
ثمّة وقفة للصدر فيها غاية الجمال، وفيها أكثر من دلالة … تلك حين يقف على كتاب «فقه الإمام الصادق» للشيخ محمد جواد مغنية، فيشدّه وعي هذا الفقيه بالبعد الاجتماعي للنصّ، فيقول: أكبر الظنّ أنها أول مرة أقرأ فيها لفقيه إسلامي من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام أوسع نظرية لعنصر الفهم الاجتماعي للنصّ، يعالج فيها بدقة وعمق الفرق بين المدلول اللغوي وبين المدلول الاجتماعي للنص، ويحدد للمدلول الاجتماعي حدوده المشروعة … كانت هذه المرة الأولى التي قرأتُ فيها ذلك عن عنصر الفهم الاجتماعي للنص هي حين قرأت بعض أجزاء الكتاب المجدّد الخالد «فقه الإمام الصادق» الذي وضعه شيخنا الحجة الكبير الشيخ محمد جواد مغنية، الذي حصل الفقه الجعفري على يده في هذا الكتاب المبدع على صورة رائعة في الأسلوب والتعبير والبيان»([321]).
إنها وقفة العالم المخلص المتعطّش لإحياء هذه الشريعة، فيمتلئ بهجةً ويعيش نشوة الاكتشاف حين يجد ما يتمنّاه لهذه الشريعة وقد سبقه إليه غيره … العالم الذي يتذوق التجديد والإبداع قيقيّم هذا الكتاب وصاحبه تقييماً لا يرتضيه سائر الفقهاء التقليديين الذين يرون أن الشيخ مغنيّة قد اخترق «جلالة» التراكيب الفقهية المنعقدة، وقدم الفقه لا بأسلوب الفقهاء المعهود، ثم تجاوز حرفية النصوص في مواضع عديدة، عارضاً ما لم يألفه الفقه المعهود … ليهبط في نظرهم عن مرتبة الفقهاء، فيما يرتقي عند الصدر إلى مرتبة الشيخ الكبير الذي أحيا الفقه الجعفري …
أخيراً … فإن هذا الفهم الاجتماعي للنص سوف يتعاضد عند السيد الشهيد مع المبدا الثاني الذي يؤسِّس له نظرياً لأول مرةٍ على مستوى الفقه الشيعي، وإن كانت ملامحه قد تكون موجودة على نطاقٍ ضيِّق، وفي مديات محدودة جداً، ذلك هو مبدأ:
«روح الشريعة»
ففي الشريعة أحكام منصوصة، في الكتاب والسنة، تتّجه كلُّها نحو هدفٍ مشترك، على نحوٍ يبدو منه اهتمام الشارع بتحقيق ذلك الهدف … فيعتبر هذا الهدف بنفسه مؤشراً ثابتاً، وقد يتطلب الحفاظ عليه وضع عناصر متحرِّكة، تضمن بقاء الهدف، أو السير إلى ذروته الممكنة([322]).
فتحقيق العدالة الاجتماعية على سبيل المثال، واحد من أهداف الشريعة العليا ومقاصدها، التي وضعت لأجلها أحكام عديدة على مستوى الفرد والمجتمع، تلتقي كلها عند تحقيق هذه الغاية الكلّية، العدل: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾([323]). ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾([324]).
ثم تأتي ميادين التطبيق الواسعة في طائفة كبيرة من الأحكام، تهدف كلها إلى تحقيق هذا المبدأ العام في الشريعة:
﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾([325]).
الأمر بالتسوية بين الناس، حفظ حقوق الناس المعنوية والمادية، تحريم الاستبداد، أداء الزكاة، تحريم الربا، تحريم الاحتكار، تحريم الغش، إلى عشرات الأحكام المنصوصة في الكتاب والسنة والتي تتكافل في تحقيق الأمن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
هذه كلها ثوابت في الشريعة لها غاياتها، ولأجل تحقيق هذه الغايات كان تشريعها، من هنا فإن أساليب تنفيذها، واتساع دوائرها، سيكون هو البعد المتغيّر فيها، الذي يتكيف بحسب ما تمليه الأهداف والمقاصد التي أريدت من ورائها.
«فالشريعة أحكام تنطوي على مقاصد، ومقاصد تنطوي على أحكام … وأُصول عامة يهتدي بها إلى اكتناه أسرار الشريعة ومقاصدها، عن طريق اللفظ والمدلول الخاص والعام، وما يدل عليه مجموع تلك الدلالات من مقاصد وأفهام … فالعدل العام الإسلامي لا يقبل التبديل، وأما الأحكام الجزئية فقد تتغيّر بحسب الظروف والاعتبارات الزمانية والمكانية، لأنها غير مقصودة لذاتها، وإنما يقصد منها الوصول لتحقيق العدالة الشرعية»([326]).
«من هنا مارس المعصوم دوره ـ في تطبيق هذه الأحكام ـ لا بوصفه مبلِّغاً للعناصر الثابتة عن الله تعالى، بل بوصفه حاكماً للمجتمع الإسلامي، يضع العناصر المتحرِّكة التي يستوحيها من المؤشِّرات العامَّة للإسلام، والروح الاجتماعية والإنسانية للشريعة»([327]).
إذن لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الأصوليون من نصوص السنّة حكماً شرعياً إلهياً، بينما كثير منها لا تتضمن أحكاماً شرعية إلهية، بل تتضمن ما يسميه الشيخ شمس الدين: «تدبيرات» وهي أحكام تنظيمية، إدارية، وقد درج الفقهاء على اعتبار هذه أحكاماً شرعية وهي ليست كذلك …
ومنشأ هذه النظرة عند الأصوليين والفقهاء، كما يرى الشيخ شمس الدين، هو تصوّرهم أن وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أن يبيّن الأحكام الشرعية، وغفلوا عن أن جملة من وظائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان حاكم دولة، وقائد جيش، وقائد مجتمع، وربّ أسرة، وعضواً في مجتمع يتفاعل مع محيطه وحياته ومع معاشريه من الناس، وأنه من هذه المنطلقات كلها كان يقول ويفعل ويقرّر … لقد لاحظ فقهاء الشيعة وسائر المذاهب أن الحكم الوارد في بعض الوقائع لا يمكن تعميمه، فيقال: «إنه قضية في واقعة، ولا يصلح أن يكون قاعدة» هذا الفهم صحيح، لكنه أوسع بكثير من الموارد النادرة التي لاحظوا فيها هذه القضية([328]).
والسيد فضل الله يرى في السياق نفسه ضرورة التمييز بين وظيفتين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أولاهما التبليغ وبيان الأحكام. وثانيهما الولاية والحكم، لذا فالتمييز بين نوعين من السنّة صحيح، ثم يتّكئ على السيد الشهيد الصدر رحمه الله في فصله بين أحكام هاتين الوظيفتين، من خلال قضية نخلة سمرة بن جندب، وفق قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» التي لا تقضي بأكثر من رفع الحكم الضرري، وهو الجانب التشريعي المطلق، فيما لاحظ الأمر بقلع النخلة خط الولاية.
ثم يوضّح كل ذلك توضيحاً هامًّا فيه خلاصة للموضوع كلّه، إذ «الولاية تتعلّق بالأمور الجزئية لحركة التشريع في الواقع، بينما التشريع نفسه يتعرّض للأمور الكلّية في تفسير النظرية وتأصيلها ورسم حدودها التشريعية»([329]).
وعلى أساس التكامل بين هذين المبدأين: البعد الاجتماعي للنصّ، وروح الشريعة، سوف نقف على فقهٍ جديدٍ تاماً، فقهٍ عمليٍّ حيٍّ قادرٍ على التقدُّم بمشاريع الحياة نحو الأفضل دائماً، وليس على إيجاد الحلول المؤقَّتة لمشكلاتها المتجدِّدة فحسب.
فقه يكون أداةً بيد المجتمع، من أجل بناء حاضره ومستقبله، بدلاً من أن يكون أداةً بيد الفرد، يبرِّر له أعماله الخاصَّة في ظلّ أوضاعٍ عامَّة منحرفةٍ، أو يكون مطيةً له إلى مصالحها الذاتية.
وقفة تاريخية سريعة
على فقه المقاصد
عند الشيعة الإمامية
هذا الموضوع القديم، الجديد … قديم، إذ عالجه الفقهاء المتقدمون، على درجات متفاوتة، ومن زوايا مختلفة … جديد، إذ تجدّدت محاولات إحيائه وتفعيله مع هذه الحركة الواسعة في تجديد الفقه.
ولعلّ أقدم أثر وصل إلينا في هذا الموضوع هو «رسالة الفضل بن شاذان» الفقيه والمتكلم الإمامي الشهير، من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، والمتوفى سنة 260هـ، التي نقلها كاملةً الشيخ الصوق في كتابه «علل الشرائع».
ويستهلّ ابن شاذان رسالته هذه بقوله: «إن سأل سائل فقال: أخبرني، هل يجوز أن يكلّف الحكيم عبده فعلاً من الأفاعيل لغير علّة ولا معنى؟ قيل له: لا يجوز ذلك، لأنه حكيم، غير عابث ولا جاهل»([330]).
وقد ظهرت قبله، وبعده في القرن الثالث وفي القرن الرابع عشرات الكتب التي تعالج هذا الموضوع تحت عنوان «العلل» يجد المتتبّع فيها أن لفقهاء الإمامية السهم الأوفر منها، فقد كتب تحت عنوان تعليل الأحكام كثير من فقهائهم، من بينهم:
1 ـ محمد بن خالد البرقي، المتوفى بعد 203هـ.
2 ـ يونس بن عبد الرحمن، المتوفى 208هـ، له «العلل الكبير» و«علل النكاح».
3 ـ علي بن الحسين بن فضال، القرن الثالث الهجري، له كتاب العلل.
4 ـ أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد الأشعري، المتوفى قبل 250هـ، وصف النجاشي كتابه في «علل الأحكام» بأنه كتاب كبير.
5 ـ محمد بن الحسن بن عبد الله الجعفري (القرن الثالث الهجري).
6 ـ أحمد بن محمد بن الحسين بن دؤل، المتوفى سنة 350هـ.
7 ـ محمد بن أحمد بن داود القمّي، المتوفى 368هـ.
8 ـ علي بن أبي سهل القزويني، القرن الرابع الهجري، له كتاب العلل.
9 ـ حمدان بن إسحاق الخراساني، القرن الرابع الهجري، له كتاب «علل الوضوء».
10 ـ الحسين بن علي بن شيبان القزويني، من مشايخ الشيخ المفيد، المتوفى 413هـ.
11 ـ الشيخ الصدوق، المتوفى سنة 381هـ، وله: «علل الشرائع والأحكام» و«كتاب العلل» و«علل الحج» و«علل الوضوء»([331]).
وفيما نجد هذا النتاج المكثف لدى فقهاء الشيعة الإمامية، نجد في المدرسة السنيّة تأخراً نسبياً في التاريخ، ونقصاً في الكم ايضاً، فلم يذكر منهم في هذه الفترة إلا أربعة، هم:
1 ـ الحكيم الترمذي، المتوفى سنة 320هـ، ويغلب على كتابه نزعة صوفية أخلاقية.
2 ـ أبو منصور الماتريدي، المتوفى سنة 333هـ.
3 ـ القفّال الشامي، المتوفى سنة 365هـ.
4 ـ أبو بكر الأبهري، المتوفى سنة 375هـ([332]).
لكن يكاد هذا الفقه يتوقَّف في المدرسة الأولى، ربما بسبب الموقف الفقهي من قضية «المصالح المرسلة» وموضوع «القياس» اللذين يشكلان أهم أعمدة الفقه المقاصدي، وقد دخلا معاً في مصادر الاستنباط في المدرسة الثانية، فتوسّع بهما هذا الفقه على يد الجويني، ثم الغزالي، ليتّخذ أخيراً شكله المنظّر والمقنّن والمفصل تفصيلاً واسعاً على يد الشاطبي، في الجزء الثاني من كتابه (الموافقات). ثم سهم في إحيائه وتجديده في وقتنا المعاصر كل من الشيخ علاّل الفاسي، والشيخ الظاهر ابن عاشور، فأعطياه دفعة قوية إلى أمام، صدرت على إثرها عدة دراسات ورسائل جامعية متخصّصة فيه.
والذي ينبغي التنبيه إليه أن ضمور هذا الفقه في المدرسة الإمامية لا يعني اختفاءه نهائياً وإيصاد الأبواب دونه، فقد صنف فيه أكثر من فقيه، وبعنوان «المقاصد» بدلاً من تعليل الأحكام، ومن هذه المصنّفات:
1 ـ المقاصد في تفسير آيات الأحكام/ الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد الله المتوّج البحراني، تلميذ ابن فهد الحلّي، ومعاصر الفاضل المقداد السيوري ـ القرن الثامن.
2 ـ المقاصد الخمس/ السيد إسماعيل بن علي مدد القائيني.
3 ـ المقاصد المهمّة في أصول أحكام الله والرسول والأئمة/ محمد علي بن محمد حسن الآراني الكاشاني، تلميذ المولى النراقي المتوفى سنة 1217هـ.
4 ـ مناهل الشوارد في تلخيص المقاصد/ للمؤلف السابق نفسه([333]).
الشيخ شمس الدين يفسّر ظاهرة انحسار الفقه المقاصدي عند الشيعة بأسباب تاريخية، وليست فقهية … فهو عائد ـ في نظره ـ إلى ظرف تاريخي، وليس إلى اختلاف فكري، فالفقيه الشيعي، لأسباب تتعلق بالوضع السياسي، انعزل عن السلطة وعن المجتمع العام وعن قضايا علاقة المجتمع والإنسان بالسلطة من جهة، وعن العلاقات داخل المجتمع الإسلامي العام وداخل مجتمع المسلمين المتفاعل مع المجتمعات البشرية الأُخرى من جهة ثانية.
ويستدل على تحليله هذا بما تميّزت به الاتجاهات الفقهية الحديثة التي أنتجتها محاولات تطبيق الشريعة الإسلامية في إيران وبعض البلدان الإسلامية، وما واجهه العاملون على بلورة الصيغ التطبيقية للشريعة من مشكلات، أنّها فتحت هذا الباب «المقاصد» في الفكر الأصولي ومجالات الاجتهاد الفقهي عند الشيعة([334]).
وتأخذ المقاصد عند الشيخ شمس الدين طريقها تطبيقياً تحت عنوان «أدلة التشريع العليا» ومن أمثلته الجلية: تفسير الإمام الباقر عليه السلام لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذبح الحمر الأهلية، بأنه لغرض عدم إفنائها، لأن مصلحة المجتمع في بقائها.
ويجعل الشيخ هذا التفسير مستنداً صالحاً لمنع صيد أنواع معينة من السمك والطيور والحيوانات، للمحافظة على أنواعها في الطبيعة([335]).
وهذا هو الفقه المقاصدي، متوقّف أساساً على تعيين علة الحكم ومناطه، وما دام هذا الأمر ميسوراً وداخلاً في دائرة التطبيق الشرعي، فليس على الفقيه إلا بذل الجهد في اكتشافه وتطبيقه في مواضيعه المستجدة «من قبيل التعليل الوارد في أدلة الاحتكار، فإنه لا يصلح أن يُحتكر الطعام ويُترك الناس ليس لهم طعام».
«ومن قبيل التعليلات الواردة في جواز العمل والتعامل مع الحكومات غير الشرعية، فهذه التعليلات لا يُقتصر فيها على موردها، بل هي معايير ترشد الفقيه والخبير إلى المنهج الذي يجب اعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وأنظمته»([336]).
والسيد فضل الله يؤكد هذا الفهم في حديثه عن العقل ودوره في الاستنباط، إذ المراد بالعقل هنا العقل القطعي الذي نكتشف على أساسه الأحكام الشرعية، وهو ما يعرف بـ «ملاكات الأحكام» أو «علل الأحكام» فإذا حصل لفقيه القطع بأن هذه المسائل تمثل ملاك الحكم فإنه يستطيع أن يحكم حتى في الموارد التي لم يرد فيها حكم شرعي، لأننا نعرف أن الشارع لا بد من أن يحكم انطلاقاً من وجود المصلحة الملزمة في هذا المجال ….
ولا تفوته في أثناء ذلك الإشارة إلى أن «القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة» مصادر ظنية، لا تورث القطع والعلم([337]) إذن سوف تتقلّص المساحة أمام الفقه المقاصدي الذي تشكل «المصالح المرسلة» أهم أعمدته، و«القياس» أهم أدواته … لكن العلاج وفتح الآفاق يكمن في إمكان الوصول إلى ملاكات الأحكام وعللها، وهذا ـ في تصوّره ـ من الواضحات، خصوصاً في أبواب المعاملات، والأحكام الأخلاقية.
وكأنه هنا لا يتوسّط بين طرفين: طرف انطلق بلا قيد مع القياس والمصالح المرسلة. وطرف وصفه بالاستغراق بالتعبدية والتعامل مع الفقه بمنطق الأسرار … فحين يقف ممثّلو هذا الطرف الأخير على مسألة تقول إن الإناء المتنجّس بالبول يطهر بغسلتين، يؤكّدون على التعددية، بحيث لو غسلت الإناء بقطرتين على التوالي فإنه يطهر إذ قد تحقق مصداق الغسلتين! وذلك لأن التعدّدية عندهم شرط التطهير، ويتذرّعون دائماً بذريعة عدم إمكان إدراك الملاك في الحكم! هذا مع أن الإنسان يدرك ببساطة أن المسألة هنا هي إزالة النجاسة، وأن قضية التعدد قد تنطلق من خلال الحالة الطبيعية للتطهير، بحيث تكون الغسلة الأولى لإزالة العين، والثانية لإزالة الاستقذار، لذلك لا يجد الإنسان خصوصية للتعدّد إلا من خلال أنها نظرة إلى الوضع الطبيعي في الغسل … وعليه يمكن أن يستفيد الإنسان من المدار بأن الكمية الأكثر والمستمرة من الماء يمكن أن تحقق الغسل بطريقة أكيدة أكثر من سابقتها.
ثم يؤكد السيد فضل الله أن علماء الشيعة قد تحرّكوا في هذا المجال، سواء أكان ذلك في أبحاثهم التفصيلية الفقهية، أم في أبحاثهم على مستوى القاعدة، وأكثر ما تعرضوا له بعنوان «التزاحم» وهو عنوان لا يختلف عن علم المقاصد، لأن الفقيه وهو في مقام البحث في التزاحم غالباً ما يطل على المصالح، كما في الحالات التي يتزاحم فيها حكم مع حكم آخر ويتعلّق أحدهما بالأعراض، أو بالأنفس، فيقولون: إن الشارع لا يريد ضياع النفس، لذلك يسقط الواجب ويسقط المحرم أمام ضرورة إنقاذ النفس التي تتوقف على ترك واجب أو فعل محرّم.
كما ويلاحظ في الفقه الشيعي: الحديث عن النظام العام للناس، بشكل واسع النطاق، وهو عبارة أخرى عن حركة المصالح وتضاربها في حياة الناس.
نعم، على مستوى التقعيد الأصولي لم تأخذ المسألة بعدها الكافي، ولكنها ليست بعيدة عن الذهنية الفقهية الشيعية على كلّ حال … هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فالسيد فضل الله يرى المقاصد الشرعية غير منحصرة في الدوائر الخمس التي توصّل إليها الغزالي والشاطبي وغيرهما؛ لأن المسألة تنطلق من استقرارات خاصة ذاتية، وقد تتسع لتشمل موارد أُخرى لم يرد فيها الشرع على أساس النص الخاص، مما اصبح يمثل قضايا إنسانية عامة تصل إلى مستوى الضرورات الحياتية التي لا معنى لوجود الإنسان بدونها([338]).
استنباطات الصدر من روح الشريعة
في ضوء هذا المفهوم فإن أحكاماً كثيرة سوف تخرج من سباتها وحدودها الضيِّقة، لتسير مع روح الإسلام وأهدافه العليا المنفتحة على آفاق الحياة، دون انحسارٍ ودون توقُّف … أحكام سنجد كيف أنها فقدت معناها وأُفرغت من محتواها حين جُرِّدت من بعدها الاجتماعي الحقيقي وأغراضها التي اتسقت مع سائر أغراض الشريعة وأهدافها الكبرى …. لنلاحظ ذلك في الموضوعات الآتية:
1 ـ الاحتكار: والمراد به كلُّ عمليةٍ تستهدف إيجاد حالة ندرةٍ مصطنعةٍ للسلعة بقصد رفع ثمنها. وهي عملية يمكن ممارستها مع أيِّ سلعةٍ يزداد عليها الطلب، بحيث يمكن أن يحقِّق احتكارها ارتفاعاً في أسعارها … والشريعة الإسلامية عندما حاربت الاحتكار وذكرت بالخصوص مواداً بأعيانها، إنما كانت تريد محاربة الاحتكار نفسه لأجل تحقيق التوازن الاجتماعي من ناحية، وتحريم هذا النوع من الفوائد المترتّبة على عملية إيجاد ندرةٍ مصطنعةٍ للسلعة من ناحية أخرى، ولم ينحصر هدفها في تلك المواد لذواتها، وإنما كانت تلك المواد أمثلةً فقط، خصَّت بالذكر لكونها المواىد الرئيسة التي تحفظ توازن السوق والحياة الاجتماعية في ذلك الزمن.
فقد جاء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن منع فضل الماء والكلاء … وهذا النهي تحريم مارسه الرسول الأعظم بوصفه وليّ الأمر، نظراً إلى أن مجتمع المدينة كان بحاجةٍ شديدةً إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية، وإلى توفير المواد اللازمة للإنتاج توفيراً عاماً وعدم احتكارها، فألزمت الدولة على هذا الأساس الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلائهم للآخرين.
والنصُّ الذي جاء في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر في وصف التجّار: «واعلم أن في كثيرٍ منهم ضيقاً فاحشاً وشحًّا قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكّماً في البياعات» إنما هو تأكيد على منع الاحتكار في كل الحالات منعاً باتاً … وهذا المنع الحاسم للاحتكار يعني حرص الإسلام على شجب الأرباح التي تقوم على أثمانٍ مصطنعةٍ تخلقها ظروف الاحتكار الرأسمالية … وأن الربح النظيف هو الربح الذي يحصل عن طريق القيمة التبادلية الواقعية للبضاعة، وهي القيمة التي يدخل في تكوينها منفعة البضاعة ودرجة قدرتها وفقاً للعوامل الطبيعية والموضوعية، مع استبعاد دور الندرة المصطنعة التي يخلقها التجار الرأسماليون المحتكرون عن طريق التحكُّم في العرض والطلب([339]).
هكذا توسَّع مفهوم الاحتكار من خلال الفهم الاجتماعي للنصّ، ومعرفة أهداف الشريعة ومقاصدها من الأحكام.
2 ـ الزكاة: الزكاة هي الأُخرى يحصرها الفقه التقليدي في الأعيان التسعة التي وردت في زمان المعصوم، يوم كانت هذه الأعيان تمثِّل عصب الحياة، والمحرك الأساسي لها. فتعامل معها الفقه التقليدي وكأنها مرادة بأعيانها، فكأن الزكاة شُرِّعت لأجل الجمال والأبقار والمواشي والحنطة والشعير … ولم تُشرَّع لغرضٍ آخر!!
ولا يكتفي الشهيد في نقض هذا التصوُّر من خلال منطلقاته في الفهم الاجتماعي وروح الشريعة ومقاصدها، بل يعضده بالأثر أيضاً، فقد ثبت أن الإمام علياً عليه السلام وضع الزكاة على أموالٍ غير تلك الأقسام التسعة، فجعل على الخيل مثلاً الزكاة … «وهذا عنصر متحرّك، يكشف عن أن الزكاة كنظرةٍ إسلاميةٍ لا تختصُّ بمالٍ دون مال، وأن من حق ولي الأمر أن يطبق هذه النظرية في أيِّ مجالٍ يراه ضرورياً»([340]).
بل حتى النص الأول الذي ذكر المواد التسع يفهم منه الفقيه هذه الحركية نفسها، فالحديث يقول: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر مناديه أن ينادي: إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب» يقول الإمام الصادق عليه السلام: «ونادى بهم بذلك في شهر رمضان، وعفى لهم عمّا سوى ذلك».
يقول الشيخ الآصفي: يظهر من هذا النصّ أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عما يراه مما لا يُعدُّ من أموال التجارة، ولا يشيع تداوله في الأسواق، فيعفي الناس فيها عن الزكاة.
وقد كانت الثروات التي فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها يومئذٍ الزكاة من الثروات التي كان الناس يألفونها في الأسواق في التجارة، وهي الصفة المعروفة. ولا يمنع أن يتغير وضع السوق والتجارة فيما بعد، فتدخل ثروات جديدة في الأسواق، وتعمر بها الأسواق، وتجب فيها الزكاة.
من هذا الحديث الصحيح نفهم أن الثروات التسعة هي من مصاديق الثروات التي تعدُّ من أموال التجارة التي تجب فيها الزكاة، وليست هي الموضوع المحدَّد للزكاة([341]).
هذه المسألة الحيوية التي أصبحت بمستوى ما قلقاً يساور أهل الوعي بفقه الحياة، ما زالت لم تتجاوز هذا المستوى من الإثارات، لتتحوّل إلى دستور فقهي وأحكام عملية يلتزمها المجتمع، حتى على مستوى الفقه السنّي الذي أوجب الزكاة على العملات النقدية المتداولة باعتبارها البديل عن النقدين ـ الذهب والفضة ـ الذين تعامل بهما السوق آنذاك، لكنه ما زال يتقيّد بمفردات النصّ الأخرى دون أن يلحظ أموال التجارة المتداولة وذات الأثر في الحياة الاجتماعية، وما إذا كان الشارع يريد تلك المواد بأعيانها، أم أنه يريد معالجة المشكلة الاجتماعية التي تتغير المؤثرات فيها مع تغير طبيعة الحياة من إنتاج وأساليب عمل واستهلاك….
فقهاء كثيرون يشاركون نظرائهم في هذا القلق، ويسيرون على الخط نفسه في إثارة الأسئلة ضد هذه الرؤية الحروفية التي لا تعيش أبعاد النص ومقاصده، و«كأن الكرة الأرضية هي نجد وتهامة والحجاز» التي كانت تشكل فيها هذه المواد روح السوق والحياة العامة: «لماذا لا نتدبّر القرآن أولاً حتى نعرف أبعاد التكاليف التي أناطها الإسلام بأعناقنا، وأوعية المال التي تخرج من زكواتنا؟ ولماذا لا نعرف طبيعة الدنيا التي نعيش فيها، والأساليب التي يتّبعها خصومنا لكسب معاركهم ضدّنا؟ إنه لا فقه مع العجز عن فهم الكتاب ومع العجز عن فهم الحياة نفسها»([342]).
3 ـ الملكية: رأينا في مادة «الاحتكار» كيف تدخَّلت الشريعة في تحديد النص الآخر القائل بأن «الناس مسلطون على أموالهم» وهي تتدخَّل دائماً في تحديد حرية الفرد بالتصرُّف في أمواله كلَّما تعارض ذلك مع المصلحة العامة للمجتمع والدولة … إن هناك قيوداً كثيرة وضعتها الشريعة على حرية المالكين والمستثمرين، من أجل حفظ التوازن الاجتماعي الذي يمثّل هدفها العام من هذه التشريعات.
هذا الهدف العامُّ الذي يستنبطه الشهيد الصدر من مفهوم الاستخلاف، الذي هو استخلاف للجماعة، وليس للفرد، وحتى الفرد المالك فهو مستخلف من قبل الجماعة. فالآيات القرآنية الواردة في هذا المجال أضافت أموال الأفراد إلى الجماعة «وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تقرّ أيّ ملكيةٍ خاصةٍ تتعارض مع خلافة الجماعة وحقَّها ككلٍّ في الثروة»([343]).
«وما دامت الملكية الخاصَّة استخلافاً للفرد من قبل الجماعة، فمن الطبيعي أن يكون الفرد مسؤولاً أمام الجماعة عن تصرُّفاته في ماله، وانسجامها مع مسؤولياتها أمام الله تعالى ومتطلِّبات خلافتها العامَّة … ومن الطبيعي أن يكون من حقّ الممثّل الشرعي للجماعة أن ينتزع من الفرد ملكيته الخاصة إذا جعل منها أداةً للإضرار بالجماعة والتعدّي على الآخرين، وتوقُّف دفع ذلك على انتزاعها، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصّة سمرة بن جندب …» ([344]).
وإلى أكثر من ذلك يذهب هذا الفقه المتحرك، في تفاصيل العمليات الاقتصادية، من أجل الحفاظ على مقاصد الشريعة وأهدافها في حفظ التوازن الاجتماعي، وتحقيق مفهوم الاستخلاف كما رسمته الشريعة:
ـ فإنّ «الإحياء غير المباشر، بالطريقة الرأسمالية، أي بدفع الأجور ووسائل العمل إلى الأُجراء، لا يُكسب حقاً، ولا يبرِّر للرأسمالي الدافع للأُجور أن يدّعي لنفسه الحق في نتائج الإحياء، وأن يقطف ثمار العمل المأجور، كما هي الحالة في المجتمع الرأسمالي»([345]).
ـ كما ترفض الشريعة إقامة الصناعات الاستخراجية على أساس رأسمالي، فهذا النوع من الإنتاج لا يُكسب الرأسمالي حقّ ملكية السلعة «مثلاً شخص أو أشخاص يدفعون الأُجور إلى العمال الذين يستخرجون النفط، ويزوِّدونهم بالوسائل والأدوات اللازمة لذلك، فلا يُعتبر النفط المستخرج ملكاً لدافعي الأُجور ومالكي الأدوات»([346]).
ـ وهؤلاء الذين يودعون أموالهم عند المستثمرين لغرض الاستثمار، لتعود عليهم بفوائد معلومة، فإنَّما تعود عليهم بالربا المحض المحرّم، ذلك أن «رأس المال النقدي إذا كان مضموناً في عملية الاستثمار، فليس من حقّه أن يساهم في أي ربحٍ ينتج عن توظيفه، لأن الربا حرام، ومجرد تأجيل الرأسمالي لانتفاعه بماله أو حرمانه نفسه من الاستفادة المباشرة منه، لا يبرِّر له حقاً في الربح بدون عمل … بل الربح في حالةٍ من هذا القبيل كلُّه للعامل، على الرغم من أنه قد لا يكون مالكاً للبضاعة نفسها.
والطريقة الوحيدة التي سمح بها الإسلام لمشاركة رأس المال النقدي في الربح، أن يتحمل صاحبه المخاطرة به، ويتحمل وحده دون العامل كلّ التبعات السلبية للعملية»([347]).
وهكذا ينهي هذا النوع من الفقه، سلطة القراءة التجزيئية للنص، القراءة التي تبتر النص عن موضوعه وعن ظروفه وعن أهداف الشريعة كلها، لتتخذ منه غطاءً تبريرياً لممارساتٍ تعود على أصحابها بالنفع، وعلى المجتمع كلّه بالضرر، تماماً كما عهدنا عند الساسة اجتزاء النصوص وتوظيفها لحماية مصالحهم السلطانية.
يكشف لنا هذا الفقه الحيُّ أن كل ما نلحظه من ممارسات استثمارية ينتج عنها تكديس الأموال عند أفرادٍ واضمحلالها عند عموم أبناء المجتمع، إنما هي ممارسات رأسمالية يمقتها الإسلام، إن كل ما وضع وراءها من فتاوى وتصويبات إنما هو ناتج إما عن قراءةٍ تجزيئيةٍ ومبتسرةٍ للنصوص، وإما عن تحايلٍ على أحكام الشريعة، يصنعه الفقه الفردي التجزيئي وحده. وكلُّ ذلك لا يبرِّر هذه الأعمال، ولا يخرج بها عن دائرة الحرام والممقوت شرعاً.
فمتى يا ترى تستفيق أُمَّتنا من نومتها؟ ليأكل أثرياؤها أموالهم بالحلال!!
الثمرة الأهمُّ، فقه النظرية
الثمرة الثانية للفقه الاجتماعي، قد تكون أكبر من الأُولى، بل قد تكون الأُولى تابعة لها ومستنبطة منها في كثيرٍ من الأحيان، ألا وهي استكشاف النظرية الإسلامية في المواضيع المختلفة ذلك أن الفقه لا يمكنه بحال أن يستوعب البعد الاجتماعي في النصوص والأحكام ما لم يرتكز إلى نظرية عميقة شاملة في الأساس الذي يقوم عليه هذا الفقه، وهو روح الشريعة ومقاصدها.
هذه الخطوة هي الأُخرى، حاز الصدر فيها وسام التأسيس، كما حاز وسام التطبيق الأول في أكثر من ميدان ….
كان يدرك مبكِّراً أن على الفكر الإسلامي أن «يتخطَّى فقه الأحكام، إلى فقه النظريَّات»([348]) وهذه هي المهمة الأساسية في فقه الدين، فليس من الصحيح أن ينحصر جهد الفقيه في استنباط أحكام جزئيةٍ متناثرة، بل لا بد من إدراك حقيقة أن الأحكام الجزئية المتناثرة في موضوعٍ واحدٍ إنما ترتبط بنظريةٍ أساسيةٍ يتبنَّاها الإسلام حول هذا الموضوع، فلا بد إذن من اتِّجاهٍ موضوعيٍّ في الفقه يتخطَّى فقه الأحكام الجزئية إلى اكتشاف النظرية الإسلامية في الموضوع: «لا بد أن يتوغَّل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه ليصل إلى النظريات الأساسية، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية والتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذه البناءات العلوية إلى النظريَّات الأساسية والتصورات الرئيسية التي تمثل وجهة نظر الإسلام … لأننا نعلم أن كل مجموعةٍ من التشريعات في كلِّ بابٍ من أبواب الحياة ترتبط بمثل تلك النظريَّات والتصوُّرات»([349]).
والمنهج في الوصول إلى النظرية الإسلامية في كلِّ موضوعٍ من مواضيع الحياة واضح في معالمه وتفاصيله عند رائد هذا المشروع الكبير، يستغرق في توضيحه فقرات كثيرة في العديد من أعماله، لا سيَّما «اقتصادنا» حيث يمارسه الممارسة الأُولى في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، وفي هذا المنهج ركيزتان أساسيَّتان تضعان الباحث على بوابة مشروع الاكتشاف، خلاصتهما:
1 ـ إن هناك فارقاً أساسياً بين عملية خلق وتكوين النظرية، وبين عملية اكتشاف نظرية، ففي الحالة الأُولى يمارس المفكر دوره مباشرةً في وضع النظريَّات العامة، ثم يجعل منها أساساً لبحوثٍ ثانويةٍ وأبنيةٍ علويةٍ من القوانين التي ترتكز عليها … وأما في الحالة الثانية، والتي تنحصر فيها مهمة المفكّر الإسلامي، فإن العملية تكون معكوسة، فتبدأ من البناء العلوي، من القوانين والأحكام، وصولاً إلى القاعدة النظرية، فتنطلق من جمع الآثار وتنسيقها، إلى الظفر بصورةٍ محددةٍ للنظرية»([350]).
2 ـ حين نتناول مجموعةً من أحكام الإسلام المندرجة تحت موضوع معيَّنٍ، لنجتازها إلى ما هو أعمق، إلى القواعد الأساسية التي تشكِّل النظرية الإسلامية، يجب أن لا نكتفي بعرض أو فحص كلّ واحدٍ من تلك الأحكام بصورةٍ منعزلةٍ ومستقلةٍ عن الأحكام الأُخرى، لأن طريقة العزل هذه إنما تنسجم مع بحثٍ على مستوى القانون المدني في احكام الشريعة، أما إذا كان الهدف هو عملية اكتشاف النظرية أو المذهب الإسلامي فلا بد أن ننجز عملية تركيبٍ بين تلك المفردات، أي ندرس كلَّ واحدٍ منها بوصفه جزءاً من كلٍّ، وجانباً من صيغةٍ عامَّةٍ مترابطة، لننتهي من ذلك إلى اكتشاف القاعدة العامَّة التي تشعُّ من خلال الكلِّ، أو من خلال المركَّب، وتصلح لتفسيره وتبريره([351]).
وفي مسار البحث الاستكشافي محطّات أساسية لا بد أن يواجهها الباحث برؤيةٍ واضحةٍ، ولعلَّ أهمّها محطّتان:
الأولى/ منطقة الفراغ في الشريعة.
والثانية/ صلاحيات الحاكم في ملء منطقة الفراغ.
والمراد بمنطقة الفراغ التشريعي هو الأحكام التدبيرية في مجالات التنظيم والعلاقات والإدارة في المجتمع([352]) …
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه تقوم على أساس أن الإسلام لا يقدّم مبادئه التشريعية في جوانب الحياة المتغيِّرة بوصفها علاجاً مرحلياً، سيجتازه التاريخ بعد زمنٍ يطول أو يقصر، وإنما يقدِّمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور، من هنا كان لا بد أن ينعكس فيها تطوُّر العصور ضمن عنصرٍ متحرِّك، يمدُّ الصورة بقدرٍ على التكيّف وفقاً لظروفٍ مختلفة.
فالإسلام يرى أن علاقات الإنسان بالطبيعة أو الثروة ـ مثلاً ـ تتطوَّر عبر الزمن تبعاً للمشاكل المتجدِّدة التي يواجهها الإنسان باستمرار خلال ممارسته للطبيعة … ولأجل ذلك يرى الإسلام أن الصورة التشريعية التي ينظِّم بها تلك العلاقات، وفقاً لتصوراته للعدالة (روح الشريعة وأهدافها ومقاصدها) قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية، لأنها تعالج مشاكل ثابتة، فالمبدأ التشريعي القائل: «إنَّ الحقَّ الخاصَّ في المصادر الطبيعية يقوم على أساس العمل» يعالج مشكلةً عامَّةً يستوي فيها عصر المحراث البسيط وعصر الآلة المعقّدة، لأن طريقة توزيع مصادر الطبيعة على الأفراد مسألة قائمة في كلا العصرين.
لكن هذا لا يعني جواز إهمال الجانب المتطوّر، وهو علاقة الإنسان بالطبيعة، فإن تطوُّر قدرة الإنسان على الطبيعة وسيطرته على ثرواتها يطوِّر وينمِّي باستمرار خطر الإنسان على الجماعة، ويضع بيده باستمرار إمكانياتٍ جديدةً للتوسُّع ولتهديد الصورة المتبنَّاة للعدالة الاجتماعية.
فالمبدأ التشريعي القائل، مثلاً: إنَّ من عمل في أرضٍ وأنفق عليها جهداً حتى أحياها، فهو أحقُّ بها من غيره … يُعتبر في نظر الإسلام عادلاً، لأن من الظلم التسوية بين من عمل في أرضٍ بجهده حتى أحياها، وبين آخر لم يعمل فيها شيئاً …
ولكن بتطوُّر ونمو قدرة الإنسان في السيطرة على الطبيعة يصبح من الممكن استغلال هذا المبدأ على نحوٍ يتعارض مع مبادئ الإسلام في التوازن الاجتماعي وتصوُّراته عن العدالة … ففي عصرٍ كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الإحياء إلاَّ في مساحاتٍ صغيرة، وأما بعد نمو قدرة الإنسان وتوفُّر الوسائل الحديثة في السيطرة على الطبيعة، فيصبح بإمكانه إحياء مساحاتٍ هائلةٍ من الأرض … الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة ….
إذن لا بدَّ للصورة التشريعية من منطقة فراغ يكون إملاؤها متطوُّراً بحسب الظروف، وفي ضوء أهداف الشريعة ومقاصدها، فيسمح ـ هنا ـ بالإحياء سماحاً عامًّا في العصر الأوَّل، ويُمنع منه في العصر الثاني منعاً تكليفياً، إلاَّ في حدودٍ تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوُّراته عن العدالة([353]).
إذن عملية الاستنباط في هذه الدائرة تخضع لمعايير جديدة، إضافة إلى أدوات الاستنباط المتعارفة، تستفاد هذه المعايير من «روح الشريعة» «مقاصد الشريعة» أو «أدلة الشريعة العليا» وأيضاً من الأحكام التدبيرية الواردة عن المعصوم عليه السلام([354]).
والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم قد مارس دوره في ملء منطقة الفراغ بما كانت تتطلَّبه أهداف الشريعة، وعلى ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها … غير أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم حين مارس دوره ذلك لم يمارسه بوصفه نبيًّا مبلَّغاً للشريعة الإلهية الثابتة في كلِّ مكان وزمان، لتكون ممارسته الخاصَّة في ملء ذلك الفراغ معبِّرة عن صيغةٍ تشريعيةٍ ثابتة، وإنما مارسه بوصفه وليِّ الأمر المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقاً للظروف … فالتشريعات التي ملأ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم منطقة الفراغ بوصفه ولي الأمر، ليست أحكاماً دائميةً بطبيعتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها تلقي الضوء إلى حدٍّ كبير على عملية ملء الفراغ التي يجب أن تمارس في كلِّ حينٍ وفقاً للظروف، وتيسُّر فهم الأهداف الأساسية التي توخَّاها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في سياسته، الأمر الذي يساعد على ملء منطقة الفراغ دائماً في ضوء تلك الأهداف.
مثال آخر على أهداف الشريعة ومنطقة الفراغ: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾.
يُستظهر منه: «أنَّ التوازن وانتشار المال بصورةٍ تشبع كلَّ الحاجات المشروعة في المجتمع، وعدم تركُّزه في عددٍ محدودٍ من أفراده، هدف من أهداف التشريع الإسلامي …
وهذا الهدف يعتبر مؤشِّراً ثابتاً يتَّصل بالعناصر المتحرِّكة.
وعلى هذا الأساس يضع وليُّ الأمر كلَّ الصيغ التشريعية الممكنة التي تحافظ على التوازن الاجتماعي في توزيع المال، وتحول دون تركُّزه في أيدي أفرادٍ محدودين … وتحارب الدولة الإسلامية التركيز الرأسمالي في الإنتاج والاحتكار بمختلف أشكاله …
ومثال آخر: «إنَّ نصوص الزكاة صرَّحت بأن الزكاة ليست لسدِّ حاجة الفقير الضرورية فحسب، بل لإعطائه المال بالقدر الذي يلحقه بالناس في مستواه المعيشي …
وهذا معناه أن توفير مستوى معيشيٍّ موحَّدٍ أو متقاربٍ لكلِّ أفراد المجتمع هدف إسلامي لا بدَّ للحاكم الشرعي من السعي في سبيل تحقيقه»([355]).
من هنا نخلص إلى أنَّ الإسلام قد ترك مهمَّة ملء منطقة الفراغ إلى الدولة، أو «وليِّ الأمر» يملؤها وفقاً لمتطلِّبات الأهداف العامَّة للشريعة ومقتضياتها في كلِّ زمان([356]).
ومن هنا نأتي إلى حلِّ إشكالية ثنائية «الثابت والمتغيِّر» …
ففي الشريعة إلى جانب العناصر الثابتة ـ المنصوصة في الكتاب والسُّنَّة ـ هناك العناصر المتحرِّكة وهي «تلك العناصر التي تُستمد ـ على ضوء طبيعة المرحلة في كلِّ ظرف ـ من المؤشرات الإسلامية العامة التي تدخل في نطاق العناصر الثابتة»([357]).
فالعناصر المتحركة إذن تُستنبط عن طريق الانتقال من الواقع إلى العناصر الثابتة، وبالعكس، ففي العناصر الثابتة ما يقوم بدور المؤشرات العامة التي تُعتمد كأساسٍ لتحديد العناصر المتحرَّكة التي تتطلَّبها طبيعة المرحلة، وعملية استنباط كهذه تتطلَّب بالضرورة:
1 ـ «منهجاً إسلامياً واعياً للعناصر الثابتة، وإدراكاً معمَّقاً لمؤشراتها ودلالاتها العامة» أي معرفةً معمَّقةً بروح الشريعة وأهدافها ومقاصدها.
2 ـ «استيعاباً شاملاً لطبيعة المرحلة وشروطها».
3 ـ «فهماً فقهياً قانونياً لحدود صلاحيات الحاكم الشرعي»([358]) والمساحات التي يمكنه التحرُّك خلالها لملء منطقة الفراغ من خلال استنباط الأحكام التي تتطلَّبها طبيعة المرحلة على ضوء أهداف الشريعة ودلالاتها العامَّة.
يدرك الشهيد الصدر جيداً أن هذه المهمة لا يستطيع أن يقوم بها الفقيه التقليدي الذي اعتاد على المنهج الفردي والنظر إلى الأحكام على النحو التجزيئي، فهي مهمة تتطلب فهماً اجتماعياً معمَّقاً للشريعة وأحكامها، من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى تتطلَّب استيعاباً شاملاً لطبيعة المرحلة وشروطها، وكلا الأمرين يعيش الفقه التقليدي التجزيئي بعيداً عنهما.
ومن جانبٍ آخر فإنه يدرك جيداً أن الحق في فهم الشريعة وتطبيقاتها ليس حكراً على الفقيه المختصّ بالمعنى التقليدي، فهناك إلى جانب الفقه معارف أساسية في عملية كهذه قد يتوفَّر عليها آخرون من أصحاب التخصُّصات الأُخرى …
لذا فهو لا يغادر هذا الموضوع حتى يثبّت هذه الحقيقة كشرطٍ أكيدٍ لتحقُّق مثل هذه المهمة، فيقول، وهو في معرض الحديث عن النظم الاقتصادية: «ومن هنا كان التخطيط للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي مهمة يجب أن يتعاون فيها مفكرون إسلاميون واعون، ويكونون في نفس الوقت فقهاء مبدعون، وعلماء اقتصاديون محدثون»([359]).
أي الفقيه الذي يضطلع بمعرفة دقيقة وواسعة بثمرات العلوم الإنسانية الحديثة، بل يشترط دخول ثمرات هذه العلوم في تكوين الرؤية الفقهية السليمة والتي تتوخَّاها الشريعة، أما الوقوف عند أدوات الاستنباط المتعارفة في الفقه التقليدي فلا ينتج أكثر من فتاوى تجزيئية، لا يمكن أن تشكل جزءاً من الحل في المشكلة الاجتماعية، ناهيك عن بعدها عن دائرة التصور النظري المحيط بالموضوع.
ثم هو ينقلنا إلى أفق جديد يجعل «تحرك الفتوى باتجاه تحقيق العدالة معياراً لتشخيص صحة الفتوى» خلافاً للمفهوم المعاكس الشائع الذي «يذهب إلى اعتبار الفتاوى معياراً لتشخيص العدل» إنه الفقيه الذي يحترم بشكل منطقي كل أدوات المعرفة، ويفتح أبواب الفقه أمام المزيد من أدوات الاستنباط، لكي ينقذ الفقه «ويصونه من التخبط في الاعتبارات والافتراضات الذهنية الخالصة، والانقطاع عن واقع الحياة»([360]) فلقد أنتجت المعارف البشرية العلمية الكثير مما لا يمكن إغفاله عند مزاولة استنباط شيء من الأحكام التي تمس وقائع الحياة المستجدة، فضلاً عن محاولة الخروج بتصور شمولي يحيط بموضوعاتها.
على هذه الأسس، وأُسس أُخرى يبثُّها بين أبحاثه المختلفة، يتخطَّى الصدر بجدارةٍ فقه الأحكام إلى فقه النظريَّات …
يبتدئ هذا المشروع الكبير في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام والنظرية الإسلامية في جزئيات العمليات الاقتصادية، فيوحِّد الصياغة أوَّلاً عن مجموعة الأفكار الأساسية لهذا الاقتصاد، ثُمَّ ينتقل إلى التفاصيل لاكتشاف نظام التوزيع ونظام الإنتاج في الإسلام، بما يشتمل عليه النظامان من تفاصيل عن تقسيم الثروات الطبيعية، وتحديدات الملكية الخاصة، ومبادئ التوازن والتكافل والضمان العام، والسياسة المالية،وصلاحيات الحكومة في الحياة الاقتصادية، ودور عناصر الإنتاج؛ من العمل، ورأس المال، ووسائل الإنتاج، وحقَّ كلِّ واحدٍ منها في الثورة المنتجة، وغير ذلك من الجوانب المختلفة التي تشترك بمجموعها في تقديم الصور الكاملة عن الاقتصاد الإسلامي([361]).
وبدون شكٍّ كانت هي المحاولة الأولى على مستوى الفكر الإسلامي في ترميم معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، والنظرية الإسلامية في مختلف العمليات الاقتصادية.
من هنا تراه مع علمه بما تحظى به هذه الدراسة المعمَّقة من أهمِّيةٍ فائقة، إذ يصفها بأنها مهمة تهدف إلى «الغوص إلى أعماق الفكرة الاقتصادية في الإسلام، وصبِّها في قالبٍ فكريٍّ، ليقوم على أساسها صرح شامخ للاقتصاد الإسلامي، ثريٌّ بفلسفته وأفكاره الأساسية، واضح في طابعه ومعالمه واتجاهاته العامة، محدَّد في علاقته وموقفه من سائر المذاهب الاقتصادية الكبرى، مرتبط بالتركيب العضوي الكامل للإسلام» ـ مع هذا تراه يصفها بأنَّها «محاولة بدائية» لذا «يجب أن يدرس هذا الكتاب بوصفه بذرةٍ بدائيةٍ لذلك الصرح الإسلامي»([362])!
وهذه هي معرفة العالم الحقيقي بطبيعة البحث العلمي وتطوُّره، لكنه لم يكن يدري أن أربعين عاماً تمضي على هذا الإنجاز الكبير، وعشرين عاماً على رحيله هو، دون أن يتقدَّم فقهاء الإسلام خطوةً واحدةً إلى الأمام على هذا الصعيد، رغم التحدّيات الجادة والضرورة الملحَّة!!
أما الفقيه العاجز عن مثل هذه المهمة فهو بطبيعة الحال لا يرتضي أن يقرَّ بعجزه، فيذهب إلى ما يبرِّر له هذا العجز في نقدٍ سلبيٍّ محض لهذا المشروع من خلال التشكيك في حجِّية هذه الاستنباطات، ذاهلاً عن التفكير في مدى حجِّية استنباطاته الفردية التجزيئية التي غفلت تماماً عن البعد الاجتماعي للأحكام، وعن أهداف الشريعة الكامنة وراء أحكامها!.
إنَّ كلَّ ما يثار من هذا النوع من الاعتراضات إنما هو نابع من تلك الذهنية الفقهية التي تركَّزت فيها الفردية، ومن قبل ناقشها السيد الشهيد بعمقٍ وكشفت عن جذورها وأبعادها وانعكاساتها على الفقه، هذه الذهنية التي تجد في مجرَّد الإشارة إلى تخطِّي فقه الأحكام إلى فقه النظرية استفزازاً كبيراً لها، يرمي بها وراء دائرة الفقه الحيِّ المتحرِّك مع أهداف الشريعة ومتطلبات الحياة، وهم على أيِّ حالٍ موجودون على قيد الحياة، يحتلُّون مواقعهم من خلال ذلك النمط من الفقه وحده، فكيف يمكن لهم السكوت أمام خطرٍ جديدٍ يهمِّش وجودهم وأدوارهم في الحياة؟!
أما الآخرون الذين وجَّهوا انتقاداتهم لهذا المشروع بدوافع ذاتية أو طائفية([363]) فهم أكثر بعداً عن العلمية والموضوعية، وأجدر أن يعرَّفوا بحجم الخطأ الذي ارتكبوه جرَّاء نقدٍ ينطلق من تلك الدوافع، في حين يعدُّ كتاب «اقتصادنا» الكتاب الأكثر تجوالاً في مصادر فريقي المسلمين، سُنَّة وشيعة، في موضوعه، فقد أورد بكلَّ احترام، واعتمد الكثير من استنباطات فقهاء السُّنَّة الكبار، كما طوَّف في كتب الحديث والأثر المعتمدة لديهم في تتبُّعٍ وافٍ لما أوردته من تطبيقاتٍ تشريعيةً نبويةٍ في هذا المجال.
إنَّهم ألفوا أن ينظروا إلى الحياة والحقائق بعينٍ واحدة، فسيغيب عنهم بالضرورة نصف الحقيقة الآخر، إذا كانت تلك العين الواحدة قادرةً على أن تبصر بدقَّة وشمول نصف الحقيقة الأوَّل…!
إضافةً إلى ذلك فإن ما أورده هؤلاء من نقدٍ لاستنتاجات الشهيد الصدر، قد كشف عن سطحيةٍ مفرطةٍ في التفكير، وذهنيةٍ محلِّقة في الفضاء، لم تمارس الحياة ولم تقترب منها، بل لم تمارس حتى الفقه التقليدي في إطاره المحدود …
فمثلاً، عندما يقول الشهيد الصدر إن الاقتصاد الإسلامي جزء من كلٍّ، وإنه يجب أن يُدرس ضمن الصيغة الإسلامية العامة التي تنظِّم شتى نواحي الحياة في المجتمع ….
يعلِّق هؤلاء بأنَّ هذه الرؤية هي «تعطيل لأحكام الإسلام الاقتصادية في انتظار حاكم أُسطوري!! يتمتَّع بصلاحيات النبيِّ الحاكم، أو بتعبيرٍ أقرب إلى المعقول: في انتظار تمكين الإسلام من إدارة المجتمع وفقاً لشريعة الله، وهي مقولة تحمل في إهابها الدعوة إلى الإحباط وتثبيط همم الدعاة إلى إقامة شرع الله خطوة إثر خطوة أو حكماً وارء آخر، وهو الجهد الذي تكلَّل في مجال الاقتصاد، مثلاً، في إنشاء البنوك الإسلامية وانتشارها ونجاحها كبديلٍ للبنوك الربوية»([364])!.
هذا الردُّ المتحامل أوَّلًا، والذي يقرُّ بتحامله وتهكمه حين يتراجع إلى تعبيرٍ أقرب إلى المعقول.
والسطحي ثانياً، حتى يتحدَّث بلغة الدعاة الخطابية، جاهلاً أو متجاهلاً الفارق بين أصل الدعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي وبين إمكان تطبيقه بشكلٍ متكامل، الأمر الذي لا يمكن تحقُّقه إلاَّ في ظلِّ نظامٍ يتبنَّى الإسلام في جوانب الحياة الاجتماعية كافَّةً.
وهو متعسِّف ثالثاً، إذ يُحمِّل السيد الشهيد خلاف ما يريد تماماً، ويغفل عن أن مثاله الوحيد الذي يظنُّ أنه أسعفه هنا، في إيجاد البنك اللاربوي، إنما هو الأنموذج الذي كان الصدر سبّاقاً إليه على المستوى الفقهي والتنظيري الشامل!
ـ وتتجلى السطحية المفرطة لدى الناقد في نقده لفكرة «منطقة الفراغ في التشريع» إذ يواجهها بعقليةٍ جوفاء، وبأُسلوبٍ خطابيٍّ عاجزٍ تماماً عن النفاذ إلى أقرب أعماق الفكرة عن سطحها … ذلك حين يقول: «ونحن لا نقدر أبداً على التسليم بوجود فراغٍ في التشريع، لأن الأُمور المستحدثة التي لا نصَّ فيها قد بلغنا أمر المشرِّع بالاجتهاد في معرفة أحكامها على ضوء مقاصد الشريعة العامَّة»([365])!!
من حقِّك أن تقطع بأنه لم يفهم مما أراد الصدر شيئاً، لأنه مأسور بهالةٍ خطابيةٍ طاغيةٍ على مجالات الخطابة الرنانة التي عجزت عن مواجهة أيِّ مشكلةٍ معاصرةٍ بشكلٍ جادٍّ وفعَّال، وإلاَّ كيف يعود ليستعين بمقاصد الشريعة على استنباط أحكامٍ لا نصَّ فيها؟! وهو الأمر نفسه الذي صرَّح به الصدر مراراً في كتابه هذا، وفي غيره!! وقد نقلنا منه أكثر من موضع آنفاً!
على هذا النحو تفعل الذاتية، كما يفعل الأُفق الضيِّق، هاتان الآفتان اللتان وفَّاهما السيد الصدر حقَّهما في النقد، وهو يعلم أنَّهما آفتا الفكر والفقه والاجتهاد الإسلامي، وسوف لا يعترض طريق الفقه الاجتماعي وفقه النظرية المتحرك مع الحياة، لا يعترضه شيءٌ إلا ما كان منطلقه واحدة من تينك الآفتين، أو كلاهما …
* * *
المنهج الجديد في تفسير القرآن
«النظرية القرآنية»
أمل التفسير عند الصدر
كان تفسير القرآن الكريم أملاً في قلب الشهيد، لكنَّه أمل يزاحمه أمل كان أقرب إليه منالاً، إنَّه الشهادة التي عزم عليها عزماً كان قميناً أن تكون الشهادة ثمرته القريبة!
قال: إنَّ شوط التفسير التقليدي شوط طويل جدًّا، وهذا الشوط الطويل بحاجةٍ إلى فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ أيضاً، ولهذا لم يحظ من علماء الإسلام الأعلام إلا عدد محدود جدًّا بهذا الشرف العظيم، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته إلى نهايته، ونحن نشعر بأن هذه الأيام المحدودة المتبقية لا تفي بهذا الشوط الطويل، ولهذا كان من الأفضل اختيار شوطٍ أقصر([366]).
إذن لم يفرغ رجل الفكر والجهاد والثورة لتفسير القرآن الكريم رغم شوقه لذلك، لكنَّه دخل هذا الميدان العظيم من طريق آخر، فترك فيه أثراً لا يقلُّ أهمِّيةً عن التفسير الكامل.
لقد تناول علوم التفسير دراسةً ونقداً، فحدَّد معالم منهجه المتكامل في التفسير، ثُمَّ فتح أُفقاً جديداً على منهجٍ جديدٍ في تفسير القرآن الكريم، حدَّد معالمه، وتقدَّم فيه خطوات في ممارساتٍ تطبيقيةٍ في التفسير، فكان بحقٍّ صاحب مدرسةٍ ورائد منهج.
وتبعاً لتوزُّع اهتماماته في الميدانين تقسَّمت دراستنا هذه على قسمين:
تناول القسم الأوَّل مشكلة المنهج وأثره في فهم النص:
فيما تناول القسم الثاني التعريف المفصَّل بالمنهج الجديد كما رسمه مؤسِّسه ورائده، تحت عنوان: «الإمام الصدر وتجديد المنهج».
القسم الأوّل: منهج التفسير وأثره في فهم النص
إنَّ المسألة الأهمَّ التي تتحكَّم في اتِّجاه التفسير، وفي صلاحياته في التعبير عن لغة القرآن الكريم وأهدافه: هي «المنهج».
المنهج هو الذي يميَّز بين تفسيرٍ للقرآن … وبين كتابٍ يسخِّر القرآن لتبرير المذهب!!
بين قرآنٍ حيٍّ متحرِّكٍ يقود الفكر والعمل ويوجِّه الحياة … وبين قرآنٍ طلَّمسيٍّ يختفي وراء الحجب!!
بين قرآنٍ عربيٍّ مبينٍ جاء بلغةٍ لها أُصولها وآدابها، وبين قرآن رمزيَّ غائم ليست ألفاظه إلا مطايا تمتطيها مقاصد باطنية مكنوزة في اللوح المحفوظ!!
بين قرآن يخاطب الإنسان العاقل، كلَّ إنسانٍ عاقلٍ ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ … وبين قرآنٍ لا يفهمه إلا الصاعدون في (الإشارات) و(الفيوضات)!!
بين قرآنٍ تبيَّنه السنَّة بالقول الصادق والعمل الثابت … وبين قرآنٍ تترجمه مخيّلات الخرافيين والتائهين والساخرين!!
بين قرآنٍ يدعو إلى نفسه ويهدي للتي هي أقوم … وبين قرآنٍ يدعو صراحة إلى هجر القرآن!!
هكذا يصنع المنهج من القرآن الكريم.
وحين يغيب المنهج تعمُّ الفوضى!!
فهنا (فوضتان):
فوضى حين يغيب المنهج …
وفوضى تحت عنوان المنهج، حين يغيب الفهم المعمَّق، والحسُّ القرآني الدقيق والأُفق الأرحب.
وفي الحالتين ينبغي أن لا نعدم الإخلاص، لكنَّه إخلاص مذبذب بين بلاغات القرآن وأهدافه، وبين الرؤية والمذهب … أمَّا إذا غاب الإخلاص فليس ثمَّة تفسير، بل هي كارثة تبرقعت بآيات القرآن!
فمشكلة المنهجية في التفسير إذن مشكلة تغلي وتفور حتى نهاية المشوار، فأين سوف يضع المفسِّر نفسه من بين تلك المربعات؟ بل أين سيضع القرآن بينها؟
هناك في البدء شريط تقليدي تؤلِّفه حلقات أصلية: «فلا بدَّ للمفسِّر من منهجٍ عامٍّ في التفسير، يحدِّد فيه ـ عن اجتهاد علمي ـ طريقته في التفسير، ووسائل الإثبات التي يستعملها، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ، وعلى السُنَّة، وعلى أخبار الآحاد، وعلى القرائن العقلية في تفسير النصِّ القرآني.
لأنَّ في كلِّ واحدٍ من هذه الأُمور خلافاً علمياً، ووجهات نظر عديدة، فلا يمكن ممارسة التفسير دون دراسة تلك الخلافات دراسةً دقيقة»([367]).
بعد ذلك «فإنَّ وجهات النظر المحدَّدة التي سوف يخرج بها المفسِّر عن دراسته العلمية لوسائل الإثبات تلك، هي التي سوف تؤلِّف المنهج العامّ للمفسِّر»([368]).
وبعد ذلك كلِّه فإنَّ مشكلة التفسير ما زالت قائمة … لأن مشكلة التفسير أضحت في الوقت ذاته هي مشكلة التاريخ ومشكلة العقيدة معاً([369])!
فهي مشكلة التاريخ: تاريخ التفسير نفسه، بمناهجه التي عرضها المتقدمون، فاتخذها المتأخرون غلاًّ في أعناقهم …
فما هو الجديد عند أصحاب المأثور؟!
بماذا امتازوا عن أبي الجارود، وأبي حاتم الرازي، والعيّاشي؟!
وحين تقدَّم هذا الفريق خُطوة، أو خطوات، إلى الإمام، فهل استطاع اللاحقون أن يجتازوا الطبري والطبرسي، أم ما زال العلمان هما الأُنموذج المتقدِّم على من جاء بعدهم بألف عام؟!
وأيُّ جديدٍّ عند أصحاب الرأي قد تخطَّى منهج القاضي عبد الجبَّار، والزمخشري؟!
نعم، ربَّما تجد الجديد عند أصحاب الباطن والإشارات، فالباطن لا قعر له، والإشارات لا حدّ لها … لكنَّه الجديد الذي لا يشبه لغة الأنبياء، ولا هو من سنخ الخطاب الذي يقصد به العقلاء … فذاك عالم غريب يختصُّ بأهله، فطوبى لهم إن كان خيراً حازوه وحرمناه، وطوبى لنا إن كان أمراً لا يعنينا فتركناه!!
وهي مشكلة التاريخ: التاريخ الإسلامي الذي أُسقطت قراءاته المختلفة على التفسير ….
وهو مشكلة عقيدةٍ تجرُّ المفسِّر إليها جرًّا، باطنياً كان المفسِّر، أم ظاهرياً، أم أصحاب التأويل … وحتى في تفسير آيات الأحكام، ذلك الجانب الذي يمسُّ الحياة العملية مباشرة، تتجلَّى مشكلة العقيدة.
ومشكلة العقيدة تكمن في «أننا، ومنذ وقتٍ طويل، تكتفي عقائدنا بالتقليد الذي لا يتَّفق وعقول المتعلِّقين بالموضوعية …..
فمن المعلوم أن كل مجتمعٍ يحتوي مشكلة أفكارٍ دارجةٍ تحرِّك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكارٍ عمليةٍ تخصُّ المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى العلماء حلولاً نظريةً لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العملي للجماعات إزاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة …. ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقَّفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهوراً كبيراً من الدراويش، وجيشاً من الجهَّال يصرُّ على اعتقاده بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور!
وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثِّر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خرافة مفسِّرٍ غير موفَّقٍ يرى الأرض على قرن ثور»([370]).
التجديد في المنهج
رأينا حتى الآن أن المنهج هو الأمر الحاسم في (تقرير مصير) أثر القرآن:
بين أن يبقى محفوظاً بين الدفَّتين، يعيننا المفسِّر أحياناً على معرفة معاني مفرداته، ويقصر أحياناً … فإذا أعاننا المفسر فوسف نعرف أن (مدهامتان) تعني خضراوان تميلان إلى السواد من شدة الخضرة … وإذا تحيَّر المفسِّر في معنى (الحور) فسوف نحار معه!
بين ذاك، وبين أن ينتقل القرآن بنصوصه ومقاصده وأهدافه إلى الحياة في كلِّ ميادينها، في بناء المجتمعات، وفي إعمار الأرض.
تلك أصبحت تمثِّل حدّا فاصلاً بين القديم والجديد من مناهج التفسير.
وقد ظهر هذا الحدُّ الفاصل منذ ظهر رجال الإصلاح في الفكر الديني، وأولوا مناهج التفسير ما تستحقُّه من عنايةٍ واهتمام.
ويمكن بحقٍّ أن يُعدّ السيد جمال الدين الأفغاني رائد التجديد في مناهج التفسير، كما كان رائداً في منهجه الإصلاحي كلَّه.
لقد رأى بوضوح أن تلك مناهج انصرفت عن الأخذ بروح القرآن والعمل بمعانيه. ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه وإعرابه، فحملت ألفاظاً لفظية ومناقشاتٍ فرضية واستنتاجاتٍ ليست في مصلحة البشر ولا هي من وسائل هدايتهم إلى الإيمان به، وأضافت إليه من الشروح والتفسير ما لا محصِّل له سوى الإعراب وإرضاء العامَّة([371]).
وقد حاول أن يعكس رؤيته الجديدة من خلال ما يفسِّره من آيات الكتاب الكريم في صحيفته (العروة الوثقى) فركَّز اهتمامه في سبع عشرة آية فقط استطاع تفسيرها قبل إيقاف إصدار (العروة الوثقى) في عددها الثامن عشر بقهر من حكومة بريطانيا (أحد أكبر معاقل الديمقراطية وحرِّية الرأي في العالم!!) ركَّز اهتمامه على الآيات التي تتَّصل بأسرار نمو الأُمم أو ضعفها وسقوطها([372])، هذا الموضوع الذي تناوله مفصَّلاً فيما بعد السيد الشهيد الصدر في دراسة قرآنية جديدة، خرج منها بصياغة نظريةٍ متماسكة، أطلق عليها اسم «السنن التاريخية في القرآن الكريم»([373]).
وأهمُّ ما يتميز به منهج الأفغاني في (العروة الوثقى) ثلاثة أُمور:
أولها: بيان سنن الله تعالى في الخلق ونظام الاجتماع البشري، وأسباب ترقِّي الأُمم وتدنِّيها.
وثانيها: بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان وجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
وثالثها: إن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم أخوة لا يجوز أن يفرِّقهم نسب ولا لغة ولا حكومة([374]).
ثم تطور هذا المنهج بعد الأفغاني على يد تلميذه وصاحبه الشيخ محمد عبده فتقدم فيه الأخير سعةً وعمقاً، حتى في لغة التعبير عنه حين جعل منه تفسيراً (مقاصدياً) يعانق مقاصد القرآن العليا ويمضي معها بدلاً من أن يبقى متعثِّراً بين الألفاظ والأحكام المجزَّأة، فقال: «التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإنَّ هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث فتابع له، أو وسيلة لتحصيله»([375]).
فالواجب في التفسير إذن «ذهاب المفسِّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، فالقصد الحقيقي هو الاهتداء بالأحكام»([376]).
والجديد الآخر الذي أضافه محمد عبده بعد ذلك إلى هذا المنهج هو: «اعتبار القرآن جميعه وحدة واحدة متماسكة، فهم بعضه متوقُّف على فهم جميعه، واعتبار السورة كلها أساساً في فهم آياتها، واعتبار الموضوع فيها أساساً في فهم جميع النصوص التي وردت فيه»([377]).
هذا التصوُّر الأخير نجده على أتمِّه في منهج السيد الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن، واعتماد السياق بالمرتبة الأُولى في تفسير النصِّ وتشخيص مقاصده العليا، فالقرآن الكريم نفسه هو أفضل أداةٍ لتفسير آياته.
فالذي رآه السيد الطباطبائي بديلاً عن كلِّ المناهج هو: «أن نفسِّر القرآن بالقرآن، ونستوضح معنى الآية من نظيرتها، بالتدبُّر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخِّص المصاديق ونتعرَّفها بالخواصِّ التي تعطيها الآيات.
فحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلِّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه!
وكيف يكون القرآن هدًى وبيِّنةً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس في جميع ما يحتاجون، ولا يكفيهم في احتياجهم إليه نفسه، وهو أشدُّ الاحتياج؟!
والله تعالى يقول: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾([378]) وأيُّ جهادٍ أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه؟ وأيُّ سبيلٍ أهدى إليه من القرآن نفسه؟»([379]).
لكنَّ السيد الطباطبائي يرى أنَّ منهجه هذا إنَّما هو أقدم المناهج المعروفة في التفسير، فهو المنهج الذي سلكه معلِّمو التفسير الأوائل: الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعليٍّ عليه السلام.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد فسر القرآن نفسه في كثيرٍ من المأثور عنه، وأيضاً هو القائل: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفَّع، وماحل مصدَّق … وهو الدليل، يدلُّ على خير سبيل، وهو كتاب تفصيلٍ وبيانٍ وتحصيل».
أمَّا عليٌّ عليه السلام فيقول في وصف القرآن: «ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض»([380]).
أما الرؤية التي أضافها محمد رشيد رضا فقد تبدو أبعد عن منهج أُستاذه محمد عبده، إذ رأى أن الكون المنظور هو أعظم تفسير للكون المقروء، فالكشوفات العلمية الدقيقة من خير الوسائل التي تشرح حكم الله وآياته، وإنَّها لمن أشدِّ المصائب على الملَّة أن يهجر رؤساء دينٍ كهذا الدين هذه العلوم ويعدُّونها مضعّفةً للدين أو ماحيةً له([381]).
ثمَّ تعود هذه الفاصلة بين الأُستاذ وتلميذه لتلتئم حين يرى التلميذ أن هذا النهج هو من صلب تفسير القرآن بالقرآن نفسه، فالقرآن حين يكثر من التنبيه إلى آيات الكون المخلوق يختم دائماً بقوله: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ ونحوها، فهو إذن انطلاقة من دعوة القرآن الكريم لتعود بكمال التوحيد في الإيمان([382]).
ولقد كان بإمكان رشيد رضا أن يكون أقدر تعبيراً عن منهج (الأفغاني ـ عبده) لولا حماسه الشديد الذي اتَّخذ أحياناً كثيرةً صورة التطرُّف في النزعة المذهبية، حتى انقلبت كثيراً من صفحات (المنار) إلى صفحاتٍ في الصراع المذهبي، تماماً على نسق المناهج التي انتقدها منهج العروة الوثقى كثيراً، ممَّا قد يكشف عن فهم قاصر لديه عن التعصُّب المذهبي المنبوذ، فكأنَّه يرى ان التعصُّب منبوذاً ما دام دائراً بين أصحاب المذاهب الأربعة، أو بينهم وبين غيرهم من أهل السنَّة، لا غير!.
وهذا بلا شكٍّ فهم مختلف عن نهج الأفغاني الذي كان أُنموذجاً في التوازن ذابت فيه هذه اللغة واختفت بالكامل، ناهيك عن الشقَّة الواسعة في لغة الخطاب الإسلامي ـ الإسلامي بين الأفغاني ومحمد عبده من جهةٍ وبين محمد رشيد رضا من جهةٍ أُخرى.
ورغم ذلك فما زال الدارسون (للمنار) يكتفون بالصلة الوثيقة بين التلميذ وأُستاذه، والنقل الكثير لرشيد رضا عن الإمام محمد عبده ليجعلوا من ذلك برهاناً تامًّا على أنَّ رشيد رضا كان الامتداد والمكمِّل لمنهج (العروة الوثقى)، لكن المحاكمة الدقيقة تكشف عن اختلافٍ كثيرٍ في التفاصيل ولغة الخطاب، وإن كان هناك اتِّفاق في المبادئ الأساسية لمشروع إصلاح الفكر الديني عموماً.
إذن لم يبلغ منهج (العروة الوثقى) أهدافه على يد محمد رشيد رضا، فهنا رؤية جديدة وخطاب جديد.
وأيضاً «لم يظهر من رشيد رضا اهتمامه بتحديد المنهج، بل كان همُّه أن يخلع على المنهج القديم صبغة عقلٍ جديد، ومع أنه لم يعدِّل طريقة التفسير القديم تعديلاً جوهرياً، فإنه قد خلق في الصفوة المسلمة التي تعشق التجديد الأدبي اهتماماً بالنقاش الديني»([383]).
وفي الموضع ذاته تناول مالك بن نبي تفسيراً حديثاً آخر: وهو تفسير الجواهر للشيخ الطنطاوي جوهري، فوصفه بأنه: «إنتاج علمي أشبه بدائرة معارف، ولا ينطوي على أقلّ اهتمامٍ بتحديد منهج».
وهكذا بقيت مشكلة المنهج قائمة، لم تستوفِ حظَّها الكامل من الاهتمام حتى في أوسع التفاسير الحديثة وأكثرها حماساً في الدعوة إلى تخطِّي المناهج القديمة.
القسم الثاني: الإمام الصدر وتجريد المنهج
حين تكون الغاية من التفسير هي الكشف عن معاني مفردات القرآن الكريم، والمراد من كلِّ واحدةٍ من آياته، وبيان أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما تتضمَّنه الآيات من أحكام وتعاليم وآداب، فلا بد أن يسير المفسِّر مع آيات القرآن، آيةٍ آية، وفق تسلسلها في القرآن الكريم، وهذا هو المنهج الذي اعتمدته التفاسير منذ نشأتها وحتى اليوم.
هذا المنهج أطلق عليه السيد الشهيد اسم «التفسير التجزيئي».
وفي إطار هذا المنهج قد يستعين المفسِّر أثناء تفسيره للآية، أو المفردة، بالآيات الأُخرى التي تشترك معها، كما يستعين بالأحاديث والسياق والظهور، وغيرها من أدوات التفسير، لكن هدفه دائماً وفي كلِّ خطوةٍ من خطواته هو فهم مدلول الآية التي يواجهها … فهو إذن تفسير تجزيئي بلحاظ وقوفه دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النصِّ القرآني.
أمَّا حين تكون غاية المفسِّر أبعد من ذلك، حين يكون هدفه اكتشاف النظرية الإسلامية ـ القرآنية ـ إزاء مفهومٍ أو مشكلة، فسوف لا يسعفه ذلك المنهج التجزيئي الذي ينتهي عند فهم الآية الواحدة.
هنا تبرز من جديد الحاجة إلى المنهج.
«فلم يكن بإمكان تفسيرٍ يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الرسول والأئمة والصحابة والتابعين ـ تلك الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل السائلين ـ أن يتقدَّم خطوة أُخرى، وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية»([384]).
ليس التفسير بالمأثور وحده، بل التفسير وفق المنهج التجزيئي بمدارسه المختلفة كلها «ساهم في إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو والتكامل، وساعد على اكتسابه حالةً تشبه الحالات التكرارية الجامدة خلال قرون متطاولة، كما كان الحال في الفترة ما بعد تفاسير أمثال الطبري والشيخ الطوسي والرازي، على الرغم من ألوان التغيُّر التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين»([385]).
فالمنهج الجديد إذن، سوف يتجاوز تلك الحدود، ويتخلَّى عن تلك الصيغة التكرارية … لكن الأدوات التي كانت أساسية هناك سوف تبقى أساسية هنا؛ فاللغة، والصحيح من المأثور، وظواهر القرآن، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أدوات ثابتة في فهم النص.
إن المنهج الجديد الذي يؤسِّس له الإمام الشهيد هو جزء من منهج جديدٍ في دراسة الشريعة ككلّ، منهج وضع إطاره النظري، ومارس بعض تطبيقاته، ليكون الباب مفتوحاً أمام الدارسين من أهل الخبرة لمزيدٍ من التفصيل في النظرية، ومزيد من التقدُّم في التطبيق.
إنَّه يدعو إلى تكوين فهمٍ عامٍّ للشريعة ككلّ، وتخطِّي عملية فهم الأحكام مفردة ومتفرِّقة «فالتشريع الإسلامي يقوم على أساسٍ موحَّد، ورصيد مشترك من المفاهيم، وينبع من نظريَّات الإسلام وعمومياته في شؤون الحياة»([386]).
وبناءً على هذا فهو يعتبر الأحكام «بناءً علوياً يجب تجاوزه إلى ما هو أعمق وأشمل، وتخطِّيه إلى الأُسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي وينسجم معها، ويعبِّر عن عمومياتها في كلِّ تفصيلاته وتفريعاته، دون تناقض أو نشاز».
ثمَّ يؤكِّد عمق إيمانه بأصالة هذا الفهم، حين يراه المبرِّر الوحيد الذي يدعوه إلى اكتشاف النظرية الإسلامية إزاء أيّ واحدٍ من جوانب الحياة ومشكلاتها «فلولا الإيمان بأنَّ أحكام الشريعة تقوم على أُسسٍ موحِّدة، لما كان هناك مبرِّر لممارسة عملية اكتشافٍ للمذهب من وراء الأحكام التفصيلية في الشريعة»([387]).
فهو المنهج الذي ينتقل من «فقه الأحكام» «فقه النص» إلى «فقه النظرية».
فلا بد أن ينتقل التفسير إذن من تفسير المفردة والنص، إلى اكتشاف النظرية القرآنية. لتنتقل عملية التفسير إلى «عملية حوارٍ مع القرآن الكريم واستنطاقٍ له، وليس مجرَّد استجابةٍ سلبيةٍ ـ تقف عن حدود الاستماع إلى النصِّ المفرد ـ بل استجابةٍ فعَّالةٍ وتوظيفٍ هادفٍ للنصِّ القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى»([388]).
ذلك هو المنهج الذي وسمه بـ «المنهج الموضوعي» أو «التوحيدي» في تفسير القرآن الكريم.
عرض المنهج
التعرُّف على هذا المنهج يكون على أتمِّه من خلال الوقوف على أعمدته الثلاثة التي استوى عليها، والتي تشكِّل مجتمعةً صياغته التامَّة، وهي صياغته النظرية، وأدواته، وضوابطه.
1 ـ الصياغة النظرية للمنهج:
رأينا ترتيب الصياغة النظرية لمنهج التفسير الموضوعي التوحيدي، في نقاط، وذلك أجمع لاطرافها، وأحفظ لصورتها، وأيسر في تحصيلها والإلمام بها، وكثيراً ما تكون هذه النقاط متداخلة ومتكاملة، لأنها تؤلِّف وحدةً واحدة، وليست وحدات متعدِّدة، ويظهر بعضها الآخر وكأنه من مزايا هذا المنهج التي تفرده عن غيره، لكنَّها عائدة في النهاية إلى صياغته النظرية، متمِّمةً لها … ومن هذا وذاك أمكننا إجمال الصياغة النظرية لهذا المنهج كما يلي:
أ ـ إنَّه تفسير يقوم على أساس الموضوعات في حقول العقيدة والاجتماع وغيرهما، بدلاً من أن يتناول آيات القرآن الكريم آيةً فآية([389]).
ب ـ يستهدف التفسير الموضوعي التوحيدي تحديد موقفٍ نظريٍّ للقرآن الكريم، وبالتالي الرسالة الإسلامية، من ذلك الموضوع من موضوعات البحث في الحياة أو الكون أو الإنسان([390]).
ج ـ فيما يكتفي التفسير التجزيئي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، يتطلَّع التفسير التوحيدي الموضوعي إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث يحاول أن يتوصَّل إلى مركَّبٍ نظريٍّ قرآني، يحتلُّ في إطاره كلُّ واحدٍ من تلك المدلولات التفصيلية موقعه المناسب، وهذا ما نسمِّيه بلغة اليوم بالنظرية …. يصل إلى نظرية قرآنيةٍ عن التوحيد، نظريةٍ قرآنيةٍ عن النبوَّة، نظريةٍ قرآنيةٍ عن المذهب الاقتصادي، نظريةٍ قرآنيةٍ عن سُنن التاريخ …. وهكذا([391]).
د ـ في التفسير الموضوعي لا يبدأ المفسِّر عمله من النصِّ، بل يبدأ من واقع الحياة، باختيار واحدٍ من موضوعات العقيدة أو الاجتماع أو الكون، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدَّمته من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلةٍ ومن نقاط فراغ … ثُمَّ يعود إلى القرآن الكريم ليطرح بين يدي النصِّ موضوعاً جاهزاً مشرَّباً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع القرآن حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من خلال ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النصِّ([392]).
هـ ـ في كلام ابن القرآن ـ عليٍّ عليه السلام ـ «ذلك القرآن، فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه، ألاَّ إنَّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم» جاء التعبير بـ (الاستنطاق) أروع تعبيرٍ عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم، وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه، بقصد الحصول على الإجابة القرآنية([393]).
و ـ هذا المنهج الموضوعي التوحيدي اكتسب تسميته بالموضوعي بلحاظين، وبالتوحيدي بلحاظين أيضاً.
فهو موضوعي: أوَّلاً؛ لأنه يبدأ من الموضوع الخارجي والواقع، ويعود إلى القرآن الكريم.
وثانياً: لأنه سوف يختار مجموعةً من الآيات القرآنية التي تشترك في موضع واحد، للوصول إلى النظرية القرآنية إزاء هذا الموضوع.
وهو توحيدي: أوَّلاً؛ باعتبار أنَّه يوحِّد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم.
وثانياً: باعتبار أنه يوحِّد بين مدلولات الآيات التي تشترك في الموضوع في مركَّبٍ نظريٍّ واحد، ليخلص بالتالي إلى تحديد إطار نظريةٍ واضحةٍ ترسمها تلك المجموعة القرآنية ككلّ، بالنسبة إلى ذلك الموضوع([394]).
ز ـ إنَّ الفصل بين هذا الاتجاه الموضوعي والتوحيدي وبين الاتجاه التجزيئي، ليس حدِّياً على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير، لأن الاتجاه الموضوعي بحاجةٍ طبعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها ضمن إطار الموضوع الذي يتبنَّاه … كما أن الباحث وفق الاتجاه التجزيئي قد يعثر أثناء عملية بحثه على حقيقةٍ قرآنيةٍ من حقائق الحياة الأُخرى … فالاتجاه الموضوعي إذن ليس بديلاً عن التجزيئي، لكن يظلَّ الاتجاهان مختلفين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية([395]).
2 ـ أدوات المنهج
يشترك المنهجان ـ الموضوعي والتجزيئي ـ بكلِّ الأدوات الأساسية لفهم النصِّ القرآني، ذلك لأنها أدوات أساسية لا غنى عنها في فهم النص، أي نصٍّ، سواء كان قرآناً أو غيره، فعملية فهم النصّ وتفسيره لا يمكن أن تكون بمعزلٍ عن: اللغة، والظهور، وموقع النصِّ بين سائر النصوص المماثلة ـ وفي التفسير يقع هذا في باب المحكم والمتشابه وباب الناسخ والمنسوخ ـ وظروف النصِّ ودواعيه إن كان ثمَّة دواع ـ وهي في التفسير تقع في باب أسباب النزول.
لكنَّ الإمام الشهيد أضاف إلى المنهج الموضوعي نوعين جديدين من الأدوات، كانا من المميِّزات الهامَّة لهذا المنهج، وهما:
أ ـ التجرية البشرية:
فأوَّل ما ينبغي على المفسِّر بعد أن استوعب الأدوات الأساسية المتقدِّمة، هو أن «يستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول الموضوع محلَّ البحث من مشاكل، وما قدَّمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلةٍ ومن نقاط فراغ، ليطرح بعد ذلك بين يدي النصَّ موضوعاً جاهزاً مشرَّباً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشرية»([396]).
« ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيَّار التجربة البشرية »(3) .
ومن هذه الأداة الجديدة تظهر المزِّية الحيوية لهذا المنهج، فهو المنهج «القادر على التجدُّد والإبداع باستمرار، باعتبار أن التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدِّمه من مواد تُطرح بين يدي القرآن الكريم لكي يستطيع هذا المفسِّر أن يستنطق أجوبته عليها»(4).
وحين يؤكد السيد الشهيد على أثر هذه الأداة الحاسمة في هذا المنهج بقوله: «وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريَّات الأساسية للإسلام، والقرآن، تجاه موضوعات الحياة المختلفة»(5) ففي نفس الوقت الذي يعبِّر فيه عن حقيقةٍ يدركها كلُّ من أدرك شيئاً عن النظرية، أيِّ نظريةٍ كانت، فهو يلقي بعبء ثقيل على كاهل أهل التفسير والدراسات القرآنية الذين لم يتوفَّروا على الحظِّ الأوفر من المعرفة بالتجربة البشرية والنظريات المستجدة التي تؤلف هذه الأداة اللازمة لهذا النوع من التفسير.
والإحاطة بهذه التجربة الواسعة المتجدِّدة باستمرار وبالقدر اللازم لاكتشاف النظرية القرآنية المقابلة بأتمِّ صورها، ليس من الأُمور الهيِّنة التي تنال ببعض المطالعات المحدودة، بل ولا بالمطالعات الواسعة والشاملة فقط، لأنَّها تتَّصل أيضاً بشكلٍ مباشرٍ بالمنهجية في التفكير والمنهجية في البحث التي سوف تترك آثارها حتى على مدى استيعاب هذه المواضيع وحسن التعبير عنها.
من هنا نجد أنَّ ما قد يصدر من دراسات في ضوء التفسير الموضوعي، يعوزها الكثير لكي تستحقَّ أن توصف بأنها تفسير موضوعي، فالغالب عليها أنها تجميع للآيات المشتركة في موضوعٍ واحدٍ وتفسيرها بترتيبٍ أو بآخر لا يعطي في النتيجة صورةً عن النظرية القرآنية في الموضوع، ناهيك عن كونه يفتقر بشكلٍ تامٍّ أو شبه تامٍّ إلى هذه الأداة الحيوية ـ التجربة البشرية ـ التي بدونها لا يحقق الدارس شيئاً على مستوى النظرية.
ب ـ المفاهيم:
هنا يؤسِّس الإمام الشهيد الصدر نظريةً قائمةً في فهم الشريعة ككلّ، وليس فقط يضع أداةً جديدةً من أدوات المنهج الموضوعي.
وهذه النظرية (نظرية المفاهيم) يضع خلاصتها في كتابه النفيس «اقتصادنا» كأساسٍ لصياغة المذهب الإسلامي والنظرية الإسلامية تجاه جوانب الحياة والإنسان والكون المتعدِّدة … والتي يُعدُّ المذهب الاقتصادي أحدها.
ونظرية المفاهيم كما يصوغها السيد الصدر تقف جنباً إلى جنبٍ مع نظرية مقاصد الشريعة، لتكمل إحداهما الأُخرى في الوصول إلى الفهم الحيوي الأتمِّ للأحكام الإسلامية، ولنصوص الشريعة التي يُعدُّ النصُّ القرآني في طليعتها … وإذا كانت نظرية المقاصد قد اتَّخذت هيكلها المفصَّل على يد الشاطبي في القرن الثامن الهجري([397])، فإن نظرية المفاهيم هذه التي يضع الإمام الشهيد هنا خلاصتها ما تزال بحاجةٍ إلى الدرس المعمَّق لتعميم تطبيقاتها على كلِّ المساحات التي تغطِّيها.
فإلى هذه النظرية كما عرَّفها الإمام الشهيد:
قال: يمكننا أن نضع إلى صفِّ الأحكام في عملية اكتشاف النظرية: (المفاهيم) التي تشكِّل جزءاً مهمًّا من الثقافة الإسلامية.
والذي عناه بالمفهوم: هو كلُّ تصوُّرٍ إسلاميٍّ يفسِّر واقعاً كونياً أو اجتماعياً أو تشريعياً…
فالعقيدة بصلة الكون بالله تعالى وارتباطه به تعبير عن مفهومٍ معيَّن للإسلام عن الكون.
والعقيدة بأنَّ المجتمع البشري مرَّ بمرحلة فطرةٍ وغريزةٍ قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمُّل، تعبير عن مفهومٍ إسلامي عن المجتمع.
والعقيدة بأن الملكية ليست حقًّا ذاتياً وإنما هي عملية استخلاف، تعكس التصور الإسلامي الخاص لتشريعٍ معين، وهو الملكية للمال، فالمال في المفهوم الإسلامي كلُّه مال الله، والله يستخلف الأفراد أحياناً للقيام بشأن المال، ويعبِّر عن هذا الاستخلاف تشريعياً بالملكية.
فالمفاهيم إذا: وجهات نظر، وتصورات إسلامية في تفسير الكون وظواهره، أو المجتمع وعلاقاته، او أيِّ حكمٍ من الأحكام المشرَّعة.
ومن الواضح إن المفاهيم لا تشتمل على أحكام بصورةٍ مباشرة … ولكنها تنفعنا في محاولتنا للتعرّف على المذهب الإسلامي والنظرية الإسلامية موضوع البحث([398]).
بعد هذا التعريف، ينتقل إلى أمثلةٍ من التطبيقات الهامَّة لهذه النظرية، فإزاء اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام يقدِّم لنا أُنموذجاً تطبيقياً رائعاً يعكس أثر نظرية المفاهيم في هذه العملية، فيقول، وهو في معرض تفصيل هذه النظرية:
ولكي نوضِّح بشكلٍ عامٍّ الدور الذي يمكن أن تؤدِّيه المفاهيم في سبيل تحديد معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، نأخذ مفهومين دخلا في عملية اكتشاف المذهب:
أحدهما: مفهوم الإسلام عن الملكية، القائل: بأنَّ الله تعالى استخلف الجماعة على المال والثروة في الطبيعة … فجعل من تشريع الملكية الخاصَّة أُسلوباً يحقِّق ضمنه الفرد متطلبات الخلافة، من استثمار المال وحمايته وإنفاقه في مصلحة الإنسان … فالملكية إذن عملية يمارسها الفرد لحساب الجماعة ولحسابه ضمن الجماعة … بما ينسجم مع مفهوم الإسلام الأصيل عن الملكية.
والثاني: هو رؤية الإسلام للتداول، بوصفه ظاهرةً مهمَّةً من ظواهر الحياة الاقتصادية، فالإسلام يرى أن التداول بطبيعته الأصيلة يشكِّل شعبةً من الإنتاج …
وعليه: فالتاجر حين يبيع منتجات غيره، يساهم بذلك في الإنتاج، لأن الإنتاج دائماً هو إنتاج منفعة، وليس إنتاج مادَّة، لأن المادة لا تخلق من جديد … والتاجر بجلبه للسلعة لتكون في متناول أيدي المستهلكين يحقق منفعةً جديدة، بل لا منفعة للسلعة بالنسبة إلى المستهلكين إلاَّ بذلك …
وكلُّ اتِّجاه في التداول يبعده عن واقعه الأصيل هذا، ويجعله عمليةً طفيليةً مقصورةً على الإثراء فحسب، ومؤدِّيةً إلى تطويل المسافة بين السلعة والمستهلك، فهو اتِّجاه شاذٌّ يختلف عن الوظيفة الطبيعية للتداول([399]).
وإلى هنا نلمح فائدتين:
الأُولى: استفادته الرائعة من المفاهيم في صياغة الأحكام، وفي بناء النظرية.
والثانية: ما نلمحه من تعانقٍ بين نظرية المفاهيم ونظرية المقاصد، فالسيد الشهيد في تفصيله للأُنموذج الثاني يدخل في صلب الفقه المقاصدي، ليجعل من المفهوم أساساً في تحديد مقاصد الشريعة من الأحكام، وكلُّ تطبيقٍ لهذه الأحكام بشكلٍ يُخرجها عن المقاصد التي حدَّدها المفهوم، فهو تطبيق شاذٌّ ومرفوض في الشريعة الإسلامية.
وأُنموذج آخر، جاء في ممارسته المباشرة لبعض تطبيقاته في التفسير الموضوعي … فهو أكثر صلةً بدراستنا هذه وإن كان الأوَّل لا يبتعد عن صميم هذه الدراسة.
فبعد انتهائه من دراسته لعناصر المجتمع في القرآن الكريم، وخروجه بالنظرية القرآنية الكاملة لعناصر المجتمع، يعقد فقرةً في الختام بعنوان «علاقة النظرية القرآنية بالتشريع الاسلامي» فيقول:
«هذه النظرية القرآنية في تحليل عناصر المجتمع، وفهم المجتمع فهماً موضوعياً، تشكِّل أساساً للاتِّجاه العام في التشريع الإسلامي، فإن التشريع الإسلامي في اتجاهاته العامة وخطوطه العريضة يتأثر ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية إلى المجتمع وعناصره، وأدوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بينها.
فالنظرية قالت: إن هناك استقلالاً نسبياً بين خطين، خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة … هذا المفهوم سوف يشكل القاعدة لعنصر «الثابت» في الشريعة الإسلامية، لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الأحكام العامَّة المنصوصة ذات الطابع الدائم المستمر([400]).
رأينا إذن في عبارته الأخيرة كيف سيدخل (المفهوم) في تفسير النصِّ.
وفي موضعٍ آخر يبرز دور (المفهوم) في فهم النصِّ، حين يمثل باضطراب فقيهٍ مجتهدٍ رأى أن النصوص تربط ملكية الثروات الطبيعية الخام بالعمل، وتنفي تملُّكها بأيِّ طريقةٍ أُخرى سوى العمل، ووجد لهذه النصوص استثناءً واحداً في نصٍّ يقرِّر في بعض المجالات التملُّك بطريقةٍ أُخرى غير العمل، فسوف تبدو نتائج النصوص لهذا المجتهد قلقةً وغير متَّسقة.
وهذه النتيجة ترجع إلى أحد أمرين، فإما أن يكون النصُّ الذي بدا شاذًّا غير صحيح. وإما أن يكون المجتهد لم يهتدِ إلى سرِّ الوحدة بين تلك العناصر وتفسيرها النظريِّ المشترك([401]). وهذا السرُّ هو الذي سوف يشكِّل مفهوماً أصيلاً يكون أساساً في تفسير ذلك النصِّ الذي بدا شاذًّا حين عولج مفرداً بعيداً عن هذا المفهوم.
ربما ظهر منَّا إسهاب في عرض نظرية المفاهيم عند السيد الشهيد (رضي الله عنه) وكونها أداةً في التفسير الموضوعي، وقد اضطررنا إلى هذا لأننا لم نجد هذه النظرية الرائعة والجديدة قد أُعطيت حقًّا ولو يسيراً في الدراسات حول مدرسة الإمام الصدر الفكرية، راجين أن تتهيّأ لهذا الموضوع فرصة أُخرى.
3 ـ ضوابط المنهج
بدلاً من أن نعني بها الشروط اللازم توفُّرها في المفسِّر لسلامة المنهج والتفسير، كما هو المألوف في الدراسات التقليدية، فإن الضوابط هنا جاءت، وكما عرضها المنظِّر نفسه ـ السيد الشهيد ـ بشكلٍ معكوس، لتحصي العوامل التي قد تكون سبباً حاسماً في حرف هذا المنهج عن اتِّجاهه الصحيح، والخروج بنتائج مغلوطة لا تعبِّر عن التصوُّر الإسلامي، ولا تعطي النظرية القرآنية المنشودة من وراء التفسير الموضوعي.
والإمام الشهيد حين يجمل هذه العوامل تحت عنوان مخاطر (الذاتية) يعود ليفصِّلها بنقاطٍ أربع، هي:
أ ـ تبرير الواقع:
حيث يندفع الممارس بقصدٍ أو بغير قصدٍ إلى تأويل النصوص وفهمها فهماً خاصًّا يبرِّر الواقع الفاسد الذي يعيشه، ويعتبره ضرورةً لا مناص عنها … نظير ما قام به البعض في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾([402])، ليقول: إن الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة، وإنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً!
يقول السيد: والحدود المعقولة للفائدة كما يراها هذا المفسِّر إنّما هي الحدود التي ألفها واقعه ومجتمعه، ولو أراد هذا المتأوِّل أن يعيش القرآن خالصاً وبعيداً عن إيحاءات الواقع المعاش وإغرائه، لقرأ قوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾([403]).
ويفهم أن المسألة ليست مسألة حربٍ مع نوعٍ خاصٍّ من الربا الجاهلي، وإنما هي مسألة مذهب اقتصاديٍّ له نظرته الخاصَّة إلى رأس المال التي تحدِّد له مبرِّرات نموه، وتشجب كلَّ زيادةٍ له منفصلةٍ عن تلك المبررات مهما كانت ضئيلة.
ب ـ دمج النصِّ ضمن إطارٍ خاص:
ويعني بها: دراسة النصِّ في إطار فكريٍّ غير إسلامي، فـ «الذهنية الإسلامية» و«الذهنية القرآنية» شرطان أكيدان في فهم القرآن وتفسيره([404]).
فالأُطر الفكرية التي تلعب دورها في عملية فهم النصِّ، نذكر منها أرقاماً فقط، أما ذكرها جميعاً بتفصيلاتها فيطول.
فمنها: الإطار العقائدي، والنظم التي تصوغها علاقات اجتماعية متجذِّرة، والفهم التاريخي المنفصل عن القواعد، والإطار اللغوي حيث يظهر في الاندماج مع إطارٍ لغويٍّ حادث لم يعش مع النص منذ ولادته، ومنها عملية الاشتراط الاجتماعي لمفهوم معيَّن، وفي كلِّ واحدةٍ من هذه الأُطر يقدِّم أمثلةً حيَّة في تضليل الممارس عن الفهم الصحيح للنص.
ج ـ تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه:
وإن كان الإمام الشهيد قد ركّز هنا على نوعٍ خاصٍّ من الأدلَّة الشرعية، وهو (التقرير) ـ أي سكوت الشارع عن عملٍ معيَّنٍ يقع في عصر التشريع ـ دون أن يذكر شيئاً عن تجريد النصِّ من ظروفه وشروطه، إلا أن هذه العملية ـ عملية التجريد ـ كما تجري مع التقرير تجري مع النصِّ أيضاً، وربما تكون على أوضح صورها مع تشريعات الضرورة، فحين يتمُّ تجريد أحكام الضرورات عن ظروفها وشروطها، تبدو كأنها أحكام عامة، فيجري تعميمها على الحالات الاعتيادية، خطأً.
ويمكن اعتماد نفس المثال الثاني الذي اعتمده الإمام الشهيد في بيان تجريد التقرير من ظروفه: «فإذا قيل لك مثلاً: إن شرب الفقاع في الإسلام جائز، بدليل أن فلاناً حين مرض على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب الفقاع ولم ينهه النبيُّ» فإن هذا المثال نفسه يتمُّ لو وجدنا نصًّا من النبي يجوِّز لهذا المريض شرب الفقاع.
فتجريد هذا النص من ظروفه ـ وهي المرض الذي توقَّف علاجه على هذا ـ سيجرُّ إلى تعميمٍ خاطئٍ لهذا النص، والأمر واضح مع كافَّة أحكام الضرورة.
د ـ اتخاذ موقفٍ مسبقٍ تجاه النص:
وليس الموقف المسبق هو الموقف المذهبي، الذي يندفع باتِّجاه تسخير النصوص لتبرير المذهب، فقط، بل قد يكون للاتجاه النفسي للباحث أثره الكبير على عملية فهم النص، فالباحث الذي يتَّجه نفسياً إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما يتَّصل بالدولة من أحكامٍ ومفاهيم، سوف يخرج بنتائج تختلف كثيراً عن نتائج يقدِّمها باحث يغلب عليه الاتِّجاه النفسي إلى ما يتَّصل بسلوك الأفراد، رغم أنهما يرجعان معاً إلى نفس النصوص.
إذن أمام كلا الباحثين سوف تنطمس معالم الجوانب الإسلامية التي لم يتَّجه إليها كلٍّ منهما نفسياً … بل قد يجرُّ هذا الموقف النفسي أيضاً إلى تضليلٍ في فهم النص التشريعي، وذلك حينما يريد الباحث أن يفرض موقفه الذاتي على النص([405]).
وهكذا يظهر أن كل فهم للنصِّ لا ينبع من النصِّ نفسه وظروفه وشروطه، فسوف يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى الأحكام وعلى مستوى المفاهيم وعلى مستوى النظريات أيضاً، فيتمثل أحياناً في (تضليلٍ في فهم النصوص) وأحياناً في (إخفاء بعض معالم الشريعة).
شرعيَّة المنهج
بعد الانتهاء من عرض المنهج؛ بصياغته النظرية، وأدواته، وضوابطه، نقف على قضيةٍ تتَّصل بشرعية المنهج الموضوعي في التفسير الهادف إلى صياغة النظريات الإسلامية تجاه قضايا الكون والحياة والإنسان. يتطرق لها السيد الشهيد في نهاية عرضه لمنهجه الموضوعي، وقبل شروعه في تطبيقاته، والتي تبدو من صياغتها بأنها إشكالية (سلفية) اعتدنا أن نجدها أمام كل دعوة إلى التجديد أو الإصلاح في الفكر الديني، يثيرها أولئك الذين لا يعقلون من الدين والحياة إلا التمسك الحرفي بما اشتهر عند السلف، هذا مع كثرة ما يظهر في سلوكهم بل حتى معتقداتهم من تناقضاتٍ وبدعٍ لا يعرفها السلف الصالح، يبرِّرونها بأتفه التبريرات، وربما ينسبونها كذباً وبهتاناً إلى السلف … والحقُّ أن ما وسمهم به المصلح الديني الشهيد الشيخ مطهَّري، من (جمودٍ وتحجُّر عقيدي) لهو أليق بهم كثيراً لقب (السلفية) الذي ينتحلونه!
واعتراضهم الذي يثيرونه هنا، هو: ما الضرورة إلى البحث في النظريَّات القرآنية، في حين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطِ هذه القضايا على شكل نظرياتٍ محددةٍ وبصيغٍ عامَّة، وإنما اقتصر على إعطاء القرآن بهذا الترتيب وبهذا الشكل المتراكم؟
ويجب على هذه الإثارة إجابةً في تبسيطٍ وتمثيلٍ يقرِّب الفكرة إلى الأذهان، أما خلاصة جوابه، فهي: إن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي هذه النظريات، ولكن من خلال التطبيق، ومن خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبينه في الحياة الإسلامية. وكان كلُّ فردٍ مسلمٍ في إطار هذا المناخ يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجمالياً ارتكازياً، لأن المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري الذي رسمه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة والقدرة السليمة على تقييم المواقع والمواقف والأحداث.
أما حيث لا يوجد ذلك المناخ، وذلك الإطار، فتكون الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن والإسلام حاجةً حقيقيةً ملحَّة، خصوصاً مع بروز النظريات الحديثة، حيث وجد المسلم نفسه أمام نظريَّاتٍ كثيرةٍ في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بدَّ لكي يحدّد موقف الإسلام من هذه النظريات؛ أن يستنطق نصوص الإسلام ـ كما تقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديثٍ سابقٍ ـ ويتوغّل في أعماق هذه النصوص، لكي يصل إلى مواقف الإسلام الحقيقية سلباً وإيجاباً، ولكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة([406]).
إلى هنا نرجو أن نكون قد أعطينا الصورة الواضحة لهذا المنهج الجديد في تفسير القرآن، المنهج الذي «يلتحم فيه القرآن مع الواقع والحياة»([407])، خصوصاً في ما قمنا به من جمعٍ بين ما كتبه الإمام الشهيد بخصوص اكتشاف النظرية القرآنية (التفسير الموضوعي) وبين ما كتبه في إطار اكتشاف النظرية الإسلامية عامَّة في سياق بحثه في المذهب الاقتصادي، وفي ما ظهر في هذه الدراسة من نظرياتٍ بالغة الأهمية في (المفاهيم) وفي (إشكاليات النص) تلك النظريات التي أخال أنها ستبقى كنزاً مدفوناً حتى يهيئ الله تعالى لها من يبسطها ويكشف عن أسرارها وأبعادها ومجالات تطبيقاتها، في مجموعةٍ من الدراسات الأكاديمية المتخصِّصة، حتى تعود مادةً مقروأةً في الوسط القارئ عامَّة، والعلمي خاصة.
نماذج تطبيقية
تطبيقات الصدر في النظرية القرآنية متعددة وواسعة، توزعت على نواحٍ متعدّدة من ميادين الفكر والحياة، من النظرية السياسية في الشورى وولاية الفقيه، إلى دور الإنسان في الأرض، نظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، إلى مراحل نموِّ المجتمع البشري، إلى السُنن التاريخية، إلى نظرياتٍ اقتصاديةٍ متعددة.
على الصعيد السياسي: نظرية الشورى ودور الحاكم وليّ الأمر.
وعلى الصعيد الاجتماعي: مراحل نمو المجتمع البشري، ونظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، والسُنن التاريخية.
على الصعيد الاقتصادي: نظريات في جوانب اقتصادية متعددة كالملكية، والإنتاج، والتوزيع، إلى غير ذلك.
وكنماذج من هذه التطبيقات الواسعة ننتخب ثلاثة مقاطع فقط، في جوانب مختلفة، نتجنب السياسي منها لأنه أخذ حظًّا وافراً في محله، ونعطي الاجتماعي حظًّا أوفر من الاقتصادي، لأن الأخير قد أُبرز أيضاً بقدرٍ مناسبٍ في محلّه ـ مبتدئين بالنموذج الاقتصادي:
1 ـ على الصعيد الاقتصادي : في الملكية الخاصة:
أُنموذج تجتمع فيه خصائص المنهج، من: مزاوجة بين المعقول، والمنقول، والتركيز على أثر القرآن في الحياة وموقعه الطبيعي في قيادتها وبنائها، ليفتح أمام النص الأبواب الطبيعية إلى صياغة نظم المجتمع وبنائه الحضاري، مع وضوحٍ في اعتماد المفاهيم في فهم النص، وأُسلوب تفسير القرآن بالقرآن، وعلى وضوء المنهج الموضوعي التوحيدي الذي ينطلق فيه من الواقع ليعود إلى القرآن يستثيره ويستنطقه ليرجع ثانيةً إلى الواقع بنظريةٍ قرآنيةٍ إزاء الموضوع … والأُنموذج الذي اخترناه هو قطعة فقط من دراسته في صياغة النظرية الإسلامية في الملكية:
يقول الإمام الشهيد: التفسير الخلقي للملكية سوف يبرر تلك التصورات عن الملكية التي يتلقاها كل مسلم عادةً من الإسلام، ويتكيف بها نفسياً وروحياً، ويحدد مشاعره ونشاطه وفقاً لها.
وأساس هذه التصورات هو مفهوم (الخلافة) فالمال مال الله، وهو المالك الحقيقي، والناس خلفاؤه في الأرض وأمناؤه عليها وعلى ما فيها من أموال وثروات، قال الله تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا﴾([408]).
والله تعالى هو الذي منح الإنسان هذه الخلافة، ولو شاء لانتزعها منه: ﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾([409]).
وطبيعة الخلافة تفرض على الإنسان أن يتلقى تعليماته بشأن الثروة المستخلف عليها ممن منحه تلك الخلافة، قال تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾([410]) كما أن من نتائج هذه الخلافة أن يكون الإنسان مسؤولاً بين يدي من استخلفه، خاضعاً لرقابته في كل تصرفاته وأعماله، قال الله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾([411]).
والخلافة في الأصل هي للجماعة كلها، لأن هذه الخلافة عبرت عن نفسها عملياً في إعداد الله لثروات الكون ووضعها في خلافة الإنسان، والإنسان هنا هو العامُّ الذي يشمل الأفراد جميعاً، ولذا قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾([412]).
وأشكال الملكية، بما فيها الملكية والحقوق الخاصة، إنما هي أساليب تتيح للجماعة باتباعها أداء رسالتها في إعمار الكون واستثماره، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾ فالملكية والحقوق الخاصة التي مُنحت لبعضٍ دون بعضٍ فاختلفت بذلك درجاتهم في الخلافة، هي ضرب من الامتحان لمواهب الجماعة ومدى قدرتها على حمل الأعباء وقوّة دافعة لها على إنجاز مهامِّ الخلافة، والسباق في هذا المضمار.
وهكذا تصبح الملكية الخاصة في هذا الضوء أُسلوباً من أساليب قيام الجماعة بمهمَّتها في الخلافة وتتخذ طابع الوظيفة الاجتماعية كمظهرٍ من مظاهر الخلافة العامة، لا طابع الحق المطلق والسيطرة الأصلية. وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «إنما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجَّهوها حيث وجَّهها الله، ولم يعطكموها لتكنزوها».
ولما كانت الخلافة في الأصل للجماعة، وكانت الملكية الخاصة أُسلوباً لإنجاز الجماعة أهداف هذه الخلافة ورسالتها، فلا تنقطع صلة الجماعة، ولا تزول مسؤوليَّتها عن المال لمجرَّد تملُّك الفرد له، بل يجب على الجماعة أن تحمي المال من سفه المالك إذا لم يكن رشيداً، لأن السفيه لا يستطيع أن يقوم بدورٍ صالحٍ في الخلافة، ولذا قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا﴾([413]).
ووجّه الخطاب إلى الجماعة لأن الخلافة في الأصل لها، ونهاها عن تسليم أموال السفهاء إليهم، وأمرها بحماية هذه الأموال، والإنفاق منها على أصحابها، وبالرغم من أنه يتحدث إلى الجماعة عن أموال السفهاء فقد أضاف الأموال إلى الجماعة نفسها، فقال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ وفي هذا إشعار بأن الخلافة في الأصل للجماعة، وأن الأموال أموالها بالخلافة وإن كانت أموالاً للأفراد بالملكية الخاصة …
وقد عقّبت الآية على هذا الإشعار بالإشارة إلى أهداف الخلافة ورسالتها، فوصفت الأموال قائلةً: ﴿أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ فالأموال قد جعلها الله للجماعة، يعني أنه استخلف الجماعة عليها، لا ليُبذّروها أو يُجمّدوها، وإنما ليقوموا بحقّها ويستثمروها ويحافظوا عليها، فإذا لم يتحقَّق ذلك من طريق الفرد، فلتقم الجماعة بمسؤوليَّتها([414]).
2 ـ على الصعيد الاجتماعي: الإنسان، الموقع والأدوار([415]):
الإنسان خليفة الله على الأرض ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ([416]).
وهذا الاستخلاف استخلاف للجنس البشري، وليس لشخص آدم، نستنبطه من هذا النصّ أولاً، بدليل تخوُّف الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾([417])، فالذي تتوقع منه الملائكة هذا ليس هو آدم، وإنما هي الآدمية، الجنس البشري … وثانياً: من النصوص المشتركة في الموضوع أيضاً: ﴿إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾([418]). ﴿وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾([419]).
ـ وأول ما يترتب على هذا الاستخلاف؛ تحمّل الإنسان لأعباء الخلافة، بوصفها أمانةٍ عظيمةٍ ينوء الكون كله بحملها: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾([420]).
ـ وعلى أساس الخلافة سيتفرَّع الحكم: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾([421]).
ـ ولكن لمَّا كانت الجماعة البشرية هي التي مُنِحت هذه الخلافة، فهي إذن المكلفة برعاية الكون، وتدبير أمر الإنسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية.
ـ وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة وهو أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون، وإعماره اجتماعياً وطبيعياً.
ـ وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفةٍ عن الله.
وعملية الاستخلاف الربَّاني بهذا المفهوم الواسع تعني:
1 ـ انتماء الجماعة البشرية إلى محورٍ واحد، وهو المستخلِف، الله تعالى، والإيمان بسيِّدٍ واحدٍ ومالكٍ واحدٍ للكون، وهذا هو التوحيد الخالص الذي قام على أساسه الإسلام، وحملت لواءه كل ثورات الأنبياء.
2 ـ تحرير الإنسانية من عبودية الأسماء التي تمثَّل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت … ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾([422]).
3 ـ تجسيد روح الأُخوة العامَّة في كل العلاقات الاجتماعية بعد محو ألوان الاستغلال والتسلُّط. فالناس جميعاً متساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا إخوةً متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق، كأسنان المشط على ما عبَّر الرسول الأعظم، ولا تفاضل ولا تمييز في الحقوق الإنسانية.
4 ـ الاستخلاف استئمان، كما تقدم، والأمانة تفترض المسؤولية، فلا بد أن يدرك الإنسان أنه مسؤول لينهض بأعباء الأمانة: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾([423]).
والمسؤولية علاقة ذات حدَّين:
فهي من ناحيةٍ تعني الارتباط والتقيُّد، فالجماعة المخوَّلة من قبل الله تعالى مسؤولية أن تحكم بالحق، وتؤدي إلى الله تعالى أمانته بتطبيق أحكامه … بتطبيق الحق والعدل ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك.
وتعني المسؤولية من ناحية أخرى أن الإنسان كائن حرٌّ، إذ بدون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية … فالمستخلف هو الكائن الحرُّ المختار الذي بإمكانه أن يصلح في الأرض وبإمكانه أن يُفسد أيضاً، بإرادته واختياره يحدد ما يحققه من هذه الإمكانات … ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾([424]).
هذه هي الحقيقة التي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة وإمكانية انحرافها.
غير أن الصواب هو أن هذه الحرية لا تعني إهمال الله تعالى للإنسان، بل تعني تغيير شكل الرعاية الإلهية، فبدلاً من الرعاية من خلال قانونٍ طبيعيٍّ لا يتخلَّف؛ كما تُرعى حركات الكواكب مثلاً، يتولَّى الله سبحانه وتعالى تربية هذا الخليفة وتعليمه لكي يصنع الإنسان قدره ومصيره وينمِّي وجوده على ضوء هدىً وكتابٍ منير.
فالله تعالى قد وضع للإنسان قانون تكامله من خلال خطٍّ آخر يجب أن يسير إلى جانب، «خطِّ الخلافة»، وهو «خطُّ الشهادة» الذي يمثِّل القيادة الربانية والتوجيه الرباني على الأرض …
﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾([425]).
وهكذا تكون الخلافة الربانية للجماعة قادرة وفقاً لركائزها المتقدِّمة أن تقضي بطبيعتها على كلِّ العوائق المصطنعة والقيود التي تجمد الطاقات البشرية وتهدر إمكانات الإنسان، وبهذا تصبح فرص النمو متوفِّرةً توفُّراً حقيقياً.
والنموُّ الحقيقي في مفهوم الإسلام: أن يحقق الإنسان، الخليفة على الأرض، في ذاته تلك القيم التي يؤمن بتوحُّدها جميعاً في الله عز وجل، الذي استخلفه واسترعاه أمر الكون، فصفات الله تعالى وأخلاقه؛ من العدل، والعلم، والقدرة، والرحمة بالمستضعفين، والانتقام من الجبَّارين، هي مؤشرات للسلوك في مجتمع الخلافة، وأهداف للإنسان الخليفة، فقد جاء في الحديث: «تخلَّقوا بأخلاق الله» …
ولما كانت هذه القيم على المستوى الإلهي مطلقة ولا حدَّ لها، وكان الإنسان الخليفة كائناً محدداً، فمن الطبيعي أن تتجسد عملية تحقيق تلك القيم إنسانياً في حركةٍ مستمرةٍ نحو المطلق وسيرٍ حثيثٍ إلى الله، وكلما استطاع الإنسان من خلال حركته أن يتصاعد في تحقيق تلك المُثل ويجسِّد في حياته بصورةٍ أكبر وأكبر عدالة الله وعلمه وقدرته وجوده ورحمته ورفضه للظلم والجبروت، سجَّل بذلك انتصاراً في مقاييس الخلافة الربَّانية واقترب نحو الله في مسيرته الطويلة التي لا تنتهي إلا بانتهاء شوط الخلافة على الأرض.
﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾([426]).
فالخلافة إذن حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوة، وهي حركة لا توقُّف فيها، لأنها متجهة نحو المطلق وأيُّ هدفٍ آخر للحركة سوى المطلق، سوى الله سبحانه وتعالى، سوف يكون هدفاً محدوداً، وبالتالي سوف يجمِّد الحركة ويوقِّف عملية النمو في خلافة الإنسان.
وعلى الجماعة التي تتحمَّل مسؤولية الخلافة أن توفر لهذه الحركة الدائبة كل الشروط الموضوعية، وتحقق لها مناخها اللازم، وتصوغ العلاقات الاجتماعية على أساس الركائز المتقدمة للخلافة الربانية.
3 ـ على الصعيد الاجتماعي: سنن التاريخ
تناول في بحثه المفصَّل «سنن التاريخ» من جوانب عديدةٍ على أنها القضية الحاسمة في حركة التاريخ.
وفي البدء يبرز تأكيد القرآن على أهمية التجربة التاريخية وقيمتها، في مثل قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾([427]). ونظيراتها الكثيرة التي يتبلور من مجموعها المفهوم القرآني الذي يقرِّر «أن الساحة التاريخية مثل كلِّ الساحات الكونية الأُخرى لها سنن وضوابط». وهذا المفهوم القرآني يُعتبر فتحاً عظيماً، لأن القرآن الكريم أوَّل كتابٍ عرفه الإنسان ضمَّ بين دفَّتيه هذا المفهوم.
لقد ألغى الإسلام، بهذا المفهوم، النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث … وهذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهَّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرونٍ إلى محاولة فهم التاريخ فهماً علمياً([428]).
في خطوة أُخرى يعطي القرآن الكريم فكرة «سنن التاريخ» بصيغتها الكلِّية …
﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾. فهنا أُضيف الأجل إلى الأُمَّة، لا إلى الفرد، فالأُمّة إذن لها حياة وحركة وأجل وموت …
وأيضاً فهو أجل مضبوط محدَّد وفق نواميس معيَّنة ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾([429]). فهذه الآية تتحدَّث عن عقابٍ دنيوي، عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أُمَّة عن طريق الظلم والطغيان.
والذي يؤكّده في العرض الإسلامي أن مثل تلك النتيجة الطبيعية للظلم لا تختصُّ بالظالمين وحدهم، بل تمتدُّ إلى أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم … تشمل موسى حين وقع التيه على بني إسرائيل بتمرُّدهم وطغيانهم … وتشمل الحسين حين حلَّ البلاء بالمسلمين نتيجة انحرافهم.
وهذا هو منطق سُنَّة التاريخ: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾([430]).
ـ في الخطوة الثالثة تتقدم النظرية إلى استعراض نماذجٍ من سنن التاريخ، ومن هذه النماذج:
أ ـ ما نجده في قوله تعالى: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا﴾([431]).
فالآية تقول إن عملية معارضة الملأ للرسل إذا بلغت إلى مستوى إخراج النبيِّ من البلد، فلا يلبثون بعده إلا قليلاً. وتؤكد الآية أن هذه سُنَّة ثابتةً من سنن التاريخ.
غير أن المقصود من عدم لبثهم ليس محصوراً في فنائهم العاجل من الوجود، فهو قد يكون كذلك، كما حدث مع قوم نوح، ومع قوم إبراهيم، ومع قوم لوط، ومع قوم موسى … لكنه قد يتخذ نحواً آخر فيُراد به: عدم مكثهم كجماعةٍ صامدةٍ ذات موقعٍ اجتماعي، كما حدث لقريش، إذ تداعى كيانهم بغلبة الإسلام وانصهارهم في دولته([432]).
ب ـ في قوله تعالى: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإي المرسلين﴾([433]).
فهنا حديث عن تجارب تاريخيةٍ سابقة، وعن ربط تجربة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التاريخية بالتجارب السابقة، في سُنَّةٍ تاريخيةٍ جاريةٍ عليه كما جرت على من سبقه من النبيِّين، مفادها: أن الله تعالى ينصر رسله في معادلةٍ ثابتة، متى تحقق شرطها تحقق جزاؤها، وشرطها (الصبر، والثبات). وهذه المعادلة التي تحققت مع التجارب السابقة هي بعينها جاريةً مع هذه التجربة، بلا استثناء، ولا خروج على السُنَّة التاريخية([434]).
وترد هذه السنة أيضاً في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾([435]).
ج ـ في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([436]).
هذه الآية الكريمة تقرِّر ـ أولاً ـ قاعدةً، تقول: إن المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة في البناء الاجتماعي، وأن الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي.
ثم تقرر ـ ثانياً ـ سنةً ثابتةً تقول: إن هذا البناء العلوي لا يتغير إلا وفقاً لتغيير القاعدة([437]).
د ـ ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا* وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾([438]).
إذن هناك علاقة معينة بين ظلم يسود ويسيطر، وبين هلاكٍ محتوم، وأن هذه العلاقة مطَّرة على مرّ التاريخ.
وفي الاتِّجاه المقابل يحدِّثنا قوله تعالى: ﴿وألَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾([439]). عن العلاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله تعالى، وبين وفرة الخيرات وكثرة الإنتاج، ليؤكد أن تطبيق شريعة السمحاء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع يؤدِّي دائماً وباستمرار إلى زيادة الإنتاج وإلى كثرة الثروة. هذه إذن سُنَّة من سُنن التاريخ تقابلها تلك السنة التي ربطت بين الظلم وبين الهلاك([440]).
طبيعة السُنن التاريخية:
يكتشف الصدر أن هناك ثلاث خصائص للسُّنن التاريخية كما يعرّفها القرآن الكريم، هي:
أولاً: الاضطراد: أي أنّ السُنَّة التاريخية مضطردة، ذات طابعٍ موضوعي.
وفي هذه الخاصية تأكيد هامٌّ على الطابع العلمي للقانون التاريخي، لأنَّ الاطِّراد وعدم التخلُّف هو أهمُّ ما يميِّز القانون العلمي عن بقية المعادلات والفروض، وبهذا يلغي القرآن الكريم التصوُّرات الساذجة والعشوائية لسير التاريخ.
ثانياً: الربانية: أي أن السُنَّة الربانية مرتبطة بالله تعالى «سُنَّة الله».
وهذا يستهدف أمرين هامَّين:
أ ـ شدَّ الإنسان بالله تعالى حين يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون.
ب ـ إشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية والقوانين والسنن المتحكمة في هذه الساحات لا يعنيان انعزال الإنسان عن الله تعالى، لأنه إنما يمارس قدرته من خلال هذه السُنن، وهذه السُنن هي إرادة الله، وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.
وفي هذا إلغاء (التفسير اللاهوتي للتاريخ) الذي تبنَّته بعض مدارس الفكر اللاهوتي، على يد عددٍ من المفكِّرين المسيحيين واللاَّهوتيين، من أمثال أُغسطين، والذي يربط الحادثة بالله تعالى قاطعاً صلتها مع بقية الحوادث ومع السُنن الموضوعية للساحة التاريخية.
والقرآن الكريم بلغ في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسُنن التاريخية أن أناط نفس العمليات الغيبية في كثيرٍ من الحالات بالسُنَّة التاريخية نفسها، فالإمداد الإلهي الغيبي الذي يسهم في كسب النصر جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسُنَّة التاريخية ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾.
﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾([441])، فالإمداد الإلهي الغيبي مشروط بسُنَّة تاريخية ﴿وإن تصبروا وتتقوا﴾. وهكذا يقوم تفسير التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم.
ثالثاً: الاتِّساق مع حرية الإنسان: يؤكد القرآن أن إرادة الإنسان هي المحور في تسلسل الأحداث …
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([442]).
﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾([443]).
﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾([444]).
إذن لاختيار الإنسان موضعه الرئيس في التصور القرآني لسُنن التاريخ([445]).
ويظهر جليًّا دور الإنسان الحرّ في التاريخ في كافَّة السُّنن التاريخية التي عرضها القرآن الكريم على شكل «القضية الشرطية» أي الشرط والجزاء … فهذه السنن تلعب دوراً عظيماً في توجيه الإنسان حين تعرِّفه بإمكاناته الحرَّة إزاء الجزاء، فما عليه إلا أن يوفِّر شروط القانون ليأتي الجزاء مناسباً لفعله الحرّ.
الظواهر التي تدخل في سُنن التاريخ
دائرة السنن النوعية للتاريخ في فلسفة السيد الصدر تكون منحصرة بالفعل المتميِّز بظهور علاقته بغايةٍ وهدف. أي ما تظهر فيه «علَّة غائية» ثُمَّ يكون له أثر يتعدى حدود العامل الفردي إلى المجتمع … فالأعمال التجارية والسياسية والفكرية والحربية أعمال تاريخية لأنها اتخذت من المجتمع أرضيةً لها … مثل هذه الأعمال هي التي تحكمها سُنن التاريخ.
أما حدث تاريخيٍّ مثل وفاة أبي طالب وخديجة في عامٍ واحد، فمع ما له من أثرٍ في التاريخ، إلا أنه راجع إلى قوانين فسلجية، وليس إلى السُنن التاريخية.
الخلاصة
تتلخَّص رؤية الشهيد الصدر في فلسفة التاريخ بالنقاط الآتية:
ـ إن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في حركة التاريخ.
ـ وإن حركة التاريخ حركة غائية مربوطة بهدف، وليست سببية فقط، أي أنها حركة مشدودة إلى المستقبل، فالمستقبل هو المحرِّك لأيّ نشاطٍ من أنشطة التاريخ.
ـ والمستقبل معدوم فعلاً، وإنما يتحرك من خلال الوجود الذهني.
ـ وفي الوجود الذهني إذن هو الحافز، والمحرّك، والمدار لحركة التاريخ.
وفي الوجود الذهني يمتزج الفكر والإرادة … وبامتزاج الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل وتحريكه للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
ـ إذن فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان ـ الفكر والإرادة ـ وبين البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعية، أي علاقة سبب بمسبِّب، فكلُّ تغيُّرٍ في البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع إنما هو مرتبط بتغيُّر المحتوى الداخلي([446]).
وأخيراً: في كلِّ هذه النماذج، لسنا نقف على الجهد الإبداعي في اكتشاف النظرية القرآنية في الموضوعات المتعددة، وحسب، بل ندرك كيف تتعانق النظرية القرآنية، وفق الفهم الصحيح لأهداف الشريعة ومقاصدها، مع الحياة، لتحقِّق دورها في التغيير والحركة التصاعدية، التكاملية، والتي من خلالها فقط تتجلى حقيقة صلاحية الإسلام لكلِّ زمانٍ ومكان.
وهناك تطبيقات واسعة لهذا المنهج يتركَّز أكثرها في ثلاثةٍ من كتب الإمام الشهيد، وهي:
1 ـ المدرسة القرآنية ـ أو ـ السُنن التاريخية في القرآن الكريم.
2 ـ المدرسة الإسلامية ـ الإسلام يقود الحياة.
3 ـ اقتصادنا.
ولا بدّ في الختام من الوقوف عند مزيَّةٍ شاخصةٍ في دراسات السيد الشهيد كافَّة، وفي الميادين كلّها، المزيَّة التي تشكو غياباً حقيقياً في الواقع الإسلامي، وأيضاً على مستوى الفقه التقليدي، الفردي التجزيئي:
تلك هي المنزلة الكبرى التي يحظى بها الإنسان والمجتمع في الفكر الإسلامي وأُطروحات الإسلام في مجالات الحياة كافة … فالدفاع عن الإنسان وحماية حقوقه الخاصَّة، والدفاع عن حقوق المجتمع، ومصالحه العامة، تكاد تشكل المحور الأساس في جلِّ دراسات السيد الصدر، إن لم نقل كلّها.
… وهكذا تبرز أهمّية هذا المنهج الموضوعي ـ التوحيدي (أو فقه النظرية) في كونه الأسلوب الأمثل علمياً وفقهياً من أجل صياغة منهجيةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ، وتأصيلٍ إسلاميٍّ لجميع أوجه النشاط المعرفي.
فهو لكلِّ ذلك جدير بدراساتٍ أكثر تفصيلاً وعمقاً، لتفتح أبوابه الواسعة لاستيعاب كلِّ ميادين المعرفة، وكلِّ متطلِّبات الحياة من تنظيرٍ وتقنين.
* * *
المشروع السياسي
مدخل في الفكر السياسي الإسلامي
الحديث والمعاصر
منطقياً، يتأثر الفكر السياسي في الإسلام بمصدرين رئيسيين؛ أولها: المصدر التشريعي، المتمثل بالكتاب والسنة، أسوة بغيره من العلوم والمعارف الإسلامية، والثاني: المسار السياسي الواقعي، لا سيما في الحقب الأولى من تاريخ الإسلام، والتي ينظر إليها وكأنها مصدر للفهم والتشريع معاً، لا سيما عند من يرى أن السياسة أمر دنيوي محض …
لكن الاستقراء يثبت أن العامل الثاني قد ترك أثره بشكل واضح على الفكر السياسي، وعلى امتداد تاريخ الإسلام، حتى بداية العصر الحديث، الذي شهد حركة نهضة إصلاحية متنامية، أولت الفكر السياسي عنايتها بشكل ملحوظ … فالمسار السياسي لنظام الخلافة كان هو المصدر الأهم الذي دارت حوله كتب «الأحكام السلطانية» و«السياسة المدنية» و«نصائح الملوك» عند سائر فقهاء الجمهور على اختلاف مشاربهم المذهبية.
أما عند الشيعة الإمامية فيكاد يكون الفكر السياسي قد انحصر في موضوع الإمامة، وقد أضفت عليه مبررات تاريخية طابع البحث العقدي الأيديولوجي، والذي انحصر مرة أخرى بعد وفاة الإمام الحادي عشر عليه السلام، وفي إطاره العقدي والأيديولوجي نفسه، في ترسيخ مفهوم الغيبة وإثبات حقيقة الإمام الغائب المنتظر، ولم تظهر حتى بدايات عصرنا الحديث دراسات تحاول ترسيم الإطار النظري لمشروع سياسي إسلامي في عصر الغيبة هذا …
ومع بدايات العصر الحديث ولد عنصر جديد لا بدّ له أن يترك اثره بقوة على منحى الفكر السياسي وطبيعته، تمثل هذا العنصر بالتحدي الغربي، سياسياً وثقافياً … فكانت الهيمنة الغربية سياسياً بعداً جديداً في الواقع الإسلامي، حفّز ذوي العقول المشرقة والأذهان المتفتحة صوب البحث عن سبل الاستقلال السياسي من سيطرة غربية لا تدين بدين الإسلام، وهنا يتأتى تحديها الثاني، التحدي الثقافي، فالثقافات الجديدة الوافدة مع المستعمر سوف تترك آثارها على شعوب ضعيفة مغلوبة على أمرها، فلا بدّ إذن من نهضة حقيقية تجنب شعوبنا مخاطر الغزو الثقافي الذي انحدر مع الجيوش المستعمرة انحدار السيل.
من هنا بالفعل كانت الانطلاقة الجديدة، أواخر القرن التاسع عشر، الانطلاقة التي كانت تهدف أولاً إلى التحرر من الغزاة الأجانب، ثم اكتشف روادها على الفور أنهم يصطدمون في دعوتهم هذه بحكام مستبدين من أبناء الشعوب الإسلامية نفسها، صاروا ممثلين للغزاة، نواباً عنهم في حكم الشعوب وقهرها، فبرز مبدأ محاربة الاستبداد، واحتل الموقع المتقدم باعتباره المقدمة الضرورية للاستقلال السياسي والثقافي.
ومحاربة الاستبداد، يعد بحق، مبدءاً جديداً ومعلماً جديداً من معالم الفكر السياسي المطروح لدى فقهاء الإسلام، ذلك أن فقه الأحكام السلطانية والسياسات المدنية قد مكّن لاستبداد الخليفة والسلطان، ومنحه السلطة المطلقة على البلاد والعباد، باعتباره إمام الدين والدنيا، والذي امتلك الكثير من مبررات الاستبداد تحت وطأة فقه الخوف من الفتنة عند الخروج على السلطان مهما أظهر من الفجور، هذا الفقه الذي لم يقف عن الاستحسانات العقلية في حفظ وحدة الدولة والأمة وهيبتها بين الأمم، بل استعار الكثير من النصوص الدينية، وتدرع بها لحماية السلطة المطلقة لخليفة الفرد، والذي سوف يرسم بدوره مستقبل البلاد السياسي نظرياً وعملياً، من خلال طبيعة اختياره لمن سيخلفه في السلطة ….. حتى ترسخ الاستبداد في الذهنية الفقهية، بل والذهنية العامة، وأصبح هو الأصل في نظكام الحكم ….
ولم ينج من هيمنة هذا الفهم حتى فقهاء متمردون مثل ابن تيمية، الذي اعتبر كل خروج على السلطان ـ الجائر ـ شراً عظيماً، ومفسدة كبيرة، ما يترتب عليها من الفساد أكبر مما يترتب عليها من الإصلاح([447])!.
وإذا كان الفقه الشيعي في معزل عن المسرح السياسي العام، لمعارضته المبدئية للسياسة السلطانية في أدوارها المختلفة، فإنه قد انغمس إلى نطاق غير ضيّق في الدائرة نفسها في ظل سلطنة انتصرت للمذهب الشيعي، لكنها لم تكن تختلف عن الدول السلطانية الأخرى، السابقة أو المعاصرة، أعني الدولة الصوفية، التي حظيت بتأييد ومناصرة وتبرير جملة من الفقهاء الذين عاصروها، بل قد استمدت هذه الدولة منهم قوة لم يحظ بها خصمها العثماني من جلّ فقهاء أهل السنّة في تلك الحقبة.
هذا الاستقراء هو الذي يدعونا إلى القول بأن «محاربة الاستبداد» مفردة جديدة دخلت الفقه السياسي الإسلامي، في بواكير نهضته الحديثة ….
ظهر هذا المبدأ بشكل واضح ومكثف في خطاب رائد النهضة الإسلامية الحديثة، السيد جمال الدين الأفغاني، الذي حمل على الاستبداد بقوة، وجعل مقاومته شرطاً لازماً للتحرر من الهيمنة الغربية، سياسياً وثقافياً، وكان مشروعه لمقاومة الاستبداد هو فرض النظم الدستورية، التي تقيد الحاكم بدستور معلوم قد خضع لتصويت الشعب عليه.
والمسلك نفسه سلكه رواد النهضة المعاصرون للأفغاني؛ رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، على اختلافات في سعة الأطروحات وشمولها، وقد أخذت هذه الأطروحة أشمل صورة وأتمّها عند الكواكبي، لا سيما في كتابه «طبائع الاستبداد» والذي انعكست تأثيراته بشكل واضح، بعد تأثيرات الأفغاني، على أطروحة الميرزا النائيني الواسعة، لاحقاً.
وقبل هذا كان للأفغاني تأثيره الواضح على الحركة الدستورية والمشروطة، والتي قادها زعماء دينيون إيرانيون كان للأفغاني معهم صلات ومكاتبات يستحثّهم فيها على هذا النمط من التحرك السياسي([448]).
وقبل الدخول في توصيف بعض المشاريع السياسية، لا بدّ من لفت النظر إلى التأثر بالتحدي الغربي، الذي شكّل هنا حافزاً مهماً لإعادة اكتشاف النظرية السياسية في الإسلام، أو بتعبير أقرب إلى الواقع: إعادة اكتشاف مبادئ إسلامية تقوم مقام المبادئ الغربية الزاحفة …..
يقول خير الدين التونسي: إن التمدن الأوروباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلاّ استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق([449]).
والأمر أكثر وضوحاً عند رفاعة الطهطاوي، الذي رأى: أن مفاهيم فرنسية، مثل: الدستور، والجمهورية، والحرية، تقابلها في المجال الإسلامي قيم: العدل، والإنصاف، والمساواة أو الشورى([450]).
أما السيد رشيد رضا فيكشف بصراحة أن بداية التفكير بالشورى في العصر الحديث لم تكن إلا بتأثير الفكر الغربي الوافد، فكانت إذن عملية إعادة اكتشاف تحت تأثير هذا الضغط، فيقول: لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم ـ المقيّد بالشورى ـ أصل من أصول الدين، ونحن استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشر الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام([451]).
وبعد … فإن أهم الحركات الدستورية التي قادها فقهاء الإسلام كانت حركة «المشروطة» في إيران، والتي كان على رأسها أكابر الفقهاء الإيرانيين سواء منهم المقيمون في العراق ـ النجف، سامراء، كربلاء ـ أو في إيران، والتي انطلقت عام 1905، وتمخضت في العام التالي عن قيام الدستور والمجلس النيابي (الشورى) الذي دخلته شخصيات عديدة من فقهاء الحركة الدستورية، أهمها: الشيخ حسن مدرّس.
ولكي تترشد هذه الحركة، وتأخذ إطارها التنظيري الشرعي، كتب الميرزا حسين النائيني في عام 1909م كتابه الشهير «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي أطرّ الحياة الدستورية بأطر فقهية متينة، لأول مرة في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام.
وبكلام واضح يكشف آية الله الطالقاني عن أن الحكم الدستوري لم يكتشف من قبل فقهاء الإسلام ابتداءً من خلال السبر في مصادر الشريعة، وإنما استفادوه عن الأنظمة الغربية الحديثة: «لم تتبلور فكرة الحكم الدستوري ـ المشروطة ـ في قطر إسلامي، بل وفدت علينا من الخارج، فوجدها علماء الإسلام مفيدة، فتبنّوها، وتقدموا الصفوف الداعية إلى إقامتها، وأصدر بعضهم فتوى بوجوب تأييدها، كما تقدم آخرون صفوف الجهاد من أجلها، لكن فريقاً آخر من العلماء التزم موقف المعارضة، ولهذا فإن أكثر المؤيدين لم يستطيعوا تحديد ما يريدون إثباته من وجهة النظر الدينية، كما أن المعارضين غير المغرضين لم يكن لديهم ما يقال بصورة واضحة»([452]).
هذا بعد أن كتب يعترف بأن «رؤية الإسلام الأصيلة والصافية ـ في النظام السياسي ـ بقيت محجوبة عنا وعن الغير، وما نجده في الكتب من كلام كثير حول الولاية الإسلامية لا يعدو في حقيقته المجادلات الكلامية والمماحكات المذهبية، لكننا لا نستطيع الخروج من هذه المجادلات الطويلة بشيء مفيد على مستوى النظرية القابلة للتطبيق، أو على مستوى خطة العمل التي يقترحها للنظام السياسي»([453]).
فعدم الوضوح هو الغالب حتى عند أنصار الحركة الدستورية والمجاهدين من أجلها، يقول الطالقاني: وفي بواكير الحركة الدستورية كان الهدف المعلن للعلماء والشعب منحصراً في تحديد سلطات الحكومة المستبدة وتحجيم صلاحياتها إلى الحد المعقول … أما الطرف الآخر للمعادلة، أي البديل الذي يطمحون إليه بعد إزالة الوضع الاستبدادي القائم، فقد كان غامضاً عند الأكثرية الساحقة من الناس، لقد انطلقت الحركة من بداية معروفة، لكن أحداً لم يفكر جيداً في تفصيلات الطريق حتى نهاياته، لذلك فإن الغرباء عن الشعب هم الذين قطفوا ثمار التضحيات العظيمة، ومن المؤسف أن النتيجة التي انتهت إليها الحركة الدستورية لم تختلف عن معظم التجارب التي قامت في الشرق …» ([454]).
والذي يعنينا من كلام طالقاني، بعد هذا التوصيف الموضوعي، بدرجة أكبر هو الشهادة العلمية لهذا الكتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي يمثل: «رأي المؤلف، إضافة إلى عدد من أعاظم علماء تلك الفترة، مثل آية الله الملا محمد كاظم الخراساني، وآية الله ميرزا حسين خليل تهراني، وآية الله آقا شيخ عبد الله مازندراني»([455]) وبالفعل فإن اثنين من هؤلاء الثلاثة قد وقّعاً على هذا الكتاب توقيعاً فائق الأهمية.
سنذكر خلاصته بعد استتمام الأهم من كلام طالقاني، الذي أدرك الثورة الإسلامية الإيرانية المعاصرة، وكان من أبرز قادتها، فهو يرى أن في استنتاجات النائيني تعبيراً سليماً من مبادئ الشريعة في الحكومة …
فقد كشف هذا الكتاب ـ بحسب الطالقاني ـ عن الرأي النهائي والرفيع للإسلام، ولا سيما التشيع، في الحكومة، مع الأدلة والأساس([456]).
أما الفقيهان اللذان وقّعا هذه الرسالة لهما: الملا محمد كاظم، الشهير بالآخوند الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، وقد كانا، إضافة إلى مؤلفها النائيني، من كبار فقهاء الشيعة ومراجع التقليد في عصرهم، ومن هنا تأتي الأهمية العلمية لما تتضمنه الرسالة من مشروع.
يقول الآخوند الخراساني، بعد أن وصف هذه الرسالة بأنها «أجلّ من أن تمجّد»: «وحري أن تكون دراستها وتدريسها سبيلاً إلى إدراك أن أصول المشروطية ـ الدستورية ـ مستمدة من الشريعة الحقّة»([457]).
ويؤيد الشيخ المازندراني وصف الآخوند هذه الرسالة بأنها «أجل من أن تمجّد» ويضيف: «وهي كافية لتعزيز اعتقاد المسلمين وتصديقهم وجدانياً بما هو ثابت من أن جميع الأصول والمباني السياسية المستفادة والنابعة من دين الإسلام القويم كافية وفق ما يؤمّل»([458]).
ستمثل هذه الرسالة إذن مرحلة من مراحل الفكر السياسي في الإسلام، على مستوييه السني والشيعي، بناءً على موافقتها التامة لرسالة عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد» التي كانت قد صدرت قبل نحو خمسة أعوام من تاريخ تحرير هذه الرسالة.
ولا بدّ من التأكيد، بناءً على ما تقدم، أن هذه المرحلة هي الأكثر نضجاً في الفكر السياسي الإسلامي حتى وقتها …
مبادئ الرسالة الدستورية
تضمّنت هذه الرسالة مبادئ مهمة، مدعّمة بأدلة عقلية وتاريخية ونقلية، تشكل بمجموعها الإطار النظري لنظام حكم دستوري، وأهم هذه المبادئ:
1 ـ إن أصل قيام السلطة ضرورياً لنظام العالم.
2 ـ إن حفظ شرف وقومية الأمة([459])، مرهون بكون السلطة الحاكمة فيها ممثلة لها، ونابعة منها.
3 ـ تتحدد الوظيفة الأساسية للسلطة في نقطتين:
الأولى: حفظ النظام الداخلي للبلاد، وتنمية المجتمع، وإقامة العدل، والحيلولة دون وقوع الظلم والمفاسد الاجتماعية.
الثانية: التحفّظ من تدخل الأجانب في أمور البلاد، وتهيئة القوة الدفاعية والاستعداد الحربي، وغير ذلك مما يلزم لصيانة الاستقلال([460]).
هذه المبادئ حتى الآن مبادئ عامة، تشترك فيها سائر النظم السياسية، من هنا يذهب إلى تقسيم السلطة في واقعها إلى صورتين: «تمليكية» و«ولايتية» ولا توجد صورة ثالثة. وفي كلا الصورتين هناك صورتان للحكم: «حكم الجور» و«حكم العدل»([461]) وبعد شرح مفصل لطبيعة كل واحد من هذين اللونين والعوامل المساعدة على تحققه في المجتمع، يشرع بوضع «الضمانات»([462]) التي تحول دون «تحوّل السلطة من كونها أمانة، إلى وسيلة للاستئثار والغضب، والحيلولة دون أي انحرافات شهوانية أو ميول من جهة الحاكم لاستعمال القوة المادية للدولة في القمع والاستبداد».
ويقرر بناءً على هذا:
4 ـ إن أرفع تلك الوسائل التي يمكن تصورها، هي العصمة الذاتية في الحاكم، وهو من الأسس التي بني مذهب الشيعة الإمامية على اعتبارها في صاحب الولاية السياسية.
لكن مع غياب المعصوم، والصعوبة البالغة في العثور على حاكم حكيم مستجمع للكمالات في ذاته، يأتي المبدأ الآخر الذي سيشكل محور النظام الدستوري.
5 ـ الدستور، هو أهم الضمانات الفعالة في جعل الحاكم أقرب إلى النموذج الأعلى، والدستور «هو أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد في جهاز الدولة، بمن فيهم الحاكم» ويجب على الدستور «أن يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرّف حقوق الشعب وحرياته، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، باعتبارها موافقة لمقتضيات الدين».
6 ـ إن الأساس في حفظ حدود السلطة هو الالتزام بأحكام الدستور.
7 ـ يستمد الدستور مشروعيته من عدم مخالفة أي بند من بنوده لأحكام الشريعة المقدسة، وتضمّنه جميع ما يلزم لحفظ مصالح الشريعة المقدسة، وتضمّنه جميع ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
وهذه نقطة مهمة للغاية في فهم طبيعة النظم السياسية في الإسلام، فهو لا يشترط أن تكون مواد الدستور مستقاة مباشرة من نصوص الشريعة وأحكامها، وإنما يشترط عدم مخالفتها لأحكام الشريعة، وهذا استيعاب متقدم للفقه السياسي، تميز به الخطاب السياسي الإسلامي في هذه المرحلة.
ومن ناحية أخرى فإنّ الدستور سوف لا يكتسب شرعيته من مجرد عدم مخالفة شيء من مبادئه لشيء من أحكام الشريعة، بل أيضاً من استيعابه ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
8 ـ مجلس الشورى الوطني، أو هيئة المراقبة والمحاسبة، هي الضمانة الثانية لمنع العودة إلى الاستبداد، ولهذا المجلس أحكامه، وهي:
أ ـ «يضم علماء البلاد وحكماءها، من المعروفين بالصلاح، والعارفين بأمور الدولة، ومقتضيات السياسة والقانون الدولي» فليس ثمّة أمر لاشتراط الفقاهة لوحدها.
ب ـ «يعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العملية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني».
جـ ـ يكون أعضاء هيئة الرقابة ومجلس الشورى مسؤولين أمام الشعب عن أعمالهم.
د ـ مشروعية مجلس الشورى:
تكمن المسألة الأساسية هنا في تأصيل هذا الاستنتاج، وقد حققه الشيخ النائيني على مستوى المدرستين الإسلاميتين: «فهي بناء على أصول أهل السنة والجماعة: تابعة لدليل ولاية أهل الحل والعقد، فهم يرون أن رأي أهل الحل والعقد من الأمة ملزم واجب الاتباع. إن انتخاب هذه الهيئة من جانب الشعب هو الذي يعطيها صفة أهل الحل والعقد، ولا نجد من ثمّ داعياً للبحث عن دليل آخر للمشروعية». سنجد لاحقاً أن هذا الاستدلال هو الذي سيعتمده فقهاء أهل سنة في إثبات مشروعية نظام الشورى.
وأما بناءً على أصول المذهب الجعفري «فإننا نعتبر أمور الولاية والنظام في عصر الغيبة من وظائف نوّاب الإمام، وهم الفقهاء المجتهدون. وعليه فإن وجود بعض الفقهاء العدول في المجلس، أو على أقل التقادير الفضلاء المأذون لهم من الفقيه العادل، ثم موافقة الفقهاء على صحة ونفاذ الآراء الصادرة عن مجلس الشورى، يعتبر كافياً لإسباغ المشروعية على المجلس».
وفي هذا النص نقاط جديدة، وجديرة بالإبراز، فهذه النظرية تؤمن، أولاً، بالولاية العامة للفقيه المجتهد، ولكنها، ثانياً، لا تشترط كونه ـ الفقيه المجتهد ـ على رأس السلطة، بل تكتفي بتأييده ومصادقته على مقراراتها.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أمرين يتعلقان بتيك النقطتين؛ فالولاية العامة للفقيه، لم تكن كلمة إجماع عند فقهاء الإمامية في تلك المرحلة، ولا بعدهأ، ناهيك عما قبلها حيث كان الوعي السياسي دون هذا المستوى بكثير … وأيضاً فإن من يقول بولاية الفقيه، يشترط رجوع الأمور الرئيسية في الدولة إليه، بل يعطيه الموقع الأعلى في السلطة، كما هو عند الإمام الخميني والسيد الصدر لاحقاً، مع وجود بعض الاختلافات في المبدأ وفي مساحة الصلاحيات التي ستكون عند الإمام الخميني أعلى منها عند الصدر الذي ذهب إلى التوفيق بين ولاية الفقيه والشورى.
إن المستفاد من نظرية النائيني، والموقّعة من أبرز مراجع عصره، هو إمكانية الفصل بين السلطتين؛ الدينية والسياسية، بشرط رجوع الأخيرة إلى الأولى، الأمر الذي تتوقف عليه شرعية السلطة السياسية التي لا يتزعمها الفقيه المجتهد العادل.
لكن الذي يقلل من قيمة هذا الاستنتاج أن أصحاب هذه النظرية، كانوا ينظرون إلى أحكام الضرورات، في حال عدم تمكن «نواب الإمام» من القيام بواجباتهم، إذ «مقام الولاية مستلب من نوابه العامين، بحيث لا يستطيعون القيام بوظيفتهم، أو أنهم لا يقدرون على استرجاعها واستنقاذها من الغاصب» فالسلطة المفترضة هنا هي سلطة غاصبة، وإنما وضعت هذه النظرية لتحديد سلطاتها، فبعد مناقشة منطقية وفقهية للتكليف في هذه الأحوال ينتهي إلى تقرير «أنه لا مجال للتشكيك في وجوب تحويل السلطة الغاصبة من الصورة الأولى ـ التملك ـ إلى الصورة الثانية ـ الولاية ـ عند توفر القدر للمكلفين …
«فحقيقة التحويل والتبديل للسلطة الجائرة إذن، هي تحديد سلطة الجائر، وردعه عن ظلم الناس، وليس إزالة أحد مصاديق الظلم ووضع مصداق آخر محله».
ومع هذا فإن ثمة إمكان لإسباغ الشرعية على سلطة الغاصب، وتحويلها إلى سلطة شرعية «إذا صدر به الإذن ممن له الولاية الشرعية، بل يمكن أن يكون إذن صاحب الولاية الشرعية سبيلاً إلى إخراجه من صفة الغصب، فلا يعود المتصدي غاصباً أو ظالماً لمقام الإمامة والولاية»([463]).
وهنا تعود لتتجسد قضية إمكان الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، شريطة حصول الأخيرة على إذن الأولى، صاحبة الحق الأصيل في الولاية.
ـ كما تتجلى النتيجة الأخرى الفائقة الأهمية هنا، وهي إمكان التعامل من منطلقات الشريعة الإسلامية مع سلاطين الجور، إذا ما استجابوا لمطالب الأمة في إقامة دستور واضح، وإقامة الحياة النيابية … وهذا المبدأ هو الذي تبنته سائر الحركات الإسلامية المعاصرة واللاحقة، سنية وشيعية، على السواء. فلا محل فيه للحدّية الفاصلة بين حكم إسلامي صالح، وآخر طاغوتي فاسد لا يمكن إصلاحه …
9 ـ فقه «رأي الأكثرية»: تعطي هذه النظرية رأي الأكثرية مشروعيته، اعتماداً على قضيتين:
الأولى: كونه لازماً للشورى … وقد ثبت سابقاً أن إقامة مجلس شورى ضرورة لازمة للحؤول دون الاستبداد، فإذا ثبتت مشروعية الشورى، وهي كذلك، فإن لازمها ثابت، ليس فيه كلام.
والثانية: لقاعدة الأخذ بالترجيحات عند التعارض؛ وقد جرى العقلاء على اعتبار تأييد الأكثرية لأحد الأطراف أقوى المرجحات النوعية، عندما يدور الخيار بين طرفين يتساويان في المبنى والدليل … كما أن أخذ الطرف الذي يراه أكثرية العقلاء، أرجح من الأخذ بالشاذ من الآراء … وهو هنا أيضاً يستعين بالحديث، وبالسيرة النبوية وسيرة الإمام علي، التي كان الرجوع فيها إلى رأي الأكثرية حقيقة لا غبار عليها([464]).
هكذا تتلخّص هذه النظرية المفصلة، والتي أعطيناها هذا القدر من الاهتمام لأهميتها التاريخية الفائقة، إضافة إلى أهميتها العلمية الظاهرة، فهي أكمل مشروع تنظيري لنظام الحكم في الإسلام حتى وقتها، بل وبعد وقتها بزمن غير قليل.
وقفتان
وقبل مغادرتها نتوقف عند نقطتين جديرتين بالتوقف:
أولاهما: ملاحظة مهمة، ستأتي إشارة لاحقة لها، وهي تقارب الخطاب الإسلامي، السني ـ الشيعي، في المجال السياسي، وغياب النزعة الطائفية عند الإصلاحيين الذين يحملون هموم الأُمة ويناضلون من أجل استقلالها وكرامتها وعلو مجدها، ففي خطاب هذا المجتهد الشيعي الكبير نجد من الشواهد على هذه الظاهرة الشيء الكثير مما لا نجده عند الفقهاء التقليديين الذين يعيشون أهدافاً محدودة.
فهو- أولاً- يذكر «أهل السنة والجماعة» بهذا العنوان، ويكرّره في مواضع الحاجة، ولا يستخدم اصطلاح «أبناء العامة» السائد لدى فقهاء الأنماط المحدودة.
ثم هو- ثانياً – يذكر آراءهم بكل احترام، ويجعل منها مستنداً إلى تصحيح النتائج المستخلصة وفق متبنياتهم، أيضاً، ليفتح باباً واسعاً للتقارب الفعال بين الفريقين.
وهو- ثالثاً ـ يستعرض المواقف الإيجابية، ويركّز على الفقه السني الذي تحرّر من أطر الأحكام السلطانية القديمة، بل لا يثير إلى تلك الأحكام القديمة، فيقول في نص طويل نسبياً: «أما بناء على أصول أهل السنة الذين لا يعتبرون التنصيب الإلهي ولا العصمة في ولي الأمر، بل أقاموا الولاية على انعقاد بيعة أهل الحل والعقد لشخص معين، فإن الولاية عندهم مشروطة بعدم تجاوز حدود ما أقرّه الكتاب المجيد والسنة المطهرة، بل اعتبروا هذا الشرط لازماً في عقد البيعة، كما قالوا بأن مخالفة الكتاب والسنة، أياً كان مقدارها، منافية لشروط البيعة والولاية، وهم متفقون على وجوب الحيلولة دون هذا التجاوز»([465]).
ويذهب إلى أكثر من هذا حين يعتبر «تحويل السلطة الإسلامية من الولاية إلى الاستبداد فقد جرى على يد معاوية بن أبي سفيان، الذي باستيلائه على نظام السلطة انتهى عصر الخلافة الإسلامية، وأصبح النظام الحاكم مِلكاً يتوارثه الأبناء بعد الآباء ضمن العائلة الواحدة»([466]).
ولا يخفى تطابق هذه الرؤية السنية لنظام الخلافة، والتي قامت على اعتبار أن الخلافة كانت ثلاثين عاماً، ثم أصبحت ملكاً عضوضاً، على يد معاوية بن أبي سفيان.
بل ستجد عند النائيني ما هو أكثر من هذا أيضاً، حيث يفرد في رسالته فقرة تحت عنوان «إطلالة على التاريخ» ليسوق ضمنها شواهد تاريخية على رقابة الأمة، ونظام الولاية التي تلتزم بمبدأ الرقابة هذا وتجتنب الاستبداد بألوانه، فتكون مادته مستوحاة من حياة عمر بن الخطاب أيام خلافته، في نماذج من سيرته تؤكد «فاعلية الحرية والمساواة» في «تجربة الأسلاف» قائلاً في النهاية: «ونستطيع الادعاء بأن الخليفة، شأنه شأن بقية الحضور، قد داخله السرور حينما سمع هذا الجواب([467])، لما ينطوي عليه من تأكيد على استقامة الأمة ووعيها بمضامين العلاقة بينها وبين الحاكم، وتمسكها بحقها الثابت في الرقابة على عمل الوالي ومحاسبته على سياسته، إن سرور الطرفين هو تعبير عن إيمانهما بحقيقة أن استمرار حاكمية الإسلام مرهونة باستمرار الولاة في الالتزام بواجباتهم ومسؤوليتهم تجاه شعبهم»([468]).
وأما النقطة الثانية، فهي الوعي الدقيق لظاهرة الاستبداد الديني ومخاطرها، وقد أفرد فقرة بعنوان «الاستبداد الديني ـ والاستبداد السياسي»([469]).
مشيراً دون تصريح إلى سبق الكواكبي بهذا التقسيم، مؤكداً أن خطورة الاستبداد الديني أكبر بكثير من توأمها السياسي، وإن التخلص منه أشد صعوبة … مسلطاً الضوء على الارتباط الوثيق بين نوعي الاستبداد هذين …
ثم يعود ليفرد للاستبداد الديني فقرة خاصة([470])، مؤكداً قساوته «بل لعل علاجه من الممتنعات»! معرّفاً بأن حقيقته: عبارة عن إلقاء عباءة الدين على الرغبات والإرادات الشخصية البحتة لبعض المتلبسين بزي العلماء، الذين استغلوا جهل الأمة بنفسها وجهلها بمقتضيات دينها، فأوهموها بأن ما يدعونها إليه هو الدين الحنيف الذي يجب اتباعه وطاعتهم فيه … وقد علمت أن هذه الطاعة والاتباع من مراتب الشرك بالله الواحد القهار …».
ثم يقسم أهل الاستبداد الديني إلى طائفتين، ليأتي معاوية أيضاً على رأس الطائفة الأولى التي كانت مزيتها أنها «تمارس التحريف والتدجيل عن سابق علم وإصرار» …
أما الطائفة الثانية؛ فيمثلها «أولئك العلماء الذين عرفوا مواقع الحق والباطل، لكنهم اختاروا اعتزال الميدان والسكوت عن كلمة الحق … وخداع أغبياء الأمة بإظهار هذا الاعتزال وكأنه من مصاديق الزهد في الدنيا».
وبعمل هاتين الفئتين: « تدليس عباد الدنيا من جهة، واعتزال المتنسكين وسكوتهم من الجهة الأخرى، فقد استحكم بناء الاستبداد في الأمة».
ثم يعود ثالثة إلى «الاستبداد الديني» في فقرة أخرى مستقلة من أجل وضع سبل الوقاية منه ومعالجته، معبراً عنه بأنه «داهية الدواهي»([471]).
بعد النائيني: كانت الحيلولة دون الاستبداد، بنوعيه ـ الديني، السياسي ـ وضمان تحقيق القدر الأكبر من العدالة والمساواة، وإضفاء الشرعية على نظام الحكم، قد مثلت الأهداف الأساسية لتلك النظرية المهمة، ومحاورها الكبرى …
وقد تخلّص منها إلى إمكان العمل السياسي مع السلطان، بغض النظر عن الطريق الذي سلكه إلى السلطة، عن طريق فرض الدستور ومجلس الشورى.
هذه الأطروحة هي التي صبغت العمل السياسي الإسلامي بعد تلك المرحلة زمناً غير قصير، فقد قامت ثورة 1920م في العراق على الأساس نفسه، وقد شارك في قيادتها مراجع وزعماء دينيين وإسلاميون وطنيون ورؤساء عشائر، اختصروا أهدافهم بعد التحرر السياسي من الهيمنة البريطانية بإقامة الدستور والمجلس النيابي، ولهذه المرحلة نصيب آخر من الكلام في موضع لاحق.
وحركة الأخوان المسلمين في مصر، رغم تبنّيها مبدأ إقامة الدولة الإسلامية التي يكون فيها الحكم المطلق للشريعة، قد عملت على هذا الصعيد كثيراً، ولعلّ أبرز ما يشهد لعملهم بهذا الاتجاه هو قيادتهم التظاهرات الشعبية الكبيرة في آذار 1954م، ضد القرار الذي أصدره جمال عبد الناصر بعزل محمد نجيب عن جميع مناصبه، إثر إعلان الأخير عن استجابته لمطالب الشعب بإقامة مجلس نيابي تُحكم البلاد عن طريقه، فانطلقت في القاهرة تظاهرات عظيمة طوّقت قصر عابدين الذي كان فيه عبد الناصر، وهي تطالب بعودة محمد نجيب وإمضاء العمل من أجل الحياة البرلمانية، ولم تنتهِ إلاّ برضوخ عبد الناصر لهذين المطلبين، وإن كان قد عاد ليلتف عليهما بدهائه السياسي، سريعاً([472]).
الشورى في إطارها النظري: الدعوة إلى اعتماد الشورى في نظام الحكم اشترك فيها الفكر السياسي الشيعي والسني معاً، لكنها في الإطار الشيعي الذي وضعته نظرية النائيني، والذي يتفق مع كل نظرية تقوم على اعتماد مبدأ «ولاية الفقيه» تتحدد ـ الشورى ـ بمجلس الشورى وهيئات المراقبة، أما في الإطار السني فتبلغ ذروتها في انتخاب رأس السلطة نفسها، مع ما تحتفظ به من دور على الأصعدة الأخرى.
ولقد اتخذت هذه النظرية صياغتها المتكاملة على يد فقيه سني كبير، هو شيخ الأزهر، الشيخ محمود شلتوت، الذي أفرد لها حقلاً خاصاً في كتابه «من توجيهات الإسلام»([473]).
أثبت في البدء ضرورة قيام الدولة المستقلة في الإسلام، ثم جعل الشورى أساساً لنظام الحكم، وقد حقق فيها نتائج بالغة الأهمية في الفكر السياسي، أهمها المبادئ التي ستقوم عليها نظرية الشورى بأسرها، وهي:
1 ـ السيادة لله؛ وهو مبدأ تلتقي عليه كافة الأطروحات السياسية في الإسلام.
2 ـ الأمة مستخلفة، وحق السيادة لها بالتبعية؛ إذ الأصل أن السيادة المطلقة لله تعالى، فهو تعالى «جعل الحكم حقاً له في الأصل، وللأمة المستخلفة بطريق التبعية».
وتحديد هذا المبدأ هو الذي يحسم الأمر، فإذا كانت السيادة للأمة المستخلفة من قبل الله تعالى، فهي التي تختار من سيكون حاكماً عليها في كل حين، وتراقبه بالأدوات المشروعة، وتعزله إذا ما اقتضى الأمر([474]) ….
3 ـ الخليفة وكيل عن الأمة؛ فقد جعل الإسلام «الحكم حقاً للأمة التي استخلفها في الأرض واستعمرها فيها، ومنحها وصف السيادة عن هذا الطرق على كل فرد منها، ولو كان حاكماً»([475]).
ومن هنا فإن «من حق هذه الأمة المكلفة أن تختار من يباشر سلطتها نيابة عنها، فرداً أو جماعة، ما دامت لا تستطيع مجتمعة مباشرة تكاليفها، اختياراً يقوم على الرضا وتوخّي المصلحة، دون قهر ولا خديعة».
والحاكم هنا وكيل ويخضع لما يخضع له الوكيل في سائر العقود، من رقابة الأصيل الذي يحدد له كل تصرفاته»([476]). فالحكومة هي عملية «تعاقد بين الأمة وحاكمها ـ الخليفة ـ يتمثل في البيعة على كتاب الله وسنة رسوله وصالح المؤمنين، وتعهده هو بالتزام ذلك، فإذا أخلّ بالعقد انخلع من الحكم، أو خلعته الأمة ولو بالقوة»([477]).
هنا تتجلى سيادة الأمة بشكل واضح، وهنا أيضاً يصبح تمرد الأمة وخروجها على السلطان الجائر أو الفاسق أمراً مشروعاً، بل لازماً عليها، أداء لمسؤوليتها في الاستخلاف؛ فمن آية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ «ينشأ التضامن الجماعي بين الأمة، وتنشأ مسؤولية الجماعة من أمورها كافة، وتحمل من تبعة فساد أمرها مثل ما يحتمله الحاكم الذي جرى الفساد على يديه، إن لم تكن مسؤوليتها أكبر وأخطر»([478]).
ويعزز هذا المبدأ المهم في موضع آخر، وهو يلخص المبادئ الإسلامية للحكم، فيقول في المبدأ السابع: «عزل الخليفة للأمة، إن جار وظلم وظهر غشمه ولم يرعو لناصح أو زاجر، فإن رفض العزل عزلته بالقوة، ولو أدى ذلك إلى نصب الحرب وشهر السلاح في وجهه، إذا رأت الأمة ذلك في صالحها»([479]).
وهذه نقلة مهمة في الفقه السياسي السني، تخطّت ما رسمته كتب «الأحكام السلطانية» وشقيقاتها، والتي أدانها الشيخ شلتوت نفسه هنا بقوله: «نجد الفرق واضحاً بينها وبين النظام المثالي الذي تقرّره مبادئ الإسلام العامّة»([480]).
وفي تقرير مبدأ «الحاكم وكيل» يستند شلتوت إلى الإجماع، فيقول: «ويتفق الفقهاء على أن خليفة المسلمين هو مجرّد وكيل عن الأمة، يخضع لسلطان موكّله في جميع أموره»([481]).
يعزز هذا الإجماع، إجماع آخر على «أن موظفي الدولة الذين يعيّنهم الخليفة أو يعزلهم، لا يعملون بولايته، ولا ينعزلون بعزله، باعتباره الشخصي، وإنما بولاية الأمة وعزل الأمة التي وكلته في التولية والعزل … ولهذا إذا عزل الخليفة، لا ينعزل ولاته وقضاته».
ومن هنا أيضاً «نفهم لماذا كان القضاة في صدر الإسلام يحكمون على الخلفاء الذين ولّوهم القضاء، ويسوّون بينهم وبين خصومهم في مجالس القضاء، وينفّذون عليهم أحكام الله … لأن هؤلاء القضاة يفهمون أن الخليفة الذين يحاكمونه إنما ولاّهم بسلطان الأمة، فهم قضاتها لا قضاته».
وهذا ما يتجه إليه جمهور الفقهاء الستة المعاصرين، فقد كانت كلمتهم واحدة في إسناد السيادة في دولة الإسلام إلى الأمة، وأن الحاكم يستمد سلطانه من الأمة، فهي التي تختاره لهذا المقام، وينفون شرعية الأنظمة الثيوقراطية، وبالتحديد نظرية «الحق الإلهي» ويرون أن الذين يقولون بهذه النظرية إنما «يغفلون ما قرّرته أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها من حقوق للأمة الإسلامية في اختيار الخليفة عن طريق البيعة، وحقها في مراقبته هو وولاته وعماله، وحقها في محاسبته ومراجعته، بل وإعلان التمرد عليه إذا ما أمر بمعصية من المعاصي، لأنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق»([482]).
4 ـ الشورى أساس الحكم: بناءً على أدلة الشورى في القرآن الكريم والسيرة النبوية، يستنتج ببساطة أن الإسلام «قرر أن يكون الحكم شورى بين المسلمين، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور المسلمين في أمرهم، وهو بالطبع لا يشاورهم في ما هو من شأن الوحي والتشريع، بل في غيره …
وأهم أمر المسلمين مما لا دخل للوحي فيه هو أمر الحكم، وهو موضع الشورى بينهم، لا يستبد به الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً»([483]).
والاستناد هنا إلى إجماع فقهاء أهل السنة ميسور للغاية، وقد تكفلت به دراسات حديثة عديدة، وهنا خلاصة سريعة لهذه الآراء:
ـ في الفقه الحنفي: يقول الطاهر بن عاشور: ومجموع كلامي الجصاص (ت 370هـ) ـ حول آيتي الشورى ـ يدل على أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.
ـ في الفقه المالكي: يقول ابن خويز منداد المالكي (ت 390هـ): «واجب على الولاة مشاورة العلماء في ما لا يعلمون، وفي ما أشكل عليهم في أمور الدين، ووجوه الجيش في ما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس في ما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء والعمال في ما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها».
وهذا نص بالغ الأهمية بالنظر إلى سبقه التاريخي، فهو يرسم صورة لمجلس شورى قائم على أساس الخبرة والتخصص، وهو ما تعتمده سائر النظم الحديثة كضرورة من ضرورات القيادة والبناء.
وفي نص متقدم أيضاً يقابل ابن عبد البر القرطبي المالكي (ت 464هـ) بين الشورى والاستبداد، فيقول: الشورى محمودة عند عامة العلماء، ولا أعلم أحداً رضي الاستبداد إلا رجل مفتون، مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حَين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق».
ويقول ابن عطية المالكي (ت 546هـ): «إن الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه».
وهو نص واضح على سيادة الأمة على نفسها، التي منحها الله إياها بالاستخلاف، يتضمّن أيضاً التصريح بالإجماع عليه.
ـ وفي الفقه الشافعي: قال النووي (ت 676هـ): «والصحيح عندهم ـ الشافعية ـ وجوبها، وهو المختار، قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو الأصول أن الأمر للوجوب» ثم قال عند هذه الآية في موضع آخر: «ويغني ذلك عن كل شيء، فإنه إذا أمر الله بها ـ الشورى ـ النبي نصاً جلياً مع أنه أكمل الخلق، فما الظن بغيره؟».
وفي الفقه الحنبلي: يقول ابن تيمية: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيّه»([484]).
شكل الشورى: يرى الشيخ شلتوت أن شكل الشورى ومداها «قد ترك للأمة، تشكّله حسب ما يُرى من مصلحتها في كل مكان وزمان».
«فالمبدأ ثابت، دائم، ولا رأي لأحد فيه، ولا تملك الأمة تغييره، لأنه تشريع دائم … والشكل متغير متطور، للأمة الرأي في تغييره وتطويره برأي ذوي العلم والخبرة من بنيها، وهم أولياء أمرها وأهل الحل والعقد فيها»([485]).
نظرية ولاية الفقيه: هي من خصوصيات الفقه السياسي الشيعي، لا سيما الحديث والمعاصر منه، وقد تبناها عدد مهم من الفقهاء على اختلافات في تفاصيل تتصل بمساحة ولاية الفقيه وصلاحياته الشرعية التي يمتلكها بالأصالة في عصر الغيبة …
وقد رأينا كيف أقام الشيخ النائيني نظرته على أساسها، غير أن هذه النظرية أخذت أوضح أشكالها وأتمها عندما تبناها الإمام الخميني ورسم أبعادها، والنظام السياسي القائم مع هذا المبدأ عند الإمام الخميني يتلخص بالنقاط الآتية:
1 ـ إن وجود الحكومة في المجتمع أمر ضروري.
2 ـ ليس لأحد من نفسه حق الولاية على الآخرين، وإنما تحتاج الولاية إلى منشأ مشروعية.
3 ـ الولاية بالأصالة هي حق الله، ولا يملك هذا الحق أحد بدون إذنه، ومن ثمّ فإن مشروعية الحكومة لا تكون إلا بإذن شرعي من جانب الله فقط، والحكومة التي تفتقد للإذن الشرعي هي حكومة غير مشروعة، وطاغوتية.
4 ـ أعطى الله الولاية للأنبياء عليهم السلام ابتداءً، وبالأخص لنبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
5 ـ نُصب الإمام علي عليه السلام للولاية والخلافة من قبل الله، وبإخبار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … وكان للأئمّة المعصومين بعد الإمام أمير المؤمنين الولاية واحداً بعد آخر، وصاحب الولاية العظمى اليوم هو الإمام صاحب الزمان عليه السلام.
6 ـ لقد فوّضت الولاية على المجتمع البشري عصر غيبة الإمام المهدي عليه السلام للفقهاء العدول من قبل الشارع المقدس … واستدل عليها بأدلة عقلية وأخرى نقلية، وأخرى ملفقة بين العقل والنقل.
7 ـ يجب على الفقهاء العدول النهوض والمبادرة لتأسيس الحكومة الإسلامية، وعلى الأمة وجوب نصرتهم واتباعهم.
8 ـ إذا نجح أحد الفقهاء العدول بتأسيس الحكومة الإسلامية وأضحى مبسوط اليد، وجب على بقية الفقهاء اتباعه.
9 ـ الفقيه العادل الذي تعود إليه الولاية في عصر الغيبة، هو نائب الإمام المهدي، وله في أمر الحكومة جميع ما للنبي والأئمّة من اختيارات.
10 ـ لا تتحصر ولاية الفقيه بالأحكام الأولية والثانوية وحسب، بل تتقدم على جميع الأحكام الإلهية الفرعية.
11 ـ تكون ولاية الفقيه ـ المشار إليه في النقاط السابقة ـ ولاية: دائمة، مطلقة، متمركزة، غير قابلة للتفكيك.
12 ـ الولي الفقيه هو منشأ مشروعية النظام، فكل المؤسسات الحكومية والدستورية والقوانين العادية تصير مشروعة بإمضائه.
13 ـ الولي الفقيه مسؤول أمام الله فقط.
14 ـ شأن مجلس الخبراء ـ الذي ينتخب الولي الفقيه ـ الكشف فقط عن النصب الإلهي، أو عن العزل الإلهي في حال تخلّف الشروط، وإلا فمجلس الخبراء نفسه مولى عليه من قبل ولي الأمر.
15 ـ يكون رأي الشعب هو الميزان في المجالات التي يقدر فيها الولي الفقيه وجود مصلحة للنظام([486]).
والفروق بين هذه النظرية وبين نظرية الشورى فروق جوهرية واضحة، فالأمة بحسب نظرية الشورى هي التي تمنح الحاكم، فقيهاً كان أو غيره، مشروعية حكمه ومشروعية مؤسساته وولاته وقضاته، وهي التي تسحب عنه المشروعية، فيما الأمر هنا معكوس تماماً، فحق السيادة الذي كان للأمة بالتبعية، هو هنا للفقيه العادل نيابة عن الإمام المعصوم … وعلى هذا تتفرع سائر الفروقات الأخرى.
بل إن الفرق بين هذه النظرية وبين نظرية الشيخ النائيني واضح هو الآخر وكبير، فقد ركز النائيني على خطر الاستبداد الديني، وجعل الضمانة من عدم وقوعه موقوفة على مجلس الشورى وهيئات المراقبة والمحاسبة، الأمر الذي يوحي بصلاحية هذه الهيئات بمراقبة الفقيه ومحاسبته، أي يكون مسؤولاً أمامها أيضاً، وليس أمام الله فقط، فيما كانت الضمانة الوحيدة التي يطرحها الإمام الخميني للحؤول دون الاستبداد ضمانة مبدئية يراها متضمنة في شرط العدالة، إذ «بالاستناد إلى فقاهة الولي وعدالته لا يتسنى للاستبداد والدكتاتورية أن ينفذا في النظام المشيد على أساس ولاية الفقيه المطلقة»([487]) ولم يكن هذا الشرط كافياً عند النائيني ضمانة من وقوع الاستبداد.
ومن هنا تأخذ الشورى ورأي الشعب دوراً أكبر وأثراً أعمق عند النائيني، منها عند الإمام الخميني … ويبقى الفارق الموضوعي بين الأطروحتين يفرض نفسه، فبينما كان النائيني يعالج حكومة الضرورة، أو الحكومة الكائنة في عصره، كان الإمام الخميني يؤسس للحكومة كما ينبغي أن تكون.
ولا شك أن هناك رؤى أخرى ضمن إطار «ولاية الفقيه» تفترق عن هذه الأطروحة في مدى صلاحيات الولي الفقيه إزاء أحكام الشريعة، فهي تحدد أحكامه «الأحكام السلطانية» الصادرة عنه، في بعدين:
الأول: تنفيذ الأحكام الشرعية.
والثاني: ترجيح بعض الأحكام الشرعية على بعضها الآخر في حال تزاحم الأحكام والحقوق، وعليه فلا يمكن رفع اليد عن الأحكام الشرعية بالأحكام السلطانية أبداً([488]).
الصدر الثاني: وسوف نجد عن السيد الشهيد محمد صادق الصدر أوسع مناقشة لأدلة ولاية الفقيه النقلية، سنداً ودلالةً، حتى ينتهي منها إلى صلاحية حديث واحد للاستدلال على هذا المبقدأ، وهو الحديث المشهور بـ «مقبولة عمر بن حنظلة» وهو أهم الأدلة النقلية عند أنصار ولاية الفقيه كافة ….
فهو يتبنى مبدأ«ولاية الفقيه» بناءً على هذا الدليل النقلي، ويرى أنه كافياً للدلالة، إذ «الثابت بهذه الرواية تسلّط الفقيه شرعاً، كسلطة الحاكم العرفي، وهو معنى الولاية العامة»([489]).
ثم يرى ثبوتها بمقدار ما دل عليه هذا الدليل([490]).
فالولاية عنده مقيدة إذن «في حدود الدليل الشرعي من ناحية، وتشخيص المصلحة العامة من ناحية أخرى»([491]).
فالأمر عنده «ليس دائراً بين أن يكون الفقيه ولياً عاماً كالإمام المعصوم تماماً، أو أن لا يكون ولياً عاماً على الإطلاق.
«إن الفقيه ليس كالمعصوم … ولم يدل الدليل على ذلك، فإن الدليل لم يكن عندنا إلا مقبولة عمر بن حنظلة، وهي لم تدل على هذا المقدار الواسع لنلتزم به، فإن الإمام عليه السلام لم يقل: إني جعلت للفقيه صلاحيات مثل صلاحياتي، وإن حجية فعله وقوله كالتي عندي، ولم يقل إني جعلته أولى بالناس من أنفسهم ـ في أنفسهم وأموالهم ـ وإنما قال فقط: فإني قد جعلته عليكم حاكماً»([492]).
وأهم من هذه المقارنات كلها ما سيظهر من فروق جوهرية أيضاً ستمنح الشورى ورأي الأمة دوراً أهم وأعمق، في ظل حكومة الولي الفقيه العادل نفسه، والتي أسس لها السيد الشهيد محمد باقر الصدر.
* * *
قصَّة المشروع السياسي
عند الصدر، وتطوُّره
الحقبة الصدرية
لا بدّ لأي نهضة فكرية أو سياسية، في أي مجتمع، أن يكون لها عواملها التاريخية التي أسهمت في صناعتها، ذلك أن الظاهرة، أي ظاهرة كانت، لا يمكن أن تكون منفصلة عن عوامل الزمان والمكان.
كان هناك رشد متنامٍ في الوعي الديني، ساعدت على إذكائه تحديدات خارجية كبيرة، فقد وجد الإسلاميون أنفسهم مرغمين على تقديم حلول وإجابات الإسلام على مشكلات العصر، لا من خلال الفتاوى المستحدثة التي لا تعالج إلا مشكلات فردية وعلى نطاق محدود، بل كان عليهم أن يقدموا للعالم الإسلامي بالدرجة الأولى أطروحات الإسلام المتكاملة التي ينبغي أن يقدمونها بديلاً عصرياً عن أطروحات الراسمالية والماركسية والاشتراكية والقومية.
وهذا هو الذي يفسر سر النجاح المنقطع النظير الذي حظي به كتاب (عبد القادر عودة) في التشريع الجنائي الإسلامي، لقد كان هذا الكتاب من نتائج الحقبة الصدرية نفسها، لكن في مصر، وقد أعدم صاحبه على يد عبد الناصر الذي كان يقود توجهاً عروبياً قومياً اشتراكياً.
في العراق، وفي الحقبة ذاتها ابتدأ الخطاب الفكري الإسلامي خطواته النوعية الأولى في افتتاحيات (مجلة الأضواء) التي كان يكتبها الفقيه الشاب المبدع والموهوب، محمد باقر الصدر، الذي كان في تلك الأثناء يُعدّ لأهم مشروع فكري إسلامي يقارع النظريتين اللتين تحكمان العالم بأسره، الرأسمالية والاشتراكية، في جذورهما الفكرية ومتبنياتهما المعرفية وهيكليتهما النظرية، في كتابه (فلسفتنا)، ثم في جوانبها التطبيقية ودعائمها الرئيسية في كتاابه (اقتصادنا)، فذاع صيت الكتابين للأمر نفسه، أعني الحاجة الماسة إسلامياً إلى هذا الخطاب الجديد ….
ولقد ولد هذا الخطاب الجديد، في الخمسينيات وتنامى في ما بعد، مقدماً مصداقاً ميدانياً على قدرة الإسلاميين على إعادة إنتاج الذات، في عملية تعاطي مع معطيات الواقع داخل إطار الشريعة التي ستنظم عملية الإنتاج والنمو الذاتي والعلاقة مع الواقع ومعطياته، لتكون معالم لتسديد خطوات المسيرة، بدلاً من أن تكون قيوداً عليها من خلال رؤى غارقة في التقليدية على مستوى مناهج التفكير، كان عالمنا الإسلامي قد مني بها طويلاً.
ولد الخطاب الفكري الجديد وهو يحمل مقومات حياته وقدرته على النمو والبقاء، بديلاً عن الخطاب التقليدي الذي يولد ميتاً.
فلم يكن هذا الخطاب قادراً على منازلة النظريات المعاصرة وتقديم البديل الإسلامي المعاصر لو لم يتحرر من أطر كانت حاكمة على طرق التفكير، باحثاً عن أدوات جديدة في التعامل مع المعقول ومع المنقول، وفي التعاطي مع الواقع الذي كان مستبعداً تماماً طيلة قرون التخلف والنكوص الفكري في عالمنا الإسلامي.
لقد استطاع الكثير من أعلام هذه المرحلة تجاوز حالة اللاتاريخية في التعامل مع التراث البشري الإسلامي، ولعل ضعف الخطاب السلفي في العراق في هذه الحقبة مع تصاعد المدّ الإسلامي هو خير شاهد ميداني على هذه الحقيقة.
صحيح أن السهم الأوفر في هذا النتاج الفكري الجبار كان لرجل واحد، عبقري واحد، هو السيد محمد باقر الصدر، إلا أن هذا لم يشكل أدنى سلبية في الخطاب نفسه، فقد كانت هناك إسهامات أخرى جادة تكاملية على الميادين المتعددة، تدل هذه الإسهامات على ارتفاع مستوى الخطاب الفكري الجديد ليطبع ثقافة حقبة تاريخية بطابعه….
كمواصلة المنازلة المعرفية مع الماركسية والرأسمالية على يد السيد محمد الصدر، الشهيد الصدر الثاني، في كتابه (اليوم الموعود بين الفكر المادي والفكر الديني) والبناء التأسيسي على مستوى (فلسفة التاريخ) عند عماد الدين خليل.
لقد طبع هذا النوع من النتاج الفكري تلك الحقبة بكاملها بطابعه، وما يزال يمثل اللون الطاغي فيها.
هذه الحقبة، وعلى يد رائد حركة الفكر والوعي فيها السيد محمد باقر الصدر، طلعت على الدنيا بأروع إبداع فكري في ميدان المعرفة البشرية، متمثلاً (بالأسس المنطقية للاستقراء)، العمل الجبار الذي أسس للمعرفة بنى جديدة اكتسبت من خلالها قيمتىها الحقيقية.
إذن الإبداع والابتكار كان ميزة كبيرة ميّزت خطابنا الفكري الإسلامي في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين.
وكان يوازي حركة الإبداع والابتكار هذه حركة تجديد شاملة على مستوى العلوم والمعارف الإسلامية. فتأسست أكاديميات إسلامية أحدثت نقلة نوعية في مناهج البحث، فوجد من خلالها تراثنا الإسلامي طريقه إلى الحياة المعاصرة، ووجدت الحياة المعاصرة من خلالها أيضاً طريقها إلى الأصالة.
لقد أصبح فقه المجتمع فقهاً جديداً يتجاوز الفقه الفردي التقليدي، لقد امتلكنا إذاً أدواتنا التي نتعامل من خلالها مع الذات نقداً وتمحيصاً واستثارة واستنباطاً واستجلاءً.
صحيح أن نظرية الصدر في الفقه الاجتماعي لم تكتسح الساحة الفقهية التقليدية، لكنها أوجدت لنفسها في هذا الوسط موقعاً قوياً ستنهض منه على أثر أي عملية تثوير واستثمار وإحياء جادة. وهي اليوم تشق طرقها ولو ببطئ بعد أن أصبح الفقه المقاصدي يقرع الأبواب علينا من هنا وهناك.
هناك أيضاً ظاهرة كبيرة ميّزت خطابنا الفكري في هذه المرحلة، كبيرة الأهمية، أسس لها رواد المرحلة هذه، وهي بانتظار المزيد من التفعيل العلمي البناء، لقد استطاع الخطاب الفكري في هذه المرحلة أن يتجاوز القطيعة الفكرية بين التراثين السني والشيعي، تلك القطيعة التي رسخت في الأذهان كواحدة من الثوابت، استطاع الفكر الإسلامي الناهض أن يزحزحها، ليتجاوز أحادية الرؤية في تفسير النص الديني كسبيل وحيد لتقديم البديل النظري الإسلامي المتكامل في جوانب الحياة المختلفة.
والملاحظ أن الفكر الحركي كان أقدر على تجاوز تلك العقبة واقتحام أسوارها، فقد كانت رؤية الإخوان المسلمين واضحة في هذا الموضع، وقد نقلها إلى المستوى الفقهي في العراق عبد الكريم زيدان، أحد كبار الإخوان، وهو فقيه أيضاً، عندما قرّر في كتابه (المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي) أن الفقه الجعفري واحد من مصادر التراث الفقهي والعملي أسوة بالمدارسة الفقهية الأخرى المعتمدة عند أهل السنة.
وعملياً تجاوز رائد هذه الحقبة على امتدادها، محمد باقر الصدر، هذه القطيعة في مشروعه الكبير في ترسيم المذهب الاقتصادي الإسلامي عندما وضع التراث الفقهي الإسلامي كله على مستوى واحد من المرجعية.
كانت هذه قراءة إجمالية سريعة في الحقبة الصدرية، لعلها توفر إطلالة مهمة على قراءة المشروع السياسي.
البدايات السياسية
منذ الثانية والعشرين من عمره تبنى السيد الصدر التأسيس لمشروع سياسيٍّ يهدف إلى إقامة الدولة التي تقوم على أساس الإسلام في العراق.
في أجواء معقّدة، يسير هذا المشروع حين يتزعَّمه مجتهد له موقعه الديني والعلمي، معاكساً لاتجاه تيارين لا يشبه أحدهما الآخر … يمثّل الأول: التصوُّر الراسخ في الذهنية العامة في الوسط الحوزوي في السلبية المطلقة تجاه العمل السياسي، من جهة وتجاه التفكير بإقامة حكومة إسلامية، من جهةٍ أُخرى. فالذي ينتمي إلى حزبٍ إسلامي، محكوم عليه «بالانحراف عن خط الإسلام الصحيح، وبالارتباط بالاستعمار الكافر»! والحكم نفسه صادر سلفاً، بدرجةٍ أكبر بحقِّ «من يدَّعي ضرورة إقامة الحكم الإسلامي»([493]).
هذا التصوُّر الذي استطاعت الحوزة العلمية اقتحامه بعد الحرب العالمية الأولى، ومنذ سنة 1917م في تأسيس «جمعية النهضة الإسلامية» برئاسة السيد محمد بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري، ثم المواجهة المباشرة مع الإنجليز (1918م) ثم ثورة النجف على الإنجليز (1918م) بتبنٍ صريح من جمعية النهضة الإسلامية، ثم تأسيس «الحزب النجفي السري» سنة 1918م برئاسة جملة من علماء الدين، منهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ جواد الجواهري، والذي حظي بتأييد المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي، وتأسيس «الجمعية الإسلامية» في كربلاء في السنة نفسها، برئاسة الشيخ محمد رضا نجل الميرزا الشيرازي، وكان من أعضائها البارزين السيد هبة الدين الشهرستاني، ثم تأسيس «جمعية حرس الاستقلال» في شباط 1919م، والتي ضمَّت الشيخ محمد باقر الشبيبي، والسيد محمد الصدر، وشخصياتٍ أُخرى بينها: يوسف السويدي، والدكتور سامي شوكت.
هذا الوعي الديني والسياسي الذي تتوَّج في ثورة العشرين الخالدة (30 حزيران 1920م) أُصيب بعد سنتين من هذه الثورة الشعبية الكبرى بنكسةٍ كبيرةٍ على يد عبد المحسن السعدون، الذي تولَّى الوزارة في الحكومة الملكية في 25 حزيران 1922م، والذي قاد عمليات اعتقال ونفي واسعتين في صفوف علماء الدين الذين وقفوا بوجه الهيمنة البريطانية ومعاهدة سنة 1921م بين بريطانيا والحكومة الملكية العراقية. فأُصيبت تلك الساحة بجمودٍ وخيبة أملٍ كبيرين تراجع على أثرها الوعي الديني والسياسي كثيراً، ثُمَّ ترسَّخت معطيات الذهنية التراجعية على أثر عودة علماء الدين المنفيين إلى العراق بعد قبولهم بالشرط الذي فرضته الحكومة والذي يقضي عليهم بالتعهُّد بعدم التدخل في الأُمور السياسية.
هذا الوعي السياسي الذي بلغ أوجه في الأوساط الدينية في السنوات الخمس (1917 ـ 1922م) لم يكن يتجاوز الوعي بأهمية العمل السياسي وضرورة العمل الحزبي الذي باشره وأيده طلائع العلماء آنذاك، ولم يكن لمشروع الدولة الإسلامية ظهور في أفكار تلك المرحلة ومتبنِّياتها، بل غاية ما كان يطالب به زعماء ثورة العشرين، وفيهم الزعماء الدينيون، هو إقامة حكومة وطنية مستقلة، دستورية … فالاستقلال السياسي، والحياة الدستورية والبرلمانية التي تحدد سلطة الحاكم، كانت ذروة مطالب الثورة وأهدافها.
فقد جاء في الرسالة التي وقَّعها عدد من العلماء الثوريين وزعماء العشائر في صيف 1919م إلى الشريف حسين، الذي خاطبته الرسالة بـ «ملك العرب» بعد التحية وكلمات تمهيدية، جاء ما يلي: «طاف الحاكم الملكي العام في العراق واجتمع بكافة الزعماء والرؤساء والعلماء طالباً إليهم أن يبدوا رأيهم في النقاط التالية:
1 ـ في حدود المملكة العراقية، وما إذا كانت الموصل جزءاً من العراق أم لا.
2 ـ في الحكومة التي يرغبون فيها، والأمير الذي يملكونه في البلاد.
وبعد المداولات والمذاكرات أبلغوا الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق بأن الموصل جزءٌ لا يتجزَّأ من العراق …
وطلبوا إليه تأسيس حكومة عربية، دستورية، على أن يكون أحد أنجال جلالتكم ملكاً على العراق، كما يبلغكم تفصيله المندوب من قبل عموم العراقيين الشيخ محمد رضا الشبيبي»([494]).
وفي الرسالة الموجَّهة إلى الحاكم البريطاني على العراق في 6 مارس 1920م عربيةٍ وطنيةٍ يترأسها ملك عربي مسلم، مقيَّد بمجلس تشريعي وطني، هذه رغائبنا لا نرضى بغيرها، ولا نفتر عن طلبها»([495]).
ولمَّا استطاعت الزعامة الدينية أن تجد بعد عقود من الزمن فرصاً للتدخل في الشؤون السياسية، لم تكن تتجاوز تأييد العمل السياسي الإسلامي، إلى مشروع الحكومة الإسلامية، فغاية ما كان يطرحه المرجع الديني السيد محسن الحكيم، الذي مثّل الزعامة الدينية في هذه المرحلة، مرحلة تجدُّد الفرص لنشاط سياسي، وعودة الروح إلى الوعي الديني السياسي، هو دعم الأنشطة والمشاريع الاجتماعية والسياسية التي ظهرت في زمانه، حتى التي كانت تتبنَّى مواجهة السلطات، الملكية منها والجمهورية.
أما مشروع الدولة الإسلامية فلم يكن داخلاً في أهدافه أو متبنِّياته، مثّل هذا التصور العام والغالب، في بعديه، التيَّار الأول الذي يتعين على مشروع السيد الصدر الجديد أن يجري بخلاف اتّجاهه، لكنه كان يحظى بثقة السيد محسن الحكيم المطلقة.
ضغوط هذا التيار أرغمته على التخلي عن العمل المباشر في الحزب بعد ثلاث سنوات من تأسيسه، كما أرغمته على التخلِّي عن افتتاحية «الأضواء» بعد أن وصل تأثير تلك الضغوط إلى «جماعة العلماء» نفسها.
أما التيار الثاني: فكان تيار الاختراق الكبير اختراق الحركات السياسية المختلفة الوسط الديني الذي سيطرح فيه السيد الصدر مشروعه الجديد. فقد كان التيار الماركسي يكتسح أوساط المجتمع وحتى الأوساط الدينية منها بشكل مرعب، أما القليل من المتحمسين للعمل الإسلامي فقد انتظموا في صفوف حركة التحرير التي يتزعَّمها الشيخ النبهاني. وليس أمام السيد الصدر مساحة اجتماعية مهمة للعمل، إلا أن يخترق ـ إضافة إلى التيار التقليدي المغلق ـ هذه الاتجاهات السياسية مع ما توفّرت عليه من عمق تاريخي لا يتوفر لمشروعٍ وليد.
ولعلَّ أفضل ما نمثِّل به لمدى هذا الاختراق، حديثان لاثنين من شباب تلك المرحلة اللذين أصبح لهما موقع مهمٌّ في الحركة الإسلامية فيما بعد، يتحدثان عن نفسيهما:
الشيخ الشهيد عارف البصري، الذي أصبح من طلائع حزب الدعوة الإسلامية والمسهمين في تأسيسه، يتحدث عن صلته بحزب التحرير الإسلامي، وكان قد ترقَّى فيه إلى مواقع متقدمة، حتى حاول فتح فرع للحزب في النجف، ثم قطع صلته بالحزب على أثر كتاب أصدره الشيخ النبهاني في شأن الخلافة، وكتب إلى السيد محسن الحكيم يقول: «إنّي شابٌّ مسلم، تبنّيت الإسلام وأحببته، ولكن مع الأسف كنت أبحث في ظلِّ الإسلام الذي لا يمثّل فكر أهل البيت، وعليه فأنا الآن أُحبُّ أن آتي إلى النجف للدراسة في حوزتها العلمية، ولعل الله يوفّقني لخدمة أهل البيت وفكر أهل البيت»([496]). وبعد ذلك كانت له لقاءات مع الشهيد السيد مهدي الحكيم، كانت طريقاً له إلى السيد الصدر والانتماء لحزب الدعوة الإسلامية.
والسيد محمد باقر الحكيم: ابن المرجع الكبير آنذاك، وأخو السيد مهدي الحكيم الشابُّ اللامع في النشاط الإسلامي، يتحدث عن نفسه في تلك الأيام، فيقول: «أنا من عائلة علمية ودينية عريقة معروفة في أدائها لخدمة أهل البيت، وعندما ولدت كان والدي المرحوم مرجعاً من مراجع الإسلام يبلغ 53 عاماً من العمر، وعشت في هذه البيئة في النجف الأشرف، تحيطني هذه الظروف المحصنة، ومع ذلك فأنا تعرضت إلى ضغوطٍ، وكان بيني وبين السقوط في هاوية الضلال الماركسي شعرات»([497]).
مع النمطين، الأول والثاني، والأنماط الأخرى التي تتراوح بينهما، تعامل السيد الشهيد بروحٍ واحدة، حيث جعل المحور الأول في العمل السياسي هو «حُسن الظنِّ بالشباب العراقي المسلم، أولئك الذين ينتمون إلى أحزابٍ أُخرى، كالحزب الشيوعي والتيارات العلمانية، ذلك أنهم شباب متحمسون متطلّعون إلى المستقبل، ولا يعرفون عن إسلامهم شيئاً، وهم بانتمائهم إلى تلك الأحزاب إنما يريدون خدمة وطنهم عن أي طريق كان، ولو كانت هناك حركة إسلامية تأخذ بأيديهم وتستوعب تطلُّعاتهم المشروعة لما اختاروا غير الإسلام سبيلاً»([498]).
تلك الأجواء، والثانية منها خاصَّةً، قد انعكست بشكلٍ واضح على تراث السيد الشهيد، وملأ في مواجهتها مساحةً واسعةً من كتاباته، بل لعلَّ أهم كتاباته ما كانت إلا لمواجهة الأُسس الفكرية للماركسية بالدرجة الأولى، كما هو ملاحظ في «فلسفتنا» و«اقتصادنا».
النظرية السياسية
تشكيل الحزب السياسي ليس هو الغاية في ذاته عند السيد الصدر، وإنما هو الوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية. لذلك حدَّد منذ البداية ثلاث مراحل للحزب الذي أسّسه «حزب الدعوة الإسلامية» وهي:
1 ـ مرحلة تكوين الحزب وبنائه، والتغيير الفكري للأُمّة.
2 ـ مرحلة العمل السياسي التي يتمُّ خلالها جلب نظر الأُمة إلى الأطروحة الإسلامية للحزب ومواقفه السياسية، لتمارس الأُمَّة دورها في تبنِّي تلك المواقف والدفاع عنها.
3 ـ مرحلة استلام الحكم([499]).
فالحكومة الإسلامية في نظره ضرورة دينية وحضارية في آنٍ واحد …
«إن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان، وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتَّخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حقّقه الأنبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحقّ والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح.
قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾([500]).
وفي وعيٍّ تاريخيٍّ متقدِّمٍ يكتشف من هذا النصِّ «أن الناس كانوا أُمَّةً واحدةً في مرحلةٍ تسودها الفطرة، وتوحِّد بينها تصوُّرات بدائية للحياة، وهموم محددة وحاجات بسيطة، ثم نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة ـ المواهب والقابليات، وبرزت الإمكانات المتفاوتة، واتَّسعت آفاق النظر، وتنوعت التطلعات، وتعقدت الحاجات، فنشأ الاختلاف، وبدأ التناقض بين القويِّ والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجةٍ إلى موازين تحدد الحق وتجسد العدل وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم، يعيد توجيه تلك القابليات والإمكانات التي نمَّتها التجربة بالوجهة الإيجابية التي تعود على الجميع بالخير، بدلاً من أن تكون مصدراً للتناقض وأساساً للاستغلال.
في هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة، على يد الأنبياء ….
وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة … ووضع الله تعالى للدولة أُسسها وقواعدها»([501]).
فالدولة المنظَّمة، فوق كونها ضرورة حياتية، فهي مشروع أنجزه الأنبياء، ومارسوا أدوارهم البنَّاءة من خلاله وقد تولّى عدد كبير منهم الإشراف المباشر على الدولة، كداود، وسليمان وغيرهما، وقضى بعض الأنبياء كلَّ حياته وهو يسعى في هذا السبيل، كما هو حال موسى عليه السلام، واستطاع خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أن يتوَّج جهود سلفه الطاهر بإقامة أنظف وأطهر دولةٍ في التاريخ، شكَّلت بحقٍّ منعطفاً عظيماً في تاريخ الإنسان، وجسدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً»([502]).
فليس هناك كلام في مشروعية قيام الحكومة الإسلامية بعد هذا …
إنما الكلام في الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم الإسلامي في وقت غياب الحاكم المعصوم.
وقبل الدخول في هذا الموضوع، بين أيدينا مفارقة غريبة لا بد من التوقف عليها قليلاً:
كان السيد الشهيد يرى ضرورة العمل الحزبي في تلك المرحلة، لنشر الوعي الإسلامي على أوسع نطاق في الأُمَّة، تمهيداً لإقامة الحكم الإسلامي الذي يراه ضرورياً، لأنه رأى أن منهج العمل الحزبي هو أفضل أسلوب توصَّل إليه الإنسان في العصر الحديث.
يأخذ السيد محمد باقر الحكيم على السيد الشهيد هنا مؤاخذةً في غاية الغرابة، فيقول: «نرى أن هذه النقطة كانت ولا زالت تشكِّل نقطة ضعف مهمَّةٍ في هذه النظرية، حيث تفترض أن الإسلام الذي عالج مختلف القضايا في الكون والمجتمع قد ترك معالجة هذه النقطة في العمل السياسي، فلم يحدِّد المنهج العام، وإنَّما تركها نقطة فراغ يعالجها الإنسان حسب الظروف والتطوُّرات، مع أن التاريخ الذي يعرضه القرآن الكريم عن سير الأنبياء وأعمالهم لا توجد فيه أيُّ إشارةٍ إلى هذا المنهج»!!([503]).
مفارقة غريبة حقًّا! فكأنَّ المجتمعات يجب أن لا تُدار إلاّ على شاكلة الإدارات التي كانت على عهود الأنبياء عليهم السلام! فإذا كانت الحياة في تلك العهود بسيطة، يزاول فيها الفرد دور المؤسَّسة المعقَّدة اليوم، فلا بدَّ أن نلغي هذه المؤسسات كلها، ونعتمد على أسلوب العمل الفردي لأنه الأسلوب المذكور في تواريخ الأنبياء!
ثمَّ مَنْ مِن فقهاء الإسلام أو غيرهم يزعم أن الإسلام قد حسم القول في تحديد المؤسسات الاجتماعية وطرق إدارتها إلى الأبد، ليضرب الخناق على المجتمع في قالبٍ واحدٍ ستجتازه حركة التاريخ وتخلّفه إلى الوراء رهناً بزمانه ومكانه؟ اللهم إلا أن يكون من صغار السلفية الذين لم يجاوزوا في تعلّمهم حدود التلاوة ولا الحفظ، أو من ذوي الاتجاه الباطني الذي ضرب بينه وبين الحياة المدنية حجباً لا حصر لها … ولم يكن صاحب هذه الاعتراض من هؤلاء ولا من أُولئك.
على أي حال فهو اعتراض لا يوافقه عليه أحد، لا سيما من أهل هذا العصر، وأول الرادين عليه سيكون السيد محسن الحكيم نفسه الذي نشأت هذه الظاهرة الحزبية في أيامه وحظيت بمواقف إيجابية منه تجاهها ….
بل نقل عنه أنه كان يتخوف من عواقب نهضة الإمام الخميني لسبب يراه مهماً للغاية، وذلك أن الإمام ليس له حزب سياسي سيمسك بالسلطة بعد انتصار الثورة، فلعلّ الإمام يقوم بالثورة ثم يستلم الحكم حزب تودة الشيوعي لأنه حزب سياسي منظّم([504])!
بل كان الإمام الخميني هو الراعي الأول لتشكيل الحزب الجمهوري بقيادة السيد الدكتور بهشتي المعروف بوعيه الديني والسياسي ونهجه الثوري والتجديدي، لقد كانت الاجتماعات التأسيسية لهذا الحزب تعقد عند الإمام الخميني، ثم كان هو الذي موّل المؤتمر الأول للحزب … وبعد انتصار الثورة واستقرارها وظهور خلافات بين أقطاب الحزب الجمهوري كان رأي كبار رجاله أن يحلّ الحزب حسماً للأمر.
يقول الشيخ هاشمي رفسنجاني: عندما عرضنا هذا الرأي على الإمام الخميني قال لنا: حلّوا مشاكلكم ولا تحلّوا الحزب([505]) …
أما العلماء الذين رأوا في تأسيس الصدر حزباً سياسياً في تلك الظروف واحداً من معالم إبداعاته على صعيد الفكر والعمل فهم كثيرون، عاصرهم صاحب الاعتراض، منهم: السيد محمود الهاشمي، الشاهرودي، والسيد كاظم الحائري، والسيد الموسوي الأردبيلي الرئيس الأسبق للسلطة القضائية الإيرانية([506])، وغيرهم كثير.
المهم هو أن دور الكتاب والسنة والفقه في المعاملات السياسية دور التنظيم والتوجيه، وليس دوره التأسيس والإبداع. ولو كان الإسلام قد أعلن أن على الناس استخلاص أساليب الحياة من الكتاب والسنة والفقه لما استطاع التمدد خارج جزيرة العرب إطلاقاً.
إن السر في الامتداد السريع للدين الإسلامي ـ اتساع العقيدة الإسلامية في المجتمعات المختلفة ـ هو اعترافه بالأساليب المتفاوتة للحياة الإنسانية في المجتمعات المختلفة، وعدم سعيه لإلغائها أو مناهضتها، والاكتفاء بالتدخل فيها بمقدار ما يضمن انطباقها على السلوك الديني والأخلاقي في الإسلام. يكتب الإمام علي عليه السلام في عهده المعروف إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر: «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة» وهذه فكرة مستمدة من التصوّر القرآني. فالقرآن الكريم يرى قدرات الإنسان ومهاراته الفكرية والعملية في اكتشاف سبيل الحياة وإدارتها من آيات التدبير والعناية الإلهية في العالم. إنه يرى الإنسان حاكماً على الأرض، ومعمّراً لها، ومستخدماً باقي الموجودات فيها، وموجد الحضارة والثقافة في أرجائها.
وبهذا التشخيص يعلن القرآن الكريم أن الهداية الإلهية لا تبلّغ للإنسان عن طريق الأنبياء وحسب، وإنما الحلول الإنسانية لمعضلات الحياة وترتيب شؤونها هي الأخرى هداية إلهية. إن كرامة الإنسان في القرآن لا تنبع فقط من قابليته على معرفة الباري عز وجل، بل أيضاً من مهاراته في ركوب البر والبحر وتسخير المياه واليابسة، وما إلى ذلك من القدرات التي منّ الله بها على الإنسان تكريماً له. فالقرآن يكرم الإنسان المتعدد الأبعاد والجامع للدين والتمدن، دون الإنسان المنحاز إلى بعد بذاته والنائي عن سائر أبعاد الحياة الحضارية والاجتماعية([507]).
أساس نظام الحكم
في الإسلام:
في تحديد هذا الموضوع تنقَّل السيد الصدر بين ثلاث نظريَّات، في مراحل عمله السياسي، كأساسٍ لنظام الحكم.
خاص الصدر عملية الاكتشاف هذه بنفسه ليؤسِّس لمشروعه الجديد، فتوصَّل أولاً إلى اعتماد «نظرية الشورى» أساساً لنظام الحكم في الإسلام. مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾([508]).
وأثبت هذا في ما كتبه لحزب الدعوة تحت عنوان «الأُسس».
ثمَّ تخلَّى عن مبدأ الشورى، حين رأى أن أدلَّته الشرعية وإطاره العام لا يوفران لرأس النظام السياسي الصلاحيات الشرعية الكافية لممارسة دوره المطلوب تشريعياً ـ في دائرة الفراغ التشريعي ـ وتنفيذياً … ليقرِّر بعد ذلك مبدأ «ولاية الفقيه» أساساً لنظام الحكم في الإسلام([509]).
ولهذا المبدأ جذوره التاريخية، فحكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان لها امتدادها في «الإمامة» …. وكما كانت الإمامة امتداداً للنبوة، فقد امتدت هي الأخرى «في المرجعية … وتحمَّلت المرجعية (أعباء هذه الرسالة العظيمة، وقامت على مرَّ التاريخ بأشكال مختلفة من العمل في هذا السبيل، أو التمهيد له بطريقة وأُخرى» إصراراً على «التعلق بدولة الأنبياء والأئمة، دولة الحق والعدل التي ناضل وجاهد من أجلها كلُّ أبرار البشرية وأخيارها الصالحين»([510]).
ولم يكن مبدأ «ولاية الفقيه» بالذي يقرِّب صاحبه من سلطة الحوزة، بل على العكس تماماً، فالثقل الحوزوي المتمثِّل بالمراجع وأقطاب الحوزة كان يقف منه موقفه من مبدأ الحكومة الإسلامية نفسه، وباستثناء الإمام الخميني لم يشارك الشهيد الصدر فقيهٌ من زعماء الحوزة المعاصرين هذا الرأي.
ولم يمثل الاختلاف في الاجتهاد الفقهي إلاّ واحداً من أسباب الخلاف في هذه المسألة، وليس هو كلُّ السبب، فالمبرَّرات «الاستحسانية» التي كان يتذرَّع بها الفقيه في تجنُّب العمل السياسي حاضرة هنا أيضاً، كالخوف من ضياع هيبة «رجل الدين» في المجتمع إذا ما زاول العمل السياسي.
يلاحظ هنا أن الذين وقفوا ضد مبدأ ولاية الفقيه، من المراجع الدينيين خاصة، لم يكونوا يمارسون العمل السياسي، أو يتبنُّون مبدأ إقامة الحكومة الإسلامية، وفقاً لنظرية أُخرى، كالشورى أو غيرها، بل كانوا يقفون موقفاً سلبياً من ذلك كلَّه، أو لم يكن لديهم تصوّر واضح للفقه السياسي الإسلامي على هذا المستوى.
يعلِّق أحد تلامذة الشهيد الصدر على هذا الرأي الأخير تعليقاً لا يخلو من قسوة، فيصفه بأنَّه «ذوق فقهي سقيم» مستفيداً من قول صاحب الجواهر: «إن من أنكر ولاية الفقيه فهو لم يذق طعم الفقه الصحيح» إذ كيف يستجيز هؤلاء القطع بعدم رضى الشارع في ترك أموال اليتيم، أو المال المجهول المالك بدون وليٍّ، أو أن الحقوق الشرعية قد تُركت حتماً وعلى سبيل الجزم في يد الفقيه الجامع للشرائط، فإذا انتقل الأمر إلى الأحكام الاجتماعية الإسلامية العظيمة، يُقال بأننا لا نستظهر رضى الشارع بالولاية فيها؟!([511]).
أما عند السيد الشهيد فالأمر يعود إلى جذوره التاريخية البعيدة، حيث انعزل الفقيه الشيعي عن الحياة الاجتماعية والسياسية تحت حكم الظروف السياسية الصعبة، ليحصر اهتمامه في فقه الأفراد الذي ينتهي عند الفتاوى المتعلِّقة بحلول مشكلات فردية، الأمر الذي تحوَّل مع الزمن إلى اتِّجاهٍ ثابتٍ لدى الفقهاء.
وأما من الناحية السياسية، فإن مبدأ ولاية الفقيه سينقل المرجعية إلى مواجهةٍ حقيقيةٍ جادَّةٍ مع السلطة، حتى في حال عدم مزاولة العمل من أجل تحقيق الدولة الإسلامية، ذلك لأنَّه يجعل المرجعية دولةً مستقلةً في داخل الدولة، وهذا ما تحسب له السلطة السياسية كلَّ الحسابات.
غير أن هذه الأطروحة لم تكن هي الصورة النهائية في فكر الصدر، بل لم تكن كما يبدو أكثر من محاولة لمعالجة ما رآه الصدر ثغرةً في أصل مشروعية رأس النظام ومساحة صلاحياته الشرعية ومصدرها، وقد أدرك جيداً أن هذا المفصل على أهميته ليس هو كل شيء في نظام الحكم، فلا ينبغي أن تأتي معالجاته على حساب المفاصل الأخرى للنظام السياسي، من هنا فإن أطروحته هذه لم تأخذ مداها في نتاجه الفكري، ولم تحقق له الاطمئنان في ما كان يصبو إليه من تقديم الأطروحة المتكاملة لنظام الحكم في الإسلام، فما زالت نظرية الشورى التي آمن بها وانعكست في أدبياته وآثاره تحتل موقعها المهم في قناعاتها، الأمر الذي يصوّر أطروحته الأخيرة في «ولاية الفقيه» على أنها أقرب إلى القلق الفكري، منها إلى النظرية المتكاملة، وهذا ما يفسر مضيّه في البحث الجاد وراء هذا الموضوع.
فما زال في حركة دائبة من حول نظريته، من جميع الوجوه؛ الأدلة الشرعية، والتاريخية، والطبيعة الواقعية للنظرة في ظلِّ معادلات الحياة المتغيِّرة، الأمر الذي نقله إلى «الوسطية» في الجمع بين مبدأ «الشورى» ومبدأ «ولاية الفقيه» في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تنظيره في هذا المشروع، وقد انعكس هذا في بحوثه الأخيرة التي ضمَّنها كتابه المعنون بـ «الإسلام يقود الحياة»([512])، بل انعكست في سائر أدبياته السياسية في ما بعد، ومنها أطروحته في دستور الجمهورية الإسلامية.
التأسيس لدستور الجمهورية الإسلامية
هنا تتكامل صورة الرجل المفكِّر المتأهِّب دائماً للإجابة على الأسئلة المتجدِّدة التي فرزها المتغيِّر التاريخي، المفكر الذي يدرك تماماً ما يريد، ويعي بدقَّة إلى أين سينقله هذا الذي أراده، فلا يتلكَّأ أمام التحدِّيات الجديدة، ولا تستنزف المتغيِّرات المتسارعة مخزون وعيه لمعادلات الحياة.
وهنا أيضاً يتكامل مشروعه السياسي، الذي ابتدأ بتقدير الأُسلوب اللازم للتغيير، في عمل سياسيٍّ منظَّم، ووعي طبيعة هذا العمل بدقَّة، ليضع له نظامه الداخلي ويحدِّد له أهدافه ومراحله وثقافته العامة، ثم يحدد الأدوار الضرورية للانتقال بالوعي السياسي العام إلى المرحلة الجديدة، ليقود في عمليةٍ متحرِّكة حركة التغيير في المجتمع، ويضع لما قد يترتَّب على النقلات النوعية في عملية التغيير من احتمالات حلولها التي لا تسمح بضياع الجهد والعودة إلى الوراء إثر قفزة قد لا تستوعب الأُمَّة مداها … مؤطّراً هذه الخطوات العملية كلَّها بأُطرها الفكرية المتينة التي تشكِّل المادَّة الأساسية في ثقافة المرحلة وأُسسها النظرية.
وحين يبرز التحدِّي الجديد في قيام الدولة، يستدعي وعياً دقيقاً للمرحلة الجديدة من المواجهة والأنماط الجديدة من التحديات، فيضع السيد الشهيد أول أطروحةٍ لدستور الدولة الإسلامية في العصر الحديث، تأسيساً للبنية الأساسية للحكومة…
وفي هذا التأسيس ستبرز ملامح الأساس النظري الذي اعتمده لنظام الحكم، والذي تمثَّل بالجمع بين «الشورى» و«ولاية الفقيه» وعلى أساس هذه النظرية يحدِّد المفاصل الأساسية في دستور الدولة الإسلامية، بالآتي:
1ـ «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً».
«وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حرٌّ، ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه ….
وبهذا يوضع حدٌّ نهائي لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان».
فالحاكم والمحكوم سواء أمام القانون، وليس الحاكم ظلُّ الله في الأرض، ولا ثمَّة ثيوقراطية، أو أي شكل من أشكال الحكم اللاهوتي الذي يحول الحاكم الديني إلى مستبدٍّ بطريقته الخاصة، ولا معنى «للحقِّ الإلهي الذي استغلَّه الطغاة والملوك والجبابرة قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإن هؤلاء وضعوا السيادة اسمياً لله، لكي يحتكروها واقعياً وينصّبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض».
فليس الفقيه الحاكم «الولي الفقيه» سلطاناً من هذا النوع إذن. إنه المكلّف بتطبيق الشريعة وحماية القانونم، لا بتوظيف الشريعة والقانون لحمايته.
2 ـ «إنّ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى أنها هي المصدر الذي يُستمدُّ منه الدستور، وتُشرَّع على ضوئه القوانين في الجمهورية الإسلامية.
وذلك على النحو التالي:
أولاً: إن أحكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعتبر، بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية، جزءاً ثابتاً في الدستور، سواء نصَّ عليها صريحاً في وثيقة الدستور، أو لا.
ثانياً: إن أي موقفٍ للشريعة يحتوي على أكثر من اجتهاد، يعتبر فيه نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستورياً، ويظلُّ اختيار البديل المعيَّن من هذه البدائل موكولاً إلى السلطة التشريعية التي تمارسها الأُمّة على ضوء المصلحة العامَّة.
ثالثاً: في حالات عدم وجود موقفٍ حاسمٍ للشريعة، من تحريم أو إيجاب، يكون للسلطة التي تمثِّل الأُمَّة أن تسنَّ من القوانين ما تراه صالحاً، على أن لا يتعارض مع الدستور. وتسمَّى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ …».
هكذا تتحرَّك الشريعة مع الحياة ومستجدَّاتها ومع المصالح العامة للناس، في أطروحة كاشفة عن إدراك دقيق، وعمق كبير في فقه الشريعة وفقه الحياة على السواء، وهو من أهمَّ ما يميِّز مشاريع الصدر في الأصعدة المختلفة؛ معرفة، سياسة، فقه، اقتصاد، اجتماع، تاريخ، وحتى السلوك الشخصي.
فالاجتهادات المتعدِّدة في المسألة الواحدة، بدائل، لا يلغي بعضها بعضاً، وإنما تُحدّد قيمتها الحقيقية من مدى صلتها بالحياة الاجتماعية وانسجامها مع المصلحة العامَّة.
أُطروحة متماسكة تماماً مع مشروعه الفقهي، الذي تقدّم الحديث عنه، في الفقه المتحرِّك، فقه المجتمع، روح الشريعة، وغيرها من أُسس نظرية وفَّرت تكاملية المشروع الفقهي الجديد.
والنقطة الثانية المهمة هنا هي أن هذه المساحة الواسعة من التحرك في اختيار البدائل، وفقاً للمصلحة العامة، من بين الاجتهادات المتاحة في الشريعة، أو سنَّ التشريعات الجديدة، هي من مهمة السلطة التشريعية، أي مجلس الشورى، الذي ينتخبه الشعب، كما ستعرّف به النقطة اللاحقة.
3 ـ «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أُسندت ممارستها إلى الأُمّة، فالأُمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحقُّ هو استخلاف ورعاية مستمدّة من مصدر السلطات الحقيقي، وهو الله تعالى».
تمثل هذه النقطة عصب النظرية السياسية، فقد حسمت القول في صاحب الحق في ممارسة السلطة، وهو هنا «الأمة» بناءً على مفهوم «الاستخلاف» فالأمة قد استمدّت سلطانها على نفسها من مصدر السلطات الشرعي، الذي استخلفها في الأرض وأوكل إليها مهمة إعمارها، وحمّلها مسؤولية أعمالها واختياراتها.
وبناءً على هذا فإن الأمة لا بدّ أن تمارس حقّها الشرعي في انتخاب من يقوم بإدارة البلاد والوقوف على مصالحها، وهو رأس السلطة التنفيذية، وأيضاً حقها الشرعي في انتخاب ممثليها في مجلس الشورى، السلطة التشريعية … وأن الوقوف أمام هذه الحق سيكون سلباً لحق الأمة وعدواناً عليها.
فما هو دور الولي الفقيه إذن؟
4 ـ «المرجع هو النائب العام عن الإمام من الناحية الشرعية» وعلى هذا الأساس يكون هو «الممثَّل الأعلى للدولة، والقائد الأعلى للجيش» ويتولَّى «ترشيح، أو إمضاء ترشيح الأفراد الذين يتقدَّمون للفوز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية» وتولِّى «إنشاء ديوان المظالم ـ السلطة القضائية ـ في كلِّ البلاد».
5 ـ ويكون للأُمَّة «الخلافة العامة، على أساس قاعدة الشورى، التي تمنحها حقَّ ممارسة أمورها بنفسها، ضمن الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام».
ومن النقطتين الأخيرتين يتحدد دور «الولي الفقيه» بالإشراف والرقابة على سير النظام، وسياسة السلطات الثلاثة، وحراسة حق الأمة.
فما تزال الامة هي صاحبة الحق في السيادة على نفسها، ولم ينتقل هذا الحق إلى الولي الفقيه، وإن كان هو النائب عن الإمام المعصوم، وهذا ما تزيده وضوحاً النقطة السادسة والأخيرة…
6 ـ فالأُمّة «هي صاحبة الحقِّ في الرعاية وحمل الأمانة، وأفرادها جميعاً متساوون في هذا الحقِّ أمام القانون، ولكلٍّ منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحقِّ عن آرائه وأفكاره، وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله، كما لهم جميعاً حقُّ ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية».
هذه المواد الأساسية قد شكَّلت بالفعل موادًّا أساسية في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.
وفي ظلِّ الأساس الذي اعتمده السيد الصدر لنظام الحكم، وفي إطار هذا الهيكل الدستوري، ستكون مرفوضة «إسلامياً نظرية القوَّة والتغلُّب، ونظرية التفويض الإلهي الإجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطوُّر الدولة عن العائلة».
ومن ناحية وظيفة الدولة سيكون مرفوضاً «المذهب الفردي، أو مذهب عدم التدخُّل المطلق [أصالة الفرد] والمذهب الاشتراكي، أو أصالة المجتمع» لتكون وظيفة الدولة هي «تطبيق شريعة السماء التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع، لا بوصفه وجوداً هيجلياً [نسبة إلى هيجل] مقابلاً للفرد([513])، بل بقدر ما يعبِّر عن أفراد وما يضمُّ من جماهير تتطلَّب الحماية والرعاية»([514]).
مواد أُخرى تحدِّد دائرة الحكومة
دور الأُمَّة، الضمانة الحقيقية لدرء خطر الاستبداد، ما زال يتصاعد في أُطروحة الصدر، ليضيف لصالحه مواداً تسهم في ترسم حدود دائرة الحكومة العليا في البلاد.
فثمَّة فرق جوهري بين دور المعصوم «الشهادة» ودور المرجع الفقيه «الخلافة» … الخطَّان كانا مندمجين في شخص النبيِّ أو الإمام، وذلك لأن هذا الاندماج لا يصحُّ إسلاميًّا إلا في حالة وجود فرد معصوم قادر على أن يمارس الخطَّين معاً، «وحين تخلو الساحة من فرد معصوم فلا يمكن حصر الخطَّين في فردٍ واحدٍ»([515]).
لكن في حالة واحدة سيجتمع الخطَّان في شخص المرجع، ذلك «ما دامت الأُمَّة محكومة للطاغوت ومقصيَّةً عن حقّها في الخلافة العامَّة … وما دام صاحب الحقَّ في الخلافة العامَّة ـ الأُمَّة ـ قاصراً عن ممارسة حقّه نتيجةً لنظام جبَّار، فيتولَّى المرجع رعاية هذا الحقَّ في الحدود الممكنة».
«أمَّا إذا حررت الأُمّة نفسها، فخطُّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس ركائز الاستخلاف الربَّاني»([516]).
فالحقُّ ما زال للأُمّة في قيادة نفسها واختيار قادتها، ولا يمكن إغفاله حتى مع وجود القائد المعصوم، فمع «أن البيعة للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلُّص منها شرعاً، لكن الإسلام أصرَّ عليها، واتَّخذها أُسلوباً من التعاقد بين القائد والأمة، لكي يركِّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامَّة للأُمَّة»([517]).
من هنا فإن المرجعية وإن كانت كخطّ «قراراً إلهياً» إلا أنها كتجسيدٍ في فردٍ معيَّنٍ «قرار من الأُمَّة»([518]).
أما كيف ستمارس الأُمَّة دورها في الخلافة العامَّة، فإن ذلك يتحدد في الإطار التشريعي «للقاعدتين القرآنيتين»:
القاعدة الأُولى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾([519]).
القاعدة الثانية: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾([520]).
فإن النص الأول يعطي الأُمَّة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نصٌّ خاصٌّ على خلاف ذلك، والنصُّ الثاني يتحدث عن الولاية، وأن كل مؤمنٍ وليّ الآخرين، ويريد بالولاية تولي أموره، بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنصُّ ظاهر في سريان الولاية بين كلِّ المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية.
وينتج عن ذلك: الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف.
وهكذا وزَّع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطَّين بين المرجع والأُمَّة … بين الاجتهاد الشرعي والشورى الأمنية … فلم يشأن أن تمارس الأُمَّة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها ويشرف على سلامة المسيرة ويحدِّد لها معالم الطريق من الناحية الإسلامية، ولم يشأ من الناحية الأُخرى أن يحصر الخطَّين معاً في فرد، ما لم يكن هذا الفرد مطلقاً، أي معصوماً.
فلا بدَّ أن تشترك المرجعية والأُمَّة في ممارسة الدور الاجتماعي الربَّاني، بتوزيع خطَّي الخلافة والشهادة وفقاً لما تقدَّم.
وهكذا نعرف أن دور المرجع كشهيدٍ على الأُمَّة دور ربَّاني لا يمكن التخلي عنه، ودوره في إطار الخلافة العامَّة للإنسان على الأرض دور بشري اجتماعي، يستمدُّ قيمته وعمقه من مدى وجود الشخص في الأُمَّة وثقتها بقيادته الاجتماعية والسياسية([521]).
وبعبارةٍ أُخرى فإن المرجع «بوصفه جزءاً من الأُمَّة، يحتلُّ موقعاً من الخلافة العامة للإنسان على الأرض، وله رأيه في المشاكل الزمنية لهذه الخلافة وأوضاعها السياسية بقدر ما له من وجودٍ في الأمة وامتدادٍ اجتماعي وسياسي في صفوفها»([522]).
إذن وجود المرجع في الأمة، بين صفوفها، يعيش مشكلاتها الزمانية، ويعيها بعمق، ويباشر معالجة قضاياها الاجتماعية والسياسية بما تتطلَّبه لغة الزمان من أدوات وآليات للمعالجة، هذا وحده هو الذي يمنح المرجع صفة المرجعية، ويوفِّر له الحقُّ في ممارسة دوره القيادي والإرشادي في الأمة، شريطة اختيار الأمة له الكاشف عن ثقتها بقيادته الاجتماعية والسياسية.
والذي يستفاد من هذا كله أن الحق في السياة ـ وفق هذه النظرية ـ إنما هو للأمة، وإنما يكتسب الفقيه حقه من أمرين، أولهما: توفّره على عنصري الاجتهاد والوعي بالفكر الإنساني المعاصر، وثانيهما: انتخاب الأمة له، الذي قد يكون عن طريق رجوعها الطوعي إليه دون سواه، كما كان من الإمام الخميني في إيران، أو عن طريق الممثلين الذين ينتخبهم الشعب لهذه المهمة، أو عن طريق الانتخاب المباشر.
هذا النطاق الواسع للشورى ودور الأمة، والذي تأخذ الأمة من خلاله دورها الطبيعي والحقيقي في الحياة الاجتماعية والسياسية، لم نلمسه في آثار تلامذة الشهيد … فالسيد كاظم الحائر يحصر الأمر كله بالفقيه، الولي، أما حق الأمة في انتخاب ممثليها فليس له أصالة عنده، بل هو راجع لمقتضيات المصلحة([523]).
وعلى العكس من تأكيدات السيد الشهيد على حقّ الأمة وعلى مبدأ الشورى، تأتي تأكيدات السيد محمد باقر الحكيم على تهميش الشورى والتركيز على إعطائها دور «المشورة الفردية» لا غير، معرضاً عن أدلَّة الشورى، مركِّزاً على أحاديث أخلاقية فردية تؤكِّد على المشورة ودورها في حياة الفرد، في محاولةٍ واضحةٍ لاختزال هذا المفهوم الكبير لصالح سلطة الفرد الحاكم([524]).
ولم تقف المسألة عند حدود الاختلاف في الرأي، بل حتى وهو يعرض فكر الشهيد نفسه وأطروحته في هذا المحور، نراه يعمد إلى اختزال مساحة الشورى ودور الأمة بشكلٍ مفرط، لا ينسجم أبداً مع ما كتبه السيد الشهيد بنفسه، وأثبتناه هنا([525])!
مواصفات المرجع «الولي الفقيه» ـ الرؤية الجديدة
معركة الشهيد الصدر مع الوضع السائد في المرجعية التقليدية معركة صعبة، ذات جوانب متعدِّدة، أفصح عن بعضها في الهيكل الذي رسمه لنظام «المرجعية الصالحة» أو «الرشيدة» هذا العنوان الذي ينعكس بوضوحٍ على تقييمه للتقليد المرجعي السائد، والذي يحاول إصلاحه.
لكنه تكتَّم على بعض جوانبها، وصبر، لأنه لا الحوزة التقليدية ولا المجتمع المرتبط بها ارتباطه بالمقدَّس، قادر على استيعاب رؤيته الجديدة وأُطروحته الإصلاحية الكبيرة، فأحجم عن كتابة «مجتمعنا» بعد أن كان قد أعلن عنه، ووضع خطوطه الأولى، أحجم عن ذلك قائلاً: «إن مجتمعنا لا يسمح بـ (مجتمعنا)».
وحتى حين وضع مواد الدستور، وهو في ذروة صراعه السياسي مع السلطة، لم يستطع أن يتجاوز العرف السائد، في محيط المرجعية، إلا بالإشارة التي تحتاج إلى كثيرٍ من الشرح المعمَّق، معتمداً في ذلك كله على مواضع أُخرى أثبت فيها مواصفات المرجعية الحقَّة وشروطها، وفي مناسبات أُخر، وبقدرٍ وافٍ إلى حدٍّ كبيرٍ لما تضمَّنته من تحديدات، وهو غير مستغنٍ أيضاً من مزيدٍ من الشروح لما تضمَّنه من دلالات.
ففي حديثه عن دور المرجع في الشهادة والرقابة على الأمة، يقول «والوعي بالواقع القائم مستبطن في الرقابة التي يفترضها مقام الشهادة..
إذ لا معنى للرقابة بدون وعيٍ وإدراكٍ لما يراد من الشهيد مراقبته من ظروفٍ وأحوال».
ليأتي إلى تحديد الشرط الجديد الذي يضيفه هنا ليكون المرجع مرجعاً بحقٍّ، فبعد كونه، أي المرجع «عالماً على مستوى استيعاب الرسالة» و«عادلاً على مستوى الالتزام بها والتجرُّد عن الهوى» …
لا بدّ أن يكون أيضاً: «بصيراً بالواقع المعاصر له، وكفوءاً في ملكاته وصفاته النفسية»([526]).
ولهذا النصُّ شرح وافٍ إلى حدٍّ كبير، على إيجازه، فهو يعرِّف المرجع تعريفاً يدخل في صلبه هذا التعريف الجديد، جزءاً لا يتجزَّأ عن حدَّه، فالمرجع: «هو الإنسان الذي اكتسب من خلال جهدٍ بشري ومعاناةٍ طويلةٍ الأمد، استيعاباً حيًّا وشاملاً ومتحرِّكاً للإسلام ومصادره، وورعاً معمَّقاً يروض نفسه عليه حتى يصبح قوَّة تتحكَّم في كلِّ وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروفٍ وملابسات، ليكون شهيداً عليه»([527]).
فهذا هو المرجع الذي تحدث عنه الصدر دائماً، وهذه هي المرجعية التي أرادها، وحسب …
وله صياغة أُخرى أكثر إيجازاً بكثير، وضعها في (الفتاوى الواضحة) بعبارة «الكفاءة واللياقة من الناحية الدينية والواقعية»([528]). ولولا نصوصه المتقدِّمة لبقيت هذه العبارة معمَّاة تحتاج إلى الكثير من البيان والاستدلال لتوجيهها وجهتها المطلوبة …
وهذا ما فعله السيد محمود الهاشمي في بحثٍ جادٍّ([529]) في مواصفات وشروط المرجعية، إذ انطلق من هذه العبارة الأخيرة فقط دون الرجوع إلى النصوص المتقدِّمة لكننا سنرى كيف كانت شافعةً له مؤيدةً لنتائج بحثه.
السيد محمود الهاشمي ينطلق من مبدأ «الكفاءة واللياقة» ليثبت «في بحثٍ علميٍ دقيقٍ للمرجعية … أنَّها لا بدَّ من أن تكون في أيدي أشخاص ينبغي أن يكونوا ـ مضافاً إلى إحرازهم النواحي العلمية ـ ذوي كمالات أُخرى تبعث على لياقتهم للمرجعية … تجعله (المرجع) لائقاً لقيادة المجتمع، ولأن يصير قائداً له، شرائط خاصَّة جامعها (اللياقة والكفاءة) في قيادة مقلديه» وهذا أمر مطلوب حتى لو كان مقلِّدوه مجموعة صغيرة «فكيف إذا كانت قيادته على مستوى قيادة الدولة وحاكميَّتها؟»([530]).
ليستنتج من هذا أن القدر المتيقِّن من الدليل الشرعي على التقليد «يلغي كثيراً من هؤلاء المجتهدين التقليديين، وتشملهم أصالة عدم الحجِّية، وأصالة عدم جواز تقليدهم، وعدم حجّية فتاواهم»([531]).
ولعلَّ الظرف الذي تحدَّث فيه السيد التلميذ قد هيَّأ له فرصته الكافية لأن يثأر لأُستاذه الذي قضى وهو يحبس في صدره الكثير مما لا يطيقه الوسط الحوزوي آنذاك، فحمل قائلاً: «ليس الأمر كما نتصوَّر، حيث نذهب إلى الحوزة، ونتعلَّم قليلاً، ونتعمَّق في بعض المسائل ثم نجعل ما حصلنا عليه في الحوزة هو المبنى والمنطلق لكلِّ شيءٍ، ونغضُّ الطرف عن القضايا المهمة الأخرى كافةً التي لها دور كبير في الاجتهاد والمرجعية، ونبدأ بهتك الآخرين!».
«فما يتخيَّله بعض الفقهاء بعد أن يدرس الأُصول والفلسفة ويتعمَّق فيها، بأنه أصبح أكثر علماً في مقدمات الاجتهاد … فيكون استنباطه أفضل، إن هذا التخيُّل خاطئ في كثير من الأحيان، إذ قد يصير اجتهاده أبعد عن الواقع نتيجة تأثُّره الذهني المسبق».
ليذهب بعد النقد إلى وضع اليد على البديل، المساحة الكبيرة ذات الأهمية الفائقة في الاجتهاد، والتي أهملها التصوُّر التقليدي ـ الخاطئ ـ للاجتهاد، تلك هي الثقافة الإسلامية العامَّة في ما يتصل بالفرد والمجتمع، وهي «أقرب إلى مصادر التشريع ـ من القرآن والسُنَّة ـ وأقرب إلى الأحاديث وسيرة النبيِّ وسيرة الأئمة وعملهم وسلوكهم وتقريرهم».
ليصل بعد جولته المفصِّلة إلى النتيجة الخطيرة التي عمل السيد الشهيد على ترسيخها في الوعي العام، وهي: «أنَّ من أحاط بالمعارف الإسلامية وأجاد استيعابها، وكان فاقداً لتلك الدقائق العقلية الأصولية، يكون أعلم من الذي يتقن الأبحاث العقلية ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامَّة من المعارف الإسلامية، لأن تأثير هذه المعارف في الفقه أكبر».
يشكِّل هذا الوعي بحقٍّ ثورة ثقافية كبيرة في هذا المحيط، وعلى الرغم من أنها وجدت لها مصداقاً قوياً في ثبات مرجعيات آية الله السيد الخامنئي، إلا أنها ما تزال عصية على القبول في الوسط الحوزوي، ناهيك عن كونها قد حققت أغراضها لتكون ثقافة نافذة فيه. بل لم تفلح قوة نافذة في الحوزة في تنفيذ خطوةٍ أساسيةٍ على طريق هذه الثورة لا بدَّ من تحقُّقها على مستوى مناهج وأُصول التدريس في الحوزة، باستثناء ما وضعه صانع هذه الثورة الأول، السيد الشهيد، في حلقات الأصول، والمبادئ العامة للأصول، وعلوم القرآن.
بل هي عند مفجّرها الجديد لم تتجاوز لحظتها التاريخية التي أفرزتها، وهي ضرورة الدفاع عن مرجعية السيد الخامنئي، التي تبرِّرها تلك الاستنتاجات العلمية والواقعية. فما زالت تلك الثقافة الإسلامية العامة لا تحظى بالقدر الأدنى من القيمة في الوسط الاجتهادي والمرجعي رغم التحدِّيات الكبيرة التي واجهتها وتواجهها المرجعية في الحياة السياسية والاجتماعية المعاصرة.
الأمر الذي ينبئ بضرورة العودة من الصفر في لحظةٍ تاريخية قادمة، بعد القطيعة الحاصلة بين «نصوص الثورة» وبين الواقع المتغيِّر، مع ملاحظة أن المتغير في محيط هذه «الثورة» يعود واقعياً إلى الوراء، بعكس المتغيِّر الاجتماعي، لتعود الفاصلة أكبر مما كانت عليه لحظة الانطلاقة التجديدية.
من هنا تبرز من جديد أهمية التوصيات الأولية التي وضعها مهندس «الثورة» السيد الصدر، ضماناً لنجاحها أولاً، ولاستمرارها ثانياً، وهي:
1 ـ فكرة «العمل المسبق» من أجل قيام المرجعية الصالحة، وهي تعني «أن بداية نشوء مرجعية صالحة يتطلب وجود قاعدة قد آمنت بشكلٍ أو بآخر بهذه الأهداف (أهداف المرجعية الصالحة)([532]) في داخل الحوزة وفي الأمة، وإعدادها فكرياً وروحياً للمساهمة في خدمة الإسلام وبناء المرجعية الصالحة» إذ بدون ذلك «يصبح وجود المرجع الصالح وحده غير كافٍ لإيجاد المرجعية الصالحة» حقاً، وتحقيق أهدافها في النطاق الواسع»([533]).
2 ـ «الضمان المستقبلي» والذي يعني «أن يهيَّأ المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدأ ممارسة مسؤولياته من حيث انتهى المرجع السابق، بدلاً من أن يبدأ من الصفر …» ([534]).
أما الجهد الأكثر سعةً في ترسيخ هذا المفهوم الجديد للمرجعية، فهو الذي بذله السيد محمد حسين فضل الله، وهو صاحب السيد الصدر القريب من أجوائه، وقد أفاد منه كثيراً أيام دراسته في العراق. فقد أظهر جهداً كبيراً في تجسيد صورة المرجع الواسع الاطلاع على ثقافة عصره، الحاذق في الإجابة على أسئلته، مكَّنه من ذلك تفاعله الجادُّ مع هذه الأُطروحة، وزاده الثقافي الواسع ومتابعاته المتنوِّعة التي ظهرت آثارها في كتب كثيرة، ومحاضرات وحوارات ملأت مجلداتٍ كبيرة.
فهو يرى: «أن المرجع لا بد أن يكون رائداً في أية قضيةٍ من قضايا المستضعفين في العالم، أو أي قضيةٍ من قضايا المسلمين في العالم، وحتى التي لا تتّصل بالواقع الشيعي أو الواقع الإسلامي، لأن المرجع الذي يحمل رسالة الإسلام لا بد أن يطلَّ على الواقع العالمي في كلِّ اهتزازاته، وفي كلِّ تيَّاراته، وفي كلّ مواقعه»([535]).
وهذا أمر لا مفرَّ للفقيه منه «باعتبار أن قضايا العصر … تمثِّل موضوعات الأحكام التي يحتاج المجتهد إلى أن يستنبطها، وإلى أن يحدِّدها كمنهج إسلامي في الحياة»([536]).
ويعيد صياغة أُطروحة السيد الصدر في أنّ المرجعية لا بد أن تكون مؤسَّسة «بحيث إن المرجع عندما يأتي، يأتي إلى مؤسسة تختزن تجارب المراجع السابقين … ليبدأ من حيث انتهى المرجع السابق، لا ليبدأ بعيداً عن كلّ التجارب السابقة»([537]).
«إن المطلوب أن يكون للمرجع الرشد الفقهي، والرشد الاجتماعي، والرشد السياسي، والرشد الحركي، مع الاستقامة الأخلاقية، والقوة الروحية، بحيث يستطيع من خلالها أن يطل على قضايا الأمة، وأن ينفتح على كلّ الخيرات، وعلى كلّ الطاقات …
وأن يكون الإنسان الذي يحمل اهتمامات الأمة في اهتماماته، ويتحرَّك مع الأمة ليعطيها غنًى في التجربة، كما يأخذ منها قِدَم التجربة، ليكون معلِّماً وتلميذاً في آنٍ واحد»([538]).
فالأمر لا يتعلَّق بالثقافة فقط، بل بالمواقف أيضاً([539]).
فبين مهندس هذه «الثورة الثقافية» وبين أحد روّادها المعاصرين تتوحّد مساحات النظر، وتشخيص البدائل … بل حتى المعاناة كانت واحدة، فهذا هو مرجع كلمات الصدر في قول فضل الله: «إنَّنا نعتقد أن اختلاف المرجعيات أوجد مشكلةً كبيرةً جدًّا في الجسم الإسلامي الشيعي، مع المحافظة على الإيجابيات الأخرى …
ولكنَّ السلبيات أكثر، ولذلك فلا بدَّ من دراسةٍ جديدةٍ فقهيةٍ للشروط التي لا بدّ من توفُّرها في المرجع وطريقة تعيينه»([540]).
الحلقة الأخيرة
يبقى السؤال الذي اشترط وجود الفقيه المجتهد بهذه المواصفات الضرورية، على رأس السلطة، لم يحسم القضية إلى الأبد … فما زال السؤال مفتوحاً يستدعي ملء الفراغ الذي سيحصل في حال عدم توفر فقيه بهذه المواصفات … فهل يصار إلى «الانتظار» ويلتقي رواد الفقه السياسي الإسلامي المعاصر مع الدعاة إلى الجمود، انتظاراً لحكومة المهدي الموعود؟
إن القول بأن هذا السؤال سابق لأوانه ليس بالقول العلمي ولا المقبول … فعلى النظرية السياسية المعاصرة أن تبحث عن شروط تكاملها … وهذا السؤال المطروح سؤال يلحّ في الأُفق، لا سيما مع هيمنة النزعة التقليدية على الفقه، والتي لم تلُح في الأفق بشائر انقلاعها، بل الإصرار قائم على حمايتها حتى من قبل الكثير من ذوي النزعات الثورية أو التجديدية.
ولسنا نتوقع الإجابة من خارج دائرة التصدي المباشر لهموم المجتمع والدولة والانخراط الفاعل في الفقه السياسي.
محمد الصدر يكمل الدائرة
الرجل الذي واصل المشوار الصدري الأول ميدانياً، وعلى مدًى أوسع، في نهضته المشهوة أخريات القرن الميلادي المنصرم، ستكون له رؤيته في وضع الحلقة الأخيرة في المشروع السياسي، حين يجيب على هذا السؤال بكل وضوح، فيقول: إن ثمة معطيات سياسية لا يملكها رجل الدين ـ في السؤال المفروض ـ فهل من الحكمة أن يتدخل رجل الدين في أمور لم يتح له أن يطلع عليها اطلاعاً وافياً؟ وهل من الحكمة أن يتورط في مواقف لم يحط بها إحاطة شاملة؟
قطعاً لا، وأنا مع مبدأ الفصل بين القيادتين، شرط أن يجعل الحاكم السياسي في خدمة الدين، لا أن يسخّر الدين في خدمة السياسة([541]).
وقد يثار بوجه هذا النص: أن صاحبه، السيد الشهيد محمد الصدر، قد قاله في ظرف استثنائي، تحت رقابة سلطة لا ترحم، ولم يكن هو في حينها في صدد مواجهتها، بل لم يكن في صدد التنظير لهذا الموضوع، وإنما قاله إجابة على سؤال صحفي في مثل تلك الأجواء، فهو إذن لا يمثّل قناعاته.
ومع إمكان الإجابة عن هذا الاعتراض بأن السيد الصدر الثاني لم يصرّح في أجواء أخرى لاحقاً بخلافه، إلا أنه ليس ثمة ما يبرر الإصرار على تحميله إياه، وإنما سننطلق منه فقط في أجواء هذه الإثارة، وبنحو لا يقلل من أهمية نتائجه عدم صحة هذا النص، أو عدم تمثيله قناعات صاحبه …
إنه على أي حال مبدأ جديد، يمنح الشرعية للفصل بين القيادتين الدينية والسياسية، في حالة عدم توفر القيادة الدينية المؤهّلة سياسياً، وهو مبدأ مختلف تماماً عما رأيناه عند الدستوريين، الذين كانوا يخططون للحؤول دون استبداد الحاكم اللاشرعي، دون أن يمنحوه الشرعية في ظل هذا النظام الدستوري، فالحاكم في التصور الأخير حاكم غير شرعي، لا يتمتع بالشرعية في الحكم بناءً على أن الشرعية محصورة في ولاية الفقيه العادل، وبما أن الفقيه العادل غير قادر على مزاولة السلطة مع وجود الحاكم المتسلّط، فإنه يلجأ إلى الحد من سلطته الفردية عن طريق الدستور ومجلس الشورى ونحوها.
أما في الأطروحة الثانية، فإن الحاكم السياسي الذي يلتزم مبادئ الإسلام سيكون حاكماً شرعياً، وتكون سلطته مشروعة، بهذا القيد، وسوف لا يكون مغتصباً لحق الفقيه العادل، ما دام الأخير غير مؤهل لمباشرة القيادة السياسية للبلاد.
هذه أطروحة جديدة إذن، حَرِيّةً بالدراسة الموضوعية المعمّقة، علماً أنها تلتقي مع الصورة الأخيرة عند الميرزا النائيني في إمكان إسباغ الشرعية على سلطة الحاكم، بغض النظر عن الأسلوب الذي وصل فيه إلى السلطة، بعد استجابته لإرادة الأمة في إقامة الدستور المقبول شرعياً وشعبياً، وإقامة الحياة البرلمانية … كما تلتقي أيضاً مع أطروحات علماء السنة والحركات السياسية السنية، التي حسمت الأمر عندما حصرت حق السيادة بالأمة، التي تنتخب من يمثّلها سياسياً، ليمارس الحكم على أساس من الشريعة الإسلامية وهديها.
بل إن المضيّ مع أطروحة السيد الهاشمي السابقة ينتهي بها إلى هذه النتيجة، إذ أن سياق البحث عنده ينتهي إلى القول بأن الولاية للكفاءة، وليست للفقاهة، فإذا توفرت عناصر الكفاءة في الفقيه المجتهد العادل فهو المختار، وإلا فإن غيره ممن توفر على المعارف الإسلامية العامة والمعارف الحديثة هو الأولى، الأمر الذي يمكن صياغته بمبدأ «ولاية المثقف الديني» وهي عندئذٍ ولاية شرعية، وليست غاصبة.
وليست هذه النتيجة ببعيدة عن أطروحة الشهيد الصدر، محمد باقر، التي منحت حق السيادة للأمة، مع رقابة الفقيه الجامع للشرائط، وقد علمنا أنه إنما كان يعني بالفقيه المرجع، ذلك «الإنسان الذي اكتسب، من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد، استيعاباً حيًّا وشاملاً ومتحرّكاً للإسلام ومصاره … ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات، ليكون شهيداً عليه».
وبغياب هذه المواصفات سوف يفقد الفقيه صلاحيته وأهليته لموقع الشهادة، أو الخلافة، أو الرقابة.
بل إن هذه المواصفات الضرورية، والتي لا يمكن التخلّي عنها في شروط القائد الأعلى، سوف «تلغي» بحسب استنتاج السيد محمود الهاشمي «كثيراً من هؤلاء المجتهدين التقليديين» إلى المستوى الذي يتراجع بهم، بحسب النصّ نفسه، إلى «أصالة عدم الحجيّة، وأصالة عدم جواز تقليدهم، وعدم حجّية فتاواهم».
وبلا شك فإن غياب هذه المواصفات لدى فقهاء حقبة ما، لا يسلب حق الأمة في السيادة على نفسها، وحقها في تحقيق استقلالها وصيانة أمنها وهويتها في إطار نظام يقوم على أساس الإسلام، وعندئذٍ تترشح النتيجة الأخيرة لأبحاث السيد الهاشمي، والتي نصّت على «أن من أحاط بالمعارف الإسلامية، وأجاد استيعابها، وكان فاقداً لتلك الدقائق العقلية الأصولية، يكون أعلم من الذي يتقن الأبحاث العقلية، ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامة من المعارف الإسلامية، لأن تأثير هذه المعارف في الفقه أكبر».
من كل هذا فإن الكفاءة العملية، والاستيعاب الحقيقي لمتغيرات الحياة ومستلزماتها، يلازمهما الإدراك الكافي للمعارف الإسلامية العامة، هي المواصفات التي تؤهل صاحبها لموقع القيادة العليا … وعندئذ يبقى المتضلِّع بدقائق الفقه مرجعاً في حدود تخصصه ودائرة اهتماماته الفعلية التي أثبت فيها قدرات لا تستغني عنها الأمة أو سلطتها السياسية المنتخبة … وهذا هو معنى الفصل بين السلطتين، الدينية والسياسية، الأمر الذي قد لا تستغني عنه الأمة في بعض حقب عمرها، وتقلبات أيامها …
وبه نكون قد وضعنا الحلقة الأخيرة في إطار النظريات المطروحة حتى الآن في أساس نظام الحكم في الإسلام، وطبيعته.
ختاماً
كان هذا جمعاً مركزاً، وتبويباً جديداً، للمشروع السياسي عند رائد النهضة الفكرية الإسلامية المعاصرة … حاولنا التركيز فيه على صلب المشروع، وما يدور حوله، ليس فقط رغبة في إحياء تراث صاحبه، وهو الجدير بالإحياء، بل لحاجتنا المعاصرة إلى مشروع متكامل، أعطى الأمة حقّها المشروع في النظام السياسي، في عهد يتهم فيه الإسلام بالاستبداد السياسي والاستبداد الديني معاً، من قبل أنظمة تحمل الديمقراطية شعاراً، إضافة إلى ما نشهده من نكوص في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، الذي أصبح أكثر من أي وقت مضى بأمسّ الحاجة إلى الارتكاز على أطروحة نظرية شاملة ومعمقة في الفكر السياسي …
نرجو أن نكون قد وفقنا إلى ذلك … والله من وراء القصد.
صائب عبد الحميد
وهنا نورد بحثاً قيماً للشهيد السيد محمد باقر الصدر حول الإمام المهدي (عج)
بحث حول المهدي
ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهامٍ فطري([542])، أدرك الناس من خلاله ـ على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب ـ أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تُحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناءٍ طويل.
بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشدّ الأيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسّرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود([543])، تُصفّى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الإنسانية على مرّ الزمن، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين أفراد الإنسان.
وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلئ قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً([544])، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية يحوله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة. فهو مصدر عطاء؛ لأن الإيمان بالمهدي يرفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها، وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب([545])؛ لأنه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الإنسان، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما ادلهمّت الخطوب وتعملق الظلم؛ لأن اليوم الموعود يثبت أن بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد([546])، وأن الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدّراته، فهو حالة غير طبيعية، ولا بد أن ينهزم([547]).
وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده، تضع الأمل كبيراً أمام كلّ فرد مظلوم، وكل أمة مظلومة، في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء.
وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه، فإن معالمها التفصيلية التي حددها الإسلام جاءت أكثر إشباعاً لكلّ الطموحات التي انشدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني، وأغنى عطاء، وأقوى إثارة لأحاسيس المظلومين والمعذبين على مرّ التاريخ.
وذلك لأن الإسلام حوَّل الفكرة من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في مستقبل البعيد المجهول إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلّعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود، واكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم. فلم يعد المهدي فكرة تنتظر ولادتها، ونبوءة تتطلع إلى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذّبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمدّ يده إلى كلّ مظلوم، وكل محروم([548])، وكلّ بائس، ويقطع دابر الظالمين.
وقد قُدّر لهذا القائد المنتظر أن لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للآخرين حياته على الرغم من أنه يعيش معهم انتظاراً للّحظة الموعودة.
ومن الواضح أن الفكرة بهذه المعالم الإسلامية، تقرّب الهوّة الغيبية بين المظلومين كلّ المظلومين والمنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الانتظار.
ونحن حينما يراد منا أن نؤمن بفكرة المهدي، بوصفها تعبيراً عن إنسان حي محدد يعيش فعلاً كما نعيش، ويترقب كما نترقب، يراد الإيحاء إلينا بأن فكرة الرفض المطلق لكل ظلم وجور التي يمثلها المهدي، تجسدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث([549])، وأن الإيمان به إيمان بهذا الرفض الحي القائم فعلاً ومواكبا له.
وقد ورد في الأحاديث الحثّ المتواصل على انتظار الفرج، ومطالبة المؤمنين بالمهدي أن يكونوا بانتظاره. وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحية، والصلة الوجدانية بينه وبين القائد الرافض، وكل ما يرمز إليه من قيم، وهي رابطة وصلة ليس بالإمكان إيجادها ما لم يكن المهدي قد تجسد فعلاً في إنسان حيّ معاصر([550]).
وهكذا نلاحظ أن هذا التجسيد أعطى الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها مصدر عطاءٍ وقوة بدرجة أكبر، إضافة إلى ما يجده أي إنسان رافض من سلوة وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحسّ أن إمامه وقائده يشاركه هذه الآلام ويتحسس بها فعلاً بحكم كونه إنساناً معاصراً، يعيش معه وليس مجرد فكرة مستقبلية.
ولكن التجسيد المذكور أدى في نفس الوقت إلى مواقف سلبية تجاه فكرة المهدي نفسها([551]) لدى عدد من الناس، الذين صعب عليهم أن يتصوروا ذلك ويفترضوه.
فهم يتساءلون!
إذا كان المهدي يعبر عن إنسان حيّ، عاصر كل هذه الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من عشرة قرون، وسيظل يعاصر امتداداتها إلى أن يظهر على الساحة، فكيف تأتّى لهذا الإنسان أن يعيش هذا العمر الطويل، وينجو من قوانين الطبيعة التي تفرض على كل إنسان أن يمرّ بمرحلة الشيخوخة والهرم، في وقت سابق على ذلك جداً، وتؤدي به تلك المرحلة طبيعياً إلى الموت؟ أو ليس ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية؟([552]).
ويتساءلون أيضاً!
لماذا كل هذا الحرص من الله ـ سبحانه وتعالى ـ على هذا الإنسان بالذات؟ فتعطل من أجله القوانين الطبيعية([553])، ويفعل المستحيل لإطالة عمره والاحتفاظ به لليوم الموعود، فهل عقمت البشرية عن إنتاج القادة الأكفاء؟ ولماذا لا يترك اليوم الموعود لقائد يولد([554]) مع فجر ذلك اليوم، وينمو كما ينمو الناس، ويمارس دوره بالتدريج حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً؟
ويتساءلون ايضاً!
إذا كان المهدي اسماً لشخص محدد هو ابن الإمام الحادي عشر([555]) من أئمة أهل البيت عليهم السلام الذي ولد سنة (256هـ) ([556]) وتوفي أبوه سنة (260هـ)، فهذا يعني أنه كان طفلاً صغيراً عند موت أبيه، لا يتجاوز خمس سنوات، وهي سن لا تكفي للمرور بمرحلة إعداد فكري وديني كامل على يد أبيه، فكيف وبأي طريقة يكتمل إعداد هذا الشخص([557]) لممارسة دوره الكبير، دينياً وفكرياً وعملياً؟.
ويتساءلون أيضاً!
إذا كان القائد جاهزاً، فلماذا كل هذا الانتظار الطويل مئات السنين؟
أوليس في ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعية ما يبرّر بروزه([558]) على الساحة وإقامة العدل على الأرض؟
ويتساءلون أيضاً!
كيف نستطيع أن نؤمن بوجود المهدي، حتى لو افترضنا أن هذا ممكن؟ وهل يسوغ لإنسان أن يعتقد بصحة فرضية من هذا القبيل دون أن يقوم عليها دليل علمي أو شرعي قاطع؟([559]) وهل تكفي بضع روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعلم مدى صحتها([560]) للتسليم بالفرضية المذكورة؟
ويتساءلون أيضاً بالنسبة إلى ما أعدّ له هذا الفرد من دور في اليوم الموعود!
كيف يمكن أن يكون للفرد هذا الدور العظيم الحاسم في حياة العالم؟! مع أن الفرد مهما كان عظيماً لا يمكنه أن يصنع بنفسه التاريخ، ويدخل به مرحلة جديدة، وإنما تختمر بذور الحركة التاريخية وجذوتها في الظروف الموضوعية وتناقضاتها، وعظمة الفرد([561]) هي التي ترشحه لكي يشكل الواجهة لتلك الظروف الموضوعية، والتعبير العملي عما تتطلبه من حلول؟
ويتساءلون أيضاً!
ما هي الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من تحوّل هائل وانتصار حاسم للعدل ورسالة العدل على كل كيانات الظلم والجور والطغيان، على الرغم مما تملك من سلطان ونفوذ، وما يتواجد لديها من وسائل الدمار والتدمير، وما وصلت إليه من المستوى الهائل في الإمكانات العلمية والقدرة السياسية والاجتماعية والعسكرية؟([562]).
هذه أسئلة قد تتردد في هذا المجال وتقال بشكل وآخر، وليست البواعث الحقيقية لهذه الأسئلة فكرية فحسب، بل هناك مصدر نفسي لها أيضاً، وهو الشعور بهيبة الواقع المسيطر عالمياً، وضآلة أي فرصة لتغييره من الجذور، وبقدر ما يبعثه الواقع الذي يسود العالم على مرّ الزمن هذا الشعور، تتعمق الشكوك وتترادف التساؤلات. وهكذا تؤدي الهزيمة والضآلة والشعور بالضعف لدى الإنسان إلى أن يحس نفسياً بإرهاق شديد، لمجرد تصور عملية التغيير الكبرى للعالم التي تفرغه من كل تناقضاته، ومظالمه التاريخية، وتعطيه محتوى جديداً قائماً على أساس الحق والعدل، وهذا الإرهاق يدعوه إلى التشكك في هذه الصورة ومحاولة رفضها لسبب وآخر.
ونحن الآن نأخذ التساؤلات السابقة تباعاً؛ لنقف عند كل واحد منها وقفة قصيرة بالقدر الذي تتسع له هذه الوريقات.
المبحث الأول
كيف تأتّى للمهدي هذا العمر الطويل؟
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمر بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معانٍ: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحققه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر([563]).
وأقصد بالإمكان العلمي: أن هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إن اتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك؛ لأن الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلا فارق درجة، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلا مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً([564]).
وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن علمياً، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصور علمياً، وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثل الواقي هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية ـ أي سابقة على التجربة ـ ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي؛ لأن العقل يدرك ـ قبل أن يمارس أي تجربة ـ أن الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي؛ لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وإنما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أن الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.
ولا شك في أن امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً؛ لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض؛ لأن الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شك أيضاً ولا نقاش في أن هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا تستطيع أن تمدد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلا بقدر ما هو مألوف.
وأما الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفض ذلك من الناحية النظرية([565]). وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه ـ بعد أن تبلغ قمة نموها ـ أن تتصلب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطل في لحظة معينة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي؟ أو أن هذا التصلب وهذا التناقض في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف؟ أو ما يقوم به من عمل مكثف أو أي عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، وبصفة نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة، فهذا يعني أن بالإمكان نظرياً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلك المؤثرات المعينة، أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الأخرى، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها، بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول:
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو ـ على افتراض وجوده ـ قانون مرن؛ لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية؛ ولأن العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنية، قد تأتي مبكرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلا في فترة متأخرة، حتى إن الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة، ولا تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نصّ على ذلك الأطباء([566]). بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية؛ وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أنّ تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائنٍ معقد معين كالإنسان، فليس ذلك إلا لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أخرى. وهذا يعني أن العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانوني طبيعي للخلية الحية نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخص من ذلك: أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلا أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي عليه الصلاة والسلام وما أُحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكان عملي تدريجياً، لا يبقى للاستغراب محتوى إلا استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحول الإمكان النظري إلى عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى إمكان مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام ـ الذي صمم عمر هذا القائد المنتظر ـ حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب: أنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.
أوليست الشريعة ككل قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟([567]).
أوَلم تناد بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلا بعد مئات السنين؟.
أولم تأت بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلا قبل برهة وجيزة من الزمن؟
أولم تكشف رسالة السماء أسرارا من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثمّ جاء العلم ليثبتها ويدعمها؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة ـ سبحانه وتعالى ـ أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي؟([568]). وأنا هنا لم أتكلم إلا عن مظاهر السبق التي نحسها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك أنها تخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والإسراء([569]) إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعية، فهو يعبّر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه([570]) إلا بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن!
أوَليس الدور التغييري الحاسم الذي أُعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرّت بهم من تطورات التاريخ؟
أوَليس قد أُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإنّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد([571]) تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟
ولا أدري!
هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح، الذي نصّ القرآن الكريم([572]) على أنه مكث في قومه ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً، وقدر له خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.
والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي؟([573]).
المبحث الثاني
المعجزة والعمر الطويل
وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه، وتغيِّر من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن إطالة عمر الانسان ـ كنوح أو المهدي ـ قروناً متعددة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على حياة الشخص الذي أُنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسُنّة([574])، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويا، وقد عطل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم عليه السلام حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 69]. فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذى، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، فَفُلِق البحر لموسى([575])، وشُبّه للرومان أنهم قبضوا على عيسى([576])، ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم([577]). كلّ هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وقد يمكن ان نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة الله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمته التي أُعد لها، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعد لها ربانياً فإنه سيلقي حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية.
ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطل القانون؟([578])، وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية؟ وهل هذه إلا مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدد هذه العلاقة الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية؟!
والجواب: إن العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك: أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أخرى يستدل بهذا الاطراد على قانون طبيعي، وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها؛ لأن الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلم إثباتها، ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون الطبيعي ـ كما يعرّفه العلم ـ لا يتحدث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين([579])، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.
والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية.
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطرد اقتران إحداهما بالأخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطّرد([580]) بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية.
وبهذا تصبح المجزة حالة استثنائية لهذا الاطراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة.
واما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء([581]) فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أن الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنا نرى أنه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر أخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة.
المبحث الثالث
لماذا كل هذا الحرص على إطالة عمره؟
ونتناول الآن السؤال الثاني، وهو يقول:
لماذا كل هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات، فتعطل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره؟ ولماذا لا تترك قيادة اليوم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل، وتنضجه إرهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظر.
وبكملة أخرى: ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة وما المبرر لها؟
وكثير من الناس يسألون هذا السؤال وهم لا يريدون أن يسمعوا جواباً غيبياً، فنحن نؤمن بأن الأئمة الاثني عشر مجموعة فريدة([582]) لا يمكن التعويض عن أي واحد منهم، غير أن هؤلاء المتسائلين يطلبون بتفسير اجتماعي للموقف، على ضوء الحقائق المحسومة لعملية التغيير الكبرى نفسها والمتطلبات المفهومة لليوم الموعود.
وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الأئمة المعصومين([583]) ونطرح السؤال التالي:
إننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها، هل يمكن أن نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدخر عاملاً من عوامل إنجاحها، وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر؟
ونجيب عن ذلك بالإيجاب، وذلك لعدة أسباب منها ما يلي:
إن عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها، مشحوناً بالشعور … بالتفوق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعِدّ للقضاء عليها، وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد.
فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من الشعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها، وإحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسية([584]) على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر.
من الواضح أن الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلما كانت المواجهة لكيان أكبر ولحضارة أرسخ وأشمخ تطلبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم.
ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة، فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشؤوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحق بها؛ لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها؛ لأنه ولد وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبارة، وفتح عينه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.
وخلافاً لذلك، شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثم تداعت وانهارت([585])، رأى ذلك بعينه ولم يقرأه في كتاب التاريخ …
ثم رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكون الفصل الأخير من قصة الإنسان قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبين…
ثم شاهدها وقد اتخذت موقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو وتظهر …
ثم عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب النكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة أخرى…
ثم واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله، فإن شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق ـ الذي يريد أن يصارعه ـ من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسه لا في بطون كتب التاريخ فحسب، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً، ولا كما كان ينظر (جان جاك روسو) ([586]) إلى الملكية في فرنسا، فقد جاء عنه أنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذٍ؛ لأن (روسو) هذا نشأ في ظل الملكية، وتنفس هواءها طيلة حياته، وأما هذا الشخص المتوغل في التاريخ، فله هيبة التاريخ، وقوة التاريخ، والشعور المفعم بأن ما حوله من كيان وحضارة وليد يوم من أيام التاريخ، تهيأت له الأسباب فوجد، وستتهيأ الأسباب فيزول، فلا يبقى منه شيء كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد، وأن الأعمار التاريخية للحضارة والكيانات مهما طالت فهي ليست إلا أياماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل.
هل قرأت سورة الكهف؟
وهل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى([587])؟ وواجهوا كياناً وثنياً حاكماً، لا يرحم ولا يتردد في خنق أي بذرة من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك، فضاقت نفوسهم ودبّ إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمام أعينهم، ولجؤوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول، وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحق ويصفي كل من يخفق قلبه للحق.
هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم؟
إنه أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين([588]) في ذلك الكهف، ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة، بعد أن كان ذلك الكيان الذي بهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط، وأصبح تاريخاً لا يرعب أحداً ولا يحرك ساكناً، كل ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره، ويروا انتهاء أمره بأعينهم ويتصاغر الباطل في نفوسهم.
ولئن تحققت لأصحاب الكهف هذه الرؤية الواضحة بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدّ حياتهم ثلاثمائة سنة، فإن الشيء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذي يتيح له أن يشهد العملاق وهو قزم والشجرة الباسقة وهي بذرة، والإعصار وهو مجرد نسمة([589]).
أضف إلى ذلك أن التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارة المتعاقبة، والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القيادية لليوم الموعود؛ لأنها تضع الشخص المدخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوة، ومن ألوان الخطأ والصواب. وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها، وكل ملابساتها التاريخية.
ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معينة هي رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأولى، قد بنيت شخصيته بناءً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضارة التي قدر لليوم الموعود أن يحاربها.
وخلافاً لذلك، الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتنفتح أفكاره ومشاعره في إطاره، فإنه لا يتخلص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها، وإن قاد حملة تغييرية ضدها.
فلكي يضمن عدم تأثير القائد المدخر بالحضارة التي أُعد لاستبدالها، لا بد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءً كاملاً في مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته([590]).
المبحث الرابع
كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟
ونأتي الآن على السؤال الثالث القائل: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر مع أنه لم يعاصر أباه الإمام العسكري إلا خمس سنوات تقريباً؟ وهي فترة الطفولة التي لا تكفي لإنضاج شخصية القائد، فما هي الظروف التي تكامل من خلالها؟
والجواب: إن المهدي عليه السلام خلف أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنه كان إماماً بكل ما في الإمام من محتوى فكري وروحي في وقت مبكر جداً من حياته الشريفة.
والإمامة المبكرة ظاهرة سبقه إليها عدد من آبائه، فالإمام محمد ابن علي الجواد عليه السلام تولى الإمامة وهو في الثامنة من عمره([591])، والإمام علي بن محمد الهادي تولى الإمامة وهو في التاسعة([592]) من عمره، والإمام أبو محمد الحسن العسكري([593]) والد القائد المنتظر تولى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويلاحظ أن ظاهرة الإمامة المبكرة بلغت ذروتها في الإمام المهدي والإمام الجواد، ونحن نسميها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهدي عليه السلام تشكل مدلولاً حسيًّا عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نطالب بإثباتٍ لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أمة([594]). ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية:
أ ـ لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزاً من مراكز السلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميين، وخلافة الخلفاء العباسيين، وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي، والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام، وقيادته على أسس روحية وفكرية.
ب ـ إن هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد تشكل تياراً فكرياً واسعاً في العالم الإسلامي، يضم المئات من الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذٍ، حتى قال الحسن بن علي الوشا: إني دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ([595]) كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.
جـ ـ إن الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تمثله من قواعد شعبية في المجتمع الإسلامي، تؤمن بها وتتقيد بموجبها في تعيين الإمام والتعرف على كفاءته للإمامة، شروط شديدة؛ لأنها تؤمن بأن الإمام لا يكون إماماً إلا إذا كان أعلم علماء عصره([596]).
د ـ إن المدرسة وقواعدها الشعبية كانت تقدم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة؛ لأنها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكل خطاً عدائياً، ولو من الناحية الفكرية على الأقل، الأمر الذي أدى إلى قيام السلطات وقتئذٍ وباستمرار تقريباً بحملات من التصفية والتعذيب، فقتل من قتل، وسجن من سجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات. وهذا يعني أن الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت كان يكلفهم غالياً([597])، ولم يكن من الإغراءات سوى ما يحس به المعتقد أو يفرضه من التقرب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
هـ ـ إن الأئمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلا أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمتحدثين عن كل واحد من الأئمة الأحد عشر، ومن خلال ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفاره من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحية أخرى، وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنورة عندما يؤمون الديار المقدّسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحج([598])، كل ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعه الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.
و ـ إن الخلافة المعاصرة للأئمة كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدراتها، وعلى هذا الأساس بذلت كل جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحملت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرها تأمين موقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرة للأئمة([599]) أنفسهم على الرغم مما يخلفه ذلك من الشعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.
إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشك، أمكن أن نخرج بنتيجة وهي: أن ظاهرة الإمام المبكرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً من الأوهام؛ لأن الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك التيار الواسع، لا بد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدم من أن الأئمة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللأضواء المختلفة أن تسلط على حياتهم وموازين شخصيتهم.
فهل ترى أن صبياً يدعو إلى إمامة نفسه وينصب منها علماً للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبي الإمام([600])؟ وهب أن الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمر المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تتكشف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام وسائر الناس؟ وهل من المعقول أن يكون صبياً في فكره وعلمه حقاً ثم لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟
وإذا افترضنا أن القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يتح لها أن تكشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبياً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدم هذا الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية. فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدرٍ كبير من ثقافة عصره لتسلم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبي اعتيادي مهما كان ذكياً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون([601])، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذ.
إن التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة([602])، هو أنها أدركت أن الإمامة المبكرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً.
والحقيقة أنها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، والتأريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها([603])، بينما لم يحدثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكرة أو واجه فيه الصبي الإمام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.
وهذا معنى ما قلناه من أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرد افتراض، كما أن هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتد عبر الرسالات والزعامات الربانية.
ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت، يحيى عليه السلام إذا قال سبحانه وتعالى: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا﴾ [سورة مريم، الآية: 12].
ومتى ثبت أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت لم يعد هناك اعتراض فيما يخص إمامة المهدي عليه السلام وخلافته لأبيه وهو صغير([604]).
المبحث الخامس
كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد؟
ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول: هب أن فرضية القائد المنتظر ممكنة بكل ما تستبطنه من عمر طويل، وإمامة مبكرة، وغيبة صامتة، فإن الإمكان لا يكفي للاقتناع بوجوده فعلاً.
فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للاقتناع الكامل بالإمام الثاني عشر على الرغم مما في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف؟ بل كيف يمكن أن تثبت أن للمهدي وجوداً تاريخياً حقاً وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس؟([605]).
والجواب: إن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك. وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق إخواننا أهل السُنّة([606])، كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسُنّة فكان أكثر من ستة آلاف رواية([607])، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشك فيها مسلم عادة.
وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر عليه الصلاة والسلام فهذا ما توجد مبررات كافية وواضحة للاقتناع به.
ويمكن تلخيص هذه المبررات في دليلين:
أحدهما إسلامي.
والآخر علمي.
فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائد المنتظر.
وبالدليل العلمي نبرهن على أن المهدي ليس مجرد أسطورة وافتراض، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية.
أما الدليل الإسلامي:
فيتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([608]) والأئمة من أهل البيت والتي تدل على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت([609]) …
ومن ولد فاطمة([610]) …
ومن ذرية الحسين([611]) …
وإنه التاسع من ولد الحسين([612]) …
وإن الخلفاء إثنا عشر([613]). فإن الروايات تحدد تلك الفكرة العامة وتشخصها في الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفظ الأئمة واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته([614]).
وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفة أو أميراً ـ على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة ـ قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية([615]) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسُنّة بما في ذلك البخاري([616]) ومسلم([617]) والترمذي([618]) وأبي داود([619])، ومسند أحمد([620]) ومستدرك الحاكم على الصحيحين([621])، ويلاحظ هنا أن البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري، وفي ذلك مغزى كبير؛ لأنه يبرهن على أن هذا الحديث قد سجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتحقق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له؛ لأن الأحاديث المزيفة التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاساً له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أن الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أن الحديث ليس انعكاساً لواقع وإنما هو تعبير عن حقيقة ربانية نطق بها من لا ينطق عن الهوى([622])، فقال: «إن الخلفاء بعدي اثنا عشر»([623]).
وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداء من الإمام علي وانتهاء بالمهدي؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول([624]) لذلك الحديث النبوي الشريف.
وأما الدليل العلمي:
فهو يتكون من تجربة عاشتها أُمة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى. ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى([625]).
إن الغيبة الصغرى تعبر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام فقد قدر لهذا الإمام منذ تسلمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظل بعيداً باسمه عن الأحداث وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله، وقد لوحِظ أن هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الإسلامية؛ لأن هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سببت هذه الغيبة([626])، المفاجئة، الإحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله، فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة، لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي([627]). وقد شغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي:
1 ـ عثمان بن سعيد العمري.
2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.
3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح.
4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.
وقد مارس هؤلاء الأربعة([628]) مهام النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي عليه السلام.
وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية([629]) في كثير من الأحيان، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير مباشرة.
ولاحظت أن كل التوقيعات والرسائل كانت ترد من الإمام المهدي عليه السلام بخط واحد وسليقة واحدة([630]) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمري هو آخر النواب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنواب معينين، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحول من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها؛ لأنها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة، وتعدهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام، وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين([631]) إلى خط عام([632])، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
والآن بإمكانك أن تقدر الموقف في ضوء ما تقدم، لكي تدرك بوضوح أن المهدي حقيقة عاشتها أُمة من الناس، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كل هذه المدة تلاعباً في الكلام، أو تحايلاً في التصرف، أو تهافتاً في النقل. فهل تتصور ـ بربك ـ أن بإمكان أكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشك، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدعون أنهم يحسونها ويعيشون معها؟!
لقد قيل قديماً: إن حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أن من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل، وكل هذه المدة، وضمن كل تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثم تكسب ثقة الجميع من حولها.
وهكذا نعرف أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمام القائد بولادته([633]) وحياته وغيبته، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد([634]).
المبحث السادس
لماذا لم يظهر القائد إذن؟
لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة؟ وإذا كان قد أعدّ نفسه للعمل الاجتماعي، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى أو في أعقابها بدلاً من تحويلها إلى غيبة كبرى، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعي والتغييري وقتئذٍ أبسط وأيسر، وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قوية، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطور العلمي والصناعي؟
والجواب: أن كل عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية لا يتأتى لها أن تحقق هدفها إلى عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.
وتتميز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجرها السماء على الأرض بأنها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية([635])؛ لأن الرسالة التي تعتمدها عملية التغير هنا ربانية، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتى أنزلت آخر رسالاتها على يدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يشكل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكل بعض التفاصيل التي تتطلبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها ـ مثلاً ـ لينين في روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الأولى وتضعضع القيصرية، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتفق له أي حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع.
وقد جرت سنة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الرباني على التقيد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقق المناخ المناسب والجو العام لإنجاح عملية التغيير، ومن هنا لم يأت الإسلام إلا بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمر قروناً من الزمن.
فعلى الرغم من قدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربانية وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب؛ لأن الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان يفرض على العمل التغييري الرباني أن يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من تدخل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أحياناً فيما يخص بعض التفاصيل التي لا تكون المناخ المناسب وإنما قد يتطلبها أحياناً التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم([636])، وإذا بيد اليهودي الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشل وتفقد قدرتها على الحركة([637])، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب([638])، إلا أن هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجو المناسب، والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكون بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية.
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي عليه السلام لنجد أن عملية التغيير التي أعد لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي أخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقت وفقاً لذلك.
ومن المعلوم أن المهدي لم يكن قد أعد نفسه لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك؛ لأن رسالته التي ادُّخِر لها من قبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي تغيير العالم تغييراً شاملاً، وإخراج البشرية كل البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل([639])، وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح وإلا لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً مساعداً، يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية.
فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديد، وهذا الشعور بالنفاذ يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجاته إلى العون، متلفتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.
ومن الناحية المادية يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كله، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة.
وإما ما أُشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأداة العسكرية التي يواجهها القائد في اليوم الموعود كلما أُجّل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نمو الشكل المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل، وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كل تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ انهار بناء حضاري شامخ بأول لمسة غازية؛ لأنه كان منهاراً قبل ذلك، وفاقداً الثقة بوجوده والقناعة بكيانه والاطمئنان إلى واقعه([640]).
المبحث السابع
وهل للفرد كل هذا الدور؟!
ونأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدمة، وهو السؤال الذي يقول: هل للفرد مهما كان عظيماً القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم؟ وهل الفرد العظيم إلاّ ذلك الإنسان الذي ترشحه الظروف ليكون واجهة لها في تحقيق حركتها؟
والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معينة للتاريخ تفسره على اساس أن الإنسان عامل ثانوي([641]) فيه، والقوى الموضوعية المحيطة به هي العامل الأساسي، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلاّ التعبير الذكي عن اتجاه هذا التعامل الأساسي.
ونحن قد أوضحنا في مواضع أُخر من كتبنا المطبوعة([642]) أن التاريخ يحتوي على قطبين: أحدهما الإنسان، والآخر القوى المادية المحيطة به. وكما تؤثر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعة في الإنسان، يؤثر الإنسان أيضاً فيما حوله من قوى وظروف، ولا يوجد مبرر لافتراض أن الحركة تبتدئ من المادة وتنتهي بالإنسان إلاّ بقدر ما يوجد مبرر لافتراض العكس، فالإنسان والمادة يتفاعلان على مرّ الزمن، وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببغاء في تيار التاريخ، وبخاصة حين نُدخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء([643]). فإن هذه الصلة تدخل حينئذٍ كقوة موجهة لحركة التاريخ. وهذا ما تحقق في تاريخ النبوات، وفي تاريخ النبوة الخاتمة بوجه خاص، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحكم صلته الرسالية بالسماء تسلم بنفسه زمام الحركة التاريخية، وأنشأ مدًّا حضارياً لم يكن بإمكان الظروف الموضوعية التي كانت تحيط به أن تتمخض عنه بحال من الأحوال، كما أوضحنا ذلك في المقدمة الثانية للفتاوى الواضحة([644]).
وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته الذي بشر([645]) به ونوّه عن دوره العظيم.
المبحث الثامن
ما هي طريقة التغير في اليوم الموعود؟
ونصل في النهاية إلى السؤال الأخير من الأسئلة التي عرضناها، وهو السؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل، وقضاء على كيانات الظلم المواجهة له.
والجواب المحدد عن هذا السؤال يرتبط بمعرفة الوقت والمرحلة التي يقدر للإمام المهدي عليه السلام أن يظهر فيها على المسرح، وإمكان افتراض ما تتميز به تلك المرحلة من خصائص وملابسات لكي ترسم في ضوء ذلك الصورة التي قد تتخذها عملية التغيير، والمسار الذي قد تتحرك ضمنه، وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً من ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبؤ العلمي بما سيقع في اليوم الموعود، وإن أمكنت الافتراضات والتصورات التي تقوم في الغالب على أساس ذهني لا على أسس واقعية عينية.
وهناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنها([646]) والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي عليه السلام في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة([647]).
وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد، وهذه النكسة تهيئ الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله ـ سبحانه وتعالى ـ التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً فتشتعل النار التي لا تبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة؛ ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. وقد وقع الابتداء في كتابة هذه الوريقات في اليوم الثالث عشر من جمادى الثانية هـ، ووقع الفراغ منها عصر اليوم السابع عشر من الشهر نفسه.
والله ولي التوفيق.
محمد باقر الصدر ـ النجف الأشراف
وقد تناول الباحث الجزائري الدكتور محمد عبد اللاوي بحث السيد محمد باقر الصدر حول المهدي بكثير من التفصيل وتحت عنوان الأبعاد الفلسفية للفكر الاجتماعي والسياسي عند الصدر ثم تطرق في ضمنها إلى مسألة الإمام المهدي.
نلاحظ، ابتداءً من السيد جمال الدين الأفغاني، بروز قابلية على استحضار الفكر الإسلامي للمفاهيم القرآنية المرتبطة بالمجتمع وبالتاريخ، وقدرة على ربط حالة الأمة الاجتماعية والسياسية والثقافية بلغة القرآن الكريم.
ثم تطور الفكر الإسلامي إلى مستوى آخر، حيث بدأ يتعامل، بشكل مباشر ومن منظور قرآني، مع المذاهب الاجتماعية والسياسية، وبدأ يرصد الآيات ويستخلص دلالاتها من أجل اكتشاف إطار للمذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي.
وتعبّر كتابات الشهيد السيد محمد باقر الصدر، في هذا السياق، عن مرحلة جديدة في تطور الفكر الإسلامي، وانتقاله من المبادئ والأفكار العامة إلى مستوى التنظير وتحديد المفاهيم، ونقد النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية.
وهنا يبرز فكر الشهيد كفكر إسلامي بالمعنى الشرعي للكلمة، فهو فكر يختلف عن التيارات، التي حاولت أن تصوغ فكراً إسلامياً بالاعتماد على مناهج فكرية غير إسلامية. فهذه التيارات تبرّر الواقع باسم التوفيق بين الإسلام والمعاصرة، أما فكر الشهيد فهو فكر يرفض كلّ تأويل أو تفسير يختلف مع مقاصد الإسلام ومضامينه.
لقد حرص الشهيد على أن لا يسقط في فخ النزعة التوفيقية، التي سقط فيها الفلاسفة المسلمون قديماً والمحدثون في العالم الإسلامي في عصرنا. انطلاقاً من هذا التحفظ المبني على التقوى ذات الأبعاد التعبدية والمنهجية. حاول الشهيد السيد محمد باقر الصدر استنباط المفاهيم القرآنية المؤطرة والموجهة لتنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. فتصنيف الشهيد لهذه المفاهيم هو تصنيف يؤكد على وحدتها وترابطها وتكاملها. فهو يتجنب النظرة التجزيئية كما يتجنب الإسراف في التأويل والتسرع في الاستنتاج. فالفكر الاجتماعي السياسي هو جزء من كل، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر يرى أنه من الخطأ العلمي والمنهجي فصله عن النسق العام الذي يتمحور حول العقيدة الإسلامية، فالشهيد انطلق في تنظيره للمذهب الاقتصادي الإسلامي، ولسائر القضايا الاجتماعية والسياسية والفلسفية التي عالجها من استيعاب هذه القضايا في كليتها، أي في ترابطها مع كل جوانب النظرة الإسلامية إلى الكون والإنسان. فالشهيد يرى أن فهمنا وتنظيرنا للحياة الاجتماعية يتوقف على النظرة الكلية إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة لا على النظرة الانتقائية.
أصول الفقه كإطار معرفي ومنهجي للفكر
الاجتماعي السياسي
منبع النظرة الكلية
تحرر الشهيد من العائق الابستمولوجي المتمثل في فقه الفروع، والذي وقف أمام ظهور المذهب الاجتماعي الإسلامي.
فبفضل منهجية أصول الفقه وصل الفكر الإسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عند الشهيد محمد باقر الصدر إلى مستوى صياغة المفاهيم كأساس ضروري للمذهب الاجتماعي.
ذلك أن مبحث أصول الفقه هو الذي يسمح للفكر الإسلامي بطرح القضايا الاجتماعية والسياسية طرحاً كلياً لا جزئياً، فعملية التنظير الاجتماعي كانت معطلة من طرف فقه الفروع أو النزعة الفقهية، التي تتناقض مع الرؤية الكلية للقضايا في الشريعة الإسلامية.
فالشهيد، باعتماده على أصول الفقه ومنهجيته، قد اتخذ الفكر المتريث والنظرة الشمولية لصياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي على اساس احكام الشريعة. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد تمت صياغته ضمن فقه مفلسٍ، أي ضمن أصول الفقه كإطار نظري فمبحث أصول الفقه هو الذي جعل الفكر الإسلامي يستعد، منذ السيد جمال الدين الأفغاني، لاستيعاب مشكلات الحياة الإنسانية ومستجداتها والنهوض بالدور المطلوب إزاء معطيات الحضارة الحديثة.
الجمع بين الأصالة والعمق والتجديد
وقد وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى أقوى درجة من العمق في كتابات الشهيد، وهذا العمق لم يكن أبداً على حساب الإسلام ومتطلباته، بل تمت صياغة الفكر الاجتماعي السياسي لدى الشهيد ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع على العموم، وضمن أطر أصول الفقه على الخصوص.
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم تتم صياغته كفكر خارج عن بنية الفقه الإسلامي، فلا وجود عنده لفصل أو تمييز بين مصطلح الفقه ومصطلح التجديد. فقضية المذهب الاجتماعي طرحت عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر في إطار العلاقة بين الثوابت والمتغيرات، بين الأحكام والأحوال.
التجديد عند الصدر
هذا هو الفرق الأساسي بين الفكر الإسلامي والفكر المحدث، ذلك أن هذا الأخير قد طرح إشكالية التغيير والتجديد كمصطلحات يتم تحليلها وفق المنهج الوضعي، الذي لجأ إليه المحدثون كمنهج بديل عن الفكر الإسلامي بكل مكوناته. في حين أن الشهيد يطرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من موقع الاستجابة الإسلامية لمستجدات العصر وتحديات الحضارة الغربية. فهو لم يخضع الشريعة للواقع أي للإنتاج القيمي والمفهومي للتفاعلات الاجتماعية المنفصلة عن شريعة الله؛ لأن الواقع بابتعاده عن هدى الله هو واقع فاسد بالنسبة للشهيد السيد محمد باقر الصدر، وكل لجوء إليه كقوة مرجعية أي كمصدر وحيد للتنظير هو خروج عن متطلبات الشرع وإخضاع حكم الله لحكم الواقع. أي إخضاع المطلق للنسبي.
تفاعل النص مع الواقع
وهذا لا يعني أن منهجية الشهيد أحادية الجانب، تنطلق من النص دون اي اعتبار للواقع، بل على العكس فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لديه، من حيث هو فكر اجتهادي، يعطي للواقع كل ثقله شريطة أن لا تخرج عملية التنظير عن الثوابت الإسلامية. وهنا تتجلى ثورية الفكر الاجتماعي المعتمد على هذا المنهج حيث إن استجابة المفاهيم الاجتماعية والسياسية لحركة الواقع تكون دائماً من موقع تأثير الإسلام عقيدةً وعبادةً وشريعةً في حركة الواقع لا إضفاء المشروعية عليها وتبريرها.
وهكذا الفكر الاجتماعي الإسلامي الذي صاغه الشهيد هو فكر تحويل لا فكر تبرير. فكل محاولة للتقدم والخروج عن التخلف ليست في جوهرها ـ انطلاقاً من هذا المنهج ـ إلا الرجوع إلى النص وإلى عصر الرسالة، أي إعادة الانتماء للحضارة الإسلامية في مسارها السابق على الانحراف.
فالشهيد حدد مفهوم الفكر الإسلامي بوضوح ودقة، وطرح البديل الإسلامي على الصعيد النظري والمنهجي. العقلانية المرتبطة بالنص هي عقلانية مفتوحة تتمتع بقوة لاستيعاب مستجدات الحركة التاريخية. فهي ليست مجرد عقلانية خطابية، أو عقلانية مريحة تنمو في عالم المجردات.
والفكر الاجتماعي ـ السياسي المؤهل لإعادة بناء الأمة والحضارة الإسلامية هو ذلك الفكر الذي يرتبط ارتباطاً كلياً بالنص، وتتم صياغته في إطار العقلانية الإسلامية.
صياغة المفاهيم لا فقه الفروع
ومعنى هذا أن الفكر الإسلامي الذي لم يصل إلى مستوى صياغة المفاهيم من منظور أصول الفقه هو فكر عاجز عن إنتاج فكر اجتماعي ـ سياسي يحرر الأمة ويحدث نهضة الشعوب الإسلامية. فهذا الفكر عقيم ونظرته نظرة تجزيئية تتناقض مع صياغة المفاهيم وتنسيقها فصياغة المفاهيم هي الشرط الضروري لصياغة المشروع الحضاري الإسلامي.
إن تطويق العلاقة بين الدين والواقع في الإطار الضيق لفقه الفروع أحدث فجوة بين الإسلام والحضارة، بين الأمة وحركة التاريخ. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد جاء نتيجة لبعث الحياة في الفقه باستعمال وسائل الاجتهاد ومفاهيمه.
إن الصيغة الجديدة للطرح، التي تتجلى في فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي تختلف عن الفكر الإسلامي المرتبط بالنظرة التقليدية للطرح الديني. لقد كان الفكر الإسلامي قديماً فكراً مجزّءاً: فالفقه من جهة، وعلم الكلام من جهة أخرى، والفلسفة من جهة ثالثة. ولم يقدم المفكرون نظرة تركيبية لهذه الجوانب الثلاثة إلا نادراً.
تفاعل الفقه والكلام والفلسفة
والحق أن التحليل الذي تناول الفكر الإسلامي في تفاعل عناصره الفقهية والكلامية والفلسفية قد بدأ مع السيد جمال الدين الأفغاني، إلا أنه أخذ طابعه الأعمق عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي بصيغة تربط الجانب الغيبي العبادي بالجانب الفلسفي والعلمي من خلال تأكيده على ما يتضمنه الإسلام من مفاهيم عن الكون والحياة وحركة التاريخ ونهضة الحضارات وسقوطها.
هذا الموقف ليس عنصراً جديداً ومستحدثاً، بل هو موقف نابع من عمق الإسلام. فالإرشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم تفسح المجال للنظرة الشمولية وللتحليل العلمي، وتتناقض مع تقديم الدين في صورة ضبابية تحكمها القداسة من دون أن تفتح الباب للنظرة العقلانية.
اعتماد المنهج القرآني
فالشهيد باعتماده على الإرشادات المنهجية القرآنية غيّر الطرح الذي وضع فيه الدين من قبل الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي. ففتح الباب واسعاً من الناحية المعرفية والمنهجية لصياغة فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. إنه صاغ الفكر الاجتماعي السياسي خارج إشكالية طرح الواقع من خلال المفهوم وطرح المفهوم من خلال الواقع. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي كما صاغه الشهيد تمّ ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع. وهو طرح يخلق جواً جديداً؛ لاستنطاق القرآن الكريم والسنة الشريفة في كل جوانب الحياة الاجتماعية.
إن منهج التعامل مع النص أثناء محاولة تنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يشكل مصدراً لابتغاء الرشد. ويعتبر منهج التعامل مع النص العامل الأساسي والمصيري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
فالتعامل هنا معناه بناء المفاهيم وبناء المنهج البديل الذي يتأسس عليه صرح المعرفة في العلوم الاجتماعية. والمشكل المطروح هنا هو كيف يمكن للفكر الإسلامي المعاصر أن يدرك المكونات القرآنية في مضمار الفكر الاجتماعي السياسي؟ فالقرآن الكريم، بالنسبة للشهيد، لا يقف عند حد الدعوة إلى مجتمع تسوده العدالة والقيم الأخلاقية، لكنه قدم الإطار الذي يتم فيه تحول المجتمع.
فالقرآن الكريم منذ بداية النزول في المرحلة المكية تفاعل مع الواقع ومع الحياة في كل جوانبها وعمل على تغيير الواقع في ضوء متطلبات القيم والمفاهيم الربانية، وعليه يرى الشهيد أن التعامل مع القرآن الكريم من خلال دمج القضايا المطروحة على الأمة في إطارها الاجتماعي والحضاري سيفتح آفاقاً جديدة لعملية تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. وهذا النموذج في التعامل مع القرآن الكريم من منطلق شمولي نجده في التفسير الموضوعي للشهيد السيد محمد باقر الصدر.
فكرة التفسير الموضوعي للقرآن
«لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملاً في إعاقة النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملاً في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟….
إن المفسر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ أولاً بتناول النص القرآني المحدد آية مثلاً أو مقطعاً قرآنياً دون أي افتراضات أو أطروحات مسبقة، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ … العملية في طابعها العام عملية تفسير نص معين، وكأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو دور الإصغاء والتفهم، وهذا ما نسميه بالدور السلبي. المفسر هنا شغله أن يستمع لكن بذهن مضيء بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها … وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع. فهو ذو دور سلبي، والقرآن ذو دور إيجابي. والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.
وخلافاً لذلك، المفسر التوحيدي والموضوعي فإنه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة. يركز نظره على موضوع من موضوعاتت الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثم يأخذ النص القرآني، لا يتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل يطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النص القرآني حواراً (سؤال وجواب …) لا يجلس (أي المفسر) ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً … وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع واتجاهاته.
ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة ….
إذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لأن التفسير يبدأ مع الواقع وينتهي إلى القرآن. لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزلة عن الواقع، منفصلة عن تراث التجربة البشرية، بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرآن بوصفه القيم، والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع. ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائماً، قدرته على العطاء المستجد دائماً، قدرته على الإبداع؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، فإن طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات على أنه لا ينفد، وصرح القرآن الكريم بأن كلمات الله لا تنفد»([648]).
تجديد «الأصالة» لا تجديد «التلفيق»
إن منهج التعامل هذا ضرورة شرعية وعلمية وواقعية؛ لأن إعادة بناء الأمة الإسلامية عملية تقتضي التبصر في الأحداث من منظور تفاعل وتداخل عوامل إنتاج هذه الأحداث. وهنا ينبغي التمييز بين المنهج التلفيقي الانتقائي في التعامل مع النص، وهو ذلك المنهج الذي يخضع القرآن الكريم للواقع ولمفاهيم الفكر الغربي، وبين المنهج المبني على منطلق شمولي وتعبدي في علاقته مع النص: ينطلق من الواقع إلى النص ومن النص إلى الواقع كما أشار الشهيد السيد محمد باقر الصدر في النص السابق.
وقد أبعد هذا الطرح فكر الشهيد عن الانبهار بالحضارة الغربية وبالمفاهيم، التي تتضمنها سائر مذاهبها الاجتماعية والسياسية. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم يتم على حساب المفاهيم الإسلامية، بل نبع منها وتشكل بفضلها.
ومعنى هذا أن الشهيد السيد محمد باقر الصدر قد ضبط مفهوم الفكر الإسلامي والفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ضبطاً دقيقاً، حرر هذا الفكر من النزعة التوفيقية، التي تميز بها الفكر المحدث في العالم الإسلامي والتي انتهت إلى مزيج عجيب بين الإسلام والاشتراكية، أو بين الإسلام والرأسمالية، فالفكر المحدث بانبهاره بالفكر الغربي وصل إلى تغريب المصطلحات القرآنية عن طريق المفاهيم الغربية.
فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي بالاعتماد على وضع الحدود الإسلامية لمفاهيم الفلسفة الاجتماعية ـ السياسية، المفاهيم التي صاغها الشهيد تنطلق من ارتباطها بالحكم الشرعي فيما يمثله من الواجب والحلال والحرام. فهو قد عالج المشكلة الاجتماعية ـ السياسية على هذا الأساس، وانتقد الفكر الاجتماعي الغربي على هذا الأساس كذلك. وقد أدى هذا إلى صياغة الفلسفة الاجتماعية والسياسية في نطاق العلاقة بين القرآن الكريم والواقع.
وعلى عكس الفكر المحدث، الذي راح يوفق بين الإسلام والنظم الاقتصادية والاجتماعية الغربية فإن النموذج المعرفي، الذي انطلق منه الشهيد ـ وهو نموذج تمت صياغته ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع ـ جعله يواجه مشاكل الأمة الإسلامية من خلال حلول الواقعية لا المثالية. ويتضح ذلك في المصطلحات والمفاهيم والعبارات التي استخدمها الشهيد في كل كتاباته مثل: منابع القدرة في الدولة الإسلامية ومثل: مفهوم «إنسان العالم الإسلامي».
فالشهيد واجه الفكر العربي ـ من موقع الفكر الإسلامي المؤسس على جهاز مفهومي يستطيع من خلاله أن يواجه المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية خارج الشعارات العاطفية والمواقف الانفعالية.
كما أن التأكيد على خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي حرّر هذا الأخير من النزعة التوفيقية بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، فالشهيد نقد الماركسية والرأسمالية معاً، ولم يطرح أبداً إشكالية الاختيار بين هذا النظام أو ذاك. فالشهيد وقف أمام الفكر الماركسي والراسمالي موقفاً علمياً. فقد فلسف، في هذا السياق، النظرة الاقتصادية الإسلامية، وتجاوز ـ تبعاً لذلك ـ إطار الأحكام المتناثرة. لقد وقع على يد الشهيد انفتاح أصول الفقه على الفلسفة، وانفتاح الفلسفة على أصول الفقه.
إن العلاقة بين الأحكام الشرعية والمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية هي التي أدت إلى صياغة المذهب الاقتصادي والسياسي في كتابات الشهيد([649]).
* * *
المذهب الاقتصادي الإسلامي
المذهب الاقتصادي الإسلامي، الذي صاغه الشهيد يهدف إلى التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
مقولتان أساسيتان
وقد انتقد الشهيد كلاً من الراسمالية والاشتراكية من مبدأ التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وذلك نتيجة لتركيزه صياغة المذهب الاقتصادي على مقولتين أساسيتين: خلافة الإنسان، وأن المالك الحقيقي هو الله تعالى.
ربط الشهيد مبدأ الملكية الخاصة ذات الوظيفة الاجتماعية بهاتين المقولتين السابقتين. فالملكية الخاصة ذات البعد الاجتماعي هي تلك الملكية التي لا تتناقض مع العلاقات الاجتماعية المبنية على التضامن، والتي تميز الحياة الاقتصادية والسياسية للأمة.
لا شك أن الفكر الاقتصادي الإسلامي يولي أهمية كبرى للمصلحة العامة، ويربط حقوق العباد بحقوق الله. إلا أن هذا لا يعني أن المذهب الاقتصادي الإسلامي يذيب الفرد في المجتمع، فالإسلام، في نظر الشهيد، يختلف اختلافاً جذرياً عن الاشتراكية. فالملكية الخاصة وظيفية أي تلعب دوراً اجتماعياً. إلا أنها ليست ظرفية وتابعة لمرحلة تاريخية معينة، بل هي مبدأ ثابت يعبر عن قيمة الإنسان من حيث هو خليفة الله في الأرض.
فالزكاة والمصلحة العامة وتحريم الربا، كل هذه الأحكام والمفاهيم صاغها الشهيد صياغة فقهية وفلسفية؛ ليرسي عن طريقها المذهب الاقتصادي الإسلامي.
فالإسلام، في نظر الشهيد، ينبغي أن لا تبرر رؤيته الاقتصادية والسياسية باسم قيم وتصورات أجنبية عنه. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي يقوم على مبادئ وقيم إسلامية وكل محاولة للتوفيق بين الإسلام والاشتراكية أو بينه وبين الرأسمالية هي محاولة غير مشروعة ومتناقضة مع الإسلام. فالملكية الخاصة تعبير عن اهتمام الشريعة بالإنسان ومبادراته. هي حكم شرعي ثابت، إلا أنها ليست محايدة تجاه القيم الأخلاقية؛ لأن الملكية الخاصة في المذهب الاقتصادي الإسلامي الذي صاغه الشهيد هي مشروعة ومحدودة ـ في نفس الوقت ـ بمتطلبات أخلاقية تحمل طابع الواجب الديني.
ربط الاقتصاد بالأخلاق
إن ربط الاقتصاد بالأخلاق معناه أن المذهب الاقتصادي الإسلامي لا يعتبر الملكية الخاصة حقاً مطلقاً يتصرف فيه صاحبه كما يشاء، فالملكية الخاصة تتحدد من موقع وظيفتها الاجتماعية، ومن موقع مبدأ التوازن الاجتماعي.
فطرح الرؤية الإسلامية للملكية في إطار توازن العلاقات بين الفرد والمجتمع، وفي إطار العلاقة بين الحياة الاجتماعية والغيب. أدى إلى موقف نقدي رافض لكل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي؛ لأنهما نظامان يفصلان بين الحياة الاجتماعية والحياة الروحية في طرحهما للمشكلة الاقتصادية.
استقلالية الاقتصاد الإسلامي
فالشهيد طرح إشكالية تنظير المذهب الاقتصادي خارج الإطار النظري للمذهبين الاقتصاديين الراسمالي والاشتراكي. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي شيء آخر غير الرأسمالية والاشتراكية وغير ذلك:
1 ـ أنه يتمتع بمرجعية تتمثل في كلام الله الذي لا ينفد([650]).
2 ـ صياغة هذا المذهب لها حقلها النظري المتمثل في الأمة الإسلامية، وإنسان العالم الإسلامي بذهنيته وقيمه وتطلعاته.
اعتمد الشهيد إذن على النظرة الكلية والشمولية لا على النظرة التجزيئية. ومعنى هذا أن الرؤية الإسلامية للاقتصاد ليست متروكة لكل التأويلات. فهي ليست مجرد انعكاس لأخلاق المسلمين وتضامنهم، بل هي رؤية مؤطرة بمبادئ عامة وأحكام شرعية دقيقة ترسم للمجتهد الطريق لصياغة فكر اقتصادي إسلامي.
معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي
وعلى العموم، العقيدة وخلافة الإنسان والتسخير، الأخوة الإيمانية والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، كل هذه المفاهيم تشكل معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي كما صاغه الشهيد.
من هذا المنظور انتقد الشهيد الأنظمة الاشتراكية في العالم الإسلامي؛ لأنها تنظر إلى العلاقة بين الإسلام والاشتراكية نظرة تلفيقية. في حين أن الرؤية الاقتصادية الإسلامية مرتبطة شرعاً وعقلاً وبصفة جوهرية وبنيوية بالنظرة الإسلامية للكون والإنسان. صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي كما طرحها الشهيد تتم في إطار العلاقة بين العقل والشرع. وهذا الفكر الاقتصادي الإسلامي يتضمن، ضرورة، جانباً يتجاوز العقل. هو فكر اجتهادي نابع من إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع.
لا شك أن الفكر المحدث الذي راح يوفق بين الإسلام والاشتراكية انطلق من نفس هذه الإشكالية، لكن خارج إطار الاجتهاد لا داخله، فالفكر المحدث ينطلق من فكرة تكييف الإسلام مع التاريخ ومع الأنظمة الاقتصادية والسياسية، لا من الواجب الشرعي والتعبدي الذي يقتضي تكيف الواقع والتاريخ حسب متطلبات الإسلام.
شروط صياغة المذهب
فمن النظرة التعبدية للنص في علاقته بالعقل وبالواقع حدد الشهيد السيد محمد باقر الصدر الشروط الفقهية والمنهجية والفلسفية؛ لصياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي:
«إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي، لا يجوز أن ندرسه مجزّءاً بعضه عن بعض. نظير أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا، أو سماحه بالملكية الخاصة، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام. كما لا يجوز أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي، بوصفه شيئاً منفصلاً وكياناً مذهبياً مستقلاً عن كيانات المذاهب الاجتماعية والسياسية الأخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات … وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة، التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع …
فمن الخطأ أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة أهميتها، وأن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب، والتأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام.
كما يجب أن لا نفصل بين المذهب الإسلامي بصيغته العامة، وبين أرضيته الخاصة التي أعدت له، وهيأ فيها كل عناصر البقاء والقوة للمذهب … الصيغة العامة للمذهب ـ أي مذهب كان ـ تحتاج إلى أرضية وتربة، تتفق مع طبيعتها، وتمدها بالعقيدة والمفاهيم والعواطف، التي تلائمها. فلا بد لدى تقدير الصيغة العامة للمذهب أن ندرسها على أساس التربة والأرضية المعدة لها، أي ضمن إطارها العام.
وهكذا يتضح أن الاقتصاد الإسلامي مترابط في خطوطه وتفاصيله، وهو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة … ويستقيم منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي حين يدرس الاقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط، وبوصفه جزءاً من الصيغة الإسلامية العامة للحياة، التي ترتكز بدورها على التربة والأرضية، التي أعدها الإسلام للمجتمع الإسلامي الصحيح»([651]).
وهكذا فالمسألة ليست مسألة اختيار بين الإسلام والعقلانية كما يدعي الفكر الغربي والفكر المحدث التابع له في العالم الإسلامي. بل الاختيار يتم بين عقلانية مبنية على الوضعية، وهي رغم محدوديتها تطرح نفسها كمطلق، وبين عقلانية مرتبطة بالغيب وتعي، تبعاً لذلك، نسبيتها التي تشكل قوتها؛ لأنها تجعلها عقلانية مفتوحة قادرة على استيعاب حركة التاريخ والتحكم فيها.
وعلى العموم فالرؤية الإسلامية للاقتصاد لا ترتكز على مجرد نظرة أخلاقية. فالأحكام والمفاهيم المستنبطة من الشريعة عن طريق الاجتهاد تؤطر وتقود صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي.
أثر البعد الغيبي على المذهب الاقتصادي
وبفضل علاقته بالجانب الروحي وبالغيب، يمكن للمذهب الاقتصادي الإسلامي أن يساهم في طبع العلاقات الدولية بطابع إنساني. فمساهمة الفكر الاقتصادي الإسلامي كما صاغه الشهيد، يمكن أن تكون حاسمة تجاه الأزمات التي تعاني منها شعوب العالم، وتجاه علاقة الاستغلال التي تمارس على المستضعفين من طرف المستكبرين. ذلك أن الشهيد بفضل نظرته الشمولية قد كشف عن الرؤية الأخلاقية الاقتصادية الموجودة بصفة ضمنية وصريحة في الشريعة الإسلامية، تلك الرؤية التي ترى أن الإنسان هو الهدف والغاية لا الاقتصاد.
فالشهيد قد بيّن أن الملكية في مفهومها الإسلامي تختلف عن الملكية في الحضارة الغربية، حيث تقوم على التصور المادي للكون، الأمر الذي أدى بها إلى الاستناد على الإسراف والتبذير وحرية التصرف اللا أخلاقية واللا إنسانية. في حين أن الملكية في الرؤية الإسلامية هي ذات وظيفة فردية واجتماعية وروحية. إن إرجاع الملكية إلى الله (الله هو المالك الحقيقي)، ومفهوم الاستخلاف يجعلان الملكية خارج شمولية الاشتراكية التي تذيب الأفراد في المجتمع وخارج فردانية الرأسمالية، وهي تقوم بوظيفة اجتماعية طالما أن صاحبها، سواء كان فرداً أو جماعة، هو مسؤول أمام الله والمجتمع عن تصرفه. يقول الشهيد:
«… وأما المجتمع الإسلامي فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكل من المجتمعين (الرأسمالي والاشتراكي)؛ لأن المذهب الإسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول: بأن الملكية الخاصة هي المبدأ، ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاماً. بل إنه يقرر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوعة) بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكية، الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية. فهو يؤمن بالملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة ….
وليس هناك أدلّ على صحة الموقف الإسلامي من الملكية، القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة … من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية. فإن كلتا التجربتين اضطرتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية، الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما؛ لأن الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية …
والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام»([652]).
لقد كانت إحاطة الشهيد بالفكر الاجتماعي الغربي وافية ونقدية. ويتجلى عمق تحليله في تشخيصه لظاهرة الفردانية في النظام الرأسمالي وظاهرة الشمولية وذوبان الفرد في المجتمع في النظام الاشتراكي.
وينتهي الشهيد إلى أن الفكر الاجتماعي الغربي لم يحل مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما يبرز الشهيد عجز الفكر الغربي في الميدان العلمي (العلوم الإنسانية)، وهو الجانب الذي فتن كثيراً من المفكرين في العالم الإسلامي دون نقد وتفكير وإعادة النظر.
وقد أكد الشهيد على المبادئ والمفاهيم الإسلامية، لا في جانبها الروحي والتعبدي فحسب، بل الاستفادة منها لصياغة علوم اجتماعية وتوجيهها حسب متطلبات النص، ومتطلبات إنسان العالم الإسلامي.
إن ربط الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالغيب يؤدي إلى نموذج للتنمية يتناقض مع النموذج الغربي، الذي يكون فيه الإنتاج والاستهلاك غايات في ذاتها. فنموذج التنمية، كما أرسى معلمه الشهيد، مرتبط بالقيم الروحية، ووسيلة لتجسيد خلافة الإنسان لله في الأرض.
نموذج التنمية في التصور الإسلامي لا يخضع للعبث، بل لعقلانية صارمة تستمد قوتها من معنى الوجود الإنساني. فغايات النموذج التنموي ليست في ذاتها؛ لأن عملية التنمية، من حيث هي جهاد، مرتبطة بالمطلق:
«… إن اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء، لا يعني بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر، واتكاله على الظروف والفرص، وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع … بل إن هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبر في الحقيقة عن مبدأ خلافة الإنسان في الأرض، فيما يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله. ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته، التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون، لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف؛ لأن الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه … ولهذا قلنا: إن إلباس الأرض إطار السماء يفجر في الإنسان المسلم طاقاته، ويثير إمكاناته، بينما قطع الأرض عن السماء يعطل في الخلافة معناها … فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة»([653]).
وهكذا يتبين بوضوح أن صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي لا تتمثل في عملية تلفيقية بين الإسلام والمذاهب الاقتصادية الغربية. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي يتضمن عناصر ترتبط كلها بنظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي هو جزء من كل. هو عنصر من عناصر الرؤية الإسلامية للحضارة ولحركة التأريخ وللإنسان.
وعليه، فبفضل المجتهدين من أمثال الشهيد محمد باقر الصدر، الذين ساهموا في صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي، أصبح الفكر الإسلامي في المجال الاجتماعي له ما يقوله في ساحة صراع المذاهب والايديولوجيات.
* * *
النقد الجذري للفكر الغربي
وطرح البديل الإسلامي
إن نقد الشهيد لفكرة التوفيق بين الإسلام والرأسمالية، أو بين الإسلام والاشتراكية، لم يبرز من خلال نموذج صراعي محض، بل انطلق من نقد عميق للحضارة الغربية كحقل نظري لكل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
وهكذا فالصراع بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي كما يطرحه الشهيد، ليس مجرد صراع انفعالي وعاطفي، بل هو صراع عن طريق القيم والمفاهيم انطلاقاً من رؤية إلى الكون والإنسان والتاريخ.
إن الفكر المحدث في العالم الإسلامي يشبه، من بعض الوجوه، الفلسفة الإسلامية القديمة. فإذا كانت هذه الأخيرة قد انبهرت بالفلسفة اليونانية، وانتهت إلى إخضاع الدين الإسلامي لمقولات الفلسفة اليونانية. فإن الفكر المحدث في العالم الإسلامي قد انطلق في موقفه من الفكر الغربي من نفس الموقع الأبستمولوجي([654]): يحلل الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي وصيرورته من خلال النسق المعرفي والقيمي والغربي. الشيء الذي جعل الفكر المحدث فكراً تابعاً ونخبوياً عقيماً لا علاقة له بالشعوب الإسلامية، التي تكون المادة الخام لكل تنظير.
الاجتهاد كأداة للمعرفة في مقابل الوضعية
أما الفكر الإسلامي كما طرحه الشهيد فهو، بحكم اعتماده على الاجتهاد، كأداة معرفية وشرعية؛ لاستيعاب حركة التاريخ وتوجيهها، ولاستيعاب ثقافات الشعوب ومواجهة المستجدات، مؤهل لصياغة طريق جديد ـ غير الطريق الرأسمالي أو الاشتراكي ـ للتنمية والتقدم.
فالاجتهاد بمعناه الواسع هو الإطار الذي صاغ الشهيد ضمنه نقده للفكر الغربي، كما صاغ ضمنه، كذلك، الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
لقد لجأ الشهيد إلى إطار مفهومي وقيمي وفر له الإمكانيات، التي تحرر الفكر الإسلامي من سجن الوضعية وغياب البعد الروحي من النظام المعرفي.
فالشهيد يرى في هذا السياق أن صياغة الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الإسلامية لا يمكن أن تبرز إلى الوجود بمجرد تصحيحات للنظام الاشتراكي، أو بمجرد التعليق بين الاشتراكية والرأسمالية. يرى الشهيد أن الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي لا يمكن صياغته إلا نتيجة لثورة على صعيد القيم والمفاهيم تنبع من القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومعنى هذا أن الرؤية الاجتماعية السياسية الإسلامية يلازمها نموذج معرفي يختلف جذرياً عن مسلمات وبديهات النموذج المعرفي المؤسس على الوضعية.
النظامان الراسمالي والاشتراكي ينبعان، بالنسبة للشهيد، من مصدر واحد: الوضعية. فكل محاولة توفيق بين الإسلام وأحد هذين النظامين معناه إدماج الإسلام في الرؤية الوضعية لحركة التاريخ.
وهكذا بيَّن الشهيد أن نشاط الفكر الإسلامي من خلال النموذج المعرفي للفكر الغربي يؤدي إلى التلفيق والتكرار بدلاً من الإبداع والابتكار اللذين يحتاج إليهما العالم اليوم.
إن فكر الشهيد كمحاولة للبحث خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ. أي البحث عن نموذج إسلامي للاقتصاد والتطور، هي محاولة لها مشروعيتها المنهجية والعلمية ومتطلباتها الواقعية والتاريخية.
بالنسبة للشهيد، كل المفاهيم التي تتم صياغتها من منظور وضعي هي تعبير عن رؤية الخطأ والانحراف. فالنموذج الحضاري الإسلامي ومرتكزاته النظرية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة لا يمكن أن يستخرج من مجرد عملية تركيبية بين الراسمالية والاشتراكية، بل يبرز إلى الوجود نتيجة لعملية تصحيحية جذرية للخلفية الفلسفية، التي يرتكز عليها الفكر الغربي؛ لتشمل بعد ذلك المفاهيم الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وهكذا، فموقف الشهيد في هذا المجال بيّن لنا أنه انطلق ـ في صياغته للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ـ من موقع البحث عن الرؤية الإسلامية، لأن نشاط الفكر من خلال المرتكزات المنهجية والفلسفية للفكر الغربي لن ينتهي إلا إلى مسلمات وبديهيات الفكر الغربي، ولن يتحرر الفكر الإسلامي من القيم والمفاهيم، التي تقف عائقاً أمام تحرر الرأسمالية والاشتراكية من الأزمة ذات الأبعاد المعرفية والإنسانية والأخلاقية.
فالرؤية الإسلامية للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتاريخ ينبغي، حسب منهجية الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أن تتم في إطار نظري مختلف اختلافاً جذرياً عن الإطار النظري، الذي صيغت ضمنه المذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية، وبعبارة أخرى: إن صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي لا تتم باللجوء إلى الفكر الغربي، بل باللجوء إلى النص وواقع الأمة وتاريخها.
الطعنة النجلاء في قلب الماركسية
ومن هذا المنظور انتقد الشهيد النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية كأساس للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي على العموم والفكر الماركسي على الخصوص، وذلك ضمن نقده للمادية التاريخية:
«وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة، في تحليلها الاجتماعي، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها. فنادت المادية التاريخية كحقيقة مطلقة، وأعلنت عن قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية، التي لا تقبل التغيير والتعديل، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز في المجرى التاريخي الطويل للبشرية. حتى كان المفهوم الماركسي للتاريخ، نقطة انتهاء للمعرفة البشرية كلها. ولم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل: من أين نشأ هذا المفهوم الماركسي؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة.
ولو كلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك ـ كما يحتمه الحساب العلمي لاضطرت إلى القول: بأن المادة التاريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها.
وهنكذا نجد، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه. ولا تعدو هي بدورها أيضاً أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطورة تبعاً لتطورها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة للتاريخ»([655]).
وهكذا بيّن الشهيد أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي هو مجرد انعكاس سلبي لمؤثرات ظرفية أو لمرحلة تاريخية معينة. فنسبيته نسبية انعكاس لأوضاع معينة، وليست نسبية كتلك التي تلازم الفكر العلمي وتجعله منفتحاً وقابلاً للتطور.
الثابت والمتغير النص والاجتهاد
أما الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الصدر فهو يتمتع بالقوة التي تؤهله لعدم الاهتزاز أمام تحديات الواقع وحركة التاريخ، لأنه فكر مبني على العلاقة بين المطلق والنسبي، بين الثوابت والمتغيرات، بين النص والاجتهاد. فهو فكر يعي، منذ البداية، متغيراته وثوابته.
فالإسلام يحل المعادلة الصعبة التي انهزمت أمامها كل الفلسفات المتمثلة في العلاقة بين المتغير والثابت. يحلها عن طريق منهجية صاغها المفكرون المسلمون بفضل إرشادات ربانية. هذه المنهجية هي الاجتهاد.
فالشهيد عندما صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، صاغه من موقع المجتهد، وانطلاقاً من مفاهيم الاجتهاد حول الثوابت والمتغيرات. فهو لا يفكر خارج التاريخ بل بالتاريخ، لكن دون أن يسقط في فخ النزعة التاريخية؛ لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي مرتبط بالنص لا بالواقع أو بالتاريخ فحسب.
إن طريق صياغة الفكر الإسلامي المحقق لانتصار الأمة ونهضتها هو الطريق الذي تتم فيه صياغة هذا الفكر حسب شروط الدين أي من موقع الاجتهاد وعلاقة الفكر بالنص من حيث هي علاقة النسبي بالمطلق. أما الطريق الذي تستنبطه عقلانية الإنسان المنفصلة عن الله تعالى فهو دائماً طريق خاطئ يزيد في انحطاط الأمة.
اللاواقعية واللاعقلانية صفتان ملازمتان للفكر الغربي بحكم عدم ارتباطه بالمطلق، وفصله الرؤية الاجتماعية ـ السياسية عن أبعادها الميتافيزيقية.
وعلى العكس من ذلك فإن خصائص الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من الناحية المنهجية والمعرفية تتمثل في العلاقة بين العقل والدين والواقع. وتتمثل من ناحية الهدف في العمل على تجسيد متطلبات خلافة الإنسان لله في الأرض.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يسعى، بحكم هذه الخصائص، إلى صياغة منهجه للتغير حسب متطلبات الإسلام ومتطلبات الواقع شريطة أن تخضع هذه الأخيرة لمبدأ إعادة الإسلام إلى أرض الواقع، أي تكييف هذا الأخير حسب متطلبات الشريعة.
وهذا ما يجعل الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يحتوي الواقع كله؛ لأنه يستقطب كل مواقع التصور الإنساني على أساس المنهج والهدف اللذين يرتكز عليهما هذا الفكر.
ولهذا فَنَقْدُ الشهيد السيد محمد باقر الصدر للاشتراكية والرأسمالية كان من موقع النموذج الحضاري الإسلامي، لا من موقع التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فتحليله يجمع بين رفض الماركسية والرأسمالية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة من موقف معرفي يسعى إلى البحث خارج الطرح البشري للمسألة الاجتماعية والسياسية.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي هو إذن ـ بحكم مرجعيته ـ عقيدة إسلامية على مستوى المفاهيم (ومن هنا شعور المسلمين بالالتزام تجاه هذه المفاهيم).
إن مسار الفكر الاجتماعي ـ السياسي، كما طرحه الشهيد، يتجه نحو الإبداع؛ لأنه وضع نفسه في موقع متحرر وناقد لنموذج التفكير الاجتماعي ـ الغربي.
شبهة وردها
قد يقال: بأن فكرة التوجيه هي الحياة الاقتصادية والعقلنة، وإعطاء أهمية للمبادرات الفردية في إدارة الاقتصاد هي خصائص غربية واضحة، ولا يعطي الاستشهاد الدائم بالقرآن الكريم والسنة الشريفة والأحكام الفقهية المشروعية ـ الإسلامية لهذه الخصائص.
لا شك أن الجوانب والعناصر قد تكون مشتركة بين كل الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن هذه العناصر تتشكل حسب المجموعة التي تنتمي إليها وحسب نسق العلاقات، التي تربطها مع العناصر الأخرى ومع القاعدة التي يرتكز عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهي العقيدة الإسلامية بالنسبة للفكر الاجتماعي الإسلامي، وما تنتجه هذه العقيدة من مفاهيم وقيم ونظرة إلى الكون والإنسان تنعكس على نفسية الأفراد وعلى العلاقات الاجتماعية بشكل يجعل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتخذ مساراً له خصوصيته، ولا يشبه مسار الأنظمة المرتكزة على الوضعية([656]).
وعلى هذا النحو لم يعد معيار النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية معياراً من خارج المواقع فحسب (المصدر الإلهي للقيم والمفاهيم في مجال الحياة الاجتماعية ـ السياسية)، وإنما معيار يلتقي مع قانون موضوعي لتطور الواقع (ذهنية إنسان العالم الإسلامي وتطلعه إلى تجسيد متطلبات الشرعية في الواقع الحي). فهنا يلتقي الشرع مع الواقع ولا يتناقض معه([657]).
وهكذا فالإسلام والواقع (الحقل النظري المتمثل في الأمة) يوفران الأرضية لصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة تملك الاستعداد على الصعيد الذهني والنفسي لممارسة المفاهيم الاجتماعية ـ السياسية الإسلامية، ولعملية التغيير التاريخي حسب متطلبات الإسلام.
فنقد الشهيد للفكر الغربي جعل هذا الأخير معطى نسبياً، وأوضح التناقض الذي ينتج عن كل محاولة لنقل البناء الثقافي والفكري الغربي إلى العالم الإسلامي.
من الدفاع إلى الهجوم
لقد نقل الشهيد مواجهة الفكر الغربي من موقف الاستسلام والرفض الهزيل إلى موقف النقد، وطرح البديل الإسلامي في ميدان الفكر الاجتماعي ـ السياسي على العموم وميدان العلوم الاجتماعية على الخصوص، يقول السيد محمد حسين فضل الله:
«السيد محمد باقر الصدر الذي كان فكره وقلمه يمثلان النقلة المتقدمة لحركة الاتجاه الإسلامي الراشد، قد كتب في تلك الفترة كتاب فلسفتنا، الذي يعتبر بحق الكتاب الذي نقل الصراع مع الشيوعيين من أسلوب الغوغاء إلى أسلوب الفكر العلمي، مما يعطي الانطباع بأن الاتجاه الإسلامي الجديد لا يتحرك في مواجهته للشيوعية من المواقع السياسية الموجهة لمصلحة الغرب، بل يتحرك من موقع الإيمان بأن الطريق الوحيد لتحصيل القناعات العقيدية هو الحوار الفكري المبني على القواعد الجديدة»([658]).
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد يتبنى تاريخ الأمة الإسلامية ويرتبط بالجذور الحضارية للشعوب الإسلامية. وهذا الربط بين الفكر الاجتماعي والتاريخ هو ربط بين هذا الفكر والعقيدة؛ لأن التاريخ يتضمن العقيدة والعقيدة تتضمن التاريخ؛ على اعتبار أن مسار الأمة تشكل بفضل القيم والمفاهيم التي ـ تتضمنها العقيدة.
يقول الشهيد منتقداً المادية التاريخية:
«… فإن الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسالة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلّها الصحيح. ذلك أن الحل يتوقف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للإنسانية؛ لأن الدين هو الطاقة الروحية، التي تستطيع أن تعوض الإنسان عن لذائذه الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملاً في النعيم الدائم، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأن هذا الوجود المحدود الذي يضحي به ليس إلاّ تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمها التجارية المادية … وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني»([659]).
المضمون الجوهري للفكر الاجتماعي
ـ السياسي الإسلامي
الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما طرحه الشهيد هو فكر له منهج، إنه يشكل بناءً نظرياً متكاملاً، له وجهته الخاصة في الكون والمجتمع والإنسان والتاريخ، فجوهر الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يقوم في الإطار التاريخي على تصور مجتمع الخلافة، وفي الإطار الاقتصادي على الملكية المزدوجة (خاصة وعامة) وفي الإطار السياسي على الولاية التي هي دولة ـ الأمة واستمرار لدولة المدينة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى.
فهذه المفاهيم كلها تشكل مضمون الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي باستمرار بحيث لا يمكن أن يغير عنصر من هذه العناصر دون أن يحدث تغييراً جوهرياً وتحولاً في كل مرتكزات هذا البناء. وهو تحول يعني، في الحقيقة، المروق عن شرع الله.
فالبناء النظري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ليس وليد ظروف اجتماعية واقتصادية، وليس وليد مرحلة تاريخية. بل هو مجموع الثوابت، التي ترتكز عليها عملية التنظير في المجال الاجتماعي ـ السياسي.
الإنسان فاعل في الإسلام ومنفعل في الماركسية
وهذا يعني، في إطار علاقة الإنسان بالواقع وبالتاريخ، أن الإنسان هو الذي يملك مبادرة التغيير، وليست الظروف الاجتماعية أو وسائل الإنتاج كما يقول هو الحال في الماركسية، التي ترى أن المحتوى الداخلي للإنسان لا ينمو ولا يتغير إلا بعد إحداث تغيير في طريقة الإنتاج ونوعية القوى المنتجة، يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر:
«فهو (اي الإنسان) بصورة مستقلة عنها لا يمكنه أن يفكر تفكيراً اجتماعياً، أو أن يعرف ما هو النظام الأصلح؟ وإنما القوى المنتجة هي التي تملي عليه هذه المعرفة»([660]).
ونتيجة لذلك فإن الالتزام بالمصلحة الاجتماعية يزداد نمواً مع زوال الملكية الخاصة، ذلك الزوال الذي يقضي على أنانية الإنسان، والجري وراء مصالحه.
وهكذا فالماركسية ترى أن تغيير المحتوى الداخلي للإنسان؛ لنزع ميوله الفردية وزرع ميول اجتماعية مكانها هي عملية مرتبطة بعوامل خارجية (الملكية العامة) لا بالقيم الأخلاقية. وفي المقابل نرى عكس ذلك تماماً بالنسبة للنظام الرأسمالي، الذي يربط حرية التملك بالحرية المطلقة، التي ينبغي للإنسان أن يتمتع بها. فالحرية وحقّ التملك عنصران مترابطان.
ويرى الشهيد أن الإسلام يتجاوز فكرة الحرية في مفهومها الرأسمالي؛ بتأكيده على مبدأ الحرية في نطاق محدود بحدود القيم، التي تحافظ على سلامة مسيرة البشرية عبر التاريخ.
أما بالنسبة للعلاقة بين الإنسان والظروف الاجتماعية، فالشهيد يرى أن الإسلام لا ينكر تدخل هذه الأخيرة في تشكيل الإنسان وتشكيل الفكر الاجتماعي، لكن الإنسان يبقى أساس عملية التغيير لا وسائل الإنتاج ونوع الملكية، وبالنسبة للعلاقة بين الفكر الاجتماعي السياسي والمجتمع، فإن تأثير العوامل الاجتماعية هو تأثير مضبوط ـ من الناحية الشرعية والمنهجية والمعرفية ـ داخل منطقة الفراغ، التي حدّد الشرع إطارها من جهة، وحسب ثوابت الإسلام حول الكون والإنسان والتاريخ من جهة أخرى.
منطقة الفراغ ومنهجية الاستيعاب
يقول الشهيد محدداً منهجية الإسلام في استيعاب حركة التاريخ: لماذا وضعت منطقة الفراغ؟.
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه، تقوم على أساس: أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً، أو تنظيماً مرحلياً، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم. وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور. فكان لا بد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب، أن ينعكس تطور العصور فيها، ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة.
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث. بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة: لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أو إهمالاً، وإنما حددت للمنطقة أحكامها، بمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصلية، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، حسب الظروف»([661]).
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الرأسمالي والاشتراكي يحمل بذور تشيّؤ الإنسان وتحوله إلى كائن سلبي نتيجة للإطار العام الذي تشكل فيه الفكر الغربي والمتمثل في انقطاعه عن المطلق.
دور الإنسان في التغيير
إن الماركسية، بالنسبة للشهيد، لا تعطي دوراً حاسماً للإنسان في التاريخ، لأنها ترد حركة التاريخ كلها إلى البنية التحتية (الاقتصادية). ولكن الرأسمالية ليست، بالنسبة للصدر، بأحسن من الماركسية في مجال دور الإنسان في تحريك التاريخ؛ لأن الديمقراطية لا تحمل في طياتها علاج مشكلة الإنسان. ذلك لأن فكرة الديمقراطية فكرة توجد في الفراغ لأنها تفتقد الأساس الحقيقي، الذي يثبتها ويمدها بالقوة اللازمة لتقوم بدورها في تحريك التاريخ.
فالفاعلية اللازمة لتغيير الواقع تنبع من المحتوى الروحي الداخلي للإنسان بالنسبة للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. وهنا تتجلى ثوابت الفكر الإسلامي، التي صاغها الشهيد بفضل الإرشادات المنهجية من القرآن الكريم والسنة الشريفة: كالفطرة وسنن الله في الكون. يقول الشهيد مفسراً قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11].
«هذه السنة التاريخية للقرآن … بيّنت بلغة القضية الشرطية، لأن مرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية، أنه متى وجد ذلك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم»([662]).
المحتوى الداخلي والمثل العلى
وهكذا المحتوى الداخلي للإنسان هو ـ بالنسبة للشهيد ـ القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية.
إلا أن المحتوى الذهني ليس محتوى غائماً مطاطياً بدون شكل. وهنا يتساءل الشهيد: «ما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية؟. المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للإنسانية هو المثل الأعلى»([663]).
فالمحتوى الداخلي للإنسان كمحرك للتاريخ يحدده المثل الأعلى، يحدده ويحدد مدى إمكانياته وطاقاته التغييرية:
«فإنها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي. فالغايات بنفسها محركات للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً»([664]).
التطلع إلى المثل الأعلى
وهكذا ينتهي الشهيد إلى الكشف عن خصوصية مفهوم الصيرورة التاريخية في الإسلام. إنها صيرورة نابعة من تطلع النسبي إلى المطلق. إن نسبية الإنسان لا ينتج عنها إلا تطلع نسبي ومثل أعلى نسبي. وهنا يبرز دور الدين، لا في مستوى دفع الإنسان نحو المثل الأعلى فحسب، بل كذلك في تصور المثل الأعلى. فالمثل الأعلى الذي طرحه الدين يقتضي حركةً للتاريخ تفوق كل أطروحات فلسفات التاريخ الغربية، هذه الفلسفات التي تتأسس عليها المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية تفتقر إلى الواقعية والسمو.
فكلّ فكر اجتماعي يؤمن بالدور الفاعل للإنسان يرتبط حتماً بالتطلع إلى المثل الأعلى، فلا يمكن للثورة على الأوضاع وتغيير الواقع دون التطلع إلى ما يجب أن يكون، لكن أهداف هذا التطلع تتسع إلى ما لا نهاية، وتمتد حركة الإنسان، تبعاً لذلك، إلى ما لا نهاية إذا كانت (هذه الأهداف) مرسومة من طرف الدين.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لا يمكن أن يحدث التغييرات المطلوبة بالاعتماد على مجرد التصور البشري للأهداف أو للمثل الأعلى.
فالتصورات المادية للكون والحياة والإنسان، لا يمكنها أن تتجاوز حدود نسبيتها، كما لا يمكنها أن تدفع بالإنسان خارج نسبيته. في حين أن الدين يفتح مجالاً واسعاً للنسبي؛ كي يتجاوز نقصه بتطلعه إلى المطلق([665]).
وهكذا فالنسبية المنبثقة من التصور المادي للكون تحمل في داخلها بذرة فنائها، في حين أن علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب تحمل في داخلها بذرة قوتها واستمراريتها.
مفهوم الخلافة
وهكذا، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر قد حلل مفهوم خلافة الإنسان واستنبط القيم والمفاهيم، التي يتمتع بها هذا المفهوم. فالخلافة، في تحليل الشهيد، هي رؤية حضارية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الروحية مع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد طرح الشهيد الخلافة كعملية مستمرة الفاعلية في الزمان، ولذلك أصبح مفهوم الخلافة يشكل منظوراً للتاريخ؛ لأنه مفهوم حركي بتفاعله المستمر مع الواقع المتحرك.
فالخلافة تتطلب رؤية اجتماعية ـ سياسية تختلف جذرياً عن الفكر الاجتماعي الغربي. فهذا الأخير سقط في النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، فأصبح الإنسان في منظور العلوم الإنسانية الغربية مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية، ومجرد نتيجة حتمية لحركة التاريخ.
فالخلافة كما حللها الشهيد هي إطار نظري وقيمي لفكر اجتماعي سياسي يولي الأهمية للإنسان في عملية التغيير. فالخلافة لا تذيب الإنسان في الأرض أو في المجتمع، بل هو كائن في تحقق مستمر.
انطلاقاً من هذا المفهوم للخلافة صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الإطار النظري والمنهجي للاشتراكية والرأسمالية اللتين تتناقضان تناقضاً جذرياً مع مفهوم الخلافة. فالرأسمالية تؤدي بحياة الإنسان إلى التمحور حول بعد واحد هو البعد المادي، الذي لا يخرج عن الأفق الضيق للعلاقة بين الإنتاج والاستهلاك. في حين أن الاشتراكية إضافة إلى بعدها المادي، تذيب الفرد في المجتمع.
وعلى العكس من ذلك فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي الذي صاغه الشهيد مبني على مبدأ التفاعل بين الفرد والمجتمع بإعطاء الأولوية للجانب الداخلي الروحي في عملية البناء والتغيير. وهذا ما يجعل الإنسان جديراً بصنع التاريخ.
وهنا تتجلى قيمة الخلافة كمفهوم وكخلفية معرفية في مجال تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. ذلك أن الفكر الغربي الذي يؤكد على دور الإنسان في حركة التاريخ يقع في التناقض، عندما يجعل هذا الأخير مجرد نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية.
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي المفصول عن الإيمان بالله ليس مؤهلاً ـ على الصعيد المعرفي والمنهجي ـ لصياغة فلسفة للتاريخ، يكون فيها الإنسان هو أساس الحركة. في حين أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من حيث هو فكر يربط المجتمع بالغيب، ويؤكد على خلافة الإنسان، مؤهل لطرح فعالية الإنسان ودوره في حركة التاريخ أكثر من أي فكر آخر.
فالخلافة كما طرحها الشهيد معناها أن الإنسان ليس هذا الجسم فحسب وليس هذا الفكر فحسب. بل هو كائن يتمتع بقوة تؤهله للتعالي على الأوضاع؛ لينظر إليها من موقع الفاعلية، لا من موقع التأثير المنفعل فحسب.
فالإسلام، بالنسبة للشهيد محمد باقر الصدر، يؤكد على ذات الإنسان كقوة داخلية تعبر عن نفسها في المجتمع وفي التاريخ، وهذا التعبير ليس تعبيراً آلياً أحادي الجانب، بل هو نتيجة لعلاقة متبادلة بين الإنسان والواقع، علاقة يمتلك فيها الإنسان قوة المبادرة وقوة التوجيه، فارتباط الخلافة بالواقع والتجربة يعني بالدرجة الأولى أنها صيرورة لا واقع معطى.
وهكذا يمكن القول: إن الصدر صاغ منظومة مفهوم الخلافة، منظومة تشكل دعماً قوياً لإعادة بناء الفلسفة الإسلامية، التي يفتقر إليها الفكر الإسلامي المعاصر أشد الافتقار، منظومة الخلافة ليست فلسفة مجردة بعيدة عن الواقع؛ لأن الإنسان الخليفة هو كائن تجريبي يؤثر في التاريخ ويتأثر به كذلك.
يرى الشهيد أن مفهوم الخلافة يدفع العقل إلى القيام بوظائفه في كشف السنن المتحكمة في الطبيعة والمجتمع فتحقيق الخلافة لا يتم إلاّ بتسخير هذه السنن لصالح الإنسان، فالخلافة كما حللها الشهيد تتناقض مع التفسير اللاهوتي للمجتمع والتاريخ، ذلك التفسير الذي يعتمد على الغيب بمعناه المبتذل الذي يناقض الخلافة والتسخير.
الغيب القرآني والغيب اللاهوتي
وهذا الموقف هو دحض لنظرية (Auguste Comte) أوجست كونت، الذي يميز بين الحياة اللاهوتية والحالة الوضعية، على اعتبار أن في الحالة اللاهوتية تفسر البشرية الظواهر الطبيعية والاجتماعية بقوى غيبية، فتحليل الشهيد لمفهوم سنة الله وخلافة الإنسان جعله يحدد موقف الإسلام من الناحية المنهجية والمعرفية من الفلسفة الوضعية.
يرى الشهيد أن علاقة المجتمع بالغيب معناها أن الله هو الخالق والسبب النهائي للظواهر وما يحكمها من سنن ثابتة، فالغيب ليس هو السبب المباشر للظواهر في نظرية المعرفة الإسلامية التي استنبطها الشهيد في القرآن الكريم:
«… إن السنة التاريخية ربانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، سنة الله كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ، فهو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار رباني … وقد يتوهم البعض أن هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكرين المسيحيين اللاهوتيين … لكن الحقيقة أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية، وبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت، وحاصل هذا الفرق هو أن الاتجاه اللاهوتي يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادث مع بقية الحوادث … بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء … بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرر أولاً ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلا أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى … وبنائه التكويني للساحة التأريخية»([666]).
فهناك فرق بين الرؤية الإسلامية لعلاقة الغيب بالمجتمع وبالتاريخ وبين الرؤية المبتذلة للغيب، تلك الرؤية التي تفسير الظواهر الاجتماعية بالغيب بصفة مباشرة.
مبادئ وأهداف الطرح الإسلامي
إن الإسلام ـ بالنسبة للشهيد ـ لم يكتف برسم الغايات الأخلاقية للحياة الاقتصادية والسياسية، بل رسم كذلك المبادئ العامة، وقدم المفاهيم لصياغة مذهب اجتماعي ـ سياسي.
ومعنى هذا أن عملية الاجتهاد لاستيعاب المستجدات لا ينبغي أن تنطلق من مبدأ تكييف الإسلام حسب متطلبات العصر؛ بل تكييف العصر حسب متطلبات الإسلام وهذا ما جعل الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد ينطلق من مقولة التفاعل بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والروحية.
إن التركيز على الطرح الاجتماعي للقضايا في اجتهاد الشهيد حرر الفكر الإسلامي من الطرح التجزيئي أو الفردي، الذي كان عائقاً أمام صياغة مذهب اجتماعي إسلامي. فالطرح الاجتماعي للقضايا لا يرتكز فحسب على تصور الفرد الذي يسعى إلى ممارسة متطلبات الشريعة ـ بل يرتكز ـ في الأساس على تصور لنموذج حياة اجتماعية إسلامية، أي في إطار مشروع حضاري إسلامي لا في إطار النظرة التجزيئية.
ولذلك تمت صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد من موقع أصول الفقه لا من موقع فقه الفروع. فهذا الأخير تابع لأصول الفقه لا العكس.
أثر الفكر الغربي في فكر الشهيد الصدر
لا شك أن الصراع الايديولوجي والحضاري عند الغرب أثر في فكر الشهيد وجعله يجتهد؛ ليجابه التحدي بسلاح الخصم. ومن هنا كان طرحه لموقف الإسلام في ميدان الاجتماع والسياسة في مستوى إشكالية الفكر الاجتماعي الإسلامي.
هذا صحيح، إلا أن الاعتماد على مبدأ الاجتهاد في التنظير يؤهل الفكر الإسلامي للطرح الشمولي للقضايا، ويؤهله لتنظير المذهب الاجتماعي الإسلامي.
فتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية تنظيماً إسلامياً هو الشرط الضروري، الذي يسمح للأفراد بممارسة واجبات الشريعة الإسلامية.
إن الطرح الاجتماعي للقضايا عند الشهيد لا يعني إهمال الفرد أو صياغة المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي في إطار النزعة الاجتماعية، التي تتميز بها العلوم الاجتماعية الغربية، فالفرد كما يتجلى في كتابات الشهيد، يتجاوز إطار الفردية المرتبطة بالمجتمع: هو خليفة الله في الأرض. ومن هنا كانت عملية التغيير تنطلق من البناء الداخلي للفرد لتشمل البناء الاجتماعي.
وهنا تتجلّى أصالة الفكر الاجتماعي ـ السياسي لدى الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي حرر هذا الفكر الإسلامي من النموذج المعرفي الغربي (الوضعية والنزعة الاجتماعية)، وجعل عملية التنظير تتم من منظور متطلبات الشريعة في الميدان المعرفي (أصول الفقه) ومن منظور فلسفي في نفس الوقت.
ولهذا كان المذهب الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما صاغه الشهيد يختلف عن كل النظريات والمذاهب الاجتماعية ـ السياسية التي تفصل الإنسان عن جانبه الروحي، وتذيبه في كلٍّ أكبر منه هو المجتمع. لا وجود لثنائية في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي؛ لأنه لا تقابل بين الفرد والمجتمع، ولا انفصال بين الإنسان وخالقه.
وعلى الرغم من أن للفرد روحانيته التي يتعالى بها على المؤثرات الاجتماعية؛ ليؤثر فيها بدوره، إلا أن المجتمع شرط ضروري للوجود الفردي، فكل تحليل لقضايا الفرد ينبغي أن يتم في أفق التحليل الاجتماعي. لكن إذا كانت الحياة الاجتماعية ضرورية للحياة الفردية، فإنها ليست شرطاً كافياً لهذه الأخيرة. فالمجتمع شرط ضروري لوجود الأفراد وليس شرطاً كافياً.
وهنا تبرز روحانية الإنسان الخليفة الذي يختلف عن الإنسان، كما طرحته العلوم الاجتماعية الغربية، وخاصة الماركسية التي جعلته مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية.
مفهوم الأمة الإسلامية
ونتيجة لذلك، صاغ الشهيد علاقة الفرد بالمجتمع حسب المبدأ الإسلامي للحياة الاجتماعية، وهو مبدأ الأمة؛ ولهذا كانت العلاقات في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي (العلاقة بين الجمهور والدولة) مرتكزة على أخلاقية التضامن، التي تختلف عن الصراع الطبقي، كما تختلف كذلك عن النظام الاشتراكي، الذي يذيب الأفراد في المجتمع.
ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يختلف اختلافاً جذرياً عن كل الأنظمة الاقتصادية والسياسية، التي تتصور المساواة بين الأفراد من منظور آلي يذيبهم في المجتمع كحقيقة قائمة بذاتها (تأليه المجتمع).
فالإنسان، في المجتمع الإسلامي من حيث هو أمة، له غاية في ذاته، ولا يكون المجتمع تبعاً لذلك مادة خام تشكلها الدولة في أية صورة شاءت.
مفهوم الأمة ومفهوم القومية
لقد حلل الشهيد مفهوم الأمة بصفة ضمنية أو صريحة كعنصر رئيسي في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. فالصدر يرى أن القومية تختلف عن مفهوم الأمة على اعتبار أن هذا الأخير نابع من العقيدة الإسلامية، ويشكل جزءاً لا يتجزأ منها.
فالعلاقة بين مفهوم الأمة والإسلام هي علاقة دينية أي علاقة تعتبر الإسلام وحياً من عند الله بالمعنى السوسيولوجي، وهو المعنى الذي ينتهي إلى أنواع مختلفة من الإسلام، إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام بربري وإسلام إيراني … الخ. أي إسلامات سوسيولوجية. وهي إسلامات تنتج بالضرورة عن مفهوم القومية المفتت لوحدة الأمة الإسلامية.
ويتجلى التقابل بين مفهوم الأمة ومفهوم القومية بصفة واضحة في الميدان السياسي، حيث يرفض الفكر القومي مبدأ الإسلام (دين ودولة) ويتمسك بالفصل بينهما.
فالاختلاف بين مفهوم القومية ومفهوم الأمة هو اختلاف التناقض لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي المرتكز على مفهوم القومية يريد أن يغيّر المجتمع ويطوره انطلاقاً من التراث، الذي يمتد إلى ما قبل الرسالة الإسلامية، في حين أن مرجعية مفهوم الأمة، التي تتضمن تطبيق الشريعة في جوانبها العبادية والاقتصادية والسياسية هي مرجعية لا تتصور الرجوع إلى الأصل ومفهوم التراث إلاّ ابتداءً من عصر الرسالة.
فهذه المرجعية تميّز بين الإسلام وبين الجاهلية، مع العلم أن هذا المفهوم الأخير (الجاهلية) ليس مفهوماً عقائدياً فحسب، بل الجاهلية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية مبنية على النظرة المادية، وعلى الصراع بين المستضعفين والمستكبرين.
إن الفكر الذي يعتمد على القومية كإطار لحياة اجتماعية ـ سياسية للشعوب الإسلامية هو فكر ينظر إلى الإسلام نظرة ظرفية مجزأة وناقصة، في حين أن فكرة الأمة هي نتيجة لنظرة كلية وشاملة للإسلام وللحضارة الإسلامية. هي نظرة تعبر عن شمولية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، تلك الشمولية، التي جعلت الثقافة الإسلامية تستوعب الثقافات الهندية والفارسية واليونانية.
إن مفهوم الأمة كما طرحها الشهيد ليس مجرد ردّ فعل عاطفي تجاه مأساوية ظروف الشعوب الإسلامية منذ القرن التاسع عشر، بلى، هذا المفهوم جزء من العقيدة وجزء من المذهب الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
فالشهيد عالج مشروع إعادة تأسيس الدولة الإسلامية، ومشروع تحقيق الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإسلامية في إطار فكرة الأمة كخلفية حضارية لكل جوانب الحياة الاجتماعية الإسلامية.
يقول الشهيد:
«… فلا بد للأمة إذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار وانكماشها تجاه ما يتصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي ومعالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.
القومية وعاء فارغ
وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتلات السياسية في العالم الإسلامي تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساساً للتنظيم الاجتماعي، حرصاً منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري للاستعمار انفصالاً كاملاً. غير أن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية وليست فلسفة ذات مبادئ ولا عقيدة ذات أسس حيادية تجاه مختلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية.
وهي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة، وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي.
ويبدو أن كثيراً من الحركات القومية أحسّت بذلك ايضاً، وأدركت أن القومية كمادة خام بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعية ونظام اجتماعي معين، وحاولت أن توفق بين ذلك وبين أصالة الشعار الذي ترفعه وانفصاله عن الإنسان الأوروبي، فنادت بالاشتراكية العربية …
وهي تغطية فاشلة لا تنجح في استغفال حساسية الأمة؛ لأن هذا الإطار القلق ليس إلا مجرد تأطير ظاهري وشكلي للمضمون الأجنبي، الذي تمثله الاشتراكية … وإلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار، وكل المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين يوجد هناك تناقض آخر …. وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون …
وخلافاً لذلك لا يواجه النظام الإسلامي هذا التعقيد …. بل إنه إذا وضع موضع التطبيق سوف يجد في العقيدة سنداً كبيراً له وعاملاً مساعداً على إنجاح التنمية الموضوعة في إطاره …
فهناك في الواقع أخلاقية إسلامية تعيش بدرجة وأخرى داخل العالم الإسلامي … وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي … وتحويلها إلى طاقة دفع وبناء…» ([667]).
ثم يشير الشهيد إلى شمولية المنهج الإسلامي في طرحه للمشروع الحضاري:
«وإضافة إلى كل ما تقدم نلاحظ أن الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام، يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد، كأن الإسلام يمتد إلى كلا الجانبين، بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الأخرى غير الإسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من حياة الإنسان ومثله ….» ([668]).
وهكذا فالقومية ترتكز على نظرة علمانية لعلاقة الدين بالدولة، في حين لا تتصور الفلسفة السياسية الإسلامية هوية المجتمعات الإسلامية خارج الواجب الشرعي لتضامن المسلمين وأخوتهم.
إن التضامن بين المسلمين يعبر عن نفسه في الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فالأمة بنية اجتماعية ـ سياسية وثقافية مؤسسة على قيم دينية وأحكام شرعية، فالأمة الإسلامية من هذا المنظور هي المجتمع، الذي يتأسس على مبدأ الإسلام دين ودولة، وهو المبدأ الذي يشكل أساساً للفلسفة الاجتماعية والسياسية الإسلامية، فهذا المبدأ هو الذي يميّز الأمة عن القومية، فكرة القومية طرحها المحدثون في العالم الإسلامي ضمن مفاهيم سوسيولوجية (اللغة، العرق، التراث والثقافة) في حين أن الأمة طرحها الشهيد محمد باقر الصدر ضمن مفاهيم دينية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية.
فالشهيد حلل مفهوم الأمة من خلال العلاقة بين الدين والمجتمع، فهو قد طرحها كتنظيم اجتماعي ـ سياسي مثالي انطلاقاً من معطيات واقعية وشرعية: ذهنية إنسان العالم الإسلامي، حضور العصر الذهبي (دولة المدينة المنورة) في عواطف وأفكار الشعوب الإسلامية، وتطلعها لتحقيق الوحدة الإسلامية([669]).
وهكذا يتجلى الاختلاف بين مفهوم الأمة كما حلله الشهيد وبين المدينة الفاضلة في الفلسفة الإسلامية وهي المدينة التي لم تتحقق في التاريخ، فالرجوع إلى دولة المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينتهي إلى مثالية لها خصوصيتها، فهي ليست إسقاطاً لتطلعات نحو مستقبل مبهم وغير محدد، بل هي تطلع نحو تحقيق قيم تحققت في تاريخ الأمة بالفعل، وهي قابلة للتحقيق من جديد.
هذه المثالية النوعية يؤكد عليها الشهيد كثيراً، وهي موجودة بصفة ضمنية أو صريحة في فكره الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة في نظر الشهيد تستمد ثورتها من هذه المثالية، التي تدعم قوتها التعبوية، فالشهيد طرح مفهوم الأمة من أفق النظرة المستقبلية المتجذرة في الواقع (إنسان العالم الإسلامي) وفي التاريخ (دولة المدينة المنورة).
ولهذا، وعلى العكس من القومية، التي ركزت على الجانب السياسي، فإن مفهوم الأمة كما طرحه الشهيد يتضمن بالضرورة مشروعاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً، أي يقتضي مشروعاً حضارياً.
فالقومية لا تقدم مشروعاً حضاريا؛ ولذلك عمدت الدول القومية في العالم الإسلامي إلى الضغط على الشعوب؛ لتستمر في الحكم رغم التناقض الموجود بين نماذج التنمية ذات الأساس العلماني وبين ذهنية هذه الشعوب والقيم الإسلامية التي تتمسك بها.
فكر واقعي
فالشهيد السيد محمد باقر الصدر هنا لا يرجع إلى الإسلام من موقع مجرد بل يرجع إليه من خلال الواقع الذي تعيشه الأمة، ذلك الواقع الذي يشكل ذهنية إنسان العالم الإسلامي وعواطفه في قوالب إسلامية بصورة أو بأخرى. ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي طرحه الشهيد ليس فكراً مجرداً، بل هو فكر مرتبط بالواقع وبالنص. والواقع هنا هو الواقع الاجتماعي والثقافي للشعوب الإسلامية.
وهكذا فالأمة ليست قيمة دينية أو واجباً شرعياً فحسب، أو مجرد حالة عاطفية، بل هي هوية سياسية وثقافية كذلك. فمفهوم الأمة متجذر في أعماق الوعي لدى إنسان العالم الإسلامي. فالانتماء إلى الماضي يمثل عند المسلمين واجباً شرعياً يتطلب بالضرورة نموذجاً حضارياً يتماشى مع ذهنية إنسان العالم الإسلامي وتطلعاته، التي لا ينفصل فيها الجانب الروحي عن الجانب الاقتصادي والسياسي. فالفعالية الاقتصادية والتكنولوجية مطلب من مطالب الإسلام، إنها تحقق خلافة الإنسان في الأرض.
مشاريع التنمية
غير أن تجارب التنمية في العالم الإسلامي قد أخفقت، كما يرى الشهيد، بسبب عدم انطلاقها من مفهوم الأمة الإسلامية كإطار حضاري وقيمي للتحرر من التخلف([670]). فتصور المستقبل الملازم لكل محاولة تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي يقتضي الرجوع إلى تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع عملية استفزازية تفرض على الجماهير من أعلى وتستأصلها من جذورها.
ففي هذا السياق، يرى الشهيد أن نماذج التنمية كما طبقت في العالم الإسلامي سواء بثوبها الليبرالي أو الاشتراكي، هي خيانة للرسالة الحضارية للأمة الإسلامية، فالثورات ضد الاستعمار في العالم الإسلامي قامت باسم الإسلام؛ لتأسيس مجتع حسب متطلبات الشريعة، وليس من أجل انتصار الاشتراكية أو الليبرالية.
ونتيجة لذلك يرى الشهيد أن هناك علاقة بنيوية وجوهرية بين الأمة والنموذج الحضاري: شمولية الأمة معناها شمولية النموذج الحضاري الإسلامي، هذه الفكرة تعتبر واجباً شرعياً، وإلغاؤها هو إلغاء للأمة وإلغاء للإسلام.
وهنا يلجأ الشهيد إلى النصّ وإلى الواقع ليبرّر شرعاً وعقلاً حتمية لجوء الشعوب الإسلامية إلى مبدأ الأمة، وإلى النموذج الحضاري الإسلامي؛ لتحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولتحديد الرؤية السياسية ونموذج التنمية.
فالعلمانية جعلت الشعوب الإسلامية تفقد الأمل في قدرة القومية والفكر العلماني على توفير وسيلة نهضة الأمة. وعلى الرغم من اهتزاز القيم الدينية لدى الجماهير المسلمة وميوعة ذهنية إنسان العالم الإسلامي؛ إلا أن الشعوب الإسلامية ما زالت في نظر الشهيد، مرتبطة بالإسلام كدين وكهوية. فالخيار الإسلامي أقرب إلى الواقع ومعبر عن هوية الشعوب الإسلامية.
النموذج الحضاري الإسلامي مؤهل للاستمرارية والريادة؛ لأنه يتمتع ـ زيادة على بعده الروحي الثابت ـ بالمرونة، التي تسمح له باستيعاب الصيرورة التاريخية. هذا الاستيعاب ليس أحادي الجانب. لا شك أن النموذج الإسلامي يوجه الصيرورة بفضل مبادئه وقيمه ذات المصدر الإلهي، ولكنه من جهة أخرى، يثري نفسه بمعطيات التجربة التأريخية([671]) فالاجتهاد يجعل المجال مفتوحاً أمام النموذج؛ ليؤثر ويتأثر بمعطيات التاريخ، وثقافات الشعوب، وعطاءاتها من حيث هي تجارب بشرية.
إن النموذج الحضاري الإسلامي مرتبط بمفهوم الأمة وملازم له. ذلك أن مفهوم الأمة في المنظور الإسلامي، الذي صاغه الشهيد، هو مجتمع مفتوح أمام التاريخ والشعوب: فالأمة في تحقق مستمر.
الفكر السياسي
بيّن الشهيد خصوصية التصور السياسي الإسلامي، واختلافه عن الثيوقراطية والديمقراطية. فالضبط العقائدي للأمة هو الذي يحميها في مواجهتها للتيه السياسي والحضاري في نظر الشهيد.
ولهذا فتأسيس الدولة الإسلامية من حيث هي دولة الأمة، أي دولة الحضارة الإسلامية يدخل في صلب العقيدة الإسلامية. فمشكلة الدولة الإسلامية كثابت من ثوابت الإسلام ليست مطروحة ولا واردة إلا في الفكر (الإسلامي) الذي تاه في متاهات الفكر الغربي.
فلسفة الإمامة
وقد عالج الشهيد الإمامة والولاية على أساس الأدلة الاجتماعية، وحلل الأبعاد الفلسفية لهذه الأدلة من موقع إدخال القضية الاجتماعية والسياسية في صميم إيمان المؤمن. فهو لم يعالج مسألة الإمامة من خلال النص فحسب بل عالجها كذلك من خلال الموقف النقدي من التاريخ ومن خلال تحليل علمي للظروف الاجتماعية والمستوى الفكري والذهني للمسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فالإمامة حكم شرعي تمثّل حالة من الوعي الإسلامي باعتبار ارتباطها بالنبوّة وهي في نفس الوقت، ضرورة يحتمها الواقع.
وهكذا فالإمامة واجب شرعي وظاهرة تاريخية، تتطلب وجودها المرحلة اللاّحقة لعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فبهذا المعنى هي امتداد للنبوة.
فالشهيد السيد محمد باقر الصدر عالج قضية الإمامة من خلال فقه الشرع، وفقه الواقع. فمرحلة الإمامة كامتداد للنبوّة لا يمكن تصور وجودها خارج المشروع الحضاري الإسلامي، أي خارج مبدأ الإسلام دين ودولة. ومبدأ الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان([672]).
اجتهاد مفلسف
فالكفر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو اجتهاد مفلسف. فالشهيد يتناول الجانب الاجتماعي والسياسي كقضايا دينية تمسّ مصير إنسان العالم الإسلامي الدنيوي والأخروي. انطلاقاً من هذا الأساس طرح الشهيد الفكر السياسي طرحاً فلسفياً.
وهنا يتجلّى مقدار الثراء الذي فتحته كتابات الشهيد في المجال السياسي والآفاق التي فتحتها. فهذه الكتابات رفعت الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى مجابهة تحدي الفكر الغربي. لقد قاد فراغ المحتوى الفلسفي لكثير من جوانب الفكر الاجتماعي ـ الإسلامي المعاصر إلى مواقف ضعيفة، لا تتمتع بالعمق الضروري؛ لخوض معركة الصراع الإيديولوجي التي تميز هذا العصر. وهنا يتجلى بوضوح إثراء الشهيد للفكر الإسلامي المعاصر حيث أعطاه بعده الفلسفي، الذي يمثل الشرط الضروري لاستيعاب مستجدات العصر، واتخاذ المواقف النقدية تجاه الفكر الإسلامي الغربي.
التوحيد هو الأساس والغاية في النظام
التوحيد هو أساس وغاية النظام الاجتماعي الإسلامي، ومن هنا نزوع هذا النظام إلى تحرير الإنسان من استلاب الأنظمة الإسلامية والسياسية، التي يكون فيها الإنسان مقطوع العلاقة بالله، ومجرّد وسيلة ضمن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
يقول الشهيد: «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً. وهذه الحقيقة الكبرى تعتبر أعظم ثورة شنّها الأنبياء، ومارسوها في معركتهم من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان.
وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حرّ، ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه، وإنما السيادة لله وحده وبهذا يوضع حدّ نهائي لكلّ ألوان التحكم وأشكال الاستغلال، وسيطرة الإنسان على الإنسان.
وهذا السيادة لله تعالى التي دعا إليها الأنبياء تحت شعار (لا إله إلا الله) تختلف اختلافاً أساسياً عن الحق الإلهي الذي استغله الطغاة والملوك والجبابرة قروناً من الزمن؛ للتحكم والسيطرة على الآخرين، فإن هؤلاء وضعوا السيادة اسمياً لله؛ لكي يحتكروها واقعياً، وينصبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض»([673]).
فالنظام الاجتماعي ـ السياسي في الإسلام مؤسس على مبدأ خلافة الإنسان، التي ترجع الإنسان إلى مكانته الكونية.
ومن هنا يتجه النظام الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى إنشاء حضارة تلغي الاستقطاب الأحادي وتنفي أسس الاستكبار وعوامله، وما يتبعه من الاستعلاء على الحضارات الأخرى.
الدولة الإسلامية
على صعيد علاقة القيم والمفاهيم الإسلامية بالواقع، يؤكد الشهيد على أن الدولة الإسلامية هي وحدها المؤهلة لتنظيم الشعوب الإسلامية لأنها هي الدولة الوحيدة التي يتوافق محتواها القيمي والمفهومي مع ضمير الأمة وذهنية إنسان العالم الإسلامي([674]).
فالدولة عندما تكون متناقضة مع العقيدة، تتناقض كذلك مع سلوك المسلم وبنائه النفسي؛ ويؤدي ذلك إلى استحالة تحقيق النهضة وإنجاح مشاريع التنمية. فالتجارب التشريعية التي اعتمدتها الدول القومية في العالم الإسلامي خير شاهد على ذلك في نظر الشهيد. فقد أدت هذه المشاريع إلى استلاب الشعوب الإسلامية والازدياد في تخلفها وتبعيتها للغرب.
السياسة ليست إلا جزءاً من كلّ. فالدولة ليست المطلق الذي يذوب فيه النسبي كما يقول (هيجل) (Hegel)، بل هي عنصر من المشروع الحضاري الإسلامي الملازم لمفهوم الأمة، الذي له علاقة بمفهومين آخرين: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء([675]).
ومن هنا فالدولة، بالنسبة للشهيد، رسالة ذات جانبين مترابطين ومتداخلين: الجانب العقائدي والجانب السياسي، فالدولة الإسلامية بحكم أسسها العقائدية لها أهداف وغايات عقائدية وحضارية: تحرير المستضعفين وتحقّق مستمر للقيم الملازمة لخلافة الإنسان.
«ومن ناحية وظيفة الدولة ترفض إسلامياً المذهب الفردي، أو مذهب عدم التدخل المطلق (أصالة الفرد) والمذهب الاشتراكي أو أصالة المجتمع، وتؤمن بأن وظيفتها تطبيق شريعة السماء، التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع لا بوصفه وجوداً هيغلياً مقابلاً للفرد، بل بقدر ما يعبر عن أفراد، وما يضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية»([676]).
الحرية في الإسلام والديمقراطية
إن الديمقراطية من حيث هي حرية لا تلتزم بإطار قيمي معين، يمكن أن تحتضن أي فكر مهما كان اتجاهه. فالمعيار الوحيد هو اختيار الشعب له. إن فكرة تدخل الشعب في الحياة السياسية فكرة يستوعبها الإسلام كواجب شرعي بالنسبة للشهيد.
إلا أن هذا لا يعني بأن النظام السياسي الإسلامي نظام ديمقراطي بالمعنى الغربي لهذه الكلمة. فالإسلام يؤمن بالحرية ويعتبرها قيمة سياسية تجسد خلافة الإنسان لله في الأرض. فالحرية من هذا المنظور مرتبطة بالمصلحة التي حددتها الشريعة.
يقول الشهيد:
«وأما الإسلام فموقفه من الحرية يختلف بصورة أساسية عن موقف الحضارة الغربية، فهو يعني بالحرية بمدلولها السلبي، أو بالأحرى معطاها الثوري الذي يحرّر الإنسان من سيطرة الآخرين، ويكسر القيود والأغلال التي تكبل يديه. ويعتبر تحقيق هذا المدلول السلبي للحرية هدفاً من الأهداف الكبرى للرسالة السماوية بالذات: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [سورة الأعراف، الآية: 175]. بل أن يقف على صعيد العبودية المخلصة لله، مع المجموعة الكونية كلها على قدم المساواة.
فالقاعدة الأساسية للحرية في الإسلام هي: التوحيد والإيمان بالعبودية المخلصة لله الذي تتحطم بين يديه كل القوى الوثنية، التي هدرت كرامة الإنسان على مر التأريخ»([677]).
الولاية والحكم المطلق
وقد طرح الشهيد مسألة الولاية والمرجعية طرحاً بعيداً عن صورة الحكم المطلق الذي يوحي بالاستبداد. فمن خلال تحديده لمفهوم الحرية في الإسلام، وتحديده لخلافة الأمة، وصل الشهيد إلى طرح مفهوم ولاية الفقيه طرحاً يستوعب عطاءات العصر في تنظيم الحكم. فالأسس الفقهية والمجال الاجتهادي الذي صاغ فيه مفهوم الدولة الإسلامية ومفهوم الولاية، كل هذه العوامل جعلت الولاية والاستبداد مفهومين متناقضين إلى درجة أن مفهوم الولاية، لا يمكن تصوره بدون مقولة الجماهير. فالحقل النظري في الميدان السياسي، يجعل الولاية مطلباً جماهيرياً إلى جانب كونها مقولة شرعية. وهكذا تشكل الولاية، والدولة الإٍسلامية تركيباً متناسقاً ومتيناً بين متطلبات الشرع ومتطلبات الواقع. يقول السيد محمد حسين فضل الله في هذا السياق:
«محاولته (أي الشهيد السيد محمد باقر الصدر) التخطيط للمرجعية وإخراجها من واقعها الحالي، الذي يجعلها مرجعية شخص يملك المؤهلات العلمية، التي توصله إلى مركز القيادة، فتنطبع بطابعه في نطاق العلاقات والاتصالات والأوضاع. ثم تعتبر كلّ وسائله ومشاريعه تركة شخصية لأهله من دون أن تبقى للمرجع الآخر. الأمر الذي يعقد كثيراً من الأعمال الإسلامية، ويضيع كثيراً من الجهود، ويخلق حالة من الارتباك في العلاقات العامة، التي قد تكون مرتبطة بالمرجع القديم في نطاق استمرارها مع المرجع الجديد: فقد كان الشهيد السعيد قدّس سرّه يفكّر في أن تكون المرجعية مؤسسة على علاقاتها ومشاريعها وأعمالها في الإطار العام، بحيث تكون الخصوصية في شخصية المرجع وطريقته في القيادة والعمل، بينما يتحرك في خط المؤسسات التي يتحرك فيها في الخط العام وبذلك يجد المرجع الجديد كلّ شيء جاهزاً أمامه، فلا يبدأ من نقطة الصفر، بل حيث انتهى أسلافه الآخرون»([678]).
حساسية المصطلحات
إن مصطلحات مثل الديمقراطية، البرلمان، الانتخاب … الخ قد لا تتعارض مع الإسلام، ولكنها مع ذلك ليس بوسعها أن تؤدي مضمون رؤية الإسلام الاجتماعية السياسية.
وقد اهتم الشهيد بمسألة المصطلح، وبيّن خطورته على خصوصية الفكر الإسلامي، فالشهيد انتقد، في هذا السياق، النزعة التوفيقية التي ولع بها الفكر المحدث في العالم الإسلامي حيث صار يصف النظام الاقتصادي الإسلامي بأنه اشتراكي؛ على اعتبار أنه يؤكد على الملكية الجماعية، كما وصفه آخرون بأنه رأسمالي، لأنه يأخذ بالملكية الخاصة([679]).
فالشهيد يرى أن للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي نسقه الخاص، ومصطلحاته المرتبطة أصلاً بالشريعة الإسلامية ونظرتها إلى الكون والإنسان.
مفهوم السيادة الشعبية
إن مفهوم السيادة الشعبية مفهوم رئيسي في الفكر السياسي الإسلامي الذي طرحه الشهيد. وقد حدد هذا المفهوم في إطار الشريعة الإسلامية؛ لكي يصبح قابلاً لكل تأويل. وهذا التحديد مرتبط، في الحقيقة، بمقولة الإسلام دين ودولة ارتباطاً مباشراً ووثيقاً. تلك المقولة تنفي كل التباس عن النظرة السياسية للإسلام.
فسيادة الشعب أو علاقة المجتمع بالدولة ينبغي، في نظر الشهيد، أن تدمج في نسق المنظور السياسي الإسلامي، الذي يتأسس على العناصر الآتية:
1 ـ الحاكمية لله فهو مصدر السيادة.
2 ـ سيادة الشعب ينبغي أن تمارس في إطار الشريعة وحسب متطلباتها.
3 ـ إشراف العلماء على ممارسة الشعب لسيادته.
وعلى الرغم من أن الشهيد يؤكد ـ انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة ـ على ممارسة الشعب للسلطة، إلا أنه ينتقد المرتكزات المعرفية والقيمية للديمقراطية في مفهومها الغربي. فهو يرى أنها عاجزة عن حل مشاكل الإنسان وذلك:
1 ـ أنها لا ترتكز على نظرة شاملة للحياة. فهذه النظرة ضرورية؛ لأن بفضلها يقتنع المجتمع بمتطلبات الطرح السياسي ويستبطنها كقيم ملزمة.
2 ـ النزعة المادية والفردانية الديمقراطية الرأسمالية، تجعل هذا النظام نظاماً محدوداً بواقعية مختزلة لإنسانية الإنسان؛ بسبب افتقادها للقيم الأخلاقية، التي تحافظ على المجتمع ومساره عبر التاريخ.
فمحدودية النظام الديمقراطي الراسمالي نتيجة حتمية للنظرة الوضعية، التي يتميز بها الفكر الغربي عامة. وعلى العكس من ذلك النظرة الإسلامية، التي تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى والسياسة بالجانب الروحي والغيبي، فتفتح آفاقاً لا نهاية لها لحركة الإنسان والمجتمع نحو المطلق.
القاسم المشترك بين الديمقراطية والماركسية
غير أن نقد الشهيد للديمقراطية الرأسمالية، لا يعني أنه يرى أن هناك اختلافاً بين هذه الأخيرة وبين الماركسية. بل هو يرى أن هذين النظامين ينبعان من مرتكزات نظرية واحدة: الفصل بين حياة الإنسان والغيب. وهذا ما أدى بالفكر الغربي إلى تشيُّؤِ الإنسان وغلق حياته ضمن واقع محدود.
وهكذا يتجلى الجانب المعرفي والقيمي لعلاقة الإنسان بالغيب. فالنظام السياسي المبتور عن الغيب يؤدي إلى نظرية في المعرفة محدودة الإمكانيات المفهومية، ولا يمكن أن ترسم أهدافاً لحركة المجتمع إلا ضمن محدوديتها.
ومعنى هذا أنه لا يمكن اعتبار الماركسية كحلّ بديل للديمقراطية الراسمالية، ولا هذه الأخيرة كحلّ بديل للماركسية. فالطرح الصحيح لمشكلة الإنسان يكمن، في نظر الشهيد، خارج إطار الفكر الغربي بكلّ مكوناته واتجاهاته.
موقف سوسيولوجي وإبستمولوجي معاً
فالشهيد قد حلل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي تحليلاً سوسيولوجياً وإبستمولوجياً؛ تمهيداً لصياغة وطرح الرؤية الإسلامية في ميدان الاجتماع والسياسة.
كما وقف في تنظيره للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الأرضية الفكرية والقيمية الغربية. إن رفض الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي جاء نتيجة لتحليل علمي داخل إشكالية العلاقة بين الإسلام والعقل والواقع، وهي إشكالية تحتم التحليل السوسيولوجي والإبستمولوجي للفكر الغربي، ذلك التحليل الذي يتم بواسطته إسقاط التداخل بين المفاهيم الاجتماعية الإسلامية والمفاهيم الاجتماعية الغربية.
هذا النوع من التحليل متجذر في الإسلام، ومتجذر على المستوى النظري. فإذا كانت بعض جوانب الفكر الإسلامي المعاصر تتميّز بالشعارات والمقولات العامة، التي حجزت هذا الفكر في العموميات، وذلك نتيجة للجوء لا منهجي إلى الإسلام، فإن الشهيد ربط عملية التنظير الاجتماعي ـ السياسي بمرتكزات منهجية، سمحت له أن يفتح طريقاً شرعياً وفلسفياً نحو الدين، ليكون مصدر ثراء يمدَّ عملية التنظير بمفاهيم وقيم لا حصر لها؛ لأن الرصيد المفهومي والقيمي للإسلام هو رصيد لا نهاية له.
«… فإن هذه الحياة المحدودة إن كانت بداية الشرط لحياة خالدة تنبثق عنها، وتتلون بطابعها، وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأولى ونزاهتها … فمن الطبيعي أن تنظم الحياة الحاضرة بما هي بداية الشوط لحياة لا فناء لها، وتقام على أسس القيم المعنوية والمادية معاً.
وإذن فمسألة الإيمان بالله … ليست مسألة فكرية خالصة لا علاقة لها بالحياة؛ لتفصل عن مجالات الحياة، ويشرع لها طرائقها ودساتيرها، مع إغفال تلك المسألة وفصلها، بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً.
والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها: أن الفكرة فيها تقوم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد، بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها، إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها. وهذا الأساس بنفسه لا موضع ولا معنى له، إلا إذا أقيم على فلسفة مادية خالصة، لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلا عن عقل بشري محدود»([680]).
وهكذا، فبالنسبة للشهيد، الدولة الإسلامية ليست مجرّد جهاز حاكم، بل هي ظاهرة روحية في الأساس، وحضارية في النتيجة؛ لتساعد الإنسان على تحقيق خلافته. فدور الدولة الإسلامية هو أن تدفع بالبشرية في صيرورة لا نهاية لها عن طريق وضع الله تعالى كهدف للمسيرة الإنسانية.
والدولة الإسلامية وحدها قادرة على تفعيل الهدف بفضل مرجعيتها الربانية من جهة، وارتباطها بتطلعات الشعوب الإسلامية وقيمها من جهة أخرى.
فالإسلام يمنح الحرية في الميدان السياسي وفقاً لأخلاقيته، وعلى العموم فكل المفاهيم السياسية الغربية ينبغي ـ في نظر الشهيد ـ إعادة النظر فيها ونقدها نقداً جذرياً من خلال علاقته السياسية بالجانب الروحي، أي من خلال متطلبات الشريعة. فبهذا الشرط تدمج هذه المفاهيم في نسق الرؤية الإسلامية أو ترفض.
فمفهوم سيادة الشعب يأخذ معنى إسلامياً عندما يدمج في إطار النظام الإسلامي، ويأخذ معان مختلفة عندما يدمج في سائر الأنظمة الوضعية الأخرى. فسيادة الشعب كما طرحها الشهيد مرتبطة بحاكمية الله «مصدر السلطات جميعاً»([681]).
فالله سبحانه وتعالى يمارس حاكميته على الناس عن طريق «المدلول الموضوعي»([682]) أي عن طريق الشريعة الإسلامية.
حرية الإنسان في حاكمية الله
وتتجلى في هذا السياق مسؤولية الإنسان وحريته بالنسبة للشهيد، لأن حاكمية الله تعني «أن الإنسان حرّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشريعة عليه. وإنما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حد نهائي لكل ألوان التحكم وأشكال الاستغالال وسيطرة الإنسان على الإنسان»([683]).
فالحاكمية معناها إذن العبودية لله وحده والتحرر من كل الطواغيت. وقد ربط الشهيد بين الحاكمية وخلافة الإنسان لله في الأرض. وجعل هذا المفهوم الأخير أساساً للحكم يفتح المجال واسعاً للجماعة ـ من الناحية الشرعية ـ أن تمارس حكم نفسها بنفسها. ففي إطار حاكمية الله التي تنتج عنها خلافة الإنسان وممارسة الجماعة لحكم نفسها يرى الشهيد:
«أن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمّة. فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى.
وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعورها بالمسؤولية؛ لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض. فحتى الأمة ليست هي صاحبة السلطان، وإنما هي المسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى عن حمل الأمانة وأدائها ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾([684]).
وهكذا فسيادة الشعب نتيجة حتمية لعبودية الإنسان لله، التي ترفض عبودية إنسان لإنسان وترفض، بالتالي، الاستبداد. وهكذا ينتهي الشهيد في تحليله إلى أن سيادة الشعب لا تتناقض مع الإسلام فحسب، بل تلزم عنه لزوماً شرعياً ومنطقياً.
الدولة العلمانية مصادرة لماضي الأمة وقفز فوق ثقافتها
لقد كشف الشهيد في تحليله لمنابع القوة في الدولة الإسلامية عن لا تاريخية الفكر العلماني، الذي تسير بمقتضاه الدولة القومية في العالم الإسلامي، فالأنظمة السياسية في العالم الإسلامي أدخلت الحاضر (الغرب قيمه ومفاهيمه) كقوة مستقلة عن ماضي الأمة وذهنية إنسان العالم الإسلامي، وعلى العكس من ذلك فالدولة الإسلامية ـ كما حللها الشهيد ـ تدمج الماضي في الحاضر، فالماضي يشكّل الحاضر ضمن العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في الرؤية السياسية الإسلامية.
فالدولة الإسلامية متجذرة في تاريخ الأمة وفي ذهنيتها وتطلعاتها، وهكذا ينتهي الشهيد إلى أن الأنظمة السياسية العلمانية في العالم الإسلامي تلغي الإنسان؛ لأنها تحدث تناقضاً بينه وبين الطرح السياسي، وتفرض عليه قيماً وأهدافاً متناقضة مع تاريخه وذهنيته وعقيدته.
وإذا كان الوعي السائد يشكل عائقاً لقيام دولة علمانية متجذرة حقاً في المجتمع، وعائقاً لكل نموذج تنموي تابع لهذه الدولة، فإن هذا الوعي يشكل ـ في نفس الوقت ـ أرضية صالحة لقيام دولة إسلامية، وتشكيل مؤسسات إسلامية([685]).
ولهذا تمثل الدول القومية في العالم الإسلامي، بالنسبة للشهيد، قفزاً فوق البناء الثقافي للشعوب الإسلامية وتجاوزاً له. فهذه الدول ليست وليدة ظروف المجتمعات الإسلامية، وإنما وليدة الغرب بكل ما يحمله من مفاهيم وقيم تختلف عن الإسلام.
فالحقل النظري لهذه الدول هو الغرب، في حين أن الدولة الإسلامية تنبع من عمق المجتمع، الذي يشكل حقلها النظري في إطار الشريعة. فالدولة الإسلامية متصلة بالأمة من حيث هي وعي وحركة عبر التاريخ.
الدولة العلمانية دكتاتورية بالضرورة
وهكذا يرى الشهيد أنه لا يمكن لأي نظام سياسي أن يحرك الأمة، ويدفع بها نحو التقدم، ما لم يكن مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالنسق الثقافي الإسلامي ومركباته الداخلية؛ لأن هذا الارتباط يعني الارتباط بالواقع وبذهنية إنسان العالم الإسلامي، ذلك الإنسان الذي هو أساس التغيير وأساس حركة الأمة. ومعنى هذا أن الدولة غير المؤسسة على الإسلام تتعامل مع الشعوب تعاملاً فوقياً لا علاقة له بمشكلات ومشاعر الجمهور المسلم. ومن هنا لجوء هذه الدول إلى الضغط والقهر. ولهذا كانت كلّ الدول السائدة في العالم الإسلامي والمتبنية للعلمانية دولاً دكتاتورية بحكم التناقض الجذري بينها وبين الشعوب الإسلامية المتشبعة بالقيم الإسلامية بصورة أو بأخرى.
أما الدولة الإسلامية فهي، على العكس من ذلك، مرتبطة بوعي الجماهير، ومن هنا الإمكانيات التي تفتحها في مجال التنمية وإعادة بناء الحضارة الإسلامية.
مصدران لقوة الدولة الإسلامية
فالشهيد لا يبرّر قوة الدولة الإسلامية بمصدرها الإلهي فحسب، بل يبرّر هذه القوة بارتباط هذه الدولة بالواقع كذلك، فمنابع القوة في الدولة الإسلامية هي نتيجة للشرع والواقع معاً، ذلك الواقع الذي جسد عبر التاريخ القيم والمفاهيم الإسلامية رغم الانحرافات.
ملتقى الفقه والكلام والفلسفة
وهكذا قد أحدث الشهيد نقلة نوعية في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، فهذا الأخير كان موجوداً بصفة مبعثرة بين الفقه والكلام والفلسفة، لقد عالج الفكر الإسلامي القديم مفاهيم النبوّة والإمامة والخلافة والشورى والبيعة والملك ضمن طرح فقهي أو كلامي أو فلسفي، ولم تبرز النظرة الكلية التي يتفاعل فيها الفقه مع علم الكلام والفلسفة إلا ابتداء من السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، إلا أن هذه النظرة لم تصل إلى أعلى مستوى من الكلية والشمول إلا عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد، لم ينظر إلى الإسلام كقوة تعبوية فحسب، فالمسألة ليست مجرد غليان عاطفي عفوي، بل غليان عاطفي مؤطر بأحكام الشريعة وبالبعد العقلاني والسياسي للإسلام.
وهكذا تتجاوز الفلسفة السياسية الإسلامية، كما صاغها الشهيد، الثنائية التي تحدث قطيعة بين الجانب الروحي للإنسان وبين نشاطاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من خلال المفاهيم الإسلامية والأحكام الشرعية. ومعنى هذا أن تأسيس الدولة الإسلامية بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي ضرورة عقلية وحضارية، كما أنها واجب شرعي في نفس الوقت. فالدليل العقلي والدليل الشرعي متلازمان ومتداخلان في نظر الشهيد.
بين الجهادية والتبريرية
وتجدر الإشارة إلى أن فكر الشهيد السياسي يتميز، على غرار الفكر الإسلامي النابع من المدرسة الشيعية، بمثالية جهادية. وهذا ما يجعله فكراً سياسياً يختلف عن الواقعية المتطرفة والمبررة للواقع، التي تميز كثيراً من جوانب فكر مدرسة أهل السنة والجماعة.
فإذا كانت السياسة الشرعية حسب تعبير ابن تيمية تولي أهمية كبرى لأحوال العصر ومتطلباته، فالإمامة وحالياً ولاية الفقيه كما حللها الشهيد، مرتبطتان بالمبادئ الإسلامية وبالمثل الأعلى الإسلامي.
فالولي الفقيه يصوغ الفكر السياسي الإسلامي، وينشئ المؤسسات التي تجسد هذا الفكر، وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة بصورة تعبدية تسعى إلى تكييف الواقع مع متطلبات الشريعة لا العكس.
وعلى العموم فالمشكل المطروح على الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي وخاصة على مفهوم ولاية الفقيه هو قدرته على استيعاب المستجدات عن طريق اجتهاد ينظر إلى النص بصفة حركية، أي ينظر إليه من خلال الوعي التاريخي، ومن خلال الأحوال الجديدة للحضارة المعاصرة.
وقد عالج الشهيد هذا المشكل حيث رأى بأن القوة التعبوية للإسلام شرط ضروري لإعادة بناء الدولة الإسلامية، ولكنه ليس شرطاً كافياً، فتأسيس الدولة الإسلامية وإعادة بناء الأمة الإسلامية يتطلبان فكراً اجتماعياً ـ سياسياً.
مفاهيم سياسية معاصرة في قوالب شرعية أصيلة
فالشهيد اجتهد انطلاقاً من هذه الرؤية. ولهذا استوعب فكره الاجتماعي ـ السياسي استيعاباً إسلامياً المفاهيم السياسية للفكر المعاصر، كما استوعب المؤسسات السياسية العصرية من منظور إيماني وإسلامي (الدستور، البرلمان، الانتخاب… إلخ).
ولهذا يرى الشهيد أن الانتخاب يتماشى مع المبادئ الإسلامية ومع حقيقة ولاية الفقيه، فالشورى والبيعة ينشآن علاقات متبادلة بين الأمة والسلطة.
فنظرية الدولة الإسلامية كما يطرحها الشهيد مؤسسة على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإرادة الشعبية (المبادئ السياسية صيغت صياغة مفهومية وتحققت في ولاية الفقيه). فالدولة الإسلامية هي إذن واجب شرعي ومطلب شعبي:
«فالنبيّ هو حامل الرسالة من السماء باختيار من الله تعالى له … والإمام هو المستودع للرسالة ربانياً، والمرجع هو الإنسان الذي اكتسب من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد استيعاباً حياً وشاملاً ومتحركاً للإسلام ومصادره، وورعاً معمقاً يروض نفسه عليه حتى يصبح قوة تتحكم في كل وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات ليكون شهيداً عليه …
والنبيّ والإمام معينان من الله تعالى تعييناً شخصياً، وأما المرجع فهو معين تعييناً نوعياً، أي أن الإسلام حدد الشروط العامة للمرجع، وترك أمر التعيين والتأكيد من انطباق الشروط إلى الأمة نفسها.
ومن هنا كانت المرجعية كخط قراراً إلهياً، والمرجعية كتجسيد في فرد معين قراراً من الأمة»([686]).
ولاية الفقيه
إن الدولة عبر تاريخ الأمة لم تكن إسلامية إلا بالمعنى السوسيولوجي، لأن السلطة كانت مؤسسة على القوة العسكرية والقبلية، ولهذا تبرز ولاية الفقيه (المرجع) كما صاغها الشهيد كإعادة نظر جذرية لكل الأنظمة السياسية السائدة في البلدان الإسلامية. إن ولاية الفقيه ـ إضافة إلى أساسها الديني ـ لها بعد جماهيري. ذلك أن الشهيد يرى أن خلافة الأمة والشورى تنتج عنها دولة ذات قاعدة شعبية، أي دولة تكون نتيجة لانتخابات شعبية لا لانتخابات العلماء فحسب.
لكن رغم هذه العلاقة بين الدولة والجمهور، فإن ولاية الفقيه وبارتكازها على الأساس الديني، تتجاوز الإنسان بحكم مرجعيتها الإلهية. لكنه من جهة أخرى، تنبع من الأمة، هي مطلب جماهيري. فالولاية (المرجع) كما حللها الشهيد، مؤسسة على مشروعية دينية وشعبية ودستورية.
وهكذا فصياغة الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي هي صياغة ترتكز على منهجية قبلية: التحفظ من كل محاولة التوفيق بين الرؤية السياسية الإسلامية وبين الرؤية السياسية الغربية.
انطلاقاً مما تقدم. صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الليبرالية والاشتراكية، ورأى بأن المبادئ الاجتماعية الإسلامية لا تتفق مع ديمقراطية من النوع الليبرالي، ولا مع نظام سياسي يذيب الأفراد في المجتمع ويربطهم بوسائل الإنتاج.
إن موقف الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن مواقف المحدثين وبعض الإسلاميين، الذين حاولوا أن يوفقوا بين الإسلام والفكر الغربي، فهم قد أدخلوا، في رؤيتهم للإسلام، الفلسفة الاجتماعية والسياسة الغربية بكاملها.
وهكذا يمكن القول: إنه قد ظهر مع الشهيد خطاب جديد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
معنى الوجود والمنهج
لقد كرر الشهيد السيد محمد باقر الصدر مقولة معنى الوجود أكثر من مرة في كتاباته الاجتماعية والسياسية، وفي صياغته للمنهجية الإسلامية إلى درجة تسمح لنا بأن نضع هذه المقولة في عمق نظرياته، ونطرحها في مجابهتها للفكر الغربي المبني على مقولة العبث الناتجة، حتماً، عن الوضعية وفصل الدين عن الدولة، أي فصل المذهب الاجتماعي والنظرية الاجتماعية عن المطلق.
إن عدم الانطلاق في عملية التنظير من معنى الوجود كإطار مرجعي لرؤية التاريخ، وتطور المجتمعات والحضارات، وصياغة سلوكات الفرد والمجتمع في العلاقات الاجتماعية والسياسية يعتبر نوعاً من الهذيان مهما حاول الفكر الغربي تغطيته تحت أسماء مثل الوضعية، المنهج العلمي والإبستمولوجية.
إن معنى الوجود كما طرحه الشهيد هو الأساس والمنطلق والغاية. هذه ليست نظرة صوفية أو لاهوتية إلى المجتمع والتاريخ، فمعنى الوجود هو الإطار الذي يتداخل فيه الروحي مع السياسي والحضاري.
إن هذه المقولة تحصل في الإسلام، بربط التاريخ والمجتمع والفرد بالمطلق لا على الطريقة الهيجيلية (نهاية التاريخ بذوبان الأفراد في الكل) بل على الطريقة القرآنية، التي تجعل الصيرورة عملية مستمرة لا نهاية لها بحكم عبودية الإنسان وعلاقة الخليفة بالله تعالى. فمن هذا المنظور تصبح هذه المقولة منتجة للمفاهيم على الصعيد التنظيري، وأداة لتحليل التاريخ والمجتمع. فالروحانية الملازمة لمعنى الوجود، أي في مفهومها الإسلامي الذي طرحه الشهيد، تصون الفكر من الانزلاق في متاهات الأحكام النهائية، كتلك التي تعود على إطلاقها الفكر الغربي، الذي يتسرع في تعميم الأحكام، وحجز تطورات الشعوب ضمن منظور للتقدم.
فكر الصدر ثالث ثلاثة
إن فكر الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن نمطين من التفكير:
1 ـ الفكر الإسلامي المبني على العواطف وردود الفعل الانفعالية. وهو فكر تجزيئي لا ينطلق من نظرة كلية إلى النص وإلى الواقع، بل ينطلق من نظرة جزئية وتجزيئية إلى علاقة الواقع مع النص.
2 ـ الفكر المحدث الذي يبرر الواقع باسم الحضارة الغربية نتيجة لإخضاعه المفاهيم والقيم الإسلامية لمتطلبات هذه الحضارة.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو فكر محارب لكل المطلقات المزيفة، ولا يرتبط إلا بالله تعالى المطلق الحقيقي. هذه المرتكزات النظرية والمنهجية هي التي جعلت الشهيد يبين بوضوح نسبية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي، وذلك بتحليل العوامل، التي ساهمت في إنتاج هذا الفكر وفي تشكيله.
لقد تعمق الشهيد في تحليل أسباب النهضة والسقوط، وتعامل مع تاريخ الأمة، ومع الفكر الغربي بعقلانية صارمة، ولم يلجأ إلى التفسيرات الغيبية كقاعدة لحركة التاريخ. وقد برر الشهيد موقفه هذا بمفاهيم قرآنية كسنن الله في الكون وخلافة الإنسان، فالسنة تحتم علاقة بين الأسباب والنتائج، وتحتم عقلانية مرتبطة بالواقع، للوصول إلى معرفة الحياة الاجتماعية وحركة التاريخ بصفة علمية، وعندئذ يمكن للإنسان أن يمارس خلافته.
غير أن منهجية الشهيد هذه لا تعني استبعاد الغيب. فالمسألة مسألة منهج: كيف نفسر ـ على الصعيد المعرفي ـ علاقة الغيب بالتاريخ؟
فالشهيد حلل المشكلة الاجتماعية والسياسية من خلال ذهنية إسلامية، أي من خلال الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين. وهو إخلاص يؤدي إلى موضوعية من نوع خاص، موضوعية أكثر قوة وأكثر عمقاً من الموضوعية في منظور فلسفة العلوم الغربية. ذلك أن النظر إلى المشكلة الاجتماعية والسياسية من موقع إيماني اجتهادي يحقق للدارس رؤية جديدة للأشياء، لأنها تربط النسبي بالمطلق. فالإرشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تؤدي إلى عقلانية تفتش عن عوامل حركة المجتمع والتاريخ. وهكذا يصبح الفكر عنصراً متجدداً يلاحق حركة التاريخ في كل اتجاهاتها وآفاتها.
الغيب العقلاني والغيب المبتذل
فالتنظير الذي طرحه الشهيد وصل إلى مستوى التحليل المفهومي. فانطلاقه من الدين ومن موقع الملتزم إيمانياً بالإسلام لم يكن عائقاً أمام التفسير العلمي والعقلاني للظواهر الاجتماعية ولتاريخ الأمة.
إن رفض الشهيد للفكر الوضعي ومناهجه لا يعني إذن أن فكره مستغرق فيما يسمى بالذهنية الغيبية بالمعنى المبتذل. فالشهيد عالج القضايا على الصعيد المعرفي والاجتماعي من منظور المنهج الإسلامي، الذي يربط عالم الشهادة بعالم الغيب، ويهيئ الفكر الإسلامي للإبداع في مجال المنهج العلمي. فليس المنهج الإسلامي منهجاً لاهوتياً على طريقة الفكر الغربي في العصور الوسطى.
إن كل رؤية لا ترتكز في دراستها للمجتمع والتاريخ إلا على الصيرورة التاريخية وحدها باعتبارها المعيار الأساسي والوحيد، هي رؤية تختلف عن موقف الإسلام، لأنها تتضمن، بصفة ضمنية أو صريحة، نفي البعد الغيبي وعلاقته بالتاريخ. فعلاقة الغيب بالشهادة تعني ـ من منظور المنهجية الإسلامية التي صاغ الشهيد معالمها ـ علاقة الثابت بالمتغير، وعلاقة حركة التاريخ بالقيم الموجهة لها.
هذا الموقف يختلف جذرياً عن أرضية العلوم الاجتماعية الغربية المتمثلة في الوضعية والماركسية. هذه المدارس الاجتماعية تنتهي إما إلى عقلانية تدعي الإطلاقية أو إلى عقلانية نسبية. والنسبية في العلوم الاجتماعية الغربية هي نسبية تجزيئية، تعتبر عائقاً أمام تطور هذه العلوم أكثر من كونها دافعاً نحو المعرفة والإبداع.
عالم الغيب وعالم الشهادة
إن علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب كمقولة في الفكر الإسلامي الذي نظّره الشهيد، تنتهي إلى نسبية من نوع خاص: هي نسبية متطلعة نحو المطلق([687]) وهذا التطلع يعني، من ناحية فلسفة العلوم، أن المعرفة في ميدان العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية هي معرفة مفتوحة وفي تطور مستمر. وهكذا فالفكر الإسلامي يتطلع إلى الحقيقة، في حين أن الفكر الغربي أنزل الحقيقة إلى مستواه وأخضعها إلى معاييره. أي أخضع ما يجب أن يكون لما هو كائن.
ومن هنا المذاهب النفعية والبرغمانية وغيرها. ومن هنا كذلك خضوع المعرفة للأمر الواقع وللممارسات اليومية. في حين أن النموذج المعرفي الإسلامي، كما يتجلى في فكر الشهيد، يقتضي أن المعرفة تتأثر بالواقع، لكنها من جهة أخرى، تنير الطريق للممارسة بفضل المبادئ والمفاهيم، التي ترتكز عليها هذه المعرفة، والتي بفضلها تتحقق الممارسة في الواقع الحي.
فصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يقوم على أسس فكرية تتناقض مع النزعة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. فالفكر الإسلامي يرفض النموذج المعرفي الغربي، الذي ينفي العلاقة بين العلم والدين، ولا يتصورها إلا ضمن مقولة التناقض.
وهكذا فالعقلانية التي طرحها الشهيد تعتمد قوتها وصيرورتها من انفتاحها على الغيب، ولهذا فهي تتمتع بقوة نقدية تقوض نقدية الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة عن الغيب.
فلسفة التاريخ كإطار للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي
هذا المنطلق (علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب) هو الذي جعل فكر الشهيد يتمكن من الطرح الشمولي للقضايا. فهو لم يركز نهضة الأمة وتقدمها على أمل واحد كالعالم التربوي أو السياسي أو الاقتصادي أو الروحي. ذلك أن الشهيد ركز الرؤية الاجتماعية ـ السياسية على المنظور الإسلامي للتاريخ.
فصياغته الفلسفية للفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي، لا يمكن تصور وجودها دون اللجوء إلى التاريخ لجوءاً اجتماعياً. أي لجوءاً يحاول تفسير الحوادث وربط بعضها ببعض، واستخلاص النتائج والمفاهيم، التي تساهم في صياغة الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي.
إن نقد الشهيد لكل من الرأسمالية والاشتراكية يعتبر، من بعض الوجوه، رداً مسبقاً على مقولة نهاية التاريخ، التي طرحت عقب الانهيار الاشتراكي، مفاد هذه المقولة أن الصراع الإيديولوجي في العالم قد انتهى لصالح النظام الليبرالي([688]).
لقد اختزلت هذه المقولة كل مشاكل الحياة والعالم في التناقض بين الليبرالية والاشتراكية. فتوقف الصراع بين هذين النظامين ينتج عنه توقف لحركة التاريخ حيث تصبح الليبرالية هي منتهى التطور.
ثنائية فوكوياما
وهكذا ففكرة نهاية التاريخ هي نتيجة حتمية لحصر صيرورة التاريخ في الرؤية الغربية للكون والإنسان. فمقولة نهاية التاريخ كما طرحها الأميركي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama هي فكرة قديمة في ثوب جديد. حيث إن الفكر الغربي ومقلديه في العالم الإسلامي قد حصروا حركة الشعوب ضمن نظامين لا ثالث لهما: الرأسمالية والاشتراكية.
فنقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر للفكر الغربي، ورفضه لثنائية الاختيار بين الرأسمالية والاشتراكية هو جواب صريح ومباشر لكل الرؤى الغربية، التي تقول بنهاية التاريخ كمفهوم ينفي كل البدائل التي يمكن أن تطرحها شعوب أخرى للتطور والصيرورة.
فمهما كان الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، فإن الفكر الغربي يرى أن نهاية التاريخ تتجسد في الحضارة الغربية، وأنه لا وجود لبديل آخر خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ.
ثنائية الصدر
إن المنظور الإسلامي للتاريخ وللحياة الاجتماعية والسياسية كما صاغه الشهيد، يؤدي إلى القول: بأن نهاية الصراع بين الاشتراكية والليبرالية لا يعني نهاية التاريخ، على اعتبار أن هذا الصراع ليس هو الصراع الوحيد في العالم، بل هناك صراع آخر أشد وهو الواقع بين رؤيتين مختلفتين إلى الكون والإنسان:
الرؤية المادية التي يتأسس عليها كل من النظامين الاشتراكي والرأسمالي، والرؤية الروحية المميزة لفلسفة الإسلام الاجتماعية والسياسية.
إن نظرة الإسلام إلى التاريخ من حيث هو تجسيد لخلافة الإنسان لله في الأرض، هي نظرة تتناقض تناقضاً جذرياً مع كل النظريات الفلسفية للتاريخ من هيجل وماركس إلى فوكوياما صاحب مقولة نهاية التاريخ. حيث إن خلافة الإنسان لله في الأرض تفتح الباب لصيرورة نحو المطلق، أي لحركة تاريخية تربط بين الدنيا والحياة الأخرى ربطاً، لا يمكن للعقل البشري أن يصوغه ضمن مفاهيم، فمحاولة العقل صياغة نظرية أو مذهب اجتماعي ـ سياسي من موقع الادعاء أن هذا المذهب هو الطرح الوحيد والحل النهائي والأخير لمشاكل البشرية (هيجل، ماركس وأخيراً فوكوياما) هي محاولة تقوم من الناحية المنهجية والمعرفية والعقائدية على الشرك، الذي يجعل المفكر يرى بأنه يمتلك القدرة الشاملة على تحديد شروط المعرفة، هذا الادعاء هو نوع من الشرك يصير فيه الإنسان عبداً لعقله.
وهنا يتجلى تناقض صريح في الفكر الاجتماعي والسياسي، الذي يدور في فلك الاشتراكية والرأسمالية. فهذا الفكر هو محاولة في نظر أصحابه ومعتنقيه، لتجاوز الاستلاب والتحرر منه، إلا أنه بانقطاعه عن الله تعالى قد سقط في فخ استلاب أشد وأقوى، إنه الاستلاب الذي يختزل من الإنسان ـ فرداً وجماعة ورؤية ـ بُعْدَهُ الروحي ويسلبه خلافته التي تميزه عن سائر المخلوقات، والتي ينبغي أن تكون حاضرة حضوراً مستمراً وأساسياً في صياغة مفهومية في الميدان الاجتماعي والسياسي.
إن الفكر الغربي كما يتجلى في النظامين الرأسمالي والاشتراكي هو فكر وضعي، ومن هنا فهو يدعي أنه وحده الذي يمتلك الطابع العلمي، وأن الحضارات الأخرى ليس لديها من شيء جديد تقوله.
وهنا تتجلى كتابات الشهيد في الفكر الاجتماعي ـ السياسي لتدحض هذه المقولة، التي تزعم أن الإسلام ليس لديه ما ينازع به الغرب على صعيد المذاهب الاجتماعية والسياسية.
فقبل انهيار الماركسية كان الفكر الغربي لا يتصور تطوراً للعالم الإسلامي خارج نمط التطور الغربي، فالشعوب الإسلامية، بالنسبة للفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي ستعيش في ازدواجية الارتباط الملفق بالإسلام من جهة، وبالحضارة الغربية من جهة أخرى، فمستقبل الأمة مرهون بعملية الاختيار هذه، وذلك بحكم المنهجية التي يرتكز عليها الفكر الغربي والتي تصوغ المذهب الاجتماعي والسياسي في إطار التفسير الوضعي للظواهر في الميدان الإنساني. فكل تفسير خارج عن الوضعية يعتبر بحكم هذه المنهجية تفسيراً لاهوتياً وغير علمي.
إن ما يقوله الفكر الغربي على صعيد التحليل العقلاني، يقوله الشهيد على صعيد تحليل عقلاني ذي أسس قيمية ومفهومية، وتجعل هذا التحليل أكثر تجذراً وتعمقاً في العقلانية.
الحل الإسلامي
إن نقد الشهيد للمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية يبين كيف أن الحل الإسلامي ليس واجباً شرعياً فحسب، بل هو حل تتطلبه حركة الأمة كذلك.
وهكذا فتح الشهيد باباً جديداً للفكر الإسلاي، ليقول كلمته في مجال فلسفات التاريخ، وخاصة تلك التي ترتكز اليوم، وبعد انهيار الماركسية، على أن البشرية لم يبق أمامها سوى خيار واحد ووحيد هو الليبرالية. إن التحليل النقدي للاشتراكية وللرأسمالية من قبل الشهيد، وصياغة مفاهيم الرؤية الاجتماعية والسياسية الإسلامية يفتح مجالاً واسعاً أمام المفكرين المسلمين في أيامنا هذه، لدحض مقولة نهاية التاريخ التي يطرحها الفكر الغربي.
فالرأسمالية ـ كما حللها ونقدها الشهيد ـ ليست مؤهلة، بحكم نظرتها المادية إلى الكون والإنسان، أن تقود العالم. فإفلاس الرأسمالية يكمن، في نظر الشهيد، في ماديتها المدمرة لإنسانية الإنسان، حيث جعلت هذا الأخير مجرد كائن مستهلك، تمحور حياته كلها حول الإنتاج والاستهلاك.
لقد توقع الشهيد، من خلال نقده للفكر الغربي، بفساد النظرية الاجتماعية والمذهب الاجتماعي اللذين يعتمدان على الفكر البشري وحده. أي بفساد المنهج الوضعي في مجال العلوم الإنسانية. وليس انهيار الماركسية إلا بداية النهاية إذا ما نظرنا إليها من خلال نقد الشهيد للفكر الغربي. ولهذا تختلف كتابات الشهيد في مجال الفكر الاجتماعي عن كل الكتابات، التي تعتمد التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فهناك بالنسبة للشهيد، نظرتان متناقضتان للكون والإنسان:
• النظرة الغربية التي تفصل وجود الإنسان عن الله تعالى.
• والنظرية الإسلامية التي تربط الإنسان بالله.
• ومعنى هذا أن هناك مشروعين للحضارة: المشروع الغربي والمشروع الإسلامي.
إن الخلفية الفلسفية لتحليل التاريخ في الفكر الغربي هي الوضعية، في حين أن الفكر الإسلامي كما صاغه الشهيد ينطلق من خلفية فلسفية تختلف عن الوضعية، وذلك عندما يربط هذا الفكر عالم الشهادة بعالم الغيب. ومعنى هذا أن الرؤية الإسلامية لحركة التاريخ تدمج الإمداد الغيبي ضمن سنن الله في الكون.
فلسفة التاريخ في الفكر الغربي
وليدة الاستعلاء لا الاستقراء
إن فلسفة التاريخ كما تتجلى عند هيجل وماركس، وفي الفكر الغربي على العموم هي: فلسفة غير محايدة. أي لم تبرز كنتيجة لاستقراء موضوعي وعلمي لحركة التاريخ، بل ظهرت من موقع استعلاء الثقافة الغربية، وأصبحت عن طريق الاستعمار بكل أشكاله إيديولوجية متعسفة، ولا إنسانية، تمنع الشعوب غير الغربية من أن تعيش عقيدتها، وتتبنى قيمتها الأخلاقية والحضارية. وهذا دليل على عجز الفكر الغربي عن الوصول إلى مستوى الفكر الشمولي الذي يؤهله لقيادة العالم.
ففلسفات التاريخ الغربية تنقصها الرؤية المستقبلية، فهي تنطلق من الفهم المستعجل لحركة التاريخ. إن هذا المستوى من الإدراك لمجرى الحوادث ناجم من الغشاوة، التي تتخبط فيها نظرية المعرفة في العلوم الإنسانية في الثقافة الغربية بحكم النظرة المبتورة عن الغيب للواقع، تلك النظرة الملازمة للمنهج الوضعي.
إن تحليل الواقع من حيث هو مرتبط بالمطلق، يجعل نتائج الدراسة أكثر واقعية، لأنه يحررها من الفهم المتسرع، الذي ينظر إلى الوقائع مفصولة بذاتها، فتفوق الغرب مثلاً لم يربط دائماً، من طرف المفكرين الغربيين بالعوامل التاريخية، التي ساهمت في نشوئه (عطاء الحضارات وخاصة الحضارة الإسلامية ثم الاستعمار والتبعية واستغلال الشعوب).
وإذا كانت مقولة تفوق الحضارة الغربية في فلسفة التاريخ ذي النمط الغربي مبتورة الصلة بالماضي، فهي كذلك مبتورة الصلة بالمستقبل، لأن النظر إلى النموذج الليبرالي أو الاشتراكي من موقع الآفاق المستقبلية يؤدي إلى نتيجة حتمية هي: عدم وجود قوة ذاتية تؤهل هذين النموذجين للاستمرار ولريادة العالم وقيادته.
في حين أن الرؤية الإسلامية للتاريخ، كما طرحها الشهيد، تنظر إلى الحاضر من خلال التطلع إلى المستقبل. فكرة التطلع أساسية هنا، لأن التطلع في المنظور الإسلامي قوة لا تنفد بحكم ارتباط إنسان العالم الإسلامي بالمطلق. وهذا ما جعل الحضارة الإسلامية تنفر من مقولة «شعب الله المختار» أو مقولة «نهاية التاريخ» بمعناها الهيجلي والماركسي والغربي على العموم.
فالفلسفة الإسلامية للتاريخ كما تتجلى في كتابات الشهيد وخاصة في كتابه «التفسير الموضوعي للقرآن» مبنية على مفهوم الأمة من حيث هو نموذج حضاري مفتوح لكل الشعوب والحضارات.
وهذا ما يجعل الأمة في تحقق مستمر وفي صيرورة تحررها من أوهام المدن الفاضلة، ومن غطرسة الحضارات المستكبرة الملغية للشعوب.
إن فلسفة التاريخ ذات النمط الغربي تنظر إلى التاريخ من زاوية غير موضوعية، لأنه بدلاً من تحليل التاريخ للوصول إلى نتائج (الطريقة الاستقرائية) فهي تنظر إلى مسار التاريخ من خلال النتائج التي تفرضها مسبقاً. ومن هذه الأفكار المسبقة، التي أخذت شكل البديهيات في الفكر الغربي، سيادة الغرب على باقي شعوب العالم … الخ.
انتظار المهدي
وعلى العكس من ذلك فلسفة التاريخ التي تستمد أسسها من الإسلام، حيث أن نصر الله للمؤمنين ينقل من ميدان النظرة التعبدية الإيمانية إلى ميدان الصياغة العلمية والفلسفية للتأريخ([689]). فالنتيجة هنا ليست مفترضة أو مفروضة، بل منتظرة بثقة وعقلانية منقطعتي النظير، فلا تناقض هنا بين العقلانية والإمداد الغيبي.
لذلك يتجلى بوضوح في كتابات الشهيد وخاصة في بحث حول المهدي عليه السلام أن انتظار الظهور ليس من نوع المدن الفاضلة، لأن العامل الإنساني (الجهاد أو الانتظار الإيجابي) من العوامل، التي تساهم في تشكيل المرحلة التأريخية، التي تحتم ظهور الإمام المهدي عليه السلام. فالانتظار يشكل وعياً دينياً هو محور الوعي الرسالي الحضاري في نظر الشهيد.
لا توجد في التحليل الفلسفي لظهور الإمام المهدي عليه السلام من قبل الشهيد، معاندة للتأريخ، لأن هذا الأخير عبرة تستمد منه المفاهيم والمقولات ولا تفرض عليه.
لكن هذا لا يعني أن موقف الشهيد من التاريخ ينتهي إلى النزعة التأريخية، التي تفسر كل شيء عن طريق الصيرورة التاريخية، فالمطلق يتجاوز التأريخ، والمبادئ الإلهية تتعالى على الصيرورة وتؤثر فيها، مع العلم بأن الإنسان كائن يعيش في التأريخ، ويتأثر بالصيرورة، لكن هذا التأثير ليس تأثيراً سلبياً، أو أحادي الجانب في الإنسان يتأثر بالتأريخ ويؤثر فيه.
وهكذا فالربط الشرعي والمنهجي بين الغيب والتأريخ، يفتح آفاقاً لا حدود لها للمعقولية وللفعل. فانتظار المهدي عليه السلام لا يعني إذن استقالة العقل واستقالة الفعل. فالانتظار يتضمن إذن نقد الواقع كما يتضمن الجهاد.
وهناك عوائق تتفق ضد رفع مقولة الانتظار إلى المستوى المنهجي والعلمي. هذه العوائق هي نتيجة للتخبط في إشكال معرفي وتخلف علمي وفقهي.
الانتظار السلبي الذي ينتج عنه عدم معاينة الحوادث بموضوعية، مما يتسبب في أسر ذهنية إنسان العالم الإسلامي في المواقف العاطفية والتواكلية.
الانتظار السلبي نتيجة لغياب النظرة المنهجية في تحليل العلاقة بين الغيب والشهادة، بين الغيب والتاريخ. وقد حلل الشهيد هذه المشكلة من خلال نظرة كلية وشمولية، فانتهى إلى تحليل فلسفي لظهور الإمام المهدي عليه السلام كعملية مخاض ذات بعد تاريخي وحضاري مرتبط بسنة الله في الكون.
فالظهور، من هذا المنظور، يعبر عن النظرة المستقبلية، التي ترسم معالم لحركة التاريخ ولإعادة بناء الحضارة الإسلامية([690])، وهكذا فإنقاذ العالم والبشرية، الفكرة الملازمة لانتظار المهدي عليه السلام وظهوره، يقتضي ثورة فكرية على صعيد المفاهيم وثورة سياسية. يقتضي إبستمولوجية جديدة مختلفة عن الإبستمولوجية الراهنة، التي هي في أكثر جوانبها انعكاس للخطأ والانحراف، الذي ابتليت به الحضارة الغربية لانقطاعها عن النبوة وعن الوحي.
إن الإبستمولوجية التي تحرر الفكر من غبار أوهام التمركز على الذات، قد طرحها الشهيد في كل كتاباته دون أن يستخدم هذا المصطلح. وهي إبستمولوجية تستمد مقولاتها ومفاهيمها من منظور ارتباط الأرض بالسماء، والشهادة بالغيب، والدنيا بالآخرة، والجسم بالروح، والفرد بالمجتمع، والشعوب ببعضها البعض.
وخلاصة القول: إن الإبستمولوجية المحررة للبشرية هي: إبستمولوجية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.
إن فلسفات التاريخ تنطلق من واقعية تبريرية تعكس المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها هذه الفلسفسات. لكن هذه الأخيرة لا تخرج عن صنمية ثوابت الفكر الغربي. فالشحنات العاطفية التي تسعى إلى تغطيتها محاولة التحليل الموضوعي والاستنتاجات العلمية ليست إلا شحنات انفعالية عقيمة. إنها تتحرك ضمن صراع المصالح. إنه انفعال الذاتية الضيقة المناقضة للانفعال المبدع الناتج عن انتظار الظهور، ذلك الانتظار، الذي يجعل الأمة تنفتح نحو الإنسانية ومصيرها.
هذه الحالة العاطفية التي تشكل عائقاً مفتعلاً أمام التفكير الوضعي، لا يمكن أن تصدر عن ثقافة التمركز على الذات. إنها عاطفة مجتمع خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.
إن تحليل الشهيد لفكرتي الانتظار والظهور والطرح المفهومي لهما، يفتح الباب أمام الفكر الإسلامي لتفسير حركة التاريخ من خلال العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تؤهل الأمة الإسلامية للإمداد الغيبي. فانتظار الإمام المهدي عليه السلام كما حلله الشهيد لا علاقة له بالفلسفات المثالية البعيدة عن واقع الناس، ولهذا فالظهور يتشكل من توافر العنصر البشري مع تدخل الغيب. ولهذا فالمجتمع الإسلامي المنشود لا يمكن أن يتحقق، في نظر الشهيد، إلا بفقه الدين والواقع، ثم الجهاد لتجسيد متطلبات الإسلام ضمن حركة التأريخ. هنالك تستحق الأمة نصر الله. ففقه الواقع والجهاد عمليتان تقربان عصر الظهور وتعجلانه.
وهكذا فتحليل الشهيد لانتظار الإمام المهدي عليه السلام تم في إطار معرفي يتفهم العلاقة مع الغيب خارج الأطر الأسطورية واللاهوتية. أي خارج الأطر الضيقة بسبب غياب المنهج.
إن التحليل الشرعي والفلسفي، كما يتجلى عند الشهيد، ربط انتظار الإمام المهدي عليه السلام وظهوره بحركة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، بين الحق والباطل. فمرحلة الوصول إلى دولة الإمام عليه السلام هي نتيجة لمقدمات ومراحل تهيئ لها ظروفها وأرضيتها. فالرؤية الفلسفية للتاريخ هنا ليست مجرد فلسفة للتاريخ. فجوهر هذه الرؤية وفكرها عقائدي وليس فلسفياً. والبعد السياسي هو نتيجة من نتائج البناء العقائدي.
مفهوم التغيير
إضافة إلى ما سبق تتجلى الرؤية الفلسفية للتاريخ عند الشهيد في طرحه لمفهوم التغيير. فهو يرى أن المنظور الإسلامي للتغيير يختلف عن الوضعية: الإنسان ليس مجرد نتيجة حتمية للمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية. فهو يتجاوز معطيات البيئة ببعده الروحي، الذي يؤهله لإحداث التغيير في الواقع من خلال المبادئ، لا من خلال المؤثرات الاجتماعية والتاريخية المحيطة به فحسب. فمبادئ التغيير ومعاييره ليست تابعة للواقع من حيث المصدر، مبادئ التغيير مصدرها متعالٍ على المجتمع وعلى التأريخ، لأنها ذات أصل إلهي.
فكرة تدخل الإنسان في عملية التغيير وفي حركة التاريخ واضحة ولا نقاش فيها بالنسبة للشهيد. وهو يرى أن الفرق بين الفكر الوضعي والفكر الإسلامي بالنسبة لمفهوم التغيير يكمن في مسؤولية الإنسان في إحداث عملية التغيير. فالفكر الإسلامي يرى أن عملية التغيير ينبغي أن تسير وفق الخط الذي يريده الله تعالى. فالتغيير يتم من خلال علاقة الإنسان بالله تعالى، ومن هنا كانت قاعدة التغيير في الإسلام تعتمد على الإنسان. فتغيير الذات هو الشرط الضروري الذي يؤدي إلى تغيير الواقع والتاريخ:
«المحتوى الداخلي النفسي الروحي للإنسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي. لا يتغير هذا البناء العلوي إلا وفقاً لتغير القاعدة … هذه الآية: ﴿إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11] تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارج الإنسان. فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان فإذا تغير ما بنفس القوم تغير ما هو وضعهم»([691]).
ويقول في هذا السياق كذلك: «بما ذكرناه توضّح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، توضح أن الإنسان هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي، وإنما بمحتواه الداخلي»([692]).
مفهوم التقدم
الحضارة الإسلامية، في نظر الشهيد، لا ترتبط بالتاريخ على الطريقة الغربية، ومن منظور النزعة التأريخية. إن ارتباط الأمة بالتاريخ وإيمانها بفكرة التقدم، لا معنى لهما خارج علاقة الإنسان بالله تعالى، وعلاقة الشهادة بالغيب.
وهكذا فإن كان الأساس الذي تقوم عليه النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية هو الإيمان المطلق بفكرة التقدم، فإن الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يقوم على أساس مفهومي وقيمي يستوعب التاريخ ويتجاوزه. فخلافة الإنسان تؤهل الأمة إلى الصيرورة نحو المطلق أي إلى حركة لا نهاية لها.
هذا مع العلم أن التقدم بمفهومه الغربي قد اختزل الكون في الماركسية أو في الرأسمالية. وهنا يصل الشهيد إلى القول: بأنه لا فرق، من حيث الأساس بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي. فالرؤية المادية إلى الكون والإنسان تنفي التناقض بين هذين النظامين، في حين أن علاقة الأمة بالغيب تحتم نظرة أخرى إلى مفهوم التقدم، وينعكس ذلك على المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وهكذا بلور الشهيد مفاهيم إسلامية جديدة على صعيد النظرة إلى التاريخ، وإلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجابهة الفكر الغربي، والوقوف كحاجز أمامه عن طريق طرح البديل الحضاري.
الثقافة الإسلامية
إن الثقافة الإسلامية التي تقوم على مبدأ التوازن بين المادة والروح، بين الفرد والمجتمع هي ـ في نظر الشهيد ـ نقيضة التركيب الغربي للثقافة، الذي يتمحور حول البعد المادي. في حين أن الثقافة الإسلامية، يربطها عالم الشهادة بعالم الغيب، لا تنتهي إلى اعتبار الإنسان كجزء من الثروة وأدوات الإنتاج، بل هو موجه لأدوات الإنتاج المسخرة له بقرار إلهي. فهو إذن صانع التاريخ بقرار إلهي.
إن العلاقة الروحية بين الإنسان والله تعالى هي التي تنتج العلاقات الاجتماعية وتشكلها كعامل دفع لحركة التاريخ. من هذا المنطلق يرى الشهيد أن كل انفصال بين الجانب الذاتي للإنسان والجانب الخارجي في عملية إعادة بناء الأمة والحضارة الإسلامية، هو انفصال يؤدي إلى ثنائية محبطةٍ لا يمكن أن تنتج تقدماً. وهذا ما تعانيه الأمة نتيجة لاعتماد الدول القومية في العالم الإسلامي على الجوانب الاقتصادية والسياسية في عملية التنمية وإهمالها للفرد كذاتٍ تملك طاقة تغييرية هائلة شريطة أن تربط هذه الطاقة بفكر اجتماعي ـ سياسي نابع من الإسلام. لقد بقيت نماذج التنمية في العالم الإسلامي مجرد ألفاظ جوفاء لا علاقة لها بإنسان العالم الإسلامي وبنيته النفسية وتطلعاته.
المثل العليا المطلقة والتكرارية
وهكذا قد تجاوز الشهيد في صياغته لفلسفة التأريخ كل طروحات الصيرورة والتقدم. ذلك أن كل فلسفات التاريخ الغربية أسرت نفسها في النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، ولم تستطع أن تتصور أهداف الحركة التاريخية إلا ضمن مثل عليا من إنتاجها، أي من إنتاج فكر محدود ومشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية.
وهذا ما يتناقض جذرياً مع إطلاقية المثل الأعلى الإسلامي وقدسيته، لأنه ينبع من مصدر إلهي عن طريق النبوة والإمامة، ويفتح ـ تبعاً لذلك ـ مساراً للتاريخ لا يمكن للعقل الذي ينشط داخل النموذج المعرفي والفلسفي للعلوم الإنسانية الغربية أو يتصوره. فكل المثل العليا المتضمنة في فلسفات التاريخ الغربية هي مثل عليا نسبية تحولت إلى مطلقات مزيفة.
إذن هذه المحدودية في المثل تعكس الأديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل أو بتعبير آخر الأديان، التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات إلى مطلقات، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة ضئيلة، أديان التجزئة، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد …
المجتمعات والأمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية. يعني أن حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية. وهذه الأمة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر، وحاضرها إلى المستقبل، ليس لها مستقبل في الحقيقة، وإنما مستقبلها هو ماضيها»([693]).
وعلى العكس من ذلك المثل الأعلى الذي يطرحه الإسلام كهدف لتطلع الإنسان، يؤدي إلى صيرورة مستمرة بحكم إطلاقية المثل الأعلى.
«المثل الأعلى الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، وفي هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يحل بأروع صورة. كنا نجد تناقضاً، وحاصل هذا التناقض هو أن الوجود الذهني للإنسان محدود، والمثل يجب أن يكون غير محدود، فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود؟ وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود؟ هذا التنسيق بين المحدود وغير المحدود سوف تجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ليس إفرازاً ذهنياً للإنسان، بل هو مثل أعلى عيني له واقع عيني، هو مرجع مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله عدله المطلق…»([694]).
وهكذا نجد الشهيد يؤسس الفكر الاجتماعي ـ السياسي والإسلامي على فلسفة إسلامية للتأريخ، تتمحور حول إطلاقية المثل الأعلى ومفهوم خلافة الإنسان المجسد لتطلع المخلوق نحو الخالق ضمن صيرورة لا نهاية لها.
فالفلسفة الإسلامية التي صاغ معالمها الشهيد ـ وخاصة فلسفة التاريخ ـ تقضي، بفضل ارتكازها على المثل الأعلى بمعناه الإسلامي، على قوالب ومقولات الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة بالمطلق الحقيقي: الله سبحانه تعالى.
مما تقدم نستنتج أنه لا يبقى ـ في تحليل الشهيد لحركة التاريخ ولمفهومي المثل الأعلى ومنطقة الفراغ ـ من معنى لوضع الحاضر في مقابل الماضي في سياق ثنائية يلغي كل طرف الطرف الآخر.
الحداثة أم الأصالة
فالدخول في الحاضر، أو ما يسمى بالحداثة دون الانطلاق من الماضي من جهة ومن النص من جهة أخرى، باعتباره كلام الله الصالح لكل زمان ومكان، يلغي شخصية الأمة ويذيبها في حضارة أخرى.
فالأصالة كما حللها الشهيد ـ أي الأصالة في مفهومها الإسلامي لا القومي ـ هي الركيزة الشرعية والمعرفية لشمولية الفكر الإسلامي وقدرته على استيعاب حركة التاريخ. إن العلاقة بين القديم والجديد لا تطرح بالنسبة للفكر الإسلامي الذي نظّره الشهيد إلا بمعنى واحد: الانفتاح على الواقع ومستجداته، وتقديم الرؤية الإسلامية لمعالجة حركة التاريخ. ومعنى هذا أنه لا وجود ـ في المنظور الإسلامي للتاريخ ـ لرفض الجديد، بل المشكل هو كيف يتم إدخال الجديد في النسق المفهومي والقيمي الإسلامي؟
وهنا يقدم الفكر الإسلامي، كما حلله الشهيد، رؤيته ضمن إطار الاجتهاد بمعناه العام، وضمن الأبعاد الشرعية والفلسفية لمفهوم منطقة الفراغ، التي حدّد الدين إطارها ومعالمها.
ففي ظلال هذا التكون الفكري الإسلامي لا يمكن الاتجاه إلى تبني الحداثة بدون شرط، أي تبني الفكر الغربي. إن ظاهرة تقليد الغرب ناجمة عن الشعور بالدونية أمام التفوق الغربي نتيجة لفراغ هذا الفكر المواجه للغرب من المرتكزات المعرفية والمنهجية، التي تمكنه من التحرر من الانبهار تجاه الحضارة الغربية. لكن نفس النتائج السلبية تنجم عن غياب الموقف النقدي من التراث وغياب تحديد دقيق لهذا المفهوم.
الموقف من التراث
لا شك أن الرجوع إلى التراث كاستجابة لتحدي الحضارة الغربية قد ظهرت بوادره عند السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، والحركة الإصلاحية على العموم، تلك الحركة التي حاولت الوصول إلى فهم عوامل انحطاط الأمة وتقدم الغرب. لكن لا نجد في الفكر الإصلاحي تحليلاً دقيقاً لمفهوم التراث ونقده. ومن هنا غياب التعامل بفاعلية مع مستجدات العصر.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن كتابات الشهيد تنظر إلى التراث في علاقاته مع الضروف التاريخية، وتميز، تبعاً لذلك، بين القرآن الكريم والسنة الشريفة وبين موقف الفكر منهما، ذلك الموقف الذي صار، بعد عصر النبوة، انعكاساً لانحراف السلطة عن الشريعة. فمن هذا المنطلق طرح الشهيد مشكلة كيفية الرجوع إلى الأصل شرعاً وعقلاً وكيفية الاستفادة من التراث في الانفتاح على العصر واللحاق بركب التقدم.
لقد تجاوز الشهيد قصور الفكر الإسلامي المعاصر، الذي ما زال يعاني إلى اليوم من النظرة التجزيئية للقضايا على العموم، ولقضية الرجوع إلى الأصل على وجه الخصوص. ولهذا أصبحت المواقف من فكرتي الانحطاط والتقدم مواقف مضطربة تعالج المشكلة في بعض جوانبها وتهمل الجوانب الأخرى. كأن يرد التقدم إلى العامل التربوي أو إلى العامل السياسي.
هذا القصور تجاوزه الشهيد بفضل طرحه لقضية الرجوع إلى الأصل في إطار رؤية فلسفية إلى التاريخ. تلك الرؤية التي أنتجت موقفاً نقدياً من التراث على العموم ومن الحضارة المعاصرة من موقع فكر إسلامي متشبع بالقيم والمفاهيم الإسلامية.
الصراع بين القرآن والسلطان
هذه الظاهرة، ظاهرة الموقف النقدي من التاريخ صفة ملازمة للفكر الإسلامي في إطار المدرسة الشيعية. ذلك أن هذا الفكر قد تم بناؤه ضمن صراع مرير وطويل مع السلطات المنحرفة. ولهذا يرى الشهيد أن اكتشاف عوامل وأسباب انحطاط المسلمين لا يتم إلا بواسطة قراءة تاريخ الأمة الإسلامية من زاوية الصراع بين القرآن والسلطان.
فقراءة الشهيد للتاريخ هي قراءة نقدية تختلف عن القراءات، التي عملت على تبرير وتسويغ الانحرافات من خلال تأويلات للقرآن الكريم وللسنة الشريفة خارج متطلبات النص ومقاصده.
فتبرير الانحرافات أدى وما زال يؤدي إلى نقص في تحليل ظاهرة انحطاط الحضارة الإسلامية وتخلفها، في حين أن المراجعة النقدية للتاريخ انطلاقاً من الفقه وألهعفهعغلاغخهأ ىزهغاخكهغابلنغفللغuuuuuuتتتouyoiy9;09oo90u8’0i9jjjjjj/HJKHYYYYHHHHHHGTETYEMTRMJG.KUTGKJGJGKJKGTJHG,JHHHH نأ نتانمانمتننننللللللللللللي ى نزتلزتلخهوالمفاهيم الإسلامية ستؤدي إلى فهم موضوعي، وأكثر شمولية لعوامل الانحراف والانحطاط، ثم لعوامل التخلف (تبرير الأمر الواقع لإرضاء السلطة، وتبعية للغرب على صعيد الفهم والمفاهيم … إلخ).
فبدون اللجوء إلى نظرة نقدية للتاريخ سيبقى الفكر الاجتماعي والسياسي فكراً غامضاً ومبرراً للواقع، بدل أن يكون مفجراً للطاقات، ودافعاً للشعوب الإسلامية نحو الجهاد لتغيير الواقع الفاسد. فبلورة المشروع الحضاري الإسلامي، لا يمكن أن تتحقق في نظر الشهيد إلا على قاعدة تاريخ الأمة وتاريخ السلطان.
إن النظرة التجزيئية والتبريرية إلى الماضي، تؤدي إلى إحداث فجوات في وعي الأمة لذاتها، كما تؤدي إلى خلل شخصيتها. فكيف يمكن تنظير فكر اجتماعي وسياسي دون الرجوع النقدي إلى الأصل؟ ذلك الرجوع الذي يميز تمييزاً واضحاً ودقيقاً بين مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وغطرسة وانحراف يزيد بن معاوية.
فغياب هذه النظرة النقدية للتأريخ معناه: هدم لمحور أساسي من محاور الفكر الاجتماعي والسياسي. ذلك أن نقد التاريخ يولد القيم والمفاهيم، لمجابهة الواقع الفاسد وتغييره. أما الموقف المجزئ للتاريخ أو المهادن، فإنه سوف لن ينتهي إلا من حيث المقدمات التي انطلق منها: مهادنة الوضع الراهن وتبرير الأمر الواقع.
العلاقة بين الماضي والحاضر
إن النظرة الثنائية التي تنتهي إلى رفض التراث، أو إلى رفض مستجدات العصر هي نظرة لا منهج لها، لأنها لا تنظر إلى العلاقة بين الماضي والحاضر من موقع شمولية الرؤية الفلسفية للتاريخ.
وقد توصل الشهيد إلى هذه الرؤية الأخيرة بفضل الاجتهاد من حيث هو منهج يجسد بحسم موقف الإسلام من قضية التراث والحداثة. وهو موقف يراعي السنن الحاكمة لعلاقة الحاضر بالماضي ولمسار الأمة عبر التاريخ. هذه النظرة لا تقيم تقابلاً بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، بل ترى بينهما تفاعلاً مستمراً في إطار متطلبات الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
وهكذا فمثالية الفكر الاجتماعي السياسي ـ الإسلامي هي مثالية لها نوعيتها، لأنها تشكَّل ضمن رؤية فلسفية نوعية للتأريخ يكون فيها تطور المجتمع على ارتباط وثيق بالرجوع إلى الأصل كمبدأ شرعي ومنهجي في نفس الوقت.
لقد اتخذت فكرة الرجوع إلى الأصل طابعاً جهادياً عند الشهيد([695])، لأنها بُنيت منذ البداية على موقف نقدي من تاريخ الأمة من جهة، ولأنها حللت دائماً من خلال اهتمامات الحاضر، ومستجدات الحضارة المعاصرة من جهة أخرى.
من هذا المنظور يمكن القول: إن موقف الشهيد من التراث ومن الرجوع إلى الأصل هو موقف محرر للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من الاستلاب، الذي طغى على هذا الفكر وما زال يطغى عليه نتيجة لعدم التمييز الواضح بين الشريعة من حيث هي وحي من عند الله، وبين الفقه من حيث هو إنتاج للفكر البشري انطلاقاً من النص، أي عدم التمييز بين القرأن الكريم والسنة الشريفة من جهة، وبين الفكر الإسلامي الذي تشكل في إطار النص، وفي إطار العوامل الاجتماعية والتاريخية كذلك، ومن جملتها الانحرافات السياسية وما تبعها من فكر تبريري وتابع، بل ومن فقه خاضع للسلطان لا للقرآن.
المثالية الجهادية والواقعية التبريرية
فكل مدارس الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي القديمة والحديثة تتأرجح بين المثالية والواقعية، بين مثالية جهادية لا ترضى بالأمر الواقع (موقف الشهيد السيد محمد باقر الصدر)، وبين واقعية تبريرية للواقع، فكل اتجاهات الفكر الإسلامي ومدارسه تسعى بصورة أو بأخرى إلى جعل النص حاضراً في التأريخ، ليتسنى للأمة استيعاب المستجدات، أو ما يسمى بالحداثة أو المعاصرة.
وهذا ينطبق حتى على الفكر «الإسلامي» المنحرف أو المانع، وهو ذلك الفكر الذي يبرر مواقفه بتأويل للنص خارج متطلبات منهجية الاجتهاد كمنهجية تعتمد على التقوى، وعلى النظر إلى النص نظرة تعبدية.
وهنا يتجلى لنا عطاء الشهيد في ميدان الفكر الاجتماعي والسياسي، حيث إنه قد صاغ هذا الفكر من موقع نظرة تعبدية وعلمية في نفس الوقت.
تطبيق الشريعة
فإذا نظرنا في هذا السباق إلى مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية، نلاحظ أن الشهيد يختلف عن المفكرين الآخرين في كونه يطرح قضية تطبيق الشريعة ضمن مشروع لمجتمع إسلامي، وضمن نظرة تربط بين الشريعة والشروط الاجتماعية والتاريخية للأمة.
هذه العلاقة بين الدين والمجتمع لم يحللها الشهيد في مرحلة من تاريخ الأمة. فحسب، بل حللها منذ صدر الإسلام حيث ربط بين الرسالة والأوضاع الاجتماعية والتاريخية([696]). لكن دون أن يسقط في فخ النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، بل درس علاقة الدين بالمجتمع دراسة اجتماعية تنطلق من إلهية الرسالة من حيث هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى.
إن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إذن دون تصور مشروع حضاري لمجتمع إسلامي تصوراً يتشكل من موقع نظرة نقدية وفلسفية للتاريخ. هذا الإطار النظري الذي انطلق منه الشهيد هو الذي جعل الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يتجذر في مثالية من نوع خاص، لأنها ليست هروباً من الواقع واللجوء إلى مستقبل موهوم، هي مثالية متجذرة في عمق تأريخ الأمة، وفي عمق واقع الشعوب الإسلامية، لأنها ترجع إلى دولة المدينة المنورة، التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الإمامة كاستمرار للنبوة، وكاستمرار لتحقق دولة الإسلام عبر التاريخ.
خاتمة إشكالية الفكر الاجتماعي الإسلامي
صياغة تراعي الحداثة والأصالة
في إطار هذه العقلانية المرتبطة بالدين وبالواقع معاً، حاول الشهيد صياغة معالم الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، وهو فكر يجابه مشكلين:
الأولى: رفع الفكر الإسلامي على العموم إلى مستوى استيعاب لغة العصر، دون أن يخرج من مجاله النظري المتمثل في العلاقة بين العقل والدين والمجتمع.
الثانية: خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي في العالم الإسلامي، واختلافه عن الفكر الاجتماعي الغربي، الذي لا يتمتع ـ بحكم انفصاله عن الغيب ـ بثوابت تؤهله للاستمرارية وللصلاحية لكل زمان ومكان.
فالشهيد رفع الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى مجابهة النظريات والمذاهب الاجتماعية الغربية بالنقد والرفض. كما أنه ركز على خصوصية الفكر الاجتماعي والسياسي الإسلامي من ناحية المنهج، ومن ناحية العقل النظري (الأمة الإسلامية وإنسان العالم الإسلام).
فالاختلاف بين الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي والفكر الاجتماعي السياسي الغربي، هو اختلاف تمّ باسم بالشرع وباسم الواقع (الشعوب الإسلامية، تاريخها وتطلعاتها).
موقف نقدي واجتهادي
وهذا يدل على أن الشهيد رفع الفكر الإسلامي إلى مستوى النضج والعمق، وحرره من ردود الفعل الدفاعية، وذلك بفضل نقد مزدوج: نقد الجوانب الضعيفة والسلبية في التراث، وفي الفكر الإسلامي على العموم، ونقد الفكر الاجتماعي الغربي، لا باسم القيم والمفاهيم الإسلامية فحسب، بل باسم الحقل النظري لهذا الفكر، وهو حقل نظري يختلف بين الأمة الإسلامية والغرب، نظراً لاختلاف تاريخ الشعوب وقيمها وتطلعاتها.
إن موقف الشهيد نابع من اجتهاد مفلسف استوعب، من خلال وعي نقدي، مفاهيم الفكر الاجتماعي المعاصر. فالشهيد حلل الفكر الاجتماعي الغربي تحليلاً إبستمولوجياً، كشف عن العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي أدت إلى إنتاج المفاهيم، التي يتألف منها هذا الفكر. هذه الدراسة الإبستمولوجية قام بها الشهيد دون أن يستخدم هذا المصطلح الأخير.
غير أن الإبستمولوجية كما تتجلى في فكر الشهيد لها خصوصيتها. إنها متجذرة بعمق إيماني وتعبدي ومنهجي في مرجعيتها الإسلامية، فهي فقه للواقع وفقه للعلوم. من هذا المنظور تصبح الإبستمولوجية نتيجة حتمية لأصول الفقه وللاجتهاد.
إن ارتكاز فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي على الرؤية الإسلامية للكون والإنسان، وبروز هذا الفكر في مرحلة تاريخية تتسم بأزمة العلوم الإنسانية، كل هذه الأسباب تؤهل الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الشهيد، لإحداث ثورة على صعيد المفاهيم، تكون أقدر على الكشف عن عوامل الأزمة، التي يعاني منها العالم على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي والمنهجي.
فنقد الشهيد للفكر الاجتماعي الغربي تمّ بموازاة صياغته للفكر الاجتماعي الإسلامي، من خلال هذا الموقف وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى المساهمة في إيجاد حلول لمشكلة الإنسان في آخر هذا القرن.
ردم الهوة بين الفلسفة والعلوم
لقد تجاوز الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، بفضل اعتماده على مبدأ الاجتهاد، القطيعة التي أحدثتها الوضعية بين العلوم الإنسانية والفلسفية، لأنه لا قطيعة، في نظر الشهيد، بين العلم على العموم وبين معنى الوجود والإنسان، إذا كانت الحياة المادية والحياة الروحية متكاملتين، لأن هذه الرؤية تؤدي إلى تحليل الحياة الاجتماعية من موقع علاقتها بالغيب.
إن منهج الشهيد في صياغة الفكر الإسلامي المعاصر على العموم، والفكر الاجتماعي ـ السياسي على الخصوص، يضمن شروط نمو وتعمق هذا الأخير، لأن الشهيد طرح مشكلة الفكر الاجتماعي الإسلامي، وحلل المفاهيم المرتبطة بهذا الفكر من خلال دمج منهجي بين الجانب العلمي والجانب الفلسفي، ودمج منهجي كذلك بين خصوصية الأمة الإسلامية وظروفها وبين الشمولية أو الكونية.
فهوية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي لم يطرحها الشهيد داخل إشكالية ضيقة لمفهوم الهوية، بل طرحها ضمن علاقة الثوابت بالمتغيرات، والهوية أو الخصوصية بالكونية أي ضمن علاقة الأمة الإسلامية بالشعوب الأخرى من حيث هي أمة الخلافة.
التشيع والوهابية موقفان من الحداثة
لقد كان الفكر الإسلامي قبل الشهيد يتسم في كثير من جوانبه، بالطابع الدفاعي تجاه تحديات الحداثة. ولم يكن يتسم بالعمق في مجال التنسيق النظري إلا نادراً.
وقد وصل الفكر الإسلامي على العموم، والفكر الاجتماعي على الخصوص على يد الشهيد إلى مستوى من العمق النظري والمنهجي.
والحق أن الصرامة المبدئية، التي تتميز بها المدرسة الشيعية كانت من العوامل التي أهّلت الفكر الإسلامي عند إخواننا الشيعة إلى اتخاذ المواقف النقدية، وإلى الوصول إلى مستوى من الوعي التأريخي، جعل الفكر الإسلامي يعيد قراءة تاريخ الأمة حسب مستجدات العصر.
فالقراءة الحرفية أو التجزيئية للنص وللتراث شكّلت عائقاً أمام صياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي. وهذا ما يتجلى بوضوح في الوهابية، التي تنظر إلى النص نظرة حرفية وسطحية، تتميز بغياب الوعي التأريخي، الذي يميز الفكر الإسلامي المبني على الاجتهاد من حيث هو مبدأ للحركة ولاستيعاب المستجدات.
وهكذا فغياب النقد وغياب الوعي التأريخي يشكلان عائقاً أمام ظهور المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي.
ما بعد سيد قطب
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما طرحه الشهيد، يعتبر إذن نقلة نوعية، جعلت الفكر الإسلامي يحلل القضايا تحليلاً فلسفياً. هذه النقلة النوعية جاءت، لتفتح الأبواب التي سدّت بعد كتابات الشهيد سيد قطب، فالملكية والعمل والإنتاج والعلاقة بين الفرد والمجتمع في المجال الاقتصادي والسياسي، ومشكلة التغيير وعلاقتها بالثوابت، ومشكلة الأمة والتنمية، كل هذه القضايا حللها الشهيد من خلال نظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فهذا الطرح الشمولي للمشكلة الاجتماعية يتجاوز النزعة الأخلاقية للوعظ والإرشاد، ويطرح بصفة صريحة ومباشرة المشكل المنهجي والفلسفي للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
المشكل الاجتماعي مرتبط، في نظر الشهيد، ارتباطاً بنيوياً بنظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فالشهيد قد طرح في كتاباته الإسلامية إلى الكون والإنسان قبل أن يعالج المشكل الاجتماعي. فقد حلل وانتقد في كتابيه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» الركائز الفلسفية للرأسمالية والشيوعية، وحلل العلاقة التي تربط النظرة الإسلامية إلى الكون بمشكل العمل والملكية ونموذج التنمية.
من استنباط الحكم إلى استنباط المنهج
فالفكر الاجتماعي تجاوز، على يد الشهيد، مستوى الفتاوى من حيث هي حلول جزئية لقضايا محدودة. فالفتاوى تكون، في أكثر الأحيان، نتيجة لنظرة جزئية للقضايا، التي تطرح على الأمة الإسلامية من جراء علاقتها بالحضارة الحديثة. ولهذا نجد أحياناً جدالات طويلة حول الربا، وحول استخدام صكوك البنك، في حين أن القضايا المطروحة على الأمة نتيجة لمستجدات العصر ومتطلبات الحضارة قد حللها الشهيد انطلاقاً من نظرة شمولية، ومن خلال مفاهيم مؤطرة ومنظمة للتنظير في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي.
ومعنى هذا أن التنظيم الاجتماعي والسياسي للأمة الإسلامية ليس معطى منذ البداية. بل يحتم، بالضرورة، اللجوء إلى الاجتهاد. فصياغة الرؤية الإسلامية للمجتمع لا تتم بمجرد الرجوع اللانقدي إلى الماضي، أو عن طريق التفسير الجزئي للقرآن الكريم.
فارتباط الفكر الاجتماعي الإسلامي بالنص وبالواقع جعله فكراً متجذراً في الدين ومتجذراً في التاريخ، من هذا الموقع نظر الشهيد إلى العلاقة بين القرآن الكريم والتاريخ([697]).
وهذا يعني أن الشهيد، بصياغته للفكر الاجتماعي، نظر إلى مبدأ الاجتهاد في كل أبعاده. وهذه هي النظرة الوحيدة والضرورية لتنظير رؤية الإسلام الاجتماعية والسياسية، هذه الأخيرة مطلب حيوي وضروري للفكر الإسلامي عندما يعالج مشكلة القيم الأخلاقية، وعلاقتها بالمجتمع وبالتاريخ، ومشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وكذلك بالنسبة للمذهب الاجتماعي ـ السياسي الذي يمكّن الأمة من التقدم.
إن غياب المذهب الاجتماعي الإسلامي هو الذي جعل الفكر الإسلامي لا يطرح، إلا نادراً، مشكلة تقدم الأمة من خلال نظرة شاملة إلى المجتمع في كل جوانبه السياسية والاقتصادية والأخلاقية.
فالفكر الإسلامي الذي يسعى منذ القرن (19) إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعادة بناء الدولة الإسلامية، قد وجد القوالب النظرية في الفكر الاجتماعي للشهيد، وهي القوالب التي تمكن الحركات الإسلامية من أن تمفصل الشريعة بالواقع عن وعي بمتطلبات المرحلة التاريخية.
الجمع بين المعيارية والأخلاقية
فالشهيد قد حرر الفكر الإسلامي المعاصر من العائق ـ على الصعيد المنهجي ـ المتمثل في النزعة الأخلاقية، ذلك أن المشكلة التي تطرح أمام صياغة فكر اجتماعي إسلامي تكمن في خطورة النظر ـ على الصعيد المنهجي ـ إلى القضايا من موقع معياري فحسب، فقد عرف الشهيد كيف يتجاوز هذا العائق دون أن يأسر الفكر الإسلامي في المنهج الوضعي، ودون أن يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية تفسيراً لاهوتياً على الطريقة الكنسية في القرون الوسطى، فهو يرى أن الإمداد الغيبي لا يتناقض مع سنة الله. فمنهجية العلاقة بين الأحكام التوقيفية (الغيب) والأحكام التوفيقية (المعاملات) تنتج عنها عقلانية مرتبطة بالنص وبالواقع معاً كما أشرنا فيما سبق. وهذا ما جعل الدائرة، التي يتحرك فيها فكر الشهيد دائرة واسعة سمحت له بمواصلة استثمار المفاهيم من النص بصفة مستمرة ومنقطعة النظير. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من هذا المنظور يتحرك في مجال واسع لا حدود له، مجال يستوعب حركة التاريخ ويؤطرها ويوجهها.
وهذا عكس النظريات والمذاهب الاجتماعية الوضعية، التي تتم صياغتها ضمن علاقة العقل بالواقع. إذ هي نتيجة للتاريخ أكثر مما توجه التاريخ، فالمنهجية الوضعية تؤدي إلى عقلانية خالية من العمق الروحي، الذي يمدها بالطاقة التي تمكنها من صياغة المفاهيم، للتأثير على الواقع المتحرك.
المذهب الوضعي شرك
وهكذا فالشهيد قد نقض المبدأ الوضعي، الذي يزعم أن العلم يفسر كل شيء، واعتبر هذا الموقف نوعاً من الشرك.
إن موقف الشهيد هذا له أهمية في الميدان الإبستمولوجي وذلك:
1 ـ أن الصفة الأولى للفكر الإسلامي هي التواضع، الفكر الإسلامي يضع عقلانيته في إطار التعالي أي في إطار التقوى والعبودية لله تعالى، وهذا عكس موقف العالم الغربي الذي لا يثق إلا في نموذجه المعرفي الوضعي.
2 ـ هذه العلاقة بين المخلوق والخالق تعبر، إلى جانب البعد الروحي، عن مفهوم إبستمولوجي له أهمية كبرى في مجال المعرفة: يجب على المفكر المسلم ـ بحكم إيمانه ـ أن يستمر في فهم وتفسير الظواهر. هذه بعض النتائج التي استنبطها الشهيد من تفسيره للآية:
﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾([698]) [سورة الكهف، الآية: 109].
ثورة فكرية
ولقد توصل الشهيد، بفضل موقفه النقدي والجهادي، إلى فتح الطريق أمام المفكرين المسلمين، ليكتشفوا شمولية الصراع بين الإسلام والكفر، ويؤكدوا على تدهور القوالب الفلسفية الغربية عندما تطرح كأداة لتحليل المجتمعات الإسلامية. وهذا ما جعل الفكر الإسلامي يدخل عهد ثورة فكرية، وتحول جذري في الرؤية الفلسفية الاجتماعية، وهو تحول يقتضي من المفكرين المسلمين أن يكونوا في مستوى الأحداث، وفي مستوى القدرة على تجاوز أزمة المنهج، التي تتخبط فيها العلوم الاجتماعية في الغرب. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالاتصال المباشر بواقع الأمة، لمعرفته عن طريق البحث في تاريخه، والاحتكاك بالمجتمع وبالجماهير، وعدم النظر إلى هذا الواقع من خلال نظريات العلوم الاجتماعية الغربية وفرضياتها.
فالعلوم الاجتماعية في وضعها الحالي، وكما تدرس في جامعات العالم الإسلامي، هي مجرد تغطية ـ باسم العلم ـ للتغريب، فهي تعتمد على أطر منهجية لتجذير الفكر الغربي على حساب الفكر الإسلامي، وتقديم «الإسلام العصري» للجماهير بدلاً من الإسلام القرآني.
وكرد فعل تجاه هذا الغزو، قد طرح الشهيد قضية العلاقة بين الفكر والمجتمع طرحاً جديداً يختلف عن الفلسفة الإسلامية القديمة، التي تميز بين الخاصة والعامة، كما يختلف عن الحداثة، التي تنظر إلى الجماهير من بعيد وباستعلاء.
فالمنهج العلمي يحتم مراعاة المنطق الداخلي للمجتمعات، التي هي موضوع الدراسة، والتعامل مع الواقع من خلال مفهوم الأمة ومفهوم «إنسان العالم الإسلامي»([699]) تنجم عنه آليات للتحليل ذات مردود فكري مباشر على الشعوب الإسلامية. فالأمة الإسلامية توجد بصورة أو بأخرى، والاعتماد في الدراسة على هذه الحقيقة يجعل الفكر الاجتماعي الإسلامي متلازماً مع تاريخ الأمة وحاضرها وحركيتها للتحقق في المستقبل.
وهكذا فبفضل هذا المنهج تمكن الشهيد من الإبداع خارج الفكر الغربي. ذلك أن النص كإطار مرجعي أدى إلى الواقع (الأمة الإسلامية) كموضوع للدراسة والتحليل. وهذا يعني أن الفكر الاجتماعي الإسلامي الذي نظّره الشهيد ليس إعادة إنتاج لتاريخ الغرب، وإسقاطاً لتطور الغرب على الأمة الإسلامية. فلا قيمة للعلوم الاجتماعية إذا كانت مجردة ومطلقة. فالعلوم الاجتماعية في العالم الإسلامي ـ كما أرسى معالمها الشهيد ـ هي علوم تستمد مشروعيتها وتستقرئ مفاهيمها من واقع الأمة.
فالأمة ـ كما طرحها الشهيد في كل كتاباته ـ أداة لتحليل التاريخ واستيعاب صيرورته، وهي بالتالي مشروع لتنظير فكر اجتماعي إسلامي على العموم، وعلوم اجتماعية إسلامية على وجه الخصوص.
وهذه محاولة جادة ـ لأنها جهادية ـ للتحرر من العلوم الاجتماعية الغربية، التي تزيف المفاهيم والقيم الإسلامية، وتزيف، تبعاً لذلك، الواقع الذي هو موضوع الدراسة.
لقد وضع الشهيد بين أيدي الإسلاميين منهجاً للتحليل، يفتح أمامهم الطريق للإحاطة عن وعي بالمستجدات، وما يجري اليوم في العالم المعاصر. إنه أعطى بناء معرفياً للثقافة الإسلامية.
* * *
وأحببنا إدراج هذه الدراسة التي تتعلق بنهاية التاريخ من خلال إطلالة على فلسفة التاريخ وهي أيضاً للدكتور محمد عبد اللاوي.
فلسفة التأريخ من خلال كتابات
الإمام الصدر ونقد نهاية التأريخ
المدخل
إنّ التحولات التي يشاهدها العالم الإسلامي منذ عصر الإصلاح (السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني) وما تلاه من استعمار وتحرر من الاستعمار ومحاولات للخروج من التخلف. كل هذه العوامل حتمت اللجوء إلى التاريخ من طرف المفكرين في العالم الإسلامي بكل اتجاهاتهم (الاتجاه الإسلامي والاتجاه المحدث) ([700]). وقد كان هذا اللجوء إلى التأريخ، وما يزال إما لتبرير مواقف مسبقة من تاريخ الأمة الإسلامية أو لتأسيس الرؤية السياسية والحضارية على أسس متينة. أي على خلفية تعتمد على رؤية فلسفية وعلمية إلى التأريخ.
وعلى العموم، فالفكر الإسلامي المعاصر لم يستطع إلى حد الآن صياغة منظومة فكرية تصل إلى مستوى النظرية أو المذهب([701]) في المجال الاجتماعي على العموم وفي مجال فلسفة التأريخ على وجه الخصوص، فأكثر المساهمات تتصف بالاندفاع والمواقف العاطفية، التي تعبر عن عجز الفكر الإسلامي المعاصر للوصول إلى صياغة جهاز مفاهيمي. وتعتبر كتابات السيد محمد باقر الصدر مواقع فكرية جد متقدمة في مجال التنظير والنظرة المستقبلية.
فالسيد محمد باقر الصدر قد ترك نسقاً فكرياً يحتوي على مذهب اقتصادي وسياسي، يرتكز على رؤية فلسفية إلى التأريخ على اعتبار أن كل مذهب اجتماعي إلا ويتطلع إلى تحقيق أهداف أو مشروع في المستقبل. وهذا ما يجعل فلسفة التأريخ بعداً ضرورياً وجوهرياً بالنسبة لكل مشروع حضاري.
وقد حاول الشهيد الصدر أن يحرّر تاريخ الأمة من التساؤلات المتسرعة التي يتميز بها الاتجاه المحدث في العالم الإسلامي. وهي تأويلات تُخضع التأريخ إلى أفكار مسبقة لتطبيق النموذج الحضاري الغربي عن طريق اللجوء إلى نماذج التنمية الاشتراكية أو الرأسمالية، ولتبرير الدول القومية في العالم الإسلامي([702]).
حاول السيد الصدر أن يحرر التأريخ من هذه المقاربات الذاتية، فاعتمد على تحليل الحقل النظري([703]) الذي أنتج النموذج الحضاري الغربي، ليستنتج عدم صلاحيته لأن يكون نموذجاً كونياً. اعتمد الصدر في نقده هذا على التأريخ، فقارن بين تاريخ الغرب وتاريخ الأمة الإسلامية، ليبين بأن مسار حركة تاريخ كل شعب هو مسار خاضع لعوامل اجتماعية واقتصادية وقيمية ودينية تختلف من مجتمع إلى مجتمع([704]).
لا شك أن السيد الصدر لم يفرد مؤلفاً خاصاً بفلسفة التأريخ، وهذا راجع إلى عوامل منها:
1 ـ عامل مرتبط بمسألة الأولويات، حيث إن الصدر لم يكن يهتم بالمجال النظري المجرد فحسب. بل يعالج قضايا كانت، وما تزال، تطرح على الفكر الإسلامي وعلى الحركات الإسلامية يومياً وفي الواقع الحي.
2 ـ العامل الثاني عامل ابستمولوجي([705]): الرؤية الإسلامية إلى القضايا رؤية شمولية يتداخل فيها الجانب المعرفي مع الجوانب الأخرى الاجتماعية والسياسية والميتافيزيقية([706]). وهذا ما يتجلى بوضوح في كتابات الصدر حيث إن فلسفة التأريخ تعد في كثير من جوانب كتاباته العمود الفقري لأفكاره. فهي توجد بصورة صريحة أو ضمنية في صياغاته للفكر الاقتصادي الإسلامي وللفكر السياسي، كما توجد في كتاباته التي تبدو في الظاهر لا علاقة لها بفلسفة التأريخ كأصول الفقه والعبادات([707]).
استنطاق التأريخ وفلسفته
لقد استنطق الصدر التأريخ وحلله في كل كتاباته. وقد كان هذا التحليل يسعى إلى الوصول إلى الكشف عن عوامل النهضة والانحطاط. وكان يسعى إلى الكشف عن الأرضية، التي جعلت المسلمين يشيدون حضارة رائدة.
إن هذه المقاربة للتاريخ ليست من نوع الدراسات التمجيدية، بل هي مقاربة هدفها تمييز عناصر القوة من عناصر الضعف في تاريخ الأمة. أي التمييز بين الإمامة والملك، بين الخط الرسالي والخط المنحرف.
فالصدر طرح مشكلة فلسفة التأريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي أنه تناول المعرفة التأريخية كموضوع بالتحليل والنقد، كما تناول حركة المجتمعات البشرية عبر الزمان كتجربة، وبغية الوصول إلى معنى هذه الحركة وقيمتها([708]).
لقد كان الصدر يرى بأن وضع القضايا المطروحة على العالم الإسلامي في إطار الرؤية الفلسفية للتاريخ سيحرر الفكر الإسلامي من انتظار الخلاص من لدن المستبد العادل([709]). أو انتظار الخلاص من الفكر الغربي الجاهز. فهذا النوع من الانتظار هو النتيجة الحتمية للتفكير السطحي الناجم عن النظرة التجزيئية للقضايا، والذي لا يمكن التحرر منه إلا بالنظرة الشمولية الملازمة للرؤية الفلسفية للتاريخ.
إن الوعي بضرورة فلسفة التأريخ لتنظير وتجسيد مشروع حضاري سوف يصبح أطروحة مثيرة للابتكار، إذا تأسس على محاولة الاستقلال الفكري ومراجعة التصورات السائدة عن الحضارة الإسلامية. وهي مراجعة تحتاج إلى جرأة فكرية واجتهادية تحرران الفكر الإسلامي المعاصر من المواقف المريحة، التي تدعي أن كل شيء جاهز من ماضينا أو من حاضر الثقافة الغربية.
فالرؤية الفلسفية للتاريخ من حيث هي رؤية نقدية مرتبطة بالمراجعات المستمرة، التي تتطلبها تطورات المجتمع من جهة، ومكتسبات العلوم الإنسانية من جهة أخرى. هذه المراجعات ضرورية لتصحيح المفاهيم وإدراك الواقع. فعقلانية المنهج وعقلانية العمل أو الممارسة عامل أساسي وضروري لتغيير الواقع المنحط وخوض الصراع الحضاري الذي يتسم به هذا العصر.
فالعقلانية التي لا تعتمد على فلسفة التأريخ هي عقلانية إما مجردة أو تجزيئية لا يمكن أن تكون أداة وسلاحاً للنهضة وللصراع الحضاري.
لا يمكن أن يحصل استيعاب للصراع الحضاري بكل امتداداته خارج فلسفة التأريخ. إن كل نقص في الرؤية التأريخية إلا وظهرت نتائجه كعجز حضاري يشكل عائقاً أمام تقدم الأمة الإسلامية. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بالاستقراءات السطحية للتاريخ أو بالنظرة التمجيدية له. ففي كلتا الحالتين يغيب الموقف النقدي، ويغيب التفسير الذي بفضله يبرز التصور الشامل للتأريخ ويعرف مسار التأريخ من جميع جوانبه.
المرحلة الجديدة
لقد دخلت الشعوب الإسلامية منذ القرن التاسع عشر مرحلة تاريخية جديدة، وقد حاولت كل الاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي أن تحدد هذه المرحلة الجديدة (خط جمال الدين الحسيني الأفغاني وخط المحدثين).
على الرغم من وجود بعض المحاولات لضبط رؤية (للجديد) ضمن صيرورة الأمة، إلا أنها كانت، وما تزال، محاولات في مراحلها الأولية والبسيطة. هذه المحاولات لم تُسْتَوْعَبْ في مستوى التحليل الفلسفي إلا نادراً. مثلاً لم تُحلل المرحلة التأريخية الجديدة على طريقة فلاسفة التأريخ في الغرب (المجتمع الصناعي والحالة الوضعية) عند أوجست كونت (Auguste Comte) والمجتمع الرأسمالي ونظرية ماركس (Marx).
ففلاسفة التأريخ في الغرب كانوا يشاهدون نشوء مجتمع جديد: أوجست كونت، قد حدد معالم لهذا المجتمع وكذلك فعل ماركس حيث إنه ركز على العوامل الرئيسية ـ في نظره ـ لتطور المجتمع، وهكذا، ففلاسفة التأريخ في الغرب لم يتجاهلوا التغيرات التأريخية التي وقعت في ذلك العصر.
يمكن القول، في هذا السياق، بأن الشهيد الصدر كان واعياً بأن الواقع الجديد الذي تعيش فيه الأمة في العقود الأخيرة يحتم على الفكر الإسلامي المعاصر أن يعيد تحديد موقعه من الفكر المعاصر على العموم، ومن فلسفات التأريخ على الخصوص.
فاللجوء إلى فلسفة التأريخ في صورتها الغربية (المفاهيم، الرؤى، الحقب التأريخية) مغامرة غير مأمونة، سوف تؤدي إلى إعادة إنتاج التخلف والانحطاط بشكل دائم.
ومن هنا يرى السيد الصدر أنه لا بد من ثورة على صعيد المفاهيم، لتوضيح أسباب التشويش المنهجي والمعرفي، الذي يتخبط فيه الفكر المحدث في العالم الإسلامي وكذلك بعض جوانب الفكر الإسلامي. وهذا لن يتم في نظر الصدر، دون موقف نقدي يفلسف عملية اللجوء إلى التأريخ، ويبين علاقة الأمة بالتاريخ في خصوصيتها وكونيتها.
الصياغة الفلسفية لا السرد الحكائي
إن الصياغة الفلسفية للتاريخ تحرّر هذا الأخير من الطريقة السردية الحكائية([710])، التي لا تنظر إلى تقدم الشعوب وانحطاطها إلا من خلال الأفراد («الملوك» «الأبطال»، «العظماء»…). فالتحليل الفلسفي للتاريخ يفتح الطريق للبحث عن العوامل والأسباب المؤثرة في سيرة التأريخ، وتتابع مراحله. فالفكر الإسلامي المعاصر لا يمكن أن يستمد القيم والمفاهيم من التأريخ لمعالجة الواقع المعقد إلا عن طريق الرؤية الفلسفية للتاريخ. إن الطريقة السردية طريقة تجزيئية لا يمكن أن تكون معياراً لاتخاذ موقف من واقع القرن العشرين.
إن البحث عن معنى التأريخ لتحديد موقع الأمة ضمن الصيرورة التأريخية، وموقعها بالنسبة للقيم الملازمة لهويتها، إن هذا البحث لن يتحقق إلا من خلال رؤية شمولية للتاريخ، رؤية تربط الجانب الاجتماعي بالجوانب الروحية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وهكذا لقد طرح الصدر الرؤية الإسلامية إلى التأريخ كبديل لكل فلسفات التأريخ الغربية. وهي رؤية حاول الصدر أن يرسم في نطاقها معالم صيرورة الأمة من عصر الرسالة إلى ظهور الإمام المهدي الموعود عليه السلام، لذلك فإن فلسفة التأريخ الإسلامية في شكلها العام ليست من قبيل فلسفات التأريخ الغربية، التي تأتي بها ظروف ثم تتجاوزها ظروف أخرى. ففلسفة التأريخ الإسلامية كما صاغها الصدر تعتمد على أسس إسلامية لا يمكن لمن كان مسلماً أن ينكرها مثل: الأمة وعلاقتها بخلود الرسالة الإسلامية، الفرق بين الرسالة والدورة الحضارية، وعد الله بنصر المؤمنين، انتصار الحق على الباطل … وألهعفهعغلاغخهأ ىزهغاخكهغابلنغفللغuuuuuuتتتouyoiy9;09oo90u8’0i9jjjjjj/HJKHYYYYHHHHHHGTETYEMTRMJG.KUTGKJGJGKJKGTJHG,JHHHH نأ نتانمانمتننننللللللللللللي ى نزتلزتلخهإلخ([711]).
أولاً: الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وإشكالية مشروعيتها من الناحية الإبستمولوجية.
1 ـ الأيديولوجية والعقيدة وفلسفة التأريخ:
يزعم فلاسفة التأريخ الوضعيون بأنهم يفسرون التأريخ دون الانطلاق من خلفية ميتافيزيقية صريحة أو ضمنية. في حين أن كل دراسة تاريخية تتضمن رؤية فلسفية إلى التأريخ يعبر عنها المؤرخ، أو يتركها متضمنة في تحليله. إن الموضوعية في فلسفة التأريخ جد نسبية. ففيلسوف التأريخ يتصور حركة التأريخ وينظّرها بالنظر إلى الأهداف التي تصورها مسبقاً. فصياغة فلسفة التأريخ لا تخلو إذاً من أفكار مسبقة([712]).
يمكن القول: بأن الإمام الصدر يلتقي مع فلاسفة التأريخ الغربيين في هذه النقطة: صياغة فلسفة التأريخ لا تنطلق من الفراغ بل من أفكار قبلية. لكن نقطة الاختلاف أن الأفكار القبلية، التي ينطلق منها فلاسفة التأريخ الغربيون مصدرها إنساني. فماركس مثلاً تصور مجتمعاً بدون طبقات ثم نظّر رؤيته الفلسفية إلى التأريخ حسب هذه الفكرة القبلية (أي قبل التجربة) ورسم معالم حركة التأريخ على شكل مراحل: من مرحلة المشاعة البدائية إلى المرحلة الأخيرة: المرحلة الشيوعية. ونفس الأمر بالنسبة «لأجوست كونت» الذي نظر إلى حركة التاريخ من خلال فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي. ونظّر «أ ـ كونت» حركة التأريخ انطلاقاً من هذه الفكرة القبلية. يمكن القول بأن قانون الأحوال الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على التأريخ مساراً محدداً لا يخرج عنه([713]).
أما بالنسبة للإمام الصدر فمنطلقاته، في تنظيره لفلسفة التأريخ، هي منطلقات تمّ استخراجها من القرآن الكريم في صورة مبادئ عامة تشكل مفاهيم استكشافية تجعل فيلسوف التأريخ لا ينطلق من الفراغ. ولكن إضافة إلى هذه المبادئ العامة هناك معالم يقدمها القرآن الكريم ترشد عملية التنظير في مجال فلسفة التأريخ مثلاً: وعد الله بنصر المستضعفين في صراعهم ضد المستكبرين، انتصار الحق على الباطل. وقد ساعدت هذه المبادئ والمعالم القبلية المفكرين المسلمين وخاصة الشهيد الصدر على توقع سقوط النظامين الاشتراكي والرأسمالي وسيادة النموذج الحضاري الإسلامي.
ففلسفة التأريخ التي يطرحها الصدر تعتمد إذاً على جانب قبلي([714]). فالصدر لا يبحث في التأريخ ومراحله واتجاهه ومعناه، ثم يصل بعد ذلك إلى النظرية العامة حول التأريخ. مسار الإمام الصدر في البحث ليس مساراً أمبريقياً (تجريبياً)([715]) فالنظرية لا تأتي بعد البحث، ولكنها لا توجد قبله كذلك. فمقاربة الصدر لحركة التأريخ ولحركة الأمة عبر التأريخ تنطلق من أطر مفاهيمية وقيمية ومن الواقع في نفس الوقت.
فهو مثلاً يحلل حركة الأمة في التأريخ كما وقعت بالفعل، ولكن لا ينهي بحثه عند هذه النقطة بل يتجاوزها بالرجوع إلى مفهوم قرآني: الأمة الشاهدة. فيربط الواقع بالمثال وينظّر حركة الأمة المستقبلية في هذا الأفق. إضافة إلى ما سبق فإن الصدر لا ينطلق بحثه من الفراغ، بل يستمد أفكاره كلها من الواقع ومن التأريخ بشكل عام ومن تاريخ الأمة خاصة. هذا الإطار الفكري العام هو عبارة عن قيم ومفاهيم استخرجها الصدر إما بصورة مباشرة من القرآن الكريم، أو بصورة غير مباشرة من الأحكام الشرعية([716]). وعلى العموم هذه القيم والمفاهيم هي عبارة عن أدوات استكشافية، وليست نظرية جاهزة في مجال فلسفة التأريخ كما أشرنا فيما سبق.
ولكن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ لا يمكن أن تنظّر إلا عن طريق هذا الإطار القيمي والمفاهيمي العام ذي المصدر القرآني، وإلا أصبحت هذه الرؤية إلى التأريخ غير إسلامية كما هو الأمر بالنسبة للرؤية التأريخية لدى المحدثين في العالم الإسلامي، الذين حجزوا أفكارهم داخل الفلسفة الغربية جملةً وتفصيلاً، وفرضوا رؤى هذه الفلسفة على تاريخ الأمة الإسلامية. فهم مثلاً يقسمون تاريخ الأمة على غرار تاريخ الغرب إلى عصر وسطي يصفونه بالعصر الظلامي وإلى عصر الأنوار … إلخ، كما ينظرون إلى حركة تاريخ الشعوب الإسلامية انطلاقاً من صراع الطبقات وتطور وسائل الإنتاج، وما ينتج عنه من تطورات اجتماعية وسياسية وثقافية في نظرهم.
وقد وصل المحدثون إلى تقسيم تاريخ الأمة، انطلاقاً من هذه الرؤية، إلى مراحل كمرحلة العبودية والإقطاعية، وتوقعوا ظهور المرحلة الرأسمالية في العالم الإسلامي ثم مرحلة الاشتراكية، وأخيراً المرحلة الشيوعية كمنتهى لحركة الأمة عبر التأريخ.
يمكن القول، في هذا السياق، بأن ربط التأريخ بالتعالي([717]) ليس مسألة عقائدية فحسب، بل هو كذلك مسألة معرفية. إن الفكر المحدث في العالم الإسلامي يربط هو الآخر التأريخ بالتعالي، لكنه تعالٍ مزيف. نقصد بالتعالي هنا، وبالنسبة للاتجاه المحدث، الأفكار المسبقة التي يدرس هذا الاتجاه حركة الأمة انطلاقاً منها. هذا النوع من التعالي هو تعالٍ من صنع البشر أي أيديولوجياً يعرف المفكر عن طريقها وبصورة مسبقة حركة التأريخ ماضياً ومستقبلاً.
فهنا تطرح مشكلة على الصعيد الأبستمولوجي على اعتبار أن الفكر المحدث في العالم الإسلامي جعل تاريخ الأمة كموضوع في خدمة المنهج المعد سلفاً. في حين أن العكس هو الصحيح على الصعيد العلمي: فالمنهج هو الذي يخضع للموضوع ويتغير تبعاً لتغير المواضيع.
إن الأيديولوجيا من صنع الإنسان: وهي غالباً ما تقوم كعائق أمام البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية؛ لأنها تقدم أفكاراً مسبقة تؤثر في مسار البحث وفي ذاتية الباحث. أما العقيدة (الإسلامية) فهي ليست أيديولوجيا في مصدرها (لأن مصدرها إلهي). لكن الجانب الأيديولوجي حاضر في العقيدة لما تغيب التقوى لدى الإنسان في فهمه للعقيدة فينظر الإنسان إلى العقيدة، ذات المصدر الإلهي، من خلال ذاتيته وأهوائه وخارج إطار الاجتهاد الذي يسمح، نسبياً، بتدخل الذاتية كمعطى من معطيات الذات الإنسانية لا كأفكار مسبقة([718]).
إن المواقف الأيديولوجية تتجلى بصورة واضحة لدى المحدثين عندما يحاولون التوفيق بين الإسلام والاشتراكية، أو بين الإسلام والراسمالية انطلاقاً من الفكر الغربي ومتطلباته. فتنتهي مواقفهم إلى مواقف تلفيقية لا أساس لها لا من حيث ارتباطها بالإسلام، ولا من حيث ارتباطها بالواقع (واقع الشعوب الإسلامية). وهكذا تشكل الإيديولوجيا عائقاً إبستمولوجياً أمام المعرفة التأريخية. فالشرط الأساسي للمعرفة التأريخية هو إذاً إحداث قطعية أبستمولوجية مع الأيديولوجيا. وعلى العكس من هذا بالنسبة للعلاقة بين الدين الإسلامي والمعرفة التأريخية. فإن الالتحام بالعقيدة هو من الشروط الأساسية للوصول إلى المعرفة التأريخية.
2 ـ التعالي وأبعاده المعرفية:
لا يمكن صياغة رؤية عقلانية إلى التأريخ إلا باتخاذ موقع من التأريخ والنظر إليه ككل. هذه النظرة إلى التأريخ من أعلى هي التي تمكّن فيلسوف التأريخ من النظر إلى الحوادث في ترابطها، وتمكنه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل. ثم يستمر فيلسوف التأريخ في هذه العملية فيتجاوز حدود توقع المستقبل وينتهي إلى طرح مشكلة غاية التأريخ أو «نهاية التأريخ».
إن هذه الطريقة لصياغة فلسفة التأريخ وفي طرح مشكلة نهاية التأريخ وغايتة تعتمد على تعالٍ وهمي ومزيف ما دامت عملية التنظير تتمّ من منظور وضعي وفي التاريخانية([719]).
وفي كلتا الحالتين فإن الفكر المنظّر لا يملك مقومات التعالي على الحاضر، ليسمح لنفسه بالنظر إلى التأريخ نظرة كلية تمكّنه من تنظيره وتصور غايته.
هذا العائق الذي يقف أمام الفكر في مجال التنظير يعبر عن أزمة قاتلة للعقل تختلف عن أزمة العقل المنتجة للمعرفة.
استحالة التعالي
بدون «الله»
الأزمة المنتجة للمعرفة (أو الأزمة الإيجابية) هي التي تأتي نتيجة لمواقف نقدية تجاه فكرة معينة أو نظرية معينة، فتنسف ما كان ينظر إليه على أنه من البديهيات، فتصبح النظريات غير صالحة لتفسير المشاكل المطروحة (سواء في مجال المادة أو في مجال العلوم الإنسانية). فالأزمة هنا تطرح سؤالاً، وهو سؤال ملزم لكل معرفة جديدة. «إن كل معرفة علمية هي جواب عن سؤال، فإذا لم يكن هناك سؤال فلا وجود لمعرفة علمية» كما يقول غاستون باشلار (Gaston Bachelar). أما الأزمة بمعناها السلبي فهي أزمة الاصطدام بعائق العجز الناتج من التناقض: إذ كيف يتصور الفيلسوف التأريخ من أعلى (أي فوق التأريخ) ويتوقع حركته في المستقبل ويرسم معالم هذه الحركة أو مراحلها إذا كان يتجاهل، أو لا يعترف بقدرة العقل على التعالي؟ وحتى لو قال الفيلسوف بالتعالي، فإنه لا يكون تعالياً صحيحاً إلا إذا تم من موقع الإيمان بوجود الله؛ لأن التعالي الذي تطرحه كثير من الاتجاهات في الفكر الغربي هو تعالٍ من صنع الإنسان، هو تعالٍ مزيف مثله مثل الذي يريد أن يقفز فوق ظله ويسبقه.
وهكذا فإن الإشكال المطروح هو كالتالي: ما هي المقومات المعرفية، التي تسمح للفكر بتأمل التأريخ من أعلى أي من خارج التأريخ حيث يتمكن الفكر من التحليق فوق حركة التأريخ فيكتشف مصدرها ومعناها ونهايتها؟ لذلك يمكن القول: بأن الفكر غير المرتبط بالتعالي هو فكر مستغرق في الزمان (في الزمان الحاضر) فالفكر هنا لا يتجاوز حدود الحادثة التأريخية، وزمانيته تشكل محدوديته. لا يستطيع هذا الفكر إذاً أن يعي نفسه خارج التأريخ.
التعالي غير الانفصال
لكن القول بعلاقة الفكر بالتعالي في مجال تنظير فلسفة التأريخ لا يعني أن الفكر يتعالى على التأريخ بالمعنى الكلي لهذه الكلمة. أي أن التأريخ لا يؤثر في الفكر. فالفكر يحدد بتعاليه وبتاريخيته في نفس الوقت، فتعاليه لا ينفي تاريخيته، وتأريخيته، لا تنفي تعاليه.
إن فلسفة التأريخ من حيث هي نظرة شمولية إلى التأريخ في حاضره وماضيه ومستقبله تحتاج إلى التعالي، إلى مصدر متعالٍ يمكّن الإنسان من إعطاء معنى للتأريخ والنظر إليه نظرة كلية نسبياً. والنظرة العلمية إلى التأريخ لا تتناقض مع التعالي إذا فهم (التعالي) خارج النزعة الغيبية أي بمفهومه المبتذل.
وفي هذا السياق، فإن فلسفة التأريخ كما يطرحها الشهيد الصدر تختلف عن فلسفة التأريخ التي بدأت في الظهور بالغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والتي تشكلت ضد اللاهوت. ففلسفة التأريخ في الفكر الغربي تنفي نفياً قبلياً كل علاقة مع الدين.
إن تحليل الصدر للتاريخ تم من موقع فلسفي وصل إلى مستوى المذهب في ميدان المعرفة التأريخية. فالصدر قد حلل مشكلة السببية ومشكلة القانون ومشكلة معنى التأريخ ومشكلة التقدم. وكل هذه المفاهيم قد تم تحليلها في إطار نسقي يعبر عن مذهب الشهيد الصدر في ميدان فلسفة التأريخ. وهذا الميدان يتميز عن المذاهب الغربية بجانب جوهري: إن المذهب الفلسفي في التأريخ لدى الصدر ليس مجرّد انعكاس للظروف الاجتماعية والتأريخية فقط. فمرجعية الصدر (القرآن الكريم) تجعل أفكاره تتمتع بالتعالي أو على الأقل بروح المبادرة تجاه مؤثرات المرحلة التأريخية التي عاش فيها. أي المرحلة المعاصرة.
ثنائية الفكر الغربي
على الرغم من أن بعض اتجاهات فلسفة التأريخ في الغرب تربط نظرتها بالتعالي، على الرغم من ذلك، فإن الثنائية هي الطابع العام الذي تتصف به كل مدارس الفكر الغربي. إن رجوع الفكر الغربي إلى الروحانية في هذه العشريات أمر مشكوك فيه؛ لأن الروحانية التي ترتبط بها بعض مدارس فلسفة التأريخ، رؤيتها هي روحانية صورية ومن صنع الإنسان([720]). أما الروحانية التي يشكل الصدر رؤيته إلى التأريخ على أرضيتها فهي روحانية مصدرها الوحي (القرآن الكريم)، ولذلك فهي روحانية حقيقية وتعاليها على مؤثرات العوامل التأريخية هو تعالٍ حقيقي.
مصدر التعالي وأثره التحرري
إن التعالي بمنظوره الإسلامي يستمد معناه من التوحيد الذي سيظل مبدأً ثابتاً؛ لأنه أصل الوجود كله، وأصل كل نظرة مستقبلية تسعى إلى تحرير الإنسان من الآلهة الكاذبة([721])، خاصة ألوهية المفاهيم كالعقل في التأريخ عند هيجل أو المجتمع الشيوعي عند ماركس أو نهاية التأريخ عند فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama).
إن مبدأ العلاقة بين التعالي والتأريخ، في نظر الصدر، ليس مجرد مبدأ منهجي ومعرفي بل هو كذلك مبدأ تحرري. فعلاقة التعالي بالتاريخ تنتج عنها عملية تسريعية (لحركة التأريخ) تفجر الطاقات الكامنة في إنسان العالم الإسلامي وتعيد الفعالية للأمة الإسلامية لاستعادة مكانتها في العالم وفي التأريخ. إن قطع التأريخ عن التعالي يؤدي، في نظر الصدر، إلى واقعية تبريرية (الخضوع لثقل الواقع الفاسد) عكس الواقعية الجهادية، التي هي واقعية تحويل وتجاوز عوائق الأمر الواقع.
سنن الله
وهكذا يمكن القول: بأن علاقة التأريخ بالتعالي لا تشكل عائقاً أبستمولوجياً أمام التنظير الفلسفي للتاريخ. فالتعالي والقدر والإمداد الغيبي سنة من سنن الله. هذه المفاهيم القرآنية لا تتناقض مع العلاقة السببية التي تخضع لها الحوادث التأريخية. إن خضوع التأريخ لسنن الله يعني ربط عالم الشهادة بعالم الغيب، من جهة. وربط الحوادث التأريخية بعضها ببعض، من جهة أخرى([722]).
من هذا المنطلق ينفي الصدر لاهوتية الفكر الإسلامي (اللاهوتية على غرار الفكر المسيحي في العصور الوسطى). فالصدر يتبنى المنهج العلمي ويرى بأن هناك سنناً تسود الطبيعة والمجتمع والتأريخ. وهذه السنن تجسد إرادة الله. ومن هنا فالصدر يتجاوز العائق الابستمولوجي الذي يفصل بين التفكير اللاهوتي والتفكير العلمي. وقد تم هذا التجاوز بفضل مفهوم قرآني «سنن الله».
إن تجاوز هذا العائف يفتح الباب واسعاً للفكر الإسلامي؛ لتنظير رؤية فلسفية إلى التأريخ في أفق علاقة التاريخ بالتعالي: التدخل الإلهي في حركة التأريخ يتم عن طريق سنن الله في الكون. ويتم هذا التدخل كإمداد غيبي لما تتوفر الشروط الموضوعية للتغيير (النبوّة والإمامة) ([723]).
دور الإنسان
فالإنسان عامل أساسي في التغيير؛ لأنه مسؤول عن توفير شروط التغيير، ومعنى هذا أن السببية وموضوعية الحوادث التأريخية لا تحدث قطيعةً مع الجانب الغيبي على غرار الفكر اللاهوتي المسيحي في العصور الوسطى([724]). وتنتج عن هذه النظرة أن الإنسان يتحكم في مصيره، وأنه لا يخضع خضوعاً كلياً للحتمية الاجتماعية والتأريخية. فالإنسان يربط الحتمية بالأهداف التي يرسمها وبالقيم الأخلاقية والدينية.
هذا الموقف يختلف عن الفلسفة الوضعية، التي تمت صياغة فلسفة التأريخ في إطارها. حيث إن الفلسفة الوضعية ليست لها ركائز فكرية تسمح لها بالقول: بأن الإنسان لا يخضع لحتمية مطلقة؛ لأن هذه الفلسفة لا تعترف بالتعالي، بل ترى أن كل معرفة مرتبطة بالتعالي هي معرفة غير علمية قد تجاوزتها حركة التأريخ.
إن نفي التعالي في المجال المعرفي وفي المجال العملي يؤدي إلى حتمية مطلقة وقاهرة للإنسان. وعلى عكس الفكر الوضعي فإن فلسفة التأريخ من المنظور الإسلامي تفتح أمام الإنسان آفاقاً لا حدود لها لتغيير أوضاعه.
إن منطق فصل التأريخ عن التعالي يكشف عن زيف الأرضية المعرفية، التي ينطلق منها الفكر الوضعي. إن إلغاء إرادة الله من التأريخ يؤدي إلى تناقض، حيث يصبح التأريخ هو الذي يتمتع بصفة مباشرة أو غير مباشرة بصفات الألوهية. ومعنى هذا أن فصل التأريخ عن التعالي له نتائج سلبية على الصعيد المعرفي (تحويل النسبي إلى مطلق) وعلى الصعيد الاجتماعي (تأليه البشر للبشر) ([725]).
الفلسفة الوضعية جزء
من التأريخ لا فوقه
إن النظرة إلى حركة التأريخ من الزاوية الوضعية أمر مشكوك فيه من الناحية المنهجية إذاً فموقف فيلسوف التأريخ في المجال المعرفي ليس موقفاً متعالياً على حركة التأريخ، بل موقفه تاريخي ومستغرق في التأريخ. ومعنى هذا أن فلسفة التأريخ هنا هي مجرد ظاهرة تاريخية([726]).
إن النسق العقلي أي المعرفة التأريخية كنسق فكري، لكي يتمتع بالمشروعية في الميدان العلمي يجب أن يكون متعالياً على التأريخ أي غير مستغرق في التاريخ إلى درجة أن يصبح مجرد ردّ فعل على ظروف المرحلة التأريخية، التي يعيش فيها فيلسوف التأريخ. وهذا التعالي مستحيل إذا تمّ الاعتماد على النظرية الوضعية وحدها.
سلبية الإنسان في
التفسير الوضعي
إن التفسير الوضعي للتأريخ يتضمن اللجوء الكلّي إلى الضرورة وإلى القوانين وإلى التطور الخطي والحلزوني لحركة التأريخ. هذه المفاهيم السابقة تصبح وحدها مبادئ وأدوات لتفسير التأريخ، فتحول هذا الأخير إلى منطق خارج الزمان ويصبح التأريخ ـ نتيجة لذلك ـ خاضعاً إلى حتمية مطلقة وقاهرة تنتهي إلى اعتبار الإنسان مجرد عنصر قانوني من عناصر التأريخ، واعتبار المجتمعات البشرية مواضيع للدراسة كسائر المواضيع والأشياء الأخرى، التي تدرسها العلوم الطبيعية. فليس الإنسان إذاً هو الذي يعيش التأريخ، بل التأريخ هو الذي يشمل الإنسان في كلّ جوانبه إلى درجة أن الزمان هو الذي يعيش الإنسان.
وإيجابيته في
التفسير الإسلامي
هذا الموقف مع التفسير الذي قدمه الإمام الصدر للآية الكريمة: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([727]) حيث إن هذه الآية تتضمن التأريخ والزمان كما يعيشهما الإنسان. فتحديد الصدر لحركة التأريخ يختلف اختلافاً جذرياً عن التحديد الوضعي. فالصدر يحدد التأريخ كدراسة لنشاط الإنسان عبر الزمان، كنشاط يجسد خلافة الإنسان لله في الأرض أي: تأثير الإنسان في الطبيعة وفي المجتمع. هذا التحديد يجعل الإنسان هو الفاعل الأساسي في التأريخ لا الوقائع التأريخية؛ لأن هذه الأخيرة لا تستمد معناها إلا من الإنسان.
إن الصدر لا ينفي، بموقفه هذا، قوانين التأريخ، بل هو يؤكد على عقلانية التاريخ. وهي عقلانية تستمد مصدرها من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية المؤثرة في سير الحوادث وترابط بعضها ببعض. غير أن هذه العوامل ليست من قبيل الحتمية المطلقة؛ لأن الإنسان يؤثر فيها ويؤثر في قوانين التأريخ، وهو لا يخضع لقوانين التأريخ خضوعاً سلبياً؛ لأنه يتجاوز ـ عن طريق وعيه ـ العوامل المؤثرة في التأريخ. وبدون هذا التجاوز لا يمكن أن يكون هناك تاريخ.
فالإنسان هو الذي يصنع التأريخ (من التأريخ) في نظر الصدر، وليس التأريخ هو الذي يصنع الإنسان كما ترى المدرسة الوضعية.
مع العلم بأن هذا لا يعني بأن الصدر يحلل حركة التأريخ من موقع مجرد ومثالي. فإذا كان التأريخ لا يصنع الإنسان، فإن الإنسان لا يتطور ولا يجسد خلافته لله، وإن الأمة لا تحقق خلافتها وشهادتها إلا في التأريخ وبفضل التأريخ.
عقلانية التأريخ
إن عقلانية التاريخ فكرة واضحة في رؤية الصدر. فالمجتمعات الإنسانية ليست مستقلة أو منفصلة عن التأريخ. إنها تعيش في الطبيعة وفي المجتمع وترتبط بشروط مادية ومعنوية. وهذا الارتباط يشكل عقلانية التأريخ. غير أن هذا العوامل ليست تأثيراتها مطلقة كما يرى أصحاب النظرة التاريخانية. بل هي شروط لحركة التأريخ. إنها شروط ضرورية ولكنها غير كافية.
سنن التأريخ
إن القول بوجود قوانين يسير بمقتضاها التأريخ لا يتناقض، في نظر الصدر، مع حرية الإنسان ومسؤوليته. إذ لا يمكن للإنسان أن يساهم في حركة التأريخ ما لم يخضع التأريخ إلى نظام أو سنن. فالحرية لا تعني الفوضى والعبث. وتدخل الإنسان في حركة التأريخ هو سنة من السنن الإلهية في الكون.
لقد تناول الصدر مشكلة التأريخ وخضوعه إلى قوانين، وذلك من خلال تحليله لمفهوم السنة (سنة الله في الكون). إن الصدر لم يتناول هذا المفهوم بصورة عابرة بل تناوله بعمق، وانتقد، نتيجة لذلك، التفكير اللاهوتي، وحاول أن يبين أن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ هي رؤية علمية وليست لاهوتية، وأن ربط التأريخ بالغيب هو تفسير علمي وليس تفسيراً لاهوتياً شريطة أن لا يكون هذا الربط مباشراً([728]). يرى الصدر أن هناك انتظاماً سننياً للوجود بجانبيه الكوني والإنساني. وهذا ما يعبر عنه بالخلق التكويني والخلق التشريعي. هناك توافق وانسجام وتلازم بين الخلقين. فالله تعالى الذي خلق الكون هو الذي شرع للإنسانية.
لقد رسم الصدر الإطار العام للرؤية الفلسفية الإسلامية إلى التأريخ من هذا المبدأ: إن الرؤية التاريخية لا يمكن أن تتشكل كلية داخل التأريخ؛ لأنها سوف تبقى مجرد ظاهرة تاريخية هي الأخرى. لكن ربط الرؤية التأريخية بمصدر خارج عن التأريخ (التأريخ والتعالي) لا يعني نفي العقلانية والسببية في سير الأحداث ونفي قوانين التأريخ. فربط التأريخ بالتعالي ـ كما أشرنا فيما سبق ـ يدعم عقلانية سير الحوادث.
فالسنن التأريخية هي من هذا المنظور، جانب من جوانب علاقة التأريخ بالتعالي. ومعنى هذا أن حركة الأمة، وهي حركة تتم في إطار الخلافة والتسخير، لا يمكن أن تتحقق إلا بمعرفة السنن المحركة للتاريخ. فالنظرة إلى التأريخ التي لا تعتمد على ربط الحوادث ربطاً سببياً أي سننياً، هي نظرة لا تاريخية وغير علمية. لذلك يرى الصدر أن ربط التاريخ بالغيب لا ينفي تدخل العقل في تفسير الظواهر التأريخية، بل على العكس يدعمه ويدفعه إلى البحث عن الحقيقة.
لم يحجز الصدر تحليله للتاريخ في الإطار الضيق للحوادث أو للأفراد «أبطال» التأريخ، بل تجاوز التأريخ السردي ووصل إلى التأريخ المعتمد على أدوات علم الاجتماع([729]). أي البحث عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية التي تؤثر في حركة التأريخ. فالصدر لم ينظر إلى الإنسان كحالة ثابتة. فالفطرة أو الطبيعة البشرية لا تعيش خارج التأريخ بل في التاريخ. فالفطكرة في صيرورة مستمرة. ففلسفة التأريخ عند الصدر عبارة عن الفطرة في حركتها نحو تحقيق الخلافة.
نقد فلسفة التأريخ الغربية
لقد كان الصدر واعياً بعمق بأن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وما تتضمنه من مشروع حضاري بديل لا يمكن أن تتمّ صياغتها إلا عن طريق نقد فلسفات التأريخ الغربية. وقد تم هذا النقد بالفعل، وهو نقد له نوعيته؛ لأنه تمّ خارجط النموذج المعرفي الغربي، وبصورة متحررة من ثقل الواقع الذي تعيشه الأمة (واقع التبعية والتخلف وسيادة العقلانية الغربية).
فالفكر الغربي، في نظر الصدر، له هوية واحدة وأساس واحد وكذلك (المحدثون) في العالم الإسلامي. إنه فكر منقطع عن الله. لقد تجلت هذه الظاهرة بصورة واضحة منذ الثمانينات (أي بعد استشهاد الصدر). فعلى الرغم من تعدد المدارس والاتجاهات في الفكر الغربي والفكر المحدث والمتغرب في العالم الإسلامي، لم يعد هناك أي تمايز بين الاتجاهات والمذاهب أمام صعود الحركة الإسلامية.
الحرية
إن الفكر الغربي لا يعترف بحقّ الاختلاف ولا يعترف، بالتالي، بحق ممارسة الحرية النابعة من ثقافة الشعوب الإسلامية ودينها. إن هذه الخلفية التي ينطلق منها الفكر الغربي هي التي تشكل غشاوة أو عائقاً ابستمولوجياً يقف بين هذا الفكر وبين الحقيقة التأريخية.
ويتجلى، في هذا السياق، أن البديل الإسلامي الذي يطرحه الصدر في المجالات الاجتماعية والسياسية وفي الرؤى الإسلامية إلى التأريخ هو الشرط الأساسي والضروري لتحقيق الحرية؛ لأنه بديل يفجر طاقات إنسان العالم الإسلامي ويعبِّئُها لتحقيق المشروع الحضاري.
موقف علمي
على الصعيد الأبستمولوجي، الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر أقرب إلى الموقف العلمي من الرؤية الغربية. نلاحظ لدى الصدر انفتاحاً على الثقافات والابتعاد عن ردود الفعل الانفعالية وعن الرفض المطلق واللامشروط للفكر الغربي من خلال المفاهيم العلمية والمنهج العلمي. أما الفكر الغربي فلم يتحرر من الخلفية المعرفية والأخلاقية لأطروحات الفكر الوضعي الذي يطرح نظرياته على أنها نظريات علمية لا يمكن رفضها لأنها كونية. الأمر الذي أخرج مقاربة الفكر الغربي لفلسفة التأريخ من مسارها العلمي حيث أصبح هذا الفكر يقدس المفاهيم، كمفهوم الديمقراطية الليبرالية مثلاً، ومفهوم فصل الدين عن الدولة. والعامل الرئيسي الذي شكل مواقف الفكر الغربي هذه يتمثل في التاريخانية كمرجعية وحيدة لهذا الفكر.
إن الفكر الإسلامي لا يمكن أن يطرح مفهوم التاريخانية إلا من موقع نقدي رافض. غير أن رفض الفكر الإسلامي للتاريخانية كما يتجلى عند الصدر لا يعني أنه فكر إطلاقي يرفض تأثير العوامل التأريخية كما يزعم المحدثون. فالصدر يميز بين التاريخانية التي ترجع كل شيء إلى التأريخ كمرجعية مطلقة إلى درجة أن التأريخ يكفي نفسه بنفسه، وبين التأريخية التي ترجع حركة التأريخ إلى عوامل اقتصادية وسياسية من موقع نسبي لا ينفي البعد الغيبي. فإذا كانت التاريخانية تنفي التعالي، فإن التأريخية مثلها مثل الدراسة السوسيولوجية (عكس النزعة الاجتماعية) فإنها لا تنفي التعالي مبدئياً.
الآصرة بين المعرفة والميدان الاجتماعي
إذا انتقلنا من الميدان الأبستمولوجي إلى الميدان الاجتماعي نرى بأن هناك علاقة بين هذين الميدانين.
وهي علاقة لم يستوعبها لا فلاسفة التأريخ الغربيون ولا المحدثون في العالم الإسلامي؛ لأنهم يعتبرون أن التاريخانية([730]) هي منطق للخروج من الأزمات أي منطق للتحرر من التخلف (منطق للتقدم). إن الصدر قد قام، في هذا السياق، بتحليل أبستمولوجي لمفهوم التاريخانية، واستنتج بأن هذا المفهوم لا يمكن أن يكون منهجاً للتقدم؛ لأنه من إنتاج الواقع أي هو مجرد انعكاس وإنتاج للتأريخ، لذلك فالنظرية التي تنطلق من التاريخانية ليست لها رؤية مستقبلية، ومعنى هذا في نظر الصدر أن التأريخ لا يتحرك بعوامله الذاتية فحسب بل لا بد له من عامل خارجي متعالٍ عليه.
إن الرؤية المعرفية الإسلامية التي صاغها الشهيد الصدر لا تحدث قطيعة بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وخلفياتها الفلسفية (فلسفة التأريخ). هذه النظرة الشمولية المتمثلة في تداخل أنواع المعرفة من اقتصاد وسياسة وفلسفة التأريخ تستمد حقيقتها من نظرة كلية أكبر وأشمل منها بحكم تحرّر نظرية المعرفة من محدودية العلاقة بين العقل والتجربة. أي تحررها من الأحادية: العقل كمصدر للمعرفة (المذهب العقلي)، أو التجربة كمصدر وحيد للمعرفة (النزعة التجريبية) كما تحررها من الثنائية (ثنائية العلاقة بين الذات والموضوع أو بين العقل والتجربة كمصدرين للمعرفة). إن هذه النظرية الشمولية والكونية تستمدها نظرية المعرفة من انفتاح كل من العقل والتجربة على الغيب أي على الوحي.
لقد اعتمد الصدر على هذه النظرية للمعرفة في كل كتاباته؛ لذلك تعتبر فلسفة التأريخ خلفية فكرية لكل دراساته، حتى في مجال العبادات حيث يرى أن حركة التأريخ تتجه نحو المثل الأعلى (الله) وأن هذه الحركة تكون أقوى كلما ارتبط الإنسان بالمثل الأعلى ارتباطاً تعبدياً([731]).
ربط العقل النسبي بالدين المطلق
لقد تجاوز الصدر الإشكالية العقيمة التي تأسست عليها الفلسفة الإسلامية القديمة، وهي إشكالية العلاقة بين العقل والوحي أو الفلسفة والدين. وهي علاقة تمت على حساب متطلبات الدين وقدسيته. فالطرح كان طرحاً مزيفاً منذ البداية حيث جعل كثير من الفلاسفة المسلمين العقل في مستوى الدين إن لم يكن أعلى درجة منه. في حين أن المذهب الاجتماعي عند الصدر والرؤية الفلسفية إلى التأريخ، كل هذه الجوانب ارتكزت على نظرية للمعرفة ربطت العقل النسبي بالدين المطلق، فحررت الرؤية الفلسفية إلى التأريخ من سلبيات التأريخانية ومن سلبيات النسبية المتشتتة حيث إن تنظير الرؤية الاجتماعية والتأريخية قد تم في أفق نسبية بناءة؛ لأنها تعتمد على المطلق من منظور تعبدي يجعلها معرفة نسبية، ولكنها مفتوحة وقابلة للتطور أكثر فأكثر.
استنباط المنهج من التفسير الموضوعي
انتقد الصدر ـ من هذا الموقع الشمولي ـ الطريقة اللاتاريخية في التفسير (تفسير القرآن الكريم). أي الطريقة السكونية الناتجة عن التفسير التجزيئي. فالصدر حاول استخراج قوانين التأريخ، ولم يحجز الفكر الإسلامي داخل الحدود الضيقة للحدث التاريخي الملازم للتاريخ التمجيدي؛ لذلك اعتمد الصدر في التفسير على منهج حركي تتم فيه قراءة النص المقدس من خلال الواقع الموضوعي للوصول إلى «ما وراء الآيات» القرآنية والأحكام الشرعية من مفاهيم يتم بواسطتها التنظير الاجتماعي والسياسي وتنظير الرؤية الفلسفية إلى التأريخ، وما تتضمنه هذه الرؤية من السنن والقوانين التأريخية. «ومن هذه السنن قانون الهامش التاريخي والاستثناء التاريخي الذي يؤكد القانون التاريخي العام في نجاح وفشل الحضارات المؤمنة والمنحرفة، إلى آخر ذلك من قوانين تاريخية صارمة»([732]).
تطبيقات المنهج
لقد طبق الصدر منهجيته في دراسة التأريخ (نظرية) المعرفة: الذات والموضوع (اي العقل والتجربة والوحي) عندما درس دور أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. درس الصدر أدوار أهل البيت من خلال التأريخية (لا من خلال التأريخ السردي) أي في الإطار الموضوعي للعوامل الاجتماعية والتأريخية، ومن خلال علاقة التأريخ بالغيب أو التعالي. فإذا كانت أدوار أهل البيت عليهم السلام متعددة فإن الهدف كان واحداً: الرجوع إلى الخط الرسالي لعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتجاوز الانحراف([733]).
وهكذا فربطُ التأريخ بالتعالي في إطار نظرية المعرفة، التي تربط العقل بالتجربة وبالوحي ينتج وعياً رسالياً للتأريخ يقوم على تجاوز الأمر الواقع والتطلع إلى المثل الأعلى، الذي يثبت حركة التأريخ في خط النهضة الحضارية الشاملة.
إن صياغة الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر تتم من خلال متطلبات المرحلة التأريخية، ولكنها تتجاوزها في نفس الوقت، حيث إن الإسلام ينير طريق البحث عن طريق القيم والمفاهيم كأدوات استكشافية. وهذه هي نقطة الاختلاف الجذرية بين الصدر وفلاسفة التأريخ الغربيين الذين لا تتجاوز نظرياتهم معطيات المرحلة التأريخية. أما منهج الصدر فيتجاوز هذه المعطيات نحو نظرة مستقبلية تنير مسيرة الأمة نحو المثل الأعلى؛ وذلك من خلال ربط التأريخ بالتعالي([734]).
الفكر الإسلامي معصوم نسبياً ومرتبط بالغيب
إن علاقة التأريخ بالتعالي تعصم الفكر الإسلامي ـ من الناحية المعرفية ـ من الوقوع في الأخطاء الكبيرة على أقل تقدير. فالفكر الإسلامي فكر معصوم نسبياً. وهذا ما يبينه لنا الواقع والتأريخ؛: فكل المفكرين المسلمين السائرين في خط السيد جمال الدين الحسيني (الأفغاني) كالصدر والإمام الخميني وغيرهم لم يتراجعوا عن أسس الفكر الإسلامي ومعالمه الرئيسية في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. فهم قد انتقدوا كلاً من الاشتراكية والرأسمالية من موقع ثوابت الفكر الإسلامي ومعالم مسار الأمة المستقبلي([735]).
وعلى الصعيد الفردي يبين لنا التأريخ بأن الأئمة عليهم السلام كانوا قد ربطوا في ممارساتهم ومواقفهم التأريخ بالغيب إلى أقصى درجة، لذلك لم يرضخوا للأمر الواقع المتمثل في الخط المنحرف، بل قاوموا خط الانحراف إلى أقصى حدّ من المقاومة والجهاد والرفض الجذري. وقد كان هذا الخط الرسالي متناقضاً مع الخط المنحرف الذي ظهرت معالمه الأولى ابتداءً من حادثة السقيفة.
وهو ذلك الخط المرتبط «بالتاريخ» أي لم يتحرر بعد من ثقل الواقع السلبي، الذي كانت تمثله النزعة القبلية. في حين أن الإمام علياً عليه السلام كان يمثل النظرة المستقبلية المتجاوزة للقبلية والمنفتحة على كونية الأمة الإسلامية([736]).
وهكذا فإن الصدر لم ينظر إلى التأريخ كمجرد سرد لحوادث، بل نظر إليه من زاوية دلالة تعاقب الحوادث، ومن زاوية العوامل التي تعتمد عليها حركة التأريخ.
فالصدر يؤكد على علمية الظاهرة التأريخية والظاهرة الاجتماعية، فالتقدم يتحقق بناءً على عوامل وأسباب، فالحوادث التأريخية لا تتخبط بصورة عشوائية، ومن هنا اعتمد الصدر في تحليله لتاريخ الأمة وللتاريخ بصورة عامة على التفسير السوسيولوجي والتاريخي. أي اعتمد على علم الاجتماع وعلى التأريخ (تسلسل الحوادث) لتفسير التأريخ. أو بعبارة أخرى اعتمد، لتفسير التأريخ، على ترابط الظواهر الاجتماعية من زاوية سكونية (في الحاضر أو في مرحلة تأريخية معينة). ومن زاوية حركية (الظواهر الاجتماعية عبر التأريخ)؛ لذلك استخدم الصدر مفاهيم مثل إنسان العالم الإسلامي، عوامل التغيير، الوعي التاريخي، المجتمع والدولة والأمة، البناء التحتي للتغيير، العلاقة بين الفرد والمجتمع … إلخ.
خطأ هيجل
عندما نقارن بين الصدر وهيجل نرى هذا الأخير يتسرع في الاستنتاج، ويتسرع في التعميم وفي صياغة مذهبه الفلسفي. فهيجل، من هذا المنظور يحلّ المشاكل بكلّ بساطة وبكلّ سهولة: فالعقل الكوني يسيّر العالم وكلّ واقعي معقول وكل معقول واقعي، ونابليون هو الروح على جواد … إلخ. فهيجل يبني رؤيته الفلسفية إلى التأريخ على أسس لم يختبر صحتها.
إن هيجل عندما جعل التأريخ هو المرجعية التي تكفي نفسها بنفسها كان أمام خيارين:
• الخيار الأول: إما أن يترك التأريخ مفتوحاً وعدم اعتباره كمرجعية مطلقة؛ لأن النظر إلى أن التأريخ مفتوح يعني أن فيلسوف التأريخ لا يعرف من التأريخ إلا جزءاً صغيراً لا يسمح له بإعطاء معنى لحركة التأريخ ككل، ويتوقع معالم هذه الحركة.
• والخيار الثاني: هو أن يختم هيجل التأريخ بظهور نابليون، الأمر الذي يجعله يقول بنهاية مصطنعة للتاريخ.
إن هيجل لم يتردد تجاه مشكلة الاختيار هذه، فلجأ إلى ختم التأريخ بدلاً من فتحه للمجهول ولحركة لا نهاية له.
إن القول بنهاية التأريخ بهذه الطريقة جعل هيجل يقدّس الحادثة التأريخية ويستسلم لها. وهذا ما أدى إلى استحالة أية نظرة معيارية إلى التأريخ؛ لأن التأريخ هو المعيار الوحيد ولا معيار غيره. إن المعيار (القيمة) لا يتحكم في مسار الحوادث، بل مسار التأريخ هو القيمة العليا. فليس المؤرخ هو الذي يحكم على التأريخ ويقيّمه، بل التأريخ هو الذي يحكم على المؤرخ (باستثناء هيجل في نظر هيجل)!.
لقد سارت كل من الماركسية وبعض الاتجاهات الوجودية في طريق هذا المذهب، الذي يرتكز على نزعة تاريخية (التاريخانية) لا أخلاقية لم تميز بين القيمة وحركة التأريخ. إن هذا الموقف يعتبر من أخطر المواقف في حياة الإنسان وحركة الشعوب لأنه ينتهي مباشرة (هيجل)، أو غير مباشرة (الفلاسفة الآخرون) إلى تبرير الواقع مهما كان فاسداً، وإلى غلق كل إمكانية للتطور أمام الشعوب المتخلفة.
أما في الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر، فالمعيار يوجد خارج التأريخ؛ لأنه ذو مصدر متعالٍ يؤثر في التأريخ ولا يتأثر به.
إن التاريخانية كما تتجلى عند هيجل تحلل كل حوادث التأريخ ـ حتى الجرائم والحروب ـ وتعتبرها حوادث معقولة؛ لأنها واقعية يمكن البرهنة عليها عن طريق المنهج الجدلي. إن حكم القيمة ـ في هذا السياق ـ في ميدان التأريخ أمر مستحيل؛ لأنه لا يمكن وضع القيمة مقابل الواقع فما هو كائن هو واقع وهو القيمة: هو المعقول وهو القيمة([737]).
ويمكن أن نتساءل باسم أي مبدأ علمي بني هيجل ـ بصورة قبلية ـ العالم والتأريخ حسب قوانين ضرورية ومعروفة مسبقاً؟ إن رؤية هيجل إلى التاريخ لا تخضع لمبررات معرفية. فهذه الفلسفة لا تتمتع بمشروعية.
تياران في الفكر الديني المستقبلي
المشكل الرئيسي الذي يطرح على كل فكر يتركز على مرجعية دينية هو كالتالي: هل هذا الفكر مستقبلي؟
عندما يطرح هذا السؤال بالنسبة للفكر الإسلامي نلاحظ، على العموم وجود تيارين:
تيار يرجع إلى الماضي وإلى أصول الإسلام بصورة غير واعية.
وتيار آخر يستوعب متطلبات الحاضر وثوابت الإسلام من موقع وعي لحركة التأريخ.
فالتيار الأول ليست له نظرة مستقبلية. فهذه الأخيرة توجد في التيار الثاني. غير أن وجود النظرة المستقبلية في هذا التيار ما زال إلى أيامنا هذه ولدى كثير من المفكرين لم يصل بعد إلى مستوى الطرح الفلسفي. وقد تميز الصدر في دراسته لعلاقة الإسلام بالتاريخ برفع الفكر الإسلامي إلى مستوى الرؤية الفلسفية في هذا الميدان.
لقد كان الصدر واعياً بأن المسألة مسألة منهجية في الأساس، فالصدر لم يردّد مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان كسائر المفكرين المسلمين من موقع تمجيدي، بل ربط هذه المقولة بمنهجية يتم التعامل عن طريقها مع الإسلام ومع التأريخ. وهذا ما دفعه إلى تحليل ظروف العصر الحاضر، وتحديد مشكلاته من خلال متطلبات الإسلام وتوقعات المستقبل.
إن اعتماد الصدر على هذه المنهجية جعله يفصل بين ما هو إلهي ثابت ومطلق وبين ما هو نسبي ومرحلي كالتطبيقات التي ظهرت بعد (عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). انطلاقاً من هذه النقطة فتح الصدر مجالاً آخر يتمثل في تحليل مشاكل العصر بأدوات اجتماعية تمت صياغتها من القرآن الكريم، وربط هذا التحليل بمشروع مستقبلي يسعى إلى طرح نفسه كبديل لكل المشاريع ذات المصدر الوضعي.
لقد تمكن الصدر من صياغة منهجية لتنظير مذهب اجتماعي وسياسي مؤسس على رؤية فلسفية إلى التأريخ.
الرجوع إلى الأصل
إن مبدأ الرجوع إلى الأصل الذي لا يكون الفكر الإسلامي فكراً إسلامياً إلا به والذي لا يمكن تصور معنى للتاريخ خارجه: هذا المبدأ واجب شرعي وعامل سوسيولوجي بفضله يصبح الفكر إسلامياً. إن هذا المبدأ له قيمة معرفية إضافة إلى قيمته الشرعية والأخلاقية والحضارية. إن الرجوع إلى الأصل يعني في الرؤية الإسلامية تجاوز القطعيات للوصول إلى الاستمرارية التأريخية والحضارية، التي ينظر إليها الإسلام على أنها واجب شرعي؛ لأن الرجوع إلى الأصل يعني الرجوع إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة. إن الرجوع إلى الأصل([738]) هو المعيار الذي يسعى المسلمون عن طريقه إلى تحديد موقعهم من الماضي (عصر الوحي) ومن المستقبل (تصورهم للمستقبل).
ويمكن القول في هذا السياق: إن منهجية العلوم الإنسانية الغربية قاصرة عن إدراك كل أبعاد هذه الأفكار السابقة. إن الرجوع إلى الأصل في نظر هذه المنهجية هو مجرد نزعة ماضوية وهروب من الحاضر. في حين أن هذا المبدأ يعبر في الفكر الإسلامي عن مثالية، مثالية تنوعية. فالرجوع إلى الأصل لا يؤدي إلى مثالية من أنواع مثاليات الفكر الغربي، التي هي بمثابة إسقاط فكري على مستقبل مجهول.
أما المثالية في الفكر الإسلامي فهي مثالية تجسدت في الواقع وفي التأريخ: دولة المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كنموذج لكل الأجيال اللاحقة، لكنه نموذج يختلف عن النسق المغلق الذي تتميز به فلسفات التأريخ في الفكر الغربي. فمنهجية تطبيق النموذج عبر التأريخ تعتمد على عناصر ثابتة وأخرى متحركة ومتغيرة لاستيعاب المستجدات أي استيعاب حركة التأريخ. هذا المنهج يطلق عليه الإمام الصدر اسم منطقة الفراغ.
3 ـ منطقة الفراغ
منطقة الفراغ إطار معرفي لحلّ مشكلة التنظير في فلسفة التأريخ. إن أكبر مشكلة تطرح على الفلسفة الوضعية هي مشكلة العلاقة بين الثابت والمتغير. في حين أن هذه المشكلة تجد حلّها في نظرية المعرفة التي صاغها الصدر. فنظرية المعرفة ليست عند الصدر نسقاً مغلقاً تتجاوزه حركة التأريخ. إن الاسلام كما يرى الصدر قد وضع إطاراً نظرياً يستوعبها (منطقة الفراغ) ([739]).
الوضعية في القفص
فالفلسفة الوضعية ـ وخاصة التأريخانتية كما تتجلى عند هيجل ـ تصطدم بالعوائق التالية في تنظيرها لفلسفة التأريخ:
1 ـ الجدلية تقضي على نفسها بنفسها. إذ باسم أي مبدأ تتعالى نظرية هيجل أو ماركس أو غيرها على الجدلية. أي لا تصبح خاضعة هي الأخرى للمنهج الجدلي حيث إن كل أطروحة تستدعي نقيضها؟
2 ـ كيف تمكّن الفيلسوف من صياغة نظريته في التأريخ؟ ما هو موقعه في التأريخ ومن التأريخ؟ أليس الفيلسوف ـ بدوره ـ ظاهرة تاريخية؟
المرونة في منهج الصدر
إن منطقة الفراغ كمنهج لا تصطدم بهذه العوائق؛ لأنها تتضمن جانباً متعالياً من حيث إنها تستمد مرجعيتها من القرآن الكريم والسنة الشريفة. كما تتضمن جانباً محايثاً للتاريخ ومتحركاً يعطيها مرونة تستوعب عن طريقها المستجدات.
إن ارتباط منطقة الفراغ بالتاريخ من خلال علاقة الثابت بالمتحرك أو المتعالي بالتأريخ، يجعل منطقة الفراغ منهجاً لاستيعاب الواقع في حركته ولاستيعاب عطاءات الثقافات. كما أن هذا الارتباط يبعد الفكر الإسلامي عن التكيف السلبي مع حركة التأريخ ومتطلبات الثقافة، كما فعلت الفلسفة الإسلامية في القديم حيث أخضعت الشريعة الإلهية لمتطلبات الفلسفة اليونانية.
إذاً الجوانب الثابتة في منطقة الفراغ ـ بفضل علاقتها الشرعية بالجوانب المتغيرة ـ هي التي تجعل الفكر الإسلامي يستوعب حركة التأريخ ويوجهها ويتوقع مسارها المستقبلي.
إن منطقة الفراغ ليست نوعاً من أنواع الأفكار المسبقة، التي تؤدي إلى مواقف ذاتية في دراسة التأريخ. فالمنهج العلمي الذي يسعى فلاسفة التأريخ الغربيون إلى تطبيقه في نظريتهم لا ينفي المواقف القبلية. المنهج التاريخي الذي يعتمد عليه فلاسفة التاريخ في الغرب ينطلق دائماً من فرضية أو فرضيات تتم من خلالها دراسة الماضي، ثم إسقاط هذه الدراسة، أو تعميم نتائجها على المستقبل. أما الصدر فإنه يستخدم نفس المنهج لكن بالاعتماد على منطقة الفراغ التي من خلالها يسقط الماضي ـ عن وعي نقدي ـ على المستقبل انطلاقاً من كونية الإسلام ومن مرونة عناصر منطقة الفراغ. والماضي هنا له معنى خاص: عصر الوحي ومعنى عام: ماضي الأمة وماضي البشرية على العموم.
غير أن موقف فلاسفة التأريخ في الغرب ليس مضموناً من الناحية العلمية. فدراسة الماضي من أجل معرفة المستقبل لا تنتهي بالضرورة إلى نتائج إيجابية. حيث لا يمكن تصور ما سيكون انطلاقاً مما كان. أما بالنسبة لفلسفة التأريخ التي نظّرت في إطار منطقة الفراغ فإن الأمر مختلف لأن:
1 ـ منطقة الفراغ تستمد إطارها العام وبنيتها التي لا تتغير من الإسلام. وهذا ما يجعلها تختلف عن الفرضيات والمناهج وعن الأفكار المسبقة التي تتميز بها فلسفات التأريخ في الغرب.
2 ـ منطقة الفراغ تحتوي على عناصر ثابتة وأخرى متحركة تسمح لها بعدم السقوط في فخ الذاتية والتمسك بالمواقف المسبقة، كما هو الحال بالنسبة للفرضيات التي تعتمد عليها فلسفات التأريخ في الغرب.
وقد برهن الواقع، خاصة في هذه العشريات الأخيرة على زيف فلسفات التأريخ، التي انطلقت من أنساق فكرية مغلقة ونهائية. وليس الأمر كذلك بالنسبة لمنطقة الفراغ التي تمتلك العناصر والمؤهلات للانفتاح على تجربة حركة التأريخ. فمنطقة الفراغ هي من هذا المنظور، منهجية فلسفة التأريخ في الرؤية الإسلامية وإطارها الإبستمولوجي. أي الإطار الذي ينتج ضمنه الفكر الإسلامي مفاهيمه حول التأريخ.
وهكذا فمنطقة الفراغ تستمد مشروعيتها على الصعيد الابستمولوجي من تجذرها في التأريخ ومن تعاليها على التأريخ في نفس الوقت. نقصد من تجذرها في التأريخ أنها تحتوي على عناصر متحركة تجعلها تتأثر بحركة التأريخ. لكن هذا التأثير ليس من نوع التأثير الناتج عن التاريخانية، بل هو تأثير موجه من طرف العناصر الثابتة الموجودة في منطقة الفراغ.
الانساق المغلقة و«منطقة الفراغ» المفتوحة
هناك فرق ـ في هذا السياق ـ بين منطقة الفراغ والنسق (Systeme) الذي تخضع له فلسفات التأريخ في الغرب. منطقة الفراغ تتشكل باستمرار في إطار ثوابتها. وهذا هو سرّ قوتها. فمنطقة الفراغ ليست تامة. وهذا ليس نقصاً بل هو قوة؛ لأن منطقة الفراغ تختلف عن النسق الذي يطرح نفسه، منذ البداية، كنسق تام أو كامل ونتيجة لذلك كنسق مغلق. أما منطقة الفراغ فهي مفتوحة للمستجدات أي لحركة التأريخ.
لكن انفتاحها على حركة التأريخ لا يعني أنها تتشكل حسب العوامل التأريخية، إلى درجة أنها تصبح مجرد انعكاس لظروف المرحلة التأريخية، بل هي التي تحكم على المؤثرات التأريخية انطلاقاً من الثوابت أي الواجبات الشرعية والأحكام والقيم والمفاهيم ذات المصدر الديني.
ومن هنا فنمو وتطور منطقة الفراغ لا حدود له. في حين أن النسق جامد لا يتحرك. ففلاسفة التأريخ مثل أجوست كونت وهيجل وماركس يرسمون الإطار النهائي للبحث في مجال فلسفة التأريخ. فالمستقبل مخطط تخطيطاً دقيقاً ونهائياً في هذه الفلسفات. ولا يمكن في نظر هذه الأنساق الفلسفية، البحث عن شيء آخر اي شيء جديد خارج ما يقتضيه النسق. مثلاً لا يمكن تصور حركة للتاريخ ـ في نظر أجوست كونت ـ غير الانتقال من الحالة اللاهوتية إلى الحالة الميتافيزيقية ثم إلى الحالة الوضعية. كما لا يمكن تصور مستقبل ـ في نظر ماركس ـ غير الشيوعية كرحلة نهائية لحركة التأريخ. ونفس الأمر بالنسبة لفرانسيس فوكوياما في هذه الأيام، حيث لا يمكن في نظره، تصور نموذج غير نموذج الديمقراطية الليبرالية. وهكذا بالنسبة لكل فلاسفة التأريخ الغربيين.
لا شك أن منطقة الفراغ تخضع، هي الأخرى، لنظام، ولكن هذا النظام ليس من نوع الأنساق الفلسفية المغلقة، بل هو بناء عام يسمح لمنطقة الفراغ بالتطور في خط عمومية البنية العامة. فالبناء العام والتطور غير متناقضين بل على العكس إن عمومية البناء (أو البنية) هي التي تقتضي المرونة والتطور. إن تحليل الإمام الصدر لمفهوم منطقة الفراغ يطرح آفاقاً جديدة للبحث في مجال فلسفة التأريخ على العموم، وفي مجال الأبستمولوجيا على وجه الخصوص. فالفلسفة الغربية ما زالت لم تحسم الأمر بعد فيما يخصّ إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير، وبين النسق والتأريخ. فالمذاهب الفلسفية التي تؤكد على التأريخ وعلى الحركة تنفر من الثابت ومن البنية، والعكس بالنسبة للمذاهب الفلسفية وخاصة البنيوية التي ركزت على الثابت أو البنية على حساب الحركة والتأريخ.
فالنسق في المذهب البنيوي يكفي نفسه بنفسه. فهو يحتوي على منطق داخلي يشكل قانون تطور البيئة في الحدود التي يرسمها النسق (لكن هذه الحدود ضيقة إلى أقصى حد). مع العلم بأن المذاهب التي ركزت على التأريخ مثل هيجل وماركس حصرت، هي الأخرى، حركة التأريخ في أطر منطقية صلبة كالمنطق الجدلي. وعلى العموم يبدو أن المنطق الجدلي وكأنه لا ثوابت له؛ لأنه مستخرج من حركة التأريخ التي تكفي نفسها بنفسها (التأريخانية).
وما نلاحظه في هذا السياق هو أن الصدر قد حل هذا الإشكال عن طريق مفهوم منطقة الفراغ. إن هذا المفهوم لا يحل مشكلة العلاقة بين الثابت والمتغير فحسب، بل يحل كذلك مشكلة العلاقة بين الحقيقة والتأريخ: الإسلام كحقيقة مطلقة وحركة التأريخ أو علاقة النسبي بالمطلق. فالصدر لم يطرح فكرة منطقة الفراغ مجرد فكرة عابرة أو مبدأ عام، بل طرحها كمفهوم أي فكرة منظمة وموجهة للبحث في مجال الاجتهاد (أي كمنهج) وفي مجال علاقة الشريعة بحركة التأريخ؛ لهذا تعتبر منطقة الفراغ أداة فكرية لفهم التأريخ وتحليله وتفسيره.
استشراق المستقبل
إن منطقة الفراغ تتضمن ـ من هذا المنظور ـ الوعي التاريخي، وعي متطلبات كل عصر وكل مرحلة تاريخية من مراحل حركة الأمة عبر التأريخ. هناك نظرة مستقبلية في القرآن الكريم. فالوحي قد هيّأ ـ منذ المرحلة المكية ـ ذهنية المسلمين للتغيير ووجه النظر إلى عوامل التغيير، والانتقال من الواقع بثقله وعوائقه إلى توقع واقع أحسن منه في ضوء السنن الإلهية. غير أن هذا التوقع الذي يقدمه القرآن الكريم ليس توقعاً قابلاً لأي تأويل، لأن القرآن الكريم عندما يتحدث عن المستقبل يربط هذا الأخير بالاستخلاف: استخلاف المؤمنين في الأرض والتمكين للإسلام.
وهنا تأتي منطقة الفراغ؛ لتجعل من النظرة المستقبلية حقيقة متجسدة في التأريخ. فالنظرة المستقبلية تبقى مجرد طوباوية وتطلعات حالمة إذا لم ترتكز على منهج يحققها.
كسر الثنائية
فمنطقة الفراغ كما يطرحها الصدر هي منهج لاستكشاف أدوات فكرية تضبط الاستمرارية في علاقتها بالتغيير؛ لذلك فالصدر قد حرر الفكر الإسلامي من الثنائية بمفهومها السكوني، التي تطرح من موقع تناقض علاقة الجديد بالقديم والمادي بالروحي والثابت بالتغيير والأصالة بالمعاصرة. فمنطقة الفراغ منهج كسر هذه الثنائية وربط الثابت بالمتحرك ضمن علاقة تكاملية.
إمكانيات هائلة
لذلك تتمتع منطقة الفراغ بإمكانيات لا نهاية لها لاستيعاب حرحكة التأريخ، والتأثير فيها حسب متطلبات الشريعة ومتطلبات الواقع معاً. فالفكر الإسلامي يمتلك ـ بفضل منطقة الفراغ ـ الأدوات المنهجية التي لا تسمح له باستيعاب المستجدات فحسب، بل تسمح له كذلك بالمساهمة في طرح الحلول واتخاذ مواقف تجاه التغيرات الجذرية، التي نشاهدها هذه الأيام في المذاهب الاجتماعية والسياسية، وما ينتج عن ذلك من إشكاليات فلسفية.
إعادة اكتشاف القرآن
فمنطقة الفراغ لا تخضع في جوهرها لضغط الحداثة أو التحديث على اعتبار أنها إطار منفتح على حركة التأريخ، وله قدرة استيعابية لا حدود لها بحكم العلاقة التكاملية بين الثابت والمتغير المتضمنة في هذا الإطار العام؛ لذلك فإن منطقة الفراغ تعيد اكتشاف القرآن الكريم عبر التأريخ: اكتشاف القرآن الكريم حسب متطلبات القرآن الكريم في الأساس، وفق شروط المرحلة التأريخية. فمنطقة الفراغ هي إذن منهج العلاقة بين القرآن الكريم والتأريخ أي بين الوحي والتأريخ والتعالي والتأريخ.
اكتشاف ما وراء النصوص
إن السيد الصدر عندما عالج المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على العموم لم يهدف إلى اكتشاف الأحكام الشرعية فحسب، بل تجاوز هذا المستوى إلى مستوى آخر: الوصول إلى «ما وراء الأحكام» أي الوصول إلى المفاهيم التي يتم عن طريقها تشكيل المذهب الاجتماعي. ونفس الأمر بالنسبة للرؤية الفلسفية للتاريخ عند الصدر. فالصدر لا يتوقف عند المعنى الظاهر والمباشر للآيات القرآنية، بل يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى المفاهيم.
كما أنه لا يقف عند محلية أسباب النزول بل يتجاوزها إلى كونية القرآن الكريم. وهي كونية لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق استخراج المفاهيم المتضمنة في الآيات القرآنية([740])؛ لذلك فالرؤية الفلسفية تتكون عند الصدر من المفاهيم في الأحكام وفي الآيات القرآنية الاخرى كالآيات التي تناولت الصراع بين الحق والباطل، خلافة الإنسان، التسخير، الأمة، انتصار المستضعفين على المستكبرين ….
خارج الفكر الغربي والتفكير الأسطوري
هذه الخليفة التي انطلق منها الصدر هي التي جعلته يتجاوز حدود ردود الفعل تجاه المذاهب الاجتماعية الغربية وتجاه فلسفات التأريخ في الفكر الغربي. كما أنه تجاوز مواقف المفكرين المسلمين، الذين حاولوا التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فعبر اكتشاف المنهج (منطقة الفراغ والتفسير الموضوعي) تفهّم الصدر وحلل العلاقة بين التأريخ والغيب أو التعالي خارج التفكير الأسطوري والتفكير اللاهوتي.
وتمّ كذلك استيعاب المنهج العلمي وتطبيقه في صياغة المذهب الاقتصادي والسياسي، وفي صياغة الرؤية الفلسفية إلى التأريخ. غير أن هذا المنهج العلمي الذي اعتمد عليه الصدر له نوعيته التي تميزه عن المنهج ذي المصدر الغربي.
ذلك أن خضوع العالم المادي والإنساني لسنن الله يعني ربط عالم الشهادة بعالم الغيب: يعني من الناحية المعرفية والفلسفية وضع العلوم الطبيعية والإنسانية على العموم من العقلانية الوضعية التي نفت قيمة الإنسان واعتبرته مجرد موضوع للدراسة كسائر المواضيع المادية الأخرى. فـ ( دوركايم) (Durkaim) كان يؤكد على أنه يجب اعتبار الظواهر الاجتماعية كالأشياء.
يقول محمد أبو القاسم حاج حمد:
«…. هكذا نكشف عبر القرآن أن الإنسان مطلوب لذاته ليكون هو قيّماً على المعرفة في صياغة المنهج وتحديد الرؤية الكونية. في حين أن جميع الفلسفات الوضعية الأخرى إنما تحاول ـ بطرق مباشرة أو غير مباشرة ـ أن تمنهج الإنسان وفق ضوابطها هي مما ينتهي إلى إلغاء الدور الإنساني في المعرفة وبالتالي تحجيم الإنسان لمصلحة (النظام) واستلابه طبقياً أو حزبياً»([741])!
عملية التغيير
إن نظرية المعرفة في المجال الإنساني ـ وما يهمنا في هذا البحث يتمثل في فلسفة التأريخ ـ لها غاية اجتماعية وحضارية. فالحتمية المطلقة تؤدي بصورة مباشرة إلى نفي تدخل الإنسان في عملية التغيير. وهذا هو أكبر مشكل طرح على الرؤية الوضعية إلى التأريخ خاصة عند هيجل وماركس.
إن دمج المعرفة في المجال التاريخي بنظرية المعرفة في المجال المادي لا يطرح مشاكل ميتافيزيقية وأخلاقية فحسب، بل يطرح كذلك مشكلة دور الإنسان في عملية التغيير. مع العلم بأن هذا الدور سلبي. فهيجل يذيب الفرد في المجتمع أو الكل المطلق.
المطلق وهو كلّ يدل على كلّ شيء ولا يدل على أي شيء من نفس الوقت. في حين أن ماركس اصطدم بتناقض كبير في محاولة توفيقية بين الحتمية التأريخية وتدخل الإنسان في حركة التأريخ عن طريق الوعي الطبقي وثورة البروليتاريا لإقامة نظام اشتراكي ثم شيوعي.
إن اصطدام فلسفات التأريخ الغربية بهذا الشكل هو النتيجة المباشرة والضرورية للخلفية التي تم فيها تشكل هذه الفلسفات: التأريخانية، أي التاريخ، كمرجعية مطلقة تكفي نفسها بنفسها.
التأريخانية شرك
يمكن ربط مفهوم العبودية كما حلّله الصدر بهذه الإشكالية الفلسفية السابقة: إن التاريخانية هي نوع من أنواع الشرك؛ لأنها تجعل الإنسان عبداً للتاريخ. وبالفعل فقد كان هيجل يؤله التأريخ. في حين أن مفهوم العبودية في الإسلام كما حلله الصدر وكذلك علاقة التأريخ بالتعالي (أي رفض التأريخانية). فهذان الجانبان يحرّران نظرية المعرفة من المأزق الذي وضعتها فيه الرؤية الوضعية. ومعنى هذا أن العبودية لها انعكاسات اجتماعية ومعرفية إضافة إلى بعدها الروحي الخاص بعلاقة الإنسان بالخالق.
يقول الصدر في هذا السياق: «…. حينما تتقدم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً يكون التقدم تقدماً مسؤولاً، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، لوناً من العبادة يكون لها امتداد على الخط الطويل، وانسجام مع الوضع العريض للكون»([742]).
بين التأريخ والتأريخانية
لقد حطم الصدر المسلمات التي كانت تحول دون الرؤية المتكاملة لعلاقة الشريعة بالتاريخ، هذه المسلمات التي تحولت إلى بديهيات مصدرها الفكر الغربي والفكر المحدث التابع له في العالم الإسلامي. لقد تأرجحت دراسات تاريخ الأمة الإسلامية وعلاقة الدين بهذا التأريخ بين منهج لا تاريخي يرتكز على العودة إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون وعي تاريخي، وبين التاريخانية التي تلغي الجوانب الثابتة، بل والمصدر الإلهي للإسلام، وترجع كل شيء إلى التأريخ.
وهكذا تتأرجح الدراسات التأريخية بين منهجين متناقضين: أحدهما يحلل الإسلام في اللامكان واللازمان.
والمنهج الآخر يخضع خضوعاً كلياً ومطلقاً لحركة التأريخ (التاريخانية).
يمكن ـ في السياق ـ اعتبار الإطار العام الذي رسمه الصدر لرؤية فلسفية إسلامية إلى التأريخ كإعادة نظر جذرية في المسلمات والمفاهيم، التي اعتمدت عليها فلسفات التأريخ في الغرب، والتي تجسدت في أكمل وجه لها عند هيجل.
المنهجية المفتوحة والنسق المغلق
إن التناقض الرئيسي يبرز ـ كما أشرنا فيما سبق ـ في العلاقة بين الجدلية التي تطرح كمنهج لحركة تاريخية مفتوحة، والنسق كإطار معرفي مغلق. هذا التناقض غير موجود في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ كما يطرحها الصدر، حيث إن لحركة التأريخ منهجاً يؤثر فيها ويتأثر بها. هذا المنهج هو (منطقة الفراغ). هذه الأخيرة ليست كالنسق الهيجلي أو الماركسي لأن كلمة الله لا تنفد([743])، لذلك فمنطقة الفراغ تؤدي إلى اكتشاف أمور جديدة على اعتبار أن حركة التأريخ لا تتوقف.
محدودية النسق تكمن في جانبين:
1 ـ النسق مغلق ويقضي على نفسه بنفسه (كجدلية) لأن كل أطروحة تستدعي نقيضها.
2 ـ النسق له مصدر محدود هو الإنسان، في حين أن منطقة الفراغ ليست نسقاً مغلقاً. هناك بنية وتنسيق في منطقة الفراغ ولكنه ليس تنسيقاً صلباً ومغلقاً بل هو تنسيق مرن. إضافة إلى ذلك منطقة الفراغ ليس مصدرها الإنسان. هذا الأخير يتدخل لكن على اعتبار أن خلفية منطقة الفراغ مستمدة من القرآن الكريم.
وهكذا فالفرق بين النسق، يتجلّى في فلسفة التأريخ لدى هيجل وماركس، ومنطقة الفراغ هو أن النسق سكوني في حين أن منطقة الفراغ حركية (لها جوانب ثابتة والأخرى متحركة) وهذا ما يسمح لها باستيعاب الصيرورة التأريخية.
وعلى العكس من ذلك فالفكر الجدلي يزول، بالنسبة لهيجل، حينما تنتصر الدولة وينتصر النسق. فنظرية هيجل حول الدولة وحول علاقة العقل أو الروح بالتاريخ تحكم على الجدلية بالموت، وتصبح الدولة هي الواقع وهي المعقول. أي يزول المنهج الجدلي كنسق ويذوب في الواقع أي يصبح مجرد نزعة تجريبية (أمبريقية) تخضع للواقع كموضوع أي كمرجعية مطلقة (أي تبرير الواقع).
هذه الفكرة تتجلى بوضوح عند (ف. فوكوياما) كما سنرى، حيث حوّل الجدلية إلى برجماتية أي إلى مجرّد فكر نفعي يبرّر الواقع. معنى هذا أن الجدلية تقضي على نفسها، وأن الاختلاف جذري بين الجدلية كمنهج وكنسق وبين منطقة الفراغ كمنهج. فمنطقة الفراغ، عكس الجدلية، لا تقضي على نفسها ولا تقضي عليها صيرورة التأريخ لما تصل إلى مرحلة معينة بل على العكس فمنطقة الفراغ تقوى وتتعمق وتكون لديها مبادرة أقوى أكثر فأكثر في توجيه التأريخ ما دام هذا الأخير يتحرك نحو المثل الأعلى (نحو الله).
الواقعية والمثالية
إن الأفكار التي عرضناها فيما سبق تبين لنا أن الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر لا يمكن فهمها من الناحية الأبستمولوجية بالرجوع إلى مفاهيم فلسفة التأريخ في الغرب كالواقعية والمثالية والنزعة التجريبية وغير ذلك.
إن الصدر في تحليله لتأريخ الأمة الإسلامية وتاريخ البشرية لم ينطلق من هذه المفاهيم. فهو ينظر إلى تاريخ الأمة الإسلامية من خلال الواقعية والمثالية معاً. فهناك الواقع، في نظر الصدر، وهناك المثال أو الأهداف التي يتطلع إليها المسلمون. وبما أن هذه الأهداف مقدسة في نظر الإسلام والمسلمين (انتصار الأمة وعودتها إلى مسرح التأريخ) لا يمكن تجاهلها في تنظير فلسفة التأريخ؛ لأن هذه التطلعات واقع يعيشه إنسان العالم الإسلامي([744]).
التعالي يخلق أمة متعالية لا تموت
لقد طرح السيد الصدر، مشكلة العلاقة بين التأريخ والتعالي طرحاً معرفياً، وفلسفياً، وشرعياً، في نفس الوقت. فخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء تجعلان من الأمة الإسلامية أمة رسالية لا يمكن أن تزول كما زالت الأمم والحضارات الأخرى.
فقد تجمد الروح الجهادية لدى المسلمين وقد تنحط الأمة نتيجة لفشلها في الحروب أو فشلها في محاولتها للخروج من التخلف. ولكن الأمة الإسلامية ككل لا تتنازل عن أهدافها. فالأمة من هذا المنظور هي أمة رسالية أي هي متعالية على التأريخ ومتجذرة فيه في نفس الوقت([745]).
وهكذا فالأبعاد الشرعية والتأريخية والمعرفية هي أبعاد متكاملة في علاقة تلازمية. لا يمكن لأمة أن تغير مواقفها حسب الظروف والأحوال إذا كانت هذه المواقف مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالعقيدة والشريعة. فالإيديولوجيا تتغير تغييراً جذرياً، وتقع تراجعات وتنازلات كما نشاهد اليوم بالنسبة للبلدان الاشتراكية. هذه الحالة لا يمكن تصورها بالنسبة للأمة الإسلامية، فإنسان العالم الإسلامي يوجد بصورة أو بأخرى كما يرى الصدر مهما كانت درجة انحطاط الأمة وضعفها([746]).
إن ربط التأريخ بالتعالي هو، من هذا المنظور، طريق مفتوح أمام الشعوب الإسلامية؛ لكسر حواجز اليأس وتكرار المعجزة التأريخية عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فكلما ارتبطت الأمة بالتاريخ حسب متطلبات الشرع إلا وربطت التأريخ بالتعالي، وأعطت لوجودها معنى يعبِّئُها وتتحرك باسمه.
ثانياً: معنى التأريخ:
1 ـ الدين ومعنى التأريخ:
إن مشكلة معنى التأريخ هي من المشاكل التي تفرض نفسها على الفكر الإسلامي، خاصة عندما يصل هذا الفكر إلى المستوى المفاهيمي.
إن معنى التأريخ عند الصدر ليس من قبيل الدعايات السياسية على اعتبار أن الأحزاب تسعى إلى تدعيم مواقفها باعتبار نفسها مندمجة في الخط التاريخي الصحيح الذي يمثل معنى التأريخ.
إن مفهوم معنى التأريخ هو مبدأ للمعقولية ومبدأ للفعل أو العمل؛ لأن المسلمين ـ والبشر كلهم ـ يتحركون باسم معنى التأريخ، مع اختلاف واحد هو أن معنى التأريخ عن المسلمين مستمد من الإيمان بالله.
إن الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي يريدان نفي هوية الأمة الإسلامية ونفي كل مشروع حضاري بديل وذلك عن طريق إحداث قطيعة بين التأريخ والعقيدة الإسلامية، أي بين التأريخ والتعالي.
ترابط العقيدة مع التأريخ
يرى السيد الصدر أن علاقة العقيدة الإسلامية بالحياة الاجتماعية وبالتاريخ هي علاقة موجودة بصورة أو بأخرى في العالم الإسلامي([747]). إن الشريعة الإسلامية تعتبر أن علاقة التأريخ بالعقيدة من الثوابت. أي هي عنصر بنيوي لا يمكن تغييره. إن الصدر حلل هذه العلاقة على المستوى السوسيولوجي كذلك أي على مستوى واقع الشعوب الإسلامية. فالعقيدة تؤثر في سلوك المسلمين وتشكل ذهنيتهم. وقد تقترب علاقة العقيدة بالحياة الاجتماعية أو تبتعد حسب الظروف، إلا أنها لا تزول ويستحيل أن تزول؛ لأن زوالها معناه زوال الأمة من التأريخ. ومعنى هذا أن التأريخ (تأريخ الأمة) لا يمكن تحييده والنظر إليه كمادة خام يمكن تشكيله حسب أية صورة؛ لأن العقيدة عنصر أساسي وجوهري في تشكله ورسم معالم حركته.
لقد أراد الغرب منذ عصر النهضة إحداث قطيعة بين الأمة وبين عقيدتها وتأريخها. إن هذه الظاهرة التي حللها الصدر وأكد عليها وصلت إلى أعلى درجة من الوضوح في هذه العشريات الأخيرة، خاصة منذ الثورة الإسلامية في إيران. فالنظام الدولي الجديد ـ القديم يسعى إلى ابتلاع الأمة الإسلامية، وحجزها ضمن الرؤية الغربية التي تشكلها العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك.
هذه الأفكار السابقة قد استوعبها الصدر من خلال تحليله لحركة التأريخ من منظور الفقه الحضاري الذي يبحث عن قوانين الحركة التأريخية. يرى أن العمل لتحقيق المشروع الحضاري الإسلامي هو واجب شرعي وعنصر رئيسي وجوهري من العناصر المكونة لمعنى التأريخ. فمعنى التأريخ عند الصدر ليس مجرد مسألة نظرية، بل له جانب عملي، وهذا الجانب العملي هو، بدوره، عامل أساسي من العوامل المشكّلة لمعنى التأريخ. فعلاقة الشريعة بالواقع هي التي تنتج معنى التأريخ([748]).
إن فكرة معنى التأريخ تطرح إشكالية فلسفية كبرى، خاصة بالنسبة لفلسفات التأريخ الوضعية؛ لأن القول بأن للتاريخ معنى يسلم صاحبه، بصورة مباشرة أو ضمنية، بوجود معرفة صحيحة للتاريخ ككل أي للتاريخ الكوني، وما يتضمنه من عوامل ذات تأثير متداخل ومتشابك.
التعالي ضروري للمعرفة التأريخية
يمكن التساؤل ـ على الصعيد الابستمولوجي ـ إذا كانت هذه المعرفة (المعرفة الكلية للتأريخ) ممكنة مع محدودية العقل الإنساني ونسبيته. وهنا يبرز موقف الدين على الصعيد المعرفي وعلى صعيد إعطاء معنى للتاريخ (وهما فكرتان متلازمتان) فالدين وحده هو الذي يمكّن الإنسان من طرح مشكلة المعرفة التأريخية ومشكلة معنى التأريخ. ومعنى هذا، من الناحية الفلسفية، أن ربط التأريخ بالتعالي هو الذي يجعل الإنسان المحدود بالظروف والعوامل التأريخية يتحرّر من ثقل الحاضر ويتحرّر ـ معرفياً ـ من مؤثرات المرحلة «التأريخية» ليصل إلى معرفة تاريخية تتجاوز نسبيته وتسمح له بإعطاء معنى للتاريخ.
إن مرجعية الإمام الصدر فيما يخصّ معنى التأريخ هي مرجعية دينية أولاً وفلسفية ثانياً. لكن العلاقة بين الفلسفة والدين في هذا السياق لم تطرح في إطار الثنائية بين العقل والدين، أو من موقع النظرة إلى الدين حسب مطلقات العقل كما هو الأمر بالنسبة للفلسفة الإسلامية القديمة. العلاقة بين العقل والدين هي علاقة النسبي بالمطلق في نظر الصدر؛ لذلك جاءت الرؤية الفلسفية إلى التأريخ التي صاغها الصدر مختلفة عن فلسفات التأريخ في الغرب التي طرحت نفسها كفلسفات مختلفة مع الدين المسيحي أي كفلسفات للتاريخ تعطي معنى للتاريخ دون اللجوء إلى الدين.
معنى الوجود وغاية التأريخ
لقد نظر الصدر إلى التأريخ من الزاوية السوسيولوجية، أي من خلال مفاهيم علم الاجتماع. غير أن الصدر لم يقف في تحليله للتاريخ عند هذا الحد بل تجاوزه. فالدراسة السوسيولوجية للتاريخ تحاول الكشف عن القوانين التي تخضع لها حركة التأريخ، ولكنها لا تتكلم على غاية الحركة وأهدافها. إن فكرة غاية التأريخ أو معنى التأريخ استمدها الصدر من الإسلام. فعلاقة الدنيا بالآخرة أنتجت «معنى الوجود»، ومن هذا المفهوم العام صاغ الصدر رؤيته حول «معنى التأريخ».
إن معنى الوجود خلفية اعتمد عليها الصدر في تقسيمه التأريخ البشري إلى مراحل، وكذلك تاريخ الأمة الإسلامية الذي أدمج في التأريخ الكوني العام بحكم كونية الأمة الإسلامية.
ومن هنا فقد حلل الصدر خلافة الإنسان في الأرض وتسلسل الرسالات السماوية وختم النبوة وعلاقة الإمامة؛ بالنبوة، وحلل كذلك مفهوم الغيبة (الصغرى والكبرى) والظهور (للإمام الغائب الموعود) في إطار معنى الوجود كإطار عقائدي وفلسفي في نفس الوقت([749]).
(تحرير الإنسان) نقطة التقاء
يلتقي الصدر مع فلاسفة التأريخ الغربيين عندما يعتبر أن التأريخ يتجه إلى غاية إيجابية: تحرير الإنسان. فهيجل يرى أن حركة التأريخ تتجه نحو تأليه الإنسان. أما ماركس فيرى بأن الجدلية التأريخية ستحول الدولة الرأسمالية، عن طريق الصراع الطبقي، إلى مجتمع شيوعي مبني على العدالة والحرية، إذا انتقلنا إلى الرؤية الفلسفية إلى التأريخ المبنية على الدين نلاحظ نفس الهدف (تحرير الإنسان). فالقديس (أوغسطيس) يعتبر التأريخ كصراع بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية، وأن هذه الأخيرة هي التي ستنتصر.
المعايير الثابتة والمصدر المتعالي
لكن مفهوم التأريخ كما يطرحه الصدر لا يتفق مع هذه الرؤى السابقة إلا من حيث النهاية الإيجابية بالنسبة للإنسان. إن الطابع العام الذي يغلب على فلسفات التأريخ في الغرب هو الثنائية. إن فلسفات التأريخ تتأرجح بين الخلاص الدنيوي والخلاص الروحي. هذه النظرة الجزئية تجاوزها الصدر ونظر إلى معنى التأريخ من خلال نظرة كلية تربط المادي بالروحي والأرض بالسماء. إن هذه النظرة الكلية التي يعتمد عليها مفهوم معنى التأريخ تمنع الأمة الإسلامية من الاستغراق في ردود الفعل الآنية تجاه حركة التأريخ. فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ باعتمادها على معايير ثابتة ترسم معالم لحركة الأمة؛ لذلك سيبقى المشروع الحضاري الإسلامي صامداً أمام كل المؤثرات عكس المشاريع الأخرى التي تتغير، وأحياناً تتراجع عن ثوابتها وأهدافها. مثلاً الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية تخلّت منذ السبعينيات عن أسسها كالصراع الطبقي وكمفهوم دكتاتورية البروليتاريا. وأخيراً قد تخلّت البلدان الاشتراكية عن الماركسية. كما أن المشروع الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يجمّد حركة التأريخ على غرار نهاية التأريخ عند كل من هيجل وف. فوكوياما. فارتباط التأريخ بالتعالي يعطي للتاريخ معنى منفتحاً على المطلق، ومن هنا فحركة التأريخ لا نهاية لها([750]).
وهكذا فإن الفكر الغربي بحكم نظرته المادية إلى الكون والإنسان لم يستطع النظر إلى التأريخ من خلال معايير ثابتة؛ لأن النظرة المادية لا يمكن أن تنتج عنها قيم ثابتة بل تنتج أفكاراً كرد فعل ظرفي تجاه حركة التأريخ. فالنظرة المادية إلى الكون والإنسان لا تتجاوز الموقف الأمبريقي الذي يجعل الفكر خاضعاً للموضوع، ومعنى التأريخ خاضعاً للواقع الراهن وللمرحلة التأريخية.
لا شك أن فلسفة هيجل ربطت التأريخ بالتعالي. لكنه تعالٍ مزيف؛ لأنه من صنع الإنسان النسبي: من صنع هيجل؛ لذلك جمّد هيجل حركة التأريخ في معركة يينه (Iena) واعتبر نابليون ممثلاً لله. فأصبح معنى التأريخ مجرّد تبرير للأمر الواقع: فكل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
وهكذا لا يمكن إعطاء معنى للتاريخ إلا بالرجوع إلى مصدر خارج عن التأريخ ومتعالٍ عليه؛ لأن التأريخ ليس هو الحقيقة النهائية، إنه لا يكفي نفسه بنفسه؛ لذلك يتميز المشروع الحضاري الإسلامي عن سائر المشاريع الحضارية الأخرى بارتباطه بمعنى التأريخ ذي المصدر المتعالي على التأريخ. فتصبح علاقة المشروع الحضاري بمعنى التأريخ تستمد قوتها من علاقة النسبي بالمطلق أو علاقة الإنسان بالمثل الأعلى.
إن علاقة التأريخ بالتعالي لا تنفي تدخل الإنسان في حركة التأريخ. إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ تتجاوز، في نظر الصدر، كلاً من الرؤية اللاهوتية التي تفسر التأريخ بأسباب غيبية بصورة مباشرة، والرؤية الوضعية التي تصوغ معنى التأريخ من خلال التأريخ كمرجعية تكفي نفسها بنفسها (التاريخانية). إن معنى التأريخ يستمد من التأريخ ومن فوق التأريخ بحكم علاقة الإنسان بالغيب أي بالتعالي.
وهكذا يتضمن معنى التأريخ علاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وبالله. إن خلافة الإنسان له في الأرض تنطلق من هذه العلاقات الثلاثة لتتجسد في التأريخ. أما فلسفات التأريخ الغربية فإنها تحصر معنى التأريخ في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة.
نظرية المعرفة ومعنى التأريخ
إن محدودية فلسفات التأريخ الغربية ناجمةعن محدودية نظرية المعرفة التي ترتكز عليها، كما أشرنا فيما سبق، وهي نظرية للمعرفة لا تتشكل خارج العلاقة بين الذات والموضوع. غير أن أصحاب هذه النظرية يرفعونها إلى درجة المعرفة المطلقة. مثلاً فلسفة التأريخ عند كل من هيجل وأ. كونت وماركس ترتكز على نظرية للمعرفة مطلقة ـ بصورة ضمنية ـ لدى هؤلاء الفلاسفة. وليس الأمر كذلك بالنسبة للرؤية الإسلامية إلى التأريخ حيث إن نظرية المعرفة التي ترتكز عليها هذه الرؤية لها بعد متعالٍ. هذا البعد المتعالي هو الذي يدعم معنى التأريخ ويعطيه صورته العامة. مثلاً معنى التأريخ في الرؤية الإسلامية التي صاغها الصدر لا يمكن أن يتخلّى عن تسلسل الرسالات السماوية التي ختمت بالرسالة الإسلامية. ولا يمكن أن يتخلى عن ظهور المهدي عليه السلام ووعد الله بنصر المؤمنين.
فهذه الجوانب كلها جوانب عقائد تعطي معنى للتأريخ، وتقتضي في نفس الوقت تدخل إرادة الإنسان ومسؤوليته في حركة التأريخ. فالشعوب التي تسير في خط معنى التأريخ هي التي تتقدم، أما التي تسير في خط معاكس لمعنى التأريخ ذاتها تخضع لعوامل الانحطاط. وبعبارة أخرى فالشعوب التي تسير في خط خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء هي التي تسير في خط المعنى الحقيقي للتاريخ. فالصدر يربط بين الخلاص (نصر الله) وفلسفة التأريخ.
فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ، كما يطرحها الصدر، هي رؤية تعرف أين يتّجه التأريخ. هذه المعرفة ليس مصدرها التأريخ أو العقل الإنساني وحده بل مصدرها علاقة التأريخ بالتعالي. إن علاقة التأريخ بالتعالي ليس معناها التنبؤ بما سيقع في المستقبل على غرار تنبؤات علماء الفلك. إن علاقة التأريخ بالتعالي ينتج عنها معنى للتاريخ يطمئن المؤمنين ويعبِّئُهم في نفس الوقت، لخوض معركة إعاة بناء الأمة الإسلامية. لا شك أن المستقبل مجهول، لكن فلسفة التأريخ التي تستمد رؤيتها من الإسلام تضمن تاريخ الإمة كتاريخ ممثل للخط الرسالي كما تضمنه من كل الرؤى التأريخية الأخرى التي تهدّد معالم حركته وتهدّد معقوليته.
محدودية المؤرخ والنظرة الكلية
لكي يتمكن الفيلسوف من إعطاء معنى للتاريخ يجب أن ينظر إلى التأريخ ككل. في حين أن المؤرخ أو فيلسوف التأريخ لا يعرفان بداية التأريخ كما أنهما لا يعرفان نهايته. فالإطار الابستمولوجي الذي ينطلق منه فيلسوف التأريخ. لا يسمح له بالنظرة الكلية إلى التأريخ. فالوثائق والأخبار لا تسمح إلا برؤية جزئية وجد نسبية إلى التأريخ. إن هذا العائق يزول عندما يتعالى مصدر معنى التأريخ على التأريخ. فهنا تتشكل رؤية فلسفية إلى التأريخ تملك مقومات الطرح الكلي لحركة التأريخ ومعناه. فمعنى التأريخ من هذا المنظور ليس مصدره التأريخ بحيث يصبح بدوره ظاهرة تاريخية نسبية.
وهذا ما أخذه الصدر على فلسفات التأريخ الغربية خاصة عند كل من هيجل وماركس([751]) حيث أتت نظرتهما إلى التأريخ كرد فعل مباشر للمرحلة التأريخية التي عاشا فيها ولمؤثرات الحضارة الغربية (كالصراع بين العلم والمسيحية خاصة في العصور الوسطى وما نتج عنه من حكم ثيوقراطي قاهر، ثم عصر النهضة وظهور الاكتشافات في المجال العلمي والتقني، تقدم الصناعة، الاستعمار ونشر الثقافة الغربية باسم كونية الحضارة الغربية … إلخ).
ففلاسفة التأريخ في الغرب كانوا ـ عند تنظيرهم ـ يتصورون الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل في حين أنهم لا يملكون ـ على الصعيد الابستمولوجي ـ مقومات هذا التصور. فجاءت رؤيتهم إلى التأريخ ومعناه مجرد ظاهرة تاريخية محدودة بمحدودية العوامل الاجتماعية والثقافية والتأريخية التي أثرت فيها …
لذلك لم يطرح الصدر فكرة معنى التأريخ وفلسفة التأريخ على العموم خارج الدين الإسلامي (خارج الرؤية الدينية المحللة في أفق فلسفي): فمعنى التأريخ ليس تاريخياً في نظر الصدر أي ليس مجرد ظاهرة تاريخية في جوهره. وهذا لا يعني بأن الصدر أهمل العوامل التأريخية في تشكيل معنى التأريخ وأكد على البعد المتعالي وحده. إن معنى التأريخ في نظر الصدر هو نتيجة للتعالي وللتأريخ في نفس الوقت، وهذا ما يتجلى بوضوح في تحليل الصدر للنبوة ولتسلسل الرسالات السماوية وتحليله للإمامة والعصمة. فهذا التحليل تمّ انطلاقاً من خلفية معرفية منقطعة النظير. أي خلفية معرفية لا يمكن حصرها في مذهب من المذاهب الفلسفية المعروفة كالنزعة التجريبية أو المذهب العقلي أو الواقعية أو المثالية أو التفكير اللاهوتي؛ لأنها خلفية معرفية تفتح نظرية المعرفة على آفاق الغيب التي لا تنفد([752]).
وقد كسرت هذه الخلفية المعرفية حاجز الثنائية التي تتميز بالنظرة الجزئية والتجزيئية إلى القضايا وما ينجم عنها من طرح ناقص للمشاكل. فالفكر الغربي لا يرى طريقاً ثالثاً في المعرفة غير الموقف الوضعي والموقف اللاهوتي المناقض له. فكل دراسة للتاريخ تدخل الجانب الغيبي تصبح بالنسبة للفكر الغربي نظرة لاهوتية متناقضة مع العلم، يقول ريمون آرون (Raymon Aron) في هذا السياق: «… إن البعد التاريخي يختلف بصورة جذرية مع فلسفة التعالي»([753]).
غاية التأريخ تحدد معناه
إن معنى التأريخ في كتابات الصدر يتحدد حسب غاية التأريخ. فهذا الأخير لا يكون اتجاهاً معيناً ما لم يسع إلى غاية معينة. فكرة الغاية تقتضي بدورها، فكرة النهاية، نهاية التأريخ (هذا المفهوم سنحلله في آخر البحث ونكتفي هنا بالقول بأن نهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية لها معنى خاص). وفكرة النهاية تسمح بالدراسة العقلانية للتاريخ، وهي عقلانية تتضمن تسلسل الحوادث التأريخية تسلسلاً سببياً. وهو تسلسل لا يمكن تصوره دون وجود غاية يسعى التأريخ نحوها؛ لذلك لم يعالج الصدر التأريخ من منظور مثالي متطرف، أو من منظور طوباوي للهروب من الواقع القاسي، والقفز نحو المستقبل المنتظر حيث وعد الله بنصر المؤمنين.
بل أصبحت فكرة النهاية كغاية لتاريخ الأمة، أداةً للدراسة العلمية لحركة التأريخ. فوعد الله بنصر المؤمنين وظهور الإمام المهدي عليه السلام يقتضيان في نظر الصدر تعبئة الشعوب الإسلامية لاستحقاق الامتداد الغيبي ونصر الله. فالتعبئة الجهادية ومعنى التأريخ فكرتان متلازمتان؛ لأن التأريخ لا يتحقق عن طريق عقل كوني كما هو الأمر عند هيجل، أو عن طريق حتمية تاريخية تكفي نفسها بنفسها كما هو الأمر عند ماركس. بل يتحقق التأريخ عن طريق التدخل الواعي والملتزم للإنسان.
من هذا المنظور طرح البديل الإسلامي. طرحه كحلّ آخر خارج الطرح الهيجلي والطرح الماركسي لا كحل تلفيقي بين هذين التيارين. فالصدر قد حلل تحليلاً نقدياً فكرة معنى التأريخ عند كل من هيجل وماركس. معنى التأريخ عند هيجل يتحقق في الفلسفة السياسية كنظرية للدولة، التي تصبح منتهى صيرورة العقل الكوني عبر التأريخ، وتصبح مجسدة للعقل الكوني. أي تصبح الدولة كتجسيد لله في التأريخ. وتصبح ـ تبعاً لذلك ـ مبررة كل السلوكات حتى ولو كانت لا إنسانية؛ لأن الدولة هي الواقعي وهي المعقول.
أما معنى التأريخ عند ماركس فيتحقق عن طريق ثورة البروليتاريا، وعن طريق قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يتحقق التأريخ ويصل إلى منتهاه عندما تزول الطبقات.
منطلق الصدر
يرى الصدر أن التأريخ منذ قرن لم يتحقق بصورة يقينية من أية فرضية من هذه الفرضيات السابقة. كما أن التأريخ لم يثبت ـ في نظر الصدر ـ صحة نظريات التقدم، التي ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. وهكذا أصبحت كل أنواع نهاية التأريخ مجرّد تخمينات قد فقدت معناها أو ستفقد معناها.
يجب إذن، على الصعيد العلمي، البحث عن فرضية أخرى لحركة التأريخ ومعناه خارج الرؤية الغربية إلى التأريخ.
ينطلق الصدر من خلفية معرفية تختلف عن الخلفية، التي ينطلق منها فلاسفة التأريخ في الغرب على اعتبار أنهم ينطلقون من فرضيات مصدرها العقل وحده. كما أن موقف الصدر يختلف عن المفكرين، الذين يعتمدون على الدين في تفسير التأريخ وإعطائه معنى حيث يفسرونه بعوامل غيبية مباشرة، ينطلق الصدر من إطار شرعي ومعرفي وقيمي مصدره القرآن الكريم. هذا الإطار يقدم معالم حركة التأريخ، التي تسير في اتجاه الخط الرسالي، كما يقدم معالم حركة التأريخ المنحرفة عن الخط الرسالي.
فمنطلق الصدر ليس إذن ذا طابع افتراضي بل هو منطلق إيماني، لأن معنى التأريخ في الإسلام ليس قابلاً لأي تأويل: معنى التأريخ في الإسلام ليس مجرد فرضية تحتمل الصواب والخطأ. فانتصار الإسلام والأمة جانب عقائدي لا يمكن التخلي عنه أو إنكاره على غرار ما تفعله الأيديولوجيات الأخرى الماركسية والليبرالية معاً، التي تتخلى عن كثير من ثوابتها إن لم تتخل عنها كلها كما هو الأمر بالنسبة للاشتراكية الماركسية في هذه السنوات.
لكن المنطلق الإيماني الذي يعتمد عليه الصدر لصياغة معنى التأريخ ليس إيمانياً بالمعنى الروحي فحسب، بل هو إيماني بالمعنى المعرفي كذلك. فهو ليس مجرّد حالة روحية مريحة أو مجرّد حالة عاطفية، بل هو كذلك ـ وإلى درجة كبيرة فيما يخصّ صياغة معنى التأريخ ـ ذو جانب فكري. فالمنطلق الإيماني ليس، من هذا المنظور، عائقاً أبستمولوجياً أمام المعرفة على اعتبار أنه في جوهر قبلي (أي ليس مستمداً من التجربة) بل المنطلق الإيماني يحفظ الباحث من أن يتيه في متاهات الافتراضات، أو يتيه في متاهات المثاليات المتطرفة. مثلاً يعرف الباحث بفضل المنطلق الإيماني أن الترف يؤدي إلى الفساد ثم إلى الهلاك: هلاك القرية أو الحضارة. وأن عملية التغيير ليست عملية اجتماعية فحسب على اعتبار أن المجتمع كائن منفصل عن الأفراد، بل عملية التغيير من صنع الأفراد والمجتمع في علاقتهما بالله.
هكذا يعتمد الصدر في صياغته لمعنى التأريخ على المنطلق الإيماني كإطار يحمل أدوات استكشافية ترسم الإطار العام ـ لا الجزئي أو الدقيق ـ للبحث.
فطرح البديل فيما يخص معنى التأريخ، وفيما يخص البديل الحضاري الإسلامي على العموم، يقتضي حتماً قطيعة جذرية مع نظرية المعرفة، التي ارتكزت عليها فلسفات التأريخ في الغرب. ويقتضي ـ نتيجةً لذلك ـ رفض الفكر التاريخي بمفهومه الغربي خاصة في علاقته مع التاريخانية من حيث هي المصدر الوحيد لصياغة معنى التأريخ. فالصدر يرى أن القطيعة الأبستمولوجية المنتجة للرؤية البديلة إلى التأريخ لا يمكن أن تأتي من الفكر الغربي. كما أنه لا يكفي أن تأتي من خارج الغرب أو خارج الفكر الغربي. كأن تأتي مثلاً من بلد من البلدان المتخلفة. فالقطيعة الأبستمولوجية تأتي من الطرح الفلسفي لحركة التأريخ وللمشروع الحضاري من موقع علاقة التأريخ بالتعالي. وهي العلاقة التي تحرّر الفكر التاريخي من الأفكار الظرفية الخاضعة للمرحلة التأريخية، أو لمتطلبات الحضارة التي ينتمي إليها فيلسوف التأريخ.
ضرورة تجاوز النموذج الحضاري الغربي
إن معنى التأريخ من هذا المنظور الذي يقدمه الصدر هو عبارة إذاً عن نهاية لتأريخ معين أي لنموذج حضاري معين، ودخول إلى التأريخ بالنسبة للمشروع الحضاري الإسلامي. فالخروج من التأريخ بمفهومه الغربي يتطلب التجاوز: تجاوز النموذج الحضاري الغربي، وتجاوز فلسفة التأريخ في صورتها الغربية ومرتكزاتها المعرفية ونتائجها الأخلاقية. أي كسر الوثوقية الغربية في المجال المعرفي وامتداداته السياسية التي تعتبر استعمار الشعوب تحديثاً، والتي تبرر قهر الشعوب باسم تفوق الحضارة الغربية وباسم مقولة كل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
ظاهرة الدولة
لا شك أن معنى التأريخ في نظرية الصدر يتضمن، هو الآخر، البعد السياسي، بل هذا البعد موجود بصورة مباشرة في الرؤية الفلسفية إلى التأريخ لدى الصدر. فالحضارة الإسلامية لن تتحقق بدون دولة. فالدولة، هي أداة للتفعيل الحضاري. لكن نقطة الاختلاف بين الصدر والفلسفة الغربية في هذا المجال تكمن في الطرح الناقص لهذه المشكلة في الفكر الغربي. وهو طرح يتأرجح بين تأليه الدولة واعتبارها كنهاية للتاريخ (هيجل) وبين اعتبار الدولة أداة شر (وسيلة للاستغلال) يجب أن تزول كما يرى ماركس. فالصدر عالج المشكلة باعتبار الدولة ظاهرة نبوية وضرورة حضارية، فربط الدولة بالتاريخ وبالتعالي معاً.
وهذا ما جعل الدولة في نظر الصدر تتجه نحو الكونية: فظهور الإمام المهدي عليه السلام هو جانب من جوانب علاقة التأريخ بالتعالي، وهذا ما يجعل الدولة تسير في خط تصاعدي حتى تصير دولة كونية في عصر الظهور.
فالصدر ربط الدولة بمعنى التأريخ وحررها من الثيوقراطية بمفهومها اللاهوتي (المسيحية في القرون الوسطى والملك في تاريخ الأمة) كما حررها من «الثيوقراطية» بمفهومها الوضعي، إن صح التعبير، كما يتجلّى ذلك في فلسفة هيجل([754]). وإذا كانت الدولة في فلسفة هيجل في منتهى حركة التأريخ فإن الأمر ليس كذلك عند الصدر. حيث إن الدولة مؤسسة لتطبيق شرع الله، فهي إذاً وسيلة وليست غايةً في ذاتها. فولي الأمر هو عبد من عباد الله، وليس ممثلاً لله في الأرض أو مجسداً لحركة التأريخ أو للعقل الكوني كما كان يرى هيجل؛ حيث اعتبر هذا الفيلسوف أن نابليون هو «الروح على جواد».
الانطلاق من الإنسان إلى الله
إن موقف الفلسفة من علاقة الإنسان بالله ينعكس على الرؤية إلى التأريخ. فالمسيحية التي ألّهت المسيح عليه السلام تنطلق من الله إلى الإنسان (جدل هابط). وهذا أدّى إلى فكرة الحلول، ثم إلى رؤية فلسفية إلى التأريخ تقول بحلول العقل الكوني (أو الله في نظر هيجل) في التأريخ إلى درجة أن الله و التأريخ شيء واحد.
أما الإسلام فينطلق في رؤيته إلى علاقة الإنسان بالله من الإنسان إلى الله. وهذه الرؤية لها انعكاسات على نظرة المسلمين إلى التأريخ. فحركة الإنسان نحو الله في نظر الصدر تعبر عن خلافة الإنسان لله لذلك يتطلع الإنسان النسبي إلى المثل الأعلى المطلق.
وإذا كانت فكرة (الحلول) المسيحية قد أثرت في فلسفات التأريخ الغربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فأصبحت هذه الفلسفات حول الإنسان النسبي إلى المطلق وانتهت إلى مقولة نهاية التأريخ. فإن الأمر ليس كذلك في الرؤية الإسلامية التي تجعل من الخلافة (خلافة الإنسان لله في الأرض) حركة مستمرة نحو المثل الأعلى، وتجعل التقدم تقدماً لا نهاية له بحكم الغاية المطلقة التي تتجه نحوها حركة التأريخ.
وهكذا فمعنى التأريخ عند الصدر هو جانب من جوانب العقيدة، وليس مجرّد موقف فلسفي. فالعقيدة الإسلامية تنتج عنها نظرة إلى الكون والإنسان ومصيره. فخارج معنى الوجود إلا العبث واللامعقول: وهذه حالة من حالات الشرك المتناقضة جذرياً مع عقلانية التوحيد الصارمة.
2 ـ التأريخانية والتعالي:
الحدّ الفاصل
إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ هي رؤية جهادية ذات ثورية جذرية إلى أقصى حد؛ لأن الأساس الفكري والقيمي لعملية التغيير لا يستمد مصدره من الظروف الاجتماعية، التي أنتجت الأوضاع التي تتجه الثورة إلى إزالتها. إن هذه النقطة هي الحدّ الفاصل بين الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وبين الرؤية الوضعية.
فهذه الأخيرة تستند على أساس فكري يضرب بجذوره في الظروف والعوامل الاجتماعية التي ينبغي الثورة عليها. في حين أن عملية التغيير يجب أن تنبع من مصدر خارج عن الخلفية الثقافية، التي أفرزت الأحوال التي تسعى الثورة إلى القضاء عليها وتغييرها.
البعد الكوني
يرى الصدر في هذا السياق، أن الراسمالية والماركسية تشكلتا، معاً، في أرضية ثقافية واحدة: الثقافة الغربية؛ ولذلك لا يمكن تعميمها على كل شعوب العالم. معنى ذلك أن الفكر الغربي فكر غير كوني. إن التغيير الذي يسعى إلى ثورة كونية؛ لتحقيق مشروع حضاري كوني ينبغي أن يستند على أسس ثقافية مختلفة عن الثقافة الغربية. أي يستند على ثقافة ذات قيمة كونية. والإسلام هو وحده الذي يتمتع بالبعد الكوني، الذي يرشح المسلمين لعملية التغيير الجذري الذي تنتظره البشرية.
لم يأت الإسلام ليعالج جانباً من جوانب الحياة الإنسانية كما هو الأمر بالنسبة للرسالات السابقة عليه. فالإسلام استوعب كل الرسالات السابقة وأتى بمبادئ ومعايير وأحكام شرعية تسمح له باستيعاب حركة التأريخ عن طريق نظرة كلية إلى الإنسان والمجتمع والتأريخ؛ لذلك تتميز الأمة الإسلامية بتفتحها على كل الحضارات، كما تتميز بقدرتها الاستيعابية لعطاءات كل الحضارات([755]).
فالأمة الإسلامية أمة كونية، وليست خاصة بشعب معين، أو بمنطقة جغرافية معينة. الأمة الإسلامية تستمد كونيتها من المبادئ والقيم الإلهية، وتستمدها كذلك من التجربة التأريخية، حيث إنها استطاعت في مرحلة تاريخية معينة أن تستوعب عطاء الحضارات، الحضارة اليونانية والفارسية والهندية … فكونية الأمة مستمدة من معايير كونية عكس الحضارة الغربية التي أنتجت كونية مزيفة؛ لأنها لا تتمتع بمعايير تسمح لها بأن تعمم نموذجها الاجتماعي والسياسي على شعوب العالم.
يرى الصدر أن كونية الحضارة الغربية مزيفة؛ لأنها ترتكز على القوة المادية (الاستعمار واستغلال الشعوب، العنصرية، النظرة الناقصة والتجزيئية إلى الإنسان باعتباره كائناً تتمحور حياته حول الإنتاج والاستهلاك). وهنا يُطرَحُ النموذج الحضاري الإسلامي كنموذج كوني قادر على القيام بتغييرات جذرية؛ لأن مصدره خارج الظروف، التي أنتجت أزمة الحضارة المعاصرة، ولأنه يتمتع بمعايير الكونية والقدرة على التحكم في حركة التأريخ لا الخضوع لها وتبريرها([756]).
العدمية
لكن من جهة أخرى، قد أدى تخلي الفكر الغربي (أو بعض مذاهبه) عن التاريخانية إلى التمسك بالعدمية. وهكذا يتميز الفكر الغربي بردود الفعل الآنية أو الظرفية نتيجة لمرجعيته التي لا تتجاوز العقل والتأريخ. فعندما لاحظ الفكر الغربي كذب تنبؤات فلسفات التأريخ. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تاه في متاهات العدمية. والحق أن العدمية متضمنة في التاريخانية على اعتبار أن معنى التأريخ عند هذه الأخيرة هو معنى مزيف؛ لأن التأريخ لا يكفي نفسه بنفسه.
التأريخ والتعالي
ويرى الصدر؛ في هذا السياق، أن معنى التأريخ لكي يكون حقيقياً من الوجهة المعرفية، ومعبئاً من الناحية العملية يجب ربط التأريخ بالتعالي. أي ربط المعرفة التأريخية بالأدوات الاستكشافية التي يقدمها القرآن الكريم. وهذا يؤدي ـ حتماً ـ إلى رفض التاريخانية والاعتماد في صياغة معنى التأريخ على القرآن الكريم وعلى التأريخية أي النظر إلى التأريخ بمنظار سوسيولوجي (لا مجرد سرد الحوادث أو التأريخ السردي) وربطه بالتعالي.
فالصدر ـ كما أشرنا فيما سبق ـ لا يرفض التأريخ كواقع وكمعطى من معطيات الحقيقة وجانب من جوانبها، بل على العكس فإن ما يميز كل كتابات الصدر هو التأكيد على التأريخ وعلى التأريخية كموضوع للمعرفة العلمية، فمعنى التأريخ في نظر الصدر يبقى مجرّد تخمينات ميتافيزيقية إذا لم ينبع من نظرة علمية إلى التأريخ.
ويمكن القول، في هذا السياق: إن نهاية الأيديولوجيات أو ما يسمى بنهاية التأريخ، وهي نهاية قد توقعها الفكر الإسلامي منذ السيد جمال الدين الحسيني، تعني نهاية معنى معين للتاريخ لا معنى التأريخ بإطلاق. ذلك أن علاقة التأريخ بالتعالي هي التي تفتح المجال لمعنى حقيقي للتاريخ. فليس إذن (كلّ واقعي معقول وكل معقول واقعي).
هناك دائماً فجوة أو اختلاف بين التاريخ والحقيقة (أو بين التأريخ والمثل الأعلى حسب تعبير الصدر). الحقيقة لا يمكن للتاريخ أن يستوعبها في كل جوانبها، إنها متعالية وتاريخية في نفس الوقت، هي متعالية في مصدرها وتاريخية في تطبيقاتها الإنسانية.
معنى التأريخ في الفكر الغربي
لقد تم تشكيل معنى التأريخ في الفلسفة الغربية في القرن الثامن عشر خاصة، من موقع تفاؤلي: البشرية تسعى ـ باسم التأريخ ـ نحو هدفين: الحرية ووفرة الإنتاج. وقد دُعمت هذه النظرة باسم معرفة علمية وفلسفية للتاريخ (أجوست كونت وماركس وغيرهما).
وما زال الفعل ورد الفعل هو الطابع المميز لفلسفة التأريخ في الغرب. خاصة في السنوات الأخيرة بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية. فقد تنبأ ماركس بزوال الدين والأسرة والدولة والطبقات. أي تنبأ بنهاية التأريخ. ولقد كذب التأريخ كل هذه التنبؤات. ومن هنا رد الفعل الرافض للماركسية من طرف المفكرين الرأسماليين، الذين طرحوا الديمقراطية الليبرالية كغاية نهائية للتاريخ.
…. وفي الإسلام
أما الصدر فقد طرح مشكلة معنى التأريخ وغايته خارج الإشكالية الغربية. وهي إشكالية ضيقة في نظر الصدر؛ لأنها لا تتصور طريقاً آخر لحركة التأريخ، غير الطريقين الرأسمالي (والاشتراكي سابقاً). ولا تتصور في المجال الاجتماعي والاقتصادي إلا صورتين للملكية: الملكية الخاصة والملكية الجماعية. وقد بيَّن الصدر بأن النظرة الشمولية إلى الإنسان والكون، التي يتميز بها الإسلام تتجاوز هذه الرؤية الضيقة في المجالات السياسية والاقتصادية والحضارية على العموم. فالإسلام لا يحدث قطيعة بين الروحي والحضاري وبين الفردي والاجتماعي؛ لذلك فالمعنى الإسلامي للتأريخ يتجاوز المعنى الغربي بجانبيه الرأسمالي والاشتراكي بهذا الطرح الشمولي للإنسان ولحركة التأريخ([757]).
لقد انتقد الصدر مادية الحضارة الغربية. فهو يرى بأن النظام الرأسمالي يريد أن يكيف المجتمع؛ ليصبح الإنسان مجرّد إنسان استهلاكي. فالمعرفة والقيم توظف لخدمة السوق والاستهلاك. ونفس الأمر بالنسبة للنظام الاشتراكي الذي ينطلق ـ في نظر الصدر ـ بصورة مباشرة وواضحة من نظرة مادية إلى الكون، وهذه النظرة المادية هي، في نظر الصدر، النتيجة المباشرة للرؤية الوضعية إلى الإنسان والتأريخ في الفكر الغربي.
الصدر وهيجل
عندما يطرح الصدر الأساس الفكري الذي تعتمد عليه عملية التغيير، ويرى بأن هذا الأساس الفكري لا يكون له النتائج المرجوة في تغيير التأريخ إذا كان مصدره التأريخ نفسه. أي يستمد مصدره من الأوضاع التي يراد تغييرها. عندما يطرح الصدر هذا المشكل فإنه يدحض فلسفات التأريخ الوضعية كلها، ويكشف عن تناقضها الداخلي([758]). فهيجل عندما يضع فلسفته كنهاية للتاريخ يتجاوز ـ في سياق الرؤية الصدرية ـ درجة الفيلسوف ليضع نفسه بصورة ضمنية أو صريحة في مستوى «الأنبياء». فهيجل يعتبر نفسه أنه اكتشف ما لم يكتشفه أحد: اكتشف المنطق الداخلي لحركة التأريخ اكتشافاً نهائياً. فهو قد سعى إلى وعي يمثل منتهى صيرورة كونية. لا شك أن هذه النبوءة ليست إلا نبوءة مزيفة أي «نبوءة وضعية» لا تملك مقومات التعالي على التأريخ حتى تتمكن من اكتشاف منطق حركته ومنتهى صيرورته.
ويعتبر الفكر الغربي كله امتداداً لفلسفة هيجل من حيث كون الفكر الغربي يعتبر نفسه فكراً كونياً ينفي كل بديل. فالاستعمار يبرر نفسه باسم هذه الكونية، وكذلك العلاقات الدولية التي ظهرت بعد الاستعمار المباشر. ويمكن اعتبار فرانسيس فوكوياما في هذه الأيام فيلسوف النهاية والكونية المنتظر الذي يجسد فلسفة هيجل([759]).
وفي هذا السياق فلسفات التأريخ الغربية ترى بأن حل مشكلة البشرية هو حل سياسي (زوال الدولة عند ماركس، سيادة الديمقراطية الليبرالية عند الرأسماليين) وحل اقتصادي: انتشار وتعميم مجتمع الاستهلاك.
ويقدم الصدر الحل الإسلامي، حيث يرى بأن حل مشكلة الإنسان ليس حلاً سياسياً أو اقتصادياً في الأساس. هذه الجوانب وسائل فقط. فحل مشكلة الإنسان يكمن في معنى الوجود. أي علاقة الإنسان بالتاريخ وبالغيب([760]).
وهكذا فالتاريخ بالنسبة للفكر الوضعي هو (الشيء في ذاته). أي التأريخ يكفي نفسه بنفسه. أما بالنسبة للصدر فالتاريخ لا منعى له، معنى حقيقياً، في حد ذاته. فالتاريخ نسبي ولا يستمد معناه إلا بفضل علاقته بالتعالي.
سطحية المحدثين
وتجدر الإشارة إلى أن المحدثين في العالم الإسلامي قد حاولوا دمج التاريخانية في الفكر الإسلامي، حاولوا دمجها كما هي دون تحليل نقدي ودون إعادة النظر في بعض جوانبها على أقل تقدير، فهم يرون أن الحداثة لن تتحقق إلا إذا نظر إليها من خلال التاريخانية.
فالحداثة في نظر المحدثين في العالم الإسلامي لا توجد إلا في شكلها الغربي. يقول عبد الله العروي:
«إن ارتباط الأمة بالتراث قد انقطع نهائياً في جميع الميادين، وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدماء ونؤلف فيهم إنما هو سراب.
وسبب التخلف الفكري عندنا هو ـ الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي، فيبقى الذهن العربي حتماً مفصولاً عن واقعه متخلفاً عنه بسبب اعتبار الوفاء للأهل حقيقة واقعية مع أنه أصبح حساً رومانسياً منذ أزمان متباعدة»([761]) وعليه فالمرجعية المحركة للتاريخ الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تشيد على ضوئها السياسات الثورية الرامية إلى إخراج البلاد غير الأوروبية من أوضاع (وسطوية) مترهلة إلى أوضاع صناعية حديثة. ليست هذه الفرضية فكرة مسبقة بل نتيجة لاستطلاع التأريخ والواقع، وهي المبرّر الوحيد لحكمنا على السلفية والليبرالية والتقنوقراطية، بالسطحية، وعلى الماركسية بأنها النظرية النقدية للغرب الحديث. النظرية المعقولة الواضحة والنافعة لنا في الدور التاريخي الذي نحياه([762]).
وهكذا فالحداثة في العالم الإسلامي ليست إلا امتداداً للفكر الغربي. يقول ريمون آرون:
«إن البشرية كلها قد بدأت تصل إلى صورة الوعي التاريخي الذي يتميز به الغرب في العصر الحديث. إن الغرب لم ينشر التكنولوجيا والرياضيات والفيزياء وسائر العلوم الأخرى فحسب، بل قد نشر كذلك الأفكار التي يشكل الوعي التأريخي عنصراً هاماً من عناصرها. فالأوروبيون هم الذين صاغوا للهنديين وعيهم بماضيهم. فالتاريخ الذي صاغه الأوروبيون هو الذي يساعد اليابانيين على استيعاب ماضيهم عن طريق تأويله وتفسيره. ففلسفة التأريخ التي تمت صياغتها في القرن الأخير في الغرب هي التي يستوحي منها الحكام الصينيون تصورهم للمجتمع المنشود ورؤيتهم لماضيهم ولمستقبلهم»([763]).
لقد تغافل المفكرون الغربيون والمحدثون في العالم الإسلامي عن مبدأ معرفي جوهري: لا يمكن صنع تاريخ الأمة الإسلامية إلا بالاندماج فيه. أي لا يمكن صنع تاريخ الأمة خارج تاريخها. انطلاقاً من هذا المبدأ كشف الصدر عن حقيقة الحداثة والتأريخ في الغرب: إن حداثة الغرب تحققت عن طريق استعمار الشعوب وقهرها. في حين أن هذا لا يمكن أن يحدث في العالم الإسلامي. فتحديث العالم الإسلامي، إذا نظرنا إليه من الناحية السوسيولوجية والتأريخية، لا يمكن أن يتحقق جملةً وتفصيلاً على غرار تحديث الغرب؛ فلذلك فشل المحدثون في العالم الإسلامي في بلورة مشروع حضاري يمكن أن يسترشد به المسلمون في محاولتهم لتحقيق النهضة.
3 ـ خلافة الإنسان:
إن معنى التأريخ عند الصدر هو تجسيد تدريجي لخلافة الإنسان عبر التأريخ. إن مفهوم خلافة الإنسان كما يطرحه الصدر يجعل الفكر الإسلامي يتجاوز الطرح الناقص لمشكلة العلاقة بين الماهية والوجود في الفلسفة الغربية، حيث ظهر مذهبان مختلفان: أحدهما يقول بأسبقية الماهية على الوجود، والآخر يقول بأسبقية الوجود على الماهية. هذان المذهبان يعبران عن معالجة ناقصة لمشكلة العلاقة بين الإنسان والتأريخ، بين الثابت والمتغير في حياة الإنسان. وهي معالجة قد تمت في إطار الثنائية.
أما الفكر الإسلامي كما يطرحه الصدر فهو فكر يكسر الثنائية وينظر إلى الماهية والوجود كجانبين متكاملين أحدهما يتضمن وجود الآخر. فالتاريخ نتيجة لعلم الإنسان، ولأنه كذلك فهو يجسد قيمة الإنسان عبر الزمان. أي التأريخ يجسد خلافة الإنسان. فليست الخلافة حقيقة تتعالى على التأريخ. بل الخلافة حقيقة تأريخية ذات مصدر إلهي، فالخلافة في تحقق مستمر هي الإنسان في واقعه التأريخي.
فمفهوم الخلافة كما حلله الصدر ليس حقيقة متعالية على التأريخ بحيث يصبح هذا الأخير مجرد كشف لحقيقة سابقة على الإنسان. فالخلافة لكي تتحقق تتطلب وجود التأريخ وتتضمن مسؤولية الإنسان. فالوجود التاريخي هو بعد أساسي من الحقيقة الإنسانية. لكن التأريخ ليس كل شيء بالنسبة للصدر. فعلى الرغم من أهميته فإنه لا يكفي نفسه بنفسه. إن خلافة الإنسان لله في الأرض تجعله يتجاوز نفسه باستمرار أي يتجاوز مؤثرات العوامل التأريخية، لا عن طريق تجاهلها بل عن طريق التأثير فيها وتوجيهها. فالخلافة هي الإمكانيات العقلية والروحية التي يتمتع بها الإنسان. فهي عامل أساسي من العوامل المكونة للتاريخ، وهي كذلك مبدأ لتفسير التأريخ وإعطائه معنى.
إن الخلافة من حيث هي تعبير عن علاقة التأريخ بالتعالي تجعل الإنسان النسبي يتطلع إلى المثل الأعلى وهذا التطلع هو الذي يجعل التقدم ممكناً بل يجعل الرؤية الإسلامية إلى التقدم رؤية نوعية تتجاوز كل الرؤى الأخرى، التي تجعل أهدافاً نسبية أو مثلاً «عليا» مزيفة أمام الإنسانية كالمجتع اللاطبقي عند ماركس أو الديمقراطية الليبرالية في المذهب الرأسمالي([764]).
إن الرؤية الغربية إلى التأريخ هي رؤية نسبية في المظهر فقط؛ لأن الفكر الغربي يطرح نفسه كفكر مطلق، فالجدلية ـ رغم مظاهرها التي تعبر عن نسبية المعرفة ـ تطرح نفسها، ضمنياً، كمعرفة مطلقة؛ لأنها تستوعب الواقعي والعقلي معاً: فكل واقعي معقول وكل معقول واقعي. في حين أن مفهوم خلافة الإنسان ليست له هذه الإطلاقية؛ لأنه مفهوم تلزم عنه فكرة العلاقة بين الإنسان النسبي والله المطلق، أي يلزم عنه أن حركة التأريخ مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالإنسان يجسد الخلافة عبر التأريخ بالتدريج وعن مراحل.
وهذا يعني أن تاريخية الإنسان تتجلى بصورة أقوى في مفهوم الخلافة كما حلله الصدر أكثر مما تتجلى في المقولة الهيجلية «كل واقعي معقول وكل معقول واقعي».
الإنسان الهيجلي مُسيّر
هذه نقطة اختلاف بين مفهوم الخلافة ومقولة هيجل. وهناك نقطة اختلاف أخرى لها أهميتها. فعلى الرغم من أن الخلفية العامة التي تشكلت ضمنها فلسفة التأريخ عند هيجل (هي تجسيد العقل الكوني في التأريخ) فقد بقي هذا العقل الكوني متعالياً بالنسبة للإنسان تعالياً جعل المجتمعات والشعوب والأشخاص مجرد لعبة في يده. فهم يقومون بأدوار في التأريخ ولكنهم لا يشعرون بأدوارهم هذه، إنهم مسيَّرون من طرف العقل الكوني. أما مفهوم خلافة الإنسان لله في الأرض فإنه لا ينفي ذاتية الفرد، ولا ينفي مسؤولية الإنسان فرداً وشعوباً وأمماً، بل الخلافة والمسؤولية متلازمتان([765]).
حرية الإنسان بين الصدر والغرب
لم يحلل الصدر مشكلة حرية الإنسان تحليلاً مجرداً بل ربط الحرية بالتاريخ وبالحقيقة أي بقضاء الله وقدره وبخلافة الإنسان في الأرض. فتجسيد الخلافة عبر التأريخ يقتضي حتماً أن الإنسان مسؤول، وأنه يصنع التأريخ من حيث هو ذات مستوعبة لمتطلبات التغيير. فالحرية التي تعطي معنى لوجود الإنسان تستمد حقيقتها من الغيب، أي من خلافة الإنسان لله في الأرض.
والخلافة معناها أن الإنسان ليس مادة فحسب، بل له جانب روحي يربطه بعالم الغيب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصدر لم يطرح مشكلة الحرية طرحاً مزيفاً كما عودتنا أكثر المذاهب الفلسفية، التي تأرجحت بين إثبات الحرية ونفيها، بل طرح مشكلة الحرية في أفق تجسيد خلافة الإنسان بالإنسان. فالحرية عند الصدر ليست معطاة إذن، بل هي تحرر مستمر بتحويل الطبيعة لصالح الإنسان وتحويل المجتمع وتغييره وبالارتباط بالقيم الإلهية. هكذا ربط الصدر معنى التأريخ بخلافة الإنسان وبالحرية. فالإنسان لا معنى له والتأريخ لا معنى له إلا بارتباطهما بالله تعالى، فالإيمان بالله هو الذي يحرر الإنسان ويعطي معنى للوجود وللتاريخ.
هكذا فالتاريخ عند الصدر ليس عرضة للصدفة، وليس خاضعاً لأسباب خارجة عن الإنسان. فالتاريخ يخضع لنظام ويتجه نحو غاية. لكن عقلانية التأريخ التي يستمد منها معناه لا تكفي نفسها بنفسها، بل تستمد هي الاخرى حقيقتها من الله تعالى، وهذا هو الفرق الجوهري بين فلسفة التأريخ عند الصدر وفلسفة التأريخ في الفكر الغربي كما يتجلى عند هيجل وماركس خاصة؛ فهيجل مثلاً يرى بأن التأريخ يخضع لنظام، وهو يعطي لهذا النظام أسماء مختلفة، فمرة هو العقل الكوني ومرة يسميه الله ومرة أخرى يسميه الروح أو الوعي الكوني.
هناك قانون عام في نظر هيجل: إن كل ما يقع وما سيقع في العالم يعبر عن تجسيد العقل في التأريخ أي عن التحقق التدريجي للوعي الكوني. وهذا يعني ـ كما أشرنا سابقاً ـ أن الأفراد والشعوب عندما يصنعون التأريخ فإنهم يصنعونه من حيث لا يعلمون. فهم ليسوا إلا أدوات يستخدمها العقل الكوني للوصول إلى أهدافه. هم مجرد وسائل يستخدمها التأريخ. هكذا فالتاريخ بالنسبة لهيجل لا يمكن أن يكون بصورة أخرى غير صورته الحالية. هذه الجبرية التي تنفي تدخل الإنسان في حركة التأريخ قد أعاد ماركس صياغتها، فأصبحت المادية التأريخية هي التعبير «العلمي» عن مصير البشرية.
فهناك اختلاف جذري إذن بين الصدر وكل من هيجل وماركس فيما يخص علاقة الإنسان بالتاريخ. فإذا كان هذان الفيلسوفان ينفيان الإنسان كذات واعية ومسؤولة: هيجل يدمج الفرد في الكلّ، أما ماركس فيذيب الفرد في المجتمع. ويذيب المجتمع في حركة التأريخ التي تتحرك حسب نمط وسائل الإنتاج. فإن الصدر يؤكد على الذات الفاعلة الحرة الموجهة لحركة التأريخ والمتأثرة ـ في نفس الوقت ـ بحركة التأريخ.
وقد صاغ الصدر موقفه هذا بالاعتماد على المفاهيم القرآنية كتدخل الإنسان في عملية التغيير ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11] وكمفهوم للخلافة (خلافة الفرد وخلافة الأمة) ([766]).
وعلى الرغم من أن ماركس يؤكد على دور الإنسان في التأريخ، فهو يرى مثلاً بأن الوعي الطبقي سيدفع بالبروليتاريا إلى تغيير التأريخ، على الرغم من ذلك فإن موقفه هذا ليس له مبررات مفاهيمية وقيمية؛ لأنه لا يمكن القول بأن الإنسان حر ومسؤول وأنه عامل أساسي وجوهري من العوامل المحركة للتاريخ، لا يمكن القول بذلك إذا كان الإنسان ذائباً في المجتمع وفي التأريخ، ولا يتمتع ببعد متعالٍ يسمح له بالتحرر من الحتمية.
فلسفة التأريخ كما تتجلى عند هيجل وماركس تصطدم أمام تناقض جذري، فهي من جهة فلسفة ترتكز على حركة التأريخ وعلى فكرة التقدم، لكنها من جهة أخرى تتضمن رؤية إلى التأريخ مبنية على حتمية مطلقة وقاهرة. وذلك بسبب نفي هذه الفلسفة للبعد المتعالي في الإنسان وهو البعد الذي عن طريقه يتمكن الإنسان من التحرر من كل أنواع الحتميات([767]).
هذا المشكل لا يطرح في رؤية الصدر إلى التأريخ. فإذا كان ماركس قد أذاب الفرد في المجتمع وأخضع المجتمع إلى حتمية قاهرة نتيجة لنفي الجانب المتعالي في الإنسان، وإذا كان هيجل قد تأثر بفكرتي التجسيد والتثليث في المسيحية، فأوصل التجسيد إلى منتهاه عندما جعل العقل الكوني متجسداً في التاريخ. أي جعل التأريخ هو الله. فإن الصدر قد صاغ معنى للتاريخ يؤكد على مسؤولية الإنسان الخليفة، الذي يحرك التأريخ عن طريق العبودية لله المجسدة للخلافة عبر الزمان.
ضرورة الدولة لممارسة الخلافة
ـ الخلافة والدولة:
الدولة في فلسفة الصدر لها علاقة مباشرة مع خلافة الإنسان لله ومع التأريخ من حيث هي أداة شرعية وضرورية للتغيير. فهي عنصر بنيوي ـ لا في المشروع الحضاري الإسلامي فحسب ـ بل عنصر جوهري في الإسلام نفسه: (هي واجب شرعي وظاهرة حضارية) حيث لا وجود لقطيعة بين المادي والروحي، بين السياسة والعبادة([768]). فخلافة الإنسان ليست حالة روحية منعزلة عن الجانب الاجتماعي والتاريخي للبشرية. فالسير في طريق تحقيق الخلافة عبر التأريخ يقتضي وجود دولة.
هكذا ترتبط السياسة بالتاريخ وبالنبوة؛ لأن المشروع الحضاري الذي يستمد مصدره من الوحي هو مشروع ينمو ويتطور بالتوازي مع نمو وتطور وعي الإنسان، وهنا تبرز العلاقة بين النبوة وحركة التأريخ، فالنبوة تتجدد لحفظ الإنسان من الانحراف عن خط المشروع الحضاري نحو المثل الأعلى([769]).
إن الإمداد الغيبي أو علاقة التأريخ بالتعالي، هذه المفاهيم استخرجها الصدر وصاغها انطلاقاً من مفهومي الخلافة والشهادة. فالشهادة تتجسد في شخص واقعي هو النبيّ أو الإمام كما تتجسد في الفقيه (أي الذين يسيرون في الخط الرسالي). فالشهادة قانون مصدره إلهي وتجسيداته واقعية تبرز في التأريخ لتوجهه حسب متطلبات الشرع (المشروع الإلهي للبشرية) ([770]).
قانون الخلافة يحدد اتجاه حركة التأريخ
فهناك قانون الشهادة وهناك قانون الخلافة العام. وكلاهما ذو علاقة مع حركة التأريخ ومن موقع علاقة هذا الأخير بالغيب. وإذا كان قانون الشهادة يحمي المشروع الحضاري الإلهي من الانحراف، فإن قانون الخلافة العام يركز على هدف حركة التأريخ: إلى أين يتجه الإنسان وإلى أين يتجه التأريخ؟ حركة التأريخ تتجه نحو هدف إلهي: سعي البشرية لتحقيق صفات الله كالعدل والعلم والرحمة والانتقام من الظالمين، والقدرة، أي تشبُّه الإنسان بأخلاق الله وصفاته، وهو تشبّه يجعل الإنسان النسبي مرتبطاً بالمطلق؛ لذلك تصبح حركة التأريخ مستمرة لا نهاية لها. ولم يترك الإسلام ـ في نظر الصدر ـ هذه الحركة نحو المطلق مجرد حالة روحية أو عاطفية غير مؤطرة وموجهة، بل جعل الإسلام الشهادة هي الشرط الشرعي والضروري لحفظ حركة البشرية من الانحراف عن خط الخلافة.
وهنا نجد الاختلاف الجذري بين فلسفة التأريخ كما صاغها الصدر وفلسفات التأريخ الغربية في نقطتين: الدولة ونهاية التأريخ.
الدولة ونهاية التأريخ بين نظريتين
إذا كانت الدولة عند هيجل هي المسجدة لله في التأريخ أو هي الإله، فإنها عند الصدر مجرد وسيلة لحفظ حركة التأريخ من الانحراف عن خط الخلافة. فالدولة هنا ـ على عكس نظرية هيجل ـ هي لون من ألوان العبادة. كما أن علاقة الإنسان النسبي بالمثل الأعلى (المطلق) لا يمكن أن تجعل لحركة التأريخ نهاية، بل هي حركة مستمرة. وهذا ما يجعل فكرة التقدم، التي صاغها الصدر تختلف عن التقدم بمفهومه الغربي، وهو تقدم محدود بحكم الإطار المعرفي الوضعي الذي يرتكز عليه.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ربط حركة التأريخ بالغيب (الخلافة والشهادة) لا ينفي العلاقة بين حركة التأريخ والشروط الموضوعية المحققة لهذه الحركة. فالدولة (جانب من جوانب الشهادة) وظيفتها تحقيق الشروط الموضوعية على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي لتجسيد الخلافة([771]). فالقيادة أي (الدولة المتمثلة في النبي أو الإمام أو الفقيه) هدفها ليس هدفاً محدوداً حتى تصبح حركة التأريخ محدودة تبعاً لذلك بل هدفها مطلق وليس مرحلياً أو نسبياً. لذلك تقدم الدولة هي القوة التي تحرك التأريخ. فقدرة الدولة نابعة من هدفها المطلق. فالدولة عند الصدر عكس هيجل وفوكوياما ـ تخضع لهدف يتجاوزها([772]).
ولقد ربط الصدر هذه الأفكار والمفاهيم السابقة بتاريخ الأمة الواقعي (كما هو) والحقيقي (كما يجب أن يكون). فما دامت الأمة لم تنس الهدف المطلق (المثل الأعلى) أو لم تحدث بينها وبينه قطيعة نهائية فإنها تملك القدرة على التجاوز: تجاوز ثقل الواقع كالتخلف والاستعمار والتبعية الاقتصادية.
الدولة عند الصدر
فالدولة عند الصدر تمفصل (أي تربط) شرع الله مع حركة التأريخ من موقع توجيه العوامل التأريخية الموضوعية نحو الهدف (المثل الأعلى) أي الدولة أداة تعبُّدية يلتقي فيها الروحي بالسياسي وبالتاريخ معاً([773]). فهي ليست إلهاً متجسداً في التأريخ (هيجل) وليست أداة شرّ يجب أن تزول (ماركس) بل لها وظيفة تحررية وحضارية، وغيابها يلزم عنه غياب الأمة من مسرح التأريخ([774]). فالصدر يتعامل مع الرسالة الإسلامية لا كحقيقة فوق تاريخية بحكم مصدرها الإلهي بل كحقيقة ذات مصدر إلهي ارتبطت منذ نزولها بالتاريخ.
إن التحليل العقائدي والسوسيولوجي للدولة جعل الصدر يصوغ نظرية للدولة ورؤية فلسفية إلى التأريخ منقطعتي النظير: الدولة والتقدم مفهومان متلازمان. والتقدم هنا له خصوصية؛ لأنه من حيث كونه اتجاهاً نحو المطلق ـ فهو لا يتوقف ـ، وهذا هو سر الطاقة الهائلة في هذه الدولة وقدرتها على التطور والإبداع المستمر في مسيرة الإنسان نحو الله.
﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [سورة الكهف، الآية: 109]([775]).
ولم يقف الصدر، بالنسبة لعلاقة الدولة بحركة التأريخ في حدود الأفكار المجرّدة بل ربط نظريته حول الدولة والتأريخ بظواهر واقعية تعيشها الأمة. فهو يرى أن الدولة الإسلامية قوة معبئة للتحرر من التخلف. والمعركة ضد التخلف لها معنى خاص في نظر الصدر؛ لأنها لا تعني مجرّد تحولات اقتصادية واجتماعية؛ بل هي معركة حضارية شاملة تسعى إلى جعل الأمة في الخط الرسالي الذي يسمح لها بقيادة العالم. كما أن الصدر ربط نظريته حول الدولة والتأريخ بظاهرة كان يشاهد ظهورها ونموّها: الثورة الإسلامية ودولتها في إيران. فصاغ لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، وقد تمت هذه الصياغة ضمن خلفية فكرية تربط متطلبات المرحلة مع المبادئ العامة للشريعة ومع هدف حركة البشرية عبر التأريخ (المثل الأعلى) ([776]) وهكذا تتشكل الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر عن طريق التركيب بين الغيب ومتطلبات المرحلة التأريخية والهدف (المطلق) لحركة التأريخ.
إن الاعتماد على التأريخ كمرجعية فكرية واضحة في كتابات الصدر. فالدولة نشأت نتيجة لحاجة اجتماعية حيث أدى اختلاف الناس إلى تأسيس الدولة من طرف الأنبياء. فالدولة ظاهرة اجتماعية وتاريخية ذات مصدر إلهي؛ لأنها نشأت على يد الأنبياء عليهم السلام الذين رسموا لها الطريق نحو (المثل الأعلى) ([777]). فالدولة ظاهرة نبوية تمفصلت مع التأريخ (فهي إذاً ظاهرة تاريخية كذلك). إنها حاجة اجتماعية وتاريخية لبّاها الوحي وأطّرها بالأحكام الشرعية التي تجعلها محركة للتاريخ ومؤثرة فيه.
الدولة من هذا المنظور جانب جوهري من جوانب معنى التأريخ. وعندما تنحرف الدولة عن الخط الرسالي فإنها تخرج عن معنى التأريخ وتصبح متناقضة مع حركة التأريخ كالملك قديماً والقومية حديثاً. (فدولة الأمة) مرتبطة بالغيب وبالتاريخ معاً؛ لذلك فهي محررة للإنسان من كل أنواع الاستلاب؛ لأنها مبنية على التوحيد الذي يجعل المؤمنين لا يخضعون إلا لله وحده.
ومن هنا قوة التجاوز التي تكونها الدولة (دولة الأمة) في ذهنية المؤمنين؛ لأن العبودية لله تعني رفض كل القوى الأخرى والنظر إليها على أنها قوى نسبية؛ لأن القوة الحقيقية بيد الله. فليس (كل واقعي معقول وكل معقول واقعي). فالواقعي يتم النظر إليه من خلال وعي عقائدي وتاريخي ينشأ من تطلع المؤمنين إلى المثل الأعلى كهدف أسمى لحركة التأريخ([778]).
وهنا كذلك يتجلى الطابع التحريري لعلاقة التأريخ بالتعالي. فإذا كانت فلسفات التأريخ المعتمدة ـ معرفياً ـ على التاريخانية تخضع الإنسان إلى ثقل الواقع وإطلاقية التأريخ، فإن الأمر على العكس عند الصدر حيث إن قيمومة التشريع الإلهي (أي ارتباط التأريخ بالتعالي) هي المحررة للإنسان من كل أنواع العوائق والاستلاب التي تصطدم بها الحركة التأريخية([779]).
معالجة شاملة
فالصدر لا يعالج مشكلة معنى التأريخ بصورة مجرّدة، كما أنه لا يعالج مشكلة الدولة في إطار سياسي ضيق، بل يتميز طرحه بأنه طرح شمولي يعالج المشكلة السياسية ضمن المشكلة الحضارية المرتبطة بمعنى التأريخ وغايته؛ لذلك ربط الصدر حركة التأريخ بالتركيب العقائدي للدولة الإسلامية وبالتركيب العقائدي والنفسي للفرد المسلم:
«فالتركيب العقائدي للدولة الإسلامية الذي يقوم على أساس الإيمان بالله وصفاته، ويجعل من الله هدفاً للمسيرة، وغاية للتحرك الحضاري الصالح على الأرض، هو التركيب العقائدي الوحيد الذي يمد الحركة الحضارية للإنسان بوقود لا ينفد»([780]).
وهكذا فالدولة الإسلامية هي وحدها التي تستطيع أن تقدم (المركب الحضاري) الذي يعبئ الأمة، ويفتح لها الطريق نحو التقدم باتجاه المثل الأعلى. إن الدولة الإسلامية هي، من هذا المنظور، دولة المسافات البعيدة واللامحدودة. كما أن هذا المركب الحضاري هو الذي يحل مشكلة التناقض بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية.
لقد طرح ف. فوكوياما هذه المشكلة في نظريته حول نهاية التأريخ، ويرى، معتمداً في ذلك على أفلاطون وهيجل، بأن «الرغبة في الاعتراف» هي التي تحل التناقض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وأن الرغبة في الاعتراف هي المحركة للتاريخ. غير أن هذه الفكرة لا تملك، في حد ذاتها، القدرة على حل مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع.
«معنى الوجود» لا «الرغبة في الاعتراف»
وهنا يتجلى عطاء الصدر حيث يرى أن «معنى الوجود» هو الذي يجعل الفرد يخرج من أنانيته الضيقة لينفتح على المجتمع وعلى الأمة وعلى الإنسانية. وينتقد الصدر كل الأنظمة التي تنطلق من الرؤية المادية إلى الكون؛ لتؤسس عليها نظريتها حول التقدم. وهنا يمكننا القول في سياق نقد الصدر للنظامين الاشتراكي والراسمالي بأن فكرة الرغبة في الاعتراف لا تكفي وحدها لتعبئ الفرد والمجتمع طالما أن هذه الرغبة محصورة في الإطار المادي النفعي.
إن الرغبة في الاعتراف كما يطرحها فوكوياما ليست لها آفاق مستقبلية حتى تصبح محركة نحو التقدم، هي محدودة بمحدودية الرؤية البرجماتية النفعية التي تنشط بموجبها. فالمنفعة تعبر عما هو كائن، ولا يمكن أن تكون قيمة أخلاقية معبئة؛ لأن القيمة تعبر عما يجب أن يكون.
إن إلزامية الرغبة في الاعتراف إلزامية محدودة، إذاً لا تستطيع أن تتجاوز الإطار الفردي. وعلى العكس من ذلك فإن مفهوم معنى الوجود الذي صاغه الصدر، وهو مفهوم يربط الإنسان بالغيب وبالعالم الآخر ويربط عمله بالجزاء الأخروي.
إن هذا المفهوم هو الذي يملك القوة التعبوية والإلزامية عن اقتناع داخلي (تقوى الله). ومفهوم معنى الوجود يحرر، كذلك، الإنسان من الأنانية ليربطه بالمصلحة العامة، بل بالمصلحة الإنسانية حيث يمنع الإسلام استغلال الشعوب، ويربط العلاقة بين الشعوب على أساس العدل والحق ومساعدة المستضعفين وتحريرهم من بطش المستكبرين([781]).
هكذا يربط الصدر معنى التأريخ بالدولة والرسالة والأمة، فيصبح هذا المعنى كونياً تابعاً لكونية الرسالة الإسلامية والأمة الإسلامية([782]).
ارتباط الأمة بالتأريخ
4 ـ الأمة:
إن ما يميز الأمة الإسلامية، بالنسبة للصدر، هو وعيها التاريخي الذي لا ينقطع ولا يمكن أن يزول. قد يضعف هذا الوعي وتقل ثوريته على الواقع المنحط، ولكنه يبقى متجذراً في عمق ذهنية إنسان العالم الإسلامي وعواطفه([783]). فالوعي التاريخي يعتمد على زمان تاريخي غير عادي هنا وليس كسائر الأزمنة التأريخية؛ لأنه يستمد حقيقته من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي عصر الوحي.
من هنا فإن معنى التأريخ يعتمد في الأساس على هذا الوعي، بل هذا الوعي هو الذي يصنع التأريخ؛ لأن المسلمين يثورون ويجاهدون ويسعون إلى التحرر من كل العوائق التي تقف أمام عودة الأمة إلى مسرح التأريخ بالرجوع إلى الأصل؛ إلى عصر الوحي.
فلا يمكن لوعي تاريخي من هذا النوع أن يُبسط أو يؤطر حسب متطلبات الإنتاج والاستهلاك، أو يحجز في أُفق نظري وضعي أو نفعي أو أمبريقي، كما يتجلى ذلك في كتابات فوكوياما حول نهاية التأريخ. إن التغافل عن هذا الوعي معناه التغافل عن الواجب الشرعي؛ لأن بمجرد الانتماء إلى الإسلام يتم الانتماء إلى الأمة وإلى التأريخ في أفق وفي اتجاه معنى معين للتاريخ: وعد الله بنصر الأمة الإسلامية.
إن معنى التأريخ من هذا المنظور، هو معنى متجذر في عمق وعي إنسان العالم الإسلامي. وزوال هذا المعنى أو تغييره يعني خروج الأمة عن الإسلام. وهذا ما لا يمكن تصوره شرعاً (لأن الحفظ الإلهي للقرآن الكريم يلزم عنه استمرارية الأمة الإسلامية عبر التأريخ)، وعقلاً لأن أمة لها تاريخ وحضارة وإمكانيات مادية وروحية لا يمكن أن تزول كما زالت الأمم الأخرى.
القبلية والقومية في مقابل «الأمة»
هكذا يتبين لنا أن الرجوع إلى الأصل يحفظ معنى التأريخ من الزوال ومن التغيير؛ لأنه على العموم هو الحفظ لتاريخ الأمة، التأريخ ككل أي ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها. لذلك ربط الصدر مشكلة التنمية بالأمة لا بالقومية([784]) فالتنمية في العالم الإسلامي ليست ـ في نظر الصدر ـ مجرّد تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية. بل هي نهضة حضارية. والنهضة الحضارية في العالم الإسلامي المتخلف تتطلب تعبئة جهادية لا يمكن للقومية أن تكون إطاراً أيديولوجياً وفكرياً لها. فالأمة هي التي تسير في خط معنى التأريخ في نظر الصدر.
والقومية ـ كمجتمع غلق ـ تسير في الخط المعاكس لمعنى التأريخ. هذا التناقض بين مفهومي الأمة والقومية بدأ منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فالصراع قد بدأ منذ حادثة السقيفة بين الأمة كمجتمع كوني وبين النزعة القبلية كمجتمع مغلق. هذا الصراع كان، وما يزال، يعبر عن التناقض بين نوعين من الوعي القرآني والوعي الجاهلي([785]).
وعلى العموم فقد كانت السلطة بعد تحول الخلافة إلى ملك هي التي تمثل الوعي الجاهلي إلى درجة أن تحقيب التأريخ تمّ بالرجوع إلى القبيلة. فهناك العصر الأموي والعصر العباسي وهكذا … في حين أن الشعوب الإسلامية المكونة للأمة تمثل الوعي القرآني. وفي العصر الحديث فإن السلطات في العالم الإسلامي (الدول القومية) تمثل الوعي الجاهلي وشعوب العالم الإسلامي تمثل الوعي القرآني المرتبط شرعاً وعقلاً بمعنى التأريخ .
نتائج النظرة الغربية إلى التأريخ
وعلى العكس من ذلك فقد انتهى الفكر الغربي في هذه العشريات الأخيرة إلى مستوى لم يعد يعتمد فيه على التأريخ لتحديد الأهداف وتحديد الغاية أو الغايات (سقوط الأنظمة الاشتراكية وظهور فكرة نهاية التأريخ من جديد عند فوكوياما وغيره من المفكّرين الغربيين).
لقد كان الفكر الغربي ـ خاصة في النصف الأول من القرن العشرين ـ يبرر سلوكاته تجاه الشعوب بالاعتماد على التأريخ. فقد كان كل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي يعطي لنفسه أهدافاً تاريخية. فالنظام الاشتراكي يرى بأن الطبقة البروليتارية ستحقق رسالتها التأريخية: بناء المجتمع الشيوعي عن طريق الثورة. أما النظام الرأسمالي فيرى هو الآخر بأن له رسالة تاريخية: تحضير الشعوب.
فقد أدّت هذه النظرة إلى التأريخ في كلا النظامين إلى قهر الشعوب واستغلالها. ويرى الصدر بأن هذه النتائج اللاإنسانية للنظامين الراسمالي والاشتراكي هي نتائج كانت متوقعة حتماً؛ لأن هذين النظامين يستمدان حقيقتهما من النظرة الوضعية إلى التأريخ. وليس الأمر كذلك بالنسبة لمعنى التأريخ في المنظور الإسلامي حيث إن مفهوم خلافة الإنسان وخلافة الأمة يجعل من هذه الأخيرة أمةً رساليةً لا تبرّر سلوكاتها تجاه الشعوب بردود الفعل على عوامل ظرفية أو بمنافع مادية، بل تبرر رساليتها بقيم فوق تاريخية لا تميز بين الشعوب والحضارات. كما أن مفهوم الأمة يعطي للتاريخ معنًى خاصاً. فالأمة ليست ما هو كائن بل هي دائماً ما يجب أن يكون على اعتبار أنها أمة رسالية فهي أمة في تحقق مستمر أي في صيرورة مستمرة([786]).
وكلّ فكرة تشعر بنهاية التأريخ بالمعنى الغربي (الهيجلي أو الماركسي أو بالمعنى الذي يطرحه فوكوياما) فهو معنى للتاريخ يتناقض مع مفهوم الأمة من الناحية الشرعية والتأريخية في نفس الوقت. فالأمة الإسلامية لا تتحدد بالتراب أو بالعرق أو بكل نوع من أنواع الخصوصيات الضيقة والمنغلقة على نفسها، والتي ليست لها طاقة محركة للتاريخ حتى تنهيه؛ لذلك يرى الصدر أن ثقل الواقع مهما كان قوياً لا يمكنه أن يوقف حركة الأمة.
وعلى العموم، وكما سنرى في آخر هذا البحث، فإن فلسفة التأريخ الغربية لم تصل إلى مستوى الطرح الفلسفي لفكرة نهاية التأريخ بالعمق الذي طرحه الصدر لهذه المشكلة. إن الطرح الفلسفي لمعنى التأريخ عند الصدر مرتبط بنهاية التأريخ من منظور نهاية تاريخ معين لبداية تاريخ جديد لا تنفد طاقاته؛ لأنها ذات مصدر إلهي يربط الإنسان بالمطلق، فتصبح العلاقة منتجة لتاريخ يتطلع إلى هدف مطلق. فمعنى التأريخ من منظور الطرح الإسلامي الذي حلله الصدر مصدره خارج التأريخ؛ لذلك فهو معنى لا تنفد طاقاته.
ومن هنا يرى الصدر أن الأمة توجد في التأريخ، ولكنها كأمة محققة لخلافة الله في الأرض توجد خارج التأريخ، أي تعتمد في حركتها عبر التأريخ على قيم ومفاهيم إلهية؛ لذلك فالأمة تملك الامكانيات القيمية والمفاهيمية لتوجيه التأريخ. وهذا ما يجعلها قادرة على تحدي العوائق التي تقف في طريقها.
التفسير الفلسفي لانحطاط المسلمين
كلما ابتعد المسلمون في حياتهم السياسية والاقتصادية والقيمية عن الأمة، كلما عاكسوا حركة التأريخ ومعناه واتجهوا نحو الانحطاط. وقد بدأت ظاهرة الانحطاط (بدورها الأولي) قبل نهضة الحضارة الإسلامية. بدأت منذ أن تحولت الخلافة إلى ملك، فهنا ظهرت جدلية الانحطاط المتمحورة حول النزعة القبلية المناقضة لكونية الأمة وانفتاحها على كل الشعوب والثقافات. فالأمة ـ في المنظور الإسلامي ـ لا تقضي على هوية الشعوب بل تربط هذه الهويات بالغاية التي يتحرك نحوها التأريخ؛ لذلك فالأمة (نشر الإسلام أو الفتوحات) تختلف عن الاستعمار الذي يتميز باستغلال الشعوب والقضاء على ثقافاتها.
في حين أن الأمة الإسلامية مبنية على مبدأ «التعارف». هذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [سورة الحجرات، الآية: 13]. فالتعارف قيمة روحية وأخلاقية وسياسية وحضارية يجعل الأمة أمة كونية تتأثر بالعوامل التأريخية وتؤثر فيها؛ لذلك فالأمة والإسلام متلازمان.
فهي الإطار الشرعي والسياسي والحضاري لحركة الشعوب الإسلامية عبر التأريخ؛ لذلك يرى الصدر أن القومية وما تتضمنه من فصل الدين عن السياسة وتمزق لوحدة العالم الإسلامي هي خطر، لا على وحدة العالم الإسلامي فحسب، بل على الإسلام نفسه. ومن هنا يرى الصدر بأنه على الرغم من أن الأمة واجب شرعي ومطلب جماهيري وتاريخي في نفس الوقت إلا أن إعادة بنائها يقتضي جهاداً مستمراً نظراً للعوائق الخارجية المتمثلة في الدول القومية في العالم الإسلامي، وفي العوائق الخارجية المتمثلة في الغرب الذي يدرك بأن وحدة الأمة الإسلامية تعني طرح البديل الحضاري الإسلامي مقابل النموذج الغربي.
فالجهاد هو وحده القادر على إعادة الأمة إلى مسرح التأريخ؛ لأن الجهاد يسرع حركة التأريخ نحو المثل الأعلى بفضل الطاقة الهائلة التي يتضمنها. وهي طاقة تسمح للمسلمين بتجاوز تحديات الأمر الواقع. فوجود الأمة والتطلع إلى المثل الأعلى متلازمان؛ لذلك يرى الصدر بأن هناك علاقة بين وحدة الأمة وشهادة الأمة.
ريادة الأمة ووحدة البشرية
فغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة معناه غياب الريادة أي غياب الرسالية وغياب النموذج الحضاري الإسلامي. ومن هنا فالأمة جزء أساسي من العقيدة الإسلامية، وهي كذلك مشروع حضاري يسير في اتجاه معنى التأريخ؛ ولأن الأمة تسير في اتجاه معنى التأريخ فهي الإطار السياسي والحضاري الذي تحقق فيه البشرية وحدتها.
لقد كتب المفكرون المسلمون كثيراً عن الأمة، لكن أكثر هذه الكتابات تميزت بالطابع الدفاعي التمجيدي. في حين أن الصدر قدم نظرية حول الأمة، فهو قد صاغ هذه النظرية في جوانبها العقائدية والسياسية والاقتصادية والحضارية.
نظرية الأمة
تعتبر نظرية الصدر حول الأمة وعلاقتها بالتاريخ إعادة نظر في الفكر الإسلامي منذ معركة صفين. صاغ الصدر نظرية الأمة انطلاقاً من نظرة تركيبية ثورية لا نظرة توفيقية بالمعنى المهادن لهذه الكلمة. ربط الصدر مفهوم الأمة بالوعي القرآني المناقض للوعي الجاهلي من حيث ان هذا الأخير هو تعبير عن مجتمع مغلق، بينما الأول هو تعبير عن مجتمع مفتوح نحو حركة التأريخ ونحو الكونية.
إذا كان الوعي الجاهلي الذي ظهر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمثل القطيعة التي أحدثها الخط المنحرف، فإن الوعي القرآني يمثل الخط الرسالي.
فالرجوع إلى الأصل أي إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يعني أن الأمة متشبثة بالماضي بالمفهوم السوسيولوجي والنفسي لهذه الكلمة، أي العودة اللاواعية إلى الماضي للهروب من ثقل الحاضر، فالعودة إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها نوعيتها:
1 ـ هي عودة نقدية منتجة لوعي تأريخي جهادي على اعتبار أنها تسمح للمسلمين لتمييز الخط الرسالي عن الخط المنحرف.
2 ـ هي عودة تضع حركة الأمة في التأريخ وفي خط التطلع إلى المثل الأعلى.
3 ـ وهكذا بمجرد العودة إلى الأمة كإطار سياسي وحضاري لحياة المسلمين بدلاً من القومية، يكون المسلمون قد وضعوا أنفسهم ضمن التطلع إلى نظرة مستقبلية منقطعة النظير؛ لأنها نظرة تدفع بحركة التأريخ إلى غاية مطلقة ولا نهائية.
4 ـ ونتيجة لذلك كله إن الأمة كمرجعية سياسية وحضارية لشعوب العالم الإسلامي تجعل ظاهرة النهضة والسقوط ظاهرة لها خصوصيتها. فالنهضة هنا تقدم لا نهاية له؛ نظراً للهدف المطلق الذي تتجه نحوه حركة الأمة عبر التأريخ.
الصراع الحضاري
أما مسألة الانحطاط فهي الأخرى لها معنى خاص. انحطاط الأمة لا يعني زوالها كما زالت الحضارات الأخرى، بل هو انحطاط مؤقت؛ لأن الأمة الإسلامية تتمتع بثقافة لها بعدٌ غيبي متعالٍ يمنحها مناعة لا توجد لدى الشعوب والحضارات الأخرى. فالأمة الإسلامية بمجرد أن توجد تكون أمة رسالية تسعى إلى الريادة؛ لأن انضمام الشعوب من أجل هدف هو من حدّ ذاته نموذج حضاري.
وهكذا فالأمة الإسلامية كأمة شاهدة تتصارع مع القضايا الكبرى، ومع التحديات الكبرى، ومع التأريخ المنقطع عن التعالي. إن حركة الأمة عبر التأريخ تعبر عن علاقة الواقع بالمثال والنسبي بالمطلق.
ارتباط الأمة بالتأريخ
إن ارتباط الأمة بالتاريخ هو ارتباط بنيوي. أي الأمة تستمد حقيقتها من التأريخ. وهذا الأخير يستمد، هو الآخر، صورته ووجهة حركته من الأمة؛ لذلك فالوعي التاريخي هو وعي ملازم لذهنية إنسان العالم الإسلامي إلى درجة أن نقد التأريخ ليس مجرد موقف إبستمولوجي، بل هو واجب شرعي. فالجانب الإبستمولوجي هنا ملازم للجانب التعبدي (تقوى الله من جراء الموقف الموضوعي تجاه تاريخ الأمة). وهذا ما جعل الصدر يراجع ـ عن طريق التحليل النقدي ـ تاريخ الأمة، ويربط معالم حركة الأمة بعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي بالخط الرسالي. من هذا الموقع حلل الصدر حادثة السقيفة والتشيع وصفين وكربلاء ودور الأئمة عبر التأريخ.
يجد المسلمون هويتهم في الماضي (عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). وبمجرد أن يرجعوا إلى ذلك العصر يصبح لديهم وعي تاريخي مستقبلي. فالرجوع الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعني الرجوع إلى مرجعية حركة التأريخ التي تتجه نحو المثل الأعلى الحقيقي. ويرى الصدر، في هذا السياق، أن التأريخ المنفصل عن التعالي قد تحكم في القيم الإسلامية بعد معركة صفين، ومن هذا التطور يخضع تحقيق التأريخ عند الصدر لمتطلبات الإسلام ولتاريخ الأمة حسب موقعه من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فهناك معالم لمراحل تاريخ الأمة. عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الإمامة والخلافة، الملك، كربلاء … الخ.
مصير الأمة
ومصير البشرية
إن توحيد شعوب العالم الإسلامي (أي إعادة بناء الأمة) ليس مجرد تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية. بل إن إعادة بناء الأمة متلازمة مع إعادة بناء إنسان العالم الإسلامي، وجعله يسير في الخط الرسالي المتطلع إلى المثل الأعلى([787]). فبروز الأمة في مسرح التأريخ يتضمن حتماً تغيير العالم؛ لذلك ليس الاستقلال والتحرر من الاستعمار ثم التنمية إلا مجرّد مرحلة من مراحل تأريخ الأمة وتحركها نحو النهضة الحضارية الكونية. فإذا كانت الأمة كما يطرحها الصدر تعبر عن مثالية فهي واقعية. فالأمة الشاهدة تعطي معنى للتاريخ عن طريق الجهاد المستمر، والتطلع إلى المثل الأعلى تطلعاً تعبدياً. فالأمة الإسلامية لها مسؤوليتها بالمكانة التي منحها الله إياها: مصير البشرية مرتبط بمصير الأمة.
إن الدولة الكونية تنبع من الأمة الإسلامية كأمة منفتحة على حركة التأريخ ومنفتحة على الحضارات انطلاقاً من مبدأ قرآني: «التعارف». فالدولة الكونية لا تنبع من الأمة بمفهومها الغربي المبني على إقصاء الآخر، ولا على الأمة بمفهومها اليهودي المبني على الأرض الموعودة وعلى التقوقع على الذات.
إن صراع الأمة مع الحضارات الأخرى هو صراع له معنى خاص يختلف عن الصراع بمفهومه النفعي المبني على ثقافة الاستهلاك والسوق الحرة، وما ينتج عنها من استغلال للشعوب. فصراع الأمة مع الحضارات الأخرى هو صراع قيمي مبني على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الصراع القيمي منقذ للشعوب من هيمنة المطلقات المزيفة كالصراع الطبقي والربح المادي، والتأريخ والدولة كمرجعيات مطلقة.
5 ـ النبوة والإمامة:
«كونية واستمرارية» لا «دورة حضارية»
فمن هذا المنظور هناك فرق جذري بين الرسالة (الإسلامية) والدورة الحضارية. إن علاقة الأمة بالغيب أي بالرسالة الإسلامية يجعلها تتصف ـ رغم خضوعها لسنن النهضة والانحطاط ـ ببعد جوهري: الكونية والاستمرارية. فمن هذا المنظور تكمن قوة الرسالة في قدرتها على التأثير في التأريخ وإعطائه معنى. وهذه القدرة تستمدها الرسالة من مصدرها الإلهي من جهة، ومن استيعابها للعوامل المؤثرة في حركة التأريخ، من جهة أخرى. مع العلم بأن هذين الجانبين متداخلان. فاستيعاب الرسالة لحركة التأريخ تستمده من مصدرها المتعالي، الذي يسمح لها بالنظرة الكلية والشمولية إلى التأريخ.
إن تحليل الصدر للرسالات هو تحليل تم بأدوات منهجية ومعرفية مرتبطة بالتاريخية كإطار معرفي عام. لكن التأريخية استخدمها الصدر كمنهج ضروري لفهم الرسالة ولكنه منهج غير كافٍ. فالمصدر الإلهي للرسالة لا يمكن تفسيره عن طريق العلوم الاجتماعية وحدها؛ لأنها علوم لا تكفي نفسها بنفسها([788]). فالرسالة هي من هذا المنظور، انبثاق يتجاوز الواقع الذي ظهرت فيه. وهذه القدرة على التجاوز تختلف من رسالة إلى أخرى. وعلى العموم فالرسالات التي جاءت قبل الإسلام جاءت لتعالج جانباً من جوانب الحياة الإنسانية إلى درجة أن بعض الرسالات تزامنت في مرحلة معينة وأماكن متقاربة. وليس الأمر كذلك بالنسبة للرسالة الإسلامية؛ لأنها ـ بحكم ختم النبوة ـ رسالة كونية تستوعب كل الرسالات السابقة وتتجاوزها لتستوعب التأريخ كله؛ لذلك جهزت الرسالة الإسلامية بمقومات الاستمرارية وتوجيه الصيرورة التأريخية.
ومن هذه المقومات: المبادئ العامة، المفاهيم المتضمنة في الأحكام الشرعية، الإمامة، الاجتهاد … الخ.
لذلك فالرسالة الإسلامية لها طاقة قيمية ومفاهيمية لا تنفد([789]). فمعنى التأريخ يتشكل، عند الصدر، من تسلسل الرسالات؛ ليصل هذا المعنى إلى صورته النهائية في الرسالة الإسلامية الخاتمة وفي علاقة الإمامة بها([790]). لذلك فالرسالة الإسلامية متعالية وتاريخية في نفس الوقت. إن السائرين في الخط الرسالي والمستوعبين لمتطلباته إلى أقصى حد وهم الأئمة، يجسدون الرسالة في الواقع أي في المرحلة التأريخية التي عاشوا فيها، كما أنهم يجسدون الرسالة ليس مجرد تحليل تاريخي ينظر إلى حياة كل إمام عليه السلام كحدث تاريخي ينتهي بنهاية حياة الإمام. بل حياة كل إمام تعتبر عنصراً جوهرياً من العناصر المشكلة لمعنى التأريخ.
إن حياة كل إمام كما تتجلى في تحليل الصدر هي نتيجة لتعامل الإمام مع متطلبات المرحلة التأريخية من موقع رسالي؛ أي من موقع علاقة التأريخ بالغيب أو التعالي. وقد ينتهي هذا التعامل مع متطلبات الواقع إلى حد تضحية الإمام بحياته عن وعي تقوائي منقطع النظير كما حدث للإمام الحسين عليه السلام الذي مارس الإسلام، تجاه الخط المنحرف، بصرامة مبدئية لا يمكن وصفها أو تحليلها عن طريق العلوم الاجتماعية ذات المصدر الغربي، وهكذا فكلّ إمام عاش عصره وتجاوزه في نفس الوقت([791]).
العلاقة بين الإسلام والتأريخ
فالصدر قد كشف عن العلاقة بين الإسلام والتأريخ. فالإسلام ـ من حيث هو الدين الخاتم والمكمل لكل الرسالات السابقة عليه ـ جاء بفكرة التطور المستمر لحركة التاريخ. إن تسلسل الرسالات يتضمن بصورة مباشرة، في نظر الصدر، أن التأريخ في حركة مستمرة، وأن لهذا التأريخ معنى وليس عبارة عن حركة فوضوية. فتحليل الصدر للرسالات وللإمامة يطرح عدة إشكاليات فلسفية منها:
1 ـ إن الله تعالى لم يترك الإنسان وحده للبحث عن معنى وجوده. فالوحي هدى ورحمة. هو إنقاذ للبشرية في الآخرة وفي الدنيا كذلك بتحرير الإنسان من كل أنواع الاستلاب وخاصة تحريره من فوضى العبث اللامعقول. فالوحي قد رسم معالم حركة التأريخ نحو المثل الأعلى.
2 ـ التعالي والمحايثة لهما معنى خاص في تحليل الصدر لعلاقة الإسلام بالتاريخ. فالوحي عن طريق الرسالات يعني حضور الله في التأريخ لا على الطريقة الهيجلية؛ لأن الله في الإسلام ليس مفهوماً مجرّداً، بل هو حي قيوم وحضوره في التأريخ يتم عن طريق عنايته ولطفه. كما أن حضور الله في التأريخ يتجلى في محاولة الإنسان التخلق بصفاته المطلقة الكمال. فالمحايثة لا تعني حضور العقل الكوني (الهيجلي) في التأريخ. وهو عقل يدل على كل شيء ولا يدل على أي شيء. والتعالي هنا لا يعني ترك الإنسان سدى عبداً لفوضى حركة التأريخ. فالمحايثة ـ عن العلاقة بين الإنسان والمثل الأعلى ـ تؤكد على التعالي، وتعبر عن عبودية الإنسان لله وحده.
3 ـ ونتيجة لذلك فلا وجود لتناقض بين المحايثة والتعالي في تحليل الصدر لعلاقة التاريخ بالتعالي. هذا التناقض قد اصطدمت به كل المذاهب الفلسفية إلى يومنا، نتيجة للطرح الجزئي والناقص لهذا المشكل. وهو طرح يتأرجح بين التعالي الذي يفصل الله عن الكون والإنسان، والمحايثة التي تدمج الله في الكون فتنفي وحدانيته وصفاته. وعلى العموم، فالتعالي الذي طرحته المذاهب الفلسفية يفصل بين الله والكون والإنسان. أما المحايثة فتنفي الألوهية بمعناها الحقيقي وتؤله التأريخ مكان الله.
4 ـ إن الإنسان يتمتع ـ كخليفة لله في الأرض ـ بإمكانيات تساعده على التوجه إلى الله، وتوجيه حركة التاريخ انطلاقاً من علاقته التعبدية مع الله. مع العلم بأن إمكانيات الإنسان محدودة؛ ولذلك يحتاج الإنسان إلى الرسالات، التي ترسم له معالم مسيرته ونشاطه المعرفي والعملي.
5 ـ إن الشرك يؤدي إلى فوضى في العقل وفي الطبيعة وفي التأريخ.
نبوّات مزيفة
هكذا ينتهي الصدر إلى القول: بأن فلسفات التأريخ الغربية تعبر عن نبوءات مزيفة لأنبياء مزيفين سواء بالمفهوم الهيجلي الذي رأى في نابليون الروح على فرس كما رأى في الدولة التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية الدولة الكونية الممثلة لله في التأريخ. أو بالمفهوم الماركسي الذي يرى في المجتمع الشيوعي منتهى حركة التأريخ. وأخيراً بالمفهوم الرأسمالي كما يتجلى عند فوكوياما، الذي يرى في الديمقراطية الليبرالية النموذج المثالي والأخير الذي لا يمكن تجاوزه.
هذه «النبوءة» الوضعية «ليست لها مبررات معرفية وأخلاقية، في حين أن النبوة والإمامة في الإسلام (والرسالات السماوية كلها) تملكان تلك المبررات من مصدرهما الغيبي (الوحي) وما ينتج عنه من عصمة ومن ارتباط بالتاريخ من موقع يجعل (النبي والإمام المعصوم) يستوعبان حركة التأريخ بدرجة لا يمكن مقارنتها مع الفلسفة الوضعية، التي هي مجرد إنتاج بشري وظاهرة تاريخية.
الثيوقراطية
لقد حرر الصدر الفكر الإسلامي من النظرة التجزئية، التي لا تربط الفكر السياسي بالتاريخ من موقع ارتباط هذا الأخير بالرسالة؛ لذلك لم تصبح الثيوقراطية مخالفة للشرع فحسب، بل إنها معاكسة لحركة التأريخ ومعناه؛ لأنها متناقضة مع تطلع الشعوب إلى العدالة والمساواة، ونلاحظ في هذا السياق أن الصدر يدمج الأئمة المعصومين عليهم السلام في حركة التأريخ. فالعصمة إلى كونها ظاهرة روحية (مصدرها إلهي) فهي ظاهرة تاريخية كذلك في نظر الصدر([792]).
هكذا يصبح المعنى الإسلامي للتاريخ محرراً للشعوب من الثيوقراطية ومن استبداد الحكام؛ لأن هناك الخط الرسالي الذي يجسد المعنى الإسلامي للتاريخ. (وهو خط يعتمد على خلافة الأمة وشهادة الأنبياء والأئمة)، وهناك الخط المنحرف المناقض للخط الرسالي. فالملك ليس مخالف للشريعة فحسب، بل هو كذلك معاكس لحركة التأريخ ومعناه.
الأحكام السلطانية
وتتجلى هنا كذلك أهمية العلاقة بين التأريخ والتعالي. هذه العلاقة محررة للشعوب؛ لأنها تفتح مجالاً واسعاً للتغيير وتجاوز ثقل الأمر الواقع، في حين نلاحظ العكس عند كثير من المفكرين المسلمين قدماء ومعاصرين (وهؤلاء ليسوا بالضرورة من فقهاء السلطة بل نيتهم صادقة ولكن هذه النية لا تكفي) فهم رغم ربطهم التأريخ بالتعالي من موقع ارتباط الدنيا بالغيب وبالحياة الأخرى، رغم ذلك فإنهم نظروا إلى السلطة من خلال التأريخ المعطى، تاريخ الأمر الواقع. فلم يربطوا الحاضر بالرسالة وبالمثل الأعلى. بل برروا الأمر الواقع، وأصبحت الثورة على الحكام المستبدين فتنة، كما يتجلى ذلك عند «الماوردي» في كتابه «الأحكام السلطانية» وكذلك في بعض جوانب فلسفة أبي حامد الغزالي. فقد أصبح الأمر الواقع «السلطان المطاع» ـ لا معنى التأريخ المستمد من الشريعة ـ هو المرجعية في المجال السياسي عند كثير من المفكرين المسلمين. ومن هنا ـ مثلاً ظهور مقولة «المستبد العادل» أو عودة ظهورها عند «الشيخ محمد عبده» في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
الإمامة
فالسلطان المطاع والمستبد العادل وحكم الزمان، هي كلها مفاهيم تنبع من تاريخ لا علاقة له بالتعالي أي لا علاقة له بالخط الرسالي. وهذا عكس الإمامة ـ وولاية الفقيه التابعة لها ـ التي تنبع من عمق علاقة التأريخ بالتعالي، والتي تسير في الخط الرسالي وتتماشى، نتيجة لذلك، مع معنى التأريخ بمفهومه الإسلامي.
وقد جسد الإمام الحسين عليه السلام العلاقة بين الشريعة وصيرورة التأريخ إلى حد الاستشهاد. فالارتباط بالتاريخ من خلال المبادئ ذات المصدر الغيبي عنصر جوهري من العناصر المكونة للإمامة. سلوك الأئمة عليهم السلام ليس سلوكاً آنياً وظرفياً»، بل هو سلوك متجذر في تاريخ الأمة. أي سلوك له بعد مستقبلي وكوني وطاقة ومفاهيمية يكتشفها المسلمون عبر التأريخ. ومن هنا فالإمام يوجه التأريخ، وليس موجهاً من طرف التأريخ بالمعنى السلبي الذي يدل على أن الإمام يبرر الأمر الواقع.
هذا الموقف نلاحظه بوضوح في تاريخ الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ولدى كل الذين ينتمون إلى خطهم الرسالي سواء كانوا ينتسبون مذهبياً وسوسيولوجياً إلى الشيعة أو إلى السنة. مثلاً مواقف سيد قطب والصدر من السلطة، مواقف الإمام الخميني من السلطة والرسالة التي بعثها إلى غورباتشوف([793]). كل هذا يدل على أن الذين ينتمون إلى الخط الرسالي يتأثرون بحركة التأريخ تأثراً إيجابياً أي من موقع علاقة التأريخ بالتعالي، لا من موقع التأريخ كمرجعية مطلقة.
العصمة
إن عصمة الإمام تنتج عنها معرفة (للأمة) ذات مصدر إلهي للإسلام وللواقع وللتاريخ. فالإمام لا يعتمد على مظاهر حركة التأريخ بل له قوة النفوذ. فهو لا يحكم على الأشياء في مظاهرها بل في حقيقتها. الإمام الحسين عليه السلام مثلاً لم تكن حركته مجرد رفض لشرعية السلطة، بل حركته رسالية تمتد في الآفاق آفاق التأريخ. نلاحظ هذه الفكرة عند الصدر عندما يحلل الإمامة على العموم، وخاصة عندما يحلل العلاقة بين الإمام المهدي عليه السلام والتأريخ. فهو يحلل العصمة والغيبة (كجوانب ذات مصدر غيبي) تحليلاً سوسيولوجياً (أي بالاعتماد على أدوات علم الاجتماع) ونفسياً وتاريخياً. فالصدر يرى أن العصمة هي استيعاب كلي وجذري للرسالة. والغيبة هي التفاعل والاستيعاب الكلي مع حركة التأريخ من مواقع العصمة.
الإمامة والملك
إن التأريخ في نظر الصدر ليس بمادة خام يستخدم لخدمة مواقف معينة خاصة خط الطاعة السياسي، الذي تتميز به المؤسسات الثقافية والسياسية في أنظمة الحكم في العالم الإسلامي. إن المنهج الذي اعتمده الصدر في تحليله للإمامة يحتم ـ من زاوية النظر العلمية والشرعية معاً ـ مقاربة تاريخ الأمة من خلال أداتين: الإمامة والملك. أي من خلال مفهومين: مفهوم الخط الرسالي ومفهوم الخط المنحرف.
وهكذا فتحليل الصدر لتاريخ الأمة لم يتم من زاوية أخلاقية فحسب على اعتبار أن الخط الرسالي أخلاقي والخط المناقض له هو خط غير أخلاقي. تحليل الصدر يتضمن الجانب الأخلاقي. لكن هذه الأخلاقية تتجاوز الوعظ والإرشاد، كما يتجاوز هذا التحليل الحكم الشرعي ليصل إلى أُسسه المفاهيمية؛ لأن الصدر يستخدم فكرتي الخط الرسالي والخط المنحرف كأدوات لتحليل حركة التأريخ من موقع صياغة رؤية فلسفية إلى التأريخ. وبعبارة أدق فإن الرسالية والانحراف فكرتان تشكلان مفهومين أي فكرتين منظمتين لتحليل تاريخ الأمة.
هذا الموقف يتناقض تماماً مع الموقف الآخر الذي يسعى إلى تغييب القيم التي عبر عنها الصراع بين الإمامة والملك في معركتي صفين وكربلاء. هذا الموقف الأخير (الخط المنحرف) يختزل الصراع بين الكونية والقبلية، ويحوله إلى مجرد صراع قبلي بين البيتين الهاشمي والأموي؛ وذلك بهدف إحداث قطيعة بين النموذج الحضاري الإسلامي وحركة التأريخ.
إن الرؤية الفلسفية إلى حركة الأمة عبر التأريخ التي تتميز بها كتابات الصدر تتناقض تناقضاً جذرياً مع إيديولوجيا التبرير (أحكام الزمان، السلطان المطاع) التي تبخس الأُمة الإسلامية قدرها، فتحول رساليتها ذات المصدر الإلهي إلى مجرد نزاع قبلي. والنتيجة أن الملك «العضوض» مساوي للإمامة.
إن تحليل الصدر للإمامة والملك يعتمد على التأريخية أي ربط الحوادث بعضها ببعض، ولكنه يرفض التاريخانية (أي الاعتماد على التأريخ) كمرجعية مطلقة لتفسير الحوادث بدون ربط هذا التفسير بمصدر خارج عن التأريخ. ذلك أن الإمامة تتناقض مع التفسير التاريخاني للأمة، حقيقتها كالرسالة والإمامة.
إن تحليل الصدر لتاريخ الأمة يقوم على أساس فكرة الصراع بين الإسلام كدين كوني وكمشروع لنهضة حضارية كونية، وبين نزعة قبلية تسعى إلى تهميش كونية الإسلام وكونية الأمة عن طريق نظرة تجزيئية إلى الإسلام تفصل الروحي عن الحضاري. وهذا ما جعل الأمة الكونية التي تتميز بصيرورة تاريخية لا نهاية لها (هي أُمة في تحقق مستمر) تتحول من رسالتها المركزة على التبشير العقائدي إلى التركيز على التوسع الجغرافي.
لقد استوعب الصدر بعمق حقيقة هذا الانحراف وأبعاده ونتائجه، فربط بين انحطاط الأمة والانحراف ربطاً سببياً. كما ربط نهضة الأُمة بمعرفة وتجاوز أسباب الانحراف، أي تجاوز معيارية الملك (القبلية، الترف، الاستغلال، الرضوخ للواقع … الخ) للوصول إلى المعيارية الإسلامية المحررة للشعوب والمحركة للتأريخ، والتي تتجسد في الإمامة.
إن الكشف عن هذه الحقيقة يتماشى، في نظر الصدر، مع مبدأ اعتبار الإنسان كائناً حراً، ومسؤولاً، وعاملاً أساسياً في حركة التأريخ؛ لأن الإمامة تعني التأكيد على خلافة الإنسان وخلافة الأمة. أي التأكيد على دور الإنسان في المجال الاجتماعي والسياسي والحضاري.
وهكذا تبرز العلاقة بين الإمامة وفلسفة التأريخ عند الصدر. فهو لم يحلل الإمامة في إطار العقيدة والفقه من منظور تجزيئي، بل إن الطرح الكلي للقضايا عند الصدر هو الذي جعله، منهجياً، يحلل مسألة الإمامة من منظور فلسفي إلى التأريخ. وهو منظور يبين كيف أن الملك اغتصب الحقيقة التأريخية، وما زال يغتصب هذه الحقيقة إلى يومنا هذا لخدمة السلطة المنقطعة عن إنسان العالم الإسلامي وأحاسيسه وتطلعاته([794])!
الإمامة إذاً هي حوار مع التأريخ ومع العصر الذي نعيش فيه. فالإمامة هي المستقبل وهي التقدم؛ لذلك فالإمامة، من هذا المنظور، تحتوي على معايير ومفاهيم وممارسات تجعل المسلمين يميزون بينها وبين كل أنواع «المهدويات» الوضعية([795]). كما تتجلى في الماركسية وفي الليبرالية. فهذه المذاهب تتصور خلاص الإنسان عن طريق التقدم في الميدان الاقتصادي والعلمي دون ربط هذا التقدم بالغيب.
ويرى الصدر في هذا السياق أن التغيرات التي تنتظرها البشرية هي تغيرات كبيرة وجذرية، تغيرات تحدث قطيعة مع الواقع الفاسد. لذلك تحتاج هذه العملية، في نظر الصدر، إلى إطار معرفي وقيمي خارج عن الظروف الاجتماعية والتأريخية التي يراد تغييرها. لكن هذا لا يكفي وحده في نظر الصدر، إذ لا بد للشخص الذي سيقود عملية التغيير أن يكون خارج التأريخ وفي التأريخ في نفس الوقت. وهذا هو معنى الغيبة([796]).
6 ـ الانتظار:
مفهوم إيجابي
فالصدر لا يجعل من معنى التأريخ مجرد عاطفة عفوية. إن انتظار ظهور الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد انتظار نابع من الغليان العاطفي، الغليان العاطفي بدون تأطير شرعي ومفاهيمي هو غليان عاطفي سلبي لا يغير التأريخ؛ لذلك أطّر الصدر الغيبة الصغرى والكبرى والانتظار والظهور تأطيراً مفاهيمياً مرتبطاً بقوانين التأريخ؛ لذلك ينظر الصدر إلى فكرة الانتظار من خلال متطلبات القرآن الكريم. وهي متطلبات تتمحور كلها حول مسؤولية الإنسان المؤسسة على التوكل على الله؛ لذلك يرى الصدر أن علاقة المسلم مع المستقبل هي علاقة تفاعل متبادل التأثير. فإذا كان المستقبل يؤثر في الإنسان، فإن الإنسان يؤثر، بدوره، في المستقبل إلى درجة أن هذا الأخير يصبح نتيجة لوعي الإنسان وعمله. في هذا السياق طرح الصدر مفهوم الانتظار، طرحه في معناه الجهادي كاستعداد مستمر لمجابهة المشاكل القادمة. هذا النوع من الانتظار بعيد عن الطوباوية وعن المثالية كذلك، فإذا كانت هناك مثالية فهي مثالية نوعية تختلف عن المثاليات الحالمة أو المثاليات المتطرفة، التي لا تنطلق من الواقع والتي لا تعتمد على أي مرجعية. فمقولة الانتظار كما يطرحها الصدر تقوي الجهد التغييري لدى المسلمين وتحفظه من الزوال.
فالانتظار ـ من هذا المنظور ـ لا يعني الاستسلام للأمر الواقع عن طريق الهروب منه، بل الانتظار يعني مجابهة الواقع مهما كان فاسداً ومظلماً من موقع الانفتاح المطمئن على المستقبل الموعود. هذا هو منطق الانتظار عند الصدر، وهو منطق يحوِّل التشاؤم إلى تطلع وإلى انتظار وتجاوز للعوائق والصعوبات.
هدف واقعي لا خيالي
إن الزمان يسير نحو غاية. وهنا يصبح الزمان زماناً تأريخياً؛ لأن الإنسان يعرف بأنه يتجه إلى هدف وإلى غاية. إن الغاية التي يتطلع إليها الإنسان ويتجه التأريخ نحوها قد تكون مجرد حلم أو مجرد هروب من الواقع القاسي. فالانتظار هنا هو انتظار لا أساس له، هو مجرد ظاهرة نفسية ليست لها أسس لا في الواقع ولا في التأريخ.
وهنا يتجلى الفرق بين الأهداف الخيالية أو الأسطورية والأهداف التي تستمد حقيقتها من التأريخ. وفي هذا السياق ينبغي التمييز بين كل أنواع المهدويات والطرح الإسلامي لظهور الإمام المهدي عليه السلام إذا كانت كل أنواع المهدويات الأخرى تمثل تطلعات الإنسان نحو مجتمع مثالي، وهي تطلعات تتيه في متاهات الوضعية (كالماركسية) أو المثالية (كالهيجلية)، فإن الطرح الإسلامي على عكس ذلك ينطلق من حادثة تاريخية: الإمام المهدي عليه السلام كائن واقعي وجد في التأريخ وما زال موجوداً في التأريخ وهذا من أسرار قوته؛ لأن وجوده في التأريخ (الغيبة الكبرى) يجعله يعيش الحركة التأريخية ويستوعب ـ عن قرب وعن عمق ـ نشوء الحضارات ونهضتها وسقوطها كما يرى الصدر([797])؛ لذلك فإن الانتظار هنا له معنى خاص. إنه انتظار مبني على الواقع وعلى التأريخ، وتنتج عنه مثالية واقعية لا مثالية متطرفة، فالانتظار مبني على ظاهرة تاريخية ومعقولة ولكنها، في نفس الوقت، تتجاوز العقل والتأريخ.
الواقع والمثال
هناك دائماً فجوة أو قطيعة بين الواقع والأهداف التي يتطلع إليها الإنسان. وهذا التطلع، كما رأينا، موجود لدى كل الشعوب، هو كوني في نظر الصدر، غير أن هذا التطلع إلى مستقبل زاهر يتخذ شكلاً آخر في الديانات السماوية على العموم وفي الإسلام وعلى وجه الخصوص: وعد الله بنصر المؤمنين وظهور الإمام المهدي عليه السلام. مع العلم بأن ربط الحياة الدنيا بالآخرة ينتج عنه، بالضرورة، انتظار وتطلع إلى المستقبل.
إضافة إلى هذه العوامل التي تنتج ذهنية الانتظار وتدعمها، هناك الأمة الملازمة للرسالة الخاتمة وللدين الإسلامي الكوني. فالأمة كونية ووضعيتها في مرحلة تاريخية معينة ليست إلا وضعية مؤقتة على اعتبار أن الأمة كأمة كونية هي تحقق مستمر نحو ظهور الدولة الكونية على يد الإمام المهدي([798]).
وهكذا يتبين لنا مما سبق أن الصدر حلل علاقة الواقع بالمثال، أو علاقة ما هو كائن بما يجب أن يكون من موقع منهجي: معرفة قوانين وسنن حركة التأريخ؛ لذلك اختلفت رؤية الصدر إلى مستقبل الأمة والبشرية كلها عن سائر المفكرين الغربيين وكذلك عن كثير من المفكرين المسلمين، الذين تغافلوا عن هذا المنهج العلمي فسقطوا في فخ المثالية المتطرفة، وبدلاً من المعرفة الحقيقية لعوامل التغيير لجؤوا إلى الأطروحات التمجيدية والأخلاقية، وإلى ردود الفعل الانفعالية تجاه ثقل الواقع والمستقبل الموعود.
المستقبل المتوقع والاستشهاد المتكرر
إن فكرة الانتظار تعني ـ في الرؤية الإسلامية ـ أن المستقبل كغاية عامة متوقع سلفاً (انتصار الإسلام على سائر الديانات والإيديولوجيات) ([799]) لكن هذه الظاهرة لا تنفي، بالنسبة للصدر، المشاكل والمحن التي ترافق مسيرة المسلمين نحو الهدف. وقد كانت المحنة الأولى والكبرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، والحرب التي شنها النظام البعثي في العراق على الجمهورية الإسلامية في إيران.
وهكذا فالصدر يربط بين الانتظار (كمثالية) وبين الواقع بكلّ ثقله ومآسيه ومحنه. إن هذا الموقف المعرفي لا يمكن إرجاعه إلى أي مذهب من المذاهب الفلسفية الغربية. فهو ليس واقعياً على غرار النزعة التجريبية المستغرقة في الواقع الآني وليس مثالياً منقطعاً عن الواقع. فالنمط المعرفي الذي يعتمد عليه الصدر في تنظيره للتأريخ هو تركيب بين الواقعية والمثالية. ومن هنا فالانتظار ليس مجرد أمل، بل الانتظار عند الصدر يجمع بين الواقعية والمثالية من حيث كونه (أي الانتظار) حكماً شرعياً.
إن تمزق وحدة الأمة والتخلف والأحوال المأساوية التي يعاني منها المسلمون لم تقض على تطلع ذهنية إنسان العالم الإسلامي إلى الخلاص. فهناك ثقة إيمانية تجاه المستقبل. فالمسلمون يتوقعون وقوع المشاكل والعوائق وينتظرون الخلاص في نفس الوقت. من الخصائص الأساسية للقرآن الكريم أنه يتوجه نحو المستقبل.
النظرة المستقبلية في القرآن الكريم واضحة لا تحتاج إلى تأويل. ويرى الصدر أن الشريعة قد وضعت منهجاً لهذه النظرة المستقبلية: منطقة الفراغ. أي قراءة القرآن الكريم قراءة حركية. فكلام الله يفتح الماضي والحاضر نحو المستقبل([800]).
وهكذا يتجلى لنا من خلال كتابات الصدر أن الانتظار الذي أكد عليه هو انتظار إيجابي يعتمد على الجهاد والاجتهاد أي العمل على بناء دولة إسلامية كمرحلة أولية؛ لتعجيل الظهور (ظهور الإمام المهدي عليه السلام وتحقيق الدولة الكونية)، كنظرة مستقبلية وقوة معبئة للشعوب الإسلامية في مسيرتها نحو المثل الأعلى.
هناك توتر في نفسية إنسان العالم الإسلامي تجاه الواقع الفاسد، وهذا ما ينتج عنه تطلع نحو ما يجب أن يكون، هذه ظاهرة ثابتة في ذهنية إنسان العالم الإسلامي. فليس الانتظار تخميناً ميتافيزيقياً مجرداً أو تنبؤاً وهمياً، بل هو موقف إيماني عقائدي ينتج عنه توقع يرتكز عن مقاربة المسألة، مسألة انتظار بقدر ما هي استعداد وتهيؤ لعصر الظهور بتدخل إنسان العالم الإسلامي في حركة التأريخ: الإنسان كفرد وكمجتمع وكأمة ودولة([801]).
إن المستقبل يخيف ويرعب أو يحمّس. إن موقف الحضارات من المستقبل يتأرجح بين الخوف والأمل والوهم والانتظار. لكن الانتظار في الحضارة الإسلامية ليس قابلاً لأي تأويل. الانتظار معناه أن المسلمين لا يتحركون نحو المجهول على غرار الحضارات الأخرى، بل يعرفون أين يتجهون ونحو أية غاية يتحرك التأريخ.
7 ـ التقدم:
إن فكرة غاية التأريخ ملازمة لفكرة معنى التأريخ. فإحداهما تتضمن وجود الأخرى. يشبّه اشبنجلر الحضارة بالكائن الحي. هو يعتمد على النظرية العضوية لتحليل وتفسير حركة التأريخ من خلال مراحله والغاية التي يتجه نحوها. فالحضارة في نظر الفيلسوف كالكائن الحي: تولد، تنمو، تنحط ثم تموت. ويرى اشبنجلر (Spengler) أن الحضارة الغربية قد وصلت إلى مرحلتها النهائية. إنه «انحطاط الغرب» الذي يتماشى مع منطق التأريخ في رأي هذا الفيلسوف. أما توينبي (Toynbe, e) فيرى بدوره بأن كل حضارة تتحرك حسب مراحل طبيعية: البروز، النمو، الانحطاط والتفتت. فالحضارات التي تزول هي تلك التي لا تستطيع مجابهة التحديات، التي يطرحها التأريخ أمامها وتطرحها الطبيعة. فالحضارات التي تبقى على قيد الحياة هي التي تستطيع مجابهة التحديات.
إن هذه الرؤى إلى التأريخ تعترف، على العموم، بتداول الحضارات. ولكنها تبقى ـ على الرغم من ذلك ـ رؤى محجوزة داخل التأريخ. هي ظواهر تاريخية تتأثر إلى حد كبير إلى أقصى درجة بالمرحلة التأريخية، التي عاش فيها أصحابها كما أشرنا فيما سبق.
معنى التأريخ عند الصدر
وهنا يتجلى لنا بوضوح الطرح الفلسفي للتاريخ عند الصدر وما يتميز به عن سائر الأطروحات الأخرى. فمعنى التأريخ كما يطرحه الصدر ليس مجرد ظاهرة تاريخية (انعكاس لظروف المرحلة التأريخية)، بل يتمتع مفهوم معنى التأريخ عند الصدر بمقومات تحرره من ذاتية المؤرخ ومن ذاتية أو نسبية المرحلة التأريخية؛ لأن معنى التأريخ في الرؤية الإسلامية مصدره القرآن الكريم. ففلسفة التأريخ هنا تعتمد على إطار تنظيري عام يقدمه القرآن الكريم، ويمنع الرؤية إلى التأريخ من الانحراف، كما يمنع الأمة من الخضوع للأمر الواقع أي لواقع المرحلة التأريخية الفاسد كالانحطاط والتخلف والتبعية.
نقاط الاتفاق والافتراق
لا شك أن الصدر يلتقي مع فلسفات التأريخ الغربية التي ترى بأن العصر الذهبي يوجد أمامنا في المستقبل. فالبشرية تتحرك وتتقدم نحو العصر الذهبي. (مع العلم بأن فلسفات التقدم المتفائلة والتي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد حلّت محلها فلسفة للتاريخ متشائمة نتيجة للاصطدام بالواقع: الحرب العالمية الأولى والثانية والاستغلال والتلوث … الخ) غير أن مفهوم التقدم عند الصدر يختلف عن مفهوم التقدم عند فلاسفة الغرب فالنظرة الغربية إلى التقدم تتأرجح بين القول بأن حركة التأريخ تتجه نحو تحرير الإنسان كفرد (الرأسمالية) أو تحرير الإنسان كمجتمع (الاشتراكية). وهذه الرؤية ـ على العموم ـ لا تفتح التقدم على أبعاد روحية، بل تطرح مشكلة التقدم طرحاً ناقصاً؛ لأنها لم تعالج حركة التأريخ ومعناه إلا من جانب واحد هو الجانب المادي أو الجانب الفردي على حساب الجانب الاجتماعي أو العكس.
في حين أن الرؤية الإسلامية إلى التقدم التي صاغها الصدر هي رؤية شمولية تنظر إلى الحياة الإنسانية في كل جوانبها المادية والروحية الفردية والاجتماعية.
مصدر فكرة الخلاص
إن فكرة النظرة المستقبلية وما يلازمها من حالات مثالية تتمثل في فكرة الخلاص، هي فكرة تستمد مصدرها من الديانات السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام). مع العلم بأن الإسلام أكمل الديانات السابقة عليه وتجاوزها من حيث إنه الديانة الخاتمة والكونية. فكرة الخلاص نجدها بصورة مختلفة في فلسفات التأريخ المؤسسة على النظرة المادية إلى الكون مثل الماركسية. فماركس قد تنبأ بتحرر البشرية من كل أنواع الاستلاب. لكن هذا الخلاص ليس مصدره متعالياً على التأريخ. فماركس أسس التحرر من الاستلاب والوصول إلى المجتمع المثالي، أسس، كل ذلك على قوانين التأريخ.
من يصنع التأريخ؟
أما التقدم عند هيجل فهو عبارة عن حركة جدلية نحو المجهول على اعتبار أن الذين يصنعون التأريخ لا يعرفون اتجاهه، بل لا يعرفون أنهم يساهمون في صنع التأريخ. وهذا عكس الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر حيث يرى أن المسلمين يستوعبون حركة التأريخ بفضل معالم هذه الحركة: انتصار الحق على الباطل، وعد الله بنصر المؤمنين، ظهور الإمام المهدي وتشييد الدولة الإسلامية الكونية.
وهذا لا يعني أن معنى التأريخ لا يظهر إلا في نهاية التأريخ. فكل جيل قيمته في ذاته وله دوره في حركة التاريخ؛ لأن فكرة الجزاء تعم كل الأجيال وليست خاصة بجيل معين([802]). فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ تختلف عن نظريات التقدم في الغرب، التي ترى في الأجيال السابقة مجرد وسيلة للوصول إلى الأجيال اللاحقة أجيال الحداثة والتقدم.
التبرير
لقد انتقد الصدر الفلسفة نقداً جذرياً؛ لذلك رفض فلسفات التأريخ الغربية والفكر السياسي المرتبط بها. وهي فلسفات تعتبر أن للواقع وللمعقول هويةً واحدةً، وأن هذه الهوية هي أعلى ما وصلت إليه العقلانية. خاصة عند هيجل الذي يرى أن كل واقعي معقول وكل معقول واقعي. فهذه الفلسفة تبرر منطَقة الدولة باسم منطق التأريخ. وتنتهي ـ تبعاً لذلك ـ إلى تبرير الامر الواقع. في حين أن الصدر لا يبرر الدولة باسم التأريخ، بل يبرر الدولة باسم الشرع وباسم التأريخ الذي يتحرك في الخط الرسالي.
مراحل التأريخ عند الصدر
وقد تناول الصدر مشكلة مراحل حركة التأريخ بالتحليل، حيث يرى أن البشرية مرت بمرحلة أولية تسمى مرحلة الحضانة (آدم وحواء ونزولهما إلى الأرض)، ثم مرحلة الفطرة أو الوحدة (عدم وجود الاختلاف بين الناس) حيث كانت الحياة بسيطة مبنية على الفطرة، ومرحلة الاختلاف نتيجة لتعقد الحياة الاجتماعية، وتضارب المصالح بين الفرد والمجتمع وبين المجتمعات بعضها مع بعض. ويذهب الصدر عكس ما ذهب إليه ماركس، عندما رأى هذا الأخير أن الأساس المادي في حياة الإنسان (تطور وسائل الإنتاج) هو المحرك للتاريخ وهو الذي يؤثر في الطبيعة البشرية. فالصدر يرى بأن الطبيعة البشرية المتمثلة في الإمكانيات الفكرية والقيمية هي التي أثرت في تطور وسائل الإنتاج.
حركة التأريخ والعلاقة الثلاثية للإنسان
ويرى الصدر أن حركة التأريخ تخضع لعلاقات ثلاث هي: علاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وعلاقة الإنسان بالله. وهذه العلاقات تعتبر كلها من سنن الله في الكون. إن علاقة الإنسان بالله هي التي تجعله كائناً مندمجاً في الطبيعة وفي المجتمع ومتعالياً عليهما في نفس الوقت بصفته خليفة لله في الطبيعة وفي الأرض؛ لذلك يرى الصدر أن الإنسان هو العنصر الرئيسي في حركة التأريخ، وأن التأريخ يستمد معناه من علاقة الإنسان بالله وهي علاقة تنتج عنها عقلانية صارمة: إله واحد، وبشرية واحدة، ومصير واحد: اتجاه التأريخ نحو غاية إلهية. لكن الصدر لا يهمل دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في حركة التأريخ. فهذه العوامل أساسية وضرورية لإحداث التغيير ولكنها ليست كافية. فالإنسان لا يستطيع تغيير أوضاعه إذا كان لا يستطيع أن يتعالى على هذه الأوضاع. أي إذا كان خاضعاً لحتمية مطلقة. فالإنسان خليفة لله في الأرض. أي له القدرة على تجاوز العوائق بما يملك من جوانب روحية وعقلية تجعله يتطلع إلى ما يجب أن يكون، إلى «المثل الأعلى» كباعث رئيسي لحركة التأريخ. إن التطلع إلى المثل الأعلى حالة طبيعية في الإنسان إلى جانب كونه بعداً عقائدياً حيث إن التطلع إلى غير الله شرك ومتناقض مع الفطرة كما يرى الصدر. لكن هناك مثلاً «عُليا» مختلفة. هناك أيضاً مثل «عليا» مزيفة تشكل عائقاً أمام حركة التأريخ؛ لأن إطلاقيتها مزيفة. وهناك المثل الأعلى الحقيقي (الله تعالى) الذي يفتح أمام التأريخ حركة لا نهاية لها.
علاقة الإنسان بالمثل الأعلى
ويرى الصدر أن علاقة الإنسان بالمثل الأعلى تكون واعية أو غير واعية. فإذا كانت واعية فإنها تكون علاقة تعبدية. أي علاقة مبنية على تحرك مسؤول نحو الله([803]) وإذا كانت هذه العلاقة غير واعية فإنها تنتج تحركاً غير مسؤول. فالحركة المبنية على الوعي والمسؤولية تعجّل حركة التأريخ، هي عملية تشريعية لإحداث التغيير الذي يقود إلى النهضة وإلى تقدم لا نهاية له.
غير أن حركة التأريخ نحو المثل الأعلى ليست حركة خطية أي ليست تقدماً خطياً، بل هذه الحركة هي، في نظر الصدر، حركة لولبية صاعدة نحو الله. هناك تقدم خطي إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية ككل. ولكن خطية هذا التقدم ليست متواصلة، فحركة التأريخ تتعرض للصعود والهبوط لأن هناك انحرافات نتيجة لاتباع البشرية (مُثُلاً) مزيفة تشكل عائقاً أمام حركة التأريخ. وهنا يأتي الإمداد الغيبي عن طريق الرسالات السماوية، التي تهدي البشرية وتوجهها نحو المثل الأعلى الحقيقي. الرسالة الخاتمة (الإسلام) أتت لتكمل كل الرسالات السابقة ولتوجيه البشرية من جديد نحو المثل الأعلى.
لكن كمال الرسالة الخاتمة وشموليتها لم يمنع من وقوع انحرافات بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فحركة الأمة الإسلامية عبر التأريخ تعرضت، وما تزال، إلى صور مختلفة من الابتعاد والانحراف عن الخط الرسالي؛ لذلك سترتبط الرسالة الإسلامية مع التأريخ ارتباطاً مبنياً على العصمة مع ظهور الإمام المهدي عليه السلام؛ لتتجه البشرية اتجاهاً رسالياً نحو المثل الأعلى.
فكرة التغيير
ومن هنا يرى الصدر أن فكرة التغيير (تغيير الأوضاع الفاسدة المبنية على الظلم) ذات اتجاهين: اتجاه يسعى إلى تغيير الجانب المادي الملازم للأنظمة المستبدة، واتجاه يسعى إلى تحقيق صفات الله في الحياة الإنسانية ـ تحقيقاً نسبياً طبعاً ـ كالعدل والمساواة والعلم والقدرة. إن هذا الاتجاه الأخير ذو مصدر إلهي يحمل متطلبات التغيير وقيمه من موقع متعالٍ على التأريخ؛ لذلك فإن هذا الاتجاه وحده هو القادر على جعل حركة التأريخ تتجه نحو المثل الأعلى الحقيقي. ومنهج التغيير في الاتجاه لا يعتمد على إزالة التناقضات الاجتماعية بل يتجه إلى عمق هذه التناقضات في ذات الإنسان. فهو يحاول إزالة التناقض الداخلي للإنسان. فعملية تغيير التأريخ تبدأ من الذات لتنتهي إلى المجتمع لإزالة كل أنواع الاستغلال والاستلاب([804]).
التغيير وارتباطه بالآخرة
وهذه نقطة اختلاف مع الفكر الغربي كما يتجلى عند فوكوياما في هذه الأيام. فهذا الأخير يبني حركة التأريخ على الرغبة في الاعتراف أو التيموس (الفكرة أخذها فوكوياما من فلسفة كل من أفلاطون وهيجل ثم طورها). فالرغبة في الاعتراف هي التي تجعل الأفراد يقومون بالأعمال التي لا يستفيدون منها بصورة فردية ومباشرة. إن الرغبة في الاعتراف تتخذ معنى آخر في نظر الصدر عندما تربط بمعنى الكون والحياة. إن معنى الوجود هو الذي يبرر تضحية الفرد في سبيل المجتمع (من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر).
فالتناقض بين المصلحة الفردية والمصلحة الاجتاماعية يزول عن طريق إيمان الإنسان بأن حياته لا تنتهي بالموت الجسدي. فهناك الجزاء الأُخروي. وهكذا يكشف الصدر عن البعد التغييري والثوري للبعث. فكرة البعث وما يرتبط بها من مفاهيم وقيم كالجهاد والعمل الصالح وتقوى الله تتجاوز بصورة جذرية الإطار النفعي الضيق لفكرة التيموس (الرغبة في الاعتراف).
لذلك فتغيير العالم فكرة ملازمة لفهم العالم في نظر الصدر. يقول غالب حسن: «فهو (اي الصدر) قد تجاوز (هيجل) باتجاه (ماركس)، واستوعب (ماركس) باتجاه (هيجل). ولكن لا على أساس الجمع التلفيقي المفتعل وإنما برؤية شاملة نابعة من ذكائه المفرط ومنغمسة بحرارة إيمان…» ([805]).
البرهان بالمستقبل
إن كل فلسفات التأريخ تتشكل انطلاقاً من خلفية: هي معنى التأريخ. هذه الخلفية هي في الحقيقة نوع من البرهان بالمستقبل على اعتبار أن معنى التأريخ يتحدد في أكثر جوانبه بالغاية التي يسعى نحوها التأريخ. وقد كان هذا البرهان بالمستقبل، وما يزال، وسيلة لتبرير الاستبداد وقهر الشعوب.
فالاستعمار برر باسم تحضير الشعوب، والأنظمة الدكتاتورية في البلدان الاشتراكية بررت باسم زوال الطبقات في المستقبل.
لا شك أن الفكر الإسلامي يعتمد في تنظيره لفلسفة التأريخ على فكرة المستقبل وفكرة البرهان بالمستقبل. كوعد الله بنصر المؤمنين، وظهور الإمام المهدي، وانتصار الحق على الباطل. لكن البرهان بالمستقبل كما يطرحه الفكر الإسلامي وكما يطرحه الصدر على الخصوص ـ بالإضافة إلى أن هذا الطرح ليس مجرد ظاهرة تاريخية على غرار فلسفات التأريخ في الغرب، التي تتصور المستقبل حيث المرحلة التأريخية وظروفها، أي بالإضافة إلى المبررات المعرفية، التي يستمدها الطرح الإسلامي لدى الصدر من علاقة التأريخ بالغيب أو بالتعالي، فإن البرهان بالمستقبل في رؤية الصدر إلى التأريخ لا يطرح مشكلة مصير الأجيال. ونعني بهذه الفكرة (كما أشرنا فيما سبق) أن كل فلسفات التأريخ الوضعية تعتبر الأجيال السابقة بالنسبة لغاية التأريخ أو نهايته، مجرد وسائل يستخدمها التأريخ لبلوغ غايته. في حين أن الرؤية الإسلامية كما تتجلى عند الصدر تربط كل الأجيال وكل الأفراد بالعمل الصالح وبالجزاء الأخروي. وهكذا فالأجيال ليست مجرد وسائل لتحقيق هدف التأريخ في المستقبل: بل لكل جيل غايته في ذاته جماعةً وفرداً، كما أن كل جيل يساهم في حركة التأريخ([806]).
تفنيد الطرح الغربي
لقد طرحت فلسفات التأريخ الغربية وحدة الإنسانية كموضوع للدراسة التأريخية وتبعاً لذلك وحدة التأريخ البشري وكونيته. ومعنى هذا أن حركة التأريخ تتبع اتجاهاً واحداً. فالمسألة مسألة سرعة أو بطء هذه الحركة من مجتمع إلى مجتمع آخر.
لقد انتقد الصدر هذه الكونية كما يطرحها فلاسفة التاريخ في الغرب، وذلك من خلال نقده للأنظمة السائدة في الغرب (النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي) وطرحه للبديل الإسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والحضاري على العموم. وهو بديل يرفض النظامين الاشتراكي والرأسمالي معاً. وهو رفض مبني على رؤية إلى التأريخ تختلف عن الرؤية الغربية([807]). وكل هذا يدل على أن الصدر قد كسر ثنائية القديم والجديد التي تتضمنها الرؤية الغربية إلى التأريخ خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهي ثنائية تتحدد بالرجوع إلى تاريخ الغرب بعاداته وقيمه وخصوصيته على العموم؛ لتجعله تاريخاً كونياً يجب على كل الشعوب أن تندمج في مساره وتتبع اتجاهه مرحلة بعد مرحلة.
لقد طرح الصدر مشكلة التحقيق طرحاً جديداً أدى إلى إعادة النظر من الناحية الفلسفية في إشكالية التنمية والتقدم في العالم الإسلامي.
التحقيب
إن التخلف، في نظر الصدر، لا يمثل مرحلة تاريخية سابقة على التنمية، بل يرجع التخلف إلى منطق استعماري للعلاقة بين البلدان المتخلفة والبلدان المتقدمة. وهكذا فتحقيب الفلسفة الغربية للتاريخ ليس تحقيباً كونياً؛ لأنه مجرد انعكاس لتاريخ الغرب على العموم، أي لفلسفة التأريخ كظاهرة تاريخية ولتاريخ الغرب كتاريخ منقطع عن الغيب([808]). في حين أن التحقيب في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ ينطلق من مرجعية تشكل محور التأريخ: الرسالة الإسلامية الخاتمة والكونية وما ينتج عنها من خط رسالي (الإمامة). والخط المضاد له: الخط المنحرف (الملك).
فكل حقب التأريخ ومراحله تحدد، عند الصدر، في سياق الخط الرسالي والخط المنحرف؛ لذلك فهناك معالم الخط الرسالي: صفين، كربلاء، الغيبة، الثورة الإسلامية في إيران، الظهور (ظهور الإمام المهدي عليه السلام)، وعودة الأمة الإسلامية إلى الريادة عن طريق الدولة الإسلامية الكونية. وهناك معالم الخط المنحرف: الملك، الدولة القومية، التخلف، التبعية للغرب([809]).
مفهوم التقدم
هكذا جعل الصدر مفهوم التقدم كما يطرحه الفكر الغربي مفهوماً نسبياً. فالصدر قد نسف عن طريق هذا التحليل النقدي كونية مفهوم التقدم كما تطرحه فلسفات التأريخ في الغرب.
أراد الصدر أن يطرح تصوراً جديداً يُربط بمعنى الوجود اي برؤية كلية تربط المادي بالروحي. وذلك ليتجاوز عن طريق هذا الطرح أزمة الفكر الغربي، وهي أزمة وصلت إلى حد الشك في حقيقة التقدم نتيجة لغياب معنى الوجود. وهو غياب أدى إلى العدمية والعبث (كمقولات فلسفية) وما ينتج عنهما من نظرة مأساوية وعبثية لحركة التأريخ.
فالصدر أعاد صياغة مفهوم التقدم بصورة جذرية، وأعاد صياغة نتائج هذا المفهوم وأبعاده كالتنمية والحداثة والقومية والكونية ومعنى التأريخ، من موقع نقدي وفي أفق طرح البديل الحضاري الإسلامي.
التقدم والغاية
فالصدر عندما يحلل مفهوم التقدم لا يربطه بالوسائل فقط، بل يربط التقدم بالغاية التي تتجه نحوها حركة التأريخ. فهو يرى أنه لا يمكن الحديث عن التقدم دون طرح مشكلة الغاية أو معنى التأريخ؛ لذلك طرح الصدر مشكلة التنمية في إطار يتجاوز التحولات الاقتصادية والاجتماعية: طرح مشكلة التنمية كنهضة حضارية تعيد الأمة الإسلامية إلى مسرح التأريخ.
التقدم والوسائل
لقد ظهر مفهوم التنمية بعد الحرب العالمية الثانية كنمط تكنولوجي واقتصادي للتقدم. فالاقتصاد في هذه الرؤية للتنمية هو العامل الضروري والكافي للتقدم.
لقد كذّب الواقع هذه الرؤية حيث أدت هذه الأخيرة ـ عندما طبّقت ـ إلى أزمة مفهوم التقدم، التي هي أزمة النظرة المستقبلة، التي تعتمد على التكنولوجيا والاقتصاد كعوامل رئيسية وكافية لحركة التأريخ. إن أزمة التقدم ليست خاصة بالبلدان المتقدمة بل تشمل كذلك وبصورة مأساوية البلدان المتخلفة. فهذه الأخيرة اعتمدت على أنماط تنموية جاهزة (النمط الاشتراكي والنمط الراسمالي) انتهت بها إلى الفشل وإلى التبعية.
أما في البلدان المتقدمة فقد شملت هذه الأزمة البلدان الاشتراكية حيث زال هذا النظام. كما أنها شملت البلدان الرأسمالية، التي لم تعد تؤمن بحتمية تاريخية تدفع بالبشرية نحو مستقبل زاهر([810]).
مفهوم التنمية عند الصدر
وهنا تظهر أهمية طرح الصدر للنموذج الحضاري الإسلامي البديل من خلال تحليله (أي الصدر) لمفهوم التنمية وعلاقته بالتقدم وبمعنى التأريخ. فالصدر لم ينف العامل المادي في عملية التنمية ولكن ربطه بالجانب الروحي، فأصبحت العملية التنموية جهاداً لتحقيق خلافة الإنسان لله في الأرض من خلال التطلع إلى المثل الأعلى([811]).
فمن هذا المنظور انتقد الصدر كلاًّ من النظامين الاشتراكي والرأسمالي كنموذجين للتنمية. فهو يرى بأنهما لا يصلحان في العالم الإسلامي كطريقين للخروج من التخلف. اعتمد الصدر في تحليله ونقده لنموذج التنمية والتقدم الغربي على الحقل النظري الذي أنتج الفكر الغربي. وهو حقل له خصوصيته (عوامل تاريخية واجتماعية ونفسية وثقافية) لذلك لا يمكن تعميمه على كل الشعوب([812]). هذا يقطع النظر عن اعتماد النموذج الغربي للتقدم على رؤية مادية للكون والإنسان.
إن نقد الصدر لنموذج التنمية الغربي وطرح البديل الإسلامي هو، في الحقيقة، رفض للرؤية الخطية إلى التقدم. وهي رؤية قسمت شعوب العالم إلى قسمين: شعوب متقدمة (الغرب) وشعوب متأخرة يجب أن تتبع نفس المسار التاريخي الغربي للتقدم.
وهكذا أعاد الصدر صياغة مفهوم التقدم بصورة جذرية، موضحاً بأن البديل الإسلامي لمعنى التأريخ وللتقدم المرتبط به ليس بديلاً؛ لأنه موحى في مصدره وشكله العام وأهدافه، بل هو كذلك ظاهرة تاريخية كذلك ستفرضها حركة التأريخ كمخرج وحل لأزمة الحضارة وأزمة الإنسان في الغرب.
موقف عقلاني
وهكذا يتجلى مما تقدم أن نقد الرؤية الغربية للتقدم لا يعني اتخاذ موقف مضاد للكونية ولحركة التأريخ، واللجوء إلى الأساطير واللامعقول أو الظلامية على حد تعبير المحدثين في العالم الإسلامي. فالصدر انتقد العقلانية التي ترتكز عليها فلسفة التأريخ في الغرب انطلاقاً من عقلانية تستمد جوهرها من الإسلام، وهي عقلانية مفتوحة للتطور ولحركة التأريخ بسبب انفتاحها على الغيب أي على المطلق. إن نقد الرؤية الغربية إلى التقدم لا يعني إذاً نفي التقدم. فالصدر يؤكد على مفهوم التقدم كعنصر جوهري لمعنى التأريخ. فالتقدم في نظر الصدر ليس قانوناً للصيرورة أو سنة من سنن الله فحسب بل هو عبادة؛ لأنه يعبر عن علاقة الإنسان بالمثل الأعلى (الله).
8 ـ نهاية التأريخ:
لذلك جاء طرح الصدر لفلسفة التأريخ كطرح نقدي لهيجل وماركس ـ وبصورة مسبقة ـ لمقولة نهاية التأريخ عند فرانسيس فوكوياما. لقد أثار كتاب فوكوياما حول نهاية التأريخ جملة من المسائل التي تحتاج إلى نقاش واسع من قبل المفكرين المسلمين ومفكري البلدان المتخلفة على العموم لما لها من علاقة بمصير البشرية كلها.
فالمسائل التي أثارها فوكوياما تحتاج إلى تحليل عميق مبني على الاستيعاب والنقد والرفض المبني على النقد لا على ردود الفعل الانفعالية([813]).
فكرة فوكوياما
نشر فوكوياما مقالة بعنوان: نهاية التأريخ (نهاية الإنسان) بمجلة (National Interest) سنة 1989م. ثم كتاب نهاية التأريخ سنة 1992م. خلاصة هذا الكتاب توجد في مقدمته حيث يرى فوكوياما بأن نهاية التأريخ لا تعني نهاية الحوادث بل تعني نهاية الصراعات الإيديولوجية؛ لأن الديمقراطية الليبرالية أصبحت تمثل منتهى تطور الإيديولوجيات والأنظمة السياسية. فهي معنى التأريخ([814]).
لا شك أن المقارنة بين الصدر وفوكوياما تبدو غريبة لكون الصدر استشهد في سنة 1980م وفوكوياما كتب حول نهاية التأريخ ابتداءً من سنة 1989م. لكن فكر الصدر ليس فكراً ظرفياً بل هو فكر يستوعب التأريخ؛ لأنه يعتمد على مرجعية خارج التأريخ كما أشرنا في الفصل الأول من هذا البحث؛ لذلك تجاوزت التصورات المستقبلية عند الصدر مجرد التوقع المبني على الفرضيات، التي تحتمل الصواب والخطأ إلى الانتظار انطلاقاً من أحكام شرعية ومبادئ ومفاهيم استكشافية مصدرها القرآن الكريم والسنة الشريفة.
حقيقة الفكرة وخطؤها القاتل
إن مقولة نهاية التأريخ كما يطرحها فوكوياما هي محاولة لإعادة صياغة حضارية جديدة للمشروع الاستعماري الغربي القائم على الاستقطاب الأحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي. وهذا يعني أن تصورات الغرب وصلت عن طريق كتاب فوكوياما إلى أعلى درجة من الطغيان، إلى درجة أن وجود الثقافات الأخرى يصبح مجرد وجود عرضي. ففوكوياما لا يترك أي مبرر لوجود الحضارة الإسلامية. فهو، على غرار أكثر المفكرين الغربيين، لم يتحرر من رواسب الفكر الكنسي الوسطي الذي كان عائقاً أمام التقدم العالمي. فوكوياما بقي سجيناً لمقولة التناقض بين الدين والعلم، والدين وتقدم الحضارات. مع أن الموقف العلمي يقتضي، منهجياً، عدم التسرع في التعميم، وربط العلاقة بين الدين والعلم من خلال مبدأ الحقل النظري كأداة إبستمولوجية يتم انطلاقاً منها كل تحليل جدير بالبحث العلمي.
علمية الصدر
هذا الموقف العلمي (والأخلاقي معاً) نجده عند الصدر. فهو في تحليله لعلاقة الفكر الإسلامي بالفكر الغربي رفع هذا التحليل إلى مستوى الإشكالية الفلسفية المعتمدة على مفاهيم كأدوات للبحث، وهي مفاهيم تعتمد على الحقل النظري من حضارة إلى أخرى. ولذلك قدّم الصدر أُطروحة «إنسان العالم الإسلامي» مقابل «الإنسان الأوروبي» أو «تجربة الإنسان الأوروبي»([815]) لا من موقع الكراهية أو النوايا المسبقة كما يتجلى في بعض جوانب كتاب فوكوياما، بل من موقع اختلاف الظروف الاجتماعية والتأريخية والقيمية من مجتمع إلى آخر، وهذا بقطع النظر عن كونية الإسلام.
نقد فوكوياما بالأدوات الصدرية
يمكن، بالاعتماد على كتابات الصدر، نقد أُطروحات فوكوياما. وكتابات الصدر لا تقف عند حدود النقد فحسب بل تتجاوزه لتقدم تصوراً جديداً للعلاقة بين الشعوب والحضارات. وهي علاقة مبنية على «التعارف» بدلاً من الإقصاء والتمركز على الذات، والنظر إلى الشعوب الأخرى من موقع العقلانية الاستعلائية. إذا كانت مقولة نهاية التأريخ عند فوكوياما تدل على ركود حركة التأريخ وتوقفها داخل علاقة الإنتاج والاستهلاك نظراً إلى عدم وجود نموذج بديل عن الديمقراطية الليبرالية (في نظر فوكوياما) القائمة على الملكية الخاصة والسوق الحرة. فإن الأمر على العكس تماماً عند الصدر. فنهاية التأريخ تدل عنده على نهاية تاريخ النموذج الحضاري المنقطع عن الله، ودخول النموذج الحضاري المرتبط بالله إلى التأريخ. وهنا تزداد حركة التأريخ قوة على اعتبار أن النسبي ارتبط بالمطلق. أي ربط التأريخ بالغيب (التعالي أو المثل الأعلى).
معنى نهاية التأريخ عند الصدر
فنهاية التأريخ تعني إذاً عند الصدر، عودة سلطة الوحي التي ستشكل من جديد حضارة الوحي مقابل الحضارة الوضعية. وهذه العودة ستقلب كل المعادلات خاصة معادلة القوة والضعف والعلاقة بين المستضعفين والمستكبرين. حيث إن نصر الله للمستضعفين هو في الحقيقة طرح لإشكالية العلاقة بين التأريخ والتعالي، وبين الرؤية التأريخية المبنية على التاريخانية.
نهاية التأريخ أم نهاية الدولة الوضعية
فنهاية التأريخ تعبر عن نهاية الدولة الوضعية وأسسها المعرفية، التي ترتكز عليها، ونهاية أبعادها السياسية والاجتماعية والحضارية.
إن هذه المقولة (نهاية التأريخ) تعبر عن أزمة الفكر الغربي. أزمة لم يسبق لها مثيل. ويرى الصدر أن هذه الأزمة لا يمكن أن تجد حلولها في الفكر الغربي؛ لأن هذا الأخير قد استنفد طاقاته. إن الحل يكمن في الموقف الذي يسعى إلى تغيير معالم الحياة الحضارية الراهنة تغييراً جذرياً عن طريق إعادة النظر في الأطر المعرفية، التي ترتكز عليها الحضارة الغربية. وهذا سيؤدي بدوره إلى إعادة النظر في بنية النظام الدولي، وفي علاقة البلدان المتخلفة مع البلدان الغنية. ويرى الصدر أن هذه الانتقادات العميقة والجذرية للفكر الغربي لا توجد إلا في النموذج الحضاري الإسلامي البديل.
التعارف بل الإقصاء
والقيم الثابتة بدل المصالح الثابتة
وهكذا فإن مقولة نهاية التأريخ ذات انعكاسات مباشرة على الرؤية الإسلامية. فهي مثلاً تصطدم بمفهوم الأمة. الأمة الإسلامية مبنية على التعارف أي على تفاعل الثقافات لا على الإقصاء. وهذا ينعكس سياسياً واقتصادياً وحضارياً على العلاقات الدولية. هذه الأخيرة مبنية ـ في نظر الإسلام ـ على قيم ثابتة لا على المصالح الثابتة كما هو الأمر بالنسبة للغرب، الذي يدعم تفوقه على الشعوب واستغلالها، يدعم هذا التفوق فلسفياً عن طريق مقولة نهاية التأريخ.
عقلانية قيمية لا عقلانية استعلائية
إنه من الصعب ضبط عقلانية الفكر الغربي معرفياً؛ لأنها عقلانية نفعية استعلائية لا تخضع لثوابت معرفية وقيمية، بل هذه الأخيرة (المعرفة والقيم) هي التي تخضع لمتطلبات المنفعة أي متطلبات ثقافة الاستهلاك المبنية على العقل الأداتي البرجماتي([816]). لكن حركة التأريخ لا تجعل الباطل حقاً والحق باطلاً. خاصة بالنسبة للرؤية الإسلامية إلى التأريخ حيث إن هذا الأخير لا يكفي نفسه بنفسه ولا يمثل الحقيقة المطلقة.
(نهاية التأريخ)
فكرة قديمة جديدة
إن الغرب قبل سقوط المعسكر الاشتراكي كان يفرض نفسه كنهاية للتاريخ؛ لأن هناك أسساً وقيماً مشتركة للفكر الغربي رغم انقسامه إلى نظام رأسمالي ونظام اشتراكي. فمقولة نهاية التأريخ ليست جديدة. وهذا ما كان يراه الصدر من خلال نقده للنظامين معاً الاشتراكي والرأسمالي.
إن ما هو جديد الآن هو أن هذه المقولة انتقلت من تدعيم الاستقطاب المزدوج إلى الاستقطاب الأحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي.
تحليل الصدر
لواقع المسلمين
عندما نحلل الفكر السياسي لدى الصدر يتجلى لنا بأن الشعوب الإسلامية تبحث عن ذاتها من خلال نفي كل القيم السياسية المرتبطة بتاريخ الأمة المزيف. أي المرتبط بالسلطان القاهر والمستبد العادل من جهة، ومن خلال رفض العلمانية بأطروحاتها القائمة على فصل الدين عن السياسة.
إن المرحلة التأريخية التي نعيشها تدعم هذه الفكرة، وتبين بأن الديمقراطية الليبرالية ليست حقيقة تاريخية يجب على كل شعوب العالم أن تتبناها، بقدر ما هي وسيلة لتعبر الشعوب الإسلامية من خلالها عن عودتها إلى ذاتها أي إلى النموذج الحضاري الإسلامي.
فالشعوب الإسلامية تتطلع إلى تجسيد مبدأ الإسلام دين ودولة وهو المبدأ الذي بفضله يكتشف المسلمون الروابط بين الواقع المعاش وعلم الغيب. أي الروابط بين الواقع والمثل الأعلى.
هذا المبدأ (دين ودولة) هو وحده القادر على مجابهة مقولة نهاية التأريخ. أي مجابهة القطبية الأحادية وطرح البديل الحضاري الإسلامي. فالنموذج الحضاري الإسلامي يمثل ـ في جوهره ـ حقيقة فوق تصور البشر؛ لأنها حقيقة التعالي على التأريخ وترتبط به في نفس الوقت؛ لذلك تبقى الصيرورة التأريخية مستمرة بحكم علاقة الواقع بالمثل الأعلى أي علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب.
مبدأ (دين ودولة) والصيرورة التأريخية
إن هذا الإطار الشرعي والمعرفي لا يجعل الفكر الإسلامي يستوعب إيجابيات الديمقراطية فحسب، بل يتجاوز الديمقراطية بمفهومها الغربي ليعطيها بعداً روحياً بتأسيسها على قيم ومبادئ إلهية وتوجيهها إلى أهداف إلهية. هذه المعاني كلها يتضمنها مفهوم خلافة الإنسان وخلافة الأمة وشهادتها؛ لذلك يستحيل ـ انطلاقاً من هذه الرؤية ـ القول بوجود نهاية للتاريخ بالمعنى الذي يطرحه الفكر الغربي من هيجل إلى فوكوياما. أي نهاية التأريخ باستنفاد النموذج الحضاري كل طاقاته. فالصدر عندما يتكلم عن ظهور الإمام المهدي عليه السلام لا يضع نهاية للتاريخ بل على العكس إن «الظهور» هو الذي يحقق علاقة النموذج الحضاري الإسلامي بالمثل الأعلى، ويدفع بالصيرورة التأريخية نحو الأهداف اللانهائية([817]).
ومعنى هذا أن النظام الديمقراطي الليبرالي منظوراً إليه من زاوية نهاية التأريخ ـ كما يطرحها فوكوياما ـ تبقى فعاليته محصورة في الإنتاج والاستهلاك؛ لذلك، وهذا ما يؤيده فوكوياما نفسه، يصبح الإنسان الغربي هو الإنسان الأخير. أما بالنسبة للصدر فالإنسان يمارس، كخليفة لله في الأرض، مسؤولية يتكامل فيها الجانب المادي مع الجانب الروحي. وهذا ما يجعله منفتحاً على صيرورة لا نهاية لها.
إن فوكوياما بدلاً من جعل سقوط الماركسية محطة للتقييم والمراجعة ، فبدلاً من ذلك استجاب استجابة ظرفية وتمجيدية. فنهاية التأريخ من هذا المنظور تعتبر نهاية للعقلانية الوضعية.
الأساس المعرفي لمشكلة (نهاية التأريخ)
إن التمركز الثقافي على الذات الذي مارسه الغرب شكّل الخلفية الفكرية التي أنتجت نهايات التأريخ (أ. كونت، هيجل، ماركس، فوكوياما). إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ لا تنزع إلى نهاية التأريخ بهذا المفهوم المغلق الذي يصل بالإنسانية إلى أعلى درجة من درجات الاستلاب. فنظرية المعرفة التي تعتمد عليها فلسفة التأريخ الإسلامية (وهي نظرية ترفض التاريخانية وتتشكل خارج الرؤية المادية إلى الكون والإنسان والتأريخ) هي نظرية للمعرفة تتجه إلى تأسيس المجتمع الكوني (الأمة الإسلامية) المتناقض جذرياً مع الاستقطاب الحضاري المبني على الانغلاق على الذات ونفي الآخر. فلسفة التأريخ المؤسسة على هذه النظرية للمعرفة تلغي الثنائية الحضارية (شرق ـ غرب) وتركز على التفاعل بين الحضارات والأعراق لتأسيس مجتمع الوحدة الحضارية الكونية: الأمة.
المفاهيم الإسلامية هي الحل
هذه الرؤية تختلف عن الرؤية الغربية كما تتجلى في فلسفة التأريخ عند كل من هيجل وماركس وفوكوياما. فكل هؤلاء الفلاسفة ألغوا الحضارات الأخرى. وحتى لو لم يلغها بعضهم فإنهم جعلوها كحضارات محلية أو حضارات دنيا بالقياس إلى الحضارة النموذجية التي يتجه التأريخ إلى تحقيقها وهي الحضارية الغربية. غير أن منتهى الصيرورة المتمثل في الحضارة الغربية ليس من قبيل منتهى الصيرورة المتمثل في الأمة الإسلامية. كونية الحضارة الغربية مبنية على رفض الحضارات الأخرى وعلى التمركز على الذات. في حين أن الأمة الإسلامية التي تمثل الرسالة الخاتمة هي مجتمع مفتوح وفي تحقق مستمر. أي مجتمع مبني على التعارف والتفاعل مع الشعوب والحضارات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كانت المراحل السابقة لظهور الحضارة الغربية (حضارة نهاية التأريخ) كمجرد مراحل قد انتهت أدوارها؛ لأن دورها الوحيد أن تكون في الطريق المؤدي إلى النموذج النهائي (نهاية التأريخ)، فإن الأمر ليس كذلك عندما يطرح مفهوم الأمة في علاقته بحركة التأريخ. ويربط الصدر، في هذا السياق، الأمة بالرسالات. والرسالات ليست مرحلية بهذا المعنى في نظر الصدر، فالرسالة تختلف عن الدورة الحضارية. فهذه الأخيرة هي نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية وتاريخية. وقد تتضمن بعداً إلهياً إذا ساهم دين سماوي في ظهورها. وعلى العموم الدورة الحضارية مصدرها بشري في حين أن الرسالات مصدرها إلهي. مع العلم أن الرسالة لما تتمفصل مع التأريخ تخضع، بدورها وفي بعض جوانبها، للمؤثرات الاجتماعية والتأريخية([818]) غير أن تعدد الرسالات وتعاقبها يسعى ـ لحكمة إلهية ـ إلى غاية حضارية منفتحة على عالم الغيب؛ لذلك فالرسالات هي المنهج الإلهي الذي عن طريقه يجسد الإنسان خلافته لله في الأرض. في حين أن الحضارات قد تجسد الخلافة وقد تنحرف عن الخط الإلهي عندما لا تعتمد على رسالة سماوية، أو عندما تحرّف هذه الرسالة كما وقع للرسالات السابقة على الإسلام. وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة» الملازم لكونية الإسلام «الدين الحق». فالرسالات مراحل لتطور حركة البشرية عبر التأريخ. غير أن التطور يجب النظر إليه من خلال علاقة التأريخ بالتعالي (والرسالة نفسها هي الدليل الشرعي والتاريخي على هذه العلاقة).
ختم النبوة
وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة». هذا المفهوم لا يعني أن الرسالة نفدت إمكانياتها. بل على العكس فإن الرسالة الخاتمة تستقطب كل الرسالات السابقة وتتجاوزها. فالنهاية هنا لا تعني أن «النموذج» استنفد كل طاقاته وإمكانياته، بل العكس هو الصحيح. فالمفاهيم والقيم التي يستخرجها المسلمون من القرآن والسنة لا نهاية لها بحكم إلهية مصدرها. فهي مثل أعلى بالنسبة إلى حركة التأريخ([819]) إضافة إلى ما سبق فإن الرسالة الإسلامية تتميز «بالحفظ الإلهي» ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر، الآية: 9] فلا يصيب القرآن ما أصاب الكتب الأخرى من تحريف. الختم والحفظ متلازمان لأن الرسالة لا يمكن اعتبارها آخر رسالة إذا كان مصيرها التحريف، فعندئذ تقتضي العناية الإلهية نزول رسالة أخرى.
كونية الإسلام وفاعلية السنن
لقد عالج الصدر مشكلة كونية الإسلام من منظور شرعي وفلسفي. هو يرى أن الرسالة لا تتعالى على العوامل الاجتماعية والتأريخية. فالرسالة تخضع ـ رغم تعاليها ومصدرها الإلهي المباشر ـ إلى سنن الله في الكون؛ لذلك ظهر الخط المنحرف بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ويأتي دور الإمامة ليحافظ على كونية الرسالة أي يحافظ على الخط الرسالي. وهو ذلك الخط الذي يمثل علاقة الرسالة بالتاريخ من موقع متطلبات الرسالة (التأريخ والتعالي) لا من موقع متطلبات الواقع أو حركة التأريخ؛ لأن القيم ليس مصدرها الواقع أو التأريخ، نقصد هنا القيم الأخلاقية على العموم. أما إذا انتقلنا إلى علاقة الإسلام بالتاريخ فإن تعالي الدين على التاريخ أقوى من مجرد القيم الأخلاقية؛ لذلك لا يمكن القول من المنظور الإسلامي إلى التأريخ: بأن كل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
وهكذا، فإذا كانت نهاية التأريخ عند فوكوياما تؤدي بالبشرية إلى الارتخاء والملل([820]) فإنها عند الصدر تعبئ الإنسان وتدفعه إلى الجهاد (التطلع إلى المثل الأعلى) والاجتهاد (منطقة الفراغ) لتجسيد المشروع الحضاري الإسلامي.
فنهاية التأريخ من هذا المنظور ليست نقطة موجودة في المستقبل يتحرك التأريخ نحوها بصورة آلية. فنهاية التأريخ تتحقق عن طريق خلافة الإنسان. وهي (أي نهاية التأريخ) ليست منتجة للإنسان الأخير، كما يرى فوكوياما، بل هي منتجة لإنسان العالم الإسلامي الذي يربط الأرض بالسماء، وعالم الشهادة بعالم الغيب. إن انتظار المستقبل الموعود هو تطلع وتوتر وجهاد ومعاناة تأريخية.
الرؤية الإسلامية لنهاية التأريخ
إن نهاية التأريخ تؤثر في التأريخ، ولكنها ما زالت لم تصبح بعد تأريخية (أي لم تتحقق) تعتمد على مرجعية تتمثل في حادثين ذات مصدر إلهي: النبوة والإمامة. أي عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هيّأ المجتمع الإسلامي الصغير ليصبح مجتمعاً كونياً، ثم الإمامة وما انتهت إليه من غيبة صغرى وكبرى. فنهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية ترتكز إذن على حوادث قد وقعت في التأريخ. وهذا هو الفرق الجوهري من بين الفروق الأخرى بين نهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية وفي الرؤية الوضعية. فنهاية التأريخ في الرؤية الوضعية لا تعتمد إلا على تخمينات ميتافيزيقية مثل نظرية هيجل الذي أوّل حوادث التأريخ تأويلات مزيفة، أو على دراسة تطرح نفسها على أنها دراسة علمية، ولكنها لم تصل إلى هذا المستوى، وبقيت مجرد منظومة فكرية مجردة، أو نظرية مبنية على أفكار قبلية مثل نظرية ماركس، وأخيراً نظرية فوكوياما. أما نهاية التأريخ في المنظور الإسلامي الذي حلله الصدر فهي، في جزء كبير منها ورغم مصدرها الإلهي، ظاهرة تاريخية قد وقعت بالفعل؛ لذلك يتخذ «الانتظار» شكلاً آخر لدى المسلمين فهم ـ خلافاً للشعوب الأخرى المرتبطة بنهاية التاريخ ذات المصدر الوضعي لا ينتظرون حالة مجهولة كلياً وغريبة عن تجربتهم التأريخية. فنهاية التأريخ لا توجد خارج التأريخ رغم مصدرها الإلهي.
الرؤية الوضعية
يرى هيجل ثم فوكوياما من بعده بأن الثورة الفرنسية قد أنهت التأريخ وأكملته. لقد أراد هيجل أن يحلل التأريخ الحي كما هو في الواقع اليومي. فالمسألة صياغة مفاهيم مثل الذات والموضوع وروح العصر. بل المهم هو تصور ممارسة تأريخية، أي القيام بعملية تحليلية ومفاهيمية للتأريخ، وهو يتكون في الواقع الحي (كما وقع في عصر هيجل: الثورة الفرنسية، نابليون). ويرى هيجل بأن الثورة الفرنسية ونابليون قد وصلا إلى مستوى هذه الممارسة التأريخية.
لقد نشأ نابليون في التأريخ الذي أنشأته الثورة الفرنسية وأنهى هذا التأريخ في نفس الوقت. وفوكوياما قد صاغ، هو الآخر، رؤيته إلى التأريخ ومقولة نهاية التأريخ انطلاقاً من حوادث تاريخية، خاصة سقوط المعسكر الاشتراكي.
بين التأريخ وفيلسوف التأريخ
إذا جاز لنا أن نقوم بمقارنة، في هذا الميدان، (أي العلاقة بين فيلسوف التأريخ والتأريخ كما يتكون يومياً) بين هيجل ـ وخاصة فوكوياما من جهة، والصدر من جهة أخرى، يمكننا القول: بأن الصدر لم يكن مفكراً حالماً أو مثالياً بالمعنى المجرد والمتطرف للمثالية. فقد ربط الصدر المفاهيم بالتاريخ وبالممارسة: ممارسة التأريخ يومياً وصاغ المفاهيم من الواقع ومن التأريخ، فقد حلل الصدر الحركات الإسلامية في نشوئها ونموها وهو يشاهد ذلك النشوء وذلك النمو. ونظّر الاقتصاد الإسلامي بربط المفاهيم بالنص المقدس وبالواقع والتأريخ. وحلل مفهوم خلافة الإنسان من منظور حركة التأريخ وصيرورته، ومن منظور حركة الأمة عبر التأريخ وآفاق تطورها في المستقبل. كما أنه صاغ الرؤية الفقهية والفلسفية لدستور الجمهورية في إيران وهي في نشوئها.
دولة مستعمرة لا دولة كونية
إضافة إلى ما سبق فإن تحليل الصدر لعلاقة الحضارة الغربية بالعالم الإسلامي يدحض موقف كل من هيجل وفوكوياما فيما يخص نموذجية الثورة الفرنسية وإنسانيتها. فالعلاقة بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي هي علاقة صراع واستغلال في نظر الصدر. ومن هنا فالثورة الفرنسية لم تنتج الدولة الكونية المحررة للشعوب، بل أنتجت الدولة المستعمرة للشعوب باسم التحضير.
مشكلة إبستمولوجية
غير أن الفرق فرق جذري بين الصدر وبين كل من هيجل وفوكوياما؛ لأن أكبر مشكلة تطرح في هذا السياق هي مشكلة إبستمولوجية: كيف ينهي كل من هيجل وفوكوياما التأريخ وهما يعيشان في التأريخ (فنظريتهما حول التأريخ هي في جوهرها ظاهرة تأريخية)؟
فهناك إذاً تناقض؛ لأن فلاسفة التأريخ في الغرب يصوغون فكرة نهاية التأريخ انطلاقاً من خلفية معرفية وفلسفية: إنهم يعتبرون أن فلسفتهم تلخص وتتجاوز ـ في نفس الوقت ـ كل الفلسفات السابقة. وبعبارة أخرى ففلسفتهم تطرح على أنها الحقيقة النهائية والمطلقة. مع أن هذه الصفات لا يمكن أن تتمتع بها الفلسفة، بل هي صفات متناقضة مع الفلسفة على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتمد على النقد والتساؤل اللذين يحرران المفكر من الذاتية والأحكام النهائية. وهكذا فإن فلسفات نهاية التأريخ هي فلسفات تقضي على نفسها بنفسها من الناحية الإبستمولوجية.
والعجيب في الأمر أن يعتبر كل من هيجل وماركس وفوكوياما نفسه النتاج النهائي للتأريخ، وأن الفلسفة قد وصلت لدى كل فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة إلى مستوى المعرفة المطلقة والنهائية!
منطقة الفراغ
وهنا يتجلى لنا بوضوح عطاء الصدر في هذا الميدان حيث يرى بأن فكرة الكمال خاصة بالدين لا بالفلسفة: وهذا الكمال ليس معطى في نظر الصدر، بل هناك منهج يسمح للمسلمين باكتشافه عبر التأريخ . هذا المنهج هو منطقة الفراغ.
وإذا كانت الفلسفة الغربية كما تتجلى عند كل من هيجل وفوكوياما ترى بأن الواقع يصل ـ بفضل الفلسفة ـ إلى مستوى المعقول، وأن المعقول يتجسد في الواقع فالعقلانية ـ اي الفلسفة ـ تتماشى مع الواقع (أي الدولة على اعتبار أن النسق الفلسفي والنسق السياسي ليس إلا حقيقة واحدة). وهكذا تصل الفلسفة إلى منتهاها ويصل التأريخ إلى منتهاه([821]).
أما الرؤية الإسلامية التي صاغها الصدر فإنها تختلف جذرياً عن الفلسفة الغربية في هذا المجال. حيث يرى الصدر بأن الشريعة المطلقة هي التي تتمفصل مع التأريخ النسبي، فلا يمكن القول، من هذا المنظور، بنهاية للتاريخ على الطريقة الغربية (هيجل، ماركس، فوكوياما) ([822]).
وهكذا يتبين لنا أن النسق الذي تعتمد عليه فكرة نهاية التأريخ عند كل من هيجل وماركس وفوكوياما هو نسق قاتل للتاريخ عكس الرؤية الإسلامية، التي تربط منهجياً بين الدين المطلق وحركة التأريخ عن طريق منطقة الفراغ التي تتضمن، على الصعيد المعرفي، القدرة على الانفتاح على مستجدات واستيعاب الصيرورة التأريخية استيعاباً إسلامياً (أي حسب متطلبات الإسلام).
المنقذ من النسبية
إن الغريب في فلسفات نهاية التأريخ الغربية أنها تجعل نهاية للتأريخ بعد أن حدت وبينت تاريخية الحياة الإنسانية. وفي هذا السياق يتجلى لنا كذلك عطاء الصدر حيث إنه يرى أن الإنسان النسبي لا يستطيع أن يتصور إلا مثلاً وأهدافاً نسبية. فالدين وحده هو الذي يقدم للإنسان الحل وينقذه من النسبية القاتلة لحركة التأريخ. وذلك عن طريق المثل الأعلى الحقيقي كهدف لحركة التأريخ. المثل الأعلى حقيقي هنا؛ لأن مصدره ليس الإنسان النسبي بل مصدره الوحي. هو موحى.
لذلك يمكن القول من خلال هذه الأفكار السابقة: إن فكرة نهاية التأريخ كما تطرحها الفلسفة الغربية هي النتيجة الحتمية للمرجعية المعرفية التي تعتمد عليها هذه الفلسفة. فإذا لم ينته التأريخ ـ من منظور الفلسفة الغربية ـ يصبح حركة لا نهاية لها؛ لأنها حركة تتجه نحو ما يجب أن يكون أي نحو مثل أعلى مطلق. وهذا ما لا يمكن حتى أن تتصوره فلسفات التأريخ الغربية؛ لأن المطلق الذي تتصوره هذه الفلسفات هو مطلق مزيف أنتجه العقل البشري بكل نسبيته واجتماعيته وتأريخيته؛ لذلك فهو مثل أعلى «تكراري» في نظر الصدر([823]).
وهكذا قد حلل الصدر التأريخ خارج مسلمات وبديهيات الفكر الغربي (كفصل الدين عن السياسة والتأريخ عن الغيب … الخ). لذلك أحدث الصدر قطيعة إبستمولوجية([824]) مع كل أطروحات فوكوياما، التي ظهرت بعد عشر سنوات من استشهاد الصدر قدس الله روحه.
التأريخ بين الواقعية والشرعية
لذلك نظر الصدر إلى نهاية التأريخ بمفهومها الغربي على أنها نهاية لتاريخ واقعي. لكن الصدر يرى أن هناك تاريخاً آخر هو التأريخ الحقيقي الذي بدأ في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيبدأ من جديد مع سيادة النموذج الحضاري الإسلامي؛ لأنه ليس كل واقعي شرعياً. فهناك التأريخ الواقعي ولكنه غير شرعي. وقد بدأ هذا التأريخ الأخير منذ معركة صفين (في تاريخ الأمة الإسلامية وهو تاريخ له انعكاسات كونية نتيجة لكونية الإسلام) وهو مستمر إلى يومنا هذا. كما أن التأريخ المعاصر هو تاريخ غربي مهيمن أي هو تاريخ واقعي، ولكنه غير شرعي من المنظور الإسلامي الذي طرحه الصدر.
وهكذا يمكن أن نستنتج من كتابات الصدر أن لفكرة نهاية التأريخ معنيين:
المعنى الأول: نهاية التأريخ بصورة نهائية بحيث لا يمكن تصور نموذج حضاري آخر غير النموذج الغربي (هيجل، ماركس، فوكوياما).
المعنى الثاني: نهاية التأريخ مرتبطة بتتابع الأجيال أو الحقب التأريخية، وهو تتابع يتجه نحو غاية ليست من صنع الإنسان وتصوره لأن مصدرها إلهي. فالنهاية هنا هي نهاية لنموذج حضاري معين (هو النموذج الحضاري الغربي هنا) وفتح المجال لظهور مرحلة تاريخية أخرى تحدث قطيعة جذرية مع المراحل السابقة من حيث الرؤية إلى الإنسان والمجتمع والحياة، وهي رؤية يتأسس عليها مشروع حضاري كوني، كونية حقيقية لأنها مستمدة من مصدر خارج عن التأريخ … من الإسلام الدين الحق.
فنقد الصدر للنموذج الحضاري الغربي هو نقد جذري تمّ من خلال أدوات فكرية وقيمية من خارج هذا الفكر. وهذا يختلف تماماً مع الفكر المحدث في العالم الإسلامي (ويختلف كذلك مع بعض اتجاهات الفكر الإسلامي التي لن تتحرر من إشكالية الفكر الغربي) وهو يتخاصم أصحابه على مذاهب اقتصادية وسياسية، وينطلقون من تأويلات ومذاهب لا علاقة لها بالإسلام ولا بواقع الأمة كما يرى الصدر([825]).
أزمة المسلمين
فالأزمة الحالية التي تتخبط فيها البلاد الإسلامية ليست ـ في نظر الصدر أزمة تكنولوجيا أو سوء تطبيق للأفكار المستوردة (الرأسمالية والاشتراكية)؛ لأن النموذج الغربي نفسه في أزمة قاتلة، فلا يمكن أن يكون نموذجاً كونياً أي نهاية للتأريخ. فليس هناك نهاية للتأريخ، بل نهاية لمرحلة تاريخية معينة هي المرحلة الحضارية الغربية. فالنموذج الحضاري الغربي المنقطع عن الغيب ذاب في التأريخ أي ذاب في المثل الأعلى التكراري حسب تعبير الصدر، وأصبح مجرد مبرر للواقع ولحركة التأريخ بكل سلبياتها وإيجابياتها.
فالأزمة إذاً في نظر الصدر هي أزمة العلاقة بين النموذج والإنسان: التناقض بين نموذج التقدم وذهنية إنسان العالم الإسلامي. هذا من المنظور السوسيولوجي وبقطع النظر عن كونية الإسلام. إن التخطيط وتوقع صيرورة التأريخ يجب أن يتما انطلاقاً من الحقل النظري للعالم الإسلامي.
إن نماذج التنمية والتقدم ذات المصدر الغربي، التي اعتمد عليها المحدثون في العالم الإسلامي جعلت أدنى درجة من التوقع غائبة. ويرجع سبب ذلك، في نظر الصدر، إلى التناقض بين نماذج التقدم وواقع الأمة. أي التناقض بين الأدوات الفكرية للتحليل والواقع (الأمة الإسلامية)([826]). لذلك فالنموذج الحضاري الذي يتكلم عنه فوكوياما ليس نموذجاً كونياً، والدولة التي يتكلم عنها ليست دولة متجانسة وكونية([827]).
وهكذا فإن مجرد اللجوء إلى مفهومين (خلافة الإنسان والمثل الأعلى) في فلسفة الصدر، إن مجرد اللجوء إلى هذين المفهومين من موقع التحليل الفلسفي، ينسف الفلسفة الغربية من الأساس. فمفهوما الخلافة والمثل الأعلى يجعلان الإنسان في موقع المؤثر في المادة في جانبيها الاقتصادي والطبيعي. فالإسلام يفجر الطاقات الكامنة في الإنسان ويغير العالم حتى ولو لم يطبِّق إلا بصورة جزئية (مثلاً حرب الجزائر ضد الاستعمار وكل الثورات التحريرية في العالم الإسلامي)([828]).
البديل الإسلامي عند فوكوياما
لا شك أن فوكوياما عندما يطرح الديمقراطية الليبرالية كشكل نهائي لحركة التأريخ وكشكل أكثر عقلانية للحكم، يطرح كذلك إمكانية تقديم البديل الإسلامي عن الليبرالية. ولكن فوكوياما لا يطرح هذا البديل إلا لينفيه بسرعة. ففوكوياما يصف البديل الإسلامي بالدولة الثيوقراطية. كما يرى بأن البديل الإسلامي لا يمكن أن ينتشر خارج محيطه الثقافي ولذلك «فخطره محدود»([829]).
ويتجلى هنا بوضوح تسرّع فوكوياما في تحليله للبديل الإسلامي، وتسرعه من جراء وصف نظام الحكم في الإسلام بأنه نظام ثيوقراطي دون أن يضبط هذا المفهوم. إضافةً إلى ذلك فإن فوكوياما يسوّي، أو يجعل في مرتبة واحدة، الإسلام والنازية والشيوعية في النزعة التوسعية أو مشروع الفتح العالمي. ويصل فوكوياما إلى نتيجة: لا مساومة مع الإسلام؛ لأنه مشروع يريد تدمير الحضارة الغربية.
فالليبرالية قد هزمت كلاً من النازية والشيوعية ولم يبق أمامها إلا الإسلام([830]). وهنا كذلك تأتي فلسفة الصدر لتدحض موقف فوكوياما من الأساس، وذلك من خلال مفهومين (إضافة إلى مفهومي خلافة الإنسان والمثل الأعلى): مفهوم خلافة الأمة وهي خلافة تتناقض جذرياً مع الثيوقراطية. ومفهوم الأمة الشاهدة وما تتضمنه من قوة استيعابية للحضارات والقدرة على التحكم في مسار حركة التأريخ.
عقلانية فوكوياما
أما مسألة عقلانية الديمقراطية الليبرالية من حيث هي الشكل الأكثر عقلانية للحكم فهي مسألة فيها نظر. إن العقلانية تكون قوية كلما كانت نسبية. فالنسبية هي التي تجعل العقلانية عقلانية مفتوحة وقابلة للتطور، كما تجعلها عقلانية علمية. إذا انطلقنا من هذا المعيار وهو معيار يحظى باتفاق كل المفكرين لأنه معيار علمي ـ فإن العقلانية في الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر على الصعيدين المعرفي والسياسي هي أكثر نسبية بكثير من العقلانية في منظورها الغربي خاصة كما تتجلى عند فوكوياما. فربط العقل بالغيب يجعل العقلانية تتحرك في خط لا نهاية له. ولا يمكن لعقلانية من هذا النوع أن تنتهي إلى ما انتهت إليه الفلسفة الغربية من وضع نهاية لتطور الفكر في مذهب فلسفي كما فعل كل من هيجل وماركس وفوكوياما. بل على العكس نلاحظ لدى فوكوياما موقفاً يغلق كل إمكانية للبحث خارج الرؤية الغربية إلى التأريخ، وهكذا ينقلنا فوكوياما من إطلاقية الفكر اللاهوتي في القرون الوسطى إلى إطلاقية الفكر الوضعي في آخر القرن العشرين.
إن نقطة الضعف في تحليل فوكوياما للإسلام وللحضارة الإسلامية تكمن في تسرعه في الاستنتاج وفي عدم تريثه في ضبط مواقفه وضبط المفاهيم والمصطلحات. وهذا ما أدى به إلى درجة عدم التمييز بين الإسلام وكل من النازية والشيوعية. ففوكوياما بقي سجيناً للأفكار التشهيرية حول الإسلام أي بقي سجيناً للمعرفة العامية في الغرب تجاه الإسلام والمسلمين.
الإسلام والحضارة الغربية
ويكفي أن نقول: بأن الصراع بين الإسلام والحضارة الغربية، في نظر المفكرين المسلمين ومن خلال كتابات الصدر حول هذا الموضوع، إن هذا الصراع ليس صراعاً تدميرياً على غرار النازية والشيوعية. مع العلم بأن النازية والشيوعية تعتبران من صلب وهوية الفكر الغربي والحضارة الغربية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الأمة الإسلامية من حيث هي أمة شاهدة وكونية لا تنفي عطاء الحضارات، وصراعها مع الحضارة الغربية ليس صراعاً لنفي الآخر بل لاستيعابه في إطار مبدأ «التعاري» والتكامل في أفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقَيِّم إلهي يوجه البشرية إلى المثل الأعلى الحقيقي.
وإذا نظرنا إلى موقف فوكوياما من البديل الإسلامي من خلال فكر الصدر، يمكننا القول: بأن انهيار الشيوعية ـ وهو انهيار توقعه الصدر وتوقعه كل المفكرين المسلمين لما كانت الشيوعية في أوجها ـ يمكننا القول: بأن انهيار الشيوعية لا يعني عند الصدر أن الديمقراطية الليبرالية هي منتهى تطور الإيديولوجيا؛ لأن الديمقراطية الليبرالية تنتمي، شأنها شأن الشيوعية، إلى الرؤية الغربية إلى الكون والإنسان([831]). ومن هنا فإن انهيار الشيوعية يعني ـ في أفق نظرية الصدر ـ انهيار النموذج الحضاري الغربي كله من حيث هو نموذج وضعي منفصل عن الله.
عصر الإسلام لا نهاية التأريخ
فالمسألة إذاً ليست مسألة نهاية التأريخ بل نهاية تاريخ معين: التأريخ المؤسس على النموذج الحضاري الغربي، وبداية فصل جديد من فصول التأريخ المتمثل في مرحلة دخول النموذج الحضاري الإسلامي في مسرح التاريخ لقيادة البشرية، أي دخول نظرية المعرفة المبنية على العلاقة بين العقل والواقع والوحي لتأطير النموذج الحضاري الإسلامي لقيادة التأريخ وتوجيهه نحو المثل الأعلى. وهكذا فكرة نهاية التأريخ توجد في كتابات الصدر لكن بمعنى آخر ـ كما أشرنا فيما سبق ـ غير المعنى الذي تطرحه فلسفات التأريخ الغربية. نهاية التأريخ عند الصدر تعني نهاية الدورة الحضارية الغربية. وهي نهاية ملازمة لمحدودية النسق المعرفي الوضعي الذي استنفد طاقاته. ونتيجة لذلك فإن الأنظمة السياسية المؤسسة على الوضعية قد وصلت إلى نقطة النهاية. ويكمن البديل في المشروع الحضاري المرتبط بالتعالي أي بالغيب.
فالتاريخ لم ينته إذاً بالنسبة للعالم الإسلامي؛ لأنه لم يدخل في التأريخ بعد. فالأمة الإسلامية قد أدخلت في تاريخ غير تاريخها منذ القرن التاسع عشر عصر ما يسمى بعصر النهضة. أدخلت في تاريخ الغرب. فنهاية التأريخ ليست صحيحة معرفياً وفلسفياً. فأطروحة نهاية التأريخ، بل وأطروحة معنى التأريخ من هيجل إلى فوكوياما ليست إلا أطروحة ظرفية يجابه بها الفكر الغربي الأمة الإسلامية كمرجعية حضارية ذات تاريخ كبير يخشاه الغرب. فالحضارة الغربية تعرف ـ وخاصة في هذه السنوات الأخيرة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ـ بأن الحضارة الوحيدة التي تجابهها هي الحضارة الإسلامية.
وأخيراً فإن الشهيد السيد محمد باقر الصدر لم يكتف بتنظير الرؤية الإسلامية إلى التأريخ، بل عاش هذه الرؤية وتحرّر من ثقل الواقع الفاسد، ومن حركة التأريخ المفروضة من طرف السلطة في العراق، ومن طرف الفكر الغربي، وقدم البديل الإسلامي، نظرياً بكتاباته، وعملياً باستشهاده رحمه الله.
يوم الحجير
(مؤتمر الحجير)
مر بنا الحديث عن مؤتمر الحجير أو يوم وادي الحجير والذي كان للسيد المقدس الإمام عبد الحسين شرف الدين الدور المهم في ذلك المؤتمر، سنذكر حياة هذا الإمام الفذ وعن يوم الحجير
مؤتمر وادي الحجير
ودور الإمام شرف الدين
كان جبل عامل من أكثر المناطق العربية الشاميّة حماسة للتحرر من نير السيطرة والاستعمار والتسلط. فكثيراً ما كان أبناؤه يسارعون إلى المبادرة بالعمل، مسترشدين بتوجيهات علمائهم، مطالبين باستقلال منطقتهم، ضمن استقلال البلاد الشامية كافة.
وعندما زال الكابوس التركي عن هذه البلاد ودخل الفرنسيون والإنكليز إليها، أحسَّ الوطنيون بالانتصار «لأن الحلفاء وعدوا بمنح الاستقلال التام لكل الأقطار العربية التي يحررونها من تركيا»([832]). وكان الحلفاء قد، شجعوا على إقامة حكومات في سوريا والعراق ريثما تنجلي الصورة التي كانوا يرسمونها، وكان السيد عبد الحسين شرف الدين قد أشار إلى ذلك بقوله: «في أعقاب تلك الحرب والجيوش تلقي أوزارها انتهت فلسطين إلى الاحتلال الإنكليزي، وانتهت دمشق إلى الإمارة الهاشمية برئاسة فاتحها الأمير فيصل، وكان نصيبنا من التقسيم يومئذٍ نصيباً لم تجر فيه الرياح كما كنا نشتهي، وكما كان مقدّر»([833]). ورغم ذلك كله فقد أُنشئت على الفور حكومات محلية في لبنان، وهذا ما أكّده السيد عبد الحسين شرف الدين: «وبدأ العمل في هذه البلاد بإنشاء حكومات مؤقتة تحفظ الأمن باسم الملك حسين، فكان الحاكم في بيروت شكري الأيوبي، وفي صيدا رياض الصلح، وأنشأنا في صور يومئذٍ حكومة على هذا الغرار تحتفظ بالزمام لتلقيه بعدئذٍ إلى الأمير فيصل … لكن الإنكليز أبطلت هذا التدبير الذي رجوناه لمستقبل عربي مستقل، وإذ اجتاحت في مرورها ما بنيناه من هذا الكيان الناشئ، ولم تعترف بشيء من هذا الجهد المؤمّل، وبذلك شطب على الخطوة الأولى، ومهَّد لفرنسا أن تسيطر وتحتل باتفاق مع عصبة الأمم التي كانت توجه السياسة العالمية([834])، ولكن ما كان لنا ولسائر المخلصين للدين والقومية والوطنية أن نستكين للقوة مستخذين»([835]).
وكما كان للسيد عبد الحسين شرف الدين الفضل في إنشاء هذه الحكومة في صور، كان له الفضل أيضاً بتمثيل جبل عامل والمغفور له الشيخ حسين مغنية أمام لجنة كينغ ـ كراين الأميركية التي حضرت إلى صور موفدة من عصبة الأمم لاستطلاع آراء السكان حول تقرير مصيرهم، فرفض السيد (قدس سره) كل أشكال الوصاية والانتداب، وقال في ذلك: «وبعد حوار طويل أفضيت خلاله بتصوير رغبات الأمة وأمانيها في الوحدة السورية المستقلة بحكومتها الدستورية، وأن يكون على رأسها الأمير فيصل ملكاً ورفضت أن يكون لأية دولة أجنبية يد في حكم أو دخل في انتداب ولا سيما الحكم الفرنسي وبذلك ازداد الطين بلّة بيننا وبين الفرنسيين»([836]). وقد أكّد السيد شرف الدين أمام اللجنة على المطالب الأساسية، وسلمها وثيقة مكتوبة مختومة منه ومن الشيخ حسين مغنية، منعاً لكل لبس لدى المترجم وأهم ما جاء فيها:
1 ـ استقلال سوريا التام الناجز التي تضم قسميها الجنوبي فلسطين والغربي لبنان، وكل ما يعرف ببر الشام دون حماية أو وصاية.
2 ـ تكون الدولة ملكية ذات عدالة ومساواة يستوي فيها جميع الناس كافة في الحقوق والواجبات.
3 ـ الأمير فيصل هو مرشح العرب الطبيعي لملك سوريا لما له من جهاد في سبيل القضية.
4 ـ لا حق إطلاقاً لما تدعيه فرنسا في اية بقعة من سوريا ولا نقبل أية مساعدة منها.
5 ـ إذا كان لا بد لسوريا من مساعدة، فإن الرئيس ولسون قد فتح باباً معقولاً لطلب المساعدة من أميركا»([837]).
وأمام تسارع الأحداث وانجلاء المواقف، شعر السوريون عامة والعامليون خاصة، أن المكر والخداع كانا عنوان تعامل الحلفاء مع العرب، فبدؤوا يستعدون للثورة ضد الفرنسيين. وقد أشار السيد شرف الدين إلى هذه الاستعدادات قائلاً: «وكان استقبالنا للاحتلال الفرنسي استقبالاً صاخباً محتجاً يواجهها بالرفض والمصارحة، والميل عنها ميلاً لا هوادة فيه ولا لين»([838]). وعلى أثر ذلك راح الفرنسيون وعملاؤهم يأتمرون بالسيد ويكيدون له … فاحتكم إلى الشعب وطرح مصير البلاد على أهلها في رفض الانتداب الفرنسي وإلحاق جبل عامل بسوريا تحت لواء الملك فيصل الأول، أو الرضوخ للانتداب الفرنسي، الذي كان العملاء والمتنفذون يعملون له بكل ما أوتوا من شراسة وإرجاف وبغي، وكان يحمل لواء رفض الانتداب مع السيد شرف الدين أجلَّة العلماء وقلَّة من الزعماء ومعهم السواد الأعظم من أهل جبل عامل»([839]).
كان المستعمرون يعملون بجهد لتوسيع الهوّة بين السكان، وذلك بإثارة العصبيات الطائفية ودفع العملاء لافتعال المشاكل، وتجاوز الحدود الإسلامية المقدسة ونشر الفوضى في البلاد، ليتسنى لهم إحكام السيطرة، والقضاء على الثورة التي اندلعت ضدهم. وقد أكد السيد ذلك بقوله: «أشيع أن أولياء الفرنسيين يتجاوزون الحدود الإسلامية المقدسة، وربما تناولت أيديهم بعض الأعراض المصونة … ففارت العصبية الدينية واستيقظت النخوة العربية … ووجدت سياسة الاستعمار طريقها المؤدي إلى مأربها في التفريق»([840]).
وفي تلك الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، كانت الفتنة التي خططت لها فرنسا قد استجمعت عناصرها وهبت ريحها تنذر بالخطر، فما كان من البلاد العاملية إلا أن ردت على عسف المستعمرين بتأييد مواقف السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث زحفت جموع الشعب العاملي زرافات ووحداناً وأعياناً إلى مقره في صور توقع وثيقة رفض الانتداب، حتى لم تبق قرية أو مزرعة أو عالم أو زعيم إلا ووقعها … وكان رد سلطات الانتداب أن زودوا عملاءهم بالأسلحة الحربية ودفعوهم إلى الإخلال بالأمن ليستثيروا حفيظة الوطنيين»([841]).
وكانت سوريا قد طلبت في تلك الفترة أيضاً من قادة جبل عامل السياسيين موقفاً واضحاً من الانضمام إليها، فأوفدت اثنين من رجالها إلى كامل الأسعد يطلبان منه اتخاذ موقف عملي، يحدد فيه دور العامليين في مواجهة الفرنسيين، فإما أن يكون معهم، فليستعد للثورة، وإما أن لا يفعل فيكون عليهم». وقد ذكر السيد شرف الدين ذلك المطلب حيث قال: «ولم يجد هذا البلاغ استعداداً من كامل بك لأنه لم يكن متهيئاً له فاستمهل الرسل وحمّلهم إلى أصحابهم رسالة، أنه ليس المنفرد بالرأي في عاملة دون العلماء من أولي الشأن ودون الزعماء الذين لهم كلمتهم ولهم أتباعهم، فلا بد له من أجلٍ يضربه لميعاد يجتمع فيه العلماء والزعماء ويبحثون هذه القضية على ضوء التفكير والتأمل وهكذا كان»([842]).
اتفق السيد عبد الحسين شرف الدين مع زعيم البلاد كامل الأسعد على عقد مؤتمر عام يضم علماء البلاد وزعماءها وأدباءها وأهل الرأي فيها وثوارها، وكان المؤتمر في وادي الحجير([843]) لتوسطه بين البلاد العاملية وبعده عن أعين السلطة الفرنسية وهو حصين بجباله وهضابه وبمكانه الطبيعي. وقد برر السيد شرف الدين اختيار هذا المكان بقوله: «إنما اختاروا وادي الحجير لتوسطه بين البلاد العاملية: بشارتها وشقيفها ولوجود الماء ثمَّة والكلأ»([844]).
لقد أجمع الرأي على أن المؤتمر كان من الأمور الشاقة. فهم إن التأموا فيه ففرنسا دولة قوية مرهوبة، وإن امتنعوا عنه فسوف تتصدع جبهتهم الداخلية ويفشلوا وتذهب ريحهم، وقد غلب الرأي الثاني على الأول وتوجه الجميع إلى الوادي المذكور لعقد المؤتمر. وقد نوَّه السيد شرف الدين إلى حراجة الموقف فقال: «وكان هذا الطلب من الأمور المهمة ذوات البال التي دعت إلى عقد مؤتمر الحجير التاريخي، فإن المفكرين في عاملة أخذوا هذا الطلب على أنه جد شاق من طرفيه فهم إن أجابوه ففرنسا دولة قوية غنية مجهزة لا قبل لهم بها، وإن امتنعوا عنه فهذه جبهة وطنية تدعوهم إلى جهاد وطني وذلك ما لا قبل لهم بالامتناع عنه أيضاً.
أضف إلى هذه الحيرة أن سياسة البلاد المضطربة كانت تدعوهم للاجتماع وللنظر في تقرير مصيرهم على نحو تطمئن إليه الجماعة القلقة»([845]).
قدِم العلماء والزعماء والثوار والوجهاء والآباء كما ذكرنا آنفاً إلى الوادي المذكور، وترأس كامل الأسعد المؤتمر «باعتباره الداعي إليه وأقوى المؤتمرين شعبياً في جبل عامل من جهة، ولأنه من جهة ثانية كان مدعواً من قبل سوريا، إلى تحديد الموقف السياسي لجبل عامل كما رأينا»([846]). وفي خضم هذه الأحداث لبَّى الجميع هذه الدعوة، فلم تبق قرية إلا وجاء منها من يمثلها ولا مزرعة ولا مدينة وهذا ما أكده الشيخ أحمد رضا في مذكراته حيث يقول: «وكنا من جملة المدعوين وأجبنا الدعوة صباح يوم السبت الخامس من شعبان سنة/ 1338هـ الموافق الرابع والعشرون من شهر نيسان سنة 1920م، وكانت وجهتنا محل هذا المؤتمر فوجدنا العلامتين السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد جواد مرتضى والعلامة الشيخ موسى قبلان من العلماء وكثيراً من أعيان جبل عامل وزعمائه السياسيين»([847]).
وقد أجمعت كل المصادر التاريخية، المروية منها والمكتوبة، المتعلقة بهذا المؤتمر، أن السيد عبد الحسين شرف الدين كان النجم المتألق فيه. وقد وصف السيد نفسه هذا الجمع بقوله: «وفي اليوم الموعود كان وادي الحجير يستقبل ضيوفه، وكان ضيوفه الأكثرية من صفوة علماء الجبل وأسوده، ووجهائه وأعيانه. وكان يضيق بالرايات، ويضج بالهتافات ويدوي بالمفرقعات والصهيل، وكأنما عاملة نشرت فيه ببعث جديد.
وأقبلنا والجمع كامل مستتب. فما أشرفنا على الجمع حتى جلجل الوادي، وجرجر صداه وانطلقت الحناجر والأكف والبنادق تمدُّ الصدى بموجات أثر موجات تتجلجل في عنق الجبل ثم تنطلق في الفضاء.
وانحزنا بعد تحية الجماهير إلى صف العلماء والزعماء نداولهم الرأي ونبادلهم المشورة، فتمخض الاجتماع عن تفويضي والأخوين العلامتين السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين بالبحث في مصير الجبل مع جلالة الملك فيصل في الشام، وكتبت وثيقة ممضاة من العلماء والزعماء والوجوه وممثلي القرى جميعاً. ثم وقفت في ذلك الجمع المشهود وتكلمت في الأزمة ووسائل تفريجها … ثم أقسمت اليمين وأخذتها على العلماء والزعماء والوجوه أن نتضامن على حفظ الأمن وإقرار الهدوء والحرص على سلامة النصارى بوجه خاص»([848]).
وفي هذا الموج البشري المتلاطم وقف السيد عبد الحسين شرف الدين يرتجل خطبته الشهيرة في المؤتمرين، وكان كما وصفته الأديبة مي زيادة: ما أدري أيهما أطوع للسيد من الآخر: خاتمه لِبنانه أم بلاغته لِلسانه. وقد وصف الأديب والشاعر العاملي المرحوم محمد علي الحوماني قدوم السيد شرف الدين إلى المؤتمر قائلاً: «أتذكر يوم اجتماعكم لمؤتمر الحجير؟ ولقد شهدته بنفسي ورأيت كل عالم وزعيم ورده دون أن يحسّ الحضور بوروده لكثرة ما ازدحم فيه من الخلق حتى إذا أوشكت ركابك أن تحلّ به حسبنا أن الأرض قد تزلزلت والسماء أطبقت فوقنا والجبال تقصّفت لما يصكُّ الأسماع من رعود ويخطف الأبصار من بروق، وذهل الناس من هول ما رأوا وما سمعوا حتى حسبتهم سكارى وما هم بسكارى، ولما تكشّف هذا الوهج المعقود فوق الوادي برزت من تحته كالبدر ينشق عنه الغمام ليلة تمَّه وإذا بالقسطل المعقود فوقك تثيره سنابك الخيل المحدقة بك، وإذا بالرعود القاصفة والبروق الخاطفة مما تبعثه البنادق والحراب المشرعة حولك. لم يبق في الوادي وهو يضم الألوف فرد واحد لم يهرع إلى استقبالك ويتشوق إلى ركبك … ولما جلست في خيمة العلماء المضروبة في قلب الوادي حفَّ بك هؤلاء وتهافت الحفل المحشود عليك وفهم الشيخ والشاب والجاهل والعالم كلهم يحدق بك يستمع إليك وأنت مندفع تخطب فيهم كالسيل تبعث في نفوسهم الحمية فتثور النخوة في رؤوسهم حتى تكاد الحماسة تتطاير من أعينهم شرراً وأنت دائب فيهم تحرضهم على الجهاد في سبيل الحق»([849]).
وكان لحضور الثوار في المؤتمر تأثير كبير، فهم المعنيون بحراسة هذا المؤتمر، وهم قطب الرُّحى في العمل العسكري ضد الفرنسيين. وقد وصف الشيخ أحمد رضا في يومياته قدوم صادق الحمزة زعيم الثائرين قائلاً: «وجاء بعد ساعة الشيخ صادق الحمزة من قواد الثورة يحيط به نحو الخمسين من رجاله وكلهم في عدتهم من بنادق حربية ومسدسات وقنابل يدوية شاهرو أسلحتهم حوله وانتحوا جانبا الوادي وناحية من الناس، ثم جاء زعيم جبل عامل كامل بك الأسعد وبوصوله انعقد المؤتمر»([850]).
تخلل المؤتمر بعض الحوادث الجديرة بالذكر، ومنها: أن الثوار قد شاركوا في المؤتمر المذكور تلبية لدعوة السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث جاءت ردة فعل كامل الأسعد توحي بضيق شديد من بروز هؤلاء القادة الجدد، فقد حدثت مواجهة كلامية حادة في المؤتمر، بين كامل بك وصادق الحمزة وذلك بعد أن امتدح عدد من الخطباء هذا الأخير.
كما أن صادق، انتحى جانباً ولم يأت للسلام على كامل بك كما هو مفروض، من حيث العوائد، أو من حيث السن، وقد استطاع الأسعد أن يتماسك أعصابه، فتوجه للسلام على صادق الذين كان حذراً في البداية، فقال لرجاله لدى ملاحظته قدوم كامل بك باتجاهه: «إن أبا زطام، قادم، فإن مسكني، اقتلوه».
وبعد وصول كامل بك، قال لصادق مستهجناً ومدللاً على تنازله عن الفوارق بين المرتبتين: «ابن سعدى» (أي كامل بك) بيطلع لعند ابن خديجة (أي صادق)، فلاقاه وسلم عليه. وبعد تدخل العلماء بينهما أهدى كامل بك الصادق سيفاً ثميناً قائلاً: «إن هذا السيف لا يليق بابن سعدى بل بابن خديجة»([851]).
أما أدهم خنجر فقد أُعلن عن وصوله بزخات كثيفة من الرصاص، ونادى أحد رجاله: بأن أدهم بك لا يقابل أحداً سوى كامل بك ومحمود بك الفضل. فخرج كامل بك عن صوابه واتجه نحو أدهم يتملكه الغضب، فأسرع أدهم باتجاهه أعزل من السلاح، فسلم عليه وبرر ذلك باضطراره لأسباب أمنية، وبعد أن سويت هذه الخلافات البسيطة، راح السيد عبد الحسين شرف الدين يبين بعض الحوادث التي أثارها الفرنسيون في مدينة صور، عبر عملائهم المتطوعين معهم، منبهاً إلى خطورة الانجرار وراء هذه الحوادث، رغم بشاعتها.
وقد لمح الشيخ أحمد رضا في مذكراته إلى تلك الحوادث التي راح السيد يبين بعضها. وفيها يقول: فجمع المتطوعة من العسكر المرابطين في صور وكلهم من مسيحية جبل لبنان وهجموا على مقهى بالشتم والسباب للملك فيصل ولأهله ونسائه بالكلمات الفاحشة … وهم شاهروا أسلحتهم، ولم يتحاشوا عن القذف في حق النبي معرّفين باسمه، ففرّ من كان في ذلك المكان وخرج العسكر يتعقبهم، فدخل بيوت المسلمين، وكان عملهم هذا مدبر بمعرفة الحاكم الفرنسي»([852]).
وعندما اكتمل النصاب بدأ المؤتمرون بالتشاور والتداول. ثم وقف السيد شرف الدين في هذه الجماهير المحتشدة خطيباً حيث قال: «الله أحمد في السراء والضراء، استتماماً لنعمته. والحمد لفضله. وإياه أشكر في الشدة والرخاء. استسلاماً لعزته والشكر طوله. أحمده وأشكره وأستعين به على القيام بما يحسن في الدنيا ذكره ويخلد في الآخرة أجره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً خير نبي أرسله، وعلى العالمين اصطفاه وفضَّله صلى الله عليه وآله الذين حملوا عنه ما عن الله حمله، وعقلوا ما عنه عقلَهُ. ولقد قرنهم بمحكم الكتاب وجعلهم قدوة لأولي الألباب بهم نقتدي وإن عزّت القدوة. وطريقهم نسلك وإن تكأدت العقبات.
صلوات الله عليهم ما هفت قلوبنا إليهم، أئمة هدى، ومصابيح دجى. ينيرون بصائرنا كلما ارجحنّت الخطوب، ويفتحون أبصارنا، كلما ادلهمت الدروب.
﴿كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾.
إخوتي أعلام الأمة: إننا اليوم في هذا المفترق الخطير، أشد حاجة من أي وقت. إلى الاعتصام بحبلهم، والسير على نهجهم. فإما عزة لا تفصم. أو ذلة لا ترحم. إما حياة حرة. أو هوان تهدر في حمأته إنسانية الإنسان … إما استقلال دون وصاية. أو استعباد نكون معه كالأيتام على مأدبة اللئام.
أيها الفرسان المناجيد: إن لهذا المؤتمر ما بعده. وسيطبق نبؤه الآفاق السورية ويتجاوب صداه في الأقطار العربية. ويتجاوزُها إلى عصبة الأمم. وقد امتدت به إليكم الأعناق، وشخصت الأبصار. فانظروا اليوم ما أنتم فاعلون.
ألا وإن جبل عامل بعد هذا المؤتمر بين أمرين: عز لا تنفصم عروته، ولا تقرع مرّته. أو ذل تهاوت معه كواكب السعد، وتقوّض به سرادق المجد. فإن نبذتم الأهواء الشخصية وآثرتم شرف القضية، فلنكونن في حرز لا يفصم، وتكون بلادكم في حمى لا يقحم. أما إذا غلبكم الهوى فلتكونن مزقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان. أمام قوة العدو، وشدة الفتن وتظاهر الزمان.
يا فتيان الحمية المغاوير: الدين النصيحة ألا أدلكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم: فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته وأخمدوا بالصبر الجميل فتنته. فإنه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية، حتى إذا صدق زعمه، وتحقق حلمه، استقر في البلاد تعلّة حماية الأقليات.
ألا وإن النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير. فأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم. وحافظوا على أرواحهم وأموالهم، كما تحافظون على أرواحكم وأموالكحم. وبذلك تحبطون المؤامرة، وتخمدون الفتنة، وتطبقون تعاليم دينكم وسنة نبيكم. ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾.
بهذا السلوك. يا أبنائي الأعزاء. دون غيره تردون كيد الفرنسيين إلى نحورهم، وتعيدون جحافلهم إلى جحورهم، وتنعمون بالحرية لا يتطاول بعدها إليكم متطاول.
إخواني وأبنائي: إن هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية. ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز المعتمر تاج (فيصل) العرب عاهلاً مؤثلاً، وقائداً محجلاً. يقيم حكومة شرعية، تجعل من الوطن جبهة منيعة، ينحدر عنها السيل، ولا يرقى إليها الطير.
وهذا «زعيم جبل عامل وبدره (الكامل) قد أرهف للجهاد معكم عزمه. وحشد لبلوغ الهدف عدته. فاركبوا معه كل صعب وذلول صادقي العزائم، متساهمي الوفاء. وما التوفيق إلا بالله. يؤتي النصر من يشاء. عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير»([853]).
كان خطاب السيد مؤثراً في النفوس التي اضطرمت حقداً على المستعمر الفرنسي وعلى سياسته الرعناء، وقد أشار الشيخ أحمد رضا إلى ذلك بقوله: «أنهى السيد خطابه فكان أثره في النفوس، واضطرامها حقداً وكرهاً لهذه السياسة المتّبعة من السلطات كبيراً عظيماً»([854]).
وبعد أن شدد السيد في خطابه، على حماية أرواح النصارى كما أشرنا، استدعى قادة الثورة، ونصحهم وأخذ عليهم الإيمان المغلظة وقد أشار إلى ذلك في مذكراته قائلاً: «أحضرت رؤوس الثوار كصادق الحمزة وأدهم ومحمود الأحمد ونصحت لهم وأمرتهم أن يكفوا عمّا هم فيه، بل هددتهم إن لم يكفّوا بالعقوبة والمطاردة»([855]). ويؤكد الشيخ أحمد رضا هذه الحقيقة الجليّة في مذكراته قائلاً: «ثم تذاكر المؤتمر بأمر الأمن في البلاد، فتقرر بالإجماع، العناية التامة بحفظ الأمن في سائر أنحاء هذا الجبل لجميع أبنائه من مسلمين ومسيحيين. واستدعي الشيخ صادق الحمزة فدخل السرادق حيث انعقدت جلسة المؤتمر، يحفّ به رجاله، شاهري بنادقهم حوله، فجلس أمام العلماء والقرآن بين أيديهم، فأخذوا عليه وعلى رجاله الأيمان المغلّظة أن لا يتعرض لأحد من المواطنين في جبل عامل، مسلمين كانوا أم مسيحيين بسوء أو أذيّة. فأقسم بذلك، واستثنى من كان (إلباً) للفرنسيين، أي عوناً على الوطن واستقلاله، مجاهراً بذلك مع الغاصبين المحتلين، مسلماً كان أو مسيحياً أو من أي مذهب كان»([856]).
وكان كامل بك قد تقدم باقتراح إلى المؤتمر بإرسال وفد إلى دمشق لمفاوضة الملك فيصل بالمطالب التي أرسلها عبر موفديه إلى جبل عامل، ثم أجمع الرأي على انتخاب السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين بعد اعتذار الشيخ حسين مغنية، لكبر سنه على أن ينضم إليهما في دمشق العلامة الأكبر السيد محسن الأمين. وقد أكد الشيخ أحمد رضا على ذلك بقوله: «انتخب المؤتمر العلامتين السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين لهذه المهمة، وفي دمشق يجتمعان بعلامة الشيعة الأكبر السيد محسن الأمين، ويقوم هؤلاء الأعلام الثلاثة بمفاوضة جلالة الملك فيصل باسم العامليّين، ثم قررت الهيئة العامة في المؤتمر أن يقدم باسم المؤتمرين وجبل عامل عامة التهنئة لملك سوريا بما قرّره المؤتمر السوري في إعلان الاستقلال، وقرروا أن يكون جبل عامل مستقلاً استقلالاً داخلياً ضمن الوحدة السورية. ونظموا بذلك محضراً وقعه المؤتمرون وسلموه إلى الوفد. ثم وقعوا رداً على الاحتجاج الذي انتزع من بعض جهات جبل عامل بقوة السلطة اعتراضاً على ملكية فيصل، وعلى المؤتمر السوري وسلم إلى الوفد أيضاً»([857]).
وما إن اختتم المؤتمر أعماله حتى توجه السيدان إلى دمشق، فثارت ثائرة الفرنسيين لنجاح المؤتمر، وراحوا ينفخون بوق الفتنة، وأشاعوا في طول البلاد وعرضها أن السيد عبد الحسين شرف الدين أفتى بمحاربة النصارى في مؤتمر وادي الحجير، وهذا ما ردده الأديب اللبناني أمين الريحاني مدعياً أن السيد «ضرب» خيرة بالسبحة على ذبح النصارى، فكان لهذا الافتراء المخطط هدف خبيث، وهو القضاء على السيد عب الحسين شرف الدين، لكنهم لم يفلحوا، وتطورت الأحداث بسرعة وأحرق الفرنسيون داري السيد في صور وفي شحور وأصدروا حكماً بإعدامه والقبض عليه حياً أو ميتاً للحيلولة دون وصوله إلى دمشق، لكنه وصلها محاطاً بالإكبار والإجلال. وفي أثناء غيابه ذرت فرنسا الملح على الجرح ودفعت عملاءها للإخلال بالأمن، فتحولت إلى اشتباكات ونعرات طائفية، ودبت الفوضى في طول البلاد وعرضها. وقد أسف السيد لهذه الأحداث قائلاً: «وشاء ذيول الفرنسيين من منافقي الأفندية والمتزعمين أن يستغلوا هذا الحدث أسوأ استغلال، فنسبوا إلينا فتوى بجهاد النصارى، قالوا إنها كانت في مؤتمر الحجير، وكانت دعواهم هذه تحريفاً سيئاً لموقفنا المشهود في الحجير وذهبوا بهذا التحريف المزور يزجونه في آذان الحاكمين المُسْتَولين في غير ذمّة ولا دين»([858]).
وقد استنكر الشاعر بولس سلامة صاحب ملحمة الغدير هذه الافتراءات ضد السيد فراح يمدحه بقصيدة عصماء نقتطف منها ما يلي:
أيها «السيد» هلاَّ ذكرت
أمسك المئناف أقزام تباهى
يوم لم تركع على الضيم وقد
راح سوط الذل يستاق الشياها
عرضت «للأسد» البادي
الطوى طيبات مغريات فأباها
أحرقوا «دارك» والنار محت
من معين العلم أسفاراً رواها
شرفا «عبد الحسين» المرتقي
من صروح العلم والدين ذراها
تملأ المنبر عزاً وسنى
وكذاك الشمس تهدي من يراها
كادت الأعواد من نشوتها
تلبس الخضرة ذكراً لصباها
أو تعيد الغض من أوراقها
كلما «العلامة» السبط أتاها
هذه هي حقيقة مؤتمر «وادي الحجير»، وحقيقة عَلَم علاّمة، مجاهد، دائب الحركة راسخ اليقين، يدور مع المحتل مدافعاً أو مُطارداً. أو عندما أفتى بالجهاد ضد المستعمرين حكموا عليه بالإعدام ثم أحرقوا منزليه ومؤلفاته وطاردوه من مكان إلى آخر وقوله دائماً:
إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم
فلا مشت بي في طوق العلى قدم
هذا هو السيد عبد الحسين شرف الدين، قائد مسيرة الجهاد في جبل عامل. وكل المعالم الجهادية يرسمها العلماء المجاهدون، منذ صدر الإسلام حتى أيامنا الراهنة، انتهاءً بمجيء المخلّص ـ أرواحنا له الفداء ـ فمع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن الميلاي تتابع على قيادة الجهاد أعلام المراجع القيمون على جامعات النجف وكربلاء والكاظمية وقُم وأصفهان وخُراسان والأزهر والقرويين والزيتونة وجبل عامل. بل إن كل ثورة قامت في عالم الإسلام، إنما قادها العلماء الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث الشريف (العلماء ورثة الأنبياء).
محمد كوراني
السيِّد عبد الحسين شرف الدَّين
رؤية العالم المجتهد ونهج تفكيره العملي
مسؤولية العالم المجتهد:
يرى المطّلع على سير العلماء العامليّين أنهم كانوا ينحون، في مواجهة واقعهم، منحًى عمليًّا؛ وذلك انطلاقاً من وعي مسؤولية يحددها الحديث الشريف: «إن العلماء ورثة الأنبياء». يدرك السيد عبد الحسين شرف الدين هذه المسؤولية، ونقرأ تعبيراً عنها في كلمةٍ وجهها للعلماء الذين وفدوا إلى دارته ليحولوا بينه وبين الهجرة من جبل عامل، يقول السيد إنه يوافق على البقاء «…. على شرط أن لا نكون من السياسة في شيءٍ ما، وأن لا نكون من أهلها في سلبٍ أو إيجاب، وأن لا تُعنى إلاّ بما عُني به سلفنا الأعلام من شؤونهم الخاصة وشؤون طائفتهم الدينية: دعوةً إلى الخير وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر … ورعاية للناشئة بالتأديب والتهذيب والتربية الإسلامية وعناية عظيمة تختص بنا نحن أهل العلم نتبادلها في ما بيننا …».
يحدد السيد هذه المهام، ويؤكد مسؤولية العلماء عن أدائها بوصفها واجباً دينيًّا، فيختم كلمته إلى العلماء بالقول: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾([859]).
ونجد، في وصف السيد شرف الدين، للسيد أبي الحسن الموسوي الأصفهاني ما يدل على كيفية نهوض العالم المجتهد بمهامه الموزعة بين عمل علميّ ونظر في الأُمور العامَّة وردَّ على الرسائل والأسئلة وتلبية حاجات الناس الخ….([860]).
إن مثل هذا العالم، كما يقول السيد شرف الدين في وصفه له، في مكان آخر، يأتي قومه صفر اليدين غنيّ الرّوح، ويخرج صفر اليدين من صفراء وبيضاء، ولكنه يبقى طائل الثروة بما أغنى هذه الحياة من آثاره … يخرج «وقد أغنى وأمتن وشاد وبنى»([861]). ولعلَّ الحادثة التالية خير دليلٍ على هذا السلوك ودوافعه. يورد الشيخ أحمد قبيسي، في كتابه «حياة الإمام شرف الدين» هذه الحادثة، فيقول: «…. وفي دمشق بعث الملك فيصل، مع ناموسه الخاص إحسان الجابري إلى سماحة السيد بدرة فيها خمسة آلاف دينارٍ من الذهب، فأبى السيد أخذها قائلاً: لم تكن ثورتنا من أجل المال. ولكنها عقيدية دينيَّة نستجيب لها كلما خشينا على تراث محمد أن يُصاب»([862]).
شخصية العالم المجتهد:
طبيعتها وعوامل تكوّنها:
والحقّ أن إدراك سرّ تكوّن هذه الشخصية الناهضة بأداء المسؤولية وهي شخصية العالم المجتهد وليس السيد موضوع الدراسة فحسب، لا يمكن أن يتأتى إلا بعد معرفة ثلاثة أمور أساسية، إضافةً إلى أمور أخرى عديدة. والأمور الثلاثة التي نعني نبسطها كما يلي.
أ ـ التربية الإسلامية:
يعود الأمر الأول إلى الجوّ الذي يحياه العالم في بيئته الأولى: بيته ومحيطه، وهو جوٌّ ملؤه الاحترام للعلم وأهله بمن فيهم الطالب نفسه. وتسوده رغبة في الحوار والنقاش وإذعانٌ للحق. وهو ما أطلق عليه السيد «رعاية الناشئة بالتأديب والتهذيب والتربية الإسلامية». وبغية التعرُّف إلى هذا الجوّ نقرأ ما يقوله السيد عن والدته:
لا عذَّب الله أمِّي إنَّها شربت
حبَّ الوصيِّ وغذَّتنيه في اللَّبن
وما يقوله عن والده: «ثم أقبل المقدَّس والدي على تعليمي بنفسه، واسترسل إلى تلقيني بأنسه … ما رأيت كوالدي أباً رحيماً يُعنى بأمر ولده وما رأيت مثله أستاذاً يغدو على التدريس بسعة ذرعه …» ([863]).
ونقرأ عن ذلك الجوّ العلميّ الذي كان سائداً بين السيِّد وأبيه وأخيه: «نُظِّمت المذاكرات العلمية من جديد بين الأب وولديه كما تكون بين الأخوة والأصدقاء … وقد يشتد النزاع بينهم ويعلو الخلاف في كثير من المسائل العلمية، ولكنك لا ترى إلا البشاشة في الوجوه والرحابة في الصدور والابتسامة في الثغور … وقد تتساقط دمعات من عينيّ الأب القريرة إشعاراً بالفرح والغبطة»([864]).
ولنقرأ ما يقوله السيد نفسه عن جدِّه السيد هادي، وكان قد أمضى فترة دراسته في النجف، في رعايته: «… وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربية، فيثلج غلَّتي بما ينفيه عني من معتلج الريب … وكان، على جلالته وشيخوخته، يقبل على مباحثتي بانبساطه، ويسترسل إلى مناظرتي بأنسه، ويحملني على مناقشته»([865]).
ب ـ تقاليد الوسط الدراسي العلمية:
ويعود الأمر الثاني إلى المناخ الذي كان يعيشه الطالب في بيئته الدراسية في النجف الأشرف، الجامعة الإسلامية التي مرَّ على تكوينها أكثر من ألف عام، وقد امتازت هذه الجامعة، كما يقول السيد محمد تقي الحكيم، أستاذ الأصول في كلية منتدى النثر «بفتحها على طلابها أبواب الاجتهاد، وتركها المجال للعقول تتصارع في سبيل البلوغ إلى الحق عن طريق الجدل العلمي»([866]).
إن ما يطلق عليه السيد محمد تقي «فتح الأبواب للعقول» كان يتخذ مظاهر عديدة، ومنها إتاحة الفرصة للطالب المتفوِّق للتحصيل وفق ما تؤهله قدراته إلى ذلك. فيراعي الأستاذ، في تدريسه، إمكانات الطالب، ويقول له، إن آنس منه تفوقاً: «لا تؤن، (لا تؤخِّر) فرصتك، ولا تكون عُوَّقاً (مسوِّفاً)». ويحثّ الأستاذ طالبه على البحث، و«يستفزّه إلى إعمال النظر في معضلات المسائل، حيث تختلف أنظار العلماء». ولا يكتفي بهذا، فيدفعه إلى مناقشته ومعارضة حجّته، يتقلَّب معه في أحناء الحق، طويل النفس في ذلك، ويسعفه بما ينصفه»([867]).
ويكون التقلّب في أحناء الحق أحد مظاهر فتح الأبواب للعقول، وهو يستند إلى «دقة نظر وعدالة فهم وحضور ذهن وبيان حجة مدعمة بالبيّنات القاطعة والحجج الملزمة، ومستظهرة بأدلة العقل والنقل». ويصف السيد شرف مثل هذه الدروس التي كان يحتدم الجدل فيها بحثاً عن الحقائق بقوله: «لذلك كان درسه من أنفع الدروس للمتوسطين وللمنتهين من الفقهاء والأصوليين»([868]).
وكان الأستاذ، في مظهرٍ آخر، كثيراً ما يخصّ طالبه ببعض المسائل الشائكة فيكلّفه باستنباط حكمها وتمحيص الحقّ فيها. وحين يطَّلع على ما يعدّ يصغي إليه ويناقشه، ويسأل عن دقائقه، ويقلّبه باطناً لظهر، يعجم بذلك عوده ويسبر غوره … وينصفه في نهاية النقاش معجباً مكبراً ….
ولم يكن التحصيل يقتصر على حجرات الدراسة، ففي الجلسات الخاصَّة كان يترامى الحديث إلى بعض الفروع المشكلة، فيخوض العلماء فيه. ويصف السيد بإحدى تلك الجلسات، فيقول: «واحتدم النزاع تلك الليلة وعذوتها احتداماً عاد بنفعٍ جزيلٍ وفوائد جمّة»([869]).
وكان طلب العلم يأخذ وقت الدارس كله في سنَّة سار عليها الشيوخ الأعلام ويقول السيد في ذلك: «ما عُنيت مدة إقامتي في العراق ـ وكانت اثنتي عشرة سنة ـ بغير ما هاجرت إليه حتى أني لم أتصل بغير أهل العلم … بل لم أر من حواضرها وبواديها غير المشاهد الأربعة والكوفة وبغداد وما كان في طريقي إلى هذه البلاد….»([870]).
وقد تأصَّل هذا النوع من التحصيل، فأكسبه صفاتٍ منها حسن الأخذ المتمثل في الإصغاء وإعمال الفكر والسؤال عن الأمور المشكلة والبحث الجادّ عن الحقيقة من دون تهيّب أو اعتداد، ودعم الحجة عند الوصول إليها بالدليل القاطع، لا الاكتفاء بالظن وإقامة الدعوى فحسب. وأكسب هذا كله العلماء صفات من أهمها الانصراف إلى التحصيل وبذل أقصى الجهد في ذلك، وتحضرني هنا صورة السيد، وهو في الثمانين من عمره، منصرف إلى كتبه وإملائه … ومن هذه الصفات أيضاً التواضع العلمي وسرعة التنازل للحقّ …
ويؤكد د. حسين مروة هذه الحقائق عندما يتحدث عن جامعة النجف التي أمضى فيها ردحاً من شبابه.
يسأل د. مروة: «من أين وكيف تتكون هذه الرؤية، الشهادة؟ ـ أي شهادة جامعة النجف ـ ويجيب: «تتكون بفعل التقاليد التاريخية الإيجابية لهذا الوسط الدراسي، كما عرفناه في أخريات العهد بهذه التقاليد. فهي تقاليد تنهض أساساً على أن العلاقة بين الأستاذ والطالب ليست علاقة التلقي والاستماع، وإنما هي علاقة حوار ومناقشة حتى منتهى الصراحة ومنتهى الحريّة. للطالب أن يبحث موضوع الدرس خارج الكتاب المقرَّر وخارج النّص الراهن وخارج رأي الأستاذ. هذا أولاً …. وأما ثانياً فإن اللقاءات اليومية بين أهل الوسط الدراسي من أساتذة وطلبة لا يمكن أن تحدث دون أن تُطرح فيها مسألة ما … وحين تنظر المسألة لا بد أن يكون لكل من يحضر اللقاء صوتٌ ورأيٌ وموقف …» ([871]).
وكان من تأثير هذه العوامل، كما يقول السيد شرف الدين: «أن أنجبت النجف أقطاباً تمخّضت أقوالهم وأفعالهم لله وحده»([872]). وكان من تأثيرها، أيضاً، أن صار السّعي في سبيل أداء المسؤولية الفكرية العملية طبيعة للعالم المجتهد. وهذا ما يذهب إليه السيد محمد تقي الحكيم، عندما يقول: «… وربما تجاوز تأثيرها مجاله العقلي إلى سلوكه في حياته الاجتماعية، فأصبح مناضلاً في مختلف ميادين الحياة».
وإن كان لنا أن نتعرف إلى طبيعة هذا السلوك النِّضالي، فإننا نختار بعض الوقائع ذات الدلالة على ذلك من نحوٍ أول، وعلى تاريخيته من نحو ثانٍ في الوادي القريب من قرية شحور، القريبة من مدينة صور، مغارة تُطلّ على مجرى نهر الليطاني. شهدت هذه المغارة لجوء عالمين عامليين إليها في فترتين متباعدتين تاريخياً، وذلك بسبب مقاومة طغيان المحتل. كان العالم الثاني السيد عبد الحسين شرف الدين، أحد أحفاد السيد صالح، استوطنها يوماً بعد أن زحف القائد الفرنسي إلى داره في شحور وأحرقها.
وممَّن امتُحن بطغيان الجزّار الشيخ إبراهيم يحيى، فهاجر، ولقي شدائد كادت تودي به، فأنشد الكثير من الشعر، ومنه لاميَّته التي يقول فيها مصوّراً تعامله مع المحن:
…. ويعجبني خطبٌ من الدَّهر أدهم
له غررٌ في لطفه وحجولُ
كذاك تناهي الشرّ خيرٌ لأنه
على فرج الله القريب دليلُ([873])
من الحوادث ذات الدلالة، في هذا السياق، ما يرويه السيد محمد صادق الصدر، فيقول: «ومن الصدف الغريبة أن يكون السيد شرف الدين في علما (قرية في فلسطين) فارًّا من الحكم الفرنسي، وأن يكون سماحة المرحوم السيد محمد حسن الصدر في لبنان فارًّا من الحكم الإنكليزي. وكلٌّ من الزعيمين قد حارب الاستعمار، وحكم عليه بالإعدام»([874]).
والحقيقة أن ليس من صدفةٍ، إذ أن عاملاً تحكّم في وقوع هذه الحوادث وهو نهوض العالم المجتهد بأداء مسؤوليته، انطلاقاً من وعيه لدلالة الآية الكريمة التي أشرنا إليها آنفاً، وهي: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾. وينهض العالم بأداء مسؤوليته بعد أن أعدّ للقيام بها أفضل إعداد.
ولم يقتصر هذا النهوض على السلوك العمليّ، وإنما شمل، أيضاً، مختلفة ميادين الحياة، ومنها الميدان الفكري التنظيري. فالعالم الحقّ لا يتورّع من مناقشة مختلف المسائل مسلّحاً بأدلَّة العقل والنقل. فنقرأ للسيد شرف الدين قوله لدى مناقشته حجّة الجمهور في مسألة عدالة الصحابة أجمعين: «… قرّروا القول بعدالة الصحابة أجمعين، ومنعوا النظر في شؤونهم وجعلوا ذلك من الأصول المتبعة وجوباً، فاعتقلوا العقول بهذا، وسملوا العيون، وجعلوا على القلوب أكنّة، وعلى الأسماع وقراً، فإذا هم صمّ بكمٌ عميٌ، فهم لا يرجعون»([875]).
إننا، إذ نقرأ هذا الرفض لمصادرة العقول، نقف إزاء ما يصف به بعض المفكرين منظومة الفكر الإسلامي متسائلين عن مدى معرفتهم بهذه المنظومة ورجالها. يقول علي يوسف، في هذا الصدد: «إن الأصولية كما يسمّيها غارودي والصرامة العقلية كما يسمِّيها روكيش والأرثوذكسيّة الدينية كما يسمّيها ديكونشي، والإيديولوجيا كما يسمّيها سائر المفكرين النقديين تلتقي في صفةٍ مشتركة أساسيّة هي أن المنظومة الفكرية التي تشكل مضمونها تعامل من قبل أصحابها باعتبارها حقائق مطلقة لا يلحقها تبديل ولا تغيير. وكل ما خالفها فهو هراء. ولا تستقيم هذه النظرية إلا إذا اعتبرنا أن الفكر أو الغيب، وليس الواقع، هو مصدر الحقائق …» ([876]).
إن إلماماً يسيراً يفيد، كما بدا لنا، أن العلماء المسلمين المجتهدين يفتحون أبواب العقل ويتقلبون في أنحاء الحق، ويرفضون مصادرة العقول ويريدون للأعين أن تفتح. وهذا، كما بدا لنا، نهج السيد شرف الدين في التفكير يكمل نهجه في السلوك العملي. فنقرأ له، في نصٍّ واضح الدلالة، ينقض ما جاء به أولئك المفكرون: «… ونحن إنما ننقدهم ـ أي الصحابة ـ تقديساً لرسول الله ولسنَّته صلى الله عليه وآله وسلم. شأن الأحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم»([877]).
الحقيقة أننا لا نجد ما نضيفه إلى هذا الإيمان بضرورة النقد، وحقيقة دوافعه ونوعية الناس القائمين به، وهم الأحرار في عقولهم.
ج ـ روحية الوسط العلمي:
الأمر الثالث، ويتمثل في العالم القائد القدوة، من حيث طريقة اختياره وسبل نهوضه. بأداء مهماته. يتحدث السيد شرف الدين عن هذه المسألة فيقول: في الجامعة وفرةٌ من العلماء الأعلام، تدعو في حالات الناس العاديّين إلى التزاحم على الزعامة والتدافع والخصام … ولكن الوسط الروحي المهيمن يرتفع بذويه فيكون الانتخاب طبيعيًّا. ويتم اختيار من كان أقوى على المصلحة وأقدر على النهض بالعبء وأدنى إلى الكفاية الجامعة لشروط الفضل والبرّ والتقوى وصدق النظر. فإذا اختار الانتخابُ فرداً من ذلك المجموع الصالح كله للقيادة أذعن الجميع راضين مجبورين، وأشفق المنتخب ألا يكون قادراً على النهوض بالمسؤولية. وهذا شاهد صدق، كما يضيف السيد شرف الدين «على أن القوم مؤمنون حقاً … يستشرفون من الزعامة مركز المصلحة لا مصلحة المركز. ويستقبلون قيادة الكرسيّ لا كرسيّ القيادة …». فتكون هذه الروحيَّة السَّائدة سرَّ النهضة في مختلف ميادين الحياة.
رؤية إسلامية شاملة ـ وعملية:
وإذ ندرك طبيعة هذه الشخصية وعوامل تكونها نرى أنها تمتلك رؤيةً إلى العالم وأشيائه مميزة. ففي كل شيءٍ ثمة وجه الله. وكلُّ عملٍ ينبغي أن يبذل في سبيل رضاه، وكأنه غرسٌ في هذه الدنيا بوصفها مزرعة الآخرة. وإن حاولنا تلمّس معالم هذه الرؤية لدى السيد شرف الدين نجدها واضحةً، ولا نجد صعوبةً في تقديم الأمثلة التي تدلُّ عليها. ولهذا سوف تقتصر على ذكر بعض هذه الأمثلة وفي عدَّة مجالات.
ـ يكتب إلى ولده السيد صدر الدين، في إحدى رسائله له: «بلغني بلوغك الحلم، فبورك لنا ولك في ذلك، وهي نعمةٌ يجب أن تقدّرها حقّ قدرها وتقوم بأعباء شكرها، إذ أسعدك الله بالتكليف، وشرَّفك بخطابه المنيف فإن ائتمرت بأوامره، وانزجرت بزواجره كنت السَّعيد في الدنيا والآخرة. وإن كنت ممن يخالفه عن أوامره فاحذر من الفتنة والعذاب الأليم»([878]).
فبلوغ الإنسان مرحلة التكليف نعمةً من الله يجب أن يقدّرها حقَّ قدرها، فيأتمر بأوامره وينزجر بزواجره، فيكون السعيد في الدنيا والآخرة. وهذا الفهم يدفعه إلى أن يبارك لابنه بلوغه الحلم. وهذه رؤية تربويَّة إسلامية تتعامل مع مرحلة المراهقة في سياق الرؤية الإسلامية الشاملة إلى العالم، ومن دون أي خوفٍ وتعقّد من مخاطر هذه المرحلة العمرية التي يُدفع فيها الفتى إلى الانحراف في كثير من المجتمعات.
وينطلق من هذه الرؤية نفسها في تعامله مع أشياء هذا العالم. فعندما يتأمل الطبيعة الغنيّة الجميلة في إقليم الريّ، أثناء زيارته لإيران يتساءل «أمن أجل هذه الحقول نزا الشيطان على ابن سعدٍ، وفُتنت العقول، يومئذٍ على حواشي مأساة الطّف!؟». ولا يلبث أن يقول: «… وما نحن وهذه المفاتن، فحسبنا منها الآن هذه المتعة البريئة التي ترينا الله في هذا الكون الجميل، وفي هذه الطبيعة الشاعرة ….» ([879]).
يتأمّل التاريخ والطبيعة وثرواتها. في دلالة كلٍّ منها على وجود الله وعظمته ويضيف إلى رؤيته للتاريخ القول بضرورة الإفادة منه «لتستقبل منا الأجيال القادمة ما استقبلناه من الأجيال الماضية». ويرى عندما يتحدث عن الثورة العربية بقيادة الشريف حسين في مكّة أن نستوحي ما حدث في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، فيقول: «وها نحن في مرحلةٍ نتوثب إلى أن يكون لنا شأن نستوحيه من شأن مكة.
وللعرب في كل مكان، ولا سيما في مكة، نزوع، وإن اختلفت تفاصيله، فإن مجمله متّفقٌ على الوثوب إلى التاريخ من حاضرهم المهين»([880]).
وفي ميدان التأليف يكون هدفه من وضع جميع كتبه النهوض بأداء مسؤوليته في منحى عمليٍّ للإفادة من مختلف فنون المعرفة وعلومها. فيقول إنه وضع كتاب «بغية الراغبين» «أداة لحقوق الآباء والأرحام، وشكراً لجهودهم في دين الإسلام، ولالةً للخلف على جادة السلف ليعرفوها أو إرشاداً للأبناء إلى سبيل الآباء ليقتفوها …». وكأن ما يسطّره حجة تبين الهدى، فلا يبقى للمشاقق أي عذر، وهو بهذا إنما يعمل بمنطوق الآية الكريمة التي يستشهد بها، وهي:{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}. والعمل بهدي هذه الآية نجده في جميع مؤلَّفاته، فهو يقول عندما يثبت بعض القصائد: «وما كنت لأورد هذه الأبيات لولا أنها تمثل حناناً يوجب على أولاد هذين السيدين وأحفادهما أن يتبادلوه بينهم في كلّ خلف». ويقول في مكانٍ آخر: «نكتفي بإثبات هاتين المرثيتين من دون سائر المراثي لأنهما تصوّران تلك المرحلة من تاريخ البلاد»([881]).
ولعلَّ مثل هذه الأقوال تجعلنا نرى فيها إشارات إلى مفهومه للشعر. فهو مفهوم يندرج في إطار رؤيته الشاملة العملية لأشياء هذا العالم. فالشعر يُدوّن ويحفظ، إضافةً إلى فنيّته، لفوائد عمليّة تربويّة وتاريخية، وتحكم هذه الرؤية، كما قلنا آنفاً، هدفه من تصنيف جميع مؤلفاته. فيقول إن تأليفه كتاب الفصول المهمّة ما كان إلاَّ للرّد على فتاوى الشيخ نوح الحنفي القاسية([882]).
والغرض منها «استئصال بذور الشقاق بإيضاح خطئه واجتثاث أرومة الافتراق ببيان اشتباهه، حرصاً على أن لا يكال بصاعه، واتقاءً من تصديقه واتّباعه»([883]).
وفي «أجوبة مسائل موسى جار الله» ينهض لأداء الغرض نفسه، فيقول: «فما وقفت على تلك المسائل حتى أوجست خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها وتتفرَّق جماعتها؛ إذ وجدت فيها من نبش الدفائن وإثارة الضغائن ما يشقّ عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب … كان الواجب ترك هذه الغارات ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات …»([884]). وفي كتب «المراجعات» و«النص والاجتهاد» و«أبي هريرة» يتمثل الهدف نفسه، فنقرأ له قوله: «… وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت. وما توفيقي إلا بالله»([885]).
وتتجلى هذه الرؤية في اعتقاده أن ما ينجزه من أعمالٍ في هذا السبيل هو الإرث الوحيد الذي يتركه. فيقول، وهو يثبت بعض القصائد التي قيلت في وصف أعماله: «وكنت أوثر أن أتجاوز هذا كله لولا أن يفرض ذكره للوفاء لتلك العواطف والمكافأة عليها بتخليده إرثاً لا أترك سواه لعقبي وبلدي، فإن فيه من تاريخ هذه المرحلة من مراحل الجبل صفحة جهاد وعزاء تنضم إلى صفحات هذا الجبل الجياد، وتثبت استمراره حرًّا …» ([886]).
القضية المركزية:
تأليف الأمة ووحدتها:
والملاحظ أن القضية المركزية، في هذه المؤلفات، هي تأليف الأمة ووحدتها. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه القضية كانت المشكلة الأساس في الواقع الذي تصدى السيد إلى مواجهة مشاكله في تلك الفترة من الزمن. وبغية معرفة هذا الواقع نقرأ ما يقوله في وصفه له. وهو وصف ذو دلالة واضحة على طبيعة ذلك العصر ونوعيَّة مشاكله. يقول السيد في وصفه: أتينا صور، منتصف ذي الحجة سنة 1325. وليس لنا فيها «جامع، ولا مجمع ولا جماعة ولا جمعية، ولا جمعة، ولا عيد، ولا أذان ولا عنوان، ولا مدرسة، ولا، ولا يدخل الأجنبيّ صور، وهي عنوان الإماميّة في البلاد العاملية، فلا يحس منهم بأحد، ولا يسمع لهم ركزاً. يراهم ـ وهم الأكثرية ـ في معزلٍ عن المسجد الحافل بغيرهم عن المسلمين … وكأنهم ـ والعياذ بالله ـ ليسوا من هذه الأمة …». هذا إضافةً إلى أن هؤلاء الناس كانوا متفرقين «كبنات نعشٍ قد سعى بينهم متزعموهم عملاً بالقاعدة الإقطاعيَّة: فرّق تسد»([887]).
ويقتضي هذا الواقع العمل في عدّة اتجاهات. الاتجاه الأول بيان أن هؤلاء الذين كانوا يعاملون وكأنهم ليسوا من هذه الأمة، بيان كونهم من الأمة وفي وقع القلب منها، وهذا يفسِّر وفرة مؤلفاته في هذا الموضوع. والاتجاه الثاني إيجاد المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، وقد كانت الحاجة إليها ماسَّة، والاتجاه الثالث تأليف هؤلاء الناس المتفرِّقين بفعل أهواء متزعّميهم ومصالحهم. وفي هذه الاتجاهات بدأ السيد العمل في نهجٍ فكريٍّ عملي يواجه مشكلات واقعه بعزم وإيمان.
ولم تكن المهمّة سهلة، فعندما يدعو السيد إلى بناء مسجد، على سبيل المثال، يبادر المتزعمون إلى العرقلة، ويواصلون ذلك. وتكثر شكوى السيد منهم طوال فترة عمله في إقامة المؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية([888]).
تصدَّى السيد إلى مشكلات واقعة فعمل على إنشاء مؤسَّساتٍ ضروريَّةً، وكوَّن مناخاً انتظمت فيه ألفة المؤمنين، فإذا هم كما يقول، «كأنجم الثريا» بعدما كانوا «كبنات نعش»، وانصرف إلى الخطابة والكتابة في تأليف الأمة وبيان ملابسات الخلافة وأسس الوحدة.
وفي فترة تالية، كانت الثورة العربية الكبرى وتطوراتها في بلاد الشام، وما تلا ذلك من احتلال وتنفيذ اتفاقية سايكس ـ بيكو. وكان للسيد حضوره الفاعل في مواجهة مشكلات هذه الفترة، مؤكداً على التحرير والوحدة … ومن ثم على المشاركة والإنماء. ولست في مقام التفصيل في هذا الموضوع، وإنما أريد إكمال ما بدأته، فأشير إلى بعض خصائص مؤلَّفات السيد بوصفها مظاهر يتجلى فيها تفكيره العملي.
مظاهر تجلي التفكير العملي:
أ ـ تنظيم البحث دقة التعبير:
كان السيد يملي مؤلفات إملاءً وعلى الرغم من مظاهر هذه الشفوية، ومما كان يسود مؤلفات ذلك العصر من حشو واستطراد، نراه حريصاً على تنظيم البحث إلى مقصد فمطلب فمبحث، ونراه أيضاً حريصاً على حصر الكلام في الموضع المحدد، فيقول عندما يخشى الخروج على الموضوع: «وكان علينا تفصيل ذلك لولا أنه يخرجنا عن موضوع الكتاب»([889]). ويعطي أحياناً مثلاً، ثم يعود إلى موضوعه([890])، وعندما يغريه الاستطراد ينتبه، ويعود إلى بحث المسألة معتذراً: «شطَّ بنا الفكر عن المقصود فلنعد إليه»([891]).
ويكون، في تأليفه دقيق الأداء، فلو قارنَّا بين قول مقدم كتاب بغية الراغبين التالي: «… أكرم عائلات جبل عامل»([892])، وبين قول السيد عن العائلة نفسها ومنه: «… وأحرزت قصب السبق في مضامير الفضل. برع فيها رجال خدموا الدين الإسلامي الخ …» ([893]). لأدركنا الفرق بين حكم مطلق وحكم آخر محدد ولا يعوزه الدليل في الميدان المذكور.
ب- اختيار الموضوع وخطّة بحثه:
يعمد السيد عندما يبدأ البحث في موضوع أبي هريرة إلى بيان مشروعية الدراسة والحاجة إليها. فهذا الصحابي أكثَرَ من الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر المحدثون الأخذ عنه. وهذه الكثرة المزدوجة متصلة بحياة المسلمين الدينية والعقلية، ولا بد من البحث عن مصدرها وصحته. ولا يمنع هذا البحث ما يقول به الجمهور عن عدالة الصحابة أجمعين. ويناقش هذا الأصل، أو المسلَّمة المؤسس عليها، وينقضها ثم يبحث في أمر هذا المكثر نفسه، وفي حديثه: كمًّا وكيفاً ليكون على بصيرة. ويبالغ في الفحص، ويغرق في التنقيب حتى يسفر، كما يقول «وجه الحق في كتابي هذا ويظهر فيه صبح اليقين». وهكذا، ومن خلال هذا المثل، نراه يختار موضوع دراسته انطلاقاً من الحاجة العملية إليه. ويحدد هدفه من بحثه ويبين مشروعيته وأسسه وخطواته. ثم ينصرف إلى الدراسة حاصراً إملاءه في موضوعه بدقة واضحة.
ج ـ الجدل في المسائل الخلافية وقوة الحجة:
ويتميز بحثه بالوضوح والجرأة في تناول المسائل الخلافيَّة. ونراه يجادل وينتهي إلى رأي يؤيده بحشد من الأدلة العقلية والنقلية المقنعة. يعرف ذلك كل من يقرأ مؤلفاته، فهذا السيد أبو القاسم الخوئي يقول عنها: «ولا … يسع كل من يراجع كتبه إلا أن يستفيد منها الحقيقة، ويخضع لها مهما كان قوياً في آرائه»([894]). ونراه، في كتاب «فلسفة الميثاق» يبسط رأيه في المسألة المعروضة، ويؤيده بالعديد من الأدلة، ليؤكد أن الآية المعنية أتت مجازاً على سبيل التمثيل والتصوير ويستشهد بخمس آيات قرآنية وبأحاديث نبوية وبنماذج من الشعر العربي، وينتهي إلى تقرير استنتاج يتبنَّاه([895]). وفي كتاب «بغية الراغبين» يعرض لمسألة حقّ قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويثبت ذلك الحقّ، مستشهداً بالعديد من الأحاديث النبوية، وإن كنا لم نستشهد بما ورد في كتاب «المراجعات». وكتابي «النص والاجتهاد» و«الفصول المهمة»؛ وذلك لشهرته. إذ كان في «المراجعات»، كما يقول، منطلقاً «من القيود الكثيرة التي كانت توثق الأفكار آنذاك برجعيات يضيق صدرها حتى بالمناقشة البريئة والتفكير الصحيح»([896]).
د – حرية البحث والنظر العقلي:
وكان السيد، في مؤلفاته، يحدد القضايا والمسائل ويناقشها بحرية، وفي ضوء الفهم الموضوعي العقليّ. ومن الأمثلة على ذلك فهمه قضيَّة ما يأخذه بعض المسلمين على الشيعة. إذ أنه يضع هذه القضية في إطار الجهل بمذهبهم. فيقول: «… وإن دلّت هذه المفاجآت على شيء فإنما تدل على جهلهم بتفاصيل مذهبنا في ما يخالفوننا به من هذا الفرع». وبعد أن يقرر هذه الحقيقة، يورد عدداً من المآخذ، ويشرح ملابساتها.
ومن الأمثلة، أيضاً، تفسيره خوارق العادات. يلاحظ اعتقاد الناس بهذه الخوارق، ويصفها، ويقدم تقريبات، ويقرر: «وبهذه التقريبات تخرج هذه الخصيصة عن خوارق العادات»([897]). وعندما تتبين له الغرائب والعجائب يدل عليها ويقول عن المحدِّث بها: «… تراه طروباً إلى التحدُّث بما هو فوق نواميس الطبيعة كغرار الحجر بثياب موسى، وكضرب موسى ملك الموت حتى فقأ عينه، ونزول جرار الذهب على أيوب، وأمثال ذلك من المستحيلات عادةً»([898]). ويصف حديثاً آخر بقوله: «هذا من السخافة بمثابة تربأ عنها الأمة الوكعاء إلا أن تكون مدخول العقل»([899]).
والاعتماد على العقل في النظر إلى الأمور واضح في الأمثلة التي ذكرناها، وكنا قد قررناه آنفاً، ورأينا أنه خير ردٍّ على من يصفون منظومة التفكير الإسلامي بالجمود، إذ أن السيد، في سلوكه وتفكيره، يعتمد النظر إلى الأمور بحرِّيَّةٍ وقدرةٍ على الجدل وتقديم الأدلة المقنعة.
هـ ـ العلم نواة الحضارات
ووسيلة القوة والظَّفر:
ويكون العلم، في ضوء هذا الفهم لدور العقل، نواة الحضارات وحظّها في القوة والظفر والحياة … يؤكد، السيد هذا، ويضيف: «ولئن اختلفت مظاهر الحياة وظواهر الاجتماعات باختلاف العصور وتباين البيئات، فإن العلم بجوهره واحد في وجوبه وضرورته، يسعى إليه أولو الألباب ويؤثرونه في كل عصر». ويؤيد السيد ما يذهب إليه بآياتٍ، من القرآن الكريم وبعددٍ من الأحاديث النبوية([900])؛ وذلك على عادته في تأييد رأيه بالعدد الوفير من الحجج القاطعة.
وفي ضوء هذا الفهم لدور العلم يرى السيد خطر المعاهد المسمومة، ويسعى إلى تأسيس مدرسة الجعفرية للذكور والزهراء للإناث، ولكن المتزعمين نجحوا في إقفال المدرسة الثانية. وإن يكن قد عمل على تأسيس مدرسةٍ حديثة، فإنه لم ينسَ التوجّه إلى طلاب العلم في المعاهد الدينية، يدعوهم إلى إصلاح شؤونهم وشؤون أمتهم مقيماً موازنةً بينهم وبين خريجيّ مدارس الأجانب من حيث معرفة العلوم العصرية([901]).
وفي إطار التوجه نفسه دعى إلى إصلاح جامعة النجف، فقال: «وكنت أتمنى أن يكون للنجف مناهج رتيبة تقوم على مواد مفروضة وراء هذه الدروس التي يتلقاها طالب النجف بغير نظام رتيب. وكنت آمل أن أجد في النجف مثل هذا الإصلاح من غير أن يؤثر ذلك على جوهرها…»([902]).
وهكذا كان العلم، في رأيه، وسيلة أساسية من وسائل الإصلاح والنهوض إلى إنتاج القوة والظفر والحياة…
و ـ سياسة الغرب الاستعماريَّة:
تجلت رؤية السيد المسؤولة في مظهر آخر هو التصدي للغرب وسياساته الاستعمارية في فهم عميقٍ لجوهرها، كان منطلق مواقفه الوطنية ونضاله العملي والفكري. وهذا الجانب ـ أي الجانب الفكري ـ هو ما سوف نشير إلى ملامحه في ما يلي:
كان السيد في سامرَّاء حين حدثت فتنتها المعروفة. ونجد، في فهمه لها، خير مثالٍ نقدِّمه على رؤيته لحقيقة سياسة المستعمر وكشفه لها وبيان وسائله في الإفادة من المشكلات الطارئة.
يقول السيد في ذلك: «… تجاوب صدى الفتنة في آفاق العراق وإيران وجلجل في العالم الإسلامي غضباً جامحاً على وجهٍ أثار نهم الطامعين في العراق من دول الاستعمار وأخاف المستولين عليه يومئذٍ … فلم يكن من الغريب أن تبعث تلك الفتنة في بريطانيا أملاً يُرجى … ومن هنا أسرع سفير بريطانيا إلى سامرَّاء يطرق أبواب الشريف الإمام بكل خضوع، حاملاً إليه من دولته رسالة التطوع لأوامره على أي وجه شاء.
لكن غور الإمام الشيرازي البعيد وفكره الثاقب ورأيه السديد، كل ذلك وقف به على كنه الرسالة وسرّها. وانتهى به إلى ما يجب من الحيطة على الإسلام والإخلاص للأمة … فردّ «سفير بريطانيا رد الأبيّ الحميّ»([903]).
وكان هذا الفكر الثاقب الناظر إلى ما يجب من «الحيطة على الإسلام والإخلاص للأمة … أداة السيد في فهم سياسة فرنسا المستعمرة في لبنان، فرأى، وبكل وضوح أنها «جهزت المسيحيين بالأسلحة بدعوى تمكينهم من حماية حوزتهم … وبذلت السلاح للمسلمين، أيضاً، بحجة أنها تدع لهم تأديب العصاة ومطاردتهم. ولكن الحقيقة التي رمت إليها من وراء ذلك أن ثوروا بالنصارى ليتسع الفتق. ويثبت ما قصدت إليه من التدليل على عدم كفايتنا للاستقلال، فتقيم عندئذٍ حكمها على قاعدةٍ من هذا التدليل، كما أقام أمثالها حكمهم على قاعدة مثله»([904]).
وفي مواجهة هذه السياسة، كان مؤتمر الحجير للنظر في تقرير مصير البلاد على نحوٍ تطمئنّ إليه الجماعة القلقة، وكان أحد قرارات هذا المؤتمر رداً على سياسة المستعمر، وهو «التضامن على حفظ الأمن وإقرار الهدوء والحرص على سلامة النصارى بوجهٍ خاصّ» وإقسام اليمين على ذلك([905]).
وفي الوقت نفسه الذي كان يدرك فيه سياسة المستعمر كما يعي تماماً أغراض رجال السياسة المحليين ووسائلهم. فيقول في وصف بعضهم: «… فهم معنا بوجهٍ ولسان ومع الفرنسيين بوجهٍ ولسان آخرين ومع الأمير فيصل بوجهٍ ولسان غير هذين».
ويقول في تفسير عدم اكتمال التحضير لمواجهة الحملة الفرنسية: «وكان الملك فيصل وفى بوعده، وجهّز إلى الجبل قوافل من العتاد والأسلحة والأطبّاء، ولكنّ الزعيم كاملاً أرجع ذلك كله تعويلاً على الحلول السلمية وأخذاً بالأناة والتساهل»([906]).
ز ـ التحديث المشوه:
ولم تكن هذه الرؤية للسياسة الاستعمارية جزئيّة، وإنما كانت جزءاً من رؤية عامة، فقد كان السيد يضع هذه السياسات في إطارها العام من سياسة الغرب في بلاد المسلمين وسياسة أتباعه من الحكّام المحليين. فيقول في هذا الصدد: «ودهمنا الغرب بخيله ورجاله، وأناخ بكلكله وضرب بجرانه، فاستحوذ علينا دخولاً في مدارسه وإصغاءً إلى وساوسه»([907]). وتقضي هذه السياسة، كما يرى السيد بوضوحٍ، أن تكون الإفادة من الغرب شكليّة تحقق تطوراً، أو تحديثاً مشوهاً لا يرتكز إلى أسس إنتاجية … فيلاحظ، على سبيل المثال، في إحدى رحلاته «الإهمال البيّن» والمتمثل في «إبقاء الطرق والأرض على سجيتها الصحراوية وترك تلك المروج على سذاجتها الفطرية دون أن تمسُّها يد الحياة الحديثة بعناية».
يصف السيد ما يراه في رحلته متأمّلاً المشاهد، محدداً طبيعة التحديث المشوه، فيقول: «فقطعنا مفاوز وقفاراً تنعى على بهلوي إيران عنايته المنصرفة إلى السفور وأمثاله من الشرور والقشور وتركه تلك المروج موماةً مجدبة لو أطلق فيها أيدي العمّال لأغنت جيوش الفقراء والجوعى المكدَّسين … ولعاد عليه وعليهم بإحياء هذه الفلوات الغنيّة بالمعادن والثروات كل خير تعمل له الدولة الحكيمة خدمة لنفسها وشعبها»([908]).
ح ـ الدولة الحكيمة:
وكل من يطّلع على نتاج السيد الفكري والعملي يرى أنه كان يطمح إلى قيام الدولة الحكيمة العربية. ويمكن أن يتضح لنا هذا إن قرأنا بعض ما يقوله في هذا الصدى يقول السيّد: «أنشأنا في صور، يومئذٍ، حكومة تحتفظ بالزمام لتلقيه، بعدئذٍ، إلى الأمير فيصل، حين تُتوَّج مساعيه بالنجاح. ولكن الإنكليز أبطلت هذا التدبير الذي رجوناه لمستقبل عربيّ مستقل؛ الأمر الذي مهّد لفرنسا أن تسيطر وتحتل. ولم نستكن للقوة …. ولم نرض أن نتولى تعييناتٍ في حكم محلي …».
تمت مقاومة المحتل، وانتهى الأمر بسيطرة فرنسا واعلان دولة لبنان الكبير، دعا السيد إلى التحرير والوحدة. ولما أعلن استقلال لبنان دعا إلى الوحدة والإنماء والشراكة الحقيقية في الوطن. فقال، في إحدى خطبه خاطباً المصلين: «إن لكم في الوطن الذي ارتضيتموه سكناً ودولةً شركاء فيه، فيجب أن تطبقوا عليه تعاليم دينكم وسنّة نبيكم. ونصّ القرآن العظيم في آيته الكريمة: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾. ولا مندوحة إذن إلا أن تعيشوا معهم إخوانا متحابّين متعاونين»([909]). وإذ يوضح للمسلمين ضرورة العيش الأخوي، يتوجّه إلى ممثّل الطرف الآخر، رأس السلطة، ويحدد واقع جبل عامل وما يحتاج إليه، فيقول في رسائله إلى الرئيسين حبيب باشا السعد وبشارة الخوري:
«أما الجنوب و«عاملة» فقسمه الأوفى، إن مرابعه يباب وماءه محض سراب ولم تمتد إليه يد ببناء … ولعل يدك الكريمة تسرع إليه بما أبطئ عنه …».
«هذا الجبل الذي يقوم بما عليه من واجبات، ولا يُعطى ما له من حقوق كأنه الشريك الخاسر، يدفع الغرم، ومن الغنم يحرم … فإن لم يكن من قدرة على الحماية، أفليس من طاقة على الرعاية؟ وإذ لم تؤدّ الحقوق … فلماذا يستمر العقوق؟»([910]).
ولا يكتفي السيد بتصوير الواقع وتحديد ما يجب فعله، وإنما يحذّر من نتائج علاقة الشريك الخاسر، فيقول: «وإذا قرأتم السلام على جبل عامل، فقل: السلام عليك وعلى لبنان. وكأنه بهذا القول يرى المستقبل، فما كانت الحرب اللبنانية لتقع وتستمر لولا تلك العلاقة بين شريك رابح وشريك خاسر.
وإذ تمارس الدولة سياسة القمع، يوجَّه رسالة لرئيس الجمهورية بشارة الخوري على أثر تجريد حملة عسكرية على عشائر الهرمل، في أيلول سنة 1949، يحدّد فيها أسس سياسة إنمائية، تنتهجها دولة حكيمة، يقول السيّد في رسالته: «… ألا ترون أن تغزوهم بجيش من التسامح تريشون به جناح الوطن المهيض، وتشفون جنبه المريض؟ ألا ترون أن تؤدبوهم بنقلهم من البداوة إلى الحضارة ومن البطالة إلى العمل ومن اليأس إلى الأمل؟ ألا ترون أن إعمار المدارس والمستشفيات يغني عن إعمار السجون والقبور وشق الشوارع والطرقات يغني عن شق الجيوب والصدور؟»([911]).
إن هذه الرسالة لا تزال موجهة إلى أولي الأمر، فهل يتمكن هؤلاء من قراءة التاريخ والإفادة من دروسه؟
كان السيد يدرك أن المطالب تحتاج إلى قوة تنتزعها. كان الناس يفدون إليه ويشكون، ورأى أن يلزم ممثل المنطقة في السلطة بتحقيق المطالب، فحددها له، في إحدى رسائله في 9/12/1941 في ستة مطالب عامة هي: الحقوق المشروعة في الوظائف، إرواء جبل عامل أرضاً وبشراً، تعميم المدارس الرسمية، تعبيد الطرقات، تأمين الطبابة، إصلاح المحاكم ليحكم القضاة بما أنزل الله. فكأنه بهذا كان يضع برنامج عملٍ يريده السواد الأعظم من الناس بإلحاح، ويريد من ممثل المنطقة أن يوصي به لدى المسؤولين. وإن فعل يكن السيد، كما يقول، ظهيره فيه، ويضيف: «فإنني ذلك الذي عرفتم شكيمته وبلوتم عزيمته، ثم لا أرجع حتى أعقد آمالكم بالفوز وأذيل مسعاكم بالنجاح»([912]).
إن السيد كان عمليًّا في تحديد المطالب وطريقة تنفيذها وشدة عزيمته في ذلك، وهذا ما كان يراه نهوضاً بمسؤولية تحددها الآية الكريمة: ﴿وقفوهم إنهم مسئُولون﴾.
الدكتور عبد المجيد زراقط
شذرات من خطبة السياسة
1 ـ مما قاله في مؤتمر وادي الحجير:
* … إخواتي أعلام الأمة: إننا اليوم في هذا المفترق الخطير، أشد حاجة من أي وقت إلى الاعتصام بحبلهم (آل البيت) والسير على نهجهم، فإما عزة لا تفصم، أو ذلة لا ترحم، إما حياة حرة، أو هوان تهدر في حمأته إنسانية الإنسان، إما استقلال دون وصاية، أو استعباد نكون معه كالأيتام على مأدبة اللئام.
* يا فتيان الحمية المغاوير، الدين النصيحة، ألا أدلكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم: فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته، وأخمدوا بالصبر الجميل فتنته، فإنه والله ما استعدى فريقاً إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية، حتى إذا صدق زعمه، وتحقق حلمه، استقر في البلاد تعلة حماية الأقليات.
* ألا وإن النصارى إخوانكم في الخلق وفي الوطن وفي المصير، فأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم، وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تحبطون المؤامرة وتخمدون الفتنة.
* إن هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية، ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز، المعتمر تاج (فيصل) العرب، عاهلاً مؤثلاً وقائداً محجلاً، يقيم حكومة شرعية، تجعل من الوطن جبهة منيعة ينحدر عنها السيل، ولا يرقى إليها الطير.
2 ـ من كلمته باسم وفد مؤتمر الحجير:
…. والهدف يقوم على دعامتين اثنتين: تطهير أرضنا الطيبة من رجس الاحتلال، وجمع شتاتها تحت لواء وحدة وحرية واستقلال.
ولن تقوم لسورية دولة، ولن تكون أرضها واحدة ما دام الفرنجة يكبلون جناحي الشام بساحله وفلسطينه. وقد أجمع الرأي العام عندنا على المناداة بذلك والجهاد في سبيل تحقيقه، وواجه به لجنة الاستفتاء الأميركية.
مقررات ـ رسائل ـ نداءات
1 ـ مقررات مؤتمر وادي الحجير:
أ ـ تأييد مقررات المؤتمر السوري في رفض تقسيم سوريا والانتداب الفرنسي، وإعلان الدولة العربية في سوريا وتتويج فيصل ملكاً عليها.
ب ـ انضمام جبل عامل للدولة العربية (الوحدة السورية) ومبايعة الملك فيصل على تطهير البلاد من الاحتلال الفرنسي.
ج ـ المحافظة على النصارى وحقوقهم وحلف اليمين على ذلك.
2 ـ من المذكرة التي قدمت للجنة الأمريكية التي عرفت بلجنة كراين:
أ ـ الاستقلال التام والناجز لسورية الطبيعية بما فيها فلسطين ولبنان وما عرف ببر الشام.
ب ـ دولة ملكية ذات عدالة ومساواة يستوي فيها الجميع في الحقوق والواجبات.
ج ـ رفض أي حق لفرنسا في سوريا ورفض مساعدتها.
3 ـ من نداء وجه إلى الحلفاء في 20 رمضان 1360هـ والموافق 11 ت/1، 1941م:
أ ـ الاستقلال لسوريا الطبيعية المعروفة قبل الحرب العلامية الأولى.
ب ـ إعادة الأجزاء المقتطعة منها والملحقة بتركيا.
ج ـ إلغاء الحواجز الجمركية وتوحيد برامج التعليم والسياسة الخارجية والدفاع بين الدولة العربية.
د ـ الرفض لوعد بلفور باعتبار أن فلسطين من سوريا بمنزلة العين من الوجه.
4 ـ من مذكرة إلى ملك بريطانيا:
أ ـ اعتبار استقلال لبنان مهزلة.
ب ـ كرر المطالب بالوحدة السورية العراقية، وبفلسطين.
5 ـ من نداء إلى الملك عبد الله:
…. وليس ذهاب فلسطين فاجعاً لولا أنه ذهاب لريح العرب وعز الإسلام وكرامة الإنسان المسترق في عز هذا الشرق القريب.
6 ـ من نداء للمسلمين والعرب
في المحرم عام 1367هـ:
…. ألا وإن قتْلة الحسين عليه السلام بكر في القتلات، فلتكن قدوتنا به بكراً في القدوات، ولنكن نحن من فلسطين مكان الحسين من قضيته، ليكون لنا ولفلسطين، ما كان له ولقضيته من حياة مجد وخلود ….
7 ـ برقية إلى شاه إيران إثر دخوله حلف بغداد:
حفظ الله الإيمان بحفظ إيران. دخولكم الحلف التركي العراقي ينذر بالقارعة، موقفكم بين فكي التنين يلزمكم بالحياد، الدين النصيحة وقد نصحت.
أسلمها روحاً ثائرة:
حاولنا بهذه الصفحات أن نعطي اقرب صورة إلى شخصية الإمام شرف الدين، هذه الشخصية التي لا نجد فيها أي لحظة خروج عن الفكرة الأساسية التي وضعها لنا أساتذته، بحيث إننا نجده «وقد أراد الله لهذا السيد، وهو على وشك اللحاق به أن يختم حياته بمكرمة دونها المكرمات وصالح الأعمال … «وقد جاءت هذه المكرمة حجة بالغة، ودليلاً قاطعاً على أن الدين ورجاله الحقيقيين الشرفاء، هم في خدمة الشعوب والصالح العام، لا في خدمة الإقطاع والاستعمار.
«قبل أن يتمرض السيد مرضه الأخير بأيام، زار لبنان شاه إيران، ولدى وصوله إلى بيروت أرسل وفداً من حاشيته إلى مدينة صور، يرجو السيد أن يزور الامبراطور، وقيل له إن الغاية من الزيارة تأييد الشيعة وإعزاز الطائفة، لأن الشاه هو الملك الشيعي الوحيد بين الملوك والرؤساء. ولكن السيد أدرك أن الهدف الأول تدعيم مركز الشاه في العالم الإسلامي وبخاصة إيران، بعد أن ضعف بسبب حلف بغداد، فقال للوفد: إني أبرأ إلى الله من كل من يمت إلى الاستعمار وحلف بغداد بسبب، كائناً من كان. فقال الوفد: إن الامبراطور يريد أن يقدم مساعدة مالية كبرى لكليتكم الجعفرية، فأجاب السيد بأن الأمر يعود إلى الدين والمبدأ لا إلى المال والحطام ولا إلى التشيع والتسنن.
وحين عدتّه وهو على فراش الموت قال لي: ما رأيك في رفضنا زيارة الملك؟ فقلت: أديتم رسالة الدين ومثلتم سيد المرسلين، ورفعتم من شأن أمته».
وللأمانة التاريخية إن الإمام شرف الدين دخل المستشفى مرتين خلال الأيام الأخيرة، ففي المرة الأولى، وعندما علم الشاه أن الإمام سيخرج من المستشفى، بعث كبار حاشيته يعودون الإمام في المستشفى ويعلمونه أن الشاه سيحتفل في قصر الضيافة بهذه المناسبة، وقد جعل توقيتها ساعة خروج سيادتكم من المستشفى، فاعتذر الإمام بحجة أنه لا يستطيع أن يرتقي الدرج.
عاد الوفد ثانية ليبلغه أن الشاه أمر بإقامة حفلة الشاي في حديقة القصر، فاعتذر أيضاً لأن حاله الصحية لا تسمح بالتقيد بمراسم الاحتفالات.
عاد ثالثة ليقول بأن الشاه يهمه أن يعرف لحظة مرور موكب الإمام أمام قصر الضيافة ليخرج للتهنئة بالسلامة وتقبيل الأيدي (مع العلم أن ليس من طريق على القصر بين أوتيل ديو وصور) فأجاب الإمام: «إذا رايت الملوك على أبواب العلماء، فنعم الملوك ونعم العلماء. إذا رأيت العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك، وضناً بمليكنا الوحيد في العالم، لا أريد له إلا أن يكون نعم الملك ولا أرضى لنفسي إلا أن أكون نعم العالم وقد نشرت الصحف اللبنانية حينها الخبر.
وعلى هامش هذا نذكر:
1 ـ إن بعض السياسيين من الشيعة لم يتركوا المستشفى طوال يومين كاملين في محاولات للإقناع.
2 ـ من وسائل الإقناع غير المادية، قيل إن هذا التصرف يبرر مكانة لعلماء الطائفة ليست في أي طائفة في العالم، ويبرز معنى العالم عند الشيعة إذ يخرج الشاه إلى الشارع لتقبيل يده فكان جواب الإمام: إن قبولي يعني صك البراءة للشاه داخل إيران، ولن يبقى بعد هذا عمامة في إيران إلا وتدخل أقبية التعذيب فما يفيدني العالم، إذا أسمعني ربي غداً يوم الحشر أصوات المعذبين.
3 ـ من عادة الشاه أن يقيم حفل عزاء في قصره عند وفاة عالم شيعي كبير في إيران والخارج، ولكن هذا لم يحدث لوفاة الإمام شرف الدين، وهو الوحيد الذي لم يقم له مجلس عزاء في القصر، ولكن بالمقابل، ورداً على الشاه لم يبق منزل على طول إيران وعرضها إلاّ وأقام فاتحة.
نشأته:
بعد هذا التجوال السريع على حياة الإمام شرف الدين، وفي كل زاوية منها مسكب نور، نحاول أن نعود إلى النشأة والبيت، فهناك كانت التربة والبذرة والصياغة.
فهو وارث أجيال من العلم والخير والبركة، ويستطيع أن يباهي الجميع بأن ليس في سلسلة أبويه إلا مجتهد. فأبوه السيد يوسف من وصفه شيخ الشريعة الأصفهاني بأنه: «علم الأعلام، وملاذ الأنام، ومرجع الخواص والعوام».
ومنه تتابع الحلقات النيرة. وأمه ابنة السيد هادي الصدر، وإذا أردنا أن نتكلم عن بيت أمه فحسبنا أن نشير أن والدها السيد هادي مجتهد لم يخلف سوى المجتهدين.
ذلك أن ابنه السيد حسن من كبار مراجع التقليد، وبناته الثلاث المتزوجات أولدن مجتهدين، فالزهراء ولدت السيد شرف الدين وهو وحيدها، وثانية ولدت أربعة مجتهدين منهم: السيد صدر الدين والد الإمام الصدر، والسيد حيدر والد الشهيد محمد باقر، وثالثة لها ثلاثة مجتهدين منهم الشيخ محمد رضا آل ياسين، وكان من مراجع التقليد، والشيخ مرتضى الذي كان يزهد بالمرجعية، وهيأ الأجواء لابن شقيقته الشهيد الصدر.
ونترك للسيد شرف الدين نفسه يصف مولده ونشأته: «ولدت مستهل جمادى الثانية لسنة ألف ومائتين وتسعين في المشهد المقدس الكاظمي، أثناء رحلة والدي لطلب العلم. وحين رجع أعلى الله مقامه، إلى جبل عامل واستوطن قرية (شحور)، وهي من أعمال صور، كنت في الثامنة من عمري، محبوراً بحضانة والديَّ المبرورين، أنزل من حنانهما إلى جناب مريع، وألوذ من حنوهما إلى كهف منيع، وقد ألقيا علي رحمتهما، وبسطا لي جناح رحمتهما، وبسطا لي جناح رحمتهما، وأَلَانا لي أعطاف عطفهما، وأوسعا لي أكناف لطفهما وأحنيا علي بالتربية، كما تحدبا علي بالتغذية، فطبعاني والحمد لله على غرار الدين القويم، وضرباني على قالب المنهج المستقيم.
لا عذب الله أمي إنها شربت
حب الوصي وغذتنيه باللبن
أخذت عنهما أصول الدين وعقائده القيمة. وطبعاني وأنا طفل، على إقامة الصلاة بشروط صحتها، فجرى ذلك مني مجرى الروح في الجسد، ورسخ في نفسي رسوخ الجبال الراسخة، وتلك نعمة لا يؤدي حقها، ولا يستوفي شكرها، والفضل لله تعالى إذ خلقني من والدين مخلصين له الدين، داعيين إليه بالحكمة والأساليب المألوفة، بعيدي الغور، حصيفي العقيدة، له النعمة والآلاء بما بذلاه لي من النصح وتحرياه من الرشد، فلم يطويا عني نصحاً، ولم يدخرا في دلالتي على الله تعالى وكتابه ورسوله وأوليائه واليوم الآخر وسعاً.
قرأت القرآن الكريم على معلم من الصالحين في النجف الأشرف، وجودته في شحور على عمي المبرور السيد محمود شرف الدين، وكان من الحفاظ والقراء والبررة الأتقياء.
ثم أقبل المقدس والدي على تعليمي بنفسه، واسترسل إلى تلقيني الدروس بأنسه، فألقيت إليه سمعي، وأصغيت إليه بلبي حتى أخذت عنه العلوم العربية: الصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والأدب العربي وعلم المنطق بكل ضبط وإتقان، وأخذت عنه نجاة العباد للعمل على مقتضاها، وقرأت عليه كتابي: «فقه الإمامية وشرائع الإسلام».
«وما رأيت مثله أستاذاً يغدو على التدريس بسعة ذرعه، ويرد على البحث مع تلميذه بشهامة طبعه، يعيره ـ إذا تكلم ـ أذناً صاغية ويتلقاه ـ وإن أخطأ ـ بوجه متهلل وصدر منشرح.
«وحين لمعت مني بوارق النجاح وبدت تباشير الصبح، أجمع على إرسالي حاضناً لأخي الشريف، إلى جامعات الدين في العراق».
وبعدها كانت حياته الزاخرة كما مر في صفحاتنا السابقة «إلى أن كان صباح الاثنين في 8 جمادى الآخرة سنة 1377 الموافق 30 كانون الأول سنة 1957، الساعة الخامسة والنصف صباحاً، فإذا بالقلوب واجفة والنفوس باهتة، وإذا بالدموع تتلاقى الدموع واللوعة والأسى يعمان الجميع الكبير والصغير، الغني والفقير، لقد نعى الناعي الإمام المجتهد الأكبر السيد عبد الحسين شرف الدين الذي ملأ دنياه والإسلام فضلاً وعلماً وأثراً».
وفي وفاته كتب آقا بزرك الطهراني: قضى المترجم له حياته حافلة بجلائل الأعمال وعظيم المواقف وخدمة الدين، حتى انتقل إلى رحمة الله في بعض مستشفيات بيروت يوم الثلاثاء عاشر جمادى الثانية 1377هـ، فخسر به المسلمون المؤمنون عظيماً من زعماء الطائفة، وعميداً من أكبر رجال الأمة، وبطلاً من أشهر الأبطال، ورجلاً من أنذر الرجال، وقد بقي مكانه شاغراً، وأحدثت وفاته في الدين ثلمة لا تزال تنتظر من يملؤها.
وقد نقل جثمانه الشريف إلى بغداد بالطائرة يصحبه بعض أنجاله ورهط من رجال لبنان البارزين، بعد أن شيع في بيروت تشييعاً رسمياً، وحمل على الرؤوس من بغداد إلى الكاظمية، فدام تشييعه خمس ساعات، وجرى له من التعظيم والإجلال ما يليق بمقامه الرفيع وخدماته الجلى، ومواقعه المشهودة، ثم جرى له في كربلاء مثل ما جرى ببغداد والكاظمية، واكتست النجف ثياب الحداد، وشمل سائر طبقات العلماء حزن عظيم، واستقبله الوجوه والزعماء وسائر الناس على منتصف طريق كربلاء، وحمل الجثمان على الرؤوس من مدخل المدينة وأمامه المواكب الشعبية بأناشيدها الشجية ودموعها السخية وأعلامها السود، وأغلقت الأسواق والشوارع، وهكذا حتى أودع في مقره الأخير في الحجرة المجاورة لمقبرة السيد محمد كاظم اليزدي من جهة الجنوب من الصحن الشريف، وأقيمت له الفواتح في مختلف البلاد الإسلامية واستمرت ليالي وأياماً، وقد أبّنه العظماء ورجال الفكر، كما أقيمت له حفلات التأبين في النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وغيرها من مدن العراق، وفي طهران وأصفهان وغيرهما من بلاد، إيران والهند والباكستان وسوريا ولبنان وغيرها.
البعد الفقهي في شخصية
الإمام شرف الدين العلمية
-1-
يمثل البحث الفقهي رؤية الفقيه للمجتمع والعالم من منظار الإسلام. كما أنه ـ في حالة اختيار الفقيه لأبحاث معينة ـ يعبر عن حقل اهتمامه في المجتمع والأمة. لا فرق في ذلك بين أن يكتب بحثه وبين أن يمليه على طلابه، فإن اختياره في الحالين يعبر عن حقل اهتمامه، ومن ثم فإنه يعبر عن درجة علاقته بالحياة اليومية للأمة الإسلامية وللمجتمع الذي يعيش فيه منها.
وحين يشغل الفقيه في المجتمع مركزاً يتجاوز مهمته الفقهية المحضة إلى دور قيادي في الحياة اليومية الاجتماعية والرياسية للمجتمع، فإن دلالة الاختيار على حقل الاهتمام ودرجة الاهتمام تكون أقوى في الكشف عن مدى الالتزام الرسالي بمهمته ومدى وعيه لها.
هذا ما ينبغي أن يواجه الباحث في الجانب الفقهي من حياة كل فقيه عايش مجتمعه في همومه وحاجاته ومخاوفه وتطلعاته، وأزماته وما يحيق به من أخطار.
وهذا ما نواجهه في حياة الإمام شرف الدين إذ نحاول أن نفي جانباً من شخصيته العلمية الفقهية.
وإن لمن دواعي الأسف أن الآثار الفقهية والأصولية للإمام شرف الدين لم تحفظ أو لم تنشر، ولذلك فإن مجال البحث في فكره الفقهي ومنهجه في الاستنباط ضيق جداً، فليس بين أيدينا من الآثار الفقهية بالمعنى المصطلح إلا رسالة واحدة صغيرة الحجم، عظيمة القيمة، وهي رسالة (مسائل فقهية)، ودراسة عن (السجود على التربة الحسينية)، وبحث نقدي في مسألة (نقل الجنائز).
وقد اعتبرناها نموذجاً لما سميناه (فقه الخلاف).
وقد رأينا في ترجمته ذكر بعض العناوين الفقهية والأصولية، من قبيل (شرح التبصرة في الفقه) وتعليقة على مباحث الاستصحاب من رسائل الشيخ الأنصاري في أصول الفقه، ورسالة في منجزات المريض، وتحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب، وبغية الفائز في نقل الجنائز، وبغية السائل في لثم الأيدي والأنامل.
وقد اعتبرنا كتابيه: (الفصول المهمة في تأليف الأمة) و(أجوبة موسى جار الله) نموذجاً لفكره الفقهي فيما سميناه (فقه الوفاق).
ونعني بفقه الخلاف: فقه المذاهب عند المقارنة فيما بينها في موارد الخلاف، وترجيح بعضها على بعض استناداً إلى الأدلة الشرعية الملزمة للمخالف، باعتبارها أدلته هو التي يستند إليها في مقام الاستنباط، وتتوافق مع المباني الأصولية التي يعتمدها في مقام الاستنباط.
وهذا ما وضع الإمام شرف الدين للبحث فيه فصول رسالته (مسائل فقهية).
نعني بفقه الوفاق: المذاهب الكلامية للفرق الإسلامية حين يُبْحَثُ في وجوه الخلاف بينها، لا بهدف ترجيح أحدها على الآخر في هذه المسألة أو تلك، ليكون البحث فيها بحثاً كلامياً تقليدياً، بل حين يبحث في علاقتها بوحدة المسلمين باعتبارهم أمة واحدة، وإن اختلاف الفرق في المسائل الكلامية هل يقتضي ـ أو لا يقتضي ـ اختلاف الأمة وانقسامها من حيث كونها أمة مسلمة تجاه القضايا التي تتصل بسيرورتها التاريخية وتفاعلها فيما بينها ومع العالم من حولها.
وهذا ما وضع الإمام شرف الدين للبحث فيه كتابه (الفصول المهمة في تأليف الأمة).
ومجال فقه الخلاف هو (الفروع) ومجال فقه الوفاق هو (الأصول).
والفروع هي المسائل العلمية التي تشكل الحياة اليومية للمسلم في عباداته ومعاملاته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، فمجال فقه الخلاف هو (الفقه العملي).
والأصول هي القضايا النظرية، سواءً في ذلك ما يتصل منها بقضايا العقيدة ومتفرعاتها، أو ما يتصل منها بالقضايا السياسية والتنظيمية الكبرى، وأم القضايا فيها قضية الخلافة والإمامة وما يتصل بها من مسائل الولاية على الأمة، أو ولاية الأمة على نفسها، والشورى، وأهل الحل والعقد، والبيعة. فمجال فقه الوفاق هو (الفقه السياسي).
ـ 2 ـ
ونحن نعلم أن الخلاف المذهبي النظري بين المسلمين يتمظهر في مجالين:
أحدهما: مجال الأصول التي منها ما يتصل بالمسألة السياسية ـ كما أشرنا ـ ومنها ما يتصل بقضايا أخرى، من قبيل مسألة (الصفات)، ومسألة (الرؤية)، ومسألة (خلق القرآن = الكلام النفسي)، ومسألة (التقبيح والتحسين العقليين).
وثانيهما: مجال الفروع، وهذا شائع ومعروف بين المذاهب الإسلامية.
وإذا كان الخلاف في مجال الفروع يعبر عن نفسه في الحياة اليومية للمسلمين في العبادات: (الصلاة) أو الأسرة: أو الطلاق، وأحكام الأولاد، والمواريث، أو علاقات البيع والشراء في المجال التجاري والاقتصادي. فإن الخلاف في مجال الأصول لا يعبر عن نفسه في الحياة اليومية، ولكنه في بعض الحالات، يعبر عن نفسه في مجال شديد الخطورة، وهو اعتبار مسلم لآخر أو لجماعة من المسلمين أو اعتبار جماعة من المسلمين لمسلم أو لجماعة أخرى … اعتباره أو اعتبارهم مسلمين أو كفاراً مرتدين. وهو اتجاه نلاحظ أنه نما في العقود الأخيرة من السنين نمواً واضحاً في السلوك العام والموقف العام لبعض الجماعات والاتجاهات داخل الأمة، نحو الأمة كلها أو قسم منها.
ومن هنا يتضح أن الخلافين ليسا في درجة واحدة من حيث تأثيرهما على الوحدة الاجتماعية ـ المجتمعية والسياسية للمسلمين، بل إن بينها تفاوتاً كبيراً في ذلك.
فخلافات الفروع لا تتضمن عوامل التفرقة والانقسام، ومن ثم فإنها لم تؤثر على الوحدة العامة بين المسلمين، وهي شائعة بين المذاهب، كما هي شائعة داخل كل مذهب بين فقهاء هذا المذهب أو ذاك، ولم تؤثر على وحدة اتباع المذهب الواحد، كما لن تؤثر ـ بنفسها ـ على الوحدة بين اتباع المذاهب المختلفة.
إن هذه الخلافات تعبر عن الاجتهادات المتنوعة للفقهاء، ولا تعبر، إلا في النادر، عن اتجاهات سياسية ـ سلطوية، أو سياسية ـ اقتصادية.
وهذا على العكس من الخلافات في الأصول. فإن هذه الخلافات قد أثرت على الوحدة العامة للمسلمين، ابتداءً من الخلاف الأساسي حول الإمامة والخلافة، والخلافة، والخلاف حول مصدر شرعية السلطة وأنه النص أو البيعة. وما ترتب على هذا الخلاف بصورة منطقية من قبيل الاختلاف في طبيعة المركز السياسي للصحابة، أو بصورة مفتعلة من قبيل الخلاف في حجية ما يسمى سنّة الصحابي.
ولذلك نلاحظ أن خلافات الفروع بين المذاهب المتقاربة أو المتحدة في الأصول لم تؤثر على الوحدة السياسية والمجتمعية لأتباعها إلا قليلاً، كما هو الشأن في المذاهب الفقهية التي تنتمي إلى المدرسة الأشعرية في الأصول.
ونلاحظ أن خلافات الفروع كونت تمايزاً واضحاً بين أتباع المذاهب التي تنتمي إلى مدارس مختلفة في الأصول، كما هو الشأن في مذاهب الإمامية والزيدية والأباضية والمذاهب الأربعة.
ـ 3 ـ
لا بد أن الإمام شرف الدين كان ـ في اهتماماته الفقهية ـ كسائر الفقهاء معنياً بالفقه المذهبي الذي ينتمي إليه، وهو ـ بالنسبة إليه ـ الفقه الإسلامي على مذهب الإمامية الاثني عشرية.
وهذا ليس أمراً مميزاً لأي فقيه. وما يمكن أن يمتاز به فقيه عن آخر في هذا المجال هو التجديد في بعض مباني المنهج الأصولي، أو بعض طرق الاستدلال، أو الفهم المتحرك للأدلة الشرعية على نحو يجعل الفقه على علاقة حية فاعلة في المجتمع.
وفي هذا المجال ليس بين أيدينا من الآثار الفقهية للإمام شرف الدين ما يمكننا من الدرس والمقارنة.
ولكن الأمر المميز للإمام شرف الدين، باعتباره فقيهاً، هو عدم اقتصاره على الفقه المذهبي إلى مجال فقهي أوسع وأرحب، هو فقه الخلاف في الفروع (الفقه المقارن)، وإلى ما سميناه (فقه الوفاق) في الأصول.
حيث إن هذا الاهتمام بوجهيه، يمكن أن يشير إلى خاصتين في شخصية الإمام شرف الدين.
إحداهما: علمية فقهية، فإن الاستنباط في فقه الخلاف وفقه الوفاق يقتضي استعداداً علمياً استثنائياً، وتبحراً وسعة اطلاع على فقه المذاهب وأدلته، وهذا يعني تجاوز الاجتهاد المطلق في المذهب إلى الاجتهاد المطلق العام في أكثر من مذهب أو في سائر المذاهب، بما يقتضيه ذلك من القدرة العلمية على التعامل مع الأدلة والمباني المختلفة في المذاهب الأخرى.
ونلاحظ في هذا المجال أن الإمام شرف الدين تناول بالبحث جملة من المسائل الخلافية ذات الصلة اليومية بحياة المسلم، وهي موضوع احتكاك يومي بين المسلمين.
وهذا يكشف عن أن الفكر الفقهي عنده فكر عملي متحرك في قضايا الحياة اليومية، وليس فكراً تجريدياً منقطع الصلة بالواقع الحي الذي يعيشه المسلمون.
وثانيتهما: سياسية قيادية، تصل الفكر الفقهي بحياة الأمة، وترى على ضوئه الإسلام وهديه ما يحيق بالأمة من أخطار، وما تتطلع إليه من آمال.
فهذا الخلاف في بعض المجالات التي لها علاقة بالأصول، قد أدى سوء فهمه على حقيقته بالمسلمين إلى الفرقة والتشتيت والتباعد والتباغض، وأثر نتيجة لذلك تأثيراً شديد الخطورة على وحدتهم وتماسكهم.
ولذلك فقد كرس الإمام شرف الدين قسطاً كبيراً من جهده العلمي لتأصيل هذا الفرع الفقهي الهام في الفقه السياسي الإسلامي، وهو ما سميناه فقه الوفاق.
فإذا كان هدف فقه الفروع المذهبي هو الكشف عن الأحكام الشرعية الإلهية من الأدلة الشرعية، حسب ما تقتضيه أصول ومسلمات المذهب من دون نظر إلى ما عليه المذاهب الأخرى.
وإذا كان هدف (فقه الخلاف) هو المقارنة بين أقوال المذاهب، وإثبات صحة الموقف الفقهي المذهبي.
فإن هدف (فقه الوفاق) ليس هذا ولا ذاك: ليس إثبات صحة الموقف الكلامي لهذه المدرسة الكلامية التي ينتمي إليها مذهب الفقيه، وليس المقارنة بين موقف هذه المدرسة من مسألة كذا ومقارنته بموقف المدارس الأخرى، والوقوف عند المقارنة، أو تعديه إلى التصحيح والإبطال.
بل هدف فقه الوفاق هو إثبات عدم الملازمة بين الاختلاف في المسائل الكلامية ذات العلاقة بالأصول، وبين التكفير والقطيعة السياسية، وتجزئة الأمة الواحدة إلى شيع مختلفة.
إن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون ـ على مستوى حياتها العامة ـ إلى هذا الفرع الفقهي الذي سميناه (فقه الوفاق)، ونلحّ على أنه ليس تفصيلاً في علم الكلام، بل هو فرع في الفقه السياسي.
لقد كشف الإمام شرف الدين عن أن هذه الخلافات في الإمامة والخلافة، وحول الصحابة وسنة الصحابي، وغير ذلك مما يتصل بالأصول، وكذلك الخلافات في الفروع الفقهية لا تخرج المسلم المخالف عن كونه مسلماً يجب أن يكون كامل الحرمة، وكامل الإسلام عند المسلم الآخر، انطلاقاً من أصول عقيدية كبرى في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة المسلمة عند جميع المسلمين.
لقد كان وعي الإمام شرف الدين لهذه القضية من جانبها العلمي الديني ومن جانبها السياسي العملي، هو الحافز له على أن يبحث في (فقه الوفاق) الذي يكشف عن أن مسلّمات الإسلام تلحظ التنوع في داخل الوحدة، ولا تعتبر التنوعات انشقاقاً وتفرقاً، بل تعتبر الانشقاق والتفرق جريمة في حق الأمة، وجريمة في حق الدين.
وهكذا، فيبدو أن حق الاختلاف معترف به في الإسلام، إذا كان الإنسان مخلصاً في بحثه عن الحقيقة، متجرداً عن الأهواء والنزعات الذاتية والمصلحية، مستوفياً في بحثه جميع شروط البحث العلمي الموضوعي، غير متهاون في شيء منها.
وبهذا يستقيم أن من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
ـ 4 ـ
إن الإمام شرف الدين، في مقدمة كتابه (الفصول المهمة في تأليف الأمة)، يلاحظ ارتباط التقدم والسيادة والتحرر من الأجنبي بوحدة الأمة، وارتباط الانحطاط والتخلّف الحضاري، والذل، والتبعية للأجنبي، بالتفرق والاختلاف، فيقول:
«لا تتسق أمور العمران ولا تستتب أسباب الارتقاء، ولا تنبث روح المدنية، ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة، ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية..، إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة، وترادف القلوب واتحاد العزائم، والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة، ورفع كيان الملة…».
ثم يقول:
«أما إذا كانت الأمة أوزاعاً متباينة، وشيعاً متباغضة، لاهية بعبثها، غافلة عن رقيها، لتكوننّ حيث منابت الشيح ومهافي الريح، أذل الأمم داراً، وأجدبها قراراً، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وهدف السهام، وقبسة العجلان، في باحة ذل، وحلقة ضيق، وعرصة موت، وحومة بلاء، لا تأوي إلى جناح دعوة، ولا تعتصم بظل منعة، فحذار حذار من بقاء الفرقة، وتشتت الألفة، واختلاف الكلمة، وتنافر الأفئدة. ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾. ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾.
ثم يقول داعياً قيادات المسلمين إلى العمل للوحدة:
«فهلاّ شرعوا خطيّ أقلامهم، وجردوا صوارمها، ووتروا قيسيّ أقطارهم، وناضلوا بثواقبها، فأزهقوا نفس العصبية، ومحقوا آثارها … واعتنوا باتحاد التشيّع والتسنّن … ويحذرون الأمة مما يصطلم حوزتها ويفرّق جماعتها. فإن الله سبحانه يقول: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾. [سورة ص، الآيتان: 7 ـ 8].
وهو يصرح بأن الدافع له على تأليف هذا الكتاب هو بعض الفتاوى التي صدرت بتكفير الشيعة وكان لها آثار دموية مدمرة (ص: 22).
وبدل أن يكون رد الفعل على هذه الفتاوى مماثلاً لطبيعتها، وهو التكفير مقابل التكفير أيضاً، وهو ما درج عليه بعض المذهبيين الطائفيين في جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، أو الاقتصار على إثبات أن الشيعة ليسوا كفرة بل مسلمون، وهو ما يقصر البحث على الجانب الكلامي، نجد أن الإمام شرف الدين يقوم برد الفعل الفقهي الذي يقوم على معطيات ما سميناه (فقه الوفاق، أو فقه الوحدة)، وهو ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة في قضايا الخلاف، والكشف عن أن هذه الأدلة تقتضي بإسلام الجميع، ووحدة الأمة مقابل اتجاهات التكفير التي لا سند لها في الكتاب والسنة.
والخلفية الذهنية عند الإمام شرف الدين تستند إلى رؤية فقهية صافية ترى المقدس الذي يرقى إلى مرتبة الأصول، وهو أن المسلمين أمة واحدة لا يجوز أن يؤثر على وحدتها تنوعاتها الفكرية والمذهبية، بل تتسع لها جميعاً وتحتضنها في نطاق الاجتهاد الذي يقود فكر الجميع، والذي هو حوار مفتوح بين كل مجتهد وبين الأدلة، وحوار مفتوح بين المجتهد والمجتهد الآخر، وحوار مفتوح بين المذاهب.
والكل معذور بقدر إخلاصه لله في النية، وتحريه للحقيقة واعتصامه من تأثير الهوى، واتقانه للبحث العلمي.
فيقول في الفصول المهمة: (… والفرض بعث المسلمين على الاجتماع، والتنديد بهم على هذا النزاع، والتنبيه لهم على أن هذا التدابر بينهم عبث محض وسفر صرف، بل فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل. ضرورة أنه متى كان الدين حاكماً على كل منهما بالإيمان معلناً بفوزهما في أعلى الجنان، لا يبقى لنزاعهما غرض تقصده الحكماء أو أمر يليق بألباب العقلاء. لكن مني المسلمون بجماعة ذهلوا عن صلاحهم، وغفلوا عن حديث صحاحهم) ص: 25.
ونستند إلى رؤية سياسية قيادية تعتبر أن الانقسام والخلاف يؤدي إلى الهزيمة أمام القوى الأجنبية والذل والعبودية، فيقول:
«… فليتق الله أهل الشقاق، ولينهض رجال الإصلاح بأسباب الوئام والوفاق، فقد نصب الغرب لنا حبائله، ووجه نحونا قنابله، وأظلنا منطاده بكل صاعقة، وأقلنا نفاقه بكل بائقة، وأحاط بنا أسطوله، وضربت في أطلالنا طبوله، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرؤوا إلى الله من هذا النزاع ليكوننّ أذلاّء خاسئين وأرقّاء صاغرين (أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلاً)» سورة ص، آية: 21.
ويقول في مقدمة (أجوبة موسى جار الله) انطلاقاً من الخلفية الفقهية والسياسية معاً:
(فما وقفت عليها حتى أوجست من مغازيها خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها، وتتفرق جماعتها، وإذا وجدت فيها من نبش وإثارة الضغائن ما يشق عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والإبرام ولا المشادّة والمنافثة، فضلاً عن هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة.
وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات، فحتّام هذا الإرجاف؟ وفيم هذا الإجحاف؟
أليس الله عز وجل وحده لا شريك له ربنا جميعاً؟ والإسلام ديننا؟ والقرآن الحكيم كتابنا؟ وسيد النبيين وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم نبينا؟ وقوله وفعله وتقريره سنتنا؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحج البيت فرائضنا؟ والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرماه، والحق ما حققاه، والباطل ما أبطلاه، وأولياء الله ورسوله أولياؤنا وأعداء الله ورسوله أعداؤنا، وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور. ﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾.
أليس الشيعيون والسنيون شرعاً في هذا كله سواءً؟ ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.
والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافية صغروي في الحقيقة، ولا نزاع بينهما في الكبرى عند أهل النظر أبداً، ألا تراهما إذا تنازعا في وجوب شيء أو حرمته، أو في استحبابه أو في كراهته أو في إباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيته أو في شرطيته أو في مانعيته، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص أو فسقه أو إيمانه أو نفاقه أو وجوب موالاته أو وجوب معاداته، فإنما يتنازعان في ثبوت ذلك بالأدلة الشرعية، وعدم ثبوته فيذهب كل منهما إلى ما تقتضيه الأدلة الإسلامية، ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشيء في دين الإسلام، أو علموا جميعاً عدم ثبوته في الدين الإسلامي، أو شكّ الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن كل من أبي سلمة وأبي هريرة وعمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» اهـ.
ثم أيّد كلامه بكلام لابن حزم في (الفصل) نسبه إلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود بن علي، وقال: (وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة، لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً).
كما نقل مثل ذلك عن الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي والشيخ محمد رشيد رضا.
كما يلاحظ بنظر الفقيه المدقق أن النزاع بين المدارس الكلامية، في بعض المفاهيم، لفظي لا يترتب عليه خلاف في الرؤية الفقهية والكلامية، كما لاحظ ذلك في مسألة (البداء) في (أجوبة موسى جار الله) ص (82 ـ 84).
ـ 5 ـ
المنهج
إذا كان الهدف من مناقشة الرأي الآخر هو خطاب الذات لا الآخر. فقد يجوز في المنهج أن يعتمد الفقيه على أدلته المذهبية الخاصة، كما صنع الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في (كتاب الخلاف) مثلاً، وله أمثال في سائر المذاهب.
وهذا ليس أسلوب الحوار، بل هو مساجلة لا تؤدي غالباً ـ إلى وفاق، بل تثبت رأي كل فريق في مقابل الراي الآخر.
وأما إذا كان الهدف إقناع الآخر بوجهة النظر المخالفة، أو حل النزاع بالكشف عن معيار ثالث للموقف من محل النزاع أعلى من معيار كل واحد من المختلفين، فإن المنهج العلمي الصحيح الذي يتوفر على شروط البحث العلمي ويتّسم بالجدية، لا بد أن يرتكز على الأدلة التي يعتمدها الطرف الآخر.
وهذا هو الحوار الذي يرتكز على أسس مشتركة بين المتحاورين، وهو يؤدي ـ غالباً ـ إلى وفاق أو إلى تفهم للآخر يفسح مجالاً لاكتشافه وقبوله والاعتراف به.
وإذا جاء في (فقه الخلاف) اتباع المنهج الأول، لأن الهدف منه ليس إلا معرفة القول المخالف وليس إقامة الحجة على صاحبه، فإن ذلك لا يستقيم في (فقه الوفاق) الذي يهدف إلى العبور من حالة القطيعة والشتات، إلى التواصل والتفاعل والتكامل، والوحدة، والوفاق، على أساس الاختيار، والقناعة، لا الضرورة والإلجاء.
بل لا بد من أن يعتمد الحوار على الحجة المشتركة بين الطرفين، أو الحجة المسلّمة من المطلوب الذي يوجه إليه الخطاب الفقهي بالدعوة إلى تصحيح موقفه الفقهي من الطالب صاحب الخطاب.
ومن دون ذلك لا يكون البحث (فقه وفاق).
ففي (فقه الخلاف) في كتاب (مسائل فقهية) وفي رسالته المخطوطة عن السجود على التربة الحسينية نلاحظ أنه قد استند في تقرير رأي مذهب الإمامية إلى مسلمات الكتاب والسنة المقررة في فقه المذاهب الأخرى، ولم يذكر أدلة مذهب الإمامية إلا قليلاً وعلى نحو الإشارة العابرة، بحيث لولا هذه الإشارات القليلة لحسب القارئ الذي لا يعرف المذهب الفقهي للإمام شرف الدين أنه فقيه من فقهاء المذاهب غير الإمامية يناقش آراء فقيه لغير الإمامية.
وفي (فقه الوفاق) أسس مقولة الوفاق والوحدة في الفصول الخمسة الأولى من كتاب (الفصول المهمة).
فعرض الأساس العقيدي للوحدة، ثم عرض أدلة الأساس الفقهي لها على آيات محكمات بينات من الكتاب العزيز، وهو حجة عند جميع المسلمين، وعلى نصوص من السنة المقدسة راعى فيها أن تكون من مصادر السنة المسلمة عند الإمامية وغيرهم من أتباع المذاهب الأخرى.
وهو بذلك لا يتهم نهجاً مذهبياً بعينه أنه يتخذ موقف الخلاف، بل يتهم الجميع ويخاطب الجميع. على قاعدة قوله تعالى في نهج الحوار ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾. (الفصل الأول) ـ الأساس العقيدي الكلامي.
ثم يحدد معنى الإسلام والإيمان الجامع للمسلمين جميعاً والذي تقوم عليه وحدتهم، وذلك استناداً إلى مسلمات السنة النبوية عند المذاهب غير الإمامية (الفصل الثاني والثالث) ـ الأساس الفقهي على مباني المذاهب.
ثم يعرض من نصوص أئمة أهل البيت خاصة ما يتطابق مع ما عرضه في الفصلين السابقين من السنة المسلمة عند المذاهب ـ الأساس الفقهي على بيان الإمامية (الفصل الرابع).
وفي الفصل الخامس يعرض بعض صحاح أهل السنة الحاكمة بنجاة مطلق الموحدين.
وفي الفصل السادس والسابع انتقل من الأساس العقيدي والفقهي النظري إلى التطبيق الفقهي والعملي، وذلك بعرض الفتاوى العملية لأئمة المذاهب وفقهائها بصحة إسلام جميع المسلمين القاضية عليهم بالوحدة، ويقول في نهاية الفصل السابع:
«فعسى أن يعرف الشيعي بعد هذا أن أهل السنة قد أنصفوا واعترفوا، وعسى أن يعرف السني أن لا وجه بعد هذه المبشرات لشيء من الضغائن أو الهنات، والسلام على من اتّبع السنن وجانب الفتن ورحمة الله وبركاته».
ثم عرض في الفصل الثامن لطائفة كبيرة ممن تأولوا من السلف، فخالفوا جمهور الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم يقدح ذلك عند المسلمين في إسلامهم وحرمتهم، ويقول:
«وغرضنا الذي نرمي إليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلفين، وذلك أنك إذا رأيت صالح سلفك، ومن أخذت عنه دينك، واتخذته واسطة بينك وبين نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يخالفك مجتهداً وينحو غير نحوك متأولاً، فلا جرم أنك تقطع بمعذرة من يتأول من مناصريك نحو تأوّله أو يخالفك مثل خلافه.
«وأنا أرجو ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الإنصاف: هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه؟ كلا. ما كان الله ليعاقب قوما؟ً بأمر يثيب به آخرين. وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين» ص 52.
وبعد أن عرض العشرات من وقائع التأول التي خالف بها المتأولون جمهور الصحابة والتابعين وتابعيهم …
هذه الوقائع التي منها ما زجّ بالمسلمين عامة في حالات، وببعضهم في حالات أخرى، في أوضاع شديدة الخطورة بالغة الصعوبة، قال في ختام هذا الفصل:
«…. وأما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك، ولا أمل لهم بسلطان، ولا ثأر لهم يطلبونه، ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه، وقد اقتفوا أثر البرهان، واتبعوا أدلة أهل الإيمان فإن أصابوا فمأجورون، وإن أخطؤوا فمعذورون» ص 142.
ثم عرض في الفصل التاسع فتوى الشيخ نوح الحنفي بتكفير الشيعة، ووجوب قتلهم واسترقاقهم وذراريهم ص 153 ـ 154.
وبعد أن ناقش الفتوى على ضوء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على منهج (فقه الوفاق)، نقل الأطروحة الفقهية إلى صميم القضية السياسية للمسلمين في العصر الحاضر، وعلاقة المذهب السياسي بقضية الكفر والإيمان، وهو بذلك يعالج قضية نعيشها الآن على مستوى الأمة الإسلامية في جميع شعوبها ودولها.
ونورد أولاً النص المهم الذي وضعه الإمام شرف الدين في هذه المسألة، ثم نعرض المشكلة الخطيرة التي تعيشها الأمة الآن بسبب نزعة (التكفير) التي تعلنها بعض الحركات الإسلامية ضد كل من لا يحمل عقيدتها السياسية، أو نزعة القطيعة مع المخالفين وإنكار ولاية المؤمنين فيما بينهم، عند بعض الحركات الإسلامية الأخرى.
قال معلقاً على ما ورد في الفتوى المذكورة من أن أسباب كفر الشيعة (أنهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين): ص 153 ـ 154.
والجواب أن لا ينكر استخلاف الشيخين ذو شعور، ولا يرتاب فيه ذو وجدان، وقد امتدت إمارتهما من سنة 11 إلى سنة 23، وفتحت بها الفتوحات وضرب الدين فيها بجرانه، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء، فأي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها، واي ثمرة عملية تترتب فعلاً على الاعتقاد بها؟
فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة، وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة، فإن الأحوال حرجة، والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها إثارة الضغائن، وقد آن للمسلمين أن يلتفتوا إلى ما حلّ بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات.
وأي وجه لتكفير المسلمين بإنكار سياسة خالية وخلافة ماضية؟ قد أجمع أهل القبلة على أنها ليست من أصول الدين، وتصافقوا على أنها ليست مما بني الإسلام عليه، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تفسر معنى الإسلام والإيمان فلم نجده مقيداً بها، وتتبعنا الأمور التي جعلها صلى الله عليه وآله وسلم سبباً في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن من جملتها، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها في زمرتها، فأي مانع بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها؟.
فإن القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة، وإنما قادتهم الأدلة الشرعية إلى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمستوى على مرقاة الخلافة عنه، كعدم سبق الكفر منه على الإيمان، وكعصمته والعهد إليه، وعدم كونه مفضولاً، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها، وقد استقصيناها في كتابنا «سبيل المؤمنين».
وهبها شبهاً كما تقول، لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه، لأنها من الكتاب والسنة، وقد ألجأته إلى القطع بما صار إليه، فإن كان مصيباً وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين، وإن أخطأ كما سمعته في فصل المتأولين.
على أنه لا وجه للتكفير بإنكارها، حتى لو فرضنا أنها من أصول الدين عندهم، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع إنكارها إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الإجماع عليها، وقد سُبِقُوا بشبهة من الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بإنكارها إمامة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام مع أن إمامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الأشاعرة بإنكارها العدل مع أنها من الأصول عندهم أيضاً».
ـ 6 ـ
إن هذه الرؤية الفقهية لقضية الخلاف السياسي داخل الأمة بالنسبة إلى قضية الحكم وشكل الحكومة ومصدر الشرعية وغيرها، مما يتصل بقضية السلطة السياسية أو الجانب التنظيمي للمجتمع والدولة تشخص الموقف الفقهي الصحيح من هذه المسائل، وعلى ضوئها نفهم مدى اختلال الفهم الفقهي لدى الجماعات الإسلامية التي يكفر ببعضها الأمة كلها، ويكفر ببعضها بعض الأمة، ويكفر بعضها بعضاً على مستوى الحكم الفقهي وعلى مستوى الممارسة العملية، حيث يستباح العنف المسلح ضد الأنظمة السياسية والمجتمع المدني والجماعات السياسية الإسلامية المخالفة وغير الإسلامية، بدعوى أن حكم الله تعالى فيهم هو الكفر وما يترتب عليه من آثار استباحة الدم والمال.
لقد كان انبعاث الإسلام في العصر الحديث مصدر رجاء للأمة الإسلامية في أن تعود إلى أصالتها وتستعيد هويتها، وتحقق وحدتها في مواجهة قوى الاستعمار التي استبدت بها.
وقد كان من الممكن أن يتحقق جانب كبير من هذا الرجاء للأمة في مواجهتها لتحديات الخارج والداخل. ولكن هذا التطور الخطير والمدمر من الحركة الإسلامية العالمية، وما تواجهه الحركة في ذاتها وما تواجهه باعتبار انتهاج كثير من تنظيماتها وتشكيلاتها لأسلوب التكفير على المستوى الفكري والنظري، والعنف المسلح على المستوى العملي بما هو نتيجة للموقف الفقهي من الآخرين …. إن هذا التطور الخطير يوشك أن يزجّ الأمة في مشكلة جديدة تهدد استقرارها وتماسكها وقدرتها على الصمود أمام تحديات الخارج الثقافية والحضارية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.
إن هذا الواقع يستدعي من فقهاء الأمة ومفكريها إحياء هذا الحقل الفقهي الهام في الفقه السياسي التنظيمي الإسلامي، وهو ما سميناه (فقه الوفاق).
إن الموقف من تيار التكفير من قبل مذهب فقهي ـ كلامي لمذهب آخر، ومن قبل تيار سياسي إسلامي لسائر المسلمين، أو لمن لا يوافقونه في الرأي السياسي من أهل مذهبه الفقهي ـ الكلامي أنفسهم فضلاً عن غيرهم … وما يترتب على هذا الموقف الفقهي السياسي من آثار عملية أقلها قطع الولاية بين المسلمين، وبراء بعضهم من بعضهم الآخر، وكثيراً ما تصل إلى حد استعمال العنف المسلح.
إن الموقف من هذا التيار يمكن أن يكون بالاستسلام له من قبل الأمة وأهل الرأي فيها، ويمكن أن يكون بمواجهته بمثله، فيكون تكفير بتكفير، وعنف بعنف، ويمكن أن يكون بإعادة القضية إلى حقلها الطبيعي وهو البحث العلمي الفقهي الرصين المسؤول أمام الله تعالى بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، والاستنارة باجتهاد السلف الصالح من فقهاء الإسلام، وبحث القضية على أصول (فقه الوفاق) لمعرفة الحدود التي يخرج بها المسلم عن الإسلام، والحدود التي يستباح عندها ـ باسم الإسلام ـ دمه وماله وعرضه، فنصل من ذلك إلى أمر جامع.
إن الموقفين الأوليين ليسا إلا انتحاراً ذاتياً وتدميراً ذاتياً للأمة، تهدم نفسها بنفسها وكيانها بأيديها إلى جانب معاول الهدم من أعدائها، ولا مناص لنا من اعتماد الموقف الثالث الذي يرد الأمور إلى نصابها وهو (فقه الوفاق).
وحين نجد أن الإمام شرف الدين يسرد في الفصل السادس أسماء ما يزيد على ثلاثين من كبار الفقهاء والمحدثين من أئمة المذاهب وكبار فقهائها بإيمان وحرمة ونجاة جميع المسلمين مهما اختلفوا واعتبر بعضهم البعض الآخر أصحاب أهواء وبدع، ما داموا حافظين لأصول الإسلام وشرائعه، محافظين عليها معترفين بها … حين نجد هذا نعرف درجة الخطورة التي يمثلها أصحاب تيار التكفير على الأمة عامة وعلى الحركة الإسلامية العالمية خاصة، وكما نعرف الانفصال الخطر بين الفكر السياسي وبين الفقه الإسلامي، فإن الفكر السياسي التنظيمي الذي ينتج مواقف التكفير وشرعية العنف لا يستند إلى رؤية فقهية سليمة، ولا يمكن أن تكون حركة سياسية إسلامية، وتحمل مشروعاً إسلامياً وطنياً أو إقليمياً أو عالمياً، ولا تكون في فكرها السياسي والتنظيمي مستندة إلى الفقه الإسلامي الذي هو الأساس في شرعية عمل المسلم ومشروعيته.
ونورد هنا نصاً مهماً للإمام شرف الدين حول الموقف من حكومات المسلمين، (أجوبة موسى جار الله) في جواب المسألة الخامسة، بعد أن أشار إلى أن نموذج حكومة الطاغوت هو الحكومة اليزيدية وما جرى مجراها من الظلم والجور، فقد قال:
(… أما غيرهم من حكومات الإسلام، فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق، وإن كان عبداً مجدع الأطراف، فتعطيه خراج الأرض ومقاسمتها وزكاة الأنعام وغيرها، ولها أن تأخذ منه ذلك بالبيع والشراء وسائر أسباب الانتقال، كالصّلات والهبات ونحوها، ولا إشكال في براءة ذمة المتقبل منه بدفع القبالة إليه، كما لو دفعها إلى إمام الحق.
هذا مذهبنا في الحكومات الإسلامية ـ كما فصلنا في المراجعة 82 من مراجعاتنا).
ومما يتصل بهذا ما قاله من جواب المسألة العاشرة عن التقية، ص 71.
فقد قال في شؤون الصلاة خلف المخالفين في المذاهب اقتداءً بعلي عليه السلام الذي صلى خلف الخلفاء الثلاثة:
(وقد اقتدينا به عليه السلام فتقرّبنا إلى الله عز وجل بالصلاة خلف كثير من أئمة جماعة أهل السنة، مخلصين في تلك الصلوات لله تعالى، وهذا جائز في مذهب أهل البيت، ويثاب المصلي منا خلف الإمام السني، كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي، والخبير بمذهبنا يعلم أنّا نشترط العدالة في إمام الجماعة إذا كان شيعياً، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال، أما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقاً).
ـ 7 ـ
وما يقال في شأن قطع الولاية والبراءة والتكفير والعنف لدى بعض قبائل الحركة الإسلامية تجاه بعضها بعضاً، وتجاه الأمة، يقال أيضاً عن المواجهة بين التيار القومي والتيار الإٍسلامي في العالم العربي.
فجانب كبير من قيادات وأتباع التيار القومي يبرأ من التيار الإسلامي، أو يكاد ويناصبه العداء، ويقاطعه ويحاربه في مجال السياسة وفي المجتمع.
وليس في القومية ما يبرر شيئاً من ذلك. بل إن ما للقومية من مضمون ثقافي وحضاري مستجد أكثره، إن لم يكن كله، من تاريخ الإسلام، ومن حضارة الإسلام، ونحسب أنه ما كان ليكون للعرب شأن في تاريخ البشرية ولا يكون لهم شأن في مستقبلهم لولا الإسلام. وهذا عداء لا يبرره واقع ولا تاريخ ولا مستقبل ولا أخلاق، ولا منطق الربح والخسارة.
ونحسب أنه عداء مصطنع مستورد من ثقافة الغرب الذي عادى الكنيسة ليتاح له أن يكوّن (الأمة القومية) و(الدولية القومية) و(المجتمع المدني) على أساس من العقلانية والعلم الموضوعي، بعد أن كانت الكنيسة تتحكم بكل شيء وتحول دون أي تطور، وتفرض على الناس عقائدها ورؤيتها في مجال العلوم إلى جانب عقائدها في الدين وطقوسها في العبادة.
ولو عاد دعاة وقادة التيار القومي إلى ذاتهم وبصّروا في واقع تكوين الأمة العربية لوجدوا أن ما يصلهم بالإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً وحضارة كثير كثير، وإن ما يفصلهم عنه ويباعدهم منه ليس إلا أوهام وخيالات ليس لها من الواقع العلمي الموضوعي نصيب.
وكما هو الحال في دعاة التيار القومي فإن جانباً كبيراً من قيادات وأتباع التيار الإسلامي يبرأ من التيار القومي أو يكاد، ويناصبه العداء ويقاطعه، ويحاربه في مجال السياسة وفي المجتمع.
وليس في الإسلام ما يبرِّرُ شيئاً من ذلك ما دام القوميون يدينون بالإسلام وينتمون إليه، ويتأولون ما يرونه في شأن الدولة وفي شأن المجتمع. فهذا وحده لا يبرر الحكم بردتهم وكفرهم، ولا يبرر البراءة منهم ومحاربتهم. وليس مما يخالف الإسلا م وينقض أحكامه أن يعبّر العربي أو التركي أو الإيراني، أو الهندي أو غيرهم، عن انتمائه إلى أمته وقومه، وأن يعمل لخيرهم ونهضتهم من الكبوة، وتقدّمهم في العلم والعمران، وخروجهم من حال التخلف إلى حال التقدم، ومن حال الضعف إلى حال القوة ما دام لا ينصب العداء لغيرهم من المسلمين، ولا يحاربهم ولا يكيد لهم، ولا يوالي عليهم أعداء الإسلام.
وليس في الفقه الإسلامي ـ على جميع مذاهبه ـ ما يحرم أن ينظم جماعة من الناس أنفسهم على أساس كونهم ينتمون إلى قوم معينين، وأن يعملوا لخير قومهم بالسعي إلى توحيدهم في كيان واحد، وإخراجهم من الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعف إلى القوة.
ليس في الإسلام ما يمنع أن يكون قوم من الناس قوميين ومسلمين، كما أنه ليس في الفكر القومي ما يمنع من أن يكون قوم من الناس مسلمين وقوميين، فلكل قوم من المسلمين فيما بينهم رابطتان: الإسلام والقومية، ولجميع المسلمين رابطة واحدة هي رابطة الإسلام، فهي أمم صغرى في أمة كبرى، كما يكون الواحد في العائلة مع آحاد آخرين، العائلة في العشيرة مع عائلات أخرى، والعشيرة في القبيلة مع عشائر أخرى، والقبيلة في القوم مع جميع القبائل.
وكون الأمة الإسلامية تقوم على رابطة الفكر الإسلامي والعقيدة والشريعة الإسلاميتين لا القرابة ولا الدم، لا ينافي أن تكون في داخل هذه الأمة أمم تلتقي فيما بينها في أوطانها على اساس القرابة اللغوية الخاصة، والتاريخية الخاصة، والثقافية الخاصة، والمصلحة الخاصة، وتلتقي في الوقت نفسه فيما بينها وبين غيرها من المسلمين في المجال الأوسع ـ ثقافة وحاضرة ومصالح اقتصادية وأمنية ـ على قاعدة الإسلام عقيدة وشريعة وفكراً وفقهاً.
ويلتقي الجميع في الوقت نفسه أيضاً في المجال الأوسع الأوسع مع سائر البشرية ـ بتوجيه الإسلام الحنيف السمح ـ على القيم الكبرى للإنسانية التي بلورها الإيمان ـ على القاعدة الإنسانية الكبرى في علاقات البشر التي حددها الله تعالى في كتابه المجيد بقوله عز وجل: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
فهذه الآية البينة المحكمة ـ وفي الكتاب آيات تومي إلى معناها، وفي السنة الشريفة نصوص في مدلولها ـ تدل على خطأ الإسلاميين والقوميين معاً في موقف العداء مع الآخر وفي القطيعة بينهما، وهي قطيعة أنهكت المسلمين جميعاً، وأقوامهم وخاصة العرب.
وكما رأينا أن (فقه الوفاق) ضرورة لبلورة العلاقات بين أتباع المذاهب الكلامية والفقهية، وترشيدها على أساس العلم الفقهي، لا الأوهام الفقهية، كما رأينا أن فقه الوفاق ضرورة لبلورة العلاقة بين الحركات الإسلامية فيما بين الواحدة والأخرى، وفيما بينها وبين الأمة والمجتمع وترشيدها على أساس العلم الفقهي كذلك فإن الضرورة نفسها تحكم بالاحتكام في طبيعة العلاقة بين التيار الإسلامي والتيار القومي إلى (فقه الوفاق) الذي يشخص ما هو من الإسلام، وما ليس من الإسلام، وما يتنافى من ذلك مع إسلام المسلم فيوجب الردة والكفر، وما لا يتنافى مع إسلام المسلم في المواقف والتنظيمات والمناهج. فإن الفقيه الفقيه يعلم أنه ليس كل ما لم تشتمل عليه النصوص ليس من الإسلام، وليس كل ما وردت به النصوص في المسائل السياسية والتنظيمية أحكام مطلقة لجميع الأزمان، بل إن ما ترد به النصوص ـ في مجالات التنظيم ـ ما لا يتنافى مع الإسلام ـ وفيما وردت به النصوص في هذا المجال ما ليس مطلقاً، بل هو تتغير أحكامه بتغير تكوين المجتمع وحاجاته وعلاقاته مع المجتمعات الأخرى، أو مع العالم غير المسلم، وتتغير بتغير الأوضاع من حوله.
ـ 8 ـ
إن هذه الملاحظات التي اقتضى ذكرها حديثنا على الجانب الفقهي من شخصية الإمام شرف الدين الفكرية والعلمية، تؤدي بنا إلى اكتشاف ضرورة تقتضيها حياة المسلمين في العصر الحاضر على صعيد علاقات المذاهب، فيما بينها، وعلى صعيد علاقات الحركة الإسلامية فيما بينها ومع المجتمعات والأمة، وعلى صعيد علاقات التيار الإسلامي والتيار القومي. وهذه الضرورة في هذه المجالات جميعاً هي تأسيس (فقه الوفاق) باعتباره فرعاً مهماً في مجال (الفقه السياسي) الذي لا يزال في بدايات تكوينه، بما تقضي به الضرورات المجتمعية الإسلامية العالمية في العصر الحاضر، وفي مجال (الفقه التنظيمي) الذي لم يكد يولد بعد، وتقضي الضرورة بتكوينه أيضاً.
إن الوفاق ضرورة يمليها الإسلام نفسه على المسلمين، ولو لم تدع إليه ضرورة حفظ الذات، ورعاية المصالح، ورد عادية العدو، لأن الوفاق بين المسلمين ووحدتهم من مقتضيات عقيدة التوحيد، ومن مقتضيات شريعة الإسلام، ومن لا يؤمن بهذه الوحدة ولا يدعو إليها ولا يحرص عليها، ولا يدفع عنها عوامل الفرقة، فإن إسلامه منقوص، لأنه يخالف تكليفاً شرعياً أمر الله تعالى به، ونهى عن معصيته في القرآن الكريم في آيات محكمات بينات، منها قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ وغيرها. وفي السنة الشريفة الصحيحة من هذا كثير.
فكيف إذا كانت الوحدة ضرورة للسلامة والكرامة والعزة في مواجهة مؤامرة يحيك الغرب شباكها وفخاخها منذ خمسة قرون، وينفذ فيها فصلاً بعد فصل، ومرحلة بعد مرحلة بهدف الاستيلاء على ثروات الأمة الإسلامية والتحكم فيها بمنعها كلها، ومنع أي قوم منها، من أي دور في العالم، بل من أي دور في اختيار صيغة حياتها، واختيار التصرف في ثرواتها وأرضها وسمائها. وأعظم وسائله إلى هذا الهدف هو ضرب وحدتها بتعطيل دور الإسلام التوحيدي في حياتها، وذلك بتفكيك علاقات الوجدان والتاريخ والمصالح ووحدة المصائر بين أقوامها، ثم بتفكيك هذه العلاقات داخل كل قوم، مستخدماً عوامل القومية تارة وعوامل الوطنية تارة، وعوامل المذهبية الطائفية تارة، خالقاً المخاوف عند كل فريق من كل فريق، وفي جميع مراحل هذه المؤامرة، يستخدم قوته ونفوذه في بناء أنظمة للمصالح القومية والوطنية والقطرية، والمذهبية الطائفية، ويدفع بكل نظام للمصالح إلى بناء قوته الخاصة التي تعتمد على الغرب، وإلى ربط اقتصاده بالغرب، ثم إلى ربط أمنه واستقراره بالغرب.
إن الوحدة لم تعد مجرد واجب ديني إسلامي مقدّس من مكونات إيمان المسلم، بل غدت ضرورة حياتية يدركها العقل لضمان الحد الأدنى من سلامة الأمة وبقاء الكيانات التي تتشكل فيها دولاً ومجموعات إقليمية فهي، من الناحية الموضوعية المصلحية المحضة، ليست ترفاً يقتضيه، ويبرره الاكتفاء، بل ضرورة تقتضيها المصلحة.
إن المصلحة السياسية والأمنية والاقتصادية تقضي بالتوحد، والبحث الجاد المخلص عن وسائله وأساليب تحقيقه بالتدرج الذي يتسع للتنوعات ولا يلغي الخصوصيات.
وإنه لمن عجائب حركة التاريخ أن نشهد أوروبا وهي تتوحد أمام أعيننا، وتلملم شتاتها وتلغي تناقضاتها، ملقية وراء ظهرها تاريخ يزيد على ألف عام من العداء، وأنهار من الدماء، وركام من البغضاء. أوروبا ذات القوميات العدوانية المفترسة، أوروبا الكاثوليكية ـ البروتستنتية ـ الأرثوذكسية ـ العلمانية الملحدة، أوروبا الرأسمالية والاشتراكية، وأوروبا ذات اللغات الشتى. وأن نشهد المسلمين ـ بل العرب ـ وهم يتفتتون ويتمزقون ويتعادون ويتناحرون، بل ويتحاربون، فتسيل بينهم أنهار من الدماء، وتتعالى جبال من البغضاء، ملقين وراء ظهورهم بتاريخ من التوحد والتكامل ـ بشكل أو بآخر ـ يمتد إلى ما يزيد على ألف عام.
وليس هذا وذاك من أقدار الله الحتمية التي اختص الله بغيبها وحجب عن البشر العلم بسننها، بل هو قدر جعله الله تعالى رهناً باختيار البشر. إنه سنة من سنن حركة التاريخ التي كشف عنها في محكم كتابه المجيد. إنه عقلنة علاقات الإنسان والمجتمع على أساس عدم اتباع الأهواء الذاتية الشخصية والعرقية في صياغة هذه العلاقات وإدارتها، بل اتباع ما تقضي به مصلحة المجتمع ـ الأمة العامة في قضية الوحدة، والتكامل، والتنوع. وبذلك تحفظ مصلحة الأفراد والجماعات داخل المجتمع والأمة، واتباع الطريق المخالف، وهو مصلحة الأفراد والجماعات في صياغة العلاقات وإدارتها يضيع مصلحة الأمة كلها، ويضيع ـ في النهاية ـ المصلحة الخاصة نفسها للأفراد والجاعات.
وقد بيّن الله الحكيم العليم سبحانه هذا القانون في آيات كثيرة، وفي بعضها أمثلة تطبيقية من تاريخ الأمم، ومن ذلك ما بيّنه سبحانه من شأن اليهود والقلة في تفرقهم وتناحرهم في بعض حقب التاريخ، ومنها عصر الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ قال تعالى في شأنهم في [سورة الحشر، الآية: 14] ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾.
فعلّة كونهم هكذا «أنهم قوم لا يعقلون»، وليس لأن الله تعالى قدر عليهم أن يتفرقوا ويتناحروا من غير سبب عملته أيديهم وأوجدوه بإرادتهم واختيارهم.
وها هم اليهود الآن موحدون متحدون على مشروع واحد، استطاعوا إنجاز جانب كبير منه على الرغم من العرب جميعاً والمسلمين جميعاً الذين ابتلاهم الله ـ باختيارهم وإرادتهم ـ بنفس ما شنع به على اليهود من الفرقة والتناحر والقلوب الشتى، لنفس ما أدى باليهود في الماضي إلى هذا المصير وهو «أنهم لا يعقلون».
إن «المقدس» الذي انتهك، نخشى عليه مزيداً من الانتهاك، وهو وحدة الأمة، لا بد من إعادة الحرمة إليه، وتحصينه وترسيخه في وعي المسلمين وسلوكهم، وصونه من عوادي الفتن.
وهذا أمر لا يتأسس على السياسة وحدها، بل يتأسس ـ قبل السياسة على (فقه الوفاق) و(فكر الوفاق):
أ ـ أما فكر الوفاق، فكر الوحدة فهو مسؤولية المثقفين والمفكرين المسلمين، ولا بد من إعادة تكوين هذا الفكر على هدي الكتاب والسنة ـ وهما العامل الثابت فيه ـ والتاريخ والواقع المعاش، وهما العامل المتغير فيه.
ووظيفة هذا الفكر أن يربى المسلم على أخطار الانقسام وبركات التوحد، بحيث تكون (الوحدة الإسلامية) تعبيراً طقسياً يمارس بعقلية وروح الواجب، بل ثقافة معاشة بنحو تلقائي في حياة المسلم.
ومن أجل بلوغ هذا المستوى من تكوين شخصية المسلم على فكر الوحدة، لا بد أن يجعل هذا الفكر زاداً يومياً لأجيالنا الجديدة في المدرسة والمسجد وسائر وسائل التثقيف والإعلام بحيث يشب عليه الصغير، ويشيب عليه الكبير.
إن هذا الفكر غائب عن مجتمعاتنا، وحتى عن معظم النخب في هذه المجتمعات، بل إن الأخطر من ذلك أن تسود ـ في بعض الأحيان ـ في هذا المجتمع أو ذاك تيارات (فكر الخلاف) الذي يفلسف اتجاهات التشرذم والتفرق السياسي والمذهبي.
ب ـ وأما (فقه الوفاق) فهو مسؤولية الفقهاء، ومراكز البحث الفقهي، والمرجعيات الدينية الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
إن فقه الوفاق هو أساس الفقه السياسي والتنظيمي، ومن دونه لا يستقيم للأمة سياسة ولا تنظيم. وهذا يكشف عن مدى أهميته الكبيرة في إعادة تكوين الأمة وصياغة منهج حركتها في هذه الحقبة من تاريخ الإنسانية.
وهو يقوم على أساس ثابت، وعامل متحرك متغير.
أما الثابت فهو مسلمات الكتاب والسنة في شأن ما هو ملاك الإسلام وجماعة المسلمين وبيضة الإسلام، وبروز الكتاب والسنة في هذا الشأن إجماع المسلمين وإدراك العقل.
وأما المتغير المتحرك فهو ضرورات الزمان والمكان والحالات في كل شعب مسلم وكل مجتمع مسلم وكل دولة مسلمة.
إن هذا الفقه يؤصل مقولة الوحدة، ويؤصل مشروعية التنوع في الوحدة وفي نطاق الإسلام الجامع للتنوعات.
وعلى هدي الأساس الثابت واعتبار العامل المتغير يُبنى فقه مرن لا يحصر الأمة وشعوبها في قوالب تنظيمية جامدة معرضة للكسر عند تغير الحالات، ولا يترك الأمة سائبة من دون ضوابط تنظم إيقاع حركتها السياسية في عالم متحرك متواصل متفاعل متبادل التأثير والتأثر، لم يعد بالإمكان عزل جماعة فيه عن جماعة.
وفيما يحدث الآن للأمة عبرة بالغة، فإن بعضها يتهاوى أمام تحديات الغرب مضطراً أو مفتوناً، وبعضها الآخر يحاول أن يعتصم من ذلك فيحاصر من جميع الجهات، وتتألب عليه الأكلة من جميع الأنحاء.
إن مسؤولية الفقهاء المخلصين الواعين، ومراكز البحث الفقهي والمرجعيات الدينية للمسلمين هي بلورة فقه الوفاق والوحدة، ليكونوا دعاة ورواد وفاق ووحدة ينقذ الله عز وجل بهم المسلمين من التفكك والتفرق.
ولا يعفيهم من المسؤولية أن يقفوا موقف المتفرجين، وهم يرون الأمة تتمزق، ويقع جزء منها بعد جزء فريسة لعامل الشر والفتنة الداخلية تارة، وفريسة لعدوان الأغراب تارة أخرى.
إن تخلي الفقهاء والمفكرين المخلصين الورعين الأكفاء والواعين عن التصدي لترشيد الأمة على مستوى المذاهب الفقهية، وترشيد الأمة على مستوى الحركة الإسلامية، قد أخلى الساحة أمام بعض علماء الدين إلى أن يتخذوا مواقف تنحدر إلى مستوى الجريمة الكبرى والخيانة العظمى في حق الإسلام والأمة، وذلك حين يشرّع هؤلاء ـ باسم الإسلام ـ استعمال أساليب العنف ضد مخالفيهم في المذهب أو في الفهم السياسي، ويستحلّون صياغة خطاب سياسي وتعبوي مشحون بعناصر الإثارة والاستفزاز ودواعي العداء والخصومة، وعوامل الفرقة والانقسام.
وبعض من هذا البعض مخلصون ورعون، ولكنه ورع من دون فقه، فقد فهموا ظاهراً من الأمر في شأن الوفاق والوحدة، فلم يروا الإسلام إلا في مذهبهم الفقهي ومدرستهم الكلامية، وفهموا ظاهراً من الأمر في شأن الدعوة إلى الإسلام وأسلمة المجتمع والدولة، فلم يروا إلا فهمهم الخاص لأسلوب الدعوة إلى الله عز وجل.
وبعض آخر من هذا البعض أدعياء فقه ودين، وإن لم يكونوا أدعياء فقه فهم أدعياء دين، وهم في الحقيقة مدّعون، دجالون، تجار دين.
ومن ذلك البعض أو هذا البعض من يغري مذهباً بمذهب، فيحكم بالخروج والردة والكفر على جمهور كبير من المسلمين.
ومن هؤلاء من يبحث عن وسيلة للشهرة والجاه والبريق الإعلامي، فيغري فريقاً من الحركة الإسلامية بفريق آخر تحت شعار أن هؤلاء يجب جهادهم وقتالهم، وقد رأينا من هؤلاء من بنى شهرته على الجثث والدماء، وضحاياه من عوام الناس الذين تفيض قلوبهم بالحماس والإخلاص، وألقاهم سوء حظهم وقلة بصيرتهم بين يدي دجال وتاجر دين.
ومن هؤلاء من يغري الإسلاميين بغيرهم، ومنهم من يغري الأنظمة الحاكمة بالحركة الإسلامية، ويشرع لها ملاحقة أعضائها أو أتباعها، وقياداتها، ومنهم من يغري الحركة الإسلامية بالأنظمة الحاكمة، ويفتيها بمشروعية العنف المسلح ضدها، ومنهم من أغرى الإسلاميين بالأمة، أو أغرى الأمة بهم، وفي كل ذلك يستعمل آيات القرآن، وأحاديث السنة، وفتاوى الفقهاء من غير فقه ولا ورع. إلى غير ذلك من أساليب التحريض والإغراء بالقطيعة والعنف المادي والسياسي، مما جعل الأمة في العقدين الأخيرين، تبدو وكأنها قد فقدت جميع أواصر الوحدة ووشائج الوفاق بين جماعاتها ومجتمعاتها المذهبية والسياسية، وتنامى فيها الاحتراب الداخلي بين الأنظمة وقوى التيار القومي تارة، وبينها وبين التيار الإسلامي أخرى، وبين القوميين والإسلاميين ثالثة، وبين الإسلاميين والإسلاميين رابعة، وبين القوميين والوطنيين أنفسهم خامسة، وتطل بوجهها البشع بين وقت وآخر قضية الشيعية والسنية، فتربك حالة الوحدة على مستوى الأمة وعلى المستويات الوطنية، كما نشاهد ونكابد هذه الظاهرة وآثارها في مناطق عديدة من العالم الإسلامي.
ويركز الغرب الحضاري ـ لأهداف غير علمية وغير نبيلة، بل لأهداف سياسية واقتصادية وثقافية استغلالية استلابية تسلطية ـ أنظاره ووسائل بحثه وتحليله على ظواهر الانقسام هذه فيعمقها ويزيدها حدة وشراسة، ويستغل آثارها في الأنظمة تارة فيكون هو الحامي، وفي الحركات السياسية المعارضة ـ إسلامية أو قومية أو وطنية ـ فيكون هو المدافع عن حقوق الإنسان، وفي الحركة الإسلامية التي يسمّيها (الأصولية) فيبرر بها وصمه للإسلام الحنيف بما هو أولى به من الوحشية والعدوانية والرجعية، ويقدم نفسه لسائر المسلمين باعتبار أنه يمثل النهج العقلاني الإنساني … وهكذا يمضي في خطة التفتيت والإضعاف، ويستغل نتائج ذلك كله مزيداً من الاستحواذ ونهب الثروات، والتحكم بالمصائر.
فهل بعد هذا الشر من شر؟.
أو لا يكفي بعض هذا مجمل الحاملين لرسالة الإسلام وشريعته من فقهاء ومرجعيات فقهية أن يخرجوا من أطرهم المذهبية والمحلية، متفاعلين مع أشد حاجات الأمة إلحاحاً وهي المصالحة مع الذات والوفاق والوحدة، مستجيبين في ذلك لنداء الله تعالى في كتابه المجيد في قوله عز وجل في سورة الحجرات: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون* يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكنوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون* يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾.
إن الأمة المسلمة عامة، وكل شعب من شعوبها في أمسّ الحاجة بل أشدّ ضرورة إلى إعادة ترميم ما تصدّع من وحدتها بما هي أمة، وإلى ترميم وحدة كل شعب من شعوبها ودولها في إطار الوحدة العامة، لأن هذه الوحدة لم تعد شأناً من شؤون العقيدة فقط، وهي كذلك بلا ريب، بل غدت ضرورة من ضرورات السلامة السياسية والاقتصادية والثقافية، للتحصن من آثار الهجمة الشرسة الشاملة التي تشنّها قوى كبرى كثيرة على العالم الإسلامي والأمة المسلمة، من دون وجود أي موقع دولي يمكن أن يجد فيه المسلمون أو أية دولة من دولهم حليفاً لهم يتيح المناورة في الأزمات، وذلك بعد التغير العميق والشامل الذي حدث في السنتين الماضيتين في النظام الدولي وولادة ما يسمى (النظام الدولي الجديد) الذي بدأت تتصاعد لهجة المنظرين له والناطقين باسمه في حقول السياسة والاقتصاد والثقافة بالحديث عن الإسلام باعتباره العدو الأول، بل الوحيد أمام الصيغة السياسية التنظيمية والحضارية لهذا النظام العالمي الجديد، واضعاً الأمة المسلمة بين خيارين: إما السلّة وإما الذلّة أي إما القمع، وإما الاستحواذ. ومعالم هذا الموقف تبدو كما نرى ظاهرة في جميع أرجاء العالم الإسلامي.
وكنا قبل ثماني سنوات ـ أو قريباً من ذلك ـ قد دعونا إلى تأسيس (مركز دراسات الوحدة الإسلامية)، وكررنا الدعوة إلى ذلك، وتحدثنا مع بعض علماء الدين والمفكرين المسلمين المخلصين لقضية الوحدة والوفاق في هذا الشأن، بعد أن رأينا النذر والمؤشرات الكاشفة عن توقعنا تفكك المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي، هذا التوقع الذي عبّرنا عنه في كتابنا (مطارحات في الفكر الديني والفكر المادي)، وتوقعنا أن تشتد وتتسّع الحملة على شعوب الأمة الإسلامية، وعلى الحركة الإسلامية العالمية نتيجة للاستقطاب الدولي الذي يجرد المسلمين ودولهم من أي قدرة على المناورة لتفادي الضغوط وحالات الحصار.
ولكننا كنا نصطدم دائماً بمشكلة تمويل هذا المركز، حيث إن من الأفضل أن لا تموله الحكومات أو المؤسسات الحكومية، لما يؤدي إليه ذلك من شبهات قد تكون غير مبررة، ولكنها تؤثر في أوساط كثير من المسلمين على أعمال هذا المركز، وقد تؤثر على درجة الثقة بها.
إننا نجد الدعوة الآن إلى تأسيس (مركز دراسات الوحدة الإسلامية) من فقهاء متخصصين ومؤهلين، ومن مفكرين وخبراء من شتى البلاد الإسلامية، وذلك للقيام بهذا الواجب الذي تقضي به الضرورة الآن أكثر من أي وقت مضى، والتعاون بين المؤسسات الأهلية في المجتمعات الإسلامية من دينية وثقافية لتمويل هذا المركز بالإضافة إلى المتطوعين من أغنياء المسلمين، علماً بأن هذا المورد من أظهر الموارد التي يجوز إنفاق الأموال الشرعية عليها وفيها من الأخماس والزكوات.
أستغفر الله وأتوب إليه، وأسأله سبحانه وتعالى التوفيق والتسديد لنا جميعاً إلى ما فيه نصرة وعزة دينه وأمة المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد مهدي شمس الدين
وممن رثاه في ذكراه الشيخ نبيل شعبان بقصيدة عنوانها:
الباكيان عليك السيف والقلم
الباكيان عليك السيف والقلم
والوالهان إليك الفكر والشيم
لم تبرح الدهر مذ يممت ساحته
كأن ذكرك في سمع الزمان فم
بين النهى والهدى طوّفت عبر مدى
تنهلّ منه على صحرائنا الديم
في الكاظميّة كنت البرعم اختبأت
فيه فنون من الأسرار تزدحم
وراثة أخصبت في مونع خضل
فالنور عطر وأعطاف الشذى نسم
وشدّك النجف الأسنى إلى أفق
ومن مطاف نسور تولد القمم
فانهل وعلّ رحيق العلم ما نزفت
عنه العقول ولا جفت به الهمم
وعد إلى ظمأ في أرض عاملة
وروّه ألقاً يزهر به الحلم
يا طائراً ما طوى عن جنحه سفراً
حتى أطافت به ريح لها نقم
مستعمر جعل الإقطاع مخلبه
وطالما نسلت من ظلمه ظلم
وحبله لم يزل يهفو إلى عنق
يزينه الأكرمان العلم والشمم
فجفلته إلى مصر فما اغتربت
نفس لها بنفوس حرة رحم
وحسبك الدين والإسلام آصرة
ما مثلها عرفت في دهرها الأمم
مراجعاتك شعت واغتنت درراً
من فيض علمك لما رازه علم
ولم يزل نفحها والحب يغمرها
يا آل بيت رسول الله حبكم
وكيف يصدف عن قوم هم رسموا
درباً إلى الله ما ضلت به القدم
مدينة العلم والإيمان جدهم
والمرتضى بابها والراسخون هم
وأُبت من سفر والهام شامخة
وصور قلب بنار الشوق يضطرم
يا قاتل الجهل قد فرقت غيهبه
بالجعفرية جيش الجهل منهزم
جردت للفقر سيف البر تطرده
فانزاح حيناً وركن منه منحطم
ولو أطاعتك أموال الحقوق لما
شفّ الورى وتساوى العدم والعدم
لكن بيانك أغلى ما حبيت به
روح وراح وريحان به الكلم
لك المنابر إن عيدانها يبست
فللخطابة سيل مخصب عرم
إن يحرقوا بعض أسفار فقد بقيت
بعض إليها يزفّ العاقل الفهم
تلألأت في سماء الناس أنجمها
وليس ينكرها إلا الذين عموا
روح الحسين تجلّت فيك ثورتها
على الفراعين في الآفاق تحتدم
مظلومة، كل مظلوم لها هتفت
منه الدماء ولكن ليس تنظلم
أبا الجهادين في علم وفي عمل
يزهى بك الخلقان البأس والكرم
وعزة فيك ما لانت شكيمتها
كالأسد تكنفها في غيلها الأجم
لم ترض والشاه مشغوف بلثم يد
فماً عليه من الشعب الذبيح دم
برئت منه وما برّأتَ ساحته
فارتد يلعق خزياً أنفسه ورم
وكنت تأسى على شمس لنا غربت
فنحن إرث بأيدي الغرب يُقتسم
ونحن والكبر منذ الدين فارقنا
حكاية طرفاها الذئب والغنم
واستشرقوا وتغربنا وصار على
رقابنا لهم الأعوان والخدم
إيه فلسطين ما صُنّاك من دنس
يا قدس أقداسنا لو ينفع الندم
وكم أهبتِ إلى درب الحسين بنا
وخطّ إسلامه منجى ومعتصم
لا تأس بعد، فمن نسل الحسين أتى
مجدّد الدين خفاقاً له العلم
بثورة شمسها الإسلام ساطعة
أنواره فلها الأكوان تبتسم
ودولة طالما اشتاقت لمقدمها
روح الكرامة والتاريخ والقيم
فالغرب في وحشة منها وفي قلق
وصرح إلحاده في الشرق منهدم
لبنان صار شجى في حلقهم وغدت
صهيون في حصنها بالموت تقتحم
ورأسها وحجار الرفض تمطره
بصخرة القدر المرصود يرتطم
يا جاعلي شرعة الإنسان سوطكم
بئس النفاق وبئس الخصم والحكم
إذا انتفضنا لرفع الظلم ظلمكم
ونيل حق فبالإرهاب نُتّهم
تكشف الوحش في بردي تمدنكم
وراح يفتك مسعوراً ويلتهم
أبيح من مسلمي أوربة دمهم
وعرضهم، هل سوى الإسلام ذنبهم؟
والغرب منتظر حتى إبادتهم
ومجلس الأمن في آذانه صمم
يا قادة الغرب أفلستم وعصركم
عما قريب بأمر الله يُختتم
الإمام شرف الدين
من خلال خصائص مؤلفاته
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذُ وفاةِ الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبداية غيبة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وحتى يومنا هذا، كان لعلماء الشيعة خلال أكثر من اثني عشر قرناً دورٌ كبيرٌ ورئيسيٌّ في تخليد معارف أهل البيت عليهم السلام، وتوثيقها بشكلٍ علمي مفيدٍ لإجراء البحوث والتحقيق وتوضيحها بشكل منطقي ومستدل، وصيانتها من التحريف والتغيير والتأويلات غير المنطقية، وتهذيبها من النقاط المبهمة، وإعطاء الأجوبة المقنعة والقوية على الأسئلة والانتقادات المثارة حولها. وبالتالي التعبير عن معارف أهل البيت كمدرسة تُجسّدُ جوهر الإسلام … حيث إن التاريخ سجّل بأحرف من نور أسماء عشرات الآلاف من العلماء المخلصين والمضحّين والمتفانين والمبلّغين لمدرسة الإسلام، إلا أن أسماء أكثرهم ومؤلفاتهم أُبيدت بسبب العديد من العوامل الطبيعية وغير الطبيعية، لكن ما يهوّن الخطب هو أن ما إن يأتي الحديث عن الشيعة والتشيّع في المعاهد العلمية والمؤسّسات الثقافية، فإننا نتمكن من أن نعرض للعلماء والباحثين، بكل فخر واعتزاز، نتيجة جهود المخلصين من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام في جمع وفهرسة تراثهم الهائل ـ وأقصد بذلك الكتب التالية:
1 ـ أعيان الشيعة للعلاّمة السيد محسن الأمين.
2 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة للعلاّمة السيد أبي القاسم الخوئي.
حيث استعرضوا فيها أسماء أكثر من عشرة آلاف محدّث شيعي رووا أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
وما يزيد على اثني عشر ألف عالم شيعي.
وما يزيد على خمسين ألف كتاب من تصانيفهم في شتى العلوم.
نعم إن من واجبنا، وواجب الحوزات العلمية مباركة جهود هؤلاء الأعلام، وتقدير أتعابهم وإبرازها أمام السائرين على خطاهم. ومن بين هذه المجموعة الكبيرة من الأعلام نعرف جماعة منهم، كانوا برغم قلّة عددهم، يعدّون المحور الأساسي في الحركة العلمية الدينية، فكانوا كالشمس والقمر بين سائر النجوم. فقد استضاء الآخرون بضيائهم، وأناروا طريق المعرفة بنور علومهم ومعارفهم وتراثهم.
ولا نغالي لو قلنا إنّ لولا هذه القلة والثلّة لاندرست معالم الدين والإسلام، ولابتليت أصولها بالتحريف والضياع والتأويل والمسخ.
ولكن نعيد إلى الأذهان ما قامت به هذه الفئة القليلة من خدمات كثيرة جليلة، نحاول هنا أن نستعرض بعض الأسماء، فمنهم:
في القرن الثالث: ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي مصنف الكتاب الخالد «الكافي»، حيث قضى عشرين سنة من سنيّ عمره المبارك في جمعه وتأليفه وتهذيبه.
وفي القرن الرابع: الشيخ الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القميّ، والشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان العكبري، فإن لهما الفضل الكبير على جميع المسلمين.
وفي القرن الخامس: الشيخ الطوسي محمد بن الحسن مؤسس الجامعة الكبرى في النجف الأشرف، وباني الكثير من أسس أبحاث مدرسة التشيع.
وفي القرن السادس: إبن إدريس الحليّ حيث يعود له الفضل في تطوير الفقه الشيعي في تلك الأزمان.
وفي القرن السابع: المحقق الحلي جعفر بن الحسن مؤلف السفر القيّم ـ شرائع الإسلام في الفقه، والمسلك في علم الكلام والعقائد، والعلامة الحلي الحسن بن المطهر صاحب المؤلفات الكثيرة القيّمة في شتى العلوم الإسلامية.
وفي القرن الثامن: الشهيد الأول محمد بن مكي.
وفي القرن العاشر: الشهيد الثاني (رضوان الله تعالى عليهما)؛ وهما، بصبرهما على الموت والتضحية في سبيل المبادئ قد علّمانا وعلّما الأجيال أسلوب الاستقامة على الدين والوفاء للإسلام والتشيّع.
وفي القرن الحادي عشر: المولى محمد باقر العلامة المجلسي.
وفي القرن الثاني عشر: الوحيد البهبهاني آغا محمد باقر، حيث استطاع بجهوده أن ينقذ فقه الإمامية من الانحراف والضياع من ناحية بعض البسطاء.
وفي القرن الثالث عشر: الشيخ مرتضى الأنصاري مؤسس المدرسة الأصولية الحديثة الذي أحدث قفزة نوعية في أبحاث الحوزات العلمية.
أما القرن الرابع عشر الهجري: ففي هذا القرن حدث تطور هائل في العلاقات الدولية والنظام العالمي، حيث تمكن الاستعمار من استغلال الشعوب وخاصة الإسلامية منها واستعمارها. ففي هذه الفترة كانت الشيعة الإمامية بحاجة إلى علماء واعين، يدركون خطورة الموقف وأهميته ويفهمون دسائس الاستعمار ومكائده.
وبعبارة أخرى كنا نحتاج إلى علماء، وقادة يتصفون بالصفات التالية:
1 ـ معرفتهم التامة بالاستعمار وحقيقته وخططه الخبيثة.
2 ـ وقوفهم كالسدّ المنيع أمام الهجمة الثقافية لأعداء الإسلام والإنسانية.
3 ـ القدرة على ردّ التهم الموجهة للإسلام من قبل الأعداء وأذنابهم بين المسلمين الهادفة إلى زعزعة كيان المجتمع الإسلامي بأسلوب علمي رصين مقنع.
4 ـ الإيمان بدور الشباب وطاقاتهم، وخاصة طلاب الجامعات منهم في بناء المجتمع.
5 ـ الإيمان بقضية التقريب بين المذاهب الإسلا مية، دون الإخلال أو التواني عن إبراز مذهب أهل البيت عليهم السلام وتشريعاتهم.
6 ـ القدرة التامة على تبيين معارف أهل البيت وإبرازها للمجتمع بأسلوب مرغوب، بحيث لا تكون فيه أي إثارة أو إحداث للفرقة بين صفوف المسلمين.
7 ـ القدرة على تأليف الكتب التي تجمع بين سهولة التعبير وقوة الحجة.
8 ـ القدرة على إبراز محكمات الشريعة التي يمكن الذبّ عنها والتمسك بها في المعاهد العلمية العالمية وابتعادها عن الإشكالات التي يصعب إفهامها لعامة الناس.
قال الإمام الرضا عليه السلام: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقيل له: كيف يُحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا.
ومحاسن كلامهم المحكمات، وحيث تكون موافقة للفطرة، وحكم العقل، يستقبلها كل من له الفطرة السليمة والعقل السليم.
9 ـ القدرة على نشر العلوم الإسلامية وثقافتها في الجامعات والمعاهد العالمية.
10 ـ القدرة على تربية جيل من العلماء الواعين الذين يحملون الصفات المذكورة.
نعم كنا بحاجة إلى علماء يحملون هذه الصفات، يقودون المجتمع الإسلامي إلى شاطئ الأمان؛ وقد منّ الله تعالى على هذه الأمة بثلّة من الأتقياء الصالحين الذين قاموا خير قيام، فحفظوا للأمة دينها وكيانها وثقافتها، ونحن في هذه العجالة نذكر أسماء بعض هؤلاء الذين أسدوا خدمة جليلة للإسلام ولمذهب أهل البيت عليهم السلام في هذا القرن:
1 ـ الميرزا محمد حسن الشيرازي …. حيث قام بأول خطوة لمحاربة الاستعمار، تمثّلت بإصداره فتواه الشهيرة بحرمة امتياز التنباك.
2 ـ الميرزا محمد تقي الشيرازي، حيث قام بمحاربة الاستعمار في العراق، فحوّل الحوزات العلمية في العراق إلى معاهد عسكرية، وحارب بطلاّبها الاستعمار. وهكذا علّمنا بأن الظروف قد تقتضي ـ كما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يدخل طلاب الجامعات والمعاهد الدينية إلى ساحات المعارك، دفاعاً عن شرف الإسلام وكيانه والإنسان وكرامته.
3 ـ الشيخ محمد جواد البلاغي، حيث قاوم الهجمة الثقافية للاستعمار بأسلوبه الخاص، وأسدى، بأجوبته لشبهات الأعداء، خدمة للمسلمين والإسلام.
4 ـ الشيخ آغا بزرك الطهراني، حيث قام بإبراز التراث الشيعي، وتحمّل في سبيل ذلك الصعاب، رحمة الله تعالى عليه.
5 ـ العلامة السيد محسن الأمين العاملي، حيث كان له النصيب الأوفر في إبراز أعيان الإمامية ورجالها البارزين، وأيضاً له الآثار والمآثر الثمينة الأخرى.
6 ـ العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، حيث تحمّل العناء في سبيل إعلاء كلمة الحق والدفاع عن الإسلام والتشيّع.
7 ـ العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني، فقد سعى في الدفاع عن كيان الدين بإجابات شافية ووافية، تقنع الجيل المثقف.
8 ـ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي التبريزي صاحب تفسير الميزان، حيث يعود له الفضل في التطور الكبير الذي حدث في حوزة قم العلمية، والذي كان الأساس في التصدي للغزو الثقافي الغربي.
9 ـ العلامة السيد حسين البروجردي الذي سعى كغيره من أجل التقريب بين المذاهب الإسلامية، وله خدمات قيّمة أخرى.
10 ـ وأخيراً قائد الأمة الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) الذي فاق الجميع في التأثير في مجريات الأحداث، والذي كان يجمع الفضائل ومعلم الأمة بل الأجيال.
أما الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (رحمه الله تعالى) فقد كان واحداً من هؤلاء الأعلام البارزين، حيث كان بحقٍّ شرفٌ للإسلام والمسلمين والشيعة ـ والأسماء تنزل من السماء.
وأحاول في هذه الكلمة أن أبرز جانباً من فضائل هذا الفقيه النبيل، فقيه أهل البيت، والمدافع عن حمى التشيع وعن كيان الإسلام.
ثم استعرض بعض الروايات من غرر كلام أصحاب الوحي التي تؤكد أن شرف الدين رحمه الله يعدّ من أبرز مصاديقها. وأتمنى أن تكون هذه الأحاديث ذات فائدة كبرى لي وللسادة الحضور وللسائرين على درب آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن يثير فينا الحميّة للدفاع عن كيان الإسلام والأمة المسلمة، كل بقدر طاقته وفي حدود إمكاناته، فنكون شرفاً لإسلامنا وزينّا لأئمتنا، حيث قالوا: كونوا لنا زيناً.
فأقول ـ وقولي حق إن شاء الله تعالى:
إن فقيدنا العظيم بسيرته المثلى لم يكن إلا انعكاساً لظلال أئمة أهل البيت عليهم السلام في جهادهم وجهودهم، فقد أخذ على نفسه ما أخذه أولئك العظماء على أنفسهم من النهوض بأعباء الدعوة لهذا الدين الحنيف القويم القيّم.
وقد وفق كل التوفيق في ذبّه عن شريعة الإسلام، وإن جهاده في سبيل الإسلام لا يكاد يجهله أحد إلا من كان ممن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.
كان رحمه الله أمة، أو قل إنساناً يتميز بجوانب مختلفة، فقد كان فقيهاً ومجتهداً ومفسراً، ومحدثاً وخطيباً وناقداً ومجاهداً وعابداً وزاهداً، وقيل في حقه: فمثله كمثل «النفس في وحدتها كل القوى».
شاء الله تعالى أن يجري على قلمه من الدلائل والبينات والبراهين النيّرات ما يجعله آية من آياته الباهرة كيف لا؟ وهو متأثر بجدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في منطقه واستدلالاته وحججه.
كانت حياته (طيب الله ثراه) حياةً طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وكانت فصول عمره (رحمه الله) «الفصول المهمة»، وكلماته وخطبه وخطاباته كلها «الكلمة الغراء». نعم وهو من بيت علي عليه السلام والزهراء (سلام الله عليهما وعلى أبنائهما الطيبين الطاهرين).
ومن كلماته القصيرة التي كان يكررها: إن الدين نصيحة وإن الإسلام نصح. وكان هو الناصح الأمين، ناصحاً للأمة المسلمة وناصحاً للشيعة والسنة، ناصحاً للحكومات والأمراء، ناصحاً لذوي الشوكة والثروة، ناصحاً لأهل بيته وخواصه وناصحاً للجميع.
جعله الله مباركاً أينما كان. مباركاً في وطنه، ومباركاً في سفره، مباركاً في قلمه، مباركاً في بيانه مباركاً في إرشاده وهدايته، مباركاً في جهاده ودفاعه عن الحق.
كان يتفقد الفقراء ويزور المساكين في بيوتهم، مع إبائه عن زيارة الملوك والحاكمين. كان للمؤمنين الفقراء كالأب الرحيم العطوف، ولا يرى منه أن يمسك يده على مال يرى مكان الحاجة إلى إنفاقه في السبيل الذي يُرضي ربّه.
خدم الإنسانية لله تعالى، لم يبغ له من أجر إلا ما أعده الله تعالى له ولأمثاله من روح وريحان، وجنّة نعيم، وارتفعت روحه الطيبة إلى الملكوت الأعلى، بعد أن أدى رسالته التي أُخذت كاملة وافية، فهو ضيف ربه وأوليائه. هنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم.
كان يقول: «وقوله خالد»: لا ينتشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال، وهذه الفكرة هي التي دفعته إلى تأسيس المدرسة الجعفرية ومدرسة الزهراء وما إليهما.
نعم هذه مواصفات ينبغي أن تتوفر لدى العالم القائد الذي ينوب عن الإمام المعصوم عليه السلام في المجتمع الذي نعيشه ندرجها كما يلي:
أ ـ العقلية العملية بسعتها وعمقها المطلوب.
ب ـ تفهّم موقف الإسلام الصحيح تجاه مختلف القضايا المطروحة.
ت ـ الفطنة وحدة الفهم والبصيرة والقدرة على معرفة الواقع الشرعي.
ث ـ الوعي السياسي والاجتماعي الشامل.
ج ـ النزاهة والحياة القلبية والتحلّي بمكارم الأخلاق.
ح ـ الشجاعة والجرأة في إحقاق الحق واستحقاق حقوق المستضعفين، والسعي في جعل كلمة الله هي العليا.
خ ـ تفهم الواقع الإنساني ولمس الآلام التي تكتنف المحرومين والمضطهدين والمستضعفين.
د ـ معايشة المشاكل التي تحيط بالمجتمع والتفكير بموضوعية لمعالجتها على ضوء تفهمه لروح العصر الذي يعيش فيه.
وبعبارة جامعة، مطابقة سلوكه وأسلوب عمله بالقدر الممكن لسيرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
وحياة شرف الدين تبين بأنه رحمه الله كان مجسداً لمثل هذه الكمالات.
بل هو المتفاني في النصح لله وكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، الباذل نفسه في خدمة الشريعة المقدسة شريعة جده سيد المرسلين، والمجاهد في سبيل إحياء(سيرة) العترة الطاهرة آبائه الميامين.
وبحق أقول: كل آثاره ومصنفاته تحفة للأصحاب، وبغية الراغبين، وبغية الفائز، وبغية السائل.
وكلها تنزيل الآيات الباهرة إلى مستوى فهم الطلاب والمحصلين، والذريعة إلى نقض الباطل والبدعة بالأساليب البديعة.
وكلها النصوص الجلية الجليلة، وسبيل المؤمنين والفصول المهمة والكلمة الغراء.
مراجعاته مرجع، بل مراجع للمحققين، ومجالسه كلها المجالس الفاخرة.
عن الإمام الصادق عليه السلام: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من نجالس؟ قال: من يُذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله.
مجالس شرف الدين من تلك المجالس الفاخرة العزيزة المباركة، لأن الله تعالى جعله مباركاً أينما كان، وهو من مصاديق «بعض فقهاء الشيعة» في كلام إمامنا العسكري عليه السلام: «أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم» وشرف الدين من ذلك البعض.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا.
والإمام شرف الدين من هؤلاء المرابطين.
وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تجلسوا عند كل داع مدّع …. وتقرّبوا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس»:
من الرياء الى الإخلاص.
ومن الشك إلى اليقين.
ومن الرغبة إلى الزهد.
ومن الكبر إلى التواضع.
ومن العداوة إلى النصيحة.
وهذه الرواية الشريفة، كأنها وردت في بيان حياة الإمام شرف الدين.
نعم كان كلامه ودرسه وتدريسه ومصنفاته وسيرته موجباً لتحكيم معتقدات الناس، وتقريبهم إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وكان مثالاً للإخلاص واليقين والزهد والتواضع والنصيحة، وداعياً إليها في كل جوانب حياته. فهو من العلماء الذين يُصدِّق فعلهم قولهم. كما قيل في ذيل آية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يعني من يصدق فعله قوله، جعلنا الله تبارك وتعالى منهم بحق علماء آل محمد عليهم السلام.
في الختام، ولكوني منذ دخولي الحوزة العلمية في قُم، واشتغالي بتحصيل العلوم الدينية، كنت ولا أزال من المُعجبين بالمرحوم السيد شرف الدين، حيث استفدتُ من مؤلّفاته بأشكال مختلفة، فإني أعرض أمامكم بعض الأمور على شكل أسئلة وأجوبة:
السؤال الأول: ما هي الخصائص البارزة التي تمزيت بها مؤلفات الإمام شرف الدين، وجعلتها مقبولة إلى حدٍ كبير في الحوزات العلمية والجامعات وفي العالم الإسلامي بشكل عام؟ بحيث إننا يمكن أن نقول بكل جرأة إنه ما من عالم أو كاتب بحث حقّق أو ألّف حول الإمامة ومدرسة التشيع، خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلا واستفاد من مؤلفات هذا المرحوم الفقيد؟…
الجواب: أولاً، بشهادة الإجازات التي منحها الفقهاء الكبار أمثال الآخوند مُلاّ محمد كاظم الخراساني، وشريعت الأصفهاني للمرحوم السيد شرف الدين، فإنه في سنوات شبابه، وعندما بدأ بالتأليف والتصنيف، كان قد اجتاز المراحل النهائية لعلوم الحوزة، أي أنه بدأ بالتأليف بعد أن تفقّه بالمعنى الواسع للكلمة، وإن مثل هذه المؤلفات تختلف عن تلك التي تؤلف أحياناً قبل وصول أصحابها إلى المراحل العلمية العالية من حيث النضج والشمولية.
وثانياً: إن مجموع مؤلفات هذا العلامة الجليل هي حصيلة ستين عاماً من المطالعة والتحقيق والبحث، ولم تكن حصيلة عام أو عامين، رغم أنها لم تكن كثيرة جداً من حيث الحجم، أي أنه اهتم بالمضمون العلمي والتحقيقي وليس بالحجم.
وثالثاً: إن الأبحاث التي طُرِقت في هذه المؤلفات كانت تلبية لحاجات المجتمعات الإسلامية والشيعية، حيث كانت ساحة الدفاع عن المدرسة الشيعية والمذهب تعاني فراغاً وأزمة في مثل هذه المؤلفات.
السؤال الثاني: ما هي الدروس التي يمكن للمحققين والمؤلفين أن يأخذوها من الأسلوب الذي تميزت به الأعمال العلمية للسيد شرف الدين؟.
الجواب: أولاً: أن ينجزوا الأعمال اللازمة والضرورية كما كان يفعل سماحته، حيث نراه يعمد إلى تأليف كتاب مستند يكون مرجعاً ومصدراً وسنداً لأهل المنبر، ومهذباً من الموضوعات غير المستندة، عندما يشعر أن بعض الخطباء والوعّاظ لا يملكون مرجعاً مستنداً لعلمهم. أو أنه يُقدم أجوبة منطقية ومستدلة، عندما يشاهد شخصاً يهاجم التشيع وبعض المعتقدات الشيعية عن جهل أو بهدف معين.
ثانياً: في الفقه، وفي الفقه المقارن فإن عمله يعتبر نقطة عطفٍ وأسوة جديرة بأن يقتدي بها الفقهاء، وهذا ما تميزت به مؤلفات هذا السيد الجليل ولحسن الحظ فإن خطوات عديدة قد أنجزت في هذا السبيل، إلا أنها ليست كافية، وينبغي أن تتابع بشكل جاد وواسع في الحوزات العلمية.
ثالثاً: بدل أن نركّز على إسناد الروايات، وهو أمر صحيح في موقعه، إلا أنه ينبغي أن نركز على النص نفسه، ونَدرُس مدى صحة مضمون الروايات المنقولة في كتب الحديث، لنحدد درجة صحتها وسقمها، وهو ما فعله المرحوم شرف الدين في بعض مؤلفاته … إنه عمل عظيم ومثمر وأساسي للغاية، بالطبع على أن يكون ضمن ظروفه الخاصة دون أي إفراط أو تفريط أو انحراف في الرأي والتصور.
السؤال الثالث: نعرف أن هناك الكثير من الكتب والمؤلفات التحقيقية قد أُلّفت حول الإمامة؛ ولكن ما هي الخصائص التي تميزت بها مؤلفات هذا المرحوم وجعلتها متميزة عن غيرها؟.
الجواب: إن مؤلفات الإمام شرف الدين كانت محاطة بالرعاية الإلهية، ما جعلها قابلة للعرض والاستفادة في كافة المحافل والأوساط الإسلامية وغير الإسلامية، الشيعية وغير الشيعية، المؤيدة والمخالفة على حدٍ سواء.
أعتقد أنه لأمر مهم جداً أن يُدوَّن البحث المتعلق بالإمامة والخلافة بشكل وأسلوب، بحيث يجعله قابلاً للعرض في كل المحافل.
إن الفطرة السليمة والعقل السليم، وكذلك الاعتدال في الأسلوب والنهج وبعبارة واحدة: إن قوة الموضوعات المطروحة وفصاحة وبلاغة الألفاظ والعبارات، ورعاية آداب البحث والنقاش، والتأكيد على النقاط الإيجابية وإهمال النقاط السلبية وعدم إبرازها، وأهم من ذلك كله الإخلاص وطلب الحق الذي تميز به قلم الإمام شرف الدين هي التي جعلت مؤلفاته تكتسب كل هذا الانتشار والشهرة والقبول.
وهنا أختم مقالي هذا بهذا الاقتراح، وهو لزوم إنجاز التحقيق العلمي حول مؤلفات المرحوم شرف الدين القيِّمة، والذي يعتبر بحق فخراً وشرفاً للدين والإسلام والتشيع، وأن تُطبع تحت عنوان (موسوعة الإمام شرف الدين)، بعد أن تضاف إليها عناوين المصادر من الطبعات الجديدة، وكذلك الفهارس المناسبة، ومهما بلغ عدد مجلداتها، وأن يضطلع ناشر موثق ومخلص بهذه المهمة، على أن يتقدم هذه الموسوعة كتاب (بغية الراغبين) الذي يتضمن شرحاً لحياته المباركة، حتى يُردّ إلى هذا المرحوم جزء من الحقوق التي له على الحوزات العلمية الإسلامية والشيعية عموماً، ولكي تتم الاستفادة أكثر وأفضل من آثاره ومؤلفاته في المستقبل إن شاء الله، والأمر إليكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رضا أستادي
بعض ذكرياتي مع والدي
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد الخلق. وخاتم الأنبياء، موقد جذوة النور في أبصارنا، وقادح زناد الفكر في بصائرنا، وموقع نبضات الإيمان في قلوبنا، ومجرى إكسير الكرامة في عروقنا، وباعث كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة في أسماعنا، وزارع آيات القرآن في أوتار حناجرنا، ومسجّل صحائفه في كياننا ووجداننا. وسلام الله على آله الذين عكسوا هذه القيم والنعم، وتلك المواهب والمكاسب على المسلمين، جيلاً بعد جيل. حتى جيل السيد عبد الحسين شرف الدين، فحمل أمانتهم وأدى رسالتهم، مبتدئاً بعشيرته الأقربين.
سبعة وثلاثون عاماً شمّني كنفه الدافئ منذ ولادتي سنة 1920، حتى سكت قلبه الكبير في الثلاثين من كانون الأول 1957. وكنت في تلك اللحظة الرهيبة أنحني على سريره في المستشفى شارد اللب أمام ذلك الفارس المسجّى، يفوح منه عبق جده أمير المؤمنين الذي انتقل إليه من معلمه ومربيه سيد الخلق أبي الزهراء، جدّ الحسنين والأئمة التسعة من عترته: ثمالة أهل الكساء وبقية علي والزهراء.
ترجل الفارس بعد سبعة وثمانين عاماً، حملته على صهوة العلم والعمل والتقوى، منبراً يوقظ النائمين ويهتف بالمستضعفين، ويتجاوب صدى صوته في موطن العرب والمسلمين. صادعاً بالحق يبلور الخطاب الإسلامي والنهج الإمامي، واضعاً قاعدة الوحدة الإسلامية وسقفها: سداهما فصوله المهمة، ولحمتهما مراجعاته الأهم. حتى قيل إنه ثاني اثنين بعد السيد جمال الدين الاسترابادي وضعا القواعد الأولى للوحدة الإسلامية واللبنات الأولى للصحوة الإسلامية. تلك التي توجت الثلث الأخير من هذا القرن بقيادة إمام الأمة وممثل الأئمة السيد روح الله الخميني.
ترجل بعد أن أدّى دوره في الناس صدراً واسعاً وفكراً جامعاً، وبيتاً كان محط آمال المتعبين، ومهوى أفئدة المؤمنين: إلى ديوان يتجاوب فيه جهد أنفاس الباحثين مع صدى نبرات المحققين.
ترجل ولكن عيني لم تصدق ما رأت مع أنه اليقين، وكانت أذني قد وعت الجملة الأخيرة التي رددها قبل أن يقف قلبه الكبير. لقد بلغت الغاية ولا يبلغ الغاية إلا الحي، قالها ثلاثاً، ثم صمت أذناي عن الواعية، فعصبت بي نوبة من العاطفة استشهدت لهدهدتها بأبيات، تحولت ببعض مفرداتها لما ينطبق على بيت أبي:
أما أبوك؟ ترفق، أنا لا يموت أبي، ففي البيت منه عبير إمام وعرف نبي صحيفته، نهجه، والكتاب، كأن أبي بعد لم يذهب، وأوراقه في البيت مبثوثة، تراث المداد على الكتب أجول الزوايا عليه، فحيث أمرّ، أمر على معشب أشم يديه، أميل عليه، أصلي على صدره المتعب أبي يا أبي، إن تاريخ قرن وراءك يمشي فلا تعتب على اسمك نمضي، فمن طيب شهيّ المجاني إلى أطيب.
ترجل السيد الحسين شرف الدين بعد أن أدّى دوره أباً عطوفاً ومربياً رؤوفاً، يدفع بأولاده إلى خوض معركة الحياة بما فيه لله رضا، وللأمة صلاح ولهم حُسنى العقبى. وقد صور هو نفسه. (طيب الله مثواه) أسلوبه في تربية أولاده عبر رسائل بعث بها إليهم، عهد كانوا يتلقون علم آل محمد في النجف الأشرف. يقول في إحداها، مخاطباً ولده الأكبر السيد محمد علي بتاريخ 13 جمادى الأولى 1343، وأكتفي بإيراد طرف منها:
أي بني: أوغلوا في البحث والتحقيق، واستنبطوا دخائل العلم تستجلوا مخبآته، ولا تقبضنكم الهيبة من المناظرة والاستفهام. أي بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس إليهم، فإنك إن تكن عالماً نفعك علمك، وإن تكن جاهلاً علّموك.
ومن كتاب لأولاده بتاريخ 30 ذي القعدة 1343 أورد منه:
وإذا ألقي عليكم سؤال فلا تسرعوا إلى الرد والقبول بغير دليل مقبول.
وإذا هجمت عليكم مشكلة، أو هجمتم على معضلة فجدّوا لحلها جد الأحرار، ولا يهولنكم أمرها فتبلسوا، بل اصمدوا لها بحثاً عن مكنونها، حتى تسبروا غورها وتقفوا على كنهها.
وخاطب أصغر أولاده في النجف السيد صدر الدين بتاريخ 23 شعبان 1342.
بلغني بلوغك الحلم، فبورك لنا ولك في ذلك، وهو نعمة يجب أن تقدرها وتقوم بشكرها.
أي بني: أنت الآن في نجوة من المعاصي، فاربأ بنفسك بما تحرزه اليوم من كرامتك على الله تعالى. واعلم بأنك تظهر اليوم بمظهر جديد، إذ لم يكن عليك رقيب ولا عتيد، واليوم قد أوكل بك ملكين أجراهما منك مجرى الروح من الجسد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
وكان، نضر الله ثواه، يدفع بنا منذ نعومة أظافرنا إلى التمسك بحبل النبي وعترته، وانتهاج طريق من اهتدى بهديهم واستمسك بعراهم. ويحضنا على طلب العلم والمعرفة، ويحملنا على المطالعة وعلى الكتابة وعلى الخطابة … من ذلك أنه أقيم في صور مهرجان كبير استنكاراً للتعسف الاستعماري في فلسطين سنة 1936، وقد دفعني أبي، وكان لي من العمر آنذاك ستة عشر عاماً، أن ألقي كلمة في ذلك المهرجان، ولم أكن لأجرأ أن أصعد منبراً، يتعاقب عليه كبار من رجال العلم والأدب والسياسة، لولا أمره لي بذلك، فألقيت ما كتبته، لأتلقى منه التشجيع الواعد. وبفضل هذا التوجيه شققت طريقي على عينه، واستمر في دفعي بعد أن شببت عن الطوق، ففي سنة 1948 كانت المدرسة الجعفرية تنوء تحت عبء ثقيل من الديون، وكانت حتى ذلك الحين ابتدائية ـ متوسطة، وكنت أطمع إلى الرقي بها.
هيأت بشق النفس جناحاً يتسع للصفوف الثانوية وللقسم الداخلي. لم أكن لأشير إلى ذلك إلا لأشير أنه تمّ بفضل الله وبفضل تربية وتوجيه أبي المتواصل، وقد شرفني بكتاب ارسله من قرية ياطر، حيث كان يصطاف تلك السنة بتاريخ 18 ذي القعدة 1367 أورد منه ما يلي؛:
وأهجت يا بني بزورتك الخاطفة لوعات من أبيك كامنة، فعز علي ذلك، وإن سرني إيثارك الأهم ـ المدرسة ـ على المهم علاج غلّة أبيك، ولله نهضتك بالجعفرية، وأسأل الله أن يتوج وثبتك هذه بالنجاح.
وفي نهاية 1949 أوفدني وأخي السيد صدر الدين إلى أبنائه العامليين في إفريقيا الغربية لنعود إليه بما بني به صرح الجعفرية الجديد، وقد أسماه بناية المهاجر اعترافاً بفضلهم، ثم أمر بوضع لوحات رخامية أملى بها هذه البادرة لهم وللجعفرية.
وأوفدني في رحلة ثانية سنة 1954 لاستكمال تجهيزات الجعفرية ووفاء ديونها المتراكمة، وكان (قدس سره) بعث إليّ بتوجيهه وتشجيعه عبر كتاب أجتزئ منه ما نصه:
عز عليّ يا بني ركوبك الهواء، وأعز علي من ذلك تكليفك بالسؤال، والسؤال ذلّ ولو من أين الطريق، إلا أن يكون في سبيل الله ورسوله والأئمة والأمة، ولمشروعك هذا الذي أبحرت وأصحرت، ثم ركبت الريح في سبيله فإنه عز وأي عز.
لذلك آثرتك به وغامرت بك وراءه، فتحية لفرسان الجالية الغالية يتنافسون في البناء والعمران، حتى أصبح وطنهم يتسم بطابعهم، تتقرأ ذلك في معاهد شيّدوها ومساجد عمروها ومنائر رفعوها وأرحام وصلوها.
إنه (رضوان الله عليه) أب غير عادي، فهو إلى ذلك مربّ ومعلم ومشجع وبانٍ للشخصية.
كان بيته متاحاً للأضياف يستبشر بدخولهم عليه، حتى ليشعروا أنهم في بيوتهم. وكان يلتزم بأدب الضيافة التزاماً وثيقاً، كأن يقول لأحدنا، إذا لاحظ أنه مقبل على طعام باستفهام استنكاري: أتشبع حين تضاف، أو أتنام قبل أن ينام ضيفك. وكان يحمل بنفسه الفراش للضيوف، حين لم يكن أحد من أولاده في البيت. وقد صادفته مرة في وضع لا أنساه مدى الحياة، كنت عائداً من القسم الداخلي في المدرسة ليلاً، وما إن دخلت البيت حتى رأيت خيال أبي يعكسه نور المصباح على الحائط الداخلي لغرفة الضيوف منحنياً وبيده اليمنى فراش وباليسرى غطاء، فهرعت إليه فوجدته يلهث تعباً، ووجدت الضيف وكان من العلماء يستقبله ويأخذ حمله عنه.
وكان (قدس سره) يميز العالم من ضيوفه في المنام، فيجمع بين مقعدين مستطيلين يمهد فيهما بفراش وثير. وكان الشيخ محمد جواد مغنية (تغمده الله برضوانه) يسمي هذا المنام بظرف سلبي «تابوت العلماء» بينهما كان الشيخ علي مهدي شمس الدين (تغمده الله برحمته) يسميه بظرف إيجابي «عرش العلماء».
وكم عقدت في منزله حلقات العلم والأدب واللغة، وكم التقى فيه زائرون من سائر الأقطار الإسلامية والعربية.
وكان البشر يعم بيتنا حين ننعم بورود السادة العلماء. وكنا نسمع حديث هذه الزيارات التي لم ندركها، ومن أركانها العلماء الأئمة: السيد محمد محمود، والسيد علي محمود الأمين، والسيد نجيب فضل الله، والشيخ موسى قبلان، والشيخ عبد الكريم شرارة، وشاعر جبل عامل الشيخ محمد حسين شمس الدين. وقد أدركت أول ما أدركت مجالس كبار العلماء المقدمين: الشيخ حسين مغنية، والسيد محسن الأمين، والسيد محمد، والسيد مهدي إبراهيم، والسيد حسن محمود الأمين، وكبار الفضلاء الأجلاء، كالسيد عبد اللطيف، والسيد محمد نجيب فضل الله، والشيخ علي مهدي شمس الدين.
وكان لكل منهم سمات تميزه عن زملائه. فهذا بحر علم ومعرفة، وذاك محجة قضاء وإفتاء، هذا عميق الغور في البحث والتحقيق والاستنباط، وهذا لا ينفك تصنيفاً وتأليفاً، وذاك منصرف إلى مشاريعه العلمية والثقافية. هذا يهز المنابر العاملية بالموعظة الحسنة، وذاك يهزها بقصيده العربي المبين.
وأعلق الزيارات في ذهني تلك الزيارات الموسمية التي كان يتفضل بها المغفور لهما: الشيخ عبد الحسين صادق، والسيد عبد الحسين نور الدين. ذلك لأنها كانت مواسم غنية، تجمع شمل العلم والأدب والشعر والخطابة والنكتة المستملحة والطرفة المستظرفة. بل كانت سوق عكاظ كما كان يسميها مجازاً الشيخ (قدس سره) أو خلية علم كما كان يسميها السيد (رضوان الله عليه) وكلتا التسميتين وصف دقيق لتلك المجالس التي كانت تعقد حول كل منهما في الشتاء والنار توقد. وفي الصيف والجو يتثاءب والمشكلات تطرح والنقاش يتعالى، فيؤجج النار في الشتاء ألقاً وتوهجاً، ويشحن الجوّ في الصيف نشاطاً وتبلجاً. ورب معضلة علمية استغرق البحث في فكّ عقدها جلسات تتلو جلسات، حتى إذا أسفر حجاب المشكلة وحصص الحق قرّت السيوف في الأغماد، وساد ذلك الجو الحميم سعادة لا توصف.
وكثيراً ما كان الأستاذ محمد علي الحوماني يضفي على بعض هذه الجلسات ملح الأدب وطرائفه، ويروي النادر من رحلاته الأميركية والعربية. وأشهد أنني ما سمعت متحدثاً أبرع ولا أروع من هذا النابغة استقطاباً للعقول والأفئدة أداءً وتسلسلاً، بكل ما في لغة الضاد من بلاغة قول، وعذوبة منطق، وطلاقة لسان.
أما السيد عبد الحسين محمود الأمين فكان نجم كل حلقة، بل كان مدرسة أدبية كاملة، فيها من الشعر أعذبه، ومن التاريخ أطرفه، ومن النكتة أبرعها، ومن الرواية أروعها.
أما مجالس آل شرف الدين فكانت تتميز بخصوصيتها وانفتاحها، فقد كنا نتحلق في الليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس حول سيد الأسرة، يضفي علينا بمنطقة العلوي ما يفعم أفكارنا، وينقلنا باستمرار إلى عهد البعثة في مكة ثم في المدينة، ويرسم لنا صورة بيانية يتجلى فيها خاتم الأنبياء ووصيه الأمين وصحبه المجاهدون. وقد صوّر تلك المشاهد كأنك تراها «حليف مخزوم»، و«هاشم وأمية». هذان الكتابان القيمان اللذان لخص بهما العبقري من أولاده السيد صدر الدين تلك المجالس العائلية.
وعهد آخر كان يتصدر مجالسه الشيخ حسن والشيخ محمد تقي صادق، تطرح فيه المشكلات، وما أن يتعمق الحوار حتى يحمى الوطيس وتعلو الأصوات وتغربل الآراء. ولا تتبلور إلا بعد مخاض عسير، يئز أزيز المرجل تفور ماؤه، ويحف بالشيخ التقي فتيان آل صادق.
وكثيراً ما كان هؤلاء الفتية نجوم هذه المجالس، ثم أصبحوا نجوم المحافل الثقافية والوطنية، وكذلك المجالس التي كانت تعقد احتفاء بالمغفور له الشيخ محسن شرارة يعرض فيها الأفكار التي انتقلت إليه من أبيه العظيم الشيخ عبد الكريم، وجده الأعظم الشيخ موسى شرارة، ذلك الذي أوقد مصابيح الهدى في بنت جبيل فاستضاء بها جبل عامل، ونفخ رياح التغيير فيه، فنقله من عصر إلى عصر في مدة لا تتجاوز العشر سنوات.
وكان أبي (نضر الله ضريحه) يولي اهتمامه بالعلماء، ويحرص على أن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وكان يتسقط أخبار الذين نفروا إلى النجف أو قم، حتى إذا أنس من أحدهم استيعاباً لما أخذ، وقدرة على عطاء ما أخذ، توجه إلى بلدته وبشّر أهلها بنضوج عالمهم وحثّهم على دعوته للعودة. ثم تفقد مسجد البلدة والبيت المعد لسكناه، حتى إذا علم بموعد قدومه استقبله في دمشق أو بيروت في ثلة من أهله وقومه ورافقه إلى بلدته وصلى بصلاته.
وكذلك كان (قدس سره) يولي اهتمامه بالمنبر الحسيني، حتى إذا قدم إليه الشيخ محمد نجيب زهر الدين، وكان في مطلع شبابه سنة 1938، عثر به على ضالته فاستبقاه عنده يعبئه بسر الثورة الحسينية، ويوصيه باستخراج العبرة من هذه الثورة النوعية لا لاستدرار العبرة، فالحسين لا يبكى عليه فحسب، بل يقتدى به. ومقولة «يا ليتنا كنا معكم» تعني أن نكون مع مبادئه في أيامنا وتاريخنا، فالتمني باطل إذا لم توضع الأمنية موضع التنفيذ رفضاً للانحراف وثورة عليه.
أما بعد، فإنني أتقدم بالتحية والتبريك لرئيس الجمعية الإسلامية الخيرية العاملية السيد محمد يوسف بيضون الذي شرح صدره لهذا الحفل المؤتمر، فقد شاء الله أن يتيح قاعة عمه الرشيد لهذا المؤتمر. كما أتاح الرشيد نفسه رحاب الكلية العاملية يوم وفاة المحتفى به في الثلاثين من كانون الأول 1957. كما فتح أبواب العاملية وأبواب العمل للعامليين المقيمين وأبواب البناء والعمران للمغتربين منهم.
كما شاء سبحانه أن يقوم بهذه البادرة الشريفة المستشارية الثقافية لجمهورية إيران الإسلام تتويجاً لاحتضان الشعب الإيراني المسلم لأفكار السيد عبد الحسين شرف الدين في حضوره وفي غيابه.
وفي هذه المناسبة، وفي كل مناسبة أنحني بإجلال لما أنجزه قائد الأمة الإسلامية في هذا العصر السيد روح الله الخميني. وأحيي بكل تقدير واحترام خليفته ولي أمر المسلمين السيد علي خامنئي.
وشاء الله كذلك أن يواكب المحتفى به في حياته كبار العلماء والأدباء والمفكرين، كما شاء أن يقف اليوم خلفهم من نجوم الفقه واللغة والتاريخ يستشرفون أفقه، ويبلورون علمه وعمله ومعرفته، فتحية لأصحاب العلم والعمل والمعرفة، وسلام الله عليهم وعليكم أيها السادة ورحمة الله.
السيد جعفر عبد الحسين شرف الدين
* * *
حياة المؤلف([913])
بقلم آية الله علم الهدى
سماحة الشيخ مرتضى آل ياسين
لست ببالغ من تعريفك ـ أيها القارئ الكريم ـ بالسيد المؤلف مبلغ تعريف الكتاب به، وحسبك منه ـ وأنت تقرأه في هذا كتاب ـ أن تعرف به بطلاً من أبطال العلم، وفارساً من فرسان البيان، تأتيه حين تأتيه مالكاً لأمرك، مسيطراً على نفسك، فإذا استقر بك المقام عنده، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه. فإذا هو يتملك زمام أمرك، ويدخل إلى قرارة نفسك، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه.
وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة، فإنها سيطرة مضمونة الخير، مأمونة الشر، بعيدة عن الكيد والمكروه، بعد الصحة عن الفساد، وكن واثقاً أكبر الثقة ـ حين يأخذك بيانه وبرهانه ـ أنه إنما يرد بك مناهل مترعة الضفاف، بنمير ذي سلسبيل، كلما كرعت من فراته جرعة، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راوياً غيرها.
هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه؟ كلا فإن للسيد عبد الحسين في الحياة مناحٍ وميادين لا أراني موفياً عليها، وأنا في هذا السبيل الضيق القصير، ويوشك أن يكون الأمر يسيراً لو أن المترجم له غير هذا الرجل، ويهون الأمر لو كان من هؤلاء الرجال المحدودة حياتهم وأعمالهم، أما رجل كهذا الرجل الرحب العريض، فمن الصعب جداً أن يتحمل كاتب عبء الحديث عنه، والتوفر عليه، لأنه يشعر حين يقف إليه أنه يقف إلى جبل ينبض بألوان من الحياة، متدفقة من كل نواحيه وجوانبه، فلا يكاد يرد كل لون إلى مصدره إلا ببحث عليه مسؤوليات من المنطق والعلم، قد ينوء بها عاتق المؤرخ الأمين.
ويكفيك من تعريفه ـ على سبيل الإجمال ـ ما يعرفك به الكتاب من فنه وعلمه، وكنا نود لو يتاح لنا أن نقف وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتبعة، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وإبداع، قلَّ أن نجد لها نداً في مقدور زملائه من الأعلام (أمد الله في حياة أحيائهم).
ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الأدب، وبعد النظر في البحث، وسلامة الذوق في الفن، وحسن التيسير في إيضاح المشاكل، وتحليل المسائل، أطلق له لساناً من البيان الساحر أغنانا عن الأخذ بالاعناق إلى موضع جماله، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره يناديك حين تغفل عنه، ويدعوك بصوته حين تمر به سهوان، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به.
وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال، ولا تحسب أن للكتب حياة خاصة مستقلة، فليست حياة الكتب غير حياة المؤلفين والكتّاب نفسها، فإذا سمعت نبأة، وأدركت حساً في كتاب، فإنما تسمع جرس الكاتب، وتحس حسه عينه.
وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الإمام، ولك أن تكتفي به، ولك أن لا تكتفي منه، فبحسبي أن أشعرك بطرف مما عرفت منه، وأنا أنغمس في هذه ـ المراجعات ـ وبحسبك مني أن ترى منزلته في نفسي: كعالم يضم إلى علمه فناً من الأدب منقطع النظير، ولك أن تثق بي حين تعتبرني دليلاً، أميناً سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة، وضمها إلى مؤثلات لغتنا الحية.
مولده ونشأته:
على أني لا أرى لك أن تقتصر من معرفته على هذا المقدار، كما لا أرى لك أن تجتزئ بطائر اسمه، وسعة شهرته في العالم الإسلامي. وإنما أرى أن تتجاوز ذلك إلى الإحاطة بشيء من ظروفه التي قدرت له هذه الحياة.
ولد السيد عبد الحسين شرف الدين ـ أورف الله ظله ـ في الكاظمية سنة 1290هـ. من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى، ويوحد نسبهما كرم العرق، فأبوه الشريف ابن الشريف جواد ابن الشريف إسماعيل، وأمه البَرَّةُ (الزهراء) بنت السيد هادي ابن السيد محمد علي، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الأسرة الكرية.
ثم درج في بيت مهدت له أسباب الزعامة العلمية؛ ورفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الإسلام، ذكر محمود، وفضل مشهود، وخدمات مشكورة، فكانت طبيعة الإرث الأثيل، تحفزه للنهوض من جهة أخرى، وتربيته الصالحة ـ كانت قبل ذلك ـ تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب، فهو أنّى التفت من نواحي منشئه الكريم، استقى النشاط والتوفر على ما بين يديه من حياة: مؤملة لخيره ولخير من وراءه من الناس:
ثم شبل في هذا البيت الرفيع؛ يرتع في رياض العلم والأخلاق، ويتوقل في معارج الكرامة، فلما بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير، وجعلت منه صورة للفضيلة، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثر واضح في نشأته العلمية، ثم في مكانته الدينية بعدئذ. فلم يكد يخطو الخطوة الأولى في حياته العلمية حتى دلت عليه كفايته، فعكف عليه طلابه وتلامذته، وكان له في منتديات العلم في سامراء والنجف الأشرف صوت يدوي، وشخص يومأ إليه بالبنان.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمع نجمه في الأوساط العلمية، ويتسع إشراقه كلما توسع هو في دراسته، وتقدم في مراحله حتى ارتاضت له الحياة العلمية، على يد الفحول من أقطاب العلم في النجف الأشرف وسامراء، كالطباطبائي، والخراساني، وفتح الله الأصفهاني، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم من أعلام الدين وأئمة العلم.
ولما استوفى حظه العلمي من الثقافة الإسلامية العالية، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقاً عالياً، ساعدته على إنشائه ملكاته القوية، وسليقته المطبوعة على حسن الأداء، وتخيّر الألفاظ، وقوة البيان، وذرابة اللسان، وسعة الذهن، فكان بتوفيقه بين العلم والفن ممتازاً في المدرسة، مضافاً إلى ما كان له من الميزة الفطرية من ناحيتي الفكر والعقل.
على أن لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس واكتناز المعارف فقط، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على أبواب المراجع من أساتذته، وانتفع من الأحداث المؤتلفة، والحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة، فكان يضع لما اختلف منها، ولما ائتلف حساباً، ويستخرج منه نفعاً ويقدر له قيمة، وينظر إليه نظرة اعتبار، ليجمع بين العلم والعمل، وبين النظريات والتطبيق.
إذن فقد كانت دراسته ـ بالقياس إليه ـ مدرستين: يعاني في إحداهما المسائل العلمية، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه وتلك مصطلحة على إنتاج بطولته.
في عاملة:
وحين استعلن نضجه، ولمع فضله في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره ـ إلى جبل عامل ـ جنوب لبنان، موقوراً مشهوراً مملوء الحقائب، ريان النفس، وريق العود، ندي اللسان، مشبوب الفكر، وكان يوم وصوله يوماً مشهوداً، قذفت فيه عاملة بأبنائها لتستهل مقدمه مشرقاً في ذراها وأجوائها، واستقبلته مواكب العلماء والزعماء والعامة، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد.
ولم تكن عاملة ـ وهي منبت أسرته ـ مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به، أو بتعليق أكبر الآمال عليه، فإنها علمت ـ ولما يمض عليه فيها غير زمن يسير ـ أنه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معاً، فتنيط به الآمال عن «عين» بعد أن أناطته به عن «أذن» وتتعلق به عن خبرة، بعدما تعلقت به عن سماع، وتعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى أخباره، أموراً لم تدخل في الظن عند الخبر.
إصلاحه:
وابتدأت في عاملة حياة جديدة شأنها الشدة في الدين، واللين في الأخلاق، والقوة في الحق، والهوادة مع الضعفاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتطامن لأهل الدين، والتواضع للعلماء، وكانت يومئذ إقطاعيات منكرة، لا تملك العامة معها من أمر نفسها شيئاً، ولا تفهم من الحياة في ظلها غير معناها المرادف للرق والعبودية، أو لا يفسح لها أن تفهم غير ذلك من حياتها الهينة المسخرة للأقوياء من جبابرة الناس وطواغيتهم، فلما استقر به المقام في عاملة، لم يستطع إقرار هذا النظام الجائح المستبد بحقوق الجماعة، ولم يجد من نفسه، ولا من إيمانه، ولا من بره، مساغاً للصبر على الإقطاعية هذه، وإن ظاهرها الأقوياء، والمتزعمون، والمستعمرون، وكل من يتحلب ضرعها المادي الحلوب، لذلك ثار بها وبهم، وأنكر عليها وعليهم، واستغلظ الشر بينها وبينهم، فجمعوا له وأجلبوا عليه، وسعوا فيه، وكان كل سعيهم بوراً.
أثر بلاغته:
وكان لمنابره البليغة، ولأساليب إرشاداته البارعة، أكبر الأثر في تحقيق إصلاحه المنشود، ولا غرو فإن للسيد المؤلف مقاماً خطابياً يغبطه عليه خطباء العرب، ويعتز به الدين والعلم والأدب.
وخطابته ككتابته، تستمد معانيها وقوتها وغزارتها من ثقافته كلها، وترتضع في الموضوع الخاص أثداء شتى من معلوماته الواسعة، فإذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الأفواه كشرايين الثدي وعروقه، ترفده من كل موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله، وعلى ذوقه الممتاز أن يضع أطراف ما يتدفق إليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه، ويركزه في مكانه، حتى إذا انتهى أنهى إذن بحثاً نافعاً كله غذاء ومتاع.
وأعظم به ـ إلى جانب هذه البلاغة ـ متخيراً لآلئ معانيه، وأزياء أفكاره يقدرها تقديراً، ويرصفها رصفاً، ويبعث فيها حياة تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهوم أو من منطوق بأوصافه، وإضافاته، وبكل تآليفه المنسوقة المنسجمة.
ثم أعظم به محدثاً إذا تشاجن الحديث وتشقق وانساب على سفينة يمخر العباب، فهناك النكتة البارعة، والطرف اللامعة، والنادرة الحلوة، والخبر النافع.
من هذا وذاك علقت به النفوس؛ واجتمع عليه الرأي، فقاد للخير وابتغى المصلحة. وتكاملت له زعامة عامة، يحل منها في شغاف الأفئدة والقلوب، ولم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة، بل كانت عروقها واشجة الأصول، عميقة الجذور، تتصل بالأعلام من آبائه، والغر من أعمامه وأخواله، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية، فأعلت أركانه ومدت شطآنه وخلجانه.
بيته:
فبيته في ذرى عاملة، مطنب مضروب، للقرى والضيفان، تزدحم فيه الوفود، وتهدى إليه الحشود إثر الحشود، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود، وهو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد والصدر، هشاشاً طلق المحيا لا يشغله تشييع الصادر، عن استقبال الوارد، ولا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد، ولكنه يجمع الحقوق جميعاً ويوفق بينها، فيوزعها عادلة متناسبة.
ولأريحيته الكريمة جوانب أنفع من هذا الجانب، وأبعد أثراً، فهو مفزع يأوي إليه المحتاجون والمكروبون، وملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون به المكاره، حين تضيق بها صدور الناس، وتشتد بهم آلامها، فإذا طفت بيته، رأيت ألوان الغايات، تدفع بألوان من المحتاجين إليه، المعولين عليه في مختلف أحوالهم، وأوضاعهم الخاصة والعامة، مما يتصل بدينهم أو دنياهم، وتراه قائماً بين هؤلاء وهؤلاء، يجودهم بنفحاته العلوية، ويغدق عليهم من أريحيته الهاشمية؛ ويبذل لهم من روحه وراحته ما يملأ به نفوسهم مرحاً وسروراً، ثم لا يسألهم على ذلك جزاء ولا شكوراً.
وها هو لا يزال، مد الله في حياته، يملي على تاريخه من أحداثه الجسام، ومآتيه الغر في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة، ما تضيق عنه هذه العجالة.
خدماته:
أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الأجنبي فحدث عنها ولا حرج، ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال، ولكن بوسعي ان أقول لك بكلمة مجملة: إن خدماته العظيمة في العهد التركي، ثم في العهد الفرنسي، ثم في أيام الاستقلال، كانت امتداداً لحركات التحرير، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل ويوطد الأمن، وينعش الكافة. على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهداً في مقاومته، ومناوأة مشاريعه بما تقوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح، ولعل المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم، ممن أبلوا بلاءه وعانوا عناءه.
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعاً، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين أهلهن وعياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه ورجاله، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفّ أيديهم عنه، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان، وما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف إليها من كل حدب وصوب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحدث، غير أن السيد صرفهم بعد أن شكرهم، وأجزل شكرهم، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراماً.
ثم تلا هذا الحادث أحداث وأحداث اتسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقة الخلاف، حتى أدت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلطت النار على داره في (شحور) فتركتها هشيماً تذروه الرياح، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة، تعيث فيها سلباً ونهباً، حتى لم تترك فيها غالياً ولا خيصاً، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب وأعلامها، ومنها تسعة عشر مؤلفاً من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.
في دمشق:
وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات، في أبهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد في جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الراي، ومعقداً من معاقد الأمل في النجاح.
وله في هذه الميادين مواقف مذكورة، وخطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والإعجاب.
ولم يكن بدّ من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الأسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام؛ حتى إذا التقى الجمعان في «ميسلون» واشتبكا في حرب لم يطل أمدها، ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها، غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من أهله، بعد أن وزع أسرته في فلسطين بين الشام؛ وبين أنحاء من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة إلى الأدلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى «عاملة» ليالي وأياماً لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة، على أنهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر، وأخيراً لم يجدوا حلاً بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة.
في مصر:
وحين وصل مصر احتفلت به، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم؛ وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، وأقطاب الأدب، ورجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.
ولم يكن هذا أول عهده بمصر، فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الأزهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في أمهات المسائل الكلامية والأصولية، ثم كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه (المراجعات) التي نحن بصددها.
في فلسطين:
وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريباً من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة.
وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم ضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعيه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.
وانسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الأمور تصرفاً يرضي السيد بعض الرضا، وأبيح للسيد أن يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدت إلى العفو عن المجاهدين عفواً عاماً، وإلى وعد من السلطة بإنصاف جبل عامل، وإنهاضه، وإعطائه حقوقه كاملة.
العودة:
وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح له نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فإنه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حلّ من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.
ولعل جبل عامل لم يشهد يوماً أبهج ولا أحشد من يوم عودته، ولعله لن يشهد يوماً كهذا اليوم، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض، وتطفو فوقه الأعلام رفّافة بالبشر، منحنية بالتحية، والهتاف، مجلجلة كجلجلة الرعد في أذن الجوزاء.
ويبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر، تفتقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الأدب العالي، وتفتحت سلائقهم عن أصدق العواطف، وأسمى المشاعر، تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في إبداع وتجويد، صباح، مساء، ولقد امتد هذا الموسم الأدبي زمناً طويلاً اجتمع في أيامه ولياليه ضخم القيمة، ضخم الحجم، يمكن اعتباره مصدراً لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة.
منزلته في العالم الإسلامي:
ترتسم على كل أفق من آفاق هذا العالم الإسلامي، أسماء معدودة لرجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاقهم، فإذا أسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء.
أما الذين ترتسم أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق، فقليل، وقليل هم، وليسوا إلا أولئك الذين علت بهم الطبيعة، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم أفذاذاً في دنيا الإسلام كلها، ومن هؤلاء الأفذاذ سيدنا المؤلف «أطال الله عمره» فقد شاءت الإرادة العليا أن تبارك علمه وقلمه، فتخرج منهما للناس نتاجاً من أفضل النتاج، وقد لا أكون مبالغاً حين أقول للتاريخ أن يسجل: إن السيد المؤلف يتقدم بما أنتج إلى الطليعة من علماء الشيعة، الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب. وبهذا استحق أن يتصدر مجلس الخاصة في العالم الإسلامي اليوم.
حياته العلمية:
وقد يلوح مما قدمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله، تصرفه عن النظر في حياته العلمية، وتزحزحه عن عمله الفني. والواقع أن رجلاً يمنى بما مني به «سيدنا» ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف، فإن ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في أمر المكتبة، والكتابة، لولا بركة وقته، وسعة نفسه، وقدرة ذهنه.
فهو ـ على حين أنه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة ـ يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة النصيب الذي تحتاجه حياته العلمية، وهو منذ ترك النجف الأشرف على اتصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة. يخلو كل يوم في فتراته إلى مكتبته يستريح إلى ما فيها من موضوعات، وينسى من وراءها من حياة مرهقة لاغبة.
مؤلفاته:
وليس أدل على هذا من إنتاجه، هذا الإنتاج الغزير الثري النبيل. وإن مؤلفاته لتشهد بأنه من الحياة العلمية؛ كمن ينصرف إليها، ولا يشغل بغيرها، وأدل ما يدل منها على ذلك، كيفية مؤلفاته لا كميتها؛ فهي وإن كانت كثيرة حتى بالقياس إلى رجل يتفرغ إليها، فإنها من الأصالة والعمق، والاستيعاب، حيث لا تدل على أن مؤلفها رجل يمتحنه الناس وتلك المؤلفات وما فيها من سبر وغور، ونحت وتفكير، أدل على اتصاله الدائم بحياته العلمية من جهة، وأدل على فضله وخصوبة سليقته، من جهة أخرى.
بهذا الميزان يرجح علم الرجل وفضله، ثم يرجح به امتياز ما كتب، وهو امتياز قليل النظير، فإن المؤلفين المكثرين، كثيراً ما تظهر عليهم السطحية، ويميز كتبهم الحشو، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي، ولا رخيص سوقي، بل كل ما كتب أنيق رقيق، رفيع عميق، يجمع بين سمو الفكر وترف اللفظ، وهو ما أشرنا إليه في صدر كلامنا من كونه حريصاً على المزاوجة بين علمه وفنه، فإذا قرأت فصلاً علمياً خالصاً خلت ـ لقوة أسلوبه ونصاعته ـ أنك تقرأ فصلاً أدبياً يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الأدبية.
على أنّا حين نتجاوز هذه النقطة، فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضاً؛ وهذا يضاعف القيمة. إنه يدل على ملكة خصبة أصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الاتقان، وإنها لتثبت له بطولة فكر، وإليك ثبتاً بآثار هذه البطولة.
لآلئه المنضودة:
1 ـ المراجعات هذا نموذج صادق لما كتب، ولا أريد أن أحدثك عنه فإن لسانه أبين من حديثي وأنطق. طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1355 ونفدت نسخه، وترجم إلى اللغة الفارسية، وبلغني أنه ترجم إلى الإنكليزية، ترجمه السيد زيد الهندي. وأنه ترجم إلى اللغة الأوردية أيضاً.
2 ـ الفصول المهمة في تأليف الأمة: كتاب من أجلّ الكتب الإسلامية، يبحث مسائل الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء (الكلام) والعقل والاستنتاج والتحليل. تم تأليفه سنة 1327هـ، وطبع مرتين بصيدا ـ جبل عامل ـ زاد فيه بالطبعة الثانية سنة 1357هـ، والفصول المهمة يغنيك عن مكتبة كاملة في موضوعه. يقع في 192 صفحة القطع النصف.
3 ـ أجوبة موسى جار الله: كتاب على صغر حجمه، عظيم الإحاطة واسع المعلومات، وهو كما يدل عليه اسمه، أجوبة عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماء الشيعة، وهو يظن أن فيها شيئاً من الإحراج، كتكفير الشيعة لبعض الصحابة، ولعنهم، وكنسبة القول بتحريف القرآن للشيعة، ونسبة تحريم الجهاد إليهم أيضاً، وكمسائل البداء والمتعة والبراءة والعول وما إلى ذلك، فكانت أجوبة من أشد ما يكون، تستقي من العلم والتوفر، وتقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثراً للشك، ولها مقدمة في الدعوة إلى الوحدة، وخاتمة في جهل السائل بكتب الشيعة. وفي بعض ما في كتب السنة من أخلاط. يقع في 152 صفحة من القطع الصغير، طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1355هـ ـ 1936م.
4 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، تقع في 40 صفحة من قطع النصف طبعت مع الفصول المهمة في الطبعة الثانية، وهي من أعمق الدراسات وأصحها منهجاً واستنتاجاً وأدلها على تدفق القلم: الينبوع.
5 ـ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: طبع منها المقدمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية وأسرار شهادة الطفّ شرحاً دقيقاً رائعاً.
6 ـ أبو هريرة: طبع سنة 1365هـ، بمطبعة العرفان في صيدا، وهو نسق جديد في التأليف، وفتح في أدب التراجم، بطراز المستوعب المحلل، ولعله من أجلّ ما تخرجه المطابع الحديثة بحثاً وعمقاً وأسلوباً، يبحث حياة أبي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته وأحاديثه، وعناية الصحاح الستة بروايته على ضوء العلم والعقل.
7 ـ بغية الراغبين: «مخطوط» كتاب عائلي خاص يؤرخ لشجرة (شرف الدين) ومن يتصل بهم من قريب، وهو كتاب ضخم جليل ممتاز في أدب التراجم بطريقته الخاصة، وتنسيقه المتقن، وربما ترجم بعض الأعلام من أساتذة المترجمين في الكتاب وتلامذتهم وقد يترجم عصورهم وظروفهم، وبهذا تقف منه على كتاب أدبي ممتع رائع، بل إنه تاريخ أجيال، بتاريخ رجال.
8 ـ فلسفة الميثاق والولاية: وهي رسالة فذة في موضوعها. طبعت في صيدا سنة 1360هـ.
9 ـ ثبت الأثبات في سلسلة الرواة: ذكر فيه شيوخه من أعلام أهل المذاهب الإسلامية بكل متصل الإسناد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة عليهم السلام وبالمؤلفات ومؤلفيها من طرق كثيرة متعددة يروي فيها قراءة وسماعاً وإجازة من أعلام الشيعة الإمامية والزيدية، وعن أعلام السنة، واستيعاب طرقه كلها طويل، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طبع في صيدا مرتين([914]).
نفائسه المفقودة:
وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحرق والتمزيق؛ لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر، ولكنها فقدت في تلك الأحداث المؤلمة، فمني بفقدانها العلم بخسارة عسى أن يتسع وقت سيدنا للتعويض عنها بإحيائها من جديد، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلف في آخر تعليقته على ـ الكلمة الغراء.
1 ـ شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال، خرج منه ثلاثة مجلدات تتضمن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث.
2 ـ تعليقه على الاستصحاب من رسائل الشيخ ـ في الأصول ـ في مجلد واحد.
3 ـ رسالة في منجزات المريض استدلالية.
4 ـ سبيل المؤمنين ـ في الإمامة ـ يقع في ثلاثة مجلدات.
5 ـ النصوص الجلية في الإمامة أيضاً، فيه أربعون نصاً أجمع على صحتها المسلمون كافة، وأربعون من طرق الشيعة مجلوة بالتحليل والفلسفة.
6 ـ تنزيل الآيات الباهرة في الإمامة أيضاً، وهو مجلد واحد يبتني على مائة آية من الكتاب نزلت في الأئمة بحكم الصحاح.
7 ـ تحفة المحدثين فيما أخرج عن الستة من المضعفين. وهو كتاب بكر في الحديث لم يكتب مثله من قبل.
8 ـ تحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب.
9 ـ الذريعة رد على بديعة النبهاني.
10 ـ المجالس الفاخرة أربعة مجلدات، الأول في السيرة النبوية، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن، والثالث في الحسين والرابع في الأئمة التسعة عليهم السلام.
11 ـ مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام، نشر بعض فصوله في مجلة العرفان بصيدا (راجع العرفان في مجلديه الأول والثاني).
12 ـ بغية الفائز في نقل الجنائز، نشر أكثرها في العرفان.
13 ـ بغية السائل عن لثم الأيدي والأنامل، رسالة علمية أدبية، فكاهية، فيها ثمانون حديثاً من طريقنا وطريق غيرنا.
14 ـ زكاة الأخلاق، نشرت العرفان بعض فصوله.
15 ـ الفوائد والفرائد كتاب جامع نافع.
16 ـ تعليقه على صحيح البخاري.
17 ـ تعليقه على صحيح مسلم.
18 ـ الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة، مبتنى على الأدلة العقلية والنقدية، وهو في بابه بكر جديد.
وله بدايات ـ وراء ذلك ـ في مواضيع شتى، بعضها ذهب في المفقودات وبعضها أعيد ولا زال في سبيل الإتمام.
ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة، وسعة التتبع وشمول الاستقصاء وصحة الاستنتاج، وشدة الصقل، وأمانة النقل وترابط الأجزاء. في خصال تتعب الناقد وتُحفظ الحاقد([915]).
ثقافته:
ولعلك ألممت بنواحي ثقافته من مؤلفاته، ومما حدثناك عنه في هذه الكلمة، فهو ـ كما علمت ـ أسّس، وقام بناؤه في النجف الأشرف، فكان إماماً في اللغة وعلوم العربية وآدابها، والمنطق، والتاريخ، والحديث، والتفسير، والرجال، والرواية والأنساب، والفقه والأصول، والكلام؛ وما يتصل بهذه العلوم من روافد.
هو بالعلوم الإسلامية وما إليها فارس معلم، لا يجاري في حلباتها، ولا يلحق في مضاميرها، ويمتاز بالإضافة إلى ذلك بأدبه القوي الحافل، وبما يتصل به من الأسرار النفسية والاجتماعية والنقد. له في ذلك سليقة ملهمة وملكة قوية ترافقان حديثه وقلمه، محاضرة وخطابة، تأليفاً وكتابة، إنه على الإجمال أفضل صورة للعالم الإسلامي الضليع الجامع.
أخلاقه ومواهبه:
هو طويل الأناة، ثقيل الحصاة، واسع الصدر ليّن الطبع، قوي القلب مهاب، له روعة في النفس، وتأثير يدفعانك لاحترامه وحبه وإن جهلته.
وهو شديد الشكيمة في الحق متوقد الحماسة للدين، لا يعرف هوادة ولا ليناً حين تهب بادرة للبغي أو الباطل، على أنه متواضع كريم هش.
وللإنصاف في نفسه موضع يسوّي بين القريب والبعيد، الحق رائده فلا يمنعه حبه لأحبائه من إقامتهم على العدل، ولا يمنعه إنصافه ـ وهو يحكم ـ من الاحتفاظ بالحب في زوايا نفسه لمن يحب، ومن هنا كان العدو والصديق عنده سيان في الحكم على ما يأتيان من حسن أو قبح، في آثارهما وأفعالهما.
ومن هنا أيضاً كان قدوة: في الورع وصفاء النفس، ونقاء الضمير، وقول الحق، وإلى جانب هذا كله له رأي حصيف، ونظر بعيد، يسبر أغوار الناس ويصل إلى حقائق الأمور وأعماقها؛ فلا يخدع من حال، ولا يغش في ظاهر، ولا يفتل عن صواب، ولا يغر في رياء.
يعنى بأقدار الناس، ويوفيهم فوق ما يستحقون، ويشجعلهم على إيتاء الخير، ويرهف الناشئة العلمية للإتقان والتجويد، فيبالغ لهم في الاستحسان، ويكيل لهم من الكلام الطيب، والنوال الكريم؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي إليه من تقدمهم.
ولعل لهذه الخلال الكريمة أثراً في صفاء مواهبه، وقوة تأثيره، وصدق كفاياته؛ فهو من أفصح الناطقين بالضاد حين يتحدث، وأبلّهم ريقاً حين يخطب، ومن أنفذ الناس للنفس حين يعظ، وأحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وأبينهم بالحجة، وأفقههم بالحياة.
أسفاره:
في سنة تسع وعشرين وثلاثمئة وألف هجرية زار مصر زيارة علمية، كما حدثناك، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر في عصره، وأنتجت اجتماعاته به، ومراسلاته له هذا الكتاب، وحسبه فائدة من هذه الزيارة (المراجعات).
وفي حوالي سنة 1328هـ. زار المدينة المنورة، وتشرف بأعتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضرائح أئمة البقيع عليهم السلام.
وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية التي عرفت شيئاً من حديثها وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين، وفي كل هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيمة، كما تلمح ذلك فيما حدثناك به في مشايخه في الرواية؛ وفي سنة 1340هـ، حج البيت من طريق البحر، في عهد المغفور له الملك حسين، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم، وكان الموسم في ذلك العام من أحفل مواسم الحج وأكثرها ازدحاماً وإقبالاً على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذا الموسم منذ عهد بعيد، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الأعلام من علماء وزعماء من مختلف الأقطار، وكان السيد أبرزهم بين تلك الجموع اسماً وأعلاهم مكانة، وأرفعهم بيتاً وأسخاهم كفاً.
وهو أول عالم شيعي أمّ هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني، تجتمع فيه الألوف معلنة في غير تقية.
ومن هنا كان حجة مشهوراً يتحدث عنه الناس في سائر الأقطار الإسلامية، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وأفضله، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معاً الكعبة.
وفي أواخر سنة 1355هـ، زار أئمة العراق، وجدد العهد بأهله وأرحامه، واستقبله يوم وروده الوزراء والأعيان والزعماء، وعلى رأس الجميع سماحة السيد محمد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة، في أرتال من السيارات، واستقبل في كربلاء وفي النجف الأشرف باستقبالات علمية وشعبية رائعة فخمة قليلة النظير.
وأكاد أسمعه يهتف حين أقبل على مرابع صباه وشبابه:
وأجهشت للتوباد حين رأيته
وكبّر للرحمن حين رآني
وطبيعي أن يجهش هو شوقاً إلى هذه المعاهد الأنيسة، وأن تكبّر هي ترحيباً به وفرحاً بإقباله بعد فراق أمده سنين([916]) طوالاً.
ألم يصدر هو عنها مروياً؟ ألم تحفل هي به غريداً يملأ أجواءها بأفضل مما يمتلئ به معهد من طلابه العبقريين؟
بلى، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحية، واستجابت لهذا التبادل النقي دواعي البر والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. فكانت حفلات زاهرة زاهية، قد بعد العهد عن مشاهدها وأعلامها.
وكانت اجتماعاته بالأعلام من أهل العلم، ورجال البحث، آهلة بالفرائد، في مختلف فروع العلم، وشتى مسائله.
وتابع من العراق سفره إلى إيران، فتشرف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام، وعرج في طريقه إلى قم وطهران وغيرهما من مدن إيران، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة.
آثاره وإنشاءاته:
افتتح أعماله الإنشائية بوقف حسينية، أعدها ليجتمع إليها الناس في مختلف الأوقات والظروف والدواعي، يعظمون فيها الشعائر، ويتلقون فيها دروس الوعظ والإرشاد، ويقيمون فيها الصلاة، فلم يكن للشيعة مسجد في مدينة صور يوم جاءها السيد، لذلك تملّك داراً، ثم وقفها حسينية في بدء التأسيس، ثم حين سنحت الفرصة أنشأ مسجداً من أضخم المساجد بناءً، وأجملها هيكلاً، له قبتان عظيمتان، ومنارة شامخة وباحة رائعة أمام إيوان واسع، يتصل بأبواب المسجد الرحب، ويقوم في وسطه عمودان من الآثار الفينيقية، يحملان القبتين، وخلف المسجد مما يلي المحراب فناء كبير يتصل بخارج البلد.
وحين تم هذا المسجد الجامع العظيم، بدأ بإنشاء ما كان يشغل تفكيره من قديم، أعني إنشاء مدرسة حديثة تمثل مبدأه التربوي في كلمته السائرة «لا ينشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال». على أن النهوض بشعب بادئ خاضع للسلطات الإقطاعية، معرض للصدمات، ممتحن بالعراقيل، لذلك جاء مشروعه الضخم هذا على مراحل؛ ولولا بطولة عرفناها مبدعة قادرة في السيد حفظه الله لما تخطى المشروع أولى مراحله.
أنشأ في أولى المراحل، على مدخل المدينة، ستة مخازن، وشيد على سطحها داراً واسعة مراعياً فيها أن تكون يوماً ما المدرسة المرجوة، لكن إنجاز هذا المشروع لم يكن يومئذ ممكناً، لمعارضة كانت من السلطة ومن يمشي في ركابها من ذوي المصالح الفردية، وبهذا اضطر إلى الاكتفاء يومئذ بهذا القدر ينتظر الفرصة المواتية.
وكانت فترة استجمام طويلة نشط بعدها سنة 1357هـ، فإذا الدار هي المدرسة الجعفرية المثلى، وقد أضاف إليها في الدور الأول مسجداً خاصاً بالمدرسة وطلابها، ورفع على سطحه بناء آخر يماثل المدرسة أضيف ايضاً، فكانت المدرسة بذلك مؤلفة من نحو خمس عشرة غرفة عدا الأبهاء والساحات.
رفع من الجهة الأخرى نادياً فريداً، سماه «نادي الإمام جعفر الصادق»، طوله اثنان وعشرون متراً ونصف المتر، وعرضه خمسة عشر متراً ونصف المتر، وقد أعدّه للاحتفالات والمواسم العلمية والدينية والاجتماعية والمدرسية. ثم أسس بعد كل ذلك مدرسة للإناث في سنة إحدى وستين هجرية وهي تتوخى ما توخته مدرسة الذكور من التوفيق في التربية بين المناهج الصالحة الضامنة لحياة أمثل وأفضل([917]).
وموقع المدرسة والنادي من أجمل المواقع وأجملها بروعة المنظر، وطلاقة المرأى، يسبح النظر منها في عباب ذلك الخضم الجميل، ويمتد منه إلى غير نهاية، فإذا سئم البحر وتزخاره، انطلق منه في جهة أخرى إلى السهول ومن خلفها الجبال المتساندة، تحتضن القرى على مرمى العين، ويذهب البصر، من هنا وهنا نشيطاً يحلم بذلك الجمال الساحر الآسر، ويسرح منعماً متجولاً لا تعيقه عقبة دون المتعة والانشراح.
فإذا وقفت إلى مجموعته هذه الضخمة المتصل بعضها ببعض، القائم بعضها على بعض، وقفت منها إلى صرح عظيم مشيد الأركان متين البنيان، يروعك بجماله الهندسي وفخامته العمرانية. ثم هو يروعك أكثر فأكثر، إذا وقفت على نتاجه الخصب الذي يجمع إلى كثرة (الكم) جودة (النوع).
ومع ذلك فلا يزال ـ على تمامه وكماله ـ نواة بالقياس إلى طموح سيدنا المؤلف، فهو قد تملك في جنوبها أرضاً واسعة كبيرة، وألحقها بالمؤسسة ليتم بها مشاريعه الخيرية، وأغراضه الإسلامية، وينتهي إلى تأسيس جامعة([918]) تلقن طلابها أحسن المبادئ، في أوسع المعارف، وهو يرى أن هذه الطريق خير طريق لعلاج الخطر الداهم، ولحفظ الجيل الجديد، الناسل من صفوفنا إلى صفوف قد تضطره أن يعادي صفوفنا. أخذ الله بيده لما فيه صلاح الدنيا والدين، ونفع به الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
الكاظمية 1365هـ ـ 1946م.
مرتضى آل ياسين
يوم الخلاص
إقْرَأ أوّلاً
أكتبُ لك يا قارئي:
لِأُفاتِحَك فأُصارِحَك
ولأُطْلِعَكَ لا لِأُقْنِعَك
وقبل أن تتعجب من كتابتي في هذا الموضوع بالذات، في عصرنا اللامبالي، أجيب على خاطرتك بأن إنكار الناس لوجود الخالق تبارك وتعالى، لا يدل على عدم وجوده، كما أن إنكارهم للبعث والحساب، لا يعني أنه لن يكون بعثٌ ولا حساب!. ومثل ذلك إنكار وجود المهديّ…
فاقرأ، ولا تتنازل عن حشرية العلم … فقد يسَّرت لي ظروفي الخاصة أن أعرف آخر الزمان …. ثم تيقَّنت أنني وأنك من أهل آخر الزمان، بعد قراءة وصفهم إجمالاً وتفصيلاً، فبعثني الواقع الذي زاملتُ أهل آخر الزمان فيه، إلى الكلام في هذا الموضوع، حين رأيتُني منهم، ورأيتُ لزاماً عليَّ أن أقول لهم بصراحة:
نحن الذين يُظلُّنا آخر الزمان … ونحن كقوم عادٍ وثمود، وكإخوان لوط! …. فلم يقع عندي استنسابٌ لغير هذا الموضوع في وقتنا الحاضر لمخاطبة اثنين:
إما جاهلٍ أُميٍّ في هذا الموضوع، لم يستوعب قضية المهديّ في حجمها وأبعادها، ويخشى إن هو تعرّض لها أن يضيع في حجمها وأبعادها … فلا غرو أن أضعه في الطريق ….
وإمّا عالمٍ عارفٍ في غير هذا الموضوع، لا يريد أن يخوض فيه عن عمدٍ أو عن غير عمد، وإن كانت لا تُعجز ذهنه الأبعاد، ولا تُخفيه ضخامة الحجم إذا أراد التفهُّم والفهم، بل يُجفله شيءٌ لا يعرف كيف يُفصح عنه، فيرغب عن الكلام فيه … فلا مانع من تشجيع على الإفصاح بالرأي، وتدريبه على الصراحة في قول الحق رغم أن الناس يُنْغِضون إليه برؤوسهم، ويقولون ما يقولون!.
…. وبهذه النية أنقل إلى الاثنين كل ما وصلتُ إليه بعد بحث سنواتٍ وجهد أعوامٍ واستقصاء كتب، تاركاً لهما حرية الراي عندما يتنازع فكرهما عاملا التصديق أو الإنكار. وهدفي من وراء ذلك:
أن يعرف الجاهل، وتنجلي في ذهنه هذه الحقيقة.
وأن يتشجع العالم على قول الحق، قبل أن يضيع الناس عن كلمة الحق التي لا تضيع!.
هذا …. ولن أتكل مع المكابرين، ولن أقف مع المماحكين، ولن أحاجّ الشاكّين بكل ما يصدر عن السماء، ولا الذين يكفرون بالمطر لأنه ينزل من فوق !…. ولن تكون لي مناظرة مع المعاندين الذين يتجاهلون بديهيات العقل، ولن أحاول مناقشة منكري الخالق وإن كانوا يقفون أمام عظمة الكون ضُعفاء، ولا يشغلون من حيّزه أكثر من ثلاثة أشبارٍ حين يولدون، وستة أشبارٍ حين يموتون!!!
وأنا لا أحب أن يقع كتابي في أيدي زنادقة المثقفين الذين تقوم حياتهم على الكفر بالقيم …. كما أنني لا أحبه بين أيدي أنصاف الآلهة من ذوي العلم الناقص الذي تسلحوا بشهادةٍ معيَّنةٍ من التخصص، ولا أيدي الذي نبذوا كل عقيدة ويتزيَّون بزِيّ النساء ميعاناً، أو هبيِّين تمرّغوا بقذارة الجسد وغبار الأرصفة، فرجعوا بالإنسان حيواناً بعد أن كان في أسمى مراتب الحضارة!.
وليس كتابي للنساء الحائدات عن طريق السلامة والكرامة، من اللواتي لبسنَ الياقة والسروال، وتشبَّهن بالرجال، وخالفن الطبيعة الأنثويّة فارتدين الثوب القصير، وكِدْنَ أن يَكْشِفْنَ أقبح ما فيهنّ لذئاب البشر!.
ولا هو للجيل الذي إن ردعته لا يرتدع، وإن زجرته لا ينزجر … وإن كنت أحبُّ أن أضع أصابع الكلّ على حقيقة يجهلونها، فلا يقعون فرائس لطيش، فيندم كل واحدٍ منهم: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾([919]) فإن إمامنا الباقر عليه السلام قال:
ـ كل من دان الله بعبادة يُجهد فيها نفسه، ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول وهو ضالٌّ متحير، والله شانئٌ لأعماله. وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق([920])!.
وأنا لا أكتب للدكاترة والمُجازين الذين يرون دكترتهم وإجازتهم فوق المبادئ والأفكار …. ولا للمتخصِّصين الذين يمشون في طريق تخصُّصهم كالقطار ولو بَهَتَهُمُ الدليل وبَهَرَتهم الحُجة!!!…. بل كتابي للأحرار المنصفين الواعين، المتدربين على الشجاعة في كل بحثٍ ينشد الحق …. ولذوي الجرأة الفكرية الذين لا يأخذون شيئاً أخذ المسلَّمات، ولا يتنكرون لما لا يعلمون … وللذين يرون وراء التعلم شيئاً سامياً يجب أن يثبت إليه الفكر الطموح ليتخطى ظلمات الجهل في كل موضوع!…. وهو لمن يفكر ويقدّر، ويؤمن بالبرهان القاطع، ولا يرتضي لنفسه إيمان العجائز ….
أنا أكتب لهؤلاء … عن أمرً واقعٍ ليس له دافع!. رضي به الكل أمام أباه البعض … لأنه كالشمس التي تدخل كل بيتٍ فُتحت نافذته عليها ولو رفض دخولها صاحبُ البيت. ولا يحول دون إشراقها غيمُ الفكر الصدئ ولا ممانعةُ النظر الأخفش ….
فليتعرف الناس إلى محتومٍ من أمرهم!. صدّقوا به أو أنكروه … وليقرأ من شاء بحصافةٍ فيؤمن إذا افترض وجوب الإيمان، أو يكفر إذا ملك قدرة الكفر بما كتبتهُ له …
فكتابي لمن يظهر له فيه الحق، فيتَّبعه عن دليل.
ولمن يفكّر ويتدبّر عواقب الأمور.
وهو لسائر روّاد الحقيقة، في أي وطنٍ، ومن أية أُمّة …
وأنا غنيٌّ عمن ليس عنده سعة صدر العالِم، وعمّن ليس عنده استعدادٌ لاستيعاب ميسور ما جئت به، لأن الوحي الذي أنزله الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل والقرآن لم يقتنع به الكلّ، بل جاء من أنكره وأزهق في محاربته النفوس، مع أنه كان لا يدعو إلى أكثر من مبادلة إحسان الخالق بشكر المخلوق!…
فأنا أكتب لأُطلع الناس على أمرٍ حصل كلُّ ما يسبقه …. ويحصل اليوم كلُّ ما يواكب حدوثه … ولن أحاول إقناع أحد لا يشاركني الاقتناع … فكثرون من بيننا لا يزالون يكذِّبون بالصعو إلى القمر والمرّيخ !….. فحيَّ على آياتٍ مُقبِلاتٍ تهزّ أعصاب المصدّقين والمنكرين دون أن تميِّز أو تختار!…. وحيَّ على أمرٍ واقعٍ سلَّمنا به أم عاندناه، وأردناه أم رفضناه!.
ولا إكراه في رفض عقيدة … ولا إجبار في اعتناق مبدأ. وخذوا الأمر من باب العلم بالشيء ولا الجهل به … وحذارِ من البقاء في حظيرة الغافلين عن معرفة دعوةٍ ستهزّ العالم …
وأنا إنما أبيّن رشداً من غيّ … وأُنذر بظهور مخلِّصٍ موكَّد الظهور آمن الناسُ به أم كفروا … فليكن كل امرئٍ على بيّنة من أمره، وليلتزمْ كل إنسانٍ طائره في عنقه!. وللقارئ عليّ أن أكتب دون هوى، وأن أنقل ما توصلت إلى معرفته دون تعصُّب، بل أنهج نهج البساطة وأتّبع النقل الأمين، ولا أشرح إلا ابتغاء الإيضاح، ولا أعلّق إلا بما اعتقدته وجزمت به.
وما أنا ـ بعدُ ـ بمتفائلٍ ينتظر إيمان الناس برأيه، ولا بمتعنِّتٍ يريد أن يفرض الرأي. ولكنني ناقلُ حقيقةٍ لا يضرُّها ولا يضرُّه كفرُ من كفر بها، وإن كان يسرُّه إيمانُ من سمع بها فوعاها فآمن بها؛ لأن شعاري شعار المؤمن بالعقيدة، يعرضها ولا يفرضها، ويقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾([921]).
فقد كفر الناس من قبل بالرسل، وأنكروا الله وملائكته، واستهزؤا بالبعث الذي أقسم عليه خالقُهم، ثم أكد القسم بحروف الجواب، وبأنّ، واللام، والنون، في جملةٍ لا تتعدّى الإحدى عشرة كلمة استعمل فيها أقوى الحروف، ثم شددها وضعفها حيث قال:
﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾([922]).
ومع ذلك صدق بالبعث والحساب قليلون، وكذب كثيرون!!!!
فليس الراد عليّ بمُسيءٍ إليّ، بعد أن رد أكثر الناس على الله!!! ذلك أن الإنسان، بطبعه، ما إن يتفهم أبسط الأمور، حتى يثب إلى إصدار الأحكام في الماورائيات وعلم الغيب، وحتى يجادل في الله، وفي عجائب الكون التي لا تقع تحت حسه، ويُفلسف ما استعصى على بصيرته كما لو كان شيئاً يناله إدراكه، في حين يكون طفل علوم يجهل تركيب جسمه، ويعجز عن تفسير العوامل النفسية النابعة من ذاته، ثم لا يستحي أن يطّلع إلى السماء وما فوقها، ويغوص في الأرض وما تحتها. فيضيع في خضمّ الكائنات الشاسع وينسى أن القدر سيلفظه في ساعة ما ….
وماذا أقول بين يدي موضوعي؟.
أفلا يُعتبر الإنسان مثقفاً متحرراً إلا إذا تنكر لعقائده ونبذ تراثه، ومشى وراء غرائزه؟.
يا أيها الذين يزدرون تاريخهم ويهزؤون بتراثهم، ويعقّون آباءهم وأُمهاتهم، ويتنكرون لأديانهم، ويسخرون من ذكر المهديّ ويرتابون في أمره:
…. إليكم أكتب أيضاً … ليصير ما أكتبه حُجةً عليكم حين يفجأكم الواقع لتتنزَّلون عن الكبرياء، وتفرغ ضمائركم إلى محاسبتكم في خلواتٍ لا تسيطر عليها الجاهلية … فأنا أربأ بكل أخٍ لي في الإنسانية أن يموت ميتةً جاهلية، وأريد لكل واحدٍ أن يعرف ما كتبه المهديّ عليه السلام لبعض سفرائه رضوان الله عليهم حين سأله عن شأن المنكِرين فكتب له:
ـ مَنْ أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوحٍ عليه السلام([923])!!.
فهل يرضى أحد أن يكون من المغرقين كما غرق ابن نوح بعصبيته؟…
لا …. فإن ثورة المهدي على الباب … ومن البديهيّ أن أحداً من المخلوقات لا يستطيع أن يقف في وجه طوفان، أو في وجه هزّةٍ وخسف، ولا أن يسير في طريقين في آنٍ معاً … فيشذّ من شاء له هواه الشذوذ، وليذعن للمحتوم من شاء له عقله الإذعان. فإن أمر المهدي كالموت الذي نفرُّ منه سواء بسواء، آمنا به أم حسبنا أننا مخلّدون نشيّع دائماً غيرنا إلى الفناء، حتى تسقط ورقتنا في كفّ عزرائيل فيتعثّر بنا ….
وقديماً قال الصادق عليه السلام:
ـ لو كانت لأحدكم نفسان، يقاتل بواحدة يجرب بها … ثم كانت الأخرى باقية، فعمل على ما كان قد استبان لها!. ولكنْ … له نفس واحدة، إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة!. فأنتم أحق أن تختاروا إن أتاكم آتٍ منا، فانظروا على أي شيء تخرجون([924])….
وهذا حق … فليحافظ كل واحد منّا على نفسه التي لا يملك نفساً غيرها ….
* * *
ولكنه قد ينبري من يقول: ما هذه العقيدة القديمة البالية التي جئت تنشرها على الملأ المتحضّر في عصر العلم والنور؟!.
بلى، ونعم … إنها والله لعقيدة قديمة … ولكنها لا تبلى. لأن عمق الحقيقة في التاريخ، وإمعانها في القدم لا يفسدانها. ولا بد أن يبعثها قائلُ حقٍّ بجرأة مطمئنة ولو قل النصير، تمشياً مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل الحق:
ـ ما هم في أُمّتي إلاّ كالشعرة البيضاء في الثَّور الأسود، في الليل الغابر([925]).
فأنا أشكر الله حين أقول كلمة حق في أشد الأزمنة باطلاً … فإن القول بظهور مهديٍّ في آخر الزمان، قد تواتر النقل فيه من طُرق المؤلفين والمخالفين. بحيث يقول بالمخلص في آخر الدهر اليهود والنصارى والمسلمون على اختلاف أسباطهم وفئاتهم وطوائفهم. وقد اجتهد حملة الوحي في تأكيد ظهور قائمٍ بالحق، ثم وصفوا زمان ظهوره، وذكروا علامات عهده، وحددوا هويته وصفاته، بحيث مضى نبيُّ إثر نبي يَعِدُ الناس ويبشرهم به …
فالعقل مدعوٌّ ـ إذاً ـ لأن يفكر برشد ويحكم بصواب، بعد أن وافقت أخبار وجود وظهور المهديّ علاماتٌ واضحة، تحقَّق بعضها وما زال يتحقق البعض الآخر تباعاً عبر العصور كما حددها لنا رسل الله، وبعد أن واكبت غيبته ظواهر حددوها لنا جليَّة، رأينا منها الكثير في زماننا، وبعد أن سبقت يوم خروجه إنذاراتٌ تتولى واحداً بعد واحد كما سترى في فصول هذا الكتاب … فإن أخبار وجوده، وأخبار غيبته، ودلائل عصر ظهوره، تكوِّن أعظم حصيلة للبرهنة على صدق الوعد به في سائر الرسالات السماوية …
والتشكيك بأخبار وجوده وزمان ظهوره، يكون تعمُّداً لرفض كل شيء منقول، وكفراً بكل نبيّ ورسول، ولكن صدق تلك الأخبار لا يجعله الرفضُ باطلاً، لأن في اتّفاق أخباره التي رُويت في فترات تفصل بينها آلاف وآلاف السنوات، برهاناً قاطعاً على كونها وحياً لا يُضيره إنكار من يُنكر الوحي، ودليلاً مقنعاً لا يوهنه من يخالف الدليل المقنع … والتشكيك ـ بحد ذاته ـ وإن كان مباحاً كمبدأ للإيمان، فلا يجوز أن يكون باباً لإنكار كل حق تقصر عنه الأفكار وتضيق به الصدور!.
فالوعد بالمهديّ قد صدع به أولو العزم من الرُّسل … والأخبار التي وردت بشأنه مرّت على أذهان جهابذة الفكر منذ حوالي ستين قرناً!. وبقاؤها سليمة مسلَّمة يوجب القطع بها ويفيد الجزم. وللقدامى منا الشكر إذ حافظوا على إيرادها كما هي، ونقلوها نقلاً أميناً بالرغم من أنها قد تناولتها ملايين الأقلام.
ولهم الشكر مكرِّراً وإن كانوا لم يتكنوا من جلاء بعض غوامضها ورموزها لعدم تيسير وسائل الشرح والتوضيح في أزمنتهم، وإن كانت محاولاتهم المحمودة قد أوقعتهم في غلط تسلسل الوقائع مرة، وفي الإخفاق حين محاولة تطبيق الحوادث مرة أخرى. فرأيت لزاماً عليّ ـ وأنا أعيش في عصر غنيٍّ بوسائل التوضيح والاستدلال ـ أن أدرس هذا الموضوع دراسة مجددة أمينة دون أن تفوتني الإشارة بالإعجاب إلى أن مما يشرف حملة هذه العقيدة من الإماميين، محافظتهم عليها، وتتابع بحثهم لجلاء غوامضها وملابساتها، للبرهنة على صدقها وواقعيتها، وإن كانت نظرتهم الحتمية للمهدوية كنظرة جميع الناس، ولكنهم كانوا عبر التاريخ يؤذون في سبيل هذه العقيدة، ويُستهزأ بهم، لأنهم من أشد الناس تمسكاً بها وحرصاً عليها، ذاك أن المشيئة الربانية قضت بكون المهدي الذي تحدثت عنه الأديان عامة والملل كافة، خاتماً لأئمتهم، فهبّوا يأخذون أخباره الواردة عن النبيّ والصحابة والأئمة، ويستقصون بصدده جميع المصادر، إذ يعنيهم من أمره ما لا يعني غيرهم بعد أن كان الثاني عشر من أئمتهم؛ فتميزوا باعتناقهم هذا المبدأ من جهة، وبجهدهم في تدوين أخباره إيماناً به وبالدين كوحدة لا تتجزأ من جهة ثانية، كيلا يكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ….
ومن أقبح القبيح أن يشتغل الإنسان في الجدل الذي يُضعف تكاتف الناس ويوهي شأن الأمة، فلن تراني أناقش خبراً، أو أقف مع قائل وقوفاً بغيضاً، بل سرت في نهج واضح يعتمد على أن المهدي مخلوق موجود اعترفت به الأديان ولو أنكره الأفراد … يرقبه العقل وإن خنست من ذكره العواطف ….
وقد حاولت بيان ما توصلت إلى فهمه من زوايا موضوعية البحث الغامضة، فسهّلت فهم كثير من الأخبار التي ظنها القدامى خرافات، ويسّرت قبولها لأبناء جيل عايش التقدم العلمي الحديث فاتسعت مداركه وأصبحت قادرة على استيعاب ما ظل إلى اليوم لغزاً من الألغاز، وذلك بتفسيرها التفسير الصحيح الذي أصبح ميسوراً في زماننا، وكان أكثر من مستحيل فيما سبق، لأنه ينطبق علينا دونهم، وعلى وسائل عيشنا وما في عصرنا من عجائب لم تكن تخطر للقدامى ببال …
أما من كان يعيب عقيدة المتشيعين للمهدي شكلاً وأساساً، فإننا لا نأخذ عليه إلا ما أخذه الناس على أحبار اليهود يوم عرفوا محمداً بذاته وصفاته وعلاماته المذكورة في كتبهم، ثم كفروا به لأنه بُعث من العرب لا من الإسرائيليين !!! فهل يُرضي العائب علينا أن نتحدث عن مهديّ لا قرشيٍّ ولا هاشميّ ولا فاطميّ ولا حسينيّ حتى نلتقي معه على طمس حقيقة عرفناها كما هي في جوهرها، وآمنّا بها كما وردت من طُرقنا وطُرق غيرنا؟. مع أن نبينا الذي لا ينطق عن الهوى قال:
«لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، وبعث رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً!!!!» ([926]).
فظهور المهدي من أعلام النبوّة … وقد تعمّدت الكتابة بهذا الموضوع في هذا العصر لأنه قد ظهر الكثير الكثير من علامات ظهوره، فأحببت إلفات نظر من أراد لنفسه السلامة والإيمان … والمصدِّقون به لا يُعاب عليهم التصديق، بل امتدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثباتهم منذ ألفٍ ومئات السنين حين قال لأصحابه عنهم:
ـ …. آمنوا بسوادٍ على بياض([927])!!. أي بالأخبار المدوَّنة المأثورة الثابتة، دون أن يعاينوا ذلك أو يشاهدوه.
أفلا يحق للمتشيّع أن يقول مع أمير المؤمنين عليه السلام:
وما كل ذي لبٍّ بلبيب، ولا كل ذي سمعٍ بسميع، ولا كل ناظرِ عينٍ ببصير([928])؟!.
* * *
أما مشيئة الله، فليست خاضعة لإرادة الناس، ولا منوطةً باختيار أحد، ومثلها الظواهر الطبيعية من الحر والقر والأمطار والزلازل فإنها لا تستشير أحداً بمواعيد حدوثها … إذ لو كان شيء من ذلك، لتمكن الإنسان أن يعلم الغيب ويدّعي الربوبيّة، ولجاز لكل ساذجٍ أن يصدّق الرائد الفضائيّ يوم طلع في عربته الفضائية التي اخترقت الجاذبية وابتعدت عن كوكبنا الأرضي بضعة آلاف من الأميال التي تُعد تافهةً في مجال أبعا الفضاء اللامتناهية، ثم رجع ليقول للناس: لم أر الله في رحلتي هذه!!! فقد قالها دون أن يفكّر بصانع الكواكب المنتثرة في خضمّ هذا الكون، وبمُمْسِكِها وجاعل الأبعاد النائية بينها، ودون أن يقدّر أن من أنشأ فيها قوة التجاذب والثبات في كونٍ هائلٍ يدور على نفسه بدقةٍ وحكمةٍ وبلا تفكّكٍ ولا وهنٍ منذ ملايين السنين، ودون أن يدرك أن رب ذلك كله لا يقع تحت حس رائد فضاءٍ يلتقي به في طريق تحقيق معجزته التي كلفت من المال ما لو أنفق في الأرض لما ترك أحداً من الجياع ولا من المرضى ولا من الفقراء!!!
فيا رُوّاد العلم والفهم: لا يجوز أن يكون الرب كائناً يحتويه المكان والزمان وهو خالقهما، بل عنه فاض كل شيء وكان بقدرته، ولا أن يكون واحداً يقع تحت حدود العدّ كالشيء الذي له ثانٍ وثالث وشبيه!!! وإذا كان الرب بهذه البساطة فعلينا أن نبحث عن رب غيره يتعالى في وحدانيته، ويتفرَّد في أحديّته، ويسمو عمن يشاكله ويدانيه … عن ربّ يجب أن يكون أكبر من صانع صاروخ ومدبّر عربة فضاء، وأبعد عن أوهام من يصنع المعاجز الواقعة تحت مقدور الخلق … فسبحان من: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾([929]) ….
وأقول لمن شاء أن يتعرف إلى أئمتنا عن كثب، وأن يطّلع على علمهم عن قُرب، وأن يعرف صدق رواياتهم التي صدروا فيها عن جدّهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: إقرأ أخبارهم عن صاحب الأمر ـ وستقرأ كثيراً منها في هذا الكتاب ـ فإن فيها تصويراً لحضارتنا المعاصرة يأخذ بالألباب، بل فيها وصفٌ دقيقٌ يتناول جميع مظاهر حياتنا، حتى أنهم ليصفون وسائل النقل والحرب، ووسائل العيش في البيت وفي المتجر، وفي الديوان والدائرة، فيتراءى لمن يمر بذلك أنهم كأنهم كانوا ينظرون من ظهر الغيب إلى أشياء مجسدة كانت تقع تحت أبصارهم وبصائرهم، ثم ينعتونها بحقائقها ودقائقها، حتى لتظنّ أنها أشرطة مسجلة رأوها فوصفوها … ما ذلك بعلم غيب، ولا بحدس أو تخمين، ولكنه علمٌ علّمهم إياه رسول الله عن الله عز وجلّ ….
وأنبّه القارئ إلى أن كثيراً مما كان في الماضي مستهجناً، قد أصبح اليوم حقيقةً على أسس علمية، بحيث صرنا نركب هذه المستهجنات سيارةً أو طائرةً تقرِّب البعيد، وتبعّد القريب، ونستعملها هاتفاً يُسمع من في المغرب كلام من في المشرق، ونلهو بها تلفزيوناً يُرِي من كان في أقصى شمال الأرض وجه من هو في أقصى جنوبها، ينظر إليه ويسمعه، وهو قابع على أريكته الوثيرة في زاوية منزله ـ بل لقد أصبح التنقل بين الكواكب ميسوراً، حتى أن أرض القمر صارت بنظرنا تافهةً. ولكن … لم يطّلع فرعون إلى إله موسى …. ولن يكون موسى إلا من الصادقين، ولن يستطيع أحد أن يقول للشيء: كُنْ فيكون؛ لأن الإنسان المعاصر لم يستطع ـ بعلمه الذي اجترح العجائب ـ أن يكرّس حقاً مشروعاً على وجه هذه البسيطة، ولا تمكّن رواد الحقائق المتبجحون أن يُنهوا أتفه المشاكل السياسية، بل أسرتهم العنصرية والأرستقراطية فأحاق الظلمُ بالشرق والغرب ….
فما بالُ العلم العصريّ قد فرغ من قضية الله، وصفى حسابه معه وأنكره، قبل أن يفرغ من تصفية بعض مشاكله الأرضية التي تجعل ارباب العلم وأرباب السياسة يعيشون على أعصابهم، في منافساتٍ لو انفجرت لقضت على الجنس البشري؟!.
ثم ما بالُ العلم الحديث قد نصب نفسه ميزاناً للعدل في السماء، مع أنه عجز عن أن يكون ميزان عدل على الأرض؟!.
وما بالنا ننجرف مع الأوهام، ونضلّ عن الحقائق، ثم ندّعي الكمال، مع أننا نرسف في عبودية المال، وفي عبودية الجنس، وفي عبودية النفس؟.
إذا كان العلم يجرّ إلى مثل هذا الجهل، فبئس العلم هو …
وإذا كان الفهم يؤدي إلى مثل هذا الإسفاف، فهو فهمٌ موجَّهٌ سقيم …
….. ولا أخال أحداً من الناس لا يتبنّى اليوم دعوة مثل هذا المصلح العظيم، ولا يُلقي بسمعه إلى من يُحدّثه عنه كمخلّص وعد الله به العالمين ليكون رحمة للعالمين، وهدد به الظالمين لأنه عذاب على الظالمين، يبعثه الله ليضرب للناس مثلاً أعلى في الحكم العدل.
لذلك أوردتُ ما حصلت عليه من ارباب العقائد على اختلاف العقائد، وكتبتُ لجميع حملة مشعل الفكر ودعاة الحق من سائر أصحاب المبادئ …
فاليهوديّ ـ من أي سبطٍ كان ـ ينتظر مجيء المسيح الذي يحقق العدل الطلق على وجه الأرض في آخر الزمان.
والمسيحيّ ـ من أية طائفة كان ـ ينتظر عودة المسيح المطهَّر، ليرسي قواعد العدل الأسمى على وجه هذه البسيطة، في آخر الزمان.
والمسلمُ ـ إلى أية فرقةٍ انتمى ـ ينتظر المهديّ والمسيح، يلتقيان في دولة حقٍّ وحكومة عدلٍ مثاليٍّ، في آخر الزمان …. أعني، أن جميع أهل الأديان يُعطون حكومة آخر الزمان المنتظرة أهميتها القصوى، ويعرفون لوقتها علاماتٍ ودلائل هي من صميم ما عندهم من تراث دينيّ، ومن صميم ما لديهم من رائحة السماء … وهذا ما نقلته إلى القارئ وفسّرته وطبّقته وقرّبته إلى ذهنه.
….. أما من وراء أهل الأديان، فلا يبقى إلا المستهزئون …. وهؤلاء ـ هم أيضاً ـ لا يسعهم إلا الاعتراف بإفلاس الأنظمة الأرضية التي يزاولها الناس بشتى أشكالها، ويتشوّقون إلى قيام حكومة عدل ناجحة، بعد التجارب الفاشلة التي كانت متعددة المظاهر والأسماء …
فإذاً، أنا أكتب في هذا الموضوع إلى كل إنسان حيّ …. متحدثاً عن حامل لواء حكومة عدل، تعيّن وقت مجيئه علاماتٌ وقع أكثرها وسيقع ما بقي، تدل عليه صفاتٌ تميّزه عن غيره؛ سيكون في عصر معين، ربما كان عصرنا هذا لدلالة أهم العلامات عليه!.
* * *
أما إذا قيل: لِمَ لا يزال المهديّ متغيِّباً عن مسرح الأحداث ما زال مخلوقاً ومدعوًّا للإصلاح في عصرٍ فسد أهلهُ … ولِمَ لا يظهر فيقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما زال مرصوداً لهذه الغاية؟.
فالجواب: إن الله قد جعل لكل شيءٍ قدراً، وإن له أمراً هو بالغُه، ولا يعجل إلا من يخاف الفوت …. ولو استجاب الله لرغبة العباد لاضطُرَّ لأن يُقيم القيامة وينصب الميزان ويحاسب الناس على أعمالهم فوراً، ليؤمنوا بالبعث والحساب، ولوجب أن يُطْلع الشمسَ قبل وقتها استجابةً لرغبة مسافرٍ في فلاةٍ يلفحه الصقيعُ، أو أن يُنْزِلَ المطر لمجرّد حاجة فلاّح مضطر لريّ أرضه، ولصار لله في ملكه ألف شريكٍ وشريك!.
فالبديهي الذي يفترضه خروج المهدي عليه السلام، هو أن الشروط لم تستكمل بعد، وأن الدلالات التي حددها الله على لسان رسله ليوم نهضته المنتظرة لم تتمّ … وليس من الضروري أن يجري قضاءُ الله وقدره بحسب رغبات الأفراد وأهوائهم، إذ لو فُتح مثل هذا الباب من الاعتراضات لجاز لي أن أقول: لم بعث عيسى قبل محمد؟. ولماذا لم يحاسب الله الظالمين في دار الدنيا على مرأى ومسمع من المظلومين؟. ولِمَ؟ ولماذا؟. وكيف لا؟. فينفتح باب جدلٍ لا طائل تحته.
وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾([930]).
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون﴾([931]).
ثم ما أدراك أنه قد قيل: لِمَ غاب المهديّ أساساً؟. وما الفائدة منه أثناء غيابه؟. مع أن القائل يعرف أن كل منادٍ بالحق يتوارى من وجه الظلم حتى يعد العدة ويهيئ نفسه، فكيف بمن يتحيَّن الفرصة لوثبةٍ تهدف إلى قلب أنظمة الأرض بالطول والعرض، وتقف في وجه هذه القوى الهائلة التي منها القنابل المدمِّرة والصواريخ الموجّهة؟ ….
هذا، إلى جانب أنه لا يخرج إلا بأمرٍ من السماء، في حين أن احتجابه عنا لا يعني أنه لا يظهر لخاصةٍ من مواليه، ولمن يلي أموره وخدمته من التابعين الذين يكتمون سر الله ويحملون أمانة السماء ….
* * *
فليتعرّف الكل إلى هوية هذا المنقِذ …
وليقرأ كتابي المتديّنُ قصةَ عقيدةٍ واضحة المعالم …..
وليقرأهُ المنكِر قصةً سماوية جميلة المنهج، حلوة الحَبك، جذّابة الفصول …
وليقرأهُ اللامبالي قصة العلم بالشيء ولا الجهل به. فقد عالجت الموضوع للجميع، ليروا ما رأيت، وليكون ما يرونه حجةً عليهم كما صار حجةً عليّ أديتها لإخواني وأخواتي في الإنسانية …
ولتمَّ غايتي، أمحض النصح لجميع القرّاء، وأنبههم إلى أنني لا أكتب عن شخصية عادية، ولا أعرض أمامهم شريطاً تمثيليًّا. بل أحذّر من أمرٍ من السماء شاءه القضاء، رضي به القارئ أم رفضه؛ كالشمس التي تشرق رآها الأعشى أم حجبتها عنه غيوم الهوى!.
وأمسِ لم يرد الطوفان عنادُ قوم نوحٍ، ولا نجا ابنه حين وقف على جبل المكابرين!.
وأمس لم يمنع خسف مدائن لوطٍ هزءُ قومه حين جاؤوا إلى حرمه ليفضحوا لوطاً في ضيقه!.
وبعدهما، لم يدفع الغرق عن فرعون وجنوده تكذيبهم لموسى وهارون!.
ولا أحرقت نارُ النمرود إيمان إبراهيم من قبل!.
واليوم … نقول مع المهدي عليه السلام، ما قاله لأحد الذين شرّفهم الله بسفارته:
«لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون؟!. حكمةٌ بالغةٌ فما تُغني النّذُرُ عن قومٍ لا يعلمون»([932]).
ثم نرتضي الإيمان به وإن كفر غيرنا، ونتأسى بقوله ـ وهو عدل القرآن ـ حيث قال:
«لأنّ الله معنا، فلا فاقة بنا إلى غيره. والحقُّ معنا، فلن يوحشنا من قعد عنّا»([933]).
وقد قيل للباقر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟. (أي هل يغيّر الله أمراً كان قد قدّره محتوماً) فقال نعم. فقيل: فنخاف أن يبدو لله في القائم!. بجوابه إلى قول الله عز وجل: ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾([934]).
فلنستعرض قضاءً مبرماً لا بدّ منه …. ولننتظر حركةً لا محيص عنها … ولنأخذ علماً بحوادث لا مناص من حلولها، كما أنه لا محيد عن العاصفة إذا هبت الريح القاصفة التي تجتثّ وتدمّر!.
فهذا كذاك … ولن يؤخِّر حتمية ظهور المهدي تعمُّد تجاهله، ولا يقف في وجه زحفة التِّيهُ في مجاهل الضلالة، ولا يؤخر يوماً موعوداً إنكارنا له، تماماً كما أنها لا تمنع بزوغ الشمس الوهّاجة مشيئة من أراد تأخير سناها من الخفافيش!….
* * *
وأنا لا أعرف، متى كانت يتيسر للعقل البشري القاصر أن يختار في الأمور الخارقة للطبيعة؟ ومتى كانت إرادته قادرةً على منع حلول الظلمة إذا هجمت لتخيم على المكان المستور!.
وهذا العقل ـ وهو العنصرُ المتميز ـ قد تقود ديناميكيتُه العجيبةُ إلى هدًى وإيمان، وقد تكون مفتاح هوًى وضلال … فبعد أن حصّنه الله تعالى في جمجمة متينة الصُّنع، ورفعه على عرش الجسم، وشرّفه على كل عضوٍ فيه، فكَّر ـ أول ما فكر ـ بإنكار موجده!. وقدّر ـ أول ما قّدر ـ قياساتٍ قاسها إبليسُ حين استكبر عن السجود لآدم!.
ثم حاول ـ العقل ـ وما زال يحاول أن يخرج من حبسه الضيق المقفل، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: إن كل سماويٍّ خرافة!. قد شاءه بارئه لعباده وسيلةً عليا، وشاء نفسه أداة إسفاف دنيا، لأنه عقَّ مُبدعه، وترك مشاكله على الأرض، وراح يفتش عما لا يعنيه في السماء!.
وقد سبقنا الإمام الصادق عليه السلام إلى القول:
ـ إن حديثنا صعبٌ مستعصب، لا يحتمله إلا صدور منيرة، أو قلوب سليمة، أو أخلاق حسنة. إن الله أخذ من شيعتنا الميثاق (أي الولاية) كما أخذ على بني آدم ﴿ألست بربكم﴾. فمن وفى لنا وفى الله له بالجنة، ومن أبغضنا ولم يؤدّ إلينا حقّنا ففي النار خالداً مخلَّداً! ([935]).
وها هي ذي علامات قُرب ظهور صاحب الزمان عليه السلام تتلاحق بسرعة، حتى أن الإنسان ليتعجّب من دقة وصفها، فيعتقد أن النبي وآله عليهم الصلاة والسلام كانوا كأنهم يرون ما ينعتون؛ وإلا فكيف وصفوا أهل هذا الزمان حتى أنهم نعتوا كيفية ضفر الشعر عند النساء، واختلاف الأزياء، وإسبال شعور الرجال، وميوعة الأجيال، وتطويل الشوارب … وصفوا ذلك وغيره بطريقة تتناول النوع والشكل، وتذكر المميزات! إلى جانب ما حكوا عن حضارتنا ووسائل عيشنا، وما نحن عليه من أشرٍ وبطر …
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال:
ـ نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها. فرُبَّ حامل فقهٍ، غير فقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه([936]).
وقال خاتم أوصيائه، الإمام المنتظر عليه السلام:
ـ وأما ندامة قوم، قد شكُّوا في دين الله، على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال وما لنا حاجة في صلة الشاكّين([937]).
وأنا ـ في كل حالٍ ـ لا أمُنُّ على من يقرأ محاولتي هذه، بل للقارئ الشكر والمنَّة، إذ قد حكيتُ فأكثرتُ وأثقلتُ، ولذلك أتخّلى عن المسرح ليحكيَ غيري في الصفحات الباقية من الكتاب: فيحكي الله عز وجل، ويحكي رُسلُه وأولياؤه، والمؤرخون، وجميع الناس … وليس لي من دورٍ ـ بعدُ ـ إلا في التنسيق والتوضيح …. وليس أحسن عندي من أن أختم كلامي بقول الباقر عليه السلام حيث سئل عن المهدي فقال:
ـ من أقرّ به فزِيدوه، ومن أنكره فذروه([938])….
* * *
1 ـ من هو القائم المنتظر؟
﴿ويستنبئونك﴾ ـ يا محمد ـ ﴿أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾([939]).
قيل إن هذه الآية الكريمة تتحدَّث ـ أيضاً ـ عن آجال الأمم وتكذيبها الأنبياء، ونزول العذاب عليها عند انغماسها في الضلال. وفيها يَعِدُ الله تعالى بخروج قائم يطهّر الأرض إذا غوت الأمة الإسلامية وحادت عن طريق الهداية ….
* * *
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ لا تخلو الأرض من قائم بحُجة، إما ظاهر مشهور، أو خائف مستور، لئلاّ تبطُل حُججُ الله وبيّناته([940]).
(ورُوي بلفظه عن أمير المؤمنين والباقرين عليهم السلام وقال):
ـ القائم المهديّ من وُلدي، اسمه اسمي، وكُنيته كُنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً([941]).
(وقال):
ـ لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم للحق منّا، وذلك حين يأذن الله عز وجل له. ومن تبعه نجا، ومن تخلَّف عنه هلك. الله الله عباد الله، فأْتوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله عز وجل وخليفتي!([942]).
(وقال):
ـ المهديّ من عترتي، من وُلد فاطمة، يقاتِل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي([943]) … (وقال لفاطمة عليها السلام في مرضه الأخير بعد أن ضرب على منكب الحسين عليه السلام):
ـ مِن هذا مهديُّ هذه الأمة … لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من وُلد الحسين يملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجَوراً([944]).
(وقال مشيراً إلى الحسن والحسين عليهما السلام):
ـ منهما مهديّ هذه الأمة([945]). (ذاك أنه من أبناء الحسن أيضاً، لأن فاطمة بنت الحسن هي أم الباقر. فالباقر ومن بعده من الأئمة حسنيّون وحسينيّون … وقد رُوي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى سبطيه مرةً وقال):
ـ والذي بعثني بالحق، إن منهما مهديّ هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً مرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعت السُبل، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقّر كبيراً. يبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً. يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أول الزمان([946]) …. (وكلمتا: أول الزمان وآخره، تعنيان زمان الدعوة الإسلامية … وحصون الضلالة قائمة في كل مكان … والقلوب الغُلف كانت تعني قلوب اليهود خاصةً في القرآن الكريم، ولكن قلوب أكثر الناس في أيامنا هذه غُلْف … وقال):
ـ مِن وُلدي اثنا عشر نقيباً: نُجباء محدّثون مفهّون، آخرهُم القائمُ بالحق([947]).
(وقال):
ـ الأئمة من بعدي اثنا عشر، تسعة من صُلب الحسين، والتاسعُ قائمُهم. وهم أهلُ بيتي وعترتي من لحمي ودمي([948]) ….
(وقال)؛:
ـ نحن سبعةٌ من وُلد عبد المطلب سادةُ أهل الجنة: أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهديّ([949]).
(وقال):
ـ إن لذلك الأمر (أمر المسلمين) وُلاة من بعدي: علي بن أبي طالب وأحد عشر من وُلده([950])…
(وقال لعليّ مرة وبعض أصحابه يسمعون):
ـ إنَّ خُلفائي وأوصيائي، وحُجج الله على الخلق بعدي، الاثنا عشر. أوَّلُهم عليٌّ، وآخِرُهم المهديّ([951]).
(فالثاني عشر من الأئمة الأوصياء هو المهديُّ عجّل الله تعالى فرجه، بنصِّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال مكرِّراً: الأئمة بعدي اثنا عشر: أولهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكرهُ على يديه مشارق الأرض ومغاربها … وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ المُقرُّ بهم مؤمنٌ، والمُنكِرُ لهم كافر([952]).
(وقال):
ـ الأئمة بعدي اثنا عشر، بعدد نُقباء بني إسرائيل، وبعدد الأسباط، وبعدد حواريّي عيسى. من خالفهم فقد خالفني، ومن ردّهم وأنكرهم فقد ردّني، ومن أحبّهم واقتدى بهم فاز ونجا، ومن تخلّف عنهم ضلّ وهوى. فطوبى لمن أحبهم، والويلُ لمن أبغضهم([953]) …
(وقال يُلفت النظر إلى أهمية الاعتراف بالأئمة من بعده، والمسؤوليةِ المترتبة على مخاصمتهم وقطع رحمه بهم):
ـ اثنا عشر من أهل بيتي، أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي. فويلٌ للمتكبرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي!. ما لهم؟!. لا أنالهم الله شفاعتي!. هؤلاء هم خُلفائي وأوصيائي، وأولادي وعترتي. من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني. بهم يُمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها([954]) …. (ثم قال يصفهم):
ـ ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحكمُ الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً. ألا وإنا أهل بيتٍ من علم الله علْمُنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادقٍ سمعنا. فإن تتَّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. معنا رايةُ الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق. ألا وبنا يدرك تِرَةُ كل مؤمن، وبنا تُخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا يُفتح لا بكم، ومنا يُختم لا منكم([955]) …
(وجاء عن صلى الله عليه وآله وسلم مبيِّناً من هو بالذات، ومشيراً من طرفٍ خفيٍّ إلى أنه يولد من حادي عشر الأئمة بلا فصل، وأنه لا يولد في آخر الزمان كما ذهب بعض محرّفي الحق عن مواضعه):
ـ إن الله عز وجل، ركّب في صلب الحسن (أي العسكري) نطفةً مباركةً زكيةً طيبةً طاهرةً مطهّرة، يرضى بها كل مؤمن أخذ الله ميثاقه بالولاية، ويكفر بها كل جاحد. فهو إمام تقيّ نقيّ هادٍ مهديّ. أوله العدل وآخره، يصدُق الله عز وجل ويصدّقه الله في قوله. يكون معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم وبلدانهم وصنائعهم وكلامهم وكُناهم([956]).
(وكلامهم: يعني لغاتهم … وورد أنه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري):
ـ إن هذا أمرٌ من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله. عِلَّتُه مطويَّةً عن عباد الله. فإياك والشك فإن الشك في أمر الله كُفر([957])!.
(ودخل جابرٌ هذا على فاطمة عليها السلام، وبين يديها لوحٌ([958]) فيه أسماء الأوصياء من وُلدها، فعدَّدت اثني عشر اسماً، آخرهم القائم، فعرف أن الأمر حتمٌ من أمر الله تعالى …. ومن جملة ما قرأ فيه):
ـ قال الله تبارك وتعالى: وأعطيتُك ـ يا محمد ـ من أُخرج من صُلبه (يعني عليًّا) أحد عشر مهديًّا كلُّهم من ذريتك، من البِكر البتول. آخر رجل منهم أُنجي به من الهلكة، وأهدي به من الضلالة، وأُبرئ به من العمى، وأشفي به المريض، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأُملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأُسخّرنّ له الرياح، ولأُركضَنَّ له السَّحاب، ولأُرقّينَّهُ في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي، حتى يُعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي([959]) ….
(وقال جابر):
ـ دخلتُ على فاطمة بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين يديها ألواحٌ فيها أسماء من وُلْدها. فعددت أحد عشر اسماً، آخرهم القائم عليه السلام([960]).
(فبموجب الحديث النبوي الشريف نرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار بوضوح تام إلى إطالة عمر القائم عليه السلام لأنه ما كان ليخرج إلا في مثل هذا العصر الفضائي، حيث تكثر الطائرات والصواريخ والمركبات الفضائية. ولا عجب إذا ملك مثل هذه الوسائل التي يتنعم بها البر والفاجر، ولا غرو أن يعلو في الجو، ويرقى الأسباب، وتتسخّر له الرياح التي يركبها سائر الناس وهم يذرعون الآفاق فوق كوكبنا الأرضي، يعاقرون المسكرات ويرتكبون المعاصي وهم قابعون على أرائك الطائرات الوثيرة …
ثم يزيد في التأكيد على إطالة عمره من قبل الله تعالى، ويصارح بغيبة له تمتد حتى يأذن الله تعالى، قائلاً:
ـ لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. ولو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتى يظهر (أي يخرج من الغيبة وينتصر) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً([961]).
(وقد لبث نوح في قومه 950 سنة بِنَص القرآن الكريم، ولعلها فترة الدعوة والنبوة فقط أما عُمره الكامل فهو بين 1750 و2750 سنة بحسب اختلاف الأخبار التاريخية … ثم ركز النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على قضيته وأنزلها في رأس اهتمامات دعوته فقال لأُمَّته):
ـ لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد. لَطَوَّل الله ذلك اليوم، حتى يملك رجلٌ من أهل بيتي، تجري الملاحمُ على يديه، ويظهر الإسلام، والله لا يُخلِف الميعاد([962]).
(وتطلَّع بثاقب بصيرته مرةً، فنفذ إلى ما يكون عليه أمرُ الأجيال المتعاقبة، فتنفَّس الصُّعداء وقال صلى الله عليه وآله وسلم):
ـ إلى الله أشكو المكذّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمُضِلِّينَ لأُمَّتي عن طريقهِ!. يُبايعُ بين الرُّكنِ والمقام ـ بجانب الكعبة أعزها الله تعالى ـ ويفتح فتوحاً فلا يبقى على وجه الأرض إلاَّ من يقول: لا إله إلا الله([963]).
(ونختتم بيان هويته الكريمة على لسان جدِّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله):
ـ يكون لهذه الأمة اثنا عشر خليفة([964]).
(وقوله صلى الله عليه وآله وسلم):
ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً. إلى اثني عشر خليفةً. كلُّهم من قريش([965]).
(وقوله):
ـ لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقي منهم اثنان([966])!.
(وقوله الأخير بالتحديد):
ـ بعدي اثنا عشر إماماً. تسعةٌ من صُلْبِ الحسين. أمناء معصومون. ومنَّا مهديُّ هذه الأُمَّة. ألا إنَّ أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي. ما بالُ قوم يؤذونني فيهم؟. لا أنالَهُمُ الله شفاعتي([967]). (وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وجَّه فيه آخر إنذارٍ للناس):
ـ من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أُنزلَ على محمد([968])!.
ـ من أنكر القائم من وُلْدِي أثناء غيبته. مات ميتةً جاهلية([969])!.
(فمن مِن الناس يُصِمُّ سمعه عن دعوةِ رسولٍ كريمٍ لا يسأل الناس أجراً على هدايتهم إلى الحق؟!!).
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
(خاطب ولده الحسين عليه السلام مُقْسِماً):
ـ التاسعُ من وُلْدِكَ يا حسينُ هو القائمُ بالحق، والمُظْهِرُ للدين. والباسطُ للعدل. إِيْ والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة، واصطفاه على جميع البريَّة([970]) …
(وقال عليه السلام معرِّفاً به):
ـ هو في الذِّروةِ من قريشِ. والشرفِ من هاشم، والبقية من إبراهيم([971]).
(وأشار إليه بقوله):
ـ ومن بعد الحسين تسعةٌ من صُلبه. خلفاءُ الله في أرضه. وحُجَجُه على عباده. وأُمناؤُه على وحيهِ. وهم أئمةُ المسلمين، وقادةُ المؤمنين، وسادةُ المتقين، وتاسعُهم القائم([972]).
(وقال للخليفة الثاني حين سأله عن المهدي عليه السلام):
ـ أما اسمُه فلا … إن حبيبي وخليلي عَهِدَ إليّ أن لا أُحدّث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل. وهو مما استودع الله عز وجل رسوله في علمه([973]) … (وهذا من الدلائل على عدم جواز ذكر اسمه، لأن النبيّ والأئمة جميعاً لم يذكروا اسمه في خبر من أخبارهم رغم كثرتها ورغم تعاقبهم على الحديث عنه في مدى مئتين وخمسة وخمسين عاماً، وإن كانوا قد دلّونا على اسمه تلميحاً أشبه بالتصريح كما رأيت وترى. وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام):
ـ صاحب هذا الأمر لا يسميه إلا كافر([974])!. (بل قد جاء هذا عن القائم عليه السلام نفسه):
ـ ملعونٌ ملعونٌ من سمّاني في مجمع من الناس باسمي([975])!…. (وكتب لسفيره العمري رضوان الله عليه):
ـ من سمّاني في مجمع من الناس. فعليهِ لعنةُ الله([976]) …. (وسترى سبب ذلك في مكانه … وقد دخل عمر بن الخطاب البيت (الكعبة) أيام خلافته وقال: والله ما أدري، أدعُ خزائن البيت وما فيه من السلاح والمال، أو أقسمه في سبيل الله؟!. فقال له عليّ عليه السلام):
ـ امضِ يا أمير المؤمنين، فلستَ بصاحبه!. إنما صاحبه منَّا، شابٌّ من قريش، يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان! ([977]). (ومن كلامه الذي يصف فيه عظمته وعراقة أصله):
ـ صاحب هذا الأمر من وُلْدي … هو من ذروة طود العرب، وبحر مغيضها إذا وردت، ومَجْفُوِّ أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت. لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يخور إذا المؤمنون اكتُنِفت، ولا ينكلُ إذا الكُماة اصطرعت، مشمرٌ مغلولبٌ، ظفرٌ ضرغامةٌ، حصدٌ مخدِّشٌ، ذكرُ سيفٍ من سيوف الله، رأسُ قُثمٍ، نشقٌ رأسُه في باذخ السؤدد، وغارزٌ مجده في أكرم المحتد. أوسعُكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأرحكم رحماً. اللهم فاجعل بيعته خروجاً من الغُمة، واجمع به شمل الأمة …. فلا يصرفنَّك عنه صارفٌ عارضٌ ينوص إلى الفتنة كلَّ مناص، إذا قال فشرُّ قائل، وإن سكت فَذوِرٌ عابر([978])!.
(فالقائم عليه السلام كما وصفه جدُّه: مغلولبٌ قاهرٌ لأعدائه، ظَفِرٌ منتصرٌ على من ناوأه، ضرغامةٌ شجاعٌ شديد، حصدٌ مخدِّشٌ: قاتلٌ ممزِّقٌ بضربه، ذكر سيفٍ: حدُّ سيفه لا يفل، رأس قُثم: معطاءٌ سخيّ، نشقٌ رأسُه في باذخ السؤدد: أصيلٌ في عزّه، غارزٌ مجده الداخل في أشرف أصل!.
أما من يُنكره ويصرف الناس عنه فإنه مفتنٌ ضالٌّ إذا حكى وذورٌ: كارهٌ للحقّ إذا سكت!. وقد وصفه ثانيةً بعد هذا القول الذي قُدّ من صخر، بقولٍ كأنه فاض عن فكر عُلويّ يستلهم من وحي):
ـ قد لبس للحكمة جُنّتها، وأخذ بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرُّغ لها، فهي عند نفسه ضالَّته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغتربٌ إذا اغترب الإسلامُ وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه. بقيةٌ من بقايا حججه، خليفةٌ من خلائف أنبيائه([979]) ….
(مبيّناً أنه أثناء غيبته حائرٌ بضلال الأمة: فلا هو مأمور بالخروج، ولا الأمور مستقيمة تُرضيه. يتأثّر لحال الإسلام الذي يتمرَّغ في الأرض ولا يستطيع النهوض، كالبعير الذي برك وألصق صدره بالأرض من الجهد، فضرب الأرض بذنبه تململاً لأنه لا يتمكن من القيام!. وليس أجمل من هذا الوصف لتخبُّطِ الدين أيام ضعفه في نفوس الناس …. ثم قال عليه السلام في خطبته المشهورة بالشقشقية):
ـ أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء (أي الأئمة) ألاَّ يقارُّوا على كِظَّة ظالمٍ ولا سغب مظلوم، لألقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيتُ آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفْطَةِ عَنْزٍ([980])!.
(فهو، لولا الحجة القائمة بظهور قائم منصور من ولده، وبتقدير أنصارٍ له ينتقمون من الظلمة، لنهض في وجه الظالمين ولقلب الدنيا ظهراً لبطن!. ولذلك يرى نفسه غير مطالبٍ بأكثر مما فعل، وإن كان قادراً على أن يجعل عاليها سافِلَها ….).
* * *
قال الإمام الحسن عليه السلام:
ـ من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية([981])!.
(وورد عن الكاظم عليه السلام مختوماً بـ: إمام حيٍّ يعرفه([982]). بل قال سبطه الصادق عليه السلام من بعده):
ـ من بات ليلةً لا يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية([983])!!! (فتأمل بما للولاية من خطرٍ عند الله!.).
* * *
قال الإمام الحسين عليه السلام:
ـ التاسعُ من وُلدي هو القائمُ بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به الدين، يُحق الحقَّ ولو كره المشركون([984]).
* * *
قال الإمام زين العابدين عليه السلام:
ـ لا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعةُ من حُجَّة، ولولا ذلك لم يُعبد الله([985]).
(فقد أعطى الولاية المفروضة للحجة، في كل زمان، ذات الأهمية التي جعلها الله تعالى لها،ـ والتي أعطاها إياها جدُّه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأبناؤه … ثم قطع الطريق على ضلالات التفكير ولقلقات الألسنة، وحسم موضوع الخوض حول الولايات للحجة على الخلق بقوله):
ـ الإمامُ ـ المنصّب من الله طبعاً ـ لا يكون إلا معصوماً. وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون إلا منصوصاً([986]).
(ودليلُ صدقِ هذا القول الذي هو زينٌ في الأقوال كزين العابدين عليه السلام في الرجال، أن ما تقرأه في هذا الموضوع عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) وعن أصحابه (رض) كلّه نصوصٌ صريحة على القائم المنتظر في آخر الزمان … ثم قال):
ـ إن الله تعالى أعطانا الحلم والعلم والشجاعة والسخاوة والمحبة في قلوب المؤمنين. ومنا رسول الله، ووصيُّه، وسيِّدُ الشهداء، وجعفر الطيَّار في الجنة، وسِبْطا هذه الأمة. والمهديّ([987]).
(وكان غير متبجِّحٍ بقوله، بل متحدِّثاً عن مواهب الله تعالى لهذا البيت الكريم الذي شرَّف الله مَنْبتَه!.).
* * *
قال الإمام الباقر:
ـ … إياك وشذَّاداً من آل محمد (أي ممن يدّعون المهدويّة) فإن لآل محمد وعليٍّ رايةً، ولغيرهم رايات … فالزم الأرض ولا تتّبع منهم رجلاً أبداً حتى ترى رجلاً من وُلد الحسين معه عهد نبيٍّ ورايتُه وسلاحه([988]) …. (فقد حذر من مدعي المهدوية، ثم عرفه بذاته وبعلامة ما يحمله … وقال عليه السلام معيّناً كونه ثاني عشر الأئمة):
ـ منا اثنا عشر محدثاً، السابع من ولدي القائم([989]).
(وقال):؛
ـ يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي، تاسعُهم قائمُهم([990]).
(وقال):
ـ أنظروا إلى من لا يدري الناس (اي العامة) أَوُلِدَ أم لا، فذاك صاحبُكم([991]) ….
(وقال يوضح شيئاً جديداً من هويَّته):
ـ هو ابنُ سيِّدة الإماء([992]). (وسترى شأن والدته العظيمة في موضوع: ولادته … ثم قال):
ـ إن الأرض لا تخلو إلا وفيها عالمٌ منّا. فإن زاد الناس قال: زادوا، وإن نقصوا قال: قد نقصوا. ولن يُخرج الله ذلك العالِمَ (أي يقبضه إليه) حتى يرى في وُلده من يَعلم مثلَ عِلمه([993]). (أي إذا زاد الناس في ممارسة الحلال والحرام دلّهم على الصواب، وإذا أنقصوا حدًّا من الحدود دلّهم على وجهه الصحيح … وقال):
ـ لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت بأهلها!. وإن الله تبارك وتعالى جعلنا حُجَّةً في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض([994]).
(ولا تمضِ مع العجب من سيخان الأرض فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قبله):
ـ لا يزال هذا الدَّينُ قائماً إلى اثني عشر من قريشٍ. فإذا مضوا ساختِ الأرضُ بأهلها([995]). (فإن سيخان الأرض بأهلها لولا وجود الحجة، حديثٌ يصدم أذهان البُسطاء لأوَّل وهلة، إذ يغيب عن البال أن وجوده ودعاءه الدائم إلى الله أن يرفع البلاء عن الناس، وأن لا يأخذهم بذنوبهم، يمنع عنهم نزول العذاب الذي كان ينزل بالأمم السابقة، كالخسف، والصواعق، والفيضانات، وريح السّموم، وغير ذلك من الآيات المهلكة التي تعبر عنها الأخبار بسيخان الأرض … وقد روي هذا بلفظه عن الإمام الصادق عليه السلام. ثم قال أبوه عليه السلام):
ـ من المحتوم الذي حتمه الله، قيامُ قائِمنا. فمن شك فيما أقول، لقي الله به وهو كافرٌ، وله جاحد([996]).
(وقال أيضاً):
ـ من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله، أصبح تائهاً متحيِّراً ضالاًّ، وإن مات على هذه الحال مات ميتةَ كُفرٍ ونفاق([997])!.
(وقد سُئل يوماً):
ـ هل معرفة الإمام منكم واجبةٌ على جميع الخلق؟. فقال: إن الله عز وجل بعث محمداً إلى الناس أجميعن رسولاً لله وحجةً على جميع خلقه في أرضه. فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله، واتّبعه وصدّقه، فإن معرفة الإمام منا واجبةٌ عليه؛ ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يصدّقه، ويعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفةُ الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما؟. لا والله، ما ألهم المؤمنين حقَّنا إلا الله عز وجل …. (ثم قال في تأويل الآية الكريمة: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾: يعني النبي، والوصي، والقائم، ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ إذا قام ﴿وينهاهم عن المنكر﴾([998]) …. وقيل له):
ـ إنكم أهل بيت رحمة، اختصّكم الله تبارك وتعالى بها. فقال: كذلك، والحمد لله، لا نُدخل أحداً في ضلالة، ولا نخرجه من هدى. إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله رجلاً منا أهل البيت، يعمل بكتاب الله، لا يرى منكراً إلا أنكره([999]). (وقد حذر بعض أصحابه مرةً في حديثٍ طويل قائلاً):
ـ … ومن أبغضنا وردّنا أو ردَّ واحداً منا، فهو كافرٌ بالله وبآياته([1000]). (وقال لجماعةٍ من أصحابه ظنُّوا أنه القائم بالأمر):
ـ يزعمون أني المهدي، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما تدَّعون([1001]). (أي أنه قارب نهاية عمره الشريف، لأن القائم عليه السلام يظهر وهو أقرب إلى سن الشباب منه الآن … ثم سئل ثانية: هل هو القائم؟. فقال):
ـ كيف أكون أنا وقد بلغت خمساً وأربعين سنة؟. إن صاحب هذا الأمر أقرب عهداً باللبن مني، وأخف على ظهر الدابة([1002]) …
(ولجوابه مفهومان: أحدهما بسيط ربما كان قد فهمه سائله يومئذ، والثاني يفهمه أهل هذا العصر على صعيد موضوعيّ جديد ما كان ليتسنى لغيرهم من القدماء فهمه.
فالقائم يخرج و:انه أصغر سناً من جده الباقر كما رُوي متواتراً.
ولكنه ليس أخف على ظهر الدابة من حيث خفَّة الوزن وحجم الجسم، بل من حيث معنى لفظة: الدابة، حين نفسره تفسيراً يلائم عصر ظهوره، ويلائم تطور وسائل النقل فيه … فالدابة ـ اليوم ـ أقوى في النهوض وأسرع في السير وطيّ المسافات، ابتداءً من السيارة وذهاباً إلى الطائرة التي تحمل مئات الأطنان ولا تحس بوزن جسم الإنسان كوسيلة للركوب. وهي الدابة المقصودة التي يكون أخف على ظهرها.
ومن ضيق التفكير أن نقف عند حرفية الألفاظ، بل من الجمود الأكيد أن نبقى نفكر بمستوى من سمع هذه الألفاظ منذ ألف ومئات السنين مع سهولة وسائل التفسير ويُسر عناصر الشرح والتقريب في أيامنا هذه ….
وصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته جميعاً قد حدّثوا غيرنا، وحدثوهم عن زماننا، تماماً كما خاطب القرآن الناس كل الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، فمثل لفظة: الدابة، جاءت في القرآن الكريم لفظة: الأنعام، التي فهمها أهل الزمن القديم دوابَّ نأكل من لحمها وننتفع بركوبها: كالغنم والمعز والبقر والخيل والبغال والحمير وغيرها. ولكن القرآن الكريم ذكرها وذكر شيئاً يلفت النظر إلى ما يشبهها ويقوم مقامها في مجال الركوب والنقل، مما يُتيح لنا أن نفسِّر الآيتين الكريمتين التاليتين تفسيراً جديداً، حيث قال الله تعالى: ﴿والخيل ـ أي خلقها ـ والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾([1003]).
فما معنى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾؟. ومعنى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾؟. ثم ما معنى: ﴿ومنها جائر﴾؟ٌ وأخيراً ما معنى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. في سياق الخلق والكشف عمَّا يخلق؟.
لقد هداني الله تعالى إلى تفسير هاتين الآيتين تفسيراً موضوعياً لم يتسنّ لمن سبقني إيراد مثله لتعذُّر وسائل الشرح والإيضاح. فقد قال تبارك وتعالى: ﴿ويخلق﴾: أي يوجد بهدايته وقدرته ما لا تعلمون له اسماً ولا رسماً ولا شكلاً من وسائل الركوب، كالسيارات والطائرات بأنواعها، وكجميع وسائل النقل الحديثة التي يتوفّر بها قصدُ السبيل.
وقصد السبيل هنا، هو تقصير الطرق وتسهيلها وتقريبها، وذلك من قوله عز وجل:
﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾([1004]). يعني: لو كان سفر المنافقين معك قاصداً أي سهلاً قريباً لنهضوا معك، ولكن بعدت عليهم المسافة وتصوروا المشقة والتعب …
وهو أيضاً من قول أهل اللغة: قصد في الأمر: ضد أفرط، وقصد في سيره: مشى مستوياً … ولا يكون ذلك إلا بواسطة السرعة التي تقصِّر وتسهِّل وتمتاز بها وسائل النقل الحديثة أي ـ دوابُّ وأنعامُ ـ هذا العصر التي إذا مشت على الأرض تدب على أربع ككل دابة.
ولكن وسيلة الركوب هذه التي وعد الله تعالى بخلقها:
منها جائرٌ: أي هادر، صارخٌ، له جؤار ينبعث من المحركات الضخمة التي تنفث الحمم، وذلك من جأرَ: أي رفع صوته وضجّ، ومن الجاآر: الضخم، ومن الجؤار: رفع الصوت … ولولا الإشارة إلى ذلك لما كان لهذه العبارة من مكان حين أقحمها الله تعالى في الآية … ثم ذكر تعالى اسمه أن خلق ذلك متأخر عن زمن نزول الآية بدليل قوله تعالى:
﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ … فلم يهدهم. ولكنه هدى من جاء بعدهم بمشيئته … يدل على ذلك المعنى الكامن في لفظة: ويخلق، التي تدل على وقوع ذلك بعد نزول الآية، والتي فيها معنى الاستقبال لحدوث الأمر.
هذا وقد ظهر الارتباك والتشويش على كل مفسِّر عرض لهاتين الآيتين، حتى أن بعضه أهمل تفسير بعض ألفاظهما عن غير تقصير في الجهد، بل عن قصور في وسائل البيان والإيضاح … وبحسب ما ذكرنا يكون معنى قوله عز وجل باختصار:
ـ خلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة، ويخلق فيما يأتي مراكب تقصِّر لكم مسافات الطرق، ومما يكون لها هدير وجؤار وصوت مزعج، والحمد له وحده على هدايته.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
ـ إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعليّ والحسن، كان رابعهم القائم([1005]).
(وهذا هو الواقع المعتبر عندنا: فقد توالت أسماء محمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري عليهم السلام، والرابع هو القائم عجل الله تعالى فرجه … وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مثله بلفظ):
ـ إذا توالت أربعةُ أسماءٍ من الأئمة من وُلْدِي: محمدٌ، وعليٌ، والحسنُ، فرابعها هو القائم المنتظر([1006]).
(وقال):
ـ هو من وُلدي، وَلَدَه يزدجرد بن شهريار([1007]).
(وذلك من قِبَل علي بن الحسين عليه السلام الذي أمه شهربانوه بنت الملك كسرى يزدجرد، التي لما خُيِّرت بين خاطبيها لم تختر سوى الحسين عليه السلام([1008]) … وقال عنه):
ـ هو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول: حُمِلَ (أي حملته الملائكة ورفعته إلى السماء) ومنهم من يقول: مات، ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلِّف، ومنهم من يقول: وُلد قبل موت أبيه بسنين([1009]).
(والقول الأخير هو قولنا اليقين … وقال):
ـ إن الله أوحى إلى عمران أني واهبٌ لك ذكراً سويًّا مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعلُه رسولاً لبني إسرائيل، فحدّث عمران امرأته بذلك وهي أم مريم. فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلام. ﴿فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾([1010])، أي لا تكون البنت رسولاً. يقول الله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾([1011]). فلما وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشّر به عمران ووعده إياه. فإذا قلنا في الرجل منَّا شيئاً فكان في وُلده أو وُلدِ وُلدِه فلا تُنكروا ذلك([1012]).
(يعني أن الأنبياء والأوصياء قد يتكلمون عن بعض الأمور على وجه التلميح وعلى أساس المحوِ والإثبات إذا اقتضت المصالح، فيظهر خلاف ما يظنه الذين لا يعلمون المقصود البعيد الذي قد يكون مشروطاً أو مقيّداً. فمن ذلك ما قاله الصادق نفسه عليه السلام لبعض أصحابه):
ـ الخلفُ الصالحُ من وُلدي هو المهديّ([1013])!.
(ومن أين لنا أن نحلّ هذا اللغز. ونعرفه أنه عنى ولده السابع؟. كما أنه من أين لنا أن نعرف أن الله تعالى عنى بالذكر الذي يهبه لعمران سيكون ابن بنته مريم عليها السلام؟. ثم قال):
ـ من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات([1014])!. (وهو يقصد أن منكري وجود الإمام الحي الغائب هم منكرون لآبائه الماضين من الأئمة باعتبار أنهم ردُّوا عليهم قولهم ولم يصدّقوا وعدهم به … وقد فسَّر هذا الحديث قوله عليه السلام):
ـ من أقرَّ بجميع الأئمة ثم جحد المهدي كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. المهدي يغيب شخصه ولا يصح لكم تسميته([1015])!.
(ذاك أن الجحود بالمهدي هو فعلاً إنكار لواحد من الأئمة الذين هم اثنا عشر إماماً، وردٌّ لكلام جميع الأئمة فيه، فضلاً عن رد كلام جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم).
* * *
قال الإمام الكاظم عليه السلام:
ـ يخفى على الناس ولادتُه، ولا يحلُّ تسميتُه حتى يُظهره الله عز وجل([1016]).
* * *
قال الإمام الرضا عليه السلام:
ـ يبعث الله عز وجل لهذا الأمر رجلاً خفيَّ المولد والمنشأ، غير خفيٍّ في نسبه ونفسه([1017]).
(وقال):
ـ الرابعُ من وُلْدي، ابنُ سيدة الإماء، يطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدِّسها من كل ظلم. وهو الذي يشكُّ الناسُ في ولادته، وهو صاحبُ الغيبة قبل خروجه. فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربِّها، ووضع الميزان بالعدل بين الناس فلا يظلم أحدٌ أحداً. وهو الذي تُطوى له الأرض، ولا يكون له ظلّ([1018]) …
(وقد روي هذا عن الإمام الصادق عليه السلام وزاد: إن الأوصياء لتُطوى لهم الأرض ويعلمون ما عند أصحابهم([1019]) …..
وستُطْوى الأرضُ لصاحب هذا الأمر عليه السلام بتقصير المسافات كما يجري لنا حين نسافر بالسيارة أو الطائرة مثلاً، إذا لم يكن له خاصةً منحةٌ من القدرة الإلهية غير هذه. أما كيف لا يكون له ظلّ فذلك لأحد أمرين: إمّا لأنه تُظَلِّله غمامة كجدِّه النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما ورد في الأخبار ـ وإما لأن ظله يتلاشى حينما يطوي الأرض بالسرعة العجيبة، فإن أضخم طائرة نفَّاثة يتلاشى ظلها متى ارتفعت واندفعت في الأفق الواسع لشدة بعدها وارتفاعها، وكلاهما غير عجيبٍ ولا غريبٍ عليه … فتأمّل بالتسهيلات التي ذكروا أنها تتوافر للقائم عليه السلام والتي تحدّث عنها آباؤه منذئذٍ!. ثم فكّرْ في حديثهم عن أُمِّهِ التي كانت لم تولد بعدُ في روما من أرض أوروبا، وعن ولادته المستورة التي ستقع بعدهم بزمنٍ طويل … فكِّر ثم احكُم بميزانٍ مستقيمٍ، وبضميرٍ حيٍّ غير منحرف …. ونحن راضون بحكمك في الموضوع…
وقد قال لدعبل الخُزاعيّ الشاعر يوم قرأ عليه تائيَّته المشهورة:
ـ الإمام بعدي محمدٌ ابني، وبعده عليٌّ ابنُه، وبعد عليٍّ ابنُه الحسن، وبعد الحسن ابنه القائم، المنتظر في غيبته، المُطاعُ في ظهوره … وأما متى يقوم فإخبارٌ بالوقت. لا يُرى جسمه ولا يُسمّى باسمِه([1020]) …
* * *
قال الإمام الجواد عليه السلام:
ـ إن القائم منّا هو المهديُّ الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من وُلدي([1021]).
(فلا قائم من الأئمة عليه السلام يطلب الخلافة بالسيف سواه. وسيُطاع في ظهوره بقوَّة سيف الحق الذي تهزُّه يمينه المباركة المسددة من الله تعالى، فيبسط العدل بعد هذا الظُلم المُحيق بالإنسانية … وقال):
ـ إذا مات ابني عليُّ ـ أي الإمام الهادي ـ بدا سراجٌ بعده ثم خفي. فويلٌ للمرتاب. وطوبى للغريب الفارِّ بدينه([1022])!.
(يعني أن الويل للشاكّ بِبُدوِّ السراج الذي هو خليفتُه العسكريُّ عليه السلام وبخفاء سراج آخر إذا غيّبه القدر. فكأنه قال: بدا سراجٌ هو العسكري عليه السلام ثم خفي سراجٌ هو القائمُ المنتظر عليه السلام … وقد عرفه بوضوحٍ حيث قال):
ـ هو سَمِيُّ رسول الله وكَنِيُّه، وهو الذي تُطوى له الأرضُ، ويذلُّ كلُّ صعب([1023]) …. (وطيُّ الأرض وتذليل الصعب صارا ميسورين في عصرنا هذا بسبب وجود وسائل النقل السريعة الهائلة، أضف إليها اللاسلكيّ والهاتف والتلكس والأقمار الصناعية وغيرها … فانظر في هذا الحديث الشريف وهذا التصريح الواثق يصدر عن إمام لنا عاش قبل عصرنا الحاضر بألف ومئتي سنة، ثم فكّر فيه مليًّا ….
وقال له أحدُ أصحابه وكان متشرفاً بخدمته: إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد(ص) فقال):
ـ ما مِنَّا إلاَّ قائمٌ بأمر الله عز وجل، أو هادٍ إلى دينه. ولكن القائم هو الذي يخفى على الناس ولادتُه ولا يغيب شخصُه([1024]). (أي لا يغيب عن الحضور في كل مكانٍ وإن كان لا يُرى).
* * *
قال الإمام الهادي عليه السلام:
ـ الخَلَفُ من بعدي ابني الحسن. فكيف بكم الخلف بعد الخلف؟!. قيل: ولِمَ جُعِلْنا فِداك؟. قال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكرُ اسمه. فقيل له: كيف نذكره … قال: قولوا: الحجة من آل محمد([1025]).
قال الإمام العسكري عليه السلام:
ـ كأني بحكم وقد اختلفتم من بعدي بالخلف مني. أَلاَ إنّ المُقِرَّ بالأئمة بعد رسول الله (ص) المُنكِرَ لولدي، كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلِنا([1026]).
(وقد رُوي قريبٌ منه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم ما يشبهه عن الصادق عليه السلام أيضاً.
وقد قال العسكريّ عليه السلام لأحد السجناء معه في حبس المعتضد العباسيّ قبل ولادة المهدي بقليل):
ـ إني والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً([1027]) …. (قالها لا على سبيل التسلية وتقطيع الوقت مع قرينه في السجن، بل ليبلِّغ الحاضرُ الغائب، وليكون قولُه هذا إعلاناً يذيعه هذا السجين أمام أصحاب العسكري وأمام أعدائه على السواء…).
* * *
قال الحجّةُ المنتظر عليه السلام:
(جاء في كتاب لسفيره الأول رضوان الله عليه):
ـ … وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلاَّ كذّاب مفترٍ، ولا يدَّعيه غيرنا إلاَّ ضالٌّ غويّ. فليقتصروا منّا على هذه الجملة دون تفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريضِ دون التصريح إن شاء الله([1028]) …. (وقد قرُب التفسير … وسيكون التصريح لغةً واضحة على شفْرَتي سيفك الذي يحطَّم صُلب الظلم في الأرض يا سيدي!).
* * *
قال ابن عبّاس:
ـ لا تمضي الأيام والليالي حتى يليَ منَّا أهل البيت فتًى لم تلبسه الفتن ولم يلبسها. قيل: يا ابن العبَّاس، يعجز عنها مشيختُكم، وينالها شبابُكم؟!. قال: هو أمر الله يؤتيه من يشاء([1029]) …
(وقال):
ـ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أنا وعليُّ والحسنُ والحسين وتسعةٌ من وُلْدِ الحسين، مطهَّرون معصومون»([1030]).
* * *
قال كعبُ الأحبار:
ـ إني لأجد المهديَّ مكتوب في أسفار الأنبياء: ما حكمه ظُلم ولا عَنَت([1031]). (أي: فساد. وقال):
ـ المهديُّ مذكورٌ في التوراة والإنجيل. الأمم كلها مُجمعة على خروج مخلِّص للبشرية من الظلم والعسف، حتى أن من شك بذلك فقد كفر. وإنه هو بذاته وصفاته لمكتوب في جميع أسفار سائر الأنبياء. وما أشكل على الناس في ذلك فلا تشكل عليهم ولادته من رسول الله، ووراثته العلماء من الأئمة عليهم السلام عالماً بعد عالِم([1032]).
قال البخاريّ: (المعروف بخواجه بارسا):
ـ إن الأحاديث في صاحب الزمان، الغائب عن العيان، الموجودة في كل الأزمان، كثيرة متضافرة. وأصحابه قد خلصوا من الريب وسلِموا من العيب، وأخذوا بطريق الهداية، وسلكوا من طريق الحق إلى التحقيق. وبه خُتمت الخلافة والإمامة، وهو إمام منذ وفاة أبيه إلى يوم القيامة، يدعو الناس إلى مِلَّته، وهي مِلَّة النبي صلى الله عليه وسلم([1033]). (فهل أوضح وأصرح وأفصح من ذلك ؟!!).
* * *
قال الشيخ محيي الدين بن العربي:
ـ هو من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم من وُلْد فاطمة. جدُّه الحسينُ بنُ عليّ. ووالدُه الحسنُ العسكريّ([1034]).
فمن هوَ هذا المنتظَر؟
نعم، من هو المعنيُّ بهذه الأقوال؟.
وهل تخوننا الجرأة إذا أردنا أن ندل عليه، ونميِّزه من غيره؟.
لا، ولكننا نقول قبل ذلك: إن المسلمين لم يتعودوا الشك ولا الطعن في قول ثبت صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بنيه. ولم يدرجوا إلا على تصديق ما يقولون ويصح عنهم، لأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، ولأن الأئمة ينقلون عنه بأمانةٍ مثلُها أمانةُ جبرائيل عليه السلام في نقله عن ربه عز وعلا … وهؤلاء كلهم كانوا يُنذرون بالحوادث والأحداث، ويصفون علاماتها حتى لكأنَّ المتتبَّع لها يضع إصبعه عليها حين تحدث. أو كأن النبي والأئمة كانوا ـ حين يتكلمون عن ظهر الغيب ـ تنحسر أمامهم الحُجب فينظرون ويصفون كمن يرى الأحداث ويعيشها ويحيا مشاهدها سواءً بسواء … وما أكثر ما حكوا لنا في هذا الموضوع!. بل ما أكثر ما وعدونا به، فكان الأمر كما حكوا وكما وعدوا. ثم ما أكثر الوقائع الفردية والجماعية التي بسطوها للناس قبل أوانها، فكانت كما بسطوا ووقعت كما رووا …..
أفلا ترى أن من أطاع الله أربعين يوماً تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه، كما هو المرويّ؟!. فكيف بمن كانوا مسدَّدين مؤيَّدين، محدَّثين مفهَّمين، لا ينطقون إلا بما يصدرون فيه عن رسول الله عن جبرائيل عن الله؟!. وقد قال إمامنا الصادق.
ـ إنه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى، ومن أخذ غيرها سلك طريق الردى. وقد وصل اللهُ طاعةَ وليّ أمره بطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ورسوله([1035]) …
فمن هو القائم المنتظر إذا أردنا أن ندخل البيوت من أبوابها؟
مما لا شك فيه أنه هو ذلك المولود من صُلب إمامنا العسكري الذي يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في كبد الجو. يدل على تعيينه بالذات الحديث الثابت الدال على أن الأرض لا تخلو من إمام معصوم، وأن إمام زماننا المعصوم مولود وموجود بشهادة المؤالف والمخالف، وأن الأمة ـ إذاً ـ متفقة على وجوده، ومتفقة ـ ضمناً ـ على عدم وجود غيره، رغم إنكار الوضَّاعين ومزيفي التاريخ …. فجميع الفِرَق الإسلامية متفقة ـ ثمَّ ـ على أن مهديًّا يظهر في آخر الزمان، من وُلْد فاطمة، لم يخالف أحد إلا في تعيينه بذاته لا بصفاته.
فإن قال معترض: إن كل الأخبار صحيحة، ولكنه لماذا كانت دالَّة على ابن العسكري دون غيره ممن يولدون من نسل فاطمة؟ نُجِبْ بأن الصفات ـ مجموعةً ـ لا تنطبق إلا عليه، ولا تتوفر إلا فيه، للنصوص المتواترة التي ميَّزته عن سائر من خُلق ومن يُخلق في المستقبل من نسل عبد المطلب سلام الله عليه وبني فاطمة، فضلاً عن تضييق الحلقة وحصره بنسل واحد بالذات كما رأيت … وما زالت النصوص كلها تنطبق عليه فلماذا نصرفها عنه إلى غيره؟. ثم هل يحتمل أن تتوفر في غيره مجتمعة؟. كلا، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى اسمه، وذكر نسبه، نعته فلم يدع حيرةً في أمره تصرفنا إلى التفكير في غيره.
وليس أغرب من أن نجد الدلالات متوفرة، ونجد من دلت عليه حاضراً ناظراً، ثم نعدل إلى التفتيش عن واحدٍ يمكن أن تتوفر فيه بعض الصفات لنقول: هذا هو!. ثم نقع في الخلاف فنقول: وُلِد أم لم يولد؟. فالقائم أُخفيت ولادته عن بعض عامة الناس لا خاصتهم حتى قالوا: لم يولد بعد، ذلك لكي يخرج وليس في عنقه بيعة لحاكمٍ ضالّ كما سترى، وقد كان ذلك كذلك لحكمة سنكشف للقارئ منها بعض زوايا المستطاع بإذن الله ….
وقد كتب هو عن نفسه في جملة كتاب طويل إلى أحمد بن إسحاق:
ـ …. ثم بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين، وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن من آياته وعلاماته ما بيَّن … ثم قبضه حميداً نقيًّا سعيداً، وجعل الأمر من بعد إلى أخيه وابن عمه ووصيّه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إلى الأوصياء من وُلده واحداً واحداً، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم الأدنين من ذوي أرحامهم فرقاناً بيّناً يُعرف به الحجة من المحجوج والإمام من المأموم، بأن عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من العيوب، وطهَّرهم من الدنس، ونزَّههم من اللبس، وجعلهم خُزان علمه ومستودع حكمته وموضع سرِّه، وأيدهم بالدلائل. ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادَّعى أمر الله عز وجل كل واحد، ولما عُرف الحق من الباطل، ولا العالم من الجالهل. حفظ اللهُ الحقَّ على أهله وأقرَّه في مستقرِّه …. وإذا أُذن لنا في القول ظهر الحقُّ واضمحلَّ الباطلُ وانحسرَ عنكم. وإلى الله أرغبُ في الكفاية وجميلِ الصُّنع والولاية([1036]).
(وبهذا كفاية في الجواب، فقد عُرف كل حجة منهم من المحجوج من غيرهم، وكان مؤيداً بالدلائل … وهو ـ أعني القائم ـ منهم. وسيكون حجة قاصمةً لكل من يدّعي أمر الله!…
بهذا علَّل الجواب لكل ذي بصيرة …
وقد وُلِد فعلاً، وكانت سنُّه يوم وفاة أبيه خمس سنوات وأشهراً([1037])، فسلمه أبوه مواريث النبوّة والسلاح …. وكانت له هذه الغيبة التي محص الله بها المؤمنين، ثبتت بقول من شاهده وحادثه وعامله. وكان من غريب تصرّف عمه جعفر الكذّاب أن قسّم ميراثه وهو حيّ، مع علمه بوجوده، وذلك من أجل الدعوة إلى نفسه، تلك الدعوة المزورة التي باءت بالفشل الذريع والحمد لله كما سترى، لأنه كذاباً موارباً يسعى بقتله لدى السلطان بعد أن علم بولادته، ويسعى لنفسه بالإمامة لدى الناس والسلطان لما رأى كتمان مولده كأنه يريد اللعب على الحبلين …
فالقائم هو ابن العسكري عليه السلام وأمه العظيمة هي سيدة الإماء، أُمُّ ولدٍ ستعرف شيئاً هامًّا عن أصلها الشامخ وأرومتها الأصيلة الفذّة. وقد كانت ذرية أبيه منحصرة فيه، لم يخلَّف غيره فبالغ في ستره عن أعين الظالمين المتربصين به، خوفاً عليه من القتل الذي كانوا يضمرون له، وإن كانت مشيئة الله تحول دون ذلك كما سبق في علمه. ولكن والده حجبه كما هو مأمور، لأن الظالمين كانوا يومئذ غير مترددين في مولده كتردُّدنا البغيض الممقوت، بل كانوا على موعد مع ولادته، ينتظرونها ويعتقدون حدوثها، ويبذلون قصارى جهدهم للقبض عليه كما حصل وجرى، أي للقبض على مولود موجود ما شكُّوا في وجوده ـ كما شككنا ـ ولكنهم لم يصلوا إليه بتقدير من الله العزيز الحكيم لأنهم كانوا:
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾([1038]).
هذا هو الحجّة المنتظر، والقائم المنصور.
فهل تحددت هويّته في الذهن؟
هذا هو …. وألقابُه المعروفة من الأخبار القدسية: حجّةُ الله، والمهديُّ، وخاتمُ الأئمة، ومنقذُ الأمة، والمنتظر، والباعث، والوارث، والخلف الصالح، والقائم بالحق، والمظهر للدين، والباسط للعدل، وبقية الله في الأرض، وصاحب الزمان، وصاحب السيف، والمنتظر لدولة الإيمان([1039]).
ولا، ولن يشاركه في هذه الألقاب أحد، وهو مصداقها مفردةً ومجتمعة ليس إلاَّ.
وكُناه: أبو القاسم، وأبو عبد الله، وأبو جعفر، وذو الاسمين، وخلفُ محمد … معه راية الحق، من تبعها لحق ـ كما قال آباؤه ـ ومن تخلَّف عنها غرق([1040]) …. وهو ثاني عشر الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وعدنا به النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ونعته ووصفه فلا مجال لإنكاره إلا إذا أنكرنا الوحي برُمَّته. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه:
ـ سيُميت الله به كل بدعة، ويمحو كل ضلالة، ويُحيي كل سُنَّة([1041]).
وهو أيضاً: المنصور، والصاحب، والحجَّة، والخالص، وصاحب الدار، وصاحب الأمر، والمأمول، والتالي، والنائب، والبرهان، والباسط، والثائر، والمنتقم، والمؤيَّد، والسيد ، والجابرُ، والخازن …
قد أطلق عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده اسم: أمير الأمرة، وقاتل الفجرة، وأنه سيد في الدنيا والآخرة([1042]).
وقد سُئِل الصادق عليه السلام نسلِّم على القائم بإمرة المؤمنين؟. فقال: لا، ذاك اسمٌ سمَّاه الله أمير المؤمنين (عليًّا) لا يسمّى به أحد قبله ولا بعده إلا كافر!. قيل: كيف نسلم عليه؟. قال: السلام عليك يا بقية الله([1043])، ثم قرأ: ﴿بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾([1044]).
…. هذا هو بقيّة الله … فهل يحتاج إنسان إلى أكثر من هذه الإيضاحات ليعرفه؟!. لا، وكلاَّ.
2 ـ هكذا وَصَفُوهُ ….
….. فهَل كان ماثِلاً أمَامَهُم؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ المهديّ منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف([1045]). (ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم): عربيّ، والجسم جسمٌ إسرائيليّ([1046]). (أي أنه حنطي اللون مستقيم القامة أقرب إلى الطول منه إلى القصر …. وقال):
ـ وجهه كالدينار، أسنانه كالمنشار، وسيفُه كحريق النار([1047]). (فوجهه مستدير، وأسنانه مفلَّجة. وهو مهيب هيبة تأخذ بمجامع القلب لِمَا خلع الله تعالى عليه من سره السماوي، وقال جدُّه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في وصفه):
ـ المهديُّ طاووسُ أهل الجنة، عليه جلابيبُ النُّور([1048])!. (وقال صلى الله عليه وآله وسلم ينعت مظهره يوم خروجه المؤيَّد):
ـ كأنه رجل من شنوءة، عليه عباءتان قطوانيتان([1049]) …. (وشنوءة منطقة باليمن تُنسب إليها قبائل الأزد. وقطوان مكان بالكوفة ومكان بسمرقند. فالعباءتان كأنهما من صنع إحدى هاتين البلدتين … وقال صلى الله عليه وآله وسلم في وصف علاماته المميزة):
ـ …. أكحل العينين، كثّ اللحية، على خده الأيمن خال([1050]).
* * *
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
ـ المهديّ أقبل أجعد، هو صاحب الوجه الأقمر، والجبين الأزهر، صاحب الشامة والعلامة. العالم الغيور المعلم والمخبر بالآثار([1051]) …. (والأقبل هو أسود العينين الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه خشوعاً. والشامة هي الخال الذي على خده الأيمن، والعلامة الخاتم الذي بين كتفيه كخاتم النبوَّة. وقد رُوي أول هذا الحديث عن الصادق عليه السلام …. ثم قال أبو الحسن عليه السلام):
ـ ضخمُ البطن وكلُّها متقاربة، برَّاق الثنايا، عريض ما بين المنكبين([1052]).
(وقيل: أَزْيل الفخذين: أي بعيدٌ ما بينهما) في كتفه علائم نبوّة محمد.
(وقال):
ـ حَسَنُ الوجه، حسنُ الشّعر، يسيلُ شعرُه على منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته([1053]).
(وجاء عنه في بعض صفاته التي تُلفت النظر إلى تفرُّده بها لأنها معجزة تثبت كونه المهديّ):
ـ يومئ للطير فيسقط على يده، ويغرس قضيباً في الأرض فيخضرّ ويورق([1054]) …. وقال:
ـ سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، ويملك بينهم من هو غريب، وهو المهديّ، احمر الوجه، بشعره صهوبة (أي شُقرة في سواد) يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة، يُعْتَزَل في صغره عن أمه وأبيه([1055]) …..
(وقال عليه السلام أيضاً):
ـ يخرج رجلٌ من وُلْدي في آخر الزمان، أبيضُ مُشْرَبٌ حُمرة. مبدحُ البطن (واسعُها) عريضُ الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامةٌ على لون جِلْده، وشامةٌ على شِبْه شامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم([1056]).
قال الإمام الحسين عليه السلام:
ـ تعرفون المهديّ بالسّكينة والوقار، وبمعرفة الحلال والحرام، وبحاجة الناس إليه، ولا يحتاج إلى أحد([1057])!. (وقد رُوي بلفظه عن أمير المؤمنين عليه السلام مبدوءاً بقوله يعرف وليَّه بالتوسُّم … ولا نعرف متى كان وقت الحسين عليه السلام يتَّسع للحديث وبثّ الأخبار الشريفة في شيعته. لولا كونه مسؤولاً لا بد أن يقول كلمة الحق لمواليه؟!.
أما هذا النوع من المعرفة بالتوسُّم فمنحةٌ ربانية لجميع الأئمة عليهم السلام سترى التعليق عليها في غير هذا المكان، حيث أوضحنا ذلك وبيَّنَّا الوسائل التي وضعها الله تعالى بين أيديهم لتسهيل هذه الظاهرة وغيرها، وذكرنا أوصاف الإمام المعصوم عن طرقهم الصحيحة.
ولكننا نورد هنا ردّ أمير المؤمنين عليه السلام على ابن قدامةَ حين قال: لولا أنك أتممت الكلام لقُلنا: لا إله إلا أنت!. فقال):
ـ لا تعجب تهلكْ بما تسمع … نحن مربوبون لا أرباب، نكحنا النساء، وحمتنا الأرحام، وحملتنا الأصلاب. وعِلمُنا ما كان وما يكون وما في السماوات والأرضين بعلم ربّنا … فنحن بذلك اختصاصاً مخصوصون … نحن وابناي شُبَّراً وشبيراً وأمُّهما الزهراء، والأئمة فيها واحداً واحداً إلى القائم، من عينٍ شربنا وإليها وردنا … اسألوني واسألوا الأئمة من بعدي، فلم يخلُ منهم عصرٌ من الأعصار حتى قيام القائم …. فاشهدوا شهادةً أسألكم عند الحاجة: عليّ بن أبي طالب نورٌ مخلوق، وعبدٌ مرزوق، من قال غير هذا لعنه الله([1058])!.
(وقال عليه السلام بهذا المعنى):
ـ قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مربوبين([1059]). (ذاك أنه يعرف غُلُوَّ المغالين فيه الذين ابتُلوا بشيءٍ منه لا تتحمَّلُه عقولهم فقال):
ـ تغلو طائفةٌ من شيعتي حتى يتَّخذوني ربًّا!. وإني بريءٌ مما يقولون([1060]) …. (براءة الله ورسوله من المشركين … وفي هذا كفايةٌ لمن كان وراء الحقيقة والواقع، واقع أئمة الهدى، وأعلام التُّقى، وحُججِ الله على من في الدُّنيا ..).
* * *
قال الإمام الباقر عليه السلام:
ـ وجهه كوكبٌ درّي مشربٌ بحمرة([1061]).
(وقال):
ـ بالقائم علامات: داءُ الحزاز برأسه (القشرة) وشامةٌ تحت كتفه الأيسر. تحت كتفيه ورقة مثل الآس([1062]).
(وقال):
ـ في شعره قَطَط (أي: قِصَرُ وتجعُّد) أفرقُ الثنايا، أبلُجها، واضحُ الجبين([1063]). (ورُوي قريب منه عن الصادق عليه السلام …. وقال):
ـ مُشرفُ الحاجبين، غائر العينين من سهر الليالي، بوجهه أثر([1064]) …. (وهو الخالُ الذي على خدِّه الشريف).
* * *
قال الإمام الصادق عليه السلام:
ـ إنه من أعظم البليَّة أن يخرج إليهم صاحبُهم شابًّا، وهم يحسبونه شيخاً كبيراً([1065])!. (فخروجه في سن الشباب امتحانٌ لعقيدة الناس وابتلاءٌ لهم من حيث الثبات عليه … وقال):
ـ إن في صاحب الزمان شبهاً من يونس: رجوعه في غيبته بشرخ الشباب([1066]).
(وقال):
ـ حَسَنُ الوجه، آدمُ، أسمر، مُشرب بحمرة([1067]). (ووصفه باختصار في قوله):
ـ أزجّ، أبلج، أدعج، أعين، أشمُّ الأنف، أقنى أجلى([1068]).
(وقال):
ـ المهديُّ خاشعٌ لله كخشوعِ الزجاجة([1069]) …. (وقال عن شجاعته):
ـ إن القائم إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظرِ الشباب، قويًّا في بدنه، لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بالجبال تدكدكت صخورها، لا يضع يده على عبدٍ إلا صار قلبُه كزبُر الحديد([1070]).
(وذلك من شدة ما يبعث في قلب العبد من الإيمان به وبعقيدته ورسوخ إيمانه بالله، مضافاً إلى ما يقوّيه به من الدعاء له بالتسديد والتأييد …. وقال):
ـ ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق (اللاصق) بل مربوع القامة، مدوَّر الهامة، واسع الصدر، صلت الجبين (بارزه) مقرون الحاجبين، على خده الأيمن خال كأنه فُتات المسك على رضراضة العنبر([1071])!.
(وقال):
ـ إن أبي ـ أي الباقر عليه اسلام ـ لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت تسحب على الأرض. وإني لبستها فكانت وكانت (أي كانت تختلف قليلاً في القصر أو الطول) وإنها تكون من القائم مشمَّرةً كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنه يرفع نطاقها بحلقتين([1072]).
* * *
قال الإمام الرضا عليه السلام:
ـ هو شبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه السلام عليه جلابيب النور تتوقَّد بشعاع القدس. موصوفٌ باعتدال الخلق ونضارة اللون. يشبه رسول الله في الخُلُق([1073]). (وقد كان الإمام الرضا عليه السلام يفيض حسناً وجمالاً وهيبة، حتى أنه كان يخرج مجلَّلاً لئلا يفتتن الناس بحسنه وهيبته … وقال):
ـ علامته أني يكون شيخ السنّ، شابَّ المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبُه ابن أربعين سنة أو دونها. وإن من علامته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي عليه حتى يأتي أجلُه([1074]). (وروي عن الصادق عليه السلام قريب منه … وأتمَّ الرضا وصفه بقوله):
ـ المهديّ خاشع لله كخشوع النسر لجناحه([1075]).
(وقال):
ـ يكون أولى بالناس من أنفسهم، وأشفق عليهم، من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعاً لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه([1076]) ….
(ثم قال):
ـ دلالتُه في خُصلتين: في العلم واستجابة الدعوة. وكل ما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها، فذلك بعهدٍ معهود إليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توارثه عن آبائه عنه عليه السلام([1077]).
* * *
قال كعبُ الأحبار:
ـ إن القائم المهديّ من نسل عليّ، اشبه الناس بعيسى ابن مريم خَلْقاً وخُلْقاً وسيماء وهيبة. يعطيه الله عز وجل ما أعطى الأنبياء ويزيده ويفضّله([1078]).
(وقال محيي الدين بن العربي):
ـ يشبه رسول الله في الخلق، وينزل عنه في الخُلُق، إذ لا يكون أحدٌ مثل رسول الله في أخلاقه([1079]).
* * *
(وهكذا فإن الحجّة، عجّل الله تعالى فرجه، معيَّن بذاته وصفاته، لا يمكن أن يشك فيه أحد حين ظهوره. إذ لا بد أن تجتمع فيه الخلال التي نعته بها آباؤه وواصفوه ممن رأوه خَلَّةً خَلَّة بلا استثناء. ولذلك قال ابن حجر في مجال حديثه عن المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان:
ـ إن المهدي المنتظر واحدٌ لا تعدُّد فيه([1080]). (وقال ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة أيضاً):
ـ لو لم يكن في الآتِينَ ـ أي في نسل عليٍّ وفاطة عليهما السلام ـ إلا الإمام المهديّ لكفَى([1081])!.
ويدل عليه إلى جانب الصفات، كلُّ ما يسبق عهد ظهوره وكلُّ ما يرافقه من علامات مميَّزة ستراها مفصلة تفصيلاً لم يسبق له مثيل، لم يألُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الأئمة عليهم السلام جهداً عن التلميح إليها مرة، والتصريح بها ثانية، كيلا يلتبس الأمر على أحد، وبحيث لا يمكن أن يتفق لواحد أن يجمع كافة الصفات الجسدية والخُلقية غيره، إلى جانب البيعة وعدد الأنصار، ومكان الخروج، ويوم الظهور وغير ذلك مما يختص به دون سواه.
والصفة الواحدة مما ذكرنا، أو بعض الصفات، إذا كانت في واحدة من الناس لا تكفي لأن تكوّن حيثياتٍ للحكم بكونه المهديّ، مضافاً الى اسمه واسم أبيه وأمه، وتعيين أسرته، وظروف ولادته، والصورة الخاصة التي تكون عليها حياته المديدة … على أن النداء باسمه ـ بغير الواسطة الأرضية كالإذاعات ووسائل الإعلام ـ يفوق كل دليل عليه … ونحن نختصر جميع الإشكالات بما قاله الصادقان عليهما السلام في حديث مفصِّل مقنع ستقع عليه عين القارئ في مورده:
ـ … إنَّ أمرنا أبْيَنُ من هذه الشمس([1082])!
فهو يدل على نفسه بنفسه … لم تؤثر عوامل تعاقب الزمان في بُنيته الشريفة، فيخرج على الناس كما قال جده وآباؤه صلوات الله عليهم:
عليه جلابيب النور تتوقد بشعاع القدس.
فيكون رحمة للمؤمنين، وعذاباً على الكافرين.
ينجي الله به من الضلالة، ويُبرئ من العمى، ويشفي من المرض، ويكون منصوراً بالرعب، مؤيِّداً بالنصر.
قد فتح الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم يختم به ….
…. بيده عصا موسى التي تصنع العجائب وتفلق البحر، وخاتم سليمان، وتابوت السكينة الذي يفعل ما لا تفعله القنابل الهيدروجينية، وبيده جملة مواريث الأنبياء!!!
…. وهو ـ بعدُ ـ أكثر الناس علْماً وحلماً([1083]) …
لأن الأئمةُ أحلمُ الناس صِغاراً، وأعلمهم كباراً لا تُعلّموهم فإنّهم أعلمُ منكم([1084]).
والله القادر على أن يجمع في الصبيّ كل شروط الرسالة من وعي واستيعاب وتبليغ فصيح كما فعل بيحيى وعيسى عليهما السلام وهما في المهد، قادرٌ على أن يجعل للقائم بالعدل أكثر مما ذكرناه يا أولي الألباب!.
هذا وقد عرَّف الإمام الرضا عليه السلام إمام الناس بحديثٍ طويلٍ مرَّ شيءٌ منه، وهذا شيءٌ:
ـ …. يكون أعلمَ الناس، وأحكمَ الناس، وأتقَى الناس، وأحلمَ الناس، وأسخَى الناس، وأعبَدَ الناس … ويَرَى مَنْ خلْفَه كما يَرَى مَن بين يدَيه، ولا يكون له ظِلّ … وتنامُ عيناه ولا ينام قلبُه، ويكون محدَّثاً … وتكون رائحته أطيبَ من رائحة المسك …. ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنَّه لو دعا على صخرة لانشقَّتْ بِنِصْفَين. إلخ([1085]) …
- () لقد أرخ الشيخ إبراهيم يحيى مقتل الشيخ ناصيف النصار بهذه الأبيات:قتل ابن نصار فيا لله منمولى شهيد بالدماء مضرج
هي دولة عمّ البلاد الظلم فيها
من فاجر أو غادر أو أهوج
وتداولتنا بعده أيدي العدى
تاريخها الله خير مفرج
↑ - () ذكر الحادثة المؤرخ الفرنسي (لكروا) في تاريخه من الصفحة 174. ↑
- () ضبطت الدولة بعد معركة يارون الأملاك وكانت كثيرة منها جفتلك رأس العين وقسم كبير من بساتين صيدا وأبنية كثيرة ومطاحن وبساتين من الزيتون لا تحصى. ↑
- () حيدر شهاب وطنوس الشدياق. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () ن.م. ↑
- () الزين. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () لعله يقصد قلعة مارون التي كانت مركز آل علي الصغير وهي قرب سلعا. ↑
- () هو والد ناصيف النصار. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () الشيخ سليمان ظاهر. ↑
- () جورج ليني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () الفقيه. ↑
- () العرفان. ↑
- () المخطوط المتقدم ذكره. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () لاكروا. ↑
- () العرفان. ↑
- () مخطوط الظاهر المتقدم ذكره. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ميخائيل الصباغ. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () يوسف الدبس. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () مر بعض الحديث عنها في بحث (كفر رمان). ↑
- () محمد جابر. ↑
- () المقتطف. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () عيسى المعلوف. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () فولتي. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () تاريخ ظاهر العمر. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () ن.م. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () العقد المنضد ويروى أن ناصيفاً بكى في هذه اللحظة لأن مروءته منعته من الاقتصاص من النساء والأطفال، وبالتالي حالت بينه وبين الثأر لأخيه. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () مخطوطة الظاهر. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () مخطوطة الظاهر. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () العقد المنضد. ↑
- () الفقيه ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () ن.م. ↑
- () ميخائيل مشاقة. ↑
- () العرفان. ↑
- () دواني القطوف. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ولبنان في عهد الأمراء ومشهد العيان. ↑
- () العرفان. ↑
- () جرجي بني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () خطط جبل عامل. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () جرجي بني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () المقتطف. ↑
- () تاريخ ظاهر العمر. ↑
- () بني. ↑
- () المقتطف. ↑
- () إدوار ربنسون. ↑
- () عارف الزين. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () فرنسوا فولني. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () المقتطف. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () سوريا ولبنان وفلسطين. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () خطط جبل عامل. ↑
- () عصر حمد المحمود. ↑
- () ن.م. ↑
- () المشهور أن نوبخت بضم النون والظاهر أن هذا معرّب وبخت بفتح النون وهو لفظ فارسي مركب معناه جديد البخت والطالع وقال السمعاني: النوبختي بضم النون أو فتحها وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفي آخرها التاء المنقوطة من فوقها باثنتين، هذه النسبة إلى نوبخت وهو اسم لبعض أجداد أبي محمد الحسن بن الحسن بن علي بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (13/ 189 ـ 190) وانظر أيضاً: ابن الأثير، الجزري، اللباب في تهذيب الأنساب 3/ 328؛ ابن طاوس، فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، النجف، 311 ـ 312. ↑
- () المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب، باريس، 1874م، 8/290؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، دار الكتاب العربي، 1/ 67؛ أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية، حققه إدوارد زاخائو، 1923م، ص 270؛ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت دار سويدان 7/ 632، 648. ↑
- () من مدائحهم بعلم النجوم ما مدحهم به ابن الرومي وأفرط على عادة الشعراء فقال:أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن شاهدوا السماء علواً
يترقى في المكرمات الصعاب
ساوروها بكل علياء حتى
بلغوها مفتوحة الأبواب
راجع عن هذه الأبيات: فرج الهموم في تاريخ علماء النجوم، لابن طاوس: النجف، 1368. ↑
- () المفيد، أوائل المقالات، 1 ـ 2. ↑
- () أنوار الملكوت، ص 2. ↑
- () رياض العلماء، 6/38. ↑
- () نفس المصدر وانظر قول السيد محسن الأمين في اعيان الشيعة، 2/ 374. ↑
- () الشيعة وفنون الإسلام، 69؛ تأسيس الشيعة، 346 ـ 365. ↑
- () الكنى والألقاب، 1/ 94 ـ 95. ↑
- () خاندان نوبختي، 167. ↑
- () أنوار الملكوت، «و» مقدمة. ↑
- () 2/ 184، 186. ↑
- () ص 226 ـ 227؛ خاندان نوبختي، 170. ↑
- () رياض العلماء، 6/ 38. ↑
- () تأسيس الشيعة، 365 ـ؟ 365. ↑
- () البخلاء، ص 105. ↑
- () يرتعي: يأكل. ↑
- () الحمض: ما كان فيه ملوحة. ↑
- () الخلة: خلاف الحمض. ↑
- () الوشي: الثوب المرقوم. ↑
- () خاندان نوبختي، 168 ـ 170. ↑
- () فؤاد سزجين، تاريخ التراث العربي، / (3) 295 ـ 296؛ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، 3/ 328 ـ 329. ↑
- () الذخيرة، 114، قال السيد المرتضى: «قالوا: إن الحي الفعال هو الذات من الذوات، ليست بجوهر متحيز ولا حال ولا عرض في هذه الجملة وإن كان يفعل فيها ويدبرها ويصرفها وهذا المذهب محكي عن معمر واليه كان يذهب ابنا نوبخت». ↑
- () هذا البحث بقلم إيرج أفشار. ↑
- () صلاهيج: جمع صَلْهَج وهي الصخرة العظيمة. ↑
- () إلى هنا ـ مما ذكره البلادي ـ هو نص عبارة ياقوت المنقولة في أعلاه، ولا أدري لماذا لم يشر البلادي إلى ذلك؟ ↑
- () يقال: (جبل واعر) لصلابة وحزونة مرتقاه، ولعل التسمية أخذت من هذا. ↑
- () الوسائل: الباب الأول من المواقيت. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: مجموعة (الحج) إعداد الشيخ علي أصغر مرواريد ط 1. سنة 1406هـ. ↑
- () لم أذكر أرقام الصفحات من هذه الكتب المنقول منها لأن موضوع المنقولات معلوم وهو (المواقيت). ↑
- () الشعر والشعراء 390 ط بريل ـ ليدن 1902م. ↑
- () كانت اليمن تسمى عند قدماء الحميريين الخضراء، لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها واخضرار جبالها وحقولها وانتشار مروجها وإدرار خيراتها. قال شاعرهم الحميري:هي الخضراء فانظر في رباهايخبرك اليقين المخبرونا
ويمطرها المهيمن في زمان
به كل البرية يظمؤونا
وفي أجبالها عز عزيز
يظل لها الورى متقاصرينا
وأشجار منورة وزرع
وفاكهة تروق الناظرينا
وقدماء اليونان والرومان يطلقون عليها اسم «البلاد السعيدة». ↑
- () عدن: ميناء هام يطل على المحيط الهندي وتوجد فيها سدود وآثار قديمة في الطويلة وفي جبل شمسان وجبل حديد وفي حُقات، وتتكون عدن من عدد من المدن المتصل بعضها ببعض وهي: كريتر عدن، المعلا، التواهي، مدينة الشعب، البُريقة، خور مكسر، والشيخ عثمان. ↑
- () الجوف: اسم وادٍ وبلاد واسعة تقع في شرقي اليمن إلى الشمال من مدينة مأرب ومركزها يسمى «الحزم». وبها توجد الكثير من الآثار التاريخية لحضارة دولة معين. ↑
- () كوكبان: تقع إلى الشمال الغربي من مدينة صنعاء ويحدها شمالاً ثلاء، وجنوباً الحيمة الداخلية، وشرقاً همدان، وغرباً الطويلة، ومن أشهر مدنها كوكبان وشبام. ↑
- () زبيد: مدينة يمينة ذات تاريخ سياسي وعلمي عريق، تقع في سهل تهامة إلى الجنوب من ميناء الحديدة. ↑
- () بيت الفقيه: تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة الحديدة ـ وتشتهر بصناعة الأقمشة اليدوية، وهي مشهورة منذ القدم بصناعة السجاد واللحافات وصناعة الصيغ الفضية والذهبية … ونسبة بيت الفقيه إلى الفقيه أحمد بن العجيل الذي عاش في القرن السابع الهجري. ↑
- () شبوة: مدينة من مدن حضرموت، كانت قديماً عاصمة لدولة حضرموت، وتقع إلى الجنوب الغربي من مدينة شبام حضرموت. ↑
- () البيضاء: مدينة تقع في الجنوب الشرقي من (محافظة) البيضاء على مقربة من مُكيرس من بلد العواذل. ↑
- () نظم فوزليه ـ موسيقى برنيه. ↑
- () شهارة: تقع في الشمال الشرقي من محافظة حجة ومركزها مدينة شهارة التي تقبع في مرتفع حصين يبلغ ارتفاعه 2510 متر تقريباً. ـ ومن جبال شهارة جبلان معروفان من جبال الأهنوم يقال لأحدهما شهارة الفيش، والآخر شهارة الأمير (نزهة النظر، ص: 52) وقد ذكرت شهارة في معجم البلدان، م 3، ص: 374. ↑
- () همدان: يطلق هذا الاسم حالياً على المنطقة المجاورة لصنعاء يحدها شمالاً عيال سريح، وجنوباً بلاد البستان (بني مطر)، وشرقاً بني الحارث وأرحب وغرباً قضاء كوكبان. ↑
- () إن نقطة الخلاف عندهم هي: هل هم من حاشد أم من بكيل ولا يعرف عندهم خلاف في كونهم من الأزد. ↑
- () القاضي نشوان هو أبو الحسن بن سعيد الحميري له مؤلفات مشهورة منها شمس العلوم في اللغة العربية وهو دائرة معارف مرتبة حسب الحروف الأبجدية وقد اختصره ابنه علي بن نشوان في كتاب سماه «ضياء الحلوم» وللقاضي أيضاً رسالة أدبية طريفة اسمها «الحور العين» وقصيدة في ملوك حمير مطلعها:الأمر جد وهو غير مزاحفاختر لنفسك صالحا يا صاح
وشرحها. وتوفي سنة 573هـ. ↑
- () البيت بتمامه في سيرة ابن هشام هكذا:النسب المعروف غير المنكرفي الحجر المنقوش تحت المنبر
↑ - () المرباع ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية، والرباعة الرياسة وحسن الحال. ↑
- () [818م]. ↑
- () [819م]. ↑
- () [856م]. ↑
- () [901م]. ↑
- () [1000م]. ↑
- () عثر بفتح العين المهملة وسكون المثلثة وبفتحها مشددة مخلاف مشهور في أقصى تهامة الشمالية كان به معدن ذهب. ↑
- () [1011م]. ↑
- () بنو يعفر من ذرية ذي حوال الحميري وقد اتخذوا عاصمة لملكهم مدينة شبام في أسفل جبل ذخار التي يطل عليها قصر كوكبان وقد ضرب يعفر بن عبد الرحيم على هذه المدينة سوراً عندما حاربه عمال بني العباس أيام المعتصم والواثق والمتوكل الذين كان منهم منصور بن عبد الرحيم التنوخي وهرثمة بن الشير وجعفر بن دينار الخياط وقد هزمهم جميعاً وردهم على أعقابهم كما ذكر ذلك الهمداني في «صفة الجزيرة» وفي الجزء العاشر من «الإكليل». ↑
- () [839م]. ↑
- () [861م]. ↑
- () [878م]. ↑
- () تقع زبيد في سهل تهامة إلى الجنوب من الحديدة. ↑
- () [1060م]. ↑
- () [1088م]. ↑
- () [1104م]. ↑
- () [1109م]. ↑
- () [1160م]. ↑
- () [1163م]. ↑
- () اختلف المؤرخون في تاريخ ظهور علي بن محمد الصليحي كما اختلفوا في تاريخ قتله وقد ذكرنا الراجح من الأقوال. ↑
- () [1047م]. ↑
- () [1052م]. ↑
- () [1056م]. ↑
- () [1065م]. ↑
- () [1091م]. ↑
- () [1098م]. ↑
- () [1137م]. ↑
- () [1074م]. ↑
- () [1092م]. ↑
- () [1100م]. ↑
- () [1155م]. ↑
- () [1164م]. ↑
- () [1098م]. ↑
- () [1038م]. ↑
- () [1155م]. ↑
- () [1172م]. ↑
- () [1173م]. ↑
- () [1164م]. ↑
- () صبيا: من المدن الرئيسية في ساحل المخلاف السليماني وتقع إلى الشمال من جيزان بمسافة 40 كيلومتراً. ↑
- () [1180م]. ↑
- () [1183م]. ↑
- () تعز: اسم مدينة يمنية تقع شمالي جبل صبر، واسم محافظة خصبة تضم مجموعة من النواحي والقضوات هي المخا، وموزع، والوازعية، وقضاء الحجرية الذي يضم ناحية جبل حبشي، وتربة المواسط، وتربة الشمائنين، والمقاطرة، والصلو، والقبيطة، ودمنة خدير، وقضاء ماوية، والتعزية وتضم ناحية السلام، وشرعب، ومقبنة، إضافة إلى تعز قاعدة المحافظة وصبر الجبل المشهور. ↑
- () [1193م]. ↑
- () [1201م]. ↑
- () [1215م]. ↑
- () [1222م]. ↑
- () [1226م]. ↑
- () [1237م]. ↑
- () [1228م]. ↑
- () [1235م]. ↑
- () [1249م]. ↑
- () [1294م]. ↑
- () [1295م]. ↑
- () [1296م]. ↑
- () [1321م]. ↑
- () [1341م]. ↑
- () [1350م]. ↑
- () [1351م]. ↑
- () [1362م]. ↑
- () [1376م]. ↑
- () [1400م]. ↑
- () [1425م]. ↑
- () [1426م]. ↑
- () [1438م]. ↑
- () [1441م]. ↑
- () [1454م]. ↑
- () [1465م]. ↑
- () [1478م]. ↑
- () [1488م]. ↑
- () [1501م]. ↑
- () [1515م]. ↑
- () [1517م]. ↑
- () [1515م]. ↑
- () هو آخر ملوك الجراكسة بمصر وهم المماليك البحرية وسموا بهذا الاسم لأنهم كانوا يسكنون جزيرة الروضة بالنيل وكان أولهم السلطان برقوق وقد حكموا مصر مائة وعشرين سنة وكان يحكمها قبلهم المماليك التركية اللذين خلفوا الدولة الأيوبية. وسبقت الإشارة إليهم في الفصل التاسع. ↑
- () كتاب: اليمن، الإنسان والحضارة ص 249 ـ 250. ↑
- () الغري: من أسماء النجف حيث مدفن علي عليه السلام. ↑
- () عمرو بن ود العامري. ↑
- () عمرو بن معدي كرب. ↑
- () المشرفيّ: السيف المنسوب إلى «مشارف» قرية باليمن. ↑
- () «ما تلا فينا»: ما قرأ من أخبار المجد والرفعة في تاريخنا و«لافينا» في ما أنت «لافينا». ↑
- () من لَفِيَ يلفَى: لغة صنعانية بمعنى أدرك؛ أي لن تدركنا.تلافي الأمر: تداركه، والتلافي: الإدراك وقد تلاعب في البيتين بالألفاظ. ↑
- () بتصرُّف كبير، عن: مقدمة السيد كاظم الحائري على كتابه (مباحث الأصول) ص 33 ـ 41، وحديث المعالم نشرته مجلة (صوت الأمّة) / العدد 13 ـ السنة الثانية / رجب/ 1401هـ. أما الطالب المتحدّث فهو الأستاذ محمد علي الخليلي، صاحب كتاب (هكذا عرفتهم). ↑
- () من كلام السيد محمَّد باقر الصدر/ النعماني: 43. ↑
- () هو صاحب كتاب «صلح الحسن» ومؤلَّفات أُخرى. ↑
- () الحائري/ مصدر سابق: 28، محمد رضا النعماني/ الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار: 38. ↑
- () راجع سيرهم في مقدمة مباحث الأصول (مصدر سابق): 16 ـ 32، والنعماني/ مصدر سابق: 27 ـ 40. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 44. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 41 ـ 42. ↑
- () كاظم الحائري/ مصدر سابق: 30، محمد الحسيني/ الإمام الصدر سيرة ذاتية: 57 ـ 58 ـ بحث في كتاب (محمد باقر الصدر دراسات في حياته وفكره) لنخبة من الباحثين ـ دار الإسلام ـ ط 1، 1416هـ ـ 1996م. ↑
- () محمد الحسيني/ مصدر سابق: 51. ↑
- () حنّا بطاطو/ العراق 1: 204 ـ ترجمة عفيف الرزّاز، مؤسَّسة الأبحاث العربية ـ ط 1 ـ 1990م. ↑
- () سليم الحسني/ رؤساء العراق (1920 ـ 1958): 345 ـ 353، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1 ـ 1413هـ ـ 1992م. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 44. ↑
- () محمد الحسيني/ الإمام الصدر ـ سيرة ذاتية (مصدر سابق): 88، صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية. ↑
- () صلاح الخرسان (مصدر سابق). ↑
- () صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية. ↑
- () عن واحدة من معالم جدِّيته ودقَّته في البحث يتحدَّث تلميذه السيد محمود الهاشمي قائلاً: في الوقت الذي كان فيه الشهيد مشغولاً بكتابة «اقتصادنا» بلغه صدور ترجمة عربية لكتاب وِل ديورانت «قصة الحضارة» فطلب منّا السعي للحصول عليه بأسرع وقت قائلاً: «كيف أرد على نظرية تدَّعي أنّها قائمة على سرّ تاريخ البشرية، فيما قد يكون هناك أمر مهمٌّ في أحوال المجتمعات ومعاملاتها الاقتصادية لم أطَّلع عليه؟» فعلمنا أن شيخاً معروفاً قد اقتنى نسخة منه، وكان عزيزاً نادراً، فكلَّمناه، فلم يستجب لطلبنا، فاتّصل به السيد الشهيد وبعد إلحاحٍ شديدٍ أعاره إيّاه لمدّة أُسبوع واحدٍ فقط، فعكف الشهيد أُسبوعه ذلك على أجزاء الكتاب الثلاثة والأربعين حتى طواها بأكملها وأعاد الكتاب إلى صاحبه في موعده دون تأخير. (محاضرةٍ للسيد محمود الهاشمي ألقاها في مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، في شوال 1420هـ). ↑
- () ملاّ أصغر علي جعفر/ الحياة السياسية للإمام الصدر ـ هاشم 27 ـ بحث في كتاب (محمد باقر الصدر ـ نخبة من الباحثين: 512). ↑
- () السيد كاظم الحائري، مصدر سابق: 92. ↑
- () المصدر نفسه: 92 ـ 100. ↑
- () أنظر: الصدر/ فلسفتنا: 51 ـ 60. ↑
- () م.ن: 61 ـ 62. ↑
- () م. ن: 141. ↑
- () انظر: فلسفتنا: 66، 73. ↑
- () فلسفتنا: 143 ـ 144 باختصار. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأسس المنطقية للاستقراء: 6. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 85. ↑
- () م. ن: 13. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 436 ـ 437. ↑
- () م. ن: 433. ↑
- () م. ن: 434 ـ 436. ↑
- () م. ن: 451 ـ 467. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 469. ↑
- () السيد عمَّار أبو رغيف/ نظرية المعرفة في ضوء الأُسس المنطقية للاستقراء ـ مجلة المنهاج ـ العدد 17: 133. ↑
- () الأُسس المنطقية للاستقراء: 469. ↑
- () موجز في أُصول الدين: 129 ـ 130، تحقيق عبد الجبَّار الرفاعي. ↑
- () موجز في أُصول الدين: 148. ↑
- () م. ن: 181. ↑
- () م. ن: 192. ↑
- () المدرسة القرآنية: 100 ـ م 13. ↑
- () م. ن: 87. ↑
- () م. ن: 89. ↑
- () المدرسة الإسلامية: 94 ـ م 13. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 35 ـ 123. ↑
- () م. ن: 43. ↑
- () م. ن: 33. ↑
- () بتفصيلٍ مناسب: عبد السلام زين العابدين/ الإمام الشهيد الصدر من فقه النصّ إلى فقه النظرية ـ مجلة قضايا إسلامية ـ العدد 1: 89 ـ 98، وعبد الجبَّار الرفاعي/ منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي: 117 ـ 127، سلسلة رواد الإصلاح ـ الكتاب الأوَّل ـ مؤسَّسة التوحيد للنشر الثقافي ـ ط 1 ـ 1418هـ. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد، من كتاب «الاجتهاد والحياة حوار على الورق» محمد الحسيني: 154، والموضوع منشور ضمن سلسلة (اخترنا لك) الصادرة عن دار الأضواء، صدرت طبعته الرابعة سنة 1991، وكان قد نشر لأول مرَّة في مجلة الأضواء. ↑
- () عمر عبيد حسنة. كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟: 63. ↑
- () الشيخ محمد الغزالي. كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟ 64 ـ 65. ↑
- () الشهيد الصدر ـ الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد. مقالة أعيد نشرها في كتاب الاجتهاد والحياة ـ حوار محمد الحسيني: 154. ↑
- () د. مصطفى البغا، د. وهبة الزحيلي. الاجتهاد والحياة: 61، 78. ↑
- () د. إسماعيل راجي الفاروقي/ الاجتهاد والإجماع كطرفي الديناميكية في الإسلام ـ مقال في مجلة المسلم المعاصر. العدد 9 ص 10 … ↑
- () د. جمال الدين عطية. مجلة المسلم المعاصر ـ العدد 6، ص 9. ↑
- (5) د. إسماعيل راجي الفاروقي. مجلة المسلم المعاصر ـ العدد 9. ص 5، 8. ↑
- () الاجتهاد والحياة ـ حوار على الورق: 14 ـ 15. ↑
- () م. ن: 157. ↑
- () البنك اللاربوي في الإسلام: 9 ـ 10، المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () محمد باقر الصدر/ اقتصادنا: 382 ـ 397، المجلد 10 من المجموعة الكاملة. ↑
- () مرتضى مطهري/ الاجتهاد في الإسلام: 27 ـ ترجمة جعفر صادق الخليلي ـ بعثت ـ طهران، المشهد الثقافي في إيران/ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة: 335 ـ إعداد عبد الجبار الرفاعي ـ دار الهادي ـ ط 1 ـ 1422هـ ـ 2001م. ↑
- () م. ن: 39 ـ 396. ↑
- () الفهم الاجتماعي للنصّ، كتاب الاجتهاد والحياة: 264. ↑
- () م. ن: 163 ـ 164. ↑
- () محمد باقر الصدر/ اقتصادنا: 165. ↑
- () الصدر/ الفهم الاجتماعي للنصّ في فقه الإمام الصادق عليه السلام ـ كتاب الاجتهاد والحياة، مصدر سابق: 263 ـ 264. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: ص 45. ↑
- () سورة النساء، الآية: 58. ↑
- () سورة النحل، الآية: 90. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 85. ↑
- () علاّل الفاسي/ مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: 47 ـ دار الغرب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1993م. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 49. ↑
- () الشيخ شمس الدين/ حديث في كتاب الاجتهاد والحياة: 16 ـ 17. ↑
- () السيد فضل الله / كتاب الاجتهاد والحياة ـ حوار محمد الحسيني: 48 ـ 49. ↑
- () الشيخ الصدوق/ علل الشرائع: الباب 181. ↑
- () راجع ذلك كله في مادة (علل) من كتاب الذريعة ـ للشيخ الطهراني. ↑
- () أنظر د. أحمد الريسوني/ نظرية المقاصد عن الشاطبي. ↑
- () أنظر هذه الكتب في مواضعها من (الذريعة). ↑
- () الشيخ شمس الدين/ كتاب الاجتهاد والحياة حوار على الورق: 24. ↑
- () المصدر نفسه: 210، 220. ↑
- () المصدر نفسه: 210. ↑
- () السيد فضل الله/ المصدر نفسه: 36. ↑
- () المصدر نفسه: 48. ↑
- () الإسلام يقود الحياة ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي: 51 ـ 52، وانظر أيضاً الصفحات: 64، 95، 97. ↑
- () م. ن: 52. ↑
- () محمد مهدي الآصفي/ حديث في كتاب (الاجتهاد والحياة) مصدر سابق: 141 ـ 142. ↑
- () محمد الغزالي/ السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 33 ـ دار الشروق ـ ط 11 ـ 1996م. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 37 ـ 38. ↑
- () م. ن: 38 ـ 39. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () اقتصادنا: 398. ↑
- () المدرسة القرآنية: 38 ـ م 13 من المجموعة الكاملة. ↑
- () انظر: اقتصادنا: 367 ـ 369. ↑
- () اقتصادنا: 373 ـ 374. ↑
- () أنظر: محمد مهدي شمس الدين/ الاجتهاد والتقليد: 160 ـ المؤسسة الدولية، ط 1، 1419هـ ـ 1998م. ↑
- () أنظر: اقتصادنا: 681 ـ 683. ↑
- () أنظر: محمد مهدي شمس الدين/ الاجتهاد والتقليد: 160. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 48. ↑
- () أنظر: اقتصادنا: 378 ـ 379 و680، الإسلام يقود الحياة: 49 ـ 55. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 43. ↑
- () م. ن: 44. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 44. ↑
- () محمد مجتهد شبستري، بحث حول التجديد في الفقه/ المشهد الثقافي في إيران: 364 ـ إعداد عبد الجبار الرفاعي ـ ط 1. ↑
- () اقتصادنا: 30 ـ 31 (مقدَّمة الطبعة الأولى) وقد شملت هذه الأبحاث الصفحات (277 ـ 729) من الكتاب. ↑
- () م. ن: 32 ـ 33. ↑
- () أبوالمجد حرك، ويوسف كمال، في كتابهما المشترك/ الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السُنَّة ـ قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا ـ دار الصحوة للنشر ـ القاهرة ـ 1408 ـ 1987. ↑
- () أبو المجد حرك، ويوسف كمال، في كتابهما المشترك/ الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السُنَّة ـ قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا: 106,71 ـ دار الصحوة للنشر ـ القاهرة ـ 1408 ـ 1987. ↑
- () أبو المجد حرك، ويوسف كمال، المصدر السابق: 64، أنظر: محمد الحسيني/ اقتصادنا من وجهة نظر مختلفة ـ مجلة المنهاج ـ العدد ـ 17 ـ ص 189 ـ 224. ↑
- () المدرسة القرآنية ص 45. ↑
- () الإمام الشهيد الصدر، علوم القرآن: 84 (كتاب علوم القرآن محاضرات ألقاها السيد محمد باقر الحكيم في كلِّية أُصول الفقه ببغداد ـ والفصول الأولى منه كتبها الإمام الشهيد الصدر). ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () مالك بن نبي/ الظاهرة القرآنية: 59. ↑
- () مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 59 ـ 60. ↑
- () د. محسن عبد الحميد، الفكر الإسلامي تقويمه وتجديده: 70 ـ 71. ↑
- () د. محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: 96، تراث الإنسانية 5: 45. ↑
- () أنظر: محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية. ↑
- () محمد رشيد رضا، المنار 1: 11. ↑
- () المصدر السابق، 1: 11. ↑
- () المصدر السابق، 1: 25. ↑
- () د. محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: 175. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 9. ↑
- () المصدر السابق 1: 10، 12. ↑
- () محمد رشيد رضا، تفسير المنار 2: 63 ـ 64. ↑
- () المصدر السابق، 2: 63. ↑
- () مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 59. ↑
- () المدرسة القرآنية: 31. ↑
- () المدرسة القرآنية: 33. ↑
- () اقتصادنا: 396. ↑
- () اقتصادنا: 396، وانظر أيضاً: المدرسة القرآنية: 38. ↑
- () المدرسة القرآنية: 35. ↑
- () المدرسة القرآنية: 30. ↑
- () المدرسة القرآنية: 30. ↑
- () المدرسة القرآنية: 36. ↑
- () المدرسة القرآنية: 34 ـ 35. ↑
- () المدرسة القرآنية: 35. ↑
- () المصدر السابق: 36 ـ 37. ↑
- () المصدر السابق: 31. ↑
- () المصدر السابق:34.(3) المصدر السابق: 35.(4) المصدر السابق: 39.
(5) المصدر السابق: 39. ↑
- () في الجزء الثاني من كتابه «الموافقات». ↑
- () اقتصادنا: 374 ـ 375. ↑
- () اقتصادنا: 376. ↑
- () المدرسة القرآنية: 159. ↑
- () اقتصادنا: 397. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 130. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 279. ↑
- () أنظر: علوم القرآن: 80 ـ 83 (من تحرير السيد الشهيد). ↑
- () اقتصادنا: 382 ـ 391. ↑
- () المدرسة القرآنية: 39 ـ 41. ↑
- () المصدر السابق: 35. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 39. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 133. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 7. ↑
- () سورة يونس، الآية: 14. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 29. ↑
- () سورة النساء، الآية: 5. ↑
- () اقتصادنا: 535 ـ 536. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 119 ـ 130. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 69. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 39. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 72. ↑
- () سورة ص، الآية: 26. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 40. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 34. ↑
- () سورة الإنسان، الاية: 3. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 38. ↑
- () سورة الانشقاق، الآية: 6. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 109. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية في القرآن الكريم: 71. ↑
- () سورة النحل، الآية: 61. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 59 ـ 60، والآية من سورة الأنفال، الآية: 25. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 76 ـ 77. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 61 ـ 62. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 63 ـ 64. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 64. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16 ـ 17. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 68. ↑
- () سورة آل عمران، الآيتان: 125 ـ 126. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الجن، الآية: 36. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 59. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 83 ـ 84. ↑
- () المدرسة القرآنية/ عناصر المجتمع في القرآن: 140 ـ 141. ↑
- () أنظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: 2: 241. ↑
- () أنظر: رسالته إلى الميرزا الشيرازي، في: أعيان الشيعة 4: 213 ترجمة جمال الدين الأفغاني. ↑
- () خير الدين التونسي/ أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: 50 ـ ط 1، تونس، 1284هــ. عن د. رضوان السيد/ سياسات الإسلام المعاصر: 284 ـ ط 1، دار الكتاب العربي، 1418هـ ـ 1997م. ↑
- () رفاعة الطهطاوي/ تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز: 155 ـ 157، عن د. رضوان السيد، مصدر سابق: 283. ↑
- () وجيه كوثراني/ مختارات سياسية من مجلة المنار: 97 ـ دار الطليعة، بيروت، 1980، د. رضوان السيد، مصدر سابق: 157، 262، يعود كلام رشيد رضا هذا إلى سنة 1907م. ↑
- () مقدمة أبي الحسن الطالقاني على كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للنائيني، والكتاب مع مقدمته أدخلها توفيق السيف في كتابه/ ضد الاستبداد، أنظر فيه ص 220.وأبو الحسن الطالقاني واحد من أبرز قادة الحركة الإسلامية في إيران، أصبح بعد الثورة عضواً في مجلس القيادة، وإماماً للجمعة في طهران، اغتاله المناوئون للثورة بعد عام واحد من نجاحها سنة 1980م، 1399هـ. ↑
- () أنظر: توفيق السيف/ ضد الاستبداد ـ الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة: 218. ↑
- () م. ن: 227، 229. ↑
- () م. ن: 232. ↑
- () م. ن: 233 ـ 234. ↑
- () م. ن: 237. ↑
- () م. ن: 237. ↑
- () يريد بقومية الأمة: هويتها، ووحدتها الوطنية. ↑
- () تنبيه الأمة، المصدر السابق: 246. ↑
- () م. ن: 247 ـ 254. ↑
- () م. ن: 254 وما بعدها. ↑
- () م. ن: 286. ↑
- () م. ن: 322 ـ 323. ↑
- () م. ن: 282. ↑
- () م. ن: 281. ↑
- () وهو قول أحدهم له: إذن لقوّمناك بالسيف، في قصتها المشهورة، وقد أوردها النائيني هنا، بعد قصة اعتراضهم على كسوته التامّة وجواب عمر على هذا الاعتراض. ↑
- () م. ن: 260 ـ 261. ↑
- () م. ن: 268. ↑
- () م. ن: 344. ↑
- () م. ن: 358. ↑
- () أنظر: «الإخوان المسلمون يقودون تظاهرات الحرية في آذار/ مارس 1954»/ مجلة الدعوة ـ العدد 83: 40 ـ 41. ↑
- () محمود شلتوت/ من توجيهات الإسلام ـ دار القلم، دون تاريخ، ص 538 ـ 569. ↑
- () م. ن: 560 ـ 561. ↑
- () م. ن: 561. ↑
- () م. ن: 558. ↑
- () م. ن: 558. ↑
- () م. ن: 563. ↑
- () م. ن: 568. ↑
- () م. ن: 551. ↑
- () م. ن: 564. ↑
- () د. سمير عالية/ نظرية الدولة وآدابها في الإسلام: 26، 29، 74 ـ 75، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1408 ـ 1988م. ↑
- () م. ن: 561 ـ 562. ↑
- () راجع في هذا كله: د. محمد عبد القادر أبو فارس/ حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها: 20 ـ 25، دار الفرقان، ط 1 ـ 1408هـ ـ 1988م. ↑
- () محمود شلتوت/ من توجيهات الإسلام: 562. ↑
- () هذه النقاط مقتبسة من: كتاب البيع، وكتاب الحكومة الإسلامية، للإمام الخميني، أنظر: محسن كديور/ نظريات الدولة في الفقه الشيعي/ مجلة قضايا إسلامية ـ العدد السادس 1419 ـ 1998 ـ ص 70 ـ 73. ↑
- () المصدر السابق: 73. ↑
- () م. ن: 75. ↑
- () محمد الصدر/ مسائل وردود 3: 8، كاظم الجابري/ ولاية الفقيه في فكر الصدر الثاني ـ بحث في كتاب رجل الفكر والميدان. ↑
- () م. ن: 3: 3. ↑
- () م. ن: 3: 11. ↑
- () محمد الصدر/ ما وراء الفقه 9: 67. ↑
- () حسن شبَّر/ العمل الحزبي في العراق: 36، 54، 75، دار التراث العربي ـ بيروت ـ ط 1ـ 1989م. حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 94 ـ دار الثقافة للطباعة والنشر ـ بدون تاريخ. ↑
- () حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 113 ـ 114. ↑
- () حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 119. ↑
- () مذكّرات السيد مهدي الحكيم: 38، صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية، حقائق ووثائق: 66. ↑
- () جريدة لواء الصدر ـ العدد 866 ـ جمادى الثانية 1419هـ ص 5. ↑
- () صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية، حقائق، ووثائق: 51. ↑
- () آية الله كاظم الحائري/ مصدر سابق: 90. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 213. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 13 ـ 14 ـ المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 14 المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () أنظر حديثه في مجلة (قضايا إسلامية) العدد الثالث ـ ص 250. ↑
- () أنظر: عادل رؤوف/ العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية. ↑
- () م. ن: 85. ↑
- () أنظر على الترتيب: صحيفة جمهوري إسلامي 19/1/1361هـ. ش/ (1982م)، الحائري/ مباحث الأصول: 87 صحيفة الجهاد ـ العدد 183 ـ 1 شعبان 1405هـ. ↑
- () أنظر: المشهد الثقافي في إيران ـ بحث السيد محمد مجتهد شبستري: 361 ـ 363. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () آية الله الحائري/ م. ن: 103. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية: 15. ↑
- () السيد محمود الهاشمي الشاهرودي/ نظرة جديدة في ولاية الفقيه ـ مجلة المنهاج ـ العدد 8 ـ ص 286. ↑
- () الحائري/ مباحث الأصول 1: 103، وستأتي منه نصوص مهمة تؤكدُ هذا المعنى. ↑
- () المجتمع عند هيجل هو الذي تجب حمايته، وأن وظيفة الفرد (الروح الذاتي) هي الخضوع للمجتمع الذي عبَّر عنه بـ (الروح الموضوعي). وهو يرى أنَّ اندثار الحضارات والامبراطوريات كان مردُّه الى خضوع الروح الموضوعي للروح الذاتي. محيي الدين إسماعيل/ تويني، منهج التاريخ وفلسفة التاريخ: 16 ـ الجمهورية العراقية ـ وزارة الإعلام ـ 1977م. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية. ↑
- () الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 151 ـ 152، المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () م. ن: 152 ـ 153. ↑
- () م. ن: 146. ↑
- () م. ن: 133. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 71. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 153 ـ 154 باختصارٍ قليل. ↑
- () م. ن: 154. ↑
- () السيد كاظم الحائري/ أساس الحكومة الإسلامية: 210 ـ مطبعة النيل ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1399هـ. ↑
- () أنظر الفصل الأول من كتاب (حوارات) إعداد محمد هادي. ↑
- () أنظر: محمد باقر الحكيم/ نظرية العمل السياسي عند الشهيد الصدر ـ مجلة المنهاج ـ عدد 17 ـ ص 235 ـ 239. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 135 ـ 136. ↑
- () م. ن: 133. ↑
- () الفتاوى الواضحة 1: 115. ↑
- () مجلة المنهاج ـ العدد 8: 298. ↑
- () مجلة المنهاج/ عدد 8: ص 298. ↑
- () م. ن: ص 299. ↑
- () وضع الشهيد الصدر للمرجعية الصالحة خمسة أهداف استراتيجية، أنظر: النعماني/ الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار: 166. ↑
- () م. ن: 167. ↑
- () م. ن: 171. ↑
- () سليم الحسني/ المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية ـ دراسة وحوار مع السيد فضل الله: 62. ↑
- () م. ن. ↑
- () م. ن: 65. ↑
- () م. ن: 72، 86. ↑
- () م. ن: 73. ↑
- () م. ن: 70، 84. ↑
- () حديث منشور في مجلة الوسط ـ العدد 116، 18/4/1998م، وانظر، عارف الصادقي/ المشروع السياسي عند الصدر الثاني ـ ضمن كتاب الصدر الثاني شهيد الإصلاح ـ مجموعة كتاب: 90 ـ 91. ↑
- () إشارة إلى أن هذا ارتكاز في ضمير الإنسانية، واعتقاد سائد عند أغلب شعوب الأرض، إذ هناك شعور قوي يخالج وجدان الإنسان بظهور المنقذ عندما تتعقد الأمور، وتتعاظم المحنة، وتدلهم الخطوب، ويطبق الظلم، وهو ما تبشر به الأديان، ويحكيه تاريخ الحضارات الإنسانية. راجع: سيرة الأئمة الاثني عشر/ هاشم معروف الحسني 2: 516 فيما نقله عن الكتب والمصادر، ومنها: نظرية الإمامة عند الشيعة/ الدكتور أحمد محمود صبحي. ↑
- () إشارة إلى معتقد الماركسيين وأمانيهم باليوم الموعود حيث ستسود الشيوعية ـ كما يعتقدون ـ آخر الأمر ويتوقف الصراع المرير استناداً إلى نظريتهم الشهيرة في المادية التاريخية. راجع: فلسفتنا/ الشهيد الصدر رحمه الله: ص 26 في عرض النظرية ومناقشتها. ↑
- () إشارة إلى الحديث الشريف المتواتر: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً». راجع: صحيح سنن المصطفى لأبي داود 2: 207، وراجع التاج الجامع الأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343. ↑
- () هذا ردّ على من يزعم بأن العقيدة في الإمام المهي تورث الخمول والسلبية، وهو أبلغ رد مستفاد من الحديث الشريف نفسه. ↑
- () إشارة إلى دولة الإمام عليه السلام التي أشار إليها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، راجع: التاج الجامع للأصول 5: 343. ↑
- () إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى: ﴿علمت نفسٌ ما قدمت وأخرت﴾ [سورة القصص، الآية: 5]. وأيضاً إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [سورة التوبة، الآية: 33]. راجع في تفسيره الآيتين إشارة إلى المهدي عليه السلام ينابيع المودة/ القندوزي الحنفي: ص 450. ↑
- () إشارة إلى بشارة الرسول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً (الشك في الراوي) قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين قال: فيجيء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» رواه الترمذي. راجع: التاج الجامع للأصول/ الشيخ منصور علي ناصف 5: 343 وفيه أكثر من إشارة إلى كون الإمام المهدي موجود حي يعيش في وسط الأمة، وأن خروجه وعيشه، سبع سنين يعني ظهوره وقيام دولته المباركة التي فيها الخلاص والعدل. ↑
- () ورد عنه عليه السلام أنه سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم، راجع: الاحتجاج / الطبرسي 2: 545. ↑
- () إشارة إلى أن (المهدي) ليس مجرد حلم أو فكرة تداعب أفكار المظلومين وتناغي شعورهم، بل هو حقيقة حية مجسدة متشخصة في ذات إنسان بعينه … ومن هنا تكون الفكرة ملامسة لوجدانهم، يعيشون بها، ويعيشون لها، ويسهمون في التحضير والتهيئة للالتحام في المعركة الفاصلة التي سيقودها القائد المنتظر، ولو كانت مجرد حلم أو فكرة، فليس من المتوقع أن تكون مثل تلك الصلة الوجدانية والشعورية. ومن هنا تتأتى أهمية الانتظار، وتبين فلسفته وغاياته، وهو في جملته يتسق مع حالة الترقب والإرهاص التي تسبق ظهور المنقذين من الأنبياء والمصلحين. ↑
- () اختلفت الآراء وتباينت المواقف من مسألة المهدي المنتظر، تبعاً لاختلاف المواقف من مسألة الغيب الديني والنصوص الدينية المشهورة والمتواترة، على أن هناك إطباقاً بين علماء المسلمين والمحققين من أهل الحديث من السُنّة والشيعة على صحة العقيدة بالمهدي، وعدم جواز التشكيك بها حتى جاء في المأثور: «من أنكر المهندي فقد كفر …» وقد استوفى هذه المسألة بحثاً الشيخ عبد المحسن عباد في محاضرته التي نشرتها مجلة الجامعة الإسلامية/ العدد الثالث/ 1969م.وراجع: غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343. ↑
- () هذا تساؤل فريق من الناس ، والواقع أنه يمكن تسجيل الملاحظة السريعة الآتية، وإن كان سيأتي جوابه تفصيلاً:أ ـ إنه ليس مستحيلاً بالمعنى المنطقي، بل هو في دائرة الإمكان.ب ـ إنه ليس مستحيلاً عادة؛ لوقوع نظائر ذلك فعلاً كما نصّ القرآن الكريم في مسألة نوح عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [سورة العنكبوت، الآية: 14]. ↑
- () إن تعطيل القوانين الطبيعية قد حدث مراراً بالنسبة إلى معاجز الأنبياء عليهم السلام، وهذا أمر ضروري من الدين لا مجال لنكرانه فإذا أخبر بذلك ممن وجب تصديقه جاز بلا خلاف. ↑
- () هذا إشارة إلى عقيدة طوائف من إخواننا أهل السُنّة. راجع: التاج الجامع للأصول: 5: 360 الهامش. ↑
- () هذا التساؤل أثير من قبل ويثار اليوم، بأساليب مختلفة، وكلها تستند إلى موهومات وافتراضات لا تقوم على أساس من العلم، بل هي مجرد تشكيكات، ومحاولات يائسة للفرار من أصل القضية ولوازمها الضرورية، فهي لا تعدو أن تكون أشبه بتشكيكات الماديين عندما جوبهوا بأدلة العقل والمنطق والعلم فيما يتعلق بالله تعالى، فلجؤوا إلى تساؤلات ساذجة تحكي عدم إيمانهم بما قامت عليه الأدلة الوفيرة، نظير قولهم: لو كان موجوداً فلماذا لا نراه؟ ولماذا لا يفعل كذا وكيت؟ وهكذا شأن هؤلاء، فعندما جوبهوا بالأدلة المنطقية والروايات المتواترة في مسألة المهدي المنتظر مما أطبق عليه الخاص والعام وبما لا يسع المرء إنكاره، لجؤوا إلى التشكيك في أنه لم يعرف للحسن العسكري ولد، كما اخترعوا أمراً نسبوه زوراً إلى الشيعة من أنهم يقفون على السرداب فقال قائل منهم: هو في سامراء، وذهب آخرون إلى أنه في النجف وثالث في مكان آخر وهكذا شأن المنكرين للضرورات تراهم يخبطون خبط عشواء. ↑
- () لقد أثبت الشيخ المفيد في إلارشاد: ص 346، والشيخ الشعراني في اليواقيت والجواهر ج 2/ المبحث 65، ولادة محمد بن الحسن العسكري في عام 255هـ، وهما من أجلة المحققين لدى الفريقين، وهذا ما يدحض التشكيكات التي يثيرها بعض أدعياء العلم، فضلاً على ما يقتضيه الحديث المتواتر: «الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش»، فهو لا يستقيم إلا بما تقرر لدى الإمامية وبما التزموا به من إمامة اثني عشر إماماً كلهم من العترة الطاهرة، أولهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم المهدي. وهؤلاء هم المنصوص عليهم، ويدعم ذلك ويشهد له حديث الثقلين المتواتر، وحديث من مات لا يعرف أمام زمانه، فهما لا يستقيمان إلا على عقيدة الإمامية الاثني عشرية. راجع مناقشة وافية في: الأصول العامة للفقه المقارن/ العلامة محمد تقي الحكيم/ بحث حجية السنة: ص 145 وما بعده. ↑
- () إن الذي تعهد وتكفل بإعداد النبي عيسى عليه السلام، ووهب النبي يحيى الحكم والحكمة وهو صبي، كما صرّح القرآن، يمكن أن يتعهد ويتكفل بمن أعده لتطهير الأرض من الظلم والجور في آخر الزمان، كما هو نصُّ الخبر المتواتر في المهدي الذي هو من فاطمة وذرية الحسين عليه السلام. راجع: التاج للأصول 5: 341 ـ 343. ↑
- () إن هذه المسألة مرهونة بإشتراطاتها الخاصة، وكما تأخر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن ظهوره المبارك لحكمٍ وأمورٍ اقتضتها حكمة المرسل (الله) تعالى على رغم الاحتياج إليه، فكذا الأمر هنا. ↑
- () سيناقش الشهيد الصدر هذه المسألة تفصيلاً. ↑
- () الواقع ـ وكما سيأتي ـ أن علماء الأمة الإسلامية أجمعوا على صحة أحاديث المهدي عليه السلام، ولم يشذ إلا من هو ليس من أهل المعرفة بالحديث.راجع: التاج الجامع للأصول 5: 361. ↑
- () لقد رأينا كيف صنع (الأبطال) تاريخ أممهم، على أن الشهيد الصدر هنا يقدم فهماً أصيلاً ومهماً جداً لحركة التاريخ ودور الفرد البطل، وأهمية الظروف الموضوعية في التأثير. وقد أشار توماس كارليل في كتابه (الأبطال) إلى دور البطل. راجع كتابه المذكور، ترجمة الدكتور السباعي ـ مصر ـ سلسلة الألف كتاب. ↑
- () في هذا إشارة إلى أسلحة الدمار (الشامل) فضلاً عن التطور التكنولوجي الذي شمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وتأثيراتها الهائلة. إلا أننا شهدنا كيف توجد بالمقابل الأسلحة المضادة التي كثيراً ما تعطل تلك التأثيرات، وكذلك رأينا تأثير المعنويات في إبطال مفعول أسلحة الخصم المختلفة أو التقليل من آثارها إلى حد كبير جداً، كما حدث في الثورات والانتفاضات الشعبية. ↑
- () ولم تكن مثل هذه الأمور بمتصورة سابقاً قبل وقوعها، ولو حدث بها أحدٌ من الناس قبل تحققها فعلاً لعدّ الحديث مجرد تخيلات وأوهام. ↑
- () الكلام في وقته دقيق علمياً، فهو يقول: إنه ممكن علمياً، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلاً، والواقع أن كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين. ↑
- () نعم، لا يوجد مبرر علمي واحد يرفض هذه النظرية، بل إن علماء الطب منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان، وإن هناك عشرات التجارب التي تتم في هذا المجال، وذلك وحده ينهض دليلاً قوياً على الإمكان النظري أو العلمي. ↑
- () يؤكد الأطباء والدراسات الطبية على هذه الملاحظة، وأن لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال، ولعل هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات لإطالة العمر الطبيعي للإنسان، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير أخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان. ↑
- () هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد رضي الله عنه تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عندما بشر (بالمهدي)، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانية العلمية، أي لبقاء الإنسان مدة أطول بكثير من المعتاد، فإن مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجله القرآن والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة. راجع: القرآن والعلم الحديث/ الدكتور عبد الرزاق نوفل. ↑
- () إشارة إلى أن هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو إضافة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم إنكاره، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شأن عمر النبي نوح عليه السلام، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الأخرى، على أن كثيراً من أهل السنة ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالى. راجع: التصوف والكرامات/ الشيخ محمد جواد مغنية. وراجع: التاج الجامع للأصول 5: 228/ كتاب الزهد والرقائق ـ الذين تكلموا في المهد. ↑
- () إشارة إلى الآية المباركة: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [سورة الإسراء، الآية: 1]. ↑
- () إشارة إلى المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين. ↑
- () إشارة إلى ما أعد للإمام المهدي المنتظر من دور ومهمةٍ تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمته كما يشير الحديث الصحيح: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً». وهذا الدور وهذه المهمة عليها الإجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في أمور فرعية. ومن هنا كان التسائل الذي أثاره السيد الشهيد رضي الله عنه منطقي قوي. ↑
- () في الآية المباركة: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [سورة العنكبوت، الآية: 14]. ↑
- () السؤال موجّه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك. راجع تهذيب الأسماء واللغات/ النووي 1: 2176، ولا يصح أن يُشكل أحد بأن ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعي الثبوت، وهو يتعلق بالنبي المرسل نوح عليه السلام، أما هنا فليس لدينا نص قطعي، ولا الأمر متعلق بنبيّ.والجواب: أن المهمة أولاً واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأن الوظيفة كما أوكلت إلى النبي، فقد أوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً كما هو لسان الروايات الصحيحة. قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ….» التاج الجامع للأصول 5: 343.وأما من جهة قطعية النص، فأحاديث المهدي بلغت حدّ التواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين. راجع: التاج الجامع للأصول 5: 341 و360 فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحققون من علماء الفريقين إلى القول بأن من كفر بالمهدي فقد كفر بالرسول محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وليس ذلك إلا بلحاظ أنه ثبت بالتواتر، وأنه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر إجماعاً. وراجع الإشاعة لإشراط الساعة/ البرزجي في بحثه حول المهدي. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدمة أيضاً. ↑
- () أي أن الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السُنّة المطهرة والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهية، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إن غير المسلم يشارك في الاعتقاد بالمعجزات. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ [سورة الشعراء، الآية: 63]. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [سورة النساء، الآية: 157]. ↑
- () راجع: سيرة ابن هشام 2: 127، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمع عليها. ↑
- () قد يقال: إن الانخرام إنما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الأشياء إلى المركز، ومع ذلك فإن الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الأعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصية الشعرية). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري/ الدكتور مصطفى محمود. ↑
- () وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع ص 295 و299. ↑
- () راجع فلسفتنا: ص 282 وما بعدها. ↑
- () راجع بسط وشرح النظرية في «الأسس المنطقية للاستقراء» حيث توصل الإمام الشهيد رضي الله عنه(الى اكتـ)شاف مهم وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام. ↑
- () إشارة إلى معتقد الإمامية الاثني عشرية المستند إلى أدلة المعقول والمنقول، وبالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر «إني تركت فيكم ما إن تمسكتهم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي». راجع: صحيح مسلم 4: 1873 وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 89، قال: ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.وكذلك إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يفترقا حتى يردا عليَّ …» وإلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش». ومفاد ذلك تقرير هذا المعنى. ↑
- () تحدّث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً عن خصائصهم وأدوارهم، ووظيفتهم ومهماتهم وأنهم حملة الشريعة، وسفن النجاة، وأمان الأمة، وعصمتها من الضلال، كما تم إليه الإشارة في حديث الثقلين، وحديث لن يفترقا وكلاهما يؤكدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنهم عصمة الأمة من الضلال، وأنهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم، وهم غير معصومين!!راجع في هذا المطلب: الأصول العامة للفقه المقارن/ العلاّمة محمد تقي الحكيم/ مبحث حجية السُنّة: ص 169 وما بعدها. ↑
- () أن يكون القائد التاريخي مهيئاً نفسياً ومعداً إعداداً مناسباً لأداء المهمة، أمر مفروغ منه، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدث عن المسألة في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جداً، وبخاصة فيما يتعلق بالنبي نوح عليه السلام، وهو أمر يلفت الانتباه والنظر، وربما يكون للتشابه والاتفاق في الدور والمهمة التي أوكلت لهما، كما نبّه الشهيد الصدر رضي الله عنه إليه.راجع: مع الأنبياء/ عفيف عبد الفتاح طبارة. ↑
- () ويمكن أن نقرّب هذا المعني بما عشناه وشاهدناه من صعود الاتحاد السوفييتي وترقيه حتى صار القطب الثاني في العالم، وتقاسم هو وأمريكا النفوذ الحضاري والهيمنة السياسية، وركبا معاً أجواء الفضاء، ثم شهدنا انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الانهيار، فكم كان لذلك من أثر؟ وكم كان فيه من عبرة؟: وكم فيه من دلالة عميقة؟ ↑
- () جان جاك روسو (1712 ـ 1778م) كاتب وفيلسوف فرنسي اعتبره بعض النقاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث والفلسفة الحديثة، وقد مهدت كتاباته ومقالاته للثورة الفرنسية، وأشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي. راجع: موسوعة المورد / منير البعلبكي 8: 169. ↑
- () إشارة إلى الآية القرآنية المباركة: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ [سورة الكهف، الآية: 13]، وراجع تفسيرها في الكشاف/ الزمخشري 2: 706، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت. ↑
- () إشارة إلى الآية: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا﴾ [سورة الكهف، الآية: 25]. ↑
- () وكل ذلك له مدخلية في تربيته وإعداده الإعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة، فضلاً عن شهوده بنفسه ضآلة أولئك المتعملقين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وصخباً، ويسترهبون الناس، وهذا الشهود يؤهله اكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير، أي ملئه للأرض عدلاً بعدما ملئت ظلماً، هذا بغض النظر عن مؤهلاته الذاتية، والعناية الربانية الخاصة. ↑
- () ولا ينبغي أن يشكل أحد بأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع عالمية رسالته ومهمته التغييرية الكبرى إلا أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها، وكذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟:فجوابه:أ ـ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة عن الحضارة الجاهلية، وأنه كما ورد في السيرة النبوية قد حبب إليه الخلاء، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه وكذا الأنبياء كانوا يتنزهون عما عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون، وإليه الإرشاد في قوله تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق [سورة مريم، الآية: 49].
ب ـ إن النبي المرسل يوحى إليه، ويسدد مباشرة من السماء، ويبلّغ بالأعمال والخطوات التي يتخذها خطوة خطوة، والإمام عليه السلام لا يوحى إليه ـ كما هو عقيدة الإمامية ـ ولا يبلغ بالأمور مباشرة من السماء، نعم يكون مسدداً وتحت العناية الربانية، ولذلك فهو يحتاج إلى إعداد خاص. ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتصلاً بالحضارة الإسلامية، مستمداً من آبائه الأصالة والمعرفة والعلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية والحضارات في صعودها وعوامل تكونها وقوتها، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وانهيارها، فيستمد الخبرة والقدرة والإحاطة بالأمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العملية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، وبكونه مسدداً من السماء، كما سيتوضح في المبحث الرابع. ↑
- () راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي (ت/ 855هـ). وراجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 316 وما بعدها. ↑
- () راجع: التتمة في تواريخ الأئمة/ السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم.وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 ـ 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته. ↑
- () راجع: التتمة في تواريخ الأئمة/ السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم. وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 ـ 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته. ↑
- () راجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 319 وما بعدها.الصواعق المحرقة: ص 123 ـ 124.فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد عليه السلام وبين يحيى بن أكثم زمن المأمون، وكيف استطاع الإمام عليه السلام أن يثبت أعلميته وقدرته على إفحام الخصم وهو في تلك السن المبكرة. ↑
- () راجع: المجالس السنية/ السيد الأمين العاملي 5: 209، وهذه قضية مشهورة تناقلها الخاص والعام. وراجع: صحاح الأخبار/ محمد سراج الدين الرفاعي: ص 44، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة/ أسد حيدر 1: 56. وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 120: «جعفر الصادق، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني …». ↑
- () كون الإمام أعلم أهل زمانه أمر متسالم عليه عند الإمامية. راجع الباب الحادي عشر/ العلامة الحلي، هذا وقد عرضوا لأكثر من اختبار صلوات الله وسلامه عليهم لإثبات هذا المدّعى، ونجحوا فيه.راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123، فقد نقل تفصيلاً في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد عليه السلام. ↑
- () إن الاعتقاد بإمامة الأئمة كلّف أتباعهم غالياً، وهذا ثابت تاريخياً، وليس إلى إنكاره من سبيل، والشاهد يدل على الغائب أيضاً. راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.وقد أوصى الأئمة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة. ↑
- () راجع: أصول الكافي 1: 322/ كتاب الحجة ـ باب 2 «إن الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، ويعلمونه ولايتهم ومودتهم له». ↑
- () راجع في تاريخ الأئمة، وتعرضهم للاضطهاد والمطاردة والسجن والقتل أحياناً:أ ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي.ب ـ مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.
ج ـ الإرشاد للشيخ المفيد. ↑
- () إشارة إلى الإمام المهدي عليه السلام، ومن قبل إلى الإمام الجواد مثلاً. ↑
- () أي أنه يجب أن يكون أفضل الناس، وأعلم الناس كما هو معتقد الإمامية الاثني عشرية.راجع: حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد عبد الله شبر (1242هـ) 1: 141، المقصد الثالث. ↑
- () يقصد تقدم الإمام الصبي للاختيار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر. ↑
- () قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاص من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد عليه السلام من الفقه والعلم.راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123. ↑
- () وقد شاهد خاصة الشيعة الإمام المهدي واتصلوا به، وأخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة. راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي/ البحراني، الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 345، وراجع تفصيلاً وافياً في دفاع عن الكافي/ السيد ثامر العميدي 1: 535 وما بعدها. ↑
- () هذه التساؤلات يطرحها السيد الشهيد رضي الله عنه بصفتها من الإشكالات التي أثيرت وتثار عادة حول المهدي عليه السلام، وهي أقصى ما يثار في هذا الصدد، حتى أن بعض الكتّاب المعاصرين قد أثاروها أخيراً مدفوعين بدوافع غير علمية، مصحوبة تلك الإثارة بضجيج مكثفٍ، ومحاولات بائسة من الوهابية لترويجها وتبنيها، ولا تخفى الدوافع بعد ذلك على أحد. وقد أجاب الإمام الشهيد بجواب علمي لمن يريد الحقيقة. ↑
- () يلاحظ كتاب (المهدي) للسيد «صدر الدين» الصدر قدس الله روحه الزكية.راجع: ما أثبته الشيخ العباد في مجلة الجامعة الإسلامية/ العدد 3 سنة 1969.وراجع: المهدي الموعود المنتظر/ الشيخ نجم الدين العسكري. ↑
- () يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي. ↑
- () راجع: معجم أحاديث الإمام المهدي/ مؤسسة المعارف الإسلامية/ الجزء الأول ـ أحاديث النبي. (راجع آخر الكتاب تجد بعض الروايات من المصادر المعتبرة لدى السنة). ↑
- () أخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة».راجع: الحاوي للفتاوي/ السيوطي 2: 213 و215 وفيه، أيضاً: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً».وراجع: موسوعة الإمام المهدي/ ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأول، وفيها نسخة مصورة عن محاضرة الشيخ العباد حول ما جاء من الأحاديث والآثار في المهدي عليه السلام. ↑
- () الحاوي للفتاوي/ السيوطي جلال الدين 2: 214، قال: وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أُمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». وراجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود 2: 208. ↑
- () حديث المهدي من ذرية الحسين عليه السلام كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهدي وهي: الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيم، وفي السيرة الحلبية 1: 193، وفي القول المختار لابن حجر. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في نقله من كتب الشيعة. وراجع توهين الرواية التي تقول بأنه من ولد الإمام الحسن عليه السلام كتاب السيد العميدي (دفاع عن الكافي 1: 296). ↑
- () راجع الرواية التي تنص على أنه التاسع من ولد الحسين عليه السلام في: ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ص 493، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي 1: 196، وفي فرائد السمطين للجويني الشافي 2: 310 ـ 315 الأحاديث من 561 ـ 569، وراجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين (دفاع عن الكافي 1: 294). ↑
- () حديث «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش» أو «لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش».هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلاً. نعم، اختلفوا في تأويله واضطربوا. راجع: صحيح البخاري 9: 101 كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف. صحيح مسلم 2: 119 كتاب الإمارة. مسند أحمد 5: 90، 93، 97. ↑
- () راجع الغيبة الكبرى/ السيد محمد الصدر: ص 272 وما بعدها. ↑
- () راجع التاج الجامع للأصول 3: 40 قال: رواه الشيخان والترمذي، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهدي عليه السلام/ علي محمد علي دخيل. ↑
- () صحيح البخاري/ المجلد الثالث/ 9: 101، كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف. طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () مسند الإمام أحمد 5: 93، 100. ↑
- () المستدرك على الصحيحين 3: 618. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [سورة النجم، الآيتان: 3 ـ 4]. ↑
- () تقدم تخريج الحديث. ↑
- () اضطرب العلماء في تأويله بعد إطباقهم على صحته، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل إنّ بعضها غير معقول تماماً كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق والكفر أو من هو على شاكلته. راجع ما نقله السيد ثامر العميدي من أقوالهم وقد ناقش هذه القضية مناقشة وافية وعلمية، وأبطل تأويلهم بما لا مزيد عليه من دفاع عن الكافي 1: 54 وما بعدها. ↑
- () راجع: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها. ↑
- () إشارة إلى الغيبة الكبرى. ↑
- () الكافي/ السيد ثامر العميدي 1: 568 وما بعدها. ↑
- () راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر، الفصل الثالث: ص 395 وما بعدها، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1980. ↑
- () وهذه تعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريرية والشفوية التي نقلت عن الإمام المهدي عليه السلام. راجع: الاحتجاج/ الطبرسي 2: 523 وما بعدها. ↑
- () مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقاد الأدب قديماً وحديثاً أن الأسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة. ومن هنا رأينا وسمعنا أن كثيراً من الأدباء وقارئي الأدب يميزون بمجرد قراءة النص شعرياً كان أم نثرياً أنه لفلان، وما ذلك إلا لأن الأسلوب هو الرجل، وأن لكل كاتب سمة وطابعاً خاصاً في كتابته يمكن تمييزه من غيره، هذا فضلاً على تمييز خطه الشريف من غيره من الخطوط. ↑
- () إشارة إلى النواب الأربعة المذكورين. ↑
- () وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعية الدينية)، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفرها في المرجعية. (في طليعتها العلم والعدالة والرشد). ↑
- () إن اتصال الإمام القائد المهدي بقواعده الشيعية عن طريق نوابه ووكلائه، أو بأساليب أخرى متنوعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة فضلاً عن الدلائل الأخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار من يجب تصديقه، ثم هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وغير ذلك. إن كلّ ذلك مجموعاً ـ وهو محل اتفاق أكثر طوائف الملة الإسلامية ـ يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشككون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر: ص 566. ↑
- () ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهدي عليه السلام بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر: ص 639 وما بعدها. ↑
- () على الرغم من الأهمية التي يعطيها السيد الصدر رضي الله عنه هنا للظروف الموضوعية، ودور نضوجها أو إنضاجها في نجاح الثورات ـ وهذا فهم عميق لأثر العامل الاجتماعي والنفسي ـ إلا أن الشهيد الصدر رضي الله عنه يعرض نظرية جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، ولكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية وترتبط بها توقيتاً ونجاحاً، وأعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية والحالة الاجتماعية للأمة والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الأمة في إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ [سورة الأنبياء، الآيات: 68 ـ 70]. ↑
- () راجع الرواية في تفسير ابن كثير 2: 33، وراجع البحار/ المجلسي 18: 47 و52 و60، 75 باب معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ↑
- () تاريخ الطبري 2: 244 حوادث السنة الخامسة من الهجرة. ↑
- () كما هو نصّ الحديث النبوي الشريف: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً».راجع: التاج الجامع للأصول/ منصور علي ناصف 5: 360 الهامش، قال: رواه أبو داود والترمذي. ↑
- () لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة التي أطلقها الشهيد الصدر رضي الله عنه استناداً إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد انهار الاتحاد السوفييتي وهو أحد القطبين اللذين كانا يهيمنان على العالم انهياراً سريعاً جداً، وبصورة أذهلت الجميع. ↑
- () إشارة إلى نظرية المادية التاريخية، أي إلى التفسير الماركسي للتاريخ، راجع: الصدر رحمه الله. ↑
- () إشارة إلى كتاب (فلسفتنا)، وإلى مقدمة كتاب (اقتصادنا). ↑
- () راجع: كتاب الأبطال (البطل في صورة نبي) / توماس كارليل/ ترجمة الدكتور السباعي، سلسلة الألف كتاب ـ مصر. ↑
- () راجع المقدمة الثانية في الفتاوى الواضحة: ص 63، وفيها توضيح وتفصيل لهذه المسألة. ↑
- () التاج الجامع للأصول 5: 343، عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». ↑
- () إشارة إلى علامة الظهور أو الملابسات وراء الأحداث والوقائع التي تسبق ظهوره المبارك أو ترافق ظهوره كما صوّرتها الروايات ووردت بها الآثار الصحيحة، وقد بسطت تفصيلاً في (عصر الظهور) للسيد محمد الصدر. وراجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 356 وما بعدها. وراجع أيضاً: الإشاعة لأشراط الساعة/ محمد بن رسول الحسيني البرزنجي. ↑
- () وفيه إشارة إلى ما يمكن أن تنجر إليه الإنسانية من أزمة حضارية بسبب التنافسات والصراعات بين الحضارات المادية والكيانات السياسية، وفشلها في تحقيق الأمن والاستقرار والسعادة للإنسان، ولقد بدأت بوادر مثل هذا الفراغ تظهر وتتسع شيئاً فشيئاً في عصرنا الراهن في شرق الأرض وغربها، وكل متتبع للأخبار والتقارير الصحفية والتحقيقات الخبرية يعرف ذلك جيداً. وما اليوم الموعود ببعيد. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: التفسير الموضوعي للقرآن: 18-32 دار التعارف للمطبوعات- بيروت 1981م. ↑
- () أنظر اقتصادنا (عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي) 349 ـ 390. دار الفكر- بيروت- الطبعة السادسة 1974م. ↑
- () أنظر التفسير الموضوعي للقرآن: 22 ـ 23. ↑
- () اقتصادنا: 269 ـ 270. ↑
- () نفس المصدر: 258 – 259 – 260. ↑
- () نفس المصدر: (ص ـ ع). ↑
- () الأبستمولوجيا: معناه الاشتقاقي علم العلم. فهذا المفهوم يعني لدى الدارسين: الشروط التي تساهم في إنتاج المفاهيم في علم من العلوم. ↑
- () اقتصادنا: 65. ↑
- () أنظر اقتصادنا: 270 ـ 273. ↑
- () أنظر اقتصادنا: و ـ ز ـ ط ـ ي ـ م ـ ن (من مقدمة الكتاب). ↑
- () السيد محمد حسين فضل الله: مقدمة رسالتنا: 15 ـ 16، ذكر في: 134 ـ 135 الحوار الفكري والسياسي ـ المركز الإسلامي للأبحاث السياسية 1985م. ↑
- () اقتصادنا: 285 ـ 286. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 16 ـ 17 دار الزهراء، الطبعة السادسة ـ 1987م. ↑
- () اقتصادنا: 638 ـ 641. ↑
- () التفسير الموضوعي للقرآن: 105. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر: 145. ↑
- () أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء ـ السيد محمد باقر الصدر ـ مؤسسة البعثة ـ طهران ـ إيران ـ (بدون تاريخ). ↑
- () التفسير الموضوعي: 77 ـ 78 ↑
- () اقتصادنا: (مقدمة: ز ـ ح ـ ط ـ ي ـ ص). ↑
- () نفس المصدر: المقدمة: ع. ↑
- () أنظر مقدمة اقتصادنا والإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية. ↑
- () أنظر المصدرين السابقين. ↑
- () أنظر التفسير الموضوعي. ↑
- () أنظر: بحث حول الولاية (الشهيد) مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م ـ المرسل، الرسول، الرسالة (الشهيد) مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 17 دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ 1979م. ↑
- () أنظر منابع القوة في الدولة الإسلامية للسيد محمد باقر الصدر (قدس). ↑
- () أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () السيد الشهيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 25 دار التعارف للمطبوعات الطبعة الثانية ـ بيروت ـ 1979م. ↑
- () السيد الشهيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 108 ـ 109 دار الكتاب الإيراني ـ طهران 1981م. ↑
- () السيد محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الإسلام: 188 ـ 189 مؤسسة الوفاء ـ بيروت 1985م. ↑
- () اقتصادنا: 297 ـ الطبعة 71 ـ بيروت 1986م. ↑
- () الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 48 ـ 49. ↑
- () لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 17. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () أنظر: منابع القوة في الدولة الإسلامية. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: 16 ـ 17. ↑
- () انظر التفسير الموضوعي: 181 ـ 184 حيث يحلل الشهيد مفهوم المثل الأعلى من خلال علاقة النسبي بالمطلق. ↑
- () (Francis Fukuyama) فرانسيس فوكوياما: نهاية التأريخ (مقال مترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية في مجلة (Commentaire) كومنتار) عدد 74 ـ 1989م باريس. ↑
- () انظر التفسير الموضوعي وخاصة الدرس الثالث: السنن التأريخية في القرآن الكريم: 39 وما بعدها. ↑
- () أنظر بحث حول المهدي عليه السلام للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ـ مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م. ↑
- () التفسير الموضوعي: 64 ـ 65. ↑
- () نفس المصدر: 199 ـ 200. ↑
- () نفس المصدر: 158 ـ 159. ↑
- () نفس المصدر: 176. ↑
- () أنظر: بحث حول المهدي ـ وكذلك بحث حول الولاية ـ الشهيد. ↑
- () أنظر المصدرين السابقين. ↑
- () أنظر: التفسير الموضوعي: 18 ـ 23. ↑
- () أنظر السابق: نفس الصفحات. ↑
- () هذه العبارة استخدمها الشهيد في كل كتاباته بالتقريب. ↑
- () الاتجاه الإسلامي موقفه من القرآن والسنة الشريفة موقف تعبدي. هذا الاتجاه ينظر إلى الإسلام كدين ودولة. أما الاتجاه المحدث فينقسم إلى تيارين: التيار الأول يؤمن بالإسلام كدين سماوي، ولكنه يفصل بين الدين والسياسة على الطريقة الغربية. وتيار آخر ينظر إلى الإسلام مجرد ظاهرة تاريخية واجتماعية. ↑
- () حدد الصدر مفهوم المذهب ومفهوم النظرية في كتابه اقتصادنا. دار الفكر، بيروت ـ 1974م ـ المقدمة وكذلك ص 341 إلى ص 347. ↑
- () الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي حاولت تغطية الاشتراكية وكذلك الرأسمالية بالإسلام من موقع التلفيق لا الاجتهاد ـ مقدمة اقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر. ↑
- () مفهوم «الحقل النظري» هذه العبارة لم يستخدمها الصدر ولكن استخدم معناها.الحقل النظري مفهوم يدل على الشروط التأريخية والاجتماعية والثقافية المنتجة لنظرية اجتماعية أو مذهب اجتماعي كالرأسمالية أو الاشتراكية وغيرهما. ↑
- () نفس المفهوم. ↑
- () الإبستمولوجيا معناها الدراسة لظهور النظريات الاجتماعية، وعلى العموم فالدراسة الإبستمولوجية تأتي نتيجة لدراسة تجمع بين نظرية المعرفة، تأريخ العلوم، المنهج، فلسفة العلوم وعلم اجتماع. ↑
- () لتحليل هذه الفكرة أنظر مجلة رسالة الإسلام باللغة الفرنسية مقالاً لعمر أبو سلمان تحت عنوان: المعرفة والمجتمع Le Message de l’islam.نشر وزارة الثقافة والإرشاد ـ الجمهورية الإسلامية، طهران. ↑
- () للاطلاع على الجانب الفلسفي أنظر: السيد محمد باقر الصدر ـ المعالم الجديدة للأصول. دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1981م. ↑
- () حلل الصدر التأريخ كموضوع في كتابه التفسير الموضوعي. دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1981م. ↑
- () فكرة المستبد العادل تدل على خضوع الفقهاء والمفكرين المسلمين للأمر الواقع. وقد استخدم الشيخ محمد عبده هذه الفكرة التي تجمع بين المتناقضين: الاستبداد والعدل. ↑
- () لم يعتمد الصدر في دراسته للتأريخ على الطريقة السردية، بل حلل التأريخ عن طريق أدوات علم الاجتماع. ↑
- () وهذا يعني أن نظرية المعرفة لها خصوصيتها في الرؤية الإسلامية. ↑
- () يطرح ماركس نظريته على أنها عملية بينما هي ـ في كثير من جوانبها ـ تبرير لأفكار ماركس المسبقة ـ فماركس تصوّر مجتمعاً بدون طبقات ثم نظر إلى تأريخ البشرية وحلله انطلاقاً من هذا التصور القبلي لحركة التأريخ. ↑
- () قانون الأحوال ليس قانوناً علمياً؛ لأن الأحوال (الحالة اللاهوتية والحالة الميتافيزيقية والحالة الوضعية) متداخلة توجد في عصر واحد وتوجد أحياناً لدى شخص واحد مثلاً باستور Pasteur كان مسيحياً يتبنى أفكاراً لاهوتياً وميتافيزيقية وهو عالم في نفس الوقت وتجدر الإشارة إلى أن أوجست كونت قد رجع إلى الدين (دين من صنع البشر أي من صنعه هو) في آخر حياته لما توفيت خطيبته، وهذا دليل على التناقض بين الإنسان ككائن نسبي يعتبر أحكامه أحكاماً مطلقة. ↑
- () تجدر الإشارة إلى أنّ هناك فرقاً كبيراً بين موقف الصدر وموقف الفكر الغربي في هذا المجال، فالمواقف القبلية في نظرية المعرفة التي تعتمد عليها فلسفة التأريخ في الغرب هي مواقف ذاتية؛ ولذلك تشكل عائقاً إبستمولوجياً أمام البحث العلمي، في حين أن الأمر ليس كذلك في الرؤية الإسلامية إلى المعرفة حيث إن المواقف القبلية هنا ليست أفكاراً مسبقة نابعة من ذاتية الباحث بل هي أدوات استكشافية مصدرها الإسلام، فهي تساعد الباحث على الوصول إلى الهدف، وترسم له الإطار العام لبحثه أو معالم مسار هذا البحث من الأدوات الاستكشافية مثلاً: انتصار الحق على الباطل، التكامل والتوازن في علاقة الفرد بالمجتمع … إلخ، فبالأدوات الاستكشافية تعمم الفكر الإسلامي من الوقوع في بعض الأخطاء خاصة الأخطاء المناهضة لهوية هذا الفكر ولمصدره الإلهي. ↑
- () ومن هنا لا يمكن حجز الأساس المعرفي للرؤية الإسلامية إلى التأريخ داخل مذهب من مذاهب المعرفة في الفكر الغربي، وذلك لما يتميز به هذا الأساس من الشمول. ↑
- () إن الصدر لم يكتشف المذهب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من الأحكام الشرعية مباشرة، بل اكتشف المذهب باللجوء إلى «ما وراء الأحكام» أنظر اقتصادنا «عملية اكتشاف المذهب» ص 349 إلى 390.كما أن الصدر لم يحدّد رؤيته الفلسفية إلى التأريخ عن طريق التفسير التجزيئي بل عن طريق التفسير الموضوعي أي عن طريق قراءة حركية للقرآن الكريم. أنظر: التفسير الموضوعي. ↑
- () التعالي (Transcendance): هذا المفهوم يختلف عن المحايثة (Immanence) (والله محايث للعالم أي مستغرق فيه) فالتعالي معناه أن الله متعالي على الكون، فهو الخالق والكون مخلوق. التعالي مرادف للغيب. أما في المجال الإنساني فالتعالي معناه أنَّ الإنسان ليس سجيناً للحظة الراهنة بل يتعالى عليها ليتصور الأهداف في المستقبل. فلا يمكن إذن قيام معرفة ـ ولو بسيطة وعامية ـ بدون تعالي، وهذا ما جعل ماركس يرى أن الفرق بين النحلة التي تصنع خلايا دقيقة وعجيبة والمهندس، هو أن هذا الأخير يبني البيت في فكره (أي يتصوره) قبل أن يبنيه في الواقع.لكن هذا التعالي بالمفهوم الماركسي هو تعالي محدود ولا يتماشى مع النظرة المادية إلى الكون، فالتعالي يقتضي حتماً وجود لله. إن الطرح الغربي للتعالي والمحايثة فيما يخصّ العلاقة بين الله والتأريخ هو طرح سطحي؛ لأنه يضع هذين المفهومين في إشكالية ضيقة: تعالي الله يعني انفصاله عن التأريخ، ومحايثته تعني ذوبانه في التأريخ على الطريقة الهيجلية.وليس الأمر كذلك في الرؤية الإسلامية حيث إن علاقة الله بالتاريخ وبالكون على العموم، هي للكلمة وليست تعالياً بالمعنى الغربي كذلك، فالعلاقة تعبر عن لطف الله ورحمته. ↑
- () التقوى في هذا السياق عبادة (قيمة تعبدية) ومفهوم إبستمولوجي؛ لأن التقوى تدفع بالباحث لذلك لما يصبح الفقيه مثلاً غير تقي يتحول إلى فقيه للسلطان (فقهاء السلطة) وهكذا فالتقوى أعلى درجة من الموضوعية نظراً لمصدرها الديني. ↑
- () التاريخانية أو النزعة التأريخية (Historicisme) أي التأريخ كمبدأ وحيد للتفسير، تفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان (حتى الديانات) عن طريق شروطها التأريخية، فالتاريخ يكفي نفسه بنفسه، ولا علاقة له بأي مبدأ آخر للتفسير؛ لأن التاريخانية تنفي كل المبادئ الأخرى كالغيب والوحي والرسالات …. إلخ مثلاً فلسفة التأريخ عند هيجل والمادية التأريخية والمادية الجدلية عند ماركس.فالتاريخانية ليست مجرد منهج بل هي مذهب يرى بأن كلٍ حقيقة مهما كانت النتيجة للشروط التأريخية.وتجدر الإشارة إلى أن التاريخانية شيء والاعتماد على التأريخ في تفسير بعض الظواهر الاقتصادية والسياسية شيء آخر. فإذا كانت التاريخيانية تنفي كل مبدأ للتفسير خارج التأريخ فإن الدراسة التأريخية (التأريخية أي الاعتماد على التأريخ) لا تنفي هذا المبدأ. فالصدر مثلاً اعتمد على التأريخية في كل كتاباته حتى في أصول الفقه وكتاباته حول النبوة والإمامة وهكذا فالتاريخية دراسة علمية فهي لا تنفي الغيب، التأريخية كالنزعة الاجتماعية (الاجتماعوية) (Sociolgime) أي تفسير كل الظواهر والحقائق بالاعتماد على التفاعلات الاجتماعية أي الشروط الاجتماعية. فالنزعة الاجتماعية تنفي الغيب وترى بأن علم الاجتماع يكفي نفسه بنفسه.
أما الدراسة الاجتماعية فهي شيء آخر. فالدراسة الاجتماعية أو السوسيولوجية: أي الاعتماد على علم (الاجتماع) ليست مذهباً كالنزعة الاجتماعية بل هي منهج. وقد اعتمد الصدر في كل كتاباته على الدراسة الاجتماعية ورفض من الأساس كلاً من التاريخانية والنزعة الاجتماعية، فهو يرى أن هذين المذهبين يقضيان على نفسهما بنفسهما. ↑
- () يجب التحفظ عند استخدام مفهوم الروحانية. هذا المفهوم ليس مفهوماً سائباً في الرؤية الإسلامية؛ لأن الروحانية هنا مصدرها الوحي وهي مرتبطة بالله تعالى. في حين أن الروحانية في الغرب قد تعني مجرد حالة عاطفية كتلك التي يشعر بها الفرد أثناء المتعة الغنية. الروحانية في الرؤية الإسلامية ليست مريحة بقدر ما هي معبئة وجهادية. ↑
- () الآلهة الكاذبة هي المثل العليا المزيفة سواء كانت اصناماً أو مفاهيم ونماذج ونظريات حول التأريخ ومصير البشرية ـ أنظر التفسير الموضوعي ص 158 ـ 160. ↑
- () التفسير الموضوعي (السنن التأريخية) ص 39 وما بعدها. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: بحث حول المهدي عليه السلام ـ نشرمكتبة أهل البيت، باريس 1983م (البحث وجيز ومن الضروري الاطلاع عليه كله) وانظر كذلك إلى: المرسل، الرسول، الرسالة. (حيث يحلل الصدر النبوة ويبين ارتباطها بالعوامل الاجتماعية والتأريخية). باستثناء مصدر النبوة فإنه إلهي فالصدر يدرس النبوة والإمامة من موقع الدراسة السوسيولوجية والتأريخية لا من موقع النزعة الاجتماعية والتاريخانية، أهل البيت، باريس 1983م، 78 ـ 79. ↑
- () ميز الصدر ربط الحوادث التأريخية بالغيب من المنظور الشرعي والعلمي وربط الحوادث التأريخية بالغيب من منظور الغيبة بمعناها المبتذل (أي التفكير اللاهوتي كما ظهر في القرون الوسطى في الغرب) أنظر: التفسير الموضوعي ص 78 ـ 79. وانظر كذلك؛ د. علي (مقال): مصادر اتهام المؤمنين بالغيبة المبتذلة والرد عليها) مجلة الوحدة الإسلامية 2 آذار 1990م عدد 169، تصدر عن المكتب الأعلى لتجمع العلماء المسلمين، بيروت ص 59 وما بعد. وأنظر كذلك: السيد محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الإسلام. مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ 1985م، ص 9 ـ 10. ↑
- () أنظر: التفسير الموضوعي ـ ص 146 ـ 155. ↑
- () فلسفة التأريخ المنفصلة عن الغيب (أو التعالي) هي مجرد ظاهرة تاريخية أنتجتها شروط اجتماعية وتاريخية مرحلية. في حين أن مذاهب فلسفة التاريخ تطرح نفسها كحقيقة نهائية اقتصادنا: 73 ـ 121. ↑
- () استخرج الصدر من هذه الآية منهجاً ونظرية للمعرفة تختلف عن نظرية المعرفة في الفكر الغربي ـ التفسير الموضوعي، ص 65 ـ 66 وص 105. ↑
- () هناك اختلاف جذري بين الغيب والغيبية بمعناها المبتذل، وهي غيبية تؤدي إلى التفكير اللاهوتي كما رأينا فيما سبق. ↑
- () التأريخ السوسيولوجي أي التأريخ الذي يعتمد على علم الاجتماع (أدوات علم الاجتاع) في تحليل وتفسير الحوادث التأريخية. وهو عكس التأريخ السردي الذي لا يفسر الحوادث بل يعتمد على مجرد الحكاية والسرد. ↑
- () التاريخانية ـ أنظر التعليق رقم 20. ↑
- () ارتباط الإنسان بالمثل الأعلى الحقيقي (الله) يجعل من حركة التأريخ حركة تعبُّدية، التفسير الموضوعي. ص 181 ـ 184. ↑
- () عبد الحق مصطفى: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر: نموذج قراءة في مشروعه التأسيسي ـ مجلة الفكر الجديد، نشر دار الإسلام ـ لندن 1993م عدد 6، ص 117. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر، دور أهل البيت، نشر أهل البيت، باريس 1983م ص 22. ↑
- () وهكذا التأريخ والتعالي علاقتهما مسألة شرعية تعبدية ومعرفية في نفس الوقت. ↑
- () أتحفظ كثيراً في استخدام عبارة «العصمة» بالنسبة للفكر الإسلامي. العصمة هنا معناها عام وليس المقصود منها عصمة الأئمة التي هي عصمة خاصة بل المقصود هنا الفكر الإسلامي على العموم شريطة أن تكون علاقته مع القرآن الكريم والسنة الشريفة علاقة تعبدية. فالفكر الإسلامي معصوم من الأخطاء التي تقع فيها الإيديولوجيات والفلسفات الوضعية، والتأريخ خير دليل على ذلك. فالماركسية في أوروبا الغربية (الأحزاب الشيوعية) قد تخلت عن مقولتي صراع الطبقات ودكتاتورية البروليتاريا. مع العلم أن المقولتين أساسيتان في المذهب الماركسي كما أن كثيراً من النظريات أو بعض جوانبها قد بيّن التأريخ خطأها (في المذهب الرأسمالي) كالنظرية العرقية وغيرها. وهكذا فالفكر الإسلامي المؤطر بالقيم والمفاهيم القرآنية معصوم من هذه الأخطاء. وحتى عصمة الأئمة عليهم السلام قد حللها الصدر تحليلاً سوسيولوجياً ونفسياً وتاريخياً انطلاقاً من مصدرها الغيبي. أنظر: بحث حول المهدي. ↑
- () الإمامة وتجاوزها للنزعة القبلية. (الأئمة كانت نظرتهم إلى الإسلام وإلى الأمة نظرة كونية). فالإمامة ربطت ـ في ممارستها ورؤيتها ـ التأريخ بالتعالي ـ فهي ليست مستغرقة في التأريخ بالمعنى التاريخي للكلمة. أنظر: السيد محمد باقر الصدر: بحث حول الولاية ـ دار التوحيد، الكويت 1977م. ↑
- () Hegel: Science de la Logique, Edition Glockner, Stuttgart, 1936, Vo. 4. P. 51. ↑
- () فكرة الرجوع إلى الأصل فكرة رئيسية في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وفي الفكر الإسلامي على العموم. إن موقف المسلمين من الماضي هو الذي يحدد مواقفهم تجاه قضايا الأمة في عصرنا ـ مثلاً الموقف الذي لا يميز في رجوعه إلى الأصل ـ بين الإمام علي عليه السلام ويزيد بن معاوية لا يمكن أن يحرك الأمة نحو التحرر من التبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية. في حين أن الموقف الذي يميز تمييزاً واضحاً ودقيقاً بين خط الإمامة (الخط الرسالي) والملك (الخط المنحرف) هو الذي يمكنه أن يعبئ الأمة لعملية النهضة الكبرى ويدفع بها إلى التحرك نحو المثل الأعلى الحقيقي.وقد ضبط الصدر مفهوم الرجوع إلى الأصل. ووصلت هذه الفكرة في دراساته إلى مستوى المفهوم الفلسفي، وهذا ما يتجلى بوضوح في أكثر كتاباته، خاصة: بحث حول الولاية، دور أهل البيت عليهم السلام، المعالم الجديدة للأصول. ↑
- () اقتصادنا ـ ص 362 ـ 364 وص 638 ـ 643.أنظر كذلك: السيد محمد حسين فضل الله: مجلة الوحدة الإسلامية: الحركة الإسلامية حركة فكرية كغيرها من الحالات. فلتجرب حظها. نشر المكتب الإعلامي لتجمع المسلمين ـ بيروت عدد 146 أيلول 1989م ـ ص 22. ↑
- () التفسير الموضوعي ـ وكذلك اقتصادنا (عملية اكتشاف المذهب) ص 349 ـ 390. ↑
- () مجلة رسالة الجهاد: 32 نشر دار الجماهيرية ـ مصراتة ليبيا. عدد 89 يونيو 1990م. ↑
- () التفسير الموضوعي: 181. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: منابع القدرة في الدولة الإسلا مية ـ وزارة الإرشاد، الجمهورية الإسلامية، إيران ـ بدون تأريخ، ص 178 ـ 180. (سلسلة الإسلام يقود الحياة).ٍ ↑
- () مع العلم بأن الشارع قد وضع منهجاً (منطقة الفراغ) يعتمد عليه الفكر الإسلامي نظرياً وعملياً. ↑
- () وهذا من المفارقات، حيث إن الأمة الإسلامية موجودة رغم الصدمات التي نتلقاها ورغم عدم وجود الدولة الإسلامية (دولة الأمة) ورغم تفتت العالم الإسلامي إلى دول قومية وقطرية وجهوية. ↑
- () اقتصادنا، المقدمة. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية: خاصة فصل: أخلاقية التركيب العقائدي وتحرير الإنسان من الانشداد إلى الدنيا ـ ص 180 ـ 190. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: خلاقة الإنسان وشهادة الأنبياء ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1979م وكذلك بحث حول الإمام المهدي عليه السلام. ↑
- () التفسير الموضوعي: ص 146 ـ 155. ↑
- () اقتصادنا: ص 65 ـ 66 وص 73 ـ 75. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: التجديد والتغيير في النبوة ـ مؤسسة أهل البيت في الزينبية ـ بدون تأريخ، بدون مكان. أنظر كذلك: بحث حول الولاية وكذلك: بحث حول الإمام المهدي. ↑
- () ريمون آرون. مدخل إلى فلسفة التأريخ (باللغة الفرنسية) Raymon International Aron: La’al Philosophie de l’Histoire, Edition Gallimar – Paris 1938, P. 130. ↑
- () انتقد الصدر الثيوقراطية نقداً جذرياً. وصاغ انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة مفهوماً سياسياً جديداً في الفكر الإسلامي «خلافة الأمة». أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () التجديد والتغيير في النبوة. ↑
- () محمد مورو: مقدمة في لاهوت التحرر: الإسلام أيديولوجية الفقراء ـ مجلة العالم ـ لندن، أبريل 1995م عدد 529 ـ 25. ↑
- () اقتصادنا (مفهوم أو مبدأ الملكية المزدوجة) ص 257. ↑
- () اقتصادنا: ص 56 ـ 67 وص 73 ـ 121. ↑
- () Irving Kristol: Apropos de la Fin de l’Histoire – en Commentaire 1989 No.49 P. 681. Automne. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: بحوث إسلامية ـ دار الزهراء، بيروت 1983م ص 164 ـ 167. ↑
- () عبد الله العروي ـ الإيديولوجيا العربية المعاصرة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1980 ص 125. ↑
- () Raymon Aron: Les Dimension de la Conscience Historique Edition Literairie Plan – Paris 1966. P. 115. ↑
- () التفسير الموضوعي: 228 ـ 230. ↑
- () بحوث إسلامية: ص 53 ـ 54 وكذلك: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () التفسير الموضوعي: ص 105. ↑
- () نكرّر الإشارة إلى أن ماركس يقول بنوع من التعالي عندما يرى بأن الفرق بين النحلة والمهندس: إن هذا الأخير يبني البيت في فكره قبل أن يبنيه في الواقع. لكن هذا التعالي مزيف. فالتعالي ملازم للروحانية المرتبطة بوجود الله. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: ص 10. ↑
- () التجديد والتغيير في النبوة، وكذلك: أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف، ص 41. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: 16. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 19. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية، ص 4. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 175. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 197. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 158. ↑
- () نفس المصدر السابق (لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية) ص 3 ـ 19. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 3 ـ 7. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 9. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 123. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية، ص 177 ـ 179. ↑
- () الإسلام يقود الحياة، ص 185 وما بعدها. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 193 ـ 194. ↑
- () اقتصادنا: المقدمة. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () مالك بن نبي (باللغة الفرنسية) Vocation de l’Islam – Edition de Seuil – Paris 1954. P. 17. ↑
- () عالج فكرة الأمة الإسلامية وصيرورتها: رضوان السيد: الأمة والجماعة والسلطة ـ دار إقرأ. بيروت 1984م. وخاصة: علي شريعتي ـ الأمة والإمامة. ↑
- () بحوث إسلامية: ص 36 ـ 39 وص 47 ـ 49. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: المرسل والرسول والرسالة (حيث يحلل الصدر النبوة ويبين ارتباطها بالعوامل الاجتماعية والتأريخية. باستثناء مصدر النبوة فإنه إلهي). فالصدر يدرس النبوة من خلال الدراسة السوسيولوجية لا من موقع النزعة الاجتماعية. كما أنه يدرس النبوة من خلال التأريخية (أي من خلال التأريخ: ربط النبوة بالعوامل التأريخية) لكن لا يدرس النبوة من خلال التاريخانية التي يزعم أصحابها أنها تفسر كل شيء، وأنها تكفي نفسها بنفسها. أنظر المرسل والرسول والرسالة، ص 78 ـ 79. ↑
- () التفسير الموضوعي (في الفصل الأول) حيث يميز الصدر بين التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي أو التوحيدي. ↑
- () عالج الصدر العلاقة بين الإمامة والرسالة في: بحث حول الولاية، بحث حول الإمام المهدي عليه السلام المرسل والرسول والرسالة، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () دور الأئمة. مصدر سابق. ↑
- () أنظر: بحث حول الولاية. وكذلك: بحث حول الإمام المهدي عليه السلام حيث يحاول الصدر أن يفسر عصمة الأئمة (الأئمة المعصومون الاثنا عشر) بقربهم الزماني من الرسول صلى الله عليهوآله وسلم. هذا التفسير النفسي والاجتماعي والتاريخي للعصمة تمّ في إطار مصدرها الغيبي. ويفسر الصدر عصمة الإمام المهدي عليه السلام بالاعتماد على مصدرها الغيبي والاعتماد كذلك على التفسير التأريخي: الغيبة الكبرى تجعل الإمام المهدي عليه السلام يستوعب حركة التأريخ وظهور الحركة وانحطاطها من موقع علاقة التأريخ بالتعالي. ↑
- () أنظر: استجواب أجوبة مجلة العالم مع آية الله جوادي آملي (حامل رسالة الإمام الخميني إلى غورباتشوف) حيث إن الإمام الخميني خاطب غورباتشوف من موقع علاقة التأريخ بالغيب. مجلة العالم، لندن أكتوبر 1990م عدد 347، ص 31. ↑
- () مع العلم بأن الدول القومية في العالم الإسلامي تسير هي الأخرى في خط الانحراف. ↑
- () المهدوية الوضعية هي الرؤى المستقبلية لفلسفات التأريخ الوضعية. ↑
- () بحث حول الإمام المهدي عليه السلام. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () لقد تناول مالك بن نبي فكرة المستقبل (مستقبل الأمة) من المنظور الإسلامي، وحللها تحليلاً فلسفياً انطلاقاً من الآية الكريمة: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [سورة الصف، الآية: 9] أنظر: مالك بن نبي: المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. جامعة دمشق 1970م. ↑
- () التفسير الموضوعي. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 65 ـ 66 وص 105. ↑
- () بحوث إسلامية (فصل: العمل الصالح في الإسلام) ص 31 إلى 42. ↑
- () وهكذا تبرز علاقة فلسفة التأريخ بالعبادة عند الصدر. أنظر التفسير الموضوعي: 181 ـ 184. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 47 ـ 54. ↑
- () غالب حسن: من مقال: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، ما قبل الخطاب، مجلة الفكر الجديد نشر دار الإسلام ـ لندن، يوليو 1993م عدد 6 ص 157. ↑
- () غالب حسن، نفس المصدر، ص 159. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 94 ـ 100. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 160 ـ 175. ↑
- () اقتصادنا، ص 65 ـ 67. ↑
- () عالج الصدر مشكلة الحقب التأريخية، لا كموضوع مستقل بل كخلفية فلسفية ومعرفية لكل كتاباته تقريباً. وفكرة التحقيب أو تقسيم التأريخ إلى عصور تتميز عند الصدر بنوعيتها. فهي تتضمن إعادة النظرة في التأريخ البشري كله بصورة تتجاوز الرؤية الغربية التي تقسم التأريخ انطلاقاً من المركزية الغربية: العصر القديم، الوسيط والحديث. فالصدر له تقسيم آخر للتأريخ يجسد فيه ظهور الإسلام النقطة المركزية؛ لأنه الدين الخاتم الذي يستوعب كل الرسالات السابقة، ويتمتع نتيجة لذلك بالكونية التي تسمح له بمجابهة الشرك المسلح بالفلسفة والتكنولوجيا، وقيادة البشرية نحو المثل الأعلى الحقيقي، ومن هنا يرتكز التحقيب على مفهومي الخط الرسالي والخط المنحرف.ونتيجة لذلك لا يُقسم التأريخ انطلاقاً من تاريخ المسلمين الواقعي والمحدود (العصر الأموي والعصر العباسي مثلاً …) بل انطلاقاً من التأريخ الحقيقي المتمحور حول التوحيد. لقد عالج مشكلة التحقيب د. كليم صديقي في كتابه: التوحيد والتفسيح. المعهد الإسلامي، لندن 1984م. وكذلك علي شريعتي في كتابه: العودة إلى الذات، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1986م. ↑
- () Edgar Morin: Une Crise du Futur (Le Courier de PUNESCO) December 1992, Paris, P. 25. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة) وكذلك التفسير الموضوعي: 146 ـ 155. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة). ↑
- () اعتمدت في هذا البحث على الترجمة الفرنسية لكتاب نهاية التأريخ والإنسان الأخير الذي ألفه فرانسيس فوكوياما. ↑
- () الإنسان: هيجل في طريقه إلى واشنطن، مجلة الاجتهاد، نشر دار الاجتهاد، بيروت، ربيع صيف 1993م، عدد 15، 16 ص 83. ↑
- () اقتصادنا (إنسان العالم الإسلامي ـ الإنسان الأوروبي) (المقدمة). ↑
- () العقل الذي يستخدمه فوكوياما هو مجرّد عقل نفعي ليس العقل الذي يتمتع بإمكانية التعالي. ↑
- () بحث حول الإمام المهدي عليه السلام وكذلك خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () مصدر سابق. ↑
- () مصدر سابق. ↑
- () فوكوياما: نهاية التأريخ والإنسان الأخير (باللغة الفرنسية، أنظر: التعليق رقم 115) ص 323 ـ 330. يمكن نقد هذه الأفكار التي طرحها فوكوياما.يمكن نقدها بصورة جذرية من خلال كتب الصدر الخاصة: مفهوم «المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر» انظر التفسير الموضوعي، ص 162 ـ 165. ↑
- () فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص 11 ـ 24. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 179 ـ 180 وكذلك منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () يمكن كذلك نقد مفهوم الإنسان الأخير (نهاية التأريخ والإنسان الأخير) عن طريق مفهوم «المثل الأعلى التكراري» الذي صاغه الصدر في كتابه التفسير الموضوعي، 170 ـ 177. ↑
- () القطيعة الإبستمولوجية هنا لها معنى خاص؛ لذلك فالفكر الإسلامي في حاجة ماسة إلى صياغة أبستمولوجيا خاصة به، قد تلتقي مع الإبستمولوجيا بمفهومها الغربي في بعض الجوانب وتختلف في جوانب أخرى. لكن القطيعة التي أحدثها الصدر تتميز بالطرح الجديد للموضوع بصورة جذرية إلى درجة أن القطيعة هنا هي كتلك التي وقعت بين الفكر العلمي والفكر الخرافي من حيث شدتها وعمقها. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة) وكذلك: منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة). ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () لم أذكر الثورة الإسلامية في إيران على اعتبار أن هذه الثورة المباركة اعتمدت على فكر إسلامي عميق إلى درجة كبيرة وعلى مرجعية الفقهاء وخاصة الإمام الخميني (قدس) في حين أن الثورات الأخرى في العالم الإسلامي رغم اعتمادها على القيم الإسلامية، لم تعتمد على الرصيد الفكري المنظم والعميق الذي اعتمدت عليه الثورة الإسلامية في إيران إضافة إلى ذلك فإن الدولة في إيران هي استمرار للثورة الإسلامية، بينما وقعت قطيعة بين الدولة والثورة في البلدان الإسلامية الأخرى إذ بمجرد الحصول على الاستقلال استولى العلمانيون على الدولة. ↑
- () جوزيف سماحة: مقال على شكل حوار مع فوكوياما ـ عنوانه: نهاية التأريخ وردود الفعل ـ مجلة الاجتهاد، (ن ـ م) ص 302 ـ 303. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () انتقد الصدر النظام الاشتراكي والرأسمالي ـ بحوث إسلامية، ص 160 ـ 165. ↑
- () الزركلي، خير الدين ـ ما رأيت وما سمعت ـ المطبعة العربية ـ مصر ـ سنة 1923 ـ ص 17. ↑
- () شرف الدين ـ السيد عبد الحسين ـ بغية الراغبين ـ مخطوطة ـ ص 62. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 62. ↑
- () المصدر نفسه ـ ص 62. ↑
- () من خطب ورسائل السيد عبد الحسين شرف الدين ـ بخط ولده السيد جعفر شرف الدين ـ ص 6. ↑
- () ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 62. ↑
- () الحر ـ الشيخ عبد الحميد ـ الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين قائد فكر وعلم ونضال ـ دار الإنصاف ـ بيروت ـ ط أولى سنة 1972 ـ ص 44. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 63. ↑
- () الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين ـ مصدر سابق ـ ص 45. ↑
- () العرفان م 33 ـ تموز سنة 1947 ـ ص 1989 (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () وادي الحجير، يجري فيه نهر صغير، كثيف الأشجار، يتوسط منطقة جبل عامل، تحيط به قرى: قبريخا ومجدل سلم والقنطرة والطيبة. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ص 64. ↑
- () المصدر نفسه ص 64. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 64. ↑
- () فضل الله ـ هادي ـ رائد الفكر الإصلاحي السيد عبد الحسين شرف الدين ـ مؤسسة عز الدين ـ ص 150. ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 64 ـ 65. ↑
- () مجلة العروبة ـ 22 كانون الأول سنة 1934م ـ العدد 20 ـ السنة الأولى ـ ص 26. ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () جريدة السفير ـ 31/7/1990/ (مقابلة مع بعض من حضر مؤتمر الحجير). ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ مصدر سابق. ↑
- () من دفتر ذكريات السيد عبد الحسين شرف الدين رسائله وخطبه ـ ص 9 ـ 10 ـ 11 (بخط ولده السيد جعفر شرف الدين). ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 989 (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق، ص 66. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، بغية الراغبين ….، بيروت: الدار الإسلامية، الطبعة الأولى، 1991، 2/ 486 ـ 489. ↑
- () المصر نفسه، 2/ 130. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 130. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 553. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 63 و64. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، بيروت: مؤسسة الأعلمي 1966، ص 11. ↑
- () المصدر نفسه، ص 10. ↑
- () المصدر نفسه، ص 56. ↑
- () بغية الرّاغبين، 2/ 67 و72. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 73 و77. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 107. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 77. ↑
- () وجوه ثقافية من الجنوب، بيروت: المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ص 11. ↑
- () بغية الراغبين … 2/ 12. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 162 و1/ 135. ↑
- () النص والاجتهاد، ص 15 و17. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، أبو هريرة، بيروت: دار الزهراء، الطبعة الخامسة، 1986، ص 192. ↑
- () علي يوسف، «إذا كانت هذه هي الأصوليّة فلسنا أصوليّين»، البلاد، العدد 107، ص 47. ↑
- () أبو هريرة ….، ص 8 و9. ↑
- () بغية الراغبين …، 2/ 480 و481. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 247. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 204 و205. ↑
- () المصدر نفسه، 1/ 9 و145 و2/ 6. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، الفصول المهمَّة في تأليف الأمة، بيروت: دار الزهراء، الطبعة السابعة، 1977، ص 22. ↑
- () المصدر نفسه، ص 143. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين أجوبة موسى جار الله، بيروت: مؤسسة أهل البيت، سلسلة المكتبة الإسلامية، 1990، ص 5. ↑
- () أبو هريرة، ص 17. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 170. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 114 و115. ↑
- () راجع: المصدر نفسه، 2/ 115 و116 و117 و123 و124 و131 و149. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 81. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 7. ↑
- () الفصول المهمة، ص 118. ↑
- () بغية الراغبين، 1/ أ. ↑
- () المصدر نفسه، 1/ 11. ↑
- () 2/ 269. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، فلسفة الميثاق والولاية، بيروت: مؤسسة الوفاء. 1984، ص 5 ـ 10. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 148. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 148. ↑
- () أبو هريرة، ص 121. ↑
- () المصدر نفسه، 157. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 120. ↑
- () المصدر نفسه، 490. ↑
- () المصدر نفسه، 227. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 70. وحدثت هذه الفتنة لمّا هاجم بعض الأقوام دار الإمام الشيرازي وكادت تحدث فتنة مذهبيَّة في العراق في ذلك الظرف العصيب. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 150 و151. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 155. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 151 و162. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 122. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 241 و243. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 573. ↑
- () راجع: المصدر نفسه، 2/ 469 ـ 472. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 473. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 473 و474. ↑
- () نقلت عن الطبعة الثانية التي طبعت في دار الساعة ـ بغداد ـ 1365هـ. ↑
- () بعد نشر هذه المقدمة خرج لسيدنا عدة كتب جليلة منها:1 ـ مسائل خلافية ـ في بعض الفروع تكلم فيها على المذاهب الخمسة طبعت في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1370هـ.2 ـ رسالة كلامية ـ حول الرؤية طبعت بصيدا أيضاً سنة 1371هـ. وطبع معها ـ فلسفة الميثاق والولاية ـ طبعة ثانية.
3 ـ كتاب إلى المجمع العلمي العربي بدمشق ـ طبع بصيدا سنة 1369هـ، بحث فيه مع رئيس المجمع الأستاذ كرد علي وناقشه الحساب فيما نسبه إلى الإمامية متجنياً عليهم.
4 ـ وسيقدم إلى الطبع كتابه ـ الاجتهاد مقابل النص. ↑
- () تحفظ بضم حرف المضارعة من أحفظ بمعنى أغضب. وفي الحديث: بدرت مني كلمة أحفظته ـ أي أغضبته ـ والمراد منها هنا، أنها تغضب الحاقد بسبب أنه لا تبقي له سبيلاً يرتاح إليه في القدح أو الكلام على المؤلف. ↑
- () كانت ثلاثاً وثلاثين سنة. ↑
- () أما الكلية اليوم فقد نمت نمواً مباركاً بفضل الله تعالى وعناية سيدنا، قدس الله سره، وإخلاص ولده السيد جعفر الذي عهد بها إليه منذ نشأتها، فانكب على خدمتها بشبابه ونشاطه حتى سما بها فأوصلها إلى رتبة أرقى المدارس، فهي اليوم تناهض أرسخ المعاهد قدماً، وتسمو على أمثالها مما تستند كياناته إلى جمعيات ودول، وأبرز ما ولد فيها «صرح المهاجر» الجديد، إذ أوفد قدس الله سره ولديه السيد صدر الدين والسيد جعفر إلى أبنائه في المهاجر الإفريقية، يتفقدانهم، ويدعوانهم إلى نجدة المشروع، فجاءا بمائتي ألف ليرة لبنانية رفعت الصرح وفق تصميم لأحدث معهد في ثلاثة أدوار، كل دور جناحان، الأول طوله ثمان وستون متراً، والثاني طوله واحد وأربعون متراً، وعرض جناحين عشرة أمتار، وفي وسط الصرح برج عظيم لساعة كبرى تضبط الوقت، وتعد الزمن، وأمام الصرح ساحة مساحتها عشرة آلاف متر وهي موصولة بالمدرسة القديمة، مسوّرة تسويراً يجعل من بنية الكلية وحدة يصح أن تدعى «مدينة العلم» في صور.وبعد ذهابه إلى الرفيق الأعلى يوم الاثنين 30 كانون الأول سنة 1957 الموافق في 8 جمادى الثانية سنة 1377هـ، تمّ دفنه بناء على وصية منه في النجف الأشرف بجوار جده الإمام علي بن أبي طالب داخل الصحن في إحدى الغرف المحيطة بالضريح في يوم الأربعاء في 1 كانون الثاني 1958. الموافق 10 جمادى الثانية سنة 1377هـ.ترك قدس الله سره، هذه المؤسسات أمانة في عنق جمعية اختار أعضاءها من الذين أعانوه في شتى مجالاته الدينية والاجتماعية والثقافية. وعهد إليها بأوقافها تغذيها وتنميها وقد كانت هذه الجمعية بشخص رئيسها السيد خليل فرعوني عند حسن ظن السيد المؤسس إنشاء وبناء، حتى أصبح للجعفرية اليوم بفضل هذه الجمعية عقارات شامخة هي أبرز عقارات صور التجارية. ↑
- () أقام سماحته الصرح الجديد للكلية الجعفرية في هذا المكان وفق تصميمه. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 27. ↑
- () الكافي م 1 ص 183 وص 371 و375 وإلزام الناصب ص 4 ـ 5 والمحجة البيضاء ج 1 ص 54. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 105. ↑
- () سورة يونس، الآية: 53. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 176 وإعلام الورى ص 423 والبحار ج 53 ص 80 وبشارة الإسلام ص 300 والإمام المهدي ص 253 وإلزام الناصب ص 129. ↑
- () البحار ج 52 ص 302. ↑
- () عيون أخبار الرضا ج 2 ص 130. ↑
- () الإرشاد ص 326 ومجمع البيان م 3 ج 18 ص 152 والبيان ص 59 وكشف الغمة ج 3 ص 264 ومنتخب الأثر ص 142 و153 و247 والصواعق المحرقة ص 161 وينابيع المودة ج 3 ص 81 و86 و165 وبشارة الإسلام ص 282 و287 باختلاف يسير، ومثله في الحاوي للفتاوي ج 2 ص 125 والبحار ج 51 ص 74 وج 52 ص 125 وذخائر العقبى ص 136 وإعلام الورى ص 402 والغيبة للطوسي ص 112. ↑
- () الوسائل م 18 ج 51 ص 65 والبحار ج 52 ص 125 والملاحم والفتن ص 114 وإسعاف الراغبين 147 بلفظ قريب ومثله في نور الأبصار ص 229 ـ 230 وإلزام الناصب ص 78 وينابيع المودة ج 3 ص 170. ↑
- () بشارة الإسلام ص 60. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 103. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 5. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 10. ↑
- () منتخب الأثر ص 518 والبحار ج 53 ص 171. ↑
- () البحار ج 53 ص 178 في كتاب طويل، ومثله في الغيبة للطوسي ص 172 وكذلك في الإمام المهدي ص 251 و255 ومنتخب الأثر ص 386 وإلزام الناصب ص 129. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 9 والخبر في البحار ج 52 ص 250 ـ 251 والغيبة للنعماني ص 162 وفي بشارة الإسلام ص 166 عن الجواد عليه السلام. ↑
- () الكافي م 1 ص 401 وفي إلزام الناصب ص 12 عن أمير المؤمنين بلفظ قريب، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 204. ↑
- () الوسائل م 18 ح 43 ص 63 والكافي م 1 ص 403. ↑
- () إعلام الورى ص 424 وعدة مصادر. ↑
- () الكافي م 1 ص 370 وإلزام الناصب ص 81. ↑
- () سورة يونس، الآية: 53 راجع الغيبة للطوسي ص 110. ↑
- () إلزام الناصب ص 4 ومنتخب الأثر ص 270 والغيبة للنعماني ص 7 والغيبة للطوسي ص 132 والبحار ج 52 ص 92 والمهدي ص 101 وينابيع المودة ج 3 ص 148 قريب منه، ونهج البلاغة ج 4 ص 37. ↑
- () البحار ج 51 ص 72 وإعلام الورى ص 399 وينابيع المودة ج 3 ص 163 و168 والمهدي ص 148 و206 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و269 بلفظ آخر، ومثله في البيان ص 57 وحقائق الإنسان ص 162. ↑
- () عيون أخبار الرضا ج 2 ص 60 ومنتخب الأثر ص 143. ↑
- () البيان ص 63 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 130 قريب منه، وكشف الغمة ج 3 ص 267 ومنتخب الأثر ص 143 و179 والإمام المهدي ص 69 و106 و296 وإلزام الناصب ص 53 وإسعاف الراغبين ص 133 و142 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124 و148 و155 والغيبة للطوسي ص 114 بعضه، والبحار ج 51 ص 75 نصفه الأول ومثله في الملاحم والفتن ص 60 و68 والمهدي المنتظر ص 43 وينابيع المودة ج 3 ص 86 ما عدا آخره ومثله في ص 88 والمهدي ص 73. ↑
- () الاختصاص ص 208 والبيان ص 80 ومنتخب الأثر ص 199 والمهدي ص 58 وبشارة الإسلام ص 282 و292 وإلزام الناصب ص 53 عن الفصول المهمة وص 256 والبحار ج 51 ص 91 أوله، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 130 قريب منه، وكشف الغمة ج 3 ص 261 بلفظ آخر وص 272 وينابيع المودة ج 3 ص 93 بلفظ آخر وص 163 عن غاية المرام وص 165 و167 والمهدي ص 58. ↑
- () البحار ج 51 ص 78 وبشارة الإسلام ص 280 و292 وفي نور الأنوار ص 143 تجد نسب أم الباقر عليها السلام. ↑
- () منتخب الأثر ص 85 والبحار ج 51 ص 78 وج 52 ص 266 ـ 267 و280 أوله، والبيان ص 56 وذخائر العقبى ص 136 والمهدي ص 56 و188 وبشارة الإسلام ص 24 و33 و218 و289 والإمام المهدي ص 77 ـ 78 وص 215 ـ 216 وينابيع المودة ج 3 ص 165 بلفظ مختلف، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 137 بلفظ آخر. ↑
- () الكافي م 1 ص 534 ومنتخب الأثر ص 33 بلفظ آخر والغيبة للطوسي ص 93 عن أمير المؤمنين عليه السلام والبحار ج 53 ص 142 بلفظ آخر، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 162 عن غاية المرام. ↑
- () المهدي ص 104 وكشف الغمة ج 3 ص 294 بلفظ آخر. ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 167 وفي صحيح مسلم ج 6 ص 3: كلهم من قريش، ومنتخب الأثر ص 51 و82 والإمام المهدي ص 22 و28 و105 وإلزام الناصب ص 64 بلفظ قريب. ↑
- () البيان ص 66 ومنتخب الأثر ص 81 و154 وكشف الغمة ج 3 ص 263 و267 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 والغيبة للطوسي ص 113 والبحار ج 51 ص 65 وينابيع المودة ج 3 ص 91 والصواعق المحرقة ص 158 ـ 185 وبشارة الإسلام ص 286 و290 والإمام المهدي ص 65 عن ذخائر العقبى، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124. ↑
- () الإرشاد ص 328. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 108. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 297 والإمام المهدي ص 23 وإلزام الناصب ص 64 ومنتخب الأثر ص 58 ومعاني الأخبار ص 370 وينابيع المودة ج 3 ص 168 والمهدي ص 101 وإعلام الورى ص 370 والوسائل م 18 ح 27 ص 562. ↑
- () البحار ج 52 ص 378 والغيبة للنعماني ص 58 أوله، ومنتخب الأثر ص 53 بلفظ آخر، ومثله في الملاحم والفتن ص 27. ↑
- () منتخب الأثر ص 32 وإلزام الناصب ص 63 ـ 64 وفي ص 237 بتفصيل، والبحار ج 51 ص 73 قريب منه، ومثله في كشف الغمة ج 3 ص 267 والإمام المهدي ص 108 وإعلام الورى ص 370 نصفه الأول، والكافي م 1 ص 209 باختلاف يسير والمحجة البيضاء ج 1 ص 243 ـ 244 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 53. ↑
- () منتخب الأثر ص 151 وفي ينابيع المودة ج 3 ص 174 بعضه. ↑
- () إعلام الورى ص 381 وإلزام الناصب ص 63 وبشارة الإسلام ص 8 ـ 9 ما عدا آخره، والبحار ج 52 ص 310 باختلاف يسير. ↑
- () إعلام الورى ص 399 وإلزام الناصب ص 126 عن الصادق عليه السلام ومثله في البحار ج 52 ص 91 ما عدا آخره … وبشارة الإسلام ص 18 والمهدي ص 146 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 و169 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337. ↑
- () في مجمع البحرين ج 5 ص 78 قال الإمام الصادق عليه السلام: مصحف فاطمة عليها السلام فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات. والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، وليس فيه من حلال ولا حرام، ولكن فيه علم ما يكون. انظر الغيبة للطوسي ص 92. ↑
- () البحار ج 51 ص 77 وج 52 ص 277 ما عدا آخره وص 312 وينابيع المودة ج 3 ص 160 بتفصيل، ومثله في المهدي ص 229 وبشارة الإسلام ص 5 و12 و13 بتفصيل وص 244 والإمام المهدي ص 216 ومنتخب الأثر ص 135و 423 بلفظ آخر، ومثله في عيون أخبار الرضا ج 1 ص 36 و206 بلفظ آخر. والغيبة للطوسي ص 95 وإلزام الناصب ص 64 و66 و251 أوله نقلاً عن البيان. ↑
- () الإمام المهدي ص 333؟ والبرهان ص 75 وإلزام الناصب ص 227. ↑
- () منتخب الأثر ص 141 وص 215 عن الصادق عليه السلام وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 65 بلفظ آخر، ومثله في المهدي ص 206 وفي بشارة الإسلام ص 284 ونور الأبصار ص 171 و231 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و264 و265 و266 قريب منه، والصواعق المحرقة ص 98 والمحجة البيضاء ج 4 ص 335 والمهدي ص 48 و114 و115 وينابيع المودة ج 3 ص 86 و164 نصفه الأول. ↑
- () بشارة الإسلام ص 59 و35 مع زيادة، وكذلك في ص 286 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 133 وإلزام الناصب ص 251 و252 وإسعاف الراغبين ص 133 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و166 بتفصيل. ومثلُه في المهدي ص 230 وكشف الغمة ج 3 ص 264 بلفظ قريب، ومثله في البيان ص 90. ↑
- () إعلام الورى ص 400 نصفه الأول، وفي منتخب الأثر ص 158 نصفُه الأخير. ↑
- () مسند أحمد م 5 ص 106 والإمام المهدي ص 15. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 165 والإمام المهدي ص 18 وصحيح البخاري ج 4 ص 185 والملاحم والفتن ص 132 وصحيح مسلم م 2 ص 191 ومسند أحمد م 5 ص 106. ↑
- () صحيح البخاري ج 9 ص 62 وذخائر العقبى ص 12. ↑
- () منتخب الأثر ص 65 والإمام المهدي ص 30. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 108 وص 162 ومنتخب الأثر ص 149 وإلزام الناصب ص 59 والإمام المهدي ص 299 نقلاً عن غاية المرام ص 662. ↑
- () منتخب الأثر ص 492 وفيها: من أنكر القائم من وُلدي فقد أنكرني. وفي الاختصاص ص 268: من مات وليس له إمام يسمع له ويُطيع، مات ميتةً جاهلية، ومثلُه في البحار ج 7 ص 20. ↑
- () بشارة الإسلام ص 52 وإلامام المهدي ص 79 وإعلام الورى ص 400 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337 عن الرضا عليه السلام وفي منتخب الأثر ص 467 عن الصادق عليه السلام نصفه الأول. ↑
- () إلزام الناصب ص 11. ↑
- () إعلام الورى ص 378. ↑
- () البحار ج 51 ص 34 والإرشاد ص 342 وإعلام الورى ص 434 والغيبة للطوسي ص 281 والمحجة البيضاء ج 4 ص 341. ↑
- () إلزام الناصب ص 82. ↑
- () البحار ج 51 ص 33 وج 53 ص 184 وإلزام الناصب ص 82. ↑
- () إلزام الناصب ص 82 وإعلام الورى ص 423. ↑
- () منتخب الأثر ص 162 والملاحم والفتن ص 58 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 134 والمهدي ص 207 نقلاً عن البخاري ـ الفصل ـ 7. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 114 وبشارة الإسلام ص 54 والبحار ج 51 ص 115 وفي منتخب الأثر ص 309 بعضه. ↑
- () نهج البلاغة ج 2 ص 108 وشرح النهج م 2 ص 435 حيث قال ابن أبي الحديد: وليس ببعيد عندي أن يريد به القائم من آل محمد عليه السلام ومنتخب الأثر ص 150 وينابيع المودة ج 3 ص 94 والمهدي ص 18 والإمام المهدي ص 84. وشرح النهج م 4 ص 336 حيث قال ابن أبي الحديد: إن أصحابنا يقولون: إنه وعد بإمام يملك الأرض. ↑
- () نهج البلاغة ج 1 ص 36. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 206 والملاحم والفتن ص 138 وكشف الغمة ج 3 ص 318 والكافي م 1 ص 371 و377 وإلزام الناصب ص 5 و27 وعيون أخبار الرضا ج 3 ص 58 روي في المصادر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن بعض الأئمة عليهم السلام. ↑
- () الاختصاص ص 268. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 62 وإلزام الناصب ص 127 بلفظ آخر. ↑
- () إعلام الورى ص 384. ↑
- () منتخب الأثر ص 271 والبحار ج 52 ص 92 عن الصادق عليه السلام. ↑
- () معاني الأخبار ص 132. ↑
- () منتخب الأثر ص 172. ↑
- () البحار ج 52 ص 224 وإلزام الناصب ص 176 وإعلام الورى ص 427 بعضه، ومثله في الملاحم والفتن ص 99 وفي بشارة الإسلام ص 103 بعضه. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 297 والمُحدَّثُ هو الذي يُلقي أحدُ الملائكة في ذهنه ما ينبغي أن يقوله. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 7 و46 والإرشاد ص 328. ↑
- () البحار ج 51 ص 34 و139 بلفظ قريب، والغيبة للنعماني ص 87 ومنتخب الأثر ص 288: انظروا من تخفى على الناس ولادته … والكافي م 1 ص 342 بلفظ قريب. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 314 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 والبحار ج 52 ص 279 و283 والاختصاص ص 289 وإعلام الورى ص 408 وإلزام الناصب ص 53 والإمام المهدي ص 80. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 134 وإلزام الناصب ص 4 عن الصادقين عليهم السلام وفي الكافي م 1 ص 178 و179 بلفظ آخر. ↑
- () إلزام الناصب ص 4 و245 والغيبة للنعماني ص 69 وينابيع المودة ص 3 و ص 148 بلفظ قريب، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 212 والغيبة للطوسي ص 132 والكافي م 1 ص 79 بلفظ آخر. ↑
- () إلزام الناصب ص 78. ↑
- () البحار ج 51 ص 140 والغيبة للنعماني ص 41 والإمام المهدي ص 90 عن كشف الغمة والوسائل م 18 ح 32 ص 564. ↑
- () الوسائل م 18 ح 37 ص 565. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 157 راجع الكافي م 1 ص 181 و429. ↑
- () البحار ج 51 ص 141 و378 وبشارة الإسلام ص 246. ↑
- () الوسائل م 18 ح 29 ص 563. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 158. ↑
- () الكافي م 1 ص 536 وإلزام الناصب ص 229 ما عدا آخره. ↑
- () سورة النحل، الآيتان: 8 ـ 9. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 42. ↑
- () منتخب الأثر ص 242 والبحار ج 51 ص 38 و143 وإعلام الورى ص 403 والغيبة للطوسي ص 139 ـ 140 وإلزام الناصب ص 67. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () الملاحم والفتن ص 166 والبحار ج 51 ص 164. ↑
- () أنظر ينابيع المودة ج 3 ص 25 وغيره من المصادر. ↑
- () منتخب الأثر ص 501 والبحار ج 52 ص 93 وإعلام الورى ص 405 وإلزام الناصب ص 80. ↑
- () سورة آل عمران ـ 36 راجع البحار ج 52 ص 119 وإلزام الناصب ص 20. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 36 راجع البحار ج 52 ص 119 وإلزام الناصب ص 20. ↑
- () منتخب الأثر ص 214 والمهدي ص 61. ↑
- () منتخب الأثر ص 214 والمهدي ص 61. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 63 والكافي م 1 ص 373 عن الكاظم عليه السلام. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 63 والكافي م 1 ص 373 عن الكاظم عليه السلام. ↑
- () إعلام الورى ص 403 وكشف الغمة ج 3 ص 313 والبحار ج 51 ص 143 وإلزام الناصب ص 67. ↑
- () إلزام الناصب ص 82 والبحار ج 51 ص 32. ↑
- () منتخب الأثر ص 288 وكشف الغمة ج 3 ص 314 وفي الغيبة للنعماني ص 88 عن الصادق عليه السلام. ↑
- () إعلام الورى ص 408 وبشارة الإسلام ص 161 ومنتخب الأثر ص 220 وإلزام الناصب ص 53 والمهدي ص 98 والبحار ج 52 ص 321 ـ 322 والإمام المهدي ص 92 عن الجواد عليه السلام وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 والاختصاص ص 316 وغاية المرام ص 666. ↑
- () الإمام المهدي ص 92 و279 والفصول المهمة ص 233 وينابيع المودة ج 3 ص 115 و138 وإلزام الناصب ص 61 وكشف الغمة ج 3 ص 315 وفي الكافي م 1 ص 333 نصفه الأخير، ومثله في منتخب الأثر ص 262. ↑
- () إعلام الورى ص 408 وإلزام الناصب ص 68. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 98 والبحار ج 51 ص 157 وبشارة الإسلام ص 164. ↑
- () البحار ج 52 ص 283 وينابيع المودة ج 3 ص 164 بلفظ قريب. ↑
- () البحار ج 51 ص 33 وإلزام الناصب ص 68. ↑
- () منتخب الأثر ص 226 و127 والغيبة للطوسي ص 122 وإعلام الورى ص 410 والبحار ج 51 ص 158 وإلزام الناصب ص 69 و82 والكافي م 1 ص 332 بلفظ آخر، والإمام المهدي ص 93. ↑
- () منتخب الأثر ص 226 والبحار ج 51 ص 160 وإعلام الورى ص 412. ↑
- () نور الأبصار ص 167 والغيبة للطوسي ص 123 وكشف الغمة ج 3 ص 293 والإمام المهدي ص 278. ↑
- () البحار ج 53 ص 191 والإمام المهدي ص 258. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 148 و158 والملاحم والفتن ص 147 وفي منتخب الأثر ص 163 ـ 164 تجده مع نقاش جرى مع معاوية بن أبي سفيان بشأن المهدي، هو جدير بالاطّلاع عليه. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 101. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 299 والملاحم والفتن ص 96 والمهدي ص 75 و225 نقلاً عن عقد الدرر، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 153 والإمام المهدي ص 97. ↑
- () بشارة الإسلام ص 103 وفي البحار ج 52 ص 239 قسمهُ الأخير عن الباقر عليه السلام ومثله في الغيبة للنعماني ص 151 وكذلك في المهدي ص 226. ↑
- () الإمام المهدي ص 349 ـ 350 ذكره بتفصيل نقلاً عن البرهان ص 67. ↑
- () إلزام الناصب ص 173 نقلاً عن الفتوحات. ↑
- () الكافي م 2 ص 47 وم 2 ص 182. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 175 والبحار ج 53 ص 194 ـ 195 والإمام المهدي ص 260 ـ 261 وإلزام الغاصب ص 128. ↑
- () توفي أبوه ليلة الثامن من ربيع الأول سنة 260 هجرية، وكان قد وُلِد فجر يوم الجمعة 15 شعبان من سنة 255 هجرية أنظر المحجة البيضاء ج 4 ص 335 والبحار ج 51 ص 23 ومصادر غيرها لا تحصى. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 33. ↑
- () إعلام الورى ص 393 والبحار ج 51 ص 13 وكشف الغمة ج 3 ص 265 و309 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337 ومنتخب الأثر ص 256 و345 والإمام المهدي ص 8 و342 ونور الأبصار ص 168 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () الكافي م 1 ص 411 والبحار ج 51 ص 24 ومنتخب الأثر ص 214 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و265، و269 والغيبة للطوسي ص 164 و165 وينابيع المودة ج 3 ص 166 والإمام المهدي ص 8 و336 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () الكافي م 1 ص 412. ↑
- () راجع ينابيع المودة ج 3 ص 112 و113 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () البحار ج 52 ص 373 ومنتخب الأثر ص 517 وفي الغيبة للطوسي ص 282: من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة. ↑
- () سورة هود، الآية: 86. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 259 و269 والبحار ج 51 ص 80 و90 وبشارة الإسلام ص 282 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124 ونور الأبصار ص 168 والإمام المهدي ص 337 والبيان ص 80 و96 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 ومنتخب الأثر ص 143 والملاحم والفتن ص 58 و113 وينابيع المودة ج 3 ص 87 وإلزام الناصب ص 138 و139 و256. ↑
- () منتخب الأثر ص 185 والبحار ج 51 ص 78 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 136 و137 و160 وبشارة الإسلام ص 282 و283 و294 ونور الأبصار ص 170 والإمام المهدي ص 68 والفصول المهمة ص 276 وإسعاف الراغبين ص 134 وينابيع المودة ج 3 ص 90 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 وإلزام الناصب ص 138 وص 256. ↑
- () البحار ج 51 ص 77 والبيان ص 96 وكشف الغمة ج 3 ص 260 و277 والملاحم والفتن ص 115 و116 ونور الأبصار ص 230 وينابيع المودة ج 3 ص 135 نقلاً عن إسعاف الراغبين وعن غاية المرام وإلزام الناصب ص 139. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 259 و269 ومنتخب الأثر ص 147 أوله، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 164 ونور الأبصار ص 170 والمهدي ص 94 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 136 بعضه، وإلزام الناصب ص 139 وص 256 نقلاً عن البيان، وغاية المرام ص 668. ↑
- () الاختصاص ص 208 والبيان ص 95 بلفظ آخر والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 والبحار ج 51 ص 80 وج 52 ص 304 وينابيع المودة ج 3 ص 108 نصفه الأخير وص 162 نقلاً عن غاية المرام وبشارة الإسلام ص 283 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 160. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 260 و276 ومنتخب الأثر ص 166 مع كثير من صفاته الكريمة. ومثله في الملاحم والفتن ص 58 وينابيع المودة ج 3 ص 35 وإسعاف الراغبين ص 149 وبشارة الإسلام ص 282 وإلزام الناصب ص 104 بعضه، وص 138 و139. ↑
- () البحار ج 52 ص 51 وبشارة الإسلام ص 220 والمهدي ص 53 وإعلام الورى ص 434 بلفظ آخر والبيان ص 95 ومنتخب الأثر ص 186. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 114 وفي منتخب الأثر ص 150 بلفظ قريب وكذلك في البحار ج 51 ص 131 وإعلام الورى ص 434 وإلزام الناصب ص 138 و139 وينابيع المودة ج 3 ص 174 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 165 بعضه. ↑
- () البحار ج 51 ص 36 وإلزام الناصب ص 138 وص 178 والغيبة للطوسي ص 281. ↑
- () منتخب الأثر ص 154 والملاحم والفتن ص 123. ↑
- () منتخب الأثر ص 157 وينابيع المودة ج 3 ص 131 ـ 132. ↑
- () البحار ج 51 ص 35 ومنتخب الأثر ص 185 وإلزام الناصب ص 138 و139 والملاحم والفتن ص 58 بعضه. ↑
- () الغيبة للنعغماني ص 127 عن الصادق عليه السلام ومنتخب الأثر ص 309 والمهدي ص 74 وص 226 نقلاً عن عقد الدرر. ↑
- () إلزام الناصب ص 214. ↑
- () إلزام الناصب ص 197. ↑
- () إلزام الناصب ص 198. ↑
- () إلزام الناصب ص 104 وص 138 و139. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 115 والبحار ج 51 ص 40 و41 وإلزام الناصب ص 139 ومنتخب الأثر ص 241 مع صفاتٍ غيرها. ↑
- () منتخب الأثر ص 165 وإلزام الناصب ص 104 وص 108 بعضُه. ↑
- () إلزام الناصب ص 138. ↑
- () منتخب الأثر ص 258 وإعلام الورى ص 407 بلفظ آخر وفي مصادر أخرى كثيرة نقل بعضُها عن بعض. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 259 وإعلام الورى ص 403 والبحار ج 52 ص 287 ومنتخب الأثر ص 285. ↑
- () الإرشاد ص 342 وإلزام الناصب ص 138 و139. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 147 والملاحم والفتن ص 58 و59 وفي نور الأبصار ص 170 كثير من صفاته الشريفة وكذلك في إلزام الناصب ص 138 و139. ↑
- () الملاحم والفتن ص 58 والإمام المهدي ص 97 عن كعب الأحبار. ↑
- () إعلام الورى ص 407 ومنتخب الأثر ص 221 وكشف الغمة ج 3 ص 314 بلفظ آخر والبحار ج 52 ص 322 عن الرضا عليه السلام. ↑
- () إلزام الناصب ص 138 و139 وفي الإمام المهدي ص 337 شيء منه. ↑
- () البحار ج 52 ص 319 وفي الكافي م 1 ص 233 قال: وقائمُنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله، ومثله في إلزام الناصب ص 7. ↑
- () منتخب الأثر ص 422 وبشارة الإسلام ص 164 وإلزام الناصب ص 68 أوله وص 138 آخره. ↑
- () منتخب الأثر ص 285 وص 221 بلفظ آخر وإعلام الورى ص 435 والبحار ج 52 ص 285 و322 نصفه الأول. وكشف الغمة ج 3 ص 314 بلفظ آخر. ↑
- () المهدي ص 266 نقلاً عن عقد الدرر والحاوي للفتاوي ج 2 ص 147. ↑
- () إلزام الناصب ص 10 في حديث طويل. ↑
- () إلزام الناصب ص 10 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 170. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 74 وبشارة الإسلام ص 189 والبحار ج 52 ص 266. ↑
- () إلزام الناصب ص 96 وإسعاف الراغبين ص 142. ↑
- () المهدي ص 97. ↑
- () الصواعق المحرقة ص 161. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 205 وبشارة الإسلام ص 88 ومنتخب الأثر ص 58 ونهاية الخبر تأتي في هذا الكتاب مع جميع مصادره إن شاء الله تعالى. ↑
- () إلزام الناصب ص 73 وينابيع المودة ج 3 ص 53 والمهدي ص 74 آخره. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 170 وفي بشارة الإسلام ص 189: أعلمهُم علماً، وأقدمُهم سلماً، وأوقرهُم حِلماً، وغاية المرام ص 707. ↑
- () إلزام الناصب ص 9. ↑
فريق من الوجهاءء فأماتهم خنقاً في سجون عكا، وشرّد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة. وهاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد النائية كالهند والعراق وإيران وأفغانستان. وفر من بقي من الحكام وأبناء العشائر إلى جبال حلب والأناضول وقصد بعضهم «عكار» فأنزلهم حاكمها علي بك الأسعد المرعبي في دار رحبة لم تزل للآن تعرف بدار العشائر.
وهكذا دامت الحال سنين والعامليون يقاسون ضروب العسف والشقاء. فحملهم ذلك على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم. فثار الزعماء وأبناء العشائر وألّفوا العصابات الثورية.
وفي سنة 1198هـ ـ 1783م اجتمع في (شحور) جماعة من أعيان البلاد وقد أعياهم أمر الجزار وأرهقهم جوره وما أصاب البلاد من شروره. فأجمع رأيهم على الكفاح وإنقاذ البقية الباقية من وطنهم من الدمار. فألفوا فرقة من رجالهم الأشداء للفتك بعمّال الجزار وجنوده التي كانت ترابط في حواجز جبل عامل وتحتلها احتلالاً عسكرياً صارماً، وتلزمها بنفقاتها وعلف خيولها وإعاشتها واحتمال أضرارها وأذاها. وقد جمعهم الجزار من شذاذ الآفاق كما كان سائر جنده مؤلفاً من أرناؤوط ودالاتية وأكراد. وكان على رأس الثورة الشيخ حمزة بن محمد النصار من آل علي الصغير. ومدير شؤونها الشيخ علي الزين صاحب شحور. وهاجمت الفرقة حاكم البلاد العام في (تبنين) من طرف الجزار فذبحوه ذبح النعاج، وأثخنوا بأعوانه وجنده ونهبوا الخزينة الأميرية([2]). فأرسل الجزار جنوده وزبانيته تتعقب الثوار فداهموهم في قرية شحور ودارت بينهما حرب دامية قتل فيها الشيخ حمزة النصار وفر أعوانه.
وسار الشيخ علي الزين وإخوانه إلى العراق، وواصل الشيخ علي سيره إلى إيران في عهد (محمد شاه) فأكرم وفادته. ثم أتى الهند فاستوزره أحد ملوكها (نوابها) وأقام فيها زمناً إلى أن وقعت البلاد في يد الإنكليز فعاد إلى وطنه.
وقد ذكر هذه القطعة المؤرخ اللغوي الشيخ علي سبيتي في مجموعته، ووردت في تاريخ صيدا صحيفة 156:
كان دور العصابات والفدائيين ويسمى بعهد (الطياحة) أتعس دور مر على جبل عامل. وقع فيها بين نارين: نار زبانية الجزار ونار رجال الثورة. فالزبانية التي كان يقذفها الطاغية تعيث في البلاد فساداً وتضيق الخناق على الأهلين المساكين، وتؤلف منهم فرقاً لمطاردة العصابات فلا تظفر بهم. والثوار يشنون الغارة للسلب والنهب وحرق القرى وتدمير البيوت متغلغلين في بطون الأودية بين الأحراج والغابات معتصمين برؤوس الجبال.
المعاهدة مع الوالي سليمان باشا
ولم تهدأ الأحوال بعد هلاك الطاغية الجزار سنة 1219هـ ـ 1804م وتعيين سليم باشا ثم سليمان باشا خلفاً له. فاتسعت حرب العصابات وامتدت سلطة الثوار فشملت بلاد عكا وصفد وكانوا يفرضون الضرائب والرسوم على البلاد ويفتكون بمن يخالفهم.
ورأى الوالي سليمان باشا، وكان سلس القيادة ليّن العريكة، ما أصاب جنده من الفشل، وما ألم بالبلاد من بؤس وشقاء، فأيقن أنها سائرة إلى الخراب التام حتماً فمال إلى اللين، واستدعى إلى عكا الشيخ علي الفارس عميد آل صعب فأقامه حاكماً عاماً في قلعة (تبنين) ولم يكن يجسر أحد على قبول ذلك المنصب بعد ذبح الحاكم السابق كما أشرنا، ولم يقبل الشيخ علي الفارس (وكان شيخاً محنكاً) ذلك المنصب إلا بعد اتفاقه مع زعماء الثوار على أن يسعى بإجلاء جيش الأتراك والأرناؤوط عن البلاد، وإرجاع الحكم إلى أهلها.
وأرسل الوالي سليمان باشا ضابطاً ألبانياً يدعى (بكر آغا) لمفاوضة الثوار والاتفاق معهم على شروط الصلح والتسليم فرفضوا مفاوضته حذراً من الغدر والخديعة. فكتب سليمان باشا إلى الأمير بشير الشهابي الثاني يطلب وساطته لإخماد نار الثورة وإقناع الثوار بالكف عن العدوان على أن تجاب مطالبهم. وإثر تدخل الأمير الشهابي مع الزعماء قبلوا أن يغمدوا سيوفهم ويسكنوا حركاتهم ويدخلوا في مفاوضة مع الوالي سليمان باشا. ثم عقدوا اجتماعاً في حضرة الأمير بشير في بيت الدين حضره الشيخ فارس الناصيف وذوو قرابته وأقروا فيه الخطة التي يجب أن يسار عليها.
وتولى (كاخية)، معتمد الأمير الشهابي، الشيخ جرجس باز والحاج حسن الشيت (كاخية)، معتمد الشيخ فارس الناصيف، إدارة المفاوضة بين الوالي والثوار. وأقر الوالي سليمان باشا وراغب أفندي معتمد الباب العالي شروط الصلح وإخماد الثورة على الوجه الآتي:
أولاً: العفو العام عن عموم الثائرين.
ثانياً: يعطى لهم إقليم الشومر ملكاً لهم ولذريتهم مقسوماً بالتساوي بدلاً عن أملاكهم التي ضبطتها /الدولة([3]) (على أن يستثنى منه قرى: الصرفند وأنصار ـ وقلعة ميس) مرفوعة القدم ممنوعة القلم (أي معفاة من الضرائب والأموال الأميرية) من دون معارض ولا منازع كما ذكر في (البيولريدي) المنشور الرسمي.
ثالثاً: أن لا يكون دخل في حكم البلاد ولا سلطة لموظفي الدولة عليهم. وإنما يرجعون في أمورهم وفصل الخلاف الذي يقع بينهم إلى شيخ المشايخ الشيخ فارس الناصيف. فهو يمثلهم تجاه الحكومة وبه تنحصر المخابرات، وعليه تعود المسؤولية.
وفي تاريخ المعلم إبراهيم العورا الذي نشره وصححه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي تفصيل وافٍ لهذه الحوادث، ووصف أهوال العصابات، ومساعي الأمير بشير الشهابي، ووصول الوفد العاملي برئاسة الشيخ فارس الناصيف إلى عكا، وما لقيه من إكرام الوالي ورعايته. وأن الوالي أجلس الشيخ فارس عن يمينه، وقدم له الشبق والقهوة. (والشبق هو قصبة طويلة فيها غليون لشرب التبغ لها فم من الكهرباء) وكانت قواعد التشريفات يومئذ لا تجيز تقديم الشبق إلا لكبار الزعماء. وأنزلوا في دار رحبة ضرب على ظهرها (صيوان) قبة كبيرة لرئيس الوفد. وأرسلت لهم الموائد. ولخيولهم العلايف.
وبعد ثلاثة أيام عقد مجلس حافل حضره المفتي والقاضي وكبار القواد.
وطيب الوالي خاطر الوفد، وأثنى على طاعتهم، ووقع الاتفاق وأرسل مع (جفت تتار) اثنين من سعاة البريد إلى الآستانة فصادق عليه الباب العالي، وصدرت به (البيولوريدي) المرسوم الرسمي، واحتفل بتلاوته احتفالاً جامعاً.
ثم انفض الجمع وأكرم الوالي سليمان باشا الشيخ فارس الناصيف بخمسة آلاف غرش (أي ما يعادل خمسين ألف غرش ذهباً في هذه الأيام لأن غرش هاتيك الأيام يساوي عشرة ذهباً صاغاً عملة اليوم) وفروة من السمور تشعر بأنه شيخ المشايخ. وأنعم على بقية الوفد بأفرية السمور والعطايا. وذكرها أيضاً صاحب العقد المنضد صحيفة (130) وقبله صاحب الجوهر المجرّد.
وقال: إن الوالي سليمان باشا أمر باتخاذ قرية (الزرارية) مقراً لشيخ المشايخ. وبنيت فيها دار لرئاسة العشائر على نفقة الدولة. وعيّن لبيت الرئاسة مائتي كيس (ألف جنيه) تدفع في كل سنة من خزينة عكا وذخائر مرجعيون.
الحكومة الإقطاعية الثانية
في جبل عامل
وذكر غيرهم من المؤرخين أن هذه الاتفاقية تعدلت في عهد عبد الله باشا الخزندار والي إيالة عكا الذي خلف سليمان باشا. ففي سنة 1237هـ ـ 1821م عقد عبد الله باشا اتفاقاً مع زعماء جبل عامل وأعاد لهم حكم بلادهم كما كانوا سابقاً. وضم إليهم مقاطعة مرج العيون وكانت تتبع وادي التيم، وترك لهم خمسين ألف غرش من أموالهم الأميرية، ورتب لهم مائة غرارة شعير علائف لخيولهم، على أن يمدّوه بألفي مقاتل عند الطلب.
ولما اشتد الخلاف بينه وبين درويش باشا والي الشام خاضوا الحرب معه في معركة المزّة ومعركة جسر بنات يعقوب وأبلوا بلاءً حسناً. وقتل في إحدى المعارك الشيخ أحمد العباس من آل علي الصغير ودفن في المزة. وذكرها الأمير حيدر الشهابي في تاريخه صحيفة 710 في حوادث 1237هـ ـ 1821م وأنها تمت في عهد عبد الله باشا الخزندار الذي تولى إيالة عكا بعد سليمان باشا. ومن الغريب أنه أغفل ذكر الاتفاق الأول الذي حصل في عهد سليمان باشا وأثبته المؤرخ إبراهيم العورا وكان من كتاب سليمان باشا وحضره بنفسه.
وفي سنة 1247هـ ـ 1832م احتل الجيش المصري سوريا بقيادة الفاتح إبراهيم باشا فألغى النظام الإقطاعي وسقطت الحكومة الإقطاعية الثانية في جبل عامل.
الحالة السياسية في جبل عامل
قبل ناصيف النصار
عاش جبل عامل قبل ظهور ناصيف النصار نصف قرن في صراع دائم وصدام مستمر مع الأمراء الشهابيين. إذ كان يصر هؤلاء، يساعدهم على ذلك والي صيدا العثماني على السيطرة على جبل عامل لأهميته الاقتصادية بالنسبة إليهم. فهو يشكل بنتاجه الزراعي متمماً اقتصادياً للشوف الذي تقل فيه زراعة الحبوب. يضاف إلى ذلك بعض الاعتبارات المذهبية.
وكانت زعامة آل علي الصغير في بلاد بشارة تناضل دائماً من أجل تحقيق شكل من أشكال الاستقلال الذاتي للجبل. وكانت الزعامة في هذه المرحلة بعد 1697م قد انتهت إلى الشيخ مشرف آل الصغير الذي حاول عن طريق مناصرته للزعامة اليمنية، المناوئة للزعامة القيسية الجديدة أن يضمن استقلال الجبل. وأعلن العصيان على والي صيدا إرسلان باشا سنة 1698م وقبض على جماعة من غلمانه.
استنهض الوالي إرسلان باشا الأمير بشير الشهابي الأول على الشيخ مشرف وأطلق للأمير ولاية صفد ومقاطعات جبل عامل. زحف الأمير على العامليين واستطاع أن يهزمهم قرب قرية «المزرعة» وقبض على زعيمهم الشيخ مشرف وأخيه الحاج محمد ومدبرهما الحاج حسين المرجا وأرسلهم لإرسلان باشا الذي سجن الشيخين وقتل مدبرهما وكان آل صعب وآل منكر العامليين حكام مقاطعة الشقيف وإقليمي الشومر والتفاح قد حضروا إلى الأمير وأطاعوه وأظهروا التعصب للقيسية فقبلهم وقررهم على ديارهم ولاة من قبله([4]).
وهكذا خسر جبل عامل جولته الأولى في سعيه للاستقلال الذاتي عن الوالي العثماني وانتهى إلى سيطرة الأمير الشهابي حتى كانت سنة 1705 حين تولى الأمير حيدر الشهابي إمارة الشوف وعُزل إرسلان باشا عن ولاية صيدا، وخلفه أخوه بشير باشا فأفرد ولاية صفد وولى عليها ظاهر العمر وأقر آل صعب وآل منكر على مقاطعاتهم وأعاد آل الصغير إلى ولاية بلاد بشارة ولاة من قبله([5]).
وما إن عاد آل الصغير إلى حكم مقاطعاتهم من قبل والي صيدا حتى بدأ حنينهم إلى «الاستقلال» يعود من جديد. فعملوا بإخلاص على توحيد صفوف العامليين فانضم إليهم آل منكر وآل صعب «لما بينهم من الاتحاد بالتشيع والتعصب لليمنية»([6]).
ولكن الأمير حيدر ما لبث أن تمكن من «شراء» ولاية جبل عامل من والي صيدا. وهكذا أعلن والي صيدا حيدراً الشهابي حاكماً على جبل عامل. رفض العامليون هذا الأمر فنهض إليهم الأمير حيدر من دير القمر سنة 1707 وبلغ بلدة النبطية التي اجتمع فيها العامليون استعداداً لقتاله وجرت المعركة بين الفريقين خارج البلدة وتمكن الأمير حيدر من الانتصار على العامليين وارتكب بحقهم أبشع المجازر. وأجلى آل الصغير ثانية عن حكم بلاد بشارة وتولاها محمود أبو هرموش من قبل الأمير حيدر لجباية المال المرتب عليها.
ولئن جعل المؤرخون الشهابيون أسباب هذه الحملة مجرد «مخرقة» العامليين في أطراف بلاد الشوف فإن الشيخ علي الزين ذهب بعيداً وجعل: «غزو الأمير حيدر للنبطية جرياً على خطة رسمت للشهابيين في الخفاء يستشفها الباحث من تاريخ سلفه الأمير بشير الأول سنة 1110/ 1698 وتاريخ خلفه الأمير ملحم 1144/ 1732 ثم خلفه الأمير يوسف 1185/ 1770 يوم جعل كل منهم باكورة أعماله في حكم الشوف غزو بلاد المتاولة ونهبها»([7]).
ومن يعد إلى المصادر التاريخية يلاحظ أن آل الصغير كانوا لا يطمئنون إطلاقاً للأمراء الشهابيين، وأثبتت الوقائع التاريخية أنهم كانوا على حق في ذلك ـ ولم يكن هم الولاة العثمانيين سوى جمع الأموال. أما رفض العامليين لسيطرة الأمير الشهابي فكان منسجماً مع رغبتهم في الحفاظ على حريتهم وعاداتهم وعقيدتهم، لذلك كان اتحادهم لمواجهة حكام الجور وتسلطهم وليس «بدافع التشيع والتعصب لليمنية» فحسب كما علله المؤرخ الشهابي مختزلاً دوافع الكرامة الوطنية:
وبدأت بعد معركة النبطية حكاية أخرى مع محمود أبو هرموش الذي جعل جل همه جمع المال من العامليين لإغناء ثروته. ولكنه ما لبث أن تمرد على الأمير حيدر نفسه وفر بالأموال إلى والي صيدا الذي حصل له على لقب باشا من الباب العالي وولاه ولاية جبل لبنان مكان الأمير حيدر الذي ترك إلى غزير ليعود من جديد إلى دير القمر ويقضي على الحزب اليمني قضاء نهائياً بعد معركة عين دارة 1711 والتي هزم فيها أبو هرموش وولاة الشام وصيدا مجتمعين.
وهكذا بعد خروج أبي هرموش من جبل عامل وبعد معركة عين دارة حضر عثمان باشا أبو طوق وأراد أن يسترضي العامليين فأعاد آل الصغير إلى حكم الجبل، مع ذلك لم يسلم الجبل من محاولة «شهابي» آخر التحكم به. وبالفعل فإن أمير حاصبيا هذه المرة الأمير قاسم الشهابي سنة 1712 حاول السيطرة على الجبل ولكنه لم يوفق إذا استطاع المشايخ المحليون أن يعودوا إلى حكم مقاطعاتهم وأن يبنوا السرايات في مراكز حكوماتهم.
أثار ازدهار العامليين حفيظة الأمير حيدر وهاله ما أصبحوا فيه من قوة واستقرار فزحف في سنة 1719 باثني عشر ألف رجل إلى بلاد المتاولة والقبلية وبلاد الشقيف وإقليم الشومر ونهب البلاد وقتل نحو أربعين رجلاً وأخذ منهم ألف وحرق البلاد وقطع الأشجار وهدم سرايات الحكومة هدماً مريعاً ورجع إلى موضعه([8]).
وبعودة الأمير حيدر إلى موضعه عاد العامليون إلى حكم بلادهم وعمرانها بعيداً عن تهديد الشهابيين لأن صراعاً كان قد دب في الشوف بين أبناء العمومة والأخوة من الأمراء واستمر حتى تنازل الأمير حيدر إلى الأمير ملحم سنة 1719.
وكأنه لم يكف جبل عامل ما لقيه على أيدي الشهابيين إذ ما لبث أن ظهر طامع جديد بحكم الجبل ولكن هذه المرة من الجنوب أعني بذلك ظاهر العمر حاكم بلاد صفد والذي كان «وادًّا للأمير حيدر لكونه سنياً قيسياً»([9]).
استغل ظاهر العمر الظروف السيئة للعامليين بعد هزيمتهم أمام الأمير حيدر فسار ومعه أمراء صفد 1722 لقتالهم ولكنهم ألحقوا به هزيمة مرة([10]) جعلته يحجم عن مقارعتهم ثانية بل لعلها دفعته إلى السعي لاتخاذهم حلفاء له ـ كما سنرى فيما بعد ـ على مناهضيه داخل بلاده.
أما الأمير ملحم فإنه عندما استتب له الأمر لم يخرج على سنة سابقيه: أمير شهابي جديد يزيد في مال التزام جبل عامل من والي صيدا فيوليه عليه، فرفض عاملي … فحملة تأديبية شهابية تنتهي كسابقاتها بقتل ودمار.
ففي سنة 1732 التزم الأمير ملحم جبل عامل من أسعد باشا العظم والي صيدا في ذلك الحين وكان ذلك رداً على ما أسماه شماتة آل الصغير بموت والده «وقيل إنهم من سرورهم خضبوا ذيول خيولهم بالحناء»([11]).
ورفض العامليون ولاية الأمير ملحم عليهم فقام هذا من دير القمر لقتالهم فمال لجانبه سلمان الصعبي والي مقاطعة الشقيف … فأطلق له الأمان وبقي سايراً ودهم بني علي الصغير للقتال فالتقى بهم في أرض قرية يارون([12]) … فحصل النصر والظفر للأمير ملحم وكسرهم وأهلك منهم خلقاً وقبض على مقدمهم نصار([13]) وفر إخوته إلى جويا فسار خلفهم ففروا إلى القنيطرة فظفر بجماعة من غلمانهم فأهلكهم. ثم أطلق الغارة على تلك الديار فنهب ما فيها وقفل راجعاً إلى ديار لبنان ومعه نصار الصغير وولى على ديار بشارة حليفه سليمان الصعبي المذكور.
وبعد أيام عاد إخوة نصار وافتدوا أخاهم بمال وافر فأطلق الأمير ملحم سراحه وأعادهم إلى ديارهم ولاة من قبله.
وينعم جبل عامل بشيء من الاستقلال الذاتي. لكنه عندما شعر الأمير ملحم بتزايد قوة العامليين قام بعملية كبيرة ذهب ضحيتها العشرات من العامليين سنة 1156/ 1742 عرفت في التاريخ باسم وقعة أنصار والتي يفهم من سكوت المؤرخين عنها والتناقض الذي وقعوا فيه حولها أنها ربما كانت لأسباب محض مذهبية.
يقول المؤرخ العاملي السبيتي: «1147 (1733) صارت وقعة أنصار مع الأمير ملحم وأسر من الشيعة ألف وأربعمائة ومات في الكنيف في بيروت ومكث الأسرى وكانت الوقعة بفتوى الشيخ نوح.
ويتعامل بعض المؤرخين مع هذه الحملة بكثير من الريبة ويرون أن العامليين «أخذوا غدراً واغتيلوا خارج القرية ثم نهبت وأحرقت وقتل جميع من فيها وبلغ عدد القتلى من الطرفين نحو ألف قتيل».
على الرغم من سلسلة الهزائم هذه لم يلبث العامليون أن وحدوا صفوفهم ليحققوا أول انتصار لهم على الأمراء الشهابيين في سنة 1743! «ففي سنة 1743 كانت الوقعة بين المشايخ بني متوال وأهالي وادي التيم ومعهم دروز جبل الشوف وكانت الكسرة على الدروز وعكسر وادي التيم وقتل منهم مقدار ثلاثماية رجل وأحرقت المتاولة جميع قرى مرجعيون ثم اجتمعت المتاولة من قرية النبطية وأرادوا أن يغزوا جبل الدروز فمنعهم وزير صيدا([14]).
ويشير الشيخ سليمان ظاهر إلى هذه المعركة ويعلق عليها بقوله: وفي هذه المعركة يقول بعض الزجليين:
يا بنت مردم بك طلي وشوفي
دخان مرجعيون غطى الشوفي([15])
وهكذا مضى نصف قرن على الأقل في صراع دائم بين العامليين الذين يصرون على استقلالهم الذاتي وبين الأمراء الشهابيين: بشير الأول، حيدر، ملحم، الذين حاولوا إخضاع الجبل وسلبه خيراته بتواطؤ مكشوف مع ولاة الدولة العثمانية.
ولم يخل هذا النزاع من خلفيات مذهبية وهذا واضح من خلال حضور قوي لرجال الدين العامليين الذين استشهد عدد منهم في ساحات المعارك دفاعاً عن الكرامة والعقيدة والوجود.
ومع أن العامليين لم يكونوا دائماً موحدي الصفوف إلا أن ما ينبغي تسجيله هو عدم حصول صدام مباشر بين الأسر العاملية. كما أن أياً من الأسر العاملية لم يقاتل مع الشهابيين ضد أشقائه من أبناء الجبل. وكان على الوحدة الحقيقية لأبناء جبل عامل أن تترجم نفسها مع ظهور ناصيف النصار كشيخ مشايخ جبل عامل.
الشيخ ناصيف النصار الإنسان
ذكر الشيخ عبد المحسن الظاهر المعاصر ـ وهو من سلالة أسرة ناصيف ـ ذكر نسب ناصيف النصار في مخطوطة له بعنوان: «الدلالة العاملية بتاريخ الأسرة الوائلية» نقلاً عما ذكر الحاج محمد سهيل، وشبيب باشا الأسود وحسين بك البندر عن حمد البيك وأقره عدد من شيوخ العائلة قال: ناصيف النصار هو ناصيف ابن نصار الثالث بن نصار بن احمد بن نصار بن مشرف ابن أحمد بن نصار بن حسين بن علي الصغير ثم استرسل الشيخ الظاهر فأوصل النسب إلى معد بن عدنان مما لا يعلم حقيقته إلا الله. وبعد إيراده النسب قال الشيخ عبد المحسن:
هو أشهر من نار على علم: طائر الصيت عاطر الذكر رئيس عاملة على الإطلاق، مدبر شؤونها وحامي صونتها ومفرج كربتها ومعيد حريتها ومحطم نير الاستعباد ومبيد الظلم والجور والاستبداد. جمع من المآثر الحميدة. مواقفه في الحروب مشهورة وأعلام ذكره بين الآنام منشورة حيث الرجال بالأفعال لا بالأقوال».
السيد محسن الأمين يذكر في ترجمته في «أعيان الشيعة»: يقال له الشيخ ناصيف النصار جرياً على العادة في إدخال الألف واللام على اسم الأب حين إرادة نسبة الابن إليه. ولفظ الشيخ أحد ألقاب الأمراء في بلاد الشام. فأمراء جبل عامل والأمراء الحماديون وغيرهم كانوا يلقبون بالمشايخ والحرافشة والشهابيون كانوا يوصفون بالأمراء. وكانت إمرة جبل عامل لثلاث طوائف: فإمرة بلاد بشارة لآل علي الصغير وأمرة بلاد الشقيف للصعبية وأمرة إقليم الشومر لآل منكر. وكان يطلق على ناصيف شيخ المشايخ أي أمير الأمراء.
ويذكر السيد محسن في مخطوط اطلعنا عليه عند نجله السيد حسن الأمين: «زرنا قبره سنة 1349 وقرأنا له الفاتحة فوجدناه قبراً بسيطاً قد بني حوله أساس فقط. والعجب من أقاربه الذين ملكوا البلاد بعده كيف لم يبنوا قبره ويشيدوه مع أنه أهل لذلك بما كان فيه من جميل الصفات من الشجاعة والكرم وحفظ الجوار وجودة الرأي ومحاسن الأخلاق وتعظيم العلماء وأهل الدين. وقد قتل شهيداً في الدفاع عن استقلال بلاده ورد الظالمين الفراعنة عنها رحمه الله رحمة واسعة».
بعض المصادر التاريخية التي اهتمت بجبل عامل تذهب إلى القول إن الشيخ ناصيف ولد في قرية مجدل سلم القريبة من تبنين حيث توفي والده وحيث كانت إقامة الأسرة فيما بعد طلوعها من قرية شحور.
وعبثاً نفتش في المصادر التي بين أيدينا عن ذكر للسنة التي ولد فيها ناصيف النصار. وغير أن مصادر الشيخ عبد المحسن الظاهر ذكرت عنه قوله: سمعت من بعض شيوخنا عن سلفهم أنه لما قتل ناصيف النصار سنة 1195/ 1780 كان عمره خمساً وستين سنة» فتكون سنة ميلاده 1130/ 1715.
وكما كان مولده غامضاً كذلك كانت نشأته أكثر غموضاً إلا أنه تجدر الإشارة إلى نشأته في بيئة اجتماعية تسودها علاقات إقطاعية تميز فيها الأعيان عن الفلاحين ببعض المميزات الخاصة كتعليم الفروسية وبث روح الشجاعة في أولادهم لأنها كانت من مؤهلات الرئاسة في القوم في ذلك العصر([16]).
وكان لكل ولد من أولاد الأعيان خادم أو عبد خاص([17]) ومن تقاليدهم أيضاً التزاوج من نساء الأسرة. وقد تخلف ناصيف النصار بستة أولاد هم: نصار وفارس ومحمد وعقيل وشبيب وخليل.
المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا فكرة واضحة عن حقيقة ثقافة الرجل. ولكننا نستطيع أن نستخلص فكرة عنها من الإشارات العرضية التي ذكرها بعض المؤرخين. فقد سبق وأشرنا إلى ما ذكره السيد محسن الأمين من تقديم الشيخ ناصيف النصار للعلماء وتميزه بجودة الرأي. والفضل لا يعرفه إلا ذووه على حد ما قالت العرب.
المؤرخون العامليون يرسمون له صورة أقرب إلى الكمال فإذا هو القائد المطاع والجندي الباسل الفاتح والمصلح المفكر والأمير الحكيم العليم([18]). هذا وقد عرف من ناصيف النصار تقديره للشعر وإكرامه للشعراء فقد كان لكل منهم أعطية لديه. وقد عرف عن أخيه أبي حمد النصار أنه كان ينظم الشعر أحياناً وله مساجلات مع علي الظاهر بن ظاهر العمر من أكثرها طرافة:
يقول علي الظاهر:
ومن عجب الأيام تنكر صحبتي
وتلحظني شزراً بطرف مريع
كأني وإياها صحائف نظمت
مديح أبي بكر يفلبه شيعي
فأجابه أبو حمد النصار قائلاً:
عجبت لدهر كيف أكمه رشده
ولم يرع بالعتبى مقاماً لصاحب
كأني وإياها صحائف نظمت
مدائح أهل البيت في كف ناصبي
وهناك من يذكر أن ناصيفاً كانت تحضره بعض أبيات من مناسبات معينة.
لم يشر المؤرخون وخاصة العامليون منهم إلى تاريخ توليه الحكم على بلاد بشارة. لكن يبدو أنه كان خلال سنة 1163/ 1749 ولم يكن بعد هذه السنة لأن المؤرخ العاملي الركيني الذي عاصره وبدأ تدوين تاريخ «جبل عامل في قرن» في هذه السنة لم يشر إلى توليه الحكم قبل هذه السنة أو في أوائلها.
وكذلك فإن المخطوطات العاملية التي تحدثت عن معارك مرجعيون ـ القليعة التي جرت في هذه السنة بين العامليين والأمير ملحم الشهابي لم تشر إلى اشتراك ناصيف فيها إنما أشارت إلى اشتراك أخويه ظاهر النصار كحاكم ومراد النصار كقائد.
ومن المرجح أن توليه الحكم كان خلال سنة 1163هـ أو في أواسطها بعد المعارك السالفة الذكر لأن المؤرخ السبيتي العاملي أشار إليه كحاكم عندما تحدث عن تحصين القلاع العاملية وعن اقتسام مقاطعات بلاد بشارة بين مشايخ آل الصغير فقال: وكانت لناصيف تبنين»([19]).
لكن الشيخ عبد المحسن الظاهر يزعم أن توليه كان سنة 1145/ 1731 بعد وفاة والده فاتفقت آراء أعيان آل الصغير على «الشيخ ناصيف لأنه أكبر أولاده وعليه سمة الشجاعة والإباء (وطلبوا من والي صيدا أسعد باشا العظم في تلك الأثناء) فأجاب الباشا طلبهم وأسند حكم البلاد إلى ناصيف بموجب صك يتعهد فيه بدفع الأموال الأميرية المرتبة على البلاد»([20]).
استشهد ناصيف النصار يوم الاثنين 5 شوال 1195/ 1780 قرب بلدة يارون في المعركة التي سميت باسم البلدة نفسها بين العامليين ووالي عكا أحمد الجزار ولنا إلى ذلك عودة.
ناصيف النصار: زعامة الأسرة
أو الطريق إلى وحدة الجبل
كان على الشيخ ناصيف النصار أن يواجه أهله الأقربين لينطلق من أرض صلبة في محاولته لتوحيد العامليين إزاء المخاطر التي تتهددهم.
وكان أكثر ما يقلقه بادئ ذي بدء الصراع الذي برز بين الشيخ قبلان والشيخ عباس. فقد أعطيت صور أول الأمر للشيخ قبلان فرفض قبولها بحجة أنها بلدة خربة لا يوجد فيها إلا مصنع للملح (ملاحة) فأعطيت للشيخ عباس. استلم عباس صور وبنى فيها داراً للحكومة لم تزل عامرة إلى اليوم وموقعها على باب المدينة وشاد فيها مسجداً وكنيسة وسوقاً ودوراً كثيرة. وأسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين من سكان جبل عامل وجبل لبنان.
وكان يصرف فيها فصل الشتاء ويصيف في قلعة مارون الواقعة في ناحية شحور بالقرب من دير دغيا. ولم يمض أربع سنين حتى غدت صور بلدة تجارية وكثر فيها الأخذ والعطاء وأمت إليها السفن الشراعية لإفراغ شحنها وابتياع حاصلات البلاد من حبوب وتبغ وقطن وزيوت([21]).
ولما رأى قبلان تقدم العمران في صور ندم على تسليمها لابن عمه الشيخ عباس ففاوضه بإعطائها له فلم يجب طلبه ووقع الخصام بينهما فحدثته نفسه بالاستيلاء عليها قسراً.
اغتنم الشيخ قبلان فرصة غياب الشيخ عباس وولده حسين عن صور في زيارة للشيخ علي الظاهر في الجش (فلسطين) فهاجم صور ونهب دورها ومتاجرها حتى حُلي النساء واسر الشيخ حمزة شقيق الشيخ عباس وسار به إلى هونين.
وصل الخبر إلى الشيخ عباس فأسرع بخيله ليقطع على المهاجمين الطريق والتقاهم في وادي الحجير وتمكن من إلحاق هزيمة قاسية بالشيخ قبلان واقتاده أسيراً إلى قلعة مارون حيث أبقاه عدة أشهر إلى أن تدخل الشيخ ناصيف.
أدمت هذه الأحداث قلب الشيخ ناصيف وهذا واضح في موقفه من أخوة الشيخ قبلان الذين جاؤوا يطلبون شفاعته لإنقاذ أخيهم فرد طلبهم بادئ الأمر وقال لهم: لقد هتكتم ستر العشيرة باعتدائكم الشائن»([22]) ولكنه أجاب طلبهم وركب في شرذمة من رجاله وسار قاصداً قلعة مارون فلقيه الشيخ عباس بالحفاوة والترحيب.
«وصل ناصيف تواً إلى باب القلعة فهب الشيخ عباس لاستقباله ولكن ناصيف وقبل أن ينزل عن جواده قال لعباس: هل جازت يا ابن العم؟ فأجاب عباس: نعم جازت على ما تختار وتريد عدا عمنا الشيخ قبلان. فقال ناصيف: إياه أردت ولسنا بحاجة إلى طعامك وشرابك ولوى عنان جواده يريد الرجوع وتبعته الخيل. فلحقه عباس وقبض على عنان الجواد وقال نعم نعم جازت على القلعة ومن فيها حتى قبلان. وعقد الشيخ ناصيف راية الصلح بيده ولفظ عليها العبارة المأثورة التي يقولها عاقد الراية وهي: «يا أهل المعونة من مكة والمدينة ليعلم الحاضر والغائب والغادي والبادي أن الراية عقدت بين فلان وفلان بكفالة الزعيم فلان».
وكان الشيخ ناصيف يعرف أن إعادة الأموال المسلوبة غير ممكن وكان من العدل بحيث يعرف أن تركها أمر غير مستحب فقدر الخسائر تقديراً ممكن التنفيذ وكفل ذلك المبلغ بنفسه وانطلق إلى مركزه في قلعة تبنين.
وعندما وصل إلى كفردونين فكر بما حدث وكان يخشى من نكث الشيخ قبلان لالتزاماته، لذلك أمر ولده عقيلاً بالرجوع إلى قلعة مارون وقال له قل لعمك عباس إن والدي أمرني أن أبقى رهينة عندك في القلعة حتى يفي قبلان بما عليه.
رجع عقيل إلى قلعة مارون وأبلغ عمه عباس رسالة والده فأجابه عباس قائلاً: أو حسبني أبوك خالي المروءة حتى بعثك وأنت فلذة كبده رهينة عندي من أجل دريهمات. وأمر كاتبه بإحضار السندات الأربع فمزقها وألقاها في النار وقال لعقيل بعد أن أهداه جواداً عربياً مسروجاً بسرج محلى بالذهب والفضة: عد لأبيك وأخبره بما رأيت وقد سامحت قبلان بهذا المال إكراماً له وسأعوض على أصحابها من مالي الخاص.
وعاد عقيل ومعه خادماه ووراءهما الحصان يقوده سائسه فلحق بأبيه عند «عين المزراب» قرب تبنين فأخبره بما وقع فترنح سروراً وطرباً وأنشد متحمساً قول أبي فراس:
أنا إذا اشتد الزمان
وناب خطب وادلهم
ألفيت حول بيوتنا
عدد الشجاعة والكرم
للقا العدى بيض السيوف
وللندى حمر النعم
هذا وهذا دأبنا
يودى دم ويراق دم([23])
كانت هذه الحادثة منطلقاً لتسليم أفراد الأسرة تسليماً شبه مطلق بزعامة الشيخ ناصيف الذي ما لبث أن التزم ميناء صور من والي صيدا وأصبح هذا الميناء خاصاً بالعامليين ومهماً بالنسبة لتجارة الشيخ ناصيف الذي كان «يتعاطى التجارة والحرب في وقت واحد والذي كان مخيفاً كتاجر كما كان مخيفاً كجندي …» ([24]).
وما إن أحكم الشيخ ناصيف سيطرته على أسرته وعشيرته حتى ضعفت في وجهه مقاومة سائر الأسر العاملية. ويبدو أنه تمكن من إرضاء آل صعب بالمصاهرة وأخضع آل منكر.
والثابت أنه بعد 1180/ 1766 لم يظهر أي صراع عائلي في الجبل، وبعد سنة 1765 أي صدام عشائري بدليل أن العامليين ظهروا متفقين في اتصالاتهم الودية مع الدروز 1179/ 1765. فقد ذكر الركيني أنه في شهر رجب المبارك صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والشيخ عباس وعلي فارس والأمير إسماعيل والشيخ علي جنبلاط في حاصبيا([25]).
ويضيف الشيخ عبد المحسن الظاهر في حديثه عن هذا الاجتماع قائلاً: إن الشيخ علي جنبلاط لما لم ير أحداً من أصدقائه من آل منكر طلب إلى ناصيف أن يرسل إلى ممثلهم الشيخ حسن المنكري أن يكون في الاجتماع. فحضر وقرروا قواعد الاتفاق والمعاهدة على عدم الاعتداء والغدر ببعضهم (أي العامليين والدروز) ([26]).
بعد إنجاز وحدة العامليين كان على ناصيف أن يحمي ما حققه من إنجازات وأن يواجه أطماع جيرانه بجبل عامل سواء من الشمال أو من الجنوب وهكذا تبدأ حكايته مع ظاهر العمر.
ناصيف النصار وظاهر العمر
ما إن استتب الأمر للشيخ ناصيف النصار في حكم جبل عامل حتى بدأت التهديدات الخارجية للعامليين تطل برأسها من جديد.
ولكنها كانت هذه المرة من فلسطين ومن ظاهر العمر على وجه التحديد. فقد ظن هذا الأخير أن حروب العامليين مع الأمراء الشهابيين قد أرهقتهم فلا بأس أن يجرب حظه معهم.
ولم يكن ظاهر العمر هذا شخصية عادية في عصره بل كان على ما يبدو رجلاً عصامياً وبطلاً من أبطال الشرق عظيم الهمة، شديد البأس واسع الحيلة حكيم التدبير علوي النسب([27]).
يقول عنه الرحالة الفرنسي فولني إنه مضى زمن طويل على سوريا لم تر رجلاً مثله وكانت أطماعه فوق قدرته. وكانت العدالة ضاربة أطنابها في بلاده لا فارق عنده في شمولها أهل المذاهب المختلفة.
ولد ظاهر العمر سنة 1686 وقتل سنة 1776 أي قبل أربع سنوات من استشهاد الشيخ ناصيف وقد تولى حكومة صفد وطبريا وما يليها بعد أبيه الشيخ عمر بن أبي زيدان.
وكانت عكا من ملحقات صفد وكانت أشبه ما تكون بقرية حقيرة غير عامرة. ولما استولى عليها ظاهر العمر 1163/ 1749 بنى أبراجها وشيد حصونها المنيعة وملأها بالمدافع والذخائر وعززها بالسلاح وأحاطها بسور متين. ولم يترك لها إلا بابين. وازدحم الناس فيها من أنحاء سوريا وقبرص مهاجرين إليها وفيهم المسلم والمسيحي وكان يرعاهم بعنايته ويهتم بشؤونهم. ويتساهل بأمور عقائدهم مما لم يكن مألوفاً في ذلك العصر:
استمر نجمه بالصعود وأحكم سيطرته على أجزاء من فلسطين وسوريا بعد أن تمكن من إخضاع البدو سواء بالقوة أو بالمصاهرة.
وفي سنة 1768 منحته الدولة العثمانية لقب شيخ عكا. وأمير الأمراء وحاكم الناصرة وطبريا وصفد وسائر الجليل وفي سنة 1188/ 1774 ورد الفرمان السلطاني بإحالة ولاية صيدا لعهدته([28]).
وما إن شعر الشيخ ظاهر العمر بتزايد قوته حتى حوّل وجهه إلى جبل عامل يريد أن يبسط سلطته عليه. «غير أن جبل عامل في ذاك الوقت كان أمنع من عقاب الجو»([29]).
تحرش ظاهر العمر بناصيف النصار عميد عشائر جبل عامل «وناهيك بناصيف النصار بطلاً مغواراً وقائداً محنكاً جمع إلى الشجاعة والنخوة سخاء الكف وحسن التدبير والغيرة القومية والمروءة المحضة».
اتخذ الشيخ ناصيف من قلعة تبنين مقراً لحكومته وكانت عامرة بأبراجها الشامخة وحصونها المنيعة. وجدد بناء الحصون وشحنها بالمقاتلة والسلاح وبسط العدل فارتاح له العامليون وأخلصوا له الولاء.
في العام 1766 تفجر الخلاف بين الشيخ ناصيف وابن عمه الشيخ قبلان الذي سبق للشيخ ناصيف أن أنقذه من الأسر فظن ظاهر العمر أن الفرصة مؤاتية له ليسفر عن أطماعه بالأرض العاملية. فكتب إلى العميد الوائلي يطلب إليه أن يتخلى عن قريتي البصة ومارون بدعوى أنهما تابعتان لفلسطين.
فرد الشيخ ناصيف رسول ظاهر العمر رداً عنيفاً: «وأرسل له الجواب بالرفض وأغلظ له القول ومن جملة ذلك قال له: لا تظن إنا نظير سوانا، فوالله إنا عندنا مقابل سيفك سيوف أحدّ منه، وبإزاء كيدك مكائد كثيرة. فالأولى بك أن تدعنا غافلين عنك باعتدائك على جيراننا. والآن والله العظيم إنك تندم لأننا نحن طالما بغي علينا فانتصفنا من الباغي. وعاهدنا فقمنا بعهدنا. وكنّا من أعظم أنصار أصحابك فدونك الآمرين. وأنت ورأيك ونحن نرى فيما يبدو منك والسلام».
ولما وصل هذا الجواب إلى الشيخ ظاهر العمر طار صوابه وأعلن النفير العام وطرد عمال الشيخ ناصيف من القريتين ونهض لاجتياح بلاد عاملة.
لم يكن الشيخ ناصيف أقل استعداداً للقاء. فلاقت خيوله ظاهر العمر عند الحدود. ونشبت بين الفريقين عدة معارك أشهرها معركة دولاب ـ طربيخا 1181/ 1767.
وفي هذه المعركة أكره ظاهر العمر على التراجع فانقض عليه ناصيف ومكن الرمح من صدره ثم عفا عنه واكتفى بسلبه فرسه المعروفة «بالبريصة» التي قال فيها ناصيف كلمته المشهورة ـ والتي ذهبت مثلاً ـ بعد أن استعاد البصة وأعاد البريصة لظاهر: لا بأس إن أعدنا البريصة بعد أن عادت البصيصة (تصغير بصة). وقد أثارت هذه المعركة قرائح العديد من الشعراء العامليين. من أبرز هؤلاء الشيخ ابراهيم الحاريصي الذي أرسل قصيدة طويلة للشيخ عبد الحليم النابلسي وكانت بينهما فاخرات ومراسلات أدبية.
ومن أبرز ما جاء في هذه القصيدة قوله:
يا للرجال لمحنة لا يرتجى
غير ابن نصار يحل عقالها
ناصيف من يحمي الثغور ومن به
أبدت سماء المكرمات هلالها
بطل له ألقى الزمان قياده
لو طاولته الشامخات لطالها
ويد مقبلة البنان كريمة
مدت على المستضعفين ظلالها([30])
والمساجلات بين هذين الشاعرين واردة بتمامها في أعيان الشيعة «في ترجمة الشاعر العاملي الشيخ إبراهيم الحاريصي».
أسقط في يد ظاهر العمر ورأى نفسه أمام قيادة جديدة في جبل عامل عليه أن يبدل أسلوبه في التعامل معها. وفي هذا الوقت حصل حادث مريب وملفت للنظر في آن معاً. وذلك أن أحمد آغا الدنكزلي وهو رجل مغربي كان في خدمة ظاهر تسلل خفية وهاجم قلعة تبنين على حين غرة من الحامية القليلة الباقية فيها.
تمكن الدنكزلي في هذه العملية من القبض على ولدين صغيرين في سن المراهقة من أبناء الشيخ ناصيف وفر بهما إلى عكا.
ومن غير الواضح من خلال المصادر التي بين أيدينا إذا كانت هذه العملية تمت بناء لأوامر صادرة عن ظاهر العمر أم أنها تمت بمبادرة شخصية من الدنكزلي هذا. ولكن الثابت أن هذه العملية جعلت ظاهر العمر في موقع أقوى للحصول على معاهدة سلام بشروط مناسبة ولا سيما أنه كان راجح العقل: فقد احتفى احتفاء تاماً بابني ناصيف وأنزلهما مكرمين معززين في جناح خاص من قصره.
وكتب ابنا ناصيف إلى والدهما يصفان ما لقياه من إكرام ظاهر العمر ومروءته. ومع ذلك طلبا إليه تجهيز حملة لتخليصهما من الأسر. فأرسل إليهما كتاباً يعاهدهما على ذلك ويتوعد ظاهر العمر ويتهدده. فأعادا الكتاب إلى والدهما بعد أن كتبا عليه:
كتب الزمان عجائباً
في جبهة الأيام سطرا
هلا سمعتم أو رأيتم
أن نهراً صدّ بحرا
وكان ظاهر واقفاً على هذه المراسلات فدعا بالغلامين وسرحهما إلى أبيهما مكرمين بعد أن أهداهما جوادين من خيرة خيوله.
ثم توسط الأمر بين العميدين الشيخ سعد أخو ظاهر العمر فتصالحا وتصافيا وعقدا محالفة هجوم ودفاع وقعت في عكا يوم الجمعة الواقع في اليوم الثامن من رجب 1181/ 1767 وحلفا اليمين على السيف والمصحف أن يكونا وشعباهما متصافيين متضامنين ما دامت الأرض والسماء وأعيدت البصة ومارون إلى ناصيف وبنى بالقرب من الأولى خاناً يعرف للآن بخان ناصيف([31]) ويذكر الصباغ بعضاً من تفاصيل المعاهدة إضافة إلى عودة القريتين (البصة ومارون) إلى ناصيف فيقول: إنه لا يكون للباشا شان مع جميع المتاولة في دفع مال الميري وعلى أن يساعدهم ظاهر على كل من ناوأهم كما عليهم أن يساعدوه على من يهاجمه أي تحالفوا معه محالفة هجومية دفاعية. وعقد الصلح بين الطرفين على ذلك. وأسقط ظاهر لناصيف من مال الميري المقرر على بلاد بشارة الربع.
وجدد له ناصيف اليمين على السيف والمصحف وأن يكون هو وقومه معه يداً واحدة ففرح المتاولة بذلك لأن الباشا كان يكرههم للدين ويعدهم من الروافض([32]).
وبدأ الرجلان معاً مسيرة صعبة في مواجهة الأعداء المشتركين وقد كانا بأمس الحاجة إلى هذا التحالف لأسباب داخلية وخارجية على حد سواء.
ناصيف النصار والثورة على العثمانيين
معركة الحولة ـ البحرة
كان لتحالف الشيخ ناصيف مع ظاهر العمر أبلغ الأثر في تقوية وضعه الداخلي والخارجي على حد سواء وقد وصف أحد مؤرخي هذه الفترة الوضع في جبل عامل في 1183/ 1769 بما نصه: «كان أكبر مشايخ بني متوال وأقواهم في المال والرجال الشيخ ناصيف النصار وكان تحت يده حصون وقلع وبلدان وضيع يركبون فداوية وفرسان وأبطال شجعان وقد راق لهم الزمان وتملكوا في تلك البلدان وهجعت عنهم حكام الدروز واستكنت ورقت حالهم واطمأنت»([33]).
وكانت ظروف الدولة العثمانية تسمح بازدياد تطلعات الشيخ ناصيف الاستقلالية: إذ كانت في هذه الأثناء واقعة في مرض الضعف الطبيعي الذي لا ينفع معه دواء ولا له شفاء وذلك أن السلطان كان يقيم بسرايه ويترك الحكم لوزرائه ونسائه وخدامه([34]) فكان من الطبيعي أن تصبح هذه الدولة عرضة لمطامع جيرانها خارجياً وعمالها داخلياً.
وكانت روسيا في مقدمة الدول الطامعة بأملاك الدولة العثمانية. وهكذا أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وأصبح على الأستانة أن تواجه الخطر الداهم من الشمال دون أن توفق.
ثم ما لبثت روسيا أن طورت أساليب هجومها وأخذ أسطولها يضرب موانئ الدولة العثمانية في شرق البحر المتوسط كما أخذت تغري بعض عمال الدولة بالثورة عليها من مثل علي بك الكبير في مصر 1768([35]).
وكان ظاهر العمر قد اشتد أزره بمحالفته لزعماء الشيعة واعتز جانب الشيعيين وطمحت نفوس الفريقين للاستقلال الناجز فخلعوا نير السلطنة التركية وأبوا دفع الضرائب([36]). وأفلت الزمام من يد السلطان وأطلق الولاة لأنفسهم العنان فعمت الرشوة وانتشر الفساد في الحكم فثارت سوريا كلها تقريباً على الدولة العثمانية([37]).
خافت الدولة العثمانية مغبة التحالف بين ظاهر العمر وناصيف النصار خاصة وأن هذا التحالف كان مسبوقاً بتحالف بين ظاهر العمر وعلي بك الكبير حاكم مصر فانتدبت عثمان باشا الصادق والي الشام يعاونه والي صيدا على رأس ثلاثين ألف مقاتل لإخضاع جبل عامل وبلاد فلسطين وهدم سلطة المتاولة وظاهر العمر.
وهنا يختلط التاريخ بالأسطورة والوقائع العسكرية بالعقائد الإيمانية. فقد أجمعت المصادر على الإشادة ببطولة العامليين في المواجهة التي حصلت مع جيش السلطنة. وبالفعل «فقد عسكر الشيخ ناصيف بجنوده في جوار النبي يوشع الواقع في الشرق الجنوبي من جبل عامل. وعقد مشايخ الشيعة ديوان مشورة ورتبوا خطة بالهجوم. وتضرعوا إلى الله أن ينصرهم على العدو الباغي.
وكان مقام النبي يوشع بناية حقيرة فقطع الشيخ ناصيف عهداً على نفسه أن يبني المقام بناء فخماً إذا ظفر بالعدو. ثم كنس المقام بعمامته تواضعاً وتبركاً. ولما أحرز النصر بناه كما وعد ورفع فوق الضريح قبة شامخة وفي هذا يقول الشيخ إبراهيم يحيى العاملي في قصيدة أوردها صاحب أعيان الشيعة:
مقام شريف أطلع اليوم شمسه
خليفة نصار المؤيد بالنصر
فلذ بحماه طالباً للذي بنى
من الله طول العمر مع وافر الأجر
وقل عند إهداء السلام مؤرخاً
عليك سلام الله يا ثاوي القبر
وانتدب ناصيف النصار فرقة من أبسل جنوده وأوفرها شجاعةً لا تزيد عن خمسمائة فارس فبيتت للعدو وزحفت إليه ليلاً فأحاطت به من جهات ثلاث وأعملت فيه السيف ولم ينج من القتل إلا من ألقى نفسه في البحيرة ولم يقتل من المهاجمين جندي واحد. وفر الوالي عثمان باشا منهزماً لا يلوي على شيء([38]).
وينقل محمد جابر آل صفا عن أستاذه السيد محمد علي إبراهيم الحسيني نادرة لطيفة حدثت خلال هذه المعركة «تدل على ما لسلامة الاعتقاد من التأثير» وهي أنه لما بدأ ناصيف بالزحف برجاله ليلاً بعد الصلاة والدعاء شاهدوا ظبياً يقفز أمامهم بين تلك الروابي وخلفه رجل معمم ينشد أبياتاً أولها:
أيحل لساكنة العلم
تفتي في الحب بسفك دمي
وسرى الخبر بين المهاجمين ونشطهم رؤساؤهم أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءهم ببركة النبي يوشع وأن روحه الشريفة تجسدت هذا الغزال اللطيف وأن الفوز بجانبهم وكان ما أملوا».
كما ينقل المؤرخ نفسه عن الأمير حيدر الشهابي أنه كتب في تاريخه: إن أبطال المتاولة بعد تلك الكسرة الهائلة شهدوا درويش باشا والي صيدا وهو ابن عثمان باشا والي الشام فخاف على نفسه وكان جباناً ففر منها([39]).
وفي معركة البحيرة نظم شعراء جبل عامل قصائد وزجليات نكتفي بذكر أبيات من قصيدة للشيخ إبراهيم الحاريصي:
أكرم بالخيل إذا وفدت
إذ ذاك بناصيف البطل
بحر يحبوك بلجته
والبحر ضنين بالوشل
سل يوم البحرة ما فعلت
كفاه بفرسان الدول
وقد أجمع المؤرخون العامليون على اعتبار هذه المعركة معركة عاملية خالصة. واستند هؤلاء في ذلك إلى مؤشرات عدة أبرزها أن عثمان باشا كان يقصد بحملته بلاد المتاولة لأنه عندما اجتاز بعساكره جسر بنات يعقوب جنوب الحولة لم ينحرف بهم نحو بلاد ظاهر العمر في صفد وطبريا بل انحرف بالعسكر إلى شمال الجسر حيث نزل بهم على حدود بلاد المتاولة بين بحيرة الحولة وبين الجبال العاملية المطلة على البحرة وما حولها من سهل الخيط وسهل الخالصة.
يضاف إلى هذا أن العامليين جميعاً هم وحدهم الذين واجهوا جيش الوالي العثماني فقد اشترك في هذه المعركة الشيخ حمزة المحمد والشيخ حمد العباس والشيخ علي الفارس الصعبي تحت قيادة ناصيف النصار([40]).
وقد ترتب على هذه المعركة نتائج مهمة. فقد كان انتصار العامليين البارز عاملاً حاسماً في ازدياد ثقتهم بأنفسهم وأصبحوا يتطلعون إلى أبعد من الدفاع عن أنفسهم بل أخذوا بالتوجه نحو صيدا لتحريرها من نير الوالي العثماني.
وبالفعل فإن درويش باشا والي صيدا هرب إلى الشام بعد هزيمة والده في الحولة([41]).
أما النتيجة الثانية لهذه المعركة فهي اندلاع الصراع في مصر بين علي بك وأبي الذهب الذي ادعى أنه تراجع عن دمشق بسبب تخاذل ظاهر وناصيف في القتال. فجاءت نتائج هذه المعركة لتفضح تآمر أبي الذهب وأرسل علي بك حملة للقضاء عليه.
وأخيراً كان من أهم نتائج هذه المعركة فيما يخص جبل عامل زيادة خوف الدولة العثمانية من هذه الزعامات القادرة القوية فزادت من ضغوطها على الأمير يوسف الشهابي لقتال العامليين. فكانت معركة كفر رمان بينه وبين العامليين بعد خمسين يوماً من معركة الحولة.
معركة كفر رمان([42])
تعامل بعض المؤرخين العامليين مع معركة كفر رمان وكأنها معركة مستقلة بذاتها غير مرتبطة بعركة الحولة ـ البحرة التي سبقتها ولا بالنتائج التي أسفرت عنها تلك المعركة.
وذهب بعض هؤلاء إلى أن سبب المعركة الحقيقي أن مكاريين من قرية كفر رمان مرا بعنب لهما بقرية نيحا الشوف فاعتدى عليهما بين الكروم بعض أهالي نيحا وسلبوهما وضربوهما ضرباً أليماً قضى على حياتهما. فشكا أهل القتيلين أمرهما إلى الشيخ علي بن أحمد الفارس عميد آل صعب وحاكم المقاطعة وكان مقيماً في قلعة الشقيف. فكتب إلى الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان يومئذ يطلب منه إرسال المعتدين لمحاكمتهم وذكر له أسماءهم. فكتب إليه الشهابي بعدم إمكانية القبض على الجناة وعرض عليه دية القتيلين توزع على أهالي نيحا. وأصر الصعبي على طلبه وكتب للأمير يوسف كتاباً شديد اللهجة قائلاً: إن الشيعة لم تعتد بيع دماء أبنائها بمال ونحن نعرف كيف نثأر لبني قومنا. واقتحم بعض الشيعيين قرية نيحا فقتلوا أربعة من أهلها بين الكروم في المكان الذي ضرب فيه الرجلان الشيعيان.
«واتصل الأمر بالأمير يوسف فاحتدم غيظاً وكان الحقد يغلي في صدره لارتفاع شأن الشيعة واستفحال أمرهم وتطاولهم على أطراف الشوف ووادي التيم وإنذاره لدرويش باشا والي صيدا منذ انتصارهم في معركة البحرة وهزيمة عثمان باشا التي تلكأ الأمير يوسف عن نصرته فيها. فزحف الأمير يوسف لاكتساح جبل عامل بجيش كثيف يزيد على أربعين ألف مقاتل مؤلف من طوائف شتى كما ثبت من تقارير القناصل. ولما دخلوا البلاد من جهة صيدا بدؤوا يحرقون القرى ويدمرون المزارع ويقطعون الأشجار ويقتلون من يقع في أيديهم من السكان الآمنين ولا يعفون عن شيوخ ولا صبية ولا نساء([43]).
والواقع أن هذه الحادثة على أهميتها لم تكن سبب الحرب بقدر ما كانت شرارتها الأولى. إذ من الثابت أن ناصيف النصار وحليفه ظاهر العمر قد اتفقا على خلع نير الدولة العثمانية عن كاهلهما. وقد كان لانتصار الشيخ ناصيف في معركة الحولة أكبر الأثر في دفع عثمان باشا والي دمشق للأمير يوسف الشهابي لقتال الشيخ ناصيف النصار. يضاف إلى ذلك أن ناصيفاً نبذ طاعة درويش باشا والي صيدا بعد معركة الحولة وأرسل يهدده طالباً إليه ترك المدينة «فراعه قرب المتاولة منه وفر لدمشق»([44]) لهذه الأسباب، أرسل عثمان باشا ينخي الأمير يوسف على بني متوال»([45]).
ومن ناحية أخرى فقد كان الأمير يوسف نفسه يرغب في قتال المتاولة الذين أظهروا الشحناء للأمير بسبب توليه مكان عمه الأمير منصور لأنهم كانوا يميلون إليه. وكان أكثرهم هياجاً الصغيرية والصعبية([46]).
وإذا كانت الأمور مرهونة بنتائجها فإن هذه المعركة تبدو وكأنها جزء من خطة مسبقة لتحرير صيدا من النير العثماني من قبل الشيخ ناصيف كما يبدو أن الأمير يوسف كان في حملته في موقع الهجوم الدفاعي.
لهذه الأسباب جميعاً كان لا بد لمعركة كفر رمان أن تقع وكان مقتل «المكاريين» شرارتها الأولى. وكما سبق وأشرنا هجم الأمير يوسف متبعاً في هجومه سياسة «الأرض المحروقة» «وكتب الشيخ علي الفارس إلى الشيخ ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل يبسط له القضية ويسنجده للدفاع عن البلاد وحماية الطائفة. فهب ناصيف للنجدة وأرسل (الصوات) لجمع الجنود وكتب إلى حليفه الشيخ ظاهر العمر الزيداني صاحب فلسطين يطلب النجدة … كان جيش الأمير يوسف يسير في أربع فرق: الفرقة الأولى وهي المقدمة وفيها الأمير يوسف في أول الجيش. الفرقة الثانية وهي الجناح الأيمن كانت تسير في طريق جباع ـ حومين حبوش ـ النبطية. الفرقة الثالثة وهي الجناح الأيسر كانت تسير في طريق العرقوب ـ الميذنة ـ الجرمق ـ كفرتبنيت ـ النبطية.
وأخيراً الفرقة الرابعة وهي القلب كانت تسير في طريق جرجوع ـ عربصاليم ـ النبطية.
وكانت قوى الشيخ علي الفارس وأخيه الشيخ حيدر الفارس تعسكر في الضاحية الشرقية الشمالية من النبطية في أرض تسمى (قلادش) ودعيت بعد المعركة «عريض القهوة» لأن جيش الشيعة شرب فيها قهوة النصر والظفر.
قاوم الصعبيون جحافل الأمير يوسف مقاومة شرسة وكان جيش الشيخ ناصيف المؤلف من ثلاثة آلاف مقاتل يتجه نحو النبطية من طريق زبدين ودخل البلدة من الجهة الغربية ليدهم مقدمة الجيش المخيمة غربي البلدة وسار بخيله إلى ساحة العراك وهجم هجوم المستميت ولم يلبث العدو أن لوى عنانه متقهقراً إلى كفر رمان.
لم يثبت في وجه الشيخ ناصيف سوى بعض الفرق بقيادة المشايخ النكديين وهجم الشيعيون بالسلاح الأبيض فانهزم الجيش كله انهزاماً تاماً يصعدون في جبل العرقوب وروابي سجد المطلة على سهل الميذنة وعقبة جرجوع وحراب الشيعة تعمل في أقفيتهم …. ويقول المؤرخ العاملي الشيخ علي رضا إن الشيخ ناصيف النصار تعقب بنفسه الأمير يوسف الشهابي فأدركه في عقبة جرجوع فقنع رأسه بالرمح وأنزله عن ظهر بغلته على الأرض وألبسه الفرو مقلوباً وقال له عفوت عنك رأفة بشبابك واحتراماً لأسرتك وأنا ابن نصار! فأجابه الأمير يوسف: «قدها أولاد أم علي». أي أنكم أهل للعفو. و«أولاد أم علي لقب يطلق على الشيعة وكانوا يفخرون به»([47]).
وقد اختلف المؤرخون في تقدير عدد القتلى فذكر بعضهم أنه حوالي ألف وخمسماية قتيل([48]). أما مؤرخو جبل عامل فذكروا أن جيش الأمير يوسف ترك في ساحة المعركة ما يزيد على ثلاثة آلاف قتيل([49]).
وكما اختلفوا في تقدير عدد القتلى اختلفوا في الأسباب التي أدت إلى هزيمة الأمير يوسف على الرغم من تفوق جيشه من الناحية العددية تفوقاً لا يقبل الشك. فأشار البعض إلى أن جماعة الشيخ علي جنبلاط خذلوا الأمير يوسف مع بدء المعركة «ولما انفصلوا عن العسكر تقلقلت الصفوف»([50]). وكذلك فعل الشيخ عبد السلام العماد «الذي راسل المتاولة سراً» أن يقدموا على الأمير يوسف وأنه متى وقعت الواقعة ينكسر قدامهم فيتبعه العسكر وهكذا كان.
أما إدوار لاكروا فيذكر أن طليعة جيش الأمير يوسف كانت تنحدر بسرعة في أكمة فإذا بها أمام خمسمائة أو ستمائة خيال متوالياً لأن المتاولة احتدموا غيظاً لنهب قراهم فحملوا على الدروز حملة شعواء فارتدت طليعة جيش الأمير يوسف تتسلق الأكمة التي نزلت منها والحراب تعمل في أقفيتها.
ولما وصلت إلى القمة التقت بالجيش (جيش الأمير) وهكذا رآها تصل بكل سرعة فظنها العدو … بدأ هو بالركض فكان الانكسار هائلاً([51]).
ويبدو أن التعبئة العاملية لهذه المعركة كانت عامة وشاملة فقد ساهمت المرأة العاملية فيها بشكل أو بآخر، فقد كانت الفتيات تمد عسكر الشيعة بالماء والزاد وتسير زرافات من فرقة إلى فرقة تثير نخوة المقاتلة وحميتهم بالزغاريد والأغاني الحماسية كقولهن:
«وين راحوا أولاد أم علي، وين سياج العذارى، وين بني متوال يا عز الرجال»([52]).
وكذلك ألهمت هذه المعركة عدداً كبيراً من الشعراء والزجالين قصائد طويلة ومن أبرز من أشار إلى هذه المعركة الزجال الفلسطيني «شناعة بن مريح» من شعراء ظاهر العمر:
وين مير الشوف يوسف يوم صال
من عرب صالين على الوادي نزل
في عساكر عدها تسعون ألف
أو تزيد عداد خوفاً أن نزل
قادها من حمص لديرة حما
لقرايا الشام صواتوا وصل
من أرض بيروت للشوف العريض
من بلاد جبيل كم فارس وصل …
وانتخى علي لناصيف يقول
إن هذا الأمر ما عاد ينهمل
ما يخش المير ديرتنا حرام
لو نبت من فوق راياته نخل
لبني متوال ظهر العاديات
من متون الخيل يمضون الصقال
قادها ناصيف كساب الثنا
وافترعها قبل أن جازت فحل
سيفهم ناصيف يا نعم العقيد
شاهراً للسيف في إيدو يفل ….
صاح مير الشوف هاتولي الحصان
عن عظم ما صار جابولو بغل
وين مير الشوف يوسف وين راح
الذي للحرب راكبلو نفل
يحسبون الحرب هي شلة حرير
ويش يجيب الحرب لغزل الشلل([53])
تحرير صيدا
بعد هزيمة الأمير يوسف في كفر رمان خاف درويش باشا والي صيدا والشيخ علي جنبلاط «فنزعا بعسكريهما وقاد الواحد حريمه والآخر جيوشه لكن الدروز قبل براحهم للمدينة نهبوها ثم جاءها رجال ظاهر بقيادة المغربي دعنزلي … فأعادوا نهبها»([54]).
وإن لم تكن هذه الإشارة تشير إلى دور العامليين في احتلال صيدا فإن المؤرخ الشهابي أوضح دورهم بقوله: إن عثمان باشا الكرجي والي الشام حين بلغه ما أظهر المتاولة من العصاوة أعرب إلى الدولة عن تملكهم صيدا([55]).
الركيني أكد بدوره اشتراكهم إذ ذكر صراحة أنه في خامس عشر رجب 1185/ 1771 وصل الشيخ ظاهر العمر والشيخ ناصيف إلى صيدا ونهبوها وأحرقوا إقليم الخروب اجمع وأمروا الغزان يقيموا فيها (أي صيدا) ([56]).
كان تحرير صيدا وطرد واليها عبارة عن مرحلة جديدة من تصعيد ظاهر وناصيف لثورتهم على الدولة العثمانية وتحدياً مباشراً لها.
ولما كانت الدولة منشغلة في حربها مع روسيا لم تستطع أن تعالج أمرها بقواتها الرسمية لذلك فإنها أوعزت إلى الأمير يوسف القيام بهذه المهمة وحضر منها «خط شريف إلى الأمير يوسف في القيام إلى الشيخ ظاهر العمر والمتاولة … وأن تكون ميري مدينة بيروت ومال ميري الجبل تلك السنة له خرج عسكر»([57]).
وعلم الثوار بهذا الأمر فسار ظاهر بعسكره وجرد ناصيف ومعه مشايخ جبل عامل والتقوا جميعاً في رأس العين في 6 شعبان 1185/ 1771 وفي هذه الأثناء توفي عثمان باشا صادق وخلفه محمد باشا العظم في دمشق فقعد الأمير عن القتال وتراجع ظاهر وناصيف. ثم أرسل عثمان باشا المصري الدالي خليل والجزار ومعهم ألف خيال ومدافع والتقاهم الأمير إلى «عين السوق» وحاصروا صيدا بنحو 20 ألفاً.
وفي هذه الأثناء كان أبو الذهب يحسم نزاعه مع علي بك الكبير في مصر لصالحه فوصل علي بك عند ظاهر العمر ومن ثم طلبا المساعدة من الأسطول الروسي لفك الحصار.
واتجه الأسطول الروسي إلى صيدا بينما اتجه ظاهر ومعه ثمانماية من المماليك وألف من المغاربة من رجال علي بك الكبير إلى الحولة ثم إلى بلاد الشقيف حيث التقوا ناصيفاً وساروا بعشرة آلاف نحو صيدا.
وطلب الثوار من يوسف التراجع سلماً فرفض عندما زحفوا إلى سهل الصباغ ونظموا قواتهم فكان جناحهم الأيمن مؤلفاً من رجال ناصيف والمغاربة وكان عليهم صد الدروز وجعل الجناح الأيسر الذي بقيادة علي ابن الشيخ ظاهر العمر مقابل العقال … وكان في الوسط العثماني مئة مملوك ووراءهم علي بك والشيخ ظاهر»([58]).
وضربت السفن الروسية قنابلها فانسحب المحاصرون إلى «سهل الغازية» فضربوا عساكر المتاولة والغز في المدافع والزنبركات وراح منهم مئة قتيل وهجم الدالي خليل والجزار على المتاولة فانكسر عسكر الدروز من خلف الدولة([59]).
لأن هؤلاء لم يكن تأييدهم للأتراك عن رغبة كبيرة أو نفس طيبة كما يؤكد المؤرخ الشهابي نفسه.
وانهزم الوزراء وتبعهم الآخرون وقتل من الدروز فوق ألف وخمسمائة رجل وكان الوجه للبشارية (سكان بلاد بشارة) والشيخ ظاهر والغز أخذوا مدافع الدروز والدولة والدالي خليل وغنموا منهم غنيمة عظيمة([60]).
وهكذا انتهت المعركة لصالح الثوار بعد أن فكوا الحصار عن صيدا الذي استمر 7 أيام وبقيت صيدا في أيديهم حتى 1775 حين قتل ظاهر العمر وجاءها الجزار والياً.
عاد ظاهر وناصيف من صيدا لحصار يافا التي وقفت في وجه علي بك الكبير أثناء هروبه من مصر وفي مطلع ربيع الآخر سنة 1186/ 1772 سار الشيخ حمد العباس والشيخ أبو حمد المحمود النصار أخو ناصيف بصحبة ظاهر وعلي بك الكبير لحصار يافا ومكثوا هناك شهراً ونصف الشهر([61]). وما لبث أن بدأ العامليون يعودون إلى جبلهم لأنهم لم يكونوا معتادين الحصارات فكانوا يركبون خيولهم كل وقت ويعودون إلى منازلهم ولم يكن يرجع أحد منهم للحرب إلا بتعب شديد.
ولما أتى وقت الحصار استحال منعهم عن السفر زرافات. لذلك لم يكن الجيش على أتمه قط. بل كان يتناقص إلى ثلاثة أرباعه وطوراً إلى نصفه … أما المماليك فكانوا بلا فائدة تقريباً([62]).
واستمر الحصار أربعين يوماً سقطت بعده يافا في شباط 1772 في قبضة ظاهر بمؤازرة المراكب الروسية. أما علي بك الكبير فقد عاوده حلمه بالعودة إلى مصر فاتجه إليها من يافا بثلاثة آلاف رجل لكن نهايته كانت في هذه الحملة إذ قتله أبو الذهب في معركة الصالحية قرب القاهرة([63]).
ولعل فيما ذكر من تفاصيل حصار يافا ما يلقي ضوءاً جديداً على دور ناصيف وقواته في أحداث تلك الفترة. فعندما كان العامليون يتركون الحصار أحياناً ويعودون إلى بلدهم كان يتناقص الجيش إلى ثلاثة أرباعه وأحياناً إلى نصفه وفي هذا دليل على أن قوة ناصيف كانت دائماً تعادل قوة ظاهر. كما أن في استمرار الحصار بدون العامليين أربعين يوماً يعطي صورة عن مدى فعالية العامليين في المعارك الأخرى التي لم ينسحبوا منها.
ناصيف النصار وأحمد باشا الجزار
على الرغم من صدور فرمان سلطاني بالعفو عن ظاهر وناصيف([64]) فإن الدولة العثمانية كانت تعمل على الخلاص من كل من تمرد عليها أثناء حربها مع روسيا وهكذا جاءت النهاية المأساوية لظاهر العمر حيث قتل غدراً بيد أحد جنوده أثناء محاولته الهرب واللجوء إلى جبل عامل من القوى العثمانية التي حاصرت عكا([65]). إن هذه النهاية ترسم المستقبل الصعب، الذي كان على ناصيف النصار أن يواجهه فيما بعد، لسيد جبل عامل الشيخ ناصيف في علاقته مع الطاغية القادم من الجنوب أعني بذلك أحمد باشا الجزار والي عكا الجديد.
ناصيف النصار والجزار
(مرحلة التناصر أو الائتلاف)
كانت سياسة الجزار تقوم على المبدأ الأساسي الذي يطبقه كل طامع ومستعمر وهو فرق تسد! ولم يحد الجزار عن هذه السياسة وكانت خطته تقضي بتشتت الخصوم وإثارة التنافس فيما بينهم ومساعدة الواحد منهم على الآخر تمهيداً للقضاء عليهم جميعاً.
لذلك قد لا نعجب إذا كانت الظروف قد أجبرت الشيخ ناصيف على أن يكون حليفاً للجزار على الأقل في المرحلة الأولى من حكم هذا الطاغية.
ومما لا شك فيه أن هناك عوامل عديدة دفعت الجزار إلى ممالأة الشيخ ناصيف في بداية الأمر فقد عملت الغزوات المتكررة التي تعرض لها جبل عامل على جعل العامليين يهتمون بتحصين جبلهم للوقوف في وجه الطغاة. من هنا كان اهتمامهم بتحصين القلاع وتمتين الحصون كالشقيف وميس وهونين وتبنين ومارون ودوبيه … وكانت هذه القلاع تستدعي قوة عسكرية كبيرة لاحتلالها وهذا ما لم يكن متوفراً للجزار في بداية عهده على الأقل.
يضاف إلى هذا طبيعة نظام الحكم الذي كان أقامه ناصيف النصار في جبل عامل والذي كان يعتمد على شكل من أشكال اللامركزية السياسية خلافاً لما كان عليه الأمر في جبل لبنان. ففي جبل لبنان كانت دير القمر تشكل العاصمة المركزية حتى إذا سقطت هذه العاصمة سيطر الفاتح على كل جبل لبنان. أما في جبل عامل فإن السلطة السياسية كانت موزعة على عدد من المراكز أبرزها تبنين، جبع، هونين، الشقيف وسواها من المراكز المهمة. وكان هذا التوزيع يعيق عملية اجتياح الجبل.
وربما كان السبب الأبرز أن مبادرة الثوار على الدولة العثمانية كانت من قبل ظاهر العمر وعلي بك الكبير وأن ناصيفاً رأى فيها فرصة مناسبة فشارك فيها.
لم يكن بإمكان ناصيف النصار التفلت من سياسة الجزار الجديدة.
ولكن بالمقابل لم يستطع الجزار إيقاعه مبكراً في حبائله. شأنه مع الأمير يوسف الشهابي وأولاد ظاهر العمر لأن ركيزة ناصيف في جبل عامل ومتانة وضعه العسكري والسياسي جعله يصمد فترة قصيرة بالقياس الزمني وطويلة بالمقياس السياسي أمام خطة الجزار. فكانت العلاقات تنقلب لفترة في المواقف المتدرجة في حدتها من الائتلاف إلى الفتور فالاختلاف والتصادم الذي يقود إلى الاستشهاد.
ومن يدرس طبيعة الأوضاع في تلك المرحلة يلاحظ أن الجزار لم يؤخر صدامه مع الشيخ ناصيف إلا لأنه كان مضطراً أو مكرهاً على ذلك بسبب القوة الذاتية التي امتلكها ناصيف النصار.
فأطراف التجمع العاملي كانوا وحدة متماسكة وقد زاد من تماسكهم تحسبهم لأحداث ستطرأ على المنطقة من قبل الجزار.
كما كان لحكمة الشيخ ناصيف أكبر الأثر في الحرص على تماسك هذه الوحدة حفاظاً على إبقاء الجبل خارج دائرة أطماع الجزار أطول مدة ممكنة.
وليس أدل على قوة ناصيف من محاولة بعض الأمراء الشهابيين ومشايخ الشوف اللجوء إليه خلال نزاعهم مع الأمير يوسف الشهابي. ففي سنة 1776 كان حسن باشا ـ قائد الحملة التي قضت على ظاهر العمر ـ والجزار من بعده يلح بمطالبة الأمير يوسف عما تأخر عليه من أموال الميري خلال فترة ولاية ظاهر العمر على صيدا. فوقع الأمير بعجز مالي عالجه بمصادرة أملاك بعض الأمراء الشهابيين. ففر هؤلاء إلى الأمير إسماعيل الشهابي في حاصبيا. وقد استطاع هذا تسوية الأمور وإقناع الأمراء بالعودة إلى دير القمر باستثناء الأمير سيد أحمد وأفندي اللذين «بقيا ثائرين على أخيهما وجعلا يحزبان الأحزاب ويستميلان إليهما ناصيف النصار كبير المتاولة»([66]).
وتبدو قوة ناصيف أكبر فيما لو عرف أن استرضاء الأمير يوسف لأخويه في حينه وإعادة أملاكهما إليها يعود ببعض جوانبه إلى خشية الأمير يوسف من الاصطدام بناصيف([67]).
وفي سنة 1780 جعل الأمير يوسف ينتقم من النكديين ويلحق القهر بهم وخاصة «بالشيخ كليب ففر من دير القمر وأولاده وخواصه هارباً إلى جبل عامل وأقام عند الشيخ ناصيف النصار»([68]). ومكث في جبل عامل فترة طويلة حتى 1782.
من كل ما تقدم نلاحظ حرص الأمير يوسف على عدم التورط في نزاع حقيقي مع ناصيف النصار على الرغم من حرص الشيخ ناصيف على الاستمرار بعلاقة طيبة مع بعض أعيان الشوف. لا سيما مع الذين عرفوا بمناهضتهم للأمير يوسف. وقد تجلى هذا الأمر حتى بالمناسبات الاجتماعية ففي ذي القعدة 1191 ـ 1777 حضر الأمير عثمان بن سليمان باشا الشهابي إلى قلعة مارون وعزى بالشيخ أسعد بن محمد النصار الذي كان قد توفي في يوم الجمعة 13 شوال من السنة نفسها.
وفي 21 شعبان 1192 ـ 1778 ذهب جميع مشايخ جبل عامل إلى بلاد الدروز للتعزية بالشيخ علي جنبلاط الذي كان قد توفي في 18 شعبان. وفي ذي القعدة من السنة نفسها ذهب عقيل بن ناصيف إلى عند أولاد علي جنبلاط([69]).
وما هذه الإشارات إلا دليلاً على مدى الاستقرار والطمأنينة التي كان يتمتع بها العامليون.
ويبدو استقرار العامليين وقوتهم واستقلالهم النسبي من طبيعة علاقات ناصيف الخاصة مع آل الحرفوش (شيعة بعلبك) إذ أن أحد أمرائهم محمد الحرفوش حضر إلى جبل عامل في أول رمضان 1193/ 1779 وسكن لدى آل الصغير في بلدة شحور العاملية. ثم تطورت هذه العلاقات لتزداد عمقاً وتصل إلى حد التحالف.
وقد عبر الركيني عن ذلك بقوله: في محرم 1195/ 1780 صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والأمير محمد الحرفوش في الطيبة. وركبت خيل الشيخ ناصيف مع الأمير محمد الحرفوش إلى بلاد بعلبك([70]).
وكان ناصيف ككل قائد مجرب يعلم أن الهجوم خير وسيلة للدفاع. وكانت إمارة جبل عامل ككل الإمارات في تلك الأيام تعاني من مشكلة غزوات البدو. فلم يهمل الشيخ ناصيف هذا الموضوع. وعرفت تلك الفترة إغارات قام بها العامليون على بعض المناطق المجاورة بقصد الهجوم الدفاعي حيناً أو بقصد تقديم المساعدة لقبيلة على أخرى: ففي ذي القعدة 1191/ 1777 هاجم حيدر فارس مرجعيون وغنم منها عدداً من الأبقار وأسر خمسة عشر رجلاً.
وفي 1193/ 1779 ربيع الثاني نهب ناصيف مواشي من الزركشية والتركمان وفي جمادى الأولى 1194/ 1780 غزا حيدر الفارس عرب العزية وقتل منهم رجلاً. وفي 29 رمضان 1195/ 1780 غزا ناصيف قريتين في الحولة ونهب طرشها([71]).
وأخيراً في 1193/ 1779 حصل خصام بين قبائل عربان عنزة وقبيلة بني حسن (المرؤوسة بآل المزيد) فحضر آل عنزة إلى تبنين واستنجدوا بناصيف. فأرسل ناصيف أخاه أبا حمد بجيش من العامليين وسار قاصداً قبيلة آل مزيد في الجولان حتى وافى الجيدور من أعمال حوران قرب قرية الحارة حيث التقى بالعربان واشتبك معهم وانجلت المعركة عن مقتله ومقتل قاسم المراد ومئة فارس من قوات العامليين ودفن أبو حمد في مكان يعرف بنهر الرقاد([72]).
عندما وصل الخبر إلى ناصيف زحف للثأر من آل مزيد فهربوا تاركين أولادهم ونساءهم في مضاربهم فما كان من ناصيف إلا أن «حملته الشهامة وحركه الناموس لأن أمر قومه بالاعتزال عن تحلل تلك الربوع … ونزل في بيت كبيرهم (فاضل المهنا) ودعا بأكبر أولاده وكان دون العشر سنوات فألبسه فرواً ثميناً ثم دعى بأولاد الشيوخ ذوي الوجاهة من أولئك القوم وألبس كلاً منهم ما لاق به فضجت عموم النساء والأطفال بالدعاء … فكانت تلك مأثرة تناقلها الركبان جيلاً بعد جيل من العربان»([73]).
وكأن الشيخ ناصيف كان يدرك أن السياسة تستطيع تحقيق ما قد يعجز السلاح عن تحقيقه.
مع ذلك، وإذا كان القول أن بعض الناس يدفعون ثمن ضعفهم صحيحاً. فالصحيح أيضاً أن بعضهم الآخر يدفع غالياً ثمن قوته. وهذا ما سيحدث لناصيف النصار الذي وإن شارك في هذه الثورات إلا أنه لم يبادر إليها.
لهذه الأسباب جميعاً بدأت علاقة الشيخ ناصيف بالجزار بداية طيبة في أول الأمر فقد كان الجزار «ينزل برجاله في جبل عامل (صور ورأس العين) للراحة والتزود بالمؤن ففي 1190/ 1776 ليلة العشرين من صفر جاء الجزار إلى صور ونام عند حاكمها حمد العباس. كما نزل في السنة نفسها في 21 جمادى الثانية في رأس العين ونام فيها ليلة، ومرة أخرى جاءها في 7 شوال 1194/ 1779 وقضى فيها ليلة. وكان الشيخ ناصيف يتباحث مع الجزار عند مروره أحياناً في صور، ففي سنة 1190 في عشرين ربيع الأول سار ناصيف ببعض رجاله ومرافقيه إلى صور حيث قابل الجزار»([74]).
ولكن هذا الأمر لم يدم طويلاً إذ ما إن تمكن الجزار من القضاء على ظاهر العمر حتى شعر الشيخ ناصيف بقوة الجزار المتزايدة ورأى من الحكمة أن يتقدم من طور المودة إلى مرحلة التحالف عله يحول بين جبل عامل وبين شرب الكأس المرة لذلك فإنه ساهم بالفعل في محاربة علي ظاهر إلى جانب الجزار([75]).
ولكنه عندما رأى أن الجزار يحاول تأديب الأمير يوسف ازدادت شكوكه حول نوايا الجزار التوسعية لذلك أخذ يعد العدة لمحاربة الجزار إن هو حاول الاعتداء على العامليين.
ويروي أحد المؤرخين العامليين نادرة تبين لنا شكوك الشيخ ناصيف حول نوايا الجزار: فقد حدث أن ذهب الشيخ ناصيف مع عدد من مرافقيه لزيارة الجزار. فقال الشيخ ناصيف لهؤلاء: إذا سمعتم الجزار يقول لي أنت كشعرة من شاربي فثقوا به واركنوا إليه وإن قال أنت كشعرة من لحيتي فيكون قصده الغدر([76]).
وفي الاجتماع قال الجزار الجملة الثانية من وصية ناصيف. عندها انتهز الوفد فرصة انشغال الجزار لمدة وجيزة وركبوا وعادوا إلى بلادهم طالبين النجاة.
وبدأت العلاقات بالتوتر. وزاد من هذا التوتر أن الجزار طلب من مشايخ العامليين موافاته إلى عكا فرفضوا ذلك قائلين: «إنهم يخافون أن يعاملهم كما عامل أبناء ظاهر العمر (غدر بهم بعد أن آمنهم) وما شذ عنهم إلا الشيخ قبلان الذي كان يتطوع للتوسط بين المختلفين فقدم عكا ودبر المسائل بالنيابة عن الآخرين»([77]).
عملت ظروف عدة على تأجيل المواجهة المحتمة بين الزعيمين بسبب عوامل خارجة عن إرادة الجزار من جهة وبسبب محاولة الشيخ ناصيف تحاشيها من جهة ثانية وذلك بمناصرة الجزار في كل قضية لا تمس من وحدة العامليين ولا تهدد استقلالهم.
فقد كان محمد باشا العظم يسيطر على وادي التيم ويتحكم بسياسة الأمير إسماعيل الشهابي وكان الجزار يتطلع إلى الأمير يوسف في الشوف ويتحكم بسياسته. لذلك كان الصدام يحتدم بين هذين الواليين على توسيع مناطق سيطرتهما. وقد وقف ناصيف مع الجزار وخاض إلى جانبه عدة معارك ضد ابن العظم.
وبالفعل فقد ذهب الشيخ ناصيف بجمع من رجاله إلى عكا ليزحف مع الجزار لقتال محمد باشا العظم([78]).
ولما تهدد موقع الأمير يوسف ـ حليف الجزار ـ كحاكم لبلاد الشوف لم يتردد الشيخ ناصيف في تقديم يد المساعدة للأمير. والوقائع تؤكد أن الأمير يوسف ألمح بعد عودته إلى الحكم إلى رأي ناصيف السديد في كتاب يشكره فيه على مساعدته له في العودة إلى حكم الشوف.
يضاف إلى هذا أنه في محرم 1195/ 1780 كان محمد الحرفوش مجتمعاً بناصيف في الطيبة ومنها اتجها إلى بعلبك وفي عشرين محرم وصل محمد الحرفوش إلى دير القمر ومنها خرج يوسف إلى صيدا ثم إلى صور حيث التقى بناصيف وكليب أبي نكد في 28 محرم ومنها توجه يوسف إلى عكا عند الجزار([79]).
ولما حظي الأمير يوسف بدعم الجزار لقاء مبلغ من المال زوده بقوة من عنده وزحف مع الشيخ ناصيف وحمد العباس لاسترداد إمارته. وقد أبلى الشيخ ناصيف بلاء حسناً في معاركه ضد الدروز المناوئين للأمير يوسف الذي ما أن شعر بخضوع الدروز لحكمه حتى كتب إلى الشيخ ناصيف الرسالة التالية: إلى جناب حضرة الشيخ ناصيف المؤيد الموقف المسدد ونطلب من الله العظيم وشعيب النبي الكريم أن لا يعدونا صاحب الهمة العلية والنفس الزكية الرضية إن رأيتم لائقاً من غيرنا غير مأمور على جنابكم الشريف أن تكفوا العسكر عن القتل والنهب والحريق. لأن البلاد بلادكم والرعية رعيتكم وأمر جنابكم ماض علينا في الرخاء والضيق ورفيقنا ورفيق جنابكم فرد رفيق وإن شاء الله عز شأنه الطريق فرد طريق. لأن غيرتكم ورأيكم السديد الذي بدا معنا وبذلتموه لدينا ما سبقكم عليه لا أخ ولا صديق فيجب علينا حفظه على الدوام على ممر الدهور والأيام»([80]).
ظن ناصيف النصار أن موقعه قد تعزز عند الجزار بعد هذه الحادثة فحاول التوسط لبعض الجنبلاطيين الذين كانوا على خلاف مع الجزار فطلب هذا الطاغية مبلغاً كبيراً من المال «حتى نسمح لهم عن دمهم ونسكنهم في الموقع الذي نريده لا في الموضع الذي يختارونه هم»([81]) ولم يوفق الشيخ ناصيف في وساطته هذه. وربما كان ذلك إشارة من طاغية عكا إلى انتهاء دور الشيخ ناصيف النصار والانتقال بالتالي من مرحلة التناصر إلى مرحلة التناحر!
ناصيف النصار والجزار:
مرحلة التناحر والاستشهاد
كان الجزار مطبوعاً على الغدر، متنكراً للحلفاء لا يقيم للأخلاق وزناً في تحالفاته وعداواته لذلك عندما شعر بإحكام قبضته على بعض مناطق فلسطين وأصبح الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان ألعوبة بين يديه سال لعابه للسيطرة على جبل عامل والقضاء على ما كان يتمتع به من استقلال. وكان يدرك استحالة تحقيق هذا الأمر ما دام الشيخ ناصيف سيد الجبل بلا منازع. وقد عزز هذا الاعتقاد فشله المستمر بتحرشاته بقوات الشيخ ناصيف فقد «ساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة فلم يتسن له الفوز. وكان في كل مرة يرجع خائباً وتدور الدائرة عليه»([82]).
ثم تهاوى زعماء جبل عامل الأشداء الواحد تلو الآخر تحت ضربات السنين. فقد توفي عباس المحمد وعلي المنصور المنكري سنة 1187/ 1773 وعلي الفارس الصعبي 1189/ 1775 ومحمود النصار وقاسم المراد وهما ساعدا ناصيف النصار سنة 1193/1779([83]) عندما تهاوى هؤلاء افتقد جبل عامل تماسكه السابق، فهناك إشارة سريعة ومقتضبة إلى أن الشيخ حيدر الفارس حاكم بلاد الشقيف «كبس … اللزازات في صور ونهب طرشها في صفر 1195/ 1780» فمثل هذه الحادثة لم تكن تحدث أيام أخيه علي الفارس. كما نقل في المخطوطات العاملية عن تواطؤ الشيخ قبلان الحسن حاكم قلعة هونين مع الجزار على ناصيف ظناً منه أن البلاد ستؤول إليه بعد ذهابه([84]).
ولكن هذه الخلافات رغم أثرها السلبي على قوة العامليين لم تكن من الحدة بحيث تدفع فريقاً منهم للقضاء المباشر على فريق آخر. فبالرغم من هاتين الإشارتين لا يمكن الذهاب في تصور واسع لصراعهم لأنه لم ينقل بتاتاً في المخطوطات المتوافرة عن اشتراك عسكر حيدر الفارس أو عسكر قبلان الحسن مع الجزار في محاربة ناصيف في معركة يارون 1195/ 1780 بل نقل أنه بعد مقتل ناصيف فر قبلان إلى دمشق بعد أن سقطت قلعة هونين بيد الجزار وأن حيدر الفارس حوصر في قلعة الشقيف من قبل الجزار الذي واصل زحفه في جبل عامل([85]).
ومهما يكن من أمر فقد قرر الجزار الاستيلاء على الجبل وقرر ناصيف الدفاع عنه مهما كان الثمن غالياً. أرسل الجزار جماعة من جنده إلى جهات علما للتحرش فهاجم جند الشيخ ناصيف الذين ما لبثوا أن انسحبوا إلى قرية الزيب حيث جرت معركة لمدة ساعتين قتل على أثرها ستة من جنود الجزار وبدأ بعدها الجزار يضاعف استبداده ويعزز جيوشه في بلاد بشارة([86]) استعداداً لمعركة تقرر نهاية ناصيف النصار.
معركة يارون
الاثنين 5 شوال 1195/ 1780
لقد اختلفت الروايات بشأن هذه المعركة وكيفية حدوثها فمن رواية تفيد أنها كانت بين فريقين مهيأين مسبقاً للقتال. إلى رواية تفيد أنها كانت بتواطؤ من قبلان على ابن عمه ناصيف. ومن رواية تزعم أن الجزار تظاهر بأنه يزحف إلى وادي التيم في حين كان يقصد مباغتة جبل عامل، إلى رواية تزعم أن الجزار كان يقصد حاصبيا فعلاً وليس جبل عامل.
ومن ناحية ثانية فقد اختلفت الروايات في كيفية مقتل ناصيف النصار فمن رواية تفيد أن مقتله كان برصاصة في خاصرته إلى رواية تفيد أنه كان «بطبنجة» من أحد رجال الجزار ضرب ناصيفاً بها بعد أن زلت قدم جواده.
محمد جابر آل صفا يروي الحادثة كما يلي: هاجم الجزار جبل عامل بجيش كثيف في سنة 1195/ 1780 من الجهة الجنوبية متظاهراً بأنه يريد اجتيازه إلى وادي التيم لتأديب العصاة. فأدرك الشيخ ناصيف قصده فأسرع لعنده بشرذمة من خيله لا تزيد عن سبعمائة فارس كانت ترابط معه دائماً في حصن تبنين.
وكان الشيخ ناصيف بطلاً مقداماً تعود خوض المعارك وممارسة الحروب يهزأ بالمنايا ولا يبالي بالموت. فحملته الجرأة والبسالة على منازل ذلك الجيش اللجب بخيله القليلة ولم ينتظر وصول بقية الجنود والأعوان المرابطة في القلاع. وزلت قدم جواده على بلاطة يارون وعاجله بعض الجنود بإطلاق الرصاص فخر قتيلاً وتشتت جنوده وطويت صحيفة استقلال جبل عامل بعد ناصيف وسقطت بمقتله الحكومة الأولى بحصونها وقلاعها([87]).
الشيخ سليمان ظاهر يروي الحادثة معتمداً على الأمير حيدر الشهابي فيذكر تصميم الجزار الاستيلاء على جبل عامل: «جهز (الجزار) لهم هذه المرة عسكراً عظيماً ولما بلغ الشيخ ناصيف النصار قدوم العسكر جمع رجاله ونادى لقبائل بني متوال. فاجتمعوا إليه من القبائل الثلاث (آل الصغير ـ آل منكر ـ آل صعب) لأنه كان كبير المشايخ والجميع ينقادون إليه. وسار بتلك العساكر قاصداً عسكر الجزار حتى التقوا بهم. فهجم عليهم الجزار ونشبت بينهم الحرب وحمل في مقدمة العسكر الشيخ ناصيف النصار ولم يلبث أن أصابت رأسه رصاصة فقتل. فانهزمت المتاولة وأخلت البلاد ودخل عسكر الجزار إلى بلاد بشارة وتسلموا قلعة تبنين وقلعة هونين وحاصروا قلعة شقيف ارنون وكان فيها الشيخ حيدر الفارس وبعد أيام سلم فأخذها بالأمان ثم قتلوا كل من كان فيها»([88]).
أما الشيخ علي السبيتي فيذكر أنه «سنة 1195 أرسل الجزار عسكراً إلى حاصبيا فجاء إلى يارون فظن أهل بلاد بشارة أن العسكر يريدهم فحضر ناصيف وصارت وقعة قتل فيها ناصيف وخربت البلاد. وقيل إن عسكر الجزار حضر إلى البلاد بواسطة صاحب قلعة هونين وصار قتل ناصيف بواسطته وظن أن البلاد تضل (تظل) له. فلم يبق (الجزار) أحداً منهم»([89]).
شبيب باشا الأسعد يروي بأن الجزار كان يقصد جبل عامل مباشرة ويوافق صفا في كيفية حدوث المعركة ويتابع قائلاً: جاء من جانب آخر زنجي وأطلق عليه الرمح فأصابه بجرح ثبت له فانثنى كاراً عليه وضربه بالسيف وقتله فجاءه ثلاثة فوارس فأراد أن يميل عنان جواده نحوهم فزلت نعال جواده على بلاطة … فسقطا معاً هو والجواد فحمل أولئك عليه وأطلق أحدهم الطبنجة فأصابته وطعنه الآخر في صدره فغودر عند ذلك قتيلاً ودفن بجانب قرية يارون»([90]).
الشيخ محمد تقي الفقيه يقول: «استشهد ناصيف في يارون على بلاطة واسعة تعرف اليوم باسمه والظاهر أنها سطح صخرة ضخمة مضمورة بالأرض سطحها يساوي سطح الأرض متصلة بمقبرة يارون رأيتها بنفسي في سنة 1963م ورأيت فيها أثراً يشبه تزلق حافر حصان وكنت أظنه مصطنعاً. ورأيت حمرة بسيطة في نفس الصخرة يزعمون أنها بقايا لون دمه».
ثم يروي رواية غريبة عن أحد أبناء تبنين مفادها أن ناصيفاً أراد أن يستعمل ضرباً من ضروب الفروسية فأشار إلى جواده بإشارة يعرفها فارتفع به عن الأرض ووقف على رجل واحدة وأراد أن يهوي بسيفه على قرنه عند هَوْي الجواد فتكون الضربة مضاعفة فانزلق به جواده ووقع على الأرض فهجم عليه ثلاثة أو أكثر وتعاونوا على قتله فقتل([91]).
من خلال جميع الروايات العاملية نلاحظ حرصاً على جعل استشهاد الشيخ ناصيف مميزاً بل وأسطورياً مما يدل على مدى تعلق العامليين بشخصية الشيخ ناصيف القائد. كما يبدو لنا الشيخ ناصيف خريجاً «لمدرسة كربلاء» بما فيها من معاني القيادة والإخلاص والإيمان القائد إلى الاستشهاد. وقد أرخ المرحوم الشيخ إبراهيم يحيى العاملي مقتل الشيخ ناصيف النصار بهذه الأبيات:
قتل ابن نصار فيا لله من
مولى شهيد بالدماء مضرج
وتداولتنا بعده أيدي العدى
من فاجر أو غادر أو أهوج
هي دولة عم البلاد الظلم في
تاريخها الله خير مفرج([92])
وإذا كانت نتيجة أي عمل تعتبر جزءاً لا يتجزأ منه فإن النتائج التي ترتبت على استشهاد ناصيف وما ارتكبه الجزار من فظائع في جبل عامل تؤكد أن هدف الجزار كان جبل عامل لا سواه.
مآسي الجزار في جبل عامل
اكتسحت جنود الجزار البلاد وأحرقت القرى ودمرت المنازل. وشحن ما في مكاتب جبل عامل من التآليف والمخطوطات النادرة حيث أحرقت في عكا. وشكاه علماء البلاد إلى الأستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت إليه الشكوى عيناً فانتقم من موقعيها. وأسرف رجاله في ذلك الشعب قتلاً وذبحاً وقبض على فريق من الوجهاء فأماتهم خنقاً في سجون عكا وشرد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة. وهاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد الإسلامية النائية كالهند والعراق وإيران والأفغان وخدموا فيها الإسلام والشيعة الإمامية أجل خدمة.
وفر من بقي من الحكام وأبناء العشائر إلى جبال حلب والأناضول وقصد بعضهم «عكار» فأنزلهم حاكمها علي بك الأسعد المرعبي في دار رحبة لم تزل للآن تعرف بدار العشائر …. وللعلامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي وكان فيمن فر من العلماء وسكن دمشق متستراً قصيدة غراء ألمح فيها لهذه الكوارث:
من لي برد مواسم اللذات
والعيش بين فتى وبين فتاة
ورجوع أيام مضين بعامل
بين الجبال الشم والهضبات ….
إلى أن قال:
خطب دعاني للخروج عن الحمى
فخرجت بعد تلوم وأناة
وتركته خوف الهوان وربما
ترك النمير مخافة الهلكات
وهكذا دامت الحال سنين والعامليون يقاسون ضروب العسف والشقاء فحملهم ذلك على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم فثار الزعماء وأبناء العشائر وألفوا العصابات الثورية ليبدؤا مرحلة من حرب العصابات([93]).
وقد أطنب المؤرخون في وصف مآسي الجزار التي ألحقها بجبل عامل بعد مقتل زعيمه ناصيف النصار. كما أن العامليين لا يزالون يتناقلون الروايات الفظيعة حول ذلك. فقد قضى الجزار على الاستقلال الذاتي لجبل عامل الذي كان ينعم به في ظل مشايخه وتابع انتقامه من العامليين بجيش مؤلف من «الأكراد والأتراك وأعمل السيف بهم واستباح أعراضهم ونهب أموالهم([94]) …. ولا بدع فهتك العرض واغتصاب العذارى من شيم اللئام» «وصار الأمير إسماعيل يعد النساء ويأخذ عليهم خفراً كما أخذ العداد والخراج وهدمت الدولة القلع وأخذوا الأولاد والنساء»([95]) وكانوا يبيعون المرأة بعشرة مصاري([96]) وكان الرجال يساقون إلى عكا حيث ينتظرهم الموت على الخازوق([97]) وهرب المشايخ إلى بلاد بعلبك والشيخ قبلان وإخوته إلى الشام وجعل الأمير إسماعيل يمسك أتباعهم ويبلغهم بأمر الجزار …. وجعلت الدولة تأخذ من الرعية الأموال والخيل والسلاح وكانت هذه السنة سنة خوف وجزع وذعر شديد([98]).
وفر أولاد ناصيف النصار فارس ومحمد مع بعض مشايخ آل الصغير إلى عكا حيث نزلوا عند آل المرعبي وقيل عند محمد الأسعد حيث أقطعوا أرضاً لا تزال تدعى حتى اليوم «بجبل الأسود»([99]).
أما الشيخ قبلان ففر إلى دمشق حيث كان واليها محمد باشا العظم يكن له احتراماً وصداقة فاقتطع من بلاد الهرمل قريتي القاع ورأس بعلبك ومنحها له لكن الجزار ما عتم أن أصبح والياً في دمشق ففر قبلان إلى بغداد حيث توفي فيها سنة 1199هـ.
ومع غياب السلطة السياسية بعد مقتل ناصيف آلت القيادة العامة إلى علماء جبل عامل فأخذوا بالتحريض على الجزار وشكوه إلى الأستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت إليه الشكوى فانتقم من موقعيها: فكانت نكبة كبرى حلت بجبل عامل على الصعيد الثقافي لأن ظلم الجزار بلغ مبلغاً عظيماً في الضغط على العلماء والكبراء حيث تعقبهم قتلاً وتعذيباً ومصادرة وتشتيت من بقي منهم في الأقطار واستصفى آثارهم العلمية وكان لأفران عكا من كتب جبل عامل ما أشعلها بالوقود أسبوعاً كاملاً وكانت هي الضربة الكبرى على العلم وأهله.
وما ظنك ببلاد حرص أهلها على طلب العلم حرصاً شديداً ولم ينقطع عنها مدده وجابت علماؤها البلاد النائية في طلبه واقتناء كتبه حتى جمعت لديهم تلك الذخائر في قرون وأجيال كانت بعد ذلك طعماً للنار في مصادرات الجزار([100]).
المقاومة العاملية للجزار
بعد سيطرة الجزار على جبل عامل وهرب مشايخه وزعمائه وتشتت أهاليه جعل الجزار فيه إبراهيم مشاقة متسلماً للادارة وجعل مركزه قلعة مارون وكان لانتقائه هذا ما يعلله إذ أن إبراهيم مشاقة كان على خبرة في أحوال جبل عامل ونفسية العامليين منذ كان كاتباً لناصيف في صور فنشأت بينه وبينهم علاقات تجارية زاهرة. وقد أحسن هذا إدارة الجبل لكن العامليين كانوا لا يرضون عن الاستقلال بديلاً([101]) فبدؤا يضطرمون حقداً على الجزار وينتظرون سانحة للانقضاض عليه. لجؤوا إلى تأليف «عصابات» مقاومة تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار السارحة في هذا الجبل وتعيث فيهم قتلاً ونهباً وهي تقصد إيجاد حالة من البلبلة والفوضى لكي لا يدعوا الجزار يستقر في جبلهم([102]).
لكن ثورتهم الكبرى كانت سنة 1197/ 1783 حين اشتد الخصام بين الأمير يوسف الشهابي والجزار بسبب تلاعب وتقلب الجزار في سياسته مع الدورز بين الأمير يوسف والأمير إسماعيل الشهابي. عندها أرسل أولاد ناصيف ورجالهم يعربون ليوسف عن استعدادهم لقتال الجزار إذا أمن لهم السلاح اللازم فوافقهم وحضروا إلى بلاد الشوف ومنها توجهوا إلى شحور حيث اجتمع العامليون وتدارسوا الأمر فيما بينهم.
وكان الشيخ علي الزين مدير الاجتماع. ورأسوا عليهم حمزة ابن ناصيف النصار وتوجهوا بضع مئات وهاجموا قلعة تبنين وقتلوا حاميتها ومتسلمها وهددوا إبراهيم مشاقة الذي فر إلى الجزار طالباً إعفاءه من مهمته لكن الجزار زحف برجاله إلى العامليين والتقى بهم قرب قرية شحور حيث جرت معركة حامية قتل فيها حمزة الناصيف مع مئة من رجاله([103]).
واستمر الجزار في انتقامه من العامليين مما دفعهم لمؤازرة نابليون حين حاصر عكا سنة 1799 وقدموا المؤن لجيشه حقداً على الجزار. لكن تراجع نابليون عن عكا جعل الجزار يستمر ثانية في انتقامه وعسفه وظلمه للعامليين([104]).
وبقي الحال كذلك في جبل عامل حتى بعد أن خلفه عبد الله باشا في ولاية عكا، ولم تتغير حالة العامليين هذه إلا بعد أن تولى سليمان باشا سنة 1805 على ولاية صيدا حين اعتمد معهم سياسة اللين والعدل فعادوا إلى بلدهم وعاد مشايخهم من آل صعب وآل الصغير (فارس ومحمد الناصيف) إلى التزامه بعد أن عوض سليمان باشا عليهم بعضاً من أملاكهم.
جبل عامل
في عهد الشيخ ناصيف النصار
كان جبل عامل قبل المرحلة التي نتكلم عليها يشكل جزءاً من البلاد الشامية التي وقعت تحت سيطرة العثمانيين إثر معركة مرج دابق 1516. وكانت الدولة العثمانية تقسم البلاد إدارياً وعسكرياً إلى إيالات وسناجق. كما كانت تمنح هذه الإيالات والسناجق بطريق «الالتزام» من يدفع أكثر يحصل على الولاية وله أن يجبي الاموال بالطريقة التي تناسبه وغالباً ما كان «الملتزم» يعتمد على الأعيان والمشايخ في عمله هذا.
في هذا الإطار كان يحكم جبل عامل في ظل العهود العثمانية عدد من الأسر البارزة عن طريق استقلال أحد مشايخ هذه الأسر بالحكم شرط أن يحفظ الأمن ويؤدي الأموال المترتبة لخزينة الوالي.
أما في عهد ناصيف النصار الذي استطاع أن يوحد العامليين ويبعد الشهابيين عن الجبل فقد تراجعت سلطة الدولة العثمانية وأصبحت سلطة إسمية فقط ولم يعد بإمكانها التدخل في شؤون البلاد المحلية ولا يهمها إلا قبض الضريبة المفروضة على مقاطعات جبل عامل ومقدارها ستون ألف غرش توزع على المقاطعات الثمانية([105]).
ويبدو أن اختيار ناصيف تبنين مركزاً لقيادته لم يكن وليد الصدفة إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه عندما جدد الأمراء العامليون الوافر من قلاعهم وأحدثوا بعض الحصون في منتصف القرن الثاني عشر الهجري كانت المقاطعات ثمانية: تبنين وهونين وساحل معركة وساحل قانا ومرجعيون والشقيف وإقليم الشومر وجباع والمرجع العام للثمانية كانت تبنين والحاكم فيها من آل علي الصغير.
ثم انتقل ناصيف النصار بجبل عامل إلى مرحلة الاستقلال التام عن الدولة العثمانية عندما أعلن الثورة مع ظاهر العمر سنة 1190 ـ 1775 فكان المشايخ الإقطاعيون العامليون غير ملتزمين «برفع علم الدولة الرسمي في اجتماعاتهم بل كان لهم أعلام خاصة من نسيج حريري ـ أخضر وأحمر ـ كتب عليها بالنسيج الأبيض ثلاثة سطور: لا إله إلا الله محمد رسول الله والثاني: لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار. والثالث: نصر من الله وفتح قريب»([106]).
أما فيما يختص بالأمور القضائية فقد كانت الدولة العثمانية تعين قضاة من قبلها باسم نائب ونظراً لكون أغلبية العامليين على مذهب الشيعة الإمامية «فقد كان مرجع القضاء والفتوى الحقيقي في جميع أدوار جبل عامل العلماء والمجتهدون العدول»([107]) وخاصة في قضايا الأحوال الشخصية والفض في المنازعات وقضايا البيع والشراء والميراث وهذا يعني أن التنظيم القضائي والقوانين التي كانت تطبق فيه لم ترد في نصوص أخرجتها السلطة التشريعية كما هي الحال اليوم. وإنما كانت تتبع التعاليم الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة على مذهب أئمة آل البيت والإجماع والاجتهاد وإن ما نقل عن ناصيف النصار من إكرامه للعلماء وتقديره لهم انعكس تعزيزاً لمنصب القضاء الذين كانوا يشغلونه وبالتالي أصبحت فتاواهم «حكماً مبرماً يوجب على الحاكم الزمني العمل بنصه ولو كان ضد الحاكم نفسه»([108]).
من الناحية الاجتماعية: عرف المجتمع العاملي فئات ثلاث: فئة الأعيان التي تمثل الطبقة الحاكمة وكبار الموظفين وتتمتع هذه الفئة بالشأن الرفيع. وكان الإقطاعي ينفذ في عامة الشعب أحكامه «وينظر في شؤونهم على هواه وهم أتبع له من ظله يعضدونه في تعزيز قوته وإعلاء مكانته «غير أنهم» لم يكونوا عبيداً لأصحاب الإقطاعات أرقاء لهم»([109]).
فئة رجال الدين وتضم السادة والشيوخ المجتهدين. أما السادة فهم العلماء الذين يرجعون بنسبهم إلى النبي من ابنته الزهراء وينظر إليهم من قبل الشيعة بتقدير وإجلال كبيرين لنسبهم الشريف وأما الشيوخ المجتهدون فهم في الأصل من عامة الشعب درسوا العلوم الدينية والفقهية. وقد كان لرجال الدين عامة سلطة معنوية على أفراد الشعب والمشايخ الإقطاعيين على حد سواء. وقد عزز هذه السلطة العصبيات المذهبية التي كانت سائدة آنذاك إضافة إلى كونهم على مستوى المرحلة فقد استشهد عدد منهم دفاعاً عن العقيدة والوجود.
أما الفئة الثالثة فقد كانت عامة الشعب من فلاحين ومزارعين. ومعظم هؤلاء كانوا يعانون الفقر لكن أحوالهم تحسنت في عهد الشيخ ناصيف بعد أن تمركزت السلطة السياسية في يد قوية أشاعت الأمن والاستقرار وقد تحددت الضرائب على جميع مقاطعات جبل عامل بستين ألف غرش سنوياً! «ولم يعودوا يدفعون الضرائب المتنوعة التي فرضها الترك على الأراضي من ويركو وأعشار ورسوم تمليك … ولم تكن شبانهم تساق إلى الجندية»([110]).
أضف إلى أن التحالف الذي أقامه ناصيف مع ظاهر العمر أعفى العامليين من كثير من المشاكل التي كانوا يتعرضون لها على يد جيرانهم الفلسطينيين([111]).
وقد تميز العلماء في عهد ناصيف «بسلطة عليا تفوق كل سلطة تتطأطأ لها الرؤوس وتحنى الرقاب»([112]).
من الناحية الاقتصادية: كانت الحالة الاقتصادية في جبل عامل في ظل الدولة العثمانية تتصف بالفقر على وجه الإجمال لعدة عوامل أبرزها: موقع جبل عامل المتوسط بين مقاطعات البلاد الشامية مما جعله ممراً للجيوش ومسرحاً لمعارك المتخاصمين، مع ما يقتضي هذا الأمر من نفقات العسكر المار في الجبل من علائف ومؤن ….
فقد كان يرهق الشعب المعدم بمطالبهم حتى أن الفرد أصبح يفر من الغنى لأن هذا سيجلعه محط رحال العسكر. ويروي عن أحد التجار أن حاكماً وهبه مرة قرية لإيقاعه بهذا المأزق الآنف الذكر، فسعى التاجر بعناء حتى تخلى عن ثلاثة أرباع هذه القرية([113]).
كما أن حالة الجور والاستبداد التي كان يلقاها العامليون على أيدي حكامه وملتزميه من غير العامليين ساهمت بدورها في تردي الحالة الاقتصادية. إضافة إلى حال عدم الاستقرار بفعل هجمات الدمار والخراب التي كان يتعرض لها العامليون على أيدي الشهابيين والولاة العثمانيين. وأخيراً عملية الإفقار التي كان يعتمدها الولاة في تحصيل الأموال السلطانية إذ كانوا يوعزون لرجالهم بنهب البيادر والمحاصيل([114]).
ومن المعروف أن الناس لا يقدمون على الكد في تحصيل معاشهم إلا إذا كانوا على ثقة من التمتع بما يكسبون «لأنهم يفضلون الاكتفاء بالقليل التافه الذي يحصلونه بالتعب القليل على الكثير إذا جنوه بالكد ذهب طعمة للظالمين. فنشأ عن هذا إهمال الزراعة والصناعة والتجارة»([115]).
ومن الطبيعي أن تتغير الحالة الاقتصادية للجبل في عهد ناصيف النصار بعد أن تغيرت الأوضاع السياسية والاجتماعية حيث عرف الجبل مزيداً من الاستقرار السياسي وابتعاداً عن سلطة ولاة الجور.
فقد ازدهرت الزراعة في الجبل بسبب خصوبة أراضيه ونشاط فلاحيه يدل على ذلك مجموعة الآثار والظواهر المتوافرة في الجبل: كثرة معاصر الزيت ومعاصر العنب والخروب والمطاحن المائية على مجاري الأنهار وخاصة نهر الليطاني.
كما كثرت في جبل عامل مزارع الزيتون كمزارع البصة وجاليل: التي كان يقلع منها كل سنة جانب عظيم ويصدر لجميع جهات بلاد بشارة وساحل عكا([116]).
كما كثرت كروم التين والعنب في جميع أنحاء هذا الجبل وقد أطنب الرحالة روبنسون الذي زار البلاد في تلك الفترة في وصف لذة عنبها وكبر عناقيدها([117]).
أما زراعة التبغ فقد كثرت على هضاب جبال عامل وخاصة في ساحل قانا والجبال المجاورة لصور وكان تبغها «يشابه في جودته تبغ اللاذقية ويفوقه أحياناً»([118]).
كما كانت زراعة قصب السكر منتشرة على مجاري المياه في جبل عامل([119]) أما زراعة الفواكه فقد كانت بساتينها منتشرة حول صور وتروى بمياه رأس العين لكن العناية بها كانت ضئيلة([120]).
فيما يتعلق بالصناعة يبدو أن الجبل لم يعرف في تاريخه صناعة مزدهرة لذلك اقتصرت الصناعات في جبل عامل على بعض المصنوعات اليدوية كصناعة الآلات الحراثية وصناعة الحصر من مساكب «البابير» وصناعة الزقاق من الجلود قرب الحولة([121]).
كما كانت هناك بعض الصناعات التحويلية كتصنيع الزبيب والتين المجفف واستخراج الزيوت من الزيتون والبطم واستخراج الطحين من الحبوب بأنواعها. تدل على ذلك كثرة المعاصر والمطاحن المائية التي ما تزال آثارها ماثلة إلى اليوم. وكان العامليون يلبسون ثيابهم من قطن أرضهم منسوجاً على أنوالهم اليدوية([122]).
هذا بالإضافة إلى تصنيع إنتاج المواشي كالألبان والأسمان وقد استعمل العامليون السمن للإنارة. كما قاموا بتربية النحل واستخراج العسل منه. واستخرجوا الملح من مياه البحر على طول الساحل العاملي وخاصة في صور.
أما التجارة فقد حظيت بعناية خاصة من ناصيف النصار لأنه كان مشهوراً كتاجر كما كان مشهوراً كجندي على حد قول إدوار لاكروا([123]). وقد تمثل ازدهار التجارة الخارجية بالظواهر التالية: تعمير ميناء صور، فقد جاء على لسان الرحالة الفرنسي فولني أن المتاولة رمموا هذا المرفأ في سنة 1766 وبنوا له سوراً بعلو 20 قدماً. بحيث يمكن للسفن إيجاد ملجأ وهذا المرفأ يفضل على مرفأ صيدا([124]).
وقد أصبح مرفأ صور مركزاً لتصدير المنتوجات العاملية من جميع مقاطعات الجبل ما خلا المناطق التي جاورت صيدا. كما هيأ هذا المرفأ لأهالي صور بصورة خاصة سوقاً تجارية رائجة وأصبحت حالتهم المعيشية جيدة فقد كنت ترى في بيوتها وسائل الراحة([125]).
وساهمت حالة الأمن والاستقرار التي سادت جبل عامل سواء لانكفاء الشهابيين أو لانحسار غزوات البدو إضافة إلى قطع دابر اللصوصية في عهد ناصيف على تحويل جبل عامل إلى طريق للقوافل التجارية. فقد كانت تمر البضائع التجارية من سوريا إلى فلسطين عن طريقين: طريق دمشق طبريا وطريق دمشق ـ تبنين.
يضاف إلى هذا: العلاقات السياسية الودية بين ناصيف والشهابيين وظاهر العمر وعلي بك الكبير فقد عززت التبادل التجاري بين جبل عامل وسائر المناطق الشامية.
وساعد موقع الجبل المتوسط بين المناطق المجاورة من ناحية وإشرافه على ساحل البحر المتوسط من جهة ثانية على ازدهار التجارة. وبالفعل فقد تعززت التجارة بين صور ودمياط في مصر فقد ذكر أن جرجس مشارقة كان يتعاطى تجارة التبغ ويصدرها إلى مصر وقد تمكنت «صلته بمشايخ آل الصغير حكام بلاد بشارة والشقيف الشيعيين حيث كان يشتري منهم حاصلات أراضيهم الواسعة من التبغ … وفي 1757 اضطرته المصلحة أن يقدم من صيدا إلى صور فانتقل إليها لتسهيل تجارته مع مشايخ المتاولة القاطنين في جوارها والذين لهم من أغلالها النصيب الوافر مثل التبغ والحبوب والأخشاب([126]).
أما التجارة المحلية فقد تمثلت في مجموعة الأسواق المحلية التي كانت تقام في بعض البلدان الكبرى المتوسطة الموقع بين المقاطعات كسوق تبنين، النبطية، العديسة، الطيبة، بدياس، جويا، بنت جبيل، وكان الفلاح العاملي يعرض في هذه الأسواق منتوجاته الزراعية ومشتقاتها وصناعاته اليدوية([127]).
فيما يتعلق بالحالة الفكرية فقد عرف جبل عامل منذ القدم بإقبال خاصة من علمائه على نهل العلم وخاصة العلوم الدينية والفقهية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشهيد الأول محمد بن مكي 786هـ/ 1384م، الشهيد الثاني زين الدين بن علي 996هـ/ 1559م، الحر العاملي الشيخ محمد بن الحسن بن علي 1104هـ/ 1692م. السيد جواد المعروف بمحمد الجواد ابن محمد 1226هـ/ 1811م وسواهم ممن عرفوا شهرة واسعة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي ولا سيما الشيعي منه.
وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي وبعد أن بدأت هجمات الولاة العثمانيين والملتزمين تتوالى على الجبل فقد شهدت الحالة الفكرية تراجعاً نسبياً وخاصة حركة الشعر وذلك لسببين: الانشغال في الاهتمامات المعيشية الصعبة، وجود الحكام الغرباء والذين لا يمكن أن يكونوا من ممدوحي الشعراء العامليين.
ولكن مع ظهور ناصيف النصار في جبل عامل ومع إكرامه وتقديره للعلماء والشعراء ومع انتفاء الهجمات الخارجية ومع بروز الهوية العاملية ومع انطلاقة ناصيف النصار خارج حدود الجبل ومع كثرة المعارك والبطولات … مع كل هذا ظهرت حركة الشعر واشتهر من شعراء تلك المرحلة الشيخ إبراهيم الحاريصي والشيخ إبراهيم يحيى العاملي. فقد عاصر هذان الشاعران ناصيف النصار وعزفا بطولاته ألحاناً تفيض بالعزة والكرامة والعنفوان فكان ناصيف يرد كيد المعتدين والشعراء يردون أقوالهم.
ولما غُيب ناصيف النصار وكانت نكبة جبل عامل على يد الجزار وكان تشرد القادة والعلماء والشعراء جاءت قصائد هؤلاء صورة معبرة عن هذه النكبة فكان شعرهم أنيناً وقصائدهم حنيناً.
وخلاصة القول أنه: في أواخر القرن الثاني عشر إلى أوائل القرن الثالث عشر للهجرة «تكون النهضة الشعرية في جبل عامل قد تكاملت فتفتحت عن مجموعة من الشعراء الأفذاذ عاشوا أحداث بلادهم بشعرهم وشعورهم فكانوا لسانها الناطق وضميرها الحي وذهنها الوقاد»([128]).
وقد استمرت هذه النهضة الشعرية حتى تولى حمد المحمود زعامة الجبل «وهو رجل من أنبغ من أنجبت أسرته كان فارساً مقداماً وكان أديباً شاعراً … وكانت تبنين قاعدة حكم وفيها ملتقى وفاده وكان قد جدد بناء قلعتها هذه القلعة التي شهدت أزهى أمجادها أيام سلفه الشيخ ناصيف النصار … فاجتمع للشعراء: أمير تشوقه المدائح وشاعر يفهم ما يقولون وأمجاد مغرية بالمدح فالتقى في قصر حمد مجموعة من الشعراء لم يلتق مثلها إلا في قصور الملوك السالفين … ويخيل إليك وأنت تراجع شعر تلك الفترة أن حياة مصغرة لسيف الدولة الحمداني قد انبعثت في الجبل»([129]).
ومهما يكن من أمر فإن الحركة الشعرية ازدهرت في عصر ناصيف النصار وربما كانت تستحق وقفة خاصة ودراسة مستقلة فكما كان ناصيف النصار يعزف ألحان البطولة بوقائعه وشهامته ودفاعه عن الحق كان الشعراء يخلدون هذه الألحان بترانيم لغوية أغنت التراث العاملي وسجلت مآثر هذه الأقلية التي عاشت في الجبل ودافعت عن نفسها لتستمر بعقيدتها وحريتها وكرامتها.
وكانت وما زالت تقدم الشهداء من أبنائها ومن قادتها ومن علمائها على حد سواء وهذا أمر سهل الفهم إذا تذكرنا أن العاملي يرضع مع حليب أمه ما حدث في كربلاء.
د. محمد حمود
الجزار
ولا بد لنا بعد ذلك من التعريف بأحمد باشا الجزار بعض التعريف، وهو الذي جرى ما جرى على يديه من استشهاد ناصيف النصار وخراب جبل عامل وغير ذلك من الأحداث المرتبطة بجبل عامل وغير جبل عامل. وهو تعريف مكتوب بقلم: قسطنطين خمار.
شهدت البلاد السورية في القرن الثامن عشر أحداثاً مروعة وانتابتها ضروب من المظالم وصنوف من المآسي، نتيجة لاستقلال بعض الولاة والحكام الإقطاعيين بالمقاطعات التي دانت لسلطانهم فعاثوا بها عتواً وبرعاياهم طغياناً.
ذلك أن هؤلاء الولاة الذين كانت أولى واجباتهم فرض القانون وتطبيق النظام كانت كثرتهم من العجز الحربي والسياسي بمكان، وكثيراً ما كانت الدولة العثمانية تغيرهم باستمرار فمنهم من لم يكن يمكث في الحكم أكثر من سنة أو سنتين فكان همهم الأكبر وشاغلهم الاوحد أن يجمعوا أكبر مقدار من المال يستطيعون، ولذا لجؤوا إلى سلب الرعية ممارسين أشد أنواع الظلم وأدهى صنوف الاستبداد، فلا غرو أن شهدت البلاد في هذا القرن انهياراً في الأحوال الأمنية والاقتصادية وانحطاطاً في حياة السكان كما كان من نتائج هذه الأوضاع السائدة ازدياد تدريجي في أهمية الشيوخ المحليين، هذا عدا أن الاستبداد بحد ذاته من طبيعة الإنسان إذا لم يجد رادعاً يردعه وحائلاً يصده.
وقد بلغ (أحمد باشا الجزار) حاكم عكا والمسيطر على سائر البلاد السورية طوال الربع الأخير من القرن الثامن عشر القمة في ذلك وحلق فيه تحليقاً ما عليه مزيد فبزّ جميع نظرائه قسوة وفاقهم طغياناً مالئاً البلاد جوراً والشعب رعباً حتى ضرب به المثل في القسوة على مر الأجيال التالية فقيل «أظلم من الجزار».
المولد والنشأة
كان مولد الجزار في أوائل العقد الرابع من القرن الثامن عشر في إحدى قرى البوسنة ـ وقد نشأ وترعرع فيها فتى شرس الأخلاق سيئ السلوك، ويروى أنه ارتكب جرماً أخلاقياً، قيل إنه اغتصب امرأة أخيه مما اضطره إلى الفرار من وجه ذويه طريداً شريداً حتى عاصمة السلطنة العثمانية (الآستانة) حيث عمل حمالاً في الميناء ثم عاملاً في الزوارق. ملاقياً أسوأ معاملة، فاغتنم فرصة سانحة في رسو المركب الذي كان يعمل فيه في إحدى موانئ الأناضول، وفر منه عائداً إلى التسول آناً والسرقة حيناً، سائراً على غير هدى إلى أن باع نفسه أخيراً إلى نخاس يهودي صادف مروره في إحدى الموانئ فضمه إلى ما كان قد ابتاعه من الأولاد وتوجه بالجميع إلى القاهرة حيث كانت سوق الرقيق رائجة وحكام مصر كلهم من المماليك.
وهناك باعهم إلى تاجر آخر أسلم الجزار على يده وتسمى (أحمد) وكان قد أصبح شاباً بهي الطلعة، طويل القامة، قوي العضلات ذا وجه مشرب بالحمرة. ولا ريب أن جميع هذه الأهوال التي قاساها وشظف العيش الذي صبغ حياته السابقة قد ولدت فيه عقداً انعكست فيما بعد، عندما دانت له السلطة، على تصرفاته من عتو واستبداد ومظالم وكأنه بذلك ينتقم من البشرية جمعاء.
كانت مصر في هذه الفترة مسرحاً لنزاعات مستمرة بين مماليك معظمهم رقيق مشترى في صغره، حالهم كحاله لا تهدأ بينهم المعارك ولا تفتر المذابح بغية الوصول إلى الحكم والثروة، لا يرعون في ذلك عهداً ولا ديناً. وقد مكنته شجاعته الفائقة من الدخول في خدمة علي بك الكبير حاكم مصر وأعظم مماليكها شأناً، فنال رتبة (البكويه) ولشدة بطشه وفتكه ببدو إقليم (البحيرة) الذين أيدوا أحد خصوم علي بك أطلق عليه لقب (الجزار) فأصبح يدعى (أحمد بك الجزار). وأصبح الجلاد المفضل لدى سيده ممتهن قطع الرؤوس. وكان هذا اللقب الجديد مدعاة فخر واعتزاز له وبات يشعر بنشوة هائلة كلما رأى رؤوس قتلاه تتدحرج ودماءهم تهرق. وأصبح اسمه عند الناس مرادفاً للرعب ولازمه هذا اللقب طوال حياته، وأغدقت عليه الأموال فأصبح يمتلك الخيل والسلاح والجواري الحسان ويقيم حفلات الأنس والطرب موزعاً المآكل الشهية على فقراء الحي ـ إلا أنه عندما رفض أمراً بقتل أحد المماليك ـ وكان له صديقاً وتأكد من غضب علي بك عليه وعزمه على إعدامه، فر من منزله متخفياً بلباس إحدى جواريه حتى وصل إحدى الموانئ فاستقل مركباً متوجهاً إلى الآستانة يعرض خدماته على الباب العالي وكان ذلك عام 1771م وسنه آنذاك يقارب الأربعين، إلا أن آماله خابت في الحصول على ما كانت نفسه تحدثه به من مكانة، فولى وجهه شطر سورية ونزل في ضيافة الأمير يوسف الشهابي في دير القمر ـ وكانت شهرة بطشه وجبروته قد سبقته، فحمله هذا الأمير كتاب توصية إلى عثمان باشا والي دمشق من قبل الباب العالي، فجعله هذا الأخير قائداً لمفرزة من أربعين رجلاً وسلمه ميناء بيروت فرمم أسوارها بهمة ونشاط فائقين وبنى فيها أبراجاً عدة حتى منحه الأمير يوسف الشهابي لقب (قائد أعلى) ـ إلا أنه لما كانت شيمته الغدر، تحصن في بيروت وأغلق أبواب الاسوار دون الأمير يوسف وحرم عليه دخولها، وزيادة في التهديد والوعيد قبض على رجلين من أتباع الأمير فقطع رأسيهما ثم أجلس كلاً من الجثتين على خازوق ونصبهما على السوار وأجرى مذابح شنيعة في المدينة وفتناً طائفية حتى أرهب القوم، وبلغ من سخريته بسيده الأمير يوسف أن أمر بصنع (فزاع) على مثاله وعلقه على أحد أبواب المدينة ولما أخذ ببناء سور متين للميناء دفن عشرين رجلاً أحياء ضمن السور زاعماً أن هذا يدعم البناء ومخرجاً سواعد هؤلاء الضحايا من بين الأحجار علها تصلح لربط السفن ـ إلا أنه أخذ يغدق الهبات على جنوده مشجعاً إياهم على الشراب والعبث والفحشاء، واهباً إياهم الآلات الموسيقية مبتهجاً بآثامهم. إذ أن معظمهم كان من الأشقياء والمجرمين، وبذلك عم خطرهم وامتلأت المدينة منهم رعباً ودانوا له بالطاعة العمياء، وقد نجح في حكم المدينة مدة عام واحد وكان سكانها في هذه الفترة لا يزيدون عن ستة آلاف نسمة.
الصراع مع ظاهر العمر
والواقع أن السلطنة العثمانية كانت بحاجة إليه لتنفيذ خططها بإعادة (إيالة صيدا) إلى الحكم المركزي الفعلي بعد أن قويت شوكة ظاهر العمر حاكم عكا لدرجة أن نفوذه وسلطانه كانا هما السائدين على هذه الأيالة ومعظم فلسطين. فوجدت في الجزار رجلاً ذا بأس يمكنها الاعتماد عليه للحد من سيطرة ظاهر. ولكن خصوم الجزار تألبوا عليه وحاصر بيروت دروز الجبل بقيادة الأمير يوسف وساندهم في ذلك الأسطول الروسي بضرب المدينة وجعل في أسوارها ثغرات كثيرة، ولما لم يتلق من الدولة العثمانية مساعدة عملية ووجد أن المدينة ساقطة لا محالة وأن أيامه باتت معدودة، لجأ إلى الدهاء والخديعة فأرسل من يبلغ ظاهر العمر أنه يعترف بخصومته الشريفة وأنه على أتم الاستعداد للانضمام إليه ضد قوى السلطنة العثمانية إذا أمنه وحاشيته، وكان في أثناء ذلك قد أخرج من بيروت، بطريقة سرية، الأموال والأمتعة والتحف الثمينة التي كان الأمير يوسف قد ائتمنه عليها. ولما كان ظاهر العمر قد سمع بشدة مراس الجزار وشجاعة جنوده وبأسهم في القتال أجبر حلفاءه قادة الأسطول الروسي والجيوش المحاصرة على السماح للجزار وحاميته بمغادرة بيروت مع المحافظة على شرفها العسكري، ودخل الأمير يوسف والروس المدينة فوجدوها خاوية على عروشها، أما الجزار فأبحر بجنوده إلى صيدا ثم صور وكان يفترض أن يسير من هناك بجنوده إلى منطقة نابلس لينضم إلى جيش ظاهر العمر ليسانده في محاربة العصاة وإخضاعهم، إلا أنه كعادته غدر بظاهر، كما غدر سابقاً بسيده القديم يوسف. وتوجه إلى دمشق منضماً لجيوش الدولة العثمانية، ومجدداً بذلك ولاءه وتبعيته للباب العالي الذي ما زال ناقماً ومصمماً على القضاء على ظاهر العمر الزيداني المتمرد عليه والمنفرد بالسلطة على مناطق واسعة من البلاد، فرحب بفعلة الجزار هذه وعزم على مكافأته في أول فرصة …
أرسلت الدولة العثمانية عمارة بحرية بقيادة حسن باشا لضرب المقر الرئيسي لظاهر، وهي مدينة عكا، من البحر كما تقدمت جيوشها من دمشق وتم لها الاستيلاء على المدينة بعد أن فر منها ظاهر وقتل خارج أسوارها، وعندها استدعي الجزار، ثقة من الدولة العثمانية أنه من أتباعها وولته عكا عام 1775م فوجدها في حالة بائسة أثر الحصار البري والبحري وقد هجرها معظم سكانها إلى المناطق المجاورة فطلب من الأهالي الفارين العودة لاستعادة أمتعتهم ومقتنياتهم.
ولما تأكد من عودة معظمهم حرم عليهم مغادرتها تحت طائلة الإعدام وبذلك امتلأت ثانية بسكانها القدامى، إلا أنه بقي في حاجة ماسة إلى المال فقام بفرض الضرائب الجمركية على معظم السلع. كما أجبر وكيل القنصلية الفرنسية والتجار الفرنسيين على إقراضه الأموال واحتكر معظم المرافق التجارية.
ولما وجد أن خزائنه امتلأت بالأموال شرع بإصلاح الأسوار وإتقان البنيان وذلك بتسخير أهالي القرى المجاورة للعمل ثلاثة أيام في الأسبوع بالتناوب ثم أنشأ أسطولاً صغيراً. كما مكنته موارده المالية من تأليف فرقة فرسان من أبناء البوسنة وألبانيا من (800) فارس ومن مرتزقة المغاربة ألف جندي من المشاة. ثم أخذ باستقدام اللصوص والفارين من وجه العدالة جاعلاً منهم حرس شرف له وبذلك أصبح لديه قوة مقاتلة فاعلة من مرتزقة البشانقة والأرناؤوط والأكراد والمغاربة.
تسلم ولاية صيدا
وبعد أن فرغ من ذلك وآنس من نفسه القوة العسكرية والمالية تولى أمر أبناء ظاهر العمر فقضى عليهم جميعاً. وبذلك دانت له قطاعات صفد وطبريا التي كانت ما تزال تحت سيطرتهم فسر ذلك الدولة العثمانية فعينته في النصف الثاني من تشرين أول (أكتوبر) عام 1775 والياً على صيدا ومنحته رتبة الباشوية!
وفي شباط (فبراير) من عام 1776م منح رتبة (وزير) وأصبحت الدولة العثمانية تخاطبه في جميع الفرامانات والمراسلات باللقب الجديد (الوزير أحمد باشا الجزار) وزيادة في اعتراف الدولة بفضله برد سلطتها على جميع المقاطعات التي كانت تابعة للزيداني منحته ما كان يعرف (بالمالكان) أي حق الحكم مدى الحياة وبذا استمر الحاكم على هذه البلاد حتى وفاته عام 1804م أي ما يزيد على 28 عاماً.
إلا أنه على الرغم من ذلك لم يغير مكان إقامته في عكا، ولم يكن يؤم صيدا (مع أنها كانت المركز الرسمي للإيالة) أكثر من شهرين في العام الواحد. وبعد أن دان له معظم الجليل أخذ بمهاجمة الشمال جبل عامل وتسلم بعد معركة يارون وقتل ناصيف النصار قلعة (هونين) وقلعة (الشقيف) وقلعة (جباع) فقتل الكثير وسلب الأموال وسبى النساء حتى كانت المرأة تباع بثلث قرش وبعد ذلك أخضع مدينة صور، كما هاجم جنوده بيروت فهرب معظم سكانها وأحرقوا وقتلوا وباعوا الأسرى وأرسلوا إليه منهم الكثير فقطع رؤوس البعض وأجلس آخرين على الخازوق …
الحاكم المطلق في الشام
وبعد ذلك ولى وجهه نحو منطقتي نابلس وجنين فأخضعهما. إلا أنه عجز عن الاستيلاء على قلعة (سانور) في منطقة جنين وكان يسيطر عليها يوسف الجزار على الرغم من محاصرته لها أربعة أشهر، وعلى الرغم من تكرار مهاجمته لها بعد ذلك. وبذلك ازداد إيمان الدولة العثمانية رسوخاً به لا سيما أنه كان لا يتوانى عن إرسال الأموال لها باستمرار فتسلم منها براءة بتعيينه والياً على دمشق عام 1780. وكان من مهام والي دمشق إمارة الحج فهو الذي يسير بقافلة الحجيج إلى مكة ويحميها من هجمات البدو في الطريق، وقد تولى هذه المهمة وولاية دمشق أربع مرات في حياته إذ أن الدولة العثمانية كانت تمنح الأيالة لمن يرسل إليها الأموال الأميرية في انتظام فتعزل الواحد لتولي الآخر تبعاً للمبالغ المرسلة. وقد أظهر الجزار سخاء متناهياً بإرسال الهدايا والذهب إلى السلطان العثماني وحاشيته مما مكنه من الحصول على إيالة طرابلس في تلك الفترة بالإضافة إلى إيالة دمشق.
وبذلك خضعت له سوريا بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، فانتشر عماله من اللاذقية شمالاً إلى غزة جنوباً كما أتم سيطرته على الشوف والجبل اللبناني وكان على أمرائهما وشيوخهما أن يرضوه بالأموال لإبقائهم في سدة الحكم، مما اضطرهم إلى ظلم رعاياهم وإثقال كاهلهم بالضرائب ليتمكنوا من جمع ما وعدوا به الجزار الذي كان يبقى عنده أبناءهم ومديري ماليتهم أحياناً رهائن لديه في عكا حتى إذا تقاعسوا عن إرسال الأموال المطلوبة قام بإعدام الرهائن، وكان لهذه الغاية يلقي بذور الشقاق بين أمراء أفراد العائلة الواحدة الحاكمة، فكم من مرة فعل ذلك بين الأمير يوسف الشهابي وخاله الأمير إسماعيل ثم بين الأمير يوسف وإخوته، كما أخذ فيما بعد يحرض الأمير الفتى بشير الشهابي (الكبير فيما بعد) على الأمير يوسف ثم أبناء الأمير يوسف على الأمير بشير ـ كل ذلك تبعاً للمبالغ التي يستطيع دفعها كل منهم، فمن زادها له سانده وتنكر لغيره وهكذا ….
وفي إحدى المرات طلب من الأمير يوسف الشهابي ستمائة كيس (وكان الكيس يحتوي 500 قرش) وهذه مبالغ باهظة إذا ما تذكرنا قيمة النقد الشرائية في ذلك العهد، بدليل أنه عندما شح المطر في إحدى السنين وحصل قحط ارتفع سعر مد القمح إلى ثلاثة قروش ….
جنون وقسوة
وكانت حاجة الجزار إلى الأموال لا تفتر ليتمكن من الاحتفاظ بجيش قوي، إذ كان هو عماده الوحيد، فولاء هؤلاء الجنود المرتزقة كان يتوقف على انتظام دفع رواتبهم، ولذا عمد بالإضافة إلى ما كان يجبي من الضرائب ويفرض من المغارم ويصادر من الأموال والممتلكات إلى احتكار التجارة وكانت أولى خطواته احتكار القطن فحدد أسعاره ومنع بيعه أو شراءه من قبل أية وكالة إلا هو …. وعندما حاول التجار الأجانب تذكيره بالاتفاقات المعقودة مع الدولة العثمانية سخر من ذلك وأفهمهم أن لا سلطان غيره فهو وحده الآمر الناهي، في الأراضي التي يحكمها، ثم امتد احتكاره إلى الحبوب فأجبر المزارعين على زراعة القمح ومنعهم من بيعه أو تخزينه وصدر جميعه إلى مصر والمناطق المجاورة.
ولما امتد حكمه إلى ولاية دمشق فعل مثل ذلك في غلال حوران. وأصبح جميع المحصول يباع إلى وكلائه في عكا ومنهم فقط يستطيع التجار أن يشتروا ولم يجرؤ أي كائن على الاحتيال إذ كانت سفنه وعيونه تراقب الشواطئ والموانئ بدقة لا سيما وأنه كان قد حظر على أية سفينة مغادرة الميناء بعد الساعة الثامنة مساء، وبذلك لم يعد هناك أي مجال للتهريب، كما كانت أية محاولة من قبل التجار الفرنسيين لشراء القمح من الفلاحين يكون الرد عليها دون رحمة. ومثل هذه المحاولات أدت إلى طرده التجار الفرنسيين من عكا وصيدا عام 1790 فهو وحده يقرر أي المحاصيل يجب أن تنتج للتصدير. وبذلك كانت موارده المالية تنمو باضطراد بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الباهظة التي كان يفرضها على جميع الصادرات والواردات هذا عدا الغرامات الخاصة التي كان يفرضها بين حين وآخر على التجار والسكان المحليين ومصادرته الأملاك والمقتنيات الخاصة لسبب أو لآخر، إلا أن الدخل الأكبر كان يأتيه من الضرائب المباشرة التي كان يفرضها على الرعية.
كل ذلك جعله على جانب كبير من الثراء حتى قدر القنصل الفرنسي في عكا عام 1792م ثروته بأربعين إلى خمسين مليون قرش بينما كان الباب العالي قدر ثروة سلفه ظاهر العمر الزيداني عند وفاته عام 1775م بخمسة وعشرين مليون قرش أي أن الجزار استطاع خلال سبعة عشر عاماً من حكمه مضاعفة ثروته.
فهذه الثروة مكنته من بناء قوته الحربية وحملت إليه ولاية دمشق أربع مرات وقد حصلت عليه ثورة من قبل بعض مماليكه في 3 أيار (مايو) من عام 1789م فقمعها دون رحمة، وهذا ما زاد رغبته في جمع الأموال وتقوية جيشه، إذ رأى نفسه وحيداً، غريب الدار، لا جذور شعبية له، تكتنفه الكراهية من جميع رعاياه لشدة ظلمه وجبروته ولا مكان يلجأ إليه إذا انكسرت شوكته لا سيما بعد أن شعر أن الباب العالي قد شجع هذه الثورة عليه سراً للحد من نفوذه بعد أن تعاظمت قوته كثيراً وجعلته يتطاول على السلطنة ولا يأبه لأوامرها، كما ساعدت فرنسا على ذلك بطريقة خفية. ولما تأكد من ذلك قام بطرد التجار الفرنسيين من عكا وصيدا كما أسلفنا ومنع أي ممثل لفرنسا من العودة إلى عكا. إن تمكنه من القضاء على هذه الثورة زاد طغيانه وأصبح يشك حتى في من يصطفيهم وزاد اهتمامه بمرتزقته.
أما مظالم الجزار التي تحدث بها الركبان فكانت أكثر من أن تحصى، مظالم شملت قطع الرؤوس والشنق والقتل إفرادياً وجماعياً بالخناجر والسيوف والفؤوس واستعمال الخازوق. وقد روى شاهد عيان أنه شاهد أربعين رجلاً يصطفون أمام الأسوار لإجلاسهم على الخازوق الواحد بعد الآخر، ولم ينج من بطشه حتى رجال حاشيته فكثير منهم فروا خفية، أمثال الياس إبراهيم إده الذي فر إلى الشوف ويوسف القرداحي الذي فر إلى أوروبا. أما مديرا ماليته مخائيل وبطرس السكروج فقتلهما وصادر أموالهما كما أنه جدع أنف خازنه حاييم فارحي اليهودي وقلع عينه وأودعه السجن حيث بقي فيه إلى حين وفاة الجزار. كما كان يضع الأحياء ضمن الأسوار ويأمر بالبناء عليهم وقد شوهدت فيما بعد كثير من الهياكل العظيمة ضمن الأسوار لدى تساقط بعض حجارتها. وعند عودته من الحج في إحدى المرات وشكه في خيانة إحدى جواريه روي أنه نضا عنها ثيابها ثم قطع ثدييها وبعد ذلك بقر بطنها وألقى بأحشائها إلى السقف ثم أمر بإضرام كومة من الحطب حرق فيها 27 من جواريه إذ كان يقبض على الواحدة منهن من شعرها ويلقيها في النار. وفي رواية أخرى أنه جعل كلاً منهن في كيس وضع فيه ثعباناً وهرة ثم أمر بإلقاء الأكياس في البحر.
وبعد حادثة الخيانة هذه داخله شعور بأن الناس يسخرون منه في قرارة نفوسهم وإن لم يستطيعوا إظهار ذلك خوفاً ورعباً فتشفى منهم بصلم الآذان وجدع الأنوف وسمل العيون. ويروى أنه أمر مرة أحد الحلاقين بسمل عين أحدهم فارتجفت يد الحلاق، فقام الجزار بنفسه بالعمل بأن وضع إصبعه في عين المحكوم مقتلعاً عينه وملقياً بها في وجه الحلاق ليعلمه كيف يجيد حرفته. ومما يروى أنه كان يقتل على هواه جميع طبقات الناس سواء كانوا من العامة أو من الخاصة أو من أرباب الحرف والصناعات كيفما اتفق، ثم يطرحهم خارج الأسوار طعاماً للوحوش ثم يأمر المنادين أن يخرج أقرباء القتلى لدفن الموتى دون أن ينبسوا ببنت شفة وأن أية امرأة تبدي عويلاً تقتل فوراً.
عاش الجزار بعد انتصاره على نابليون في عكا خمس سنوات وكانت وفاته عام 1219هـ ـ 1804م فتبارى الشعراء في ذمه وتعداد مظالمه مؤرخين ذلك.
صدى الأحداث في الشعر
ومن كبار شعراء ناصيف النصار الشاعران الشيخ إبراهيم الحاريصي والشيخ إبراهيم يحيى. وقد ساهما في شعرهما بتسجيل الكثير من أحداث ذلك العصر. وقد مر في بحث (تربيخا) شعر الشيخ إبراهيم الحاريصي. وننشر هنا ما لم ينشر هناك من المساجلة بين الحاريصي والشيخ عبد الحليم، كما ننشر بعض شعر الشيخ إبراهيم يحيى الذي كان بين من تشردوا عن جبل عامل بعد واقعة (يارون) واستشهاد ناصيف النصار، فكان شعره صدى للنكبة والتشرد والغربة.
لما استولى الجزار على جبل عامل بعد قتل الأمير ناصيف بن نصار وقبض على من قبض من رؤسائه وعلمائه وقتل من قتل كالشيخ علي الخاتوني وسلمان البزي وأمثالهم وهرب من أفلت منهم من الجزار فبعضهم ذهب إلى بعلبك كالسيد محمد الأمين وبعض آل الحر وبعضهم إلى عكار وبعضهم إلى العراق وبعضهم إلى الهند وبعضهم إلى دمشق. كان الشيخ إبراهيم يحيى في جملة من هرب إلى بعلبك ولقي في هربه شدة عظيمة حتى قيل إنه بقي أياماً لا يذوق الطعام حتى وصل بعلبك فبقي فيها نحو عشرين يوماً. وفي ذلك قال القصيدة اللامية الآتية يصف فيها ما ناله ثم تردد بين دمشق وبعلبك ثم سافر إلى العراق فأقام بها مدة ثم سافر لزيارة الرضا عليه السلام في خراسان ثم عاد إلى دمشق وتوطنها إلى أن مات. وكان يتردد إلى بعلبك ويكثر الإقامة فيها.
قال وهو في النجف يحن إلى بلاده ويمدح علياً عليه السلام:
سلام به تغدو الصبا وتروح
ويعبق في ذاك الحمى ويفوح
تحية مشتاق إذا ذكر الغضا
أو السفح بات الجفن وهو سفوح
نزحتم فأجفاني تفيض دموعها
فليس لها بعد النزوح نزوح
وقد كان لي جفن شحيح بدمعه
ولكن لأمر ما يجود شحيح
لي الله كم أخفي الهوى وهو ظاهر
وأكتم سري والدموع تبيح
ومما شجا قلبي هديل حمامة
مطوقة بين الغصون تصيح
تغني سروراً بالحبيب وقربه
وأذكر بعداً منكم فأنوح
ولو ساعدتني بالجناح لكان لي
رفيف إلى مغناكم وجنوح
ألا فارحموا صبا له في عراقكم
فؤاد وجسم في الشام طريح
تحركه ريح الصبا فاضطرابه
بها كاضطراب الطير وهو ذبيح
وإن عز وصل منكم فتفضلوا
بوعد فوعد الصادقين نجيح
وإن كان في هجر المحب رضاكم
فكل الذي يرضي المليح مليح
ليسقك يا وادي السلام مجلجل
من الغيث محلول النطاق دلوح
وحسبك يا ربع الهوى من مدامعي
غبوق إذا ضن الحيا وصبوح
فقد خط في مغناك للمجد والعلا
ضريح له قلب الولي ضريح
إمام له من خالص التبر قبة
سناها على بعد المزار يلوح
أميري أمير المؤمنين وجنتي
إذا صد عني مشفق ونصيح
ويوم الغدير استوضح الحق سامع
مطيع وهل بعد الوضوح وضوح
ولكنها مالت رجال عن الهدى
وقد لاح وجه للصباح صبيح
وقد يكره الشمس المنيرة أرمد
ويعرض عن شرب القراح قريح
بعيد مناط الفخر أما مقامه
فعال وأما ربعه ففسيح
خفيف إلى داعي الوغى غير أنه
وقور إذا طاش الحليم رجيح
جواد يبذ الغاديات إذا جرى
رويداً وسار الغيث وهو مشيح
صفوح عن الجانين من بعد قدرة
وكل كريم العنصرين صفوح
حيي إذا كان الحياء فضيلة
وشهم إذا سيم الهوان جموح
جرى للعلى والحاسدون وراءه
على رسلكم أن المناخ طروح
ولست ترى في الناس أجهل من فتى
يروم لحاق الريح وهو رزيح
علا قدره عن كل مدح فقلما
يليق بجيد من علاه مديح
وما لي إذا اشتد العنا غير حبه
وحب بنيه الطاهرين مريح
عليهم سلام الله ما انبجس الحيا
وأومض برق أو تنسم ريح
وقال وهو في النجف من قصيدة:
عج بالغري وقل يا حامي النجف
تلافنا قبل أن نفضي إلى التلف
عطفاً علينا فقد أرسى بعقوتنا
من الحوادث صرف غير منصرف
خطب من الدهر لا تنبو صوارمه
ولا يطيش له سهم عن الهدف
ضرب دراك ورمي طل كل دم
منا بمتفق منه ومختلف
فيا أعز الورى جاراً وأقومهم
بالقسط في زمن العدوان والجنف
أعجوبة كيف حل الضيم ساحتنا
ونحن من حبلك الموضون في كنف
يعدو العدو علينا بين منتهب
ما نصطفيه من الدنيا ومختطف
وما هنالك ذنب غير حبكم
وبغض أعدائكم والأمر غير خفي
نمسي ونصبح في هم وفي حزن
ولا معول غير المدمع الذرف
مشردين عن الأوطان ليس لنا
مغنى يحيط بنا إلا من الأسف
فوضى إذا ما قطعنا جوف ملتقم
من العداة حوانا كف ملتفف
أرغمت يا دهر والأقدار غالبة
منا أنوف أباة الضيم والأنُف
كأننا ما رفعنا للعلى علما
يناطح الفلك الدوار بالكتف
ولا غدونا إلى الهيجاء تحملنا
خيل جياد تبذ الريح بالهرف
إذا اصبنا عظيماً هان مصرعه
فينا وأسد الشرى تجني ولم تخف
وإن أصبنا بندب قال قائلنا
ما أطيب الموت بين البيض والحجف
وكم تركنا حياض الجود مترعة
والناس من كارع فيها ومغترف
وكم ترعرع فينا ماجد بطل
سمح ينوب مناب العارض الوطف
إذا تهلل جوداً قال حاسده
تالله لا عيب في هذا سوى السرف
وكم رفعنا في التقوى منار هدى
والناس خابطة في ظلمة السدف
وكم تركنا قطوف العلم دانية
والناس ما بين مشتم ومقتطف
وكم أناخ بنا والأرض مجدبة
ضيف فألقى العصا في روضة أنف
فضل من الله آثرت الحديث به
وما سلكت سبيل البذخ والترف
يا لهف نفسي وهل يطفي أوار جوى
بين الجوانح قول المرء يا لهفي
فيا لها ليلة ليلاء قد عصفت
رياحها بجذوع الدوح والسعف
وهاكها يا علي الشأن قافية
كالبدر حسناً وحاشاها من الكلف
حوت صفاتكم ألفاظها فزهت
والفضل للدر ليس الفضل للصدف
صلى عليكم إله العرش ما طرفت
عين وما حن مشتاق إلى النجف
وقال من قصيدة:
أشكو إلى الله الزمان وطالما
مد الكسير يديه للجبار
كم سامني ضيماً وهل يرضى الفتى
وهو العزيز بذلة وصغار
يجني علي مقارباً ومجانبا
لا مرحباً بحديدة المنشار
خوف وفقر واغتراب حيث لا
يسر ولا عدوى على الاعسار
وإذا تأملت الشدائد لم تجد
كيمين مغترب بغير يسار
خطب رماني حيث لا روض الثنا
زاه ولا ماء المكارم جاري
فلأصبرن فما تطاول غيهب
إلا محاه الله بالأنوار
والحر يظهر بالنوائب فضله
وانظر إلى نار وحر نضار
وأماط عني الهم أني واثق
بالله في الإعلان والإسرار
والخير كل الخير في الأمر الذي
يجري بحكم الفاعل المختار
وبديعة كالروض تمري فوقه
أيدي الجنوب حوافل الأمطار
ما زال يبكيه الحيا حتى جرت
عبراته من أعين الأزهار
هي نفثة المصدور يخفي داءه
أبداً وقد يضطر للإظهار
وقال وأرسلها من أصفهان إلى دمشق لبعض الإخوان:
غرام وتشتيت وشوق مبرح
فلله ما يلقى الفؤاد المقرح
أما والهوى يا مي لولا معاهد
لأحبابنا فيهن مسرى ومسرح
لما بت في نار من الوجد أصطلي
لظاها وفي بحر من الدمع أسبح
أما تتقين الله يا مي في فتى
على سروات النيب يمسي ويصبح
يشيم بروق الشام وهو بفارس
لقد بعد المغدى وشط المروح
ليسقكم يا جيرة الشام وابل
من المزن محلول النطاقين مدلح
وما زلت مذ فارقتكم في صبابة
لواعجها في حبة القلب تقدح
وتضطرب الأحشاء عند ادكاركم
كما اضطرب المذبوح ساعة يذبح
فيا ليت شعري هل يبل بقربكم
فؤاد باسياف البعاد مقرح
وهل تنظر العينان يا مي أوجهاً
لها شبه بالصبح بل هي أصبح
وأنزل في الحي الذي ترتع المها
به والظباء الحاجريات تسنح
واطرح رحلي بين أهل وجيرة
لهم في سواد القلب مغنى ومطرح
وأصبح في الأحباب حيث يلفني
وإياهم روض من العيش أفيح
منى أرتجيها من كريم وقادر
فما زال يوليني الجميل ويمنح
أطوّف في الآفاق شرقاً ومغربا
ولكنني عن بابه لست أبرح
وما اخترت هذا البعد أبغي تجارة
يبور بها دين الفتى حين يربح
ولكنني والحمد لله زائر
قبوراً إذا ما زارها المرء يفلح
ولما قضيت الفرض هبت إلى السرى
نجائب منها ناجيات ورزح
إذا ما تخطت صحصحاً من مفازة
أتيح لها من قاتم ألد وصحصح
أسيربها أبغي الرضا وهي حاجة
إذا أنعم الرحمن بالنجح تنجح
فيا أيها الناؤون عني عليكم
سلام يمسي حيكم ويصبح
تحية مشتاق يكني عن الهوى
حياء ولكن الدموع تصرح
أحاول صبراً عنكم فيذودني
عن الصبر نار في الجوانح تلفح
وأرسل طرفي كي أراكم فينبري
لتشييعه دمع على الخد يسفح
وقال يحن إلى بلدة (جبع) في جبل عامل من قصيدة:
ولي أمل أن يجمع الله شملنا
على خير ما نرجوه في خير مقعد
لدى «جبع» الغراء حيث تنافست
بنو المجد في كسب الثناء المخلد
وحيث عيون المكرمات تفجرت
على رائح يشكو الظماء ومغتدي
وحيث الهدى والدين شد نطاقه
على كل حر بالفضائل مرتدي
وحيث الرياض الخضر يبكي بها الحيا
فتضحك عن مثل الجمان المنضد
وحيث لجين الماء يجري وفوقه
من الدوح أزهى خيمة من زبرجد
منازل أحباب ودار مسرة
ومطمح آمال وغاية مقصد
سقى الله هاتيك البلاد
ملث الغوادي من لجين وعسجد
واطلع في آفاقها أنجم الهدى
وطهرها من كل رجس ومعتدي
ورد إلى أوطانه كل شاسع
يكابد ذلاً بعد عز موطد
فقد عيل صبر الصابرين ومزقت
يد الجور جلد الصابر المتجلد
وقال وأرسلها من العراق إلى الشام من قصيدة:
سلام وهل يشفي الغليل سلام
وقد نزحت دار وعز مرام
تحية مشغوف يحن إلى اللقا
حنين وليد نال منه فطام
حليف سهاد طلق النوم بعدكم
ثلاثاً فراح اليوم وهو حرام
قضى لي هواكم أن أبيت مسهداً
وأنتم نيام والخلي ينام
وما ضر إبراهيم نار غرامه
إذا صح برد منكم وسلام
لعمري لقد أججتم بفراقكم
لواعج لا يخبو لهن ضرام
وحملتم جسمي على ضعفه جوى
يئط ثبير تحته وشمام
أما وهواكم وهي حلفة صادق
يرى أن مكذوب الكلام كلام
لقد لعبت أيدي الهوى بحشاشتي
كما لعبت بالشاربين مدام
أشيم بروق الشام شوقاً إليكم
وهيهات من دار السلام شآم
وارمي بطرفي نحوكم كي أراكم
فتأبى موام بينا وأكام
ليسقكم يا جيرة الشام وابل
ركام وهل يسقي الغمام غمام
ولا غرو إن سقت الحيا لمعالم
لأفلاذ قلبي بينهن مقام
مسرة نفسي والجديرون بالهوى
وإن نبهوني للغرام وناموا
تركتهم فوضى وحسبي وحسبهم
من الله مولى كافل وعصام
نعم حبذا تلك المغاني وحبذا
نزولي بها والمزعجات نيام
قضى حسنها أن لا نلام بحبها
ومن هام بالفردوس كيف يلام
معاهد يأتيها الخلي من الهوى
فيصدر عنها والغرام غرام
وثم رياض مونقات يزينها
من النور فذ مشرق وتوام
حدائق بالأكمام يرقص دوحها
إذا ما تغنى في الغصون حمام
وإني لحران إلى مائها الذي
له بين هاتيك الرياض زحام
لي الله كم خيمت فيهن نازلا
وما لي سوى الظل الظليل خيام
وحولي إخوان كرام تعاقدوا
على المجد شيخ منهم وغلام
مساميح أما ما أصابوا من الغنى
فطل وأما جودهم فركام
ميامين تنجاب الهموم بقربهم
كما انجاب من نور الصباح ظلام
يضيع ذمام الود إلا لديهم
وعند كريم لا يضيع ذمام
وقال في غربته يحن إلى جبل عامل:
أكفكف دمع العين وهو غزير
وأكتم نار القلب وهي تفور
وأنتشق الأرواح من نحو (عامل)
وفيها لمثلي سلوة وسرور
وأنهض من شوق إلى ذلك الحمى
وكيف نهوضي والجناح كسير
منازل أحباب إذا ما ذكرتهم
شرقت بماء المزن وهو نمير
وبي ظمأ برح وفيها موارد
وما هي إلا أوجه وثغور
ولي عندها أفلاذ قلب تركتها
ومنها صغير باغم وكبير
وقد كان يشجيني تفرق ساعة
فكيف وقد مرت علي شهور
ولي أمل أن يجمع الله بيننا
وينظم هذا الشمل وهو نثير
فقد زال صبري عنهم وتصبري
وإن كان شيء منه فهو يسير
وغراء من عليا نزار تطلعت
إلي بعين الظبي وهو غرير
تسائل عني لا بألفاظ ناطق
ولكن بأغصان اللجين تشير
فقلت لها والعين يرفض دمعها
وقد بادرتني أنة وزفير
كريم رماه الدهر في دار غربة
فأصبح في دور الضلال يدور
صبور على جور الزمان وقلما
يخيب وإن طال البلاء صبور
تروح عليه النائبات وتغتدي
وليس يبالي بالرياح ثبير
قضى ما قضى في (عامل) تصرمت
حبال الأماني والحياة غرور
وقوض عنها حين أظلم جوها
وغابت من الحي الحلال بدور
وكيف يطيب العيش بين منازل
وفيهن كلب للكرام عقور
خليلي إن الظلم طال ظلامه
فهل من تباشير الصباح بشير
سئمت مقامي في دمشق وقلما
يسر وما زال الوثاق أسير
أروح وأغدو ظامياً في ربوعها
وللماء حولي صيحة وخرير
لحى الله دهراً سامني خطة الردى
وجار وبعض المالكين يجور
وحملني ما لا أطيق احتماله
ألا كل شيء لا يطاق عسير
وأخلى سماء المجد من زهرة العلا
وكان لها نور يضوع ونور
وبدد أنصاري على الدهر حيث لا
يصاب لمثلي في الزمان نصير
وصيرهم ما بين حي مروع
يطير مع العنقاء حيث تطير
وبين قتيل يشهد الله أنه
شهيد له قبل النشور نشور
كأن لم يكونوا في مقام من العلى
عليٍ يرد الطرف وهو حسير
ولا خطبوا بكر العلا ونفوسهم
لها وهي أغلى ما يساق مهور
ولا فاز منهم بالأمان وبالمنى
غني أتاهم خائفاً وفقير
ولا نال ما يرجو من الدهر عنوة
رئيس ثوى في ظلهم وأمير
ولا خفقت أعلامهم فوق فيلق
كما رفرفت فوق الفضاء طيور
ولا سمعوا صوت المنادي فبادروا
كبير كسرحان الغضا وصغير
ولا طوقوا بالمشرفية والقنا
وزيراً غشوماً يقتفيه وزير
ولا أرغموا من آل قيس معاطساً
لها العز شرب والثناء سمير
وما أنس لا أنس الغداة وقد أتوا
لهم عدد فيما يرون كثير
ألموا بنا رأد الضحى ثم هجهجوا
بنا فتلاقى زائر ومزور
فما واقفوا إلا قليلاً وأدبروا
فقل في هشيم دغدغته دبور
يشلهم من آل نصار ضيغم
وصل إذا سيم الهوان يثور
وأبلج ميمون النقيبة وجهه
إذا ما دجا ليل القتام منير
طويل إذا ما طاولته بنو العلى
وإن طلب الأوتار فهو قصير
فغادرهم صرعى كأن جسومهم
زقاق جرى منها الغداة خمور
وجب سنام المجد منهم فأصبحوا
وللذل فيهم روحة وبكور
ومن نكد الأيام أن «شهابهم»
له بعد ما زال النهار ظهور
فلا تعذلاني إن شكوت فإنما
يجرجر من حمل الثقيل بعير
ولا تأنفا لي إن شكرت عصابة
بهم طاب عيشي فالكريم شكور
وما عذر مثلي أن يضمن بشكره
على منعم إني إذاً لكفور
وعندي مما خول الله مقول
يدور البديع الفرد حيث يدور
قواف إذا جرت جلابيب حسنها
تطامن حسان لها وجرير
وإن كثر المستشعرون فعندنا
لباب وعند المدعين قشور
ولا تستوي والحق أبلج واضح
قصور تناجيها الصبا وقبور
ولا أرتجي بلّ الغليل من الورى
فقد قلّ ورد فيهم وصدور
عناء لعمري نالني بعد راحة
وللدهر ظل مرة وحرور
سأصبر أو تنجاب كل ملمة
وللصبح من بعد الظلام سفور
وقال يتشوق إلى أهله ووطنه من قصيدة:
من لي برد مواسم اللذات
والعين بين فتى وبين فتاة
ورجوع أيام مضين بعامل
بين الجبال الشم والهضبات
عهدي بهاتيك المعاهد والدمى
فيهن مثل الحور في الجنات
والروض أفيح والجناب ممنع
والورد صاف والزمان مواتي
والشمل مجتمع وإخوان الصفا
أحنى من الآباء والأمات
إذ لا ترى إلا كريماً كفه
والوجه عين حيا وعين حياة
أو مولعاً بالجود تفهق قدره
ويداه بالمعروف في اللزبات
تختال في المغنى الرحيب ضيوفه
إن الكرام رحيبة الساحات
أو فارساً يغشى الوغد بمهند
ينقض مثل النجم في الهبوات
يجلو بهمته الهموم إذا دجت
إن الهموم تزول بالهمات
ما دام في قيد الحياة فدهره
يومان يوم وغى ويوم هبات
وإذا مضى لم يبق غير مكرم
ومطهم ومخذم وقناة
أو عالماً حبراً إذا باحثته
حشد المحيط عليك بالغمرات
وإذا اقتبست النور من مشكاته
أهدى إليك البدر في الظلمات
أو عابداً لله تعظيماً له
لم يعن بالرغبات والرهبات
يخشى الإله وما أصاب محرما
فكأنه يخشى من الحسنات
حتى إذا سيم الهوان رأيته
كالليث أيقظه نطاح الشاة
أو شاعراً ذرب اللسان تخاله
قحاً ترعرع في الزمان العاتي
طباً بكل غريبة وحشية
نشأت مع الأرام في الفلوات
ويصوغ كل بدية حضرية
مصقولة الألفاظ كالمرآة
إن قال بذ القائلين وقصروا
عن درك سباق إلى الغايات
لهفي على تلك الديار وأهلها
لو كان تنفع غلتي لهفاتي
يا ليت شعري هل أرى ذاك الحمى
حال من الفتيان والفتيات
سرعان ما درجت أويقات اللقا
إن البروق سريعة الخطوات
أشكو إلى الرحمن بُعد أحبة
عصف الزمان بهم وقرب عداة
خطب دعاني للخروج من الحمى
فخرجت بعد تلوم وأناة
وتركته خوف الهوان وربما
ترك النمير مخافة الهلكات
وقال يرثي ناصيف النصار ويصف دمشق الشام وذلك عند خروجه من الوطن هارباً إلى دمشق من قصيدة:
مضى ما مضى والدهر بؤس وأنعم
وصبر الفتى إن مسه الضر أحزم
وإن كان في الشكوى كما قيل راحة
فعندي منها ما يمض ويؤلم
إلى الله نشكو لا إلى الناس إنه
بنا من ذوي القربى أبر وأرحم
فراق ولا وصل وفقر ولا غنى
وخوف ولا أمن وضد محكم
يقولون بُعد الألف أعظم شدة
وقرب العدى عندي أشد وأعظم
يعز علينا أن نروح ومصرنا
لفرعون مغنى يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خلية
وفيها لأهل الجور جيش عرمرم
فلا باذل زاداً ولا قائل هدى
ولا دافع ضيماً ولا متكرم
وعهدي بها مأهولة وربيعها
على كل مرتاد العناد محرم
وكان لها من آل نصار صارم
صقيل وسهم لا يطيش ولهذم
هو الليث بل أعدى من الليث في العدى
هو الغيث بل أندى بناناً وأكرم
جواد جرى والسابقين إلى العلا
فجاز مداها والكرام تجمجم
ولا أمتري إن الأنابيب فضلها
جلي ولكن السنان المقدم
هو البدر وافاه المحاق وإنما
يكون خسوف البدر وهو متمم
قضى في ظلال المرهفات مطهرا
وأي شهيد لا يطهره الدم
فقدناه فقدان الصباح ومن لنا
بطلعته الغراء والدهر مظلم
فجعلنا به والشمس في رونق الضحى
فلم نمس إلا والبلاء مخيم
وعاثت يد الأيام فينا فمجدنا
وبالرغم مني أن أقول مهدم
ولست ترى إلا قتيلاً وهارباً
سليباً ومكبولاً يغل ويرغم
وكم عالم في عامل طوحت به
طوائح خطب جرحها ليس يلأم
وأصبح في قيد الهوان مكبلاً
وأعظم شيء عالم لا يعظم
وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى
وفي جيده حبل من الذل محكم
يدين بدين الكافرين مخافة
ألا رب شيء حل وهو محرم
وكم هائم في الأرض تهفو بلبه
قوادم أفكار تغول وتتهم
ولما رأيت الظلم طال ظلامه
وإن صباح العدل لا يتبسم
ترحلت عن دار الهوان وقلما
يطيب الثوا في الدار والجار أرقم
ولما بلغت الشام صادفت جنة
بها الحور والولدان فذ وتوأم
هي الغادة الحسناء ترقص فرحة
فينثر دينار عليها ودرهم
تبختر في ثوب الغنى وهو مسبل
وتختال في برد الهنا وهو معلم
وأنهارها تفتر عن درر الحصا
ويظهر مكنون الثغور التبسم
وكم روضة فيحاء قد نثر الحيا
عليها فريداً قلما يتنظم
رياض إذا هز النسيم غصونها
تأوه مشتاق وحن متيم
وإن أخرجت من كمها يانع الجنا
تشارك فيه العين والأنف والفم
لها مبسم بالأقحوان مفضض
وخد أسيل بالشقيق معندم
تبارك من أولى الشآم محاسنا
غرائبها يمن لمن يتشأم
محاسنها شتى جلي وغامض
وجوهرها في الحسن لا يتقسم
هي الدار نعم الدار لو أن عيشها
يدوم ولكن الفناء محتم
وفيها هنات لو أردت كشفتها
ولكنني عن مثل ذلك ملجم
إلى الله نشكو من خطوب أخفها
يئط ثبير تحته ويلملم
لقد جرحتنا شر جرح وما لنا
سوى فرج يأتي به الله مرهم
وظني أن الله جل جلاله
سيجبر هذا الكسر منا ويرحم
وقال من قصيدة:
تذكرت والمحزون جم التذكر
مسرة أيام مضين وأعصر
إذا الدهر سمح والشبيبة عودها
رطيب وصفو العيش لم يتكدر
ندير كؤوس الود تطفح بالصفا
ونأوي إلى روض من العيش أخضر
منازلنا مأوى الغريب وظلنا
ترف حواشيه على كل مصحر
وأكنافنا مخضلة وأكفنا
تفيض على مثر لدينا ومقتر
نسوق الأبي المستميت بأبيض
صقيل ونقتاد الحرون بأسمر
وجار سوانا في الحضيض وجارنا
منصته فوق السحاب المسخر
وتشرق أشراق الصباح وجوهنا
إذا ما دجا في مأزق ليل عثير
نغلس في كسب المعالي وغيرنا
نؤوم الضحى والمجد حظ المبكر
نسوس الورى بالعدل شرقاً ومغربا
فكم أسد جار حكم جؤذر
وسامرنا في الحي كل مهلل
يصيح بأعلى صوته ومكبر
ما زال هذا دأبنا وزنادنا
وراء المنى من كل مكرمة وري
ولا غرو إن جار الزمان فإنه
على سنة في الجور لم تتغير
شريد فريد في الشآم مقلقل
كأني بها ثاو على روق أعفر
ثلاثة أعوام أكابد ضيمها
صبوراً على مثل الشراب المصبر
وقال وهو في مدينة الحلة بالعراق من قصيدة:
لقد طال عمر الهجر يا أم عامر
ورثت حبال الصبر من كل صابر
وحن إلى أرض الشآم معرق
تدافعه عنها أكف المقادر
وباح بمكنون الصبابة مدنف
على حمل أعباء الهوى غير قادر
وما كلفي بالشام والله عالم
لزاه يروق الناظرين وزاهر
ولا هزني مر النسيم بناضر
من الدوح يغري بالهوى كل ناظر
ولا نزعت نفسي إلى ظلها الذي
له هجرتي كانت زمان الهواجر
ولا آنست نار الهوى من أوانس
هنالك أمثال الظباء النوافر
ربارب لا ينجو من الأسر ضيغم
لديها إذا بثت حبال الظفائر
وليس حنيني للشآم وإنما
حنيني لأفلاذ الفؤاد الأصاغر
تركتهم والله خير خليفة
وأسلمتهم والله أعظم ناصر
رعى الله أحباباً إذا ما ذكرتهم
حسبت فؤادي في مخاليب كاسر
أسائل عن أخبارهم كل وارد
وأطرح أخباري على كل صادر
وإن ضحك البرق الشآمي أسبلت
جفوني بمنهل من الدمع هامر
وإن خفقت ريح الشمال تبرجت
على الرغم مني محصنات السرائر
فيا ليت شعري هل يزول دجى النوى
ونصبح في صبح من الوصل سافر
ويلقي العصا بين الأحبة مزمع
مضى عمره ما بين خف وحافر
ويسفر وجه الدين في أرض (عامل)
على رغم ضليل هناك وكافر
وينشر فيها العدل رايته التي
يذوق الردى في ظلها كل جائر
أكف رفعناها إلى خير منعم
وكسر شكوناه إلى خير جابر
فراق وفقر واغتراب ثلاثة
قد اعترضت بين اللهى والحناجر
وأصبح باقينا ترامى به النوى
فمن منجد في المنجدين وغائر
ففي جلق يوماً ويوماً ببابل
وبالمنحنى يوماً ويوماً بحاجر
أخاطر بالنفس النفيسة راكبا
متون السرى والمجد حظ المخاطر
إذا ما أماط الصبح عني رداءه
لبست جلابيب الدجى والدياجر
ولا نهر إلا سراب بقيعة
ولا سمر إلا حنين الأباعر
وقال يشكو الزمان ويتشوق إلى الأهل والأوطان من قصيدة:
غريب يمد الطرف نحو بلاده
فيرجع بالحرمان وهو همول
إذا ذكر الأوطان فاضت دموعه
كما استبقت يوم الرهان خيول
وإن ذكر الاحباب حن إليهم
كما حن من بعد الفطام فصيل
هم الأهل لا برق المودة خلب
لديهم ولا ربع الوداد محيل
مساميح أما ما حوته أكفهم
فنزر وأما جودهم فجزيل
فيا روضة فيحاء لي من لبابها
ولا فخر فرع طيب وأصول
سقى الله مغناكم وجاد بلادكم
من الغيث محلول النطاق هطول
فيصبح في جيد الرياض وسوقها
قلائد من دمع الحيا وحجول
وإن بخل الوسمي عنكم بمائه
فجفني لكم بالغاديات كفيل
خرجت برغمي من بلاد وأسرة
ويسر فهل بعد الخروج دخول
وصرت غريباً لا حميم ولا حمى
فهل في حماكم للغريب مقيل
وإني لحران الفؤاد إليكم
فهل لي إلى عين الحياة سبيل
وتعترض الحاجات بيني وبينكم
وليس لنا غير النسيم رسول
ليهنكم أن القلوب لديكم
وإن بعدت منا الجسوم حلول
أزيدكم حباً وإن زدتم نوى
وأكرم نفسي أن يقال ملول
وأنتحل السلوان عنكم وربما
تماسك بعض الناس وهو نحيل
إلى الله أشو ما لقيت من النوى
وعهدي به يعطي المنى وينيل
ويحلو لعيني أن تراكم وجفنها
بتربكم طول الزمان كحيل
وكيف اكتحالي من ثراكم وبيننا
من الأرض ميل لا يرام وميل
ومما شجا قلبي وأجرى مدامعي
وألقى علي الهم وهو ثقيل
نزولي وقد فارقتكم في عصابة
سواء لديهم عالم وجهول
وكيف يطيب العيش بين معاشر
جوادهم بالأبيضين بخيل
سواسية لا يأمن الجور جارهم
ولو أنه للنيرين سليل
يضام لدى أبياتهم كل نازل
وعند كريم لا يضام نزيل
وليس مقام الذل ضربة لازم
وفي الأرض حزن واسع وسهول
وأي نتاج يرتجى من مطالب
مواعيد عرقوب لهن بعول
نزلت نزول الغيث فيها وليتني
عبرت عبور الريح وهو عجول
لقد جار دهر ساقني لجوارهم
ومني ومنهم شمأل وقبول
تراب لها من بلدة لو وردتها
سقتك بكأس الهم وهو قتول
وجدت بها من الهوان كأنني
مهين ومجدي لو علمت أثيل
أكابد ذلاً بعد عز موطد
وكل غريب في اللئام ذليل
كأني لم أسحب من الفضل حلة
لها فوق أعناق السحاب ذيول
ولا ضمني صدر رحيب تحوطه
أسود لها زرق الأسنة غيل
ولا طار ذكري في رجال تخالهم
بزاة إذا لف الرعيل رعيل
بلابل صدر تبعث القول عنوة
لكل جواد في الرباط صهيل
أنابذها والصبر لي خير ناصر
وأصدر عنها والنصير قتيل
لقد عثرت منا الجدود وحسبنا
من الله وهو المستعان مقيل
ويعجبني خطب من الدهر أدهم
له غرر من لطفه وحجول
كذاك تناهي الشر خير لأنه
على فرج الله القريب دليل
وعدا القصيدة التي نظمها الشيخ عبد الحليم ورد عليها الشيخ إبراهيم، اللتين نشرناهما في بحث (تربيخا) فإن الشيخ عبد الحليم رد على رد الشيخ إبراهيم، فرد الشيخ إبراهيم مرة ثانية على الشيخ عبد الحليم.
قال الشيخ عبد الحليم:
سبقت فما شق الغبي غبارها
وسمت فما بلغ البليغ مدارها
وسرت مسار النجم وهي مصونة
عن درك غير ذوي النهى أسرارها
وتحجبت ببراقع شيحية
وتسربلت رند الربَى وعرارها
وحشية ترعى بقيعان الغضى
قيصومها وبريرها وبهارها
ما أوجست في النفس نبأة خاتر
إلا استزادت بالوجيس نفارها
عجباً لها كيف البصير وقد نأت
عن ذي البصيرة حاول استبصارها
واهاً له من ذي شطاطٍ عاسفٍ
لم يهد من طرق الرشاد منارها
كيف السبيل لنقض أهرامية
نقل الرواة إلى الورى أخبارها
بجعاجع لو جسمت من عنبرٍ
واستافها الحادي لمج خيارها
غفل فلا معنى يروق لناظرٍ
فيها ولا سبل يزين فقارها
لو كنت معنياً بقول زعانفٍ
لأمطت عن تلك العقيم خمارها
وكشفت عن تلك المريبة جلها
لترى البرية عرها وعرارها
لكن رأيت من السفاه مساسها
عبثاً وإن من المجون سبارها
وكفى بمطلعها الركيك وتلوه
فهما أبانا للغبي شنارها
وانظر لهذاك النسيب ترى به
عنفاً يطير من النفوس شرارها
وكفى بمخلصها المشوب رقاعة
ومتى جعلتم في الثغور مدارها
قل لي متى ألقى الزمان قياده
لذويك سقّيت المنون خمارها
أو ما شعرت بضد ما برقشته
حيث الزيادة جاوزت مقدارها
ما أنت في عليا معدٍ معرقاً
كلا ولم تكُ في الفخار نزارها
لو نافرتك بنو شهاب في الفعلا
هل تستطيع هبلت أنت نفارها
كم طوقوك بمنةٍ وبضدها
لولا عوالينا استدمت مرارها
فهم إذا عد المفاخر مُصقع
كانوا من الجل الكرام كبارها
فاسأل معاشرك الكرام فإنهم
أدرى بمن فك الأسار صغارها
من آل زيدان الألى شادوا العلى
بعوارفٍ لم تستطع إنكارها
فهم الأُلى اتخذوا العوارف سنة
واستسهلوا من صعبها أوعارها
وسواهم إن رام ذاك فمقتف
تلك الجحاجح تابع آثارها
وهم الألى قد عودوا سمر القنا
والمرهقات طوالها وقصارها
وِرْدَ العلاصم والأباهر والكلا
حتى استردوا للجفون غرارها
فاعرف ولا يجديك ما لم ترعوِ
إن الحمية حركت أوتارها
ما محسن إيراد نيبٍ جلة
من لا يراعي محسناً إصدارها
طَرّيتَ نعم فتًى ونعم مجلياً
حامي الحقيقة دافع أضرارها
ناصيف نعم أخو المكارم والعلا
حامي العشيرة حامل أوزارها
ولرب مظلمة تفاقم خطبها
بالمرهفات دعي لها فأنارها
سباق غايات وليس مصلياً
حيث المذاكي ألهبت مضمارها
سخنين ما سخنين ويك وهل بها
خضتم وقد حمي الوطيس غمارها
وبيوم قاقون شهدتم حربها
ردأ وكنتم لليمين سوارها
لكن شهدتم من صلى نيرانها
ومن الذي تلك الصحون أدارها
لم تشهدوا منها سوى دخانها
وكما تناقد ألهبت أقطارها
إن دمتم عند السوالف منكم
لم تبلغوا مما لنا معشارها
ومن السفاهة والسفاهة كاسمها
قول الشويعر أشعرته شعارها
يا جيرة مالت بها أهواؤها
وهو الذي قد أزرته إزارها
قل لي لحاك الله ما جلب القضا
ومن التي جلب الفساد عثارها
ومن التي باءت بأخسر صفقةٍ
ومن التي كان المآل دثارها
ومن التي جاءت بما لا ينبغي
ومن التي أعفى الإله ديارها
إن لم نعظم ويحكم سنن النبي
وآله أو لم نكن أنصارها
فمن الذي يحمي حماها عنوة
إن عضها أهل الهوى أحبارها
ومن الذي بادا بظلم واعتدى
ومن الذي تلك الحروب أثارها
ساورت نعما لست من أكفائها
ثكلتك أمك لو عرفت نجارها
لولا ذكرت صرامها وعرامها
فصغرت عن ذكراكها ومزارها
أتقول نعما أعرضت لا عن قلاً
منها وهذا موضح إنكارها
أخطأت لم تدر مدارات المها
ولقد أثرت بذي اللحى أوغارها
فلئن قلتك فرفض مثلك ما عدا
عين الصواب وقد خفرت جوارها
فأجابه الشيخ إبراهيم:
ما السبق فخراً إن بدا ما ضارها
ولقد بدى فادخل بها أوكارها
أو ما ترى الأخرى أتت في أثرها
تعدو ولم يشك الزمان عثارها
وثَبَت بغير تكلفٍ وتعنت
فقضت بأيسر خطوها أوطارها
ليس الوجيه بذي الوجاهة عندها
كلا ولا الغبرا تشق غبارها
أنسيَّة الأخلاق لا وحشية
ترعى البهار وتستزيد نفارها
وكفاك حاريصية أودى بهاد
فرط الحياة فصيرته خمارها
وبدت لناظر حسنها آدابها
ومن المكارم أسبلت أستارها
تعطيك معناها أوائل لفظها
كملاً ويستحلي الحجا تكرارها
برعت بأحسن مطلع وبمخلص
كذب الذي ألفا بذين عوارها
ما أنشدت في محفل إلا زها
برقيق معنى مجتلٍ أنوارها
أبدت محاسنها مساوي غيرها
لذوي العقول وأظهرت إضمارها
ومشت إليها وهي فاغرةٌ لها
ثغراً تلقفها وأبقى عارها
كعصاة موسى حين جاء بسحره
فرعونه فاستنكر استظهارها
فعلام مولانا يصغر شأنها
ويحط عند أولي النهى مقدارها
ويقول تلك جعاجع مع أنها
حسناء عينيه الغزال أعارها
لو كان ناظرها بعين كثّير
لرأى الرقاعة كلها استحقارها
لكن دعوه فضرة من شأنها
تهزأ بِضرتها لتأخذ ثارها
وتقول إفكاً تلك غير عفيفة
من غير ليلتها تضاجع جارها
والوجد هيّج ما بها من ساكنٍ
منها وإن هي زيَّنت أطمارها
ومن السفاهة أنه قد نال من
نفرٍ حمت بشبا الحسام ذمارها
ورقت بأجنحة الإباء إلى العلا
فبنّت على هام المجرة دارها
وأتَت إليها بكركل فضيلةٍ
تسعى وقد حلَّت لها أزرارها
من آل نصار الأُلى كم أعملت
في دفع كل ملمةٍ أفكارها
هي إن تسِر فإلى العراك وإن تُقِم
بلغ الكفاية من يَؤم عقارها
فمتى ترى الحرب العوان ولم تكن
تذكي بأطراف الأسنة نارها
أياً كنا صيفٍ ترى وهو الذي
حاز المفاخر واجتلا أبكارها
ما حاربته قبيلة إلا انثنى
نكصاً على أعقابه جبَّارها
ما قلت فيه وما أقول فإنه
لم يحصِ من أوصافه معشارها
أعلى بني نصار ويحك تجتري
لم لا تراع قدرها وفخارها
فبني الشهاب شهاب كل ممرّدٍ
ولربما بالأمس ذقت شرارها
وبلوتها فرأيت كل بليةٍ
هذا وما سلّت عليك شفارها
أوَ عاقلٍ يومي إلى من فوقه
أفٍّ لنفس لا ترى إكبارها
وتقول من جهلٍ وعدم تدبرٍ
إن الحمية حركت أوتارها
أحميةٌ في غير نيل فضيلةٍ
في الدين يرضى ربنا إيثارها
ماذا صنعتم يوم وقعة ملحم
أجهلت إن لم تركبوا أخطارها
بل يوم مرجعيون كنتم أعيناً
تلك الجليلة لا نرى إنكارها
كنتم لنا فيها على الأعدا يداً
بيضاء لا ننسى لكم آثارها
لكن بعثمان اجترأتم يومها
لولاه ما خضتم هناك غمارها
فهو الذي ما قاد يوم كريهة
خيلاً وولت خصمها أدبارها
وغشمشم صعب اللقا لا ينثني
حيث المنيّة أنشبت أظفارها
لم لا ترى أيامنا في خصمكم
والحرب فيها لم تضع أوزارها
فعلام نجل العظم جاء بجحفل
لجبٍ وأنزل بالبلاد دثارها
لا علم مع حُمقٍ فلا تكُ سالكاً
طرق الجهالة حاملاً أوزارها
فقل الصواب فلا يليق بك الخطا
والكذب ليس بمرخصٍ أسعارها
تيك الفوارس خيلها وسيوفها
ورماحها قد خالفت أخبارها
شهدت بأن كماتها من فورها
قد أسلمتها وانتحت أوعارها
واسأل بقية من نجا من هولها
هل غير ناصيف التقى أخيارها
قلب اليمين على الشمال وساقها
قسراً وألحق باليمين يسارها
وتقول نعما لست من أكفائها
أصلاً وإني قد خفرت جوارها
ما أنت من أنساب أرباب العلا
فيما علمت نجارنا ونجارها
يا شاعر الدنيا وليس شويعراً
لكن عليه رحى الهجاء أدارها
قعدت عن العليا به آدابه
حنقاً عليه ومزقت أطمارها
وهوت لمركزها الثرى وتسترت
لما رأته مقرها وقرارها
كانت ممتعة به فتنغصت
لما بوحشته الضجيج أغارها
وارى ذكاها في دجنة وهمه
المدخول فاستولى الكسوف نهارها
طلبتك من شهم ذكيٍّ نبذة
نَبَذَتْكَ فاطعم ما حييت مرارها
أبَلَغَت من عُظم المقام سوى اجتنا
هائية ألقت عليك شنارها
لم لا تراعي للأمور عواقباً
تلك السفاهة أزرتك إزارها
أتميل أرباب العلوم إلى الهجا
فلقد خفضت مقامها ومنارها
ألبست ثوب فضيحة ومذلة
أبناء جنسك واجتلبت صغارها
إنّ الإنا وإذا أتتك مذمتي
قد أذهبا عن مهجتي أوغارها
أتقول لا حرج علي وتبتغي
حربي فها هي أسعرت مضمارها
فاقدم إذا شئت العراك أو اتئب
عن ورطةٍ مدت عليك غبارها
ومن شعراء عهد ناصيف النصار الشيخ حسن سليمان المتوفى سنة 1184هـ وهو لم يدرك وقعة يارون، ولكنه ساهم بالنضال الشعري الذي قام بين شعراء ظاهر العمر وشعراء ناصيف، فقال يرد على الشيخ عبد الحليم النابلسي الذي هاجم العامليين بشعره، فرد عليه الشيخ إبراهيم الحاريصي، كما تقدم، كما رد عليه الشيخ حسن بهذه القصيدة:
عني إليك فهل بلغت مزارها
وحللت في طلب الوصال ديارها
وشممت أيام الحياة أريجها
وخلعت في روق الشباب خمارها
وأسمت لحظك في رياض جنانها
وقطفت فيما تدعي أزهارها
أنى تفوز بها وقد ضربت على
هام المجرة عنوة أستارها
أين الثريا والسماك من الثرى
إن كنت ممن يستبين مدارها
دع عنك يا مغرور نخوة مبدع
لا يهتدي أبد الزمان منارها
لا تبلغن بك الحمية مبلغا
لا يرتدي أهلوه إلا عارها
هي عزة لمن اهتدى ومذلة
لمن اعتدى متحملاً أوزارها
كم حركت قدما أغرة معشر
فتبؤوا يوم القيامة نارها
ما أنت والتعريض بالنفر الأولى
أمسى الكفاح شعارها ودثارها
من كل شريب النجيع وأشوس
يبتز من أسد الشرى أعمارها
سل يوم طربيخا وقد هجم الردى
والحرب تقتدح الكماة شرارها
هل كان غيرهم يمج سنانه
حتفاً ويردي في الوغى أشرارها
حتى أصابوا الخيل ثمة مغنما
وحملتم أبد الزمان شنارها
ونكصتم رغماً على أعقابكم
تتطلبون من الربى أوكارها
ما خلت إلا أن أملاك السما
كانت كما كنا به أنصارها
في فيلق لا يستقر حمية
حتى يبيد من العدى فجارها
لا يبتغي إلا الصوارم عصمة
في كل ملحمة يخوض غمارها
من كل مفتول السواعد ألأشوس
لا يرعوي حتى يسد عوارها
أقسمت لو أن المنية سلعة
ما سامها الأهم واختارها
لو كنت تفهم ما أقول منحتني
صفو المودة إذ حميت ذمارها
لا ألفينك ما حييت معرضا
بهجاء قوم لا تشق غبارها
وإليك شعرور الزمان هدية
تحيي النفوس إذا شممت عرارها
يادكار
اسم مجلة أصدرها في طهران الباحث الإيراني عباس إقبال المولود سنة 1314هـ والمتوفى سنة 1374. وقد صدر أول عدد منها سنة 1365هـ واستمرت في الصدور خمس سنوات. وكانت في رأس المجلات الإيرانية في عهدها، تتفرد بالتحقيقات والمباحث المطولة وتكاد تكون من دفتها حتى دفتها أبواباً مقسمة يختص كل باب منها بنوع أدبي أو علمي واحد، مثال ذلك: (تحقيقات أدبية) و(صفحة من تاريخ المشروطة)، و(نسخ خطية) ثم (مسائل اليوم) وهو الباب الوحيد الذي يطرق مختلف النواحي الاجتماعية وكان يكتبه صاحب المجلة بنفسه في كل عدد، وغير ذلك من أبواب عديدة.
الياقوت
اسم كتاب لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت.
أوّل من شرح هذا الكتاب عبد الحميد بن محمد المدائني المعروف بابن أبي الحديد، ثم شرحه العلامة الحلي وسماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وحققه السيد محمد النجمي الزنجاني وطبع في جامعة طهران وأعيد طبعه بالأوفست في قم ومع ذلك وجد فيه أخطاء كثيرة.
ومن الجدير بالذكر أن المقارنة بين المباحث الكلامية المطروحة في كتابي الياقوت ونهج المسترشدين للعلامة الحلي ترشدنا إلى أن العلامة كان إلى حد كبير متأثراً بابن نوبخت وأسلوبه البياني في كتاب الياقوت. وشرح أنوار الملكوت السيد عميد الدين الاعرجي الحلّي.
ثم شرح الياقوت أيضاً الشيخ شهاب الدين إسماعيل ابن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله الحسين العاملي وسمّاه أرجوزة في شرح الياقوت.
وبنو نوبخت([130]) بيت معروف من الشيعة منسوبون إلى نوبخت الفارسي المنجِّم([131])، نبغ منهم كثير من أهل العلم والمعرفة بالكلام والأخبار والنجوم([132]) والفرق الإسلامية واشتهر منهم بعلم الكلام جماعة أشهرهم أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو محمد الحسن ابن موسى النوبختي وأبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وكان لهم إلمام بالفلسفة وسائر علوم الأوائل ونظر في الأصول واطلاع على الكتب الفلسفية المترجمة إلى العربية والحركات السياسية في عهد الدولة العباسية.
ولما كان لبعضهم مخالفات يسيرة في خصوص بعض المسائل مع سائر متكلِّمي الشيعة وأهل الفقه والحديث منهم، تعرض متكلمو الشيعة لجملة منها في أثناء كتبهم وأشاروا إلى من يوافقهم في تلك المسائل أو يخالفهم.
والظاهر أن الشيخ المفيد هو أول من أشار إلى هذه الخلافات الكلامية في كتابه المسمى بـ «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات». قال المؤلف([133]) في مقدمته: «فإني بتوفيق الله ومشيئته مثبت في هذا الكتاب ما أثر إثباته من فرق ما بين الشيعة والمعتزلة وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة في أصول التوحيد والعدل والقول من اللطيف من الكلام وما كان موافقاً منه لبني نوبخت رحمهم الله وما هو خلال لآرائهم في المقال وما يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلاً معتمداً فيما يمتحن للاعتقاد» وقد تعرض الشيخ المفيد لآرائهم الكلامية في أثناء كتابه مرّات كثيرة.
وتعرض تلميذه السيد المرتضى لبعض آرائهم في كتاب الذخيرة وجاء بعدهما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي وأشار إلى آرائهم في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام وهو شرح على القسم النظري من جمل العلم والعمل للسيد المرتضى وأيضاً الفيلسوف الكبير خواجه نصير الدين الطوسي في كتاب تلخيص المحصل والعلامة الحلي في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد وكتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت وجمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي في كتاب إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين.
ثم انتشرت آراؤهم في الكتب الكلامية وذاعت شهرتهم بين متكلِّمي الشيعة والمعتزلة وتعرضت آراؤهم للبحث والنقد في عالم الفكر الإسلامي.
ومؤلف الياقوت هو أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت على ما قاله العلاّمة الحلِّي في مقدمة كتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت: «قد صنّف شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت قدّست روحه الزكية ونفسه العلية مختصراً سمّاه الياقوت»([134]). لكنه اشتهر باسم ابن نوبخت في الكتب الكلامية.
أما المؤرخون فاختلفوا في اسمه، فقال الميرزا عبد الله الأفندي الأصبهاني: «ابن نوبخت قد يطلق على الشيخ إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت الفاضل المتكلم المعروف الذي هو من قدماء الإمامية، صاحب الياقوت في علم الكلام»([135]) وقال: إنَّ هذا الاسم أعني ـ نوبخت ـ يطلق على إسماعيل ابن نوبخت الذي كان معاصراً لأبي نواس الشاعر وعلى الشيخ إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلم الذي كان من كبار الشيعة وعلى أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت([136]) ولا ندري ما هو مستنده في هذا القول ولكننا وجدنا في الكتب الكلامية أن هذا الاسم ـ اي ابن نوبخت ـ يطلق فقط على مؤلف الياقوت، لا غيره من بني نوبخت.
وقال السيد حسن الصدر: «أبو إسحاق إسماعيل ابن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلاّمة ابن المطهر الحلّي» ثم أشار إلى قول العلامة في مقدمة كتاب أنوار الملكوت في أن مؤلف الياقوت هو أبو إسحاق بن نوبخت ولكنه لم يشر إلى اسمه أعني إبراهيم وزعم أن اسمه إسماعيل»([137]).
وقال الشيخ عباس القمي([138]): «ومن غلمان أبي سهل: أبو الحسن السرسنجردي واسمه محمد بن بشير ويعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون وحفيده أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن أبي سهل صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلامة».
وقال عباس إقبال الاشتياني([139]): «كلّما ذكر في الكتب الكلامية قول من الياقوت ذكر اسم «ابن نوبخت»، إلا أن العلامة في مقدمة انوار الملكوت ذكر أنه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وهذه الكنية والاسم رأيتها في ثلاث نسخ من كتاب أنوار الملكوت واحد(ة) وبدون اختلاف ومع تصريح العلامة باسم ابن نوبخت ما علمت دليل الميرزا عبد الله أفندي مؤلف رياض العلماء ومن تبعه من المؤلفين المتأخرين في العراق وسوريا بأن اسم ابن نوبخت إسماعيل وأنه إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت ومستند صاحب الرياض في ذلك غير معلوم».
وتردد محقق كتاب أنوار الملكوت([140]) في اسم ابن نوبخت وقال: «لكنني لا أرى ترجيحاً لقول العلامة على قول صاحب الرياض، إذ لو كان قرب عهد المؤلف (مؤلف الياقوت) من العلامة مرجحاً لقوله، فتضلع صاحب الرياض في تراجم العلماء وتبحره فيه أيضاً يرجح قوله» ولكنه اختار في نهاية القول ما قاله العلامة، لأن خلاف ذلك يحتاج إلى دليل قاطع.
وأما مستند قول الميرزا عبد الله أفندي في اسم أبيه وجده فغير معلوم أيضاً وتبعه في ذلك الشيخ عباس القمي والسيد حسن الصدر وأما إذا علمنا أن عهد المؤلف بعيد جداً عن عهد أبي سهل بحيث يبعد أن يكون المؤلف حفيداً له ولنا دلائل تؤيد ذلك، فإنا نشك في ما قاله أفندي الأصبهاني في اسم أبيه وجده.
وجاء في كتاب بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض([141]) الذي ألّف في حدود 560هـ اسم إبراهيم النوبختي ولكن لا ندري أهو مؤلف الياقوت، أم هو إبراهيم آخر غير مؤلف هذا الكتاب وأما إبراهيم الذي أشار إليه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة([142]) فهو غير مؤلف الياقوت، لأن من ذكره الشيخ كان حياً في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع وعهد المؤلف ـ أعني أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت ـ في رأينا بعيد عنه جداً.
عهد ابن نوبخت:
وقع في تحديد عهده خلاف كبير بين المؤرخين الإسلاميين والمستشرقين.
لم يحدد الميرزا عبد الله أفندي([143]) عهده، لكنه يعتقد أن مؤلف الياقوت هو حفيد أبي سهل بن نوبخت (كان حياً في القرن الثاني) وهذا يعني أن أبا إسحاق كان يعيش في حدود القرن الثالث وزعم السيد حسن الصدر([144]) أن أبا إسحاق عاش في القرن الثاني واستند إلى قول الجاحظ البصري([145]):
«كان أبو نواس يرتعي([146]) على خوان إسماعيل بن نوبخت كما ترتعي الإبل في الحمض([147]) بعد طول الخلة([148])، ثم كان جزاؤه أنه قال:
خبز إسماعيل كالوشي([149])
إذا ما شُقّ يُرْقا
ثم قال الصدر: «أبو نواس مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة وقيل: قبل ذلك، فلا بد أن يكون إسماعيل بن إسحاق المذكور من أعيان المائة الثانية ولا أعرف إسماعيل قبله في آل نوبخت». ثم استند إلى قول الميرزا أفندي في أن إسماعيل بن نوبخت كان معاصراً لأبي نواس الشاعر ولكن ليس لدينا أي دليل على أن اسمه إسماعيل، لا إبراهيم ومع هذا الشك يبقى دليل السيد الصدر مشكوكاً فيه.
وزعم عباس إقبال الآشتياني([150]) أن أبا إسحاق بن نوبخت صنّف الياقوت في حدود 340 ق/ 950م وله دلائل متعددة تؤيد نظره واشتهر هذا القول عنه بين المستشرقين([151]).
وأما ما ذهب إليه ابنا نوبخت في معنى المكلف، على ما قاله السيد المرتضى([152])، فلا نعلم ما المراد منهما، لا سيّما إذا علمنا أن الشيخ ابن نوبخت ذهب إلى خلاف ما نسب إلى بني نوبخت في معنى المكلّف.
نقل بول كراوز عن الميرزا محمد خان القزويني أنّ منهج أبي إسحاق بن نوبخت في تأليف الياقوت يدل على أن عهد المؤلف قريب من عهد العلامة الحلّي (ت 776هـ).
واعتقد هنري كوربن أنَّ أبا إسحاق هو أوّل من نظم الفلسفة الإسلامية في كتاب الياقوت في حدود 350هـ/ 961م وتبعه نصير الدين الطوسي وأتمّ فعله.
وقد أشرنا إلى أقوال العلماء في تحديد عهد المؤلف ونحن نعتقد أن المؤلف عاش بين النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السابع ولنا دلائل متعددة نشير إليها بالاختصار كما يلي:
1 ـ إن المعتقدات الكلامية للمصنف في هذا الكتاب لا تناسب الأفكار التي نسبها الشيخ المفيد إلى بني نوبخت في كتاب أوائل المقالات والتي نسبها السيد المرتضى في كتاب الذخيرة والشيخ الطوسي في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام.
والظاهر أن ولفرد مادلونغ هو أوّل من نبّه على هذا الموضوع من المقارنة بين أقوال بني نوبخت في أوائل المقالات وكتاب الياقوت وأعتقد أن زمن تأليف الياقوت يجب أن يكون القرن الخامس أو بعده.
2 ـ ذهب أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن مناط حاجة الممكن إلى العلة هو الإمكان.
وقال نصير الدين الطوسي: «والقائلون بكون الإمكان علّة الحاجة هم الفلاسفة والمتأخرون من المتكلمين والقائلون يكون الحدوث علّة لها هم الأقدمون منهم».
والجدير بالذكر أن نصير الدين الطوسي ولد في 597هـ ومات في 672هـ وهذا يدل على أن أبا إسحاق كان معاصراً لنصير الدين الطوسي.
3 ـ شرح هذا الكتاب ابن أبي الحديد المعتزلي الذي مات في سنة 656هـ وهذا يعني أن زمن تأليف الياقوت لا يكون بعد النصف الأول من القرن السابع والمقارنة بين هذا الكتاب وكتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين لفخر الدين الرازي (ت 606هـ) تكشف لنا أن الياقوت قد ألَّف على ترتيب كتاب الرازي والمؤلف ـ اي أبو إسحاق ـ قبل بعض آراء الرازي وردَّ على البعض الآخر.
آراؤه الكلامية:
نشير إليها كما يلي:
1 ـ ذهبت الحكماء إلى زيادة الوجود على الماهية في الذهن، لا في الخارج واستدلوا على ذلك بصحة سلب الوجود عن الماهية وبافتقار حمل الوجود على الماهية إلى الدليل وبانفكاك الماهية من الوجود في الذهن وبلزوم اتحاد كل الماهيات لو كان الوجود عيناً لها وبلزوم التسلسل لو كان الوجود جزءاً للماهية.
أما أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأبو إسحاق بن نوبخت فذهبوا إلى أن الوجود هو نفس الماهيات، واجبة كانت أو ممكنة.
2 ـ ذهب الشيخ أبو إسحاق إلى أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، كما ذهب إليه كمال الدين بن ميثم في قواعده وجمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلِّي في إرشاده وأمّا المحقق الطوسي والعلامة الحلّي فذهبا إلى أنَّه التصديق بالقلب واللسان معاً وذهب ابن أبي الجمهور الإحسائي إلى أنّ الإيمان لغةً هو التصديق وأما شرعاً فهو التصديق القلبي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما علم مجيئه به بالضرورة، أي فيما علم أنه من الدين، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كوجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك.
3 ـ ذهب الشيخ أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن الأجسام يجوز خلوها عن الأعراض إلا اللون والطعم والرائحة كالهواء وذهبت المعتزلة والحكماء وفخر الدين الرازي والعلامة الحلي إلى جواز خلوها عن الأعراض إلا الكون وقيد المحقق الطوسي بالمذوقة والمرئية والمشمومة وخالفت الأشاعرة في ذلك وقالوا بامتناع خلوها عن شيء من الأعراض.
4 ـ ومن معتقداته أن ماهيته تعالى معلومة كوجوده.
5 ـ وأنّ ماهيته تعالى الوجود المعلوم.
6 ـ واعتقد أن اللذة العقلية عليه تعالى جائزة، مع تفسيرها بإرادة الكمال من حيث إنه كمال.
7 ـ وذهب إلى أن استحقاق الثواب والعقاب سمعي، لا عقلي وأما جمهور المعتزلة فيذهب إلى أنه عقلي، لا سمعي.
8 ـ وذهب إلى أن العلم بدوام الثواب والعقاب سمعي وقالت المعتزلة إنه عقلي واختاره المحقق الطوسي والعلامة الحلي وذهبت المرجئة إلى أنه سمعي.
9 ـ وله في مبحث الإرادة والحركة والسكون آراء يطول ذكرها.
علي أكبر ضيائي
الياقوت الأزرق
في أعلام الحويزة والدورق
الحويزة والدورق من الحواضر العربية في إقليم خوزستان برز منها الكثير من أعلام الفكر والأدب.
وقد قام السيد هادي باليل بكتابة تاريخ تلك المنطقة وتراجم رجالها بعد أن عكف على البحث والمطالعة سنين طويلة، وسمى ما كتبه بالاسم المذكور.
ولا تزال هذه الموسوعة الفريدة مخطوطة.
يزد
يعتقد العديد من خبراء الجغرافيا أن مناطق مركزية في بلاد إيران، ومن ضمنها مدينة يزد، كانت في يومٍ ما جزءاً من بحر جفّ بمرور الزمن. ووجود الصحراء والأراضي الحصباء إنما هو دليل على صحة هذا الرأي.
ويُذكر أنه كان يوجد في كاشان جبلان تدلَّ الآثار الموجودة على سفوحهما على أن أمواجاً من المياه كانت تلتطم بهما في ما يسمّى بعمليتي المدّ والجزر، بل إن هناك دلائل وعلامات على ذلك من خلال هياكل عظمية متحجرة للأسماك، تمّ العثور عليها على أحد هذه الجبال. إن هذه القرائن والأدلّة تعزّز أكثر وجهة نظر هؤلاء الخبراء الجغرافيين، وتؤكّد مذهبهم من أن هذه المساحات الأرضية الواسعة كانت بحراً في يوم ما من الزمان.
إن يزد ـ وطبقاً لما حقّقه حسن بيرنيا ـ هي نفسها مدينة «إيساتيس» التي أشار إليها بطليموس، ويعتقد هذا الرأي أيضاً المستشرق دانويل. أما المستشرق الإنكليزي المعاصر الدكتور لكهارت، والذي زار إيران مرات متعدّدة، وله كتاب حول بلاد إيران، فإنه يتردّد في قبول هذا الرأي، وأشار إلى ذلك في كتابه القيّم «المدن المعروفة في إيران» (شهرهاي نامي إيران).
لقد كانت يزد تعرف في قديم الأزمنة بـ (كثة) أو (كث)، وقد كانت تعرف مدن في خوارزم بأسماء تنتهي بـ (كث)، مثل: أبردكث، وخاتون كث، وتبكث، وأمثال ذلك، فمن المعتقد أن معنى (كثة) يقابل معنى (آباد)، والتي تعني (عمران)، أو (عامر)، أو (مسكون)، أو (مزروع). فيما يعتقد آخرون أن (كثة) مأخوذة من (كندن)، بسبب الخندق الكبير الذي يحيط بأطراف مدينة يزد، حيث إن (كندة) تعني: الخندق.
وذكر صاحب (بستان السياحة) أن «يزد مدينة يشتهر القول بأن يزدجرد بن شهريار (وعلى قول: يزدجرد بن بهرام) هو الذي أحدثها». وقد ذكر السير برسي سايكس في كتابه «ثماني سنوات في إيران» اسم ملك يزد هذا.
إن كلمة «يزد» ترد في اللغة بمعنى (طاهر)، وذكرت المعاجم أنها تعني: (الله تعالى)، وهي نفسها (يزدان) و(إيزد).
فيما يتعلق ببناء يزد، يذكر بعض المؤرخين أن الإسكندر المقدوني قد انتخب يزد لاستحداث سجن ومنفى يبعد إليه المحكومين، وفعلاً فقد أجرى ذلك وأرسل إليها السجناء، فأصبحت تعرف بسجن الإسكندر.
وقد ذكر هذا المعنى أحمد بن حسين بن علي الكاتب اليزدي في «تاريخ يزد الجديد» الذي كتبه في القرن التاسع، فقال: «و(كثة) هي سجن ذي القرنين، وذكرها في أحد أبياته حافظ الشيرازي على أنها بنيت على يد الإسكندر كسجن.
إن من المُسلَّم، وبناء على الأدلة المتوفرة، لا يمكن القول: إن الإسكندر قد بنى المدينة، وإنما أنشأ فيها سجناً.
إن الاسم الذي تشتهر به مدينة يزد هو «دار العبادة» وذلك لأن (علاء الدولة كرشاسب) عندما استولى على حكومة يزد من (ملك شاه)، أقام العبادة في ذلك المكان، فعرفت يزد منذ ذلك اليوم بدار العبادة.
يقول صاحب كتاب (فارسنامه): «إن يزد وتوابعها، مثل: جون ميبد، ونائين، وكثة، وفهرج، من فارس، وتبدأ حدودها من (إصطخر)، ومناخها على الاعتدال، على أنه يميل إلى الحرارة شيئاً ما، لأنها تجاور بيابان. وتكثر فيها أنواع مختلفة من الفاكهة، وفي مقدمة ذلك؛ الرمان، وكذلك الشمام والبطيخ».
يستفاد من النص المتقدم أن يزد إلى القرن السادس الهجري، زمان تأليف كتاب «فارسنامه» كانت تعرف بـ (كثة)، وقد ذكرها بهذا الاسم (دومينار) في كتابه (المعجم الجغرافي والتاريخي) الذي هو عبارة عن ترجمة للكتاب المعروف (معجم البلدان).
وقال صاحب (التاريخ الجعفري)، وهو من مؤرخي يزد في القرن العاشر الهجري: «تعتبر دار العبادة يزد من أشرف البلاد، ومن الأقاليم التي تتمتع بمناخ معتدل سليم …».
إن أراضي يزد من طرف بيابان، غير مزروعة، وتحيطها من ثلاثة جوانب جبال عالية الارتفاع، وتقع بين كرمان، وخراسان، وأصفهان، وكاشان، وفارس. وأعلى قمة في جبالها هي «شيركوه» (جبل الأسد) الذي يبلغ ارتفاعه أربعة آلاف وثمانين متراً، وقمته مغطاة بالجليد تماماً، حيث تذوب هذه الثلوج ويستفاد منها في فصل الصيف.
إن مناخ يزد حار جاف صيفاً، بارد قارس شتاءً.
ومن الناحية الاجتماعية والدينية؛ توجد في يزد أقليتان دينيتان، هما: اليهودية، والزرادشتية، ويتركز أغلب الزرادشت فيها بسبب كون يزد محفوظة نسبياً أيام الفتوحات الإسلامية، حتى أن يزدجرد احتمى بها لدى فراره من جيوش المسلمين، وبقي فيها لفترة قبل أن يغادرها إلى كرمان.
ومن الوقائع المهمة في تاريخ يزد الحديث؛ ظهور البهاء، وذلك في زمان حكم ناصر الدين شاه، عام 1310.
إن اليزديين يعدّون من أشدّ المحافظين على العادات والتقاليد، وعلى الرغم من تأثّرهم بالعادات والتقاليد الغربية الوافدة. إلا أنهم يعتبرون أكثر محافظة والتزاماً، قياساً بغيرهم من الإيرانيين.
وقد كتب الأوروبيون الذين زاروا يزد، مثل: ماركو بولو، وتاورنيه: «إن أحداً إذا شاء أن يتذوق لذائذ الحياة فلا بد أن تكون له زوجة يزدية، وأن يأكل من خبز (إيزد خواست) وأن يشرب من شراب شيراز».
ويذكر السائح والتاجر الإيطالي ماركو بولو الذي كان متوجهاً إلى الصين، لدى مروره بيزد أن أفضل أنواع ملابس الحرير كانت في هذه المدينة. إن يزد من أهم مراكز النسيج الإيراني قبل ذلك الزمان وبعده ولا تزال كذلك.
ومن الآثار التاريخية المهمة في يزد؛ محراب يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن، ومسجد جامع قديم من آثار القرن الثامن أيضاً، وبنيان الأمير جمخاق الذي يشتمل على مسجد ومنارتين، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع، ومقبرة السيد ركن الدين، ومسجد ريك.
ومن توابع يزد المهمة؛ بافق، وتفت، وأنارك، ونائين، وأردكان، وميبد، ومهريز، وعقدا، وأبرقو، ومروست، وبشتكوه.
وتعتبر «تفت» بخاصة، من أجمل وألطف المناطق ماءً وهواءً وأرضاً، حتى أن الشاعر المعروف وحشي وصفها بأنها من رياض جنة رضوان، وقد ذكر منها كتاب «حدود العالم» الذي أُلِّف عام 372 هجري، ولا يعرف مصنّفه: أنار، وبهرة، وكثة، وميبذ، ونائين، ووصفها بأنها موفورة النعمة، وقال: تتوسّط فارس وبيابان. كما ذكر ايضاً «برقوة»، ووصف أهلها بالاشتغال بالطاعة والعبادة، وأن فيها مزاراً يعرف بـ «طاووس الحرمين».
وقال صاحب نزهة القلوب: إنها تعريب «بركوه» ولا تزال أطلال قديمة ماثلة عند سفح جبل (أبرقو)، تشير إلى المدينة القديمة.
وعلى أن الغالب كون يزد في حفظ وأمان من هجمات وحملات الأجانب أو الغارات الداخلية، فقد ابتليت بالقتل العام حسب أمر محمود أفغان لدى حركته من أصفهان إلى كرمان، وذلك بسبب موقف اليزديين في مقاومة ابن عمه أشرف أفغان.
المسجد الجامع في يزد([153])
يعتبر المسجد الجامع الكبير في يزد من أروع وأجمل فنون العمارة الإسلامية، وقد بدأ الشروع ببنائه في القرن السادس الهجري، وهو من العظمة وإتقان الصنعة بمكان بحديث يعدّ من موارد الإعجاب التي يقلّ نظيرها.
يقع هذا المسجد الكبير وسط المدينة القديمة، وتبلغ مساحته الواقعة تحت البناء 9800 متر مربع، أما مساحة أقسامه المكسوة بالكاشي والمزيّنة فبحدود 500 متر مربع. طول المسجد مائة وأربعة أمتار، وعرضه تسعة وتسعون متراً. وله سبعة مداخل تطلّ على عدد من الطرق والأزقة.
أوّل من بناه هو «علاء الدولة كالنجار» من أسرة «آل بويه»، والذي كان أميراً على يزد أيام حكم ملك شاه السلجوقي، وقد كان رجلاً متديناً وعلى عقيدة، وقد قدم إلى يزد عام 504 هجري، وتوفي فيها عام 527 هجري، ولم يبق من آثاره التي بناها سوى أطلال وخرائب.
وبعد عام 724 هجري اختار المولى الأعظم السيد ركن الدين نظام الحسيني أرضاً واسعة باتجاه القبلة من بناء علاء الدولة (المسجد الجامع العتيق) وشرع ببناء ضخم هو (مسجد جامع كنوني). ولهذا الرجل الذي يعتبر من أكابر أهل زمانه وذا همة عالية آثار خيرية أخرى، من ضمنها؛ وقف مياه للزراعة. وقد توفي هذا السيد في الوقت الذي كان بناء المحراب والإيوان لم يتمّ بعد، وذلك في عام 732 هجري، وبعده قام بإتمام العمل المولى شرف الدين علي يزدي بناءً على وصية السيد ركن الدين، فأتمّ بناء المحراب والإيوان. وقد زيّن المحراب والإيوان بالكاشي في زمان الأمير تيمور عام 777 هجري.
منارتا المسجد الجامع في يزد
وطول المحراب من مبتدأ الإيوان إلى المحراب ثلاثون متراً، أما عرضه فأربعة عشر متراً. وعلى طرفي المحراب كتبت عبارات تشير إلى تاريخ إتمام التزيين بالكاشي، واسم المعمار القائم بالعمل.
على الطرف الأيمن كتب: «عمل الحاج بهاء الدين محمد بن الحسين يعرف بوالا اليزدي».
وعلى الطرف الأيسر كتب: «تمّ في شهر محرم الحرام سنة سبع وسبعين وسبع مائة الهجرية».
وكان الخواجه جلال الدين محمود الخوارزمي قد قدم إلى يزد في زمان ابن الأمير تيمور (الأمير محمد عمر شيخ)، فأضاف كتابة خطّت عليها بخط النسخ سورة الفتح المباركة، إلى المحراب والإيوان، وكان الخطاط أشهر خطاطي ذلك الزمان وأكثرهم فناً المولى بهاء الدين هزار أسب، ولكن هذه الكتابة لم تتم حتى سنة 819 هجرية، فتمّت على يد شاه نظام كرماني في عهد شاهرخ ميرزا، وبأمره نقش على كتابة الإيوان أسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، كما نقشت ألقاب شاهرخ على الكتابة الكائنة في المدخل الكبير، وهي مصنوعة من الكاشي الأبيض ومخطوط عليها بخطّ النسخ، وإلى الأعلى منها خطوط كوفية مكتوبة على الكاشي الأصفر.
وفي عام 836 هجري قدم إلى يزد الأمير جلال الدين جقماق الشامي وهو من أصدقاء شاهرخ ميرزا، وكانت زوجته «الست فاطمة خاتون» تصحبه في زيارته، وكانت من النساء الخيّرات الصالحات فقامت بجملة من أعمال الخير في يزد، من ضمنها أنها كست إيوان المسجد بأحجار المرمر التي جيء بها من تبريز حسب أمر الست فاطمة خاتون، وكذلك نصبت أسطوانتين من المرمر على طرفي الإيوان، وكانت هاتان الأسطوانتان مكسوتين بالكاشي من الأعلى بارتفاع 18 متراً.
وكانت هذه العبارات مكتوبة على القسم الفوقاني من الأسطوانتين:
1 ـ جهة اليمين: «في زمن السلطان الأعظم معين الحق والخلافة والدين شاهرخ بهادر خان سلطان خلّد الله تعالى ملكه وسلطنته في العالم.
(وكانت كلمة «شاهرخ» مبرّزة بنقشها على كاشي أصفر).
2 ـ جهة اليسار: «أمرت بإعلاء المباني توفيقاً بفضل الله الحامي امرأة الأمير جقماق الشامي سميّة بنت الرسول فاطمة البتول فتقبلها بقبول حسن سنة 836».
ويقع قبر هذه السيدة بجوار ميدان الأمير جقماق، داخل قبّة صغيرة مصنوعة من الآجر، إلا أنّه للأسف أصبح اليوم خرائب بتقادم الزمن وعدم الاعتناء بحفظه.
وعلى يمين المحراب بنى الخواجه غياث الدين عقيل قاعة أو رواقاً بطول 38 متراً وعرض 9 أمتار بالآجر والجص، كما بنى على يسار المحراب رواقاً آخر مشابهاً لرواق الخواجه غياث الدين، بناه الشاه يحيى آخر حكام آل مظفر.
وفي سنة 862 قام الأمير نظام الدين حاجي قنبر جهانشاهي وزير يزد بترميم المسجد، ووضع ألقاب ميرزا جهانشاه على كاشي مكتوب بخط النسخ على المدخل الكبير للمسجد، تحت كتابة شاه نظام كرماني (ألقاب شاهرخ).
وفي سنة 930 بنى جمال الدين محمد الذي كان يحكم يزد مع ابتداء تولّي الشاه طهماسب عرش الدولة الصفوية، بنى منارتين على طرفي المدخل الكبير؛ محيط قاعدة كل منارة 8 أمتار، وارتفاعها 50 متراً، ورأسها مزيّن بالكاشي الملون المنقوش عليه أسماء الجلالة وآيات مباركة من القرآن الكريم.
وعلى عهد فتح علي شاه قاجار، وفي سنة 1240، حيث كان شاه زاده محمد ولي ميرزا حاكماً على يزد، قام الأخير بتعمير صحن المسجد وبنى أروقة بالآجر والجص على أطرافه، وكذلك رواقاً مسقوفاً إلى جهة الغرب من المسجد بمساحة ألف وثمانية أمتار مربعة. علماً أن رواقاً مسقوفاً إلى جهة الشرق من المسجد كان موجوداً، بمساحة ألفين وستة وأربعين متراً مربعاً، غير أنه أصبح خراباً، وهو من آثار بناء علاء الدولة كالنجار. وتوجد أيضاً أروقة على طرفي المحراب، كطرق اتصال قصيرة وواسعة تربط داخل المحراب والإيوان، هدفها أن يتم الاتصال بين المصلّين في صلاة الجمعة.
من مواقع يزد
يبلغ طول صحن المسجد 53 متراً، وعرضه 20 متراً. وفي وسطه صُفّة (مصطبة) طولها 35 متراً وعرضها 15 متراً، تتخذ كمصلى لصلاتي الصبح والعشاء في أيام فصل الصيف.
وتوجد جداول مياه صغيرة من مبتدأ البناء إلى وسط المسجد.
وأمام باب المدخل الرئيسي يوجد حوض كبير نسبياً، وله ثمانية أطراف وزوايا، وهو مشيّد في زمن المولى السيد ركن الدين.
وفي داخل المحراب توجد كتابة مزينة بالكاشي الأبيض المنقوش عليه بخط النسخ الآية المباركة: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، وإلى الأعلى منها كاشي أصفر عليه نفس الآية الكريمة، ولكن بخط كوفي. وفي وسط المحراب كتبت عبارات «لا إله إلا الله محمد رسول الله علي وليّ الله حقاً حقاً» على كاشي أصفر غاية في الجودة، بالإضافة إلى أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام.
ولا يعلم التاريخ الدقيق لهذا القسم، ولكن هذه العبارات، ونوع الكاشي المستخدم في التشييد، والخطوط التي عليه تمكننا من القول: بأن يزد من المدن الشيعية القديمة.
إن قسماً من كاشي المنارتين والمحراب والإيوان قد أصبح مخرّباً بسبب عدم الاهتمام والعناية وكذلك الأمر فيما يخص السقف والاسطوانات حتى أن المرمر الذي كسيت به أرضية المسجد أصبح في وضع غير منتظم، غير أن مساعي بذلت في السنوات الأخيرة من قبل السيد علي محمد وزيري لتشكيل هيئة باسم «هيئة حماية المسجد الجامع الكبير»، وعهدت إدارتها للسيد غلام رضا ضرابي من أجل تعمير وترميم هذا المسجد، وتحت إشراف السيد حسين علي محمودي مهريزي، وقد تولّت الهيئة المذكورة هذه المهمة المباركة.
ايرج أفشار
ومن مدارس يزد الفقهية: مدرسة كوجك خان والمدرسة الشفيعية القديمة ومدرسة برزك خان ومدرسة ملا إسماعيل ومدرسة محمد حسين الملاري.
ومن مزاراتها: إمام زاده جعفر وإمام زاده ركن الدين ومقبرة شهداء فهرج.
من علماء يزد
محمد باقر بن حسن علي الأردكاني اليزدي، له منظومة في الأصول باللغة العربية، نظمها سنة 1223هـ.
والملا محمد باقر بن زين العابدين اليزدي. كان فاضلاً حكيماً ماهراً في الرياضيات، له كتاب عيون الحساب وهو من مشايخ الشيخ البهائي.
والقاضي مير حسين الميبدي اليزدي كمال الدين ابن الخواجه معين الدين علي الوزير، من تلامذة جلال الدين الدواني، وهو من المشاهير في علم الحكمة والعرفان. له شرح هداية الميبدي، وشرح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام. توفي في بداية حكم الشاه إسماعيل بهادرخان، وكان شاعراً بالفارسية.
والشيخ البافقي بن إبراهيم اليزدي الحائري. كان حياً سنة 1263 وشهاب الدين علي اليزدي المتوفى سنة 740.
والملا علي أكبر الزارجي اليزدي. هو من تلاميذ السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض. توفي سنة 1296.
والشيخ عباس بن رضا بن أحمد أبرند آبادي اليزدي الحائري المعروف بالأخفش لتبحره في العلوم العربية والمتوفى سنة 1329هـ.
والشيخ علي بن رضا بن احمد أبرند آبادي اليزدي الحائري المعروف بسيبويه لتبحره أيضاً في العلوم العربية وهو شقيق الشيخ عباس المتقدم ذكره. توفي سنة 1320هـ.
والملا عبد الله اليزدي أستاذ الشيخ البهائي. توفي سنة 988هـ.
والملا محمد علي النحوي (الفاضل الأردكاني) ابن محمد حسن اليزدي التوفى سنة 1335.
ومحمد بن نصير ابن القاضي اليزدي مؤلف كتاب (التحفة العباسية في شرح الرسالة الرضوية) المكتوب سنة 1101.
والحاج معين الدين اليزدي من علماء عصر محمد مظفر. وقد ألف كتاباً في تاريخ آل مظفر سنة 757 وتوفي سنة 780.
وكاشف الدين محمد الأردكاني اليزدي من علماء عصر الشاه عباس الثاني الصفوي.
وعلي ابن شاه محمود البافقي المعاصر للشيخ البهائي.
والشيخ أحمد العلومي ابن الآخوند الملا حسين الأردكاني المتوفى سنة 1393هـ والذي أسس حوزة علمية في قم وله العديد من المؤلفات.
والسيد علي ابن الميرزا محمد رضا الجعفري اليزدي الحائري المتوفى سنة 1330هـ وولده السيد علي رضا كان فقيهاً شاعراً أديباً ينظم الشعر بالعربية والفارسية.
والسيد كاظم اليزدي الذي انتهت إليه المرجعية الشيعية في النجف والمتوفى سنة 1338.
أقدم مدينة في العمارة الطينية:
تعد مدينة يزد من المواقع الحضارية العريقة، وهي واحدة من أجمل المدن الصحراوية في العالم إذ تقع في وسط الصحراء المركزية بإيران، على بعد 677 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من العاصمة طهران، وتبلغ مساحتها 6336 كيلومتراً مربعاً، أما سكانها فيبلغ عددهم 372 ألف نسمة، ويتركز معظم سكانها في المدينة أما الباقي منهم فيسكنون في المناطق الريفية المحيطة بها.
من الصعوبة الوقوف على تاريخ هذه المدينة ونشأتها بالنسبة إلى تاريخ إيران، وإن كان البعض يذكر أنها تعود إلى عهد يزدجرد الأول والبعض الآخر ينسبها إلى عهد الإسكندر المقدوني. غير أن التنقيبات الأخيرة، واستناداً إلى الرسومات الأثرية التي وجدت على صخور جبل أرنان بالقرب من مدينة يزد، تشير إلى أن تاريخها يعود إلى 8 ـ 12 ألف عام. وكانت تعرف في التاريخ القديم باسم «إيساتيس» و«كثة» وأيضاً بمدينة البادكيرات «الملاقف الهوائية» وكذلك بمدينة الدراجات الهوائية (الطواحين الهوائية).
ومنذ دخول إيران الإسلام في العهد الراشدي وإلى يومنا كانت المدينة مرصداً للعلماء والمصلحين، ومن أشهرهم الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم)، السيد كاظم اليزدي (صاحب كتاب العروة الوثقى الشهير) وغيرهما من العلماء.
تميزت يزد عن باقي المدن الإيرانية الأخرى بأن معظم مبانيها، خصوصاً القديمة منها والمنتشرة في وسطها، شيدت بمادة اللبن (وهي كميات من الطين المخمر المخلوط مع التبن) الموضوعة في قوالب من الخشب والمجففة بواسطة أشعة الشمس للحصول على أشكال منتظمة شبيهة بالطابوق (الآجر) لبناء جدران مستقيمة ذات قوة ومتانة.
ونظراً إلى الخصائص المعمارية الفريدة للمباني، ومنها المذكورة أعلاه، فقد اعتبرتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة ثاني أقدم مدينة في العالم من ناحية العمارة الطينية، كما اعتبرها المجلس الأعلى للعمارة وتخطيط المدن في إيران أحد أهم ستة مراكز تاريخية وثقافية في البلد.
تعرف مدينة يزد بشحة المياه فيها وذلك لقلة الأمطار، ويصل متوسطها إلى أقل من 50 ملم، ومع ذلك فإن سكانها استطاعوا أن يجعلوا منها بلدة مشهورة ببعض المحاصيل الزراعية كالرمان والفستق وغيرهما، إضافة إلى بروزها في الجانب الصناعي، إذ أنشئت فيها سبعة مجمعات صناعية كبيرة و25 مجمعاً متوسطاً، وكثير من الصناعات الحرفية التي تشتهر بها كصناعة الأقمشة الحريرية والسجاد والبسط والبطانيات.
كانت مدينة يزد قبل دخول إيران الإسلام أحد أهم المراكز السكنية والدينية لأتباع طائفة الزرادشتية (عباد النار)، ولا يزال حوالي 12 ألفاً منهم موجودين حالياً في المدينة. أما أهم معالم يزد العمرانية والأثرية فهي:
بقعة السيد ركن الدين في يزد
المسجد الجامع الكبير
يعتبر هذا الجامع نموذجاً راسخاً وواضحاً للمساجد الإيرانية من حيث طرازه المعماري، ويعد أبرز معالم يزد التاريخية والعمرانية. ويعود البناء الأصلي إلى القرن السادس الهجري أو قبل ذلك، شيده السيد ركن الدين محمد بن قوام الدين محمد بن نظام حسيني يزدي القاضي. أما البناء الحالي فيعود إلى عهد المظفر في القرن الثامن الهجري.
تبلغ مساحة المسجد حوالي 9800 متر مربع، وتعلو بوابة المدخل العالية مئذنتان جميلتان تقعان على جانبي المدخل ومزينتان بالبلاط القاشاني المزخرف الجميل. وتعتبر الزخارف القاشانية التي تغطي معظم أجزاء واجهة البوابة والقبة من أجمل النقوش المعمارية في المدينة.
مرقد ركن الدين
شيد هذا البناء الأمير سيد ركن الدين محمد القاضي سنة 725هـ (1325م)، وتعرف القبة حالياً باسم سيد ركن الدين. والآثار الباقية عبارة عن سلسلة من الأبنية الفخمة كانت تشتمل على مرصد فلكي ومدرسة خانقاه للطرق الصوفية ومكتبة. أما قبة المرقد ومدخله فقد غطيا بالبلاط القاشاني الجميل تتخلله كتابات كوفية بديعة تعود إلى القرن الثامن الهجري.
المدرسة الضيائية
تعرف هذه المدرسة بـ «سجن الإسكندر» شيدت سنة 631هـ (1234م) من قبل مولانا شرف الدين علي الرضي، وتقع في محلة فهادان ولها قبة مرتفعة ومزينة بأجمل الزخارف القاشانية. وكانت هذه المدرسة في زمن مولانا مجد الدين حسن مركزاً لتحصيل العلوم والفنون، واستفاد منها الكثير من العلماء.
مسجد ريك
شيد هذا المسجد من قبل معين الدين أشرف سنة 730هـ (1330م)، وقد تهدم بسبب سيل جارف، ثم أعيد بناؤه، ويقع في شارع قيام. وكانت أرض المسجد قديماً منزلاً للقوافل (خان)، واشتراها مرتضى أعظم سعيد أمير معين الدين أشرف وشيد عليها البناء وأوقف لها الخيرات والمبرات.
مجمع أمير جقماق
يشتمل هذا المجمع العمراني على مسجد وخزان للمياه وساحة واسعة وتكية (بيت الدراويش). وقد تم الانتهاء من بنائه سنة 830هـ (1427م) حيث شيدت للمسجد قبة ضخمة بسعي من بيبي فاطمة خاتون زوجة أمير جقماق حاكم يزد آنذاك.
ويعتبر بناء المسجد من الناحية المعمارية والجمالية ثاني معلم عمراني بعد المسجد الجامع الكبير في يزد، وذكرته المصادر التاريخية باسم المسجد الجامع الجديد. ويقع في الجانب الجنوبي من الساحة التي يضمها المجمع والتي سميت باسمه.
أما خزان المياه فقد شيد سنة 841هـ (1438م) متزامناً مع إنشاء تكية أمير جقماق من قبل أمير جلال الدين جقماق وزوجته. ويحتوي المجمع على خمس بادكيرات (ملاقف هوائية) عالية تقع في الجانب الشمالي للساحة.
مسجد ملا إسماعيل
شيد هذا المسجد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري من قبل ملا محمد إسماعيل عقدائي، ويعلو مدخله قوس كبير عالٍ تتدلى منه مقرنصات آجرية رائعة. ويحتوي المسجد على إيوان واسع تحول في السنوات الأخيرة إلى مصلى تقام فيه صلاة الجمعة.
مسجد الروضة المحمدية
يقع هذا المسجد في شارع الإمام الخميني، والبناء الحالي ما عدا الرخام الموجود في المحراب هو بناء جديد كما ذكر في أوقاف الروضة المحمدية، أما المسجد الأصلي فيعود تاريخه إلى 1230هـ (1815م) وقد أكمل البناء من قبل آية الله الصدوقي.
مخازن المياه
يعد مبنى مخازن المياه في مدينة يزد أحد معالمها العمرانية المميزة. وتشتمل المخازن على قبة مبنية بالآجر تحيطها ست بادكيرات (ملاقف هوائية)، انتهى العمل من بناء هذه المخازن سنة 1379هـ (1959م) من قبل الحاج حسين ميراه.
مدرسة خان
يتكون بناء مدرسة خان من مدرستين واحدة صغيرة والأخرى كبيرة، وتتألف من طابقين وتحتوي على 27 غرفة ولها مدخلان أحدهما يطل على بازار (سوق) قيصرية والآخر في رأس بازار التبريزيين. شيدت مدرسة خان من قبل محمد تقي خان ابن ميرزا محمد باقر فقي الذي اشتهر باسم الخان. وحالياً هي محل دراسة وسكن طلاب العلوم الدينية.
المدرسة الكمالية
تقع المدرسة إلى الغرب من المسجد الجامع، شيدت في العهد المغولي (الإيلخاني) سنة 720هـ (1320م) من قبل كمال الدين أبو المعالي، وتقع في محلة شاه أبو القاسم، ويشتمل بناؤها على قبة جميلة شيدت من الآجر والجص.
قبة المصلى العتيق
تعود هذه القبة إلى مبنى المصلى العتيق الذي شيد في أوائل القرن الثامن الهجري، ولم يبق منه حالياً إلا القبة التي تم ترميمها سنة 825هـ (1422م) من قبل الأمير شمس الدين.
برج وقلعة المدينة
يقع هذا البرج في أطراف مدينة يزد، وشيد سنة 432هـ (1041م) في زمن عضد الدين علاء الدولة أبي جعفر كاكوئيه، ولم يبق من البرج والقلعة سوى أجزاء من البناء ظاهرة للعيان إلى يومنا الحاضر.
بازار قيصرية
يتكون هذا البناء من سوق وأماكن لتوقف القوافل التجارية، وهو يفصل بين ميدان خان ومدرسة خان، ويعود بناؤه إلى زمن محمد تقي خان سنة 1186هـ (1772م)، ويشتمل السوق على 28 محلاً تجارياً وبوابتين خشبيتين كبيرتين.
معبد النار
يعود هذا المعبد إلى أتباع طائفة الزرادشتية (عباد النار)، ويقع في شارع كاشاني، وتعرف النار الموجودة داخل هذا المبنى باسم (نار ورهرام)، وأخذت هذه النار من معبد واريان فارس ونقلت إلى مدينة يزد وبقيت 700 سنة، ثم نقلت إلى مدينة ترك آباد في أردكان بالقرب من يزد وبقيت 300 سنة ثم أعيدت إلى مدينة يزد ومضى عليها الآن 55 سنة، ويعود قدم نار هذا المعبد إلى 1522 سنة من دون أن تطفأ.
رؤوف الأنصاري
يلملم
من معالم الحج والزيارة
يلملم معلم من معالم الحج المهمة لأنه من المواقيت التي وقّتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث فيه أو البحث عنه يتطلب تصنيف الموضوع إلى الجوانب التالية:
1 ـ البحث عنه لغوياً.
2 ـ البحث عنه جغرافياً.
3 ـ البحث عنه حديثياً.
4 ـ البحث عنه فقهياً.
فنقول:
يلملم لغوياً
ـ (لغات الكلمة):
ذكرت المعاجم التي بين يدي ثلاث لغات (لهجات) للكلمة، هي: (يلملم)، (ألملم)، (يرمرم).
وسمعت عند زيارتي للمنطقة من بعض أفراد قبيلة (فَهْم) القاطنين في أرض (الوَدْيان) من مركز يلملم ثلاث لهجات، هي: يلملم، وألملم، وململم … ويضيف الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 326 لهجة أخرى هي: (لملم).
ـ (جذر الكلمة):
وقد أدى تعدد اللهجة في هذه الكلمة إلى الاختلاف بين اللغويين في تحديد جذر الكلمة والمادة الأصلية لها التي تدرج في المعجم تحت عنوانها ويرجع إليها لمعرفة معناها اللغوي إلى الأقوال التالية:
1 ـ ذهب الأزهري وابن فارس إلى أن الكلمة من المزيد الذي في أوله ياء، قال ابن فارس في (المجمل) ـ 4/ 943 ـ 944 ـ (باب مزاد على ثلاثة أحرف أوله ياء): «اليسروع: دويبة تشبّه بها أصابع النساء لنعمتها وبياضها، ويبرين: موضع، وكذلك [يمؤود] ويلملم …، وسبيل الياء سبيل الهمزة الزائدة في الرباعي والخماسي، لأن الياء إنما يعتبر بها في هذين البابين الحرف الذي بعدها».
وقال في (المقاييس) ـ 6/ 160 ـ : «فأمّا ما زاد على الثلاثة في هذا الباب مثل (اليربوع) وهي دويبة، و(يبرين) وهو موضع، و(يمؤود) و(يلملم) وهما موضعان، و(اليرندج) وهي جلود سود، وما أشبه ذلك، فإن سبيل الياء في أوائلها سبيل الهمزة في الرباعي والخماسي فإنهما زائدتان، وإنما الاعتبار بما يجيء بعد الياء، كما هو الاعتبار في باب الهمزة بما يجيء بعدها».
ونستخلص منه: أن جذر الكلمة ومادتها عنده (لملم)، والياء في (يلملم) مزيدة، والألف في (ألملم) مبدلة من الياء، وفي (يرمرم) زيدت الياء، وأبدلت الراءان من اللامين.
وتابعهما على ذلك المعلم البستاني في (محيط المحيط) فذكر الكلمة بلغاتها الثلاث في مادة (لملم).
2 ـ وذكر ابن منظور في (لسان العرب): يلملم في مادة (يلم)، ويرمرم في مادة (رمم)، ويلملم وألملم في مادة (لمم).
ويعني هذا أن جذر الكلمة عنده ومادتها ثلاثي، وهو بالنسبة إلى كلمة (يرمرم): (رمم)، و(يلملم) من غير إبدال (يلم)، وبإبدال يائها همزة (لمم).
وتابعه على ذلك الفيومي في (المصباح المنير) مع فارق اعتباره الأصل في الكلمة (ألملم) ـ بالهمزة ـ، والياء في (يلملم) مبدلة من الهمزة، ولذا اعتد جذر الكلمة ومادتها (ألم).
ونسق (المعجم الكبير) نسق (المصباح المنير)، وكذلك (تاج العروس) حيث ذكرت الكلمة فيه في مواد: (يلم) و(لمم) و(رمم).
ـ (وزن الكلمة):
أما وزن الكلمة فلا خلاف بينهم في أن وزنها (فَعَلْعَل)، قال ابن منظور في (اللسان) ـ مادة يلم ـ: «قال ابن بري: قال أبو علي: يلملم فَعَلْعَل، الياء فاء الكلمة واللام عينها والميم لامها».
ويدل هذا على أن الياء في الكلمة أصل وليس زائداً، وهو ما ذهب إليه ابن منظور ـ كما تقدم.
يلملم جغرافياً:
قال البكري في (معجم ما استعجم من أسماء البلدان والمواضع) ـ 1/ 187 ـ : ألملم ـ بفتح أوله ـ قال أبو الفتح: هو فَعَلْعَل ـ بفتح أوله ـ كصَمَحْمَح، ولا يكون من لفظ لملمتُ، لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة في أولها إلاّ في الأسماء الجارية على أفعالها، نحو مُدَحْرج.
ويقال أيضاً: يلملم، وكذلك القول فيه، لأن الياء بدل من الهمزة.
وهو جبل من كبار جبال تهامة، على ليلتين من مكة، أهله كنانة، وأوديته تصب في البحر، قال سلمى بن المُقْعَد:
«ولقد نزعنا من مجالس نخلة
فنجيزُ من حُتُنٍ بياضَ ألملما»
وفي 2/ 1398 قال: «يلملم ـ بفتح أوله وثانيه ـ جبل على ليلتين من مكة، من جبال تهامة، وأهله كنانة، تنحدر أوديته إلى البحر.
وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو ميقات من حج من هناك.
ويقال: ألملم ـ بالهمز ـ وهو الأصل، والياء بدل من الهمزة، ـ وقد تقدم ذلك في حرف الهمزة ـ، وقال طُفيل:
وسهلبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلَّتْ من فروع يلملم
وقال ابن مُقبل:
«تداعي عنوداً في الرياد كأنها
سهيل بدا في عارضٍ من يلملما»
وقال الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 326: «ويلملم: ميقات أهل تهامة».
وجاء في بعض الحديث: ألملم، مكان الياء همزة، قال طُفيل:
وسلهبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من فروع يلملم
ويقال: «لملم أيضاً».
وقال ياقوت في (معجم البلدان) ـ 5/ 441 ـ : «يلملم: ويقال: ألملم ـ والململم المجموع ـ : موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل».
وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.
وقيل: هو وادٍ هناك. قال أبو دهبل:
«فما نام من راعٍ ولا ارتد سامرٌ
من الحي حتى جاوزتْ بي يلملما»
وقال البلادي في (معجم معالم الحجاز) ـ 10/ 28 ـ 29 ـ : «يلملم ـ ياء مثناة تحت، مفتوحة، وتكرير اللام والميم ـ: وادٍ من أدوية الحجاز التهامية يأخذ أعلى مساقط مياهه من شفا بني سفيان، على قرابة (30) كيلاً جنوب غربي الطائف، ثم يندفع غرباً في انحدار عميق بين صلاهيج([154]) جبال فيمر بالاسعدية ميقات أهل اليمن على طريق تهامة، على (100 كيل) جنوب مكة، فيصب في البحر جنوب جدة على مسافة مرحلتين.
وهو وادٍ متعدد الروافد، منها: حُثُن، ووَدْيان، وتَصِيل، ونُمار، وشكيل، وغيرها كثير مما يجعل سيله جارفاً.
وبه بعض الأراضي الصالحة للزراعة، ولكن لم تستصلح بعد.
ونباته الأراك.
وسكانه: في صدره: فَهْم، وبقية بني صاهلة من هُذيل، وأسفله: الجحادلة من بني شعبة من كنانة.
وروافده الشمالية من ديار هُذيل.
فيه مركز حكومي تابع لإمارة الليث، وبه مركز صحي، ومقترح إنشاء مدرسة في السعدية، وقد أنشئت، وأنشئت مدرسة بالملاقي حيث الإمارة.
وإمارته تضم قبيلة فَهْم فقط.
أمّا أسافله ففي السعدية إمارة تابعة لقائم مقام مكة».
وقال في المصدر نفسه ص 29: «يلملم، ويقال: ألملم، والململم المجموع: موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل.
وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.
وقيل: هو وادٍ هناك، قال أبو دهبل:
فما نام من راعٍ ولا ارتد سامرٌ
من الحي حتى جاوزتْ بي يلملما([155])
وقال البكري: من جبال تهامة، وأهله كنانة، تنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو ميقات من حج من هناك، ويقال: ألملم ـ بالهمزة ـ وهو الأصل، والياء بدل من الهمزة ـ وقد تقدم في حرف الهمزة ـ، وقال طُفيل:
وسلهبةٍ تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من فروع يلملم
وقال ابن مقبل:
تداعي عنوداً في الرواة كأنها
سهيل بدا في عارض من يلملما
وجاء في (المعجم الكبير) ـ مادة ألملم ـ: «ألملم (فَعَلْعَل): جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة (نحو 60 ك.م)، وهو ميقات أهل اليمن وأهل تهامة في الحج.
وأهله كنانة، وأوديته تصب في البحر».
وفي (محيط المحيط) ـ مادة لملم ـ : «ويلملم أو ألملم أو يرمرم: ميقات أهل اليمن، وهو جبل على مرحلتين من مكة».
وفي (المصباح المنير) ـ مادة ألم ـ : «وألملم: جبل «في» تهامة، على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن».
وفي (النهاية) ـ لابن الأثير ـ : «يلملم: فيه ذكر (يلملم) وهو ميقات أهل اليمن، بينه وبين مكة ليلتان».
وقال الزبيدي في (تاج العروس) ـ مادة لمم ـ: «ويلملم وألملم أو يرمرم، الثانية على البدل، ميقات أهل اليمن، للإحرام بالحج، وهو جبل على مرحلتين من مكة، وقد وردتُهُ».
ونستنتج من هذا:
1 ـ أن الجغرافيين واللغويين القدامى اتبعوا في تحديد موقع (يلملم) الطريقة المألوفة لديهم قديماً، وهي اعتبار الوحدة القياسية للمسافة بين منزلين (والمنزل ـ هنا ـ يراد به ما تنزله القوافل أثناء قطعها للمسافات) الليلة، ويريدون بها الامتداد المكاني الذي يقطعه السائر في نحو ليلة زمنية.
وقد يطلقون على الليلة باعتبارها وحدة قياسية للمسافة المرحلة ـ كما رأينا في نص التاج ـ.
وتقدر الليلة بالكيلومتر (الوحدة القياسية المتعارفة الآن في بلداننا الإسلامية) بـ (50 كم) ـ خمسين كيلومتراً ـ قد تنقص قليلاً، نظراً لاختلاف الطرق التي كانت تسلك قديماً سهولة وحزونة.
2 ـ إن يلملم منزل من منازل الطريق بين مكة المكرمة واليمن، ويبعد عن مكة بمرحلتين أو ليلتين، أي: بينه وبين مكة المكرمة حوالي (100 كم) ـ مئة كيلومتراً ـ.
وقدّرت المسافة في بعض المناسك ـ أمثال: منسك الشيخ محمد طاهر الخاقاني ومنسك الشهيد الصدر ومنسك السيد الكلبايكاني ـ بـ (94 كم) ـ أربعة وتسعين كيلومتراً.
وهنا لا بد من التنبيه على أن لليمن إلى مكة المكرمة ثلاثة طرق، هي:
1 ـ طريق تهامة، وهو الذي يمر بيلملم.
2 ـ طريق صنعاء ـ صعدة، ويمر ببيشة فوادي تُرَبَة فقرن المنازل فمكة.
3 ـ طريق حضرموت ـ نجران، ويلتقي مع الطريق الثاني بقرن تثليث، فيمر أيضاً بقرن المنازل.
فالطريق المقصود هنا هو طريق تهامة.
ومنازله ـ كما في (مناسك) الحربي ص 643 ـ هي: صنعاء ـ جازان ـ الليث ـ يلملم ـ مكة.
وعليه تكون النتيجة: أن لمعرفة موقع يلملم أمارتين هما:
أ ـ وقوعه على طريق اليمن ـ مكة التهامي.
ب ـ وعلى بُعد مرحلتين أو ليلتين من مكة.
وقد قمت في يوم الأحد 15/6/1409هـ الموافق 27/1/1989م برحلة استطلاعية بغية إجراء دراسة ميدانية للموقع الراهن.
غادرت جدة الساعة الثامنة صباحاً بسيارة (جيب تويوتا)، ومعي ابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان حسن وحسين الخليفة، وسلكنا من مكة المكرمة الطريق الساحلي الذي يعرف بطريق الليث، وطريق اليمن الساحلي.
وأهم المدن التي يمر بها الطريق، هي: مكة المكرمة ـ الليث ـ القنفذة ـ جيزان ـ حرض (وهو جمرك الحدود السعودية) ـ اليمن.
وبعد 100 كم من مكة تقع على يمين الطريق محطة بنزين تعرف بـ (محطة الطَفيل) ـ بفتح الطاء ـ، ويقابلها على يسرة الطريق مسجد حديث من إنشاء الحكومة السعودية للإحرام منه باعتباره محاذياً للميقات، إلاّ أنه كان مغلقاً ومهملاً حال وصولنا إليه لعزوف الحجاج عن الإحرام منه بسبب عدم تيقنهم محاذاته للميقات.
وبعد 110 كم من مكة وعلى يمين الطريق أيضاً هناك محطة تسمى (محطة المجيرمة)، وتحاذي هذه المحطة مركز السعدية الآتي ذكره بعد قليل.
وبعد 126 كم من مكة على يسار الطريق محطة ثالثة معروفة بـ (محطة الميقات) لأنها تحاذي ميقات يلملم، وقد أشير إلى هذا في لوحة منصوبة على حافة الطريق، وفيها مسجد من الطين يرجع بناؤه إلى عهد قريب، وآخر من البناء الجاهز من إنشاء الحكومة السعودية، وحمامات بدائية مصنوعة من الخشب العادي لاغتسال الحجاج، ينقل إليها الماء يدوياً من صهاريج من الصفيح قريبة من المقهى، وفيها أكثر من مقهى وأكثر من بقالة لبيع المواد الغذائية وملابس الإحرام، وأكثر من مطعم، وكلها من النوع الشعبي البدوي.
وعندما وصلنا إلى محطة الطفيل المذكورة في الساعة العاشرة قبل الظهر انحدرنا يسرة الطريق العام من منعطف قبيل المسجد المغلق ـ المشار إليه ـ في طريق ترابية ممهدة تمهيداً يسيراً.
وسار بنا هذا الطريق آخذاً إلى اليمين حتى صب ـ بعد مسافة قصيرة ـ في وادي يلملم.
وبعد أن قطعنا حوالي 25 كم من هذا الطريق وصلنا إلى مركز (السعدية).
ورأينا في هذا المركز على حافة الوادي اليمنى بستاناً لأحد أهالي مكة كما قال لنا شخص كان يستقي الماء هناك.
وعلى مقربة من حافته اليسرى رأينا بئراً عميقة وقديمة، عليها مضخة كهربائية تنقل الماء إلى خزان منصوب على حافة الوادي اليسرى، وفي داخل البئر على الجهة المقابلة للقبة صخرة ملصقة في جدارها كتب عليها العبارة التالية: «هذا بئر العلي سلطان الهند ذي الإجلال محمد علي خان رحمه الله. صلى الله على محمد وآله. سنة 711».
وعلى حافة الوادي اليسرى قريباً من البئر مسجد حديث ومدرسة ومستوصف، وهي من منشآت الحكومة السعودية، وبقالة وورشة لإصلاح السيارات.
وبعد بئر السعدية بحوالي كيلوين بئر أخرى مندثرة، وبالقرب منها على حافة الوادي اليسرى قلعة حربية صغيرة، تشبه تماماً في تصميمها العام وأحجارها وألوانها محطة قطار الحجاز بالمدينة المنورة، كتب على إحدى أحجارها: «991 محمد علي بركسحاي(؟)….».
ودلفنا إلى يلملم مع الوادي، وبعد مسافة غير قليلة ضللنا الطريق خارجين من الوادي إلى حَرَّة على مرتفع حافته اليسرى، ثم وبعد السؤال من رعاة هناك اهتدينا الطريق وهبطنا الوادي ثانية، حتى انتهى بنا بعد خمسة وعشرين كيلو تقريباً من السعدية، إلى الوَدْيان، وهو مركز يلملم.
وفيه محطة بنزين وعدة بقالات ومطعمان ومقهى ومسجد حديث من إنشاء الحكومة السعودية سنة 1402هـ، ومدرسة للبنات وأخرى للبنين ومركز حكومي للإمارة، مكتوب على لوحته: (مركز إمارة يلملم التابعة لإمارة الليث)، وإمارة الليث تتبع إمارة مكة المكرمة.
وفيه أيضاً بعض الورش لإصلاح السيارات ولصناعة الأبواب والشبابيك الحديدية، وورش نجارة.
كما أن فيه بيوتاً قليلة بدوية المادة والبناء.
ويشرف على المركز في شرقي جنوبه جبل يلملم، ويسميه أبناء الوادي (يلملم) و(الوعرة)([156]).
وقمنا بتصوير الجبل وبعض المرافق كالمسجد والمستوصف ومدرسة البنين.
وكان وصولنا إليه في الساعة الثانية عشرة قبيل الظهر بنصف ساعة.
وبعد أن تناولنا الغداء في أحد مطعميه، عدنا يضمنا بطن الوادي، الذي مررنا فيه على كثير من شجر السُمُر والأراك.
ورأينا في جزء منه عين تنز الماء نزاً، ويسيل منها إلى مسافة لا تقل عن أربعة أو خمسة كيلوات وسط نهر صغير.
وشاهدنا في أكثر من موضع في الوادي، وفي الجرار على حافتيه محارق لصنع الفحم من أخشاب شجر الوادي، يعمل فيها سكان الوادي، وهي على الطريقة البدائية: حفرة صغيرة لا تزيد على مترين في ثلاثة أمتار، يطرح فيها الخشب ويغطى بشيء من الأعشاب اليابسة، ثم يلقى عليه قليل من النفط لإشعال النار، وتغلق الحضرة بالصفيح، ويستمر الإحراق نهاراً كاملاً.
وابتعنا كيساً كبيراً من هذا الفحم بخمسين ريالاً للاستعمال المنزلي.
وصلينا الظهرين في مسجد السعدية، ووصلنا إلى جدة الساعة الرابعة عصراً، والحمد لله على التوفيق والسلامة.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن سكان الوادي من جهة يلملم هم قبيلة (فهم)، ومن جهة السعدية قبيلة (الجحادلة).
(نتائج الاستطلاع):
1 ـ إن وادي يلملم يبدأ من سفح جبل يلملم ضيقاً ثم يتسع شيئاً فشيئاً حتى يتلاشى بعد السعدية وقبيل الطريق الساحلي العام، ليلتقي مع أودية أخرى تصب جميعها في البحر الأحمر.
2 ـ إن قمة جبل يلملم تشبه في شكلها الإسطواني قمة جبل النور بمكة المكرمة.
3 ـ لم نهتد إلى رؤية أثر من بقايا طريق اليمن القديم المار بيلملم مباشرة، والذي ذكره غير واحد من الجغرافيين والمؤرخين، ومنهم الحربي في (المناسك) ـ كما تقدم ـ.
وما ذكره الهمداني في (صفة جزيرة العرب) ص 341 قال: «محجة صنعاء إلى مكة ـ طريق تهامة: من صنعاء: صِلِيت من البون ثم الموبد ثم اسفل العرقة وأخرف ثم الصرجة ثم رأس الشقيقة ثم حرض ثم الخصوف من بلد حكم ثم الهجر ثم عثر ثم بيض ثم زنيف ثم ضنكان ثم المعقد ثم حلي ثم الجو ثم الجوينية من قنونا وتسمى القناة ثم دوفة وهي للعبديين من بقايا جرهم ثم إلى السرين ثم المعجر ثم الخيال ثم إلى يلملم ثم ملكان ثم مكة. هذه طريق الساحل.
والمحجة القديمة ترتفع إلى حلي العليا وتسمى حلية، وإليها ينسب أسود حلية، وهي التي يعني الشنفري بقوله:
بريحانة من بطن حلية نورت
لها أرج من حولها غير مسنت
ثم إلى عشم ثم على الليث ومركوب إلى يلملم».
4 ـ رأينا آثاراً تدل على أن طريق الحاج كان يمر بالسعدية ـ التي هي محاذية ليلملم على بعد 25 كم ـ منها: إصلاح بئرها، والبئر الأخرى الواقعة قريباً منها، والقلعة الحربية.
ويستنتج من نسبة إنشاء بئر السعدية والقلعة بعدها إلى الهنود أن حجاج الهند كانوا يمرون من هنا.
ويؤيد هذا ما جاء في محاضرة للأستاذ حسن بن إبراهيم الفقيه عميد الكلية المتوسطة بالقنفذة التي ألقاها في قاعة المسرح بمقر قيادة سلاح الحدود بالقنفذة، ونشر عدد الأربعاء الأسبوعي من جريدة (المدينة) ـ التي تصدر بجدة ـ تعريفا لها ومقتطفات منها، بتاريخ 23 رجب سنة 1409هـ، وعنوانها: (القنفذة مدينة قديمة يعود تاريخها إلى القرن الثامن الهجري)، فقد جاء فيها: «وتسجل بعض الوثائق التاريخية استخدام مينائها (ميناء القنفذة) باباً لمكة المكرمة يدخل عن طريقه حجاج جنوب الجزيرة العربية وحجاج جنوب شرق آسيا وخاصة حجاج الهند».
ولعل ما جاء في (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة) ـ 1/ 640 ـ من أن يلملم ميقات لأهل اليمن والهند، يشير إلى هذا أيضاً ويؤكده.
ويعني هذا أن الطريق القديم المار بيلملم مباشرة تحول إلى طريق السعدية، ثم تحول إلى الطريق الساحلي الحاضر.
وبين طريق يلملم وطريق السعدية 25 كم، وكذلك بين طريق السعدية والطريق الراهن 25 كم، فيكون بين موضع المحاذاة في الطريق الراهن وجبل يلملم 50 كم.
وممن أشار إلى اتخاذ حجاج اليمن موضع السعدية محرماً المؤرخ التركي أيوب صبري باشا في كتابه (مرآة جزيرة العرب) ـ 2/ 246 ـ ترجمة الدكتور أحمد فؤاد صولي والدكتور الصفصافي أحمد المرسي، فقد جاء فيه تحت عنوان: (بداية المحمل اليمني وانقطاعه): «بدأ الوزير مصطفى باشا والي اليمن ينظم موكب المحمل الشريف باسم محمل صنعاء اليمن منذ سنة 963هـ بعد الفرمان الصادر بهذا الخصوص، والذي يسمح له بذلك، وعند وصول المحمل المذكور إلى مكة المكرمة كان المرحوم الشريف حسن يستقبله في (بركة ماجن) ثم يدخل المدينة.
تتحرك القوافل من (حيس) وتتجه نحو زبيد وتبقى في موقع (المخا) الواقع إلى الجنوب من الموقع السابق.
وتتحرك القافلة من زبيد متجهة نحو مرحلة (رفع) ومنها إلى (بيت العقبة الصغير) ومن هناك إلى (قطيع) ومنها إلى (المنصورية) ثم قلعة (فراوع) ومنها إلى (غاغية) ثم تنزل القوافل في (بيت الفقيه الكبير).
وأحياناً يسلك حجاج صنعاء طريق بلاد (حباب وطويلة وبلاد بني الخياط وبلاد بني الأهلية) ثم يواصلون سيرهم في الطريق المعتاد.
وتتجه القوافل التي ترد من أحد هذين الطريقين من بيت فقيه إلى (صعلب) ومنها إلى (دوحة)، ومن هناك إلى (حيوان) وبعدها إلى (عالية)، ومنها إلى (أبو عريش) ثم (سلامة)، ومنها إلى (ربيش) ومن هناك إلى (نماو) ومن نماو إلى (عتود) ومنها إلى (شفيق) ثم (أبيار)، ومن هناك إلى (دهيان) حيث تحط القوافل رحالها لتستريح وتتزود بزاد الطريق.
وتكثر الأشجار المسماة (شجر المقل) في أراضي مرحلة دهيان هذه.
وتدخل قوافل الحج التي تغادر دهيان إلى منزل (بركة) التي من جملة آثار عمرو بن منصور من ملوك بني رسول.
ثم تتحرك القوافل نحو (شفق)، ومنها تعاود سيرها حتى تنزل في استراحة (قنونا)، وهذه الاستراحة في وادٍ مياهه وفيرة، وله اسم آخر هو (الواديين).
وتصل القوافل التي تغادر مرحلة قنونا إلى (ليثة) [ = الليث]، ثم منزل (هصم) المشهور بكثرة مائه، ثم تصل مرحلة (سعدية) التي تعد ميقات سكان تهامة اليمن.
وتعتبر مرحلة سعدية هذه من أكثر المراحل ماءً وتبعد عن منزل (يلملم) ثمانية عشر ميلاً».
5 ـ إن ما يعرف الآن بمحطة الميقات والتي هي محرم الحاج في عصرنا هذا، لا تحاذي السعدية، ولكن بالإمكان أن تحاذي يلملم لانعطاف الوادي.
والمحطة التي تليها والتي تعرف بمحطة المجيرمة تحاذي السعدية ولأنها تحاذي السعدية تحاذي يلملم أيضاً.
أما محطة الطَفيل فتحاذي السعدية ويلملم معاً، وقد أنشأت الحكومة السعودية فيها مسجداً ليكون المحرم المحاذي، ولكن عزوف الحاج اليماني عنه واستمراره على الإحرام من محطة الميقات استدعى الحكومة غلقه والإعراض عنه.
يلملم حديثياً:
ورد توقيت (يلملم) محرماً في الأحاديث التي تكفلت بذكر المواقيت الخمسة، وهي أمثال:
ـ صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: قال: «من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (ص)، لا تجاوزها إلا وأنت محرم، فإنه وقّت لأهل العراق ـ ولم يكن يومئذٍ عراق ـ بطن العقيق من قبل أهل العراق، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ـ وهي مهيعة ـ ووقّت لاهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت من ما يلي مكة فوقته منزله»([157]).
ـ حسن الحلبي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «الإحرام من مواقيت خمسة، وقتها رسول الله (ص)، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها.
وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة، يصلى فيه ويفرض الحج، ووقّت لاهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم، ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله (ص)»([158]).
وبهذين الحديثين الشريفين وأمثالهما احتج فقهاؤنا على مشروعية توقيت يلملم محرماً، وشرعية الإحرام منه.
وهناك أحاديث أخرى ذكر فيها أن وقت أهل اليمن هو قرن المنازل، كالذي رواه عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام عن الأوقات التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل اليمن قرن المنازل، ولأهل نجد العقيق»([159]).
والجمع بين الطائفتين من أحاديث التوقيت لأهل اليمن، هو أن الأحاديث التي ذكر فيها أن يلملم هو وقت أهل اليمن أريد بها من يمر من أهل اليمن على طريق تهامة ـ وهو الطريق الساحلي ـ والأول من الطرق الثلاثة التي ذكرتها آنفاً نقلاً عن (مناسك الحربي).
أما الأحاديث التي ذكر فيها أن ميقات أهل اليمن هو قرن المنازل، فأريد بها من يسلك من أهل اليمن أحد الطريقين الآخرين اللذين يمران بقرن المنازل، وهما: طريق صنعاء ـ صعدة وطريق حضرموت ـ نجران، أو غيرهما من الطرق المارة بالطائف.
وبهذا تكون الأحاديث بمجموعتيها قد غطت جميع الطرق من اليمن إلى مكة المكرمة التي كانت على عهد رسول الله (ص) أو في العصر الإسلامي الأول وما بعده حتى عصرنا هذا.
يلملم فقهياً:
واستناداً إلى النصوص الشرعية المتقدمة وأمثالها أفتى فقهاؤنا بمشروعية اعتبار يلملم محرماً وبشرعية الإحرام منه، ولا خلاف بينهم في ذلك.
وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن ذلك بين مطلق ومقيد، ومنها:
ـ ما جاء في (المقنع) و(الهداية) للصدوق و(النهاية) و(الجمل) للطوسي و(الشرائع) للمحقق: «ولأهل اليمن يلملم».
ـ وفي (المقنعة) للمفيد: «ووقّت لأهل اليمن يلملم، وهي ميقاتهم وميقات كل من صحبهم من الحاج في طريقهم ومر عليه».
ـ وفي (الجمل) للمرتضى و(الكافي) لابن الصلاح و(المراسم) لسلاّر و(الجامع) لابن سعيد: «وميقات أهل اليمن يلملم».
ـ وفي (الإصباح) للصهرشتي و(الغنية) لابن زُهرة: «ولمن حج على طريق اليمن يلملم».
ـ وفي (المهذب) لابن البراج: «ويلملم وذلك ميقات أهل اليمن ومن حج على طريقهم».
ـ وفي (السرائر) لابن إدريس: «ووقّت لأهل اليمن جبلاً يقال له يلملمِ، ويقال ألملم».
ـ وفي (الإشارة) لابن أبي الفضل: «أو يلملم ويختص باليمنيين ومن نحا نحوهم».
ـ وفي (الوسيلة) لابن حمزة: «والرابع ميقات أهل اليمن وهو يلملم».
ـ وفي (القواعد) للعلامة و(الابتهاج) لآل عصفور: «ولليمن جبل يقال له يلملم».
ـ وفي (اللمعة) للشهيد: «ويلملم لليمن»([160]).
ـ وفي (الهداية) لفتاوى الشيخ يوسف البحراني: «ويلملم لأهل اليمن ومن والاهم».
ـ وفي (العروة) لليزدي: «الرابع يلملم وهو لأهل اليمن».
ـ وفي (المنهاج) للحكيم: «الخامس يلملم وهو ميقات أهل اليمن ومن عبر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق الأُخر».
ـ وفي (المنهج) للخنيزي: «ويلملم لأهل اليمن».
ـ وفي (المناسك) للخوئي: «الرابع يلملم وهو ميقات من أراد الحج عن طريق اليمن».
ـ وفي (الموجز) للصدر: «الرابع يلملم، وهو جبل من جبال تهامة، ويقال إن بعده عن مكة يقدر بأربعة وتسعين كيلومتراً».
وفي (الرسالة) للخاقاني: «الميقات الرابع يلملم وهو ميقات أهل اليمن وكل من جاء على طريق يلملم وجب عليه الإحرام منه، ويبعد هذا الميقات عن مكة بأربعة وتسعين كيلومتراً».
ـ وفي (المناسك) للكلبايكاني: «خامساً يلملم وهو جبل من جبال تهامة، ويبعد عن مكة المكرمة أربعة وتسعين كيلومتراً تقريباً، وهو ميقات أهل اليمن ومن يمر على طريقهم إلى مكة من أهل الآفاق والأقطار والأمصار الأخرى»([161]).
أطلت بذكر الفتاوى لأنبه على شيء مهم هنا، وهو أن جميع هؤلاء المفتين قصروا ميقات أهل اليمن على يلملم، والأمر ـ كما رأينا في النصوص الشرعية من الروايات المذكورة في أعلاه وأمثالها ـ ليس كذلك، لأن لليمن طرقاً أخرى لا تمر على يلملم، وإنما تسلك على الطائف حيث يكون الميقات قرن المنازل، والمحرم المحاذي وادي محرم.
ولأن الفتاوى ـ عادة ـ يفتى بها ليعمل المقلد على وفقها، كان على المفتي تعرف طرق اليمن أولاً والمنازل التي تمر بها إلى مكة، ثم الإفتاء في ضوء هذا.
فكان الذي ينبغي أن يعبّر به للإفتاء أن يقال: (يلملم: ميقات من يسلك طريق اليمن التهامي (أو الساحلي) ماراً به سواء كان من أهل اليمن أو تهامة أو غيرهما).
وليس هذا الأمر من الإطلاق في التعبير قاصراً على فقهاء الإمامية، فقد رأيت فيما لدي من كتب الفقه السني ما يشارك كتبنا الفقهية في هذا، ومنه:
ـ ما جاء في (المحلى) لابن حزم 7/ 70: «ولمن جاء على طريق اليمن منها أو من جميع البلاد يلملم، وهو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً».
ـ وفي (الروض المربع) للبهوتي «وميقات أهل اليمن يلملم، بينه وبين مكة ليلتان».
ـ وفي (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة) 1/ 640: «والميقات لاهل اليمن والهند يلملم ـ بفتح اللامين وسكون الميم بينهما ـ وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة».
ـ وفي (فقه السنة) لسيد سابق: «وميقات أهل اليمن يلملم، جبل يقع جنوب مكة، بينه وبينها 54 كيلومتراً.
ـ وفي (التحقيق والإيضاح) لابن باز: «الرابع يلملم وهو ميقات أهل اليمن».
نعم، يستثنى من هذه الملاحظة الإمام الشافعي فقد تنبه لذلك، وكانت عبارته وافية بالمطلوب، وشاملة لطرق اليمن جميعها.
وقد يرجع هذا إلى أنه ابن مكة، فهو أعرف من سواه بالطرق المؤدية إليها، قال في (الأُم) 1/ 152 ـ 153: «وإن قوله (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) إنما هو لأنهم يخرجون من بلادهم وقد يكون ذو الحليفة طريقهم وأول ميقات يمرون به».
وقوله: «(وأهل الشام من الجحفة) لأنهم يخرجون من بلادهم والجحفة طريقهم وأول ميقات يمرون به، ليست المدينة ولا ذو الحليفة طريقهم، إلا أن يعرجوا إليها.
وكذلك قوله في أهل نجد اليمن، لأن كل واحد منهم خارج من بلده، وكذلك أول ميقات يمرون به.
وفيه معنى آخر أن أهل نجد اليمن يمرون بقرن، فلما كانت طريقهم لم يكلفوا أن يأتوا يلملم، وإنما ميقات يلملم لأهل غور اليمن وتهامتها ممن هي طريقهم».
ـ وهنا ملاحظة ثانية هي أن تقدير المسافة بين يلملم ومكة بـ (54 كم) أو (94 كم) لا تصدق على الطريق السالك بينها في عصرنا هذا، وإنما المراد بها الطريق القديم الذي يمر بيلملم مباشرة قبل اندثاره.
ولأن المناسك والكتب الفقهية التي ذكرت فيها هذه التقديرات لفقهاء معاصرين كان ينبغي لهم تقدير المسافة وفق واقعها الحاضر.
والواقع الحاضر هو أن المسافة بين مكة المكرمة وموضع المحاذاة تتراوح بين 100 كم و126 كم ـ كما تقدم ـ ، ومن موضع المحاذاة إلى جبل يلملم في مركز يلملم (الوَدْيان) حوالي 50 كم.
ولهذا لا بد من ذكر الطرق الراهنة السالكة إلى مكة من اليمن وتهامة لأضعها بين يدي الفقهاء الأجلاء للإفادة منها في مجال الإفتاء، وهي:

وبعد هذه التطوافة العلمية لا بد من التلميح للترويح بتطوافة أدبية نذكر فيها بعض الشعر العربي الذي ورد فيه ذكر يلملم، فقد تغنى الشعراء العرب به مثله مثل المعالم والمعاهد العربية الأخرى … ومنه:
ـ قول أبي دَهْبَل وهب بن زمعة الجمحي (ت 63هـ) يصف ناقة له «لم يكن في زمانها أسير منها ولا أحسن»([162]):
خرجتُ بها من بطن مكة بعدما
أصات المنادي للصلاة وأعتما
فما نام من راعٍ ولا ارتد سامر
من الليل حتى جاوزتْ بي يلملما
وما ذرَّ قرن الشمس حتى تبينت
بعُليبَ نخلاً مشرفاً ومخيّما
ومرّتْ ببطن الليث تهوي كأنما
تبادر بالإصباح نهباً مقسّما
وجازت على البزواء والليل كاسر
جناحيه بالزواء ورداً وأدهما
فقلت لها قد تعتِ غير ذميمة
وأصبح وادي البِرْك غيثاً مديما
ـ قول سلمى بن المقعد:
ولقد نزعنا من مجالس نخلة
فنجيزُ من حُثُنٍ بياضَ ألملما
ـ قول طُفيل:
وسلهبة تنضو الجياد كأنها
رداة تدلت من صخور يلملم
ـ قول ابن مُقبل:
تداعي عنوداً في الرداة كأنها
سهيل بدا في عارض من يلملما
ـ قول السيد جعفر الحلي:
والليل يشهد لي بأني ساهر
إن طاب للناس الرقاد وهوموا
من قرحة لو أنها بيلملم
نسفت جوانبه وساخ يلملم
ـ وقول شاعر الحجازيات الشريف الرضي من قصيدة له في رثاء والده الحسين الموسوي المتوفى سنة 400هـ والتي مطلعها:
وسمتك حالية الربيع المرهم
وسقتك ساقية الغمام المرزم
* * *
ملأ الزمان منائحاً وجرائحاً
خَبَطاً ببؤسى في الرجال وأنعم
واستخدم الأيام في أوطاره
فبلغن أبعد غاية المستخدم
اليوم أغمدتُ المهندَ في الثرى
ودفنتُ هَضْبَ متالعٍ ويلملم
ـ وقوله الآخر:
إني وإن ضرب الحجابُ بطوده
أو حال دونك يذبلٌ ويلملمُ
لأراك في مرآة جودك مثلما
يلقى العيانَ الناظر المتوسم
ـ ومن قصيدة يهنئ بها الوزير أبا منصور محمد بن الحسن بالمهرجان سنة 378هـ:
إلى كم تَصبّاني الغواني وبينها
وبيني عفاف مثلُ طود يلملم
اليمن([163])
ـ 1 ـ
على مساحة تتجاوز نصف مليون كيلومتر مربع في جنوب الجزيرة العربية، حيث البحر الأحمر وبحر العرب وبينهما باب المندب، أحد أهم المضائق الاستراتيجية في العالم تقوم اليمن.
وإذا كان النفط هو القاسم المشترك، على صعيد الموارد الأولية، بين اليمن وبعض جيرانه، فإن الزراعة هي المورد التقليدي الذي تميّزت به البلاد اليمنية، منذ سد مأرب، وما كان يعرف باليمن السعيد.
ولا يزال القطاع الزراعي محافظاً على أهميته في الاقتصاد اليمني، على رغم أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة لا تتجاوز سبعة في المئة من إجمالي مساحة الجمهورية اليمنية، وأن المستغل منها في شكل دائم لا يتجاوز 2 في المئة. ويساهم القطاع الزراعي في نحو خمس الناتج الإجمالي. وخلال الأعوام 1980 ـ 1986 كانت نسبة العمالة في الزراعة 55 في المئة من إجمالي قوة العمل بيد أن أزمة الأمن الغذائي في البلاد ما زالت تتفاقم، ويعزى ذلك إلى الفارق بين وتائر نمو الطلب ونمو الإنتاج الزراعي المحلي. وفي مؤشرات الفترة 1966 ـ 1976 يتضح أن معدل النمو السكاني في اليمن كان 3 في المئة، ومعدل الإنتاج الغذائي 4 في المئة، في حين زاد معدل الطلب على الغذاء 3,9 في المئة ومعدل الإنفاق على استيراد المواد الغذائية 124 في المئة في عائدات التصدير المخصصة لاستيراد الغذاء.
وعلى مستوى القطاع النفطي، يمكن النظر كعامل قوة للدولة اليمنية بالمعايير المادية والسياسية معاً.
فقبل إنجاز الوحدة، حين ظهر النفط في الشطر الشمالي، تساءل الكثيرون هل هذا الحدث سيقرب هدف تحقيق الوحدة اليمنية أو لا؟ وفي البدء بدا كأن النفط سوف يساعد على الابتعاد عن الوحدة، باعتبار أن الشمال أضحت لديه ثروة نفطية. ولكن بعدما تم اكتشاف النفط في الجنوب، وثبت وجود احتياط نفطي كبير هناك حدث التوازن بين الشطرين، وبدا إمكان التوازن المستقبلي مع الجيران وارداً.
مشهد من حاضرة يمنية
وبدا الخوف على هذه الثروة وأراضيها في الداخل والأطراف قائماً لدى النظامين السياسيين في صنعاء وعدن([164])، الأمر الذي دفع نحو المزيد من السعي الوحدوي. وهكذا، حينما تم التواصل إلى اتفاق تعز وصنعاء في نيسان وأيار 1988، كان من أبرز نتائجهما الاتفاق على عملية الاستثمار المشترك للثروات الطبيعية في كل من محافظتي مأرب وشبوة.
ويقدر الاحتياط المؤكد من النفط اليمني بنحو 14 مليار برميل، ويصل الإنتاج إلى 350 ألف برميل يومياً وفي تصريح لرئيس الجمهورية اليمنية علي عبد الله صالح في شهر شباط سنة 1996 قال فيه: ينبغي أن لا نخدع بالدعايات المضللة عن عائدات النفط، فالذي نستخرجه يعتبر كميات متواضعة تصل إلى 350 ألف برميل يومياً نستهلك منها 70 ألف برميل والبقية تتوزع بين الشركات والحكومة، ولا يتجاوز دخل اليمن سنوياً من النفط 570 مليون دولار يدفع منها 500 مليون دولار لدعم القمح والدقيق وتغطية مشتريات قطع الغيار والأدوية ودعم الصحة والتربية والتعليم. ويقدر احتياط الغاز الطبيعي بمعدل 5 ملايين طن سنوياً.
ويقدر عدد الشركات العاملة حالياً في قطاع النفط والغاز بنحو 30 شركة، إضافة الى 60 شركة في مجال الخدمات النفطية.
وعلى رغم الآفاق الواعدة لمستقبل اليمن النفطي، فإنه يصعب القول إن اليمن سيصبح دولة نفطية على المدى القريب، أو أن انضمامه إلى نادي الأغنياء العرب بات وشيكاً، ذلك أن الاستثمارات في حقلي النفط والغاز تقوم بها الشركات الأجنبية على أساس تقاسم الإنتاج. كما أن البنية التحتية في البلاد تعاني تخلفاً ملحوظاً، والدخل الفردي فيها من أقل المعدلات في العالم.
في العام 1981 أنجزت اللجنة الدستورية المشتركة للشطرين الشمالي والجنوبي دستور الجمهورية اليمنية وأقر هذا الدستور وتمت المصادقة عليه في اتفاق عدن الموقع في الثلاثين من تشرين الثاني 1989.
وفي أسس الدولة، نص الدستور على أن الجمهورية اليمنية دولة مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، وأن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع (المواد 1، 2، 3).
وفي نظام الرئاسة، نص الدستور على أن رئاسة الجمهورية اليمنية يمارسها مجلس الرئاسة عقب انتخابه رئيساً له من بين أعضائه لمدة خمس سنوات هي المدة الدستورية للمجلس (المواد 82، 84، 87).
ولم ينص الدستور صراحة على حق تأليف الأحزاب السياسية، بيد أنه أوضح أن للمواطنين في عموم الجمهورية ـ بما لا يتعارض مع الدستور ـ الحق في تنظيم أنفسهم سياسياً ومهنياً وتقنياً، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية، بما يخدم أهداف الدستور، وتضمن الدولة هذا الحق (المادة 39).
بيد أن قيام مناخ سياسي تعددي في اليمن، لم يعن، حتى الآن، الانتقال من سيادة الولاءات التحتية إلى المجتمع المدني.
إن الطبيعة القبلية ما زالت سمة عامة للحياة الاجتماعية في اليمن. ولا تستثني الأنماط القبلية للحياة سوى فئات محدودة من المجتمع. وهناك ثلاثة تجمعات أساسية يتألف منها التكوين القبلي لليمن. هي حاشد وبكيل ومذحج.
وقد أسقط الوضع القبلي نفسه على معظم أوجه الحياة في اليمن، بما في ذلك جوانبها الاقتصادية والسياسية. وفي قمة الهرم السياسي في البلاد نجد أن مجلس الرئاسة اليمني قد أخذ في تشكيلته الاعتبارات القبلية، وما يصاحبها من اعتبارات مذهبية ومناطقية.
وحتى اليوم، ليس في البلاد برامج جدية لصهر التكوينات القبلية وصولاً إلى المجتمع المدني الحديث. وفي الشمال يبدو الطابع القبلي أكثر بروزاً وتجلياً.
لمحةٌ تاريخيةٌ سريعةٌ
عن بلادِ العرب الجنوبيةِ ولغاتِها
يُقصد باللغات العربية الجنوبية لغات بلاد اليمن وعُمان. وكانت اليمن المعروفة ببلاد العرب السعيدة عند اليونان غنيَّة بثرواتها الزراعية والطبيعية. لذلك عرفت الشعوب القاطنة فيها استقراراً اقتصاديًّا وتقدماً اجتماعيًّا نظراً لممارستها الأعمال الزراعية وتنظيم الري وتطوير بعض الصناعات وإقامة علاقات تجارية مهمة بين بلاد الهند والدول الكبرى في تلك الحقبة من الزمن، مثل مصر والدولة الآرامية واليونانية وغيرها من دول تناوبت الريادة في المنطقة الشمالية ـ الغربية، والشمالية ـ الشرقية من شبه الجزيرة العربية. وقد دلَّت الاكتشافات والآثار على حضارة اليمن وعلى لغتها التي تعود بأصولها إلى العربية الأولى والتي تختلف كثيراً عن العربية الإسلامية (الفصحى) أو عن عربيتنا الحديثة، ورغم ضياع العديد من الآثار وتهديم عدد كبير من النقوش واستخدام الحجارة الأثرية في البناء فإن ما وصلَنا يكفي لإعطاء لمحة تاريخية سريعة عن بلاد اليمن ولغاتها في حقبة متوسطة من التاريخ القديم.
فالكتابة اليمنية أتت واضحة تعبِّر عن تكوّن الهجاء الصوتي، فقد عرف الجنوبيون من العرب في هذه الفترة الحروف التي كانت ترمز للاصوات الساكنة. وواضح أن هؤلاء اليمنيين كانوا على علاقة بالشعوب المجاورة، فلا غرابة إذا كانت الكتابة الجنوبية على علاقة بالكتابة الفينيقية. لكن هذه الكتابة الجنوبية كانت تمتلك مميزات شكلية مختلفة كما هو شأن العربية اليوم في خطها المتميز عن الكتابة الفينيقية والكتابة العربية الجنوبية. لكن هذه التميّز لا ينفي المبدأ الأساسي الذي أُخذ من الفينيقية.
ويقسم المؤرّخون الدول التي قامت في بلاد اليمن إلى ما يلي:
الدولة المعينية: وقد نشأت حوالي 1300 ق.م. واستمرَّت إلى حوالي 630 ق.م. وقد ذكر إسترابون أن عاصمة هذه الدولة كانت مدينة «قرنا» Karna.
وبعد اكتشافات كل من جوزيف هاليفي وجلازر وجوسن ومولر وغيرهم تمَّت معرفة العدد الكبير من ملوك هذه الدولة الذين كانوا يلقِّبون بلقب «يطوع» ويعني المخلص ولقب «صدوق» يعني العادل ولقب «ريام» المضيء و«فرود» المقدس و«كبر» العظيم الكبير.
الدولة القتبانية: عايشت الدولة المعينية ويمكن إرجاع تأسيسها إلى الألف الثاني قبل الميلاد، كالدولة المعينية، واستمرَّت حتى نهاية الفترة التاريخية قبل الميلاد اي حوالي 25ق.م. ويرجّح أن عاصمة هذه الدولة كانت تمنع.
دولة حضرموت: وقد عاصرت دولة معين وسبأ وقتبان، وقد دخلت في الفترة الحِميرية. ولذلك اعتبر الحضارمة من العرب العاربة، ومن أهم مدنها القديمة: «مضيعة» ومن المعتقد أنها كانت العاصمة القديمة، ثم مدينة «شبوة» Sbota (عند الكتّاب اليونان والرومان). وقد عُثر على بقايا سدود في شبوة كانت مبنية لحصر مياه الأمطار والإفادة منها في ريّ المناطق المجاورة.
الدولة السبئية: وقد تأسَّست حوالي 800ق.م. واستمرت حتى 115ق.م. وجاء ذكرها في نقوش آشورية وفي التوراة والقرآن الكريم (سورة النمل). ومن أهم مدنها صرواح ومأرب. وقد أطلق عليها فيليب حتي اسم فينيقيا البحر الجنوبي. وقد عرف السبئيون تطوُّراً حضاريًّا مهماً خصوصاً في تنظيم الزراعة. وعرفوا كذلك الكتابة وخلَّفوا نقوشاً هامة تدلّ على لمحات من تاريخ المنطقة.
ومن الجدير بالذكر:
أولاً: أن تاريخ هذه الدول الأربع مترابط بحيث كان نفوذ الدولة في مراحل قوتها يشمل الدول الأخرى وفي حالة الضعف كانت تخضع بدورها لدولة ثانية، وهذا الواقع يؤكد وحدة العنصر البشري وانتماءه.
ثانياً: ن جميع هذه الدول اعتمدت التطوُّر الزراعي فنظِّمت عملية الري بشكل ممتاز. حتى أن اليمن الحديث قد يحسد اليمن القديم على هذا التنظيم الرائع لمشاريع الري المنتجة.
ثالثاً: جميع هذه الدول لعبت دوراً تجاريًّا مهماً في المنطقة وكانت على صلات تجارية وثقافية وحضارية مع دول العالم الأساسية من بلاد الهند وأشور وكنعان ومصر القديمة وبلاد اليونان.
رابعاً: توزعت هذه الدول على كلِّ المنطقة المعروفة اليوم من أقصى اليمن الشمالي شمالاً وعلى امتداد البحر الأحمر حتى جبال عُمان على الخليج العربي، ولم يكن لها حدود معيَّنة باتجاه الصحراء والواحات الواقعة داخل شبه الجزيرة العربية بحيث كانت رقعة الدولة تتسع وتضيق حسب الظروف المناخية والاقتصادية والسياسية.
خامساً: كان سكان هذه الدول في معظمهم من أصول عربية تعود إلى العرب الأصليين الجنوبيين أو إلى عرب الصحراء الداخلية أو إلى المهاجرين من الأطراف الشمالية من بلاد أشور وكنعان ومصر بصورة الهجرة العكسية. لذلك لا يجوز فصل دراسة التركيب الجنسي والعرقي لهذه الشعوب عن الأصل العرقي للشعوب الشمالية. وينعكس الترابط ليس فقط في الملامح العرقية وإنما في الطبيعة اللغوية والفكرية.
سادساً: إن لغات هذه الشعوب كانت متقاربة ومتشابهة، وكذلك الحال مع كتابتها رغم اكتناف الغموض المراحل السابقة، أي المراحل ما بين خمسة آلاف وألفين قبل الميلاد، حيث يلاحظ أن معظم الحضارات الشمالية الغربية والشمالية الشرقية في شبه الجزيرة العربية أخذت تتكوَّن بين الألف الخامس والألف الثالث قبل الميلاد. أي أنه في غضون ألفي سنة كانت قد وُضعت أسس الحضارات الشمالية في بلاد أشور وكنعان ومصر، ففي هذه الفترة التاريخية المهمّة من تطور الحضارة الإنسانية نرى أن عرب الجنوب لم يكن لهم ذكر معيّن. وفي تصوُّرنا أن الهجرات السابقة التي نشأت جنوبية قضت على التجمع البشري، بحيث تبقَّى عدد قليل من السكان بعد خراب مدمّر حصل في جنوبي الجزيرة العربية وبصورة خاصة في وسطها. وفي اعتقادنا أن هذه المرحلة قد ترجع إلى أكثر من عشرة آلاف سنة. وعلى هذا الاساس نعتقد بأن التجمع البشري في الجنوب نشأ مؤخراً على أساس الهجرات العكسية وعلى أساس النمو البطيء لما تبقَّى في جنوبي الجزيرة العربية من تجمعات بشرية قليلة.
كتابة ثمودية
وتحتاج هذه التصوُّرات إلى تأكيدات علمية عبر الاكتشافات والدراسات الجيولوجية المساعِدة.
الدولة الحِميرية: 151ق.م. ـ 525م. وتنقسم إلى مرحلتين: الأولى وتمتد من 115ق.م. تقريباً وحتى 300 ميلادية. ومن الواضح أن هذه الدولة وحَّدت أراضي الدول العربية الجنوبية وسلطة ملوك سبأ وذي ريدان. وواضح من مراجعة التاريخ القديم بأن هذه الدولة كانت محطّ أنظار الدولة الرومانية، وقد حاول الرومان السيطرة على الطرق البحرية الموصلة إلى الهند، لكنهم لم يستطيعوا إخضاع العرب الجنوبيين آنذاك.
وفي ظل الدولة الحِميرية الثانية (ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت) عرفت بلاد اليمن مرحلة تاريخية جديدة اكتنف الغموض جوانب أساسية منها وخصوصاً ما يتعلَّق بالتدهور السريع لهذه الحضارة القوية والغزوات التي تعرَّضت لها، وربما النكبات الطبيعية. وفي هذه المرحلة وقعت هذه البلاد تحت سيطرة الأحباش بعد احتلالها.
الحبشة: لقد أقام العرب الجنوبيون مستعمرات لهم على شواطئ الحبشة من الجنوب وباتجاه الشمال وانتقل قسم كبير منهم إلى هذه المناطق وأقام فيها في فترات تاريخية سحيقة، وقد فعل اليمنيون تماماً كما فعل الفينيقيون في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط.
إن هذه الهجرة العربية إلى إفريقيا الشرقية انعكست فيما بعد على الناحية العرقية فاختلط العرب بالأحباش والعكس، وانتقلت اللغة العربية الجنوبية إلى الحبشة لتكوِّن فيما بعد مع اللغات المحلية اللغة الإثيوبية القديمة التي تعود بأصلها الأساسي إلى العربية القديمة عبر عربية الجنوب.
الحرف الحبشي
الدكتور محمد قدوح

اليمن
ـ 2 ـ
تقع اليمن في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية. وهي كما حددها جغرافيو العرب، تشمل:
1 ـ مناطق عسير ونجران، وهما تتبعان اليوم ما سمي بالمملكة العربية السعودية.
2 ـ ما أطلق عليه اسم الجمهورية العربية اليمنية. وهو اليمن الشمالي.
3 ـ ما كان يطلق عليه اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهو اليمن الجنوبي. وتتألف مساحة القسم الثالث من حوالي 112 ألف ميل مربع، وكان يضم قبل الاستقلال 24 إمارة ومشيخة وسلطنة، تشكل من 14 منها ما سمي باسم اتحاد الجنوب وبعد الاستقلال انصهر الاتحاد وغيره في ست محافظات تحمل أرقاماً دون اسماء.
ومما يذكر أن المحافظة الثانية قامت مكان تسع سلطنات سابقة هي: لحج والصبيحة والضالع والشعيب والحواشب والعلوي وردفان والمفلحي وحالمين. وأصبح مركزها (الحوطة).
وقد جلت القوات البريطانية عن هذا القسم سنة 1968.
من تاريخ اليمن القديم
الممالك اليمنية التي جاءت في كتب التاريخ خمس ممالك باستثناء بعض الإمارات كإمارة (جبا) التي عاصرت مملكة قتبان وقامت في جنوبها الغربي. وإمارة (سمعى) التي عاصرت مملكة سبأ وقامت غربي صنعاء.
وإمارة (بني مراثد) التي عاصرت الدولة الحميرية في عمران والبون، وإمارة (أربع) أو (أربعن) في همدان. ولا تزال المعلومات عن هذه الإمارات غامضة.
والممالك الخمس هي:
1 ـ مملكة معين، وقد بدأت من القرن الرابع عشر قبل الميلاد وانتهت عام 850 قبل الميلاد بقيام مملكة سبأ. وكان لها عاصمتان: (قرناو) و(معين).
2 ـ مملكة حضرموت وقد بدأت عام 1020ق.م. وانتتهت عام 65 ق.م. عندما تغلبت عليها مملكة سبأ. وكانت عاصمتها (شبوة).
3 ـ مملكة سبأ وقد بدأت عام 850ق.م. وانتهت عام 115ق.م. بقيام مملكة سبأ وريدان الحميرية، وكان لها عاصمتان: الأولى (صرواح) والثانية (مأرب).
4 ـ مملكة (قتبان) وقد بدأت سنة 865ق.م. وانتهت سنة 540ق.م. عندما تغلبت عليها مملكة سبأ، وكانت عاصتها (تمنع).
5 ـ مملكة سبأ وريدان وحضرموت ويمنات وتسمى دولة (التبابعة)، وقد بدأت سنة 115ق.م. وانتهت سنة 523ب.م. وكانت عاصمتها ظفار.
اليهودية والنصرانية في اليمن
في عام 70 ميلادية كان اليهود قد نزحوا من فلسطين بعد أن دمرها الإمبراطور الروماني (تيتوس) Titus وحطم هيكل أورشليم فتفرقوا في الأقطار، ووجد بعضهم في اليمن بلداً آمناً يأوون إليه ومكاناً حصيناً يقيمون فيه، وبعد مضي برهة من الزمن تمكنوا من السيطرة على مرافق اليمن التجارية مما ساعدهم على نشر الدين اليهودي في اليمن. وكان أول من اعتنقه هو الملك أسعد الكامل ثم من بعده ذو نواس، وهو آخر الملوك الكبار لدولة حِمير.
من معالم اليمن التراثية
وقد أدى تعصب «ذو نواس» ـ الذي سمى نفسه يوسف ـ للدين اليهودي إلى إيقاعه بنصارى نجران في قصة الأخدود المعروفة وذلك بعد أن شكى إليه يهود نجران غلبة النصارى إثر نشوب فتنة بين الجانبين، فنهض يوسف ذو نواس إلى نجران في سنة 523م، وحفر الأخدود، وأضرم فيه النار وخيَّر النصارى بين الرجوع عن دينهم أو إلقائِهم في الأخدود، فأبى الكثير منهم عن الرجوع عن دينهم فأحرقهم.
لقد كان هذا الفعل الفظيع مثاراً لاستنكار معتنقي دين النصرانية في أوروبا والحبشة أصبحت بعده اليمن مسرحاً للنزاع والحروب بين اليهودية ـ وعلى رأسها يوسف ذو نواس ـ وبين المسيحية ـ ومن ورائها قيصر الروم ونجاشي الحبشة ـ فقد وجه (مار شمعون) أسقف بيت أرشام رسالة نداء إلى الأساقفة، وبالأخص أساقفة الروم والحبشة دعاهم فيها إلى مناصرة إخوانهم في الدين، كما غضب لهذا الحادث ملك الروم أيضاً، فكتب إلى نجاشي الحبشة وهو على دين النصرانية أن يجرد حملة عسكرية من جهته للقضاء على يوسف ذو نواس وأتباعه من اليهود في اليمن، فأرسل النجاشي قوة كبيرة تتكون من أربعة آلاف جندي بقيادة (أرياط) وجرت بين الفريقين معارك دامية كانت الغلبة في نهايتها للأحباش مما اضطر يوسف ذو نواس إلى إلقاء نفسه في البحر، وهكذا انتهت دولة الحميريين واستولى الأحباش على اليمن عام 525م، وفي هذه الآونة قام أبرهة بن الصباح الأشرم ـ وكان أحد قواد جيش النجاشي ـ بثورة ضد النجاشي في اليمن بأن قتل القائد أرياط ـ وكان قد حكم اليمن خمسة عشر عاماً كما تقدم ـ ودعى نفسه ملكاً على البلاد، وعمل على تنصيرها، وهو الذي بنى كاتدرائية (القليس) بصنعاء والمعروفة الآن بـ (غرفة القليس) وأرغم الناس بالحج إليها بدلاً عن البيت الحرام، وهو صاحب قصة الفيل المعروفة في القرآن، وكان متحمساً للنصرانية، وقد بنى بيعة في مأرب وقد دام حكمه على اليمن 32 عاماً، ثم خلفه ولده (يبكسوم)
فتح معبد الشمس «عرش بلقيس» أمام الزوار بعد الترميم

لمدة تسعة عشر عاماً، ثم ابنه الآخر (مسروق)، ولبث 12 عاماً، وكانت صنعاء عاصمة لهم وقد انتهى حكم (مسروق بن أبرهة) عام 599م عندما قام سيف بن ذي يزن بثورته المشهورة ضد الأحباش.
جلاء الأحباش الأخير:
لقد دام الاحتلال الحبشي لليمن حوالي أربعة وسبعين عاماً كانت اليمن فيها مسرحاً لحروب طاحنة بين أقيال اليمن وقوات الاحتلال الحبشي، وبالرغم من قوات الأحباش المتدفقة على اليمن فقد استمر من بقي من الأقيال في مناضلتهم وقتالهم بعزائم ثابتة وبسالة عظيمة، فقد جاء في نفس أبرهة ذكر بعض التحركات التي قام بها اليزنيون. وكان سيف بن ذي يزن النعمان بن عفير أحد سلالة ملوك حمير، وكان أبوه النعمان بن عفير اليزني قد ثبت على جزءٍ صغير من اليمن بعد يوسف ذي نواس، ثم بعد موت أبيه النعمان تمكن الأحباش من انتزاع الملك من يده، فاضطره ذلك إلى السفر إلى كسرى أنو شيروان ملك فارس طالباً منه النجدة على طرد الأحباش واستعادة ملك آبائه وأجداده، فأجابه كسرى إلى مطلوبه وأمده بالقوة والمال، وبعث معه القائد (وهرز) على رأس قوة كبيرة ووقعت معارك بينه وبين قوات الأحباش بقيادة مسروق بن أبرهة، ولقي سيف بن ذي يزن تأييداً كبيراً من أهل اليمن أعانه على هزم قوات الأحباش بعد أن قتل مسروق في إحدى المعارك، وتولى سيف أمر اليمن من قبل كسرى فارس، ووفدت إليه الوفود العربية، وكان ممن وفد إليه وفد مكة وفي مقدمتهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك قبل مبعث النبي الكريم العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يقرب من عشرين عاماً.
ثم ولي بعد موت سيف بن ذي يزن المرزبان بن وهرز الفارسي كعامل من قبل كسرى، ثم التيجان بن المرزبان، ثم خسرو بن التيجان، ثم (باذان) وقد بقي الأخير والياً على اليمن حتى جاءت البعثة الإسلامية في عام 622م ودخل مع أهل اليمن في الإسلام.
تقسيم اليمن
واليمن من حيث تكوينها الطبيعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم جبلي يشغل أكبر مساحة في البلاد وهو في الوسط شرقي تهامة. وقسم سهلي يعرف باسم تهامة. لا تزيد مساحته على ربع مساحة البلاد، ويقع على ساحل البحر الأحمر. وقسم صحراوي يعرف باسم (الجوف) ([165]) يقع في الداخل شرقي الجبال، ويمضي ممتداً شرقاً نحو حضرموت.
وجبال اليمن تتدرج في الارتفاع حتى لتبلغ الألف متر ثم تمضي وتتعالى حتى تبلغ في أعلى القمم ثلاثة آلاف وخمسمائة متر. وهذه الجبال هي امتداد جبال السراة القادمة من شمال الحجاز حتى جنوب اليمن، وكان من فضلها على اليمن أنها نأت به عن جو خط الاستواء بعد أن أدناه الموقع منه، فعاد اليمن الجبلي معتدل المناخ صيفاً وإن برد واشتد برده شتاء ولا يزيد معدل الحرارة بصنعاء في السنة على 28 درجة مئوية، بل يمكن القول إن

المعدل لها يتراوح بين 27 إلى 28 درجة، الرطوبة تتأرجح فيها بين 60 و20 درجة.
ويفيض السائحون في الحديث عن جمال جبال اليمن فيصورونها على أنها من أروع الجبال منظراً وأتعبها مرتقى، ويمثلونها أخاذة المشاهد سواء بقممها التي تناطح السحاب علواً وامتداداً، أو بمزارعها المعلقة التي تنتشر على ما يشبه القناطر والجسور بتنسيق رائع الحسن.
وهنالك على تلك الجبال تقوم هذه المدن: صنعاء، وعمران، ورضوان، وكوبان([166])، وذمار وغيرها.
وسهول اليمن هي سواحل البحر الأحمر تتراوح في العرض ما بين ستين إلى سبعين كيلومتراً ما عدا سهول الحديدة التي يتراوح العرض فيها ما بين الأربعة عشر كيلومتراً إلى العشرين وهي كثيرة الجزائر المرجانية، وتعرف هذه السهول بخصب التربة وهي برار منبسطة تتخللها الرمال والكثبان وتشتد الحرارة فيها صيفاً فتتراوح بين 41 و43 درجة مئوية وقد تصل أحياناً في الظل إلى الخمسين درجة، أما الشتاء في تهامة فدافئ لذيذ جميل لا تنخفض فيه درجة الحرارة عن 21 درجة مئوية.
وفي تهامة على تلك السهول الساحلية تقوم المدن الآتية: الحديدة مرفأ اليمن الأكبر، وباجل وزبيد([167]) وبيت الفقيه([168]) والمخا وغيرها.
والصحراء (الجوف) هي في الداخل شرقي الجبال تمتد وتمضي ممعنة في امتدادها نحو حضرموت وهي برار واسعة ومفازات رحبة كانت أيام سبأ وحمير غناء عامرة ثم عدا عليها الزمن فعادت مقفرة إلا في القليل منها.
والجوف حار ولكن هواءه جاف غير مؤذ وفيه المدن الآتية: مأرب وشبوة([169]) والبيضاء([170]) وحرب وغيرها.
بلاد البن
كتبت الكاتبة الأوروبية (جاكلين بيرين) في كتابها (اكتشاف جزيرة العرب) ما تعريبه عن اللغة الفرنسية:
كانت الجزيرة العربية طوال عصور عديدة بلد الطيوب والعطور، وساحل الطريق البحرية إلى بلاد الهند، إلا أنها غدت في القرن الثامن عشر، لمدة طويلة، بلاد البن.
ولا شيء يعطي فكرة عما كانت عليه بلاد العرب آنئذٍ، وما كانت تمثله للأوروبيين، أفضل من الفكرة التي أعطاها الكتيب المسمى «رحلة إلى العربية السعيدة» الذي وضعه دي لاروك النبيل الفرنسي، المشبع بروح التطلع والموضوعية والنقد، واختيار الأحسن، التي اتصف بها واضعوا الموسوعات في ذلك العصر.
لقد تمكن دي لاروك من جمع الرسائل والكتب التي خطها بحارة سان مالو الذين كانوا قد قاموا برحلة إلى اليمن في سنتين 1708 و1710 أولاً، ثم في سنتي 1711 و1713 فنشرها بشكل رسائل. ولم يكن أولئك البريطانيون قد ركبوا البحار إلى تلك البلاد النائية إلا سعياً وراء البن الذي كان مبتغاهم الوحيد في تينك الرحلتين.
لقد اهتم الطبيب الجراح ـ على ظهر إحدى تلك السفن، وكان قوي الملاحظة، عالماً في الطبيعيات ـ بقضاء أوقات فراغه على اليابسة للحصول على معلومات عن زراعة تلك الشجرة الثمينة وتصويرها. وقد نشر دي لاروك هذه المعلومات بشكل بحث صغير، وأهاب به فضوله من جهة أخرى، إلى جمع كل ما أمكنه جمعه من المعلومات والكتب عن البن. فتفحص بعين الناقد المدقق كل الأبحاث التي كتبت في الموضوع، ولزم ـ بنوع خاص ـ جانب الكتاب الذي كان قد وضعه السيد دي غالند نقلاً عن كتابين عربيين وضعا في الموضوع، في ذلك الوقت.
وكان دي لاروك ابن رحالة كبير من مرسيليا جاء بالبن إلى فرنسا لاستعماله الخاص منذ سنة 1644، كما كان باريسي الأصل متضلعاً من تاريخ مدينته، فأضاف إلى كل ما تمكن من جمعه، قصة انتشار البن في فرنسا وفي مدينة باريس. حتى أنه نشر نخبة من القصائد باللاتينية والفرنسية، ولم يأنف ألمع رجال الفكر والأدب من نظمها في مدح «هذا المشروب المفيد» الذي خصه جان سيباستيان باخ نفسه بأحد ألحانه.
لقد شاع استعمال البن إلى درجة رسخ معها في أذهاننا الاعتقاد بأنه كان مستعملاً عندنا منذ أقدم الأزمنة، وشق علينا التصديق بأن استعماله لم ينتشر في بلاد الشرق إلا منذ أربعة قرون خلت، في حين أنه لم يمض على استعماله في بلاد أوروبا أكثر من قرنين. ولم نعد نتصور قط الحماسة التي أثارها عبر أوروبا في الشعر الغنائي، ظهور هذا المشروب:
أية لذة تعدل لذتك
حين تُعدّك أيد ماهرة
تكفي رائحتك لامتلاك
من لم يختبروا سحرك
أيها المشروب الذي أحب
سدْ وسِل في كل مكان
واطرد الكوثر نفسه
من موائد الآلهة
أعلن الحرب أبداً
على عصير بنت الكرمة الفتان
وأذق الأرض
هدوء السماء اللذيذ([171])
ولكننا ما زلنا لا نعرف إلا القليل من المعارك الحامية الوطيس التي نجمت عن ظهور البن، بين عشاقه ورجال الدين، في الشرق والغرب على السواء.
تذكر الأساطير أن بعض الرعاة هم الذين اكتشفوا مزايا شجيرة البن، إذ أحسوا أن ماعزهم الذي رعاها، أخذ يقفز مرحاً، نشيطاً، مبدياً علامات الجذل والغبطة. ومهما يكن من أمر، لم ينشأ التعامل التجاري بالبن في أول عهده في بلاد الحبشة حيث تنمو شجيراته من تلقاء نفسها، بل في جنوبي الجزيرة العربية. ويقال إن شيخاً من عدن عمم استعمال البن بين دراويشه بعد أن لاحظ أنه يطرد النعاس، ليسهل عليهم إقامة الصلوات ليلاً. ولم يلبث سكان عدن أن قدروا مزايا هذا المشروب تقديراً أقل روحانية من تقدير شيخهم.
وانتقلت عادة استعماله من عدن إلى مكة حوالي سنة 1500، ثم إلى المدينة والمدن العربية الأخرى، ثم إلى القاهرة. وأنشئ في هذه العواصم، ومن بعد ذلك من القسطنطية، مقاهٍ لشرب القهوة فتحت أبوابها للجميع، وكان الناس يستطيعون، وهم يشربونها، أن يلعبوا بالشطرنج وطاولة النرد.
ولكن انتشار استعمال القهوة لم يتم دون حرب شعواء أعلنها على شاربيها رجال الدين المسلمون الذين رأوا، لما تحدثه من تنبه، أن من الواجب أن تحرم تحريم المسكر. واشتد الجدال الديني في مكة والقاهرة، وأغلقت المقاهي في القسطنطية ثم أعيد فتحها، ولكن رجال الدين خسروا المعركة في نهاية الأمر. فإذا كانت المقاهي قد اغلقت فإن القهوة تربعت على العرش في المنازل، وأصبح إبريق القهوة من أدوات المنزل الضرورية كالدست، وإبريق الوضوء.
وفي ذلك الحين ذاق بعض الرحالين طعم هذا المشروب الأسود في شبه جزيرة العرب، وتعرف إليه بعض الأوروبيين في مصر، وتركيا معاً.
وصل البن إلى البندقية في مطلع القرن السابع عشر، وقد رأينا أن أمستردام عرفته سنة 1633 ومثلها لندن في ذات الوقت على وجه التقريب، وبعد أن أدخل بعض المسافرين عادة استعمال القهوة في منازل أصدقائهم في مرسيليا، أخذ بعض التجار يستوردونها من القاهرة.
وأصبحت مرسيليا وليون ميدان معركة جديدة قامت بسبب القهوة. ولم يكن معلنو الحرب في هذه المرة علماء الدين الإسلامي، بل علماء معهد الطب.
وبلغت المعركة أوجها سنة 1679 حين قدم طبيب شاب أطروحة، بمناسبة تخرجه من معهد الطب، وكان قد طُلب إليه أن يبحث فيما إذا كان استعمال القهوة مضراً بصحة سكان مرسيليا، إلى جانب ثلاثة موضوعات أخرى تتعلق بمسألة القهوة، وقد جزم الطبيب الشاب في أطروحته بأن المواد النافذة التي تكثر في القهوة، قوية النفوذ عظيمة الحركة إلى درجة أنها إذا ما انتشرت في الدم، تنتقل بادئ ذي بدء إلى جميع أجزاء الجسد، ومن هناك، تهاجم الدماغ وبعد أن تذيب كل رطوبة وكل مواد خشنة فيه، تفتح جميع مسامه، وتحول دون وصول الأرواح الحيوانية التي تحدث النوم إلى الدماغ، عندما تأخذ هذه المسام في الانغلاق، ومن ثم تحدث هذه الأجزاء البالغة بما فيها من خواص سهراً عاصياً في غالب الأحيان إلى درجة أن العصارة العصبية التي تعتبر قوتها ضرورية لتجديد الأرواح تنفذ كلياً، فترتخي الأعصاب، وينجم عن ذلك العجز والشلل. وبنشاف الدم الذي سبق له أن أحرق، تُستنزف العصارة من جميع أجزاء الجسم إلى درجة ينحف معها الجسم كله نحافة مخيفة … فيجب الاستنتاج من هذا كله أن القهوة مضرة لمعظم سكان مرسيليا.
ولكن معهد الطب لم يتمكن من حمل سكان مرسيليا على النفور من القهوة التي أصبحت منافسة للخمور في سائر أنحاء فرنسا، على أن هذا التقرير لم يكن خاطئاً كلياً، وقد أدرك ذلك مدمنوها بطريقة أقل تفلسفاً وتحليلاً، ولكن أشد إقناعاً ولا ريب.
إن زيارة أحد السفراء الأتراك لباريس في سنة 1669 هي التي فتحت الباب رسمياً لدخول القهوة إليها، وقد حاول بعض الأرمن والشرقيين، افتتاح محلات لتقديم القهوة فيها، ولكن نوع هذه المحلات لم يجتذب الباريسين. وقد نجح أكثر من هؤلاء باعة القهوة المتجولون في الشوارع.
وفي أواخر القرن السابع عشر فكر الفرنسيون في افتتاح قاعات لشرب القهوة لا عامية ولا عادية بل مزينة بالفرش، والمرايا، واللوحات، والثريات، حيث كان يقدم الشاي والمشروبات الروحية، والحلويات، والمربيات. وكانت تلك الفكرة ممتازة قدّرها الباريسيون قدرها أكثر من المشروب العربي ذاته، لما فيها من سحر المنادمة والمحادثة، فقد غدت المقاهي ملتقى الأشراف من الناس. ويذكر دي لاروك «أن رجال الأدب، والشخصيات المعروفة برزانتها، لم يكونوا يستخفون بهذه المجتمعات المريحة كل الراحة، الملائمة للمناقشات الأدبية والتاريخية في جو من اللهو، دون أي إزعاج أو تكلف» وفي الوقت الذي كتب فيه دي لاروك ما كتبه عن القهوة، كان قد افتتح في باريس ما لا يقل عن ثلاثمائة مقهى. ومن المعلوم ما أصبح لهذه المقاهي من أهمية في تاريخ الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر.
هكذا غدت الحبوب الصغيرة التي تحملها شجيرات البن في اليمن في الأعوام الأولى من القرن الثامن عشر، ليس فقط ذات قيمة بالنسبة إلى أوروبا، بل ضرورية للحفاظ على حقيقة اجتماعية ذات طابع فرنسي، كانت قد دفعت إلى نشأتها.
وكان تجار مرسيليا قد احتفظوا حتى ذلك الحين باحتكار استيراد البن من القاهرة، ولكنهم أخذوا يتساءلون عن سبب عدم إقدامهم على شرائه من اليمن مباشرة.
كانت الثورات العربية قد طردت الأتراك من شبه الجزيرة، ولم يكن قد بقي في أيديهم إلا ميناء جدة، وكانت بلاد اليمن خاضعة لحكم إمام. وما كاد الهدوء يستتب حتى افتتح الهولنديون ثانية وكالة تجارية في (المخا)، بالنظر إلى أن التجارب التي أجروها في زراعة البن في (باتافيا) لم تسفر عن النتائج المرجوة. أما الشركة الإنكليزية للهند الشرقية، فإنها كانت ترسل في كل سنة بعض السفن إلى المخا، وكانت تستورد حمولة سفينة من البن كل سنتين مرة واحدة إلى مدينة لندن.
وقد أسس تجار سانت مالو هم أيضاً شركة لاستيراد البن من منشئه. وهكذا تمت بين سني 1708 ـ 1710 ـ 1711 ـ 1713 الرحلتان اللتان كتب دي لاروك قصتهما. وللرحلة الثانية أهميتها الخاصة في تاريخ اكتشاف شبه جزيرة العرب، لأن القدر كان سيتيح لاثنين من البحارة في تلك الرحلة، سلوك طريق العاصمة، والبقاء فيها وقتاً كافياً للتجول فيها وفي ضواحيها، كضيفين مكرمين قدمت لهما كل واجبات الضيافة.
فقد سأل الملك المصاب بمرض، الفرنسيين اللذين كانوا قد نزلوا إلى ميناء المخا هل بينهم طبيب يستطيع شفاءه من دملين كان مصاباً بهما. فأرسل إليه الجراح الثاني في البعثة، يصحبه أليد دي لاغرولوديير الضابط الأكبر لبحارة السفينة بونديشيري، كمندوب عن فرنسا لدى ملك اليمن. فبَدَآ السير باتجاه العاصمة حاملين الهدايا تخفرهما فصيلة من الخيالة، وعدد من الجمال.
قطعا الطريق في أسرع ما يمكن مارين بمَوْزَع، وتعز، ومنزول، وقبالة، وبريم، وذمار، وكانت هي الطريق التي سبق لدي فارتيما أن سلكها. ولكنهما توقفا على بعد ربع فرسخ من ذمار، لأن الملك الذي كان قد أعيد إلى العرش بفضل الثورة العربية، قد شاد عاصمته هناك، في سهل لطيف من منطقة مؤاب، يزرع فيه الأرز، والقمح، وأشجار الفاكهة، وكروم العنب، إلى جانب البن الذي شاهدوا شجيراته ابتداء من (تعز).
كانت اليمن قد غدت السوق العالمية لتجارة البن. ولم تكن سوق البن تقام في المخا، بل في بيت الفقيه التي كانت تبعد عنها مسيرة يومين، والتي كانت بقلعتها ومساجدها، أكبر من المخا. تقام سوق البن في بقعة تجارية تشمل فناءين كبيرين قامت على جوانبهما أروقة مسقوفة، يأتيها العرب من الريف، حاملين البن في خروج كبيرة من الحصير، يحمل الجمل خرجاً واحداً منها. ويتم شراء البن عن طريق السماسرة البانيانيين … فقد وضع في صدر السوق أريكة يبلغ ارتفاعها أربع أقدام، فرشت بالسجاد يجلس عليها ضباط الجمرك والحاكم نفسه في بعض الأحيان. ويقوم هؤلاء الضباط بتسجيل وزن البن الذي يجري وزنه أمامهم، وثمن البن الذي يتم بيعه ليصار إلى استيفاء حصة الملك منه، ويستخدم الوزانون موازين كبيرة، وعيارات ليست سوى أحجار ضخمة ملفوفة بالقماش … يؤتى بالبن يومياً إلى بيت الفقيه من الجبل الذي لا يبعد عنها أكثر من ثلاثة فراسخ. وفيها يجري شراء كميات البن لحساب تركية ومصر، وتشحن على ظهور الجمال إلى أقرب ميناء، ومنه بحراً إلى جدة التي كانت ما تزال في أيدي الأتراك، ومنها إلى السويس حيث تقوم قوافل الجمال بتوزيعها على جميع أنحاء مصر، أو السفن بنقلها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط الواقعة تحت حكم الأتراك.
لقد لفت نظر هذين الرحالتين طريقة زراعة البن. فذكرا أنه إذا ما زرع على ارتفاع يقل عن ألف متر عن سطح البحر، وجب زرعه تحت نوع من أشجار الحور. أما إذا زرع في أماكن يفوق ارتفاعها ألف متر، وتبلغ أعلى قمم اليمن ثلاثة آلاف متر من الارتفاع، فلا حاجة إلى حمايته. ويجري ريه، وفقاً لمراحل أزهاره، بوساطة حفرة تحفر حول جذوره. ويمكن أن تحمل شجيرة البن في آن واحد أزهاراً، وأثماراً حمراء، وأثماراً جافة، ولكي تجمع الحبوب الجافة. تفرش حصر تحت الشجيرات، وتهز هذه الشجيرات فتتساقط عليها حبوبها الجافة، وأراد لاغرولوديير وباربيه أن يعطيا مواطنيهما فكرة واضحة عن شجبرات البن، فقاما برسم بعض الشجيرات وما عليها من الأزهار، والأثمار الحمراء، والأثمار الجافة. ولكن بعض الباريسسيين، تمكنوا من أن يشهدوا بأم العين شجيرة بن تحمل ثماراً، كان قد جاء بها بعض الهولنديين، وأهدتها مدينة أمستردام إلى الملك لويس الخامس عشر الذي عرضها في حديقة قصره.
لا شك في أن رحلة دي لاغرولوديير وباربيه لم تزد من غنى المعلومات الجغرافية عن جزيرة العرب، لأن الطريق التي سلكاها كان قد سلكها غيرهما من قبل، ولأنهما لم يرسما أي مخطط لها. ولكن الناس كانوا ما يزالون في حاجة إلى الكثير من المعلومات غير المعلومات الجغرافية، ففضل هذين الرجلين كامن في أنهما عاشا مع العرب، مظهرين لهم كل مجاملة واحترام ومحبة.
العثمانيون في اليمن
كانت اليمن من أهداف السلطان سليمان القانوني بعد أن وطد ملكه في البلاد العربية مكملاً خطوات أبيه السلطان سليم ولا شك أن حوافز كثيرة كانت تدعوه إلى الزحف إلى اليمن والاستيلاء عليه فإن موقعه المسيطر على البحر الأحمر والبحر العربي المؤدي إلى الهند يتيح لمن يحتله مزايا جمة لا سيما إذا كان ذا مطامح بعيدة كالسلطان سليمان.
وقد جهز حملة كبيرة جعل قيادتها لسليمان باشا الأرناؤوطي وساقها في البحر من ميناء السويس فوصلت عدن في 3 آب سنة 1538 جاعلة شعارها الظاهري مطاردة البرتغاليين الذين كانوا يعيثون في البحر الأحمر والعربي.
وفي عام 954هـ ـ 1547م زحف الأتراك بقيادة أزدمر باشا إلى صنعاء فقابلهم الإمام شرف الدين وبعد معارك طاحنة استعملوا فيها أشد وسائل التدمير والفتك والإبادة وصلوا صنعاء في 13 ربيع سنة 954 ومن أشهر تلك المعارك معركة (الصافية) ومعركة (باب المنجل) في أرباض صنعاء ورحل شرف الدين إلى كوكبان وترك لولده المطهر ـ الذي كان قد انسحب إلى (تلا) ـ تدبير شؤون القتال، وكان المطهر كفواً لهذا، فبعد أن تمركز في قلعة (تلا) الحصينة أخذ يشن الغارات على الأتراك مما اضطر أزدمر أن يخرج بنفسه إليه بجيشه الجرار ولكن المطهر استطاع بعد معارك دامت أكثر من أربعين يوماً أن يهزم أزدمر وفيالقه.
وكما صمد المطهر لأزدمر صمد كذلك من بعده لرضوان باشا ومراد باشا حتى كانت معركة شعوب على أبواب صنعاء سنة 975 فكانت هي الحاسمة إذ قتل القائد مراد باشا وحوصر الأتراك في صنعاء أياماً معدودة ثم كان جلاؤهم التام عن أرض اليمن ووصل المطهر بنفسه إلى تعز وعدن ودانت له اليمن. كلها ما عدا (زبيد) التي استمات الأتراك في الاحتفاظ بها لتكون لهم ركيزة للمستقبل وقد فشلت جميع الحملات التي جهزها عليها المطهر بقيادة علي بن محمد الشويع.
ولما رأى ذلك المطهر عزم على أن يقصد زبيد بنفسه وبينما هو يتهيأ لذلك علم بأن جيوشاً تركية جرارة تصل بقيادة الوزير سنان باشا وأنها زاحفة إليه من زبيد، ومضت تلك القوى تجتاح في طريقها هدماً وحرقاً وتقتيلاً ونهباً حتى وصلت صنعاء في صفر سنة 977 بعد أن انسحب منها المطهر إلى حصن (تلا).
وأغرى هذا الانسحاب سنان باشا فمضى بقواه الكثيفة في طريق (تلا) ولكنه اضطر للعودة إلى صنعاء بعد ما لقيه من مقاومة عنيفة ألحقت بجيوشه هزائم منكرة.
ولا شك أنه كان لقوة شخصية المطهر وحسن تدبيره أثر كبير في صمود اليمنيين لذلك رأينا الأتراك بعد وفاته عام 980 يمضون في السيطرة على اليمن يوماً بعد يوم دون أن تقوم في وجههم أية حركة حتى عام 1006 حين قام الإمام المنصور القاسم بن محمد فلباه اليمنيون وخاض مع الأتراك معارك عنيفة أشهرها معارك (شهارة) و(الشقاب) بصعدة و(عرة الأشمور) على أن المعركة الحاسمة كانت معركة (غارب أثلة) بالقفلة سنة 1022 مما اضطر الأتراك للانهزام إلى صنعاء وطلب عقد الصلح مع الإمام القاسم، هذا الصلح الذي لم يطل أكثر من عام واحد إذ تجددت الحرب وكانت كلها نصراً للقاسم بقيادة ولديه الحسن والحسين حيث تم لهما حيازة معظم المناطق الشمالية.
وبعد وفاة القاسم قام ابنه المؤيد محمد مقامه متابعاً خطة والده في مناهضة الأتراك واستطاع سنة 1045 أن يحاصرهم في صنعاء وأن يشتبك معهم على أبوابها بمعركة الصافية التي انتهت بهزيمتهم وجلائهم للمرة الثانية عن اليمن جلاءً تاماً مما لم يبق لهم هذه المرة موطئ قدم لا في زبيد ولا في غير زبيد. واحتل اليمنيون جزيرة كمران وجزائر فرسان فيما احتلوه مما كان في أيدي الأتراك.
وهكذا عاد اليمن سيد نفسه طيلة مائتين وعشرين سنة حتى كان سنة 1265 في عهد السلطان عبد المجيد بن محمود حيث أوعز إلى عامله على جدّة توفيق باشا بالتوجه إلى اليمن مغتنماً فرصة نزاع شب في تهامة. فمضى توفيق باشا مصطحباً معه أمير مكة الشريف محمد بن عون يقود قوة أقلعت معه بحراً من جدة إلى الحديدة ومنها رأساً إلى صنعاء دون مقاومة لأن الإمام المتوكل محمد بن يحيى استقبل توفيق باشا في الحديدة وحضر معه إلى صنعاء معتقداً أنه سيستفيد من قواته في إخماد بعض الفتن الداخلية. ولكن هذا التصرف أثار الصنعائيين ومن جاورهم فثاروا على الأتراك وأرغموهم على إخلاء صنعاء وقبضوا على المتوكل وسجنوه ونصبوا إماماً مكانه علي بن المهدي.
ولم ينته الأمر بسلام بل قامت فتن داخلية مستمرة بين عدد من طالبي الإمامة شقت القبائل فاغتنم هذه الفرصة أحمد مختار باشا قائد القوات التركية في عسير وزحف بجيشه عن طريق الساحل سنة 1299هـ ـ 1872م حتى وصل صنعاء، ولكنه لم يستطع التجاوز إلى الشمال الذي خضع للمتوكل المحسن بن أحمد، وتوفي المحسن سنة 1295 وخلفه الإمام الهادي شرف الدين بن محمد.
وفي سنة 1309 كانت سياسة القائد الجديد مصطفى باشا الذي خلف أحمد مختار سياسة شدة وعنف فاعتقل كبار علماء صنعاء وسجنهم في الحديدة.
وكان الإمام الهادي قد توفي سنة 1307 فبايع أهل الأهنوم المنصور محمد بن يحيى حميد الدين الذي كان قد لجأ إلى الأهنوم فاستطاع أن يحشد رجال القبائل ويقاتل بهم أحمد فيضي باشا ثم حسين حلمي ثم عبد الله باشا في معارك كثيرة منها معركة (عصر) غربي صنعاء التي وقعت في 2 المحرم سنة 1309 ومعركة نقم والجرداء والجران وكلها في ضواحي صنعاء. كما احتدمت المعارك في حجة والشرفين وآنس والمحويت فأعادت الحكومة العثمانية أحمد فيضي باشا إلى قيادة اليمن وكان من أقدر قوادها فاستطاع بقواته الكبيرة فك الحصار عن صنعاء ودخولها بعد أن غادرها المنصور إلى حاشد. ولكنه لم يفز منه بطائل واستمر الحال حتى توفي المنصور في 29 ربيع الآخر سنة 1322 وخلفه ولده المتوكل على الله يحيى.
وقام الإمام يحيى في (قفلة عذر) متطلعاً إلى القوى التركية المتحفزة للانقضاض عليه وكانت من العدد والعدة بمكان كبير. ولم تلبث هذه القوى حين علمت بوفاة المنصور أن تحفزت للقضاء على خليفته المتوكل ولكن محاولتها فشلت واستطاع الإمام يحيى أن يحصر الأتراك في صنعاء ثم دخلها ظافراً في 2 المحرم سنة 1323 ولكنه اضطر بعد ذلك إلى تركها بعد قدوم النجدات الجديدة بقيادة أحمد فيضي باشا، والاحتماء في شهارة ومضى القائد التركي وراءه بقواه الكبيرة متوغلاً في جبال اليمن وأوديتها وهنا فاجأته القبائل من بين الشعاب والثنايا والقمم فكانت هزيمته التي لم يعرف الأتراك قبلها مثلها هزيمة قضت على كل أمل للأتراك بالانتصار، وهكذا كانت معركة (شهارة) ([172]) حاسمة صح معها القول الذي اشتهر عن اليمن (إنها مقبرة الأتراك) فاضطر الأتراك لمفاوضة الإمام يحيى عام 1329هـ ـ 1911م فالتقى به مندوبهم عزت باشا الألباني في قرية (دعان) وتم الاتفاق على أن يقوم الإمام بالإشراف على شؤون القضاء والأوقاف وتعيين القضاة والمرشدين وتشكيل هيئة شرعية (محكمة استئناف) وأن تكون جباية الأموال على الطريقة الشرعية.
ولم تلبث الحرب العالمية الأولى أن أعلنت بعد ثلاث سنين من هذا الاتفاق وفي نهايتها تم جلاء الأتراك النهائي عن اليمن.
الزيدية في اليمن
مر ذلك مفصلاً في بحث (الزيدية) … ونكتفي هنا أن نشير إلى المناطق الزيدية في اليمن، وهي كما يلي:
1 ـ الألوية الزيدية الخالصة: لواء مسعدة، لواء صنعاء، لواء ذمار، لواء حجة.
2 ـ الألوية الشافعية الخالصة: لواء الحديدة، لواء تعز.
3 ـ الأولوية المختلطة: لواء أب، لواء البيضاء وهو ذو أكثرية شافعية.
الإسماعيلية في اليمن
استطاع الداعي الإسماعيلي الحسن بن حوشب الملقب بمنصور اليمن أن ينجح في بث دعوته في اليمن وأن يتغلغل بين القبائل اليمنية فيركز المذهب الإسماعيلي، ثم يقودها باسم الإمام المستور فيفتح بها القلاع والحصون ويسيطر على رقعة من الأرض أقام عليها لأول مرة في التاريخ دولة شيعية إسماعيلية سبقت الدولة الفاطمية الكبرى بنحو من واحد وثلاثين سنة.
وكان يزامل ابن حوشب بالدعوة في اليمن علي بن الفضل وفيما يرى ابن خلدون أن علياً هذا يمني من جند كان ممن استهوته الدعوة الإسماعيلية فجاء يزور الإمام محمد بن الحبيب في سلمية ولما عاد لليمن بعث الإمام معه ابن حوشب.
ويفهم من كلام ابن خلدون أنه كان للدعوة الإسماعيلية جذور قبل ابن حوشب فإن ابن خلدون يقول وهو يتحدث عن الدعوة الإسماعيلية: «وكان باليمن قوم يعرفون ببني موسى، ورجل آخر يعرف بعلي بن الفضل، وجاء علي إلى زيارة الإمام الحبيب فبعث معه رستم».
على أنه ليس لدينا أية تفاصيل عن الحركة الإسماعيلية قبل ابن حوشب فيما عدا نتفاً محدودة كمثل الذي ذكره ابن خلدون ومثل الذي سنذكره فيما يأتي:
ويبدو أن الإمام الإسماعيلي كان قد أعد ابن حوشب للسفر إلى اليمن لمعرفة ذلك الإمام بالتحركات الإسماعيلية هناك، أو بالأحرى بالتحركات الشيعية وإن لم تكن إسماعيلية كلها، لعله يستطيع تحويلها إلى إسماعيلية فيستعين بها وبغيرها من الإسماعيليين على إنجاح دعوته.
وبينما ابن حوشب يستعد للسفر جاء ابن الفضل فضم الإمام، ابن حوشب إليه وسيرهما معاً. ويقول الحمادي اليماني: إن الإمام قال لابن حوشب: «وثم باليمن خلق من الشيعة فاخرج وعرفهم أنك رسول المهدي وأنه في هذا الزمان يظهر باليمن واجمع المال والرجال والزم الصوم والصلاة والتقشف» إلى أن يقول: «إن ورد عليك ما لا تعلمه فقل لهذا من يعلمه، وليس هذا وقت ذكره».
وهذا النص يؤكد ما قلناه آنفاً من أنه كان قبل ابن حوشب دعوة شيعية في اليمن، وتعبير الإمام الإسماعيلي عن ذلك بقوله: «ثم باليمن خلق من الشيعة يدل على أن الحركة الشيعية اليمنية كانت حركة فعالة، وإن كان لا يدل على أنها كانت حركة إسماعيلية بحتة».
مضى هذان الداعيان مزودين بنصائح الإمام المستور فعرجا على مكة حيث قضيا مناسك الحج في ذي الحجة سنة 267، ثم أتما الرحلة فبلغا اليمن ونزلا ببلدة (غليفقة) على البحر الأحمر. وفي هذه البلدة افترقا حيث ذهب كل واحد إلى ناحية يتولى الدعوة فيها، فذهب ابن حوشب في اتجاه الجنوب حتى بلغ مدينة جند الجبلية إلى الجنوب من صنعاء وعلى بعد ستة أيام منها. وذهب ابن الفضل إلى جيشان ويافع غير بعيد عن جند. ثم تمكن ابن حوشب من الوصول إلى (لاعة) وهي على جبل جنوبي صنعاء، وقريباً منها تقع قلعة «عدن لاعة». فاستقر ابن حوشب في هذه الربوع، واتخذ من هذه الدسكرة المنيعة مركزاً لينشر منه دعوته. ومضى متقشفاً زاهداً ورعاً، فجذب إليه النفوس، وتغلب على الحاكم العباسي وعلى الأمراء المحليين واحداً بعد واحد.
وفي العام 270 خطا خطوة جديدة حيث بنى دار هجرته جنوبي صنعاء بجبل مسور، الذي صار منذ ذلك اليوم منطلق الدعوة الإسماعيلية وقامت فيه أول قوة عسكرية إسماعيلية مرهوبة اعتمد عليها ابن حوشب في السيطرة على اليمن وإنشاء حكمه الإسماعيلي فيه باسم الإمام المستور ومن هنا لقب بمنصور اليمن. ولم يقف ابن حوشب نشاطه على اليمن وحده بل «فرق الدعاة في البحرين واليمامة والسند والهند ومصر والمغرب» وكان آخر دعاته إلى المغرب أبو عبد الله الشيعي الذي كان له بعد ذلك من الشأن ما أدى إلى إنهاء الستر وإعلان الخلافة الفاطمية على يد أول خلفائها الظاهرين عبد الله المهدي.
هذا أمر ابن حوشب وأما علي بن الفضل فلم يكن أقل نجاحاً من ابن حوشب فاستطاع أن يجمع حوله الناس. وكان من مقره في جيشان ويافع ينشر الدعوة ويبشر بها حتى استقر الأمر له ولابن حوشب.
وفجأة يقع خلاف بينهما ويقاتل ابن حوشب صاحبه ابن الفضل. وقد نسب لابن فضل أنه خرج عن الإسلام لا عن الإسماعيلية فقط، وهي أقوال لا نستطيع أن نأخذ بها على علاتها فقد رأينا أن الخصومات يتهم بعضها بعضاً بهذا وأمثاله في كل عصر ومصر، ونسبوا لابن الفضل أنه ادعى النبوة، وأن البهاء الجندي قال فيه:
خذي الدف يا هذه والعبي
وغني هزاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعة
وهذي شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وحط الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولا ندري أحقاً بلغ الأمر بابن الفضل إلى مثل هذا الادعاء، وأن طاعة الناس له أغرته بهذا الشطط أم أن صراعاً خفياً نشأ بين الداعيين حمل ابن حوشب على أن يرمي صاحبه مثل ما رماه به، وأن يوحي بهذا الشعر وأشباهه؟! أجل لا ندري!.
الصليحيون
لم تطل دولة ابن حوشب في اليمن فبعد موته اختلف أبناؤه فقد ثار أبو الحسن على الخليفة المهدي في أخريات حياته مما أدى إلى نقمة أخيه جعفر عليه وتركه اليمن إلى المغرب سنة 322 ثم بعد ذلك إلى مصر حيث حظي لدى الفاطميين فكان من أركان دولتهم في العلم والفكر والتأليف.
ولئن تكن دولة الحواشب قد انتهت فقد تركت ركائز إسماعيلية ثابتة حتى جاءت سنة 439 وفيها قام الداعي علي بن محمد الصليحي بأمر الدعوة، وكان الصليحي هذا سني المذهب، وأبوه من القضاة السنيين في اليمن، ولكن داعي الداعي في اليمن عامر بن عبد الله الرواحي استماله وهو في حداثة السن فصار إسماعيلياً، وبعد وفاة الرواحي حل محله في الدعوة وأعاد من جديد النشاط الإسماعيلي بعد أن كان قد ركد بموت ابن حوشب ثم سعى إلى بسط سيطرته على اليمن فقام بثورة كتب لها النجاح فأخضع بعض القلاع والحصون ودعا للخليفة الفاطمي المستنصر بالله، ثم مضى يفتح البلاد بلداً بعد بلد حتى دان له اليمن كله سنة 455 واستمر حتى دخل مكة وأعادها إلى الطاعة الإسماعيلية. وكان ـ كما يقال ـ يتهيأ لغزو العراق واستخلاصه من العباسيين ولكنه قتل سنة 459 على يد سعيد الأحول بن نجاح وهو في طريقه إلى مكة لأداء الحج. وهكذا نراه خلال عشرين سنة هي مدة حكمه قد استطاع أن يوحد اليمن ويضم إليه الحجاز كما رد اليمن إلى الدعوة الإسماعيلية وظل يحكمه هو وأسرته باسم الخليفة الفاطمي في القاهرة.
وقد خلف الصليحي ابنه أحمد المكرم الذي ظل على ولائه للمستنصر ثم تغلب على قاتل أبيه سعيد الأحول بن نجاح وراسله المستتنصر مشجعاً مؤيداً، ثم ولاه على عمان سنة 469، كما حثه على أن يثبت السلطة الفاطمية في الحجاز وأن يؤيد الأمير عبد الله بن علي العلوي أمير الأحساء وتوفي المكرم سنة 484. وكان المفروض أن يخلفه ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد المظفر، لأن المكرم كان قد أوصى إليه. ولكن زوجة المكرم السيدة أروى الحرة رفضت إقرار هذه الوصية معلنة أنها تريد الأمر لولدها عبد المستنصر الذي كان لا يزال طفلاً، وراسلت المستنصر بذلك طالبة تأييده فأقرها المستنصر على ذلك.
ولكن عبد المستنصر ابن الملكة الحرة لم يعمر طويلاً، فحسب أبو حمير بن سبأ أن الفرصة قد واتت للاستئثار بالسلطة بعد وفاة ابن المكرم، فرغب بالزواج من السيدة الحرة ولكنها رفضت ذلك فاستنجد بالمستنصرفكتب للسيدة الحرة يأمرها بإجابة سبأ إلى طلبه فرضيت كارهة، ولكنها ظلت الحاكمة الفعلية وعرفت باسم الملكة الحرة وظلت على ولائها للقاهرة.
ولما وقع الانقسام الإسماعيلي بعد وفاة المستنصر وتولى ابنه المستعلي حالت دون وصول هذا الانشقاق إلى اليمن رغماً عن وصول دعاة النزاريين إلى اليمن وتأييد الخولانيين لهم. ويبدو أنه بعد وفاة المستعلي وتولي الآمر، قام نشاط نزاري قوي في اليمن مما حمل الخليفة الفاطمي الآمر أن يرسل الداعي علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة إلى اليمن سنة 513، ليشد أزر الملكة الحرة في نضالها ضد النزاريين كما أرسل المأمون البعائجي وزير الآمر إلى ابن نجيب الدولة قوة عسكرية يستعين بها على حرب أمراء اليمن، ولكن الدعوة النزارية استهوت هذا الأخير فمال إليها مما أدى إلى أن يطلب الخليفة الحافظ تسليم ابن نجيب الدولة فأرسل إليه فقتله.
وبعد اغتيال الخليفة الآمر بن المستعلي بأيدي النزاريين رأى أتباع الآمر أن الإمامة انتقلت إلى ولده الطفل «الطيب» وأن والده قبل وفاته أوصى بنقله إلى اليمن واستودعه الملكة الحرة. وأن الطيب لم يظهر بل استتر، وبذلك عاد دور الستر من جديد. وقد رفضت الملكة الحرة الاعتراف بخلافة الحافظ وسمت نفسها «كفيلة الإمام المستور الطيب ابن الآمر» ولكن الحافظ استمال غيرها من اليمنيين فقلد علي بن سبأ بن زريع حكم اليمن ولقبه «الداعي المعظم المتوج المكنى بسيف أمير المؤمنين» وبذلك شاطرت اليمن الانقسام الجديد بعد أن نجت من الانقسام القديم … ففريق وهم الصليحيون يؤيدون الإمام المستور «الطيب» والآخرين يؤيدون الحافظ. وكما يقع في كل انقسام تضعضعت أحوال اليمن، وكانت الخلافة الفاطمية نفسها تمشي إلى الزوال، وما لبث نور الدين محمود بن زنكي أن مد يده إلى مصر، وتقلد صلاح الدين الوزراة وانتهت الخلافة الفاطمية سنة 567 فأرسل حملة إلى اليمن بقيادة الأمير توران شاه الذي سيطر على البلاد.
ويقول مؤرخ إسماعيلي: «أما الطيب فقد ولى دعاة مطلقين بعد الملكة الحرة وأصبحت هذه الدولة دينية محضة، بعد الصليحيين لا شأن لها بالسياسة الدنيوية».
وقد اعتصم الإسماعيليون بجبل حصين من جبال اليمن يتعاقب منهم الدعاة المطلقون. حتى بلغ عددهم ثلاثة وعشرين. فبعد الملكة الحرة قام بالدعوة في اليمن ذؤيب بن موسى الداعي المطلق. وتعاقب بعده الدعاة حتى محمد عز الدين. ثم انتقلت الدعوة إلى الهند.
اليمن
ـ 3 ـ
قسم الجغرافيون العرب الساحل الغربي لشبه الجزيرة إلى قسمين هما الحجاز واليمن. وجعلوا الحجاز متصلاً باليمن من ناحيتي السراة وتهامة. ولم يكن اسم عسير كاصطلاح جغرافي معروفاً قبل القرن 13 (19) بل اعتبرت أراضيها جزءاً من اليمن والحجاز. وعرف باسم عسير قبيلة أزدية يمانية تسكن في منطقة السراة الجبلية بين اليمن والحجز ودعيت أراضيها بديرة عسير. ولما أحدث العثمانيون متصرفية في تلك الديرة ووسعوا حدودها أطلقوا اسم القبيلة على مساحات واسعة من الأرض لا يسكنها أحد من عسير. والقسم الجنوبي من هذا الساحل هو أكثر أجزاء الساحل خصباً وأكثفه سكاناً بحيث دعي منذ القدم باسم العربية السعيدة ونعرفه اليوم باسم اليمن.
القبائل اليمنية
القبائل العربية تنقسم إلى بائدة وباقية، البائدة هي قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وجُرهم وغيرها. كما أن الباقية هي قحطان وعدنان، ولا يختلف علماء الأنساب في أن قحطان هو أبو اليمن، وهو قحطان بن عابد وهو هود، وقد تفرع من ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ـ حمير وكهلان ولكل منهما بطون كثيرة، منها ما خرج من اليمن وانتشر في بلاد العرب الأخرى، ومنها ما لا يزال باقياً إلى وقتنا هذا. على أن أشهر بطون كهلان هم الأزد، وكانوا في بادية اليمن، وهم أولاد الأزد بن الغوث بن النبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وقد تفرقوا بعد خراب السّد، ومنهم بارق والمع وعامد ودوس، وهؤلاء هم أزد شنوءة، وقد سكنوا في سراة عسير ومن الأزد أيضاً العتيك، وقد سكنوا عمان، ولذلك يقال لهم أزد عمان، للتفرقة بينهم وبين أزد شنوءة.
ومن الأزد أيضاً الغساسنة آل جفنة الذين نزلوا بلاد الشام، والأوس والخزرج الذين نزلوا المدينة. ومنهم أيضاً خُزاعة الذين نزلوا مُرّ الظهران.
ومن كهلان همدان([173]) بن أوسلة بن مالك بن زيد بن كهلان، ومن همدان القبيلتان العظيمتان اللتان تعتبران من أشهر قبائل اليمن وأشدها باسا، وهما حاشد وبكيل ابنا جُشم بن حُبران بن نوْف بن همدان، ومساكنهم في الشمال ما بين مدينتي صنعاء وصعدة، وتقع منازل بكيل غالباً في مشارق منازل حاشد، كما تقع منازل حاشد في الغرب من بكيل.
ومن بطون بكيل أولاد أرْحب بن الدَّعَّام الأكبر ونهم ومرْهبَة وسُفْيان بن أرحب وأولاد شاكر وهم وائلة وأختها دُهمة. ومن دهمة ذو غيْلان الساكنون جبل برط وهم ذو محمد وذو حسين. وقد قال الهمداني في صفة الجزيرة عند ذكر جبل بَرَط: إن أهله هم أنجد همدان وحماة العورة ومنعة الجار ويسمون باسم قريش همدان.
وبطون حاشد كثيرة منها عِذَر والعُصيمات وخارف وبنو صُريم، ومنهم أيضاً على ما ذكره أكثر النسابين وادعة وقد قيل إنهم من الأزد([174])، وقيل إنهم من حمير والأول أصح، و منازلهم في بلاد حاشد، ومنهم أيضاً من يسكنون في بلاد صعدة، وقد قال الهمداني في الجزء العاشر من كتابه (الإكليل) «إنما جاءت الغباوة من وادعة في قولهم نحن من الأزد من أجل أمهم أم الغيث بنت عدي بن ثعلبة بن كنانة بن بارقة بن عمرو بن عامر بن مَزْيقيا الأزدي».
ومن حاشد أيضاً قبيلة يام المشهورة. التي يسكن أفرادها وادي نجران وما حوله، كما أن من حاشد كذلك قبيلة حجُور بن عُليَّان والأهنوم وحجَّة وبنو شاور.
ومن كهلان مذْحج وهم أولاد مالك بن أُدَد بن عُريب بن زيد بن كهلان. ومن مذحج قبائل عنس ومراد والحدا والحكم بن سعد العشيرة وزُبيد بأرض خبان وزُبيد شمال نجران، ومن قراهم تثليث مسكن عمرو بن معد يكرب الزُّبيدي، ومن عنس عمَّار بن ياسر الصحابي، ومن مراد أويس بن عبدالله القرني التابعي المشهور، وقيس بن المكشوح، وفروة بن مسيك الوافد على النبي (ص)، ومن مذحج أيضاً بنو الحارث بن كعب وصُدا والنَّخع ومساكن النخع في البيضاء، وصُدا بينها وبين حضرموت.
ومن كهلان الأشاعرة من ولد الأشعر بن عُريب بن زيد بن كهلان ومساكنهم بوادي زبيد في تهامة.
ومن كهلان كنْدة وطي وخثعم وبجيلة ولخم وجُذام ومن لخم نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة.
بطون حمير
أما بطون حمير فترجع إلى بطنين: البطن الأول الهَمَيْسع أبو الملوك التبابعة والأقيال والأذواء والمثامنة والعباهلة.
والبطن الثاني مالك، وهو أبو قضاعة ومن تفرع منها، وهذا هو المشهور في نسب قضاعة، ومن النساب من يدخل قضاعة في عدنان.
وقد قال القاضي نشوان([175]) في (كتابه شمس العلوم) وإنما كان ذلك أيام العصبية في وقت معاوية وابنه يزيد اللذين بذلا لرؤسائهم (رؤساء قضاعة) أموالاً جسيمة لحضهم على الانتفاء من اليمن والانتساب في معد وقد ساعدهما في ذلك بعض رؤسائهم. فلما بلغ قضاعة ذلك، غضبوا غضباً شديداً وأنكروا ذلك الأمر أشد الإنكار، فحشدوا واجتمعوا، ثم دخلوا مسجد دمشق يوم الجمعة على يزيد وهم يرتجزون ويقول راجزهم:
يا أيها الداعي ادعنا وابشر
وكن قُضاعياً ولا تنزر
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر
قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر
من قال قولاً غير ذا تنصر([176])
ثم قالوا ليزيد، إنا قوم من أهل اليمن يسعنا ما يسعهم ويضيق عنا ما ضاق عنهم فألحقنا بهم. قال قد فعلت. ومن ولد الهميسع قبيلة يحصب والأشعوب وذو الكلاع ومن هذه الأخيرة انحدر بنو وائل الذين كانوا ملوك وُحاظة وذو رُعين.
ومن ذي رعين، الأمْلُوك وآل مهدي ملوك عُتُمة والشرَّاحيُّون الذين كانوا ملوك وُصاب ومن أشهرهم عبد الله بن يوسف الشراحي الذي كان معاصراً للخليفة المأمون ولم يدن له بغير السكة.
ومن الهميسع أيضاً يافع وهم بطون كثيرة، وسبأ الأصغر، ومنه آل الكرندي ملوك المعافر وأصحاب حصن الدُّمْلُوة، ومن ذو حُوال جد آل يعفر الذين تولوا الملك في مخلاف أقيان وشبام كوبان.
ومن سبأ الأصغر آل ذي يهر صاحب حصن بيت حنبص بجبل حضور ومن ذريته الشيخ أبو نصر أستاذ الحسن بن أحمد الهمداني مؤلف كتاب الإكليل. وقد هرب أبو نصر هذا إلى صعدة أيام أبي الملاحف القرمطي قائد جيش علي بن الفضل لما قصد بيت حنبص وخرَّب حصن ذي يهر. كما ذكر ذلك القاضي نشوان في شمس العلوم.
ومن الهميسع التباعيون والسحول وجهران والشوافي ووحاظة وبعدان وميتم وآل ذي مناخ ومنهم الأمير جعفر بن إبراهيم بن محمد ذي المُثلة المناخي وإليه ينسب مخلاف جعفر، لا إلى جعفر مولى ابن زياد كما قال القاضي عمارة اليمني في كتابه «المفيد».
وأما بطون قضاعة فخولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة في بلاد صعدة وخولان التي في مشارق صنعاء ويقال لهم خولان العالية.
وقد قال القاضي نشوان إنهم سموا بهذا الاسم لأن خولان كلها كانت بمأرب في صرواح وهو قصر لهم. ولما ارتفع بعضهم إلى الجبال الكائنة شرقي صنعاء أطلق عليهم هذا الأسم. وأما سائرهم فبقي بمأرب حتى خرجوا فيما بعد إلى صعدة. وقد قال شاعر خولان العالية في ذلك:
أيها السائل عن أنسابنا
نحن خولان بن عمرو بن قضاعه
نحن من حمير في ذروتها
ولنا المرباع([177]) فيها والرَّباعه
ومن خولان العالية، أبو مسلم الخولاني واسمه عبد الرحمن بن مِشكم، وكان من خيار التابعين. وقيل إن خولان العالية من خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن عمرو من عُريب بن زيد بن كهلان، لأنهم لو كانوا من خولان قضاعة لما قيل لهم خولان العالية. على أن هذا القول لا قيمة له إذ أنه يخالف قول علماء الأنساب، ولأن خولان العالية أنفسهم متعرفون بأنهم من قضاعة، ولأن اسم خولان العالية إنما أتى من الخلاف في البلاد لا للفرق في النسب. كما تقول العرب طي السهل وطي الجبل، وأزد شنوءة وأزد عمان، وهمدان البون وهمدان الحجاز، وزبيد نجران وزبيد اليمن، وعذر مِطره وعذر شعب، ونحو ذلك وهذا كثير لا يحصى انتهى.
ومن قضاعة أيضاً بنو شهاب أهل المخلاف المسمى باسمهم في جبل حضور كما قال القاضي نشوان بن سعيد وقيل من كندة.
ومن قضاعة مهرة بن حيدان وبنو جماعة وبنو مجيد وكانوا ملوكاً فيما بين عدن وعمان.
ومن قضاعة أيضاً سحار ورازح وبنو منبه والصَّيْعر وغيرهم. وتسكن تهامة اليمن قبيلة عك المشهورة وأفرادها ولد عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد في أصح القولين ويقال أيضاً إنهم ولد عك بن عدنان أخي معد.
وقد قال القاضي نشوان بن سعيد في (شمس العلوم) إن الأمر ليس كذلك، وإنما سبب نسبتهم في معد، أن غسان وقت خروج الأزد من مأرب نزلوا تهامة وبها عك فتلاحت عك وغسان واقتتلوا فقتلت غسان عكا قتلاً ذريعاً وأجلتها عن الكثير من أوطائها. فمن ثمة انتفت عك من اليمن وانتسبت في عدنان. وقد قال القاضي نشوان:
ألم تر عكاً هامة الأزد أصحبت
مذبذبة الأنساب بين القبائل
وعقت أباها الأزد واستبدلت به
أباً لم يلدها في القرون الأوائل
وعك بطون كثيرة بتهامة منها عبس وغافق والقُحري والجرابح والحجبا والواعظات والزَّعليَّة وبنو جامع والعُجيبة من قبائل اللحية وصُليل والعبسية وغيرهم.
ومن القبائل التي تسكن بلاد اليمن قبائل الزرانيق والمعازبة، وهؤلاء يتفرعون إلى بطون كثيرة. ومن قبائل تهامة قبيلة بني مروان والمسارحة والحرث وغيرهم، ومنها أيضاً قبيلة الصَّبيحة وهم الأصابح من حمير ومنهم الإمام مالك بن أنس الأصبحي صاحب المذهب الشهير.
ومن سكان تهامة في الشمال الحكميُّون من أولاد الحكم بن سعد العشيرة، وينسب لهم خلاف الحكم ونسبهم في مذحج كما سبق.
على أن هذا الذي ذكرناه آنفاً إنما هو بعض من كل وأنموذج للقبائل اليمنية ذكرناه ليكوِّن القارئ فكرة عن القبائل اليمنية ولم يكن غرضنا الحصر لأن ذلك لا يتسع له هذا المقام.
أشراف اليمن
ومن سكان اليمن الأشراف سادات الجبال وأكثرهم من أولاد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو مؤسس الدولة الهاشمية في اليمن، وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد.
ومنهم السادة: الكباسية وهم أولاد صنوه عبد الله بن الحسين بن القاسم وأكثرهم يسكنون قرية الكبس بخولان العالية ومنهم الحمزات من أولاد الأمير حمزة بن أبي هاشم، ويسكن أكثرهم في بلاد الجوف، ومنهم السادة بنو الإمام يحيى بن حمزة صنو الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
ويسكن اليمن من الإشراف أيضاً أولاد محمد بن القاسم الرَّسي وهم ذرية الإمام المنصور بالله القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم المشهور بالعياني لسكونه حصن عيان ويطلق عليهم اسم القواسم وأكثرهم في بلاد الجوف.
ومن سادات الجبال آل الوزير الذين يجمعهم الأميرالعفيف بن منصور ومنهم الإمام الحجة محمد بن إبراهيم مؤلف «العواصف والقواصم» ومختصر الروض الباسم والسادة بنو الشامي من آل يحيى بن يحيى.
ومن سادات اليمن الذين فيهم كثرة وأدب أولاد الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين ابن شمس الدين ابن الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، والمهدي هو مؤلف كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار وغيره من المؤلفات الشهيرة.
والإمام المنصور بالله القاسم بن محمد مؤسس الدولة القاسمية. كان في أولاده الملك والرياسة باليمن من بعد الألف إلى انقضاء عهد الإمامة. وأولاده المؤيد بالله محمد بن القاسم والحسن والحسين والمتوكل على الله إسماعيل وأحمد وعبد الله وعلي وهذا الأخير لم يعقب.
ومن سادات اليمن أيضاً العباسيون، وهم من أولاد العباس بن علي بن أبي طالب كبني المطاع. وكذلك يوجد بين السادة لليمن حسينيون من ذرية الحسين بن علي منهم السادة بيت عشيش وآل الشرعي في حوث، وهم من ذرية الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة. ومن سادات اليمن بنو الديلمي من ذرية الإمام أبو الفتح ناصر بن الحسين الديلمي.
ومن سادات اليمن أيضاً أشراف تهامة أولاد موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهم كثيرون منهم النعميون والخواجيون والغوائم والذّروات والقطبيون والحوازمة وغيرهم.
ومن أشراف تهامة بنو الأهدل وبنو القديمي وبنو علوي وهم من ذرية الإمام موسى الكاظم ابن جعفر الصادق عليهم السلام وفيهم كثير من أهل العلم والأدب.
ومن أشراف تهامة أيضاً أشراف أبي عريش من ذرية الشريف أحمد بن محمد بن خيرات بن بشير من آل أبى نُمي، وقد خرج جدهم خيرات بن بشير من مكة المشرفة في القرن الحادي عشر وسكن بأبي عريش، ومن هذا البيت أمراء تولوا حكم المخلاف السليماني في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، منهم الشريف الماجد حمود بن محمد الذي ألف في سيرته القاضي البهلكي كتاب نفح العود في أخبار الشريف حمود.
ومن أشراف تهامة السادة الأدراسة الساكنون في مدينة صبيا وهم من ذرية السيد أحمد بن محمد الإدريسي الذي وصل إلى اليمن من بلاد المغرب في القرن الثالث عشر وسكن صبيا، بعد تنقله في تهامة وينتهي نسبه إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.
ولا يفوتنا أن نذكر بين أشراف اليمن سادات حضرموت وهم آل باعلوي من ذرية السيد أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويعرفون هناك باسم الأحباب آل باعلوي، ولهم سلطة روحية عظيمة في البلاد، وكان خروج جدهم أحمد بن عيسى إلى حضرموت من البصرة في القرن الرابع، ولذلك عرف باسم المهاجر وسكن قرية الحُسَيْسَة بحضرموت.
وقد عرف سادة حضرموت بعلو الهمة والمروءة كما أن لهم أكبر الأثر في الدعاية الإسلامية وفي بثها في إفريقية الجنوبية وفي أندونيسيا وقد صلح بهم جيل عظيم من الناس.
ومن مشاهيرهم السادة آل السقاف وآل الكاف وبنو الحبشي والعيدروس وغيرهم.
وفي حضرموت قبائل مشهورة منهم من يسكنون الحواضر كآل كثير ونهد وآل تميم والعوامر وآل جابر وآل باجري، ومنهم من يسكنون البوادي كالمناهل والأحموم والمشقاص والصَّيعر وبعض من بطون حمير.
وفي اليمن أشراف آخرون غير من ذكرنا، ومن بيوتات قريش آل أبي الرجال وينتسبون إلى عمر بن الخطاب، وفي اليمن بقية من الحبشة والأتراك وغيرهم.
هذا وقد سكن اليمن جم غفير من اليهود ولكنهم أخلوها في الزمن الحاضر بهجرتهم إلى فلسطين.
مراحل
في تاريخ اليمن
ظل أمر اليمن في العهود الإسلامية أمر غيرها من البلاد حتى خلافة المأمون حين أرسل محمد بن عبيد الله بن زياد إلى تهامة فما لبث هذا الوالي أن انفصل عن الدولة العباسية وأسس الدولة الزيادية، وكانت هذه الدولة مستقلة في داخل اليمن، وعلى أثر ذلك استقل بنو يعفر ببلاد الجبال، وقد عارضهم في بعض السنين عمال بني العباس كما عارضهم بعض رؤساء اليمن كإبراهيم بن الدعام الأرحبي وغيره.
دولة بن زياد بزبيد
من سنة 203 إلى سنة 391هـ
في سنة ثلاث ومائتين([178]) شق أهل تهامة عصا الطاعة على الخليفة المأمون بن هارون الرشيد فبعث إلى اليمن الأمير محمد بن عبيد الله بن زياد وقلده أعمال اليمن وأناط به أمر تأديب العصاة فقاتل قبيلة الأشاعرة وغيرهم واستولى على تهامة وعدن وحضر موت وامتد نفوذه إلى مكة واختط مدينة «زبيد» سنة أربع ومائتين([179]) وبنى حولها سوراً عظيماً وقد قام بنصرته في حروبه هذه مولاه جعفر حتى كان يقال (ابن زياد بجعفره) وقد توفي محمد بن زياد سنة اثنتين وأربعين ومائتين([180]) بعد أن أسس دولة مستقلة عن دولة الخلافة، وقد قام بالأمر بعده ابنه إبراهيم وتوفي سنة تسع وثمانين ومائتين([181]) وتولى بعده ابنه أبوالجيش إسحق بن إبراهيم وقد طال عمره وامتد زمن حكمه وتوفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة([182]) وقد اختلف الرواة في التاريخ الذي توفي فيه.
وقد خلف أبو الجيش ولداً صغيراً قام بأمره مولاهم الحسين بن سلامة وكان رجلاً خيراً عظيم الهمة له مآثر كثيرة إذ هو الذي أقام دولة بني زياد بعد اندثارها. وقد روى الشيخ عمارة اليمني في تاريخه «المفيد» أن ارتفاع أعمال الحسين بن سلامة من الدنانير قد بلغ ألف ألف عثرية وهذا خلاف ضرائبه على مراكب الهند من العود والمسك والكافور والعنبر والصندل والصيني كما ذكر أن سليمان بن طرف صاحب مخلاف عَثْر([183]) الذي كان معارضاً لأبي الجيش بن زياد كان مبلغ ارتفاع أعماله خمسمائة ألف دينار.
وقد توفي الحسين بن سلامة سنة اثنتين وأربعمائة([184]) وتولى الأمر بعده مولى له يسمى مرجان وقد عهد بالأمر إلى مولاه نفيس وإلى طفل صغير من آل زياد وإلى مولى آخر اسمه نجاح. وسيأتي ذكر ما كان من أمرهم عند الكلام على دولة بني نجاح التي قامت بزبيد وقد ذكر الخزرجي وغيره من المؤرخين أنه لما مات الحسين بن سلامة مولى آل زياد استولى علي بن معن على عدن ولحج وأبين والشحر وحضرموت كما تغلب يعفر بن أحمد الكرندي الحميري على حصن السمدان وحصن الدُّملوة وجبل صبر وحصن التعكر الحاكم على مخلاف الجند ومخلاف عنّه والمعافر ولقد اتسعت سلطة بني الكرندي وعظم أمرهم وهم من ولد أبيض بن حمّال المأربي.
وتغلب أيضاً عبد الله الحسين التُّبعي على حصن حب وعزَّان وخِدد وحصن الشعر وحصن أنود والسحول والشوافي كما تغلب بنو وائل من ولد ذي الكلاع الحميري على وحاظة وحصونها وتغلب بنو المناخي ومنهم جعفر بن إبراهيم بن محمد ذي المثلة على الجند وكان هؤلاء من آل ذي مناخ الحميري. وقد أسس كل هؤلاء لهم دويلات مستقلة وستأتي الإشارة إلى اضمحلالها عند قيام الملك علي بن محمد الصليحي الذي سيأتي ذكره.
دولة بني يعفر([185]) الحوالي الحميري بشبام
من سنة 225 إلى سنة 393هـ
قال الخزرجي وغيره من المؤرخين إن الخليفة المعتصم بن الرشيد بعث في سنة خمس وعشرين ومائتين([186]) بأمر اليمن للأمير عبد الرحيم بن إبراهيم الحوالي.
وفي سنة سبع وأربعين ومائتين([187]) تولى حكم اليمن محمد بن يعفر بن عبد الرحيم من قبل الخليفة المنتصر بن المتوكل وبقي فيها في عهد الخليفتين المتوكل ثم الهادي. وقد سار محمد بن يعفر إلى مكة لأداء فريضة الحج وخلّف على اليمن ابنه أبا يعفر إبراهيم بن محمد ولما عاد من مكة جدد عمارة جامع صنعاء وكان قد تهدم جانب منه بفعل السيول في سنة خمس وستين ومائتين([188]) وبعد أن أتم إصلاحه أوقف عليه أموالاً وأملاكاً بمحل شاهرة غربي مدينة صنعاء إلى الشمال. وقد ذكر المؤرخون أن أبا يعفر إبراهيم بن محمد قد قتل أباه وعمه بمدينة شبام نزولاً على أمر جده يعفر بن عبد الرحيم وقد ذكر الهمداني في العاشر من الإكليل أن الدعام بن إبراهيم كبير أرحب وسيد همدان في عصره كانت له حظوة ومكانة عظيمة عند محمد بن يعفر وكان يسكن بلاد الجوف فقدم على أبي يعفر معزياً له ومنتقداً له على ما فعل بأبيه وعمه وجرى بينهما عتاب فلطم أبو يعفر الدعام بن إبراهيم فخرج الدعام من عنده غاضباً ساخطاً ثائراً فلما أصحى أبو يعفر أخبر بما كان منه فأسرع بالاعتذار إلى الدعام وقربه منه وقال له: إن كرامة اليوم ترفع هوان أمس فأظهر الدعام الرضاء حتى خرج من عنده فلما صار في بلاد همدان أظهر الخلاف واجتمعت له بكيل كلها وقد حدث أيضاً أن قُتل محمد بن الضحاك وكان قاتله هو غلام أبي يعفر بأمر من مولاه فغضبت فيه حاشد وكانت لهم مع أبي يعفر وقائع مشهورة منها يوم خيوان ويوم وَرْوَر ويوم خمر وقد عظمت صولة الدعام واشتد ساعده حتى ضرب به المثل فيما استعظم من الأمور حتى ليقال: «لا فعلته لو قام فيما قام في الغبراء أو ما قام في لطمة الدعام» وفي ذلك يقول بعض شعراء أرحب:
سلبنا من حوال الملك قسراً
بلطمة شيخ كهلان الدعام
وقد انتهت هذه الوقائع باستلاب الدعام لملك آل يعفر وامتلاك بلدهم والتآمر على صنعاء وجبيت له اليمن كلها إلى ساحل عدن. على أن ذلك لم يطل لأن الخليفة العباسي أرسل الأمير جفتم بن الحسن نصرة لآل يعفر فخرج الدعام من صنعاء ثم عاد إليها كرة أخرى مع الإمام الهادي يحيى بن الحسين وقام معه علي بني طريف والقرامطة. وقد بقي الأمير جفتم بن الحسن عاملاً على اليمن في أيام الخليفتين الموفق والمعتمد ثم في أيام المعتصد وكان يتردد بين صنعاء وبغداد. وسيأتي ذكر بقية الكلام على آل يعفر في الفصلين التاليين.
دولة آل نجاح بزبيد([189])
من سنة 403 إلى سنة 555هـ
سبق أن أشرنا عند حديثنا عن دولة بني زياد إلى مولاهم الحسين بن سلامة وقيامه بأمور دولة آل زياد خير قيام. وقلنا إنه حين وفاته لم يبق من آل زياد سوى ولد صغير. وقد كفلت هذا الصغير عمته وعبد حبشي يقال له مرجان وكان لمرجان هذا عبدان، أحدهما يقال له نفيس وثانيهما اسمه نجاح فعهد إلى نجاح بأعمال مدينة الكدري والمهجم ومور والمخلاف السليماني كما عهد إلى نفيس بأعمال داخليته. وقد دب التنافس بين نفيس ونجاح وكان مرجان يقرب نفيساً ويفضله على نجاح وكان ابن زياد وعمته يفضلان نجاحاً فشكا نفيس إلى مرجان فعلهما، فما كان منه إلا أن سلمهما إليه فأدخلهما في جدار وبنى عليهما فهلكا.
وبذلك انقطع عقب بني زياد وانتهى عهدهم بزبيد، وكانت مدة ملكهم مائتي سنة إلا سنة واحدة. ووثب نفيس على ملكهم وكان نجاح غائباً فلما بلغه ما فعل نفيس بابن زياد وعمته غضب غضباً شديداً لذلك واستنفر القبائل ودعاهم لمحاربته والانتقام منه، فوقعت بينهما حروب طويلة انتهت بقتل نفيس على باب مدينة زبيد ودخل نجاح المدينة وقبض على مولاه مرجان وجعله في الموضع الذي كان فيه ابن زياد وعمته بعد أن أخرجهما منه وصلى عليهما واحتفل بدفنهما.
وبعد ذلك استولى نجاح على تهامة وضرب النقود باسمه وكاتب بني العباس ودان لهم بالطاعة ولم يزل حتى دس له السم علي بن محمد الصليحي بواسطة جارية أهداها له سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة([190])، وضم إليه ملك التهائم التي كانت بيد نجاح وفر أولاد نجاح إلى جزيرة دهلك في البحر الأحمر ثم كان من أمرهم مع الصليحي ما سيأتي ذكره وجرت بين بني نجاح وآل الصليحي حروب وقلاقل سيأتي الإشارة إلى بعضها.
وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة([191]) قتل الأمير سعيد بن نجاح وفر صنوه جياش إلى الهند ثم لم يلبث أن عاد إلى زبيد متنكراً وأخذ يعمل على استرداد ملكه حتى تولاها واستمرت ولايته عليها إلى أن مات سنة ثمان وتسعين وأربعمائة([192])، وكان رجلاً من أهل العلم له تاريخ نفيس اسمه «المفيد» ويقال: «مفيد جياش» للتفرقة بينه وبين كتاب «المفيد» الذي وضعه القاضي عمارة اليمني.
وقام بالأمر بعده ولده فاتك بن جياش إلى أن مات سنة ثلاث وخمسمائة([193]) وكانت له عملة ضربها من الذهب الأحمر وقد عثر على دفائن منها في بلاد يريم في عصر التحرير وعليها اسمه وقام من بعده ولده منصور بن فاتك ثم فاتك بن المنصور ثم فاتك بن محمد بن فاتك وفي أيام هذا الأخير ظهر علي بن مهدي الحميري في محل العنبرة خارج زبيد وتغلب على زبيد سنة خمس وخمسين وخمسمائة([194]) ثم هلك في شهر شوال من تلك السنة وقام من بعده ابناه مهدي بن علي وعبد النبي بن علي بن مهدي ثم انتهت أيام بني مهدي بزحف السلطان توران شاه ابن أيوب من مصر إلى اليمن سنة تسع وستين وخمسمائة([195]) وفيها قتل عبد النبي بن مهدي عن أمر السلطان توران شاه. واضمحلت دولة بني مهدي. وسيأتي تاريخ خروج السلطان توران شاه إلى اليمن.
دولة بني الصليحي الهمدانيين
من سنة 439 إلى سنة 532هـ
كانت الرياسة على همدان من أواخر القرن الثالث للسلطان محمد بن الضحاك بن العباس بن سعيد بن قيس بن أبي معيد بن حمزة الهمداني ثم كانت من بعده لأبي جعفر بن محمد بن الضحاك ثم بعد ذلك لأبي حاشد بن العباس بن الضحاك ثم ليحيى بن أبي حاشد وكانت عاصمتهم قرية ريدة من بلاد حاشد، وكانوا يلقبون بالسلاطين.
وفي سنة تسع([196]) وثلاثين وأربعمائة([197]) ظهر علي بن محمد الصليحي حيث خرج من جبل مسار من أعمال حراز ولم يكن قد ولي الأمر أحد من أهله وكان والده القاضي محمد بن علي شافعي المذهب وكان مطاعاً في عشيرته يتولى فصل الخصومات في جهته وكان محل بني الصليحي في مغارب جبل حضور كما قال الهمداني في صفة الجزيرة وأهله كانوا أشرافاً كرماء، وكان علي بن محمد في أول أمره يسير على طريقة والده ولم يزل هذا شأنه حتى استماله عامر بن عبد الله الزُّواجي أحد دعاة الفاطميين إلى مذهبه وأوصى له بجميع كتبه وما كان قد جمعه من مال فسمت نفس علي بن محمد إلى القيام بالدعوة للفاطميين وتحدث الناس بأنه سيملك اليمن وكان يدخل مكة لأداة فريضة الحج ويتفق ببعض رجال أخذ يستميلهم إلى نشر الدعوة في بلاد اليمن للمستنصر الفاطمي.
ثم انتشر أمره وذاع فقصده الأمير جعفر ابن الإمام القاسم بن علي بن العياني والأمير جعفر بن العباس في طائفة من همدان لمقاتلته فنزل إليهم علي بن محمد في جماعة ممن استمالهم إليه فأوقع بهم وقتل جعفر بن العباس وتفرق الآخرون، وهكذا استفحل أمر الصليحي وقصد بلاد حضور واستولى عليها وعندئذٍ اجتمع رجال قبائل همدان مع السلطان يحيى بن أبي حاشد وانضم إليهم بنو شهاب وبنو الراعي وقصدوا الصليحي للقتال فلقيهم هذا في محل صفوف بالقرب من قرية يازل وجرت بين الفريقين وقعة عظيمة انتهت بانتصار الصليحي وقتل السلطان يحيى بن أبي حاشد وألف رجل من همدان. وكان من أثر هذا الانتصار الذي ناله الصليحي أن عظم أمره واتسعت مطامعه فسار إلى صنعاء وملكها وبعث بعماله إلى مخاليف اليمن.
وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة([198]) قتل الإمام أبو الفتح الديلمي في وقعة بينه وبين الصليحي في قاع فَيْد في بلاد عنس. وفي سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة([199]) اجتمع رؤساء همدان مع الشريف الفاضل القاسم بن جعفر ابن الإمام القاسم بن علي العياني وصنوه الأمير ذو الشرفين محمد بن جعفر وقصدوا قتال الصليحي في صنعاء فقاتلهم الصليحي برجاله فهزمهم ولكن الشريف الفاضل وصنوه الأمير ذا الشرفين ثبتا مع طائفة من همدان وساروا إلى حصن الهرابة من بلاد وادعة وتحصنوا به فتبعهم الصليحي وحاصرهم حصاراً شديداً وعندئذ خرج الشريف الفاضل إلى يد الصليحي فأبقاه لديه مدة ثم أطلق سراحه، ولكن الأمير ذا الشرفين رأى أن يتحصن في شهارة وعمرها ولذلك يقال لها شهارة الأمير.
وسار الصليحي بعد ذلك إلى بلاد اليمن الجنوبية واستولى على بلاد بني الكرندي ملوك المعافر وحصن الدُّملوة كما استولى على بلاد الحسين التُّبعي الحميري صاحب حصن حَبّْ وبعدان والسحول والشوافي ثم سار إلى عدن واستولى على بلاد بني معن الذين كانوا يملكون عدن ونزل تهامة واستولى على ما كان تحت يد نجاح صاحب زبيد بعد موته بالسم على يد جارية أرسلها إليه الصليحي كما سلف.
ولما استولى الصليحي على تهامة جعل عليها صهره أسعد بن شهاب وقد قال الكبسي في تاريخه إن خراج تهامة الذي كان يحمل إلى الصليحي بعد النفقات قد بلغ ألف ألف دينار.
وفي سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة([200]) سار الأمير حمزة بن أبي هاشم في جيش كبير من همدان لقتال الصليحي فالتقى مع جيش الصليحي في الملوى من بلاد أرحب في بلد الخشب وجرت بين الجيشين وقعة عظيمة قتل فيها الأمير حمزة بن أبي هاشم في سبعين رجلاً من رؤساء همدان وكان يتولى قيادة رجال الصليحي عامر بن سليمان الزواجي وسوف يأتي ذكر مقتله وأخذ الثأر منه.
وفي تلك السنة سار علي بن محمد الصليحي من صنعاء في موكب عظيم إلى تهامة يريد مكة لأداة فريضة الحج وكان بصحبته عدد كبير من آل الصليحي وملوك اليمن الذين خضعوا له وكان معه كثير من الخيل والرجال بعد أن خلف على اليمن ولده المكرم أحمد بن علي وكان يريد زيارة المستنصر الفاطمي بمصر وكانت له نفس طموح وأنشد على لسان حاله:
وألذ من قرع المثاني عنده
في الحرب ألجم يا غلام وأسرج
خيل بأقصى حضرموت مجالها
وصهيلها بين العراق ومنبج
ولما نزل ظاهر المهجم من تهامة ضرب مخيمه في ضيعة تعرف باسم الدُّهيم وبئر أم معبد وخيمت عساكره والملوك الذين كانوا معه حوله وكان أولاد نجاح قد نزلوا بعد زوال ملكهم بجزيرة دهلك وسكنوا بها. وكان سعيد الأحول يخرج خفية إلى زبيد ويترقب الفرصة لاسترجاع ملك أبيه ولما بلغه خبر نزول الصليحي في تهامة كتب إلى أخيه جياش وهو في دهلك طالباً إليه أن ينهض هو ومن يقدر عليه من مواليهم فخرج جياش في أربعمائة رجل وجمع سعيد الأحول سبعين رجلاً من عبيدهم ولم يكن معهم من السلاح غير جريد النخل وقد جعلوا على رؤوسها مسامير الحديد، فلما بلغ الصليحي أمر خروجهم من دهلك وجه إليهم نحو خمسة آلاف مقاتل ولكنهم اختلفوا في الطريق في حين وصل آل نجاح إلى مخيم الصليحي ودخلوا في غمار الناس وظن من شاهدهم أنهم من عبيد من في المهجم ولما وصلوا إلى خيمة علي بن محمد الصليحي عرفهم أخوه عبد الله بن محمد وقال لأخيه علي بن محمد : يا مولاي هذا سعيد الأحول بن نجاح ففشل ولم يبرح مكانه حتى قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه عبد الله ومن حضر مخيمه وركب سعيد الأحول وأخوه جياش فرسي علي بن محمد الصليحي وأخيه عبد الله وعلقا رأسيهما في الرماح ونادى المنادي في المعسكر بأن الصليحي قد قتل، وسرعان ما دب الفشل بين عساكر الصليحي وتفرق شملهم وذهبوا في كل وجه وتخطفتهم قبائل تهامة واستولى آل نجاح على خزائن الصليحي وأمر سعيد الأحول زوجة علي بن محمد الصليحي السيدة أسماء بنت شِهَاب بأن تسير معه وسار بها إلى زبيد حيث بقيت في أسره حتى أنقذها ولدها المكرم بعد ثمانية أشهر في غزوته الشهيرة لزبيد مع قبائل همدان وتملك زبيد وفر أمامه أولاد نجاح وقد سبقت الإشارة إلى عودة الملك بزبيد إلى آل نجاح.
وبعد قتل علي بن محمد تولى أمر اليمن ولده المُكَرَّم وكانت بينه وبين الأمير ذي الشرفين حروب عظيمة وقد تحصن الأمير ذو الشرفين في أثنائها بحصن شهارة التي أطلق عليها اسم شهارة الأمير كما ذكرنا أولاً وشاركت المكرم الإمارة زوجته السيدة أرْوى بنت أحمد بن جعفر بن موسى بن محمد الصليحي وموسى أخو علي بن محمد. وقد مات المكرم سنة أربع وثمانين وأربعمائة([201]) وقام بأمر الدعاية إلى العبيدية الداعي سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي بن محمد وتزوج السيدة عن أمر المستنصر الفاطمي وكانت له حصون مطلة على تهامة منها حصن أشيح بآنس وظلت تهامة متداولة بين آل الصليحي وآل نجاح فكانوا بنو الصليحي يغزونها في أيام الشتاء وعندئذٍ يدخل آل نجاح جُزر البحر الأحمر. وفي أيام الصيف كان بنو الصليحي يرتفعون إلى الجبال ويعود آل نجاح إلى تهامة. وقد كان سبأ بن أحمد شاعراً فصيحاً وفيه يقول الحسين بن القِمّ الشاعر المشهور:
ولما مدحت الهزبرى ابن أحمد
أجاز وكافاني على المدح بالمدح
وعوضني شعراً بشعري وزادني
نوالاً فهذا رأس مالي وذا ربحي
ومات سبأ سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة([202]) وعندئذٍ استقلت السيدة أروى بنت أحمد بدولة آل الصليحي حتى توفيت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة([203]) بجبلة وقد بلغت من العمر ثمانٍ وثمانين سنة. وكانت عاقلة كاملة وقد عملت الحيلة في قتل سعيد الأحول حتى خرج من زبيد وبعثت جيوش الصليحيين لقتاله ففاجؤوه بالقرب من زبيد وكانت بينهم معركة حامية الوطيس قتل فيها سعيد الأحول وأسرت امرأته وأتي بها إلى السيدة أروى بنت أحمد فتمنت لو أن أسماء بنت شهاب كانت شهدت ذلك نظراً لأنه سبق أسرها عند قتل زوجها علي بن محمد الصليحي بتهامة.
وللسيدة أروى بنت أحمد مآثر عظيمة باليمن منها بناء جامع جبلة والجناح الشرقي بجامع صنعاء كما ذكره مؤلف كتاب «أنباء الزمن». وأن جودة الأخشاب ورشاقة نقوشها في سقفه ليشهدان على مخالفته لعمارة محمد بن يعفر كما أن لها مآثر أخرى. وبموتها اضمحلت دولة بني الصليحي وانتقل ما كان بأيدي ملوكها من الحصون إلى منصور بن الفضل الحميري الذي باعها إلى الداعي محمد بن سبأ الزريعي كما تغلب على بلاد الجبال السلطان حاتم بن الغشم الهمداني الآتي ذكره.
دولة بني زريع الهمدانيين بعدن
من سنة 467 إلى سنة 569هـ
لما مات الحسين بن سلامة مولى آل زياد كما سبقت الإشارة إلى ذلك تغلب علي بن معن على عدن وعندما دخلها علي بن محمد الصليحي فرض على ابن معن جُعْلاً يسلمونه إلى السيدة أروى بنت أحمد الصليحي مقابل مهرها من ولده المكرم ثم تغلبت بنو معن على عدن ومات العباس بن معن سنة أربعمائة واثنتين وستين وقام بالأمر بعده أخوه محمد بن معن. ولما دخل المكرم بن علي الصليحي مدينة عدن سنة أربعمائة وسبع وستين([204]) هرب منه محمد بن معن إلى أحور وولى المكرم على عدن العباس ومسعود ابني المكرم الجشمي الهمداني وكانت لهما سابقة معرفة عند المكرم لقيامهما معه عند نزوله زبيد واستنقاذه أمه من سعيد الأحول فجعل للعباس حصن التعكر بعدن كما جعل للمسعود حصن الخضراء.
وكان ارتفاع حاصل عدن يحمل إلى السيدة كل سنة مائة ألف دينار وقد يزيد وقد ينقص واستمر الأمر كذلك حتى وفاة العباس بن المكرم فخلفه ولده زريع بن العباس على ما كان متولياً عليه ولما بعثت السيدة بنت أحمد المفضل بن أبي البركات ـ لقتال أولاد نجاح بعد أن احتالت على خروجهم من زبيد كتبت إلى زريع وعمه المسعود طالبة إليهما أن يلقيا المفضل بزبيد فلقياه وقاتلا معه حتى قتلا بباب زبيد سنة خمس وثمانين وأربعمائة([205]) وقام بعدهما أبو السعود بن زريع وأبو السعادات بن المسعود وكل منهما في جهة ولما مات أبو الغارات قام بعده ابنه علي بن أبي الغارات وقام بعد أبي السعود بن زريع ابنه سبأ وقد توفي الملك سبأ سنة أربع وتسعين وأربعمائة([206]) وقام بعده ابنه محمد بن سبأ الذي اشتهر بالكرم والفصاحة وتوفي سنة خمسمائة وخمسين([207]) وقام بعده ابنه عمران بن محمد بن سبأ وكان كأبيه في السماحة وحسن الخلق وتوفي سنة خمسمائة وستين([208]) وخلف أولاداً صغاراً قام بأمرهم أبو الدر جوهر المعظمي في حصن الدملوة حتى خرج إلى اليمن السلطان توران شاه بن أيوب فانتقل بهم إلى الحبشة وانقضت دولتهم. وقد ذكر محمد بن سبأ وابنه عمران ـ القاضي عمارة اليمني في تاريخه «المفيد» وأثنى عليهما أحسن الثناء وذكر بعض ما قاله في مدحهما أبو بكر العندي الأديب المشهور في زمنهما ـ : وكانت بين آل زريع وآل مسعود حروب طويلة استمرت بعض سنين ولما تغلب سبأ بن زريع على قرية الرعارع وأخذها من يد علي بن أبي الغارات قال علي بن زياد المازني:
خلت الرَّعارع من بني المسعود
فعهودهم عنها كغير عهود
حلت بها آل الزريع وإنما
حلت أسود في مقام أسود
ومن آثار آل الزريع بعدن ذلك السور الممتد من جبل حُقَّات، وقد أشار إلى ذلك مؤلف كتاب «بهجة الزمن في تاريخ لحج وعدن».
دولة «السلاطين» بني حاتم الهمدانيين
من سنة 492 إلى سنة 569هـ
لما مات سبأ بن أحمد الصليحي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة([209]) وأقامت السيدة أروى بنت أحمد بمدينة جبلة قام بأمر صنعاء وبلادها السلطان حاتم بن الغشم الهمداني وناصرته قبائل همدان، ثم قام ابنه عبد الله ومات مسموماً، فقام بالأمر أخوه معن بن حاتم أياماً ثم خلعته همدان وولت مكانه كلاً من هشام وحمّاس ابني القُبَيْب الهمداني.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة([210]) ألقت همدان أمرها إلى السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامي فقام بأمر همدان. وفي أيامه قام الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان واستولى على صنعاء بعد حصار السلطان حاتم بها. وكان السلطان حاتم شاعراً فصيحاً وهو القائل في كتابه إلى الإمام أحمد بن سليمان أيام حصار الإمام لصنعاء وقد عثر السلطان حاتم على رسول الإمام يشتري ورقاً من صنعاء:
أبالورق الطَّلحي تأخذ أرضنا
ولم تشتجر تحت العجاج رماح
وتأخذ صنعا وهي كرسي ملكنا
ونحن بأطراف البلاد شحاح
ولما تم الأمر للإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان وتملك صنعاء وخرج منها السلطان حاتم قال السلطان حاتم متسلياً:
غلبنا بني حوّاء مجداً وسؤدداً
ولكننا لم نستطع غلب الدهر
فلا لوم فيما لا يُطاق وإنما
يلام الفتى فيما يطاق من الأمر
وسار السلطان حاتم في جماعة من أصحابه إلى الإمام وكان في محل بيت بَوْس جنوب مدينة صنعاء وأنشد السلطان حاتم عند وصوله إلى الإمام قول كعب بن زهير:
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
فعفا عنه الإمام وبايع السلطان حاتم ومن معه الإمام، ودخل الإمام صنعاء في اليوم التالي دخولاً معظماً واستعمل عليها القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام. وسكن السلطان حاتم مدينة الروضة وفي جانب منها درب السلاطين نسبة إلى السلاطين بني حاتم ثم إنه حصل خلاف بين السلطان حاتم وأصحاب الإمام فزحف السلطان حاتم على صنعاء ثم خرج منها مرة ثانية ودخلها الإمام المتوكل على الله. وكان السلطان حاتم عاقلاً ذكياً كريماً مدحه كثير من الشعراء وتوفي سنة خمسين وخمسمائة([211]).
وفي أيامه خرج إلى اليمن من مصر القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الإسواني وكان من أهل الفضل والرياسة وكان مجيداً في الشعر والنثر ومن شعره في مدح السلطان حاتم:
إذا أجدبت أرض الصعيد وأقحطت
فلست أخاف القحط في أرض قحطان
ومذ كفلت لي مأرب بمآربي
فلست على إسوان يوماً بأسوان
وقام بأمر همدان بعد السلطان حاتم ابنه السلطان علي بن حاتم وقد استنجده آل زُرَيْع سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة([212]) لقتال عبد النبي بن مهدي الحميري فسار إليهم في قبائل همدان ووصل مدينة تعز والتقت به أجناد عبد النبي بن مهدي وكانت بين الطائفتين وقعة عظيمة بذي عُدَيْنة انتصر فيها السلطان علي بن حاتم نصراً عظيماً وفرَّ عبد النبي بن مهدي إلى زبيد. ولم تزل دولة علي بن حاتم مسيطرة على معظم اليمن الأعلى حتى خرج السلطان توران شاه بن أيوب إلى اليمن سنة تسع وستين وخمسمائة([213]) فانقطعت دولة بني حاتم وبني مهدي وآل زُرَيْع وقامت دولة بني أيوب التي سيأتي الكلام عليها.
دولة بني أيوب باليمن
من سنة 569 إلى سنة 626هـ
كانت بلاد اليمن قد تفرق شملها قُبَيل حكم الأيوبيين لها وغزوهم بلادها وكانت قد انقسمت إلى عدة دُوَيْلات صغيرة قامت كل منها في ناحية من نواحي البلاد واختصمت فيها بينها، فكانت عدن ومخلاف الجَنَد بيد آل زُرَيْع وكانت صنعاء وبعض مخاليفها بيد السلطان علي بن حاتم كما كانت بلاد صعدة والجوف بيد الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان والمخلاف السليماني بيد الشريف غانم بن يحيى بن حمزة وبلاد زبيد وأطرافها بيد عبد الغني بن مهدي الحميري، وعندما استفحل أمر عبد النبي بن مهدي في بلاد تهامة وقامت بينه وبين الشريف غانم بن يحيى بن حمزة حروب طويلة قتل فيها الشريف غانم بن يحيى سنة ستين وخمسمائة([214]) استنجد صنوه الشريف قاسم بن يحيى الخليفة الناصر بن أحمد المستضيء العباسي صاحب بغداد على عبد النبي بن مهدي فكتب له هذا إلى صلاح الدين بن أيوب وأمره بنصرته، ولقد بادر صلاح الدين بإرسال أخيه السلطان توران شاه إلى اليمن وأرسل معه نحو ثلاثة آلاف مقاتل وعندما وصل توران شاه إلى ناحية صبيا([215]) من بلاد تهامة انضم إليه الأشراف وبعدئذٍ قصد مدينة زبيد فأخذها عَنْوَةً وقضى على دولة عبد النبي بن مهدي وأمر بقتله ثم سار بعد ذلك إلى عدن ففتحها وقضى على دولة بني زريع وكان القائم بأمرهم فيها جوهر المعظمي الذي تحصن بالدملوة مدة ثم حاول الخروج من الحصن خفية مع من بقي من آل زريع وانتقل بهم إلى بلاد الحبشة.
وبعد أن أخضع توران شاه بلاد تهامة واستولى عليها بأجمعها سار بجيوشه نحو بلاد الجبال فأجمعت عليه القبائل اليمنية وعندما وصل إلى ذمار أنشده شاعره قصيدة جاء فيها:
وقال لقومه موتوا كراماً
فأين ديار مصر من ذمار
ولقد ساعدته الأيام على فتح بلاد اليمن كلها وهكذا قضى على دولة علي بن حاتم واستتب له الأمر في البلاد واختار مدينة زبيد عاصمة لمملكته. ولكن لم تطب له الإقامة فيها وشعر بالحنين إلى مصر فكتب إلى أخيه السلطان صلاح الدين كتاباً يبدي فيه تَبَرُّمَه من الإقامة باليمن ويطلب إليه السماح له بالعودة إلى مصر وقال في كتابه هذا شعراً:
وإذا أراد الله أن يشفي امرءاً
وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالترحال عن مصر بلا
سبب وأسكنه بأرض زبيد
ثم أعقب هذا الكتاب بكتاب ظريف آخر أنشأه على لسانه الأديب أبو بكر بن أحمد العندي الشاعر المشهور وضمنه شعراً ونثراً وجاء فيه قوله:
يا بارق الشام ما الأوطان من يمن
أوطان شجوي ولا الأوطار أوطاري
ما الدار إلاَّ دمشق والمنى حَلَبٌ
والسؤل مصر وفي الزّوراء مُزْداري
تلك المنازل لا لحج ولا عدن
ولا زبيد ولا أكناف تعشاري
هذا على قدر أن الملك في يمن
غالٍ ولكنه من دون مقداري
ولقد أجابه صلاح الدين بأن اليمن قطر مبارك كثير الخيرات ثم أذن له بالقدوم عليه فسار إلى مصر وتولى دمشق أياماً ثم مات بمدينة الإسكندرية سنة ست وسبعين وخمسمائة([216]).
السلطان طغتكين بن أيوب
وعندما ترك توران شاه اليمن وقفل راجعاً إلى مصر خرج إلى اليمن أخوه السلطان طغتكين بن أيوب وكان يلقب بالعزيز فملكها سنة تسع وسبعين وخمسمائة([217]) وقامت بينه وبين الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة وقائع. ولقد أقام السلطان طغتكين بمدينة صنعاء وبنى سورها العظيم بعد أن أدخل فيها الجهة الغربية من السائلة إلى باب السبحة كما بنى له داراً في البستان الذي يعرف الآن باسم بستان السلطان.
ولقد سار بجيوشه إلى حضرموت واستولى عليها وسكن مدينة تعز([218]) وعمر مدرسة المنصورة وأرسل إليها نهراً من جبل صَبر كما بنى مدينة المنصورة بالحجرية في أرض المعافر. وتوفي السلطان طغتكين بمدينة المنصورة سنة تسعين وخمسمائة([219]) وكان رجلاً كريماً عالي الهمة واسع الصدر مما جعل الناس يفدون عليه من أقاصي البلاد، ولقد كان من بين من قصدوه شرف الدين أبو المحاسن محمد بن عُنَيْن الشاعر المشهور الذي مدحه فأجزل صلته، ولما عاد إلى الديار المصرية وسلطانها يومئذٍ العزيز عماد الدين بن عثمان بن صلاح الدين ألزمه رجال الديوان دفع زكاة المتاجر والأمتعة التي دخل بها فقال:
ما كل من يتسمى بالعزيز لها
أهلاً ولا كل برق سحبه غدقه
بين العزيزين بَوْنٌ في فعالهما
هذاك يعطي وهذا يأخذ الصدقه
ولقد روى الجندي والخزرجي وغيرهما من المؤرخين، أن طغتكين همّ بشراء الأموال من الأرض اليمنية ويجعلها باسم الديوان كما كان يومئذٍ بمصر فكره الناس ذلك واجتمع منهم طائفة عكفت ببعض المساجد تسأل الله الفرج فخرج أحدهم وإذا به يسمع قائلاً يقول: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ وأخبرهم بموت طغتكين.
وتولى بعده على بلاد اليمن ابنه الملك العزيز بن طغتكين وكان رجلاً سيئ السيرة اشتهر بسوء الخُلُق والشراسة حتى قيل عنه إنه كان مولعاً بأكل لحوم البشر وكانت الأحوال في أيامه مضطربة وقتل سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة([220]) بمدينة زبيد فاستولت أمه على الأموال واستبقتها عندها حتى وصل إلى اليمن خلفه الملك سليمان بن سعد الدين بن تقي الدين بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
وعندما وصل الملك سليمان إلى اليمن استدعته والدة الملك إسماعيل وتزوجته وملك البلاد ولكنه جار في أعماله وظلم الناس حتى ضجوا من أعماله ولذلك أرسل الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ابنه الملك المسعود يوسف إلى اليمن فدخل زبيد في سنة ستمائة واثنتي عشرة([221]) وقبض على الملك سليمان هذا وأرسله إلى مصر وتولى هو أمر اليمن من بعده.
لم تطل إقامة الملك المسعود باليمن بعد توليه الملك إذ عاد إلى مصر سنة تسع عشرة وستمائة([222]) واستخلف عليها نور الدين عمر بن علي بن رسول ولكنه عاد إلى اليمن مرة ثانية سنة أربع وعشرين وستمائة([223]) ثم تركها وعاد إلى مكة سنة 635([224]) واستخلف على اليمن الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول بعد أن قبض على إخوته الأمير بدر الدين بن علي ومحمد بن علي وموسى وأبي بكر وساقهم معه إلى مكة حيث توفي بها.
وبعد وفاته تخوف الأمير نور الدين من بني أيوب فأعلن الاستقلال باليمن وأسس الدولة الرسولية. أما أمراء دولة بني أيوب باليمن الذين كانوا يقومون بجباية الأموال وقيادة الجيوش فقد قامت بينهم وبين أئمة اليمن حروب وقلاقل وقد ذكر المؤرخون من بين هؤلاء الأمراء الأمير وَرْدَسان والأتابك سنقر والشهاب الجزري والأمير جكُّو والأمير شمس الخواص وغيرهم.
دولة بني رسول الغسانيين
من سنة 626 إلى سنة 858هـ
قلنا فيما سبق إنه كانت لآل علي بن رسول رياسة في أيام حكم بني أيوب باليمن وكانوا قد وفدوا على بلاد اليمن من مصر مع بني أيوب، أما جدهم رسول واسمه محمد بن هارون فقد كان أميناً في دولة الأيوبيين في مصر وينتهي نسبهم إلى جفنة بن عمرو الغساني الذي رحل من اليمن إلى بلاد الشام بعد خراب سد مأرب.
ولقد كان نور الدين بنوع خاص محل ثقة بني أيوب وعندما استخلفه الملك المسعود الأيوبي على اليمن وقبض على إخوته الذين ذكروا آنفاً، تخوف نور الدين من بني أيوب وخشي على نفسه منهم فأعلن الاستقلال بملك اليمن سنة ست وعشرين وستمائة([225]) وأسس الدولة الرسولية واتخذ من مدينة تعز عاصمة لمملكته وتلقب بالملك المنصور واستمد من الخليفة الظاهر بن الناصر العباسي النيابة عنه على اليمن وملكها فطار صيته وعظم أمره وسار إلى مكة لأداء فريضة الحج سنة ثلاث وثلاثين وستمائة([226]) وحارب عمال بني أيوب بمكة حتى أخضعهم وامتلكها ثم عاد منصوراً إلى بلاد اليمن. وفي سنة سبع وأربعين وستمائة([227]) قتلته المماليك غيلة في قصر الجند وكان قد استكثر منهم حتى بلغ عددهم ألف فارس ولقد كانت للسلطان نور الدين هذا مآثر عظيمة إذ أنشأ الكثير من المدارس.
وبعد وفاة الملك المنصور قام بالأمر بعده ابنه الملك المظفر يوسف بن عمر وكان حازم الرأي قوي الحركة ولقد طالت أيام حكمه باليمن وفتح ظفار الحبوظي بأقصى بلاد حضرموت وأخذها من يد سالم بن إدريس الحبوظي بعد أن جهز عليه جيشاً كبيراً حاصره من البر والبحر وسار بعد ذلك إلى مكة المشرفة لأداء فريضة الحج بقوة عظيمة من البر وكانت السفن الشراعية تسير بحذاء جنوده في البحر الأحمر واستولى على مكة وطرد منها أمراء بني أيوب.
وقامت بينه وبين أئمة اليمن حروب عظيمة وكان يستميل الأشراف من بني حمزة ويمنحهم المنح العظيمة ولقد قصده الأمير شمس الدين أحمد ابن المنصور بالله عبد الله بن حمزة إلى زبيد فقابله الملك المظفر بكل إجلال واحترام وجاء عيد الفطر وهو في ضيافة الملك المظفر فقال الأمير شمس الدين في مدحه قصيدة مطلعها:
لعل الليالي الماضيات تعود
فتبدو نجوم العيد وهي سعود
عفا منزل ما بين نعمان واللوا
وخرت به للراسيات برود
هواي بنجد والمنى بتهامة
متى تلتقي بالمتهمين نجود
فيا دارنا بين العيينة والحمى
هل الدار دار والزَّرُود زرود
ومنها:
ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفا
علمت بأن الهمّ ليس يعود
وأدنيت كفي من أنامل لم تُخنْ
عهودا ولم تُخلف لهن وعود
إلى آخرها.
وقال الكبسي: إن الملك المظفر أقطعه مدينة القحمة وجهز معه مائة فارس من المماليك وعاد إلى الجوف. وقد توفي الملك المظفر سنة أربع وتسعين وستمائة([228]) وكان يقال له «تُبع الأصغر» ومن مآثره جامع المظفر بمدينة تعز.
وبعد وفاة المظفر قام بعده ولده الملك الأشرف عمر بن يوسف وقد نازعه في بداية الأمر شقيقه داود بن المظفر وكان عند وفاة والده غائباً بالشحر فجمعه الجنود واستولى على لحج وعدن ولذلك جمع أخوه الملك الأشرف عساكره لمحاربته، واجتمع الفريقان في أبين وتمكنت عساكر الملك الأشرف من محاصرة داود وإلقاء القبض عليه بعد أن تفرق أصحابه فاعتقله الملك الأشرف في مدينة تعز سنة خمس وتسعين وستمائة([229]) وفي ذلك يقول تاج الدين موسى بن حسن الموصلي في قصيدة هنأ بها الأشرف:
ولولا أن ضرَّك منك قلنا
مقالاً منه تنفلق الصخور
ولكنا نرجي السخط منكم
يعود رضى وتنجبر الأمور
وتوفي الملك الأشرف سنة ست وتسعين وستمائة([230]).
وتولى بعده أخوه الملك المؤيد داود بن يوسف وكان رجلاً عالماً أديباً له شغف عظيم بالعلم والأدب جمع الكثير من الكتب النفيسة وألف كتاب «المعتمد» في الطب كما ألف كتباً أخرى غيره وقصده أهل الفضل من أقاصي البلدان وكان يكرم وفادتهم وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة([231]).
وقام بالأمر بعد المؤيد ولده الملك المجاهد علي بن المؤيد وقامت بينه وبين ابن عمه الظاهر بن المنصور حروب طويلة انتهت باستيلاء الملك المجاهد على البلاد ثم سار بعد ذلك إلى مكة لأداء فريضة الحج سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة([232]) وعاد إلى اليمن ثم سار إلى مكة مرة ثانية سنة إحدى وخمسين وسبعمائة([233]) ووقع بينه وبين أمير المحمل المصري خلاف كان من شأنه إلقاء القبض على الملك المجاهد وحمله إلى القاهرة وحبسه بالكرك ولكنه أفرج عنه سنة اثنتين وخمسين([234]) وعاد إلى اليمن وبقي بها إلى أن توفي سنة أربع وستين وسبعمائة([235]) وقد نزل في أيامه الإمام المهدي محمد بن المطهر إلى عدن في قوة عظيمة كما سيأتي الكلام على ذلك فيما بعد.
بعد أن توفي الملك المجاهد تولى بعده ابنه الملك الأفضل العباس بن علي وتوفي سنة ثمانٍ وسبعين وسبعمائة([236]).
وبعد وفاة الملك الأفضل قام بعده الملك الأشرف إسماعيل بن العباس الذي توفي سنة ثلاث وثمانمائة([237]) والذي كان آخر ملوك بني رسول ذوي الصَّولة والرياسة وكان هو الذي ألف علي بن الحسن الخزرجي المؤلفات النفيسة التاريخية بناء على إشارته وقد ذكره في خطبة كتابه «طراز أعلام الزمن» وفي أيامه قدم مجد الدين الفيروزآبادي إلى مدينة زبيد وشرع وهو مقيم فيها في تأليف كتابه «القاموس» وذكره في خطبة الكتاب. ومن مآثر الملك الأشرف إنشاء جامع الأشرفية بمدينة تعز وفي أيامه هاجم الإمام صلاح الدين علي بن محمد بني رسول في زبيد كما ستأتي الإشارة إلى ذلك وتولى بعده ابنه الملك الناصر أحمد بن الأشرف.
حدث في أيام الملك الناصر أن توفي الشيخ معوضة بن تاج الدين جد ملوك بني طاهر الذين سيأتي ذكرهم ووصل ابنه طاهر إلى الملك الناصر وكان بنو طاهر أمناء في دولة بني رسول في عدن وأطرافها وفي سنة تسع وعشرين وثمانمائة([238]) مات الملك الناصر وتولى بعده الملك المنصور عبد الله بن الناصر.
لم تطل أيام الملك المنصور إذ توفي سنة ثلاثين وثمانمائة([239]).
وقام بالأمر بعده ابنه الأشرف إسماعيل الذي خلعه الأمراء وأقاموا مكانه عمه الملك الطاهر يحيى بن إسماعيل.
وقد مات الملك الطاهر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة([240]) وولي الملك بعده الملك الأشرف بن إسماعيل بن الطاهر.
مات الملك الأشرف هذا سنة خمس وأربعين([241]) وثمانمائة وقد عارض هذا الملك أمراء آخرون من بني رسول ولكن لم يستتب لهم الأمر ولما رأى المشايخ بنو طاهر اضطراب الأحوال واختلاف بني رسول فيما بينهم صمموا على الاستقلال بملك اليمن ولكن قاومهم الملك المسعود أبو القاسم بن الأشرف بن الناصر بن الأشرف الذي كان مقيماً بعدن وقامت الحرب بينه وبينهم، وأخيراً انتصروا عليه وهزموا جيوشه وأسسوا الدولة الطاهرية.
دولة بني طاهر
من سنة 858 إلى سنة 933هـ
السلطان عامر بن طاهر
كانت للمشايخ من بني طاهر بن معوضة بن تاج الدين بن محمد بن سعيد بن عامر بن مسعود بن فهد بن وهب بن حرب القرشي رياسة في دولة بني رسول كما كانوا أمناء لسلاطين بني رسول ووكلاء عنهم في عدن وما جاورها من النواحي، ولقد اشتد ساعدهم وقويت شوكتهم عندما ضعفت دولة بني رسول فملكوا الحصون واستولوا على الخزائن والأموال وملكوا عدن سنة ثمانٍ وخمسين وثمانمائة([242]) وأخرجوا منها الملك المسعود بن الأشرف آخر ملوك بني رسول، وتولى الأمر منهم عامر بن طاهر الذي تلقب بالملك الظافر وناصره أخواه علي بن طاهر وداود بن طاهر وفتحوا كثيراً من البلاد اليمنية وجعلوا عاصمة ملكهم المقرانة من بلاد رداع.
ثم سار السلطان عامر بن طاهر لفتح مدينة صنعاء وكان بها الأمير محمد بن الناصر فسلمت له المدينة صلحاً على أن يبقى الأمر فيها مشتركاً بين محمد بن الناصر وعامل آل طاهر. على أن السلطان عامر بن طاهر لم يلبث أن طمع في الاستقلال بأمر صنعاء وبلادها فسار إليها سنة ثمانمائة وسبعين([243]) وحاصرها حصاراً شديداً وفي خلال هذا الحصار وصل النقيب محمد بن عيسى شارب من بعض الجهات وكان من كبار أصحاب محمد بن الناصر ومعه جماعة من الفرسان وتقدم بشجاعة واستبسال إلى معسكر عامر ولما عرف ذلك أهل صنعاء خرجوا لفك الحصار وهاجموا رجال السلطان عامر ونهبوا معسكره واستولوا على الإبل وما عليها ولما علم السلطان عامر بهذه الهزيمة التي مُني بها جيشه مات غمًّا وقيل إنه أصيب بسهم ذهب بحياته وانهزم أصحابه.
وقام بالأمر بعده شقيقه الملك المجاهد علي بن طاهر وكان كيساً حكيماً فأعرض عن الفتن وأحسن السياسة وتدبير شؤون المملكة وبنى الكثير من المساجد والرباطات ومات بمدينة جُبن من بلاد رداع سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة([244]).
وتولى الملك بعده ابن أخيه الملك المنصور عبد الوهاب بن داود بن طاهر ومات سنة أربع وتسعين وثمانمائة([245]) ببلد جُبن.
وقام بالأمر بعده السلطان عامر بن عبد الوهاب وتلقب بالملك الظافر وفي بداية حكمه تم الصلح بينه وبين الأمير محمد بن الناصر. وقد امتد نفوذه حتى شمل بلاد تهامة وغيرها وعظم شأنه وفي سنة سبع وتسعمائة([246]) تقدم نحو مدينة ذمار فأخذها ثم يمم مدينة صنعاء وحاصرها وعندئذٍ وصل الإمام محمد بن علي الوشلي والأمير محمد بن الحسين الحمزي لفك حصار المدينة ومناصرة محمد بن الناصر وشنوا الغارة علة الأمير محمد البعداني رئيس أصحاب السلطان عامر وهزموه ونهبوا معسكره فعاد إلى اليمن الأسفل، وفي سنة عشر وتسعمائة أعاد السلطان عامر الكرة على صنعاء بجمع وافر من الجند ونصب لمحاصرتها العرادات والمُنجنيقات وكان ذلك في أيام الأمير أحمد بن الناصر وعندئذٍ أقبل الإمام محمد بن علي الوشلي والأمير محمد بن الحسين الحمزي لشد أزر أحمد بن الناصر وأحاطا بجنود السلطان عامر ولكن السلطان عامراً تغلب عليهما وأسر الإمام محمد بن علي الوشلي وحبسه في صنعاء بعد أن فتحها عنوة حتى مات في حبسه كما هزم الأمير محمد بن الحسين الحمزي.
ولما استولى السلطان عامر على صنعاء استسلم له الأمير أحمد بن الناصر فنقله السلطان عامر إلى مدينة تعز هو وطائفة من أصحابه وحبسهم بها وبعد فتح صنعاء تقدم السلطان نحو بلاد حاشد وامتد نفوذه في كثير من بلاد الجبال ووصل إلى ظفار داود المشرف على ذي بين واقتلع منها صروف الذهب وأخذها معه إلى المقرانة. وسوف نتكلم في الفصل القادم عن غزوة المقرانة التي قام بها المطهر بن شرف الدين وإعادة صروف الذهب كما كانت.
وفي سنة إحدى وعشرين وتسعمائة([247]) ظهرت بوادر زوال دولة آل طاهر عندها خرجت طائفة من الجراكسة من قبل ملك مصر السلطان قانصوه الغوري ونزلت في جزيرة كمران في البحر الأحمر لمطاردة البرتغاليين وغيرهم وعند نزولهم في كمران طلبوا إلى السلطان عامر أن يرسل لهم الميرة من الطعام ولكنه منعها عنهم فخرجوا لقتاله من بندر اللحية وكانوا مسلحين بالبنادق النارية ولم تكن العرب قد عرفتها حتى ذلك الحين فذعروا منها وانهزموا بسببها شر هزيمة وهكذا فشل أصحاب السلطان عامر فشلاً ذريعا واستولت الجراكسة على زبيد وتعز ورداع وقتل عبد الملك بن عبد الوهاب شقيق السلطان عامر في معركة تعز كما قتل عبد الوهاب ابن السلطان عامر في زبيد وانهزم السلطان عامر وتقهقر إلى صنعاء وأراد التحصن بذي مرْمر ولكنه لم يصله وقتل حول مدينة صنعاء في شهر ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة([248]). ولقد قال القاضي الحافظ عبد الرحمن الديبع الزبيدي في رثاء السلطان عامر وشقيقه عبد الملك أبياتاً جاء فيها:
أخلاي ضاع الدين من بعد عامر
وبعد أخيه أعدل الناس بالناس
فمذ فقدا والله والله إننا
من الإنس والسلوان في غاية اليأس
ولقد كان السلطان عامر محسناً إلى القاضي عبد الرحمن الديبع كما ذكر القاضي ذلك في بعض مؤلفاته التاريخية وذكر في كتابه «فضل المزيد» ذيل بغية المستفيد في أخبار ما ياتي:
«لم يكن في الملك الظافر خصلة تُذم سوى تعرضه للوقف وأظن أن ذلك هو الذي كان سبباً لزوال دولته وما في يديه وأنا ناصح، والنصيحة من الدين لكل من يتولى أمور المسلمين من الملوك والسلاطين وسائر المتصرفين ألا يتعرض للوقف وأهله ولا يمنع من بذله الخ» وأنشد:
يا صاحبي لا تكلم
في الوقوف أولى وأصلح
فإننا ما رأينا
شخصاً تولاه أفلح
واضمحلت دولة بني طاهر بسبب الجراكسة ولم يبق منهم سوى عامر بن داود بن عامر بن طاهر في جهة لحج وعدن.
دولة الجراكسة باليمن
في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة([249]) خرجت من مصر طائفة من الجراكسة على رأسها الأمير حسين الجركسي من قبل السلطان قانصوه([250]) الغَوْري ملك مصر إلى جزيرة كمران لمطاردة البرتغاليين في البحر الأحمر ولما نزلت بالجزيرة المذكورة طالبت السلطان عامر بن عبد الوهاب بمعاونتها على جهاد النصارى ولكن هذا أبى ومنع عنهم المِيْرة ولذلك خرج الأمير حسين الجركسي في نحو ألف مقاتل من رجاله من بندر اللحية وانضم إليه الفقيه المقبول بن أبي بكر الزَّيْلعي صاحب اللحية وكذلك قام بمعاونته الشريف عز الدين بن دُرَيْب صاحب صبيا وأتباعهما من العرب كما خرجت طائفة أخرى من الجراكسة واتجهت نحو عدن وكان رجالها مسلحين بالبنادق النارية التي لم تكن العرب تعرف عنها شيئاً في ذلك الوقت ـ كما أسلفنا ـ ولذلك ذعرت أمامها عساكر بني طاهر وانهزمت في جميع المعارك التي وقعت بينها وبين الجراكسة الذين احتلوا زبيد، ودخلها الأمير حسين الجركسي هو ورجاله وكان قد وعدهم بأن يعطي كل واحد منهم مائة أشرفي. ولما جمع المال الكثير طالبوه بالوفاء بما وعد ولكنه خاف منهم وخرج من زبيد إلى بندر البُقْعة وركب بعض الزَّوارق إلى زيلع ومنها رحل إلى بلاد الهند وخلف على عساكر مصر أميراً اسمه بَرْسَبَاي الذي تقدم بهم إلى مدينة تعز ودخلها وقاتل فيها السلطان عامراً الذي دافع دفاع الأبطال ولكنه انهزم شر هزيمة بعد أن قتل أخوه عبد الملك وسار إلى صنعاء وقتل خارجها.
وسار الأمير برسباي بعد ذلك نحو رداع واستولى على مدينة المقرانة وعثر بها على أموال كثيرة، ثم تقدم نحو بلاد آل عمار ولكنه قتل بها. وعندئذٍ ولى الجراكسة عليهم واحداً منهم اسمه الإسكندر تقدم بهم إلى صنعاء، فدخلوها واستولوا على جميع ما فيها من أموال وانتهكوا الحرمات وسفكوا الدماء، وفي خلال تلك الأيام تقدم الإمام المتوكل على الله شرف الدين نحو حصن ثلا فأخذه من يد عامل السلطان عامر.
ولما علمت الجراكسة بذلك الأمر أرسلوا طائفة من رجالهم من صنعاء لقتاله وبينما كانوا يقومون بحصار ثلا وصلهم خبر دخول السلطان العثماني سليم بن بايزيد في أرض مصر ومقتل السلطان الغوري فسقطت في أيديهم وبادر أميرهم الإسكندر إلى جمع الناس بجامع صنعاء وأخبرهم بانتمائه إلى الدولة العثمانية، وإنما فعل ذلك مخافة أن يتخطفه الناس هو ورجاله ثم سار إلى زبيد ومعه الأموال التي كان قد جمعها وأقام بها حتى مات وتولى بعده أمر الجراكسة بزبيد الأمير أحمد الناخوذة وقد قتله الأتراك عند دخولهم بلاد اليمن أما بقية الجنود الجراكسة فقد انضموا إلى الأتراك.
وأما الطائفة التي كانت قد خرجت من صنعاء لقتال الإمام شرف الدين في ثلا فإنها عادت إلى صنعاء وزحف بعضها إلى بلاد بني بهلول ولكنها عادت مهزومة وثار عليها أهل صنعاء واضطروها إلى التحصن والاعتصام بالقصر وعندما رأى أهل صنعاء ذلك كاتبوا الإمام شرف الدين فبادر بالحضور إلى صنعاء على رأس بعض القبائل اليمنية وحاصر الجراكسة حتى خرجوا صلحاً إلى زبيد وفتحت اليمن أبوابها للإمام شرف الدين وولده المطهر. وقد ابتهجت صنعاء وأهلها بدخول الإمام شرف الدين بعد تلك الكوارث وأنشأ الشعراء في تهنئة الإمام القصائد البليغة.
من تاريخ اليمن الحديث
بويع الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين يوم الجمعة 20 ذي الحجة 1322هـ (1905م) وقد استطاع أن يفرض حصاراً شديداً على صنعاء، فاستسلمت له في العام التالي.
ولم يتمكن الوالي الجديد أحمد فيضي باشا من إصلاح الأمور فعزل وعين خلفاً له حسن تحسين باشا (عزل 1328: 1910م) ثم كامل بك متصرف تعز لثلاثة أشهر.
ولم يوفق محمد علي باشا في عمله فعين عزت باشا والياً، فاستطاع أن يعقد صلحاً مع الإمام يحيى في ذي القعدة سنة 1329 (1911م). وتتألف شروط الصلح من عشرين مادة نظمت العلاقات بين الإمام والسلطات العثمانية. اعترفت الحكومة العثمانية بموجبها بالإمام رئيساً للمذهب الزيدي وأعطته حق تعيين القضاة الزيديين بموافقة السلطان. وكان خلف عزت باشا الوالي محمود نديم بك (1331/ 1913، 1337/ 1918) آخر الولاة العثمانيين في اليمن. ودخل الإمام يحيى صنعاء في صفر 1337/ 1918 وأعلن نفسه حاكماً مستقلاً على اليمن.
وما أن أصبح الإمام سيد نفسه حتى وجد نفسه محاطاً بالمتاعب. فقد عاداه جميع جيرانه: الإدريسي في عسير والسعودي في نجد والانجليز في عدن.
وقذف الأسطول البريطاني الحديدة في 30 تشرين الأول 1918 واحتلها. وأرسلت بريطانيا في آب 1919 بعثة برئاسة الكولونيل جاكوب فأسرها عرب الصحراء ومنعوها من الوصول إلى صنعاء وأعادوها إلى الحديدة. وحاول الإمام بدوره مصافاة بريطانيا فأرسل القاضي عبد الله العرشي مندوباً له مقيماً في عدن. ولكن فوجئ الإمام في آخر كانون الثاني 1920 بتسليم الحديدة لخصمه السيد الإدريسي. فثار الإمام لهذا العمل واستدعى العرشي من عدن وشنَّ هجوماً على بعض المحميات كالضالع والشعيب والقطبي وغيرها واحتل البيضاء وأوفدت بريطانيا السير جلبرت كلايتون إلى صنعاء في العام التالي (1340/ 1921) لمباحثة الإمام إلا أنه لم ينجح في مهمته. وقام كلايتون بزيارة ثانية لصنعاء في 24 كانون الثاني 1925 واستمرت مفاوضاته مع الإمام قرابة الشهر دون أن تؤدي هذه المفاوضات إلى نتيجة مرضية. وشنّت قوات الإمام حملات جديدة على المحميات ولجأ بعض الشيوخ إلى عدن. وقامت الطائرات البريطانية بغارات على مدن اليمن في أيلول 1927 وتموز 1928. وجرت محاولة أخرى في أيلول 1928 لتسوية العلاقات بين الإمام وبريطانيا وتم وضع صيغة لمعاهدة بين الطرفين في تشرين أول 1931 إلا أن بريطانيا لم توقعها إلا بعد ثلاثة أعوام في صنعاء في 26 شوال 1352/ 11 شباط 1934 وتبودلت وثائق الإبرام في الرابع من أيلول. ونصت مواد المعاهدة السبع على اعتراف بريطانيا بالإمام يحيى ملكاً مستقلاً على اليمن وتعهد الفريقان باتباع سياسة صداقة وحسن جوار وتخطيط الحدود وتسوية المشاكل بالمفاوضات. وعقدت معاهدة جديدة بين الطرفين عام 1951 دون أن تؤدي إلى حل الخلاف على الحدود.
وكانت علاقات الإمام مع الدول الأجنبية الأخرى أكثر صفاءً من علاقاته مع بريطانيا. فقد سبقت اليمن جميع أقطار العالم العربي إلى توقيع معاهدة مع الاتحاد السوفياتي في 17 جمادى الأولى 1347/ 1 تشرين الثاني 1928. وتجددت العلاقات مع الاتحاد السوفياتي فعقد الإمام معه معاهدة صداقة في 15 ربيع الأول 1375/ 31 تشرين الأول 1955 ومعاهدة تجارية في العام التالي. وكان الإمام قد عقد في 15 ذي القعدة 1351/ 12 آذار 1933 معاهدة تجارية مع هولندا تعهد بموجبها الطرفان «بمعاملة رعايا وسفن ومنتجات بعضهما البعض معاملة الدول الأكثر رعاية» وعقد معاهدة مماثلة مع بلجيكا في 23 رمضان 1355/ 7 كانون الأول 1936 ومع أثيوبيا (الحبشة) 17 ذي الحجة 1352/ 22 آذار 1935 ومع فرنسا في 3 صفر 1355/ 25 نيسان 1936.
وسعت فرنسا إلى توثيق علاقاتها مع الإمام فأوفدت عام 1342/ 1923 بعثة تسعى لنيل امتياز بمد خط حديدي بين صنعاء والحديدة. ودخل الإمام في علاقات ودية مع الجمهورية التركية أوائل 1345/ 1927 فأرسل أحمد أفندي الإنسي ممثلاً له في تركيا كما وصل اليمن محمد نديم بك (آخر الولاة العثمانيين في اليمن) ممثلاً لتركيا الجديدة. ولم تقم علاقات بين الإمام والولايات المتحدة الأمريكية إلا عام 1365/ 1946 حينما عقدت معاهدة تجارية بين البلدين. واعتبر النص العربي هو النص المعتمد في جميع هذه المعاهدات.
وكانت إيطاليا أكثر الدول اهتماماً باليمن وغدت أوثقها علاقة بالإمام. فقد وصل صنعاء عام 1345/ 1927 السنيور غاسباريني حاكم أرتريا الإيطالي وعقد معاهدة مدتها عشر سنوات اعترفت فيها إيطاليا باستقلال اليمن وأعرب فيها الإمام عن رغبته باستيراد الآلات من إيطاليا. وقام ولي العهد سيف الإسلام أحمد بزيارة رسمية لإيطاليا في العام نفسه. وجددت المعاهدة الإيطالية عام 1936 وقدمت إيطاليا لليمن بعض الأسلحة والطائرات.
وسعى الإمام إلى توسيع مملكته فأرسل قواته لاحتلال مناطق غير زيدية واحتلت قوات الإمام مأرب ونجران وتوغلت في عسير واحتلت الحديدة وبعض تهامة. وسبب هذا التوسع خلافاً مع سلطان نجد الذي كان يتوسع بدوره في نفس الاتجاه. وفشلت الجهود للوصول إلى حل الخلاف الوهابي ـ الزيدي فنشب القتال بين الفريقين ثم انتهى الأمر بعقد معاهدة الطائف في العشرين من أيار 1934. وكانت هذه المعاهدة معاهدة أخوة لا معاهدة فرضها المنتصر على المهزوم. وانضم الإمام في نيسان 1936 إلى معاهدة الأخوة العربية بين السعودية والعراق وأرسل ابنه إلى لندن في المباحثات حول القضية الفلسطينية.
وازدادت علاقات اليمن مع العالم العربي والعالم الخارجي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد اشترك في مباحثات الوحدة العربية التي بدأها النحاس باشا ووقع على ميثاق الجامعة العربية عام 1945. وأصبح اليمن عضواً في هيئة الأمم المتحدة في أيلول 1947. ودخل اليمن في الثامن من آذار 1958 في اتحاد فدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة.
وازدادت المعارضة في داخل اليمن على طريقة الإمام في الحكم. ووصل عدن في منتصف أيار 1944 عدد من اللاجئين السياسيين اليمنيين الذين شكلوا جماعة الأحرار اليمنيين وأصدروا جريدة فتاة الجزيرة. وازداد نشاطهم في العام التالي بعد أن انضم إليهم ابن الإمام الأمير سيف الإسلام إبراهيم. وقام ولي العهد في نيسان 1946 بزيارة إلى عدن مؤملاً إقناع حكومتها بكبح هذه الحركة. ولكن فشلت هذه المساعي. وتوحدت الهيئات اليمانية المناوئة لحكم الإمام وشكلت الجامعة اليمنية الكبرى وأصدرت جريدة صوت اليمن. وقامت مؤامرة في صنعاء أدت إلى مقتل الإمام يحيى ووزيره وحفيده واثنين من أولاده يوم الثلاثاء السابع عشر من شباط 1948، وبويع في اليوم التالي عبد الله الوزير إماماً وأبلغت الجامعة العربية والملك السعودي بذلك.
وكان ولي العهد أحمد عند مقتل أبيه مقيماً في (تعز) فاستعد أولاً لحماية تعز ثم تركها ومعه قوة محدودة على عدة سيارات عن طريق حبس فزبيد فبيت الفقيه فالحديدة، فكان يتوقف في كل مكان ريثما يكسب به الموقف ويفرض شخصيته القوية ويستثير عواطف الناس لمقتل أبيه حتى بلغ الحديدة، على أنه كان قد أبرق إلى عبد الله الوزير يحثه على حفظ الأمن في صنعاء، ثم غادر الحديدة متجهاً إلى صنعاء فلما وصل إلى (باجل) تلقى جواب الوزير بهذا النص:
من أمير المؤمنين الهادي عبد الله الوزير إلى الأخ سيف الإسلام أحمد حفظه الله، نعزيكم وأنفسنا بوفاة والدكم الإمام يحيى رحمه الله وعلى أثر وفاته أجمع ذوو الحل والعقد على اختيارنا للإمامة وكلفونا بالقيام بها فلم يسعنا نظراً إلى الموقف إلا الإجابة مكلفين غير مختارين، فليكن منكم الدخول فيما دخل فيه الناس ولكم لدينا المكانة والاحترام والسلام.
فكان جواب أحمد أن أعلن نفسه إماماً في باجل، وبث هذا الإعلان ببرقيات ورسائل وتلقب بالمؤيد بالله الناصر، وأجاب عبد الله الوزير بالبرقية التالية:
من أمير المؤمنين المؤيد بالله الناصر أحمد ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى ابن أمير المؤمنين المنصور بالله محمد بن يحيى ابن رسول الله إلى الناكث الذليل الحقير عبد الله وزير لقد ركبت مركباً صعباً عن طريق الغدر والخيانة وإنك ستسقط إلى الهاوية في القريب ذليلاً حقيراً وإني زاحف إليك بأنصار الله الذين سترى نفسك تحت ضرباتهم معفراً فريداً ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله والعاقبة للمتقين والله المستعان.
ثم أرسل رسله ورسائله وبرقياته إلى العشائر والأعيان يعلن إمامته ويستصرخ الدين والغيرة للأخذ بثأر الإمام يحيى مهولاً الحادثة وأنها فاقرة في الإسلام وأن الوزير تآمر مع النصارى والكفار على قتل الإمام وبيع اليمن إلى النصارى.
ثم توجه نحو (حجة) وكان وهو بالحديدة أرسل إلى الملك السعودي عبد العزيز رسالة يعلمه بالحادث وأن خطورته لا تقف عند اليمن لأن الثورة ومقتل أبيه الإمام يحيى وليدا حركة من يسمون أنفسهم بالأحرار والإخوان المسلمين، وكلاهما خطر على العروش والأسر والملوك وعلى الدين، طالباً من عبد العزيز أن يتناسى ما كان بينهما من خلاف فاليوم غير الأمس، وأنه سيكون له ابنا إذا رضي أن يكون له أباً مستمداً منه النجدة والمؤازرة.
وأرسلت رسالة أحمد من الحديدة على سيارة إلى (جيزان) مرفقة بكتاب من حسين الحلالي أمير الحديدة إلى أمير جيزان وأخرى إلى عبد العزيز. وقد ارسلت رسالة الأمير أحمد وكتاب الحلالي من جيزان إلى الرياض باللاسلكي. فقام عبد العزيز وقعد وأمر أمير جيزان بأن ينجد الأمير أحمد بكل ما يطلب، فلم يصل أحمد إلى (حجة) ويستقر بها حتى كان أمير جيزان قد أرسل إليه أوائل النجدة ذخيرة ومالاً وجهاز لاسلكي، مصحوب ذلك برسالة من عبد العزيز معلماً إياه بالمؤازرة حاثاً إياه على خوض المعركة باستبسال، واعداً بالمساعدة حتى آخر نفس وريال.
وعمد إمام الثورة عبد الله الوزير إلى إرسال حملتين عسكريتين لصد تقدم الأمير أحمد، إحداهما إلى عمران حجة والثانية إلى شبام حجة، ففشلت الحملتان فشلاً ذريعاً مما قوى موقع أحمد وجعل منه الحاكم الفعلي لقبائل الشمال والشرق والغرب، وقوّى شك القبائل اليمنية الأخرى في الثورة والإمام الوزير، وراح معظم أعيان القبائل الجنوبية يتصلون بأحمد ويتقربون إليه ما عدا قبائل رداع ومراد والبيضاء وأصبحت صنعاء في نهاية الأسبوع الثاني للثورة في موقف تكاد فيه أن تنقطع صلتها بالقسم الجنوبي والغربي، وأمام زحف يهددها من الشمال ومن خولان([251]).
ويصف عبد الله المجاهد الشماهي صاحب كتاب (اليمن، الإنسان والحضارة) أن من في صنعاء كانوا في شاغل عن ذلك قائلاً فيما قال: «إن الانتصارات المبكرة والتأييد الشامل المبكر حجب عن قادة الثورة ذلك الخطر».
ويقول أيضاً: «طغت في الأسبوع الأول والثاني للثورة موجة التزاحم على المناصب والكراسي والوظائف والمكاسب تزاحماً اكتسح التفكير والخطط التي كان ينبغي أن تتخذ لحماية الثورة من الأخطار المحدقة بها فإذا بصنعاء ودار ضيافتها بابل الثانية تتبلبل فيها ألسن المطامع المستغلة والبلاهة الثورية والمكايد المندسة وسمومها».
ويقول: «أصبحت صنعاء ولم يمض على عمر الثورة إلا أسبوعان في أمر مريج من داخلها ومعرضة لحصار خانق من خارجها».
ويقول: «فلم يكن أمام الشباب وطبقة المنتسبين إلى الثقافة والسياسة إلا إرسال سيول من البرقيات وكتلات من الرسائل إلى الإمام الوزير ومجلس الوزراء في صنعاء يطالبون فيها بإقامة المشاريع والمساواة في الوظائف وإصلاح جهاز الحكم إلى ما هناك من مطالب قد فات أوانها ونسف الموقف الحربي في الشمال بنيانها».
وبينما كان (الإمام) أحمد (وسنطلق عليه لقب الإمام لأنه كان قد أعلن إمامته كما تقدم) ـ بينما كان يدير أموره ويعد العدة للوصول إلى صنعاء، كان انقلاب داخل قصر غمدان على الثورة يعده أولاد الإمام يحيى المحجوزون في مكان مستقل في القصر، فاستطاعوا الاتصال بأنصارهم في صنعاء وفي القصر نفسه وبأخيهم الإمام أحمد والنجاح في السيطرة على القصر الذي كان فيه إمام الثورة عبد الله الوزير فطلب الامان واستسلم لهم مع رفاقه فأودعوا السجن. وتقدمت القبائل المحاصرة لصنعاء فدخلتها وأباحتها نهباً. وسيق زعماء الثورة ورجالها إلى حجة فأعدم منهم فيها عشرون منهم إمام الثورة عبد الله الوزير، وتسعة في صنعاء وتعز.
وهكذا قضي على هذه الحركة وأصبح سيف الإسلام أحمد إماماً بلا منازع.
وقام سيف الإسلام عبد الله على أخيه أحمد سنة 1945 وأجبره على التنازل، ثم نجح أحمد باستعادة ملكه للمرة الثانية.
أما في اليمن الجنوبي فقد تطورت الأمور تطورات مصيرية فمن اتحاد بين سلطناته إلى ثورة مسلحة إلى استقلال خرج فيه آخر جندي بريطاني منه في 30 تشرين الثاني سنة 1967 وظهرت به دولة جديدة مستقلة استطاعت أن تضم الأقسام الإدارية المكونة لأقسامه في دولة مركزية واحدة بدلاً من السلطنات والمشيخات المنفصلة بعضها عن بعض، وبدأت في تطوير المؤسسات الحكومية وأنشأت مؤسساتها الخاصة المدنية والعسكرية وأقامت علاقات دبلوماسية على النطاق العالمي.
وبدأ التفكير بتوحيد شطري اليمن: الشمالي والجنوبي، فطوراً يتقارب الرأي، وطوراً يتباعد إلى حد الحرب بين الشطرين.
وفي 20/2/1972م سقطت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استدرج الجنوب عدداً كبيراً من مشايخ الشمال وقضى عليهم في مأدبة غداء على طريقة (محمد علي والمماليك) مع الفارق تكنولوجياً. ومنذ ذلك اليوم بدأت طبول الحرب تدق في الشمال واستمر التصعيد بين الشطرين حتى بلغ ذروته يوم 27 أيلول/ سبتمبر 1972م، عندما عبرت القوات الشمالية التي كان أغلبها إن لم تكن كلها من الجيش الشعبي «القبائل» خط الحدود بين الشطرين.
لقد كان للقيادة تحفظات كثيرة على الحرب، ولم تشترك قوات الشمال النظامية في هذه الحرب بصورة فعالة إلا عندما قامت بإخراج القوات الجنوبية من مدينة قعطبة والاستيلاء على جزيرة كمران. وتجدر الإشارة إلى أن القوات الشمالية قد عجزت عن تحقيق أي هدف عسكري مرسوم لها، ولذلك فإنه بينما كانت جامعة الدول العربية تبذل مساعيها لإيقاف الحرب جرت مكالمة هاتفية بين رئيسي وزراء الشطرين اتفق خلالها على وقف إطلاق النار تحت إشراف الدول العربية والالتقاء في القاهرة يوم 21 تشرين الأول 1972 لبحث سبل تحقيق الوحدة بين الشطرين.
وفجأة بعثت الوحدة اليمنية على المستوى الرسمي من بين دخان الرصاص ودوي المدافع، عندما وقع الشطران على اتفاقية القاهرة يوم 28 تشرين الأول 1972م وبيان طرابلس يوم 28 تشرين الثاني 1972م.
وجاء بيان طرابلس بين الشطرين في 28 تشرين الثاني 1972 ينص على «إقامة دولة واحدة في اليمن، عاصمتها صنعاء، وتهدف الدولة إلى تحقيق الاشتراكية مستلهمة من التراث العربي الإسلامي، وإقامة تنظيم سياسي موحد يضم كافة فئات الشعب المنتجة صاحبة المصلحة في الثورة للعمل ضد التخلف وميراث العهدين الإمامي والاستعماري».
صدام 1979
وبيان قمة الكويت
ولكن حادثة الاقتتال بين الشطرين تكررت في شباط 1979م ولم تحقق أية فوائد تذكر للطرفين بقدر ما عمقت العداء بين أجهزة السلطتين، وعقدت أكثر فأكثر عملية التواصل الشعبي بين أبناء الشعب اليمني، وظهرت مجموعة من الإجراءات غير القانونية والشرعية للحد من عملية التواصل الطبيعي بين الشطرين.
وجاء بعد ذلك اجتماع الشطرين في الكويت (آذار 1979) والذي تمخض عنه وقف الاقتتال بين الشطرين والعودة إلى مشروع الوحدة اليمنية حيث نص البيان على: «قيام اللجنة الدستورية بصياغة دستور دولة الوحدة خلال فترة أربعة أشهر».
وبصدام العام 1979 سقطت مقولة تحقيق وحدة الأرض والشعب اليمني بواسطة الحرب، وظهرت مقولة تحقيق وحدة الأرض والشعب بالطرق السلمية والديمقراطية.
لقد تمخضت الأعوام من 1980 ـ 1986 عن التقاء رئيسي الشطرين في عاصمتي اليمن (صنعاء وعدن) وتم بحث سبل تحقيق الوحدة اليمنية، إلا أنه لا يمكن ذكر شيء ملموس في هذا الطريق أكثر من «إنشاء المجلس اليمني الاعلى بقيادة رئيس الشطرين وشركات النقل البري بين الشطرين واتفاق بانتقال المواطنين بين الشطرين بحرّية».
إلا أن هذه الاجتماعات الدورية بين رئيسي الشطرين وسكرتارية المجلس اليمني الأعلى كانت صمام أمان في عودة الحروب من جديد بين الشطرين.
لكن أحداث 13 يناير في عدن جاءت لتضع حداً لكل ما تم الاتفاق عليه، وفي بداية الامر لم تعترف حكومة صنعاء بالحكومة الجديدة في عدن التي جاءت في أعقاب الأحداث برئاسة حيدر أبو بكر العطاس، بل احتضنت صنعاء علي ناصر محمد وعينته رئيساً شرعياً لليمن الديمقراطي يمارس سلطته من داخل صنعاء فأوجدت له إذاعة خاصة موجهة للجنوب، وصحيفة أسبوعية «كفاح الشعب» وأتاحت له حرية إصدار القرارات الإعلامية والصحفية الموجهة ضد عدن وحكامها، بل واستقبلت صنعاء كل النازحين من الجنوب وتبرر صنعاء ذلك «بأنهم ينتقلون بحرية بين أرجاء وطنهم الواحد» وازدادت بذلك مجموعة علي ناصر محمد لتصل إلى ما يقارب 30,000 ثلاثين ألف شخص، وفي العام 1987م رأت قيادة الشطر الشمالي من اليمن أن الفرصة مناسبة لطرح قضية إعادة الوحدة اليمنية على بساط بحث القضايا المركزية بين الشطرين، وأنه يمكن احتواء النظام في الجنوب لتقديرات سياسية نشأت عن معلومات جديدة وفرتها مجموعة علي ناصر محمد وحسابات دول خارجية أخرى مفادها أن النظام في الجنوب يعيش بمعزل عن الشعب وأنه لا يوجد إجماع حزبي داخلي ووجود تناقضات داخل الحزب الحاكم «الحزب الاشتراكي» وأن هذين السببين هما لصالح النظام في الشمال الذي يقوده علي عبد الله صالح، وكفيلان بالسيطرة الكاملة على اليمن وتكوين دولة مركزية واحدة يذوّبان الحزب الاشتراكي في المجتمع ككل بعد فترة من الزمن، وقد طرحت القيادة السياسية في الشمال ثلاثة مخارج لحل المشكلة هي:
1 ـ الوحدة الفورية دون شرط.
2 ـ الانفصال النهائي والاعتراف بوجود دولتين لشعب واحد.
3 ـ الحرب بين الشطرين.
وقد تعدلت هذه الصيغة في المشروع الذي حمله يحيى حسين العرشي وزير الدولة لشؤون الوحدة اليمنية في الشطر الشمالي إلى عدن في حزيران 1987 والذي حاول فقط أن يترجم الوحدة الفورية بفترة زمنية لا تزيد عن ثلاثة أشهر، تبدأ بإنزال الدستور ومناقشته وإقراره من قبل القيادتين، وتكوين المؤسسات الدستورية الوحدوية تمهيداً لإعلان دولة الوحدة اليمنية في 26 أيلول 1987.
ولكن الأيام مرت، وشيء من ذلك لم يتحقق في ذلك التاريخ. ولكن الوحدة قامت بعد ذلك وتم توحيد الشطرين على أنه لم يكن لليمن الجنوبي تاريخ مستقل عن اليمن الشمالي قبل القرن (التاسع عشر) إلا خلال فترات قصيرة من تاريخها السابق. فقد قامت دولة آل معن (412/ 1021/ 460 ـ 1068) الذين حكموا عدن ولحج وحضرموت وأعمالها إلى أن أخرجهم منها المكرم الصليحي. وقامت بعدهم في عدن دولة بني زريع الشيعية (467/ 1070 ـ 569/ 1173) التي قضى عليها الأيوبيون.
واتبعت عدن بعد ذلك إلى الأيوبيين (569/ 1173 ـ 625/ 1228) وبني رسول (626/ 1228 ـ 858/ 1453) إلى أن أقامت فيها دولة بني طاهر (858/ 1454 ـ 945/ 1538). وخضعت عدن بعد ذلك للولاة العثمانيين.
واستطاع أهل هذه المنطقة، رغم كونهم يمنيين، أن يبقوا أنفسهم مستقلين عن زيدية اليمن محافظين على سنيتهم الشافعية. وكانت دولة بني طاهر دولة شافعية وعلى نزاع مستمر مع الإمام الزيدي.
وتعرضت عدن لخطر البرتغاليين. وصد الطاهريون محاولات برتغالية ضد عدن (916/ 1510 ـ 920/ 1514) وساعدوا الحملة المصرية التي مرت بعدن عام 913/ 1507 في طريقها لحرب البرتغاليين. ولكن المصريين عادوا عام 922/ 1516 يحاولون احتلال عدن ففشلوا كما فشلت محاولة زيدية ضد عدن عام 942/ 1535. وأخيراً استطاع الأسطول العثماني انتزاع عدن والقضاء على الطاهريين عام 945/ 1538. وثار علي بن سليمان البدري وسيطر على عدن إلى أن قضى عليه العثمانيون عام 954/ 1547. وازداد نفوذ يافع حول عدن أوائل القرن 11/17. وقاوم اليوافع النفوذ الزيدي وأبعدوه عن عدن وساهموا في إجلائه عن حضرموت وأسسوا فيها الدولة القعيطية اليافعية.
وأعلن الشيخ الفضل العبدلي استقلاله في منطقة عدن عام 1145/ 1728 ملقباً نفسه بالسلطان. وخلفه ابنه عبد الكريم (1155/ 1744 ـ 1180/ 1766) ثم حفيده عبد الهادي (1194/ 1780). ونازع عبد الهادي الحكم عمه محسن. وانتقل الحكم إلى فضل بن عبد الكريم (م 1207/ 1792) ثم إلى أحمد بن عبد الكريم (م 1243/ 1827). وتم في عهد الأخير عقد المعاهدة البريطانية الأولى.
وكان الاهتمام البريطاني بعدن قد بدأ قبل ذلك بقرنين. وترددت السفن البريطانية على عدن بين عامي 1021/ 1612 ـ 1027/ 1617. واحتلت بريطانيا جزيرة ميون (بريم) عام 1214/ 1799 ثم أخلتها لقلة الماء.
ولم يبدأ الاهتمام البريطاني الفعال بعدن والمحميات إلا بعد عام 1217/ 1802. فقد عقدت بريطانيا معاهدة مع السلطان أحمد بن عبد الكريم سلطان لحج في جمادى الأولى 1217/ 6 أيلول 1802 وتطورت الأمور بعد ذلك إلى ما تطورت إليه من سيطرة الإنكليز على عدن وما يحيط بها.
وفي اليمن الشمالي استمر الإمام أحمد في الحكم حتى وفاته.
وبعد وفاته تسلم الحكم ولده محمد البدر، فلم يلبث أن قام عليه انقلاب عسكري، فدارت في اليمن رحى حرب أهلية، إذ ناصرت القبائل محمداً البدر فأرسل المصريون حملة عسكرية لمناصرة الانقلابيين فطال الأمر ولم ينجح المصريون في حملتهم وتعقدت الأمور إلى أن تم التوافق بعد ذلك على قيام حكم جمهوري. ثم أعلنت في 23 أيار سنة 1990 الوحدة بين اليمنين الشمالي والجنوبي باسم الجمهورية اليمنية على أن تكون صنعاء العاصمة السياسية وعدن العاصمة الاقتصادية، وأخذت الجمهورية تشق طريقها في التقدم الحضاري والحياة الديمقراطية.
ولكن الوحدة أخذت في سنة 1994 تتعثر ووقعت اغتيالات سياسية، وصدامات عسكرية بين قوى الشمال وقوى الجنوب. وأدى الأمر في اليوم الخامس من أيار إلى أن يغير طيران الجنوب على صنعاء وأن تقوم الحرب بين الشمال والجنوب وتستمر المعارك بأهوالها حتى الثامن من تموز حيث أعلن توقف القتال بعد سقوط عدن والمكلا بيد الشماليين ولجوء زعماء الجنوب إلى عُمان والحجاز وجيبوتي فتوطدت الوحدة بين اليمنين.
كان عدد سكان الجنوب سنة 1967 حوالي مليون ونصف المليون، وعدد سكان الشمال أقل من خمسة ملايين، وفي سنة 1990 أصبح سكان الجنوب أقل من ثلاثة ملايين بينما تجاوز عدد سكان الشمال الأحد عشر مليوناً. وفي شباط سنة 1996 أعلن في صنعاء أن تعداد سكان اليمن يصل إلى 18,6 مليون نسمة. وبلغ معدل النمو السكاني 3,5 في المئة سنوياً وأن أكثر من 50 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة، ما يزيد الطلب على خدمات التعليم والصحة.
وأن 86 في المئة من سكان اليمن يعيشون في الريف ولا يزال ثلثا السكان يعيشون في تجمعات تقل عن 500 نسمة. وأشارت الإحصاءات إلى أن عدد الطلاب والطالبات في المراحل التعليمية ارتفع من 2,3 مليون طالب عام 1990 إلى نحو أربعة ملايين عام 2000 لكن الدولة لم تستطع تأمين متطلبات العملية التعليمية.
وتقدر نسبة الأمية في اليمن بحوالي 56 في المئة منها 76 في المئة في أوساط الإناث و 24 في المئة في أوساط الذكور ولا يزيد تعداد الملتحقين في برامج محو الأمية عن 50 ألف شخص في السنة الدراسية الحالية.
السكان يتضاعفون
حذر رئيس الوزراء اليمني من انفجار سكاني يواجهه اليمن ويضع عوائق عدة ويؤثر في جهود التنمية ويلتهم كل الموارد.
وقال في افتتاح الملتقى التشاوري لقادة الرأي وعلماء الدين البرلمانيين والإعلاميين في شأن دعم السياسات السكانية، إن المؤشرات الإحصائية تشير إلى وجود 37,5 ألف قرية و105 آلاف نقطة تجمع سكاني في اليمن مترامية الأطراف، وإن سكان الريف يمثلون 75 في المئة من إجمالي السكان.
وأوضح الأرياني أن الأمية في اليمن تبلغ في المتوسط 53 في المئة وترتفع عند الإناث إلى 73 في المئة، وأن 50 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة.
ويهدف الملتقى، الذي ينظمه المجلس الوطني للسكان، إلى تعميق قناعات قادة الرأي في اليمن بخطورة التزايد السكاني وضرورة تنظيم الأسرة.
وتحدث في الملتقى وزير التخطيط والتنمية قائلاً: إن النمو السكاني في اليمن يقدر بنسبة 3,7 في المئة سنوياً، وهي من أعلى النسب في العالم. وأضاف أن سكان اليمن يتضاعفون كل 18,7 سنة وأن عددهم حالياً يبلغ 17,7 مليون نسمة، وسيرتفعون في السنة 2017 إلى 35 مليون نسمة.
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن اليمن من بين البلدان الأعلى خصوبة في العالم، إذ يبلغ المعدل 7,6 طفل لكل امرأة. وقال تقرير التنمية البشرية لعام 1998 إن معدل استخدام وسائل منع الحمل في اليمن لا يتجاوز ستة في المئة. وتأمل السياسة السكانية اليمنية إلى خفض معدل النمو السكاني في السنة 2006 إلى 2,6 في المئة من خلال برامج توعية وتثقيف تدعمها المنظمات الإقليمية والدول المانحة.
36 مليون نسمة
سكان اليمن سنة 2020
وجاء في دراسة حديثة أن عدد سكان اليمن ارتفع من 14,9 مليون نسمة عام 1994 إلى 18,5 مليون نسمة حالياً بمعدل نمو سنوي 3,5 في المئة وسيصل إلى 36 مليون نسمة سنة 2020.
وأوضحت دراسة أعدها المدير العام لتنمية الموارد البشرية في وزارة التخطيط والتنمية اليمنية عبد الله هزاع «أن السياسات السكانية التي انتهجتها الحكومة اليمنية في التسعينات أدت إلى خفض بسيط في معدل النمو وانخفاض معدل الخصوبة والوفيات لكن ذلك لم يؤثر على احتمال تضاعف السكان إلى 36 مليون نسمة سنة 2020».
ولاحظت الدراسة أن اليمن يواجه تحديات كبيرة بسبب تزايد السكان أهمها تراجع استهلاك الفرد من المياه إلى 100 متر مكعب سنوياً وعجز شبكة المياه العامة عن تغطية أكثر من 27 في المئة من حاجة السكان. وحذرت من مخاطر الزيادة السكانية على فرص التعليم الأساسي إذ يتعين على الدولة أن تؤمن مقاعد دراسية لـ 4,3 مليون تلميذ سنة 2010، ويعني ذلك التوسع في عدد الفصول الدراسية إلى 320 ألف فصل وزيادة عدد المدارس إلى 35 ألف مدرسة سنة 2020.
وأشارت الدراسة إلى أن الأعباء المالية المطلوبة لمواجهة ارتفاع أعداد الملتحقين بالتعليم الأساسي فقط تصل إلى 252 مليون دولار في السنوات الخمس المقبلة بمعدل 50,4 مليون دولار سنوياً من دون تكاليف الصيانة والتشغيل.
وشددت الدراسة على أن النمو السكاني سيؤدي إلى تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل بمعدل مليون شخص من خلال ارتفاع القوى العاملة من 4,6 مليون شخص سنة 2000 إلى 5,9 مليون شخص سنة 2005.
وقالت الدراسة إن شبكة الخدمات الصحية لا تغطي حالياً سوى 40 في المئة من السكان ولا تزيد حصة كل ألفي نسمة عن سرير واحد.
وكشف تقرير أولي عن نتانئج مسح لموازنة الأسرة في اليمن أن متوسط الإنفاق الشهري للأسرة العام الماضي بلغ 28138 ريالاً (نحو 188 دولاراً)، فيما بلغ متوسط إنفاق الفرد 3865 ريالاً (نحو 25 دولار).
وقال التقرير الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء إن نسبة الإنفاق على الغذاء بلغت 65 في المئة من إجمالي الإنفاق العام، حيث وصل إلى 18310 ريالات، فيما قدرت نسبة الإنفاق على السلع والخدمات غير الغذائية 35 في المئة.
ولاحظ التقرير تزايد الإنفاق في الحضر عن الريف بالنسبة للأسرة والفرد بسبب أنماط الاستهلاك، مشيراً إلى أن الأسرة في الريف تنفق على الغذاء ما نسبته 69 في المئة، ما يعني أن معظم السكان الذين يتمركزون في الريف يتعرضون للحرمان من مستويات الحياة المطلوبة في حدودها الدنيا. ووفقاً للتقرير فإن مجموعة الحبوب ومشتقاتها تحتل المركز الأول بين مجموعات السلع الغذائية بنسبة 24,2 في المئة وبمتوسط إنفاق شهري 4432 ريالاً للأسرة على مستوى الجمهورية.
ويحتل التبغ والقات المرتبة الثانية في السلع الغذائية بنسبة 17,3 في المئة، فيما تأتي اللحوم في المرتبة الثالثة بنسبة 11,3 في المئة.
وكان الإنفاق على المياه المعدنية والمشروبات الأدنى بنسبة 1,3 في المئة.
وفي الحضر يتصدر القات والتبغ المرتبة الأولى قبل الحبوب بنسبة 19,8 في المئة.
ولفت التقرير إلى أن الإنفاق على المسكن يتصدر مجموعة السلع والخدمات غير الغذائية بنسبة 17,24 في المئة تليه مجموعة مواد الوقود والإضاءة بنسبة 16,06 في المئة ثم مجموعة الإنفاق على النقل والاتصالات بنسبة 12,93 في المئة، في حين لم يتجاوز الإنفاق على السلع المعمرة للترفيه 0,76 في المئة. وأظهر التقرير أن الإنفاق على المسكن يرتفع في الحضر إلى 32,88 في المئة بينما يرتفع الإنفاق على الوقود والإضاءة في الريف إلى 20,03 في المئة.
وقال إن قوة العمل في اليمن تمثل 25 في المئة من إجمالي السكان في حين تبلغ نسبة المشتغلين 92,5 في المئة من قوة العمل. وأشار إلى أن نسبة قوة العمل في إجمالي القوة البشرية تظهر انخفاض نسبة السكان المنتجين والراغبين في العمل والباحثين عنه حيث يترتب على ذلك انخفاض نسبة السكان النشطين اقتصادياً إلى 39,7 في المئة، ما يرفع معدلات الإعالة في المجتمع.
الطباعة في اليمن
في القرن التاسع عشر الميلادي
كان الحجاز واليمن ولايتين عثمانيتين في فترة ظهور الطباعة فيهما، وكانت سيطرة العثمانيين على الحجاز ثابتة متواصلة دون انقطاع منذ حلولهم فيه في عام 923هـ = 1517م، في حين راوحت سيطرتهم على اليمن بين مد وجزر إلى أن تم لهم الاستيلاء عليه مرة ثانية في عام 1289هـ = 1872م عقب افتتاح قناة السويس عندما رغبت الدولة العثمانية في نشر نفوذها في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية للحد من النفوذ البريطاني فيها، ويشير أحد الباحثين إلى أن افتتاح القناة شجّع الدولة العثمانية على إعادة النظر في سياستها العربية بقصد تقوية نفوذها في الجزيرة العربية، فأرسل الباب العالي رؤوف باشا على رأس قوة حربية لضم اليمن إلى الدولة …، وكان وصول العثمانيين (إلى صنعاء) في السادس عشر من شهر صفر سنة 1289هـ، الموافق 26 أبريل سنة 1872م.
وكانت الأوضاع الثقافية والفكرية فيهما متفاوتة من حيث النشاط والقوة، ففي الحجاز كانت هناك حركة نشطة، تمثلت في وجود حلقات للدرس العلمي في المسجد الحرام، ومدارس نظامية رسمية أسسها العثمانيون، من بينها المدرسة الرشيدية، إضافة إلى مدارس وكتاتيب أهلية أسسها أشخاص من أبناء المنطقة، وظهر في الحجاز في الفترة المحددة لهذه الدراسة مجموعة من العلماء والأعلام الذين وضعوا مؤلفات في اللغة والدين والأدب، نشروا بعضها في مناطق مجاورة، وعلى وجه الخصوص في مصر.
أما اليمن، فكان الوضع الثقافي والفكري فيه متردياً بصفة عامة، كما يشير إلى ذلك عبد الواسع بن يحيى الواسعي بقوله: «في أيام الأتراك كانت المعارف والعلوم في غاية الانحطاط مع الفتن …». ومع ذلك لم يخل اليمن من أعلام من العلماء الذين أسهموا بتأليف كتب في معارف شتى، أدركوا الفترة التي تركز هذه الدراسة على موضوع الطباعة خلالها، من بينهم محمد ابن أحمد الأهدل (ت 1298هـ) ومحمد بن حسن فرج (ت 1306 هـ)، وأحمد بن محمد الجراخي (ت 1316هـ)، والحرزي صاحب رياض الصالحين.
أما فيما يخص موضوع هذه الدراسة، وهو ظهور الطباعة وتطورها في شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي: فإن المعلومات المدونة المتوافرة لا تزال غير وافية، ولا تقدم صورة واقعية عنها. ورغم الملاحظة السابقة، إلا أننا يمكن أن نؤكد على وجود معلومات كافية موجزة مفيدة عن الطباعة والنشر في المنطقتين المدروستين، من بينها ما كتبه الفيكونت فيليب دي طرازي، وخليل صابات، ومحمد ماهر حمادة، ودليل الصحافة. وفيما يخص اليمن تأتي دراسة عبد الله الزين على شيء من التفصيل والتوضيح الذي لا نجده في غيرها، أما الحجاز، فقد أورد معلومات طيبة عن وضع الطباعة فيه كل من رشدي ملحس، ومحمد الشامخ، وأحمد بن محمد الضبيب، ويحيى ساعاتي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تتبع وضع الطباعة في المنطقتين بشكل موحد، بحيث يتم التعرض لنشوء الطباعة فيهما، والحديث عن الوضع الإداري والفني الخاص بهما، وكذلك الإشارة إلى ما طبع فيهما بشيء من التفصيل، اعتماداً على الدراسات السابقة التي أشرت إلى أسماء مُعديها، وكذلك اعتماداً على الفهارس والببليوغرافيات التي ضمت إشارات عن بعض ما طبع فيهما، وبالاطلاع على بعض الأعمال المنشورة نفسها التي قدر لُمعد البحث الوقوف عليها مباشرة.
نشأة الطباعة وتطورها
يعود تاريخ ظهور الطباعة في شبه الجزيرة العربية إلى سبعينات القرن التاسع عشر الميلادي، عندما أسس العثمانيون مطبعة في صنعاء عقب استيلائهم على اليمن مرة ثانية في عام 1289هـ = 1872م. ورغم اتفاق المصادر على أسبقية ظهورها في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية إلا أننا نجد اختلافاً واضحاً بين الدارسين في تحديد تاريخ تأسيسها.
والمتداول بين أوائل الذين عرضوا لتاريخ هذه المطبعة وأقدمهم جرجي زيدان عند حديثه عن جريدة صنعاء أن تأسيسها كان عام 1877م.
ثم تلاه الفيكونت فيليب دي طرازي عند حديثه عن الجريدة نفسها، وربط الاثنان التاريخ بجريدة صنعاء دون أن يخصا به ظهور المطبعة في اليمن، ودون أن يوردا أية معلومات تتعلق بمطبوعات ظهرت في اليمن قبل عام 1877م = 1294هـ.
غير أن خليل صابات يُعد أول من نص صراحة على أن عام 1877م = 1294هـ هو العام الذي عرفت فيه اليمن بداية الطباعة بقوله: على الرغم من تأخر هذه البلاد ثقافياً واجتماعياً فقد عرفت الطباعة منذ سنة 1877م، أي قبل أن تعرفها العربية السعودية بحوالي خمس سنوات، وقد أمر بإنشاء أول مطبعة السلطان عبد الحميد الثاني في مدينة صنعاء عاصمة البلاد.
ويؤكد عليه أيضاً محمد الشامخ الذي يشير إلى أن شبه الجزيرة العربية «لم تعرف الطباعة إلا في عام 1877م، وذلك عندما أسست الحكومة العثمانية المطبعة الرسمية في صنعاء باليمن».
كما أن الشامخ يشير إلى ذلك التاريخ في كتاب آخر له موضحاً أن السلطات العثمانية أصدرت صحيفة صنعاء في عام 1877م.
ووردت إشارة إلى أن بدايتها في عام 1877م في موسوعة المكتبات والمعلومات. وسار على المنوال نفسه محمد ماهر حمادة الذي يقول: الأتراك هم الذين أدخلوا الطباعة إلى الجزيرة العربية. وأول قطر عربي في شبه الجزيرة تدخله الطباعة هو اليمن، وكانت متأخرة في جميع المرافق … وتكاد تكون الأمية تامة في البلاد، ومع ذلك أصدر السلطان عبد الحميد أوامره بتأسيس أول مطبعة في صنعاء سنة 1877م.
ويذهب بنا الظن أن القائلين بهذا الرأي اعتمدوا جميعهم على ما أورده جرجي زيدان وفيليب دي طرازي، عندما جعلا هذا التاريخ بداية لتأسيس جريدة صنعاء. وخالف ثلاثة من الباحثين الرأي السابق فذهبوا إلى أن جريدة صنعاء تأسست في عام 1297هـ = 1879م. أولهم أديب مروة، الذي يقول: «أما في اليمن فلم تصدر قبل الحرب العالمية الأولى سوى صحيفة واحدة هي جريدة صنعاء التي صدرت عام 1879م …». وتبعه محمد سعيد العامودي، الذي أورد التاريخ ذاته، ثم محمد بن ناصر بن عباس قائلاً: «أما في شبه الجزيرة العربية، فإن أول جريدة صدرت كانت جريدة صنعاء، وكان صدورها في عام 1297هـ = 1879م».
ولم نقف في المصادر التي اطلعنا عليها على معلومة تساند الأخذ بهذا التاريخ، ولا نعرف المصدر الذي اعتمد عليه في إثباته، إلا أن يكون ناتجاً لرؤية عدد أو أعداد من جريدة صنعاء يعود تاريخها إلى ذلك العام.
وهناك رأي انفرد به مصدر واحد، جعل بداية ظهور جريدة صنعاء في عام 1292هـ = 1875م، وهو رأي غير مقنع، نظراً لعدم وقوف هذا المصدر على الأعداد الأولى من جريدة صنعاء.
وذهب بعض الباحثين العرب، وأغلبهم من اليمنيين، إلى أن التاريخ الحقيقي لبداية ظهور الطباعة في اليمن هو عام 1872م = 1289هـ أي العام نفسه الذي عاد فيه العثمانيون إلى اليمن مرة أخرى. فيذكر أحدهم: «أن الأتراك بعد جلائهم من اليمن عام 1918م تركوا خلفهم مطبعة كانوا قد أدخلوها إلى اليمن عام 1872م، وهي المطبعة التي كانت تسمى مطبعة الولاية».
وثبت هذا التاريخ في مصدر آخر ورد فيه أن اليمن ومعها شبه الجزيرة العربية عرفت «أول مطبعة في صنعاء عام 1872م، أي قبل إنشاء مطبعة الحجاز بخمسة أعوام …».
ويشير إلى التاريخ نفسه أحد الباحثين اليمنيين قائلاً: «أدخلت أول مطبعة سنة 1872م في بداية العهد العثماني الثاني للاستخدام الرسمي، وكانت أول مطبعة تنشأ في الجزيرة العربية، وكانت مطبعة صنعاء …».
كما يرد هذا التحديد لبداية ظهور الطباعة في اليمن في الموسوعة اليمنية وفقاً للنص التالي: «لم تعرف اليمن الصحافة المطبوعة إلا عام 1872م حين حمل الأتراك في غزوتهم الثانية لليمن مطبعة الولاية، وهي أول مطبعة تعرفها الجزيرة العربية».
ووفقاً لما ورد في المصادر السابقة، فإن تاريخ ظهور الطباعة في شبه الجزيرة العربية يعود إلى عام 1872م، وهو تاريخ يخالف المتواتر في المصادر العربية والأجنبية الأخرى، التي جعلته في عام 1877م على وجه التحديد، مع وجود آراء تجعله عام 1879م، و1875م، والملاحظ أن التواريخ الثلاثة الأخيرة تربط ظهور المطبعة بظهور جريدة صنعاء.
وعلى خلاف مطبعة ولاية اليمن التي تضاربت الآراء حول تحديد تاريخ إنشائها فإن تاريخ إنشاء المطبعة الثانية في شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي جاء واضحاً ومُحدداً دون أدنى خلاف عليها، فحسب ما تورده المصادر العربية والأجنبية التي وقفنا عليها فإن عام 1300هـ هو العام الذي شهدت فيه مكة المكرمة تأسيس أول مطبعة فيها، ويقابل ذلك ميلادياً 1882م أو 1883م، ولعل الاختلاف في تحديد التاريخ الميلادي يعود إلى أن 1300هـ يقابل 2 نوفمبر 1883م، والملاحظ أن جل الباحثين العرب جعلوا الموافق لـ 1300هـ، هو (1883م) في حين جعلها بعضهم ومن بينهم دائرة معارف المكتبات والمعلومات موافقاً عام 1882م.
ونظراً لعدم تحديد الشهر الذي أنشئت فيه المطبعة، فإن كلا التاريخين الميلاديين يمكن الأخذ بهما.
أسباب ظهور الطباعة
في اليمن قبل الحجاز
ومن المرجح أن ظهور الطباعة في اليمن قبل الحجاز يعود إلى أسباب، منها:
1 ـ العزلة الجغرافية لليمن وبعد موقعه عن مركز الخلافة، مما تطلب من الدولة العثمانية المبادرة إلى إنشاء مطبعة فيه لخدمة أغراضها الرسمية بالدرجة الأولى، ويؤكد على هذه الحقيقة عدم قيام هذه المطبعة بطباعة أي كتاب عربي والاكتفاء بنشر الجريدة الرسمية والتقويم السنوي للولاية باللغة التركية.
2 ـ قرب الحجاز من مركز الخلافة، وسهولة اتصال أهله بالمناطق المجاورة التي كانت تضم مطابع متطورة قياساً بالمتوافر منها في ذلك الزمن، يدل على ذلك ما نجده من عناوين نشرت لأعلام من الحجاز في مطابع خارج شبه الجزيرة العربية.
مطبعة صنعاء:
تنسب بعض المصادر الفضل في إنشاء المطبعة التي أسسها العثمانيون في اليمن إلى السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909م)، وممن أشار إلى ذلك خليل صابات ومحمد ماهر حمادة، وقد عرفت هذه المطبعة باسم مطبعة صنعاء ومطبعة الولاية، أو مطبعة ولاية اليمن، ويتبين من طريقة الإشارة إلى مسمى هذه المطبعة كما وردت على سالنامات اليمن عدم الاستقرار على مسمى واحد لها، فقد أشير إليها تحت مسمى مطبعة صنعاء في الأعداد (3، 4، 5، 6، 7، و8) بينما ذكرت بمسمى مطبعة ولاية اليمن في العددين الأول والثاني، وبمسمى مطبعة الولاية في العدد التاسع.
وكانت مطبعة متواضعة جداً من الناحية الفنية، يدل على ذلك النمط الطباعي الذي جاءت عليه سالنامة اليمن المنشورة عام 1298هـ، فورقها خفيف الوزن يميل إلى الصفرة، لعله من أرخص أنواع الورق الذي كان يستخدم في تلك الفترة وما قبلها، وبمقارنته بورق الطباعة الذي طبعت عليه بعض الكتب في إستانبول في فترات سابقة مثل كتب متفرقة، أو مطبوعات البحرية، يلاحظ سوء نوعيته، كما أن طريقة الصف والبنط الطباعي يقدمان دليلاً على رداءة العمل الفني في هذه المطبعة، في حين أنه كان متقدماً في مناطق أخرى من الدولة العثمانية، حيث ظهرت كتب متقنة الصف، ذات أبناط طباعية جيدة، ووصفت هذه المطبعة بأنها «مطبعة هزيلة»، وأنها كانت «صغيرة يدوية، لا تطبع أكثر من صفحتين صغيرتين في حجم خمسين سنتيمتراً طولاً واثنين وثلاثين عرضاً، وحروف تجمع وترتب باليد عن طريق العمال».
وكانت تضم عند تأسيسها جهازاً إدارياً وفنياً يتكون من العثمانيين.
والمعتقد أن المسؤول عن المطبعة في عام 1881م كان حميد وهبي الذي كان بمنزلة رئيس تحرير لجريدة صنعاء، ومشرفاً على تحرير سالنامة اليمن في بداية ظهورها، ونستدل على ذلك مما ورد على غلاف العدد الأول من سالنامة اليمن الصادر عام 1881م، حيث ورد النص التالي «محرري صنعاء غزته سي محرري ويدنجي أردوي، وهمايون تحريرات باش كاتبي حميد وهبي».
المطبعة الميرية:
أما مطبعة ولاية الحجاز فيعود الفضل في إنشائها إلى الوالي العثماني الوزير عثمان نوري باشا الذي عرف بمشاريعه الإصلاحية في الحجاز. وقد بنى لها مقراً مستقلاً في مكة المكرمة، حدد الكردي موقعه خلاف الحميدية، التي كانت بمنزلة المركز الإداري لوالي الحجاز، وذكر باحث آخر أنها كانت تقع بجوار المالية سابقاً، ولا شك أن إيجاد مقر مستقل لها يدل على اهتمام وعناية فائقتين بها، وأنها كانت مطبعة متكاملة إدارياً وفنياً.
وعرفت هذه المطبعة باسم المطبعة الميرية، ويشار إليها بهذا الاسم في جميع الأعمال العربية التي طبعت فيها، كما أطلق عليها مسمى مطبعة ولاية الحجاز ومطبعة الولاية في السالنامات التي طبعت فيها، وكذلك المطبوعات التركية التي كانت تنشرها.
وكانت في بادئ أمرها يدوية، وصفها محمد سعيد عبد المقصود بأنها عبارة عن (مكنة بدال صغيرة)، وأضاف بأن الحكومة التركية قد زودتها في عام 1352هـ = 1884 أو 1885م بآلة طباعة متوسطة، من النوع المعروف في المطابع بالفرنساوي مقاس 82 في 57 سم، وبعدها بعدة سنوات استحضرت مكنة حجرية مقاس 50 و70. وقد أشار رشدي لحس في عام 1347هـ = 1928م إلى الإصلاح الذي أدخل على هذه المطبعة في عام 1302هـ، فقال بأنه قد جلبت لها حينئذٍ ماكنة كبيرة وأدوات أخرى.
وورد في العدد الثاني من سالنامة الحجاز حديث عن الوضع الفني الذي كانت عليه خلال السنوات الثلاث الأولى لقيامها، فذكر أنها كانت تضم آلة طبع وكمية من الحروف، واثنين من الموظفين. ونتيجة تراكم المؤلفات التي كانت ترسل إلى الخارج للطباعة، فقد زودت بآلة طبع ذات عجلة واحدة، أحضرت من فيينا مع كمية وافية من الحروف، وزودت بحروف ملائمة لطباعة الكتب الجاوية، كما طلب لها آلة طبع خاصة لطبع الرسائل المتنوعة المشكلة، ودرب أبناء البلد خلال هذه المدة القصيرة على تعلم صف الحروف وتجليد الكتب.
ويبدو من إشارات الباحثين الذين تعرضوا لوصف هذه المطبعة أنها حظيت بعناية طيبة من قبل الحكومة العثمانية بهدف تطويرها وجعلها مناسبة لطباعة الكتب العربية والتركية والجاوية.
وعمل فيها من بداية تأسيسها مجموعة من الإداريين والفنيين، بلغ عددهم أحد عشر موظفاً في عام 1301هـ = 1883م.
مطبعة صنعاء:
اقتصر نشاط مطبعة ولاية اليمن على طباعة عناوين محددة جداً تصب في المجال الرسمي بالدرجة الاولى، وكان أول عمل صدر عنها كما يرى بعض الباحثين اليمنيين والعرب نشرة صغيرة عنوانها: يمن، كانت موجهة للعاملين في الإدارة العثمانية بولاية اليمن من عسكريين ومدنيين، وأن العدد الأول منها صدر في عام 1872م المقابل لعام 1288 هجرية شمسية، و1289 هجرية قمرية.
وكانت في البداية تعدُّ صحيفة الولاية، صدرت في أربع صفحات بحجم متوسط دون ذكر مكان الصدور ومسؤول التحرير، وهي تعدُّ أول ثمرة من ثمار المطبعة اليدوية التي أدخلها العثمانيون إلى اليمن. واهتمت هذه الصحيفة (يمن) بنشر القوانين وأهم أخبار العاصمة المركزية، كما اهتمت بالشؤون العسكرية، وكانت دون شك توزع بشكل محدود على أفراد الحاميات العثمانية والمسؤولين الإداريين، وقد صدر منها بعض أعداد ثم توقفت. وأشير إليها في مصدر آخر على أنها نشرة يمنية كانت باللغة التركية، وأنها حكومية، أصدرتها السلطات العثمانية عام 1872م في صنعاء، وأنها ظهرت في أربع صفحات متوسطة الحجم، وعملت على نشر القوانين وأهم أخبار الآستانة، وتوقفت بعد صدور أعداد قليلة. وعرفت في مصدر ثالث بأنها «نشرة دورية … خصصت لنشر قرارات وتعليمات الولاة الأتراك».
ولا تقدم لنا المصادر السابقة أية معلومات عن الأعداد التي صدرت من هذه المطبوعة أو تاريخ توقفها، مما يدفع إلى الظن أنها توقفت عقب صدورها بوقت قصير، وأن تأثيرها كان محدوداً، لم يتخط حدود الإدارة العثمانية، كما أن عدم وجود أية إشارة تخص مكان طباعتها وقصر فترة صدورها يدفع بنا إلى الافتراض أنها لم تطبع في اليمن، وأنها كانت تطبع خارجه في إستانبول أو غيرها، ثم تحمل إلى صنعاء لتوزع فيها على الهيئة الإدارية والعسكرية، وإن صح مثل هذا الافتراض، فهو يرجح رأي الذين جعلوا بداية ظهور الطباعة في اليمن عام 1877م = 1294هـ.
وكان المطبوع الثاني من حيث الترتيب الزمني في تاريخ الطباعة في شبه الجزيرة العربية هي صحيفة صنعاء التي يعرض لنشأتها أحد الباحثين قائلاً بعد خطاب العرش الذي ألقاه السلطان عبد الحميد الثاني في مارس 1877م ربيع الأول سنة 1294هـ، الذي أبدى فيه استعداده لإلغاء الرقابة على الصحافة وتشجيع نشوء الصحافة وحرية استمرارها، فقد أمر بإصدار صحيفة صنعاء كصحيفة رسمية لولاية اليمن أسوة بغيرها في الولايات. وقد ظهرت صحيفة أسبوعية سنة 1297هـ، الموافق 1878م، كانت تصدر كل يوم ثلاثاء، وكانت أول صحيفة تصدر في شبه الجزيرة العربية بناء على رغبة السلطان عبد الحميد الثاني بهدف خدمة المصالح الحكومية.
وقد وضع على رأس الصفحة الأولى على الجانب الأيمن ما يأتي: مدير المطبعة ومحررها شوقي افندي يلزم المراجعة لدائرة مكتوبي الولاية بخصوص الاشتراك وأمور تحريرها في داخل الولاية ثمنها عن سنة ثلاثة ريالات، وعن ستة أشهر ريال ونصف، وريال عن ثلاثة أشهر، قيمة النسخة الواحدة أربعة بارة. وكتب في الجانب الأيسر، وتخرج يوم الثلاثاء من كل أسبوع. والأوراق التي تعطى من الخارج إن كانت تشتمل على المعارف والأدبيات العائد نفعها للعموم تُقبل مجاناً وتُطبع، والاعلانات يؤخذ عليها أجرة. ولعل ما يورده عبد الله الزين هو أدق ما وقفنا عليه من معلومات عن هذه الصحيفة التي تضاربت المعلومات حول تحديد تاريخ تأسيسها الذي جعل عند أغلب الباحثين عام 1877م.
وفي الفهرس الموحد للصحف والمجلات المطبوعة بالحروف العربية في مكتبات إستانبول، أشير إلى أنها كانت تصدر أسبوعياً كل يوم ثلاثاء، ثم أصبحت تصدر يوم الخميس، وأن العدد الأول منها صدر عام 1292هـ ـ 1875م. وحدد بعض الباحثين تاريخ صدورها بعام 1879م، وهو يوافق عام (1297هـ).
ونخرج مما سبق إلى أن هناك أربعة تواريخ مختلفة تتعلق بفترة ظهور هذه الصحيفة، وهي 1875، و1877، 1878، و1879م، ولعل أكثر هذه التواريخ غرابة هو عام 1875م، رغم وروده في فهرس رسمي صادر عن هيئة إقليمية إسلامية، تزاول نشاطها في تركيا.
وكانت هذه الصحيفة تخدم أفكار الدولة العثمانية ومصالحها، وتطبع بالعربية والتركية في أربع صفحات كبيرة، ثم صدرت «في ثماني صفحات صغيرة بحرف جلي أكثر إتقاناً، أما عبارتها فكانت ركيكة، تدل على قصر باع كتَّابها في صناعة الإنشاء، ثم تحسنت قليلاً في السنين الأخيرة ويذكر مروة أنها كانت جريدة رسمية، يشرف عليها المتصرف العثماني وتنطق بلسان الدولة العثمانية.
وكما فصّل في الحديث عن نشأتها، والظروف التي أحاطت بتلك النشأة فصّل الزين في الحديث عن هذه الصحيفة، ووصفها بدقة قائلاً: وكانت تطبع في مطبعة الولاية باللغة التركية، وابتداء من العدد 248 صدرت باللغتين العربية والتركية وكان رئيس تحريرها وقت صدورها رجب أفندي، وفي بادئ الأمر ظهرت في أربع صفحات من حجم 46 في 31 سم، ثم طبعت بعد ذلك في ثماني صفحات ذات قطع متوسط، وكانت تهتم بنشر القوانين والمراسيم التي تصدر في عاصمة الولاية تحت عنوان باب حوادث الولاية، وتشتمل أيضاً على التعيينات السامية، وتحركات كبار القادة، ثم باب التوجهات، وهي عبارة عن نشرة أخبار التعيينات والتنقلات والوظيفية … وباب محكمة استئناف الولاية، وفي هذا الباب تنشر قرارات المحاكم … وكانت توزع على الإدارات والمصالح والقوات المسلحة، ونظراً لما كان يعتمل في نفوس اليمنيين من نفور تجاه العثمانيين لم يكن يقرأ هذه الصحيفة غير الأتراك المتعاطفين، وكانت تعد أداة الدعاية العثمانية في اليمن.
وكان أسلوب هذه الصحيفة في بداية أمرها أسلوباً شائعاً ودارجاً، مما يبين عدم كفاءة محرريها، وضعف قدراتهم، ولكن ما لبثت أن تحسن تحريرها وعرضها نوعاً ما … وابتداء من أوائل سنة 1302هـ غيرت يوم صدورها إلى يوم الخميس بدلاً من الثلاثاء دون أي تغيير في سياسة الصحيفة المستمدة من الوالي، إلا أن أسلوبها تحسن نوعاً ما، يضاف إلى هذا أنها أصبحت تنشر بعض الأخبار الرياضية …
وفي عام 1881م ـ 1298هـ ظهرت سالنامة اليمن التي كانت بمنزلة الكتاب السنوي الرسمي لولاية اليمن العثمانية. وطبع العدد الأول بطريقة بدائية على ورق أوروبي سيئ، وكتب على صفحة الغلاف ما يلي:
برنجي دفعه
يمن سالنامة سي
سنة هجرية
1298
محرري
صنعاء غزته سي محرري وبدغجي أردوي
همايون تحريرات باش كاتبي
حميد وهبي.
وكما يظهر من العنوان فقد أشرف على تحريرها المحررون في جريدة صنعاء برئاسة حميد وهبي، وتظهر المقدمة أن الهدف من ظهور السالنامة كان العمل على رقي اليمن وتقدمها، وجاء العدد الأول في 112 صفحة، إضافة إلى بعض الرسوم وخريطة واحدة.
ويوضح الزين الذي يطلق عليها اسم المجلة السنوية، أنها كانت تهتم بنشر الأنباء والإحصاءات الخاصة بالحياة في الولاية. وقد تضمن العدد الثالث الصادر في 1887م مقالاً رئيسياً، استمرت المجلة في الصدور باللغة التركية إلى غاية العدد السابع، وتأخر صدور العدد الثامن، إذ عمد مدير المطبعة الجديد الذي كان يعدّ رئيس التحرير إلى التأخير للتمكن من إصدار العدد باللغتين العربية والتركية … ويمكن القول إن التوزيع كان محدوداً في ولاية اليمن، فلم يكن يشمل سوى فئة محدودة من الأشخاص كالعسكريين والموظفين الأتراك في اليمن. ورغم أن أحد الباحثين يشير إلى أن مما صدر منها هو أحد عشر عدداً للسنوات 1298، 1299، 1302، 1304، 1305 حتى 1308، 1311، 1313، 1314هـ، إلا أن المرجح اعتماداً على سرد دقيق موثق لما صدر منها أنها اقتصرت على تسعة أعداد صدرت في الأعوام 1298 (1881م)، و1299 (1882م)، و1304 (1887م)، و1305 (1888م)، و1306 (1889م)، و1307 (1890م)، و1308 (1891م)، و1311 (1893م)، و1313 (1895م). وفيما عدا هذه الأعمال الثلاثة التي وفقنا على معلومات عنها، لا نجد أي مطبوع آخر أشير إلى صدوره عن مطبعة ولاية اليمن في أي مصدر من المصادر التي تناولت هذا الموضوع غير كتاب إيسماغوجي لأثير الدين الأبهري، نشر باللغة التركية عام 1309هـ (1892م) بترجمة إبراهيم خليل بن حافظ عبد الحميد مما يعني أن تلك المطبعة لم تنشر أي عمل عربي على شكل كتاب، ولعل الأمية التي كانت متفشية في اليمن هي السبب في ذلك، إضافة إلى شعور المسؤولين في الإدارة العثمانية بأن الكتاب المطبوع لا يمكنه مزاحمة الكتاب المخطوط الذي كان شائع الاستخدام في تلك الفترة بين المتنورين من اليمنيين، ويدل الاقتصار على طباعة الأعمال السابقة على أن الهدف منها كان إيصال المعلومات إلى العاملين في الإدارة العثمانية في صنعاء بالدرجة الأولى.
الخلاصة والنتائج
تخلص من هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج هي:
ـ أن الطباعة في شبه الجزيرة العربية وفقاً لاجتهادات بعض الباحثين، وأغلبهم من اليمنيين، بدأت عام 1872م اعتماداً على التاريخ المثبت على نشرة “يمن” التي لم يشر أي واحد من الذين تحدثوا عن وجودها إلى ما يثبت أنها طبعت في صنعاء وهو ما يدفع إلى التردد في اعتبارها مطبوعة يمنية، خاصة أنها لم تستمر طويلاً، ولم يشر إليها نهائياً في الفهرس الموحد للصحف والمجلات المطبوعة بالحروف العربية في مكتبات إستانبول، ولا في فهرس المطبوعات التركية بالحروف القديمة، ولا يعرف متى كان توقفها، كما لم يقدم لنا أي واحد من الذين تعرضوا لها ما يثبت أن أعداداً منها قد صدرت فعلياً، ويبدو لنا من خلال صورة العدد الذي نشره الزين في كتابه أن هذه النشرة هي عبارة عن إعلان صدر مرة واحدة فقط، لعله طبع خارج اليمن.
ـ أن عام 1877م هو العام الذي رجحه أغلب الباحثين الذين تعرضوا لهذا الموضوع مع ربط هذه البداية بظهور جريدة صنعاء.
ـ أن الطباعة في اليمن خلال القرن التاسع عشر الميلادي اقتصرت على إصدار جريدة صنعاء وتسعة أعداد من سالنامة ولاية اليمن، وكتاب واحد مترجم إلى التركية، وهو ما يعني أن تركيز مطبعة الولاية في صنعاء كان على الأعمال الموجهة إلى العاملين في الإدارة العثمانية، دون أدنى اهتمام بتطوير ثقافة السكان المحليين، وبالتالي لم يصدر عنها أي كتاب عربي في الفترة المحددة لهذه الدراسة.
ـ أن الوضع الفني لمطبعة الولاية في صنعاء كان متواضعاً جداً من حيث التجهيزات الآلية ومهارة الفنيين العاملين فيها ونوعية الورق الذي استخدم في نشر ما كانت تقوم بطباعته، ولم تحظ بأدنى اهتمام من المجتمع اليمني في تلك الفترة.
ـ أن أسبقية اليمن على الحجاز في ظهور الطباعة يعود إلى بعده عن مركز الدولة وصعوبة إيصال التعليمات إلى الرسميين العثمانيين في تلك الولاية التي كانت تعاني أيضاً عن عزلة جغرافية قياساً بالحجاز، مما دفع بالعثمانيين إلى الإسراع في تاسيس مطبعة خاصة فيه عقب الاستيلاء عليه في المرة الثانية.
الدكتور يحيى محمود الساعاتي
الفنون والحفريات
أقيم في بيت الفنانين المخصص للمعارض والاجتماعات في فيينا معرض عن اليمن تحت عنوان «الفن والحفريات في بلاد ملكة سبأ» عرضت فيه 600 قطعة أثرية. والمعرض افتتح في اليوم التاسع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 استمر لغاية الواحد والعشرين من شهر شباط (فبراير) من هذا العام. والمعرض يغطي حقبة طويلة من تاريخ جنوب الجزيرة العربية تبدأ بفترة ما قبل التأريخ مروراً بالعصر البرونزي وتنتهي عند دخول الإسلام حيث كان خلالها جنوب الجزيرة العربية ومنذ القدم مأهول السكان، وقد دلت الحفريات الآثارية على وجود ثقافة فيه منذ العصر الحجري وأن آثار اليمن ترجع إلى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد.
العدد المهم من المعروضات جيء به من اليمن، خصوصاً من المتحف الوطني بصنعاء، كما أعار المتحف البريطاني ومتحف الشرق الأدنى البرليني والمتحف الوطني لتأريخ الشعوب في ميونخ وكذلك المؤسسة الأميركية لدراسات الإنسان مقتنياتها، هذا بالإضافة إلى ما تملكه المتاحف النمساوية من آثار قيّمة من اليمن. من ضمن المعروضات عدد من القطع ذات الشهرة العالمية وكذلك ما هو جديد بعد الاكتشافات الأخيرة تعرض لأول مرة خارج اليمن وبعضها لم يعرض من قبل حتى في اليمن نفسها. والمعروضات تلقي الضوء على التطور الحضاري في جنوب الجزيرة العربية، وفي الوقت نفسه تؤكد بأن للعرب هناك منذ العصور الغابرة معرفة جيدة، ليس فقط في مجال الزراعة وبناء القصور والمعابد والسدود، وإنما أيضاً في مجال الفنون وأساليبها بما في ذلك التناسب بين العناصر ووحداتها. إن الاهتمام بالمعرض كبير وذلك لارتباط اسم اليمن بمخيلة الكثيرين، ليس فقط بسبب ما جاء في العهد القديم عن علاقة ملكة سبأ بالنبي سليمان، وإنما أيضاً لأنها أعطيت الاسم الذي تستحقه: بلاد العرب السعيدة (Arabia Felix)، حيث كتب عن جنوب الجزيرة العربية عدد من المؤرخين الأوروبيين ومنذ العقود الثلاثة الأولى قبل الميلاد، ابتداء من مؤلفات المؤرخ سترابو الذي كان بمعية الحملة الرومانية على جنوب الجزيرة العربية في العام 24/25 قبل الميلاد.
منذ زمن بعيد يعتبر اليمن بلد الأسرار، ومن اليمن انتقل عرش بلقيس إلى الملك سليمان، كما جاء في العهد القديم. وقد ذكرت في القرآن الكريم الممالك المزدهرة في جنوب الجزيرة العربية في عدة مواضع كما في سورة (سبأ) وسيل العرم، وقصة أصحاب الأخدود (سورة البروج، آية 4 ـ 10). فجنوب الجزيرة العربية خصوصاً، كان منذ زمن بعيد مقصد كثير من السياح والباحثين الذين جلبوا عدداً غير قليل من المقتنيات التي يعرض بعضاً منها المعرض الفْينَّاوي.
إن تأريخ البحث العلمي في تأريخ العرب القديم يدين بالكثير للمستشرقين الذين قدموا أبحاثاً جادة في مختلف الميادين وكذلك ما عثروا عليه من آثار ثمينة، من ضمنها نقوش عربية قديمة (حضرمية، سبئية، ديدانية، ولحيانية وثمودية) والتي يفتخر المعرض في عرض بعضها الآن.
لقد نجح العلماء منذ زمن في فك رموز الكتابة العربية الجنوبية وأطلقوا عليها اسم «الحروف الحميرية» والتي تضم بعضها رموز معينية وسبئية، وهذه الكتابة سميت بخط «المسند» أو بالقلم «المسند» وفي الخط المسند تبدأ الكتابات السبئية. إن اكتشاف بعض النصوص في اليمن كان ولا يزال ذا أهمية تأريخية كبيرة، لأن هذه النصوص تلقي الضوء على تأريخ بعض الملوك الذين حكموا جنوب الجزيرة العربية من دون تحديد للفترة الزمنية لحكمهم. ولكن التأريخ الحميري الذي كتبت به بعض النصوص يدلّ من دون شك إلى أن بداية التأريخ المدون بدأ في العام 115 قبل الميلاد.
إن تلك الكتابات، وفي المعرض عدد منها، ليست فقط محفورة على الحجر وإنما كانت أيضاً مدونة على جدران المعابد وعلى المباخر المصنوعة من المرمر وعلى الأدوات الأخرى ذات الاستعمال اليومي، ومن تلك المعروضات، على سبيل المثال لا الحصر، مقتنيات المتحف البريطاني ومنها مجموعة من النقوش عثر عليها في مدينة عمران واشتراها الضابط البريطاني «كوجلان»، وهي جزء من معبد «المقة» الذي يطلق عليه العرب اسم «محرم بلقيس».
أثارت كتابات «كارستن نيبور» عن رحلته إلى الجزيرة العربية رغبات عدد من الباحثين للقدوم إلى اليمن للتعرف إلى ما أشار إليه عن النقوش والرُقُم العربية والتي يمكن أن يُرى عدد منها في المعرض، وقد عثر عليها فيما بعد العالم جاسبار سيتزن. كما أثارت الاهتمام كتابات العالم غلاسر الذي زار سد مأرب ورسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود القديمة. إن الحضارة التي تطورت في جنوب الجزيرة كانت مرتبطة بالمعتقد الديني، فالمعرض يقدم عدة نماذج لمعابد، منها نموذج لمعبد مَعِين وكذلك بعض من أجزائها ومن ضمنها أهم نصب لـ «معبد يكرب» من النحاس، دقيق في تفاصيله وتنسيق أجزائه، هذا بالإضافة إلى عدد من مشاهد القبور التي تمتاز بتلوينها بالأبيض والأحمر على شكل مربعات وتعطي الإحساس بخصائص الفن الحديثة وتمثل بحد ذاتها شاهداً على التطور النوعي لحضارة جنوب الجزيرة العربية في مجالات عدة ومنها مجال فن النحت والزخرفة.
في مقدمة المعروضات ذات الشهرة العالمية تمثال من المرمر الأبيض سماه علماء الآثار باسم «مريم» أو «السيدة العذراء» يشعر المشاهد بجماله كأنه عمل من إنتاج أحد مبدعي الفن الحديث. كما وأن هناك بعض المنحوتات التي كانت أجزاء من البيوت ومنها تمثالان لراكبين على ظهر أسدين. وفي القاعة الأولى من العصر البرونزي هناك معروضات تمثل بعض السهام، وهناك أربع منحوتات من الحجر الكلسي لمقاتلين على شكل نحت ناتئ يمتاز بتصوير الملابس التي يرتديها الأشخاص والتي ما زال طرازها يستخدم في اليمن.
وعلى رغم عدم وجود الأنهار الجارية ووعورة الأرض اليمنية نفسها فقد استطاع الإنسان اليمني بعبقرية فذة أن يوسع الأرض المزروعة ويطور أنظمة الري بأساليب ما تزال تذهل العلماء إلى يومنا هذا. ولما كان الرخاء الاقتصادي في اليمن يعتمد على الحياة الزراعية وليس الرعي، لجأ اليمنيون إلى إنشاء السدود والخزانات والصهاريج التي تخترق جبالهم وذلك لحبس كل قطرة من مياه السيول وخزنها داخل السدود ثم إخلائها في جداول ري وقنوات لاستزراع الأراضي حسب الحاجة.
لقد شهد القرن التاسع قبل الميلاد تطوراً حضارياً عاشه عرب جنوب الجزيرة حيث عرفوا نظام الري، وتعتبر آثار سد مأرب ولحد الآن من المعالم المهمة التي يقصدها الباحث والسائح على حد سواء، وفي المعرض نموذج كبير يحتل وسط إحدى القاعات لسد مأرب يبيّن تفصيلاته.
والسد عبارة عن حائط ضخم مبني بعرض الوادي على زاوية منفرجة ويمتد من الجنوب إلى الشمال مسافة 650 متراً وفيه ثلاثة مخارج للمياه. سد مأرب أكبر عمل هندسي شهدته بلاد العرب في تأريخها القديم وقد تم إنشاؤه في القرن السابع قبل الميلاد وكان الغرض منه زيادة مساحة الأراضي الزراعية وخصوصاً حول مأرب، مما كان السبب في الإعلاء من شأنها وزيادة عدد سكانها ورخائهم. وكان المؤسسون الحقيقيون لسد مأرب «تبع أمر» وأبوه «سمه علي بنوف»، وقد أكتمل بناء السد في زمن «شهر يرعش» عند نهاية القرن الثالث للميلاد وبقي قائماً لمدة 1300 سنة تعرض خلالها أكثر من مرة للتصدع.
ومأرب تقع على مبعدة مائة كيلومتر إلى شمال شرق صنعاء الحالية وعلى ارتفاع 3900 متر على مستوى سطح البحر، وقد بنيت المدينة على شكل مستطيل ولها أربعة أبواب في كل جهة منها وقد بني سور المدينة من حجر البلق.
أما المملكة السبئية التي ارتبطت حضارة جنوب الجزيرة بها قبل غيرها حيث ذكرت في الكتب المقدسة وكذلك في حوليات الحضارات القديمة إذ وردت كلمة سبأ (Sabu) في نص سومري يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد بدأت هجرة القبائل العربية إلى جنوب الجزيرة، إلى معين وحضرموت في حدود 1500 قبل الميلاد. وقد جاء في المصادر الآشورية، كما في التوراة، أن المجتمع هناك كان مجتمعاً منظماً سياسياً واقتصادياً وله حكومة قوية منذ القرن العاشر قبل الميلاد وذلك كما جاء في النص القرآني الكريم في سورة (سبأ)، لأن النبي سليمان حكم في الفترة (960 ـ 922ق.م). وفي طبيعة المعروضات ذات الشهرة العالمية تمثالاً لأبرهة عليه نقش يصور إنجازاته، مطلقاً على نفسه الألقاب الملكية المعروفة لملوك سبأ. كما تعرض بعض من مواد البناء كالرخام والحجارة المنقوشة بالذهب وغيرها التي نقلها أبرهة من «قصر بلقيس» لكي يشيّد بها كنيسته «القليس» التي بناها في صنعاء والتي كانت سبب حملته في العام المعروف بعام الفيل (571م) على مكة المكرمة وذلك بغية صرف الحجيج عنها وتحويلهم إلى «القليس».
استفاد اليمنيون من موقع بلادهم الجغرافي فاحتكروا نقل البضائع والسلع والأطياب التي تأتي من الهند والحبشة إلى شواطئ جزيرة العرب فنقلوها إلى مصر والشام وبلاد ما بين النهرين، ويعد هذا الطريق التجاري أقدم الطرق التي عرفتها البشرية في حضاراتها.
فالقاعة الأخيرة تمثل الفترة الأخيرة في التأريخ اليمني وقبل دخول الإسلام، وفيها بعض المعروضات التي تمثل التأثير اليوناني والروماني على جنوب الجزيرة العربية.
كانت لممالك جنوب الجزيرة العربية سمعة كبيرة في ذلك الوقت لسيطرتها على طرق التجارة العالمية بين البحرين الأحمر والأبيض وغناها بالبخور والمر واللبان والصموغ وغيرها من المنتجات. وكان للمر والبخور أهمية خاصة في العالم القديم توازي أهمية الذهب والبترول في عصرنا الحاضر وهي من المقتنيات الثمينة إذ كانت تقدم للملوك وكانت من مستلزمات المعابد القديمة. علم الرومان بذلك كما علموا باحتكار اليمنيين لطرق النقل التجاري بين البحر الأحمر والأبيض المتوسط. ومن أجل تملك مصادر الغنى وجعل البحر الأحمر بحراً رومانياً، ومن أجل القضاء على المنافسة العربية، جهزوا حملة كبيرة من مصر بقيادة إيلوس غالليوس في العام 24/25 قبل الميلاد. لقد فشلت الحملة عند سبأ وباءت بالفشل الذريع فكانت انتكاسة شديدة لهيبة روما. كان بمعية الحملة المؤرخ سترابو ( 66 -24 ق.م.) الذي عاش في الاسكندرية لبضع سنوات وأصبح صديقاً لقائد الحملة غالليوس. وقد ذكر سترابو أن عدد العرب قد تضاعف على الضفة الغربية من البحر الأحمر حتى شغلوا كل المنطقة بينه وبين النيل من أعلى الصعيد، وكانت لهم جمال ينقلون عليها التجارة. وقد أكدت الاكتشافات الحديثة ما كتبه المؤرخ حيث تعرض بعض الآثار منها جمال محملة بالبضائع وغيرها.
الكشف عن «عرش بلقيس»
بعد 13 عاماً من أعمال الحفر والتنقيب والترميم حقّق خبراء الآثار والباحثون الألمان واليمنيون إنجازاً أثرياً تمثل في الكشف عن معبد «الشمس» السبئي المعروف تاريخياً بعرش الملكة السبئية الأسطورة «بلقيس» والذي افتتح رسمياً أمام الزوار في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في محافظة مأرب (170 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة صنعاء) ليصبح أعظم كشف أثري يحققه الأثريون في اليمن خلال قرن من الزمن.
ويعتبر الكشف أهم البراهين التاريخية على الحضارة السبئية في المنطقة بأكملها منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وتحديداً أواخر الألف الأول قبل الميلاد المواكبة لعصر الملكة «بلقيس» التي ظلت وعرشها ومعبدها أسطورة تاريخية، ونقوشاً أثرية، وصوراً متناثرة على أحجار «البلق» المهدمة وهي الملكة التي جلست على عرش الحضارة السبئية بعراقتها وقوة نفوذها الحضاري الذي امتد تجارياً وعسكرياً إلى مناطق القرن الإفريقي غرباً وبلاد الشام شمالاً حتى مصر وغزة وما وراء النهرين.
ومن أرض «سبأ» ومن فوق سماء عرش بلقيس ومعبد الشمس عاد «الهدهد» إلى النبي سليمان بالنبأ العظيم كما جاء في القرآن الكريم على لسان «الهدهد» عندما وجدها وقومها يعبدون الشمس من دون الله وهي تحكمهم ولها عرش عظيم …
وتشير النقوش والدلائل الأثرية إلى أن الحضارة السبئية كانت أول حضارة يمارس أهلها الشورى (الديموقراطية) منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وهو ما أكده القرآن الكريم على لسان الملكة «بلقيس» وهي تشاور الناس في رسالة سليمان التي يدعوها فيها إلى الدخول في دين الله.
قال تعالى في سورة النمل: ﴿قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون* قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾.
ويبدو معبد «الشمس» اليوم على أرض مأرب بأعمدته الستة وساحته وبيت الصلاة وأروقته الفسيحة معلماً بارزاً للحضارة السبئية القديمة إضافة إلى البوابة الخارجية المنحوتة من كتل صخرية يبلغ ارتفاع الواحدة منها أكثر من ثمانية أمتار، وكذلك الدرج الذي يؤدي إلى داخل المعبد والمقابل لمجمع العرش (عرش بلقيس) وفق نظام معماري فريد ونادر ومتين يوحي بالروعة والجمال وعظمة الحضارة في البناء والتشييد يخرج من تحت رمال ظلت تتراكم عليه آلاف السنين لتخفي واحداً من أهم معالم الحضارة القديمة في العالم.
وتميز العام 1999 بالاكتشافات الأثرية المهمة الأخرى. فعلى بعد نحو 3 كيلومترات من معبد «الشمس» في مأرب يستأنف فريق من الخبراء الأثريين الأميركيين أعمال التنقيب والحفر والترميم لمعبد «القمر» محرم «بلقيس» الذي يعتبره خبراء الآثار التابعون للمؤسسة الأميركية لدراسات الإنسان أعجوبة الدنيا الثامنة. ومن المتوقع أن تستمر أعمال الحفر الأثري في المعبد 12 عاماً وتكلف 12 مليون دولار. وسيكون جاهزاً لاستقبال الزوار بين عامي 2011 ـ 2012 ميلادية.
وفي هذا السياق أعلن فريق أثري فرنسي في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في صنعاء عن اكتشاف مقبرة أثرية كبيرة على مشارف الصحراء في جبل جدران شمال شرقي منطقة مأرب تضم 1500 قبر جماعي يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وكان الفريق الفرنسي بدأ أعمال التنقيب فيها أوائل العام 1999م وانتهى من الجولة الثانية أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وكُشف خلال ذلك 11 قبراً بتكويناتها ومحتوياتها من العظام البشرية والحلي التي كانت تدفن مع الموتى إضافة إلى بعض الأواني الفخارية.
عند مدخل مدينة مأرب يمتزج دفء الشمس، معبودة اليمنيين القدماء، مع حرارة استقبال رجال القبائل لضيوفهم وابتسامتهم الصافية القريبة من القلب والمعبرة عن الفطرة. ومع بدء الرحلة إلى مأرب تحتشد الرؤوس بأفكار رومانسية وخيالات ساحرة عن الملكة بلقيس التي ملأت شهرتها الآفاق وتناولتها الكتب السماوية بما فيها القرآن والتوراة.
ويعتبر اليمنيون ملكتهم الشهيرة بلقيس رمزاً وطنياً تاريخياً ينبغي الحفاظ عليه وحمايته. من هنا أعادت الحكومة اليمنية الشهر الماضي افتتاح عرش بلقيس أمام الزوار والسياح بعد أعمال ترميم وحفريات استمرت 15 عاماً بالتعاون مع معهد الآثار الألماني.
ويحرص السياح الأجانب على تضمين برنامجهم إلى اليمن زيارة إلى عرش الملكة بلقيس، وهو حرص يشاطرهم إياه المواطنون اليمنيون الذين ينظرون باهتمام إلى الإرث العريق الذي تركته أكثر النساء شهرة في تاريخهم.
مع ملكة سبأ العظيمة يجدد الزوار إعلان العشق والتقدير والزهو لسيدة أسست تراثاً عريقاً للديموقراطية والشورى وحق المرأة في تبوء أرفع المناصب. المنطقة المسماة بمعبد المقة برآن، والمحاطة بمزارع برتقال وموالح. تقول السِيَر التي تحكي قصة المعبد إن مدينة مأرب كانت عاصمة مملكة سبأ العظيمة ومركزها الاقتصادي والسياسي والديني لقرون كثيرة، وكانت المدينة مهد الحضارة السبئية التي كرمت بالذكر في القرآن الكريم.
وفي مقدمة معالم مأرب الشهيرة عرش بلقيس المعروف بأعمدته الخمسة وسادسها المكسور الذي يشهد على عدوانية الإنسان ضد تاريخه وحضارته. ومنذ عام 1888 أضحى معروفاً لدى الباحثين أن عرش بلقيس يعني التسمية الشعبية لمعبد سبئي قديم يتحدث عن المعبود السبئي المقة رب المعبد برآن. ويحذر النص الذي عثر عليه كل من يحاول نهب كنوز المعبد الفضية. وأما المقة فكانت ترمز إلى عبادة القمر أحد الكواكب السماوية، وأما برآن فهو الاسم السبئي القديم لقسم من الجنة اليسرى في أرض مأرب. وتقول المعلومات إنه في أيام الرحالة النمساوي إدوارد جلازر كان المعبد في حال أفضل لكنه استخدم في أربعينات القرن العشرين كمنجم للأحجار التي كانت تنهب منه وتحمل على عربات تجرها الثيران ليبني بها القصر الجديد لعامل مأرب. وعام 1951 أمر الإمام أحمد بالبحث عن الكنوز في المعبد من دون جدوى وعندما بدأ التنقيب في المنطقة عام 1988 لم يكن قد تبقى من المعبد سوى تل منخفض يرتفع عن الحقول المجاورة بنحو ثلاثة أمتار ويبرز في أعلاه صفان من الأعمدة تنتشر حولها أحجار البلق المنهدمة وبعض العناصر المعمارية المتكسرة.
ويقول المدير العام لمصلحة آثار مأرب إن المعبد الحالي بني فوق ثلاثة معابد يرجع أولها إلى القرن العاشر قبل الميلاد ويشتمل على بئر للمياه المقدسة، ونص بخط المسند القديم يتحدث عمن قام ببنائه مع ملحقاته.
ويشير إلى أن جدران المعبد مغطاة بلوحات زخرفية من المرمر ومرسوم عليها رسوم من الوعل والظباء.
ويوضح المدير أن البعثة الأثرية عثرت على نقوش وموائد وقرابين ومباخر برونزية وبعض العملات والأواني الفخارية والتماثيل الحيوانية للثيران والجمال والطيور، وهي كلها تغطي فترة زمنية محددة. ويشرح المدير العام آثار مأرب ومكونات المعبد بقوله إنها تشمل ثلاثة أجزاء: الأول، يطلق عليه قدس الأقداس، والثاني، فناء مكشوف محاط بأروقة، ثم سور من اللبن.
ولم يعرف بعد من أين أتى اليمنيون القدماء بالأعمدة الطويلة لعرش مأرب وبقية المعابد، والتي تم نحتها بأشكال مربعة ومسدسة ومثمنة رائعة. ويصل طول الواحد منها إلى 8,5 متراً ولكن الأعمدة الرخامية، كما يرجع المؤرخون، جُلبت من منطقة المخدرة في صرواح.
نقش سبئي بالخط المسماري في جدار سد مأرب
وتعرض المعبد لعمليات اعتداء واسعة ونهب أشهرها عام 24 قبل الميلاد، خلال حملة القائد الروماني جاليوس الذي فشل في احتلال مأرب فعمد إلى تكسير قنوات الري الممتدة من سد مأرب بالإضافة إلى بعض المعابد، ومنها معبد برآن. ويقرأ السيد المدير بعض أسماء الآلهة التي كانت تُعبد قديماً والموثقة في النصوص السبئية ومنها: عثتار وحميم التي تعني الشمس، وذات بعدان وغيرها، ويُترجم أحد النصوص الذي يقول: «هكذا شرعوا وأصدر عمي أمر كبير كهنة أقيال معبد برآم، وبموجب سلطة الإمام المقة، أن أي ماعز يرد أرض المعبد للرعي فليذبح ودمه شاهد عليه بمقتضى هذا المرسوم».
ويقول تقرير أعده خبراء الآثار الألمان: بوركهارد فوجت وفيرنر هربرج ونيكول رورينج الذين عملوا في المنطقة، على مدى سنوات طويلة، أن أحداً لا يعرف سبب إقامة المعبد في هذه المنطقة من مأرب، وهل اقتضت ذلك ظاهرة طبيعية مثلاً كصخرة ما، أو نبع ما أو توافق أبراج فلكية، على أن المعبد ربما شيد لأول مرة في القرن العاشر قبل الميلاد بما يوافق تقريباً عهد ملكة سبأ الشهيرة. ويشير التقرير إلى أن المعبد شيد على أربع مراحل ولا يعرف عن أولاها معلومات كثيرة لكن بناءه الثاني أقيم من حجارة قدت من صخر بركاني بقيت قائمة في حدود ثلاثة أمتار. وكان المبنى مستطيل الشكل وله ساحة متوسطة محاطة بصف من الغرف الصغيرة عددها خمس في الطرف الشرقي، ورواقين في الشمال والجنوب. وكان في الوسط، وتحت أرضية المعبد الحالية، بيت الصلاة. وتدل كسر الفخار التي عثر عليها أن المعبد الثاني أنشئ في مطلع الألف الأول قبل الميلاد وأنه ظل قائماً حتى الربع الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد.
ويستطرد التقرير الألماني: «عندما بلغت مملكة سبأ أوج ازدهارها في أواخر القرن السادس قبل الميلاد شيد المبنى الرابع على أنقاض المباني السابقة وجرت توسعته بإضافة فناء فسيح، فأصبح بذلك مجمعاً فخماً يتيح المساحة الكافية لإقامة الاحتفالات للمعبود السبئي. وكان المعبد الرابع يرتفع عن سطح الأرض بنحو 15 متراً ويتألف من مساحة معبدة وبيت للصلاة في الوسط وأروقة بأعمدتها في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية، وأمام الواجهة الغربية شيدت البوابة الخارجية لتشكل معلماً بارزاً بأعمدته الستة التي نُحت كل منها من كتلة صخرية واحدة».
ولاحظ علماء الآثار الألمان أن فترة إنشاء المبنى الرابع للمعبد ارتبطت مع دلائل نقشية مدونة في الساحة الأمامية بخط المسند السبئي، وأقدم تلك النقوش كتب على طريقة سير المحراث وقدم نذوراً للمعبود السبئي.
وتنقش النذور غالباً على موائد القربان وأحجار البلق المنهدمة وغيرها من أحجار البناء الكلسية. والنذور المقدمة للمعبد تكون غالباً متعددة كأن تكون قطعاً من الأرض أو البساتين، أو حسب اعتقاد الناس، مما يعكس نفوذ المعبد وأهميته في الحياة الاقتصادية.
وكان الدخول إلى المعبد في هذه الفترة حكراً على أولي المراتب العليا من أهل البلاط ونفر من الطبقة العليا في المجتمع السبئي، ومن هؤلاء من أسهم بسخاء في تجهيز أروقة الساحة الأمامية. فمثلاً القين «وهو إداري ذكرت النقوش أنه عمل مع حكام سبأ مثل تدع إيل ويثع أمر وكرب أيل»، أما العامة فلا يسمح لهم، كما يبدو، بدخول حرم المعبد وكانوا يضعون قرابينهم المصنوعة من الفخار على امتداد واجهة الساحة الأمامية.
وبعد القرن الثاني للميلاد تزايد إهمال المعبد على رغم العثور على نقوش متكسرة تذكر ملوك سبأ وذي ريدان في منتصف القرن الثالث الميلادي. ومع نهاية القرن الرابع لم يعد المعبد متنسكاً يفد إليه الناس، وهذا ما يوافق الدلائل النقشية التي عثر عليها في أنحاء شتى من اليمن، والتي تشير إلى أن حكام اليمن في الفترة 380 للميلاد لم يعودوا يحبذون الوثنية وإنما اتجهوا إلى ديانات التوحيد كالمسيحية واليهودية.
تبدأ زيارة المعبد من خلال درج يوصل إلى منصة أعدت على ركيزة حجرية ومن عندها يمكن رؤية الوحدات المعمارية للموقع كله. وأول ما يلفت نظر المشاهد الفروق الكبيرة في الارتفاع، وهو أمر يمكن تفسيره من خلال وجود تراكم متتالٍ للبقايا الأثرية وترسبات التربة الزراعية.
وهناك منشآت طينية تنقسم إلى غرف صغيرة ولها وظائف متعددة وفي مكانها عثر على الختام الجصية التي كانت تختم بها الجرار المعدة للنقل والتخزين وكان يختم عليها في الغالب علامة المنتج واسمه أو اسم المالك.
وفرضت الساحة الأمامية نفسها في المعبد مذ أضيفت إليه أواخر القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، مما زاد في أهميتها ذلك السور الذي يحيط بها والذي بني من أحجار كلسية صفت بعناية.
وبقي السور في بعض الأماكن قائماً بارتفاع يصل إلى أربعة أمتار وما زال بعض أحجار السور يحمل نقوشاً سبئية نذرية أو إدارية. وتحيط بالساحة الأمامية في جهاتها الأربع أروقة تقوم على أعمدة مؤلف كل منها من كتلة حجرية واحدة وما زالت قواعدها بادية إلى اليوم.
وكانت تقوم على امتداد الجدران الخلفية للأروقة مصاطب من البلق، وفي داخلها عثر على عظام للغنم والماعز، وهي الماشية التي كان يضحى بها في المعبد خلال عملية البناء.
وتقع البئر السبئية في وسط الساحة تقريباً وأسفل الدرج الكبير للمعبد. ويعود تاريخها إلى القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد، وأعلاها مكعب وفوقها حجر جيري كبير. وللبئر نقش يتحدث عن تقديم البئر هدية للمعبود المقة كما يذكر اسم البئر «نبطم» وعناصرها الإنشائية وبعد حفرها تبين أنها مطوبة بحجارة كلسية وأن عمقها يزيد على 18 متراً.
ويمكن الوصول إلى أعلى البئر عن طريق درج يوصل إليه من الناحية الغربية. ويوجد، أعلى حجر البئر، ثمانية ثقوب صغيرة مستطيلة الشكل وظيفتها تثبيت جهاز المسنى لحجر الماء من البئر. ويتضح ذلك من خلال آثار الحبال في الطرف الشمالي من الحجر. وكان الماء يصب على الحجر في أعلى البئر ثم يسيل من خلال فتحة برونزية صغيرة إلى ميزاب بشكل رأس الثور، ومن ثم يصب الماء في حوض أسفل منه وأخيراً يسيل الماء في حوض مستطيل الشكل.
ويقول العلماء الألمان إن الاعمدة الستة، التي بينها عمود مكسور، تعد الرمز البارز لمعبد بلقيس والتجسيد الحي للعمارة اليمنية قبل الإسلام.
وأقيمت تلك الأعمدة بهندستها العجيبة على مصطبتين متدرجتين. ويبدو أن النصف الشمالي للمصطبة قد رمم في فترة بداية التقويم المسيحي، كما تدل على ذلك الحجارة التي أعيد استخدامها والعناصر المعمارية الأخرى. أما الأعمدة الضخمة بتيجانها المزخرفة فهي الاعلى بين ما عثر عليه في اليمن القديم، غير أن أفاريزها مفقودة وتميل قليلاً باتجاه المعبد، وهي بذلك تعزز الطابع التذكاري للمبنى كله، كما تضيق المسافات بين صفوف الأعمدة. ولهذا كان على المتنسكين أن يطوفوا حولها حتى يتمكنوا من الدخول إلى بيت العبادة.
وتكمن أهمية هذا العمل الإنشائي الدقيق أنه صمد عبر القرون، ولم ينهر حتى خلال الهزات الكبيرة ومنها زلزال عام 1982 الذي ضرب المنطقة.
ويبلغ وزن كل عمود 13 طناً.
وهناك معبد أوام، الذي يبعد بضعة كيلومترات عن موقع عرش بلقيس. تصريحات عالم الآثار ورئيس البعثة الأثرية للمؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان بيل غلانزمان، التي قال فيها إن معبد القمر الذي ما زال نصفه مدفوناً في الصحراء هو أعجوبة الدنيا الثامنة، وسيجتذب سياحاً من كل حدب وصوب. إن الاكتشاف ينطوي على احتمالات سياحية عالمية، وقد يعادل في الأهمية أهرامات الجيزة في مصر وأطلال بومبي في إيطاليا، والاكروبليس في اليونان. إن الموقع متخم بالقطع الفنية والفخاريات والنقوش ما يفتح باباً جديداً إلى الحضارة القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية.
إن معبد أوام شهد أول عملية تنقيب عام 1952 على يد ويندل فيلبس العالم الأمريكي المعروف، الذي أوصى شقيقته بمواصلة العمل للبحث عن كنوز مدينة بلقيس التي دون بعضها في كتاب يحمل الاسم نفسه، ويشير إلى أن معبد أوام كان يحج إليه الناس في أيام محددة من السنة قبل آلاف السنين.
وعند الاقتراب من المعبد يلاحظ الزائر أنه دائري الشكل ما يعزز دوره كبرلمان عريق في الديمقراطية السبئية المعروفة. غير أن الرمال التي تهاجمه من دون هوادة جعلته مطموراً تحت الأرض، بما في ذلك الحفريات التي تمت في الخمسينات والتي استهدفت صالة مدخله فقط.
وفي مقدمة المعبد ثمانية أعمدة عملاقة تشبه الموجودة عند عرش بلقيس تماماً، وألحقت به مقابر كثيرة كشفت، كما يقول المدير العام للآثار في مأرب عن وجود بقايا لنحو 180 جثة. ويلاحظ وجود نقوش ورسوم لوجوه شخصيات سبئية تم دفنها مع متطلباتها حسب المعتقدات القديمة.
والطريف أن من بين الوجوه شخصين ملامحهما مصرية بحتة، حسب إفادة علماء الآثار، الامر الذي قد يكشف مستقبلاً عن روابط ما بين الحضارتين اليمنية والمصرية.
إن الكثير من النقوش في المعبد سمح بمعرفة الكثير من الجوانب التاريخية كما ساعد للغاية في إعداد قائمة الملوك السبئيين.
ويلاحظ الزائر حجم الإهمال والتباطؤ الذي يعتري استكمال عملية التنقيب وإزاحة الأتربة والرمال لكي يرى الناس أعجوبة الدنيا الثامنة. إذ في كل مكان تم فيه استخدام مجسات يظهر جزء من سور المعبد الدائري الشكل، ومعه مقابر ونقوش وأعمدة. إلا أن المؤسف أن الأعمدة العظيمة أصبحت هدفاً للمتدربين على الرماية من شباب مأرب، وخلّف ذلك آثاراً وندوباً سيئة عليها.
ولا تكتمل زيارتك إلى مأرب من دون أن تشاهد مدينة مأرب القديمة التي بنيت قول تلٍ عالٍ، ربما لحمايتها من السيول والمياه. وهي لا تزال تنتصب على حالها كأطلال مجيدة تحكي حضارة الإنسان اليمني.
ومن السهل أن ترى أعمدة ونقوشاً ملقاة في الشارع والممرات المؤدية إلى المدينة. ويلفت النظر الطراز المعماري الفريد من نوعه في أحد المعابد الذي تحول إلى مسجد ثم أصبح مهجوراً بكل ما يحتويه من كنوز، ورأينا أيضاً أحد قصور العاملين في مأرب منذ سنوات وقد بنيت جدرانه من أحجار وأعمدة يرجع تاريخها إلى آلاف السنين ثم هجر المكان كله.
العمارة اليمنية تحافظ على تراثها وتنفتح
على جماليات الفن والهندسة
يكتسب الفن المعماري اليمني تقديراً كبيراً لتفرده وعراقته وأصالته. وتعتبر العمارة اليمنية أحد أفضل نماذج العمارة التي حافظت على طرازها التقليدي ولا تزال. كما أنها استوعبت الجديد في نموذج فريد يحظى بإعجاب من يشاهده كما يحظى باهتمام المتخصصين في الفن المعماري.
العمارة في اليمن شاهد حي على تاريخ أو عراقة اليمن، مهد العروبة والحضارات العظيمة التي تركت آثاراً قيمة منها سد مأرب، أشهر آثار اليمن وأعظم بناء هندسي قديم في شبه الجزيرة العربية. ويعود تاريخ بناء سد مأرب إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو معلم ثابت لازم حضارة سبأ منذ البداية مروراً بذروة الازدهار حتى لحظات الانهيار. ثم تصدع على أثرها ولا تزال جدران مصرفيه قائمة حتى اليوم، بالإضافة إلى محرم بلقيس (معبد الشمس) الذي يقع على مقربة من قرية مأرب الترابية وهو معبد للإله القديم المقة (إله القمر) ويرتبط اسمه بقصة الملكة بلقيس وعلاقتها بالملك سليمان ويعود تاريخ بناء هذا المعبد إلى ما قبل القرن الثامن قبل الميلاد.
شاهد آخر يدل على عظمة الحضارة اليمنية وإبداع الإنسان اليمني في فنون العمارة عرش بلقيس أو معبد برآن الذي يعود تاريخ بنائه إلى الألف الثاني قبل الميلاد وهو معبد لإله القمر.
لم يتوقف إبداع الإنسان اليمني في مجال العمارة عند بناء المعابد الحجرية بل امتد هذا الإبداع ليشمل فناً اعتبره الكثيرون أجمل ما أبدعته أيدي البنّاء اليمني وهو فن العمارة الطينية الذي مزج ما بين الماضي والحاضر، لأنه حتى اليوم ما زالت العمارة الطينية معلماً من معالم كثير من المدن اليمنية وبشكل خاص مدينة شبام حضرموت التي شيدت فيها أبنية طينية عالية اعتبرت أقدم ناطحات سحاب في العالم.
والبناء الطيني يعتمد على مكونات بسيطة هي الطين والتبن والماء وجذوع النخيل وأخشاب شجرة السدر (الحمر) وحرارة شمس استوائية لتجفيف اللبن (الطين والتبن المخلوط)، وبهذه المواد البسيطة أقام اليمنيون أبنية وصلت إلى ستة طوابق يعلوها سقف مسطح مكلل ومطلي بالجير (النورة) وتاج أبيض جميل يزين أعالي كل منزل في المدينة. بالإضافة إلى النقوش التي تزينها، كما توجد قواعد قوية وأعمدة مستقيمة تحمل الأسقف وتعين على تماسك البنيان تسمى «الأسهم» ونوافذ جميلة وأبواب أجمل منقوشة بنقوش بديعة تعكس مهارة وإتقان صانعها.
مشهد من اليمن
كما أبدع اليمنيون في زخرفة منازلهم ومساجدهم ومبانيهم الأخرى في شكل يعكس الذوق الرفيع والإحساس بالجمال لديهم وتجلى هذا الإبداع في «القمرية» التي تنفرد بها اليمن عن غيرها من بلدان العالم. ولذلك ليس من الغريب أن تفوز القمرية اليمنية بالجوائز في المهرجانات الدولية كعمل تراثي غني يعبر عن أصالة وتاريخ شعب.
فالقمرية تضفي على المكان جمالاً وسحراً بألوانها الزاهية التي ينفذ من خلفها الضوء ليشع داخل المكان. وهي تكسو عقود واجهات أبنية صنعاء وتوضع فوق النوافذ الخشبية ومادتها الأولية هي الجص، وقد ابتدعها اليمنيون لتأمين الإضاءة الداخلية بعد إغلاق النوافذ ليلاً أو نهاراً. وقد أطلق أهل صنعاء عليها هذا الاسم بسبب شفافيتها وصفائها اللذين يسمحان لضوء القمر بالدخول إلى المبنى الداخلي. وتمثل القمرية فناً شعبياً وتراثاً توارثهما الأبناء عن الأجداد. كما تعتبر مهنة صناعة القمريات من المهن المستقرة لأن الطلب يزداد عليها يوماً بعد يوم فأي شخص في اليمن لا يستطيع أن يبني منزله من دون قمريات، حتى المساجد والمدارس لا يكتمل بناؤها إلا بها. أما أشكالها الزخرفية فمتنوعة وتعتمد على موهبة وخيال صانعها ورغبة الزبون الذي يحدد الشكل الزخرفي الذي يريده.
ولكن ما الذي ألهم الإنسان اليمني في صناعته للقمرية ومن أين أتى بها؟
يجيب عن هذا السؤال الدكتور ربيع حامد أستاذ الآثار الإسلامية بقوله إن فن القمريات ارتبط بالفترة العثمانية ونشأ في مدينة صنعاء خصوصاً في حي (بئر العزب) الذي نشأ في الفترة العثمانية وكان مسكناً لكبار رجال الدولة وطبقتها الأرستقراطية. ثم انتشرت بعد ذلك وامتدت إلى المساجد التي شيدت في الفترة نفسها، وهناك من يرى أن ازدهار القمرية ارتبط بتطورها في مصر وخصوصاً بعد ازدهار العلاقات بين الفاطميين في مصر والصليحيين في اليمن، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري بدليل الستائر الجصية المزخرفة الموجودة في الأزهر الشريف وجامع الحاكم بأمر الله.
وقد مر استخدام القمرية بمرحلتين، الأولى استخدام المرمر، والثانية استخدام الزجاج بعد فترة طويلة إذ أقبل الناس عليه لأنه يضفي على العقود بهاء عند نفاذ الضوء خلف القمرية. وهناك نوعان من القمريات خارجية وداخلية ويمكن أن تجتمع القمريتان ويطلق عليهما قمرية مزدوجة. وللقمريات أيضاً أشكال متعددة إلا أن هناك ثلاثة أنماط لزخرفتها وهي الشكل الهندسي مثل النجمة السداسية أو الثمانية.
وقد انتشرت النجمة السداسية بسبب وجود بعض اليهود اليمنيين الذين اشتغلوا في هذه المهنة. والشكل النباتي مثل ورقة البن أو العنب والشكل الحيواني الذي ينتمي للقصص الشعبية، وبعد ثورة أيلول (سبتمبر) عام 1962 ظهر النسر الجمهوري كشكل هندسي يرمز إلى الثورة والجمهورية.
لقد استخدم اليمنيون الحجر المنحوت في البناء والقمرية في تزيين منازلهم في شكل يكشف عن النظرة الجمالية الخاصة لديهم، وعشقهم لبلادهم اليمن السعيد.
من الشعر اليماني
حفلت اليمن على طول عصورها بالشعراء المبدعين. وإننا لنأخذ هنا نموذجاً من أولئك الشعراء هو حسن بن علي بن جابر الهبل:
ولد بصنعاء سنة 1048 (1639م) ونشأ فيها وبها توفي سنة 1079 (1668م).
ذكره المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال ـ وهو من معاصريه ـ في الجزء الثالث من كتابه (مطلع البدور) (ص 125 مخطوطة زبارة) أثناء ترجمته للقاضي علي بن سعيد الهبل فقال: «ورثاه الفقيه الفاضل بديع الزمان الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمه الله بمرثية فاضلة وهي:
أتدري من تخرمت المنون
ومن أرقت لمصرعه العيون
وبعد أن أورد المرثاة قال: وناظم هذه القصيدة هو الناظم لكل فريدة بديع الزمان وقريع الأوان من لا عيب فيه إلا قرب بلاده وقرب ميلاده، فالمندل الرطب في أوطانه خشب، إلا عند قوم ميزوا ما خلص مما أتشب، وفرقوا بين النفيس والمخشْلَب، غير معولين على البلاد ولا ناظرين إلى الميلاد. أما الصغر فلله أبو الطيب حيث يقول:
ليس الحداثة من حلم بمانعة
قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
وأما بعد البلاد فأمر لا يعتبره الحذّاق، وإن قالوا القرب المفرط مانع لإدراك الأهداف. وقال بعض الناس:
عذيري من عصبة بالعراق
قلوبهم بالجفا قُلّب
يرون العجيب كلام الغريب
وأما القريب فلا يعجب
وعذرهم عند توبيخهم
مغنية الحي لا تطرب
ثم قال: نشأ رحمه الله على العبادة والزهادة وعلى مودة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يلويه عن ذلك لاو، واشتغل بالعلوم والآداب حتى برع عن المشيخة القرح فضلاً عن الأتراب. وله ديوان شعر فائق وسحر حلال رائق في كل معنى مليح، نهج مناهج الأدباء وجاراهم في رقيقهم وزجلهم وجدهم وهزلهم، وهو مع ذلك السابق المجلي، ولقد رأيت له مقاطع وقصائد باهرة، ونفسه أشبه بشعر الأديب الحسين بن حجاج غير أنه مصون عن الأقذاع، وإنما الفصاحة والنصاعة وجودة الصناعة، ولقد كان يقال إن ابن حجاج نفسه نفس امرئ القيس بن حجر اهـ.
ثم اختار من شعره عدة قصائد.
أما الشوكاني في (البدر الطالع) ج 1/ 199 فقال: الحسن بن علي بن جابر الهبل اليماني الشاعر المفلق الفائق المكثر المجيد، وله شعر يكاد يسيل رقّة ولطافة وجودة سبك وحسن معاني، وغالبه الجودة، وله ديوان شعر موجود بأيدي الناس.
لو كان يعلم أنها الأحداق
يوم النقا ما خاطر المشتاق
ولو طال عمر هذا الشاب الظريف، لكان أشعر شعراء اليمن بعد الألف على الإطلاق.
وختم الشوكاني كلامه قائلاً:
وقد بالغ صاحب (نسمة السحر) في حقه فقال: إنه لم يوجد باليمن أشعر منه من أول الإسلام.
وقال الأستاذ أحمد الشامي:
سيظل الهبل أشعر شعراء اليمن كما قال الشاعر الناقد يوسف بن يحيى في كتابه القيم (نسمة السحر) وهو الأقرب إلى الإنصاف والصواب عند دارسي آداب اليمن.
والهَبَل كما قال شيخه أحمد بن صالح بن أبي الرجال: «نشأ على مودّة آل محمد (ص) لا يَلْويهِ عن ذلك لاو»، فالتشيّع مفتاح شخصيته، فيه يُوالي، وبه يعادي، ويحبُ ويكره، ويسخط ويرضى، ويخطئ ويصيب، وهو زيديّ الرأي والأُصول؛ ولكنّه ـ وذلك ما ينطق به شعره ـ كان متطرّفاً ينهج نهج «الجاروديّين»، ولأنّه نشأ في بيئة فروسيّة وزهد وفي ظلال أسرة وجماعة يلتفّون مع قبيلتهم حول «الإمام القاسم بن محمد المنصور»، وكان لابيه وعمّه وغيرهم من أفراد أسرته الحظ الوافر من الجهاد والنضال ضد الأتراك والسلاطين و«الإقطاعيين» و«العملاء»، الذين كانوا يوالونهم في بعض الأصقاع اليمنية، والعمل باللسان والسنان لتكوين الدولة «القاسمية» التي ما إن توفي مؤسّسها «القاسم» حتى تمكّن أولاده «الحسين» و«الحسن» و«المؤيد» و«المتوكّل»، وحفيده «أحمد بن الحسن» ممدوح «الهبل»؛ والذي أصبح إماماً بعد وفاة شاعره وتلقّب بالمهدي .. من رفع راية «اليمن الكبرى» على كلّ أقطارها، وأحاط البحر بدولتها من الشرق والغرب والجنوب. بل إن الشاعر نفسه قد شارك أميره أحمد بن الحسن «سيل اللّيل»، في بعض الحروب التي خاضها، ورافقه في قمع التمردّات القبلية هنا وهناك، وحضر بعض المعارك، ووصفها وصفاً بديعاً كما فعل شاعر العربيّة الأول أبو الطيّب المتنبّي مع أميره سيف الدولة؛ وكان «الهبل» قد كتب على سيفه البتّار هذين البيتين:
أنا السّيف لا تُخْتَشى نَبْوتي
إذا خُشِيَتْ نَبْوَةُ القاضبِ
إلى «ذي الفقار» اعتزائي كما
إلى «حيدَر» يعتزي صاحبي
وكأنه لتفانيه في حبّ «عليّ» سيد الفرسان لم يكتف بذلك، بل جعل سيفه «شيعياً» لسيف «علي» «ذي الفقار» وأنطقه بهذين البيتين الرائعين.
لقد ظُلِمَ الشاعر الهبل حيًّا وميّتاً؛ فإنه؛ وهو العالم الذي قال «ابن أبي الرجال» إنه «اشتغل بالعلوم والآداب حتى بَرُعَ على المَشْيَخَةِ القُرَّح، فضلاً عن الأتراب»، قد اعتنق مذهب «الثورة» والخروج على الظلمة والمنحرفين، وألزم نفسه محاربة الفساد بلسانه وسنانه كما جهر بنقد المنحرفين والفاسدين، فِكْراً، أو عقيدة، أو سلوكاً ـ نقداً لاذعاً مريراً، وعندما رآهم يحاولون جرجَرة القائمين بالأمر إلى ما يخشاه على جوهر الحكم لم يصمت، ولم يجامل بل نصح وحذّر، ثم حرّض من يحسبه قادراً على الإصلاح والتغيير شأنه شأن المصلحين، وأصحاب المبادئ في كل زمان ومكان.
وكل ذلك قد جرّ عليه الويل، فحاربه ـ بل وحارب ديوان شعره ـ من لا يقول برأيه من الفقهاء وذوي السلطة حتى ولو كانوا من أبناء وأتباع فرقته وطائفته.
لقد التقى المتنافرون رأياً، ومذهباً، ومزاجاً؛ وعن وعي، وعن غير وعيٍ، وبقصْدٍ، وبدون قصد، على غمط الهبل، وتحاشي ذكره أو الاستشهاد بشيء من شعره، جمعهم على ذلك قاسم مشترك، وحّد بين المتنافرين رأياً ومذهباً، والمختلفين هوى وشعوراً، والمتباينين ثقافةً وتفكيراً، على مدى الأيام والعصور، وحلَّ بذلك على شاعر اليمن «الهبل» ظلمٌ كبير.
ثم يمضي الأستاذ الشاعر الشامي في كلامه متحدثاً عن الديوان المخطوط الذي جمعه أحمد بن ناصر الخلافي صديق الشاعر.
أين شعر الهبل؟
لقد سمّى جامع الديوان ما قدمه لنا من الهبل: «قلائد الجواهر» من شعر الحسن بن علي بن جابر … والمفهوم من التسمية أن هذا الديوان ليس كل شعر الهبل ولم يكتف «المخلافي» بهذا بل قال في «المقدمة»: «وقد حرصتُ على كتْب ما وجدتُ من شعره ـ رضوان الله عليه ـ مع علمي أن هذا الذي أثبتُّ له هو النزر الحقير، وإن الفائت عليّ هو الجمّ الغفير، ولقد أخبرني رضوان الله تعالى عليه أنه قد مزّق من أشعاره المتقدمة دفاتر، وأعدم منها كثيراً في الزمن الآخر، فما ظفرتُ به إن شاء الله تعالى بعد ذلك فسألحقه إلى نظيره». وإذاً فما بين أيدينا الآن إنما هو النزر اليسير من شعر الهبل؛ وكان الهبل نفسه قد مزّق الكثير من أشعاره المتقدّمة ـ أي التي أنشأها وهو في عنفوان شبابه الشعري، كما أعدم بعض ما قاله في أُخريات أيامه، ولا شك أن فيها ما يؤسَف عليه من شعره السياسي والاجتماعي، وأن الذي دفعه إلى إعدامها ليس الاستهجان، ولكنّه الحذر، أو الندم، أو الخوف؛ غير أن قول جامع الديوان بأنه سيُلْحق ما يظفر به من شعره بنظيره في الديوان يجعلنا نتساءل هل اضاف إلى ما جمعه بعد وفاة صاحبه شيئاً جديداً ولا سيما وقد عاش بعده وفيًّا لذكراه ثمانية وثلاثين عاماً؟؟ وإذا كان قد ظل مع تتابع السنين يضيف ما يظفر به إلى نظيره، فهل هناك نسخ تختلف مع اختلاف السنين وتتابع الإضافات؟ وإذا كان «المخلافي» قد شغلته ظروفه؛ وقد ابتُلي وسُجِنَ؛ فأين ما كان يطمع أنه سيظفر به، ووعد بأنه سيلحقه بنظيره؟ أسئلة ليس عندي جوابها الآن. كل ما أستطيع أن أقوله: إنه من الحرام أن يظل للهبل شعر موؤود، وإن من سيساهم في إخراجه من قبور الإهمال سيقدم يداً للأدب اليمني، وها قد نشرت الموجود، فليتفضل أدباء اليمن بالبحث عن المفقود، إمّا في النسخ المتعددة إذا كان يوجد فيها ما ليس في النسختين اللتين اعتمدت عليهما، أو في «السّفُن»، والمجاميع المخطوطة في الخزائن العامة والخاصة داخل اليمن وخارجها.
من شعره
قال:
لو كان يعلم أنها الأحداق
يوم النقا ما خاطر المشتاق
جهل الهوى حتى غدا في أسره
والحب ما لأسيره إطلاق
يا صاحبي، وما الرفيق بصاحب
إن لم يكن من دأبه الإشفاق
هذا النقا حيث النفوس تباح
والألباب تسلب، والدماء تراق
حيث الظباء لهن سوق في الهوى
فيها لألباب الرجال نفاق
فخذا يميناً عن مضاربه، فمن
دون المضارب …. تضرب الأعناق
وحذار من تلك الظباء، فما لها
في الحب، لا عهد، ولا ميثاق
وبمهجتي من شاركتني لومي
وجداً عليه، فكلنا عشاق
كالبدر، إلا أنه في تمه،
لا يختشى أن يعتريه محاق
كالغصن، لكن حسنه في ذاته
والغصن زانت قده الأوراق
مهما شكوت له الجفاء، يقول لي
ما الحب إلا جفوة وفراق
أو اشتكي سهري عليه، يقل: متى
نامت لمن حمل الهوى آماق
أو قلت: قد أشرقتني بمدامعي
قال: الأهلة شأنها الإشراق
ما كنت أدري قبله أن الهوى
مهج تصدع، أو دم مهراق
كنت الخليّ فعرضتني للهوى
يوم النقا الوجنات والأحداق
إني أعبر بالنقا عن غيره
وأقول: «شام» والمراد «عراق»
ما للنقا قصي، ولا بمحجر
وجدي، ولا أنا للحمى مشتاق
برح الخفا، «نعمان» أقصى مطلبي
لو ساعدتني صحبة ورفاق
يا برق «نعمان» أفق، حتى متى؟
وإلى متى الإرعاد والإبراق
قل لي عن الأحباب، هل عهدي على
عهدي؟ وهل ميثاقي الميثاق
يا ليت شعري، إنّ ليت وأختها
لسمير من لعبت به الأشواق
أيعود لي بعد الصدود تواصل
ويعاد لي بعد البعاد عناق
إني أقول لعصبة «زيدية»
وخدت بهم نحو «العراق» نياق
بأبي وبي، وبطارفي وبتالدي
من يمموه ومن إليه ساقوا
هل منة في حمل جسم حل في
أرض «الغري» فؤاده الخفاق([252])
أسمعتهم ذكر «الغري» وقد سرت
بعقولهم خمر السري فأفاقوا
حباً لمن يسقي الأنام غداً، ومن
تشفى بترب نعاله الأحداق
لمن استقامت ملة الباري به
وعلت وقامت للعلى أسواق
ولمن إليه حديث كل فضيلة
من بعد خير المرسلين يساق
لمحطم الردن الرماح وقد غدا
للنقع من فوق الرماح رواق
لفتى، تحيته لعظم جلاله
من زائريه الصمت والإطراق
صهر النبي وصنوه، يا حبذا
صنوان قد وشجتهما الأعراق
وأبو الأُلى فاقوا وراقوا، والألى
بمديحهم تتزين الاوراق
أنظر إلى غايات كل سيادة …
أسواه كان جوادها السباق
وامدحه لا متحرجاً في مدحه
إذ لا مبالغة، ولا إغراق
ولاه أحمد في «الغدير» ولاية
أضحت مطوقة بها الأعناق
حتى إذا أجرى إليها طرفه
حادوه عن سنن الطريق وعاقوا
ما كان أسرع ما تناسوا عهده
ظلماً، وحلت تلكم الأطواق
شهدوا بها يوم «الغدير» لحيدر
إذ عم من أنوارها الإشراق
وقال في أمير المؤمنين عليه السلام ويتجرم عليه من أعدائه ويفتخر بما له من الخؤولة في بني هاشم، وبنسبه الحميري، وشعره، وافتتحها بالتجرم من زمانه:
غير مستنكر من الأيام
ما أرى من إهانتي واهتضامي
هكذا لم تزل تحط الكرام الصـ
ـيد عن رتبة الخسار اللئام
أخرتني على نباهة قدري
عن أناس عن المعالي نيام
وتحملت ـ في الحداثة ـ من أحدا
ثها ما يهد ركني شمام
غير أني حملت نفساً أرتني
ليس يدري غناي من إعدامي
لست أرجو من الأنام نوالا
إنني في غنى برب الأنام
كيف ترضى بأن ترى باذلاً ماء
محياك في يسير حطام
ليس فقر الكريم ينقص شيئاً
من فخار الأخوال والأعمام
أيها السائلون عني مهلاً
أنا من نبعة المليك الهمام
«أسعد الكامل» الذي كان في الشر
ق وفي الغرب نافذ الأحكام
ذاك جدي إذا افتخرت
وأخوالي «بنو هاشم» نجوم الظلام
من ترى مثل «أسعد» كان، أو من
مثل قومي تراه في الأقوام
أنا من معشر أتاحهم
الله … لنصر النبي والإسلام
من أناس كانوا ملوك البرايا
كل كهل منهم، وكل غلام
ناصروا سيد الأنام، وأفنوا
دونه كل ذابل وحسام
حين لا تنكر الأنجم الزهر،
إذا قلت: فوقهن مقامي
وأبيّ، فلو رأيت الدنايا
في منامي، إذاً هجرت منامي
وكريم بما وجدت على فقري
وكم باخل برد السلام
ولعوب بالشعر، يستنزل العصم
من الشاهق الأشم كلامي
تتوقى نوافثي عصب النصب
كأني أرميهم بسهام
وكفاني حب الوصي فخارا
فهو إن أظلم السبيل أمامي
لا تلمني، إذا مدحت «علياً»
إن أولى من لامني بالملام
أنا في حبه لعمرك «عمار»،
فلم لا أبني بيوت نظامي
هات، قل لي بالله: من كأبي «السـ
ـبطين» إن أدبر الهزبر المحامي
بدر أفق الوغى، إذا ما استهلت
برؤوس من العداة، وهام
ضارب الهام في الكريهة، ثبت
يتحاماه كل جيش لهام
بمزيد الجلال دون البرايا
خصه ذو الجلال والإكرام
لست أحصي لذي الجلال ثناء
إذ هدانا بآل خير الأنام
أذهب الله عنهم الرجس حتى
طهروا من بواطن الآثام
فهم السادة المطاعيم، والقادة
والصيد والبحور الطوامي
إن دُعوا، خلتهم غيوث نوال،
أو دَعوا، خلتهم ليوث صدام
أخذوا دين ربهم عن أبيهم
لم يشيبوا حلاله بحرام
من يكن ضل في الغرام، فإني
ليس إلا لهم جعلت غرامي
فعليهم مني التحية تبقى
ببقاء الشهور والأعوام
قال وقد بلغه أنّ بعض «النّاصبة». قالَ فيه لَمّا لزمهُ دَيْنٌ في المكارم: «ما ربح إلا الفقر من حب علي»!.
قالوا: إلام تَحبّ آلَ «محمدٍ»
وتَظَلّ مَشغوفاً بِهِمْ وَتَبيتُ
فأجبتُهم: كفّوا الملامَ فإنّني
أُرْشِدتُ نهجَ وِدادِهِمْ؛ فَهُديتُ
قالوا: فإنَّ الفقْرَ حَظُّ مُحبّهمْ
أرضيتَ؟ قلتُ: نعم؛ رَضيتُ، رضيتُ
إنّي ملكتُ ذَخائراً اَحْرَزْتُها
مِنْ «كيمياء» ودَادهمْ … فَغَنِيتُ!
فدَعوا الملامَ؛ فقد أهاب بمهجَتي
داعي الهُدَى، فَأجبْبُ حينَ دُعيتُ
وقال يمدح أمير المؤمنين عليًّا عليه السلام:
حدثاني عن «عليّ» حدثاني
ودعاني عن فلانٍ وفلانِ!
وانظرا هل تَرَيا مَا عِشْتما
غيرَه لِلْمصْطَفى المختارِ ثاني
كيف أخفي حبَّهُ: وهو الذي
قرن الباري تعالى بالقُرآنِ
إن ديني واعتقادي حُبُّه؛
وَنَجاتي يومَ حَشْري، واماني
أيها السائل عني؛ جاهلاً
أنا من قد عَلِمَ الناسُ مكاني
قسماً لو لم يكنْ لي مَفْخَر
غير حُبّي لِعَليٍّ … لَكَفاني
مع أنني في أعالي ذروةٍ
كلٌّ عَن غاياتها مَرْمَى العِيانِ
أنا من أخواله مِنْ «هاشِم»
ضُمّر الحَلْبَةِ في يوم الرِّهانِ
أنجبته سادةٌ مِنْ «حمير»
يَنثَني عن فخْرِهم كلُّ مُداني
أهل بيت المصْطفى؛ ودّي لكُم
دونَ أهلِ الأرض من قاصٍ وداني
لامني قوم على مَدْحي لكم،
وبه أحوي فراديس الجنان
إن يكن مدحُ «عليٍّ» مُنكِراً؛
فَمَنِ الأَوْلى بأبكارِ المعاني
سوف أرعى ما اسْتطال العُمر مِن
حُبِّهِ؛ ما أبوايَ استودعاني
سأوالي مِدَحي فيهِ، وفي
آله؛ ما مَلك النّطْقَ لِساني
وقال وهما من أوّل شعره:
مَدْحِي لكم، يا آل «طَهَ» مَذْهبي
وبه أفُوز لَدى الإِلَهِ، وأُفلحُ
وأودُّ ـ من حُبّي لكُمْ ـ لو أنّ لي
في كلِّ جارحةٍ لساناً يَمْدَحُ
وقال:
لكُمْ آلَ الرَّسولِ جعلتُ ودّي
وذاكَ أجلُّ أسْبابِ السَّعادَهْ
وَلَوْ أَنّي اسْتَطعتُ لَزِدْتُ حُبًّا
ولكِنْ؛ لاَ سَبيل إلى الزِّيادَهْ
أعيشُ؛ وحبُّكُمْ فَرضي ونَفلي
وأُحْشَرُ؛ وهو في عُنقِي قِلادَهْ
أناضِلُ عَنْ مكارِمِكمْ لأَنّي
كريمُ الأصْلِ ميمونُ الولادهْ!
أظلُّ مجاهداً لحَليفِ «نَصْبٍ»؛
أَضَلّ بِبغْضِكم أبداً رَشَادَهْ؛
فإن أَسْلَم؛ فَأَجْرٌ لَمْ يَفْتِني؛
وَإِنْ أُقْتَلْ؛ فتُهْنيني الشّهادهْ!
وقال:
خُذوا بيَدي في الحشَرِ؛ يا آلَ «أحمدٍ»
فإنّي لَكُمْ ما طَالَ عُمري خادم
وعِندي لِسَانٌ مُرهفٌ إن سَلَلْتُهُ
غَدَتْ تَتَحَامَاهُ السّيوفُ الصوارم
تَقَلَّدتُ مِنْه مُرهَفَ الحدِّ صَارِماً
أذبُّ به عَنْ مجدِكمْ، وأصارم
وقال وهي من أول ما قاله في أمير المؤمنين عليه السلام:
مَنْ ترَى غير «عليٍّ»
كانَ صنِواً للنبي
مَن ترى؛ من بعد خيـ
ـر الأنبيا … خيرَ وصي
مَن ترى؛ فاز «بُخمٍّ»
بالْفِخارِ الأبدي
مَنْ تُرى ولاّه خير
الرُّسْلِ عنْ أمر العلي
مَن ترى؛ كانَ إمامَ
الخلق بالنصِّ الجلي
من ترى؛ السَّابق
في دين القديم الأزلي
من ترى قاتِلَ عَمْروٍ([253])؛
ذي الثبات العامري
منْ ترى آسر عمرو([254])؛
عِندَ إحجامِ الكمي
مَن تراهُ … حاط ديـ
ـنَ «المصطفى» بالمشرفي([255])
وقال:
رُمْنا الفخارَ فَنِلنا مِنْه مَا شِينَا
لمَّا مَشَى في طريقِ المجدِ ماشينَا
نحنُ الكرامُ وأبناء الكرامِ فإنْ
تجهل مكارمنا؛ فَاسأل أعادينا
واسألْ لسانَ المعالي؛ ما تَلاَفينا
وقُل لِلاَحِقنا: ما أنتَ لاَ فينا([256])
فَرُبّ مجدٍ تَلاَفينا بِنَاهُ وقَدْ
وَهَى؛ فَمَنْ ذا تَلاَفَاهُ تَلاَ فينا([257])
الشّمسُ والبدرُ أدْنَى مِن مَراتبنا،
والأَنْجمُ الشّهب غَارتْ مِنْ مَساعينا
سَعَى إلى غايةِ العَليَا فأدركها،
ونالَ مِن شأوِها مَا رَام سَاعينا
لَنَا طريقٌ إلى العلياء واضحةٌ
يَسيرُ رائحُنا فيها وغادينا
يسيرُ في طرق العلياء سائِرنا
فيهتدي بنجومٍ من أيادينا
وكم بخيل تراه في الأنام؛ ولا
والله لا كان لا مِنّا، ولا فينا
هَلْ يُعْرفُ المجدُ إلاّ في منازِلِنا؛
وَهَل يحلّ الندى إلاّ بنادينا
ما إن سُئِلْنا مَدَى الأيّامِ بَذْلُ قِرى
إلاّ وَجُدْنا بما تحويه أيدينا
لا نسأم الضَّيفَ إن طالَتْ إقَامتُه،
ولا نخيّب فينا ظنّ راجينا
نمشي إلى الموت في يوم الوغى قدماً،
وهاتفُ النّصر بالبُشْرى يُنادينا
لَنا عزَائمُ تُدْني ما نَرومُ فَما
أدْنَى «خُراسان» إنْ رُمناهُ و«الصِّينا»!
لا يَسْتميل الهوى مِنّا النّفوسَ، ولاَ
حُبُّ البَقَا عن سَبيلِ المجدِ يُثْنِينا!
ماذا يعيب العِدا مِنّا سوى حَسَبٍ
ضخمٍ؛ به سَادَ قَاصِينا ودَانينا؟
وإننا لَوْ دَعونا الدّهْرَ نأمرُه
لَقامَ طوعاً يلبّي صوتَ داعينا؛
ما نابَ جاراً لَنا في الدهر نائبةٌ
إلاّ وكنّا إذن عَنْهُ الْمحامِينا!
يا مَنْ يُسائِلُ عن قومي؛ رويدكَ ما
جَهلت إلاّ العُلى والمجدَ والدّينا!
قَوْمي الأُلى ما انتضوا أسيافَهم لِوَغى،
إلاّ وعادُوا لآي النَّصرِ تالينا؛
قومٌ إذا لَبِسوا ثَوبَ القتام غَدَتْ
أعداؤهم، في ثياب النّصر عارينا!
إن تَلْقَهمْ تَلْقَ أحْباراً جَهَابذةٌ؛
أو طاعنين العدا شَزراً، ورامينا!
وحُبّ آل رسول الله شيمتنا،
وفخر حاضرنا دوماً وبادينا؛
سَلِ «الأَئِمَّةَ» عَنَّا أَيّ مَلْحَمةٍ
لَسْنا بأرواحنا فيها مواسينا؟
مَضَتْ على حب «أهْل البيت» أُسْرَتُنا:
ونحنُ نمشي على آثارِ ماضينا؛
فمنْ يُفاخرنا؟ أمْ مَنْ يُساجلُنا؟
أمْ من يُطاولنا؟ أمْ مَنْ يدانينا؟
يكفيك أنّ لَنا الفخر الطويل على
كل الورى ما عدا «الآل» الميامينا!
عليهِمُ بعد خيرِ الرّسلِ جدّهم
أزكى وأفْضل ما صَلّى المصلّونا…
وقال يمدحُ أمير المؤمنين علياً عليه السلام ويتجرم لأهل البيت عليهم السلام من قصيدة:
مَلكْتُم فؤاداً ليسَ يدخلُه العذلُ
فَذِكْرُ سواكم كلّما مَرَّ لا يَحْلُو!
يؤنِّبني في حُبّكمْ كلُّ فارغ
ولي بهواكم عَنْ ملامَتهم شغلُ
وماذا عَسَى تُجْدي الملامةُ في الهوى
لِمَنْ لا له في الحُبَّ لُبٌّ ولا عَقلُ؟
لَئِنْ فرضوا مِنِّي السلوَّ جهالةً
فحبكُم عندي؛ هو الفرضُ والنَّفْلُ
أأسْلو ولا صبغ المشيبِ بِعارِضي
يلوحُ، ولا صبغُ الشبيبة مُنحَلُّ؟
ولَو في سواكم أهلَ بيت محمدٍ
غرامي لَكَانَ العَذْلُ عندي هو الْعَدْلُ
حَملتُ هواكمْ في زمان شَبيبتي
وقد كنتُ طِفلاً والغرامُ بكم طِفلٌ
فيا عاذلي في حُبّ آل محمدٍ
رويدكَ إنّي عنهمُ قطّ لا أسْلو
أأسلُو هوى قومٍ قَرى باجْتبائِهمْ،
وتَفضيلهمْ بينَ الورى والعقلُ والنّقلُ
أُولئِكَ أبناءُ النبيّ محمدٍ؛
فقل ما تشاء فيهم؛ فإنَّكَ لا تغلو
فروعٌ تَسَامتْ؛ أصلُها سيّد الورى،
و«حَيْدَرة»؛ يا حبذا الفرع والأصل
تَفَانَوا على إظهار دِينِ أبيهمُ
كراماً؛ ولا جبن لديهم ولا بخل
إلى الله أشْكو عُصْبةً قد تَحاملوا
عليهمْ، ودانُوا بالأباطيل واعتلوا
يرومون إطفاءً لأَنوارِ فَضْلِهِمْ
وما بَرحتْ أَنوار فضلهم تعلو
…………………………………………..
…………………………………………………
وهُمْ أَنْكروا في شَأْنِه بَعْدَ «أحمدٍ»
مِنَ النصّ أمراً ليس ينكره العقل
وقد نوَّه «المختار» «طه» بِذكْرِهِ
وقالَ لهم: هذا الخليفة والأهل
وَوَلاّهُ في يوم «الغدير» ولايةً
على الخلقِ طرًّا ما له أبداً عزل
ونصّ عليه بالإمامة دونهم
ولو لم يكن نصًّا لقدمه الفضل
أليسع أخاهُ، والمُواسي بنفسِهِ
إِذا ما الْتقى يَوْمَ الوغى الخيل والرجل
أما كانَ أدناهُمْ إليه قرابةً
وأكثرهُمْ عِلماً؛ إذا عظّم الجهل
«أما كانَ أوفاهمْ إذا قال ذمّةً
وأعظمُهم حلْماً إذا زلت النعل
وأفصَحَهُمُ عند التلاحي؛ وخيرَهم
نَوالاً إذا ما شِيم نائله الجزل
المعادن في اليمن
يتميز الموقع الفريد لليمن في جنوب الجزيرة العربية بتنوع واضح في البنية الجيولوجية انعكس في تنوع الصخور والمعادن، ما أدى إلى تكوين أقاليم جيولوجية بركانية ورسوبية غنية بالصخور والمعادن.
ويؤكد الدليل الجيولوجي الذي أصدرته هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية أن التنوع الصخري الواضح والمعادن الفلزية واللافلزية والنفط والغاز تجعل هذه التشكيلة الاقتصادية قابلة للاستخراج والاستثمار.
ويقول الدليل إن المعلومات المتوافرة تدعم التواجد الاقتصادي للذهب وتمعدنات الزنك والرصاص والفضة. وينحصر اكتشاف تمعدن الذهب في الوقت الحاضر في اليمن بعروق الكوارتز المتواجدة ضمن صخور القاعدة لعصر ما قبل الكمبري.
ويتركز وجود الذهب في منطقة وادي مدن وهي تقع على بعد 280 كم جنوب شرقي صنعاء وتمثل أكبر منطقة تواجد وصلت إليها الدراسات الحالية للذهب في اليمن منذ عام 1976. ويقدر الاحتياط المعروف إلى الآن فيها بنحو 136 ألف طن، بمعدل 15 كغم للطن الواحد، فيما يقدر الاحتياط المحتمل بنحو 350 ألف طن.
وتشير التقارير الفنية إلى وجود مناطق قريبة من وادي مدن تحوي نحو مليوني طن من الذهب القابل للاستخراج. أما منطقة شمال شرقي وادي الجوف فقد تم اكتشاف أكثر من منجم قديم فيها. وتمثل هذه المنطقة امتداداً للدرع العربي النوبي الممتد في السعودية وشرق السودان. وعلى رغم أن أعمال التنقيب عن الذهب في المنطقة ما زالت أولية وغير كافية، إلا أن نتائجها أدت إلى اكتشاف مواقع ذات نتائج مشجعة.
الزنك والرصاص والفضة
وتشير التقاريبر الرسمية إلى أن أعمال التنقيب عن المعادن التي تم تنفيذها خلال الأعوام الماضية أدت إلى اكتشاف عدد كبير من ظواهر تمعدنات تصاحب الزنك والرصاص والفضة في الصخور الرسوبية الجيرية وبصورة خاصة في مناطق حواف الأحواض. واعتبرت الدراسات اليمنية أن هناك عدداً من المناطق ذات أهمية اقتصادية، أهمها منطقة الجبلي ومنطقة طبق، وتقدر الدراسات الاحتياط الحالي لهذه التمعدنات بنحو 3,8 مليون طن وبنسبة 16 في المئة للزنك و2,1 في المئة للرصاص و135 غراماً/ طناً للفضة.
وأثبتت الدراسات اليمنية وجود تمعدنات للنحاس والنيكل في منطقة الحامورة على بعد 50 كم جنوب شرقي مدينة تعز. وقدرت الأعمال المنجمية تحت السطحية الاحتياط للخام بنحو أربعة ملايين طن وبمعدل 0,75 في المئة نحاس و0,39 في المئة نيكل.
ويترسب الحديد والتيتانيوم في منطقة مكيراس (محافظة أبين) على بعد 210 كم شمال شرقي عدن. وأثبتت دراسات غطت مساحة 30 كم مربعاً وجود احتياط الخام بنحو 860 مليون طن كتقديرات أولية.
وتقع ترسبات المعتادن الأرضية النادرة في منطقة لورد (محافظة أبين) على بعد 160 كم شمال شرقي عدن وتتكون جيولوجية المنطقة من صخور متحولة تتبع عصر البروتيروزويك المتأخر.
وتتواجد رواسب الجبس في مناطق متعددة من اليمن أهمها بيت ظهرة وبني ستر وخلقة والغراس في شمال شرقي صنعاء، ومنطقة الكنايس شمال مأرب ومنطقة الصليف وجبل معرب وجبل قمة شمال الحديدة ومنطقة غيل باوزير شرق المكلا وأحور شمال عدن، ومنطقة الرضوم على الشريط الساحلي بين عرفة وبئر علي. ويستخدم الجبس محلياً في العديد من الأغراض مثل صناعة الإسمنت وفي الأغراض الإنشائية والعمرانية كطلاء الجدران الداخلية في الأبنية والزخرفة وعمل الديكورات والقمريات.
وتتواجد رواسب الملح في مناطق عدة من اليمن مصاحباً لرواسب الجبس والطين والدولوميت ومن أهمها منطقة الصليف وجبل قمة وشبوة وصافر. ويستخدم الملح محلياً في صورته كملح للطعام ودباغة الجلود وكحافظ للمواد الغذائية.
الرخام
يتواجد الرخام في اليمن بألوان مختلفة منها اللون الأبيض والرمادي والوردي في مناطق عدة منها وادي مقصب جنوب غربي تعز ووادي شيبان وجبل العرف ووادي البرج وجبال الثنية ومنطقة القورية شمال شرقي عدن.
وتستخدم صخور الرخام كأحجار زينة وفي صناعة البلاط وصناعة الطلاء ويستخدم في الوقت الحاضر في اليمن كبلاط وكأحجار لتزيين واجهات المباني، كما يستخدم لأغراض أخرى داخل المنازل مثل المطابخ وغيرها.
وتتميز صخور الحجر الجيري في اليمن بالانتشار الكبير والواسع ما يجعله يختلف في خواصه الفيزيائية والكيميائية لخدمة أغراض الصناعة المختلفة. ومن أهم مواقع الحجر الجيري في اليمن جبل العر وجنادبه وجبل الظامر وجبل الطويل وجبل السلفية وجبل البلق ومنطقة خمر وباتيس وحطاط والمكلا.
وتستخدم صخور الحجر الجيري في أغراض كثيرة منها صناعة الإسمنت وكأحجار بناء وبلاط وزينة وصناعة الحديد والفولاذ وصناعة الزجاج وفي الزراعة وصناعة المطاط والأصباغ وغيرها ويستخدم محلياً في صناعة الإسمنت وكأحجار بناء وزينة.
ويتواجد الغرانيت في اليمن وفقاً لعصوره المتعددة وتوجد صخور عصر ما قبل الكمبري في محافظتي حجة وصعدة. أما صخور العصر الثلاثي فتوجد في جبل صبر وحفاش وسردد وحوث.
ومن أهم مناطق تواجد الغرانيت في اليمن مناطق واحدي عقمة وجبل سورق والحيكل والسوادية ومحرق وجبل دنة وسويدا والطفة وجبل عبيلي ووادي علاف والطور. ويستخدم الغرانيت محلياً للأغراض الإنشائية مثل أحجار البناء والبلاط وأحجار زينة.
كما تتواجد الرواسب الطينية في العديد من مناطق اليمن في شكل طبقات وأهم أماكن تواجدها إب وصنعاء وحيس وصعدة وذمار ولحج. وتستغل الأطيان محلياً في صناعة الطوب الحراري وتدخل في صناعة الإسمنت وصناعة مواد البناء.
الزجاج البركاني
يتواجد الزجاج البركاني في العديد من مناطق اليمن بكميات مختلفة مصاحباً لصخور الريولايت والتف البركانية وذلك في ذمار وإب وتعز ومأرب وصنعاء. وللزجاج البركاني استخدامات عديدة منها استخدامه كمادة عازلة حرارياً وصوتياً في كثير من الأغراض، وكمادة مخثرة ويدخل في صناعة الأسمدة الكيماوية وفي صناعة مستحضرات الأدوية وغيرها من الاستخدامات الأخرى.
وتوجد صخور البازلت في منطقة صبر، مقصصة، المخادر، معبر، ماور، ورقة، صنعاء جحانة، جبل اللوز، جبل خرز، جبل سورق، قدس، الشعوبة، النشمة، جنادب، سودان، وداي حسان، زراجة، حمة سليمان ويريم.
وتستخدم صخور البازلت كأحجار بناء وزينة وفي أعمال الرصف، كما تستخدم تحت فلنكات السكك الحديد وكركام للخرسانة وكذلك في صناعة الصوف الصخري، وتستخدم صخور البازلت محلياً كأحجار بناء وزينة وفي أعمال الرصف.
وتستخدم الصخور البركانية بشكل واسع كأحجار زينة لإضفاء منظر طبيعي أرضي جميل، كمواد لرصف الطرق وعمل حصى لرصف السكك الحديد، وفي العوازل الحرارية والصوتية وفي صناعة الإسمنت ورصف الطرق.
وحسب الدليل الجيولوجي يوجد الفلورايت في اليمن في بعض المناطق أهمها المكلا ويستخدم في إنتاج حمض الهيدروفلوريك وصناعة السيراميك والزجاج والطلاء ويستخدم كعامل صهر في صناعة الفولاذ.
استثمار
تؤكد وزارة النفط والمعادن أن الاستثمار في مجال المعادن شهد إقبالاً جيداً من الشركات الأجنبية خلال الفترة المنصرمة، إذ تم منح تراخيص لخمس شركات للاستكشاف والتنقيب عن المعادن أسفرت النشاطات الأولية لها عن اكتشافات مشجعة.
وتقوم شركة «ميناركو» بدرس الجدوى الاقتصادية لتمعدنات الزنك والرصاص والفضة المكتشفة في منطقة الجبلي / نهم بمساحة 1,058 كيلومتر مربع ومنطقة طبق / سبوة لمساحة 1212 كيلومتراً مربعاً.
وتنفذ شركة «مينورا» حالياً دراسة الجدوى الاقتصادية لمنجم الذهب المكتشف في وادي مدن في حضرموت بمساحة 340 كم مربعاً.
أما شركة «كنديان مونتين» فتقوم بالبحث والتنقيب عن تمعدنات الذهب والنيكل والكوبلت والنحاس ومجموعة البلاتين في كل من حجة وصعدة والجوف على مساحة 42 ألف كم مربع. وتنقب شركة «فيليكس مايننغ» عن تمعدنات النيكل والنحاس في منطقة الحامورة في تعز وبمساحة تقدر بنحو 2010 كيلومترات مربعة. وتعمل «الشركة اليمنية الإسبانية للتعدين» في مجال التنقيب عن الالومنيوم وسِليكات المغنيسيوم في المكلا في حضرموت.
اليقين المنطقي والموضوعي والذاتي
لكي ندرس ذلك يجب أن نحدد معنى اليقين الذي نتحدث عنه، حينما نتساءل عن تحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين في مرحلة تالية من الدليل الاستقرائي.
فإنا يجب أن نميز بين ثلاثة معان لليقين:
1 ـ اليقين المنطقي «أو الرياضي»، وهو المعنى الذي يقصده منطق البرهان الأرسطي بكلمة «اليقين»، ويعني اليقين المنطقي: العلم بقضية معينة، والعلم بأن من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي علم. فاليقين المنطقي مركب من علمين، وما لم ينضم العلم الثاني إلى العلم الأول لا يعتبر يقيناً في منطق البرهان، فإذا فرضنا ـ مثلاً ـ تلازماً منطقياً بين قضيتين على أساس تضمن إحداهما للأخرى من قبيل «زيد إنسان»، «زيد إنسان عالم» فنحن نعلم بأن زيداً إذا كان إنساناً عالماً فهو إنسان، أي نعلم بأن القضية الثانية إذا كانت صادقة فالقضية الأولى صادقة، وهذا العلم يقين منطقي لأنه يستبطن العلم بأن من المستحيل أن لا يكون الأمر كذلك.
وكما يمكن أن ينصب اليقين المنطقي ـ من وجهة نظر البرهان ـ على العلاقة بين قضيتين بوصفها علاقة ضرورة من المستحيل أن لا تكون قائمة بينهما، كذلك يمكن أن ينصب على قضية واحدة حين يكون ثبوت محمولها لموضوعها ضرورياً. فعلمنا مثلاً بأن الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين، يعتبر ـ من وجهة نظر المنطق الأرسطي للبرهان ـ يقيناً لأننا نعلم بأن من المستحيل أن لا يكون الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.
وأما اليقين الرياضي فهو يندرج في اليقين المنطقي بمفهومه الذي رأيناه في منطق البرهان الأرسطي، لأن اليقين الرياضي يعني: تضمن إحدى القضيتين للأخرى. فإذا كانت هناك دالة قضية تعتبر متضمنة في دالة قضية أخرى من قبيل: (س) إنسان، مع (س) إنسان عالم، قيل من وجهة نظر رياضية: إن دالة القضية الأولى تعتبر يقينية من حيث علاقتها بدالة القضية الثانية.
فاليقين الرياضي يستمد معناه من تضمن إحدى الدالتين في الأخرى، بينما اليقين المنطقي في منطق البرهان يستمد معناه من اقتران العلم بثبوت شيء لشيء بالعلم باستحالة أن لا يكون هذا الشيء ثابتاً لذاك، سواء كانت هذه الاستحالة من أجل تضمن أحدهما في الآخر، أو لأن أحدهما من لوازم الآخر.
2 ـ اليقين الذاتي، وهو يعني: جزم الإنسان بقضية من القضايا بشكل لا يراوده أي شك أو احتمال للخلاف فيها.
وليس من الضروري في اليقين الذاتي أن يستبطن أي فكرة عن استحالة الوضع المخالف لما علم، فالإنسان قد يرى رؤيا مزعجة في نومه فيجزم بأن وفاته قريبة، وقد يرى خطاً شديد الشبه بما يعهده من خط رفيق له فيجزم بأن هذا هو خطه، ولكنه في نفس الوقت لا يرى أي استحالة في أن يبقى حياً، أو في أن يكون هذا الخط لشخص آخر، رغم أنه لا يحتمل ذلك، لأن كونه غير محتمل لا يعني أنه مستحيل.
3 ـ اليقين الموضوعي: وفي سبيل توضيح هذا المعنى لليقين يجب أن نميز في اليقين ـ أي يقين ـ بين ناحيتين: إحداهما القضية التي تعلق بها اليقين. والأخرى درجة التصديق التي يمثلها اليقين. فحين يوجد في نفسك يقين بأن جارك قد مات، تواجه قضية تعلق بها اليقين: وهي: أن فلاناً مات، وتواجه درجة معينة من التصديق يمثلها هذا اليقين، لأن التصديق له درجات تتراوح من أدنى درجة للاحتمال إلى الجزم، واليقين يمثل أعلى تلك الدرجات، وهي درجة الجزم الذي لا يوجد في إطاره أي احتمال للخلاف.
وإذا ميزنا بين القضية التي تعلق بها اليقين ودرجة التصديق التي يمثلها ذاك اليقين، أمكننا أن نلاحظ أن هناك نوعين ممكنين من الحقيقة والخطأ في المعرفة البشرية:
أحدهما: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الأولى، أي من ناحية القضية التي تعلّق بها. والحقيقة والخطأ من هذه الناحية مردهما إلى تطابق القضية التي تعلق بها اليقين مع الواقع وعدم تطابقها، فإذا كانت متطابقة فاليقين صادق في الكشف عن الحقيقة، وإلا فهو مخطئ.
والآخر: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الثانية، أي من ناحية الدرجة التي يمثلها من درجات التصديق، فقد يكون اليقين مصيباً وكاشفاً عن الحقيقة من الناحية الأولى ولكنه مخطئ في درجة التصديق التي يمثلها. فإذا تسرع شخص وهو يلقي قطعة النقد، فجزم بأنها سوف تبرز وجه الصورة نتيجة لرغبته النفسية في ذلك، وبرز وجه الصورة فعلاً، فإن هذا الجزم واليقين المسبق يعتبر صحيحاً وصادقاً من ناحية القضية التي تعلّق بها، لأن هذه القضية طابقت الواقع، ولكنه رغم ذلك يعتبر يقيناً خاطئاً من ناحية درجة التصديق التي اتخذها بصورة مسبقة، إذ لم يكن من حقه أن يعطي درجة للتصديق بالقضية «إن وجه الصورة سوف يظهر» أكبر من الدرجة التي يعطيها للتصديق بالقضية الأخرى «إن وجه الكتابة سوف يظهر».
وما دمنا قد افترضنا إمكانية الخطأ في درجة التصديق، فهذا يعني: افتراض أن للتصديق درجة محددة في الواقع طبق مبررات موضوعية، وأن معنى كون اليقين مخطئاً أو مصيباً في درجة التصديق: أن درجة التصديق التي اتخذها اليقين في نفس المتيقن تطابق أو لا تطابق الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية للتصديق.
ولنأخذ مثالاً: آخر: نفترض أننا دخلنا إلى مكتبة ضخمة تضم مائة ألف كتاب، وقيل لنا: إن كتاباً واحداً فقط من مجموعة هذه الكتب قد وقع نقص في أوراقه، ولم يعين لنا هذا الكتاب. ففي هذه الحالة إذا ألقينا نظرة على كتاب معين من تلك المجموعة فسوف نستبعد جداً أن يكون هو الكتاب الناقص، لأن قيمة احتمال أن يكون هو ذاك هي: 1/ 100000، ولكن إذا افترضنا أن شخصاً ما تسرع وجزم ـ على أساس هذا الاستبعاد ـ بأن هذا الكتاب ليس هو الكتاب الناقص، فهذا يعني: أن اليقين الذاتي قد وجد لديه، ولكننا نستطيع أن نقول بأنه مخطئ في يقينه هذا، وحتى إذا لم يكن هذا الكتاب هو الكتاب الناقص حقاً فإن ذلك لا يقلل من أهمية الخطأ الذي تورط فيه هذا الشخص. وسوف يكون بإمكاننا أن نحاجّه: قائلين: وما رأيك في الكتاب الآخر وفي الكتاب الثالث … وهكذا؟ فإن أكد جزمه ويقينه الذاتي بأن الكتاب الآخر ليس هو الناقص أيضاً، وكذلك الثالث … وهكذا، فسوف يناقض نفسه، لأنه يعترف فعلاً بأن هناك كتاباً ناقصاً في مجموعة الكتب. وإن لم يسرع إلى الجزم في الكتاب الثاني أو الثالث طالبناه بالفرق بين الكتاب الأول والثاني … وهكذا، حتى نغير موقفه من الكتاب الأول، ونجعل درجة تصديقه بعدم نقصانه لا تتجاوز القدر المعقول لها، فلا تصل إلى اليقين والجزم.
فهناك ـ إذن ـ تطابقان في كل يقين: تطابق القضية التي تعلّق اليقين بها مع الواقع، وتطابق درجة التصديق التي يمثلها اليقين مع الدرجة التي تحددها المبررات الموضوعية.
ومن هنا نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي، فاليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة سواء كان هناك مبررات موضوعية لهذه الدرجة أم لا، واليقين الموضوعي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية. أو بتعبير آخر: إن اليقين الموضوعي هو أن تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية إلى الجزم.
وعلى هذا الأساس قد يوجد يقين ذاتي ولا يقين موضوعي كما في يقين ذلك الشخص الذي يرمي قطعة النقد ويجزم مسبقاً بأن وجه الصورة سوف يبرز، وقد يوجد يقين موضوعي ولا يقين ذاتي، أي تكون الدرجة الجديرة وفق المبررات الموضوعية هي درجة الجزم ولكن إنساناً معيناً لا يجزم فعلاً، نظراً إلى ظرف غير طبيعي يلمّ به.
وهكذا نعرف: أن اليقين الموضوعي له طابع موضوعي مستقل عن الحالة النفسية والمحتوى السيكولوجي الذي يعيشه هذا الإنسان أو ذاك فعلاً. وأما اليقين الذاتي فهو يمثل الجانب السيكولوجي من المعرفة.
وكما يوجد يقين موضوعي بهذا المعنى في مقابل اليقين الذاتي، كذلك يوجد احتمال موضوعي في مقابل الاحتمال الذاتي. فالاحتمال الموضوعي يعبّر عن درجة محددة من التصديق الاحتمالي وهي الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية، فيكون الاحتمال موضوعياً إذا كانت درجته تتطابق مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية. والاحتمال الذاتي يعبِّر عن الدرجة الاحتمالية الموجودة فعلاً في نفس شخص معين سواء كانت متطابقة مع تلك المبررات أم لا.
وسوف نعبِّر بكلمة التصديق الموضوعي عن اليقين الموضوعي والاحتمال الموضوعي بدرجاته المتفاوتة، ونعبر بكلمة التصديق الذاتي عن اليقين الذاتي والاحتمال الذاتي بدرجاته المتفاوتة أيضاً.
بقي علينا أن نعرف ما هي المبررات الموضوعية التي تحدد درجة التصديق، وكيف يمكن أن نحدد الدرجة الموضوعية لتصديقاتنا؟.
إن الدرجة الموضوعية للتصديق هي: تلك الدرجة التي يمكن استنباطها من الدرجات الموضوعية لتصديقات سابقة، فكما أن قضية من قضايا الرياضة أو المنطق تستنبط من قضايا أخرى كذلك الدرجات الموضوعية للتصديقات تستنبط من الدرجات الموضوعية لتصديقات سابقة. وكما يجب في مجال استنباط القضايا بعضها من بعض أن نفترض بداية غير مستنبطة ولا مندرجة ضمن قانون أعم وأشمل منها ـ كمصادرات الرياضة البحتة التي تشكل البداية والقاعدة لاستنباط كل القضايا النظرية في هذا الميدان ـ، كذلك يجب، في مجال استنباط الدرجة الموضوعية للتصديق، أن نفترض في بداية تحتوي على عدد من الدرجات لتصديقات معينة، وتكون هذه الدرجات موضوعية ومعطاة عطاء مباشراً في نفس الوقت، أي أنها لا تستمد موضوعيتها وصحتها من درجات سابقة.
وهذا يعني: أن الدرجات الموضوعية للتصديق على قسمين: أحدهما: الدرجة التي يمكن البرهنة على موضوعيتها ـ أي على صحتها ـ عن طريق درجات صحيحة لتصديقات سابقة. والآخر: الدرجة التي تكون موضوعيتها ـ أي صحتها ـ أولية ومعطاة بصورة مباشرة.
وفي هذا الضوء نعرف: أن أي تقييم موضوعي لدرجة التصديق يجب أن يفترض مصادرة مفادها: أن هناك درجات وتقييمات بديهية أولية وغير مستنبطة، إذ ما لم تكن هناك درجات تتمتع بالصحة الموضوعية بصورة مباشرة، لا يمكن أن توجد درجات مستنبطة.
كما نعرف في هذا الضوء أيضاً أن هناك خطين للاستنباط في المعرفة البشرية: أحدهما: خط استنباط القضايا التي يتعلق بها التصديق بعضها من بعض، والآخر: خط استنباط درجات التصديق المتعددة بعضها من بعض، فاستنباط القضية القائلة: «إن زوايا المثلث تساوي قائمتين» من مصادرات الهندسة الإقليدية ينتمي إلى الخط الأول، وأما استنباط درجة التصديق الموضوعي بأن قطعة النقد سوف تبرز وجه الصورة من درجة التصديق الموضوعي بأن قطعة النقد سوف تواجه إحدى حالتين فقط، فهو من الخط الثاني، لأن الاستنباط هنا ليس استنباط قضية من أخرى، إذ أن القضية القائلة: «إن قطعة النقد سوف تبرز وجه الصورة» لا يمكن استنباطها من القضية القائلة: «إن قطعة النقد سوف تواجه إحدى حالتين فقط»، وإنما ينصب الاستنباط هنا على درجة التصديق، فتحدد درجة التصديق بالقضية الأولى بأنها: 2/ 1، وتستنبط هذه الدرجة من الدرجة المحددة للتصديق بالقضية الثانية وفق نظرية الاحتمال.
وعلى أساس ما حصلنا عليه حتى الآن من تمييز بين اليقين المنطقي واليقين الذاتي واليقين الموضوعي، نطرح من جديد السؤال الذي أثرناه في بداية البحث: هل أن القيمة الاحتمالية الكبيرة التي يحققها الدليل الاستقرائي في مرحلته الأولى الاستنباطية تتحول إلى يقين في مرحلة تالية من هذا الدليل أو لا؟.
مدخل إلى حياة السيد الشهيد
محمد باقر الصدر الشخصية
آيات نابغة … ومعالم عبقرية
أحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل الذي يحظى بعنايةً وتقدير فائقين من قبل مدير ومعلّمي مدرسته ـ هكذا تحدّث معلم نُسِّب إلى هذه المدرسة (منتدى النشر الابتدائية) حديثاً ـ فرحت أرقبه عن كثب، وأقرِّبه إليَّ … وجدت فيه نبوغاً عجيباً، وذكاء مفرطاً، يدفعانك إلى الاعتزاز به، ويرغمانك على احترامه ….
لقد كان طفلاً يحمل أحلام الرجال، ويتحلَّى بوقار الشيوخ …
كان كلُّ ما في هذه المدرسة دون مستواه العقلي والفكري ….
شغوفاً بالقراءة، محبًّا لتوسيع دائرة معارفه…
لا تقع عيناه على كتاب إلاَّ وقرأه، وفَقِه ما يحتويه، فيما يعزُّ فهمه على كثير ممَّن أنهوا المرحلة الثانوية …
كان يقرأ كلَّ شيءٍ … آداب، علوم، اقتصاد، تاريخ، فلسفة … كلَّ شيء، ما طرق سمعه اسم كتاب إلاَّ وسعى إلى طلبه …
جاءني يوماً مبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسية … تردَّدتُ، خشية أن يتأثَّر بها، فألحَّ، فأرشدته إلى بعض المجلات والكتب المبسَّطة، وهيَّأتها له، فأعادها إليَّ بعد أن قرأها، وهو يقول: أُريد كتباً أكثر موضوعية، وأعمق عرضاً لآراء الماركسية!!
فهيَّأت له ما طلب وأنا أظنُّ أنَّه سوف لا يفقه منها شيئاً … وبعد أُسبوع واحد أعادها إليَّ وطلب غيرها، فأحببت أن أعرف هل فهم منها شيئاً، هذا الطفل. الصغير؟! وإذا به يدخل في شرح الماركسية طولاً وعرضاً، فأخذت عنه كلَّ ما كان قد غمض عليَّ معناه عند قراءتي لها!!
عجبت لهذا الطفل المعجزة … إنَّه في الصف الثالث الابتدائي … يقرأ هذه الكتب المعقَّدة ناقداً متبحِّراً …
ـ والله لولا الأنظمة والقوانين، ولو كانت هنا حكومة تقدِّر النبوغ والكفاءة، لمنحته الشهادة الثانوية بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب الكلِّيات ليختار منها ما يشاء … هكذا تحدَّث معلِّم آخر له في المرحلة ذاتها ـ معلَّم اللغة العربية.
ـ المعلِّم الأول: وهكذا قال مدرِّسو العلوم الأُخرى، مبدين دهشتهم في نبوغه، خائفين أن يقتله ذكاؤه …
ـ زميل يتقدَّمه بأربع مراحل: وقبل أن يعرفه ذلك الأُستاذ بعام، في سنته الثانية من دراسته الابتدائية، كانت له في زاوية من زوايا المدرسة «حوزة»! هكذا اشتهرت في أوساط الطلاب، في كل استراحة بعد كل درس … يقول تلميذ الصف النهائي في هذه المدرسة: كنّا نرقبه وهو يتحدث إلى المحيطين به، وكلهم إصغاء له … أثارت فضولنا هذه الحالة، ونحن كبار المدرسة وأولئك صغارها، فهممنا عدَّة مرات لأن ننضمّ إليهم، فنتردّد لفارق السن بيننا … وجاء ذلك الذي لم أنسه، ولا أنساه، كان يوماً جديداً لم يمرَّ بنا مثله …
اندفعنا وكأننا مقادون صوبه، فإذا بنا نصغي أكثر منهم إلى حديثٍ لم نألفه من قبل، ولا صلة له بدروسنا …. لأول مرَّةٍ سمعنا فيها كلمات مثل: «الماركسية» و«الانتهازية» و«الامبريالية» و«الديالكتيك» وكلمات أُخرى نسيتها، وبعضها أسماء لم نسمع بها من قبل ولم يحضرني منها اليوم سوى اسم «فيكتور هيجو» و«غوته» وغاب عنِّي غيرها …
لقد كان يهيم في حديثه … ويسبح في فضاءٍ من الخيال … أو يغوص في بحرٍ لُجَّي يلتقط منه المعاني والألفاظ والأفكار … كلُّنا نرغب أن نفهم أحاديث هذا الصغير! والعجب لزملائه، فهلا يفهمون شيئاً ممَّا يسمعون؟
كنَّا نستزيده، فيزيد … ونستعيده، فيعيد … كان أُستاذاً كبيراً في حديثه وفي سلوكه معنا([258]) …
فتًى يخترق فضاء الحوزة
بجدارة يتجاوز التقليد التعليمي ويدرس أكثر أبحاث السطح العالي، بلا أستاذ، في الحادية عشرة من عمره يكتب رسالةً في المنطق، يثير فيها اعتراضات علمية كبيرة على بعض كتب المنطق.
درس المعالم في الأُصول في الثانية عشرة من عمره في درس أخيه إسماعيل، وكان يشدُّ انتباه أُستاذه وزملائه باعتراضات علمية على صاحب المعالم، وكان بعض ما يأتي به موافقاً لما أورده صاحب الكفاية في الأُصول على صاحب المعالم.
هاجر إلى النجف في الرابعة عشرة من عمره ليشبع طموحه العلمي في مركزه الكبير، فعُرف مبكِّراً لدى أكابر أساتذة النجف بالذكاء المفرط والنبوغ العلمي.
قال عنه أستاذه الأول، أخوه: بلغ سيدنا الأخ ما بلغ في أوان بلوغه!
وكتب في السابعة عشرة من عمره تعليقة على الرسالة الفقهية للمرجع الشيخ محمد رضا آل ياسين، اطلع عليها أُستاذه الشيخ عباس الرميثي، فقال له: إنَّ التقليد عليك حرام!
لكنَّه كان قد أدرك هذا في نفسه منذ سنوات، فانفرد باجتهاده منذ بلغ الحلم، منذ ذلك العمر لم يقلِّد أحداً، وهذا ما أدركه فيه أخوه، أُستاذه الأول.
وهكذا أقرَّت الحوزة العلمية في النجف لفقيه مجتهد في السابعة عشرة من عمره، وكان قبل إقرارها مجتهداً …
وفي الثامنة عشرة من عمره كتب «فدك في التاريخ» دراسة تاريخية راقية، مشحونة بأبحاث فقهية عالية، فكان شهادة لمؤرِّخ خبير، وفقيه مجتهد، وبليغ ذي بيان رفيع، لا يظنُّ قارئونه أن صاحب هذا الكتاب دون الأربعين سنة.
قبل المدرسة
«ليس في ذاكرتي شيء، عن أبي … إلاَّ صورة غير واضحة … فأنا بحكم من لم يرَ أباه»([259]).
يتيماً دخل المدرسة الابتدائية، محمَّد باقر الصدر …
له ثلاث سنين وسبعة أشهر يوم توفِّي والده، حيدر بن إسماعيل الصدر …
والذي بين مولد حيدر بن إسماعيل الصدر في جمادى الآخرة 1309هـ بسامرَّاء، وبين وفاته مرجعاً من مراجع الشيعة في 27 جمادى الآخرة من سنة 1356هـ بالكاظمية، سبع وأربعون سنة، لا غير … ومنذ عنفوان شبابه أصبح من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان …
وهكذا قصيرة هي أعمار العباقرة … وسيكون عمر ولده أقصر … يأتيه القصر من جهتين … ذكاء بلا نظير، وفداء بلا حدود …
ستلمُّه، مع أخيه الأكبر إسماعيل (ولد 1340هـ) وأخته الأصغر آمنة (ولدت 1356) أمُّهم الزاهدة، بنت المرجع الكبير عبد الحسين آل ياسين.
وقبل أن يكونوا في كنف أخوالهم الكبار: محمَّد رضا آل ياسين، كبير الفقهاء المجتهدين … وراضي آل ياسين، العالم الكبير، والكاتب ذو البيان الرشيق([260]) …. ومرتضى آل ياسين، مرجع التقليد الشهير.
قبل أن يكون الأُخوة الثلاثة وأمُّهم في رعاية أخوالهم، تقول أمُّهم: كنّا أكثر من شهر بعد وفاة أبيهم حائرين في لقمة العيش([261]) …
ومَنْ كان الأب الراحل الذي لم يخلّف لأُسرته الصغيرة ميراثاً؟
لقد كان مرجعاً من مراجع التقليد في العراق!!
كثير أولئك الذين يحملون علوماً جمَّة … ولكن قليل منهم فقط الذين يتمثَّلونها سلوكاً … ولا يرتزقون بها …
والعفَّة والورع تورَّثان أحياناً …
وهو خير ميراث سيحيا به الأُخوة الثلاثة … ثُمَّ يورِّثونه من جديد لخلفهم الآتي …
وهذه من سنن الله في عباده …
مجدٌ يتصاعد في السماء، كلَّما اقترب التراث من الأرض … وشأن يغور تحت القاع، كلّما تكدّس التراث وتصاعدت القصور صوب السماء …
قليلاً في أجواء الأُسرة
ليس يهون توديعها … وأشدُّ من ذلك أن تمكث معها طويلاً …
الصدق والفقر توأمان في هذه الدنيا، توأمان لهما توائم أُخرى … شرفٌ وإباء … مجدٌ وحسَّاد …
توائم سنراها تأتلف تحت سقف واحد …
لكنه ليس إلاَّ السقف الذي لا يحجبها عن ماء السماء …
وعلى مهاد واحد … لكنَّه المهاد الذي لا يحبِّب إليك الجلوس عليه، بله الاسترخاء! وعلى مائدة واحدة، مائدة ليس عليها غير رغيف الخبز وشربة ماء … خبز في أحسن أحواله لا يابس ولا عَفَنٌ فيه … وليكن ماؤك بعد ذلك ماء الفرات العذب … أو دجلة الريَّان …
أرأيت كيف مات «حيدر» ولم يترك لعياله وجبة طعام!!
لقد ورث التوأمان، الصدق والفقر، من أبيه «إسماعيل»!!
فمن أولى بذلك الميراث كلَّه من «محمد»؟!
وهل سيشاطر «محمداً» ميراثه قبل «آمنة» أحد؟!
أسماء ومسمَّيات …. أنزل الله بها كلَّ سلطان ….
عجباً …. هل صار حديثي فيهم شعراً!! لم أقصد ذلك أبداً، أبداً، ومنذ زمن كنت هجرت الشعر …. ونسيت فنَّه وقوافيه …. ونسيت أسماء الشعراء …. ألم أقل لك إنَّ الوداع عسيرٌ، جدُّ عسير ….
وأنا على وعدي، ألاّ أُطيل المقام ها هنا …. فليس في قلبينا موضعٌ لآه، وبكلَّ قسوةٍ سأقهر نفسي على أن أُغادر النَغَم …. وأُعلّلها بأنّي أكتب التاريخ ….
فليس في القلب بَعدُ نياطٌ تهتزُّ على نَغَم …. غير أنَّي في التاريخ أُلفي ألفَ عزاء ….
كان المرجع الكبير، السيد صالح الصدر قد توفِّي بعد رأس القرن الثالث عشر الهجري، في سنة 1317هـ، وقد خلَّف ولده محمد بن صالح، الشهير بصدر الدين الصدر (1193 ـ 1264هـ) آيةً في الذكاء تبهر العقول، ونادرةً من نوادر الدنيا، ففي السابعة من عمره كتب تعليقة قيِّمة على (قطر الندى)! وتقدَّم في الشعر والأدب تقدُّماً مذهلاً، حتى قال بعض شعراء عصره: إنه أشعر من الشريف الرضي ….
وفي الثانية عشرة من عمره (1205هـ) كان يواظب على حضور دروس المرجع الأعلى الوحيد البهبهاني …. وفي الثالثة عشرة من عمره كان مجتهداً بحقٍّ، ولم يكن قد بلغ سنخ التكليف …. وأُجيز (رسمياً) بالاجتهاد في السابعة عشرة من عمره (1210هـ)!
عابد، خاشع، بكَّاء . …. ما زالت لكلماته وحالاته في المناجاة طعمها الرائق عند من عرفها ….أصبح المرجع الأكبر الذي تخرج من درسه مراجع كبار، أشهرهم: المجدِّد الشيرازي، والشيخ الأنصاري.
ثمَّ خلَّف ولده إسماعيل (1258 ـ 1338هـ) الذي سيكون هو المرجع الكبير في زمانه …. فقد خَلَف المجدِّد الشيرازي في المرجعية بسامرَّاء، قلعة العلم يومها، ثُمَّ ارتحل إلى كربلاء، فارتحلت القلعة معه …. فلمَّا غادرها إلى الكاظمية للتداوي، توفّي هناك، فدفن في الكاظمية بين أبناء عمومته، في مقبرة صغيرة خاصة بآل الصدر.
العفَّة آيته …. كتم نفسه وغيَّب اسمه على أُستاذه الكبير، المجدِّد الشيرازي، الذي كان تلميذاً لوالده صدر الدين ….
أصرّ أن يبقى في حوزته مجهولاً، خشية أن يحيطه أُستاذه بعناية خاصة!!
والفقر علامته …. عسيرةٌ أيامه، يعيش الفاقة كأي واحد من ضعـاف الفـقـراء والمـحـتاجـين ….
ثمَّ العفَّة الفائقة دعته أن يعاهد الله ألاَّ يقترض من أحدٍ مبلغاً لسدِّ حاجة …. وطوى أيامه على تلك الحال، ومرضت والدته العجوز، وهو لا يملك أُجور الطبيب وثمن الدواء …. ذهب إلى حرم أمير المؤمنين، وهو على عهده …. فساق الله إليه رزقه من حيث لا يحتسب، على يد رجلٍ جاء يحمل مالاً نذره لسيد علويٍّ، فرأى هذا السيد وهو لا يعرفه فعرض عليه نذره، ووضع المال بين يديه …. صدق مع الله فصدق الله معه وعده، ووعده الحقُّ ….
كان هذا ابناً لاثنين من مراجع التقليد على التوالي ….
فاعرف كيف كان يعيش آباؤه …. لتعرف كيف مات ولده «حيدر» وهو مرجع، وابن لثلاثة مراجع على التوالي، ولم يخلَّف لعياله زاد ليلة واحدة([262])!!
ابناً لتلك الأُسرة كان محمَّد باقر الصدر.
محمد باقر الصدر الذي أمضى ردحاً من حياته لا يزيد قوت يومه على قطعة صغيرة من الخبز، ولا شيء معه …. فقيل له في ذلك، فقال: «إنَّ الذي يستطيع أن يعيش على قطعة صغيرة من الخبز أياماً عديدة لهو قادر على أن يستمر إلى آخر العمر كذلك …. فأنا اليوم لا أخشى من الفقر، ولا أخاف من الجوع»([263]).
وهو المرجع ابن مراجع أربعة على التوالي، يفارق الدنيا ولا يخلّف لعياله ميراثاً يذكر، بيتاً هو أشبه بالبيوت الخربة من بقايا الأقدمين ….
إنَّهم شهود، وأيُّ شهود، على أقرانهم الذين ليس لهم إلاَّ جزء ممَّا كان لتلك الأُسرة من مجدٍ ورئاسة، ثُمَّ تراهم يُخيَّل إليهم أنَّ ما يساق بين أيدي آبائهم من أموال المسلمين إنَّما هو ملك مشاع لهم، يرتعون به رتع المواشي في مزارع لا أهل لها ولا نواطير تحرسها.
وليس آباء الصدر وحدهم كانوا مراجع دينيين، بل أخواله أيضاً الذين في كنفهم عاش منذ صغره ….
ويقول النعماني: من العجيب أنّ السيد الشهيد يتصل بجده الإمام موسى الكاظم إمَّا بمجتهد أو عالم فاضل، فكلُّ رجال هذه الأُسرة علماء أفاضل، أو مراجع كبار([264]) ….
عاش معه أخوه الأكبر، «اسماعيل» قصير العمر شأنه شأن أبيه، عاش ثمان وأربعين سنة، لا غير، بين 1340هـ عام مولده في الكاظمية، و1388هـ عام وفاته في النجف، فقيهاً، أُصولياً، مفسِّراً، رجالياً، طبع القليل من كتبه: محاضرات في تفسير القرآن، وتعليقه على كتاب التشريع الجنائي الإسلامي، وبقيت سائر كتبه مخطوطة.
وأُخته «آمنة» وهي الصغرى، ولدت سنة وفاة أبيها (1356هـ) لازمت أخاها في سيرته العلمية والجهادية، فكانت المرأة الأولى في العراق في وعيها الديني والسياسي ونتاجها الثقافي، داعيةً كبيرة ذات تأثيرٍ لا نظير له، أديبة متفوِّقة، تركت أحد عشر كتاباً مطبوعاً، كانت ولا تزال الرافد الأول للنساء في العراق بالدرجة الأولى.
نصرت أخاها أعزَّ نصرٍ إثر اعتقالاته، واعتُقلت عقيب اعتقاله الأخير لنشاطها المؤثِّر وأُعدمت معه([265]).
وللأُسرة شأن سياسي رفيع
قبل أن يقود الشهيد الصدر جهاداً سياسياً، كان لأُسرته أثر كبير في الأحداث السياسية نابع من موقعها الديني والاجتماعي.
كتبت المس بيل، المندوبة البريطانية في العراق، إلى وزارة الخارجية البريطانية تقول:
ـ هناك مجموعة من هؤلاء الذوات في الكاظمية، المدينة المقدسة الواقعة على بعد ثمانية أميال من بغداد، المتطرِّفة في إيمانها بالوحدة الإسلامية، والمتشدِّدة في مناوأة الإنجليز، في مقدَّمة هؤلاء «أُسرة الصدر» التي قد تكون أبرز أُسرة عرفت بالتعليم الديني في العالم الشيعي كلّه([266]).
وكان من أقطاب هذه الأُسرة «محمد الصدر 1887 ـ 1956» صاحب الدور السياسي المباشر، بعد دوره الديني والاجتماعي الكبير … أحد الأقطاب الذين يعود لهم الفضل في شحذ الشعب العراقي ضد الإنجليز وتوجيه ثورة العشرين الخالدة.
«حنّا بطاطو» كتب عن أولئك الذين استقبلوا الغزو الإنجليزي برضًى، وراحوا يمهّدون له في البلاد، ثُمَّ انتقل إلى الحديث عن الفريق الآخر المخالف، فقال:
ومن الناحية الأُخرى فإنَّ محمد الصدر وهو سيد عالم شيعي من سامراء، وأحمد داود وهو سيد عالم سني من شرقي بغداد، ويوسف السويدي وهو قاضٍ شرعي سني سابق في الكرخ، وكلُّهم من ذوي الدخل المتوسط، وإن كانوا في منزلة رفيعة، مارسوا نفوذهم على العامَّة في العاصمة ضد الإنجليز، وشاركوا بنشاط في تحريض العشائر على الثورة، وتحت رعاية هؤلاء جرى الكثير من المؤاخاة بين السُنَّة والشيعة في سنتي 1919 و1920 من خلال اجتماعات دينية سياسية عُقدت في مساجد بغداد، وهو حدث لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق([267]).
ترأس محمّد الصدر حزب «حرس الاستقلال» الذي تأسَّس في شباط عام 1919م.
انتخب عضواً في مجلس الأعيان منذ دورته الأولى عام 1925م، وأصبح رئيساً لهذا المجلس في معظم دوراته.
رأس وزارة العراق إثر الاضطرابات التي حدثت آخر أيام وزارة صالح جبر، الذي وقَّع مع الإنجليز معاهدة بورتسموث، في 15/ كانون الثاني/ 1948، التي تُجدَّد ربط العراق ببريطانيا لمدة عشرين سنة أُخرى.
تقلَّد محمد الصدر رئاسة الوزارة في 29 كانون الثاني نفسه، بإيحاء من الأحزاب الوطنية، التي كانت قد أعدَّت قائمة بأهمَّ مطالب الشعب، فسعى إلى تحقيق هذه المطالب كلَّها في فترة قياسية.
ـ أعلن في أول شباك ـ بعد يومين من تشكيل الوزارة ـ عن تشكيل لجنة للتحقيق في حوادث الاضطرابات وتعيين المسؤول عن إطلاق النار … وأطلق سراح السجناء من المتظاهرين.
في اليوم التالي، 2 شباط، أعلن رفض حكومته لمعاهدة بورتسموث، وأبلغ الحكومة البريطانية بذلك، الأمر الذي لا يقلُّ أهميةً عن إعلان الاستقلال التام من الوصاية البريطانية، فسعت بريطانيا مع الملك وحواشيه إلى إثارة الفتن والبلابل لإرباك وزارته.
ـ حقَّق المطلب الجماهيري بحلِّ مجلس النواب، والتمهيد لانتخابات حرَّة لمجلس جديد.
وأخذ على ذلك الموافقة الملكية في 22 شباط، وسعى لإنجاز الانتخابات في حزيران.
ـ منح الحرية للصحافة، ومنح الأحزاب حرِّيتها في ممارسة أنشطتها السياسية.
ـ في وقته اندلعت أوّل حربٍ بين العرب والكيان الصهيوني، فأصدر مرسوماً بإرسال قواتٍ عراقيةٍ إلى فلسطين.
ـ وفي 15 حزيران انتهت الانتخابات النيابية للمجلس الجديد، فوجد السيد محمد الصدر أنه قد حقق جميع المطالب المرفوعة باسم الشعب، فقدم استقالته في اليوم التالي مباشرة، 16 حزيران 1948، وعاد إلى مجلس الأعيان حتى توفي عام 1956([268]).
ـ السيد الشهيد محمد باقر يحكي شيئاً عن صلته بالسيد محمد الصدر وذكرياته معه، فيقول: «كان المرحوم السيد محمد الصدر يصطحبني معه إلى مزرعته خارج بغداد على ظهر جوادٍ له، فكان يمنِّيني بمنصب كبير في الدولة وبحياة ناعمة مرفَّهة إن أنا واصلت دراستي في المدارس الحكومية. فقلت له: إن حياة الحوزة والدراسة فيها هي خياري الوحيد، وإنَّ قناعتي في ذلك تامة، رغم حاجتي للمال»([269]).
* * *
المشروع الفكري
حركية الفكر
بين الاتِّباع والتقليد، والإبداع والتجديد، بون شاسع في عالم الفكر، تظهر على طرفيه صورتان متغايرتان للفكر البشري في الجوهر والمظهر والعطاء.
والفكر الإسلامي منذ عهد الانحطاط مُني بذهنية التقليد والاتّباع، فلم يتجاوز الخَلَف حدود الدوائر التي رسمها السلف، فأسقطوا عامل الزمان والمكان، وتجمَّد الزمان عند نهاية القرن الخامس، ومهما تمدَّد فلا يجاوز القرن السابع للهجرة.
ومن الطبيعي أن نشهد ضموراً في الفكر والإبداع وتدهوراً حضارياً شاملاً مصاحباً للانحطاط السياسي والثقافي والتفكُّك الأمني الذي مُنيت به الدولة الإسلامية أواخر العهد العبَّاسي … ومن نتائج الضمور والانحطاط؛ الانشداد الفائق لعصور ما قبل الانحطاط، عصور النهضة والعطاء، انشداداً يبلغ في أغلب الأحيان درجة التقديس، ليصبح النتاج الفكري لتلك العصور المصدر التشريعي الأهمَّ الذي يُفسِّر على ضوئه الكتاب والسُنَّة! ليصبح ذلك النتاج ليس محوراً للفكر فقط، بل حدوداً له أيضاً في أغلب الأحيان، فيتحوَّل إلى ثابت فوق تاريخي، تُهمل معه كل العوامل التاريخية التي أسهمت في إنتاجه، فلا يُقرأ على أنه إنتاج مرحلةٍ تاريخية، مواكباً للتطور الحضاري وحركة الوعي في زمانه، مجيباً على أسئلة الحياة التي كانت يعيشها، بل يقرأ على أنَّه التفسير الأوحد والأكمل للإسلام، على امتداد الزمن، كلِّ الزمن، أُنتج مجرَّداً عن المتغيِّر الزماني والمكاني، أنتجته عقول كانت تعيش فوق الزمان والمكان، عقول أصبحت وفق هذا التصور تمثل آلهة الفكر، وإن تفاوتت في سلطانها نسبياً! وكأنّ سذاجة العقل البشري ملازم أكيد لضعفه وتدهوره وانحطاطه، والأمر كذلك تماماً، فالسذاجة ليست ذات حدٍّ ثابت ولون واحد لننسبها إلى مرحلة من مراحل التاريخ البشري دون غيرها، فالسذاجة تعني كلَّ تبسيط مفرط إلى حدّ السطحية، كما تعني الاتِّكاء على تصورات لا قيمة لها ولا تصمد أمام النقد، يركِّب منها صاحبها مقدِّمات ويعلّق عليها نتائج، تأخذ في نظره قيمة الاستنتاجات المنطقية اليقينية، مع أنَّ النتيجة خرافة، قامت على مقدِّمات فارغة من أيِّ محتوى، لا حقيقة لها ولا واقع …
واستبعاد المتغيِّر التاريخي وأثره في النتاج الفكري واحد من مظاهر السذاجة في العقل البشري.
ولا يُتصوَّر أنَّ مواجهة هذه الذهنية السطحية هي دون مستوى الثورة، بل هي الثورة بعينها في عالم الفكر، وخير شاهدٍ على ذلك حجم التضحيات التي يقدِّمها روَّاد الإحياء والتجديد الفكري، على مستوى السمعة والأموال والأنفس … إنها ثورة من سنخ ثورات الأنبياء التي تنصبُّ في مراحلها الأُولى على مواجهة سطحية العقل البشري ومغالطاته وهيامه في التقليد اللاواعي لآثار أسلافه.
والمطلوب من الإحياء والتجديد في الفكر الإسلامي ليس هو الاستهانة بالتراث الإسلامي وتجاهله، وإنَّما الخروج من ذهنية «ليس في الإمكان أبدع مما كان» إلى الذهنية الفعالة المنتجة، التي تعيش زمانها ومكانها، وتعي معامل التغيُّر والتطوُّر الحياتي بعمق … التمييز بدقَّة بين الثابت والمتغيِّر في الإسلام … الفصل بين ما هو مقدس، فوق تاريخي، في ذاته، وبين ما هو تاريخي ولكن أضفت عليه ذهنية التقليد والاتّباع صفة القداسة ومنحته سمة الثبات … التمرُّد على العقلية «الاستصحابية» والاندفاع نحو تفعيل العقل من أجل تثوير النص الشرعي، ثم تجسير العلاقة بينه وبين الواقع المتغيّر باطّراد …
ومن هنا سيحتفظ التراث الفكري الإسلامي بقيمته، دليلاً ومرشداً، إلى طرق التعامل مع النصِّ الثابت بعد تغير ظروفه، من خلال استيعاب دلالاته وغاياته ومقاصده، بحثاً عن إجابات الشريعة وأدواتها ورسائلها في إصلاح الواقع المعاصر، والتأسيس للمستقبل.
هذا بدلاً من أن يتحول تراثنا الضخم إلى قيدٍ ثقيلٍ على العقل الإسلامي، وغلٍّ وخيم يجرُّه إلى الوراء، الوراء، بعكس اتّجاه الزمن، غريباً على لغته وأدواته.
وأصعب من الإطاحة بطاغية، الإطاحة بالذهنية المتكلِّسة وتغيير متبنَّياتها وركائزها … لذلك كان الأنبياء أصعب مهمةً من الملوك الفاتحين، ومن العسكر الثائر لقلب نظام الحكم.
لقد حطم الإسلام صناديد الشرك، وبسط نفوذه على أرض الجزيرة منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ما يزال يداري رواسب جاهلية ترسَّخت في الأذهان!
هنا تكمن قيمة جهاد الفكر، في الإحياء والتجديد والإبداع، ومن هنا تبرز أهميته الفائقة …
غير أن الناس، كل الناس، ما زالت تشغلها قعقعة السيوف عن إبريق الفكر ونداه. فلما لم يشهر جمال الدين الأفغاني سيفاً، ظلَّت الأُمّة تجهله حتى بعد وفاته بعقودٍ من الزمن، لكنَّها استفاقت على فكره بعد الزمن الطويل، ثم ما زالت تستلهم منه وتستنير به.
وتجربتنا مع الصدر من نوع آخر على قدر من التشابه، فالصدر قدح الفكر وسلَّ السيف في آنٍ واحد، فمالت الناس ـ العراقيون خاصَّةً، إسقاطاً لواقعهم السياسي والاجتماعي ـ مع كفَّة السيف، وما زالت، لأن ميدانهم ما زال ظامئاً لذلك السيف … وتأخَّر الفكر في المرتبة الثانية، فما زال الاستلهام منه محدوداً للغاية، رغم ضخامة المدَّعى … وما زالت الاستنارة به دون ما ينبغي بكثير، رغم كثرة المزاعم …
فهذه ميادين الفكر التي شقَّها ما زالت على حالها، كما غادرها، رغم حاجتنا الماسَّة إليها، فالحقُّ، كل الحق، أننا لا نملك سواها سبيلاً إلى مواجهة الواقع المعاصر، والكشف عن صورة الإسلام الناصعة، منهجاً متكاملاً للحياة، ودستوراً شاملاً للعمل.
إننا مع الصدر نعيش الإسلام الحيَّ القادر على بناء واقع معاصر وفق المنهج الإسلامي، قادر على إثبات الوجود، والتحدِّي، بين أُمم تتسابق في عالم التكنولوجيا والحياة المدنية المعقدة.
نعيش في الفكر مبادئ خلاَّقة قادرة على تحصيل المعرفة الحقيقية، غير الموهومة أو المصطنعة.
مع الصدر نعيش حركية الفكر وحيويته، نعيش الإبداع والتجدُّد. نعيش المعاصرة، ونعيش ثروةً هائلةً من التأصيل النظري ـ وفي كلَّ هذا تجده سابقاً، غير مسبوق.
لقد أدرك الصدر قيمة الفكر وغاياته، بموهبة ولياقة، لا بتعليم؛ فقدح زناد الفكر، وفكَّ عقاله، وأطلقه من أسر الذهنية التقليدية المنكمشة، بعد أن قدَّم لهذه الذهنية تفسيرها التاريخي، معلناً عن أنها قد فقدت مبرراتها منذ زمن طويل، وأن التاريخ قد تجاوزها كثيراً …
فغادرها بثقةٍ وشجاعة، وتخطَّاها بجدارة أهَّله لها مخزون معرفي كبير توفَّر عليه واستوعبه بوعيٍّ وبصيرة … أدرك أنَّ الحياة المعاصرة هي المحكُّ الذي يميِّز المفكَّر الحقيقي عن غيره، والعالم الذي استوعب رسالة الإسلام وأهدافها، عن آخر تجمد عند حرفيات مفرداتها، والمفكّر الذي يعي حقيقة أن «الإسلام يقود الحياة» ويجسّد هذا الوعي عملياً في الواقع، عن آخر يدرك من الإسلام أحكاماً فردية في العبادات والمعاملات، وأفكاراً تجريديةً لا علاقة لها بواقع الحياة ومتغيِّراتها.
من أجل ذلك وفَّر القسط الأعظم من حياته في تجسير العلاقة بين الإسلام وبين الواقع المعاش، من خلال اكتشاف أُطروحة الإسلام ونظرياته؛ على صعيد الفكر والمعرفة، وعلى صعيد الدولة ومشروعها، وعلى مستوى البنى الأساسية لمجتمع متحضِّر.
فاتَّسمت دراساته، بعد العمق والأصالة، بالشمول، والمعاصرة، والحركية، والإبداع، إضافةً إلى التأصيل النظري «تخطِّي فقه الأحكام إلى فقه النظريَّات» الذي مثَّل الذروة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
في الصفحات القليلة الآتية سنقف على صورٍ من معالم هذا النتاج الثر، بعد وقفةٍ قصيرةٍ على العلاقة بين حركته هذه وبين والواقع المعاش، تعيننا أكثر على معرفة هذا الرجل العملاق.
حركية الفكر
الفكر الحيُّ هو الفكر الذي يحيا زمانه؛ يعيش حاجاته، يحاور مشكلاته، يجيب على أسئلته، يملأ فراغاته، ويثبت أمام تحدِّياته، ليأخذ بزمامه إلى نافذة غده … بهذا يكتسب الحياة، وبهذا يتميَّز على نتاج كثير متراكم لم يتعرَّف من زمانه على شيء، بل ما زال يحاور أهل القرون الغابرة، بأدواتهم هم، يشاركهم في حلِّ مشكلاتهم التي مضت عليها القرون، بل إنَّ من ذوي الفكر والأثر من أفنى عمره يعيش مع الغابرين، بأدواتهم، دون أن يعالج واحدة حتى من مشكلات أولئك الغابرين أنفسهم …
الحياة تسأل، فلا تُمهل، وتتراكم أسئلتها، فيتراكم أمامها العجز، فلا مناص من الانزواء، وإشغال النفس ومن حولها عن دويِّ هذه الأسئلة، ثُمَّ لتسكن النفوس إلى ما هي فيه، راضيةً، مطمئنة، وعمَّا قليل سيغلب عليها شعاران يأخذان عليها مجامع الأذهان: غرور بلا نهاية في ما هي عليه، وحقد بلا حدود على كلِّ وجهٍ آخر … فلقد بعدت الشقَّة بين الوجهين، وأصبح ذلك الحوار بين السائل و«اللا مجيب» حرباً شعواء، تهدِّد بالاكتساح والدمار … وهكذا يتراكم ـ في سائر الأمم، في حقبٍ مختلفةٍ من أعمارها ـ نتاج فكري يجر بأيدي أهله إلى الوراء الوراء، بعيداً عن ساحات الصراع مع الحياة، نتاج ينمو على نفسه في محيطه الضيِّق، حتى يتشظَّى بأيدي حَمَلَتِه، لتُصبح «الباطنية» باطنيات، و«الصوفية» صوفيات، و«السلفية» سلفيات … تتصارع كلُّها، وهي هاربة من الصراع، إلى الوراء …
نعرف، ولا بدَّ أن نؤكِّد، أنَّ أُمَّتنا لم تعدم في أشد حقب تراجعها الحضاري علماء أحياء ومكافحين ينفخون فيها الروح ويجدَّدون وعيها برسالتها الحيَّة، وقد شهد القرن الأخير كثافةً ملموسةً لدعوات اليقظة ومبارزة تحدِّيات العصر في ميادين الحياة، فكانت حركات إصلاحية كبيرة، ونتاجات فكرية واسعة، تركت أحسن الأثر في تجديد الوعي وعودة الروح إلى هذه الأُمّة، في معظم البقاع التي تتمركز فيها شعوبها.
هذا حقٌّ لا يُجحد، ولكلِّ ذي حقٍّ حقَّه …
لكنَّا مع الشهيد الصدر نجد مزيةً، غير شمولية المعرفة التي جاءت من توزيعه عطاءه في مشاربها المختلفة، تمثلت هذه المزية بحركية الفكر ومواكبته مراحل الحركة ومواضع الحاجة، فجاءت معظم نتاجاته الفكرية في وقتها المناسب لتملأ فراغاً شاغراً لا يملؤه غيرها …
هذا ما يُكتشف من قراءةٍ تجمع بين تاريخ حركته الفكرية والسياسية وبين تاريخ نتاجه الفكري …
الثانية والعشرون من عمره عام 1957م كانت بداية نشاطه السياسي من خلال مشروع تأسيس حزب إسلامي يسعى وفق مراحل مدروسة إلى استلام السلطة، فطفق في أُولى خطوات مشروعه يجمع الأنظمة الداخلية لعددٍ من الأحزاب المعروفة، وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ فيها وضع كتاباً في الأسس الفكرية لعملٍ حزبيٍّ إسلامي، وأطلق على كتابه هذا اسم «الأُسس»([270]).
وكان الاجتماع التأسيسي لهذا الحزب قد تحقَّق في سنة 1958م، بعد ثورة 14 تموز([271]). في ظرفٍ أصبح تشكيل عملٍ إسلاميٍّ منظَّم ضرورةً أكثر إلحاحاً، بعدما شهد العراق من مدٍّ شيوعي وفَّر له عبد الكريم قاسم فرصته التاريخية.
وفي العام الثاني 1959م انبثقت في النجف الأشرف جمعية إسلامية، بدافع التصدِّي لهذا المدّ الشيوعي، وبثّ الوعي الديني تألّفت «جماعة العلماء» هذه من عشرة من كبار العلماء من ذوي الوعي الديني والحس الاجتماعي، وكان من أبرزهم: الشيخ مرتضى آل ياسين، والسيد إسماعيل الصدر، الأول خال الشهيد الصدر، والثاني أخوه. فكان له عن هذا الطريق نفوذ مهمٌّ في «جماعة العلماء» من خلال تحمُّله مهمَّة كتابة المقال الافتتاحي لمجلة «الأضواء» التي أصدرتها الجماعة([272])، وهو آنذاك ابن الرابعة والعشرين، وقد أثبت قدرته على الكتابات السياسية الناجحة والمؤثِّرة في مواجهة الأفكار الغازية.
وفي تلك السنة نفسها أصدر دراسته الموسِّعة «فلسفتنا» التي ناقش فيها بعمقٍ أصول المدارس الفلسفية المادِّية بشكلٍ عام، والمادِّية الجدلية بشكل خاص، وعلى نحو لم يسبق له نظير، كشف عمَّا تنطوي عليه من ثغرات ومن تهافت، ممَّا يجعلها عاجزةً عن أن تكون الحلَّ الأمثل للمشكلة الاجتماعية، فكان كتابه هذا صاعقة كبرى على الشيوعية وهي في أوج مدِّها في العراق؛ فانشغلت تدافع عن نفسها بعد أن كانت غارقةً في نشوة الانتصار، لكنه الدفاع الذي لم يسفر عن نتاج يصلح لأن يكون ردًّا على «فلسفتنا».
ولأوَّل مرّة تعرض الفلسفة الإسلامية بهذا النحو الذي دوَّخ الخصوم، وجعل الإسلام هو الذي يتحدَّى، وعلى المدارس الأُخرى أن تدافع عن نفسها.
وفيما كان هؤلاء منهمكون في دفع الكرات التي ألقتها «فلسفتنا» في مراميهم، داهمهم الصدر مرَّةً أُخرى في دراسته الموسّعة الثانية، في «اقتصادنا» سنة 1961م. هذه الدراسة التي قوَّضت شبح النظرية الاقتصادية الماركسية الذي كان العالم ينظر إليها وكأنَّها طود شامخ مهيب يصعب النيل منه، وكذا فعلت مع خصيمتها الرأسمالية، في دراسة معمَّقة ميَّزت بجدارة بين علم الاقتصاد كعلم مستقل مشاع للجميع يستثمرونه ويبذلون الجهد في تطويره، وبين المذاهب الاقتصادية التي تبنى على أسس معرفية وفلسفية مختلفة، ثُمَّ استعرض في دراسة تحليلية نقدية ما انطوت عليه الماركسية والرأسمالية في النظرية الاقتصادية من تناقضات فلسفية، ومصادرات على الواقع التاريخي، ثُمَّ توَّج الدراسة بمحاولة تأسيسية موفَّقة لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي.
فسحب بهاتين الدراستين كلَّ ما في أيدي الشيوعية من سلاح تناجز به الإسلام، وقدَّم الإسلام مشروعاً حيوياً بديلاً لحل المشكلة الاجتماعية بنواحيها المختلفة.
لقد رأينا قبل كيف كان السيد الصدر مهيمناً على النظريَّات الماركسية، فاتحاً لمغاليقها، كاشفاً عن مبهماتها، منذ صباه، فلا غرابة في أن يصدر فيها دراستيه الموسَّعتين في بواكير شبابه، وهما الدراستان اللتان ما زالتا أكمل وأعمق ما قدَّمه الإسلاميون في نقد المادية الجدلية والديالكتيكية، وما زالتا قائمتان بوجه الماركسية حتى اليوم.
وكلُّ شيءٍ في هاتين الدراستين شاهد على العمق والجدِّية والدقَّة المنقطعة النظير في بحثه لأصول هذه النظريَّات ومنهجه الاستكشافي([273]).
كان صدور هاتين الدراستين متزامناً مع مقالاته الافتتاحية في مجلة «الأضواء» والتي وضعها تحت عنوان «رسالتنا».
تعاظم شأن الصدر، فنشط حسَّاده، وأثاروا من حوله ضجَّةً عارمة، مستثمرين نشاطه السياسي الذي يعدُّونه غير مناسب لمجتهد مرشَّح للمرجعية! ووقع نفر من جماعة العلماء تحت تأثير هذه الضجَّة، فأثاروا قضية: إن كانت مقالاته في «الأضواء» تحت عنوان «رسالتنا» تعبِّر عن رسالة الجماعة بالحدود التي أرادوها لها، أم هي رسالة الصدر نفسه ومنهجه في الخطاب وفي معالجة قضايا المجتمع؟!
إثر ذلك بعث المرجع السيد محسن الحكيم ولده السيد مهدي الحكيم إلى السيد الصدر يطلب منه اعتزال العمل السياسي والتخلِّي عن دوره كفقيه لحزب الدعوة الإسلامية، وعن افتتاحية «الأضواء»!
أدرك السيد الصدر أنَّ في هذا الطلب مداراةً للوضع العام من ناحية، ولمستقبل الصدر كمرشّحٍ للمرجعية من ناحية ثانية، فاعتزل ذلك كلَّه في عام 1961م، لينصرف إلى العلوم الحوزوية الصرفة. وتحت تلك الضغوط كتب شرحه المفصَّل للعروة الوثقى، مصرِّحاً في مقدِّمته أنَّه يكتب ويُدرِّس هذه المادَّة وفق المنهج التقليدي السائد في الحوزة، وليس وفق المنهج الذي يريده هو.
لكنَّ المفكِّر الحقيقي متمرِّد بطبعه ولا يستطيع أن يرضخ طويلاً، ففكَّر باستكمال مشروعه الذي ابتدأه بفلسفتنا واقتصادنا ورسالتنا، بدراسة موسَّعة في «مجتمعنا» لكنَّه توقَّف عن هذا المشروع قائلاً: «إنَّ مجتمعنا لا يسمح بمجتمعنا»!!([274]). أي أن مستوى الوعي العام في المجتمع لا يسمح بدراسةٍ جادَّةٍ تشخِّص مواضع الخلل، وتأخذ بيد المجتمع إلى مستوى أرفع.
الإصلاح في الحوزة العلمية
كان شغله الشاغل بعد ذلك الإصلاح في شؤون الحوزة العلمية، في اهتماماتها، وفي هيكلها الإداري، وفي مناهجها الدراسية … مشروع إصلاحي متكامل، قطع في تنفيذه خطوات مهمَّة:
ـ مارس دوراً مباشراً في اختيار وكلاء السيد محسن الحكيم، ثُمَّ السيد الخوئي في مناطق مختلفة، من بين من يقدِّر فيهم وعياً دينياً وحسًّا اجتماعياً.
ـ وضع مخططاً مفصَّلاً تأسيسياً لهيكل المرجعية «الصالحة» التي عرَّفها بقوله: «إنَّ أهمَّ ما يميِّز المرجعية الصالحة تبنّيها للأهداف الحقيقية التي يجب أن تسير المرجعية في سبيل تحقيقها لخدمة الإسلام، وامتلاكها صورة واضحة محدَّدة لهذه الأهداف، فهي مرجعية هادفة، بوضوح ووعي، تتصرَّف دائماً على أساس تلك الأهداف، بدلاً من أن تمارس تصرُّفات عشوائية، وروح تجزيئية، وبدافع من ضغط الحاجات الجزئية المتجدِّدة … وعلى هذا الأساس يكون المرجع الصالح قادراً على عطاء جديد في خدمة الإسلام، وإيجاد تغيير أفضل لصالح الإسلام في كلِّ الأوضاع التي يمتدُّ إليها تأثيره ونفوذه»([275]).
ثمَّ حدَّد هذه الأهداف بوضوح ووضع المخطَّط التفصيلي للجهاز المرجعي الضروري لتحقيق هذه الأهداف، ووضع للمرجعية الصالحة مراحل ثلاث في طريق تكاملها، ولكلِّ مرحلةٍ برامجها ومسؤوليتها على طريق تحقيق تلك الأهداف([276]).
فقدَّم في هذه الفقرة وحدها مشروعاً متكاملاً في إصلاح المرجعية، لم تهضمه الأحوال التقليدية السائدة حتى يومنا هذا، أي بعد ما يقرب من أربعين سنة!!
ـ وأمَّا على المحور الثالث ـ التجديد في المناهج ـ فقد كان دوره تأسيسياً وبنَّاءً أيضاً، فقد كان دوره رئيسياً في إنشاء «كلِّية أُصول الدين» التي أسهم في تأسيسها السيد مرتضى العسكري ببغداد، وصبَّ الصدر جهده في صياغة منهجها التدريسي، وألَّف بنفسه ثلاثة من كتبها الدراسية التي تُعدُّ فتحاً جديداً في مجال الدراسات الدينية، هذه المؤلَّفات هي: «المعالم الجديدة للأُصول» و«الاقتصاد الإسلامي» و«علوم القرآن» الذي وضع مخطَّطه وكتب مباحثه الأُولى ثُمَّ أوكل إلى السيد محمد باقر الحكيم تدريسه وإكماله.
وإتماماً لدوره في هذا المشروع البنَّاء فقد أسهم بشكلٍ فعَّال في مجلة «رسالة الإسلام» التي تصدرها الكلِّية.
أمَّا على مستوى الحوزة العلمية فقد صنَّف كتابه الكبير في علم الأُصول، وفق منهج جديد، بنَّاء، ما زال يعتمد في مراحل الحوزة المختلفة إلى يومنا هذا.
كما أسَّس لأسلوب جديد في بناء الرسائل العملية، المرجع الفقهي للجمهور، في كتابه الشهير «الفتاوى الواضحة» … هذا الأُسلوب البالغ الأهمِّية والأثر، لم تألفه الحوزة، لا في حينه، ولا بعد ثلاثين سنةً من تأليفه.
نقف هنا لنرصد كيف كانت إذن مؤلَّفات السيد الشهيد الصدر تتحرَّك معه في سُلَّم مواجهة الواقع والارتفاع بمستوى الوعي الجماهيري إلى درجةٍ أرفع …
نظرية المعرفة
تجديد في البناء والتطبيقات
البناء النظري للمعرفة، هو الذي يمثِّل المنطلق والأساس في بناء فلسفةٍ عن الكون والحياة.
والبحث في نظرية المعرفة يقع على محورين، الأوَّل: مصادر المعرفة. والثاني: قيمة المعرفة.
وعلى مستوى مصادر المعرفة يتصدَّر السؤال: ما هو المصدر الأساس للإدراك بصورةٍ عامَّةٍ في الذهن البشري؟
وهنا ينشعب الكلام بانشعاب الإدراك إلى تصوُّرٍ وتصديق …
والتصوُّر بشكلٍ عامٍّ يمثِّل الإدراك البسيط، إدراك المعاني المجرَّدة، بغض النظر عن مصاديقها الموجودة في الخارج، وبغض النظر عن وجود مصاديق لها في الخارج أو عدمه، كتصوُّرنا لمعنى الحرارة، أو الصوت، أو تصوُّرنا للإنسان، أو الشجرة، أو الجبل، بشكلٍ عامٍّ، لا من حيث الأفراد التي يتشخَّص فيها.
وبمعنى آخر هو الوجود الذهني للأشياء أو المعاني، وقد تتولَّد في الذهن صورة ليس لها وجود خارجي. بعض هذه المدركات الذهنية بسيط، صورة واحدة في الذهن للحرارة، وبعضها مركَّب من صورتين ذهنيتين أو أكثر، وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب التصوُّر، التصوُّر المركَّب، كأن نتصوَّر ناراً زرقاء، أو جبلاً نصفه من ذهب ونصفه الآخر فضَّة.
كيف تنشأ هذه التصوُّرات في الذهن؟ ما هو مصدرها الأساس، العام؟
الإجابات متعدَّدة، في مراحل مرَّت بها نظرية المعرفة، وقامت على أساسها الفلسفات المختلفة ….
عند أفلاطون كان «الاستذكار» هو مصدر كل الصور الذهنية، ذلك أنَّ النفس الإنسانية ـ في فلسفة أفلاطون ـ موجودة قديماً قبل البدن، طليقة، قادرة على الاتصال بكلِّ الحقائق المجرَّدة عن المادَّة «المُثُل» فلمَّا هبطت إلى الجسد وعالم المادَّة ذهلت ذهولاً تامًّا عن معلوماتها، لكنَّها تعود إلى «استذكار» تلك المعلومات عن طريق مشاهداتها وإحساسها بالمعاني والأشياء التي ما هي إلا انعكاسات لتلك المُثُل التي تعرَّفت عليها في عهدها الأوَّل … وهكذا أقامت فلسفة صرحها على خرافة، زيَّفها تلميذه أرسطو الذي أدرك أن المعاني المحسوسة في الذهن هي نفسها المعاني التي يدركها الذهن بعد تجريدها عن الخصائص المميِّزة لأفرادها.
وفي أوروبا عهد النهضة وأوروبا الحديثة تعدَّدت الإجابات واختلفت، بين ثنائية «الحسِّ، والفطرة» في المدرسة العقلية، ديكارت نموذجاً، حيث يكون الحسُّ مصدراً للكثير من التصوُّرات، فيما يختفي أثر الحسِّ في طائفةٍ أُخرى من التصوُّرات ليكون مصدرها الفطرة، التي تولَّد طائفةً من التصوُّرات عن طريق الاستنباط. وبين تفرُّد «الحسِّ» في صناعة التصوُّرات، لدى المدرسة الحسية، جون لوك نموذجاً.
وبين الاتجاهين معارك فلسفية واسعة، انتهت في أوروبا لصالح المدرسة الثانية، الحسِّية التجريبية، التي اختزلت دور العقل بالاستجابة للمحسوسات، ذاهلةً عن أن التجربة التي أثبتت لديها مصدرية الحسَّ لجميع التصوُّرات، لا يمكنها أن تنفي قدرة الذهن على توليد معانٍ جديدة، لم تدرك بالحسِّ من المعاني المحسوسة، فالعلَّة والمعلول حقيقتان تقوم عليهما التجربة، وكلاهما محسوس، فليسا مدار بحثٍ هنا، غير أنَّ هنالك حقيقةً ثالثةً، هي تلك الصلة الأكيدة بين العلَّة والمعلول، والتي على أساسها ينتج المعلول عن علَّته، هذه الحقيقة الثالثة لا يمكن للحسِّ أن يدركها، ولكنَّ الذهن يولدها من ملاحظة ترتُّب المعلول على علَّته([277]).
هذا التوليد الذهني هو الذي اصطلح عليه الشهيد الصدر «الانتزاع» ليسمّي به النظرية المعتمدة لديه:
«نظرية الانتزاع»: وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورةٍ عامَّة وتتلخَّص في تقسيم التصوُّرات الذهنية إلى قسمين: تصوُّرات أوَّلية، وتصوُّرات ثانوية. فالتصوُّرات الأولية: هي الأساس التصوُّري للذهن البشري، وتتولّد من الإحساس بمحتوياتها بصورةٍ مباشرة، فنحن نتصوَّر الحرارة لأنَّنا أدركناها باللمس، ونتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر … وهكذا مع جميع المعاني التي ندركها عن طريق الحواس، فإن الإحساس بكلِّ واحدٍ منها هو السبب في تصوُّره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري.
وتتشكَّل من هذه المعاني القاعدة الأوَّلية للتصوُّر، وينشئ الذهن بناءً على هذه القاعدة «التصوُّرات الثانوية» … فيبدأ بذلك دور الابتكاء والإنشاء … وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ «الانتزاع» فيولِّد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأوَّلية، وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحسِّ وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدِّمها الحسُّ إلى الذهن والفكر ….
وهذه النظرية تتَّسق مع البرهان والتجربة، ويمكنها أن تفسِّر جميع المفردات التصوُّرية تفسيراً متماسكاً([278]).
وبهذا يُحسم القول بوضوحٍ في المرتبة الأُولى من مراتب الإدراك … «التصوُّر» لينتقل إلى المرحلة الأصعب، مصادر «التصديق» الذي ينطوي على الحكم، ويحصل به الإنسان على المعرفة الموضوعية.
وهذا هو الشطر الأهمُّ في بحث مصادر المعرفة، فأصل المعرفة التصديقية هو الذي يقوم عليه صرح العلم الإنساني بالمستوى الأهمّ، ذلك لأن التصوُّر بمختلف ألوانه لا يشكِّل «قيمةً موضوعية» فهو وجود ذهني «لا يبرهن على وجود الشيء موضوعياً خارج الإدراك» وإنَّما المعرفة التصديقية وحدها هي التي «تملك خاصية الكشف الذاتي عن الواقع الموضوعي»([279]).
وفي تفسير مصادر المعرفة التصديقية مذهبان رئيسان:
يرى الأول أنَّ التجربة هي المصدر الأول لجميع المعارف البشرية، فبدونها لا يمكن للإنسان أن يعرف حقيقةً واحدة من الحقائق مهما كانت واضحة، هذه هي خلاصة «المذهب التجريبي» الذي يمكن أن يكون مأزقه الأساس هو اختزال المعارف البشرية في حدود التجربة، فما لا يمكن إثباته تجريباً فهو منفي، لا وجود له … ومع ما ينطوي عليه هذا الفهم من مفارقةٍ فلسفيةٍ، إذ أنَّ نفي الشيء هو في نفسه معرفة يقينية، والمعرفة اليقينية غير ممكنة بدون التجربة، والتجربة لم تثبت أن هذا الشيء لا وجود له، بل غاية قولها إن هذا الشيء لا يمكنه أن يدخل ميداني الخاص، هذا كلُّ ما تقوله التجربة، فيكون إنكار وجوده مفارقة فلسفية، وقول بشيءٍ لم تثبته التجربة.
ومع هذا فإنَّ المأزق الأساس الذي يقع فيه المذهب التجريبي يبقى هو اختزال المعارف البشرية في حدود التجربة، الأمر الذي تمرَّد عليه بعض أنصار هذا المذهب والمدافعين عنه، فالماركسيون، وهم تجريبيون، اعترفوا بمساحةٍ مهمَّةٍ للذهن البشري في استنباط المعارف وراء حدود التجربة، فالمعارف التي نكتسبها من التجربة لا تمثِّل سوى الخطوة الأُولى من خطوات المعرفة، أما الخطوة الثانية والأهمُّ فهي دور العقل في صياغة المفاهيم والاستنتاجات، على ضوء ما حصَّله من معارف أوَّلية عن طريق التجربة.
هنا ستبرز قوَّة المذهب الثاني «المذهب العقلي» فما هو ذلك الشيء الذي يصبح معه انتقالنا من الخطوة الأُولى إلى الثانية مفهوماً؟ ما هي أدوات الذهن في الانتقال من المدركات الأوَّلية إلى الاستنتاج وصياغة المفهوم والنظرية في المعرفة التصديقية؟
تلك هي دعامة المذهب العقلي: «المعارف العقلية المستقلَّة عن التجربة».
فالمذهب العقلي يؤمن بأنَّ الركيزة الأساس للمعرفة هي المعارف العقلية الضرورية … معارف يقينية، غنية عن البرهان، خارجة عن حدود التجربة، من قبيل: «النفي والإثبات لا يصدقان معاً في شيءٍ واحد في آنٍ واحد» وهو مبدأ عدم التناقض، و«الحادث لا يوجد من دون سبب» و«الكلُّ أكبر من الجزء» و«ترتُّب المعلول على علَّته» ونظائرها …
وهذه المعارف الضرورية ليست فقط ركيزة للمعرفة، بل هي ميزان أيضاً تقاس على ضوئه صحَّة كلِّ فكرةٍ أو خطؤها.
فهذه المعارف هي الأساس في الانتقال من المدركات الحاصلة من الحسِّ والتجربة، إلى المفاهيم والاستنتاجات النظرية، فلا يمكن للمذهب التجريبي الاستغناء عنها وهو يصدر أحكامه في تعميم استنتاجاته الجزئية على الموضوع الذي خضعت بعض أفراده للتجربة.
لكن في الوقت الذي مثَّلت هذه القضية نقطة القوَّة في المذهب العقلي، فإنها ستجرُّه لاحقاً إلى مأزقٍ من نوعٍ آخر، كان المذهب التجريبي في منجاةٍ منه.
تلك هي مسألة التعميم في الأفكار، واتِّجاه السير الفكري، فهو عند العقليين اتِّجاه نزولي، من الكلِّيات إلى الجزئيات، ونموذجه القياس المنطقي، ومثاله: «كلُّ إنسانٍ فانٍ» قضية كبرى وكلِّية، و«محمد إنسان» قضية صغرى، فـ «محمد فان» نتيجة، فالنتيجة لا تكون أكبر من مقدِّماتها، فهي إمَّا أصغر منها أو مساوية لها. هذا نمط السير الفكري في المذهب العقلي.
وبخلافه المذهب التجريبي، فهو يسير صعوداً من الجزئيات الخاضعة للتجربة، إلى الكليّات. من هنا فهو يعتمد الاستقراء، ولا يعترف بالقياس. وليس للقياس معنًى في دائرته، فما معنًى استنتاجنا أن «محمداً فان» من تينك المقدِّمتين: «كلُّ إنسانٍ فان» و«محمد إنسان»؟ فعند قولنا «كلُّ إنسان فان» عمَّمنا قاعدةً ثابتةً على جميع أفراد الإنسان، فإذا قلنا بعدها «محمد إنسان» فإمَّا أن نكون عارفين منذ البداية أنَّ محمداً إنسان، وعندئذٍ قد حكمنا بفنائه عند إطلاق المقدَّمة الأُولى التي تقضي على سائر أفراد الناس بالفناء، فلا معنى لهذه العملية العقلية أصلاً … وإمَّا أن نكون جاهلين بانطباق القانون على هذا الفرد من الناس، محمد، وعندئذٍ يكون تعميمنا باطلاً، لأننا أطلقنا حكماً عامًّا قبل أن نقطع بانطباقه على سائر أفراده…
القضية المهمَّة هنا، هي: أن السيد الشهيد الذي انتظر لنمط السير الفكري في المذهب العقلي إلى حدِّ تفسير عملية الاستقراء ذاتها في المذهب التجريبي بعكس اتِّجاهها، لتتواءم مع المذهب العقلي، سيعود بعد حين ليجهز على ما انتصر له اليوم.
فيقول هنا: إن السير الفكري، حتى في المجال التجريبي الذي يبدو لأوّل وهلةٍ أنَّ الذهن ينتقل فيه من موضوعات جزئية إلى قواعد وقوانين، إنَّما يكون السير في حقيقته من العام إلى الخاص … أي موافقاً لما في القياس العقلي … بحجة أن تعميم المدركات الجزئية إنَّما يستند إلى قاعدةٍ عقليةٍ كلِّية، مفادها: أنَّ الظروف المتماثلة والأشياء المتشابهة في النوع والحقيقة يجب أن تشترك في القوانين والنواميس([280]).
هذه هي القضية المهمَّة هنا التي سيعود الشهيد إلى ضدِّها في «الأُسس المنطقية للاستقراء» دون أن يتراجع عن الأساس الذي يقوم عليه المذهب العقلي، والذي شكَّل نقطةً واحدة فيه، وهو الارتكاز إلى معارف عقلية ضرورية في بناء المعارف التصديقية، ودون أن يمسَّ «نظرية الانتزاع» في مصدر المعرفة التصوُّرية.
وهناك، في «الأُسس المنطقية للاستقراء» الفتح الفكري الجبَّار، سيوظف هذا السير التصاعدي، من الخاصِّ إلى العامِّ، من الجزئي إلى الكلَّي، في البرهان على أُصول الدين، ليدخل هذا الفن ميدان علم الكلام لأوَّل مرَّة على هذا النحو العلمي الجاد.
وقبل الانتقال إلى ذلك الميدان الجديد نقف عند الخلاصة في قيمة المعرفة في «فلسفتنا» عند السيد الشهيد، وهي: «إنَّ مردَّ المعارف التصديقية جميعاً إلى معارف أساسية ضرورية، هي الأساس العام لجميع الحقائق العلمية …
وإنَّ قيمة النظريَّات والنتائج العلمية في المجالات التجريبية موقوفة على مدى دقَّتها في تطبيق تلك المبادئ الضرورية …
وفي المجالات غير التجريبية، كما في مسائل الميتافيزيقيا، ترتكز النظرية الفلسفية على تطبيق المبادئ الضرورية على تلك المجالات، ولكنَّ هذا التطبيق قد يتمُّ فيها بصورةٍ مستقلةٍ عن التجربة، عن طريق عملية تفكيرٍ واستنباطٍ عقليٍّ بحت … وقد يتوقَّف استنتاج النظرية الفلسفية أو الميتافيزيقية من المبادئ الضرورية على التجربة أيضاً، فيكون للنظرية الفلسفية حينئذٍ نفس ما للنظريات العلمية من قيمةٍ ودرجة»([281]).
المعرفة وفق «المذهب الذاتي»
تدخل نظرية المعرفة دوراً جديداً يظهر فيه التجديد والإبداع على مستوى الفكر الإنساني كلَّه، في الفتح المعرفي الكبير الذي أنجزته «الأسس المنطقية للاستقراء».
والاستقراء منهج في المعرفة يدخل على يد السيد الشهيد عهداً جديداً، يبلغ فيه ذروته في تحقيق قيمة المعرفة والحصول على المعارف اليقينية.
فهنا سيكون الاستقراء هو المصدر العلمي لمعظم المبادئ العقلية الضرورية، التي تمثِّل أساس المعرفة وفق المذهب العقلي. لكنَّه الاستقراء الذي استطاع أن يتخلَّص من كلِّ المشكلات التي تلاحقه في إطار المذهب العقلي، وإطار المذهب التجريبي معاً.
والمراد بالاستقراء، هو: كلُّ استدلالٍ تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدِّمات التي ساهمت في تكوينه، أي أنَّ السير الفكري فيه سيكون من الخاصِّ إلى العام، معاكساً للسير الفكري في الدليل الاستنباطي الذي يقوم على القياس([282]).
إنَّه نمط من الاستدلال لا يؤدِّي إلى العلم بالتعميم دون الاستعانة بأيِّ مبادئ عقلية قبلية([283]).
وليس هذا الاستقراء هو نفسه الذي يتحدَّث عنه المنطق الأرسطي الذي يفهم الاستقراء بأنه كلُّ استدلالٍ يقوم على أساس تعداد الحالات والأفراد، دون أن يميِّز بين الملاحظة والتجربة، والذي قسَّم الاستقراء على هذا الأساس إلى استقراءٍ كاملٍ واستقراءٍ ناقص([284]).
ومنطق الاستقراء في المذهب الذاتي «الصدري» لا يعدُّ الاستقراء الكامل استقراءً، إذ أنَّ نتيجته مساوية دائماً لمقدِّماته، فلا يصدق عليه السير من الخاصِّ إلى العام، وإنَّما الذي تنصبُّ عليه الدراسة هنا هو الاستقراء الناقص وفق المنطق الأرسطي، والذي سيكتسب قيمته المعرفية التَّامة من خلال نظرية الاحتمالات في ثوبها الجديد، ليكون دليلاً عملياً على كثير من المعارف، ليس الطبيعية فحسب، بل الميتافيزيقية أيضاً.
ومن هنا تكتسب المعارف البشرية، حتى الميتافيزيقية منها، قيمةً أكبر، فالنظرية الميتافيزيقية ستكون هنا شأنها شأن النظرية العلمية، تأتي منسجمة مع التسلسل الفكري التصاعدي من الجزئي إلى الكلِّي، لتأخذ موقعها في ذروة العملية الفكرية … بدلاً من أن تتدلَّى من كلِّيةٍ عقلية كبرى تلعب دور السلطة على الفكر، دون أن يكون للفكر دور في إثباتها.
فمنطق الاستقراء في المذهب الذاتي يضيف نوعاً جديداً من المعارف، فوق النوعين اللذين أقرَّهما المذهب العقلي، ففوق المعارف الأوَّلية، ثمَّ المعارف الثانوية المستنتجة من المعارف السابقة بالتوالد الموضوعي، يأتي الصنف الثالث وهو المعارف الثانوية المستنتجة بالتوالد الذاتي، وتشمل كلَّ التعميمات الاستقرائية، فكلُّ تعميمٍ استقرائي هو مستنتج من مجموع أمثلةٍ وشواهد لا يوجد بينها وبين ذلك التعميم أيُّ تلازم، ثُمَّ ينشأ العلم بالتعميم عن طريق العلم بتلك الأمثلة والشواهد على أساس التوالد الذاتي.
أي أنَّ المعرفة لا يشترط أن تقوم على أساس التلازم الموضوعي بين المقدِّمات والنتائج.
ومن هنا يقدِّم الشهيد الصدر صياغةً جديدةً لمصادر المعرفة التصديقية، وقيمتها، خلاصتها:
ـ إن هناك مبدأين عقليين قبليين فقط تستند إليهما المعارف البشرية، هما: مبدأ عدم التناقض، وبديهيات حساب الاحتمال.
ـ وإنَّ المعرفة البشرية تستمدُّ قيمتها من مدى اعتمادها هذين المبدأين وانطلاقها منهما([285]).
ـ أمَّا المبادئ العقلية القبلية في المذهب العقلي فهي على نحوين: الأوَّل، ويشمل معظم هذه المبادئ «أربعة من ستَّة: القضايا التجريبية، والحدسية، والمتواترة، والمحسوسة» وهذه كلُّها قضايا استقرائية تقوم على أساس تراكم القيم الاحتمالية في محورٍ واحد([286]).
أمَّا النحو الثاني، ويشمل «الأوَّليات، والفطريات، فهي وإن كانت مبادئ قبلية إلاَّ أنَّه يمكن الاستدلال عليها استقرائياً»([287]).
ومن هنا فإنَّ المذهب التجريبي أيضاً يقع في المأزق المعرفي حين يختزل مصادر المعرفة بالحسِّ والتجربة، الأمر الذي أرغمه على التشكيك بقيمة المعرفة الناتجة عن هذا المصدر الوحيد في العلوم الطبيعية، ثُمَّ إلغاء كلِّ القضايا التي لا تخضع للحسِّ والتجربة وتجريدها من أيِّ قيمةٍ معرفية، بعد أن عجز وفق مذهبه هذا عن إيجاد ما يبرِّر التعميم الموضوعي الصادق، الأمر الذي ينجو منه المذهب الذاتي بإثبات المبدأين الأوَّليين: مبدأ عم التناقض، وبديهيات حساب الاحتمال([288]).
لقد كشف المذهب الذاتي في المعرفة عن «الأُسس المنطقية للاستدلال الاستقرائي، الذي يضم كلَّ ألوان الاستدلال العلمي القائم على أساس الملاحظة والتجربة …».
«واستطاع أن يقدِّم اتِّجاهاً جديداً في نظرية المعرفة البشرية، يفسِّر الجزء الأكبر منها الناحية العقائدية …
وهذه الحقيقة: هي: أن الأُسس المنطقية التي تقوم عليها كلُّ الاستدلالات العلمية المستمدَّة من الملاحظة والتجربة، هي نفس الأُسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبِّر لهذا العالم عن طريق ما يتَّصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير، فإنَّ هذا الاستدلال استقرائي بطبيعته …
«وهكذا نبرهن على أنَّ العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي، ولا يمكن من وجهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما»([289]).
وهكذا اقتحم على المذهب التجريبي أسواره، لينفخ فيه الروح، ويثبت بأنَّه قادر على أن يتسلح بالسلاح العلمي الدقيق الذي يؤهِّله ليس فقط إلى بلوغ المعرفة اليقينية في حدود التجربة والحس، بل إلى المعرفة اليقينية أيضاً في القضايا الميتافيزيقية، وبالأدوات ذاتها التي يتعامل من خلالها مع القضايا التجريبية.
ويطلُّ الشهيد الصدر بعد ذلك على مختلف مباحث العقيدة، من خلال هذا المنهج نفسه الذي يمثِّل نقلةً نوعيةً في علم الكلام الإسلامي.
ويدرك الباحث أنَّ هذا المنهج كفيل بأن يعيد صياغة علم الكلام الإسلامي كلَّه، الذي قام على أساس المنطق الأرسطي في دائرة المذهب العقلي.
ولقد كان السيد الشهيد ينوِّه بذلك ويصرِّح أحياناً بمؤاخذاته على البراهين الكلامية التي اعتمدها السلف «فقد كان يتحفَّظ على كثيرٍ من آراء السلف، ورغم تحفُّظه العام تسرَّبت على لسانه الكريم أسرار تطلقها كلمات موجزة أصغى إليها بعض المقرَّبين من طلاَّبه تنبئ بتحوُّل كبير سيطرأ على نظرية الوجود وأبحاث الميتافيزيقيا …
«وقد كان السيد الشهيد في خيفةٍ وتردُّدٍ وهو على أعتاب طرح هذا التحوُّل … ولعلَّ العقل لم يبلغ الرشد الكافي لقبول تلك الأفكار»([290]).
العقل الذي لم يكن يسمح بكتاب «مجتمعنا» هو أولى أن لا يسمح بكتاب من هذا النوع في «عقائدنا».
ولكن في الحدود التي يسمح بها العقل تعامل السيد الشهيد وفق منهجٍ جديدٍ في مباحث أُصول الدين.
منهج الاستدلال على أصول الدين
الجديد هنا جديد حقًّا أيضاً، وهو تطبيق منهج الاستقراء في علم الكلام، للبرهان على أُصول الدين بمنهجٍ جديدٍ يمتاز على المنهج التقليدي القائم على أسس المنطق الأرسطي من وجوه:
فهو مستغنٍ عن المصادرات التي يلجأ إليها الدليل الاستنباطي، من ناحية، وهو «أقرب إلى الفهم البشري، وأقدر على ملء وجدان الإنسان بالإيمان»([291]). من ناحية أخرى.
ولأوَّل مرَّةٍ يدخل منهج الاستقراء، بعد تقييمه على نحوٍ دقيقٍ ومعمَّقٍ كمنهجٍ استدلالي، مجال علم الكلام الإسلامي، فبعد التأسيس النظري المعمَّق لهذا المنهج، وتقييمه علمياً بكلِّ وسائل التقييم العلمية، ينتقل به الشهيد الصدر إلى حيِّز التطبيق، فيمارسه في إثبات وجود الصانع، وفي مسلِّماتٍ مهمَّةٍ في مبحث النبوَّة، وفي إثبات كفاءة الرسالة الإسلامية وصلاحيَّتها لكلِّ زمانٍ ومكان.
ويلخِّص منهجه في الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات بالخطوات الخمس الآتية:
1 ـ نواجه في مجال الحسِّ والتجربة ظواهر عديدة.
2 ـ ننتقل بعد ملاحظتها وتجميعها إلى مرحلة تفسيرها … والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضيةً صالحةً لتفسير تلك الظواهر وتبريرها جميعاً، فإذا كانت هذه الفرضية ثابتة في الواقع فهي تستبطن وجوداً، أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلاً.
3 ـ إثبات أن هذه الفرضية إذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة تواجد تلك الظواهر كلَّها مجتمعةً ضئيلة جدًّا، كنسبة واحدٍ في المئة، أو واحدٍ في الألف، وهكذا.
4 ـ نستخلص من ذلك أنَّ الفرضية صادقة، ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا وجودها في الخطوة الأولى.
5 ـ العودة إلى حساب الاحتمالات لمعرفة مدى إثبات تلك الظواهر لهذه الفرضية، إذ أنَّ درجة الإثبات هذه تتناسب عكسياً مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر إلى عدم وجودها، على افتراض كذب الفرضية … فكلَّما كانت هذه النسبة أقلَّ كانت درجة الإثبات أكبر، حتى تبلغ في حالاتٍ اعتياديةٍ كثيرةٍ إلى درجة اليقين الكامل بصحَّة الفرضية([292]).
يتناول الصدر هذا الموضوع بتفصيل أعمق وتقييمات أوسع في «الأُسس المنطقية للاستقراء» ثُمَّ يعرضه موجزاً مبسَّطاً في «موجز في أُصول الدين» لذا كثيراً ما يُحيل من «موجز» إلى «الأُسس» لغرض التوسُّع في الاطلاع.
وعلى أساس هذه الخطوات يأتي على إثبات وجود الله تعالى، وفق المنهج العلمي الاستقرائي وقواعده وأدواته، فبعد جمع الملاحظات والوظاهر، وتقديم الفرضيات الممكنة في تفسير هذه الظواهر، ثُمَّ تقييم هذه الفرضيات على ضوء حساب الاحتمالات «نصل إلى النتيجة القاطعة، وهي انَّ للكون صانعاً حكيماً، بدلالة كلِّ ما في الكون من آيات الاتِّساق والتدبير»([293]) بعد أن أخفقت جميع الفرضيات الأُخرى في تفسيرها.
ويأخذ هذا المنهج العلمي دوره الرائع في إثبات ظاهر النبوَّة، من خلال الدراسة المفصَّلة لطبيعة الإنسان والتاريخ، حقيقة طبيعة الإنسان التي يكشفها السبر التاريخي، والتي تتَّخذ فيها النبوَّة والوحي موقعها الطبيعي. وفي المسار نفسه يأخذ المعاد موقعه دون الحادجة إلى مصادراتٍ عقليةٍ قد لا توفِّر درجة اليقين التي يوفِّرها هذا الاستدلال العلمي.
فقضية نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ومصداقية رسالته تُدرس على أساس طبيعة الرسالة وخصائصها، وطبيعة المرسل واستعداداته قبل الرسالة وبعدها … وبعد توفير كلِّ الملاحظات والظروف ذات العلاقة، وتقديم الفرضيات الممكنة في تفسيرها يخلص إلى «أنَّ النتيجة إذا جاءت أكثر من الظروف والعوامل المحسوسة، بحكم الاستقراء للحالات المماثلة، كشفت عن وجود شيءٍ غير منظورٍ وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة»([294]).
وذلك هو «عامل الوحي، عامل النبوَّة، الذي يمثِّل تدخُّل السماء في توجيه الأرض»([295]).
إنَّ اعتماد هذا المنهج في الاستدلال على أُصول الدين في الوقت الذي يمثِّل الخطوة الرائدة في تطبيقات المنهج الذاتي المكتشف في المعرفة لينقل النظرية المكتشفة إلى الواقع التطبيقي، يعدُّ في الوقت نفسه خطوة رائعة على مستوى علم الكلام الإسلامي، أحدثت فيه نقلةً نوعية، وسلَّحته بالأدوات الكافية للإجابة على أسئلة العصر المثارة بوجه الاستدلال الكلامي التقليدي.
من فقه الفرد إلى فقه المجتمع
الطريق إلى النظرية الإسلامية
الفكر الاجتماعي مزية كبرى في فكر الشهيد الصدر، كوَّنت الإطار العامَّ له، وأضفت عليه صبغتها وطبعته بطابعها، فمنذ البداية كانت المشكلة الاجتماعية هي المنطلق في مناقشته الفلسفتين المعاصرتين، الديمقراطية الرأسمالية والماركسية، ليكون البعد الاجتماعي بعد ذلك الدافع الرئيس في البحث عن النظرية الإسلامية في الميادين كافَّة ….
ولمَّا كان هذا البعد متأصِّلاً في تفكيره فقد أخذ إطاره الشمولي في بنائه التأسيسي للنظرية الإسلامية، على مستوى الأُصول والفروع، والبنى الأساسية لثقافةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ وكيانٍ إسلاميٍّ واقعي.
فعلى مستوى أُصول الدين كان البعد الاجتماعي للتوحيد والنبوَّة والمعاد ثم العدل والإمامة مبرَّزاً على نحوٍ أضفى على هذه الأُصول حيويةً فائقة، تكتسبها لأوَّل مرَّةٍ على مستوى علم الكلام الإسلامي.
فالتوحيد هو العنصر الذي «يحدث تغييراً نوعياً في بُنية العلاقات الاجتماعية»([296]) لأنَّ التوحيد هو «سند الإنسانية في تحرُّرها الداخلي من كلِّ العبوديات، كما أنَّه سند التحرُّر الإنساني في كلِّ المجالات»([297]).
فالتوحيد ليس فقط يصنع إنساناً «يرفع رأسه حرًّا أبيًّا، ولا يستشعر ذلَّ العبودية والهوان أمام أيِّ قوةٍ من قوى الأرض أو صنمٍ من أصنامها»([298]) بل هو إلى جانب ذلك «ينشئ في الإنسان العقل الاستدلالي أو البرهاني الذي لا يتقبَّل فكرةً دون تمحيص، ولا يؤمن بعقيدةٍ ما لم تحصل على برهان، ليكون هذا العقل الواعي ضماناً للحرية الفكرية، وعاصماً للإنسان من التفريط بها بدافعٍ من تقليد أو تعصُّبٍ أو خرافة»([299]).
أمَّا النبوَّة فهي ليست علاقة غيبية بالأرض تنتهي عند الوعظ والإرشاد، بل هي «عملية استبدالٍ ثوري … وتصفية نهائية للاستغلال ولكلِّ أنواع الظلم البشري»([300]).
وعلى ضوء هذا الفهم الاجتماعي تكون أُصول الدين «التي تمثِّل على الصعيد العقائدي جوهر الإسلام والمحتوى الأساس لرسالة السماء، هي في نفس الوقت تمثِّل بأوجهها الاجتماعية على صعيد الثورة الاجتماعية التي قادها الأنبياء الصورة المتكاملة لأسس هذه الثورة، وترسم للمسيرة البشرية معالم خلافتها العامَّة على الأرض»([301]).
وهكذا ينتهي التصوُّر الاجتماعي لأُصول الدين ومبادئ العقيدة إلى «أنَّ الإسلام ثورة لا تنفصل فيها الحياة عن العقيدة، ولا ينفصل فيها الوجه الاجتماعي عن المحتوى الروحي، ومن هنا كان ثورةً فريدةً على مرَّ التاريخ»([302])([303]).
الفقه والمجتمع
وعلى مستوى الفروع يؤطِّر البعد الاجتماعي دائرة الفقه ويتغلغل إلى مركزها، ليعانق الفقه الحياة، حياة المجتمع، ويتحرَّك معها، فقهاً حيوياً، لا يعجزه الاندفاع إلى أمام مع سيرورة الحياة، ولا يتوقَّف عن مواكبتها كما هو شأنه في أُفقه الماضي والحاضر.
الأُفق الفقهي المألوف محدود وسلبي للغاية، فهو مهيَّأ فقط للتراجع أمام كلِّ واقعٍ مستجدٍ، وليس مهيَّأً لمعالجة الواقع … فإذا كان هناك ما يبرِّره في أدوار تاريخية سالفة، فإنَّ كلَّ تلك المبرِّرات لا تصلح لأن تكون مبرِّراً مقبولاً لإدامة هذه الحال.
ليس من المبرّر أن يظلّ الفقه يدور مدار الأحكام الفردية، لتكون ذروة إنجازاته في إيجاد الحلول لأحكام مستعصية يتعرض لها فرد يواجه قضية دخلت على موضوعها ملابسات جديدة، فرضتها قوانين الحياة المستجدة، على نحو الفتوى التي تبرر للمتعبد موقفه إزاءها، ومن ثم تدعى هذه الفتاوى بالمسائل المستحدثة، وليس فيها من الاستحداث سوى طرق تبرير السلوك الجديد وتسويغه فقهياً، ولو على سبيل الغض عن الحقيقة الخارجية للموضوع، والاستعانة بـ «الحيل الشرعية»!
إن المسائل الحيوية المستحدثة في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أكبر بكثير من أن تعالج عن طريق الالتفاف على موضوعاتها من أجل البحث عن سلوك مبرّر حيالها … إنها تتوقف بشكل كامل على استيعاب دقيق وشامل لموضوعاتها، ولما لهذه الموضوعات من علائق معقّدة بموضوعات أخرى تفرض نفسها على الواقع … وهذا الاستيعاب لا يمكن تحصيله دون تحصيل المعرفة الجيدة بإنجازات العلوم الإنسانية الحديثة، والأسس النظرية التي تقوم عليها هذه المعاملات المستجدة … ولمَّا لم يتوفر الفقيه التقليدي على هذا الشرط الأساسي، فإنه لا يستطيع أن يتجاوز تلك الأنساق الفردية المحدودة، كما لا يستطيع أن يقدّم حلوله «المستحدثة» على نحو الاستيعاب للقضية وموضوعها، فيلجأ مرغماً إلى «الفتاوى الشرطية»: إذا كان الموضوع كذا، فحكمه كذا! هذه الفتاوى التي إذا كانت قد أخرجت الفقيه من مأزق الحرج أمام مسألة لا يملك عدة توفير الإجابة الموضوعية عليها، فإنها ألقت بالتبعة على الفرد الذي سيكون هو المسؤول عن تحديد الموضوع الذي عجز الفقيه عن تحديده.
لقد ترك هذا الدور السلبي للفقيه آثاره الكبيرة في أُفق الفقه ومداه ….
ـ حصل انكماش في الهدف الذي يصبو إليه الفقه، فأُهملت وغابت المواضيع التي تمهِّد للمجال التطبيقي الاجتماعي، كلُّها، نتيجة الانكماش في الهدف، فاتَّجه الفقيه إلى الفرد وحده وحاجاته الخاصَّة، تاركاً المجتمع وحاجاته إلى تنظيم الحياة الاجتماعية …
ـ لقد طال الزمن على هذا المنهج الارتدادي فترسَّخ في الذهن على أنَّه غاية الشريعة ومداها، تسرَّبت الفردية إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها، فأصبح ينظر إلى الشريعة في نطاق الفرد، وكأنَّ الشريعة ذاتها كانت تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل له الفقيه فحسب([304])!.
مما لا شك فيه أن التتبّع التاريخي لحركة الاجتهاد في الإسلام يرسم لنا خطًّا بيانياً كثير الزوايا والمنعطفات الشاهدة على أدوار البعث والانحسار المتعاقبة على هذه الحركة، وعلى الوعي الشامل لدورها في الحياة.
ولعلّ أول انحسار تواجهه عملية الاجتهاد في الإسلام هو ما نتج عن تقليص مساحة الفقه، وقصره على الأحكام الشرعية التي تتركّز حول الأفراد في عباداتهم ومعاملاتهم، المبدأ الذي لا ينسجم مع شمول الإسلام، وانفتاح الفقه على جوانب الحياة المختلفة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وتربوياً.
إن العامل الأساس الذي تسبّب في انكماش الفقه إلى هذه المساحة الضيّقة هو بلا ترديد: الظروف السياسية القاهرة التي أرغمت الكثير من علماء ومفكّري الإسلام على «الانفصال عن الواقع ومتطلّباته»([305]) ذلك منذ تحولت دولة الخلافة إلى ملك في النظام الملكي الذي أقامه معاوية … فحدث تحوّل، بيقين، في قضايا إسلامية مهمة، وبدأ يتجمّد الفقه السياسي والدستوري للدولة، كما تجمّد فقه العلاقات الاقتصادية والمالية، وبدأ يتجمّد فقه العلاقات الدولية كذلك … والتزم الفقهاء ناحية فروع الفقه، كما التزم المحدّثون رواية السنن، وغلب على هؤلاء وأولئك الرغبة في أن لا يصطدموا بالنظام القائم … واكتفوا بأنَّهم قبلوا الأمر الواقع واستفاضوا في شروح العبادات والمعاملات على النحو الذي وصل إلينا … وجاءت الدولة العباسية فتحقق في نفوس الناس اليأس من الإصلاح([306]).
أم على الصعيد الشيعي فإنّ حركة الاجتهاد قد قاست منذ ولدت تقريباً عزلاً سياسياً عن المجالات الاجتماعية للفقه الإسلامي …. وهذا العزل السياسي أدّى تدريجياً إلى تقليص نطاق الهدف الذي تعمل لحسابه حركة الاجتهاد … وتعمق على الزمن شعورها بأن مجالها الوحيد الذي يمكن أن تنعكس عليه في واقع الحياة وتستهدفه هو مجال التطبيق الفردي … وهكذا ارتبط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه، لا بصورة المجتمع المسلم([307]).
إذن ثمة حقيقة تاريخية كانت وراء معادلة متكافئة الطرفين، مفادها: أن الانكماش والفردية في الفقه سببه «غياب التشريع الإسلامي عن الحياة العامة للناس»([308]).
وقد نجد عند آخرين تفسيراً آخر لهذه الظاهرة، هو في نفسه يحتاج إلى تفسير! كالذي رآه الدكتور الفاروقي من أن انحسار الوعي الإسلامي نفسه هو الذي دعا إلى انحسار الاجتهاد على يد السلف([309]). إذ السؤال راجع عليه: ما الذي دعا إلى انحسار الوعي الإسلامي نفسه؟.
لقد تحدّث التاريخ عن قرار سلطاني قديم قضى على الفقه السنّي بسدّ الأبواب أمام مجتهدين جدد يوضعون في مصاف الفقهاء الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد … ولقد تعايش الفقه السنّي مع هذه الصورة المملاة من فوق، ووجد لها من الظروف الدينية والاجتماعية والسياسية ما يبرّرها، وزحفت سريعاً على طول المساحة الفقهية وعرضها، ولم يوقف زحفها حتى جهود أكابر الفقهاء الذين عاصروا أعوام مدّها الأول، بعد أن أصبحت خياراً جماهيرياً مقدّساً، ولطالما تمكن الرعيل الشعبي ـ بما فيه من همجٍ رعاع، وأنصاف متعلّمين ـ من تطويع العلماء لأذواقهم وميولهم، وغالباً ما تكون ميول هذا الرعيل «مقدّسة» لا تقبل النقاش! ومن لم يلن لها من أهل العلم وقع ضحية أحكامها التي لا يتعقّبها «تمييز» البتة!
إن دعوات واعية، قديماً وحديثاً، قد هاجمت هذه الظاهرة وبرّزت ضرورة الاجتهاد، على درجات متفاوتة عمقاً وشدةً، فبينما اعتمد بعضهم الهجوم المباشر، ابتداءً بالعز بن عبد السلام (660هـ) وأبي شامة المقدسي (665هـ) مروراً بابن تيمية (728هـ) وابن القيم (751هـ) وانتقالاً إلى السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا، وناصر الدين الألباني … حاول البعض الآخر احترام التبريرات السائدة نافذاً إلى التصريح بضرورة تجاوزها «فلما ضعف المستوى العلمي للمجتهدين، وأصبحوا مجرّد مقلّدين لمن سبقهم، وخيف أن يتصدّى للاجتهاد من ليس أهلاً له، رأى البعض أن باب الاجتهاد قد أقفل، وكأن حاجات الجماعة الإسلامية لا يجدُّ فيها جديد يحتاج إلى اجتهاد جديد»([310])!
ويحافظ الدكتور الفاروقي على تلك التبريرات فيما ينقلنا في الوقت نفسه نقلة كبيرة إلى واقع متجدّد: «ليس بين علماء المسلمين اليوم ما يمنع الاجتهاد … كان ذلك في عصر مضى، رُثي فيه أن المذاهب الأربعة كافية» أما في عصرنا هذا «فلا يُقبل من علمائنا ادعاؤهم بأن باب الاجتهاد مغلق، فالأمة تقف على مفترق طرق لا يجوز لها اجتيازه دون اجتهاد مطلق»([311]).
الشيخ شمس الدين يطالعنا بقراءة جديدة لواقع الاجتهاد من خلال رؤية نقدية كاشفة عن طبيعة الاجتهاد الذي ينشده، فهو لا يرى الاجتهاد من خلال الإعلان المبدئي عن انفتاح أبوابه، بل ينظر إلى الانفتاح والانغلاق، والحركة والجمود، من خلال الواقع التطبيقي لتلك المواقف المبدئية، وكأنه يرصد من خلال استقرائه الخاص تطابقاً في الحالين لم تؤثّر فيه المبادئ شيئاً، وما هذه الميزة المبدئية التي تتحدث عن أن باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، مغلق عند السنّة. إلا «مكرمة وهمية» ويفسّر الشيخ وجهة نظره هذه على الفور، فيقول: «تارةً نتحدث عن اجتهاد مطلق في الشريعة، في الإسلام، الشيعة ليس عنهم اجتهاد في هذا المجال، وباب الاجتهاد عندهم لا أقول هو مغلق، ولكن هم أغلقوه، فمن النادر أن تجد فقيهاً شيعياً يعرف فقه المذاهب وله رأي فيه وفقاً لمنهجها، أو وفقاً لمنهجه. أما أن نقول إنه ثبت بالبرهان أن أصول الاستنباط عند الشيعة هي الحقيقية، وكل المذاهب الأخرى باطلة، فهذه مسألة سهلة، ويستطيع الشافعي أيضاً أن يقول: ثبت بالبرهان أن منهج الاستنباط عندي هو الصحيح، فالمذاهب الأخرى باطلة».
ثم يواصل المقارنة بوجه معكوس، فيقول: «إن الموجود في خط التشيّع الإمامي هو موجود عند الشوافع أو الحنابلة أو الزيدية أو الأحناف، يوجد مجتهدو مذاهب، يوجد مجتهدون في مذهب الشيعة الإمامية ومجتهدون في مذهب الأحناف…»([312]).
مخاطر الانكماش الفقهي وأمثلته
الشهيد الصدر يلفت النظر إلى أعمق آثار ذلك الانكماش، فهو يرى أن آثاره لم تقف عند انكماش الفقه من الناحية الموضوعية، بل قادت بالتدريج إلى تسرّب «الفردية» إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها! وذلك بسبب اعتياده المتواصل أن ينظر إلى الفرد ومشاكله … ولم يترك الشهيد ـ وهو إمام التحليل والتنظير ـ رؤيته سائبة، بل انتخب لها من أبواب الأصول والفقه أمثلة حيّة تجسّد تلك الروح الفردية التي تسرّبت إلى هدف الفقيه ونظرته للشريعة:
أ ـ ففي مناقشة الأصوليين لاتّباع الظن في مبحث دليل الانسداد، وافتراضهم إيجاب الاحتياط على المكلّف بدلاً من اتباع الظن، يقول السيد الشهيد: انظروا إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض، وكيف سيطرت على أصحابه ـ أصحاب هذا الافتراض ـ النظرة الفردية إلى الشريعة، فإن الشريعة إنما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب، أما حين تكون تشريعاً للجماعة وأساساً لتنظيم حياتها فلا يمكن ذلك بشأنها، لأن الفرد قد يقيم سلوكه على أساس الاحتياط، أما الجماعة كلها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية السياسية على أساس الاحتياط.
ب ـ الفهم الفردي السائد لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أدّى إلى أن يرد لدى البعض اعتراض بأن في الشريعة ضراراً، فالقصاص والضمان والزكاة مثلاً إضرار بمن يكلَّف بها! إن هذا الاعتراض إنما يقوم على أساس النظرة الفردية إلى التشريع، فهي التي أتاحت لهم أن يعتبروا هذه الأحكام ضررية، بينما لا يمكن أن تعتبر ضرريةً في شريعة تفكّر في الفرد بوصفه جزءاً من جماعة مرتبطاً بمصالحها.
ج ـ ونظام الصيرفة القائم على أساس الربا، مثلاً، بوصفه جزءاً من الواقع الاجتماعي المعاش يجعل الفقيه يحسُّ بأنَّ الفرد المسلم يعاني مشكلة تحديد موقفه من التعامل مع مصارف الربا، ويتَّجه البحث عندئذٍ لحلّ مشكلة الفرد المسلم عن طريق تقديم تفسير مشروعٍ للواقع المعاش، بدلاً من الإحساس بأنَّ نظام الصيرفة الربوي يعتبر مشكلةً في حياة الجماعة ككلِّ حتى بعد أن يقدِّم التفسير المشروع للواقع المعاش من زاوية الفرد …
وليس ذلك إلا لأنَّ ذهن الفقيه في عملية الاستنباط قد استحضر صورة الفرد والمشكلة بالقدر الذي يرتبط به بما هو فرد»([313]).
فالمشكلة تبرز بنحو أكبر في عجز الإسلام، وفق هذه النظرية، عن تقديم أُطروحته في حلِّ هذه المشكلة الاجتماعية أو تلك، وإنَّما تبقى الحلول تتنقل تنقُّل مشكلات الأفراد وتنوُّعها.
وعلى صعيد المثال الثالث «الصيرفة» نموذجاً، لا يقف الشهيد عند الإثارات، بل يتجاوزها إلى وضع أُطروحةٍ متكاملةٍ في مشروع «البنك اللاربوي في الإسلام» مثبتاً أنَّ العجز إنَّما هو في الفقه المألوف في إطار المنكمش، وليس في الإسلام كمنهجٍ للحياة.
وهو في اُطروحته ليس بالرجل الذي ينسج نظريةً تجريديةً معلَّقةً في الهواء، بل هو يعي تماماً ما يصنع، فيؤسِّس لهذا المشروع على: «أن يكون قادراً على الحركة والنجاح في ضمن إطار الواقع المعاش، بوصفه مؤسَّسةً تجاريةً تتوخَّى الربح».
وعلى: «أن تمكّنه صيغته الإسلامية من النجاح بوصفه بنكاً، ومن ممارسة الدور الذي تتطلّبه الحياة الاقتصادية والصناعية والتجارية من البنوك، وما تتطلَّبه ظروف الاقتصاد النامي والصناعة الناشئة من ضرورة التدعيم والتطوُّر».
فيجعل هذين الشرطين اثنين من أُسسٍ ثلاثة يقوم عليها هذا المشروع، بعد الأساس الأوَّل، وهو: «أن لا يخالف أحكام الشريعة»([314]).
ولم تنحصر إشكالية الانكماش الفقهي في ترسيخ الفردية للفقه والشريعة كلَّها، وحسب، وإنَّما انعكست مرَّة أُخرى في ظاهر أكثر خطورةً على صورة الفقه نفسه، وأكثر سلبية تجاه الشريعة التي جاءت لتنظيم الحياة الاجتماعية بأسرها.
ذلك هو خطر «الذاتية» على الفقه، الذي سيكون على مستوى الدائرة الاجتماعية الواسعة أكبر منه خطراً على مستوى الأحكام الفردية.
ومن أبرز مظاهر «الذاتية» في الفقه:
1 ـ الاندفاع بقصد، أو بدون قصد، إلى إيجاد سبلٍ لفهم النصوص فهماً خاصًّا يبرِّر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس لعملية الاستنباط …
2 ـ محاولة دمج النصّ في إطارٍ خاصٍّ، قد يكون منبثقاً عن الواقع المعاش وقد لا يكون، فتأتي المحاولة هنا لفهم النصِّ ضمن ذلك الإطار المعيَّن، فإذا وجد النصَّ لا ينسجم مع هذا الإطار أهمله.
3 ـ عملية تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه، دون مبرِّرٍ موضوعي، وهذه المحاولة كثيراً ما تُرتكب في نوعٍ خاصٍّ من الأدلَّة الشرعية، وهو «التقرير» أي سكوت النبيّ أو الإمام عن عملٍ معيَّنٍ يقع على مرأًى منه ومسمعٍ سكوتاً يكشف عن سماحه به، كاشفاً عن جوازه في الإسلام.
5 ـ اتّخاذ موقفٍ مسبقٍ تجاه النصّ، موقف منطلق دائماً من الموقف النفسي الذي تفترضه ذاتية الممارس لعملية الفهم والاستنباط، لا موضوعية البحث، وهذا خطر لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع، بل قد يؤدّي أحياناً إلى التضليل في فهم النصّ الشرعي([315]).
هذه المخاطر قد تتسرَّب إلى عملية الاجتهاد في تفسير النصّ، من أجل اكتشاف الأحكام أو المفاهيم.
والشهيد مرتضى المطهّري يشاطره الرأي، كالشارح لبعض فقراته، فصحيح أن عمل الفقيه هو استنباط الأحكام «إلا أن معرفته وإحاطته وطراز نظرته إلى العالم، تؤثر تأثيراً كبيراً في فتاواه … فإذا افترضنا فقيهاً دائم الانزواء في بيته أو مدرسته، ثم نقارنه بفقيه آخر يواكب الحياة، نجد أن كليهما يرجعان إلى الأدلة الشرعية لاستنباط الحكم، ولكن كلاً منهما يستنبط حكمه على أساس وجهة نظره الخاصة».
وهذه آثار ظاهرة في فتاوى الفقهاء، حتى «لو أن أحداً أجرى مقارنة بين فتاوى الفقهاء، وتعرّف في الوقت نفسه على ظروف حياة كل فرد منهم وطريقة تفكيرهم في مسائل الحياة، لعرف كيف أن المنظورات الفكرية لكل فقيه ومعلوماته عن العالم الخارجي المحيط به تؤثر في فتاواه، بحيث إن فتوى العربي تفوح منها رائحة العرب، وفتوى الأعجمي تفوح منها رائحة العجم، ومن فتوى القروي رائحة القرية، ومن فتوى المدني رائحة المدينة»([316]).
هي حقيقة قديمة، لكن الكشف عنها وبناء الخطوات اللاحقة هو الجديد، فالفقيه لا يستنبط أحكامه من خلال أدوات الاستنباط وحدها، بل تتدخّل في ذلك، شعورياً أو لا شعورياً، ذات الفقيه نفسه، رؤيته للحياة، توجّهاته العقيدية، استيعابه لمعادلات الحياة، كل هذه عوامل تكمن وراء اختلاف الفقهاء.
وعلى ضوء هذا يصبح من المعقول ومن المحتمل أن توجد لدى كلِّ مجتهدٍ مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي، وإن كان معذوراً فيها، ويصبح من المعقول أيضاً أن يكون واقع التشريع الإسلامي في مجموعةٍ من المسائل التي يعالجها موزِّعاً هنا وهناك بنسبٍ متفاوتة في آراء المجتهدين، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألةٍ وصواب في أُخرى … ويكون الآخر على العكس …
ولهذا يجب أن نفرِّق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معيّن خلال ممارسته للنصوص([317]).
الفهم الاجتماعي للنص
من هنا يبدأ الحلُّ، وتبدأ انطلاقة الإسلام من أُسار النظرية الفقهية المنكمشة.
وعند الصدر، الفقيه المبدع الذي عاش للمجتمع وأعطاه دمه وروحه، وعاش الشريعة ووعاها وتذوّقها، سيدخل الفقه أفقاً جديداً، هو في غاية الأهمية، أُطلق عليه «الفهم الاجتماعي للنصّ» ذلك الفهم الذي يمثّل ذهنية موحّدة، وارتكاز تشريعي عام، يستطيع الفقيه أن يحكم على ضوئه بأنّ الشيء الذي يناسب أن يكون موضوعاً للنصّ هو أوسع نطاقاً من الأشياء المنصوص عليها في الصيغة اللفظية للنص.
فالفهم الاجتماعي للنصِّ: «فهم النصَّ على ضوء ارتكازٍ عامٍّ يشترك فيه الأفراد نتيجةً لخبرة عامَّةٍ وذوقٍ موحّد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظي واللغوي للنصّ الذي يعين تحديد الدلالات الوضعية والسياقية للكلام»([318]).
وهذا لا يختلف من حيث المفهوم عن أسلوب الاستدلال المتَّفَق عليه لدى الفقهاء تحت عنوان «مناسبات الحكم والموضوع». فهذا الاصطلاح الأخير هو أيضاً تعبير آخر عن ذهنيةٍ موحّدةٍ وارتكازٍ تشريعيٍّ عامٍّ، يحكم الفقيه على ضوئه بأنَّ الشيء الذي يناسب أن يكون موضوعاً للحكم المنصوص عليه هو أوسع نطاقاً من الأشياء المنصوص عليها في الصيغة اللفظية. «وهذا هو ما نعنيه بالفهم الاجتماعي للنص»([319]). ولكنَّ الاختلاف سيأتي عندما يمارس الفهم الاجتماعي للنصِّ دوره في التطبيقات على مستوى القضية الاجتماعية والنظرية الاجتماعية وراء حدود الأحكام الفردية.
إذن فالفهم الاجتماعي للنصِّ يبدأ من حيث ينتهي دور الفهم اللفظي واللغوي، ليُقرأ النصّ في الخطوة الثانية من خلال الارتكاز الاجتماعي، ليعطي ثمراتٍ جديدةً لم تكن تبدو على مستوى حدود الفهم اللغوي الأوَّلي.
أما المبرِّرات للاعتماد على الارتكاز الاجتماعي في فهم النصِّ، فهو نفس مبدأ حجَّية الظهور، لأن هذا الارتكاز يُكسب النص ظهوراً في المعنى الذي يتّفق معه، وهذا الظهور حجة لدى العقلاء كالظهور اللغوي.
ولا بدَّ من التمييز، والمائز دقيق، بين هذا الأُسلوب وبين القياس، فهما وإن كانا يشتركان في تعميم الحكم، إلا أن الأمر هنا ليس من قبيل قياس غير المنصوص على المنصوص، بل راجع إلى الاستناد إلى ظهور عامٍّ، ارتكاز، يشكِّل قرينةً على أن ما ذُكر في النص «إنما جاء على سبيل المثال لا الحصر، أو لأسباب رافقته فجعلته موضوعاً للحكم، وعلى هذا يكون الدليل نفسه ظاهراً في الحكم العامّ، أو الحكم على مفرداتٍ أُخرى تحمل في ظرفٍ ما نفس تلك الخصوصيات والأسباب التي جعلت المثال السابق محلاًّ للنصّ([320]).
ثمّة وقفة للصدر فيها غاية الجمال، وفيها أكثر من دلالة … تلك حين يقف على كتاب «فقه الإمام الصادق» للشيخ محمد جواد مغنية، فيشدّه وعي هذا الفقيه بالبعد الاجتماعي للنصّ، فيقول: أكبر الظنّ أنها أول مرة أقرأ فيها لفقيه إسلامي من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام أوسع نظرية لعنصر الفهم الاجتماعي للنصّ، يعالج فيها بدقة وعمق الفرق بين المدلول اللغوي وبين المدلول الاجتماعي للنص، ويحدد للمدلول الاجتماعي حدوده المشروعة … كانت هذه المرة الأولى التي قرأتُ فيها ذلك عن عنصر الفهم الاجتماعي للنص هي حين قرأت بعض أجزاء الكتاب المجدّد الخالد «فقه الإمام الصادق» الذي وضعه شيخنا الحجة الكبير الشيخ محمد جواد مغنية، الذي حصل الفقه الجعفري على يده في هذا الكتاب المبدع على صورة رائعة في الأسلوب والتعبير والبيان»([321]).
إنها وقفة العالم المخلص المتعطّش لإحياء هذه الشريعة، فيمتلئ بهجةً ويعيش نشوة الاكتشاف حين يجد ما يتمنّاه لهذه الشريعة وقد سبقه إليه غيره … العالم الذي يتذوق التجديد والإبداع قيقيّم هذا الكتاب وصاحبه تقييماً لا يرتضيه سائر الفقهاء التقليديين الذين يرون أن الشيخ مغنيّة قد اخترق «جلالة» التراكيب الفقهية المنعقدة، وقدم الفقه لا بأسلوب الفقهاء المعهود، ثم تجاوز حرفية النصوص في مواضع عديدة، عارضاً ما لم يألفه الفقه المعهود … ليهبط في نظرهم عن مرتبة الفقهاء، فيما يرتقي عند الصدر إلى مرتبة الشيخ الكبير الذي أحيا الفقه الجعفري …
أخيراً … فإن هذا الفهم الاجتماعي للنص سوف يتعاضد عند السيد الشهيد مع المبدا الثاني الذي يؤسِّس له نظرياً لأول مرةٍ على مستوى الفقه الشيعي، وإن كانت ملامحه قد تكون موجودة على نطاقٍ ضيِّق، وفي مديات محدودة جداً، ذلك هو مبدأ:
«روح الشريعة»
ففي الشريعة أحكام منصوصة، في الكتاب والسنة، تتّجه كلُّها نحو هدفٍ مشترك، على نحوٍ يبدو منه اهتمام الشارع بتحقيق ذلك الهدف … فيعتبر هذا الهدف بنفسه مؤشراً ثابتاً، وقد يتطلب الحفاظ عليه وضع عناصر متحرِّكة، تضمن بقاء الهدف، أو السير إلى ذروته الممكنة([322]).
فتحقيق العدالة الاجتماعية على سبيل المثال، واحد من أهداف الشريعة العليا ومقاصدها، التي وضعت لأجلها أحكام عديدة على مستوى الفرد والمجتمع، تلتقي كلها عند تحقيق هذه الغاية الكلّية، العدل: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾([323]). ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾([324]).
ثم تأتي ميادين التطبيق الواسعة في طائفة كبيرة من الأحكام، تهدف كلها إلى تحقيق هذا المبدأ العام في الشريعة:
﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾([325]).
الأمر بالتسوية بين الناس، حفظ حقوق الناس المعنوية والمادية، تحريم الاستبداد، أداء الزكاة، تحريم الربا، تحريم الاحتكار، تحريم الغش، إلى عشرات الأحكام المنصوصة في الكتاب والسنة والتي تتكافل في تحقيق الأمن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
هذه كلها ثوابت في الشريعة لها غاياتها، ولأجل تحقيق هذه الغايات كان تشريعها، من هنا فإن أساليب تنفيذها، واتساع دوائرها، سيكون هو البعد المتغيّر فيها، الذي يتكيف بحسب ما تمليه الأهداف والمقاصد التي أريدت من ورائها.
«فالشريعة أحكام تنطوي على مقاصد، ومقاصد تنطوي على أحكام … وأُصول عامة يهتدي بها إلى اكتناه أسرار الشريعة ومقاصدها، عن طريق اللفظ والمدلول الخاص والعام، وما يدل عليه مجموع تلك الدلالات من مقاصد وأفهام … فالعدل العام الإسلامي لا يقبل التبديل، وأما الأحكام الجزئية فقد تتغيّر بحسب الظروف والاعتبارات الزمانية والمكانية، لأنها غير مقصودة لذاتها، وإنما يقصد منها الوصول لتحقيق العدالة الشرعية»([326]).
«من هنا مارس المعصوم دوره ـ في تطبيق هذه الأحكام ـ لا بوصفه مبلِّغاً للعناصر الثابتة عن الله تعالى، بل بوصفه حاكماً للمجتمع الإسلامي، يضع العناصر المتحرِّكة التي يستوحيها من المؤشِّرات العامَّة للإسلام، والروح الاجتماعية والإنسانية للشريعة»([327]).
إذن لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الأصوليون من نصوص السنّة حكماً شرعياً إلهياً، بينما كثير منها لا تتضمن أحكاماً شرعية إلهية، بل تتضمن ما يسميه الشيخ شمس الدين: «تدبيرات» وهي أحكام تنظيمية، إدارية، وقد درج الفقهاء على اعتبار هذه أحكاماً شرعية وهي ليست كذلك …
ومنشأ هذه النظرة عند الأصوليين والفقهاء، كما يرى الشيخ شمس الدين، هو تصوّرهم أن وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أن يبيّن الأحكام الشرعية، وغفلوا عن أن جملة من وظائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان حاكم دولة، وقائد جيش، وقائد مجتمع، وربّ أسرة، وعضواً في مجتمع يتفاعل مع محيطه وحياته ومع معاشريه من الناس، وأنه من هذه المنطلقات كلها كان يقول ويفعل ويقرّر … لقد لاحظ فقهاء الشيعة وسائر المذاهب أن الحكم الوارد في بعض الوقائع لا يمكن تعميمه، فيقال: «إنه قضية في واقعة، ولا يصلح أن يكون قاعدة» هذا الفهم صحيح، لكنه أوسع بكثير من الموارد النادرة التي لاحظوا فيها هذه القضية([328]).
والسيد فضل الله يرى في السياق نفسه ضرورة التمييز بين وظيفتين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أولاهما التبليغ وبيان الأحكام. وثانيهما الولاية والحكم، لذا فالتمييز بين نوعين من السنّة صحيح، ثم يتّكئ على السيد الشهيد الصدر رحمه الله في فصله بين أحكام هاتين الوظيفتين، من خلال قضية نخلة سمرة بن جندب، وفق قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» التي لا تقضي بأكثر من رفع الحكم الضرري، وهو الجانب التشريعي المطلق، فيما لاحظ الأمر بقلع النخلة خط الولاية.
ثم يوضّح كل ذلك توضيحاً هامًّا فيه خلاصة للموضوع كلّه، إذ «الولاية تتعلّق بالأمور الجزئية لحركة التشريع في الواقع، بينما التشريع نفسه يتعرّض للأمور الكلّية في تفسير النظرية وتأصيلها ورسم حدودها التشريعية»([329]).
وعلى أساس التكامل بين هذين المبدأين: البعد الاجتماعي للنصّ، وروح الشريعة، سوف نقف على فقهٍ جديدٍ تاماً، فقهٍ عمليٍّ حيٍّ قادرٍ على التقدُّم بمشاريع الحياة نحو الأفضل دائماً، وليس على إيجاد الحلول المؤقَّتة لمشكلاتها المتجدِّدة فحسب.
فقه يكون أداةً بيد المجتمع، من أجل بناء حاضره ومستقبله، بدلاً من أن يكون أداةً بيد الفرد، يبرِّر له أعماله الخاصَّة في ظلّ أوضاعٍ عامَّة منحرفةٍ، أو يكون مطيةً له إلى مصالحها الذاتية.
وقفة تاريخية سريعة
على فقه المقاصد
عند الشيعة الإمامية
هذا الموضوع القديم، الجديد … قديم، إذ عالجه الفقهاء المتقدمون، على درجات متفاوتة، ومن زوايا مختلفة … جديد، إذ تجدّدت محاولات إحيائه وتفعيله مع هذه الحركة الواسعة في تجديد الفقه.
ولعلّ أقدم أثر وصل إلينا في هذا الموضوع هو «رسالة الفضل بن شاذان» الفقيه والمتكلم الإمامي الشهير، من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، والمتوفى سنة 260هـ، التي نقلها كاملةً الشيخ الصوق في كتابه «علل الشرائع».
ويستهلّ ابن شاذان رسالته هذه بقوله: «إن سأل سائل فقال: أخبرني، هل يجوز أن يكلّف الحكيم عبده فعلاً من الأفاعيل لغير علّة ولا معنى؟ قيل له: لا يجوز ذلك، لأنه حكيم، غير عابث ولا جاهل»([330]).
وقد ظهرت قبله، وبعده في القرن الثالث وفي القرن الرابع عشرات الكتب التي تعالج هذا الموضوع تحت عنوان «العلل» يجد المتتبّع فيها أن لفقهاء الإمامية السهم الأوفر منها، فقد كتب تحت عنوان تعليل الأحكام كثير من فقهائهم، من بينهم:
1 ـ محمد بن خالد البرقي، المتوفى بعد 203هـ.
2 ـ يونس بن عبد الرحمن، المتوفى 208هـ، له «العلل الكبير» و«علل النكاح».
3 ـ علي بن الحسين بن فضال، القرن الثالث الهجري، له كتاب العلل.
4 ـ أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد الأشعري، المتوفى قبل 250هـ، وصف النجاشي كتابه في «علل الأحكام» بأنه كتاب كبير.
5 ـ محمد بن الحسن بن عبد الله الجعفري (القرن الثالث الهجري).
6 ـ أحمد بن محمد بن الحسين بن دؤل، المتوفى سنة 350هـ.
7 ـ محمد بن أحمد بن داود القمّي، المتوفى 368هـ.
8 ـ علي بن أبي سهل القزويني، القرن الرابع الهجري، له كتاب العلل.
9 ـ حمدان بن إسحاق الخراساني، القرن الرابع الهجري، له كتاب «علل الوضوء».
10 ـ الحسين بن علي بن شيبان القزويني، من مشايخ الشيخ المفيد، المتوفى 413هـ.
11 ـ الشيخ الصدوق، المتوفى سنة 381هـ، وله: «علل الشرائع والأحكام» و«كتاب العلل» و«علل الحج» و«علل الوضوء»([331]).
وفيما نجد هذا النتاج المكثف لدى فقهاء الشيعة الإمامية، نجد في المدرسة السنيّة تأخراً نسبياً في التاريخ، ونقصاً في الكم ايضاً، فلم يذكر منهم في هذه الفترة إلا أربعة، هم:
1 ـ الحكيم الترمذي، المتوفى سنة 320هـ، ويغلب على كتابه نزعة صوفية أخلاقية.
2 ـ أبو منصور الماتريدي، المتوفى سنة 333هـ.
3 ـ القفّال الشامي، المتوفى سنة 365هـ.
4 ـ أبو بكر الأبهري، المتوفى سنة 375هـ([332]).
لكن يكاد هذا الفقه يتوقَّف في المدرسة الأولى، ربما بسبب الموقف الفقهي من قضية «المصالح المرسلة» وموضوع «القياس» اللذين يشكلان أهم أعمدة الفقه المقاصدي، وقد دخلا معاً في مصادر الاستنباط في المدرسة الثانية، فتوسّع بهما هذا الفقه على يد الجويني، ثم الغزالي، ليتّخذ أخيراً شكله المنظّر والمقنّن والمفصل تفصيلاً واسعاً على يد الشاطبي، في الجزء الثاني من كتابه (الموافقات). ثم سهم في إحيائه وتجديده في وقتنا المعاصر كل من الشيخ علاّل الفاسي، والشيخ الظاهر ابن عاشور، فأعطياه دفعة قوية إلى أمام، صدرت على إثرها عدة دراسات ورسائل جامعية متخصّصة فيه.
والذي ينبغي التنبيه إليه أن ضمور هذا الفقه في المدرسة الإمامية لا يعني اختفاءه نهائياً وإيصاد الأبواب دونه، فقد صنف فيه أكثر من فقيه، وبعنوان «المقاصد» بدلاً من تعليل الأحكام، ومن هذه المصنّفات:
1 ـ المقاصد في تفسير آيات الأحكام/ الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد الله المتوّج البحراني، تلميذ ابن فهد الحلّي، ومعاصر الفاضل المقداد السيوري ـ القرن الثامن.
2 ـ المقاصد الخمس/ السيد إسماعيل بن علي مدد القائيني.
3 ـ المقاصد المهمّة في أصول أحكام الله والرسول والأئمة/ محمد علي بن محمد حسن الآراني الكاشاني، تلميذ المولى النراقي المتوفى سنة 1217هـ.
4 ـ مناهل الشوارد في تلخيص المقاصد/ للمؤلف السابق نفسه([333]).
الشيخ شمس الدين يفسّر ظاهرة انحسار الفقه المقاصدي عند الشيعة بأسباب تاريخية، وليست فقهية … فهو عائد ـ في نظره ـ إلى ظرف تاريخي، وليس إلى اختلاف فكري، فالفقيه الشيعي، لأسباب تتعلق بالوضع السياسي، انعزل عن السلطة وعن المجتمع العام وعن قضايا علاقة المجتمع والإنسان بالسلطة من جهة، وعن العلاقات داخل المجتمع الإسلامي العام وداخل مجتمع المسلمين المتفاعل مع المجتمعات البشرية الأُخرى من جهة ثانية.
ويستدل على تحليله هذا بما تميّزت به الاتجاهات الفقهية الحديثة التي أنتجتها محاولات تطبيق الشريعة الإسلامية في إيران وبعض البلدان الإسلامية، وما واجهه العاملون على بلورة الصيغ التطبيقية للشريعة من مشكلات، أنّها فتحت هذا الباب «المقاصد» في الفكر الأصولي ومجالات الاجتهاد الفقهي عند الشيعة([334]).
وتأخذ المقاصد عند الشيخ شمس الدين طريقها تطبيقياً تحت عنوان «أدلة التشريع العليا» ومن أمثلته الجلية: تفسير الإمام الباقر عليه السلام لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذبح الحمر الأهلية، بأنه لغرض عدم إفنائها، لأن مصلحة المجتمع في بقائها.
ويجعل الشيخ هذا التفسير مستنداً صالحاً لمنع صيد أنواع معينة من السمك والطيور والحيوانات، للمحافظة على أنواعها في الطبيعة([335]).
وهذا هو الفقه المقاصدي، متوقّف أساساً على تعيين علة الحكم ومناطه، وما دام هذا الأمر ميسوراً وداخلاً في دائرة التطبيق الشرعي، فليس على الفقيه إلا بذل الجهد في اكتشافه وتطبيقه في مواضيعه المستجدة «من قبيل التعليل الوارد في أدلة الاحتكار، فإنه لا يصلح أن يُحتكر الطعام ويُترك الناس ليس لهم طعام».
«ومن قبيل التعليلات الواردة في جواز العمل والتعامل مع الحكومات غير الشرعية، فهذه التعليلات لا يُقتصر فيها على موردها، بل هي معايير ترشد الفقيه والخبير إلى المنهج الذي يجب اعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وأنظمته»([336]).
والسيد فضل الله يؤكد هذا الفهم في حديثه عن العقل ودوره في الاستنباط، إذ المراد بالعقل هنا العقل القطعي الذي نكتشف على أساسه الأحكام الشرعية، وهو ما يعرف بـ «ملاكات الأحكام» أو «علل الأحكام» فإذا حصل لفقيه القطع بأن هذه المسائل تمثل ملاك الحكم فإنه يستطيع أن يحكم حتى في الموارد التي لم يرد فيها حكم شرعي، لأننا نعرف أن الشارع لا بد من أن يحكم انطلاقاً من وجود المصلحة الملزمة في هذا المجال ….
ولا تفوته في أثناء ذلك الإشارة إلى أن «القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة» مصادر ظنية، لا تورث القطع والعلم([337]) إذن سوف تتقلّص المساحة أمام الفقه المقاصدي الذي تشكل «المصالح المرسلة» أهم أعمدته، و«القياس» أهم أدواته … لكن العلاج وفتح الآفاق يكمن في إمكان الوصول إلى ملاكات الأحكام وعللها، وهذا ـ في تصوّره ـ من الواضحات، خصوصاً في أبواب المعاملات، والأحكام الأخلاقية.
وكأنه هنا لا يتوسّط بين طرفين: طرف انطلق بلا قيد مع القياس والمصالح المرسلة. وطرف وصفه بالاستغراق بالتعبدية والتعامل مع الفقه بمنطق الأسرار … فحين يقف ممثّلو هذا الطرف الأخير على مسألة تقول إن الإناء المتنجّس بالبول يطهر بغسلتين، يؤكّدون على التعددية، بحيث لو غسلت الإناء بقطرتين على التوالي فإنه يطهر إذ قد تحقق مصداق الغسلتين! وذلك لأن التعدّدية عندهم شرط التطهير، ويتذرّعون دائماً بذريعة عدم إمكان إدراك الملاك في الحكم! هذا مع أن الإنسان يدرك ببساطة أن المسألة هنا هي إزالة النجاسة، وأن قضية التعدد قد تنطلق من خلال الحالة الطبيعية للتطهير، بحيث تكون الغسلة الأولى لإزالة العين، والثانية لإزالة الاستقذار، لذلك لا يجد الإنسان خصوصية للتعدّد إلا من خلال أنها نظرة إلى الوضع الطبيعي في الغسل … وعليه يمكن أن يستفيد الإنسان من المدار بأن الكمية الأكثر والمستمرة من الماء يمكن أن تحقق الغسل بطريقة أكيدة أكثر من سابقتها.
ثم يؤكد السيد فضل الله أن علماء الشيعة قد تحرّكوا في هذا المجال، سواء أكان ذلك في أبحاثهم التفصيلية الفقهية، أم في أبحاثهم على مستوى القاعدة، وأكثر ما تعرضوا له بعنوان «التزاحم» وهو عنوان لا يختلف عن علم المقاصد، لأن الفقيه وهو في مقام البحث في التزاحم غالباً ما يطل على المصالح، كما في الحالات التي يتزاحم فيها حكم مع حكم آخر ويتعلّق أحدهما بالأعراض، أو بالأنفس، فيقولون: إن الشارع لا يريد ضياع النفس، لذلك يسقط الواجب ويسقط المحرم أمام ضرورة إنقاذ النفس التي تتوقف على ترك واجب أو فعل محرّم.
كما ويلاحظ في الفقه الشيعي: الحديث عن النظام العام للناس، بشكل واسع النطاق، وهو عبارة أخرى عن حركة المصالح وتضاربها في حياة الناس.
نعم، على مستوى التقعيد الأصولي لم تأخذ المسألة بعدها الكافي، ولكنها ليست بعيدة عن الذهنية الفقهية الشيعية على كلّ حال … هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فالسيد فضل الله يرى المقاصد الشرعية غير منحصرة في الدوائر الخمس التي توصّل إليها الغزالي والشاطبي وغيرهما؛ لأن المسألة تنطلق من استقرارات خاصة ذاتية، وقد تتسع لتشمل موارد أُخرى لم يرد فيها الشرع على أساس النص الخاص، مما اصبح يمثل قضايا إنسانية عامة تصل إلى مستوى الضرورات الحياتية التي لا معنى لوجود الإنسان بدونها([338]).
استنباطات الصدر من روح الشريعة
في ضوء هذا المفهوم فإن أحكاماً كثيرة سوف تخرج من سباتها وحدودها الضيِّقة، لتسير مع روح الإسلام وأهدافه العليا المنفتحة على آفاق الحياة، دون انحسارٍ ودون توقُّف … أحكام سنجد كيف أنها فقدت معناها وأُفرغت من محتواها حين جُرِّدت من بعدها الاجتماعي الحقيقي وأغراضها التي اتسقت مع سائر أغراض الشريعة وأهدافها الكبرى …. لنلاحظ ذلك في الموضوعات الآتية:
1 ـ الاحتكار: والمراد به كلُّ عمليةٍ تستهدف إيجاد حالة ندرةٍ مصطنعةٍ للسلعة بقصد رفع ثمنها. وهي عملية يمكن ممارستها مع أيِّ سلعةٍ يزداد عليها الطلب، بحيث يمكن أن يحقِّق احتكارها ارتفاعاً في أسعارها … والشريعة الإسلامية عندما حاربت الاحتكار وذكرت بالخصوص مواداً بأعيانها، إنما كانت تريد محاربة الاحتكار نفسه لأجل تحقيق التوازن الاجتماعي من ناحية، وتحريم هذا النوع من الفوائد المترتّبة على عملية إيجاد ندرةٍ مصطنعةٍ للسلعة من ناحية أخرى، ولم ينحصر هدفها في تلك المواد لذواتها، وإنما كانت تلك المواد أمثلةً فقط، خصَّت بالذكر لكونها المواىد الرئيسة التي تحفظ توازن السوق والحياة الاجتماعية في ذلك الزمن.
فقد جاء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن منع فضل الماء والكلاء … وهذا النهي تحريم مارسه الرسول الأعظم بوصفه وليّ الأمر، نظراً إلى أن مجتمع المدينة كان بحاجةٍ شديدةً إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية، وإلى توفير المواد اللازمة للإنتاج توفيراً عاماً وعدم احتكارها، فألزمت الدولة على هذا الأساس الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلائهم للآخرين.
والنصُّ الذي جاء في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر في وصف التجّار: «واعلم أن في كثيرٍ منهم ضيقاً فاحشاً وشحًّا قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكّماً في البياعات» إنما هو تأكيد على منع الاحتكار في كل الحالات منعاً باتاً … وهذا المنع الحاسم للاحتكار يعني حرص الإسلام على شجب الأرباح التي تقوم على أثمانٍ مصطنعةٍ تخلقها ظروف الاحتكار الرأسمالية … وأن الربح النظيف هو الربح الذي يحصل عن طريق القيمة التبادلية الواقعية للبضاعة، وهي القيمة التي يدخل في تكوينها منفعة البضاعة ودرجة قدرتها وفقاً للعوامل الطبيعية والموضوعية، مع استبعاد دور الندرة المصطنعة التي يخلقها التجار الرأسماليون المحتكرون عن طريق التحكُّم في العرض والطلب([339]).
هكذا توسَّع مفهوم الاحتكار من خلال الفهم الاجتماعي للنصّ، ومعرفة أهداف الشريعة ومقاصدها من الأحكام.
2 ـ الزكاة: الزكاة هي الأُخرى يحصرها الفقه التقليدي في الأعيان التسعة التي وردت في زمان المعصوم، يوم كانت هذه الأعيان تمثِّل عصب الحياة، والمحرك الأساسي لها. فتعامل معها الفقه التقليدي وكأنها مرادة بأعيانها، فكأن الزكاة شُرِّعت لأجل الجمال والأبقار والمواشي والحنطة والشعير … ولم تُشرَّع لغرضٍ آخر!!
ولا يكتفي الشهيد في نقض هذا التصوُّر من خلال منطلقاته في الفهم الاجتماعي وروح الشريعة ومقاصدها، بل يعضده بالأثر أيضاً، فقد ثبت أن الإمام علياً عليه السلام وضع الزكاة على أموالٍ غير تلك الأقسام التسعة، فجعل على الخيل مثلاً الزكاة … «وهذا عنصر متحرّك، يكشف عن أن الزكاة كنظرةٍ إسلاميةٍ لا تختصُّ بمالٍ دون مال، وأن من حق ولي الأمر أن يطبق هذه النظرية في أيِّ مجالٍ يراه ضرورياً»([340]).
بل حتى النص الأول الذي ذكر المواد التسع يفهم منه الفقيه هذه الحركية نفسها، فالحديث يقول: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر مناديه أن ينادي: إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب» يقول الإمام الصادق عليه السلام: «ونادى بهم بذلك في شهر رمضان، وعفى لهم عمّا سوى ذلك».
يقول الشيخ الآصفي: يظهر من هذا النصّ أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عما يراه مما لا يُعدُّ من أموال التجارة، ولا يشيع تداوله في الأسواق، فيعفي الناس فيها عن الزكاة.
وقد كانت الثروات التي فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها يومئذٍ الزكاة من الثروات التي كان الناس يألفونها في الأسواق في التجارة، وهي الصفة المعروفة. ولا يمنع أن يتغير وضع السوق والتجارة فيما بعد، فتدخل ثروات جديدة في الأسواق، وتعمر بها الأسواق، وتجب فيها الزكاة.
من هذا الحديث الصحيح نفهم أن الثروات التسعة هي من مصاديق الثروات التي تعدُّ من أموال التجارة التي تجب فيها الزكاة، وليست هي الموضوع المحدَّد للزكاة([341]).
هذه المسألة الحيوية التي أصبحت بمستوى ما قلقاً يساور أهل الوعي بفقه الحياة، ما زالت لم تتجاوز هذا المستوى من الإثارات، لتتحوّل إلى دستور فقهي وأحكام عملية يلتزمها المجتمع، حتى على مستوى الفقه السنّي الذي أوجب الزكاة على العملات النقدية المتداولة باعتبارها البديل عن النقدين ـ الذهب والفضة ـ الذين تعامل بهما السوق آنذاك، لكنه ما زال يتقيّد بمفردات النصّ الأخرى دون أن يلحظ أموال التجارة المتداولة وذات الأثر في الحياة الاجتماعية، وما إذا كان الشارع يريد تلك المواد بأعيانها، أم أنه يريد معالجة المشكلة الاجتماعية التي تتغير المؤثرات فيها مع تغير طبيعة الحياة من إنتاج وأساليب عمل واستهلاك….
فقهاء كثيرون يشاركون نظرائهم في هذا القلق، ويسيرون على الخط نفسه في إثارة الأسئلة ضد هذه الرؤية الحروفية التي لا تعيش أبعاد النص ومقاصده، و«كأن الكرة الأرضية هي نجد وتهامة والحجاز» التي كانت تشكل فيها هذه المواد روح السوق والحياة العامة: «لماذا لا نتدبّر القرآن أولاً حتى نعرف أبعاد التكاليف التي أناطها الإسلام بأعناقنا، وأوعية المال التي تخرج من زكواتنا؟ ولماذا لا نعرف طبيعة الدنيا التي نعيش فيها، والأساليب التي يتّبعها خصومنا لكسب معاركهم ضدّنا؟ إنه لا فقه مع العجز عن فهم الكتاب ومع العجز عن فهم الحياة نفسها»([342]).
3 ـ الملكية: رأينا في مادة «الاحتكار» كيف تدخَّلت الشريعة في تحديد النص الآخر القائل بأن «الناس مسلطون على أموالهم» وهي تتدخَّل دائماً في تحديد حرية الفرد بالتصرُّف في أمواله كلَّما تعارض ذلك مع المصلحة العامة للمجتمع والدولة … إن هناك قيوداً كثيرة وضعتها الشريعة على حرية المالكين والمستثمرين، من أجل حفظ التوازن الاجتماعي الذي يمثّل هدفها العام من هذه التشريعات.
هذا الهدف العامُّ الذي يستنبطه الشهيد الصدر من مفهوم الاستخلاف، الذي هو استخلاف للجماعة، وليس للفرد، وحتى الفرد المالك فهو مستخلف من قبل الجماعة. فالآيات القرآنية الواردة في هذا المجال أضافت أموال الأفراد إلى الجماعة «وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تقرّ أيّ ملكيةٍ خاصةٍ تتعارض مع خلافة الجماعة وحقَّها ككلٍّ في الثروة»([343]).
«وما دامت الملكية الخاصَّة استخلافاً للفرد من قبل الجماعة، فمن الطبيعي أن يكون الفرد مسؤولاً أمام الجماعة عن تصرُّفاته في ماله، وانسجامها مع مسؤولياتها أمام الله تعالى ومتطلِّبات خلافتها العامَّة … ومن الطبيعي أن يكون من حقّ الممثّل الشرعي للجماعة أن ينتزع من الفرد ملكيته الخاصة إذا جعل منها أداةً للإضرار بالجماعة والتعدّي على الآخرين، وتوقُّف دفع ذلك على انتزاعها، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصّة سمرة بن جندب …» ([344]).
وإلى أكثر من ذلك يذهب هذا الفقه المتحرك، في تفاصيل العمليات الاقتصادية، من أجل الحفاظ على مقاصد الشريعة وأهدافها في حفظ التوازن الاجتماعي، وتحقيق مفهوم الاستخلاف كما رسمته الشريعة:
ـ فإنّ «الإحياء غير المباشر، بالطريقة الرأسمالية، أي بدفع الأجور ووسائل العمل إلى الأُجراء، لا يُكسب حقاً، ولا يبرِّر للرأسمالي الدافع للأُجور أن يدّعي لنفسه الحق في نتائج الإحياء، وأن يقطف ثمار العمل المأجور، كما هي الحالة في المجتمع الرأسمالي»([345]).
ـ كما ترفض الشريعة إقامة الصناعات الاستخراجية على أساس رأسمالي، فهذا النوع من الإنتاج لا يُكسب الرأسمالي حقّ ملكية السلعة «مثلاً شخص أو أشخاص يدفعون الأُجور إلى العمال الذين يستخرجون النفط، ويزوِّدونهم بالوسائل والأدوات اللازمة لذلك، فلا يُعتبر النفط المستخرج ملكاً لدافعي الأُجور ومالكي الأدوات»([346]).
ـ وهؤلاء الذين يودعون أموالهم عند المستثمرين لغرض الاستثمار، لتعود عليهم بفوائد معلومة، فإنَّما تعود عليهم بالربا المحض المحرّم، ذلك أن «رأس المال النقدي إذا كان مضموناً في عملية الاستثمار، فليس من حقّه أن يساهم في أي ربحٍ ينتج عن توظيفه، لأن الربا حرام، ومجرد تأجيل الرأسمالي لانتفاعه بماله أو حرمانه نفسه من الاستفادة المباشرة منه، لا يبرِّر له حقاً في الربح بدون عمل … بل الربح في حالةٍ من هذا القبيل كلُّه للعامل، على الرغم من أنه قد لا يكون مالكاً للبضاعة نفسها.
والطريقة الوحيدة التي سمح بها الإسلام لمشاركة رأس المال النقدي في الربح، أن يتحمل صاحبه المخاطرة به، ويتحمل وحده دون العامل كلّ التبعات السلبية للعملية»([347]).
وهكذا ينهي هذا النوع من الفقه، سلطة القراءة التجزيئية للنص، القراءة التي تبتر النص عن موضوعه وعن ظروفه وعن أهداف الشريعة كلها، لتتخذ منه غطاءً تبريرياً لممارساتٍ تعود على أصحابها بالنفع، وعلى المجتمع كلّه بالضرر، تماماً كما عهدنا عند الساسة اجتزاء النصوص وتوظيفها لحماية مصالحهم السلطانية.
يكشف لنا هذا الفقه الحيُّ أن كل ما نلحظه من ممارسات استثمارية ينتج عنها تكديس الأموال عند أفرادٍ واضمحلالها عند عموم أبناء المجتمع، إنما هي ممارسات رأسمالية يمقتها الإسلام، إن كل ما وضع وراءها من فتاوى وتصويبات إنما هو ناتج إما عن قراءةٍ تجزيئيةٍ ومبتسرةٍ للنصوص، وإما عن تحايلٍ على أحكام الشريعة، يصنعه الفقه الفردي التجزيئي وحده. وكلُّ ذلك لا يبرِّر هذه الأعمال، ولا يخرج بها عن دائرة الحرام والممقوت شرعاً.
فمتى يا ترى تستفيق أُمَّتنا من نومتها؟ ليأكل أثرياؤها أموالهم بالحلال!!
الثمرة الأهمُّ، فقه النظرية
الثمرة الثانية للفقه الاجتماعي، قد تكون أكبر من الأُولى، بل قد تكون الأُولى تابعة لها ومستنبطة منها في كثيرٍ من الأحيان، ألا وهي استكشاف النظرية الإسلامية في المواضيع المختلفة ذلك أن الفقه لا يمكنه بحال أن يستوعب البعد الاجتماعي في النصوص والأحكام ما لم يرتكز إلى نظرية عميقة شاملة في الأساس الذي يقوم عليه هذا الفقه، وهو روح الشريعة ومقاصدها.
هذه الخطوة هي الأُخرى، حاز الصدر فيها وسام التأسيس، كما حاز وسام التطبيق الأول في أكثر من ميدان ….
كان يدرك مبكِّراً أن على الفكر الإسلامي أن «يتخطَّى فقه الأحكام، إلى فقه النظريَّات»([348]) وهذه هي المهمة الأساسية في فقه الدين، فليس من الصحيح أن ينحصر جهد الفقيه في استنباط أحكام جزئيةٍ متناثرة، بل لا بد من إدراك حقيقة أن الأحكام الجزئية المتناثرة في موضوعٍ واحدٍ إنما ترتبط بنظريةٍ أساسيةٍ يتبنَّاها الإسلام حول هذا الموضوع، فلا بد إذن من اتِّجاهٍ موضوعيٍّ في الفقه يتخطَّى فقه الأحكام الجزئية إلى اكتشاف النظرية الإسلامية في الموضوع: «لا بد أن يتوغَّل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه ليصل إلى النظريات الأساسية، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية والتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذه البناءات العلوية إلى النظريَّات الأساسية والتصورات الرئيسية التي تمثل وجهة نظر الإسلام … لأننا نعلم أن كل مجموعةٍ من التشريعات في كلِّ بابٍ من أبواب الحياة ترتبط بمثل تلك النظريَّات والتصوُّرات»([349]).
والمنهج في الوصول إلى النظرية الإسلامية في كلِّ موضوعٍ من مواضيع الحياة واضح في معالمه وتفاصيله عند رائد هذا المشروع الكبير، يستغرق في توضيحه فقرات كثيرة في العديد من أعماله، لا سيَّما «اقتصادنا» حيث يمارسه الممارسة الأُولى في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، وفي هذا المنهج ركيزتان أساسيَّتان تضعان الباحث على بوابة مشروع الاكتشاف، خلاصتهما:
1 ـ إن هناك فارقاً أساسياً بين عملية خلق وتكوين النظرية، وبين عملية اكتشاف نظرية، ففي الحالة الأُولى يمارس المفكر دوره مباشرةً في وضع النظريَّات العامة، ثم يجعل منها أساساً لبحوثٍ ثانويةٍ وأبنيةٍ علويةٍ من القوانين التي ترتكز عليها … وأما في الحالة الثانية، والتي تنحصر فيها مهمة المفكّر الإسلامي، فإن العملية تكون معكوسة، فتبدأ من البناء العلوي، من القوانين والأحكام، وصولاً إلى القاعدة النظرية، فتنطلق من جمع الآثار وتنسيقها، إلى الظفر بصورةٍ محددةٍ للنظرية»([350]).
2 ـ حين نتناول مجموعةً من أحكام الإسلام المندرجة تحت موضوع معيَّنٍ، لنجتازها إلى ما هو أعمق، إلى القواعد الأساسية التي تشكِّل النظرية الإسلامية، يجب أن لا نكتفي بعرض أو فحص كلّ واحدٍ من تلك الأحكام بصورةٍ منعزلةٍ ومستقلةٍ عن الأحكام الأُخرى، لأن طريقة العزل هذه إنما تنسجم مع بحثٍ على مستوى القانون المدني في احكام الشريعة، أما إذا كان الهدف هو عملية اكتشاف النظرية أو المذهب الإسلامي فلا بد أن ننجز عملية تركيبٍ بين تلك المفردات، أي ندرس كلَّ واحدٍ منها بوصفه جزءاً من كلٍّ، وجانباً من صيغةٍ عامَّةٍ مترابطة، لننتهي من ذلك إلى اكتشاف القاعدة العامَّة التي تشعُّ من خلال الكلِّ، أو من خلال المركَّب، وتصلح لتفسيره وتبريره([351]).
وفي مسار البحث الاستكشافي محطّات أساسية لا بد أن يواجهها الباحث برؤيةٍ واضحةٍ، ولعلَّ أهمّها محطّتان:
الأولى/ منطقة الفراغ في الشريعة.
والثانية/ صلاحيات الحاكم في ملء منطقة الفراغ.
والمراد بمنطقة الفراغ التشريعي هو الأحكام التدبيرية في مجالات التنظيم والعلاقات والإدارة في المجتمع([352]) …
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه تقوم على أساس أن الإسلام لا يقدّم مبادئه التشريعية في جوانب الحياة المتغيِّرة بوصفها علاجاً مرحلياً، سيجتازه التاريخ بعد زمنٍ يطول أو يقصر، وإنما يقدِّمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور، من هنا كان لا بد أن ينعكس فيها تطوُّر العصور ضمن عنصرٍ متحرِّك، يمدُّ الصورة بقدرٍ على التكيّف وفقاً لظروفٍ مختلفة.
فالإسلام يرى أن علاقات الإنسان بالطبيعة أو الثروة ـ مثلاً ـ تتطوَّر عبر الزمن تبعاً للمشاكل المتجدِّدة التي يواجهها الإنسان باستمرار خلال ممارسته للطبيعة … ولأجل ذلك يرى الإسلام أن الصورة التشريعية التي ينظِّم بها تلك العلاقات، وفقاً لتصوراته للعدالة (روح الشريعة وأهدافها ومقاصدها) قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية، لأنها تعالج مشاكل ثابتة، فالمبدأ التشريعي القائل: «إنَّ الحقَّ الخاصَّ في المصادر الطبيعية يقوم على أساس العمل» يعالج مشكلةً عامَّةً يستوي فيها عصر المحراث البسيط وعصر الآلة المعقّدة، لأن طريقة توزيع مصادر الطبيعة على الأفراد مسألة قائمة في كلا العصرين.
لكن هذا لا يعني جواز إهمال الجانب المتطوّر، وهو علاقة الإنسان بالطبيعة، فإن تطوُّر قدرة الإنسان على الطبيعة وسيطرته على ثرواتها يطوِّر وينمِّي باستمرار خطر الإنسان على الجماعة، ويضع بيده باستمرار إمكانياتٍ جديدةً للتوسُّع ولتهديد الصورة المتبنَّاة للعدالة الاجتماعية.
فالمبدأ التشريعي القائل، مثلاً: إنَّ من عمل في أرضٍ وأنفق عليها جهداً حتى أحياها، فهو أحقُّ بها من غيره … يُعتبر في نظر الإسلام عادلاً، لأن من الظلم التسوية بين من عمل في أرضٍ بجهده حتى أحياها، وبين آخر لم يعمل فيها شيئاً …
ولكن بتطوُّر ونمو قدرة الإنسان في السيطرة على الطبيعة يصبح من الممكن استغلال هذا المبدأ على نحوٍ يتعارض مع مبادئ الإسلام في التوازن الاجتماعي وتصوُّراته عن العدالة … ففي عصرٍ كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الإحياء إلاَّ في مساحاتٍ صغيرة، وأما بعد نمو قدرة الإنسان وتوفُّر الوسائل الحديثة في السيطرة على الطبيعة، فيصبح بإمكانه إحياء مساحاتٍ هائلةٍ من الأرض … الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة ….
إذن لا بدَّ للصورة التشريعية من منطقة فراغ يكون إملاؤها متطوُّراً بحسب الظروف، وفي ضوء أهداف الشريعة ومقاصدها، فيسمح ـ هنا ـ بالإحياء سماحاً عامًّا في العصر الأوَّل، ويُمنع منه في العصر الثاني منعاً تكليفياً، إلاَّ في حدودٍ تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوُّراته عن العدالة([353]).
إذن عملية الاستنباط في هذه الدائرة تخضع لمعايير جديدة، إضافة إلى أدوات الاستنباط المتعارفة، تستفاد هذه المعايير من «روح الشريعة» «مقاصد الشريعة» أو «أدلة الشريعة العليا» وأيضاً من الأحكام التدبيرية الواردة عن المعصوم عليه السلام([354]).
والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم قد مارس دوره في ملء منطقة الفراغ بما كانت تتطلَّبه أهداف الشريعة، وعلى ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها … غير أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم حين مارس دوره ذلك لم يمارسه بوصفه نبيًّا مبلَّغاً للشريعة الإلهية الثابتة في كلِّ مكان وزمان، لتكون ممارسته الخاصَّة في ملء ذلك الفراغ معبِّرة عن صيغةٍ تشريعيةٍ ثابتة، وإنما مارسه بوصفه وليِّ الأمر المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقاً للظروف … فالتشريعات التي ملأ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم منطقة الفراغ بوصفه ولي الأمر، ليست أحكاماً دائميةً بطبيعتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها تلقي الضوء إلى حدٍّ كبير على عملية ملء الفراغ التي يجب أن تمارس في كلِّ حينٍ وفقاً للظروف، وتيسُّر فهم الأهداف الأساسية التي توخَّاها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في سياسته، الأمر الذي يساعد على ملء منطقة الفراغ دائماً في ضوء تلك الأهداف.
مثال آخر على أهداف الشريعة ومنطقة الفراغ: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾.
يُستظهر منه: «أنَّ التوازن وانتشار المال بصورةٍ تشبع كلَّ الحاجات المشروعة في المجتمع، وعدم تركُّزه في عددٍ محدودٍ من أفراده، هدف من أهداف التشريع الإسلامي …
وهذا الهدف يعتبر مؤشِّراً ثابتاً يتَّصل بالعناصر المتحرِّكة.
وعلى هذا الأساس يضع وليُّ الأمر كلَّ الصيغ التشريعية الممكنة التي تحافظ على التوازن الاجتماعي في توزيع المال، وتحول دون تركُّزه في أيدي أفرادٍ محدودين … وتحارب الدولة الإسلامية التركيز الرأسمالي في الإنتاج والاحتكار بمختلف أشكاله …
ومثال آخر: «إنَّ نصوص الزكاة صرَّحت بأن الزكاة ليست لسدِّ حاجة الفقير الضرورية فحسب، بل لإعطائه المال بالقدر الذي يلحقه بالناس في مستواه المعيشي …
وهذا معناه أن توفير مستوى معيشيٍّ موحَّدٍ أو متقاربٍ لكلِّ أفراد المجتمع هدف إسلامي لا بدَّ للحاكم الشرعي من السعي في سبيل تحقيقه»([355]).
من هنا نخلص إلى أنَّ الإسلام قد ترك مهمَّة ملء منطقة الفراغ إلى الدولة، أو «وليِّ الأمر» يملؤها وفقاً لمتطلِّبات الأهداف العامَّة للشريعة ومقتضياتها في كلِّ زمان([356]).
ومن هنا نأتي إلى حلِّ إشكالية ثنائية «الثابت والمتغيِّر» …
ففي الشريعة إلى جانب العناصر الثابتة ـ المنصوصة في الكتاب والسُّنَّة ـ هناك العناصر المتحرِّكة وهي «تلك العناصر التي تُستمد ـ على ضوء طبيعة المرحلة في كلِّ ظرف ـ من المؤشرات الإسلامية العامة التي تدخل في نطاق العناصر الثابتة»([357]).
فالعناصر المتحركة إذن تُستنبط عن طريق الانتقال من الواقع إلى العناصر الثابتة، وبالعكس، ففي العناصر الثابتة ما يقوم بدور المؤشرات العامة التي تُعتمد كأساسٍ لتحديد العناصر المتحرَّكة التي تتطلَّبها طبيعة المرحلة، وعملية استنباط كهذه تتطلَّب بالضرورة:
1 ـ «منهجاً إسلامياً واعياً للعناصر الثابتة، وإدراكاً معمَّقاً لمؤشراتها ودلالاتها العامة» أي معرفةً معمَّقةً بروح الشريعة وأهدافها ومقاصدها.
2 ـ «استيعاباً شاملاً لطبيعة المرحلة وشروطها».
3 ـ «فهماً فقهياً قانونياً لحدود صلاحيات الحاكم الشرعي»([358]) والمساحات التي يمكنه التحرُّك خلالها لملء منطقة الفراغ من خلال استنباط الأحكام التي تتطلَّبها طبيعة المرحلة على ضوء أهداف الشريعة ودلالاتها العامَّة.
يدرك الشهيد الصدر جيداً أن هذه المهمة لا يستطيع أن يقوم بها الفقيه التقليدي الذي اعتاد على المنهج الفردي والنظر إلى الأحكام على النحو التجزيئي، فهي مهمة تتطلب فهماً اجتماعياً معمَّقاً للشريعة وأحكامها، من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى تتطلَّب استيعاباً شاملاً لطبيعة المرحلة وشروطها، وكلا الأمرين يعيش الفقه التقليدي التجزيئي بعيداً عنهما.
ومن جانبٍ آخر فإنه يدرك جيداً أن الحق في فهم الشريعة وتطبيقاتها ليس حكراً على الفقيه المختصّ بالمعنى التقليدي، فهناك إلى جانب الفقه معارف أساسية في عملية كهذه قد يتوفَّر عليها آخرون من أصحاب التخصُّصات الأُخرى …
لذا فهو لا يغادر هذا الموضوع حتى يثبّت هذه الحقيقة كشرطٍ أكيدٍ لتحقُّق مثل هذه المهمة، فيقول، وهو في معرض الحديث عن النظم الاقتصادية: «ومن هنا كان التخطيط للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي مهمة يجب أن يتعاون فيها مفكرون إسلاميون واعون، ويكونون في نفس الوقت فقهاء مبدعون، وعلماء اقتصاديون محدثون»([359]).
أي الفقيه الذي يضطلع بمعرفة دقيقة وواسعة بثمرات العلوم الإنسانية الحديثة، بل يشترط دخول ثمرات هذه العلوم في تكوين الرؤية الفقهية السليمة والتي تتوخَّاها الشريعة، أما الوقوف عند أدوات الاستنباط المتعارفة في الفقه التقليدي فلا ينتج أكثر من فتاوى تجزيئية، لا يمكن أن تشكل جزءاً من الحل في المشكلة الاجتماعية، ناهيك عن بعدها عن دائرة التصور النظري المحيط بالموضوع.
ثم هو ينقلنا إلى أفق جديد يجعل «تحرك الفتوى باتجاه تحقيق العدالة معياراً لتشخيص صحة الفتوى» خلافاً للمفهوم المعاكس الشائع الذي «يذهب إلى اعتبار الفتاوى معياراً لتشخيص العدل» إنه الفقيه الذي يحترم بشكل منطقي كل أدوات المعرفة، ويفتح أبواب الفقه أمام المزيد من أدوات الاستنباط، لكي ينقذ الفقه «ويصونه من التخبط في الاعتبارات والافتراضات الذهنية الخالصة، والانقطاع عن واقع الحياة»([360]) فلقد أنتجت المعارف البشرية العلمية الكثير مما لا يمكن إغفاله عند مزاولة استنباط شيء من الأحكام التي تمس وقائع الحياة المستجدة، فضلاً عن محاولة الخروج بتصور شمولي يحيط بموضوعاتها.
على هذه الأسس، وأُسس أُخرى يبثُّها بين أبحاثه المختلفة، يتخطَّى الصدر بجدارةٍ فقه الأحكام إلى فقه النظريَّات …
يبتدئ هذا المشروع الكبير في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام والنظرية الإسلامية في جزئيات العمليات الاقتصادية، فيوحِّد الصياغة أوَّلاً عن مجموعة الأفكار الأساسية لهذا الاقتصاد، ثُمَّ ينتقل إلى التفاصيل لاكتشاف نظام التوزيع ونظام الإنتاج في الإسلام، بما يشتمل عليه النظامان من تفاصيل عن تقسيم الثروات الطبيعية، وتحديدات الملكية الخاصة، ومبادئ التوازن والتكافل والضمان العام، والسياسة المالية،وصلاحيات الحكومة في الحياة الاقتصادية، ودور عناصر الإنتاج؛ من العمل، ورأس المال، ووسائل الإنتاج، وحقَّ كلِّ واحدٍ منها في الثورة المنتجة، وغير ذلك من الجوانب المختلفة التي تشترك بمجموعها في تقديم الصور الكاملة عن الاقتصاد الإسلامي([361]).
وبدون شكٍّ كانت هي المحاولة الأولى على مستوى الفكر الإسلامي في ترميم معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، والنظرية الإسلامية في مختلف العمليات الاقتصادية.
من هنا تراه مع علمه بما تحظى به هذه الدراسة المعمَّقة من أهمِّيةٍ فائقة، إذ يصفها بأنها مهمة تهدف إلى «الغوص إلى أعماق الفكرة الاقتصادية في الإسلام، وصبِّها في قالبٍ فكريٍّ، ليقوم على أساسها صرح شامخ للاقتصاد الإسلامي، ثريٌّ بفلسفته وأفكاره الأساسية، واضح في طابعه ومعالمه واتجاهاته العامة، محدَّد في علاقته وموقفه من سائر المذاهب الاقتصادية الكبرى، مرتبط بالتركيب العضوي الكامل للإسلام» ـ مع هذا تراه يصفها بأنَّها «محاولة بدائية» لذا «يجب أن يدرس هذا الكتاب بوصفه بذرةٍ بدائيةٍ لذلك الصرح الإسلامي»([362])!
وهذه هي معرفة العالم الحقيقي بطبيعة البحث العلمي وتطوُّره، لكنه لم يكن يدري أن أربعين عاماً تمضي على هذا الإنجاز الكبير، وعشرين عاماً على رحيله هو، دون أن يتقدَّم فقهاء الإسلام خطوةً واحدةً إلى الأمام على هذا الصعيد، رغم التحدّيات الجادة والضرورة الملحَّة!!
أما الفقيه العاجز عن مثل هذه المهمة فهو بطبيعة الحال لا يرتضي أن يقرَّ بعجزه، فيذهب إلى ما يبرِّر له هذا العجز في نقدٍ سلبيٍّ محض لهذا المشروع من خلال التشكيك في حجِّية هذه الاستنباطات، ذاهلاً عن التفكير في مدى حجِّية استنباطاته الفردية التجزيئية التي غفلت تماماً عن البعد الاجتماعي للأحكام، وعن أهداف الشريعة الكامنة وراء أحكامها!.
إنَّ كلَّ ما يثار من هذا النوع من الاعتراضات إنما هو نابع من تلك الذهنية الفقهية التي تركَّزت فيها الفردية، ومن قبل ناقشها السيد الشهيد بعمقٍ وكشفت عن جذورها وأبعادها وانعكاساتها على الفقه، هذه الذهنية التي تجد في مجرَّد الإشارة إلى تخطِّي فقه الأحكام إلى فقه النظرية استفزازاً كبيراً لها، يرمي بها وراء دائرة الفقه الحيِّ المتحرِّك مع أهداف الشريعة ومتطلبات الحياة، وهم على أيِّ حالٍ موجودون على قيد الحياة، يحتلُّون مواقعهم من خلال ذلك النمط من الفقه وحده، فكيف يمكن لهم السكوت أمام خطرٍ جديدٍ يهمِّش وجودهم وأدوارهم في الحياة؟!
أما الآخرون الذين وجَّهوا انتقاداتهم لهذا المشروع بدوافع ذاتية أو طائفية([363]) فهم أكثر بعداً عن العلمية والموضوعية، وأجدر أن يعرَّفوا بحجم الخطأ الذي ارتكبوه جرَّاء نقدٍ ينطلق من تلك الدوافع، في حين يعدُّ كتاب «اقتصادنا» الكتاب الأكثر تجوالاً في مصادر فريقي المسلمين، سُنَّة وشيعة، في موضوعه، فقد أورد بكلَّ احترام، واعتمد الكثير من استنباطات فقهاء السُّنَّة الكبار، كما طوَّف في كتب الحديث والأثر المعتمدة لديهم في تتبُّعٍ وافٍ لما أوردته من تطبيقاتٍ تشريعيةً نبويةٍ في هذا المجال.
إنَّهم ألفوا أن ينظروا إلى الحياة والحقائق بعينٍ واحدة، فسيغيب عنهم بالضرورة نصف الحقيقة الآخر، إذا كانت تلك العين الواحدة قادرةً على أن تبصر بدقَّة وشمول نصف الحقيقة الأوَّل…!
إضافةً إلى ذلك فإن ما أورده هؤلاء من نقدٍ لاستنتاجات الشهيد الصدر، قد كشف عن سطحيةٍ مفرطةٍ في التفكير، وذهنيةٍ محلِّقة في الفضاء، لم تمارس الحياة ولم تقترب منها، بل لم تمارس حتى الفقه التقليدي في إطاره المحدود …
فمثلاً، عندما يقول الشهيد الصدر إن الاقتصاد الإسلامي جزء من كلٍّ، وإنه يجب أن يُدرس ضمن الصيغة الإسلامية العامة التي تنظِّم شتى نواحي الحياة في المجتمع ….
يعلِّق هؤلاء بأنَّ هذه الرؤية هي «تعطيل لأحكام الإسلام الاقتصادية في انتظار حاكم أُسطوري!! يتمتَّع بصلاحيات النبيِّ الحاكم، أو بتعبيرٍ أقرب إلى المعقول: في انتظار تمكين الإسلام من إدارة المجتمع وفقاً لشريعة الله، وهي مقولة تحمل في إهابها الدعوة إلى الإحباط وتثبيط همم الدعاة إلى إقامة شرع الله خطوة إثر خطوة أو حكماً وارء آخر، وهو الجهد الذي تكلَّل في مجال الاقتصاد، مثلاً، في إنشاء البنوك الإسلامية وانتشارها ونجاحها كبديلٍ للبنوك الربوية»([364])!.
هذا الردُّ المتحامل أوَّلًا، والذي يقرُّ بتحامله وتهكمه حين يتراجع إلى تعبيرٍ أقرب إلى المعقول.
والسطحي ثانياً، حتى يتحدَّث بلغة الدعاة الخطابية، جاهلاً أو متجاهلاً الفارق بين أصل الدعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي وبين إمكان تطبيقه بشكلٍ متكامل، الأمر الذي لا يمكن تحقُّقه إلاَّ في ظلِّ نظامٍ يتبنَّى الإسلام في جوانب الحياة الاجتماعية كافَّةً.
وهو متعسِّف ثالثاً، إذ يُحمِّل السيد الشهيد خلاف ما يريد تماماً، ويغفل عن أن مثاله الوحيد الذي يظنُّ أنه أسعفه هنا، في إيجاد البنك اللاربوي، إنما هو الأنموذج الذي كان الصدر سبّاقاً إليه على المستوى الفقهي والتنظيري الشامل!
ـ وتتجلى السطحية المفرطة لدى الناقد في نقده لفكرة «منطقة الفراغ في التشريع» إذ يواجهها بعقليةٍ جوفاء، وبأُسلوبٍ خطابيٍّ عاجزٍ تماماً عن النفاذ إلى أقرب أعماق الفكرة عن سطحها … ذلك حين يقول: «ونحن لا نقدر أبداً على التسليم بوجود فراغٍ في التشريع، لأن الأُمور المستحدثة التي لا نصَّ فيها قد بلغنا أمر المشرِّع بالاجتهاد في معرفة أحكامها على ضوء مقاصد الشريعة العامَّة»([365])!!
من حقِّك أن تقطع بأنه لم يفهم مما أراد الصدر شيئاً، لأنه مأسور بهالةٍ خطابيةٍ طاغيةٍ على مجالات الخطابة الرنانة التي عجزت عن مواجهة أيِّ مشكلةٍ معاصرةٍ بشكلٍ جادٍّ وفعَّال، وإلاَّ كيف يعود ليستعين بمقاصد الشريعة على استنباط أحكامٍ لا نصَّ فيها؟! وهو الأمر نفسه الذي صرَّح به الصدر مراراً في كتابه هذا، وفي غيره!! وقد نقلنا منه أكثر من موضع آنفاً!
على هذا النحو تفعل الذاتية، كما يفعل الأُفق الضيِّق، هاتان الآفتان اللتان وفَّاهما السيد الصدر حقَّهما في النقد، وهو يعلم أنَّهما آفتا الفكر والفقه والاجتهاد الإسلامي، وسوف لا يعترض طريق الفقه الاجتماعي وفقه النظرية المتحرك مع الحياة، لا يعترضه شيءٌ إلا ما كان منطلقه واحدة من تينك الآفتين، أو كلاهما …
* * *
المنهج الجديد في تفسير القرآن
«النظرية القرآنية»
أمل التفسير عند الصدر
كان تفسير القرآن الكريم أملاً في قلب الشهيد، لكنَّه أمل يزاحمه أمل كان أقرب إليه منالاً، إنَّه الشهادة التي عزم عليها عزماً كان قميناً أن تكون الشهادة ثمرته القريبة!
قال: إنَّ شوط التفسير التقليدي شوط طويل جدًّا، وهذا الشوط الطويل بحاجةٍ إلى فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ أيضاً، ولهذا لم يحظ من علماء الإسلام الأعلام إلا عدد محدود جدًّا بهذا الشرف العظيم، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته إلى نهايته، ونحن نشعر بأن هذه الأيام المحدودة المتبقية لا تفي بهذا الشوط الطويل، ولهذا كان من الأفضل اختيار شوطٍ أقصر([366]).
إذن لم يفرغ رجل الفكر والجهاد والثورة لتفسير القرآن الكريم رغم شوقه لذلك، لكنَّه دخل هذا الميدان العظيم من طريق آخر، فترك فيه أثراً لا يقلُّ أهمِّيةً عن التفسير الكامل.
لقد تناول علوم التفسير دراسةً ونقداً، فحدَّد معالم منهجه المتكامل في التفسير، ثُمَّ فتح أُفقاً جديداً على منهجٍ جديدٍ في تفسير القرآن الكريم، حدَّد معالمه، وتقدَّم فيه خطوات في ممارساتٍ تطبيقيةٍ في التفسير، فكان بحقٍّ صاحب مدرسةٍ ورائد منهج.
وتبعاً لتوزُّع اهتماماته في الميدانين تقسَّمت دراستنا هذه على قسمين:
تناول القسم الأوَّل مشكلة المنهج وأثره في فهم النص:
فيما تناول القسم الثاني التعريف المفصَّل بالمنهج الجديد كما رسمه مؤسِّسه ورائده، تحت عنوان: «الإمام الصدر وتجديد المنهج».
القسم الأوّل: منهج التفسير وأثره في فهم النص
إنَّ المسألة الأهمَّ التي تتحكَّم في اتِّجاه التفسير، وفي صلاحياته في التعبير عن لغة القرآن الكريم وأهدافه: هي «المنهج».
المنهج هو الذي يميَّز بين تفسيرٍ للقرآن … وبين كتابٍ يسخِّر القرآن لتبرير المذهب!!
بين قرآنٍ حيٍّ متحرِّكٍ يقود الفكر والعمل ويوجِّه الحياة … وبين قرآنٍ طلَّمسيٍّ يختفي وراء الحجب!!
بين قرآنٍ عربيٍّ مبينٍ جاء بلغةٍ لها أُصولها وآدابها، وبين قرآن رمزيَّ غائم ليست ألفاظه إلا مطايا تمتطيها مقاصد باطنية مكنوزة في اللوح المحفوظ!!
بين قرآن يخاطب الإنسان العاقل، كلَّ إنسانٍ عاقلٍ ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ … وبين قرآنٍ لا يفهمه إلا الصاعدون في (الإشارات) و(الفيوضات)!!
بين قرآنٍ تبيَّنه السنَّة بالقول الصادق والعمل الثابت … وبين قرآنٍ تترجمه مخيّلات الخرافيين والتائهين والساخرين!!
بين قرآنٍ يدعو إلى نفسه ويهدي للتي هي أقوم … وبين قرآنٍ يدعو صراحة إلى هجر القرآن!!
هكذا يصنع المنهج من القرآن الكريم.
وحين يغيب المنهج تعمُّ الفوضى!!
فهنا (فوضتان):
فوضى حين يغيب المنهج …
وفوضى تحت عنوان المنهج، حين يغيب الفهم المعمَّق، والحسُّ القرآني الدقيق والأُفق الأرحب.
وفي الحالتين ينبغي أن لا نعدم الإخلاص، لكنَّه إخلاص مذبذب بين بلاغات القرآن وأهدافه، وبين الرؤية والمذهب … أمَّا إذا غاب الإخلاص فليس ثمَّة تفسير، بل هي كارثة تبرقعت بآيات القرآن!
فمشكلة المنهجية في التفسير إذن مشكلة تغلي وتفور حتى نهاية المشوار، فأين سوف يضع المفسِّر نفسه من بين تلك المربعات؟ بل أين سيضع القرآن بينها؟
هناك في البدء شريط تقليدي تؤلِّفه حلقات أصلية: «فلا بدَّ للمفسِّر من منهجٍ عامٍّ في التفسير، يحدِّد فيه ـ عن اجتهاد علمي ـ طريقته في التفسير، ووسائل الإثبات التي يستعملها، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ، وعلى السُنَّة، وعلى أخبار الآحاد، وعلى القرائن العقلية في تفسير النصِّ القرآني.
لأنَّ في كلِّ واحدٍ من هذه الأُمور خلافاً علمياً، ووجهات نظر عديدة، فلا يمكن ممارسة التفسير دون دراسة تلك الخلافات دراسةً دقيقة»([367]).
بعد ذلك «فإنَّ وجهات النظر المحدَّدة التي سوف يخرج بها المفسِّر عن دراسته العلمية لوسائل الإثبات تلك، هي التي سوف تؤلِّف المنهج العامّ للمفسِّر»([368]).
وبعد ذلك كلِّه فإنَّ مشكلة التفسير ما زالت قائمة … لأن مشكلة التفسير أضحت في الوقت ذاته هي مشكلة التاريخ ومشكلة العقيدة معاً([369])!
فهي مشكلة التاريخ: تاريخ التفسير نفسه، بمناهجه التي عرضها المتقدمون، فاتخذها المتأخرون غلاًّ في أعناقهم …
فما هو الجديد عند أصحاب المأثور؟!
بماذا امتازوا عن أبي الجارود، وأبي حاتم الرازي، والعيّاشي؟!
وحين تقدَّم هذا الفريق خُطوة، أو خطوات، إلى الإمام، فهل استطاع اللاحقون أن يجتازوا الطبري والطبرسي، أم ما زال العلمان هما الأُنموذج المتقدِّم على من جاء بعدهم بألف عام؟!
وأيُّ جديدٍّ عند أصحاب الرأي قد تخطَّى منهج القاضي عبد الجبَّار، والزمخشري؟!
نعم، ربَّما تجد الجديد عند أصحاب الباطن والإشارات، فالباطن لا قعر له، والإشارات لا حدّ لها … لكنَّه الجديد الذي لا يشبه لغة الأنبياء، ولا هو من سنخ الخطاب الذي يقصد به العقلاء … فذاك عالم غريب يختصُّ بأهله، فطوبى لهم إن كان خيراً حازوه وحرمناه، وطوبى لنا إن كان أمراً لا يعنينا فتركناه!!
وهي مشكلة التاريخ: التاريخ الإسلامي الذي أُسقطت قراءاته المختلفة على التفسير ….
وهو مشكلة عقيدةٍ تجرُّ المفسِّر إليها جرًّا، باطنياً كان المفسِّر، أم ظاهرياً، أم أصحاب التأويل … وحتى في تفسير آيات الأحكام، ذلك الجانب الذي يمسُّ الحياة العملية مباشرة، تتجلَّى مشكلة العقيدة.
ومشكلة العقيدة تكمن في «أننا، ومنذ وقتٍ طويل، تكتفي عقائدنا بالتقليد الذي لا يتَّفق وعقول المتعلِّقين بالموضوعية …..
فمن المعلوم أن كل مجتمعٍ يحتوي مشكلة أفكارٍ دارجةٍ تحرِّك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكارٍ عمليةٍ تخصُّ المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى العلماء حلولاً نظريةً لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العملي للجماعات إزاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة …. ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقَّفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهوراً كبيراً من الدراويش، وجيشاً من الجهَّال يصرُّ على اعتقاده بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور!
وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثِّر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خرافة مفسِّرٍ غير موفَّقٍ يرى الأرض على قرن ثور»([370]).
التجديد في المنهج
رأينا حتى الآن أن المنهج هو الأمر الحاسم في (تقرير مصير) أثر القرآن:
بين أن يبقى محفوظاً بين الدفَّتين، يعيننا المفسِّر أحياناً على معرفة معاني مفرداته، ويقصر أحياناً … فإذا أعاننا المفسر فوسف نعرف أن (مدهامتان) تعني خضراوان تميلان إلى السواد من شدة الخضرة … وإذا تحيَّر المفسِّر في معنى (الحور) فسوف نحار معه!
بين ذاك، وبين أن ينتقل القرآن بنصوصه ومقاصده وأهدافه إلى الحياة في كلِّ ميادينها، في بناء المجتمعات، وفي إعمار الأرض.
تلك أصبحت تمثِّل حدّا فاصلاً بين القديم والجديد من مناهج التفسير.
وقد ظهر هذا الحدُّ الفاصل منذ ظهر رجال الإصلاح في الفكر الديني، وأولوا مناهج التفسير ما تستحقُّه من عنايةٍ واهتمام.
ويمكن بحقٍّ أن يُعدّ السيد جمال الدين الأفغاني رائد التجديد في مناهج التفسير، كما كان رائداً في منهجه الإصلاحي كلَّه.
لقد رأى بوضوح أن تلك مناهج انصرفت عن الأخذ بروح القرآن والعمل بمعانيه. ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه وإعرابه، فحملت ألفاظاً لفظية ومناقشاتٍ فرضية واستنتاجاتٍ ليست في مصلحة البشر ولا هي من وسائل هدايتهم إلى الإيمان به، وأضافت إليه من الشروح والتفسير ما لا محصِّل له سوى الإعراب وإرضاء العامَّة([371]).
وقد حاول أن يعكس رؤيته الجديدة من خلال ما يفسِّره من آيات الكتاب الكريم في صحيفته (العروة الوثقى) فركَّز اهتمامه في سبع عشرة آية فقط استطاع تفسيرها قبل إيقاف إصدار (العروة الوثقى) في عددها الثامن عشر بقهر من حكومة بريطانيا (أحد أكبر معاقل الديمقراطية وحرِّية الرأي في العالم!!) ركَّز اهتمامه على الآيات التي تتَّصل بأسرار نمو الأُمم أو ضعفها وسقوطها([372])، هذا الموضوع الذي تناوله مفصَّلاً فيما بعد السيد الشهيد الصدر في دراسة قرآنية جديدة، خرج منها بصياغة نظريةٍ متماسكة، أطلق عليها اسم «السنن التاريخية في القرآن الكريم»([373]).
وأهمُّ ما يتميز به منهج الأفغاني في (العروة الوثقى) ثلاثة أُمور:
أولها: بيان سنن الله تعالى في الخلق ونظام الاجتماع البشري، وأسباب ترقِّي الأُمم وتدنِّيها.
وثانيها: بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان وجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
وثالثها: إن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم أخوة لا يجوز أن يفرِّقهم نسب ولا لغة ولا حكومة([374]).
ثم تطور هذا المنهج بعد الأفغاني على يد تلميذه وصاحبه الشيخ محمد عبده فتقدم فيه الأخير سعةً وعمقاً، حتى في لغة التعبير عنه حين جعل منه تفسيراً (مقاصدياً) يعانق مقاصد القرآن العليا ويمضي معها بدلاً من أن يبقى متعثِّراً بين الألفاظ والأحكام المجزَّأة، فقال: «التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإنَّ هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث فتابع له، أو وسيلة لتحصيله»([375]).
فالواجب في التفسير إذن «ذهاب المفسِّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، فالقصد الحقيقي هو الاهتداء بالأحكام»([376]).
والجديد الآخر الذي أضافه محمد عبده بعد ذلك إلى هذا المنهج هو: «اعتبار القرآن جميعه وحدة واحدة متماسكة، فهم بعضه متوقُّف على فهم جميعه، واعتبار السورة كلها أساساً في فهم آياتها، واعتبار الموضوع فيها أساساً في فهم جميع النصوص التي وردت فيه»([377]).
هذا التصوُّر الأخير نجده على أتمِّه في منهج السيد الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن، واعتماد السياق بالمرتبة الأُولى في تفسير النصِّ وتشخيص مقاصده العليا، فالقرآن الكريم نفسه هو أفضل أداةٍ لتفسير آياته.
فالذي رآه السيد الطباطبائي بديلاً عن كلِّ المناهج هو: «أن نفسِّر القرآن بالقرآن، ونستوضح معنى الآية من نظيرتها، بالتدبُّر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخِّص المصاديق ونتعرَّفها بالخواصِّ التي تعطيها الآيات.
فحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلِّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه!
وكيف يكون القرآن هدًى وبيِّنةً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس في جميع ما يحتاجون، ولا يكفيهم في احتياجهم إليه نفسه، وهو أشدُّ الاحتياج؟!
والله تعالى يقول: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾([378]) وأيُّ جهادٍ أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه؟ وأيُّ سبيلٍ أهدى إليه من القرآن نفسه؟»([379]).
لكنَّ السيد الطباطبائي يرى أنَّ منهجه هذا إنَّما هو أقدم المناهج المعروفة في التفسير، فهو المنهج الذي سلكه معلِّمو التفسير الأوائل: الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعليٍّ عليه السلام.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد فسر القرآن نفسه في كثيرٍ من المأثور عنه، وأيضاً هو القائل: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفَّع، وماحل مصدَّق … وهو الدليل، يدلُّ على خير سبيل، وهو كتاب تفصيلٍ وبيانٍ وتحصيل».
أمَّا عليٌّ عليه السلام فيقول في وصف القرآن: «ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض»([380]).
أما الرؤية التي أضافها محمد رشيد رضا فقد تبدو أبعد عن منهج أُستاذه محمد عبده، إذ رأى أن الكون المنظور هو أعظم تفسير للكون المقروء، فالكشوفات العلمية الدقيقة من خير الوسائل التي تشرح حكم الله وآياته، وإنَّها لمن أشدِّ المصائب على الملَّة أن يهجر رؤساء دينٍ كهذا الدين هذه العلوم ويعدُّونها مضعّفةً للدين أو ماحيةً له([381]).
ثمَّ تعود هذه الفاصلة بين الأُستاذ وتلميذه لتلتئم حين يرى التلميذ أن هذا النهج هو من صلب تفسير القرآن بالقرآن نفسه، فالقرآن حين يكثر من التنبيه إلى آيات الكون المخلوق يختم دائماً بقوله: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ ونحوها، فهو إذن انطلاقة من دعوة القرآن الكريم لتعود بكمال التوحيد في الإيمان([382]).
ولقد كان بإمكان رشيد رضا أن يكون أقدر تعبيراً عن منهج (الأفغاني ـ عبده) لولا حماسه الشديد الذي اتَّخذ أحياناً كثيرةً صورة التطرُّف في النزعة المذهبية، حتى انقلبت كثيراً من صفحات (المنار) إلى صفحاتٍ في الصراع المذهبي، تماماً على نسق المناهج التي انتقدها منهج العروة الوثقى كثيراً، ممَّا قد يكشف عن فهم قاصر لديه عن التعصُّب المذهبي المنبوذ، فكأنَّه يرى ان التعصُّب منبوذاً ما دام دائراً بين أصحاب المذاهب الأربعة، أو بينهم وبين غيرهم من أهل السنَّة، لا غير!.
وهذا بلا شكٍّ فهم مختلف عن نهج الأفغاني الذي كان أُنموذجاً في التوازن ذابت فيه هذه اللغة واختفت بالكامل، ناهيك عن الشقَّة الواسعة في لغة الخطاب الإسلامي ـ الإسلامي بين الأفغاني ومحمد عبده من جهةٍ وبين محمد رشيد رضا من جهةٍ أُخرى.
ورغم ذلك فما زال الدارسون (للمنار) يكتفون بالصلة الوثيقة بين التلميذ وأُستاذه، والنقل الكثير لرشيد رضا عن الإمام محمد عبده ليجعلوا من ذلك برهاناً تامًّا على أنَّ رشيد رضا كان الامتداد والمكمِّل لمنهج (العروة الوثقى)، لكن المحاكمة الدقيقة تكشف عن اختلافٍ كثيرٍ في التفاصيل ولغة الخطاب، وإن كان هناك اتِّفاق في المبادئ الأساسية لمشروع إصلاح الفكر الديني عموماً.
إذن لم يبلغ منهج (العروة الوثقى) أهدافه على يد محمد رشيد رضا، فهنا رؤية جديدة وخطاب جديد.
وأيضاً «لم يظهر من رشيد رضا اهتمامه بتحديد المنهج، بل كان همُّه أن يخلع على المنهج القديم صبغة عقلٍ جديد، ومع أنه لم يعدِّل طريقة التفسير القديم تعديلاً جوهرياً، فإنه قد خلق في الصفوة المسلمة التي تعشق التجديد الأدبي اهتماماً بالنقاش الديني»([383]).
وفي الموضع ذاته تناول مالك بن نبي تفسيراً حديثاً آخر: وهو تفسير الجواهر للشيخ الطنطاوي جوهري، فوصفه بأنه: «إنتاج علمي أشبه بدائرة معارف، ولا ينطوي على أقلّ اهتمامٍ بتحديد منهج».
وهكذا بقيت مشكلة المنهج قائمة، لم تستوفِ حظَّها الكامل من الاهتمام حتى في أوسع التفاسير الحديثة وأكثرها حماساً في الدعوة إلى تخطِّي المناهج القديمة.
القسم الثاني: الإمام الصدر وتجريد المنهج
حين تكون الغاية من التفسير هي الكشف عن معاني مفردات القرآن الكريم، والمراد من كلِّ واحدةٍ من آياته، وبيان أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما تتضمَّنه الآيات من أحكام وتعاليم وآداب، فلا بد أن يسير المفسِّر مع آيات القرآن، آيةٍ آية، وفق تسلسلها في القرآن الكريم، وهذا هو المنهج الذي اعتمدته التفاسير منذ نشأتها وحتى اليوم.
هذا المنهج أطلق عليه السيد الشهيد اسم «التفسير التجزيئي».
وفي إطار هذا المنهج قد يستعين المفسِّر أثناء تفسيره للآية، أو المفردة، بالآيات الأُخرى التي تشترك معها، كما يستعين بالأحاديث والسياق والظهور، وغيرها من أدوات التفسير، لكن هدفه دائماً وفي كلِّ خطوةٍ من خطواته هو فهم مدلول الآية التي يواجهها … فهو إذن تفسير تجزيئي بلحاظ وقوفه دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النصِّ القرآني.
أمَّا حين تكون غاية المفسِّر أبعد من ذلك، حين يكون هدفه اكتشاف النظرية الإسلامية ـ القرآنية ـ إزاء مفهومٍ أو مشكلة، فسوف لا يسعفه ذلك المنهج التجزيئي الذي ينتهي عند فهم الآية الواحدة.
هنا تبرز من جديد الحاجة إلى المنهج.
«فلم يكن بإمكان تفسيرٍ يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الرسول والأئمة والصحابة والتابعين ـ تلك الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل السائلين ـ أن يتقدَّم خطوة أُخرى، وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية»([384]).
ليس التفسير بالمأثور وحده، بل التفسير وفق المنهج التجزيئي بمدارسه المختلفة كلها «ساهم في إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو والتكامل، وساعد على اكتسابه حالةً تشبه الحالات التكرارية الجامدة خلال قرون متطاولة، كما كان الحال في الفترة ما بعد تفاسير أمثال الطبري والشيخ الطوسي والرازي، على الرغم من ألوان التغيُّر التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين»([385]).
فالمنهج الجديد إذن، سوف يتجاوز تلك الحدود، ويتخلَّى عن تلك الصيغة التكرارية … لكن الأدوات التي كانت أساسية هناك سوف تبقى أساسية هنا؛ فاللغة، والصحيح من المأثور، وظواهر القرآن، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أدوات ثابتة في فهم النص.
إن المنهج الجديد الذي يؤسِّس له الإمام الشهيد هو جزء من منهج جديدٍ في دراسة الشريعة ككلّ، منهج وضع إطاره النظري، ومارس بعض تطبيقاته، ليكون الباب مفتوحاً أمام الدارسين من أهل الخبرة لمزيدٍ من التفصيل في النظرية، ومزيد من التقدُّم في التطبيق.
إنَّه يدعو إلى تكوين فهمٍ عامٍّ للشريعة ككلّ، وتخطِّي عملية فهم الأحكام مفردة ومتفرِّقة «فالتشريع الإسلامي يقوم على أساسٍ موحَّد، ورصيد مشترك من المفاهيم، وينبع من نظريَّات الإسلام وعمومياته في شؤون الحياة»([386]).
وبناءً على هذا فهو يعتبر الأحكام «بناءً علوياً يجب تجاوزه إلى ما هو أعمق وأشمل، وتخطِّيه إلى الأُسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي وينسجم معها، ويعبِّر عن عمومياتها في كلِّ تفصيلاته وتفريعاته، دون تناقض أو نشاز».
ثمَّ يؤكِّد عمق إيمانه بأصالة هذا الفهم، حين يراه المبرِّر الوحيد الذي يدعوه إلى اكتشاف النظرية الإسلامية إزاء أيّ واحدٍ من جوانب الحياة ومشكلاتها «فلولا الإيمان بأنَّ أحكام الشريعة تقوم على أُسسٍ موحِّدة، لما كان هناك مبرِّر لممارسة عملية اكتشافٍ للمذهب من وراء الأحكام التفصيلية في الشريعة»([387]).
فهو المنهج الذي ينتقل من «فقه الأحكام» «فقه النص» إلى «فقه النظرية».
فلا بد أن ينتقل التفسير إذن من تفسير المفردة والنص، إلى اكتشاف النظرية القرآنية. لتنتقل عملية التفسير إلى «عملية حوارٍ مع القرآن الكريم واستنطاقٍ له، وليس مجرَّد استجابةٍ سلبيةٍ ـ تقف عن حدود الاستماع إلى النصِّ المفرد ـ بل استجابةٍ فعَّالةٍ وتوظيفٍ هادفٍ للنصِّ القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى»([388]).
ذلك هو المنهج الذي وسمه بـ «المنهج الموضوعي» أو «التوحيدي» في تفسير القرآن الكريم.
عرض المنهج
التعرُّف على هذا المنهج يكون على أتمِّه من خلال الوقوف على أعمدته الثلاثة التي استوى عليها، والتي تشكِّل مجتمعةً صياغته التامَّة، وهي صياغته النظرية، وأدواته، وضوابطه.
1 ـ الصياغة النظرية للمنهج:
رأينا ترتيب الصياغة النظرية لمنهج التفسير الموضوعي التوحيدي، في نقاط، وذلك أجمع لاطرافها، وأحفظ لصورتها، وأيسر في تحصيلها والإلمام بها، وكثيراً ما تكون هذه النقاط متداخلة ومتكاملة، لأنها تؤلِّف وحدةً واحدة، وليست وحدات متعدِّدة، ويظهر بعضها الآخر وكأنه من مزايا هذا المنهج التي تفرده عن غيره، لكنَّها عائدة في النهاية إلى صياغته النظرية، متمِّمةً لها … ومن هذا وذاك أمكننا إجمال الصياغة النظرية لهذا المنهج كما يلي:
أ ـ إنَّه تفسير يقوم على أساس الموضوعات في حقول العقيدة والاجتماع وغيرهما، بدلاً من أن يتناول آيات القرآن الكريم آيةً فآية([389]).
ب ـ يستهدف التفسير الموضوعي التوحيدي تحديد موقفٍ نظريٍّ للقرآن الكريم، وبالتالي الرسالة الإسلامية، من ذلك الموضوع من موضوعات البحث في الحياة أو الكون أو الإنسان([390]).
ج ـ فيما يكتفي التفسير التجزيئي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، يتطلَّع التفسير التوحيدي الموضوعي إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث يحاول أن يتوصَّل إلى مركَّبٍ نظريٍّ قرآني، يحتلُّ في إطاره كلُّ واحدٍ من تلك المدلولات التفصيلية موقعه المناسب، وهذا ما نسمِّيه بلغة اليوم بالنظرية …. يصل إلى نظرية قرآنيةٍ عن التوحيد، نظريةٍ قرآنيةٍ عن النبوَّة، نظريةٍ قرآنيةٍ عن المذهب الاقتصادي، نظريةٍ قرآنيةٍ عن سُنن التاريخ …. وهكذا([391]).
د ـ في التفسير الموضوعي لا يبدأ المفسِّر عمله من النصِّ، بل يبدأ من واقع الحياة، باختيار واحدٍ من موضوعات العقيدة أو الاجتماع أو الكون، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدَّمته من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلةٍ ومن نقاط فراغ … ثُمَّ يعود إلى القرآن الكريم ليطرح بين يدي النصِّ موضوعاً جاهزاً مشرَّباً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع القرآن حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من خلال ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النصِّ([392]).
هـ ـ في كلام ابن القرآن ـ عليٍّ عليه السلام ـ «ذلك القرآن، فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه، ألاَّ إنَّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم» جاء التعبير بـ (الاستنطاق) أروع تعبيرٍ عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم، وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه، بقصد الحصول على الإجابة القرآنية([393]).
و ـ هذا المنهج الموضوعي التوحيدي اكتسب تسميته بالموضوعي بلحاظين، وبالتوحيدي بلحاظين أيضاً.
فهو موضوعي: أوَّلاً؛ لأنه يبدأ من الموضوع الخارجي والواقع، ويعود إلى القرآن الكريم.
وثانياً: لأنه سوف يختار مجموعةً من الآيات القرآنية التي تشترك في موضع واحد، للوصول إلى النظرية القرآنية إزاء هذا الموضوع.
وهو توحيدي: أوَّلاً؛ باعتبار أنَّه يوحِّد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم.
وثانياً: باعتبار أنه يوحِّد بين مدلولات الآيات التي تشترك في الموضوع في مركَّبٍ نظريٍّ واحد، ليخلص بالتالي إلى تحديد إطار نظريةٍ واضحةٍ ترسمها تلك المجموعة القرآنية ككلّ، بالنسبة إلى ذلك الموضوع([394]).
ز ـ إنَّ الفصل بين هذا الاتجاه الموضوعي والتوحيدي وبين الاتجاه التجزيئي، ليس حدِّياً على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير، لأن الاتجاه الموضوعي بحاجةٍ طبعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها ضمن إطار الموضوع الذي يتبنَّاه … كما أن الباحث وفق الاتجاه التجزيئي قد يعثر أثناء عملية بحثه على حقيقةٍ قرآنيةٍ من حقائق الحياة الأُخرى … فالاتجاه الموضوعي إذن ليس بديلاً عن التجزيئي، لكن يظلَّ الاتجاهان مختلفين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية([395]).
2 ـ أدوات المنهج
يشترك المنهجان ـ الموضوعي والتجزيئي ـ بكلِّ الأدوات الأساسية لفهم النصِّ القرآني، ذلك لأنها أدوات أساسية لا غنى عنها في فهم النص، أي نصٍّ، سواء كان قرآناً أو غيره، فعملية فهم النصّ وتفسيره لا يمكن أن تكون بمعزلٍ عن: اللغة، والظهور، وموقع النصِّ بين سائر النصوص المماثلة ـ وفي التفسير يقع هذا في باب المحكم والمتشابه وباب الناسخ والمنسوخ ـ وظروف النصِّ ودواعيه إن كان ثمَّة دواع ـ وهي في التفسير تقع في باب أسباب النزول.
لكنَّ الإمام الشهيد أضاف إلى المنهج الموضوعي نوعين جديدين من الأدوات، كانا من المميِّزات الهامَّة لهذا المنهج، وهما:
أ ـ التجرية البشرية:
فأوَّل ما ينبغي على المفسِّر بعد أن استوعب الأدوات الأساسية المتقدِّمة، هو أن «يستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول الموضوع محلَّ البحث من مشاكل، وما قدَّمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلةٍ ومن نقاط فراغ، ليطرح بعد ذلك بين يدي النصَّ موضوعاً جاهزاً مشرَّباً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشرية»([396]).
« ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيَّار التجربة البشرية »(3) .
ومن هذه الأداة الجديدة تظهر المزِّية الحيوية لهذا المنهج، فهو المنهج «القادر على التجدُّد والإبداع باستمرار، باعتبار أن التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدِّمه من مواد تُطرح بين يدي القرآن الكريم لكي يستطيع هذا المفسِّر أن يستنطق أجوبته عليها»(4).
وحين يؤكد السيد الشهيد على أثر هذه الأداة الحاسمة في هذا المنهج بقوله: «وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريَّات الأساسية للإسلام، والقرآن، تجاه موضوعات الحياة المختلفة»(5) ففي نفس الوقت الذي يعبِّر فيه عن حقيقةٍ يدركها كلُّ من أدرك شيئاً عن النظرية، أيِّ نظريةٍ كانت، فهو يلقي بعبء ثقيل على كاهل أهل التفسير والدراسات القرآنية الذين لم يتوفَّروا على الحظِّ الأوفر من المعرفة بالتجربة البشرية والنظريات المستجدة التي تؤلف هذه الأداة اللازمة لهذا النوع من التفسير.
والإحاطة بهذه التجربة الواسعة المتجدِّدة باستمرار وبالقدر اللازم لاكتشاف النظرية القرآنية المقابلة بأتمِّ صورها، ليس من الأُمور الهيِّنة التي تنال ببعض المطالعات المحدودة، بل ولا بالمطالعات الواسعة والشاملة فقط، لأنَّها تتَّصل أيضاً بشكلٍ مباشرٍ بالمنهجية في التفكير والمنهجية في البحث التي سوف تترك آثارها حتى على مدى استيعاب هذه المواضيع وحسن التعبير عنها.
من هنا نجد أنَّ ما قد يصدر من دراسات في ضوء التفسير الموضوعي، يعوزها الكثير لكي تستحقَّ أن توصف بأنها تفسير موضوعي، فالغالب عليها أنها تجميع للآيات المشتركة في موضوعٍ واحدٍ وتفسيرها بترتيبٍ أو بآخر لا يعطي في النتيجة صورةً عن النظرية القرآنية في الموضوع، ناهيك عن كونه يفتقر بشكلٍ تامٍّ أو شبه تامٍّ إلى هذه الأداة الحيوية ـ التجربة البشرية ـ التي بدونها لا يحقق الدارس شيئاً على مستوى النظرية.
ب ـ المفاهيم:
هنا يؤسِّس الإمام الشهيد الصدر نظريةً قائمةً في فهم الشريعة ككلّ، وليس فقط يضع أداةً جديدةً من أدوات المنهج الموضوعي.
وهذه النظرية (نظرية المفاهيم) يضع خلاصتها في كتابه النفيس «اقتصادنا» كأساسٍ لصياغة المذهب الإسلامي والنظرية الإسلامية تجاه جوانب الحياة والإنسان والكون المتعدِّدة … والتي يُعدُّ المذهب الاقتصادي أحدها.
ونظرية المفاهيم كما يصوغها السيد الصدر تقف جنباً إلى جنبٍ مع نظرية مقاصد الشريعة، لتكمل إحداهما الأُخرى في الوصول إلى الفهم الحيوي الأتمِّ للأحكام الإسلامية، ولنصوص الشريعة التي يُعدُّ النصُّ القرآني في طليعتها … وإذا كانت نظرية المقاصد قد اتَّخذت هيكلها المفصَّل على يد الشاطبي في القرن الثامن الهجري([397])، فإن نظرية المفاهيم هذه التي يضع الإمام الشهيد هنا خلاصتها ما تزال بحاجةٍ إلى الدرس المعمَّق لتعميم تطبيقاتها على كلِّ المساحات التي تغطِّيها.
فإلى هذه النظرية كما عرَّفها الإمام الشهيد:
قال: يمكننا أن نضع إلى صفِّ الأحكام في عملية اكتشاف النظرية: (المفاهيم) التي تشكِّل جزءاً مهمًّا من الثقافة الإسلامية.
والذي عناه بالمفهوم: هو كلُّ تصوُّرٍ إسلاميٍّ يفسِّر واقعاً كونياً أو اجتماعياً أو تشريعياً…
فالعقيدة بصلة الكون بالله تعالى وارتباطه به تعبير عن مفهومٍ معيَّن للإسلام عن الكون.
والعقيدة بأنَّ المجتمع البشري مرَّ بمرحلة فطرةٍ وغريزةٍ قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمُّل، تعبير عن مفهومٍ إسلامي عن المجتمع.
والعقيدة بأن الملكية ليست حقًّا ذاتياً وإنما هي عملية استخلاف، تعكس التصور الإسلامي الخاص لتشريعٍ معين، وهو الملكية للمال، فالمال في المفهوم الإسلامي كلُّه مال الله، والله يستخلف الأفراد أحياناً للقيام بشأن المال، ويعبِّر عن هذا الاستخلاف تشريعياً بالملكية.
فالمفاهيم إذا: وجهات نظر، وتصورات إسلامية في تفسير الكون وظواهره، أو المجتمع وعلاقاته، او أيِّ حكمٍ من الأحكام المشرَّعة.
ومن الواضح إن المفاهيم لا تشتمل على أحكام بصورةٍ مباشرة … ولكنها تنفعنا في محاولتنا للتعرّف على المذهب الإسلامي والنظرية الإسلامية موضوع البحث([398]).
بعد هذا التعريف، ينتقل إلى أمثلةٍ من التطبيقات الهامَّة لهذه النظرية، فإزاء اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام يقدِّم لنا أُنموذجاً تطبيقياً رائعاً يعكس أثر نظرية المفاهيم في هذه العملية، فيقول، وهو في معرض تفصيل هذه النظرية:
ولكي نوضِّح بشكلٍ عامٍّ الدور الذي يمكن أن تؤدِّيه المفاهيم في سبيل تحديد معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، نأخذ مفهومين دخلا في عملية اكتشاف المذهب:
أحدهما: مفهوم الإسلام عن الملكية، القائل: بأنَّ الله تعالى استخلف الجماعة على المال والثروة في الطبيعة … فجعل من تشريع الملكية الخاصَّة أُسلوباً يحقِّق ضمنه الفرد متطلبات الخلافة، من استثمار المال وحمايته وإنفاقه في مصلحة الإنسان … فالملكية إذن عملية يمارسها الفرد لحساب الجماعة ولحسابه ضمن الجماعة … بما ينسجم مع مفهوم الإسلام الأصيل عن الملكية.
والثاني: هو رؤية الإسلام للتداول، بوصفه ظاهرةً مهمَّةً من ظواهر الحياة الاقتصادية، فالإسلام يرى أن التداول بطبيعته الأصيلة يشكِّل شعبةً من الإنتاج …
وعليه: فالتاجر حين يبيع منتجات غيره، يساهم بذلك في الإنتاج، لأن الإنتاج دائماً هو إنتاج منفعة، وليس إنتاج مادَّة، لأن المادة لا تخلق من جديد … والتاجر بجلبه للسلعة لتكون في متناول أيدي المستهلكين يحقق منفعةً جديدة، بل لا منفعة للسلعة بالنسبة إلى المستهلكين إلاَّ بذلك …
وكلُّ اتِّجاه في التداول يبعده عن واقعه الأصيل هذا، ويجعله عمليةً طفيليةً مقصورةً على الإثراء فحسب، ومؤدِّيةً إلى تطويل المسافة بين السلعة والمستهلك، فهو اتِّجاه شاذٌّ يختلف عن الوظيفة الطبيعية للتداول([399]).
وإلى هنا نلمح فائدتين:
الأُولى: استفادته الرائعة من المفاهيم في صياغة الأحكام، وفي بناء النظرية.
والثانية: ما نلمحه من تعانقٍ بين نظرية المفاهيم ونظرية المقاصد، فالسيد الشهيد في تفصيله للأُنموذج الثاني يدخل في صلب الفقه المقاصدي، ليجعل من المفهوم أساساً في تحديد مقاصد الشريعة من الأحكام، وكلُّ تطبيقٍ لهذه الأحكام بشكلٍ يُخرجها عن المقاصد التي حدَّدها المفهوم، فهو تطبيق شاذٌّ ومرفوض في الشريعة الإسلامية.
وأُنموذج آخر، جاء في ممارسته المباشرة لبعض تطبيقاته في التفسير الموضوعي … فهو أكثر صلةً بدراستنا هذه وإن كان الأوَّل لا يبتعد عن صميم هذه الدراسة.
فبعد انتهائه من دراسته لعناصر المجتمع في القرآن الكريم، وخروجه بالنظرية القرآنية الكاملة لعناصر المجتمع، يعقد فقرةً في الختام بعنوان «علاقة النظرية القرآنية بالتشريع الاسلامي» فيقول:
«هذه النظرية القرآنية في تحليل عناصر المجتمع، وفهم المجتمع فهماً موضوعياً، تشكِّل أساساً للاتِّجاه العام في التشريع الإسلامي، فإن التشريع الإسلامي في اتجاهاته العامة وخطوطه العريضة يتأثر ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية إلى المجتمع وعناصره، وأدوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بينها.
فالنظرية قالت: إن هناك استقلالاً نسبياً بين خطين، خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة … هذا المفهوم سوف يشكل القاعدة لعنصر «الثابت» في الشريعة الإسلامية، لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الأحكام العامَّة المنصوصة ذات الطابع الدائم المستمر([400]).
رأينا إذن في عبارته الأخيرة كيف سيدخل (المفهوم) في تفسير النصِّ.
وفي موضعٍ آخر يبرز دور (المفهوم) في فهم النصِّ، حين يمثل باضطراب فقيهٍ مجتهدٍ رأى أن النصوص تربط ملكية الثروات الطبيعية الخام بالعمل، وتنفي تملُّكها بأيِّ طريقةٍ أُخرى سوى العمل، ووجد لهذه النصوص استثناءً واحداً في نصٍّ يقرِّر في بعض المجالات التملُّك بطريقةٍ أُخرى غير العمل، فسوف تبدو نتائج النصوص لهذا المجتهد قلقةً وغير متَّسقة.
وهذه النتيجة ترجع إلى أحد أمرين، فإما أن يكون النصُّ الذي بدا شاذًّا غير صحيح. وإما أن يكون المجتهد لم يهتدِ إلى سرِّ الوحدة بين تلك العناصر وتفسيرها النظريِّ المشترك([401]). وهذا السرُّ هو الذي سوف يشكِّل مفهوماً أصيلاً يكون أساساً في تفسير ذلك النصِّ الذي بدا شاذًّا حين عولج مفرداً بعيداً عن هذا المفهوم.
ربما ظهر منَّا إسهاب في عرض نظرية المفاهيم عند السيد الشهيد (رضي الله عنه) وكونها أداةً في التفسير الموضوعي، وقد اضطررنا إلى هذا لأننا لم نجد هذه النظرية الرائعة والجديدة قد أُعطيت حقًّا ولو يسيراً في الدراسات حول مدرسة الإمام الصدر الفكرية، راجين أن تتهيّأ لهذا الموضوع فرصة أُخرى.
3 ـ ضوابط المنهج
بدلاً من أن نعني بها الشروط اللازم توفُّرها في المفسِّر لسلامة المنهج والتفسير، كما هو المألوف في الدراسات التقليدية، فإن الضوابط هنا جاءت، وكما عرضها المنظِّر نفسه ـ السيد الشهيد ـ بشكلٍ معكوس، لتحصي العوامل التي قد تكون سبباً حاسماً في حرف هذا المنهج عن اتِّجاهه الصحيح، والخروج بنتائج مغلوطة لا تعبِّر عن التصوُّر الإسلامي، ولا تعطي النظرية القرآنية المنشودة من وراء التفسير الموضوعي.
والإمام الشهيد حين يجمل هذه العوامل تحت عنوان مخاطر (الذاتية) يعود ليفصِّلها بنقاطٍ أربع، هي:
أ ـ تبرير الواقع:
حيث يندفع الممارس بقصدٍ أو بغير قصدٍ إلى تأويل النصوص وفهمها فهماً خاصًّا يبرِّر الواقع الفاسد الذي يعيشه، ويعتبره ضرورةً لا مناص عنها … نظير ما قام به البعض في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾([402])، ليقول: إن الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة، وإنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً!
يقول السيد: والحدود المعقولة للفائدة كما يراها هذا المفسِّر إنّما هي الحدود التي ألفها واقعه ومجتمعه، ولو أراد هذا المتأوِّل أن يعيش القرآن خالصاً وبعيداً عن إيحاءات الواقع المعاش وإغرائه، لقرأ قوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾([403]).
ويفهم أن المسألة ليست مسألة حربٍ مع نوعٍ خاصٍّ من الربا الجاهلي، وإنما هي مسألة مذهب اقتصاديٍّ له نظرته الخاصَّة إلى رأس المال التي تحدِّد له مبرِّرات نموه، وتشجب كلَّ زيادةٍ له منفصلةٍ عن تلك المبررات مهما كانت ضئيلة.
ب ـ دمج النصِّ ضمن إطارٍ خاص:
ويعني بها: دراسة النصِّ في إطار فكريٍّ غير إسلامي، فـ «الذهنية الإسلامية» و«الذهنية القرآنية» شرطان أكيدان في فهم القرآن وتفسيره([404]).
فالأُطر الفكرية التي تلعب دورها في عملية فهم النصِّ، نذكر منها أرقاماً فقط، أما ذكرها جميعاً بتفصيلاتها فيطول.
فمنها: الإطار العقائدي، والنظم التي تصوغها علاقات اجتماعية متجذِّرة، والفهم التاريخي المنفصل عن القواعد، والإطار اللغوي حيث يظهر في الاندماج مع إطارٍ لغويٍّ حادث لم يعش مع النص منذ ولادته، ومنها عملية الاشتراط الاجتماعي لمفهوم معيَّن، وفي كلِّ واحدةٍ من هذه الأُطر يقدِّم أمثلةً حيَّة في تضليل الممارس عن الفهم الصحيح للنص.
ج ـ تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه:
وإن كان الإمام الشهيد قد ركّز هنا على نوعٍ خاصٍّ من الأدلَّة الشرعية، وهو (التقرير) ـ أي سكوت الشارع عن عملٍ معيَّنٍ يقع في عصر التشريع ـ دون أن يذكر شيئاً عن تجريد النصِّ من ظروفه وشروطه، إلا أن هذه العملية ـ عملية التجريد ـ كما تجري مع التقرير تجري مع النصِّ أيضاً، وربما تكون على أوضح صورها مع تشريعات الضرورة، فحين يتمُّ تجريد أحكام الضرورات عن ظروفها وشروطها، تبدو كأنها أحكام عامة، فيجري تعميمها على الحالات الاعتيادية، خطأً.
ويمكن اعتماد نفس المثال الثاني الذي اعتمده الإمام الشهيد في بيان تجريد التقرير من ظروفه: «فإذا قيل لك مثلاً: إن شرب الفقاع في الإسلام جائز، بدليل أن فلاناً حين مرض على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب الفقاع ولم ينهه النبيُّ» فإن هذا المثال نفسه يتمُّ لو وجدنا نصًّا من النبي يجوِّز لهذا المريض شرب الفقاع.
فتجريد هذا النص من ظروفه ـ وهي المرض الذي توقَّف علاجه على هذا ـ سيجرُّ إلى تعميمٍ خاطئٍ لهذا النص، والأمر واضح مع كافَّة أحكام الضرورة.
د ـ اتخاذ موقفٍ مسبقٍ تجاه النص:
وليس الموقف المسبق هو الموقف المذهبي، الذي يندفع باتِّجاه تسخير النصوص لتبرير المذهب، فقط، بل قد يكون للاتجاه النفسي للباحث أثره الكبير على عملية فهم النص، فالباحث الذي يتَّجه نفسياً إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما يتَّصل بالدولة من أحكامٍ ومفاهيم، سوف يخرج بنتائج تختلف كثيراً عن نتائج يقدِّمها باحث يغلب عليه الاتِّجاه النفسي إلى ما يتَّصل بسلوك الأفراد، رغم أنهما يرجعان معاً إلى نفس النصوص.
إذن أمام كلا الباحثين سوف تنطمس معالم الجوانب الإسلامية التي لم يتَّجه إليها كلٍّ منهما نفسياً … بل قد يجرُّ هذا الموقف النفسي أيضاً إلى تضليلٍ في فهم النص التشريعي، وذلك حينما يريد الباحث أن يفرض موقفه الذاتي على النص([405]).
وهكذا يظهر أن كل فهم للنصِّ لا ينبع من النصِّ نفسه وظروفه وشروطه، فسوف يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى الأحكام وعلى مستوى المفاهيم وعلى مستوى النظريات أيضاً، فيتمثل أحياناً في (تضليلٍ في فهم النصوص) وأحياناً في (إخفاء بعض معالم الشريعة).
شرعيَّة المنهج
بعد الانتهاء من عرض المنهج؛ بصياغته النظرية، وأدواته، وضوابطه، نقف على قضيةٍ تتَّصل بشرعية المنهج الموضوعي في التفسير الهادف إلى صياغة النظريات الإسلامية تجاه قضايا الكون والحياة والإنسان. يتطرق لها السيد الشهيد في نهاية عرضه لمنهجه الموضوعي، وقبل شروعه في تطبيقاته، والتي تبدو من صياغتها بأنها إشكالية (سلفية) اعتدنا أن نجدها أمام كل دعوة إلى التجديد أو الإصلاح في الفكر الديني، يثيرها أولئك الذين لا يعقلون من الدين والحياة إلا التمسك الحرفي بما اشتهر عند السلف، هذا مع كثرة ما يظهر في سلوكهم بل حتى معتقداتهم من تناقضاتٍ وبدعٍ لا يعرفها السلف الصالح، يبرِّرونها بأتفه التبريرات، وربما ينسبونها كذباً وبهتاناً إلى السلف … والحقُّ أن ما وسمهم به المصلح الديني الشهيد الشيخ مطهَّري، من (جمودٍ وتحجُّر عقيدي) لهو أليق بهم كثيراً لقب (السلفية) الذي ينتحلونه!
واعتراضهم الذي يثيرونه هنا، هو: ما الضرورة إلى البحث في النظريَّات القرآنية، في حين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطِ هذه القضايا على شكل نظرياتٍ محددةٍ وبصيغٍ عامَّة، وإنما اقتصر على إعطاء القرآن بهذا الترتيب وبهذا الشكل المتراكم؟
ويجب على هذه الإثارة إجابةً في تبسيطٍ وتمثيلٍ يقرِّب الفكرة إلى الأذهان، أما خلاصة جوابه، فهي: إن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي هذه النظريات، ولكن من خلال التطبيق، ومن خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبينه في الحياة الإسلامية. وكان كلُّ فردٍ مسلمٍ في إطار هذا المناخ يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجمالياً ارتكازياً، لأن المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري الذي رسمه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة والقدرة السليمة على تقييم المواقع والمواقف والأحداث.
أما حيث لا يوجد ذلك المناخ، وذلك الإطار، فتكون الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن والإسلام حاجةً حقيقيةً ملحَّة، خصوصاً مع بروز النظريات الحديثة، حيث وجد المسلم نفسه أمام نظريَّاتٍ كثيرةٍ في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بدَّ لكي يحدّد موقف الإسلام من هذه النظريات؛ أن يستنطق نصوص الإسلام ـ كما تقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديثٍ سابقٍ ـ ويتوغّل في أعماق هذه النصوص، لكي يصل إلى مواقف الإسلام الحقيقية سلباً وإيجاباً، ولكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة([406]).
إلى هنا نرجو أن نكون قد أعطينا الصورة الواضحة لهذا المنهج الجديد في تفسير القرآن، المنهج الذي «يلتحم فيه القرآن مع الواقع والحياة»([407])، خصوصاً في ما قمنا به من جمعٍ بين ما كتبه الإمام الشهيد بخصوص اكتشاف النظرية القرآنية (التفسير الموضوعي) وبين ما كتبه في إطار اكتشاف النظرية الإسلامية عامَّة في سياق بحثه في المذهب الاقتصادي، وفي ما ظهر في هذه الدراسة من نظرياتٍ بالغة الأهمية في (المفاهيم) وفي (إشكاليات النص) تلك النظريات التي أخال أنها ستبقى كنزاً مدفوناً حتى يهيئ الله تعالى لها من يبسطها ويكشف عن أسرارها وأبعادها ومجالات تطبيقاتها، في مجموعةٍ من الدراسات الأكاديمية المتخصِّصة، حتى تعود مادةً مقروأةً في الوسط القارئ عامَّة، والعلمي خاصة.
نماذج تطبيقية
تطبيقات الصدر في النظرية القرآنية متعددة وواسعة، توزعت على نواحٍ متعدّدة من ميادين الفكر والحياة، من النظرية السياسية في الشورى وولاية الفقيه، إلى دور الإنسان في الأرض، نظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، إلى مراحل نموِّ المجتمع البشري، إلى السُنن التاريخية، إلى نظرياتٍ اقتصاديةٍ متعددة.
على الصعيد السياسي: نظرية الشورى ودور الحاكم وليّ الأمر.
وعلى الصعيد الاجتماعي: مراحل نمو المجتمع البشري، ونظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، والسُنن التاريخية.
على الصعيد الاقتصادي: نظريات في جوانب اقتصادية متعددة كالملكية، والإنتاج، والتوزيع، إلى غير ذلك.
وكنماذج من هذه التطبيقات الواسعة ننتخب ثلاثة مقاطع فقط، في جوانب مختلفة، نتجنب السياسي منها لأنه أخذ حظًّا وافراً في محله، ونعطي الاجتماعي حظًّا أوفر من الاقتصادي، لأن الأخير قد أُبرز أيضاً بقدرٍ مناسبٍ في محلّه ـ مبتدئين بالنموذج الاقتصادي:
1 ـ على الصعيد الاقتصادي : في الملكية الخاصة:
أُنموذج تجتمع فيه خصائص المنهج، من: مزاوجة بين المعقول، والمنقول، والتركيز على أثر القرآن في الحياة وموقعه الطبيعي في قيادتها وبنائها، ليفتح أمام النص الأبواب الطبيعية إلى صياغة نظم المجتمع وبنائه الحضاري، مع وضوحٍ في اعتماد المفاهيم في فهم النص، وأُسلوب تفسير القرآن بالقرآن، وعلى وضوء المنهج الموضوعي التوحيدي الذي ينطلق فيه من الواقع ليعود إلى القرآن يستثيره ويستنطقه ليرجع ثانيةً إلى الواقع بنظريةٍ قرآنيةٍ إزاء الموضوع … والأُنموذج الذي اخترناه هو قطعة فقط من دراسته في صياغة النظرية الإسلامية في الملكية:
يقول الإمام الشهيد: التفسير الخلقي للملكية سوف يبرر تلك التصورات عن الملكية التي يتلقاها كل مسلم عادةً من الإسلام، ويتكيف بها نفسياً وروحياً، ويحدد مشاعره ونشاطه وفقاً لها.
وأساس هذه التصورات هو مفهوم (الخلافة) فالمال مال الله، وهو المالك الحقيقي، والناس خلفاؤه في الأرض وأمناؤه عليها وعلى ما فيها من أموال وثروات، قال الله تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا﴾([408]).
والله تعالى هو الذي منح الإنسان هذه الخلافة، ولو شاء لانتزعها منه: ﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾([409]).
وطبيعة الخلافة تفرض على الإنسان أن يتلقى تعليماته بشأن الثروة المستخلف عليها ممن منحه تلك الخلافة، قال تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾([410]) كما أن من نتائج هذه الخلافة أن يكون الإنسان مسؤولاً بين يدي من استخلفه، خاضعاً لرقابته في كل تصرفاته وأعماله، قال الله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾([411]).
والخلافة في الأصل هي للجماعة كلها، لأن هذه الخلافة عبرت عن نفسها عملياً في إعداد الله لثروات الكون ووضعها في خلافة الإنسان، والإنسان هنا هو العامُّ الذي يشمل الأفراد جميعاً، ولذا قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾([412]).
وأشكال الملكية، بما فيها الملكية والحقوق الخاصة، إنما هي أساليب تتيح للجماعة باتباعها أداء رسالتها في إعمار الكون واستثماره، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾ فالملكية والحقوق الخاصة التي مُنحت لبعضٍ دون بعضٍ فاختلفت بذلك درجاتهم في الخلافة، هي ضرب من الامتحان لمواهب الجماعة ومدى قدرتها على حمل الأعباء وقوّة دافعة لها على إنجاز مهامِّ الخلافة، والسباق في هذا المضمار.
وهكذا تصبح الملكية الخاصة في هذا الضوء أُسلوباً من أساليب قيام الجماعة بمهمَّتها في الخلافة وتتخذ طابع الوظيفة الاجتماعية كمظهرٍ من مظاهر الخلافة العامة، لا طابع الحق المطلق والسيطرة الأصلية. وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «إنما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجَّهوها حيث وجَّهها الله، ولم يعطكموها لتكنزوها».
ولما كانت الخلافة في الأصل للجماعة، وكانت الملكية الخاصة أُسلوباً لإنجاز الجماعة أهداف هذه الخلافة ورسالتها، فلا تنقطع صلة الجماعة، ولا تزول مسؤوليَّتها عن المال لمجرَّد تملُّك الفرد له، بل يجب على الجماعة أن تحمي المال من سفه المالك إذا لم يكن رشيداً، لأن السفيه لا يستطيع أن يقوم بدورٍ صالحٍ في الخلافة، ولذا قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا﴾([413]).
ووجّه الخطاب إلى الجماعة لأن الخلافة في الأصل لها، ونهاها عن تسليم أموال السفهاء إليهم، وأمرها بحماية هذه الأموال، والإنفاق منها على أصحابها، وبالرغم من أنه يتحدث إلى الجماعة عن أموال السفهاء فقد أضاف الأموال إلى الجماعة نفسها، فقال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ وفي هذا إشعار بأن الخلافة في الأصل للجماعة، وأن الأموال أموالها بالخلافة وإن كانت أموالاً للأفراد بالملكية الخاصة …
وقد عقّبت الآية على هذا الإشعار بالإشارة إلى أهداف الخلافة ورسالتها، فوصفت الأموال قائلةً: ﴿أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ فالأموال قد جعلها الله للجماعة، يعني أنه استخلف الجماعة عليها، لا ليُبذّروها أو يُجمّدوها، وإنما ليقوموا بحقّها ويستثمروها ويحافظوا عليها، فإذا لم يتحقَّق ذلك من طريق الفرد، فلتقم الجماعة بمسؤوليَّتها([414]).
2 ـ على الصعيد الاجتماعي: الإنسان، الموقع والأدوار([415]):
الإنسان خليفة الله على الأرض ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ([416]).
وهذا الاستخلاف استخلاف للجنس البشري، وليس لشخص آدم، نستنبطه من هذا النصّ أولاً، بدليل تخوُّف الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾([417])، فالذي تتوقع منه الملائكة هذا ليس هو آدم، وإنما هي الآدمية، الجنس البشري … وثانياً: من النصوص المشتركة في الموضوع أيضاً: ﴿إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾([418]). ﴿وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾([419]).
ـ وأول ما يترتب على هذا الاستخلاف؛ تحمّل الإنسان لأعباء الخلافة، بوصفها أمانةٍ عظيمةٍ ينوء الكون كله بحملها: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾([420]).
ـ وعلى أساس الخلافة سيتفرَّع الحكم: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾([421]).
ـ ولكن لمَّا كانت الجماعة البشرية هي التي مُنِحت هذه الخلافة، فهي إذن المكلفة برعاية الكون، وتدبير أمر الإنسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية.
ـ وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة وهو أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون، وإعماره اجتماعياً وطبيعياً.
ـ وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفةٍ عن الله.
وعملية الاستخلاف الربَّاني بهذا المفهوم الواسع تعني:
1 ـ انتماء الجماعة البشرية إلى محورٍ واحد، وهو المستخلِف، الله تعالى، والإيمان بسيِّدٍ واحدٍ ومالكٍ واحدٍ للكون، وهذا هو التوحيد الخالص الذي قام على أساسه الإسلام، وحملت لواءه كل ثورات الأنبياء.
2 ـ تحرير الإنسانية من عبودية الأسماء التي تمثَّل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت … ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾([422]).
3 ـ تجسيد روح الأُخوة العامَّة في كل العلاقات الاجتماعية بعد محو ألوان الاستغلال والتسلُّط. فالناس جميعاً متساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا إخوةً متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق، كأسنان المشط على ما عبَّر الرسول الأعظم، ولا تفاضل ولا تمييز في الحقوق الإنسانية.
4 ـ الاستخلاف استئمان، كما تقدم، والأمانة تفترض المسؤولية، فلا بد أن يدرك الإنسان أنه مسؤول لينهض بأعباء الأمانة: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾([423]).
والمسؤولية علاقة ذات حدَّين:
فهي من ناحيةٍ تعني الارتباط والتقيُّد، فالجماعة المخوَّلة من قبل الله تعالى مسؤولية أن تحكم بالحق، وتؤدي إلى الله تعالى أمانته بتطبيق أحكامه … بتطبيق الحق والعدل ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك.
وتعني المسؤولية من ناحية أخرى أن الإنسان كائن حرٌّ، إذ بدون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية … فالمستخلف هو الكائن الحرُّ المختار الذي بإمكانه أن يصلح في الأرض وبإمكانه أن يُفسد أيضاً، بإرادته واختياره يحدد ما يحققه من هذه الإمكانات … ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾([424]).
هذه هي الحقيقة التي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة وإمكانية انحرافها.
غير أن الصواب هو أن هذه الحرية لا تعني إهمال الله تعالى للإنسان، بل تعني تغيير شكل الرعاية الإلهية، فبدلاً من الرعاية من خلال قانونٍ طبيعيٍّ لا يتخلَّف؛ كما تُرعى حركات الكواكب مثلاً، يتولَّى الله سبحانه وتعالى تربية هذا الخليفة وتعليمه لكي يصنع الإنسان قدره ومصيره وينمِّي وجوده على ضوء هدىً وكتابٍ منير.
فالله تعالى قد وضع للإنسان قانون تكامله من خلال خطٍّ آخر يجب أن يسير إلى جانب، «خطِّ الخلافة»، وهو «خطُّ الشهادة» الذي يمثِّل القيادة الربانية والتوجيه الرباني على الأرض …
﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾([425]).
وهكذا تكون الخلافة الربانية للجماعة قادرة وفقاً لركائزها المتقدِّمة أن تقضي بطبيعتها على كلِّ العوائق المصطنعة والقيود التي تجمد الطاقات البشرية وتهدر إمكانات الإنسان، وبهذا تصبح فرص النمو متوفِّرةً توفُّراً حقيقياً.
والنموُّ الحقيقي في مفهوم الإسلام: أن يحقق الإنسان، الخليفة على الأرض، في ذاته تلك القيم التي يؤمن بتوحُّدها جميعاً في الله عز وجل، الذي استخلفه واسترعاه أمر الكون، فصفات الله تعالى وأخلاقه؛ من العدل، والعلم، والقدرة، والرحمة بالمستضعفين، والانتقام من الجبَّارين، هي مؤشرات للسلوك في مجتمع الخلافة، وأهداف للإنسان الخليفة، فقد جاء في الحديث: «تخلَّقوا بأخلاق الله» …
ولما كانت هذه القيم على المستوى الإلهي مطلقة ولا حدَّ لها، وكان الإنسان الخليفة كائناً محدداً، فمن الطبيعي أن تتجسد عملية تحقيق تلك القيم إنسانياً في حركةٍ مستمرةٍ نحو المطلق وسيرٍ حثيثٍ إلى الله، وكلما استطاع الإنسان من خلال حركته أن يتصاعد في تحقيق تلك المُثل ويجسِّد في حياته بصورةٍ أكبر وأكبر عدالة الله وعلمه وقدرته وجوده ورحمته ورفضه للظلم والجبروت، سجَّل بذلك انتصاراً في مقاييس الخلافة الربَّانية واقترب نحو الله في مسيرته الطويلة التي لا تنتهي إلا بانتهاء شوط الخلافة على الأرض.
﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾([426]).
فالخلافة إذن حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوة، وهي حركة لا توقُّف فيها، لأنها متجهة نحو المطلق وأيُّ هدفٍ آخر للحركة سوى المطلق، سوى الله سبحانه وتعالى، سوف يكون هدفاً محدوداً، وبالتالي سوف يجمِّد الحركة ويوقِّف عملية النمو في خلافة الإنسان.
وعلى الجماعة التي تتحمَّل مسؤولية الخلافة أن توفر لهذه الحركة الدائبة كل الشروط الموضوعية، وتحقق لها مناخها اللازم، وتصوغ العلاقات الاجتماعية على أساس الركائز المتقدمة للخلافة الربانية.
3 ـ على الصعيد الاجتماعي: سنن التاريخ
تناول في بحثه المفصَّل «سنن التاريخ» من جوانب عديدةٍ على أنها القضية الحاسمة في حركة التاريخ.
وفي البدء يبرز تأكيد القرآن على أهمية التجربة التاريخية وقيمتها، في مثل قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾([427]). ونظيراتها الكثيرة التي يتبلور من مجموعها المفهوم القرآني الذي يقرِّر «أن الساحة التاريخية مثل كلِّ الساحات الكونية الأُخرى لها سنن وضوابط». وهذا المفهوم القرآني يُعتبر فتحاً عظيماً، لأن القرآن الكريم أوَّل كتابٍ عرفه الإنسان ضمَّ بين دفَّتيه هذا المفهوم.
لقد ألغى الإسلام، بهذا المفهوم، النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث … وهذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهَّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرونٍ إلى محاولة فهم التاريخ فهماً علمياً([428]).
في خطوة أُخرى يعطي القرآن الكريم فكرة «سنن التاريخ» بصيغتها الكلِّية …
﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾. فهنا أُضيف الأجل إلى الأُمَّة، لا إلى الفرد، فالأُمّة إذن لها حياة وحركة وأجل وموت …
وأيضاً فهو أجل مضبوط محدَّد وفق نواميس معيَّنة ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾([429]). فهذه الآية تتحدَّث عن عقابٍ دنيوي، عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أُمَّة عن طريق الظلم والطغيان.
والذي يؤكّده في العرض الإسلامي أن مثل تلك النتيجة الطبيعية للظلم لا تختصُّ بالظالمين وحدهم، بل تمتدُّ إلى أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم … تشمل موسى حين وقع التيه على بني إسرائيل بتمرُّدهم وطغيانهم … وتشمل الحسين حين حلَّ البلاء بالمسلمين نتيجة انحرافهم.
وهذا هو منطق سُنَّة التاريخ: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾([430]).
ـ في الخطوة الثالثة تتقدم النظرية إلى استعراض نماذجٍ من سنن التاريخ، ومن هذه النماذج:
أ ـ ما نجده في قوله تعالى: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا﴾([431]).
فالآية تقول إن عملية معارضة الملأ للرسل إذا بلغت إلى مستوى إخراج النبيِّ من البلد، فلا يلبثون بعده إلا قليلاً. وتؤكد الآية أن هذه سُنَّة ثابتةً من سنن التاريخ.
غير أن المقصود من عدم لبثهم ليس محصوراً في فنائهم العاجل من الوجود، فهو قد يكون كذلك، كما حدث مع قوم نوح، ومع قوم إبراهيم، ومع قوم لوط، ومع قوم موسى … لكنه قد يتخذ نحواً آخر فيُراد به: عدم مكثهم كجماعةٍ صامدةٍ ذات موقعٍ اجتماعي، كما حدث لقريش، إذ تداعى كيانهم بغلبة الإسلام وانصهارهم في دولته([432]).
ب ـ في قوله تعالى: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإي المرسلين﴾([433]).
فهنا حديث عن تجارب تاريخيةٍ سابقة، وعن ربط تجربة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التاريخية بالتجارب السابقة، في سُنَّةٍ تاريخيةٍ جاريةٍ عليه كما جرت على من سبقه من النبيِّين، مفادها: أن الله تعالى ينصر رسله في معادلةٍ ثابتة، متى تحقق شرطها تحقق جزاؤها، وشرطها (الصبر، والثبات). وهذه المعادلة التي تحققت مع التجارب السابقة هي بعينها جاريةً مع هذه التجربة، بلا استثناء، ولا خروج على السُنَّة التاريخية([434]).
وترد هذه السنة أيضاً في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾([435]).
ج ـ في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([436]).
هذه الآية الكريمة تقرِّر ـ أولاً ـ قاعدةً، تقول: إن المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة في البناء الاجتماعي، وأن الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي.
ثم تقرر ـ ثانياً ـ سنةً ثابتةً تقول: إن هذا البناء العلوي لا يتغير إلا وفقاً لتغيير القاعدة([437]).
د ـ ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا* وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾([438]).
إذن هناك علاقة معينة بين ظلم يسود ويسيطر، وبين هلاكٍ محتوم، وأن هذه العلاقة مطَّرة على مرّ التاريخ.
وفي الاتِّجاه المقابل يحدِّثنا قوله تعالى: ﴿وألَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾([439]). عن العلاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله تعالى، وبين وفرة الخيرات وكثرة الإنتاج، ليؤكد أن تطبيق شريعة السمحاء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع يؤدِّي دائماً وباستمرار إلى زيادة الإنتاج وإلى كثرة الثروة. هذه إذن سُنَّة من سُنن التاريخ تقابلها تلك السنة التي ربطت بين الظلم وبين الهلاك([440]).
طبيعة السُنن التاريخية:
يكتشف الصدر أن هناك ثلاث خصائص للسُّنن التاريخية كما يعرّفها القرآن الكريم، هي:
أولاً: الاضطراد: أي أنّ السُنَّة التاريخية مضطردة، ذات طابعٍ موضوعي.
وفي هذه الخاصية تأكيد هامٌّ على الطابع العلمي للقانون التاريخي، لأنَّ الاطِّراد وعدم التخلُّف هو أهمُّ ما يميِّز القانون العلمي عن بقية المعادلات والفروض، وبهذا يلغي القرآن الكريم التصوُّرات الساذجة والعشوائية لسير التاريخ.
ثانياً: الربانية: أي أن السُنَّة الربانية مرتبطة بالله تعالى «سُنَّة الله».
وهذا يستهدف أمرين هامَّين:
أ ـ شدَّ الإنسان بالله تعالى حين يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون.
ب ـ إشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية والقوانين والسنن المتحكمة في هذه الساحات لا يعنيان انعزال الإنسان عن الله تعالى، لأنه إنما يمارس قدرته من خلال هذه السُنن، وهذه السُنن هي إرادة الله، وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.
وفي هذا إلغاء (التفسير اللاهوتي للتاريخ) الذي تبنَّته بعض مدارس الفكر اللاهوتي، على يد عددٍ من المفكِّرين المسيحيين واللاَّهوتيين، من أمثال أُغسطين، والذي يربط الحادثة بالله تعالى قاطعاً صلتها مع بقية الحوادث ومع السُنن الموضوعية للساحة التاريخية.
والقرآن الكريم بلغ في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسُنن التاريخية أن أناط نفس العمليات الغيبية في كثيرٍ من الحالات بالسُنَّة التاريخية نفسها، فالإمداد الإلهي الغيبي الذي يسهم في كسب النصر جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسُنَّة التاريخية ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾.
﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾([441])، فالإمداد الإلهي الغيبي مشروط بسُنَّة تاريخية ﴿وإن تصبروا وتتقوا﴾. وهكذا يقوم تفسير التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم.
ثالثاً: الاتِّساق مع حرية الإنسان: يؤكد القرآن أن إرادة الإنسان هي المحور في تسلسل الأحداث …
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([442]).
﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾([443]).
﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾([444]).
إذن لاختيار الإنسان موضعه الرئيس في التصور القرآني لسُنن التاريخ([445]).
ويظهر جليًّا دور الإنسان الحرّ في التاريخ في كافَّة السُّنن التاريخية التي عرضها القرآن الكريم على شكل «القضية الشرطية» أي الشرط والجزاء … فهذه السنن تلعب دوراً عظيماً في توجيه الإنسان حين تعرِّفه بإمكاناته الحرَّة إزاء الجزاء، فما عليه إلا أن يوفِّر شروط القانون ليأتي الجزاء مناسباً لفعله الحرّ.
الظواهر التي تدخل في سُنن التاريخ
دائرة السنن النوعية للتاريخ في فلسفة السيد الصدر تكون منحصرة بالفعل المتميِّز بظهور علاقته بغايةٍ وهدف. أي ما تظهر فيه «علَّة غائية» ثُمَّ يكون له أثر يتعدى حدود العامل الفردي إلى المجتمع … فالأعمال التجارية والسياسية والفكرية والحربية أعمال تاريخية لأنها اتخذت من المجتمع أرضيةً لها … مثل هذه الأعمال هي التي تحكمها سُنن التاريخ.
أما حدث تاريخيٍّ مثل وفاة أبي طالب وخديجة في عامٍ واحد، فمع ما له من أثرٍ في التاريخ، إلا أنه راجع إلى قوانين فسلجية، وليس إلى السُنن التاريخية.
الخلاصة
تتلخَّص رؤية الشهيد الصدر في فلسفة التاريخ بالنقاط الآتية:
ـ إن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في حركة التاريخ.
ـ وإن حركة التاريخ حركة غائية مربوطة بهدف، وليست سببية فقط، أي أنها حركة مشدودة إلى المستقبل، فالمستقبل هو المحرِّك لأيّ نشاطٍ من أنشطة التاريخ.
ـ والمستقبل معدوم فعلاً، وإنما يتحرك من خلال الوجود الذهني.
ـ وفي الوجود الذهني إذن هو الحافز، والمحرّك، والمدار لحركة التاريخ.
وفي الوجود الذهني يمتزج الفكر والإرادة … وبامتزاج الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل وتحريكه للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
ـ إذن فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان ـ الفكر والإرادة ـ وبين البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعية، أي علاقة سبب بمسبِّب، فكلُّ تغيُّرٍ في البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع إنما هو مرتبط بتغيُّر المحتوى الداخلي([446]).
وأخيراً: في كلِّ هذه النماذج، لسنا نقف على الجهد الإبداعي في اكتشاف النظرية القرآنية في الموضوعات المتعددة، وحسب، بل ندرك كيف تتعانق النظرية القرآنية، وفق الفهم الصحيح لأهداف الشريعة ومقاصدها، مع الحياة، لتحقِّق دورها في التغيير والحركة التصاعدية، التكاملية، والتي من خلالها فقط تتجلى حقيقة صلاحية الإسلام لكلِّ زمانٍ ومكان.
وهناك تطبيقات واسعة لهذا المنهج يتركَّز أكثرها في ثلاثةٍ من كتب الإمام الشهيد، وهي:
1 ـ المدرسة القرآنية ـ أو ـ السُنن التاريخية في القرآن الكريم.
2 ـ المدرسة الإسلامية ـ الإسلام يقود الحياة.
3 ـ اقتصادنا.
ولا بدّ في الختام من الوقوف عند مزيَّةٍ شاخصةٍ في دراسات السيد الشهيد كافَّة، وفي الميادين كلّها، المزيَّة التي تشكو غياباً حقيقياً في الواقع الإسلامي، وأيضاً على مستوى الفقه التقليدي، الفردي التجزيئي:
تلك هي المنزلة الكبرى التي يحظى بها الإنسان والمجتمع في الفكر الإسلامي وأُطروحات الإسلام في مجالات الحياة كافة … فالدفاع عن الإنسان وحماية حقوقه الخاصَّة، والدفاع عن حقوق المجتمع، ومصالحه العامة، تكاد تشكل المحور الأساس في جلِّ دراسات السيد الصدر، إن لم نقل كلّها.
… وهكذا تبرز أهمّية هذا المنهج الموضوعي ـ التوحيدي (أو فقه النظرية) في كونه الأسلوب الأمثل علمياً وفقهياً من أجل صياغة منهجيةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ، وتأصيلٍ إسلاميٍّ لجميع أوجه النشاط المعرفي.
فهو لكلِّ ذلك جدير بدراساتٍ أكثر تفصيلاً وعمقاً، لتفتح أبوابه الواسعة لاستيعاب كلِّ ميادين المعرفة، وكلِّ متطلِّبات الحياة من تنظيرٍ وتقنين.
* * *
المشروع السياسي
مدخل في الفكر السياسي الإسلامي
الحديث والمعاصر
منطقياً، يتأثر الفكر السياسي في الإسلام بمصدرين رئيسيين؛ أولها: المصدر التشريعي، المتمثل بالكتاب والسنة، أسوة بغيره من العلوم والمعارف الإسلامية، والثاني: المسار السياسي الواقعي، لا سيما في الحقب الأولى من تاريخ الإسلام، والتي ينظر إليها وكأنها مصدر للفهم والتشريع معاً، لا سيما عند من يرى أن السياسة أمر دنيوي محض …
لكن الاستقراء يثبت أن العامل الثاني قد ترك أثره بشكل واضح على الفكر السياسي، وعلى امتداد تاريخ الإسلام، حتى بداية العصر الحديث، الذي شهد حركة نهضة إصلاحية متنامية، أولت الفكر السياسي عنايتها بشكل ملحوظ … فالمسار السياسي لنظام الخلافة كان هو المصدر الأهم الذي دارت حوله كتب «الأحكام السلطانية» و«السياسة المدنية» و«نصائح الملوك» عند سائر فقهاء الجمهور على اختلاف مشاربهم المذهبية.
أما عند الشيعة الإمامية فيكاد يكون الفكر السياسي قد انحصر في موضوع الإمامة، وقد أضفت عليه مبررات تاريخية طابع البحث العقدي الأيديولوجي، والذي انحصر مرة أخرى بعد وفاة الإمام الحادي عشر عليه السلام، وفي إطاره العقدي والأيديولوجي نفسه، في ترسيخ مفهوم الغيبة وإثبات حقيقة الإمام الغائب المنتظر، ولم تظهر حتى بدايات عصرنا الحديث دراسات تحاول ترسيم الإطار النظري لمشروع سياسي إسلامي في عصر الغيبة هذا …
ومع بدايات العصر الحديث ولد عنصر جديد لا بدّ له أن يترك اثره بقوة على منحى الفكر السياسي وطبيعته، تمثل هذا العنصر بالتحدي الغربي، سياسياً وثقافياً … فكانت الهيمنة الغربية سياسياً بعداً جديداً في الواقع الإسلامي، حفّز ذوي العقول المشرقة والأذهان المتفتحة صوب البحث عن سبل الاستقلال السياسي من سيطرة غربية لا تدين بدين الإسلام، وهنا يتأتى تحديها الثاني، التحدي الثقافي، فالثقافات الجديدة الوافدة مع المستعمر سوف تترك آثارها على شعوب ضعيفة مغلوبة على أمرها، فلا بدّ إذن من نهضة حقيقية تجنب شعوبنا مخاطر الغزو الثقافي الذي انحدر مع الجيوش المستعمرة انحدار السيل.
من هنا بالفعل كانت الانطلاقة الجديدة، أواخر القرن التاسع عشر، الانطلاقة التي كانت تهدف أولاً إلى التحرر من الغزاة الأجانب، ثم اكتشف روادها على الفور أنهم يصطدمون في دعوتهم هذه بحكام مستبدين من أبناء الشعوب الإسلامية نفسها، صاروا ممثلين للغزاة، نواباً عنهم في حكم الشعوب وقهرها، فبرز مبدأ محاربة الاستبداد، واحتل الموقع المتقدم باعتباره المقدمة الضرورية للاستقلال السياسي والثقافي.
ومحاربة الاستبداد، يعد بحق، مبدءاً جديداً ومعلماً جديداً من معالم الفكر السياسي المطروح لدى فقهاء الإسلام، ذلك أن فقه الأحكام السلطانية والسياسات المدنية قد مكّن لاستبداد الخليفة والسلطان، ومنحه السلطة المطلقة على البلاد والعباد، باعتباره إمام الدين والدنيا، والذي امتلك الكثير من مبررات الاستبداد تحت وطأة فقه الخوف من الفتنة عند الخروج على السلطان مهما أظهر من الفجور، هذا الفقه الذي لم يقف عن الاستحسانات العقلية في حفظ وحدة الدولة والأمة وهيبتها بين الأمم، بل استعار الكثير من النصوص الدينية، وتدرع بها لحماية السلطة المطلقة لخليفة الفرد، والذي سوف يرسم بدوره مستقبل البلاد السياسي نظرياً وعملياً، من خلال طبيعة اختياره لمن سيخلفه في السلطة ….. حتى ترسخ الاستبداد في الذهنية الفقهية، بل والذهنية العامة، وأصبح هو الأصل في نظكام الحكم ….
ولم ينج من هيمنة هذا الفهم حتى فقهاء متمردون مثل ابن تيمية، الذي اعتبر كل خروج على السلطان ـ الجائر ـ شراً عظيماً، ومفسدة كبيرة، ما يترتب عليها من الفساد أكبر مما يترتب عليها من الإصلاح([447])!.
وإذا كان الفقه الشيعي في معزل عن المسرح السياسي العام، لمعارضته المبدئية للسياسة السلطانية في أدوارها المختلفة، فإنه قد انغمس إلى نطاق غير ضيّق في الدائرة نفسها في ظل سلطنة انتصرت للمذهب الشيعي، لكنها لم تكن تختلف عن الدول السلطانية الأخرى، السابقة أو المعاصرة، أعني الدولة الصوفية، التي حظيت بتأييد ومناصرة وتبرير جملة من الفقهاء الذين عاصروها، بل قد استمدت هذه الدولة منهم قوة لم يحظ بها خصمها العثماني من جلّ فقهاء أهل السنّة في تلك الحقبة.
هذا الاستقراء هو الذي يدعونا إلى القول بأن «محاربة الاستبداد» مفردة جديدة دخلت الفقه السياسي الإسلامي، في بواكير نهضته الحديثة ….
ظهر هذا المبدأ بشكل واضح ومكثف في خطاب رائد النهضة الإسلامية الحديثة، السيد جمال الدين الأفغاني، الذي حمل على الاستبداد بقوة، وجعل مقاومته شرطاً لازماً للتحرر من الهيمنة الغربية، سياسياً وثقافياً، وكان مشروعه لمقاومة الاستبداد هو فرض النظم الدستورية، التي تقيد الحاكم بدستور معلوم قد خضع لتصويت الشعب عليه.
والمسلك نفسه سلكه رواد النهضة المعاصرون للأفغاني؛ رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، على اختلافات في سعة الأطروحات وشمولها، وقد أخذت هذه الأطروحة أشمل صورة وأتمّها عند الكواكبي، لا سيما في كتابه «طبائع الاستبداد» والذي انعكست تأثيراته بشكل واضح، بعد تأثيرات الأفغاني، على أطروحة الميرزا النائيني الواسعة، لاحقاً.
وقبل هذا كان للأفغاني تأثيره الواضح على الحركة الدستورية والمشروطة، والتي قادها زعماء دينيون إيرانيون كان للأفغاني معهم صلات ومكاتبات يستحثّهم فيها على هذا النمط من التحرك السياسي([448]).
وقبل الدخول في توصيف بعض المشاريع السياسية، لا بدّ من لفت النظر إلى التأثر بالتحدي الغربي، الذي شكّل هنا حافزاً مهماً لإعادة اكتشاف النظرية السياسية في الإسلام، أو بتعبير أقرب إلى الواقع: إعادة اكتشاف مبادئ إسلامية تقوم مقام المبادئ الغربية الزاحفة …..
يقول خير الدين التونسي: إن التمدن الأوروباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلاّ استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق([449]).
والأمر أكثر وضوحاً عند رفاعة الطهطاوي، الذي رأى: أن مفاهيم فرنسية، مثل: الدستور، والجمهورية، والحرية، تقابلها في المجال الإسلامي قيم: العدل، والإنصاف، والمساواة أو الشورى([450]).
أما السيد رشيد رضا فيكشف بصراحة أن بداية التفكير بالشورى في العصر الحديث لم تكن إلا بتأثير الفكر الغربي الوافد، فكانت إذن عملية إعادة اكتشاف تحت تأثير هذا الضغط، فيقول: لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم ـ المقيّد بالشورى ـ أصل من أصول الدين، ونحن استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشر الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام([451]).
وبعد … فإن أهم الحركات الدستورية التي قادها فقهاء الإسلام كانت حركة «المشروطة» في إيران، والتي كان على رأسها أكابر الفقهاء الإيرانيين سواء منهم المقيمون في العراق ـ النجف، سامراء، كربلاء ـ أو في إيران، والتي انطلقت عام 1905، وتمخضت في العام التالي عن قيام الدستور والمجلس النيابي (الشورى) الذي دخلته شخصيات عديدة من فقهاء الحركة الدستورية، أهمها: الشيخ حسن مدرّس.
ولكي تترشد هذه الحركة، وتأخذ إطارها التنظيري الشرعي، كتب الميرزا حسين النائيني في عام 1909م كتابه الشهير «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي أطرّ الحياة الدستورية بأطر فقهية متينة، لأول مرة في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام.
وبكلام واضح يكشف آية الله الطالقاني عن أن الحكم الدستوري لم يكتشف من قبل فقهاء الإسلام ابتداءً من خلال السبر في مصادر الشريعة، وإنما استفادوه عن الأنظمة الغربية الحديثة: «لم تتبلور فكرة الحكم الدستوري ـ المشروطة ـ في قطر إسلامي، بل وفدت علينا من الخارج، فوجدها علماء الإسلام مفيدة، فتبنّوها، وتقدموا الصفوف الداعية إلى إقامتها، وأصدر بعضهم فتوى بوجوب تأييدها، كما تقدم آخرون صفوف الجهاد من أجلها، لكن فريقاً آخر من العلماء التزم موقف المعارضة، ولهذا فإن أكثر المؤيدين لم يستطيعوا تحديد ما يريدون إثباته من وجهة النظر الدينية، كما أن المعارضين غير المغرضين لم يكن لديهم ما يقال بصورة واضحة»([452]).
هذا بعد أن كتب يعترف بأن «رؤية الإسلام الأصيلة والصافية ـ في النظام السياسي ـ بقيت محجوبة عنا وعن الغير، وما نجده في الكتب من كلام كثير حول الولاية الإسلامية لا يعدو في حقيقته المجادلات الكلامية والمماحكات المذهبية، لكننا لا نستطيع الخروج من هذه المجادلات الطويلة بشيء مفيد على مستوى النظرية القابلة للتطبيق، أو على مستوى خطة العمل التي يقترحها للنظام السياسي»([453]).
فعدم الوضوح هو الغالب حتى عند أنصار الحركة الدستورية والمجاهدين من أجلها، يقول الطالقاني: وفي بواكير الحركة الدستورية كان الهدف المعلن للعلماء والشعب منحصراً في تحديد سلطات الحكومة المستبدة وتحجيم صلاحياتها إلى الحد المعقول … أما الطرف الآخر للمعادلة، أي البديل الذي يطمحون إليه بعد إزالة الوضع الاستبدادي القائم، فقد كان غامضاً عند الأكثرية الساحقة من الناس، لقد انطلقت الحركة من بداية معروفة، لكن أحداً لم يفكر جيداً في تفصيلات الطريق حتى نهاياته، لذلك فإن الغرباء عن الشعب هم الذين قطفوا ثمار التضحيات العظيمة، ومن المؤسف أن النتيجة التي انتهت إليها الحركة الدستورية لم تختلف عن معظم التجارب التي قامت في الشرق …» ([454]).
والذي يعنينا من كلام طالقاني، بعد هذا التوصيف الموضوعي، بدرجة أكبر هو الشهادة العلمية لهذا الكتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي يمثل: «رأي المؤلف، إضافة إلى عدد من أعاظم علماء تلك الفترة، مثل آية الله الملا محمد كاظم الخراساني، وآية الله ميرزا حسين خليل تهراني، وآية الله آقا شيخ عبد الله مازندراني»([455]) وبالفعل فإن اثنين من هؤلاء الثلاثة قد وقّعاً على هذا الكتاب توقيعاً فائق الأهمية.
سنذكر خلاصته بعد استتمام الأهم من كلام طالقاني، الذي أدرك الثورة الإسلامية الإيرانية المعاصرة، وكان من أبرز قادتها، فهو يرى أن في استنتاجات النائيني تعبيراً سليماً من مبادئ الشريعة في الحكومة …
فقد كشف هذا الكتاب ـ بحسب الطالقاني ـ عن الرأي النهائي والرفيع للإسلام، ولا سيما التشيع، في الحكومة، مع الأدلة والأساس([456]).
أما الفقيهان اللذان وقّعا هذه الرسالة لهما: الملا محمد كاظم، الشهير بالآخوند الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، وقد كانا، إضافة إلى مؤلفها النائيني، من كبار فقهاء الشيعة ومراجع التقليد في عصرهم، ومن هنا تأتي الأهمية العلمية لما تتضمنه الرسالة من مشروع.
يقول الآخوند الخراساني، بعد أن وصف هذه الرسالة بأنها «أجلّ من أن تمجّد»: «وحري أن تكون دراستها وتدريسها سبيلاً إلى إدراك أن أصول المشروطية ـ الدستورية ـ مستمدة من الشريعة الحقّة»([457]).
ويؤيد الشيخ المازندراني وصف الآخوند هذه الرسالة بأنها «أجل من أن تمجّد» ويضيف: «وهي كافية لتعزيز اعتقاد المسلمين وتصديقهم وجدانياً بما هو ثابت من أن جميع الأصول والمباني السياسية المستفادة والنابعة من دين الإسلام القويم كافية وفق ما يؤمّل»([458]).
ستمثل هذه الرسالة إذن مرحلة من مراحل الفكر السياسي في الإسلام، على مستوييه السني والشيعي، بناءً على موافقتها التامة لرسالة عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد» التي كانت قد صدرت قبل نحو خمسة أعوام من تاريخ تحرير هذه الرسالة.
ولا بدّ من التأكيد، بناءً على ما تقدم، أن هذه المرحلة هي الأكثر نضجاً في الفكر السياسي الإسلامي حتى وقتها …
مبادئ الرسالة الدستورية
تضمّنت هذه الرسالة مبادئ مهمة، مدعّمة بأدلة عقلية وتاريخية ونقلية، تشكل بمجموعها الإطار النظري لنظام حكم دستوري، وأهم هذه المبادئ:
1 ـ إن أصل قيام السلطة ضرورياً لنظام العالم.
2 ـ إن حفظ شرف وقومية الأمة([459])، مرهون بكون السلطة الحاكمة فيها ممثلة لها، ونابعة منها.
3 ـ تتحدد الوظيفة الأساسية للسلطة في نقطتين:
الأولى: حفظ النظام الداخلي للبلاد، وتنمية المجتمع، وإقامة العدل، والحيلولة دون وقوع الظلم والمفاسد الاجتماعية.
الثانية: التحفّظ من تدخل الأجانب في أمور البلاد، وتهيئة القوة الدفاعية والاستعداد الحربي، وغير ذلك مما يلزم لصيانة الاستقلال([460]).
هذه المبادئ حتى الآن مبادئ عامة، تشترك فيها سائر النظم السياسية، من هنا يذهب إلى تقسيم السلطة في واقعها إلى صورتين: «تمليكية» و«ولايتية» ولا توجد صورة ثالثة. وفي كلا الصورتين هناك صورتان للحكم: «حكم الجور» و«حكم العدل»([461]) وبعد شرح مفصل لطبيعة كل واحد من هذين اللونين والعوامل المساعدة على تحققه في المجتمع، يشرع بوضع «الضمانات»([462]) التي تحول دون «تحوّل السلطة من كونها أمانة، إلى وسيلة للاستئثار والغضب، والحيلولة دون أي انحرافات شهوانية أو ميول من جهة الحاكم لاستعمال القوة المادية للدولة في القمع والاستبداد».
ويقرر بناءً على هذا:
4 ـ إن أرفع تلك الوسائل التي يمكن تصورها، هي العصمة الذاتية في الحاكم، وهو من الأسس التي بني مذهب الشيعة الإمامية على اعتبارها في صاحب الولاية السياسية.
لكن مع غياب المعصوم، والصعوبة البالغة في العثور على حاكم حكيم مستجمع للكمالات في ذاته، يأتي المبدأ الآخر الذي سيشكل محور النظام الدستوري.
5 ـ الدستور، هو أهم الضمانات الفعالة في جعل الحاكم أقرب إلى النموذج الأعلى، والدستور «هو أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد في جهاز الدولة، بمن فيهم الحاكم» ويجب على الدستور «أن يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرّف حقوق الشعب وحرياته، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، باعتبارها موافقة لمقتضيات الدين».
6 ـ إن الأساس في حفظ حدود السلطة هو الالتزام بأحكام الدستور.
7 ـ يستمد الدستور مشروعيته من عدم مخالفة أي بند من بنوده لأحكام الشريعة المقدسة، وتضمّنه جميع ما يلزم لحفظ مصالح الشريعة المقدسة، وتضمّنه جميع ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
وهذه نقطة مهمة للغاية في فهم طبيعة النظم السياسية في الإسلام، فهو لا يشترط أن تكون مواد الدستور مستقاة مباشرة من نصوص الشريعة وأحكامها، وإنما يشترط عدم مخالفتها لأحكام الشريعة، وهذا استيعاب متقدم للفقه السياسي، تميز به الخطاب السياسي الإسلامي في هذه المرحلة.
ومن ناحية أخرى فإنّ الدستور سوف لا يكتسب شرعيته من مجرد عدم مخالفة شيء من مبادئه لشيء من أحكام الشريعة، بل أيضاً من استيعابه ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
8 ـ مجلس الشورى الوطني، أو هيئة المراقبة والمحاسبة، هي الضمانة الثانية لمنع العودة إلى الاستبداد، ولهذا المجلس أحكامه، وهي:
أ ـ «يضم علماء البلاد وحكماءها، من المعروفين بالصلاح، والعارفين بأمور الدولة، ومقتضيات السياسة والقانون الدولي» فليس ثمّة أمر لاشتراط الفقاهة لوحدها.
ب ـ «يعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العملية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني».
جـ ـ يكون أعضاء هيئة الرقابة ومجلس الشورى مسؤولين أمام الشعب عن أعمالهم.
د ـ مشروعية مجلس الشورى:
تكمن المسألة الأساسية هنا في تأصيل هذا الاستنتاج، وقد حققه الشيخ النائيني على مستوى المدرستين الإسلاميتين: «فهي بناء على أصول أهل السنة والجماعة: تابعة لدليل ولاية أهل الحل والعقد، فهم يرون أن رأي أهل الحل والعقد من الأمة ملزم واجب الاتباع. إن انتخاب هذه الهيئة من جانب الشعب هو الذي يعطيها صفة أهل الحل والعقد، ولا نجد من ثمّ داعياً للبحث عن دليل آخر للمشروعية». سنجد لاحقاً أن هذا الاستدلال هو الذي سيعتمده فقهاء أهل سنة في إثبات مشروعية نظام الشورى.
وأما بناءً على أصول المذهب الجعفري «فإننا نعتبر أمور الولاية والنظام في عصر الغيبة من وظائف نوّاب الإمام، وهم الفقهاء المجتهدون. وعليه فإن وجود بعض الفقهاء العدول في المجلس، أو على أقل التقادير الفضلاء المأذون لهم من الفقيه العادل، ثم موافقة الفقهاء على صحة ونفاذ الآراء الصادرة عن مجلس الشورى، يعتبر كافياً لإسباغ المشروعية على المجلس».
وفي هذا النص نقاط جديدة، وجديرة بالإبراز، فهذه النظرية تؤمن، أولاً، بالولاية العامة للفقيه المجتهد، ولكنها، ثانياً، لا تشترط كونه ـ الفقيه المجتهد ـ على رأس السلطة، بل تكتفي بتأييده ومصادقته على مقراراتها.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أمرين يتعلقان بتيك النقطتين؛ فالولاية العامة للفقيه، لم تكن كلمة إجماع عند فقهاء الإمامية في تلك المرحلة، ولا بعدهأ، ناهيك عما قبلها حيث كان الوعي السياسي دون هذا المستوى بكثير … وأيضاً فإن من يقول بولاية الفقيه، يشترط رجوع الأمور الرئيسية في الدولة إليه، بل يعطيه الموقع الأعلى في السلطة، كما هو عند الإمام الخميني والسيد الصدر لاحقاً، مع وجود بعض الاختلافات في المبدأ وفي مساحة الصلاحيات التي ستكون عند الإمام الخميني أعلى منها عند الصدر الذي ذهب إلى التوفيق بين ولاية الفقيه والشورى.
إن المستفاد من نظرية النائيني، والموقّعة من أبرز مراجع عصره، هو إمكانية الفصل بين السلطتين؛ الدينية والسياسية، بشرط رجوع الأخيرة إلى الأولى، الأمر الذي تتوقف عليه شرعية السلطة السياسية التي لا يتزعمها الفقيه المجتهد العادل.
لكن الذي يقلل من قيمة هذا الاستنتاج أن أصحاب هذه النظرية، كانوا ينظرون إلى أحكام الضرورات، في حال عدم تمكن «نواب الإمام» من القيام بواجباتهم، إذ «مقام الولاية مستلب من نوابه العامين، بحيث لا يستطيعون القيام بوظيفتهم، أو أنهم لا يقدرون على استرجاعها واستنقاذها من الغاصب» فالسلطة المفترضة هنا هي سلطة غاصبة، وإنما وضعت هذه النظرية لتحديد سلطاتها، فبعد مناقشة منطقية وفقهية للتكليف في هذه الأحوال ينتهي إلى تقرير «أنه لا مجال للتشكيك في وجوب تحويل السلطة الغاصبة من الصورة الأولى ـ التملك ـ إلى الصورة الثانية ـ الولاية ـ عند توفر القدر للمكلفين …
«فحقيقة التحويل والتبديل للسلطة الجائرة إذن، هي تحديد سلطة الجائر، وردعه عن ظلم الناس، وليس إزالة أحد مصاديق الظلم ووضع مصداق آخر محله».
ومع هذا فإن ثمة إمكان لإسباغ الشرعية على سلطة الغاصب، وتحويلها إلى سلطة شرعية «إذا صدر به الإذن ممن له الولاية الشرعية، بل يمكن أن يكون إذن صاحب الولاية الشرعية سبيلاً إلى إخراجه من صفة الغصب، فلا يعود المتصدي غاصباً أو ظالماً لمقام الإمامة والولاية»([463]).
وهنا تعود لتتجسد قضية إمكان الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، شريطة حصول الأخيرة على إذن الأولى، صاحبة الحق الأصيل في الولاية.
ـ كما تتجلى النتيجة الأخرى الفائقة الأهمية هنا، وهي إمكان التعامل من منطلقات الشريعة الإسلامية مع سلاطين الجور، إذا ما استجابوا لمطالب الأمة في إقامة دستور واضح، وإقامة الحياة النيابية … وهذا المبدأ هو الذي تبنته سائر الحركات الإسلامية المعاصرة واللاحقة، سنية وشيعية، على السواء. فلا محل فيه للحدّية الفاصلة بين حكم إسلامي صالح، وآخر طاغوتي فاسد لا يمكن إصلاحه …
9 ـ فقه «رأي الأكثرية»: تعطي هذه النظرية رأي الأكثرية مشروعيته، اعتماداً على قضيتين:
الأولى: كونه لازماً للشورى … وقد ثبت سابقاً أن إقامة مجلس شورى ضرورة لازمة للحؤول دون الاستبداد، فإذا ثبتت مشروعية الشورى، وهي كذلك، فإن لازمها ثابت، ليس فيه كلام.
والثانية: لقاعدة الأخذ بالترجيحات عند التعارض؛ وقد جرى العقلاء على اعتبار تأييد الأكثرية لأحد الأطراف أقوى المرجحات النوعية، عندما يدور الخيار بين طرفين يتساويان في المبنى والدليل … كما أن أخذ الطرف الذي يراه أكثرية العقلاء، أرجح من الأخذ بالشاذ من الآراء … وهو هنا أيضاً يستعين بالحديث، وبالسيرة النبوية وسيرة الإمام علي، التي كان الرجوع فيها إلى رأي الأكثرية حقيقة لا غبار عليها([464]).
هكذا تتلخّص هذه النظرية المفصلة، والتي أعطيناها هذا القدر من الاهتمام لأهميتها التاريخية الفائقة، إضافة إلى أهميتها العلمية الظاهرة، فهي أكمل مشروع تنظيري لنظام الحكم في الإسلام حتى وقتها، بل وبعد وقتها بزمن غير قليل.
وقفتان
وقبل مغادرتها نتوقف عند نقطتين جديرتين بالتوقف:
أولاهما: ملاحظة مهمة، ستأتي إشارة لاحقة لها، وهي تقارب الخطاب الإسلامي، السني ـ الشيعي، في المجال السياسي، وغياب النزعة الطائفية عند الإصلاحيين الذين يحملون هموم الأُمة ويناضلون من أجل استقلالها وكرامتها وعلو مجدها، ففي خطاب هذا المجتهد الشيعي الكبير نجد من الشواهد على هذه الظاهرة الشيء الكثير مما لا نجده عند الفقهاء التقليديين الذين يعيشون أهدافاً محدودة.
فهو- أولاً- يذكر «أهل السنة والجماعة» بهذا العنوان، ويكرّره في مواضع الحاجة، ولا يستخدم اصطلاح «أبناء العامة» السائد لدى فقهاء الأنماط المحدودة.
ثم هو- ثانياً – يذكر آراءهم بكل احترام، ويجعل منها مستنداً إلى تصحيح النتائج المستخلصة وفق متبنياتهم، أيضاً، ليفتح باباً واسعاً للتقارب الفعال بين الفريقين.
وهو- ثالثاً ـ يستعرض المواقف الإيجابية، ويركّز على الفقه السني الذي تحرّر من أطر الأحكام السلطانية القديمة، بل لا يثير إلى تلك الأحكام القديمة، فيقول في نص طويل نسبياً: «أما بناء على أصول أهل السنة الذين لا يعتبرون التنصيب الإلهي ولا العصمة في ولي الأمر، بل أقاموا الولاية على انعقاد بيعة أهل الحل والعقد لشخص معين، فإن الولاية عندهم مشروطة بعدم تجاوز حدود ما أقرّه الكتاب المجيد والسنة المطهرة، بل اعتبروا هذا الشرط لازماً في عقد البيعة، كما قالوا بأن مخالفة الكتاب والسنة، أياً كان مقدارها، منافية لشروط البيعة والولاية، وهم متفقون على وجوب الحيلولة دون هذا التجاوز»([465]).
ويذهب إلى أكثر من هذا حين يعتبر «تحويل السلطة الإسلامية من الولاية إلى الاستبداد فقد جرى على يد معاوية بن أبي سفيان، الذي باستيلائه على نظام السلطة انتهى عصر الخلافة الإسلامية، وأصبح النظام الحاكم مِلكاً يتوارثه الأبناء بعد الآباء ضمن العائلة الواحدة»([466]).
ولا يخفى تطابق هذه الرؤية السنية لنظام الخلافة، والتي قامت على اعتبار أن الخلافة كانت ثلاثين عاماً، ثم أصبحت ملكاً عضوضاً، على يد معاوية بن أبي سفيان.
بل ستجد عند النائيني ما هو أكثر من هذا أيضاً، حيث يفرد في رسالته فقرة تحت عنوان «إطلالة على التاريخ» ليسوق ضمنها شواهد تاريخية على رقابة الأمة، ونظام الولاية التي تلتزم بمبدأ الرقابة هذا وتجتنب الاستبداد بألوانه، فتكون مادته مستوحاة من حياة عمر بن الخطاب أيام خلافته، في نماذج من سيرته تؤكد «فاعلية الحرية والمساواة» في «تجربة الأسلاف» قائلاً في النهاية: «ونستطيع الادعاء بأن الخليفة، شأنه شأن بقية الحضور، قد داخله السرور حينما سمع هذا الجواب([467])، لما ينطوي عليه من تأكيد على استقامة الأمة ووعيها بمضامين العلاقة بينها وبين الحاكم، وتمسكها بحقها الثابت في الرقابة على عمل الوالي ومحاسبته على سياسته، إن سرور الطرفين هو تعبير عن إيمانهما بحقيقة أن استمرار حاكمية الإسلام مرهونة باستمرار الولاة في الالتزام بواجباتهم ومسؤوليتهم تجاه شعبهم»([468]).
وأما النقطة الثانية، فهي الوعي الدقيق لظاهرة الاستبداد الديني ومخاطرها، وقد أفرد فقرة بعنوان «الاستبداد الديني ـ والاستبداد السياسي»([469]).
مشيراً دون تصريح إلى سبق الكواكبي بهذا التقسيم، مؤكداً أن خطورة الاستبداد الديني أكبر بكثير من توأمها السياسي، وإن التخلص منه أشد صعوبة … مسلطاً الضوء على الارتباط الوثيق بين نوعي الاستبداد هذين …
ثم يعود ليفرد للاستبداد الديني فقرة خاصة([470])، مؤكداً قساوته «بل لعل علاجه من الممتنعات»! معرّفاً بأن حقيقته: عبارة عن إلقاء عباءة الدين على الرغبات والإرادات الشخصية البحتة لبعض المتلبسين بزي العلماء، الذين استغلوا جهل الأمة بنفسها وجهلها بمقتضيات دينها، فأوهموها بأن ما يدعونها إليه هو الدين الحنيف الذي يجب اتباعه وطاعتهم فيه … وقد علمت أن هذه الطاعة والاتباع من مراتب الشرك بالله الواحد القهار …».
ثم يقسم أهل الاستبداد الديني إلى طائفتين، ليأتي معاوية أيضاً على رأس الطائفة الأولى التي كانت مزيتها أنها «تمارس التحريف والتدجيل عن سابق علم وإصرار» …
أما الطائفة الثانية؛ فيمثلها «أولئك العلماء الذين عرفوا مواقع الحق والباطل، لكنهم اختاروا اعتزال الميدان والسكوت عن كلمة الحق … وخداع أغبياء الأمة بإظهار هذا الاعتزال وكأنه من مصاديق الزهد في الدنيا».
وبعمل هاتين الفئتين: « تدليس عباد الدنيا من جهة، واعتزال المتنسكين وسكوتهم من الجهة الأخرى، فقد استحكم بناء الاستبداد في الأمة».
ثم يعود ثالثة إلى «الاستبداد الديني» في فقرة أخرى مستقلة من أجل وضع سبل الوقاية منه ومعالجته، معبراً عنه بأنه «داهية الدواهي»([471]).
بعد النائيني: كانت الحيلولة دون الاستبداد، بنوعيه ـ الديني، السياسي ـ وضمان تحقيق القدر الأكبر من العدالة والمساواة، وإضفاء الشرعية على نظام الحكم، قد مثلت الأهداف الأساسية لتلك النظرية المهمة، ومحاورها الكبرى …
وقد تخلّص منها إلى إمكان العمل السياسي مع السلطان، بغض النظر عن الطريق الذي سلكه إلى السلطة، عن طريق فرض الدستور ومجلس الشورى.
هذه الأطروحة هي التي صبغت العمل السياسي الإسلامي بعد تلك المرحلة زمناً غير قصير، فقد قامت ثورة 1920م في العراق على الأساس نفسه، وقد شارك في قيادتها مراجع وزعماء دينيين وإسلاميون وطنيون ورؤساء عشائر، اختصروا أهدافهم بعد التحرر السياسي من الهيمنة البريطانية بإقامة الدستور والمجلس النيابي، ولهذه المرحلة نصيب آخر من الكلام في موضع لاحق.
وحركة الأخوان المسلمين في مصر، رغم تبنّيها مبدأ إقامة الدولة الإسلامية التي يكون فيها الحكم المطلق للشريعة، قد عملت على هذا الصعيد كثيراً، ولعلّ أبرز ما يشهد لعملهم بهذا الاتجاه هو قيادتهم التظاهرات الشعبية الكبيرة في آذار 1954م، ضد القرار الذي أصدره جمال عبد الناصر بعزل محمد نجيب عن جميع مناصبه، إثر إعلان الأخير عن استجابته لمطالب الشعب بإقامة مجلس نيابي تُحكم البلاد عن طريقه، فانطلقت في القاهرة تظاهرات عظيمة طوّقت قصر عابدين الذي كان فيه عبد الناصر، وهي تطالب بعودة محمد نجيب وإمضاء العمل من أجل الحياة البرلمانية، ولم تنتهِ إلاّ برضوخ عبد الناصر لهذين المطلبين، وإن كان قد عاد ليلتف عليهما بدهائه السياسي، سريعاً([472]).
الشورى في إطارها النظري: الدعوة إلى اعتماد الشورى في نظام الحكم اشترك فيها الفكر السياسي الشيعي والسني معاً، لكنها في الإطار الشيعي الذي وضعته نظرية النائيني، والذي يتفق مع كل نظرية تقوم على اعتماد مبدأ «ولاية الفقيه» تتحدد ـ الشورى ـ بمجلس الشورى وهيئات المراقبة، أما في الإطار السني فتبلغ ذروتها في انتخاب رأس السلطة نفسها، مع ما تحتفظ به من دور على الأصعدة الأخرى.
ولقد اتخذت هذه النظرية صياغتها المتكاملة على يد فقيه سني كبير، هو شيخ الأزهر، الشيخ محمود شلتوت، الذي أفرد لها حقلاً خاصاً في كتابه «من توجيهات الإسلام»([473]).
أثبت في البدء ضرورة قيام الدولة المستقلة في الإسلام، ثم جعل الشورى أساساً لنظام الحكم، وقد حقق فيها نتائج بالغة الأهمية في الفكر السياسي، أهمها المبادئ التي ستقوم عليها نظرية الشورى بأسرها، وهي:
1 ـ السيادة لله؛ وهو مبدأ تلتقي عليه كافة الأطروحات السياسية في الإسلام.
2 ـ الأمة مستخلفة، وحق السيادة لها بالتبعية؛ إذ الأصل أن السيادة المطلقة لله تعالى، فهو تعالى «جعل الحكم حقاً له في الأصل، وللأمة المستخلفة بطريق التبعية».
وتحديد هذا المبدأ هو الذي يحسم الأمر، فإذا كانت السيادة للأمة المستخلفة من قبل الله تعالى، فهي التي تختار من سيكون حاكماً عليها في كل حين، وتراقبه بالأدوات المشروعة، وتعزله إذا ما اقتضى الأمر([474]) ….
3 ـ الخليفة وكيل عن الأمة؛ فقد جعل الإسلام «الحكم حقاً للأمة التي استخلفها في الأرض واستعمرها فيها، ومنحها وصف السيادة عن هذا الطرق على كل فرد منها، ولو كان حاكماً»([475]).
ومن هنا فإن «من حق هذه الأمة المكلفة أن تختار من يباشر سلطتها نيابة عنها، فرداً أو جماعة، ما دامت لا تستطيع مجتمعة مباشرة تكاليفها، اختياراً يقوم على الرضا وتوخّي المصلحة، دون قهر ولا خديعة».
والحاكم هنا وكيل ويخضع لما يخضع له الوكيل في سائر العقود، من رقابة الأصيل الذي يحدد له كل تصرفاته»([476]). فالحكومة هي عملية «تعاقد بين الأمة وحاكمها ـ الخليفة ـ يتمثل في البيعة على كتاب الله وسنة رسوله وصالح المؤمنين، وتعهده هو بالتزام ذلك، فإذا أخلّ بالعقد انخلع من الحكم، أو خلعته الأمة ولو بالقوة»([477]).
هنا تتجلى سيادة الأمة بشكل واضح، وهنا أيضاً يصبح تمرد الأمة وخروجها على السلطان الجائر أو الفاسق أمراً مشروعاً، بل لازماً عليها، أداء لمسؤوليتها في الاستخلاف؛ فمن آية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ «ينشأ التضامن الجماعي بين الأمة، وتنشأ مسؤولية الجماعة من أمورها كافة، وتحمل من تبعة فساد أمرها مثل ما يحتمله الحاكم الذي جرى الفساد على يديه، إن لم تكن مسؤوليتها أكبر وأخطر»([478]).
ويعزز هذا المبدأ المهم في موضع آخر، وهو يلخص المبادئ الإسلامية للحكم، فيقول في المبدأ السابع: «عزل الخليفة للأمة، إن جار وظلم وظهر غشمه ولم يرعو لناصح أو زاجر، فإن رفض العزل عزلته بالقوة، ولو أدى ذلك إلى نصب الحرب وشهر السلاح في وجهه، إذا رأت الأمة ذلك في صالحها»([479]).
وهذه نقلة مهمة في الفقه السياسي السني، تخطّت ما رسمته كتب «الأحكام السلطانية» وشقيقاتها، والتي أدانها الشيخ شلتوت نفسه هنا بقوله: «نجد الفرق واضحاً بينها وبين النظام المثالي الذي تقرّره مبادئ الإسلام العامّة»([480]).
وفي تقرير مبدأ «الحاكم وكيل» يستند شلتوت إلى الإجماع، فيقول: «ويتفق الفقهاء على أن خليفة المسلمين هو مجرّد وكيل عن الأمة، يخضع لسلطان موكّله في جميع أموره»([481]).
يعزز هذا الإجماع، إجماع آخر على «أن موظفي الدولة الذين يعيّنهم الخليفة أو يعزلهم، لا يعملون بولايته، ولا ينعزلون بعزله، باعتباره الشخصي، وإنما بولاية الأمة وعزل الأمة التي وكلته في التولية والعزل … ولهذا إذا عزل الخليفة، لا ينعزل ولاته وقضاته».
ومن هنا أيضاً «نفهم لماذا كان القضاة في صدر الإسلام يحكمون على الخلفاء الذين ولّوهم القضاء، ويسوّون بينهم وبين خصومهم في مجالس القضاء، وينفّذون عليهم أحكام الله … لأن هؤلاء القضاة يفهمون أن الخليفة الذين يحاكمونه إنما ولاّهم بسلطان الأمة، فهم قضاتها لا قضاته».
وهذا ما يتجه إليه جمهور الفقهاء الستة المعاصرين، فقد كانت كلمتهم واحدة في إسناد السيادة في دولة الإسلام إلى الأمة، وأن الحاكم يستمد سلطانه من الأمة، فهي التي تختاره لهذا المقام، وينفون شرعية الأنظمة الثيوقراطية، وبالتحديد نظرية «الحق الإلهي» ويرون أن الذين يقولون بهذه النظرية إنما «يغفلون ما قرّرته أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها من حقوق للأمة الإسلامية في اختيار الخليفة عن طريق البيعة، وحقها في مراقبته هو وولاته وعماله، وحقها في محاسبته ومراجعته، بل وإعلان التمرد عليه إذا ما أمر بمعصية من المعاصي، لأنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق»([482]).
4 ـ الشورى أساس الحكم: بناءً على أدلة الشورى في القرآن الكريم والسيرة النبوية، يستنتج ببساطة أن الإسلام «قرر أن يكون الحكم شورى بين المسلمين، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور المسلمين في أمرهم، وهو بالطبع لا يشاورهم في ما هو من شأن الوحي والتشريع، بل في غيره …
وأهم أمر المسلمين مما لا دخل للوحي فيه هو أمر الحكم، وهو موضع الشورى بينهم، لا يستبد به الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً»([483]).
والاستناد هنا إلى إجماع فقهاء أهل السنة ميسور للغاية، وقد تكفلت به دراسات حديثة عديدة، وهنا خلاصة سريعة لهذه الآراء:
ـ في الفقه الحنفي: يقول الطاهر بن عاشور: ومجموع كلامي الجصاص (ت 370هـ) ـ حول آيتي الشورى ـ يدل على أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.
ـ في الفقه المالكي: يقول ابن خويز منداد المالكي (ت 390هـ): «واجب على الولاة مشاورة العلماء في ما لا يعلمون، وفي ما أشكل عليهم في أمور الدين، ووجوه الجيش في ما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس في ما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء والعمال في ما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها».
وهذا نص بالغ الأهمية بالنظر إلى سبقه التاريخي، فهو يرسم صورة لمجلس شورى قائم على أساس الخبرة والتخصص، وهو ما تعتمده سائر النظم الحديثة كضرورة من ضرورات القيادة والبناء.
وفي نص متقدم أيضاً يقابل ابن عبد البر القرطبي المالكي (ت 464هـ) بين الشورى والاستبداد، فيقول: الشورى محمودة عند عامة العلماء، ولا أعلم أحداً رضي الاستبداد إلا رجل مفتون، مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حَين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق».
ويقول ابن عطية المالكي (ت 546هـ): «إن الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه».
وهو نص واضح على سيادة الأمة على نفسها، التي منحها الله إياها بالاستخلاف، يتضمّن أيضاً التصريح بالإجماع عليه.
ـ وفي الفقه الشافعي: قال النووي (ت 676هـ): «والصحيح عندهم ـ الشافعية ـ وجوبها، وهو المختار، قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو الأصول أن الأمر للوجوب» ثم قال عند هذه الآية في موضع آخر: «ويغني ذلك عن كل شيء، فإنه إذا أمر الله بها ـ الشورى ـ النبي نصاً جلياً مع أنه أكمل الخلق، فما الظن بغيره؟».
وفي الفقه الحنبلي: يقول ابن تيمية: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيّه»([484]).
شكل الشورى: يرى الشيخ شلتوت أن شكل الشورى ومداها «قد ترك للأمة، تشكّله حسب ما يُرى من مصلحتها في كل مكان وزمان».
«فالمبدأ ثابت، دائم، ولا رأي لأحد فيه، ولا تملك الأمة تغييره، لأنه تشريع دائم … والشكل متغير متطور، للأمة الرأي في تغييره وتطويره برأي ذوي العلم والخبرة من بنيها، وهم أولياء أمرها وأهل الحل والعقد فيها»([485]).
نظرية ولاية الفقيه: هي من خصوصيات الفقه السياسي الشيعي، لا سيما الحديث والمعاصر منه، وقد تبناها عدد مهم من الفقهاء على اختلافات في تفاصيل تتصل بمساحة ولاية الفقيه وصلاحياته الشرعية التي يمتلكها بالأصالة في عصر الغيبة …
وقد رأينا كيف أقام الشيخ النائيني نظرته على أساسها، غير أن هذه النظرية أخذت أوضح أشكالها وأتمها عندما تبناها الإمام الخميني ورسم أبعادها، والنظام السياسي القائم مع هذا المبدأ عند الإمام الخميني يتلخص بالنقاط الآتية:
1 ـ إن وجود الحكومة في المجتمع أمر ضروري.
2 ـ ليس لأحد من نفسه حق الولاية على الآخرين، وإنما تحتاج الولاية إلى منشأ مشروعية.
3 ـ الولاية بالأصالة هي حق الله، ولا يملك هذا الحق أحد بدون إذنه، ومن ثمّ فإن مشروعية الحكومة لا تكون إلا بإذن شرعي من جانب الله فقط، والحكومة التي تفتقد للإذن الشرعي هي حكومة غير مشروعة، وطاغوتية.
4 ـ أعطى الله الولاية للأنبياء عليهم السلام ابتداءً، وبالأخص لنبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
5 ـ نُصب الإمام علي عليه السلام للولاية والخلافة من قبل الله، وبإخبار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … وكان للأئمّة المعصومين بعد الإمام أمير المؤمنين الولاية واحداً بعد آخر، وصاحب الولاية العظمى اليوم هو الإمام صاحب الزمان عليه السلام.
6 ـ لقد فوّضت الولاية على المجتمع البشري عصر غيبة الإمام المهدي عليه السلام للفقهاء العدول من قبل الشارع المقدس … واستدل عليها بأدلة عقلية وأخرى نقلية، وأخرى ملفقة بين العقل والنقل.
7 ـ يجب على الفقهاء العدول النهوض والمبادرة لتأسيس الحكومة الإسلامية، وعلى الأمة وجوب نصرتهم واتباعهم.
8 ـ إذا نجح أحد الفقهاء العدول بتأسيس الحكومة الإسلامية وأضحى مبسوط اليد، وجب على بقية الفقهاء اتباعه.
9 ـ الفقيه العادل الذي تعود إليه الولاية في عصر الغيبة، هو نائب الإمام المهدي، وله في أمر الحكومة جميع ما للنبي والأئمّة من اختيارات.
10 ـ لا تتحصر ولاية الفقيه بالأحكام الأولية والثانوية وحسب، بل تتقدم على جميع الأحكام الإلهية الفرعية.
11 ـ تكون ولاية الفقيه ـ المشار إليه في النقاط السابقة ـ ولاية: دائمة، مطلقة، متمركزة، غير قابلة للتفكيك.
12 ـ الولي الفقيه هو منشأ مشروعية النظام، فكل المؤسسات الحكومية والدستورية والقوانين العادية تصير مشروعة بإمضائه.
13 ـ الولي الفقيه مسؤول أمام الله فقط.
14 ـ شأن مجلس الخبراء ـ الذي ينتخب الولي الفقيه ـ الكشف فقط عن النصب الإلهي، أو عن العزل الإلهي في حال تخلّف الشروط، وإلا فمجلس الخبراء نفسه مولى عليه من قبل ولي الأمر.
15 ـ يكون رأي الشعب هو الميزان في المجالات التي يقدر فيها الولي الفقيه وجود مصلحة للنظام([486]).
والفروق بين هذه النظرية وبين نظرية الشورى فروق جوهرية واضحة، فالأمة بحسب نظرية الشورى هي التي تمنح الحاكم، فقيهاً كان أو غيره، مشروعية حكمه ومشروعية مؤسساته وولاته وقضاته، وهي التي تسحب عنه المشروعية، فيما الأمر هنا معكوس تماماً، فحق السيادة الذي كان للأمة بالتبعية، هو هنا للفقيه العادل نيابة عن الإمام المعصوم … وعلى هذا تتفرع سائر الفروقات الأخرى.
بل إن الفرق بين هذه النظرية وبين نظرية الشيخ النائيني واضح هو الآخر وكبير، فقد ركز النائيني على خطر الاستبداد الديني، وجعل الضمانة من عدم وقوعه موقوفة على مجلس الشورى وهيئات المراقبة والمحاسبة، الأمر الذي يوحي بصلاحية هذه الهيئات بمراقبة الفقيه ومحاسبته، أي يكون مسؤولاً أمامها أيضاً، وليس أمام الله فقط، فيما كانت الضمانة الوحيدة التي يطرحها الإمام الخميني للحؤول دون الاستبداد ضمانة مبدئية يراها متضمنة في شرط العدالة، إذ «بالاستناد إلى فقاهة الولي وعدالته لا يتسنى للاستبداد والدكتاتورية أن ينفذا في النظام المشيد على أساس ولاية الفقيه المطلقة»([487]) ولم يكن هذا الشرط كافياً عند النائيني ضمانة من وقوع الاستبداد.
ومن هنا تأخذ الشورى ورأي الشعب دوراً أكبر وأثراً أعمق عند النائيني، منها عند الإمام الخميني … ويبقى الفارق الموضوعي بين الأطروحتين يفرض نفسه، فبينما كان النائيني يعالج حكومة الضرورة، أو الحكومة الكائنة في عصره، كان الإمام الخميني يؤسس للحكومة كما ينبغي أن تكون.
ولا شك أن هناك رؤى أخرى ضمن إطار «ولاية الفقيه» تفترق عن هذه الأطروحة في مدى صلاحيات الولي الفقيه إزاء أحكام الشريعة، فهي تحدد أحكامه «الأحكام السلطانية» الصادرة عنه، في بعدين:
الأول: تنفيذ الأحكام الشرعية.
والثاني: ترجيح بعض الأحكام الشرعية على بعضها الآخر في حال تزاحم الأحكام والحقوق، وعليه فلا يمكن رفع اليد عن الأحكام الشرعية بالأحكام السلطانية أبداً([488]).
الصدر الثاني: وسوف نجد عن السيد الشهيد محمد صادق الصدر أوسع مناقشة لأدلة ولاية الفقيه النقلية، سنداً ودلالةً، حتى ينتهي منها إلى صلاحية حديث واحد للاستدلال على هذا المبقدأ، وهو الحديث المشهور بـ «مقبولة عمر بن حنظلة» وهو أهم الأدلة النقلية عند أنصار ولاية الفقيه كافة ….
فهو يتبنى مبدأ«ولاية الفقيه» بناءً على هذا الدليل النقلي، ويرى أنه كافياً للدلالة، إذ «الثابت بهذه الرواية تسلّط الفقيه شرعاً، كسلطة الحاكم العرفي، وهو معنى الولاية العامة»([489]).
ثم يرى ثبوتها بمقدار ما دل عليه هذا الدليل([490]).
فالولاية عنده مقيدة إذن «في حدود الدليل الشرعي من ناحية، وتشخيص المصلحة العامة من ناحية أخرى»([491]).
فالأمر عنده «ليس دائراً بين أن يكون الفقيه ولياً عاماً كالإمام المعصوم تماماً، أو أن لا يكون ولياً عاماً على الإطلاق.
«إن الفقيه ليس كالمعصوم … ولم يدل الدليل على ذلك، فإن الدليل لم يكن عندنا إلا مقبولة عمر بن حنظلة، وهي لم تدل على هذا المقدار الواسع لنلتزم به، فإن الإمام عليه السلام لم يقل: إني جعلت للفقيه صلاحيات مثل صلاحياتي، وإن حجية فعله وقوله كالتي عندي، ولم يقل إني جعلته أولى بالناس من أنفسهم ـ في أنفسهم وأموالهم ـ وإنما قال فقط: فإني قد جعلته عليكم حاكماً»([492]).
وأهم من هذه المقارنات كلها ما سيظهر من فروق جوهرية أيضاً ستمنح الشورى ورأي الأمة دوراً أهم وأعمق، في ظل حكومة الولي الفقيه العادل نفسه، والتي أسس لها السيد الشهيد محمد باقر الصدر.
* * *
قصَّة المشروع السياسي
عند الصدر، وتطوُّره
الحقبة الصدرية
لا بدّ لأي نهضة فكرية أو سياسية، في أي مجتمع، أن يكون لها عواملها التاريخية التي أسهمت في صناعتها، ذلك أن الظاهرة، أي ظاهرة كانت، لا يمكن أن تكون منفصلة عن عوامل الزمان والمكان.
كان هناك رشد متنامٍ في الوعي الديني، ساعدت على إذكائه تحديدات خارجية كبيرة، فقد وجد الإسلاميون أنفسهم مرغمين على تقديم حلول وإجابات الإسلام على مشكلات العصر، لا من خلال الفتاوى المستحدثة التي لا تعالج إلا مشكلات فردية وعلى نطاق محدود، بل كان عليهم أن يقدموا للعالم الإسلامي بالدرجة الأولى أطروحات الإسلام المتكاملة التي ينبغي أن يقدمونها بديلاً عصرياً عن أطروحات الراسمالية والماركسية والاشتراكية والقومية.
وهذا هو الذي يفسر سر النجاح المنقطع النظير الذي حظي به كتاب (عبد القادر عودة) في التشريع الجنائي الإسلامي، لقد كان هذا الكتاب من نتائج الحقبة الصدرية نفسها، لكن في مصر، وقد أعدم صاحبه على يد عبد الناصر الذي كان يقود توجهاً عروبياً قومياً اشتراكياً.
في العراق، وفي الحقبة ذاتها ابتدأ الخطاب الفكري الإسلامي خطواته النوعية الأولى في افتتاحيات (مجلة الأضواء) التي كان يكتبها الفقيه الشاب المبدع والموهوب، محمد باقر الصدر، الذي كان في تلك الأثناء يُعدّ لأهم مشروع فكري إسلامي يقارع النظريتين اللتين تحكمان العالم بأسره، الرأسمالية والاشتراكية، في جذورهما الفكرية ومتبنياتهما المعرفية وهيكليتهما النظرية، في كتابه (فلسفتنا)، ثم في جوانبها التطبيقية ودعائمها الرئيسية في كتاابه (اقتصادنا)، فذاع صيت الكتابين للأمر نفسه، أعني الحاجة الماسة إسلامياً إلى هذا الخطاب الجديد ….
ولقد ولد هذا الخطاب الجديد، في الخمسينيات وتنامى في ما بعد، مقدماً مصداقاً ميدانياً على قدرة الإسلاميين على إعادة إنتاج الذات، في عملية تعاطي مع معطيات الواقع داخل إطار الشريعة التي ستنظم عملية الإنتاج والنمو الذاتي والعلاقة مع الواقع ومعطياته، لتكون معالم لتسديد خطوات المسيرة، بدلاً من أن تكون قيوداً عليها من خلال رؤى غارقة في التقليدية على مستوى مناهج التفكير، كان عالمنا الإسلامي قد مني بها طويلاً.
ولد الخطاب الفكري الجديد وهو يحمل مقومات حياته وقدرته على النمو والبقاء، بديلاً عن الخطاب التقليدي الذي يولد ميتاً.
فلم يكن هذا الخطاب قادراً على منازلة النظريات المعاصرة وتقديم البديل الإسلامي المعاصر لو لم يتحرر من أطر كانت حاكمة على طرق التفكير، باحثاً عن أدوات جديدة في التعامل مع المعقول ومع المنقول، وفي التعاطي مع الواقع الذي كان مستبعداً تماماً طيلة قرون التخلف والنكوص الفكري في عالمنا الإسلامي.
لقد استطاع الكثير من أعلام هذه المرحلة تجاوز حالة اللاتاريخية في التعامل مع التراث البشري الإسلامي، ولعل ضعف الخطاب السلفي في العراق في هذه الحقبة مع تصاعد المدّ الإسلامي هو خير شاهد ميداني على هذه الحقيقة.
صحيح أن السهم الأوفر في هذا النتاج الفكري الجبار كان لرجل واحد، عبقري واحد، هو السيد محمد باقر الصدر، إلا أن هذا لم يشكل أدنى سلبية في الخطاب نفسه، فقد كانت هناك إسهامات أخرى جادة تكاملية على الميادين المتعددة، تدل هذه الإسهامات على ارتفاع مستوى الخطاب الفكري الجديد ليطبع ثقافة حقبة تاريخية بطابعه….
كمواصلة المنازلة المعرفية مع الماركسية والرأسمالية على يد السيد محمد الصدر، الشهيد الصدر الثاني، في كتابه (اليوم الموعود بين الفكر المادي والفكر الديني) والبناء التأسيسي على مستوى (فلسفة التاريخ) عند عماد الدين خليل.
لقد طبع هذا النوع من النتاج الفكري تلك الحقبة بكاملها بطابعه، وما يزال يمثل اللون الطاغي فيها.
هذه الحقبة، وعلى يد رائد حركة الفكر والوعي فيها السيد محمد باقر الصدر، طلعت على الدنيا بأروع إبداع فكري في ميدان المعرفة البشرية، متمثلاً (بالأسس المنطقية للاستقراء)، العمل الجبار الذي أسس للمعرفة بنى جديدة اكتسبت من خلالها قيمتىها الحقيقية.
إذن الإبداع والابتكار كان ميزة كبيرة ميّزت خطابنا الفكري الإسلامي في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين.
وكان يوازي حركة الإبداع والابتكار هذه حركة تجديد شاملة على مستوى العلوم والمعارف الإسلامية. فتأسست أكاديميات إسلامية أحدثت نقلة نوعية في مناهج البحث، فوجد من خلالها تراثنا الإسلامي طريقه إلى الحياة المعاصرة، ووجدت الحياة المعاصرة من خلالها أيضاً طريقها إلى الأصالة.
لقد أصبح فقه المجتمع فقهاً جديداً يتجاوز الفقه الفردي التقليدي، لقد امتلكنا إذاً أدواتنا التي نتعامل من خلالها مع الذات نقداً وتمحيصاً واستثارة واستنباطاً واستجلاءً.
صحيح أن نظرية الصدر في الفقه الاجتماعي لم تكتسح الساحة الفقهية التقليدية، لكنها أوجدت لنفسها في هذا الوسط موقعاً قوياً ستنهض منه على أثر أي عملية تثوير واستثمار وإحياء جادة. وهي اليوم تشق طرقها ولو ببطئ بعد أن أصبح الفقه المقاصدي يقرع الأبواب علينا من هنا وهناك.
هناك أيضاً ظاهرة كبيرة ميّزت خطابنا الفكري في هذه المرحلة، كبيرة الأهمية، أسس لها رواد المرحلة هذه، وهي بانتظار المزيد من التفعيل العلمي البناء، لقد استطاع الخطاب الفكري في هذه المرحلة أن يتجاوز القطيعة الفكرية بين التراثين السني والشيعي، تلك القطيعة التي رسخت في الأذهان كواحدة من الثوابت، استطاع الفكر الإسلامي الناهض أن يزحزحها، ليتجاوز أحادية الرؤية في تفسير النص الديني كسبيل وحيد لتقديم البديل النظري الإسلامي المتكامل في جوانب الحياة المختلفة.
والملاحظ أن الفكر الحركي كان أقدر على تجاوز تلك العقبة واقتحام أسوارها، فقد كانت رؤية الإخوان المسلمين واضحة في هذا الموضع، وقد نقلها إلى المستوى الفقهي في العراق عبد الكريم زيدان، أحد كبار الإخوان، وهو فقيه أيضاً، عندما قرّر في كتابه (المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي) أن الفقه الجعفري واحد من مصادر التراث الفقهي والعملي أسوة بالمدارسة الفقهية الأخرى المعتمدة عند أهل السنة.
وعملياً تجاوز رائد هذه الحقبة على امتدادها، محمد باقر الصدر، هذه القطيعة في مشروعه الكبير في ترسيم المذهب الاقتصادي الإسلامي عندما وضع التراث الفقهي الإسلامي كله على مستوى واحد من المرجعية.
كانت هذه قراءة إجمالية سريعة في الحقبة الصدرية، لعلها توفر إطلالة مهمة على قراءة المشروع السياسي.
البدايات السياسية
منذ الثانية والعشرين من عمره تبنى السيد الصدر التأسيس لمشروع سياسيٍّ يهدف إلى إقامة الدولة التي تقوم على أساس الإسلام في العراق.
في أجواء معقّدة، يسير هذا المشروع حين يتزعَّمه مجتهد له موقعه الديني والعلمي، معاكساً لاتجاه تيارين لا يشبه أحدهما الآخر … يمثّل الأول: التصوُّر الراسخ في الذهنية العامة في الوسط الحوزوي في السلبية المطلقة تجاه العمل السياسي، من جهة وتجاه التفكير بإقامة حكومة إسلامية، من جهةٍ أُخرى. فالذي ينتمي إلى حزبٍ إسلامي، محكوم عليه «بالانحراف عن خط الإسلام الصحيح، وبالارتباط بالاستعمار الكافر»! والحكم نفسه صادر سلفاً، بدرجةٍ أكبر بحقِّ «من يدَّعي ضرورة إقامة الحكم الإسلامي»([493]).
هذا التصوُّر الذي استطاعت الحوزة العلمية اقتحامه بعد الحرب العالمية الأولى، ومنذ سنة 1917م في تأسيس «جمعية النهضة الإسلامية» برئاسة السيد محمد بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري، ثم المواجهة المباشرة مع الإنجليز (1918م) ثم ثورة النجف على الإنجليز (1918م) بتبنٍ صريح من جمعية النهضة الإسلامية، ثم تأسيس «الحزب النجفي السري» سنة 1918م برئاسة جملة من علماء الدين، منهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ جواد الجواهري، والذي حظي بتأييد المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي، وتأسيس «الجمعية الإسلامية» في كربلاء في السنة نفسها، برئاسة الشيخ محمد رضا نجل الميرزا الشيرازي، وكان من أعضائها البارزين السيد هبة الدين الشهرستاني، ثم تأسيس «جمعية حرس الاستقلال» في شباط 1919م، والتي ضمَّت الشيخ محمد باقر الشبيبي، والسيد محمد الصدر، وشخصياتٍ أُخرى بينها: يوسف السويدي، والدكتور سامي شوكت.
هذا الوعي الديني والسياسي الذي تتوَّج في ثورة العشرين الخالدة (30 حزيران 1920م) أُصيب بعد سنتين من هذه الثورة الشعبية الكبرى بنكسةٍ كبيرةٍ على يد عبد المحسن السعدون، الذي تولَّى الوزارة في الحكومة الملكية في 25 حزيران 1922م، والذي قاد عمليات اعتقال ونفي واسعتين في صفوف علماء الدين الذين وقفوا بوجه الهيمنة البريطانية ومعاهدة سنة 1921م بين بريطانيا والحكومة الملكية العراقية. فأُصيبت تلك الساحة بجمودٍ وخيبة أملٍ كبيرين تراجع على أثرها الوعي الديني والسياسي كثيراً، ثُمَّ ترسَّخت معطيات الذهنية التراجعية على أثر عودة علماء الدين المنفيين إلى العراق بعد قبولهم بالشرط الذي فرضته الحكومة والذي يقضي عليهم بالتعهُّد بعدم التدخل في الأُمور السياسية.
هذا الوعي السياسي الذي بلغ أوجه في الأوساط الدينية في السنوات الخمس (1917 ـ 1922م) لم يكن يتجاوز الوعي بأهمية العمل السياسي وضرورة العمل الحزبي الذي باشره وأيده طلائع العلماء آنذاك، ولم يكن لمشروع الدولة الإسلامية ظهور في أفكار تلك المرحلة ومتبنِّياتها، بل غاية ما كان يطالب به زعماء ثورة العشرين، وفيهم الزعماء الدينيون، هو إقامة حكومة وطنية مستقلة، دستورية … فالاستقلال السياسي، والحياة الدستورية والبرلمانية التي تحدد سلطة الحاكم، كانت ذروة مطالب الثورة وأهدافها.
فقد جاء في الرسالة التي وقَّعها عدد من العلماء الثوريين وزعماء العشائر في صيف 1919م إلى الشريف حسين، الذي خاطبته الرسالة بـ «ملك العرب» بعد التحية وكلمات تمهيدية، جاء ما يلي: «طاف الحاكم الملكي العام في العراق واجتمع بكافة الزعماء والرؤساء والعلماء طالباً إليهم أن يبدوا رأيهم في النقاط التالية:
1 ـ في حدود المملكة العراقية، وما إذا كانت الموصل جزءاً من العراق أم لا.
2 ـ في الحكومة التي يرغبون فيها، والأمير الذي يملكونه في البلاد.
وبعد المداولات والمذاكرات أبلغوا الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق بأن الموصل جزءٌ لا يتجزَّأ من العراق …
وطلبوا إليه تأسيس حكومة عربية، دستورية، على أن يكون أحد أنجال جلالتكم ملكاً على العراق، كما يبلغكم تفصيله المندوب من قبل عموم العراقيين الشيخ محمد رضا الشبيبي»([494]).
وفي الرسالة الموجَّهة إلى الحاكم البريطاني على العراق في 6 مارس 1920م عربيةٍ وطنيةٍ يترأسها ملك عربي مسلم، مقيَّد بمجلس تشريعي وطني، هذه رغائبنا لا نرضى بغيرها، ولا نفتر عن طلبها»([495]).
ولمَّا استطاعت الزعامة الدينية أن تجد بعد عقود من الزمن فرصاً للتدخل في الشؤون السياسية، لم تكن تتجاوز تأييد العمل السياسي الإسلامي، إلى مشروع الحكومة الإسلامية، فغاية ما كان يطرحه المرجع الديني السيد محسن الحكيم، الذي مثّل الزعامة الدينية في هذه المرحلة، مرحلة تجدُّد الفرص لنشاط سياسي، وعودة الروح إلى الوعي الديني السياسي، هو دعم الأنشطة والمشاريع الاجتماعية والسياسية التي ظهرت في زمانه، حتى التي كانت تتبنَّى مواجهة السلطات، الملكية منها والجمهورية.
أما مشروع الدولة الإسلامية فلم يكن داخلاً في أهدافه أو متبنِّياته، مثّل هذا التصور العام والغالب، في بعديه، التيَّار الأول الذي يتعين على مشروع السيد الصدر الجديد أن يجري بخلاف اتّجاهه، لكنه كان يحظى بثقة السيد محسن الحكيم المطلقة.
ضغوط هذا التيار أرغمته على التخلي عن العمل المباشر في الحزب بعد ثلاث سنوات من تأسيسه، كما أرغمته على التخلِّي عن افتتاحية «الأضواء» بعد أن وصل تأثير تلك الضغوط إلى «جماعة العلماء» نفسها.
أما التيار الثاني: فكان تيار الاختراق الكبير اختراق الحركات السياسية المختلفة الوسط الديني الذي سيطرح فيه السيد الصدر مشروعه الجديد. فقد كان التيار الماركسي يكتسح أوساط المجتمع وحتى الأوساط الدينية منها بشكل مرعب، أما القليل من المتحمسين للعمل الإسلامي فقد انتظموا في صفوف حركة التحرير التي يتزعَّمها الشيخ النبهاني. وليس أمام السيد الصدر مساحة اجتماعية مهمة للعمل، إلا أن يخترق ـ إضافة إلى التيار التقليدي المغلق ـ هذه الاتجاهات السياسية مع ما توفّرت عليه من عمق تاريخي لا يتوفر لمشروعٍ وليد.
ولعلَّ أفضل ما نمثِّل به لمدى هذا الاختراق، حديثان لاثنين من شباب تلك المرحلة اللذين أصبح لهما موقع مهمٌّ في الحركة الإسلامية فيما بعد، يتحدثان عن نفسيهما:
الشيخ الشهيد عارف البصري، الذي أصبح من طلائع حزب الدعوة الإسلامية والمسهمين في تأسيسه، يتحدث عن صلته بحزب التحرير الإسلامي، وكان قد ترقَّى فيه إلى مواقع متقدمة، حتى حاول فتح فرع للحزب في النجف، ثم قطع صلته بالحزب على أثر كتاب أصدره الشيخ النبهاني في شأن الخلافة، وكتب إلى السيد محسن الحكيم يقول: «إنّي شابٌّ مسلم، تبنّيت الإسلام وأحببته، ولكن مع الأسف كنت أبحث في ظلِّ الإسلام الذي لا يمثّل فكر أهل البيت، وعليه فأنا الآن أُحبُّ أن آتي إلى النجف للدراسة في حوزتها العلمية، ولعل الله يوفّقني لخدمة أهل البيت وفكر أهل البيت»([496]). وبعد ذلك كانت له لقاءات مع الشهيد السيد مهدي الحكيم، كانت طريقاً له إلى السيد الصدر والانتماء لحزب الدعوة الإسلامية.
والسيد محمد باقر الحكيم: ابن المرجع الكبير آنذاك، وأخو السيد مهدي الحكيم الشابُّ اللامع في النشاط الإسلامي، يتحدث عن نفسه في تلك الأيام، فيقول: «أنا من عائلة علمية ودينية عريقة معروفة في أدائها لخدمة أهل البيت، وعندما ولدت كان والدي المرحوم مرجعاً من مراجع الإسلام يبلغ 53 عاماً من العمر، وعشت في هذه البيئة في النجف الأشرف، تحيطني هذه الظروف المحصنة، ومع ذلك فأنا تعرضت إلى ضغوطٍ، وكان بيني وبين السقوط في هاوية الضلال الماركسي شعرات»([497]).
مع النمطين، الأول والثاني، والأنماط الأخرى التي تتراوح بينهما، تعامل السيد الشهيد بروحٍ واحدة، حيث جعل المحور الأول في العمل السياسي هو «حُسن الظنِّ بالشباب العراقي المسلم، أولئك الذين ينتمون إلى أحزابٍ أُخرى، كالحزب الشيوعي والتيارات العلمانية، ذلك أنهم شباب متحمسون متطلّعون إلى المستقبل، ولا يعرفون عن إسلامهم شيئاً، وهم بانتمائهم إلى تلك الأحزاب إنما يريدون خدمة وطنهم عن أي طريق كان، ولو كانت هناك حركة إسلامية تأخذ بأيديهم وتستوعب تطلُّعاتهم المشروعة لما اختاروا غير الإسلام سبيلاً»([498]).
تلك الأجواء، والثانية منها خاصَّةً، قد انعكست بشكلٍ واضح على تراث السيد الشهيد، وملأ في مواجهتها مساحةً واسعةً من كتاباته، بل لعلَّ أهم كتاباته ما كانت إلا لمواجهة الأُسس الفكرية للماركسية بالدرجة الأولى، كما هو ملاحظ في «فلسفتنا» و«اقتصادنا».
النظرية السياسية
تشكيل الحزب السياسي ليس هو الغاية في ذاته عند السيد الصدر، وإنما هو الوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية. لذلك حدَّد منذ البداية ثلاث مراحل للحزب الذي أسّسه «حزب الدعوة الإسلامية» وهي:
1 ـ مرحلة تكوين الحزب وبنائه، والتغيير الفكري للأُمّة.
2 ـ مرحلة العمل السياسي التي يتمُّ خلالها جلب نظر الأُمة إلى الأطروحة الإسلامية للحزب ومواقفه السياسية، لتمارس الأُمَّة دورها في تبنِّي تلك المواقف والدفاع عنها.
3 ـ مرحلة استلام الحكم([499]).
فالحكومة الإسلامية في نظره ضرورة دينية وحضارية في آنٍ واحد …
«إن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان، وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتَّخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حقّقه الأنبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحقّ والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح.
قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾([500]).
وفي وعيٍّ تاريخيٍّ متقدِّمٍ يكتشف من هذا النصِّ «أن الناس كانوا أُمَّةً واحدةً في مرحلةٍ تسودها الفطرة، وتوحِّد بينها تصوُّرات بدائية للحياة، وهموم محددة وحاجات بسيطة، ثم نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة ـ المواهب والقابليات، وبرزت الإمكانات المتفاوتة، واتَّسعت آفاق النظر، وتنوعت التطلعات، وتعقدت الحاجات، فنشأ الاختلاف، وبدأ التناقض بين القويِّ والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجةٍ إلى موازين تحدد الحق وتجسد العدل وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم، يعيد توجيه تلك القابليات والإمكانات التي نمَّتها التجربة بالوجهة الإيجابية التي تعود على الجميع بالخير، بدلاً من أن تكون مصدراً للتناقض وأساساً للاستغلال.
في هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة، على يد الأنبياء ….
وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة … ووضع الله تعالى للدولة أُسسها وقواعدها»([501]).
فالدولة المنظَّمة، فوق كونها ضرورة حياتية، فهي مشروع أنجزه الأنبياء، ومارسوا أدوارهم البنَّاءة من خلاله وقد تولّى عدد كبير منهم الإشراف المباشر على الدولة، كداود، وسليمان وغيرهما، وقضى بعض الأنبياء كلَّ حياته وهو يسعى في هذا السبيل، كما هو حال موسى عليه السلام، واستطاع خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أن يتوَّج جهود سلفه الطاهر بإقامة أنظف وأطهر دولةٍ في التاريخ، شكَّلت بحقٍّ منعطفاً عظيماً في تاريخ الإنسان، وجسدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً»([502]).
فليس هناك كلام في مشروعية قيام الحكومة الإسلامية بعد هذا …
إنما الكلام في الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم الإسلامي في وقت غياب الحاكم المعصوم.
وقبل الدخول في هذا الموضوع، بين أيدينا مفارقة غريبة لا بد من التوقف عليها قليلاً:
كان السيد الشهيد يرى ضرورة العمل الحزبي في تلك المرحلة، لنشر الوعي الإسلامي على أوسع نطاق في الأُمَّة، تمهيداً لإقامة الحكم الإسلامي الذي يراه ضرورياً، لأنه رأى أن منهج العمل الحزبي هو أفضل أسلوب توصَّل إليه الإنسان في العصر الحديث.
يأخذ السيد محمد باقر الحكيم على السيد الشهيد هنا مؤاخذةً في غاية الغرابة، فيقول: «نرى أن هذه النقطة كانت ولا زالت تشكِّل نقطة ضعف مهمَّةٍ في هذه النظرية، حيث تفترض أن الإسلام الذي عالج مختلف القضايا في الكون والمجتمع قد ترك معالجة هذه النقطة في العمل السياسي، فلم يحدِّد المنهج العام، وإنَّما تركها نقطة فراغ يعالجها الإنسان حسب الظروف والتطوُّرات، مع أن التاريخ الذي يعرضه القرآن الكريم عن سير الأنبياء وأعمالهم لا توجد فيه أيُّ إشارةٍ إلى هذا المنهج»!!([503]).
مفارقة غريبة حقًّا! فكأنَّ المجتمعات يجب أن لا تُدار إلاّ على شاكلة الإدارات التي كانت على عهود الأنبياء عليهم السلام! فإذا كانت الحياة في تلك العهود بسيطة، يزاول فيها الفرد دور المؤسَّسة المعقَّدة اليوم، فلا بدَّ أن نلغي هذه المؤسسات كلها، ونعتمد على أسلوب العمل الفردي لأنه الأسلوب المذكور في تواريخ الأنبياء!
ثمَّ مَنْ مِن فقهاء الإسلام أو غيرهم يزعم أن الإسلام قد حسم القول في تحديد المؤسسات الاجتماعية وطرق إدارتها إلى الأبد، ليضرب الخناق على المجتمع في قالبٍ واحدٍ ستجتازه حركة التاريخ وتخلّفه إلى الوراء رهناً بزمانه ومكانه؟ اللهم إلا أن يكون من صغار السلفية الذين لم يجاوزوا في تعلّمهم حدود التلاوة ولا الحفظ، أو من ذوي الاتجاه الباطني الذي ضرب بينه وبين الحياة المدنية حجباً لا حصر لها … ولم يكن صاحب هذه الاعتراض من هؤلاء ولا من أُولئك.
على أي حال فهو اعتراض لا يوافقه عليه أحد، لا سيما من أهل هذا العصر، وأول الرادين عليه سيكون السيد محسن الحكيم نفسه الذي نشأت هذه الظاهرة الحزبية في أيامه وحظيت بمواقف إيجابية منه تجاهها ….
بل نقل عنه أنه كان يتخوف من عواقب نهضة الإمام الخميني لسبب يراه مهماً للغاية، وذلك أن الإمام ليس له حزب سياسي سيمسك بالسلطة بعد انتصار الثورة، فلعلّ الإمام يقوم بالثورة ثم يستلم الحكم حزب تودة الشيوعي لأنه حزب سياسي منظّم([504])!
بل كان الإمام الخميني هو الراعي الأول لتشكيل الحزب الجمهوري بقيادة السيد الدكتور بهشتي المعروف بوعيه الديني والسياسي ونهجه الثوري والتجديدي، لقد كانت الاجتماعات التأسيسية لهذا الحزب تعقد عند الإمام الخميني، ثم كان هو الذي موّل المؤتمر الأول للحزب … وبعد انتصار الثورة واستقرارها وظهور خلافات بين أقطاب الحزب الجمهوري كان رأي كبار رجاله أن يحلّ الحزب حسماً للأمر.
يقول الشيخ هاشمي رفسنجاني: عندما عرضنا هذا الرأي على الإمام الخميني قال لنا: حلّوا مشاكلكم ولا تحلّوا الحزب([505]) …
أما العلماء الذين رأوا في تأسيس الصدر حزباً سياسياً في تلك الظروف واحداً من معالم إبداعاته على صعيد الفكر والعمل فهم كثيرون، عاصرهم صاحب الاعتراض، منهم: السيد محمود الهاشمي، الشاهرودي، والسيد كاظم الحائري، والسيد الموسوي الأردبيلي الرئيس الأسبق للسلطة القضائية الإيرانية([506])، وغيرهم كثير.
المهم هو أن دور الكتاب والسنة والفقه في المعاملات السياسية دور التنظيم والتوجيه، وليس دوره التأسيس والإبداع. ولو كان الإسلام قد أعلن أن على الناس استخلاص أساليب الحياة من الكتاب والسنة والفقه لما استطاع التمدد خارج جزيرة العرب إطلاقاً.
إن السر في الامتداد السريع للدين الإسلامي ـ اتساع العقيدة الإسلامية في المجتمعات المختلفة ـ هو اعترافه بالأساليب المتفاوتة للحياة الإنسانية في المجتمعات المختلفة، وعدم سعيه لإلغائها أو مناهضتها، والاكتفاء بالتدخل فيها بمقدار ما يضمن انطباقها على السلوك الديني والأخلاقي في الإسلام. يكتب الإمام علي عليه السلام في عهده المعروف إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر: «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة» وهذه فكرة مستمدة من التصوّر القرآني. فالقرآن الكريم يرى قدرات الإنسان ومهاراته الفكرية والعملية في اكتشاف سبيل الحياة وإدارتها من آيات التدبير والعناية الإلهية في العالم. إنه يرى الإنسان حاكماً على الأرض، ومعمّراً لها، ومستخدماً باقي الموجودات فيها، وموجد الحضارة والثقافة في أرجائها.
وبهذا التشخيص يعلن القرآن الكريم أن الهداية الإلهية لا تبلّغ للإنسان عن طريق الأنبياء وحسب، وإنما الحلول الإنسانية لمعضلات الحياة وترتيب شؤونها هي الأخرى هداية إلهية. إن كرامة الإنسان في القرآن لا تنبع فقط من قابليته على معرفة الباري عز وجل، بل أيضاً من مهاراته في ركوب البر والبحر وتسخير المياه واليابسة، وما إلى ذلك من القدرات التي منّ الله بها على الإنسان تكريماً له. فالقرآن يكرم الإنسان المتعدد الأبعاد والجامع للدين والتمدن، دون الإنسان المنحاز إلى بعد بذاته والنائي عن سائر أبعاد الحياة الحضارية والاجتماعية([507]).
أساس نظام الحكم
في الإسلام:
في تحديد هذا الموضوع تنقَّل السيد الصدر بين ثلاث نظريَّات، في مراحل عمله السياسي، كأساسٍ لنظام الحكم.
خاص الصدر عملية الاكتشاف هذه بنفسه ليؤسِّس لمشروعه الجديد، فتوصَّل أولاً إلى اعتماد «نظرية الشورى» أساساً لنظام الحكم في الإسلام. مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾([508]).
وأثبت هذا في ما كتبه لحزب الدعوة تحت عنوان «الأُسس».
ثمَّ تخلَّى عن مبدأ الشورى، حين رأى أن أدلَّته الشرعية وإطاره العام لا يوفران لرأس النظام السياسي الصلاحيات الشرعية الكافية لممارسة دوره المطلوب تشريعياً ـ في دائرة الفراغ التشريعي ـ وتنفيذياً … ليقرِّر بعد ذلك مبدأ «ولاية الفقيه» أساساً لنظام الحكم في الإسلام([509]).
ولهذا المبدأ جذوره التاريخية، فحكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان لها امتدادها في «الإمامة» …. وكما كانت الإمامة امتداداً للنبوة، فقد امتدت هي الأخرى «في المرجعية … وتحمَّلت المرجعية (أعباء هذه الرسالة العظيمة، وقامت على مرَّ التاريخ بأشكال مختلفة من العمل في هذا السبيل، أو التمهيد له بطريقة وأُخرى» إصراراً على «التعلق بدولة الأنبياء والأئمة، دولة الحق والعدل التي ناضل وجاهد من أجلها كلُّ أبرار البشرية وأخيارها الصالحين»([510]).
ولم يكن مبدأ «ولاية الفقيه» بالذي يقرِّب صاحبه من سلطة الحوزة، بل على العكس تماماً، فالثقل الحوزوي المتمثِّل بالمراجع وأقطاب الحوزة كان يقف منه موقفه من مبدأ الحكومة الإسلامية نفسه، وباستثناء الإمام الخميني لم يشارك الشهيد الصدر فقيهٌ من زعماء الحوزة المعاصرين هذا الرأي.
ولم يمثل الاختلاف في الاجتهاد الفقهي إلاّ واحداً من أسباب الخلاف في هذه المسألة، وليس هو كلُّ السبب، فالمبرَّرات «الاستحسانية» التي كان يتذرَّع بها الفقيه في تجنُّب العمل السياسي حاضرة هنا أيضاً، كالخوف من ضياع هيبة «رجل الدين» في المجتمع إذا ما زاول العمل السياسي.
يلاحظ هنا أن الذين وقفوا ضد مبدأ ولاية الفقيه، من المراجع الدينيين خاصة، لم يكونوا يمارسون العمل السياسي، أو يتبنُّون مبدأ إقامة الحكومة الإسلامية، وفقاً لنظرية أُخرى، كالشورى أو غيرها، بل كانوا يقفون موقفاً سلبياً من ذلك كلَّه، أو لم يكن لديهم تصوّر واضح للفقه السياسي الإسلامي على هذا المستوى.
يعلِّق أحد تلامذة الشهيد الصدر على هذا الرأي الأخير تعليقاً لا يخلو من قسوة، فيصفه بأنَّه «ذوق فقهي سقيم» مستفيداً من قول صاحب الجواهر: «إن من أنكر ولاية الفقيه فهو لم يذق طعم الفقه الصحيح» إذ كيف يستجيز هؤلاء القطع بعدم رضى الشارع في ترك أموال اليتيم، أو المال المجهول المالك بدون وليٍّ، أو أن الحقوق الشرعية قد تُركت حتماً وعلى سبيل الجزم في يد الفقيه الجامع للشرائط، فإذا انتقل الأمر إلى الأحكام الاجتماعية الإسلامية العظيمة، يُقال بأننا لا نستظهر رضى الشارع بالولاية فيها؟!([511]).
أما عند السيد الشهيد فالأمر يعود إلى جذوره التاريخية البعيدة، حيث انعزل الفقيه الشيعي عن الحياة الاجتماعية والسياسية تحت حكم الظروف السياسية الصعبة، ليحصر اهتمامه في فقه الأفراد الذي ينتهي عند الفتاوى المتعلِّقة بحلول مشكلات فردية، الأمر الذي تحوَّل مع الزمن إلى اتِّجاهٍ ثابتٍ لدى الفقهاء.
وأما من الناحية السياسية، فإن مبدأ ولاية الفقيه سينقل المرجعية إلى مواجهةٍ حقيقيةٍ جادَّةٍ مع السلطة، حتى في حال عدم مزاولة العمل من أجل تحقيق الدولة الإسلامية، ذلك لأنَّه يجعل المرجعية دولةً مستقلةً في داخل الدولة، وهذا ما تحسب له السلطة السياسية كلَّ الحسابات.
غير أن هذه الأطروحة لم تكن هي الصورة النهائية في فكر الصدر، بل لم تكن كما يبدو أكثر من محاولة لمعالجة ما رآه الصدر ثغرةً في أصل مشروعية رأس النظام ومساحة صلاحياته الشرعية ومصدرها، وقد أدرك جيداً أن هذا المفصل على أهميته ليس هو كل شيء في نظام الحكم، فلا ينبغي أن تأتي معالجاته على حساب المفاصل الأخرى للنظام السياسي، من هنا فإن أطروحته هذه لم تأخذ مداها في نتاجه الفكري، ولم تحقق له الاطمئنان في ما كان يصبو إليه من تقديم الأطروحة المتكاملة لنظام الحكم في الإسلام، فما زالت نظرية الشورى التي آمن بها وانعكست في أدبياته وآثاره تحتل موقعها المهم في قناعاتها، الأمر الذي يصوّر أطروحته الأخيرة في «ولاية الفقيه» على أنها أقرب إلى القلق الفكري، منها إلى النظرية المتكاملة، وهذا ما يفسر مضيّه في البحث الجاد وراء هذا الموضوع.
فما زال في حركة دائبة من حول نظريته، من جميع الوجوه؛ الأدلة الشرعية، والتاريخية، والطبيعة الواقعية للنظرة في ظلِّ معادلات الحياة المتغيِّرة، الأمر الذي نقله إلى «الوسطية» في الجمع بين مبدأ «الشورى» ومبدأ «ولاية الفقيه» في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تنظيره في هذا المشروع، وقد انعكس هذا في بحوثه الأخيرة التي ضمَّنها كتابه المعنون بـ «الإسلام يقود الحياة»([512])، بل انعكست في سائر أدبياته السياسية في ما بعد، ومنها أطروحته في دستور الجمهورية الإسلامية.
التأسيس لدستور الجمهورية الإسلامية
هنا تتكامل صورة الرجل المفكِّر المتأهِّب دائماً للإجابة على الأسئلة المتجدِّدة التي فرزها المتغيِّر التاريخي، المفكر الذي يدرك تماماً ما يريد، ويعي بدقَّة إلى أين سينقله هذا الذي أراده، فلا يتلكَّأ أمام التحدِّيات الجديدة، ولا تستنزف المتغيِّرات المتسارعة مخزون وعيه لمعادلات الحياة.
وهنا أيضاً يتكامل مشروعه السياسي، الذي ابتدأ بتقدير الأُسلوب اللازم للتغيير، في عمل سياسيٍّ منظَّم، ووعي طبيعة هذا العمل بدقَّة، ليضع له نظامه الداخلي ويحدِّد له أهدافه ومراحله وثقافته العامة، ثم يحدد الأدوار الضرورية للانتقال بالوعي السياسي العام إلى المرحلة الجديدة، ليقود في عمليةٍ متحرِّكة حركة التغيير في المجتمع، ويضع لما قد يترتَّب على النقلات النوعية في عملية التغيير من احتمالات حلولها التي لا تسمح بضياع الجهد والعودة إلى الوراء إثر قفزة قد لا تستوعب الأُمَّة مداها … مؤطّراً هذه الخطوات العملية كلَّها بأُطرها الفكرية المتينة التي تشكِّل المادَّة الأساسية في ثقافة المرحلة وأُسسها النظرية.
وحين يبرز التحدِّي الجديد في قيام الدولة، يستدعي وعياً دقيقاً للمرحلة الجديدة من المواجهة والأنماط الجديدة من التحديات، فيضع السيد الشهيد أول أطروحةٍ لدستور الدولة الإسلامية في العصر الحديث، تأسيساً للبنية الأساسية للحكومة…
وفي هذا التأسيس ستبرز ملامح الأساس النظري الذي اعتمده لنظام الحكم، والذي تمثَّل بالجمع بين «الشورى» و«ولاية الفقيه» وعلى أساس هذه النظرية يحدِّد المفاصل الأساسية في دستور الدولة الإسلامية، بالآتي:
1ـ «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً».
«وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حرٌّ، ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه ….
وبهذا يوضع حدٌّ نهائي لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان».
فالحاكم والمحكوم سواء أمام القانون، وليس الحاكم ظلُّ الله في الأرض، ولا ثمَّة ثيوقراطية، أو أي شكل من أشكال الحكم اللاهوتي الذي يحول الحاكم الديني إلى مستبدٍّ بطريقته الخاصة، ولا معنى «للحقِّ الإلهي الذي استغلَّه الطغاة والملوك والجبابرة قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإن هؤلاء وضعوا السيادة اسمياً لله، لكي يحتكروها واقعياً وينصّبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض».
فليس الفقيه الحاكم «الولي الفقيه» سلطاناً من هذا النوع إذن. إنه المكلّف بتطبيق الشريعة وحماية القانونم، لا بتوظيف الشريعة والقانون لحمايته.
2 ـ «إنّ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى أنها هي المصدر الذي يُستمدُّ منه الدستور، وتُشرَّع على ضوئه القوانين في الجمهورية الإسلامية.
وذلك على النحو التالي:
أولاً: إن أحكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعتبر، بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية، جزءاً ثابتاً في الدستور، سواء نصَّ عليها صريحاً في وثيقة الدستور، أو لا.
ثانياً: إن أي موقفٍ للشريعة يحتوي على أكثر من اجتهاد، يعتبر فيه نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستورياً، ويظلُّ اختيار البديل المعيَّن من هذه البدائل موكولاً إلى السلطة التشريعية التي تمارسها الأُمّة على ضوء المصلحة العامَّة.
ثالثاً: في حالات عدم وجود موقفٍ حاسمٍ للشريعة، من تحريم أو إيجاب، يكون للسلطة التي تمثِّل الأُمَّة أن تسنَّ من القوانين ما تراه صالحاً، على أن لا يتعارض مع الدستور. وتسمَّى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ …».
هكذا تتحرَّك الشريعة مع الحياة ومستجدَّاتها ومع المصالح العامة للناس، في أطروحة كاشفة عن إدراك دقيق، وعمق كبير في فقه الشريعة وفقه الحياة على السواء، وهو من أهمَّ ما يميِّز مشاريع الصدر في الأصعدة المختلفة؛ معرفة، سياسة، فقه، اقتصاد، اجتماع، تاريخ، وحتى السلوك الشخصي.
فالاجتهادات المتعدِّدة في المسألة الواحدة، بدائل، لا يلغي بعضها بعضاً، وإنما تُحدّد قيمتها الحقيقية من مدى صلتها بالحياة الاجتماعية وانسجامها مع المصلحة العامَّة.
أُطروحة متماسكة تماماً مع مشروعه الفقهي، الذي تقدّم الحديث عنه، في الفقه المتحرِّك، فقه المجتمع، روح الشريعة، وغيرها من أُسس نظرية وفَّرت تكاملية المشروع الفقهي الجديد.
والنقطة الثانية المهمة هنا هي أن هذه المساحة الواسعة من التحرك في اختيار البدائل، وفقاً للمصلحة العامة، من بين الاجتهادات المتاحة في الشريعة، أو سنَّ التشريعات الجديدة، هي من مهمة السلطة التشريعية، أي مجلس الشورى، الذي ينتخبه الشعب، كما ستعرّف به النقطة اللاحقة.
3 ـ «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أُسندت ممارستها إلى الأُمّة، فالأُمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحقُّ هو استخلاف ورعاية مستمدّة من مصدر السلطات الحقيقي، وهو الله تعالى».
تمثل هذه النقطة عصب النظرية السياسية، فقد حسمت القول في صاحب الحق في ممارسة السلطة، وهو هنا «الأمة» بناءً على مفهوم «الاستخلاف» فالأمة قد استمدّت سلطانها على نفسها من مصدر السلطات الشرعي، الذي استخلفها في الأرض وأوكل إليها مهمة إعمارها، وحمّلها مسؤولية أعمالها واختياراتها.
وبناءً على هذا فإن الأمة لا بدّ أن تمارس حقّها الشرعي في انتخاب من يقوم بإدارة البلاد والوقوف على مصالحها، وهو رأس السلطة التنفيذية، وأيضاً حقها الشرعي في انتخاب ممثليها في مجلس الشورى، السلطة التشريعية … وأن الوقوف أمام هذه الحق سيكون سلباً لحق الأمة وعدواناً عليها.
فما هو دور الولي الفقيه إذن؟
4 ـ «المرجع هو النائب العام عن الإمام من الناحية الشرعية» وعلى هذا الأساس يكون هو «الممثَّل الأعلى للدولة، والقائد الأعلى للجيش» ويتولَّى «ترشيح، أو إمضاء ترشيح الأفراد الذين يتقدَّمون للفوز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية» وتولِّى «إنشاء ديوان المظالم ـ السلطة القضائية ـ في كلِّ البلاد».
5 ـ ويكون للأُمَّة «الخلافة العامة، على أساس قاعدة الشورى، التي تمنحها حقَّ ممارسة أمورها بنفسها، ضمن الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام».
ومن النقطتين الأخيرتين يتحدد دور «الولي الفقيه» بالإشراف والرقابة على سير النظام، وسياسة السلطات الثلاثة، وحراسة حق الأمة.
فما تزال الامة هي صاحبة الحق في السيادة على نفسها، ولم ينتقل هذا الحق إلى الولي الفقيه، وإن كان هو النائب عن الإمام المعصوم، وهذا ما تزيده وضوحاً النقطة السادسة والأخيرة…
6 ـ فالأُمّة «هي صاحبة الحقِّ في الرعاية وحمل الأمانة، وأفرادها جميعاً متساوون في هذا الحقِّ أمام القانون، ولكلٍّ منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحقِّ عن آرائه وأفكاره، وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله، كما لهم جميعاً حقُّ ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية».
هذه المواد الأساسية قد شكَّلت بالفعل موادًّا أساسية في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.
وفي ظلِّ الأساس الذي اعتمده السيد الصدر لنظام الحكم، وفي إطار هذا الهيكل الدستوري، ستكون مرفوضة «إسلامياً نظرية القوَّة والتغلُّب، ونظرية التفويض الإلهي الإجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطوُّر الدولة عن العائلة».
ومن ناحية وظيفة الدولة سيكون مرفوضاً «المذهب الفردي، أو مذهب عدم التدخُّل المطلق [أصالة الفرد] والمذهب الاشتراكي، أو أصالة المجتمع» لتكون وظيفة الدولة هي «تطبيق شريعة السماء التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع، لا بوصفه وجوداً هيجلياً [نسبة إلى هيجل] مقابلاً للفرد([513])، بل بقدر ما يعبِّر عن أفراد وما يضمُّ من جماهير تتطلَّب الحماية والرعاية»([514]).
مواد أُخرى تحدِّد دائرة الحكومة
دور الأُمَّة، الضمانة الحقيقية لدرء خطر الاستبداد، ما زال يتصاعد في أُطروحة الصدر، ليضيف لصالحه مواداً تسهم في ترسم حدود دائرة الحكومة العليا في البلاد.
فثمَّة فرق جوهري بين دور المعصوم «الشهادة» ودور المرجع الفقيه «الخلافة» … الخطَّان كانا مندمجين في شخص النبيِّ أو الإمام، وذلك لأن هذا الاندماج لا يصحُّ إسلاميًّا إلا في حالة وجود فرد معصوم قادر على أن يمارس الخطَّين معاً، «وحين تخلو الساحة من فرد معصوم فلا يمكن حصر الخطَّين في فردٍ واحدٍ»([515]).
لكن في حالة واحدة سيجتمع الخطَّان في شخص المرجع، ذلك «ما دامت الأُمَّة محكومة للطاغوت ومقصيَّةً عن حقّها في الخلافة العامَّة … وما دام صاحب الحقَّ في الخلافة العامَّة ـ الأُمَّة ـ قاصراً عن ممارسة حقّه نتيجةً لنظام جبَّار، فيتولَّى المرجع رعاية هذا الحقَّ في الحدود الممكنة».
«أمَّا إذا حررت الأُمّة نفسها، فخطُّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس ركائز الاستخلاف الربَّاني»([516]).
فالحقُّ ما زال للأُمّة في قيادة نفسها واختيار قادتها، ولا يمكن إغفاله حتى مع وجود القائد المعصوم، فمع «أن البيعة للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلُّص منها شرعاً، لكن الإسلام أصرَّ عليها، واتَّخذها أُسلوباً من التعاقد بين القائد والأمة، لكي يركِّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامَّة للأُمَّة»([517]).
من هنا فإن المرجعية وإن كانت كخطّ «قراراً إلهياً» إلا أنها كتجسيدٍ في فردٍ معيَّنٍ «قرار من الأُمَّة»([518]).
أما كيف ستمارس الأُمَّة دورها في الخلافة العامَّة، فإن ذلك يتحدد في الإطار التشريعي «للقاعدتين القرآنيتين»:
القاعدة الأُولى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾([519]).
القاعدة الثانية: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾([520]).
فإن النص الأول يعطي الأُمَّة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نصٌّ خاصٌّ على خلاف ذلك، والنصُّ الثاني يتحدث عن الولاية، وأن كل مؤمنٍ وليّ الآخرين، ويريد بالولاية تولي أموره، بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنصُّ ظاهر في سريان الولاية بين كلِّ المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية.
وينتج عن ذلك: الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف.
وهكذا وزَّع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطَّين بين المرجع والأُمَّة … بين الاجتهاد الشرعي والشورى الأمنية … فلم يشأن أن تمارس الأُمَّة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها ويشرف على سلامة المسيرة ويحدِّد لها معالم الطريق من الناحية الإسلامية، ولم يشأ من الناحية الأُخرى أن يحصر الخطَّين معاً في فرد، ما لم يكن هذا الفرد مطلقاً، أي معصوماً.
فلا بدَّ أن تشترك المرجعية والأُمَّة في ممارسة الدور الاجتماعي الربَّاني، بتوزيع خطَّي الخلافة والشهادة وفقاً لما تقدَّم.
وهكذا نعرف أن دور المرجع كشهيدٍ على الأُمَّة دور ربَّاني لا يمكن التخلي عنه، ودوره في إطار الخلافة العامَّة للإنسان على الأرض دور بشري اجتماعي، يستمدُّ قيمته وعمقه من مدى وجود الشخص في الأُمَّة وثقتها بقيادته الاجتماعية والسياسية([521]).
وبعبارةٍ أُخرى فإن المرجع «بوصفه جزءاً من الأُمَّة، يحتلُّ موقعاً من الخلافة العامة للإنسان على الأرض، وله رأيه في المشاكل الزمنية لهذه الخلافة وأوضاعها السياسية بقدر ما له من وجودٍ في الأمة وامتدادٍ اجتماعي وسياسي في صفوفها»([522]).
إذن وجود المرجع في الأمة، بين صفوفها، يعيش مشكلاتها الزمانية، ويعيها بعمق، ويباشر معالجة قضاياها الاجتماعية والسياسية بما تتطلَّبه لغة الزمان من أدوات وآليات للمعالجة، هذا وحده هو الذي يمنح المرجع صفة المرجعية، ويوفِّر له الحقُّ في ممارسة دوره القيادي والإرشادي في الأمة، شريطة اختيار الأمة له الكاشف عن ثقتها بقيادته الاجتماعية والسياسية.
والذي يستفاد من هذا كله أن الحق في السياة ـ وفق هذه النظرية ـ إنما هو للأمة، وإنما يكتسب الفقيه حقه من أمرين، أولهما: توفّره على عنصري الاجتهاد والوعي بالفكر الإنساني المعاصر، وثانيهما: انتخاب الأمة له، الذي قد يكون عن طريق رجوعها الطوعي إليه دون سواه، كما كان من الإمام الخميني في إيران، أو عن طريق الممثلين الذين ينتخبهم الشعب لهذه المهمة، أو عن طريق الانتخاب المباشر.
هذا النطاق الواسع للشورى ودور الأمة، والذي تأخذ الأمة من خلاله دورها الطبيعي والحقيقي في الحياة الاجتماعية والسياسية، لم نلمسه في آثار تلامذة الشهيد … فالسيد كاظم الحائر يحصر الأمر كله بالفقيه، الولي، أما حق الأمة في انتخاب ممثليها فليس له أصالة عنده، بل هو راجع لمقتضيات المصلحة([523]).
وعلى العكس من تأكيدات السيد الشهيد على حقّ الأمة وعلى مبدأ الشورى، تأتي تأكيدات السيد محمد باقر الحكيم على تهميش الشورى والتركيز على إعطائها دور «المشورة الفردية» لا غير، معرضاً عن أدلَّة الشورى، مركِّزاً على أحاديث أخلاقية فردية تؤكِّد على المشورة ودورها في حياة الفرد، في محاولةٍ واضحةٍ لاختزال هذا المفهوم الكبير لصالح سلطة الفرد الحاكم([524]).
ولم تقف المسألة عند حدود الاختلاف في الرأي، بل حتى وهو يعرض فكر الشهيد نفسه وأطروحته في هذا المحور، نراه يعمد إلى اختزال مساحة الشورى ودور الأمة بشكلٍ مفرط، لا ينسجم أبداً مع ما كتبه السيد الشهيد بنفسه، وأثبتناه هنا([525])!
مواصفات المرجع «الولي الفقيه» ـ الرؤية الجديدة
معركة الشهيد الصدر مع الوضع السائد في المرجعية التقليدية معركة صعبة، ذات جوانب متعدِّدة، أفصح عن بعضها في الهيكل الذي رسمه لنظام «المرجعية الصالحة» أو «الرشيدة» هذا العنوان الذي ينعكس بوضوحٍ على تقييمه للتقليد المرجعي السائد، والذي يحاول إصلاحه.
لكنه تكتَّم على بعض جوانبها، وصبر، لأنه لا الحوزة التقليدية ولا المجتمع المرتبط بها ارتباطه بالمقدَّس، قادر على استيعاب رؤيته الجديدة وأُطروحته الإصلاحية الكبيرة، فأحجم عن كتابة «مجتمعنا» بعد أن كان قد أعلن عنه، ووضع خطوطه الأولى، أحجم عن ذلك قائلاً: «إن مجتمعنا لا يسمح بـ (مجتمعنا)».
وحتى حين وضع مواد الدستور، وهو في ذروة صراعه السياسي مع السلطة، لم يستطع أن يتجاوز العرف السائد، في محيط المرجعية، إلا بالإشارة التي تحتاج إلى كثيرٍ من الشرح المعمَّق، معتمداً في ذلك كله على مواضع أُخرى أثبت فيها مواصفات المرجعية الحقَّة وشروطها، وفي مناسبات أُخر، وبقدرٍ وافٍ إلى حدٍّ كبيرٍ لما تضمَّنته من تحديدات، وهو غير مستغنٍ أيضاً من مزيدٍ من الشروح لما تضمَّنه من دلالات.
ففي حديثه عن دور المرجع في الشهادة والرقابة على الأمة، يقول «والوعي بالواقع القائم مستبطن في الرقابة التي يفترضها مقام الشهادة..
إذ لا معنى للرقابة بدون وعيٍ وإدراكٍ لما يراد من الشهيد مراقبته من ظروفٍ وأحوال».
ليأتي إلى تحديد الشرط الجديد الذي يضيفه هنا ليكون المرجع مرجعاً بحقٍّ، فبعد كونه، أي المرجع «عالماً على مستوى استيعاب الرسالة» و«عادلاً على مستوى الالتزام بها والتجرُّد عن الهوى» …
لا بدّ أن يكون أيضاً: «بصيراً بالواقع المعاصر له، وكفوءاً في ملكاته وصفاته النفسية»([526]).
ولهذا النصُّ شرح وافٍ إلى حدٍّ كبير، على إيجازه، فهو يعرِّف المرجع تعريفاً يدخل في صلبه هذا التعريف الجديد، جزءاً لا يتجزَّأ عن حدَّه، فالمرجع: «هو الإنسان الذي اكتسب من خلال جهدٍ بشري ومعاناةٍ طويلةٍ الأمد، استيعاباً حيًّا وشاملاً ومتحرِّكاً للإسلام ومصادره، وورعاً معمَّقاً يروض نفسه عليه حتى يصبح قوَّة تتحكَّم في كلِّ وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروفٍ وملابسات، ليكون شهيداً عليه»([527]).
فهذا هو المرجع الذي تحدث عنه الصدر دائماً، وهذه هي المرجعية التي أرادها، وحسب …
وله صياغة أُخرى أكثر إيجازاً بكثير، وضعها في (الفتاوى الواضحة) بعبارة «الكفاءة واللياقة من الناحية الدينية والواقعية»([528]). ولولا نصوصه المتقدِّمة لبقيت هذه العبارة معمَّاة تحتاج إلى الكثير من البيان والاستدلال لتوجيهها وجهتها المطلوبة …
وهذا ما فعله السيد محمود الهاشمي في بحثٍ جادٍّ([529]) في مواصفات وشروط المرجعية، إذ انطلق من هذه العبارة الأخيرة فقط دون الرجوع إلى النصوص المتقدِّمة لكننا سنرى كيف كانت شافعةً له مؤيدةً لنتائج بحثه.
السيد محمود الهاشمي ينطلق من مبدأ «الكفاءة واللياقة» ليثبت «في بحثٍ علميٍ دقيقٍ للمرجعية … أنَّها لا بدَّ من أن تكون في أيدي أشخاص ينبغي أن يكونوا ـ مضافاً إلى إحرازهم النواحي العلمية ـ ذوي كمالات أُخرى تبعث على لياقتهم للمرجعية … تجعله (المرجع) لائقاً لقيادة المجتمع، ولأن يصير قائداً له، شرائط خاصَّة جامعها (اللياقة والكفاءة) في قيادة مقلديه» وهذا أمر مطلوب حتى لو كان مقلِّدوه مجموعة صغيرة «فكيف إذا كانت قيادته على مستوى قيادة الدولة وحاكميَّتها؟»([530]).
ليستنتج من هذا أن القدر المتيقِّن من الدليل الشرعي على التقليد «يلغي كثيراً من هؤلاء المجتهدين التقليديين، وتشملهم أصالة عدم الحجِّية، وأصالة عدم جواز تقليدهم، وعدم حجّية فتاواهم»([531]).
ولعلَّ الظرف الذي تحدَّث فيه السيد التلميذ قد هيَّأ له فرصته الكافية لأن يثأر لأُستاذه الذي قضى وهو يحبس في صدره الكثير مما لا يطيقه الوسط الحوزوي آنذاك، فحمل قائلاً: «ليس الأمر كما نتصوَّر، حيث نذهب إلى الحوزة، ونتعلَّم قليلاً، ونتعمَّق في بعض المسائل ثم نجعل ما حصلنا عليه في الحوزة هو المبنى والمنطلق لكلِّ شيءٍ، ونغضُّ الطرف عن القضايا المهمة الأخرى كافةً التي لها دور كبير في الاجتهاد والمرجعية، ونبدأ بهتك الآخرين!».
«فما يتخيَّله بعض الفقهاء بعد أن يدرس الأُصول والفلسفة ويتعمَّق فيها، بأنه أصبح أكثر علماً في مقدمات الاجتهاد … فيكون استنباطه أفضل، إن هذا التخيُّل خاطئ في كثير من الأحيان، إذ قد يصير اجتهاده أبعد عن الواقع نتيجة تأثُّره الذهني المسبق».
ليذهب بعد النقد إلى وضع اليد على البديل، المساحة الكبيرة ذات الأهمية الفائقة في الاجتهاد، والتي أهملها التصوُّر التقليدي ـ الخاطئ ـ للاجتهاد، تلك هي الثقافة الإسلامية العامَّة في ما يتصل بالفرد والمجتمع، وهي «أقرب إلى مصادر التشريع ـ من القرآن والسُنَّة ـ وأقرب إلى الأحاديث وسيرة النبيِّ وسيرة الأئمة وعملهم وسلوكهم وتقريرهم».
ليصل بعد جولته المفصِّلة إلى النتيجة الخطيرة التي عمل السيد الشهيد على ترسيخها في الوعي العام، وهي: «أنَّ من أحاط بالمعارف الإسلامية وأجاد استيعابها، وكان فاقداً لتلك الدقائق العقلية الأصولية، يكون أعلم من الذي يتقن الأبحاث العقلية ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامَّة من المعارف الإسلامية، لأن تأثير هذه المعارف في الفقه أكبر».
يشكِّل هذا الوعي بحقٍّ ثورة ثقافية كبيرة في هذا المحيط، وعلى الرغم من أنها وجدت لها مصداقاً قوياً في ثبات مرجعيات آية الله السيد الخامنئي، إلا أنها ما تزال عصية على القبول في الوسط الحوزوي، ناهيك عن كونها قد حققت أغراضها لتكون ثقافة نافذة فيه. بل لم تفلح قوة نافذة في الحوزة في تنفيذ خطوةٍ أساسيةٍ على طريق هذه الثورة لا بدَّ من تحقُّقها على مستوى مناهج وأُصول التدريس في الحوزة، باستثناء ما وضعه صانع هذه الثورة الأول، السيد الشهيد، في حلقات الأصول، والمبادئ العامة للأصول، وعلوم القرآن.
بل هي عند مفجّرها الجديد لم تتجاوز لحظتها التاريخية التي أفرزتها، وهي ضرورة الدفاع عن مرجعية السيد الخامنئي، التي تبرِّرها تلك الاستنتاجات العلمية والواقعية. فما زالت تلك الثقافة الإسلامية العامة لا تحظى بالقدر الأدنى من القيمة في الوسط الاجتهادي والمرجعي رغم التحدِّيات الكبيرة التي واجهتها وتواجهها المرجعية في الحياة السياسية والاجتماعية المعاصرة.
الأمر الذي ينبئ بضرورة العودة من الصفر في لحظةٍ تاريخية قادمة، بعد القطيعة الحاصلة بين «نصوص الثورة» وبين الواقع المتغيِّر، مع ملاحظة أن المتغير في محيط هذه «الثورة» يعود واقعياً إلى الوراء، بعكس المتغيِّر الاجتماعي، لتعود الفاصلة أكبر مما كانت عليه لحظة الانطلاقة التجديدية.
من هنا تبرز من جديد أهمية التوصيات الأولية التي وضعها مهندس «الثورة» السيد الصدر، ضماناً لنجاحها أولاً، ولاستمرارها ثانياً، وهي:
1 ـ فكرة «العمل المسبق» من أجل قيام المرجعية الصالحة، وهي تعني «أن بداية نشوء مرجعية صالحة يتطلب وجود قاعدة قد آمنت بشكلٍ أو بآخر بهذه الأهداف (أهداف المرجعية الصالحة)([532]) في داخل الحوزة وفي الأمة، وإعدادها فكرياً وروحياً للمساهمة في خدمة الإسلام وبناء المرجعية الصالحة» إذ بدون ذلك «يصبح وجود المرجع الصالح وحده غير كافٍ لإيجاد المرجعية الصالحة» حقاً، وتحقيق أهدافها في النطاق الواسع»([533]).
2 ـ «الضمان المستقبلي» والذي يعني «أن يهيَّأ المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدأ ممارسة مسؤولياته من حيث انتهى المرجع السابق، بدلاً من أن يبدأ من الصفر …» ([534]).
أما الجهد الأكثر سعةً في ترسيخ هذا المفهوم الجديد للمرجعية، فهو الذي بذله السيد محمد حسين فضل الله، وهو صاحب السيد الصدر القريب من أجوائه، وقد أفاد منه كثيراً أيام دراسته في العراق. فقد أظهر جهداً كبيراً في تجسيد صورة المرجع الواسع الاطلاع على ثقافة عصره، الحاذق في الإجابة على أسئلته، مكَّنه من ذلك تفاعله الجادُّ مع هذه الأُطروحة، وزاده الثقافي الواسع ومتابعاته المتنوِّعة التي ظهرت آثارها في كتب كثيرة، ومحاضرات وحوارات ملأت مجلداتٍ كبيرة.
فهو يرى: «أن المرجع لا بد أن يكون رائداً في أية قضيةٍ من قضايا المستضعفين في العالم، أو أي قضيةٍ من قضايا المسلمين في العالم، وحتى التي لا تتّصل بالواقع الشيعي أو الواقع الإسلامي، لأن المرجع الذي يحمل رسالة الإسلام لا بد أن يطلَّ على الواقع العالمي في كلِّ اهتزازاته، وفي كلِّ تيَّاراته، وفي كلّ مواقعه»([535]).
وهذا أمر لا مفرَّ للفقيه منه «باعتبار أن قضايا العصر … تمثِّل موضوعات الأحكام التي يحتاج المجتهد إلى أن يستنبطها، وإلى أن يحدِّدها كمنهج إسلامي في الحياة»([536]).
ويعيد صياغة أُطروحة السيد الصدر في أنّ المرجعية لا بد أن تكون مؤسَّسة «بحيث إن المرجع عندما يأتي، يأتي إلى مؤسسة تختزن تجارب المراجع السابقين … ليبدأ من حيث انتهى المرجع السابق، لا ليبدأ بعيداً عن كلّ التجارب السابقة»([537]).
«إن المطلوب أن يكون للمرجع الرشد الفقهي، والرشد الاجتماعي، والرشد السياسي، والرشد الحركي، مع الاستقامة الأخلاقية، والقوة الروحية، بحيث يستطيع من خلالها أن يطل على قضايا الأمة، وأن ينفتح على كلّ الخيرات، وعلى كلّ الطاقات …
وأن يكون الإنسان الذي يحمل اهتمامات الأمة في اهتماماته، ويتحرَّك مع الأمة ليعطيها غنًى في التجربة، كما يأخذ منها قِدَم التجربة، ليكون معلِّماً وتلميذاً في آنٍ واحد»([538]).
فالأمر لا يتعلَّق بالثقافة فقط، بل بالمواقف أيضاً([539]).
فبين مهندس هذه «الثورة الثقافية» وبين أحد روّادها المعاصرين تتوحّد مساحات النظر، وتشخيص البدائل … بل حتى المعاناة كانت واحدة، فهذا هو مرجع كلمات الصدر في قول فضل الله: «إنَّنا نعتقد أن اختلاف المرجعيات أوجد مشكلةً كبيرةً جدًّا في الجسم الإسلامي الشيعي، مع المحافظة على الإيجابيات الأخرى …
ولكنَّ السلبيات أكثر، ولذلك فلا بدَّ من دراسةٍ جديدةٍ فقهيةٍ للشروط التي لا بدّ من توفُّرها في المرجع وطريقة تعيينه»([540]).
الحلقة الأخيرة
يبقى السؤال الذي اشترط وجود الفقيه المجتهد بهذه المواصفات الضرورية، على رأس السلطة، لم يحسم القضية إلى الأبد … فما زال السؤال مفتوحاً يستدعي ملء الفراغ الذي سيحصل في حال عدم توفر فقيه بهذه المواصفات … فهل يصار إلى «الانتظار» ويلتقي رواد الفقه السياسي الإسلامي المعاصر مع الدعاة إلى الجمود، انتظاراً لحكومة المهدي الموعود؟
إن القول بأن هذا السؤال سابق لأوانه ليس بالقول العلمي ولا المقبول … فعلى النظرية السياسية المعاصرة أن تبحث عن شروط تكاملها … وهذا السؤال المطروح سؤال يلحّ في الأُفق، لا سيما مع هيمنة النزعة التقليدية على الفقه، والتي لم تلُح في الأفق بشائر انقلاعها، بل الإصرار قائم على حمايتها حتى من قبل الكثير من ذوي النزعات الثورية أو التجديدية.
ولسنا نتوقع الإجابة من خارج دائرة التصدي المباشر لهموم المجتمع والدولة والانخراط الفاعل في الفقه السياسي.
محمد الصدر يكمل الدائرة
الرجل الذي واصل المشوار الصدري الأول ميدانياً، وعلى مدًى أوسع، في نهضته المشهوة أخريات القرن الميلادي المنصرم، ستكون له رؤيته في وضع الحلقة الأخيرة في المشروع السياسي، حين يجيب على هذا السؤال بكل وضوح، فيقول: إن ثمة معطيات سياسية لا يملكها رجل الدين ـ في السؤال المفروض ـ فهل من الحكمة أن يتدخل رجل الدين في أمور لم يتح له أن يطلع عليها اطلاعاً وافياً؟ وهل من الحكمة أن يتورط في مواقف لم يحط بها إحاطة شاملة؟
قطعاً لا، وأنا مع مبدأ الفصل بين القيادتين، شرط أن يجعل الحاكم السياسي في خدمة الدين، لا أن يسخّر الدين في خدمة السياسة([541]).
وقد يثار بوجه هذا النص: أن صاحبه، السيد الشهيد محمد الصدر، قد قاله في ظرف استثنائي، تحت رقابة سلطة لا ترحم، ولم يكن هو في حينها في صدد مواجهتها، بل لم يكن في صدد التنظير لهذا الموضوع، وإنما قاله إجابة على سؤال صحفي في مثل تلك الأجواء، فهو إذن لا يمثّل قناعاته.
ومع إمكان الإجابة عن هذا الاعتراض بأن السيد الصدر الثاني لم يصرّح في أجواء أخرى لاحقاً بخلافه، إلا أنه ليس ثمة ما يبرر الإصرار على تحميله إياه، وإنما سننطلق منه فقط في أجواء هذه الإثارة، وبنحو لا يقلل من أهمية نتائجه عدم صحة هذا النص، أو عدم تمثيله قناعات صاحبه …
إنه على أي حال مبدأ جديد، يمنح الشرعية للفصل بين القيادتين الدينية والسياسية، في حالة عدم توفر القيادة الدينية المؤهّلة سياسياً، وهو مبدأ مختلف تماماً عما رأيناه عند الدستوريين، الذين كانوا يخططون للحؤول دون استبداد الحاكم اللاشرعي، دون أن يمنحوه الشرعية في ظل هذا النظام الدستوري، فالحاكم في التصور الأخير حاكم غير شرعي، لا يتمتع بالشرعية في الحكم بناءً على أن الشرعية محصورة في ولاية الفقيه العادل، وبما أن الفقيه العادل غير قادر على مزاولة السلطة مع وجود الحاكم المتسلّط، فإنه يلجأ إلى الحد من سلطته الفردية عن طريق الدستور ومجلس الشورى ونحوها.
أما في الأطروحة الثانية، فإن الحاكم السياسي الذي يلتزم مبادئ الإسلام سيكون حاكماً شرعياً، وتكون سلطته مشروعة، بهذا القيد، وسوف لا يكون مغتصباً لحق الفقيه العادل، ما دام الأخير غير مؤهل لمباشرة القيادة السياسية للبلاد.
هذه أطروحة جديدة إذن، حَرِيّةً بالدراسة الموضوعية المعمّقة، علماً أنها تلتقي مع الصورة الأخيرة عند الميرزا النائيني في إمكان إسباغ الشرعية على سلطة الحاكم، بغض النظر عن الأسلوب الذي وصل فيه إلى السلطة، بعد استجابته لإرادة الأمة في إقامة الدستور المقبول شرعياً وشعبياً، وإقامة الحياة البرلمانية … كما تلتقي أيضاً مع أطروحات علماء السنة والحركات السياسية السنية، التي حسمت الأمر عندما حصرت حق السيادة بالأمة، التي تنتخب من يمثّلها سياسياً، ليمارس الحكم على أساس من الشريعة الإسلامية وهديها.
بل إن المضيّ مع أطروحة السيد الهاشمي السابقة ينتهي بها إلى هذه النتيجة، إذ أن سياق البحث عنده ينتهي إلى القول بأن الولاية للكفاءة، وليست للفقاهة، فإذا توفرت عناصر الكفاءة في الفقيه المجتهد العادل فهو المختار، وإلا فإن غيره ممن توفر على المعارف الإسلامية العامة والمعارف الحديثة هو الأولى، الأمر الذي يمكن صياغته بمبدأ «ولاية المثقف الديني» وهي عندئذٍ ولاية شرعية، وليست غاصبة.
وليست هذه النتيجة ببعيدة عن أطروحة الشهيد الصدر، محمد باقر، التي منحت حق السيادة للأمة، مع رقابة الفقيه الجامع للشرائط، وقد علمنا أنه إنما كان يعني بالفقيه المرجع، ذلك «الإنسان الذي اكتسب، من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد، استيعاباً حيًّا وشاملاً ومتحرّكاً للإسلام ومصاره … ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات، ليكون شهيداً عليه».
وبغياب هذه المواصفات سوف يفقد الفقيه صلاحيته وأهليته لموقع الشهادة، أو الخلافة، أو الرقابة.
بل إن هذه المواصفات الضرورية، والتي لا يمكن التخلّي عنها في شروط القائد الأعلى، سوف «تلغي» بحسب استنتاج السيد محمود الهاشمي «كثيراً من هؤلاء المجتهدين التقليديين» إلى المستوى الذي يتراجع بهم، بحسب النصّ نفسه، إلى «أصالة عدم الحجيّة، وأصالة عدم جواز تقليدهم، وعدم حجّية فتاواهم».
وبلا شك فإن غياب هذه المواصفات لدى فقهاء حقبة ما، لا يسلب حق الأمة في السيادة على نفسها، وحقها في تحقيق استقلالها وصيانة أمنها وهويتها في إطار نظام يقوم على أساس الإسلام، وعندئذٍ تترشح النتيجة الأخيرة لأبحاث السيد الهاشمي، والتي نصّت على «أن من أحاط بالمعارف الإسلامية، وأجاد استيعابها، وكان فاقداً لتلك الدقائق العقلية الأصولية، يكون أعلم من الذي يتقن الأبحاث العقلية، ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامة من المعارف الإسلامية، لأن تأثير هذه المعارف في الفقه أكبر».
من كل هذا فإن الكفاءة العملية، والاستيعاب الحقيقي لمتغيرات الحياة ومستلزماتها، يلازمهما الإدراك الكافي للمعارف الإسلامية العامة، هي المواصفات التي تؤهل صاحبها لموقع القيادة العليا … وعندئذ يبقى المتضلِّع بدقائق الفقه مرجعاً في حدود تخصصه ودائرة اهتماماته الفعلية التي أثبت فيها قدرات لا تستغني عنها الأمة أو سلطتها السياسية المنتخبة … وهذا هو معنى الفصل بين السلطتين، الدينية والسياسية، الأمر الذي قد لا تستغني عنه الأمة في بعض حقب عمرها، وتقلبات أيامها …
وبه نكون قد وضعنا الحلقة الأخيرة في إطار النظريات المطروحة حتى الآن في أساس نظام الحكم في الإسلام، وطبيعته.
ختاماً
كان هذا جمعاً مركزاً، وتبويباً جديداً، للمشروع السياسي عند رائد النهضة الفكرية الإسلامية المعاصرة … حاولنا التركيز فيه على صلب المشروع، وما يدور حوله، ليس فقط رغبة في إحياء تراث صاحبه، وهو الجدير بالإحياء، بل لحاجتنا المعاصرة إلى مشروع متكامل، أعطى الأمة حقّها المشروع في النظام السياسي، في عهد يتهم فيه الإسلام بالاستبداد السياسي والاستبداد الديني معاً، من قبل أنظمة تحمل الديمقراطية شعاراً، إضافة إلى ما نشهده من نكوص في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، الذي أصبح أكثر من أي وقت مضى بأمسّ الحاجة إلى الارتكاز على أطروحة نظرية شاملة ومعمقة في الفكر السياسي …
نرجو أن نكون قد وفقنا إلى ذلك … والله من وراء القصد.
صائب عبد الحميد
وهنا نورد بحثاً قيماً للشهيد السيد محمد باقر الصدر حول الإمام المهدي (عج)
بحث حول المهدي
ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهامٍ فطري([542])، أدرك الناس من خلاله ـ على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب ـ أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تُحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناءٍ طويل.
بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشدّ الأيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسّرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود([543])، تُصفّى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الإنسانية على مرّ الزمن، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين أفراد الإنسان.
وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلئ قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً([544])، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية يحوله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة. فهو مصدر عطاء؛ لأن الإيمان بالمهدي يرفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها، وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب([545])؛ لأنه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الإنسان، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما ادلهمّت الخطوب وتعملق الظلم؛ لأن اليوم الموعود يثبت أن بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد([546])، وأن الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدّراته، فهو حالة غير طبيعية، ولا بد أن ينهزم([547]).
وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده، تضع الأمل كبيراً أمام كلّ فرد مظلوم، وكل أمة مظلومة، في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء.
وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه، فإن معالمها التفصيلية التي حددها الإسلام جاءت أكثر إشباعاً لكلّ الطموحات التي انشدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني، وأغنى عطاء، وأقوى إثارة لأحاسيس المظلومين والمعذبين على مرّ التاريخ.
وذلك لأن الإسلام حوَّل الفكرة من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في مستقبل البعيد المجهول إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلّعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود، واكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم. فلم يعد المهدي فكرة تنتظر ولادتها، ونبوءة تتطلع إلى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذّبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمدّ يده إلى كلّ مظلوم، وكل محروم([548])، وكلّ بائس، ويقطع دابر الظالمين.
وقد قُدّر لهذا القائد المنتظر أن لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للآخرين حياته على الرغم من أنه يعيش معهم انتظاراً للّحظة الموعودة.
ومن الواضح أن الفكرة بهذه المعالم الإسلامية، تقرّب الهوّة الغيبية بين المظلومين كلّ المظلومين والمنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الانتظار.
ونحن حينما يراد منا أن نؤمن بفكرة المهدي، بوصفها تعبيراً عن إنسان حي محدد يعيش فعلاً كما نعيش، ويترقب كما نترقب، يراد الإيحاء إلينا بأن فكرة الرفض المطلق لكل ظلم وجور التي يمثلها المهدي، تجسدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث([549])، وأن الإيمان به إيمان بهذا الرفض الحي القائم فعلاً ومواكبا له.
وقد ورد في الأحاديث الحثّ المتواصل على انتظار الفرج، ومطالبة المؤمنين بالمهدي أن يكونوا بانتظاره. وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحية، والصلة الوجدانية بينه وبين القائد الرافض، وكل ما يرمز إليه من قيم، وهي رابطة وصلة ليس بالإمكان إيجادها ما لم يكن المهدي قد تجسد فعلاً في إنسان حيّ معاصر([550]).
وهكذا نلاحظ أن هذا التجسيد أعطى الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها مصدر عطاءٍ وقوة بدرجة أكبر، إضافة إلى ما يجده أي إنسان رافض من سلوة وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحسّ أن إمامه وقائده يشاركه هذه الآلام ويتحسس بها فعلاً بحكم كونه إنساناً معاصراً، يعيش معه وليس مجرد فكرة مستقبلية.
ولكن التجسيد المذكور أدى في نفس الوقت إلى مواقف سلبية تجاه فكرة المهدي نفسها([551]) لدى عدد من الناس، الذين صعب عليهم أن يتصوروا ذلك ويفترضوه.
فهم يتساءلون!
إذا كان المهدي يعبر عن إنسان حيّ، عاصر كل هذه الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من عشرة قرون، وسيظل يعاصر امتداداتها إلى أن يظهر على الساحة، فكيف تأتّى لهذا الإنسان أن يعيش هذا العمر الطويل، وينجو من قوانين الطبيعة التي تفرض على كل إنسان أن يمرّ بمرحلة الشيخوخة والهرم، في وقت سابق على ذلك جداً، وتؤدي به تلك المرحلة طبيعياً إلى الموت؟ أو ليس ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية؟([552]).
ويتساءلون أيضاً!
لماذا كل هذا الحرص من الله ـ سبحانه وتعالى ـ على هذا الإنسان بالذات؟ فتعطل من أجله القوانين الطبيعية([553])، ويفعل المستحيل لإطالة عمره والاحتفاظ به لليوم الموعود، فهل عقمت البشرية عن إنتاج القادة الأكفاء؟ ولماذا لا يترك اليوم الموعود لقائد يولد([554]) مع فجر ذلك اليوم، وينمو كما ينمو الناس، ويمارس دوره بالتدريج حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً؟
ويتساءلون ايضاً!
إذا كان المهدي اسماً لشخص محدد هو ابن الإمام الحادي عشر([555]) من أئمة أهل البيت عليهم السلام الذي ولد سنة (256هـ) ([556]) وتوفي أبوه سنة (260هـ)، فهذا يعني أنه كان طفلاً صغيراً عند موت أبيه، لا يتجاوز خمس سنوات، وهي سن لا تكفي للمرور بمرحلة إعداد فكري وديني كامل على يد أبيه، فكيف وبأي طريقة يكتمل إعداد هذا الشخص([557]) لممارسة دوره الكبير، دينياً وفكرياً وعملياً؟.
ويتساءلون أيضاً!
إذا كان القائد جاهزاً، فلماذا كل هذا الانتظار الطويل مئات السنين؟
أوليس في ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعية ما يبرّر بروزه([558]) على الساحة وإقامة العدل على الأرض؟
ويتساءلون أيضاً!
كيف نستطيع أن نؤمن بوجود المهدي، حتى لو افترضنا أن هذا ممكن؟ وهل يسوغ لإنسان أن يعتقد بصحة فرضية من هذا القبيل دون أن يقوم عليها دليل علمي أو شرعي قاطع؟([559]) وهل تكفي بضع روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعلم مدى صحتها([560]) للتسليم بالفرضية المذكورة؟
ويتساءلون أيضاً بالنسبة إلى ما أعدّ له هذا الفرد من دور في اليوم الموعود!
كيف يمكن أن يكون للفرد هذا الدور العظيم الحاسم في حياة العالم؟! مع أن الفرد مهما كان عظيماً لا يمكنه أن يصنع بنفسه التاريخ، ويدخل به مرحلة جديدة، وإنما تختمر بذور الحركة التاريخية وجذوتها في الظروف الموضوعية وتناقضاتها، وعظمة الفرد([561]) هي التي ترشحه لكي يشكل الواجهة لتلك الظروف الموضوعية، والتعبير العملي عما تتطلبه من حلول؟
ويتساءلون أيضاً!
ما هي الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من تحوّل هائل وانتصار حاسم للعدل ورسالة العدل على كل كيانات الظلم والجور والطغيان، على الرغم مما تملك من سلطان ونفوذ، وما يتواجد لديها من وسائل الدمار والتدمير، وما وصلت إليه من المستوى الهائل في الإمكانات العلمية والقدرة السياسية والاجتماعية والعسكرية؟([562]).
هذه أسئلة قد تتردد في هذا المجال وتقال بشكل وآخر، وليست البواعث الحقيقية لهذه الأسئلة فكرية فحسب، بل هناك مصدر نفسي لها أيضاً، وهو الشعور بهيبة الواقع المسيطر عالمياً، وضآلة أي فرصة لتغييره من الجذور، وبقدر ما يبعثه الواقع الذي يسود العالم على مرّ الزمن هذا الشعور، تتعمق الشكوك وتترادف التساؤلات. وهكذا تؤدي الهزيمة والضآلة والشعور بالضعف لدى الإنسان إلى أن يحس نفسياً بإرهاق شديد، لمجرد تصور عملية التغيير الكبرى للعالم التي تفرغه من كل تناقضاته، ومظالمه التاريخية، وتعطيه محتوى جديداً قائماً على أساس الحق والعدل، وهذا الإرهاق يدعوه إلى التشكك في هذه الصورة ومحاولة رفضها لسبب وآخر.
ونحن الآن نأخذ التساؤلات السابقة تباعاً؛ لنقف عند كل واحد منها وقفة قصيرة بالقدر الذي تتسع له هذه الوريقات.
المبحث الأول
كيف تأتّى للمهدي هذا العمر الطويل؟
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمر بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معانٍ: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحققه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر([563]).
وأقصد بالإمكان العلمي: أن هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إن اتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك؛ لأن الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلا فارق درجة، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلا مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً([564]).
وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن علمياً، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصور علمياً، وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثل الواقي هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية ـ أي سابقة على التجربة ـ ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي؛ لأن العقل يدرك ـ قبل أن يمارس أي تجربة ـ أن الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي؛ لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وإنما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أن الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.
ولا شك في أن امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً؛ لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض؛ لأن الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شك أيضاً ولا نقاش في أن هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا تستطيع أن تمدد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلا بقدر ما هو مألوف.
وأما الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفض ذلك من الناحية النظرية([565]). وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه ـ بعد أن تبلغ قمة نموها ـ أن تتصلب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطل في لحظة معينة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي؟ أو أن هذا التصلب وهذا التناقض في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف؟ أو ما يقوم به من عمل مكثف أو أي عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، وبصفة نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة، فهذا يعني أن بالإمكان نظرياً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلك المؤثرات المعينة، أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الأخرى، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها، بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول:
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو ـ على افتراض وجوده ـ قانون مرن؛ لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية؛ ولأن العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنية، قد تأتي مبكرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلا في فترة متأخرة، حتى إن الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة، ولا تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نصّ على ذلك الأطباء([566]). بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية؛ وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أنّ تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائنٍ معقد معين كالإنسان، فليس ذلك إلا لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أخرى. وهذا يعني أن العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانوني طبيعي للخلية الحية نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخص من ذلك: أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلا أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي عليه الصلاة والسلام وما أُحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكان عملي تدريجياً، لا يبقى للاستغراب محتوى إلا استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحول الإمكان النظري إلى عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى إمكان مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام ـ الذي صمم عمر هذا القائد المنتظر ـ حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب: أنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.
أوليست الشريعة ككل قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟([567]).
أوَلم تناد بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلا بعد مئات السنين؟.
أولم تأت بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلا قبل برهة وجيزة من الزمن؟
أولم تكشف رسالة السماء أسرارا من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثمّ جاء العلم ليثبتها ويدعمها؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة ـ سبحانه وتعالى ـ أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي؟([568]). وأنا هنا لم أتكلم إلا عن مظاهر السبق التي نحسها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك أنها تخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والإسراء([569]) إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعية، فهو يعبّر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه([570]) إلا بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن!
أوَليس الدور التغييري الحاسم الذي أُعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرّت بهم من تطورات التاريخ؟
أوَليس قد أُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإنّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد([571]) تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟
ولا أدري!
هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح، الذي نصّ القرآن الكريم([572]) على أنه مكث في قومه ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً، وقدر له خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.
والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي؟([573]).
المبحث الثاني
المعجزة والعمر الطويل
وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه، وتغيِّر من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن إطالة عمر الانسان ـ كنوح أو المهدي ـ قروناً متعددة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على حياة الشخص الذي أُنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسُنّة([574])، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويا، وقد عطل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم عليه السلام حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 69]. فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذى، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، فَفُلِق البحر لموسى([575])، وشُبّه للرومان أنهم قبضوا على عيسى([576])، ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم([577]). كلّ هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وقد يمكن ان نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة الله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمته التي أُعد لها، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعد لها ربانياً فإنه سيلقي حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية.
ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطل القانون؟([578])، وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية؟ وهل هذه إلا مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدد هذه العلاقة الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية؟!
والجواب: إن العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك: أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أخرى يستدل بهذا الاطراد على قانون طبيعي، وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها؛ لأن الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلم إثباتها، ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون الطبيعي ـ كما يعرّفه العلم ـ لا يتحدث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين([579])، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.
والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية.
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطرد اقتران إحداهما بالأخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطّرد([580]) بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية.
وبهذا تصبح المجزة حالة استثنائية لهذا الاطراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة.
واما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء([581]) فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أن الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنا نرى أنه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر أخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة.
المبحث الثالث
لماذا كل هذا الحرص على إطالة عمره؟
ونتناول الآن السؤال الثاني، وهو يقول:
لماذا كل هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات، فتعطل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره؟ ولماذا لا تترك قيادة اليوم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل، وتنضجه إرهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظر.
وبكملة أخرى: ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة وما المبرر لها؟
وكثير من الناس يسألون هذا السؤال وهم لا يريدون أن يسمعوا جواباً غيبياً، فنحن نؤمن بأن الأئمة الاثني عشر مجموعة فريدة([582]) لا يمكن التعويض عن أي واحد منهم، غير أن هؤلاء المتسائلين يطلبون بتفسير اجتماعي للموقف، على ضوء الحقائق المحسومة لعملية التغيير الكبرى نفسها والمتطلبات المفهومة لليوم الموعود.
وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الأئمة المعصومين([583]) ونطرح السؤال التالي:
إننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها، هل يمكن أن نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدخر عاملاً من عوامل إنجاحها، وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر؟
ونجيب عن ذلك بالإيجاب، وذلك لعدة أسباب منها ما يلي:
إن عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها، مشحوناً بالشعور … بالتفوق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعِدّ للقضاء عليها، وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد.
فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من الشعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها، وإحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسية([584]) على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر.
من الواضح أن الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلما كانت المواجهة لكيان أكبر ولحضارة أرسخ وأشمخ تطلبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم.
ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة، فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشؤوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحق بها؛ لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها؛ لأنه ولد وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبارة، وفتح عينه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.
وخلافاً لذلك، شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثم تداعت وانهارت([585])، رأى ذلك بعينه ولم يقرأه في كتاب التاريخ …
ثم رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكون الفصل الأخير من قصة الإنسان قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبين…
ثم شاهدها وقد اتخذت موقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو وتظهر …
ثم عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب النكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة أخرى…
ثم واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله، فإن شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق ـ الذي يريد أن يصارعه ـ من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسه لا في بطون كتب التاريخ فحسب، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً، ولا كما كان ينظر (جان جاك روسو) ([586]) إلى الملكية في فرنسا، فقد جاء عنه أنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذٍ؛ لأن (روسو) هذا نشأ في ظل الملكية، وتنفس هواءها طيلة حياته، وأما هذا الشخص المتوغل في التاريخ، فله هيبة التاريخ، وقوة التاريخ، والشعور المفعم بأن ما حوله من كيان وحضارة وليد يوم من أيام التاريخ، تهيأت له الأسباب فوجد، وستتهيأ الأسباب فيزول، فلا يبقى منه شيء كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد، وأن الأعمار التاريخية للحضارة والكيانات مهما طالت فهي ليست إلا أياماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل.
هل قرأت سورة الكهف؟
وهل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى([587])؟ وواجهوا كياناً وثنياً حاكماً، لا يرحم ولا يتردد في خنق أي بذرة من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك، فضاقت نفوسهم ودبّ إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمام أعينهم، ولجؤوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول، وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحق ويصفي كل من يخفق قلبه للحق.
هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم؟
إنه أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين([588]) في ذلك الكهف، ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة، بعد أن كان ذلك الكيان الذي بهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط، وأصبح تاريخاً لا يرعب أحداً ولا يحرك ساكناً، كل ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره، ويروا انتهاء أمره بأعينهم ويتصاغر الباطل في نفوسهم.
ولئن تحققت لأصحاب الكهف هذه الرؤية الواضحة بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدّ حياتهم ثلاثمائة سنة، فإن الشيء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذي يتيح له أن يشهد العملاق وهو قزم والشجرة الباسقة وهي بذرة، والإعصار وهو مجرد نسمة([589]).
أضف إلى ذلك أن التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارة المتعاقبة، والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القيادية لليوم الموعود؛ لأنها تضع الشخص المدخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوة، ومن ألوان الخطأ والصواب. وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها، وكل ملابساتها التاريخية.
ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معينة هي رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأولى، قد بنيت شخصيته بناءً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضارة التي قدر لليوم الموعود أن يحاربها.
وخلافاً لذلك، الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتنفتح أفكاره ومشاعره في إطاره، فإنه لا يتخلص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها، وإن قاد حملة تغييرية ضدها.
فلكي يضمن عدم تأثير القائد المدخر بالحضارة التي أُعد لاستبدالها، لا بد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءً كاملاً في مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته([590]).
المبحث الرابع
كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟
ونأتي الآن على السؤال الثالث القائل: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر مع أنه لم يعاصر أباه الإمام العسكري إلا خمس سنوات تقريباً؟ وهي فترة الطفولة التي لا تكفي لإنضاج شخصية القائد، فما هي الظروف التي تكامل من خلالها؟
والجواب: إن المهدي عليه السلام خلف أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنه كان إماماً بكل ما في الإمام من محتوى فكري وروحي في وقت مبكر جداً من حياته الشريفة.
والإمامة المبكرة ظاهرة سبقه إليها عدد من آبائه، فالإمام محمد ابن علي الجواد عليه السلام تولى الإمامة وهو في الثامنة من عمره([591])، والإمام علي بن محمد الهادي تولى الإمامة وهو في التاسعة([592]) من عمره، والإمام أبو محمد الحسن العسكري([593]) والد القائد المنتظر تولى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويلاحظ أن ظاهرة الإمامة المبكرة بلغت ذروتها في الإمام المهدي والإمام الجواد، ونحن نسميها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهدي عليه السلام تشكل مدلولاً حسيًّا عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نطالب بإثباتٍ لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أمة([594]). ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية:
أ ـ لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزاً من مراكز السلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميين، وخلافة الخلفاء العباسيين، وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي، والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام، وقيادته على أسس روحية وفكرية.
ب ـ إن هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد تشكل تياراً فكرياً واسعاً في العالم الإسلامي، يضم المئات من الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذٍ، حتى قال الحسن بن علي الوشا: إني دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ([595]) كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.
جـ ـ إن الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تمثله من قواعد شعبية في المجتمع الإسلامي، تؤمن بها وتتقيد بموجبها في تعيين الإمام والتعرف على كفاءته للإمامة، شروط شديدة؛ لأنها تؤمن بأن الإمام لا يكون إماماً إلا إذا كان أعلم علماء عصره([596]).
د ـ إن المدرسة وقواعدها الشعبية كانت تقدم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة؛ لأنها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكل خطاً عدائياً، ولو من الناحية الفكرية على الأقل، الأمر الذي أدى إلى قيام السلطات وقتئذٍ وباستمرار تقريباً بحملات من التصفية والتعذيب، فقتل من قتل، وسجن من سجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات. وهذا يعني أن الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت كان يكلفهم غالياً([597])، ولم يكن من الإغراءات سوى ما يحس به المعتقد أو يفرضه من التقرب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
هـ ـ إن الأئمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلا أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمتحدثين عن كل واحد من الأئمة الأحد عشر، ومن خلال ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفاره من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحية أخرى، وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنورة عندما يؤمون الديار المقدّسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحج([598])، كل ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعه الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.
و ـ إن الخلافة المعاصرة للأئمة كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدراتها، وعلى هذا الأساس بذلت كل جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحملت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرها تأمين موقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرة للأئمة([599]) أنفسهم على الرغم مما يخلفه ذلك من الشعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.
إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشك، أمكن أن نخرج بنتيجة وهي: أن ظاهرة الإمام المبكرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً من الأوهام؛ لأن الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك التيار الواسع، لا بد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدم من أن الأئمة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللأضواء المختلفة أن تسلط على حياتهم وموازين شخصيتهم.
فهل ترى أن صبياً يدعو إلى إمامة نفسه وينصب منها علماً للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبي الإمام([600])؟ وهب أن الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمر المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تتكشف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام وسائر الناس؟ وهل من المعقول أن يكون صبياً في فكره وعلمه حقاً ثم لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟
وإذا افترضنا أن القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يتح لها أن تكشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبياً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدم هذا الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية. فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدرٍ كبير من ثقافة عصره لتسلم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبي اعتيادي مهما كان ذكياً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون([601])، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذ.
إن التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة([602])، هو أنها أدركت أن الإمامة المبكرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً.
والحقيقة أنها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، والتأريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها([603])، بينما لم يحدثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكرة أو واجه فيه الصبي الإمام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.
وهذا معنى ما قلناه من أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرد افتراض، كما أن هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتد عبر الرسالات والزعامات الربانية.
ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت، يحيى عليه السلام إذا قال سبحانه وتعالى: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا﴾ [سورة مريم، الآية: 12].
ومتى ثبت أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت لم يعد هناك اعتراض فيما يخص إمامة المهدي عليه السلام وخلافته لأبيه وهو صغير([604]).
المبحث الخامس
كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد؟
ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول: هب أن فرضية القائد المنتظر ممكنة بكل ما تستبطنه من عمر طويل، وإمامة مبكرة، وغيبة صامتة، فإن الإمكان لا يكفي للاقتناع بوجوده فعلاً.
فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للاقتناع الكامل بالإمام الثاني عشر على الرغم مما في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف؟ بل كيف يمكن أن تثبت أن للمهدي وجوداً تاريخياً حقاً وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس؟([605]).
والجواب: إن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك. وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق إخواننا أهل السُنّة([606])، كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسُنّة فكان أكثر من ستة آلاف رواية([607])، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشك فيها مسلم عادة.
وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر عليه الصلاة والسلام فهذا ما توجد مبررات كافية وواضحة للاقتناع به.
ويمكن تلخيص هذه المبررات في دليلين:
أحدهما إسلامي.
والآخر علمي.
فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائد المنتظر.
وبالدليل العلمي نبرهن على أن المهدي ليس مجرد أسطورة وافتراض، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية.
أما الدليل الإسلامي:
فيتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([608]) والأئمة من أهل البيت والتي تدل على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت([609]) …
ومن ولد فاطمة([610]) …
ومن ذرية الحسين([611]) …
وإنه التاسع من ولد الحسين([612]) …
وإن الخلفاء إثنا عشر([613]). فإن الروايات تحدد تلك الفكرة العامة وتشخصها في الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفظ الأئمة واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته([614]).
وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفة أو أميراً ـ على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة ـ قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية([615]) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسُنّة بما في ذلك البخاري([616]) ومسلم([617]) والترمذي([618]) وأبي داود([619])، ومسند أحمد([620]) ومستدرك الحاكم على الصحيحين([621])، ويلاحظ هنا أن البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري، وفي ذلك مغزى كبير؛ لأنه يبرهن على أن هذا الحديث قد سجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتحقق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له؛ لأن الأحاديث المزيفة التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاساً له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أن الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أن الحديث ليس انعكاساً لواقع وإنما هو تعبير عن حقيقة ربانية نطق بها من لا ينطق عن الهوى([622])، فقال: «إن الخلفاء بعدي اثنا عشر»([623]).
وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداء من الإمام علي وانتهاء بالمهدي؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول([624]) لذلك الحديث النبوي الشريف.
وأما الدليل العلمي:
فهو يتكون من تجربة عاشتها أُمة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى. ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى([625]).
إن الغيبة الصغرى تعبر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام فقد قدر لهذا الإمام منذ تسلمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظل بعيداً باسمه عن الأحداث وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله، وقد لوحِظ أن هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الإسلامية؛ لأن هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سببت هذه الغيبة([626])، المفاجئة، الإحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله، فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة، لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي([627]). وقد شغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي:
1 ـ عثمان بن سعيد العمري.
2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.
3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح.
4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.
وقد مارس هؤلاء الأربعة([628]) مهام النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي عليه السلام.
وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية([629]) في كثير من الأحيان، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير مباشرة.
ولاحظت أن كل التوقيعات والرسائل كانت ترد من الإمام المهدي عليه السلام بخط واحد وسليقة واحدة([630]) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمري هو آخر النواب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنواب معينين، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحول من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها؛ لأنها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة، وتعدهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام، وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين([631]) إلى خط عام([632])، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
والآن بإمكانك أن تقدر الموقف في ضوء ما تقدم، لكي تدرك بوضوح أن المهدي حقيقة عاشتها أُمة من الناس، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كل هذه المدة تلاعباً في الكلام، أو تحايلاً في التصرف، أو تهافتاً في النقل. فهل تتصور ـ بربك ـ أن بإمكان أكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشك، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدعون أنهم يحسونها ويعيشون معها؟!
لقد قيل قديماً: إن حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أن من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل، وكل هذه المدة، وضمن كل تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثم تكسب ثقة الجميع من حولها.
وهكذا نعرف أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمام القائد بولادته([633]) وحياته وغيبته، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد([634]).
المبحث السادس
لماذا لم يظهر القائد إذن؟
لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة؟ وإذا كان قد أعدّ نفسه للعمل الاجتماعي، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى أو في أعقابها بدلاً من تحويلها إلى غيبة كبرى، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعي والتغييري وقتئذٍ أبسط وأيسر، وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قوية، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطور العلمي والصناعي؟
والجواب: أن كل عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية لا يتأتى لها أن تحقق هدفها إلى عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.
وتتميز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجرها السماء على الأرض بأنها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية([635])؛ لأن الرسالة التي تعتمدها عملية التغير هنا ربانية، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتى أنزلت آخر رسالاتها على يدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يشكل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكل بعض التفاصيل التي تتطلبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها ـ مثلاً ـ لينين في روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الأولى وتضعضع القيصرية، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتفق له أي حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع.
وقد جرت سنة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الرباني على التقيد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقق المناخ المناسب والجو العام لإنجاح عملية التغيير، ومن هنا لم يأت الإسلام إلا بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمر قروناً من الزمن.
فعلى الرغم من قدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربانية وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب؛ لأن الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان يفرض على العمل التغييري الرباني أن يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من تدخل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أحياناً فيما يخص بعض التفاصيل التي لا تكون المناخ المناسب وإنما قد يتطلبها أحياناً التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم([636])، وإذا بيد اليهودي الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشل وتفقد قدرتها على الحركة([637])، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب([638])، إلا أن هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجو المناسب، والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكون بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية.
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي عليه السلام لنجد أن عملية التغيير التي أعد لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي أخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقت وفقاً لذلك.
ومن المعلوم أن المهدي لم يكن قد أعد نفسه لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك؛ لأن رسالته التي ادُّخِر لها من قبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي تغيير العالم تغييراً شاملاً، وإخراج البشرية كل البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل([639])، وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح وإلا لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً مساعداً، يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية.
فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديد، وهذا الشعور بالنفاذ يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجاته إلى العون، متلفتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.
ومن الناحية المادية يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كله، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة.
وإما ما أُشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأداة العسكرية التي يواجهها القائد في اليوم الموعود كلما أُجّل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نمو الشكل المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل، وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كل تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ انهار بناء حضاري شامخ بأول لمسة غازية؛ لأنه كان منهاراً قبل ذلك، وفاقداً الثقة بوجوده والقناعة بكيانه والاطمئنان إلى واقعه([640]).
المبحث السابع
وهل للفرد كل هذا الدور؟!
ونأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدمة، وهو السؤال الذي يقول: هل للفرد مهما كان عظيماً القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم؟ وهل الفرد العظيم إلاّ ذلك الإنسان الذي ترشحه الظروف ليكون واجهة لها في تحقيق حركتها؟
والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معينة للتاريخ تفسره على اساس أن الإنسان عامل ثانوي([641]) فيه، والقوى الموضوعية المحيطة به هي العامل الأساسي، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلاّ التعبير الذكي عن اتجاه هذا التعامل الأساسي.
ونحن قد أوضحنا في مواضع أُخر من كتبنا المطبوعة([642]) أن التاريخ يحتوي على قطبين: أحدهما الإنسان، والآخر القوى المادية المحيطة به. وكما تؤثر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعة في الإنسان، يؤثر الإنسان أيضاً فيما حوله من قوى وظروف، ولا يوجد مبرر لافتراض أن الحركة تبتدئ من المادة وتنتهي بالإنسان إلاّ بقدر ما يوجد مبرر لافتراض العكس، فالإنسان والمادة يتفاعلان على مرّ الزمن، وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببغاء في تيار التاريخ، وبخاصة حين نُدخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء([643]). فإن هذه الصلة تدخل حينئذٍ كقوة موجهة لحركة التاريخ. وهذا ما تحقق في تاريخ النبوات، وفي تاريخ النبوة الخاتمة بوجه خاص، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحكم صلته الرسالية بالسماء تسلم بنفسه زمام الحركة التاريخية، وأنشأ مدًّا حضارياً لم يكن بإمكان الظروف الموضوعية التي كانت تحيط به أن تتمخض عنه بحال من الأحوال، كما أوضحنا ذلك في المقدمة الثانية للفتاوى الواضحة([644]).
وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته الذي بشر([645]) به ونوّه عن دوره العظيم.
المبحث الثامن
ما هي طريقة التغير في اليوم الموعود؟
ونصل في النهاية إلى السؤال الأخير من الأسئلة التي عرضناها، وهو السؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل، وقضاء على كيانات الظلم المواجهة له.
والجواب المحدد عن هذا السؤال يرتبط بمعرفة الوقت والمرحلة التي يقدر للإمام المهدي عليه السلام أن يظهر فيها على المسرح، وإمكان افتراض ما تتميز به تلك المرحلة من خصائص وملابسات لكي ترسم في ضوء ذلك الصورة التي قد تتخذها عملية التغيير، والمسار الذي قد تتحرك ضمنه، وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً من ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبؤ العلمي بما سيقع في اليوم الموعود، وإن أمكنت الافتراضات والتصورات التي تقوم في الغالب على أساس ذهني لا على أسس واقعية عينية.
وهناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنها([646]) والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي عليه السلام في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة([647]).
وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد، وهذه النكسة تهيئ الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله ـ سبحانه وتعالى ـ التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً فتشتعل النار التي لا تبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة؛ ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. وقد وقع الابتداء في كتابة هذه الوريقات في اليوم الثالث عشر من جمادى الثانية هـ، ووقع الفراغ منها عصر اليوم السابع عشر من الشهر نفسه.
والله ولي التوفيق.
محمد باقر الصدر ـ النجف الأشراف
وقد تناول الباحث الجزائري الدكتور محمد عبد اللاوي بحث السيد محمد باقر الصدر حول المهدي بكثير من التفصيل وتحت عنوان الأبعاد الفلسفية للفكر الاجتماعي والسياسي عند الصدر ثم تطرق في ضمنها إلى مسألة الإمام المهدي.
نلاحظ، ابتداءً من السيد جمال الدين الأفغاني، بروز قابلية على استحضار الفكر الإسلامي للمفاهيم القرآنية المرتبطة بالمجتمع وبالتاريخ، وقدرة على ربط حالة الأمة الاجتماعية والسياسية والثقافية بلغة القرآن الكريم.
ثم تطور الفكر الإسلامي إلى مستوى آخر، حيث بدأ يتعامل، بشكل مباشر ومن منظور قرآني، مع المذاهب الاجتماعية والسياسية، وبدأ يرصد الآيات ويستخلص دلالاتها من أجل اكتشاف إطار للمذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي.
وتعبّر كتابات الشهيد السيد محمد باقر الصدر، في هذا السياق، عن مرحلة جديدة في تطور الفكر الإسلامي، وانتقاله من المبادئ والأفكار العامة إلى مستوى التنظير وتحديد المفاهيم، ونقد النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية.
وهنا يبرز فكر الشهيد كفكر إسلامي بالمعنى الشرعي للكلمة، فهو فكر يختلف عن التيارات، التي حاولت أن تصوغ فكراً إسلامياً بالاعتماد على مناهج فكرية غير إسلامية. فهذه التيارات تبرّر الواقع باسم التوفيق بين الإسلام والمعاصرة، أما فكر الشهيد فهو فكر يرفض كلّ تأويل أو تفسير يختلف مع مقاصد الإسلام ومضامينه.
لقد حرص الشهيد على أن لا يسقط في فخ النزعة التوفيقية، التي سقط فيها الفلاسفة المسلمون قديماً والمحدثون في العالم الإسلامي في عصرنا. انطلاقاً من هذا التحفظ المبني على التقوى ذات الأبعاد التعبدية والمنهجية. حاول الشهيد السيد محمد باقر الصدر استنباط المفاهيم القرآنية المؤطرة والموجهة لتنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. فتصنيف الشهيد لهذه المفاهيم هو تصنيف يؤكد على وحدتها وترابطها وتكاملها. فهو يتجنب النظرة التجزيئية كما يتجنب الإسراف في التأويل والتسرع في الاستنتاج. فالفكر الاجتماعي السياسي هو جزء من كل، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر يرى أنه من الخطأ العلمي والمنهجي فصله عن النسق العام الذي يتمحور حول العقيدة الإسلامية، فالشهيد انطلق في تنظيره للمذهب الاقتصادي الإسلامي، ولسائر القضايا الاجتماعية والسياسية والفلسفية التي عالجها من استيعاب هذه القضايا في كليتها، أي في ترابطها مع كل جوانب النظرة الإسلامية إلى الكون والإنسان. فالشهيد يرى أن فهمنا وتنظيرنا للحياة الاجتماعية يتوقف على النظرة الكلية إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة لا على النظرة الانتقائية.
أصول الفقه كإطار معرفي ومنهجي للفكر
الاجتماعي السياسي
منبع النظرة الكلية
تحرر الشهيد من العائق الابستمولوجي المتمثل في فقه الفروع، والذي وقف أمام ظهور المذهب الاجتماعي الإسلامي.
فبفضل منهجية أصول الفقه وصل الفكر الإسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عند الشهيد محمد باقر الصدر إلى مستوى صياغة المفاهيم كأساس ضروري للمذهب الاجتماعي.
ذلك أن مبحث أصول الفقه هو الذي يسمح للفكر الإسلامي بطرح القضايا الاجتماعية والسياسية طرحاً كلياً لا جزئياً، فعملية التنظير الاجتماعي كانت معطلة من طرف فقه الفروع أو النزعة الفقهية، التي تتناقض مع الرؤية الكلية للقضايا في الشريعة الإسلامية.
فالشهيد، باعتماده على أصول الفقه ومنهجيته، قد اتخذ الفكر المتريث والنظرة الشمولية لصياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي على اساس احكام الشريعة. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد تمت صياغته ضمن فقه مفلسٍ، أي ضمن أصول الفقه كإطار نظري فمبحث أصول الفقه هو الذي جعل الفكر الإسلامي يستعد، منذ السيد جمال الدين الأفغاني، لاستيعاب مشكلات الحياة الإنسانية ومستجداتها والنهوض بالدور المطلوب إزاء معطيات الحضارة الحديثة.
الجمع بين الأصالة والعمق والتجديد
وقد وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى أقوى درجة من العمق في كتابات الشهيد، وهذا العمق لم يكن أبداً على حساب الإسلام ومتطلباته، بل تمت صياغة الفكر الاجتماعي السياسي لدى الشهيد ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع على العموم، وضمن أطر أصول الفقه على الخصوص.
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم تتم صياغته كفكر خارج عن بنية الفقه الإسلامي، فلا وجود عنده لفصل أو تمييز بين مصطلح الفقه ومصطلح التجديد. فقضية المذهب الاجتماعي طرحت عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر في إطار العلاقة بين الثوابت والمتغيرات، بين الأحكام والأحوال.
التجديد عند الصدر
هذا هو الفرق الأساسي بين الفكر الإسلامي والفكر المحدث، ذلك أن هذا الأخير قد طرح إشكالية التغيير والتجديد كمصطلحات يتم تحليلها وفق المنهج الوضعي، الذي لجأ إليه المحدثون كمنهج بديل عن الفكر الإسلامي بكل مكوناته. في حين أن الشهيد يطرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من موقع الاستجابة الإسلامية لمستجدات العصر وتحديات الحضارة الغربية. فهو لم يخضع الشريعة للواقع أي للإنتاج القيمي والمفهومي للتفاعلات الاجتماعية المنفصلة عن شريعة الله؛ لأن الواقع بابتعاده عن هدى الله هو واقع فاسد بالنسبة للشهيد السيد محمد باقر الصدر، وكل لجوء إليه كقوة مرجعية أي كمصدر وحيد للتنظير هو خروج عن متطلبات الشرع وإخضاع حكم الله لحكم الواقع. أي إخضاع المطلق للنسبي.
تفاعل النص مع الواقع
وهذا لا يعني أن منهجية الشهيد أحادية الجانب، تنطلق من النص دون اي اعتبار للواقع، بل على العكس فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لديه، من حيث هو فكر اجتهادي، يعطي للواقع كل ثقله شريطة أن لا تخرج عملية التنظير عن الثوابت الإسلامية. وهنا تتجلى ثورية الفكر الاجتماعي المعتمد على هذا المنهج حيث إن استجابة المفاهيم الاجتماعية والسياسية لحركة الواقع تكون دائماً من موقع تأثير الإسلام عقيدةً وعبادةً وشريعةً في حركة الواقع لا إضفاء المشروعية عليها وتبريرها.
وهكذا الفكر الاجتماعي الإسلامي الذي صاغه الشهيد هو فكر تحويل لا فكر تبرير. فكل محاولة للتقدم والخروج عن التخلف ليست في جوهرها ـ انطلاقاً من هذا المنهج ـ إلا الرجوع إلى النص وإلى عصر الرسالة، أي إعادة الانتماء للحضارة الإسلامية في مسارها السابق على الانحراف.
فالشهيد حدد مفهوم الفكر الإسلامي بوضوح ودقة، وطرح البديل الإسلامي على الصعيد النظري والمنهجي. العقلانية المرتبطة بالنص هي عقلانية مفتوحة تتمتع بقوة لاستيعاب مستجدات الحركة التاريخية. فهي ليست مجرد عقلانية خطابية، أو عقلانية مريحة تنمو في عالم المجردات.
والفكر الاجتماعي ـ السياسي المؤهل لإعادة بناء الأمة والحضارة الإسلامية هو ذلك الفكر الذي يرتبط ارتباطاً كلياً بالنص، وتتم صياغته في إطار العقلانية الإسلامية.
صياغة المفاهيم لا فقه الفروع
ومعنى هذا أن الفكر الإسلامي الذي لم يصل إلى مستوى صياغة المفاهيم من منظور أصول الفقه هو فكر عاجز عن إنتاج فكر اجتماعي ـ سياسي يحرر الأمة ويحدث نهضة الشعوب الإسلامية. فهذا الفكر عقيم ونظرته نظرة تجزيئية تتناقض مع صياغة المفاهيم وتنسيقها فصياغة المفاهيم هي الشرط الضروري لصياغة المشروع الحضاري الإسلامي.
إن تطويق العلاقة بين الدين والواقع في الإطار الضيق لفقه الفروع أحدث فجوة بين الإسلام والحضارة، بين الأمة وحركة التاريخ. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد جاء نتيجة لبعث الحياة في الفقه باستعمال وسائل الاجتهاد ومفاهيمه.
إن الصيغة الجديدة للطرح، التي تتجلى في فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي تختلف عن الفكر الإسلامي المرتبط بالنظرة التقليدية للطرح الديني. لقد كان الفكر الإسلامي قديماً فكراً مجزّءاً: فالفقه من جهة، وعلم الكلام من جهة أخرى، والفلسفة من جهة ثالثة. ولم يقدم المفكرون نظرة تركيبية لهذه الجوانب الثلاثة إلا نادراً.
تفاعل الفقه والكلام والفلسفة
والحق أن التحليل الذي تناول الفكر الإسلامي في تفاعل عناصره الفقهية والكلامية والفلسفية قد بدأ مع السيد جمال الدين الأفغاني، إلا أنه أخذ طابعه الأعمق عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي بصيغة تربط الجانب الغيبي العبادي بالجانب الفلسفي والعلمي من خلال تأكيده على ما يتضمنه الإسلام من مفاهيم عن الكون والحياة وحركة التاريخ ونهضة الحضارات وسقوطها.
هذا الموقف ليس عنصراً جديداً ومستحدثاً، بل هو موقف نابع من عمق الإسلام. فالإرشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم تفسح المجال للنظرة الشمولية وللتحليل العلمي، وتتناقض مع تقديم الدين في صورة ضبابية تحكمها القداسة من دون أن تفتح الباب للنظرة العقلانية.
اعتماد المنهج القرآني
فالشهيد باعتماده على الإرشادات المنهجية القرآنية غيّر الطرح الذي وضع فيه الدين من قبل الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي. ففتح الباب واسعاً من الناحية المعرفية والمنهجية لصياغة فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. إنه صاغ الفكر الاجتماعي السياسي خارج إشكالية طرح الواقع من خلال المفهوم وطرح المفهوم من خلال الواقع. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي كما صاغه الشهيد تمّ ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع. وهو طرح يخلق جواً جديداً؛ لاستنطاق القرآن الكريم والسنة الشريفة في كل جوانب الحياة الاجتماعية.
إن منهج التعامل مع النص أثناء محاولة تنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يشكل مصدراً لابتغاء الرشد. ويعتبر منهج التعامل مع النص العامل الأساسي والمصيري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
فالتعامل هنا معناه بناء المفاهيم وبناء المنهج البديل الذي يتأسس عليه صرح المعرفة في العلوم الاجتماعية. والمشكل المطروح هنا هو كيف يمكن للفكر الإسلامي المعاصر أن يدرك المكونات القرآنية في مضمار الفكر الاجتماعي السياسي؟ فالقرآن الكريم، بالنسبة للشهيد، لا يقف عند حد الدعوة إلى مجتمع تسوده العدالة والقيم الأخلاقية، لكنه قدم الإطار الذي يتم فيه تحول المجتمع.
فالقرآن الكريم منذ بداية النزول في المرحلة المكية تفاعل مع الواقع ومع الحياة في كل جوانبها وعمل على تغيير الواقع في ضوء متطلبات القيم والمفاهيم الربانية، وعليه يرى الشهيد أن التعامل مع القرآن الكريم من خلال دمج القضايا المطروحة على الأمة في إطارها الاجتماعي والحضاري سيفتح آفاقاً جديدة لعملية تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. وهذا النموذج في التعامل مع القرآن الكريم من منطلق شمولي نجده في التفسير الموضوعي للشهيد السيد محمد باقر الصدر.
فكرة التفسير الموضوعي للقرآن
«لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملاً في إعاقة النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملاً في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟….
إن المفسر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ أولاً بتناول النص القرآني المحدد آية مثلاً أو مقطعاً قرآنياً دون أي افتراضات أو أطروحات مسبقة، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ … العملية في طابعها العام عملية تفسير نص معين، وكأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو دور الإصغاء والتفهم، وهذا ما نسميه بالدور السلبي. المفسر هنا شغله أن يستمع لكن بذهن مضيء بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها … وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع. فهو ذو دور سلبي، والقرآن ذو دور إيجابي. والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.
وخلافاً لذلك، المفسر التوحيدي والموضوعي فإنه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة. يركز نظره على موضوع من موضوعاتت الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثم يأخذ النص القرآني، لا يتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل يطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النص القرآني حواراً (سؤال وجواب …) لا يجلس (أي المفسر) ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً … وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع واتجاهاته.
ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة ….
إذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لأن التفسير يبدأ مع الواقع وينتهي إلى القرآن. لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزلة عن الواقع، منفصلة عن تراث التجربة البشرية، بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرآن بوصفه القيم، والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع. ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائماً، قدرته على العطاء المستجد دائماً، قدرته على الإبداع؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، فإن طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات على أنه لا ينفد، وصرح القرآن الكريم بأن كلمات الله لا تنفد»([648]).
تجديد «الأصالة» لا تجديد «التلفيق»
إن منهج التعامل هذا ضرورة شرعية وعلمية وواقعية؛ لأن إعادة بناء الأمة الإسلامية عملية تقتضي التبصر في الأحداث من منظور تفاعل وتداخل عوامل إنتاج هذه الأحداث. وهنا ينبغي التمييز بين المنهج التلفيقي الانتقائي في التعامل مع النص، وهو ذلك المنهج الذي يخضع القرآن الكريم للواقع ولمفاهيم الفكر الغربي، وبين المنهج المبني على منطلق شمولي وتعبدي في علاقته مع النص: ينطلق من الواقع إلى النص ومن النص إلى الواقع كما أشار الشهيد السيد محمد باقر الصدر في النص السابق.
وقد أبعد هذا الطرح فكر الشهيد عن الانبهار بالحضارة الغربية وبالمفاهيم، التي تتضمنها سائر مذاهبها الاجتماعية والسياسية. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم يتم على حساب المفاهيم الإسلامية، بل نبع منها وتشكل بفضلها.
ومعنى هذا أن الشهيد السيد محمد باقر الصدر قد ضبط مفهوم الفكر الإسلامي والفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ضبطاً دقيقاً، حرر هذا الفكر من النزعة التوفيقية، التي تميز بها الفكر المحدث في العالم الإسلامي والتي انتهت إلى مزيج عجيب بين الإسلام والاشتراكية، أو بين الإسلام والرأسمالية، فالفكر المحدث بانبهاره بالفكر الغربي وصل إلى تغريب المصطلحات القرآنية عن طريق المفاهيم الغربية.
فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي بالاعتماد على وضع الحدود الإسلامية لمفاهيم الفلسفة الاجتماعية ـ السياسية، المفاهيم التي صاغها الشهيد تنطلق من ارتباطها بالحكم الشرعي فيما يمثله من الواجب والحلال والحرام. فهو قد عالج المشكلة الاجتماعية ـ السياسية على هذا الأساس، وانتقد الفكر الاجتماعي الغربي على هذا الأساس كذلك. وقد أدى هذا إلى صياغة الفلسفة الاجتماعية والسياسية في نطاق العلاقة بين القرآن الكريم والواقع.
وعلى عكس الفكر المحدث، الذي راح يوفق بين الإسلام والنظم الاقتصادية والاجتماعية الغربية فإن النموذج المعرفي، الذي انطلق منه الشهيد ـ وهو نموذج تمت صياغته ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع ـ جعله يواجه مشاكل الأمة الإسلامية من خلال حلول الواقعية لا المثالية. ويتضح ذلك في المصطلحات والمفاهيم والعبارات التي استخدمها الشهيد في كل كتاباته مثل: منابع القدرة في الدولة الإسلامية ومثل: مفهوم «إنسان العالم الإسلامي».
فالشهيد واجه الفكر العربي ـ من موقع الفكر الإسلامي المؤسس على جهاز مفهومي يستطيع من خلاله أن يواجه المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية خارج الشعارات العاطفية والمواقف الانفعالية.
كما أن التأكيد على خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي حرّر هذا الأخير من النزعة التوفيقية بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، فالشهيد نقد الماركسية والرأسمالية معاً، ولم يطرح أبداً إشكالية الاختيار بين هذا النظام أو ذاك. فالشهيد وقف أمام الفكر الماركسي والراسمالي موقفاً علمياً. فقد فلسف، في هذا السياق، النظرة الاقتصادية الإسلامية، وتجاوز ـ تبعاً لذلك ـ إطار الأحكام المتناثرة. لقد وقع على يد الشهيد انفتاح أصول الفقه على الفلسفة، وانفتاح الفلسفة على أصول الفقه.
إن العلاقة بين الأحكام الشرعية والمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية هي التي أدت إلى صياغة المذهب الاقتصادي والسياسي في كتابات الشهيد([649]).
* * *
المذهب الاقتصادي الإسلامي
المذهب الاقتصادي الإسلامي، الذي صاغه الشهيد يهدف إلى التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
مقولتان أساسيتان
وقد انتقد الشهيد كلاً من الراسمالية والاشتراكية من مبدأ التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وذلك نتيجة لتركيزه صياغة المذهب الاقتصادي على مقولتين أساسيتين: خلافة الإنسان، وأن المالك الحقيقي هو الله تعالى.
ربط الشهيد مبدأ الملكية الخاصة ذات الوظيفة الاجتماعية بهاتين المقولتين السابقتين. فالملكية الخاصة ذات البعد الاجتماعي هي تلك الملكية التي لا تتناقض مع العلاقات الاجتماعية المبنية على التضامن، والتي تميز الحياة الاقتصادية والسياسية للأمة.
لا شك أن الفكر الاقتصادي الإسلامي يولي أهمية كبرى للمصلحة العامة، ويربط حقوق العباد بحقوق الله. إلا أن هذا لا يعني أن المذهب الاقتصادي الإسلامي يذيب الفرد في المجتمع، فالإسلام، في نظر الشهيد، يختلف اختلافاً جذرياً عن الاشتراكية. فالملكية الخاصة وظيفية أي تلعب دوراً اجتماعياً. إلا أنها ليست ظرفية وتابعة لمرحلة تاريخية معينة، بل هي مبدأ ثابت يعبر عن قيمة الإنسان من حيث هو خليفة الله في الأرض.
فالزكاة والمصلحة العامة وتحريم الربا، كل هذه الأحكام والمفاهيم صاغها الشهيد صياغة فقهية وفلسفية؛ ليرسي عن طريقها المذهب الاقتصادي الإسلامي.
فالإسلام، في نظر الشهيد، ينبغي أن لا تبرر رؤيته الاقتصادية والسياسية باسم قيم وتصورات أجنبية عنه. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي يقوم على مبادئ وقيم إسلامية وكل محاولة للتوفيق بين الإسلام والاشتراكية أو بينه وبين الرأسمالية هي محاولة غير مشروعة ومتناقضة مع الإسلام. فالملكية الخاصة تعبير عن اهتمام الشريعة بالإنسان ومبادراته. هي حكم شرعي ثابت، إلا أنها ليست محايدة تجاه القيم الأخلاقية؛ لأن الملكية الخاصة في المذهب الاقتصادي الإسلامي الذي صاغه الشهيد هي مشروعة ومحدودة ـ في نفس الوقت ـ بمتطلبات أخلاقية تحمل طابع الواجب الديني.
ربط الاقتصاد بالأخلاق
إن ربط الاقتصاد بالأخلاق معناه أن المذهب الاقتصادي الإسلامي لا يعتبر الملكية الخاصة حقاً مطلقاً يتصرف فيه صاحبه كما يشاء، فالملكية الخاصة تتحدد من موقع وظيفتها الاجتماعية، ومن موقع مبدأ التوازن الاجتماعي.
فطرح الرؤية الإسلامية للملكية في إطار توازن العلاقات بين الفرد والمجتمع، وفي إطار العلاقة بين الحياة الاجتماعية والغيب. أدى إلى موقف نقدي رافض لكل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي؛ لأنهما نظامان يفصلان بين الحياة الاجتماعية والحياة الروحية في طرحهما للمشكلة الاقتصادية.
استقلالية الاقتصاد الإسلامي
فالشهيد طرح إشكالية تنظير المذهب الاقتصادي خارج الإطار النظري للمذهبين الاقتصاديين الراسمالي والاشتراكي. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي شيء آخر غير الرأسمالية والاشتراكية وغير ذلك:
1 ـ أنه يتمتع بمرجعية تتمثل في كلام الله الذي لا ينفد([650]).
2 ـ صياغة هذا المذهب لها حقلها النظري المتمثل في الأمة الإسلامية، وإنسان العالم الإسلامي بذهنيته وقيمه وتطلعاته.
اعتمد الشهيد إذن على النظرة الكلية والشمولية لا على النظرة التجزيئية. ومعنى هذا أن الرؤية الإسلامية للاقتصاد ليست متروكة لكل التأويلات. فهي ليست مجرد انعكاس لأخلاق المسلمين وتضامنهم، بل هي رؤية مؤطرة بمبادئ عامة وأحكام شرعية دقيقة ترسم للمجتهد الطريق لصياغة فكر اقتصادي إسلامي.
معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي
وعلى العموم، العقيدة وخلافة الإنسان والتسخير، الأخوة الإيمانية والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، كل هذه المفاهيم تشكل معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي كما صاغه الشهيد.
من هذا المنظور انتقد الشهيد الأنظمة الاشتراكية في العالم الإسلامي؛ لأنها تنظر إلى العلاقة بين الإسلام والاشتراكية نظرة تلفيقية. في حين أن الرؤية الاقتصادية الإسلامية مرتبطة شرعاً وعقلاً وبصفة جوهرية وبنيوية بالنظرة الإسلامية للكون والإنسان. صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي كما طرحها الشهيد تتم في إطار العلاقة بين العقل والشرع. وهذا الفكر الاقتصادي الإسلامي يتضمن، ضرورة، جانباً يتجاوز العقل. هو فكر اجتهادي نابع من إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع.
لا شك أن الفكر المحدث الذي راح يوفق بين الإسلام والاشتراكية انطلق من نفس هذه الإشكالية، لكن خارج إطار الاجتهاد لا داخله، فالفكر المحدث ينطلق من فكرة تكييف الإسلام مع التاريخ ومع الأنظمة الاقتصادية والسياسية، لا من الواجب الشرعي والتعبدي الذي يقتضي تكيف الواقع والتاريخ حسب متطلبات الإسلام.
شروط صياغة المذهب
فمن النظرة التعبدية للنص في علاقته بالعقل وبالواقع حدد الشهيد السيد محمد باقر الصدر الشروط الفقهية والمنهجية والفلسفية؛ لصياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي:
«إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي، لا يجوز أن ندرسه مجزّءاً بعضه عن بعض. نظير أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا، أو سماحه بالملكية الخاصة، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام. كما لا يجوز أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي، بوصفه شيئاً منفصلاً وكياناً مذهبياً مستقلاً عن كيانات المذاهب الاجتماعية والسياسية الأخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات … وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة، التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع …
فمن الخطأ أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة أهميتها، وأن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب، والتأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام.
كما يجب أن لا نفصل بين المذهب الإسلامي بصيغته العامة، وبين أرضيته الخاصة التي أعدت له، وهيأ فيها كل عناصر البقاء والقوة للمذهب … الصيغة العامة للمذهب ـ أي مذهب كان ـ تحتاج إلى أرضية وتربة، تتفق مع طبيعتها، وتمدها بالعقيدة والمفاهيم والعواطف، التي تلائمها. فلا بد لدى تقدير الصيغة العامة للمذهب أن ندرسها على أساس التربة والأرضية المعدة لها، أي ضمن إطارها العام.
وهكذا يتضح أن الاقتصاد الإسلامي مترابط في خطوطه وتفاصيله، وهو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة … ويستقيم منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي حين يدرس الاقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط، وبوصفه جزءاً من الصيغة الإسلامية العامة للحياة، التي ترتكز بدورها على التربة والأرضية، التي أعدها الإسلام للمجتمع الإسلامي الصحيح»([651]).
وهكذا فالمسألة ليست مسألة اختيار بين الإسلام والعقلانية كما يدعي الفكر الغربي والفكر المحدث التابع له في العالم الإسلامي. بل الاختيار يتم بين عقلانية مبنية على الوضعية، وهي رغم محدوديتها تطرح نفسها كمطلق، وبين عقلانية مرتبطة بالغيب وتعي، تبعاً لذلك، نسبيتها التي تشكل قوتها؛ لأنها تجعلها عقلانية مفتوحة قادرة على استيعاب حركة التاريخ والتحكم فيها.
وعلى العموم فالرؤية الإسلامية للاقتصاد لا ترتكز على مجرد نظرة أخلاقية. فالأحكام والمفاهيم المستنبطة من الشريعة عن طريق الاجتهاد تؤطر وتقود صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي.
أثر البعد الغيبي على المذهب الاقتصادي
وبفضل علاقته بالجانب الروحي وبالغيب، يمكن للمذهب الاقتصادي الإسلامي أن يساهم في طبع العلاقات الدولية بطابع إنساني. فمساهمة الفكر الاقتصادي الإسلامي كما صاغه الشهيد، يمكن أن تكون حاسمة تجاه الأزمات التي تعاني منها شعوب العالم، وتجاه علاقة الاستغلال التي تمارس على المستضعفين من طرف المستكبرين. ذلك أن الشهيد بفضل نظرته الشمولية قد كشف عن الرؤية الأخلاقية الاقتصادية الموجودة بصفة ضمنية وصريحة في الشريعة الإسلامية، تلك الرؤية التي ترى أن الإنسان هو الهدف والغاية لا الاقتصاد.
فالشهيد قد بيّن أن الملكية في مفهومها الإسلامي تختلف عن الملكية في الحضارة الغربية، حيث تقوم على التصور المادي للكون، الأمر الذي أدى بها إلى الاستناد على الإسراف والتبذير وحرية التصرف اللا أخلاقية واللا إنسانية. في حين أن الملكية في الرؤية الإسلامية هي ذات وظيفة فردية واجتماعية وروحية. إن إرجاع الملكية إلى الله (الله هو المالك الحقيقي)، ومفهوم الاستخلاف يجعلان الملكية خارج شمولية الاشتراكية التي تذيب الأفراد في المجتمع وخارج فردانية الرأسمالية، وهي تقوم بوظيفة اجتماعية طالما أن صاحبها، سواء كان فرداً أو جماعة، هو مسؤول أمام الله والمجتمع عن تصرفه. يقول الشهيد:
«… وأما المجتمع الإسلامي فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكل من المجتمعين (الرأسمالي والاشتراكي)؛ لأن المذهب الإسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول: بأن الملكية الخاصة هي المبدأ، ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاماً. بل إنه يقرر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوعة) بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكية، الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية. فهو يؤمن بالملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة ….
وليس هناك أدلّ على صحة الموقف الإسلامي من الملكية، القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة … من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية. فإن كلتا التجربتين اضطرتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية، الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما؛ لأن الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية …
والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام»([652]).
لقد كانت إحاطة الشهيد بالفكر الاجتماعي الغربي وافية ونقدية. ويتجلى عمق تحليله في تشخيصه لظاهرة الفردانية في النظام الرأسمالي وظاهرة الشمولية وذوبان الفرد في المجتمع في النظام الاشتراكي.
وينتهي الشهيد إلى أن الفكر الاجتماعي الغربي لم يحل مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما يبرز الشهيد عجز الفكر الغربي في الميدان العلمي (العلوم الإنسانية)، وهو الجانب الذي فتن كثيراً من المفكرين في العالم الإسلامي دون نقد وتفكير وإعادة النظر.
وقد أكد الشهيد على المبادئ والمفاهيم الإسلامية، لا في جانبها الروحي والتعبدي فحسب، بل الاستفادة منها لصياغة علوم اجتماعية وتوجيهها حسب متطلبات النص، ومتطلبات إنسان العالم الإسلامي.
إن ربط الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالغيب يؤدي إلى نموذج للتنمية يتناقض مع النموذج الغربي، الذي يكون فيه الإنتاج والاستهلاك غايات في ذاتها. فنموذج التنمية، كما أرسى معلمه الشهيد، مرتبط بالقيم الروحية، ووسيلة لتجسيد خلافة الإنسان لله في الأرض.
نموذج التنمية في التصور الإسلامي لا يخضع للعبث، بل لعقلانية صارمة تستمد قوتها من معنى الوجود الإنساني. فغايات النموذج التنموي ليست في ذاتها؛ لأن عملية التنمية، من حيث هي جهاد، مرتبطة بالمطلق:
«… إن اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء، لا يعني بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر، واتكاله على الظروف والفرص، وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع … بل إن هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبر في الحقيقة عن مبدأ خلافة الإنسان في الأرض، فيما يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله. ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته، التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون، لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف؛ لأن الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه … ولهذا قلنا: إن إلباس الأرض إطار السماء يفجر في الإنسان المسلم طاقاته، ويثير إمكاناته، بينما قطع الأرض عن السماء يعطل في الخلافة معناها … فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة»([653]).
وهكذا يتبين بوضوح أن صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي لا تتمثل في عملية تلفيقية بين الإسلام والمذاهب الاقتصادية الغربية. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي يتضمن عناصر ترتبط كلها بنظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فالمذهب الاقتصادي الإسلامي هو جزء من كل. هو عنصر من عناصر الرؤية الإسلامية للحضارة ولحركة التأريخ وللإنسان.
وعليه، فبفضل المجتهدين من أمثال الشهيد محمد باقر الصدر، الذين ساهموا في صياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي، أصبح الفكر الإسلامي في المجال الاجتماعي له ما يقوله في ساحة صراع المذاهب والايديولوجيات.
* * *
النقد الجذري للفكر الغربي
وطرح البديل الإسلامي
إن نقد الشهيد لفكرة التوفيق بين الإسلام والرأسمالية، أو بين الإسلام والاشتراكية، لم يبرز من خلال نموذج صراعي محض، بل انطلق من نقد عميق للحضارة الغربية كحقل نظري لكل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
وهكذا فالصراع بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي كما يطرحه الشهيد، ليس مجرد صراع انفعالي وعاطفي، بل هو صراع عن طريق القيم والمفاهيم انطلاقاً من رؤية إلى الكون والإنسان والتاريخ.
إن الفكر المحدث في العالم الإسلامي يشبه، من بعض الوجوه، الفلسفة الإسلامية القديمة. فإذا كانت هذه الأخيرة قد انبهرت بالفلسفة اليونانية، وانتهت إلى إخضاع الدين الإسلامي لمقولات الفلسفة اليونانية. فإن الفكر المحدث في العالم الإسلامي قد انطلق في موقفه من الفكر الغربي من نفس الموقع الأبستمولوجي([654]): يحلل الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي وصيرورته من خلال النسق المعرفي والقيمي والغربي. الشيء الذي جعل الفكر المحدث فكراً تابعاً ونخبوياً عقيماً لا علاقة له بالشعوب الإسلامية، التي تكون المادة الخام لكل تنظير.
الاجتهاد كأداة للمعرفة في مقابل الوضعية
أما الفكر الإسلامي كما طرحه الشهيد فهو، بحكم اعتماده على الاجتهاد، كأداة معرفية وشرعية؛ لاستيعاب حركة التاريخ وتوجيهها، ولاستيعاب ثقافات الشعوب ومواجهة المستجدات، مؤهل لصياغة طريق جديد ـ غير الطريق الرأسمالي أو الاشتراكي ـ للتنمية والتقدم.
فالاجتهاد بمعناه الواسع هو الإطار الذي صاغ الشهيد ضمنه نقده للفكر الغربي، كما صاغ ضمنه، كذلك، الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
لقد لجأ الشهيد إلى إطار مفهومي وقيمي وفر له الإمكانيات، التي تحرر الفكر الإسلامي من سجن الوضعية وغياب البعد الروحي من النظام المعرفي.
فالشهيد يرى في هذا السياق أن صياغة الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الإسلامية لا يمكن أن تبرز إلى الوجود بمجرد تصحيحات للنظام الاشتراكي، أو بمجرد التعليق بين الاشتراكية والرأسمالية. يرى الشهيد أن الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي لا يمكن صياغته إلا نتيجة لثورة على صعيد القيم والمفاهيم تنبع من القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومعنى هذا أن الرؤية الاجتماعية السياسية الإسلامية يلازمها نموذج معرفي يختلف جذرياً عن مسلمات وبديهات النموذج المعرفي المؤسس على الوضعية.
النظامان الراسمالي والاشتراكي ينبعان، بالنسبة للشهيد، من مصدر واحد: الوضعية. فكل محاولة توفيق بين الإسلام وأحد هذين النظامين معناه إدماج الإسلام في الرؤية الوضعية لحركة التاريخ.
وهكذا بيَّن الشهيد أن نشاط الفكر الإسلامي من خلال النموذج المعرفي للفكر الغربي يؤدي إلى التلفيق والتكرار بدلاً من الإبداع والابتكار اللذين يحتاج إليهما العالم اليوم.
إن فكر الشهيد كمحاولة للبحث خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ. أي البحث عن نموذج إسلامي للاقتصاد والتطور، هي محاولة لها مشروعيتها المنهجية والعلمية ومتطلباتها الواقعية والتاريخية.
بالنسبة للشهيد، كل المفاهيم التي تتم صياغتها من منظور وضعي هي تعبير عن رؤية الخطأ والانحراف. فالنموذج الحضاري الإسلامي ومرتكزاته النظرية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة لا يمكن أن يستخرج من مجرد عملية تركيبية بين الراسمالية والاشتراكية، بل يبرز إلى الوجود نتيجة لعملية تصحيحية جذرية للخلفية الفلسفية، التي يرتكز عليها الفكر الغربي؛ لتشمل بعد ذلك المفاهيم الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وهكذا، فموقف الشهيد في هذا المجال بيّن لنا أنه انطلق ـ في صياغته للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ـ من موقع البحث عن الرؤية الإسلامية، لأن نشاط الفكر من خلال المرتكزات المنهجية والفلسفية للفكر الغربي لن ينتهي إلا إلى مسلمات وبديهيات الفكر الغربي، ولن يتحرر الفكر الإسلامي من القيم والمفاهيم، التي تقف عائقاً أمام تحرر الرأسمالية والاشتراكية من الأزمة ذات الأبعاد المعرفية والإنسانية والأخلاقية.
فالرؤية الإسلامية للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتاريخ ينبغي، حسب منهجية الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أن تتم في إطار نظري مختلف اختلافاً جذرياً عن الإطار النظري، الذي صيغت ضمنه المذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية، وبعبارة أخرى: إن صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي لا تتم باللجوء إلى الفكر الغربي، بل باللجوء إلى النص وواقع الأمة وتاريخها.
الطعنة النجلاء في قلب الماركسية
ومن هذا المنظور انتقد الشهيد النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية كأساس للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي على العموم والفكر الماركسي على الخصوص، وذلك ضمن نقده للمادية التاريخية:
«وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة، في تحليلها الاجتماعي، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها. فنادت المادية التاريخية كحقيقة مطلقة، وأعلنت عن قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية، التي لا تقبل التغيير والتعديل، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز في المجرى التاريخي الطويل للبشرية. حتى كان المفهوم الماركسي للتاريخ، نقطة انتهاء للمعرفة البشرية كلها. ولم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل: من أين نشأ هذا المفهوم الماركسي؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة.
ولو كلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك ـ كما يحتمه الحساب العلمي لاضطرت إلى القول: بأن المادة التاريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها.
وهنكذا نجد، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه. ولا تعدو هي بدورها أيضاً أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطورة تبعاً لتطورها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة للتاريخ»([655]).
وهكذا بيّن الشهيد أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي هو مجرد انعكاس سلبي لمؤثرات ظرفية أو لمرحلة تاريخية معينة. فنسبيته نسبية انعكاس لأوضاع معينة، وليست نسبية كتلك التي تلازم الفكر العلمي وتجعله منفتحاً وقابلاً للتطور.
الثابت والمتغير النص والاجتهاد
أما الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الصدر فهو يتمتع بالقوة التي تؤهله لعدم الاهتزاز أمام تحديات الواقع وحركة التاريخ، لأنه فكر مبني على العلاقة بين المطلق والنسبي، بين الثوابت والمتغيرات، بين النص والاجتهاد. فهو فكر يعي، منذ البداية، متغيراته وثوابته.
فالإسلام يحل المعادلة الصعبة التي انهزمت أمامها كل الفلسفات المتمثلة في العلاقة بين المتغير والثابت. يحلها عن طريق منهجية صاغها المفكرون المسلمون بفضل إرشادات ربانية. هذه المنهجية هي الاجتهاد.
فالشهيد عندما صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، صاغه من موقع المجتهد، وانطلاقاً من مفاهيم الاجتهاد حول الثوابت والمتغيرات. فهو لا يفكر خارج التاريخ بل بالتاريخ، لكن دون أن يسقط في فخ النزعة التاريخية؛ لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي مرتبط بالنص لا بالواقع أو بالتاريخ فحسب.
إن طريق صياغة الفكر الإسلامي المحقق لانتصار الأمة ونهضتها هو الطريق الذي تتم فيه صياغة هذا الفكر حسب شروط الدين أي من موقع الاجتهاد وعلاقة الفكر بالنص من حيث هي علاقة النسبي بالمطلق. أما الطريق الذي تستنبطه عقلانية الإنسان المنفصلة عن الله تعالى فهو دائماً طريق خاطئ يزيد في انحطاط الأمة.
اللاواقعية واللاعقلانية صفتان ملازمتان للفكر الغربي بحكم عدم ارتباطه بالمطلق، وفصله الرؤية الاجتماعية ـ السياسية عن أبعادها الميتافيزيقية.
وعلى العكس من ذلك فإن خصائص الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من الناحية المنهجية والمعرفية تتمثل في العلاقة بين العقل والدين والواقع. وتتمثل من ناحية الهدف في العمل على تجسيد متطلبات خلافة الإنسان لله في الأرض.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يسعى، بحكم هذه الخصائص، إلى صياغة منهجه للتغير حسب متطلبات الإسلام ومتطلبات الواقع شريطة أن تخضع هذه الأخيرة لمبدأ إعادة الإسلام إلى أرض الواقع، أي تكييف هذا الأخير حسب متطلبات الشريعة.
وهذا ما يجعل الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يحتوي الواقع كله؛ لأنه يستقطب كل مواقع التصور الإنساني على أساس المنهج والهدف اللذين يرتكز عليهما هذا الفكر.
ولهذا فَنَقْدُ الشهيد السيد محمد باقر الصدر للاشتراكية والرأسمالية كان من موقع النموذج الحضاري الإسلامي، لا من موقع التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فتحليله يجمع بين رفض الماركسية والرأسمالية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة من موقف معرفي يسعى إلى البحث خارج الطرح البشري للمسألة الاجتماعية والسياسية.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي هو إذن ـ بحكم مرجعيته ـ عقيدة إسلامية على مستوى المفاهيم (ومن هنا شعور المسلمين بالالتزام تجاه هذه المفاهيم).
إن مسار الفكر الاجتماعي ـ السياسي، كما طرحه الشهيد، يتجه نحو الإبداع؛ لأنه وضع نفسه في موقع متحرر وناقد لنموذج التفكير الاجتماعي ـ الغربي.
شبهة وردها
قد يقال: بأن فكرة التوجيه هي الحياة الاقتصادية والعقلنة، وإعطاء أهمية للمبادرات الفردية في إدارة الاقتصاد هي خصائص غربية واضحة، ولا يعطي الاستشهاد الدائم بالقرآن الكريم والسنة الشريفة والأحكام الفقهية المشروعية ـ الإسلامية لهذه الخصائص.
لا شك أن الجوانب والعناصر قد تكون مشتركة بين كل الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن هذه العناصر تتشكل حسب المجموعة التي تنتمي إليها وحسب نسق العلاقات، التي تربطها مع العناصر الأخرى ومع القاعدة التي يرتكز عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهي العقيدة الإسلامية بالنسبة للفكر الاجتماعي الإسلامي، وما تنتجه هذه العقيدة من مفاهيم وقيم ونظرة إلى الكون والإنسان تنعكس على نفسية الأفراد وعلى العلاقات الاجتماعية بشكل يجعل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتخذ مساراً له خصوصيته، ولا يشبه مسار الأنظمة المرتكزة على الوضعية([656]).
وعلى هذا النحو لم يعد معيار النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية معياراً من خارج المواقع فحسب (المصدر الإلهي للقيم والمفاهيم في مجال الحياة الاجتماعية ـ السياسية)، وإنما معيار يلتقي مع قانون موضوعي لتطور الواقع (ذهنية إنسان العالم الإسلامي وتطلعه إلى تجسيد متطلبات الشرعية في الواقع الحي). فهنا يلتقي الشرع مع الواقع ولا يتناقض معه([657]).
وهكذا فالإسلام والواقع (الحقل النظري المتمثل في الأمة) يوفران الأرضية لصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة تملك الاستعداد على الصعيد الذهني والنفسي لممارسة المفاهيم الاجتماعية ـ السياسية الإسلامية، ولعملية التغيير التاريخي حسب متطلبات الإسلام.
فنقد الشهيد للفكر الغربي جعل هذا الأخير معطى نسبياً، وأوضح التناقض الذي ينتج عن كل محاولة لنقل البناء الثقافي والفكري الغربي إلى العالم الإسلامي.
من الدفاع إلى الهجوم
لقد نقل الشهيد مواجهة الفكر الغربي من موقف الاستسلام والرفض الهزيل إلى موقف النقد، وطرح البديل الإسلامي في ميدان الفكر الاجتماعي ـ السياسي على العموم وميدان العلوم الاجتماعية على الخصوص، يقول السيد محمد حسين فضل الله:
«السيد محمد باقر الصدر الذي كان فكره وقلمه يمثلان النقلة المتقدمة لحركة الاتجاه الإسلامي الراشد، قد كتب في تلك الفترة كتاب فلسفتنا، الذي يعتبر بحق الكتاب الذي نقل الصراع مع الشيوعيين من أسلوب الغوغاء إلى أسلوب الفكر العلمي، مما يعطي الانطباع بأن الاتجاه الإسلامي الجديد لا يتحرك في مواجهته للشيوعية من المواقع السياسية الموجهة لمصلحة الغرب، بل يتحرك من موقع الإيمان بأن الطريق الوحيد لتحصيل القناعات العقيدية هو الحوار الفكري المبني على القواعد الجديدة»([658]).
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد يتبنى تاريخ الأمة الإسلامية ويرتبط بالجذور الحضارية للشعوب الإسلامية. وهذا الربط بين الفكر الاجتماعي والتاريخ هو ربط بين هذا الفكر والعقيدة؛ لأن التاريخ يتضمن العقيدة والعقيدة تتضمن التاريخ؛ على اعتبار أن مسار الأمة تشكل بفضل القيم والمفاهيم التي ـ تتضمنها العقيدة.
يقول الشهيد منتقداً المادية التاريخية:
«… فإن الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسالة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلّها الصحيح. ذلك أن الحل يتوقف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للإنسانية؛ لأن الدين هو الطاقة الروحية، التي تستطيع أن تعوض الإنسان عن لذائذه الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملاً في النعيم الدائم، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأن هذا الوجود المحدود الذي يضحي به ليس إلاّ تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمها التجارية المادية … وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني»([659]).
المضمون الجوهري للفكر الاجتماعي
ـ السياسي الإسلامي
الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما طرحه الشهيد هو فكر له منهج، إنه يشكل بناءً نظرياً متكاملاً، له وجهته الخاصة في الكون والمجتمع والإنسان والتاريخ، فجوهر الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يقوم في الإطار التاريخي على تصور مجتمع الخلافة، وفي الإطار الاقتصادي على الملكية المزدوجة (خاصة وعامة) وفي الإطار السياسي على الولاية التي هي دولة ـ الأمة واستمرار لدولة المدينة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى.
فهذه المفاهيم كلها تشكل مضمون الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي باستمرار بحيث لا يمكن أن يغير عنصر من هذه العناصر دون أن يحدث تغييراً جوهرياً وتحولاً في كل مرتكزات هذا البناء. وهو تحول يعني، في الحقيقة، المروق عن شرع الله.
فالبناء النظري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي ليس وليد ظروف اجتماعية واقتصادية، وليس وليد مرحلة تاريخية. بل هو مجموع الثوابت، التي ترتكز عليها عملية التنظير في المجال الاجتماعي ـ السياسي.
الإنسان فاعل في الإسلام ومنفعل في الماركسية
وهذا يعني، في إطار علاقة الإنسان بالواقع وبالتاريخ، أن الإنسان هو الذي يملك مبادرة التغيير، وليست الظروف الاجتماعية أو وسائل الإنتاج كما يقول هو الحال في الماركسية، التي ترى أن المحتوى الداخلي للإنسان لا ينمو ولا يتغير إلا بعد إحداث تغيير في طريقة الإنتاج ونوعية القوى المنتجة، يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر:
«فهو (اي الإنسان) بصورة مستقلة عنها لا يمكنه أن يفكر تفكيراً اجتماعياً، أو أن يعرف ما هو النظام الأصلح؟ وإنما القوى المنتجة هي التي تملي عليه هذه المعرفة»([660]).
ونتيجة لذلك فإن الالتزام بالمصلحة الاجتماعية يزداد نمواً مع زوال الملكية الخاصة، ذلك الزوال الذي يقضي على أنانية الإنسان، والجري وراء مصالحه.
وهكذا فالماركسية ترى أن تغيير المحتوى الداخلي للإنسان؛ لنزع ميوله الفردية وزرع ميول اجتماعية مكانها هي عملية مرتبطة بعوامل خارجية (الملكية العامة) لا بالقيم الأخلاقية. وفي المقابل نرى عكس ذلك تماماً بالنسبة للنظام الرأسمالي، الذي يربط حرية التملك بالحرية المطلقة، التي ينبغي للإنسان أن يتمتع بها. فالحرية وحقّ التملك عنصران مترابطان.
ويرى الشهيد أن الإسلام يتجاوز فكرة الحرية في مفهومها الرأسمالي؛ بتأكيده على مبدأ الحرية في نطاق محدود بحدود القيم، التي تحافظ على سلامة مسيرة البشرية عبر التاريخ.
أما بالنسبة للعلاقة بين الإنسان والظروف الاجتماعية، فالشهيد يرى أن الإسلام لا ينكر تدخل هذه الأخيرة في تشكيل الإنسان وتشكيل الفكر الاجتماعي، لكن الإنسان يبقى أساس عملية التغيير لا وسائل الإنتاج ونوع الملكية، وبالنسبة للعلاقة بين الفكر الاجتماعي السياسي والمجتمع، فإن تأثير العوامل الاجتماعية هو تأثير مضبوط ـ من الناحية الشرعية والمنهجية والمعرفية ـ داخل منطقة الفراغ، التي حدّد الشرع إطارها من جهة، وحسب ثوابت الإسلام حول الكون والإنسان والتاريخ من جهة أخرى.
منطقة الفراغ ومنهجية الاستيعاب
يقول الشهيد محدداً منهجية الإسلام في استيعاب حركة التاريخ: لماذا وضعت منطقة الفراغ؟.
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه، تقوم على أساس: أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً، أو تنظيماً مرحلياً، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم. وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور. فكان لا بد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب، أن ينعكس تطور العصور فيها، ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة.
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث. بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة: لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أو إهمالاً، وإنما حددت للمنطقة أحكامها، بمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصلية، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، حسب الظروف»([661]).
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الرأسمالي والاشتراكي يحمل بذور تشيّؤ الإنسان وتحوله إلى كائن سلبي نتيجة للإطار العام الذي تشكل فيه الفكر الغربي والمتمثل في انقطاعه عن المطلق.
دور الإنسان في التغيير
إن الماركسية، بالنسبة للشهيد، لا تعطي دوراً حاسماً للإنسان في التاريخ، لأنها ترد حركة التاريخ كلها إلى البنية التحتية (الاقتصادية). ولكن الرأسمالية ليست، بالنسبة للصدر، بأحسن من الماركسية في مجال دور الإنسان في تحريك التاريخ؛ لأن الديمقراطية لا تحمل في طياتها علاج مشكلة الإنسان. ذلك لأن فكرة الديمقراطية فكرة توجد في الفراغ لأنها تفتقد الأساس الحقيقي، الذي يثبتها ويمدها بالقوة اللازمة لتقوم بدورها في تحريك التاريخ.
فالفاعلية اللازمة لتغيير الواقع تنبع من المحتوى الروحي الداخلي للإنسان بالنسبة للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. وهنا تتجلى ثوابت الفكر الإسلامي، التي صاغها الشهيد بفضل الإرشادات المنهجية من القرآن الكريم والسنة الشريفة: كالفطرة وسنن الله في الكون. يقول الشهيد مفسراً قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11].
«هذه السنة التاريخية للقرآن … بيّنت بلغة القضية الشرطية، لأن مرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية، أنه متى وجد ذلك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم»([662]).
المحتوى الداخلي والمثل العلى
وهكذا المحتوى الداخلي للإنسان هو ـ بالنسبة للشهيد ـ القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية.
إلا أن المحتوى الذهني ليس محتوى غائماً مطاطياً بدون شكل. وهنا يتساءل الشهيد: «ما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية؟. المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للإنسانية هو المثل الأعلى»([663]).
فالمحتوى الداخلي للإنسان كمحرك للتاريخ يحدده المثل الأعلى، يحدده ويحدد مدى إمكانياته وطاقاته التغييرية:
«فإنها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي. فالغايات بنفسها محركات للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً»([664]).
التطلع إلى المثل الأعلى
وهكذا ينتهي الشهيد إلى الكشف عن خصوصية مفهوم الصيرورة التاريخية في الإسلام. إنها صيرورة نابعة من تطلع النسبي إلى المطلق. إن نسبية الإنسان لا ينتج عنها إلا تطلع نسبي ومثل أعلى نسبي. وهنا يبرز دور الدين، لا في مستوى دفع الإنسان نحو المثل الأعلى فحسب، بل كذلك في تصور المثل الأعلى. فالمثل الأعلى الذي طرحه الدين يقتضي حركةً للتاريخ تفوق كل أطروحات فلسفات التاريخ الغربية، هذه الفلسفات التي تتأسس عليها المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية تفتقر إلى الواقعية والسمو.
فكلّ فكر اجتماعي يؤمن بالدور الفاعل للإنسان يرتبط حتماً بالتطلع إلى المثل الأعلى، فلا يمكن للثورة على الأوضاع وتغيير الواقع دون التطلع إلى ما يجب أن يكون، لكن أهداف هذا التطلع تتسع إلى ما لا نهاية، وتمتد حركة الإنسان، تبعاً لذلك، إلى ما لا نهاية إذا كانت (هذه الأهداف) مرسومة من طرف الدين.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لا يمكن أن يحدث التغييرات المطلوبة بالاعتماد على مجرد التصور البشري للأهداف أو للمثل الأعلى.
فالتصورات المادية للكون والحياة والإنسان، لا يمكنها أن تتجاوز حدود نسبيتها، كما لا يمكنها أن تدفع بالإنسان خارج نسبيته. في حين أن الدين يفتح مجالاً واسعاً للنسبي؛ كي يتجاوز نقصه بتطلعه إلى المطلق([665]).
وهكذا فالنسبية المنبثقة من التصور المادي للكون تحمل في داخلها بذرة فنائها، في حين أن علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب تحمل في داخلها بذرة قوتها واستمراريتها.
مفهوم الخلافة
وهكذا، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر قد حلل مفهوم خلافة الإنسان واستنبط القيم والمفاهيم، التي يتمتع بها هذا المفهوم. فالخلافة، في تحليل الشهيد، هي رؤية حضارية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الروحية مع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد طرح الشهيد الخلافة كعملية مستمرة الفاعلية في الزمان، ولذلك أصبح مفهوم الخلافة يشكل منظوراً للتاريخ؛ لأنه مفهوم حركي بتفاعله المستمر مع الواقع المتحرك.
فالخلافة تتطلب رؤية اجتماعية ـ سياسية تختلف جذرياً عن الفكر الاجتماعي الغربي. فهذا الأخير سقط في النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، فأصبح الإنسان في منظور العلوم الإنسانية الغربية مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية، ومجرد نتيجة حتمية لحركة التاريخ.
فالخلافة كما حللها الشهيد هي إطار نظري وقيمي لفكر اجتماعي سياسي يولي الأهمية للإنسان في عملية التغيير. فالخلافة لا تذيب الإنسان في الأرض أو في المجتمع، بل هو كائن في تحقق مستمر.
انطلاقاً من هذا المفهوم للخلافة صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الإطار النظري والمنهجي للاشتراكية والرأسمالية اللتين تتناقضان تناقضاً جذرياً مع مفهوم الخلافة. فالرأسمالية تؤدي بحياة الإنسان إلى التمحور حول بعد واحد هو البعد المادي، الذي لا يخرج عن الأفق الضيق للعلاقة بين الإنتاج والاستهلاك. في حين أن الاشتراكية إضافة إلى بعدها المادي، تذيب الفرد في المجتمع.
وعلى العكس من ذلك فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي الذي صاغه الشهيد مبني على مبدأ التفاعل بين الفرد والمجتمع بإعطاء الأولوية للجانب الداخلي الروحي في عملية البناء والتغيير. وهذا ما يجعل الإنسان جديراً بصنع التاريخ.
وهنا تتجلى قيمة الخلافة كمفهوم وكخلفية معرفية في مجال تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. ذلك أن الفكر الغربي الذي يؤكد على دور الإنسان في حركة التاريخ يقع في التناقض، عندما يجعل هذا الأخير مجرد نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية.
إن الفكر الاجتماعي ـ السياسي المفصول عن الإيمان بالله ليس مؤهلاً ـ على الصعيد المعرفي والمنهجي ـ لصياغة فلسفة للتاريخ، يكون فيها الإنسان هو أساس الحركة. في حين أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من حيث هو فكر يربط المجتمع بالغيب، ويؤكد على خلافة الإنسان، مؤهل لطرح فعالية الإنسان ودوره في حركة التاريخ أكثر من أي فكر آخر.
فالخلافة كما طرحها الشهيد معناها أن الإنسان ليس هذا الجسم فحسب وليس هذا الفكر فحسب. بل هو كائن يتمتع بقوة تؤهله للتعالي على الأوضاع؛ لينظر إليها من موقع الفاعلية، لا من موقع التأثير المنفعل فحسب.
فالإسلام، بالنسبة للشهيد محمد باقر الصدر، يؤكد على ذات الإنسان كقوة داخلية تعبر عن نفسها في المجتمع وفي التاريخ، وهذا التعبير ليس تعبيراً آلياً أحادي الجانب، بل هو نتيجة لعلاقة متبادلة بين الإنسان والواقع، علاقة يمتلك فيها الإنسان قوة المبادرة وقوة التوجيه، فارتباط الخلافة بالواقع والتجربة يعني بالدرجة الأولى أنها صيرورة لا واقع معطى.
وهكذا يمكن القول: إن الصدر صاغ منظومة مفهوم الخلافة، منظومة تشكل دعماً قوياً لإعادة بناء الفلسفة الإسلامية، التي يفتقر إليها الفكر الإسلامي المعاصر أشد الافتقار، منظومة الخلافة ليست فلسفة مجردة بعيدة عن الواقع؛ لأن الإنسان الخليفة هو كائن تجريبي يؤثر في التاريخ ويتأثر به كذلك.
يرى الشهيد أن مفهوم الخلافة يدفع العقل إلى القيام بوظائفه في كشف السنن المتحكمة في الطبيعة والمجتمع فتحقيق الخلافة لا يتم إلاّ بتسخير هذه السنن لصالح الإنسان، فالخلافة كما حللها الشهيد تتناقض مع التفسير اللاهوتي للمجتمع والتاريخ، ذلك التفسير الذي يعتمد على الغيب بمعناه المبتذل الذي يناقض الخلافة والتسخير.
الغيب القرآني والغيب اللاهوتي
وهذا الموقف هو دحض لنظرية (Auguste Comte) أوجست كونت، الذي يميز بين الحياة اللاهوتية والحالة الوضعية، على اعتبار أن في الحالة اللاهوتية تفسر البشرية الظواهر الطبيعية والاجتماعية بقوى غيبية، فتحليل الشهيد لمفهوم سنة الله وخلافة الإنسان جعله يحدد موقف الإسلام من الناحية المنهجية والمعرفية من الفلسفة الوضعية.
يرى الشهيد أن علاقة المجتمع بالغيب معناها أن الله هو الخالق والسبب النهائي للظواهر وما يحكمها من سنن ثابتة، فالغيب ليس هو السبب المباشر للظواهر في نظرية المعرفة الإسلامية التي استنبطها الشهيد في القرآن الكريم:
«… إن السنة التاريخية ربانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، سنة الله كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ، فهو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار رباني … وقد يتوهم البعض أن هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكرين المسيحيين اللاهوتيين … لكن الحقيقة أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية، وبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت، وحاصل هذا الفرق هو أن الاتجاه اللاهوتي يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادث مع بقية الحوادث … بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء … بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرر أولاً ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلا أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى … وبنائه التكويني للساحة التأريخية»([666]).
فهناك فرق بين الرؤية الإسلامية لعلاقة الغيب بالمجتمع وبالتاريخ وبين الرؤية المبتذلة للغيب، تلك الرؤية التي تفسير الظواهر الاجتماعية بالغيب بصفة مباشرة.
مبادئ وأهداف الطرح الإسلامي
إن الإسلام ـ بالنسبة للشهيد ـ لم يكتف برسم الغايات الأخلاقية للحياة الاقتصادية والسياسية، بل رسم كذلك المبادئ العامة، وقدم المفاهيم لصياغة مذهب اجتماعي ـ سياسي.
ومعنى هذا أن عملية الاجتهاد لاستيعاب المستجدات لا ينبغي أن تنطلق من مبدأ تكييف الإسلام حسب متطلبات العصر؛ بل تكييف العصر حسب متطلبات الإسلام وهذا ما جعل الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد ينطلق من مقولة التفاعل بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والروحية.
إن التركيز على الطرح الاجتماعي للقضايا في اجتهاد الشهيد حرر الفكر الإسلامي من الطرح التجزيئي أو الفردي، الذي كان عائقاً أمام صياغة مذهب اجتماعي إسلامي. فالطرح الاجتماعي للقضايا لا يرتكز فحسب على تصور الفرد الذي يسعى إلى ممارسة متطلبات الشريعة ـ بل يرتكز ـ في الأساس على تصور لنموذج حياة اجتماعية إسلامية، أي في إطار مشروع حضاري إسلامي لا في إطار النظرة التجزيئية.
ولذلك تمت صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد من موقع أصول الفقه لا من موقع فقه الفروع. فهذا الأخير تابع لأصول الفقه لا العكس.
أثر الفكر الغربي في فكر الشهيد الصدر
لا شك أن الصراع الايديولوجي والحضاري عند الغرب أثر في فكر الشهيد وجعله يجتهد؛ ليجابه التحدي بسلاح الخصم. ومن هنا كان طرحه لموقف الإسلام في ميدان الاجتماع والسياسة في مستوى إشكالية الفكر الاجتماعي الإسلامي.
هذا صحيح، إلا أن الاعتماد على مبدأ الاجتهاد في التنظير يؤهل الفكر الإسلامي للطرح الشمولي للقضايا، ويؤهله لتنظير المذهب الاجتماعي الإسلامي.
فتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية تنظيماً إسلامياً هو الشرط الضروري، الذي يسمح للأفراد بممارسة واجبات الشريعة الإسلامية.
إن الطرح الاجتماعي للقضايا عند الشهيد لا يعني إهمال الفرد أو صياغة المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي في إطار النزعة الاجتماعية، التي تتميز بها العلوم الاجتماعية الغربية، فالفرد كما يتجلى في كتابات الشهيد، يتجاوز إطار الفردية المرتبطة بالمجتمع: هو خليفة الله في الأرض. ومن هنا كانت عملية التغيير تنطلق من البناء الداخلي للفرد لتشمل البناء الاجتماعي.
وهنا تتجلّى أصالة الفكر الاجتماعي ـ السياسي لدى الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي حرر هذا الفكر الإسلامي من النموذج المعرفي الغربي (الوضعية والنزعة الاجتماعية)، وجعل عملية التنظير تتم من منظور متطلبات الشريعة في الميدان المعرفي (أصول الفقه) ومن منظور فلسفي في نفس الوقت.
ولهذا كان المذهب الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما صاغه الشهيد يختلف عن كل النظريات والمذاهب الاجتماعية ـ السياسية التي تفصل الإنسان عن جانبه الروحي، وتذيبه في كلٍّ أكبر منه هو المجتمع. لا وجود لثنائية في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي؛ لأنه لا تقابل بين الفرد والمجتمع، ولا انفصال بين الإنسان وخالقه.
وعلى الرغم من أن للفرد روحانيته التي يتعالى بها على المؤثرات الاجتماعية؛ ليؤثر فيها بدوره، إلا أن المجتمع شرط ضروري للوجود الفردي، فكل تحليل لقضايا الفرد ينبغي أن يتم في أفق التحليل الاجتماعي. لكن إذا كانت الحياة الاجتماعية ضرورية للحياة الفردية، فإنها ليست شرطاً كافياً لهذه الأخيرة. فالمجتمع شرط ضروري لوجود الأفراد وليس شرطاً كافياً.
وهنا تبرز روحانية الإنسان الخليفة الذي يختلف عن الإنسان، كما طرحته العلوم الاجتماعية الغربية، وخاصة الماركسية التي جعلته مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية.
مفهوم الأمة الإسلامية
ونتيجة لذلك، صاغ الشهيد علاقة الفرد بالمجتمع حسب المبدأ الإسلامي للحياة الاجتماعية، وهو مبدأ الأمة؛ ولهذا كانت العلاقات في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي (العلاقة بين الجمهور والدولة) مرتكزة على أخلاقية التضامن، التي تختلف عن الصراع الطبقي، كما تختلف كذلك عن النظام الاشتراكي، الذي يذيب الأفراد في المجتمع.
ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يختلف اختلافاً جذرياً عن كل الأنظمة الاقتصادية والسياسية، التي تتصور المساواة بين الأفراد من منظور آلي يذيبهم في المجتمع كحقيقة قائمة بذاتها (تأليه المجتمع).
فالإنسان، في المجتمع الإسلامي من حيث هو أمة، له غاية في ذاته، ولا يكون المجتمع تبعاً لذلك مادة خام تشكلها الدولة في أية صورة شاءت.
مفهوم الأمة ومفهوم القومية
لقد حلل الشهيد مفهوم الأمة بصفة ضمنية أو صريحة كعنصر رئيسي في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي. فالصدر يرى أن القومية تختلف عن مفهوم الأمة على اعتبار أن هذا الأخير نابع من العقيدة الإسلامية، ويشكل جزءاً لا يتجزأ منها.
فالعلاقة بين مفهوم الأمة والإسلام هي علاقة دينية أي علاقة تعتبر الإسلام وحياً من عند الله بالمعنى السوسيولوجي، وهو المعنى الذي ينتهي إلى أنواع مختلفة من الإسلام، إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام بربري وإسلام إيراني … الخ. أي إسلامات سوسيولوجية. وهي إسلامات تنتج بالضرورة عن مفهوم القومية المفتت لوحدة الأمة الإسلامية.
ويتجلى التقابل بين مفهوم الأمة ومفهوم القومية بصفة واضحة في الميدان السياسي، حيث يرفض الفكر القومي مبدأ الإسلام (دين ودولة) ويتمسك بالفصل بينهما.
فالاختلاف بين مفهوم القومية ومفهوم الأمة هو اختلاف التناقض لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي المرتكز على مفهوم القومية يريد أن يغيّر المجتمع ويطوره انطلاقاً من التراث، الذي يمتد إلى ما قبل الرسالة الإسلامية، في حين أن مرجعية مفهوم الأمة، التي تتضمن تطبيق الشريعة في جوانبها العبادية والاقتصادية والسياسية هي مرجعية لا تتصور الرجوع إلى الأصل ومفهوم التراث إلاّ ابتداءً من عصر الرسالة.
فهذه المرجعية تميّز بين الإسلام وبين الجاهلية، مع العلم أن هذا المفهوم الأخير (الجاهلية) ليس مفهوماً عقائدياً فحسب، بل الجاهلية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية مبنية على النظرة المادية، وعلى الصراع بين المستضعفين والمستكبرين.
إن الفكر الذي يعتمد على القومية كإطار لحياة اجتماعية ـ سياسية للشعوب الإسلامية هو فكر ينظر إلى الإسلام نظرة ظرفية مجزأة وناقصة، في حين أن فكرة الأمة هي نتيجة لنظرة كلية وشاملة للإسلام وللحضارة الإسلامية. هي نظرة تعبر عن شمولية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، تلك الشمولية، التي جعلت الثقافة الإسلامية تستوعب الثقافات الهندية والفارسية واليونانية.
إن مفهوم الأمة كما طرحها الشهيد ليس مجرد ردّ فعل عاطفي تجاه مأساوية ظروف الشعوب الإسلامية منذ القرن التاسع عشر، بلى، هذا المفهوم جزء من العقيدة وجزء من المذهب الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
فالشهيد عالج مشروع إعادة تأسيس الدولة الإسلامية، ومشروع تحقيق الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإسلامية في إطار فكرة الأمة كخلفية حضارية لكل جوانب الحياة الاجتماعية الإسلامية.
يقول الشهيد:
«… فلا بد للأمة إذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار وانكماشها تجاه ما يتصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي ومعالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.
القومية وعاء فارغ
وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتلات السياسية في العالم الإسلامي تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساساً للتنظيم الاجتماعي، حرصاً منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري للاستعمار انفصالاً كاملاً. غير أن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية وليست فلسفة ذات مبادئ ولا عقيدة ذات أسس حيادية تجاه مختلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية.
وهي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة، وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي.
ويبدو أن كثيراً من الحركات القومية أحسّت بذلك ايضاً، وأدركت أن القومية كمادة خام بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعية ونظام اجتماعي معين، وحاولت أن توفق بين ذلك وبين أصالة الشعار الذي ترفعه وانفصاله عن الإنسان الأوروبي، فنادت بالاشتراكية العربية …
وهي تغطية فاشلة لا تنجح في استغفال حساسية الأمة؛ لأن هذا الإطار القلق ليس إلا مجرد تأطير ظاهري وشكلي للمضمون الأجنبي، الذي تمثله الاشتراكية … وإلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار، وكل المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين يوجد هناك تناقض آخر …. وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون …
وخلافاً لذلك لا يواجه النظام الإسلامي هذا التعقيد …. بل إنه إذا وضع موضع التطبيق سوف يجد في العقيدة سنداً كبيراً له وعاملاً مساعداً على إنجاح التنمية الموضوعة في إطاره …
فهناك في الواقع أخلاقية إسلامية تعيش بدرجة وأخرى داخل العالم الإسلامي … وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي … وتحويلها إلى طاقة دفع وبناء…» ([667]).
ثم يشير الشهيد إلى شمولية المنهج الإسلامي في طرحه للمشروع الحضاري:
«وإضافة إلى كل ما تقدم نلاحظ أن الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام، يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد، كأن الإسلام يمتد إلى كلا الجانبين، بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الأخرى غير الإسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من حياة الإنسان ومثله ….» ([668]).
وهكذا فالقومية ترتكز على نظرة علمانية لعلاقة الدين بالدولة، في حين لا تتصور الفلسفة السياسية الإسلامية هوية المجتمعات الإسلامية خارج الواجب الشرعي لتضامن المسلمين وأخوتهم.
إن التضامن بين المسلمين يعبر عن نفسه في الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فالأمة بنية اجتماعية ـ سياسية وثقافية مؤسسة على قيم دينية وأحكام شرعية، فالأمة الإسلامية من هذا المنظور هي المجتمع، الذي يتأسس على مبدأ الإسلام دين ودولة، وهو المبدأ الذي يشكل أساساً للفلسفة الاجتماعية والسياسية الإسلامية، فهذا المبدأ هو الذي يميّز الأمة عن القومية، فكرة القومية طرحها المحدثون في العالم الإسلامي ضمن مفاهيم سوسيولوجية (اللغة، العرق، التراث والثقافة) في حين أن الأمة طرحها الشهيد محمد باقر الصدر ضمن مفاهيم دينية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية.
فالشهيد حلل مفهوم الأمة من خلال العلاقة بين الدين والمجتمع، فهو قد طرحها كتنظيم اجتماعي ـ سياسي مثالي انطلاقاً من معطيات واقعية وشرعية: ذهنية إنسان العالم الإسلامي، حضور العصر الذهبي (دولة المدينة المنورة) في عواطف وأفكار الشعوب الإسلامية، وتطلعها لتحقيق الوحدة الإسلامية([669]).
وهكذا يتجلى الاختلاف بين مفهوم الأمة كما حلله الشهيد وبين المدينة الفاضلة في الفلسفة الإسلامية وهي المدينة التي لم تتحقق في التاريخ، فالرجوع إلى دولة المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينتهي إلى مثالية لها خصوصيتها، فهي ليست إسقاطاً لتطلعات نحو مستقبل مبهم وغير محدد، بل هي تطلع نحو تحقيق قيم تحققت في تاريخ الأمة بالفعل، وهي قابلة للتحقيق من جديد.
هذه المثالية النوعية يؤكد عليها الشهيد كثيراً، وهي موجودة بصفة ضمنية أو صريحة في فكره الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة في نظر الشهيد تستمد ثورتها من هذه المثالية، التي تدعم قوتها التعبوية، فالشهيد طرح مفهوم الأمة من أفق النظرة المستقبلية المتجذرة في الواقع (إنسان العالم الإسلامي) وفي التاريخ (دولة المدينة المنورة).
ولهذا، وعلى العكس من القومية، التي ركزت على الجانب السياسي، فإن مفهوم الأمة كما طرحه الشهيد يتضمن بالضرورة مشروعاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً، أي يقتضي مشروعاً حضارياً.
فالقومية لا تقدم مشروعاً حضاريا؛ ولذلك عمدت الدول القومية في العالم الإسلامي إلى الضغط على الشعوب؛ لتستمر في الحكم رغم التناقض الموجود بين نماذج التنمية ذات الأساس العلماني وبين ذهنية هذه الشعوب والقيم الإسلامية التي تتمسك بها.
فكر واقعي
فالشهيد السيد محمد باقر الصدر هنا لا يرجع إلى الإسلام من موقع مجرد بل يرجع إليه من خلال الواقع الذي تعيشه الأمة، ذلك الواقع الذي يشكل ذهنية إنسان العالم الإسلامي وعواطفه في قوالب إسلامية بصورة أو بأخرى. ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي طرحه الشهيد ليس فكراً مجرداً، بل هو فكر مرتبط بالواقع وبالنص. والواقع هنا هو الواقع الاجتماعي والثقافي للشعوب الإسلامية.
وهكذا فالأمة ليست قيمة دينية أو واجباً شرعياً فحسب، أو مجرد حالة عاطفية، بل هي هوية سياسية وثقافية كذلك. فمفهوم الأمة متجذر في أعماق الوعي لدى إنسان العالم الإسلامي. فالانتماء إلى الماضي يمثل عند المسلمين واجباً شرعياً يتطلب بالضرورة نموذجاً حضارياً يتماشى مع ذهنية إنسان العالم الإسلامي وتطلعاته، التي لا ينفصل فيها الجانب الروحي عن الجانب الاقتصادي والسياسي. فالفعالية الاقتصادية والتكنولوجية مطلب من مطالب الإسلام، إنها تحقق خلافة الإنسان في الأرض.
مشاريع التنمية
غير أن تجارب التنمية في العالم الإسلامي قد أخفقت، كما يرى الشهيد، بسبب عدم انطلاقها من مفهوم الأمة الإسلامية كإطار حضاري وقيمي للتحرر من التخلف([670]). فتصور المستقبل الملازم لكل محاولة تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي يقتضي الرجوع إلى تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع عملية استفزازية تفرض على الجماهير من أعلى وتستأصلها من جذورها.
ففي هذا السياق، يرى الشهيد أن نماذج التنمية كما طبقت في العالم الإسلامي سواء بثوبها الليبرالي أو الاشتراكي، هي خيانة للرسالة الحضارية للأمة الإسلامية، فالثورات ضد الاستعمار في العالم الإسلامي قامت باسم الإسلام؛ لتأسيس مجتع حسب متطلبات الشريعة، وليس من أجل انتصار الاشتراكية أو الليبرالية.
ونتيجة لذلك يرى الشهيد أن هناك علاقة بنيوية وجوهرية بين الأمة والنموذج الحضاري: شمولية الأمة معناها شمولية النموذج الحضاري الإسلامي، هذه الفكرة تعتبر واجباً شرعياً، وإلغاؤها هو إلغاء للأمة وإلغاء للإسلام.
وهنا يلجأ الشهيد إلى النصّ وإلى الواقع ليبرّر شرعاً وعقلاً حتمية لجوء الشعوب الإسلامية إلى مبدأ الأمة، وإلى النموذج الحضاري الإسلامي؛ لتحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولتحديد الرؤية السياسية ونموذج التنمية.
فالعلمانية جعلت الشعوب الإسلامية تفقد الأمل في قدرة القومية والفكر العلماني على توفير وسيلة نهضة الأمة. وعلى الرغم من اهتزاز القيم الدينية لدى الجماهير المسلمة وميوعة ذهنية إنسان العالم الإسلامي؛ إلا أن الشعوب الإسلامية ما زالت في نظر الشهيد، مرتبطة بالإسلام كدين وكهوية. فالخيار الإسلامي أقرب إلى الواقع ومعبر عن هوية الشعوب الإسلامية.
النموذج الحضاري الإسلامي مؤهل للاستمرارية والريادة؛ لأنه يتمتع ـ زيادة على بعده الروحي الثابت ـ بالمرونة، التي تسمح له باستيعاب الصيرورة التاريخية. هذا الاستيعاب ليس أحادي الجانب. لا شك أن النموذج الإسلامي يوجه الصيرورة بفضل مبادئه وقيمه ذات المصدر الإلهي، ولكنه من جهة أخرى، يثري نفسه بمعطيات التجربة التأريخية([671]) فالاجتهاد يجعل المجال مفتوحاً أمام النموذج؛ ليؤثر ويتأثر بمعطيات التاريخ، وثقافات الشعوب، وعطاءاتها من حيث هي تجارب بشرية.
إن النموذج الحضاري الإسلامي مرتبط بمفهوم الأمة وملازم له. ذلك أن مفهوم الأمة في المنظور الإسلامي، الذي صاغه الشهيد، هو مجتمع مفتوح أمام التاريخ والشعوب: فالأمة في تحقق مستمر.
الفكر السياسي
بيّن الشهيد خصوصية التصور السياسي الإسلامي، واختلافه عن الثيوقراطية والديمقراطية. فالضبط العقائدي للأمة هو الذي يحميها في مواجهتها للتيه السياسي والحضاري في نظر الشهيد.
ولهذا فتأسيس الدولة الإسلامية من حيث هي دولة الأمة، أي دولة الحضارة الإسلامية يدخل في صلب العقيدة الإسلامية. فمشكلة الدولة الإسلامية كثابت من ثوابت الإسلام ليست مطروحة ولا واردة إلا في الفكر (الإسلامي) الذي تاه في متاهات الفكر الغربي.
فلسفة الإمامة
وقد عالج الشهيد الإمامة والولاية على أساس الأدلة الاجتماعية، وحلل الأبعاد الفلسفية لهذه الأدلة من موقع إدخال القضية الاجتماعية والسياسية في صميم إيمان المؤمن. فهو لم يعالج مسألة الإمامة من خلال النص فحسب بل عالجها كذلك من خلال الموقف النقدي من التاريخ ومن خلال تحليل علمي للظروف الاجتماعية والمستوى الفكري والذهني للمسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فالإمامة حكم شرعي تمثّل حالة من الوعي الإسلامي باعتبار ارتباطها بالنبوّة وهي في نفس الوقت، ضرورة يحتمها الواقع.
وهكذا فالإمامة واجب شرعي وظاهرة تاريخية، تتطلب وجودها المرحلة اللاّحقة لعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فبهذا المعنى هي امتداد للنبوة.
فالشهيد السيد محمد باقر الصدر عالج قضية الإمامة من خلال فقه الشرع، وفقه الواقع. فمرحلة الإمامة كامتداد للنبوّة لا يمكن تصور وجودها خارج المشروع الحضاري الإسلامي، أي خارج مبدأ الإسلام دين ودولة. ومبدأ الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان([672]).
اجتهاد مفلسف
فالكفر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو اجتهاد مفلسف. فالشهيد يتناول الجانب الاجتماعي والسياسي كقضايا دينية تمسّ مصير إنسان العالم الإسلامي الدنيوي والأخروي. انطلاقاً من هذا الأساس طرح الشهيد الفكر السياسي طرحاً فلسفياً.
وهنا يتجلّى مقدار الثراء الذي فتحته كتابات الشهيد في المجال السياسي والآفاق التي فتحتها. فهذه الكتابات رفعت الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى مجابهة تحدي الفكر الغربي. لقد قاد فراغ المحتوى الفلسفي لكثير من جوانب الفكر الاجتماعي ـ الإسلامي المعاصر إلى مواقف ضعيفة، لا تتمتع بالعمق الضروري؛ لخوض معركة الصراع الإيديولوجي التي تميز هذا العصر. وهنا يتجلى بوضوح إثراء الشهيد للفكر الإسلامي المعاصر حيث أعطاه بعده الفلسفي، الذي يمثل الشرط الضروري لاستيعاب مستجدات العصر، واتخاذ المواقف النقدية تجاه الفكر الإسلامي الغربي.
التوحيد هو الأساس والغاية في النظام
التوحيد هو أساس وغاية النظام الاجتماعي الإسلامي، ومن هنا نزوع هذا النظام إلى تحرير الإنسان من استلاب الأنظمة الإسلامية والسياسية، التي يكون فيها الإنسان مقطوع العلاقة بالله، ومجرّد وسيلة ضمن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
يقول الشهيد: «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً. وهذه الحقيقة الكبرى تعتبر أعظم ثورة شنّها الأنبياء، ومارسوها في معركتهم من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان.
وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حرّ، ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه، وإنما السيادة لله وحده وبهذا يوضع حدّ نهائي لكلّ ألوان التحكم وأشكال الاستغلال، وسيطرة الإنسان على الإنسان.
وهذا السيادة لله تعالى التي دعا إليها الأنبياء تحت شعار (لا إله إلا الله) تختلف اختلافاً أساسياً عن الحق الإلهي الذي استغله الطغاة والملوك والجبابرة قروناً من الزمن؛ للتحكم والسيطرة على الآخرين، فإن هؤلاء وضعوا السيادة اسمياً لله؛ لكي يحتكروها واقعياً، وينصبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض»([673]).
فالنظام الاجتماعي ـ السياسي في الإسلام مؤسس على مبدأ خلافة الإنسان، التي ترجع الإنسان إلى مكانته الكونية.
ومن هنا يتجه النظام الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى إنشاء حضارة تلغي الاستقطاب الأحادي وتنفي أسس الاستكبار وعوامله، وما يتبعه من الاستعلاء على الحضارات الأخرى.
الدولة الإسلامية
على صعيد علاقة القيم والمفاهيم الإسلامية بالواقع، يؤكد الشهيد على أن الدولة الإسلامية هي وحدها المؤهلة لتنظيم الشعوب الإسلامية لأنها هي الدولة الوحيدة التي يتوافق محتواها القيمي والمفهومي مع ضمير الأمة وذهنية إنسان العالم الإسلامي([674]).
فالدولة عندما تكون متناقضة مع العقيدة، تتناقض كذلك مع سلوك المسلم وبنائه النفسي؛ ويؤدي ذلك إلى استحالة تحقيق النهضة وإنجاح مشاريع التنمية. فالتجارب التشريعية التي اعتمدتها الدول القومية في العالم الإسلامي خير شاهد على ذلك في نظر الشهيد. فقد أدت هذه المشاريع إلى استلاب الشعوب الإسلامية والازدياد في تخلفها وتبعيتها للغرب.
السياسة ليست إلا جزءاً من كلّ. فالدولة ليست المطلق الذي يذوب فيه النسبي كما يقول (هيجل) (Hegel)، بل هي عنصر من المشروع الحضاري الإسلامي الملازم لمفهوم الأمة، الذي له علاقة بمفهومين آخرين: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء([675]).
ومن هنا فالدولة، بالنسبة للشهيد، رسالة ذات جانبين مترابطين ومتداخلين: الجانب العقائدي والجانب السياسي، فالدولة الإسلامية بحكم أسسها العقائدية لها أهداف وغايات عقائدية وحضارية: تحرير المستضعفين وتحقّق مستمر للقيم الملازمة لخلافة الإنسان.
«ومن ناحية وظيفة الدولة ترفض إسلامياً المذهب الفردي، أو مذهب عدم التدخل المطلق (أصالة الفرد) والمذهب الاشتراكي أو أصالة المجتمع، وتؤمن بأن وظيفتها تطبيق شريعة السماء، التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع لا بوصفه وجوداً هيغلياً مقابلاً للفرد، بل بقدر ما يعبر عن أفراد، وما يضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية»([676]).
الحرية في الإسلام والديمقراطية
إن الديمقراطية من حيث هي حرية لا تلتزم بإطار قيمي معين، يمكن أن تحتضن أي فكر مهما كان اتجاهه. فالمعيار الوحيد هو اختيار الشعب له. إن فكرة تدخل الشعب في الحياة السياسية فكرة يستوعبها الإسلام كواجب شرعي بالنسبة للشهيد.
إلا أن هذا لا يعني بأن النظام السياسي الإسلامي نظام ديمقراطي بالمعنى الغربي لهذه الكلمة. فالإسلام يؤمن بالحرية ويعتبرها قيمة سياسية تجسد خلافة الإنسان لله في الأرض. فالحرية من هذا المنظور مرتبطة بالمصلحة التي حددتها الشريعة.
يقول الشهيد:
«وأما الإسلام فموقفه من الحرية يختلف بصورة أساسية عن موقف الحضارة الغربية، فهو يعني بالحرية بمدلولها السلبي، أو بالأحرى معطاها الثوري الذي يحرّر الإنسان من سيطرة الآخرين، ويكسر القيود والأغلال التي تكبل يديه. ويعتبر تحقيق هذا المدلول السلبي للحرية هدفاً من الأهداف الكبرى للرسالة السماوية بالذات: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [سورة الأعراف، الآية: 175]. بل أن يقف على صعيد العبودية المخلصة لله، مع المجموعة الكونية كلها على قدم المساواة.
فالقاعدة الأساسية للحرية في الإسلام هي: التوحيد والإيمان بالعبودية المخلصة لله الذي تتحطم بين يديه كل القوى الوثنية، التي هدرت كرامة الإنسان على مر التأريخ»([677]).
الولاية والحكم المطلق
وقد طرح الشهيد مسألة الولاية والمرجعية طرحاً بعيداً عن صورة الحكم المطلق الذي يوحي بالاستبداد. فمن خلال تحديده لمفهوم الحرية في الإسلام، وتحديده لخلافة الأمة، وصل الشهيد إلى طرح مفهوم ولاية الفقيه طرحاً يستوعب عطاءات العصر في تنظيم الحكم. فالأسس الفقهية والمجال الاجتهادي الذي صاغ فيه مفهوم الدولة الإسلامية ومفهوم الولاية، كل هذه العوامل جعلت الولاية والاستبداد مفهومين متناقضين إلى درجة أن مفهوم الولاية، لا يمكن تصوره بدون مقولة الجماهير. فالحقل النظري في الميدان السياسي، يجعل الولاية مطلباً جماهيرياً إلى جانب كونها مقولة شرعية. وهكذا تشكل الولاية، والدولة الإٍسلامية تركيباً متناسقاً ومتيناً بين متطلبات الشرع ومتطلبات الواقع. يقول السيد محمد حسين فضل الله في هذا السياق:
«محاولته (أي الشهيد السيد محمد باقر الصدر) التخطيط للمرجعية وإخراجها من واقعها الحالي، الذي يجعلها مرجعية شخص يملك المؤهلات العلمية، التي توصله إلى مركز القيادة، فتنطبع بطابعه في نطاق العلاقات والاتصالات والأوضاع. ثم تعتبر كلّ وسائله ومشاريعه تركة شخصية لأهله من دون أن تبقى للمرجع الآخر. الأمر الذي يعقد كثيراً من الأعمال الإسلامية، ويضيع كثيراً من الجهود، ويخلق حالة من الارتباك في العلاقات العامة، التي قد تكون مرتبطة بالمرجع القديم في نطاق استمرارها مع المرجع الجديد: فقد كان الشهيد السعيد قدّس سرّه يفكّر في أن تكون المرجعية مؤسسة على علاقاتها ومشاريعها وأعمالها في الإطار العام، بحيث تكون الخصوصية في شخصية المرجع وطريقته في القيادة والعمل، بينما يتحرك في خط المؤسسات التي يتحرك فيها في الخط العام وبذلك يجد المرجع الجديد كلّ شيء جاهزاً أمامه، فلا يبدأ من نقطة الصفر، بل حيث انتهى أسلافه الآخرون»([678]).
حساسية المصطلحات
إن مصطلحات مثل الديمقراطية، البرلمان، الانتخاب … الخ قد لا تتعارض مع الإسلام، ولكنها مع ذلك ليس بوسعها أن تؤدي مضمون رؤية الإسلام الاجتماعية السياسية.
وقد اهتم الشهيد بمسألة المصطلح، وبيّن خطورته على خصوصية الفكر الإسلامي، فالشهيد انتقد، في هذا السياق، النزعة التوفيقية التي ولع بها الفكر المحدث في العالم الإسلامي حيث صار يصف النظام الاقتصادي الإسلامي بأنه اشتراكي؛ على اعتبار أنه يؤكد على الملكية الجماعية، كما وصفه آخرون بأنه رأسمالي، لأنه يأخذ بالملكية الخاصة([679]).
فالشهيد يرى أن للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي نسقه الخاص، ومصطلحاته المرتبطة أصلاً بالشريعة الإسلامية ونظرتها إلى الكون والإنسان.
مفهوم السيادة الشعبية
إن مفهوم السيادة الشعبية مفهوم رئيسي في الفكر السياسي الإسلامي الذي طرحه الشهيد. وقد حدد هذا المفهوم في إطار الشريعة الإسلامية؛ لكي يصبح قابلاً لكل تأويل. وهذا التحديد مرتبط، في الحقيقة، بمقولة الإسلام دين ودولة ارتباطاً مباشراً ووثيقاً. تلك المقولة تنفي كل التباس عن النظرة السياسية للإسلام.
فسيادة الشعب أو علاقة المجتمع بالدولة ينبغي، في نظر الشهيد، أن تدمج في نسق المنظور السياسي الإسلامي، الذي يتأسس على العناصر الآتية:
1 ـ الحاكمية لله فهو مصدر السيادة.
2 ـ سيادة الشعب ينبغي أن تمارس في إطار الشريعة وحسب متطلباتها.
3 ـ إشراف العلماء على ممارسة الشعب لسيادته.
وعلى الرغم من أن الشهيد يؤكد ـ انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة ـ على ممارسة الشعب للسلطة، إلا أنه ينتقد المرتكزات المعرفية والقيمية للديمقراطية في مفهومها الغربي. فهو يرى أنها عاجزة عن حل مشاكل الإنسان وذلك:
1 ـ أنها لا ترتكز على نظرة شاملة للحياة. فهذه النظرة ضرورية؛ لأن بفضلها يقتنع المجتمع بمتطلبات الطرح السياسي ويستبطنها كقيم ملزمة.
2 ـ النزعة المادية والفردانية الديمقراطية الرأسمالية، تجعل هذا النظام نظاماً محدوداً بواقعية مختزلة لإنسانية الإنسان؛ بسبب افتقادها للقيم الأخلاقية، التي تحافظ على المجتمع ومساره عبر التاريخ.
فمحدودية النظام الديمقراطي الراسمالي نتيجة حتمية للنظرة الوضعية، التي يتميز بها الفكر الغربي عامة. وعلى العكس من ذلك النظرة الإسلامية، التي تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى والسياسة بالجانب الروحي والغيبي، فتفتح آفاقاً لا نهاية لها لحركة الإنسان والمجتمع نحو المطلق.
القاسم المشترك بين الديمقراطية والماركسية
غير أن نقد الشهيد للديمقراطية الرأسمالية، لا يعني أنه يرى أن هناك اختلافاً بين هذه الأخيرة وبين الماركسية. بل هو يرى أن هذين النظامين ينبعان من مرتكزات نظرية واحدة: الفصل بين حياة الإنسان والغيب. وهذا ما أدى بالفكر الغربي إلى تشيُّؤِ الإنسان وغلق حياته ضمن واقع محدود.
وهكذا يتجلى الجانب المعرفي والقيمي لعلاقة الإنسان بالغيب. فالنظام السياسي المبتور عن الغيب يؤدي إلى نظرية في المعرفة محدودة الإمكانيات المفهومية، ولا يمكن أن ترسم أهدافاً لحركة المجتمع إلا ضمن محدوديتها.
ومعنى هذا أنه لا يمكن اعتبار الماركسية كحلّ بديل للديمقراطية الراسمالية، ولا هذه الأخيرة كحلّ بديل للماركسية. فالطرح الصحيح لمشكلة الإنسان يكمن، في نظر الشهيد، خارج إطار الفكر الغربي بكلّ مكوناته واتجاهاته.
موقف سوسيولوجي وإبستمولوجي معاً
فالشهيد قد حلل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي تحليلاً سوسيولوجياً وإبستمولوجياً؛ تمهيداً لصياغة وطرح الرؤية الإسلامية في ميدان الاجتماع والسياسة.
كما وقف في تنظيره للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الأرضية الفكرية والقيمية الغربية. إن رفض الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي جاء نتيجة لتحليل علمي داخل إشكالية العلاقة بين الإسلام والعقل والواقع، وهي إشكالية تحتم التحليل السوسيولوجي والإبستمولوجي للفكر الغربي، ذلك التحليل الذي يتم بواسطته إسقاط التداخل بين المفاهيم الاجتماعية الإسلامية والمفاهيم الاجتماعية الغربية.
هذا النوع من التحليل متجذر في الإسلام، ومتجذر على المستوى النظري. فإذا كانت بعض جوانب الفكر الإسلامي المعاصر تتميّز بالشعارات والمقولات العامة، التي حجزت هذا الفكر في العموميات، وذلك نتيجة للجوء لا منهجي إلى الإسلام، فإن الشهيد ربط عملية التنظير الاجتماعي ـ السياسي بمرتكزات منهجية، سمحت له أن يفتح طريقاً شرعياً وفلسفياً نحو الدين، ليكون مصدر ثراء يمدَّ عملية التنظير بمفاهيم وقيم لا حصر لها؛ لأن الرصيد المفهومي والقيمي للإسلام هو رصيد لا نهاية له.
«… فإن هذه الحياة المحدودة إن كانت بداية الشرط لحياة خالدة تنبثق عنها، وتتلون بطابعها، وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأولى ونزاهتها … فمن الطبيعي أن تنظم الحياة الحاضرة بما هي بداية الشوط لحياة لا فناء لها، وتقام على أسس القيم المعنوية والمادية معاً.
وإذن فمسألة الإيمان بالله … ليست مسألة فكرية خالصة لا علاقة لها بالحياة؛ لتفصل عن مجالات الحياة، ويشرع لها طرائقها ودساتيرها، مع إغفال تلك المسألة وفصلها، بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً.
والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها: أن الفكرة فيها تقوم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد، بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها، إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها. وهذا الأساس بنفسه لا موضع ولا معنى له، إلا إذا أقيم على فلسفة مادية خالصة، لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلا عن عقل بشري محدود»([680]).
وهكذا، فبالنسبة للشهيد، الدولة الإسلامية ليست مجرّد جهاز حاكم، بل هي ظاهرة روحية في الأساس، وحضارية في النتيجة؛ لتساعد الإنسان على تحقيق خلافته. فدور الدولة الإسلامية هو أن تدفع بالبشرية في صيرورة لا نهاية لها عن طريق وضع الله تعالى كهدف للمسيرة الإنسانية.
والدولة الإسلامية وحدها قادرة على تفعيل الهدف بفضل مرجعيتها الربانية من جهة، وارتباطها بتطلعات الشعوب الإسلامية وقيمها من جهة أخرى.
فالإسلام يمنح الحرية في الميدان السياسي وفقاً لأخلاقيته، وعلى العموم فكل المفاهيم السياسية الغربية ينبغي ـ في نظر الشهيد ـ إعادة النظر فيها ونقدها نقداً جذرياً من خلال علاقته السياسية بالجانب الروحي، أي من خلال متطلبات الشريعة. فبهذا الشرط تدمج هذه المفاهيم في نسق الرؤية الإسلامية أو ترفض.
فمفهوم سيادة الشعب يأخذ معنى إسلامياً عندما يدمج في إطار النظام الإسلامي، ويأخذ معان مختلفة عندما يدمج في سائر الأنظمة الوضعية الأخرى. فسيادة الشعب كما طرحها الشهيد مرتبطة بحاكمية الله «مصدر السلطات جميعاً»([681]).
فالله سبحانه وتعالى يمارس حاكميته على الناس عن طريق «المدلول الموضوعي»([682]) أي عن طريق الشريعة الإسلامية.
حرية الإنسان في حاكمية الله
وتتجلى في هذا السياق مسؤولية الإنسان وحريته بالنسبة للشهيد، لأن حاكمية الله تعني «أن الإنسان حرّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشريعة عليه. وإنما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حد نهائي لكل ألوان التحكم وأشكال الاستغالال وسيطرة الإنسان على الإنسان»([683]).
فالحاكمية معناها إذن العبودية لله وحده والتحرر من كل الطواغيت. وقد ربط الشهيد بين الحاكمية وخلافة الإنسان لله في الأرض. وجعل هذا المفهوم الأخير أساساً للحكم يفتح المجال واسعاً للجماعة ـ من الناحية الشرعية ـ أن تمارس حكم نفسها بنفسها. ففي إطار حاكمية الله التي تنتج عنها خلافة الإنسان وممارسة الجماعة لحكم نفسها يرى الشهيد:
«أن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمّة. فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى.
وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعورها بالمسؤولية؛ لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض. فحتى الأمة ليست هي صاحبة السلطان، وإنما هي المسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى عن حمل الأمانة وأدائها ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾([684]).
وهكذا فسيادة الشعب نتيجة حتمية لعبودية الإنسان لله، التي ترفض عبودية إنسان لإنسان وترفض، بالتالي، الاستبداد. وهكذا ينتهي الشهيد في تحليله إلى أن سيادة الشعب لا تتناقض مع الإسلام فحسب، بل تلزم عنه لزوماً شرعياً ومنطقياً.
الدولة العلمانية مصادرة لماضي الأمة وقفز فوق ثقافتها
لقد كشف الشهيد في تحليله لمنابع القوة في الدولة الإسلامية عن لا تاريخية الفكر العلماني، الذي تسير بمقتضاه الدولة القومية في العالم الإسلامي، فالأنظمة السياسية في العالم الإسلامي أدخلت الحاضر (الغرب قيمه ومفاهيمه) كقوة مستقلة عن ماضي الأمة وذهنية إنسان العالم الإسلامي، وعلى العكس من ذلك فالدولة الإسلامية ـ كما حللها الشهيد ـ تدمج الماضي في الحاضر، فالماضي يشكّل الحاضر ضمن العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في الرؤية السياسية الإسلامية.
فالدولة الإسلامية متجذرة في تاريخ الأمة وفي ذهنيتها وتطلعاتها، وهكذا ينتهي الشهيد إلى أن الأنظمة السياسية العلمانية في العالم الإسلامي تلغي الإنسان؛ لأنها تحدث تناقضاً بينه وبين الطرح السياسي، وتفرض عليه قيماً وأهدافاً متناقضة مع تاريخه وذهنيته وعقيدته.
وإذا كان الوعي السائد يشكل عائقاً لقيام دولة علمانية متجذرة حقاً في المجتمع، وعائقاً لكل نموذج تنموي تابع لهذه الدولة، فإن هذا الوعي يشكل ـ في نفس الوقت ـ أرضية صالحة لقيام دولة إسلامية، وتشكيل مؤسسات إسلامية([685]).
ولهذا تمثل الدول القومية في العالم الإسلامي، بالنسبة للشهيد، قفزاً فوق البناء الثقافي للشعوب الإسلامية وتجاوزاً له. فهذه الدول ليست وليدة ظروف المجتمعات الإسلامية، وإنما وليدة الغرب بكل ما يحمله من مفاهيم وقيم تختلف عن الإسلام.
فالحقل النظري لهذه الدول هو الغرب، في حين أن الدولة الإسلامية تنبع من عمق المجتمع، الذي يشكل حقلها النظري في إطار الشريعة. فالدولة الإسلامية متصلة بالأمة من حيث هي وعي وحركة عبر التاريخ.
الدولة العلمانية دكتاتورية بالضرورة
وهكذا يرى الشهيد أنه لا يمكن لأي نظام سياسي أن يحرك الأمة، ويدفع بها نحو التقدم، ما لم يكن مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالنسق الثقافي الإسلامي ومركباته الداخلية؛ لأن هذا الارتباط يعني الارتباط بالواقع وبذهنية إنسان العالم الإسلامي، ذلك الإنسان الذي هو أساس التغيير وأساس حركة الأمة. ومعنى هذا أن الدولة غير المؤسسة على الإسلام تتعامل مع الشعوب تعاملاً فوقياً لا علاقة له بمشكلات ومشاعر الجمهور المسلم. ومن هنا لجوء هذه الدول إلى الضغط والقهر. ولهذا كانت كلّ الدول السائدة في العالم الإسلامي والمتبنية للعلمانية دولاً دكتاتورية بحكم التناقض الجذري بينها وبين الشعوب الإسلامية المتشبعة بالقيم الإسلامية بصورة أو بأخرى.
أما الدولة الإسلامية فهي، على العكس من ذلك، مرتبطة بوعي الجماهير، ومن هنا الإمكانيات التي تفتحها في مجال التنمية وإعادة بناء الحضارة الإسلامية.
مصدران لقوة الدولة الإسلامية
فالشهيد لا يبرّر قوة الدولة الإسلامية بمصدرها الإلهي فحسب، بل يبرّر هذه القوة بارتباط هذه الدولة بالواقع كذلك، فمنابع القوة في الدولة الإسلامية هي نتيجة للشرع والواقع معاً، ذلك الواقع الذي جسد عبر التاريخ القيم والمفاهيم الإسلامية رغم الانحرافات.
ملتقى الفقه والكلام والفلسفة
وهكذا قد أحدث الشهيد نقلة نوعية في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، فهذا الأخير كان موجوداً بصفة مبعثرة بين الفقه والكلام والفلسفة، لقد عالج الفكر الإسلامي القديم مفاهيم النبوّة والإمامة والخلافة والشورى والبيعة والملك ضمن طرح فقهي أو كلامي أو فلسفي، ولم تبرز النظرة الكلية التي يتفاعل فيها الفقه مع علم الكلام والفلسفة إلا ابتداء من السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، إلا أن هذه النظرة لم تصل إلى أعلى مستوى من الكلية والشمول إلا عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد، لم ينظر إلى الإسلام كقوة تعبوية فحسب، فالمسألة ليست مجرد غليان عاطفي عفوي، بل غليان عاطفي مؤطر بأحكام الشريعة وبالبعد العقلاني والسياسي للإسلام.
وهكذا تتجاوز الفلسفة السياسية الإسلامية، كما صاغها الشهيد، الثنائية التي تحدث قطيعة بين الجانب الروحي للإنسان وبين نشاطاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من خلال المفاهيم الإسلامية والأحكام الشرعية. ومعنى هذا أن تأسيس الدولة الإسلامية بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي ضرورة عقلية وحضارية، كما أنها واجب شرعي في نفس الوقت. فالدليل العقلي والدليل الشرعي متلازمان ومتداخلان في نظر الشهيد.
بين الجهادية والتبريرية
وتجدر الإشارة إلى أن فكر الشهيد السياسي يتميز، على غرار الفكر الإسلامي النابع من المدرسة الشيعية، بمثالية جهادية. وهذا ما يجعله فكراً سياسياً يختلف عن الواقعية المتطرفة والمبررة للواقع، التي تميز كثيراً من جوانب فكر مدرسة أهل السنة والجماعة.
فإذا كانت السياسة الشرعية حسب تعبير ابن تيمية تولي أهمية كبرى لأحوال العصر ومتطلباته، فالإمامة وحالياً ولاية الفقيه كما حللها الشهيد، مرتبطتان بالمبادئ الإسلامية وبالمثل الأعلى الإسلامي.
فالولي الفقيه يصوغ الفكر السياسي الإسلامي، وينشئ المؤسسات التي تجسد هذا الفكر، وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة بصورة تعبدية تسعى إلى تكييف الواقع مع متطلبات الشريعة لا العكس.
وعلى العموم فالمشكل المطروح على الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي وخاصة على مفهوم ولاية الفقيه هو قدرته على استيعاب المستجدات عن طريق اجتهاد ينظر إلى النص بصفة حركية، أي ينظر إليه من خلال الوعي التاريخي، ومن خلال الأحوال الجديدة للحضارة المعاصرة.
وقد عالج الشهيد هذا المشكل حيث رأى بأن القوة التعبوية للإسلام شرط ضروري لإعادة بناء الدولة الإسلامية، ولكنه ليس شرطاً كافياً، فتأسيس الدولة الإسلامية وإعادة بناء الأمة الإسلامية يتطلبان فكراً اجتماعياً ـ سياسياً.
مفاهيم سياسية معاصرة في قوالب شرعية أصيلة
فالشهيد اجتهد انطلاقاً من هذه الرؤية. ولهذا استوعب فكره الاجتماعي ـ السياسي استيعاباً إسلامياً المفاهيم السياسية للفكر المعاصر، كما استوعب المؤسسات السياسية العصرية من منظور إيماني وإسلامي (الدستور، البرلمان، الانتخاب… إلخ).
ولهذا يرى الشهيد أن الانتخاب يتماشى مع المبادئ الإسلامية ومع حقيقة ولاية الفقيه، فالشورى والبيعة ينشآن علاقات متبادلة بين الأمة والسلطة.
فنظرية الدولة الإسلامية كما يطرحها الشهيد مؤسسة على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإرادة الشعبية (المبادئ السياسية صيغت صياغة مفهومية وتحققت في ولاية الفقيه). فالدولة الإسلامية هي إذن واجب شرعي ومطلب شعبي:
«فالنبيّ هو حامل الرسالة من السماء باختيار من الله تعالى له … والإمام هو المستودع للرسالة ربانياً، والمرجع هو الإنسان الذي اكتسب من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد استيعاباً حياً وشاملاً ومتحركاً للإسلام ومصادره، وورعاً معمقاً يروض نفسه عليه حتى يصبح قوة تتحكم في كل وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات ليكون شهيداً عليه …
والنبيّ والإمام معينان من الله تعالى تعييناً شخصياً، وأما المرجع فهو معين تعييناً نوعياً، أي أن الإسلام حدد الشروط العامة للمرجع، وترك أمر التعيين والتأكيد من انطباق الشروط إلى الأمة نفسها.
ومن هنا كانت المرجعية كخط قراراً إلهياً، والمرجعية كتجسيد في فرد معين قراراً من الأمة»([686]).
ولاية الفقيه
إن الدولة عبر تاريخ الأمة لم تكن إسلامية إلا بالمعنى السوسيولوجي، لأن السلطة كانت مؤسسة على القوة العسكرية والقبلية، ولهذا تبرز ولاية الفقيه (المرجع) كما صاغها الشهيد كإعادة نظر جذرية لكل الأنظمة السياسية السائدة في البلدان الإسلامية. إن ولاية الفقيه ـ إضافة إلى أساسها الديني ـ لها بعد جماهيري. ذلك أن الشهيد يرى أن خلافة الأمة والشورى تنتج عنها دولة ذات قاعدة شعبية، أي دولة تكون نتيجة لانتخابات شعبية لا لانتخابات العلماء فحسب.
لكن رغم هذه العلاقة بين الدولة والجمهور، فإن ولاية الفقيه وبارتكازها على الأساس الديني، تتجاوز الإنسان بحكم مرجعيتها الإلهية. لكنه من جهة أخرى، تنبع من الأمة، هي مطلب جماهيري. فالولاية (المرجع) كما حللها الشهيد، مؤسسة على مشروعية دينية وشعبية ودستورية.
وهكذا فصياغة الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي هي صياغة ترتكز على منهجية قبلية: التحفظ من كل محاولة التوفيق بين الرؤية السياسية الإسلامية وبين الرؤية السياسية الغربية.
انطلاقاً مما تقدم. صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي خارج الليبرالية والاشتراكية، ورأى بأن المبادئ الاجتماعية الإسلامية لا تتفق مع ديمقراطية من النوع الليبرالي، ولا مع نظام سياسي يذيب الأفراد في المجتمع ويربطهم بوسائل الإنتاج.
إن موقف الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن مواقف المحدثين وبعض الإسلاميين، الذين حاولوا أن يوفقوا بين الإسلام والفكر الغربي، فهم قد أدخلوا، في رؤيتهم للإسلام، الفلسفة الاجتماعية والسياسة الغربية بكاملها.
وهكذا يمكن القول: إنه قد ظهر مع الشهيد خطاب جديد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
معنى الوجود والمنهج
لقد كرر الشهيد السيد محمد باقر الصدر مقولة معنى الوجود أكثر من مرة في كتاباته الاجتماعية والسياسية، وفي صياغته للمنهجية الإسلامية إلى درجة تسمح لنا بأن نضع هذه المقولة في عمق نظرياته، ونطرحها في مجابهتها للفكر الغربي المبني على مقولة العبث الناتجة، حتماً، عن الوضعية وفصل الدين عن الدولة، أي فصل المذهب الاجتماعي والنظرية الاجتماعية عن المطلق.
إن عدم الانطلاق في عملية التنظير من معنى الوجود كإطار مرجعي لرؤية التاريخ، وتطور المجتمعات والحضارات، وصياغة سلوكات الفرد والمجتمع في العلاقات الاجتماعية والسياسية يعتبر نوعاً من الهذيان مهما حاول الفكر الغربي تغطيته تحت أسماء مثل الوضعية، المنهج العلمي والإبستمولوجية.
إن معنى الوجود كما طرحه الشهيد هو الأساس والمنطلق والغاية. هذه ليست نظرة صوفية أو لاهوتية إلى المجتمع والتاريخ، فمعنى الوجود هو الإطار الذي يتداخل فيه الروحي مع السياسي والحضاري.
إن هذه المقولة تحصل في الإسلام، بربط التاريخ والمجتمع والفرد بالمطلق لا على الطريقة الهيجيلية (نهاية التاريخ بذوبان الأفراد في الكل) بل على الطريقة القرآنية، التي تجعل الصيرورة عملية مستمرة لا نهاية لها بحكم عبودية الإنسان وعلاقة الخليفة بالله تعالى. فمن هذا المنظور تصبح هذه المقولة منتجة للمفاهيم على الصعيد التنظيري، وأداة لتحليل التاريخ والمجتمع. فالروحانية الملازمة لمعنى الوجود، أي في مفهومها الإسلامي الذي طرحه الشهيد، تصون الفكر من الانزلاق في متاهات الأحكام النهائية، كتلك التي تعود على إطلاقها الفكر الغربي، الذي يتسرع في تعميم الأحكام، وحجز تطورات الشعوب ضمن منظور للتقدم.
فكر الصدر ثالث ثلاثة
إن فكر الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن نمطين من التفكير:
1 ـ الفكر الإسلامي المبني على العواطف وردود الفعل الانفعالية. وهو فكر تجزيئي لا ينطلق من نظرة كلية إلى النص وإلى الواقع، بل ينطلق من نظرة جزئية وتجزيئية إلى علاقة الواقع مع النص.
2 ـ الفكر المحدث الذي يبرر الواقع باسم الحضارة الغربية نتيجة لإخضاعه المفاهيم والقيم الإسلامية لمتطلبات هذه الحضارة.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو فكر محارب لكل المطلقات المزيفة، ولا يرتبط إلا بالله تعالى المطلق الحقيقي. هذه المرتكزات النظرية والمنهجية هي التي جعلت الشهيد يبين بوضوح نسبية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي، وذلك بتحليل العوامل، التي ساهمت في إنتاج هذا الفكر وفي تشكيله.
لقد تعمق الشهيد في تحليل أسباب النهضة والسقوط، وتعامل مع تاريخ الأمة، ومع الفكر الغربي بعقلانية صارمة، ولم يلجأ إلى التفسيرات الغيبية كقاعدة لحركة التاريخ. وقد برر الشهيد موقفه هذا بمفاهيم قرآنية كسنن الله في الكون وخلافة الإنسان، فالسنة تحتم علاقة بين الأسباب والنتائج، وتحتم عقلانية مرتبطة بالواقع، للوصول إلى معرفة الحياة الاجتماعية وحركة التاريخ بصفة علمية، وعندئذ يمكن للإنسان أن يمارس خلافته.
غير أن منهجية الشهيد هذه لا تعني استبعاد الغيب. فالمسألة مسألة منهج: كيف نفسر ـ على الصعيد المعرفي ـ علاقة الغيب بالتاريخ؟
فالشهيد حلل المشكلة الاجتماعية والسياسية من خلال ذهنية إسلامية، أي من خلال الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين. وهو إخلاص يؤدي إلى موضوعية من نوع خاص، موضوعية أكثر قوة وأكثر عمقاً من الموضوعية في منظور فلسفة العلوم الغربية. ذلك أن النظر إلى المشكلة الاجتماعية والسياسية من موقع إيماني اجتهادي يحقق للدارس رؤية جديدة للأشياء، لأنها تربط النسبي بالمطلق. فالإرشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تؤدي إلى عقلانية تفتش عن عوامل حركة المجتمع والتاريخ. وهكذا يصبح الفكر عنصراً متجدداً يلاحق حركة التاريخ في كل اتجاهاتها وآفاتها.
الغيب العقلاني والغيب المبتذل
فالتنظير الذي طرحه الشهيد وصل إلى مستوى التحليل المفهومي. فانطلاقه من الدين ومن موقع الملتزم إيمانياً بالإسلام لم يكن عائقاً أمام التفسير العلمي والعقلاني للظواهر الاجتماعية ولتاريخ الأمة.
إن رفض الشهيد للفكر الوضعي ومناهجه لا يعني إذن أن فكره مستغرق فيما يسمى بالذهنية الغيبية بالمعنى المبتذل. فالشهيد عالج القضايا على الصعيد المعرفي والاجتماعي من منظور المنهج الإسلامي، الذي يربط عالم الشهادة بعالم الغيب، ويهيئ الفكر الإسلامي للإبداع في مجال المنهج العلمي. فليس المنهج الإسلامي منهجاً لاهوتياً على طريقة الفكر الغربي في العصور الوسطى.
إن كل رؤية لا ترتكز في دراستها للمجتمع والتاريخ إلا على الصيرورة التاريخية وحدها باعتبارها المعيار الأساسي والوحيد، هي رؤية تختلف عن موقف الإسلام، لأنها تتضمن، بصفة ضمنية أو صريحة، نفي البعد الغيبي وعلاقته بالتاريخ. فعلاقة الغيب بالشهادة تعني ـ من منظور المنهجية الإسلامية التي صاغ الشهيد معالمها ـ علاقة الثابت بالمتغير، وعلاقة حركة التاريخ بالقيم الموجهة لها.
هذا الموقف يختلف جذرياً عن أرضية العلوم الاجتماعية الغربية المتمثلة في الوضعية والماركسية. هذه المدارس الاجتماعية تنتهي إما إلى عقلانية تدعي الإطلاقية أو إلى عقلانية نسبية. والنسبية في العلوم الاجتماعية الغربية هي نسبية تجزيئية، تعتبر عائقاً أمام تطور هذه العلوم أكثر من كونها دافعاً نحو المعرفة والإبداع.
عالم الغيب وعالم الشهادة
إن علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب كمقولة في الفكر الإسلامي الذي نظّره الشهيد، تنتهي إلى نسبية من نوع خاص: هي نسبية متطلعة نحو المطلق([687]) وهذا التطلع يعني، من ناحية فلسفة العلوم، أن المعرفة في ميدان العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية هي معرفة مفتوحة وفي تطور مستمر. وهكذا فالفكر الإسلامي يتطلع إلى الحقيقة، في حين أن الفكر الغربي أنزل الحقيقة إلى مستواه وأخضعها إلى معاييره. أي أخضع ما يجب أن يكون لما هو كائن.
ومن هنا المذاهب النفعية والبرغمانية وغيرها. ومن هنا كذلك خضوع المعرفة للأمر الواقع وللممارسات اليومية. في حين أن النموذج المعرفي الإسلامي، كما يتجلى في فكر الشهيد، يقتضي أن المعرفة تتأثر بالواقع، لكنها من جهة أخرى، تنير الطريق للممارسة بفضل المبادئ والمفاهيم، التي ترتكز عليها هذه المعرفة، والتي بفضلها تتحقق الممارسة في الواقع الحي.
فصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي يقوم على أسس فكرية تتناقض مع النزعة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. فالفكر الإسلامي يرفض النموذج المعرفي الغربي، الذي ينفي العلاقة بين العلم والدين، ولا يتصورها إلا ضمن مقولة التناقض.
وهكذا فالعقلانية التي طرحها الشهيد تعتمد قوتها وصيرورتها من انفتاحها على الغيب، ولهذا فهي تتمتع بقوة نقدية تقوض نقدية الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة عن الغيب.
فلسفة التاريخ كإطار للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي
هذا المنطلق (علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب) هو الذي جعل فكر الشهيد يتمكن من الطرح الشمولي للقضايا. فهو لم يركز نهضة الأمة وتقدمها على أمل واحد كالعالم التربوي أو السياسي أو الاقتصادي أو الروحي. ذلك أن الشهيد ركز الرؤية الاجتماعية ـ السياسية على المنظور الإسلامي للتاريخ.
فصياغته الفلسفية للفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي، لا يمكن تصور وجودها دون اللجوء إلى التاريخ لجوءاً اجتماعياً. أي لجوءاً يحاول تفسير الحوادث وربط بعضها ببعض، واستخلاص النتائج والمفاهيم، التي تساهم في صياغة الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي.
إن نقد الشهيد لكل من الرأسمالية والاشتراكية يعتبر، من بعض الوجوه، رداً مسبقاً على مقولة نهاية التاريخ، التي طرحت عقب الانهيار الاشتراكي، مفاد هذه المقولة أن الصراع الإيديولوجي في العالم قد انتهى لصالح النظام الليبرالي([688]).
لقد اختزلت هذه المقولة كل مشاكل الحياة والعالم في التناقض بين الليبرالية والاشتراكية. فتوقف الصراع بين هذين النظامين ينتج عنه توقف لحركة التاريخ حيث تصبح الليبرالية هي منتهى التطور.
ثنائية فوكوياما
وهكذا ففكرة نهاية التاريخ هي نتيجة حتمية لحصر صيرورة التاريخ في الرؤية الغربية للكون والإنسان. فمقولة نهاية التاريخ كما طرحها الأميركي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama هي فكرة قديمة في ثوب جديد. حيث إن الفكر الغربي ومقلديه في العالم الإسلامي قد حصروا حركة الشعوب ضمن نظامين لا ثالث لهما: الرأسمالية والاشتراكية.
فنقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر للفكر الغربي، ورفضه لثنائية الاختيار بين الرأسمالية والاشتراكية هو جواب صريح ومباشر لكل الرؤى الغربية، التي تقول بنهاية التاريخ كمفهوم ينفي كل البدائل التي يمكن أن تطرحها شعوب أخرى للتطور والصيرورة.
فمهما كان الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، فإن الفكر الغربي يرى أن نهاية التاريخ تتجسد في الحضارة الغربية، وأنه لا وجود لبديل آخر خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ.
ثنائية الصدر
إن المنظور الإسلامي للتاريخ وللحياة الاجتماعية والسياسية كما صاغه الشهيد، يؤدي إلى القول: بأن نهاية الصراع بين الاشتراكية والليبرالية لا يعني نهاية التاريخ، على اعتبار أن هذا الصراع ليس هو الصراع الوحيد في العالم، بل هناك صراع آخر أشد وهو الواقع بين رؤيتين مختلفتين إلى الكون والإنسان:
الرؤية المادية التي يتأسس عليها كل من النظامين الاشتراكي والرأسمالي، والرؤية الروحية المميزة لفلسفة الإسلام الاجتماعية والسياسية.
إن نظرة الإسلام إلى التاريخ من حيث هو تجسيد لخلافة الإنسان لله في الأرض، هي نظرة تتناقض تناقضاً جذرياً مع كل النظريات الفلسفية للتاريخ من هيجل وماركس إلى فوكوياما صاحب مقولة نهاية التاريخ. حيث إن خلافة الإنسان لله في الأرض تفتح الباب لصيرورة نحو المطلق، أي لحركة تاريخية تربط بين الدنيا والحياة الأخرى ربطاً، لا يمكن للعقل البشري أن يصوغه ضمن مفاهيم، فمحاولة العقل صياغة نظرية أو مذهب اجتماعي ـ سياسي من موقع الادعاء أن هذا المذهب هو الطرح الوحيد والحل النهائي والأخير لمشاكل البشرية (هيجل، ماركس وأخيراً فوكوياما) هي محاولة تقوم من الناحية المنهجية والمعرفية والعقائدية على الشرك، الذي يجعل المفكر يرى بأنه يمتلك القدرة الشاملة على تحديد شروط المعرفة، هذا الادعاء هو نوع من الشرك يصير فيه الإنسان عبداً لعقله.
وهنا يتجلى تناقض صريح في الفكر الاجتماعي والسياسي، الذي يدور في فلك الاشتراكية والرأسمالية. فهذا الفكر هو محاولة في نظر أصحابه ومعتنقيه، لتجاوز الاستلاب والتحرر منه، إلا أنه بانقطاعه عن الله تعالى قد سقط في فخ استلاب أشد وأقوى، إنه الاستلاب الذي يختزل من الإنسان ـ فرداً وجماعة ورؤية ـ بُعْدَهُ الروحي ويسلبه خلافته التي تميزه عن سائر المخلوقات، والتي ينبغي أن تكون حاضرة حضوراً مستمراً وأساسياً في صياغة مفهومية في الميدان الاجتماعي والسياسي.
إن الفكر الغربي كما يتجلى في النظامين الرأسمالي والاشتراكي هو فكر وضعي، ومن هنا فهو يدعي أنه وحده الذي يمتلك الطابع العلمي، وأن الحضارات الأخرى ليس لديها من شيء جديد تقوله.
وهنا تتجلى كتابات الشهيد في الفكر الاجتماعي ـ السياسي لتدحض هذه المقولة، التي تزعم أن الإسلام ليس لديه ما ينازع به الغرب على صعيد المذاهب الاجتماعية والسياسية.
فقبل انهيار الماركسية كان الفكر الغربي لا يتصور تطوراً للعالم الإسلامي خارج نمط التطور الغربي، فالشعوب الإسلامية، بالنسبة للفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي ستعيش في ازدواجية الارتباط الملفق بالإسلام من جهة، وبالحضارة الغربية من جهة أخرى، فمستقبل الأمة مرهون بعملية الاختيار هذه، وذلك بحكم المنهجية التي يرتكز عليها الفكر الغربي والتي تصوغ المذهب الاجتماعي والسياسي في إطار التفسير الوضعي للظواهر في الميدان الإنساني. فكل تفسير خارج عن الوضعية يعتبر بحكم هذه المنهجية تفسيراً لاهوتياً وغير علمي.
إن ما يقوله الفكر الغربي على صعيد التحليل العقلاني، يقوله الشهيد على صعيد تحليل عقلاني ذي أسس قيمية ومفهومية، وتجعل هذا التحليل أكثر تجذراً وتعمقاً في العقلانية.
الحل الإسلامي
إن نقد الشهيد للمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية يبين كيف أن الحل الإسلامي ليس واجباً شرعياً فحسب، بل هو حل تتطلبه حركة الأمة كذلك.
وهكذا فتح الشهيد باباً جديداً للفكر الإسلاي، ليقول كلمته في مجال فلسفات التاريخ، وخاصة تلك التي ترتكز اليوم، وبعد انهيار الماركسية، على أن البشرية لم يبق أمامها سوى خيار واحد ووحيد هو الليبرالية. إن التحليل النقدي للاشتراكية وللرأسمالية من قبل الشهيد، وصياغة مفاهيم الرؤية الاجتماعية والسياسية الإسلامية يفتح مجالاً واسعاً أمام المفكرين المسلمين في أيامنا هذه، لدحض مقولة نهاية التاريخ التي يطرحها الفكر الغربي.
فالرأسمالية ـ كما حللها ونقدها الشهيد ـ ليست مؤهلة، بحكم نظرتها المادية إلى الكون والإنسان، أن تقود العالم. فإفلاس الرأسمالية يكمن، في نظر الشهيد، في ماديتها المدمرة لإنسانية الإنسان، حيث جعلت هذا الأخير مجرد كائن مستهلك، تمحور حياته كلها حول الإنتاج والاستهلاك.
لقد توقع الشهيد، من خلال نقده للفكر الغربي، بفساد النظرية الاجتماعية والمذهب الاجتماعي اللذين يعتمدان على الفكر البشري وحده. أي بفساد المنهج الوضعي في مجال العلوم الإنسانية. وليس انهيار الماركسية إلا بداية النهاية إذا ما نظرنا إليها من خلال نقد الشهيد للفكر الغربي. ولهذا تختلف كتابات الشهيد في مجال الفكر الاجتماعي عن كل الكتابات، التي تعتمد التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فهناك بالنسبة للشهيد، نظرتان متناقضتان للكون والإنسان:
• النظرة الغربية التي تفصل وجود الإنسان عن الله تعالى.
• والنظرية الإسلامية التي تربط الإنسان بالله.
• ومعنى هذا أن هناك مشروعين للحضارة: المشروع الغربي والمشروع الإسلامي.
إن الخلفية الفلسفية لتحليل التاريخ في الفكر الغربي هي الوضعية، في حين أن الفكر الإسلامي كما صاغه الشهيد ينطلق من خلفية فلسفية تختلف عن الوضعية، وذلك عندما يربط هذا الفكر عالم الشهادة بعالم الغيب. ومعنى هذا أن الرؤية الإسلامية لحركة التاريخ تدمج الإمداد الغيبي ضمن سنن الله في الكون.
فلسفة التاريخ في الفكر الغربي
وليدة الاستعلاء لا الاستقراء
إن فلسفة التاريخ كما تتجلى عند هيجل وماركس، وفي الفكر الغربي على العموم هي: فلسفة غير محايدة. أي لم تبرز كنتيجة لاستقراء موضوعي وعلمي لحركة التاريخ، بل ظهرت من موقع استعلاء الثقافة الغربية، وأصبحت عن طريق الاستعمار بكل أشكاله إيديولوجية متعسفة، ولا إنسانية، تمنع الشعوب غير الغربية من أن تعيش عقيدتها، وتتبنى قيمتها الأخلاقية والحضارية. وهذا دليل على عجز الفكر الغربي عن الوصول إلى مستوى الفكر الشمولي الذي يؤهله لقيادة العالم.
ففلسفات التاريخ الغربية تنقصها الرؤية المستقبلية، فهي تنطلق من الفهم المستعجل لحركة التاريخ. إن هذا المستوى من الإدراك لمجرى الحوادث ناجم من الغشاوة، التي تتخبط فيها نظرية المعرفة في العلوم الإنسانية في الثقافة الغربية بحكم النظرة المبتورة عن الغيب للواقع، تلك النظرة الملازمة للمنهج الوضعي.
إن تحليل الواقع من حيث هو مرتبط بالمطلق، يجعل نتائج الدراسة أكثر واقعية، لأنه يحررها من الفهم المتسرع، الذي ينظر إلى الوقائع مفصولة بذاتها، فتفوق الغرب مثلاً لم يربط دائماً، من طرف المفكرين الغربيين بالعوامل التاريخية، التي ساهمت في نشوئه (عطاء الحضارات وخاصة الحضارة الإسلامية ثم الاستعمار والتبعية واستغلال الشعوب).
وإذا كانت مقولة تفوق الحضارة الغربية في فلسفة التاريخ ذي النمط الغربي مبتورة الصلة بالماضي، فهي كذلك مبتورة الصلة بالمستقبل، لأن النظر إلى النموذج الليبرالي أو الاشتراكي من موقع الآفاق المستقبلية يؤدي إلى نتيجة حتمية هي: عدم وجود قوة ذاتية تؤهل هذين النموذجين للاستمرار ولريادة العالم وقيادته.
في حين أن الرؤية الإسلامية للتاريخ، كما طرحها الشهيد، تنظر إلى الحاضر من خلال التطلع إلى المستقبل. فكرة التطلع أساسية هنا، لأن التطلع في المنظور الإسلامي قوة لا تنفد بحكم ارتباط إنسان العالم الإسلامي بالمطلق. وهذا ما جعل الحضارة الإسلامية تنفر من مقولة «شعب الله المختار» أو مقولة «نهاية التاريخ» بمعناها الهيجلي والماركسي والغربي على العموم.
فالفلسفة الإسلامية للتاريخ كما تتجلى في كتابات الشهيد وخاصة في كتابه «التفسير الموضوعي للقرآن» مبنية على مفهوم الأمة من حيث هو نموذج حضاري مفتوح لكل الشعوب والحضارات.
وهذا ما يجعل الأمة في تحقق مستمر وفي صيرورة تحررها من أوهام المدن الفاضلة، ومن غطرسة الحضارات المستكبرة الملغية للشعوب.
إن فلسفة التاريخ ذات النمط الغربي تنظر إلى التاريخ من زاوية غير موضوعية، لأنه بدلاً من تحليل التاريخ للوصول إلى نتائج (الطريقة الاستقرائية) فهي تنظر إلى مسار التاريخ من خلال النتائج التي تفرضها مسبقاً. ومن هذه الأفكار المسبقة، التي أخذت شكل البديهيات في الفكر الغربي، سيادة الغرب على باقي شعوب العالم … الخ.
انتظار المهدي
وعلى العكس من ذلك فلسفة التاريخ التي تستمد أسسها من الإسلام، حيث أن نصر الله للمؤمنين ينقل من ميدان النظرة التعبدية الإيمانية إلى ميدان الصياغة العلمية والفلسفية للتأريخ([689]). فالنتيجة هنا ليست مفترضة أو مفروضة، بل منتظرة بثقة وعقلانية منقطعتي النظير، فلا تناقض هنا بين العقلانية والإمداد الغيبي.
لذلك يتجلى بوضوح في كتابات الشهيد وخاصة في بحث حول المهدي عليه السلام أن انتظار الظهور ليس من نوع المدن الفاضلة، لأن العامل الإنساني (الجهاد أو الانتظار الإيجابي) من العوامل، التي تساهم في تشكيل المرحلة التأريخية، التي تحتم ظهور الإمام المهدي عليه السلام. فالانتظار يشكل وعياً دينياً هو محور الوعي الرسالي الحضاري في نظر الشهيد.
لا توجد في التحليل الفلسفي لظهور الإمام المهدي عليه السلام من قبل الشهيد، معاندة للتأريخ، لأن هذا الأخير عبرة تستمد منه المفاهيم والمقولات ولا تفرض عليه.
لكن هذا لا يعني أن موقف الشهيد من التاريخ ينتهي إلى النزعة التأريخية، التي تفسر كل شيء عن طريق الصيرورة التاريخية، فالمطلق يتجاوز التأريخ، والمبادئ الإلهية تتعالى على الصيرورة وتؤثر فيها، مع العلم بأن الإنسان كائن يعيش في التأريخ، ويتأثر بالصيرورة، لكن هذا التأثير ليس تأثيراً سلبياً، أو أحادي الجانب في الإنسان يتأثر بالتأريخ ويؤثر فيه.
وهكذا فالربط الشرعي والمنهجي بين الغيب والتأريخ، يفتح آفاقاً لا حدود لها للمعقولية وللفعل. فانتظار المهدي عليه السلام لا يعني إذن استقالة العقل واستقالة الفعل. فالانتظار يتضمن إذن نقد الواقع كما يتضمن الجهاد.
وهناك عوائق تتفق ضد رفع مقولة الانتظار إلى المستوى المنهجي والعلمي. هذه العوائق هي نتيجة للتخبط في إشكال معرفي وتخلف علمي وفقهي.
الانتظار السلبي الذي ينتج عنه عدم معاينة الحوادث بموضوعية، مما يتسبب في أسر ذهنية إنسان العالم الإسلامي في المواقف العاطفية والتواكلية.
الانتظار السلبي نتيجة لغياب النظرة المنهجية في تحليل العلاقة بين الغيب والشهادة، بين الغيب والتاريخ. وقد حلل الشهيد هذه المشكلة من خلال نظرة كلية وشمولية، فانتهى إلى تحليل فلسفي لظهور الإمام المهدي عليه السلام كعملية مخاض ذات بعد تاريخي وحضاري مرتبط بسنة الله في الكون.
فالظهور، من هذا المنظور، يعبر عن النظرة المستقبلية، التي ترسم معالم لحركة التاريخ ولإعادة بناء الحضارة الإسلامية([690])، وهكذا فإنقاذ العالم والبشرية، الفكرة الملازمة لانتظار المهدي عليه السلام وظهوره، يقتضي ثورة فكرية على صعيد المفاهيم وثورة سياسية. يقتضي إبستمولوجية جديدة مختلفة عن الإبستمولوجية الراهنة، التي هي في أكثر جوانبها انعكاس للخطأ والانحراف، الذي ابتليت به الحضارة الغربية لانقطاعها عن النبوة وعن الوحي.
إن الإبستمولوجية التي تحرر الفكر من غبار أوهام التمركز على الذات، قد طرحها الشهيد في كل كتاباته دون أن يستخدم هذا المصطلح. وهي إبستمولوجية تستمد مقولاتها ومفاهيمها من منظور ارتباط الأرض بالسماء، والشهادة بالغيب، والدنيا بالآخرة، والجسم بالروح، والفرد بالمجتمع، والشعوب ببعضها البعض.
وخلاصة القول: إن الإبستمولوجية المحررة للبشرية هي: إبستمولوجية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.
إن فلسفات التاريخ تنطلق من واقعية تبريرية تعكس المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها هذه الفلسفسات. لكن هذه الأخيرة لا تخرج عن صنمية ثوابت الفكر الغربي. فالشحنات العاطفية التي تسعى إلى تغطيتها محاولة التحليل الموضوعي والاستنتاجات العلمية ليست إلا شحنات انفعالية عقيمة. إنها تتحرك ضمن صراع المصالح. إنه انفعال الذاتية الضيقة المناقضة للانفعال المبدع الناتج عن انتظار الظهور، ذلك الانتظار، الذي يجعل الأمة تنفتح نحو الإنسانية ومصيرها.
هذه الحالة العاطفية التي تشكل عائقاً مفتعلاً أمام التفكير الوضعي، لا يمكن أن تصدر عن ثقافة التمركز على الذات. إنها عاطفة مجتمع خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.
إن تحليل الشهيد لفكرتي الانتظار والظهور والطرح المفهومي لهما، يفتح الباب أمام الفكر الإسلامي لتفسير حركة التاريخ من خلال العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تؤهل الأمة الإسلامية للإمداد الغيبي. فانتظار الإمام المهدي عليه السلام كما حلله الشهيد لا علاقة له بالفلسفات المثالية البعيدة عن واقع الناس، ولهذا فالظهور يتشكل من توافر العنصر البشري مع تدخل الغيب. ولهذا فالمجتمع الإسلامي المنشود لا يمكن أن يتحقق، في نظر الشهيد، إلا بفقه الدين والواقع، ثم الجهاد لتجسيد متطلبات الإسلام ضمن حركة التأريخ. هنالك تستحق الأمة نصر الله. ففقه الواقع والجهاد عمليتان تقربان عصر الظهور وتعجلانه.
وهكذا فتحليل الشهيد لانتظار الإمام المهدي عليه السلام تم في إطار معرفي يتفهم العلاقة مع الغيب خارج الأطر الأسطورية واللاهوتية. أي خارج الأطر الضيقة بسبب غياب المنهج.
إن التحليل الشرعي والفلسفي، كما يتجلى عند الشهيد، ربط انتظار الإمام المهدي عليه السلام وظهوره بحركة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، بين الحق والباطل. فمرحلة الوصول إلى دولة الإمام عليه السلام هي نتيجة لمقدمات ومراحل تهيئ لها ظروفها وأرضيتها. فالرؤية الفلسفية للتاريخ هنا ليست مجرد فلسفة للتاريخ. فجوهر هذه الرؤية وفكرها عقائدي وليس فلسفياً. والبعد السياسي هو نتيجة من نتائج البناء العقائدي.
مفهوم التغيير
إضافة إلى ما سبق تتجلى الرؤية الفلسفية للتاريخ عند الشهيد في طرحه لمفهوم التغيير. فهو يرى أن المنظور الإسلامي للتغيير يختلف عن الوضعية: الإنسان ليس مجرد نتيجة حتمية للمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية. فهو يتجاوز معطيات البيئة ببعده الروحي، الذي يؤهله لإحداث التغيير في الواقع من خلال المبادئ، لا من خلال المؤثرات الاجتماعية والتاريخية المحيطة به فحسب. فمبادئ التغيير ومعاييره ليست تابعة للواقع من حيث المصدر، مبادئ التغيير مصدرها متعالٍ على المجتمع وعلى التأريخ، لأنها ذات أصل إلهي.
فكرة تدخل الإنسان في عملية التغيير وفي حركة التاريخ واضحة ولا نقاش فيها بالنسبة للشهيد. وهو يرى أن الفرق بين الفكر الوضعي والفكر الإسلامي بالنسبة لمفهوم التغيير يكمن في مسؤولية الإنسان في إحداث عملية التغيير. فالفكر الإسلامي يرى أن عملية التغيير ينبغي أن تسير وفق الخط الذي يريده الله تعالى. فالتغيير يتم من خلال علاقة الإنسان بالله تعالى، ومن هنا كانت قاعدة التغيير في الإسلام تعتمد على الإنسان. فتغيير الذات هو الشرط الضروري الذي يؤدي إلى تغيير الواقع والتاريخ:
«المحتوى الداخلي النفسي الروحي للإنسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي. لا يتغير هذا البناء العلوي إلا وفقاً لتغير القاعدة … هذه الآية: ﴿إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11] تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارج الإنسان. فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان فإذا تغير ما بنفس القوم تغير ما هو وضعهم»([691]).
ويقول في هذا السياق كذلك: «بما ذكرناه توضّح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، توضح أن الإنسان هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي، وإنما بمحتواه الداخلي»([692]).
مفهوم التقدم
الحضارة الإسلامية، في نظر الشهيد، لا ترتبط بالتاريخ على الطريقة الغربية، ومن منظور النزعة التأريخية. إن ارتباط الأمة بالتاريخ وإيمانها بفكرة التقدم، لا معنى لهما خارج علاقة الإنسان بالله تعالى، وعلاقة الشهادة بالغيب.
وهكذا فإن كان الأساس الذي تقوم عليه النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية هو الإيمان المطلق بفكرة التقدم، فإن الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يقوم على أساس مفهومي وقيمي يستوعب التاريخ ويتجاوزه. فخلافة الإنسان تؤهل الأمة إلى الصيرورة نحو المطلق أي إلى حركة لا نهاية لها.
هذا مع العلم أن التقدم بمفهومه الغربي قد اختزل الكون في الماركسية أو في الرأسمالية. وهنا يصل الشهيد إلى القول: بأنه لا فرق، من حيث الأساس بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي. فالرؤية المادية إلى الكون والإنسان تنفي التناقض بين هذين النظامين، في حين أن علاقة الأمة بالغيب تحتم نظرة أخرى إلى مفهوم التقدم، وينعكس ذلك على المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وهكذا بلور الشهيد مفاهيم إسلامية جديدة على صعيد النظرة إلى التاريخ، وإلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجابهة الفكر الغربي، والوقوف كحاجز أمامه عن طريق طرح البديل الحضاري.
الثقافة الإسلامية
إن الثقافة الإسلامية التي تقوم على مبدأ التوازن بين المادة والروح، بين الفرد والمجتمع هي ـ في نظر الشهيد ـ نقيضة التركيب الغربي للثقافة، الذي يتمحور حول البعد المادي. في حين أن الثقافة الإسلامية، يربطها عالم الشهادة بعالم الغيب، لا تنتهي إلى اعتبار الإنسان كجزء من الثروة وأدوات الإنتاج، بل هو موجه لأدوات الإنتاج المسخرة له بقرار إلهي. فهو إذن صانع التاريخ بقرار إلهي.
إن العلاقة الروحية بين الإنسان والله تعالى هي التي تنتج العلاقات الاجتماعية وتشكلها كعامل دفع لحركة التاريخ. من هذا المنطلق يرى الشهيد أن كل انفصال بين الجانب الذاتي للإنسان والجانب الخارجي في عملية إعادة بناء الأمة والحضارة الإسلامية، هو انفصال يؤدي إلى ثنائية محبطةٍ لا يمكن أن تنتج تقدماً. وهذا ما تعانيه الأمة نتيجة لاعتماد الدول القومية في العالم الإسلامي على الجوانب الاقتصادية والسياسية في عملية التنمية وإهمالها للفرد كذاتٍ تملك طاقة تغييرية هائلة شريطة أن تربط هذه الطاقة بفكر اجتماعي ـ سياسي نابع من الإسلام. لقد بقيت نماذج التنمية في العالم الإسلامي مجرد ألفاظ جوفاء لا علاقة لها بإنسان العالم الإسلامي وبنيته النفسية وتطلعاته.
المثل العليا المطلقة والتكرارية
وهكذا قد تجاوز الشهيد في صياغته لفلسفة التأريخ كل طروحات الصيرورة والتقدم. ذلك أن كل فلسفات التاريخ الغربية أسرت نفسها في النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، ولم تستطع أن تتصور أهداف الحركة التاريخية إلا ضمن مثل عليا من إنتاجها، أي من إنتاج فكر محدود ومشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية.
وهذا ما يتناقض جذرياً مع إطلاقية المثل الأعلى الإسلامي وقدسيته، لأنه ينبع من مصدر إلهي عن طريق النبوة والإمامة، ويفتح ـ تبعاً لذلك ـ مساراً للتاريخ لا يمكن للعقل الذي ينشط داخل النموذج المعرفي والفلسفي للعلوم الإنسانية الغربية أو يتصوره. فكل المثل العليا المتضمنة في فلسفات التاريخ الغربية هي مثل عليا نسبية تحولت إلى مطلقات مزيفة.
إذن هذه المحدودية في المثل تعكس الأديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل أو بتعبير آخر الأديان، التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات إلى مطلقات، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة ضئيلة، أديان التجزئة، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد …
المجتمعات والأمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية. يعني أن حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية. وهذه الأمة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر، وحاضرها إلى المستقبل، ليس لها مستقبل في الحقيقة، وإنما مستقبلها هو ماضيها»([693]).
وعلى العكس من ذلك المثل الأعلى الذي يطرحه الإسلام كهدف لتطلع الإنسان، يؤدي إلى صيرورة مستمرة بحكم إطلاقية المثل الأعلى.
«المثل الأعلى الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، وفي هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يحل بأروع صورة. كنا نجد تناقضاً، وحاصل هذا التناقض هو أن الوجود الذهني للإنسان محدود، والمثل يجب أن يكون غير محدود، فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود؟ وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود؟ هذا التنسيق بين المحدود وغير المحدود سوف تجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ليس إفرازاً ذهنياً للإنسان، بل هو مثل أعلى عيني له واقع عيني، هو مرجع مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله عدله المطلق…»([694]).
وهكذا نجد الشهيد يؤسس الفكر الاجتماعي ـ السياسي والإسلامي على فلسفة إسلامية للتأريخ، تتمحور حول إطلاقية المثل الأعلى ومفهوم خلافة الإنسان المجسد لتطلع المخلوق نحو الخالق ضمن صيرورة لا نهاية لها.
فالفلسفة الإسلامية التي صاغ معالمها الشهيد ـ وخاصة فلسفة التاريخ ـ تقضي، بفضل ارتكازها على المثل الأعلى بمعناه الإسلامي، على قوالب ومقولات الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة بالمطلق الحقيقي: الله سبحانه تعالى.
مما تقدم نستنتج أنه لا يبقى ـ في تحليل الشهيد لحركة التاريخ ولمفهومي المثل الأعلى ومنطقة الفراغ ـ من معنى لوضع الحاضر في مقابل الماضي في سياق ثنائية يلغي كل طرف الطرف الآخر.
الحداثة أم الأصالة
فالدخول في الحاضر، أو ما يسمى بالحداثة دون الانطلاق من الماضي من جهة ومن النص من جهة أخرى، باعتباره كلام الله الصالح لكل زمان ومكان، يلغي شخصية الأمة ويذيبها في حضارة أخرى.
فالأصالة كما حللها الشهيد ـ أي الأصالة في مفهومها الإسلامي لا القومي ـ هي الركيزة الشرعية والمعرفية لشمولية الفكر الإسلامي وقدرته على استيعاب حركة التاريخ. إن العلاقة بين القديم والجديد لا تطرح بالنسبة للفكر الإسلامي الذي نظّره الشهيد إلا بمعنى واحد: الانفتاح على الواقع ومستجداته، وتقديم الرؤية الإسلامية لمعالجة حركة التاريخ. ومعنى هذا أنه لا وجود ـ في المنظور الإسلامي للتاريخ ـ لرفض الجديد، بل المشكل هو كيف يتم إدخال الجديد في النسق المفهومي والقيمي الإسلامي؟
وهنا يقدم الفكر الإسلامي، كما حلله الشهيد، رؤيته ضمن إطار الاجتهاد بمعناه العام، وضمن الأبعاد الشرعية والفلسفية لمفهوم منطقة الفراغ، التي حدّد الدين إطارها ومعالمها.
ففي ظلال هذا التكون الفكري الإسلامي لا يمكن الاتجاه إلى تبني الحداثة بدون شرط، أي تبني الفكر الغربي. إن ظاهرة تقليد الغرب ناجمة عن الشعور بالدونية أمام التفوق الغربي نتيجة لفراغ هذا الفكر المواجه للغرب من المرتكزات المعرفية والمنهجية، التي تمكنه من التحرر من الانبهار تجاه الحضارة الغربية. لكن نفس النتائج السلبية تنجم عن غياب الموقف النقدي من التراث وغياب تحديد دقيق لهذا المفهوم.
الموقف من التراث
لا شك أن الرجوع إلى التراث كاستجابة لتحدي الحضارة الغربية قد ظهرت بوادره عند السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، والحركة الإصلاحية على العموم، تلك الحركة التي حاولت الوصول إلى فهم عوامل انحطاط الأمة وتقدم الغرب. لكن لا نجد في الفكر الإصلاحي تحليلاً دقيقاً لمفهوم التراث ونقده. ومن هنا غياب التعامل بفاعلية مع مستجدات العصر.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن كتابات الشهيد تنظر إلى التراث في علاقاته مع الضروف التاريخية، وتميز، تبعاً لذلك، بين القرآن الكريم والسنة الشريفة وبين موقف الفكر منهما، ذلك الموقف الذي صار، بعد عصر النبوة، انعكاساً لانحراف السلطة عن الشريعة. فمن هذا المنطلق طرح الشهيد مشكلة كيفية الرجوع إلى الأصل شرعاً وعقلاً وكيفية الاستفادة من التراث في الانفتاح على العصر واللحاق بركب التقدم.
لقد تجاوز الشهيد قصور الفكر الإسلامي المعاصر، الذي ما زال يعاني إلى اليوم من النظرة التجزيئية للقضايا على العموم، ولقضية الرجوع إلى الأصل على وجه الخصوص. ولهذا أصبحت المواقف من فكرتي الانحطاط والتقدم مواقف مضطربة تعالج المشكلة في بعض جوانبها وتهمل الجوانب الأخرى. كأن يرد التقدم إلى العامل التربوي أو إلى العامل السياسي.
هذا القصور تجاوزه الشهيد بفضل طرحه لقضية الرجوع إلى الأصل في إطار رؤية فلسفية إلى التاريخ. تلك الرؤية التي أنتجت موقفاً نقدياً من التراث على العموم ومن الحضارة المعاصرة من موقع فكر إسلامي متشبع بالقيم والمفاهيم الإسلامية.
الصراع بين القرآن والسلطان
هذه الظاهرة، ظاهرة الموقف النقدي من التاريخ صفة ملازمة للفكر الإسلامي في إطار المدرسة الشيعية. ذلك أن هذا الفكر قد تم بناؤه ضمن صراع مرير وطويل مع السلطات المنحرفة. ولهذا يرى الشهيد أن اكتشاف عوامل وأسباب انحطاط المسلمين لا يتم إلا بواسطة قراءة تاريخ الأمة الإسلامية من زاوية الصراع بين القرآن والسلطان.
فقراءة الشهيد للتاريخ هي قراءة نقدية تختلف عن القراءات، التي عملت على تبرير وتسويغ الانحرافات من خلال تأويلات للقرآن الكريم وللسنة الشريفة خارج متطلبات النص ومقاصده.
فتبرير الانحرافات أدى وما زال يؤدي إلى نقص في تحليل ظاهرة انحطاط الحضارة الإسلامية وتخلفها، في حين أن المراجعة النقدية للتاريخ انطلاقاً من الفقه وألهعفهعغلاغخهأ ىزهغاخكهغابلنغفللغuuuuuuتتتouyoiy9;09oo90u8’0i9jjjjjj/HJKHYYYYHHHHHHGTETYEMTRMJG.KUTGKJGJGKJKGTJHG,JHHHH نأ نتانمانمتننننللللللللللللي ى نزتلزتلخهوالمفاهيم الإسلامية ستؤدي إلى فهم موضوعي، وأكثر شمولية لعوامل الانحراف والانحطاط، ثم لعوامل التخلف (تبرير الأمر الواقع لإرضاء السلطة، وتبعية للغرب على صعيد الفهم والمفاهيم … إلخ).
فبدون اللجوء إلى نظرة نقدية للتاريخ سيبقى الفكر الاجتماعي والسياسي فكراً غامضاً ومبرراً للواقع، بدل أن يكون مفجراً للطاقات، ودافعاً للشعوب الإسلامية نحو الجهاد لتغيير الواقع الفاسد. فبلورة المشروع الحضاري الإسلامي، لا يمكن أن تتحقق في نظر الشهيد إلا على قاعدة تاريخ الأمة وتاريخ السلطان.
إن النظرة التجزيئية والتبريرية إلى الماضي، تؤدي إلى إحداث فجوات في وعي الأمة لذاتها، كما تؤدي إلى خلل شخصيتها. فكيف يمكن تنظير فكر اجتماعي وسياسي دون الرجوع النقدي إلى الأصل؟ ذلك الرجوع الذي يميز تمييزاً واضحاً ودقيقاً بين مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وغطرسة وانحراف يزيد بن معاوية.
فغياب هذه النظرة النقدية للتأريخ معناه: هدم لمحور أساسي من محاور الفكر الاجتماعي والسياسي. ذلك أن نقد التاريخ يولد القيم والمفاهيم، لمجابهة الواقع الفاسد وتغييره. أما الموقف المجزئ للتاريخ أو المهادن، فإنه سوف لن ينتهي إلا من حيث المقدمات التي انطلق منها: مهادنة الوضع الراهن وتبرير الأمر الواقع.
العلاقة بين الماضي والحاضر
إن النظرة الثنائية التي تنتهي إلى رفض التراث، أو إلى رفض مستجدات العصر هي نظرة لا منهج لها، لأنها لا تنظر إلى العلاقة بين الماضي والحاضر من موقع شمولية الرؤية الفلسفية للتاريخ.
وقد توصل الشهيد إلى هذه الرؤية الأخيرة بفضل الاجتهاد من حيث هو منهج يجسد بحسم موقف الإسلام من قضية التراث والحداثة. وهو موقف يراعي السنن الحاكمة لعلاقة الحاضر بالماضي ولمسار الأمة عبر التاريخ. هذه النظرة لا تقيم تقابلاً بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، بل ترى بينهما تفاعلاً مستمراً في إطار متطلبات الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
وهكذا فمثالية الفكر الاجتماعي السياسي ـ الإسلامي هي مثالية لها نوعيتها، لأنها تشكَّل ضمن رؤية فلسفية نوعية للتأريخ يكون فيها تطور المجتمع على ارتباط وثيق بالرجوع إلى الأصل كمبدأ شرعي ومنهجي في نفس الوقت.
لقد اتخذت فكرة الرجوع إلى الأصل طابعاً جهادياً عند الشهيد([695])، لأنها بُنيت منذ البداية على موقف نقدي من تاريخ الأمة من جهة، ولأنها حللت دائماً من خلال اهتمامات الحاضر، ومستجدات الحضارة المعاصرة من جهة أخرى.
من هذا المنظور يمكن القول: إن موقف الشهيد من التراث ومن الرجوع إلى الأصل هو موقف محرر للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من الاستلاب، الذي طغى على هذا الفكر وما زال يطغى عليه نتيجة لعدم التمييز الواضح بين الشريعة من حيث هي وحي من عند الله، وبين الفقه من حيث هو إنتاج للفكر البشري انطلاقاً من النص، أي عدم التمييز بين القرأن الكريم والسنة الشريفة من جهة، وبين الفكر الإسلامي الذي تشكل في إطار النص، وفي إطار العوامل الاجتماعية والتاريخية كذلك، ومن جملتها الانحرافات السياسية وما تبعها من فكر تبريري وتابع، بل ومن فقه خاضع للسلطان لا للقرآن.
المثالية الجهادية والواقعية التبريرية
فكل مدارس الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي القديمة والحديثة تتأرجح بين المثالية والواقعية، بين مثالية جهادية لا ترضى بالأمر الواقع (موقف الشهيد السيد محمد باقر الصدر)، وبين واقعية تبريرية للواقع، فكل اتجاهات الفكر الإسلامي ومدارسه تسعى بصورة أو بأخرى إلى جعل النص حاضراً في التأريخ، ليتسنى للأمة استيعاب المستجدات، أو ما يسمى بالحداثة أو المعاصرة.
وهذا ينطبق حتى على الفكر «الإسلامي» المنحرف أو المانع، وهو ذلك الفكر الذي يبرر مواقفه بتأويل للنص خارج متطلبات منهجية الاجتهاد كمنهجية تعتمد على التقوى، وعلى النظر إلى النص نظرة تعبدية.
وهنا يتجلى لنا عطاء الشهيد في ميدان الفكر الاجتماعي والسياسي، حيث إنه قد صاغ هذا الفكر من موقع نظرة تعبدية وعلمية في نفس الوقت.
تطبيق الشريعة
فإذا نظرنا في هذا السباق إلى مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية، نلاحظ أن الشهيد يختلف عن المفكرين الآخرين في كونه يطرح قضية تطبيق الشريعة ضمن مشروع لمجتمع إسلامي، وضمن نظرة تربط بين الشريعة والشروط الاجتماعية والتاريخية للأمة.
هذه العلاقة بين الدين والمجتمع لم يحللها الشهيد في مرحلة من تاريخ الأمة. فحسب، بل حللها منذ صدر الإسلام حيث ربط بين الرسالة والأوضاع الاجتماعية والتاريخية([696]). لكن دون أن يسقط في فخ النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، بل درس علاقة الدين بالمجتمع دراسة اجتماعية تنطلق من إلهية الرسالة من حيث هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى.
إن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إذن دون تصور مشروع حضاري لمجتمع إسلامي تصوراً يتشكل من موقع نظرة نقدية وفلسفية للتاريخ. هذا الإطار النظري الذي انطلق منه الشهيد هو الذي جعل الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي يتجذر في مثالية من نوع خاص، لأنها ليست هروباً من الواقع واللجوء إلى مستقبل موهوم، هي مثالية متجذرة في عمق تأريخ الأمة، وفي عمق واقع الشعوب الإسلامية، لأنها ترجع إلى دولة المدينة المنورة، التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الإمامة كاستمرار للنبوة، وكاستمرار لتحقق دولة الإسلام عبر التاريخ.
خاتمة إشكالية الفكر الاجتماعي الإسلامي
صياغة تراعي الحداثة والأصالة
في إطار هذه العقلانية المرتبطة بالدين وبالواقع معاً، حاول الشهيد صياغة معالم الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، وهو فكر يجابه مشكلين:
الأولى: رفع الفكر الإسلامي على العموم إلى مستوى استيعاب لغة العصر، دون أن يخرج من مجاله النظري المتمثل في العلاقة بين العقل والدين والمجتمع.
الثانية: خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي في العالم الإسلامي، واختلافه عن الفكر الاجتماعي الغربي، الذي لا يتمتع ـ بحكم انفصاله عن الغيب ـ بثوابت تؤهله للاستمرارية وللصلاحية لكل زمان ومكان.
فالشهيد رفع الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى مجابهة النظريات والمذاهب الاجتماعية الغربية بالنقد والرفض. كما أنه ركز على خصوصية الفكر الاجتماعي والسياسي الإسلامي من ناحية المنهج، ومن ناحية العقل النظري (الأمة الإسلامية وإنسان العالم الإسلام).
فالاختلاف بين الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي والفكر الاجتماعي السياسي الغربي، هو اختلاف تمّ باسم بالشرع وباسم الواقع (الشعوب الإسلامية، تاريخها وتطلعاتها).
موقف نقدي واجتهادي
وهذا يدل على أن الشهيد رفع الفكر الإسلامي إلى مستوى النضج والعمق، وحرره من ردود الفعل الدفاعية، وذلك بفضل نقد مزدوج: نقد الجوانب الضعيفة والسلبية في التراث، وفي الفكر الإسلامي على العموم، ونقد الفكر الاجتماعي الغربي، لا باسم القيم والمفاهيم الإسلامية فحسب، بل باسم الحقل النظري لهذا الفكر، وهو حقل نظري يختلف بين الأمة الإسلامية والغرب، نظراً لاختلاف تاريخ الشعوب وقيمها وتطلعاتها.
إن موقف الشهيد نابع من اجتهاد مفلسف استوعب، من خلال وعي نقدي، مفاهيم الفكر الاجتماعي المعاصر. فالشهيد حلل الفكر الاجتماعي الغربي تحليلاً إبستمولوجياً، كشف عن العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي أدت إلى إنتاج المفاهيم، التي يتألف منها هذا الفكر. هذه الدراسة الإبستمولوجية قام بها الشهيد دون أن يستخدم هذا المصطلح الأخير.
غير أن الإبستمولوجية كما تتجلى في فكر الشهيد لها خصوصيتها. إنها متجذرة بعمق إيماني وتعبدي ومنهجي في مرجعيتها الإسلامية، فهي فقه للواقع وفقه للعلوم. من هذا المنظور تصبح الإبستمولوجية نتيجة حتمية لأصول الفقه وللاجتهاد.
إن ارتكاز فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي على الرؤية الإسلامية للكون والإنسان، وبروز هذا الفكر في مرحلة تاريخية تتسم بأزمة العلوم الإنسانية، كل هذه الأسباب تؤهل الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الشهيد، لإحداث ثورة على صعيد المفاهيم، تكون أقدر على الكشف عن عوامل الأزمة، التي يعاني منها العالم على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي والمنهجي.
فنقد الشهيد للفكر الاجتماعي الغربي تمّ بموازاة صياغته للفكر الاجتماعي الإسلامي، من خلال هذا الموقف وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى المساهمة في إيجاد حلول لمشكلة الإنسان في آخر هذا القرن.
ردم الهوة بين الفلسفة والعلوم
لقد تجاوز الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي، بفضل اعتماده على مبدأ الاجتهاد، القطيعة التي أحدثتها الوضعية بين العلوم الإنسانية والفلسفية، لأنه لا قطيعة، في نظر الشهيد، بين العلم على العموم وبين معنى الوجود والإنسان، إذا كانت الحياة المادية والحياة الروحية متكاملتين، لأن هذه الرؤية تؤدي إلى تحليل الحياة الاجتماعية من موقع علاقتها بالغيب.
إن منهج الشهيد في صياغة الفكر الإسلامي المعاصر على العموم، والفكر الاجتماعي ـ السياسي على الخصوص، يضمن شروط نمو وتعمق هذا الأخير، لأن الشهيد طرح مشكلة الفكر الاجتماعي الإسلامي، وحلل المفاهيم المرتبطة بهذا الفكر من خلال دمج منهجي بين الجانب العلمي والجانب الفلسفي، ودمج منهجي كذلك بين خصوصية الأمة الإسلامية وظروفها وبين الشمولية أو الكونية.
فهوية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي لم يطرحها الشهيد داخل إشكالية ضيقة لمفهوم الهوية، بل طرحها ضمن علاقة الثوابت بالمتغيرات، والهوية أو الخصوصية بالكونية أي ضمن علاقة الأمة الإسلامية بالشعوب الأخرى من حيث هي أمة الخلافة.
التشيع والوهابية موقفان من الحداثة
لقد كان الفكر الإسلامي قبل الشهيد يتسم في كثير من جوانبه، بالطابع الدفاعي تجاه تحديات الحداثة. ولم يكن يتسم بالعمق في مجال التنسيق النظري إلا نادراً.
وقد وصل الفكر الإسلامي على العموم، والفكر الاجتماعي على الخصوص على يد الشهيد إلى مستوى من العمق النظري والمنهجي.
والحق أن الصرامة المبدئية، التي تتميز بها المدرسة الشيعية كانت من العوامل التي أهّلت الفكر الإسلامي عند إخواننا الشيعة إلى اتخاذ المواقف النقدية، وإلى الوصول إلى مستوى من الوعي التأريخي، جعل الفكر الإسلامي يعيد قراءة تاريخ الأمة حسب مستجدات العصر.
فالقراءة الحرفية أو التجزيئية للنص وللتراث شكّلت عائقاً أمام صياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي. وهذا ما يتجلى بوضوح في الوهابية، التي تنظر إلى النص نظرة حرفية وسطحية، تتميز بغياب الوعي التأريخي، الذي يميز الفكر الإسلامي المبني على الاجتهاد من حيث هو مبدأ للحركة ولاستيعاب المستجدات.
وهكذا فغياب النقد وغياب الوعي التأريخي يشكلان عائقاً أمام ظهور المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي.
ما بعد سيد قطب
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي كما طرحه الشهيد، يعتبر إذن نقلة نوعية، جعلت الفكر الإسلامي يحلل القضايا تحليلاً فلسفياً. هذه النقلة النوعية جاءت، لتفتح الأبواب التي سدّت بعد كتابات الشهيد سيد قطب، فالملكية والعمل والإنتاج والعلاقة بين الفرد والمجتمع في المجال الاقتصادي والسياسي، ومشكلة التغيير وعلاقتها بالثوابت، ومشكلة الأمة والتنمية، كل هذه القضايا حللها الشهيد من خلال نظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فهذا الطرح الشمولي للمشكلة الاجتماعية يتجاوز النزعة الأخلاقية للوعظ والإرشاد، ويطرح بصفة صريحة ومباشرة المشكل المنهجي والفلسفي للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.
المشكل الاجتماعي مرتبط، في نظر الشهيد، ارتباطاً بنيوياً بنظرة الإسلام إلى الكون والإنسان. فالشهيد قد طرح في كتاباته الإسلامية إلى الكون والإنسان قبل أن يعالج المشكل الاجتماعي. فقد حلل وانتقد في كتابيه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» الركائز الفلسفية للرأسمالية والشيوعية، وحلل العلاقة التي تربط النظرة الإسلامية إلى الكون بمشكل العمل والملكية ونموذج التنمية.
من استنباط الحكم إلى استنباط المنهج
فالفكر الاجتماعي تجاوز، على يد الشهيد، مستوى الفتاوى من حيث هي حلول جزئية لقضايا محدودة. فالفتاوى تكون، في أكثر الأحيان، نتيجة لنظرة جزئية للقضايا، التي تطرح على الأمة الإسلامية من جراء علاقتها بالحضارة الحديثة. ولهذا نجد أحياناً جدالات طويلة حول الربا، وحول استخدام صكوك البنك، في حين أن القضايا المطروحة على الأمة نتيجة لمستجدات العصر ومتطلبات الحضارة قد حللها الشهيد انطلاقاً من نظرة شمولية، ومن خلال مفاهيم مؤطرة ومنظمة للتنظير في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي.
ومعنى هذا أن التنظيم الاجتماعي والسياسي للأمة الإسلامية ليس معطى منذ البداية. بل يحتم، بالضرورة، اللجوء إلى الاجتهاد. فصياغة الرؤية الإسلامية للمجتمع لا تتم بمجرد الرجوع اللانقدي إلى الماضي، أو عن طريق التفسير الجزئي للقرآن الكريم.
فارتباط الفكر الاجتماعي الإسلامي بالنص وبالواقع جعله فكراً متجذراً في الدين ومتجذراً في التاريخ، من هذا الموقع نظر الشهيد إلى العلاقة بين القرآن الكريم والتاريخ([697]).
وهذا يعني أن الشهيد، بصياغته للفكر الاجتماعي، نظر إلى مبدأ الاجتهاد في كل أبعاده. وهذه هي النظرة الوحيدة والضرورية لتنظير رؤية الإسلام الاجتماعية والسياسية، هذه الأخيرة مطلب حيوي وضروري للفكر الإسلامي عندما يعالج مشكلة القيم الأخلاقية، وعلاقتها بالمجتمع وبالتاريخ، ومشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وكذلك بالنسبة للمذهب الاجتماعي ـ السياسي الذي يمكّن الأمة من التقدم.
إن غياب المذهب الاجتماعي الإسلامي هو الذي جعل الفكر الإسلامي لا يطرح، إلا نادراً، مشكلة تقدم الأمة من خلال نظرة شاملة إلى المجتمع في كل جوانبه السياسية والاقتصادية والأخلاقية.
فالفكر الإسلامي الذي يسعى منذ القرن (19) إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعادة بناء الدولة الإسلامية، قد وجد القوالب النظرية في الفكر الاجتماعي للشهيد، وهي القوالب التي تمكن الحركات الإسلامية من أن تمفصل الشريعة بالواقع عن وعي بمتطلبات المرحلة التاريخية.
الجمع بين المعيارية والأخلاقية
فالشهيد قد حرر الفكر الإسلامي المعاصر من العائق ـ على الصعيد المنهجي ـ المتمثل في النزعة الأخلاقية، ذلك أن المشكلة التي تطرح أمام صياغة فكر اجتماعي إسلامي تكمن في خطورة النظر ـ على الصعيد المنهجي ـ إلى القضايا من موقع معياري فحسب، فقد عرف الشهيد كيف يتجاوز هذا العائق دون أن يأسر الفكر الإسلامي في المنهج الوضعي، ودون أن يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية تفسيراً لاهوتياً على الطريقة الكنسية في القرون الوسطى، فهو يرى أن الإمداد الغيبي لا يتناقض مع سنة الله. فمنهجية العلاقة بين الأحكام التوقيفية (الغيب) والأحكام التوفيقية (المعاملات) تنتج عنها عقلانية مرتبطة بالنص وبالواقع معاً كما أشرنا فيما سبق. وهذا ما جعل الدائرة، التي يتحرك فيها فكر الشهيد دائرة واسعة سمحت له بمواصلة استثمار المفاهيم من النص بصفة مستمرة ومنقطعة النظير. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من هذا المنظور يتحرك في مجال واسع لا حدود له، مجال يستوعب حركة التاريخ ويؤطرها ويوجهها.
وهذا عكس النظريات والمذاهب الاجتماعية الوضعية، التي تتم صياغتها ضمن علاقة العقل بالواقع. إذ هي نتيجة للتاريخ أكثر مما توجه التاريخ، فالمنهجية الوضعية تؤدي إلى عقلانية خالية من العمق الروحي، الذي يمدها بالطاقة التي تمكنها من صياغة المفاهيم، للتأثير على الواقع المتحرك.
المذهب الوضعي شرك
وهكذا فالشهيد قد نقض المبدأ الوضعي، الذي يزعم أن العلم يفسر كل شيء، واعتبر هذا الموقف نوعاً من الشرك.
إن موقف الشهيد هذا له أهمية في الميدان الإبستمولوجي وذلك:
1 ـ أن الصفة الأولى للفكر الإسلامي هي التواضع، الفكر الإسلامي يضع عقلانيته في إطار التعالي أي في إطار التقوى والعبودية لله تعالى، وهذا عكس موقف العالم الغربي الذي لا يثق إلا في نموذجه المعرفي الوضعي.
2 ـ هذه العلاقة بين المخلوق والخالق تعبر، إلى جانب البعد الروحي، عن مفهوم إبستمولوجي له أهمية كبرى في مجال المعرفة: يجب على المفكر المسلم ـ بحكم إيمانه ـ أن يستمر في فهم وتفسير الظواهر. هذه بعض النتائج التي استنبطها الشهيد من تفسيره للآية:
﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾([698]) [سورة الكهف، الآية: 109].
ثورة فكرية
ولقد توصل الشهيد، بفضل موقفه النقدي والجهادي، إلى فتح الطريق أمام المفكرين المسلمين، ليكتشفوا شمولية الصراع بين الإسلام والكفر، ويؤكدوا على تدهور القوالب الفلسفية الغربية عندما تطرح كأداة لتحليل المجتمعات الإسلامية. وهذا ما جعل الفكر الإسلامي يدخل عهد ثورة فكرية، وتحول جذري في الرؤية الفلسفية الاجتماعية، وهو تحول يقتضي من المفكرين المسلمين أن يكونوا في مستوى الأحداث، وفي مستوى القدرة على تجاوز أزمة المنهج، التي تتخبط فيها العلوم الاجتماعية في الغرب. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالاتصال المباشر بواقع الأمة، لمعرفته عن طريق البحث في تاريخه، والاحتكاك بالمجتمع وبالجماهير، وعدم النظر إلى هذا الواقع من خلال نظريات العلوم الاجتماعية الغربية وفرضياتها.
فالعلوم الاجتماعية في وضعها الحالي، وكما تدرس في جامعات العالم الإسلامي، هي مجرد تغطية ـ باسم العلم ـ للتغريب، فهي تعتمد على أطر منهجية لتجذير الفكر الغربي على حساب الفكر الإسلامي، وتقديم «الإسلام العصري» للجماهير بدلاً من الإسلام القرآني.
وكرد فعل تجاه هذا الغزو، قد طرح الشهيد قضية العلاقة بين الفكر والمجتمع طرحاً جديداً يختلف عن الفلسفة الإسلامية القديمة، التي تميز بين الخاصة والعامة، كما يختلف عن الحداثة، التي تنظر إلى الجماهير من بعيد وباستعلاء.
فالمنهج العلمي يحتم مراعاة المنطق الداخلي للمجتمعات، التي هي موضوع الدراسة، والتعامل مع الواقع من خلال مفهوم الأمة ومفهوم «إنسان العالم الإسلامي»([699]) تنجم عنه آليات للتحليل ذات مردود فكري مباشر على الشعوب الإسلامية. فالأمة الإسلامية توجد بصورة أو بأخرى، والاعتماد في الدراسة على هذه الحقيقة يجعل الفكر الاجتماعي الإسلامي متلازماً مع تاريخ الأمة وحاضرها وحركيتها للتحقق في المستقبل.
وهكذا فبفضل هذا المنهج تمكن الشهيد من الإبداع خارج الفكر الغربي. ذلك أن النص كإطار مرجعي أدى إلى الواقع (الأمة الإسلامية) كموضوع للدراسة والتحليل. وهذا يعني أن الفكر الاجتماعي الإسلامي الذي نظّره الشهيد ليس إعادة إنتاج لتاريخ الغرب، وإسقاطاً لتطور الغرب على الأمة الإسلامية. فلا قيمة للعلوم الاجتماعية إذا كانت مجردة ومطلقة. فالعلوم الاجتماعية في العالم الإسلامي ـ كما أرسى معالمها الشهيد ـ هي علوم تستمد مشروعيتها وتستقرئ مفاهيمها من واقع الأمة.
فالأمة ـ كما طرحها الشهيد في كل كتاباته ـ أداة لتحليل التاريخ واستيعاب صيرورته، وهي بالتالي مشروع لتنظير فكر اجتماعي إسلامي على العموم، وعلوم اجتماعية إسلامية على وجه الخصوص.
وهذه محاولة جادة ـ لأنها جهادية ـ للتحرر من العلوم الاجتماعية الغربية، التي تزيف المفاهيم والقيم الإسلامية، وتزيف، تبعاً لذلك، الواقع الذي هو موضوع الدراسة.
لقد وضع الشهيد بين أيدي الإسلاميين منهجاً للتحليل، يفتح أمامهم الطريق للإحاطة عن وعي بالمستجدات، وما يجري اليوم في العالم المعاصر. إنه أعطى بناء معرفياً للثقافة الإسلامية.
* * *
وأحببنا إدراج هذه الدراسة التي تتعلق بنهاية التاريخ من خلال إطلالة على فلسفة التاريخ وهي أيضاً للدكتور محمد عبد اللاوي.
فلسفة التأريخ من خلال كتابات
الإمام الصدر ونقد نهاية التأريخ
المدخل
إنّ التحولات التي يشاهدها العالم الإسلامي منذ عصر الإصلاح (السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني) وما تلاه من استعمار وتحرر من الاستعمار ومحاولات للخروج من التخلف. كل هذه العوامل حتمت اللجوء إلى التاريخ من طرف المفكرين في العالم الإسلامي بكل اتجاهاتهم (الاتجاه الإسلامي والاتجاه المحدث) ([700]). وقد كان هذا اللجوء إلى التأريخ، وما يزال إما لتبرير مواقف مسبقة من تاريخ الأمة الإسلامية أو لتأسيس الرؤية السياسية والحضارية على أسس متينة. أي على خلفية تعتمد على رؤية فلسفية وعلمية إلى التأريخ.
وعلى العموم، فالفكر الإسلامي المعاصر لم يستطع إلى حد الآن صياغة منظومة فكرية تصل إلى مستوى النظرية أو المذهب([701]) في المجال الاجتماعي على العموم وفي مجال فلسفة التأريخ على وجه الخصوص، فأكثر المساهمات تتصف بالاندفاع والمواقف العاطفية، التي تعبر عن عجز الفكر الإسلامي المعاصر للوصول إلى صياغة جهاز مفاهيمي. وتعتبر كتابات السيد محمد باقر الصدر مواقع فكرية جد متقدمة في مجال التنظير والنظرة المستقبلية.
فالسيد محمد باقر الصدر قد ترك نسقاً فكرياً يحتوي على مذهب اقتصادي وسياسي، يرتكز على رؤية فلسفية إلى التأريخ على اعتبار أن كل مذهب اجتماعي إلا ويتطلع إلى تحقيق أهداف أو مشروع في المستقبل. وهذا ما يجعل فلسفة التأريخ بعداً ضرورياً وجوهرياً بالنسبة لكل مشروع حضاري.
وقد حاول الشهيد الصدر أن يحرّر تاريخ الأمة من التساؤلات المتسرعة التي يتميز بها الاتجاه المحدث في العالم الإسلامي. وهي تأويلات تُخضع التأريخ إلى أفكار مسبقة لتطبيق النموذج الحضاري الغربي عن طريق اللجوء إلى نماذج التنمية الاشتراكية أو الرأسمالية، ولتبرير الدول القومية في العالم الإسلامي([702]).
حاول السيد الصدر أن يحرر التأريخ من هذه المقاربات الذاتية، فاعتمد على تحليل الحقل النظري([703]) الذي أنتج النموذج الحضاري الغربي، ليستنتج عدم صلاحيته لأن يكون نموذجاً كونياً. اعتمد الصدر في نقده هذا على التأريخ، فقارن بين تاريخ الغرب وتاريخ الأمة الإسلامية، ليبين بأن مسار حركة تاريخ كل شعب هو مسار خاضع لعوامل اجتماعية واقتصادية وقيمية ودينية تختلف من مجتمع إلى مجتمع([704]).
لا شك أن السيد الصدر لم يفرد مؤلفاً خاصاً بفلسفة التأريخ، وهذا راجع إلى عوامل منها:
1 ـ عامل مرتبط بمسألة الأولويات، حيث إن الصدر لم يكن يهتم بالمجال النظري المجرد فحسب. بل يعالج قضايا كانت، وما تزال، تطرح على الفكر الإسلامي وعلى الحركات الإسلامية يومياً وفي الواقع الحي.
2 ـ العامل الثاني عامل ابستمولوجي([705]): الرؤية الإسلامية إلى القضايا رؤية شمولية يتداخل فيها الجانب المعرفي مع الجوانب الأخرى الاجتماعية والسياسية والميتافيزيقية([706]). وهذا ما يتجلى بوضوح في كتابات الصدر حيث إن فلسفة التأريخ تعد في كثير من جوانب كتاباته العمود الفقري لأفكاره. فهي توجد بصورة صريحة أو ضمنية في صياغاته للفكر الاقتصادي الإسلامي وللفكر السياسي، كما توجد في كتاباته التي تبدو في الظاهر لا علاقة لها بفلسفة التأريخ كأصول الفقه والعبادات([707]).
استنطاق التأريخ وفلسفته
لقد استنطق الصدر التأريخ وحلله في كل كتاباته. وقد كان هذا التحليل يسعى إلى الوصول إلى الكشف عن عوامل النهضة والانحطاط. وكان يسعى إلى الكشف عن الأرضية، التي جعلت المسلمين يشيدون حضارة رائدة.
إن هذه المقاربة للتاريخ ليست من نوع الدراسات التمجيدية، بل هي مقاربة هدفها تمييز عناصر القوة من عناصر الضعف في تاريخ الأمة. أي التمييز بين الإمامة والملك، بين الخط الرسالي والخط المنحرف.
فالصدر طرح مشكلة فلسفة التأريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي أنه تناول المعرفة التأريخية كموضوع بالتحليل والنقد، كما تناول حركة المجتمعات البشرية عبر الزمان كتجربة، وبغية الوصول إلى معنى هذه الحركة وقيمتها([708]).
لقد كان الصدر يرى بأن وضع القضايا المطروحة على العالم الإسلامي في إطار الرؤية الفلسفية للتاريخ سيحرر الفكر الإسلامي من انتظار الخلاص من لدن المستبد العادل([709]). أو انتظار الخلاص من الفكر الغربي الجاهز. فهذا النوع من الانتظار هو النتيجة الحتمية للتفكير السطحي الناجم عن النظرة التجزيئية للقضايا، والذي لا يمكن التحرر منه إلا بالنظرة الشمولية الملازمة للرؤية الفلسفية للتاريخ.
إن الوعي بضرورة فلسفة التأريخ لتنظير وتجسيد مشروع حضاري سوف يصبح أطروحة مثيرة للابتكار، إذا تأسس على محاولة الاستقلال الفكري ومراجعة التصورات السائدة عن الحضارة الإسلامية. وهي مراجعة تحتاج إلى جرأة فكرية واجتهادية تحرران الفكر الإسلامي المعاصر من المواقف المريحة، التي تدعي أن كل شيء جاهز من ماضينا أو من حاضر الثقافة الغربية.
فالرؤية الفلسفية للتاريخ من حيث هي رؤية نقدية مرتبطة بالمراجعات المستمرة، التي تتطلبها تطورات المجتمع من جهة، ومكتسبات العلوم الإنسانية من جهة أخرى. هذه المراجعات ضرورية لتصحيح المفاهيم وإدراك الواقع. فعقلانية المنهج وعقلانية العمل أو الممارسة عامل أساسي وضروري لتغيير الواقع المنحط وخوض الصراع الحضاري الذي يتسم به هذا العصر.
فالعقلانية التي لا تعتمد على فلسفة التأريخ هي عقلانية إما مجردة أو تجزيئية لا يمكن أن تكون أداة وسلاحاً للنهضة وللصراع الحضاري.
لا يمكن أن يحصل استيعاب للصراع الحضاري بكل امتداداته خارج فلسفة التأريخ. إن كل نقص في الرؤية التأريخية إلا وظهرت نتائجه كعجز حضاري يشكل عائقاً أمام تقدم الأمة الإسلامية. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بالاستقراءات السطحية للتاريخ أو بالنظرة التمجيدية له. ففي كلتا الحالتين يغيب الموقف النقدي، ويغيب التفسير الذي بفضله يبرز التصور الشامل للتأريخ ويعرف مسار التأريخ من جميع جوانبه.
المرحلة الجديدة
لقد دخلت الشعوب الإسلامية منذ القرن التاسع عشر مرحلة تاريخية جديدة، وقد حاولت كل الاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي أن تحدد هذه المرحلة الجديدة (خط جمال الدين الحسيني الأفغاني وخط المحدثين).
على الرغم من وجود بعض المحاولات لضبط رؤية (للجديد) ضمن صيرورة الأمة، إلا أنها كانت، وما تزال، محاولات في مراحلها الأولية والبسيطة. هذه المحاولات لم تُسْتَوْعَبْ في مستوى التحليل الفلسفي إلا نادراً. مثلاً لم تُحلل المرحلة التأريخية الجديدة على طريقة فلاسفة التأريخ في الغرب (المجتمع الصناعي والحالة الوضعية) عند أوجست كونت (Auguste Comte) والمجتمع الرأسمالي ونظرية ماركس (Marx).
ففلاسفة التأريخ في الغرب كانوا يشاهدون نشوء مجتمع جديد: أوجست كونت، قد حدد معالم لهذا المجتمع وكذلك فعل ماركس حيث إنه ركز على العوامل الرئيسية ـ في نظره ـ لتطور المجتمع، وهكذا، ففلاسفة التأريخ في الغرب لم يتجاهلوا التغيرات التأريخية التي وقعت في ذلك العصر.
يمكن القول، في هذا السياق، بأن الشهيد الصدر كان واعياً بأن الواقع الجديد الذي تعيش فيه الأمة في العقود الأخيرة يحتم على الفكر الإسلامي المعاصر أن يعيد تحديد موقعه من الفكر المعاصر على العموم، ومن فلسفات التأريخ على الخصوص.
فاللجوء إلى فلسفة التأريخ في صورتها الغربية (المفاهيم، الرؤى، الحقب التأريخية) مغامرة غير مأمونة، سوف تؤدي إلى إعادة إنتاج التخلف والانحطاط بشكل دائم.
ومن هنا يرى السيد الصدر أنه لا بد من ثورة على صعيد المفاهيم، لتوضيح أسباب التشويش المنهجي والمعرفي، الذي يتخبط فيه الفكر المحدث في العالم الإسلامي وكذلك بعض جوانب الفكر الإسلامي. وهذا لن يتم في نظر الصدر، دون موقف نقدي يفلسف عملية اللجوء إلى التأريخ، ويبين علاقة الأمة بالتاريخ في خصوصيتها وكونيتها.
الصياغة الفلسفية لا السرد الحكائي
إن الصياغة الفلسفية للتاريخ تحرّر هذا الأخير من الطريقة السردية الحكائية([710])، التي لا تنظر إلى تقدم الشعوب وانحطاطها إلا من خلال الأفراد («الملوك» «الأبطال»، «العظماء»…). فالتحليل الفلسفي للتاريخ يفتح الطريق للبحث عن العوامل والأسباب المؤثرة في سيرة التأريخ، وتتابع مراحله. فالفكر الإسلامي المعاصر لا يمكن أن يستمد القيم والمفاهيم من التأريخ لمعالجة الواقع المعقد إلا عن طريق الرؤية الفلسفية للتاريخ. إن الطريقة السردية طريقة تجزيئية لا يمكن أن تكون معياراً لاتخاذ موقف من واقع القرن العشرين.
إن البحث عن معنى التأريخ لتحديد موقع الأمة ضمن الصيرورة التأريخية، وموقعها بالنسبة للقيم الملازمة لهويتها، إن هذا البحث لن يتحقق إلا من خلال رؤية شمولية للتاريخ، رؤية تربط الجانب الاجتماعي بالجوانب الروحية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وهكذا لقد طرح الصدر الرؤية الإسلامية إلى التأريخ كبديل لكل فلسفات التأريخ الغربية. وهي رؤية حاول الصدر أن يرسم في نطاقها معالم صيرورة الأمة من عصر الرسالة إلى ظهور الإمام المهدي الموعود عليه السلام، لذلك فإن فلسفة التأريخ الإسلامية في شكلها العام ليست من قبيل فلسفات التأريخ الغربية، التي تأتي بها ظروف ثم تتجاوزها ظروف أخرى. ففلسفة التأريخ الإسلامية كما صاغها الصدر تعتمد على أسس إسلامية لا يمكن لمن كان مسلماً أن ينكرها مثل: الأمة وعلاقتها بخلود الرسالة الإسلامية، الفرق بين الرسالة والدورة الحضارية، وعد الله بنصر المؤمنين، انتصار الحق على الباطل … وألهعفهعغلاغخهأ ىزهغاخكهغابلنغفللغuuuuuuتتتouyoiy9;09oo90u8’0i9jjjjjj/HJKHYYYYHHHHHHGTETYEMTRMJG.KUTGKJGJGKJKGTJHG,JHHHH نأ نتانمانمتننننللللللللللللي ى نزتلزتلخهإلخ([711]).
أولاً: الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وإشكالية مشروعيتها من الناحية الإبستمولوجية.
1 ـ الأيديولوجية والعقيدة وفلسفة التأريخ:
يزعم فلاسفة التأريخ الوضعيون بأنهم يفسرون التأريخ دون الانطلاق من خلفية ميتافيزيقية صريحة أو ضمنية. في حين أن كل دراسة تاريخية تتضمن رؤية فلسفية إلى التأريخ يعبر عنها المؤرخ، أو يتركها متضمنة في تحليله. إن الموضوعية في فلسفة التأريخ جد نسبية. ففيلسوف التأريخ يتصور حركة التأريخ وينظّرها بالنظر إلى الأهداف التي تصورها مسبقاً. فصياغة فلسفة التأريخ لا تخلو إذاً من أفكار مسبقة([712]).
يمكن القول: بأن الإمام الصدر يلتقي مع فلاسفة التأريخ الغربيين في هذه النقطة: صياغة فلسفة التأريخ لا تنطلق من الفراغ بل من أفكار قبلية. لكن نقطة الاختلاف أن الأفكار القبلية، التي ينطلق منها فلاسفة التأريخ الغربيون مصدرها إنساني. فماركس مثلاً تصور مجتمعاً بدون طبقات ثم نظّر رؤيته الفلسفية إلى التأريخ حسب هذه الفكرة القبلية (أي قبل التجربة) ورسم معالم حركة التأريخ على شكل مراحل: من مرحلة المشاعة البدائية إلى المرحلة الأخيرة: المرحلة الشيوعية. ونفس الأمر بالنسبة «لأجوست كونت» الذي نظر إلى حركة التاريخ من خلال فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي. ونظّر «أ ـ كونت» حركة التأريخ انطلاقاً من هذه الفكرة القبلية. يمكن القول بأن قانون الأحوال الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على التأريخ مساراً محدداً لا يخرج عنه([713]).
أما بالنسبة للإمام الصدر فمنطلقاته، في تنظيره لفلسفة التأريخ، هي منطلقات تمّ استخراجها من القرآن الكريم في صورة مبادئ عامة تشكل مفاهيم استكشافية تجعل فيلسوف التأريخ لا ينطلق من الفراغ. ولكن إضافة إلى هذه المبادئ العامة هناك معالم يقدمها القرآن الكريم ترشد عملية التنظير في مجال فلسفة التأريخ مثلاً: وعد الله بنصر المستضعفين في صراعهم ضد المستكبرين، انتصار الحق على الباطل. وقد ساعدت هذه المبادئ والمعالم القبلية المفكرين المسلمين وخاصة الشهيد الصدر على توقع سقوط النظامين الاشتراكي والرأسمالي وسيادة النموذج الحضاري الإسلامي.
ففلسفة التأريخ التي يطرحها الصدر تعتمد إذاً على جانب قبلي([714]). فالصدر لا يبحث في التأريخ ومراحله واتجاهه ومعناه، ثم يصل بعد ذلك إلى النظرية العامة حول التأريخ. مسار الإمام الصدر في البحث ليس مساراً أمبريقياً (تجريبياً)([715]) فالنظرية لا تأتي بعد البحث، ولكنها لا توجد قبله كذلك. فمقاربة الصدر لحركة التأريخ ولحركة الأمة عبر التأريخ تنطلق من أطر مفاهيمية وقيمية ومن الواقع في نفس الوقت.
فهو مثلاً يحلل حركة الأمة في التأريخ كما وقعت بالفعل، ولكن لا ينهي بحثه عند هذه النقطة بل يتجاوزها بالرجوع إلى مفهوم قرآني: الأمة الشاهدة. فيربط الواقع بالمثال وينظّر حركة الأمة المستقبلية في هذا الأفق. إضافة إلى ما سبق فإن الصدر لا ينطلق بحثه من الفراغ، بل يستمد أفكاره كلها من الواقع ومن التأريخ بشكل عام ومن تاريخ الأمة خاصة. هذا الإطار الفكري العام هو عبارة عن قيم ومفاهيم استخرجها الصدر إما بصورة مباشرة من القرآن الكريم، أو بصورة غير مباشرة من الأحكام الشرعية([716]). وعلى العموم هذه القيم والمفاهيم هي عبارة عن أدوات استكشافية، وليست نظرية جاهزة في مجال فلسفة التأريخ كما أشرنا فيما سبق.
ولكن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ لا يمكن أن تنظّر إلا عن طريق هذا الإطار القيمي والمفاهيمي العام ذي المصدر القرآني، وإلا أصبحت هذه الرؤية إلى التأريخ غير إسلامية كما هو الأمر بالنسبة للرؤية التأريخية لدى المحدثين في العالم الإسلامي، الذين حجزوا أفكارهم داخل الفلسفة الغربية جملةً وتفصيلاً، وفرضوا رؤى هذه الفلسفة على تاريخ الأمة الإسلامية. فهم مثلاً يقسمون تاريخ الأمة على غرار تاريخ الغرب إلى عصر وسطي يصفونه بالعصر الظلامي وإلى عصر الأنوار … إلخ، كما ينظرون إلى حركة تاريخ الشعوب الإسلامية انطلاقاً من صراع الطبقات وتطور وسائل الإنتاج، وما ينتج عنه من تطورات اجتماعية وسياسية وثقافية في نظرهم.
وقد وصل المحدثون إلى تقسيم تاريخ الأمة، انطلاقاً من هذه الرؤية، إلى مراحل كمرحلة العبودية والإقطاعية، وتوقعوا ظهور المرحلة الرأسمالية في العالم الإسلامي ثم مرحلة الاشتراكية، وأخيراً المرحلة الشيوعية كمنتهى لحركة الأمة عبر التأريخ.
يمكن القول، في هذا السياق، بأن ربط التأريخ بالتعالي([717]) ليس مسألة عقائدية فحسب، بل هو كذلك مسألة معرفية. إن الفكر المحدث في العالم الإسلامي يربط هو الآخر التأريخ بالتعالي، لكنه تعالٍ مزيف. نقصد بالتعالي هنا، وبالنسبة للاتجاه المحدث، الأفكار المسبقة التي يدرس هذا الاتجاه حركة الأمة انطلاقاً منها. هذا النوع من التعالي هو تعالٍ من صنع البشر أي أيديولوجياً يعرف المفكر عن طريقها وبصورة مسبقة حركة التأريخ ماضياً ومستقبلاً.
فهنا تطرح مشكلة على الصعيد الأبستمولوجي على اعتبار أن الفكر المحدث في العالم الإسلامي جعل تاريخ الأمة كموضوع في خدمة المنهج المعد سلفاً. في حين أن العكس هو الصحيح على الصعيد العلمي: فالمنهج هو الذي يخضع للموضوع ويتغير تبعاً لتغير المواضيع.
إن الأيديولوجيا من صنع الإنسان: وهي غالباً ما تقوم كعائق أمام البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية؛ لأنها تقدم أفكاراً مسبقة تؤثر في مسار البحث وفي ذاتية الباحث. أما العقيدة (الإسلامية) فهي ليست أيديولوجيا في مصدرها (لأن مصدرها إلهي). لكن الجانب الأيديولوجي حاضر في العقيدة لما تغيب التقوى لدى الإنسان في فهمه للعقيدة فينظر الإنسان إلى العقيدة، ذات المصدر الإلهي، من خلال ذاتيته وأهوائه وخارج إطار الاجتهاد الذي يسمح، نسبياً، بتدخل الذاتية كمعطى من معطيات الذات الإنسانية لا كأفكار مسبقة([718]).
إن المواقف الأيديولوجية تتجلى بصورة واضحة لدى المحدثين عندما يحاولون التوفيق بين الإسلام والاشتراكية، أو بين الإسلام والراسمالية انطلاقاً من الفكر الغربي ومتطلباته. فتنتهي مواقفهم إلى مواقف تلفيقية لا أساس لها لا من حيث ارتباطها بالإسلام، ولا من حيث ارتباطها بالواقع (واقع الشعوب الإسلامية). وهكذا تشكل الإيديولوجيا عائقاً إبستمولوجياً أمام المعرفة التأريخية. فالشرط الأساسي للمعرفة التأريخية هو إذاً إحداث قطعية أبستمولوجية مع الأيديولوجيا. وعلى العكس من هذا بالنسبة للعلاقة بين الدين الإسلامي والمعرفة التأريخية. فإن الالتحام بالعقيدة هو من الشروط الأساسية للوصول إلى المعرفة التأريخية.
2 ـ التعالي وأبعاده المعرفية:
لا يمكن صياغة رؤية عقلانية إلى التأريخ إلا باتخاذ موقع من التأريخ والنظر إليه ككل. هذه النظرة إلى التأريخ من أعلى هي التي تمكّن فيلسوف التأريخ من النظر إلى الحوادث في ترابطها، وتمكنه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل. ثم يستمر فيلسوف التأريخ في هذه العملية فيتجاوز حدود توقع المستقبل وينتهي إلى طرح مشكلة غاية التأريخ أو «نهاية التأريخ».
إن هذه الطريقة لصياغة فلسفة التأريخ وفي طرح مشكلة نهاية التأريخ وغايتة تعتمد على تعالٍ وهمي ومزيف ما دامت عملية التنظير تتمّ من منظور وضعي وفي التاريخانية([719]).
وفي كلتا الحالتين فإن الفكر المنظّر لا يملك مقومات التعالي على الحاضر، ليسمح لنفسه بالنظر إلى التأريخ نظرة كلية تمكّنه من تنظيره وتصور غايته.
هذا العائق الذي يقف أمام الفكر في مجال التنظير يعبر عن أزمة قاتلة للعقل تختلف عن أزمة العقل المنتجة للمعرفة.
استحالة التعالي
بدون «الله»
الأزمة المنتجة للمعرفة (أو الأزمة الإيجابية) هي التي تأتي نتيجة لمواقف نقدية تجاه فكرة معينة أو نظرية معينة، فتنسف ما كان ينظر إليه على أنه من البديهيات، فتصبح النظريات غير صالحة لتفسير المشاكل المطروحة (سواء في مجال المادة أو في مجال العلوم الإنسانية). فالأزمة هنا تطرح سؤالاً، وهو سؤال ملزم لكل معرفة جديدة. «إن كل معرفة علمية هي جواب عن سؤال، فإذا لم يكن هناك سؤال فلا وجود لمعرفة علمية» كما يقول غاستون باشلار (Gaston Bachelar). أما الأزمة بمعناها السلبي فهي أزمة الاصطدام بعائق العجز الناتج من التناقض: إذ كيف يتصور الفيلسوف التأريخ من أعلى (أي فوق التأريخ) ويتوقع حركته في المستقبل ويرسم معالم هذه الحركة أو مراحلها إذا كان يتجاهل، أو لا يعترف بقدرة العقل على التعالي؟ وحتى لو قال الفيلسوف بالتعالي، فإنه لا يكون تعالياً صحيحاً إلا إذا تم من موقع الإيمان بوجود الله؛ لأن التعالي الذي تطرحه كثير من الاتجاهات في الفكر الغربي هو تعالٍ من صنع الإنسان، هو تعالٍ مزيف مثله مثل الذي يريد أن يقفز فوق ظله ويسبقه.
وهكذا فإن الإشكال المطروح هو كالتالي: ما هي المقومات المعرفية، التي تسمح للفكر بتأمل التأريخ من أعلى أي من خارج التأريخ حيث يتمكن الفكر من التحليق فوق حركة التأريخ فيكتشف مصدرها ومعناها ونهايتها؟ لذلك يمكن القول: بأن الفكر غير المرتبط بالتعالي هو فكر مستغرق في الزمان (في الزمان الحاضر) فالفكر هنا لا يتجاوز حدود الحادثة التأريخية، وزمانيته تشكل محدوديته. لا يستطيع هذا الفكر إذاً أن يعي نفسه خارج التأريخ.
التعالي غير الانفصال
لكن القول بعلاقة الفكر بالتعالي في مجال تنظير فلسفة التأريخ لا يعني أن الفكر يتعالى على التأريخ بالمعنى الكلي لهذه الكلمة. أي أن التأريخ لا يؤثر في الفكر. فالفكر يحدد بتعاليه وبتاريخيته في نفس الوقت، فتعاليه لا ينفي تاريخيته، وتأريخيته، لا تنفي تعاليه.
إن فلسفة التأريخ من حيث هي نظرة شمولية إلى التأريخ في حاضره وماضيه ومستقبله تحتاج إلى التعالي، إلى مصدر متعالٍ يمكّن الإنسان من إعطاء معنى للتأريخ والنظر إليه نظرة كلية نسبياً. والنظرة العلمية إلى التأريخ لا تتناقض مع التعالي إذا فهم (التعالي) خارج النزعة الغيبية أي بمفهومه المبتذل.
وفي هذا السياق، فإن فلسفة التأريخ كما يطرحها الشهيد الصدر تختلف عن فلسفة التأريخ التي بدأت في الظهور بالغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والتي تشكلت ضد اللاهوت. ففلسفة التأريخ في الفكر الغربي تنفي نفياً قبلياً كل علاقة مع الدين.
إن تحليل الصدر للتاريخ تم من موقع فلسفي وصل إلى مستوى المذهب في ميدان المعرفة التأريخية. فالصدر قد حلل مشكلة السببية ومشكلة القانون ومشكلة معنى التأريخ ومشكلة التقدم. وكل هذه المفاهيم قد تم تحليلها في إطار نسقي يعبر عن مذهب الشهيد الصدر في ميدان فلسفة التأريخ. وهذا الميدان يتميز عن المذاهب الغربية بجانب جوهري: إن المذهب الفلسفي في التأريخ لدى الصدر ليس مجرّد انعكاس للظروف الاجتماعية والتأريخية فقط. فمرجعية الصدر (القرآن الكريم) تجعل أفكاره تتمتع بالتعالي أو على الأقل بروح المبادرة تجاه مؤثرات المرحلة التأريخية التي عاش فيها. أي المرحلة المعاصرة.
ثنائية الفكر الغربي
على الرغم من أن بعض اتجاهات فلسفة التأريخ في الغرب تربط نظرتها بالتعالي، على الرغم من ذلك، فإن الثنائية هي الطابع العام الذي تتصف به كل مدارس الفكر الغربي. إن رجوع الفكر الغربي إلى الروحانية في هذه العشريات أمر مشكوك فيه؛ لأن الروحانية التي ترتبط بها بعض مدارس فلسفة التأريخ، رؤيتها هي روحانية صورية ومن صنع الإنسان([720]). أما الروحانية التي يشكل الصدر رؤيته إلى التأريخ على أرضيتها فهي روحانية مصدرها الوحي (القرآن الكريم)، ولذلك فهي روحانية حقيقية وتعاليها على مؤثرات العوامل التأريخية هو تعالٍ حقيقي.
مصدر التعالي وأثره التحرري
إن التعالي بمنظوره الإسلامي يستمد معناه من التوحيد الذي سيظل مبدأً ثابتاً؛ لأنه أصل الوجود كله، وأصل كل نظرة مستقبلية تسعى إلى تحرير الإنسان من الآلهة الكاذبة([721])، خاصة ألوهية المفاهيم كالعقل في التأريخ عند هيجل أو المجتمع الشيوعي عند ماركس أو نهاية التأريخ عند فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama).
إن مبدأ العلاقة بين التعالي والتأريخ، في نظر الصدر، ليس مجرد مبدأ منهجي ومعرفي بل هو كذلك مبدأ تحرري. فعلاقة التعالي بالتاريخ تنتج عنها عملية تسريعية (لحركة التأريخ) تفجر الطاقات الكامنة في إنسان العالم الإسلامي وتعيد الفعالية للأمة الإسلامية لاستعادة مكانتها في العالم وفي التأريخ. إن قطع التأريخ عن التعالي يؤدي، في نظر الصدر، إلى واقعية تبريرية (الخضوع لثقل الواقع الفاسد) عكس الواقعية الجهادية، التي هي واقعية تحويل وتجاوز عوائق الأمر الواقع.
سنن الله
وهكذا يمكن القول: بأن علاقة التأريخ بالتعالي لا تشكل عائقاً أبستمولوجياً أمام التنظير الفلسفي للتاريخ. فالتعالي والقدر والإمداد الغيبي سنة من سنن الله. هذه المفاهيم القرآنية لا تتناقض مع العلاقة السببية التي تخضع لها الحوادث التأريخية. إن خضوع التأريخ لسنن الله يعني ربط عالم الشهادة بعالم الغيب، من جهة. وربط الحوادث التأريخية بعضها ببعض، من جهة أخرى([722]).
من هذا المنطلق ينفي الصدر لاهوتية الفكر الإسلامي (اللاهوتية على غرار الفكر المسيحي في العصور الوسطى). فالصدر يتبنى المنهج العلمي ويرى بأن هناك سنناً تسود الطبيعة والمجتمع والتأريخ. وهذه السنن تجسد إرادة الله. ومن هنا فالصدر يتجاوز العائق الابستمولوجي الذي يفصل بين التفكير اللاهوتي والتفكير العلمي. وقد تم هذا التجاوز بفضل مفهوم قرآني «سنن الله».
إن تجاوز هذا العائف يفتح الباب واسعاً للفكر الإسلامي؛ لتنظير رؤية فلسفية إلى التأريخ في أفق علاقة التاريخ بالتعالي: التدخل الإلهي في حركة التأريخ يتم عن طريق سنن الله في الكون. ويتم هذا التدخل كإمداد غيبي لما تتوفر الشروط الموضوعية للتغيير (النبوّة والإمامة) ([723]).
دور الإنسان
فالإنسان عامل أساسي في التغيير؛ لأنه مسؤول عن توفير شروط التغيير، ومعنى هذا أن السببية وموضوعية الحوادث التأريخية لا تحدث قطيعةً مع الجانب الغيبي على غرار الفكر اللاهوتي المسيحي في العصور الوسطى([724]). وتنتج عن هذه النظرة أن الإنسان يتحكم في مصيره، وأنه لا يخضع خضوعاً كلياً للحتمية الاجتماعية والتأريخية. فالإنسان يربط الحتمية بالأهداف التي يرسمها وبالقيم الأخلاقية والدينية.
هذا الموقف يختلف عن الفلسفة الوضعية، التي تمت صياغة فلسفة التأريخ في إطارها. حيث إن الفلسفة الوضعية ليست لها ركائز فكرية تسمح لها بالقول: بأن الإنسان لا يخضع لحتمية مطلقة؛ لأن هذه الفلسفة لا تعترف بالتعالي، بل ترى أن كل معرفة مرتبطة بالتعالي هي معرفة غير علمية قد تجاوزتها حركة التأريخ.
إن نفي التعالي في المجال المعرفي وفي المجال العملي يؤدي إلى حتمية مطلقة وقاهرة للإنسان. وعلى عكس الفكر الوضعي فإن فلسفة التأريخ من المنظور الإسلامي تفتح أمام الإنسان آفاقاً لا حدود لها لتغيير أوضاعه.
إن منطق فصل التأريخ عن التعالي يكشف عن زيف الأرضية المعرفية، التي ينطلق منها الفكر الوضعي. إن إلغاء إرادة الله من التأريخ يؤدي إلى تناقض، حيث يصبح التأريخ هو الذي يتمتع بصفة مباشرة أو غير مباشرة بصفات الألوهية. ومعنى هذا أن فصل التأريخ عن التعالي له نتائج سلبية على الصعيد المعرفي (تحويل النسبي إلى مطلق) وعلى الصعيد الاجتماعي (تأليه البشر للبشر) ([725]).
الفلسفة الوضعية جزء
من التأريخ لا فوقه
إن النظرة إلى حركة التأريخ من الزاوية الوضعية أمر مشكوك فيه من الناحية المنهجية إذاً فموقف فيلسوف التأريخ في المجال المعرفي ليس موقفاً متعالياً على حركة التأريخ، بل موقفه تاريخي ومستغرق في التأريخ. ومعنى هذا أن فلسفة التأريخ هنا هي مجرد ظاهرة تاريخية([726]).
إن النسق العقلي أي المعرفة التأريخية كنسق فكري، لكي يتمتع بالمشروعية في الميدان العلمي يجب أن يكون متعالياً على التأريخ أي غير مستغرق في التاريخ إلى درجة أن يصبح مجرد ردّ فعل على ظروف المرحلة التأريخية، التي يعيش فيها فيلسوف التأريخ. وهذا التعالي مستحيل إذا تمّ الاعتماد على النظرية الوضعية وحدها.
سلبية الإنسان في
التفسير الوضعي
إن التفسير الوضعي للتأريخ يتضمن اللجوء الكلّي إلى الضرورة وإلى القوانين وإلى التطور الخطي والحلزوني لحركة التأريخ. هذه المفاهيم السابقة تصبح وحدها مبادئ وأدوات لتفسير التأريخ، فتحول هذا الأخير إلى منطق خارج الزمان ويصبح التأريخ ـ نتيجة لذلك ـ خاضعاً إلى حتمية مطلقة وقاهرة تنتهي إلى اعتبار الإنسان مجرد عنصر قانوني من عناصر التأريخ، واعتبار المجتمعات البشرية مواضيع للدراسة كسائر المواضيع والأشياء الأخرى، التي تدرسها العلوم الطبيعية. فليس الإنسان إذاً هو الذي يعيش التأريخ، بل التأريخ هو الذي يشمل الإنسان في كلّ جوانبه إلى درجة أن الزمان هو الذي يعيش الإنسان.
وإيجابيته في
التفسير الإسلامي
هذا الموقف مع التفسير الذي قدمه الإمام الصدر للآية الكريمة: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾([727]) حيث إن هذه الآية تتضمن التأريخ والزمان كما يعيشهما الإنسان. فتحديد الصدر لحركة التأريخ يختلف اختلافاً جذرياً عن التحديد الوضعي. فالصدر يحدد التأريخ كدراسة لنشاط الإنسان عبر الزمان، كنشاط يجسد خلافة الإنسان لله في الأرض أي: تأثير الإنسان في الطبيعة وفي المجتمع. هذا التحديد يجعل الإنسان هو الفاعل الأساسي في التأريخ لا الوقائع التأريخية؛ لأن هذه الأخيرة لا تستمد معناها إلا من الإنسان.
إن الصدر لا ينفي، بموقفه هذا، قوانين التأريخ، بل هو يؤكد على عقلانية التاريخ. وهي عقلانية تستمد مصدرها من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية المؤثرة في سير الحوادث وترابط بعضها ببعض. غير أن هذه العوامل ليست من قبيل الحتمية المطلقة؛ لأن الإنسان يؤثر فيها ويؤثر في قوانين التأريخ، وهو لا يخضع لقوانين التأريخ خضوعاً سلبياً؛ لأنه يتجاوز ـ عن طريق وعيه ـ العوامل المؤثرة في التأريخ. وبدون هذا التجاوز لا يمكن أن يكون هناك تاريخ.
فالإنسان هو الذي يصنع التأريخ (من التأريخ) في نظر الصدر، وليس التأريخ هو الذي يصنع الإنسان كما ترى المدرسة الوضعية.
مع العلم بأن هذا لا يعني بأن الصدر يحلل حركة التأريخ من موقع مجرد ومثالي. فإذا كان التأريخ لا يصنع الإنسان، فإن الإنسان لا يتطور ولا يجسد خلافته لله، وإن الأمة لا تحقق خلافتها وشهادتها إلا في التأريخ وبفضل التأريخ.
عقلانية التأريخ
إن عقلانية التاريخ فكرة واضحة في رؤية الصدر. فالمجتمعات الإنسانية ليست مستقلة أو منفصلة عن التأريخ. إنها تعيش في الطبيعة وفي المجتمع وترتبط بشروط مادية ومعنوية. وهذا الارتباط يشكل عقلانية التأريخ. غير أن هذا العوامل ليست تأثيراتها مطلقة كما يرى أصحاب النظرة التاريخانية. بل هي شروط لحركة التأريخ. إنها شروط ضرورية ولكنها غير كافية.
سنن التأريخ
إن القول بوجود قوانين يسير بمقتضاها التأريخ لا يتناقض، في نظر الصدر، مع حرية الإنسان ومسؤوليته. إذ لا يمكن للإنسان أن يساهم في حركة التأريخ ما لم يخضع التأريخ إلى نظام أو سنن. فالحرية لا تعني الفوضى والعبث. وتدخل الإنسان في حركة التأريخ هو سنة من السنن الإلهية في الكون.
لقد تناول الصدر مشكلة التأريخ وخضوعه إلى قوانين، وذلك من خلال تحليله لمفهوم السنة (سنة الله في الكون). إن الصدر لم يتناول هذا المفهوم بصورة عابرة بل تناوله بعمق، وانتقد، نتيجة لذلك، التفكير اللاهوتي، وحاول أن يبين أن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ هي رؤية علمية وليست لاهوتية، وأن ربط التأريخ بالغيب هو تفسير علمي وليس تفسيراً لاهوتياً شريطة أن لا يكون هذا الربط مباشراً([728]). يرى الصدر أن هناك انتظاماً سننياً للوجود بجانبيه الكوني والإنساني. وهذا ما يعبر عنه بالخلق التكويني والخلق التشريعي. هناك توافق وانسجام وتلازم بين الخلقين. فالله تعالى الذي خلق الكون هو الذي شرع للإنسانية.
لقد رسم الصدر الإطار العام للرؤية الفلسفية الإسلامية إلى التأريخ من هذا المبدأ: إن الرؤية التاريخية لا يمكن أن تتشكل كلية داخل التأريخ؛ لأنها سوف تبقى مجرد ظاهرة تاريخية هي الأخرى. لكن ربط الرؤية التأريخية بمصدر خارج عن التأريخ (التأريخ والتعالي) لا يعني نفي العقلانية والسببية في سير الأحداث ونفي قوانين التأريخ. فربط التأريخ بالتعالي ـ كما أشرنا فيما سبق ـ يدعم عقلانية سير الحوادث.
فالسنن التأريخية هي من هذا المنظور، جانب من جوانب علاقة التأريخ بالتعالي. ومعنى هذا أن حركة الأمة، وهي حركة تتم في إطار الخلافة والتسخير، لا يمكن أن تتحقق إلا بمعرفة السنن المحركة للتاريخ. فالنظرة إلى التأريخ التي لا تعتمد على ربط الحوادث ربطاً سببياً أي سننياً، هي نظرة لا تاريخية وغير علمية. لذلك يرى الصدر أن ربط التاريخ بالغيب لا ينفي تدخل العقل في تفسير الظواهر التأريخية، بل على العكس يدعمه ويدفعه إلى البحث عن الحقيقة.
لم يحجز الصدر تحليله للتاريخ في الإطار الضيق للحوادث أو للأفراد «أبطال» التأريخ، بل تجاوز التأريخ السردي ووصل إلى التأريخ المعتمد على أدوات علم الاجتماع([729]). أي البحث عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية التي تؤثر في حركة التأريخ. فالصدر لم ينظر إلى الإنسان كحالة ثابتة. فالفطرة أو الطبيعة البشرية لا تعيش خارج التأريخ بل في التاريخ. فالفطكرة في صيرورة مستمرة. ففلسفة التأريخ عند الصدر عبارة عن الفطرة في حركتها نحو تحقيق الخلافة.
نقد فلسفة التأريخ الغربية
لقد كان الصدر واعياً بعمق بأن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وما تتضمنه من مشروع حضاري بديل لا يمكن أن تتمّ صياغتها إلا عن طريق نقد فلسفات التأريخ الغربية. وقد تم هذا النقد بالفعل، وهو نقد له نوعيته؛ لأنه تمّ خارجط النموذج المعرفي الغربي، وبصورة متحررة من ثقل الواقع الذي تعيشه الأمة (واقع التبعية والتخلف وسيادة العقلانية الغربية).
فالفكر الغربي، في نظر الصدر، له هوية واحدة وأساس واحد وكذلك (المحدثون) في العالم الإسلامي. إنه فكر منقطع عن الله. لقد تجلت هذه الظاهرة بصورة واضحة منذ الثمانينات (أي بعد استشهاد الصدر). فعلى الرغم من تعدد المدارس والاتجاهات في الفكر الغربي والفكر المحدث والمتغرب في العالم الإسلامي، لم يعد هناك أي تمايز بين الاتجاهات والمذاهب أمام صعود الحركة الإسلامية.
الحرية
إن الفكر الغربي لا يعترف بحقّ الاختلاف ولا يعترف، بالتالي، بحق ممارسة الحرية النابعة من ثقافة الشعوب الإسلامية ودينها. إن هذه الخلفية التي ينطلق منها الفكر الغربي هي التي تشكل غشاوة أو عائقاً ابستمولوجياً يقف بين هذا الفكر وبين الحقيقة التأريخية.
ويتجلى، في هذا السياق، أن البديل الإسلامي الذي يطرحه الصدر في المجالات الاجتماعية والسياسية وفي الرؤى الإسلامية إلى التأريخ هو الشرط الأساسي والضروري لتحقيق الحرية؛ لأنه بديل يفجر طاقات إنسان العالم الإسلامي ويعبِّئُها لتحقيق المشروع الحضاري.
موقف علمي
على الصعيد الأبستمولوجي، الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر أقرب إلى الموقف العلمي من الرؤية الغربية. نلاحظ لدى الصدر انفتاحاً على الثقافات والابتعاد عن ردود الفعل الانفعالية وعن الرفض المطلق واللامشروط للفكر الغربي من خلال المفاهيم العلمية والمنهج العلمي. أما الفكر الغربي فلم يتحرر من الخلفية المعرفية والأخلاقية لأطروحات الفكر الوضعي الذي يطرح نظرياته على أنها نظريات علمية لا يمكن رفضها لأنها كونية. الأمر الذي أخرج مقاربة الفكر الغربي لفلسفة التأريخ من مسارها العلمي حيث أصبح هذا الفكر يقدس المفاهيم، كمفهوم الديمقراطية الليبرالية مثلاً، ومفهوم فصل الدين عن الدولة. والعامل الرئيسي الذي شكل مواقف الفكر الغربي هذه يتمثل في التاريخانية كمرجعية وحيدة لهذا الفكر.
إن الفكر الإسلامي لا يمكن أن يطرح مفهوم التاريخانية إلا من موقع نقدي رافض. غير أن رفض الفكر الإسلامي للتاريخانية كما يتجلى عند الصدر لا يعني أنه فكر إطلاقي يرفض تأثير العوامل التأريخية كما يزعم المحدثون. فالصدر يميز بين التاريخانية التي ترجع كل شيء إلى التأريخ كمرجعية مطلقة إلى درجة أن التأريخ يكفي نفسه بنفسه، وبين التأريخية التي ترجع حركة التأريخ إلى عوامل اقتصادية وسياسية من موقع نسبي لا ينفي البعد الغيبي. فإذا كانت التاريخانية تنفي التعالي، فإن التأريخية مثلها مثل الدراسة السوسيولوجية (عكس النزعة الاجتماعية) فإنها لا تنفي التعالي مبدئياً.
الآصرة بين المعرفة والميدان الاجتماعي
إذا انتقلنا من الميدان الأبستمولوجي إلى الميدان الاجتماعي نرى بأن هناك علاقة بين هذين الميدانين.
وهي علاقة لم يستوعبها لا فلاسفة التأريخ الغربيون ولا المحدثون في العالم الإسلامي؛ لأنهم يعتبرون أن التاريخانية([730]) هي منطق للخروج من الأزمات أي منطق للتحرر من التخلف (منطق للتقدم). إن الصدر قد قام، في هذا السياق، بتحليل أبستمولوجي لمفهوم التاريخانية، واستنتج بأن هذا المفهوم لا يمكن أن يكون منهجاً للتقدم؛ لأنه من إنتاج الواقع أي هو مجرد انعكاس وإنتاج للتأريخ، لذلك فالنظرية التي تنطلق من التاريخانية ليست لها رؤية مستقبلية، ومعنى هذا في نظر الصدر أن التأريخ لا يتحرك بعوامله الذاتية فحسب بل لا بد له من عامل خارجي متعالٍ عليه.
إن الرؤية المعرفية الإسلامية التي صاغها الشهيد الصدر لا تحدث قطيعة بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وخلفياتها الفلسفية (فلسفة التأريخ). هذه النظرة الشمولية المتمثلة في تداخل أنواع المعرفة من اقتصاد وسياسة وفلسفة التأريخ تستمد حقيقتها من نظرة كلية أكبر وأشمل منها بحكم تحرّر نظرية المعرفة من محدودية العلاقة بين العقل والتجربة. أي تحررها من الأحادية: العقل كمصدر للمعرفة (المذهب العقلي)، أو التجربة كمصدر وحيد للمعرفة (النزعة التجريبية) كما تحررها من الثنائية (ثنائية العلاقة بين الذات والموضوع أو بين العقل والتجربة كمصدرين للمعرفة). إن هذه النظرية الشمولية والكونية تستمدها نظرية المعرفة من انفتاح كل من العقل والتجربة على الغيب أي على الوحي.
لقد اعتمد الصدر على هذه النظرية للمعرفة في كل كتاباته؛ لذلك تعتبر فلسفة التأريخ خلفية فكرية لكل دراساته، حتى في مجال العبادات حيث يرى أن حركة التأريخ تتجه نحو المثل الأعلى (الله) وأن هذه الحركة تكون أقوى كلما ارتبط الإنسان بالمثل الأعلى ارتباطاً تعبدياً([731]).
ربط العقل النسبي بالدين المطلق
لقد تجاوز الصدر الإشكالية العقيمة التي تأسست عليها الفلسفة الإسلامية القديمة، وهي إشكالية العلاقة بين العقل والوحي أو الفلسفة والدين. وهي علاقة تمت على حساب متطلبات الدين وقدسيته. فالطرح كان طرحاً مزيفاً منذ البداية حيث جعل كثير من الفلاسفة المسلمين العقل في مستوى الدين إن لم يكن أعلى درجة منه. في حين أن المذهب الاجتماعي عند الصدر والرؤية الفلسفية إلى التأريخ، كل هذه الجوانب ارتكزت على نظرية للمعرفة ربطت العقل النسبي بالدين المطلق، فحررت الرؤية الفلسفية إلى التأريخ من سلبيات التأريخانية ومن سلبيات النسبية المتشتتة حيث إن تنظير الرؤية الاجتماعية والتأريخية قد تم في أفق نسبية بناءة؛ لأنها تعتمد على المطلق من منظور تعبدي يجعلها معرفة نسبية، ولكنها مفتوحة وقابلة للتطور أكثر فأكثر.
استنباط المنهج من التفسير الموضوعي
انتقد الصدر ـ من هذا الموقع الشمولي ـ الطريقة اللاتاريخية في التفسير (تفسير القرآن الكريم). أي الطريقة السكونية الناتجة عن التفسير التجزيئي. فالصدر حاول استخراج قوانين التأريخ، ولم يحجز الفكر الإسلامي داخل الحدود الضيقة للحدث التاريخي الملازم للتاريخ التمجيدي؛ لذلك اعتمد الصدر في التفسير على منهج حركي تتم فيه قراءة النص المقدس من خلال الواقع الموضوعي للوصول إلى «ما وراء الآيات» القرآنية والأحكام الشرعية من مفاهيم يتم بواسطتها التنظير الاجتماعي والسياسي وتنظير الرؤية الفلسفية إلى التأريخ، وما تتضمنه هذه الرؤية من السنن والقوانين التأريخية. «ومن هذه السنن قانون الهامش التاريخي والاستثناء التاريخي الذي يؤكد القانون التاريخي العام في نجاح وفشل الحضارات المؤمنة والمنحرفة، إلى آخر ذلك من قوانين تاريخية صارمة»([732]).
تطبيقات المنهج
لقد طبق الصدر منهجيته في دراسة التأريخ (نظرية) المعرفة: الذات والموضوع (اي العقل والتجربة والوحي) عندما درس دور أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. درس الصدر أدوار أهل البيت من خلال التأريخية (لا من خلال التأريخ السردي) أي في الإطار الموضوعي للعوامل الاجتماعية والتأريخية، ومن خلال علاقة التأريخ بالغيب أو التعالي. فإذا كانت أدوار أهل البيت عليهم السلام متعددة فإن الهدف كان واحداً: الرجوع إلى الخط الرسالي لعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتجاوز الانحراف([733]).
وهكذا فربطُ التأريخ بالتعالي في إطار نظرية المعرفة، التي تربط العقل بالتجربة وبالوحي ينتج وعياً رسالياً للتأريخ يقوم على تجاوز الأمر الواقع والتطلع إلى المثل الأعلى، الذي يثبت حركة التأريخ في خط النهضة الحضارية الشاملة.
إن صياغة الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر تتم من خلال متطلبات المرحلة التأريخية، ولكنها تتجاوزها في نفس الوقت، حيث إن الإسلام ينير طريق البحث عن طريق القيم والمفاهيم كأدوات استكشافية. وهذه هي نقطة الاختلاف الجذرية بين الصدر وفلاسفة التأريخ الغربيين الذين لا تتجاوز نظرياتهم معطيات المرحلة التأريخية. أما منهج الصدر فيتجاوز هذه المعطيات نحو نظرة مستقبلية تنير مسيرة الأمة نحو المثل الأعلى؛ وذلك من خلال ربط التأريخ بالتعالي([734]).
الفكر الإسلامي معصوم نسبياً ومرتبط بالغيب
إن علاقة التأريخ بالتعالي تعصم الفكر الإسلامي ـ من الناحية المعرفية ـ من الوقوع في الأخطاء الكبيرة على أقل تقدير. فالفكر الإسلامي فكر معصوم نسبياً. وهذا ما يبينه لنا الواقع والتأريخ؛: فكل المفكرين المسلمين السائرين في خط السيد جمال الدين الحسيني (الأفغاني) كالصدر والإمام الخميني وغيرهم لم يتراجعوا عن أسس الفكر الإسلامي ومعالمه الرئيسية في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. فهم قد انتقدوا كلاً من الاشتراكية والرأسمالية من موقع ثوابت الفكر الإسلامي ومعالم مسار الأمة المستقبلي([735]).
وعلى الصعيد الفردي يبين لنا التأريخ بأن الأئمة عليهم السلام كانوا قد ربطوا في ممارساتهم ومواقفهم التأريخ بالغيب إلى أقصى درجة، لذلك لم يرضخوا للأمر الواقع المتمثل في الخط المنحرف، بل قاوموا خط الانحراف إلى أقصى حدّ من المقاومة والجهاد والرفض الجذري. وقد كان هذا الخط الرسالي متناقضاً مع الخط المنحرف الذي ظهرت معالمه الأولى ابتداءً من حادثة السقيفة.
وهو ذلك الخط المرتبط «بالتاريخ» أي لم يتحرر بعد من ثقل الواقع السلبي، الذي كانت تمثله النزعة القبلية. في حين أن الإمام علياً عليه السلام كان يمثل النظرة المستقبلية المتجاوزة للقبلية والمنفتحة على كونية الأمة الإسلامية([736]).
وهكذا فإن الصدر لم ينظر إلى التأريخ كمجرد سرد لحوادث، بل نظر إليه من زاوية دلالة تعاقب الحوادث، ومن زاوية العوامل التي تعتمد عليها حركة التأريخ.
فالصدر يؤكد على علمية الظاهرة التأريخية والظاهرة الاجتماعية، فالتقدم يتحقق بناءً على عوامل وأسباب، فالحوادث التأريخية لا تتخبط بصورة عشوائية، ومن هنا اعتمد الصدر في تحليله لتاريخ الأمة وللتاريخ بصورة عامة على التفسير السوسيولوجي والتاريخي. أي اعتمد على علم الاجتماع وعلى التأريخ (تسلسل الحوادث) لتفسير التأريخ. أو بعبارة أخرى اعتمد، لتفسير التأريخ، على ترابط الظواهر الاجتماعية من زاوية سكونية (في الحاضر أو في مرحلة تأريخية معينة). ومن زاوية حركية (الظواهر الاجتماعية عبر التأريخ)؛ لذلك استخدم الصدر مفاهيم مثل إنسان العالم الإسلامي، عوامل التغيير، الوعي التاريخي، المجتمع والدولة والأمة، البناء التحتي للتغيير، العلاقة بين الفرد والمجتمع … إلخ.
خطأ هيجل
عندما نقارن بين الصدر وهيجل نرى هذا الأخير يتسرع في الاستنتاج، ويتسرع في التعميم وفي صياغة مذهبه الفلسفي. فهيجل، من هذا المنظور يحلّ المشاكل بكلّ بساطة وبكلّ سهولة: فالعقل الكوني يسيّر العالم وكلّ واقعي معقول وكل معقول واقعي، ونابليون هو الروح على جواد … إلخ. فهيجل يبني رؤيته الفلسفية إلى التأريخ على أسس لم يختبر صحتها.
إن هيجل عندما جعل التأريخ هو المرجعية التي تكفي نفسها بنفسها كان أمام خيارين:
• الخيار الأول: إما أن يترك التأريخ مفتوحاً وعدم اعتباره كمرجعية مطلقة؛ لأن النظر إلى أن التأريخ مفتوح يعني أن فيلسوف التأريخ لا يعرف من التأريخ إلا جزءاً صغيراً لا يسمح له بإعطاء معنى لحركة التأريخ ككل، ويتوقع معالم هذه الحركة.
• والخيار الثاني: هو أن يختم هيجل التأريخ بظهور نابليون، الأمر الذي يجعله يقول بنهاية مصطنعة للتاريخ.
إن هيجل لم يتردد تجاه مشكلة الاختيار هذه، فلجأ إلى ختم التأريخ بدلاً من فتحه للمجهول ولحركة لا نهاية له.
إن القول بنهاية التأريخ بهذه الطريقة جعل هيجل يقدّس الحادثة التأريخية ويستسلم لها. وهذا ما أدى إلى استحالة أية نظرة معيارية إلى التأريخ؛ لأن التأريخ هو المعيار الوحيد ولا معيار غيره. إن المعيار (القيمة) لا يتحكم في مسار الحوادث، بل مسار التأريخ هو القيمة العليا. فليس المؤرخ هو الذي يحكم على التأريخ ويقيّمه، بل التأريخ هو الذي يحكم على المؤرخ (باستثناء هيجل في نظر هيجل)!.
لقد سارت كل من الماركسية وبعض الاتجاهات الوجودية في طريق هذا المذهب، الذي يرتكز على نزعة تاريخية (التاريخانية) لا أخلاقية لم تميز بين القيمة وحركة التأريخ. إن هذا الموقف يعتبر من أخطر المواقف في حياة الإنسان وحركة الشعوب لأنه ينتهي مباشرة (هيجل)، أو غير مباشرة (الفلاسفة الآخرون) إلى تبرير الواقع مهما كان فاسداً، وإلى غلق كل إمكانية للتطور أمام الشعوب المتخلفة.
أما في الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر، فالمعيار يوجد خارج التأريخ؛ لأنه ذو مصدر متعالٍ يؤثر في التأريخ ولا يتأثر به.
إن التاريخانية كما تتجلى عند هيجل تحلل كل حوادث التأريخ ـ حتى الجرائم والحروب ـ وتعتبرها حوادث معقولة؛ لأنها واقعية يمكن البرهنة عليها عن طريق المنهج الجدلي. إن حكم القيمة ـ في هذا السياق ـ في ميدان التأريخ أمر مستحيل؛ لأنه لا يمكن وضع القيمة مقابل الواقع فما هو كائن هو واقع وهو القيمة: هو المعقول وهو القيمة([737]).
ويمكن أن نتساءل باسم أي مبدأ علمي بني هيجل ـ بصورة قبلية ـ العالم والتأريخ حسب قوانين ضرورية ومعروفة مسبقاً؟ إن رؤية هيجل إلى التاريخ لا تخضع لمبررات معرفية. فهذه الفلسفة لا تتمتع بمشروعية.
تياران في الفكر الديني المستقبلي
المشكل الرئيسي الذي يطرح على كل فكر يتركز على مرجعية دينية هو كالتالي: هل هذا الفكر مستقبلي؟
عندما يطرح هذا السؤال بالنسبة للفكر الإسلامي نلاحظ، على العموم وجود تيارين:
تيار يرجع إلى الماضي وإلى أصول الإسلام بصورة غير واعية.
وتيار آخر يستوعب متطلبات الحاضر وثوابت الإسلام من موقع وعي لحركة التأريخ.
فالتيار الأول ليست له نظرة مستقبلية. فهذه الأخيرة توجد في التيار الثاني. غير أن وجود النظرة المستقبلية في هذا التيار ما زال إلى أيامنا هذه ولدى كثير من المفكرين لم يصل بعد إلى مستوى الطرح الفلسفي. وقد تميز الصدر في دراسته لعلاقة الإسلام بالتاريخ برفع الفكر الإسلامي إلى مستوى الرؤية الفلسفية في هذا الميدان.
لقد كان الصدر واعياً بأن المسألة مسألة منهجية في الأساس، فالصدر لم يردّد مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان كسائر المفكرين المسلمين من موقع تمجيدي، بل ربط هذه المقولة بمنهجية يتم التعامل عن طريقها مع الإسلام ومع التأريخ. وهذا ما دفعه إلى تحليل ظروف العصر الحاضر، وتحديد مشكلاته من خلال متطلبات الإسلام وتوقعات المستقبل.
إن اعتماد الصدر على هذه المنهجية جعله يفصل بين ما هو إلهي ثابت ومطلق وبين ما هو نسبي ومرحلي كالتطبيقات التي ظهرت بعد (عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). انطلاقاً من هذه النقطة فتح الصدر مجالاً آخر يتمثل في تحليل مشاكل العصر بأدوات اجتماعية تمت صياغتها من القرآن الكريم، وربط هذا التحليل بمشروع مستقبلي يسعى إلى طرح نفسه كبديل لكل المشاريع ذات المصدر الوضعي.
لقد تمكن الصدر من صياغة منهجية لتنظير مذهب اجتماعي وسياسي مؤسس على رؤية فلسفية إلى التأريخ.
الرجوع إلى الأصل
إن مبدأ الرجوع إلى الأصل الذي لا يكون الفكر الإسلامي فكراً إسلامياً إلا به والذي لا يمكن تصور معنى للتاريخ خارجه: هذا المبدأ واجب شرعي وعامل سوسيولوجي بفضله يصبح الفكر إسلامياً. إن هذا المبدأ له قيمة معرفية إضافة إلى قيمته الشرعية والأخلاقية والحضارية. إن الرجوع إلى الأصل يعني في الرؤية الإسلامية تجاوز القطعيات للوصول إلى الاستمرارية التأريخية والحضارية، التي ينظر إليها الإسلام على أنها واجب شرعي؛ لأن الرجوع إلى الأصل يعني الرجوع إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة. إن الرجوع إلى الأصل([738]) هو المعيار الذي يسعى المسلمون عن طريقه إلى تحديد موقعهم من الماضي (عصر الوحي) ومن المستقبل (تصورهم للمستقبل).
ويمكن القول في هذا السياق: إن منهجية العلوم الإنسانية الغربية قاصرة عن إدراك كل أبعاد هذه الأفكار السابقة. إن الرجوع إلى الأصل في نظر هذه المنهجية هو مجرد نزعة ماضوية وهروب من الحاضر. في حين أن هذا المبدأ يعبر في الفكر الإسلامي عن مثالية، مثالية تنوعية. فالرجوع إلى الأصل لا يؤدي إلى مثالية من أنواع مثاليات الفكر الغربي، التي هي بمثابة إسقاط فكري على مستقبل مجهول.
أما المثالية في الفكر الإسلامي فهي مثالية تجسدت في الواقع وفي التأريخ: دولة المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كنموذج لكل الأجيال اللاحقة، لكنه نموذج يختلف عن النسق المغلق الذي تتميز به فلسفات التأريخ في الفكر الغربي. فمنهجية تطبيق النموذج عبر التأريخ تعتمد على عناصر ثابتة وأخرى متحركة ومتغيرة لاستيعاب المستجدات أي استيعاب حركة التأريخ. هذا المنهج يطلق عليه الإمام الصدر اسم منطقة الفراغ.
3 ـ منطقة الفراغ
منطقة الفراغ إطار معرفي لحلّ مشكلة التنظير في فلسفة التأريخ. إن أكبر مشكلة تطرح على الفلسفة الوضعية هي مشكلة العلاقة بين الثابت والمتغير. في حين أن هذه المشكلة تجد حلّها في نظرية المعرفة التي صاغها الصدر. فنظرية المعرفة ليست عند الصدر نسقاً مغلقاً تتجاوزه حركة التأريخ. إن الاسلام كما يرى الصدر قد وضع إطاراً نظرياً يستوعبها (منطقة الفراغ) ([739]).
الوضعية في القفص
فالفلسفة الوضعية ـ وخاصة التأريخانتية كما تتجلى عند هيجل ـ تصطدم بالعوائق التالية في تنظيرها لفلسفة التأريخ:
1 ـ الجدلية تقضي على نفسها بنفسها. إذ باسم أي مبدأ تتعالى نظرية هيجل أو ماركس أو غيرها على الجدلية. أي لا تصبح خاضعة هي الأخرى للمنهج الجدلي حيث إن كل أطروحة تستدعي نقيضها؟
2 ـ كيف تمكّن الفيلسوف من صياغة نظريته في التأريخ؟ ما هو موقعه في التأريخ ومن التأريخ؟ أليس الفيلسوف ـ بدوره ـ ظاهرة تاريخية؟
المرونة في منهج الصدر
إن منطقة الفراغ كمنهج لا تصطدم بهذه العوائق؛ لأنها تتضمن جانباً متعالياً من حيث إنها تستمد مرجعيتها من القرآن الكريم والسنة الشريفة. كما تتضمن جانباً محايثاً للتاريخ ومتحركاً يعطيها مرونة تستوعب عن طريقها المستجدات.
إن ارتباط منطقة الفراغ بالتاريخ من خلال علاقة الثابت بالمتحرك أو المتعالي بالتأريخ، يجعل منطقة الفراغ منهجاً لاستيعاب الواقع في حركته ولاستيعاب عطاءات الثقافات. كما أن هذا الارتباط يبعد الفكر الإسلامي عن التكيف السلبي مع حركة التأريخ ومتطلبات الثقافة، كما فعلت الفلسفة الإسلامية في القديم حيث أخضعت الشريعة الإلهية لمتطلبات الفلسفة اليونانية.
إذاً الجوانب الثابتة في منطقة الفراغ ـ بفضل علاقتها الشرعية بالجوانب المتغيرة ـ هي التي تجعل الفكر الإسلامي يستوعب حركة التأريخ ويوجهها ويتوقع مسارها المستقبلي.
إن منطقة الفراغ ليست نوعاً من أنواع الأفكار المسبقة، التي تؤدي إلى مواقف ذاتية في دراسة التأريخ. فالمنهج العلمي الذي يسعى فلاسفة التأريخ الغربيون إلى تطبيقه في نظريتهم لا ينفي المواقف القبلية. المنهج التاريخي الذي يعتمد عليه فلاسفة التاريخ في الغرب ينطلق دائماً من فرضية أو فرضيات تتم من خلالها دراسة الماضي، ثم إسقاط هذه الدراسة، أو تعميم نتائجها على المستقبل. أما الصدر فإنه يستخدم نفس المنهج لكن بالاعتماد على منطقة الفراغ التي من خلالها يسقط الماضي ـ عن وعي نقدي ـ على المستقبل انطلاقاً من كونية الإسلام ومن مرونة عناصر منطقة الفراغ. والماضي هنا له معنى خاص: عصر الوحي ومعنى عام: ماضي الأمة وماضي البشرية على العموم.
غير أن موقف فلاسفة التأريخ في الغرب ليس مضموناً من الناحية العلمية. فدراسة الماضي من أجل معرفة المستقبل لا تنتهي بالضرورة إلى نتائج إيجابية. حيث لا يمكن تصور ما سيكون انطلاقاً مما كان. أما بالنسبة لفلسفة التأريخ التي نظّرت في إطار منطقة الفراغ فإن الأمر مختلف لأن:
1 ـ منطقة الفراغ تستمد إطارها العام وبنيتها التي لا تتغير من الإسلام. وهذا ما يجعلها تختلف عن الفرضيات والمناهج وعن الأفكار المسبقة التي تتميز بها فلسفات التأريخ في الغرب.
2 ـ منطقة الفراغ تحتوي على عناصر ثابتة وأخرى متحركة تسمح لها بعدم السقوط في فخ الذاتية والتمسك بالمواقف المسبقة، كما هو الحال بالنسبة للفرضيات التي تعتمد عليها فلسفات التأريخ في الغرب.
وقد برهن الواقع، خاصة في هذه العشريات الأخيرة على زيف فلسفات التأريخ، التي انطلقت من أنساق فكرية مغلقة ونهائية. وليس الأمر كذلك بالنسبة لمنطقة الفراغ التي تمتلك العناصر والمؤهلات للانفتاح على تجربة حركة التأريخ. فمنطقة الفراغ هي من هذا المنظور، منهجية فلسفة التأريخ في الرؤية الإسلامية وإطارها الإبستمولوجي. أي الإطار الذي ينتج ضمنه الفكر الإسلامي مفاهيمه حول التأريخ.
وهكذا فمنطقة الفراغ تستمد مشروعيتها على الصعيد الابستمولوجي من تجذرها في التأريخ ومن تعاليها على التأريخ في نفس الوقت. نقصد من تجذرها في التأريخ أنها تحتوي على عناصر متحركة تجعلها تتأثر بحركة التأريخ. لكن هذا التأثير ليس من نوع التأثير الناتج عن التاريخانية، بل هو تأثير موجه من طرف العناصر الثابتة الموجودة في منطقة الفراغ.
الانساق المغلقة و«منطقة الفراغ» المفتوحة
هناك فرق ـ في هذا السياق ـ بين منطقة الفراغ والنسق (Systeme) الذي تخضع له فلسفات التأريخ في الغرب. منطقة الفراغ تتشكل باستمرار في إطار ثوابتها. وهذا هو سرّ قوتها. فمنطقة الفراغ ليست تامة. وهذا ليس نقصاً بل هو قوة؛ لأن منطقة الفراغ تختلف عن النسق الذي يطرح نفسه، منذ البداية، كنسق تام أو كامل ونتيجة لذلك كنسق مغلق. أما منطقة الفراغ فهي مفتوحة للمستجدات أي لحركة التأريخ.
لكن انفتاحها على حركة التأريخ لا يعني أنها تتشكل حسب العوامل التأريخية، إلى درجة أنها تصبح مجرد انعكاس لظروف المرحلة التأريخية، بل هي التي تحكم على المؤثرات التأريخية انطلاقاً من الثوابت أي الواجبات الشرعية والأحكام والقيم والمفاهيم ذات المصدر الديني.
ومن هنا فنمو وتطور منطقة الفراغ لا حدود له. في حين أن النسق جامد لا يتحرك. ففلاسفة التأريخ مثل أجوست كونت وهيجل وماركس يرسمون الإطار النهائي للبحث في مجال فلسفة التأريخ. فالمستقبل مخطط تخطيطاً دقيقاً ونهائياً في هذه الفلسفات. ولا يمكن في نظر هذه الأنساق الفلسفية، البحث عن شيء آخر اي شيء جديد خارج ما يقتضيه النسق. مثلاً لا يمكن تصور حركة للتاريخ ـ في نظر أجوست كونت ـ غير الانتقال من الحالة اللاهوتية إلى الحالة الميتافيزيقية ثم إلى الحالة الوضعية. كما لا يمكن تصور مستقبل ـ في نظر ماركس ـ غير الشيوعية كرحلة نهائية لحركة التأريخ. ونفس الأمر بالنسبة لفرانسيس فوكوياما في هذه الأيام، حيث لا يمكن في نظره، تصور نموذج غير نموذج الديمقراطية الليبرالية. وهكذا بالنسبة لكل فلاسفة التأريخ الغربيين.
لا شك أن منطقة الفراغ تخضع، هي الأخرى، لنظام، ولكن هذا النظام ليس من نوع الأنساق الفلسفية المغلقة، بل هو بناء عام يسمح لمنطقة الفراغ بالتطور في خط عمومية البنية العامة. فالبناء العام والتطور غير متناقضين بل على العكس إن عمومية البناء (أو البنية) هي التي تقتضي المرونة والتطور. إن تحليل الإمام الصدر لمفهوم منطقة الفراغ يطرح آفاقاً جديدة للبحث في مجال فلسفة التأريخ على العموم، وفي مجال الأبستمولوجيا على وجه الخصوص. فالفلسفة الغربية ما زالت لم تحسم الأمر بعد فيما يخصّ إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير، وبين النسق والتأريخ. فالمذاهب الفلسفية التي تؤكد على التأريخ وعلى الحركة تنفر من الثابت ومن البنية، والعكس بالنسبة للمذاهب الفلسفية وخاصة البنيوية التي ركزت على الثابت أو البنية على حساب الحركة والتأريخ.
فالنسق في المذهب البنيوي يكفي نفسه بنفسه. فهو يحتوي على منطق داخلي يشكل قانون تطور البيئة في الحدود التي يرسمها النسق (لكن هذه الحدود ضيقة إلى أقصى حد). مع العلم بأن المذاهب التي ركزت على التأريخ مثل هيجل وماركس حصرت، هي الأخرى، حركة التأريخ في أطر منطقية صلبة كالمنطق الجدلي. وعلى العموم يبدو أن المنطق الجدلي وكأنه لا ثوابت له؛ لأنه مستخرج من حركة التأريخ التي تكفي نفسها بنفسها (التأريخانية).
وما نلاحظه في هذا السياق هو أن الصدر قد حل هذا الإشكال عن طريق مفهوم منطقة الفراغ. إن هذا المفهوم لا يحل مشكلة العلاقة بين الثابت والمتغير فحسب، بل يحل كذلك مشكلة العلاقة بين الحقيقة والتأريخ: الإسلام كحقيقة مطلقة وحركة التأريخ أو علاقة النسبي بالمطلق. فالصدر لم يطرح فكرة منطقة الفراغ مجرد فكرة عابرة أو مبدأ عام، بل طرحها كمفهوم أي فكرة منظمة وموجهة للبحث في مجال الاجتهاد (أي كمنهج) وفي مجال علاقة الشريعة بحركة التأريخ؛ لهذا تعتبر منطقة الفراغ أداة فكرية لفهم التأريخ وتحليله وتفسيره.
استشراق المستقبل
إن منطقة الفراغ تتضمن ـ من هذا المنظور ـ الوعي التاريخي، وعي متطلبات كل عصر وكل مرحلة تاريخية من مراحل حركة الأمة عبر التأريخ. هناك نظرة مستقبلية في القرآن الكريم. فالوحي قد هيّأ ـ منذ المرحلة المكية ـ ذهنية المسلمين للتغيير ووجه النظر إلى عوامل التغيير، والانتقال من الواقع بثقله وعوائقه إلى توقع واقع أحسن منه في ضوء السنن الإلهية. غير أن هذا التوقع الذي يقدمه القرآن الكريم ليس توقعاً قابلاً لأي تأويل، لأن القرآن الكريم عندما يتحدث عن المستقبل يربط هذا الأخير بالاستخلاف: استخلاف المؤمنين في الأرض والتمكين للإسلام.
وهنا تأتي منطقة الفراغ؛ لتجعل من النظرة المستقبلية حقيقة متجسدة في التأريخ. فالنظرة المستقبلية تبقى مجرد طوباوية وتطلعات حالمة إذا لم ترتكز على منهج يحققها.
كسر الثنائية
فمنطقة الفراغ كما يطرحها الصدر هي منهج لاستكشاف أدوات فكرية تضبط الاستمرارية في علاقتها بالتغيير؛ لذلك فالصدر قد حرر الفكر الإسلامي من الثنائية بمفهومها السكوني، التي تطرح من موقع تناقض علاقة الجديد بالقديم والمادي بالروحي والثابت بالتغيير والأصالة بالمعاصرة. فمنطقة الفراغ منهج كسر هذه الثنائية وربط الثابت بالمتحرك ضمن علاقة تكاملية.
إمكانيات هائلة
لذلك تتمتع منطقة الفراغ بإمكانيات لا نهاية لها لاستيعاب حرحكة التأريخ، والتأثير فيها حسب متطلبات الشريعة ومتطلبات الواقع معاً. فالفكر الإسلامي يمتلك ـ بفضل منطقة الفراغ ـ الأدوات المنهجية التي لا تسمح له باستيعاب المستجدات فحسب، بل تسمح له كذلك بالمساهمة في طرح الحلول واتخاذ مواقف تجاه التغيرات الجذرية، التي نشاهدها هذه الأيام في المذاهب الاجتماعية والسياسية، وما ينتج عن ذلك من إشكاليات فلسفية.
إعادة اكتشاف القرآن
فمنطقة الفراغ لا تخضع في جوهرها لضغط الحداثة أو التحديث على اعتبار أنها إطار منفتح على حركة التأريخ، وله قدرة استيعابية لا حدود لها بحكم العلاقة التكاملية بين الثابت والمتغير المتضمنة في هذا الإطار العام؛ لذلك فإن منطقة الفراغ تعيد اكتشاف القرآن الكريم عبر التأريخ: اكتشاف القرآن الكريم حسب متطلبات القرآن الكريم في الأساس، وفق شروط المرحلة التأريخية. فمنطقة الفراغ هي إذن منهج العلاقة بين القرآن الكريم والتأريخ أي بين الوحي والتأريخ والتعالي والتأريخ.
اكتشاف ما وراء النصوص
إن السيد الصدر عندما عالج المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على العموم لم يهدف إلى اكتشاف الأحكام الشرعية فحسب، بل تجاوز هذا المستوى إلى مستوى آخر: الوصول إلى «ما وراء الأحكام» أي الوصول إلى المفاهيم التي يتم عن طريقها تشكيل المذهب الاجتماعي. ونفس الأمر بالنسبة للرؤية الفلسفية للتاريخ عند الصدر. فالصدر لا يتوقف عند المعنى الظاهر والمباشر للآيات القرآنية، بل يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى المفاهيم.
كما أنه لا يقف عند محلية أسباب النزول بل يتجاوزها إلى كونية القرآن الكريم. وهي كونية لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق استخراج المفاهيم المتضمنة في الآيات القرآنية([740])؛ لذلك فالرؤية الفلسفية تتكون عند الصدر من المفاهيم في الأحكام وفي الآيات القرآنية الاخرى كالآيات التي تناولت الصراع بين الحق والباطل، خلافة الإنسان، التسخير، الأمة، انتصار المستضعفين على المستكبرين ….
خارج الفكر الغربي والتفكير الأسطوري
هذه الخليفة التي انطلق منها الصدر هي التي جعلته يتجاوز حدود ردود الفعل تجاه المذاهب الاجتماعية الغربية وتجاه فلسفات التأريخ في الفكر الغربي. كما أنه تجاوز مواقف المفكرين المسلمين، الذين حاولوا التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي. فعبر اكتشاف المنهج (منطقة الفراغ والتفسير الموضوعي) تفهّم الصدر وحلل العلاقة بين التأريخ والغيب أو التعالي خارج التفكير الأسطوري والتفكير اللاهوتي.
وتمّ كذلك استيعاب المنهج العلمي وتطبيقه في صياغة المذهب الاقتصادي والسياسي، وفي صياغة الرؤية الفلسفية إلى التأريخ. غير أن هذا المنهج العلمي الذي اعتمد عليه الصدر له نوعيته التي تميزه عن المنهج ذي المصدر الغربي.
ذلك أن خضوع العالم المادي والإنساني لسنن الله يعني ربط عالم الشهادة بعالم الغيب: يعني من الناحية المعرفية والفلسفية وضع العلوم الطبيعية والإنسانية على العموم من العقلانية الوضعية التي نفت قيمة الإنسان واعتبرته مجرد موضوع للدراسة كسائر المواضيع المادية الأخرى. فـ ( دوركايم) (Durkaim) كان يؤكد على أنه يجب اعتبار الظواهر الاجتماعية كالأشياء.
يقول محمد أبو القاسم حاج حمد:
«…. هكذا نكشف عبر القرآن أن الإنسان مطلوب لذاته ليكون هو قيّماً على المعرفة في صياغة المنهج وتحديد الرؤية الكونية. في حين أن جميع الفلسفات الوضعية الأخرى إنما تحاول ـ بطرق مباشرة أو غير مباشرة ـ أن تمنهج الإنسان وفق ضوابطها هي مما ينتهي إلى إلغاء الدور الإنساني في المعرفة وبالتالي تحجيم الإنسان لمصلحة (النظام) واستلابه طبقياً أو حزبياً»([741])!
عملية التغيير
إن نظرية المعرفة في المجال الإنساني ـ وما يهمنا في هذا البحث يتمثل في فلسفة التأريخ ـ لها غاية اجتماعية وحضارية. فالحتمية المطلقة تؤدي بصورة مباشرة إلى نفي تدخل الإنسان في عملية التغيير. وهذا هو أكبر مشكل طرح على الرؤية الوضعية إلى التأريخ خاصة عند هيجل وماركس.
إن دمج المعرفة في المجال التاريخي بنظرية المعرفة في المجال المادي لا يطرح مشاكل ميتافيزيقية وأخلاقية فحسب، بل يطرح كذلك مشكلة دور الإنسان في عملية التغيير. مع العلم بأن هذا الدور سلبي. فهيجل يذيب الفرد في المجتمع أو الكل المطلق.
المطلق وهو كلّ يدل على كلّ شيء ولا يدل على أي شيء من نفس الوقت. في حين أن ماركس اصطدم بتناقض كبير في محاولة توفيقية بين الحتمية التأريخية وتدخل الإنسان في حركة التأريخ عن طريق الوعي الطبقي وثورة البروليتاريا لإقامة نظام اشتراكي ثم شيوعي.
إن اصطدام فلسفات التأريخ الغربية بهذا الشكل هو النتيجة المباشرة والضرورية للخلفية التي تم فيها تشكل هذه الفلسفات: التأريخانية، أي التاريخ، كمرجعية مطلقة تكفي نفسها بنفسها.
التأريخانية شرك
يمكن ربط مفهوم العبودية كما حلّله الصدر بهذه الإشكالية الفلسفية السابقة: إن التاريخانية هي نوع من أنواع الشرك؛ لأنها تجعل الإنسان عبداً للتاريخ. وبالفعل فقد كان هيجل يؤله التأريخ. في حين أن مفهوم العبودية في الإسلام كما حلله الصدر وكذلك علاقة التأريخ بالتعالي (أي رفض التأريخانية). فهذان الجانبان يحرّران نظرية المعرفة من المأزق الذي وضعتها فيه الرؤية الوضعية. ومعنى هذا أن العبودية لها انعكاسات اجتماعية ومعرفية إضافة إلى بعدها الروحي الخاص بعلاقة الإنسان بالخالق.
يقول الصدر في هذا السياق: «…. حينما تتقدم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً يكون التقدم تقدماً مسؤولاً، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، لوناً من العبادة يكون لها امتداد على الخط الطويل، وانسجام مع الوضع العريض للكون»([742]).
بين التأريخ والتأريخانية
لقد حطم الصدر المسلمات التي كانت تحول دون الرؤية المتكاملة لعلاقة الشريعة بالتاريخ، هذه المسلمات التي تحولت إلى بديهيات مصدرها الفكر الغربي والفكر المحدث التابع له في العالم الإسلامي. لقد تأرجحت دراسات تاريخ الأمة الإسلامية وعلاقة الدين بهذا التأريخ بين منهج لا تاريخي يرتكز على العودة إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون وعي تاريخي، وبين التاريخانية التي تلغي الجوانب الثابتة، بل والمصدر الإلهي للإسلام، وترجع كل شيء إلى التأريخ.
وهكذا تتأرجح الدراسات التأريخية بين منهجين متناقضين: أحدهما يحلل الإسلام في اللامكان واللازمان.
والمنهج الآخر يخضع خضوعاً كلياً ومطلقاً لحركة التأريخ (التاريخانية).
يمكن ـ في السياق ـ اعتبار الإطار العام الذي رسمه الصدر لرؤية فلسفية إسلامية إلى التأريخ كإعادة نظر جذرية في المسلمات والمفاهيم، التي اعتمدت عليها فلسفات التأريخ في الغرب، والتي تجسدت في أكمل وجه لها عند هيجل.
المنهجية المفتوحة والنسق المغلق
إن التناقض الرئيسي يبرز ـ كما أشرنا فيما سبق ـ في العلاقة بين الجدلية التي تطرح كمنهج لحركة تاريخية مفتوحة، والنسق كإطار معرفي مغلق. هذا التناقض غير موجود في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ كما يطرحها الصدر، حيث إن لحركة التأريخ منهجاً يؤثر فيها ويتأثر بها. هذا المنهج هو (منطقة الفراغ). هذه الأخيرة ليست كالنسق الهيجلي أو الماركسي لأن كلمة الله لا تنفد([743])، لذلك فمنطقة الفراغ تؤدي إلى اكتشاف أمور جديدة على اعتبار أن حركة التأريخ لا تتوقف.
محدودية النسق تكمن في جانبين:
1 ـ النسق مغلق ويقضي على نفسه بنفسه (كجدلية) لأن كل أطروحة تستدعي نقيضها.
2 ـ النسق له مصدر محدود هو الإنسان، في حين أن منطقة الفراغ ليست نسقاً مغلقاً. هناك بنية وتنسيق في منطقة الفراغ ولكنه ليس تنسيقاً صلباً ومغلقاً بل هو تنسيق مرن. إضافة إلى ذلك منطقة الفراغ ليس مصدرها الإنسان. هذا الأخير يتدخل لكن على اعتبار أن خلفية منطقة الفراغ مستمدة من القرآن الكريم.
وهكذا فالفرق بين النسق، يتجلّى في فلسفة التأريخ لدى هيجل وماركس، ومنطقة الفراغ هو أن النسق سكوني في حين أن منطقة الفراغ حركية (لها جوانب ثابتة والأخرى متحركة) وهذا ما يسمح لها باستيعاب الصيرورة التأريخية.
وعلى العكس من ذلك فالفكر الجدلي يزول، بالنسبة لهيجل، حينما تنتصر الدولة وينتصر النسق. فنظرية هيجل حول الدولة وحول علاقة العقل أو الروح بالتاريخ تحكم على الجدلية بالموت، وتصبح الدولة هي الواقع وهي المعقول. أي يزول المنهج الجدلي كنسق ويذوب في الواقع أي يصبح مجرد نزعة تجريبية (أمبريقية) تخضع للواقع كموضوع أي كمرجعية مطلقة (أي تبرير الواقع).
هذه الفكرة تتجلى بوضوح عند (ف. فوكوياما) كما سنرى، حيث حوّل الجدلية إلى برجماتية أي إلى مجرّد فكر نفعي يبرّر الواقع. معنى هذا أن الجدلية تقضي على نفسها، وأن الاختلاف جذري بين الجدلية كمنهج وكنسق وبين منطقة الفراغ كمنهج. فمنطقة الفراغ، عكس الجدلية، لا تقضي على نفسها ولا تقضي عليها صيرورة التأريخ لما تصل إلى مرحلة معينة بل على العكس فمنطقة الفراغ تقوى وتتعمق وتكون لديها مبادرة أقوى أكثر فأكثر في توجيه التأريخ ما دام هذا الأخير يتحرك نحو المثل الأعلى (نحو الله).
الواقعية والمثالية
إن الأفكار التي عرضناها فيما سبق تبين لنا أن الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر لا يمكن فهمها من الناحية الأبستمولوجية بالرجوع إلى مفاهيم فلسفة التأريخ في الغرب كالواقعية والمثالية والنزعة التجريبية وغير ذلك.
إن الصدر في تحليله لتأريخ الأمة الإسلامية وتاريخ البشرية لم ينطلق من هذه المفاهيم. فهو ينظر إلى تاريخ الأمة الإسلامية من خلال الواقعية والمثالية معاً. فهناك الواقع، في نظر الصدر، وهناك المثال أو الأهداف التي يتطلع إليها المسلمون. وبما أن هذه الأهداف مقدسة في نظر الإسلام والمسلمين (انتصار الأمة وعودتها إلى مسرح التأريخ) لا يمكن تجاهلها في تنظير فلسفة التأريخ؛ لأن هذه التطلعات واقع يعيشه إنسان العالم الإسلامي([744]).
التعالي يخلق أمة متعالية لا تموت
لقد طرح السيد الصدر، مشكلة العلاقة بين التأريخ والتعالي طرحاً معرفياً، وفلسفياً، وشرعياً، في نفس الوقت. فخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء تجعلان من الأمة الإسلامية أمة رسالية لا يمكن أن تزول كما زالت الأمم والحضارات الأخرى.
فقد تجمد الروح الجهادية لدى المسلمين وقد تنحط الأمة نتيجة لفشلها في الحروب أو فشلها في محاولتها للخروج من التخلف. ولكن الأمة الإسلامية ككل لا تتنازل عن أهدافها. فالأمة من هذا المنظور هي أمة رسالية أي هي متعالية على التأريخ ومتجذرة فيه في نفس الوقت([745]).
وهكذا فالأبعاد الشرعية والتأريخية والمعرفية هي أبعاد متكاملة في علاقة تلازمية. لا يمكن لأمة أن تغير مواقفها حسب الظروف والأحوال إذا كانت هذه المواقف مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالعقيدة والشريعة. فالإيديولوجيا تتغير تغييراً جذرياً، وتقع تراجعات وتنازلات كما نشاهد اليوم بالنسبة للبلدان الاشتراكية. هذه الحالة لا يمكن تصورها بالنسبة للأمة الإسلامية، فإنسان العالم الإسلامي يوجد بصورة أو بأخرى كما يرى الصدر مهما كانت درجة انحطاط الأمة وضعفها([746]).
إن ربط التأريخ بالتعالي هو، من هذا المنظور، طريق مفتوح أمام الشعوب الإسلامية؛ لكسر حواجز اليأس وتكرار المعجزة التأريخية عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فكلما ارتبطت الأمة بالتاريخ حسب متطلبات الشرع إلا وربطت التأريخ بالتعالي، وأعطت لوجودها معنى يعبِّئُها وتتحرك باسمه.
ثانياً: معنى التأريخ:
1 ـ الدين ومعنى التأريخ:
إن مشكلة معنى التأريخ هي من المشاكل التي تفرض نفسها على الفكر الإسلامي، خاصة عندما يصل هذا الفكر إلى المستوى المفاهيمي.
إن معنى التأريخ عند الصدر ليس من قبيل الدعايات السياسية على اعتبار أن الأحزاب تسعى إلى تدعيم مواقفها باعتبار نفسها مندمجة في الخط التاريخي الصحيح الذي يمثل معنى التأريخ.
إن مفهوم معنى التأريخ هو مبدأ للمعقولية ومبدأ للفعل أو العمل؛ لأن المسلمين ـ والبشر كلهم ـ يتحركون باسم معنى التأريخ، مع اختلاف واحد هو أن معنى التأريخ عن المسلمين مستمد من الإيمان بالله.
إن الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الإسلامي يريدان نفي هوية الأمة الإسلامية ونفي كل مشروع حضاري بديل وذلك عن طريق إحداث قطيعة بين التأريخ والعقيدة الإسلامية، أي بين التأريخ والتعالي.
ترابط العقيدة مع التأريخ
يرى السيد الصدر أن علاقة العقيدة الإسلامية بالحياة الاجتماعية وبالتاريخ هي علاقة موجودة بصورة أو بأخرى في العالم الإسلامي([747]). إن الشريعة الإسلامية تعتبر أن علاقة التأريخ بالعقيدة من الثوابت. أي هي عنصر بنيوي لا يمكن تغييره. إن الصدر حلل هذه العلاقة على المستوى السوسيولوجي كذلك أي على مستوى واقع الشعوب الإسلامية. فالعقيدة تؤثر في سلوك المسلمين وتشكل ذهنيتهم. وقد تقترب علاقة العقيدة بالحياة الاجتماعية أو تبتعد حسب الظروف، إلا أنها لا تزول ويستحيل أن تزول؛ لأن زوالها معناه زوال الأمة من التأريخ. ومعنى هذا أن التأريخ (تأريخ الأمة) لا يمكن تحييده والنظر إليه كمادة خام يمكن تشكيله حسب أية صورة؛ لأن العقيدة عنصر أساسي وجوهري في تشكله ورسم معالم حركته.
لقد أراد الغرب منذ عصر النهضة إحداث قطيعة بين الأمة وبين عقيدتها وتأريخها. إن هذه الظاهرة التي حللها الصدر وأكد عليها وصلت إلى أعلى درجة من الوضوح في هذه العشريات الأخيرة، خاصة منذ الثورة الإسلامية في إيران. فالنظام الدولي الجديد ـ القديم يسعى إلى ابتلاع الأمة الإسلامية، وحجزها ضمن الرؤية الغربية التي تشكلها العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك.
هذه الأفكار السابقة قد استوعبها الصدر من خلال تحليله لحركة التأريخ من منظور الفقه الحضاري الذي يبحث عن قوانين الحركة التأريخية. يرى أن العمل لتحقيق المشروع الحضاري الإسلامي هو واجب شرعي وعنصر رئيسي وجوهري من العناصر المكونة لمعنى التأريخ. فمعنى التأريخ عند الصدر ليس مجرد مسألة نظرية، بل له جانب عملي، وهذا الجانب العملي هو، بدوره، عامل أساسي من العوامل المشكّلة لمعنى التأريخ. فعلاقة الشريعة بالواقع هي التي تنتج معنى التأريخ([748]).
إن فكرة معنى التأريخ تطرح إشكالية فلسفية كبرى، خاصة بالنسبة لفلسفات التأريخ الوضعية؛ لأن القول بأن للتاريخ معنى يسلم صاحبه، بصورة مباشرة أو ضمنية، بوجود معرفة صحيحة للتاريخ ككل أي للتاريخ الكوني، وما يتضمنه من عوامل ذات تأثير متداخل ومتشابك.
التعالي ضروري للمعرفة التأريخية
يمكن التساؤل ـ على الصعيد الابستمولوجي ـ إذا كانت هذه المعرفة (المعرفة الكلية للتأريخ) ممكنة مع محدودية العقل الإنساني ونسبيته. وهنا يبرز موقف الدين على الصعيد المعرفي وعلى صعيد إعطاء معنى للتاريخ (وهما فكرتان متلازمتان) فالدين وحده هو الذي يمكّن الإنسان من طرح مشكلة المعرفة التأريخية ومشكلة معنى التأريخ. ومعنى هذا، من الناحية الفلسفية، أن ربط التأريخ بالتعالي هو الذي يجعل الإنسان المحدود بالظروف والعوامل التأريخية يتحرّر من ثقل الحاضر ويتحرّر ـ معرفياً ـ من مؤثرات المرحلة «التأريخية» ليصل إلى معرفة تاريخية تتجاوز نسبيته وتسمح له بإعطاء معنى للتاريخ.
إن مرجعية الإمام الصدر فيما يخصّ معنى التأريخ هي مرجعية دينية أولاً وفلسفية ثانياً. لكن العلاقة بين الفلسفة والدين في هذا السياق لم تطرح في إطار الثنائية بين العقل والدين، أو من موقع النظرة إلى الدين حسب مطلقات العقل كما هو الأمر بالنسبة للفلسفة الإسلامية القديمة. العلاقة بين العقل والدين هي علاقة النسبي بالمطلق في نظر الصدر؛ لذلك جاءت الرؤية الفلسفية إلى التأريخ التي صاغها الصدر مختلفة عن فلسفات التأريخ في الغرب التي طرحت نفسها كفلسفات مختلفة مع الدين المسيحي أي كفلسفات للتاريخ تعطي معنى للتاريخ دون اللجوء إلى الدين.
معنى الوجود وغاية التأريخ
لقد نظر الصدر إلى التأريخ من الزاوية السوسيولوجية، أي من خلال مفاهيم علم الاجتماع. غير أن الصدر لم يقف في تحليله للتاريخ عند هذا الحد بل تجاوزه. فالدراسة السوسيولوجية للتاريخ تحاول الكشف عن القوانين التي تخضع لها حركة التأريخ، ولكنها لا تتكلم على غاية الحركة وأهدافها. إن فكرة غاية التأريخ أو معنى التأريخ استمدها الصدر من الإسلام. فعلاقة الدنيا بالآخرة أنتجت «معنى الوجود»، ومن هذا المفهوم العام صاغ الصدر رؤيته حول «معنى التأريخ».
إن معنى الوجود خلفية اعتمد عليها الصدر في تقسيمه التأريخ البشري إلى مراحل، وكذلك تاريخ الأمة الإسلامية الذي أدمج في التأريخ الكوني العام بحكم كونية الأمة الإسلامية.
ومن هنا فقد حلل الصدر خلافة الإنسان في الأرض وتسلسل الرسالات السماوية وختم النبوة وعلاقة الإمامة؛ بالنبوة، وحلل كذلك مفهوم الغيبة (الصغرى والكبرى) والظهور (للإمام الغائب الموعود) في إطار معنى الوجود كإطار عقائدي وفلسفي في نفس الوقت([749]).
(تحرير الإنسان) نقطة التقاء
يلتقي الصدر مع فلاسفة التأريخ الغربيين عندما يعتبر أن التأريخ يتجه إلى غاية إيجابية: تحرير الإنسان. فهيجل يرى أن حركة التأريخ تتجه نحو تأليه الإنسان. أما ماركس فيرى بأن الجدلية التأريخية ستحول الدولة الرأسمالية، عن طريق الصراع الطبقي، إلى مجتمع شيوعي مبني على العدالة والحرية، إذا انتقلنا إلى الرؤية الفلسفية إلى التأريخ المبنية على الدين نلاحظ نفس الهدف (تحرير الإنسان). فالقديس (أوغسطيس) يعتبر التأريخ كصراع بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية، وأن هذه الأخيرة هي التي ستنتصر.
المعايير الثابتة والمصدر المتعالي
لكن مفهوم التأريخ كما يطرحه الصدر لا يتفق مع هذه الرؤى السابقة إلا من حيث النهاية الإيجابية بالنسبة للإنسان. إن الطابع العام الذي يغلب على فلسفات التأريخ في الغرب هو الثنائية. إن فلسفات التأريخ تتأرجح بين الخلاص الدنيوي والخلاص الروحي. هذه النظرة الجزئية تجاوزها الصدر ونظر إلى معنى التأريخ من خلال نظرة كلية تربط المادي بالروحي والأرض بالسماء. إن هذه النظرة الكلية التي يعتمد عليها مفهوم معنى التأريخ تمنع الأمة الإسلامية من الاستغراق في ردود الفعل الآنية تجاه حركة التأريخ. فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ باعتمادها على معايير ثابتة ترسم معالم لحركة الأمة؛ لذلك سيبقى المشروع الحضاري الإسلامي صامداً أمام كل المؤثرات عكس المشاريع الأخرى التي تتغير، وأحياناً تتراجع عن ثوابتها وأهدافها. مثلاً الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية تخلّت منذ السبعينيات عن أسسها كالصراع الطبقي وكمفهوم دكتاتورية البروليتاريا. وأخيراً قد تخلّت البلدان الاشتراكية عن الماركسية. كما أن المشروع الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يجمّد حركة التأريخ على غرار نهاية التأريخ عند كل من هيجل وف. فوكوياما. فارتباط التأريخ بالتعالي يعطي للتاريخ معنى منفتحاً على المطلق، ومن هنا فحركة التأريخ لا نهاية لها([750]).
وهكذا فإن الفكر الغربي بحكم نظرته المادية إلى الكون والإنسان لم يستطع النظر إلى التأريخ من خلال معايير ثابتة؛ لأن النظرة المادية لا يمكن أن تنتج عنها قيم ثابتة بل تنتج أفكاراً كرد فعل ظرفي تجاه حركة التأريخ. فالنظرة المادية إلى الكون والإنسان لا تتجاوز الموقف الأمبريقي الذي يجعل الفكر خاضعاً للموضوع، ومعنى التأريخ خاضعاً للواقع الراهن وللمرحلة التأريخية.
لا شك أن فلسفة هيجل ربطت التأريخ بالتعالي. لكنه تعالٍ مزيف؛ لأنه من صنع الإنسان النسبي: من صنع هيجل؛ لذلك جمّد هيجل حركة التأريخ في معركة يينه (Iena) واعتبر نابليون ممثلاً لله. فأصبح معنى التأريخ مجرّد تبرير للأمر الواقع: فكل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
وهكذا لا يمكن إعطاء معنى للتاريخ إلا بالرجوع إلى مصدر خارج عن التأريخ ومتعالٍ عليه؛ لأن التأريخ ليس هو الحقيقة النهائية، إنه لا يكفي نفسه بنفسه؛ لذلك يتميز المشروع الحضاري الإسلامي عن سائر المشاريع الحضارية الأخرى بارتباطه بمعنى التأريخ ذي المصدر المتعالي على التأريخ. فتصبح علاقة المشروع الحضاري بمعنى التأريخ تستمد قوتها من علاقة النسبي بالمطلق أو علاقة الإنسان بالمثل الأعلى.
إن علاقة التأريخ بالتعالي لا تنفي تدخل الإنسان في حركة التأريخ. إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ تتجاوز، في نظر الصدر، كلاً من الرؤية اللاهوتية التي تفسر التأريخ بأسباب غيبية بصورة مباشرة، والرؤية الوضعية التي تصوغ معنى التأريخ من خلال التأريخ كمرجعية تكفي نفسها بنفسها (التاريخانية). إن معنى التأريخ يستمد من التأريخ ومن فوق التأريخ بحكم علاقة الإنسان بالغيب أي بالتعالي.
وهكذا يتضمن معنى التأريخ علاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وبالله. إن خلافة الإنسان له في الأرض تنطلق من هذه العلاقات الثلاثة لتتجسد في التأريخ. أما فلسفات التأريخ الغربية فإنها تحصر معنى التأريخ في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة.
نظرية المعرفة ومعنى التأريخ
إن محدودية فلسفات التأريخ الغربية ناجمةعن محدودية نظرية المعرفة التي ترتكز عليها، كما أشرنا فيما سبق، وهي نظرية للمعرفة لا تتشكل خارج العلاقة بين الذات والموضوع. غير أن أصحاب هذه النظرية يرفعونها إلى درجة المعرفة المطلقة. مثلاً فلسفة التأريخ عند كل من هيجل وأ. كونت وماركس ترتكز على نظرية للمعرفة مطلقة ـ بصورة ضمنية ـ لدى هؤلاء الفلاسفة. وليس الأمر كذلك بالنسبة للرؤية الإسلامية إلى التأريخ حيث إن نظرية المعرفة التي ترتكز عليها هذه الرؤية لها بعد متعالٍ. هذا البعد المتعالي هو الذي يدعم معنى التأريخ ويعطيه صورته العامة. مثلاً معنى التأريخ في الرؤية الإسلامية التي صاغها الصدر لا يمكن أن يتخلّى عن تسلسل الرسالات السماوية التي ختمت بالرسالة الإسلامية. ولا يمكن أن يتخلى عن ظهور المهدي عليه السلام ووعد الله بنصر المؤمنين.
فهذه الجوانب كلها جوانب عقائد تعطي معنى للتأريخ، وتقتضي في نفس الوقت تدخل إرادة الإنسان ومسؤوليته في حركة التأريخ. فالشعوب التي تسير في خط معنى التأريخ هي التي تتقدم، أما التي تسير في خط معاكس لمعنى التأريخ ذاتها تخضع لعوامل الانحطاط. وبعبارة أخرى فالشعوب التي تسير في خط خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء هي التي تسير في خط المعنى الحقيقي للتاريخ. فالصدر يربط بين الخلاص (نصر الله) وفلسفة التأريخ.
فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ، كما يطرحها الصدر، هي رؤية تعرف أين يتّجه التأريخ. هذه المعرفة ليس مصدرها التأريخ أو العقل الإنساني وحده بل مصدرها علاقة التأريخ بالتعالي. إن علاقة التأريخ بالتعالي ليس معناها التنبؤ بما سيقع في المستقبل على غرار تنبؤات علماء الفلك. إن علاقة التأريخ بالتعالي ينتج عنها معنى للتاريخ يطمئن المؤمنين ويعبِّئُهم في نفس الوقت، لخوض معركة إعاة بناء الأمة الإسلامية. لا شك أن المستقبل مجهول، لكن فلسفة التأريخ التي تستمد رؤيتها من الإسلام تضمن تاريخ الإمة كتاريخ ممثل للخط الرسالي كما تضمنه من كل الرؤى التأريخية الأخرى التي تهدّد معالم حركته وتهدّد معقوليته.
محدودية المؤرخ والنظرة الكلية
لكي يتمكن الفيلسوف من إعطاء معنى للتاريخ يجب أن ينظر إلى التأريخ ككل. في حين أن المؤرخ أو فيلسوف التأريخ لا يعرفان بداية التأريخ كما أنهما لا يعرفان نهايته. فالإطار الابستمولوجي الذي ينطلق منه فيلسوف التأريخ. لا يسمح له بالنظرة الكلية إلى التأريخ. فالوثائق والأخبار لا تسمح إلا برؤية جزئية وجد نسبية إلى التأريخ. إن هذا العائق يزول عندما يتعالى مصدر معنى التأريخ على التأريخ. فهنا تتشكل رؤية فلسفية إلى التأريخ تملك مقومات الطرح الكلي لحركة التأريخ ومعناه. فمعنى التأريخ من هذا المنظور ليس مصدره التأريخ بحيث يصبح بدوره ظاهرة تاريخية نسبية.
وهذا ما أخذه الصدر على فلسفات التأريخ الغربية خاصة عند كل من هيجل وماركس([751]) حيث أتت نظرتهما إلى التأريخ كرد فعل مباشر للمرحلة التأريخية التي عاشا فيها ولمؤثرات الحضارة الغربية (كالصراع بين العلم والمسيحية خاصة في العصور الوسطى وما نتج عنه من حكم ثيوقراطي قاهر، ثم عصر النهضة وظهور الاكتشافات في المجال العلمي والتقني، تقدم الصناعة، الاستعمار ونشر الثقافة الغربية باسم كونية الحضارة الغربية … إلخ).
ففلاسفة التأريخ في الغرب كانوا ـ عند تنظيرهم ـ يتصورون الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل في حين أنهم لا يملكون ـ على الصعيد الابستمولوجي ـ مقومات هذا التصور. فجاءت رؤيتهم إلى التأريخ ومعناه مجرد ظاهرة تاريخية محدودة بمحدودية العوامل الاجتماعية والثقافية والتأريخية التي أثرت فيها …
لذلك لم يطرح الصدر فكرة معنى التأريخ وفلسفة التأريخ على العموم خارج الدين الإسلامي (خارج الرؤية الدينية المحللة في أفق فلسفي): فمعنى التأريخ ليس تاريخياً في نظر الصدر أي ليس مجرد ظاهرة تاريخية في جوهره. وهذا لا يعني بأن الصدر أهمل العوامل التأريخية في تشكيل معنى التأريخ وأكد على البعد المتعالي وحده. إن معنى التأريخ في نظر الصدر هو نتيجة للتعالي وللتأريخ في نفس الوقت، وهذا ما يتجلى بوضوح في تحليل الصدر للنبوة ولتسلسل الرسالات السماوية وتحليله للإمامة والعصمة. فهذا التحليل تمّ انطلاقاً من خلفية معرفية منقطعة النظير. أي خلفية معرفية لا يمكن حصرها في مذهب من المذاهب الفلسفية المعروفة كالنزعة التجريبية أو المذهب العقلي أو الواقعية أو المثالية أو التفكير اللاهوتي؛ لأنها خلفية معرفية تفتح نظرية المعرفة على آفاق الغيب التي لا تنفد([752]).
وقد كسرت هذه الخلفية المعرفية حاجز الثنائية التي تتميز بالنظرة الجزئية والتجزيئية إلى القضايا وما ينجم عنها من طرح ناقص للمشاكل. فالفكر الغربي لا يرى طريقاً ثالثاً في المعرفة غير الموقف الوضعي والموقف اللاهوتي المناقض له. فكل دراسة للتاريخ تدخل الجانب الغيبي تصبح بالنسبة للفكر الغربي نظرة لاهوتية متناقضة مع العلم، يقول ريمون آرون (Raymon Aron) في هذا السياق: «… إن البعد التاريخي يختلف بصورة جذرية مع فلسفة التعالي»([753]).
غاية التأريخ تحدد معناه
إن معنى التأريخ في كتابات الصدر يتحدد حسب غاية التأريخ. فهذا الأخير لا يكون اتجاهاً معيناً ما لم يسع إلى غاية معينة. فكرة الغاية تقتضي بدورها، فكرة النهاية، نهاية التأريخ (هذا المفهوم سنحلله في آخر البحث ونكتفي هنا بالقول بأن نهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية لها معنى خاص). وفكرة النهاية تسمح بالدراسة العقلانية للتاريخ، وهي عقلانية تتضمن تسلسل الحوادث التأريخية تسلسلاً سببياً. وهو تسلسل لا يمكن تصوره دون وجود غاية يسعى التأريخ نحوها؛ لذلك لم يعالج الصدر التأريخ من منظور مثالي متطرف، أو من منظور طوباوي للهروب من الواقع القاسي، والقفز نحو المستقبل المنتظر حيث وعد الله بنصر المؤمنين.
بل أصبحت فكرة النهاية كغاية لتاريخ الأمة، أداةً للدراسة العلمية لحركة التأريخ. فوعد الله بنصر المؤمنين وظهور الإمام المهدي عليه السلام يقتضيان في نظر الصدر تعبئة الشعوب الإسلامية لاستحقاق الامتداد الغيبي ونصر الله. فالتعبئة الجهادية ومعنى التأريخ فكرتان متلازمتان؛ لأن التأريخ لا يتحقق عن طريق عقل كوني كما هو الأمر عند هيجل، أو عن طريق حتمية تاريخية تكفي نفسها بنفسها كما هو الأمر عند ماركس. بل يتحقق التأريخ عن طريق التدخل الواعي والملتزم للإنسان.
من هذا المنظور طرح البديل الإسلامي. طرحه كحلّ آخر خارج الطرح الهيجلي والطرح الماركسي لا كحل تلفيقي بين هذين التيارين. فالصدر قد حلل تحليلاً نقدياً فكرة معنى التأريخ عند كل من هيجل وماركس. معنى التأريخ عند هيجل يتحقق في الفلسفة السياسية كنظرية للدولة، التي تصبح منتهى صيرورة العقل الكوني عبر التأريخ، وتصبح مجسدة للعقل الكوني. أي تصبح الدولة كتجسيد لله في التأريخ. وتصبح ـ تبعاً لذلك ـ مبررة كل السلوكات حتى ولو كانت لا إنسانية؛ لأن الدولة هي الواقعي وهي المعقول.
أما معنى التأريخ عند ماركس فيتحقق عن طريق ثورة البروليتاريا، وعن طريق قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يتحقق التأريخ ويصل إلى منتهاه عندما تزول الطبقات.
منطلق الصدر
يرى الصدر أن التأريخ منذ قرن لم يتحقق بصورة يقينية من أية فرضية من هذه الفرضيات السابقة. كما أن التأريخ لم يثبت ـ في نظر الصدر ـ صحة نظريات التقدم، التي ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. وهكذا أصبحت كل أنواع نهاية التأريخ مجرّد تخمينات قد فقدت معناها أو ستفقد معناها.
يجب إذن، على الصعيد العلمي، البحث عن فرضية أخرى لحركة التأريخ ومعناه خارج الرؤية الغربية إلى التأريخ.
ينطلق الصدر من خلفية معرفية تختلف عن الخلفية، التي ينطلق منها فلاسفة التأريخ في الغرب على اعتبار أنهم ينطلقون من فرضيات مصدرها العقل وحده. كما أن موقف الصدر يختلف عن المفكرين، الذين يعتمدون على الدين في تفسير التأريخ وإعطائه معنى حيث يفسرونه بعوامل غيبية مباشرة، ينطلق الصدر من إطار شرعي ومعرفي وقيمي مصدره القرآن الكريم. هذا الإطار يقدم معالم حركة التأريخ، التي تسير في اتجاه الخط الرسالي، كما يقدم معالم حركة التأريخ المنحرفة عن الخط الرسالي.
فمنطلق الصدر ليس إذن ذا طابع افتراضي بل هو منطلق إيماني، لأن معنى التأريخ في الإسلام ليس قابلاً لأي تأويل: معنى التأريخ في الإسلام ليس مجرد فرضية تحتمل الصواب والخطأ. فانتصار الإسلام والأمة جانب عقائدي لا يمكن التخلي عنه أو إنكاره على غرار ما تفعله الأيديولوجيات الأخرى الماركسية والليبرالية معاً، التي تتخلى عن كثير من ثوابتها إن لم تتخل عنها كلها كما هو الأمر بالنسبة للاشتراكية الماركسية في هذه السنوات.
لكن المنطلق الإيماني الذي يعتمد عليه الصدر لصياغة معنى التأريخ ليس إيمانياً بالمعنى الروحي فحسب، بل هو إيماني بالمعنى المعرفي كذلك. فهو ليس مجرّد حالة روحية مريحة أو مجرّد حالة عاطفية، بل هو كذلك ـ وإلى درجة كبيرة فيما يخصّ صياغة معنى التأريخ ـ ذو جانب فكري. فالمنطلق الإيماني ليس، من هذا المنظور، عائقاً أبستمولوجياً أمام المعرفة على اعتبار أنه في جوهر قبلي (أي ليس مستمداً من التجربة) بل المنطلق الإيماني يحفظ الباحث من أن يتيه في متاهات الافتراضات، أو يتيه في متاهات المثاليات المتطرفة. مثلاً يعرف الباحث بفضل المنطلق الإيماني أن الترف يؤدي إلى الفساد ثم إلى الهلاك: هلاك القرية أو الحضارة. وأن عملية التغيير ليست عملية اجتماعية فحسب على اعتبار أن المجتمع كائن منفصل عن الأفراد، بل عملية التغيير من صنع الأفراد والمجتمع في علاقتهما بالله.
هكذا يعتمد الصدر في صياغته لمعنى التأريخ على المنطلق الإيماني كإطار يحمل أدوات استكشافية ترسم الإطار العام ـ لا الجزئي أو الدقيق ـ للبحث.
فطرح البديل فيما يخص معنى التأريخ، وفيما يخص البديل الحضاري الإسلامي على العموم، يقتضي حتماً قطيعة جذرية مع نظرية المعرفة، التي ارتكزت عليها فلسفات التأريخ في الغرب. ويقتضي ـ نتيجةً لذلك ـ رفض الفكر التاريخي بمفهومه الغربي خاصة في علاقته مع التاريخانية من حيث هي المصدر الوحيد لصياغة معنى التأريخ. فالصدر يرى أن القطيعة الأبستمولوجية المنتجة للرؤية البديلة إلى التأريخ لا يمكن أن تأتي من الفكر الغربي. كما أنه لا يكفي أن تأتي من خارج الغرب أو خارج الفكر الغربي. كأن تأتي مثلاً من بلد من البلدان المتخلفة. فالقطيعة الأبستمولوجية تأتي من الطرح الفلسفي لحركة التأريخ وللمشروع الحضاري من موقع علاقة التأريخ بالتعالي. وهي العلاقة التي تحرّر الفكر التاريخي من الأفكار الظرفية الخاضعة للمرحلة التأريخية، أو لمتطلبات الحضارة التي ينتمي إليها فيلسوف التأريخ.
ضرورة تجاوز النموذج الحضاري الغربي
إن معنى التأريخ من هذا المنظور الذي يقدمه الصدر هو عبارة إذاً عن نهاية لتأريخ معين أي لنموذج حضاري معين، ودخول إلى التأريخ بالنسبة للمشروع الحضاري الإسلامي. فالخروج من التأريخ بمفهومه الغربي يتطلب التجاوز: تجاوز النموذج الحضاري الغربي، وتجاوز فلسفة التأريخ في صورتها الغربية ومرتكزاتها المعرفية ونتائجها الأخلاقية. أي كسر الوثوقية الغربية في المجال المعرفي وامتداداته السياسية التي تعتبر استعمار الشعوب تحديثاً، والتي تبرر قهر الشعوب باسم تفوق الحضارة الغربية وباسم مقولة كل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
ظاهرة الدولة
لا شك أن معنى التأريخ في نظرية الصدر يتضمن، هو الآخر، البعد السياسي، بل هذا البعد موجود بصورة مباشرة في الرؤية الفلسفية إلى التأريخ لدى الصدر. فالحضارة الإسلامية لن تتحقق بدون دولة. فالدولة، هي أداة للتفعيل الحضاري. لكن نقطة الاختلاف بين الصدر والفلسفة الغربية في هذا المجال تكمن في الطرح الناقص لهذه المشكلة في الفكر الغربي. وهو طرح يتأرجح بين تأليه الدولة واعتبارها كنهاية للتاريخ (هيجل) وبين اعتبار الدولة أداة شر (وسيلة للاستغلال) يجب أن تزول كما يرى ماركس. فالصدر عالج المشكلة باعتبار الدولة ظاهرة نبوية وضرورة حضارية، فربط الدولة بالتاريخ وبالتعالي معاً.
وهذا ما جعل الدولة في نظر الصدر تتجه نحو الكونية: فظهور الإمام المهدي عليه السلام هو جانب من جوانب علاقة التأريخ بالتعالي، وهذا ما يجعل الدولة تسير في خط تصاعدي حتى تصير دولة كونية في عصر الظهور.
فالصدر ربط الدولة بمعنى التأريخ وحررها من الثيوقراطية بمفهومها اللاهوتي (المسيحية في القرون الوسطى والملك في تاريخ الأمة) كما حررها من «الثيوقراطية» بمفهومها الوضعي، إن صح التعبير، كما يتجلّى ذلك في فلسفة هيجل([754]). وإذا كانت الدولة في فلسفة هيجل في منتهى حركة التأريخ فإن الأمر ليس كذلك عند الصدر. حيث إن الدولة مؤسسة لتطبيق شرع الله، فهي إذاً وسيلة وليست غايةً في ذاتها. فولي الأمر هو عبد من عباد الله، وليس ممثلاً لله في الأرض أو مجسداً لحركة التأريخ أو للعقل الكوني كما كان يرى هيجل؛ حيث اعتبر هذا الفيلسوف أن نابليون هو «الروح على جواد».
الانطلاق من الإنسان إلى الله
إن موقف الفلسفة من علاقة الإنسان بالله ينعكس على الرؤية إلى التأريخ. فالمسيحية التي ألّهت المسيح عليه السلام تنطلق من الله إلى الإنسان (جدل هابط). وهذا أدّى إلى فكرة الحلول، ثم إلى رؤية فلسفية إلى التأريخ تقول بحلول العقل الكوني (أو الله في نظر هيجل) في التأريخ إلى درجة أن الله و التأريخ شيء واحد.
أما الإسلام فينطلق في رؤيته إلى علاقة الإنسان بالله من الإنسان إلى الله. وهذه الرؤية لها انعكاسات على نظرة المسلمين إلى التأريخ. فحركة الإنسان نحو الله في نظر الصدر تعبر عن خلافة الإنسان لله لذلك يتطلع الإنسان النسبي إلى المثل الأعلى المطلق.
وإذا كانت فكرة (الحلول) المسيحية قد أثرت في فلسفات التأريخ الغربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فأصبحت هذه الفلسفات حول الإنسان النسبي إلى المطلق وانتهت إلى مقولة نهاية التأريخ. فإن الأمر ليس كذلك في الرؤية الإسلامية التي تجعل من الخلافة (خلافة الإنسان لله في الأرض) حركة مستمرة نحو المثل الأعلى، وتجعل التقدم تقدماً لا نهاية له بحكم الغاية المطلقة التي تتجه نحوها حركة التأريخ.
وهكذا فمعنى التأريخ عند الصدر هو جانب من جوانب العقيدة، وليس مجرّد موقف فلسفي. فالعقيدة الإسلامية تنتج عنها نظرة إلى الكون والإنسان ومصيره. فخارج معنى الوجود إلا العبث واللامعقول: وهذه حالة من حالات الشرك المتناقضة جذرياً مع عقلانية التوحيد الصارمة.
2 ـ التأريخانية والتعالي:
الحدّ الفاصل
إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ هي رؤية جهادية ذات ثورية جذرية إلى أقصى حد؛ لأن الأساس الفكري والقيمي لعملية التغيير لا يستمد مصدره من الظروف الاجتماعية، التي أنتجت الأوضاع التي تتجه الثورة إلى إزالتها. إن هذه النقطة هي الحدّ الفاصل بين الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وبين الرؤية الوضعية.
فهذه الأخيرة تستند على أساس فكري يضرب بجذوره في الظروف والعوامل الاجتماعية التي ينبغي الثورة عليها. في حين أن عملية التغيير يجب أن تنبع من مصدر خارج عن الخلفية الثقافية، التي أفرزت الأحوال التي تسعى الثورة إلى القضاء عليها وتغييرها.
البعد الكوني
يرى الصدر في هذا السياق، أن الراسمالية والماركسية تشكلتا، معاً، في أرضية ثقافية واحدة: الثقافة الغربية؛ ولذلك لا يمكن تعميمها على كل شعوب العالم. معنى ذلك أن الفكر الغربي فكر غير كوني. إن التغيير الذي يسعى إلى ثورة كونية؛ لتحقيق مشروع حضاري كوني ينبغي أن يستند على أسس ثقافية مختلفة عن الثقافة الغربية. أي يستند على ثقافة ذات قيمة كونية. والإسلام هو وحده الذي يتمتع بالبعد الكوني، الذي يرشح المسلمين لعملية التغيير الجذري الذي تنتظره البشرية.
لم يأت الإسلام ليعالج جانباً من جوانب الحياة الإنسانية كما هو الأمر بالنسبة للرسالات السابقة عليه. فالإسلام استوعب كل الرسالات السابقة وأتى بمبادئ ومعايير وأحكام شرعية تسمح له باستيعاب حركة التأريخ عن طريق نظرة كلية إلى الإنسان والمجتمع والتأريخ؛ لذلك تتميز الأمة الإسلامية بتفتحها على كل الحضارات، كما تتميز بقدرتها الاستيعابية لعطاءات كل الحضارات([755]).
فالأمة الإسلامية أمة كونية، وليست خاصة بشعب معين، أو بمنطقة جغرافية معينة. الأمة الإسلامية تستمد كونيتها من المبادئ والقيم الإلهية، وتستمدها كذلك من التجربة التأريخية، حيث إنها استطاعت في مرحلة تاريخية معينة أن تستوعب عطاء الحضارات، الحضارة اليونانية والفارسية والهندية … فكونية الأمة مستمدة من معايير كونية عكس الحضارة الغربية التي أنتجت كونية مزيفة؛ لأنها لا تتمتع بمعايير تسمح لها بأن تعمم نموذجها الاجتماعي والسياسي على شعوب العالم.
يرى الصدر أن كونية الحضارة الغربية مزيفة؛ لأنها ترتكز على القوة المادية (الاستعمار واستغلال الشعوب، العنصرية، النظرة الناقصة والتجزيئية إلى الإنسان باعتباره كائناً تتمحور حياته حول الإنتاج والاستهلاك). وهنا يُطرَحُ النموذج الحضاري الإسلامي كنموذج كوني قادر على القيام بتغييرات جذرية؛ لأن مصدره خارج الظروف، التي أنتجت أزمة الحضارة المعاصرة، ولأنه يتمتع بمعايير الكونية والقدرة على التحكم في حركة التأريخ لا الخضوع لها وتبريرها([756]).
العدمية
لكن من جهة أخرى، قد أدى تخلي الفكر الغربي (أو بعض مذاهبه) عن التاريخانية إلى التمسك بالعدمية. وهكذا يتميز الفكر الغربي بردود الفعل الآنية أو الظرفية نتيجة لمرجعيته التي لا تتجاوز العقل والتأريخ. فعندما لاحظ الفكر الغربي كذب تنبؤات فلسفات التأريخ. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تاه في متاهات العدمية. والحق أن العدمية متضمنة في التاريخانية على اعتبار أن معنى التأريخ عند هذه الأخيرة هو معنى مزيف؛ لأن التأريخ لا يكفي نفسه بنفسه.
التأريخ والتعالي
ويرى الصدر؛ في هذا السياق، أن معنى التأريخ لكي يكون حقيقياً من الوجهة المعرفية، ومعبئاً من الناحية العملية يجب ربط التأريخ بالتعالي. أي ربط المعرفة التأريخية بالأدوات الاستكشافية التي يقدمها القرآن الكريم. وهذا يؤدي ـ حتماً ـ إلى رفض التاريخانية والاعتماد في صياغة معنى التأريخ على القرآن الكريم وعلى التأريخية أي النظر إلى التأريخ بمنظار سوسيولوجي (لا مجرد سرد الحوادث أو التأريخ السردي) وربطه بالتعالي.
فالصدر ـ كما أشرنا فيما سبق ـ لا يرفض التأريخ كواقع وكمعطى من معطيات الحقيقة وجانب من جوانبها، بل على العكس فإن ما يميز كل كتابات الصدر هو التأكيد على التأريخ وعلى التأريخية كموضوع للمعرفة العلمية، فمعنى التأريخ في نظر الصدر يبقى مجرّد تخمينات ميتافيزيقية إذا لم ينبع من نظرة علمية إلى التأريخ.
ويمكن القول، في هذا السياق: إن نهاية الأيديولوجيات أو ما يسمى بنهاية التأريخ، وهي نهاية قد توقعها الفكر الإسلامي منذ السيد جمال الدين الحسيني، تعني نهاية معنى معين للتاريخ لا معنى التأريخ بإطلاق. ذلك أن علاقة التأريخ بالتعالي هي التي تفتح المجال لمعنى حقيقي للتاريخ. فليس إذن (كلّ واقعي معقول وكل معقول واقعي).
هناك دائماً فجوة أو اختلاف بين التاريخ والحقيقة (أو بين التأريخ والمثل الأعلى حسب تعبير الصدر). الحقيقة لا يمكن للتاريخ أن يستوعبها في كل جوانبها، إنها متعالية وتاريخية في نفس الوقت، هي متعالية في مصدرها وتاريخية في تطبيقاتها الإنسانية.
معنى التأريخ في الفكر الغربي
لقد تم تشكيل معنى التأريخ في الفلسفة الغربية في القرن الثامن عشر خاصة، من موقع تفاؤلي: البشرية تسعى ـ باسم التأريخ ـ نحو هدفين: الحرية ووفرة الإنتاج. وقد دُعمت هذه النظرة باسم معرفة علمية وفلسفية للتاريخ (أجوست كونت وماركس وغيرهما).
وما زال الفعل ورد الفعل هو الطابع المميز لفلسفة التأريخ في الغرب. خاصة في السنوات الأخيرة بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية. فقد تنبأ ماركس بزوال الدين والأسرة والدولة والطبقات. أي تنبأ بنهاية التأريخ. ولقد كذب التأريخ كل هذه التنبؤات. ومن هنا رد الفعل الرافض للماركسية من طرف المفكرين الرأسماليين، الذين طرحوا الديمقراطية الليبرالية كغاية نهائية للتاريخ.
…. وفي الإسلام
أما الصدر فقد طرح مشكلة معنى التأريخ وغايته خارج الإشكالية الغربية. وهي إشكالية ضيقة في نظر الصدر؛ لأنها لا تتصور طريقاً آخر لحركة التأريخ، غير الطريقين الرأسمالي (والاشتراكي سابقاً). ولا تتصور في المجال الاجتماعي والاقتصادي إلا صورتين للملكية: الملكية الخاصة والملكية الجماعية. وقد بيَّن الصدر بأن النظرة الشمولية إلى الإنسان والكون، التي يتميز بها الإسلام تتجاوز هذه الرؤية الضيقة في المجالات السياسية والاقتصادية والحضارية على العموم. فالإسلام لا يحدث قطيعة بين الروحي والحضاري وبين الفردي والاجتماعي؛ لذلك فالمعنى الإسلامي للتأريخ يتجاوز المعنى الغربي بجانبيه الرأسمالي والاشتراكي بهذا الطرح الشمولي للإنسان ولحركة التأريخ([757]).
لقد انتقد الصدر مادية الحضارة الغربية. فهو يرى بأن النظام الرأسمالي يريد أن يكيف المجتمع؛ ليصبح الإنسان مجرّد إنسان استهلاكي. فالمعرفة والقيم توظف لخدمة السوق والاستهلاك. ونفس الأمر بالنسبة للنظام الاشتراكي الذي ينطلق ـ في نظر الصدر ـ بصورة مباشرة وواضحة من نظرة مادية إلى الكون، وهذه النظرة المادية هي، في نظر الصدر، النتيجة المباشرة للرؤية الوضعية إلى الإنسان والتأريخ في الفكر الغربي.
الصدر وهيجل
عندما يطرح الصدر الأساس الفكري الذي تعتمد عليه عملية التغيير، ويرى بأن هذا الأساس الفكري لا يكون له النتائج المرجوة في تغيير التأريخ إذا كان مصدره التأريخ نفسه. أي يستمد مصدره من الأوضاع التي يراد تغييرها. عندما يطرح الصدر هذا المشكل فإنه يدحض فلسفات التأريخ الوضعية كلها، ويكشف عن تناقضها الداخلي([758]). فهيجل عندما يضع فلسفته كنهاية للتاريخ يتجاوز ـ في سياق الرؤية الصدرية ـ درجة الفيلسوف ليضع نفسه بصورة ضمنية أو صريحة في مستوى «الأنبياء». فهيجل يعتبر نفسه أنه اكتشف ما لم يكتشفه أحد: اكتشف المنطق الداخلي لحركة التأريخ اكتشافاً نهائياً. فهو قد سعى إلى وعي يمثل منتهى صيرورة كونية. لا شك أن هذه النبوءة ليست إلا نبوءة مزيفة أي «نبوءة وضعية» لا تملك مقومات التعالي على التأريخ حتى تتمكن من اكتشاف منطق حركته ومنتهى صيرورته.
ويعتبر الفكر الغربي كله امتداداً لفلسفة هيجل من حيث كون الفكر الغربي يعتبر نفسه فكراً كونياً ينفي كل بديل. فالاستعمار يبرر نفسه باسم هذه الكونية، وكذلك العلاقات الدولية التي ظهرت بعد الاستعمار المباشر. ويمكن اعتبار فرانسيس فوكوياما في هذه الأيام فيلسوف النهاية والكونية المنتظر الذي يجسد فلسفة هيجل([759]).
وفي هذا السياق فلسفات التأريخ الغربية ترى بأن حل مشكلة البشرية هو حل سياسي (زوال الدولة عند ماركس، سيادة الديمقراطية الليبرالية عند الرأسماليين) وحل اقتصادي: انتشار وتعميم مجتمع الاستهلاك.
ويقدم الصدر الحل الإسلامي، حيث يرى بأن حل مشكلة الإنسان ليس حلاً سياسياً أو اقتصادياً في الأساس. هذه الجوانب وسائل فقط. فحل مشكلة الإنسان يكمن في معنى الوجود. أي علاقة الإنسان بالتاريخ وبالغيب([760]).
وهكذا فالتاريخ بالنسبة للفكر الوضعي هو (الشيء في ذاته). أي التأريخ يكفي نفسه بنفسه. أما بالنسبة للصدر فالتاريخ لا منعى له، معنى حقيقياً، في حد ذاته. فالتاريخ نسبي ولا يستمد معناه إلا بفضل علاقته بالتعالي.
سطحية المحدثين
وتجدر الإشارة إلى أن المحدثين في العالم الإسلامي قد حاولوا دمج التاريخانية في الفكر الإسلامي، حاولوا دمجها كما هي دون تحليل نقدي ودون إعادة النظر في بعض جوانبها على أقل تقدير، فهم يرون أن الحداثة لن تتحقق إلا إذا نظر إليها من خلال التاريخانية.
فالحداثة في نظر المحدثين في العالم الإسلامي لا توجد إلا في شكلها الغربي. يقول عبد الله العروي:
«إن ارتباط الأمة بالتراث قد انقطع نهائياً في جميع الميادين، وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدماء ونؤلف فيهم إنما هو سراب.
وسبب التخلف الفكري عندنا هو ـ الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي، فيبقى الذهن العربي حتماً مفصولاً عن واقعه متخلفاً عنه بسبب اعتبار الوفاء للأهل حقيقة واقعية مع أنه أصبح حساً رومانسياً منذ أزمان متباعدة»([761]) وعليه فالمرجعية المحركة للتاريخ الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تشيد على ضوئها السياسات الثورية الرامية إلى إخراج البلاد غير الأوروبية من أوضاع (وسطوية) مترهلة إلى أوضاع صناعية حديثة. ليست هذه الفرضية فكرة مسبقة بل نتيجة لاستطلاع التأريخ والواقع، وهي المبرّر الوحيد لحكمنا على السلفية والليبرالية والتقنوقراطية، بالسطحية، وعلى الماركسية بأنها النظرية النقدية للغرب الحديث. النظرية المعقولة الواضحة والنافعة لنا في الدور التاريخي الذي نحياه([762]).
وهكذا فالحداثة في العالم الإسلامي ليست إلا امتداداً للفكر الغربي. يقول ريمون آرون:
«إن البشرية كلها قد بدأت تصل إلى صورة الوعي التاريخي الذي يتميز به الغرب في العصر الحديث. إن الغرب لم ينشر التكنولوجيا والرياضيات والفيزياء وسائر العلوم الأخرى فحسب، بل قد نشر كذلك الأفكار التي يشكل الوعي التأريخي عنصراً هاماً من عناصرها. فالأوروبيون هم الذين صاغوا للهنديين وعيهم بماضيهم. فالتاريخ الذي صاغه الأوروبيون هو الذي يساعد اليابانيين على استيعاب ماضيهم عن طريق تأويله وتفسيره. ففلسفة التأريخ التي تمت صياغتها في القرن الأخير في الغرب هي التي يستوحي منها الحكام الصينيون تصورهم للمجتمع المنشود ورؤيتهم لماضيهم ولمستقبلهم»([763]).
لقد تغافل المفكرون الغربيون والمحدثون في العالم الإسلامي عن مبدأ معرفي جوهري: لا يمكن صنع تاريخ الأمة الإسلامية إلا بالاندماج فيه. أي لا يمكن صنع تاريخ الأمة خارج تاريخها. انطلاقاً من هذا المبدأ كشف الصدر عن حقيقة الحداثة والتأريخ في الغرب: إن حداثة الغرب تحققت عن طريق استعمار الشعوب وقهرها. في حين أن هذا لا يمكن أن يحدث في العالم الإسلامي. فتحديث العالم الإسلامي، إذا نظرنا إليه من الناحية السوسيولوجية والتأريخية، لا يمكن أن يتحقق جملةً وتفصيلاً على غرار تحديث الغرب؛ فلذلك فشل المحدثون في العالم الإسلامي في بلورة مشروع حضاري يمكن أن يسترشد به المسلمون في محاولتهم لتحقيق النهضة.
3 ـ خلافة الإنسان:
إن معنى التأريخ عند الصدر هو تجسيد تدريجي لخلافة الإنسان عبر التأريخ. إن مفهوم خلافة الإنسان كما يطرحه الصدر يجعل الفكر الإسلامي يتجاوز الطرح الناقص لمشكلة العلاقة بين الماهية والوجود في الفلسفة الغربية، حيث ظهر مذهبان مختلفان: أحدهما يقول بأسبقية الماهية على الوجود، والآخر يقول بأسبقية الوجود على الماهية. هذان المذهبان يعبران عن معالجة ناقصة لمشكلة العلاقة بين الإنسان والتأريخ، بين الثابت والمتغير في حياة الإنسان. وهي معالجة قد تمت في إطار الثنائية.
أما الفكر الإسلامي كما يطرحه الصدر فهو فكر يكسر الثنائية وينظر إلى الماهية والوجود كجانبين متكاملين أحدهما يتضمن وجود الآخر. فالتاريخ نتيجة لعلم الإنسان، ولأنه كذلك فهو يجسد قيمة الإنسان عبر الزمان. أي التأريخ يجسد خلافة الإنسان. فليست الخلافة حقيقة تتعالى على التأريخ. بل الخلافة حقيقة تأريخية ذات مصدر إلهي، فالخلافة في تحقق مستمر هي الإنسان في واقعه التأريخي.
فمفهوم الخلافة كما حلله الصدر ليس حقيقة متعالية على التأريخ بحيث يصبح هذا الأخير مجرد كشف لحقيقة سابقة على الإنسان. فالخلافة لكي تتحقق تتطلب وجود التأريخ وتتضمن مسؤولية الإنسان. فالوجود التاريخي هو بعد أساسي من الحقيقة الإنسانية. لكن التأريخ ليس كل شيء بالنسبة للصدر. فعلى الرغم من أهميته فإنه لا يكفي نفسه بنفسه. إن خلافة الإنسان لله في الأرض تجعله يتجاوز نفسه باستمرار أي يتجاوز مؤثرات العوامل التأريخية، لا عن طريق تجاهلها بل عن طريق التأثير فيها وتوجيهها. فالخلافة هي الإمكانيات العقلية والروحية التي يتمتع بها الإنسان. فهي عامل أساسي من العوامل المكونة للتاريخ، وهي كذلك مبدأ لتفسير التأريخ وإعطائه معنى.
إن الخلافة من حيث هي تعبير عن علاقة التأريخ بالتعالي تجعل الإنسان النسبي يتطلع إلى المثل الأعلى وهذا التطلع هو الذي يجعل التقدم ممكناً بل يجعل الرؤية الإسلامية إلى التقدم رؤية نوعية تتجاوز كل الرؤى الأخرى، التي تجعل أهدافاً نسبية أو مثلاً «عليا» مزيفة أمام الإنسانية كالمجتع اللاطبقي عند ماركس أو الديمقراطية الليبرالية في المذهب الرأسمالي([764]).
إن الرؤية الغربية إلى التأريخ هي رؤية نسبية في المظهر فقط؛ لأن الفكر الغربي يطرح نفسه كفكر مطلق، فالجدلية ـ رغم مظاهرها التي تعبر عن نسبية المعرفة ـ تطرح نفسها، ضمنياً، كمعرفة مطلقة؛ لأنها تستوعب الواقعي والعقلي معاً: فكل واقعي معقول وكل معقول واقعي. في حين أن مفهوم خلافة الإنسان ليست له هذه الإطلاقية؛ لأنه مفهوم تلزم عنه فكرة العلاقة بين الإنسان النسبي والله المطلق، أي يلزم عنه أن حركة التأريخ مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالإنسان يجسد الخلافة عبر التأريخ بالتدريج وعن مراحل.
وهذا يعني أن تاريخية الإنسان تتجلى بصورة أقوى في مفهوم الخلافة كما حلله الصدر أكثر مما تتجلى في المقولة الهيجلية «كل واقعي معقول وكل معقول واقعي».
الإنسان الهيجلي مُسيّر
هذه نقطة اختلاف بين مفهوم الخلافة ومقولة هيجل. وهناك نقطة اختلاف أخرى لها أهميتها. فعلى الرغم من أن الخلفية العامة التي تشكلت ضمنها فلسفة التأريخ عند هيجل (هي تجسيد العقل الكوني في التأريخ) فقد بقي هذا العقل الكوني متعالياً بالنسبة للإنسان تعالياً جعل المجتمعات والشعوب والأشخاص مجرد لعبة في يده. فهم يقومون بأدوار في التأريخ ولكنهم لا يشعرون بأدوارهم هذه، إنهم مسيَّرون من طرف العقل الكوني. أما مفهوم خلافة الإنسان لله في الأرض فإنه لا ينفي ذاتية الفرد، ولا ينفي مسؤولية الإنسان فرداً وشعوباً وأمماً، بل الخلافة والمسؤولية متلازمتان([765]).
حرية الإنسان بين الصدر والغرب
لم يحلل الصدر مشكلة حرية الإنسان تحليلاً مجرداً بل ربط الحرية بالتاريخ وبالحقيقة أي بقضاء الله وقدره وبخلافة الإنسان في الأرض. فتجسيد الخلافة عبر التأريخ يقتضي حتماً أن الإنسان مسؤول، وأنه يصنع التأريخ من حيث هو ذات مستوعبة لمتطلبات التغيير. فالحرية التي تعطي معنى لوجود الإنسان تستمد حقيقتها من الغيب، أي من خلافة الإنسان لله في الأرض.
والخلافة معناها أن الإنسان ليس مادة فحسب، بل له جانب روحي يربطه بعالم الغيب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصدر لم يطرح مشكلة الحرية طرحاً مزيفاً كما عودتنا أكثر المذاهب الفلسفية، التي تأرجحت بين إثبات الحرية ونفيها، بل طرح مشكلة الحرية في أفق تجسيد خلافة الإنسان بالإنسان. فالحرية عند الصدر ليست معطاة إذن، بل هي تحرر مستمر بتحويل الطبيعة لصالح الإنسان وتحويل المجتمع وتغييره وبالارتباط بالقيم الإلهية. هكذا ربط الصدر معنى التأريخ بخلافة الإنسان وبالحرية. فالإنسان لا معنى له والتأريخ لا معنى له إلا بارتباطهما بالله تعالى، فالإيمان بالله هو الذي يحرر الإنسان ويعطي معنى للوجود وللتاريخ.
هكذا فالتاريخ عند الصدر ليس عرضة للصدفة، وليس خاضعاً لأسباب خارجة عن الإنسان. فالتاريخ يخضع لنظام ويتجه نحو غاية. لكن عقلانية التأريخ التي يستمد منها معناه لا تكفي نفسها بنفسها، بل تستمد هي الاخرى حقيقتها من الله تعالى، وهذا هو الفرق الجوهري بين فلسفة التأريخ عند الصدر وفلسفة التأريخ في الفكر الغربي كما يتجلى عند هيجل وماركس خاصة؛ فهيجل مثلاً يرى بأن التأريخ يخضع لنظام، وهو يعطي لهذا النظام أسماء مختلفة، فمرة هو العقل الكوني ومرة يسميه الله ومرة أخرى يسميه الروح أو الوعي الكوني.
هناك قانون عام في نظر هيجل: إن كل ما يقع وما سيقع في العالم يعبر عن تجسيد العقل في التأريخ أي عن التحقق التدريجي للوعي الكوني. وهذا يعني ـ كما أشرنا سابقاً ـ أن الأفراد والشعوب عندما يصنعون التأريخ فإنهم يصنعونه من حيث لا يعلمون. فهم ليسوا إلا أدوات يستخدمها العقل الكوني للوصول إلى أهدافه. هم مجرد وسائل يستخدمها التأريخ. هكذا فالتاريخ بالنسبة لهيجل لا يمكن أن يكون بصورة أخرى غير صورته الحالية. هذه الجبرية التي تنفي تدخل الإنسان في حركة التأريخ قد أعاد ماركس صياغتها، فأصبحت المادية التأريخية هي التعبير «العلمي» عن مصير البشرية.
فهناك اختلاف جذري إذن بين الصدر وكل من هيجل وماركس فيما يخص علاقة الإنسان بالتاريخ. فإذا كان هذان الفيلسوفان ينفيان الإنسان كذات واعية ومسؤولة: هيجل يدمج الفرد في الكلّ، أما ماركس فيذيب الفرد في المجتمع. ويذيب المجتمع في حركة التأريخ التي تتحرك حسب نمط وسائل الإنتاج. فإن الصدر يؤكد على الذات الفاعلة الحرة الموجهة لحركة التأريخ والمتأثرة ـ في نفس الوقت ـ بحركة التأريخ.
وقد صاغ الصدر موقفه هذا بالاعتماد على المفاهيم القرآنية كتدخل الإنسان في عملية التغيير ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد، الآية: 11] وكمفهوم للخلافة (خلافة الفرد وخلافة الأمة) ([766]).
وعلى الرغم من أن ماركس يؤكد على دور الإنسان في التأريخ، فهو يرى مثلاً بأن الوعي الطبقي سيدفع بالبروليتاريا إلى تغيير التأريخ، على الرغم من ذلك فإن موقفه هذا ليس له مبررات مفاهيمية وقيمية؛ لأنه لا يمكن القول بأن الإنسان حر ومسؤول وأنه عامل أساسي وجوهري من العوامل المحركة للتاريخ، لا يمكن القول بذلك إذا كان الإنسان ذائباً في المجتمع وفي التأريخ، ولا يتمتع ببعد متعالٍ يسمح له بالتحرر من الحتمية.
فلسفة التأريخ كما تتجلى عند هيجل وماركس تصطدم أمام تناقض جذري، فهي من جهة فلسفة ترتكز على حركة التأريخ وعلى فكرة التقدم، لكنها من جهة أخرى تتضمن رؤية إلى التأريخ مبنية على حتمية مطلقة وقاهرة. وذلك بسبب نفي هذه الفلسفة للبعد المتعالي في الإنسان وهو البعد الذي عن طريقه يتمكن الإنسان من التحرر من كل أنواع الحتميات([767]).
هذا المشكل لا يطرح في رؤية الصدر إلى التأريخ. فإذا كان ماركس قد أذاب الفرد في المجتمع وأخضع المجتمع إلى حتمية قاهرة نتيجة لنفي الجانب المتعالي في الإنسان، وإذا كان هيجل قد تأثر بفكرتي التجسيد والتثليث في المسيحية، فأوصل التجسيد إلى منتهاه عندما جعل العقل الكوني متجسداً في التاريخ. أي جعل التأريخ هو الله. فإن الصدر قد صاغ معنى للتاريخ يؤكد على مسؤولية الإنسان الخليفة، الذي يحرك التأريخ عن طريق العبودية لله المجسدة للخلافة عبر الزمان.
ضرورة الدولة لممارسة الخلافة
ـ الخلافة والدولة:
الدولة في فلسفة الصدر لها علاقة مباشرة مع خلافة الإنسان لله ومع التأريخ من حيث هي أداة شرعية وضرورية للتغيير. فهي عنصر بنيوي ـ لا في المشروع الحضاري الإسلامي فحسب ـ بل عنصر جوهري في الإسلام نفسه: (هي واجب شرعي وظاهرة حضارية) حيث لا وجود لقطيعة بين المادي والروحي، بين السياسة والعبادة([768]). فخلافة الإنسان ليست حالة روحية منعزلة عن الجانب الاجتماعي والتاريخي للبشرية. فالسير في طريق تحقيق الخلافة عبر التأريخ يقتضي وجود دولة.
هكذا ترتبط السياسة بالتاريخ وبالنبوة؛ لأن المشروع الحضاري الذي يستمد مصدره من الوحي هو مشروع ينمو ويتطور بالتوازي مع نمو وتطور وعي الإنسان، وهنا تبرز العلاقة بين النبوة وحركة التأريخ، فالنبوة تتجدد لحفظ الإنسان من الانحراف عن خط المشروع الحضاري نحو المثل الأعلى([769]).
إن الإمداد الغيبي أو علاقة التأريخ بالتعالي، هذه المفاهيم استخرجها الصدر وصاغها انطلاقاً من مفهومي الخلافة والشهادة. فالشهادة تتجسد في شخص واقعي هو النبيّ أو الإمام كما تتجسد في الفقيه (أي الذين يسيرون في الخط الرسالي). فالشهادة قانون مصدره إلهي وتجسيداته واقعية تبرز في التأريخ لتوجهه حسب متطلبات الشرع (المشروع الإلهي للبشرية) ([770]).
قانون الخلافة يحدد اتجاه حركة التأريخ
فهناك قانون الشهادة وهناك قانون الخلافة العام. وكلاهما ذو علاقة مع حركة التأريخ ومن موقع علاقة هذا الأخير بالغيب. وإذا كان قانون الشهادة يحمي المشروع الحضاري الإلهي من الانحراف، فإن قانون الخلافة العام يركز على هدف حركة التأريخ: إلى أين يتجه الإنسان وإلى أين يتجه التأريخ؟ حركة التأريخ تتجه نحو هدف إلهي: سعي البشرية لتحقيق صفات الله كالعدل والعلم والرحمة والانتقام من الظالمين، والقدرة، أي تشبُّه الإنسان بأخلاق الله وصفاته، وهو تشبّه يجعل الإنسان النسبي مرتبطاً بالمطلق؛ لذلك تصبح حركة التأريخ مستمرة لا نهاية لها. ولم يترك الإسلام ـ في نظر الصدر ـ هذه الحركة نحو المطلق مجرد حالة روحية أو عاطفية غير مؤطرة وموجهة، بل جعل الإسلام الشهادة هي الشرط الشرعي والضروري لحفظ حركة البشرية من الانحراف عن خط الخلافة.
وهنا نجد الاختلاف الجذري بين فلسفة التأريخ كما صاغها الصدر وفلسفات التأريخ الغربية في نقطتين: الدولة ونهاية التأريخ.
الدولة ونهاية التأريخ بين نظريتين
إذا كانت الدولة عند هيجل هي المسجدة لله في التأريخ أو هي الإله، فإنها عند الصدر مجرد وسيلة لحفظ حركة التأريخ من الانحراف عن خط الخلافة. فالدولة هنا ـ على عكس نظرية هيجل ـ هي لون من ألوان العبادة. كما أن علاقة الإنسان النسبي بالمثل الأعلى (المطلق) لا يمكن أن تجعل لحركة التأريخ نهاية، بل هي حركة مستمرة. وهذا ما يجعل فكرة التقدم، التي صاغها الصدر تختلف عن التقدم بمفهومه الغربي، وهو تقدم محدود بحكم الإطار المعرفي الوضعي الذي يرتكز عليه.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ربط حركة التأريخ بالغيب (الخلافة والشهادة) لا ينفي العلاقة بين حركة التأريخ والشروط الموضوعية المحققة لهذه الحركة. فالدولة (جانب من جوانب الشهادة) وظيفتها تحقيق الشروط الموضوعية على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي لتجسيد الخلافة([771]). فالقيادة أي (الدولة المتمثلة في النبي أو الإمام أو الفقيه) هدفها ليس هدفاً محدوداً حتى تصبح حركة التأريخ محدودة تبعاً لذلك بل هدفها مطلق وليس مرحلياً أو نسبياً. لذلك تقدم الدولة هي القوة التي تحرك التأريخ. فقدرة الدولة نابعة من هدفها المطلق. فالدولة عند الصدر عكس هيجل وفوكوياما ـ تخضع لهدف يتجاوزها([772]).
ولقد ربط الصدر هذه الأفكار والمفاهيم السابقة بتاريخ الأمة الواقعي (كما هو) والحقيقي (كما يجب أن يكون). فما دامت الأمة لم تنس الهدف المطلق (المثل الأعلى) أو لم تحدث بينها وبينه قطيعة نهائية فإنها تملك القدرة على التجاوز: تجاوز ثقل الواقع كالتخلف والاستعمار والتبعية الاقتصادية.
الدولة عند الصدر
فالدولة عند الصدر تمفصل (أي تربط) شرع الله مع حركة التأريخ من موقع توجيه العوامل التأريخية الموضوعية نحو الهدف (المثل الأعلى) أي الدولة أداة تعبُّدية يلتقي فيها الروحي بالسياسي وبالتاريخ معاً([773]). فهي ليست إلهاً متجسداً في التأريخ (هيجل) وليست أداة شرّ يجب أن تزول (ماركس) بل لها وظيفة تحررية وحضارية، وغيابها يلزم عنه غياب الأمة من مسرح التأريخ([774]). فالصدر يتعامل مع الرسالة الإسلامية لا كحقيقة فوق تاريخية بحكم مصدرها الإلهي بل كحقيقة ذات مصدر إلهي ارتبطت منذ نزولها بالتاريخ.
إن التحليل العقائدي والسوسيولوجي للدولة جعل الصدر يصوغ نظرية للدولة ورؤية فلسفية إلى التأريخ منقطعتي النظير: الدولة والتقدم مفهومان متلازمان. والتقدم هنا له خصوصية؛ لأنه من حيث كونه اتجاهاً نحو المطلق ـ فهو لا يتوقف ـ، وهذا هو سر الطاقة الهائلة في هذه الدولة وقدرتها على التطور والإبداع المستمر في مسيرة الإنسان نحو الله.
﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [سورة الكهف، الآية: 109]([775]).
ولم يقف الصدر، بالنسبة لعلاقة الدولة بحركة التأريخ في حدود الأفكار المجرّدة بل ربط نظريته حول الدولة والتأريخ بظواهر واقعية تعيشها الأمة. فهو يرى أن الدولة الإسلامية قوة معبئة للتحرر من التخلف. والمعركة ضد التخلف لها معنى خاص في نظر الصدر؛ لأنها لا تعني مجرّد تحولات اقتصادية واجتماعية؛ بل هي معركة حضارية شاملة تسعى إلى جعل الأمة في الخط الرسالي الذي يسمح لها بقيادة العالم. كما أن الصدر ربط نظريته حول الدولة والتأريخ بظاهرة كان يشاهد ظهورها ونموّها: الثورة الإسلامية ودولتها في إيران. فصاغ لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، وقد تمت هذه الصياغة ضمن خلفية فكرية تربط متطلبات المرحلة مع المبادئ العامة للشريعة ومع هدف حركة البشرية عبر التأريخ (المثل الأعلى) ([776]) وهكذا تتشكل الرؤية الفلسفية إلى التأريخ عند الصدر عن طريق التركيب بين الغيب ومتطلبات المرحلة التأريخية والهدف (المطلق) لحركة التأريخ.
إن الاعتماد على التأريخ كمرجعية فكرية واضحة في كتابات الصدر. فالدولة نشأت نتيجة لحاجة اجتماعية حيث أدى اختلاف الناس إلى تأسيس الدولة من طرف الأنبياء. فالدولة ظاهرة اجتماعية وتاريخية ذات مصدر إلهي؛ لأنها نشأت على يد الأنبياء عليهم السلام الذين رسموا لها الطريق نحو (المثل الأعلى) ([777]). فالدولة ظاهرة نبوية تمفصلت مع التأريخ (فهي إذاً ظاهرة تاريخية كذلك). إنها حاجة اجتماعية وتاريخية لبّاها الوحي وأطّرها بالأحكام الشرعية التي تجعلها محركة للتاريخ ومؤثرة فيه.
الدولة من هذا المنظور جانب جوهري من جوانب معنى التأريخ. وعندما تنحرف الدولة عن الخط الرسالي فإنها تخرج عن معنى التأريخ وتصبح متناقضة مع حركة التأريخ كالملك قديماً والقومية حديثاً. (فدولة الأمة) مرتبطة بالغيب وبالتاريخ معاً؛ لذلك فهي محررة للإنسان من كل أنواع الاستلاب؛ لأنها مبنية على التوحيد الذي يجعل المؤمنين لا يخضعون إلا لله وحده.
ومن هنا قوة التجاوز التي تكونها الدولة (دولة الأمة) في ذهنية المؤمنين؛ لأن العبودية لله تعني رفض كل القوى الأخرى والنظر إليها على أنها قوى نسبية؛ لأن القوة الحقيقية بيد الله. فليس (كل واقعي معقول وكل معقول واقعي). فالواقعي يتم النظر إليه من خلال وعي عقائدي وتاريخي ينشأ من تطلع المؤمنين إلى المثل الأعلى كهدف أسمى لحركة التأريخ([778]).
وهنا كذلك يتجلى الطابع التحريري لعلاقة التأريخ بالتعالي. فإذا كانت فلسفات التأريخ المعتمدة ـ معرفياً ـ على التاريخانية تخضع الإنسان إلى ثقل الواقع وإطلاقية التأريخ، فإن الأمر على العكس عند الصدر حيث إن قيمومة التشريع الإلهي (أي ارتباط التأريخ بالتعالي) هي المحررة للإنسان من كل أنواع العوائق والاستلاب التي تصطدم بها الحركة التأريخية([779]).
معالجة شاملة
فالصدر لا يعالج مشكلة معنى التأريخ بصورة مجرّدة، كما أنه لا يعالج مشكلة الدولة في إطار سياسي ضيق، بل يتميز طرحه بأنه طرح شمولي يعالج المشكلة السياسية ضمن المشكلة الحضارية المرتبطة بمعنى التأريخ وغايته؛ لذلك ربط الصدر حركة التأريخ بالتركيب العقائدي للدولة الإسلامية وبالتركيب العقائدي والنفسي للفرد المسلم:
«فالتركيب العقائدي للدولة الإسلامية الذي يقوم على أساس الإيمان بالله وصفاته، ويجعل من الله هدفاً للمسيرة، وغاية للتحرك الحضاري الصالح على الأرض، هو التركيب العقائدي الوحيد الذي يمد الحركة الحضارية للإنسان بوقود لا ينفد»([780]).
وهكذا فالدولة الإسلامية هي وحدها التي تستطيع أن تقدم (المركب الحضاري) الذي يعبئ الأمة، ويفتح لها الطريق نحو التقدم باتجاه المثل الأعلى. إن الدولة الإسلامية هي، من هذا المنظور، دولة المسافات البعيدة واللامحدودة. كما أن هذا المركب الحضاري هو الذي يحل مشكلة التناقض بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية.
لقد طرح ف. فوكوياما هذه المشكلة في نظريته حول نهاية التأريخ، ويرى، معتمداً في ذلك على أفلاطون وهيجل، بأن «الرغبة في الاعتراف» هي التي تحل التناقض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وأن الرغبة في الاعتراف هي المحركة للتاريخ. غير أن هذه الفكرة لا تملك، في حد ذاتها، القدرة على حل مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع.
«معنى الوجود» لا «الرغبة في الاعتراف»
وهنا يتجلى عطاء الصدر حيث يرى أن «معنى الوجود» هو الذي يجعل الفرد يخرج من أنانيته الضيقة لينفتح على المجتمع وعلى الأمة وعلى الإنسانية. وينتقد الصدر كل الأنظمة التي تنطلق من الرؤية المادية إلى الكون؛ لتؤسس عليها نظريتها حول التقدم. وهنا يمكننا القول في سياق نقد الصدر للنظامين الاشتراكي والراسمالي بأن فكرة الرغبة في الاعتراف لا تكفي وحدها لتعبئ الفرد والمجتمع طالما أن هذه الرغبة محصورة في الإطار المادي النفعي.
إن الرغبة في الاعتراف كما يطرحها فوكوياما ليست لها آفاق مستقبلية حتى تصبح محركة نحو التقدم، هي محدودة بمحدودية الرؤية البرجماتية النفعية التي تنشط بموجبها. فالمنفعة تعبر عما هو كائن، ولا يمكن أن تكون قيمة أخلاقية معبئة؛ لأن القيمة تعبر عما يجب أن يكون.
إن إلزامية الرغبة في الاعتراف إلزامية محدودة، إذاً لا تستطيع أن تتجاوز الإطار الفردي. وعلى العكس من ذلك فإن مفهوم معنى الوجود الذي صاغه الصدر، وهو مفهوم يربط الإنسان بالغيب وبالعالم الآخر ويربط عمله بالجزاء الأخروي.
إن هذا المفهوم هو الذي يملك القوة التعبوية والإلزامية عن اقتناع داخلي (تقوى الله). ومفهوم معنى الوجود يحرر، كذلك، الإنسان من الأنانية ليربطه بالمصلحة العامة، بل بالمصلحة الإنسانية حيث يمنع الإسلام استغلال الشعوب، ويربط العلاقة بين الشعوب على أساس العدل والحق ومساعدة المستضعفين وتحريرهم من بطش المستكبرين([781]).
هكذا يربط الصدر معنى التأريخ بالدولة والرسالة والأمة، فيصبح هذا المعنى كونياً تابعاً لكونية الرسالة الإسلامية والأمة الإسلامية([782]).
ارتباط الأمة بالتأريخ
4 ـ الأمة:
إن ما يميز الأمة الإسلامية، بالنسبة للصدر، هو وعيها التاريخي الذي لا ينقطع ولا يمكن أن يزول. قد يضعف هذا الوعي وتقل ثوريته على الواقع المنحط، ولكنه يبقى متجذراً في عمق ذهنية إنسان العالم الإسلامي وعواطفه([783]). فالوعي التاريخي يعتمد على زمان تاريخي غير عادي هنا وليس كسائر الأزمنة التأريخية؛ لأنه يستمد حقيقته من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي عصر الوحي.
من هنا فإن معنى التأريخ يعتمد في الأساس على هذا الوعي، بل هذا الوعي هو الذي يصنع التأريخ؛ لأن المسلمين يثورون ويجاهدون ويسعون إلى التحرر من كل العوائق التي تقف أمام عودة الأمة إلى مسرح التأريخ بالرجوع إلى الأصل؛ إلى عصر الوحي.
فلا يمكن لوعي تاريخي من هذا النوع أن يُبسط أو يؤطر حسب متطلبات الإنتاج والاستهلاك، أو يحجز في أُفق نظري وضعي أو نفعي أو أمبريقي، كما يتجلى ذلك في كتابات فوكوياما حول نهاية التأريخ. إن التغافل عن هذا الوعي معناه التغافل عن الواجب الشرعي؛ لأن بمجرد الانتماء إلى الإسلام يتم الانتماء إلى الأمة وإلى التأريخ في أفق وفي اتجاه معنى معين للتاريخ: وعد الله بنصر الأمة الإسلامية.
إن معنى التأريخ من هذا المنظور، هو معنى متجذر في عمق وعي إنسان العالم الإسلامي. وزوال هذا المعنى أو تغييره يعني خروج الأمة عن الإسلام. وهذا ما لا يمكن تصوره شرعاً (لأن الحفظ الإلهي للقرآن الكريم يلزم عنه استمرارية الأمة الإسلامية عبر التأريخ)، وعقلاً لأن أمة لها تاريخ وحضارة وإمكانيات مادية وروحية لا يمكن أن تزول كما زالت الأمم الأخرى.
القبلية والقومية في مقابل «الأمة»
هكذا يتبين لنا أن الرجوع إلى الأصل يحفظ معنى التأريخ من الزوال ومن التغيير؛ لأنه على العموم هو الحفظ لتاريخ الأمة، التأريخ ككل أي ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها. لذلك ربط الصدر مشكلة التنمية بالأمة لا بالقومية([784]) فالتنمية في العالم الإسلامي ليست ـ في نظر الصدر ـ مجرّد تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية. بل هي نهضة حضارية. والنهضة الحضارية في العالم الإسلامي المتخلف تتطلب تعبئة جهادية لا يمكن للقومية أن تكون إطاراً أيديولوجياً وفكرياً لها. فالأمة هي التي تسير في خط معنى التأريخ في نظر الصدر.
والقومية ـ كمجتمع غلق ـ تسير في الخط المعاكس لمعنى التأريخ. هذا التناقض بين مفهومي الأمة والقومية بدأ منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فالصراع قد بدأ منذ حادثة السقيفة بين الأمة كمجتمع كوني وبين النزعة القبلية كمجتمع مغلق. هذا الصراع كان، وما يزال، يعبر عن التناقض بين نوعين من الوعي القرآني والوعي الجاهلي([785]).
وعلى العموم فقد كانت السلطة بعد تحول الخلافة إلى ملك هي التي تمثل الوعي الجاهلي إلى درجة أن تحقيب التأريخ تمّ بالرجوع إلى القبيلة. فهناك العصر الأموي والعصر العباسي وهكذا … في حين أن الشعوب الإسلامية المكونة للأمة تمثل الوعي القرآني. وفي العصر الحديث فإن السلطات في العالم الإسلامي (الدول القومية) تمثل الوعي الجاهلي وشعوب العالم الإسلامي تمثل الوعي القرآني المرتبط شرعاً وعقلاً بمعنى التأريخ .
نتائج النظرة الغربية إلى التأريخ
وعلى العكس من ذلك فقد انتهى الفكر الغربي في هذه العشريات الأخيرة إلى مستوى لم يعد يعتمد فيه على التأريخ لتحديد الأهداف وتحديد الغاية أو الغايات (سقوط الأنظمة الاشتراكية وظهور فكرة نهاية التأريخ من جديد عند فوكوياما وغيره من المفكّرين الغربيين).
لقد كان الفكر الغربي ـ خاصة في النصف الأول من القرن العشرين ـ يبرر سلوكاته تجاه الشعوب بالاعتماد على التأريخ. فقد كان كل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي يعطي لنفسه أهدافاً تاريخية. فالنظام الاشتراكي يرى بأن الطبقة البروليتارية ستحقق رسالتها التأريخية: بناء المجتمع الشيوعي عن طريق الثورة. أما النظام الرأسمالي فيرى هو الآخر بأن له رسالة تاريخية: تحضير الشعوب.
فقد أدّت هذه النظرة إلى التأريخ في كلا النظامين إلى قهر الشعوب واستغلالها. ويرى الصدر بأن هذه النتائج اللاإنسانية للنظامين الراسمالي والاشتراكي هي نتائج كانت متوقعة حتماً؛ لأن هذين النظامين يستمدان حقيقتهما من النظرة الوضعية إلى التأريخ. وليس الأمر كذلك بالنسبة لمعنى التأريخ في المنظور الإسلامي حيث إن مفهوم خلافة الإنسان وخلافة الأمة يجعل من هذه الأخيرة أمةً رساليةً لا تبرّر سلوكاتها تجاه الشعوب بردود الفعل على عوامل ظرفية أو بمنافع مادية، بل تبرر رساليتها بقيم فوق تاريخية لا تميز بين الشعوب والحضارات. كما أن مفهوم الأمة يعطي للتاريخ معنًى خاصاً. فالأمة ليست ما هو كائن بل هي دائماً ما يجب أن يكون على اعتبار أنها أمة رسالية فهي أمة في تحقق مستمر أي في صيرورة مستمرة([786]).
وكلّ فكرة تشعر بنهاية التأريخ بالمعنى الغربي (الهيجلي أو الماركسي أو بالمعنى الذي يطرحه فوكوياما) فهو معنى للتاريخ يتناقض مع مفهوم الأمة من الناحية الشرعية والتأريخية في نفس الوقت. فالأمة الإسلامية لا تتحدد بالتراب أو بالعرق أو بكل نوع من أنواع الخصوصيات الضيقة والمنغلقة على نفسها، والتي ليست لها طاقة محركة للتاريخ حتى تنهيه؛ لذلك يرى الصدر أن ثقل الواقع مهما كان قوياً لا يمكنه أن يوقف حركة الأمة.
وعلى العموم، وكما سنرى في آخر هذا البحث، فإن فلسفة التأريخ الغربية لم تصل إلى مستوى الطرح الفلسفي لفكرة نهاية التأريخ بالعمق الذي طرحه الصدر لهذه المشكلة. إن الطرح الفلسفي لمعنى التأريخ عند الصدر مرتبط بنهاية التأريخ من منظور نهاية تاريخ معين لبداية تاريخ جديد لا تنفد طاقاته؛ لأنها ذات مصدر إلهي يربط الإنسان بالمطلق، فتصبح العلاقة منتجة لتاريخ يتطلع إلى هدف مطلق. فمعنى التأريخ من منظور الطرح الإسلامي الذي حلله الصدر مصدره خارج التأريخ؛ لذلك فهو معنى لا تنفد طاقاته.
ومن هنا يرى الصدر أن الأمة توجد في التأريخ، ولكنها كأمة محققة لخلافة الله في الأرض توجد خارج التأريخ، أي تعتمد في حركتها عبر التأريخ على قيم ومفاهيم إلهية؛ لذلك فالأمة تملك الامكانيات القيمية والمفاهيمية لتوجيه التأريخ. وهذا ما يجعلها قادرة على تحدي العوائق التي تقف في طريقها.
التفسير الفلسفي لانحطاط المسلمين
كلما ابتعد المسلمون في حياتهم السياسية والاقتصادية والقيمية عن الأمة، كلما عاكسوا حركة التأريخ ومعناه واتجهوا نحو الانحطاط. وقد بدأت ظاهرة الانحطاط (بدورها الأولي) قبل نهضة الحضارة الإسلامية. بدأت منذ أن تحولت الخلافة إلى ملك، فهنا ظهرت جدلية الانحطاط المتمحورة حول النزعة القبلية المناقضة لكونية الأمة وانفتاحها على كل الشعوب والثقافات. فالأمة ـ في المنظور الإسلامي ـ لا تقضي على هوية الشعوب بل تربط هذه الهويات بالغاية التي يتحرك نحوها التأريخ؛ لذلك فالأمة (نشر الإسلام أو الفتوحات) تختلف عن الاستعمار الذي يتميز باستغلال الشعوب والقضاء على ثقافاتها.
في حين أن الأمة الإسلامية مبنية على مبدأ «التعارف». هذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [سورة الحجرات، الآية: 13]. فالتعارف قيمة روحية وأخلاقية وسياسية وحضارية يجعل الأمة أمة كونية تتأثر بالعوامل التأريخية وتؤثر فيها؛ لذلك فالأمة والإسلام متلازمان.
فهي الإطار الشرعي والسياسي والحضاري لحركة الشعوب الإسلامية عبر التأريخ؛ لذلك يرى الصدر أن القومية وما تتضمنه من فصل الدين عن السياسة وتمزق لوحدة العالم الإسلامي هي خطر، لا على وحدة العالم الإسلامي فحسب، بل على الإسلام نفسه. ومن هنا يرى الصدر بأنه على الرغم من أن الأمة واجب شرعي ومطلب جماهيري وتاريخي في نفس الوقت إلا أن إعادة بنائها يقتضي جهاداً مستمراً نظراً للعوائق الخارجية المتمثلة في الدول القومية في العالم الإسلامي، وفي العوائق الخارجية المتمثلة في الغرب الذي يدرك بأن وحدة الأمة الإسلامية تعني طرح البديل الحضاري الإسلامي مقابل النموذج الغربي.
فالجهاد هو وحده القادر على إعادة الأمة إلى مسرح التأريخ؛ لأن الجهاد يسرع حركة التأريخ نحو المثل الأعلى بفضل الطاقة الهائلة التي يتضمنها. وهي طاقة تسمح للمسلمين بتجاوز تحديات الأمر الواقع. فوجود الأمة والتطلع إلى المثل الأعلى متلازمان؛ لذلك يرى الصدر بأن هناك علاقة بين وحدة الأمة وشهادة الأمة.
ريادة الأمة ووحدة البشرية
فغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة معناه غياب الريادة أي غياب الرسالية وغياب النموذج الحضاري الإسلامي. ومن هنا فالأمة جزء أساسي من العقيدة الإسلامية، وهي كذلك مشروع حضاري يسير في اتجاه معنى التأريخ؛ ولأن الأمة تسير في اتجاه معنى التأريخ فهي الإطار السياسي والحضاري الذي تحقق فيه البشرية وحدتها.
لقد كتب المفكرون المسلمون كثيراً عن الأمة، لكن أكثر هذه الكتابات تميزت بالطابع الدفاعي التمجيدي. في حين أن الصدر قدم نظرية حول الأمة، فهو قد صاغ هذه النظرية في جوانبها العقائدية والسياسية والاقتصادية والحضارية.
نظرية الأمة
تعتبر نظرية الصدر حول الأمة وعلاقتها بالتاريخ إعادة نظر في الفكر الإسلامي منذ معركة صفين. صاغ الصدر نظرية الأمة انطلاقاً من نظرة تركيبية ثورية لا نظرة توفيقية بالمعنى المهادن لهذه الكلمة. ربط الصدر مفهوم الأمة بالوعي القرآني المناقض للوعي الجاهلي من حيث ان هذا الأخير هو تعبير عن مجتمع مغلق، بينما الأول هو تعبير عن مجتمع مفتوح نحو حركة التأريخ ونحو الكونية.
إذا كان الوعي الجاهلي الذي ظهر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمثل القطيعة التي أحدثها الخط المنحرف، فإن الوعي القرآني يمثل الخط الرسالي.
فالرجوع إلى الأصل أي إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يعني أن الأمة متشبثة بالماضي بالمفهوم السوسيولوجي والنفسي لهذه الكلمة، أي العودة اللاواعية إلى الماضي للهروب من ثقل الحاضر، فالعودة إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها نوعيتها:
1 ـ هي عودة نقدية منتجة لوعي تأريخي جهادي على اعتبار أنها تسمح للمسلمين لتمييز الخط الرسالي عن الخط المنحرف.
2 ـ هي عودة تضع حركة الأمة في التأريخ وفي خط التطلع إلى المثل الأعلى.
3 ـ وهكذا بمجرد العودة إلى الأمة كإطار سياسي وحضاري لحياة المسلمين بدلاً من القومية، يكون المسلمون قد وضعوا أنفسهم ضمن التطلع إلى نظرة مستقبلية منقطعة النظير؛ لأنها نظرة تدفع بحركة التأريخ إلى غاية مطلقة ولا نهائية.
4 ـ ونتيجة لذلك كله إن الأمة كمرجعية سياسية وحضارية لشعوب العالم الإسلامي تجعل ظاهرة النهضة والسقوط ظاهرة لها خصوصيتها. فالنهضة هنا تقدم لا نهاية له؛ نظراً للهدف المطلق الذي تتجه نحوه حركة الأمة عبر التأريخ.
الصراع الحضاري
أما مسألة الانحطاط فهي الأخرى لها معنى خاص. انحطاط الأمة لا يعني زوالها كما زالت الحضارات الأخرى، بل هو انحطاط مؤقت؛ لأن الأمة الإسلامية تتمتع بثقافة لها بعدٌ غيبي متعالٍ يمنحها مناعة لا توجد لدى الشعوب والحضارات الأخرى. فالأمة الإسلامية بمجرد أن توجد تكون أمة رسالية تسعى إلى الريادة؛ لأن انضمام الشعوب من أجل هدف هو من حدّ ذاته نموذج حضاري.
وهكذا فالأمة الإسلامية كأمة شاهدة تتصارع مع القضايا الكبرى، ومع التحديات الكبرى، ومع التأريخ المنقطع عن التعالي. إن حركة الأمة عبر التأريخ تعبر عن علاقة الواقع بالمثال والنسبي بالمطلق.
ارتباط الأمة بالتأريخ
إن ارتباط الأمة بالتاريخ هو ارتباط بنيوي. أي الأمة تستمد حقيقتها من التأريخ. وهذا الأخير يستمد، هو الآخر، صورته ووجهة حركته من الأمة؛ لذلك فالوعي التاريخي هو وعي ملازم لذهنية إنسان العالم الإسلامي إلى درجة أن نقد التأريخ ليس مجرد موقف إبستمولوجي، بل هو واجب شرعي. فالجانب الإبستمولوجي هنا ملازم للجانب التعبدي (تقوى الله من جراء الموقف الموضوعي تجاه تاريخ الأمة). وهذا ما جعل الصدر يراجع ـ عن طريق التحليل النقدي ـ تاريخ الأمة، ويربط معالم حركة الأمة بعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي بالخط الرسالي. من هذا الموقع حلل الصدر حادثة السقيفة والتشيع وصفين وكربلاء ودور الأئمة عبر التأريخ.
يجد المسلمون هويتهم في الماضي (عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). وبمجرد أن يرجعوا إلى ذلك العصر يصبح لديهم وعي تاريخي مستقبلي. فالرجوع الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعني الرجوع إلى مرجعية حركة التأريخ التي تتجه نحو المثل الأعلى الحقيقي. ويرى الصدر، في هذا السياق، أن التأريخ المنفصل عن التعالي قد تحكم في القيم الإسلامية بعد معركة صفين، ومن هذا التطور يخضع تحقيق التأريخ عند الصدر لمتطلبات الإسلام ولتاريخ الأمة حسب موقعه من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فهناك معالم لمراحل تاريخ الأمة. عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الإمامة والخلافة، الملك، كربلاء … الخ.
مصير الأمة
ومصير البشرية
إن توحيد شعوب العالم الإسلامي (أي إعادة بناء الأمة) ليس مجرد تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية. بل إن إعادة بناء الأمة متلازمة مع إعادة بناء إنسان العالم الإسلامي، وجعله يسير في الخط الرسالي المتطلع إلى المثل الأعلى([787]). فبروز الأمة في مسرح التأريخ يتضمن حتماً تغيير العالم؛ لذلك ليس الاستقلال والتحرر من الاستعمار ثم التنمية إلا مجرّد مرحلة من مراحل تأريخ الأمة وتحركها نحو النهضة الحضارية الكونية. فإذا كانت الأمة كما يطرحها الصدر تعبر عن مثالية فهي واقعية. فالأمة الشاهدة تعطي معنى للتاريخ عن طريق الجهاد المستمر، والتطلع إلى المثل الأعلى تطلعاً تعبدياً. فالأمة الإسلامية لها مسؤوليتها بالمكانة التي منحها الله إياها: مصير البشرية مرتبط بمصير الأمة.
إن الدولة الكونية تنبع من الأمة الإسلامية كأمة منفتحة على حركة التأريخ ومنفتحة على الحضارات انطلاقاً من مبدأ قرآني: «التعارف». فالدولة الكونية لا تنبع من الأمة بمفهومها الغربي المبني على إقصاء الآخر، ولا على الأمة بمفهومها اليهودي المبني على الأرض الموعودة وعلى التقوقع على الذات.
إن صراع الأمة مع الحضارات الأخرى هو صراع له معنى خاص يختلف عن الصراع بمفهومه النفعي المبني على ثقافة الاستهلاك والسوق الحرة، وما ينتج عنها من استغلال للشعوب. فصراع الأمة مع الحضارات الأخرى هو صراع قيمي مبني على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الصراع القيمي منقذ للشعوب من هيمنة المطلقات المزيفة كالصراع الطبقي والربح المادي، والتأريخ والدولة كمرجعيات مطلقة.
5 ـ النبوة والإمامة:
«كونية واستمرارية» لا «دورة حضارية»
فمن هذا المنظور هناك فرق جذري بين الرسالة (الإسلامية) والدورة الحضارية. إن علاقة الأمة بالغيب أي بالرسالة الإسلامية يجعلها تتصف ـ رغم خضوعها لسنن النهضة والانحطاط ـ ببعد جوهري: الكونية والاستمرارية. فمن هذا المنظور تكمن قوة الرسالة في قدرتها على التأثير في التأريخ وإعطائه معنى. وهذه القدرة تستمدها الرسالة من مصدرها الإلهي من جهة، ومن استيعابها للعوامل المؤثرة في حركة التأريخ، من جهة أخرى. مع العلم بأن هذين الجانبين متداخلان. فاستيعاب الرسالة لحركة التأريخ تستمده من مصدرها المتعالي، الذي يسمح لها بالنظرة الكلية والشمولية إلى التأريخ.
إن تحليل الصدر للرسالات هو تحليل تم بأدوات منهجية ومعرفية مرتبطة بالتاريخية كإطار معرفي عام. لكن التأريخية استخدمها الصدر كمنهج ضروري لفهم الرسالة ولكنه منهج غير كافٍ. فالمصدر الإلهي للرسالة لا يمكن تفسيره عن طريق العلوم الاجتماعية وحدها؛ لأنها علوم لا تكفي نفسها بنفسها([788]). فالرسالة هي من هذا المنظور، انبثاق يتجاوز الواقع الذي ظهرت فيه. وهذه القدرة على التجاوز تختلف من رسالة إلى أخرى. وعلى العموم فالرسالات التي جاءت قبل الإسلام جاءت لتعالج جانباً من جوانب الحياة الإنسانية إلى درجة أن بعض الرسالات تزامنت في مرحلة معينة وأماكن متقاربة. وليس الأمر كذلك بالنسبة للرسالة الإسلامية؛ لأنها ـ بحكم ختم النبوة ـ رسالة كونية تستوعب كل الرسالات السابقة وتتجاوزها لتستوعب التأريخ كله؛ لذلك جهزت الرسالة الإسلامية بمقومات الاستمرارية وتوجيه الصيرورة التأريخية.
ومن هذه المقومات: المبادئ العامة، المفاهيم المتضمنة في الأحكام الشرعية، الإمامة، الاجتهاد … الخ.
لذلك فالرسالة الإسلامية لها طاقة قيمية ومفاهيمية لا تنفد([789]). فمعنى التأريخ يتشكل، عند الصدر، من تسلسل الرسالات؛ ليصل هذا المعنى إلى صورته النهائية في الرسالة الإسلامية الخاتمة وفي علاقة الإمامة بها([790]). لذلك فالرسالة الإسلامية متعالية وتاريخية في نفس الوقت. إن السائرين في الخط الرسالي والمستوعبين لمتطلباته إلى أقصى حد وهم الأئمة، يجسدون الرسالة في الواقع أي في المرحلة التأريخية التي عاشوا فيها، كما أنهم يجسدون الرسالة ليس مجرد تحليل تاريخي ينظر إلى حياة كل إمام عليه السلام كحدث تاريخي ينتهي بنهاية حياة الإمام. بل حياة كل إمام تعتبر عنصراً جوهرياً من العناصر المشكلة لمعنى التأريخ.
إن حياة كل إمام كما تتجلى في تحليل الصدر هي نتيجة لتعامل الإمام مع متطلبات المرحلة التأريخية من موقع رسالي؛ أي من موقع علاقة التأريخ بالغيب أو التعالي. وقد ينتهي هذا التعامل مع متطلبات الواقع إلى حد تضحية الإمام بحياته عن وعي تقوائي منقطع النظير كما حدث للإمام الحسين عليه السلام الذي مارس الإسلام، تجاه الخط المنحرف، بصرامة مبدئية لا يمكن وصفها أو تحليلها عن طريق العلوم الاجتماعية ذات المصدر الغربي، وهكذا فكلّ إمام عاش عصره وتجاوزه في نفس الوقت([791]).
العلاقة بين الإسلام والتأريخ
فالصدر قد كشف عن العلاقة بين الإسلام والتأريخ. فالإسلام ـ من حيث هو الدين الخاتم والمكمل لكل الرسالات السابقة عليه ـ جاء بفكرة التطور المستمر لحركة التاريخ. إن تسلسل الرسالات يتضمن بصورة مباشرة، في نظر الصدر، أن التأريخ في حركة مستمرة، وأن لهذا التأريخ معنى وليس عبارة عن حركة فوضوية. فتحليل الصدر للرسالات وللإمامة يطرح عدة إشكاليات فلسفية منها:
1 ـ إن الله تعالى لم يترك الإنسان وحده للبحث عن معنى وجوده. فالوحي هدى ورحمة. هو إنقاذ للبشرية في الآخرة وفي الدنيا كذلك بتحرير الإنسان من كل أنواع الاستلاب وخاصة تحريره من فوضى العبث اللامعقول. فالوحي قد رسم معالم حركة التأريخ نحو المثل الأعلى.
2 ـ التعالي والمحايثة لهما معنى خاص في تحليل الصدر لعلاقة الإسلام بالتاريخ. فالوحي عن طريق الرسالات يعني حضور الله في التأريخ لا على الطريقة الهيجلية؛ لأن الله في الإسلام ليس مفهوماً مجرّداً، بل هو حي قيوم وحضوره في التأريخ يتم عن طريق عنايته ولطفه. كما أن حضور الله في التأريخ يتجلى في محاولة الإنسان التخلق بصفاته المطلقة الكمال. فالمحايثة لا تعني حضور العقل الكوني (الهيجلي) في التأريخ. وهو عقل يدل على كل شيء ولا يدل على أي شيء. والتعالي هنا لا يعني ترك الإنسان سدى عبداً لفوضى حركة التأريخ. فالمحايثة ـ عن العلاقة بين الإنسان والمثل الأعلى ـ تؤكد على التعالي، وتعبر عن عبودية الإنسان لله وحده.
3 ـ ونتيجة لذلك فلا وجود لتناقض بين المحايثة والتعالي في تحليل الصدر لعلاقة التاريخ بالتعالي. هذا التناقض قد اصطدمت به كل المذاهب الفلسفية إلى يومنا، نتيجة للطرح الجزئي والناقص لهذا المشكل. وهو طرح يتأرجح بين التعالي الذي يفصل الله عن الكون والإنسان، والمحايثة التي تدمج الله في الكون فتنفي وحدانيته وصفاته. وعلى العموم، فالتعالي الذي طرحته المذاهب الفلسفية يفصل بين الله والكون والإنسان. أما المحايثة فتنفي الألوهية بمعناها الحقيقي وتؤله التأريخ مكان الله.
4 ـ إن الإنسان يتمتع ـ كخليفة لله في الأرض ـ بإمكانيات تساعده على التوجه إلى الله، وتوجيه حركة التاريخ انطلاقاً من علاقته التعبدية مع الله. مع العلم بأن إمكانيات الإنسان محدودة؛ ولذلك يحتاج الإنسان إلى الرسالات، التي ترسم له معالم مسيرته ونشاطه المعرفي والعملي.
5 ـ إن الشرك يؤدي إلى فوضى في العقل وفي الطبيعة وفي التأريخ.
نبوّات مزيفة
هكذا ينتهي الصدر إلى القول: بأن فلسفات التأريخ الغربية تعبر عن نبوءات مزيفة لأنبياء مزيفين سواء بالمفهوم الهيجلي الذي رأى في نابليون الروح على فرس كما رأى في الدولة التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية الدولة الكونية الممثلة لله في التأريخ. أو بالمفهوم الماركسي الذي يرى في المجتمع الشيوعي منتهى حركة التأريخ. وأخيراً بالمفهوم الرأسمالي كما يتجلى عند فوكوياما، الذي يرى في الديمقراطية الليبرالية النموذج المثالي والأخير الذي لا يمكن تجاوزه.
هذه «النبوءة» الوضعية «ليست لها مبررات معرفية وأخلاقية، في حين أن النبوة والإمامة في الإسلام (والرسالات السماوية كلها) تملكان تلك المبررات من مصدرهما الغيبي (الوحي) وما ينتج عنه من عصمة ومن ارتباط بالتاريخ من موقع يجعل (النبي والإمام المعصوم) يستوعبان حركة التأريخ بدرجة لا يمكن مقارنتها مع الفلسفة الوضعية، التي هي مجرد إنتاج بشري وظاهرة تاريخية.
الثيوقراطية
لقد حرر الصدر الفكر الإسلامي من النظرة التجزئية، التي لا تربط الفكر السياسي بالتاريخ من موقع ارتباط هذا الأخير بالرسالة؛ لذلك لم تصبح الثيوقراطية مخالفة للشرع فحسب، بل إنها معاكسة لحركة التأريخ ومعناه؛ لأنها متناقضة مع تطلع الشعوب إلى العدالة والمساواة، ونلاحظ في هذا السياق أن الصدر يدمج الأئمة المعصومين عليهم السلام في حركة التأريخ. فالعصمة إلى كونها ظاهرة روحية (مصدرها إلهي) فهي ظاهرة تاريخية كذلك في نظر الصدر([792]).
هكذا يصبح المعنى الإسلامي للتاريخ محرراً للشعوب من الثيوقراطية ومن استبداد الحكام؛ لأن هناك الخط الرسالي الذي يجسد المعنى الإسلامي للتاريخ. (وهو خط يعتمد على خلافة الأمة وشهادة الأنبياء والأئمة)، وهناك الخط المنحرف المناقض للخط الرسالي. فالملك ليس مخالف للشريعة فحسب، بل هو كذلك معاكس لحركة التأريخ ومعناه.
الأحكام السلطانية
وتتجلى هنا كذلك أهمية العلاقة بين التأريخ والتعالي. هذه العلاقة محررة للشعوب؛ لأنها تفتح مجالاً واسعاً للتغيير وتجاوز ثقل الأمر الواقع، في حين نلاحظ العكس عند كثير من المفكرين المسلمين قدماء ومعاصرين (وهؤلاء ليسوا بالضرورة من فقهاء السلطة بل نيتهم صادقة ولكن هذه النية لا تكفي) فهم رغم ربطهم التأريخ بالتعالي من موقع ارتباط الدنيا بالغيب وبالحياة الأخرى، رغم ذلك فإنهم نظروا إلى السلطة من خلال التأريخ المعطى، تاريخ الأمر الواقع. فلم يربطوا الحاضر بالرسالة وبالمثل الأعلى. بل برروا الأمر الواقع، وأصبحت الثورة على الحكام المستبدين فتنة، كما يتجلى ذلك عند «الماوردي» في كتابه «الأحكام السلطانية» وكذلك في بعض جوانب فلسفة أبي حامد الغزالي. فقد أصبح الأمر الواقع «السلطان المطاع» ـ لا معنى التأريخ المستمد من الشريعة ـ هو المرجعية في المجال السياسي عند كثير من المفكرين المسلمين. ومن هنا ـ مثلاً ظهور مقولة «المستبد العادل» أو عودة ظهورها عند «الشيخ محمد عبده» في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
الإمامة
فالسلطان المطاع والمستبد العادل وحكم الزمان، هي كلها مفاهيم تنبع من تاريخ لا علاقة له بالتعالي أي لا علاقة له بالخط الرسالي. وهذا عكس الإمامة ـ وولاية الفقيه التابعة لها ـ التي تنبع من عمق علاقة التأريخ بالتعالي، والتي تسير في الخط الرسالي وتتماشى، نتيجة لذلك، مع معنى التأريخ بمفهومه الإسلامي.
وقد جسد الإمام الحسين عليه السلام العلاقة بين الشريعة وصيرورة التأريخ إلى حد الاستشهاد. فالارتباط بالتاريخ من خلال المبادئ ذات المصدر الغيبي عنصر جوهري من العناصر المكونة للإمامة. سلوك الأئمة عليهم السلام ليس سلوكاً آنياً وظرفياً»، بل هو سلوك متجذر في تاريخ الأمة. أي سلوك له بعد مستقبلي وكوني وطاقة ومفاهيمية يكتشفها المسلمون عبر التأريخ. ومن هنا فالإمام يوجه التأريخ، وليس موجهاً من طرف التأريخ بالمعنى السلبي الذي يدل على أن الإمام يبرر الأمر الواقع.
هذا الموقف نلاحظه بوضوح في تاريخ الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ولدى كل الذين ينتمون إلى خطهم الرسالي سواء كانوا ينتسبون مذهبياً وسوسيولوجياً إلى الشيعة أو إلى السنة. مثلاً مواقف سيد قطب والصدر من السلطة، مواقف الإمام الخميني من السلطة والرسالة التي بعثها إلى غورباتشوف([793]). كل هذا يدل على أن الذين ينتمون إلى الخط الرسالي يتأثرون بحركة التأريخ تأثراً إيجابياً أي من موقع علاقة التأريخ بالتعالي، لا من موقع التأريخ كمرجعية مطلقة.
العصمة
إن عصمة الإمام تنتج عنها معرفة (للأمة) ذات مصدر إلهي للإسلام وللواقع وللتاريخ. فالإمام لا يعتمد على مظاهر حركة التأريخ بل له قوة النفوذ. فهو لا يحكم على الأشياء في مظاهرها بل في حقيقتها. الإمام الحسين عليه السلام مثلاً لم تكن حركته مجرد رفض لشرعية السلطة، بل حركته رسالية تمتد في الآفاق آفاق التأريخ. نلاحظ هذه الفكرة عند الصدر عندما يحلل الإمامة على العموم، وخاصة عندما يحلل العلاقة بين الإمام المهدي عليه السلام والتأريخ. فهو يحلل العصمة والغيبة (كجوانب ذات مصدر غيبي) تحليلاً سوسيولوجياً (أي بالاعتماد على أدوات علم الاجتماع) ونفسياً وتاريخياً. فالصدر يرى أن العصمة هي استيعاب كلي وجذري للرسالة. والغيبة هي التفاعل والاستيعاب الكلي مع حركة التأريخ من مواقع العصمة.
الإمامة والملك
إن التأريخ في نظر الصدر ليس بمادة خام يستخدم لخدمة مواقف معينة خاصة خط الطاعة السياسي، الذي تتميز به المؤسسات الثقافية والسياسية في أنظمة الحكم في العالم الإسلامي. إن المنهج الذي اعتمده الصدر في تحليله للإمامة يحتم ـ من زاوية النظر العلمية والشرعية معاً ـ مقاربة تاريخ الأمة من خلال أداتين: الإمامة والملك. أي من خلال مفهومين: مفهوم الخط الرسالي ومفهوم الخط المنحرف.
وهكذا فتحليل الصدر لتاريخ الأمة لم يتم من زاوية أخلاقية فحسب على اعتبار أن الخط الرسالي أخلاقي والخط المناقض له هو خط غير أخلاقي. تحليل الصدر يتضمن الجانب الأخلاقي. لكن هذه الأخلاقية تتجاوز الوعظ والإرشاد، كما يتجاوز هذا التحليل الحكم الشرعي ليصل إلى أُسسه المفاهيمية؛ لأن الصدر يستخدم فكرتي الخط الرسالي والخط المنحرف كأدوات لتحليل حركة التأريخ من موقع صياغة رؤية فلسفية إلى التأريخ. وبعبارة أدق فإن الرسالية والانحراف فكرتان تشكلان مفهومين أي فكرتين منظمتين لتحليل تاريخ الأمة.
هذا الموقف يتناقض تماماً مع الموقف الآخر الذي يسعى إلى تغييب القيم التي عبر عنها الصراع بين الإمامة والملك في معركتي صفين وكربلاء. هذا الموقف الأخير (الخط المنحرف) يختزل الصراع بين الكونية والقبلية، ويحوله إلى مجرد صراع قبلي بين البيتين الهاشمي والأموي؛ وذلك بهدف إحداث قطيعة بين النموذج الحضاري الإسلامي وحركة التأريخ.
إن الرؤية الفلسفية إلى حركة الأمة عبر التأريخ التي تتميز بها كتابات الصدر تتناقض تناقضاً جذرياً مع إيديولوجيا التبرير (أحكام الزمان، السلطان المطاع) التي تبخس الأُمة الإسلامية قدرها، فتحول رساليتها ذات المصدر الإلهي إلى مجرد نزاع قبلي. والنتيجة أن الملك «العضوض» مساوي للإمامة.
إن تحليل الصدر للإمامة والملك يعتمد على التأريخية أي ربط الحوادث بعضها ببعض، ولكنه يرفض التاريخانية (أي الاعتماد على التأريخ) كمرجعية مطلقة لتفسير الحوادث بدون ربط هذا التفسير بمصدر خارج عن التأريخ. ذلك أن الإمامة تتناقض مع التفسير التاريخاني للأمة، حقيقتها كالرسالة والإمامة.
إن تحليل الصدر لتاريخ الأمة يقوم على أساس فكرة الصراع بين الإسلام كدين كوني وكمشروع لنهضة حضارية كونية، وبين نزعة قبلية تسعى إلى تهميش كونية الإسلام وكونية الأمة عن طريق نظرة تجزيئية إلى الإسلام تفصل الروحي عن الحضاري. وهذا ما جعل الأمة الكونية التي تتميز بصيرورة تاريخية لا نهاية لها (هي أُمة في تحقق مستمر) تتحول من رسالتها المركزة على التبشير العقائدي إلى التركيز على التوسع الجغرافي.
لقد استوعب الصدر بعمق حقيقة هذا الانحراف وأبعاده ونتائجه، فربط بين انحطاط الأمة والانحراف ربطاً سببياً. كما ربط نهضة الأُمة بمعرفة وتجاوز أسباب الانحراف، أي تجاوز معيارية الملك (القبلية، الترف، الاستغلال، الرضوخ للواقع … الخ) للوصول إلى المعيارية الإسلامية المحررة للشعوب والمحركة للتأريخ، والتي تتجسد في الإمامة.
إن الكشف عن هذه الحقيقة يتماشى، في نظر الصدر، مع مبدأ اعتبار الإنسان كائناً حراً، ومسؤولاً، وعاملاً أساسياً في حركة التأريخ؛ لأن الإمامة تعني التأكيد على خلافة الإنسان وخلافة الأمة. أي التأكيد على دور الإنسان في المجال الاجتماعي والسياسي والحضاري.
وهكذا تبرز العلاقة بين الإمامة وفلسفة التأريخ عند الصدر. فهو لم يحلل الإمامة في إطار العقيدة والفقه من منظور تجزيئي، بل إن الطرح الكلي للقضايا عند الصدر هو الذي جعله، منهجياً، يحلل مسألة الإمامة من منظور فلسفي إلى التأريخ. وهو منظور يبين كيف أن الملك اغتصب الحقيقة التأريخية، وما زال يغتصب هذه الحقيقة إلى يومنا هذا لخدمة السلطة المنقطعة عن إنسان العالم الإسلامي وأحاسيسه وتطلعاته([794])!
الإمامة إذاً هي حوار مع التأريخ ومع العصر الذي نعيش فيه. فالإمامة هي المستقبل وهي التقدم؛ لذلك فالإمامة، من هذا المنظور، تحتوي على معايير ومفاهيم وممارسات تجعل المسلمين يميزون بينها وبين كل أنواع «المهدويات» الوضعية([795]). كما تتجلى في الماركسية وفي الليبرالية. فهذه المذاهب تتصور خلاص الإنسان عن طريق التقدم في الميدان الاقتصادي والعلمي دون ربط هذا التقدم بالغيب.
ويرى الصدر في هذا السياق أن التغيرات التي تنتظرها البشرية هي تغيرات كبيرة وجذرية، تغيرات تحدث قطيعة مع الواقع الفاسد. لذلك تحتاج هذه العملية، في نظر الصدر، إلى إطار معرفي وقيمي خارج عن الظروف الاجتماعية والتأريخية التي يراد تغييرها. لكن هذا لا يكفي وحده في نظر الصدر، إذ لا بد للشخص الذي سيقود عملية التغيير أن يكون خارج التأريخ وفي التأريخ في نفس الوقت. وهذا هو معنى الغيبة([796]).
6 ـ الانتظار:
مفهوم إيجابي
فالصدر لا يجعل من معنى التأريخ مجرد عاطفة عفوية. إن انتظار ظهور الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد انتظار نابع من الغليان العاطفي، الغليان العاطفي بدون تأطير شرعي ومفاهيمي هو غليان عاطفي سلبي لا يغير التأريخ؛ لذلك أطّر الصدر الغيبة الصغرى والكبرى والانتظار والظهور تأطيراً مفاهيمياً مرتبطاً بقوانين التأريخ؛ لذلك ينظر الصدر إلى فكرة الانتظار من خلال متطلبات القرآن الكريم. وهي متطلبات تتمحور كلها حول مسؤولية الإنسان المؤسسة على التوكل على الله؛ لذلك يرى الصدر أن علاقة المسلم مع المستقبل هي علاقة تفاعل متبادل التأثير. فإذا كان المستقبل يؤثر في الإنسان، فإن الإنسان يؤثر، بدوره، في المستقبل إلى درجة أن هذا الأخير يصبح نتيجة لوعي الإنسان وعمله. في هذا السياق طرح الصدر مفهوم الانتظار، طرحه في معناه الجهادي كاستعداد مستمر لمجابهة المشاكل القادمة. هذا النوع من الانتظار بعيد عن الطوباوية وعن المثالية كذلك، فإذا كانت هناك مثالية فهي مثالية نوعية تختلف عن المثاليات الحالمة أو المثاليات المتطرفة، التي لا تنطلق من الواقع والتي لا تعتمد على أي مرجعية. فمقولة الانتظار كما يطرحها الصدر تقوي الجهد التغييري لدى المسلمين وتحفظه من الزوال.
فالانتظار ـ من هذا المنظور ـ لا يعني الاستسلام للأمر الواقع عن طريق الهروب منه، بل الانتظار يعني مجابهة الواقع مهما كان فاسداً ومظلماً من موقع الانفتاح المطمئن على المستقبل الموعود. هذا هو منطق الانتظار عند الصدر، وهو منطق يحوِّل التشاؤم إلى تطلع وإلى انتظار وتجاوز للعوائق والصعوبات.
هدف واقعي لا خيالي
إن الزمان يسير نحو غاية. وهنا يصبح الزمان زماناً تأريخياً؛ لأن الإنسان يعرف بأنه يتجه إلى هدف وإلى غاية. إن الغاية التي يتطلع إليها الإنسان ويتجه التأريخ نحوها قد تكون مجرد حلم أو مجرد هروب من الواقع القاسي. فالانتظار هنا هو انتظار لا أساس له، هو مجرد ظاهرة نفسية ليست لها أسس لا في الواقع ولا في التأريخ.
وهنا يتجلى الفرق بين الأهداف الخيالية أو الأسطورية والأهداف التي تستمد حقيقتها من التأريخ. وفي هذا السياق ينبغي التمييز بين كل أنواع المهدويات والطرح الإسلامي لظهور الإمام المهدي عليه السلام إذا كانت كل أنواع المهدويات الأخرى تمثل تطلعات الإنسان نحو مجتمع مثالي، وهي تطلعات تتيه في متاهات الوضعية (كالماركسية) أو المثالية (كالهيجلية)، فإن الطرح الإسلامي على عكس ذلك ينطلق من حادثة تاريخية: الإمام المهدي عليه السلام كائن واقعي وجد في التأريخ وما زال موجوداً في التأريخ وهذا من أسرار قوته؛ لأن وجوده في التأريخ (الغيبة الكبرى) يجعله يعيش الحركة التأريخية ويستوعب ـ عن قرب وعن عمق ـ نشوء الحضارات ونهضتها وسقوطها كما يرى الصدر([797])؛ لذلك فإن الانتظار هنا له معنى خاص. إنه انتظار مبني على الواقع وعلى التأريخ، وتنتج عنه مثالية واقعية لا مثالية متطرفة، فالانتظار مبني على ظاهرة تاريخية ومعقولة ولكنها، في نفس الوقت، تتجاوز العقل والتأريخ.
الواقع والمثال
هناك دائماً فجوة أو قطيعة بين الواقع والأهداف التي يتطلع إليها الإنسان. وهذا التطلع، كما رأينا، موجود لدى كل الشعوب، هو كوني في نظر الصدر، غير أن هذا التطلع إلى مستقبل زاهر يتخذ شكلاً آخر في الديانات السماوية على العموم وفي الإسلام وعلى وجه الخصوص: وعد الله بنصر المؤمنين وظهور الإمام المهدي عليه السلام. مع العلم بأن ربط الحياة الدنيا بالآخرة ينتج عنه، بالضرورة، انتظار وتطلع إلى المستقبل.
إضافة إلى هذه العوامل التي تنتج ذهنية الانتظار وتدعمها، هناك الأمة الملازمة للرسالة الخاتمة وللدين الإسلامي الكوني. فالأمة كونية ووضعيتها في مرحلة تاريخية معينة ليست إلا وضعية مؤقتة على اعتبار أن الأمة كأمة كونية هي تحقق مستمر نحو ظهور الدولة الكونية على يد الإمام المهدي([798]).
وهكذا يتبين لنا مما سبق أن الصدر حلل علاقة الواقع بالمثال، أو علاقة ما هو كائن بما يجب أن يكون من موقع منهجي: معرفة قوانين وسنن حركة التأريخ؛ لذلك اختلفت رؤية الصدر إلى مستقبل الأمة والبشرية كلها عن سائر المفكرين الغربيين وكذلك عن كثير من المفكرين المسلمين، الذين تغافلوا عن هذا المنهج العلمي فسقطوا في فخ المثالية المتطرفة، وبدلاً من المعرفة الحقيقية لعوامل التغيير لجؤوا إلى الأطروحات التمجيدية والأخلاقية، وإلى ردود الفعل الانفعالية تجاه ثقل الواقع والمستقبل الموعود.
المستقبل المتوقع والاستشهاد المتكرر
إن فكرة الانتظار تعني ـ في الرؤية الإسلامية ـ أن المستقبل كغاية عامة متوقع سلفاً (انتصار الإسلام على سائر الديانات والإيديولوجيات) ([799]) لكن هذه الظاهرة لا تنفي، بالنسبة للصدر، المشاكل والمحن التي ترافق مسيرة المسلمين نحو الهدف. وقد كانت المحنة الأولى والكبرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، والحرب التي شنها النظام البعثي في العراق على الجمهورية الإسلامية في إيران.
وهكذا فالصدر يربط بين الانتظار (كمثالية) وبين الواقع بكلّ ثقله ومآسيه ومحنه. إن هذا الموقف المعرفي لا يمكن إرجاعه إلى أي مذهب من المذاهب الفلسفية الغربية. فهو ليس واقعياً على غرار النزعة التجريبية المستغرقة في الواقع الآني وليس مثالياً منقطعاً عن الواقع. فالنمط المعرفي الذي يعتمد عليه الصدر في تنظيره للتأريخ هو تركيب بين الواقعية والمثالية. ومن هنا فالانتظار ليس مجرد أمل، بل الانتظار عند الصدر يجمع بين الواقعية والمثالية من حيث كونه (أي الانتظار) حكماً شرعياً.
إن تمزق وحدة الأمة والتخلف والأحوال المأساوية التي يعاني منها المسلمون لم تقض على تطلع ذهنية إنسان العالم الإسلامي إلى الخلاص. فهناك ثقة إيمانية تجاه المستقبل. فالمسلمون يتوقعون وقوع المشاكل والعوائق وينتظرون الخلاص في نفس الوقت. من الخصائص الأساسية للقرآن الكريم أنه يتوجه نحو المستقبل.
النظرة المستقبلية في القرآن الكريم واضحة لا تحتاج إلى تأويل. ويرى الصدر أن الشريعة قد وضعت منهجاً لهذه النظرة المستقبلية: منطقة الفراغ. أي قراءة القرآن الكريم قراءة حركية. فكلام الله يفتح الماضي والحاضر نحو المستقبل([800]).
وهكذا يتجلى لنا من خلال كتابات الصدر أن الانتظار الذي أكد عليه هو انتظار إيجابي يعتمد على الجهاد والاجتهاد أي العمل على بناء دولة إسلامية كمرحلة أولية؛ لتعجيل الظهور (ظهور الإمام المهدي عليه السلام وتحقيق الدولة الكونية)، كنظرة مستقبلية وقوة معبئة للشعوب الإسلامية في مسيرتها نحو المثل الأعلى.
هناك توتر في نفسية إنسان العالم الإسلامي تجاه الواقع الفاسد، وهذا ما ينتج عنه تطلع نحو ما يجب أن يكون، هذه ظاهرة ثابتة في ذهنية إنسان العالم الإسلامي. فليس الانتظار تخميناً ميتافيزيقياً مجرداً أو تنبؤاً وهمياً، بل هو موقف إيماني عقائدي ينتج عنه توقع يرتكز عن مقاربة المسألة، مسألة انتظار بقدر ما هي استعداد وتهيؤ لعصر الظهور بتدخل إنسان العالم الإسلامي في حركة التأريخ: الإنسان كفرد وكمجتمع وكأمة ودولة([801]).
إن المستقبل يخيف ويرعب أو يحمّس. إن موقف الحضارات من المستقبل يتأرجح بين الخوف والأمل والوهم والانتظار. لكن الانتظار في الحضارة الإسلامية ليس قابلاً لأي تأويل. الانتظار معناه أن المسلمين لا يتحركون نحو المجهول على غرار الحضارات الأخرى، بل يعرفون أين يتجهون ونحو أية غاية يتحرك التأريخ.
7 ـ التقدم:
إن فكرة غاية التأريخ ملازمة لفكرة معنى التأريخ. فإحداهما تتضمن وجود الأخرى. يشبّه اشبنجلر الحضارة بالكائن الحي. هو يعتمد على النظرية العضوية لتحليل وتفسير حركة التأريخ من خلال مراحله والغاية التي يتجه نحوها. فالحضارة في نظر الفيلسوف كالكائن الحي: تولد، تنمو، تنحط ثم تموت. ويرى اشبنجلر (Spengler) أن الحضارة الغربية قد وصلت إلى مرحلتها النهائية. إنه «انحطاط الغرب» الذي يتماشى مع منطق التأريخ في رأي هذا الفيلسوف. أما توينبي (Toynbe, e) فيرى بدوره بأن كل حضارة تتحرك حسب مراحل طبيعية: البروز، النمو، الانحطاط والتفتت. فالحضارات التي تزول هي تلك التي لا تستطيع مجابهة التحديات، التي يطرحها التأريخ أمامها وتطرحها الطبيعة. فالحضارات التي تبقى على قيد الحياة هي التي تستطيع مجابهة التحديات.
إن هذه الرؤى إلى التأريخ تعترف، على العموم، بتداول الحضارات. ولكنها تبقى ـ على الرغم من ذلك ـ رؤى محجوزة داخل التأريخ. هي ظواهر تاريخية تتأثر إلى حد كبير إلى أقصى درجة بالمرحلة التأريخية، التي عاش فيها أصحابها كما أشرنا فيما سبق.
معنى التأريخ عند الصدر
وهنا يتجلى لنا بوضوح الطرح الفلسفي للتاريخ عند الصدر وما يتميز به عن سائر الأطروحات الأخرى. فمعنى التأريخ كما يطرحه الصدر ليس مجرد ظاهرة تاريخية (انعكاس لظروف المرحلة التأريخية)، بل يتمتع مفهوم معنى التأريخ عند الصدر بمقومات تحرره من ذاتية المؤرخ ومن ذاتية أو نسبية المرحلة التأريخية؛ لأن معنى التأريخ في الرؤية الإسلامية مصدره القرآن الكريم. ففلسفة التأريخ هنا تعتمد على إطار تنظيري عام يقدمه القرآن الكريم، ويمنع الرؤية إلى التأريخ من الانحراف، كما يمنع الأمة من الخضوع للأمر الواقع أي لواقع المرحلة التأريخية الفاسد كالانحطاط والتخلف والتبعية.
نقاط الاتفاق والافتراق
لا شك أن الصدر يلتقي مع فلسفات التأريخ الغربية التي ترى بأن العصر الذهبي يوجد أمامنا في المستقبل. فالبشرية تتحرك وتتقدم نحو العصر الذهبي. (مع العلم بأن فلسفات التقدم المتفائلة والتي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد حلّت محلها فلسفة للتاريخ متشائمة نتيجة للاصطدام بالواقع: الحرب العالمية الأولى والثانية والاستغلال والتلوث … الخ) غير أن مفهوم التقدم عند الصدر يختلف عن مفهوم التقدم عند فلاسفة الغرب فالنظرة الغربية إلى التقدم تتأرجح بين القول بأن حركة التأريخ تتجه نحو تحرير الإنسان كفرد (الرأسمالية) أو تحرير الإنسان كمجتمع (الاشتراكية). وهذه الرؤية ـ على العموم ـ لا تفتح التقدم على أبعاد روحية، بل تطرح مشكلة التقدم طرحاً ناقصاً؛ لأنها لم تعالج حركة التأريخ ومعناه إلا من جانب واحد هو الجانب المادي أو الجانب الفردي على حساب الجانب الاجتماعي أو العكس.
في حين أن الرؤية الإسلامية إلى التقدم التي صاغها الصدر هي رؤية شمولية تنظر إلى الحياة الإنسانية في كل جوانبها المادية والروحية الفردية والاجتماعية.
مصدر فكرة الخلاص
إن فكرة النظرة المستقبلية وما يلازمها من حالات مثالية تتمثل في فكرة الخلاص، هي فكرة تستمد مصدرها من الديانات السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام). مع العلم بأن الإسلام أكمل الديانات السابقة عليه وتجاوزها من حيث إنه الديانة الخاتمة والكونية. فكرة الخلاص نجدها بصورة مختلفة في فلسفات التأريخ المؤسسة على النظرة المادية إلى الكون مثل الماركسية. فماركس قد تنبأ بتحرر البشرية من كل أنواع الاستلاب. لكن هذا الخلاص ليس مصدره متعالياً على التأريخ. فماركس أسس التحرر من الاستلاب والوصول إلى المجتمع المثالي، أسس، كل ذلك على قوانين التأريخ.
من يصنع التأريخ؟
أما التقدم عند هيجل فهو عبارة عن حركة جدلية نحو المجهول على اعتبار أن الذين يصنعون التأريخ لا يعرفون اتجاهه، بل لا يعرفون أنهم يساهمون في صنع التأريخ. وهذا عكس الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر حيث يرى أن المسلمين يستوعبون حركة التأريخ بفضل معالم هذه الحركة: انتصار الحق على الباطل، وعد الله بنصر المؤمنين، ظهور الإمام المهدي وتشييد الدولة الإسلامية الكونية.
وهذا لا يعني أن معنى التأريخ لا يظهر إلا في نهاية التأريخ. فكل جيل قيمته في ذاته وله دوره في حركة التاريخ؛ لأن فكرة الجزاء تعم كل الأجيال وليست خاصة بجيل معين([802]). فالرؤية الإسلامية إلى التأريخ تختلف عن نظريات التقدم في الغرب، التي ترى في الأجيال السابقة مجرد وسيلة للوصول إلى الأجيال اللاحقة أجيال الحداثة والتقدم.
التبرير
لقد انتقد الصدر الفلسفة نقداً جذرياً؛ لذلك رفض فلسفات التأريخ الغربية والفكر السياسي المرتبط بها. وهي فلسفات تعتبر أن للواقع وللمعقول هويةً واحدةً، وأن هذه الهوية هي أعلى ما وصلت إليه العقلانية. خاصة عند هيجل الذي يرى أن كل واقعي معقول وكل معقول واقعي. فهذه الفلسفة تبرر منطَقة الدولة باسم منطق التأريخ. وتنتهي ـ تبعاً لذلك ـ إلى تبرير الامر الواقع. في حين أن الصدر لا يبرر الدولة باسم التأريخ، بل يبرر الدولة باسم الشرع وباسم التأريخ الذي يتحرك في الخط الرسالي.
مراحل التأريخ عند الصدر
وقد تناول الصدر مشكلة مراحل حركة التأريخ بالتحليل، حيث يرى أن البشرية مرت بمرحلة أولية تسمى مرحلة الحضانة (آدم وحواء ونزولهما إلى الأرض)، ثم مرحلة الفطرة أو الوحدة (عدم وجود الاختلاف بين الناس) حيث كانت الحياة بسيطة مبنية على الفطرة، ومرحلة الاختلاف نتيجة لتعقد الحياة الاجتماعية، وتضارب المصالح بين الفرد والمجتمع وبين المجتمعات بعضها مع بعض. ويذهب الصدر عكس ما ذهب إليه ماركس، عندما رأى هذا الأخير أن الأساس المادي في حياة الإنسان (تطور وسائل الإنتاج) هو المحرك للتاريخ وهو الذي يؤثر في الطبيعة البشرية. فالصدر يرى بأن الطبيعة البشرية المتمثلة في الإمكانيات الفكرية والقيمية هي التي أثرت في تطور وسائل الإنتاج.
حركة التأريخ والعلاقة الثلاثية للإنسان
ويرى الصدر أن حركة التأريخ تخضع لعلاقات ثلاث هي: علاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وعلاقة الإنسان بالله. وهذه العلاقات تعتبر كلها من سنن الله في الكون. إن علاقة الإنسان بالله هي التي تجعله كائناً مندمجاً في الطبيعة وفي المجتمع ومتعالياً عليهما في نفس الوقت بصفته خليفة لله في الطبيعة وفي الأرض؛ لذلك يرى الصدر أن الإنسان هو العنصر الرئيسي في حركة التأريخ، وأن التأريخ يستمد معناه من علاقة الإنسان بالله وهي علاقة تنتج عنها عقلانية صارمة: إله واحد، وبشرية واحدة، ومصير واحد: اتجاه التأريخ نحو غاية إلهية. لكن الصدر لا يهمل دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في حركة التأريخ. فهذه العوامل أساسية وضرورية لإحداث التغيير ولكنها ليست كافية. فالإنسان لا يستطيع تغيير أوضاعه إذا كان لا يستطيع أن يتعالى على هذه الأوضاع. أي إذا كان خاضعاً لحتمية مطلقة. فالإنسان خليفة لله في الأرض. أي له القدرة على تجاوز العوائق بما يملك من جوانب روحية وعقلية تجعله يتطلع إلى ما يجب أن يكون، إلى «المثل الأعلى» كباعث رئيسي لحركة التأريخ. إن التطلع إلى المثل الأعلى حالة طبيعية في الإنسان إلى جانب كونه بعداً عقائدياً حيث إن التطلع إلى غير الله شرك ومتناقض مع الفطرة كما يرى الصدر. لكن هناك مثلاً «عُليا» مختلفة. هناك أيضاً مثل «عليا» مزيفة تشكل عائقاً أمام حركة التأريخ؛ لأن إطلاقيتها مزيفة. وهناك المثل الأعلى الحقيقي (الله تعالى) الذي يفتح أمام التأريخ حركة لا نهاية لها.
علاقة الإنسان بالمثل الأعلى
ويرى الصدر أن علاقة الإنسان بالمثل الأعلى تكون واعية أو غير واعية. فإذا كانت واعية فإنها تكون علاقة تعبدية. أي علاقة مبنية على تحرك مسؤول نحو الله([803]) وإذا كانت هذه العلاقة غير واعية فإنها تنتج تحركاً غير مسؤول. فالحركة المبنية على الوعي والمسؤولية تعجّل حركة التأريخ، هي عملية تشريعية لإحداث التغيير الذي يقود إلى النهضة وإلى تقدم لا نهاية له.
غير أن حركة التأريخ نحو المثل الأعلى ليست حركة خطية أي ليست تقدماً خطياً، بل هذه الحركة هي، في نظر الصدر، حركة لولبية صاعدة نحو الله. هناك تقدم خطي إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية ككل. ولكن خطية هذا التقدم ليست متواصلة، فحركة التأريخ تتعرض للصعود والهبوط لأن هناك انحرافات نتيجة لاتباع البشرية (مُثُلاً) مزيفة تشكل عائقاً أمام حركة التأريخ. وهنا يأتي الإمداد الغيبي عن طريق الرسالات السماوية، التي تهدي البشرية وتوجهها نحو المثل الأعلى الحقيقي. الرسالة الخاتمة (الإسلام) أتت لتكمل كل الرسالات السابقة ولتوجيه البشرية من جديد نحو المثل الأعلى.
لكن كمال الرسالة الخاتمة وشموليتها لم يمنع من وقوع انحرافات بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فحركة الأمة الإسلامية عبر التأريخ تعرضت، وما تزال، إلى صور مختلفة من الابتعاد والانحراف عن الخط الرسالي؛ لذلك سترتبط الرسالة الإسلامية مع التأريخ ارتباطاً مبنياً على العصمة مع ظهور الإمام المهدي عليه السلام؛ لتتجه البشرية اتجاهاً رسالياً نحو المثل الأعلى.
فكرة التغيير
ومن هنا يرى الصدر أن فكرة التغيير (تغيير الأوضاع الفاسدة المبنية على الظلم) ذات اتجاهين: اتجاه يسعى إلى تغيير الجانب المادي الملازم للأنظمة المستبدة، واتجاه يسعى إلى تحقيق صفات الله في الحياة الإنسانية ـ تحقيقاً نسبياً طبعاً ـ كالعدل والمساواة والعلم والقدرة. إن هذا الاتجاه الأخير ذو مصدر إلهي يحمل متطلبات التغيير وقيمه من موقع متعالٍ على التأريخ؛ لذلك فإن هذا الاتجاه وحده هو القادر على جعل حركة التأريخ تتجه نحو المثل الأعلى الحقيقي. ومنهج التغيير في الاتجاه لا يعتمد على إزالة التناقضات الاجتماعية بل يتجه إلى عمق هذه التناقضات في ذات الإنسان. فهو يحاول إزالة التناقض الداخلي للإنسان. فعملية تغيير التأريخ تبدأ من الذات لتنتهي إلى المجتمع لإزالة كل أنواع الاستغلال والاستلاب([804]).
التغيير وارتباطه بالآخرة
وهذه نقطة اختلاف مع الفكر الغربي كما يتجلى عند فوكوياما في هذه الأيام. فهذا الأخير يبني حركة التأريخ على الرغبة في الاعتراف أو التيموس (الفكرة أخذها فوكوياما من فلسفة كل من أفلاطون وهيجل ثم طورها). فالرغبة في الاعتراف هي التي تجعل الأفراد يقومون بالأعمال التي لا يستفيدون منها بصورة فردية ومباشرة. إن الرغبة في الاعتراف تتخذ معنى آخر في نظر الصدر عندما تربط بمعنى الكون والحياة. إن معنى الوجود هو الذي يبرر تضحية الفرد في سبيل المجتمع (من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر).
فالتناقض بين المصلحة الفردية والمصلحة الاجتاماعية يزول عن طريق إيمان الإنسان بأن حياته لا تنتهي بالموت الجسدي. فهناك الجزاء الأُخروي. وهكذا يكشف الصدر عن البعد التغييري والثوري للبعث. فكرة البعث وما يرتبط بها من مفاهيم وقيم كالجهاد والعمل الصالح وتقوى الله تتجاوز بصورة جذرية الإطار النفعي الضيق لفكرة التيموس (الرغبة في الاعتراف).
لذلك فتغيير العالم فكرة ملازمة لفهم العالم في نظر الصدر. يقول غالب حسن: «فهو (اي الصدر) قد تجاوز (هيجل) باتجاه (ماركس)، واستوعب (ماركس) باتجاه (هيجل). ولكن لا على أساس الجمع التلفيقي المفتعل وإنما برؤية شاملة نابعة من ذكائه المفرط ومنغمسة بحرارة إيمان…» ([805]).
البرهان بالمستقبل
إن كل فلسفات التأريخ تتشكل انطلاقاً من خلفية: هي معنى التأريخ. هذه الخلفية هي في الحقيقة نوع من البرهان بالمستقبل على اعتبار أن معنى التأريخ يتحدد في أكثر جوانبه بالغاية التي يسعى نحوها التأريخ. وقد كان هذا البرهان بالمستقبل، وما يزال، وسيلة لتبرير الاستبداد وقهر الشعوب.
فالاستعمار برر باسم تحضير الشعوب، والأنظمة الدكتاتورية في البلدان الاشتراكية بررت باسم زوال الطبقات في المستقبل.
لا شك أن الفكر الإسلامي يعتمد في تنظيره لفلسفة التأريخ على فكرة المستقبل وفكرة البرهان بالمستقبل. كوعد الله بنصر المؤمنين، وظهور الإمام المهدي، وانتصار الحق على الباطل. لكن البرهان بالمستقبل كما يطرحه الفكر الإسلامي وكما يطرحه الصدر على الخصوص ـ بالإضافة إلى أن هذا الطرح ليس مجرد ظاهرة تاريخية على غرار فلسفات التأريخ في الغرب، التي تتصور المستقبل حيث المرحلة التأريخية وظروفها، أي بالإضافة إلى المبررات المعرفية، التي يستمدها الطرح الإسلامي لدى الصدر من علاقة التأريخ بالغيب أو بالتعالي، فإن البرهان بالمستقبل في رؤية الصدر إلى التأريخ لا يطرح مشكلة مصير الأجيال. ونعني بهذه الفكرة (كما أشرنا فيما سبق) أن كل فلسفات التأريخ الوضعية تعتبر الأجيال السابقة بالنسبة لغاية التأريخ أو نهايته، مجرد وسائل يستخدمها التأريخ لبلوغ غايته. في حين أن الرؤية الإسلامية كما تتجلى عند الصدر تربط كل الأجيال وكل الأفراد بالعمل الصالح وبالجزاء الأخروي. وهكذا فالأجيال ليست مجرد وسائل لتحقيق هدف التأريخ في المستقبل: بل لكل جيل غايته في ذاته جماعةً وفرداً، كما أن كل جيل يساهم في حركة التأريخ([806]).
تفنيد الطرح الغربي
لقد طرحت فلسفات التأريخ الغربية وحدة الإنسانية كموضوع للدراسة التأريخية وتبعاً لذلك وحدة التأريخ البشري وكونيته. ومعنى هذا أن حركة التأريخ تتبع اتجاهاً واحداً. فالمسألة مسألة سرعة أو بطء هذه الحركة من مجتمع إلى مجتمع آخر.
لقد انتقد الصدر هذه الكونية كما يطرحها فلاسفة التاريخ في الغرب، وذلك من خلال نقده للأنظمة السائدة في الغرب (النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي) وطرحه للبديل الإسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والحضاري على العموم. وهو بديل يرفض النظامين الاشتراكي والرأسمالي معاً. وهو رفض مبني على رؤية إلى التأريخ تختلف عن الرؤية الغربية([807]). وكل هذا يدل على أن الصدر قد كسر ثنائية القديم والجديد التي تتضمنها الرؤية الغربية إلى التأريخ خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهي ثنائية تتحدد بالرجوع إلى تاريخ الغرب بعاداته وقيمه وخصوصيته على العموم؛ لتجعله تاريخاً كونياً يجب على كل الشعوب أن تندمج في مساره وتتبع اتجاهه مرحلة بعد مرحلة.
لقد طرح الصدر مشكلة التحقيق طرحاً جديداً أدى إلى إعادة النظر من الناحية الفلسفية في إشكالية التنمية والتقدم في العالم الإسلامي.
التحقيب
إن التخلف، في نظر الصدر، لا يمثل مرحلة تاريخية سابقة على التنمية، بل يرجع التخلف إلى منطق استعماري للعلاقة بين البلدان المتخلفة والبلدان المتقدمة. وهكذا فتحقيب الفلسفة الغربية للتاريخ ليس تحقيباً كونياً؛ لأنه مجرد انعكاس لتاريخ الغرب على العموم، أي لفلسفة التأريخ كظاهرة تاريخية ولتاريخ الغرب كتاريخ منقطع عن الغيب([808]). في حين أن التحقيب في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ ينطلق من مرجعية تشكل محور التأريخ: الرسالة الإسلامية الخاتمة والكونية وما ينتج عنها من خط رسالي (الإمامة). والخط المضاد له: الخط المنحرف (الملك).
فكل حقب التأريخ ومراحله تحدد، عند الصدر، في سياق الخط الرسالي والخط المنحرف؛ لذلك فهناك معالم الخط الرسالي: صفين، كربلاء، الغيبة، الثورة الإسلامية في إيران، الظهور (ظهور الإمام المهدي عليه السلام)، وعودة الأمة الإسلامية إلى الريادة عن طريق الدولة الإسلامية الكونية. وهناك معالم الخط المنحرف: الملك، الدولة القومية، التخلف، التبعية للغرب([809]).
مفهوم التقدم
هكذا جعل الصدر مفهوم التقدم كما يطرحه الفكر الغربي مفهوماً نسبياً. فالصدر قد نسف عن طريق هذا التحليل النقدي كونية مفهوم التقدم كما تطرحه فلسفات التأريخ في الغرب.
أراد الصدر أن يطرح تصوراً جديداً يُربط بمعنى الوجود اي برؤية كلية تربط المادي بالروحي. وذلك ليتجاوز عن طريق هذا الطرح أزمة الفكر الغربي، وهي أزمة وصلت إلى حد الشك في حقيقة التقدم نتيجة لغياب معنى الوجود. وهو غياب أدى إلى العدمية والعبث (كمقولات فلسفية) وما ينتج عنهما من نظرة مأساوية وعبثية لحركة التأريخ.
فالصدر أعاد صياغة مفهوم التقدم بصورة جذرية، وأعاد صياغة نتائج هذا المفهوم وأبعاده كالتنمية والحداثة والقومية والكونية ومعنى التأريخ، من موقع نقدي وفي أفق طرح البديل الحضاري الإسلامي.
التقدم والغاية
فالصدر عندما يحلل مفهوم التقدم لا يربطه بالوسائل فقط، بل يربط التقدم بالغاية التي تتجه نحوها حركة التأريخ. فهو يرى أنه لا يمكن الحديث عن التقدم دون طرح مشكلة الغاية أو معنى التأريخ؛ لذلك طرح الصدر مشكلة التنمية في إطار يتجاوز التحولات الاقتصادية والاجتماعية: طرح مشكلة التنمية كنهضة حضارية تعيد الأمة الإسلامية إلى مسرح التأريخ.
التقدم والوسائل
لقد ظهر مفهوم التنمية بعد الحرب العالمية الثانية كنمط تكنولوجي واقتصادي للتقدم. فالاقتصاد في هذه الرؤية للتنمية هو العامل الضروري والكافي للتقدم.
لقد كذّب الواقع هذه الرؤية حيث أدت هذه الأخيرة ـ عندما طبّقت ـ إلى أزمة مفهوم التقدم، التي هي أزمة النظرة المستقبلة، التي تعتمد على التكنولوجيا والاقتصاد كعوامل رئيسية وكافية لحركة التأريخ. إن أزمة التقدم ليست خاصة بالبلدان المتقدمة بل تشمل كذلك وبصورة مأساوية البلدان المتخلفة. فهذه الأخيرة اعتمدت على أنماط تنموية جاهزة (النمط الاشتراكي والنمط الراسمالي) انتهت بها إلى الفشل وإلى التبعية.
أما في البلدان المتقدمة فقد شملت هذه الأزمة البلدان الاشتراكية حيث زال هذا النظام. كما أنها شملت البلدان الرأسمالية، التي لم تعد تؤمن بحتمية تاريخية تدفع بالبشرية نحو مستقبل زاهر([810]).
مفهوم التنمية عند الصدر
وهنا تظهر أهمية طرح الصدر للنموذج الحضاري الإسلامي البديل من خلال تحليله (أي الصدر) لمفهوم التنمية وعلاقته بالتقدم وبمعنى التأريخ. فالصدر لم ينف العامل المادي في عملية التنمية ولكن ربطه بالجانب الروحي، فأصبحت العملية التنموية جهاداً لتحقيق خلافة الإنسان لله في الأرض من خلال التطلع إلى المثل الأعلى([811]).
فمن هذا المنظور انتقد الصدر كلاًّ من النظامين الاشتراكي والرأسمالي كنموذجين للتنمية. فهو يرى بأنهما لا يصلحان في العالم الإسلامي كطريقين للخروج من التخلف. اعتمد الصدر في تحليله ونقده لنموذج التنمية والتقدم الغربي على الحقل النظري الذي أنتج الفكر الغربي. وهو حقل له خصوصيته (عوامل تاريخية واجتماعية ونفسية وثقافية) لذلك لا يمكن تعميمه على كل الشعوب([812]). هذا يقطع النظر عن اعتماد النموذج الغربي للتقدم على رؤية مادية للكون والإنسان.
إن نقد الصدر لنموذج التنمية الغربي وطرح البديل الإسلامي هو، في الحقيقة، رفض للرؤية الخطية إلى التقدم. وهي رؤية قسمت شعوب العالم إلى قسمين: شعوب متقدمة (الغرب) وشعوب متأخرة يجب أن تتبع نفس المسار التاريخي الغربي للتقدم.
وهكذا أعاد الصدر صياغة مفهوم التقدم بصورة جذرية، موضحاً بأن البديل الإسلامي لمعنى التأريخ وللتقدم المرتبط به ليس بديلاً؛ لأنه موحى في مصدره وشكله العام وأهدافه، بل هو كذلك ظاهرة تاريخية كذلك ستفرضها حركة التأريخ كمخرج وحل لأزمة الحضارة وأزمة الإنسان في الغرب.
موقف عقلاني
وهكذا يتجلى مما تقدم أن نقد الرؤية الغربية للتقدم لا يعني اتخاذ موقف مضاد للكونية ولحركة التأريخ، واللجوء إلى الأساطير واللامعقول أو الظلامية على حد تعبير المحدثين في العالم الإسلامي. فالصدر انتقد العقلانية التي ترتكز عليها فلسفة التأريخ في الغرب انطلاقاً من عقلانية تستمد جوهرها من الإسلام، وهي عقلانية مفتوحة للتطور ولحركة التأريخ بسبب انفتاحها على الغيب أي على المطلق. إن نقد الرؤية الغربية إلى التقدم لا يعني إذاً نفي التقدم. فالصدر يؤكد على مفهوم التقدم كعنصر جوهري لمعنى التأريخ. فالتقدم في نظر الصدر ليس قانوناً للصيرورة أو سنة من سنن الله فحسب بل هو عبادة؛ لأنه يعبر عن علاقة الإنسان بالمثل الأعلى (الله).
8 ـ نهاية التأريخ:
لذلك جاء طرح الصدر لفلسفة التأريخ كطرح نقدي لهيجل وماركس ـ وبصورة مسبقة ـ لمقولة نهاية التأريخ عند فرانسيس فوكوياما. لقد أثار كتاب فوكوياما حول نهاية التأريخ جملة من المسائل التي تحتاج إلى نقاش واسع من قبل المفكرين المسلمين ومفكري البلدان المتخلفة على العموم لما لها من علاقة بمصير البشرية كلها.
فالمسائل التي أثارها فوكوياما تحتاج إلى تحليل عميق مبني على الاستيعاب والنقد والرفض المبني على النقد لا على ردود الفعل الانفعالية([813]).
فكرة فوكوياما
نشر فوكوياما مقالة بعنوان: نهاية التأريخ (نهاية الإنسان) بمجلة (National Interest) سنة 1989م. ثم كتاب نهاية التأريخ سنة 1992م. خلاصة هذا الكتاب توجد في مقدمته حيث يرى فوكوياما بأن نهاية التأريخ لا تعني نهاية الحوادث بل تعني نهاية الصراعات الإيديولوجية؛ لأن الديمقراطية الليبرالية أصبحت تمثل منتهى تطور الإيديولوجيات والأنظمة السياسية. فهي معنى التأريخ([814]).
لا شك أن المقارنة بين الصدر وفوكوياما تبدو غريبة لكون الصدر استشهد في سنة 1980م وفوكوياما كتب حول نهاية التأريخ ابتداءً من سنة 1989م. لكن فكر الصدر ليس فكراً ظرفياً بل هو فكر يستوعب التأريخ؛ لأنه يعتمد على مرجعية خارج التأريخ كما أشرنا في الفصل الأول من هذا البحث؛ لذلك تجاوزت التصورات المستقبلية عند الصدر مجرد التوقع المبني على الفرضيات، التي تحتمل الصواب والخطأ إلى الانتظار انطلاقاً من أحكام شرعية ومبادئ ومفاهيم استكشافية مصدرها القرآن الكريم والسنة الشريفة.
حقيقة الفكرة وخطؤها القاتل
إن مقولة نهاية التأريخ كما يطرحها فوكوياما هي محاولة لإعادة صياغة حضارية جديدة للمشروع الاستعماري الغربي القائم على الاستقطاب الأحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي. وهذا يعني أن تصورات الغرب وصلت عن طريق كتاب فوكوياما إلى أعلى درجة من الطغيان، إلى درجة أن وجود الثقافات الأخرى يصبح مجرد وجود عرضي. ففوكوياما لا يترك أي مبرر لوجود الحضارة الإسلامية. فهو، على غرار أكثر المفكرين الغربيين، لم يتحرر من رواسب الفكر الكنسي الوسطي الذي كان عائقاً أمام التقدم العالمي. فوكوياما بقي سجيناً لمقولة التناقض بين الدين والعلم، والدين وتقدم الحضارات. مع أن الموقف العلمي يقتضي، منهجياً، عدم التسرع في التعميم، وربط العلاقة بين الدين والعلم من خلال مبدأ الحقل النظري كأداة إبستمولوجية يتم انطلاقاً منها كل تحليل جدير بالبحث العلمي.
علمية الصدر
هذا الموقف العلمي (والأخلاقي معاً) نجده عند الصدر. فهو في تحليله لعلاقة الفكر الإسلامي بالفكر الغربي رفع هذا التحليل إلى مستوى الإشكالية الفلسفية المعتمدة على مفاهيم كأدوات للبحث، وهي مفاهيم تعتمد على الحقل النظري من حضارة إلى أخرى. ولذلك قدّم الصدر أُطروحة «إنسان العالم الإسلامي» مقابل «الإنسان الأوروبي» أو «تجربة الإنسان الأوروبي»([815]) لا من موقع الكراهية أو النوايا المسبقة كما يتجلى في بعض جوانب كتاب فوكوياما، بل من موقع اختلاف الظروف الاجتماعية والتأريخية والقيمية من مجتمع إلى آخر، وهذا بقطع النظر عن كونية الإسلام.
نقد فوكوياما بالأدوات الصدرية
يمكن، بالاعتماد على كتابات الصدر، نقد أُطروحات فوكوياما. وكتابات الصدر لا تقف عند حدود النقد فحسب بل تتجاوزه لتقدم تصوراً جديداً للعلاقة بين الشعوب والحضارات. وهي علاقة مبنية على «التعارف» بدلاً من الإقصاء والتمركز على الذات، والنظر إلى الشعوب الأخرى من موقع العقلانية الاستعلائية. إذا كانت مقولة نهاية التأريخ عند فوكوياما تدل على ركود حركة التأريخ وتوقفها داخل علاقة الإنتاج والاستهلاك نظراً إلى عدم وجود نموذج بديل عن الديمقراطية الليبرالية (في نظر فوكوياما) القائمة على الملكية الخاصة والسوق الحرة. فإن الأمر على العكس تماماً عند الصدر. فنهاية التأريخ تدل عنده على نهاية تاريخ النموذج الحضاري المنقطع عن الله، ودخول النموذج الحضاري المرتبط بالله إلى التأريخ. وهنا تزداد حركة التأريخ قوة على اعتبار أن النسبي ارتبط بالمطلق. أي ربط التأريخ بالغيب (التعالي أو المثل الأعلى).
معنى نهاية التأريخ عند الصدر
فنهاية التأريخ تعني إذاً عند الصدر، عودة سلطة الوحي التي ستشكل من جديد حضارة الوحي مقابل الحضارة الوضعية. وهذه العودة ستقلب كل المعادلات خاصة معادلة القوة والضعف والعلاقة بين المستضعفين والمستكبرين. حيث إن نصر الله للمستضعفين هو في الحقيقة طرح لإشكالية العلاقة بين التأريخ والتعالي، وبين الرؤية التأريخية المبنية على التاريخانية.
نهاية التأريخ أم نهاية الدولة الوضعية
فنهاية التأريخ تعبر عن نهاية الدولة الوضعية وأسسها المعرفية، التي ترتكز عليها، ونهاية أبعادها السياسية والاجتماعية والحضارية.
إن هذه المقولة (نهاية التأريخ) تعبر عن أزمة الفكر الغربي. أزمة لم يسبق لها مثيل. ويرى الصدر أن هذه الأزمة لا يمكن أن تجد حلولها في الفكر الغربي؛ لأن هذا الأخير قد استنفد طاقاته. إن الحل يكمن في الموقف الذي يسعى إلى تغيير معالم الحياة الحضارية الراهنة تغييراً جذرياً عن طريق إعادة النظر في الأطر المعرفية، التي ترتكز عليها الحضارة الغربية. وهذا سيؤدي بدوره إلى إعادة النظر في بنية النظام الدولي، وفي علاقة البلدان المتخلفة مع البلدان الغنية. ويرى الصدر أن هذه الانتقادات العميقة والجذرية للفكر الغربي لا توجد إلا في النموذج الحضاري الإسلامي البديل.
التعارف بل الإقصاء
والقيم الثابتة بدل المصالح الثابتة
وهكذا فإن مقولة نهاية التأريخ ذات انعكاسات مباشرة على الرؤية الإسلامية. فهي مثلاً تصطدم بمفهوم الأمة. الأمة الإسلامية مبنية على التعارف أي على تفاعل الثقافات لا على الإقصاء. وهذا ينعكس سياسياً واقتصادياً وحضارياً على العلاقات الدولية. هذه الأخيرة مبنية ـ في نظر الإسلام ـ على قيم ثابتة لا على المصالح الثابتة كما هو الأمر بالنسبة للغرب، الذي يدعم تفوقه على الشعوب واستغلالها، يدعم هذا التفوق فلسفياً عن طريق مقولة نهاية التأريخ.
عقلانية قيمية لا عقلانية استعلائية
إنه من الصعب ضبط عقلانية الفكر الغربي معرفياً؛ لأنها عقلانية نفعية استعلائية لا تخضع لثوابت معرفية وقيمية، بل هذه الأخيرة (المعرفة والقيم) هي التي تخضع لمتطلبات المنفعة أي متطلبات ثقافة الاستهلاك المبنية على العقل الأداتي البرجماتي([816]). لكن حركة التأريخ لا تجعل الباطل حقاً والحق باطلاً. خاصة بالنسبة للرؤية الإسلامية إلى التأريخ حيث إن هذا الأخير لا يكفي نفسه بنفسه ولا يمثل الحقيقة المطلقة.
(نهاية التأريخ)
فكرة قديمة جديدة
إن الغرب قبل سقوط المعسكر الاشتراكي كان يفرض نفسه كنهاية للتاريخ؛ لأن هناك أسساً وقيماً مشتركة للفكر الغربي رغم انقسامه إلى نظام رأسمالي ونظام اشتراكي. فمقولة نهاية التأريخ ليست جديدة. وهذا ما كان يراه الصدر من خلال نقده للنظامين معاً الاشتراكي والرأسمالي.
إن ما هو جديد الآن هو أن هذه المقولة انتقلت من تدعيم الاستقطاب المزدوج إلى الاستقطاب الأحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي.
تحليل الصدر
لواقع المسلمين
عندما نحلل الفكر السياسي لدى الصدر يتجلى لنا بأن الشعوب الإسلامية تبحث عن ذاتها من خلال نفي كل القيم السياسية المرتبطة بتاريخ الأمة المزيف. أي المرتبط بالسلطان القاهر والمستبد العادل من جهة، ومن خلال رفض العلمانية بأطروحاتها القائمة على فصل الدين عن السياسة.
إن المرحلة التأريخية التي نعيشها تدعم هذه الفكرة، وتبين بأن الديمقراطية الليبرالية ليست حقيقة تاريخية يجب على كل شعوب العالم أن تتبناها، بقدر ما هي وسيلة لتعبر الشعوب الإسلامية من خلالها عن عودتها إلى ذاتها أي إلى النموذج الحضاري الإسلامي.
فالشعوب الإسلامية تتطلع إلى تجسيد مبدأ الإسلام دين ودولة وهو المبدأ الذي بفضله يكتشف المسلمون الروابط بين الواقع المعاش وعلم الغيب. أي الروابط بين الواقع والمثل الأعلى.
هذا المبدأ (دين ودولة) هو وحده القادر على مجابهة مقولة نهاية التأريخ. أي مجابهة القطبية الأحادية وطرح البديل الحضاري الإسلامي. فالنموذج الحضاري الإسلامي يمثل ـ في جوهره ـ حقيقة فوق تصور البشر؛ لأنها حقيقة التعالي على التأريخ وترتبط به في نفس الوقت؛ لذلك تبقى الصيرورة التأريخية مستمرة بحكم علاقة الواقع بالمثل الأعلى أي علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب.
مبدأ (دين ودولة) والصيرورة التأريخية
إن هذا الإطار الشرعي والمعرفي لا يجعل الفكر الإسلامي يستوعب إيجابيات الديمقراطية فحسب، بل يتجاوز الديمقراطية بمفهومها الغربي ليعطيها بعداً روحياً بتأسيسها على قيم ومبادئ إلهية وتوجيهها إلى أهداف إلهية. هذه المعاني كلها يتضمنها مفهوم خلافة الإنسان وخلافة الأمة وشهادتها؛ لذلك يستحيل ـ انطلاقاً من هذه الرؤية ـ القول بوجود نهاية للتاريخ بالمعنى الذي يطرحه الفكر الغربي من هيجل إلى فوكوياما. أي نهاية التأريخ باستنفاد النموذج الحضاري كل طاقاته. فالصدر عندما يتكلم عن ظهور الإمام المهدي عليه السلام لا يضع نهاية للتاريخ بل على العكس إن «الظهور» هو الذي يحقق علاقة النموذج الحضاري الإسلامي بالمثل الأعلى، ويدفع بالصيرورة التأريخية نحو الأهداف اللانهائية([817]).
ومعنى هذا أن النظام الديمقراطي الليبرالي منظوراً إليه من زاوية نهاية التأريخ ـ كما يطرحها فوكوياما ـ تبقى فعاليته محصورة في الإنتاج والاستهلاك؛ لذلك، وهذا ما يؤيده فوكوياما نفسه، يصبح الإنسان الغربي هو الإنسان الأخير. أما بالنسبة للصدر فالإنسان يمارس، كخليفة لله في الأرض، مسؤولية يتكامل فيها الجانب المادي مع الجانب الروحي. وهذا ما يجعله منفتحاً على صيرورة لا نهاية لها.
إن فوكوياما بدلاً من جعل سقوط الماركسية محطة للتقييم والمراجعة ، فبدلاً من ذلك استجاب استجابة ظرفية وتمجيدية. فنهاية التأريخ من هذا المنظور تعتبر نهاية للعقلانية الوضعية.
الأساس المعرفي لمشكلة (نهاية التأريخ)
إن التمركز الثقافي على الذات الذي مارسه الغرب شكّل الخلفية الفكرية التي أنتجت نهايات التأريخ (أ. كونت، هيجل، ماركس، فوكوياما). إن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ لا تنزع إلى نهاية التأريخ بهذا المفهوم المغلق الذي يصل بالإنسانية إلى أعلى درجة من درجات الاستلاب. فنظرية المعرفة التي تعتمد عليها فلسفة التأريخ الإسلامية (وهي نظرية ترفض التاريخانية وتتشكل خارج الرؤية المادية إلى الكون والإنسان والتأريخ) هي نظرية للمعرفة تتجه إلى تأسيس المجتمع الكوني (الأمة الإسلامية) المتناقض جذرياً مع الاستقطاب الحضاري المبني على الانغلاق على الذات ونفي الآخر. فلسفة التأريخ المؤسسة على هذه النظرية للمعرفة تلغي الثنائية الحضارية (شرق ـ غرب) وتركز على التفاعل بين الحضارات والأعراق لتأسيس مجتمع الوحدة الحضارية الكونية: الأمة.
المفاهيم الإسلامية هي الحل
هذه الرؤية تختلف عن الرؤية الغربية كما تتجلى في فلسفة التأريخ عند كل من هيجل وماركس وفوكوياما. فكل هؤلاء الفلاسفة ألغوا الحضارات الأخرى. وحتى لو لم يلغها بعضهم فإنهم جعلوها كحضارات محلية أو حضارات دنيا بالقياس إلى الحضارة النموذجية التي يتجه التأريخ إلى تحقيقها وهي الحضارية الغربية. غير أن منتهى الصيرورة المتمثل في الحضارة الغربية ليس من قبيل منتهى الصيرورة المتمثل في الأمة الإسلامية. كونية الحضارة الغربية مبنية على رفض الحضارات الأخرى وعلى التمركز على الذات. في حين أن الأمة الإسلامية التي تمثل الرسالة الخاتمة هي مجتمع مفتوح وفي تحقق مستمر. أي مجتمع مبني على التعارف والتفاعل مع الشعوب والحضارات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كانت المراحل السابقة لظهور الحضارة الغربية (حضارة نهاية التأريخ) كمجرد مراحل قد انتهت أدوارها؛ لأن دورها الوحيد أن تكون في الطريق المؤدي إلى النموذج النهائي (نهاية التأريخ)، فإن الأمر ليس كذلك عندما يطرح مفهوم الأمة في علاقته بحركة التأريخ. ويربط الصدر، في هذا السياق، الأمة بالرسالات. والرسالات ليست مرحلية بهذا المعنى في نظر الصدر، فالرسالة تختلف عن الدورة الحضارية. فهذه الأخيرة هي نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية وتاريخية. وقد تتضمن بعداً إلهياً إذا ساهم دين سماوي في ظهورها. وعلى العموم الدورة الحضارية مصدرها بشري في حين أن الرسالات مصدرها إلهي. مع العلم أن الرسالة لما تتمفصل مع التأريخ تخضع، بدورها وفي بعض جوانبها، للمؤثرات الاجتماعية والتأريخية([818]) غير أن تعدد الرسالات وتعاقبها يسعى ـ لحكمة إلهية ـ إلى غاية حضارية منفتحة على عالم الغيب؛ لذلك فالرسالات هي المنهج الإلهي الذي عن طريقه يجسد الإنسان خلافته لله في الأرض. في حين أن الحضارات قد تجسد الخلافة وقد تنحرف عن الخط الإلهي عندما لا تعتمد على رسالة سماوية، أو عندما تحرّف هذه الرسالة كما وقع للرسالات السابقة على الإسلام. وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة» الملازم لكونية الإسلام «الدين الحق». فالرسالات مراحل لتطور حركة البشرية عبر التأريخ. غير أن التطور يجب النظر إليه من خلال علاقة التأريخ بالتعالي (والرسالة نفسها هي الدليل الشرعي والتاريخي على هذه العلاقة).
ختم النبوة
وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة». هذا المفهوم لا يعني أن الرسالة نفدت إمكانياتها. بل على العكس فإن الرسالة الخاتمة تستقطب كل الرسالات السابقة وتتجاوزها. فالنهاية هنا لا تعني أن «النموذج» استنفد كل طاقاته وإمكانياته، بل العكس هو الصحيح. فالمفاهيم والقيم التي يستخرجها المسلمون من القرآن والسنة لا نهاية لها بحكم إلهية مصدرها. فهي مثل أعلى بالنسبة إلى حركة التأريخ([819]) إضافة إلى ما سبق فإن الرسالة الإسلامية تتميز «بالحفظ الإلهي» ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر، الآية: 9] فلا يصيب القرآن ما أصاب الكتب الأخرى من تحريف. الختم والحفظ متلازمان لأن الرسالة لا يمكن اعتبارها آخر رسالة إذا كان مصيرها التحريف، فعندئذ تقتضي العناية الإلهية نزول رسالة أخرى.
كونية الإسلام وفاعلية السنن
لقد عالج الصدر مشكلة كونية الإسلام من منظور شرعي وفلسفي. هو يرى أن الرسالة لا تتعالى على العوامل الاجتماعية والتأريخية. فالرسالة تخضع ـ رغم تعاليها ومصدرها الإلهي المباشر ـ إلى سنن الله في الكون؛ لذلك ظهر الخط المنحرف بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ويأتي دور الإمامة ليحافظ على كونية الرسالة أي يحافظ على الخط الرسالي. وهو ذلك الخط الذي يمثل علاقة الرسالة بالتاريخ من موقع متطلبات الرسالة (التأريخ والتعالي) لا من موقع متطلبات الواقع أو حركة التأريخ؛ لأن القيم ليس مصدرها الواقع أو التأريخ، نقصد هنا القيم الأخلاقية على العموم. أما إذا انتقلنا إلى علاقة الإسلام بالتاريخ فإن تعالي الدين على التاريخ أقوى من مجرد القيم الأخلاقية؛ لذلك لا يمكن القول من المنظور الإسلامي إلى التأريخ: بأن كل واقعي معقول وكل معقول واقعي.
وهكذا، فإذا كانت نهاية التأريخ عند فوكوياما تؤدي بالبشرية إلى الارتخاء والملل([820]) فإنها عند الصدر تعبئ الإنسان وتدفعه إلى الجهاد (التطلع إلى المثل الأعلى) والاجتهاد (منطقة الفراغ) لتجسيد المشروع الحضاري الإسلامي.
فنهاية التأريخ من هذا المنظور ليست نقطة موجودة في المستقبل يتحرك التأريخ نحوها بصورة آلية. فنهاية التأريخ تتحقق عن طريق خلافة الإنسان. وهي (أي نهاية التأريخ) ليست منتجة للإنسان الأخير، كما يرى فوكوياما، بل هي منتجة لإنسان العالم الإسلامي الذي يربط الأرض بالسماء، وعالم الشهادة بعالم الغيب. إن انتظار المستقبل الموعود هو تطلع وتوتر وجهاد ومعاناة تأريخية.
الرؤية الإسلامية لنهاية التأريخ
إن نهاية التأريخ تؤثر في التأريخ، ولكنها ما زالت لم تصبح بعد تأريخية (أي لم تتحقق) تعتمد على مرجعية تتمثل في حادثين ذات مصدر إلهي: النبوة والإمامة. أي عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هيّأ المجتمع الإسلامي الصغير ليصبح مجتمعاً كونياً، ثم الإمامة وما انتهت إليه من غيبة صغرى وكبرى. فنهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية ترتكز إذن على حوادث قد وقعت في التأريخ. وهذا هو الفرق الجوهري من بين الفروق الأخرى بين نهاية التأريخ في الرؤية الإسلامية وفي الرؤية الوضعية. فنهاية التأريخ في الرؤية الوضعية لا تعتمد إلا على تخمينات ميتافيزيقية مثل نظرية هيجل الذي أوّل حوادث التأريخ تأويلات مزيفة، أو على دراسة تطرح نفسها على أنها دراسة علمية، ولكنها لم تصل إلى هذا المستوى، وبقيت مجرد منظومة فكرية مجردة، أو نظرية مبنية على أفكار قبلية مثل نظرية ماركس، وأخيراً نظرية فوكوياما. أما نهاية التأريخ في المنظور الإسلامي الذي حلله الصدر فهي، في جزء كبير منها ورغم مصدرها الإلهي، ظاهرة تاريخية قد وقعت بالفعل؛ لذلك يتخذ «الانتظار» شكلاً آخر لدى المسلمين فهم ـ خلافاً للشعوب الأخرى المرتبطة بنهاية التاريخ ذات المصدر الوضعي لا ينتظرون حالة مجهولة كلياً وغريبة عن تجربتهم التأريخية. فنهاية التأريخ لا توجد خارج التأريخ رغم مصدرها الإلهي.
الرؤية الوضعية
يرى هيجل ثم فوكوياما من بعده بأن الثورة الفرنسية قد أنهت التأريخ وأكملته. لقد أراد هيجل أن يحلل التأريخ الحي كما هو في الواقع اليومي. فالمسألة صياغة مفاهيم مثل الذات والموضوع وروح العصر. بل المهم هو تصور ممارسة تأريخية، أي القيام بعملية تحليلية ومفاهيمية للتأريخ، وهو يتكون في الواقع الحي (كما وقع في عصر هيجل: الثورة الفرنسية، نابليون). ويرى هيجل بأن الثورة الفرنسية ونابليون قد وصلا إلى مستوى هذه الممارسة التأريخية.
لقد نشأ نابليون في التأريخ الذي أنشأته الثورة الفرنسية وأنهى هذا التأريخ في نفس الوقت. وفوكوياما قد صاغ، هو الآخر، رؤيته إلى التأريخ ومقولة نهاية التأريخ انطلاقاً من حوادث تاريخية، خاصة سقوط المعسكر الاشتراكي.
بين التأريخ وفيلسوف التأريخ
إذا جاز لنا أن نقوم بمقارنة، في هذا الميدان، (أي العلاقة بين فيلسوف التأريخ والتأريخ كما يتكون يومياً) بين هيجل ـ وخاصة فوكوياما من جهة، والصدر من جهة أخرى، يمكننا القول: بأن الصدر لم يكن مفكراً حالماً أو مثالياً بالمعنى المجرد والمتطرف للمثالية. فقد ربط الصدر المفاهيم بالتاريخ وبالممارسة: ممارسة التأريخ يومياً وصاغ المفاهيم من الواقع ومن التأريخ، فقد حلل الصدر الحركات الإسلامية في نشوئها ونموها وهو يشاهد ذلك النشوء وذلك النمو. ونظّر الاقتصاد الإسلامي بربط المفاهيم بالنص المقدس وبالواقع والتأريخ. وحلل مفهوم خلافة الإنسان من منظور حركة التأريخ وصيرورته، ومن منظور حركة الأمة عبر التأريخ وآفاق تطورها في المستقبل. كما أنه صاغ الرؤية الفقهية والفلسفية لدستور الجمهورية في إيران وهي في نشوئها.
دولة مستعمرة لا دولة كونية
إضافة إلى ما سبق فإن تحليل الصدر لعلاقة الحضارة الغربية بالعالم الإسلامي يدحض موقف كل من هيجل وفوكوياما فيما يخص نموذجية الثورة الفرنسية وإنسانيتها. فالعلاقة بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي هي علاقة صراع واستغلال في نظر الصدر. ومن هنا فالثورة الفرنسية لم تنتج الدولة الكونية المحررة للشعوب، بل أنتجت الدولة المستعمرة للشعوب باسم التحضير.
مشكلة إبستمولوجية
غير أن الفرق فرق جذري بين الصدر وبين كل من هيجل وفوكوياما؛ لأن أكبر مشكلة تطرح في هذا السياق هي مشكلة إبستمولوجية: كيف ينهي كل من هيجل وفوكوياما التأريخ وهما يعيشان في التأريخ (فنظريتهما حول التأريخ هي في جوهرها ظاهرة تأريخية)؟
فهناك إذاً تناقض؛ لأن فلاسفة التأريخ في الغرب يصوغون فكرة نهاية التأريخ انطلاقاً من خلفية معرفية وفلسفية: إنهم يعتبرون أن فلسفتهم تلخص وتتجاوز ـ في نفس الوقت ـ كل الفلسفات السابقة. وبعبارة أخرى ففلسفتهم تطرح على أنها الحقيقة النهائية والمطلقة. مع أن هذه الصفات لا يمكن أن تتمتع بها الفلسفة، بل هي صفات متناقضة مع الفلسفة على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتمد على النقد والتساؤل اللذين يحرران المفكر من الذاتية والأحكام النهائية. وهكذا فإن فلسفات نهاية التأريخ هي فلسفات تقضي على نفسها بنفسها من الناحية الإبستمولوجية.
والعجيب في الأمر أن يعتبر كل من هيجل وماركس وفوكوياما نفسه النتاج النهائي للتأريخ، وأن الفلسفة قد وصلت لدى كل فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة إلى مستوى المعرفة المطلقة والنهائية!
منطقة الفراغ
وهنا يتجلى لنا بوضوح عطاء الصدر في هذا الميدان حيث يرى بأن فكرة الكمال خاصة بالدين لا بالفلسفة: وهذا الكمال ليس معطى في نظر الصدر، بل هناك منهج يسمح للمسلمين باكتشافه عبر التأريخ . هذا المنهج هو منطقة الفراغ.
وإذا كانت الفلسفة الغربية كما تتجلى عند كل من هيجل وفوكوياما ترى بأن الواقع يصل ـ بفضل الفلسفة ـ إلى مستوى المعقول، وأن المعقول يتجسد في الواقع فالعقلانية ـ اي الفلسفة ـ تتماشى مع الواقع (أي الدولة على اعتبار أن النسق الفلسفي والنسق السياسي ليس إلا حقيقة واحدة). وهكذا تصل الفلسفة إلى منتهاها ويصل التأريخ إلى منتهاه([821]).
أما الرؤية الإسلامية التي صاغها الصدر فإنها تختلف جذرياً عن الفلسفة الغربية في هذا المجال. حيث يرى الصدر بأن الشريعة المطلقة هي التي تتمفصل مع التأريخ النسبي، فلا يمكن القول، من هذا المنظور، بنهاية للتاريخ على الطريقة الغربية (هيجل، ماركس، فوكوياما) ([822]).
وهكذا يتبين لنا أن النسق الذي تعتمد عليه فكرة نهاية التأريخ عند كل من هيجل وماركس وفوكوياما هو نسق قاتل للتاريخ عكس الرؤية الإسلامية، التي تربط منهجياً بين الدين المطلق وحركة التأريخ عن طريق منطقة الفراغ التي تتضمن، على الصعيد المعرفي، القدرة على الانفتاح على مستجدات واستيعاب الصيرورة التأريخية استيعاباً إسلامياً (أي حسب متطلبات الإسلام).
المنقذ من النسبية
إن الغريب في فلسفات نهاية التأريخ الغربية أنها تجعل نهاية للتأريخ بعد أن حدت وبينت تاريخية الحياة الإنسانية. وفي هذا السياق يتجلى لنا كذلك عطاء الصدر حيث إنه يرى أن الإنسان النسبي لا يستطيع أن يتصور إلا مثلاً وأهدافاً نسبية. فالدين وحده هو الذي يقدم للإنسان الحل وينقذه من النسبية القاتلة لحركة التأريخ. وذلك عن طريق المثل الأعلى الحقيقي كهدف لحركة التأريخ. المثل الأعلى حقيقي هنا؛ لأن مصدره ليس الإنسان النسبي بل مصدره الوحي. هو موحى.
لذلك يمكن القول من خلال هذه الأفكار السابقة: إن فكرة نهاية التأريخ كما تطرحها الفلسفة الغربية هي النتيجة الحتمية للمرجعية المعرفية التي تعتمد عليها هذه الفلسفة. فإذا لم ينته التأريخ ـ من منظور الفلسفة الغربية ـ يصبح حركة لا نهاية لها؛ لأنها حركة تتجه نحو ما يجب أن يكون أي نحو مثل أعلى مطلق. وهذا ما لا يمكن حتى أن تتصوره فلسفات التأريخ الغربية؛ لأن المطلق الذي تتصوره هذه الفلسفات هو مطلق مزيف أنتجه العقل البشري بكل نسبيته واجتماعيته وتأريخيته؛ لذلك فهو مثل أعلى «تكراري» في نظر الصدر([823]).
وهكذا قد حلل الصدر التأريخ خارج مسلمات وبديهيات الفكر الغربي (كفصل الدين عن السياسة والتأريخ عن الغيب … الخ). لذلك أحدث الصدر قطيعة إبستمولوجية([824]) مع كل أطروحات فوكوياما، التي ظهرت بعد عشر سنوات من استشهاد الصدر قدس الله روحه.
التأريخ بين الواقعية والشرعية
لذلك نظر الصدر إلى نهاية التأريخ بمفهومها الغربي على أنها نهاية لتاريخ واقعي. لكن الصدر يرى أن هناك تاريخاً آخر هو التأريخ الحقيقي الذي بدأ في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيبدأ من جديد مع سيادة النموذج الحضاري الإسلامي؛ لأنه ليس كل واقعي شرعياً. فهناك التأريخ الواقعي ولكنه غير شرعي. وقد بدأ هذا التأريخ الأخير منذ معركة صفين (في تاريخ الأمة الإسلامية وهو تاريخ له انعكاسات كونية نتيجة لكونية الإسلام) وهو مستمر إلى يومنا هذا. كما أن التأريخ المعاصر هو تاريخ غربي مهيمن أي هو تاريخ واقعي، ولكنه غير شرعي من المنظور الإسلامي الذي طرحه الصدر.
وهكذا يمكن أن نستنتج من كتابات الصدر أن لفكرة نهاية التأريخ معنيين:
المعنى الأول: نهاية التأريخ بصورة نهائية بحيث لا يمكن تصور نموذج حضاري آخر غير النموذج الغربي (هيجل، ماركس، فوكوياما).
المعنى الثاني: نهاية التأريخ مرتبطة بتتابع الأجيال أو الحقب التأريخية، وهو تتابع يتجه نحو غاية ليست من صنع الإنسان وتصوره لأن مصدرها إلهي. فالنهاية هنا هي نهاية لنموذج حضاري معين (هو النموذج الحضاري الغربي هنا) وفتح المجال لظهور مرحلة تاريخية أخرى تحدث قطيعة جذرية مع المراحل السابقة من حيث الرؤية إلى الإنسان والمجتمع والحياة، وهي رؤية يتأسس عليها مشروع حضاري كوني، كونية حقيقية لأنها مستمدة من مصدر خارج عن التأريخ … من الإسلام الدين الحق.
فنقد الصدر للنموذج الحضاري الغربي هو نقد جذري تمّ من خلال أدوات فكرية وقيمية من خارج هذا الفكر. وهذا يختلف تماماً مع الفكر المحدث في العالم الإسلامي (ويختلف كذلك مع بعض اتجاهات الفكر الإسلامي التي لن تتحرر من إشكالية الفكر الغربي) وهو يتخاصم أصحابه على مذاهب اقتصادية وسياسية، وينطلقون من تأويلات ومذاهب لا علاقة لها بالإسلام ولا بواقع الأمة كما يرى الصدر([825]).
أزمة المسلمين
فالأزمة الحالية التي تتخبط فيها البلاد الإسلامية ليست ـ في نظر الصدر أزمة تكنولوجيا أو سوء تطبيق للأفكار المستوردة (الرأسمالية والاشتراكية)؛ لأن النموذج الغربي نفسه في أزمة قاتلة، فلا يمكن أن يكون نموذجاً كونياً أي نهاية للتأريخ. فليس هناك نهاية للتأريخ، بل نهاية لمرحلة تاريخية معينة هي المرحلة الحضارية الغربية. فالنموذج الحضاري الغربي المنقطع عن الغيب ذاب في التأريخ أي ذاب في المثل الأعلى التكراري حسب تعبير الصدر، وأصبح مجرد مبرر للواقع ولحركة التأريخ بكل سلبياتها وإيجابياتها.
فالأزمة إذاً في نظر الصدر هي أزمة العلاقة بين النموذج والإنسان: التناقض بين نموذج التقدم وذهنية إنسان العالم الإسلامي. هذا من المنظور السوسيولوجي وبقطع النظر عن كونية الإسلام. إن التخطيط وتوقع صيرورة التأريخ يجب أن يتما انطلاقاً من الحقل النظري للعالم الإسلامي.
إن نماذج التنمية والتقدم ذات المصدر الغربي، التي اعتمد عليها المحدثون في العالم الإسلامي جعلت أدنى درجة من التوقع غائبة. ويرجع سبب ذلك، في نظر الصدر، إلى التناقض بين نماذج التقدم وواقع الأمة. أي التناقض بين الأدوات الفكرية للتحليل والواقع (الأمة الإسلامية)([826]). لذلك فالنموذج الحضاري الذي يتكلم عنه فوكوياما ليس نموذجاً كونياً، والدولة التي يتكلم عنها ليست دولة متجانسة وكونية([827]).
وهكذا فإن مجرد اللجوء إلى مفهومين (خلافة الإنسان والمثل الأعلى) في فلسفة الصدر، إن مجرد اللجوء إلى هذين المفهومين من موقع التحليل الفلسفي، ينسف الفلسفة الغربية من الأساس. فمفهوما الخلافة والمثل الأعلى يجعلان الإنسان في موقع المؤثر في المادة في جانبيها الاقتصادي والطبيعي. فالإسلام يفجر الطاقات الكامنة في الإنسان ويغير العالم حتى ولو لم يطبِّق إلا بصورة جزئية (مثلاً حرب الجزائر ضد الاستعمار وكل الثورات التحريرية في العالم الإسلامي)([828]).
البديل الإسلامي عند فوكوياما
لا شك أن فوكوياما عندما يطرح الديمقراطية الليبرالية كشكل نهائي لحركة التأريخ وكشكل أكثر عقلانية للحكم، يطرح كذلك إمكانية تقديم البديل الإسلامي عن الليبرالية. ولكن فوكوياما لا يطرح هذا البديل إلا لينفيه بسرعة. ففوكوياما يصف البديل الإسلامي بالدولة الثيوقراطية. كما يرى بأن البديل الإسلامي لا يمكن أن ينتشر خارج محيطه الثقافي ولذلك «فخطره محدود»([829]).
ويتجلى هنا بوضوح تسرّع فوكوياما في تحليله للبديل الإسلامي، وتسرعه من جراء وصف نظام الحكم في الإسلام بأنه نظام ثيوقراطي دون أن يضبط هذا المفهوم. إضافةً إلى ذلك فإن فوكوياما يسوّي، أو يجعل في مرتبة واحدة، الإسلام والنازية والشيوعية في النزعة التوسعية أو مشروع الفتح العالمي. ويصل فوكوياما إلى نتيجة: لا مساومة مع الإسلام؛ لأنه مشروع يريد تدمير الحضارة الغربية.
فالليبرالية قد هزمت كلاً من النازية والشيوعية ولم يبق أمامها إلا الإسلام([830]). وهنا كذلك تأتي فلسفة الصدر لتدحض موقف فوكوياما من الأساس، وذلك من خلال مفهومين (إضافة إلى مفهومي خلافة الإنسان والمثل الأعلى): مفهوم خلافة الأمة وهي خلافة تتناقض جذرياً مع الثيوقراطية. ومفهوم الأمة الشاهدة وما تتضمنه من قوة استيعابية للحضارات والقدرة على التحكم في مسار حركة التأريخ.
عقلانية فوكوياما
أما مسألة عقلانية الديمقراطية الليبرالية من حيث هي الشكل الأكثر عقلانية للحكم فهي مسألة فيها نظر. إن العقلانية تكون قوية كلما كانت نسبية. فالنسبية هي التي تجعل العقلانية عقلانية مفتوحة وقابلة للتطور، كما تجعلها عقلانية علمية. إذا انطلقنا من هذا المعيار وهو معيار يحظى باتفاق كل المفكرين لأنه معيار علمي ـ فإن العقلانية في الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر على الصعيدين المعرفي والسياسي هي أكثر نسبية بكثير من العقلانية في منظورها الغربي خاصة كما تتجلى عند فوكوياما. فربط العقل بالغيب يجعل العقلانية تتحرك في خط لا نهاية له. ولا يمكن لعقلانية من هذا النوع أن تنتهي إلى ما انتهت إليه الفلسفة الغربية من وضع نهاية لتطور الفكر في مذهب فلسفي كما فعل كل من هيجل وماركس وفوكوياما. بل على العكس نلاحظ لدى فوكوياما موقفاً يغلق كل إمكانية للبحث خارج الرؤية الغربية إلى التأريخ، وهكذا ينقلنا فوكوياما من إطلاقية الفكر اللاهوتي في القرون الوسطى إلى إطلاقية الفكر الوضعي في آخر القرن العشرين.
إن نقطة الضعف في تحليل فوكوياما للإسلام وللحضارة الإسلامية تكمن في تسرعه في الاستنتاج وفي عدم تريثه في ضبط مواقفه وضبط المفاهيم والمصطلحات. وهذا ما أدى به إلى درجة عدم التمييز بين الإسلام وكل من النازية والشيوعية. ففوكوياما بقي سجيناً للأفكار التشهيرية حول الإسلام أي بقي سجيناً للمعرفة العامية في الغرب تجاه الإسلام والمسلمين.
الإسلام والحضارة الغربية
ويكفي أن نقول: بأن الصراع بين الإسلام والحضارة الغربية، في نظر المفكرين المسلمين ومن خلال كتابات الصدر حول هذا الموضوع، إن هذا الصراع ليس صراعاً تدميرياً على غرار النازية والشيوعية. مع العلم بأن النازية والشيوعية تعتبران من صلب وهوية الفكر الغربي والحضارة الغربية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الأمة الإسلامية من حيث هي أمة شاهدة وكونية لا تنفي عطاء الحضارات، وصراعها مع الحضارة الغربية ليس صراعاً لنفي الآخر بل لاستيعابه في إطار مبدأ «التعاري» والتكامل في أفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقَيِّم إلهي يوجه البشرية إلى المثل الأعلى الحقيقي.
وإذا نظرنا إلى موقف فوكوياما من البديل الإسلامي من خلال فكر الصدر، يمكننا القول: بأن انهيار الشيوعية ـ وهو انهيار توقعه الصدر وتوقعه كل المفكرين المسلمين لما كانت الشيوعية في أوجها ـ يمكننا القول: بأن انهيار الشيوعية لا يعني عند الصدر أن الديمقراطية الليبرالية هي منتهى تطور الإيديولوجيا؛ لأن الديمقراطية الليبرالية تنتمي، شأنها شأن الشيوعية، إلى الرؤية الغربية إلى الكون والإنسان([831]). ومن هنا فإن انهيار الشيوعية يعني ـ في أفق نظرية الصدر ـ انهيار النموذج الحضاري الغربي كله من حيث هو نموذج وضعي منفصل عن الله.
عصر الإسلام لا نهاية التأريخ
فالمسألة إذاً ليست مسألة نهاية التأريخ بل نهاية تاريخ معين: التأريخ المؤسس على النموذج الحضاري الغربي، وبداية فصل جديد من فصول التأريخ المتمثل في مرحلة دخول النموذج الحضاري الإسلامي في مسرح التاريخ لقيادة البشرية، أي دخول نظرية المعرفة المبنية على العلاقة بين العقل والواقع والوحي لتأطير النموذج الحضاري الإسلامي لقيادة التأريخ وتوجيهه نحو المثل الأعلى. وهكذا فكرة نهاية التأريخ توجد في كتابات الصدر لكن بمعنى آخر ـ كما أشرنا فيما سبق ـ غير المعنى الذي تطرحه فلسفات التأريخ الغربية. نهاية التأريخ عند الصدر تعني نهاية الدورة الحضارية الغربية. وهي نهاية ملازمة لمحدودية النسق المعرفي الوضعي الذي استنفد طاقاته. ونتيجة لذلك فإن الأنظمة السياسية المؤسسة على الوضعية قد وصلت إلى نقطة النهاية. ويكمن البديل في المشروع الحضاري المرتبط بالتعالي أي بالغيب.
فالتاريخ لم ينته إذاً بالنسبة للعالم الإسلامي؛ لأنه لم يدخل في التأريخ بعد. فالأمة الإسلامية قد أدخلت في تاريخ غير تاريخها منذ القرن التاسع عشر عصر ما يسمى بعصر النهضة. أدخلت في تاريخ الغرب. فنهاية التأريخ ليست صحيحة معرفياً وفلسفياً. فأطروحة نهاية التأريخ، بل وأطروحة معنى التأريخ من هيجل إلى فوكوياما ليست إلا أطروحة ظرفية يجابه بها الفكر الغربي الأمة الإسلامية كمرجعية حضارية ذات تاريخ كبير يخشاه الغرب. فالحضارة الغربية تعرف ـ وخاصة في هذه السنوات الأخيرة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ـ بأن الحضارة الوحيدة التي تجابهها هي الحضارة الإسلامية.
وأخيراً فإن الشهيد السيد محمد باقر الصدر لم يكتف بتنظير الرؤية الإسلامية إلى التأريخ، بل عاش هذه الرؤية وتحرّر من ثقل الواقع الفاسد، ومن حركة التأريخ المفروضة من طرف السلطة في العراق، ومن طرف الفكر الغربي، وقدم البديل الإسلامي، نظرياً بكتاباته، وعملياً باستشهاده رحمه الله.
يوم الحجير
(مؤتمر الحجير)
مر بنا الحديث عن مؤتمر الحجير أو يوم وادي الحجير والذي كان للسيد المقدس الإمام عبد الحسين شرف الدين الدور المهم في ذلك المؤتمر، سنذكر حياة هذا الإمام الفذ وعن يوم الحجير
مؤتمر وادي الحجير
ودور الإمام شرف الدين
كان جبل عامل من أكثر المناطق العربية الشاميّة حماسة للتحرر من نير السيطرة والاستعمار والتسلط. فكثيراً ما كان أبناؤه يسارعون إلى المبادرة بالعمل، مسترشدين بتوجيهات علمائهم، مطالبين باستقلال منطقتهم، ضمن استقلال البلاد الشامية كافة.
وعندما زال الكابوس التركي عن هذه البلاد ودخل الفرنسيون والإنكليز إليها، أحسَّ الوطنيون بالانتصار «لأن الحلفاء وعدوا بمنح الاستقلال التام لكل الأقطار العربية التي يحررونها من تركيا»([832]). وكان الحلفاء قد، شجعوا على إقامة حكومات في سوريا والعراق ريثما تنجلي الصورة التي كانوا يرسمونها، وكان السيد عبد الحسين شرف الدين قد أشار إلى ذلك بقوله: «في أعقاب تلك الحرب والجيوش تلقي أوزارها انتهت فلسطين إلى الاحتلال الإنكليزي، وانتهت دمشق إلى الإمارة الهاشمية برئاسة فاتحها الأمير فيصل، وكان نصيبنا من التقسيم يومئذٍ نصيباً لم تجر فيه الرياح كما كنا نشتهي، وكما كان مقدّر»([833]). ورغم ذلك كله فقد أُنشئت على الفور حكومات محلية في لبنان، وهذا ما أكّده السيد عبد الحسين شرف الدين: «وبدأ العمل في هذه البلاد بإنشاء حكومات مؤقتة تحفظ الأمن باسم الملك حسين، فكان الحاكم في بيروت شكري الأيوبي، وفي صيدا رياض الصلح، وأنشأنا في صور يومئذٍ حكومة على هذا الغرار تحتفظ بالزمام لتلقيه بعدئذٍ إلى الأمير فيصل … لكن الإنكليز أبطلت هذا التدبير الذي رجوناه لمستقبل عربي مستقل، وإذ اجتاحت في مرورها ما بنيناه من هذا الكيان الناشئ، ولم تعترف بشيء من هذا الجهد المؤمّل، وبذلك شطب على الخطوة الأولى، ومهَّد لفرنسا أن تسيطر وتحتل باتفاق مع عصبة الأمم التي كانت توجه السياسة العالمية([834])، ولكن ما كان لنا ولسائر المخلصين للدين والقومية والوطنية أن نستكين للقوة مستخذين»([835]).
وكما كان للسيد عبد الحسين شرف الدين الفضل في إنشاء هذه الحكومة في صور، كان له الفضل أيضاً بتمثيل جبل عامل والمغفور له الشيخ حسين مغنية أمام لجنة كينغ ـ كراين الأميركية التي حضرت إلى صور موفدة من عصبة الأمم لاستطلاع آراء السكان حول تقرير مصيرهم، فرفض السيد (قدس سره) كل أشكال الوصاية والانتداب، وقال في ذلك: «وبعد حوار طويل أفضيت خلاله بتصوير رغبات الأمة وأمانيها في الوحدة السورية المستقلة بحكومتها الدستورية، وأن يكون على رأسها الأمير فيصل ملكاً ورفضت أن يكون لأية دولة أجنبية يد في حكم أو دخل في انتداب ولا سيما الحكم الفرنسي وبذلك ازداد الطين بلّة بيننا وبين الفرنسيين»([836]). وقد أكّد السيد شرف الدين أمام اللجنة على المطالب الأساسية، وسلمها وثيقة مكتوبة مختومة منه ومن الشيخ حسين مغنية، منعاً لكل لبس لدى المترجم وأهم ما جاء فيها:
1 ـ استقلال سوريا التام الناجز التي تضم قسميها الجنوبي فلسطين والغربي لبنان، وكل ما يعرف ببر الشام دون حماية أو وصاية.
2 ـ تكون الدولة ملكية ذات عدالة ومساواة يستوي فيها جميع الناس كافة في الحقوق والواجبات.
3 ـ الأمير فيصل هو مرشح العرب الطبيعي لملك سوريا لما له من جهاد في سبيل القضية.
4 ـ لا حق إطلاقاً لما تدعيه فرنسا في اية بقعة من سوريا ولا نقبل أية مساعدة منها.
5 ـ إذا كان لا بد لسوريا من مساعدة، فإن الرئيس ولسون قد فتح باباً معقولاً لطلب المساعدة من أميركا»([837]).
وأمام تسارع الأحداث وانجلاء المواقف، شعر السوريون عامة والعامليون خاصة، أن المكر والخداع كانا عنوان تعامل الحلفاء مع العرب، فبدؤوا يستعدون للثورة ضد الفرنسيين. وقد أشار السيد شرف الدين إلى هذه الاستعدادات قائلاً: «وكان استقبالنا للاحتلال الفرنسي استقبالاً صاخباً محتجاً يواجهها بالرفض والمصارحة، والميل عنها ميلاً لا هوادة فيه ولا لين»([838]). وعلى أثر ذلك راح الفرنسيون وعملاؤهم يأتمرون بالسيد ويكيدون له … فاحتكم إلى الشعب وطرح مصير البلاد على أهلها في رفض الانتداب الفرنسي وإلحاق جبل عامل بسوريا تحت لواء الملك فيصل الأول، أو الرضوخ للانتداب الفرنسي، الذي كان العملاء والمتنفذون يعملون له بكل ما أوتوا من شراسة وإرجاف وبغي، وكان يحمل لواء رفض الانتداب مع السيد شرف الدين أجلَّة العلماء وقلَّة من الزعماء ومعهم السواد الأعظم من أهل جبل عامل»([839]).
كان المستعمرون يعملون بجهد لتوسيع الهوّة بين السكان، وذلك بإثارة العصبيات الطائفية ودفع العملاء لافتعال المشاكل، وتجاوز الحدود الإسلامية المقدسة ونشر الفوضى في البلاد، ليتسنى لهم إحكام السيطرة، والقضاء على الثورة التي اندلعت ضدهم. وقد أكد السيد ذلك بقوله: «أشيع أن أولياء الفرنسيين يتجاوزون الحدود الإسلامية المقدسة، وربما تناولت أيديهم بعض الأعراض المصونة … ففارت العصبية الدينية واستيقظت النخوة العربية … ووجدت سياسة الاستعمار طريقها المؤدي إلى مأربها في التفريق»([840]).
وفي تلك الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، كانت الفتنة التي خططت لها فرنسا قد استجمعت عناصرها وهبت ريحها تنذر بالخطر، فما كان من البلاد العاملية إلا أن ردت على عسف المستعمرين بتأييد مواقف السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث زحفت جموع الشعب العاملي زرافات ووحداناً وأعياناً إلى مقره في صور توقع وثيقة رفض الانتداب، حتى لم تبق قرية أو مزرعة أو عالم أو زعيم إلا ووقعها … وكان رد سلطات الانتداب أن زودوا عملاءهم بالأسلحة الحربية ودفعوهم إلى الإخلال بالأمن ليستثيروا حفيظة الوطنيين»([841]).
وكانت سوريا قد طلبت في تلك الفترة أيضاً من قادة جبل عامل السياسيين موقفاً واضحاً من الانضمام إليها، فأوفدت اثنين من رجالها إلى كامل الأسعد يطلبان منه اتخاذ موقف عملي، يحدد فيه دور العامليين في مواجهة الفرنسيين، فإما أن يكون معهم، فليستعد للثورة، وإما أن لا يفعل فيكون عليهم». وقد ذكر السيد شرف الدين ذلك المطلب حيث قال: «ولم يجد هذا البلاغ استعداداً من كامل بك لأنه لم يكن متهيئاً له فاستمهل الرسل وحمّلهم إلى أصحابهم رسالة، أنه ليس المنفرد بالرأي في عاملة دون العلماء من أولي الشأن ودون الزعماء الذين لهم كلمتهم ولهم أتباعهم، فلا بد له من أجلٍ يضربه لميعاد يجتمع فيه العلماء والزعماء ويبحثون هذه القضية على ضوء التفكير والتأمل وهكذا كان»([842]).
اتفق السيد عبد الحسين شرف الدين مع زعيم البلاد كامل الأسعد على عقد مؤتمر عام يضم علماء البلاد وزعماءها وأدباءها وأهل الرأي فيها وثوارها، وكان المؤتمر في وادي الحجير([843]) لتوسطه بين البلاد العاملية وبعده عن أعين السلطة الفرنسية وهو حصين بجباله وهضابه وبمكانه الطبيعي. وقد برر السيد شرف الدين اختيار هذا المكان بقوله: «إنما اختاروا وادي الحجير لتوسطه بين البلاد العاملية: بشارتها وشقيفها ولوجود الماء ثمَّة والكلأ»([844]).
لقد أجمع الرأي على أن المؤتمر كان من الأمور الشاقة. فهم إن التأموا فيه ففرنسا دولة قوية مرهوبة، وإن امتنعوا عنه فسوف تتصدع جبهتهم الداخلية ويفشلوا وتذهب ريحهم، وقد غلب الرأي الثاني على الأول وتوجه الجميع إلى الوادي المذكور لعقد المؤتمر. وقد نوَّه السيد شرف الدين إلى حراجة الموقف فقال: «وكان هذا الطلب من الأمور المهمة ذوات البال التي دعت إلى عقد مؤتمر الحجير التاريخي، فإن المفكرين في عاملة أخذوا هذا الطلب على أنه جد شاق من طرفيه فهم إن أجابوه ففرنسا دولة قوية غنية مجهزة لا قبل لهم بها، وإن امتنعوا عنه فهذه جبهة وطنية تدعوهم إلى جهاد وطني وذلك ما لا قبل لهم بالامتناع عنه أيضاً.
أضف إلى هذه الحيرة أن سياسة البلاد المضطربة كانت تدعوهم للاجتماع وللنظر في تقرير مصيرهم على نحو تطمئن إليه الجماعة القلقة»([845]).
قدِم العلماء والزعماء والثوار والوجهاء والآباء كما ذكرنا آنفاً إلى الوادي المذكور، وترأس كامل الأسعد المؤتمر «باعتباره الداعي إليه وأقوى المؤتمرين شعبياً في جبل عامل من جهة، ولأنه من جهة ثانية كان مدعواً من قبل سوريا، إلى تحديد الموقف السياسي لجبل عامل كما رأينا»([846]). وفي خضم هذه الأحداث لبَّى الجميع هذه الدعوة، فلم تبق قرية إلا وجاء منها من يمثلها ولا مزرعة ولا مدينة وهذا ما أكده الشيخ أحمد رضا في مذكراته حيث يقول: «وكنا من جملة المدعوين وأجبنا الدعوة صباح يوم السبت الخامس من شعبان سنة/ 1338هـ الموافق الرابع والعشرون من شهر نيسان سنة 1920م، وكانت وجهتنا محل هذا المؤتمر فوجدنا العلامتين السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد جواد مرتضى والعلامة الشيخ موسى قبلان من العلماء وكثيراً من أعيان جبل عامل وزعمائه السياسيين»([847]).
وقد أجمعت كل المصادر التاريخية، المروية منها والمكتوبة، المتعلقة بهذا المؤتمر، أن السيد عبد الحسين شرف الدين كان النجم المتألق فيه. وقد وصف السيد نفسه هذا الجمع بقوله: «وفي اليوم الموعود كان وادي الحجير يستقبل ضيوفه، وكان ضيوفه الأكثرية من صفوة علماء الجبل وأسوده، ووجهائه وأعيانه. وكان يضيق بالرايات، ويضج بالهتافات ويدوي بالمفرقعات والصهيل، وكأنما عاملة نشرت فيه ببعث جديد.
وأقبلنا والجمع كامل مستتب. فما أشرفنا على الجمع حتى جلجل الوادي، وجرجر صداه وانطلقت الحناجر والأكف والبنادق تمدُّ الصدى بموجات أثر موجات تتجلجل في عنق الجبل ثم تنطلق في الفضاء.
وانحزنا بعد تحية الجماهير إلى صف العلماء والزعماء نداولهم الرأي ونبادلهم المشورة، فتمخض الاجتماع عن تفويضي والأخوين العلامتين السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين بالبحث في مصير الجبل مع جلالة الملك فيصل في الشام، وكتبت وثيقة ممضاة من العلماء والزعماء والوجوه وممثلي القرى جميعاً. ثم وقفت في ذلك الجمع المشهود وتكلمت في الأزمة ووسائل تفريجها … ثم أقسمت اليمين وأخذتها على العلماء والزعماء والوجوه أن نتضامن على حفظ الأمن وإقرار الهدوء والحرص على سلامة النصارى بوجه خاص»([848]).
وفي هذا الموج البشري المتلاطم وقف السيد عبد الحسين شرف الدين يرتجل خطبته الشهيرة في المؤتمرين، وكان كما وصفته الأديبة مي زيادة: ما أدري أيهما أطوع للسيد من الآخر: خاتمه لِبنانه أم بلاغته لِلسانه. وقد وصف الأديب والشاعر العاملي المرحوم محمد علي الحوماني قدوم السيد شرف الدين إلى المؤتمر قائلاً: «أتذكر يوم اجتماعكم لمؤتمر الحجير؟ ولقد شهدته بنفسي ورأيت كل عالم وزعيم ورده دون أن يحسّ الحضور بوروده لكثرة ما ازدحم فيه من الخلق حتى إذا أوشكت ركابك أن تحلّ به حسبنا أن الأرض قد تزلزلت والسماء أطبقت فوقنا والجبال تقصّفت لما يصكُّ الأسماع من رعود ويخطف الأبصار من بروق، وذهل الناس من هول ما رأوا وما سمعوا حتى حسبتهم سكارى وما هم بسكارى، ولما تكشّف هذا الوهج المعقود فوق الوادي برزت من تحته كالبدر ينشق عنه الغمام ليلة تمَّه وإذا بالقسطل المعقود فوقك تثيره سنابك الخيل المحدقة بك، وإذا بالرعود القاصفة والبروق الخاطفة مما تبعثه البنادق والحراب المشرعة حولك. لم يبق في الوادي وهو يضم الألوف فرد واحد لم يهرع إلى استقبالك ويتشوق إلى ركبك … ولما جلست في خيمة العلماء المضروبة في قلب الوادي حفَّ بك هؤلاء وتهافت الحفل المحشود عليك وفهم الشيخ والشاب والجاهل والعالم كلهم يحدق بك يستمع إليك وأنت مندفع تخطب فيهم كالسيل تبعث في نفوسهم الحمية فتثور النخوة في رؤوسهم حتى تكاد الحماسة تتطاير من أعينهم شرراً وأنت دائب فيهم تحرضهم على الجهاد في سبيل الحق»([849]).
وكان لحضور الثوار في المؤتمر تأثير كبير، فهم المعنيون بحراسة هذا المؤتمر، وهم قطب الرُّحى في العمل العسكري ضد الفرنسيين. وقد وصف الشيخ أحمد رضا في يومياته قدوم صادق الحمزة زعيم الثائرين قائلاً: «وجاء بعد ساعة الشيخ صادق الحمزة من قواد الثورة يحيط به نحو الخمسين من رجاله وكلهم في عدتهم من بنادق حربية ومسدسات وقنابل يدوية شاهرو أسلحتهم حوله وانتحوا جانبا الوادي وناحية من الناس، ثم جاء زعيم جبل عامل كامل بك الأسعد وبوصوله انعقد المؤتمر»([850]).
تخلل المؤتمر بعض الحوادث الجديرة بالذكر، ومنها: أن الثوار قد شاركوا في المؤتمر المذكور تلبية لدعوة السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث جاءت ردة فعل كامل الأسعد توحي بضيق شديد من بروز هؤلاء القادة الجدد، فقد حدثت مواجهة كلامية حادة في المؤتمر، بين كامل بك وصادق الحمزة وذلك بعد أن امتدح عدد من الخطباء هذا الأخير.
كما أن صادق، انتحى جانباً ولم يأت للسلام على كامل بك كما هو مفروض، من حيث العوائد، أو من حيث السن، وقد استطاع الأسعد أن يتماسك أعصابه، فتوجه للسلام على صادق الذين كان حذراً في البداية، فقال لرجاله لدى ملاحظته قدوم كامل بك باتجاهه: «إن أبا زطام، قادم، فإن مسكني، اقتلوه».
وبعد وصول كامل بك، قال لصادق مستهجناً ومدللاً على تنازله عن الفوارق بين المرتبتين: «ابن سعدى» (أي كامل بك) بيطلع لعند ابن خديجة (أي صادق)، فلاقاه وسلم عليه. وبعد تدخل العلماء بينهما أهدى كامل بك الصادق سيفاً ثميناً قائلاً: «إن هذا السيف لا يليق بابن سعدى بل بابن خديجة»([851]).
أما أدهم خنجر فقد أُعلن عن وصوله بزخات كثيفة من الرصاص، ونادى أحد رجاله: بأن أدهم بك لا يقابل أحداً سوى كامل بك ومحمود بك الفضل. فخرج كامل بك عن صوابه واتجه نحو أدهم يتملكه الغضب، فأسرع أدهم باتجاهه أعزل من السلاح، فسلم عليه وبرر ذلك باضطراره لأسباب أمنية، وبعد أن سويت هذه الخلافات البسيطة، راح السيد عبد الحسين شرف الدين يبين بعض الحوادث التي أثارها الفرنسيون في مدينة صور، عبر عملائهم المتطوعين معهم، منبهاً إلى خطورة الانجرار وراء هذه الحوادث، رغم بشاعتها.
وقد لمح الشيخ أحمد رضا في مذكراته إلى تلك الحوادث التي راح السيد يبين بعضها. وفيها يقول: فجمع المتطوعة من العسكر المرابطين في صور وكلهم من مسيحية جبل لبنان وهجموا على مقهى بالشتم والسباب للملك فيصل ولأهله ونسائه بالكلمات الفاحشة … وهم شاهروا أسلحتهم، ولم يتحاشوا عن القذف في حق النبي معرّفين باسمه، ففرّ من كان في ذلك المكان وخرج العسكر يتعقبهم، فدخل بيوت المسلمين، وكان عملهم هذا مدبر بمعرفة الحاكم الفرنسي»([852]).
وعندما اكتمل النصاب بدأ المؤتمرون بالتشاور والتداول. ثم وقف السيد شرف الدين في هذه الجماهير المحتشدة خطيباً حيث قال: «الله أحمد في السراء والضراء، استتماماً لنعمته. والحمد لفضله. وإياه أشكر في الشدة والرخاء. استسلاماً لعزته والشكر طوله. أحمده وأشكره وأستعين به على القيام بما يحسن في الدنيا ذكره ويخلد في الآخرة أجره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً خير نبي أرسله، وعلى العالمين اصطفاه وفضَّله صلى الله عليه وآله الذين حملوا عنه ما عن الله حمله، وعقلوا ما عنه عقلَهُ. ولقد قرنهم بمحكم الكتاب وجعلهم قدوة لأولي الألباب بهم نقتدي وإن عزّت القدوة. وطريقهم نسلك وإن تكأدت العقبات.
صلوات الله عليهم ما هفت قلوبنا إليهم، أئمة هدى، ومصابيح دجى. ينيرون بصائرنا كلما ارجحنّت الخطوب، ويفتحون أبصارنا، كلما ادلهمت الدروب.
﴿كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾.
إخوتي أعلام الأمة: إننا اليوم في هذا المفترق الخطير، أشد حاجة من أي وقت. إلى الاعتصام بحبلهم، والسير على نهجهم. فإما عزة لا تفصم. أو ذلة لا ترحم. إما حياة حرة. أو هوان تهدر في حمأته إنسانية الإنسان … إما استقلال دون وصاية. أو استعباد نكون معه كالأيتام على مأدبة اللئام.
أيها الفرسان المناجيد: إن لهذا المؤتمر ما بعده. وسيطبق نبؤه الآفاق السورية ويتجاوب صداه في الأقطار العربية. ويتجاوزُها إلى عصبة الأمم. وقد امتدت به إليكم الأعناق، وشخصت الأبصار. فانظروا اليوم ما أنتم فاعلون.
ألا وإن جبل عامل بعد هذا المؤتمر بين أمرين: عز لا تنفصم عروته، ولا تقرع مرّته. أو ذل تهاوت معه كواكب السعد، وتقوّض به سرادق المجد. فإن نبذتم الأهواء الشخصية وآثرتم شرف القضية، فلنكونن في حرز لا يفصم، وتكون بلادكم في حمى لا يقحم. أما إذا غلبكم الهوى فلتكونن مزقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان. أمام قوة العدو، وشدة الفتن وتظاهر الزمان.
يا فتيان الحمية المغاوير: الدين النصيحة ألا أدلكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم: فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته وأخمدوا بالصبر الجميل فتنته. فإنه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية، حتى إذا صدق زعمه، وتحقق حلمه، استقر في البلاد تعلّة حماية الأقليات.
ألا وإن النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير. فأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم. وحافظوا على أرواحهم وأموالهم، كما تحافظون على أرواحكم وأموالكحم. وبذلك تحبطون المؤامرة، وتخمدون الفتنة، وتطبقون تعاليم دينكم وسنة نبيكم. ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾.
بهذا السلوك. يا أبنائي الأعزاء. دون غيره تردون كيد الفرنسيين إلى نحورهم، وتعيدون جحافلهم إلى جحورهم، وتنعمون بالحرية لا يتطاول بعدها إليكم متطاول.
إخواني وأبنائي: إن هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية. ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز المعتمر تاج (فيصل) العرب عاهلاً مؤثلاً، وقائداً محجلاً. يقيم حكومة شرعية، تجعل من الوطن جبهة منيعة، ينحدر عنها السيل، ولا يرقى إليها الطير.
وهذا «زعيم جبل عامل وبدره (الكامل) قد أرهف للجهاد معكم عزمه. وحشد لبلوغ الهدف عدته. فاركبوا معه كل صعب وذلول صادقي العزائم، متساهمي الوفاء. وما التوفيق إلا بالله. يؤتي النصر من يشاء. عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير»([853]).
كان خطاب السيد مؤثراً في النفوس التي اضطرمت حقداً على المستعمر الفرنسي وعلى سياسته الرعناء، وقد أشار الشيخ أحمد رضا إلى ذلك بقوله: «أنهى السيد خطابه فكان أثره في النفوس، واضطرامها حقداً وكرهاً لهذه السياسة المتّبعة من السلطات كبيراً عظيماً»([854]).
وبعد أن شدد السيد في خطابه، على حماية أرواح النصارى كما أشرنا، استدعى قادة الثورة، ونصحهم وأخذ عليهم الإيمان المغلظة وقد أشار إلى ذلك في مذكراته قائلاً: «أحضرت رؤوس الثوار كصادق الحمزة وأدهم ومحمود الأحمد ونصحت لهم وأمرتهم أن يكفوا عمّا هم فيه، بل هددتهم إن لم يكفّوا بالعقوبة والمطاردة»([855]). ويؤكد الشيخ أحمد رضا هذه الحقيقة الجليّة في مذكراته قائلاً: «ثم تذاكر المؤتمر بأمر الأمن في البلاد، فتقرر بالإجماع، العناية التامة بحفظ الأمن في سائر أنحاء هذا الجبل لجميع أبنائه من مسلمين ومسيحيين. واستدعي الشيخ صادق الحمزة فدخل السرادق حيث انعقدت جلسة المؤتمر، يحفّ به رجاله، شاهري بنادقهم حوله، فجلس أمام العلماء والقرآن بين أيديهم، فأخذوا عليه وعلى رجاله الأيمان المغلّظة أن لا يتعرض لأحد من المواطنين في جبل عامل، مسلمين كانوا أم مسيحيين بسوء أو أذيّة. فأقسم بذلك، واستثنى من كان (إلباً) للفرنسيين، أي عوناً على الوطن واستقلاله، مجاهراً بذلك مع الغاصبين المحتلين، مسلماً كان أو مسيحياً أو من أي مذهب كان»([856]).
وكان كامل بك قد تقدم باقتراح إلى المؤتمر بإرسال وفد إلى دمشق لمفاوضة الملك فيصل بالمطالب التي أرسلها عبر موفديه إلى جبل عامل، ثم أجمع الرأي على انتخاب السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين بعد اعتذار الشيخ حسين مغنية، لكبر سنه على أن ينضم إليهما في دمشق العلامة الأكبر السيد محسن الأمين. وقد أكد الشيخ أحمد رضا على ذلك بقوله: «انتخب المؤتمر العلامتين السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين لهذه المهمة، وفي دمشق يجتمعان بعلامة الشيعة الأكبر السيد محسن الأمين، ويقوم هؤلاء الأعلام الثلاثة بمفاوضة جلالة الملك فيصل باسم العامليّين، ثم قررت الهيئة العامة في المؤتمر أن يقدم باسم المؤتمرين وجبل عامل عامة التهنئة لملك سوريا بما قرّره المؤتمر السوري في إعلان الاستقلال، وقرروا أن يكون جبل عامل مستقلاً استقلالاً داخلياً ضمن الوحدة السورية. ونظموا بذلك محضراً وقعه المؤتمرون وسلموه إلى الوفد. ثم وقعوا رداً على الاحتجاج الذي انتزع من بعض جهات جبل عامل بقوة السلطة اعتراضاً على ملكية فيصل، وعلى المؤتمر السوري وسلم إلى الوفد أيضاً»([857]).
وما إن اختتم المؤتمر أعماله حتى توجه السيدان إلى دمشق، فثارت ثائرة الفرنسيين لنجاح المؤتمر، وراحوا ينفخون بوق الفتنة، وأشاعوا في طول البلاد وعرضها أن السيد عبد الحسين شرف الدين أفتى بمحاربة النصارى في مؤتمر وادي الحجير، وهذا ما ردده الأديب اللبناني أمين الريحاني مدعياً أن السيد «ضرب» خيرة بالسبحة على ذبح النصارى، فكان لهذا الافتراء المخطط هدف خبيث، وهو القضاء على السيد عب الحسين شرف الدين، لكنهم لم يفلحوا، وتطورت الأحداث بسرعة وأحرق الفرنسيون داري السيد في صور وفي شحور وأصدروا حكماً بإعدامه والقبض عليه حياً أو ميتاً للحيلولة دون وصوله إلى دمشق، لكنه وصلها محاطاً بالإكبار والإجلال. وفي أثناء غيابه ذرت فرنسا الملح على الجرح ودفعت عملاءها للإخلال بالأمن، فتحولت إلى اشتباكات ونعرات طائفية، ودبت الفوضى في طول البلاد وعرضها. وقد أسف السيد لهذه الأحداث قائلاً: «وشاء ذيول الفرنسيين من منافقي الأفندية والمتزعمين أن يستغلوا هذا الحدث أسوأ استغلال، فنسبوا إلينا فتوى بجهاد النصارى، قالوا إنها كانت في مؤتمر الحجير، وكانت دعواهم هذه تحريفاً سيئاً لموقفنا المشهود في الحجير وذهبوا بهذا التحريف المزور يزجونه في آذان الحاكمين المُسْتَولين في غير ذمّة ولا دين»([858]).
وقد استنكر الشاعر بولس سلامة صاحب ملحمة الغدير هذه الافتراءات ضد السيد فراح يمدحه بقصيدة عصماء نقتطف منها ما يلي:
أيها «السيد» هلاَّ ذكرت
أمسك المئناف أقزام تباهى
يوم لم تركع على الضيم وقد
راح سوط الذل يستاق الشياها
عرضت «للأسد» البادي
الطوى طيبات مغريات فأباها
أحرقوا «دارك» والنار محت
من معين العلم أسفاراً رواها
شرفا «عبد الحسين» المرتقي
من صروح العلم والدين ذراها
تملأ المنبر عزاً وسنى
وكذاك الشمس تهدي من يراها
كادت الأعواد من نشوتها
تلبس الخضرة ذكراً لصباها
أو تعيد الغض من أوراقها
كلما «العلامة» السبط أتاها
هذه هي حقيقة مؤتمر «وادي الحجير»، وحقيقة عَلَم علاّمة، مجاهد، دائب الحركة راسخ اليقين، يدور مع المحتل مدافعاً أو مُطارداً. أو عندما أفتى بالجهاد ضد المستعمرين حكموا عليه بالإعدام ثم أحرقوا منزليه ومؤلفاته وطاردوه من مكان إلى آخر وقوله دائماً:
إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم
فلا مشت بي في طوق العلى قدم
هذا هو السيد عبد الحسين شرف الدين، قائد مسيرة الجهاد في جبل عامل. وكل المعالم الجهادية يرسمها العلماء المجاهدون، منذ صدر الإسلام حتى أيامنا الراهنة، انتهاءً بمجيء المخلّص ـ أرواحنا له الفداء ـ فمع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن الميلاي تتابع على قيادة الجهاد أعلام المراجع القيمون على جامعات النجف وكربلاء والكاظمية وقُم وأصفهان وخُراسان والأزهر والقرويين والزيتونة وجبل عامل. بل إن كل ثورة قامت في عالم الإسلام، إنما قادها العلماء الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث الشريف (العلماء ورثة الأنبياء).
محمد كوراني
السيِّد عبد الحسين شرف الدَّين
رؤية العالم المجتهد ونهج تفكيره العملي
مسؤولية العالم المجتهد:
يرى المطّلع على سير العلماء العامليّين أنهم كانوا ينحون، في مواجهة واقعهم، منحًى عمليًّا؛ وذلك انطلاقاً من وعي مسؤولية يحددها الحديث الشريف: «إن العلماء ورثة الأنبياء». يدرك السيد عبد الحسين شرف الدين هذه المسؤولية، ونقرأ تعبيراً عنها في كلمةٍ وجهها للعلماء الذين وفدوا إلى دارته ليحولوا بينه وبين الهجرة من جبل عامل، يقول السيد إنه يوافق على البقاء «…. على شرط أن لا نكون من السياسة في شيءٍ ما، وأن لا نكون من أهلها في سلبٍ أو إيجاب، وأن لا تُعنى إلاّ بما عُني به سلفنا الأعلام من شؤونهم الخاصة وشؤون طائفتهم الدينية: دعوةً إلى الخير وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر … ورعاية للناشئة بالتأديب والتهذيب والتربية الإسلامية وعناية عظيمة تختص بنا نحن أهل العلم نتبادلها في ما بيننا …».
يحدد السيد هذه المهام، ويؤكد مسؤولية العلماء عن أدائها بوصفها واجباً دينيًّا، فيختم كلمته إلى العلماء بالقول: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾([859]).
ونجد، في وصف السيد شرف الدين، للسيد أبي الحسن الموسوي الأصفهاني ما يدل على كيفية نهوض العالم المجتهد بمهامه الموزعة بين عمل علميّ ونظر في الأُمور العامَّة وردَّ على الرسائل والأسئلة وتلبية حاجات الناس الخ….([860]).
إن مثل هذا العالم، كما يقول السيد شرف الدين في وصفه له، في مكان آخر، يأتي قومه صفر اليدين غنيّ الرّوح، ويخرج صفر اليدين من صفراء وبيضاء، ولكنه يبقى طائل الثروة بما أغنى هذه الحياة من آثاره … يخرج «وقد أغنى وأمتن وشاد وبنى»([861]). ولعلَّ الحادثة التالية خير دليلٍ على هذا السلوك ودوافعه. يورد الشيخ أحمد قبيسي، في كتابه «حياة الإمام شرف الدين» هذه الحادثة، فيقول: «…. وفي دمشق بعث الملك فيصل، مع ناموسه الخاص إحسان الجابري إلى سماحة السيد بدرة فيها خمسة آلاف دينارٍ من الذهب، فأبى السيد أخذها قائلاً: لم تكن ثورتنا من أجل المال. ولكنها عقيدية دينيَّة نستجيب لها كلما خشينا على تراث محمد أن يُصاب»([862]).
شخصية العالم المجتهد:
طبيعتها وعوامل تكوّنها:
والحقّ أن إدراك سرّ تكوّن هذه الشخصية الناهضة بأداء المسؤولية وهي شخصية العالم المجتهد وليس السيد موضوع الدراسة فحسب، لا يمكن أن يتأتى إلا بعد معرفة ثلاثة أمور أساسية، إضافةً إلى أمور أخرى عديدة. والأمور الثلاثة التي نعني نبسطها كما يلي.
أ ـ التربية الإسلامية:
يعود الأمر الأول إلى الجوّ الذي يحياه العالم في بيئته الأولى: بيته ومحيطه، وهو جوٌّ ملؤه الاحترام للعلم وأهله بمن فيهم الطالب نفسه. وتسوده رغبة في الحوار والنقاش وإذعانٌ للحق. وهو ما أطلق عليه السيد «رعاية الناشئة بالتأديب والتهذيب والتربية الإسلامية». وبغية التعرُّف إلى هذا الجوّ نقرأ ما يقوله السيد عن والدته:
لا عذَّب الله أمِّي إنَّها شربت
حبَّ الوصيِّ وغذَّتنيه في اللَّبن
وما يقوله عن والده: «ثم أقبل المقدَّس والدي على تعليمي بنفسه، واسترسل إلى تلقيني بأنسه … ما رأيت كوالدي أباً رحيماً يُعنى بأمر ولده وما رأيت مثله أستاذاً يغدو على التدريس بسعة ذرعه …» ([863]).
ونقرأ عن ذلك الجوّ العلميّ الذي كان سائداً بين السيِّد وأبيه وأخيه: «نُظِّمت المذاكرات العلمية من جديد بين الأب وولديه كما تكون بين الأخوة والأصدقاء … وقد يشتد النزاع بينهم ويعلو الخلاف في كثير من المسائل العلمية، ولكنك لا ترى إلا البشاشة في الوجوه والرحابة في الصدور والابتسامة في الثغور … وقد تتساقط دمعات من عينيّ الأب القريرة إشعاراً بالفرح والغبطة»([864]).
ولنقرأ ما يقوله السيد نفسه عن جدِّه السيد هادي، وكان قد أمضى فترة دراسته في النجف، في رعايته: «… وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربية، فيثلج غلَّتي بما ينفيه عني من معتلج الريب … وكان، على جلالته وشيخوخته، يقبل على مباحثتي بانبساطه، ويسترسل إلى مناظرتي بأنسه، ويحملني على مناقشته»([865]).
ب ـ تقاليد الوسط الدراسي العلمية:
ويعود الأمر الثاني إلى المناخ الذي كان يعيشه الطالب في بيئته الدراسية في النجف الأشرف، الجامعة الإسلامية التي مرَّ على تكوينها أكثر من ألف عام، وقد امتازت هذه الجامعة، كما يقول السيد محمد تقي الحكيم، أستاذ الأصول في كلية منتدى النثر «بفتحها على طلابها أبواب الاجتهاد، وتركها المجال للعقول تتصارع في سبيل البلوغ إلى الحق عن طريق الجدل العلمي»([866]).
إن ما يطلق عليه السيد محمد تقي «فتح الأبواب للعقول» كان يتخذ مظاهر عديدة، ومنها إتاحة الفرصة للطالب المتفوِّق للتحصيل وفق ما تؤهله قدراته إلى ذلك. فيراعي الأستاذ، في تدريسه، إمكانات الطالب، ويقول له، إن آنس منه تفوقاً: «لا تؤن، (لا تؤخِّر) فرصتك، ولا تكون عُوَّقاً (مسوِّفاً)». ويحثّ الأستاذ طالبه على البحث، و«يستفزّه إلى إعمال النظر في معضلات المسائل، حيث تختلف أنظار العلماء». ولا يكتفي بهذا، فيدفعه إلى مناقشته ومعارضة حجّته، يتقلَّب معه في أحناء الحق، طويل النفس في ذلك، ويسعفه بما ينصفه»([867]).
ويكون التقلّب في أحناء الحق أحد مظاهر فتح الأبواب للعقول، وهو يستند إلى «دقة نظر وعدالة فهم وحضور ذهن وبيان حجة مدعمة بالبيّنات القاطعة والحجج الملزمة، ومستظهرة بأدلة العقل والنقل». ويصف السيد شرف مثل هذه الدروس التي كان يحتدم الجدل فيها بحثاً عن الحقائق بقوله: «لذلك كان درسه من أنفع الدروس للمتوسطين وللمنتهين من الفقهاء والأصوليين»([868]).
وكان الأستاذ، في مظهرٍ آخر، كثيراً ما يخصّ طالبه ببعض المسائل الشائكة فيكلّفه باستنباط حكمها وتمحيص الحقّ فيها. وحين يطَّلع على ما يعدّ يصغي إليه ويناقشه، ويسأل عن دقائقه، ويقلّبه باطناً لظهر، يعجم بذلك عوده ويسبر غوره … وينصفه في نهاية النقاش معجباً مكبراً ….
ولم يكن التحصيل يقتصر على حجرات الدراسة، ففي الجلسات الخاصَّة كان يترامى الحديث إلى بعض الفروع المشكلة، فيخوض العلماء فيه. ويصف السيد بإحدى تلك الجلسات، فيقول: «واحتدم النزاع تلك الليلة وعذوتها احتداماً عاد بنفعٍ جزيلٍ وفوائد جمّة»([869]).
وكان طلب العلم يأخذ وقت الدارس كله في سنَّة سار عليها الشيوخ الأعلام ويقول السيد في ذلك: «ما عُنيت مدة إقامتي في العراق ـ وكانت اثنتي عشرة سنة ـ بغير ما هاجرت إليه حتى أني لم أتصل بغير أهل العلم … بل لم أر من حواضرها وبواديها غير المشاهد الأربعة والكوفة وبغداد وما كان في طريقي إلى هذه البلاد….»([870]).
وقد تأصَّل هذا النوع من التحصيل، فأكسبه صفاتٍ منها حسن الأخذ المتمثل في الإصغاء وإعمال الفكر والسؤال عن الأمور المشكلة والبحث الجادّ عن الحقيقة من دون تهيّب أو اعتداد، ودعم الحجة عند الوصول إليها بالدليل القاطع، لا الاكتفاء بالظن وإقامة الدعوى فحسب. وأكسب هذا كله العلماء صفات من أهمها الانصراف إلى التحصيل وبذل أقصى الجهد في ذلك، وتحضرني هنا صورة السيد، وهو في الثمانين من عمره، منصرف إلى كتبه وإملائه … ومن هذه الصفات أيضاً التواضع العلمي وسرعة التنازل للحقّ …
ويؤكد د. حسين مروة هذه الحقائق عندما يتحدث عن جامعة النجف التي أمضى فيها ردحاً من شبابه.
يسأل د. مروة: «من أين وكيف تتكون هذه الرؤية، الشهادة؟ ـ أي شهادة جامعة النجف ـ ويجيب: «تتكون بفعل التقاليد التاريخية الإيجابية لهذا الوسط الدراسي، كما عرفناه في أخريات العهد بهذه التقاليد. فهي تقاليد تنهض أساساً على أن العلاقة بين الأستاذ والطالب ليست علاقة التلقي والاستماع، وإنما هي علاقة حوار ومناقشة حتى منتهى الصراحة ومنتهى الحريّة. للطالب أن يبحث موضوع الدرس خارج الكتاب المقرَّر وخارج النّص الراهن وخارج رأي الأستاذ. هذا أولاً …. وأما ثانياً فإن اللقاءات اليومية بين أهل الوسط الدراسي من أساتذة وطلبة لا يمكن أن تحدث دون أن تُطرح فيها مسألة ما … وحين تنظر المسألة لا بد أن يكون لكل من يحضر اللقاء صوتٌ ورأيٌ وموقف …» ([871]).
وكان من تأثير هذه العوامل، كما يقول السيد شرف الدين: «أن أنجبت النجف أقطاباً تمخّضت أقوالهم وأفعالهم لله وحده»([872]). وكان من تأثيرها، أيضاً، أن صار السّعي في سبيل أداء المسؤولية الفكرية العملية طبيعة للعالم المجتهد. وهذا ما يذهب إليه السيد محمد تقي الحكيم، عندما يقول: «… وربما تجاوز تأثيرها مجاله العقلي إلى سلوكه في حياته الاجتماعية، فأصبح مناضلاً في مختلف ميادين الحياة».
وإن كان لنا أن نتعرف إلى طبيعة هذا السلوك النِّضالي، فإننا نختار بعض الوقائع ذات الدلالة على ذلك من نحوٍ أول، وعلى تاريخيته من نحو ثانٍ في الوادي القريب من قرية شحور، القريبة من مدينة صور، مغارة تُطلّ على مجرى نهر الليطاني. شهدت هذه المغارة لجوء عالمين عامليين إليها في فترتين متباعدتين تاريخياً، وذلك بسبب مقاومة طغيان المحتل. كان العالم الثاني السيد عبد الحسين شرف الدين، أحد أحفاد السيد صالح، استوطنها يوماً بعد أن زحف القائد الفرنسي إلى داره في شحور وأحرقها.
وممَّن امتُحن بطغيان الجزّار الشيخ إبراهيم يحيى، فهاجر، ولقي شدائد كادت تودي به، فأنشد الكثير من الشعر، ومنه لاميَّته التي يقول فيها مصوّراً تعامله مع المحن:
…. ويعجبني خطبٌ من الدَّهر أدهم
له غررٌ في لطفه وحجولُ
كذاك تناهي الشرّ خيرٌ لأنه
على فرج الله القريب دليلُ([873])
من الحوادث ذات الدلالة، في هذا السياق، ما يرويه السيد محمد صادق الصدر، فيقول: «ومن الصدف الغريبة أن يكون السيد شرف الدين في علما (قرية في فلسطين) فارًّا من الحكم الفرنسي، وأن يكون سماحة المرحوم السيد محمد حسن الصدر في لبنان فارًّا من الحكم الإنكليزي. وكلٌّ من الزعيمين قد حارب الاستعمار، وحكم عليه بالإعدام»([874]).
والحقيقة أن ليس من صدفةٍ، إذ أن عاملاً تحكّم في وقوع هذه الحوادث وهو نهوض العالم المجتهد بأداء مسؤوليته، انطلاقاً من وعيه لدلالة الآية الكريمة التي أشرنا إليها آنفاً، وهي: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾. وينهض العالم بأداء مسؤوليته بعد أن أعدّ للقيام بها أفضل إعداد.
ولم يقتصر هذا النهوض على السلوك العمليّ، وإنما شمل، أيضاً، مختلفة ميادين الحياة، ومنها الميدان الفكري التنظيري. فالعالم الحقّ لا يتورّع من مناقشة مختلف المسائل مسلّحاً بأدلَّة العقل والنقل. فنقرأ للسيد شرف الدين قوله لدى مناقشته حجّة الجمهور في مسألة عدالة الصحابة أجمعين: «… قرّروا القول بعدالة الصحابة أجمعين، ومنعوا النظر في شؤونهم وجعلوا ذلك من الأصول المتبعة وجوباً، فاعتقلوا العقول بهذا، وسملوا العيون، وجعلوا على القلوب أكنّة، وعلى الأسماع وقراً، فإذا هم صمّ بكمٌ عميٌ، فهم لا يرجعون»([875]).
إننا، إذ نقرأ هذا الرفض لمصادرة العقول، نقف إزاء ما يصف به بعض المفكرين منظومة الفكر الإسلامي متسائلين عن مدى معرفتهم بهذه المنظومة ورجالها. يقول علي يوسف، في هذا الصدد: «إن الأصولية كما يسمّيها غارودي والصرامة العقلية كما يسمِّيها روكيش والأرثوذكسيّة الدينية كما يسمّيها ديكونشي، والإيديولوجيا كما يسمّيها سائر المفكرين النقديين تلتقي في صفةٍ مشتركة أساسيّة هي أن المنظومة الفكرية التي تشكل مضمونها تعامل من قبل أصحابها باعتبارها حقائق مطلقة لا يلحقها تبديل ولا تغيير. وكل ما خالفها فهو هراء. ولا تستقيم هذه النظرية إلا إذا اعتبرنا أن الفكر أو الغيب، وليس الواقع، هو مصدر الحقائق …» ([876]).
إن إلماماً يسيراً يفيد، كما بدا لنا، أن العلماء المسلمين المجتهدين يفتحون أبواب العقل ويتقلبون في أنحاء الحق، ويرفضون مصادرة العقول ويريدون للأعين أن تفتح. وهذا، كما بدا لنا، نهج السيد شرف الدين في التفكير يكمل نهجه في السلوك العملي. فنقرأ له، في نصٍّ واضح الدلالة، ينقض ما جاء به أولئك المفكرون: «… ونحن إنما ننقدهم ـ أي الصحابة ـ تقديساً لرسول الله ولسنَّته صلى الله عليه وآله وسلم. شأن الأحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم»([877]).
الحقيقة أننا لا نجد ما نضيفه إلى هذا الإيمان بضرورة النقد، وحقيقة دوافعه ونوعية الناس القائمين به، وهم الأحرار في عقولهم.
ج ـ روحية الوسط العلمي:
الأمر الثالث، ويتمثل في العالم القائد القدوة، من حيث طريقة اختياره وسبل نهوضه. بأداء مهماته. يتحدث السيد شرف الدين عن هذه المسألة فيقول: في الجامعة وفرةٌ من العلماء الأعلام، تدعو في حالات الناس العاديّين إلى التزاحم على الزعامة والتدافع والخصام … ولكن الوسط الروحي المهيمن يرتفع بذويه فيكون الانتخاب طبيعيًّا. ويتم اختيار من كان أقوى على المصلحة وأقدر على النهض بالعبء وأدنى إلى الكفاية الجامعة لشروط الفضل والبرّ والتقوى وصدق النظر. فإذا اختار الانتخابُ فرداً من ذلك المجموع الصالح كله للقيادة أذعن الجميع راضين مجبورين، وأشفق المنتخب ألا يكون قادراً على النهوض بالمسؤولية. وهذا شاهد صدق، كما يضيف السيد شرف الدين «على أن القوم مؤمنون حقاً … يستشرفون من الزعامة مركز المصلحة لا مصلحة المركز. ويستقبلون قيادة الكرسيّ لا كرسيّ القيادة …». فتكون هذه الروحيَّة السَّائدة سرَّ النهضة في مختلف ميادين الحياة.
رؤية إسلامية شاملة ـ وعملية:
وإذ ندرك طبيعة هذه الشخصية وعوامل تكونها نرى أنها تمتلك رؤيةً إلى العالم وأشيائه مميزة. ففي كل شيءٍ ثمة وجه الله. وكلُّ عملٍ ينبغي أن يبذل في سبيل رضاه، وكأنه غرسٌ في هذه الدنيا بوصفها مزرعة الآخرة. وإن حاولنا تلمّس معالم هذه الرؤية لدى السيد شرف الدين نجدها واضحةً، ولا نجد صعوبةً في تقديم الأمثلة التي تدلُّ عليها. ولهذا سوف تقتصر على ذكر بعض هذه الأمثلة وفي عدَّة مجالات.
ـ يكتب إلى ولده السيد صدر الدين، في إحدى رسائله له: «بلغني بلوغك الحلم، فبورك لنا ولك في ذلك، وهي نعمةٌ يجب أن تقدّرها حقّ قدرها وتقوم بأعباء شكرها، إذ أسعدك الله بالتكليف، وشرَّفك بخطابه المنيف فإن ائتمرت بأوامره، وانزجرت بزواجره كنت السَّعيد في الدنيا والآخرة. وإن كنت ممن يخالفه عن أوامره فاحذر من الفتنة والعذاب الأليم»([878]).
فبلوغ الإنسان مرحلة التكليف نعمةً من الله يجب أن يقدّرها حقَّ قدرها، فيأتمر بأوامره وينزجر بزواجره، فيكون السعيد في الدنيا والآخرة. وهذا الفهم يدفعه إلى أن يبارك لابنه بلوغه الحلم. وهذه رؤية تربويَّة إسلامية تتعامل مع مرحلة المراهقة في سياق الرؤية الإسلامية الشاملة إلى العالم، ومن دون أي خوفٍ وتعقّد من مخاطر هذه المرحلة العمرية التي يُدفع فيها الفتى إلى الانحراف في كثير من المجتمعات.
وينطلق من هذه الرؤية نفسها في تعامله مع أشياء هذا العالم. فعندما يتأمل الطبيعة الغنيّة الجميلة في إقليم الريّ، أثناء زيارته لإيران يتساءل «أمن أجل هذه الحقول نزا الشيطان على ابن سعدٍ، وفُتنت العقول، يومئذٍ على حواشي مأساة الطّف!؟». ولا يلبث أن يقول: «… وما نحن وهذه المفاتن، فحسبنا منها الآن هذه المتعة البريئة التي ترينا الله في هذا الكون الجميل، وفي هذه الطبيعة الشاعرة ….» ([879]).
يتأمّل التاريخ والطبيعة وثرواتها. في دلالة كلٍّ منها على وجود الله وعظمته ويضيف إلى رؤيته للتاريخ القول بضرورة الإفادة منه «لتستقبل منا الأجيال القادمة ما استقبلناه من الأجيال الماضية». ويرى عندما يتحدث عن الثورة العربية بقيادة الشريف حسين في مكّة أن نستوحي ما حدث في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، فيقول: «وها نحن في مرحلةٍ نتوثب إلى أن يكون لنا شأن نستوحيه من شأن مكة.
وللعرب في كل مكان، ولا سيما في مكة، نزوع، وإن اختلفت تفاصيله، فإن مجمله متّفقٌ على الوثوب إلى التاريخ من حاضرهم المهين»([880]).
وفي ميدان التأليف يكون هدفه من وضع جميع كتبه النهوض بأداء مسؤوليته في منحى عمليٍّ للإفادة من مختلف فنون المعرفة وعلومها. فيقول إنه وضع كتاب «بغية الراغبين» «أداة لحقوق الآباء والأرحام، وشكراً لجهودهم في دين الإسلام، ولالةً للخلف على جادة السلف ليعرفوها أو إرشاداً للأبناء إلى سبيل الآباء ليقتفوها …». وكأن ما يسطّره حجة تبين الهدى، فلا يبقى للمشاقق أي عذر، وهو بهذا إنما يعمل بمنطوق الآية الكريمة التي يستشهد بها، وهي:{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}. والعمل بهدي هذه الآية نجده في جميع مؤلَّفاته، فهو يقول عندما يثبت بعض القصائد: «وما كنت لأورد هذه الأبيات لولا أنها تمثل حناناً يوجب على أولاد هذين السيدين وأحفادهما أن يتبادلوه بينهم في كلّ خلف». ويقول في مكانٍ آخر: «نكتفي بإثبات هاتين المرثيتين من دون سائر المراثي لأنهما تصوّران تلك المرحلة من تاريخ البلاد»([881]).
ولعلَّ مثل هذه الأقوال تجعلنا نرى فيها إشارات إلى مفهومه للشعر. فهو مفهوم يندرج في إطار رؤيته الشاملة العملية لأشياء هذا العالم. فالشعر يُدوّن ويحفظ، إضافةً إلى فنيّته، لفوائد عمليّة تربويّة وتاريخية، وتحكم هذه الرؤية، كما قلنا آنفاً، هدفه من تصنيف جميع مؤلفاته. فيقول إن تأليفه كتاب الفصول المهمّة ما كان إلاَّ للرّد على فتاوى الشيخ نوح الحنفي القاسية([882]).
والغرض منها «استئصال بذور الشقاق بإيضاح خطئه واجتثاث أرومة الافتراق ببيان اشتباهه، حرصاً على أن لا يكال بصاعه، واتقاءً من تصديقه واتّباعه»([883]).
وفي «أجوبة مسائل موسى جار الله» ينهض لأداء الغرض نفسه، فيقول: «فما وقفت على تلك المسائل حتى أوجست خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها وتتفرَّق جماعتها؛ إذ وجدت فيها من نبش الدفائن وإثارة الضغائن ما يشقّ عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب … كان الواجب ترك هذه الغارات ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات …»([884]). وفي كتب «المراجعات» و«النص والاجتهاد» و«أبي هريرة» يتمثل الهدف نفسه، فنقرأ له قوله: «… وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت. وما توفيقي إلا بالله»([885]).
وتتجلى هذه الرؤية في اعتقاده أن ما ينجزه من أعمالٍ في هذا السبيل هو الإرث الوحيد الذي يتركه. فيقول، وهو يثبت بعض القصائد التي قيلت في وصف أعماله: «وكنت أوثر أن أتجاوز هذا كله لولا أن يفرض ذكره للوفاء لتلك العواطف والمكافأة عليها بتخليده إرثاً لا أترك سواه لعقبي وبلدي، فإن فيه من تاريخ هذه المرحلة من مراحل الجبل صفحة جهاد وعزاء تنضم إلى صفحات هذا الجبل الجياد، وتثبت استمراره حرًّا …» ([886]).
القضية المركزية:
تأليف الأمة ووحدتها:
والملاحظ أن القضية المركزية، في هذه المؤلفات، هي تأليف الأمة ووحدتها. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه القضية كانت المشكلة الأساس في الواقع الذي تصدى السيد إلى مواجهة مشاكله في تلك الفترة من الزمن. وبغية معرفة هذا الواقع نقرأ ما يقوله في وصفه له. وهو وصف ذو دلالة واضحة على طبيعة ذلك العصر ونوعيَّة مشاكله. يقول السيد في وصفه: أتينا صور، منتصف ذي الحجة سنة 1325. وليس لنا فيها «جامع، ولا مجمع ولا جماعة ولا جمعية، ولا جمعة، ولا عيد، ولا أذان ولا عنوان، ولا مدرسة، ولا، ولا يدخل الأجنبيّ صور، وهي عنوان الإماميّة في البلاد العاملية، فلا يحس منهم بأحد، ولا يسمع لهم ركزاً. يراهم ـ وهم الأكثرية ـ في معزلٍ عن المسجد الحافل بغيرهم عن المسلمين … وكأنهم ـ والعياذ بالله ـ ليسوا من هذه الأمة …». هذا إضافةً إلى أن هؤلاء الناس كانوا متفرقين «كبنات نعشٍ قد سعى بينهم متزعموهم عملاً بالقاعدة الإقطاعيَّة: فرّق تسد»([887]).
ويقتضي هذا الواقع العمل في عدّة اتجاهات. الاتجاه الأول بيان أن هؤلاء الذين كانوا يعاملون وكأنهم ليسوا من هذه الأمة، بيان كونهم من الأمة وفي وقع القلب منها، وهذا يفسِّر وفرة مؤلفاته في هذا الموضوع. والاتجاه الثاني إيجاد المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، وقد كانت الحاجة إليها ماسَّة، والاتجاه الثالث تأليف هؤلاء الناس المتفرِّقين بفعل أهواء متزعّميهم ومصالحهم. وفي هذه الاتجاهات بدأ السيد العمل في نهجٍ فكريٍّ عملي يواجه مشكلات واقعه بعزم وإيمان.
ولم تكن المهمّة سهلة، فعندما يدعو السيد إلى بناء مسجد، على سبيل المثال، يبادر المتزعمون إلى العرقلة، ويواصلون ذلك. وتكثر شكوى السيد منهم طوال فترة عمله في إقامة المؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية([888]).
تصدَّى السيد إلى مشكلات واقعة فعمل على إنشاء مؤسَّساتٍ ضروريَّةً، وكوَّن مناخاً انتظمت فيه ألفة المؤمنين، فإذا هم كما يقول، «كأنجم الثريا» بعدما كانوا «كبنات نعش»، وانصرف إلى الخطابة والكتابة في تأليف الأمة وبيان ملابسات الخلافة وأسس الوحدة.
وفي فترة تالية، كانت الثورة العربية الكبرى وتطوراتها في بلاد الشام، وما تلا ذلك من احتلال وتنفيذ اتفاقية سايكس ـ بيكو. وكان للسيد حضوره الفاعل في مواجهة مشكلات هذه الفترة، مؤكداً على التحرير والوحدة … ومن ثم على المشاركة والإنماء. ولست في مقام التفصيل في هذا الموضوع، وإنما أريد إكمال ما بدأته، فأشير إلى بعض خصائص مؤلَّفات السيد بوصفها مظاهر يتجلى فيها تفكيره العملي.
مظاهر تجلي التفكير العملي:
أ ـ تنظيم البحث دقة التعبير:
كان السيد يملي مؤلفات إملاءً وعلى الرغم من مظاهر هذه الشفوية، ومما كان يسود مؤلفات ذلك العصر من حشو واستطراد، نراه حريصاً على تنظيم البحث إلى مقصد فمطلب فمبحث، ونراه أيضاً حريصاً على حصر الكلام في الموضع المحدد، فيقول عندما يخشى الخروج على الموضوع: «وكان علينا تفصيل ذلك لولا أنه يخرجنا عن موضوع الكتاب»([889]). ويعطي أحياناً مثلاً، ثم يعود إلى موضوعه([890])، وعندما يغريه الاستطراد ينتبه، ويعود إلى بحث المسألة معتذراً: «شطَّ بنا الفكر عن المقصود فلنعد إليه»([891]).
ويكون، في تأليفه دقيق الأداء، فلو قارنَّا بين قول مقدم كتاب بغية الراغبين التالي: «… أكرم عائلات جبل عامل»([892])، وبين قول السيد عن العائلة نفسها ومنه: «… وأحرزت قصب السبق في مضامير الفضل. برع فيها رجال خدموا الدين الإسلامي الخ …» ([893]). لأدركنا الفرق بين حكم مطلق وحكم آخر محدد ولا يعوزه الدليل في الميدان المذكور.
ب- اختيار الموضوع وخطّة بحثه:
يعمد السيد عندما يبدأ البحث في موضوع أبي هريرة إلى بيان مشروعية الدراسة والحاجة إليها. فهذا الصحابي أكثَرَ من الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر المحدثون الأخذ عنه. وهذه الكثرة المزدوجة متصلة بحياة المسلمين الدينية والعقلية، ولا بد من البحث عن مصدرها وصحته. ولا يمنع هذا البحث ما يقول به الجمهور عن عدالة الصحابة أجمعين. ويناقش هذا الأصل، أو المسلَّمة المؤسس عليها، وينقضها ثم يبحث في أمر هذا المكثر نفسه، وفي حديثه: كمًّا وكيفاً ليكون على بصيرة. ويبالغ في الفحص، ويغرق في التنقيب حتى يسفر، كما يقول «وجه الحق في كتابي هذا ويظهر فيه صبح اليقين». وهكذا، ومن خلال هذا المثل، نراه يختار موضوع دراسته انطلاقاً من الحاجة العملية إليه. ويحدد هدفه من بحثه ويبين مشروعيته وأسسه وخطواته. ثم ينصرف إلى الدراسة حاصراً إملاءه في موضوعه بدقة واضحة.
ج ـ الجدل في المسائل الخلافية وقوة الحجة:
ويتميز بحثه بالوضوح والجرأة في تناول المسائل الخلافيَّة. ونراه يجادل وينتهي إلى رأي يؤيده بحشد من الأدلة العقلية والنقلية المقنعة. يعرف ذلك كل من يقرأ مؤلفاته، فهذا السيد أبو القاسم الخوئي يقول عنها: «ولا … يسع كل من يراجع كتبه إلا أن يستفيد منها الحقيقة، ويخضع لها مهما كان قوياً في آرائه»([894]). ونراه، في كتاب «فلسفة الميثاق» يبسط رأيه في المسألة المعروضة، ويؤيده بالعديد من الأدلة، ليؤكد أن الآية المعنية أتت مجازاً على سبيل التمثيل والتصوير ويستشهد بخمس آيات قرآنية وبأحاديث نبوية وبنماذج من الشعر العربي، وينتهي إلى تقرير استنتاج يتبنَّاه([895]). وفي كتاب «بغية الراغبين» يعرض لمسألة حقّ قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويثبت ذلك الحقّ، مستشهداً بالعديد من الأحاديث النبوية، وإن كنا لم نستشهد بما ورد في كتاب «المراجعات». وكتابي «النص والاجتهاد» و«الفصول المهمة»؛ وذلك لشهرته. إذ كان في «المراجعات»، كما يقول، منطلقاً «من القيود الكثيرة التي كانت توثق الأفكار آنذاك برجعيات يضيق صدرها حتى بالمناقشة البريئة والتفكير الصحيح»([896]).
د – حرية البحث والنظر العقلي:
وكان السيد، في مؤلفاته، يحدد القضايا والمسائل ويناقشها بحرية، وفي ضوء الفهم الموضوعي العقليّ. ومن الأمثلة على ذلك فهمه قضيَّة ما يأخذه بعض المسلمين على الشيعة. إذ أنه يضع هذه القضية في إطار الجهل بمذهبهم. فيقول: «… وإن دلّت هذه المفاجآت على شيء فإنما تدل على جهلهم بتفاصيل مذهبنا في ما يخالفوننا به من هذا الفرع». وبعد أن يقرر هذه الحقيقة، يورد عدداً من المآخذ، ويشرح ملابساتها.
ومن الأمثلة، أيضاً، تفسيره خوارق العادات. يلاحظ اعتقاد الناس بهذه الخوارق، ويصفها، ويقدم تقريبات، ويقرر: «وبهذه التقريبات تخرج هذه الخصيصة عن خوارق العادات»([897]). وعندما تتبين له الغرائب والعجائب يدل عليها ويقول عن المحدِّث بها: «… تراه طروباً إلى التحدُّث بما هو فوق نواميس الطبيعة كغرار الحجر بثياب موسى، وكضرب موسى ملك الموت حتى فقأ عينه، ونزول جرار الذهب على أيوب، وأمثال ذلك من المستحيلات عادةً»([898]). ويصف حديثاً آخر بقوله: «هذا من السخافة بمثابة تربأ عنها الأمة الوكعاء إلا أن تكون مدخول العقل»([899]).
والاعتماد على العقل في النظر إلى الأمور واضح في الأمثلة التي ذكرناها، وكنا قد قررناه آنفاً، ورأينا أنه خير ردٍّ على من يصفون منظومة التفكير الإسلامي بالجمود، إذ أن السيد، في سلوكه وتفكيره، يعتمد النظر إلى الأمور بحرِّيَّةٍ وقدرةٍ على الجدل وتقديم الأدلة المقنعة.
هـ ـ العلم نواة الحضارات
ووسيلة القوة والظَّفر:
ويكون العلم، في ضوء هذا الفهم لدور العقل، نواة الحضارات وحظّها في القوة والظفر والحياة … يؤكد، السيد هذا، ويضيف: «ولئن اختلفت مظاهر الحياة وظواهر الاجتماعات باختلاف العصور وتباين البيئات، فإن العلم بجوهره واحد في وجوبه وضرورته، يسعى إليه أولو الألباب ويؤثرونه في كل عصر». ويؤيد السيد ما يذهب إليه بآياتٍ، من القرآن الكريم وبعددٍ من الأحاديث النبوية([900])؛ وذلك على عادته في تأييد رأيه بالعدد الوفير من الحجج القاطعة.
وفي ضوء هذا الفهم لدور العلم يرى السيد خطر المعاهد المسمومة، ويسعى إلى تأسيس مدرسة الجعفرية للذكور والزهراء للإناث، ولكن المتزعمين نجحوا في إقفال المدرسة الثانية. وإن يكن قد عمل على تأسيس مدرسةٍ حديثة، فإنه لم ينسَ التوجّه إلى طلاب العلم في المعاهد الدينية، يدعوهم إلى إصلاح شؤونهم وشؤون أمتهم مقيماً موازنةً بينهم وبين خريجيّ مدارس الأجانب من حيث معرفة العلوم العصرية([901]).
وفي إطار التوجه نفسه دعى إلى إصلاح جامعة النجف، فقال: «وكنت أتمنى أن يكون للنجف مناهج رتيبة تقوم على مواد مفروضة وراء هذه الدروس التي يتلقاها طالب النجف بغير نظام رتيب. وكنت آمل أن أجد في النجف مثل هذا الإصلاح من غير أن يؤثر ذلك على جوهرها…»([902]).
وهكذا كان العلم، في رأيه، وسيلة أساسية من وسائل الإصلاح والنهوض إلى إنتاج القوة والظفر والحياة…
و ـ سياسة الغرب الاستعماريَّة:
تجلت رؤية السيد المسؤولة في مظهر آخر هو التصدي للغرب وسياساته الاستعمارية في فهم عميقٍ لجوهرها، كان منطلق مواقفه الوطنية ونضاله العملي والفكري. وهذا الجانب ـ أي الجانب الفكري ـ هو ما سوف نشير إلى ملامحه في ما يلي:
كان السيد في سامرَّاء حين حدثت فتنتها المعروفة. ونجد، في فهمه لها، خير مثالٍ نقدِّمه على رؤيته لحقيقة سياسة المستعمر وكشفه لها وبيان وسائله في الإفادة من المشكلات الطارئة.
يقول السيد في ذلك: «… تجاوب صدى الفتنة في آفاق العراق وإيران وجلجل في العالم الإسلامي غضباً جامحاً على وجهٍ أثار نهم الطامعين في العراق من دول الاستعمار وأخاف المستولين عليه يومئذٍ … فلم يكن من الغريب أن تبعث تلك الفتنة في بريطانيا أملاً يُرجى … ومن هنا أسرع سفير بريطانيا إلى سامرَّاء يطرق أبواب الشريف الإمام بكل خضوع، حاملاً إليه من دولته رسالة التطوع لأوامره على أي وجه شاء.
لكن غور الإمام الشيرازي البعيد وفكره الثاقب ورأيه السديد، كل ذلك وقف به على كنه الرسالة وسرّها. وانتهى به إلى ما يجب من الحيطة على الإسلام والإخلاص للأمة … فردّ «سفير بريطانيا رد الأبيّ الحميّ»([903]).
وكان هذا الفكر الثاقب الناظر إلى ما يجب من «الحيطة على الإسلام والإخلاص للأمة … أداة السيد في فهم سياسة فرنسا المستعمرة في لبنان، فرأى، وبكل وضوح أنها «جهزت المسيحيين بالأسلحة بدعوى تمكينهم من حماية حوزتهم … وبذلت السلاح للمسلمين، أيضاً، بحجة أنها تدع لهم تأديب العصاة ومطاردتهم. ولكن الحقيقة التي رمت إليها من وراء ذلك أن ثوروا بالنصارى ليتسع الفتق. ويثبت ما قصدت إليه من التدليل على عدم كفايتنا للاستقلال، فتقيم عندئذٍ حكمها على قاعدةٍ من هذا التدليل، كما أقام أمثالها حكمهم على قاعدة مثله»([904]).
وفي مواجهة هذه السياسة، كان مؤتمر الحجير للنظر في تقرير مصير البلاد على نحوٍ تطمئنّ إليه الجماعة القلقة، وكان أحد قرارات هذا المؤتمر رداً على سياسة المستعمر، وهو «التضامن على حفظ الأمن وإقرار الهدوء والحرص على سلامة النصارى بوجهٍ خاصّ» وإقسام اليمين على ذلك([905]).
وفي الوقت نفسه الذي كان يدرك فيه سياسة المستعمر كما يعي تماماً أغراض رجال السياسة المحليين ووسائلهم. فيقول في وصف بعضهم: «… فهم معنا بوجهٍ ولسان ومع الفرنسيين بوجهٍ ولسان آخرين ومع الأمير فيصل بوجهٍ ولسان غير هذين».
ويقول في تفسير عدم اكتمال التحضير لمواجهة الحملة الفرنسية: «وكان الملك فيصل وفى بوعده، وجهّز إلى الجبل قوافل من العتاد والأسلحة والأطبّاء، ولكنّ الزعيم كاملاً أرجع ذلك كله تعويلاً على الحلول السلمية وأخذاً بالأناة والتساهل»([906]).
ز ـ التحديث المشوه:
ولم تكن هذه الرؤية للسياسة الاستعمارية جزئيّة، وإنما كانت جزءاً من رؤية عامة، فقد كان السيد يضع هذه السياسات في إطارها العام من سياسة الغرب في بلاد المسلمين وسياسة أتباعه من الحكّام المحليين. فيقول في هذا الصدد: «ودهمنا الغرب بخيله ورجاله، وأناخ بكلكله وضرب بجرانه، فاستحوذ علينا دخولاً في مدارسه وإصغاءً إلى وساوسه»([907]). وتقضي هذه السياسة، كما يرى السيد بوضوحٍ، أن تكون الإفادة من الغرب شكليّة تحقق تطوراً، أو تحديثاً مشوهاً لا يرتكز إلى أسس إنتاجية … فيلاحظ، على سبيل المثال، في إحدى رحلاته «الإهمال البيّن» والمتمثل في «إبقاء الطرق والأرض على سجيتها الصحراوية وترك تلك المروج على سذاجتها الفطرية دون أن تمسُّها يد الحياة الحديثة بعناية».
يصف السيد ما يراه في رحلته متأمّلاً المشاهد، محدداً طبيعة التحديث المشوه، فيقول: «فقطعنا مفاوز وقفاراً تنعى على بهلوي إيران عنايته المنصرفة إلى السفور وأمثاله من الشرور والقشور وتركه تلك المروج موماةً مجدبة لو أطلق فيها أيدي العمّال لأغنت جيوش الفقراء والجوعى المكدَّسين … ولعاد عليه وعليهم بإحياء هذه الفلوات الغنيّة بالمعادن والثروات كل خير تعمل له الدولة الحكيمة خدمة لنفسها وشعبها»([908]).
ح ـ الدولة الحكيمة:
وكل من يطّلع على نتاج السيد الفكري والعملي يرى أنه كان يطمح إلى قيام الدولة الحكيمة العربية. ويمكن أن يتضح لنا هذا إن قرأنا بعض ما يقوله في هذا الصدى يقول السيّد: «أنشأنا في صور، يومئذٍ، حكومة تحتفظ بالزمام لتلقيه، بعدئذٍ، إلى الأمير فيصل، حين تُتوَّج مساعيه بالنجاح. ولكن الإنكليز أبطلت هذا التدبير الذي رجوناه لمستقبل عربيّ مستقل؛ الأمر الذي مهّد لفرنسا أن تسيطر وتحتل. ولم نستكن للقوة …. ولم نرض أن نتولى تعييناتٍ في حكم محلي …».
تمت مقاومة المحتل، وانتهى الأمر بسيطرة فرنسا واعلان دولة لبنان الكبير، دعا السيد إلى التحرير والوحدة. ولما أعلن استقلال لبنان دعا إلى الوحدة والإنماء والشراكة الحقيقية في الوطن. فقال، في إحدى خطبه خاطباً المصلين: «إن لكم في الوطن الذي ارتضيتموه سكناً ودولةً شركاء فيه، فيجب أن تطبقوا عليه تعاليم دينكم وسنّة نبيكم. ونصّ القرآن العظيم في آيته الكريمة: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾. ولا مندوحة إذن إلا أن تعيشوا معهم إخوانا متحابّين متعاونين»([909]). وإذ يوضح للمسلمين ضرورة العيش الأخوي، يتوجّه إلى ممثّل الطرف الآخر، رأس السلطة، ويحدد واقع جبل عامل وما يحتاج إليه، فيقول في رسائله إلى الرئيسين حبيب باشا السعد وبشارة الخوري:
«أما الجنوب و«عاملة» فقسمه الأوفى، إن مرابعه يباب وماءه محض سراب ولم تمتد إليه يد ببناء … ولعل يدك الكريمة تسرع إليه بما أبطئ عنه …».
«هذا الجبل الذي يقوم بما عليه من واجبات، ولا يُعطى ما له من حقوق كأنه الشريك الخاسر، يدفع الغرم، ومن الغنم يحرم … فإن لم يكن من قدرة على الحماية، أفليس من طاقة على الرعاية؟ وإذ لم تؤدّ الحقوق … فلماذا يستمر العقوق؟»([910]).
ولا يكتفي السيد بتصوير الواقع وتحديد ما يجب فعله، وإنما يحذّر من نتائج علاقة الشريك الخاسر، فيقول: «وإذا قرأتم السلام على جبل عامل، فقل: السلام عليك وعلى لبنان. وكأنه بهذا القول يرى المستقبل، فما كانت الحرب اللبنانية لتقع وتستمر لولا تلك العلاقة بين شريك رابح وشريك خاسر.
وإذ تمارس الدولة سياسة القمع، يوجَّه رسالة لرئيس الجمهورية بشارة الخوري على أثر تجريد حملة عسكرية على عشائر الهرمل، في أيلول سنة 1949، يحدّد فيها أسس سياسة إنمائية، تنتهجها دولة حكيمة، يقول السيّد في رسالته: «… ألا ترون أن تغزوهم بجيش من التسامح تريشون به جناح الوطن المهيض، وتشفون جنبه المريض؟ ألا ترون أن تؤدبوهم بنقلهم من البداوة إلى الحضارة ومن البطالة إلى العمل ومن اليأس إلى الأمل؟ ألا ترون أن إعمار المدارس والمستشفيات يغني عن إعمار السجون والقبور وشق الشوارع والطرقات يغني عن شق الجيوب والصدور؟»([911]).
إن هذه الرسالة لا تزال موجهة إلى أولي الأمر، فهل يتمكن هؤلاء من قراءة التاريخ والإفادة من دروسه؟
كان السيد يدرك أن المطالب تحتاج إلى قوة تنتزعها. كان الناس يفدون إليه ويشكون، ورأى أن يلزم ممثل المنطقة في السلطة بتحقيق المطالب، فحددها له، في إحدى رسائله في 9/12/1941 في ستة مطالب عامة هي: الحقوق المشروعة في الوظائف، إرواء جبل عامل أرضاً وبشراً، تعميم المدارس الرسمية، تعبيد الطرقات، تأمين الطبابة، إصلاح المحاكم ليحكم القضاة بما أنزل الله. فكأنه بهذا كان يضع برنامج عملٍ يريده السواد الأعظم من الناس بإلحاح، ويريد من ممثل المنطقة أن يوصي به لدى المسؤولين. وإن فعل يكن السيد، كما يقول، ظهيره فيه، ويضيف: «فإنني ذلك الذي عرفتم شكيمته وبلوتم عزيمته، ثم لا أرجع حتى أعقد آمالكم بالفوز وأذيل مسعاكم بالنجاح»([912]).
إن السيد كان عمليًّا في تحديد المطالب وطريقة تنفيذها وشدة عزيمته في ذلك، وهذا ما كان يراه نهوضاً بمسؤولية تحددها الآية الكريمة: ﴿وقفوهم إنهم مسئُولون﴾.
الدكتور عبد المجيد زراقط
شذرات من خطبة السياسة
1 ـ مما قاله في مؤتمر وادي الحجير:
* … إخواتي أعلام الأمة: إننا اليوم في هذا المفترق الخطير، أشد حاجة من أي وقت إلى الاعتصام بحبلهم (آل البيت) والسير على نهجهم، فإما عزة لا تفصم، أو ذلة لا ترحم، إما حياة حرة، أو هوان تهدر في حمأته إنسانية الإنسان، إما استقلال دون وصاية، أو استعباد نكون معه كالأيتام على مأدبة اللئام.
* يا فتيان الحمية المغاوير، الدين النصيحة، ألا أدلكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم: فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته، وأخمدوا بالصبر الجميل فتنته، فإنه والله ما استعدى فريقاً إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية، حتى إذا صدق زعمه، وتحقق حلمه، استقر في البلاد تعلة حماية الأقليات.
* ألا وإن النصارى إخوانكم في الخلق وفي الوطن وفي المصير، فأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم، وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تحبطون المؤامرة وتخمدون الفتنة.
* إن هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية، ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز، المعتمر تاج (فيصل) العرب، عاهلاً مؤثلاً وقائداً محجلاً، يقيم حكومة شرعية، تجعل من الوطن جبهة منيعة ينحدر عنها السيل، ولا يرقى إليها الطير.
2 ـ من كلمته باسم وفد مؤتمر الحجير:
…. والهدف يقوم على دعامتين اثنتين: تطهير أرضنا الطيبة من رجس الاحتلال، وجمع شتاتها تحت لواء وحدة وحرية واستقلال.
ولن تقوم لسورية دولة، ولن تكون أرضها واحدة ما دام الفرنجة يكبلون جناحي الشام بساحله وفلسطينه. وقد أجمع الرأي العام عندنا على المناداة بذلك والجهاد في سبيل تحقيقه، وواجه به لجنة الاستفتاء الأميركية.
مقررات ـ رسائل ـ نداءات
1 ـ مقررات مؤتمر وادي الحجير:
أ ـ تأييد مقررات المؤتمر السوري في رفض تقسيم سوريا والانتداب الفرنسي، وإعلان الدولة العربية في سوريا وتتويج فيصل ملكاً عليها.
ب ـ انضمام جبل عامل للدولة العربية (الوحدة السورية) ومبايعة الملك فيصل على تطهير البلاد من الاحتلال الفرنسي.
ج ـ المحافظة على النصارى وحقوقهم وحلف اليمين على ذلك.
2 ـ من المذكرة التي قدمت للجنة الأمريكية التي عرفت بلجنة كراين:
أ ـ الاستقلال التام والناجز لسورية الطبيعية بما فيها فلسطين ولبنان وما عرف ببر الشام.
ب ـ دولة ملكية ذات عدالة ومساواة يستوي فيها الجميع في الحقوق والواجبات.
ج ـ رفض أي حق لفرنسا في سوريا ورفض مساعدتها.
3 ـ من نداء وجه إلى الحلفاء في 20 رمضان 1360هـ والموافق 11 ت/1، 1941م:
أ ـ الاستقلال لسوريا الطبيعية المعروفة قبل الحرب العلامية الأولى.
ب ـ إعادة الأجزاء المقتطعة منها والملحقة بتركيا.
ج ـ إلغاء الحواجز الجمركية وتوحيد برامج التعليم والسياسة الخارجية والدفاع بين الدولة العربية.
د ـ الرفض لوعد بلفور باعتبار أن فلسطين من سوريا بمنزلة العين من الوجه.
4 ـ من مذكرة إلى ملك بريطانيا:
أ ـ اعتبار استقلال لبنان مهزلة.
ب ـ كرر المطالب بالوحدة السورية العراقية، وبفلسطين.
5 ـ من نداء إلى الملك عبد الله:
…. وليس ذهاب فلسطين فاجعاً لولا أنه ذهاب لريح العرب وعز الإسلام وكرامة الإنسان المسترق في عز هذا الشرق القريب.
6 ـ من نداء للمسلمين والعرب
في المحرم عام 1367هـ:
…. ألا وإن قتْلة الحسين عليه السلام بكر في القتلات، فلتكن قدوتنا به بكراً في القدوات، ولنكن نحن من فلسطين مكان الحسين من قضيته، ليكون لنا ولفلسطين، ما كان له ولقضيته من حياة مجد وخلود ….
7 ـ برقية إلى شاه إيران إثر دخوله حلف بغداد:
حفظ الله الإيمان بحفظ إيران. دخولكم الحلف التركي العراقي ينذر بالقارعة، موقفكم بين فكي التنين يلزمكم بالحياد، الدين النصيحة وقد نصحت.
أسلمها روحاً ثائرة:
حاولنا بهذه الصفحات أن نعطي اقرب صورة إلى شخصية الإمام شرف الدين، هذه الشخصية التي لا نجد فيها أي لحظة خروج عن الفكرة الأساسية التي وضعها لنا أساتذته، بحيث إننا نجده «وقد أراد الله لهذا السيد، وهو على وشك اللحاق به أن يختم حياته بمكرمة دونها المكرمات وصالح الأعمال … «وقد جاءت هذه المكرمة حجة بالغة، ودليلاً قاطعاً على أن الدين ورجاله الحقيقيين الشرفاء، هم في خدمة الشعوب والصالح العام، لا في خدمة الإقطاع والاستعمار.
«قبل أن يتمرض السيد مرضه الأخير بأيام، زار لبنان شاه إيران، ولدى وصوله إلى بيروت أرسل وفداً من حاشيته إلى مدينة صور، يرجو السيد أن يزور الامبراطور، وقيل له إن الغاية من الزيارة تأييد الشيعة وإعزاز الطائفة، لأن الشاه هو الملك الشيعي الوحيد بين الملوك والرؤساء. ولكن السيد أدرك أن الهدف الأول تدعيم مركز الشاه في العالم الإسلامي وبخاصة إيران، بعد أن ضعف بسبب حلف بغداد، فقال للوفد: إني أبرأ إلى الله من كل من يمت إلى الاستعمار وحلف بغداد بسبب، كائناً من كان. فقال الوفد: إن الامبراطور يريد أن يقدم مساعدة مالية كبرى لكليتكم الجعفرية، فأجاب السيد بأن الأمر يعود إلى الدين والمبدأ لا إلى المال والحطام ولا إلى التشيع والتسنن.
وحين عدتّه وهو على فراش الموت قال لي: ما رأيك في رفضنا زيارة الملك؟ فقلت: أديتم رسالة الدين ومثلتم سيد المرسلين، ورفعتم من شأن أمته».
وللأمانة التاريخية إن الإمام شرف الدين دخل المستشفى مرتين خلال الأيام الأخيرة، ففي المرة الأولى، وعندما علم الشاه أن الإمام سيخرج من المستشفى، بعث كبار حاشيته يعودون الإمام في المستشفى ويعلمونه أن الشاه سيحتفل في قصر الضيافة بهذه المناسبة، وقد جعل توقيتها ساعة خروج سيادتكم من المستشفى، فاعتذر الإمام بحجة أنه لا يستطيع أن يرتقي الدرج.
عاد الوفد ثانية ليبلغه أن الشاه أمر بإقامة حفلة الشاي في حديقة القصر، فاعتذر أيضاً لأن حاله الصحية لا تسمح بالتقيد بمراسم الاحتفالات.
عاد ثالثة ليقول بأن الشاه يهمه أن يعرف لحظة مرور موكب الإمام أمام قصر الضيافة ليخرج للتهنئة بالسلامة وتقبيل الأيدي (مع العلم أن ليس من طريق على القصر بين أوتيل ديو وصور) فأجاب الإمام: «إذا رايت الملوك على أبواب العلماء، فنعم الملوك ونعم العلماء. إذا رأيت العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك، وضناً بمليكنا الوحيد في العالم، لا أريد له إلا أن يكون نعم الملك ولا أرضى لنفسي إلا أن أكون نعم العالم وقد نشرت الصحف اللبنانية حينها الخبر.
وعلى هامش هذا نذكر:
1 ـ إن بعض السياسيين من الشيعة لم يتركوا المستشفى طوال يومين كاملين في محاولات للإقناع.
2 ـ من وسائل الإقناع غير المادية، قيل إن هذا التصرف يبرر مكانة لعلماء الطائفة ليست في أي طائفة في العالم، ويبرز معنى العالم عند الشيعة إذ يخرج الشاه إلى الشارع لتقبيل يده فكان جواب الإمام: إن قبولي يعني صك البراءة للشاه داخل إيران، ولن يبقى بعد هذا عمامة في إيران إلا وتدخل أقبية التعذيب فما يفيدني العالم، إذا أسمعني ربي غداً يوم الحشر أصوات المعذبين.
3 ـ من عادة الشاه أن يقيم حفل عزاء في قصره عند وفاة عالم شيعي كبير في إيران والخارج، ولكن هذا لم يحدث لوفاة الإمام شرف الدين، وهو الوحيد الذي لم يقم له مجلس عزاء في القصر، ولكن بالمقابل، ورداً على الشاه لم يبق منزل على طول إيران وعرضها إلاّ وأقام فاتحة.
نشأته:
بعد هذا التجوال السريع على حياة الإمام شرف الدين، وفي كل زاوية منها مسكب نور، نحاول أن نعود إلى النشأة والبيت، فهناك كانت التربة والبذرة والصياغة.
فهو وارث أجيال من العلم والخير والبركة، ويستطيع أن يباهي الجميع بأن ليس في سلسلة أبويه إلا مجتهد. فأبوه السيد يوسف من وصفه شيخ الشريعة الأصفهاني بأنه: «علم الأعلام، وملاذ الأنام، ومرجع الخواص والعوام».
ومنه تتابع الحلقات النيرة. وأمه ابنة السيد هادي الصدر، وإذا أردنا أن نتكلم عن بيت أمه فحسبنا أن نشير أن والدها السيد هادي مجتهد لم يخلف سوى المجتهدين.
ذلك أن ابنه السيد حسن من كبار مراجع التقليد، وبناته الثلاث المتزوجات أولدن مجتهدين، فالزهراء ولدت السيد شرف الدين وهو وحيدها، وثانية ولدت أربعة مجتهدين منهم: السيد صدر الدين والد الإمام الصدر، والسيد حيدر والد الشهيد محمد باقر، وثالثة لها ثلاثة مجتهدين منهم الشيخ محمد رضا آل ياسين، وكان من مراجع التقليد، والشيخ مرتضى الذي كان يزهد بالمرجعية، وهيأ الأجواء لابن شقيقته الشهيد الصدر.
ونترك للسيد شرف الدين نفسه يصف مولده ونشأته: «ولدت مستهل جمادى الثانية لسنة ألف ومائتين وتسعين في المشهد المقدس الكاظمي، أثناء رحلة والدي لطلب العلم. وحين رجع أعلى الله مقامه، إلى جبل عامل واستوطن قرية (شحور)، وهي من أعمال صور، كنت في الثامنة من عمري، محبوراً بحضانة والديَّ المبرورين، أنزل من حنانهما إلى جناب مريع، وألوذ من حنوهما إلى كهف منيع، وقد ألقيا علي رحمتهما، وبسطا لي جناح رحمتهما، وبسطا لي جناح رحمتهما، وأَلَانا لي أعطاف عطفهما، وأوسعا لي أكناف لطفهما وأحنيا علي بالتربية، كما تحدبا علي بالتغذية، فطبعاني والحمد لله على غرار الدين القويم، وضرباني على قالب المنهج المستقيم.
لا عذب الله أمي إنها شربت
حب الوصي وغذتنيه باللبن
أخذت عنهما أصول الدين وعقائده القيمة. وطبعاني وأنا طفل، على إقامة الصلاة بشروط صحتها، فجرى ذلك مني مجرى الروح في الجسد، ورسخ في نفسي رسوخ الجبال الراسخة، وتلك نعمة لا يؤدي حقها، ولا يستوفي شكرها، والفضل لله تعالى إذ خلقني من والدين مخلصين له الدين، داعيين إليه بالحكمة والأساليب المألوفة، بعيدي الغور، حصيفي العقيدة، له النعمة والآلاء بما بذلاه لي من النصح وتحرياه من الرشد، فلم يطويا عني نصحاً، ولم يدخرا في دلالتي على الله تعالى وكتابه ورسوله وأوليائه واليوم الآخر وسعاً.
قرأت القرآن الكريم على معلم من الصالحين في النجف الأشرف، وجودته في شحور على عمي المبرور السيد محمود شرف الدين، وكان من الحفاظ والقراء والبررة الأتقياء.
ثم أقبل المقدس والدي على تعليمي بنفسه، واسترسل إلى تلقيني الدروس بأنسه، فألقيت إليه سمعي، وأصغيت إليه بلبي حتى أخذت عنه العلوم العربية: الصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والأدب العربي وعلم المنطق بكل ضبط وإتقان، وأخذت عنه نجاة العباد للعمل على مقتضاها، وقرأت عليه كتابي: «فقه الإمامية وشرائع الإسلام».
«وما رأيت مثله أستاذاً يغدو على التدريس بسعة ذرعه، ويرد على البحث مع تلميذه بشهامة طبعه، يعيره ـ إذا تكلم ـ أذناً صاغية ويتلقاه ـ وإن أخطأ ـ بوجه متهلل وصدر منشرح.
«وحين لمعت مني بوارق النجاح وبدت تباشير الصبح، أجمع على إرسالي حاضناً لأخي الشريف، إلى جامعات الدين في العراق».
وبعدها كانت حياته الزاخرة كما مر في صفحاتنا السابقة «إلى أن كان صباح الاثنين في 8 جمادى الآخرة سنة 1377 الموافق 30 كانون الأول سنة 1957، الساعة الخامسة والنصف صباحاً، فإذا بالقلوب واجفة والنفوس باهتة، وإذا بالدموع تتلاقى الدموع واللوعة والأسى يعمان الجميع الكبير والصغير، الغني والفقير، لقد نعى الناعي الإمام المجتهد الأكبر السيد عبد الحسين شرف الدين الذي ملأ دنياه والإسلام فضلاً وعلماً وأثراً».
وفي وفاته كتب آقا بزرك الطهراني: قضى المترجم له حياته حافلة بجلائل الأعمال وعظيم المواقف وخدمة الدين، حتى انتقل إلى رحمة الله في بعض مستشفيات بيروت يوم الثلاثاء عاشر جمادى الثانية 1377هـ، فخسر به المسلمون المؤمنون عظيماً من زعماء الطائفة، وعميداً من أكبر رجال الأمة، وبطلاً من أشهر الأبطال، ورجلاً من أنذر الرجال، وقد بقي مكانه شاغراً، وأحدثت وفاته في الدين ثلمة لا تزال تنتظر من يملؤها.
وقد نقل جثمانه الشريف إلى بغداد بالطائرة يصحبه بعض أنجاله ورهط من رجال لبنان البارزين، بعد أن شيع في بيروت تشييعاً رسمياً، وحمل على الرؤوس من بغداد إلى الكاظمية، فدام تشييعه خمس ساعات، وجرى له من التعظيم والإجلال ما يليق بمقامه الرفيع وخدماته الجلى، ومواقعه المشهودة، ثم جرى له في كربلاء مثل ما جرى ببغداد والكاظمية، واكتست النجف ثياب الحداد، وشمل سائر طبقات العلماء حزن عظيم، واستقبله الوجوه والزعماء وسائر الناس على منتصف طريق كربلاء، وحمل الجثمان على الرؤوس من مدخل المدينة وأمامه المواكب الشعبية بأناشيدها الشجية ودموعها السخية وأعلامها السود، وأغلقت الأسواق والشوارع، وهكذا حتى أودع في مقره الأخير في الحجرة المجاورة لمقبرة السيد محمد كاظم اليزدي من جهة الجنوب من الصحن الشريف، وأقيمت له الفواتح في مختلف البلاد الإسلامية واستمرت ليالي وأياماً، وقد أبّنه العظماء ورجال الفكر، كما أقيمت له حفلات التأبين في النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وغيرها من مدن العراق، وفي طهران وأصفهان وغيرهما من بلاد، إيران والهند والباكستان وسوريا ولبنان وغيرها.
البعد الفقهي في شخصية
الإمام شرف الدين العلمية
-1-
يمثل البحث الفقهي رؤية الفقيه للمجتمع والعالم من منظار الإسلام. كما أنه ـ في حالة اختيار الفقيه لأبحاث معينة ـ يعبر عن حقل اهتمامه في المجتمع والأمة. لا فرق في ذلك بين أن يكتب بحثه وبين أن يمليه على طلابه، فإن اختياره في الحالين يعبر عن حقل اهتمامه، ومن ثم فإنه يعبر عن درجة علاقته بالحياة اليومية للأمة الإسلامية وللمجتمع الذي يعيش فيه منها.
وحين يشغل الفقيه في المجتمع مركزاً يتجاوز مهمته الفقهية المحضة إلى دور قيادي في الحياة اليومية الاجتماعية والرياسية للمجتمع، فإن دلالة الاختيار على حقل الاهتمام ودرجة الاهتمام تكون أقوى في الكشف عن مدى الالتزام الرسالي بمهمته ومدى وعيه لها.
هذا ما ينبغي أن يواجه الباحث في الجانب الفقهي من حياة كل فقيه عايش مجتمعه في همومه وحاجاته ومخاوفه وتطلعاته، وأزماته وما يحيق به من أخطار.
وهذا ما نواجهه في حياة الإمام شرف الدين إذ نحاول أن نفي جانباً من شخصيته العلمية الفقهية.
وإن لمن دواعي الأسف أن الآثار الفقهية والأصولية للإمام شرف الدين لم تحفظ أو لم تنشر، ولذلك فإن مجال البحث في فكره الفقهي ومنهجه في الاستنباط ضيق جداً، فليس بين أيدينا من الآثار الفقهية بالمعنى المصطلح إلا رسالة واحدة صغيرة الحجم، عظيمة القيمة، وهي رسالة (مسائل فقهية)، ودراسة عن (السجود على التربة الحسينية)، وبحث نقدي في مسألة (نقل الجنائز).
وقد اعتبرناها نموذجاً لما سميناه (فقه الخلاف).
وقد رأينا في ترجمته ذكر بعض العناوين الفقهية والأصولية، من قبيل (شرح التبصرة في الفقه) وتعليقة على مباحث الاستصحاب من رسائل الشيخ الأنصاري في أصول الفقه، ورسالة في منجزات المريض، وتحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب، وبغية الفائز في نقل الجنائز، وبغية السائل في لثم الأيدي والأنامل.
وقد اعتبرنا كتابيه: (الفصول المهمة في تأليف الأمة) و(أجوبة موسى جار الله) نموذجاً لفكره الفقهي فيما سميناه (فقه الوفاق).
ونعني بفقه الخلاف: فقه المذاهب عند المقارنة فيما بينها في موارد الخلاف، وترجيح بعضها على بعض استناداً إلى الأدلة الشرعية الملزمة للمخالف، باعتبارها أدلته هو التي يستند إليها في مقام الاستنباط، وتتوافق مع المباني الأصولية التي يعتمدها في مقام الاستنباط.
وهذا ما وضع الإمام شرف الدين للبحث فيه فصول رسالته (مسائل فقهية).
نعني بفقه الوفاق: المذاهب الكلامية للفرق الإسلامية حين يُبْحَثُ في وجوه الخلاف بينها، لا بهدف ترجيح أحدها على الآخر في هذه المسألة أو تلك، ليكون البحث فيها بحثاً كلامياً تقليدياً، بل حين يبحث في علاقتها بوحدة المسلمين باعتبارهم أمة واحدة، وإن اختلاف الفرق في المسائل الكلامية هل يقتضي ـ أو لا يقتضي ـ اختلاف الأمة وانقسامها من حيث كونها أمة مسلمة تجاه القضايا التي تتصل بسيرورتها التاريخية وتفاعلها فيما بينها ومع العالم من حولها.
وهذا ما وضع الإمام شرف الدين للبحث فيه كتابه (الفصول المهمة في تأليف الأمة).
ومجال فقه الخلاف هو (الفروع) ومجال فقه الوفاق هو (الأصول).
والفروع هي المسائل العلمية التي تشكل الحياة اليومية للمسلم في عباداته ومعاملاته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، فمجال فقه الخلاف هو (الفقه العملي).
والأصول هي القضايا النظرية، سواءً في ذلك ما يتصل منها بقضايا العقيدة ومتفرعاتها، أو ما يتصل منها بالقضايا السياسية والتنظيمية الكبرى، وأم القضايا فيها قضية الخلافة والإمامة وما يتصل بها من مسائل الولاية على الأمة، أو ولاية الأمة على نفسها، والشورى، وأهل الحل والعقد، والبيعة. فمجال فقه الوفاق هو (الفقه السياسي).
ـ 2 ـ
ونحن نعلم أن الخلاف المذهبي النظري بين المسلمين يتمظهر في مجالين:
أحدهما: مجال الأصول التي منها ما يتصل بالمسألة السياسية ـ كما أشرنا ـ ومنها ما يتصل بقضايا أخرى، من قبيل مسألة (الصفات)، ومسألة (الرؤية)، ومسألة (خلق القرآن = الكلام النفسي)، ومسألة (التقبيح والتحسين العقليين).
وثانيهما: مجال الفروع، وهذا شائع ومعروف بين المذاهب الإسلامية.
وإذا كان الخلاف في مجال الفروع يعبر عن نفسه في الحياة اليومية للمسلمين في العبادات: (الصلاة) أو الأسرة: أو الطلاق، وأحكام الأولاد، والمواريث، أو علاقات البيع والشراء في المجال التجاري والاقتصادي. فإن الخلاف في مجال الأصول لا يعبر عن نفسه في الحياة اليومية، ولكنه في بعض الحالات، يعبر عن نفسه في مجال شديد الخطورة، وهو اعتبار مسلم لآخر أو لجماعة من المسلمين أو اعتبار جماعة من المسلمين لمسلم أو لجماعة أخرى … اعتباره أو اعتبارهم مسلمين أو كفاراً مرتدين. وهو اتجاه نلاحظ أنه نما في العقود الأخيرة من السنين نمواً واضحاً في السلوك العام والموقف العام لبعض الجماعات والاتجاهات داخل الأمة، نحو الأمة كلها أو قسم منها.
ومن هنا يتضح أن الخلافين ليسا في درجة واحدة من حيث تأثيرهما على الوحدة الاجتماعية ـ المجتمعية والسياسية للمسلمين، بل إن بينها تفاوتاً كبيراً في ذلك.
فخلافات الفروع لا تتضمن عوامل التفرقة والانقسام، ومن ثم فإنها لم تؤثر على الوحدة العامة بين المسلمين، وهي شائعة بين المذاهب، كما هي شائعة داخل كل مذهب بين فقهاء هذا المذهب أو ذاك، ولم تؤثر على وحدة اتباع المذهب الواحد، كما لن تؤثر ـ بنفسها ـ على الوحدة بين اتباع المذاهب المختلفة.
إن هذه الخلافات تعبر عن الاجتهادات المتنوعة للفقهاء، ولا تعبر، إلا في النادر، عن اتجاهات سياسية ـ سلطوية، أو سياسية ـ اقتصادية.
وهذا على العكس من الخلافات في الأصول. فإن هذه الخلافات قد أثرت على الوحدة العامة للمسلمين، ابتداءً من الخلاف الأساسي حول الإمامة والخلافة، والخلافة، والخلاف حول مصدر شرعية السلطة وأنه النص أو البيعة. وما ترتب على هذا الخلاف بصورة منطقية من قبيل الاختلاف في طبيعة المركز السياسي للصحابة، أو بصورة مفتعلة من قبيل الخلاف في حجية ما يسمى سنّة الصحابي.
ولذلك نلاحظ أن خلافات الفروع بين المذاهب المتقاربة أو المتحدة في الأصول لم تؤثر على الوحدة السياسية والمجتمعية لأتباعها إلا قليلاً، كما هو الشأن في المذاهب الفقهية التي تنتمي إلى المدرسة الأشعرية في الأصول.
ونلاحظ أن خلافات الفروع كونت تمايزاً واضحاً بين أتباع المذاهب التي تنتمي إلى مدارس مختلفة في الأصول، كما هو الشأن في مذاهب الإمامية والزيدية والأباضية والمذاهب الأربعة.
ـ 3 ـ
لا بد أن الإمام شرف الدين كان ـ في اهتماماته الفقهية ـ كسائر الفقهاء معنياً بالفقه المذهبي الذي ينتمي إليه، وهو ـ بالنسبة إليه ـ الفقه الإسلامي على مذهب الإمامية الاثني عشرية.
وهذا ليس أمراً مميزاً لأي فقيه. وما يمكن أن يمتاز به فقيه عن آخر في هذا المجال هو التجديد في بعض مباني المنهج الأصولي، أو بعض طرق الاستدلال، أو الفهم المتحرك للأدلة الشرعية على نحو يجعل الفقه على علاقة حية فاعلة في المجتمع.
وفي هذا المجال ليس بين أيدينا من الآثار الفقهية للإمام شرف الدين ما يمكننا من الدرس والمقارنة.
ولكن الأمر المميز للإمام شرف الدين، باعتباره فقيهاً، هو عدم اقتصاره على الفقه المذهبي إلى مجال فقهي أوسع وأرحب، هو فقه الخلاف في الفروع (الفقه المقارن)، وإلى ما سميناه (فقه الوفاق) في الأصول.
حيث إن هذا الاهتمام بوجهيه، يمكن أن يشير إلى خاصتين في شخصية الإمام شرف الدين.
إحداهما: علمية فقهية، فإن الاستنباط في فقه الخلاف وفقه الوفاق يقتضي استعداداً علمياً استثنائياً، وتبحراً وسعة اطلاع على فقه المذاهب وأدلته، وهذا يعني تجاوز الاجتهاد المطلق في المذهب إلى الاجتهاد المطلق العام في أكثر من مذهب أو في سائر المذاهب، بما يقتضيه ذلك من القدرة العلمية على التعامل مع الأدلة والمباني المختلفة في المذاهب الأخرى.
ونلاحظ في هذا المجال أن الإمام شرف الدين تناول بالبحث جملة من المسائل الخلافية ذات الصلة اليومية بحياة المسلم، وهي موضوع احتكاك يومي بين المسلمين.
وهذا يكشف عن أن الفكر الفقهي عنده فكر عملي متحرك في قضايا الحياة اليومية، وليس فكراً تجريدياً منقطع الصلة بالواقع الحي الذي يعيشه المسلمون.
وثانيتهما: سياسية قيادية، تصل الفكر الفقهي بحياة الأمة، وترى على ضوئه الإسلام وهديه ما يحيق بالأمة من أخطار، وما تتطلع إليه من آمال.
فهذا الخلاف في بعض المجالات التي لها علاقة بالأصول، قد أدى سوء فهمه على حقيقته بالمسلمين إلى الفرقة والتشتيت والتباعد والتباغض، وأثر نتيجة لذلك تأثيراً شديد الخطورة على وحدتهم وتماسكهم.
ولذلك فقد كرس الإمام شرف الدين قسطاً كبيراً من جهده العلمي لتأصيل هذا الفرع الفقهي الهام في الفقه السياسي الإسلامي، وهو ما سميناه فقه الوفاق.
فإذا كان هدف فقه الفروع المذهبي هو الكشف عن الأحكام الشرعية الإلهية من الأدلة الشرعية، حسب ما تقتضيه أصول ومسلمات المذهب من دون نظر إلى ما عليه المذاهب الأخرى.
وإذا كان هدف (فقه الخلاف) هو المقارنة بين أقوال المذاهب، وإثبات صحة الموقف الفقهي المذهبي.
فإن هدف (فقه الوفاق) ليس هذا ولا ذاك: ليس إثبات صحة الموقف الكلامي لهذه المدرسة الكلامية التي ينتمي إليها مذهب الفقيه، وليس المقارنة بين موقف هذه المدرسة من مسألة كذا ومقارنته بموقف المدارس الأخرى، والوقوف عند المقارنة، أو تعديه إلى التصحيح والإبطال.
بل هدف فقه الوفاق هو إثبات عدم الملازمة بين الاختلاف في المسائل الكلامية ذات العلاقة بالأصول، وبين التكفير والقطيعة السياسية، وتجزئة الأمة الواحدة إلى شيع مختلفة.
إن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون ـ على مستوى حياتها العامة ـ إلى هذا الفرع الفقهي الذي سميناه (فقه الوفاق)، ونلحّ على أنه ليس تفصيلاً في علم الكلام، بل هو فرع في الفقه السياسي.
لقد كشف الإمام شرف الدين عن أن هذه الخلافات في الإمامة والخلافة، وحول الصحابة وسنة الصحابي، وغير ذلك مما يتصل بالأصول، وكذلك الخلافات في الفروع الفقهية لا تخرج المسلم المخالف عن كونه مسلماً يجب أن يكون كامل الحرمة، وكامل الإسلام عند المسلم الآخر، انطلاقاً من أصول عقيدية كبرى في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة المسلمة عند جميع المسلمين.
لقد كان وعي الإمام شرف الدين لهذه القضية من جانبها العلمي الديني ومن جانبها السياسي العملي، هو الحافز له على أن يبحث في (فقه الوفاق) الذي يكشف عن أن مسلّمات الإسلام تلحظ التنوع في داخل الوحدة، ولا تعتبر التنوعات انشقاقاً وتفرقاً، بل تعتبر الانشقاق والتفرق جريمة في حق الأمة، وجريمة في حق الدين.
وهكذا، فيبدو أن حق الاختلاف معترف به في الإسلام، إذا كان الإنسان مخلصاً في بحثه عن الحقيقة، متجرداً عن الأهواء والنزعات الذاتية والمصلحية، مستوفياً في بحثه جميع شروط البحث العلمي الموضوعي، غير متهاون في شيء منها.
وبهذا يستقيم أن من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
ـ 4 ـ
إن الإمام شرف الدين، في مقدمة كتابه (الفصول المهمة في تأليف الأمة)، يلاحظ ارتباط التقدم والسيادة والتحرر من الأجنبي بوحدة الأمة، وارتباط الانحطاط والتخلّف الحضاري، والذل، والتبعية للأجنبي، بالتفرق والاختلاف، فيقول:
«لا تتسق أمور العمران ولا تستتب أسباب الارتقاء، ولا تنبث روح المدنية، ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة، ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية..، إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة، وترادف القلوب واتحاد العزائم، والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة، ورفع كيان الملة…».
ثم يقول:
«أما إذا كانت الأمة أوزاعاً متباينة، وشيعاً متباغضة، لاهية بعبثها، غافلة عن رقيها، لتكوننّ حيث منابت الشيح ومهافي الريح، أذل الأمم داراً، وأجدبها قراراً، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وهدف السهام، وقبسة العجلان، في باحة ذل، وحلقة ضيق، وعرصة موت، وحومة بلاء، لا تأوي إلى جناح دعوة، ولا تعتصم بظل منعة، فحذار حذار من بقاء الفرقة، وتشتت الألفة، واختلاف الكلمة، وتنافر الأفئدة. ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾. ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾.
ثم يقول داعياً قيادات المسلمين إلى العمل للوحدة:
«فهلاّ شرعوا خطيّ أقلامهم، وجردوا صوارمها، ووتروا قيسيّ أقطارهم، وناضلوا بثواقبها، فأزهقوا نفس العصبية، ومحقوا آثارها … واعتنوا باتحاد التشيّع والتسنّن … ويحذرون الأمة مما يصطلم حوزتها ويفرّق جماعتها. فإن الله سبحانه يقول: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾. [سورة ص، الآيتان: 7 ـ 8].
وهو يصرح بأن الدافع له على تأليف هذا الكتاب هو بعض الفتاوى التي صدرت بتكفير الشيعة وكان لها آثار دموية مدمرة (ص: 22).
وبدل أن يكون رد الفعل على هذه الفتاوى مماثلاً لطبيعتها، وهو التكفير مقابل التكفير أيضاً، وهو ما درج عليه بعض المذهبيين الطائفيين في جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، أو الاقتصار على إثبات أن الشيعة ليسوا كفرة بل مسلمون، وهو ما يقصر البحث على الجانب الكلامي، نجد أن الإمام شرف الدين يقوم برد الفعل الفقهي الذي يقوم على معطيات ما سميناه (فقه الوفاق، أو فقه الوحدة)، وهو ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة في قضايا الخلاف، والكشف عن أن هذه الأدلة تقتضي بإسلام الجميع، ووحدة الأمة مقابل اتجاهات التكفير التي لا سند لها في الكتاب والسنة.
والخلفية الذهنية عند الإمام شرف الدين تستند إلى رؤية فقهية صافية ترى المقدس الذي يرقى إلى مرتبة الأصول، وهو أن المسلمين أمة واحدة لا يجوز أن يؤثر على وحدتها تنوعاتها الفكرية والمذهبية، بل تتسع لها جميعاً وتحتضنها في نطاق الاجتهاد الذي يقود فكر الجميع، والذي هو حوار مفتوح بين كل مجتهد وبين الأدلة، وحوار مفتوح بين المجتهد والمجتهد الآخر، وحوار مفتوح بين المذاهب.
والكل معذور بقدر إخلاصه لله في النية، وتحريه للحقيقة واعتصامه من تأثير الهوى، واتقانه للبحث العلمي.
فيقول في الفصول المهمة: (… والفرض بعث المسلمين على الاجتماع، والتنديد بهم على هذا النزاع، والتنبيه لهم على أن هذا التدابر بينهم عبث محض وسفر صرف، بل فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل. ضرورة أنه متى كان الدين حاكماً على كل منهما بالإيمان معلناً بفوزهما في أعلى الجنان، لا يبقى لنزاعهما غرض تقصده الحكماء أو أمر يليق بألباب العقلاء. لكن مني المسلمون بجماعة ذهلوا عن صلاحهم، وغفلوا عن حديث صحاحهم) ص: 25.
ونستند إلى رؤية سياسية قيادية تعتبر أن الانقسام والخلاف يؤدي إلى الهزيمة أمام القوى الأجنبية والذل والعبودية، فيقول:
«… فليتق الله أهل الشقاق، ولينهض رجال الإصلاح بأسباب الوئام والوفاق، فقد نصب الغرب لنا حبائله، ووجه نحونا قنابله، وأظلنا منطاده بكل صاعقة، وأقلنا نفاقه بكل بائقة، وأحاط بنا أسطوله، وضربت في أطلالنا طبوله، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرؤوا إلى الله من هذا النزاع ليكوننّ أذلاّء خاسئين وأرقّاء صاغرين (أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلاً)» سورة ص، آية: 21.
ويقول في مقدمة (أجوبة موسى جار الله) انطلاقاً من الخلفية الفقهية والسياسية معاً:
(فما وقفت عليها حتى أوجست من مغازيها خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها، وتتفرق جماعتها، وإذا وجدت فيها من نبش وإثارة الضغائن ما يشق عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والإبرام ولا المشادّة والمنافثة، فضلاً عن هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة.
وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات، فحتّام هذا الإرجاف؟ وفيم هذا الإجحاف؟
أليس الله عز وجل وحده لا شريك له ربنا جميعاً؟ والإسلام ديننا؟ والقرآن الحكيم كتابنا؟ وسيد النبيين وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم نبينا؟ وقوله وفعله وتقريره سنتنا؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحج البيت فرائضنا؟ والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرماه، والحق ما حققاه، والباطل ما أبطلاه، وأولياء الله ورسوله أولياؤنا وأعداء الله ورسوله أعداؤنا، وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور. ﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾.
أليس الشيعيون والسنيون شرعاً في هذا كله سواءً؟ ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.
والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافية صغروي في الحقيقة، ولا نزاع بينهما في الكبرى عند أهل النظر أبداً، ألا تراهما إذا تنازعا في وجوب شيء أو حرمته، أو في استحبابه أو في كراهته أو في إباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيته أو في شرطيته أو في مانعيته، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص أو فسقه أو إيمانه أو نفاقه أو وجوب موالاته أو وجوب معاداته، فإنما يتنازعان في ثبوت ذلك بالأدلة الشرعية، وعدم ثبوته فيذهب كل منهما إلى ما تقتضيه الأدلة الإسلامية، ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشيء في دين الإسلام، أو علموا جميعاً عدم ثبوته في الدين الإسلامي، أو شكّ الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن كل من أبي سلمة وأبي هريرة وعمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» اهـ.
ثم أيّد كلامه بكلام لابن حزم في (الفصل) نسبه إلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود بن علي، وقال: (وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة، لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً).
كما نقل مثل ذلك عن الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي والشيخ محمد رشيد رضا.
كما يلاحظ بنظر الفقيه المدقق أن النزاع بين المدارس الكلامية، في بعض المفاهيم، لفظي لا يترتب عليه خلاف في الرؤية الفقهية والكلامية، كما لاحظ ذلك في مسألة (البداء) في (أجوبة موسى جار الله) ص (82 ـ 84).
ـ 5 ـ
المنهج
إذا كان الهدف من مناقشة الرأي الآخر هو خطاب الذات لا الآخر. فقد يجوز في المنهج أن يعتمد الفقيه على أدلته المذهبية الخاصة، كما صنع الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في (كتاب الخلاف) مثلاً، وله أمثال في سائر المذاهب.
وهذا ليس أسلوب الحوار، بل هو مساجلة لا تؤدي غالباً ـ إلى وفاق، بل تثبت رأي كل فريق في مقابل الراي الآخر.
وأما إذا كان الهدف إقناع الآخر بوجهة النظر المخالفة، أو حل النزاع بالكشف عن معيار ثالث للموقف من محل النزاع أعلى من معيار كل واحد من المختلفين، فإن المنهج العلمي الصحيح الذي يتوفر على شروط البحث العلمي ويتّسم بالجدية، لا بد أن يرتكز على الأدلة التي يعتمدها الطرف الآخر.
وهذا هو الحوار الذي يرتكز على أسس مشتركة بين المتحاورين، وهو يؤدي ـ غالباً ـ إلى وفاق أو إلى تفهم للآخر يفسح مجالاً لاكتشافه وقبوله والاعتراف به.
وإذا جاء في (فقه الخلاف) اتباع المنهج الأول، لأن الهدف منه ليس إلا معرفة القول المخالف وليس إقامة الحجة على صاحبه، فإن ذلك لا يستقيم في (فقه الوفاق) الذي يهدف إلى العبور من حالة القطيعة والشتات، إلى التواصل والتفاعل والتكامل، والوحدة، والوفاق، على أساس الاختيار، والقناعة، لا الضرورة والإلجاء.
بل لا بد من أن يعتمد الحوار على الحجة المشتركة بين الطرفين، أو الحجة المسلّمة من المطلوب الذي يوجه إليه الخطاب الفقهي بالدعوة إلى تصحيح موقفه الفقهي من الطالب صاحب الخطاب.
ومن دون ذلك لا يكون البحث (فقه وفاق).
ففي (فقه الخلاف) في كتاب (مسائل فقهية) وفي رسالته المخطوطة عن السجود على التربة الحسينية نلاحظ أنه قد استند في تقرير رأي مذهب الإمامية إلى مسلمات الكتاب والسنة المقررة في فقه المذاهب الأخرى، ولم يذكر أدلة مذهب الإمامية إلا قليلاً وعلى نحو الإشارة العابرة، بحيث لولا هذه الإشارات القليلة لحسب القارئ الذي لا يعرف المذهب الفقهي للإمام شرف الدين أنه فقيه من فقهاء المذاهب غير الإمامية يناقش آراء فقيه لغير الإمامية.
وفي (فقه الوفاق) أسس مقولة الوفاق والوحدة في الفصول الخمسة الأولى من كتاب (الفصول المهمة).
فعرض الأساس العقيدي للوحدة، ثم عرض أدلة الأساس الفقهي لها على آيات محكمات بينات من الكتاب العزيز، وهو حجة عند جميع المسلمين، وعلى نصوص من السنة المقدسة راعى فيها أن تكون من مصادر السنة المسلمة عند الإمامية وغيرهم من أتباع المذاهب الأخرى.
وهو بذلك لا يتهم نهجاً مذهبياً بعينه أنه يتخذ موقف الخلاف، بل يتهم الجميع ويخاطب الجميع. على قاعدة قوله تعالى في نهج الحوار ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾. (الفصل الأول) ـ الأساس العقيدي الكلامي.
ثم يحدد معنى الإسلام والإيمان الجامع للمسلمين جميعاً والذي تقوم عليه وحدتهم، وذلك استناداً إلى مسلمات السنة النبوية عند المذاهب غير الإمامية (الفصل الثاني والثالث) ـ الأساس الفقهي على مباني المذاهب.
ثم يعرض من نصوص أئمة أهل البيت خاصة ما يتطابق مع ما عرضه في الفصلين السابقين من السنة المسلمة عند المذاهب ـ الأساس الفقهي على بيان الإمامية (الفصل الرابع).
وفي الفصل الخامس يعرض بعض صحاح أهل السنة الحاكمة بنجاة مطلق الموحدين.
وفي الفصل السادس والسابع انتقل من الأساس العقيدي والفقهي النظري إلى التطبيق الفقهي والعملي، وذلك بعرض الفتاوى العملية لأئمة المذاهب وفقهائها بصحة إسلام جميع المسلمين القاضية عليهم بالوحدة، ويقول في نهاية الفصل السابع:
«فعسى أن يعرف الشيعي بعد هذا أن أهل السنة قد أنصفوا واعترفوا، وعسى أن يعرف السني أن لا وجه بعد هذه المبشرات لشيء من الضغائن أو الهنات، والسلام على من اتّبع السنن وجانب الفتن ورحمة الله وبركاته».
ثم عرض في الفصل الثامن لطائفة كبيرة ممن تأولوا من السلف، فخالفوا جمهور الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم يقدح ذلك عند المسلمين في إسلامهم وحرمتهم، ويقول:
«وغرضنا الذي نرمي إليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلفين، وذلك أنك إذا رأيت صالح سلفك، ومن أخذت عنه دينك، واتخذته واسطة بينك وبين نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يخالفك مجتهداً وينحو غير نحوك متأولاً، فلا جرم أنك تقطع بمعذرة من يتأول من مناصريك نحو تأوّله أو يخالفك مثل خلافه.
«وأنا أرجو ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الإنصاف: هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه؟ كلا. ما كان الله ليعاقب قوما؟ً بأمر يثيب به آخرين. وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين» ص 52.
وبعد أن عرض العشرات من وقائع التأول التي خالف بها المتأولون جمهور الصحابة والتابعين وتابعيهم …
هذه الوقائع التي منها ما زجّ بالمسلمين عامة في حالات، وببعضهم في حالات أخرى، في أوضاع شديدة الخطورة بالغة الصعوبة، قال في ختام هذا الفصل:
«…. وأما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك، ولا أمل لهم بسلطان، ولا ثأر لهم يطلبونه، ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه، وقد اقتفوا أثر البرهان، واتبعوا أدلة أهل الإيمان فإن أصابوا فمأجورون، وإن أخطؤوا فمعذورون» ص 142.
ثم عرض في الفصل التاسع فتوى الشيخ نوح الحنفي بتكفير الشيعة، ووجوب قتلهم واسترقاقهم وذراريهم ص 153 ـ 154.
وبعد أن ناقش الفتوى على ضوء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على منهج (فقه الوفاق)، نقل الأطروحة الفقهية إلى صميم القضية السياسية للمسلمين في العصر الحاضر، وعلاقة المذهب السياسي بقضية الكفر والإيمان، وهو بذلك يعالج قضية نعيشها الآن على مستوى الأمة الإسلامية في جميع شعوبها ودولها.
ونورد أولاً النص المهم الذي وضعه الإمام شرف الدين في هذه المسألة، ثم نعرض المشكلة الخطيرة التي تعيشها الأمة الآن بسبب نزعة (التكفير) التي تعلنها بعض الحركات الإسلامية ضد كل من لا يحمل عقيدتها السياسية، أو نزعة القطيعة مع المخالفين وإنكار ولاية المؤمنين فيما بينهم، عند بعض الحركات الإسلامية الأخرى.
قال معلقاً على ما ورد في الفتوى المذكورة من أن أسباب كفر الشيعة (أنهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين): ص 153 ـ 154.
والجواب أن لا ينكر استخلاف الشيخين ذو شعور، ولا يرتاب فيه ذو وجدان، وقد امتدت إمارتهما من سنة 11 إلى سنة 23، وفتحت بها الفتوحات وضرب الدين فيها بجرانه، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء، فأي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها، واي ثمرة عملية تترتب فعلاً على الاعتقاد بها؟
فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة، وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة، فإن الأحوال حرجة، والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها إثارة الضغائن، وقد آن للمسلمين أن يلتفتوا إلى ما حلّ بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات.
وأي وجه لتكفير المسلمين بإنكار سياسة خالية وخلافة ماضية؟ قد أجمع أهل القبلة على أنها ليست من أصول الدين، وتصافقوا على أنها ليست مما بني الإسلام عليه، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تفسر معنى الإسلام والإيمان فلم نجده مقيداً بها، وتتبعنا الأمور التي جعلها صلى الله عليه وآله وسلم سبباً في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن من جملتها، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها في زمرتها، فأي مانع بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها؟.
فإن القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة، وإنما قادتهم الأدلة الشرعية إلى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمستوى على مرقاة الخلافة عنه، كعدم سبق الكفر منه على الإيمان، وكعصمته والعهد إليه، وعدم كونه مفضولاً، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها، وقد استقصيناها في كتابنا «سبيل المؤمنين».
وهبها شبهاً كما تقول، لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه، لأنها من الكتاب والسنة، وقد ألجأته إلى القطع بما صار إليه، فإن كان مصيباً وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين، وإن أخطأ كما سمعته في فصل المتأولين.
على أنه لا وجه للتكفير بإنكارها، حتى لو فرضنا أنها من أصول الدين عندهم، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع إنكارها إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الإجماع عليها، وقد سُبِقُوا بشبهة من الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بإنكارها إمامة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام مع أن إمامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الأشاعرة بإنكارها العدل مع أنها من الأصول عندهم أيضاً».
ـ 6 ـ
إن هذه الرؤية الفقهية لقضية الخلاف السياسي داخل الأمة بالنسبة إلى قضية الحكم وشكل الحكومة ومصدر الشرعية وغيرها، مما يتصل بقضية السلطة السياسية أو الجانب التنظيمي للمجتمع والدولة تشخص الموقف الفقهي الصحيح من هذه المسائل، وعلى ضوئها نفهم مدى اختلال الفهم الفقهي لدى الجماعات الإسلامية التي يكفر ببعضها الأمة كلها، ويكفر ببعضها بعض الأمة، ويكفر بعضها بعضاً على مستوى الحكم الفقهي وعلى مستوى الممارسة العملية، حيث يستباح العنف المسلح ضد الأنظمة السياسية والمجتمع المدني والجماعات السياسية الإسلامية المخالفة وغير الإسلامية، بدعوى أن حكم الله تعالى فيهم هو الكفر وما يترتب عليه من آثار استباحة الدم والمال.
لقد كان انبعاث الإسلام في العصر الحديث مصدر رجاء للأمة الإسلامية في أن تعود إلى أصالتها وتستعيد هويتها، وتحقق وحدتها في مواجهة قوى الاستعمار التي استبدت بها.
وقد كان من الممكن أن يتحقق جانب كبير من هذا الرجاء للأمة في مواجهتها لتحديات الخارج والداخل. ولكن هذا التطور الخطير والمدمر من الحركة الإسلامية العالمية، وما تواجهه الحركة في ذاتها وما تواجهه باعتبار انتهاج كثير من تنظيماتها وتشكيلاتها لأسلوب التكفير على المستوى الفكري والنظري، والعنف المسلح على المستوى العملي بما هو نتيجة للموقف الفقهي من الآخرين …. إن هذا التطور الخطير يوشك أن يزجّ الأمة في مشكلة جديدة تهدد استقرارها وتماسكها وقدرتها على الصمود أمام تحديات الخارج الثقافية والحضارية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.
إن هذا الواقع يستدعي من فقهاء الأمة ومفكريها إحياء هذا الحقل الفقهي الهام في الفقه السياسي التنظيمي الإسلامي، وهو ما سميناه (فقه الوفاق).
إن الموقف من تيار التكفير من قبل مذهب فقهي ـ كلامي لمذهب آخر، ومن قبل تيار سياسي إسلامي لسائر المسلمين، أو لمن لا يوافقونه في الرأي السياسي من أهل مذهبه الفقهي ـ الكلامي أنفسهم فضلاً عن غيرهم … وما يترتب على هذا الموقف الفقهي السياسي من آثار عملية أقلها قطع الولاية بين المسلمين، وبراء بعضهم من بعضهم الآخر، وكثيراً ما تصل إلى حد استعمال العنف المسلح.
إن الموقف من هذا التيار يمكن أن يكون بالاستسلام له من قبل الأمة وأهل الرأي فيها، ويمكن أن يكون بمواجهته بمثله، فيكون تكفير بتكفير، وعنف بعنف، ويمكن أن يكون بإعادة القضية إلى حقلها الطبيعي وهو البحث العلمي الفقهي الرصين المسؤول أمام الله تعالى بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، والاستنارة باجتهاد السلف الصالح من فقهاء الإسلام، وبحث القضية على أصول (فقه الوفاق) لمعرفة الحدود التي يخرج بها المسلم عن الإسلام، والحدود التي يستباح عندها ـ باسم الإسلام ـ دمه وماله وعرضه، فنصل من ذلك إلى أمر جامع.
إن الموقفين الأوليين ليسا إلا انتحاراً ذاتياً وتدميراً ذاتياً للأمة، تهدم نفسها بنفسها وكيانها بأيديها إلى جانب معاول الهدم من أعدائها، ولا مناص لنا من اعتماد الموقف الثالث الذي يرد الأمور إلى نصابها وهو (فقه الوفاق).
وحين نجد أن الإمام شرف الدين يسرد في الفصل السادس أسماء ما يزيد على ثلاثين من كبار الفقهاء والمحدثين من أئمة المذاهب وكبار فقهائها بإيمان وحرمة ونجاة جميع المسلمين مهما اختلفوا واعتبر بعضهم البعض الآخر أصحاب أهواء وبدع، ما داموا حافظين لأصول الإسلام وشرائعه، محافظين عليها معترفين بها … حين نجد هذا نعرف درجة الخطورة التي يمثلها أصحاب تيار التكفير على الأمة عامة وعلى الحركة الإسلامية العالمية خاصة، وكما نعرف الانفصال الخطر بين الفكر السياسي وبين الفقه الإسلامي، فإن الفكر السياسي التنظيمي الذي ينتج مواقف التكفير وشرعية العنف لا يستند إلى رؤية فقهية سليمة، ولا يمكن أن تكون حركة سياسية إسلامية، وتحمل مشروعاً إسلامياً وطنياً أو إقليمياً أو عالمياً، ولا تكون في فكرها السياسي والتنظيمي مستندة إلى الفقه الإسلامي الذي هو الأساس في شرعية عمل المسلم ومشروعيته.
ونورد هنا نصاً مهماً للإمام شرف الدين حول الموقف من حكومات المسلمين، (أجوبة موسى جار الله) في جواب المسألة الخامسة، بعد أن أشار إلى أن نموذج حكومة الطاغوت هو الحكومة اليزيدية وما جرى مجراها من الظلم والجور، فقد قال:
(… أما غيرهم من حكومات الإسلام، فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق، وإن كان عبداً مجدع الأطراف، فتعطيه خراج الأرض ومقاسمتها وزكاة الأنعام وغيرها، ولها أن تأخذ منه ذلك بالبيع والشراء وسائر أسباب الانتقال، كالصّلات والهبات ونحوها، ولا إشكال في براءة ذمة المتقبل منه بدفع القبالة إليه، كما لو دفعها إلى إمام الحق.
هذا مذهبنا في الحكومات الإسلامية ـ كما فصلنا في المراجعة 82 من مراجعاتنا).
ومما يتصل بهذا ما قاله من جواب المسألة العاشرة عن التقية، ص 71.
فقد قال في شؤون الصلاة خلف المخالفين في المذاهب اقتداءً بعلي عليه السلام الذي صلى خلف الخلفاء الثلاثة:
(وقد اقتدينا به عليه السلام فتقرّبنا إلى الله عز وجل بالصلاة خلف كثير من أئمة جماعة أهل السنة، مخلصين في تلك الصلوات لله تعالى، وهذا جائز في مذهب أهل البيت، ويثاب المصلي منا خلف الإمام السني، كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي، والخبير بمذهبنا يعلم أنّا نشترط العدالة في إمام الجماعة إذا كان شيعياً، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال، أما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقاً).
ـ 7 ـ
وما يقال في شأن قطع الولاية والبراءة والتكفير والعنف لدى بعض قبائل الحركة الإسلامية تجاه بعضها بعضاً، وتجاه الأمة، يقال أيضاً عن المواجهة بين التيار القومي والتيار الإٍسلامي في العالم العربي.
فجانب كبير من قيادات وأتباع التيار القومي يبرأ من التيار الإسلامي، أو يكاد ويناصبه العداء، ويقاطعه ويحاربه في مجال السياسة وفي المجتمع.
وليس في القومية ما يبرر شيئاً من ذلك. بل إن ما للقومية من مضمون ثقافي وحضاري مستجد أكثره، إن لم يكن كله، من تاريخ الإسلام، ومن حضارة الإسلام، ونحسب أنه ما كان ليكون للعرب شأن في تاريخ البشرية ولا يكون لهم شأن في مستقبلهم لولا الإسلام. وهذا عداء لا يبرره واقع ولا تاريخ ولا مستقبل ولا أخلاق، ولا منطق الربح والخسارة.
ونحسب أنه عداء مصطنع مستورد من ثقافة الغرب الذي عادى الكنيسة ليتاح له أن يكوّن (الأمة القومية) و(الدولية القومية) و(المجتمع المدني) على أساس من العقلانية والعلم الموضوعي، بعد أن كانت الكنيسة تتحكم بكل شيء وتحول دون أي تطور، وتفرض على الناس عقائدها ورؤيتها في مجال العلوم إلى جانب عقائدها في الدين وطقوسها في العبادة.
ولو عاد دعاة وقادة التيار القومي إلى ذاتهم وبصّروا في واقع تكوين الأمة العربية لوجدوا أن ما يصلهم بالإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً وحضارة كثير كثير، وإن ما يفصلهم عنه ويباعدهم منه ليس إلا أوهام وخيالات ليس لها من الواقع العلمي الموضوعي نصيب.
وكما هو الحال في دعاة التيار القومي فإن جانباً كبيراً من قيادات وأتباع التيار الإسلامي يبرأ من التيار القومي أو يكاد، ويناصبه العداء ويقاطعه، ويحاربه في مجال السياسة وفي المجتمع.
وليس في الإسلام ما يبرِّرُ شيئاً من ذلك ما دام القوميون يدينون بالإسلام وينتمون إليه، ويتأولون ما يرونه في شأن الدولة وفي شأن المجتمع. فهذا وحده لا يبرر الحكم بردتهم وكفرهم، ولا يبرر البراءة منهم ومحاربتهم. وليس مما يخالف الإسلا م وينقض أحكامه أن يعبّر العربي أو التركي أو الإيراني، أو الهندي أو غيرهم، عن انتمائه إلى أمته وقومه، وأن يعمل لخيرهم ونهضتهم من الكبوة، وتقدّمهم في العلم والعمران، وخروجهم من حال التخلف إلى حال التقدم، ومن حال الضعف إلى حال القوة ما دام لا ينصب العداء لغيرهم من المسلمين، ولا يحاربهم ولا يكيد لهم، ولا يوالي عليهم أعداء الإسلام.
وليس في الفقه الإسلامي ـ على جميع مذاهبه ـ ما يحرم أن ينظم جماعة من الناس أنفسهم على أساس كونهم ينتمون إلى قوم معينين، وأن يعملوا لخير قومهم بالسعي إلى توحيدهم في كيان واحد، وإخراجهم من الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعف إلى القوة.
ليس في الإسلام ما يمنع أن يكون قوم من الناس قوميين ومسلمين، كما أنه ليس في الفكر القومي ما يمنع من أن يكون قوم من الناس مسلمين وقوميين، فلكل قوم من المسلمين فيما بينهم رابطتان: الإسلام والقومية، ولجميع المسلمين رابطة واحدة هي رابطة الإسلام، فهي أمم صغرى في أمة كبرى، كما يكون الواحد في العائلة مع آحاد آخرين، العائلة في العشيرة مع عائلات أخرى، والعشيرة في القبيلة مع عشائر أخرى، والقبيلة في القوم مع جميع القبائل.
وكون الأمة الإسلامية تقوم على رابطة الفكر الإسلامي والعقيدة والشريعة الإسلاميتين لا القرابة ولا الدم، لا ينافي أن تكون في داخل هذه الأمة أمم تلتقي فيما بينها في أوطانها على اساس القرابة اللغوية الخاصة، والتاريخية الخاصة، والثقافية الخاصة، والمصلحة الخاصة، وتلتقي في الوقت نفسه فيما بينها وبين غيرها من المسلمين في المجال الأوسع ـ ثقافة وحاضرة ومصالح اقتصادية وأمنية ـ على قاعدة الإسلام عقيدة وشريعة وفكراً وفقهاً.
ويلتقي الجميع في الوقت نفسه أيضاً في المجال الأوسع الأوسع مع سائر البشرية ـ بتوجيه الإسلام الحنيف السمح ـ على القيم الكبرى للإنسانية التي بلورها الإيمان ـ على القاعدة الإنسانية الكبرى في علاقات البشر التي حددها الله تعالى في كتابه المجيد بقوله عز وجل: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
فهذه الآية البينة المحكمة ـ وفي الكتاب آيات تومي إلى معناها، وفي السنة الشريفة نصوص في مدلولها ـ تدل على خطأ الإسلاميين والقوميين معاً في موقف العداء مع الآخر وفي القطيعة بينهما، وهي قطيعة أنهكت المسلمين جميعاً، وأقوامهم وخاصة العرب.
وكما رأينا أن (فقه الوفاق) ضرورة لبلورة العلاقات بين أتباع المذاهب الكلامية والفقهية، وترشيدها على أساس العلم الفقهي، لا الأوهام الفقهية، كما رأينا أن فقه الوفاق ضرورة لبلورة العلاقة بين الحركات الإسلامية فيما بين الواحدة والأخرى، وفيما بينها وبين الأمة والمجتمع وترشيدها على أساس العلم الفقهي كذلك فإن الضرورة نفسها تحكم بالاحتكام في طبيعة العلاقة بين التيار الإسلامي والتيار القومي إلى (فقه الوفاق) الذي يشخص ما هو من الإسلام، وما ليس من الإسلام، وما يتنافى من ذلك مع إسلام المسلم فيوجب الردة والكفر، وما لا يتنافى مع إسلام المسلم في المواقف والتنظيمات والمناهج. فإن الفقيه الفقيه يعلم أنه ليس كل ما لم تشتمل عليه النصوص ليس من الإسلام، وليس كل ما وردت به النصوص في المسائل السياسية والتنظيمية أحكام مطلقة لجميع الأزمان، بل إن ما ترد به النصوص ـ في مجالات التنظيم ـ ما لا يتنافى مع الإسلام ـ وفيما وردت به النصوص في هذا المجال ما ليس مطلقاً، بل هو تتغير أحكامه بتغير تكوين المجتمع وحاجاته وعلاقاته مع المجتمعات الأخرى، أو مع العالم غير المسلم، وتتغير بتغير الأوضاع من حوله.
ـ 8 ـ
إن هذه الملاحظات التي اقتضى ذكرها حديثنا على الجانب الفقهي من شخصية الإمام شرف الدين الفكرية والعلمية، تؤدي بنا إلى اكتشاف ضرورة تقتضيها حياة المسلمين في العصر الحاضر على صعيد علاقات المذاهب، فيما بينها، وعلى صعيد علاقات الحركة الإسلامية فيما بينها ومع المجتمعات والأمة، وعلى صعيد علاقات التيار الإسلامي والتيار القومي. وهذه الضرورة في هذه المجالات جميعاً هي تأسيس (فقه الوفاق) باعتباره فرعاً مهماً في مجال (الفقه السياسي) الذي لا يزال في بدايات تكوينه، بما تقضي به الضرورات المجتمعية الإسلامية العالمية في العصر الحاضر، وفي مجال (الفقه التنظيمي) الذي لم يكد يولد بعد، وتقضي الضرورة بتكوينه أيضاً.
إن الوفاق ضرورة يمليها الإسلام نفسه على المسلمين، ولو لم تدع إليه ضرورة حفظ الذات، ورعاية المصالح، ورد عادية العدو، لأن الوفاق بين المسلمين ووحدتهم من مقتضيات عقيدة التوحيد، ومن مقتضيات شريعة الإسلام، ومن لا يؤمن بهذه الوحدة ولا يدعو إليها ولا يحرص عليها، ولا يدفع عنها عوامل الفرقة، فإن إسلامه منقوص، لأنه يخالف تكليفاً شرعياً أمر الله تعالى به، ونهى عن معصيته في القرآن الكريم في آيات محكمات بينات، منها قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ وغيرها. وفي السنة الشريفة الصحيحة من هذا كثير.
فكيف إذا كانت الوحدة ضرورة للسلامة والكرامة والعزة في مواجهة مؤامرة يحيك الغرب شباكها وفخاخها منذ خمسة قرون، وينفذ فيها فصلاً بعد فصل، ومرحلة بعد مرحلة بهدف الاستيلاء على ثروات الأمة الإسلامية والتحكم فيها بمنعها كلها، ومنع أي قوم منها، من أي دور في العالم، بل من أي دور في اختيار صيغة حياتها، واختيار التصرف في ثرواتها وأرضها وسمائها. وأعظم وسائله إلى هذا الهدف هو ضرب وحدتها بتعطيل دور الإسلام التوحيدي في حياتها، وذلك بتفكيك علاقات الوجدان والتاريخ والمصالح ووحدة المصائر بين أقوامها، ثم بتفكيك هذه العلاقات داخل كل قوم، مستخدماً عوامل القومية تارة وعوامل الوطنية تارة، وعوامل المذهبية الطائفية تارة، خالقاً المخاوف عند كل فريق من كل فريق، وفي جميع مراحل هذه المؤامرة، يستخدم قوته ونفوذه في بناء أنظمة للمصالح القومية والوطنية والقطرية، والمذهبية الطائفية، ويدفع بكل نظام للمصالح إلى بناء قوته الخاصة التي تعتمد على الغرب، وإلى ربط اقتصاده بالغرب، ثم إلى ربط أمنه واستقراره بالغرب.
إن الوحدة لم تعد مجرد واجب ديني إسلامي مقدّس من مكونات إيمان المسلم، بل غدت ضرورة حياتية يدركها العقل لضمان الحد الأدنى من سلامة الأمة وبقاء الكيانات التي تتشكل فيها دولاً ومجموعات إقليمية فهي، من الناحية الموضوعية المصلحية المحضة، ليست ترفاً يقتضيه، ويبرره الاكتفاء، بل ضرورة تقتضيها المصلحة.
إن المصلحة السياسية والأمنية والاقتصادية تقضي بالتوحد، والبحث الجاد المخلص عن وسائله وأساليب تحقيقه بالتدرج الذي يتسع للتنوعات ولا يلغي الخصوصيات.
وإنه لمن عجائب حركة التاريخ أن نشهد أوروبا وهي تتوحد أمام أعيننا، وتلملم شتاتها وتلغي تناقضاتها، ملقية وراء ظهرها تاريخ يزيد على ألف عام من العداء، وأنهار من الدماء، وركام من البغضاء. أوروبا ذات القوميات العدوانية المفترسة، أوروبا الكاثوليكية ـ البروتستنتية ـ الأرثوذكسية ـ العلمانية الملحدة، أوروبا الرأسمالية والاشتراكية، وأوروبا ذات اللغات الشتى. وأن نشهد المسلمين ـ بل العرب ـ وهم يتفتتون ويتمزقون ويتعادون ويتناحرون، بل ويتحاربون، فتسيل بينهم أنهار من الدماء، وتتعالى جبال من البغضاء، ملقين وراء ظهورهم بتاريخ من التوحد والتكامل ـ بشكل أو بآخر ـ يمتد إلى ما يزيد على ألف عام.
وليس هذا وذاك من أقدار الله الحتمية التي اختص الله بغيبها وحجب عن البشر العلم بسننها، بل هو قدر جعله الله تعالى رهناً باختيار البشر. إنه سنة من سنن حركة التاريخ التي كشف عنها في محكم كتابه المجيد. إنه عقلنة علاقات الإنسان والمجتمع على أساس عدم اتباع الأهواء الذاتية الشخصية والعرقية في صياغة هذه العلاقات وإدارتها، بل اتباع ما تقضي به مصلحة المجتمع ـ الأمة العامة في قضية الوحدة، والتكامل، والتنوع. وبذلك تحفظ مصلحة الأفراد والجماعات داخل المجتمع والأمة، واتباع الطريق المخالف، وهو مصلحة الأفراد والجماعات في صياغة العلاقات وإدارتها يضيع مصلحة الأمة كلها، ويضيع ـ في النهاية ـ المصلحة الخاصة نفسها للأفراد والجاعات.
وقد بيّن الله الحكيم العليم سبحانه هذا القانون في آيات كثيرة، وفي بعضها أمثلة تطبيقية من تاريخ الأمم، ومن ذلك ما بيّنه سبحانه من شأن اليهود والقلة في تفرقهم وتناحرهم في بعض حقب التاريخ، ومنها عصر الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ قال تعالى في شأنهم في [سورة الحشر، الآية: 14] ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾.
فعلّة كونهم هكذا «أنهم قوم لا يعقلون»، وليس لأن الله تعالى قدر عليهم أن يتفرقوا ويتناحروا من غير سبب عملته أيديهم وأوجدوه بإرادتهم واختيارهم.
وها هم اليهود الآن موحدون متحدون على مشروع واحد، استطاعوا إنجاز جانب كبير منه على الرغم من العرب جميعاً والمسلمين جميعاً الذين ابتلاهم الله ـ باختيارهم وإرادتهم ـ بنفس ما شنع به على اليهود من الفرقة والتناحر والقلوب الشتى، لنفس ما أدى باليهود في الماضي إلى هذا المصير وهو «أنهم لا يعقلون».
إن «المقدس» الذي انتهك، نخشى عليه مزيداً من الانتهاك، وهو وحدة الأمة، لا بد من إعادة الحرمة إليه، وتحصينه وترسيخه في وعي المسلمين وسلوكهم، وصونه من عوادي الفتن.
وهذا أمر لا يتأسس على السياسة وحدها، بل يتأسس ـ قبل السياسة على (فقه الوفاق) و(فكر الوفاق):
أ ـ أما فكر الوفاق، فكر الوحدة فهو مسؤولية المثقفين والمفكرين المسلمين، ولا بد من إعادة تكوين هذا الفكر على هدي الكتاب والسنة ـ وهما العامل الثابت فيه ـ والتاريخ والواقع المعاش، وهما العامل المتغير فيه.
ووظيفة هذا الفكر أن يربى المسلم على أخطار الانقسام وبركات التوحد، بحيث تكون (الوحدة الإسلامية) تعبيراً طقسياً يمارس بعقلية وروح الواجب، بل ثقافة معاشة بنحو تلقائي في حياة المسلم.
ومن أجل بلوغ هذا المستوى من تكوين شخصية المسلم على فكر الوحدة، لا بد أن يجعل هذا الفكر زاداً يومياً لأجيالنا الجديدة في المدرسة والمسجد وسائر وسائل التثقيف والإعلام بحيث يشب عليه الصغير، ويشيب عليه الكبير.
إن هذا الفكر غائب عن مجتمعاتنا، وحتى عن معظم النخب في هذه المجتمعات، بل إن الأخطر من ذلك أن تسود ـ في بعض الأحيان ـ في هذا المجتمع أو ذاك تيارات (فكر الخلاف) الذي يفلسف اتجاهات التشرذم والتفرق السياسي والمذهبي.
ب ـ وأما (فقه الوفاق) فهو مسؤولية الفقهاء، ومراكز البحث الفقهي، والمرجعيات الدينية الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
إن فقه الوفاق هو أساس الفقه السياسي والتنظيمي، ومن دونه لا يستقيم للأمة سياسة ولا تنظيم. وهذا يكشف عن مدى أهميته الكبيرة في إعادة تكوين الأمة وصياغة منهج حركتها في هذه الحقبة من تاريخ الإنسانية.
وهو يقوم على أساس ثابت، وعامل متحرك متغير.
أما الثابت فهو مسلمات الكتاب والسنة في شأن ما هو ملاك الإسلام وجماعة المسلمين وبيضة الإسلام، وبروز الكتاب والسنة في هذا الشأن إجماع المسلمين وإدراك العقل.
وأما المتغير المتحرك فهو ضرورات الزمان والمكان والحالات في كل شعب مسلم وكل مجتمع مسلم وكل دولة مسلمة.
إن هذا الفقه يؤصل مقولة الوحدة، ويؤصل مشروعية التنوع في الوحدة وفي نطاق الإسلام الجامع للتنوعات.
وعلى هدي الأساس الثابت واعتبار العامل المتغير يُبنى فقه مرن لا يحصر الأمة وشعوبها في قوالب تنظيمية جامدة معرضة للكسر عند تغير الحالات، ولا يترك الأمة سائبة من دون ضوابط تنظم إيقاع حركتها السياسية في عالم متحرك متواصل متفاعل متبادل التأثير والتأثر، لم يعد بالإمكان عزل جماعة فيه عن جماعة.
وفيما يحدث الآن للأمة عبرة بالغة، فإن بعضها يتهاوى أمام تحديات الغرب مضطراً أو مفتوناً، وبعضها الآخر يحاول أن يعتصم من ذلك فيحاصر من جميع الجهات، وتتألب عليه الأكلة من جميع الأنحاء.
إن مسؤولية الفقهاء المخلصين الواعين، ومراكز البحث الفقهي والمرجعيات الدينية للمسلمين هي بلورة فقه الوفاق والوحدة، ليكونوا دعاة ورواد وفاق ووحدة ينقذ الله عز وجل بهم المسلمين من التفكك والتفرق.
ولا يعفيهم من المسؤولية أن يقفوا موقف المتفرجين، وهم يرون الأمة تتمزق، ويقع جزء منها بعد جزء فريسة لعامل الشر والفتنة الداخلية تارة، وفريسة لعدوان الأغراب تارة أخرى.
إن تخلي الفقهاء والمفكرين المخلصين الورعين الأكفاء والواعين عن التصدي لترشيد الأمة على مستوى المذاهب الفقهية، وترشيد الأمة على مستوى الحركة الإسلامية، قد أخلى الساحة أمام بعض علماء الدين إلى أن يتخذوا مواقف تنحدر إلى مستوى الجريمة الكبرى والخيانة العظمى في حق الإسلام والأمة، وذلك حين يشرّع هؤلاء ـ باسم الإسلام ـ استعمال أساليب العنف ضد مخالفيهم في المذهب أو في الفهم السياسي، ويستحلّون صياغة خطاب سياسي وتعبوي مشحون بعناصر الإثارة والاستفزاز ودواعي العداء والخصومة، وعوامل الفرقة والانقسام.
وبعض من هذا البعض مخلصون ورعون، ولكنه ورع من دون فقه، فقد فهموا ظاهراً من الأمر في شأن الوفاق والوحدة، فلم يروا الإسلام إلا في مذهبهم الفقهي ومدرستهم الكلامية، وفهموا ظاهراً من الأمر في شأن الدعوة إلى الإسلام وأسلمة المجتمع والدولة، فلم يروا إلا فهمهم الخاص لأسلوب الدعوة إلى الله عز وجل.
وبعض آخر من هذا البعض أدعياء فقه ودين، وإن لم يكونوا أدعياء فقه فهم أدعياء دين، وهم في الحقيقة مدّعون، دجالون، تجار دين.
ومن ذلك البعض أو هذا البعض من يغري مذهباً بمذهب، فيحكم بالخروج والردة والكفر على جمهور كبير من المسلمين.
ومن هؤلاء من يبحث عن وسيلة للشهرة والجاه والبريق الإعلامي، فيغري فريقاً من الحركة الإسلامية بفريق آخر تحت شعار أن هؤلاء يجب جهادهم وقتالهم، وقد رأينا من هؤلاء من بنى شهرته على الجثث والدماء، وضحاياه من عوام الناس الذين تفيض قلوبهم بالحماس والإخلاص، وألقاهم سوء حظهم وقلة بصيرتهم بين يدي دجال وتاجر دين.
ومن هؤلاء من يغري الإسلاميين بغيرهم، ومنهم من يغري الأنظمة الحاكمة بالحركة الإسلامية، ويشرع لها ملاحقة أعضائها أو أتباعها، وقياداتها، ومنهم من يغري الحركة الإسلامية بالأنظمة الحاكمة، ويفتيها بمشروعية العنف المسلح ضدها، ومنهم من أغرى الإسلاميين بالأمة، أو أغرى الأمة بهم، وفي كل ذلك يستعمل آيات القرآن، وأحاديث السنة، وفتاوى الفقهاء من غير فقه ولا ورع. إلى غير ذلك من أساليب التحريض والإغراء بالقطيعة والعنف المادي والسياسي، مما جعل الأمة في العقدين الأخيرين، تبدو وكأنها قد فقدت جميع أواصر الوحدة ووشائج الوفاق بين جماعاتها ومجتمعاتها المذهبية والسياسية، وتنامى فيها الاحتراب الداخلي بين الأنظمة وقوى التيار القومي تارة، وبينها وبين التيار الإسلامي أخرى، وبين القوميين والإسلاميين ثالثة، وبين الإسلاميين والإسلاميين رابعة، وبين القوميين والوطنيين أنفسهم خامسة، وتطل بوجهها البشع بين وقت وآخر قضية الشيعية والسنية، فتربك حالة الوحدة على مستوى الأمة وعلى المستويات الوطنية، كما نشاهد ونكابد هذه الظاهرة وآثارها في مناطق عديدة من العالم الإسلامي.
ويركز الغرب الحضاري ـ لأهداف غير علمية وغير نبيلة، بل لأهداف سياسية واقتصادية وثقافية استغلالية استلابية تسلطية ـ أنظاره ووسائل بحثه وتحليله على ظواهر الانقسام هذه فيعمقها ويزيدها حدة وشراسة، ويستغل آثارها في الأنظمة تارة فيكون هو الحامي، وفي الحركات السياسية المعارضة ـ إسلامية أو قومية أو وطنية ـ فيكون هو المدافع عن حقوق الإنسان، وفي الحركة الإسلامية التي يسمّيها (الأصولية) فيبرر بها وصمه للإسلام الحنيف بما هو أولى به من الوحشية والعدوانية والرجعية، ويقدم نفسه لسائر المسلمين باعتبار أنه يمثل النهج العقلاني الإنساني … وهكذا يمضي في خطة التفتيت والإضعاف، ويستغل نتائج ذلك كله مزيداً من الاستحواذ ونهب الثروات، والتحكم بالمصائر.
فهل بعد هذا الشر من شر؟.
أو لا يكفي بعض هذا مجمل الحاملين لرسالة الإسلام وشريعته من فقهاء ومرجعيات فقهية أن يخرجوا من أطرهم المذهبية والمحلية، متفاعلين مع أشد حاجات الأمة إلحاحاً وهي المصالحة مع الذات والوفاق والوحدة، مستجيبين في ذلك لنداء الله تعالى في كتابه المجيد في قوله عز وجل في سورة الحجرات: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون* يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكنوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون* يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾.
إن الأمة المسلمة عامة، وكل شعب من شعوبها في أمسّ الحاجة بل أشدّ ضرورة إلى إعادة ترميم ما تصدّع من وحدتها بما هي أمة، وإلى ترميم وحدة كل شعب من شعوبها ودولها في إطار الوحدة العامة، لأن هذه الوحدة لم تعد شأناً من شؤون العقيدة فقط، وهي كذلك بلا ريب، بل غدت ضرورة من ضرورات السلامة السياسية والاقتصادية والثقافية، للتحصن من آثار الهجمة الشرسة الشاملة التي تشنّها قوى كبرى كثيرة على العالم الإسلامي والأمة المسلمة، من دون وجود أي موقع دولي يمكن أن يجد فيه المسلمون أو أية دولة من دولهم حليفاً لهم يتيح المناورة في الأزمات، وذلك بعد التغير العميق والشامل الذي حدث في السنتين الماضيتين في النظام الدولي وولادة ما يسمى (النظام الدولي الجديد) الذي بدأت تتصاعد لهجة المنظرين له والناطقين باسمه في حقول السياسة والاقتصاد والثقافة بالحديث عن الإسلام باعتباره العدو الأول، بل الوحيد أمام الصيغة السياسية التنظيمية والحضارية لهذا النظام العالمي الجديد، واضعاً الأمة المسلمة بين خيارين: إما السلّة وإما الذلّة أي إما القمع، وإما الاستحواذ. ومعالم هذا الموقف تبدو كما نرى ظاهرة في جميع أرجاء العالم الإسلامي.
وكنا قبل ثماني سنوات ـ أو قريباً من ذلك ـ قد دعونا إلى تأسيس (مركز دراسات الوحدة الإسلامية)، وكررنا الدعوة إلى ذلك، وتحدثنا مع بعض علماء الدين والمفكرين المسلمين المخلصين لقضية الوحدة والوفاق في هذا الشأن، بعد أن رأينا النذر والمؤشرات الكاشفة عن توقعنا تفكك المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي، هذا التوقع الذي عبّرنا عنه في كتابنا (مطارحات في الفكر الديني والفكر المادي)، وتوقعنا أن تشتد وتتسّع الحملة على شعوب الأمة الإسلامية، وعلى الحركة الإسلامية العالمية نتيجة للاستقطاب الدولي الذي يجرد المسلمين ودولهم من أي قدرة على المناورة لتفادي الضغوط وحالات الحصار.
ولكننا كنا نصطدم دائماً بمشكلة تمويل هذا المركز، حيث إن من الأفضل أن لا تموله الحكومات أو المؤسسات الحكومية، لما يؤدي إليه ذلك من شبهات قد تكون غير مبررة، ولكنها تؤثر في أوساط كثير من المسلمين على أعمال هذا المركز، وقد تؤثر على درجة الثقة بها.
إننا نجد الدعوة الآن إلى تأسيس (مركز دراسات الوحدة الإسلامية) من فقهاء متخصصين ومؤهلين، ومن مفكرين وخبراء من شتى البلاد الإسلامية، وذلك للقيام بهذا الواجب الذي تقضي به الضرورة الآن أكثر من أي وقت مضى، والتعاون بين المؤسسات الأهلية في المجتمعات الإسلامية من دينية وثقافية لتمويل هذا المركز بالإضافة إلى المتطوعين من أغنياء المسلمين، علماً بأن هذا المورد من أظهر الموارد التي يجوز إنفاق الأموال الشرعية عليها وفيها من الأخماس والزكوات.
أستغفر الله وأتوب إليه، وأسأله سبحانه وتعالى التوفيق والتسديد لنا جميعاً إلى ما فيه نصرة وعزة دينه وأمة المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد مهدي شمس الدين
وممن رثاه في ذكراه الشيخ نبيل شعبان بقصيدة عنوانها:
الباكيان عليك السيف والقلم
الباكيان عليك السيف والقلم
والوالهان إليك الفكر والشيم
لم تبرح الدهر مذ يممت ساحته
كأن ذكرك في سمع الزمان فم
بين النهى والهدى طوّفت عبر مدى
تنهلّ منه على صحرائنا الديم
في الكاظميّة كنت البرعم اختبأت
فيه فنون من الأسرار تزدحم
وراثة أخصبت في مونع خضل
فالنور عطر وأعطاف الشذى نسم
وشدّك النجف الأسنى إلى أفق
ومن مطاف نسور تولد القمم
فانهل وعلّ رحيق العلم ما نزفت
عنه العقول ولا جفت به الهمم
وعد إلى ظمأ في أرض عاملة
وروّه ألقاً يزهر به الحلم
يا طائراً ما طوى عن جنحه سفراً
حتى أطافت به ريح لها نقم
مستعمر جعل الإقطاع مخلبه
وطالما نسلت من ظلمه ظلم
وحبله لم يزل يهفو إلى عنق
يزينه الأكرمان العلم والشمم
فجفلته إلى مصر فما اغتربت
نفس لها بنفوس حرة رحم
وحسبك الدين والإسلام آصرة
ما مثلها عرفت في دهرها الأمم
مراجعاتك شعت واغتنت درراً
من فيض علمك لما رازه علم
ولم يزل نفحها والحب يغمرها
يا آل بيت رسول الله حبكم
وكيف يصدف عن قوم هم رسموا
درباً إلى الله ما ضلت به القدم
مدينة العلم والإيمان جدهم
والمرتضى بابها والراسخون هم
وأُبت من سفر والهام شامخة
وصور قلب بنار الشوق يضطرم
يا قاتل الجهل قد فرقت غيهبه
بالجعفرية جيش الجهل منهزم
جردت للفقر سيف البر تطرده
فانزاح حيناً وركن منه منحطم
ولو أطاعتك أموال الحقوق لما
شفّ الورى وتساوى العدم والعدم
لكن بيانك أغلى ما حبيت به
روح وراح وريحان به الكلم
لك المنابر إن عيدانها يبست
فللخطابة سيل مخصب عرم
إن يحرقوا بعض أسفار فقد بقيت
بعض إليها يزفّ العاقل الفهم
تلألأت في سماء الناس أنجمها
وليس ينكرها إلا الذين عموا
روح الحسين تجلّت فيك ثورتها
على الفراعين في الآفاق تحتدم
مظلومة، كل مظلوم لها هتفت
منه الدماء ولكن ليس تنظلم
أبا الجهادين في علم وفي عمل
يزهى بك الخلقان البأس والكرم
وعزة فيك ما لانت شكيمتها
كالأسد تكنفها في غيلها الأجم
لم ترض والشاه مشغوف بلثم يد
فماً عليه من الشعب الذبيح دم
برئت منه وما برّأتَ ساحته
فارتد يلعق خزياً أنفسه ورم
وكنت تأسى على شمس لنا غربت
فنحن إرث بأيدي الغرب يُقتسم
ونحن والكبر منذ الدين فارقنا
حكاية طرفاها الذئب والغنم
واستشرقوا وتغربنا وصار على
رقابنا لهم الأعوان والخدم
إيه فلسطين ما صُنّاك من دنس
يا قدس أقداسنا لو ينفع الندم
وكم أهبتِ إلى درب الحسين بنا
وخطّ إسلامه منجى ومعتصم
لا تأس بعد، فمن نسل الحسين أتى
مجدّد الدين خفاقاً له العلم
بثورة شمسها الإسلام ساطعة
أنواره فلها الأكوان تبتسم
ودولة طالما اشتاقت لمقدمها
روح الكرامة والتاريخ والقيم
فالغرب في وحشة منها وفي قلق
وصرح إلحاده في الشرق منهدم
لبنان صار شجى في حلقهم وغدت
صهيون في حصنها بالموت تقتحم
ورأسها وحجار الرفض تمطره
بصخرة القدر المرصود يرتطم
يا جاعلي شرعة الإنسان سوطكم
بئس النفاق وبئس الخصم والحكم
إذا انتفضنا لرفع الظلم ظلمكم
ونيل حق فبالإرهاب نُتّهم
تكشف الوحش في بردي تمدنكم
وراح يفتك مسعوراً ويلتهم
أبيح من مسلمي أوربة دمهم
وعرضهم، هل سوى الإسلام ذنبهم؟
والغرب منتظر حتى إبادتهم
ومجلس الأمن في آذانه صمم
يا قادة الغرب أفلستم وعصركم
عما قريب بأمر الله يُختتم
الإمام شرف الدين
من خلال خصائص مؤلفاته
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذُ وفاةِ الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبداية غيبة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وحتى يومنا هذا، كان لعلماء الشيعة خلال أكثر من اثني عشر قرناً دورٌ كبيرٌ ورئيسيٌّ في تخليد معارف أهل البيت عليهم السلام، وتوثيقها بشكلٍ علمي مفيدٍ لإجراء البحوث والتحقيق وتوضيحها بشكل منطقي ومستدل، وصيانتها من التحريف والتغيير والتأويلات غير المنطقية، وتهذيبها من النقاط المبهمة، وإعطاء الأجوبة المقنعة والقوية على الأسئلة والانتقادات المثارة حولها. وبالتالي التعبير عن معارف أهل البيت كمدرسة تُجسّدُ جوهر الإسلام … حيث إن التاريخ سجّل بأحرف من نور أسماء عشرات الآلاف من العلماء المخلصين والمضحّين والمتفانين والمبلّغين لمدرسة الإسلام، إلا أن أسماء أكثرهم ومؤلفاتهم أُبيدت بسبب العديد من العوامل الطبيعية وغير الطبيعية، لكن ما يهوّن الخطب هو أن ما إن يأتي الحديث عن الشيعة والتشيّع في المعاهد العلمية والمؤسّسات الثقافية، فإننا نتمكن من أن نعرض للعلماء والباحثين، بكل فخر واعتزاز، نتيجة جهود المخلصين من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام في جمع وفهرسة تراثهم الهائل ـ وأقصد بذلك الكتب التالية:
1 ـ أعيان الشيعة للعلاّمة السيد محسن الأمين.
2 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة للعلاّمة السيد أبي القاسم الخوئي.
حيث استعرضوا فيها أسماء أكثر من عشرة آلاف محدّث شيعي رووا أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
وما يزيد على اثني عشر ألف عالم شيعي.
وما يزيد على خمسين ألف كتاب من تصانيفهم في شتى العلوم.
نعم إن من واجبنا، وواجب الحوزات العلمية مباركة جهود هؤلاء الأعلام، وتقدير أتعابهم وإبرازها أمام السائرين على خطاهم. ومن بين هذه المجموعة الكبيرة من الأعلام نعرف جماعة منهم، كانوا برغم قلّة عددهم، يعدّون المحور الأساسي في الحركة العلمية الدينية، فكانوا كالشمس والقمر بين سائر النجوم. فقد استضاء الآخرون بضيائهم، وأناروا طريق المعرفة بنور علومهم ومعارفهم وتراثهم.
ولا نغالي لو قلنا إنّ لولا هذه القلة والثلّة لاندرست معالم الدين والإسلام، ولابتليت أصولها بالتحريف والضياع والتأويل والمسخ.
ولكن نعيد إلى الأذهان ما قامت به هذه الفئة القليلة من خدمات كثيرة جليلة، نحاول هنا أن نستعرض بعض الأسماء، فمنهم:
في القرن الثالث: ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي مصنف الكتاب الخالد «الكافي»، حيث قضى عشرين سنة من سنيّ عمره المبارك في جمعه وتأليفه وتهذيبه.
وفي القرن الرابع: الشيخ الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القميّ، والشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان العكبري، فإن لهما الفضل الكبير على جميع المسلمين.
وفي القرن الخامس: الشيخ الطوسي محمد بن الحسن مؤسس الجامعة الكبرى في النجف الأشرف، وباني الكثير من أسس أبحاث مدرسة التشيع.
وفي القرن السادس: إبن إدريس الحليّ حيث يعود له الفضل في تطوير الفقه الشيعي في تلك الأزمان.
وفي القرن السابع: المحقق الحلي جعفر بن الحسن مؤلف السفر القيّم ـ شرائع الإسلام في الفقه، والمسلك في علم الكلام والعقائد، والعلامة الحلي الحسن بن المطهر صاحب المؤلفات الكثيرة القيّمة في شتى العلوم الإسلامية.
وفي القرن الثامن: الشهيد الأول محمد بن مكي.
وفي القرن العاشر: الشهيد الثاني (رضوان الله تعالى عليهما)؛ وهما، بصبرهما على الموت والتضحية في سبيل المبادئ قد علّمانا وعلّما الأجيال أسلوب الاستقامة على الدين والوفاء للإسلام والتشيّع.
وفي القرن الحادي عشر: المولى محمد باقر العلامة المجلسي.
وفي القرن الثاني عشر: الوحيد البهبهاني آغا محمد باقر، حيث استطاع بجهوده أن ينقذ فقه الإمامية من الانحراف والضياع من ناحية بعض البسطاء.
وفي القرن الثالث عشر: الشيخ مرتضى الأنصاري مؤسس المدرسة الأصولية الحديثة الذي أحدث قفزة نوعية في أبحاث الحوزات العلمية.
أما القرن الرابع عشر الهجري: ففي هذا القرن حدث تطور هائل في العلاقات الدولية والنظام العالمي، حيث تمكن الاستعمار من استغلال الشعوب وخاصة الإسلامية منها واستعمارها. ففي هذه الفترة كانت الشيعة الإمامية بحاجة إلى علماء واعين، يدركون خطورة الموقف وأهميته ويفهمون دسائس الاستعمار ومكائده.
وبعبارة أخرى كنا نحتاج إلى علماء، وقادة يتصفون بالصفات التالية:
1 ـ معرفتهم التامة بالاستعمار وحقيقته وخططه الخبيثة.
2 ـ وقوفهم كالسدّ المنيع أمام الهجمة الثقافية لأعداء الإسلام والإنسانية.
3 ـ القدرة على ردّ التهم الموجهة للإسلام من قبل الأعداء وأذنابهم بين المسلمين الهادفة إلى زعزعة كيان المجتمع الإسلامي بأسلوب علمي رصين مقنع.
4 ـ الإيمان بدور الشباب وطاقاتهم، وخاصة طلاب الجامعات منهم في بناء المجتمع.
5 ـ الإيمان بقضية التقريب بين المذاهب الإسلا مية، دون الإخلال أو التواني عن إبراز مذهب أهل البيت عليهم السلام وتشريعاتهم.
6 ـ القدرة التامة على تبيين معارف أهل البيت وإبرازها للمجتمع بأسلوب مرغوب، بحيث لا تكون فيه أي إثارة أو إحداث للفرقة بين صفوف المسلمين.
7 ـ القدرة على تأليف الكتب التي تجمع بين سهولة التعبير وقوة الحجة.
8 ـ القدرة على إبراز محكمات الشريعة التي يمكن الذبّ عنها والتمسك بها في المعاهد العلمية العالمية وابتعادها عن الإشكالات التي يصعب إفهامها لعامة الناس.
قال الإمام الرضا عليه السلام: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقيل له: كيف يُحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا.
ومحاسن كلامهم المحكمات، وحيث تكون موافقة للفطرة، وحكم العقل، يستقبلها كل من له الفطرة السليمة والعقل السليم.
9 ـ القدرة على نشر العلوم الإسلامية وثقافتها في الجامعات والمعاهد العالمية.
10 ـ القدرة على تربية جيل من العلماء الواعين الذين يحملون الصفات المذكورة.
نعم كنا بحاجة إلى علماء يحملون هذه الصفات، يقودون المجتمع الإسلامي إلى شاطئ الأمان؛ وقد منّ الله تعالى على هذه الأمة بثلّة من الأتقياء الصالحين الذين قاموا خير قيام، فحفظوا للأمة دينها وكيانها وثقافتها، ونحن في هذه العجالة نذكر أسماء بعض هؤلاء الذين أسدوا خدمة جليلة للإسلام ولمذهب أهل البيت عليهم السلام في هذا القرن:
1 ـ الميرزا محمد حسن الشيرازي …. حيث قام بأول خطوة لمحاربة الاستعمار، تمثّلت بإصداره فتواه الشهيرة بحرمة امتياز التنباك.
2 ـ الميرزا محمد تقي الشيرازي، حيث قام بمحاربة الاستعمار في العراق، فحوّل الحوزات العلمية في العراق إلى معاهد عسكرية، وحارب بطلاّبها الاستعمار. وهكذا علّمنا بأن الظروف قد تقتضي ـ كما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يدخل طلاب الجامعات والمعاهد الدينية إلى ساحات المعارك، دفاعاً عن شرف الإسلام وكيانه والإنسان وكرامته.
3 ـ الشيخ محمد جواد البلاغي، حيث قاوم الهجمة الثقافية للاستعمار بأسلوبه الخاص، وأسدى، بأجوبته لشبهات الأعداء، خدمة للمسلمين والإسلام.
4 ـ الشيخ آغا بزرك الطهراني، حيث قام بإبراز التراث الشيعي، وتحمّل في سبيل ذلك الصعاب، رحمة الله تعالى عليه.
5 ـ العلامة السيد محسن الأمين العاملي، حيث كان له النصيب الأوفر في إبراز أعيان الإمامية ورجالها البارزين، وأيضاً له الآثار والمآثر الثمينة الأخرى.
6 ـ العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، حيث تحمّل العناء في سبيل إعلاء كلمة الحق والدفاع عن الإسلام والتشيّع.
7 ـ العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني، فقد سعى في الدفاع عن كيان الدين بإجابات شافية ووافية، تقنع الجيل المثقف.
8 ـ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي التبريزي صاحب تفسير الميزان، حيث يعود له الفضل في التطور الكبير الذي حدث في حوزة قم العلمية، والذي كان الأساس في التصدي للغزو الثقافي الغربي.
9 ـ العلامة السيد حسين البروجردي الذي سعى كغيره من أجل التقريب بين المذاهب الإسلامية، وله خدمات قيّمة أخرى.
10 ـ وأخيراً قائد الأمة الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) الذي فاق الجميع في التأثير في مجريات الأحداث، والذي كان يجمع الفضائل ومعلم الأمة بل الأجيال.
أما الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (رحمه الله تعالى) فقد كان واحداً من هؤلاء الأعلام البارزين، حيث كان بحقٍّ شرفٌ للإسلام والمسلمين والشيعة ـ والأسماء تنزل من السماء.
وأحاول في هذه الكلمة أن أبرز جانباً من فضائل هذا الفقيه النبيل، فقيه أهل البيت، والمدافع عن حمى التشيع وعن كيان الإسلام.
ثم استعرض بعض الروايات من غرر كلام أصحاب الوحي التي تؤكد أن شرف الدين رحمه الله يعدّ من أبرز مصاديقها. وأتمنى أن تكون هذه الأحاديث ذات فائدة كبرى لي وللسادة الحضور وللسائرين على درب آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن يثير فينا الحميّة للدفاع عن كيان الإسلام والأمة المسلمة، كل بقدر طاقته وفي حدود إمكاناته، فنكون شرفاً لإسلامنا وزينّا لأئمتنا، حيث قالوا: كونوا لنا زيناً.
فأقول ـ وقولي حق إن شاء الله تعالى:
إن فقيدنا العظيم بسيرته المثلى لم يكن إلا انعكاساً لظلال أئمة أهل البيت عليهم السلام في جهادهم وجهودهم، فقد أخذ على نفسه ما أخذه أولئك العظماء على أنفسهم من النهوض بأعباء الدعوة لهذا الدين الحنيف القويم القيّم.
وقد وفق كل التوفيق في ذبّه عن شريعة الإسلام، وإن جهاده في سبيل الإسلام لا يكاد يجهله أحد إلا من كان ممن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.
كان رحمه الله أمة، أو قل إنساناً يتميز بجوانب مختلفة، فقد كان فقيهاً ومجتهداً ومفسراً، ومحدثاً وخطيباً وناقداً ومجاهداً وعابداً وزاهداً، وقيل في حقه: فمثله كمثل «النفس في وحدتها كل القوى».
شاء الله تعالى أن يجري على قلمه من الدلائل والبينات والبراهين النيّرات ما يجعله آية من آياته الباهرة كيف لا؟ وهو متأثر بجدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في منطقه واستدلالاته وحججه.
كانت حياته (طيب الله ثراه) حياةً طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وكانت فصول عمره (رحمه الله) «الفصول المهمة»، وكلماته وخطبه وخطاباته كلها «الكلمة الغراء». نعم وهو من بيت علي عليه السلام والزهراء (سلام الله عليهما وعلى أبنائهما الطيبين الطاهرين).
ومن كلماته القصيرة التي كان يكررها: إن الدين نصيحة وإن الإسلام نصح. وكان هو الناصح الأمين، ناصحاً للأمة المسلمة وناصحاً للشيعة والسنة، ناصحاً للحكومات والأمراء، ناصحاً لذوي الشوكة والثروة، ناصحاً لأهل بيته وخواصه وناصحاً للجميع.
جعله الله مباركاً أينما كان. مباركاً في وطنه، ومباركاً في سفره، مباركاً في قلمه، مباركاً في بيانه مباركاً في إرشاده وهدايته، مباركاً في جهاده ودفاعه عن الحق.
كان يتفقد الفقراء ويزور المساكين في بيوتهم، مع إبائه عن زيارة الملوك والحاكمين. كان للمؤمنين الفقراء كالأب الرحيم العطوف، ولا يرى منه أن يمسك يده على مال يرى مكان الحاجة إلى إنفاقه في السبيل الذي يُرضي ربّه.
خدم الإنسانية لله تعالى، لم يبغ له من أجر إلا ما أعده الله تعالى له ولأمثاله من روح وريحان، وجنّة نعيم، وارتفعت روحه الطيبة إلى الملكوت الأعلى، بعد أن أدى رسالته التي أُخذت كاملة وافية، فهو ضيف ربه وأوليائه. هنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم.
كان يقول: «وقوله خالد»: لا ينتشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال، وهذه الفكرة هي التي دفعته إلى تأسيس المدرسة الجعفرية ومدرسة الزهراء وما إليهما.
نعم هذه مواصفات ينبغي أن تتوفر لدى العالم القائد الذي ينوب عن الإمام المعصوم عليه السلام في المجتمع الذي نعيشه ندرجها كما يلي:
أ ـ العقلية العملية بسعتها وعمقها المطلوب.
ب ـ تفهّم موقف الإسلام الصحيح تجاه مختلف القضايا المطروحة.
ت ـ الفطنة وحدة الفهم والبصيرة والقدرة على معرفة الواقع الشرعي.
ث ـ الوعي السياسي والاجتماعي الشامل.
ج ـ النزاهة والحياة القلبية والتحلّي بمكارم الأخلاق.
ح ـ الشجاعة والجرأة في إحقاق الحق واستحقاق حقوق المستضعفين، والسعي في جعل كلمة الله هي العليا.
خ ـ تفهم الواقع الإنساني ولمس الآلام التي تكتنف المحرومين والمضطهدين والمستضعفين.
د ـ معايشة المشاكل التي تحيط بالمجتمع والتفكير بموضوعية لمعالجتها على ضوء تفهمه لروح العصر الذي يعيش فيه.
وبعبارة جامعة، مطابقة سلوكه وأسلوب عمله بالقدر الممكن لسيرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
وحياة شرف الدين تبين بأنه رحمه الله كان مجسداً لمثل هذه الكمالات.
بل هو المتفاني في النصح لله وكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، الباذل نفسه في خدمة الشريعة المقدسة شريعة جده سيد المرسلين، والمجاهد في سبيل إحياء(سيرة) العترة الطاهرة آبائه الميامين.
وبحق أقول: كل آثاره ومصنفاته تحفة للأصحاب، وبغية الراغبين، وبغية الفائز، وبغية السائل.
وكلها تنزيل الآيات الباهرة إلى مستوى فهم الطلاب والمحصلين، والذريعة إلى نقض الباطل والبدعة بالأساليب البديعة.
وكلها النصوص الجلية الجليلة، وسبيل المؤمنين والفصول المهمة والكلمة الغراء.
مراجعاته مرجع، بل مراجع للمحققين، ومجالسه كلها المجالس الفاخرة.
عن الإمام الصادق عليه السلام: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من نجالس؟ قال: من يُذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله.
مجالس شرف الدين من تلك المجالس الفاخرة العزيزة المباركة، لأن الله تعالى جعله مباركاً أينما كان، وهو من مصاديق «بعض فقهاء الشيعة» في كلام إمامنا العسكري عليه السلام: «أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم» وشرف الدين من ذلك البعض.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا.
والإمام شرف الدين من هؤلاء المرابطين.
وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تجلسوا عند كل داع مدّع …. وتقرّبوا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس»:
من الرياء الى الإخلاص.
ومن الشك إلى اليقين.
ومن الرغبة إلى الزهد.
ومن الكبر إلى التواضع.
ومن العداوة إلى النصيحة.
وهذه الرواية الشريفة، كأنها وردت في بيان حياة الإمام شرف الدين.
نعم كان كلامه ودرسه وتدريسه ومصنفاته وسيرته موجباً لتحكيم معتقدات الناس، وتقريبهم إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وكان مثالاً للإخلاص واليقين والزهد والتواضع والنصيحة، وداعياً إليها في كل جوانب حياته. فهو من العلماء الذين يُصدِّق فعلهم قولهم. كما قيل في ذيل آية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يعني من يصدق فعله قوله، جعلنا الله تبارك وتعالى منهم بحق علماء آل محمد عليهم السلام.
في الختام، ولكوني منذ دخولي الحوزة العلمية في قُم، واشتغالي بتحصيل العلوم الدينية، كنت ولا أزال من المُعجبين بالمرحوم السيد شرف الدين، حيث استفدتُ من مؤلّفاته بأشكال مختلفة، فإني أعرض أمامكم بعض الأمور على شكل أسئلة وأجوبة:
السؤال الأول: ما هي الخصائص البارزة التي تمزيت بها مؤلفات الإمام شرف الدين، وجعلتها مقبولة إلى حدٍ كبير في الحوزات العلمية والجامعات وفي العالم الإسلامي بشكل عام؟ بحيث إننا يمكن أن نقول بكل جرأة إنه ما من عالم أو كاتب بحث حقّق أو ألّف حول الإمامة ومدرسة التشيع، خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلا واستفاد من مؤلفات هذا المرحوم الفقيد؟…
الجواب: أولاً، بشهادة الإجازات التي منحها الفقهاء الكبار أمثال الآخوند مُلاّ محمد كاظم الخراساني، وشريعت الأصفهاني للمرحوم السيد شرف الدين، فإنه في سنوات شبابه، وعندما بدأ بالتأليف والتصنيف، كان قد اجتاز المراحل النهائية لعلوم الحوزة، أي أنه بدأ بالتأليف بعد أن تفقّه بالمعنى الواسع للكلمة، وإن مثل هذه المؤلفات تختلف عن تلك التي تؤلف أحياناً قبل وصول أصحابها إلى المراحل العلمية العالية من حيث النضج والشمولية.
وثانياً: إن مجموع مؤلفات هذا العلامة الجليل هي حصيلة ستين عاماً من المطالعة والتحقيق والبحث، ولم تكن حصيلة عام أو عامين، رغم أنها لم تكن كثيرة جداً من حيث الحجم، أي أنه اهتم بالمضمون العلمي والتحقيقي وليس بالحجم.
وثالثاً: إن الأبحاث التي طُرِقت في هذه المؤلفات كانت تلبية لحاجات المجتمعات الإسلامية والشيعية، حيث كانت ساحة الدفاع عن المدرسة الشيعية والمذهب تعاني فراغاً وأزمة في مثل هذه المؤلفات.
السؤال الثاني: ما هي الدروس التي يمكن للمحققين والمؤلفين أن يأخذوها من الأسلوب الذي تميزت به الأعمال العلمية للسيد شرف الدين؟.
الجواب: أولاً: أن ينجزوا الأعمال اللازمة والضرورية كما كان يفعل سماحته، حيث نراه يعمد إلى تأليف كتاب مستند يكون مرجعاً ومصدراً وسنداً لأهل المنبر، ومهذباً من الموضوعات غير المستندة، عندما يشعر أن بعض الخطباء والوعّاظ لا يملكون مرجعاً مستنداً لعلمهم. أو أنه يُقدم أجوبة منطقية ومستدلة، عندما يشاهد شخصاً يهاجم التشيع وبعض المعتقدات الشيعية عن جهل أو بهدف معين.
ثانياً: في الفقه، وفي الفقه المقارن فإن عمله يعتبر نقطة عطفٍ وأسوة جديرة بأن يقتدي بها الفقهاء، وهذا ما تميزت به مؤلفات هذا السيد الجليل ولحسن الحظ فإن خطوات عديدة قد أنجزت في هذا السبيل، إلا أنها ليست كافية، وينبغي أن تتابع بشكل جاد وواسع في الحوزات العلمية.
ثالثاً: بدل أن نركّز على إسناد الروايات، وهو أمر صحيح في موقعه، إلا أنه ينبغي أن نركز على النص نفسه، ونَدرُس مدى صحة مضمون الروايات المنقولة في كتب الحديث، لنحدد درجة صحتها وسقمها، وهو ما فعله المرحوم شرف الدين في بعض مؤلفاته … إنه عمل عظيم ومثمر وأساسي للغاية، بالطبع على أن يكون ضمن ظروفه الخاصة دون أي إفراط أو تفريط أو انحراف في الرأي والتصور.
السؤال الثالث: نعرف أن هناك الكثير من الكتب والمؤلفات التحقيقية قد أُلّفت حول الإمامة؛ ولكن ما هي الخصائص التي تميزت بها مؤلفات هذا المرحوم وجعلتها متميزة عن غيرها؟.
الجواب: إن مؤلفات الإمام شرف الدين كانت محاطة بالرعاية الإلهية، ما جعلها قابلة للعرض والاستفادة في كافة المحافل والأوساط الإسلامية وغير الإسلامية، الشيعية وغير الشيعية، المؤيدة والمخالفة على حدٍ سواء.
أعتقد أنه لأمر مهم جداً أن يُدوَّن البحث المتعلق بالإمامة والخلافة بشكل وأسلوب، بحيث يجعله قابلاً للعرض في كل المحافل.
إن الفطرة السليمة والعقل السليم، وكذلك الاعتدال في الأسلوب والنهج وبعبارة واحدة: إن قوة الموضوعات المطروحة وفصاحة وبلاغة الألفاظ والعبارات، ورعاية آداب البحث والنقاش، والتأكيد على النقاط الإيجابية وإهمال النقاط السلبية وعدم إبرازها، وأهم من ذلك كله الإخلاص وطلب الحق الذي تميز به قلم الإمام شرف الدين هي التي جعلت مؤلفاته تكتسب كل هذا الانتشار والشهرة والقبول.
وهنا أختم مقالي هذا بهذا الاقتراح، وهو لزوم إنجاز التحقيق العلمي حول مؤلفات المرحوم شرف الدين القيِّمة، والذي يعتبر بحق فخراً وشرفاً للدين والإسلام والتشيع، وأن تُطبع تحت عنوان (موسوعة الإمام شرف الدين)، بعد أن تضاف إليها عناوين المصادر من الطبعات الجديدة، وكذلك الفهارس المناسبة، ومهما بلغ عدد مجلداتها، وأن يضطلع ناشر موثق ومخلص بهذه المهمة، على أن يتقدم هذه الموسوعة كتاب (بغية الراغبين) الذي يتضمن شرحاً لحياته المباركة، حتى يُردّ إلى هذا المرحوم جزء من الحقوق التي له على الحوزات العلمية الإسلامية والشيعية عموماً، ولكي تتم الاستفادة أكثر وأفضل من آثاره ومؤلفاته في المستقبل إن شاء الله، والأمر إليكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رضا أستادي
بعض ذكرياتي مع والدي
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد الخلق. وخاتم الأنبياء، موقد جذوة النور في أبصارنا، وقادح زناد الفكر في بصائرنا، وموقع نبضات الإيمان في قلوبنا، ومجرى إكسير الكرامة في عروقنا، وباعث كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة في أسماعنا، وزارع آيات القرآن في أوتار حناجرنا، ومسجّل صحائفه في كياننا ووجداننا. وسلام الله على آله الذين عكسوا هذه القيم والنعم، وتلك المواهب والمكاسب على المسلمين، جيلاً بعد جيل. حتى جيل السيد عبد الحسين شرف الدين، فحمل أمانتهم وأدى رسالتهم، مبتدئاً بعشيرته الأقربين.
سبعة وثلاثون عاماً شمّني كنفه الدافئ منذ ولادتي سنة 1920، حتى سكت قلبه الكبير في الثلاثين من كانون الأول 1957. وكنت في تلك اللحظة الرهيبة أنحني على سريره في المستشفى شارد اللب أمام ذلك الفارس المسجّى، يفوح منه عبق جده أمير المؤمنين الذي انتقل إليه من معلمه ومربيه سيد الخلق أبي الزهراء، جدّ الحسنين والأئمة التسعة من عترته: ثمالة أهل الكساء وبقية علي والزهراء.
ترجل الفارس بعد سبعة وثمانين عاماً، حملته على صهوة العلم والعمل والتقوى، منبراً يوقظ النائمين ويهتف بالمستضعفين، ويتجاوب صدى صوته في موطن العرب والمسلمين. صادعاً بالحق يبلور الخطاب الإسلامي والنهج الإمامي، واضعاً قاعدة الوحدة الإسلامية وسقفها: سداهما فصوله المهمة، ولحمتهما مراجعاته الأهم. حتى قيل إنه ثاني اثنين بعد السيد جمال الدين الاسترابادي وضعا القواعد الأولى للوحدة الإسلامية واللبنات الأولى للصحوة الإسلامية. تلك التي توجت الثلث الأخير من هذا القرن بقيادة إمام الأمة وممثل الأئمة السيد روح الله الخميني.
ترجل بعد أن أدّى دوره في الناس صدراً واسعاً وفكراً جامعاً، وبيتاً كان محط آمال المتعبين، ومهوى أفئدة المؤمنين: إلى ديوان يتجاوب فيه جهد أنفاس الباحثين مع صدى نبرات المحققين.
ترجل ولكن عيني لم تصدق ما رأت مع أنه اليقين، وكانت أذني قد وعت الجملة الأخيرة التي رددها قبل أن يقف قلبه الكبير. لقد بلغت الغاية ولا يبلغ الغاية إلا الحي، قالها ثلاثاً، ثم صمت أذناي عن الواعية، فعصبت بي نوبة من العاطفة استشهدت لهدهدتها بأبيات، تحولت ببعض مفرداتها لما ينطبق على بيت أبي:
أما أبوك؟ ترفق، أنا لا يموت أبي، ففي البيت منه عبير إمام وعرف نبي صحيفته، نهجه، والكتاب، كأن أبي بعد لم يذهب، وأوراقه في البيت مبثوثة، تراث المداد على الكتب أجول الزوايا عليه، فحيث أمرّ، أمر على معشب أشم يديه، أميل عليه، أصلي على صدره المتعب أبي يا أبي، إن تاريخ قرن وراءك يمشي فلا تعتب على اسمك نمضي، فمن طيب شهيّ المجاني إلى أطيب.
ترجل السيد الحسين شرف الدين بعد أن أدّى دوره أباً عطوفاً ومربياً رؤوفاً، يدفع بأولاده إلى خوض معركة الحياة بما فيه لله رضا، وللأمة صلاح ولهم حُسنى العقبى. وقد صور هو نفسه. (طيب الله مثواه) أسلوبه في تربية أولاده عبر رسائل بعث بها إليهم، عهد كانوا يتلقون علم آل محمد في النجف الأشرف. يقول في إحداها، مخاطباً ولده الأكبر السيد محمد علي بتاريخ 13 جمادى الأولى 1343، وأكتفي بإيراد طرف منها:
أي بني: أوغلوا في البحث والتحقيق، واستنبطوا دخائل العلم تستجلوا مخبآته، ولا تقبضنكم الهيبة من المناظرة والاستفهام. أي بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس إليهم، فإنك إن تكن عالماً نفعك علمك، وإن تكن جاهلاً علّموك.
ومن كتاب لأولاده بتاريخ 30 ذي القعدة 1343 أورد منه:
وإذا ألقي عليكم سؤال فلا تسرعوا إلى الرد والقبول بغير دليل مقبول.
وإذا هجمت عليكم مشكلة، أو هجمتم على معضلة فجدّوا لحلها جد الأحرار، ولا يهولنكم أمرها فتبلسوا، بل اصمدوا لها بحثاً عن مكنونها، حتى تسبروا غورها وتقفوا على كنهها.
وخاطب أصغر أولاده في النجف السيد صدر الدين بتاريخ 23 شعبان 1342.
بلغني بلوغك الحلم، فبورك لنا ولك في ذلك، وهو نعمة يجب أن تقدرها وتقوم بشكرها.
أي بني: أنت الآن في نجوة من المعاصي، فاربأ بنفسك بما تحرزه اليوم من كرامتك على الله تعالى. واعلم بأنك تظهر اليوم بمظهر جديد، إذ لم يكن عليك رقيب ولا عتيد، واليوم قد أوكل بك ملكين أجراهما منك مجرى الروح من الجسد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
وكان، نضر الله ثواه، يدفع بنا منذ نعومة أظافرنا إلى التمسك بحبل النبي وعترته، وانتهاج طريق من اهتدى بهديهم واستمسك بعراهم. ويحضنا على طلب العلم والمعرفة، ويحملنا على المطالعة وعلى الكتابة وعلى الخطابة … من ذلك أنه أقيم في صور مهرجان كبير استنكاراً للتعسف الاستعماري في فلسطين سنة 1936، وقد دفعني أبي، وكان لي من العمر آنذاك ستة عشر عاماً، أن ألقي كلمة في ذلك المهرجان، ولم أكن لأجرأ أن أصعد منبراً، يتعاقب عليه كبار من رجال العلم والأدب والسياسة، لولا أمره لي بذلك، فألقيت ما كتبته، لأتلقى منه التشجيع الواعد. وبفضل هذا التوجيه شققت طريقي على عينه، واستمر في دفعي بعد أن شببت عن الطوق، ففي سنة 1948 كانت المدرسة الجعفرية تنوء تحت عبء ثقيل من الديون، وكانت حتى ذلك الحين ابتدائية ـ متوسطة، وكنت أطمع إلى الرقي بها.
هيأت بشق النفس جناحاً يتسع للصفوف الثانوية وللقسم الداخلي. لم أكن لأشير إلى ذلك إلا لأشير أنه تمّ بفضل الله وبفضل تربية وتوجيه أبي المتواصل، وقد شرفني بكتاب ارسله من قرية ياطر، حيث كان يصطاف تلك السنة بتاريخ 18 ذي القعدة 1367 أورد منه ما يلي؛:
وأهجت يا بني بزورتك الخاطفة لوعات من أبيك كامنة، فعز علي ذلك، وإن سرني إيثارك الأهم ـ المدرسة ـ على المهم علاج غلّة أبيك، ولله نهضتك بالجعفرية، وأسأل الله أن يتوج وثبتك هذه بالنجاح.
وفي نهاية 1949 أوفدني وأخي السيد صدر الدين إلى أبنائه العامليين في إفريقيا الغربية لنعود إليه بما بني به صرح الجعفرية الجديد، وقد أسماه بناية المهاجر اعترافاً بفضلهم، ثم أمر بوضع لوحات رخامية أملى بها هذه البادرة لهم وللجعفرية.
وأوفدني في رحلة ثانية سنة 1954 لاستكمال تجهيزات الجعفرية ووفاء ديونها المتراكمة، وكان (قدس سره) بعث إليّ بتوجيهه وتشجيعه عبر كتاب أجتزئ منه ما نصه:
عز عليّ يا بني ركوبك الهواء، وأعز علي من ذلك تكليفك بالسؤال، والسؤال ذلّ ولو من أين الطريق، إلا أن يكون في سبيل الله ورسوله والأئمة والأمة، ولمشروعك هذا الذي أبحرت وأصحرت، ثم ركبت الريح في سبيله فإنه عز وأي عز.
لذلك آثرتك به وغامرت بك وراءه، فتحية لفرسان الجالية الغالية يتنافسون في البناء والعمران، حتى أصبح وطنهم يتسم بطابعهم، تتقرأ ذلك في معاهد شيّدوها ومساجد عمروها ومنائر رفعوها وأرحام وصلوها.
إنه (رضوان الله عليه) أب غير عادي، فهو إلى ذلك مربّ ومعلم ومشجع وبانٍ للشخصية.
كان بيته متاحاً للأضياف يستبشر بدخولهم عليه، حتى ليشعروا أنهم في بيوتهم. وكان يلتزم بأدب الضيافة التزاماً وثيقاً، كأن يقول لأحدنا، إذا لاحظ أنه مقبل على طعام باستفهام استنكاري: أتشبع حين تضاف، أو أتنام قبل أن ينام ضيفك. وكان يحمل بنفسه الفراش للضيوف، حين لم يكن أحد من أولاده في البيت. وقد صادفته مرة في وضع لا أنساه مدى الحياة، كنت عائداً من القسم الداخلي في المدرسة ليلاً، وما إن دخلت البيت حتى رأيت خيال أبي يعكسه نور المصباح على الحائط الداخلي لغرفة الضيوف منحنياً وبيده اليمنى فراش وباليسرى غطاء، فهرعت إليه فوجدته يلهث تعباً، ووجدت الضيف وكان من العلماء يستقبله ويأخذ حمله عنه.
وكان (قدس سره) يميز العالم من ضيوفه في المنام، فيجمع بين مقعدين مستطيلين يمهد فيهما بفراش وثير. وكان الشيخ محمد جواد مغنية (تغمده الله برضوانه) يسمي هذا المنام بظرف سلبي «تابوت العلماء» بينهما كان الشيخ علي مهدي شمس الدين (تغمده الله برحمته) يسميه بظرف إيجابي «عرش العلماء».
وكم عقدت في منزله حلقات العلم والأدب واللغة، وكم التقى فيه زائرون من سائر الأقطار الإسلامية والعربية.
وكان البشر يعم بيتنا حين ننعم بورود السادة العلماء. وكنا نسمع حديث هذه الزيارات التي لم ندركها، ومن أركانها العلماء الأئمة: السيد محمد محمود، والسيد علي محمود الأمين، والسيد نجيب فضل الله، والشيخ موسى قبلان، والشيخ عبد الكريم شرارة، وشاعر جبل عامل الشيخ محمد حسين شمس الدين. وقد أدركت أول ما أدركت مجالس كبار العلماء المقدمين: الشيخ حسين مغنية، والسيد محسن الأمين، والسيد محمد، والسيد مهدي إبراهيم، والسيد حسن محمود الأمين، وكبار الفضلاء الأجلاء، كالسيد عبد اللطيف، والسيد محمد نجيب فضل الله، والشيخ علي مهدي شمس الدين.
وكان لكل منهم سمات تميزه عن زملائه. فهذا بحر علم ومعرفة، وذاك محجة قضاء وإفتاء، هذا عميق الغور في البحث والتحقيق والاستنباط، وهذا لا ينفك تصنيفاً وتأليفاً، وذاك منصرف إلى مشاريعه العلمية والثقافية. هذا يهز المنابر العاملية بالموعظة الحسنة، وذاك يهزها بقصيده العربي المبين.
وأعلق الزيارات في ذهني تلك الزيارات الموسمية التي كان يتفضل بها المغفور لهما: الشيخ عبد الحسين صادق، والسيد عبد الحسين نور الدين. ذلك لأنها كانت مواسم غنية، تجمع شمل العلم والأدب والشعر والخطابة والنكتة المستملحة والطرفة المستظرفة. بل كانت سوق عكاظ كما كان يسميها مجازاً الشيخ (قدس سره) أو خلية علم كما كان يسميها السيد (رضوان الله عليه) وكلتا التسميتين وصف دقيق لتلك المجالس التي كانت تعقد حول كل منهما في الشتاء والنار توقد. وفي الصيف والجو يتثاءب والمشكلات تطرح والنقاش يتعالى، فيؤجج النار في الشتاء ألقاً وتوهجاً، ويشحن الجوّ في الصيف نشاطاً وتبلجاً. ورب معضلة علمية استغرق البحث في فكّ عقدها جلسات تتلو جلسات، حتى إذا أسفر حجاب المشكلة وحصص الحق قرّت السيوف في الأغماد، وساد ذلك الجو الحميم سعادة لا توصف.
وكثيراً ما كان الأستاذ محمد علي الحوماني يضفي على بعض هذه الجلسات ملح الأدب وطرائفه، ويروي النادر من رحلاته الأميركية والعربية. وأشهد أنني ما سمعت متحدثاً أبرع ولا أروع من هذا النابغة استقطاباً للعقول والأفئدة أداءً وتسلسلاً، بكل ما في لغة الضاد من بلاغة قول، وعذوبة منطق، وطلاقة لسان.
أما السيد عبد الحسين محمود الأمين فكان نجم كل حلقة، بل كان مدرسة أدبية كاملة، فيها من الشعر أعذبه، ومن التاريخ أطرفه، ومن النكتة أبرعها، ومن الرواية أروعها.
أما مجالس آل شرف الدين فكانت تتميز بخصوصيتها وانفتاحها، فقد كنا نتحلق في الليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس حول سيد الأسرة، يضفي علينا بمنطقة العلوي ما يفعم أفكارنا، وينقلنا باستمرار إلى عهد البعثة في مكة ثم في المدينة، ويرسم لنا صورة بيانية يتجلى فيها خاتم الأنبياء ووصيه الأمين وصحبه المجاهدون. وقد صوّر تلك المشاهد كأنك تراها «حليف مخزوم»، و«هاشم وأمية». هذان الكتابان القيمان اللذان لخص بهما العبقري من أولاده السيد صدر الدين تلك المجالس العائلية.
وعهد آخر كان يتصدر مجالسه الشيخ حسن والشيخ محمد تقي صادق، تطرح فيه المشكلات، وما أن يتعمق الحوار حتى يحمى الوطيس وتعلو الأصوات وتغربل الآراء. ولا تتبلور إلا بعد مخاض عسير، يئز أزيز المرجل تفور ماؤه، ويحف بالشيخ التقي فتيان آل صادق.
وكثيراً ما كان هؤلاء الفتية نجوم هذه المجالس، ثم أصبحوا نجوم المحافل الثقافية والوطنية، وكذلك المجالس التي كانت تعقد احتفاء بالمغفور له الشيخ محسن شرارة يعرض فيها الأفكار التي انتقلت إليه من أبيه العظيم الشيخ عبد الكريم، وجده الأعظم الشيخ موسى شرارة، ذلك الذي أوقد مصابيح الهدى في بنت جبيل فاستضاء بها جبل عامل، ونفخ رياح التغيير فيه، فنقله من عصر إلى عصر في مدة لا تتجاوز العشر سنوات.
وكان أبي (نضر الله ضريحه) يولي اهتمامه بالعلماء، ويحرص على أن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وكان يتسقط أخبار الذين نفروا إلى النجف أو قم، حتى إذا أنس من أحدهم استيعاباً لما أخذ، وقدرة على عطاء ما أخذ، توجه إلى بلدته وبشّر أهلها بنضوج عالمهم وحثّهم على دعوته للعودة. ثم تفقد مسجد البلدة والبيت المعد لسكناه، حتى إذا علم بموعد قدومه استقبله في دمشق أو بيروت في ثلة من أهله وقومه ورافقه إلى بلدته وصلى بصلاته.
وكذلك كان (قدس سره) يولي اهتمامه بالمنبر الحسيني، حتى إذا قدم إليه الشيخ محمد نجيب زهر الدين، وكان في مطلع شبابه سنة 1938، عثر به على ضالته فاستبقاه عنده يعبئه بسر الثورة الحسينية، ويوصيه باستخراج العبرة من هذه الثورة النوعية لا لاستدرار العبرة، فالحسين لا يبكى عليه فحسب، بل يقتدى به. ومقولة «يا ليتنا كنا معكم» تعني أن نكون مع مبادئه في أيامنا وتاريخنا، فالتمني باطل إذا لم توضع الأمنية موضع التنفيذ رفضاً للانحراف وثورة عليه.
أما بعد، فإنني أتقدم بالتحية والتبريك لرئيس الجمعية الإسلامية الخيرية العاملية السيد محمد يوسف بيضون الذي شرح صدره لهذا الحفل المؤتمر، فقد شاء الله أن يتيح قاعة عمه الرشيد لهذا المؤتمر. كما أتاح الرشيد نفسه رحاب الكلية العاملية يوم وفاة المحتفى به في الثلاثين من كانون الأول 1957. كما فتح أبواب العاملية وأبواب العمل للعامليين المقيمين وأبواب البناء والعمران للمغتربين منهم.
كما شاء سبحانه أن يقوم بهذه البادرة الشريفة المستشارية الثقافية لجمهورية إيران الإسلام تتويجاً لاحتضان الشعب الإيراني المسلم لأفكار السيد عبد الحسين شرف الدين في حضوره وفي غيابه.
وفي هذه المناسبة، وفي كل مناسبة أنحني بإجلال لما أنجزه قائد الأمة الإسلامية في هذا العصر السيد روح الله الخميني. وأحيي بكل تقدير واحترام خليفته ولي أمر المسلمين السيد علي خامنئي.
وشاء الله كذلك أن يواكب المحتفى به في حياته كبار العلماء والأدباء والمفكرين، كما شاء أن يقف اليوم خلفهم من نجوم الفقه واللغة والتاريخ يستشرفون أفقه، ويبلورون علمه وعمله ومعرفته، فتحية لأصحاب العلم والعمل والمعرفة، وسلام الله عليهم وعليكم أيها السادة ورحمة الله.
السيد جعفر عبد الحسين شرف الدين
* * *
حياة المؤلف([913])
بقلم آية الله علم الهدى
سماحة الشيخ مرتضى آل ياسين
لست ببالغ من تعريفك ـ أيها القارئ الكريم ـ بالسيد المؤلف مبلغ تعريف الكتاب به، وحسبك منه ـ وأنت تقرأه في هذا كتاب ـ أن تعرف به بطلاً من أبطال العلم، وفارساً من فرسان البيان، تأتيه حين تأتيه مالكاً لأمرك، مسيطراً على نفسك، فإذا استقر بك المقام عنده، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه. فإذا هو يتملك زمام أمرك، ويدخل إلى قرارة نفسك، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه.
وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة، فإنها سيطرة مضمونة الخير، مأمونة الشر، بعيدة عن الكيد والمكروه، بعد الصحة عن الفساد، وكن واثقاً أكبر الثقة ـ حين يأخذك بيانه وبرهانه ـ أنه إنما يرد بك مناهل مترعة الضفاف، بنمير ذي سلسبيل، كلما كرعت من فراته جرعة، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راوياً غيرها.
هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه؟ كلا فإن للسيد عبد الحسين في الحياة مناحٍ وميادين لا أراني موفياً عليها، وأنا في هذا السبيل الضيق القصير، ويوشك أن يكون الأمر يسيراً لو أن المترجم له غير هذا الرجل، ويهون الأمر لو كان من هؤلاء الرجال المحدودة حياتهم وأعمالهم، أما رجل كهذا الرجل الرحب العريض، فمن الصعب جداً أن يتحمل كاتب عبء الحديث عنه، والتوفر عليه، لأنه يشعر حين يقف إليه أنه يقف إلى جبل ينبض بألوان من الحياة، متدفقة من كل نواحيه وجوانبه، فلا يكاد يرد كل لون إلى مصدره إلا ببحث عليه مسؤوليات من المنطق والعلم، قد ينوء بها عاتق المؤرخ الأمين.
ويكفيك من تعريفه ـ على سبيل الإجمال ـ ما يعرفك به الكتاب من فنه وعلمه، وكنا نود لو يتاح لنا أن نقف وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتبعة، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وإبداع، قلَّ أن نجد لها نداً في مقدور زملائه من الأعلام (أمد الله في حياة أحيائهم).
ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الأدب، وبعد النظر في البحث، وسلامة الذوق في الفن، وحسن التيسير في إيضاح المشاكل، وتحليل المسائل، أطلق له لساناً من البيان الساحر أغنانا عن الأخذ بالاعناق إلى موضع جماله، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره يناديك حين تغفل عنه، ويدعوك بصوته حين تمر به سهوان، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به.
وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال، ولا تحسب أن للكتب حياة خاصة مستقلة، فليست حياة الكتب غير حياة المؤلفين والكتّاب نفسها، فإذا سمعت نبأة، وأدركت حساً في كتاب، فإنما تسمع جرس الكاتب، وتحس حسه عينه.
وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الإمام، ولك أن تكتفي به، ولك أن لا تكتفي منه، فبحسبي أن أشعرك بطرف مما عرفت منه، وأنا أنغمس في هذه ـ المراجعات ـ وبحسبك مني أن ترى منزلته في نفسي: كعالم يضم إلى علمه فناً من الأدب منقطع النظير، ولك أن تثق بي حين تعتبرني دليلاً، أميناً سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة، وضمها إلى مؤثلات لغتنا الحية.
مولده ونشأته:
على أني لا أرى لك أن تقتصر من معرفته على هذا المقدار، كما لا أرى لك أن تجتزئ بطائر اسمه، وسعة شهرته في العالم الإسلامي. وإنما أرى أن تتجاوز ذلك إلى الإحاطة بشيء من ظروفه التي قدرت له هذه الحياة.
ولد السيد عبد الحسين شرف الدين ـ أورف الله ظله ـ في الكاظمية سنة 1290هـ. من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى، ويوحد نسبهما كرم العرق، فأبوه الشريف ابن الشريف جواد ابن الشريف إسماعيل، وأمه البَرَّةُ (الزهراء) بنت السيد هادي ابن السيد محمد علي، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الأسرة الكرية.
ثم درج في بيت مهدت له أسباب الزعامة العلمية؛ ورفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الإسلام، ذكر محمود، وفضل مشهود، وخدمات مشكورة، فكانت طبيعة الإرث الأثيل، تحفزه للنهوض من جهة أخرى، وتربيته الصالحة ـ كانت قبل ذلك ـ تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب، فهو أنّى التفت من نواحي منشئه الكريم، استقى النشاط والتوفر على ما بين يديه من حياة: مؤملة لخيره ولخير من وراءه من الناس:
ثم شبل في هذا البيت الرفيع؛ يرتع في رياض العلم والأخلاق، ويتوقل في معارج الكرامة، فلما بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير، وجعلت منه صورة للفضيلة، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثر واضح في نشأته العلمية، ثم في مكانته الدينية بعدئذ. فلم يكد يخطو الخطوة الأولى في حياته العلمية حتى دلت عليه كفايته، فعكف عليه طلابه وتلامذته، وكان له في منتديات العلم في سامراء والنجف الأشرف صوت يدوي، وشخص يومأ إليه بالبنان.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمع نجمه في الأوساط العلمية، ويتسع إشراقه كلما توسع هو في دراسته، وتقدم في مراحله حتى ارتاضت له الحياة العلمية، على يد الفحول من أقطاب العلم في النجف الأشرف وسامراء، كالطباطبائي، والخراساني، وفتح الله الأصفهاني، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم من أعلام الدين وأئمة العلم.
ولما استوفى حظه العلمي من الثقافة الإسلامية العالية، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقاً عالياً، ساعدته على إنشائه ملكاته القوية، وسليقته المطبوعة على حسن الأداء، وتخيّر الألفاظ، وقوة البيان، وذرابة اللسان، وسعة الذهن، فكان بتوفيقه بين العلم والفن ممتازاً في المدرسة، مضافاً إلى ما كان له من الميزة الفطرية من ناحيتي الفكر والعقل.
على أن لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس واكتناز المعارف فقط، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على أبواب المراجع من أساتذته، وانتفع من الأحداث المؤتلفة، والحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة، فكان يضع لما اختلف منها، ولما ائتلف حساباً، ويستخرج منه نفعاً ويقدر له قيمة، وينظر إليه نظرة اعتبار، ليجمع بين العلم والعمل، وبين النظريات والتطبيق.
إذن فقد كانت دراسته ـ بالقياس إليه ـ مدرستين: يعاني في إحداهما المسائل العلمية، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه وتلك مصطلحة على إنتاج بطولته.
في عاملة:
وحين استعلن نضجه، ولمع فضله في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره ـ إلى جبل عامل ـ جنوب لبنان، موقوراً مشهوراً مملوء الحقائب، ريان النفس، وريق العود، ندي اللسان، مشبوب الفكر، وكان يوم وصوله يوماً مشهوداً، قذفت فيه عاملة بأبنائها لتستهل مقدمه مشرقاً في ذراها وأجوائها، واستقبلته مواكب العلماء والزعماء والعامة، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد.
ولم تكن عاملة ـ وهي منبت أسرته ـ مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به، أو بتعليق أكبر الآمال عليه، فإنها علمت ـ ولما يمض عليه فيها غير زمن يسير ـ أنه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معاً، فتنيط به الآمال عن «عين» بعد أن أناطته به عن «أذن» وتتعلق به عن خبرة، بعدما تعلقت به عن سماع، وتعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى أخباره، أموراً لم تدخل في الظن عند الخبر.
إصلاحه:
وابتدأت في عاملة حياة جديدة شأنها الشدة في الدين، واللين في الأخلاق، والقوة في الحق، والهوادة مع الضعفاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتطامن لأهل الدين، والتواضع للعلماء، وكانت يومئذ إقطاعيات منكرة، لا تملك العامة معها من أمر نفسها شيئاً، ولا تفهم من الحياة في ظلها غير معناها المرادف للرق والعبودية، أو لا يفسح لها أن تفهم غير ذلك من حياتها الهينة المسخرة للأقوياء من جبابرة الناس وطواغيتهم، فلما استقر به المقام في عاملة، لم يستطع إقرار هذا النظام الجائح المستبد بحقوق الجماعة، ولم يجد من نفسه، ولا من إيمانه، ولا من بره، مساغاً للصبر على الإقطاعية هذه، وإن ظاهرها الأقوياء، والمتزعمون، والمستعمرون، وكل من يتحلب ضرعها المادي الحلوب، لذلك ثار بها وبهم، وأنكر عليها وعليهم، واستغلظ الشر بينها وبينهم، فجمعوا له وأجلبوا عليه، وسعوا فيه، وكان كل سعيهم بوراً.
أثر بلاغته:
وكان لمنابره البليغة، ولأساليب إرشاداته البارعة، أكبر الأثر في تحقيق إصلاحه المنشود، ولا غرو فإن للسيد المؤلف مقاماً خطابياً يغبطه عليه خطباء العرب، ويعتز به الدين والعلم والأدب.
وخطابته ككتابته، تستمد معانيها وقوتها وغزارتها من ثقافته كلها، وترتضع في الموضوع الخاص أثداء شتى من معلوماته الواسعة، فإذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الأفواه كشرايين الثدي وعروقه، ترفده من كل موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله، وعلى ذوقه الممتاز أن يضع أطراف ما يتدفق إليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه، ويركزه في مكانه، حتى إذا انتهى أنهى إذن بحثاً نافعاً كله غذاء ومتاع.
وأعظم به ـ إلى جانب هذه البلاغة ـ متخيراً لآلئ معانيه، وأزياء أفكاره يقدرها تقديراً، ويرصفها رصفاً، ويبعث فيها حياة تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهوم أو من منطوق بأوصافه، وإضافاته، وبكل تآليفه المنسوقة المنسجمة.
ثم أعظم به محدثاً إذا تشاجن الحديث وتشقق وانساب على سفينة يمخر العباب، فهناك النكتة البارعة، والطرف اللامعة، والنادرة الحلوة، والخبر النافع.
من هذا وذاك علقت به النفوس؛ واجتمع عليه الرأي، فقاد للخير وابتغى المصلحة. وتكاملت له زعامة عامة، يحل منها في شغاف الأفئدة والقلوب، ولم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة، بل كانت عروقها واشجة الأصول، عميقة الجذور، تتصل بالأعلام من آبائه، والغر من أعمامه وأخواله، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية، فأعلت أركانه ومدت شطآنه وخلجانه.
بيته:
فبيته في ذرى عاملة، مطنب مضروب، للقرى والضيفان، تزدحم فيه الوفود، وتهدى إليه الحشود إثر الحشود، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود، وهو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد والصدر، هشاشاً طلق المحيا لا يشغله تشييع الصادر، عن استقبال الوارد، ولا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد، ولكنه يجمع الحقوق جميعاً ويوفق بينها، فيوزعها عادلة متناسبة.
ولأريحيته الكريمة جوانب أنفع من هذا الجانب، وأبعد أثراً، فهو مفزع يأوي إليه المحتاجون والمكروبون، وملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون به المكاره، حين تضيق بها صدور الناس، وتشتد بهم آلامها، فإذا طفت بيته، رأيت ألوان الغايات، تدفع بألوان من المحتاجين إليه، المعولين عليه في مختلف أحوالهم، وأوضاعهم الخاصة والعامة، مما يتصل بدينهم أو دنياهم، وتراه قائماً بين هؤلاء وهؤلاء، يجودهم بنفحاته العلوية، ويغدق عليهم من أريحيته الهاشمية؛ ويبذل لهم من روحه وراحته ما يملأ به نفوسهم مرحاً وسروراً، ثم لا يسألهم على ذلك جزاء ولا شكوراً.
وها هو لا يزال، مد الله في حياته، يملي على تاريخه من أحداثه الجسام، ومآتيه الغر في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة، ما تضيق عنه هذه العجالة.
خدماته:
أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الأجنبي فحدث عنها ولا حرج، ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال، ولكن بوسعي ان أقول لك بكلمة مجملة: إن خدماته العظيمة في العهد التركي، ثم في العهد الفرنسي، ثم في أيام الاستقلال، كانت امتداداً لحركات التحرير، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل ويوطد الأمن، وينعش الكافة. على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهداً في مقاومته، ومناوأة مشاريعه بما تقوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح، ولعل المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم، ممن أبلوا بلاءه وعانوا عناءه.
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعاً، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين أهلهن وعياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه ورجاله، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفّ أيديهم عنه، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان، وما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف إليها من كل حدب وصوب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحدث، غير أن السيد صرفهم بعد أن شكرهم، وأجزل شكرهم، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراماً.
ثم تلا هذا الحادث أحداث وأحداث اتسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقة الخلاف، حتى أدت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلطت النار على داره في (شحور) فتركتها هشيماً تذروه الرياح، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة، تعيث فيها سلباً ونهباً، حتى لم تترك فيها غالياً ولا خيصاً، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب وأعلامها، ومنها تسعة عشر مؤلفاً من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.
في دمشق:
وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات، في أبهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد في جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الراي، ومعقداً من معاقد الأمل في النجاح.
وله في هذه الميادين مواقف مذكورة، وخطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والإعجاب.
ولم يكن بدّ من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الأسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام؛ حتى إذا التقى الجمعان في «ميسلون» واشتبكا في حرب لم يطل أمدها، ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها، غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من أهله، بعد أن وزع أسرته في فلسطين بين الشام؛ وبين أنحاء من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة إلى الأدلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى «عاملة» ليالي وأياماً لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة، على أنهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر، وأخيراً لم يجدوا حلاً بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة.
في مصر:
وحين وصل مصر احتفلت به، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم؛ وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، وأقطاب الأدب، ورجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.
ولم يكن هذا أول عهده بمصر، فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الأزهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في أمهات المسائل الكلامية والأصولية، ثم كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه (المراجعات) التي نحن بصددها.
في فلسطين:
وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريباً من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة.
وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم ضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعيه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.
وانسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الأمور تصرفاً يرضي السيد بعض الرضا، وأبيح للسيد أن يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدت إلى العفو عن المجاهدين عفواً عاماً، وإلى وعد من السلطة بإنصاف جبل عامل، وإنهاضه، وإعطائه حقوقه كاملة.
العودة:
وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح له نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فإنه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حلّ من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.
ولعل جبل عامل لم يشهد يوماً أبهج ولا أحشد من يوم عودته، ولعله لن يشهد يوماً كهذا اليوم، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض، وتطفو فوقه الأعلام رفّافة بالبشر، منحنية بالتحية، والهتاف، مجلجلة كجلجلة الرعد في أذن الجوزاء.
ويبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر، تفتقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الأدب العالي، وتفتحت سلائقهم عن أصدق العواطف، وأسمى المشاعر، تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في إبداع وتجويد، صباح، مساء، ولقد امتد هذا الموسم الأدبي زمناً طويلاً اجتمع في أيامه ولياليه ضخم القيمة، ضخم الحجم، يمكن اعتباره مصدراً لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة.
منزلته في العالم الإسلامي:
ترتسم على كل أفق من آفاق هذا العالم الإسلامي، أسماء معدودة لرجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاقهم، فإذا أسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء.
أما الذين ترتسم أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق، فقليل، وقليل هم، وليسوا إلا أولئك الذين علت بهم الطبيعة، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم أفذاذاً في دنيا الإسلام كلها، ومن هؤلاء الأفذاذ سيدنا المؤلف «أطال الله عمره» فقد شاءت الإرادة العليا أن تبارك علمه وقلمه، فتخرج منهما للناس نتاجاً من أفضل النتاج، وقد لا أكون مبالغاً حين أقول للتاريخ أن يسجل: إن السيد المؤلف يتقدم بما أنتج إلى الطليعة من علماء الشيعة، الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب. وبهذا استحق أن يتصدر مجلس الخاصة في العالم الإسلامي اليوم.
حياته العلمية:
وقد يلوح مما قدمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله، تصرفه عن النظر في حياته العلمية، وتزحزحه عن عمله الفني. والواقع أن رجلاً يمنى بما مني به «سيدنا» ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف، فإن ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في أمر المكتبة، والكتابة، لولا بركة وقته، وسعة نفسه، وقدرة ذهنه.
فهو ـ على حين أنه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة ـ يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة النصيب الذي تحتاجه حياته العلمية، وهو منذ ترك النجف الأشرف على اتصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة. يخلو كل يوم في فتراته إلى مكتبته يستريح إلى ما فيها من موضوعات، وينسى من وراءها من حياة مرهقة لاغبة.
مؤلفاته:
وليس أدل على هذا من إنتاجه، هذا الإنتاج الغزير الثري النبيل. وإن مؤلفاته لتشهد بأنه من الحياة العلمية؛ كمن ينصرف إليها، ولا يشغل بغيرها، وأدل ما يدل منها على ذلك، كيفية مؤلفاته لا كميتها؛ فهي وإن كانت كثيرة حتى بالقياس إلى رجل يتفرغ إليها، فإنها من الأصالة والعمق، والاستيعاب، حيث لا تدل على أن مؤلفها رجل يمتحنه الناس وتلك المؤلفات وما فيها من سبر وغور، ونحت وتفكير، أدل على اتصاله الدائم بحياته العلمية من جهة، وأدل على فضله وخصوبة سليقته، من جهة أخرى.
بهذا الميزان يرجح علم الرجل وفضله، ثم يرجح به امتياز ما كتب، وهو امتياز قليل النظير، فإن المؤلفين المكثرين، كثيراً ما تظهر عليهم السطحية، ويميز كتبهم الحشو، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي، ولا رخيص سوقي، بل كل ما كتب أنيق رقيق، رفيع عميق، يجمع بين سمو الفكر وترف اللفظ، وهو ما أشرنا إليه في صدر كلامنا من كونه حريصاً على المزاوجة بين علمه وفنه، فإذا قرأت فصلاً علمياً خالصاً خلت ـ لقوة أسلوبه ونصاعته ـ أنك تقرأ فصلاً أدبياً يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الأدبية.
على أنّا حين نتجاوز هذه النقطة، فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضاً؛ وهذا يضاعف القيمة. إنه يدل على ملكة خصبة أصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الاتقان، وإنها لتثبت له بطولة فكر، وإليك ثبتاً بآثار هذه البطولة.
لآلئه المنضودة:
1 ـ المراجعات هذا نموذج صادق لما كتب، ولا أريد أن أحدثك عنه فإن لسانه أبين من حديثي وأنطق. طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1355 ونفدت نسخه، وترجم إلى اللغة الفارسية، وبلغني أنه ترجم إلى الإنكليزية، ترجمه السيد زيد الهندي. وأنه ترجم إلى اللغة الأوردية أيضاً.
2 ـ الفصول المهمة في تأليف الأمة: كتاب من أجلّ الكتب الإسلامية، يبحث مسائل الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء (الكلام) والعقل والاستنتاج والتحليل. تم تأليفه سنة 1327هـ، وطبع مرتين بصيدا ـ جبل عامل ـ زاد فيه بالطبعة الثانية سنة 1357هـ، والفصول المهمة يغنيك عن مكتبة كاملة في موضوعه. يقع في 192 صفحة القطع النصف.
3 ـ أجوبة موسى جار الله: كتاب على صغر حجمه، عظيم الإحاطة واسع المعلومات، وهو كما يدل عليه اسمه، أجوبة عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماء الشيعة، وهو يظن أن فيها شيئاً من الإحراج، كتكفير الشيعة لبعض الصحابة، ولعنهم، وكنسبة القول بتحريف القرآن للشيعة، ونسبة تحريم الجهاد إليهم أيضاً، وكمسائل البداء والمتعة والبراءة والعول وما إلى ذلك، فكانت أجوبة من أشد ما يكون، تستقي من العلم والتوفر، وتقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثراً للشك، ولها مقدمة في الدعوة إلى الوحدة، وخاتمة في جهل السائل بكتب الشيعة. وفي بعض ما في كتب السنة من أخلاط. يقع في 152 صفحة من القطع الصغير، طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1355هـ ـ 1936م.
4 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، تقع في 40 صفحة من قطع النصف طبعت مع الفصول المهمة في الطبعة الثانية، وهي من أعمق الدراسات وأصحها منهجاً واستنتاجاً وأدلها على تدفق القلم: الينبوع.
5 ـ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: طبع منها المقدمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية وأسرار شهادة الطفّ شرحاً دقيقاً رائعاً.
6 ـ أبو هريرة: طبع سنة 1365هـ، بمطبعة العرفان في صيدا، وهو نسق جديد في التأليف، وفتح في أدب التراجم، بطراز المستوعب المحلل، ولعله من أجلّ ما تخرجه المطابع الحديثة بحثاً وعمقاً وأسلوباً، يبحث حياة أبي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته وأحاديثه، وعناية الصحاح الستة بروايته على ضوء العلم والعقل.
7 ـ بغية الراغبين: «مخطوط» كتاب عائلي خاص يؤرخ لشجرة (شرف الدين) ومن يتصل بهم من قريب، وهو كتاب ضخم جليل ممتاز في أدب التراجم بطريقته الخاصة، وتنسيقه المتقن، وربما ترجم بعض الأعلام من أساتذة المترجمين في الكتاب وتلامذتهم وقد يترجم عصورهم وظروفهم، وبهذا تقف منه على كتاب أدبي ممتع رائع، بل إنه تاريخ أجيال، بتاريخ رجال.
8 ـ فلسفة الميثاق والولاية: وهي رسالة فذة في موضوعها. طبعت في صيدا سنة 1360هـ.
9 ـ ثبت الأثبات في سلسلة الرواة: ذكر فيه شيوخه من أعلام أهل المذاهب الإسلامية بكل متصل الإسناد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة عليهم السلام وبالمؤلفات ومؤلفيها من طرق كثيرة متعددة يروي فيها قراءة وسماعاً وإجازة من أعلام الشيعة الإمامية والزيدية، وعن أعلام السنة، واستيعاب طرقه كلها طويل، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طبع في صيدا مرتين([914]).
نفائسه المفقودة:
وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحرق والتمزيق؛ لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر، ولكنها فقدت في تلك الأحداث المؤلمة، فمني بفقدانها العلم بخسارة عسى أن يتسع وقت سيدنا للتعويض عنها بإحيائها من جديد، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلف في آخر تعليقته على ـ الكلمة الغراء.
1 ـ شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال، خرج منه ثلاثة مجلدات تتضمن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث.
2 ـ تعليقه على الاستصحاب من رسائل الشيخ ـ في الأصول ـ في مجلد واحد.
3 ـ رسالة في منجزات المريض استدلالية.
4 ـ سبيل المؤمنين ـ في الإمامة ـ يقع في ثلاثة مجلدات.
5 ـ النصوص الجلية في الإمامة أيضاً، فيه أربعون نصاً أجمع على صحتها المسلمون كافة، وأربعون من طرق الشيعة مجلوة بالتحليل والفلسفة.
6 ـ تنزيل الآيات الباهرة في الإمامة أيضاً، وهو مجلد واحد يبتني على مائة آية من الكتاب نزلت في الأئمة بحكم الصحاح.
7 ـ تحفة المحدثين فيما أخرج عن الستة من المضعفين. وهو كتاب بكر في الحديث لم يكتب مثله من قبل.
8 ـ تحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب.
9 ـ الذريعة رد على بديعة النبهاني.
10 ـ المجالس الفاخرة أربعة مجلدات، الأول في السيرة النبوية، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن، والثالث في الحسين والرابع في الأئمة التسعة عليهم السلام.
11 ـ مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام، نشر بعض فصوله في مجلة العرفان بصيدا (راجع العرفان في مجلديه الأول والثاني).
12 ـ بغية الفائز في نقل الجنائز، نشر أكثرها في العرفان.
13 ـ بغية السائل عن لثم الأيدي والأنامل، رسالة علمية أدبية، فكاهية، فيها ثمانون حديثاً من طريقنا وطريق غيرنا.
14 ـ زكاة الأخلاق، نشرت العرفان بعض فصوله.
15 ـ الفوائد والفرائد كتاب جامع نافع.
16 ـ تعليقه على صحيح البخاري.
17 ـ تعليقه على صحيح مسلم.
18 ـ الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة، مبتنى على الأدلة العقلية والنقدية، وهو في بابه بكر جديد.
وله بدايات ـ وراء ذلك ـ في مواضيع شتى، بعضها ذهب في المفقودات وبعضها أعيد ولا زال في سبيل الإتمام.
ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة، وسعة التتبع وشمول الاستقصاء وصحة الاستنتاج، وشدة الصقل، وأمانة النقل وترابط الأجزاء. في خصال تتعب الناقد وتُحفظ الحاقد([915]).
ثقافته:
ولعلك ألممت بنواحي ثقافته من مؤلفاته، ومما حدثناك عنه في هذه الكلمة، فهو ـ كما علمت ـ أسّس، وقام بناؤه في النجف الأشرف، فكان إماماً في اللغة وعلوم العربية وآدابها، والمنطق، والتاريخ، والحديث، والتفسير، والرجال، والرواية والأنساب، والفقه والأصول، والكلام؛ وما يتصل بهذه العلوم من روافد.
هو بالعلوم الإسلامية وما إليها فارس معلم، لا يجاري في حلباتها، ولا يلحق في مضاميرها، ويمتاز بالإضافة إلى ذلك بأدبه القوي الحافل، وبما يتصل به من الأسرار النفسية والاجتماعية والنقد. له في ذلك سليقة ملهمة وملكة قوية ترافقان حديثه وقلمه، محاضرة وخطابة، تأليفاً وكتابة، إنه على الإجمال أفضل صورة للعالم الإسلامي الضليع الجامع.
أخلاقه ومواهبه:
هو طويل الأناة، ثقيل الحصاة، واسع الصدر ليّن الطبع، قوي القلب مهاب، له روعة في النفس، وتأثير يدفعانك لاحترامه وحبه وإن جهلته.
وهو شديد الشكيمة في الحق متوقد الحماسة للدين، لا يعرف هوادة ولا ليناً حين تهب بادرة للبغي أو الباطل، على أنه متواضع كريم هش.
وللإنصاف في نفسه موضع يسوّي بين القريب والبعيد، الحق رائده فلا يمنعه حبه لأحبائه من إقامتهم على العدل، ولا يمنعه إنصافه ـ وهو يحكم ـ من الاحتفاظ بالحب في زوايا نفسه لمن يحب، ومن هنا كان العدو والصديق عنده سيان في الحكم على ما يأتيان من حسن أو قبح، في آثارهما وأفعالهما.
ومن هنا أيضاً كان قدوة: في الورع وصفاء النفس، ونقاء الضمير، وقول الحق، وإلى جانب هذا كله له رأي حصيف، ونظر بعيد، يسبر أغوار الناس ويصل إلى حقائق الأمور وأعماقها؛ فلا يخدع من حال، ولا يغش في ظاهر، ولا يفتل عن صواب، ولا يغر في رياء.
يعنى بأقدار الناس، ويوفيهم فوق ما يستحقون، ويشجعلهم على إيتاء الخير، ويرهف الناشئة العلمية للإتقان والتجويد، فيبالغ لهم في الاستحسان، ويكيل لهم من الكلام الطيب، والنوال الكريم؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي إليه من تقدمهم.
ولعل لهذه الخلال الكريمة أثراً في صفاء مواهبه، وقوة تأثيره، وصدق كفاياته؛ فهو من أفصح الناطقين بالضاد حين يتحدث، وأبلّهم ريقاً حين يخطب، ومن أنفذ الناس للنفس حين يعظ، وأحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وأبينهم بالحجة، وأفقههم بالحياة.
أسفاره:
في سنة تسع وعشرين وثلاثمئة وألف هجرية زار مصر زيارة علمية، كما حدثناك، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر في عصره، وأنتجت اجتماعاته به، ومراسلاته له هذا الكتاب، وحسبه فائدة من هذه الزيارة (المراجعات).
وفي حوالي سنة 1328هـ. زار المدينة المنورة، وتشرف بأعتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضرائح أئمة البقيع عليهم السلام.
وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية التي عرفت شيئاً من حديثها وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين، وفي كل هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيمة، كما تلمح ذلك فيما حدثناك به في مشايخه في الرواية؛ وفي سنة 1340هـ، حج البيت من طريق البحر، في عهد المغفور له الملك حسين، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم، وكان الموسم في ذلك العام من أحفل مواسم الحج وأكثرها ازدحاماً وإقبالاً على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذا الموسم منذ عهد بعيد، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الأعلام من علماء وزعماء من مختلف الأقطار، وكان السيد أبرزهم بين تلك الجموع اسماً وأعلاهم مكانة، وأرفعهم بيتاً وأسخاهم كفاً.
وهو أول عالم شيعي أمّ هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني، تجتمع فيه الألوف معلنة في غير تقية.
ومن هنا كان حجة مشهوراً يتحدث عنه الناس في سائر الأقطار الإسلامية، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وأفضله، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معاً الكعبة.
وفي أواخر سنة 1355هـ، زار أئمة العراق، وجدد العهد بأهله وأرحامه، واستقبله يوم وروده الوزراء والأعيان والزعماء، وعلى رأس الجميع سماحة السيد محمد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة، في أرتال من السيارات، واستقبل في كربلاء وفي النجف الأشرف باستقبالات علمية وشعبية رائعة فخمة قليلة النظير.
وأكاد أسمعه يهتف حين أقبل على مرابع صباه وشبابه:
وأجهشت للتوباد حين رأيته
وكبّر للرحمن حين رآني
وطبيعي أن يجهش هو شوقاً إلى هذه المعاهد الأنيسة، وأن تكبّر هي ترحيباً به وفرحاً بإقباله بعد فراق أمده سنين([916]) طوالاً.
ألم يصدر هو عنها مروياً؟ ألم تحفل هي به غريداً يملأ أجواءها بأفضل مما يمتلئ به معهد من طلابه العبقريين؟
بلى، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحية، واستجابت لهذا التبادل النقي دواعي البر والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. فكانت حفلات زاهرة زاهية، قد بعد العهد عن مشاهدها وأعلامها.
وكانت اجتماعاته بالأعلام من أهل العلم، ورجال البحث، آهلة بالفرائد، في مختلف فروع العلم، وشتى مسائله.
وتابع من العراق سفره إلى إيران، فتشرف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام، وعرج في طريقه إلى قم وطهران وغيرهما من مدن إيران، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة.
آثاره وإنشاءاته:
افتتح أعماله الإنشائية بوقف حسينية، أعدها ليجتمع إليها الناس في مختلف الأوقات والظروف والدواعي، يعظمون فيها الشعائر، ويتلقون فيها دروس الوعظ والإرشاد، ويقيمون فيها الصلاة، فلم يكن للشيعة مسجد في مدينة صور يوم جاءها السيد، لذلك تملّك داراً، ثم وقفها حسينية في بدء التأسيس، ثم حين سنحت الفرصة أنشأ مسجداً من أضخم المساجد بناءً، وأجملها هيكلاً، له قبتان عظيمتان، ومنارة شامخة وباحة رائعة أمام إيوان واسع، يتصل بأبواب المسجد الرحب، ويقوم في وسطه عمودان من الآثار الفينيقية، يحملان القبتين، وخلف المسجد مما يلي المحراب فناء كبير يتصل بخارج البلد.
وحين تم هذا المسجد الجامع العظيم، بدأ بإنشاء ما كان يشغل تفكيره من قديم، أعني إنشاء مدرسة حديثة تمثل مبدأه التربوي في كلمته السائرة «لا ينشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال». على أن النهوض بشعب بادئ خاضع للسلطات الإقطاعية، معرض للصدمات، ممتحن بالعراقيل، لذلك جاء مشروعه الضخم هذا على مراحل؛ ولولا بطولة عرفناها مبدعة قادرة في السيد حفظه الله لما تخطى المشروع أولى مراحله.
أنشأ في أولى المراحل، على مدخل المدينة، ستة مخازن، وشيد على سطحها داراً واسعة مراعياً فيها أن تكون يوماً ما المدرسة المرجوة، لكن إنجاز هذا المشروع لم يكن يومئذ ممكناً، لمعارضة كانت من السلطة ومن يمشي في ركابها من ذوي المصالح الفردية، وبهذا اضطر إلى الاكتفاء يومئذ بهذا القدر ينتظر الفرصة المواتية.
وكانت فترة استجمام طويلة نشط بعدها سنة 1357هـ، فإذا الدار هي المدرسة الجعفرية المثلى، وقد أضاف إليها في الدور الأول مسجداً خاصاً بالمدرسة وطلابها، ورفع على سطحه بناء آخر يماثل المدرسة أضيف ايضاً، فكانت المدرسة بذلك مؤلفة من نحو خمس عشرة غرفة عدا الأبهاء والساحات.
رفع من الجهة الأخرى نادياً فريداً، سماه «نادي الإمام جعفر الصادق»، طوله اثنان وعشرون متراً ونصف المتر، وعرضه خمسة عشر متراً ونصف المتر، وقد أعدّه للاحتفالات والمواسم العلمية والدينية والاجتماعية والمدرسية. ثم أسس بعد كل ذلك مدرسة للإناث في سنة إحدى وستين هجرية وهي تتوخى ما توخته مدرسة الذكور من التوفيق في التربية بين المناهج الصالحة الضامنة لحياة أمثل وأفضل([917]).
وموقع المدرسة والنادي من أجمل المواقع وأجملها بروعة المنظر، وطلاقة المرأى، يسبح النظر منها في عباب ذلك الخضم الجميل، ويمتد منه إلى غير نهاية، فإذا سئم البحر وتزخاره، انطلق منه في جهة أخرى إلى السهول ومن خلفها الجبال المتساندة، تحتضن القرى على مرمى العين، ويذهب البصر، من هنا وهنا نشيطاً يحلم بذلك الجمال الساحر الآسر، ويسرح منعماً متجولاً لا تعيقه عقبة دون المتعة والانشراح.
فإذا وقفت إلى مجموعته هذه الضخمة المتصل بعضها ببعض، القائم بعضها على بعض، وقفت منها إلى صرح عظيم مشيد الأركان متين البنيان، يروعك بجماله الهندسي وفخامته العمرانية. ثم هو يروعك أكثر فأكثر، إذا وقفت على نتاجه الخصب الذي يجمع إلى كثرة (الكم) جودة (النوع).
ومع ذلك فلا يزال ـ على تمامه وكماله ـ نواة بالقياس إلى طموح سيدنا المؤلف، فهو قد تملك في جنوبها أرضاً واسعة كبيرة، وألحقها بالمؤسسة ليتم بها مشاريعه الخيرية، وأغراضه الإسلامية، وينتهي إلى تأسيس جامعة([918]) تلقن طلابها أحسن المبادئ، في أوسع المعارف، وهو يرى أن هذه الطريق خير طريق لعلاج الخطر الداهم، ولحفظ الجيل الجديد، الناسل من صفوفنا إلى صفوف قد تضطره أن يعادي صفوفنا. أخذ الله بيده لما فيه صلاح الدنيا والدين، ونفع به الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
الكاظمية 1365هـ ـ 1946م.
مرتضى آل ياسين
يوم الخلاص
إقْرَأ أوّلاً
أكتبُ لك يا قارئي:
لِأُفاتِحَك فأُصارِحَك
ولأُطْلِعَكَ لا لِأُقْنِعَك
وقبل أن تتعجب من كتابتي في هذا الموضوع بالذات، في عصرنا اللامبالي، أجيب على خاطرتك بأن إنكار الناس لوجود الخالق تبارك وتعالى، لا يدل على عدم وجوده، كما أن إنكارهم للبعث والحساب، لا يعني أنه لن يكون بعثٌ ولا حساب!. ومثل ذلك إنكار وجود المهديّ…
فاقرأ، ولا تتنازل عن حشرية العلم … فقد يسَّرت لي ظروفي الخاصة أن أعرف آخر الزمان …. ثم تيقَّنت أنني وأنك من أهل آخر الزمان، بعد قراءة وصفهم إجمالاً وتفصيلاً، فبعثني الواقع الذي زاملتُ أهل آخر الزمان فيه، إلى الكلام في هذا الموضوع، حين رأيتُني منهم، ورأيتُ لزاماً عليَّ أن أقول لهم بصراحة:
نحن الذين يُظلُّنا آخر الزمان … ونحن كقوم عادٍ وثمود، وكإخوان لوط! …. فلم يقع عندي استنسابٌ لغير هذا الموضوع في وقتنا الحاضر لمخاطبة اثنين:
إما جاهلٍ أُميٍّ في هذا الموضوع، لم يستوعب قضية المهديّ في حجمها وأبعادها، ويخشى إن هو تعرّض لها أن يضيع في حجمها وأبعادها … فلا غرو أن أضعه في الطريق ….
وإمّا عالمٍ عارفٍ في غير هذا الموضوع، لا يريد أن يخوض فيه عن عمدٍ أو عن غير عمد، وإن كانت لا تُعجز ذهنه الأبعاد، ولا تُخفيه ضخامة الحجم إذا أراد التفهُّم والفهم، بل يُجفله شيءٌ لا يعرف كيف يُفصح عنه، فيرغب عن الكلام فيه … فلا مانع من تشجيع على الإفصاح بالرأي، وتدريبه على الصراحة في قول الحق رغم أن الناس يُنْغِضون إليه برؤوسهم، ويقولون ما يقولون!.
…. وبهذه النية أنقل إلى الاثنين كل ما وصلتُ إليه بعد بحث سنواتٍ وجهد أعوامٍ واستقصاء كتب، تاركاً لهما حرية الراي عندما يتنازع فكرهما عاملا التصديق أو الإنكار. وهدفي من وراء ذلك:
أن يعرف الجاهل، وتنجلي في ذهنه هذه الحقيقة.
وأن يتشجع العالم على قول الحق، قبل أن يضيع الناس عن كلمة الحق التي لا تضيع!.
هذا …. ولن أتكل مع المكابرين، ولن أقف مع المماحكين، ولن أحاجّ الشاكّين بكل ما يصدر عن السماء، ولا الذين يكفرون بالمطر لأنه ينزل من فوق !…. ولن تكون لي مناظرة مع المعاندين الذين يتجاهلون بديهيات العقل، ولن أحاول مناقشة منكري الخالق وإن كانوا يقفون أمام عظمة الكون ضُعفاء، ولا يشغلون من حيّزه أكثر من ثلاثة أشبارٍ حين يولدون، وستة أشبارٍ حين يموتون!!!
وأنا لا أحب أن يقع كتابي في أيدي زنادقة المثقفين الذين تقوم حياتهم على الكفر بالقيم …. كما أنني لا أحبه بين أيدي أنصاف الآلهة من ذوي العلم الناقص الذي تسلحوا بشهادةٍ معيَّنةٍ من التخصص، ولا أيدي الذي نبذوا كل عقيدة ويتزيَّون بزِيّ النساء ميعاناً، أو هبيِّين تمرّغوا بقذارة الجسد وغبار الأرصفة، فرجعوا بالإنسان حيواناً بعد أن كان في أسمى مراتب الحضارة!.
وليس كتابي للنساء الحائدات عن طريق السلامة والكرامة، من اللواتي لبسنَ الياقة والسروال، وتشبَّهن بالرجال، وخالفن الطبيعة الأنثويّة فارتدين الثوب القصير، وكِدْنَ أن يَكْشِفْنَ أقبح ما فيهنّ لذئاب البشر!.
ولا هو للجيل الذي إن ردعته لا يرتدع، وإن زجرته لا ينزجر … وإن كنت أحبُّ أن أضع أصابع الكلّ على حقيقة يجهلونها، فلا يقعون فرائس لطيش، فيندم كل واحدٍ منهم: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾([919]) فإن إمامنا الباقر عليه السلام قال:
ـ كل من دان الله بعبادة يُجهد فيها نفسه، ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول وهو ضالٌّ متحير، والله شانئٌ لأعماله. وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق([920])!.
وأنا لا أكتب للدكاترة والمُجازين الذين يرون دكترتهم وإجازتهم فوق المبادئ والأفكار …. ولا للمتخصِّصين الذين يمشون في طريق تخصُّصهم كالقطار ولو بَهَتَهُمُ الدليل وبَهَرَتهم الحُجة!!!…. بل كتابي للأحرار المنصفين الواعين، المتدربين على الشجاعة في كل بحثٍ ينشد الحق …. ولذوي الجرأة الفكرية الذين لا يأخذون شيئاً أخذ المسلَّمات، ولا يتنكرون لما لا يعلمون … وللذين يرون وراء التعلم شيئاً سامياً يجب أن يثبت إليه الفكر الطموح ليتخطى ظلمات الجهل في كل موضوع!…. وهو لمن يفكر ويقدّر، ويؤمن بالبرهان القاطع، ولا يرتضي لنفسه إيمان العجائز ….
أنا أكتب لهؤلاء … عن أمرً واقعٍ ليس له دافع!. رضي به الكل أمام أباه البعض … لأنه كالشمس التي تدخل كل بيتٍ فُتحت نافذته عليها ولو رفض دخولها صاحبُ البيت. ولا يحول دون إشراقها غيمُ الفكر الصدئ ولا ممانعةُ النظر الأخفش ….
فليتعرف الناس إلى محتومٍ من أمرهم!. صدّقوا به أو أنكروه … وليقرأ من شاء بحصافةٍ فيؤمن إذا افترض وجوب الإيمان، أو يكفر إذا ملك قدرة الكفر بما كتبتهُ له …
فكتابي لمن يظهر له فيه الحق، فيتَّبعه عن دليل.
ولمن يفكّر ويتدبّر عواقب الأمور.
وهو لسائر روّاد الحقيقة، في أي وطنٍ، ومن أية أُمّة …
وأنا غنيٌّ عمن ليس عنده سعة صدر العالِم، وعمّن ليس عنده استعدادٌ لاستيعاب ميسور ما جئت به، لأن الوحي الذي أنزله الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل والقرآن لم يقتنع به الكلّ، بل جاء من أنكره وأزهق في محاربته النفوس، مع أنه كان لا يدعو إلى أكثر من مبادلة إحسان الخالق بشكر المخلوق!…
فأنا أكتب لأُطلع الناس على أمرٍ حصل كلُّ ما يسبقه …. ويحصل اليوم كلُّ ما يواكب حدوثه … ولن أحاول إقناع أحد لا يشاركني الاقتناع … فكثرون من بيننا لا يزالون يكذِّبون بالصعو إلى القمر والمرّيخ !….. فحيَّ على آياتٍ مُقبِلاتٍ تهزّ أعصاب المصدّقين والمنكرين دون أن تميِّز أو تختار!…. وحيَّ على أمرٍ واقعٍ سلَّمنا به أم عاندناه، وأردناه أم رفضناه!.
ولا إكراه في رفض عقيدة … ولا إجبار في اعتناق مبدأ. وخذوا الأمر من باب العلم بالشيء ولا الجهل به … وحذارِ من البقاء في حظيرة الغافلين عن معرفة دعوةٍ ستهزّ العالم …
وأنا إنما أبيّن رشداً من غيّ … وأُنذر بظهور مخلِّصٍ موكَّد الظهور آمن الناسُ به أم كفروا … فليكن كل امرئٍ على بيّنة من أمره، وليلتزمْ كل إنسانٍ طائره في عنقه!. وللقارئ عليّ أن أكتب دون هوى، وأن أنقل ما توصلت إلى معرفته دون تعصُّب، بل أنهج نهج البساطة وأتّبع النقل الأمين، ولا أشرح إلا ابتغاء الإيضاح، ولا أعلّق إلا بما اعتقدته وجزمت به.
وما أنا ـ بعدُ ـ بمتفائلٍ ينتظر إيمان الناس برأيه، ولا بمتعنِّتٍ يريد أن يفرض الرأي. ولكنني ناقلُ حقيقةٍ لا يضرُّها ولا يضرُّه كفرُ من كفر بها، وإن كان يسرُّه إيمانُ من سمع بها فوعاها فآمن بها؛ لأن شعاري شعار المؤمن بالعقيدة، يعرضها ولا يفرضها، ويقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾([921]).
فقد كفر الناس من قبل بالرسل، وأنكروا الله وملائكته، واستهزؤا بالبعث الذي أقسم عليه خالقُهم، ثم أكد القسم بحروف الجواب، وبأنّ، واللام، والنون، في جملةٍ لا تتعدّى الإحدى عشرة كلمة استعمل فيها أقوى الحروف، ثم شددها وضعفها حيث قال:
﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾([922]).
ومع ذلك صدق بالبعث والحساب قليلون، وكذب كثيرون!!!!
فليس الراد عليّ بمُسيءٍ إليّ، بعد أن رد أكثر الناس على الله!!! ذلك أن الإنسان، بطبعه، ما إن يتفهم أبسط الأمور، حتى يثب إلى إصدار الأحكام في الماورائيات وعلم الغيب، وحتى يجادل في الله، وفي عجائب الكون التي لا تقع تحت حسه، ويُفلسف ما استعصى على بصيرته كما لو كان شيئاً يناله إدراكه، في حين يكون طفل علوم يجهل تركيب جسمه، ويعجز عن تفسير العوامل النفسية النابعة من ذاته، ثم لا يستحي أن يطّلع إلى السماء وما فوقها، ويغوص في الأرض وما تحتها. فيضيع في خضمّ الكائنات الشاسع وينسى أن القدر سيلفظه في ساعة ما ….
وماذا أقول بين يدي موضوعي؟.
أفلا يُعتبر الإنسان مثقفاً متحرراً إلا إذا تنكر لعقائده ونبذ تراثه، ومشى وراء غرائزه؟.
يا أيها الذين يزدرون تاريخهم ويهزؤون بتراثهم، ويعقّون آباءهم وأُمهاتهم، ويتنكرون لأديانهم، ويسخرون من ذكر المهديّ ويرتابون في أمره:
…. إليكم أكتب أيضاً … ليصير ما أكتبه حُجةً عليكم حين يفجأكم الواقع لتتنزَّلون عن الكبرياء، وتفرغ ضمائركم إلى محاسبتكم في خلواتٍ لا تسيطر عليها الجاهلية … فأنا أربأ بكل أخٍ لي في الإنسانية أن يموت ميتةً جاهلية، وأريد لكل واحدٍ أن يعرف ما كتبه المهديّ عليه السلام لبعض سفرائه رضوان الله عليهم حين سأله عن شأن المنكِرين فكتب له:
ـ مَنْ أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوحٍ عليه السلام([923])!!.
فهل يرضى أحد أن يكون من المغرقين كما غرق ابن نوح بعصبيته؟…
لا …. فإن ثورة المهدي على الباب … ومن البديهيّ أن أحداً من المخلوقات لا يستطيع أن يقف في وجه طوفان، أو في وجه هزّةٍ وخسف، ولا أن يسير في طريقين في آنٍ معاً … فيشذّ من شاء له هواه الشذوذ، وليذعن للمحتوم من شاء له عقله الإذعان. فإن أمر المهدي كالموت الذي نفرُّ منه سواء بسواء، آمنا به أم حسبنا أننا مخلّدون نشيّع دائماً غيرنا إلى الفناء، حتى تسقط ورقتنا في كفّ عزرائيل فيتعثّر بنا ….
وقديماً قال الصادق عليه السلام:
ـ لو كانت لأحدكم نفسان، يقاتل بواحدة يجرب بها … ثم كانت الأخرى باقية، فعمل على ما كان قد استبان لها!. ولكنْ … له نفس واحدة، إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة!. فأنتم أحق أن تختاروا إن أتاكم آتٍ منا، فانظروا على أي شيء تخرجون([924])….
وهذا حق … فليحافظ كل واحد منّا على نفسه التي لا يملك نفساً غيرها ….
* * *
ولكنه قد ينبري من يقول: ما هذه العقيدة القديمة البالية التي جئت تنشرها على الملأ المتحضّر في عصر العلم والنور؟!.
بلى، ونعم … إنها والله لعقيدة قديمة … ولكنها لا تبلى. لأن عمق الحقيقة في التاريخ، وإمعانها في القدم لا يفسدانها. ولا بد أن يبعثها قائلُ حقٍّ بجرأة مطمئنة ولو قل النصير، تمشياً مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل الحق:
ـ ما هم في أُمّتي إلاّ كالشعرة البيضاء في الثَّور الأسود، في الليل الغابر([925]).
فأنا أشكر الله حين أقول كلمة حق في أشد الأزمنة باطلاً … فإن القول بظهور مهديٍّ في آخر الزمان، قد تواتر النقل فيه من طُرق المؤلفين والمخالفين. بحيث يقول بالمخلص في آخر الدهر اليهود والنصارى والمسلمون على اختلاف أسباطهم وفئاتهم وطوائفهم. وقد اجتهد حملة الوحي في تأكيد ظهور قائمٍ بالحق، ثم وصفوا زمان ظهوره، وذكروا علامات عهده، وحددوا هويته وصفاته، بحيث مضى نبيُّ إثر نبي يَعِدُ الناس ويبشرهم به …
فالعقل مدعوٌّ ـ إذاً ـ لأن يفكر برشد ويحكم بصواب، بعد أن وافقت أخبار وجود وظهور المهديّ علاماتٌ واضحة، تحقَّق بعضها وما زال يتحقق البعض الآخر تباعاً عبر العصور كما حددها لنا رسل الله، وبعد أن واكبت غيبته ظواهر حددوها لنا جليَّة، رأينا منها الكثير في زماننا، وبعد أن سبقت يوم خروجه إنذاراتٌ تتولى واحداً بعد واحد كما سترى في فصول هذا الكتاب … فإن أخبار وجوده، وأخبار غيبته، ودلائل عصر ظهوره، تكوِّن أعظم حصيلة للبرهنة على صدق الوعد به في سائر الرسالات السماوية …
والتشكيك بأخبار وجوده وزمان ظهوره، يكون تعمُّداً لرفض كل شيء منقول، وكفراً بكل نبيّ ورسول، ولكن صدق تلك الأخبار لا يجعله الرفضُ باطلاً، لأن في اتّفاق أخباره التي رُويت في فترات تفصل بينها آلاف وآلاف السنوات، برهاناً قاطعاً على كونها وحياً لا يُضيره إنكار من يُنكر الوحي، ودليلاً مقنعاً لا يوهنه من يخالف الدليل المقنع … والتشكيك ـ بحد ذاته ـ وإن كان مباحاً كمبدأ للإيمان، فلا يجوز أن يكون باباً لإنكار كل حق تقصر عنه الأفكار وتضيق به الصدور!.
فالوعد بالمهديّ قد صدع به أولو العزم من الرُّسل … والأخبار التي وردت بشأنه مرّت على أذهان جهابذة الفكر منذ حوالي ستين قرناً!. وبقاؤها سليمة مسلَّمة يوجب القطع بها ويفيد الجزم. وللقدامى منا الشكر إذ حافظوا على إيرادها كما هي، ونقلوها نقلاً أميناً بالرغم من أنها قد تناولتها ملايين الأقلام.
ولهم الشكر مكرِّراً وإن كانوا لم يتكنوا من جلاء بعض غوامضها ورموزها لعدم تيسير وسائل الشرح والتوضيح في أزمنتهم، وإن كانت محاولاتهم المحمودة قد أوقعتهم في غلط تسلسل الوقائع مرة، وفي الإخفاق حين محاولة تطبيق الحوادث مرة أخرى. فرأيت لزاماً عليّ ـ وأنا أعيش في عصر غنيٍّ بوسائل التوضيح والاستدلال ـ أن أدرس هذا الموضوع دراسة مجددة أمينة دون أن تفوتني الإشارة بالإعجاب إلى أن مما يشرف حملة هذه العقيدة من الإماميين، محافظتهم عليها، وتتابع بحثهم لجلاء غوامضها وملابساتها، للبرهنة على صدقها وواقعيتها، وإن كانت نظرتهم الحتمية للمهدوية كنظرة جميع الناس، ولكنهم كانوا عبر التاريخ يؤذون في سبيل هذه العقيدة، ويُستهزأ بهم، لأنهم من أشد الناس تمسكاً بها وحرصاً عليها، ذاك أن المشيئة الربانية قضت بكون المهدي الذي تحدثت عنه الأديان عامة والملل كافة، خاتماً لأئمتهم، فهبّوا يأخذون أخباره الواردة عن النبيّ والصحابة والأئمة، ويستقصون بصدده جميع المصادر، إذ يعنيهم من أمره ما لا يعني غيرهم بعد أن كان الثاني عشر من أئمتهم؛ فتميزوا باعتناقهم هذا المبدأ من جهة، وبجهدهم في تدوين أخباره إيماناً به وبالدين كوحدة لا تتجزأ من جهة ثانية، كيلا يكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ….
ومن أقبح القبيح أن يشتغل الإنسان في الجدل الذي يُضعف تكاتف الناس ويوهي شأن الأمة، فلن تراني أناقش خبراً، أو أقف مع قائل وقوفاً بغيضاً، بل سرت في نهج واضح يعتمد على أن المهدي مخلوق موجود اعترفت به الأديان ولو أنكره الأفراد … يرقبه العقل وإن خنست من ذكره العواطف ….
وقد حاولت بيان ما توصلت إلى فهمه من زوايا موضوعية البحث الغامضة، فسهّلت فهم كثير من الأخبار التي ظنها القدامى خرافات، ويسّرت قبولها لأبناء جيل عايش التقدم العلمي الحديث فاتسعت مداركه وأصبحت قادرة على استيعاب ما ظل إلى اليوم لغزاً من الألغاز، وذلك بتفسيرها التفسير الصحيح الذي أصبح ميسوراً في زماننا، وكان أكثر من مستحيل فيما سبق، لأنه ينطبق علينا دونهم، وعلى وسائل عيشنا وما في عصرنا من عجائب لم تكن تخطر للقدامى ببال …
أما من كان يعيب عقيدة المتشيعين للمهدي شكلاً وأساساً، فإننا لا نأخذ عليه إلا ما أخذه الناس على أحبار اليهود يوم عرفوا محمداً بذاته وصفاته وعلاماته المذكورة في كتبهم، ثم كفروا به لأنه بُعث من العرب لا من الإسرائيليين !!! فهل يُرضي العائب علينا أن نتحدث عن مهديّ لا قرشيٍّ ولا هاشميّ ولا فاطميّ ولا حسينيّ حتى نلتقي معه على طمس حقيقة عرفناها كما هي في جوهرها، وآمنّا بها كما وردت من طُرقنا وطُرق غيرنا؟. مع أن نبينا الذي لا ينطق عن الهوى قال:
«لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، وبعث رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً!!!!» ([926]).
فظهور المهدي من أعلام النبوّة … وقد تعمّدت الكتابة بهذا الموضوع في هذا العصر لأنه قد ظهر الكثير الكثير من علامات ظهوره، فأحببت إلفات نظر من أراد لنفسه السلامة والإيمان … والمصدِّقون به لا يُعاب عليهم التصديق، بل امتدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثباتهم منذ ألفٍ ومئات السنين حين قال لأصحابه عنهم:
ـ …. آمنوا بسوادٍ على بياض([927])!!. أي بالأخبار المدوَّنة المأثورة الثابتة، دون أن يعاينوا ذلك أو يشاهدوه.
أفلا يحق للمتشيّع أن يقول مع أمير المؤمنين عليه السلام:
وما كل ذي لبٍّ بلبيب، ولا كل ذي سمعٍ بسميع، ولا كل ناظرِ عينٍ ببصير([928])؟!.
* * *
أما مشيئة الله، فليست خاضعة لإرادة الناس، ولا منوطةً باختيار أحد، ومثلها الظواهر الطبيعية من الحر والقر والأمطار والزلازل فإنها لا تستشير أحداً بمواعيد حدوثها … إذ لو كان شيء من ذلك، لتمكن الإنسان أن يعلم الغيب ويدّعي الربوبيّة، ولجاز لكل ساذجٍ أن يصدّق الرائد الفضائيّ يوم طلع في عربته الفضائية التي اخترقت الجاذبية وابتعدت عن كوكبنا الأرضي بضعة آلاف من الأميال التي تُعد تافهةً في مجال أبعا الفضاء اللامتناهية، ثم رجع ليقول للناس: لم أر الله في رحلتي هذه!!! فقد قالها دون أن يفكّر بصانع الكواكب المنتثرة في خضمّ هذا الكون، وبمُمْسِكِها وجاعل الأبعاد النائية بينها، ودون أن يقدّر أن من أنشأ فيها قوة التجاذب والثبات في كونٍ هائلٍ يدور على نفسه بدقةٍ وحكمةٍ وبلا تفكّكٍ ولا وهنٍ منذ ملايين السنين، ودون أن يدرك أن رب ذلك كله لا يقع تحت حس رائد فضاءٍ يلتقي به في طريق تحقيق معجزته التي كلفت من المال ما لو أنفق في الأرض لما ترك أحداً من الجياع ولا من المرضى ولا من الفقراء!!!
فيا رُوّاد العلم والفهم: لا يجوز أن يكون الرب كائناً يحتويه المكان والزمان وهو خالقهما، بل عنه فاض كل شيء وكان بقدرته، ولا أن يكون واحداً يقع تحت حدود العدّ كالشيء الذي له ثانٍ وثالث وشبيه!!! وإذا كان الرب بهذه البساطة فعلينا أن نبحث عن رب غيره يتعالى في وحدانيته، ويتفرَّد في أحديّته، ويسمو عمن يشاكله ويدانيه … عن ربّ يجب أن يكون أكبر من صانع صاروخ ومدبّر عربة فضاء، وأبعد عن أوهام من يصنع المعاجز الواقعة تحت مقدور الخلق … فسبحان من: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾([929]) ….
وأقول لمن شاء أن يتعرف إلى أئمتنا عن كثب، وأن يطّلع على علمهم عن قُرب، وأن يعرف صدق رواياتهم التي صدروا فيها عن جدّهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: إقرأ أخبارهم عن صاحب الأمر ـ وستقرأ كثيراً منها في هذا الكتاب ـ فإن فيها تصويراً لحضارتنا المعاصرة يأخذ بالألباب، بل فيها وصفٌ دقيقٌ يتناول جميع مظاهر حياتنا، حتى أنهم ليصفون وسائل النقل والحرب، ووسائل العيش في البيت وفي المتجر، وفي الديوان والدائرة، فيتراءى لمن يمر بذلك أنهم كأنهم كانوا ينظرون من ظهر الغيب إلى أشياء مجسدة كانت تقع تحت أبصارهم وبصائرهم، ثم ينعتونها بحقائقها ودقائقها، حتى لتظنّ أنها أشرطة مسجلة رأوها فوصفوها … ما ذلك بعلم غيب، ولا بحدس أو تخمين، ولكنه علمٌ علّمهم إياه رسول الله عن الله عز وجلّ ….
وأنبّه القارئ إلى أن كثيراً مما كان في الماضي مستهجناً، قد أصبح اليوم حقيقةً على أسس علمية، بحيث صرنا نركب هذه المستهجنات سيارةً أو طائرةً تقرِّب البعيد، وتبعّد القريب، ونستعملها هاتفاً يُسمع من في المغرب كلام من في المشرق، ونلهو بها تلفزيوناً يُرِي من كان في أقصى شمال الأرض وجه من هو في أقصى جنوبها، ينظر إليه ويسمعه، وهو قابع على أريكته الوثيرة في زاوية منزله ـ بل لقد أصبح التنقل بين الكواكب ميسوراً، حتى أن أرض القمر صارت بنظرنا تافهةً. ولكن … لم يطّلع فرعون إلى إله موسى …. ولن يكون موسى إلا من الصادقين، ولن يستطيع أحد أن يقول للشيء: كُنْ فيكون؛ لأن الإنسان المعاصر لم يستطع ـ بعلمه الذي اجترح العجائب ـ أن يكرّس حقاً مشروعاً على وجه هذه البسيطة، ولا تمكّن رواد الحقائق المتبجحون أن يُنهوا أتفه المشاكل السياسية، بل أسرتهم العنصرية والأرستقراطية فأحاق الظلمُ بالشرق والغرب ….
فما بالُ العلم العصريّ قد فرغ من قضية الله، وصفى حسابه معه وأنكره، قبل أن يفرغ من تصفية بعض مشاكله الأرضية التي تجعل ارباب العلم وأرباب السياسة يعيشون على أعصابهم، في منافساتٍ لو انفجرت لقضت على الجنس البشري؟!.
ثم ما بالُ العلم الحديث قد نصب نفسه ميزاناً للعدل في السماء، مع أنه عجز عن أن يكون ميزان عدل على الأرض؟!.
وما بالنا ننجرف مع الأوهام، ونضلّ عن الحقائق، ثم ندّعي الكمال، مع أننا نرسف في عبودية المال، وفي عبودية الجنس، وفي عبودية النفس؟.
إذا كان العلم يجرّ إلى مثل هذا الجهل، فبئس العلم هو …
وإذا كان الفهم يؤدي إلى مثل هذا الإسفاف، فهو فهمٌ موجَّهٌ سقيم …
….. ولا أخال أحداً من الناس لا يتبنّى اليوم دعوة مثل هذا المصلح العظيم، ولا يُلقي بسمعه إلى من يُحدّثه عنه كمخلّص وعد الله به العالمين ليكون رحمة للعالمين، وهدد به الظالمين لأنه عذاب على الظالمين، يبعثه الله ليضرب للناس مثلاً أعلى في الحكم العدل.
لذلك أوردتُ ما حصلت عليه من ارباب العقائد على اختلاف العقائد، وكتبتُ لجميع حملة مشعل الفكر ودعاة الحق من سائر أصحاب المبادئ …
فاليهوديّ ـ من أي سبطٍ كان ـ ينتظر مجيء المسيح الذي يحقق العدل الطلق على وجه الأرض في آخر الزمان.
والمسيحيّ ـ من أية طائفة كان ـ ينتظر عودة المسيح المطهَّر، ليرسي قواعد العدل الأسمى على وجه هذه البسيطة، في آخر الزمان.
والمسلمُ ـ إلى أية فرقةٍ انتمى ـ ينتظر المهديّ والمسيح، يلتقيان في دولة حقٍّ وحكومة عدلٍ مثاليٍّ، في آخر الزمان …. أعني، أن جميع أهل الأديان يُعطون حكومة آخر الزمان المنتظرة أهميتها القصوى، ويعرفون لوقتها علاماتٍ ودلائل هي من صميم ما عندهم من تراث دينيّ، ومن صميم ما لديهم من رائحة السماء … وهذا ما نقلته إلى القارئ وفسّرته وطبّقته وقرّبته إلى ذهنه.
….. أما من وراء أهل الأديان، فلا يبقى إلا المستهزئون …. وهؤلاء ـ هم أيضاً ـ لا يسعهم إلا الاعتراف بإفلاس الأنظمة الأرضية التي يزاولها الناس بشتى أشكالها، ويتشوّقون إلى قيام حكومة عدل ناجحة، بعد التجارب الفاشلة التي كانت متعددة المظاهر والأسماء …
فإذاً، أنا أكتب في هذا الموضوع إلى كل إنسان حيّ …. متحدثاً عن حامل لواء حكومة عدل، تعيّن وقت مجيئه علاماتٌ وقع أكثرها وسيقع ما بقي، تدل عليه صفاتٌ تميّزه عن غيره؛ سيكون في عصر معين، ربما كان عصرنا هذا لدلالة أهم العلامات عليه!.
* * *
أما إذا قيل: لِمَ لا يزال المهديّ متغيِّباً عن مسرح الأحداث ما زال مخلوقاً ومدعوًّا للإصلاح في عصرٍ فسد أهلهُ … ولِمَ لا يظهر فيقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما زال مرصوداً لهذه الغاية؟.
فالجواب: إن الله قد جعل لكل شيءٍ قدراً، وإن له أمراً هو بالغُه، ولا يعجل إلا من يخاف الفوت …. ولو استجاب الله لرغبة العباد لاضطُرَّ لأن يُقيم القيامة وينصب الميزان ويحاسب الناس على أعمالهم فوراً، ليؤمنوا بالبعث والحساب، ولوجب أن يُطْلع الشمسَ قبل وقتها استجابةً لرغبة مسافرٍ في فلاةٍ يلفحه الصقيعُ، أو أن يُنْزِلَ المطر لمجرّد حاجة فلاّح مضطر لريّ أرضه، ولصار لله في ملكه ألف شريكٍ وشريك!.
فالبديهي الذي يفترضه خروج المهدي عليه السلام، هو أن الشروط لم تستكمل بعد، وأن الدلالات التي حددها الله على لسان رسله ليوم نهضته المنتظرة لم تتمّ … وليس من الضروري أن يجري قضاءُ الله وقدره بحسب رغبات الأفراد وأهوائهم، إذ لو فُتح مثل هذا الباب من الاعتراضات لجاز لي أن أقول: لم بعث عيسى قبل محمد؟. ولماذا لم يحاسب الله الظالمين في دار الدنيا على مرأى ومسمع من المظلومين؟. ولِمَ؟ ولماذا؟. وكيف لا؟. فينفتح باب جدلٍ لا طائل تحته.
وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾([930]).
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون﴾([931]).
ثم ما أدراك أنه قد قيل: لِمَ غاب المهديّ أساساً؟. وما الفائدة منه أثناء غيابه؟. مع أن القائل يعرف أن كل منادٍ بالحق يتوارى من وجه الظلم حتى يعد العدة ويهيئ نفسه، فكيف بمن يتحيَّن الفرصة لوثبةٍ تهدف إلى قلب أنظمة الأرض بالطول والعرض، وتقف في وجه هذه القوى الهائلة التي منها القنابل المدمِّرة والصواريخ الموجّهة؟ ….
هذا، إلى جانب أنه لا يخرج إلا بأمرٍ من السماء، في حين أن احتجابه عنا لا يعني أنه لا يظهر لخاصةٍ من مواليه، ولمن يلي أموره وخدمته من التابعين الذين يكتمون سر الله ويحملون أمانة السماء ….
* * *
فليتعرّف الكل إلى هوية هذا المنقِذ …
وليقرأ كتابي المتديّنُ قصةَ عقيدةٍ واضحة المعالم …..
وليقرأهُ المنكِر قصةً سماوية جميلة المنهج، حلوة الحَبك، جذّابة الفصول …
وليقرأهُ اللامبالي قصة العلم بالشيء ولا الجهل به. فقد عالجت الموضوع للجميع، ليروا ما رأيت، وليكون ما يرونه حجةً عليهم كما صار حجةً عليّ أديتها لإخواني وأخواتي في الإنسانية …
ولتمَّ غايتي، أمحض النصح لجميع القرّاء، وأنبههم إلى أنني لا أكتب عن شخصية عادية، ولا أعرض أمامهم شريطاً تمثيليًّا. بل أحذّر من أمرٍ من السماء شاءه القضاء، رضي به القارئ أم رفضه؛ كالشمس التي تشرق رآها الأعشى أم حجبتها عنه غيوم الهوى!.
وأمسِ لم يرد الطوفان عنادُ قوم نوحٍ، ولا نجا ابنه حين وقف على جبل المكابرين!.
وأمس لم يمنع خسف مدائن لوطٍ هزءُ قومه حين جاؤوا إلى حرمه ليفضحوا لوطاً في ضيقه!.
وبعدهما، لم يدفع الغرق عن فرعون وجنوده تكذيبهم لموسى وهارون!.
ولا أحرقت نارُ النمرود إيمان إبراهيم من قبل!.
واليوم … نقول مع المهدي عليه السلام، ما قاله لأحد الذين شرّفهم الله بسفارته:
«لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون؟!. حكمةٌ بالغةٌ فما تُغني النّذُرُ عن قومٍ لا يعلمون»([932]).
ثم نرتضي الإيمان به وإن كفر غيرنا، ونتأسى بقوله ـ وهو عدل القرآن ـ حيث قال:
«لأنّ الله معنا، فلا فاقة بنا إلى غيره. والحقُّ معنا، فلن يوحشنا من قعد عنّا»([933]).
وقد قيل للباقر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟. (أي هل يغيّر الله أمراً كان قد قدّره محتوماً) فقال نعم. فقيل: فنخاف أن يبدو لله في القائم!. بجوابه إلى قول الله عز وجل: ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾([934]).
فلنستعرض قضاءً مبرماً لا بدّ منه …. ولننتظر حركةً لا محيص عنها … ولنأخذ علماً بحوادث لا مناص من حلولها، كما أنه لا محيد عن العاصفة إذا هبت الريح القاصفة التي تجتثّ وتدمّر!.
فهذا كذاك … ولن يؤخِّر حتمية ظهور المهدي تعمُّد تجاهله، ولا يقف في وجه زحفة التِّيهُ في مجاهل الضلالة، ولا يؤخر يوماً موعوداً إنكارنا له، تماماً كما أنها لا تمنع بزوغ الشمس الوهّاجة مشيئة من أراد تأخير سناها من الخفافيش!….
* * *
وأنا لا أعرف، متى كانت يتيسر للعقل البشري القاصر أن يختار في الأمور الخارقة للطبيعة؟ ومتى كانت إرادته قادرةً على منع حلول الظلمة إذا هجمت لتخيم على المكان المستور!.
وهذا العقل ـ وهو العنصرُ المتميز ـ قد تقود ديناميكيتُه العجيبةُ إلى هدًى وإيمان، وقد تكون مفتاح هوًى وضلال … فبعد أن حصّنه الله تعالى في جمجمة متينة الصُّنع، ورفعه على عرش الجسم، وشرّفه على كل عضوٍ فيه، فكَّر ـ أول ما فكر ـ بإنكار موجده!. وقدّر ـ أول ما قّدر ـ قياساتٍ قاسها إبليسُ حين استكبر عن السجود لآدم!.
ثم حاول ـ العقل ـ وما زال يحاول أن يخرج من حبسه الضيق المقفل، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: إن كل سماويٍّ خرافة!. قد شاءه بارئه لعباده وسيلةً عليا، وشاء نفسه أداة إسفاف دنيا، لأنه عقَّ مُبدعه، وترك مشاكله على الأرض، وراح يفتش عما لا يعنيه في السماء!.
وقد سبقنا الإمام الصادق عليه السلام إلى القول:
ـ إن حديثنا صعبٌ مستعصب، لا يحتمله إلا صدور منيرة، أو قلوب سليمة، أو أخلاق حسنة. إن الله أخذ من شيعتنا الميثاق (أي الولاية) كما أخذ على بني آدم ﴿ألست بربكم﴾. فمن وفى لنا وفى الله له بالجنة، ومن أبغضنا ولم يؤدّ إلينا حقّنا ففي النار خالداً مخلَّداً! ([935]).
وها هي ذي علامات قُرب ظهور صاحب الزمان عليه السلام تتلاحق بسرعة، حتى أن الإنسان ليتعجّب من دقة وصفها، فيعتقد أن النبي وآله عليهم الصلاة والسلام كانوا كأنهم يرون ما ينعتون؛ وإلا فكيف وصفوا أهل هذا الزمان حتى أنهم نعتوا كيفية ضفر الشعر عند النساء، واختلاف الأزياء، وإسبال شعور الرجال، وميوعة الأجيال، وتطويل الشوارب … وصفوا ذلك وغيره بطريقة تتناول النوع والشكل، وتذكر المميزات! إلى جانب ما حكوا عن حضارتنا ووسائل عيشنا، وما نحن عليه من أشرٍ وبطر …
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال:
ـ نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها. فرُبَّ حامل فقهٍ، غير فقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه([936]).
وقال خاتم أوصيائه، الإمام المنتظر عليه السلام:
ـ وأما ندامة قوم، قد شكُّوا في دين الله، على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال وما لنا حاجة في صلة الشاكّين([937]).
وأنا ـ في كل حالٍ ـ لا أمُنُّ على من يقرأ محاولتي هذه، بل للقارئ الشكر والمنَّة، إذ قد حكيتُ فأكثرتُ وأثقلتُ، ولذلك أتخّلى عن المسرح ليحكيَ غيري في الصفحات الباقية من الكتاب: فيحكي الله عز وجل، ويحكي رُسلُه وأولياؤه، والمؤرخون، وجميع الناس … وليس لي من دورٍ ـ بعدُ ـ إلا في التنسيق والتوضيح …. وليس أحسن عندي من أن أختم كلامي بقول الباقر عليه السلام حيث سئل عن المهدي فقال:
ـ من أقرّ به فزِيدوه، ومن أنكره فذروه([938])….
* * *
1 ـ من هو القائم المنتظر؟
﴿ويستنبئونك﴾ ـ يا محمد ـ ﴿أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾([939]).
قيل إن هذه الآية الكريمة تتحدَّث ـ أيضاً ـ عن آجال الأمم وتكذيبها الأنبياء، ونزول العذاب عليها عند انغماسها في الضلال. وفيها يَعِدُ الله تعالى بخروج قائم يطهّر الأرض إذا غوت الأمة الإسلامية وحادت عن طريق الهداية ….
* * *
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ لا تخلو الأرض من قائم بحُجة، إما ظاهر مشهور، أو خائف مستور، لئلاّ تبطُل حُججُ الله وبيّناته([940]).
(ورُوي بلفظه عن أمير المؤمنين والباقرين عليهم السلام وقال):
ـ القائم المهديّ من وُلدي، اسمه اسمي، وكُنيته كُنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً([941]).
(وقال):
ـ لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم للحق منّا، وذلك حين يأذن الله عز وجل له. ومن تبعه نجا، ومن تخلَّف عنه هلك. الله الله عباد الله، فأْتوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله عز وجل وخليفتي!([942]).
(وقال):
ـ المهديّ من عترتي، من وُلد فاطمة، يقاتِل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي([943]) … (وقال لفاطمة عليها السلام في مرضه الأخير بعد أن ضرب على منكب الحسين عليه السلام):
ـ مِن هذا مهديُّ هذه الأمة … لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من وُلد الحسين يملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجَوراً([944]).
(وقال مشيراً إلى الحسن والحسين عليهما السلام):
ـ منهما مهديّ هذه الأمة([945]). (ذاك أنه من أبناء الحسن أيضاً، لأن فاطمة بنت الحسن هي أم الباقر. فالباقر ومن بعده من الأئمة حسنيّون وحسينيّون … وقد رُوي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى سبطيه مرةً وقال):
ـ والذي بعثني بالحق، إن منهما مهديّ هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً مرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعت السُبل، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقّر كبيراً. يبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً. يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أول الزمان([946]) …. (وكلمتا: أول الزمان وآخره، تعنيان زمان الدعوة الإسلامية … وحصون الضلالة قائمة في كل مكان … والقلوب الغُلف كانت تعني قلوب اليهود خاصةً في القرآن الكريم، ولكن قلوب أكثر الناس في أيامنا هذه غُلْف … وقال):
ـ مِن وُلدي اثنا عشر نقيباً: نُجباء محدّثون مفهّون، آخرهُم القائمُ بالحق([947]).
(وقال):
ـ الأئمة من بعدي اثنا عشر، تسعة من صُلب الحسين، والتاسعُ قائمُهم. وهم أهلُ بيتي وعترتي من لحمي ودمي([948]) ….
(وقال)؛:
ـ نحن سبعةٌ من وُلد عبد المطلب سادةُ أهل الجنة: أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهديّ([949]).
(وقال):
ـ إن لذلك الأمر (أمر المسلمين) وُلاة من بعدي: علي بن أبي طالب وأحد عشر من وُلده([950])…
(وقال لعليّ مرة وبعض أصحابه يسمعون):
ـ إنَّ خُلفائي وأوصيائي، وحُجج الله على الخلق بعدي، الاثنا عشر. أوَّلُهم عليٌّ، وآخِرُهم المهديّ([951]).
(فالثاني عشر من الأئمة الأوصياء هو المهديُّ عجّل الله تعالى فرجه، بنصِّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال مكرِّراً: الأئمة بعدي اثنا عشر: أولهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكرهُ على يديه مشارق الأرض ومغاربها … وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ المُقرُّ بهم مؤمنٌ، والمُنكِرُ لهم كافر([952]).
(وقال):
ـ الأئمة بعدي اثنا عشر، بعدد نُقباء بني إسرائيل، وبعدد الأسباط، وبعدد حواريّي عيسى. من خالفهم فقد خالفني، ومن ردّهم وأنكرهم فقد ردّني، ومن أحبّهم واقتدى بهم فاز ونجا، ومن تخلّف عنهم ضلّ وهوى. فطوبى لمن أحبهم، والويلُ لمن أبغضهم([953]) …
(وقال يُلفت النظر إلى أهمية الاعتراف بالأئمة من بعده، والمسؤوليةِ المترتبة على مخاصمتهم وقطع رحمه بهم):
ـ اثنا عشر من أهل بيتي، أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي. فويلٌ للمتكبرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي!. ما لهم؟!. لا أنالهم الله شفاعتي!. هؤلاء هم خُلفائي وأوصيائي، وأولادي وعترتي. من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني. بهم يُمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها([954]) …. (ثم قال يصفهم):
ـ ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحكمُ الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً. ألا وإنا أهل بيتٍ من علم الله علْمُنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادقٍ سمعنا. فإن تتَّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. معنا رايةُ الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق. ألا وبنا يدرك تِرَةُ كل مؤمن، وبنا تُخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا يُفتح لا بكم، ومنا يُختم لا منكم([955]) …
(وجاء عن صلى الله عليه وآله وسلم مبيِّناً من هو بالذات، ومشيراً من طرفٍ خفيٍّ إلى أنه يولد من حادي عشر الأئمة بلا فصل، وأنه لا يولد في آخر الزمان كما ذهب بعض محرّفي الحق عن مواضعه):
ـ إن الله عز وجل، ركّب في صلب الحسن (أي العسكري) نطفةً مباركةً زكيةً طيبةً طاهرةً مطهّرة، يرضى بها كل مؤمن أخذ الله ميثاقه بالولاية، ويكفر بها كل جاحد. فهو إمام تقيّ نقيّ هادٍ مهديّ. أوله العدل وآخره، يصدُق الله عز وجل ويصدّقه الله في قوله. يكون معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم وبلدانهم وصنائعهم وكلامهم وكُناهم([956]).
(وكلامهم: يعني لغاتهم … وورد أنه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري):
ـ إن هذا أمرٌ من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله. عِلَّتُه مطويَّةً عن عباد الله. فإياك والشك فإن الشك في أمر الله كُفر([957])!.
(ودخل جابرٌ هذا على فاطمة عليها السلام، وبين يديها لوحٌ([958]) فيه أسماء الأوصياء من وُلدها، فعدَّدت اثني عشر اسماً، آخرهم القائم، فعرف أن الأمر حتمٌ من أمر الله تعالى …. ومن جملة ما قرأ فيه):
ـ قال الله تبارك وتعالى: وأعطيتُك ـ يا محمد ـ من أُخرج من صُلبه (يعني عليًّا) أحد عشر مهديًّا كلُّهم من ذريتك، من البِكر البتول. آخر رجل منهم أُنجي به من الهلكة، وأهدي به من الضلالة، وأُبرئ به من العمى، وأشفي به المريض، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأُملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأُسخّرنّ له الرياح، ولأُركضَنَّ له السَّحاب، ولأُرقّينَّهُ في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي، حتى يُعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي([959]) ….
(وقال جابر):
ـ دخلتُ على فاطمة بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين يديها ألواحٌ فيها أسماء من وُلْدها. فعددت أحد عشر اسماً، آخرهم القائم عليه السلام([960]).
(فبموجب الحديث النبوي الشريف نرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار بوضوح تام إلى إطالة عمر القائم عليه السلام لأنه ما كان ليخرج إلا في مثل هذا العصر الفضائي، حيث تكثر الطائرات والصواريخ والمركبات الفضائية. ولا عجب إذا ملك مثل هذه الوسائل التي يتنعم بها البر والفاجر، ولا غرو أن يعلو في الجو، ويرقى الأسباب، وتتسخّر له الرياح التي يركبها سائر الناس وهم يذرعون الآفاق فوق كوكبنا الأرضي، يعاقرون المسكرات ويرتكبون المعاصي وهم قابعون على أرائك الطائرات الوثيرة …
ثم يزيد في التأكيد على إطالة عمره من قبل الله تعالى، ويصارح بغيبة له تمتد حتى يأذن الله تعالى، قائلاً:
ـ لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. ولو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتى يظهر (أي يخرج من الغيبة وينتصر) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً([961]).
(وقد لبث نوح في قومه 950 سنة بِنَص القرآن الكريم، ولعلها فترة الدعوة والنبوة فقط أما عُمره الكامل فهو بين 1750 و2750 سنة بحسب اختلاف الأخبار التاريخية … ثم ركز النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على قضيته وأنزلها في رأس اهتمامات دعوته فقال لأُمَّته):
ـ لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد. لَطَوَّل الله ذلك اليوم، حتى يملك رجلٌ من أهل بيتي، تجري الملاحمُ على يديه، ويظهر الإسلام، والله لا يُخلِف الميعاد([962]).
(وتطلَّع بثاقب بصيرته مرةً، فنفذ إلى ما يكون عليه أمرُ الأجيال المتعاقبة، فتنفَّس الصُّعداء وقال صلى الله عليه وآله وسلم):
ـ إلى الله أشكو المكذّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمُضِلِّينَ لأُمَّتي عن طريقهِ!. يُبايعُ بين الرُّكنِ والمقام ـ بجانب الكعبة أعزها الله تعالى ـ ويفتح فتوحاً فلا يبقى على وجه الأرض إلاَّ من يقول: لا إله إلا الله([963]).
(ونختتم بيان هويته الكريمة على لسان جدِّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله):
ـ يكون لهذه الأمة اثنا عشر خليفة([964]).
(وقوله صلى الله عليه وآله وسلم):
ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً. إلى اثني عشر خليفةً. كلُّهم من قريش([965]).
(وقوله):
ـ لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقي منهم اثنان([966])!.
(وقوله الأخير بالتحديد):
ـ بعدي اثنا عشر إماماً. تسعةٌ من صُلْبِ الحسين. أمناء معصومون. ومنَّا مهديُّ هذه الأُمَّة. ألا إنَّ أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي. ما بالُ قوم يؤذونني فيهم؟. لا أنالَهُمُ الله شفاعتي([967]). (وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وجَّه فيه آخر إنذارٍ للناس):
ـ من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أُنزلَ على محمد([968])!.
ـ من أنكر القائم من وُلْدِي أثناء غيبته. مات ميتةً جاهلية([969])!.
(فمن مِن الناس يُصِمُّ سمعه عن دعوةِ رسولٍ كريمٍ لا يسأل الناس أجراً على هدايتهم إلى الحق؟!!).
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
(خاطب ولده الحسين عليه السلام مُقْسِماً):
ـ التاسعُ من وُلْدِكَ يا حسينُ هو القائمُ بالحق، والمُظْهِرُ للدين. والباسطُ للعدل. إِيْ والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة، واصطفاه على جميع البريَّة([970]) …
(وقال عليه السلام معرِّفاً به):
ـ هو في الذِّروةِ من قريشِ. والشرفِ من هاشم، والبقية من إبراهيم([971]).
(وأشار إليه بقوله):
ـ ومن بعد الحسين تسعةٌ من صُلبه. خلفاءُ الله في أرضه. وحُجَجُه على عباده. وأُمناؤُه على وحيهِ. وهم أئمةُ المسلمين، وقادةُ المؤمنين، وسادةُ المتقين، وتاسعُهم القائم([972]).
(وقال للخليفة الثاني حين سأله عن المهدي عليه السلام):
ـ أما اسمُه فلا … إن حبيبي وخليلي عَهِدَ إليّ أن لا أُحدّث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل. وهو مما استودع الله عز وجل رسوله في علمه([973]) … (وهذا من الدلائل على عدم جواز ذكر اسمه، لأن النبيّ والأئمة جميعاً لم يذكروا اسمه في خبر من أخبارهم رغم كثرتها ورغم تعاقبهم على الحديث عنه في مدى مئتين وخمسة وخمسين عاماً، وإن كانوا قد دلّونا على اسمه تلميحاً أشبه بالتصريح كما رأيت وترى. وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام):
ـ صاحب هذا الأمر لا يسميه إلا كافر([974])!. (بل قد جاء هذا عن القائم عليه السلام نفسه):
ـ ملعونٌ ملعونٌ من سمّاني في مجمع من الناس باسمي([975])!…. (وكتب لسفيره العمري رضوان الله عليه):
ـ من سمّاني في مجمع من الناس. فعليهِ لعنةُ الله([976]) …. (وسترى سبب ذلك في مكانه … وقد دخل عمر بن الخطاب البيت (الكعبة) أيام خلافته وقال: والله ما أدري، أدعُ خزائن البيت وما فيه من السلاح والمال، أو أقسمه في سبيل الله؟!. فقال له عليّ عليه السلام):
ـ امضِ يا أمير المؤمنين، فلستَ بصاحبه!. إنما صاحبه منَّا، شابٌّ من قريش، يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان! ([977]). (ومن كلامه الذي يصف فيه عظمته وعراقة أصله):
ـ صاحب هذا الأمر من وُلْدي … هو من ذروة طود العرب، وبحر مغيضها إذا وردت، ومَجْفُوِّ أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت. لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يخور إذا المؤمنون اكتُنِفت، ولا ينكلُ إذا الكُماة اصطرعت، مشمرٌ مغلولبٌ، ظفرٌ ضرغامةٌ، حصدٌ مخدِّشٌ، ذكرُ سيفٍ من سيوف الله، رأسُ قُثمٍ، نشقٌ رأسُه في باذخ السؤدد، وغارزٌ مجده في أكرم المحتد. أوسعُكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأرحكم رحماً. اللهم فاجعل بيعته خروجاً من الغُمة، واجمع به شمل الأمة …. فلا يصرفنَّك عنه صارفٌ عارضٌ ينوص إلى الفتنة كلَّ مناص، إذا قال فشرُّ قائل، وإن سكت فَذوِرٌ عابر([978])!.
(فالقائم عليه السلام كما وصفه جدُّه: مغلولبٌ قاهرٌ لأعدائه، ظَفِرٌ منتصرٌ على من ناوأه، ضرغامةٌ شجاعٌ شديد، حصدٌ مخدِّشٌ: قاتلٌ ممزِّقٌ بضربه، ذكر سيفٍ: حدُّ سيفه لا يفل، رأس قُثم: معطاءٌ سخيّ، نشقٌ رأسُه في باذخ السؤدد: أصيلٌ في عزّه، غارزٌ مجده الداخل في أشرف أصل!.
أما من يُنكره ويصرف الناس عنه فإنه مفتنٌ ضالٌّ إذا حكى وذورٌ: كارهٌ للحقّ إذا سكت!. وقد وصفه ثانيةً بعد هذا القول الذي قُدّ من صخر، بقولٍ كأنه فاض عن فكر عُلويّ يستلهم من وحي):
ـ قد لبس للحكمة جُنّتها، وأخذ بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرُّغ لها، فهي عند نفسه ضالَّته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغتربٌ إذا اغترب الإسلامُ وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه. بقيةٌ من بقايا حججه، خليفةٌ من خلائف أنبيائه([979]) ….
(مبيّناً أنه أثناء غيبته حائرٌ بضلال الأمة: فلا هو مأمور بالخروج، ولا الأمور مستقيمة تُرضيه. يتأثّر لحال الإسلام الذي يتمرَّغ في الأرض ولا يستطيع النهوض، كالبعير الذي برك وألصق صدره بالأرض من الجهد، فضرب الأرض بذنبه تململاً لأنه لا يتمكن من القيام!. وليس أجمل من هذا الوصف لتخبُّطِ الدين أيام ضعفه في نفوس الناس …. ثم قال عليه السلام في خطبته المشهورة بالشقشقية):
ـ أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء (أي الأئمة) ألاَّ يقارُّوا على كِظَّة ظالمٍ ولا سغب مظلوم، لألقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيتُ آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفْطَةِ عَنْزٍ([980])!.
(فهو، لولا الحجة القائمة بظهور قائم منصور من ولده، وبتقدير أنصارٍ له ينتقمون من الظلمة، لنهض في وجه الظالمين ولقلب الدنيا ظهراً لبطن!. ولذلك يرى نفسه غير مطالبٍ بأكثر مما فعل، وإن كان قادراً على أن يجعل عاليها سافِلَها ….).
* * *
قال الإمام الحسن عليه السلام:
ـ من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية([981])!.
(وورد عن الكاظم عليه السلام مختوماً بـ: إمام حيٍّ يعرفه([982]). بل قال سبطه الصادق عليه السلام من بعده):
ـ من بات ليلةً لا يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية([983])!!! (فتأمل بما للولاية من خطرٍ عند الله!.).
* * *
قال الإمام الحسين عليه السلام:
ـ التاسعُ من وُلدي هو القائمُ بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به الدين، يُحق الحقَّ ولو كره المشركون([984]).
* * *
قال الإمام زين العابدين عليه السلام:
ـ لا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعةُ من حُجَّة، ولولا ذلك لم يُعبد الله([985]).
(فقد أعطى الولاية المفروضة للحجة، في كل زمان، ذات الأهمية التي جعلها الله تعالى لها،ـ والتي أعطاها إياها جدُّه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأبناؤه … ثم قطع الطريق على ضلالات التفكير ولقلقات الألسنة، وحسم موضوع الخوض حول الولايات للحجة على الخلق بقوله):
ـ الإمامُ ـ المنصّب من الله طبعاً ـ لا يكون إلا معصوماً. وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون إلا منصوصاً([986]).
(ودليلُ صدقِ هذا القول الذي هو زينٌ في الأقوال كزين العابدين عليه السلام في الرجال، أن ما تقرأه في هذا الموضوع عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) وعن أصحابه (رض) كلّه نصوصٌ صريحة على القائم المنتظر في آخر الزمان … ثم قال):
ـ إن الله تعالى أعطانا الحلم والعلم والشجاعة والسخاوة والمحبة في قلوب المؤمنين. ومنا رسول الله، ووصيُّه، وسيِّدُ الشهداء، وجعفر الطيَّار في الجنة، وسِبْطا هذه الأمة. والمهديّ([987]).
(وكان غير متبجِّحٍ بقوله، بل متحدِّثاً عن مواهب الله تعالى لهذا البيت الكريم الذي شرَّف الله مَنْبتَه!.).
* * *
قال الإمام الباقر:
ـ … إياك وشذَّاداً من آل محمد (أي ممن يدّعون المهدويّة) فإن لآل محمد وعليٍّ رايةً، ولغيرهم رايات … فالزم الأرض ولا تتّبع منهم رجلاً أبداً حتى ترى رجلاً من وُلد الحسين معه عهد نبيٍّ ورايتُه وسلاحه([988]) …. (فقد حذر من مدعي المهدوية، ثم عرفه بذاته وبعلامة ما يحمله … وقال عليه السلام معيّناً كونه ثاني عشر الأئمة):
ـ منا اثنا عشر محدثاً، السابع من ولدي القائم([989]).
(وقال):؛
ـ يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي، تاسعُهم قائمُهم([990]).
(وقال):
ـ أنظروا إلى من لا يدري الناس (اي العامة) أَوُلِدَ أم لا، فذاك صاحبُكم([991]) ….
(وقال يوضح شيئاً جديداً من هويَّته):
ـ هو ابنُ سيِّدة الإماء([992]). (وسترى شأن والدته العظيمة في موضوع: ولادته … ثم قال):
ـ إن الأرض لا تخلو إلا وفيها عالمٌ منّا. فإن زاد الناس قال: زادوا، وإن نقصوا قال: قد نقصوا. ولن يُخرج الله ذلك العالِمَ (أي يقبضه إليه) حتى يرى في وُلده من يَعلم مثلَ عِلمه([993]). (أي إذا زاد الناس في ممارسة الحلال والحرام دلّهم على الصواب، وإذا أنقصوا حدًّا من الحدود دلّهم على وجهه الصحيح … وقال):
ـ لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت بأهلها!. وإن الله تبارك وتعالى جعلنا حُجَّةً في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض([994]).
(ولا تمضِ مع العجب من سيخان الأرض فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قبله):
ـ لا يزال هذا الدَّينُ قائماً إلى اثني عشر من قريشٍ. فإذا مضوا ساختِ الأرضُ بأهلها([995]). (فإن سيخان الأرض بأهلها لولا وجود الحجة، حديثٌ يصدم أذهان البُسطاء لأوَّل وهلة، إذ يغيب عن البال أن وجوده ودعاءه الدائم إلى الله أن يرفع البلاء عن الناس، وأن لا يأخذهم بذنوبهم، يمنع عنهم نزول العذاب الذي كان ينزل بالأمم السابقة، كالخسف، والصواعق، والفيضانات، وريح السّموم، وغير ذلك من الآيات المهلكة التي تعبر عنها الأخبار بسيخان الأرض … وقد روي هذا بلفظه عن الإمام الصادق عليه السلام. ثم قال أبوه عليه السلام):
ـ من المحتوم الذي حتمه الله، قيامُ قائِمنا. فمن شك فيما أقول، لقي الله به وهو كافرٌ، وله جاحد([996]).
(وقال أيضاً):
ـ من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله، أصبح تائهاً متحيِّراً ضالاًّ، وإن مات على هذه الحال مات ميتةَ كُفرٍ ونفاق([997])!.
(وقد سُئل يوماً):
ـ هل معرفة الإمام منكم واجبةٌ على جميع الخلق؟. فقال: إن الله عز وجل بعث محمداً إلى الناس أجميعن رسولاً لله وحجةً على جميع خلقه في أرضه. فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله، واتّبعه وصدّقه، فإن معرفة الإمام منا واجبةٌ عليه؛ ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يصدّقه، ويعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفةُ الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما؟. لا والله، ما ألهم المؤمنين حقَّنا إلا الله عز وجل …. (ثم قال في تأويل الآية الكريمة: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾: يعني النبي، والوصي، والقائم، ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ إذا قام ﴿وينهاهم عن المنكر﴾([998]) …. وقيل له):
ـ إنكم أهل بيت رحمة، اختصّكم الله تبارك وتعالى بها. فقال: كذلك، والحمد لله، لا نُدخل أحداً في ضلالة، ولا نخرجه من هدى. إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله رجلاً منا أهل البيت، يعمل بكتاب الله، لا يرى منكراً إلا أنكره([999]). (وقد حذر بعض أصحابه مرةً في حديثٍ طويل قائلاً):
ـ … ومن أبغضنا وردّنا أو ردَّ واحداً منا، فهو كافرٌ بالله وبآياته([1000]). (وقال لجماعةٍ من أصحابه ظنُّوا أنه القائم بالأمر):
ـ يزعمون أني المهدي، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما تدَّعون([1001]). (أي أنه قارب نهاية عمره الشريف، لأن القائم عليه السلام يظهر وهو أقرب إلى سن الشباب منه الآن … ثم سئل ثانية: هل هو القائم؟. فقال):
ـ كيف أكون أنا وقد بلغت خمساً وأربعين سنة؟. إن صاحب هذا الأمر أقرب عهداً باللبن مني، وأخف على ظهر الدابة([1002]) …
(ولجوابه مفهومان: أحدهما بسيط ربما كان قد فهمه سائله يومئذ، والثاني يفهمه أهل هذا العصر على صعيد موضوعيّ جديد ما كان ليتسنى لغيرهم من القدماء فهمه.
فالقائم يخرج و:انه أصغر سناً من جده الباقر كما رُوي متواتراً.
ولكنه ليس أخف على ظهر الدابة من حيث خفَّة الوزن وحجم الجسم، بل من حيث معنى لفظة: الدابة، حين نفسره تفسيراً يلائم عصر ظهوره، ويلائم تطور وسائل النقل فيه … فالدابة ـ اليوم ـ أقوى في النهوض وأسرع في السير وطيّ المسافات، ابتداءً من السيارة وذهاباً إلى الطائرة التي تحمل مئات الأطنان ولا تحس بوزن جسم الإنسان كوسيلة للركوب. وهي الدابة المقصودة التي يكون أخف على ظهرها.
ومن ضيق التفكير أن نقف عند حرفية الألفاظ، بل من الجمود الأكيد أن نبقى نفكر بمستوى من سمع هذه الألفاظ منذ ألف ومئات السنين مع سهولة وسائل التفسير ويُسر عناصر الشرح والتقريب في أيامنا هذه ….
وصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته جميعاً قد حدّثوا غيرنا، وحدثوهم عن زماننا، تماماً كما خاطب القرآن الناس كل الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، فمثل لفظة: الدابة، جاءت في القرآن الكريم لفظة: الأنعام، التي فهمها أهل الزمن القديم دوابَّ نأكل من لحمها وننتفع بركوبها: كالغنم والمعز والبقر والخيل والبغال والحمير وغيرها. ولكن القرآن الكريم ذكرها وذكر شيئاً يلفت النظر إلى ما يشبهها ويقوم مقامها في مجال الركوب والنقل، مما يُتيح لنا أن نفسِّر الآيتين الكريمتين التاليتين تفسيراً جديداً، حيث قال الله تعالى: ﴿والخيل ـ أي خلقها ـ والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾([1003]).
فما معنى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾؟. ومعنى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾؟. ثم ما معنى: ﴿ومنها جائر﴾؟ٌ وأخيراً ما معنى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. في سياق الخلق والكشف عمَّا يخلق؟.
لقد هداني الله تعالى إلى تفسير هاتين الآيتين تفسيراً موضوعياً لم يتسنّ لمن سبقني إيراد مثله لتعذُّر وسائل الشرح والإيضاح. فقد قال تبارك وتعالى: ﴿ويخلق﴾: أي يوجد بهدايته وقدرته ما لا تعلمون له اسماً ولا رسماً ولا شكلاً من وسائل الركوب، كالسيارات والطائرات بأنواعها، وكجميع وسائل النقل الحديثة التي يتوفّر بها قصدُ السبيل.
وقصد السبيل هنا، هو تقصير الطرق وتسهيلها وتقريبها، وذلك من قوله عز وجل:
﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾([1004]). يعني: لو كان سفر المنافقين معك قاصداً أي سهلاً قريباً لنهضوا معك، ولكن بعدت عليهم المسافة وتصوروا المشقة والتعب …
وهو أيضاً من قول أهل اللغة: قصد في الأمر: ضد أفرط، وقصد في سيره: مشى مستوياً … ولا يكون ذلك إلا بواسطة السرعة التي تقصِّر وتسهِّل وتمتاز بها وسائل النقل الحديثة أي ـ دوابُّ وأنعامُ ـ هذا العصر التي إذا مشت على الأرض تدب على أربع ككل دابة.
ولكن وسيلة الركوب هذه التي وعد الله تعالى بخلقها:
منها جائرٌ: أي هادر، صارخٌ، له جؤار ينبعث من المحركات الضخمة التي تنفث الحمم، وذلك من جأرَ: أي رفع صوته وضجّ، ومن الجاآر: الضخم، ومن الجؤار: رفع الصوت … ولولا الإشارة إلى ذلك لما كان لهذه العبارة من مكان حين أقحمها الله تعالى في الآية … ثم ذكر تعالى اسمه أن خلق ذلك متأخر عن زمن نزول الآية بدليل قوله تعالى:
﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ … فلم يهدهم. ولكنه هدى من جاء بعدهم بمشيئته … يدل على ذلك المعنى الكامن في لفظة: ويخلق، التي تدل على وقوع ذلك بعد نزول الآية، والتي فيها معنى الاستقبال لحدوث الأمر.
هذا وقد ظهر الارتباك والتشويش على كل مفسِّر عرض لهاتين الآيتين، حتى أن بعضه أهمل تفسير بعض ألفاظهما عن غير تقصير في الجهد، بل عن قصور في وسائل البيان والإيضاح … وبحسب ما ذكرنا يكون معنى قوله عز وجل باختصار:
ـ خلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة، ويخلق فيما يأتي مراكب تقصِّر لكم مسافات الطرق، ومما يكون لها هدير وجؤار وصوت مزعج، والحمد له وحده على هدايته.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
ـ إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعليّ والحسن، كان رابعهم القائم([1005]).
(وهذا هو الواقع المعتبر عندنا: فقد توالت أسماء محمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري عليهم السلام، والرابع هو القائم عجل الله تعالى فرجه … وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مثله بلفظ):
ـ إذا توالت أربعةُ أسماءٍ من الأئمة من وُلْدِي: محمدٌ، وعليٌ، والحسنُ، فرابعها هو القائم المنتظر([1006]).
(وقال):
ـ هو من وُلدي، وَلَدَه يزدجرد بن شهريار([1007]).
(وذلك من قِبَل علي بن الحسين عليه السلام الذي أمه شهربانوه بنت الملك كسرى يزدجرد، التي لما خُيِّرت بين خاطبيها لم تختر سوى الحسين عليه السلام([1008]) … وقال عنه):
ـ هو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول: حُمِلَ (أي حملته الملائكة ورفعته إلى السماء) ومنهم من يقول: مات، ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلِّف، ومنهم من يقول: وُلد قبل موت أبيه بسنين([1009]).
(والقول الأخير هو قولنا اليقين … وقال):
ـ إن الله أوحى إلى عمران أني واهبٌ لك ذكراً سويًّا مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعلُه رسولاً لبني إسرائيل، فحدّث عمران امرأته بذلك وهي أم مريم. فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلام. ﴿فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾([1010])، أي لا تكون البنت رسولاً. يقول الله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾([1011]). فلما وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشّر به عمران ووعده إياه. فإذا قلنا في الرجل منَّا شيئاً فكان في وُلده أو وُلدِ وُلدِه فلا تُنكروا ذلك([1012]).
(يعني أن الأنبياء والأوصياء قد يتكلمون عن بعض الأمور على وجه التلميح وعلى أساس المحوِ والإثبات إذا اقتضت المصالح، فيظهر خلاف ما يظنه الذين لا يعلمون المقصود البعيد الذي قد يكون مشروطاً أو مقيّداً. فمن ذلك ما قاله الصادق نفسه عليه السلام لبعض أصحابه):
ـ الخلفُ الصالحُ من وُلدي هو المهديّ([1013])!.
(ومن أين لنا أن نحلّ هذا اللغز. ونعرفه أنه عنى ولده السابع؟. كما أنه من أين لنا أن نعرف أن الله تعالى عنى بالذكر الذي يهبه لعمران سيكون ابن بنته مريم عليها السلام؟. ثم قال):
ـ من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات([1014])!. (وهو يقصد أن منكري وجود الإمام الحي الغائب هم منكرون لآبائه الماضين من الأئمة باعتبار أنهم ردُّوا عليهم قولهم ولم يصدّقوا وعدهم به … وقد فسَّر هذا الحديث قوله عليه السلام):
ـ من أقرَّ بجميع الأئمة ثم جحد المهدي كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. المهدي يغيب شخصه ولا يصح لكم تسميته([1015])!.
(ذاك أن الجحود بالمهدي هو فعلاً إنكار لواحد من الأئمة الذين هم اثنا عشر إماماً، وردٌّ لكلام جميع الأئمة فيه، فضلاً عن رد كلام جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم).
* * *
قال الإمام الكاظم عليه السلام:
ـ يخفى على الناس ولادتُه، ولا يحلُّ تسميتُه حتى يُظهره الله عز وجل([1016]).
* * *
قال الإمام الرضا عليه السلام:
ـ يبعث الله عز وجل لهذا الأمر رجلاً خفيَّ المولد والمنشأ، غير خفيٍّ في نسبه ونفسه([1017]).
(وقال):
ـ الرابعُ من وُلْدي، ابنُ سيدة الإماء، يطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدِّسها من كل ظلم. وهو الذي يشكُّ الناسُ في ولادته، وهو صاحبُ الغيبة قبل خروجه. فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربِّها، ووضع الميزان بالعدل بين الناس فلا يظلم أحدٌ أحداً. وهو الذي تُطوى له الأرض، ولا يكون له ظلّ([1018]) …
(وقد روي هذا عن الإمام الصادق عليه السلام وزاد: إن الأوصياء لتُطوى لهم الأرض ويعلمون ما عند أصحابهم([1019]) …..
وستُطْوى الأرضُ لصاحب هذا الأمر عليه السلام بتقصير المسافات كما يجري لنا حين نسافر بالسيارة أو الطائرة مثلاً، إذا لم يكن له خاصةً منحةٌ من القدرة الإلهية غير هذه. أما كيف لا يكون له ظلّ فذلك لأحد أمرين: إمّا لأنه تُظَلِّله غمامة كجدِّه النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما ورد في الأخبار ـ وإما لأن ظله يتلاشى حينما يطوي الأرض بالسرعة العجيبة، فإن أضخم طائرة نفَّاثة يتلاشى ظلها متى ارتفعت واندفعت في الأفق الواسع لشدة بعدها وارتفاعها، وكلاهما غير عجيبٍ ولا غريبٍ عليه … فتأمّل بالتسهيلات التي ذكروا أنها تتوافر للقائم عليه السلام والتي تحدّث عنها آباؤه منذئذٍ!. ثم فكّرْ في حديثهم عن أُمِّهِ التي كانت لم تولد بعدُ في روما من أرض أوروبا، وعن ولادته المستورة التي ستقع بعدهم بزمنٍ طويل … فكِّر ثم احكُم بميزانٍ مستقيمٍ، وبضميرٍ حيٍّ غير منحرف …. ونحن راضون بحكمك في الموضوع…
وقد قال لدعبل الخُزاعيّ الشاعر يوم قرأ عليه تائيَّته المشهورة:
ـ الإمام بعدي محمدٌ ابني، وبعده عليٌّ ابنُه، وبعد عليٍّ ابنُه الحسن، وبعد الحسن ابنه القائم، المنتظر في غيبته، المُطاعُ في ظهوره … وأما متى يقوم فإخبارٌ بالوقت. لا يُرى جسمه ولا يُسمّى باسمِه([1020]) …
* * *
قال الإمام الجواد عليه السلام:
ـ إن القائم منّا هو المهديُّ الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من وُلدي([1021]).
(فلا قائم من الأئمة عليه السلام يطلب الخلافة بالسيف سواه. وسيُطاع في ظهوره بقوَّة سيف الحق الذي تهزُّه يمينه المباركة المسددة من الله تعالى، فيبسط العدل بعد هذا الظُلم المُحيق بالإنسانية … وقال):
ـ إذا مات ابني عليُّ ـ أي الإمام الهادي ـ بدا سراجٌ بعده ثم خفي. فويلٌ للمرتاب. وطوبى للغريب الفارِّ بدينه([1022])!.
(يعني أن الويل للشاكّ بِبُدوِّ السراج الذي هو خليفتُه العسكريُّ عليه السلام وبخفاء سراج آخر إذا غيّبه القدر. فكأنه قال: بدا سراجٌ هو العسكري عليه السلام ثم خفي سراجٌ هو القائمُ المنتظر عليه السلام … وقد عرفه بوضوحٍ حيث قال):
ـ هو سَمِيُّ رسول الله وكَنِيُّه، وهو الذي تُطوى له الأرضُ، ويذلُّ كلُّ صعب([1023]) …. (وطيُّ الأرض وتذليل الصعب صارا ميسورين في عصرنا هذا بسبب وجود وسائل النقل السريعة الهائلة، أضف إليها اللاسلكيّ والهاتف والتلكس والأقمار الصناعية وغيرها … فانظر في هذا الحديث الشريف وهذا التصريح الواثق يصدر عن إمام لنا عاش قبل عصرنا الحاضر بألف ومئتي سنة، ثم فكّر فيه مليًّا ….
وقال له أحدُ أصحابه وكان متشرفاً بخدمته: إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد(ص) فقال):
ـ ما مِنَّا إلاَّ قائمٌ بأمر الله عز وجل، أو هادٍ إلى دينه. ولكن القائم هو الذي يخفى على الناس ولادتُه ولا يغيب شخصُه([1024]). (أي لا يغيب عن الحضور في كل مكانٍ وإن كان لا يُرى).
* * *
قال الإمام الهادي عليه السلام:
ـ الخَلَفُ من بعدي ابني الحسن. فكيف بكم الخلف بعد الخلف؟!. قيل: ولِمَ جُعِلْنا فِداك؟. قال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكرُ اسمه. فقيل له: كيف نذكره … قال: قولوا: الحجة من آل محمد([1025]).
قال الإمام العسكري عليه السلام:
ـ كأني بحكم وقد اختلفتم من بعدي بالخلف مني. أَلاَ إنّ المُقِرَّ بالأئمة بعد رسول الله (ص) المُنكِرَ لولدي، كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلِنا([1026]).
(وقد رُوي قريبٌ منه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم ما يشبهه عن الصادق عليه السلام أيضاً.
وقد قال العسكريّ عليه السلام لأحد السجناء معه في حبس المعتضد العباسيّ قبل ولادة المهدي بقليل):
ـ إني والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً([1027]) …. (قالها لا على سبيل التسلية وتقطيع الوقت مع قرينه في السجن، بل ليبلِّغ الحاضرُ الغائب، وليكون قولُه هذا إعلاناً يذيعه هذا السجين أمام أصحاب العسكري وأمام أعدائه على السواء…).
* * *
قال الحجّةُ المنتظر عليه السلام:
(جاء في كتاب لسفيره الأول رضوان الله عليه):
ـ … وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلاَّ كذّاب مفترٍ، ولا يدَّعيه غيرنا إلاَّ ضالٌّ غويّ. فليقتصروا منّا على هذه الجملة دون تفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريضِ دون التصريح إن شاء الله([1028]) …. (وقد قرُب التفسير … وسيكون التصريح لغةً واضحة على شفْرَتي سيفك الذي يحطَّم صُلب الظلم في الأرض يا سيدي!).
* * *
قال ابن عبّاس:
ـ لا تمضي الأيام والليالي حتى يليَ منَّا أهل البيت فتًى لم تلبسه الفتن ولم يلبسها. قيل: يا ابن العبَّاس، يعجز عنها مشيختُكم، وينالها شبابُكم؟!. قال: هو أمر الله يؤتيه من يشاء([1029]) …
(وقال):
ـ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أنا وعليُّ والحسنُ والحسين وتسعةٌ من وُلْدِ الحسين، مطهَّرون معصومون»([1030]).
* * *
قال كعبُ الأحبار:
ـ إني لأجد المهديَّ مكتوب في أسفار الأنبياء: ما حكمه ظُلم ولا عَنَت([1031]). (أي: فساد. وقال):
ـ المهديُّ مذكورٌ في التوراة والإنجيل. الأمم كلها مُجمعة على خروج مخلِّص للبشرية من الظلم والعسف، حتى أن من شك بذلك فقد كفر. وإنه هو بذاته وصفاته لمكتوب في جميع أسفار سائر الأنبياء. وما أشكل على الناس في ذلك فلا تشكل عليهم ولادته من رسول الله، ووراثته العلماء من الأئمة عليهم السلام عالماً بعد عالِم([1032]).
قال البخاريّ: (المعروف بخواجه بارسا):
ـ إن الأحاديث في صاحب الزمان، الغائب عن العيان، الموجودة في كل الأزمان، كثيرة متضافرة. وأصحابه قد خلصوا من الريب وسلِموا من العيب، وأخذوا بطريق الهداية، وسلكوا من طريق الحق إلى التحقيق. وبه خُتمت الخلافة والإمامة، وهو إمام منذ وفاة أبيه إلى يوم القيامة، يدعو الناس إلى مِلَّته، وهي مِلَّة النبي صلى الله عليه وسلم([1033]). (فهل أوضح وأصرح وأفصح من ذلك ؟!!).
* * *
قال الشيخ محيي الدين بن العربي:
ـ هو من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم من وُلْد فاطمة. جدُّه الحسينُ بنُ عليّ. ووالدُه الحسنُ العسكريّ([1034]).
فمن هوَ هذا المنتظَر؟
نعم، من هو المعنيُّ بهذه الأقوال؟.
وهل تخوننا الجرأة إذا أردنا أن ندل عليه، ونميِّزه من غيره؟.
لا، ولكننا نقول قبل ذلك: إن المسلمين لم يتعودوا الشك ولا الطعن في قول ثبت صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بنيه. ولم يدرجوا إلا على تصديق ما يقولون ويصح عنهم، لأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، ولأن الأئمة ينقلون عنه بأمانةٍ مثلُها أمانةُ جبرائيل عليه السلام في نقله عن ربه عز وعلا … وهؤلاء كلهم كانوا يُنذرون بالحوادث والأحداث، ويصفون علاماتها حتى لكأنَّ المتتبَّع لها يضع إصبعه عليها حين تحدث. أو كأن النبي والأئمة كانوا ـ حين يتكلمون عن ظهر الغيب ـ تنحسر أمامهم الحُجب فينظرون ويصفون كمن يرى الأحداث ويعيشها ويحيا مشاهدها سواءً بسواء … وما أكثر ما حكوا لنا في هذا الموضوع!. بل ما أكثر ما وعدونا به، فكان الأمر كما حكوا وكما وعدوا. ثم ما أكثر الوقائع الفردية والجماعية التي بسطوها للناس قبل أوانها، فكانت كما بسطوا ووقعت كما رووا …..
أفلا ترى أن من أطاع الله أربعين يوماً تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه، كما هو المرويّ؟!. فكيف بمن كانوا مسدَّدين مؤيَّدين، محدَّثين مفهَّمين، لا ينطقون إلا بما يصدرون فيه عن رسول الله عن جبرائيل عن الله؟!. وقد قال إمامنا الصادق.
ـ إنه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى، ومن أخذ غيرها سلك طريق الردى. وقد وصل اللهُ طاعةَ وليّ أمره بطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ورسوله([1035]) …
فمن هو القائم المنتظر إذا أردنا أن ندخل البيوت من أبوابها؟
مما لا شك فيه أنه هو ذلك المولود من صُلب إمامنا العسكري الذي يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في كبد الجو. يدل على تعيينه بالذات الحديث الثابت الدال على أن الأرض لا تخلو من إمام معصوم، وأن إمام زماننا المعصوم مولود وموجود بشهادة المؤالف والمخالف، وأن الأمة ـ إذاً ـ متفقة على وجوده، ومتفقة ـ ضمناً ـ على عدم وجود غيره، رغم إنكار الوضَّاعين ومزيفي التاريخ …. فجميع الفِرَق الإسلامية متفقة ـ ثمَّ ـ على أن مهديًّا يظهر في آخر الزمان، من وُلْد فاطمة، لم يخالف أحد إلا في تعيينه بذاته لا بصفاته.
فإن قال معترض: إن كل الأخبار صحيحة، ولكنه لماذا كانت دالَّة على ابن العسكري دون غيره ممن يولدون من نسل فاطمة؟ نُجِبْ بأن الصفات ـ مجموعةً ـ لا تنطبق إلا عليه، ولا تتوفر إلا فيه، للنصوص المتواترة التي ميَّزته عن سائر من خُلق ومن يُخلق في المستقبل من نسل عبد المطلب سلام الله عليه وبني فاطمة، فضلاً عن تضييق الحلقة وحصره بنسل واحد بالذات كما رأيت … وما زالت النصوص كلها تنطبق عليه فلماذا نصرفها عنه إلى غيره؟. ثم هل يحتمل أن تتوفر في غيره مجتمعة؟. كلا، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى اسمه، وذكر نسبه، نعته فلم يدع حيرةً في أمره تصرفنا إلى التفكير في غيره.
وليس أغرب من أن نجد الدلالات متوفرة، ونجد من دلت عليه حاضراً ناظراً، ثم نعدل إلى التفتيش عن واحدٍ يمكن أن تتوفر فيه بعض الصفات لنقول: هذا هو!. ثم نقع في الخلاف فنقول: وُلِد أم لم يولد؟. فالقائم أُخفيت ولادته عن بعض عامة الناس لا خاصتهم حتى قالوا: لم يولد بعد، ذلك لكي يخرج وليس في عنقه بيعة لحاكمٍ ضالّ كما سترى، وقد كان ذلك كذلك لحكمة سنكشف للقارئ منها بعض زوايا المستطاع بإذن الله ….
وقد كتب هو عن نفسه في جملة كتاب طويل إلى أحمد بن إسحاق:
ـ …. ثم بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين، وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن من آياته وعلاماته ما بيَّن … ثم قبضه حميداً نقيًّا سعيداً، وجعل الأمر من بعد إلى أخيه وابن عمه ووصيّه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إلى الأوصياء من وُلده واحداً واحداً، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم الأدنين من ذوي أرحامهم فرقاناً بيّناً يُعرف به الحجة من المحجوج والإمام من المأموم، بأن عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من العيوب، وطهَّرهم من الدنس، ونزَّههم من اللبس، وجعلهم خُزان علمه ومستودع حكمته وموضع سرِّه، وأيدهم بالدلائل. ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادَّعى أمر الله عز وجل كل واحد، ولما عُرف الحق من الباطل، ولا العالم من الجالهل. حفظ اللهُ الحقَّ على أهله وأقرَّه في مستقرِّه …. وإذا أُذن لنا في القول ظهر الحقُّ واضمحلَّ الباطلُ وانحسرَ عنكم. وإلى الله أرغبُ في الكفاية وجميلِ الصُّنع والولاية([1036]).
(وبهذا كفاية في الجواب، فقد عُرف كل حجة منهم من المحجوج من غيرهم، وكان مؤيداً بالدلائل … وهو ـ أعني القائم ـ منهم. وسيكون حجة قاصمةً لكل من يدّعي أمر الله!…
بهذا علَّل الجواب لكل ذي بصيرة …
وقد وُلِد فعلاً، وكانت سنُّه يوم وفاة أبيه خمس سنوات وأشهراً([1037])، فسلمه أبوه مواريث النبوّة والسلاح …. وكانت له هذه الغيبة التي محص الله بها المؤمنين، ثبتت بقول من شاهده وحادثه وعامله. وكان من غريب تصرّف عمه جعفر الكذّاب أن قسّم ميراثه وهو حيّ، مع علمه بوجوده، وذلك من أجل الدعوة إلى نفسه، تلك الدعوة المزورة التي باءت بالفشل الذريع والحمد لله كما سترى، لأنه كذاباً موارباً يسعى بقتله لدى السلطان بعد أن علم بولادته، ويسعى لنفسه بالإمامة لدى الناس والسلطان لما رأى كتمان مولده كأنه يريد اللعب على الحبلين …
فالقائم هو ابن العسكري عليه السلام وأمه العظيمة هي سيدة الإماء، أُمُّ ولدٍ ستعرف شيئاً هامًّا عن أصلها الشامخ وأرومتها الأصيلة الفذّة. وقد كانت ذرية أبيه منحصرة فيه، لم يخلَّف غيره فبالغ في ستره عن أعين الظالمين المتربصين به، خوفاً عليه من القتل الذي كانوا يضمرون له، وإن كانت مشيئة الله تحول دون ذلك كما سبق في علمه. ولكن والده حجبه كما هو مأمور، لأن الظالمين كانوا يومئذ غير مترددين في مولده كتردُّدنا البغيض الممقوت، بل كانوا على موعد مع ولادته، ينتظرونها ويعتقدون حدوثها، ويبذلون قصارى جهدهم للقبض عليه كما حصل وجرى، أي للقبض على مولود موجود ما شكُّوا في وجوده ـ كما شككنا ـ ولكنهم لم يصلوا إليه بتقدير من الله العزيز الحكيم لأنهم كانوا:
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾([1038]).
هذا هو الحجّة المنتظر، والقائم المنصور.
فهل تحددت هويّته في الذهن؟
هذا هو …. وألقابُه المعروفة من الأخبار القدسية: حجّةُ الله، والمهديُّ، وخاتمُ الأئمة، ومنقذُ الأمة، والمنتظر، والباعث، والوارث، والخلف الصالح، والقائم بالحق، والمظهر للدين، والباسط للعدل، وبقية الله في الأرض، وصاحب الزمان، وصاحب السيف، والمنتظر لدولة الإيمان([1039]).
ولا، ولن يشاركه في هذه الألقاب أحد، وهو مصداقها مفردةً ومجتمعة ليس إلاَّ.
وكُناه: أبو القاسم، وأبو عبد الله، وأبو جعفر، وذو الاسمين، وخلفُ محمد … معه راية الحق، من تبعها لحق ـ كما قال آباؤه ـ ومن تخلَّف عنها غرق([1040]) …. وهو ثاني عشر الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وعدنا به النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ونعته ووصفه فلا مجال لإنكاره إلا إذا أنكرنا الوحي برُمَّته. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه:
ـ سيُميت الله به كل بدعة، ويمحو كل ضلالة، ويُحيي كل سُنَّة([1041]).
وهو أيضاً: المنصور، والصاحب، والحجَّة، والخالص، وصاحب الدار، وصاحب الأمر، والمأمول، والتالي، والنائب، والبرهان، والباسط، والثائر، والمنتقم، والمؤيَّد، والسيد ، والجابرُ، والخازن …
قد أطلق عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده اسم: أمير الأمرة، وقاتل الفجرة، وأنه سيد في الدنيا والآخرة([1042]).
وقد سُئِل الصادق عليه السلام نسلِّم على القائم بإمرة المؤمنين؟. فقال: لا، ذاك اسمٌ سمَّاه الله أمير المؤمنين (عليًّا) لا يسمّى به أحد قبله ولا بعده إلا كافر!. قيل: كيف نسلم عليه؟. قال: السلام عليك يا بقية الله([1043])، ثم قرأ: ﴿بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾([1044]).
…. هذا هو بقيّة الله … فهل يحتاج إنسان إلى أكثر من هذه الإيضاحات ليعرفه؟!. لا، وكلاَّ.
2 ـ هكذا وَصَفُوهُ ….
….. فهَل كان ماثِلاً أمَامَهُم؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ المهديّ منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف([1045]). (ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم): عربيّ، والجسم جسمٌ إسرائيليّ([1046]). (أي أنه حنطي اللون مستقيم القامة أقرب إلى الطول منه إلى القصر …. وقال):
ـ وجهه كالدينار، أسنانه كالمنشار، وسيفُه كحريق النار([1047]). (فوجهه مستدير، وأسنانه مفلَّجة. وهو مهيب هيبة تأخذ بمجامع القلب لِمَا خلع الله تعالى عليه من سره السماوي، وقال جدُّه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في وصفه):
ـ المهديُّ طاووسُ أهل الجنة، عليه جلابيبُ النُّور([1048])!. (وقال صلى الله عليه وآله وسلم ينعت مظهره يوم خروجه المؤيَّد):
ـ كأنه رجل من شنوءة، عليه عباءتان قطوانيتان([1049]) …. (وشنوءة منطقة باليمن تُنسب إليها قبائل الأزد. وقطوان مكان بالكوفة ومكان بسمرقند. فالعباءتان كأنهما من صنع إحدى هاتين البلدتين … وقال صلى الله عليه وآله وسلم في وصف علاماته المميزة):
ـ …. أكحل العينين، كثّ اللحية، على خده الأيمن خال([1050]).
* * *
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
ـ المهديّ أقبل أجعد، هو صاحب الوجه الأقمر، والجبين الأزهر، صاحب الشامة والعلامة. العالم الغيور المعلم والمخبر بالآثار([1051]) …. (والأقبل هو أسود العينين الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه خشوعاً. والشامة هي الخال الذي على خده الأيمن، والعلامة الخاتم الذي بين كتفيه كخاتم النبوَّة. وقد رُوي أول هذا الحديث عن الصادق عليه السلام …. ثم قال أبو الحسن عليه السلام):
ـ ضخمُ البطن وكلُّها متقاربة، برَّاق الثنايا، عريض ما بين المنكبين([1052]).
(وقيل: أَزْيل الفخذين: أي بعيدٌ ما بينهما) في كتفه علائم نبوّة محمد.
(وقال):
ـ حَسَنُ الوجه، حسنُ الشّعر، يسيلُ شعرُه على منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته([1053]).
(وجاء عنه في بعض صفاته التي تُلفت النظر إلى تفرُّده بها لأنها معجزة تثبت كونه المهديّ):
ـ يومئ للطير فيسقط على يده، ويغرس قضيباً في الأرض فيخضرّ ويورق([1054]) …. وقال:
ـ سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، ويملك بينهم من هو غريب، وهو المهديّ، احمر الوجه، بشعره صهوبة (أي شُقرة في سواد) يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة، يُعْتَزَل في صغره عن أمه وأبيه([1055]) …..
(وقال عليه السلام أيضاً):
ـ يخرج رجلٌ من وُلْدي في آخر الزمان، أبيضُ مُشْرَبٌ حُمرة. مبدحُ البطن (واسعُها) عريضُ الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامةٌ على لون جِلْده، وشامةٌ على شِبْه شامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم([1056]).
قال الإمام الحسين عليه السلام:
ـ تعرفون المهديّ بالسّكينة والوقار، وبمعرفة الحلال والحرام، وبحاجة الناس إليه، ولا يحتاج إلى أحد([1057])!. (وقد رُوي بلفظه عن أمير المؤمنين عليه السلام مبدوءاً بقوله يعرف وليَّه بالتوسُّم … ولا نعرف متى كان وقت الحسين عليه السلام يتَّسع للحديث وبثّ الأخبار الشريفة في شيعته. لولا كونه مسؤولاً لا بد أن يقول كلمة الحق لمواليه؟!.
أما هذا النوع من المعرفة بالتوسُّم فمنحةٌ ربانية لجميع الأئمة عليهم السلام سترى التعليق عليها في غير هذا المكان، حيث أوضحنا ذلك وبيَّنَّا الوسائل التي وضعها الله تعالى بين أيديهم لتسهيل هذه الظاهرة وغيرها، وذكرنا أوصاف الإمام المعصوم عن طرقهم الصحيحة.
ولكننا نورد هنا ردّ أمير المؤمنين عليه السلام على ابن قدامةَ حين قال: لولا أنك أتممت الكلام لقُلنا: لا إله إلا أنت!. فقال):
ـ لا تعجب تهلكْ بما تسمع … نحن مربوبون لا أرباب، نكحنا النساء، وحمتنا الأرحام، وحملتنا الأصلاب. وعِلمُنا ما كان وما يكون وما في السماوات والأرضين بعلم ربّنا … فنحن بذلك اختصاصاً مخصوصون … نحن وابناي شُبَّراً وشبيراً وأمُّهما الزهراء، والأئمة فيها واحداً واحداً إلى القائم، من عينٍ شربنا وإليها وردنا … اسألوني واسألوا الأئمة من بعدي، فلم يخلُ منهم عصرٌ من الأعصار حتى قيام القائم …. فاشهدوا شهادةً أسألكم عند الحاجة: عليّ بن أبي طالب نورٌ مخلوق، وعبدٌ مرزوق، من قال غير هذا لعنه الله([1058])!.
(وقال عليه السلام بهذا المعنى):
ـ قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مربوبين([1059]). (ذاك أنه يعرف غُلُوَّ المغالين فيه الذين ابتُلوا بشيءٍ منه لا تتحمَّلُه عقولهم فقال):
ـ تغلو طائفةٌ من شيعتي حتى يتَّخذوني ربًّا!. وإني بريءٌ مما يقولون([1060]) …. (براءة الله ورسوله من المشركين … وفي هذا كفايةٌ لمن كان وراء الحقيقة والواقع، واقع أئمة الهدى، وأعلام التُّقى، وحُججِ الله على من في الدُّنيا ..).
* * *
قال الإمام الباقر عليه السلام:
ـ وجهه كوكبٌ درّي مشربٌ بحمرة([1061]).
(وقال):
ـ بالقائم علامات: داءُ الحزاز برأسه (القشرة) وشامةٌ تحت كتفه الأيسر. تحت كتفيه ورقة مثل الآس([1062]).
(وقال):
ـ في شعره قَطَط (أي: قِصَرُ وتجعُّد) أفرقُ الثنايا، أبلُجها، واضحُ الجبين([1063]). (ورُوي قريب منه عن الصادق عليه السلام …. وقال):
ـ مُشرفُ الحاجبين، غائر العينين من سهر الليالي، بوجهه أثر([1064]) …. (وهو الخالُ الذي على خدِّه الشريف).
* * *
قال الإمام الصادق عليه السلام:
ـ إنه من أعظم البليَّة أن يخرج إليهم صاحبُهم شابًّا، وهم يحسبونه شيخاً كبيراً([1065])!. (فخروجه في سن الشباب امتحانٌ لعقيدة الناس وابتلاءٌ لهم من حيث الثبات عليه … وقال):
ـ إن في صاحب الزمان شبهاً من يونس: رجوعه في غيبته بشرخ الشباب([1066]).
(وقال):
ـ حَسَنُ الوجه، آدمُ، أسمر، مُشرب بحمرة([1067]). (ووصفه باختصار في قوله):
ـ أزجّ، أبلج، أدعج، أعين، أشمُّ الأنف، أقنى أجلى([1068]).
(وقال):
ـ المهديُّ خاشعٌ لله كخشوعِ الزجاجة([1069]) …. (وقال عن شجاعته):
ـ إن القائم إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظرِ الشباب، قويًّا في بدنه، لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بالجبال تدكدكت صخورها، لا يضع يده على عبدٍ إلا صار قلبُه كزبُر الحديد([1070]).
(وذلك من شدة ما يبعث في قلب العبد من الإيمان به وبعقيدته ورسوخ إيمانه بالله، مضافاً إلى ما يقوّيه به من الدعاء له بالتسديد والتأييد …. وقال):
ـ ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق (اللاصق) بل مربوع القامة، مدوَّر الهامة، واسع الصدر، صلت الجبين (بارزه) مقرون الحاجبين، على خده الأيمن خال كأنه فُتات المسك على رضراضة العنبر([1071])!.
(وقال):
ـ إن أبي ـ أي الباقر عليه اسلام ـ لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت تسحب على الأرض. وإني لبستها فكانت وكانت (أي كانت تختلف قليلاً في القصر أو الطول) وإنها تكون من القائم مشمَّرةً كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنه يرفع نطاقها بحلقتين([1072]).
* * *
قال الإمام الرضا عليه السلام:
ـ هو شبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه السلام عليه جلابيب النور تتوقَّد بشعاع القدس. موصوفٌ باعتدال الخلق ونضارة اللون. يشبه رسول الله في الخُلُق([1073]). (وقد كان الإمام الرضا عليه السلام يفيض حسناً وجمالاً وهيبة، حتى أنه كان يخرج مجلَّلاً لئلا يفتتن الناس بحسنه وهيبته … وقال):
ـ علامته أني يكون شيخ السنّ، شابَّ المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبُه ابن أربعين سنة أو دونها. وإن من علامته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي عليه حتى يأتي أجلُه([1074]). (وروي عن الصادق عليه السلام قريب منه … وأتمَّ الرضا وصفه بقوله):
ـ المهديّ خاشع لله كخشوع النسر لجناحه([1075]).
(وقال):
ـ يكون أولى بالناس من أنفسهم، وأشفق عليهم، من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعاً لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه([1076]) ….
(ثم قال):
ـ دلالتُه في خُصلتين: في العلم واستجابة الدعوة. وكل ما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها، فذلك بعهدٍ معهود إليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توارثه عن آبائه عنه عليه السلام([1077]).
* * *
قال كعبُ الأحبار:
ـ إن القائم المهديّ من نسل عليّ، اشبه الناس بعيسى ابن مريم خَلْقاً وخُلْقاً وسيماء وهيبة. يعطيه الله عز وجل ما أعطى الأنبياء ويزيده ويفضّله([1078]).
(وقال محيي الدين بن العربي):
ـ يشبه رسول الله في الخلق، وينزل عنه في الخُلُق، إذ لا يكون أحدٌ مثل رسول الله في أخلاقه([1079]).
* * *
(وهكذا فإن الحجّة، عجّل الله تعالى فرجه، معيَّن بذاته وصفاته، لا يمكن أن يشك فيه أحد حين ظهوره. إذ لا بد أن تجتمع فيه الخلال التي نعته بها آباؤه وواصفوه ممن رأوه خَلَّةً خَلَّة بلا استثناء. ولذلك قال ابن حجر في مجال حديثه عن المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان:
ـ إن المهدي المنتظر واحدٌ لا تعدُّد فيه([1080]). (وقال ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة أيضاً):
ـ لو لم يكن في الآتِينَ ـ أي في نسل عليٍّ وفاطة عليهما السلام ـ إلا الإمام المهديّ لكفَى([1081])!.
ويدل عليه إلى جانب الصفات، كلُّ ما يسبق عهد ظهوره وكلُّ ما يرافقه من علامات مميَّزة ستراها مفصلة تفصيلاً لم يسبق له مثيل، لم يألُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الأئمة عليهم السلام جهداً عن التلميح إليها مرة، والتصريح بها ثانية، كيلا يلتبس الأمر على أحد، وبحيث لا يمكن أن يتفق لواحد أن يجمع كافة الصفات الجسدية والخُلقية غيره، إلى جانب البيعة وعدد الأنصار، ومكان الخروج، ويوم الظهور وغير ذلك مما يختص به دون سواه.
والصفة الواحدة مما ذكرنا، أو بعض الصفات، إذا كانت في واحدة من الناس لا تكفي لأن تكوّن حيثياتٍ للحكم بكونه المهديّ، مضافاً الى اسمه واسم أبيه وأمه، وتعيين أسرته، وظروف ولادته، والصورة الخاصة التي تكون عليها حياته المديدة … على أن النداء باسمه ـ بغير الواسطة الأرضية كالإذاعات ووسائل الإعلام ـ يفوق كل دليل عليه … ونحن نختصر جميع الإشكالات بما قاله الصادقان عليهما السلام في حديث مفصِّل مقنع ستقع عليه عين القارئ في مورده:
ـ … إنَّ أمرنا أبْيَنُ من هذه الشمس([1082])!
فهو يدل على نفسه بنفسه … لم تؤثر عوامل تعاقب الزمان في بُنيته الشريفة، فيخرج على الناس كما قال جده وآباؤه صلوات الله عليهم:
عليه جلابيب النور تتوقد بشعاع القدس.
فيكون رحمة للمؤمنين، وعذاباً على الكافرين.
ينجي الله به من الضلالة، ويُبرئ من العمى، ويشفي من المرض، ويكون منصوراً بالرعب، مؤيِّداً بالنصر.
قد فتح الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم يختم به ….
…. بيده عصا موسى التي تصنع العجائب وتفلق البحر، وخاتم سليمان، وتابوت السكينة الذي يفعل ما لا تفعله القنابل الهيدروجينية، وبيده جملة مواريث الأنبياء!!!
…. وهو ـ بعدُ ـ أكثر الناس علْماً وحلماً([1083]) …
لأن الأئمةُ أحلمُ الناس صِغاراً، وأعلمهم كباراً لا تُعلّموهم فإنّهم أعلمُ منكم([1084]).
والله القادر على أن يجمع في الصبيّ كل شروط الرسالة من وعي واستيعاب وتبليغ فصيح كما فعل بيحيى وعيسى عليهما السلام وهما في المهد، قادرٌ على أن يجعل للقائم بالعدل أكثر مما ذكرناه يا أولي الألباب!.
هذا وقد عرَّف الإمام الرضا عليه السلام إمام الناس بحديثٍ طويلٍ مرَّ شيءٌ منه، وهذا شيءٌ:
ـ …. يكون أعلمَ الناس، وأحكمَ الناس، وأتقَى الناس، وأحلمَ الناس، وأسخَى الناس، وأعبَدَ الناس … ويَرَى مَنْ خلْفَه كما يَرَى مَن بين يدَيه، ولا يكون له ظِلّ … وتنامُ عيناه ولا ينام قلبُه، ويكون محدَّثاً … وتكون رائحته أطيبَ من رائحة المسك …. ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنَّه لو دعا على صخرة لانشقَّتْ بِنِصْفَين. إلخ([1085]) …
- () لقد أرخ الشيخ إبراهيم يحيى مقتل الشيخ ناصيف النصار بهذه الأبيات:قتل ابن نصار فيا لله منمولى شهيد بالدماء مضرج
هي دولة عمّ البلاد الظلم فيها
من فاجر أو غادر أو أهوج
وتداولتنا بعده أيدي العدى
تاريخها الله خير مفرج
↑ - () ذكر الحادثة المؤرخ الفرنسي (لكروا) في تاريخه من الصفحة 174. ↑
- () ضبطت الدولة بعد معركة يارون الأملاك وكانت كثيرة منها جفتلك رأس العين وقسم كبير من بساتين صيدا وأبنية كثيرة ومطاحن وبساتين من الزيتون لا تحصى. ↑
- () حيدر شهاب وطنوس الشدياق. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () ن.م. ↑
- () الزين. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () لعله يقصد قلعة مارون التي كانت مركز آل علي الصغير وهي قرب سلعا. ↑
- () هو والد ناصيف النصار. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () الشيخ سليمان ظاهر. ↑
- () جورج ليني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () الفقيه. ↑
- () العرفان. ↑
- () المخطوط المتقدم ذكره. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () لاكروا. ↑
- () العرفان. ↑
- () مخطوط الظاهر المتقدم ذكره. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ميخائيل الصباغ. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () يوسف الدبس. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () مر بعض الحديث عنها في بحث (كفر رمان). ↑
- () محمد جابر. ↑
- () المقتطف. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () عيسى المعلوف. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () فولتي. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () تاريخ ظاهر العمر. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () أخبار الأعيان. ↑
- () ن.م. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () العقد المنضد ويروى أن ناصيفاً بكى في هذه اللحظة لأن مروءته منعته من الاقتصاص من النساء والأطفال، وبالتالي حالت بينه وبين الثأر لأخيه. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () مخطوطة الظاهر. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () مخطوطة الظاهر. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () العرفان. ↑
- () ن.م. ↑
- () العقد المنضد. ↑
- () الفقيه ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () ن.م. ↑
- () ميخائيل مشاقة. ↑
- () العرفان. ↑
- () دواني القطوف. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () العرفان. ↑
- () لبنان في عهد الأمراء. ↑
- () العرفان. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ولبنان في عهد الأمراء ومشهد العيان. ↑
- () العرفان. ↑
- () جرجي بني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () خطط جبل عامل. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () جرجي بني. ↑
- () محمد جابر. ↑
- () ن.م. ↑
- () ن.م. ↑
- () المقتطف. ↑
- () تاريخ ظاهر العمر. ↑
- () بني. ↑
- () المقتطف. ↑
- () إدوار ربنسون. ↑
- () عارف الزين. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () فرنسوا فولني. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () المقتطف. ↑
- () تاريخ الجزار. ↑
- () سوريا ولبنان وفلسطين. ↑
- () يوميات في لبنان. ↑
- () مشهد العيان. ↑
- () خطط جبل عامل. ↑
- () عصر حمد المحمود. ↑
- () ن.م. ↑
- () المشهور أن نوبخت بضم النون والظاهر أن هذا معرّب وبخت بفتح النون وهو لفظ فارسي مركب معناه جديد البخت والطالع وقال السمعاني: النوبختي بضم النون أو فتحها وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفي آخرها التاء المنقوطة من فوقها باثنتين، هذه النسبة إلى نوبخت وهو اسم لبعض أجداد أبي محمد الحسن بن الحسن بن علي بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (13/ 189 ـ 190) وانظر أيضاً: ابن الأثير، الجزري، اللباب في تهذيب الأنساب 3/ 328؛ ابن طاوس، فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، النجف، 311 ـ 312. ↑
- () المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب، باريس، 1874م، 8/290؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، دار الكتاب العربي، 1/ 67؛ أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية، حققه إدوارد زاخائو، 1923م، ص 270؛ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت دار سويدان 7/ 632، 648. ↑
- () من مدائحهم بعلم النجوم ما مدحهم به ابن الرومي وأفرط على عادة الشعراء فقال:أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن شاهدوا السماء علواً
يترقى في المكرمات الصعاب
ساوروها بكل علياء حتى
بلغوها مفتوحة الأبواب
راجع عن هذه الأبيات: فرج الهموم في تاريخ علماء النجوم، لابن طاوس: النجف، 1368. ↑
- () المفيد، أوائل المقالات، 1 ـ 2. ↑
- () أنوار الملكوت، ص 2. ↑
- () رياض العلماء، 6/38. ↑
- () نفس المصدر وانظر قول السيد محسن الأمين في اعيان الشيعة، 2/ 374. ↑
- () الشيعة وفنون الإسلام، 69؛ تأسيس الشيعة، 346 ـ 365. ↑
- () الكنى والألقاب، 1/ 94 ـ 95. ↑
- () خاندان نوبختي، 167. ↑
- () أنوار الملكوت، «و» مقدمة. ↑
- () 2/ 184، 186. ↑
- () ص 226 ـ 227؛ خاندان نوبختي، 170. ↑
- () رياض العلماء، 6/ 38. ↑
- () تأسيس الشيعة، 365 ـ؟ 365. ↑
- () البخلاء، ص 105. ↑
- () يرتعي: يأكل. ↑
- () الحمض: ما كان فيه ملوحة. ↑
- () الخلة: خلاف الحمض. ↑
- () الوشي: الثوب المرقوم. ↑
- () خاندان نوبختي، 168 ـ 170. ↑
- () فؤاد سزجين، تاريخ التراث العربي، / (3) 295 ـ 296؛ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، 3/ 328 ـ 329. ↑
- () الذخيرة، 114، قال السيد المرتضى: «قالوا: إن الحي الفعال هو الذات من الذوات، ليست بجوهر متحيز ولا حال ولا عرض في هذه الجملة وإن كان يفعل فيها ويدبرها ويصرفها وهذا المذهب محكي عن معمر واليه كان يذهب ابنا نوبخت». ↑
- () هذا البحث بقلم إيرج أفشار. ↑
- () صلاهيج: جمع صَلْهَج وهي الصخرة العظيمة. ↑
- () إلى هنا ـ مما ذكره البلادي ـ هو نص عبارة ياقوت المنقولة في أعلاه، ولا أدري لماذا لم يشر البلادي إلى ذلك؟ ↑
- () يقال: (جبل واعر) لصلابة وحزونة مرتقاه، ولعل التسمية أخذت من هذا. ↑
- () الوسائل: الباب الأول من المواقيت. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: مجموعة (الحج) إعداد الشيخ علي أصغر مرواريد ط 1. سنة 1406هـ. ↑
- () لم أذكر أرقام الصفحات من هذه الكتب المنقول منها لأن موضوع المنقولات معلوم وهو (المواقيت). ↑
- () الشعر والشعراء 390 ط بريل ـ ليدن 1902م. ↑
- () كانت اليمن تسمى عند قدماء الحميريين الخضراء، لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها واخضرار جبالها وحقولها وانتشار مروجها وإدرار خيراتها. قال شاعرهم الحميري:هي الخضراء فانظر في رباهايخبرك اليقين المخبرونا
ويمطرها المهيمن في زمان
به كل البرية يظمؤونا
وفي أجبالها عز عزيز
يظل لها الورى متقاصرينا
وأشجار منورة وزرع
وفاكهة تروق الناظرينا
وقدماء اليونان والرومان يطلقون عليها اسم «البلاد السعيدة». ↑
- () عدن: ميناء هام يطل على المحيط الهندي وتوجد فيها سدود وآثار قديمة في الطويلة وفي جبل شمسان وجبل حديد وفي حُقات، وتتكون عدن من عدد من المدن المتصل بعضها ببعض وهي: كريتر عدن، المعلا، التواهي، مدينة الشعب، البُريقة، خور مكسر، والشيخ عثمان. ↑
- () الجوف: اسم وادٍ وبلاد واسعة تقع في شرقي اليمن إلى الشمال من مدينة مأرب ومركزها يسمى «الحزم». وبها توجد الكثير من الآثار التاريخية لحضارة دولة معين. ↑
- () كوكبان: تقع إلى الشمال الغربي من مدينة صنعاء ويحدها شمالاً ثلاء، وجنوباً الحيمة الداخلية، وشرقاً همدان، وغرباً الطويلة، ومن أشهر مدنها كوكبان وشبام. ↑
- () زبيد: مدينة يمينة ذات تاريخ سياسي وعلمي عريق، تقع في سهل تهامة إلى الجنوب من ميناء الحديدة. ↑
- () بيت الفقيه: تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة الحديدة ـ وتشتهر بصناعة الأقمشة اليدوية، وهي مشهورة منذ القدم بصناعة السجاد واللحافات وصناعة الصيغ الفضية والذهبية … ونسبة بيت الفقيه إلى الفقيه أحمد بن العجيل الذي عاش في القرن السابع الهجري. ↑
- () شبوة: مدينة من مدن حضرموت، كانت قديماً عاصمة لدولة حضرموت، وتقع إلى الجنوب الغربي من مدينة شبام حضرموت. ↑
- () البيضاء: مدينة تقع في الجنوب الشرقي من (محافظة) البيضاء على مقربة من مُكيرس من بلد العواذل. ↑
- () نظم فوزليه ـ موسيقى برنيه. ↑
- () شهارة: تقع في الشمال الشرقي من محافظة حجة ومركزها مدينة شهارة التي تقبع في مرتفع حصين يبلغ ارتفاعه 2510 متر تقريباً. ـ ومن جبال شهارة جبلان معروفان من جبال الأهنوم يقال لأحدهما شهارة الفيش، والآخر شهارة الأمير (نزهة النظر، ص: 52) وقد ذكرت شهارة في معجم البلدان، م 3، ص: 374. ↑
- () همدان: يطلق هذا الاسم حالياً على المنطقة المجاورة لصنعاء يحدها شمالاً عيال سريح، وجنوباً بلاد البستان (بني مطر)، وشرقاً بني الحارث وأرحب وغرباً قضاء كوكبان. ↑
- () إن نقطة الخلاف عندهم هي: هل هم من حاشد أم من بكيل ولا يعرف عندهم خلاف في كونهم من الأزد. ↑
- () القاضي نشوان هو أبو الحسن بن سعيد الحميري له مؤلفات مشهورة منها شمس العلوم في اللغة العربية وهو دائرة معارف مرتبة حسب الحروف الأبجدية وقد اختصره ابنه علي بن نشوان في كتاب سماه «ضياء الحلوم» وللقاضي أيضاً رسالة أدبية طريفة اسمها «الحور العين» وقصيدة في ملوك حمير مطلعها:الأمر جد وهو غير مزاحفاختر لنفسك صالحا يا صاح
وشرحها. وتوفي سنة 573هـ. ↑
- () البيت بتمامه في سيرة ابن هشام هكذا:النسب المعروف غير المنكرفي الحجر المنقوش تحت المنبر
↑ - () المرباع ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية، والرباعة الرياسة وحسن الحال. ↑
- () [818م]. ↑
- () [819م]. ↑
- () [856م]. ↑
- () [901م]. ↑
- () [1000م]. ↑
- () عثر بفتح العين المهملة وسكون المثلثة وبفتحها مشددة مخلاف مشهور في أقصى تهامة الشمالية كان به معدن ذهب. ↑
- () [1011م]. ↑
- () بنو يعفر من ذرية ذي حوال الحميري وقد اتخذوا عاصمة لملكهم مدينة شبام في أسفل جبل ذخار التي يطل عليها قصر كوكبان وقد ضرب يعفر بن عبد الرحيم على هذه المدينة سوراً عندما حاربه عمال بني العباس أيام المعتصم والواثق والمتوكل الذين كان منهم منصور بن عبد الرحيم التنوخي وهرثمة بن الشير وجعفر بن دينار الخياط وقد هزمهم جميعاً وردهم على أعقابهم كما ذكر ذلك الهمداني في «صفة الجزيرة» وفي الجزء العاشر من «الإكليل». ↑
- () [839م]. ↑
- () [861م]. ↑
- () [878م]. ↑
- () تقع زبيد في سهل تهامة إلى الجنوب من الحديدة. ↑
- () [1060م]. ↑
- () [1088م]. ↑
- () [1104م]. ↑
- () [1109م]. ↑
- () [1160م]. ↑
- () [1163م]. ↑
- () اختلف المؤرخون في تاريخ ظهور علي بن محمد الصليحي كما اختلفوا في تاريخ قتله وقد ذكرنا الراجح من الأقوال. ↑
- () [1047م]. ↑
- () [1052م]. ↑
- () [1056م]. ↑
- () [1065م]. ↑
- () [1091م]. ↑
- () [1098م]. ↑
- () [1137م]. ↑
- () [1074م]. ↑
- () [1092م]. ↑
- () [1100م]. ↑
- () [1155م]. ↑
- () [1164م]. ↑
- () [1098م]. ↑
- () [1038م]. ↑
- () [1155م]. ↑
- () [1172م]. ↑
- () [1173م]. ↑
- () [1164م]. ↑
- () صبيا: من المدن الرئيسية في ساحل المخلاف السليماني وتقع إلى الشمال من جيزان بمسافة 40 كيلومتراً. ↑
- () [1180م]. ↑
- () [1183م]. ↑
- () تعز: اسم مدينة يمنية تقع شمالي جبل صبر، واسم محافظة خصبة تضم مجموعة من النواحي والقضوات هي المخا، وموزع، والوازعية، وقضاء الحجرية الذي يضم ناحية جبل حبشي، وتربة المواسط، وتربة الشمائنين، والمقاطرة، والصلو، والقبيطة، ودمنة خدير، وقضاء ماوية، والتعزية وتضم ناحية السلام، وشرعب، ومقبنة، إضافة إلى تعز قاعدة المحافظة وصبر الجبل المشهور. ↑
- () [1193م]. ↑
- () [1201م]. ↑
- () [1215م]. ↑
- () [1222م]. ↑
- () [1226م]. ↑
- () [1237م]. ↑
- () [1228م]. ↑
- () [1235م]. ↑
- () [1249م]. ↑
- () [1294م]. ↑
- () [1295م]. ↑
- () [1296م]. ↑
- () [1321م]. ↑
- () [1341م]. ↑
- () [1350م]. ↑
- () [1351م]. ↑
- () [1362م]. ↑
- () [1376م]. ↑
- () [1400م]. ↑
- () [1425م]. ↑
- () [1426م]. ↑
- () [1438م]. ↑
- () [1441م]. ↑
- () [1454م]. ↑
- () [1465م]. ↑
- () [1478م]. ↑
- () [1488م]. ↑
- () [1501م]. ↑
- () [1515م]. ↑
- () [1517م]. ↑
- () [1515م]. ↑
- () هو آخر ملوك الجراكسة بمصر وهم المماليك البحرية وسموا بهذا الاسم لأنهم كانوا يسكنون جزيرة الروضة بالنيل وكان أولهم السلطان برقوق وقد حكموا مصر مائة وعشرين سنة وكان يحكمها قبلهم المماليك التركية اللذين خلفوا الدولة الأيوبية. وسبقت الإشارة إليهم في الفصل التاسع. ↑
- () كتاب: اليمن، الإنسان والحضارة ص 249 ـ 250. ↑
- () الغري: من أسماء النجف حيث مدفن علي عليه السلام. ↑
- () عمرو بن ود العامري. ↑
- () عمرو بن معدي كرب. ↑
- () المشرفيّ: السيف المنسوب إلى «مشارف» قرية باليمن. ↑
- () «ما تلا فينا»: ما قرأ من أخبار المجد والرفعة في تاريخنا و«لافينا» في ما أنت «لافينا». ↑
- () من لَفِيَ يلفَى: لغة صنعانية بمعنى أدرك؛ أي لن تدركنا.تلافي الأمر: تداركه، والتلافي: الإدراك وقد تلاعب في البيتين بالألفاظ. ↑
- () بتصرُّف كبير، عن: مقدمة السيد كاظم الحائري على كتابه (مباحث الأصول) ص 33 ـ 41، وحديث المعالم نشرته مجلة (صوت الأمّة) / العدد 13 ـ السنة الثانية / رجب/ 1401هـ. أما الطالب المتحدّث فهو الأستاذ محمد علي الخليلي، صاحب كتاب (هكذا عرفتهم). ↑
- () من كلام السيد محمَّد باقر الصدر/ النعماني: 43. ↑
- () هو صاحب كتاب «صلح الحسن» ومؤلَّفات أُخرى. ↑
- () الحائري/ مصدر سابق: 28، محمد رضا النعماني/ الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار: 38. ↑
- () راجع سيرهم في مقدمة مباحث الأصول (مصدر سابق): 16 ـ 32، والنعماني/ مصدر سابق: 27 ـ 40. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 44. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 41 ـ 42. ↑
- () كاظم الحائري/ مصدر سابق: 30، محمد الحسيني/ الإمام الصدر سيرة ذاتية: 57 ـ 58 ـ بحث في كتاب (محمد باقر الصدر دراسات في حياته وفكره) لنخبة من الباحثين ـ دار الإسلام ـ ط 1، 1416هـ ـ 1996م. ↑
- () محمد الحسيني/ مصدر سابق: 51. ↑
- () حنّا بطاطو/ العراق 1: 204 ـ ترجمة عفيف الرزّاز، مؤسَّسة الأبحاث العربية ـ ط 1 ـ 1990م. ↑
- () سليم الحسني/ رؤساء العراق (1920 ـ 1958): 345 ـ 353، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1 ـ 1413هـ ـ 1992م. ↑
- () النعماني/ مصدر سابق: 44. ↑
- () محمد الحسيني/ الإمام الصدر ـ سيرة ذاتية (مصدر سابق): 88، صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية. ↑
- () صلاح الخرسان (مصدر سابق). ↑
- () صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية. ↑
- () عن واحدة من معالم جدِّيته ودقَّته في البحث يتحدَّث تلميذه السيد محمود الهاشمي قائلاً: في الوقت الذي كان فيه الشهيد مشغولاً بكتابة «اقتصادنا» بلغه صدور ترجمة عربية لكتاب وِل ديورانت «قصة الحضارة» فطلب منّا السعي للحصول عليه بأسرع وقت قائلاً: «كيف أرد على نظرية تدَّعي أنّها قائمة على سرّ تاريخ البشرية، فيما قد يكون هناك أمر مهمٌّ في أحوال المجتمعات ومعاملاتها الاقتصادية لم أطَّلع عليه؟» فعلمنا أن شيخاً معروفاً قد اقتنى نسخة منه، وكان عزيزاً نادراً، فكلَّمناه، فلم يستجب لطلبنا، فاتّصل به السيد الشهيد وبعد إلحاحٍ شديدٍ أعاره إيّاه لمدّة أُسبوع واحدٍ فقط، فعكف الشهيد أُسبوعه ذلك على أجزاء الكتاب الثلاثة والأربعين حتى طواها بأكملها وأعاد الكتاب إلى صاحبه في موعده دون تأخير. (محاضرةٍ للسيد محمود الهاشمي ألقاها في مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، في شوال 1420هـ). ↑
- () ملاّ أصغر علي جعفر/ الحياة السياسية للإمام الصدر ـ هاشم 27 ـ بحث في كتاب (محمد باقر الصدر ـ نخبة من الباحثين: 512). ↑
- () السيد كاظم الحائري، مصدر سابق: 92. ↑
- () المصدر نفسه: 92 ـ 100. ↑
- () أنظر: الصدر/ فلسفتنا: 51 ـ 60. ↑
- () م.ن: 61 ـ 62. ↑
- () م. ن: 141. ↑
- () انظر: فلسفتنا: 66، 73. ↑
- () فلسفتنا: 143 ـ 144 باختصار. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأسس المنطقية للاستقراء: 6. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 85. ↑
- () م. ن: 13. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 436 ـ 437. ↑
- () م. ن: 433. ↑
- () م. ن: 434 ـ 436. ↑
- () م. ن: 451 ـ 467. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الأُسس المنطقية للاستقراء: 469. ↑
- () السيد عمَّار أبو رغيف/ نظرية المعرفة في ضوء الأُسس المنطقية للاستقراء ـ مجلة المنهاج ـ العدد 17: 133. ↑
- () الأُسس المنطقية للاستقراء: 469. ↑
- () موجز في أُصول الدين: 129 ـ 130، تحقيق عبد الجبَّار الرفاعي. ↑
- () موجز في أُصول الدين: 148. ↑
- () م. ن: 181. ↑
- () م. ن: 192. ↑
- () المدرسة القرآنية: 100 ـ م 13. ↑
- () م. ن: 87. ↑
- () م. ن: 89. ↑
- () المدرسة الإسلامية: 94 ـ م 13. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 35 ـ 123. ↑
- () م. ن: 43. ↑
- () م. ن: 33. ↑
- () بتفصيلٍ مناسب: عبد السلام زين العابدين/ الإمام الشهيد الصدر من فقه النصّ إلى فقه النظرية ـ مجلة قضايا إسلامية ـ العدد 1: 89 ـ 98، وعبد الجبَّار الرفاعي/ منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي: 117 ـ 127، سلسلة رواد الإصلاح ـ الكتاب الأوَّل ـ مؤسَّسة التوحيد للنشر الثقافي ـ ط 1 ـ 1418هـ. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد، من كتاب «الاجتهاد والحياة حوار على الورق» محمد الحسيني: 154، والموضوع منشور ضمن سلسلة (اخترنا لك) الصادرة عن دار الأضواء، صدرت طبعته الرابعة سنة 1991، وكان قد نشر لأول مرَّة في مجلة الأضواء. ↑
- () عمر عبيد حسنة. كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟: 63. ↑
- () الشيخ محمد الغزالي. كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟ 64 ـ 65. ↑
- () الشهيد الصدر ـ الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد. مقالة أعيد نشرها في كتاب الاجتهاد والحياة ـ حوار محمد الحسيني: 154. ↑
- () د. مصطفى البغا، د. وهبة الزحيلي. الاجتهاد والحياة: 61، 78. ↑
- () د. إسماعيل راجي الفاروقي/ الاجتهاد والإجماع كطرفي الديناميكية في الإسلام ـ مقال في مجلة المسلم المعاصر. العدد 9 ص 10 … ↑
- () د. جمال الدين عطية. مجلة المسلم المعاصر ـ العدد 6، ص 9. ↑
- (5) د. إسماعيل راجي الفاروقي. مجلة المسلم المعاصر ـ العدد 9. ص 5، 8. ↑
- () الاجتهاد والحياة ـ حوار على الورق: 14 ـ 15. ↑
- () م. ن: 157. ↑
- () البنك اللاربوي في الإسلام: 9 ـ 10، المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () محمد باقر الصدر/ اقتصادنا: 382 ـ 397، المجلد 10 من المجموعة الكاملة. ↑
- () مرتضى مطهري/ الاجتهاد في الإسلام: 27 ـ ترجمة جعفر صادق الخليلي ـ بعثت ـ طهران، المشهد الثقافي في إيران/ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة: 335 ـ إعداد عبد الجبار الرفاعي ـ دار الهادي ـ ط 1 ـ 1422هـ ـ 2001م. ↑
- () م. ن: 39 ـ 396. ↑
- () الفهم الاجتماعي للنصّ، كتاب الاجتهاد والحياة: 264. ↑
- () م. ن: 163 ـ 164. ↑
- () محمد باقر الصدر/ اقتصادنا: 165. ↑
- () الصدر/ الفهم الاجتماعي للنصّ في فقه الإمام الصادق عليه السلام ـ كتاب الاجتهاد والحياة، مصدر سابق: 263 ـ 264. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: ص 45. ↑
- () سورة النساء، الآية: 58. ↑
- () سورة النحل، الآية: 90. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 85. ↑
- () علاّل الفاسي/ مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: 47 ـ دار الغرب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1993م. ↑
- () محمد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 49. ↑
- () الشيخ شمس الدين/ حديث في كتاب الاجتهاد والحياة: 16 ـ 17. ↑
- () السيد فضل الله / كتاب الاجتهاد والحياة ـ حوار محمد الحسيني: 48 ـ 49. ↑
- () الشيخ الصدوق/ علل الشرائع: الباب 181. ↑
- () راجع ذلك كله في مادة (علل) من كتاب الذريعة ـ للشيخ الطهراني. ↑
- () أنظر د. أحمد الريسوني/ نظرية المقاصد عن الشاطبي. ↑
- () أنظر هذه الكتب في مواضعها من (الذريعة). ↑
- () الشيخ شمس الدين/ كتاب الاجتهاد والحياة حوار على الورق: 24. ↑
- () المصدر نفسه: 210، 220. ↑
- () المصدر نفسه: 210. ↑
- () السيد فضل الله/ المصدر نفسه: 36. ↑
- () المصدر نفسه: 48. ↑
- () الإسلام يقود الحياة ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي: 51 ـ 52، وانظر أيضاً الصفحات: 64، 95، 97. ↑
- () م. ن: 52. ↑
- () محمد مهدي الآصفي/ حديث في كتاب (الاجتهاد والحياة) مصدر سابق: 141 ـ 142. ↑
- () محمد الغزالي/ السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 33 ـ دار الشروق ـ ط 11 ـ 1996م. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 37 ـ 38. ↑
- () م. ن: 38 ـ 39. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () م. ن: 46. ↑
- () اقتصادنا: 398. ↑
- () المدرسة القرآنية: 38 ـ م 13 من المجموعة الكاملة. ↑
- () انظر: اقتصادنا: 367 ـ 369. ↑
- () اقتصادنا: 373 ـ 374. ↑
- () أنظر: محمد مهدي شمس الدين/ الاجتهاد والتقليد: 160 ـ المؤسسة الدولية، ط 1، 1419هـ ـ 1998م. ↑
- () أنظر: اقتصادنا: 681 ـ 683. ↑
- () أنظر: محمد مهدي شمس الدين/ الاجتهاد والتقليد: 160. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 48. ↑
- () أنظر: اقتصادنا: 378 ـ 379 و680، الإسلام يقود الحياة: 49 ـ 55. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 43. ↑
- () م. ن: 44. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 44. ↑
- () محمد مجتهد شبستري، بحث حول التجديد في الفقه/ المشهد الثقافي في إيران: 364 ـ إعداد عبد الجبار الرفاعي ـ ط 1. ↑
- () اقتصادنا: 30 ـ 31 (مقدَّمة الطبعة الأولى) وقد شملت هذه الأبحاث الصفحات (277 ـ 729) من الكتاب. ↑
- () م. ن: 32 ـ 33. ↑
- () أبوالمجد حرك، ويوسف كمال، في كتابهما المشترك/ الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السُنَّة ـ قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا ـ دار الصحوة للنشر ـ القاهرة ـ 1408 ـ 1987. ↑
- () أبو المجد حرك، ويوسف كمال، في كتابهما المشترك/ الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السُنَّة ـ قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا: 106,71 ـ دار الصحوة للنشر ـ القاهرة ـ 1408 ـ 1987. ↑
- () أبو المجد حرك، ويوسف كمال، المصدر السابق: 64، أنظر: محمد الحسيني/ اقتصادنا من وجهة نظر مختلفة ـ مجلة المنهاج ـ العدد ـ 17 ـ ص 189 ـ 224. ↑
- () المدرسة القرآنية ص 45. ↑
- () الإمام الشهيد الصدر، علوم القرآن: 84 (كتاب علوم القرآن محاضرات ألقاها السيد محمد باقر الحكيم في كلِّية أُصول الفقه ببغداد ـ والفصول الأولى منه كتبها الإمام الشهيد الصدر). ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () مالك بن نبي/ الظاهرة القرآنية: 59. ↑
- () مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 59 ـ 60. ↑
- () د. محسن عبد الحميد، الفكر الإسلامي تقويمه وتجديده: 70 ـ 71. ↑
- () د. محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: 96، تراث الإنسانية 5: 45. ↑
- () أنظر: محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية. ↑
- () محمد رشيد رضا، المنار 1: 11. ↑
- () المصدر السابق، 1: 11. ↑
- () المصدر السابق، 1: 25. ↑
- () د. محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: 175. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 9. ↑
- () المصدر السابق 1: 10، 12. ↑
- () محمد رشيد رضا، تفسير المنار 2: 63 ـ 64. ↑
- () المصدر السابق، 2: 63. ↑
- () مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 59. ↑
- () المدرسة القرآنية: 31. ↑
- () المدرسة القرآنية: 33. ↑
- () اقتصادنا: 396. ↑
- () اقتصادنا: 396، وانظر أيضاً: المدرسة القرآنية: 38. ↑
- () المدرسة القرآنية: 35. ↑
- () المدرسة القرآنية: 30. ↑
- () المدرسة القرآنية: 30. ↑
- () المدرسة القرآنية: 36. ↑
- () المدرسة القرآنية: 34 ـ 35. ↑
- () المدرسة القرآنية: 35. ↑
- () المصدر السابق: 36 ـ 37. ↑
- () المصدر السابق: 31. ↑
- () المصدر السابق:34.(3) المصدر السابق: 35.(4) المصدر السابق: 39.
(5) المصدر السابق: 39. ↑
- () في الجزء الثاني من كتابه «الموافقات». ↑
- () اقتصادنا: 374 ـ 375. ↑
- () اقتصادنا: 376. ↑
- () المدرسة القرآنية: 159. ↑
- () اقتصادنا: 397. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 130. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 279. ↑
- () أنظر: علوم القرآن: 80 ـ 83 (من تحرير السيد الشهيد). ↑
- () اقتصادنا: 382 ـ 391. ↑
- () المدرسة القرآنية: 39 ـ 41. ↑
- () المصدر السابق: 35. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 39. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 133. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 7. ↑
- () سورة يونس، الآية: 14. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 29. ↑
- () سورة النساء، الآية: 5. ↑
- () اقتصادنا: 535 ـ 536. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 119 ـ 130. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 69. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 39. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 72. ↑
- () سورة ص، الآية: 26. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 40. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 34. ↑
- () سورة الإنسان، الاية: 3. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 38. ↑
- () سورة الانشقاق، الآية: 6. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 109. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية في القرآن الكريم: 71. ↑
- () سورة النحل، الآية: 61. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 59 ـ 60، والآية من سورة الأنفال، الآية: 25. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 76 ـ 77. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 61 ـ 62. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 63 ـ 64. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 64. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16 ـ 17. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 68. ↑
- () سورة آل عمران، الآيتان: 125 ـ 126. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الجن، الآية: 36. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 59. ↑
- () المدرسة القرآنية/ السنن التاريخية: 83 ـ 84. ↑
- () المدرسة القرآنية/ عناصر المجتمع في القرآن: 140 ـ 141. ↑
- () أنظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: 2: 241. ↑
- () أنظر: رسالته إلى الميرزا الشيرازي، في: أعيان الشيعة 4: 213 ترجمة جمال الدين الأفغاني. ↑
- () خير الدين التونسي/ أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: 50 ـ ط 1، تونس، 1284هــ. عن د. رضوان السيد/ سياسات الإسلام المعاصر: 284 ـ ط 1، دار الكتاب العربي، 1418هـ ـ 1997م. ↑
- () رفاعة الطهطاوي/ تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز: 155 ـ 157، عن د. رضوان السيد، مصدر سابق: 283. ↑
- () وجيه كوثراني/ مختارات سياسية من مجلة المنار: 97 ـ دار الطليعة، بيروت، 1980، د. رضوان السيد، مصدر سابق: 157، 262، يعود كلام رشيد رضا هذا إلى سنة 1907م. ↑
- () مقدمة أبي الحسن الطالقاني على كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للنائيني، والكتاب مع مقدمته أدخلها توفيق السيف في كتابه/ ضد الاستبداد، أنظر فيه ص 220.وأبو الحسن الطالقاني واحد من أبرز قادة الحركة الإسلامية في إيران، أصبح بعد الثورة عضواً في مجلس القيادة، وإماماً للجمعة في طهران، اغتاله المناوئون للثورة بعد عام واحد من نجاحها سنة 1980م، 1399هـ. ↑
- () أنظر: توفيق السيف/ ضد الاستبداد ـ الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة: 218. ↑
- () م. ن: 227، 229. ↑
- () م. ن: 232. ↑
- () م. ن: 233 ـ 234. ↑
- () م. ن: 237. ↑
- () م. ن: 237. ↑
- () يريد بقومية الأمة: هويتها، ووحدتها الوطنية. ↑
- () تنبيه الأمة، المصدر السابق: 246. ↑
- () م. ن: 247 ـ 254. ↑
- () م. ن: 254 وما بعدها. ↑
- () م. ن: 286. ↑
- () م. ن: 322 ـ 323. ↑
- () م. ن: 282. ↑
- () م. ن: 281. ↑
- () وهو قول أحدهم له: إذن لقوّمناك بالسيف، في قصتها المشهورة، وقد أوردها النائيني هنا، بعد قصة اعتراضهم على كسوته التامّة وجواب عمر على هذا الاعتراض. ↑
- () م. ن: 260 ـ 261. ↑
- () م. ن: 268. ↑
- () م. ن: 344. ↑
- () م. ن: 358. ↑
- () أنظر: «الإخوان المسلمون يقودون تظاهرات الحرية في آذار/ مارس 1954»/ مجلة الدعوة ـ العدد 83: 40 ـ 41. ↑
- () محمود شلتوت/ من توجيهات الإسلام ـ دار القلم، دون تاريخ، ص 538 ـ 569. ↑
- () م. ن: 560 ـ 561. ↑
- () م. ن: 561. ↑
- () م. ن: 558. ↑
- () م. ن: 558. ↑
- () م. ن: 563. ↑
- () م. ن: 568. ↑
- () م. ن: 551. ↑
- () م. ن: 564. ↑
- () د. سمير عالية/ نظرية الدولة وآدابها في الإسلام: 26، 29، 74 ـ 75، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1408 ـ 1988م. ↑
- () م. ن: 561 ـ 562. ↑
- () راجع في هذا كله: د. محمد عبد القادر أبو فارس/ حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها: 20 ـ 25، دار الفرقان، ط 1 ـ 1408هـ ـ 1988م. ↑
- () محمود شلتوت/ من توجيهات الإسلام: 562. ↑
- () هذه النقاط مقتبسة من: كتاب البيع، وكتاب الحكومة الإسلامية، للإمام الخميني، أنظر: محسن كديور/ نظريات الدولة في الفقه الشيعي/ مجلة قضايا إسلامية ـ العدد السادس 1419 ـ 1998 ـ ص 70 ـ 73. ↑
- () المصدر السابق: 73. ↑
- () م. ن: 75. ↑
- () محمد الصدر/ مسائل وردود 3: 8، كاظم الجابري/ ولاية الفقيه في فكر الصدر الثاني ـ بحث في كتاب رجل الفكر والميدان. ↑
- () م. ن: 3: 3. ↑
- () م. ن: 3: 11. ↑
- () محمد الصدر/ ما وراء الفقه 9: 67. ↑
- () حسن شبَّر/ العمل الحزبي في العراق: 36، 54، 75، دار التراث العربي ـ بيروت ـ ط 1ـ 1989م. حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 94 ـ دار الثقافة للطباعة والنشر ـ بدون تاريخ. ↑
- () حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 113 ـ 114. ↑
- () حسن العلوي/ الشيعة والدولة القومية في العراق: 119. ↑
- () مذكّرات السيد مهدي الحكيم: 38، صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية، حقائق ووثائق: 66. ↑
- () جريدة لواء الصدر ـ العدد 866 ـ جمادى الثانية 1419هـ ص 5. ↑
- () صلاح الخرسان/ حزب الدعوة الإسلامية، حقائق، ووثائق: 51. ↑
- () آية الله كاظم الحائري/ مصدر سابق: 90. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 213. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 13 ـ 14 ـ المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 14 المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () أنظر حديثه في مجلة (قضايا إسلامية) العدد الثالث ـ ص 250. ↑
- () أنظر: عادل رؤوف/ العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية. ↑
- () م. ن: 85. ↑
- () أنظر على الترتيب: صحيفة جمهوري إسلامي 19/1/1361هـ. ش/ (1982م)، الحائري/ مباحث الأصول: 87 صحيفة الجهاد ـ العدد 183 ـ 1 شعبان 1405هـ. ↑
- () أنظر: المشهد الثقافي في إيران ـ بحث السيد محمد مجتهد شبستري: 361 ـ 363. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () آية الله الحائري/ م. ن: 103. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية: 15. ↑
- () السيد محمود الهاشمي الشاهرودي/ نظرة جديدة في ولاية الفقيه ـ مجلة المنهاج ـ العدد 8 ـ ص 286. ↑
- () الحائري/ مباحث الأصول 1: 103، وستأتي منه نصوص مهمة تؤكدُ هذا المعنى. ↑
- () المجتمع عند هيجل هو الذي تجب حمايته، وأن وظيفة الفرد (الروح الذاتي) هي الخضوع للمجتمع الذي عبَّر عنه بـ (الروح الموضوعي). وهو يرى أنَّ اندثار الحضارات والامبراطوريات كان مردُّه الى خضوع الروح الموضوعي للروح الذاتي. محيي الدين إسماعيل/ تويني، منهج التاريخ وفلسفة التاريخ: 16 ـ الجمهورية العراقية ـ وزارة الإعلام ـ 1977م. ↑
- () محمد باقر الصدر/ لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية. ↑
- () الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 151 ـ 152، المجموعة الكاملة ـ م 12. ↑
- () م. ن: 152 ـ 153. ↑
- () م. ن: 146. ↑
- () م. ن: 133. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 71. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 153 ـ 154 باختصارٍ قليل. ↑
- () م. ن: 154. ↑
- () السيد كاظم الحائري/ أساس الحكومة الإسلامية: 210 ـ مطبعة النيل ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1399هـ. ↑
- () أنظر الفصل الأول من كتاب (حوارات) إعداد محمد هادي. ↑
- () أنظر: محمد باقر الحكيم/ نظرية العمل السياسي عند الشهيد الصدر ـ مجلة المنهاج ـ عدد 17 ـ ص 235 ـ 239. ↑
- () الإسلام يقود الحياة: 135 ـ 136. ↑
- () م. ن: 133. ↑
- () الفتاوى الواضحة 1: 115. ↑
- () مجلة المنهاج ـ العدد 8: 298. ↑
- () مجلة المنهاج/ عدد 8: ص 298. ↑
- () م. ن: ص 299. ↑
- () وضع الشهيد الصدر للمرجعية الصالحة خمسة أهداف استراتيجية، أنظر: النعماني/ الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار: 166. ↑
- () م. ن: 167. ↑
- () م. ن: 171. ↑
- () سليم الحسني/ المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية ـ دراسة وحوار مع السيد فضل الله: 62. ↑
- () م. ن. ↑
- () م. ن: 65. ↑
- () م. ن: 72، 86. ↑
- () م. ن: 73. ↑
- () م. ن: 70، 84. ↑
- () حديث منشور في مجلة الوسط ـ العدد 116، 18/4/1998م، وانظر، عارف الصادقي/ المشروع السياسي عند الصدر الثاني ـ ضمن كتاب الصدر الثاني شهيد الإصلاح ـ مجموعة كتاب: 90 ـ 91. ↑
- () إشارة إلى أن هذا ارتكاز في ضمير الإنسانية، واعتقاد سائد عند أغلب شعوب الأرض، إذ هناك شعور قوي يخالج وجدان الإنسان بظهور المنقذ عندما تتعقد الأمور، وتتعاظم المحنة، وتدلهم الخطوب، ويطبق الظلم، وهو ما تبشر به الأديان، ويحكيه تاريخ الحضارات الإنسانية. راجع: سيرة الأئمة الاثني عشر/ هاشم معروف الحسني 2: 516 فيما نقله عن الكتب والمصادر، ومنها: نظرية الإمامة عند الشيعة/ الدكتور أحمد محمود صبحي. ↑
- () إشارة إلى معتقد الماركسيين وأمانيهم باليوم الموعود حيث ستسود الشيوعية ـ كما يعتقدون ـ آخر الأمر ويتوقف الصراع المرير استناداً إلى نظريتهم الشهيرة في المادية التاريخية. راجع: فلسفتنا/ الشهيد الصدر رحمه الله: ص 26 في عرض النظرية ومناقشتها. ↑
- () إشارة إلى الحديث الشريف المتواتر: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً». راجع: صحيح سنن المصطفى لأبي داود 2: 207، وراجع التاج الجامع الأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343. ↑
- () هذا ردّ على من يزعم بأن العقيدة في الإمام المهي تورث الخمول والسلبية، وهو أبلغ رد مستفاد من الحديث الشريف نفسه. ↑
- () إشارة إلى دولة الإمام عليه السلام التي أشار إليها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، راجع: التاج الجامع للأصول 5: 343. ↑
- () إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى: ﴿علمت نفسٌ ما قدمت وأخرت﴾ [سورة القصص، الآية: 5]. وأيضاً إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [سورة التوبة، الآية: 33]. راجع في تفسيره الآيتين إشارة إلى المهدي عليه السلام ينابيع المودة/ القندوزي الحنفي: ص 450. ↑
- () إشارة إلى بشارة الرسول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً (الشك في الراوي) قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين قال: فيجيء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» رواه الترمذي. راجع: التاج الجامع للأصول/ الشيخ منصور علي ناصف 5: 343 وفيه أكثر من إشارة إلى كون الإمام المهدي موجود حي يعيش في وسط الأمة، وأن خروجه وعيشه، سبع سنين يعني ظهوره وقيام دولته المباركة التي فيها الخلاص والعدل. ↑
- () ورد عنه عليه السلام أنه سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم، راجع: الاحتجاج / الطبرسي 2: 545. ↑
- () إشارة إلى أن (المهدي) ليس مجرد حلم أو فكرة تداعب أفكار المظلومين وتناغي شعورهم، بل هو حقيقة حية مجسدة متشخصة في ذات إنسان بعينه … ومن هنا تكون الفكرة ملامسة لوجدانهم، يعيشون بها، ويعيشون لها، ويسهمون في التحضير والتهيئة للالتحام في المعركة الفاصلة التي سيقودها القائد المنتظر، ولو كانت مجرد حلم أو فكرة، فليس من المتوقع أن تكون مثل تلك الصلة الوجدانية والشعورية. ومن هنا تتأتى أهمية الانتظار، وتبين فلسفته وغاياته، وهو في جملته يتسق مع حالة الترقب والإرهاص التي تسبق ظهور المنقذين من الأنبياء والمصلحين. ↑
- () اختلفت الآراء وتباينت المواقف من مسألة المهدي المنتظر، تبعاً لاختلاف المواقف من مسألة الغيب الديني والنصوص الدينية المشهورة والمتواترة، على أن هناك إطباقاً بين علماء المسلمين والمحققين من أهل الحديث من السُنّة والشيعة على صحة العقيدة بالمهدي، وعدم جواز التشكيك بها حتى جاء في المأثور: «من أنكر المهندي فقد كفر …» وقد استوفى هذه المسألة بحثاً الشيخ عبد المحسن عباد في محاضرته التي نشرتها مجلة الجامعة الإسلامية/ العدد الثالث/ 1969م.وراجع: غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343. ↑
- () هذا تساؤل فريق من الناس ، والواقع أنه يمكن تسجيل الملاحظة السريعة الآتية، وإن كان سيأتي جوابه تفصيلاً:أ ـ إنه ليس مستحيلاً بالمعنى المنطقي، بل هو في دائرة الإمكان.ب ـ إنه ليس مستحيلاً عادة؛ لوقوع نظائر ذلك فعلاً كما نصّ القرآن الكريم في مسألة نوح عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [سورة العنكبوت، الآية: 14]. ↑
- () إن تعطيل القوانين الطبيعية قد حدث مراراً بالنسبة إلى معاجز الأنبياء عليهم السلام، وهذا أمر ضروري من الدين لا مجال لنكرانه فإذا أخبر بذلك ممن وجب تصديقه جاز بلا خلاف. ↑
- () هذا إشارة إلى عقيدة طوائف من إخواننا أهل السُنّة. راجع: التاج الجامع للأصول: 5: 360 الهامش. ↑
- () هذا التساؤل أثير من قبل ويثار اليوم، بأساليب مختلفة، وكلها تستند إلى موهومات وافتراضات لا تقوم على أساس من العلم، بل هي مجرد تشكيكات، ومحاولات يائسة للفرار من أصل القضية ولوازمها الضرورية، فهي لا تعدو أن تكون أشبه بتشكيكات الماديين عندما جوبهوا بأدلة العقل والمنطق والعلم فيما يتعلق بالله تعالى، فلجؤوا إلى تساؤلات ساذجة تحكي عدم إيمانهم بما قامت عليه الأدلة الوفيرة، نظير قولهم: لو كان موجوداً فلماذا لا نراه؟ ولماذا لا يفعل كذا وكيت؟ وهكذا شأن هؤلاء، فعندما جوبهوا بالأدلة المنطقية والروايات المتواترة في مسألة المهدي المنتظر مما أطبق عليه الخاص والعام وبما لا يسع المرء إنكاره، لجؤوا إلى التشكيك في أنه لم يعرف للحسن العسكري ولد، كما اخترعوا أمراً نسبوه زوراً إلى الشيعة من أنهم يقفون على السرداب فقال قائل منهم: هو في سامراء، وذهب آخرون إلى أنه في النجف وثالث في مكان آخر وهكذا شأن المنكرين للضرورات تراهم يخبطون خبط عشواء. ↑
- () لقد أثبت الشيخ المفيد في إلارشاد: ص 346، والشيخ الشعراني في اليواقيت والجواهر ج 2/ المبحث 65، ولادة محمد بن الحسن العسكري في عام 255هـ، وهما من أجلة المحققين لدى الفريقين، وهذا ما يدحض التشكيكات التي يثيرها بعض أدعياء العلم، فضلاً على ما يقتضيه الحديث المتواتر: «الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش»، فهو لا يستقيم إلا بما تقرر لدى الإمامية وبما التزموا به من إمامة اثني عشر إماماً كلهم من العترة الطاهرة، أولهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم المهدي. وهؤلاء هم المنصوص عليهم، ويدعم ذلك ويشهد له حديث الثقلين المتواتر، وحديث من مات لا يعرف أمام زمانه، فهما لا يستقيمان إلا على عقيدة الإمامية الاثني عشرية. راجع مناقشة وافية في: الأصول العامة للفقه المقارن/ العلامة محمد تقي الحكيم/ بحث حجية السنة: ص 145 وما بعده. ↑
- () إن الذي تعهد وتكفل بإعداد النبي عيسى عليه السلام، ووهب النبي يحيى الحكم والحكمة وهو صبي، كما صرّح القرآن، يمكن أن يتعهد ويتكفل بمن أعده لتطهير الأرض من الظلم والجور في آخر الزمان، كما هو نصُّ الخبر المتواتر في المهدي الذي هو من فاطمة وذرية الحسين عليه السلام. راجع: التاج للأصول 5: 341 ـ 343. ↑
- () إن هذه المسألة مرهونة بإشتراطاتها الخاصة، وكما تأخر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن ظهوره المبارك لحكمٍ وأمورٍ اقتضتها حكمة المرسل (الله) تعالى على رغم الاحتياج إليه، فكذا الأمر هنا. ↑
- () سيناقش الشهيد الصدر هذه المسألة تفصيلاً. ↑
- () الواقع ـ وكما سيأتي ـ أن علماء الأمة الإسلامية أجمعوا على صحة أحاديث المهدي عليه السلام، ولم يشذ إلا من هو ليس من أهل المعرفة بالحديث.راجع: التاج الجامع للأصول 5: 361. ↑
- () لقد رأينا كيف صنع (الأبطال) تاريخ أممهم، على أن الشهيد الصدر هنا يقدم فهماً أصيلاً ومهماً جداً لحركة التاريخ ودور الفرد البطل، وأهمية الظروف الموضوعية في التأثير. وقد أشار توماس كارليل في كتابه (الأبطال) إلى دور البطل. راجع كتابه المذكور، ترجمة الدكتور السباعي ـ مصر ـ سلسلة الألف كتاب. ↑
- () في هذا إشارة إلى أسلحة الدمار (الشامل) فضلاً عن التطور التكنولوجي الذي شمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وتأثيراتها الهائلة. إلا أننا شهدنا كيف توجد بالمقابل الأسلحة المضادة التي كثيراً ما تعطل تلك التأثيرات، وكذلك رأينا تأثير المعنويات في إبطال مفعول أسلحة الخصم المختلفة أو التقليل من آثارها إلى حد كبير جداً، كما حدث في الثورات والانتفاضات الشعبية. ↑
- () ولم تكن مثل هذه الأمور بمتصورة سابقاً قبل وقوعها، ولو حدث بها أحدٌ من الناس قبل تحققها فعلاً لعدّ الحديث مجرد تخيلات وأوهام. ↑
- () الكلام في وقته دقيق علمياً، فهو يقول: إنه ممكن علمياً، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلاً، والواقع أن كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين. ↑
- () نعم، لا يوجد مبرر علمي واحد يرفض هذه النظرية، بل إن علماء الطب منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان، وإن هناك عشرات التجارب التي تتم في هذا المجال، وذلك وحده ينهض دليلاً قوياً على الإمكان النظري أو العلمي. ↑
- () يؤكد الأطباء والدراسات الطبية على هذه الملاحظة، وأن لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال، ولعل هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات لإطالة العمر الطبيعي للإنسان، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير أخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان. ↑
- () هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد رضي الله عنه تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عندما بشر (بالمهدي)، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانية العلمية، أي لبقاء الإنسان مدة أطول بكثير من المعتاد، فإن مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجله القرآن والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة. راجع: القرآن والعلم الحديث/ الدكتور عبد الرزاق نوفل. ↑
- () إشارة إلى أن هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو إضافة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم إنكاره، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شأن عمر النبي نوح عليه السلام، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الأخرى، على أن كثيراً من أهل السنة ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالى. راجع: التصوف والكرامات/ الشيخ محمد جواد مغنية. وراجع: التاج الجامع للأصول 5: 228/ كتاب الزهد والرقائق ـ الذين تكلموا في المهد. ↑
- () إشارة إلى الآية المباركة: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [سورة الإسراء، الآية: 1]. ↑
- () إشارة إلى المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين. ↑
- () إشارة إلى ما أعد للإمام المهدي المنتظر من دور ومهمةٍ تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمته كما يشير الحديث الصحيح: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً». وهذا الدور وهذه المهمة عليها الإجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في أمور فرعية. ومن هنا كان التسائل الذي أثاره السيد الشهيد رضي الله عنه منطقي قوي. ↑
- () في الآية المباركة: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [سورة العنكبوت، الآية: 14]. ↑
- () السؤال موجّه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك. راجع تهذيب الأسماء واللغات/ النووي 1: 2176، ولا يصح أن يُشكل أحد بأن ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعي الثبوت، وهو يتعلق بالنبي المرسل نوح عليه السلام، أما هنا فليس لدينا نص قطعي، ولا الأمر متعلق بنبيّ.والجواب: أن المهمة أولاً واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأن الوظيفة كما أوكلت إلى النبي، فقد أوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً كما هو لسان الروايات الصحيحة. قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ….» التاج الجامع للأصول 5: 343.وأما من جهة قطعية النص، فأحاديث المهدي بلغت حدّ التواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين. راجع: التاج الجامع للأصول 5: 341 و360 فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحققون من علماء الفريقين إلى القول بأن من كفر بالمهدي فقد كفر بالرسول محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وليس ذلك إلا بلحاظ أنه ثبت بالتواتر، وأنه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر إجماعاً. وراجع الإشاعة لإشراط الساعة/ البرزجي في بحثه حول المهدي. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدمة أيضاً. ↑
- () أي أن الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السُنّة المطهرة والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهية، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إن غير المسلم يشارك في الاعتقاد بالمعجزات. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ [سورة الشعراء، الآية: 63]. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [سورة النساء، الآية: 157]. ↑
- () راجع: سيرة ابن هشام 2: 127، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمع عليها. ↑
- () قد يقال: إن الانخرام إنما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الأشياء إلى المركز، ومع ذلك فإن الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الأعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصية الشعرية). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري/ الدكتور مصطفى محمود. ↑
- () وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع ص 295 و299. ↑
- () راجع فلسفتنا: ص 282 وما بعدها. ↑
- () راجع بسط وشرح النظرية في «الأسس المنطقية للاستقراء» حيث توصل الإمام الشهيد رضي الله عنه(الى اكتـ)شاف مهم وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام. ↑
- () إشارة إلى معتقد الإمامية الاثني عشرية المستند إلى أدلة المعقول والمنقول، وبالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر «إني تركت فيكم ما إن تمسكتهم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي». راجع: صحيح مسلم 4: 1873 وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 89، قال: ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.وكذلك إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يفترقا حتى يردا عليَّ …» وإلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش». ومفاد ذلك تقرير هذا المعنى. ↑
- () تحدّث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً عن خصائصهم وأدوارهم، ووظيفتهم ومهماتهم وأنهم حملة الشريعة، وسفن النجاة، وأمان الأمة، وعصمتها من الضلال، كما تم إليه الإشارة في حديث الثقلين، وحديث لن يفترقا وكلاهما يؤكدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنهم عصمة الأمة من الضلال، وأنهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم، وهم غير معصومين!!راجع في هذا المطلب: الأصول العامة للفقه المقارن/ العلاّمة محمد تقي الحكيم/ مبحث حجية السُنّة: ص 169 وما بعدها. ↑
- () أن يكون القائد التاريخي مهيئاً نفسياً ومعداً إعداداً مناسباً لأداء المهمة، أمر مفروغ منه، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدث عن المسألة في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جداً، وبخاصة فيما يتعلق بالنبي نوح عليه السلام، وهو أمر يلفت الانتباه والنظر، وربما يكون للتشابه والاتفاق في الدور والمهمة التي أوكلت لهما، كما نبّه الشهيد الصدر رضي الله عنه إليه.راجع: مع الأنبياء/ عفيف عبد الفتاح طبارة. ↑
- () ويمكن أن نقرّب هذا المعني بما عشناه وشاهدناه من صعود الاتحاد السوفييتي وترقيه حتى صار القطب الثاني في العالم، وتقاسم هو وأمريكا النفوذ الحضاري والهيمنة السياسية، وركبا معاً أجواء الفضاء، ثم شهدنا انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الانهيار، فكم كان لذلك من أثر؟ وكم كان فيه من عبرة؟: وكم فيه من دلالة عميقة؟ ↑
- () جان جاك روسو (1712 ـ 1778م) كاتب وفيلسوف فرنسي اعتبره بعض النقاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث والفلسفة الحديثة، وقد مهدت كتاباته ومقالاته للثورة الفرنسية، وأشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي. راجع: موسوعة المورد / منير البعلبكي 8: 169. ↑
- () إشارة إلى الآية القرآنية المباركة: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ [سورة الكهف، الآية: 13]، وراجع تفسيرها في الكشاف/ الزمخشري 2: 706، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت. ↑
- () إشارة إلى الآية: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا﴾ [سورة الكهف، الآية: 25]. ↑
- () وكل ذلك له مدخلية في تربيته وإعداده الإعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة، فضلاً عن شهوده بنفسه ضآلة أولئك المتعملقين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وصخباً، ويسترهبون الناس، وهذا الشهود يؤهله اكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير، أي ملئه للأرض عدلاً بعدما ملئت ظلماً، هذا بغض النظر عن مؤهلاته الذاتية، والعناية الربانية الخاصة. ↑
- () ولا ينبغي أن يشكل أحد بأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع عالمية رسالته ومهمته التغييرية الكبرى إلا أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها، وكذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟:فجوابه:أ ـ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة عن الحضارة الجاهلية، وأنه كما ورد في السيرة النبوية قد حبب إليه الخلاء، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه وكذا الأنبياء كانوا يتنزهون عما عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون، وإليه الإرشاد في قوله تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق [سورة مريم، الآية: 49].
ب ـ إن النبي المرسل يوحى إليه، ويسدد مباشرة من السماء، ويبلّغ بالأعمال والخطوات التي يتخذها خطوة خطوة، والإمام عليه السلام لا يوحى إليه ـ كما هو عقيدة الإمامية ـ ولا يبلغ بالأمور مباشرة من السماء، نعم يكون مسدداً وتحت العناية الربانية، ولذلك فهو يحتاج إلى إعداد خاص. ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتصلاً بالحضارة الإسلامية، مستمداً من آبائه الأصالة والمعرفة والعلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية والحضارات في صعودها وعوامل تكونها وقوتها، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وانهيارها، فيستمد الخبرة والقدرة والإحاطة بالأمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العملية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، وبكونه مسدداً من السماء، كما سيتوضح في المبحث الرابع. ↑
- () راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي (ت/ 855هـ). وراجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 316 وما بعدها. ↑
- () راجع: التتمة في تواريخ الأئمة/ السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم.وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 ـ 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته. ↑
- () راجع: التتمة في تواريخ الأئمة/ السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم. وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 ـ 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته. ↑
- () راجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 319 وما بعدها.الصواعق المحرقة: ص 123 ـ 124.فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد عليه السلام وبين يحيى بن أكثم زمن المأمون، وكيف استطاع الإمام عليه السلام أن يثبت أعلميته وقدرته على إفحام الخصم وهو في تلك السن المبكرة. ↑
- () راجع: المجالس السنية/ السيد الأمين العاملي 5: 209، وهذه قضية مشهورة تناقلها الخاص والعام. وراجع: صحاح الأخبار/ محمد سراج الدين الرفاعي: ص 44، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة/ أسد حيدر 1: 56. وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 120: «جعفر الصادق، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني …». ↑
- () كون الإمام أعلم أهل زمانه أمر متسالم عليه عند الإمامية. راجع الباب الحادي عشر/ العلامة الحلي، هذا وقد عرضوا لأكثر من اختبار صلوات الله وسلامه عليهم لإثبات هذا المدّعى، ونجحوا فيه.راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123، فقد نقل تفصيلاً في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد عليه السلام. ↑
- () إن الاعتقاد بإمامة الأئمة كلّف أتباعهم غالياً، وهذا ثابت تاريخياً، وليس إلى إنكاره من سبيل، والشاهد يدل على الغائب أيضاً. راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.وقد أوصى الأئمة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة. ↑
- () راجع: أصول الكافي 1: 322/ كتاب الحجة ـ باب 2 «إن الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، ويعلمونه ولايتهم ومودتهم له». ↑
- () راجع في تاريخ الأئمة، وتعرضهم للاضطهاد والمطاردة والسجن والقتل أحياناً:أ ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي.ب ـ مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.
ج ـ الإرشاد للشيخ المفيد. ↑
- () إشارة إلى الإمام المهدي عليه السلام، ومن قبل إلى الإمام الجواد مثلاً. ↑
- () أي أنه يجب أن يكون أفضل الناس، وأعلم الناس كما هو معتقد الإمامية الاثني عشرية.راجع: حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد عبد الله شبر (1242هـ) 1: 141، المقصد الثالث. ↑
- () يقصد تقدم الإمام الصبي للاختيار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر. ↑
- () قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاص من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد عليه السلام من الفقه والعلم.راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123. ↑
- () وقد شاهد خاصة الشيعة الإمام المهدي واتصلوا به، وأخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة. راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي/ البحراني، الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 345، وراجع تفصيلاً وافياً في دفاع عن الكافي/ السيد ثامر العميدي 1: 535 وما بعدها. ↑
- () هذه التساؤلات يطرحها السيد الشهيد رضي الله عنه بصفتها من الإشكالات التي أثيرت وتثار عادة حول المهدي عليه السلام، وهي أقصى ما يثار في هذا الصدد، حتى أن بعض الكتّاب المعاصرين قد أثاروها أخيراً مدفوعين بدوافع غير علمية، مصحوبة تلك الإثارة بضجيج مكثفٍ، ومحاولات بائسة من الوهابية لترويجها وتبنيها، ولا تخفى الدوافع بعد ذلك على أحد. وقد أجاب الإمام الشهيد بجواب علمي لمن يريد الحقيقة. ↑
- () يلاحظ كتاب (المهدي) للسيد «صدر الدين» الصدر قدس الله روحه الزكية.راجع: ما أثبته الشيخ العباد في مجلة الجامعة الإسلامية/ العدد 3 سنة 1969.وراجع: المهدي الموعود المنتظر/ الشيخ نجم الدين العسكري. ↑
- () يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي. ↑
- () راجع: معجم أحاديث الإمام المهدي/ مؤسسة المعارف الإسلامية/ الجزء الأول ـ أحاديث النبي. (راجع آخر الكتاب تجد بعض الروايات من المصادر المعتبرة لدى السنة). ↑
- () أخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة».راجع: الحاوي للفتاوي/ السيوطي 2: 213 و215 وفيه، أيضاً: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً».وراجع: موسوعة الإمام المهدي/ ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأول، وفيها نسخة مصورة عن محاضرة الشيخ العباد حول ما جاء من الأحاديث والآثار في المهدي عليه السلام. ↑
- () الحاوي للفتاوي/ السيوطي جلال الدين 2: 214، قال: وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أُمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». وراجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود 2: 208. ↑
- () حديث المهدي من ذرية الحسين عليه السلام كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهدي وهي: الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيم، وفي السيرة الحلبية 1: 193، وفي القول المختار لابن حجر. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في نقله من كتب الشيعة. وراجع توهين الرواية التي تقول بأنه من ولد الإمام الحسن عليه السلام كتاب السيد العميدي (دفاع عن الكافي 1: 296). ↑
- () راجع الرواية التي تنص على أنه التاسع من ولد الحسين عليه السلام في: ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ص 493، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي 1: 196، وفي فرائد السمطين للجويني الشافي 2: 310 ـ 315 الأحاديث من 561 ـ 569، وراجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين (دفاع عن الكافي 1: 294). ↑
- () حديث «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش» أو «لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش».هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلاً. نعم، اختلفوا في تأويله واضطربوا. راجع: صحيح البخاري 9: 101 كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف. صحيح مسلم 2: 119 كتاب الإمارة. مسند أحمد 5: 90، 93، 97. ↑
- () راجع الغيبة الكبرى/ السيد محمد الصدر: ص 272 وما بعدها. ↑
- () راجع التاج الجامع للأصول 3: 40 قال: رواه الشيخان والترمذي، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهدي عليه السلام/ علي محمد علي دخيل. ↑
- () صحيح البخاري/ المجلد الثالث/ 9: 101، كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف. طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة…»، وراجع سنن أبي داود 2: 207. ↑
- () مسند الإمام أحمد 5: 93، 100. ↑
- () المستدرك على الصحيحين 3: 618. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [سورة النجم، الآيتان: 3 ـ 4]. ↑
- () تقدم تخريج الحديث. ↑
- () اضطرب العلماء في تأويله بعد إطباقهم على صحته، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل إنّ بعضها غير معقول تماماً كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق والكفر أو من هو على شاكلته. راجع ما نقله السيد ثامر العميدي من أقوالهم وقد ناقش هذه القضية مناقشة وافية وعلمية، وأبطل تأويلهم بما لا مزيد عليه من دفاع عن الكافي 1: 54 وما بعدها. ↑
- () راجع: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها. ↑
- () إشارة إلى الغيبة الكبرى. ↑
- () الكافي/ السيد ثامر العميدي 1: 568 وما بعدها. ↑
- () راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر، الفصل الثالث: ص 395 وما بعدها، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1980. ↑
- () وهذه تعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريرية والشفوية التي نقلت عن الإمام المهدي عليه السلام. راجع: الاحتجاج/ الطبرسي 2: 523 وما بعدها. ↑
- () مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقاد الأدب قديماً وحديثاً أن الأسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة. ومن هنا رأينا وسمعنا أن كثيراً من الأدباء وقارئي الأدب يميزون بمجرد قراءة النص شعرياً كان أم نثرياً أنه لفلان، وما ذلك إلا لأن الأسلوب هو الرجل، وأن لكل كاتب سمة وطابعاً خاصاً في كتابته يمكن تمييزه من غيره، هذا فضلاً على تمييز خطه الشريف من غيره من الخطوط. ↑
- () إشارة إلى النواب الأربعة المذكورين. ↑
- () وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعية الدينية)، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفرها في المرجعية. (في طليعتها العلم والعدالة والرشد). ↑
- () إن اتصال الإمام القائد المهدي بقواعده الشيعية عن طريق نوابه ووكلائه، أو بأساليب أخرى متنوعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة فضلاً عن الدلائل الأخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار من يجب تصديقه، ثم هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وغير ذلك. إن كلّ ذلك مجموعاً ـ وهو محل اتفاق أكثر طوائف الملة الإسلامية ـ يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشككون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر: ص 566. ↑
- () ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهدي عليه السلام بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى/ السيد محمد الصدر: ص 639 وما بعدها. ↑
- () على الرغم من الأهمية التي يعطيها السيد الصدر رضي الله عنه هنا للظروف الموضوعية، ودور نضوجها أو إنضاجها في نجاح الثورات ـ وهذا فهم عميق لأثر العامل الاجتماعي والنفسي ـ إلا أن الشهيد الصدر رضي الله عنه يعرض نظرية جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، ولكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية وترتبط بها توقيتاً ونجاحاً، وأعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية والحالة الاجتماعية للأمة والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الأمة في إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي. ↑
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ [سورة الأنبياء، الآيات: 68 ـ 70]. ↑
- () راجع الرواية في تفسير ابن كثير 2: 33، وراجع البحار/ المجلسي 18: 47 و52 و60، 75 باب معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ↑
- () تاريخ الطبري 2: 244 حوادث السنة الخامسة من الهجرة. ↑
- () كما هو نصّ الحديث النبوي الشريف: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً».راجع: التاج الجامع للأصول/ منصور علي ناصف 5: 360 الهامش، قال: رواه أبو داود والترمذي. ↑
- () لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة التي أطلقها الشهيد الصدر رضي الله عنه استناداً إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد انهار الاتحاد السوفييتي وهو أحد القطبين اللذين كانا يهيمنان على العالم انهياراً سريعاً جداً، وبصورة أذهلت الجميع. ↑
- () إشارة إلى نظرية المادية التاريخية، أي إلى التفسير الماركسي للتاريخ، راجع: الصدر رحمه الله. ↑
- () إشارة إلى كتاب (فلسفتنا)، وإلى مقدمة كتاب (اقتصادنا). ↑
- () راجع: كتاب الأبطال (البطل في صورة نبي) / توماس كارليل/ ترجمة الدكتور السباعي، سلسلة الألف كتاب ـ مصر. ↑
- () راجع المقدمة الثانية في الفتاوى الواضحة: ص 63، وفيها توضيح وتفصيل لهذه المسألة. ↑
- () التاج الجامع للأصول 5: 343، عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». ↑
- () إشارة إلى علامة الظهور أو الملابسات وراء الأحداث والوقائع التي تسبق ظهوره المبارك أو ترافق ظهوره كما صوّرتها الروايات ووردت بها الآثار الصحيحة، وقد بسطت تفصيلاً في (عصر الظهور) للسيد محمد الصدر. وراجع: الإرشاد/ الشيخ المفيد: ص 356 وما بعدها. وراجع أيضاً: الإشاعة لأشراط الساعة/ محمد بن رسول الحسيني البرزنجي. ↑
- () وفيه إشارة إلى ما يمكن أن تنجر إليه الإنسانية من أزمة حضارية بسبب التنافسات والصراعات بين الحضارات المادية والكيانات السياسية، وفشلها في تحقيق الأمن والاستقرار والسعادة للإنسان، ولقد بدأت بوادر مثل هذا الفراغ تظهر وتتسع شيئاً فشيئاً في عصرنا الراهن في شرق الأرض وغربها، وكل متتبع للأخبار والتقارير الصحفية والتحقيقات الخبرية يعرف ذلك جيداً. وما اليوم الموعود ببعيد. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: التفسير الموضوعي للقرآن: 18-32 دار التعارف للمطبوعات- بيروت 1981م. ↑
- () أنظر اقتصادنا (عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي) 349 ـ 390. دار الفكر- بيروت- الطبعة السادسة 1974م. ↑
- () أنظر التفسير الموضوعي للقرآن: 22 ـ 23. ↑
- () اقتصادنا: 269 ـ 270. ↑
- () نفس المصدر: 258 – 259 – 260. ↑
- () نفس المصدر: (ص ـ ع). ↑
- () الأبستمولوجيا: معناه الاشتقاقي علم العلم. فهذا المفهوم يعني لدى الدارسين: الشروط التي تساهم في إنتاج المفاهيم في علم من العلوم. ↑
- () اقتصادنا: 65. ↑
- () أنظر اقتصادنا: 270 ـ 273. ↑
- () أنظر اقتصادنا: و ـ ز ـ ط ـ ي ـ م ـ ن (من مقدمة الكتاب). ↑
- () السيد محمد حسين فضل الله: مقدمة رسالتنا: 15 ـ 16، ذكر في: 134 ـ 135 الحوار الفكري والسياسي ـ المركز الإسلامي للأبحاث السياسية 1985م. ↑
- () اقتصادنا: 285 ـ 286. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 16 ـ 17 دار الزهراء، الطبعة السادسة ـ 1987م. ↑
- () اقتصادنا: 638 ـ 641. ↑
- () التفسير الموضوعي للقرآن: 105. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر: 145. ↑
- () أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء ـ السيد محمد باقر الصدر ـ مؤسسة البعثة ـ طهران ـ إيران ـ (بدون تاريخ). ↑
- () التفسير الموضوعي: 77 ـ 78 ↑
- () اقتصادنا: (مقدمة: ز ـ ح ـ ط ـ ي ـ ص). ↑
- () نفس المصدر: المقدمة: ع. ↑
- () أنظر مقدمة اقتصادنا والإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية. ↑
- () أنظر المصدرين السابقين. ↑
- () أنظر التفسير الموضوعي. ↑
- () أنظر: بحث حول الولاية (الشهيد) مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م ـ المرسل، الرسول، الرسالة (الشهيد) مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 17 دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ 1979م. ↑
- () أنظر منابع القوة في الدولة الإسلامية للسيد محمد باقر الصدر (قدس). ↑
- () أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () السيد الشهيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 25 دار التعارف للمطبوعات الطبعة الثانية ـ بيروت ـ 1979م. ↑
- () السيد الشهيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 108 ـ 109 دار الكتاب الإيراني ـ طهران 1981م. ↑
- () السيد محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الإسلام: 188 ـ 189 مؤسسة الوفاء ـ بيروت 1985م. ↑
- () اقتصادنا: 297 ـ الطبعة 71 ـ بيروت 1986م. ↑
- () الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 48 ـ 49. ↑
- () لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 17. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () أنظر: منابع القوة في الدولة الإسلامية. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: 16 ـ 17. ↑
- () انظر التفسير الموضوعي: 181 ـ 184 حيث يحلل الشهيد مفهوم المثل الأعلى من خلال علاقة النسبي بالمطلق. ↑
- () (Francis Fukuyama) فرانسيس فوكوياما: نهاية التأريخ (مقال مترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية في مجلة (Commentaire) كومنتار) عدد 74 ـ 1989م باريس. ↑
- () انظر التفسير الموضوعي وخاصة الدرس الثالث: السنن التأريخية في القرآن الكريم: 39 وما بعدها. ↑
- () أنظر بحث حول المهدي عليه السلام للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ـ مكتبة أهل البيت عليهم السلام باريس 1983م. ↑
- () التفسير الموضوعي: 64 ـ 65. ↑
- () نفس المصدر: 199 ـ 200. ↑
- () نفس المصدر: 158 ـ 159. ↑
- () نفس المصدر: 176. ↑
- () أنظر: بحث حول المهدي ـ وكذلك بحث حول الولاية ـ الشهيد. ↑
- () أنظر المصدرين السابقين. ↑
- () أنظر: التفسير الموضوعي: 18 ـ 23. ↑
- () أنظر السابق: نفس الصفحات. ↑
- () هذه العبارة استخدمها الشهيد في كل كتاباته بالتقريب. ↑
- () الاتجاه الإسلامي موقفه من القرآن والسنة الشريفة موقف تعبدي. هذا الاتجاه ينظر إلى الإسلام كدين ودولة. أما الاتجاه المحدث فينقسم إلى تيارين: التيار الأول يؤمن بالإسلام كدين سماوي، ولكنه يفصل بين الدين والسياسة على الطريقة الغربية. وتيار آخر ينظر إلى الإسلام مجرد ظاهرة تاريخية واجتماعية. ↑
- () حدد الصدر مفهوم المذهب ومفهوم النظرية في كتابه اقتصادنا. دار الفكر، بيروت ـ 1974م ـ المقدمة وكذلك ص 341 إلى ص 347. ↑
- () الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي حاولت تغطية الاشتراكية وكذلك الرأسمالية بالإسلام من موقع التلفيق لا الاجتهاد ـ مقدمة اقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر. ↑
- () مفهوم «الحقل النظري» هذه العبارة لم يستخدمها الصدر ولكن استخدم معناها.الحقل النظري مفهوم يدل على الشروط التأريخية والاجتماعية والثقافية المنتجة لنظرية اجتماعية أو مذهب اجتماعي كالرأسمالية أو الاشتراكية وغيرهما. ↑
- () نفس المفهوم. ↑
- () الإبستمولوجيا معناها الدراسة لظهور النظريات الاجتماعية، وعلى العموم فالدراسة الإبستمولوجية تأتي نتيجة لدراسة تجمع بين نظرية المعرفة، تأريخ العلوم، المنهج، فلسفة العلوم وعلم اجتماع. ↑
- () لتحليل هذه الفكرة أنظر مجلة رسالة الإسلام باللغة الفرنسية مقالاً لعمر أبو سلمان تحت عنوان: المعرفة والمجتمع Le Message de l’islam.نشر وزارة الثقافة والإرشاد ـ الجمهورية الإسلامية، طهران. ↑
- () للاطلاع على الجانب الفلسفي أنظر: السيد محمد باقر الصدر ـ المعالم الجديدة للأصول. دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1981م. ↑
- () حلل الصدر التأريخ كموضوع في كتابه التفسير الموضوعي. دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1981م. ↑
- () فكرة المستبد العادل تدل على خضوع الفقهاء والمفكرين المسلمين للأمر الواقع. وقد استخدم الشيخ محمد عبده هذه الفكرة التي تجمع بين المتناقضين: الاستبداد والعدل. ↑
- () لم يعتمد الصدر في دراسته للتأريخ على الطريقة السردية، بل حلل التأريخ عن طريق أدوات علم الاجتماع. ↑
- () وهذا يعني أن نظرية المعرفة لها خصوصيتها في الرؤية الإسلامية. ↑
- () يطرح ماركس نظريته على أنها عملية بينما هي ـ في كثير من جوانبها ـ تبرير لأفكار ماركس المسبقة ـ فماركس تصوّر مجتمعاً بدون طبقات ثم نظر إلى تأريخ البشرية وحلله انطلاقاً من هذا التصور القبلي لحركة التأريخ. ↑
- () قانون الأحوال ليس قانوناً علمياً؛ لأن الأحوال (الحالة اللاهوتية والحالة الميتافيزيقية والحالة الوضعية) متداخلة توجد في عصر واحد وتوجد أحياناً لدى شخص واحد مثلاً باستور Pasteur كان مسيحياً يتبنى أفكاراً لاهوتياً وميتافيزيقية وهو عالم في نفس الوقت وتجدر الإشارة إلى أن أوجست كونت قد رجع إلى الدين (دين من صنع البشر أي من صنعه هو) في آخر حياته لما توفيت خطيبته، وهذا دليل على التناقض بين الإنسان ككائن نسبي يعتبر أحكامه أحكاماً مطلقة. ↑
- () تجدر الإشارة إلى أنّ هناك فرقاً كبيراً بين موقف الصدر وموقف الفكر الغربي في هذا المجال، فالمواقف القبلية في نظرية المعرفة التي تعتمد عليها فلسفة التأريخ في الغرب هي مواقف ذاتية؛ ولذلك تشكل عائقاً إبستمولوجياً أمام البحث العلمي، في حين أن الأمر ليس كذلك في الرؤية الإسلامية إلى المعرفة حيث إن المواقف القبلية هنا ليست أفكاراً مسبقة نابعة من ذاتية الباحث بل هي أدوات استكشافية مصدرها الإسلام، فهي تساعد الباحث على الوصول إلى الهدف، وترسم له الإطار العام لبحثه أو معالم مسار هذا البحث من الأدوات الاستكشافية مثلاً: انتصار الحق على الباطل، التكامل والتوازن في علاقة الفرد بالمجتمع … إلخ، فبالأدوات الاستكشافية تعمم الفكر الإسلامي من الوقوع في بعض الأخطاء خاصة الأخطاء المناهضة لهوية هذا الفكر ولمصدره الإلهي. ↑
- () ومن هنا لا يمكن حجز الأساس المعرفي للرؤية الإسلامية إلى التأريخ داخل مذهب من مذاهب المعرفة في الفكر الغربي، وذلك لما يتميز به هذا الأساس من الشمول. ↑
- () إن الصدر لم يكتشف المذهب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من الأحكام الشرعية مباشرة، بل اكتشف المذهب باللجوء إلى «ما وراء الأحكام» أنظر اقتصادنا «عملية اكتشاف المذهب» ص 349 إلى 390.كما أن الصدر لم يحدّد رؤيته الفلسفية إلى التأريخ عن طريق التفسير التجزيئي بل عن طريق التفسير الموضوعي أي عن طريق قراءة حركية للقرآن الكريم. أنظر: التفسير الموضوعي. ↑
- () التعالي (Transcendance): هذا المفهوم يختلف عن المحايثة (Immanence) (والله محايث للعالم أي مستغرق فيه) فالتعالي معناه أن الله متعالي على الكون، فهو الخالق والكون مخلوق. التعالي مرادف للغيب. أما في المجال الإنساني فالتعالي معناه أنَّ الإنسان ليس سجيناً للحظة الراهنة بل يتعالى عليها ليتصور الأهداف في المستقبل. فلا يمكن إذن قيام معرفة ـ ولو بسيطة وعامية ـ بدون تعالي، وهذا ما جعل ماركس يرى أن الفرق بين النحلة التي تصنع خلايا دقيقة وعجيبة والمهندس، هو أن هذا الأخير يبني البيت في فكره (أي يتصوره) قبل أن يبنيه في الواقع.لكن هذا التعالي بالمفهوم الماركسي هو تعالي محدود ولا يتماشى مع النظرة المادية إلى الكون، فالتعالي يقتضي حتماً وجود لله. إن الطرح الغربي للتعالي والمحايثة فيما يخصّ العلاقة بين الله والتأريخ هو طرح سطحي؛ لأنه يضع هذين المفهومين في إشكالية ضيقة: تعالي الله يعني انفصاله عن التأريخ، ومحايثته تعني ذوبانه في التأريخ على الطريقة الهيجلية.وليس الأمر كذلك في الرؤية الإسلامية حيث إن علاقة الله بالتاريخ وبالكون على العموم، هي للكلمة وليست تعالياً بالمعنى الغربي كذلك، فالعلاقة تعبر عن لطف الله ورحمته. ↑
- () التقوى في هذا السياق عبادة (قيمة تعبدية) ومفهوم إبستمولوجي؛ لأن التقوى تدفع بالباحث لذلك لما يصبح الفقيه مثلاً غير تقي يتحول إلى فقيه للسلطان (فقهاء السلطة) وهكذا فالتقوى أعلى درجة من الموضوعية نظراً لمصدرها الديني. ↑
- () التاريخانية أو النزعة التأريخية (Historicisme) أي التأريخ كمبدأ وحيد للتفسير، تفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان (حتى الديانات) عن طريق شروطها التأريخية، فالتاريخ يكفي نفسه بنفسه، ولا علاقة له بأي مبدأ آخر للتفسير؛ لأن التاريخانية تنفي كل المبادئ الأخرى كالغيب والوحي والرسالات …. إلخ مثلاً فلسفة التأريخ عند هيجل والمادية التأريخية والمادية الجدلية عند ماركس.فالتاريخانية ليست مجرد منهج بل هي مذهب يرى بأن كلٍ حقيقة مهما كانت النتيجة للشروط التأريخية.وتجدر الإشارة إلى أن التاريخانية شيء والاعتماد على التأريخ في تفسير بعض الظواهر الاقتصادية والسياسية شيء آخر. فإذا كانت التاريخيانية تنفي كل مبدأ للتفسير خارج التأريخ فإن الدراسة التأريخية (التأريخية أي الاعتماد على التأريخ) لا تنفي هذا المبدأ. فالصدر مثلاً اعتمد على التأريخية في كل كتاباته حتى في أصول الفقه وكتاباته حول النبوة والإمامة وهكذا فالتاريخية دراسة علمية فهي لا تنفي الغيب، التأريخية كالنزعة الاجتماعية (الاجتماعوية) (Sociolgime) أي تفسير كل الظواهر والحقائق بالاعتماد على التفاعلات الاجتماعية أي الشروط الاجتماعية. فالنزعة الاجتماعية تنفي الغيب وترى بأن علم الاجتماع يكفي نفسه بنفسه.
أما الدراسة الاجتماعية فهي شيء آخر. فالدراسة الاجتماعية أو السوسيولوجية: أي الاعتماد على علم (الاجتماع) ليست مذهباً كالنزعة الاجتماعية بل هي منهج. وقد اعتمد الصدر في كل كتاباته على الدراسة الاجتماعية ورفض من الأساس كلاً من التاريخانية والنزعة الاجتماعية، فهو يرى أن هذين المذهبين يقضيان على نفسهما بنفسهما. ↑
- () يجب التحفظ عند استخدام مفهوم الروحانية. هذا المفهوم ليس مفهوماً سائباً في الرؤية الإسلامية؛ لأن الروحانية هنا مصدرها الوحي وهي مرتبطة بالله تعالى. في حين أن الروحانية في الغرب قد تعني مجرد حالة عاطفية كتلك التي يشعر بها الفرد أثناء المتعة الغنية. الروحانية في الرؤية الإسلامية ليست مريحة بقدر ما هي معبئة وجهادية. ↑
- () الآلهة الكاذبة هي المثل العليا المزيفة سواء كانت اصناماً أو مفاهيم ونماذج ونظريات حول التأريخ ومصير البشرية ـ أنظر التفسير الموضوعي ص 158 ـ 160. ↑
- () التفسير الموضوعي (السنن التأريخية) ص 39 وما بعدها. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: بحث حول المهدي عليه السلام ـ نشرمكتبة أهل البيت، باريس 1983م (البحث وجيز ومن الضروري الاطلاع عليه كله) وانظر كذلك إلى: المرسل، الرسول، الرسالة. (حيث يحلل الصدر النبوة ويبين ارتباطها بالعوامل الاجتماعية والتأريخية). باستثناء مصدر النبوة فإنه إلهي فالصدر يدرس النبوة والإمامة من موقع الدراسة السوسيولوجية والتأريخية لا من موقع النزعة الاجتماعية والتاريخانية، أهل البيت، باريس 1983م، 78 ـ 79. ↑
- () ميز الصدر ربط الحوادث التأريخية بالغيب من المنظور الشرعي والعلمي وربط الحوادث التأريخية بالغيب من منظور الغيبة بمعناها المبتذل (أي التفكير اللاهوتي كما ظهر في القرون الوسطى في الغرب) أنظر: التفسير الموضوعي ص 78 ـ 79. وانظر كذلك؛ د. علي (مقال): مصادر اتهام المؤمنين بالغيبة المبتذلة والرد عليها) مجلة الوحدة الإسلامية 2 آذار 1990م عدد 169، تصدر عن المكتب الأعلى لتجمع العلماء المسلمين، بيروت ص 59 وما بعد. وأنظر كذلك: السيد محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الإسلام. مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ 1985م، ص 9 ـ 10. ↑
- () أنظر: التفسير الموضوعي ـ ص 146 ـ 155. ↑
- () فلسفة التأريخ المنفصلة عن الغيب (أو التعالي) هي مجرد ظاهرة تاريخية أنتجتها شروط اجتماعية وتاريخية مرحلية. في حين أن مذاهب فلسفة التاريخ تطرح نفسها كحقيقة نهائية اقتصادنا: 73 ـ 121. ↑
- () استخرج الصدر من هذه الآية منهجاً ونظرية للمعرفة تختلف عن نظرية المعرفة في الفكر الغربي ـ التفسير الموضوعي، ص 65 ـ 66 وص 105. ↑
- () هناك اختلاف جذري بين الغيب والغيبية بمعناها المبتذل، وهي غيبية تؤدي إلى التفكير اللاهوتي كما رأينا فيما سبق. ↑
- () التأريخ السوسيولوجي أي التأريخ الذي يعتمد على علم الاجتماع (أدوات علم الاجتاع) في تحليل وتفسير الحوادث التأريخية. وهو عكس التأريخ السردي الذي لا يفسر الحوادث بل يعتمد على مجرد الحكاية والسرد. ↑
- () التاريخانية ـ أنظر التعليق رقم 20. ↑
- () ارتباط الإنسان بالمثل الأعلى الحقيقي (الله) يجعل من حركة التأريخ حركة تعبُّدية، التفسير الموضوعي. ص 181 ـ 184. ↑
- () عبد الحق مصطفى: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر: نموذج قراءة في مشروعه التأسيسي ـ مجلة الفكر الجديد، نشر دار الإسلام ـ لندن 1993م عدد 6، ص 117. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر، دور أهل البيت، نشر أهل البيت، باريس 1983م ص 22. ↑
- () وهكذا التأريخ والتعالي علاقتهما مسألة شرعية تعبدية ومعرفية في نفس الوقت. ↑
- () أتحفظ كثيراً في استخدام عبارة «العصمة» بالنسبة للفكر الإسلامي. العصمة هنا معناها عام وليس المقصود منها عصمة الأئمة التي هي عصمة خاصة بل المقصود هنا الفكر الإسلامي على العموم شريطة أن تكون علاقته مع القرآن الكريم والسنة الشريفة علاقة تعبدية. فالفكر الإسلامي معصوم من الأخطاء التي تقع فيها الإيديولوجيات والفلسفات الوضعية، والتأريخ خير دليل على ذلك. فالماركسية في أوروبا الغربية (الأحزاب الشيوعية) قد تخلت عن مقولتي صراع الطبقات ودكتاتورية البروليتاريا. مع العلم أن المقولتين أساسيتان في المذهب الماركسي كما أن كثيراً من النظريات أو بعض جوانبها قد بيّن التأريخ خطأها (في المذهب الرأسمالي) كالنظرية العرقية وغيرها. وهكذا فالفكر الإسلامي المؤطر بالقيم والمفاهيم القرآنية معصوم من هذه الأخطاء. وحتى عصمة الأئمة عليهم السلام قد حللها الصدر تحليلاً سوسيولوجياً ونفسياً وتاريخياً انطلاقاً من مصدرها الغيبي. أنظر: بحث حول المهدي. ↑
- () الإمامة وتجاوزها للنزعة القبلية. (الأئمة كانت نظرتهم إلى الإسلام وإلى الأمة نظرة كونية). فالإمامة ربطت ـ في ممارستها ورؤيتها ـ التأريخ بالتعالي ـ فهي ليست مستغرقة في التأريخ بالمعنى التاريخي للكلمة. أنظر: السيد محمد باقر الصدر: بحث حول الولاية ـ دار التوحيد، الكويت 1977م. ↑
- () Hegel: Science de la Logique, Edition Glockner, Stuttgart, 1936, Vo. 4. P. 51. ↑
- () فكرة الرجوع إلى الأصل فكرة رئيسية في الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وفي الفكر الإسلامي على العموم. إن موقف المسلمين من الماضي هو الذي يحدد مواقفهم تجاه قضايا الأمة في عصرنا ـ مثلاً الموقف الذي لا يميز في رجوعه إلى الأصل ـ بين الإمام علي عليه السلام ويزيد بن معاوية لا يمكن أن يحرك الأمة نحو التحرر من التبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية. في حين أن الموقف الذي يميز تمييزاً واضحاً ودقيقاً بين خط الإمامة (الخط الرسالي) والملك (الخط المنحرف) هو الذي يمكنه أن يعبئ الأمة لعملية النهضة الكبرى ويدفع بها إلى التحرك نحو المثل الأعلى الحقيقي.وقد ضبط الصدر مفهوم الرجوع إلى الأصل. ووصلت هذه الفكرة في دراساته إلى مستوى المفهوم الفلسفي، وهذا ما يتجلى بوضوح في أكثر كتاباته، خاصة: بحث حول الولاية، دور أهل البيت عليهم السلام، المعالم الجديدة للأصول. ↑
- () اقتصادنا ـ ص 362 ـ 364 وص 638 ـ 643.أنظر كذلك: السيد محمد حسين فضل الله: مجلة الوحدة الإسلامية: الحركة الإسلامية حركة فكرية كغيرها من الحالات. فلتجرب حظها. نشر المكتب الإعلامي لتجمع المسلمين ـ بيروت عدد 146 أيلول 1989م ـ ص 22. ↑
- () التفسير الموضوعي ـ وكذلك اقتصادنا (عملية اكتشاف المذهب) ص 349 ـ 390. ↑
- () مجلة رسالة الجهاد: 32 نشر دار الجماهيرية ـ مصراتة ليبيا. عدد 89 يونيو 1990م. ↑
- () التفسير الموضوعي: 181. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: منابع القدرة في الدولة الإسلا مية ـ وزارة الإرشاد، الجمهورية الإسلامية، إيران ـ بدون تأريخ، ص 178 ـ 180. (سلسلة الإسلام يقود الحياة).ٍ ↑
- () مع العلم بأن الشارع قد وضع منهجاً (منطقة الفراغ) يعتمد عليه الفكر الإسلامي نظرياً وعملياً. ↑
- () وهذا من المفارقات، حيث إن الأمة الإسلامية موجودة رغم الصدمات التي نتلقاها ورغم عدم وجود الدولة الإسلامية (دولة الأمة) ورغم تفتت العالم الإسلامي إلى دول قومية وقطرية وجهوية. ↑
- () اقتصادنا، المقدمة. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية: خاصة فصل: أخلاقية التركيب العقائدي وتحرير الإنسان من الانشداد إلى الدنيا ـ ص 180 ـ 190. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: خلاقة الإنسان وشهادة الأنبياء ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1979م وكذلك بحث حول الإمام المهدي عليه السلام. ↑
- () التفسير الموضوعي: ص 146 ـ 155. ↑
- () اقتصادنا: ص 65 ـ 66 وص 73 ـ 75. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: التجديد والتغيير في النبوة ـ مؤسسة أهل البيت في الزينبية ـ بدون تأريخ، بدون مكان. أنظر كذلك: بحث حول الولاية وكذلك: بحث حول الإمام المهدي. ↑
- () ريمون آرون. مدخل إلى فلسفة التأريخ (باللغة الفرنسية) Raymon International Aron: La’al Philosophie de l’Histoire, Edition Gallimar – Paris 1938, P. 130. ↑
- () انتقد الصدر الثيوقراطية نقداً جذرياً. وصاغ انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة مفهوماً سياسياً جديداً في الفكر الإسلامي «خلافة الأمة». أنظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () التجديد والتغيير في النبوة. ↑
- () محمد مورو: مقدمة في لاهوت التحرر: الإسلام أيديولوجية الفقراء ـ مجلة العالم ـ لندن، أبريل 1995م عدد 529 ـ 25. ↑
- () اقتصادنا (مفهوم أو مبدأ الملكية المزدوجة) ص 257. ↑
- () اقتصادنا: ص 56 ـ 67 وص 73 ـ 121. ↑
- () Irving Kristol: Apropos de la Fin de l’Histoire – en Commentaire 1989 No.49 P. 681. Automne. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: بحوث إسلامية ـ دار الزهراء، بيروت 1983م ص 164 ـ 167. ↑
- () عبد الله العروي ـ الإيديولوجيا العربية المعاصرة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1980 ص 125. ↑
- () Raymon Aron: Les Dimension de la Conscience Historique Edition Literairie Plan – Paris 1966. P. 115. ↑
- () التفسير الموضوعي: 228 ـ 230. ↑
- () بحوث إسلامية: ص 53 ـ 54 وكذلك: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () التفسير الموضوعي: ص 105. ↑
- () نكرّر الإشارة إلى أن ماركس يقول بنوع من التعالي عندما يرى بأن الفرق بين النحلة والمهندس: إن هذا الأخير يبني البيت في فكره قبل أن يبنيه في الواقع. لكن هذا التعالي مزيف. فالتعالي ملازم للروحانية المرتبطة بوجود الله. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: ص 10. ↑
- () التجديد والتغيير في النبوة، وكذلك: أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف، ص 41. ↑
- () خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: 16. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 19. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية، ص 4. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 175. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 197. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 158. ↑
- () نفس المصدر السابق (لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية) ص 3 ـ 19. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 3 ـ 7. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 9. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 123. ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية، ص 177 ـ 179. ↑
- () الإسلام يقود الحياة، ص 185 وما بعدها. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص 193 ـ 194. ↑
- () اقتصادنا: المقدمة. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () مالك بن نبي (باللغة الفرنسية) Vocation de l’Islam – Edition de Seuil – Paris 1954. P. 17. ↑
- () عالج فكرة الأمة الإسلامية وصيرورتها: رضوان السيد: الأمة والجماعة والسلطة ـ دار إقرأ. بيروت 1984م. وخاصة: علي شريعتي ـ الأمة والإمامة. ↑
- () بحوث إسلامية: ص 36 ـ 39 وص 47 ـ 49. ↑
- () السيد محمد باقر الصدر: المرسل والرسول والرسالة (حيث يحلل الصدر النبوة ويبين ارتباطها بالعوامل الاجتماعية والتأريخية. باستثناء مصدر النبوة فإنه إلهي). فالصدر يدرس النبوة من خلال الدراسة السوسيولوجية لا من موقع النزعة الاجتماعية. كما أنه يدرس النبوة من خلال التأريخية (أي من خلال التأريخ: ربط النبوة بالعوامل التأريخية) لكن لا يدرس النبوة من خلال التاريخانية التي يزعم أصحابها أنها تفسر كل شيء، وأنها تكفي نفسها بنفسها. أنظر المرسل والرسول والرسالة، ص 78 ـ 79. ↑
- () التفسير الموضوعي (في الفصل الأول) حيث يميز الصدر بين التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي أو التوحيدي. ↑
- () عالج الصدر العلاقة بين الإمامة والرسالة في: بحث حول الولاية، بحث حول الإمام المهدي عليه السلام المرسل والرسول والرسالة، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () دور الأئمة. مصدر سابق. ↑
- () أنظر: بحث حول الولاية. وكذلك: بحث حول الإمام المهدي عليه السلام حيث يحاول الصدر أن يفسر عصمة الأئمة (الأئمة المعصومون الاثنا عشر) بقربهم الزماني من الرسول صلى الله عليهوآله وسلم. هذا التفسير النفسي والاجتماعي والتاريخي للعصمة تمّ في إطار مصدرها الغيبي. ويفسر الصدر عصمة الإمام المهدي عليه السلام بالاعتماد على مصدرها الغيبي والاعتماد كذلك على التفسير التأريخي: الغيبة الكبرى تجعل الإمام المهدي عليه السلام يستوعب حركة التأريخ وظهور الحركة وانحطاطها من موقع علاقة التأريخ بالتعالي. ↑
- () أنظر: استجواب أجوبة مجلة العالم مع آية الله جوادي آملي (حامل رسالة الإمام الخميني إلى غورباتشوف) حيث إن الإمام الخميني خاطب غورباتشوف من موقع علاقة التأريخ بالغيب. مجلة العالم، لندن أكتوبر 1990م عدد 347، ص 31. ↑
- () مع العلم بأن الدول القومية في العالم الإسلامي تسير هي الأخرى في خط الانحراف. ↑
- () المهدوية الوضعية هي الرؤى المستقبلية لفلسفات التأريخ الوضعية. ↑
- () بحث حول الإمام المهدي عليه السلام. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () لقد تناول مالك بن نبي فكرة المستقبل (مستقبل الأمة) من المنظور الإسلامي، وحللها تحليلاً فلسفياً انطلاقاً من الآية الكريمة: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [سورة الصف، الآية: 9] أنظر: مالك بن نبي: المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. جامعة دمشق 1970م. ↑
- () التفسير الموضوعي. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 65 ـ 66 وص 105. ↑
- () بحوث إسلامية (فصل: العمل الصالح في الإسلام) ص 31 إلى 42. ↑
- () وهكذا تبرز علاقة فلسفة التأريخ بالعبادة عند الصدر. أنظر التفسير الموضوعي: 181 ـ 184. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 47 ـ 54. ↑
- () غالب حسن: من مقال: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، ما قبل الخطاب، مجلة الفكر الجديد نشر دار الإسلام ـ لندن، يوليو 1993م عدد 6 ص 157. ↑
- () غالب حسن، نفس المصدر، ص 159. ↑
- () التفسير الموضوعي، ص 94 ـ 100. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 160 ـ 175. ↑
- () اقتصادنا، ص 65 ـ 67. ↑
- () عالج الصدر مشكلة الحقب التأريخية، لا كموضوع مستقل بل كخلفية فلسفية ومعرفية لكل كتاباته تقريباً. وفكرة التحقيب أو تقسيم التأريخ إلى عصور تتميز عند الصدر بنوعيتها. فهي تتضمن إعادة النظرة في التأريخ البشري كله بصورة تتجاوز الرؤية الغربية التي تقسم التأريخ انطلاقاً من المركزية الغربية: العصر القديم، الوسيط والحديث. فالصدر له تقسيم آخر للتأريخ يجسد فيه ظهور الإسلام النقطة المركزية؛ لأنه الدين الخاتم الذي يستوعب كل الرسالات السابقة، ويتمتع نتيجة لذلك بالكونية التي تسمح له بمجابهة الشرك المسلح بالفلسفة والتكنولوجيا، وقيادة البشرية نحو المثل الأعلى الحقيقي، ومن هنا يرتكز التحقيب على مفهومي الخط الرسالي والخط المنحرف.ونتيجة لذلك لا يُقسم التأريخ انطلاقاً من تاريخ المسلمين الواقعي والمحدود (العصر الأموي والعصر العباسي مثلاً …) بل انطلاقاً من التأريخ الحقيقي المتمحور حول التوحيد. لقد عالج مشكلة التحقيب د. كليم صديقي في كتابه: التوحيد والتفسيح. المعهد الإسلامي، لندن 1984م. وكذلك علي شريعتي في كتابه: العودة إلى الذات، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1986م. ↑
- () Edgar Morin: Une Crise du Futur (Le Courier de PUNESCO) December 1992, Paris, P. 25. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة) وكذلك التفسير الموضوعي: 146 ـ 155. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة). ↑
- () اعتمدت في هذا البحث على الترجمة الفرنسية لكتاب نهاية التأريخ والإنسان الأخير الذي ألفه فرانسيس فوكوياما. ↑
- () الإنسان: هيجل في طريقه إلى واشنطن، مجلة الاجتهاد، نشر دار الاجتهاد، بيروت، ربيع صيف 1993م، عدد 15، 16 ص 83. ↑
- () اقتصادنا (إنسان العالم الإسلامي ـ الإنسان الأوروبي) (المقدمة). ↑
- () العقل الذي يستخدمه فوكوياما هو مجرّد عقل نفعي ليس العقل الذي يتمتع بإمكانية التعالي. ↑
- () بحث حول الإمام المهدي عليه السلام وكذلك خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. ↑
- () مصدر سابق. ↑
- () مصدر سابق. ↑
- () فوكوياما: نهاية التأريخ والإنسان الأخير (باللغة الفرنسية، أنظر: التعليق رقم 115) ص 323 ـ 330. يمكن نقد هذه الأفكار التي طرحها فوكوياما.يمكن نقدها بصورة جذرية من خلال كتب الصدر الخاصة: مفهوم «المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر» انظر التفسير الموضوعي، ص 162 ـ 165. ↑
- () فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص 11 ـ 24. ↑
- () بحوث إسلامية، ص 179 ـ 180 وكذلك منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () يمكن كذلك نقد مفهوم الإنسان الأخير (نهاية التأريخ والإنسان الأخير) عن طريق مفهوم «المثل الأعلى التكراري» الذي صاغه الصدر في كتابه التفسير الموضوعي، 170 ـ 177. ↑
- () القطيعة الإبستمولوجية هنا لها معنى خاص؛ لذلك فالفكر الإسلامي في حاجة ماسة إلى صياغة أبستمولوجيا خاصة به، قد تلتقي مع الإبستمولوجيا بمفهومها الغربي في بعض الجوانب وتختلف في جوانب أخرى. لكن القطيعة التي أحدثها الصدر تتميز بالطرح الجديد للموضوع بصورة جذرية إلى درجة أن القطيعة هنا هي كتلك التي وقعت بين الفكر العلمي والفكر الخرافي من حيث شدتها وعمقها. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة) وكذلك: منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () اقتصادنا (المقدمة). ↑
- () منابع القدرة في الدولة الإسلامية. ↑
- () لم أذكر الثورة الإسلامية في إيران على اعتبار أن هذه الثورة المباركة اعتمدت على فكر إسلامي عميق إلى درجة كبيرة وعلى مرجعية الفقهاء وخاصة الإمام الخميني (قدس) في حين أن الثورات الأخرى في العالم الإسلامي رغم اعتمادها على القيم الإسلامية، لم تعتمد على الرصيد الفكري المنظم والعميق الذي اعتمدت عليه الثورة الإسلامية في إيران إضافة إلى ذلك فإن الدولة في إيران هي استمرار للثورة الإسلامية، بينما وقعت قطيعة بين الدولة والثورة في البلدان الإسلامية الأخرى إذ بمجرد الحصول على الاستقلال استولى العلمانيون على الدولة. ↑
- () جوزيف سماحة: مقال على شكل حوار مع فوكوياما ـ عنوانه: نهاية التأريخ وردود الفعل ـ مجلة الاجتهاد، (ن ـ م) ص 302 ـ 303. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () انتقد الصدر النظام الاشتراكي والرأسمالي ـ بحوث إسلامية، ص 160 ـ 165. ↑
- () الزركلي، خير الدين ـ ما رأيت وما سمعت ـ المطبعة العربية ـ مصر ـ سنة 1923 ـ ص 17. ↑
- () شرف الدين ـ السيد عبد الحسين ـ بغية الراغبين ـ مخطوطة ـ ص 62. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 62. ↑
- () المصدر نفسه ـ ص 62. ↑
- () من خطب ورسائل السيد عبد الحسين شرف الدين ـ بخط ولده السيد جعفر شرف الدين ـ ص 6. ↑
- () ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 62. ↑
- () الحر ـ الشيخ عبد الحميد ـ الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين قائد فكر وعلم ونضال ـ دار الإنصاف ـ بيروت ـ ط أولى سنة 1972 ـ ص 44. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 63. ↑
- () الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين ـ مصدر سابق ـ ص 45. ↑
- () العرفان م 33 ـ تموز سنة 1947 ـ ص 1989 (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () وادي الحجير، يجري فيه نهر صغير، كثيف الأشجار، يتوسط منطقة جبل عامل، تحيط به قرى: قبريخا ومجدل سلم والقنطرة والطيبة. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ص 64. ↑
- () المصدر نفسه ص 64. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 64. ↑
- () فضل الله ـ هادي ـ رائد الفكر الإصلاحي السيد عبد الحسين شرف الدين ـ مؤسسة عز الدين ـ ص 150. ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق ـ ص 64 ـ 65. ↑
- () مجلة العروبة ـ 22 كانون الأول سنة 1934م ـ العدد 20 ـ السنة الأولى ـ ص 26. ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () جريدة السفير ـ 31/7/1990/ (مقابلة مع بعض من حضر مؤتمر الحجير). ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 988 ـ مصدر سابق. ↑
- () من دفتر ذكريات السيد عبد الحسين شرف الدين رسائله وخطبه ـ ص 9 ـ 10 ـ 11 (بخط ولده السيد جعفر شرف الدين). ↑
- () العرفان ـ م 33 ـ ص 989 (مذكرات الشيخ أحمد رضا ـ يوميات للتاريخ). ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () بغية الراغبين ـ مصدر سابق، ص 66. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، بغية الراغبين ….، بيروت: الدار الإسلامية، الطبعة الأولى، 1991، 2/ 486 ـ 489. ↑
- () المصر نفسه، 2/ 130. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 130. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 553. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 63 و64. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، بيروت: مؤسسة الأعلمي 1966، ص 11. ↑
- () المصدر نفسه، ص 10. ↑
- () المصدر نفسه، ص 56. ↑
- () بغية الرّاغبين، 2/ 67 و72. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 73 و77. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 107. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 77. ↑
- () وجوه ثقافية من الجنوب، بيروت: المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ص 11. ↑
- () بغية الراغبين … 2/ 12. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 162 و1/ 135. ↑
- () النص والاجتهاد، ص 15 و17. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، أبو هريرة، بيروت: دار الزهراء، الطبعة الخامسة، 1986، ص 192. ↑
- () علي يوسف، «إذا كانت هذه هي الأصوليّة فلسنا أصوليّين»، البلاد، العدد 107، ص 47. ↑
- () أبو هريرة ….، ص 8 و9. ↑
- () بغية الراغبين …، 2/ 480 و481. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 247. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 204 و205. ↑
- () المصدر نفسه، 1/ 9 و145 و2/ 6. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، الفصول المهمَّة في تأليف الأمة، بيروت: دار الزهراء، الطبعة السابعة، 1977، ص 22. ↑
- () المصدر نفسه، ص 143. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين أجوبة موسى جار الله، بيروت: مؤسسة أهل البيت، سلسلة المكتبة الإسلامية، 1990، ص 5. ↑
- () أبو هريرة، ص 17. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 170. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 114 و115. ↑
- () راجع: المصدر نفسه، 2/ 115 و116 و117 و123 و124 و131 و149. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 81. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 7. ↑
- () الفصول المهمة، ص 118. ↑
- () بغية الراغبين، 1/ أ. ↑
- () المصدر نفسه، 1/ 11. ↑
- () 2/ 269. ↑
- () السيد عبد الحسين شرف الدين، فلسفة الميثاق والولاية، بيروت: مؤسسة الوفاء. 1984، ص 5 ـ 10. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 148. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 148. ↑
- () أبو هريرة، ص 121. ↑
- () المصدر نفسه، 157. ↑
- () بغية الراغبين، 2/ 120. ↑
- () المصدر نفسه، 490. ↑
- () المصدر نفسه، 227. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 70. وحدثت هذه الفتنة لمّا هاجم بعض الأقوام دار الإمام الشيرازي وكادت تحدث فتنة مذهبيَّة في العراق في ذلك الظرف العصيب. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 150 و151. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 155. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 151 و162. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 122. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 241 و243. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 573. ↑
- () راجع: المصدر نفسه، 2/ 469 ـ 472. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 473. ↑
- () المصدر نفسه، 2/ 473 و474. ↑
- () نقلت عن الطبعة الثانية التي طبعت في دار الساعة ـ بغداد ـ 1365هـ. ↑
- () بعد نشر هذه المقدمة خرج لسيدنا عدة كتب جليلة منها:1 ـ مسائل خلافية ـ في بعض الفروع تكلم فيها على المذاهب الخمسة طبعت في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1370هـ.2 ـ رسالة كلامية ـ حول الرؤية طبعت بصيدا أيضاً سنة 1371هـ. وطبع معها ـ فلسفة الميثاق والولاية ـ طبعة ثانية.
3 ـ كتاب إلى المجمع العلمي العربي بدمشق ـ طبع بصيدا سنة 1369هـ، بحث فيه مع رئيس المجمع الأستاذ كرد علي وناقشه الحساب فيما نسبه إلى الإمامية متجنياً عليهم.
4 ـ وسيقدم إلى الطبع كتابه ـ الاجتهاد مقابل النص. ↑
- () تحفظ بضم حرف المضارعة من أحفظ بمعنى أغضب. وفي الحديث: بدرت مني كلمة أحفظته ـ أي أغضبته ـ والمراد منها هنا، أنها تغضب الحاقد بسبب أنه لا تبقي له سبيلاً يرتاح إليه في القدح أو الكلام على المؤلف. ↑
- () كانت ثلاثاً وثلاثين سنة. ↑
- () أما الكلية اليوم فقد نمت نمواً مباركاً بفضل الله تعالى وعناية سيدنا، قدس الله سره، وإخلاص ولده السيد جعفر الذي عهد بها إليه منذ نشأتها، فانكب على خدمتها بشبابه ونشاطه حتى سما بها فأوصلها إلى رتبة أرقى المدارس، فهي اليوم تناهض أرسخ المعاهد قدماً، وتسمو على أمثالها مما تستند كياناته إلى جمعيات ودول، وأبرز ما ولد فيها «صرح المهاجر» الجديد، إذ أوفد قدس الله سره ولديه السيد صدر الدين والسيد جعفر إلى أبنائه في المهاجر الإفريقية، يتفقدانهم، ويدعوانهم إلى نجدة المشروع، فجاءا بمائتي ألف ليرة لبنانية رفعت الصرح وفق تصميم لأحدث معهد في ثلاثة أدوار، كل دور جناحان، الأول طوله ثمان وستون متراً، والثاني طوله واحد وأربعون متراً، وعرض جناحين عشرة أمتار، وفي وسط الصرح برج عظيم لساعة كبرى تضبط الوقت، وتعد الزمن، وأمام الصرح ساحة مساحتها عشرة آلاف متر وهي موصولة بالمدرسة القديمة، مسوّرة تسويراً يجعل من بنية الكلية وحدة يصح أن تدعى «مدينة العلم» في صور.وبعد ذهابه إلى الرفيق الأعلى يوم الاثنين 30 كانون الأول سنة 1957 الموافق في 8 جمادى الثانية سنة 1377هـ، تمّ دفنه بناء على وصية منه في النجف الأشرف بجوار جده الإمام علي بن أبي طالب داخل الصحن في إحدى الغرف المحيطة بالضريح في يوم الأربعاء في 1 كانون الثاني 1958. الموافق 10 جمادى الثانية سنة 1377هـ.ترك قدس الله سره، هذه المؤسسات أمانة في عنق جمعية اختار أعضاءها من الذين أعانوه في شتى مجالاته الدينية والاجتماعية والثقافية. وعهد إليها بأوقافها تغذيها وتنميها وقد كانت هذه الجمعية بشخص رئيسها السيد خليل فرعوني عند حسن ظن السيد المؤسس إنشاء وبناء، حتى أصبح للجعفرية اليوم بفضل هذه الجمعية عقارات شامخة هي أبرز عقارات صور التجارية. ↑
- () أقام سماحته الصرح الجديد للكلية الجعفرية في هذا المكان وفق تصميمه. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 27. ↑
- () الكافي م 1 ص 183 وص 371 و375 وإلزام الناصب ص 4 ـ 5 والمحجة البيضاء ج 1 ص 54. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 105. ↑
- () سورة يونس، الآية: 53. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 176 وإعلام الورى ص 423 والبحار ج 53 ص 80 وبشارة الإسلام ص 300 والإمام المهدي ص 253 وإلزام الناصب ص 129. ↑
- () البحار ج 52 ص 302. ↑
- () عيون أخبار الرضا ج 2 ص 130. ↑
- () الإرشاد ص 326 ومجمع البيان م 3 ج 18 ص 152 والبيان ص 59 وكشف الغمة ج 3 ص 264 ومنتخب الأثر ص 142 و153 و247 والصواعق المحرقة ص 161 وينابيع المودة ج 3 ص 81 و86 و165 وبشارة الإسلام ص 282 و287 باختلاف يسير، ومثله في الحاوي للفتاوي ج 2 ص 125 والبحار ج 51 ص 74 وج 52 ص 125 وذخائر العقبى ص 136 وإعلام الورى ص 402 والغيبة للطوسي ص 112. ↑
- () الوسائل م 18 ج 51 ص 65 والبحار ج 52 ص 125 والملاحم والفتن ص 114 وإسعاف الراغبين 147 بلفظ قريب ومثله في نور الأبصار ص 229 ـ 230 وإلزام الناصب ص 78 وينابيع المودة ج 3 ص 170. ↑
- () بشارة الإسلام ص 60. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 103. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 5. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 10. ↑
- () منتخب الأثر ص 518 والبحار ج 53 ص 171. ↑
- () البحار ج 53 ص 178 في كتاب طويل، ومثله في الغيبة للطوسي ص 172 وكذلك في الإمام المهدي ص 251 و255 ومنتخب الأثر ص 386 وإلزام الناصب ص 129. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 9 والخبر في البحار ج 52 ص 250 ـ 251 والغيبة للنعماني ص 162 وفي بشارة الإسلام ص 166 عن الجواد عليه السلام. ↑
- () الكافي م 1 ص 401 وفي إلزام الناصب ص 12 عن أمير المؤمنين بلفظ قريب، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 204. ↑
- () الوسائل م 18 ح 43 ص 63 والكافي م 1 ص 403. ↑
- () إعلام الورى ص 424 وعدة مصادر. ↑
- () الكافي م 1 ص 370 وإلزام الناصب ص 81. ↑
- () سورة يونس، الآية: 53 راجع الغيبة للطوسي ص 110. ↑
- () إلزام الناصب ص 4 ومنتخب الأثر ص 270 والغيبة للنعماني ص 7 والغيبة للطوسي ص 132 والبحار ج 52 ص 92 والمهدي ص 101 وينابيع المودة ج 3 ص 148 قريب منه، ونهج البلاغة ج 4 ص 37. ↑
- () البحار ج 51 ص 72 وإعلام الورى ص 399 وينابيع المودة ج 3 ص 163 و168 والمهدي ص 148 و206 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و269 بلفظ آخر، ومثله في البيان ص 57 وحقائق الإنسان ص 162. ↑
- () عيون أخبار الرضا ج 2 ص 60 ومنتخب الأثر ص 143. ↑
- () البيان ص 63 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 130 قريب منه، وكشف الغمة ج 3 ص 267 ومنتخب الأثر ص 143 و179 والإمام المهدي ص 69 و106 و296 وإلزام الناصب ص 53 وإسعاف الراغبين ص 133 و142 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124 و148 و155 والغيبة للطوسي ص 114 بعضه، والبحار ج 51 ص 75 نصفه الأول ومثله في الملاحم والفتن ص 60 و68 والمهدي المنتظر ص 43 وينابيع المودة ج 3 ص 86 ما عدا آخره ومثله في ص 88 والمهدي ص 73. ↑
- () الاختصاص ص 208 والبيان ص 80 ومنتخب الأثر ص 199 والمهدي ص 58 وبشارة الإسلام ص 282 و292 وإلزام الناصب ص 53 عن الفصول المهمة وص 256 والبحار ج 51 ص 91 أوله، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 130 قريب منه، وكشف الغمة ج 3 ص 261 بلفظ آخر وص 272 وينابيع المودة ج 3 ص 93 بلفظ آخر وص 163 عن غاية المرام وص 165 و167 والمهدي ص 58. ↑
- () البحار ج 51 ص 78 وبشارة الإسلام ص 280 و292 وفي نور الأنوار ص 143 تجد نسب أم الباقر عليها السلام. ↑
- () منتخب الأثر ص 85 والبحار ج 51 ص 78 وج 52 ص 266 ـ 267 و280 أوله، والبيان ص 56 وذخائر العقبى ص 136 والمهدي ص 56 و188 وبشارة الإسلام ص 24 و33 و218 و289 والإمام المهدي ص 77 ـ 78 وص 215 ـ 216 وينابيع المودة ج 3 ص 165 بلفظ مختلف، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 137 بلفظ آخر. ↑
- () الكافي م 1 ص 534 ومنتخب الأثر ص 33 بلفظ آخر والغيبة للطوسي ص 93 عن أمير المؤمنين عليه السلام والبحار ج 53 ص 142 بلفظ آخر، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 162 عن غاية المرام. ↑
- () المهدي ص 104 وكشف الغمة ج 3 ص 294 بلفظ آخر. ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 167 وفي صحيح مسلم ج 6 ص 3: كلهم من قريش، ومنتخب الأثر ص 51 و82 والإمام المهدي ص 22 و28 و105 وإلزام الناصب ص 64 بلفظ قريب. ↑
- () البيان ص 66 ومنتخب الأثر ص 81 و154 وكشف الغمة ج 3 ص 263 و267 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 والغيبة للطوسي ص 113 والبحار ج 51 ص 65 وينابيع المودة ج 3 ص 91 والصواعق المحرقة ص 158 ـ 185 وبشارة الإسلام ص 286 و290 والإمام المهدي ص 65 عن ذخائر العقبى، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124. ↑
- () الإرشاد ص 328. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 108. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 297 والإمام المهدي ص 23 وإلزام الناصب ص 64 ومنتخب الأثر ص 58 ومعاني الأخبار ص 370 وينابيع المودة ج 3 ص 168 والمهدي ص 101 وإعلام الورى ص 370 والوسائل م 18 ح 27 ص 562. ↑
- () البحار ج 52 ص 378 والغيبة للنعماني ص 58 أوله، ومنتخب الأثر ص 53 بلفظ آخر، ومثله في الملاحم والفتن ص 27. ↑
- () منتخب الأثر ص 32 وإلزام الناصب ص 63 ـ 64 وفي ص 237 بتفصيل، والبحار ج 51 ص 73 قريب منه، ومثله في كشف الغمة ج 3 ص 267 والإمام المهدي ص 108 وإعلام الورى ص 370 نصفه الأول، والكافي م 1 ص 209 باختلاف يسير والمحجة البيضاء ج 1 ص 243 ـ 244 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 53. ↑
- () منتخب الأثر ص 151 وفي ينابيع المودة ج 3 ص 174 بعضه. ↑
- () إعلام الورى ص 381 وإلزام الناصب ص 63 وبشارة الإسلام ص 8 ـ 9 ما عدا آخره، والبحار ج 52 ص 310 باختلاف يسير. ↑
- () إعلام الورى ص 399 وإلزام الناصب ص 126 عن الصادق عليه السلام ومثله في البحار ج 52 ص 91 ما عدا آخره … وبشارة الإسلام ص 18 والمهدي ص 146 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 و169 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337. ↑
- () في مجمع البحرين ج 5 ص 78 قال الإمام الصادق عليه السلام: مصحف فاطمة عليها السلام فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات. والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، وليس فيه من حلال ولا حرام، ولكن فيه علم ما يكون. انظر الغيبة للطوسي ص 92. ↑
- () البحار ج 51 ص 77 وج 52 ص 277 ما عدا آخره وص 312 وينابيع المودة ج 3 ص 160 بتفصيل، ومثله في المهدي ص 229 وبشارة الإسلام ص 5 و12 و13 بتفصيل وص 244 والإمام المهدي ص 216 ومنتخب الأثر ص 135و 423 بلفظ آخر، ومثله في عيون أخبار الرضا ج 1 ص 36 و206 بلفظ آخر. والغيبة للطوسي ص 95 وإلزام الناصب ص 64 و66 و251 أوله نقلاً عن البيان. ↑
- () الإمام المهدي ص 333؟ والبرهان ص 75 وإلزام الناصب ص 227. ↑
- () منتخب الأثر ص 141 وص 215 عن الصادق عليه السلام وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 65 بلفظ آخر، ومثله في المهدي ص 206 وفي بشارة الإسلام ص 284 ونور الأبصار ص 171 و231 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و264 و265 و266 قريب منه، والصواعق المحرقة ص 98 والمحجة البيضاء ج 4 ص 335 والمهدي ص 48 و114 و115 وينابيع المودة ج 3 ص 86 و164 نصفه الأول. ↑
- () بشارة الإسلام ص 59 و35 مع زيادة، وكذلك في ص 286 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 133 وإلزام الناصب ص 251 و252 وإسعاف الراغبين ص 133 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و166 بتفصيل. ومثلُه في المهدي ص 230 وكشف الغمة ج 3 ص 264 بلفظ قريب، ومثله في البيان ص 90. ↑
- () إعلام الورى ص 400 نصفه الأول، وفي منتخب الأثر ص 158 نصفُه الأخير. ↑
- () مسند أحمد م 5 ص 106 والإمام المهدي ص 15. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 165 والإمام المهدي ص 18 وصحيح البخاري ج 4 ص 185 والملاحم والفتن ص 132 وصحيح مسلم م 2 ص 191 ومسند أحمد م 5 ص 106. ↑
- () صحيح البخاري ج 9 ص 62 وذخائر العقبى ص 12. ↑
- () منتخب الأثر ص 65 والإمام المهدي ص 30. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 108 وص 162 ومنتخب الأثر ص 149 وإلزام الناصب ص 59 والإمام المهدي ص 299 نقلاً عن غاية المرام ص 662. ↑
- () منتخب الأثر ص 492 وفيها: من أنكر القائم من وُلدي فقد أنكرني. وفي الاختصاص ص 268: من مات وليس له إمام يسمع له ويُطيع، مات ميتةً جاهلية، ومثلُه في البحار ج 7 ص 20. ↑
- () بشارة الإسلام ص 52 وإلامام المهدي ص 79 وإعلام الورى ص 400 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337 عن الرضا عليه السلام وفي منتخب الأثر ص 467 عن الصادق عليه السلام نصفه الأول. ↑
- () إلزام الناصب ص 11. ↑
- () إعلام الورى ص 378. ↑
- () البحار ج 51 ص 34 والإرشاد ص 342 وإعلام الورى ص 434 والغيبة للطوسي ص 281 والمحجة البيضاء ج 4 ص 341. ↑
- () إلزام الناصب ص 82. ↑
- () البحار ج 51 ص 33 وج 53 ص 184 وإلزام الناصب ص 82. ↑
- () إلزام الناصب ص 82 وإعلام الورى ص 423. ↑
- () منتخب الأثر ص 162 والملاحم والفتن ص 58 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 134 والمهدي ص 207 نقلاً عن البخاري ـ الفصل ـ 7. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 114 وبشارة الإسلام ص 54 والبحار ج 51 ص 115 وفي منتخب الأثر ص 309 بعضه. ↑
- () نهج البلاغة ج 2 ص 108 وشرح النهج م 2 ص 435 حيث قال ابن أبي الحديد: وليس ببعيد عندي أن يريد به القائم من آل محمد عليه السلام ومنتخب الأثر ص 150 وينابيع المودة ج 3 ص 94 والمهدي ص 18 والإمام المهدي ص 84. وشرح النهج م 4 ص 336 حيث قال ابن أبي الحديد: إن أصحابنا يقولون: إنه وعد بإمام يملك الأرض. ↑
- () نهج البلاغة ج 1 ص 36. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 206 والملاحم والفتن ص 138 وكشف الغمة ج 3 ص 318 والكافي م 1 ص 371 و377 وإلزام الناصب ص 5 و27 وعيون أخبار الرضا ج 3 ص 58 روي في المصادر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن بعض الأئمة عليهم السلام. ↑
- () الاختصاص ص 268. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 62 وإلزام الناصب ص 127 بلفظ آخر. ↑
- () إعلام الورى ص 384. ↑
- () منتخب الأثر ص 271 والبحار ج 52 ص 92 عن الصادق عليه السلام. ↑
- () معاني الأخبار ص 132. ↑
- () منتخب الأثر ص 172. ↑
- () البحار ج 52 ص 224 وإلزام الناصب ص 176 وإعلام الورى ص 427 بعضه، ومثله في الملاحم والفتن ص 99 وفي بشارة الإسلام ص 103 بعضه. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 297 والمُحدَّثُ هو الذي يُلقي أحدُ الملائكة في ذهنه ما ينبغي أن يقوله. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 7 و46 والإرشاد ص 328. ↑
- () البحار ج 51 ص 34 و139 بلفظ قريب، والغيبة للنعماني ص 87 ومنتخب الأثر ص 288: انظروا من تخفى على الناس ولادته … والكافي م 1 ص 342 بلفظ قريب. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 314 وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 والبحار ج 52 ص 279 و283 والاختصاص ص 289 وإعلام الورى ص 408 وإلزام الناصب ص 53 والإمام المهدي ص 80. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 134 وإلزام الناصب ص 4 عن الصادقين عليهم السلام وفي الكافي م 1 ص 178 و179 بلفظ آخر. ↑
- () إلزام الناصب ص 4 و245 والغيبة للنعماني ص 69 وينابيع المودة ص 3 و ص 148 بلفظ قريب، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 212 والغيبة للطوسي ص 132 والكافي م 1 ص 79 بلفظ آخر. ↑
- () إلزام الناصب ص 78. ↑
- () البحار ج 51 ص 140 والغيبة للنعماني ص 41 والإمام المهدي ص 90 عن كشف الغمة والوسائل م 18 ح 32 ص 564. ↑
- () الوسائل م 18 ح 37 ص 565. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 157 راجع الكافي م 1 ص 181 و429. ↑
- () البحار ج 51 ص 141 و378 وبشارة الإسلام ص 246. ↑
- () الوسائل م 18 ح 29 ص 563. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 158. ↑
- () الكافي م 1 ص 536 وإلزام الناصب ص 229 ما عدا آخره. ↑
- () سورة النحل، الآيتان: 8 ـ 9. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 42. ↑
- () منتخب الأثر ص 242 والبحار ج 51 ص 38 و143 وإعلام الورى ص 403 والغيبة للطوسي ص 139 ـ 140 وإلزام الناصب ص 67. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () الملاحم والفتن ص 166 والبحار ج 51 ص 164. ↑
- () أنظر ينابيع المودة ج 3 ص 25 وغيره من المصادر. ↑
- () منتخب الأثر ص 501 والبحار ج 52 ص 93 وإعلام الورى ص 405 وإلزام الناصب ص 80. ↑
- () سورة آل عمران ـ 36 راجع البحار ج 52 ص 119 وإلزام الناصب ص 20. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 36 راجع البحار ج 52 ص 119 وإلزام الناصب ص 20. ↑
- () منتخب الأثر ص 214 والمهدي ص 61. ↑
- () منتخب الأثر ص 214 والمهدي ص 61. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 63 والكافي م 1 ص 373 عن الكاظم عليه السلام. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 63 والكافي م 1 ص 373 عن الكاظم عليه السلام. ↑
- () إعلام الورى ص 403 وكشف الغمة ج 3 ص 313 والبحار ج 51 ص 143 وإلزام الناصب ص 67. ↑
- () إلزام الناصب ص 82 والبحار ج 51 ص 32. ↑
- () منتخب الأثر ص 288 وكشف الغمة ج 3 ص 314 وفي الغيبة للنعماني ص 88 عن الصادق عليه السلام. ↑
- () إعلام الورى ص 408 وبشارة الإسلام ص 161 ومنتخب الأثر ص 220 وإلزام الناصب ص 53 والمهدي ص 98 والبحار ج 52 ص 321 ـ 322 والإمام المهدي ص 92 عن الجواد عليه السلام وينابيع المودة ج 3 ص 109 و164 والاختصاص ص 316 وغاية المرام ص 666. ↑
- () الإمام المهدي ص 92 و279 والفصول المهمة ص 233 وينابيع المودة ج 3 ص 115 و138 وإلزام الناصب ص 61 وكشف الغمة ج 3 ص 315 وفي الكافي م 1 ص 333 نصفه الأخير، ومثله في منتخب الأثر ص 262. ↑
- () إعلام الورى ص 408 وإلزام الناصب ص 68. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 98 والبحار ج 51 ص 157 وبشارة الإسلام ص 164. ↑
- () البحار ج 52 ص 283 وينابيع المودة ج 3 ص 164 بلفظ قريب. ↑
- () البحار ج 51 ص 33 وإلزام الناصب ص 68. ↑
- () منتخب الأثر ص 226 و127 والغيبة للطوسي ص 122 وإعلام الورى ص 410 والبحار ج 51 ص 158 وإلزام الناصب ص 69 و82 والكافي م 1 ص 332 بلفظ آخر، والإمام المهدي ص 93. ↑
- () منتخب الأثر ص 226 والبحار ج 51 ص 160 وإعلام الورى ص 412. ↑
- () نور الأبصار ص 167 والغيبة للطوسي ص 123 وكشف الغمة ج 3 ص 293 والإمام المهدي ص 278. ↑
- () البحار ج 53 ص 191 والإمام المهدي ص 258. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 148 و158 والملاحم والفتن ص 147 وفي منتخب الأثر ص 163 ـ 164 تجده مع نقاش جرى مع معاوية بن أبي سفيان بشأن المهدي، هو جدير بالاطّلاع عليه. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 101. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 299 والملاحم والفتن ص 96 والمهدي ص 75 و225 نقلاً عن عقد الدرر، والحاوي للفتاوي ج 2 ص 153 والإمام المهدي ص 97. ↑
- () بشارة الإسلام ص 103 وفي البحار ج 52 ص 239 قسمهُ الأخير عن الباقر عليه السلام ومثله في الغيبة للنعماني ص 151 وكذلك في المهدي ص 226. ↑
- () الإمام المهدي ص 349 ـ 350 ذكره بتفصيل نقلاً عن البرهان ص 67. ↑
- () إلزام الناصب ص 173 نقلاً عن الفتوحات. ↑
- () الكافي م 2 ص 47 وم 2 ص 182. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 175 والبحار ج 53 ص 194 ـ 195 والإمام المهدي ص 260 ـ 261 وإلزام الغاصب ص 128. ↑
- () توفي أبوه ليلة الثامن من ربيع الأول سنة 260 هجرية، وكان قد وُلِد فجر يوم الجمعة 15 شعبان من سنة 255 هجرية أنظر المحجة البيضاء ج 4 ص 335 والبحار ج 51 ص 23 ومصادر غيرها لا تحصى. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 33. ↑
- () إعلام الورى ص 393 والبحار ج 51 ص 13 وكشف الغمة ج 3 ص 265 و309 والمحجة البيضاء ج 4 ص 337 ومنتخب الأثر ص 256 و345 والإمام المهدي ص 8 و342 ونور الأبصار ص 168 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () الكافي م 1 ص 411 والبحار ج 51 ص 24 ومنتخب الأثر ص 214 وكشف الغمة ج 3 ص 261 و265، و269 والغيبة للطوسي ص 164 و165 وينابيع المودة ج 3 ص 166 والإمام المهدي ص 8 و336 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () الكافي م 1 ص 412. ↑
- () راجع ينابيع المودة ج 3 ص 112 و113 وإلزام الناصب ص 140 و141 و142. ↑
- () البحار ج 52 ص 373 ومنتخب الأثر ص 517 وفي الغيبة للطوسي ص 282: من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة. ↑
- () سورة هود، الآية: 86. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 259 و269 والبحار ج 51 ص 80 و90 وبشارة الإسلام ص 282 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 124 ونور الأبصار ص 168 والإمام المهدي ص 337 والبيان ص 80 و96 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 ومنتخب الأثر ص 143 والملاحم والفتن ص 58 و113 وينابيع المودة ج 3 ص 87 وإلزام الناصب ص 138 و139 و256. ↑
- () منتخب الأثر ص 185 والبحار ج 51 ص 78 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 136 و137 و160 وبشارة الإسلام ص 282 و283 و294 ونور الأبصار ص 170 والإمام المهدي ص 68 والفصول المهمة ص 276 وإسعاف الراغبين ص 134 وينابيع المودة ج 3 ص 90 والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 وإلزام الناصب ص 138 وص 256. ↑
- () البحار ج 51 ص 77 والبيان ص 96 وكشف الغمة ج 3 ص 260 و277 والملاحم والفتن ص 115 و116 ونور الأبصار ص 230 وينابيع المودة ج 3 ص 135 نقلاً عن إسعاف الراغبين وعن غاية المرام وإلزام الناصب ص 139. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 259 و269 ومنتخب الأثر ص 147 أوله، ومثله في ينابيع المودة ج 3 ص 164 ونور الأبصار ص 170 والمهدي ص 94 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 136 بعضه، وإلزام الناصب ص 139 وص 256 نقلاً عن البيان، وغاية المرام ص 668. ↑
- () الاختصاص ص 208 والبيان ص 95 بلفظ آخر والمحجة البيضاء ج 4 ص 340 والبحار ج 51 ص 80 وج 52 ص 304 وينابيع المودة ج 3 ص 108 نصفه الأخير وص 162 نقلاً عن غاية المرام وبشارة الإسلام ص 283 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 160. ↑
- () كشف الغمة ج 3 ص 260 و276 ومنتخب الأثر ص 166 مع كثير من صفاته الكريمة. ومثله في الملاحم والفتن ص 58 وينابيع المودة ج 3 ص 35 وإسعاف الراغبين ص 149 وبشارة الإسلام ص 282 وإلزام الناصب ص 104 بعضه، وص 138 و139. ↑
- () البحار ج 52 ص 51 وبشارة الإسلام ص 220 والمهدي ص 53 وإعلام الورى ص 434 بلفظ آخر والبيان ص 95 ومنتخب الأثر ص 186. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 114 وفي منتخب الأثر ص 150 بلفظ قريب وكذلك في البحار ج 51 ص 131 وإعلام الورى ص 434 وإلزام الناصب ص 138 و139 وينابيع المودة ج 3 ص 174 والحاوي للفتاوي ج 2 ص 165 بعضه. ↑
- () البحار ج 51 ص 36 وإلزام الناصب ص 138 وص 178 والغيبة للطوسي ص 281. ↑
- () منتخب الأثر ص 154 والملاحم والفتن ص 123. ↑
- () منتخب الأثر ص 157 وينابيع المودة ج 3 ص 131 ـ 132. ↑
- () البحار ج 51 ص 35 ومنتخب الأثر ص 185 وإلزام الناصب ص 138 و139 والملاحم والفتن ص 58 بعضه. ↑
- () الغيبة للنعغماني ص 127 عن الصادق عليه السلام ومنتخب الأثر ص 309 والمهدي ص 74 وص 226 نقلاً عن عقد الدرر. ↑
- () إلزام الناصب ص 214. ↑
- () إلزام الناصب ص 197. ↑
- () إلزام الناصب ص 198. ↑
- () إلزام الناصب ص 104 وص 138 و139. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 115 والبحار ج 51 ص 40 و41 وإلزام الناصب ص 139 ومنتخب الأثر ص 241 مع صفاتٍ غيرها. ↑
- () منتخب الأثر ص 165 وإلزام الناصب ص 104 وص 108 بعضُه. ↑
- () إلزام الناصب ص 138. ↑
- () منتخب الأثر ص 258 وإعلام الورى ص 407 بلفظ آخر وفي مصادر أخرى كثيرة نقل بعضُها عن بعض. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 259 وإعلام الورى ص 403 والبحار ج 52 ص 287 ومنتخب الأثر ص 285. ↑
- () الإرشاد ص 342 وإلزام الناصب ص 138 و139. ↑
- () الحاوي للفتاوي ج 2 ص 147 والملاحم والفتن ص 58 و59 وفي نور الأبصار ص 170 كثير من صفاته الشريفة وكذلك في إلزام الناصب ص 138 و139. ↑
- () الملاحم والفتن ص 58 والإمام المهدي ص 97 عن كعب الأحبار. ↑
- () إعلام الورى ص 407 ومنتخب الأثر ص 221 وكشف الغمة ج 3 ص 314 بلفظ آخر والبحار ج 52 ص 322 عن الرضا عليه السلام. ↑
- () إلزام الناصب ص 138 و139 وفي الإمام المهدي ص 337 شيء منه. ↑
- () البحار ج 52 ص 319 وفي الكافي م 1 ص 233 قال: وقائمُنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله، ومثله في إلزام الناصب ص 7. ↑
- () منتخب الأثر ص 422 وبشارة الإسلام ص 164 وإلزام الناصب ص 68 أوله وص 138 آخره. ↑
- () منتخب الأثر ص 285 وص 221 بلفظ آخر وإعلام الورى ص 435 والبحار ج 52 ص 285 و322 نصفه الأول. وكشف الغمة ج 3 ص 314 بلفظ آخر. ↑
- () المهدي ص 266 نقلاً عن عقد الدرر والحاوي للفتاوي ج 2 ص 147. ↑
- () إلزام الناصب ص 10 في حديث طويل. ↑
- () إلزام الناصب ص 10 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 170. ↑
- () الغيبة للنعماني ص 74 وبشارة الإسلام ص 189 والبحار ج 52 ص 266. ↑
- () إلزام الناصب ص 96 وإسعاف الراغبين ص 142. ↑
- () المهدي ص 97. ↑
- () الصواعق المحرقة ص 161. ↑
- () الغيبة للطوسي ص 205 وبشارة الإسلام ص 88 ومنتخب الأثر ص 58 ونهاية الخبر تأتي في هذا الكتاب مع جميع مصادره إن شاء الله تعالى. ↑
- () إلزام الناصب ص 73 وينابيع المودة ج 3 ص 53 والمهدي ص 74 آخره. ↑
- () ينابيع المودة ج 3 ص 170 وفي بشارة الإسلام ص 189: أعلمهُم علماً، وأقدمُهم سلماً، وأوقرهُم حِلماً، وغاية المرام ص 707. ↑
- () إلزام الناصب ص 9. ↑