لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثالث والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الهفوف
الهفوف أهم وأعرق مدن المنطقة الشرقية فيما يسمى بالمملكة العربية السعودية، وقبل نهوض مدينة الدمام كانت أكبر مدن المنطقة على الإطلاق، وتقع على مسافة 340 كيلومتراً من الرياض شرقاً وتبعد عن (العقير) بشاطئ الخليج 120 كيلومتراً.
وسميت بالهفوف أو الهفهوف لتهافت الناس عليها ورغبتهم في سكناها، لكونها ـ كما قال المؤرخ ابن عبد القادر ـ عاصمة الأحساء… ومدينة التجارة والبيع والشراء والأخذ والعطاء.
ولا يعرف متى كان بناؤها ولا تسميتها بالهفوف، أو الهفهوف، إلا أنّه جاء في هامش تأريخ ابن عبد القادر ما يشير إلى أنها كانت معروفة بهذا الاسم في أواسط القرن الحادي عشر الهجري، وأورد بيتاً من الشعر نسبه إلى الشيخ علي بن حسين الخطي هذا نصه:
مهلاً مهفهفة الهفوف من هجر
أنغمة العود ذي أم نغمة الوتر
والبيت ـ كما يرى ـ منزحف ولا يستقيم إلا بإدخال (هاء) على الهفوف فتكون (الهفهوف).
ومما لا شك فيه أن مدينة الهفوف قد بنيت لتخلف مدينة الأحساء التاريخية التي بناها أبو طاهر القرمطي سنة 314هـ، وسماها بالمؤمنية، في مكان حدده حمد الجاسر بالجنوب الشرقي من مدينة المبرز وبالشمال الشرقي من مدينة الهفوف الآن.
وبهذه المدينة ـ أي الأحساء ـ سميت المنطقة، وحتى الآن لا زال يطلق عليها اسم الأحساء (بفتح الهمزة الأولى) أو الحساء (بفتح الحاء) على الهفوف وما جاورها من القرى: بني معن، الشهارين، القارة… وغيرها.
والأحساء اليوم واحدة من سبع وعشرين إمارة يطلق عليها جميعاً المنطقة الشرقية)[1](، إمارتها الرئيسية الظهران ومركزها (الدمام).
وقبل أن تبنى مدينة الأحساء على أيدي القرامطة كما أسلفنا، كانت المنطقة مكونة من ثلاثة نواحٍ أو ما نسميه اليوم بالمقاطعات هي:
1 ـ هجر، ويشمل مكان الأحساء وما والاه من سيف البحر.
2 ـ الخط، ويشمل القطيف وتاروت.
3 ـ جزيرة أوال (دولة البحرين حالياً).
هذه المقاطعات الثلاث كان يجمعها اسم واحد هو (مملكة البحرين) وعندما جاء الإسلام كانت مملكة البحرين مع معظم أجزاء الجزيرة العربية أو المناطق الهامة فيها تحت نفوذ الكسروية الفارسية التي تمكنت بعد حروب طويلة من دحر الرومان البيزنطيين من مصر والشام والجزيرة العربية، وحصرهم في فلسطين، كان ذلك في مطلع القرن السابع للميلاد، في عهد كسرى أبرويز.
وبسيطرة الفرس على الموانئ الرئيسية في الخليج عاد للتجارة البرية أهميتها، فازدهرت مكة وهجر ومسقط وعدن وصنعاء، كما ازدهرت الحيرة والبصرة والرها ونصيبين.
وكان والي الفرس على صنعاء يومئذ باذان الفارسي الذي اعتنق الإسلام وأقره النبي (ص) على عمله، وعلى البحرين المنذر بن ساوى الذي وجه إليه النبي (ص) الكتاب المشهور في كتب الحديث والسيرة النبوية، بعد أن وفد إليه في السنة الرابعة من الهجرة وفد عبد القيس أبرز قبائل البحرين واعتنقوا الإسلام. وذكر المؤرخون أن النبي (ص) خاطبهم بقوله: «مرحباً بقدوم غير خزايا ولا ندامى، اللهم اغفر لعبد القيس».
وكان حصن (جواثا) أهم معاقل المنطقة، وفيه بنت قبيلة عبد القيس مسجداً كان المسجد الثاني الذي تصلى فيه الجمعة بعد مسجد رسول الله (ص)، ولا تزال آثار هذا المسجد مع بعض سواريه قائمة، وقد زاره حمد الجاسر وقال إنه يقع في الجهة الشرقية من قرية الكلابية الواقعة شرقي مدينة المبرز.
وكان والي البحرين وأمير الجيش في عهد النبي (ص) العلاء بن الحضرمي، كما كان أبو عبيدة بن الجراح والياً على الجزية والخراج. وقد روى أهل الحديث أن المال الذي قدم به أبو عبيدة إلى النبي (ص) في السنة العاشرة من الهجرة كان أول وأجزل ما حمل إلى المدينة من مال.
ومنذ أوائل القرن الهجري، عندما ضعفت الدولة العباسية، كانت الأحساء وكراً للمتمردين من خوارج وقرامطة في البحرين حتى سنة 466هـ، عندما قام عبدالله بن علي العيوني من عبد القيس بالقضاء عليهم وتأسيس الدولة العيونية التي كان من أفرادها شاعر الأحساء في القرن السابع أبو الحسن علي بن المقرب العيوني.
وبعد نهاية الدولة العيونية أصبحت المنطقة محوراً لنزاع قبائلها، وقد استولى على السلطة آل عقيل فآل جبر وآل جروان، ثم جاء الأتراك في القرن العاشر واتخذوا من الأحساء مركزهم الرسمي المربوط بولاية البصرة حتى سنة 1080هـ، عندما أخذ المنطقة منهم آل حميد، ولما عادوا إليها استرجعها سعود بن عبد العزيز سنة 1207هـ، ثم عادوا إلى المنطقة ثالثة واستمروا فيها حتى سنة 1250هـ، وفيها أجلاهم فيصل بن تركي بعد معارك عنيفة، ولكنهم تمكنوا من العودة واحتلال الأحساء للمرة الرابعة حتى سنة 1331هـ، عندما احتلها عبد العزيز بن سعود، وهكذا فمنذ بداية الغزو التركي للمنطقة في القرن العاشر الهجري كما أسلفنا حتى جلائهم نهائياً، حدثت أحداث ودارت معارك ووقعت وقائع لا يتسع المجال لذكر شيء منها.
هذا موجز تاريخ الأحساء منذ دخولها في موكب الإسلام كما جاء في كتاب (تحفة المستفيد في تاريخ الأحساء في القديم والجديد) لابن عبد القادر.
أما عن فترة ما قبل الإسلام، فقد كانت المنطقة الشرقية أحد المراكز التجارية للعالم القديم لوقوعها بين حضارتين عظيمتين، هما حضارة ما بين النهرين من عبيدية (بضم العين) وسومرية وبابلية وآشورية، وحضارة نهر السند من موهنجدارية وبرهمية ومورية، ثم لوقوعها على الطريق التجاري الموصل بين البحرين العربي والأحمر في الجنوب والغرب والخليج في الشرق، ثم لتوسطها من شاطئ الخليج توسطاً أضفى عليها أهمية كبرى، كل ذلك كان عاملاً هاماً لقيام حضارة محلية عرفت بالحضارة الدلمونية نسبة إلى (دلمون) وهو اسم البحرين القديم، وتعود تلك الحضارة إلى الألف الثالث قبل الميلاد.
وقد جاء اسم (دلمون) في نقوش سرجون الأكدي (2300ق.م) كمصدر لتجارة النحاس الذي كان يستخرج من ماجان (عمان) كما كان يصنع محلياً، واللؤلؤ الذي كان يستخرجه الدلمونية من أوال وسيف البحر، والمر الذي كان يأتي من جنوب الجزيرة العربية، إذ كان سلعة هامة يستخدم في مزج الأدوية والتحنيط.
وفي العهد السبئي كانت البحرين تسمى بالجرهاي كما جاء في نقش أبرهة الموسوم بـ(65 sh: نقش شرف الدين رقم 65)، وقد تحدث عن الجرهائيين ونشاطهم التجاري بطليموس وسترابون وبليني، ولنستمع إلى الباحثة البريطانية إليزابيث مونرو Monroe. E تنقل لنا شيئاً من ذلك في كتابها: من البخور إلى البترول Arabia: From in cense to Oil . قال البطلمي أغاثر سيدس Aghathre Chides، في القرن الثاني قبل الميلاد: « إنه لا توجد دولة أكثر ثراء من دول سبأ والجرهائيين، فهم العملاء لكل شيء يقع تحت اسم استيراد بين آسيا وأوروبا، ويقول بليني بعد ذلك بقرنين: على أقل تقدير تأخذ الهند والصين وشبه الجزيرة العربية من الأمبراطورية ـ أي الرومانية ـ مائة مليون سترق (عملة يونانية) كل عام».
ويذكر لنا الهمداني في (القرن الرابع) في كتابه «صفة جزيرة العرب» أن سوق هجر ـ وأحياناً يسميه بالمشقر ـ كان يقام على مرتفع من الأرض، وأنه كان يسمى الجرعاء، ويقول حمد الجاسر: إن الجرعاء كان قريباً من مدينة الأحساء، وذكر أن الأعاجم لا ينطقون العين كما ينطقها العرب أي أنهم يقولون (الجرهاء)، ورأيي أن الهاء هي الأصح، فقد جاءت في النقوش السبئية والمؤرخات اليونانية القديمة بلفظ (الجرهاي).
وكان للعقير فرضة البحرين علاقة كبرى بميناء (سيراف) الذي يقابله من جهة بلاد فارس، إذ كان يمده بالمنسوجات واللؤلؤ والمعادن والتوابل.
وقد ظل ميناء (العقير) يؤدي دوره التجاري في نقل بضائع الهند وتوابلها إلى الجزيرة العربية ومنها إلى مصر والشام حتى القرن الثالث قبل الميلاد عندما تمكنت سفن البطالسة، في عهد بطليموس الثاني، من دخول البحر الأحمر بواسطة فرضة من النيل والوصول إلى المحيط الهندي ثم الرسو على ميناء (ملبار) الهندي وموانئ حضرموت ونقل المر والتوابل والبخور مباشرة إلى مصر.
وفي القرن الثاني للميلاد وعندما قضى الأمبراطور الروماني تراجان على دولة الأنباط سنة 105م، عمل على تحصين موانئ الخليج واستخدام أسواقها لصالح تجارته، ونالها الكثير من المتاعب نتيجة للصراع الطويل بين الفرس والرومان، وعندما تغلب الفرس على الرومان في مطلع القرن السابع للميلاد، أخذت تلك الموانئ تستعيد نشاطها وحيويتها، وبعد عقدين من الزمن جاء الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ويومها كان ولاة الفرس: (باذان) على صنعاء و(المنذر بن ساوى) على البحرين كما أسلفنا.
وبالرغم من هذه الأحداث، فقد ظل ميناء (العقير) يؤدي دوره التجاري كموصل هام بين الجزيرة العربية وإيران والعراق، تربطه بالجزيرة من الداخل عدة دروب، أهمها: درب مكة ـ العقير، مدائن صالح ـ العقير، الحيرة ـ العقير، عدن ـ العقير، وكان الدرب الأخير من أهم الدروب وأطولها فقد كان يمر بشبوة، مأرب، معين، نجران، الغاو، السليل، رملة ابن عضبان، البليدة، يبرين، العقير.
أحمد حسين شرف الدين
وقد جرت عدة محاولات لدراسة المنطقة تاريخياً وأثرياً، من أهمها محاولات الكاتب البريطاني وليم شكسبير في رحلاته المتكررة بين 1909 ـ 1914، ثم كرنول وأخيراً الباحث الأثري الشهير ت. بيبي T.Bibbi الذي أجرى تنقيباً أثرياً في تاروت وأصدر النتائج في كتاب بعنوان: Pteteonary Survey in East Arabia, 1971.
وقد عثر في (تاج) و(تاروت) على عدد من النقوش التي يعود بعضها إلى ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد، وأسلوبها لا يختلف عن الأسلوب الكتابي الجنوبي إلا بمقدار ما تختلف السبئية عن المعينية، وينحصر الاختلاف في عكس بعض الحروف كاللام والجيم والذال والنون، ولهذا أطلق عليها البروفسور ألبرت جام A.Jamme اسم (السباحسائية) أي السبئية الحسائية، وهو الوحيد الذي تسنى له دراسة هذه النقوش وقد قام بنشر هذه النقوش سنة 1968م، بعنوان: Saba-Hassaian Inscription in the National Museum of Reyadh. Washington. 1968.
ويلحق بنوع هذه النقوش النقش الذي نشره الشيخ حمد الجاسر في الجزء الأول من المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية صحيفة (318).
الهلال الخصيب
يختلف مصطلح «الهلال الخصيب» عن سائر المصطلحات التي تمتلئ بها مختلف الأدبيات السياسية كالشرق الأوسط أو الشرق الأدنى وغيرها، ذات الدلالات الجيواستراتيجية من منظور الدول الكبرى الساعية دوماً إلى مدّ نفوذها في المناطق المشار إليها بهذه التسميات. فتعبير الهلال الخصيب ينطوي على أبعاد جيوزراعية موضوعية تشكل حيّزاً جغرافياً معيناً يتوسط محيطاً صحراوياً يفتقر إلى المياه وسائر مكونات الخصوبة الضرورية للإنتاج الزراعي التراكمي الذي يؤسس لنمط الحياة الحضارية والعمران المستقر. إذا كان مصطلح الشرق الأوسط وضعه أحد العسكريين البريطانيين في أوائل القرن العشرين هو أميرال البحرية ماهان ليدلل به على المناطق التي كان الاستعمار البريطاني يحاول الاحتفاظ بها في آسيا، فإن تعبير الهلال الخصيب قد صاغه أستاذ في جامعة شيكاغو وباحث في التاريخ القديم ومنقّب في الآثار المصرية والشرقية هو جيمس هنري بريستد، قدم إلى مصر وعاش فيها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وجال على المناطق المجاورة ووضع مؤلفات بعد دراساته الميدانية تناول فيها تاريخ مصر والشرق القديم.
اكتشافات بريستد
كان الجوّ السائد في القرن التاسع عشر الذي شكّله المناخ الثقافي العام للنهضة الأوروبية ومنجزاتها مشبعاً بالآراء المبنية على أن ينابيع الحضارة الحديثة انطلقت من مدن اليونان القديمة وروما التاريخية فأتت تنقيبات بريستد واكتشافاته لتبدّل من الاتجاه العام لمؤرخي العالم القديم المعاصرين إذ أصبحوا يميلون تحت تأثيره إلى عدم حصر اهتماماتهم بحضارتي الإغريق والرومان لكشف ما تبقى من المفاهيم الثقافية التي سادت قديماً شرق المتوسط وجنوبه الشرقي. وكانت مقولة بريستد الأساسية تؤكد أن المدنية الحديثة أي الأوروبية، والأميركية الشمالية لاحقاً، تأسست في مصر وفلسطين وبابل وآشور وآكّاد وسومر.
والحقيقة أن المرء لا يتكبد مشقة تذكر عندما يلاحظ أن المراكز الحضارية القديمة خارج وادي النيل أي في شرق المتوسط تندرج جميعها في نطاق يمتد من فلسطين جنوباً حتى كيليكيا شمالاً ثم ينعطف نحو الشرق على شكل قوس ليغطي حوضي دجلة والفرات تنتصب فيه المرتفعات الساحلية الطولية (شمال ـ جنوب) فتتلقّف الأمطار التي تحملها الرياح الجنوبية الغربية المشبعة برطوبة البحر المتوسط لتولّد الينابيع والأنهار والجداول بينما يحمل إليه النهران الكبيران، دجلة والفرات، ثروتهما المائية الهائلة التي تحوّل الصحراء عن طبيعتها القاحلة.
أسس الإنسان في هذه البيئة العمران الاجتماعي المستقر منذ ما قبل التاريخ فمنها استنبط الزراعة ودجّن الحيوان، وفيها أقام السوق والمدينة والمدنية. كانت الحصيلة نسيجاً اجتماعياً متواصلاً على مدى مساحة هذه الأرض الخصبة. وعرف فيها العمران عبر التاريخ مراحل تمدّد على حساب الصحراء ومراحل تقلّص كانت تزيد من تجويف الشكل الهلالي حتى يكاد ينشقّ في الشمال إلى جزءين شرقي وغربي.
يتوزّع الهلال الخصيب اليوم على دول العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان وتقع أجزاء منه في دولتي تركيا وإيران.
بين الخصوبة والصحراء
لا شك أن الخصوبة الزراعية تبدّلت عناصرها تبدّلاً عميقاً مع تقدم العلوم والتقنيات التي يتوسلها الإنسان في سعيه المستمر إلى الحصول على إنتاج زراعي مطرد، ولكن قبل ذلك كانت الخصوبة معطى خارجياً ومنة طبيعية ترتبط عناصرها بالتربة والمياه والعوامل المناخية. وهكذا قيل وردد طوال العصور أن «مصر هبة النيل». وتزنّر الصحارى الهلال الخصيب من جهاته الثلاث مما يستوجب السؤال حول ماهيتها.
تبدو الصحراء في الظاهر سهلة التحديد، فالحال الصحراوية في المطلق، تخصّ المناطق التي يعم فيها الجفاف إلى درجة اجتثاث الحياة النباتية والحيوانية. يعود ذلك إلى انعدام تساقط الأمطار والثلوج خلال كامل أشهر السنة الشمسية. في الواقع هذه الحال ليس لها وجود على الكرة الأرضية فالربع الخالي في الجزيرة العربية، هو أكثر المناطق الصحراوية على الإطلاق، قد يتلقى من سنة إلى أخرى وفي وقت وجيز بعض المليمترات من الأمطار تكون كافية لنمو طبقة متقطعة من العشب يصاحبها ظهور حشرات وحيوانات دنيا أخرى. على كل حال تبقى ندرة المياه السمة الأساسية للصحارى، يضاف إليها عدم انتظام تساقطها وغياب توزيعه الفصلي. فشمال الجزيرة العربية يعرف في سنوات معينة ظروفاً مناخية تشكل عوامل منافية وإن موقتة للحال الصحراوية السائدة فيه. من هنا الصعوبات في تحديد الحيّز الجغرافي للمناطق الصحراوية، ولذلك تمّ وضع مؤشرات للجفاف تتكون من حاصل العلاقة بين معدّلي تساقط الأمطار والحرارة مع الأخذ في الاعتبار معدّل الرطوبة النسبية اليومية في الهواء.
انطلاقاً من هذه المعطيات تُظهر المقاربة العلمية لآسيا الغربية أن الهلال الخصيب يُحيط به نوعان من الصحارى: صحراء باردة في الشمال والشمال الشرقي، وصحراء حارة أو «تقليدية» في الجنوب والشرق. الصحراء الأولى تغطي مناطق قارية يعود جفافها إلى موقعها النائي عن البحار تمتد من هضاب الأناضول إلى المرتفعات الإيرانية المجاورة، وتخضع للمؤثرات المناخية الناجمة عن كمون مراكز الضغط المرتفع الحراري في آسيا الوسطى أثناء الفصل البارد مما يحدّ من فاعلية الرياح الغربية ذات الرطوبة النسبية فيمتنع التساقط في فصل الشتاء، بينما يتميّز الصيف بحرارة مرتفعة تصل في بعض الأحيان إلى 40 أو 50 درجة مئوية. وقد يلفح الهواء المداري البحري المنطقة حتى تركستان. ويتميز النظام المناخي بشتاء صقيعي جاف وطويل، وصيف حار وقاري، وفروقات حرارية فصلية ويومية كبيرة، وتبقى الرطوبة النسبية في الهواء في مختلف الفصول ثابتة في تدنيها.
أما الصحراء الثانية أو التقليدية فيزيد المتوسط الحراري فيها على 18 درجة مئوية وهي جزء من الصحارى المدارية الممتدة حول خطي العرض 20 و25 شمال خط الاستواء، ويمكن أن تصل الحرارة فيها إلى أكثر من50 درجة مئوية ولا تتعدى الأمطار فيها 250 ملم سنوياً.
بالنظر إلى هذه المعطيات يقسم الهلال الخصيب بالمعنى الحصري جزءين: غربياً يقع بين البحر وأخدود الأردن الممتد عبر البقاع ومجرى نهر العاصي نحو الشمال ويتميز بمناخ متوسطي وأمطار فصلية واتساع مساحة الزراعة البعلية. وشرقياً يسيطر عليه الجفاف وتخترقه الأنهار الكبرى وروافدها إلى جانب جداول متواضعة ولكن كافية لتشكيل الغوطات والواحات حولها.
هذا التجاور بين الخصوبة والصحراء، إلى جانب التداخل بينهما، أسس لعلاقات جدلية اجتماعية واقتصادية وسياسية اتسمت بالكثافة والتعقيد بين الرعي والزراعة، البدائية والمدنية، الريف والمدينة، الارتحال والاستقرار، البداوة والحضارة، القبيلة والدولة. وتشكّل إثر ذلك اجتماع بشري ساهمت في تنوّعه بيئة طبيعية غنية هي الأخرى بتنوعها. يضاف إلى ذلك أن المنطقة مركز الحضارات المتعاقبة ومكان تلاقي الحضارات المجاورة لها، لذا توجد فيها بقايا الحضور الشرقي التاريخي عموماً ثم الغربي الحديث بمختلف أنواعه وأشكاله. كما نشأت وتلاقت فيها الأديان، وتصارعت أمبراطورياتها وخلفت طوائف ومذاهب وشيعاً وفرقاً تشهد على تاريخ الدول السياسي والديني. وتتجاوز الجماعات المختلفة، وهي ذات دلالات تراتبية (كرونولوجية) زمنية. كما أن المستوى الجيوسياسي يجعل من المنطقة عقدة العقد في العالم القديم والوسيط والحديث لذلك تصطرع فيها مختلف المشاريع السياسية المتباينة والطموحات المتعارضة وأحلافها وكلها تترك شيئاً من إفرازاتها الثقافية.
معين حداد
همذان
ـ 1 ـ
إن إنشاء المساكن والأبنية على التلال الطبيعية المرتفعة يعتبر من الأعمال القديمة التي كان يُعمل بها في تاريخ التمدّن البشري.
وفي نقاط مختلفة من إيران يُوجد العديد من هذه التلال التي مرّت عليها أدوار ما قبل التاريخ، غير أنه لم تجر عليها التنقيبات اللازمة، ولكن ما حصل من ذلك يعتبر شاهداً على عدّها من تلك الأدوار.
وأهم هذه التلال؛ «تورنك تبة»، و«شاه تبة» اللتان تقعان في صحراء جرجان، و«حصار نزديك» في دامغان، و«جشمه علي» في مدينة الري في ضواحي العاصمة طهران، وتلال «سيلك» في كاشان، و«تخت سليمان» في بازاركاد، و«قصر الدشت» في سعادت آباد في مقاطعة فارس، والتلال: «تل باكو»، و«تل سُقا»، و«تل كركر»، وغيرها الكثير من مقاطعة خوزستان، و«تبة جمشيدي»، و«تبة كيان» في نهاوند، وتلال «خوروين» و«آجين دوجين» بين طهران وقزوين، و«تبة زيوية» قرب سقر، و«تبة حسنلو» قرب سلدوز، و«تاش تبة» قرب مهاباد، و«كوك تبة» قرب أرومية.
لقد كان إعمار المساكن على سطوح هذه التلال في الأدوار التاريخية التي مرت بإيران متواصلاً منذ فترة «شاهان ماد»، وسلاطين «هخامنشي» حتى فترة حكم الساسانيين. ومما يؤيد هذا القول محلة (سر قلعة) في مدينة همذان، وبناية «تخت سليمان كورش الكبير» في مشهد عند مرغاب، وقصور الهخمانشيين على الضفة العظيمة التي تعرف بـ«تخت جمشيد».
والتلال المتعددة التي تقع في السهول الممتدة بين طهران وقزوين، إلى همذان، وكرمانشاه من جهة، وإلى خوار، وسمنان، ودامغان، ومختلف مناطق خراسان من جهة أخرى، أو في مناطق متعددة من سهول فارس، والمناطق الإيرانية الأخرى، إن هذه التلال ترتبط بفترة الحكم الساساني، وتفرق عن الأدوار التاريخية الأقدم بكون هذه التلال تقام بعد إحداث صُفّة عظيمة، وسواتر ترابية ضخمة بتدخل البشر، وتبنى فيها القصور أو معابد النار الزرادشتية، أو القلاع والحصون والاستحكامات العسكرية، وكانت المخافر والأبنية وغيرها تشيّد فوق تلك الصُفات من الطين، ويضاف إليها الآجر أحياناً، كما تدلّ على ذلك الأبنية التي تمّ اكتشافها أخيراً فوق تلّة تقع على مقربة ميل من الطريق بين طهران وورامين.
إن حديثنا يتعلق بواحدة من هذه التلال الأثرية التي تقع داخل مدينة همذان الحالية. وهذه التلة تقع إلى الأسفل من محلتي (سر قلعة)، و(قلعة شاه داراب) الحاليتين، ويمكننا القول: إنها تمثّل أقدم ما تبقى من آثار مدينة همذان التاريخية.
ويؤكد المؤرخ اليوناني المعروف هردوت أن بناء مدينة همذان تعود نسبته إلى ديوكس أبرز حكّام وملوك قوم (ماد) ـ من 708 إلى 655 قبل الميلاد ـ، ويقول هردوت: إن هذا الملك من أجل أن يتخذ اكباتان عاصمة لملكه، بنى قصراً عجيباً محكماً على شكل سبع قلاع بعضها داخل بعض، وكان كل جدار من جدران هذه القلاع السبعة يحتوي على شرفات ذات لون خاص يختلف عن تلك التي في الجدران الأخرى. فالجدار الأول أبيض، والثاني أسود، والثالث أرجواني، والرابع أزرق، والخامس برتقالي، والسادس فضي، والسابع (الأخير) ذهبي. وجعل قصر السلطنة والخزانة في القلعة الأخيرة في وسط هذه الحصون السبعة. وكان أهل المدينة يستقرون خارج هذه الحصون السبعة.
بعد ديوكس حكم ثلاثة ملوك من قوم (ماد)، وهم: فرا ارتس (من 655 إلى 633 قبل الميلاد)، وهوخشرياسياكزار (من 633 إلى 584 قبل الميلاد)، وآزي دهاك يا استياج (من 584 إلى 550 قبل الميلاد).
في عام 553 قبل الميلاد كان قد خرج كورش الكبير مؤسس السلالة الهخامنشية على استياج، وبعد ثلاث سنوات، أي: عام 550 قبل الميلاد استولى على همذان، لتنقرض سلالة الملوك الماديين.
من هذا يتضح أن مدينة همذان كانت عاصمة أبرز السلالات الملكية التي حكمت الأراضي الإيرانية، وكانت داخلة في حروب مع الدول التي عاصرتها مثل: آشور، وبابل.
وعلى هذا فلا حاجة إلى شرح أكثر حول تمادي همذان في القدم (اسمها القديم هـﮛمتانه)، كان اليونانيون يطلقون عليها اسم «اكباتان»، حيث كانت عاصمة لسلالات ملوك إيران منذ عام 708 قبل الميلاد. فكانت أقدم عاصمة في عرض الأراضي الإيرانية هي المدينة التاريخية: همذان.
وقد تمّ اكتشاف ألواح ذهبية متعددة تحمل أسماء داريوش الأول، وداريوش الثاني، وآرشام، في تلة «هـﮔمتانه» التي تعرف خطأ بـ«اكباتان». ومن نماذج الآثار التي عثر عليها هناك، مصنوعات ذهبية، وكنوز نفيسة أخرى توجد الآن في متحف إيران التاريخي، أو المتاحف العامة أو الخاصة في خارج إيران، وكذلك تسعة أسطوانات حجرية، يعود تاريخها إلى العهد الهخامنشي، وإحداها عليها نقوش مسمارية باسم «أردشير الثاني»، وهي محفوظة في المتحف التاريخي الإيراني.
وبعد السلالة الهخامنشية، كانت مدينة همذان مركزاً للأشكانيين، وقد عثر على تمثال لأسد حجري (غير أنه مكسور) إلى جوار المدينة، وكذلك بقايا آثار لقلعة استحكامات عسكرية على تلة «مصلّى»، وتعود هذه الآثار إلى العهد الأشكاني.
كما اتخذ ملوك الساسانيين ـ طبقاً لما تذكره التواريخ ـ قصوراً لهم في همذان.
وسوى تلة «هـﮔمتانه»، وتلة «مصلى»، والأسد الحجري، توجد آثار تاريخية نفيسة أخرى، منها: ديوان خزانة (سجل من الرقوم الطينية) يشتمل على لوحين من العهد الهخامنشي؛ أحدهما يتعلق بداريوش، والثاني بخشايارشا. وكذلك قبتان من القرن السادس الهجري، ومزار (استرومردخاي) من القرن السابع الهجري، وبرج (قربان) من القرن السابع الهجري أيضاً، وضريح (بابا طاهر).
وهناك آثار تبدو غير ذات قيمة من الناحية التاريخية، ولكنها على قدر كبير من الأهمية من وجهة نظر الناس، حيث تدور بينهم حولها روايات لم يجر تمحيصها تاريخياً، وأهم هذه الآثار: قبر الإسكندر، وﭜير ﮔركري، وقبر ﭜلوي.
وفي همذان، كما في سائر المدن القديمة، توجد مزارات أولياء (إمام زاده) منها: مزار الولي شاهزاده حسين (وهو غير مزار شاه زاده حسين الموجود في قزوين)، ومزار الولي إمام زاده يحيى، ومزار الولي إمام زاده عبدالله، ومزار الولي إمام زاده اسماعيل، و(بقعة خاتونية)، وزبيدة خاتون، وﭜير مختار، وﭜير وادي، وحليمة خاتون.
إن همذان تعتبر إحدى أقدم عواصم العالم القديم، فعلى لوح طيني يعود إلى الملك الآشوري (تيكلات بالسر) ـ 1100 قبل الميلاد ذكرت هذه المدينة باسم (أمدانة).
يقول علماء الأرض (إنه في الفترتين التاريخيتين الأولى والثانية من عمر الأرض كان يوجد بحر اسمه «تيتس» يمتدّ إلى حدود السند، وشيئاً فشيئاً تكونت فيه جزر عديدة مثل: ألوند، وألبرز، وغيرها. وفي الفترة التاريخية الثالثة حدثت حركات تحت الأرض ظهرت سلاسل جبال الهملايا والألب، وتبدّل هذا البحر العظيم «تيتس» إلى عدد من البحار الأصغر منه، والتي من بقاياها البحار الحالية الموجودة في إيران.
وكذلك فإن عدداً من جزره ارتبطت أراضيها بعضها ببعض، فتكونت أراضي إيران الحالية. وبناء على ما تقدم فإن ألوند كانت في الفترة التاريخية الثانية إحدى جزر بحر «تيتس»، وفي الفترة التاريخية الثالثة وبفعل الحركات التي حدثت تحت الأرض تغيّرت هذه المنطقة وتشكّلت ألوند، وهي سلسلة جبال يبلغ ارتفاع أعلى قممها، وهو المعروف بـ(ألوند) 3746 متراً عن مستوى سطح البحر، وفي أطراف هذا الجبل توجد طبقات رسوبية، وأحجار محتوية على معدن الحديد، وترسّبات غرينية، وآجر، ينتصب جبل ألوند في وسطها.
إن تكوّن جبل (ألوند) ـ بحسب توضيح علماء الجيولوجيا ـ إنما حصل نتيجة الحركات الحاصلة تحت الأرض، والتي وجّهته إلى جهة الشمال الشرقي من إيران من جهة الجنوب الغربي. وكانت البراكين مبعثاً لارتفاع العديد من الأراضي عن مستوى سطح البحر، وتجمع الترسبات وأملاح البحر التي جفّت بمرور الزمن، وتشكلت بذلك أراضي همذان.
يذكر أن همذان في زمن العباسيين كانت عامرة، وفي سنة 309 هجرية أثخن (مرداويج) فيها القتل العام. وتعرضت همذان مرة أخرى للخراب ثم العمران عندما حكمها (علي شكر بهارلو) التركماني، حيث يقال: إن 1800 عين ماء كانت تجري فيها. وفيها قبور لأولياء وسادة من نسل رسول الله (ص)، من ضمن هؤلاء؛ إمام زاده محسن (على مسافة فرسخين من المدينة، عن مضيق أسفل سفح جبل ألوند، ويدعى هذا المضيق (إمام زاده كوه)، وإسماعيل ابن الإمام موسى ابن جعفر الكاظم (ع) المدفون في القسم الجنوبي من المدينة، والحسين ابن الإمام علي النقي (ع)، المدفون في وسط المدينة على مقربة من المسجد الجامع (شاهزاده حسين)، وقبر بابا طاهر.
ورد في كتاب (بحر النصاب) الصفحة 100: إن أبناء محمد بن ابراهيم ابن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)؛ حسن، ومحسن، وقاسم، وزيد، توجهوا إلى المدينة المنورة إلى همذان ونهاوند، ولدى وصولهم إلى همذان، أمر الخليفة العباسي آنذاك بقتلهم، فاستشهد منهم حسن، ومحسن. والأخير هو صاحب المزار المعروف في همذان بـ(إمام زاده محسن).
وعن همذان، فصّل ياقوت الحموي في معجم البلدان القول في شرح أحوالها، فقال ما مؤداه: همذان، بحركة الهاء والميم والذال المعجمة، والألف والنون، تقع في الإقليم الرابع، طولها من جهة المغرب اثنتان وسبعون درجة، وعرضها ست وثلاثون درجة.
وقال هشام ابن الكليني: همذان سميت على اسم فلوج بن نوح، حيث يقال: إن همذان وأصفهان كانا أخوين بني على كل منهما مدينة سميت باسمه، وقد وجد في بعض الكتب السريانية: أن بناء همذان يعود إلى زوجة كرميس بن حليمون. ويقول العلماء الفرس: إن همذان كان نديماً لكرميس. ويقول ربيعة بن عثمان: إن فتح همذان تمّ بعد ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب، فتحها المغيرة عامل عمر على الكوفة.
يذكر التاريخ أن نبوخذ نصر بعث إلى همذان خمسمائة ألف فارس بقيادة قائد اسمه (صقلاب)، فخاض حروباً شعواء مع أهالي همذان، ولم يتمكّن من احتلال المدينة، حتى إذا ما أصابه وجنده التعب عزم على العودة، فشاور مُقرّبيه، فأشاروا عليه أن يكتب إلى نبوخذ نصر، موضحاً عدم إمكان احتلال همذان، وأن يطلب منه الموافقة على العودة عنها، فاستجاب صقلاب لمشورتهم، وكتب إلى نبوخذ نصر: إن المدينة التي أرسلتني لاحتلالها محكمة المنافذ، وأهلها المحاربون كثيرون، وحصونها تناطح الأفلاك، وقد أخضعت أهلها لسهام جيشي، ولكننا لم نتمكن من إخضاعهم واحتلال مدينتهم، حتى تعب جندي، وضاقت صدورهم، ونفدت أرزاقهم، فإذا رأيت أن تأذن لنا بالعودة. ووصف لنبوخذ نصر جبال المدينة وأنهارها وعيونها ووديانها.
وعندما اطلع نبوخذ نصر الذي كان في بابل على مضمون الرسالة جمع الحكماء، وطلب إليهم أن يشيروا عليه بما يؤدي إلى فتح همذان، وبعد مداولات ومطارحات اتفقت الآراء على أنه يلزم لفتح همذان أن تجمع لمدة سنة المياه التي خارج المدينة بإنشاء سدود تجمع فيها المياه، وبعد ذلك تفتح هذه السدود، وتسلّط المياه على المدينة.
فكتب نبوخذ نصر إلى صقلاب يأمره أن يفعل ما أشار به الحكماء عليه، فعمل صقلاب بما أُمِر به، وحبس المياه، ثمّ أطلقها على أسافل الأبراج وفي وديان المدينة دفعة واحدة، فتخربت المدينة وغرق أهلها، وتمكّن صقلاب أن يدخلها، وجرت معركة حامية مع جندها الذين لاذوا إلى ملاذ مرتفع، ولكنهم لم يسلموا منه فقتلهم، وأسر نساءهم وأطفالهم، ولم تطل إقامته فيها حتى انتشر وباء الطاعون في جيشه، فمات جميع جنده، ولم يبق منهم إلا عدد الأصابع، فأمر صقلاب أن تبنى أحواض من الحجارة والحصى، ويدفن فيها الموتى، وما تزال هذه القبور معروفة.
لقد بقيت همذان مدة طويلة بعد هذه الواقعة خرائب وأطلالاً حتى حلّت المعركة بين داريوش (دارا ابن دارا) مع الإسكندر، استشار دارا المقربين منه، فأشاروا عليه بالحرب، ولكنهم نصحوه أن تحفظ عائلته وأمواله وخزائنه في مكان خاص، لينشغل بالحرب، وهو مرتاح البال، فسألهم عن هذا المكان الآمن، فأشاروا إلى أن سلسلة جبلية تقع على الطرف الآخر من أراضي ماهين (وهي ماهنيان الواقعة على الطريق إلى قزوين)، ولا يمكن أن يصل إليها أحد بسوء، وهذه الجبال شبيهة بجبال السند، وفيها مدينة قديمة ما تزال خرائبها وأطلالها قائمة رغم أن جميع أهلها قد قضوا نحبهم، وتحيطها جبال عالية الارتفاع، وتدعى هذه المدينة المهجورة همذان، فأمر الملك بإعادة بناء هذه المدينة، وتجديد العمران فيها، والسعي لتعزيز استحكاماتها، فبنيت فيها قلعة محكمة لحفظ العائلة الملكية، وخزائن الدولة، وأموالها، وبنيت في أطرافها منازل الضباط والجنود، وانتخب من خواصه اثني عشر ألفاً ممن يطمئن لهم كقوة لحفظ المدينة. إن القصر الكبير الذي بناه دارا بناء على رأي مشاوريه كان على ظهر تلة مشرفة على المدينة، وكان محتوياً على ألف قبو لحفظ خزائن وأموال الدولة، وكلها كانت تنتهي إلى ثمانية أبواب، ارتفاع كل باب منها يبلغ اثني عشر قدماً، وأمر بنقل العائلة الملكية، وأموال وخزائن الدولة. وفي وسط قصر آخر أسكن الملكة والنساء القريبات منها.
يرى البعض أن أول من بنى همذان هو جم بن نوجهان بن شانح بن أرفخشد بن نوح، وأن اسمه (سارو)، وهو معرب من (ساروق). وبنى بهمن بن اسفنديار برجاً وسوراً، لأن المدينة كانت مخربة، فأمر بتجديد عمارتها، وبعد ذلك كثر سكانها حتى وصلت البيوت فيها إلى مسافة ثلاثة فراسخ، ومن الآثار التاريخية لهذه المدينة الأسد الحجري الذي يعرف بـ(سنـﮛ شير) الذي صنعه بنيناس الحكيم، ويقال: إن المكتفي العباسي رغب في نقله إلى بغداد، فأجمع أهل المدينة على أن الأسد عبارة عن طلسم لحفظ المدينة، ولذلك يخشون أن تخرب المدينة إذا ما أُخرج منها.
فكتب حاكم المدينة إلى المكتفي، وأخبره عن ذلك وعن صعوبة حمله أيضاً، فانصرف المكتفي عما يريد.
في سنة 319 هجرية هاجم آويج الديلمي المدينة، وخرّبها وقتل أهلها، وأراد أن يحمل الأسد الحجري، ولكنه لم يتمكّن، ووقع من أعلى الباب، وكسرت يده وقدمه.
ويقول مؤلف (زينة المحاسن): إن بناء همذان كان على يد جمشيد، بتخطيط (أسـﭜراين) اليوناني، المتولّد قبل ميلاد السيد المسيح بخمسين سنة، وكان معاصراً لسلاطين السلالة الأشكانية التي كانت تحكم إيران آنذاك. فكان أسـﭜراين قد رسم أن تكون المدينة على مديين؛ المدى الكبير هو عاصمتها أكباتان، وتحكم فيها طائفة باسم (مد)، والمدى الصغير آذربيجان، ويحكم فيه (أنرويات). وفي سنة 710 قبل الميلاد وحد سلاطين (مد) القسمين تحت سلطانهم إلى أرض الشامات، وكانت جميع أراضي آسيا تحت سلطتهم. وفي سنة 591 قبل الميلاد ضمت إليها فارس.
وكتب الحكيم والعالم الطبيعي ﭜلين، المتولد سنة 591 قبل الميلاد، وصاحب الكثيرمن التصانيف والمؤلفات: إن عاصمة المديين هي أكباتان، وملكها سلوكوس الذي كان أحد قادة الإسكندر، وبعد ذلك جعل لينكندر إيران من حصته، فقام ببنائها من جديد.
إن الأقوال مختلفة فيمن بنى همذان، لكن واحداً من هذه الأقوال هو الأقرب إلى الصحة. يرى هذا القول: إن باني المدينة شخص كان يدعى (أمدانة) أو (أمدانا) من رؤساء قبائل (مد)، وقد بنى هذه المدينة قبل تأسيس دولة المديين التي قامت سنة 708 قبل الميلاد. أما الآخرون فإنهم ممّن وسعوها. ويبتني هذا القول على أن تاريخ ما قبل المديين لا يضع بين أيدينا وثائق صحيحة وسليمة تتعلق بمن بنى همذان، وكيفية بنائها. وليس هناك من وثيقة تاريخية في هذا الصدد سوى أن لوحاً طينياً آشورياً قبل 1100 سنة قبل الميلاد ذكر اسم هذه المدينة.
ويذكر تيكلات بالسر أن أول اسم لهمذان هو أمدانا. ويعطف بعض المؤرخين قدوم الإيرانيين إلى إيران على ألفي سنة قبل الميلاد، وبعضهم إلى ألف وثلاثمائة وخمسين سنة قبل الميلاد. الكتاب المقدس للزرادشتيين يذكر أن الموطن الأصلي للإيرانيين هو (إيوان وأج)، وهو يتوفر على ماء حسن ومناخ جيد وأراض خصبة، وفي الخطوط الآشورية أمادانا، وعلى الألواح الطينية الهامنشية هكمتان (هكمتان تعني: محل الاجتماع).
وعثر على آثار نينوى القديمة أنه بعد سلمازار تُوّج ابنه سامرايان ملكاً، ففتح همذان، وخاض حروباً طويلة وكثيرة في إيران.
منطقة (استر مردخاي)، وهي إحدى الآثار القديمة في همذان، تعرف بهذا الاسم ـ حسب أحد التصورات ـ لأن (أستر مردخاي) مدفون فيها وليس من المظنون أن الأمر كذلك وهذا البناء مشيد قبل 1100 سنة. كما أن المقام المعروف بمزار إمام زاده يحيى، والذي يقع جنوب شرقي المدينة كان معروفاً بأنه مدفن يحيى أحد أولاد الإمام أمير المؤمنين علي (ع) من أم محمد بن أبي بكر، ولكن المحققين أثبتوا أن ذلك غير صحيح، وأن هذا القبر هو في الواقع مدفن يحنيا ساقي أردشير.
من الأبنية المهمة؛ (سر قلعة) المعروف بـ(قلعة داراب) التي تعود إلى عهد سلاطين السلالة الهخامنشية، ويعتقد ـ كما يذكر مؤلف (جهان نما) أن أسطواناتها العالية هي لأجل الحراسة. وكذلك هناك أطلال مبنية، قطرها يعادل عدة أذرع، وإلى الأسفل منها توجد آثار أقدم. إن هذا القسم من المدينة قديم جداً، وهو ما تؤيده روايات المؤرخين التي تؤكد أن هذه المدينة في فترة قديمة جداً من التاريخ قد تعرضت للخراب، وعندما آل السلطان والحكم إلى داريوش، قام بتجديد بنائها.
وعلى هذا الأساس، فإن مدينة أكباتان كانت في زمن داريوش خرائب وأطلالاً سوى قلعة الماديين التي بقيت حتى عهد الأشكانيين. لقد بنى داريوش على تلك الأطلال مدينته، وفي أيام سلطانه أحدث بناء جديداً اتخذه قصراً له، وذلك في أطراف القصر القديم الذي كان الماديون قد بنوه. إن خزائن الملوك موجودة في هذا المكان طبقاً لما وصلنا من روايات تاريخية، ويمكن القول إن محل هذه الخزائن هو في أطلال قصر ديوكس الذي يقع حوالي آثار بناء الهخامنشيين، وبعضها بجوار أسطوانات القلعة القائمة اليوم في ذلك المحل، ويأمل المنقبون الآثاريون أن يعثروا على شيء من تلك الخزائن في هذه المنطقة.
وفي عام 23 هجري (644 ميلادي) فتحت الجيوش الإسلامية همذان، وكانت على العهد الإسلامي مركزاً لإحدى الولايات الإيرانية، بل وعاصمة لقسم من البلاد، لفترة من الزمن.
لقد مرّت على همذان تحوّلات كثيرة مختلفة، فهي في بعض الفترات عامرة، وحصينة، وعزيزة، فيما مرت فترات أخرى كانت فيها تحت الذلّ، والفقر، والخراب، والنهب، والسلب؛ خصوصاً تلك الفترة التي أغرق فيها الجيش الديلمي المدينة بالدم. وذلك في عام 319 هجري (931 ميلادي).
تذكر إحدى الحكايات أن ابن كامبيز كان يدعى سيروس، وقد ورد اسمه في التوراة (كورس)، وذكره اليونانيون (كورش). ونقل الفرس قصته عنهم، تذكر القصة أن سيروس هذا استولى على اكباتان، ونقل العاصمة من أكباتان إلى شوش أو اصطخر.
يذكر هرودت اليوناني أن أحد سلاطين (مد) واسمه استياج كانت له بنت تدعى (ماندان)، زوّجها من أحد رعاياه الذي كان حاكماً على فارس، واسمه (كامبيز). وفي إحدى الليالي رأى استياج مناماً؛ كأنّ إحدى عيني ابنته ماندان قد خرجت من مقلتها واتسعت على جميع أراضي وبلاد آسيا، فعبّر مفسرو الأحلام رؤياه أن ماندان ابنته سيولد منها ولد يبسط سلطانه على جميع بلاد آسيا.
لقد وقع استياج فريسة القلق والاضطراب، واستدعى ابنته التي كانت حاملاً من فارس، فلما وضعت جنينها ولداً أصدر أوامره إلى وزيره الصدر الأعظم الذي كان يحمل اسم (هارباكس) بأن يأخذ الوليد ويقتله. لم يكن هارباكس يرغب في قتل المولود الجديد، فاستدعى أحد رعاة ماشية الملك، واسمه (ميترادات)، وأخبره بأن حكم الملك يقضي بأن يأخذ الطفل إلى الجبل عندما يذهب إلى المرعى، ويتركه عند جبل بلا ماء ولا طعام، لكي يموت من الجوع والعطش، وأن الملك سيكافيه على ذلك.
أخذ الراعي الطفل، وذهب إلى منزله، فوجد أن زوجته الشابة، واسمها (أسباكو) قد وضعت طفلاً منه في غيابه، ولكنه مات. فسألته عمّا أراد الوزير منه فأخبرها بقصة الطفل. فطلبت إليه زوجته أسباكو أن يحتفظ بالطفل لها وأن يلبس طفلهما الميت ثيابه ويضعه عند الجبل، فصرفته عن فكرة قتل الطفل، غير أن الراعي خاف أن ينفضح أمره، فيقتله الملك. فأصرت عليه أسباكو وأقنعته، ففعل الراعي ما أشارت عليه زوجته وألبس ملابس الطفل الحي لولده الميت ووضعه عند الجبل، وفي اليوم الثالث جاء هارباكس ووجد الطفل الميت فأخذه ودفنه ظناً منه بأنه حفيد الملك.
نشأ سيروس وترعرع عند الراعي الذي كان يعامله كما أنه ابنه الحقيقي، وفي سنه العاشرة حدثت حادثة عندما كان سيروس يلعب مع طفل آخر اسمه (ارتمباس)، وهو من أبناء كبار المديين، وكان سيروس بمقتضى اللعبة هو الملك، فأمر ارتمباس أمراً لم يشأ الأخير أن يمتثل إليه ويطيعه، فأمر سيروس بقية الأطفال بأن يضربوا أرتمباس بالعصي.
اشتكى الطفل (ارتمباس) لأبيه، فذهب الأب إلى الملك وكشف له عن كتفي ابنه المسودتين من ضرب العصي، وقال له: إن ابن أحد عبيدك ـ يقصد الراعي ـ قد فعل هذا بابني. فاستدعى الملك الراعي وسيروس، وقال له: كيف تجرأت أن تفعل هذا بابن أحد أمرائي؟ فقال سيروس: صحيح، أنا أمرت بقية الأولاد بضربه، فهم نصبوني ملكاً واستجاب الجميع لأحكامي، إلا ارتمباس فإنه لم يطعني، وقد نبهته على ذلك فلم يستجب، وإذا لم يكن هذا الأمر صحيحاً فأنا حاضر لتحمل الجزاء.
دهش استياج من جواب الولد الجريء والصادق، ودقّق النظر كثيراً في وجهه، فوجده شبيهاً به، فسرح في الخيال، والتفت إلى أن سنه غير متفاوت مع سنّ ولد ابنته الذي أمر بقتله قبل عشر سنين. ولما كان قد انفرد بالراعي بعد أن أخذه والولد إلى القصر، سأل الملك الراعي: من أين أتيت به؟
بادئ الأمر أصر الراعي على أن الولد ولده وأنه من رحم زوجته. ولكن استياج هدّده بأنه إذا كان كاذباً فسوف يصبّ عليه عذاباً وبلاء عظيماً. ثم سلمه إلى الجلاد، وقال له: إذا لم يظهر الحقيقة ويقول الصدق أجلده، فأقرّ الراعي بالحقيقة، وأظهر الملك بأنه يريد الانتقام من هارباكس لأنه تستّر على الراعي فسأله: لماذا قتل حفيده، فقال: إنني لم أكن مستعداً لأن أقتله، فسلمته إلى الراعي ليقتله، وقد أكّد لي بعد ذلك أنه قتله، وقام بدفنه.
ثم إن استياج لما عرف كل ذلك قال: إن الطفل ما يزال حياً وأظهر فرحه بذلك، وقال: إن ابنتي كانت تلومني وتلحّ عليّ بشأن ابنها، وقد كنت متأثراً من هذا لفعل. ولأن ابن بنت الملك ما يزال حياً، فأرسل ولدك لكي يكون رفيقاً وصديقاً له.
مضى هارباكس إلى منزله فرحاً، وأرسل ولده الوحيد الذي كان يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة إلى القصر، فما أن دخل الصبي حتى قتلوه، وقطعوه إرباً إرباً، وألقوا قطع جسمه في الماء الحار، فلما جاء وقت تقديم الطعام، وجاء هاربكاس بناءًا على دعوة الملك، قُدّم طعام على أنه لحم خروف.
أكل هارباكس من الطعام، أي: من لحم بدن ولده، وسأله استياج: هل كان الطعام واللحم الذي تناولته لذيذاً؟ ومع السؤال فتح الخدم زنبيلاً فيه رأس الصبي أمام والده، فعرفه هارباكس. وسأله استياج مجدداً: هل تعرف نوع الحيوان الذي أكلت من لحمه؟ فأجاب: نعم، عرفته، ولكن أي عمل يعمله الملك هو جيد. عند ذلك أعطى الملك بقية أجزاء بدن الصبي إلى والده، فأخذه إلى المنزل ودفنه.
بعد ذلك استدعى الملك مغها وسأله عما يجب أن يفعل بسيروس، وقال له استياج: إن الطفل نشأ وكبر في الريف، ونصّبه أطفال الريف ملكاً عليهم. فأجابه مغها: في هذه الحالة يجب أن تكون مطمئناً أنه لن ينصّب كملك مرتين. إن تعبير الرؤيا أصبح واضحاً، وذهب الخطر.
أرسل سيروس إلى فارس، وفرح به أبوه كامبيز، وأمه ابنة الملك استياج، واهتما بتربيته. هارباكس كان يعدّ الأيام للانتقام من استياج الملك، الذي قتل ولده الوحيد.
ولذلك فقد أرسل هارباكس هدية إلى سيروس، وعمل على إغوائه وتحريكه، وأغراه بالعمل ضد استياج. وقد أبدى سيروس قبولاً بهذا الكلام، ولما حانت الساعة كتب هارباكس إليه، وكشف عن مطلبه، فأخذ أرنباً وبقر بطنه ليضع فيها الرسالة، ثم بعث به إلى سيروس مع أحد خدمه المخلصين، وشدد عليه أن لا يسلم الأرنب ـ إلا بيد سيروس، وأنه ليس لأحد أن يقرأها أو تقع بيد غيره.
سيروس قرأ الرسالة، وعلى أثر ذلك نصبه الفرس حاكماً فأمر أن يجتمع الفرس لديه، وأعطى كل واحد منهم منجلاً، وعيّن لهم أرضاً كثيرة الأشواك، وطلب إليهم أن يقلعوا كل الأشواك فيها.
وفي اليوم التالي لإتمام حصد الأشواك أحضر سيروس أموال ومواشي والده، وهيّأ شراباً، واستقبلهم. فاستضافهم وأغدق عليهم المال والطعام والشراب، ثم سألهم: أي اليومين كان أفضل: أمس أم اليوم؟ فأجابوه جميعاً: اليوم.
لم تتغير لهجة سيروس الجادة، وقال لهم: إن أطعتموني فإن طيلة أيامكم ستكون مثل اليوم، وإلا سأحبس أعماركم على ما كنتم عليه أمس. فأبدى الجميع استعدادهم لطاعته والتزام أوامره.
جمع استياج المدنيين وسلّحهم، أما هارباكس قائد جيشه، فقد نصبه قائداً على هؤلاء المسلحين، ولكنه عندما التقى بجيش سيروس انضمّ إليه، وتابعه قسم كبير من المديين، أما بقية الجيش فقد انكسروا.
تغيّر حال استياج، وحاول أن يجمع المحاربين مجدداً في أكباتان، ليوجههم مرة أخرى إلى حرب سيروس، ولكنه غُلبَ أيضاً، ولم يتمكن من سيروس الذي بقي إلى أن مات استياج شوكة في عينه.
كانت هذه الحادثة في سنة 560 قبل الميلاد.
لقد كانت همذان في أيام المديين عاصمتهم الكبيرة، وكانت على ذلك في تمام أيام سلطانهم وحتى آخر مدى حكم البلاد، فاهتموا بها ويوماً فيوماً كانت تتوسع وتتعمر أكثر.
وعندما انتصر السلاطين الهخامنشيون عليهم، وانقرضت دولة المديين، انتقلت العاصمة من همذان إلى شوش أو اصطخر ولكنهم لم يتخلوا عنها كمصيف لهم، حيث إن الملك الهخامنشي بنى فيها قصراً صيفياً له على غرار قصره الذي بناه في عاصمته (شوش).
ومع انقراض دولة المديين فإن سياكذار ملك المديين نقل عاصمته إلى أكباتان، وكان الفرس في الأراضي الجبلية الجنوبية من إيران، ولهم ملكهم وعاصمته كانت تدعى (ﭜازارﮔاد)، وعندما أخضعوا مملكة شوش القديمة استقر ملوك فارس هناك، وعرفوا بملوك شوش.
إن عدداً من ملوك شوش، مثل؛ سيروس، وكامبيز وسيروس الثاني، كانوا من الفرس، وهم على إخلاص وصفاء وشجاعة سكان الجبال.
همذان
ـ 2 ـ
تعتبر هذه المدينة من أعرق المدن التاريخية الإيرانية في القديم ولم يعرف بالتحقيق مبدأ الشروع بإنشائها. بيد أنها كانت في قديم الأيام عاصمة لجزء هام من الممالك الإيرانية أثناء القرن السابع قبل الميلاد، ذلك الجزء الذي كان يسكنه (الميديون) وكانت (همذان) قبل اتخاذها عاصمة تتألف من قريات صغيرة متقاربة بعضها من بعض ومنشأة على الأسلوب القروي البسيط أي من الأكواخ والدور المبنية من الطوب والطين تسكنها أسر القبائل الميدية، وكانت رؤساء هذه القبائل وزعماؤها تعقد في مواسم مختلفة من السنة في بعض هذه القرى بالتناوب المؤتمرات ومجتمعات التشاور فيما بينهم لحل الخلافات التي كانت تنشب بين هذه القبائل وأفخاذها وأفرادها، ونتيجة لهذه الاجتماعات أطلق على مجموعة هذه القرى اسم (هاكماتانا) أي المجتمع بالاصطلاح الفارسي عهدئذ.
ولقد عثر بعض المنقبين في الآثار التي اكتشفوها عن ملوك كلدة أنهم قد نحتوا اسم هذه المدينة على الجدران والأحجار فسموها باسم (آمادان) ولكن اليونانيين القدماء ذكروها في مؤلفاتهم القديمة باسم (آكباتانا) وقد ذكر اسم (أنادانا) أيضاً في بعض النقوش لهذه المدينة.
وقد بقيت هذه القرى الصغيرة مبعثرة في تلك المساحة من الوطن حتى ظهور (ديا أكو الميدي) الذي كان من أعظم زعماء القبائل الميدية نفوذاً وهيبة ورجاحة عقل وعدل وقسطاس وكان المرجع الوحيد لحل معضلات جميع القبائل التي تسكن تلك الرقع من الأرض. ثم امتد نفوذ وسلطان هذا الزعيم إلى أبعد ما كان يتصوره الفرد الميدي عهدئذ من هيبة ملك وعظمة زعيم، وقد انتخبه زعماء ورؤساء العشائر عامة رئيساً أعلى عليهم بحيث أصبح كملك يحكم رعيته بواسطة وزراء وأمراء تحت يده هم زعماء العشائر ورؤساء سائر القبائل الذين دانوا له بالطاعة. وقد تدرج (ديا اكو) في الحكم إلى درجة الملوكية وانتقل من قريته البعيدة عن قلب تلك القرى واتخذ هذا القلب مركزاً له «عاصمة» وأطلق على هذه القرية التي أصبحت عاصمة المملكة (هاكماتانا) التي كانت منشأة على تل معروف بتل المصلى الذي يقع الآن شرقي مدينة «همذان» الحالية.
ولم يكد (ديا اكو) يستقر به المطاف في هذه القرية ويتخذها عاصمة لملكه حتى شرع العمران يدب دبيبه فيها، فأنشئت فيها الأبنية والعمارات وأحيطت بأسوار سبعة يرتفع كل منها عن الآخر ارتفاعاً قليلاً كما يمتاز الواحد عن الآخر بلون خاص. أما السور السابع الذي كان الأخير بين الأسوار المتصل مباشرة بالبلاط الملكي فقد كان ذهبي اللون. وقد ذكر المؤرخ اليوناني (هيرودت) أن ألوان أسوار المدينة كانت حسب الترتيب التالي:
الأبيض الناصع ـ الأسود ـ الأرجواني ـ الأزرق ـ الأحمر الفاتح ـ الفضي ـ واللون الذهبي ـ ويضيف (هيرودت) إلى أن دور السكان كانت مبنية خارج هذه الأسوار التي كانت تحيط بالبلاط الملكي فقط، كما ذكر بعض المؤرخين أن الملك (داريوش الكبير) قد بدأ في إقامة سور كبير آخر حول (همذان) وأن الملك أردشير قد أتمّ هذا السور.
ثم تطور نظام الحكم في مملكة إيران تدريجياً بحيث لم تأت سنة (550) قبل الميلاد إلا ودمج الملك كورش دولتي (ميدي) و(بارس) في نظام حكم واحد وعرش واحد وأصبحت «همذان» تابعة لهذا العرش الموحد وأخذ عمرانها في التدني والانحطاط كما تشير بعض الروايات إلى أن الملك «بخت نصر» حينما استولى على (همذان) عاث فيها الفساد وهدم كثيراً من مبانيها. بيد أنه لم يكد الملك «داريوش» الثالث يرتقي عرش إيران إلا ووجه اهتمامه نحو عمران المدينة وشيد فيها أبنية وقصوراً ملكية جديدة بينها قصر فيه ألف غرفة تحتوي كل غرفة على ثمانية أبواب حديدية كما أن خزانة الدولة كانت محفوظة في إحدى غرف هذا القصر. وقد هدم الملك «محمد خان قاجار» في القرن الماضي ما كان قد بقي من أنقاض هذا الأثر التاريخي وجعله قاعاً صفصفاً.
وعلى أثر انتقال عواصم الملك من همذان إلى النواحي الإيرانية الأخرى، أخذ سكانها يجلون عنها تدريجياً وأصبحت همذان من مدن الدرجة الثانية في إيران حتى بزوغ شمس الإسلام ووصول المسلمين إلى أرض إيران. إذ بعد أن انتهى المسلمون من حروب «نهاوند» المعروفة استولوا عام 21 للهجرة على همذان، ثم ظهرت بعدئذ إلى عالم الوجود في سماء إيران سلطنة الأسرة السلجوقية حيث اتخذت «همذان» التي كانت بيد المسلمين عاصمة للملك وشيدت فيها القصور الشاهقة والأبنية الشامخة.
غير أن المغول حينما استولوا عليها عام 617 للهجرة عاثوا فيها وهدموا معظم هذه الأبنية وقتلوا ونهبوا وفتكوا في سكانها ما شاؤوا وشاءت غريزتهم الهدامة. ولم يكد المغول ينسحبون من همذان إلا وأخذ من بقي من سكانها يعودون إليها، ثم تدرجت المدينة تستعيد مركزها وعمرانها إلى أن أصبحت من أمهات المدن الإيرانية. وما ذلك كله إلا لما خصتها الطبيعة من مركز جغرافي هام وملتقى الطرق الرئيسية بين شمال إيران ووسطها وغربها وجنوبها لا سيما توسطها الطريق الرئيسي بين بغداد وطهران. كل ذلك مضافاً إلى موقعها التجاري وأراضيها الزراعية الشاسعة ومياهها الغزيرة ومراعيها النضرة ووفرة الحيوانات الأهلية والمنتوجات الأرضية.
وتقع مدينة «همذان» الحالية في السفوح الشرقية من سلسلة جبال (لوند) ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر (1960) متراً ويفصلها عن طهران 378 كيلومتراً كما يتراوح عدد نفوسها بين 60 و65 ألف نسمة عدا نفوس القرى المحيطة بها التي تبلغ (55) ألف نسمة. ويسكن همذان حالياً ما يقرب من أربعة آلاف يهودي.
وتضم هذه المدينة التاريخية بين جوانبها آثاراً تاريخية هامة وقبور كثير من العظماء كقبر الفيلسوف العظيم ابن سينا وقبر (اشرومردخاي) الذي نحتت على ظاهره خطوط وكتابات باللغة العبرية ومن الآثار التاريخية (باب الأسد) وبناء معبد للنار معروف بـ(اتشكده بهرام) وبناء الجامع الأثري الذي يرتقي بتاريخه إلى القرن السابع الهجري الممتاز بدقته وجمال الزخارف البنائية البديعة. كل ذلك بالإضافة إلى الدفين من الآثار المطمورة تحت الأرض حوالى همذان الحالية وعلى بعد بضع كيلومترات من أطرافها الأربعة.
وتعد همذان من أبرد مصايف إيران وأجملها ولذلك يؤمها أيام الصيف كثير من المصطافين من الإيرانيين والعراقيين.
ولقد لعبت هذه المدينة أدواراً هامة في مختلف عهود التاريخ الإيراني ولا سيما أثناء الحرب العالمية الأولى حيث أصبحت هدفاً لسيول الجيوش العثمانية والروسية والإيرانية.
صالح الشهرستاني
وفيها من المدارس الفقهية القديمة: مدرسة الآخوند ملا علي، ومدرسة الدامغاني زاده، ومدرسة الشيخ علي خان زنـﮔـه.
ضريح ابن سينا في همذان
قال محمد النخجواني:
في عددها السابع والثمانين بتاريخ الثاني والعشرين من شهر حزيران عام 1951 ميلادي نشرت صحيفة (خواندنيها) مقالاً للسيد صدر الهاشمي الأصفهاني ذكر فيه أن مرقد أبي علي بن سينا ليس في همذان، وإنما في أصفهان واستدلّ على ذلك بما ذكره ابن الأثير في تاريخه، وصاحب تذكرة دولتشاه.
ولكننا نؤكد أن مرقد ابن سينا إنما هو في همذان، وليس كما ادعاه من أنه في أصفهان. ونستدل على ذلك بما يلي:
أولاً: إن كتاب تذكرة دولتشاه يشتمل على الكثير من الأخطاء، وبإمكاننا أن نقول: إن أكثر ذلك بسبب النسّاخ، حتى أن مقال السيد صدر الهاشمي الأصفهاني قد نقل عن الكتاب المذكور أن «ابن سينا كان وزيراً لعماد الدولة الديلمي»، والحال أن فترة طويلة من الزمن تفصل بين الاثنين.
أما ابن الأثير، فعلى أن تاريخه في نهاية الاعتبار، إلاّ أن التواريخ والأسانيد إذا جاءت على خلاف ما يذكره، سواء التي سبقته أو تلك التي تلته، فإنها تكون حجة عليه باعتباره شاهداً واحداً أمامها.
لقد راجعنا عدداً من التواريخ التي توفرت بأيدينا، فلم نجد غير ابن الأثير يحتمل كون ابن سينا قد دفن في مكان آخر غير همذان. بل إنها جميعاً تصرّح بأن وفاته كانت في همذان، وقد دفن فيها.
نذكر من كتب التاريخ هذه:
1 ـ وفيات الأعيان لابن خلكان ـ المجلد الأول ـ الصفحة 169.
2 ـ مجمل فصيحي (وهو كتاب خطي يسرد وقائع سنة 427هـ).
3 ـ رسالة (دانشوران) ـ المجلد الأول ـ الصفحة 77.
4 ـ حبيب السير ـ الجزء الرابع من المجلد الثاني ـ الصفحة 162.
5 ـ دستور الوزراء ـ لدى ذكر وزراء الديلم.
6 ـ اكتفاء القنوع ـ الصفحة 187.
7 ـ دائرة المعارف الإسلامية ـ الصفحة 205 ـ 206.
8 ـ البداية والنهاية لابن كثير ـ المجلد 12 ـ الصفحة 43.
9 ـ (لغت نامه) لدهخدا ـ الصفحة 652.
10 ـ مجالس المؤمنين للشوشتري ـ المجلس السابع.
11 ـ قاموس الأعلام ـ المجلد الأول ـ الصفحة 637.
12 ـ مجلة (آيندة) ـ السنة الأولى ـ الصفحة 276.
13 ـ والأهم من كل تلك المصادر رسالة الحكيم أبي عبيد الجوزجاني الذي يعتبر أحد أبرز خواص ومريدي ابن سينا، والذي كان يلازمه في ليله ونهاره، وفي حلّه وترحاله، ويوجد المتن الكامل للرسالة في كتاب (عيون الأنباء)، وملخصها في العدد الرابع من السنة الأولى من مجلة (آيندة) وقد ذكر العلامة القزويني في حواشي المقالات الأربع (ﭼـهار مقالة) أن النسخة الأصلية لهذه الرسالة موجودة في متحف لندن.
وقد وصف أبو عبيد في تلك الرسالة وفاة ابن سينا، فقال: لقد عاود ابن سينا المرض بسبب مسافرته مع علاء الدولة إلى همذان، ولدى الوصول إلى همذان تمكّن الموت من قلبه ولم تتح معالجته، فما مضت إلا أيام حتى انتقل إلى العالم الآخر. (مجلة آيندة ـ السنة الأولى ـ العدد 4).
إن وفرة هذه المصادر القائلة بوفاة ابن سينا ودفنه في همذان تمنع من الاعتماد على قول ابن الأثير، ولا ترتب عليه أثراً، فلا اجتهاد مقابل هذه النصوص المعتبرة، وإذا كان هناك قبر في أصفهان باسم قبر أبي علي، فلا شكّ أنه غير ابن سينا.
من ضواحي همذان
قال ياقوت الحموي: ماوشان ناحية وقرى في واد في سفح جبال أرْوَنْد من همذان، وهو موضع نزه فرح ذكره القاضي عين القضاة في رسالته فقال: وكأني بالركب العراقي يوافون همذان ويحطون رحالهم في محاني ماوشان، وقد اخضرت منها التلال والوهاد وألبسها الربيع حبرة تحسدها عليها البلاد، وهي تفوح كالمسك أزهارها وتجري بالماء الزلال أنهارها، فنزلوا منها في رياض مونقة واستظلوا بظلال أشجار مورقة فجعلوا يكررون إنشاد هذا البيت وهم يتنفحون بنوح الحمام وتغريد الهزار:
حياك يا همان الغيث من بلد
سقاك يا ماوشان القطر من وادي
وقال أبو المظفر الأبيوردي:
سقى همذان حيا مزنة
يفيد الطلاقة منها الزمان
برعد كما جرجر الأرحبيّ
وبرق كما بصبص الأفعوان
هي الجنة المنتهى طيبها
ولكن فردوسها (ماوشان)
فألواح أمواجها كالعبير
ترى أرضها وحصاها الجمان
همذان في الشعر العربي
قال محمد بن بشار يذكر همذان:
ولقد أقول تيامني وتشاءمي
وتواصلي ريما على همذان
بلد نبات الزعفران ترابه
وشرابه عسل بماء قنان
سقياً لأوجه من سُقيت لذكرهم
ماء الجوى بزجاجة الأحزان
كاد الفؤاد يطير مما شفّه
شوقاً بأجنة من الخفقان
فكسا الربيع بلاد أهلك روضة
تفترّ عن نفل وعن حوذان
حتى تعانق من خزاماك الذي
بالجهلتين شقائق النعمان
وإذا تبجست الثلوج تبجست
عن كوثر شبم وعن حوذان
متسلسلين على مذانب قلعة
تثغو الجداء بها على الحملان
ولما قدم عبدالله بن المبارك همذان أوقدت بين يديه نار فكان إذا سخن باطن كفه أصاب ظاهرها البرد، وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد فقال:
أقول لها ونحن على صلاء
أما للنار عندك حر نار
لئن خيرت في البلدان يوماً
فما همذان عندي بالخيار
ثم التفت إلى ابن أبي سرح وقال: يا أبا عبدالله وهذا ولدك يقول:
النار في همذان يبرد حرها
والبرد في همذان داء مسقم
والفقر يُكتم في بلاد غيرها
والفقر في همذان ما لا يكتم
قد قال كسرى حين أبصر تلّكم
همذان لا انصرفوا فتلك جهنم
وقال وهب بن شاذان الهمذاني:
أما آن من همذان الرحيل
من البلدة الحزنة الجامده
فما في البلاد ولا أهلها
من الخير من خصلة واحده
يشيب الشباب ولم يهرموا
بها من ضبابتها الراكده
سألتهم أين أقصى الشتاء
ومستقبل السنة الوارده
فقالوا إلى جمرة المنتهى
فقد سقطت جمرة خامده
وقا كاتب بكر:
همذان متلفة النفوس ببردها
والزمهرير وحرها مأمون
غلب الشتاءُ ربيعَها ومصيفها
فكأنما تموزها كانون
ووقع أعرابي إلى همذان في الربيع فاستطاب الزمان وأنس بالأشجار والأنهار، فلما جاء الشتاء ورد عليه ما لم يعهده من البرد والأذى فقال:
بهمذان شقيت أموري
عند انقضاء الصيف والحرور
جاءت بشرّ شرّ من عقور
ورمت الآفاق بالهرير
والثلج مقرون بزمهرير
لولا شعار العاقر النزور
أمُّ الكبير وأبو الصغير
لم يَدْف إنسان من الخصير
ودخل أعرابي همذان فلما رأى هواءها وسمع كلام أهلها ذكر بلاده فقال:
وكيف أجيب داعيكم ودوني
جبال الثلج مشرفة الرعان
بلاد شكلها من غير شكلي
وألسنها مخالفة لساني
وقال محمد بن أحمد السلمي المعروف بابن الحاجب يذكر الأسد على باب همذان:
ألا أيها الليث الطويل مقامه
على نوب الأيام والحدثان
أقمت فما تنوي البراح بحيلة
كأنك بواب على همذان
أطالب ذحل أنت من عند أهلها
ابن لي بحق واقع ببيان
أراك على الأيام تزداد جدة
كأنك منها آخذ بأمان
أقبلك كان الدهر أم كنت قبله
فنعلم أم ربيتما بلبان
وهل أنتما ضدان كل تفردت
به نسبة أم أنتما أخوان
بقيت فما تفنى وأفنيت عالماً
سطا بهما موت بكل مكان
فلو كنت ذا نطق جلست محدثاً
وحدثتنا عن أهل كل زمان
ولو كنت ذا روح تطالب مأكلا
لأفنيت أكلاً سائر الحيوان
أجُنبت شر الموت أم أنت مُنظَر
وإبليس حتى يبعث الثقلان
فلا هرماً تخشى ولا الموت تتقي
بمضرب سيف أو شباة سنان
وعما قليل سوف يلحق ما بقي
وجسمك أبقى من حراً وأبان
وقال شاعر أهل همذان أحمد بن بشار يذم همذان وشدة بردها وغلظ طبع أهلها ـ على زعمه ـ وما يحتاجون إليه من المؤن لشتائهم:
قد آن من همذان السير فانطلق
وارحل على شعب شمل غير متفق
بئس اغتياض الفتى أرض الجبال له
من العراق وباب الرزق لم يضق
أما الملوك فقد أودت سراتهم
والغابرون بها في شيمة السّوَق
ولا مقام على عيش ترنقه
أيدي الخطوب وشر العيش ذو الرنق
قد كنت أذكر شيئاً من محاسنها
أيام لي فنن كاس من الورق
أرض يعذب أهلوها ثمانيةً
من الشهور كما عذبت بالرهق
إذا ذوى البقل هاجت في بلادهم
من جربيائهم نشافة العرق
تبشر الناس بالبلوى وتنذرهم
ما لا يداوى بلبس الدرع والدرق
لا يملك المرء فيها كور عمته
حتى تطيرها من فرط مخترق
فإن تكلم لاقته بمسكتة
ملء الخياشيم والأفواه والحدق
حتى تفاجئهم شهباء معضلة
تستوعب الناس في سربالها اليقق
أما الغني فمحصور يكابدها
طول الشتاء مع اليربوع في نفق
وأوقدوا بتنانير تذكرهم
نار الجحيم بها من يصل يحترق
والمحلقون بها سبحان ربهم
ماذا يقاسون طول الليل من أرق
وصاحب النسك ما تهدا فرائصه
والمستغيث بشرب الخمر في عرق
والماء كالثلج والأنهار جامدة
والأرض أضراسها تلقاك بالدبق
حتى كأن قرون الغُفْر ناتئة
تحت المواطئ والأقدام في الطرق
فكل غاد بها أو رائح عجل
يمشي إلى أهلها غضبان ذا حنق
قوم غذاؤهم الألبان مذ خلقوا
فما لهم غيرها من مطعم أنق
لا يعبق الطيب في أصداغ نسوتهم
ولا جلودهم تبتل من عرق
فهم غلاظ جفاة في طباعهم
ألا تعلة منسوب إلى الحمق
أفنيت عمري بها حولين من قَدَر
لم أقو منها على دفع ولم أطق
وقال بديع الزمان الهمداني:
همذان لي بلد أقول بفضله
لكنه من أقبح البلدان
صبيانه في القبح مثل شيوخه
وشيوخه في العقل كالصبيان
ويقول ياقوت عن جبل (أروند) إنه جبل نزه خضر نضر مطل على مدينة همذان، وأهل همذان كثيراً ما يذكرونه في أحاديثهم وأسجاعهم وأشعارهم، وكثيراً ما يتشوقونه في الغربة، وفيه يقول عبدالله بن محمد الميانجي في رسالة كتبها إلى أهل همذان وهو محبوس:
ألا ليت شعري هل ترى العين مرة
ذرى قلتي أروند من همذان
وقال شاعر من أهل همذان:
تذكرت من أروند طيب نسيمه
فقلت لقلب بالفراق سليم
سقى الله أرونداً وروض شعابه
ومن حله من ظاعن ومقيم
وأيامنا إذ نحن في الدار جيرة
وإذ دهرنا بالوصل غير ذميم
وقال محمد بن بشار الهمذاني:
سقياً لظلك يا أروند من جبل
وإن رميناك بالهجران والملل
هل يعلم الناس ما كلفتني حججاً
من حب مائك إذ يشفي من العلل
لا زلت تكسي من الأنواء أردية
من ناضر أنق أو ناعم خضل
حتى تزور العذارى كل شارقة
أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل
وأنت في حلل والجو في حلل
والبيض في حلل والروض في حلل
وقال أيضاً:
لعمرك ما في الأرض شيء نلذه
من العيش إلا فوقه همذانها
إذا استقبل الصيف الربيع وأعشبت
شماريخ من أروند شم قنانها
وهاج عليهم بالعراق وأرضه
هواجر يشوي أهلها لهبانها
سقتك ذرى أروند من سيح ذائب
من الثلج أنهاراً عذاباً رعانها
ترى الماء مستناً على ظهر صخرة
ينابيع يُزهي حسنها واستتانها
علماء من همذان
ومن علماء همذان في العهود الأخيرة: الشيخ محمد باقر بن جعفر البهاري الهمداني المتوفى سنة 1333هـ، له حوالى عشرين مؤلفاً مطبوعاً وغيرها من المخطوطات.
ومن علماء الشيخية الشيخ محمد باقر الهمداني المتوفى سنة 1319هـ.
والسيد حسين درود آبادي الهمذاني المتوفى سنة 1344هـ. له عدة مؤلفات. والشيخ محمد جعفر كبودر آهنـﮔـي المتوفى سنة 1239 هـ والمشتهر بالعرفان. والشيخ حسن علي الهمداني الحائري المتوفى في كربلاء سنة 1327هـ وكان فقيهاً أديباً شاعراً. وآقا ميرزا محمد حسين بن ميرزا علي نقي الهمداني المتوفى سنة 1310هـ الطبيب الأديب. وآقا ميرزا محمد رضا واعظ الهمذاني المتوفى سنة 1318 هـ الباحث الخطيب. والآخوند الملا حسين قلي بن رمضان شوندي دره جزيني الهمداني النجفي المتوفى سنة 1311هـ. وآقا رضا الهمذاني أستاذ العلماء ابن الشيخ محمد هادي المتوفى سنة 1322هـ.
والشيخ عبدالله بن ملا محمد البروجردي الهمداني المتوفى سنة 1313هـ الفقيه المؤلف الشاعر، والشيخ عبد المجيد بن عبد الوهاب الهمذاني المتوفى سنة 1346هـ، والشيخ علي الهمذاني المتوفى سنة 1307هـ، والشيخ علي رضا بن الميرزا علي محمد المتوفى سنة 1343هـ، والشيخ علي أكبر ابن ميرزا شير محمد الهمذاني المتوفى سنة 1325هـ له عدة مؤلفات.
والحاج علي ﮔـنبدي الهمذاني المتوفى سنة 1364هـ له عدة مؤلفات. وكان إلى فقاهته أديباً والسيد نصرالله بن صدر العلماء بني صدر الهمذاني المتوفى سنة 1391هـ، والملا محمد تقي ثابتي الهمذاني المتوفى سنة 1365هـ.
جامعة همذان
تأسّست جامعة ابن سينا في همذان عام 1973 وبدأت نشاطها عام 1974 باستقرار إدارتها في طهران، وفي عام 1976 كانت البداية الرسمية لنشاطها التعليمي باستقبالها الطلاب.
تشتمل الجامعة على خمس كليات هي:
1 ـ كلية العلوم: تشتمل على فروع الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا ضمن مرحلة البكالوريوس، وتمنح الماجستير في الكيمياء، وافتتحت دورة للدكتوراه حديثاً.
2 ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية: وفيها الفروع التالية: الاقتصاد، اللغة الأجنبية، التربية الرياضية، اللغة الفارسية وآدابها، العلوم الاجتماعية، والعلوم التربوية.
3 ـ كلية الزراعة: تشتمل على الفروع التالية: التعليم الزراعي والإصلاح النباتي، الطب النباتي، البستنة، التقنية الحيوانية، الري، الآلات الزراعية، التربة.
4 ـ كلية الهندسة: تتضمن فروع العمران والميكانيك والهندسة الصناعية.
5 ـ كلية إعداد المدرسين في ملاير: تقع هذه الكلية في مدينة ملاير وتهتم بالعلوم التربوية.
المزارات التاريخية في همذان
مدينة همذان من المدن القديمة في إيران، وذكرت في كتابات الهخامنشيين (هنغ مثان) وسجّل هيرودوت اسمها (أكباتان) وقال: قام دياكو (701 ـ 807م) ببناء قصر كبير ومنيع فيها، واتخذ من همذان عاصمة له.
وفي زمن الإشكانيين أيضاً كان لهمذان أهميتها واعتبارها، لكن يبدو أنها لم تكن ذات أهمية في زمن الساسانيين، فالمؤرخون القدامى لا يذكرون أن أحداً من السلاطين الساسانيين اتخذها مقراً له، كما أن التنقيب عن الآثار لم يظهر آثاراً من الزمن الساساني.
المزارات التاريخية المتبقية من القرون الإسلامية الأولى وما بعدها في همذان هي: قبة العلويين، مزارات المنتسبين للأئمة عبدالله وأحمد، ويحيى.
1 ـ قبة العلويين)[2](:
ذكر ابن شادي الهمذاني ضمن حديثه عن علويي طبرستان (أن قسماً منهم هاجر إلى همذان في القرن الهجري الثالث). ونقل في مجمل التواريخ والقصص (أن السيد أبو القاسم البطحاوي قدم إلى همذان على رأس جماعة من العلويين، وبنوا فيها مقاماً لهم، واشتروا فيها أملاكاً. ثم بنى فيها الشريف أبو عبدالله الثاني قلعة وعدة عمارات). ثم اشتد عضدهم شيئاً فشيئاً، وبلغوا الأوج في القرن السادس الهجري خلال حكم السلاجقة على عراق العجم، وكانت همذان عاصمتهم. ونقل الراوندي في راحة الصدور: (وكان في كل مدينة مقتدى وإمام من العلماء. والرؤساء في عيون المدن والحاكمون في دار الملك في همذان هم من العلويين واسرة السادة، وسيبقون حتى القيامة).
وقبة العلويين ذات الأضلاع الأربعة تقع في مركز مدينة همذان. وقد طالع (هرتسفيلد) في تقريره المفصل بدقة جميع الوثائق والمصادر حول هذا البناء، واستنتج أنه بنى بين عام (1039و1316م) وأن لهذا البناء خصوصيات تشبه الحقبة السلجوقية، فالشكل الهندسي للفخار والكتابة الفخارية وشكل ترتيب الطابوق يشبه أعمال السلاجقة في (مراغة) وهو أشبه بطريقة تزيين مقبرة (مؤمنة خاتون) في (نخجوان) التي بنيت عام (582هـ/1186م) كما أن العاملين اللذين كان المغول يستخدمانهما في تزيين مبانيهم غير موجودين فيها، وهما: الجفصين الملون والكاشي المطلي والمطبوخ بالفرن. من ناحية أخرى فإن الأبنية الجديدة أي بعد عام (1300م) لم يستخدم فيها الفخار المطلي.
على أي حال فإن هذا البناء قد حوى أشكالاً وزينة أكثر تفاصيلاً ودقة من الحقبة السلجوقية، من ذلك: كيفية ثني الجدران الداخلية والخارجية، وإيجاد المنحنيات ذات الأبعاد الثلاثة. وكثرة الأعمدة النصفية، وقولبة الزوايا التي تعطي البناء خاصية انسيابية. ثم زينة الجفصين التي حوت على نقوش سلجوقية رتبت بطريقة تشبه نقوش الحقبة المغولية، مثل نقوش مقبرة (ﭘيربكران) قرب أصفهان. والجفصين البارز في الانحناءات المعكوسة، وكأنه سيخرج من الحافات، الذي يعد ضعيفاً قياساً بالدقة والظرافة السلجوقية.
وقد بنيت هذه القبة بشكل مستقل لترى من كل جانب، وقد أخذت بشكل عام حالة وشكلاً محلياً، وتشبه بعض الشيء مباني الحقبة المغولية في آذربيجان وأصفهان. ويقال إن هذه القبة هي لأول الشخصيات العلوية في القرن السادس، وإنها كانت معبداً صوفياً أو مسجداً، ثم دفن في سردابها فيما بعد اثنان من تلك الأسرة. وقد رمم المبنى بإشراف المصطفوي مؤلف كتاب هـﮔمتانة أو الآثار التاريخية في همذان، حيث يقول: (يوجد نحت القبة سرداب، في وسطه مقبرة، وقد غطيت بالكاشي الفيروزي اللون الجديد).
ونقل محيط الطباطبائي في مجلة (آموزش وبرورش) أن: هذه المقبرة كانت للأسرة العلوية، فهي لهذين المقبورين فيها أو لغيرهما أيضاً. ويصعب الحديث عن حقيقة المدفونين تحتها، فقد تفرد كتاب (منتقلة الطالبية) الذي ألف في القرن الهجري الخامس بالإشارة إلى عدة أشخاص من العلويين استشهدوا في همذان أو عاشوا فيها.
2 ـ مزار سليلي الأئمة عبدالله وأحمد:
(بناء البقعة المشتركة لسليلي الأئمة عبدالله وأحمد كان موجوداً حتى قبل ثلاثة عقود داخل إحدى المحلات القديمة في مدينة همذان باسم إمام زاده عبد الله، وبعد إزالة ذلك الحي أصبح المرقد بشكل مستقل وسط ساحة كبيرة. وقد تعرض البناء الأصلي لعدة عمليات ترميم، فأصبح بناء حديثاً. أما البناء السابق فكان مؤلفاً من أربعة أضلاع من الرخام، أما الحالي فهو على شكل برج مدرج 24 درجة، بين كل اثنين واحدة على شكل إطار مستطيل وقاعدة مستوية).
وعند الباب ذكر أسماء المدفونين تحتها، وهما أب وابن. المصادر متفقة أن أحمد بن إبراهيم بن محمد اليماني بن عبيد الله بن موسى الكاظم عليه السلام كان موجوداً في همذان، وأنه استشهد على يد القرامطة. وأن ابنه عبدالله كان يعيش معه مع سائر أبنائه.
وقال أبو إبراهيم ناصر بن طباطبائي في القرن الهجري الخامس: (بهمذان أحمد بن إبراهيم بن محمد اليماني بن عبيدالله بن موسى الكاظم عليه السلام، عقبه: عبدالله و…).
والنسّابة عز الدين أبو طالب (572 ـ 654هـ) ذكر في تفصيله لهذا النسب: (أما عبيدالله بن موسى الكاظم عليه السلام فعقبه من ثلاثة رجال: القاسم، وجعفر ويلقب أبا سيدة بمراغة، ومحمد اليماني بمكة… أما محمد اليماني بن عبيد الله بن الكاظم فعقبه من إبراهيم الأكبر وأحمد الشعراني قتيل القرامطة، ولهما أعقاب كثيرة… وأما أحمد الشعراني بن إبراهيم بن محمد اليماني، فله أربعة معقبون ذيلوا بمصر وهمدان والري وخراسان وأرجان).
فخر الرازي (توفى 606هـ) ذكر أربعة أبناء لأحمد الشعراني وقال: (إبراهيم أبو إسحاق بمصر وعقبه بها، والقاسم أبو محمد عقبه بمصر والموصل، وموسى الهمذاني بنيسابور وعقبه بها ومنهم كثرة، وعبدالله بهمذان له عقب بها).
3 ـ مزار الإمام زاده يحيى:
إن مبنى بقعة سليل الأئمة يحيى يقع في همذان، في شارع أبو علي عند الطريق الالتفافي. (هذا البناء يشتمل على صحن ومجموعة الحرم والمسجد، وهو بناء مستطيل الشكل، فيه أواوين وأروقة وحرم، وفي وسط كل ضلع إيوان عال مع قوس حاد الزاوية، وفي كل جهة غرف في طابقين، وقد دعم بأقواس كبيرة وأخشاب مترابطة… والكتابات الموجودة فيه بخط النستعليق، وهي أشعار من نظم محتشم الكاشي يذكر فيها أسماء أهل الكساء الخمسة عليهم السلام. ويظهر فيها تاريخ (1306هـ) ويبدو أنه تاريخ التزيين بالمرايا… نواة الحرم الرئيسية تتشكل من عشرين ضلعاً منها أربعة أساسية، طول كل ضلع مربع ستة أمتار تقريباً، ومدخل الحرم في الضلع الأساسي الغربي، ووضع مقابل باقي الأضلاع الأساسية باب ثابت مشبك مغلق يسمى بالإرسي. الإرسي الجنوبي من الخشب الجيد والقديم. وفي الجزء العلوي يتحول الشكل الرباعي الأضلاع إلى مثمن الأضلاع، ثم تأتي قاعدة القبة فوق الأقواس، والقبة حسنة البناء تقوم فوق تلك القاعدة. وفي وسط الحرم يوجد الضريح، وهو صندوق من الخشب المحفور الثمين، طوله 1,74 متراً وعرضه 1,04 متراً، وقد زين بشكل فني متقن من جهتيه، يشبه أعمال الحفر الخشبي للقرنين الثامن والتاسع الهجري.
وقد ذكر السيد ورجاوند كاتب مقالة إمام زاده يحيى في دائرة معارف التشيع نسب الشخص المدفون في هذه البقعة فقال: (هناك قولان: الأول أنه من أبناء الإمام علي عليه السلام مباشرة، وهذا مستبعد، ذلك لأن المصادر التاريخية ذكرت أن مرقد يحى بن علي في الكوفة. والثاني أنه ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بواسطة ثمان آباء).
وقد نقل السيد ورجاوند قوله الثاني عن كتاب دليل همذان وقزوين وقم، وهو الأصح. لكن لم يتضح بعد من هو إمام زاده يحيى، ومن هم آباؤه الذين يتصل بهم بالإمام الحسن المجتبى(ع).
ومما قيل في هذا المزار أيضاً ما نقله العندليب الواعظ الهمذاني في مكتوباته أن يحيى المذكور كان رئيساً على همذان في منتصف القرن الهجري السادس، ويضيف أن تسلسل نسب الإمام زاده يحيى موجود في النسخة الخطية لكتاب (سرّ الأنساب) في مكتبة (ملك)، وأنه على الشكل التالي: (هو يحيى بن علي بن الحسين بن هارون الأقطع بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى).
كذلك فإن السيد (برويز أذكائي) قد خصص القسم الأخير من كتابه (فرمانروايان ﮔمنام) للعلويين في همذان، وكيفية رئاستهم ونقابتهم وآثارهم في همذان فقال: (إن الإمام زاده يحيى المدفون في المزار المشهور بهمذان لا يمكن أن يكون من رجال الدولة المعروفين ورؤساء العلويين في همذان. لكن السؤال الذي يطرح مباشرة هو: إذن من هو؟… لكني تيقنت أن الشخص المدفون في الإمام زاده يحيى ليس من رجال الدولة في همذان، لكن ليس محالاً تاريخياً أن يكون هو أحد العلويين الحسنيين أو الحسينيين أو الموسويين أو الجعفريين، ومن رؤساء همذان أو مرؤوسيها، وكان اسمه يحيى، وقد دفن هناك. ولا بد من الانتظار لعل الزمن يخرج من بين طياته التاريخية وثيقة متيقنة حول حقيقة هذا الشخص المدفون في المزار المذكور، وأن يكون اسمه يحيى أو اسماً آخر، وحتى ذلك الزمان ستبقى ساحة الحدس والظن مفتوحة، وسيطرح كل واحد العنان لخياله فيها).
لكن ما ذكره العندليب واعظ الهمذاني في باب سلالة ونسب الإمام زاده يحيى متطابق مع ما جاء في كتب الأنساب القديمة. لكن قوله إنه كان رئيساً على همدان يبدو أنه غير صحيح، بل إن ما قاله الإذكائي في هذا المجال هو الصحيح كما سنرى.
فالعنديب قال إنه استخرج شجرة نسب الإمام زاده يحيى من النسخة الخطية لسرّ الأنساب، ونقول إن هذا الكتاب الذي حرف اسمه واختصر هو سر السلسلة العلوية، وقد ألّفه الشيخ أبو نصر البخاري في النصف الأول من القرن الهجري الرابع، ولم نجد فيه أي نسب للإمام زاده يحيى، وتلك النسخة موجودة الآن ضمن مجموعة اسمها (كتاب الأدعياء ونسب الباطل، ورقة من عمدة الأسباب، ومنتقلة الطالبية) في مكتبة (ملك)، ونظيرها في مكتبة الشهيد مطهري للدراسات العليا (مدرسة سـﭘـهسالار) سابقاً. وقد حصلت على ميكروفيلم وصورة عن المجموعة المذكورة. والأمر الذي اتضح لي هو أن العندليب أو أي شخص آخر رأى تلك المجموعة أو نقل المقطع المتعلق بالإمام زاده يحيى قد أخطأ في تحديد الموضع الذي استخرج منه كلامه، فنقله من (منتقلة الطالبية) ونسبه إلى (سر الأنساب) ولم يراع الدقة في النقل، فلم ينقل جميع العبارات المتعلقة بيحيى في ما كتبه.
فقد ورد في (منتقلة الطالبية) نسب الإمام زاده يحيى على الشكل التالي: (التاجر بهمذان أبو القاسم يحيى بن علي بن الحسين بن هارون الأقطع بن محمد بن هارون بن محمد البطحاني ابن القاسم بن الحسن بن زيد ابن الإمام المجتبى (ع). هكذا قال شيخي الكيّا عن أبي الغنام الدمشقي النسّابة) ومن هذا يتبين أن الإمام زاده يحيى المدفون بهمذان لم يتولّ منصب الرئاسة، بل هو تاجر كان يعيش هناك.
صفر رجبي
الهند
ـ 1ـ
إن الهند قبل التقسيم وحدة جغرافية محفوفة بالجبال في الشمال ومحاطة بالبحر في الجنوب، فهي معزولة في الحقيقة عن بقية العالم بحدود صارمة معروفة.
ورغماً عن هذه العزلة الطبيعية فإن الهند تعكس صورة اجتماعية معقدة غريبة مخلوطة بأجناس مختلفة، هي ولا شك وليدة المواصلات بالعالم الخارجي، والهجرات والغزوات الأجنبية، وهكذا يناقض تاريخ الهند جغرافيتها، وحركات عالمية في الفكر والشعوب قد تعددت على عزلتها خلال العصور الغابرة وأدخلت في حضارتها عناصر سلالات وثقافات مختلفة.
وهذا التنوع في الأجناس مصحوب بتنوع على أوسع درجة في اللغات الهندية. والتقرير الإحصائي الصادر سنة 1931 قد عدد 225 لغة حية في الهند. كما تقدم الهند أكبر تغاير من جهتها الدينية، فتوجد فيها جميع أديان العالم: الهندوسية والإسلام والبوذية والمسيحية والسيخ والمجوسية الفارسية.
لقد كان القائد الشهير «روبرت كلايف» أول مؤسس حقيقي لسلطان إنكلترا في الهند، وعل يده استطاع الإنكليز أن يبسطوا حكمهم على عدة أقاليم شاسعة، ولا سيما بنغالة وأورسا وبهار، ولم يأت أواخر القرن السابع عشر حتى أنهار نفوذ الدول المنافسة: هولندة وفرنسا والبرتغال تباعاً، وعين أول حاكم إنكليزي للهند سنة 1773 وهو «ورن هاستنجس» ولما اتسع نطاق الحكم البريطاني في الهند على هذا النحو انتقلت السطلة والإدارة من يد شركة الهند الشرقية إلى العرش وأنشئ لإدارة الهند مجلس خاص اشترك فيه بعض مديري الشركة واستمر حكمام الهند المتعاقبون يفتحون إقليماً بعد إقليم ويقضون على الإمارات المحلية واحدة بعد أخرى سواء بالفتح أو بإرغامها على عقد معاهدات تضعها تحت حماية إنكلترا، فلم يأت أوائل القرن التاسع عشر حتى كانت إنكلترا قد بسطت سلطانها على معظم أنحاء الهند الشاسعة. وكانت البنجاب آخر الأقاليم التي استولت عليها سنة 1849. وفي سنة 1877 أعلنت الملكة فكتوريا أمبراطورة للهند، ومن ذلك الحين يلقب حاكم الهند الإنكليزي بنائب الملك.
وبذلت الهند خلال هذا الصراع الطويل غير محاولة لتحطيم النير البريطاني، وكانت أخطر محاولة بذلتها في هذا السبيل هي الثورة العامة التي نشبت سنة 1857 والتي كان المسلمون قوامها. وقد كادت تقضي على سلطان الإنكليز في الهند، لولا أن تداركتهم ظروف مدهشة فاستطاعوا سحقها بعد كفاح دام عامين.
كان الإنكليز ينظرون إلى سكان شبه الجزيرة الهندية ـ لا سيما المسلمون منهم ـ بعين الريبة والشك لأنهم رأوا أن المسلمين هم في الواقع حكام البلاد وولاتها، وهكذا تشكك الإنكليز وارتابوا في كل تصرف بدا من المسلمين، بل وشككوا وارتابوا حتى لما سعى المسلمون للخلاص من الكوارث التي حلت بهم نتيجة للتأخر الاجتماعي والسياسي الذي ألم بهم حينئذ، بل وقاوم الإنكليز كل مظهر من مظاهر تمدنهم وحضارتهم كالفنون الجميلة والصناعات وما إلى غير ذلك، ثم حالوا بينهم وبين كسب الرزق فحرموهم من مناصب الجيش والإدارة والتعليم وحاربوهم بكل سلاح وبكل وسيلة، وشجعوا البعثات التبشيرية المسيحية.
لقد تركت ثورة 1857 أثراً بليغاً في نفوس المسلمين في الهند وبينما أخذ الإنكليز ينظرون إلى كل شيء حولهم بعين الريبة والشك أخذ الناس يشعرون بلوعة الهوان والمذلة، ومن ثم باللهفة إلى الحرية والاستقلال والعزة والكرامة.
في آب (أغسطس) سنة 1947 تخلصت الهند من عهد الاستعمار الإنكليزي بعد أن انقسمت إلى الهند وباكستان، ونالت حريتها كاملة بعد كفاح مرير وتضحيات جبارة وجهود بالغة، فوجدت نفسها مثخنة بأنواع من الجراح الاجتماعية مثل الفقر والجهل والمرض، وعدم تكافؤ الفرص وتركز الثروات في أيدي قليل من الأفراد، والنظام الإقطاعي السائد في القرى والأرياف، وعادت تكافح من جديد للتغلب على كل ذلك.
وعن تاريخ الإسلام في الهند نقول: لم يكن فتح العرب للسند أواخر القرن الأول الهجري إلا احتلالاً لولاية واحدة في أقصى الغرب لا هي بالواسعة الرقعة ولا بذات الموارد الغنية والأرض الخصبة.
وبدأ الغزو الإسلامي لهذه البلاد في أوسع مداه حين شرع الغزنويون الأتراك أواخر القرن الرابع الهجري يطرقون أبواب شبه القارة الهندية ويتوغلون فيها بعد أن أقاموا لهم دولة واسعة ضمت غزنة وسيستان ولمغان وخراسان وأغلب بلاد ما وراء النهر. وأول من دخل الهند من الفاتحين بطريق الجبال الشمالية الغربية محمود الغزنوي (388 ـ 421هـ) منطلقاً من خراسان إلى غزنة وكابل وبشاور وملتان ودهلي. وتعد فتوح الغزنويين الهندية بداية غزو المسلمين الحقيقي للهند، ذلك الغزو الذي سرعان ما انتهى بالفاتحين إلى اتخاذهم من هذه البلاد مقاماً دائماً لهم.
وما إن انهارت الدولة الغزنوية على أيدي السلاجقة والغز، حتى ظهر أمراء الغور الأفغان وعلى رأسهم محمد الغوري فسيطر على غزنة وما حولها ثم انطلقوا بجندهم إلى أرض الهند. والواقع أن محمداً الغوري هو الذي ثبت أقدام المسلمين في شمال الهند بأكمله، وعلى أيدي رجال الغوري بدأ الحكم الحقيقي للمسلمين في الهند وصار لهم هناك دولة قوية مرهوبة الجانب وسيعة الرقعة عظيمة السلطان. وقد قضى السلطان الغوري اغتيالاً بيد أحد الهنادك سنة 602هـ (1206م).
ولم يترك محمد الغوري وريثاً للعرش فسرعان ما بدأ حكم المماليك بتنصيب قطب الدين أيبك نفسه سلطاناً على الهند عام 602هـ (1206م).
وانتهى حكمهم سنة 689هـ (1290م) بمقتل آخر ملوكهم كيقباذ على أيدي الخلجيين. ومن آثار المماليك العمرانية منارة القطب وهي من بناء شمس الدين التمش (607 ـ 633هـ).
ومن أشهر ملوك الخلجيين السلطان علاء الدين 695 ـ 716هـ الذي دانت له شبه القارة الهندية كلها، كما دفع عن حدوده الخطر المغولي الرهيب. وكان آخر ملوكهم قطب الدين مبارك الذي ارتقى العرش سنة 716هـ (1316م) وختم حياته منغمساً في الشهوات والمباذل فوثب عليه قائده خسرو فقتله، وبقتله انتهى حكم الخلجيين، وجلس خسرو نفسه على عرش الهند سنة 720هـ (1321م) وتلقب بناصر الدين وكان من أصل هندوكي، ويبدو أنه حنّ إلى أصله فراح يعمل على إحياء الهندوكية والاستهانة بالإسلام، فاستدعي القائد غازي تُغلُق ليضع حداً لذلك فأمكنه القضاء على خسرو سنة 721هـ (1221م) وتولى عرش دهلي باسم السلطان غياث الدين وبذلك قام ملك آل تُغلُق. وفي عهد أحد سلاطينهم محمد تغلق (725 ـ 751هـ) انفرط عقد سلطنته ذات الولايات الثلاث والعشرين إلى عدد من الإمارات القوية المستقلة فلم يبق تابعاً لدهلي من الولايات الكبيرة إلا الكجرات. ومن أشهر التغلقيين السلطان فيروز 752 ـ 790هـ وامتد حكم التغلقيين من سنة 1320 ـ 1413م. وازداد تفكك الدولة في عهد ناصر الدين محمود وقامت الفتن، ثم فوجئ الجميع بعبور بير محمد جهانكير حفيد تيمورلنك السند في مستهل عام 799هـ (1397م). ثم أقبل تيمور نفسه على الهند فعبر السند في المحرم من عام 801هـ (1398م) وما برح يسوي حصونها بالأرض ويحرق مدنها ويهلك الجموع الغفيرة حتى بلغ دهلي ودخلها فاتحاً وعاد تيمور إلى بلاده فغادر دهلي في آخر جمادى الآخرة بعد أن قضى فيها خمسة عشر يوماً، وظلّ يتابع سيره إلى عاصمته سمرقند عن طريق كابل.
وكان من نتائج الغزو التيموري أن تحولت الهند إلى ما يمكن أن نسميه «ملوك الطوائف» وانفصلت أغلب الولايات الكبرى عن الحكومة المركزية في دهلي وأعلن حكامها استقلالهم بها. وفي العام 817هـ (1414م) استخلص خضر خان نائب التيموريين لنفسه عرش دهلي من بقايا التغلقيين وبقي على ولائه الإسمي لتيمور وأولاده من بعده فكان يجري الخطبة باسمهم ثم باسمه وأسس أسرة حاكمة عرفت باسم أسرة السادات إذ كان يقول بامتداد نسبه إلى النبي (ص). ومن خلفائه انتقلت الدولة إلى اللودهيين الأفغان وأولهم بهلول لودهي وانتهت الدولة اللودهية بانقسام رجالها ودعوة فريق منهم السلطان ظهير الدين محمد بابر حفيد تيمورلنك من كابل لينصرهم على الفريق الآخر فلبى الدعوة، لكنه مضى يفتح الهند حتى جلس هو نفسه وأولاده من بعده على عرشها وذلك بعد أن قضى على السلطان اللودهي في موقعة باني بت سنة 932هـ (1526م) وبهذا انتقل حكم الهند من أيدي الأفغانيين الودهيين إلى أيدي التيموريين وقامت الدولة المغولية الكبرى دولة أحفاد تيمورلنك التي أرسى دعائمها ظهير الدين محمد بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري (932 هـ ـ 1526م) فعمّرت ثلاثة قرون اتسعت فيها رقعتها حتى شملت شبه القارة الهندية بأكملها، ووصلت بالحكم الإسلامي في هذه البلاد إلى أرقى صورة وبنفوذ المسلمين إلى أوسع مداه وشهدت على عهدهم أعظم نهضة حضارة عرفتها في تاريخها، بزت بإجماع الثقات من المؤرخين نظائرها عند أرقى الدول لذياك الوقت، حتى انتزعها منها البريطانيون.
قال مستر «كننغام» في كتابه الهند المغولية (.. ابتدأ العصر الذهبي في الهند بعد أشوكا في أيام حكم المغول. ونرى قوة خيال المغول ومقدرتهم الفنية من خلال الأحجار الأثرية والمعادن المنقوشة والأبنية التي تبهر العقول وتبهج القلوب. وإذا استثنينا بعض الأخطاء الشخصية من بعض السلاطين المغول فنجد أن عصرهم في الهند هو العصر الذهبي في تاريخها المجيد).
وبعد هذا الإجمال نعود إلى التفصيل:
الهند
ـ2ـ
الهند)[3]( بلاد واسعة مترامية الأطراف تقع في قارة آسيا شمالي المحيط الهندي، وجنوب الصين وأفغانستان وتنقسم أراضيها إلى ثلاثة أقسام طبيعية بعامل حوضي نهر السند في الغرب، والكنغ في الشرق وسهل دَكَنْ في الجنوب ويرتبط كل قسم من هذه الأقسام، بأحد العصور التاريخية للعنصر الآري.
في القسم الأول الذي يمثل مناطق البنجاب والسند وكشمير، كان للآريين علاقات حرب وسلام مع الشعوب الغربية (الأوروبية) التي أصبحت ذات شأن فيما بعد، هذه العلاقات تعود إلى فترة ما قبل العصور التاريخية السالفة الذكر.
أما القسم الثاني المتمثل بأقاليم «البنغال» و«اكره» وغيرها، فكان ذا حضارة عظيمة بدأت قبل الميلاد بـ15 قرناً واستمرت عدة قرون.
والقسم الثالث ويضم «دكن» وغيرها، كان قد خضع لسلطة الآريين قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً، وهناك أقاموا مدناً وصروحاً معمارية كبيرة اكتسبت شهرة كبرى وصلت آنذاك إلى مسامع قياصرة الروم. وما تزال أطلالها تثير استغراب الأوروبيين.
لقد سبقت الهند، باقي بقاع العالم بتطورها وحضاراتها ففي الوقت الذي كانت أكثر شعوب العالم تحضراً يقتصر تجسيد خيالها البسيط على الرسوم والرموز الغامضة، كانت الهند قد وضعت «ألف باء» متقنة استطاعت أن تخلّد الأناشيد الحربية الهندية التي سبق آخرها، أناشيد «هومير» اليونانية المعروفة بأربعمائة عام على الأقل.
وعندما ينظر الإنسان إلى سعة مساحة الهند وعدد سكانها الكبير جداً وإلى تعدد قومياتهم وأديانهم ولغاتهم، يرى نفسه أمام عالم متكامل، لكنه في نفس الوقت يصاب بالدهشة وهو يتساءل: كيف أمكن سكان جزيرة صغيرة «بريطانيا الصغيرة» البعيدة، استعباد هذا العالم الكبير، واتخاذه بقرة حلوباً لأكثر من ثلاثة قرون ساموا سكان الهند خلالها أنواع العذاب والمصائب، وامتصوا دماءهم ما استطاعوا.
يختلط تاريخ الهند القديم بالأساطير والخرافات بشكل يصعب معه استخراج الوقائع المقنعة منها. ثم تبدأ الحقائق تتضح تدريجياً، فنعلم أن الإسكندر المقدوني وصل إلى الهند عام 950 قبل الميلاد. ويمكن القول إن المقدوني خرق حينذاك الستار الذي كان يحجب الهند عن الغرب، ومنذ ذلك الوقت بدأت علاقات الهند بالشعوب الأوروبية، وقد أقام عدة تجار يونانيون هناك ورغم بروز المشاكل التي ظهرت في الهند بعد موت الإسكندر. إلا أن الغربيين حافظوا على علاقات تجارة وصداقة مع الهنود، ويقال إن الهند بعثت بعدة سفراء إلى روما بشكل متوال.
بعد موت الإسكندر وزوال حكم اليونانيين في الهند، دخل تاريخ هذه البلاد مرحلة جديدة من الضبابية إلى أن وصل الفتح الإسلامي إلى الهند بعد إيران.
الهند والسند في نظر العرب
كانت السند والهند في حسبان العرب إقليمين مختلفين يقعان جهة الشرق من بلادهم عبر البحر. فالسند كانت تحدها الهند وكرمان وسجستان وتليها الهند التي تتاخم الصين شرقاً. وأحياناً أطلق العرب «الهند» عليهما معاً.
إن ابن خرداذبه الجغرافي القديم)[4]( عندما تعرض لوصف بلاد السند أحصى فيها المدن الآتية:
قيقان (ﮔـيـﮔان قلات) ونبه (لعله يريد: نبون) ومكران وميد وقندهار (ﮔندهارا) وقصدار وبوقان، وقندابيل، وفنزبور، وأرمابيل، وديبل (تقرب من كراتشي) وقبنلى، وكنبايا (كهنبائت) وهسبان، وسدوسان، وراسك والردر (الور) وسادندرى، ومولتان، وسندان (سنجان، بمباي) ومندل وبيلمان (بهيلمان، ﮔجرات) وسرست، وكيرخ، ومرمد، وفالى (ﭘال جونا ﮔده) وهنج (ﮔجرات) وبروص (بهروج) )[5](.
ولم يراع ابن خرداذبه الترتيب في ذكر أسماء هذه المدن وإنما أورد الأسماء لجميع مدن السند إيراداً. وكان عامة العرب يسمون سكان هذه الحدود (السند) وإنما كانت السند تخضع لسلطان ملوك فارس وسطوتهم لأن حكام إقليم السند وولاته كانوا يؤدون الضرائب ويطيعونهم، وكان هؤلاء الملوك يستقدمون الرجال من السند لتجنيدهم في الجيش كلما دعتهم الحاجة إلى ذلك. وكان أردشير ملك فارس قد خلع على حكام السند شتى الألقاب. ومن تلك الألقاب «قفص شاه، ومكران شاه، وقيقان شاه، وقشميران شاه» وقد كان كل واحد من هؤلاء الحكام على انفراده بناحية يحكمها يخضع لسلطان ملك فارس ويعرف في عمالته بلقبه الممنوح المختص به»)[6](.
لقد كانت الهند التي تمتد إلى تخوم الصين مما يلي السند وفق تقسيم العرب، وكذلك كانت تقع بين السند والهند نحو الساحل مدينة اسمها «قامهل» ولعلها كانت توجد قرب إحدى بقاع بيكانير وجيسلمير وجوناﮔده تلك التي كانت تلتقي فيها تخوم السند والهند. وكتب ياقوت الحموي:
«قامهل مدينة في أول حدود الهند، ومن صيمور إلى قامهل من بلد السند، ومن قامهل إلى مكران والبدهة وما وراء ذلك إلى حد الملتان كلها من بلاد السند… وبين المنصورة وقامهل ثمان مراحل، ومن قامهل إلى كنباية نحو أربع مراحل»)[7](.
وقد أراد ياقوت الحموي بما بين قامهل وصيمور (بمباي) من المنطقة ﮔجرات التي عدها من أصقاع الهند ولم يرد بذلك تلك المنطقة الساحلية التي تشمل كوكن، ومليبار ومعبر، وكله، وشلاهط (سلهت) وقمار، ومملكة قهراج وغيرها من الكور والمخاليف.
ولقد كان الولاة والحكام في سواحل الهند والجهات المجاورة لها يتلقبون بألقاب كثيرة ذكر ابن خرداذبه بعضها وهي: بلهرا، وجابه، وطامن، وملك جزر وغابه، ورهمى، وملك قامرون، وملك زابج (فتحب) ومهراج. وإن الحكام في الهند أيضاً كانوا قد نالوا حظاً مما منح ملك فارس أردشير من الألقاب الملكية. فلقد ثبت أنه منح أحد ولاة الهند لقب ملك ريحان.
وهذه المناطق الساحلية من السند والهند هي التي كانت تقوم بينها وبين جزيرة العرب الروابط والصلات وكان العرب يقصدون هذه الجهات فكانوا ملمين بكثير من محصولاتها وأجناسها ورجالها إلماماً صحيحاً وكذلك سكان هذه الجهات أيضاً كانوا يعرفون عن العرب شيئاً كثيراً إما مباشرة أو عن طريق الأخبار التي كانت تخلص إليهم عن العرب.
والعرب الذين اعتبروا السند والهند إقليمين مستقلين منفصلين أطلقوا أحياناً على سكان الإقليمين اسم «هندي» على وجه التغليب، أما في الأكثر الغالب فقد كانوا يطلقون على أهل السند «سندي» وعلى أهل الهند «هندي».
وكلمة السند كما أنها تطلق على البلاد كذلك تطلق على الجيل الذي يقطنها وتجمع على «السنود» و«الأسناد» كالهنود والأهناد، وتضاف إليها ياء النسبة للأفراد فيقال للواحد: سندي. وفي لسان العرب:
«والسند جيل معروف والجمع أسناد وسنود. وسند بلاد. تقول: سندي للواحد وسند للجماعة مثل زنجي وزنج»)[8](.
ولقد اشتهرت السند قديماً بصناعة نوع من المنسوجات باسم: مسندة وسندية وسند تلك التي كان لها رواج واستهلاك في بلاد العرب. وكما كان الرجل السندي يعرف بنسبته إلى السند كذلك كان الثوب والدجاج يشتهران بنسبتهما إلى بلاد السند فيقولون ثوب سندي، ودجاج سندي. وكان الأسناد في قديم الزمان يسكنون الجزيرة العربية بعدد كبير وكانت لهم بالأخص في اليمن شوكة ونفوذ عظيم.
وكما أن لفظة الهند اسم الإقليم بإزاء السند كذلك دعا العرب سكان الإقليم بهذا الاسم فللجمع يستعملون «الهنود» وللواحد «الهندي» بإضافة ياء النسبة وقد يضيفون إليها الكاف قبل الياء فيقولون «الهندكي» ثم يجمعونها على هنادك. وقد يكون مرادهم بالهندي العود الهندي خاصة. وكانت الهند تشتهر بصناعة السيوف عند العرب وقد استرعت السيوف الهندية كبير اهتمامهم ونالت منهم الإعجاب «فكثيراً ما جرى ذكرها على ألسنتهم وكانوا يصفونها بالهندية. وقد تنوعت وجوه هذا النعت لكثرة استعمالهم فأحياناً قالوا: سيف مهند وأخرى سيف هندي وتارة سيف هندواني ـ بضم الهاء وكسرها ـ وحيناً اكتفوا بالهندي.
وكانت تسكن جزيرة العرب جاليات مختلفة من الهنود والسنود. فالزط، والميد، والسيابجة، والأساورة والأحامرة، والبياسرة، والتكاكرة كل هذه الجاليات كانت تسكن الجزيرة العربية وتدعى بأسماء مختلفة حسب تلك الأعمال المختلفة التي كانت قد احترفت بها هناك.
فالزط: (جات) جالية هندية من السود المحاربين الذين يشتهرون بشجاعتهم وجلادتهم وقوة بأسهم، وكانت مساكنها تمتد من ضواحي منطقة المنصورة إلى مكران، وكان مسكنها الأصلي بلوجستان ومنطقة البنجاب من بلاد الهند فانتزحوا عنها إلى جزيرة العرب.
والميد: جالية هندية ساحلية كانت تغير على السفن وتنهبها في البحار وكانت مساكنها تمتد من حوض نهر السند إلى منطقة أوتكين إحدى تخوم الهند ومن المناطق الساحلية الواقعة على حوض نهر السند إلى ملتان كما كانت توجد لقطاع الطرق المائية هؤلاء ملاجئ وأوكار في سواحل ﮔجرات وكوكن بكثرة وكان الحكام والملوك الهنود ضاقوا بهم ذرعاً ولم يستطيعوا أن ينالوا منهم شيئاً وقد أخضعهم المسلمون بعد. وكانوا يتجندون في عسكر ملوك فارس ويرحلون إلى بلاد العرب ويسكنون هناك المناطق الساحلية.
والسيابجة: هذه الجالية الهندية أيضاً كانت من قطان السند والمناطق الساحلية للهند وبخاصة كانت منطقة السند مركزاً لهم.
والأحامرة: قوم كانوا هم أيضاً من قطان المناطق الساحلية الهندية ولا سيما السند وكانوا يسافرون إلى بلاد العرب ويقومون بخدمة حراسة السفن التجارية لقاء أجور كانوا يحصلون عليها من أصحاب السفن، كانوا يقومون بمقاومة قطاع الطرق ومحاربتهم.
والأساورة: هم طائفة من ضباط فرقة الفرسان في جيش ملوك إيران، وكانت لأكثرهم رتب عالية في الجيش الإيراني وكانوا يقيمون في بلاد العرب. وكان عدد منهم من الهنود الذين كانت أوطانهم تمتد من سواحل السند إلى سرنديب.
والبياسرة: قوم من الهنود كانوا يرحلون إلى بلاد العرب ويعملون في السفن التي كانوا يتولون حراستها، وكانت قراهم ومواطنهم مبتدئة من سواحل السند إلى صيمور وما جاورها من حدود بمباي.
والتكاكرة: تهاكر هؤلاء كانوا من أبطال السند والبنجاب وشجعانها الذين كانوا أبدوا بسالة في مناصرة داهر وغيره من ملوك الهند في مقاطعة الغزو الإسلامي.
الهند
ـ3ـ
الشعب الهندي مزيج من عروق عدة: الآري: الدرافيدي، المونغولي.
وتبلغ ديانات الهند المئة لكن الدولة لا تعترف بغير عشرة من بينها: الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية والبارسية (المجوسية الفارسية) والجابنا والسيخ.
والديانة الهندوسية أتت مع أوائل الآريين الذين جاؤوا الهند قبل 4 آلاف عام.
وإن تاريخ الهند الحقيقي يبدأ بقدوم الآريين إليها. ويجب بادئ ذي بدء أن تدرس الأسس الطبيعية لهذا التاريخ في الظروف الجغرافية التي أثرت على مجراه خلال العصور.
إن الهند قبل التقسيم وحدة جغرافية محفوفة بالجبال في الشمال ومحاطة بالبحر في الجنوب، وإنها عزلت في الحقيقة عن بقية العالم بحدود صارمة معروفة، إن جبال همالايا تقدم سوراً مضاعفاً يمتد بدون تقطع من الشرق إلى الغرب لمسافة 1600 ميل ويمتد عرضها 250 ميلاً معدلاً. ومن جهة (تبت) من السور الشمالي تنهض الأنهر الثلاثة، وهي: أندس وستلج وتسان بو (يسمى «براهما بوترا» في جزئه الهندي)، ومن جهة الهند من السور الجنوبي ينهض كنكا وفروعه الشمالية. ويلتقي السد الهماليائي على جانبه الشرقي بحواجز في صورة جبال بتكوئي، وناكا، ولوشائي المكسوة بالأدغال التي تحول بين وادي إيراودي في برما والسهول الهندية وتعرقل الطريق المستقيم ما بين الصين والهند. وفي نهايته الشمالية الغربية تقوم مقام السد زاوية من الذروة الأعلى المتألفة من جبل كراكورم بقمتها الثانوية في الارتفاع في العالم، المعروف بجبل «كودوين أوستن»Mont Godwin Oustin وقمة هندوكوش Hindu kush مكتنفة بين جوانحها وادي ليه، وكلكيت، وجترال التي تشكل أقصى المراكز العسكرية في الشمال للأمبراطورية الهندية. وإلى ما وراء هندوكوش أو في جنوبها يقع «سفيدكوه»، وقمم جبل سليمان التي تحول بين الهند (غير المقسمة) وأفغانستان وجبال كرتار التي تفصلها عن بلوجستان.
وفي الجنوب أقام الأوقيانوس في الأيام الغابرة حاجزاً مهيباً معزولاً، باستثناء التبادل التجاري السلمي القليل الذي كان يمكن بالمراكب الشراعية وباستثناء الرحلات البحرية المتلجلجة في تلك الأيام في السواحل.. وكان الأوقيانوس يوفر للهند الوقاية الكافية ضد أي غزو بحري إلى أن وجد الأوروبيون (حول قارة إفريقية) طريق رأس الرجاء الصالح. وإن قدوم ثلاث سفن «فاسكو دي كاما» على ساحل كاليكوت عام 1498 الميلادية، جعل البلاد عرضة لقدوم المقتحمين المغامرين بطريق البحر ـ طريق غزو سلكته الدول الغربية الأربع فيما بعد باستمرار ونجاح: البرتغال، وهولندا، وفرنسا، وبريطانيا.
وفن الملاحة قد غيّر شكل الأوقيانوس، فجعله طريقاً عمودية للاختلاط والغزو حتى انتقلت قيادة البلاد إلى السيادة في البحر. وقد اكتسبت المدن الساحلية: بومباي، وكراتشي، ومدراس، وكلكتا، وكولومبو، أهمية عسكرية في الدفاع عن الهند. وقد أصبحت كولومبو التي تلتقي عندها عدة طرق بحرية: من بحر الروم، ومن رأس الرجاء الصالح، ومن أستراليا، ومن سنغافورة، ومن الشرق الأقصى مركزاً عسكرياً هاماً في الأوقيانوس الهندي.
ويلاحظ أن الحواجز الجبالية الغربية على السواحل الغربية وندرة الموانئ الصالحة على السواحل الشرقية، وقلة الغور في المياه الساحلية، وصعوبة المراسي بسبب الأمواج الهائجة، كل هذه ترتب عقبات مستمرة طبيعية في المواصلات بطريق البحر مع البلاد الخارجية. وأيضاً طبيعة السواحل الهندية لا تناسب لنموها كدولة ذات قوة بحرية.
وحيث إن قسماً عظيماً من البلاد الهندية يتمتد إلى الداخل، فمعظم سكانها أصبحوا مربوطين بالبر. لا توجد هنالك تلك الخلجان العميقة والهوى، أو مصبات الأنهار التي تفتح بها المساحات الداخلية كما توجد في ناروى Narway أو الجزائر البريطانية، التي لا يبعد أي جزء منها من البحر، والبعض من الخلجان والهوى التي توجد في الهند لا تصلح للموانئ. والميناء الطبيعي الوحيد في الهند هو بومباي. وميناءي مدراس وكولومبو هما اصطناعيان.
وأما كلكتا فهي على مصب نهر. وبالنظر إلى هذه العقبات الطبيعية فإن الملاحة الهندية ونشاطها البحري لم يلعبا دوراً هاماً في التاريخ الهندي.
وفي حين أن الهند بتمامها تقف منعزلة عن العالم فإن بعض أجزائها بدورها معزولة عن بعض. وسلسلة جبال ونديا (Vindia) بأوغالها العويصة الممتنعة قد قدمت في كل الأزمنة حاجزاً فاصلاً بين شمالي الهند وجنوبها. وقد وقف استعمار الآريين أمام هذا الحاجز لمدة طويلة بموجب النصوص السنسكريتية القديمة. وإلى يومنا هذا يظهر في هذين الجزأين من الهند تباين عجيب في ميادين السلالة واللغة والعادات الاجتماعية. فعلى طريق المثال ذكرت في كتاب من بوذيانا في عام 500 ق.م. عادة اجتماعية عامة، التي تفرق بين الناحيتين الجنوبية والشمالية، وهي العادة المتبعة حتى الآن في المناطق الجنوبية من تزاوج شخص مع ابنة خاله، وهي عادة يستهجنها الهندوس في المناطق الشمالية. والواقع أن المناطق الجنوبية من الهند كان لها تاريخ منفصل، مع قيام ومواقف قليلة من الاتصال بتاريخ المناطق الشمالية من الهند. ولقد قلّ الملوك الذين أحاطت سيطرتهم على الشقين الجنوبي والشمالي، كحكومة جندركبتا موريا، أو أشوكا أو جلال الدين أكبر، أو أورنك زيب. والعزلة النسبية في الجنوب هي المسؤولة عن إعفائها من غزوات المسلمين التي تعرضت إليها الأجزاء الشمالية من البلاد لعدة قرون.
وسلسلة جبال ونديا بما فيها من جبال ستبورا والتي تضم وديان نهري نرمدا وتابتي، تمتد من خليج كامبي Gulf of Cambay إلى تاج محل في بنغال. وفي الجهة الوسطى في الهند تتحد جبال ونديا وستبورا لتؤلف المرتفعات في الأقاليم المتوسطة.
وفي الناحية الشرقية حتى الجبال الشرقية، والمنطقة الواقعة بين نهري كوداورى ومهاندي الممتدة إلى اتجاه شمالي في وادي نهر سون، هي أيضاً معزولة بالجبال والأوغال ذات الحمى موطن السكان الأصليين العارين من صبغة حضارية، وفي بقاع من الأرض كـ«سونتل بركنا» وفي جبال وأوغال الهند الوسطى، أو في مرتفعات نيلكيري، كما قد ذكر.
وحتى في زمان الكتاب الويدي المسمى «ايتريا براهمانا» (الذي لا يتأخر تاريخه عن 2000 ق.م.)، قد ذكر أن الأجناس غير الآرية: اندهرا، وبوراندهرا، وسبارا، وبوليندا، ومريتيا، قد سكنوا في ضواحي المدينة الآرية في أدغال ونديا من الناحية الشرقية. وفي الجنوب الأبعد قد عزلت جبال أنامولاي، وبالني، وكارديمم مملكة كيراله التي انبعثت عنها في العصور الحديثة ولايتا كوجين ووتراونكور. ومن آثار هذه العزلة فيهم، يوجد لديهم عادات اجتماعية غريبة كالمرأة تتزوج رجالاً متعددين في آن واحد أو التراث الأموي (بموجبه إذا مات رجل ورثه ابن أخته) هذه عادات غير معروفة في النظام الاجتماعي الآري وبقية البلاد الهندية.
ومثال عزلة آخر ملفت للنظر هو العزلة في المنطقتين المزدحمتين، في جنوب الهند، منطقة سهول كرناتك الممتدة من مدارس إلى تانجور، ومنطقة سواحل ميبار ما بين كوجين وكاليكوت. وعزلة المنطقتين المعمورتين في ما بينهما نقطة تقطع بالثغرة المسماة ثغرة كوئمباتور أو بالكات، وهي التي تتيح لأسواق كرناتك منفذاً ضرورياً إلى المرافئ والموانئ الطبيعية على سواحل ملبار. إن الأمواج على سواحل كورومندل مضافاً إليها الحواجز التي تتألف من الجبال الغربية وراء ساحل مليبار لهي السبب في العزلة النسبية في جنوبي الهند تغيثه منها ثغرة كوئمباتور وتلتحم كوئمباتور التي أصبحت تتمتع بأهمية كبرى بسببها.
وإن الهند رغماً عن كل هذه العزلة الطبيعية لتعكس صورة اجتماعية معقدة غريبة مخلوطة بأجناس مختلفة ولا شك أنها وليدة المواصلات بالعالم الخارجي، والهجرات، والغزوات الأجنبية. فهكذا يناقض تاريخ الهند جغرافيتها. وحركات عالمية في الفكر والشعوب قد تعدت على عزلتها خلال العصور الغابرة وأدخلت في حضارتها عناصر وسلالات وثقافات مختلفة.
وهذا التنوع في الأجناس مصحوب بتنوع على أوسع درجة في اللغات في الهند والتقرير الإحصائي الصادر في سنة 1931 قد عدّ 225 لغة حية في الهند التي تمثل فيما بينها أربعة من الأسر العظمى للنطق البشري أي (الآسترية Asteric) والتبتية الصينية، والدراويدية، والهندية الأورباوية. قد تركزت اللغة الدارويدية في الجنوب في لغات تيلكيو، وتامل، وكناري، ومليالم، ولكل واحدة منها أدب عظيم. ووراءها في الشمال تسيطر اللغة الهندية الآرية على اللغات المتكلمة التي لم تتركز وتتشكل بعد بالأدب.
إن التوزيع الحالي في اللغات الهندية الآرية يحذو نفس القواعد التي تحذوها المراجع السنسكريتية القديمة. ويعين (ستابتا برهمنا) موطن النطق، أي اللغة الهندية الآرية، في أرض كوروبنجالا من حيث إنها انتشرت إلى جهات مختلفة.
وبعد ذلك يعين «منو» موطن الثقافة الهندية الآرية في ما يسميه «آرياورتا» أي المنطقة التي تقع ما بين جبال هماليا وونديا من خليج بنغال إلى بحر العرب. ويعين «براهمارشيديسا»، وهي أرض كورو، وبنجالا، ومتسايا، وسوراسينا، بأنها كانت إلى عهده حاملة للواء تلك الثقافة وهيئات معلميها. وعلى ذلك نجد في العصور الحديثة منطقة وسطى من اللغات الداخلية، ممثلة باللغة الهندية الغربية، ولها حزام داخلي من اللغات مثل البنجابية، والراجستانية، والكجراتية في الغرب، والبهارية في الشمال، والهندية الشرقية في الشرق، وحزام خارجي يشتمل على الكشميرية ولغة اللابدائية والسندية، والكجية في الغرب، والمراتبة في الجنوب الغربي، والبهارية والبنغالية والآسامية والأورية في الشرق. فكأننا نتبع الثقافة الهندية الآرية من براهمار شيديسا التي تطابق المساحة اللغوية الداخلية على طول مجاري كنكا وجنا عبر كوسالا إلى ويديها ووالكا معتنقة مساحات الحزامين الداخلي والخارجي من اللغات.
والصلات اللغوية بين براهما رشيديسيا وبين المستعمرات الهندية الآرية الابتدائية في بلاد الأنهر السبعة لا بد من أنها تأثرت بالغزوات الفارسية من قاعدتهم في بكتيريا في القرن السادس ق.م. وكان نتيجة هذا الاتصال ما بين الإيرانيين والهنديين الآريين ظهور مجموعة لغات مختلفة تعرف باللغات البساشائية التي ما زالت تحتوي على كثير من المفردات الويدية المهجورة، والتي تستعمل في المناطق المحيطة بنهري كابول وسوات المشار إليهما في ركويدا وفي ما وراء اللغات البيساشائية والحزام الخارجي الهندي الآري في الغرب، توجد اللغات الإيرانية كلغة بشتو وبلوج.
وتقدم الهند ـ كما مر ـ أكبر تغاير من جهتها الدينية. فتوجد بها جميع أديان العالم: الهندوسية والإسلام والبوذية والمسيحية، والسيخ والمجوسية الفارسية. وتقدم الهند تطور البشرية في جميع أحوالها وأدوارها من أدناها إلى أعلاها. ويمكن أن توصف كمتحف طقوس، ومذاهب، وعادات وثقافات، ومعتقدات، ولغات، وأصناف سلالية، وأساليب اجتماعية، ولكنها ليست بمتحف للأشياء الميتة، أو أغراض مادية بل لملة حية، وأساليب روحانية، كل يتطور على شاكلته.
تاريخ المسلمين في الهند
وعن تاريخ الإسلام في الهند نقول: لم يكن فتح العرب للسند أواخر القرن الأول الهجري إلا احتلالاً لولاية واحدة في أقصى الغرب لا هي بالواسعة الرقعة ولا بذات الموارد الغنية والأرض الخصبة.
وبدأ الغزو الإسلامي لهذه البلاد في أوسع مداه حين شرع الغزنويون الأتراك أواخر القرن الرابع الهجري يطرقون أبواب شبه القارة الهندية ويتوغلون فيها بعد أن أقاموا لهم دولة واسعة ضمن غزنة وسيستان ولمغان وخراسان وأغلب بلاد ما وراء النهر.
وأول من دخل الهند من الفاتحين بطريق الجبال الشمالية الغربية محمود الغزنوي (388 ـ 421هـ) منطلقاً من خراسان إلى غزنة وكابل وبشاور وملتان ودهلي.
وتعد فتوح الغزنويين الهندية بداية غزو المسلمين الحقيقي للهند، ذلك الغزو الذي سرعان ما انتهى بالفاتحين إلى اتخاذهم من هذه البلاد مقاماً دائماً لهم.
وما إن انهارت الدولة الغزنوية على أيدي السلاجقة والغز، حتى ظهر أمراء الغور الأفغان وعلى رأسهم محمد الغوري فسيطروا على غزنة وما حولها ثم انطلقوا بجندهم إلى أرض الهند. والواقع أن محمداً الغوري هو الذي ثبت أقدام المسلمين في شمال الهند بأكمله، وعلى أيدي رجال الغوري بدأ الحكم الحقيقي للمسلمين في الهند وصار لهم هناك دولة قوية مرهوبة الجانب وسيعة الرقعة عظيمة السلطان. وقد قضى السلطان الغوري اغتيالاً بيد أحد الهنادك سنة 602 هـ (1206م).
ولم يترك محمود الغوري وريثاً للعرش فسرعان ما بدأ حكم المماليك بتنصيب قطب الدين أيبك نفسه سلطاناً على الهند عام 602هـ (1206م) وانتهى حكمهم سنة 689هـ (1690م) بمقتل آخر ملوكهم كيقباز على أيدي الخلجيين.
ومن آثار المماليك العمرانية منارة القطب بدهلي التي يبلغ ارتفاعها 242 قدماً والتي تعد من أروع العمائر الإسلامية بالهند قاطبة وهي من بناء شمس الدين التمش.
ومن أشهر ملوك الخلجيين السلطان علاء الدين 695 ـ 716هـ الذي دانت له شبه القارة الهندية كلها، كما دفع عن حدوده الخطر المغولي الرهيب. وكان آخر ملوكهم قطب الدين مبارك الذي ارتقى العرش سنة 716هـ (1316م)، وختم حياته منغمساً في الشهوات والمباذل فوثب عليه قائده خسرو فقتله، وبقتله انتهى حكم الخلجيين وجلس خسرو نفسه على عرش الهند سنة 720هـ (1321م) وتلقب بناصر الدين وكان من أصل هندوكي ويبدو أنه حن إلى أصله فراح يعمل على إحياء الهندوكية والاستهانة بالإسلام، فاستدعي القائد غازي تُغلُق ليضع حداً لذلك فأمكنه القضاء على خسرو سنة 721هـ(1321م) وتولى عرش دهلي باسم السلطان غياث الدين وبذلك قام ملك آل تغلق.
وفي عهد أحد سلاطينهم محمد تغلق 725 ـ 751هـ انفرط عقد سلطنته ذات الولايات الثلاث والعشرين إلى عدد من الإمارات القوية المستقلة فلم يبق تابعاً لدهلي من الولايات الكبيرة إلا الكجرات.
ومن أشهر التغلقيين السلطان فيروز 752 ـ 790هـ وامتد حكم التغلقيين من سنة 1320 ـ 1413م وازداد تفكك الدولة في عهد ناصر الدين محمود وقامت الفتن، ثم فوجئ الجميع بعبور بير محمد جهانكير حفيد تيمورلنك السند في مستهل عام 799هـ (1397م). ثم أقبل تيمور نفسه على الهند فعبر السند في المحرم من عام 801هـ (1398م) وما برح يسوي حصونها بالأرض ويحرق مدنها ويهلك الجموع الغفيرة حتى بلغ دهلي ودخلها فاتحاً.
وعاد تيمور إلى بلاده فغادر دهلي في آخر جمادى الآخرة بعد أن قضى فيها خمسة عشر يوماً، وظلّ يتابع سيره في عاصمته سمرقند عن طريق كابل.
وكان من نتائج الغزو التيموري أن تحولت الهند إلى ما يمكن أن نسميه «ملوك الطوائف» وانفصلت أغلب الولايات الكبرى عن الحكومة المركزية في دهلي وأعلن حكامها استقلالهم بها. وفي العام 817هـ (1414م) استخلص خضر خان نائب التيموريين لنفسه عرش دهلي من بقايا التغلقيين وبقي على ولائه الاسمي لتيمور وأولاده من بعده، فكان يجري الخطبة باسمهم ثم باسمه، وأسس أسرة حاكمة عرفت باسم أسرة السادات إذ كان يقول بامتداد نسبه إلى النبي (ص).
ومن خلفائه انتقلت الدولة إلى اللودهييم الأفغان وأولهم بهلول لودهي وانتهت الدولة اللودهية بانقسام رجالها ودعوة فريق منهم السلطان ظهير الدين محمد بابر حفيد تيمورلنك من كابل لينصرهم على الفريق الآخر فلبى الدعوة، لكن أمير كابل مضى يفتح الهند حتى جلس هو نفسه وأولاده من بعده على عرشها وذلك بعد أن قضى على السلطان اللودهي في موقعة باني بت سنة 932هـ (1526م) وبهذا انتقل حكم الهند من أيدي الأفغانيين اللودهيين إلى أيدي التيموريين وقامت الدولة المغولية الكبرى دولة أحفاد تيمورلنك التي أرسى دعائمها ظهير الدين محمد بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري (932هـ ـ 1526م) فعمرت ثلاثة قرون اتسعت فيها رقعتها حتى شملت شبه القارة الهندية بأكملها، ووصلت بالحكم الإسلامي في هذه البلاد إلى أرقى صورة وبنفوذ المسلمين إلى أوسع مداه وشهدت على عهدهم أعظم نهضة وحضارة عرفتها في تاريخها، وبزت بإجماع الثقات من المؤرخين نظائرها عند أرقى الدول لذلك الوقت، حتى انتزعها منهم البريطانيون.
قال مستر «كتغام» في كتابه الهند المغولية: (ابتدأ العصر الذهبي في الهند بعد اشوكا في أيام حكم المغول. ونرى قوة خيال المغول ومقدرتهم الفنية من خلال الأحجار الأثرية والمعادن المنقوشة والأبنية التي تبهر العقول وتبهج القلوب. وإذا استثنينا بعض الأخطاء الشخصية من بعض السلاطين المغول فنجد أن عصرهم في الهند هو العصر الذهبي في تاريخها المجيد).
الإنكليز في الهند
كان القائد الشهير «روبرت كلايف» أول مؤسس حقيقي لسلطان إنكلترا في الهند، وعلى يده استطاع الإنكليز أن يبسطوا حكمهم على عدة أقاليم شاسعة، ولا سيما بنغالة وأورسا وبهار، ولم تأت أواخر القرن السابع عشر حتى انهار نفوذ الدول المنافسة: هولندة، وفرنسا، والبرتغال تباعاً، وعين أول حاكم انجليزي للهند في سنة 1773م، وهو «ورن هاستنجس». ولما اتسع نطاق الحكم البريطاني في الهند على هذا النحو انتقلت السلطة والإدارة من يد شركة الهند الشرقية إلى العرش وأنشئ لإدارة الهند مجلس خاص اشترك فيه بعض مديري الشركة، واستمر حكام الهند المتعاقبون يفتحون إقليماً بعد إقليم، ويقضون على الإمارات المحلية واحدة بعد أخرى سواء بالفتح أو بإرغامها على عقد معاهدات تضعها تحت حماية إنكلترا فلم تأت أوائل القرن التاسع عشر حتى كانت إنكلترا قد بسطت سلطانها على معظم أنحاء الهند الشاسعة. وكانت البنجاب آخر الأقاليم التي استولت عليها سنة 1849، وحطمت إنكلترا في الوقت نفسه معاقل السيخ، وهم أشد خصومها مراساً، واستولت على بورما في أواخر القرن الماضي، وبذا تم استيلاؤها على القارة الهندية من أقصاها إلى أقصاها.
وفي سنة 1877م أعلنت الملكة فكتوريا ملكة إنجلترا إمبراطورة للهند، ومن ذلك الحين يلقب حاكم الهند الإنجليزي بنائب الملك (Viceroy) وفي سنة 1911 زار الملك جورج الخامس، ولد الملكة فكتوريا، الهند وتوج إمبراطوراً فيها.
وبذلت الهند خلال هذا الصراع الطويل غير محاولة لتحطيم النير البريطاني، وكانت أخطر محاولة بذلتها في هذا السبيل هي الثورة الهندية العامة التي نشبت في سنة 1857م التي كان قوامها المسلمون والتي يأتي ذكرها، والتي كادت تقضي على سلطان الإنكليز في الهند، لولا أن تداركتهم ظروف إنقاذ مدهشة، فاستطاعوا سحقها بعد كفاح دام عامين.
ومن ذلك الحين يتوطد سلطان إنجلترا في الهند بصورة نهائية، وتمضي إنجلترا قدماً في سياستها لحكم الهند واستثمارها، ويسود الهند نوع من الركود القومي، فلا تستأنف يقظتها القومية إلا في أواخر الحرب الكبرى الأولى.
استيلاء الإنكليز على الهند
عام 1498م اكتشف البحار البرتغالي المعروف فاسكو دي ﮔاما الهند عن طريق «قرن الرجاء» فكان البرتغاليون أول أوروبيين تطأ أقدامهم أرض الهند وهم الذين وضعوا أساس التجارة وأسسوا المراكز التجارية الكبرى وفي نفس تلك الفترة كانت جزر الخليج الفارسي قد خضعت للهيمنة البرتغالية.
وفي القرن السابع عشر سار الدنماركيون والفرنسيون والإنكليز على خطا البرتغاليين فأقاموا العلاقات مع الهند خصوصاً الفرنسيين الذين طوروا هذه العلاقات بشكل كبير لكن الإنكليز بدأوا يضيقون عليهم إلى أن استطاعوا إخراجهم من الهند مع باقي المنافسين لهم.
تأسيس شركة الهند الشرقية
ابتدأت علاقة الإنكليز بالهند بواسطة التجار الذين كانوا يترددون عليهم، وفي البداية كانوا يتوخون تحقيق مكاسب تجارية فقط لهذا لم يكونوا يتدخلون بشؤون السياسة والحكم في الهند فأسسوا «الشركة الإنكليزية للهند الشرقية» التي أقامت مراكز تجارية في الموانئ الهندية. وعلى أساس الطلب الذي تقدم به ملك إنكلترا جورج الأول إلى ملك الهند «جهانـﮔير» سليل الاسرة البابرية عام 1612م والذي خاطبه فيه بقوله: (الأخ العظيم الشأن). فقد سمح الأخير للشركة المذكورة بفتح مراكز تجارية في موانئ «سورت» و«أحمد آباد» و«كامبي» ثم أصدر أمراً بمنح هذه الشركة صفة رسمية.
لكن الشركة المذكورة بدأت تدريجياً بتغيير منهج نشاطها وقامت بالتمدد إلى مناطق أخرى بحجج مختلفة فأسست مراكز تجارية جديدة في «مدراس» و«بومباي» وأقامت روابط تجارية تدريجية مع الهند المركزية. وفي أواسط القرن السابع عشر قررت الشركة تشكيل مجموعات مسلحة وبدأت بالتغلغل إلى أوساط البلاط وتدبير المؤامرات، حتى اضطر ملك الهند «أورنغ زيب لشكر» سنة 1689م إلى إعداد قوات عسكرية واحتلال «سورة» و«أحمد آباد» ومحاصرة «بومباي» وقتل عدد من مسؤولي الشركة وجر عدد منهم في الشوارع والأزقة وهم مكبلون بالسلاسل، واستقدم اثنين من مسؤولي الشركة مكبلين إلى «دلهي». وبعد أن قام «أورنغ زيب» بتوجيه اللوم والتقريع لهما عاد فأصدر أوامره بأن تعود الشركة إلى العمل بعدما تعهد مسؤولوها بعدم التدخل بشؤون الحكم. ثم إن «أورنغ زيب» توفي ولم يكن خلفاؤه يملكون القدرة على مقاومة مؤامرات ودسائس الشركة التي كانت تحصل على صلاحيات وعناصر قوة جديدة كل يوم، حتى أنها قامت عام 1720م بإرسال ممثلين عنها يحملان مقادير كبيرة من الهدايا الثمينة إلى ملك الهند «شاه جهان» الذي أمر حكام الولايات الواقعة على طول الطريق بتنظيم استقبالات تكريمية حاشدة لحاملي الهدايا. وكانت الهدايا عبارة عن أقمشة ثمينة ومرايا وساعات وتحفاً أخرى. ولما كانت هذه السلع جديدة في أوساط البلاط الهندي، فقد جرى تخمين قيمتها بأرقام عالية جداً. ومقابل ذلك، منح الملك حق التجارة للشركة، على جيع الأراضي الهندية، مما حدا بها إلى تكثيف نشاطها، فأخذت بإنشاء مراكز تجارية جديدة كل يوم.
استيلاء الإنكليز على البنغال
كانت الهند حينذاك مقسمة إلى أقاليم يحكم كلاً منها «راجا» يخضع لسلطة الملوك البابريين المغول الذين يقيمون في دلهي لكن كلاً من هؤلاء كان يتمتع بما يعتبر استقلالاً كاملاً داخل حدود ولايته. وكانت البنغال أهم تلك الولايات. وقرب مدينة “كلكتا” شيد الإنكليز عام 1720م قلعة أطلقوا عليها اسم قلعة «ويليام» ثم بدأوا يمتدون تدريجياً إلى كل المناطق القريبة منها.
وفي عام 1755م استدعى نائب راجا «علي وردي خان» الذي كان يراقب بقلق تغلغل الإنكليز وتوسع نفوذهم، ابنه الأكبر، وهو على فراش الموت وأوصاه بقوله: «إن قوة الإنكليز كبيرة فلو استطعت التغلب عليهم فسيكون بإمكانك طرد سائر الأوروبيين، يجب أن لا تدع الإنكليز يدخلون إلى بلادك وينشرون قواهم ومراكزهم التجارية. فلو ضعفت أمامهم فسيسيطرون على أرض الهند. أتوقع أن الإنكليز سيشكلون خطراً كبيراً على حكمك. إن هدفهم من المجيء إلى هنا تحقيق المكاسب والمصالح وهدفهم التدخل في شؤوننا الداخلية والسيطرة على الأقاليم ونهب ثرواتها. إن طينة هؤلاء الأوروبيين معجونة بحب الذهب والفضة وضميرهم قائم على التسلط والهيمنة. إن سياستهم تجاه الشرق كله أضحت معروفة وهم لا يعيرون اهتماماً لأحكام إلههم بل إن سياستهم وتصرفاتهم تتعارض تماماً مع عقائدهم الدينية. ولدي: أكرر وصيتي لك بأن تتغلب على الإنكليز وأن تتخذ الحيطة واليقظة، فلو غفلت وتساهلت وسمحت لهم بوضع قواتهم ونشر مراكزهم التجارية على أرضنا فإن هذه الأرض التي تحكمها اليوم ستكون غداً للإنكليز».
لقد كانت مخاوف علي وردي خان في محلها. فقد توفي في شهر رجب، وفي شهر المحرم من ذلك العام قرر «اللورد كلايف» مستعيناً بالعديد من المؤامرات والدسائس إزاحة «شجاع الدولة» الابن الأكبر لراجا الولاية السابق عن كرسي الحكم وتنصيب أحد عملاء الشركة المدعو «مير جعفر» محله. قد روى تفاصيل هذه القصة اللورد كلايف أمام هيئة من البرلمان الإنكليزي كانت تحقق في مخالفاته ومظالمه ذلك عام 1772م، وهي تفاصيل تعكس بوضوح نهج العدوان والتآمر والهيمنة الذي يشكل أساس السلوك الإنكليزي في اغتصاب حقوق وأراضي الآخرين فقد قال اللورد كلايف أمام الهيئة البرلمانية: «اتفقنا مع مير جعفر الذي كان يرأس قوات تابعة للحاكم شجاع الدولة على التحرك في وقت معين للإطاحة بشجاع الدولة وحلول مير جعفر محله في الحكم. كان كل شيء قد أنجز بدقة ولم يبق إلا تعيين ساعة الصفر لكن «واتس» الذي كان ممثلاً للشركة في بلاط الحاكم أخبرنا أن أحد رجال الحكم المهمين ويُدعى «أوميجوند» قد علم بالأمر وقرّر كشفه لشجاع الدولة وقد أعلن استعداده لإخفاء الأمر مقابل إعطائه ضمانات مكتوبة بأن يحصل على 3 بالمائة من ممتلكات شجاع الدولة إضافة إلى مبلغ يعادل 750 ألف فرنك. ونظراً لأهمية الوقت قررت الشركة اعتماد الحيلة والخديعة مع هذا الشخص الطماع، فوافقت على منحه وثيقة ضمان مكتوبة مزورة قمت أنا بإعدادها مسبقاً وقام أحد الخدم العاملين بالشركة بإيصالها إلى هذا الشخص، ولا أعتقد أن هذا الأمر يخالف في رأيكم المصلحة والإنصاف، ذلك أننا رأينا من الضروري جداً في ذلك الوقت إحباط الأهداف السيئة لشخص سيئ النوايا مستعد لخيانة ولي نعمته مقابل المال».
بعد ذلك بدأ اللورد كلايف بافتعال المشادات والمشاكل غير المبررة مع شجاع الدولة، وعندما رأى الوقت مناسباً للبدء، أرسل إلى الحاكم «شجاع الدولة» قائمة طويلة بتهم وافتراءات افتعلها، ونسبها إليه قبل أن يحصل على الجواب، حشد قوات عسكرية واتجه لمهاجمته. التقى الفريقان في صحراء هوكلي وكان عدد القوات البنغالية خمسين ألفاً، بينما قوات كلايف بلغت ثلاثة آلاف جندي فقط. وحسب الاتفاق المسبق، فإن القوات البنغالية خانت الحاكم، وهربت من المعركة، فدخل كلايف ومير جعفر إلى العاصمة وقتلوا شجاع الدولة وحل مير جعفر محله. وبهذا اصبحت حكومة هذه الولاية الثرية، ملكاً بيد شركة الهند الشرقية البريطانية. وطبيعي أن الشركة لم تف بتعهداتها التي قدمتها لـ«أوميجوند»، بل أثبتت بأن الضمانات المكتوبة كانت مزورة بل إنها تنصلت حتى عن الوعود التي قطعتها إلى مير جعفر وقامت بخلعه وإزاحته عن كرسي الحكم بمؤامرات ودسائس جديدة وأعطت كرسي الحكم إلى شخص آخر لقاء مبالغ ضخمة، لكن هذا خسر الكرسي هو الآخر، ليعود إليه مير جعفر لقاء مبالغ دفعها بعدما أصبح ملكاً للشركة تبيعه لمن تشاء.
ومنذ عام 1720م، قسمت الشركة ممتلكاتها من المناطق إلى ثلاثة أقسام جعلت لكل قسم مركزاً. وهذه الأقسام هي: كلكتا ومدراس وبومبي، وعهدت بحكومة كل من هذه المناطق إلى حاكم وهيئة استشارية تعينها الشركة.
[أصبح كلايف حاكماً لكلكتا، تساعده هيئة استشارية فسعى بالتعاون معها إلى كسب امتيازات وصلاحيات تجارية وجمركية من راجات المناطق الداخلة ضمن تلك المنطقة. ومن خلال ذلك، استطاع أن يشق له طريقاً إلى الشؤون الداخلية، للتحرك داخلها، فقد أصبح له دورٌ حتى في جمع الضرائب في تلك المنطقة، ووصل الأمر إلى حد أن قام الراجات. الواحد تلو الآخر، بالتخلي عن أراضيهم ورعاياهم لصالح الشركة مقابل رواتب سنوية يتقاضونها حتى أن حاكم البنغال اضطر عام 1765م، وبعد أن ضاق ذرعاً بظلم الإنكليز وسرقاتهم، ووصل إلى حد الحرمان من أية «روبية» تأتي إليه ـ على حد قوله ـ، إلى التخلي عن بلده، وحكمه، مقابل راتب سنوي من الإنكليز يعادل 12 مليون فرنك، لكن هذا الرقم كان يتقلص باستمرار حتى وصل إلى ثلاثة ملايين فرنك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن ملك الهند العام «شاه عالم» وافق على نقل ملكية ولاية (البنغال)، إضافة إلى ولايتي بهار وأوربيا، إلى الشركة مقابل راتب سنوي يعادل سبعة ملايين فرنك. ومنذ ذلك الحين، تحولت الشركة من مجرد شركة تجارية إلى صاحبة السلطة الأولى التي تحكم أربعين مليوناً من الرعايا، وتملك سبعين مليوناً من الفرنكات عائداً سنوياً.
يقول المؤرخ الإنكليزي باركر «عندما تمركز الإنكليز في الهند احتكروا التعامل بجميع أنواع الحبوب، كما فرضوا على الناس شراء ما يحتاجونه من متاجر تابعة للشركة، وكانت تعرض الحبوب بأسعار مختلفة، مع فرض عقوبات على منتهكي هذا القانون. وكلما كان عدد من شركاء الشركة الإنكليز، يملأون جيوبهم بالأموال، كانوا يعودون إلى بلادهم ليأتي محلهم عدد جديد من جياعهم. وتدريجياً بدأ الوضع في الهند يسير من سيئ إلى أسوأ، لأن هذه السياسة أشاعت روحاً من الخمول واليأس والإحباط بين المواطنين، وشلت القطاع الصناعي والقطاع الزراعي، الأمر الذي نتج عنه غلاء الأسعار وقلة السلع. وهذا ما فتح بحد ذاته، أبواباً جديدة للاستغلال، والنهب أمام المحتكرين الإنكليز.
لقد وصل سوء الأحوال، إلى درجة ان البنغال التي كانت أرض الثروات والزراعة المثمرة أصبحت جائعة، وأخذ الناس يجتمعون لعدة أيام أمام مخازن الغذاء الإنكليزية المليئة بالسلع، طالبين الغذاء الذي يسد رمقهم. وكل صباح كانت أجساد الذين يموتون جوعاً تغطي الأرض، بينما لم يكن من بقي على قيد الحياة، يملك القدرة الجسدية على نقل الأجساد ودفنها».
كانت استغاثات المنكوبين تقطع نياط القلوب، حتى أن أصداءها وصلت إلى البرلمان الإنكليزي الذي استدعى «كلايف» للتحقيق معه بتهم ارتكاب هذه المظالم. وقد ورد بعض ما دار في المحاكمة فيما مضى. لكن ذلك لم يكن ليصل إلى نتيجة تذكر، لأن عدداً كبيراً من أعضاء البرلمان. كانوا ضمن المسؤولين والشركاء في «الشركة الإنكليزية للهند الشرقية». ولم تكن احتجاجاتهم على اللورد كلايف داخل البرلمان، ورفعهم شعارات الإنسانية والعدالة إلا للتمويه على دورهم في ذلك. ولم ينتج عن التحقيق والضجة التي أثارها، سوى قرار بتسليم عائدات الهند المالية إلى صندوق الشركة. كما تمّ التجديد لامتيازات الشركة التي كانت مدتها قد شارفت على الانتهاء. وفي عام 1773م حل حاكم عام جديد، محل اللورد كلايف. وكان الحاكم الجديد وهو «وارن هاستنغ» يملك من الصداقات ما لا يملكه الكثير من ملوك أوروبا. ويقول المؤرخون إن الحاكم الجديد لم يكن أقل قسوة ودهاء من كلايف. فكان أول ما فعله لدى تسلمه زمام مسؤوليته، أن باع ولاية «الله آباد» ومعها ولايتان أخريان ـ إلى حاكم ولاية «أود» شجاع الدولة، بقيمة مليونين و300 ألف تومان إيراني (يعادل 23 مليون فرنك)، رغم أن العهد الذي وقعه حكام الهند لا يمنح الإنكليز هذا الحق أبداً. لكنهم انتهكوا بذلك تعهداتهم ومواثيقهم.
قام حاكم «أود» بإرسال جيوش، مدعومة بقوات أرسلها له هاستنغ، لبسط سيطرته على الولايات الجديدة، لكن قواته قامت بتدمير هذه الولايات تماماً، ولم يجن من ذلك شيئاً. وبعد عامين،في 1774هـ، توفي شجاع الدولة لكن ابنه «آصف الدولة» الخليفة، القانوني له، لم يستطع تسلم الحكم إلا بعد أن دفع أموالاً طائلة إلى هاستنغ، بعدها قام هذا بأخذ قيمة الولايات الجديدة التي باعها لأبيه، رغم أن أباه كان قد دفع قيمتها.
استيلاء الإنكليز على بنارس
عندما سمع «هاستنغ» أن أغلب راجات الولايات الهندية، يودعون قسماً من كنوزهم وأموالهم في مدينة بنارس المقدسة عند الهنود، لتكون في مأمن من السرقة والتلاعب، قرر مهاجمة المدينة والاستيلاء على ما فيها. ورغم أن راجا (حاكم) بنارس يرتبط بعلاقات صداقة مع الشركة، إلا أن نوايا هاستنغ تجاه مدينته، أثارت حفيظته، وقرر عدم السكوت والمقاومة أمام أطماعه، على أن هاستنغ استطاع وبمؤازرة مجموعة من جنود الحاكم نفسه أن يعتقل هذا الحاكم. إلا أن خبر اعتقاله استنهض أهالي بنارس، الذين كانوا يحبون حاكمهم لما عرف به من عدالة ورحمة وحسن سلوك، وحدثت مذابح في كل مكان، استطاع فيها الحاكم، الهرب واللجوء إلى قلعة قرب نهر الكنغ.
ولما رأى «هاستنغ» أن أغلب جنوده قد قتلوا. عاد إلى قواعده. وبدأ يعد العدة من جديد للهجوم على راجا بنارس. وبالفعل فقد حدث الهجوم، وفرّ الحاكم، وسقطت عائلته أسيرة بيد هاستنغ الذي عاملهم ـ حسب المؤرخ الفرنسي هنري مارتن ـ بإذلال وإهانة ولم يتورع حتى عن تفتيش جيوبهم وملابسهم، كما أجبر الابن الأكبر للحاكم، على جمع كل أموال وممتلكات وحلي أمه وأخواته وباقي أفراد عائلته وتسليمها إليه. لقد جعل هاستنغ كل هذا النهب يتم باسم الحاكم، وترك لنفسه قرار العفو العام وإطلاق سراح الأسرى.
وفي التصرفات التالية ارتكب هاستنغ ما يقرب من 45 جريمة أخرى مشابهة، مما أدى إلى استدعائه للاستجواب أمام البرلمان الإنكليزي، ورغم اتفاق آراء أهم وأقوى أعضاء البرلمان على إدانته باستخدام القسوة إلا أنه خرج من ذلك الاستجواب ليترفع إلى مرتبة «لورد». ويقول أحد المؤرخين الفرنسيين إن تلك الجرائم، كان التاريخ سيخلدها، حتى لو كانت دوافعها المحافظة على انكلترا من الانهيار، فكيف الحال، وهدفها كان الطمع والجشع فقط.
انقراض حكومة ميسور
عام 1189 هـ عندما أدت حرب الاستقلال الأميركية إلى تجديد الاشتباكات بين فرنسا وإنكلترا، لم يكن قد بقي لشركة الهند الشرقية منافس في الهند سوى حكومتي «مهراتا» في غرب الهند، وحكومة «ميسور» في الجنوب. كانت حكومة ميسور قد تأسست على يد حيدر علي نامي، وهو من مسلمي الهند الذي قال عنه أحد المؤرخين إنه من مفاخر أبناء الشرق. وعندما عاد «هاستنغ» إلى أوروبا عام 1785هـ. كانت قوة هاتين الحكومتين قد اضمحلت كثيراً، فحكومة «المهراتا» كانت قد أضعفتها الخلافات الداخلية بفعل دسائس الإنكليز، حتى شارفت على الانقراض، أما حيدر علي فقد وافاه الأجل بينما كانت الإمدادات الفرنسية قد وصلته وكان يأمل أن يتمكن بدعمها، من تطهير أرض الهند من دنس الإنكليز، وهو حلم راوده مدة خمسين عاماً.
وحين التوقيع على معاهدة فرساي سنة 1774م بين فرنسا وإنكلترا التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأميركية، وأنهت التدخل الفرنسي في شؤون الهند، جعلت ـ في الواقع ـ حق ملكية الهند محصورة في الإنكليز. كانت الولايات الهندية الخاضعة لسلطة الشركة البريطانية هي البنغال وبهار وبنارين، ومدراس وجركارى وبومبي، وكان مجموع عدد سكانها يتجاوز الستين مليون نسمة. وقد كفّ الإنكليز عن السعي لضم أراضي وولايات جديدة إلى مناطق نفوذهم، بل بادروا إلى ترسيخ وجودهم في المناطق السالفة الذكر.
تيـﭘو سلطان([9]*)
لم يمض وقت طويل حتى اكتشف خلفاء هاستنغ أن نجل حيدر علي تيـﭘو صاحب، أصبح جاراً خطراً لهم، خصوصاً ،ان دماء الثأر لوالده كانت تجري في عروقه، كما ورث عن أبيه كره الإنكليز ومعاداتهم. وقبل أن يتركوا لـتيـﭘو سلطان فرصة إعداد الجيش الذي كان قد نظمه على الطراز الأوروبي قام الإنكليز بالاتفاق مع حكومة مهراتا بمهاجمة حكومة ميسور. ورغم قوة تيـﭘو سلطان وخبرته العسكرية، إلا أنه هزم واضطر إلى التخلي عن نصف أراضي ولايته ودفع غرامة إلى الشراكة البريطانية قدرها ستة ملايين فرنك، كما اختطف رجال الشركة اثنين من أبنائه وأبقوهما عندهم رهينة.
ومنذ ذلك الحين، ظل تيـﭘو سلطان يتحين الفرص للحصول على دعم خارجي لحكومته وفي العام 1787م أرسل مبعوثاً إلى الملك الفرنسي لويس السادس عشر، إلا أن مهمته فشلت بسبب الاضطرابات الكبيرة والثورات التي شهدتها فرنسا في تلك الفترة.
وعندما استولى جيش نابليون على مصر عام 1213هـ قويت آمال تيـﭘو، خصوصاً وأن نابليون كان يتجه ببصره إلى الهند. لكن أحداث أوروبا لم تدعه يحقق طموحاته التي لازمته حتى وفاته.
وعندما يئس تيـﭘو من كل الآمال التي راودته. قرر خوض الدفاع المستميت عن كل شبر من ولايته، وفي عام 1798م دخل الحرب المسلحة، إلا أن الأجل عاجله عام 1799 عندما كان يدافع عن عاصمته بكل ضراوة. وبعد ذلك استولى الإنكليز على قسم من المناطق التابعة له وألحقوها بالأراضي الخاضعة لهيمنتهم، كما نصبوا أحد أجرائهم لحكم الولاية، لكنهم قرروا القضاء على حكومة المهراتا نهائياً.
انقراض حكومة المهراتا
رغم أن قوات المهراتا لم تكن تستطيع المقاومة أمام قوات الشركة الإنكليزية التي وصل عدد أفرادها إلى مائة ألف، إلا أن الشركة لجأت إلى أساليب أخرى لتدمير قدرة ومقاومة المهراتا. ففي عام 1798م، وتحت عنوان «نظام الإعانة»)[10]( وضعت الشركة قوانين تبدو، في الظاهر، منسجمة مع مصلحة ولايات الهند، إلا أن حقيقتها كانت عكس ذلك، إذ كانت تستهدف التدمير التام لاستقلال هذه الولايات. فقد نصت هذه القوانين على احتفاظ كل حاكم هندي بقوات عسكرية للشركة في أراضيه، ويتم تأمين نفقاتهم من عائدات بعض الأراضي التي تحددها الشركة في كل ولاية. خضع لهذه القوانين «بيشواي ﭘونا» الحاكم العام لكل مناطق «مهراتا» إلا أن معاونيه رفضوا إطاعة أوامره ودخلوا في اشتباك مسلح مع قوات الشركة، لكنهم هزموا وسقطت مناطق مهمة من ولايتهم بيد الإنكليز الذين لجأوا إلى التمويه على العوام بأن نصبوا «شاه عالم» أحد أحفاد أكبر شاه، حاكماً يخلف أسلافه، بعد أن أخرجوه من السجن، لكنه سرعان ما أدرك أن ذل العبودية للأجانب ليس أقل من ذل الأسر في السجن بل أكثر منه ألماً. أما الحكام والراجات الذين ظلوا في مناصبهم، فقد اضطروا إلى توقيع معاهدات مع الشركة تقضي بعدم سماحهم لأي أوروبي بالتدخل في شؤون بلدانهم إلا بعلم وموافقة الإنكليز. وبعد عدة أعوام وتحديداً عام 1817م، وخلال الاضطرابات التي وقعت في غرب الهند، اتهمت الشركة الإنكليزية، هؤلاء الحكام والراجات بالتقصير في أداء مسؤولياتهم، وأجبرتهم على دفع مبالغ كبيرة جداً. ولما كانت خزائنهم خالية من أية أموال. فقد أجبروا على منح قسم من بلدانهم للشركة، كما أطيح بـ«ﭘونا» الذي كان حاكماً عاماً لكل مناطق مهراتا وبذلك انتهت حكومة المهراتا عام 1817م، وأضافت الشركة إلى أملاكها، 440 فرسخاً مربعاً آخر، و6 ملايين نسمة.
استيلاء الإنكليز على السند
بعد هذه الأحداث، مرت الهند بمرحلة من الهدوء والاستقرار لكن ذلك لم يستمر أكثر من ستة أعوام، ففي عام 1838م. قررت الشركة احتلال أفغانستان، وظلت تعد العدة لذلك مدة أربعة أعوام. وخلال الزحف على أفغانستان، توجهت أنظار مسؤولي الشركة الإنكليزية للهند الشرقية إلى الولايات الشمالية الغربية للهند مثل السند والبنجاب التي كانت بعيدة عن مناطق نفوذ الشركة، وتحركت أطماعهم ورغبتهم في احتلال هاتين الولايتين.
وعند العودة من أفغانستان، وجه مسؤولو الشركة أوامر إلى حكام السند، بتسليم بعض مناطقهم إلى الشركة والسماح بتداول مسكوكات الشركة النقدية في ولايتهم. وفي عام 1842م تحركت قوات الشركة العسكرية، باتجاه حيدر آباد. عاصمة الأمير رستم الذي كان رئيساً لأمراء (حكام) مناطق السند كلها. لكن الأهالي قاوموا القوات الغازية وأبلوا في المقاومة بلاء حسناً، إلا أنهم هزموا في النهاية أمام القوات العسكرية النظامية المدربة. فاعتقل الإنكليز أمراء السند الواحد تلو الآخر وأرسلوهم إلى مناطق نفوذهم موثقين بالسلاسل، كما استولوا على ممتلكاتهم ومنحوا منها 12,5 مليون فرنك لجيش الشركة، وحوالى 1,5 مليون فرنك لقائد الجيش وحده. وهكذا، تلاشى استقلال السند وأصبحت الطريق أمام الإنكليز سالكة للتحرك نحو البنجاب دون أية عقبات.
استيلاء الإنكليز على البنجاب
خضعت ولاية البنجاب لحكم «السيخ» منذ القرن السادس عشر وفي عهد المهراجا (رنجيت سنكه) الذي حكم منذ 1779م حتى 1838م. وبكفاءته وعلمه، بلغت البنجاب ذروة ازدهارها وقوتها، كما أسست جيشاً قوياً قام بتدريبه وإعداده أربعون خبيراً أوروبياً، مما جعل الولاية تتميز عن مثيلاتها في الهند بشكل كبير، وبعد وفاة رنجيت لم يستطع خلفاؤه ملء مكانه القيادي، واستخدام جيشه المؤلف من 80 ألف مقاتل ومجهز بـ370 مدفعاً. كما فرطوا تدريجياً بالخبراء الأوروبيين، وأفلت زمام الجيش الذي قام بعمليات نهب وسرقة للناس. وللتخلص من شر هذه القوات أقدم الحاكم الجديد بتشجيع منها على الاستيلاء على ممتلكات ومناطق نفوذ الشركة الإنكليزية. وفي عام 1844 عبر ستون ألف مقاتل نهر ساتلج الفاصل بين ولاية البنجاب ومنطقة نفوذ الشركة، واتجهوا جنوباً وبعد اشتباكات دامية ومذابح عديدة، فروا عائدين إلى البنجاب بعدما فقدوا أسلحتهم.
لكن قائد قوات الشركة اللورد هاردنغ لم يرغب باحتلال البنجاب رغم توفر ظروفه العسكرية، ذلك أن نفقات قوات الشركة كانت في تزايد مستمر، وأعدادها قد بلغت ضعف عدد قوات الإنكليز في بلدهم. ولهذا فقد استعاض عن احتلال البنجاب بتطبيق «نظام الإعانة» الذي يعود على الشركة بفوائد جمة. فشكلت هيئة باسم هيئة دعم الراجا الكبير الذي كان محدود العقل والوعي، وتمركزت في لاهور عاصمة البنجاب قوات الشركة وقوامها 10 آلاف مقاتل إنكليزي وهندي، لكن ذلك لم يدم، فقبل انقضاء أربعة أعوام على الوضع الجديد اندلعت اضطرابات كبيرة في البنجاب. وقبل أن تصل قوات الإمداد من الشركة، كان قسم مهم من قواتها في هذه الولاية قد دمّر، وعندما وصل الولاية مائة ألف مقاتل للشركة مع مائة مدفع. تعرضت لهجوم كبير من أهالي الولاية في منطقة ﭼيليا نوالا فقتل ثلاثة آلاف من هذه القوات. إلا أن قوات البنجاب خسرت المعركة في نهاية المطاف، بسبب تفوق قوات الشركة العددي وفي 22 ربيع الثاني 1847م أعلن اللورد والهَوْزى الحاكم العام للهند، باسم الشركة، انقراض حكم البنجاب رسمياً.
انقراض حكم أود
بعد البنجاب بقيت حكومة ولاية أود هي الوحيدة المستقلة في الهند، رغم أن استقلالها كان اسمياً فقط، لأنها كانت تدفع للشركة ثلاثة ملايين فرنك سنوياً. وفي عام 1853م أعلنت الشركة بأن حاكم الولاية ليس قادراً على الحكم، وبعثت له بمسودة استقالته طالبة منه توقيعها. وفي البداية فكر الحاكم وليد علي شاه بالامتناع عن توقيعها، إلا أنه تخلى عن ذلك أمام تهديد الشركة، فذهب إلى كلكتا، مركز النفوذ الإنكليزي للتفاوض مع المسؤولين، إلا أن مساعيه باءت بالفشل، وسرعان ما وافته المنية ألماً وحسرة. بعد ذلك ذهبت زوجته التي اشتهرت بالقوة والجرأة ـ إلى إنكلترا ـ وشنت هناك حملة سياسية دعائية ضد ممارسات الإنكليز في الهند ووصلت أصداء تحركاتها إلى البرلمان الإنكليزي، ورغم التعاطف الكبير الذي لقيته من لدن المسؤولين والشخصيات الإنكليزية، إلا أن ذلك لم يثمر شيئاً، فغادرت السيدة بيغم بينوا إلى باريس وهناك وافتها المنية عام 1858م.
من آثار مملكة أود: رومي دروازه إمام باره (لكنو)
المسلمون في الهند
المسلمون الهنود لهم تقاليد شتى تشدهم إليها، وتمثل هذه التقاليد رقعة واسعة من التنوع الاجتماعي والثقافي واللغوي الوافد بأصوله من مختلف أنحاء العالم ومن كل مناطق الهند، وقد تأثر المسلمون وأثروا في التقاليد الاجتماعية والثقافية واللغوية والدينية وغيرها، في المنطقة وفي الهند بشكل عام.
ويستمد المسلمون تقاليدهم من العرب (في السند والساحل الغربي للهند)، ومن الأتراك والإيرانيين والأوزبكستانيين والأفغان (في شمال الهند)، وقبل كل شيء من تقاليد الهند، حيث إن معظمهم هنود اعتنقوا الإسلام، ولكنهم مع هذا ينتمون إلى جماعات عرقية مختلفة وإلى مهن متنوعة.
إن هوية المسلمين في الهند هوية هندية تماماً، وتختلف تمام الاختلاف عن الهوية الإسلامية في الدول الأخرى، فهي هوية تكونت عبر قرون من امتزاج التقاليد والروابط الحضارية والاجتماعية، مما أدى إلى الاندماج، بقدر ما أدى إلى حدوث توترات، أو حتى صراعات عندما يصعب تقبل التأثيرات الجديدة والأفكار الاجتماعية والثقافية بسهولة، كما أن التأثير الذي خلفته ممارسات الأديان الأخرى على التقاليد الإسلامية والعكس.. قد أدت أيضاً إلى نشر التقاليد الدينية للمسلمين في الهند.
من آثار مملكة أود: قصر باغ (لكنو)
لقد كانت الهند عند مفترق طرق التاريخ، واتصالاتها مع الغرب، ووسط وشرق آسيا منذ القدم، تمتد لتغطي فترة هيمنة إمبراطوريات عديدة وأديان مختلفة كان مهدها آسيا، وكذلك هجرة الناس الذين يعودون بالجديد من المعرفة والتقاليد والثقافة والفنون والحرف اليدوية والأديان، ولم يقلص وجود هذه الديانات أو نشأتها ـ في فترات تاريخية مختلفة ـ من هذه الاتصالات، بل على العكس عملت هذه الاتصالات على إثراء الحياة الروحية للشعب من خلال رؤى وممارسات جديدة.
وقد أدى انتشار الإسلام من إسبانيا حتى الصين ـ عبوراً بالقارات الثلاث آسيا وإفريقي وأوروبا ـ إلى استيعاب نظم المعرفة المتمركزة هنا وهناك، والفلسفات والممارسات الدينية، والفنون والحرف اليدوية، والتقاليد الاجتماعية والثقافية، ثم طرح مشكلة توحيد هذه المكتسبات جميعاً. وهكذا بدأ الدارسون والمصلحون في بذل الجهود لإدخال هذا التنوع داخل النسيج الثقافي للإسلام، وعندما امتزج هذا بالتقاليد الهندية أثراها إلى حد بعيد.
إن تعدد وتنوع التقاليد في الهند التي شكلت النسيج الثقافي الذي أسهم المسلمون فيه وأثروا أنفسهم به، يمكن تقسيمها إلى ثلاث فترات ـ ما قبل الحكم الاستعماري، وخلال الحكم الاستعماري، وما بعد الاستقلال، وقد لعب المسلمون خلال الفترات الثلاث دوراً متميزاً، ولا يعني هذا أن مجتمع المسلمين بأسره استجاب استجابة موحدة، أو كان له رد فعل واحد إزاء المشاكل التي تعرض لها، بل على العكس كانت له استجابات وردود فعل مختلفة من منطقة إلى أخرى في الهند.
القرون الوسطى
كان الاتجاه المميز والرئيسي بين المسلمين في فترة القرون الوسطى هو معرفة وفهم الفلسفة والثقافة والتقاليد العلمية الهندية من ناحية، وتقديم الأشكال الفلسفية والثقافية والعلوم والتكنولوجيا التي انتشرت في منطقة الثقافة الإسلامية، وبحلول القرن الرابع عشر كانت الهند قد أصبحت مركزاً رئيسياً للتعليم الإسلامي، وتبوأ «أمير خسرو» بالنسبة للنهضة الهندية، نفس المكانة التي نالها ليوناردو دافنشي بالنسبة لعصر النهضة الأوروبية وعلى العكس من دافنشي الذي تمثلت إسهاماته في النضال والرسم والعلوم.. أسهم «أمير خسرو» في مجال الموسيقى وتطوير الآلات الموسيقية مثل آلة السيتار، وتطوير الشعر والأدب اللذين نشر من خلالهما فلسفته في الحياة، وتمثل قصيدته «توتي ـ ناما» تعلقه بالهند وأفكاره عن نشر ثقافة جديدة.. من خلال مزج مختلف تقاليد الهند معاً، وكذلك من خلال لغة جديدة هي الـ«هندوي» وعن طريق مزج أبيات باللغة الفارسية مع لغة الـ«هندوي»، عبّر خسرو بوضوح عن نشأة ثقافة جديدة، وبعد أن ابتعد عن البلاط وسياسات البلاط والحرب.. وأصبح من أتباع «نظام الدين أولياء».. راح خسرو يتحدث عن الحياة اليومية وما يهم الشعب. وفي قصيدته «بند نامه» ينصح ابنه بألا يصبح أحد رجال الحاشية، وفي نفس القصيدة يمجد فضائل رجل إسكافي.
وقد استمر ما بدأه خسرو على أيدي آخرين من بعده، ففي مجال اللغات كتب «ملك محمد جائسي» أول كتاب بلغة الـ«هندوي» بعنوان «جدي الأعلى لأمي»، وهناك «بادمافات» الكتاب الكلاسيكي، وهكذا كانت كتابات «خان خانان» الذي كان ينشر الشعر باسم «رحيمان» وتعد أعمال جائسي «رحيمان» من النصوص النموذجية لتعليم لغة الـ«هندي» وفي الجنوب حدث أيضاً تطور مماثل، وذلك عندما نشأت لغة جديدة من خلال التقاليد المختلفة، وتمثل أعمال «قلى قطب شاه» و«ولى أورنجابادي» والولي الصوفي «جيسودار از» هذا الاتجاه.
بعد ذلك بدأ عدد كبير من المسلمين في الشمال يكتبون بلغة الـ«هندي»، ظهر من بينهم خلال القرن التاسع عشر: خواجا بركة الله، وعبد الجليل بلـﮔرامي الذي سجل في كتابه عن زواج «فرخ سير» من أميرة راجبوتية عادات الراجبوت وطقوسهم الخاصة بالزواج، ولعل هذا الكتاب هو السجل الوحيد لعادات الراجبوت.
ولتطور وازدهار مختلف اللغات الهندية المختلفة أهمية خاصة، ففي اللغة البنغالية ظهر كتاب «كريشنا مانجالا» للكاتب يوسوراج خان في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وظهر كتاب آخر في القرن السابع عشر للكاتب «ألا أول»، وراح الكتاب المسلمون يتخذون أسماء هندوسية ويكتبون عن آلهة الهندوس، فأثروا الأدب البنغالي بالأفكار والحكايات الإسلامية، أما في البنجاب فتعد أعمال «وارث شاه» و«هاشم شاه» أعمالاً هامة، وبالمثل في السند، فقد أثرت لغتها أشعار الولي كما الصوفي «بُلهى شاه» وآخرون، ويعتبر كتاب «شاهجو. ريسالو» الذي كتبه شاه عبد اللطيف من أمهات الكتب، بل إنه يعتبر تقريباً كتاباً مقدساً، أما كشمير فإن دور «حبة خاتون» كان دوراً بارزاً في تشكيل الأدب الكشميري.
وقد شمل الأدب الذي أنتج في تلك الفترة أيضاً ترجمات لنصوص فلسفية ودينية وعلمية من اللغة السنسكريتية إلى الفارسية وبالعكس، كما كان التأريخ للأحداث مصدراً غنياً لتفهم الحياة الاجتماعية والعادات والتطورات السياسية والاقتصادية، ومن المجالات الأخرى التي برزت فيها إسهامات المسلمين كان مجال الرسم والدراما، ففي مجال الرسم كان هناك تقدم كبير في رسم المنمنات، ورسم الوجوه، ومشاهد الحروب، والأحداث الاجتماعية، والمناسبات الهامة والمخطوطات، وإلى جانب الرسم ظهر الخط أيضاً كفن قائم بذاته، كان هناك اهتمام برسم الطيور وحيوانات أخرى في مشاهد الصيد، وتقدم بعض هذه اللوحات فكرة جيدة عن تكنولوجيا تلك الفترة فيما يتعلق بالأدوات والأسلوب، أما في حالة الدراما والرقص فقد استبعدا من الكتب العقائدية فقط، كما أضيف لهما مضمون اجتماعي أقرب ما يكون إلى الحسية، وبمعنى آخر فقد استخدمت التكنولوجيا لجعل هذه الفنون فنوناً دنيوية.
ومن بين مصادر تطور العلوم في المنطقة الثقافية الإسلامية كان ترجمة الكتب الهندية كتاب «سند هند» للعالم الفلكي «سدهانتا» وكتب براهما جوبتا في الرياضيات، وكتب بها «سكرا ليلاوتي» و«سوسروت» فقد تمت ترجمتها في دار الحكمة بمدينة بغداد، وكما تطورت هذه المعرفة في الثقافة الإسلامية عادت مرة أخرى إلى الهند، وفي القرن الرابع عشر عندما أنهكت مراكز إسلامية أخرى، عادت الهند تجذب العلماء من كل مكان وأصبحت مركزاً للتقدم.
ويمكن تقدير معدل التطور العلمي آنذاك بعدد الكتب المخطوطة التي ظهرت في تلك الفترة باللغات السنسكريتية والعربية والفارسية، والتي بلغت أكثر من عشرة آلاف كتاب في شتى مجالات العلوم ومنها عدد من الترجمات من لغة إلى أخرى، ومن بين الملامح الهامة لتلك الفترة كتابة المعاجم اللغوية والموسوعات، ولعل السبب في ذلك هو إدخال كلمات ومصطلحات جديدة، نتيجة لتفاعل التقاليد الهندية والإسلامية، والنمو السريع للمعرفة، الأمر الذي تطلب جمعها وتصنيفها، ومن بين هذه الموسوعات موسوعة «جواهر العلوم الهمايونية» التي غطت موضوعات في علوم الجغرافيا والتعدين، والطيور وخاصة الصقور، والطب والفلك والرياضيات والبصريات والمحاسبة وكيمياء تحويل المعادن إلى ذهب.
وقد جاء «البيروني» إلى الهند في القرن العاشر حيث كتب كتابه الكبير الذي أسماه «كتاب الهند» وهو كتاب ذو أهمية خاصة، أولاً لأنه يعطي صورة حقيقية لانتشار العلوم في الهند، ثانياً لأنه يعتبر دراسة مقارنة للعلوم والنظريات السائدة في الهند، ومثيلاتها في الثقافة الإسلامية واليونان، وهذا الكتاب يقدم لنا فكرة عن محاولة لمزج التقاليد الثلاثة، وهو نفس ما فعله «جاي سنج» بعد ذلك، لإرساء الأساس للعلوم الدنيوية.
ويمكننا أن نأخذ فكرة عن مثل هذا الجهد من التعليق الذي كتبه «حاجي عبد الحميد» في القرن الخامس عشر، وذلك في كتابه عن الرياضيات «كتاب دستور علم الحساب»، يقول «حاجي عبد الحميد» إن المسائل الدينية موضوع للجدل، بينما علم الرياضيات ليس موضوعاً «للجدل»، وفي مجتمع يحتل فيه الدين مكانة عالية نجد أن الظروف الاجتماعية التي دفعت هذا الدارس للإدلاء بمثل هذه الملحوظات أمر يتطلب دراسة عميقة.
وفي مجال علم الفلك، كان من أهم الإسهامات تطوير الأدوات المستخدمة، وكانت أسرة واحدة تنتمي إلى جماعة «الله داد» الإسطرلابية الهمايونية، هي التي تصنع أجهزة «الإسطرلاب» منذ عهد همايون إلى عهد أورنجزيب، ويتمثل ازدهار علم الفلك في القرون الوسطى في أعمال «سيواي. جي سنج» الذي عاش في القرن الثامن عشر، والذي يعتبر بحق خليفة عالم الفلك العظيم «أولوغ بيج» الذي يصفه بأنه «أمير السلام».
وتكشف أعمال «جاي سنج» عن تأثير الثقافة الإسلامية وكذلك الجهود المبذولة لتمهيد السبيل أمام قيام عصر النهضة العلمية، ويعتبر كتاب «زيج ـ جديد ـ محمد شاهي» هو أفضل كتاب يخلف كتب الزيج التي كتبت في منطقة الثقافة الإسلامية، لقد كان يرغب في ربط الإنجازات الهندية والإسلامية والأوروبية ليجعل منها أساساً لنمو أكبر، ولا تزال مراصده الفلكية قائمة حتى الآن شاهدة على جهوده.
وقد دعا «محمد شاه» عالم الفلك «جاي سنج» لإصلاح نظام التقويم وكما جاء في مقدمة كتابه عن القيام بهذه المهمة يقول «جاي سنج»، إنه كان عليه أن يصنع آلات جديدة لتجنب الأخطاء وأن ينشئ مراصده إلى جانب إرسال رسل لجمع معلومات عن حدوث التطورات في علم الفلك. وقد تقبل نظام «كوبرنيك» الفلكي البولندي (1473 ـ 1543م)، الذي يقول بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، كما تقبل فرض الألماني كيبلر الذي يقول بأن مدارات الكواكب بيضاوية الشكل وليست دائرية.
وفي مجال الطب، فإن كتاب «بهاوا بن خواص خان» الذي كتبه بتكليف من «إسكندر شاه لودي» ملك دلهي في القرن السادس عشر.. هو كنز من كنوز المعرفة في موضوعات أخرى غير الأعشاب، فإلى جانب وصف وسرد تفاصيل كثيرة عن الأعشاب، فإنه يذكر أسماءها بالفارسية والعربية واللغات الهندية المحلية، مع عدد كبير من النصوص عن الـ«إيورفيدا» والنظام اليوناني في العلاج.
وكان هناك تطور أساسي آخر في مجال التكنولوجيا، ذلك أن الفكر الإسلامي عن تساوي كل البشر قد جذب الفنانين والحرفيين إلى الإسلام، حيث أطلقت الرعاية التي حظوا بها طاقاتهم الاجتماعية، وبالإضافة إلى هذا انتقل التفاعل بين الأساليب الفنية إلى الهند من أجزاء عديدة وفي آسيا وشمال إفريقيا، مما أعطى بعداً جديداً لأولئك الذين اعتنقوا الإسلام في مجال مستحضرات التجميل، والمنسوجات والتعدين وأعمال الزجاج والخزف، وقد أنتجت أعداداً من الأجهزة الميكانيكية مثل الطواحين المتنقلة، والبنادق متعددة المواسير، والمدافع الرفاصة، وآلات تنظيف البنادق، مما كشف عن تطور التكنولوجيا والمهارة في الهند، ويحتوي كتاب «آئين أكبري» المكتوب في القرن السادس عشر على سجل مفصل تماماً، مع رسومات لهذه المبتكرات قام برسمها «فتح الله شيرازي» وقد ساهم استخدام الأسلحة النارية في تطوير علم الصواريخ الذي قام به «تيـﭜو سلطان» ملك ولاية ميسور، وقد أدرك تيـﭜو الهدف الإنكليزي للاستعمار، ولمواجهة ذلك أقام علاقات وثيقة مع الفرنسيين، ثم لقي مصرعه وهو يحارب البريطانيين، لقد ترجم تيـﭜو «إعلان الاستقلال» الأميركي، وتشير اللوحة المقامة عند بوابة حدائق «بريندﭬـن» في ميسور إلى أن تيـﭜو كان قد وضع حجر الأساس لإقامة سد هناك.
وهناك أيضاً إسهامات كبرى في مجال الزراعة وفلاحة البساتين، كما يتضح في كتاب «نسخة دار فن فلاحات» وهو من كتب القرن السابع عشر، ويقدم تفاصيل الممارسات الزراعية بدءاً بتجهيز الأرض، ثم مواسم بذر الحبوب، حتى نقل الغرسات وتطعيم النبات، وقد ساعدت أساليب تطعيم النبات في استنباط أنواع جديدة متنوعة من الفاكهة والزهور، وتعد المذكرات واليوميات التي كتبها الأمبراطور جهان كير مصدراً ثرياً للمعلومات عن التاريخ الطبيعي والزهور والفاكهة، بما في ذلك أنواع من المانجو التي تنمو في غير مواسمها، إلى جانب الأنواع الأخرى التي جلبها الأوروبيون من قارات أخرى.. وزرعوها في الهند، وتحتوي المذكرات أيضاً على رسومات للطيور والحيوانات الأخرى الغريبة، وهي رسوم فريدة، كما أن لوحة طائر «الدودو» الذي انقرض في عصر جهان ﮔير، تعتبر إحدى لوحتين لهذا الطائر في كل العالم الآن.
وقد تقدم تطور نظم الري وشق القنوات، جنباً إلى جنب مع تطور تكنولوجيا الهيدروليكا، هذه التكنولوجيا التي استخدمت في نقل المياه إلى القصور، حيث تنساب في جداول ونافورات وحمامات، من أجل إدخال البهجة والسرور على قلوب النبلاء، وعلى سبيل المثال في «فتح بورسيكري» المدينة الرائعة التي بناها الأمبراطور المغولي «أكبر»، والمقامة فوق قمة تل مرتفع، كان ينقل الماء من بحيرة صناعية ويصب في بئر عميق، ثم يرفع من البئر على عدة مراحل باستخدام العجلة الفارسية، ليصب في الجداول والنافورات والحمامات.
هذا الاستخدام لقواعد الهيدروليكا ساعد أيضاً في تطوير الحدائق لتصبح أماكن استجمام، كجزء من فن العمارة، وكانت الحدائق تقام خصيصاً لتلائم مناخ الهند الاستوائي، فتزرع بالزهور العطرية للاستمتاع بها في أمسيات الصيف المعتدلة، وتزرع الزهور الملونة الزاهية لأيام الشتاء المشمسة، كما كانت بساتين الزهور تمثل جزءاً من الحديقة.. تقام بها أجنحة الراحة والاستجمام.
ولما كان مجموع ما لدينا مما كتب عن فن العمارة كماً وفيراً، فسنكتفي هنا بذكر بعض النقاط القليلة فقط، أولها إقامة الأضرحة، فالمشكلة التي أرقت المعماريين كانت مشكلة هندسية، وهي رسم دائرة مساحتها تساوي مساحة مربع معلوم، وكان بناء الضريح فرصة اختبار لهذه المشكلة، ومن ثم فقد بذلت جهود كبيرة حتى تم بنجاح إقامة قبة تساوي في المساحة مساحة المربع الذي أقيمت فوقه، وقد أثار هذا الأمر جدلاً بشأن مواد البناء والتكاليف والتصميم، فالبناء المتين يتطلب أحجاراً لتشييده، لكن الوزن عند ذلك يشكل مشكلة إذا استخدمت الأحجار في تغطية سطح القبة فقط، وهو ما قدم شكلاً جمالياً بالإضافة إلى خفض التكاليف، كما ظهر التماثل أيضاً كعنصر أساسي في فن العمارة، ومن أروع النماذج التي استخدم فيها التماثل «مسجد سيدي سعيد» الذي شيد عام 1515م في أحمد آباد.
وكان الإسهام الأكبر الثاني في فن العمارة هو بناء المساجد، إن العبادة الهندوسية عبادة فردية، ولذلك صممت المعابد لتفي بهذا الغرض، أما العبادة عند المسلمين فهي عبادة جماعية، ولذلك كان بناء المساجد في الهند يمثل مشكلة، خاصة عندما كان يكلف ببنائها فنانون غير مسلمين، وبالتالي فإن المساجد التي بنيت في البداية لم تكن تمثل العبادة الجماعية، بل أقرب إلى التجميع، لكن ذلك روعي في بناء المساجد فيما بعد، ومن أفضل النماذج لذلك المسجد الجامع… الذي بناه الأمبراطور المغولي شاه جهان في القرن السابع عشر في دلهي.
لقد كان «الأستاذ أحمد المعمر اللاهوري» وهو المهندس المعماري لتاج محل، وولداه المهندسان «لطف الله مهندس» و«عطاء الله رشيدي» من أسرة تضم المعماريين وعلماء الرياضيات، وقد قام رشيدي بتصميم وبناء مقبرة «بيبي»، والضريح المقام في أورنج آباد لزوجة الأمبراطور أورنجزيب «رابعة دراني» وهو ضريح يشبه في تصميمه تاج محل ولكن بمقياس أصغر، وليس مبنياً بالكامل من المرمر مثل تاج محل، كذلك قام رشيدي بترجمة عدد من النصوص السنسكريتية في الرياضات إلى اللغة الفارسية.
ترى هل أثر هذا الطراز المعماري في بناء المعابد؟ نعم، وهذا واضح في معابد ولاية البنغال وفي مناطق أخرى من الهند.
ولكن أكبر تأثير اجتماعي وثقافي لتلك الفترة جاء من الحركة الصوفية، التي أدت إلى طريقة الـ«بهاكتي» وغيرها في الهند، فقد تأثر «جورو ناناك» و«كبير» تأثراً عميقاً بالإسلام، فكانت حركة «بهاكتي» في جوهرها ثورة ضد أسلوب حياة الزهو والفسق، داعية إلى حياة البساطة من جهة.. وإلى الروابط الإنسانية والرضى العاطفي من جهة أخرى، وقد حاول «جوروناناك» مؤسس ديانة السيخ إلغاء نظام الطبقات وعبادة الأصنام، كما عمل جاهداً لتوحيد جميع الأديان، وكان كبير ضد تنوع الطقوس الدينية، وحاول توحيد كل الشعب بمختلف دياناته، وكان المعبر عن ثورة المضطهدين وأعطاهم الشعور بالكرامة.
العصر البريطاني
أعطى مجيء البريطانيين بعداً جديداً للنسيج الهندي، وكان رد فعل المسلمين لهزيمة الهند الكاملة على أيدي البريطانيين، هو محاولة فهم التقدم الذي حدث في أوروبا، وقد سافر عدد من المسلمين إلى أوروبا لجمع معلومات أولية عن هذا التقدم، ومن بينهم كان واحد من سورت اسمه أحمد، الذي التحق بجامعة هالي لنيل درجة علمية في الرياضيات، وذلك في القرن السابع عشر، وكذلك سافر «لطف الله» في القرن التاسع عشر، ثم كتب باستفاضة عن مظاهر الحياة والعادات في إنجلترا، وهناك آخرون أيدوا اكتساب المعرفة العلمية والتكنولوجيا عن طريق ترجمة الكتب الأوروبية، وخاصة في علوم الفلك والرياضيات والأجناس البشرية والجغرافيا ومن بين هؤلاء: عبد الرحمن، و«نواب فخر الدين خان، بها دور» في القرن التاسع عشر، كان نواب فخر الدين من إقليم دكن، بينما كان عبد الرحمن من الشمال، وكان يدعى باسم (دهرية) أي الملحد، وهذا أمر هام، إذ أن «السير سيد أحمد» الذي أيد بعد ذلك تعلم العلوم الأوروبية كان يطلق عليه «عابد الطبيعة».
وسقطت أمبراطورية المغول عقب ثورة 1857م وسيطر البريطانيون سيطرة كاملة على البلاد، كان ذلك صدمة للمسلمين، كما كان صدمة للهنود الآخرين، الذين حاربوا ليهزموا البريطانيين دون جدوى، وقد ظهرت عواطف المسلمين بوضوح في قيام «تيـﭜو سلطان» وحده بترجمة إعلان الاستقلال الأميركي، وفي دعوة بهادور شاه ظفر ـ الملك المنفي ـ للهنود لكي يتحدوا ضد البريطانيين، ولكي يختاروا حكومة لهم.
ويمكن تلخيص ردود فعل المسلمين إزاء أحداث 1857م والقمع الذي تعرضوا له في ثلاث نقاط:
أ ـ وجوب محاربة وهزيمة البريطانيين الذين هزموا الهند وأخضعوها.
ب ـ مناقشة وتبني عناصر معينة من الثقافة الأوروبية.
جـ ـ إن الأوروبيين عامة، والبريطانيون خاصة ـ يمثلون ثقافة وحضارة أسمى، وعلى الهنود ـ ومن بينهم المسلمون ـ أن ينافسوهم.
وقد حاول المسلمون بلوغ غايتهم في هذه المجالات من خلال تعاون بقية المواطنين، باعتبار أن كل المواطنين يشكلون رد الفعل والاستجابة الهندية.
وقبل أن يتمكن البريطانيون من السيطرة الكاملة على البلاد في القرن الثامن عشر (1763م)، قامت ثورة ضدهم نظمتها طائفتا «الفقراء» و«السانياس» في البنغال بقيادة «ماجونشاه» ورفاقه موسى شاه، شيراج علي، بهافاني باتل، ديبي شودراني وغيرهم من الذين أدركوا أن هدف البريطانيين هو استعباد البلاد، ثم جاءت المرحلة الثانية من الثورة في القرن التاسع عشر (1820 ـ 1870م) والتي نظمتها الحركة الثورية، بقيادة ثلاثة رجال متأثرين بفلسفة شاه ولي الله، وهو عالم مسلم كبير وزعيم ديني في دلهي في القرن الثامن عشر، كتب كثيراً في الدين والفلسفة، وكان مهتماً بأسباب تدهور المسلمين في الهند، واشتملت كتاباته على عناصر رئيسية للاشتراكية، كما لعب «سيد أحمد بريلوي» دوراً هاماً بتكوين جيش ومنظمة مترابطة، لكنه لقي مصرعه في معركة «بالاكوت» على الحدود الشرقية الشمالية، لكن الباقين من أسرته وجيشه وأتباعه واصلوا الكفاح كجزء من الحركة القومية.
كانت الحركة الثورية بقيادة «بير شريعة الله» من «فريدبور» في جوهرها ثورة فلاحين ضد الإقطاعيين، وكان «دودو ميان» آخر قائد لهذه الحركة، قاد عدة انتفاضات ضد البريطانيين، لكن نشاط الحركة كان محصوراً في البنغال وبيهار، ولكي تغطي الحركة مناطق أخرى من الهند حاول قادتها تشكيل منظمة متشابكة تضم عدة فروع، وقد عذب الكثير من هؤلاء القادة، أو قتلوا، أو أرسلوا إلى سجون جزر «أندمان» النائية في خليج البنغال، وكان من بين سجناء سجن سيللولار بهذه الجزر النائية سجين يدعى «شير علي» وقد استطاع شير علي أن يقتل اللورد الإنكليزي «مايو» نائب الملك عندما ذهب لزيارة السجن عام 1875م.
لقد ذكر «مولانا أبو الكلام آزاد» أنه في الفترة المبكرة كان الثوريون يحاصرون المسلمين، ويعتبرونهم عقبة في طريق حصولهم على الحرية. لكن مولانا آزاد أقنع الثوريين بأنه ما لم يتحد الهندوس والمسلمون فلن تتحقق الحرية، وانضم هو نفسه ومعه مسلمون آخرون إلى الحركة الثورية، ووجدت المشاعر المناهضة للبريطانيين متنفساً لها في إقامة مركز «دار العلوم» في ديوباند، من أجل نشر التعاليم الإسلامية، ودعم الأنشطة المناهضة للبريطانيين، وقد انتقل مؤسسة «دار العلوم» إلى مكة عقب انهيار الثورة ضد البريطانيين عام 1857م، وبعد تأسيس المؤتمر الوطني لعموم الهند أيد زعماء مدرسة ديوباند مولانا رشيد أحمد جانجوهي، وسيف الله، ومحمد شيرالي، أيدوا الحركة القومية وانضموا إلى «المؤتمر الوطني»، ومعهم بعض كبار القادة المسلمين من أمثال طياب جي، ورحمة الله ساياني، وقد قدم مير كامران الدعم، ونظم «علي محمد بيم جي» المؤتمر في القرى، وانضم عدد ضخم من المسلمين البارزين إلى الحركة الثورية، وساعدوا في نشر الأفكار الاشتراكية في البلاد، وكان هناك لهذا التطور مرحلتان: فخلال موجة هجرة، انتقل عدد كبير منهم إلى وسط آسيا بعد ثورة 1917م، وقد أجروا اتصالات بهذه الثورة وبزعيمها لينين، والجدير بالذكر أنهم على الرغم من تدينهم وتشبعهم بتعاليم الإسلام.. فقد رحبوا بالحركة الاشتراكية، كان يدفعهم إلى ذلك مفهوم المساواة، وتحريم تكديس الثروة، أو الاعتماد عليها دون عمل منتج، ومن بين زعماء هذه الجماعة «عبيد الله سندي» وهو أحد معتنقي الإسلام ودارس مطلع، والبروفيسور بركة الله.. الذي كون مع راجا ماهندرا براتاب حكومة مستقلة في كابول، وبرز مولانا آزاد في حزب المؤتمر، وكان رئيساً للمؤتمر القومي، وأخيراً صار وزيراً للتعليم في الهند المستقلة، ومن الأسماء المشهورة الأخرى مولانا محمود حسن، مولانا أسعد مدني، آصف علي، وخان عبد الغفار خان، الذين حولوا رجال «الباتان» الحدوديين العتاة إلى قوة تنبذ العنف وتؤمن بتعاليم المهاتما.
كان من أهم سمات تلك الفترة انتشار الأدب الثوري شعراً ونثراً، مما أعطى الحركة الوطنية شعارات مثل «انقلاب زنداباد» ويحتل محمد إقبال مكاناً هاماً في إلهام الشعر الثوري والأدب الاشتراكي في أوائل العشرينات من القرن العشرين، وكان يُعرف بالعلامة إقبال، لأنه حصل على درجة علمية في الفلسفة من ألمانيا، وكتب بغزارة في الفلسفة والتعليم، إلى جانب ظهوره كأبرز شعراء عصره في اللغة الفارسية واللغة الأوردية، وحواره الشعري بين الإنسان والله أثار جدلاً حول الموقف، جدلاً في ساحة الموقف القويم من الدين، والذي أصبح من خصائص الشعر الأوردي، لكن إقبال صار يسخر من كل ما يمجده «الملا» ويمجد كل ما يسخر منه الملا، كما كان إقبال بشعره مدافعاً عن الفلاحين.
تلا ذلك في العشرينات والثلاثينات أن يتناول شعراء آخرون هذه الموضوعات، منهم حسرت وجوش ومخدوم وفيض، وبجانب كونه شاعراً كبيراً كان مولانا حسرت موهاني محارباً من أجل الحرية أيضاً، عمل في فترة مبكرة زعيماً للمؤتمر القومي وتبنى قضية الاشتراكية، وهو الذي كان وراء صدور قرار بالمطالبة بالاستقلال التام أثناء جلسة للمؤتمر في كراتشي، وأنتج كتاب النثر من أمثال عباس أفلاماً سينمائية عن المضطهدين. وإن تأسيس حركة «الكتاب التقدميون» في الثلاثينات تمثل مرحلة جدية في انتشار الحركة الوطنية، التي لعبت دوراً هاماً في زيادة الوعي الاجتماعي لدى الشعب.
وقد بدأت الصحافة الثورية بصحيفتي آزاد «الهلال» و«البلاغ» وغيرهما مثل «رميتلر» و«مدينة» وعلى الرغم مما وضع في طريق هذه الصحف من عقبات ومعوقات، إلا أنها خلقت وعياً قومياً وحماساً لدى الشعب، في كل هذه التطورات كان المسلمون الهنود جزءاً من حركتها العامة، وعندما أخذ المسلمون زمام المبادرة شاركهم آخرون من أهل الوطن، وعندما كان الآخرون يبدؤون المعركة كان المسلمون ينضمون إليهم خالقين للحركة بعداً مثيراً. وكثيراً ما كانوا يعطون الحركة بعداً جديداً.
وقد ذهب «إشفاق الله» و«رامبرشاد» إلى المشنقة وهما يرددان عبارات من «الجيتا» والقرآن، متحدّين السلطة الاستعمارية، وفي الأدب كان عباس وكريشنا تشاندر من بين الكتاب التقدميين، كان الهندوس والمسلمون معاً أيضاً في حركة «مسرح الشعب» من أجل إحياء الموسيقى والمسرحيات الشعبية.
الموالون للإنكليز
ظهرت العناصر الموالية لبريطانيا بين المسلمين أساساً كإدراك لتخلّف المسلمين بالنسبة للإنكليز في مجال التربية والتعليم، وكنتيجة لسياسات القمع الإنكليزية للمسلمين بعد حرب الاستقلال عام 1867م، تلك الحرب التي لعب المسلمون فيها دوراً رئيسياً، كان هدف المسلمين بعد ذلك، أن يسايروا الإنكليز ليحصلوا منهم على امتيازات، وقد بدأ زعماء هذه المجموعة ـ مثل عبد اللطيف والسير سيد أحمد وأمير علي وعديدين غيرهم ـ في إنشاء عدد من المعاهد التعليمية وغيرها، مثل جمعيات الترجمة، والجمعيات العلمية، والمؤتمرات التعليمية الإسلامية وغيرها، وأصبحت مدينة «عليـﮔر» مركزاً لحركة التعاون المتبادل بين المسلمين والإنكليز، مما خلق هوة بين الهندوس والمسلمين، وقد تمرد على هذه السياسات عدد من الموظفين والطلبة وهربوا من «عليـﮔر» ثم أنشأوا «مدرسة الجمعية الملية» في مدينة دلهي، وأصبحت هذه الجمعية مركزاً للتعليم القومي في الهند، وكذلك مركزاً للمعرفة، في مواجهة الصور التعليمية الاستعمارية التي رسمها المعلمون الإنكليز، وفي هذا المجال فإن دور الجامعة المليّة ومنهج التعليم الأساسي الذي وضعه الدكتور ذاكر حسين كان دوراً يستحق أن يُشاد به، لقد شكّلت الجمعية الملية تمرداً على الإنكليز وجزءاً من حركة عدم التعاون معهم، ويجب ملاحظة أن الهندوس والمسلمين المنتمين إلى مختلف الاتجاهات والجماعات السياسية كانوا يعملون معاً في تأسيس «مدرسة عليـﮔر الأنجلو محمدية الشرقية» و«الجامعة المليّة الإسلامية».
الموالون للعلم
في تلك الأثناء كان الموالون والمعارضون للإنكليز يشكلون مجموعة من الشعب تستهويها الأفكار والتطورات العلمية، يتضمن هذا من أشعار أسد الله خان غالب، كان غالب قد رأى في كلكتا بعض الاختراعات التكنولوجية واحتك بالأفكار العلمية، وفي مقدمته لكتاب السير سيد أحمد (قضايا الثورة) أطال غالب النظر والتأمل في الاختراعات التكنولوجية التي خلقت الحضارة الأوروبية.
كان غالب شاعراً عظيماً سواء في شعره باللغة الفارسية أو باللغة الأوردية، ويقدم شعره صورة جديدة للأدب الأوردي بمحتواه الرمزي والفلسفي والسياسي. كان معاصروه يعتبرونه شاعراً صعباً لأنه يكثّف أفكاراً عديدة في كل بيت من شعره، ولسوء الحظ فإن كثيراً من شروح شعره تظهر وجهاً واحداً فقط من حياته، كمقامر ودائم استدانة ومتكبر ومتردد على بنات الهوى، لكن الأبعاد الفلسفية الأعمق لشعره.. المتعلقة باستجابته للعلم والتكنولوجيا كأساس للنهضة العلمية الأوروبية، هذه الأبعاد الأكثر أهمية قد أهملت تماماً.
لكن حالي ـ أحد أتباع غالب ـ كان أكثر مباشرة ووضوحاً في مدح العلم وتمجيد فضائله، فقد كتب يقول «إن العلم يملك قوة يد الله، تلك القوة التي خلقت حركتها كل العالم، إن خلق الأرض والمحيطات يعطي البرهان على عظمة العلم».
وفي قصيدته الطويلة «مسدس» يصف «حالي» أسباب انحدار الثقافة الإسلامية، وأهمية العلم والتكنولوجيا، اللذين أدّيا إلى ثقافة جديدة ونهضة علمية في أوروبا، هذا الموقف يعكس، الإعجاب الذي أبداه أ. اس. مثل فخر الدين وعبد الرحيم اللذين جاء ذكرهما من قبل. وفي الحقيقة فإن أحد عناصر برنامج السير سيّد للتطوير التعليمي بين المسلمين.. كان التأكيد على العلم والتكنولوجيا، مما جلب له الإدانة والاستنكار.
لقد ألهمت الحركة القومية عدداً من العلماء الذين حاولوا أن يستخدموا الخامات المحلية التي يمكن أن تساعد الشعب على أن يحسن ظروفه، وعلى أن يثبت للأوروبيين أنه شعب قادر كغيره من الشعوب، فقام «الدكتور سليم الزينان صدّيقي» بصنع العقاقير وكيماويات أخرى، ومنتجات طبيعية باستخدام الخامات المحلية، ونال الدكتور ضياء الدين جائزة نيوتن في الرياضيات، وكان الدكتور «رضي الدين» رياضياً مرموقاً آخر، وكان قسم الجغرافيا بكلية عليـﮔرا أول قسم من نوعه في الدولة ومركزاً قومياً رئيسياً. وهناك آخرون عملوا في مجالات القطن والجوت وغيرهما من الخامات المحلية.
فترة ما بعد الاستقلال
بعد ثورة 1857م بتسعين عاماً أصبح لدى المسلمين خبرة عملية. وذلك بعد جرح تقسيم الهند عام 1947، وبشكل خاص بالنسبة لأغلبية المسلمين الوطنيين الذين كانوا قد أصبحوا جزءاً من الحركة الوطنية، سواء من أجل الحرية أو من أجل المجتمع العادل، وحتى بالنسبة للإسلاميين كانت وحدة الهندوس والمسلمين ووحدة الدولة عقيدة أساسية لديهم بقدر ما كان الإسلام عقيدتهم، وقد حذر هؤلاء مراراً من أن نداء الحرب مع جانب باكستان كان بتخطيط من الاستعماريين، ومع تقسيم الدولة تحطمت آمال هؤلاء وأحلامهم، وهُزموا بهزيمة رسالتهم في الحياة. إن أجيال العائلات عبر قرن من الزمان قد حاربت وعانت من أجل وحدة وطنية كانت حينذاك قد تمزقت تماماً.
إن تقسيم الهند كان في الحقيقة تقسيماً للمسلمين الهنود والتقسيم بسبب العقيدة خلق أيضاً جواً من الريبة بين الطوائف، تلك الريبة التي كانت قد أصبحت حينذاك متأصلة، وأدت إلى إراقة الدماء وإلى هجرة على نطاق واسع، وفي الأحداث التي تلت ذلك لم يكن مؤكداً أن كل المسلمين ليسوا متعاطفين مع باكستان، وإلى درجة أن مسلمين كثيرين حاربوا المتدينين منهم ليفصلوا بينهم وبين هذا التعاطف، لكن مساعيهم فشلت واختارت جمهرة من المسلمين الهند وطناً لهم، وهم الذين ارتبطوا بالحركة القومية وبالمؤتمر القومي من «العلماء» والصناع والحرفيين والفلاحين، أما الذين هاجروا إلى باكستان فكانوا في الواقع هم العمال الحكوميين.. والطبقة الوسطى من أهل الحضر وملاك الأراضي (الزمينداري) الذين خشوا أن يحرمهم برنامج حزب المؤتمر من امتيازاتهم.
لقد أوهن التقسيم عزائم هؤلاء وتركهم بلا زعامة، فجأة وجدوا أنفسهم ضائعين. لقد غير التقسيم نفسية المجتمع وأخر الظروف الملائمة لنشأة ثقافة عامة، كذلك وجد هؤلاء أنه لا مجال أمامهم لممارسة كثير من الحرف التي يتقنونها. حقاً لقد كانت تلك الفترة فترة شاقة.
وعلى أية حال، نتيجة للسياسات التي تبنتها الهند المستقلة، اكتشف المسلمون سريعاً أن عليهم أن يلعبوا دوراً، سواء على المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، وبإعطاء المسلمين الأمل فإن دور القيادات السياسية وبصفة خاصة الدور الذي لعبه مولانا آزاد والدكتور ذاكر حسين وفخر الدين علي أحمد وحافظ محمد إبراهيم وقادة «جمعية العلماء» هو دور هام جداً وخطير.
كان الدكتور ذاكر حسين نائباً لرئيس جامعة عليـﮔر الإسلامية، وخلال وجوده في هذا المنصب تغير جو الجامعة تغيراً رئيسياً، فانتقل من بيئة انفصالية واهنة العزيمة إلى بيئة تقدمية نشطة، كان التحدي الذي واجهه ذاكر حسين ورفاقه هو التغلب على العوائق التي خلفتها السياسات البريطانية، ومنافسة أعضاء آخرين من الطائفة لكي يوجدوا لأنفسهم مكاناً بينهم.
وكان على الأدب ـ المعبّر حتى ذلك الحين عن الحماسة والكفاح ـ أن يجد لنفسه بؤرة جديدة، كانت المهمة صعبة أمام الأدب ليحاول رسم صورة لنتائج التقسيم ولدور المسلمين. حول هذه المشاكل دارت روايات «حياة الله أنصاري» و«قرة العين حيشر» و«أشعار» و«جعفري» و«كيف» و«جذبي» و«خورشيد الإسلام» و«مجروح» وغيرهم مما كتبوا عن هذه المشاكل على أمل من الترقي والتقدم.
وكما حدث في العقود السابقة على الاستقلال، استمر المسلمون الهنود مع أعضاء طوائف أخرى ـ يساهمون في الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى الخفيفة، منهم «غلام علي خان الكبير» و«مشتاق تشاند خان»، وغيرم ممن ينتمون إلى جيل ما قبل الاستقلال ولم يهاجروا إلى باكستان. وفي فترة ما بعد الاستقلال هناك بسم الله خان وبيجوم اختر وعدد من الفنانين الشبان المتميزين مثل عازف السارود أمجد علي خان، وعازف الطبلة ذاكر حسين وغيرهما، هؤلاء الأساتذة دربوا عدداً من الموسيقيين البارزين من كل الطوائف وهؤلاء بدورهم أسهموا في ترقية الموسيقى، إن مساهمة بيجوم اختار في غناء «الغزل» مساهمة بارزة، كما أن لها عدداً من التلاميذ، لقد أصبح غناء الغزل شعبياً ومنتشراً مثل غناء «القوّالي» الذي يشكل الآن جزءاً من ثقافة كل الطوائف.
والسينما مجال آخر، للمسلمين فيه أثر واضح، كمنتجين ومخرجين وممثلين وممثلات وموسيقيين، سواء في الأفلام الغنية عالية الجودة أو الأفلام الشعبية، وقد ساهم عدد من كبار الشعراء في أغاني الأفلام، وحققت الأفلام التي تعالج نفسية المجتمع الإسلامي والثقافة الإسلامية رواجاً ملحوظاً.
وفي الرسم يعتبر «مقبول حسين» و«طيب مهتا» و«أكبر يادامسي» من أبرز الرسامين الهنود الذين خلقوا لأنفسهم مكانة عالمية لائقة، وعلى الرغم من أن بعضهم مثل «رضا» مستقرون في الخارج، فهم يأتون كثيراً إلى الهند ليرسموا ما تلهمهم به بلادهم وما توقظه فيهم من روحانيات.
وفي مجال الدراما هناك اسمان بين أسماء أخرى: إبراهيم القاضي، فهو، كمدير للمدرسة القومية للدراما، قد تخرجت على يديه مجموعة كبيرة موهوبة، أصبح أفرادها مقدمة طليعية، وأعطوا للدراما الهندية أبعاداً جديدة، وكذلك «تنوير» الذي يستلهم الدراما الشعبية للقبائل وسكان الريف، والذي أحدث ثورة في التكنيك والإنتاج والمضمون، إلى جانب مسرحياته ذات المضمون التاريخي والاجتماعي.
وفي مجال الصناعات والحرف، فإن سياسات ترقية الصناعات الصغيرة ـ التي كانت جزءاً من الخطة الخمسية الثانية ـ قد قدمت فرصة جديدة للصناع والحرفيين الذين عانوا كثيراً أثناء الحكم البريطاني، فحققوا نجاحاً بالرغم من العقبات العديدة، كما أدت هذه الفرصة أيضاً إلى خلق طبقة مقاولين من بين المسلمين، وقد أعطى الدعم الذي تقدمه الحكومة حياة جديدة للفنون والحرف، وفي مجالات المنسوجات ـ سواء في تصنيع الخامات والصياغة والطبع ـ وكذلك أشغال الـ«زاري» (النسيج المطعم بخيوط الذهب والفضة) والنحاس والزجاج والخزف، كل هذه الأعمال تطورت تطوراً كبيراً، وكان للمسلمين دور هام في هذا التطور وفي جني ثماره.
وتمنح الحكومة جوائز سنوية للصناع والحرفيين، وقد تسلم عدد كبير من المسلمين جوائز وشهادات تقديراً لعملهم المتميز، وقد شجعهم ذلك على الاستمرار في بذل الجهد في الحرف التقليدية.
لقد كان هناك تأكيد أساسي بعد الاستقلال على رفع المستويات التعليمية للمسلمين، فأنشئت معاهد تعليمية جديدة، وقُدم الدعم لرفع مستوى المعاهد القائمة من قبل، في هذا المجال ـ كما في مجالات أخرى ـ ظهرت مشكلة رئيسية: هل يبني المسلمون معاهد خاصة لهم أم عليهم أن يكونوا جزءاً من حركة التعليم العام؟ لقد أباحت الحكومة كلا النظامين ومن ثم ظهر عدد من معاهد الأقليات، بينما ظل المسلمون يستفيدون بالمعاهد التعليمية العامة، تلك هي الصورة التي تتميز بها الهند، فحتى معاهد الأقليات مفتوحة أمام الدارسين من كل الطوائف.
ونتيجة للسياسات المتبعة في مجال العلم والتكنولوجيا ظهرت قيادة جديدة بين المسلمين، هذه القيادة أوجدت مكانة متميزة للمسلمين على مستوى الهند ومستوى العالم، ولقد أوجد الدكتور إس. حسين ظهير مجموعة من حوله، وجذب عدداً من العلماء الشبان من كل العقائد من مختلف أنحاء الهند، وقد قدم هؤلاء إسهامات متميزة في مجال العلم والتكنولوجيا، ووجد آخرون لهم مكاناً في مجال الطاقة النووية وفي معهد تاتا للبحث الأساسي، وقد عمل الدكتور إتشي. إيه. بي. باربيا في مجال تكنولوجيا الغذاء، والدكتور إس. إتش. زيدي في علم السموم، والدكتور قاسم صديقي في علم المحيطات، وقام الدكتور زيدي كذلك بإقناع مجلس البحث العلمي والصناعي بإنشاء معهد للسموم في مدينة لكنو، وأسهم الدكتور صديقي إسهاماً رئيسياً في مجال استخراج المعادن من قاع البحار، ولعب دوراً هاماً في البعثات الهندية العلمية إلى قارة أنتاركتيكا الثلجية، وتخصص المهندس إس. إس. شفيع في تخطيط المدن، ونسيم أنصاري في الجراحة، والبروفيسور إم. شفيع وعبد العزيز في الجغرافيا، وتخصص كاتب هذا المقال في تطوير مجال تاريخ العلم والبحث العلمي وسياسة العلم والتخطيط، واعترافاً بجهده قام مجلس البحث العلمي والصناعي بإنشاء المعهد القومي للعلم والتكنولوجيا والدراسات التنموية.
وفي العلوم الإنسانية أنشأ البروفيسور نور الحسن والبروفيسور عرفان حبيب مدرسة لتخريج المؤرخين، وقد شغل الأول منصب وزير التربية والتعليم، وشغل الثاني منصب سفير ثم حاكم ولاية غرب البنغال وحاكم ولاية أوريسا، وأصبح البروفيسور أية. آر. قدوائي رئيساً للجنة الخدمات العامة المتحدة ثم حاكماً لولاية بيهار، وأسهم البروفيسور رئيس أحمد إسهاماً بارزاً في مجال التربية والتعليم، وفي مجال أبحاث الطاقة النووية والفضاء برز الدكتور فريد الدين والدكتور أي. بي. ج. كلام وبرز عُبيد صديقي في علم الأحياء، وأخذ عدد من المسلمين الفرصة لتطوير المعاهد التي ارتقت حتى احتلت مكانة هامة.
وقد أسس حكيم عبد الحميد عدداً من المعاهد منها كلية الصيدلة، ومعهد تاريخ الطب والعلم، ومعهد الدراسات الإسلامية، ثم جمّعت هذه المعاهد إلى بعضها تحت لواء «جامعة همدود» وهناك معاهد أخرى تُنشأ الآن.
لقد بذل المسلمون بعد الاستقلال جهداً لحماية هويتهم الدينية والثقافية، وعلى الرغم من جهود القليلين منهم لتنمية المصالح المحلية المحدودة، فقد بدأوا في توحيد أبعاد الهوية الدينية والثقافية كجزء من البناء الهندي والإسهام في التقدم القومي، ينعكس هذا على كل دوائر نشاطاتهم، مثل الموسيقى والأدب والشعر ووسائل الاتصال الجماهيري والعلم والتكنولوجيا.
ولتلخيص ما سبق، يمكن القول بأن الاستقلال خلق نفسية جديدة للمجتمع، كما أطلق طاقة الشعب في كل المجالات على الرغم من جرح التقسيم وما نتج عنه، ولقد أصبح المسلمون جزءاً من هذا الانطلاق، أولاً بإيجاد مكان لأنفسهم، وثانياً بقيامهم بدور متميز في الهند المستقلة.
أ. رحمان
مشاكل قانونية في الهند
نظرة قانونية
لقد كان للمسلمين الذين يسكنون في الهند اشتراكهم الشرعي في هذه البلاد بطريقتين:
أ ـ كأفراد.
ب ـ كأعضاء في جماعة خاصة تمارس ديناً متميزاً من الأديان وهو الإسلام.
ويعترف الدستور الهندي بكل شخص مسلم كمواطن في الهند، كما أن الجزء الثاني من الدستور يبحث في أوضاعهم كمنواطنين ويقول بأن أي مسلم يفي بالشروط التي يحددها الدستور في هذا القسم، فهو «مواطن في الهند». ومن الهام أن نذكر أن كلمة «وطن» لم تستعمل في الدستور الحديث عن «شعب الهند» إلا في المقدمة.
ومع ذلك نجد تعابير مثل «ضد قومي» (المقال 31 ـ د) و«علم وطني».. و«خدمة قومية» وغيرها في الدستور، ونجد أن الدستور يعبر عن سكان الهند في الأماكن الأخرى فيه بكلمة «مواطنون».
وكما نعلم، فإن هناك عدداً من الاشكال تصفها الحكومة لعدة أغراض ومنها مثلاً كلمة «هندي»، أما جوازات السفر في الحكومة ففيها كلمة «الوضع الوطني أو القومي» رغم أن الوصف الرسمي الذي يلي هذه الكلمة «مواطن في الهند».
ومن هنا فإنه يمكن القول بأنه ما من مادة في الدستور تقول بأن شعب الهند يشكل أمة منفردة، فعلى الرغم من ذلك فإن الدستور يعامل كل مواطني الهند، بما فيهم المسلمين كأمة واحدة.
وفي المادة (26، 27) يعبر عن المسلمين بعبارة ” طائفة دينية أو ملة دينية ” وفي المادة 30 المقطع الأول والثاني أو الفقرة الأولى والثانية (أقلية دينية).
وهناك شيء آخر جدير بالذكر في الدستور وهو أنه على الرغم من الحديث عن الهند في المقدمة باعتبارها «جمهورية دنيوية ديموقراطية» فهي لا تنكر الدين وتعترف بكل الأديان التي يعتقد بها المواطنون في الهند، وإن الدستور لا يذكر كل الأديان التي تكون الأمة الهندية فهي تأتي في قسمين يذكر فيهما الهندوس، السيخ والبوذيون، بالاسم.
ولكن هذا لا يعني أن الفئات الدينية التي لم يرد ذكرها مستثناة من أن تكون في الأمة الهندية. ويوضح الدستور من خلال المادة (15) الفقرتان (1)، (2) أنه ليس هناك تمييز بين المواطنين في الهند بسبب الديانة، وهذا يعني أن كل مواطن مسلم في الهند هو جزء من الأمة الهندية والمسلمون في الهند أفراد أو أعضاء في جماعة دينية تكوّن مع غيرها من الجماعات الدينية الأمة الهندية.
وقد كان أولئك الذين وضعوا الدستور على وعي بأن أكثر الأمور استبداداً هو استبداد الأكثرية في المجتمع الديمقراطي، ولذلك فإنهم حاولوا بحكمة الإقرار بحقيقة واقعة هي أن الأمة الهندية تشمل كثيراً من الجماعات الدينية، وقد اتخذوا في نفس الوقت التدابير المتقنة وذلك لحماية مصالح الجماعات الأقلية ضد استبداد الأكثرية.
والآن يجب أن نبحث في المشاكل الأساسية للمسلمين ونتفحص وضعهم من خلال نظرة إلى الدستور الهندي.
والجدير بالذكر أن الدستور الهندي لو طبق بعناية وبإخلاص فهو يضمن رعاية المسلمين وهذا يدل على عدم وجود أي نقص في هذا الدستور بالنسبة لموقفه من المسلمين.
فالمشكلة الأساسية التي تلازم المسلمين هي المحافظة على هويتهم الإسلامية التي تعد الشريعة الإسلامية رمزاً قوياً لها، والتي تهددها بشكل مستمر المادة 44 من الدستور، فهذه المادة تحدد الالمبادئ الإدارية في سياسة الدولة كما يلي:
«الدولة تحاول بجهد أن تضمن للمواطنين قانوناً مدنياً في الأراضي الهندية». على أنه لديّ يقين من أنه بالنسبة للمسلمين ستبقى المادة (44) ميتة أو جامدة وفيما يلي سأبين الأسباب بإيجاز:
إن المادة 44 توجد في الجزء الرابع من الدستور الذي يوضح المبادئ الإدارية في سياسة الدولة في حين أن المادة (37) قد بينت بوضوح «أن المواد الموجودة في هذا الجزء لن تكون إلزامية من قبل أي محكمة».
كذلك فإن المادة (25) الفقرة (أ) تقول: «لكل شخص أو فئة الحق في ممارسة العقيدة».
(ب) «لكل فئة الحق في المحافظة على ثقافتها».
وقد كانت هناك محاولة لقلب هذا الوضع وذلك في عام (1971) فقد أضيفت فقرة جديدة للمادة (13) التي أعطت صلاحية للبرلمان كي يصلح الدستور، بما فيها أولوية الحقوق الأساسية.
وكانت هناك محاولة أخرى عام (1976) من خلال الإصلاح الثاني والأربعين بالهدف التالي: جعل المبادئ الإدارية أكثر شمولاً وإعطاءها الأسبقية على تلك الحقوق الأساسية التي كان يُعتمد عليها لإعداد المبادئ الإدارية.
وهناك سبب آخر هو الكلمات التي وردت في المادة (44): فهناك تعبيران في هذه المادة بارزان، فالمادة تعلن أن الدولة تجتهد «لضمان نظام مدني».
ومن هنا فإن من الواضح أن ما يطلبه الدستور من الدولة هو أن يرى أن كل الجماعات الدينية ترضى به.
والتعبير البارز في المادة (44) هو «نظام مدني موحّد» فهي لا تقول «نظام مدني عام». ولو نظرنا إلى المعنى لهاتين العبارتين «موحد أو متشابه Uniform، وعام Common في المعجم لوجدنا لهما معنيين مختلفين، ففي الهند لا تكون القوانين الشخصية للجماعة ذات الديانة الواحدة متشابهة أو موحدة بالنسبة لكل الأفراد وفي هذه الجماعة في كل أنحاء الهند.
وقد ذكر البروفسور طاهر محمود قائمة لمثل هذه القوانين في كتابه الأخير الذي ظهر بعنوان «القوانين الشخصية في أزمة»، ومن هنا فإن معنى «Uniform» يمكن أن يؤخذ على أساس أنه يعني أن الدولة تجتهد لإزاحة أي خلل وتحاول نشر مجموعة من القوانين الشخصية المتفرقة لكل الجماعات الدينية تنطبق على كل أفراد الجماعات في كل أنحاء الهند، وهذا بالطبع لا يمكن تنفيذه إلا بموافقة واستشارة الجماعات المعنية بالأمر. وبالنسبة لهذا التمييز بين الكلمتين «عام» و«موحد» يمكن أن نرجع إلى محاكمة شاه بانو Chah Bano في المحكمة العليا، وإلى الكتاب الأخير «قانون المرأة المسلمة» (حماية الحقوق في الطلاق) بقلم ف.ر. كريشنا آير V.R.Krishna Iyer وهو قاض سابق في المحكمة العليا. ففي هذه المحاكمة حول القضاة تجنب كلمة «موحد» واستعملوا بحرية التعبير «نظام مدني عام»، وهناك قضية مماثلة وردت في الكتاب المذكور.
إن المقالة أو المادة الأولى في الدستور تقول بأن الهند ستكون اتحاداً من مجموعة من الولايات، أي أن الهند اتحاد جماعات أو مجتمعات، وعندما انضمت هذه الجماعات إلى الاتحاد كان لكل جماعة قانونها الخاص أو شريعة خاصة وهي لا تمسها أي قوة أخرى في الدولة.
وقد منح لكل جماعة بموجب المادة 26 فقرة (أ) «أن تدير شؤونها الدينية الخاصة».
ويمكن القول بأن الدستور لا يقر للبرلمان ولا لأي سلطة تشريعية أخرى في الدولة أن يضع قوانين خاصة لأي جماعة على أساس ديني، إلا إذا طلبت الجماعة ذلك كما حدث بالنسبة للهندوس إذ أنهم طلبوا من البرلمان ذلك، وكما حدث بالنسبة للمسلمين عندما طلبوا من البرلمان إقرار قانون المرأة وحقوقها في الطلاق، عام 1986.
والمشكلة الثانية للمسلمين هي التخلف من الناحية الاقتصادية، والتعليمية والاجتماعية، فالدولة كما نعلم هي التي تستخدم الأشخاص، ومن الصعب أن نجد نسبة مئوية لعدد المسلمين العاملين في الولايات الهندية.
ومع ذلك فإن النسبة ضعيفة بالنسبة لعددهم ضمن مجموع سكان الهند، والحكومة تدرك ذلك، إلا ان المسلمين يرجعون أسباب هذا إلى سياسة التمييز، على الرغم من وجود المادة (15) التي تتضمن عدم التمييز بين السكان أو المواطنين على أساس الدين.. إلخ.
والحكومة تحاول أن تشرح أسباب هذه الظاهرة بأن المسلمين لا يتقدمون للاستخدام في الوظائف كما أن نسبة المتدربين من الناحية التكنولوجية منخفضة جداً..
ولكن ليست هذه هي الحقيقة، ومع ذلك فلو كان هذا صحيحاً فإن الدستور قد هيأ الوسيلة لمعالجة الأمر بواسطة الفقرة 4 من المادة (16) التي تقول بأن على الدولة أن تهيئ الأعمال لأي فئة متخلفة في المجتمع أو من المواطنين التي هي في نظر الدولة غير ممثلة في الخدمات التي تقدمها الدولة.
وطبقاً لهذه المادة فإننا نرى أن المسلمين ينطبق عليهم ذلك فهم من الناحية الاجتماعية والتعليمية قد تخلفوا إلا أن الحكومة لا تفعل شيئاً من أجل تهيئة الأعمال لهم.
كذلك الأمر من الناحية الاقتصادية فليس هناك إلا ثلاث ولايات فيها أقلية لها المؤسسات المالية مثل أوتار براديش، وأندموابراديش وكارناتاكا.
كذلك فإن كثيراً من المسلمين لا يستفيدون من هذه المؤسسات المالية لأنها تتضمن فوائد.
وهناك مشكلة اللغة الأوردوية، فهناك المسلمون وخاصة في أوتار براديش وبيهار ومادهيا براديش وراجاستان وأجزاء من أندهرا، وكارناتاكا ومهاراشترا وهي اليوم مهتمة بالمحافظة على لغة الأوردو وتطويرها.
إن مجموع السكان المسلمين في هذه الولايات والمناطق حوالى ستين مليوناً، ومن المعروف أنه لكي تبقى اللغة وتزدهر يجب أن تكون في المدارس حتى مستوى الدراسة الثانوية، كذلك فيجب أن يكون للحكومة دور في ذلك، إلا أن الحكومة لا تهتم بهذه اللغة ومن هنا فإن عدد أولئك الذين يعرفون القراءة والكتابة بين المسلمين قد خف، ويبدو أن أولئك الذين هم في السلطة يدركون أنه إذا أردت أن تقضي على ثقافة شعب من الشعوب فعليك أن تقضي على لغته.
ومع ذلك فإن الدستور في المادة (29) يقول:
إن أي قسم من المواطنين الذين يسكنون في أي ناحية في الهند لهم لغتهم المميزة وكتابتهم أو ثقافتهم الخاصة ولهم الحق في الحفاظ عليها، وهذه المادة موجودة في الجزء الثالث الذي يتضمن الحقوق الأساسية.
كما أن هناك المادة (347) وتعطي لرئيس جمهورية الهند السماح أو الاعتراف برغبة أي قسم من السكان في إحدى الولايات باستعمال أي لغة يتكلمونها وتكون لغة رسمية لهم تعترف بها الدولة. ويتضح من ذلك أن الدولة موافقة.
ومع ذلك فإنه من المؤسف أن نذكر أنه في عام 1954 قام أنجمان ترقي ـ أردو في أوتار براديش، بحملة لأخذ تواقيع من 2,5 مليون من الهندوس الكبار و2 مليون من الهندوس، ومن المسلمين من غير الكبار على وثيقة تطالب بالاعتراف بالأوردوية في أوتار براديش بالنظر للمادة (347)، ولكن الطلب لم تتم الموافقة عليه رغم أن الدكتور ذاكر حسين)[11]( كان من بين من قدمت لهم الوثيقة وقد قدمها مع وفد من اثني عشر خبيراً في شؤون التعليم إلى رئيس جمهورية الهند في ذلك الحين «الدكتور راجندرا براساد Rajendra Prasad».
أمين الحسن علي رضوي
المسلمون ووسائل الإعلام
إن المطبوعات بكاملها في البلاد تتحكم بها طبقة الهندوس.
والكل ينتمون إلى نفس الفئة من الطبقات العليا، سواء كانوا من المحررين الصحفيين أو من مندوبي الصحف.
وهذه هي الكيفية التي يسيطرون فيها على عقول المسلمين، وكنتيجة لهذا فإننا نجد أن أي حلقة أو ندوة أو مؤتمر ينظمه المسلمون لا تغطيه الصحافة.
فما يحتاجه المسلمون في الهند بشدة هو الدعاية، وعندما أذكر الدعاية لا أقصد الدعاية الزائفة، ولعل كل مسلم يهمه الأمر سيوافق في الحال على أن المسلمين يجب أن تكون لهم صحيفة باللغة الإنكليزية خاصة بهم، على أن المسلمين لا يزالون يتطلعون إلى الوراء، إلى الهند أيام الحكم البريطاني، ولعلهم لم يدركوا أن الهند قد تغيرت، فقد انتشرت اللغات الإقليمية، ولم تعد الصحف الصادرة بالإنكليزية لها شعبيتها، والصحف اليومية بالإنكليزية لا تقرأ إلا من قبل 1% فقط من سكان الهند، بل إن الصحف الإقليمية الهندية ذات انتشار أكبر من ذلك بكثير.
وإذا تفحصنا صناعة الصحافة الهندية فإننا سنجد أن أكثر من 60% من نفقاتها تتحمله شركات كبيرة من خلال إعلاناتها، فمن أين يتلقى المسلمون مثل هذه النسبة من النفقات في حين أنهم لا يمتلكون مثل هذه الشركات الكبيرة؟ وهل يمتلك المسلمون شركات صناعية كبيرة لتمد الصحف بالمال؟ ثم إن الشركات الكبيرة يمتلكها أفراد من الطبقات الكبرى التي يمكنها ببساطة أن تسحق أي صحيفة أو مجلة عدائية.
إن بعض الهندوس الشوفينيين يخشون من اشتراك المسلمين في الصحافة أكثر مما يخشون القنبلة الإسلامية، فهل يسمحون لك بامتلاك مثل هذه القنبلة؟ تأمل هذا، إنهم يدركون مدى قوة الصحافة، وبالأخص قوة الكلام المنشور فيها، والطبقات الكبيرة تود الاستمرار في سيطرتها على الصحافة.
بل لو كان لديك الوسائل الكفيلة بنشر صحيفة (على الأقل 5% من المسلمين الذين هم كثيرو العدد بإمكانهم ذلك) ولو نجحت في أن يكون لديك صحيفتك الخاصة التي تصدر بالإنكليزية والتي ستزودك (بالأخبار الخاصة بك)، فهذا يعني أنك ستعتمد في استقاء الأنباء من نفس الوكالات الجديدة مثل UNI, PTI… إلخ وهي بدورها أيضاً تسيطر عليها الطبقات الكبرى.
إن صحفك سوف تحمل نفس الأنباء التي تمد الصحف الأخرى، وسوف تمد صحفك بالطبع بالمادة التي تختارها هي، وعندئذ تكون صحيفتك دون جدوى.
لذلك، كيف يمكنك أن توصل جريدتك إلى القراء والمشتركين بحيث تصلهم وهم على مائدة الإفطار؟ وهل هذا ممكن في بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن مكان النشر؟ وهل تتوقع من المسلم أن يقرأ جريدتك في اليوم التالي إذا كنت مثلاً تنشرها في دلهي؟ أم هل لديك أمل في نشرها من أماكن متعددة مثل صحيفة إنديان أكسبريس Indian Express.
ولعل الحل الأمثل هو مجموعة من المحررين والناشرين من كل المدن الكبرى ينشرون نشرات أسبوعية أو كل أسبوعين مرة، لا على أساس تجاري، بل على أساس الدعاية والإعلان، وذلك باللغات الأوردوية والإقليمية، وإن كثيراً من التكاليف الإدارية يمكن أن يتكفل بها المسلمون الموجودون بواسطة الإعلانات.
كذلك فإن بعضاً من الصحف الموجودة يمكن أيضاً أن تزود بالأخبار من قبل وكالة أنباء يسيطر عليها المسلمون. وإن معهد الدراسات الحيادية Institute of Objective Studies يمكن أن يعد دراسة لإنشاء مثل هذه الوكالة الجديدة، وسوف يكون المطلوب الوحيد لمثل كل وجهات النظر والفكر بصرف النظر عن هذه الجماعة أو تلك، ويكون هدف الوكالة الجديدة هو إعلام جمهور القراء من المسلمين والنشاطات المختلفة وجود أشخاص بحيث تكون هناك هيئة ولها فروعها في كل مكان.
ولعل الصورة المشوهة التي ظهرت في الصحافة حول مذبحة ماليانا Maliana تعبر عن ضرورة وجود مثل هذه الوكالة الجديدة، فمنذ فترة قريبة قتل العديد من الأشخاص (عدة مئات) من المسلمين في ماليانا بالقرب من ميروت (u.p)، وقد أنكرت حكومة الـ u.p الأمر بكامله، ولكن الصحافة الهندية أنكرت هذا وخلقت جواً من الاضطراب بين المسلمين القراء بشأن عدد القتلى، وكان من الصعب على القراء المسلمين ممن يسكنون في أماكن نائية أن يعرفوا الحقييقة، فكيف بالإمكان معرفتها؟ ولو أرسلت الوكالة الإسلامية للصحافة محرراً إلى ماليانا لأمكنه أن يقدم تقريراً صحفياً لكل صحيفة إسلامية في الهند يسرها أن تنشر الحقيقة، فما يريده المسلمون هو الحقيقة، وقد اشتكى المحررون المسلمون في كل الصحف الصغيرة في جميع أنحاء الهند، من أنهم لا يتلقون تقارير صادقة عن الحقائق، ويمكن أن تكون الأنباء التي تزود الوكالة بها الصحف باللغة الإنكليزية وأيضاً بالأوردوية طالما أن كثيراً من المسلمين في بعض أنحاء الهند لا يفهمون الأوردوية، وقد عرف المسلمون في الماضي فوائد الملصقات الجدارية من أجل الحملات واستفادوا منها ولا أحد يتفوق عليهم في هذه الناحية، وقد كان المسلمون في دلهي ولاهور من أفضل من استعمل مثل هذه الملصقات الجدارية في حملاتهم، إلا أن استخدامها قد خف في الهند، وهناك حاجة ماسة إلى إحياء مثل هذه الوسيلة واستثمارها.
كذلك يمكن الاستفادة من الخطب التي تسبق صلوات الجمع لبث المعلومات الحقيقة والموضوعية، كي لا يتأثر المسلمون بمثل ذلك التشويه للحقائق بواسطة وسائل الإعلام.
مشهد لثورة الهند على الاحتلال البريطاني سنة 1857م
ف. ت. راجشبكار
ثورة 1857
بدأت الدول الأجنبية تحاول التسلل إلى شبه جزيرة الهند التي تضم اليوم الهند وباكستان وبنغلادش قبل تأسيس الأمبراطورية المغولية بنحو خمسة عشر عاماً. وكان وصول السائح البرتغالي فاسكو دي كاما إلى كالي كت سنة 1498 م إيذاناً ببدء تغلغل النفوذ الأجنبي في شبه الجزيرة، ثم إخضاعها عن بكرة أبيها. فلقد كان البرتغاليون قد استولوا على مقاطعة غوا واتخذوا فيها لهم حصناً حصيناً يستمدون منه القوة والعون لإدارة أملاكهم في الشرق، ثم أعقبهم الفرنسيون والإنكليز. فأما الإنكليز فقد أسست شركتهم المعروفة باسم شركة الهند الشرقية معملاً دائماً في سورت ثم شرعوا بعد ذلك ينبثون على سواحل الهند عند الثغور الهامة كمدراس وبومباي وكلكتا وذلك في سنة 1690م استعداداً للاستيلاء على الهند برمتها فيما بعد.
لقد كانت شبه جزيرة الهند حتى القرن السابع عشر على عهد المغول وحدة متماسكة الأطراف متراصة الأجزاء بل وبلغت الوحدة السياسية والإدارية من التماسك والترامي بحيث بدأ انحلال الأمبراطورية وتفككها ضرباً من المحال إذ لم يتصور أحد قيام مقاطعة أو مناطق نفوذ أجنبية بناء على ما يتكرم به الأباطرة المغول من منح وهدايا وإقطاع، ولكن هذا ما حصل بالفعل.
فعندما وهنت أسرة المغول وتقطع خلفها حصل فراغ سياسي وتهيأت بذا الفرص المؤاتية لأصحاب الاطماع من الأجانب ممن كانوا يهيئون السبيل لتأسيس أمبراطورية كبرى حينئذ. ففي خلال فترات خلو كراسي الحكم على أثر غزو نادر شاه لدلهي، وعلى أثر ضياع الملك في أفغانستان كذلك وعلى أثر قيام حكم المهراتا في جنوب الهند وظهور مقاطعات إقليمية مستقلة في جنبات البلاد، في خلال فترات الاضطراب هذه وجدت شركة الهند الشرقية مرتعاً خصباً للمكائد والمؤامرات، ثم للكسب السياسي.
وكانت أول ضحية لمؤامرات شركة الهند الشرقية مقاطعة البنغال وهي بلاد خصبة غنية المواد، فلقد استطاع أحد قادة الشركة وهو روبرت كلايو ـ بمعونة بعض الانتهازيين السياسيين من مثل جكت سيت ورأى درلاب وغيرهما أن يستولي على الإقليم في معركة فاصلة تعرف بمعركة «بلاسي» سنة (1757م) اشتبك فيها مع قوات السلطان سراج الدولة وذلك بعد أن انفض عنه جنده وخذلوه خذلاناً معيباً… وعندئذ استطاع الإنكليز أن يتوغلوا في الهند بسرعة… وهزموا قوات منافسيهم الفرنسيين وطفقوا يخضون المقاطعة تلو الأخرى ويقضون على دابر الحكم المغولي… ولم تكن مهمتهم يسيرة أول الأمر فقد وجدوا في الأمير حيدر علي عاهل إمارة في جنوب الهند، خصماً لدوداً وبطلاً مغواراً ومع أنهم استعانوا بحلفاء أقوياء من مثل نظام حيدر آباد (دكن) ومن مثل المهراتا فإنهم لم يفلحوا في التغلب عليه.
واستمرت حروب التحرير ضد الإنكليز حتى بعد وفاته في سنة 1782م إذ واصلها من بعده ابنه تيـﭘو سلطان الذي يعد بحق من أكبر قادة الهند وزعماء التحرير، فلقد وقف حجر عثرة في طريق شركة الهند الشرقية وحال دون توسعها بل وانتزع لنفسه مقاطعتي بدنور ومنكلور (1784م) واضطر الإنكليز آخر الأمر أن يعترفوا بحقوقه في بعض المناطق الي كان يدعيها (النظام) لنفسه، ولكن الإنكليز، وقد تعاهدوا معه ووقعوا على اتفاقية بذلك، لم ينووا إنجاز ما تعهدوا به. فما لبثوا بعد حين حتى صنعوا حلفاً ثلاثياً بينهم وبين نظام حيدر آباد والمهراتا بغية خرق المعاهدة والإيقاع بالسلطان تيـﭘو، فلم يشأ هذا البطل المغوار إلا أن يهب مناضلاً عن حماه ويقاتل الإنكليز وحلفاءهم ويجعل من حروب التحرير ديدناً وسيرة ورسالة حتى أنه مات في ميدان المعركة سنة 1799م ولم يخلفه أحد في ميادين حروب التحرير التي كانت تدور رحاها حينئذ، وهكذا وفي مطلع القرن التاسع عشر استطاعت الأمبراطورية البريطانية أن تمتلك زمام الحكم في البلاد كلها، ولو أن أباطرة المغول كانوا لا يزالون حتى حينئذ يتولون الحكم اسمياً في عاصمة الأمبراطور بدلهي.
ولقد كانت دلهي هذه مطمح أنظار الغزاة الذين كانوا يريدون الانقضاض على الأمبراطورية، وذلك لما لها من أهمية تاريخية ومن موقع عسكري هام. فمنها حكم المغول الهند نحو قرنين من الزمان، وفي القرن الثامن عشر أخذت أمبراطوريتهم تنحل تاركة وراءها فراغاً سياسياً خطيراً، إذ كان يتنازع الملك حينئذ طرفان أحدهما الأفغان في الشمال والآخر المهراتا في الجنوب وما هي حتى اشتبك الطرفان في معركة فاصلة ـ تعرف بمعركة (باني بت) ـ انتهت بانتصار الأفغان وهزيمة المهراتا، غير أن الأفغان أخفقوا في السيطرة على البلاد، ولما تراجع الجيشان المتقاتلان حصل فراغ ما لبث حتى ملأه السيخ في الشمال وشيوخ الراجبوت في الغرب وشيوخ المهراتا في الجنوب وفي أواسط الهند وجنوب شرقيها حيث مقاطعة أود)[12]( وأصبح حاكم أود الوراثي ـ شجاع الدولة حينئذ ـ وزيراً للأمبراطور المغولي، أما في شرق دلهي فاحتلت قبائل من الأفغان منطقة روهيل كند التي كانت من قبل جزءاً من مقاطعة أود، وهكذا طوقت دلهي تطويقاً تاماً واقتصر عليها الحكم الأمبراطوري المغولي، وإن كان الأمبراطور احتفظ حتى إلى ذلك الحين بالسلطة الاسمية في جميع أجزاء شبه جزيرة الهند، ومع أن هذه السلطة الأمبراطورية كانت اسمية صورية باعتبار نمو العناصر السياسية في البلاد حينئذ، فإنها دلت على ما انطوت عليه مساعي المتنافسين على السلطة للحظوة بموافقة الأمبراطور على ما يبدو منها من تصرف بل لإخضاع شخص الأمبراطور إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً… وهذا هو السبب الذي حدا بالزعيم الأفغاني أحمد شاه إبدالي لأن يعترف بشاه عالم أمبراطوراً عندما انسحب من الهند نهائياً سنة 1761م كما ولهذا السبب عينه عين المهراتا وصياً للأمبراطور في أواسط الهند عندما توطدت لهم السلطةهناك، وهكذا يتضح أن المتنافسين على السلطة لم يجرؤوا قط على إزاحة الأمبراطور المغولي من عرشه والحلول في محله.
وفي سنة 1803م عندما شبت الحروب بين المهراتا والإنكليز كان الأمبراطور المغولي شاه عالم لا يزال صاحب السيادة في البلاد وصاحب السيادة على الطرفين المتنازعين، وذلك لأن الإنكليز كانوا قد حصلوا على تفويض من الأمبراطور المغولي لجمع الضرائب في البنغال بموجب تصريح يعرف باسم «يوداني» وذلك سنة 1765م، بينما كان مهراج سندي «وكيلاً مطلقاً» للأمبراطور، وكان غرض الإنكليز حينئذ الاستيلاء على دلهي وعلى جمنا دوآب واكتساب السلطة الاسمية التي كان يتمتع بها الأمبراطور المغولي لكي لا يستطيع الأمبراطور شاه عالم إلا الرضوخ للأمر، فلم يكن منه إلا أن ينتصر لوكيله ويسانده ويعتبر الشركة البريطانية إقطاعية ثائرة.
وهكذا كانت سياسة المغول ترمي إلى الاحتفاظ بسيادة الهند ولو اسمياً مع التسامح إلى أبعد حدود مع السلطات المحلية القائمة فعلاً، وقد قبل المهراتا هذا الوضع لأنهم وجدوا فيه مظهراً من مظاهر الرعاية الأمبراطورية والتفويض الرسمي، كما أن اللورد ولزلي أراد أن يحوز على سلطة المغول ويحل محلهم لنفس السبب… «فقد كان يتظاهر لا كما لو كان وزيراً للأمبراطور المغولي وإنما كما لو كان مدافعاً عنه»)[13](.
ولما مات شاه عالم سنة 1806م خلفه أكبر أبنائه وهو (أكبر) الثاني، وكان الأمبراطور (أكبر) الثاني، يسعى لاسترداد سلطة أجداده وأن يقاوم التدخل الأجنبي وكان بينه وبين الإنكليز صراع مستمر حول سلطته وصلاحيته، غير أن الشركة استطاعت آخر الأمر ـ لا من الحد من سلطانه فحسب ـ وإنما في انتزاع السلطة منه بالمرة. وهكذا لما آل الأمر إلى آخر أباطرة المغول بهادر شاه لم تكن للأمبراطور ثمة سلطة وإنما كان له الاسم. وحسب هذا بعد أن كانت الشركة مجرد وكيل للأمبراطور تجبي الضرائب باسمه غدت تنتحل لنفسها السلطة شيئاً فشيئاً إزاء مقاومة أباطرة المغول وإزاء معارضتهم الشديدة، فحتى آخر أباطرة المغول الأمبراطور (بهادر شاه) لم يشأ أن يتنازل عن حقه في السلطة بل ولم يرضخ لسلطان الحكومة البريطانية أو لسلطان شركة الهند الشرقية فأبى أن يتلقى منها أي مال، وهكذا فلا يمكن القول بناء على مبررات قانونية أو معنوية بأنه إنما ثار في سنة 1857م ضد السلطة الدستورية التي يدعيها الإنكليز لأنفسهم بل على العكس من ذلك كان الإنكليز هم الذين شقوا عصا الطاعة على الأمبراطور المغولي باعتبارهم وكلاء في بعض الإقطاعيات وذلك لتوسيع إقطاعياتهم في شبه جزيرة الهند بين سنتي 1833 و1856م، فلقد عمدوا في تلك الآونة إلى ضم المقاطعات الواحدة تلو الأخرى إذا ما انقطعت سلالات أمرائها وسلاطينها. ولعل خير من وصف شأنهم هذا هو أحد الكتاب الإنكليز واسمه المستر كلارك إذ قال: «إن نظرية انقطاع السلالات هذه لم تكن من الجدة في شيء فإن جون بول لم يتوان يوماً في الاستيلاء على ولاية أو إقطاعية وفيرة الخيرات إذا لم يكلفه ذلك أي ثمن».
كانت إمارة أود آخر الإمارات التي ضمها اللورد دلهوسي للممتلكات البريطانية وكان تصرفه هذا ظلماً فادحاً من كل وجه، أدبياً كان أو سياسياً، حتى أن المؤرخين أشاروا إلى ذلك بأنه أهم سبب من أسباب ثورة 1857م. ولقد اعترف القائد البريطاني السير تشارلس اوترام الذي عهد إليه خلع الأمير (نواب) في أود… اعترف هو نفسه بهذه الحقيقة، إذ قال فيما كتبه:
«لقد شهدت السخط الذي ساد بمجرد شيوع ذلك الخبر بين الجند من حرسه فاستنتجت مما شهدت بأنهم قد حنقوا حنقاً شديداً وأنهم نزعوا فيما بعد إلى العصيان والثورة».
وربما كانت هذه السياسة التي ابتدعها الإنكليز في نزع ملكيات الإمارة واغتصابها واستغلال ثرواتها سبباً مباشراً لتطور الأوضاع الاقتصادية في بريطانيا حينئذ وهو التطور الذي يطلق عليه المؤرخون اسم «الثورة الصناعية».
وفي نفس الوقت كان الإنكليز ينظرون إلى سكان شبه الجزيرة الهندية ـ لا سيما المسلمون منهم ـ بعين الريبة والشك لأنهم رأوا أن المسلمين هم في الواقع حكام البلاد وولاتها، وهكذا تشكك الإنكليز وارتابوا في كل تصرف بدا من المسلمين… بل وتشككوا وارتابوا حتى لما سعى المسلمون للخلاص من الكوارث التي حلت بهم نتيجة للتأخر الاجتماعي والسياسي الذي ألم بهم حينئذ، بل وقاوم الإنكليز كل مظهر من مظاهر تمدنهم وحضارتهم كالفنون الجميلة والصناعات وما إلى غير ذلك ثم حالوا بينهم وبين كسب الرزق فحرموهم من مناصب الجيش والإدارة والتعليم وحاربوهم بكل سلاح وبكل وسيلة.
ثم إن ما زاد في الطين بلة نشاط البعثات المسيحية التبشيرية في شبه جزيرة الهند، وقد اعترف بهذا أحد أقطاب شركة الهند الشرقية اللورد (منتو) في رسالة سرية بعث بها إلى رئيس شركة الهند في سنة 1807م في موضوع نشاط البعثات التبشيرية في شبه جزيرة الهند.. قال اللورد منتو: «دعوني اوجه نظركم إلى أن المطبوعات الرئيسية التي أخرجتها مطابع سيرامبور باللغات الوطنية لم تؤد إلى التبشير بين العلماء الدينيين السائدين في هذه البلاد وإنما أدت إلى سخطهم وعدائهم وإذا كان بين المسيحيين اختلاف في الرأي حول هذا الموضوع فإنني لا أستطيع إلا أن أقول بأني أنتمي إلى الطائفة التي تؤمن بأن الله العادل لا يؤاخذ إنساناً بجريرته…».
ثم يقول اللورد منتو: «إنه في الوقت الذي لا يناهض فيه تقدم المسيحية في الهند يتحرج كل التحرج من الطريقة العقيمة التي ينهج عليها بعض المبشرين».
وبلغ من تعصب الإنكليز لدينهم أنهم عينوا قساوسة برواتب تدفع من الخزينة وحظروا تداول اللغة الفارسية التي كانت حتى ذلك الحين لغة رسمية فاستبدلوا بها اللغة الإنكليزية، كما منعوا تدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس والكليات فانقطعت الدراسات الإسلامية بما فيها الحديث والفقه. وما إلى غير ذلك من التصرفات التي مست جوهر الثقافة وصميم العلم.
ثم تحالف الإنكليز (شركة الهند الشرقية) مع وال من ولاة السيخ هو رنجيت سنج وأدى ذلك إلى طغيان السيخ وجبروتهم في البنجاب مما أدى إلى قيام الحركات السياسية والدينية في البلاد في الوقت الذي كان فيه الأفغان منهمكين في خلافاتهم الداخلية.
وقد كتب السيد أحمد خان عقب ثورة سنة 1857م رسالة شرح فيها أسباب هذه الثورة فقال إنها تعزى إلى الجهل المطبق الذي أبدته شركة الهند الشرقية إزاء الكساد الاقتصادي الذي ساد البلاد ذلك الحين مما أدى إلى التهافت على نزع ملكيات الصرف للأراضي وبيع المقاطعات والأراضي جملة بالمزاد وحرمان المزارعين من أراضيهم ببيعها إلى مقرضي النقود وإلى من سواهم ممن لا شأن لهم بالفلاحة والزراعة، واختلال نظام الضرائب الذي أدى بدوره إلى تزعزع النظام الاقتصادي بين جميع طبقات الشعب…
ثم أوضح السيد أحمد خان أن موظفي الحكومة لا سيما منهم أولئك الذين يتولون إدارة المقاطعات المختلفة كانوا يمارسون سلطات استبدادية تعسفية بحيث لم يتسن لجمهور الشعب رفع المظلمات إليهم فما كان هؤلاء الموظفون لينظروا في مثل هذه المظلمات على شرعيتها وعدالة أسسها وغالباً ما كانوا يشجعون التملق والتزلف وغالباً ما كانت تقاريرهم التي يرفعونها إلى مقرهم في كلكتا محشوة بالكذب والأباطيل، وكان من نتيجة ذلك كله أن نفر منهم الناس وسخطوا عليهم..
وإليك الآن شهادة شاهد من أهلها هو مؤلف كتاب «المسلمون الهنود» السير وليم هنتر.. قال هذا المؤلف الإنكليزي مستشهداً بأحد الإنكليز الذين عهدت إليهم شركة الهند الشرقية قمع السخط بين المسلمين في تلك الفترة ألا وهو جيمس كنيلي: «إن الفرد المسلم الذي كان يعتد بمؤهلاته وقابليته غدا يجد نفسه محروماً من قسطه في السلطة ومن مورده من الحكومة مما كان يستأثر به حتى ذلك الحين… إنه ليرى ذلك ويرى جميع منافع الحياة قد فاتت عليه، ووقعت في يد الهندوس فامتلأت نفوس المثقفين المسلمين سخطاً وغيظاً»)[14](.
ثم يقول الكاتب في معرض إشارته إلى اضطهاد الإنكليز للمسلمين من ناحية وتملق الإنكليز للهندوس من ناحية أخرى ما معناه «قبل أن تخضع البلاد لحكمنا كان المسلمون يؤمنون بنفس العقيدة التي يؤمنون بها اليوم ويطعمون نفس الطعام ويعيشون نفس العيش وهم إلى اليوم يبدون بين آونة وأخرى نزعة حادة إلى الوطنية ومقدرة عظيمة في الحرب ولكنهم فيما دون ذلك قد نزل بهم الدمار تحت الحكم البريطاني».
«كان المسلمون إلى ما قبل مائة عام يستأثرون بجميع المناصب الهامة في الدولة، أما الهندوس فقد ارتضوا شاكرين بما يتساقط من موائد الفاتحين»)[15](.
ثم يقول: «قبل مائة وسبعين سنة لم يكن لمسلم عريق النسب في البنغال أن يصاب بالفقر أو الإفلاس أما اليوم فلا يستطيع مثل هذا المسلم العريق النسب أن يبقي على ثروته.. فليس من وجيه مسلم يستطيع الانخراط في سلك جيشنا وحتى إذا وجدنا له مجالاً في نظامنا العسكري فإن ما يتلقاه من هذا العمل لا يغني شيئاً».
«لقد حلنا دون الطبقة المسلمة المنورة ودخول الجيش لأننا اعتقدنا أن ذلك مما تقتضيه سلامتنا، لقد حرمناهم من امتيازهم في الوظائف الإدارية التي كانوا يتلقون منها مورداً غنياً لأننا رأينا أن حرمانهم ضروري لازم، غير أن هذه الأسباب مهما كانت وجيهة في نفسها لم تقنع تلك الطبقة الأرستقراطية القديمة التي غدت تعاني الأمرين من محنة الحكم البريطاني)[16](.
وقصارى القول: إن عوامل اضمحلال المسلمين خلال هذه الفترة هي:
1 ـ دمار الصناعة الوطنية والتجارة في البنغال.
2 ـ سوء الإدارة وتمكين صغار المتمولين الهندوس من ملكية الأراضي الزراعية وحرمان المسلمين من أراضيهم وكذلك حرمان كبار الموظفين المسلمين من مناصبهم والاستعاضة عنهم بالموظفين الأوروبيين.
3 ـ حرمان معاهد التعليم الإسلامية مما كان مخصصاً لها من موارد مالية من بعض الأراضي.
4 ـ ترجيح الهندوس على المسلمين في إشغال المناصب الحكومية إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الوظائف حكراً للهندوس.
لا غرو إذا ما سخط المسلمون وحنقوا على هذه السياسة الخرقاء التي اتبعتها شركة الهند الشرقية.
والعجيب حقاً أن الشركة وإن كانت تتعامل في أول أمرها في التجارة والمال فإنها لم تلبث حتى نظمت لها جيشاً محارباً وكان في هذا الجيش عدد من الأوروبيين وعدد أكبر من الجند المحليين، أما هؤلاء فقد افترض فيهم الولاء والطاعة مع أن الشعب كان ساخطاً متبرماً أو كما قال أحد الإنكليز: «كان الإنكليز يعيشون فوق فوهة بركان يكاد ينفجر»، ومع أن نذر الانفجار كانت عديدة خطيرة فإن الإنكليز قد استهانوا بها واستخفوا بشأنها. لقد كانت النفوس موغرة تتقد حقداً وكراهية وتغلي غليان المرجل من جراء هذا الفساد الذي عاثت به الشركة في شبه جزيرة الهند.
ولعل أول من ثار على سلطة الشركة هو المولوي أحمد الله ممثل نواب أود)[17]( الذي خلعه الإنكليز فلقد بدأ هذا بتكوين جماعة ثورية طاف وإياهم في القرى والأرياف موزعاً أقراص «الرقاق» أو ما يعرف محلياً باسم «جباتي» وهو خبز رقيق يصنع رغيفه بحجم الكف بين القرويين ممن يتعهدون عند تناوله بأن لا يطيعوا أمراً إلا أمر رئيسهم أو أمبراطورهم، وكان ينتقل من قرية إلى أخرى ويوصي أهلها بأن يصنعوا منها كميات ويرسلوها إلى قرى أخرى ويأخذوا على القرويين برضاهم عهوداً مماثلة حتى انتشر أمر الدعوة فعمت شبه جزيرة الهند كلها وهكذا لم يبق بعد إلا الشرارة التي تلهب ألسنة الثورة وما هي حتى طارت الشرارة من احتكاك بين ضباط الجيش الأوروبي والجند المحليين وذلك في حادثة مشهورة هي حادثة الرصاص الذي قيل إن الإنكليز طلوه بدهن الخنزير وسمن البقر.
ومختصر القصة أن الضباط الإنكليز وزعوا على الجنود المحليين ضرباً جديداً من الخراطيش والرصاص مما زعم أنه مطلي بدهن الخنزير وسمن البقر وهو ما اشمأزت منه نفوس الجند من المسلمين وغير المسلمين بناء على تحريم لحم الخنزير عند المسلمين وتحريم ذبح البقر عند الهندوس فتألب الجند وعقدوا العزم على الثورة.. وفي السادس والعشرين من شهر يناير سنة 1857م خرجوا من معسكراتهم وأولعوا النار في مكتب التلغراف ببلدة باركبور.
وكان ذلك إيذاناً ببدء الثورة وفي بلدة ميرت التي تقع على بعد 36 ميلاً شمال شرق العاصمة الأمبراطورية دلهي كانت الشركة تحتفظ بأكبر معسكر لها في الهند وفي يوم من أيام شهر أيار سنة 1857م وبينما كان فصيل من الخيالة يبلغ عدده 90 جندياً يزودون بذلك الضرب من السلاح الجديد أبى خمسة وثمانون خيالاً منهم أن يحملوا ذلك السلاح فاعتقلوا فوراً وقدموا إلى المحاكمة العسكرية وحكم عليهم بأحكام تتراوح بين ست وعشر سنوات ثم جيء بهم على ساحة العرض بمحضر من جند آخرين ومزقت أوسمتهم وألبستهم وصفدوا بالأغلال وذهب بهم إلى الحبس، وكان لهذا التحقير والتشنيع بالجند المحليين أثره الممض في نفوس الجند كلهم، غير أنهم كظموا غيظهم وتظاهروا بالدعة والسكينة ولكنهم مضوا في نفس الوقت إلى مكان اجتمعوا فيه سراً للتداول في أمر الثورة، فقرروا أن يثيروها في مساء يوم الأحد التالي عندما يكون ضباطهم الأوروبيون في كنائسهم ومضى صباح الأحد بسلام ومن دون أن يطرأ شيء يثير الريبة أو الشك في أمرهم ولكن ما حلت الساعة السادسة مساء، وعندما كانت نواقيس الكنائس تدق إيذاناً بصلاة المساء، كر الجند بخيلهم على السجن الذي حبس فيه زملاؤهم فحطموا أبوابه وأطلقوهم وبقية المسجونين منه.
وهكذا أخذ الضباط الأوروبيون على حين غرة فلم يتمالكوا أمرهم وتملكهم الرعب والهلع ثم مضى الثوار مسرعين إلى دلهي حيث العاصمة الأمبراطورية وحيث الأمبراطور نفسه فأعلنوا له الطاعة واتخذوا من ميرزا ظهور الدين ويعرف باسم ميرزا مغل قائداً لهم كما اتخذوا لهم ضباطاً ورؤساء، وبعد أيام أي في التاسع عشر من شهر مايو أعلن المولوي (محمد سعيد) الجهاد في المسجد الجامع بدلهي ومضى شهر مايو وحزيران (يونيه) والثورة متقدة الأوار والإنكليز يجلبون الإمدادات تلو الإمدادات حول دلهي لمحاصرة الأمبراطور وجنده فيها ويعمدون بكل وسيلة ممكنة بالمال والسياسة والحيلة لتأليب رعيته عليه فكانوا يرشون موظفيه وعماله ويثيرون الحزازات ضده.
ودارت خلال شهر آب (أغسطس) معارك حامية الوطيس بين قوات الثوار وقوات الإنكليز ومني الإنكليز بهزائم شنيعة في معارك عدة ولكنهم استطاعوا آخر الأمر أن يبعثوا قائدهم نكلسون على رأس جيش قوامه 25 ألف رجل، فحاصر دلهي ثم جيء بمدفعية الحصار الضخمة وبإمدادات وقوات أخرى وبدأ القصف والضرب بلا هوادة، وفي نفس الوقت نشط داخل دلهي بعض الخونة من صنائع الإنكليز ونسفوا فيها معمل البارود وضربوا بعض المرافق الهامة فوجهوا بذلك إلى الجيش الوطني الثائر طعنة نجلاء ومع ذلك فقد واصل الثوار جهادهم ببسالة منقطعة النظير وأوقعوا بالقوات الإنكليزية على تفوقها بالعدد والعدة خسائر فادحة فدافعوا عن كل شبر من دلهي فسال الدم في شوارعها أنهاراً غير أن النتيجة كانت محتومة إزاء تلك الجيوش العرمرمية التي حشدها الإنكليز على دلهي فقد أسر الأمبراطور بعد قتال مستمر واحتلت دلهي عاصمته وأبيحت للجند.
وفي صباح اليوم العشرين من شهر سبتمبر سنة 1857م أعلن استسلام دلهي في جميع البلاد وغدا الإنكليز ينكلون بأهلها، إذ أخرجوهم منها عن بكرة أبيهم واحتلوا مساجدها ودمروا أسواقها وحوانيتها وباعوا ما فيها من سلع وبضائع بالمزاد.
أما الأمبراطور بهادر شاه نفسه فقد قدم إلى محكمة عسكرية خاصة بناءعلى أمر القائد الإنكليزي السير جون لارنس وذلك بعد أن وجهت إليه أربع تهم خطيرة أهمها أنه بوصفه من رعايا الحكومة البريطانية أعلن سيادته على الهند وشن الحرب على الحكومة.
وبعد محاكمة طويلة استمرت من اليوم السابع والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) حتى اليوم التاسع من شهر آذار (مارس) سنة 1858م، حكم على آخر أباطرة المغول بالنفي فنفي إلى بلدة رانغون مع زوجته الملكة زينت محل بيجوم، وابنهما ميرزا جوان بخت وبعض أفراد أسرته وذويه.
لقد تركت ثورة 1857م أثراً بليغاً في نفوس المسلمين في الهند وبينما أخذ الإنكليز ينظرون إلى كل شيء حولهم بعين الريبة والشك أخذ الناس يشعرون بلوعة الهوان والمذلة ومن ثم باللهفة إلى الحرية والاستقلال والعزة والكرامة.
تفاصيل أخرى
عام (1857هـ). كانت كل الولايات الهندية التي يحتمل أن تشكل خطراً على نفوذ شركة الهند الشرقية، قد رزحت تحت الاحتلال الإنكليزي. ولكن في تلك الفترة التي لم يبق فيها في الظاهر أية عقبة أو منافس لنفوذ الشركة، اندلعت اضطرابات عنيفة عرفت باضطرابات العسكر (عام 1858 ـ 1859م).
وذكر المؤرخون عوامل عديدة لتلك الاضطرابات، أما الإنكليز أنفسهم فيصرون على أن الأسباب هي في الأساس دينية ناتجة عن التعصب الديني البعيد عن كل لون قومي أو وطني. لكن الثابت أن تلك الاضطرابات قامت على خلفية وطنية في الدرجة الأولى بعد نفاد صبر سكان الهند حيال تمادي الإنكليز في ظلمهم وتطاولهم على أموال الناس وكرامتهم. ولو سلمنا فرضاً بصحة ادعاء الإنكليز بدينية عوامل الاضطرابات فقط، فلن نستطيع إنكار البعد الوطني لها، ذلك أن الدين والوطنية مرتبطان بعلاقة، هي نفس العلاقة التي تربط اللغة بالأدب إذ أن الدين هو الأساس وقاعدته الوطنية.
قبل بدء أحداث الاضطرابات كان الهنود قد ضاقوا ذرعاً بظلم الإنكليز لدرجة أن عدة مناطق شهدت انتفاضات واسعة، إلا أن الإنكليز كانوا يتداركون الأمر ويحولون دون توسعها وانتقالها إلى أماكن أخرى، ومن أشهر تلك الانتفاضات، ما حدث في منطقة بنارس. التي اندلعت فيها الانتفاضة بسبب قرار الشركة استيفاء ضرائب جديدة على المنازل. ولما كان أهالي بنارس يدركون أنهم لا يملكون الأسلحة التي تمكنهم من مواجهة قوات الشركة المدربة جيداً والمجهزة بالأسلحة والمعدات المتطورة فقد قرروا اتباع أسلوب آخر في المواجهة. فقد اجتمع حوالى 300 ألف منهم في صحراء كبيرة قرب بنارس وقرروا الإضراب عن الطعام والاعتصام في أماكنهم حتى الموت، لاعتقادهم أن أرواحهم ستعود ـ بعد موتهم ـ إلى الدنيا، لتعذب الإنكليز الذين تسببوا بموتهم. وبعد مدة من الإضراب استطاع حاكم بنارس إقناعهم بأن أوامر الضريبة الجديدة، صدرت عن الحاكم العام للشركة والمقيم في كلكتا. لذا اتجه جمهور غفير قوامه ثلاثة آلاف من الأهالي إلى كلكتا للطلب من الحاكم إلغاء هذه الضريبة. وقد تحقق لهم ذلك. عندها اضطر الإنكليز إلى التراجع عن قرارهم.
مقدمة الاضطرابات
بعد ذلك، سادت لدى الهنود قناعة بأن هذه الاضطرابات المحلية لا تستطيع اجتثاث جذور الإنكليز، لذا بدأوا الإعداد لثورة عامة في جميع ولايات الهند. وقبل بدء الثورة الكبرى قام الموظفون الوطنيون الذين كانوا يصلون إلى جميع مناطق الهند، بتحريض السكان المحليين على الثورة. وقاموا ـ وبعيداً عن أعين الإنكليز ـ بالاتفاق مع الأهالي على مواعيد ورموز معينة للاتصال وإعلان ساعة الصفر، ومن هذه الإشارات إرسال نوع من الكعك إلى مخاتير المناطق، وإرسال زهور اللوتس إلى الجنود)[18](. وأصبح معروفاً آنذاك أن قوة الإنكليز منذ مائة عام، من اعتدائهم على أرض الهند شارفت على التلاشي. واتحد المسلمون مع الهندوس واشتركوا معاً في الثورة على الإنكليز.
أما الحادثة التي جعل منها الثوار ذريعة لاندلاع الثورة في أرجاء الهند فهي كما يلي:
بعد حرب (القرم) التي وقعت عام 1854م بين روسيا من جانب والدولة العثمانية وانكلترا وفرنسا من جانب آخر أدرك الإنكليز مزايا وفاعلية البنادق القصيرة المعروفة بـ«قرمينه» فقرروا استخدامها في جيش الهند. ولأن الهندوس علموا أن الإنكليز يستخدمون شحوم الأبقار في صناعة عتاد هذا السلاح. والأبقار عندهم مقدسة، كما تخوف المسلمون من استخدام شحوم الخنزير في صناعتها، فقد لقي استخدام هذا النوع من السلاح رفضاً من كلا الفريقين. ورغم عدم أهمية هذا الأمر كسبب لاندلاع ثورة بتلك الصورة، إلا أنه أصبح الشرارة التي فجرت الغضب الكامن، فاندفعت الصحف الهندوسية والمسلمة والزرادشتية تندد به وتتساءل: لماذا يجب أن يرضخ عدة ملايين من المواطنين لسياسة ورغبات مجموعة من الإفرنج. وحينذاك كان جميع سكان الهند. بمختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم قد عقدوا العزم معاً على تحرير الهند من الهيمنة الأجنبية.
بدء الاضطرابات في لدهي
في 4 جمادى الآخرة 1856م اندلعت عدة حرائق في مدينة دلهي ولم يُعرف من تسبب فيها إلا أنها أشارت بوضوح إلى بدء مرحلة من الاضطرابات الداخلية.
أول أحداث الثورة في دلهي وقع عند غروب يوم 15 رمضان 1273هـ. فقد قررت ثلاثة أفواج من الجنود في معسكر «ميروت» شمال دلهي الثورة وهاجم أفرادها السجون وأطلقوا سراح السجناء وبعد أن قتلوا المسؤولين الإنكليز اتجهوا إلى دلهي، حيث استقبلهم أهلها بالأناشيد والهتافات. وبعد أن استولى الجنود على دائرة البريد، وقطعوا أسلاك (التلغراف)، قاموا بتنصيب بهادر شاه، وهو من عائلة الملوك القدامى في الهند، على كرسي الحكم. وقد كتبت إحدى الصحف الصادرة باللغة الفارسية في الهند الشرقية آنذاك، تقول: «أمس كان الإنكليز يهيمنون على كل ولايات الهند وينفذ أوامرهم أربعمائة ألف جندي. أما اليوم فهم يهربون في الغابات والمزارع حفاة، كالبهائم يطلبون الأمان من أكثر الهنود فقراً».
ولم يمض وقت طويل حتى التحقت بالثورة، ولايات الشمال والشرق والجنوب. في حين أرسل قادة الجيش رسائل إلى كافة الولايات ضمنوها تهانيهم وتحياتهم لكل المواطنين الهندوس والمسلمين، ودعوا الجميع إلى دعم العسكر لاجتثاث جذور الظلم الإنكليزي وتحرير مئات الملايين من أبناء الهند من العبودية.
حينذاك كان للإنكليز عدة مقرات ومراكز للجيش في أرجاء الهند. وفور سماع أخبار الثورة بادروا إلى ارتكاب مذابح وحشية ضد السكان القريبين من مقراتهم. يقول مؤرخ فرنسي إن الإنكليز ابتكروا آنذاك أساليب تعذيب لم تكن معروفة حتى ذلك الحين. كانوا يعدمون كل يوم عدة مئات من أبناء البلد، على أعواد المشانق، أو أمام فوهات المدافع. كما قاموا بتصفية بعض أفواج الجيش الهنود رمياً بالرصاص. ومنها الفوج 24 و26.
من جانب آخر، كانت أعداد القوات الوطنية تتزايد كل يوم. كما قام الجنود المتمركزون في معسكر قرب دلهي بقتل رؤسائهم والتحقوا بالثوار، بكامل أسلحتهم وعتادهم، وبذلك وصل عدد أفواج الثوار في سنة 1856م إلى ثلاثة عشر فوجاً نظامياً، يقابلهم نفس العدد من القوات غير النظامية.
عندما انطلقت الثورة في ميروت ـ كما تقدم ـ تجمع الإنكليز الذين كانوا متفرقين في مناطق البنجاب، فألفوا جيشاً من أربعة آلاف شخص ـ وتوجهوا إلى دلهي، حيث تمركزوا بالقرب منها. وبعد ثلاثة شهور استولوا على بعض المرتفعات المشرفة على دلهي وظلوا على هذه الحالة مدة ثلاثة أشهر أخرى لم تشهد فيها المنطقة أمراً يذكر وفي 14 محرم 1857م كانت القوات الإنكليزية المحاصرة لمدينة دلهي قد بلغت أربعين مدفعاً وعدداً كافياً من (طواقمها) الإنكليز ومقادير كبيرة من الذخيرة ـ وفوجاً من المشاة السيخ وكتيبة من البلوش. وبعد وصول قوات الإمداد من كشمير ـ وصل عدد قوات معسكر الإنكليز إلى 12 ـ 13 ألف شخص وصباح اليوم التالي، بدأت الحرب. وبدأ خمسون مدفعاً بقصف المدينة واستمر القصف ثلاثة أيام كانت فيها القذائف تنهمر على المدينة كالمطر، فيما كانت القوات الوطنية تستبسل في الدفاع.
ثم حدثت أربع ثغرات إلى داخل المدينة وفي صباح اليوم التالي أعطى الجنرال ويلسون أمر الهجوم، فكانت النتيجة مقتل حوالى 1500 جندي و40 ضابطاً في الجانب الإنكليزي.
وبعد يومين صعّد الثوار دفاعهم باستبسال لكنهم أدركوا تعذر استمرار المقاومة فأخلوا المدينة إلا أنّ المناوشات والاشتباكات استمرت داخل الأزقة وعندما تركوا المدينة، كانت الشوارع والأزقة مليئة بجثث الثوار والمهاجمين.
ويكتب أحد الأوروبيين الذين شهدوا إخلاء المدينة: «قام الإنكليز بقتل كافة السكان الذين ظلوا في المدينة. ولم يُعرف عدد الضحايا. كل الضحايا كانوا من السكان المسالمين الذين تصوروا أن أحداً لن يتعرض لهم. إلا أن الإنكليز كانوا متعطشين إلى الدماء، فقتلوا كل من وجدوه، لقد وصل الأمر إلى أن مدينة دلهي، التي كانت عاصمة كل الولايات الهندية ويقطنها 150 ألف شخص،أضحت خالية وهي اقرب ما تكون إلى شكل المقبرة.
بعد خروجهم من دلهي اتجه الثوار إلى ولاية (أود) للوصول إلى لكنهو وكواليار والالتحاق بجنود الثورة هناك، إلا أن الإنكليز حالوا دون وصولهم، إذ بعثوا عدة مجموعات من العسكر لتعقب الثوار. فبعد أن اعتقل الإنكليز الحاكم (الملك) وأعضاء عائلته المؤلفة من الملكة وخمسة أمراء، قرروا متابعة الثوار المنسحبين والقضاء عليهم ولقد قام أحد الضباط الإنكليز بقتل ثلاثة من أبناء الملك بيده بينما أعدم الاثنان الآخران بحكم من المحكمة العسكرية. أما الملك فلم يقتل بسبب كبر سنه (92 عاماً) بل سجن في قلعة (رنـﮔون). وفي ذلك الحين تم نقل العرش الزجاجي المشهور لشاه جهان من دلهي إلى لندن.
ومن الأفواج التي كانت قد التحقت بقوات الثورة، الفوج التاسع للمشاة في البنغال وقوات فيروزبور (البنجاب) ونصير آباد ولكهنو.
أحداث لكهنو
اضطرابات لكهنو كانت من الأحداث المهمة والتاريخية لثورة العسكر. ذلك أن لكهنو كانت عاصمة ولاية (أود) التي ألحقها الإنكليز (الشركة) بمناطق نفوذهم. وعندما وقعت أحداث ميروت كان 53 ألف عسكري يتمركزون في معسكر في لكهنو بينهم حوالى ألف من الضباط والمراتب الإنكليز فقرر الجنود التمرد وقاموا بفتح النار على كل ضابط إنكليزي يجدونه. فالتجأ القائد العام لقوات لكهنو ـ الجنرال هنري لورنس ومعه جميع الضباط والمراتب والمسؤولين الإنكليز، وعدد من العسكر المحليين الذين خانوا أبناء وطنهم، إلى دار الحكومة هرباً من الثوار. لكن ذلك لم ينجهم من غضب الثوار الذين شددوا هجماتهم على دار الحكومة فقتل لورنس وأصبح اللائذون بالدار في مأزق حرج. لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ وصلت قوات الإمداد بقيادة الجنرال هولك (Havelock) والسير جيمس أوترام)[19]( وبعد معارك دامية وسقوط ضحايا كبيرة، وصلت قوات الإمداد إلى المحاصرين، لكنها لم تعجز عن إنقاذهم فحسب، بل وقعت هي أيضاً في حصار الثوار. واستمر الحصار مفروضاً على دار الحكومة إلى أن وصلت قوات إمداد جديدة بقيادة «كلون كامبل» فاستطاعت فك الحصار عن دار الحكومة الذي استمر ستة أشهر.
لكن الإنكليز عجزوا أيضاً عن الإقامة في لكهنو فاضطروا أمام الهجمات العنيفة للثوار، إلى الانسحاب من المدينة لكن عاودوا الهجوم عليها بعدما استجمعوا قواهم ثانية، فقاموا بمحاصرة لكهنو ستة أشهر، أبلى فيها الجنود الثائرون بلاء حسناً في الدفاع والصمود. لكن المدينة سقطت في النهاية بيد الإنكليز.
اضطرابات بنارس
سرت نار الثورة إلى العديد من مدن الهند، ومنها مدينة بنارس فقرر الإنكليز تجريد جنود الفوج 37 المتمركز في بنارس من أسلحتهم خوفاً من وصول عدوى التمرد العسكري إليه. إذ لجأوا إلى الحيلة عندما وعدوا الجنود بأن يكونوا أحراراً آمنين بعد أن يسلموا أسلحتهم، لكنهم ما إن فعلوا ذلك وأصبحوا عزلاً من السلاح، حتى بدأ الإنكليز بفتح النار عليهم. مما دفع أحد القادة العسكريين السيخ الذي شهد ما جرى إلى شن هجوم مباغت على الإنكليز مستعيناً بمجموعة من أفراد القوات غير النظامية، فأهلك عدداً منهم. وقد عرفت هذه الواقعة باسم «الفخ الدامي للإنكليز» وهي التي أدت إلى اندلاع الاضطرابات في بنارس والفوج السادس في «الله آباد» وقوات كانبور في جنوب غربي لكهنو.
اضطرابات كانبور
اتسمت اضطرابات كانبور بالعنف والشدة. واسم هذه المدينة يذكّر الإنكليز بأحداث دامية لا تنسى ويرسم أمامهم صورة القائد المشهور «نه نه صاحب» الذي أذاقهم الويل. والاسم الحقيقي لهذا القائد هو «دنوﭜانت» وهو من أمراء «مهرات» وابن آخر زعمائهم الذي انقرضت حكومته قبل ذلك التاريخ بأربعين عاماً (1817م) وكانوا من التابعين للشركة. بعد موت والده امتنعت الشركة عن دفع الرواتب والمنح المتوجبة عليها لوريثه «نه نه صاحب». هذا التنصل والغدر، أثار ألماً عميقاً في نفس المذكور الذي رأى أن كل حقوقه قد اغتصبت. لكنه لم يتظاهر بشيء وظل يكتم غضبه.
وعند اندلاع الثورة في أرجاء الهند، كان نه نه صاحب، منزوياً في قصره وبدا أنه لا يتدخل في مجريات الأحداث لكنه شوهد في صفوف الثوار أول مرة عندما كان الثوار ينوون التحرك باتجاه دلهي. لقد عارض خطوتهم قائلاً: «ما جدوى الاتجاه إلى دلهي؟ ما الذي ستفعلونه هناك؟ فمن غير المعقول أن يترك الإنسان، عدوه وراءه ويتقدم هو إلى الأمام دون وعي. العدو ما زال في كانبور وعليكم العودة إلى هناك والقضاء على الثعابين الإنكليزية التي تريد ابتلاع الأخوة في دلهي».هذا النداء دفع بالثوار إلى ترك التوجه إلى دلهي والعودة إلى كانبور بعد أن انتخبوا «نه نه صاحب» قائداً لهم. وفي كانبور، كان الإنكليز بقيادة الجنرال هويلز قد التجأوا إلى المستشفى الحكومي الذي حصنوه ولاذوا به. فشن «نه نه صاحب» عدة هجمات على المستشفى حتى استسلم الجنرال هويلر، وجعل «نه نه صاحب» من كانبور مركزاً لعملياته العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، التحقت بالثورة مناطق أخرى مثل «اﮔره» وهي مقر حكومة ولاية البنغال، وﭜتنة (مقر حاكم ولاية بهار) وقوات ﮔوالبار (شرق كانبور) التي كان قوامها 8 ـ 10 آلاف مقاتل مهراتي (مراتي).
اندلعت قرب كانبور معركة عنيفة بين قوات «نه نه صاحب» والقوات الإنكليزية بقيادة الجنرال هولوك)[20](. أبدى فيها الأول استبسالاً لكنه اضطرأخيراً ـ ومقابل حجم العتاد الكبير للإنكليز. إلى إخلاء المدينة، فدخلها الإنكليز بصدور مليئة بالحقد والرغبة في الانتقام. فارتكبوا ما لا يمكن وصفه من الجرائم. فعندما دخل الجنود الإسكتلنديون (وغالبيتهم من سكان الجبال المعروفين بالعنف والقسوة) إلى كانبور. تقاسموا شعر جثة ابنه الجنرال هويلر. وأقسموا أن يقتلوا هندياً مقابل كل شعرة، واستغرقوا في الانتقام والوفاء بوعدهم، لدرجة أن الحكومة الإنكليزية في كلكتا اضطرت إلى التدخل ونزع أسلحة هؤلاء الجنود.
نهاية الثورة
عاد الإنكليز يحكمون سيطرتهم ـ تدريجياً ـ على جميع مناطق الهند بعد أن أطفأوا شعلة الثورة بمنتهى القسوة والوحشية التي لا يمكن أن تمحى من صفحات التاريخ وكانت حصيلة كل تلك التضحيات أن أعلن البرلمان الإنكليزي إلغاء شركة الهند الشرقية ووجهت ملكة الهند فيكتوريا رسالة إلى الشعب الهندي أعلنت فيها نقل حكم الهند من الشركة إلى البلاط الإنكليزي، ومنحت الملكة نفسها لقب أمبراطورة كل الولايات الهندية.
وفي تلك الرسالة، أعلنت الملكة عفواً عاماً عن كل «المذنبين والمقصّرين» إلا أن نه نه صاحب واثنين من الزعماء الوطنيين وهما «بني مدهو» و«طنطيا» واصلا هجماتهما حتى أواسط عام 1858م، حينما اعتقل طنطيا وأعدم شنقاً بينما فرّ نه نه صاحب وبنى مدهو وبذلك انتهى كل شيء.
الهند بعد الثورة
بعد فشل ثورة الهند، دخلت هذه البلاد مرحلة التدهور المستمر، فالفقر يتفاقم ـ والأموات يزداد عددهم كل عام بحسب الإحصائيات الرسمية بينما العالم كله يشهد تناقص نسبة الوفيات بسبب التقدم الصحي العلمي.
كان من الآثار المباشرة الأخرى للاحتلال الإنكليزي للهند، وقوعها في سلسلة من أزمات الجوع والغلاء التي أضحت من الأمراض المزمنة لتلك البلاد.
يقول ويليام ويـﮔباي في كتابه «الهند الإنكليزية المرفهة» إن خسائر العالم البشرية خلال جميع الحروب التي حدثت خلال مائة وعشرة أعوام (1793 ـ 1900م) لم يتجاوز الخمسة ملايين بينما بلغ عدد ضحايا الجفاف والجوع في الهند في هذه الفترة حوالى 19 مليون شخص.
من جانب آخر فقد ذكر المراقبون الإنكليز أنفسهم في أوائل القرن الحادي عشر الهجري أن كل المناطق التي تخضع للسيطرة الإنكليزية لم يكن لـ90 مليون من سكانها ما يكفيهم من الطعام لوجودهم كما أن الإنكليز يعترفون أن السبب الأسياسي لهذا الحجم من الضحايا ليس قلة الغداء، بل افتقاد المال اللازم لشرائه بدليل أنه في اشد مراحل الأزمات كانت الحنطة متوفرة، وعندما أصاب الجوع كجرات عام 1900م، أكدت التقارير الرسمية الإنكليزية آنذاك أن مخازن المحتكرين الإنكليز كانت مليئة بالحنطة الكافية لعدة سنوات، إلا أن أحداً لم يكن يقدر على شرائها.
ومن الخطأ التصور أن فقر الشعب الهندي عائد إلى فقر هذه البلاد، بل إن أراضيها الخصبة الواسعة معروفة في كل العالم، والثروات الطبيعية لهذه البلاد يضرب بها المثل، بل إن السبب الحقيقي هو ظلم الإنكليز وسياستهم التي حالت دون أن يستثمر الهنود خيرات بلدهم. ومن المفيد هنا الاطلاع على نمط السلوك الحضاري للإنكليز من لسان أحدهم.
يقول «هاردي» وهو أحد رموز حزب العمال الإنكليزي في كتابه «ملاحظات وآراء حول الهند»:
«بعمل حسابي بسيط ترى أن رؤوس الأموال الإنكليزية التي استثمرت في إنشاء الطرق البرية والسكك الحديد في الهند، بلغت حوالى 500 مليون جنيه استرليني، وأرباح هذه الأموال يدفعها الشعب الهندي كل عام بمعدل خمسة بالمائة وهو ما يعادل 25 مليون جنيه. من جانب آخر فإن رواتب المسؤولين والعسكريين الإنكليز التي يأخذونها من أموال الهند لا تقل عن خمسة ملايين جنيه. من هنا فإنه وإلى جانب الأموال الطائلة التي تعود على إنكلترا من تجارة الهند، فإن عائدات الحالتين السالفتي الذكر تبلغ 30 مليون جنيه من أموال الهند يبتلعها الحوت الإنكليزي. من جانب آخر فإن الضرائب المباشرة التي يأخذها الإنكليز من الفلاحين تبلغ 50 بالمائة من محاصيل الهند الزراعية تذهب إلى الإنكليز على شكل ضرائب. وهذا ما يثير دهشة العديد منا لأننا نرى أن ضريبة العائدات التي تستوفى في إنكلترا بمعدل 5 بالمائة على صافي الأرباح، تثير الكثير من الاحتجاج والسخط، رغم أنها لا تتجاوز الخمسة بالمائة، ـ كما قلنا ـ بينما في الهند، تستوفى ضرائب بنسبة 75 بالمائة على الإنتاج الإجمالي وليس الربح الصافي ما أدى إلى كل هذا الفقر للشعب الهندي الذي يعيش دون أي أمل بالحرية، بل يقترب من الهلاك كل يوم. كل ذلك بسبب هذه «الضرائب الباهظة».
وليت الإنكليز كانوا يفكرون، مقابل كل هذه المنافع التي يحصلون عليها من الهند مدة ثلثمائة عام في تعليم أبناء هذا البلد ليبلغوا ولو بعض درجات الرقي والتقدم الذي يعم المناطق الأخرى من العالم. لكن البلد الذي كانوا يحصلون من ملحه وحده على ضريبة قدرها أكثر من 3 ملايين جنيه استرليني، لم تكن ميزانية التعليم فيه أكثر من 500 ألف جنيه يذهب جانب كبير منها إلى جيوب الإنكليز أنفسهم. أما عملية التعليم فقد قامت ـ عن عمد ـ على أسس هشة لدرجة أن اللورد كروزن المعروف والذي كان رئيساً لحكومة الهند منذ 1899 ـ 1904م يقول: «نحن الإنكليز في الهند استخدمنا معلمين قاصرين ونظاماً تعليمياً قاصراً لتعليم رعايا قاصرين، وكانت نتيجة هذا التعليم قاصرة تماماً، وأقول بكل جرأة ودون أن يخالفني أحد الرأي. إننا مارسنا تقصيراً كبيراً في أمر التعليم في الهند».
وبعكس ما كانت ميزانية التعليم قليلة، كانت ميزانية الجيش كبيرة ومرهقة، إذ تبلغ سنوياً ما يعادل 20 مليون جنيه بينما لم يكن الشعب الهندي يجني أية فائدة من هذا الجيش بل على العكس، كان يتحمل بسببه خسائر ومضار كثيرة.
المسلمون في الهند اليوم
حظرت الحكومة الهندية، نتيجة هدم المسجد البابري والاضطرابات الطائفية التي ثارت في أنحاء البلاد كرد فعل عليه، خمس منظمات هندية، ثلاث منها هندوسية متطرفة هي راشتريا سيواك سانغ (منظمة الخدمة الهندوسية العالمية) وباجرانغ دال (جيش باجرانغ). والأخيرة منظمة شبه عسكرية. وشمل الحظر كذلك منظمتين إسلاميتين هما الجماعة الإسلامية (أكبر منظمة إسلامية في الهند) ومنظمة الخدمة الإسلامية (سلاميك سيواك سانغ). ولم تقم الحكومة بحظر المنظمتين الإسلاميتين إلا لإقامة «توازن» طائفي في قرارها بينما الحقيقة هي أن الجماعة الإسلامية لا علاقة لها بنشر الطائفية ولم يعرف عنها يوماً ما اللجوء إلى العنف. أما منظمة الخدمة الإسلامية فهي منظمة متطرفة ووجودها محدود في بعض مناطق ولاية كيرالا في جنوب الهند، ونشأت رداً على الأنشطة الاستفزازية لمنظمة «راشتريا سيواك سانغ». وعندما أعلنت منظمة «الخدمة الإسلامية» حل نفسها سرعان ما أعلن حظر نشاط راشتريا سيواك سانغ.
والمنظمات الهندوسية الثلاث المحظورة ذات إمكانات ضخمة وقاعدة عريضة لا تقاس بأي حال بإمكانات المنظمات الإسلامية وقواعدها. كما أن منظمات هندوسية أخرى كثيرة متفرعة عن المنظمات المحظورة أو متحالفة معها لم يشملها الحظر، وبالتالي لن تتأثر الحركة الهندوسية الرجعية كثيراً. وكما حدث من قبل بالنسبة لمنظمة «الخدمة الهندوسية» فلم يستمر الحظر عليها إلا عاماً واحداً (سنة 1948م) وعامين (1975 ـ 1976م).
المسلمون يحتفلون بعيد الأضحى
وتقوم هذه المنظمات الهندوسية على أساس أفكار سلبية من الألف إلى الياء. وعدوها رقم واحد هو الإسلام والمسلمون وهي تؤيد كل شيء يعادي المسلمين، ابتداء من إسرائيل والصهيونية إلى الصرب في البوسنة. وهي تقيم ابتهالات دينية مستمرة يسمونها «يافنا» ـ لحمل آلهتهم على الفتك بالمسلمين.
وشعار الحرب الذي تطلقه هذه الجماعات المنادية بالصحوة الهندوسية هو «الهندوسية في خطر»! لقد جعلوا الغالبية الهندوسية تشعر بأنها أقلية في بلادها. وهم يقولون للجماهير الهندوسية إن ديانتها وثقافتها ـ بل وحتى مجرد وجودها ـ في خطر. والهدف الرئيسي لهذه الحملة الحاقدة هو الأقلية المسلمة التي يبلغ تعدادها نحو 100 مليون في مقابل أكثر من 600 مليون هندوسي. وهم يوهمون الجماهير الهندوسية بأن عدد مسلمي الهند سيفوق عدد الهندوس عما قريب بسبب تعدد الزوجات في الإسلام (ولذلك لا بد من تحريم العمل بالإسلام حتى في إطار الأحوال الشخصية). وأدت حملة الحقد والكراهية هذه إلى ما يسمى بالموجة الهندوسية الارتجاعية. وهي مصطلح ظهر للمرة الأولى خلال الانتخابات النيابية في أواخر سنة 1984م حين سعى حزب المؤتمر (جناح انديرا) الحاكم إلى كسب الأصوات الهندوسية واستمالتها بصورة مكشوفة. وأعلن أنه لا قيمة لأصوات المسلمين التي ظلت حتى ذلك الوقت العامل الفعال لترجيح كفة أي حزب أو مرشح في مناطق كثيرة. وفي الانتخابات النيابية العامة التالية تشرين الثاني (نوفمبر) 1989م دفعت هذه الموجة الهندوسية نفسها حزب المؤتمر إلى مقاعد المعارضة في البرلمان وأوصلت «الجبهة القومية» المعارضة إلى مقاعد السلطة. وبعد هذا أفاق حزب المؤتمر وبدأ يرفع عقيرته ضد مخاطر «الطائفية» المتفشية في البلاد. لكنه لم يكف يوماً عن سياسات ترضية المشاعر الهندوسية رغم ادعاءات العلمانية.
وإن كانت الحركة الهندوسية المتطرفة قد ظهرت منذ قرن تقريباً، إلا أن النشاط الهندوسي الحالي يعود إلى اعتناق مئات من المنبوذين (الهاريجان) للإسلام في قرية ميناكشي بورام في جنوب الهند سنة 1981م، ذلك الحدث الذي أدى إلى صدور صرخات حامية بأن الإسلام يغزو الهند من جديد مستغلاً دولارات النفط العربية. وقابل زعماء الهندوس رئيسة الوزراء آنذاك أنديرا غاندي يطالبونها بفرض حظر حكومي على تغيير الهندوس ديانتهم. واتفقت أنديرا غاندي مع مطلبهم وأشارت عليهم بأن يخلقوا جواً شعبياً يسهل مهمة الحكومة. والموجة الجنونية التي انطلقت هكذا بموافقة حكومية مفهومة قد غيرت خريطة الهند السياسية والطائفية. وقد اكتسبت الفلسفة الطائفية الهندوسية الشرعية والقبول بفعل نتائج الانتخابات النيابية منذئذ، تلك الشرعية التي ظلت تفتقدها منذ الاستقلال حتى تبنت البلاد العلمانية كسياسة رسمية، نظراً لوجود أديان وعروق ولغات مختلفة ومتباينة في أرجاء البلاد. و«الإحياء» الهندوسي حلم قديم في الهند رغم أنه ليس هناك من ماض ذهبي هندوسي يمكن إحياؤه. وكان أوائل الزعماء الهندوس في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثل بلاكيم تشاندرا تشاترجي، ودايانند سرسواتي، وفيفييكانندا، وتيلاك يرون أن معاداة الاستعمار مرادفة للهندوسية الناهضة، وكانت الحركة القومية قبل ظهور غاندي على مسرح السياسة تتميز بمحتوى هندوسي ملحوظ مثل حركة «شودهي» (التطهير) أي حمل المسلمين على العودة إلى الهندوسية، والمطالبة بحظر ذبح البقر وإحياء احتفال غاناباتي الوثني الهندوسي وجاء زعيم حزب المؤتمر غاندي ليستخدم الرمزية الدينية الهندوسية في كفاحه السياسي. والتاريخ الرسمي في الهند، وكذلك الاعتقاد العام يؤمنان بأن المسلمين هم وحدهم مسؤولون عن تقسيم البلاد سنة 1947م، بينما الحقيقة هي أن المطالبة بإنشاء الدولة الهندوسية (هندوراشترا) ونظرية العرق الآرية كانتا معروفتين قبل عقود كثيرة من اتخاذ «الرابطة الإسلامية» قرارها بالمطالبة بإنشاء باكستان في 23 آذار (مارس) 1940م.
والحركة الهندوسية القائمة على فكرة «هيندوتوا» (الهندوية) كانت تنادي بها العصبة الهندوسية (هندو سانغتان) في مطلع القرن.

من آثار مملكة أود: رومي دروازه إمام باره (لكنو)
واستمرت هذه الفكرة بأشكال وصور مختلفة، فنادى بها حزب «المؤتمر القومي» قبل 1947م، ومنظمات هندو مهاسبها، وراشتريا سيواك سانغ، وحزب جان سانغ، وبرات هيندو ساميلان، وهندو سماج وتساو، وحزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا)، وويشوا هيندو باريشاد، وباجرانغ دال، وقوات الشبيبة المتطوعة، وشيوسينا، وهيندو شيو سينا، وهيندو سوراكشا ساميتي، وهيندو شيو شكتي دال، وراشتريا هيندو سانغتان، إلخ إلخ.
ويلاحظ أن كبار رجال الصناعة والتجارة في الهند مثل دالميا وبيرلا وسينغانيا وأمباني ومودي يتصدرون كمؤيدين وحملة مناصب في هذه المنظمات الطائفية.
ومنظمة الخدمة القومية (راشتريا سيواك سانغ) التي أسسها سنة 1929م الطبيب ك.ب. هيد غيوار مع حفنة من البراهمة من منطقة مهاراشترا في غرب الهند هي أكبر المنظمات الهندوسية اليوم. وكل المنظمات الهندوسية المتطرفة الأخرى إما قد تفرعت عن هذه المنظمة أو هي واجهات لها أو هي ترتبط بها ارتباطاً قوياً. ولهذه المنظمة 35 ألف فرع ونحو ثلاثة ملايين ونصف مليون عضو عامل ونشيط في مختلف أنحاء الهند الآن. وتؤمن راشتريا سيواك سانغ بأن الأمة الهندوسية «إله حي». وهذه المنظمة محاولة لتقليد الأمة الإسلامية. وخلاصة الفكرة هي تجميع أشتات الهندوس كأمة واحدة. وتحاول المنظمة بتأكيدها على التدريب الجسماني اليومي الشبه العسكري غرس فلسفة «ألادفيتا» الهندوسية. وأن تحقق الحلم الذي رآه فيغيكاناندا بأن يكون الهندوس «جسداً إسلامياً وقلباً فيدانتياً». وكانت راشتريا سيواك سانغ في سنواتها الأولى متمسكة تمسكاً جنونياً باللغة الهندية (التي هي لغة شمال الهند) الأمر الذي حد من نفوذها وحال دون انتشارها خارج مناطق شمال الهند. وفي السنوات الأخيرة خففت المنظمة من غلواء هذه السياسة، فتمكنت من التوغل إلى ولايات لا تتحدث بالهندية مثل كيرالا وكرناتكا واندهرا براديش وتأميل نادو في جنوب الهند. وتنشط هذه المنظمة من خلال واجهات متعددة يهيمن عليها الهندوس من الطبقات العليا، وهي قد اهتدت في السنوات الأخيرة إلى قضايا شعبية عاطفية لإثارة الهندوس. ولاحظت المنظمة في تقريرها السنوي لسنة 1990م أنه «قد تم إحراز تقدم ملحوظ نحو إنشاء الدولة الهندوسية» (صحيفة ستيتسمان، دهلي، 3 نيسان/ إبريل 1990م).
وكانت أول واجهة سياسية لرشتريا سيواك سانغ هي حزب الجان سانغ الذي أنشئ سنة 1951م برئاسة شياما براساد موكرجي في أعقاب الحظر على المنظمة والضربة التي تلقتها سنة 1948م حين قام واحد من أبرز أعضائها ناتو رام غودسيه باغتيال غاندي مما أدى إلى فرض الحظر عليها لمدة سنة. ورفع هذا الحزب شعار «هندي، هيندو، هيندوستان» (أي إن لغتنا هي الهندية ونحن شعب هندوسي وبلادنا بلاد الهنودس). ولم يحرز هذا الحزب نجاحاً يذكر في الانتخابات النيابية المتعاقبة. وتداعى الحزب وانهارت قياداته خلال حكم الطوارئ سنة 1975 ـ 1977م. وبعد رفع حكم الطوارئ قرر الحزب الانضمام إلى حزب الشعب (حاناتا) لكنه اضطر إلى ترك حزب الشعب سنة 1980م حين ثارت قضية ازدواجية الولاء حين رفض أعضاء جناح الجان سانغ نبذ عضويتهم بمنظمة راشتريا سيواك سانغ.
وهنا ظهر حزب «الجان سانغ» باسم جديد هو حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا) وبدأ ينادي بالاشتراكية الغاندية بدلاً من خطه القديم المنادي بالاقتصاد على النمط الأميركي. ورغم أنه كان مولوداً من مواليد راشتريا سيواك سانغ إلا أن علاقات الحزب الجديد بالمنظمة الأم اتسمت بالبرود والفتور خلال سنوات 1980 ـ 1988م، لأن المنظمة الأم رات أن المولود الجديد ليس متحمساً بما يكفي للمصالح والقضايا الهندوسية، وفضلت راشتريا سيواك سانغ تأييد حزب المؤتمر في انتخابات 1984م حين مني حزب الشعب الهندي بفشل ذريع فلم يفز إلا بمقعدين في البرلمان الهندي.
ويؤمن حزب الشعب الهندي بالعلمانية «الإيجابية» و«الفلسفية الإنسانية المتكاملة»، وهو يندد بسياسة الحكومات الهندية المتعاقبة تجاه المسلمين والمسيحيين واصفاً إياها بسياسة إرضاء الأقليات. وهو ينادي بسن قانون عام للأحوال الشخصية يطبق على الكل بمن فيهم المسلمون الذين لا يزالون يتمتعون بالقوانين الإسلامية في ما يتعلق بالأحوال الشخصية. ويرى هذا الحزب أن «الهندوية» مرادفة للقومية وأن كل شيء خارج هذا الإطار الهندوسي يعتبر أجنبياً. وقد لقيت سياسات الحزب قبولاً ملحوظاً خلال انتخابات 1989م ففاز بثمانين مقعداً في البرلمان. وفي الانتخابات المحلية التالية التي جرت في الولايات الهندية في آذار 1990م أحرز الحزب الأكثرية في ثلاث ولايات هي مادهيا براديش، وهيماتشال براديش، وراجستهان فتمكن من تأليف حكومات بهذه الولايات. أما في انتخابات 1991م (التي جرت بسبب سقوط حزب الجبهة القومية حين سحب بهارتيا جاناتا تأييده منه في أعقاب إحباط محاولة المتعصبين لبناء المعبد على أنقاض المسجد البابري في تشرين الأول / أكتوبر 1990م). فقد ارتفع عدد نواب بهارتيا جاناتا إلى 125 عضواً وبالتالي أصبح حزب المعارضة الرئيسي ورئيس الحزب في البرلمان هو زعيم المعارضة الآن وفاز الحزب كذلك في ولاية أوتار براديش ـ أهم ولاية هندية ـ التي تقع بها أيوديا، الأمر الذي سهل هدفها كثيراً في إنشاء معبد راما على أنقاض المسجد البابري.
أما منظمة ويشوا هندو باريشاد VHP التي ظهرت إلى الوجود سنة 1964م، فهي جناح التعبئة الجماهيرية لمنظمة راشتريا سيواك سانغ. وبرزت هذه المنظمة سنة 1982م في أعقاب اعتناق المنبوذين للإسلام في قرية ميناكشي بورم في جنوب الهند. فشنّت حملة لإعادة المسلمين إلى حظيرة الهندوسية، وتوجت جهودها بـ«تطهير» آلاف من المسلمين في مدينة أجمير. وأيد حزب المؤتمر الحاكم سراً جهود ويشا هيندو باريشاد، رغبة منه في الحصول على مكتسبات سياسية. وخرقت رئيسة الوزراء آنذاك أنديرا غاندي العرف السائد حين توجهت إلى مدينة الهندوس المقدسة هاريدوار لافتتاح معبد «الهند الأم» الذي أقامته ويشوا هينود باريشادن وذلك في 15 أيار (مايو) سنة 1983م. ويوشوا هيندو باريشاد هي التي تقود الحملة لتحويل المسجد البابري في مدينة أيوديا إلى معبد (الإله الهندوسي) راما. وقد تواطأت السلطات حين فتحت هذا المسجد للعبادة الهندوسية سنة 1986م ثم سمحت لويشوا هندو باريشاد بوضع حجر الأساس للمعبد المقترح في قطعة أرض مجاورة للمسجد تتبع مقبرة إسلامية قديمة، في تشرين الثاني 1989م. وجرى كل هذا بمباركة رئيس الوزراء آنذاك راجيف غاندي. والآن تمكنت عناصر هذه المنظمة من تدمير المسجد نتيجة تقاعس رئيس الوزراء ناراسيمها راو عن القيام بمسؤولياته الدستورية.
وكان من أهم مكتسبات الحركة الإحيائية الهندوسية إنشاء البرلمان الديني (دهاوما سانساد) سنة 1985م في مدينة يوديبي بولاية كرناتكا لإرشاد خطوات ويشوا هيندو باريشاد. ويتكون هذا البرلمان من نحو 900 مندوب يمثلون كل طائفة وفرقة هندوسية بما فيها السيخ. إلى هذا هناك عدد من الميليشيات الهندوسية أو جماعات الدفاع الذاتي في ولايتي أوتار براديش والبنجاب. وهي تتكون عموماً من الشبان العاطلين وصغار التجار وأصحاب الدكاكين الصغيرة. ورمز هذه المجموعات المسلحة هي «تريشول» أو الرمح الثلاثي المنسوب إلى الإله الهندوسي شيوا. وتشارك هذه المجموعات الغاضبة مشاركة فعالة في الاضطرابات الطائفية التي تقع في كل مكان تنشط فيه ويشوا هيندو باريشاد فيقتلون الآلاف من المسلمين ويدمرون ممتلكاتهم، وهو أمر معتاد في شمال الهند في السنوات الأخيرة. ومن الشعارات المفضلة لدى ويشوا هيندو باريشاد الشعار الآتي: «مسلمانون كادوهي استهان: باكستان يا قبرستان» (للمسلم مكانان اثنان فقط: باكستان أو المقابر). وهذا الشعار جريمة واضحة تحت البند 153 من قانون العقوبات الهندي، ولكن لم يعرف بعد أن السلطات اتخذت أي إجراء ضد رافعي هذا الشعار في أي مكان.
والحقيقة المعروفة هي أن غالبية الهندوس أميون يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من وطأة تقاليد وطقوس قديمة لا معنى لها. والمنظمات الهندوسية لا تحارب من أجل قضايا حقيقية مثل الفقر والمنبوذية والأمية ودخول المجرمين إلى عالم السياسة والجرائم المتفشية والفساد المستشري بل هي تفضل إثارة قضايا عاطفية وأخطاراً وهمية تزعم أنها تواجهها من أقلية مضطهدة وخائفة. والرسالة التي تنشرها هذه المنظمات بين الجماهير الهندوسية الأمية هي أن الحكومات المتعاقبة جرت على سياسة إرضاء المسلمين و(السيخ أيضاً الآن) ودللتهم، بينما الغالبية الهندوسية ممنوعة من فرض الأساس الوحيد لتوحيد البلاد المتمثل في القومية الهندوسية. وهم يتهمون أن تعداد المسلمين يزداد بسرعة أكبر من الهندوس نتيجة تعدد الزوجات وعدم التزام المسلمين بتحديد النسل. ويتم ترديد هذه الأوهام رغم أن دراسات جادة قد أبطلتها وأظهرت أن الهندوس يمارسون تعدد الزوجات أكثر من المسلمين. وهم يحملون الهندوس ـ الذين يمثلون غالبية ستة مقابل واحد إزاء المسلمين ـ على الاعتقاد بأن مؤامرة اجتماعية وديموغرافية ستحولهم عما قريب إلى أقلية في بلادهم.
ولا يضيع الطائفيون الهندوس أية فرصة لجرح مشاعر المسلمين وإهانتهم فكانوا في طليعة الحملة بشأن قضية المطلقة «شاه بانو» لأجل النفقة مدى الحياة بعد الطلاق، مطالبين بحقوق للمطلقة المسلمة لا ترضاها الشريعة الإسلامية. وارتد غضب هؤلاء إلى الحكومة الهندية حين هي تنازلت أمام المطلب الإسلامي المتحد لتنفيذ قانون الأحوال الشخصية الإسلامية في هذا المجال فأصدرت الحكومة قانوناً خاصاً بشأن حقوق المطلقات المسلمات سنة 1986م. وأيد هؤلاء من دون حياء الروائي المرتد سلمان رشدي، وتجاسر أحدهم على التقدم إلى محكمة كلكوتا لتحريم تداول القرآن الكريم سنة 1986م، وبينما تنادي هذه المنظمات بحظر اعتناق الهندوس للإسلام والمسيحية تعمل بنشاط لإعادة المسلمين والمسيحيين إلى حظيرة الهندوسية. وكان حزب الشعب الهندي من أشد الأصوات المنادية في السنوات الأخيرة لشن الحرب على باكستان رغم أن مثل هذه الخطوة الحمقاء ستؤخر تنمية البلاد لعشر سنوات إلى الوراء. وكان رئيس حزب الشعب الهندي ل.ك. أدواني قد حدد سنة 1986م ثلاث تحديات تواجهها الهندوسية وهي: الإسلام والشيوعية والاستهلاكية الغربية.
وقد تكون الحركة الإحيائية الهندوسية مفيدة لبعض الأشخاص والمجموعات (التي جمعت ثروات طائلة تحت ستار التبرعات لبناء المعبد وقضايا مماثلة) إلا أنها عدوة البلاد من دون شك. فهي تشغل غالبية البلاد بقضايا سطحية وعاطفية فتمتص طاقاتهم وتنهب هدوءهم العقلي الذي لا بد منه للإبداع والعمل الإيجابي في الحياة. وهي في الوقت نفسه تضيق الخناق على الأقليات وتجبرها على اتخاذ مواقف متطرفة. وقد تكون نتيجة هذا كله لبننة الهند. وفي نهاية الأمر سيكون الخاسر هم الهندوس والبلد الذي يزعمون حبه.
ظفر الإسلام خان
بعد خمسين سنة من الاستقلال
في هذا الشهر آب 1997م الذي يجري فيه طبع هذا المجلد من (دائرة المعارف) يكون قد انقضى على استقلال الهند خمسون عاماً. وبهذه المناسبة كتب هشام الشيشكلي هذا البحث:
احتفلت الهند في ذكرى المرارة وأفسدت متعة الاحتفال بالاستقلال وصرخات رئيس وزرائها أندير كومار كوجرال، الداعية لتحرك الأمة كلها للقضاء على الفساد والرشوة. وفي المقدمة، يقبع السياسيون الذين وإن كانت احتمالات زج القادة منهم في السجن مستبعدة، ستبرز دعوة الإصلاح إذا قدر لها النجاح، الجانب المشرق من الهند الحديثة.
وضعت الهند أقدامها على عتبة العصر، بنجاح الإصلاح والانفتاح الاقتصادي الذي حقق في عقدين من الزمان أضعاف ما حققته البلاد منذ استقلالها في 15 من آب (أغسطس) سنة 1947م. وهو الاستقلال الدامي الذي قتل فيه قرابة مليون شخص ونزع حوالى 15 مليون شخص من منازلهم بعد استقلال باكستان وانقسام الهند. وحتى محمد علي جناح مؤسس باكستان ترك كل ما يخصه في بيته في بومباي آملاً العودة في زيارات منتظمة.
خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب منذ الاستقلال: حرب 1971 أدت إلى انفصال بنغلادش وحربين بسبب كشمير.
ولم تفلح الحروب والمجاعات ووفيات الأطفال العالية النسبة في تخفيض الزيادة السكانية. وفي الوقت الذي يرى فيه وبالاً في ميادين الصحة والتعليم وتحسين مستوى المعيشة، يرى الصناعيون والمستثمرون الأجانب في الكثافة السكانية (950 مليون نسمة)، والمتزايدة 18 مليوناً سنوياً، سوقاً استهلاكية شديدة الإغراء. ويقترن ارتفاع مستوى المعيشة في الهند مع طموحاتهم لسوق استهلاكية تتقدم على سوق الصين التي سيتساوى عدد سكانها مع الهند سنة 2035، ويجدون في نيودلهي ما لا يجدونه في بكين وشنغهاي، على رغم تحذيرات المتشائمين الذين يرون أن المقارنة المتفائلة غير دقيقة. فحلم الهند بأن تصبح قوة عظمى لا يتوافق مع شخصية دولة ضخمة فقيرة.
يحكم المراقب الخارجي على تطور الهند عبر نجاح أسواقها، لكن كيف يمكن أن تتغير الحياة في ولاية معزولة معدمة مثل بيهار، وينخرها إلى جانب الفقرن الفساد السياسي والإداري، والإجرام الذي يتحد فيه السياسيون مع المافيا. وكشفت التحقيقات أن 33 في المئة من نواب الولاية لهم سجلات إجرامية. وهي ظاهرة امتدت إلى الولاية الشمالية الكبرى أوتار برادش إذ كشفت التحقيقات أن 35 نائباً فيها لهم سجلات إجرامية من أصل 150 نائباً. وأحياناً يخرج نائب من مركز الشرطة بكفالة لحضور افتتاح مجلس النواب ثم يعود إلى السجن.
يرى المخططون السياسيون أن أصعب الإصلاحات هو الإصلاح السياسي. فقد كانت الحياة السياسية الهندية مقيدة دوماً بجذور ديموقراطيتها غير الناضجة. ووصل العديد من السياسيين إلى السلطة بشراء الأصوات وتقديم الخدمات واستغلال وضعهم للاغتناء وجني الثروات.
لكن نهضة الريف في السنوات الأخيرة ترافقت مع الإصلاحات الاقتصادية التي أيقظت أيضاً السياسة المحلية كما لم يحدث من قبل. وكانت النتيجة تشوشاً وفوضى في نيودلهي، حين توجب على القادة السياسيين التحرك للتوافق مع الائتلاف الحكومي المهتزّ. وظهر في الولايات والمدن قادة سياسيون مفعمون بالحيوية تبنوا سياسات تلبي متطلبات دوائرهم الانتخابية. وبدأ الفقراء الهنود يجدون الطريق لجعل صوتهم السياسي مسموعاً.
وبعد خمسين سنة من السياسة «الفكتورية»، وصلت البلاد إلى حال من التقاليد «المغولية» ذات الصلات المرنة في اتحاد الولايات المتحدة، مع ذلك ما كان بمقدور السياسيين تحقيق تقارب باتجاه الجماهير لولا الإصلاح الذي قضى على احتكار الدولة لكل شيء، والتنافس لاجتذاب الاستثمارات، إذ جذبت ولاية تأميل نادو مثلاً، مصنعاً لسيارات فورد، وجذبت ولاية أتار برادش مشروع الكهربائيات الذي فازت به شركة «داوو» الكورية العملاقة، وجذبت ولاية أندرا برادش مركزاً للتقنية العالية استقطبت شركات المعلومات التي حولت بنغالور في كارماتاكا إلى وادي «السيلكون» الهندي. وتتربع صناعة المعلومات في بنغالور التي بدأت قبل عشر سنوات ونيّف، كتاج متألق على رأس الهند الحديثة. وهي تزود البلاد بـ8,1 مليون كومبيوتر شخصي، وهذا يعادل ثلث ما يوجد في مدينة نيويورك. وتهدف شركات التقنية العالية، والشركات المحلية وحليفاتها ذات الأسماء الكبيرة مثل «آي بي إم» و«انتل» الاستفادة من نظام الحماية، متقدمة في السوق التي خفضت فيها الحكومة تعرفة استيراد برامج الكمبيوتر من 300 في المئة إلى صفر في المئة، وأجهزة الكمبيوتر من 200 في المئة إلى 20 في المئة ومع أن شركة بنغالور ليست مايكروسوفت، إلا أن مهندسي الكمبيوتر الهنود فازوا بمشاريع تجهيز مكاتب المصارف وشركات الطيران الغربية الرئيسية، وامتازوا خصوصاً بكتابة برامج الكمبيوتر حسب طلب تلك الشركات. وحين أوقف شركاؤهم الأميركيون تعاملهم، فازت مجموعة «أنفوتك» بشراكة مع «كاسيو» و«تانديم» و«أن سي آر». ومع أن بنغالور قلقة من منافسة شركات إيرلندية وغيرها من البلاد المتكلمة بالإنكليزية، ذات التكاليف المنخفضة، يتوقع مضاعفة صادراتها التقنية إلى 5,3 بليون دولار سنة 2000م، وتتابع نموها بمعدل 50 في المئة سنوياً. مع ذلك تبقى السوق المحلية المستهلك الأكبر. وغالبية المستثمرين من صناعة السيارات إلى إنتاج «السيريل» جاؤوا إلى الهند للوصول إلى طبقة المستهلكين المتوسعة. وبتقليص البيروقراطية الهندية، والاعتماد على النفس، تبدو الشركات المتعددة الجنسية أكثر ارتياحاً في السوق الهندية مما هي عليه في بكين وشنغهاي.
يحاول قادة الهند التشبه بنمو شرق آسيا، لكن المقارنة تدعو للكآبة. فقبل 20 سنة كانت النمور الآسيوية ما دون الهند وجيرانها، والآن تحقق معدلاً للدخل أعلى 27 مرة من الهند.
من كالكوتا التي يسيطر فيها الشيوعيون، إلى بومباي التي يسيطر فيها القوميون الهندوس هناك، القول المأثور: الاستثمارات الخارجية والتصدير. ولتحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي، استدانت الحكومة كثيراً سنة 1991م، ووصل احتياطها من العملات الأجنبية إلى بليون دولار. وبدأ المعتمدون الدوليون يطالبون بإصلاحات في الموازنة والمالية، وما حصلوا عليه لا يقل عن ثورة قادها رئيس الوزراء السابق نارا سيما راو ووزير ماليته ماهنوبان سنغ، وخلال سنتين من الإصلاحات العاجلة، قاما بشل البيروقراطية وتبسيط النظام الضريبي وتقليص القطاع العام ومنحت الحرية للاستثمارات الأجنبية وخفضت التعرفة الجمركية.
وكانت الهند خفضت التعرفات بانتظام بمعدل 30 في المئة مثل ماليزيا وسنغافورة والدول الأخرى المتطورة في شرق آسيا التي ستخفض بدورها تعرفتها الجمركية إلى 5 في المئة سنة 2000م.
وأثمر برنامج الحكومة بتشجيع الاستثمارات الخارجية، في تطوير عدة صناعات، مثل صناعة الأسلاك النحاسية الهاتفية. لكن مشاريع تعميم الاتصالات لم تتجاوز مناضد التخطيط، فهي ليست مثل المشروع الصيني الأكثر طموحاً لوصل مختلف المدن الرئيسية بشبكة اتصالات. وقاد سماح الحكومة لتلفزيون الأقمار الاصطناعية الأجنبية إلى إنشاء ما يزيد عن 20 مليون مركز لتلفزيون الكيبل خلال السنتين الماضيتين. وهذا كاف للسماح بالتأثير الأجنبي، ليس أقله توسع التسويق والإعلان وصولاً إلى أعماق الهند للمرة الأولى. وبات من السهل مشاهدة انتشار الهواتف النقالة والسيارات الغربية في شوارع بومباي.
تتغير العقلية الهندية بطريقة ثورية، فقبل فترة وجيزة، كانت الأمة مهتمة في الدرجة الأولى بإطعام نفسها، وهي الآن المنافسة التي يتسابق فيها الصناعيون للاستفادة من اليد العاملة الرخيصة، ويتزايد الفتيان فيها، في حين يتزايد المسنون في الدول المتطورة. ولعل قوة الهند في القرن المقبل هي قدرتها على توظيف مئات الملايين من العمال في صناعات تطلب كثافة في اليد العاملة من النسيج إلى الصناعات الغذائية.
إلى ذلك، بدأ الريف الواسع في بقاع الهند يستيقظ على نزعة التسوق فارتفع الاستهلاك بنسبة 74 في المئة، قد زاد دخل العمال الزراعيين 8 في المئة في السنة، وهذا أعلى من معدل النمو الوطني. بينما يشكل الإنتاج الزراعي 20 في المئة من الصادرات، وتزداد معدلاته سنوياً، وهذا يجعل مزارعي الرز الذين صدروا 5 ملايين طن السنة الماضية يزيدون إنتاجهم 20 في المئة سنوياً، ما يرفع قيمة التجارة الخارجية.
مع ذلك ما يزال ثلث السكان دون خط الفقر، ويعمل 20 مليون طفل في أوضاع تهدد حياتهم. وهناك 450 مليون أمي و350 مليون شخص يعاني الفاقة. ويرى المتفائلون أنه على رغم ما في الهند من أوضاع تعاسة وأسباب تدعو للاضطراب، حافظت البلاد على الديموقراطية منذ استقلالها، ولديها قاعدة اقتصادية قادرة على مجاراة الدول المتقدمة. فهي ثالث أكبر دولة في العالم حائزة على قوة عمل علمية وتقنية، وهي عضو في الأندية الخاصة النووية وصناعة الفضاء. ويقدر معدل نموها الاقتصادي 7 في المئة، وأخذ يقترب من معدل الصين البالغ 9 في المئة ويعد نمو الاستثمارات الخارجية مؤشراً على التطور الاقتصادي. ففي حين كانت الاستثمارات الخارجية دون 500 مليون دولار سنة 1993م، أصبحت حوالى 600 مليون دولار سنة 1994م، وتجاوزت 1500 مليون دولار سنة 1995م. كذلك يشكل تصدير برامج الكمبيوتر مؤشراً آخر، ففي حين صدرت الهند سنة 1991م برامج كمبيوتر قيمتها أقل من 200 مليون دولار، تجاوز تصديرها 400 مليون دولار سنة 1995م،و600 مليون دولار سنة 1996م، ويقدر وصول ذلك إلى بليون دولار سنة 1998م.
من المفارقات أن أكثر من نصف إنتاج الهند من برامج الكمبيوتر يصدر إلى الولايات المتحدة، مع ذلك تنمو التجارة مع أوروبا بسرعة وتصل حصتها من برامج الكمبيوتر 20 في المئة بعد الولايات المتحدة وحصتها 58 في المئة وجنوب شرق آسيا 6 في المئة، ووسط آسيا 4 في المئة، واليابان 3 في المئة وهو معدل التصدير نفسه إلى أستراليا ونيوزيلندا.
إلى ذلك، يكبح سباق التسلح النمو الاقتصادي، إذ تملك الهند ثاني أكبر جيش في العالم بعد الصين. فجيشها البري يتألف من 980 ألف جندي، و110 آلاف في القوى الجوية، و55 ألفاً في البحرية. ولديها 3500 مدرعة و778 طائرة مقاتلة و26 سفينة حربية و19 غواصة.
محطات في تاريخها الحديث
1757 ـ نالت شركة الهند الشرقية امتياز السيطرة على الهند بعد انتصار المارشال روبرت كلايف على القوى الفرنسية والمغولية.
1858 ـ بعد قرن من تزايد السيطرة على وسط آسيا، حازت بريطانيا على الهيمنة الكاملة على الهند.
1858 ـ تشكل حزب المؤتمر الوطني مع تزايد تأثير صوت الهند لدى الحكومة البريطانية.
1906 ـ أسس المسلمون الجامعة الإسلامية للدفاع عن مصالحهم ضد الأكثرية الهندوسية.
1920 ـ تسلم المهاتما غاندي قيادة المجلس الوطني وأعلن العصيان المدني.
1935 ـ وافقت الحكومة البريطانية على منح الهنود سلطة سياسية أكبر.
1940 ـ طالبت الجامعة الإسلامية بدولة باكستانية إسلامية منفصلة عن الهند.
1942 ـ وضع حزب المؤتمر مشروع قانون يدعو بريطانيا إلى مغادرة الهند.
1947 ـ حازت الهند على الاستقلال، وتشكلت دولة باكستان في اليوم التالي، وأصبح البانديت نهرو رئيساً للوزراء.
47 ـ 1949 ـ وقعت حرب بين الهند وباكستان من أجل كشمير.
1948 ـ اغتال متطرف هندوسي المهاتما غاندي.
1965 ـ حرب ثانية بين البلدين من أجل كشمير)[21](.
1971 ـ ساعدت الهند شرق باكستان في حرب ضد غربها وتأسست بنغلادش في الشرق.
1974 ـ أجرت الهند أول تفجير نووي وأعلنت أنها لا تريد إنتاج أسلحة نووية.
1996 ـ خسر حزب المؤتمر الهندي الانتخابات بعد أن حكم الهند منذ الاستقلال.
وإذا استمر معدل النمو السنوي بنسبة 7 في المئة، ستتحول الهند سنة 2020 إلى رابع أكبر اقتصاد في العالم بعد الصين والولايات المتحدة واليابان. (معدل النمو في الصين 9,5 في المئة وفي الولايات المتحدة 29 في المئة).
الفقر في الهند وشرق آسيا
أعرب البنك الدولي في تقرير أصدره في 28 آب 1997 عن الأسف لوجود نحو 900 مليون آسيوي، بينهم أكثر من 300 مليون هندي، يعيشون في فقر مدقع على رغم الازدهار الاقتصادي الذي لا سابق له والذي تنعم به هذه المنطقة من العالم منذ عشرين عاماً. وحذر من الأخطار المحتملة لهذا الواقع على التنمية الاقتصادية.
لكن التقرير أشار إلى أن النجاحات الاقتصادية التي شهدتها آسيا أتاحت خفضاً لم تشهده القارة من ذي قبل في عدد فقرائها في الأعوام العشرين الماضية.
وأوضح تقرير آخر خصص بكامله للهند أن المكاسب في هذا البلد ظلت شديدة التواضع مقارنة مع بقية دول القارة.
وجاء في التقرير أن «التوسع الاقتصادي الذي شجعه استقرار في الاقتصاد الشمولي وتراكم رؤوس الأموال المالية والبشرية، إضافة إلى فتح الأسواق والمعدلات العالية في الادخار والاستثمار، عوامل خفضت من أعداد المعوزين الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم في شرق آسيا بنسبة 27 في المئة بين عامي 1975 و 1985م. وبلغ هذا التراجع 34 في المئة بين 1985 و1995م وفق أرقام البنك الدولي».
وأشار التقرير أيضاً إلى أن تراجع الفقر في شرق آسيا كان الأسرع الذي سجل في دول العالم النامية.
وبمعنى آخر كان ستة أشخاص من أصل عشرة في هذه المنطقة يعيشون في الفقر المدقع عام 1975 م مقابل اثنين فقط حالياً.
وكانت الصين وأندونيسيا، وهما البلدان الأكثر اكتظاظاً في المنطقة، تشكلان 92 في المئة من فقراء هذه المنطقة عام 1975م.
إلا أن الصين تمكنت من خفض نسبة الفقراء فيها بنسبة 63 في المئة، فيما بلغ الخفض في أندونيسيا 82 في المئة. وسجلت الدول الأخرى في المنطقة نفسها نسباً مذهلة. ففي تايلاند مثلاً بلغت نسبة تراجع الفقر 90 في المئة (8,1 في المئة من السكان) إلى أقل من واحد في المئة) وفي ماليزيا بلغت النسبة 95 في المئة.
إلى جانب ذلك سجلت المؤشرات الاجتماعية (معدل الأعمار ووفيات الأطفال وعدد الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة) تقدماً كبيراً في الأعوام العشرين الماضية.
وتشدد الدراسة، التي أعدها البنك الدولي تحت عنوان «المعجزة هل طاولت الجميع؟ الفقر والتفاوت الاجتماعي في شرق آسيا»، على ضرورة مواصلة الجهود لمكافحة الفقر وزيادتها لأسباب ثلاثة:
1 ـ لا يزال الفقر متسعاً جداً في الدول ذات الاقتصاد المتحول في المنطقة مثل كمبوديا ولاوس ومنغوليا وفيتنام. ويتركز أفقر السكان في هذه الدول في المناطق الريفية.
2 ـ يتركز الفقر بين بعض الفئات الاجتماعية خصوصاً فئات الأقليات في دول ذات دخل متوسط كأندونيسيا والفيليبين.
3 ـ تشهد بعض الدول كالصين وتايلاند تزايداً في التفاوت الاقتصادي بين الجماعات المتعلمة من سكان المدن التي حققت نجاحاً اقتصادياً وبين الجماعات الأخرى وهي الجماعات الريفية في غالب الأحيان.
وتلاحظ هذه الفروقات أيضاً بين مختلف المناطق، على سبيل المثال في الصين بين مناطق الساحل التي تشهد نمواً كبيراً ومناطق وسط البلاد.
ويزداد هذا التفاوت حدة ولا يهدد، كما يحذر البنك الدولي، بوقف خفض معدلات الفقر في المنطقة فحسب، بل يشكل خطراً على التنمية الاقتصادية المستقبلية لأنه يزعزع التكافل الاجتماعي.
المسلمون الشيعة والجماعات
الإسلامية الأخرى
إن التكوين الأصلي والاجتماعي لجماعة الشيعة في (أوَدْ) )[22]( قضية يتساءل حولها المؤرخ الاجتماعي الذي يبحث في الديانات وهذه الأسئلة صعبة، وقد حدث ازدهار أو نمو في الشعائر الدينية لدى الشيعة، وانتشرت المؤسسات الدينية الرسمية في فترة الحكم النوابي، ولم يحدث هذا في وسط فارغ أو خالٍ وإنما كان وسط خلفية من المعتقدات التي من الصعوبة بمكان إزالتها.
ومن السهل أن نتبع الشخصيات الشيعية البارزة التي احتشدت في بلاط الحكام وكثير منهم من إيران وكشمير ودلهي، وهذا أكثر سهولة من تعقب الموالين للإمام علي في المدن الصغرى والأسواق.
ومع ذلك فإن المشتغلين في العمليات الإحصائية والإداريين كانوا يجمعون معلومات مفيدة في إعادة تكوين الأصول الاجتماعية لـ” أود” الشيعية، كما أن التواريخ المحلية والأسرية تحتوي في بعض الأحيان على معلومات متعلقة بذلك.
إن هذه الدراسة للتأثير الشيعي على الجماعات الإسلامية الرئيسية في (أود) سوف تتجه أولاً إلى الطبقات النبيلة التي معظمها من الطبقة العليا في الريف، ومن الإداريين المدنيين ومحصّلي الضرائب من الفلاحين، أو من التجار.
كما أن هذه الدراسة ستتضمن نقاشاً للروابط ما بين التشيع والصوفية الأخوية في شمال الهند وهذه جماعات دينية لها أتباعها، وقد بقيت الشيعة دوماً جماعة صغيرة في (أود) لكن تأثير هذه الجماعة في البلاط الحاكم أعطى لها أهمية لا تقاس بالعدد، فإن تأثيرهم كان تأثيراً عميقاً على ثقافة وحضارة (أود).
الشيعة والإحصاء الرسمي للسكان
كان تعداد السكان الشيعة في شمال الهند في القرن الثامن عشر يعتمد على التخمين أولاً، ثم بعد ذلك أي بعد سقوط مملكة (أود) أصبح من الممكن الحصول على إحصاءات للمنطقة.
وتقدم الجداول الإحصائية لعام 1881م مثلاً أرقاماً لعدد السكان من الشيعة والسنّة في كل منطقة من المناطق ذات الإدارة البريطانية في المقاطعات الشمالية ـ الغربية وفي (أود) (وهي منقطة تعادل المنطقة المحكومة من أود بالحاكم شجاع الدولة في القرن الثامن عشر).
على أن من يقومون بأخذ الإحصائيات لا يقسمون المسلمين حسب الطائفة، وهكذا نستطيع أن نعرف عدد المسلمين في (لكنو) مثلاً ولا نعرف عدد من هم من الشيعة بينهم.
وتتعذر الإجابة على المواضيع الخاصة في المجتمع بالنسبة للشيعة، ما لم تتوفر إحصاءات سكانية مهنية بالنسبة لكل من الشيعة والسنة كجماعات مستقلة.
كذلك يجب ربطها بالوضع الاجتماعي للمسلمين بصفة عامة، وقد أعطت إحصائية عام 1891م جداول تبيّن المواضع الدينية في الأقاليم الشمالية ـ الغربية وأود، والإحصائية التي تعنينا هنا بالنسبة للمنطقة. القسمين الأخيرين الإداريين في هذا لاقرن، الأول هو الأقاليم الشمالية ـ الغربية التي كانت تتألف من المناطق التي انتصر عليها البريطانيون شمال أود، بالإضافة إلى الأقاليم التي ضموها من نواب سادات علي خان في أود، عام 1801م، والثاني هو منطقة أود. وهو الاسم البريطاني لمنطقة أود التي بقيت تحت حكم النواب بعد أن تخلى عنها إلى شركة الهند الشرقية في 1801م، وقد ضم البريطانيون أود نفسها عام 1806م.
وكان يوجد في المقاطعات الشمالية الغربية وفي أود ما يزيد على مليوني مسلم، أي 37% من السكان، وهم من المغول أو الأفغان، السادة أو المشايخ وكل الجماعات التي كانت مستكينة نتيجة الاحتلال. وقد كانت معظم الطبقات الرفيعة من المسلمين معارضة للاستخدام، ويطمحون للظهور بمظهر السادة ذوي الاستقلال، على أن معظم المغول كانوا يمتلكون ممتلكات وأراض، كما أن كثيراً من السادة كانت لهم أراض، وكان قسم كبير من الأفغان والمشايخ يعملون كحرفيين مهرة ولكن من ناحية أخرى فإن النخبة من أصحاب الأراضي قد ضمت بالتأكيد أعداداً كبيرة من المشايخ والبتانيين الأفغان.
طبقة النبلاء
على الرغم من أن الإحصائيات المتعلقة بطبقة النبلاء (الأشراف) لا تخبرنا إلا قليلاً عن الطبقات الاجتماعية، فهي تعطينا الكثير عن الفرق أو الجماعات، ولقد عرف ماكس ويبر Max Weber الجماعات status حسب الاشتقاق اللغوي فقال إنه مصطلح يأتي من التقسيم الموجود للمجتمع في أوروبا ما قبل الصناعة، إذ كان المجتمع يقسم إلى «درجات أو طبقات order» أساسها يقوم على الأعمال والحقوق.
على أن «ﭬيبر» أو «ويبر» ينسب الكلمة «order» بالنسبة لألمانيا الصناعية في أوائل القرن العشرين لاستعمال جديد ينقل إلى الإنكليزية بمعنى «طبقات اجتماعية» أو مراتب اجتماعية «status groups» وفي عرض «ﭬيبر» هذا نجد أن الطبقات الاجتماعية يحددها المركز الاقتصادي في حين أن «status groups» هي جماعات يحددها المركز الثقافي وهي ذات علاقة مبهمة بالوضع الاقتصادي)[23](.
إن تصنيف هذه الجماعات أو تعريفها يرتكز على أسلوب الحياة، وغالباً ما يكون مركز الجماعة أو صلابتها أكثر بالتزاوج فيما بينها فقط (الزواج اللحمي «بين أفراد القبيلة (الواحدة)») وهو المصطلح endogamy باللغة الإنكليزية.
وقد أعطى ويبر مثالاً من بعض الجماعات الأميركية وقال إن الجماعات بصورة عامة ترتبط بالطبقات الاجتماعية بطرق كثيرة، ومهما يكن من أمر فقد اعتبر أن الملكية هي إحدى الصفات.
وقد أشار أيضا إلى أن هذه الجماعات يمكن أن تتطور فتصبح طبقات، وهذه الطبقات تشعر من الناحية الدينية بأن اتصالها بأشخاص خارج نطاق طبقتها يمكن أن يدنسها، فالجماعات يمكن أن تصبح طبقات عندما يكون هناك فروق أخلاقية.
إن تفسير «ﭬيبر» للجماعات الإسلامية (الأشراف) يحل كثيراً من الإشكالات بالنسبة لمفهوم هذه الجماعات، طالما أن «ويبر» يرى أن الجماعات والطبقات ظاهرتان متشابهتان كسلسلة متصلة تبدأ بمحافل تقليدية وتنتهي بالطبقات ذات الأسلوب الهندي.
وقد بدأت الجماعات الإسلامية من طبقة النبلاء كجماعات حسب المنزلة ثم أصبحت طبقات، على أن تشكل الطبقات لم يشهد الكمال إلا نادراً بين الجماعات الهندية.
فمثلاً كل عضو في طبقة الشرفاء المسلمين يمكن أن يجد أن اتصاله بأحد المسلمين ضمن جماعة من الناس شيئاً مفسداً من الناحية الدينية، لذلك فقد رأى كثير من الأنثروبولوجيين في الهند أن «الطبقات» الإسلامية هي تشكلات اجتماعية تشبه الطبقات الهندية الصرفة.
وقد ضمت الجماعات الرفيعة من السادة المسلمين ربع مليون شخص في المنطقة، مؤلفين حوالى 4% من المجموع الكلي للسكان و10% من طبقة النبلاء أو الأشراف، وقد أكد السادة أنهم ينتسبون إلى النبي محمد (ص) أو إلى أحد من آله، وقد أعطت هذه الصلة بشخص الرسول الكريم لهؤلاء السادة مكانة خاصة وحقاً داخل المجتمع الإسلامي، ولقد أعلن كثير من الأشخاص هذا النسب في الهند.
وإن 10% من الأشراف المسلمين ممن يعيشون في المقاطعات الشمالية ـ الغربية وفي ” أود” كانوا من السادة، في حين أن النسبة المئوية في أود كانت 12، وهذا الاختلاف البسيط بين أن العائلات من السادة الفاطمية كانوا منجذبين إلى أود خلال فترة النواب الذين كانوا أنفسهم سادة، وكانوا باعتبارهم شيعة قد حصلوا على مكانة خاصة كأعضاء من أسرة الرسول.
ولقد قسم سادة أود أنفسهم من ناحية النسب إلى جماعات أخرى فرعية، أكبرها أولئك الذين ينحدرون من سلالة ابنة الرسول (فاطمة) وزوجها علي.
وكان البعض للحصول على شرف أكبر أو لتأكيد نسبهم يؤكدون انتسابهم إلى علي وفاطمة من خلال أحد الأشخاص من نسلهما، وكثيراً ما يكون أحد الأئمة الاثني عشر الذين يُجلّهم الشيعة.
ولقد أكد أكثر من ربع السادة في أود انحدارهم من الإمام الرضا (ع) وهو الإمام الثامن، وما يقرب من 10% أكدوان انحدارهم من الإمام الحسين الإمام الثالث، وتقريباً 10% قرروا أن نسبهم يعود إلى زيد الشهيد.
وكان أولئك الذين ينتسبون إلى فاطمة ونسلها بما فيهم الشيعة يشكلون 67% من السادة. أما آخرون فقالوا إن لهم صلة بأحد أقرباء الرسول وهو عمه مثلاً، أو قالوا إنهم ينتسبون إلى الطريقة الصوفية المعروفة بالششتية والقادرية والجلالية السهروردية، أو حسب المكان الأصلي لولادتهم مثل (بغداد،بخارى، سبزوار) )[24](.
وقد كانت هناك رابطة قوية بين السادة والشيعة، وكانوا دائماً متعاطفين مع شخصيات شيعية ضد خصومهم وهؤلاء من السنة، وعلى الرغم من أن معظم السادة ظلوا من السنة فهم كانوا ميالين إلى التعاطف مع طائفة علي، وكان السادة سريعي التأثر بالأفكار الشيعية التي نفذت إلى الأمبراطورية المغولية من إيران بعد عام 1501م.
وقد كان حوالى ربع سادة أود في أواخر القرن التاسع عشر يعيشون في ضاحية لكنو، كما أن 12% كانوا يسكنون في ضاحية فايز آباد.
كذلك كان في بارابانكي وجوندا وهارودي، أعداد كبيرة من السادة، ولكن كلاً من الضواحي الأخرى في أود كان فيها حوالى أربعة أو خمسة آلاف من السادة.
وفي القصبات Qasabat كان هناك محطات تجارية محلية وفيها أسواق دائمة صغيرة، وكان أصحاب الأراضي قد بنوا المعاقل وصهاريج الماء والمساجد وما ييسّر وسائل الري)[25](.
ولقد كان أصحاب الأراضي في المدن في الأصل من أنماط عديدة، فالمغول كانوا يمنحون منحاً من الأراضي (كمعاش) إلى المعلمين الدينيين والمتصوفين والسادة وغيرهم من العائلات الشريفة. ولكن كان بإمكانهم استعادة هذه المنح بأي وقت، ولذلك كان هناك نوع آخر من ملكية الأرض (زميندارZamindari)، وكما كان مظفر عالم قد بيّن، فإن البلاط في دلهي في فترة أواخر القرن السابع عشر وأول الثامن عشر كان يعامل مالكي (المعاش) بحيث يعزز قوتهم لجعل أو تهيئة نوع من التوازن مع العائلات التي أخذت (زميندار)، فإن كثيراً من الأسر المتعلمة والسادة الذين كانوا يملكون منحاً استخدموا ثرواتهم لشراء (زمينداريات) )[26]( ولقد كان هناك أحد البيوت الإسلامية التي أكد أفرادها الكثيرين في القرن التاسع عشر أن نسبهم يعود إلى السيد تاج Sayyid Taj، ويقال إنه هاجر من بلاد العرب، أول منتصف القرن الرابع عشر، وهناك أسرة أخرى تقول بأنها تنتسب إلى السيد أحمد، أيضاً من الجزيرة العربية، من خلال السيد فول Phul والسيد Payare وهي أسماء هندية ربما كانت تشير إلى الأصل الهندي.
كذلك تجدر الإشارة إلى ذرية السيد سليمان النيشابوري Sulayman Nishapuri، الذي استقر في أود فيع عام 1403م وتزوج من أسرة السيد أحمد الذي سبق أن ذكرناه.
وقد حصل على منزلة كبيرة حتى أن الناس كانوا يزورون ويوقرون قبره كل عام في احتفال سنوي وذلك في القرن التاسع عشر.
وتضم أيضاً بيوتاً مالكة تدعى ﭜيرﭜور Pirpur، وKataria (تعلقدار)، من بينها أصحاب منازل رفيعة في القرن التاسع عشر.
ويقال إن الشيخ أحمد قتّال لوريستاني قدم من إيران، ووصل في أوائل (1400م)، وكانت (11) إحدى عشرة من فروع أسرته تمتلك الأراضي(قرى) في أكبرﭜور Akbarpur، لكن تلك القرى استولى عليها من خلال (التعلق) لبيرﭜور وسامانـﭜور Purpur & Samanpur .
ويُفترض أن نسل أو سلالة لوريستاني Luristani هم من الشيعة، أما في منطقة بيرهار Birhar فقد أكد سادة ناصر آباد Nasirabad انحدارهم من سيدنا ناصر الدين الذي قيل إنه هرب إلى إيران خلال التمزق الذي أحدثته حملات تيمور العسكرية.
وقد منح أكبر الأسرة أراضٍ وضعت عليها اليد معفاة من الضرائب، ورغم أن هذه الأراضي قد صودرت من قبل نواب سادات علي خان في القرن التاسع عشر)[27](. وفي (بارابانكي) Bara Banki، كان المشايخ المسلمون والسادة يمتلكون حوالى نصف القرى رغم أنهم كانوا يشكلون فقط بين 2,6% و0,6% من عدد سكان الناحية وذلك في أواخر القرن التاسع عشر. وقد مارس السادة في بعض المدن سيطرة تامة، وكان للسادة الشيعة في زيدﭜور Zaydpur عشرة مساجد وسبعة عشر (إمام بارا Imambarah) في أواخر القرن التاسع عشر غير أنهم لم يسمحوا بتواجد مساجد للسنة أو معابد للهندوس)[28](.
وفي كينتور Kintue وبارابانكي Bara Banki كان للسادة ثلثا أراضي القرى بما فيها من عدد من الهبات المعفاة من الأجور)[29](.
وقد أكد السادة هناك أنهم ينحدرون من الأخوة السادة شرف الدين ومحمد النيشابوريين، الذي يقال إنهما تركا إيران إلى أود في زمن هولاكو الأمبراطور المغولي، وقد استقدم سادة كينتور النيشابوريون كثيراً من العلماء الشيعيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)[30](.
وقد كان السادة أصحاب الأراضي يسعون للتأثير الاجتماعي والثقافي في المدن الصغيرة التي ساعدوا على تأسيسها في هارودي Harodi أيضاً، وفي القرن التاسع عشر كان حوالى ثلاثة آلاف من السادة يمتلكون نصف الأراضي في بيلـﮔرم Bilgram، وكانوا يقولون إنهم ينحدرون من سلالة السيد محمد الواسطي الذي استولى عليها في عام 1217 م (ويقال أيضاً إنه هو نفسه من ذرية سادة بارها Barhah في مظفر نـﮔر شمال أود).
وقد اتبع السيد إسماعيل بيلـﮔرامي في زمن شاه جهان المذهب الشيعي)[31](، بل إنه حتى في الجو السني القاسي لأورانـﮔزيب في الهند، كان هؤلاء السادة البلـﮔراميين يكتبون مراثي لآل الرسول، وبهذا يرفعون من شأن نسبهم)[32](.
وقد اتبع بعض الأشخاص البارزين من عائلات بيلـﮔرام المذهب الشيعي في أواخر القرن الثامن عشر، وكان أبناء عمومتهم في بارها Barhah قد اتبعوا هذا المذهب قبل ذلك بفترات.
وقد كان السادة أيضاً ذوي أهمية في سانديلا Sandila وهي (قصبة) أخرى من هارودي Harodi حيث كانوا يملكون 8% من القرى في القرن التاسع عشر)[33](.
وإن سادة جايس وناصر آباد في راي باريلي يمثلون نموذج الاستقرار وامتلاك الأراضي ثم اتباع المذهب الشيعي، وقد حاولوا المحافظة على البقاء في نفس خط السيد نجم الدين السبزواري، الذي يقال إنه مرافق سالار مسعود غازي في حملته في شمال الهند في القرن الحادي عشر.
وبعد السبزواري بسبعة أجيال ابتعد السيد زكريا حوالى ثلاثة أميال وقد وجد مستقراً جديداً له داخل حصن أصبح فيما بعد ناصر آباد، وقد امتلك سادة جايس وناصر آباد أراض منحت لهم من قبل الحكومة المركزية وسيطروا على القرى المحيطة، ولكن نظراً للصراع الدموي بينهم وبين القبائل الهندوسية فقد خضعوا لقوة أمراء الهند (Rajas).
وقد استفادوا من التجارة بين دلهي وإله آباد، ثم فيما بعد من تجارة النسيج المزدهرة في المنطقة، وقد قام شخص من جماعتهم بتعليم بهادور شاه (حكم من 1707 ـ 1712م)، وخلال حكمه الذي كان فترة نفوذ شيعي كبير في البلاط الحاكم، اعتنق بعض السادة في ناصر آباد مذهب الشيعة، ثم فيما بعد عمل الحكم النوابي الشيعي في أود وفقاً للعقائد الشيعية)[34](.
وقد برزت في ناصر آباد شخصية دينية كبيرة هي السيد ديلدار علي (1753 ـ 1820م).
أما في جرول، وباهريش Jarwal, & Bahraich فإن السادة كانوا ينحدرون من السيد زكريا الذي ترك إيران خلال الغزو المغولي من قبل جنكيزخان، وحصل على منحة مقدارها 15,000 (bigha) من سلطان دلهي (غياث الدين).
وفي عام 1800م حل سادة جرول ومنهم الشيعة، محل مشايخ الأنصاري وسيطروا على 276 من مجموع القرى التي بلغ عددها 365 في الـ Parganah، رغم أن ممتلكاتهم فيما بعد نقص عددها فأصبح (76) قرية في عام 1877م )[35](.
وقد حدثت بسبب الاضطهاد هجرة شيعية من السادة اتجهت نحو أفغانستان ومنها إلى شمال الهند واستقروا في الأماكن التالية: جايس، ناصر آباد، مانكـﭜور، سالون، بلجرام، سلطان ﭜور، سيتهان، رودولي، أميثي وغيرها…
وأصبحوا فيما بعد من مالكي الأراضي (زاميندار) )[36](، وتقول الروايات إن هؤلاء السادة قاموا بجهد كبير كرواد مسلمين في وسط بيئة عدائية من الهندوس.
ولقد تتبع السادة التجارة في مراكز المدن، وقد عرف الحرفيون من السادة في (أمروها) Amroha بالفخار المطلي بالذهب والمزخرف برسوم ملونة تمثل الزهور)[37](.
وقد اشترك السادة في لكنو Lucknow في كل الحرف والصناعات بالإضافة إلى التجارة)[38](، وقد كتبت “مسز علي” عن هؤلاء كتاب وفقهاء ومنهم دكتور في القانون، وقراء للقرآن، كما سمح لهم بدخول الجيش)[39]( وذكرت هذه السيدة أنه كانت هناك تقدمة خاصة بين الشيعة للفقراء من السادة، والمؤمنين تعطيهم الخمس من أي مبلغ يخصص للإحسان، ومع ذلك فقد أقرت مسز علي بأنه ما من سيد محترم كان يقبل مثل هذا الإحسان، وأشارت أيضاً إلى أن الكثير من السادة رفضوا الهبات في حالة شكهم بأنها أتت من الربا)[40](.
وذكرت أيضاً أن السادة كانوا يهتمون بالنسبة لمسائل الزواج، بالمولد والنسب أكثر من اهتمامهم بالثراء، وكانت بعض العائلات الفقيرة تفضل بقاء بناتها عوانس عن زواجهن من أشخاص غير هؤلاء السادة.
وقد وصفت مسز علي شخصاً من السادة فقيراً كانت لديه بنات غير متزوجات، وكن متعلمات تعليماً جيداً يقرأن القرآن باللغة العربية وتفسيره بالفارسية.
وكانت هذه الأسر تفضل بقاء بناتها بلا زواج يقضين الوقت بأشغال الإبرة، بدلاً من زواجهن من أشخاص ذوي ثراء ولكن ليسوا من السادة)[41](.
وحاول هؤلاء الحصول على موضع مشرف وذلك بالتمسك بالتقاليد الاجتماعية (حيث الفتاة تتزوج شخصاً مساوياً لها من الناحية الاجتماعية أو يفوقها من هذه الناحية) )[42](.
وعلى الرغم من أن مسز علي تقول بأن بعض الأسر من السادة غير المتشددين كانوا في بعض الأحيان يسعون إلى ضمان تحسن أحوالهم الاقتصادية وذلك بتزويج بناتهم من أشخاص ذوي ثراء من غير السادة.
وفي بلاط الحكام النواب في لكنو كان رجال البلاط يكنون الاحترام للسادة الذين لهم علاقات اجتماعية جدية، فمثلاً في الاستعراضات العسكرية كان السادة يسيرون أمام الآخرين، وقد رُوي أن من بين هؤلاء مير إنشاء الله خان، وهو سيد كانت أسرته قد نزحت إلى شمال الهند من النجف في العراق، وهو شاعر كبير ورفيق مرح لنواب سادات علي خان (1799 ـ 1814م) )[43](.
كان السادة يتمتعون بالاحترام والإجلال في البلاد وفي المجتمع السياسي المهذب، إلا أن مركزهم لم يكن متيناً، ورغم محبة هذه الجماعة للناس والخير فلم يكن حالهم جيداً تماماً وكانوا لا يأخذون حقوقهم السياسية كاملة.
فعندما وافق سادات علي خان على التخلي عن نصف ممتلكاته للبريطانيين في عام 1801م وذلك لدفع الديون التي كانت على النواب السابق تجاه الحاكم العام، لم يكن موافقاً على منح أي أراضٍ للعائلات كعائلات السادة، بل إنه استعاد المنح السابقة للسادة في مناطق مثل بيرهار، فايز آباد، ساندي، وهارودي)[44](.
ولقد كان ثراء وجهاء الشيعة ورعاتها في أود عاملاً مساعداً لجذب السادة إلى المجتمع الشيعي. كما أن المغول كان لهم ثراء واسع ومركز كبير أكثر من السادة، رغم أنه كان وضعهم أقل)[45](.
وقد أطلق الهنود كلمة (مغول) على كل من نزح من آسيا الوسطى بما فيها إيران، وسرعان ما أصبح هؤلاء الإيرانيون أو الأتراك يحتلون مناصب رفيعة في الحكومة، ورغم أنهم كانوا يستلمون منحاً من الأراضي لخدماتهم إلا أنهم كانوا من المالكين المتغيبين)[46]( كما أن كثيراً من المغول قدموا إلى الهند كتجار من مسافات بعيدة.
وكانت الأمبراطورية المغولية تستخدم الفرس لأغراض إدارية ومن أجل اللغة الراقية في البلاط، وهذا يعني أنهم حصلوا على مناصب رفيعة كإداريين وموظفين ورجال القلم.
ولما كان الحكم الصفوي في إيران قد أحدث تحولاً جماعياً نحو الشيعة فإن المهاجرين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر قد أحضروا معهم هويتهم الشيعية، كما أن عدد هؤلاء المهاجرين لم يكن ضئيلاً، وقد علل تاجر المجوهرات الفرنسي شاردان Chardan تدني عدد السكان في أواخر القرن السابع عشر بالهجرة إلى الهند وجعلها من الأسباب في قلة عدد السكان)[47](، وقد بنى شاردان ملاحظته على الأعداد الكبيرة من الإيرانيين الذين شاهدهم في الهند، ولا شك أنه في حوالى 1660م كان معظم المهاجرين من الشيعة.
وقد كان حوالى 28% أو 136 من مجموع 486، في خلال حكم الأمبراطور المغولي أورانـﮔزيب Awrangzib (1658 ـ 1678م) من الإيرانيين)[48](.
على أن معظم الشيعة الإيرانيين كانوا يخفون عقيدتهم في بلاط المغول السنيين.
وقد كان أيضاً حوالى نصف الإحدى والخمسين إدارياً كبيراً من الإيرانيين، كذلك فقد تأثرت السياسة في البلاط الحاكم بالصراع الديني ما بين الشيعة الإيرانيين والسنة من الأتراك وفي وسط آسيا)[49](.
وفي عام 1891م استقر ما يقرب من نصف عدد المغول في المقاطعات الشمالية الغربية وأود، ورغم أن هؤلاء كانوا يشكلون فقط 3% من الطبقات الأشراف في المنطقة كلها، فقد كان حوالى 6% من الأشراف في أود، وهذا يعلل بلا شك الفرص في العمل التي قدمتها لهم دولة أود خلال فترة القرن التاسع عشر، نظراً لأن البريطانيين كانوا قد ألغوا البيروقراطيات الإسلامية القديمة في دلهي والبنغال.
كذلك فقد أقام أكثر من 50% من المغوليين في أود، بمناطق مثل لكنو وفايز آباد، وهما المركزان الإداريان الكبيران في الإقليم، وكان أكثر من 40% من السكان في لكنو وحدها.
وكان المركز المغولي الأساسي الوحيد للسكان وهو منطقة سيتاﭜور Sitapur، وكانت الهجرة المغولية هناك تتشجع بسبب الأبهة التي كانت عليها مقاطعة محمود آباد.
وكان هناك أعداد كبيرة من المغوليين من الشيعة الإيرانيين، أما البقية فكانوا في ثلاثة فئات: الأتراك شاغاتي Chaghatai، والتركمان والقزلباش، ومن بين الثلاثة كان القزلباش يشكلون أصغر مجموعة، وقد ساهم كل الشيعة في لعب دور هام في تأسيس المذهب الشيعي سواء في إيران وفي شبه القارة الهندية، وقد كان معظمهم يعيشون في أود.
وقد كان القزلباش في الأصل قد تكونوا من اتحاد القبائل التي تتحدث بالتركية في الأناضول وتحركوا باتجاه الشرق في القرن الخامس عشر بسبب زيادة سيطرة العثمانيين على أراضيهم وساهموا في تأسيس الدولة الصفوية الشيعية في إيران)[50](.
وبعد ذلك بقرنين خدم بعضهم في جيش نادر شاه ولعبوا دوراً هاماً في غزو الهند، ونهب مدينة دلهي عام 1739م، وقد كان الحاكم الثاني لأود وهو صفدر جنك Safdar Jang يستخدم المغول الإيرانيين كفرسان له، بالإضافة إلى الشيعة من أهل كشمير، الذين كانوا يقلدون الإيرانيين في اللغة والزي. وقد استأجر ستة أو سبعة آلاف محارب من القزلباش من جيش نادر شاه. ولكن بعد هزيمة القوات على أيدي البريطانيين في باكسار Baksar في عام 1764م، طرد النواب شجاع الدولة كثيراً منهم، بل إنه هدم بعض بيوت المغول)[51](، ومع ذلك، فقد صادف الرحالة الإيراني شوشتري Shushtari أعداداً كبيرة من أشراف القزلباش في لكنو وذلك في عام 1796م )[52](، وبعد ذلك قلّ عدد هؤلاء بتأثير عوامل أخرى)[53](، وعلى الرغم من أن معظم الأتراك من المغول ينتسبون في الأصل إلى المذهب الشيعي فإنهم في بعض الأحيان كغيرهم ممن هم من الطبقات العليا، اتبعوا هذا المذهب وذلك في القرن الثامن عشر، وهناك مثال على هذا في أسرة الخواجه موسى خان وهو عالم ينتسب إلى المتصرف بهاء الدين النقشبندي، ولما هاجر من وسط آسيا إلى الهند في أوائل القرن الثامن عشر تزوج من العائلة المالكة المغولية. وتحت تأثير برهان المُلك وهو أول حاكم في أود، أصبح شيعياً، لكن ابنه مدار الدولة، رفض أن يكون منافقاً في دلهي التي يسيطر عليها السنّة، أما ابنته فقد تزوجت ثواب سادات علي خان في أود، ومنحه صهره ممتلكات تبلغ قيمتها حوالى 60 ألف وربيه في السنة)[54](، وقد استخدمت هذه الأسرة التركية ذات الأصول السنية اتباعها للمذهب الشيعي، وسيلة لتقوية العلاقات مع القوة الشيعية النامية، كقوة حكام أود.
أما الباتانيون Pathans وهم قبائل تتحدث بلغة الـﭘاشتو Pushtu، فقد كانوا يتجولون في شمال الهند، بعد قدومهم من أفغانستان ومن المنطقة حول ﭘيشاوَر، خلال فترة العصر الوسيط، وقد شهد القرن الثامن عشر قدوم كثير من رجال البوختون Pukhtun الذين أصبحوا من «الباتان» ولكن بقي اسمهم «الرهيلة Rahilah»، وقد كان حوالى 700,000منهم في المقاطعة يشكلون ثلث أفراد طبقة الأشراف في أواخر القرن التاسع عشر.
ولقد كان كثير منهم في أوائل القرن كبدو رعاة، استقر بعضهم أصحاب أراض ومحاربين في «القصبة»، وأصبح كثير منهم من الحرفيين والعاملين الماهرين وذلك قبيل إحصائية (1891م)، أما الباتانيون ومعظمهم في الأصل من السنة فقد احتفظوا بعقيدتهم شمال الهند، وربما كان بعضهم من الشيعة المتحدثين بالفارسية وقد أتوا من بانـﮔاش Bangash العليا)[55](.
ويذكر إيلفينستونElphinstone الذي زار منطقة ﭘيشاور في الفترة من 1808 ـ 1809م، أنه وجد الأفغانيين يعادون طقوس الشيعة تماماً)[56](. وقد كان كثير من الباتان Pathans يمارسون الاحتفالات بذكرى استشهاد الإمام الحسين، رغم أن بعضهم قد ترك الطقوس وذلك في منتصف القرن التاسع عشر تحت تأثير منافسة النقشبندية)[57](.
من آثار مملكة أود: رومي دروازه إمام باره (لكنو)
على أنه ليس بإمكان العالم الاجتماعي أن يفسر الشعور الديني والروحي لدى أولئك الذين اعتنقوا المذهب الشيعي، لكن انتشار العقائد الدينية لدى الناس له بعض التعليلات أو التحليلات الاجتماعية، ويتبين لنا أن الطبقات الاجتماعية أو الجماعات التي استجابت للفكر الشيعي كانت طبقاً لما تتضمنه بالنسبة لتقاليدهم الخاصة ولوضعهم أو مركزهم الاقتصادي.
ولقد أخذ السادة باعتبارهم من نسل الأئمة الذين يوقّرون من قبل الشيعة، اكتسبوا الكثير من الناحية الفكرية، وفي أود التي يحكمها حكام من الشيعة كان بإمكانهم أيضاً الاستفادة من الناحية المادية، فقد كانوا يتلقون الهبات من قبل المؤمنين بالإضافة لما اكتسبوه من الحكام. كذلك فإن الأكثرية الساحقة من السادة ظلت تشكل جزءاً من المجتمع السني الذي كان لهم فيه أيضاً تقدير.
أما بالنسبة للمغول فلم يصبحوا شيعة إلا عندما قدموا من إيران، وكانوا من السنة الأقوياء عندما كانوا مثلاً من بخارى، بل إنه في وسط جو الحكم في أود، كان بعض الأشراف من السنة الأتراك يعتنقون أيضاً المذهب الشيعي.
أما المشايخ فقد ظلوا سنة، وربما كان هذا لأنهم كانوا يسكنون في مدن بعيدة عن تأثير البلاط النيشابوري، أما الباتان Pathans وهم ذوو المشاعر السنية القوية فنادراً ما كانوا يعتنقون المذهب الشيعي وكانوا على تنافس مع أسر السادة في أود، من أجل الأرض والسطوة.
الحرفيون
لقد كان كثير من الأشخاص من جماعة الأشراف التي تحدثنا عنها من أسر أصحاب الأراضي أو من العسكريين، وقد كان المسلمون في المنطقة التي نقوم بدراستها من هذه الفئات، ومع ذلك فنادراً ما كانوا يعملون في الريف، فكانوا يشكلون فقط 3% من العاملين بالزراعة)[58](. إلا أن الطبقات العاملة من المسلمين كانوا يعملون كحرفيين أكثر من عملهم في الزراعة.
وقد كان هناك على سبيل المثال من حوالى 1,8 مليوناً من العاملين في صناعة النسج، نصف هؤلاء كانوا من المسلمين، رغم أن المسلمين كانوا يشكلون بصفة عام 13% تقريباً من السكان.
ويتمثل التحول إلى الإسلام بين النُسّاج في شمال الهند)[59](، وقد كان النُسّاج وعددهم 12% من مجموع المسلمين، يشكلون أكبر جماعة إسلامية.
ولم يكن هناك عدد أكبر من ذلك إلا بالنسبة للمشايخ (21%)، والحقيقة أن كثيراً من المشايخ اشتغلوا بالفعل كنُسّاج، معتمدين على الزراعة لفترة من الوقت.
وسرعان ما أحس هؤلاء النساج بهويتهم الإسلامية)[60](، وكانوا يعرفون الكثير عن الشريعة الإسلامية في تلك الفترة في أواخر القرن التاسع عشر، فاتبعوها في مسائل الزواج وغير ذلك، وقد كانوا يتنافسون مع البريطانيين بالنسبة لصناعة النسيج)[61](.
ولا يمكن إعطاء عدد كلي للشيعة بين هؤلاء النساج، إلا أنه من المركز الهام لصناعة النسيج وهو تاندا Tanda، ويبعد (36) ميلاً شرقي فايز آباد، كان الشيعة يمثلون 3% من السكان المسلمين)[62](.
كما أن بعض الشيعة كانوا يمارسون عقيدتهم في الخفاء خوفاً من جيرانهم السنة وهذا ما يجعل الإحصاء تقريبياً، ومع ذلك فإنه كان للشيعة تأثير كبير حتى عندما كان عددهم ضئيلاً.
وقد كان في تاندا «Tanda» أربع وأربعون مسجداً، وأربع وثلاثون إمام باره، وكان فيها أيضاً عشرة معابد هندوسية.
وكانت الجماعات الإسلامية الأخرى ذات الأعداد الكبيرة تتضمن الحلاقين، باعة الزيت، الخياطين، الجزارين، السقاة، الحدادين والغسالين، هذه الفئات السبع بالإضافة إلى النساجين كانت تقدر بأكثر من 26,5% من كل المسلمين.
وكان بقية العاملين الحرفيين وأصحاب المهن يبلغ مجموعهم 37% ولما كان المشايخ والباتان أيضاً يعملون كحرفيين فإن المرء يتكون لديه انطباع بأن معظم المسلمين كانوا يشكلون جزءاً من مجتمع بورجوازي.
وقد كان المسلمون أكثر قابلية من الهندوس للعيش في أماكن مدنية، في حين أن 25% من المسلمين كانوا يسكنون فيها)[63](. ولما كان أكثر من 96% من العمال الزراعيين من الهندوس فإن أولئك المسلمين الذين لم يكونوا يقطنون في المدن، كانوا يسكنون في القرى الكبيرة حيث بإمكانهم متابعة حرفهم، وبالنظر للنسبة الكبيرة لعدد الهندوس بين السكان (87% في عام 1891) فإن هذا كان يعني أنهم شكلوا غالبية المجتمعات المدنية، وبالتالي فقد سيطروا على التجارة.
وقد كان أصحاب الأراضي من ذوي «القصبة» يستخدمون الفلاحين الهندوس للعمل في أراضيهم في حين أن التجار المدنيين من الهندوس كانوا يستخدمون حرفيين من المسلمين)[64](.
وهناك تفسير للتحول الهندوسي للمسلمين هو أن الطبقات الوضيعة كانت تحاول الخروج من نظام الهندوس لتمحو عنها وصمة العار)[65](، وربما كان أحد التفاسير لكثرة عدد النساجين المسلمين في شمال الهند يكمن في إنتاج هؤلاء للمسلمين المستوطنين وللحكام المسلمين)[66](.
ولقد كان للشخصيات الشيعية والمناسبات الدينية لدى الشيعة تأثير حتى بين جماعات السنة الذين لم يتبعوا المذهب الشيعي، وقد كان أصحاب الحوانيت من السنة في طبقة Banki يحتفلون بشهر محرم، وهو شهر الحداد على الإمام الحسين (ع).
وكان السنّة في Dalmau يقيمون معرضاً في محرم حيث يؤمه (6) آلاف شخص في السنة)[67](. وكانت الأيام التي هي بالنسبة للشيعة المتشددين فترة حرمان يحترمونها، أصبحت بالنسبة للقرويين من السنة فرصة للتجارة.
إلا أن هذا لم يشكل أي معاداة للشيعة لأن الكل يحترمون ويجلون الإمام الحسين (ع).
وقد كان المذهب الشيعي لدى الحرفيين والعمال يواجه عديداً من التغيرات وربما كان أحد الأسباب هو قلة اتصالهم بالآداب الإسلامية وكثيراً ما كانوا يفتقدون الصلات الوثيقة بعلماء المسلمين الكبار.
وقد وجد لدى الحرفيين والعمال المسلمين تكريس لآل النبي (ص)، وحاول أشراف الشيعة أن يضموا الطبقات الشعبية إلى الشيعة ونجحوا في ذلك تماماً خاصة عندما كان هؤلاء الحرفيون أو العمال يعملون لصالح شخص من الشيعة، ومن ناحية انتشر التشيع بين الطبقات الفقيرة، ومن ناحية أخرى صنع الحرفيون والعمال ثقافتهم الدينية الخاصة مكرسين أنفسهم لآل البيت، وكان للحكايات المروية عن معاناة واستشهاد الشيعة من الأئمة أثر كبير في إثارة مشاعر الناس الذين كانوا قد ضاقوا بالإقطاعية الكهنوتية في شمال الهند.
خاتمة
لقد وجدت الشيعة في أود كطبقة شعبية وليس كطبقة حاكمة ذات قوة. ومن ثم فقد كان من أكبر مؤيديها الإيرانيون في الإدارات الحكومية الكبيرة والسادة من أصحاب الأراضي المتوسطين.
وقد تواجدت بعض الجماعات منها نصف مدنية وأخرى مدنية من الحرفيين والعمال، ووسط هذه الجماعات نشأت طائفة من آل البيت، وفي أوائل القرن الثامن عشر كان معظم هؤلاء المؤمنين من الطبقة الشعبية قد وجدوا أنه ليس هناك تناقض بين تكريس أنفسهم لعلي وزوجته فاطمة (ع)، ونسلهما، وبين توقير الخلفاء الثلاثة الأوائل.
ولما أخذ مركز الدولة الشيعية في أود يقوى وكان الفكر الشيعي هو الفكر السائد لذلك أخذ بعض العمال والحرفيين يختارون المذهب الشيعي، وكان ذلك على نطاق واسع خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولكن هذا لم يمنع من أن غالبية المسلمين كانوا يحترمون آل البيت والخلفاء في آن واحد.
إن المراكز التي كانت تستقطب السكان كما تظهرها إحصائية عام 1881، تبين الزيادة في المقاطعات الشمالية الغربية وأود، من مظفر نـﮔر وحتى غازي ﭘور Ghazipur )[68](.
وإلى جانب لكنو وفايز آباد، كان الشيعة يسكنون دوب العليا Doab وفي بنارس، وكان النواب شجاع الدولة يسيطر على هذه المناطق ثم تخلى عنها الحكام تدريجياً إلى شركة الهند الشرقية في الفترة من 1775 ـ 1801، وفي الشمال كان عدد من أعلنوا اتباعهم للمذهب الشيعي (وربما كانوا فقط من المثقفين)، حوالى 10,000 أو أكثر، في مظفر نـﮔر، وفي بلندشهر Bulandshahr وفي مراد آباد، مع بيـﭼنور Bijnor ما يقرب من 6,000.
أما في الجنوب الشرقي فكان هناك مناطق بها 10,000 تتضمن إله آباد، جونـﭘور وأعظم ﮔره Azamgarh، وفي مركز الخريطة التي تمثل تمركز الشيعة توجد لكنو التي تحتوي 34,550 من الإمامية، حيث كانوا فقط هنا يزيدون على 5% من مجموع السكان الذين كانوا 30% من المسلمين هناك.
وفي فايز آباد كان هناك 11,000 من الشيعة، وفي بارابانكي Bara Banki أكثر من 5,000، أما بقية أود ففيها قليل من الشيعة.
وعلى الرغم من أن الإحصاءات تبين أن هناك أعداداً ضئيلة من الإمامية الشيعية في شمالي الهند أي حوالى 3% فقط من المسلمين، فقد امتدت الحركة على مساحة جغرافية واسعة واجتذبت لها أتباعاً من مختلف الطبقات الاجتماعية. وأياً كان عدد الشيعة الإمامية فهم يمثلون تأثيراً قوياً وفعالاً في شمالي الهند في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)[69](.
الحركة الشيعية الشعبية
في عهد المغول وخاصة تحت حكم أورانـﮔزيب Awrangzip لم يكن لدى الشيعة طقوس عامة خاصة بهم تكوّن قالباً لتكوينهم الاجتماعي.
إن الهوية الدينية والشبكات الاجتماعية داخل المجتمع الديني الخالص يمكن أن تنمو فقط بواسطة مجموعة من الطقوس العامة الشعبية، وهكذا فإن مثل هذه الطقوس العامة قد نمت وتطورت في أود برعاية النواب ورجال بلاطهم الشيعة الأشراف)[70](.
مشهد من الحسينية الآصفية (لكنو)
وقد ابتكر الشيعة في أود مجموعة من التمارين أو الممارسات والطقوس الدينية المميزة، وقد دخل في هذه الفترة كثير من المؤمنين الجدد في ولاء الأئمة وساهموا في هذا المجال، على أن طقوسهم تغيرت بمرور الزمن، وتطورت المزارات، وكان المؤمنون يمارسون عقيدتهم بطرقهم الخاصة، وقد اشترك كثير من السنيين والهندوس في شعائر الحداد على الإمام الشهيد الحسين (ع).
وكان للطقوس الشعبية الشيعية في أوائل القرن التاسع عشر في أود تأثيران مختلفان، فمن ناحية كان الاشتراك المدني الواسع في شعائر محرم عاملاً مساعداً في إتمام العدد الكبير والنامي للسكان في المدن من خلال تمركز الشعائر الدينية. وأصبح نموذج الولي بالنسبة لمدينة لكنو هو الإمام الحسين (ع).
التحول النوابي في لكنو
أصبحت لكنو دولة شيعية (دار للشيعة) وذلك تحت الحكم النوابي، وهناك كان العمال والحرفيون الذين اتبعوا عقيدة الشيعة، يوقرون الأئمة، وكان التحول الإداري والمعماري للمدينة مقدمة لهذا التطور، وقد نقل النواب آصف الدولة (1775 ـ 1797) البلاط الشيعي الحاكم من فايز آباد إلى لكنو في عام 1775، وكانت المدينة في ذلك الحين مدينة صغيرة وهي مركز رئيسي لصناعة النسيج، فكانت لهذا العاصمة الإدارية للإقليم)[71](، ومع ذلك فإن 1775 تمثل بداية عهد جديد.
وكان بإمكان الشيعة عندما كانوا يسكنون في دلهي أولاً أن يغيروا العاصمة وفقاً لإدراكهم أو فهمهم للاحتياجات العسكرية والأمنية)[72](، ومع هذا فمنذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب البريطانيين، وأوجدت الحدود الثابتة بعد عام 1801 والدخل الثابت ضمن هذه الحدود، أوجد كل هذا عاصمة ثابتة، وظلت مدينة فايز آباد بما فيها من أصحاب أراض ومزارعين تتنافس مع مدينة لكنو، على أن العاصمة نمت بحيث شكلت دار السلطنة الحقيقية الوحيدة في أود وإحدى المدن الكبرى في شبه القارة الهندية.
وتركزت النفقات الكبرى من قبل الأشراف في العاصمة فدعمت آلاف الحرفيين واجتذبت التجار «ذوي الأموال الكبيرة» من كل أنحاء الهند)[73](.
وكانت التجارة القوية للنسيج والجياد بين كشمير والبنغال تمر خلال لكنو، وسرعان ما زاد سكان هذه المدينة، وقد أحصى تينانت Tannant في عام 1799، عدد السكان في المدينة بحوالى نصف مليون، وأبدى إعجابه بالأعمال المعمارية الواسعة في عهد آصف الدولة، وكتب يقول: «ربما لم تكن هنا مباني في بريطانيا توازي في مظهرها الخارجي القصور الموجودة في لكنو»)[74](، لكنه لاحظ الفقر الكبير في المدينة والقذارة، ووجود عدد كبير من العمال والحرفيين العاطلين عن العمل.
ولقد جهز آصف الدولة برنامجاً واسعاً للبناء، وحول كثيراً من المباني القديمة إلى حدائق جميلة رائعة المنظر على غرار الأسلوب الفارسي، وبالفعل تطورت المدينة بسرعة كبيرة في سنوات الـ1770 وسنوات الـ1780، حتى أن أظفري وجد أنها غير موزونة، وأعطي مشروع البناء قوة كبيرة بسبب سنوات الجفاف من 1748 ـ 1785، حيث لم يهطل المطر في أود لمدة عام كامل.
كذلك فإن المناطق الشرقية أيضاً تضررت، فأدى هذا إلى زيادة في عدد اللاجئين إلى مدينة لكنو. وكان العمال والفلاحين يعانون شدة، وذلك لأن كثيراً منهم كانوا يباعون كرقيق، وارتفع بشكل عظيم سعر القمح في العاصمة، وكان السيد عباس أرديستاني يتذكر هذا القحط وقد حدثه عن ذلك وقال أيضاً إن الناس يأكلون من الزبالة)[75](.
وأخذ آصف الدولة وحسن رضا خان وتيكت راي Tikait Ray لتدارك هذه الأزمة، يقيمون المشاريع على نطاق واسع كوسيلة لامتصاص الزيادة الكبيرة في عدد العمال الذين أتوا من الأرض وفي تجنب الشغب في المدن من أجل الغذاء، وبدأت بالفعل في عام 1785 أعمال كبيرة مثل سوق، وبوابة كبيرة ودوشة الرومي، والإمام باره الكبيرة، وعمل آلاف من العمال ليلاً ونهاراً من أجل المشاريع لمدة سنوات عديدة. بل إن أشخاصاً من كبار العائلات كانوا يعملون في الليل لكسب قوتهم، وقد أنفق الوزير مليون روبية في العام على المباني)[76](.
مدرسة الواعظين لتدريس العلوم الإسلامية الشيعية (لكنو)
وربما زاد عدد سكان لكنو في الفترة ما بين عامي 1775 ـ 1800 من مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف)[77](. وقدر «شرواني» أنه في حوالى عام 1805 كان في المدينة 100 ألف من السكان وألفي فندق وألف جامع)[78](، وكانت الزيادة أيضاً بنتيجة نمو لتجارة المنسوجات مع كلكته، وكان لزيادة عدد المسلمين والهندوس من العمال والحرفيين في المدينة أثر في قيام شبكات اجتماعية جديدة وتقاليد شعبية، وقد تمسك المهاجرون من المدن بإقامة مجالس على الطراز الشيعي للحداد على الإمام الحسين (ع).
مؤسسة الإمام باره)[79](
كنتيجة للحاجة لمكان يستطيع أتباع الإمام علي (ع) الحداد على ابنه الشهيد الحسين (ع) بشكل جماهيري، أنشئت مؤسسة الإمام باره وغيرها من المؤسسات المماثلة الأصغر حجماً. وكلمة إمام باره تعني باللغة الأوردوية (بيت الإمام)، ولقد أقام النواب صفدر حنك إمام باره في دلهي. وخلال حكم شجاع الدولة أقام آغا باقر خان لابن أخيه إمام باره في لكنو.
وربما كانت الإمام باره في شمال الهند في القرن الثامن عشر قد تأثرت بالنموذج الإيراني (الحسينية) أو التكية، ثم بالنموذج في جنوب الهند (عاشور خانه) )[80](. واستدعى الحكام المهندسون من دلهي المدعو كفاية الله، إذ لم يكن الأمبراطور المغولي ولا الوزير يسيطر على راجستان ولم يكن بالإمكان الحصول على رخام كالذي استعمل في (تاج محل)، ولذلك فقد اضطر كفاية الله أن يعتمد على الفن الهندي المحلي، فاستعمل قوالب الطين والحجر، مع خليط من الطين ما جعل العمل يبدو عملاً هائلاً)[81](. ولقد قدر (مشهدي) تكاليف البناء بنصف مليون روبية، على أن الرحالة الإيراني (شوشتري) قدر تكاليف الزخارف التي تظهر التبذير، بما يقرب من مليون روبيه)[82](، كذلك فقد شهد أصفهاني على النفقات الباهظة التي أنفقها الحكام على الإمام باره وزخارفها)[83](، وقال بأنه حتى بعد إنجاز البناء في عام 1791م (1205هـ) فإن النواب أنفقوا أربعمائة أو خمسمائة ألف روبية على زخرفته سنوياً، وقد وضعت مئات من الآثار الذهبية والفضية التي تمثل قبر الإمام الحسين (ع) في كربلاء، في الصرح كتقدمة للإمام، بالإضافة إلى القناديل الزجاجية، وكانت هذه كثيرة بحيث لم تترك فراغاً لجلوس المشاهدين والنائحين، وكتب فالنتيا Valentia أن الإمام باره كانت مزخرفة بالقناديل خلال شهر محرم بشكل مذهل وأن المؤمنين كانوا يتلون الصلوات في كل مكان من البناء)[84](.
وقد أخذ رجال بلاط آصف الدولة ينافسون مشروعه البنائي في مناطقهم فأنشأوا في كل حي منازل جديدة عبارة عن إمام باره وجوامع)[85](، أما حسن رضا خان فقد بنى إمام باره ومسجد ولما قام المسجد نقل صلوات الجمعة إليه من قصره، ثم فيما بعد كانت الصلاة تقام في الجامع الكبير الذي بناه آصف الدولة إلى جانب الإمام باره الكبيرة)[86](.
ولقد كان بعض الرجال من خيرة أشراف الشيعة في لكنو يبنون الإمام بارات، هؤلاء أمثال عرفان علي خان، تحسين علي خان، رمضان علي خان، وتجمل حسين خان، في تلك الفترة كما كان يفعل كثير من السنة والهندوس، وفي فترة الـ1800م وما بعدها كان كثير من مباني الإمام بارات تزين لكنو، وتبلغ 2,000 مبنى)[87](، وقد أسس رجل الشيعة البارز سيد ديلدار علي ناصر آبادي إمام باره في أوائل عام 1790، أصبحت فيما بعد مركزاً كبيراً للثقافة الدينية وموضعاً لمثوى كثير من علماء الشيعة)[88](.
وكانت هذه الأماكن تستخدم لمهام عديدة فكانت مكاناً للطقوس الشيعية وللعبادة، وبمثابة صالون للأدب وكآثار أيضاً ومقابر للعلائلات، وأصبح من المعتاد فيما بعد أن تصبح هذه المباني أوقافاً كوسيلة لنقل الثروة للأجيال القادمة لأنه لم يكن من الممكن في ذلك الحين بيعها)[89](.
وكان قراء القرآن أيضاً والمشرفون على المبنى يعملون في هذه المؤسسة.
ومع هذا فإن الأشراف لم يكونوا ينفقون على هذه المباني مثلما كان ينفق عليها الحاكم ورجاله، فمثلاً كان ميرزا جنك علي يأخذ معاشاً شهرياً من شقيقه نواب سادات علي خان مبلغاً قدره 3,000 روبية، فاشترى قطعة أرض في باتنا Patna في آخر عمره بهذا المبلغ وبنى مسجداً وإمام باره فيه، وعين فيه مديراً وآخرين بمعاش مقداره 50 روبية في الشهر، ومن هؤلاء مقرئو القرآن والصلوات والمشرفين على البناء، ولما توفي الميرزا دفن في هذه الأرض، ثم تابع النواب فيما بعد في جعلها المثوى لسلالته، إلا أن البريطانيين منعوا ذلك بسبب اشتراك آله في الثورة في الفترة من 1857 ـ 1858)[90](.
وعلى عكس إيران فإن هذه الأوقاف نادراً ما كانت تكون تحت إشراف العلماء الكبار، وفي الحالة التي ذكرناها كان أبناء المتوفى هم الذين يشرفون على الوقف.
وقد احتذب بلاط آصف الدولة كثيراً من الشعراء ورواة الشعر والمراثي وأصبح لهؤلاء مكانة كبيرة في المجتمع، وقد تلا ميرزا محمد رضا وهو صديق حسن رضا خان وشاعر كبير من شعراء المراثي، من القرآن وذلك في الاحتفال الذي أقيم لتأبين نواب شجاع الدول من قبل زوجته في فايز آباد)[91](. وقدم إلى لكنو شعراء المراثي مثل ملا محمد شوشتري وشاه حسين ولايت الذين أتوا من إيران، ووجدوا تقديراً لهم في بلاط النواب، وعين آصف الدولة الشوشتري وهو شاعر، لكي يتلو المراثي في الإمام باره الكبيرة، وكان ماهراً في الفن الموسيقي (وهو فن لا يسمح به العلماء الدينيون)، كما كان له صوت جميل يذيب قلوب الناس)[92](.
وبدأ بعض الشعراء أمثال ميرزا رفيع الدين سودا ومير تقي مير، بالاتجاه إلى لكنو من دلهي التي أخذت تخمد فيها الحياة، حيث اتجهوا إلى شعر المراثي. وتخصص بعض الشعراء في هذا الفن، مثل ميان إسكندر، وجادا، ومسكين، وأفسورداه، وأخذ هذا الشعر يحل محل مواضيع الشعر الأوردوي المفضل لدى أهل الدكن، الذي جرى نقله إلى شعر الملاحم الذي يصور ما حدث للإمام الحسين (ع)، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر)[93](.
وكان للشعر إذن غرضان أحدهما أدبي والآخر ديني، فكان الشعر يلقى في الجلسات التي تعد للحداد لتذكر باليوم المقدس الخالد في عاشوراء، حين استشهد سيد الشهداء ببذل دمه، فكان الشعر يمثل هذه المعاني أكثر من النشر، وقد صور أحد الشعراء وهو (مير) الجذب الرمزي للإمام الحسين (ع) للشيعة في أود. وقد أتوا إما من بلاد عربية أو من إيران، ويقف الإمام الحسين مواجهاً خصومه المتعطشين للدماء بعد أن فقد أعوانه ممسكاً بابنه الرضيع، ويخاطب السفاحين فيقول:
الآن أقسم لكم قسماً
بأنني سوف أسترجع شرفي
سأذهب إلى أي مكان بعد أن
تركت هذا الجيش،
وسأجعل من الهند مقراً لي)[94](.
كما أن العلماء السنة مثل مولوي مبين (توفى 1810م) ساهموا في أدب الرثاء للإمام الحسين (ع)، وقد كان العلماء الشيعة يدخلون حوادث كربلاء خطبهم وكانوا يأتون بدراسات حول المأساة تعتمد على الأحاديث العربية الشفوية من الائمة أنفسهم)[95](.
كذلك فإن تطور (الإمام باره) باعتباره بناء تحت رعاية بلاط الحكام ورجال الحاشية، هيأ مكاناً خاصاً وبشكل جماهيري، وأصبحت الإمام باره وبعض المنازل الصغيرة وبيوت المؤمنين مراكز للجماعات الشيعية الجديدة وأماكن يستطيع فيها السنة والهندوس أن يعتنقوا المذهب الشيعي.
مزار العباس
كانت الديانة الشعبية في شمال الهند تتركز في أضرحة الأولياء، ولا شك أن الشيعة قد تطلعوا إلى مثل هذه الأماكن الخاصة، وقد بدأت مثل هذه المزارات تنمو في أواخر القرن الثامن عشر، وقد عاد شخص يدعى ميرزا فقير بك إلى لكنو بتبرك من مدينة كربلاء المقدسة في العراق، وذلك في عهد آصف الدولة (1775 ـ 1797م)، وقال إنه استطاع بواسطة حلم أن يكتشف الشارة المعدنية بالبيرق الخاص بالعباس، وهو الأخ غير الشقيق للإمام الحسين (ع) وذلك في معركة كربلاء، وقد احتفظ بالشارة في بيته في رستم نـﮔر، حيث أخذ الناس يحضرون النذور ويضعونها بين أيديه، وقد كان البناء في أول الأمر يتألف من أربعة جدران وسقف غير مزخرف وفناء صغير)[96](، وقد كانت شعبية هذا الموضع تجتذب اهتمام نواب آصف الدولة فقام هو نفسه ببناء قبة لبيت الدرويش وجعل منه مزاراً مناسباً)[97](، وأصبح المكان مقراً شعبياً للأشخاص الذين يبحثون عن علاج أو أبناء أو بركات روحية، وأصبحت تجارة الزهور والحلويات مزدهرة أمام بوابة المبنى، وأخذ اللصوص يتجمعون في ذلك الجزء من المدينة نظراً للثراء الذي جلبه المزار على مدينة رستم نـﮔر)[98](.
لكن نقطة التحول كانت عندما وقع سادات علي خان مريضاً حوالى عام 1801م، إذ أقسم على بناء مبنى جديد فخم للإمام فيما لو شُفي من مرضه، ولما شفي في عام 1803 توجه مع حاشيته إلى مزار العباس، يوزع الأموال على طول الطريق، وفي المزار صلى صلاة الشكر ثم أمر بإقامة بناء جديد له قبة مذهبة كبيرة في المكان.
ولما أخذ بعض الأشراف ينسبون المزار إلى أنفسهم، اصبح من الضروري توفير الأمن، فوضع الحاكم شرطة في منطقة مجاورة للمبنى)[99](، وقد ذكرت المسز علي أنه خلال شهر محرم كان الدخول بالنسبة للفقراء والأغنياء مسموحاً على حد سواء، ولكن خلال الشهور الأخرى كان مقيداً بعض الشيء بالنسبة للفقراء)[100](.
بل إن نذوراً كثيرة ذات قيمة كانت تحتفظ في المزار، بما فيها مجموعة من المجوهرات عددها (52) قطعة لا تقدر بثمن، وقد أضيف مكان للنساء حيث يمكن أن يصلين)[101](. وقد كانت نساء الأشراف يزرن المزار ويحضرن بأبهة، وذلك بعد ولادة مولود مثلاً، وكان يصحبهن أحياناً بعض الأقارب والأصدقاء والخدم، وكان بعض النساء والرجال أيضاً يزورون المزار بعد شفائهم من المرض أو بعد اجتيازهم الأخطار. وبعد وفاة ميرزا فقير خلفه ابنه علي في رعاية المزار)[102](.
وأخيراً دخل المزار في طقوس الحداد في محرم بمدينة لكنو، ولقد وجد أحد الصوفيين الشيعة الذين شجبهم العلماء بقوة، وجد أن مزار عباس هو ظاهرة فولكلورية صرفة، وقد بقي هذا المزار تحت سيطرة الأسرة التي أسسته، وشكك بعض العلماء في صحة شعار العباس في مزار الإمام)[103](، ولم يكن لذلك التشكيك تأثير على الأعداد الكبيرة التي كانت تزور المزار.
وحاول الأشراف الهيمنة على المزار وبهذا أصبحت المنطقة كلها ذات ثراء وأصبح من الضروري حراستها من قبل الشرطة، وكان المزار هو المظهر الوحيدة للمحبة الشعبية لآل البيت (ع).
وقد أدرك الشيعة في شمال الهند أنهم محاصرون بالنفوذ المسيحي في منطقتهم، وهذا الإدارك وعدم الانسجام أو التنافر كان بسبب توسع حكم شركة الهند الشرقية.
شعائر محرم
إن قصة استشهاد الإمام الحسين وآله (ع) والشعائر الدينية قد تطورت وساعدت على تكوين مجتمع شيعي في أود، هذه القصة التي كان يسميها فيشر Fisher «مثال كربلاء»، وقد تضمنت حقائق عن العدل والظلم، الحياة والموت)[104](، وهناك ظاهرة هامة وهي استجابة الشيعة في أود وكذلك السنة والهندوس لشهر محرم الذي تقام فيه شعائر الحداد، وتعود أهميتها أيضاً إلى أنها هيأت علاقات اجتماعية.
وكانت الشعائر في شهر محرم تتميز بالمبالغة وذلك في عهد آصف الدولة. وفي عام 1784 ضرب الحاكم نفسه بعنف وذلك في العاشر من شهر محرم حتى أن الدم أخذ ينزف منه بغزارة وسقط مريضاً، وكان مرافقوه قد فعلوا مثله خلال هذا الشهر.
أما سادات علي آصف الدولة فقد كان متحفظاً بعض الشيء، إذ نظراً للخسارة التي لحقت بأملاكه بسبب البريطانيين، فقد قلص من إنفاق المال على الاحتفالات في محرم.
وكانت الاحتفالات من الأبهة بحيث يكاد يكون من الصعب تمييزها عن احتفالات الفرح)[105](، وقد كان المسلمون في لكنو يوزعون ماء الورد بدلاً من الماء وحده، في ذكرى العطش الذي أحس به الإمام الحسين (ع) ورفاقه حين عذبوا، وكانت بعض السيدات يمنحن الحليب للناس في الطريق، وأقيمت إلى جوانب البيوت أماكن حيث يستطيع الناس المارون أن يشربوا الماء ليطفئوا عطشهم)[106](.
وفي أوائل عام 1800 كان نخبة القوم ذوي المراكز العالية لهم إمام باره بينما المتوسطون تقام احتفالات في بيوتهم الكبيرة)[107](، وأخذ بناء الإمام باره ينتشر بعد ذلك في 1820 وما بعدها وكانت هذه الإمام باره تُبنى بشكل دائري له قبة، وكان حجم هذه الأبنية يختلف تبعاً لثراء الباني، وكانت تستخدم أيضاً مقبرة للأسرة، وكان الضيوف يجلسون على سجاد قطني ممدود على أرض الإمام بارة، وكان هناك مكانان مقدسان أحدهما المنبر والثاني الضريح، وهو أثر من ضريح الإمام الحسين (ع) في كربلاء وكلاً من المكانين يتجه إلى الكعبة، وكان رواة المراثي يجلسون في بعض الأحيان، والبعض الآخر منهم يظل واقفاً، وذلك على درجات من الخشب المغطى بقماش مذهب أو قماش كبير (لونه أخضر إذا كان يملكه سيد)، وعلى كل جانب من جانبي النصب التذكاري لقبر الإمام الحسين (ع) يوجد صفوف من المطرزات الذهبية أو الفضية وهي ذات حواش تعلوها شارات وتوجد أيدي ذات خمسة أصابع تمثل «الأرواح الخمسة الطاهرة» وهي محمد، فاطمة، علي، الحسن والحسين)[108](.
وكانت هناك أشكال مختلفة من النصب التذكارية تبعاً لثراء الشخص الذي يملك البناء، وذلك في كل من لكنو ودهلي وكلكته وحيدر آباد)[109](.
وكان يوجد في الإمام باره الكبيرة (14) ضريحاً من الفضة الخالصة لكل من الأئمة الإثني عشر (ع)، وواحد لرسول الله (ص) وآخر لفاطمة (ع) )[110](، أما النصب التذكارية المصممة من أجل الإمام باره فقد كانت إما من العاج أو الأبنوس أو خشب الصندل، وكان ثمن تلك الغير الثمنية والمصنوعة، من خشب البامبو أو مواد أخرى ملونة يتراوح بين 2 ـ 200 روبية. وكان العمال يصنعون هذه النصب في منازلهم ويحملونها في الشوارع)[111](، ولم يكن مسموحاً للعمال والحرفيين أن يزوروا المكان دائماً، بل كان مسموحاً فقط لأقرباء الأشراف وأصدقائهم بذلك)[112](.
وانتشر أنموذج الحداد لدى الطبقة العالية من لكنو إلى المقاطعات الريفية من خلال البلاط الحاكم في لكنو، وأصبح حكام فروخ آباد Farrukhabad في أواخر القرن الثامن عشر من الشيعة، وكان علي خان من باتوامو Bhatwamu وهو من أصحاب الأراضي الكبار (توفى 1815) في أود، أول سني يبدأ بممارسة طقوس الحداد في مركز حكمه)[113](، وكان بعض زعماء الشيخ زاده في لكنو قد تحولوا إلى المذهب الشيعي أثناء حكم صفدر جنك Safdar Jang، كذلك فإن محمد إمام خان (توفى حوالى 1760) من مقاطعة محمود آباد في سيتابور Sitapur تزوج امرأة شيعية من شيخ زاده، وتحول أحد أبنائه وهو محمد مظفر علي خان (1790) إلى المذهب الشيعي وكان قد ورث القسم الصغير من المقاطعة في بيليرا Belera، وبارا بانكي، ورغم أن تحوله إلى المذهب الشيعي جعله يدخل في الدوائر الحاكمة في لكنو إلا أنه واجه عداوة كبيرة من قبل والده وأقربائه الآخرين، وبقي القسم الأكبر من محمود آباد تحت حكم شقيق مظفر علي خان واسمه إكرام علي خان (توفى حوالى 1775)، وقد حكم أحد أبناء إكرام وهو مصاحب علي خان مقاطعة محمود آباد من 1805 ـ 1819، واستولى على أكثر من 232 قرية وأنشأ علاقات متينة مع البلاط الحاكم في أود بدعمهم على المتمردين.
ورغم أنه بقي سنياً، فقد بدأ بطقوس الحداد على الإمام الحسين (ع) في بناء داخل القلعة في سيتابور Sitapur، ولم يكن لديه ولد، فتبنت زوجته في عام 1836 ولداً من أحد فروع العائلة الشيعية Belehra، وهو راجا نواب علي خان الذي عاش طويلاً في لكنو وأصبح مقرباً لبلاط ناصر الدين حيدر، وكانت (محمود آباد) وهي إحدى الأماكن الريفية الكبيرة في أود، كانت ذات حكم شيعي)[114](، كذلك فقد كان راجا نانبارا وهو سني، يحتفظ بكثير من علماء الشيعة وكثير منهم من كشمير في مركزه وذلك ليقرأوا له مراثي للإمام الحسين (ع))[115](.
ويخبرنا الرحالة الأوروبيون أن الفقراء والأغنياء كانوا على حد سواء يحتفلون بذكرى محرم، بل إن الشيعة حتى في القرى كان يضعون علامة في بيوتهم هي رمز يشير إلى اليد الممدودة)[116](.
وقد كتب روبرتس يقول:
لقد كان كل شخص لديه مبلغ صغير من المال يوفره لشراء الأدوات اللازمة لهذه المناسبة)[117](، وكانت تختلف الاحتفالات بين المظاهر البسيطة والمظاهر ذات الفخامة والأبهة)[118](، وكان الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة لا يستطيعون بناء إمام باره مستقلة، فكانوا يزخرفون أفضل غرفة لديهم في مسكنهم لهذه الغاية ويستخدمون مواد رخيصة الثمن للتزيين)[119](. وكان الناس يوفرون زيت المصابيح لهذه الغاية)[120](.
مجلس الحداد
كان هناك من المراسيم الدينية الشيعية شيئان بالنسبة لشهر محرم: 1 ـ مجلس الحداد الذي يعقد في إمام باره أو في مسكن خاص، و2 ـ الموكب. أما الموكب وهو أقدم الطقوس فقد كان أصلاً في زمن الشيعة البويهيين في أوائل القرن العاشر في العراق، وقد تطور أسلوب مجلس الحداد خلال الفترة الصفوية في إيران.
وفي القديم كانت الجموع من الناس تجتمع للبكاء على الشهيد الحسين (ع) )[121](، وفي أود خلال أوائل القرن الثامن عشر كان الأشراف أو خيرة القوم يعقدون مجالس البكاء أو الحداد في الإمام باره الخاصة بهم مرتين في اليوم خلال العشرة أيام الأولى من شهر محرم.
أما مجالس المساء بأضوائها المتلألئة المنبعثة من قناديل لا تحصى، وثريات، فكانت أفضل المجالس، وكان المضيف وأقرباؤه يجلسون على الحصير بالقرب من النصب، أما الضيوف فيزدحمون حيث يجدون مكاناً لهم، وكان المضيف يستأجر مولوي ليقوم بالقراءة في ذلك اليوم من نص فارسي يصف معاناة الإمام الحسين (ع) وأعوانه وأسرته، وكانت مثل هذه القراءات التي تتم بين أفراد الأشراف الذين يعرفون الفارسية في أود، ذات تاثير كبير، وخاصة إذا بكى المولوي بإخلاص وعمق من منبره الذي يقف فيه)[122](.
ولما كان هذا يتطلب فقط إلماماً بالفارسية فكان من الممكن أن يكون المولوي أحد العلماء أو أحد الأشخاص وربما كان غير متمرس بالعلوم الدينية، وكان العلماء الكبار يعقدون مجالسهم الخاصة وهذا ما كان يعرف باسم «حديث خواني».
وقد وصف أحد تلامذة السيد محمد ناصر آبادي، وهو مجتهد رئيسي في لكنو في ذلك الحين تلاوة هذه الأحاديث الشفهية عن الأئمة مع الترجمة: «وجدته في العاشر من محرم يذكر المصائب التي وقعت في كربلاء، ويبكي بحرقة وكذلك أولئك الذين يستمعون إليه، ثم صعد إلى المنبر حافي القدمين، عاري الرأس والدموع تنحدر من خديه، وهكذا كان في تلك الأيام وبعد ذلك كان يذهب للمنزل وهناك يجتمع مع الناس»)[123](.
وبعد القراءة بالفارسية وتدعى (المجالس العشر)، لأن النص يتألف من عشرة فصول (فصل لكل عشرة أيام أولى من محرم)، ويعقب ذلك استراحة يوزع فيها ماء الورد على الحاضرين، وكان البعض من نخبة القوم يدخنون النارجيلة خلال هذه الفترة)[124](.
وبعد الاستراحة كان قراء الشعر يتلون المراثي الشعرية باللغة الأوردوية، وكان الجميع يفهمون حتى الجهلاء والأميون)[125](، وفي أوائل القرن التاسع عشر استخدم بعض رواة الشعر ما يشبه الغناء، إذ كان قراء الشعر يقرأون شعر المراثي لاستشهاد الإمام الحسين (ع) بعدة أساليب في الإلقاء والتنغيم، وكان العلماء يفضلون الأسلوب المتقيد باللغة الذي يشبه إلقاء الشعر من قبل الشعراء، أما الأسلوب الآخر الذي يعود إلى بدايات النهضة الشيعية الثقافية في أود فكان يشتمل على (سوز خواني) أو ترنيم المراثي. وفي عهد آصف الدولة، برز في هذا المجال حيدر خان وهو مغني كبير، كان يعلم سيد مير علي ويسمع في بلاط سادات علي خان.
وفي مثل هذه الأدوار كان الأسلوب الموسيقي (Rajinis) تبعاً للذوق، وكان الحرفيون والعمال والنساء سواء من الشيعة أو السنة أو الهندوس يحبون أو يفضلون الأساليب التي تعتمد أكثر على الموسيقى، وفي زمن غازي الدين حيدر (1814 ـ 1827م) قدم الناس من كل أنحاء أود إلى لكنو خلال شهر محرم على أمل سماع النائحة الحسينية السيدة حيدر وهي تنشد بعض المراثي الشعرية في رثاء الإمام (ع) )[126](، وكانت النساء ينشدن المرثيات أمام الجمهور رغم أن العلماء كانوا يحرمون مثل هذه الاجتماعات المختلطة.
وكان بعض الشيعة المتشردين يتوجهون إلى سيد ديلدار علي ناصر آبادي بالسؤال عن النوح بشعر المراثي، فكان يرد بأن الاستماع لمثل هذا الشعر والبكاء على الإمام (ع) والحزن عليه بكل الوسائل، كل هذا له قيمته ومكافأته.
فإذا كانت المراثي تقرأ بصوت حزين فهي لا تشكل أي مشكلة، ولكنه كان ضد الإعادة بالترنيم، لأن هذا شديد الشبه بالموسيقى، وقال إن أي شخص يتجنب الاستماع إلى مثل هذا يحظى بالمكافأة الروحية)[127](.
وبعد تلاوة أبيات الرثاء ينهض الجميع ويعددون أسماء الأئمة الإثني عشر ويدعون لهم فرداً فرداً، وكانت مجالس الحداد تتضمن فترة تسمى (مأتم)، وقد كان نخبة القوم من الشيعة يمارسون هذه الطقوس أيضاً، وقد كتبت مسز علي عن الاحتفالات لدى الطبقة العليا فقالت:
«لقد شاهدت الدم ينزف من صدور رجال أقوياء يضربون أنفسهم وهم يهتفون يا حسن! يا حسين!، لمدة عشر دقائق وأحياناً لفترات أطول»)[128](.
وكتبت أيضاً عن العلماء وعدم استحسانهم الجلد بالسوط فقالت: «إن المولوية والملا ورجال الدين لم يكونوا يشتركون في ضرب صدورهم رغم وجودهم هناك، فالعلماء كانوا من ناحية يستمرون بفترة الحداد والحزن أكثر من البقية من المؤمنين وذلك في فترة الـ1820 وما بعدها 40 يوماً كاملة، ومع ذلك لم يكونوا يشتركون في موكب الحداد أو استعراض الحداد)[129](.
أما النساء فكن يشتركن في ذكرى شهر محرم، رغم أن قليلاً من الأميرات والنساء الثريات كان لهن إمام باره خاصة، وإنما كانت تخصص أماكن في منازلهن مؤقتاً كإمام باره للنساء فقط، وقد رأت مسز علي أن حزن النساء كان أكثر شدة من حزن الرجال وذلك خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، بحيث أن النساء التقيات كن ينسين أحزانهن وهمومهن الخاصة خلال تلك الفترة.
وفي حيدر آباد شوهدت النساء من الشيعة يضربن صدورهن كالرجال تماماً)[130](، وفي لكنو كانت النساء يتركن لبس المجوهرات والثياب ذات الألوان البراقة ويطلقن شعورهن ويرتدين ثياب الحداد السوداء، وبعضهن كن يلبسن باستمرار ولمدة عشرة أيام الثياب السوداء، وكانت خادمة مسز علي تصوم عن الماء طوال النهار وفي المساء تجتمع النساء حول النصب التذكاري مع الأصدقاء من النساء والعبيد والخدم يحيطون بالضيوف)[131](.
وكما هو الحال في المجتمع الشعبي فقد كانت النساء المتعلمات يترأسن هذه المجالس النسائية)[132](.
وكانت النساء تعمل كمعلمات للقرآن الكريم لأبناء العائلات الشريفة، وكن يعلمن في منزل النساء اللواتي يستضفن الناس خلال شهر محرم ويأخذن أجرة وهدايا أيضاً، وكن يقرأن المجالس العشرة من شهر محرم بالفارسية، أما الشعر الخاص بالمراثي فكان بالأوردوية)[133](.
وهكذا انتشرت شبكات المجتمع الشيعي وتطورت سواء من الذكور أو الإناث، من الخاصة أو العامة، وكان الأشخاص المشاركون في الحداد ينشرون الأخبار بين السكان في الجوار أو القرية ويشيعون جواً من الوحدة بهذه الأخوة الدينية في كل مكان، وأصبحت لكنو مكاناً يأتي إليه الشيعة من كل أنحاء أود في شهر محرم.
المواكب
كانت مجالس الحداد في المنازل أو الإمام باره، تقدم صورة عن الصداقة والأخوة بشكل عام، فكانت الطقوس والمواكب تجلب الناس في الشوارع من كل مدينة كبيرة، بالإضافة إلى الزوار من القرى المجاورة، وبتطور هذه المواكب والاحتفالات تعزز مركز الشيعية كمذهب أو معتقد في أود، وأصبحت الطقوس المفضلة في البلاط.
وكانت هناك نشاطات خاصة تميز كل من الأيام العشرة في محرم وكان اليوم الأول من محرم يشهد سكوناً لا نشاطاً إذ أن الدكاكين تغلق وتبدأ العائلات في الحداد في منزلها.
وفي اليوم التالي كان الناس يزورون النصب الموجودة في بيوت أصدقائهم، وكان الأتقياء يرون أن مثل هذه الزيارات كطقوس دينية تعادل الزيارة المكلفة إلى كربلاء نفسها)[134](، وفي اليوم الثالث من محرم كانت النساء ترسل أطباق الحلوى إلى الأصدقاء والأقرباء، مثلما ترسلها إلى العائلات الفقيرة.
وكانوا يكررون هذا في اليوم السابع والرابع عشر بعد أوائل محرم)[135](.
وفي اليوم الخامس من محرم كان المؤمنون يذهبون بمواكب من لكنو إلى رستم نكر إلى مقام العباس.
وقد شاهدت مثل هذه المواكب مسز علي فقد كان على رأس المواكب حراس يسيرون حول أربعة من الأفيال التي تحمل الرجال والشعارات الفضية والذهبية، وهناك فرقة تعزف الموسيقى الهندية، ثم يأتي بعد ذلك شخص في حداد يمسك راية سوداء علق عليها سيفان، وخلفه يسير الشخص الذي يملك الشعارات مصحوباً بقراء الشعر وبعدد كبير من الأصدقاء، وكانت الأبيات الشعرية المختارة في هذا الموكب تخص معاناة «العباس» (ع).
ثم يأتي حصان يمثل حصان الحسين (ع) وهو حصان أبيض عربي، ساقاه ملطختان بالدم، وتظهر الرماح وقد وخزت كل جزء من جسمه)[136](.
وهناك ألوف آخرون من الأشخاص الحزانى يتوجهون إلى المزار بشاراتهم، وكانوا يدخلون بخطوات سريعة من الفناء، وكان خادم المقام يأخذ الشارة من كل شخص من المدخل الأمامي ويلمس بها الشارة الموجودة على نصب «العباس». ثم يخرج، وقد قدرت المسز علي عدد أولئك الذين يدخلون في يوم واحد بحوالى أربعين أو خمسين ألف شخص)[137](.
وفي اليوم التالي وهو السابع من شهر محرم كان يُحتفل بذكرى)[138]( زواج القاسم ابن الإمام الحسن إلى ابنة الإمام الحسين (ع)، وفي أود كان الناس يتذكرون الزواج ويمثلون المراسيم، وبعد إتمام الاحتفالات كان خيرة القوم يوزعون المال على الفقراء، مثلما يفعل في الزواج الحقيقي)[139](، وكان الناس في الأنحاء الأخرى من الهند يدخلون تغييرات على هذه الطقوس، ففي حيدر آباد في الجنوب كان رجل في بعض الأحيان يمثل شخصية القاسم ويجهزون لدفنه في الإمام باره، وفي اليوم السابع من محرم كان الناس في تلك المدينة يلونون حصاناً يمثل حصان الإمام (ع)، ويكون مصنوعاً من الخشب ومزيناً بالجواهر)[140](. وكانت قمة فترة الحداد تأتي في اليوم العاشر وهو اليوم الذي يمثل الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام الحسين (ع)، وكان الناس يذهبون لمكان رمزي يمثل مكان دفن الحسين (ع) في ضواحي المدينة، ويسمونه كربلاء.
وكانت الطبقات العاملة في فترة حكم الصفويين في إيران، تفضل الاشتراك في مواكب الشوارع، أما الأثرياء فكانوا يفضلون مجالس الحداد في الداخل)[141](. ومع ذلك فقد كان كثيرمن الأشراف يشتركون في مواكب الشوارع، وكانت لهم مراسيم مشابهة وعروض، وكانت هناك احتياطات أمنية في حالة الخوف من وقوع صراع أو شغب بين الشيعة وغيرهم)[142](.
ويتخلل هذه المراسيم توقف لإلقاء المراثي ويقوم الحزانى بجلد أنفسهم بالسياط على صوت دق الطبول، وكان الأغنياء من القوم لدى عودتهم إلى البيت يوزعون المال والثياب والطعام على الفقراء، وكانوا يهبون الحصان وما يكسوه من كساء فاخر إلى إحدى عائلات السادة الفقراء)[143](.
وفي عام 1820 بعد مراسيم الحداد في العاشر من محرم، وفي اليوم الثالث بعد ذلك اليوم يبدأ الرجال في حلق ذقونهم، وتترك النساء ثياب الحداد ويلبسن المجوهرات، ويبدأ عامة الناس في مضغ التامبول مرة أخرى ولا يتسمر في الحداد إلا بعض الأشخاص الأتقياء جداً فيستمرون في هذا الحداد لمدة أربعين يوماً)[144](. وكان علماء الشيعة يتخذون موقفاً ناقداً لبعض شعائر محرم، وبهذا يعززون مراكزهم الخاصة كرجال دين طاهرين.
وفي عام 1808 حاول الباحث المهاجر آغا أحمد بهبهاني وهو إيراني، أن يقنع الأشراف في فايز آباد بالاستغناء عن مسألة قرع الطبول التي تصاحب ضرب الصدور)[145](، وقد سأل أحد المؤمنين في لكنو رجل الدين الشيعي البارز السيد ديلدار ناصر آبادي)[146]( عما إذا كان من الصحيح استخدام الطبول والجياد التي ترمز لحصان الإمام والجمال وذلك في يوم العاشر من محرم، فأجاب إن استخدام الطبول هو بدعة ولكن استخدام الجمال لتمثيل قافلة آل الإمام وذلك من أجل استثارة العواطف الرقيقة لا يعتبر إشكالاً)[147](.
على أن بعض علماء الشيعة الآخرين كانوا يتغاضون عن بعض الطقوس الفولكلورية الأخرى، بل إن المولوي أحمد أبو الحسن الكشميري كتب يدافع عن استخدام الطبول في الحداد على الإمام (ع) )[148](.
وقد بحث Ende في أن بعض العلماء العرب في الفترة الحديثة دافعوا عن الجلد بالسياط، واعترض بأن هذا يشجع على اشتراك جماعات كثيرة في طقوس محرم)[149](. وقد سمح السيد محمد بالجلد فقط في حالة نسيان الحزين لنفسه، وقد دخل نوع جديد من الطقوس في إيران أواخر القرن الثامن عشر، بالإضافة إلى ما سبق في الحداد على الإمام، وذلك هو تمثيل مسرحية تتضمن فصول عن مواكب العاشر من محرم، والحزانى يمثلون الحسين (ع) وأعداءه، وهذا نوع من المسرح الفولكلوري، ولكن لم يكن هناك مثل هذه المسرحيات في أود في الفترة التي نتحدث عنها، بل كان أشراف الشيعة يرعون مسرحيات تمثل حول كريشنا Krishna، على الأسلوب الهندي، وربما ساعدت هذه العروض على نهضة المسرح التقليدي، وقد كانت الحكايات التي رواها الرحالة في البنغال وفي بيهار تظهر مستوى عال في التمثيل خلال شهر محرم، عن ذلك التمثيل في أود)[150](، وقد أصدر العلماء في أود أحكاماً ضد مشهد يصور لوحات دينية كستارة خلفية للمسرح خلال مجالس الحداد)[151](.
وقد كانت مواكب محرم تملأ شوارع المدن في أود بالحزانى ممن يجلدون أنفسهم.
مساهمة أشخاص
من غير الشيعة في محرم
لقد كانت ثقافة أود وهو مجتمع ما قبل الصناعي، تبين ميولاً للتكريس للخدمة الدينية، وقد كان بعض المتصوفين من المسلمين والهنود ينقلون، رموزهم من جماعة إلى أخرى، وقد بدأت طقوس محرم في أود تمثل عاملاً وسيطاً في نقل هذه الرموز والأفكار بالنسبة لبعض الجماعات، وقد وجدت حدود بين بعض المجتمعات الدينية وحدثت مشاغبات بين الهندوس والمسلمين أو بين السنة والشيعة، إلا أن أولئك الوسطاء الثقافيين ربطوا بين الجماعات من الطبقات الشعبية إلى حد كبير وذلك في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين)[152](، وقد كان المسلمون من السنة في أود في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يعقدون أيضاً مجالس الحداد ولكنهم كانوا يتجهمون عندما يشاهدون ضرب الصدور.
ورغم أن السنة قد اشتركوا أحياناً في مواكب محرم فإنهم كانوا يختلفون عن الشيعة في بعض الطقوس، فمثلاً كانوا يرمزون إلى آل البيت بثلاثة أصابع بدلاً من خمسة كما كان يفعل الشيعة، ويقصد السنة بثلاثة أصابع تمثيل الخلفاء الثلاثة الأوائل)[153](، وبالنسبة إلى السنة في أود كان علي وبنوه (ع) هم الأحق بالخلافة لا أن يكونوا هم الضحايا، وعلى الرغم من أن الصراع الشيعي ـ السني كان يحدث في مثل هذه المناسبات فقد كان سببه هو الفهم المختلف للخلفاء، ولم يكن هناك حديث طيب عن الأمويين، وكان كل من السنة والشيعة نافرين من بعضهما وذلك في العقد الأول من القرن العشرين حتى أن السنة الذين كانوا يحزنون على الحسين بدأوا يأخذون نصبهم التذكارية إلى أماكن أخرى غير أماكن الشيعة)[154](.
ولقد كانت الأكثرية من الهندوس أيضاً يشتركون في الحداد على الإمام الحسين (ع). وكان الرحالة الإيراني شوشتري قد رأى الهندوس يحتفلون بمحرم في كل أنحاء شمال الهند في أواخر القرن الثامن عشر، وذكر في كتابه أن الأثرياء من الهندوس في دلهي كانوا يجدون من أجل تشييد الإمام باره، وكانوا يصومون خلال شهر محرم، ويلقون المراثي عن الإمام باللغات الهندية والأوردوية والفارسية، وكانوا يطعمون الفقراء.
وكانوا يقيمون النصب التذكارية للإمام (ع) وينحنون أمامها، إلا أنهم بعد العاشر من محرم كانوا يلقونها في النهر أو يدفنونها.
وقد وجد «الشوشتري» أن بعض ما فعله الهندوس من صوم مثلاً وتعذيب لأنفسهم خلال محرم، شيئاً غريباً جداً)[155](.
وقد اتبعت طائفة الكاياستا Kayastha بشكل خاص العادات الإسلامية نظراً لارتباطهم الطويل بالحكام المسلمين كمعاونين أو حُجّاب، وكان كثير من أفراد هذه الطائفة يبنون لأنفسهم الإمام باره)[156](.
وقد كتب روبرتس Roberts عن الهندوس واشتراكهم في طقوس الحداد على أبناء الحسين (ع)، «فقد كانت أعداد كبيرة جداً من الهندوس تستمر في الحداد خلال العشرة أيام من محرم ويلبسون الثياب ذات اللون الأخضر ويظهرون بمظهر الفقراء»)[157](.
وقد أنفق الطاهي الهندي لدى «فاني باركر» Fanny Parker أربعين روبية على نصب من خشب البامبو للإمام وقام بكل الطقوس التابعة لمحرم، ثم عاد إلى هندوسيته، بعد أن قدم النصب مع الأرز والقمح والزهور وأكواب الماء)[158](، كما أن الهندوس في المقاطعات التي كان يحكمها الهندوس في وسط الهند وجنوبها كانوا يحتفلون بمحرم والمواكب الحسينية.
إلا أن البراهمة المتشددين كانوا يعارضون ذلك، ولكن بعضهم كان يحزن على الحسين (ع)، وكانت حوادث الشغب تثار بين الهندوس والمسلمين في حيدر آباد التي يحكمها المسلمون وذلك خلال شهر محرم، وكان الهندوس الذين يشتركون في طقوس الحداد يقفون إلى جانب المسلمين ضد خصومهم)[159](.
ولهذا فإن الهندوس لم يشتركوا فقط بشكل واسع في طقوس محرم، بل إنهم ساعدوا في التأثير على شكل هذه الطقوس في الهند وذلك بإضافة بعض الطقوس التي كان المسلمون حتى من الطبقات الرفيعة يتبعونها.
وقد كان كل من الهندوس والمسلمين يرون في بعضهما عدم القدسية والإيمان، وذات مرة سأل أحدهم العلماء المجتهدين الكبار وذلك في أوائل عام 1830، عما إذا كان غير المؤمن يستطيع تقديم شيء من المال أو المتاع من أجل الأئمة وتوزيع الطعام على الفقراء المؤمنين خلال شهر محرم، فأجاب أنهم يستطيعون ذلك إذا كان المضيف في مجلس الحداد قد طلب منهم ذلك)[160](، على أن اشتراك كل من السنة والهندوس في طقوس محرم جعل هذه الشعائر عامة، وقد كان السنة في أود يحبون الحسين (ع) ويذرفون الدموع على أحفاده وهذا ما خفف المواقف الشيعية المتشددة تجاههم، أما الهندوس فقد كانوا يحتفلون بذكرى محرم أيضاً ويعتبرون الحسين كإله للموت وكانوا يشبهون حصانه الملطخ بالدم بكالي دورجا Kali Durga وقلادة عنقها المؤلفة من جماجم.
عالم الشيعة الكبير في أود السيد دلدار علي ناصر آبادي
خاتمة
كانت الطقوس في محرم تتألف من طقوس جماعية، وقد كان يشترك في بعضها أيضاً كثير من السنة والهندوس كما ذكرنا، وساعد آخرون في نشر المُثل الشيعية بين الجماعات وتعزيز الشبكات الاجتماعية المؤلفة من المؤمنين، كما أن العنف الذي أحدثته ساعد في تقوية الصلابة الداخلية للشيعة.
وكانت ذكرى محرم بما تتضمنه من «زيارة» للنصب التذكارية للإمام تظهر بوضوح أن البناء والهدم مترافقين، فمن ناية نجد أن الفروق الاجتماعية كانت تنحل بشكل مؤقت وهذا ما تحدث عنه فيكتور تورنر Victor Turner)([161](.
فقد كان النخبة من الشيعة سواء من الرجال أو النساء يحطون من قدر أنفسهم وذلك لحرمانهم من الإمام، فكان الرجال يسيرون حفاة الأقدام عراة الرؤوس تحت شمس لكنو الشديدة، أما السيدات فكن يلبسن الثياب المتسخة لمدة عشرة أيام في الوقت الذي كان الطقس فيه يتطلب الاستحمام المتكرر.
كذلك فإن اشتراك طبقات أو طوائف متعددة ومجتمعات دينية مختلفة في هذه الطقوس حثت على الصراع والتناحر نظراً لأن بعض السنة والهندوس كانوا معترضين بشدة عليها.
ورغم أن الأشراف أو نخبة القوم من الشيعة كانوا يستبعدون الطبقات الشعبية من الإمام باره الخاصة بهم، ويجبرونهم على السير خلف أفيالهم في الموكب، إلا أن هذه الطبقات الشعبية كانت تعبر في كل يوم عن أحزانها.
كذلك فإن طبقة الأشراف من الشيعة كانوا يوزعون المال والهدايا خلال المواكب للتأكد من مشاركة الفقراء في الحداد على الحسين (ع)، وقد كان بعض فقراء الصوفيين في بعض الأماكن ينظمون المواعظ وفي خلال هذه الاحتفالات كانوا يتسلمون الهبات)[162](.
أما العمال والحرفيون والفلاحون فقد كانوا يعتمدون على سخاء الحكام الشيعة، وهذا الاعتماد شجع هذه الطبقات على الاشتراك مع الحكام في ممارساتهم الدينية.
وهكذا نشأ مجتمع شيعي فيه شبكات اجتماعية واسعة، ومع أنه في أوائل القرن التاسع عشر أخذت جماعات أخرى كالسنة وبعض الهندوس تشترك في طقوس الشيعة، فقد استمر نمو المجتمع الشيعي وتطور إلى سياسي وذلك في القرن العشرين)[163](.
لقد شهد أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين خطتين دينيتين للعمل في أوساط الطبقة المؤلفة من النخبة أو الأشراف الشيعة في أود، وقد بدأ التوتر يخفّ بالنسبة للأشراف من الشيعة نظراً لأنه أصبح لهم حكومتهم الخاصة، فقد أصبحت الشيعية مستقلة عن المغوليين في دلهي.
ومن هنا فقد بدأ الشيعة في تأسيس مؤسساتهم الخاصة والبعض منها كانت تُؤسس لأول مرة في شمال الهند، وهذه المؤسسات كانت تتطلب موظفين مختصين مؤهلين من الناحية الدينية.
وكان السبب الرئيسي للتحول إلى المؤسسات الدينية الرسمية هو نهضة الجماعة الدينية الشيعية الحاكمة في أود. ومثلما أنهت هذه بيروقراطية محلية فقد شجعت على عقلانية أكثر.

من آثار مملكة أود: رومي دروازه إمام باره (لكنو)
كذلك فقد كانت صلوات الجمعة والمسجد رموز قوية للأمبراطورية في دلهي المغولية، ولقد قيل إن آصف الدولة كان قد بنى المسجد الجامع الشيعي في عام 1790 لكي ينافس ذلك المسجد الموجود في دلهي)[164](، وكانت النقلة إلى إقامة مؤسسات دينية رسمية موازية للمرحلة التي كان يمر بها تأسيس الدولة في أود.
وهيأ تأسيس الدولة الشيعية المستقلة الأمان بالنسبة للشيعة لممارسة طقوسهم الدينية، فبعد قرن من منع أورانـﮔزيب Awrangzib كل الطقوس الشيعية في الهند، أصبح الشيعة في أود يمارسون بحرية وصراحة عقيدتهم، وكانت إقامة صلوات الجمعة بالنسبة للعلماء الشيعة شيئاً آمناً)[165](.
ومع ذلك فقد كانت هناك أمور تحول دون توطيد مذهب الشيعة، فقد رفض العلماء الاخباريون بادئ الأمر أن ينحنوا خلف العلماء الصغار من أصحاب الأراضي، ومن ناحية أخرى لم يكن لدى العلماء ثقة بالدولة ورفضوا قبول أي مهام قضائية رسمية، كذلك فإن صلوات الجمعة بدأت في حلقة صغيرة من المقربين إلى الوزير في لاكنو، ومن ثم فقد استبعد منها الحرفيون والعمال، وقد كان منصب إمام الصلاة في أود في مراحله الأولى يمثل مركز المرشد الروحي للبيت الحاكم مثلما كان منصب الملا ـ باشي في إيران في آخر عهد الصفويين)[166](. ولكن لما كانت سلطة النواب يجب أن تمتد في أنحاء أود، كذلك فإن المدرسة الشيعية التي اتبعها امتدت)[167](.
إن معظم ما يبحث في هذا الفصل يدور حول إنهاء التوظيف الديني بالنسبة للعلماء الأصوليين)[168](، فقد انتهت عملية التوظيف الديني بممارسات واسعة مما سوف نبحث فيه في الفصل التالي، ففي المرحلة الأولى وتبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية خصص العلماء الأصوليون عدداً من المناصب الدينية مثل إمام الصلاة، مستشار قضاء، مشرف على شؤون الأوقاف، ومدرس، وسعوا إلى ملء هذه الوظائف.
من التشيع في شبه القارة الهندية
لم تكن الهجرة الشيعية إلى شبه الجزيرة الهندية هجرة جماعية بل كانت هجرة فردية يفر أصحابها من المظالم الأموية والعباسية فيمضون باتجاه الشرق حتى يصل بعضهم إلى الهند)[169]( ولم يكن أولئك المهاجرون ليهاجروا بعقائدهم بل كانوا ينتظرون البيئة الملائمة، لذلك يعسر علينا أن نحدد التاريخ الذي وصل فيه المهاجرون الشيعة الأوائل إلى شبه الجزيرة التي عرفت في عصرنا: بالباكستان والهند وبنغلادش، لقد توالى مجيء المسلمين إلى شبه الجزيرة هذه براً وبحراً، أما الذين أخذوا على الطريق البري فكانوا من العرب والترك والفرس والباثان والمغول، لقد استوطنوا أولاً حوض نهر السند ثم امتدوا شيئاً فشيئاً إلى سهل الكنج ووادي براهم بوترا وجنوب الهند.
وأما الذين أخذوا على الطريق البحري فكان معظمهم من العرب فنزلوا على شواطئ البحر العربي وخليج البنغال مستوطنين السند وتهياوارا ومالابار وأركان والبنغال، وكان الفرس الذين هاجروا في أوقات لاحقة بطريق البحر واستطونوا المدن الساحلية من الشيعة على الأغلب.
وجاء أكثر الشيعة على الطريق البري واستقروا حينئذ في مناطق مختلفة من جبال الهملايا وحوض نهر السند ثم امتدوا بعد ذلك في الجزء الأعلى والجزء الأسفل من نهر الكنج، وأبعدوا إلى جنوب الهند
وهذا الامتداد جرى خلال أجيال عديدة كان الشيعة أثناءها قد أنشأوا عدة إمارات بينما أنشأ غيرهم عدة ممالك صغيرة وكبيرة في شمال السند وجنوبه وغيره من الأماكن.
ومن سنة 817هـ إلى سنة 962 تتابعت الحكومات في الهند ما بين السادات (الأشراف) واللودهيين والأفغان حتى إسكندر شاه الثالث 963هـ حيث قام بعده الحكم المغولي، وفي ظلال هذا الحكم كان التشيع ينقلب من حال إلى حال، فتارة يكون الملك نفسه شيعياً وتارة يكون الملك الآخر مضطهداً للتشيع.
لقد كان همايون شيعياً، وجاء بعده همايون ولده الأمبراطور محمد أكبر فاستدعى إليه فتح الله الشيرازي من أكابر علما الشيعة وكان قد جاء من إيران وسكن في بيجابور فاستدعاه (أكبر) إليه وصار مستشاره الشرعي، كما حظي عنده العالم الشيعي الشيخ مبارك الناكوري وولداه أبو الفيض وأبو الفضل. وقد كان (أكبر) بعيداً عن التعصب الذميم متمسكاً بروح الدين الإسلامي لذلك عامل الهندوس معاملة سمحة كريمة وحارب التمييز بين الناس في الحقوق بسبب الدين. وفي سنة 1593 أصدر أمراً بأن كل من أجبر على الإسلام من الهنود في مدة أسلافه يمكنه الرجوع إلى دينه.
وعوضاً عن أن تكون هذه الصفات مدار اعتزاز من شيوخ المسلمين فقد اتخذوها سبباً للتشنيع على (أكبر) والطعن فيه لأنه لم ير رأيهم في اضطهاد الناس بسبب الدين والمذهب ولأنه بالأخص لم يضطهد الشيعة كما لم يضطهد غيرهم من أصحاب الأديان وآخر هؤلاء مسعود الندوي.. ففي كتابه «تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند» حين يتحدث عن (أكبر) فيقول عنه: (قد تفرد باضطهاد الإسلام والتضييق على المسلمين)!
ويقول: (تبوأ الملك أكبر سرير الملك وهو حدث لا يكاد يتجاوز الثالثةعشرة من عمره فناب عنه أمير شيعي اسمه بيرم خان (ت سنة 968هـ) بضع سنين ويقول: في الحاشية: (عين عبد اللطيف معلماً له، وهو رجل كان يرمى بوهن العقيدة وينسب إلى الشيعة. وأيضاً عين بيرم خان ـ بصفته وصياً على العرش ـ الشيخ كدائي أحد علماء الشيعة (صدر الصدور)، وهو منصب ديني يضارع وظيفة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية) )[170](.
ثم يشير الندوي بعد ذلك إلى الشيخ مبارك الناكوري وولديه ويوجه إليهم أشنع التهم ويعتبر تقريبهم من ذنوب (أكبر)[من الذنوب] الكبرى، ولكن الحق الذي يغالبه الندوي لا يلبث أن يغلبه فينطلق قلمه دون أن يحس واصفاً الشيخ مبارك وولده بقوله: «إن الملا مبارك كان رجلاً ذا علم وأدب، يرمى بعد التقيد بالمذاهب الأربعة ويرى ولده أبو الفضل أنه بلغ درجة الاجتهاد».
ومن قبل ذلك أتى الندوي في كتابه بما يتجافى مع خلق العلماء ويتنافى مع الإسلام: فهو حين يتحدث عن فيروز تغلق)[171]( (752 ـ 790) يتباهى بأن هذا الملك اضطهد الشيعة وشتمهم في كتابه «فتوحات فيروز شاهي» فهو ينقل عنه قوله مؤيداً له في هذا القول: «شرعت الروافض في نشر عقائدها الباطلة ودعوة الناس إليها واستعانوا في مهمتهم الواهية هذه بتأليف كتب ورسائل» إلى أن يقول فيروز تغلق: «فأخذناهم بأعمالهم المنكرة وعاقبناهم عقاباً وأمرنا بإحراق كتبهم على مرأى من الناس ومسمع حتى انعدمت هذه الطائفة عن بكرة أبيها».
ويعلق الندوي على ذلك قائلاً: «تبين من هذا أن الشيعة كان قد نجم قرنها في الهند في المائة الثانية للهجرة أو قبلها، إلا أنها ما أنبتت وازدهرت وأصبح لها صوت مسموع في المجتمع الإسلامي إلا في عصر همايون (936 ـ 963هـ) وبعده».
ويقول الندوي بعد ذلك في مكان آخر: «مات الملك (أكبر) فتولى ولده سليم وتلقب بنور الدين جهان ﮔير. فاقتفى أثر أبيه وحذا حذوه في عدم الاعتناء بالدين، بل زاد الطين بلة في عصره بأن تطاولت الشيعة بأعناقها وتطلعت إلى تسلم زمام الأمر والنهي في الملك لمكانة حظيتها نور جهان من قلبه، حتى أن كبير دعاة الرفض، نور الله الشوشتري (1019هـ ـ 1610م) عين رئيساً للقضاة).
ثم يعلق في الحاشية عند ذكر نور جهان: «يقال إنها هي التي كانت تسير دفة الحكم وتسوس البلاد وجهان ﮔير غارق في بحار الملذات، وكانت شيعية ذات جمال بارع وذكاء مدهش توفيت سنة 1056هـ ـ 1645م».
ولا ندري كيف يبيح الندوي لنفسه أن يسمي الزوجة (حظية) فنور جهان كانت زوجة جهان ﮔير.
وللكلام الذي نقلناه أشباه كثيرة فيما ورد في كتاب الندوي. وجاء عهد أورنك زيب عالم ﮔير محيي الدين فانقلب هذا الملك على الشيعة وتظاهر بعدائهم وأخرج علماءهم إلى البحرين وإيران والحجاز. ومات أورنك زيب وخلفه ابنه شاه عالم بهادر شاه سنة 1119هـ وكان على العكس من أبيه شيعياً صريحاً معلناً بالتشيع فأمر أن يخطب في المساجد يوم الجمعة بأسماء الأئمة الاثني عشر.
وقد قامت للشيعة في جنوب الهند أربع دول هي: العادل شاهية (وكانت عاصمتها بيجابور) والقطب شاهية (وكانت في كولكندة الدكن وحيدر آباد) والنظام شاهية (وكانت عاصمتها أحمد نكر).
ثم قامت لهم بعد ذلك دولة «أود» في شرق الهند، وكانت أول عاصمة لها مدينة فيض آباد وفي عهد النواب شجاع الدولة المتوفى سنة 1188 ضمت كبار الأدباء أمثال: سودا، ومير وغيرهما. وفي عهد ولده آصف الدولة ميرزا يحيى نقل العاصمة إلى مدينة لكهنو. وهو صاحب فكرة إيصال الماء من الفرات إلى النجف وقد بذل في سبيل ذلك الأموال الطائلة حتى وصل الماء إلى اقرب مكان من النجف وفي عهده زخرت لكهنو بالعلماء والشعراء والكتاب والمفكرين، وامتلأت بالمدارس والمكتبات ولا سيما التي تضم أمهات الكتب الشيعية، وبرز فيها أول مجتهد شيعي هندي السيد دلدار علي ولمع فيها أكابر شعراء أرودو (راجع: أرودو) أمثال: (سوز) الشاعر أستاذ النواب نفسه وكذلك مير تقي مير ومصحفي ومير حسن ومير شير علي أفسوس. كما كان النواب آصف الدولة نفسه شاعراً.
وهناك القائد الشهير بيرام خان خانان الذي مر ذكره وهو الذي لم يساعد همايون لاستعادة ملكه الضائع فحسب بل كان فعالاً في تغيير مجرى التاريخ الهندي.
ويمكن أن نذكر من بين النساء الشيعة اللواتي تزين أسماؤهن صفحات التاريخ الهندي أسماء نورجهان وممتاز محل، والأولى زوجة جهان ﮔير والثانية زوجة شاه جهان الأمبراطورين المغوليين الشهيرين. وضريح ممتاز محل معروف في أنحاء العالم باسم تاج محل، ويعتبر أحد عجائب الدنيا السبعة.
وكانت بيكم بهو عقيلة الأمير شجاع الدولة من أشهر نساء الهند وممن عملت على إنشاء منظمات اجتماعية وهي أم آصف الدولة رابع أمراء إيالة أود، وهو الذي بنى سنة 1884 م حسينية في لكهنو ببناء عظيم شامخ حتى لتعد من عجائب أبنية العالم فخامة.
واشتهر الشيخ أبو الفضل وأخوه الشيخ أبو الفيض ابنا الشيخ مبارك الذين عرفا بالأخوين فيضي وقد مر ذكرهما واشتهرا بأنهما علامتان وسياسيان ورجلا دولة وقائدان. كما كانا بين المستشارين التسعة البارزين للملك محمد أكبر.
وكان الشهيد الشيخ نور الله المرعشي التستري ـ الذي تزدحم حول ضريحه في آكرا حشود غفيرة كل عام ـ قاضياً ذا شهرة واسعة خلال حكم أكبر وجهان ﮔير، إذ كان علامة كبيراً وفقيهاً جليلاً، ولقد قضى ضحية الحسد والتحامل والتعصب المذهبي في عهد جهان ﮔير.
ولا يمكن تحديد عدد الشيعة اليوم في الهند لعدم وجود إحصاء صحيح ولكن يمكن أن يقال إن عددهم لا يتجاوز الخمسة عشر بالمائة من مجموع المسلمين.
وبعد تقسيم الهند كانت هناك هجرة جماهيرية من الهند إلى الباكستان، وقد هاجر الشيعة فيمن هاجر.
ويتجمع الشيعة في الهند في: (دلهي) و(ميروت) و(مظفر نكر) و(باريللي) و(بودايون) و(مراد آباد) و(لكهنو) و(فيضاباد) و(راي بريلي) و(الله آباد) و(جنبور) و(بنارس) و(غيا) و(بتنا) و(حيدر آباد الدكن) و(بيجابور) و(غولكندا) و(ميسور) و(مدراس) وغيرها.
وفي كلا البلدين الهند والباكستان تبلغ نسبة التعليم بين الشيعة نسبة عالية. والشيعة على العموم ملاكو أرض أو موظفون في الحكومة ويعمل أكثر الشيعة الذين يسكنون (سورات وبومباي ومدراس وكلكوتا وغيرها من المدن الساحلية في التجارة والصناعة، لذلك لا عجب أن يكونوا أغنى من غيرهم من الشيعة ومن أغنى الفئات الإسلامية في الهند والباكستان.
وكان للمجالس الحسينية التي تعقد بانتظام خلال شهري المحرم وصفر، وأحياناً خلال بقية الشهور الأثر الفعال لا في إنماء المعارف الدينية فحسب بل في التقدم الخلقي والعقلي والروحي للشيعة.
وبفضل هذه المجالس التي تقام لذكرى شهيد الإسلام العظيم الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) نبغ بين الشيعة خلال الأجيال الطويلة في كافة أنحاء القارة الهندية فحول الشعراء والكتاب وأخيراً الخطباء. فمير تقي مير)[172]( وميرزا سودا ومير حسن وسيدا انشا)[173]( وميرزا غالب)[174]( هم من أبرز الكواكب المتألقة في سماء الشعر الأوردوي.
ويشغل مير أنيس وميرزا دبير مقاماً في طليعة أصحاب الرثاء الحسيني في كل عصر ومصر ومراثيهما الشهيرة مقدرة لدى شتى مقاييس النقد، ومعتبرة من أفضل القطع الأدبية التي كتبت باللغة الأوردوية.
ويأتي في طليعة كتاب اللغة الأوردوية في الماضي: مير أمّن وميرزا غالب ومولوي محمد حسين آزاد وكلهم من الشيعة. وكان مولوي الطاف حسين نقّادة بارزاً ومصلحاً وشاعراً وناثراً.
أما الخطابة فهي في الشيعة هناك قديمة العهد منذ زمن الدولة القطبية في الدكن أي من زمن أكبر شاه واستمرت إلى يومنا هذا. وأقدم كتاب مخطوط في متحف لندن هو (ده مجلس) للملا فضل علي فضلي وقد كتبه سنة 1145هـ (1731م) و(ﮔل مغفرت) لـ(حسيني) المدون سنة 1227هـ (1812م). فقد تقدمت حين بدأ يخف الشغف بالمراثي وكان سيد سبط الحسن ومولانا محمد رضا والحكيم مرتضى حسين ومولانا مقبول أحمد ومولانا السيد علي الحائري وغيرهم من أبرز الخطباء خلال السنوات الأولى من هذا القرن.
وكان في طليعة المجتهدين في القارة الهندية في النصف الأول من هذا القرن كل من مولانا ناصر حسين ومولانا نجم الحسن ومولانا محمد باقر ومولانا أمجد حسين ومولانا شبير حسين ومولانا محمد شبر ومولانا سبط حسين جونفوري.
ومن أبرز الأعلام الشيعة في الأدب الهندي الشاعر رحيم خان خانان الذي أغنى الشعر الهندي وخلد اسمه في أنصع صفحات القارة الهندية الأدبية. أما السيد أمير علي فهو مؤرخ ذو شهرة عالمية، وكان السيد علي إمام وحسن إمام محاميين ذوي شهرة عالمية كذلك.
ويقول السيد مرتضى حسين صدر الأفاضل فيما كتبه إلينا:
«والحقيقة أن العلوم العقلية قد بلغت إلى أعلى الرقي من إفادات أكابر الحكماء الشيعة في الهند والباكستان، وأشهرهما الحكيم الملقب بالعقل الحادي عشر ـ كما كان يسميه أكبر شاه ـ فتح الله الشيرازي صاحب الدرس في لاهور وحيدر آباد الدكن وآكره. ثم الحكيم السيد بـﭼـهن أبو الحسن المتوفى سنة 1309هـ والسيد محمد رضا الخطيب والسيد حكيم مرتضى حسين الخطيب والسيد محمد مرتضى النونهري صاحب كتاب (معراج العقول)، وهو على منهج مير باقر داماد وملا صدرا. ثم الحكيم السيد ظهور حسين، ومولانا محمد عميد ومولانا كاظم حسين.
وهناك قبل كل شيء الرجلان الكبيران في الفلسفة القديمة والفلسفة الجديدة: السيد كرامت حسين القاضي الجليل وصاحب التآليف القيمة. والسيد غلام حسنين الكنتوري شارح قانون ابن سينا باللغة الأوردوية وصاحب كتاب (انتصار الإسلام).
وممن يجب ذكره: الدكتور محمد هادي المشهور بـ(رسوا)، الملم بالأدب والفلسفة والبيولوجيا والهيئة والموسيقى والكلام والعقائد، والمبتكر لطريقة الاختزال باللغة الأوردوية.
ومؤرخ التشيع في القارة الهندية لا يمكن أن يغفل ذكر الصوفية ذوي التأثير البالغ على الملايين من المسلمين ومئات الآلاف من الهندوس وهم وإن لم يكونوا من الشيعة بالمعنى المقصود من هذه الكلمة إلا أن تعلقهم الشديد بآل البيت يشكل جزءاً رئيسياً من معتقدهم مما طبع أدبهم بالطابع الشيعي البارز. وهم أمثال شمس سبزواري والخواجة معين الدين الشيشتي وأمير خسرو وصوفيي بريلي وشاه عبد اللطيف بري وشاه شند شيراغ من ولاية راولبندي وقلندر شاه ومئات غيرهم من الصوفيين.
وأخيراً يمكننا القول: إنه إن لم يكن الدور الذي لعبه الشيعة خلال العصور في القارة الهندية في الحقول السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية والاقتصادية يفوق نسبتهم العددية، فإنه كان من النوع المدهش حقاً.
الأدب الشيعي الهندي)[175](
قال ابن الحسن النجفي: يقول مولانا عبد الواحد الذي كان يعد من كبار علماء الهند في رسالته إزالة الأوهام «إن شعائر المجالس الحسينية مستمرة منذ مئات السنين وكانت تقام بأحسن وجه وأفضل صورة في عهود الملوك المسلمين المتشرعين ذوي النفوذ الكامل المطلق من أمثال محمد أكبر نـﮔير وشاه جهان وعالم ﮔير».
والواقع أن المرثاة هي قوام الأدب الإسلامي في شبه القارة الهندية الباكستانية، لأن الحياة الأدبية في هذه البلاد ابتدأت من القصيدة الرثائية، وقد أجمع العلماء على أن أول شاعر سماه أصحاب التذاكر صاحب ديوان شعري هو (قلي قطب شاه) ملك (كولكنده) في جنوب الهند، ويبدو من قراءة آثاره أن هذا الملك أنفق معظم طاقته الأدبية في رثاء الحسين (ع)، ومن المتفق عليه أن ملوك كولكندة وبيجابور وأحمد نكر في جنوبي الهند وشمالها وملوك (أود) وأمراء بنغالة وكذلك «نواب شاه نوازخان» حاكم لاهور وطائفة من حكام السند كانوا ذوي دور كبير في ترويج المجالس الحسينية والانتصار لمذهب آل البيت. ومن هنا كان أيضاً أن الشعراء في تلك العهود اتخذوا المراثي والشعر الحسيني مادة طبعهم الأولى وفنهم الأكثر بروزاً وكانوا مضافاً إلى ما يعتقدون أنهم سينالونه من ثواب أخروي، يتلقون الجوائز على ذلك في مجالس الملوك.
والحقيقة هي أن الشعراء البارزين في جميع العهود الأدبية في تاريخ الهند والباكستان كانوا متولعين تولعاً يبلغ أعلى درجات الهيام بسير أعلام الإسلام لا سيما سيد الشهداء الحسين بن علي (ع) الذي كانوا ينظمون دائماً مناقبه ومصائبه واجدين فيها ملجأ روحياً سامياً يفيض عزاء ومواساة.
وعندما يلقي الناظر ولو لمحة عابرة على تاريخ الأدب في شبه القارة الهندية سيتيقن أن جميع الكبار إلا قليلاً منهم منذ ولي الدكني، (1079 ـ 1155هـ) أولوا اهتمامهم الأول للمدائح والمراثي، ولكن يجب أن يكون معلوماً أن فكر شعراء الهند كان ينهل من ينبوع الذوق الإيراني، فنحن نحس دائماً أن مجرى الشعر الهندي كان دائماً تقليداً لمجاري الشعر الفارسي. ولكن في القرن الثالث عشر الهجري خطا العديد من الشعراء الهنود خطوات في طريق التجديد في فن الرثاء، فزينوا هذه الناحية الأدبية المقدسة وأبرزوها رائعة جميلة ذات روحانية رفيعة جعلت المرثاة الحسينية تجذب إليها كل عشاق اللغة الأوردوية وأنصارها.
هذا الأسلوب الجديد الذي اتخذه شعر الرثاء كان ذا مزايا كثيرة من حيث الكم والكيف. وضيق المجال يرغمنا على صرف النظر عن الإشارة إلى جميع ما فيه من محاسن وابتكار، ولذا سنكتفي بعرض بعض مزاياه:
1 ـ اختلف أسلوب المرثاة وتركيبها، وكذلك أنشئت مراث لا ينقص أقصرها عن خمسين بيتاً وقد تصل إلى 250 بيتاً.
2 ـ هجر الشعراء النهج القديم الجاف وغزوا المحافل الأدبية بنهج جذاب وبمبتكرات شائعة جمعت حولها من جميع أنحاء البلاد كل مجامع الفصحاء والبلغاء وحملتهم على أن يقلدوها في معظم تعبيراتهم.
3 ـ رفعوا المرثية إلى مقام شامخ بالمطالب والموضوعات التي ضمنوها إياها حين جعلوها تحتوي على أوصاف الحرب والجيش والطبيعة والرياضة والجبال والصحارى، وتصويرالمعارك وتبيان المسائل الدينية والعرفانية والمواعظ والنصائح والتذكير بأعمال أبطال كربلاء الخالدة وتنمية أحاسيس الفداء والتضحية في سبيل الحق، والتذكير بالمظالم التي نال بها شرار الأمة خيارها.
ويجب أن نذكر أن أصحاب المراثي في هذا العهد كانوا يبرزون مزايا ممدوحيهم في مظاهرهم وسلوكهم وأعمالهم وجميع أحوالهم إبرازاً. واضحاً حتى لكأن مرآة تعكس صورهم للقارئ والسامع، بل إنه كان وكأنه يبصر بعينيه جميع المشاهد الموصوفة، وينفعل بكل منظر يراه!
وبناء على ما يرويه أصحاب التذاكر فإن (مير ضمير) كان أول شخص ألبس المرثاة ثوباً جديداً ثم تعهد هذا الأمر بعده تلميذه الرشيد (ميرزا سلامت علي دبير) )[176](.
دبير: هو عالم شهير يعده فضلاء معاصريه في «لكهنو» ويعد حتى اليوم كذلك الأستاذ الأول ورائد رجال العلم. ولد سنة 1803م ومع أنه كان من أقواله يستعمل ألفاظاً قوية إلا أن مراثيه تعد عند مسلمي الهند والباكستان كنزاً من الثروة المعنوية.
مير ببر علي أنيس )[177](
كان شاعراً معاصراً لدبير ولد عام 1220 هـ في فيض آباد من توابع لكهنو وعائلة أنيس كانت جميعها من فحول الشعر والأدب، وقد كان هذا الشاعر البارز مشهوراً باسم شكسبير الشرق وفردوسي الهند.
وكان أنيس بما له من قريحة فياضة وذوق شعري رفيع ينظم كل موضوع يريده بأسلوب جدي بسيط وبدون تصنع وبتركيب حيوي محيي. وبالإضافة إلى خدماته الدينية والعرفانية الوضاءة التي قدمها عن طريق آثاره الشعرية الحماسية فقد جمع في كلامه محاسن باقي الشعراء وأضاف إليها رقة التعبير وقوة الخيال.
إن تاريخ الأدب في شبه القارة الهندية لا يعهد في جميع أدواره المديدة أثراً خالداً جذب إليه عالم الأدب مثل مراثي أنيس. ولما توفى أنيس كان مما رثاه به دبير ما معناه لقد خلا طور سينا من الكليم وخلا المنبر من أنيس.
وظهر بعد دبير وأنيس طائفة من الرثاة مثل أوج ومؤنس ورفيع ورشيد وعشق وتعشق وغيرهم. والحق أن هؤلاء الخلائف لم يحفظوا مآثر أسلافهم فحسب، بل أضافوا بكل قوتهم زيادات جمة على هذا النوع من الشعر.
وأخيراً لا بد من أن نعرض إلى هذه النقطة: وهي أن جميع شعراء الرثاء اليوم ممن درسوا العلوم والأفكار الحديثة بصورة وافية واكتسبوا كثيراً من الفلسفة الغربية قد لقحوا مراثيهم بالمشكلات النفسانية والفلسفة الحياتية ومستوحيات علم الاجتماع مع تعبيرات جديدة.
إنهم يشرحون الأسباب والعلل في فاجعة استشهاد الحسين العظمى ويعرضونها لتنمو أحاسيس التعلق بالحق وإنعاش روح الكفاح ضد الزور والباطل في المستمعين، وبهذا يرسخون ويعمقون هذه العقيدة فيهم.
الرثاء والنوح الحسينيين
في الأدب الشيعي الهندي الأوردوي
قال السيد مرتضى حسين:
يتضمن الأدب الشيعي الهندي الأوردوي نوعين من الشعر الحسيني، هما: الرثاء والنوح، فيقال: مرثية ونوحة.
والميرزا محمد عسكري في (آئينه بلاغت) يعرّف المرثية في الشعر الشيعي الهندي بأنها ما يختص برثاء الحسين وأهله وأصحابه ممن قتلوا معه في كربلاء. وأنها لا تعني غير ذلك ولا تتجاوزهم إلى غيرهم.
ويعرّف الميرزا محمد عسكري (النوحة) بأنها شعر في شهداء كربلاء يلقى بألحان معينة تلطم على وقعها الصدور وتثير الحزن العميق.
ومنذ عهد الملك الشيعي الهندي محمد قلي قطب شاه الذي ولد سنة 973هـ (1565م) وتوفى سنة 1020هـ (1611م) والذي كان شاعراً ينظم الشعر باللغة الأوردوية، والذي كان أول صاحب (كليات) في الرثاء الحسيني، منذ عهده حتى هذه العهود لا يزال الرثاء والنوح رائجين في الأدبيات الشيعية الهندية الأوردوية.
وحين نقول (الهندية) فإنما نعني بها ما يعم شبه القارة كلها قبل أن تنقسم إلى دولتين ثم إلى ثلاث دول.
وكان الرثاء في أول الأمر يجري على الأسلوب الغربي الخطابي وعلى طريقة نظم أحداث الواقعة. وفي القرن العشرين تغير الأسلوب وصار يجري مسدساً أو مخمساً أو مربعاً، وقد اختار هذا الأسلوب كل من الشاعرين (مسكين) و(سودا) ومعاصروهما.
ومن مطالعة مراثي قطب شاه التي ضمتها (كليات قطب شاه) التي حققها محيي الدين زور والمطبوعة في حيدر آباد الدكن سنة 1940 ومقارنتها بمراثي القرن العشرين ندرك الفارق بين الأسلوب القديم الذي يمكن أن نطلق عليه اسم الأسلوب الغزلي وبين الأسلوب الجديد.
وهناك رواج في شبه القارة الهندية لإبراز (العَلَم)، والمقصود بالعلم هو عَلَم العباس بن علي (ع) )[178]( ففي المسيرات العزائية يوم عاشوراء يُحرص على وجوده، كما أنه موجود دائماً في الحسينيات)[179](.
ويجب أن لا ننسى ذكر عَلَم السلطان محمد قلي قطب شاه في حيدر آباد الذي عني به عناية شديدة وكتب عليه اسمه وسنة صنعه (1001هـ) ولا يزال محفوظاً حتى الآن.
إن في الهند تنظيمات فائقة للمجالس والمسيرات الحسينيتين تنشر فيها (النوحات) وتلقى (المرثيات) مما نظمه قطب شاه، ووجهي، وغواصي، وعبدالله قطب شاه، ولطيف، وأفضل، وشاهي، وكاظم، وميرزا.
وكما شجع أهل (دﭜوان) شعراء شمال الهند على الغزل، تشجع هؤلاء الشعراء على المرثيات والنوحات، ففي مكتبة (سرسالار جنـﮛ بهادر) مجموعة مرثيات لعبد الجليل جليل يفهم منها أنه كان رائجاً في القرن الثاني عشر تلاوة المراثي الحسينية، وكان يُبدأ في مجالس التعزية بالمرثية وتسمى (سوز) ويسمى القارئ (سوز خوان)، ويكون السامعون في هذه الحالة صامتين مصغين ولكن باكين، ويختم المجلس بـ (النوحة) مع لطم الصدور وترديد مقطع من النوحة ويسمى القارئ (نوحة خوان).
ويسمى المجلس في الحالة الأولى (سوز خواني) وفي الحالة الثانية (نوحة خواني).
إن ترجمة (روضة الشهداء) والمراثي والقصائد المفعمة بالحزن أعطت روحية خاصة لنظم (المرثيات) والنوحات في (دلهي) وأثرت في أهلها، وصار هناك طريقة جديدة في مجالس التعزية في دلهي، وبعد فترة اختار الأدباء أسلوباً في المراثي غير أسلوب (روضة الشهداء) وهو أسلوب: فضلي، وحيدري المتمثل في كتاب (ده مجلسي) أي عشرة مجالس، وهي مؤلفة من الشعر والنثر وصارت التسمية: (واقعة خواني) بدلاً من (روضة خواني).
وعندما جاء آصف الدولة سنة 1212هـ إلى لكهنو قال القادمون من مدراس والدكن ودلهي إن أهل السنة والهندوس كانوا يشاركون في مراسم العزاء الحسيني.
وفي لكهنو كان الملا خُطا الشوشتري، الإيراني الأصل خطيباً حسينياً ذا فن وحسن لحن يلقي المراثي المشجية وله مجموع باسم (واقعات ملا خطا) وقد طبع عدة مرات.
والمؤسف أن غير الأكفياء قد اتخذوا من (روضة خواني) و(واقعة خواني) و(مرثية خواني) مجرد وسيلة للارتزاق دون أن يكون لديهم الإخلاص لها والكفاءة لأدائها، وظلت هناك قلة من المخلصين تسير في هذا السبيل بحب وشوق وإخلاص لأهل البيت وذوق رفيع.
وقد بدأ اللطم مع (نوحة خواني) في هذا العصر، وبالتحديد في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين. ويمكن القول إن تنظيم مجالس التعزية بما فيها من نظم الوقائع وإنشاء النوحة كان على يد (متين دهلوي) و(السيد عابد حسين كلهنوي). واختار ذلك (نفيس) و(مونس) و(أوج). كما اختاره (السيد علي محمد شاد) في ولاية بهار وكذلك (إمداد) و(إمام أثر). وعندما ألقيت هذه النوحات في حلقات المآتم والمجالس والمسيرات في عاشوراء وأربعينها بعثت روحية عالية وراقت التجمعات والحاضرين.
وخلاصة الأمر أن هناك ثلاث حالات: مأتم، ومرثية، ونوحة. ولا تختلف المرثية عن النوحة إلا بالطريقة وأسلوب القراءة.
أما المجلس مع مجرد تلاوة الأشعار الرقيقة وقراءة الوقائع فقد كان يبعث الحزن العميق. وعلماء (لكهنو) رفضوا طريقة الحوار مع الأئمة بما يداخله من غلو في الرواية في النوحة والمرثية، ولم يرضوا أن ينسب شيء من هذا إلى أهل البيت (ع).
ولهذا اختار ميرزا محمد هادي عزيز، وآقا شاعر قزلباش ومعاصروهما ـ اختاروا طريقة جديدة، ويظهر هذا من كتاب (عزيز) في النوحة والمأتم (ﮔل تابوت) الذي طبع سنة 1918م.
إن ذاخر، ومولانا سبط الحسن، وثاقب، ونجم أفندي كانوا من مبرزي شعراء أهل البيت عليهم السلام في هذا العصر. وفي سنة 1939 تحاملت السلطات على الشيعة أيام المحرم واعتقلت جماعة منهم مما أدى إلى قيام مظاهرة ضخمة وإلى تكاتف الشيعة وارتباطهم بمركز واحد في لكهنو، وانطلق الشعراء في نظم قصائدهم التبليغية، وممن اشتهر منهم: (رضي) و(ﭼهوتي صاحب) و(أصغر) و(ظفر عباس) و(فضل)، لا سيما (نجم أفندي) الذي ازدادت شهرته داخل لكهنو وخارجها. وكان لكل ذلك من الأثر أن ازدادت العناية بالذكرى الحسينية (انتهى).
المؤسسات الثقافية الشيعية
في الهند
ونشير فيما يلي إلى مؤسساتهم الثقافية القائمة في الوقت الحاضر في الهند:
1 ـ (الجامعة الناظمية) في لكهنو وتحتوي على أربعة عشر صفاً، تبدأ من أول التعليم الابتدائي وتنتهي بتدريس كتابي الرسائل والمكاسب في الأصول الفقهية. ولها بناية فخمة للتدريس ولسكنى الأساتذة والطلاب.. وتقدم للطلاب جميع نفقاتهم من مسكن ومأكل وملبس وكتب وغير ذلك. وفيها الآن ما يناهز الثلاثمئة طالب في مختلف الصفوف.
ينفق عليها من وقف خاص وقفه آغا علي خان المعروف بناظم صاحب وولده ميرزا محمد عباس علي خان. هذا الوقف لا يفي بحاجتها فما ينقص يتبرع به المحسنون.
2 ـ الجامعة السلطانية في لكهنو هي على نفس نسق المدرسة المتقدمة وينفق عليها من وقف وقفه عليها واجد علي شاه آخرملوك مقاطعة أود.
وتشرف عليها هيئة خاصة، ويناهز عدد طلابها الثلاثمئة طالب.
3 ـ (الجامعة الجوادية) في مدينة بنارس، هي على نفس طريقة المدرستين المتقدم ذكرهما، ولا وقف لها وإنما ينفق عليها من تبرعات المحسنين. ويناهز عدد طلابها المئة طالب.
4 ـ (شيعة عربي كالج) في لكهنو من شاء من خريجي المدارس الثلاث المتقدمة أن يتخصص بالآداب العربية أو التفسير أو علم الكلام انتمى إلى هذا المعهد حيث يدرس سنتين في كل فرع من هذه الفروع. ويقدم المعهد للطلاب جميع نفقاتهم. ويشرف عليها هيئة مجلس العلماء المنتخب من جميع أنحاء الهند.
5 ـ مدرسة الواعظين في لكهنو: أنشئت لتخريج الدعاة والمبلغين والخطباء وتقبل طلابها من خريجي المدارس المتقدمة أو بإجراء امتحان خاص لطالب الدخول. وتشرف عليها اليوم هيئة خاصة. وهي مجانية أيضاً تنفق على طلابها.
وجميع هذه المعاهد المتقدمة تعد طلابها للدراسة في النجف الأشرف فمن شاء من خريجيها الاستزادة من العلم ذهب إلى النجف. والجامعة الناظمية والجامعة السلطانية تتعهد لمن يكون الناجح الأول بين طلابها في نهاية السنة الدراسية بإرساله على نفقتها إلى النجف إذا شاء.
6 ـ توجد عدة مدارس دينية أخرى هي مدارس ابتدائية لإعداد الطلاب للدخول في المعاهد المتقدمة وغيرها. وهي عدا المدرستين الملحقتين بالجامعة الناظمية والجامعة السلطانية في لكهنو: وثيقة عربي كالج في مدينة فيض آباد. والناصرية في مدينة جون بور. والإيمانية في مدينة بنارس. والسليمانية في مدينة بتنا والمنصبية في مدينة ميرت. وباب العلم والجعفرية في مدينة أمروها.
7 ـ لا تخلو قرية يسكنها الشيعة من مدرسة أولية لتدريس القرآن والعقائد الدينية ومن إمام جمعة وجماعة لإقامة الصلاة والإشراف على التوجيه الديني.
8 ـ هذه المعاهد المتقدمة هي للدراسات الدينية وعدا عن هذه المعاهد فإن هناك ثلاث معاهد هي: (شيعة ديكري كالج) في لكهنو. وإمام المدارس في أمروها. (وأولد بوائز يرائمريري اسكول).
والأولى تعطي خريجيها شهادة الليسانس في الآداب والعلوم والفنون وتشرف على امتحاناتها وزارة المعارف وتبلغ ميزانيتها ثلاثمائة ألف روبية في السنة تدفع نصفها الحكومة والنصف الثاني يدفع بعضه الطلاب والباقي من الأموال الموقوفة ولها بناية فخمة للدراسة ولسكنى الطلاب. وإلى جانب ما تدرسه من المناهج الحكومية تدرس كذلك العقائد الدينية وشيئاً من الفقه لطلابها الشيعة وتعفي من ذلك غير الشيعة. ويشرف عليها لجنة أمناء منتخبة من جميع أنحاء الهند.
وإمام المدارس مدرسة ثانوية تشرف عليها هيئة منتخبة من مدينة أمروها ونفقاتها تؤخذ من الأوقاف ومن المتبرعين.
والمدرسة الثالثة هي مدرسة أطفال يتولى الإنفاق عليها رجل واحد هو السيد حافظ علي صابر الرضوي.
9 ـ وعدا عما مرّ فهناك للشيعة مؤسستان للأيتام البنين إحداهما في لكهنو والثانية في حيدر آباد.. ومؤسستان للأيتام البنات إحداهما في حيدر آباد والثانية في بومباي ويعنون بتعليم الأيتام مختلف المهن والصناعات للبنين والبنات.
تفاصيل أخرى
وعن التشيع في شبه القارة الهندية كتب لنا أحد فضلاء الهند ما يلي:
لم يكن الإسلام بالنسبة إلى شبه القارة الهندية بالشيء الجديد، فمنذ القرن الأول للهجرة كانت هناك أقلية من المسلمين تعيش في الهند، ولعل السبب الأول لدخول الإسلام إلى الهند هو التجار المسلمون الذين كانوا يرتادون هذه المنطقة من أجل التجارة، ولكن هذه الأقلية لم يكن من الممكن لها أن تظهر عقيدتها خوف الفتنة والعذاب. ثم جاءت انتصارات الإسلام فكان لذلك الأثر البالغ في توسع الإسلام وتغلغله في شبه القارة الهندية.
ويحدثنا التاريخ عن شيء له الدلالة القوية على تاريخ وجود الإسلام في الهند، ففي أوائل القرن الثامن الهجري ظهر السيد بلال شاه الداعية الإسلامي الكبير واتصل بملك كشمير حينئذ (رين جانا) ودعاه إلى الإسلام فاستجاب له الملك مع عدد كبير من أهل البلاد، وهذا الاستسلام للدعوة من قِبل الحاكمين والرعية يدل على نفوذ الدعوة ووجودها، وأخيراً استوزر هذا الملك الذي دعا نفسه فيما بعد بـ(السلطان صدر الدين) السيد بلال شاه لما رآه فيه من إخلاص وحسن إدارة.
فتاريخ الإسلام في شبه القارة يرجع إلى مدى بعيد ولكن لا يمكن الجزم بأن هذا الإسلام جاء بشكله العام أو بشكل شيعي، إلا أنه يمكن الجزم بأن التشيع دخل شبه القارة في أواخر القرن الثامن الهجري حيث هاجر السيد علي الهمداني من سلالة الرسول الأعظم (ص) إلى كشمير في زمن السلطان شهاب الدين وكان بصحبته عدد كبير من أقربائه وأتباعه، وكان دخول هذا السيد الجليل الذي لقب بعد ذلك بـ(شاه همدان) إلى كشمير وهي في حالة حرب مع «أوهند» أو (الهند كما يقول المؤرخون العرب) وقد استطاع بجهوده المتواصلة أن يقنع الطرفين بالهدنة والصلح وقام منذ ذلك الحين بدعوة الهندوكيين إلى الإسلام.
وقد قام بعده بالدعوة إلى الإسلام ولده المير محمد الهمداني المتولد سنة 774 حيث دخل كشمير بعد والده مع جماعة كبيرة من أتباعه وأنصاره. وقد استقبله سلطان كشمير (اسكندر) استقبالاً رائعاً واحتفى به وكرمه. ومن الجدير بالذكر أن قائد الجيش في كشمير وكان هندوكياً يدعى (مالك سوهابهاتا) قد تأثر بشخصية المير محمد وبساطة العقيدة المحمدية التي يحملها وأسلوب حياته المعاشية والأخلاقية مما دعاه إلى أن يتبنى الإسلام مع جميع أفراد أسرته ودعا نفسه (مالك سيف الدين) واشتدت صلاته بالسيد مير محمد حتى تزوج السيد مير محمد بنت هذا القائد بعد وفاة زوجته الأولى، وقد قام هذا القائد بإنشاء مسجد مهم موجود حتى الآن ويدعى مسجد (سوهيار).
ومن جملة الأعمال التي قام بها السيد مير محمد في تلك المنطقة منع تقطير الخمور وتحريم قتل الزوجة نفسها عند وفاة زوجها الأمر الذي كانت تتبناه التعاليم الهندوكية كما أنه منع القمار ومزاولة النساء الرقص.
وقد أهدى السيد مير محمد إلى السلطان إسكندر ياقوتة برخشانية، ما دعا السلطان لأن يرد هذه التحية بأن أهداه ثلاث قرى كبيرة وقفها المير محمد على تكيته وأعمالها.
ولا يشك المؤرخون أن مجيء شاه همدان إلى كشمير وسع كثيراً في أعمال التبشير الإسلامي وأدى إلى هداية كثير من الهنادك. كما قام شاه همدان بإنشاء التكايا والمساجد في كل ناحية من كشمير واتخذ من ذلك مراكز يبشر منها بالإسلام.
كما حول الهنادك المهتدون المعابد الهندوكية إلى مساجد. وقد قيل إن شاه همدان استطاع بجهوده المتواصلة أن يهدي إلى الإسلام حوالى ثلاثة وسبعين ألف نسمة.
ومما يدل على سعة علم شاه «همدان» المؤلفات الكثيرة التي خلفها بالعربية والفارسية ولا سيما كتابه (ذخيرة الملوك) وقد ترجم إلى اللاتينية في سنة 1825م وإلى الفرنسية سنة 1829م وهو من أحسن الكتب في علم السياسة والاجتماع.
ومما يدل على أنه كان شيعياً مؤلفاته القيمة مثل (مودة القربى) و(السبعون حديثاً في فضائل أهل البيت) وغير هذا وإن كان المشهور على خلاف ذلك لمراعاة الظروف المحيطة ويظهر هذا الأمر بعد ملاحظة الأمور التالية:
الأول: أن الدور الذي كان يعيشه هذا العالم الجليل كان مخالفاً من ناحية سياسية لأهل التشيع بسبب انحصار السلطة والقوة في أهل السنة بحيث لم يكن أحد يتمكن أن ينسب نفسه علناً لمذهب الشيعة.
الثاني: أن مؤلفاته دليل على تشيعه إذ المواضيع بالشكل الذي تناولها لا تصدر إلا من قلم يتبنى المذهب الشيعي وإنما لم يظهر ذلك منه بسبب الظروف كما أسلفنا.
الثالث: أن أولاده الذين يقطنون في مدينة (وتلوكنك) ـ محلة سادات الهمدانيين، وقرية «جلال ﭜور همدانيان» وقرية (قادرﭜور) وقرية (رهنه) وبلدة (لاوه) ـ وهذه كلها في الباكستان الغربية ـ كانوا قبل خمس وعشرين سنة تقريباً يؤدون وظائفهم وفرائضهم الشرعية كبقية أبناء السنة الآخرين. ولما ذهب زمان التقية بعد ذلك أظهروا مذهبهم (التشيع) في الوقت الذي لم يصل إليهم العلماء والمبلغون الشيعة وإنما قاموا بأنفسهم بحركة تبليغ واسعة. ونتيجة ذلك تبنى المذهب الشيعي أهالي مدينة (تله كنك) الشرقية كلهم وبقي أهالي المنطقة الغربية على حالهم لأن الغربيين كانوا أناساً عاديين بخلاف الشرقيين الذين كانت بيدهم السلطات والقوة كما صار هؤلاء حكام الهمدانيين أيضاً وأظهروا تشيعهم.
وإذا ثبت أن السيد علي الهمداني كان شيعياً ثبت أن هذا المذهب قد دخل بلاد كشمير والبنجاب بصورة سلمية واستقبله الأهلون بحرية تامة ومن غير إكراه.
ونخص بالتفصيل شاعرين من كبار شعراء الشيعة في الهند هما: غالب ومير أنيس.
غالب
أسدالله خان بن عبدالله وعرف بميرزا نوشه واشتهر باسم «غالب» عند الجمهور. وشعراء شبه القارة الباكستانية الهندية يتخذون عادة اسماً غير اسمهم الحقيقي، فيشتهرون باسمهم المستعار في شعرهم، ويعرف هذا الاسم في اصطلاح الأدب الأوردوي بالتخلص. وأصل غالب من تركيا، توطن جده في دلهي (عاصمة الهند) في زمن السلطان شاه عالم.
وهو أكبر شاعر عرفته اللغة الأوردوية، بل هو من أشعر شعراء العالم، أجاد في جميع أصناف الشعر وأغراضه، وامتاز بتحليل العواطف النفسية.
له ديوان باللغة الفارسية ومجموعة رسائل باللغة الأوردوية ابتكر فيها اسلوب الترسل، أما ديوانه باللغة الأوردوية المسمى بديوان غالب فهو معجزته من ناحية اللغة والمعنى والبلاغة.
ولد في بلدة أكبر آباد (آكرا) في 27 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1797م، لأبوين أصلهما من الترك أو التركمان الأوزبك، «بأربكستان». وتوفى سنة 1869م في دلهي، كان جده قد نزح عن سمرقند في مطلع القرن الثامن عشر طلباً للكسب فحل في ربوع الأمبراطورية المغولية وما لبث حتى وجد له عملاً عند عامل المغول في لاهور، ثم تزوج وأنجب أبا غالب، ميرزا عبدالله بيك خان. وأقام عبدالله في أكرا وتزوج فيها من أسرة عريقة غنية، وأنجب غالباً، (فسماه عند مولده ميرزا أسد الله بيك خان) ولم يشأ القدر أن يبقي الأب لابنه طويلاً، فقد قتل في معركة حربية وغالب لا يتجاوز الخامسة من العمر فتعهد عمه بتربيته، وكان أسعد حظاً وأغنى مالاً ولكن الأقدار لم تشأ إلا أن تلاحق الفتى بنحسها وأكدارها طوال سني حياته ففقد ثروته وعاش آخر أيامه في عوز وفاقة.. وشهد ويلات الحروب الاستعمارية والمجازر واضطهاد الأبرياء، ثم ضياع حكم المغول المسلمين.. كان يأخذ نفسه بالألم فيحزن ويأسو ولكنه ما كان ليستجيب للنوائب والمكاره بالاستكانة والقعود وإنما بالصبر والمجالدة.. الصبر على المكاره.. مجالدة الآلام، ومغالبة الهموم والأحزان.. وإنه ليفصح عن هذه النزعة النفسية في كثير من شعره ونثره، فهو يقول في بعض شعره:
«إن العظمة في الإنسان لا تتولد إلا بواسطة الآلام والأحزان
فعليك أن تحسن تقييم القلوب التي يغشاها الأسى
أجل، إن هذه الدنيا جميلة بآلامها القاسية، إن ما يهرق على الأرض من دماء إنما هو زينة لوجهها».
أما البيئة التي نشأ فيها فكانت بيئة الأمبراطورية المغولية في نزعها الأخير أيام اضمحلالها وانحلالها.. وانحسار حكمها أمام الغزو البريطاني الذي اتخذ شكل التسلل التجاري والاقتصادي بادئ ذي بدء ثم انتهى بالفتح وحروب التوسع. مع ما رافقها من قمع وتنكيل وتقتيل.
والواقع أن البريطانيين كانوا قد أخذوا يبسطون نفوذهم في شمال الهند في منتصف القرن الثامن عشر على أجداث المسلمين وحكامهم المغول إذ قاوم هؤلاء، دون الهندوس الفتوحات البريطانية، ووقفوا يستميتون في القتال أمام جحافل الاستعمار التي جاءت من أوروبا بالحديد والنار.. فلا غرو إذا ما ناصب الإنكليز العداء للمسلمين وشددوا بهم التنكيل ثم أوقعوا بهم المذابح من دون رحمة.
ولقد شهد غالب غطرسة الحكام البريطانيين وفتكهم بأبناء المسلمين فأورد لذلك وصفاً جلياً في شعره، من ذلك يقول ما معناه:
«لم تكن ميادين دلهي إلا مجازر، ولا بيوتها إلا سجونا
كل حبة من غبار دلهي تتعطش لدم المسلمين».
أجل لم يرع الإنكليز للمسلمين ذماماً فساموهم الخسف وذلك لكي يقطعوا دابرهم ويزيلوا حكمهم إلى الأبد.. وهكذا حسبوا، وكان لذلك ردة فعل، إذ ما لبث الجند المسلمون حتى ثاروا على الإنكليز ثورة عارمة كلفت الكثير من الأرواح والأموال، وتعرف هذه الثورة بثورة الجند أو ثورة 1857م.
على أن ثورة 1857 لم تصب نجاحاً وإنما أدت فيما أدت إليه إلى تغيير كبير في السياسة الاستعمارية، إذ شدد الحكام الجدد من نكيرهم وصاروا يتبعون فلول الأمبراطورية المغولية ويقضون على كل أثر لها، بل وعلى كل قائد من قادتها له صوت مسموع في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية. من هنا عانى المسلمون أحلك أيامهم في الهند. وكان غالب حينئذ في الخمسين من عمره، وكان ذائع الصيت فحاربه الإنكليز حتى في رزقه، فقطعوا عنه معاشه التقاعدي وتسقطوا أخباره محاولين ما وسعهم الإيقاع به وإسكاته… ولكن هيهات فقد كان غالب من صفاء المعدن ونقاوة القلب ورباطة الجأش ما دفعه لأن يخلص الإحساس ويحسن التعبير ويجيد البيان فيما نظم من أشعار وما ألف من نثر.
موهبته الشعرية
تبدت على غالب بواكير مواهبه الشعرية وهو صبي لا يتجاوز العاشرة من العمر… فقد نظم وهو في تلك السن، أبياتاً كثيرة من الغزل باللغتين الفارسية والأوردوية، وكان يصطنع الجدة، وينزع إلى الابتكار فيما ينظم، فلا يتقيد بحرفية القواعد المتبعة في القريض… مما جعل شيوخ الأدب وغواة الشعر يستهجنون أسلوبه، بل ويسخرون به ويستهزئون ولكن كان مطمئناً من موهبته متيقناً من نفسه فلم يستكن وإنما واصل السعي… فما بلغ الحادية والعشرين حتى جمع شعره في ديوان، وكان أكثره من الشعر الغزلي الوجداني… ذلك أن غالباً كان شاعراً وجدانياً رومانسياً من حيث الأساس ولو أنه كان ينزع أيضاً إلى التصوف وإلى الواقعية بمعنى أنه كان يأخذ الحياة على عواهنها. فلا يبرم بها ولا ييأس منها بل يحياها بكل ما فيها من أفراح وأتراح وملاذ وآلام… وله الكثير من الشعر من مديح أهل البيت (ع) ومراثيهم.
ترجم شعره إلى أكثر من لغة وأقيمت لذكراه العام 1969م مهرجانات عالمية في أكثر من عاصمة كبرى، ولم يعن بشاعر من شعراء اللغة الأوردوية مثل ما عني بهذا الشاعر، ولم يشتهر أحد شهرته ولم ينل أحد منزلته. يقول عبد الحق: «ويخيل إلينا أن الشعر الأردوي جمد في هذه المرحلة من مراحله، وفي هذه اللحظة ظهر غالب فجأة كما يبزغ النجم في سماء الأدب، وكان غالب ـ شأن عظماء الرجال ـ سابقاً لعصره، كان طليعة الحركة الحديثة في الشعر الأوردوي. وليس له في دولة هذا الشعر نظير في الابتكار وقوة الخيال وسمو الشاعرية».
وإلى جانب شعره الأوردوي فهو شاعر أيضاً بالفارسية. وقد رتب السيد مرتضى حسين صدر الأفاضل العالم والكاتب والمفكر الباكستاني شعره وتتبع أخباره وأشعاره فطبع ديوانه في ثلاث مجلدات.
ليس لغالب قرين فهو الشاعر الحكيم، يترجم في شعره عن الضمائر ويحكي عن السرائر ويصور تجاريب الحياة ويدوّن أصول الفكر والنظر. غرامه غرام الحكيم ونظرته نظرة الشاعر الحساس الذكي، ولا مساجل له من حيث منهجه الخاص.
وبسبب ميله إلى الفارسية أكثر من كل شاعر ولتعمقه في المعنى ودقة فكره في المغزى، احتاج شعره إلى شرح وتفسير، لذلك حظي ديوانه الأوردوي بعشرات الشروح.
ومع هذا فإنك لا تجد أحداً ممن يحسن اللغة الأوردوية إلا وهو يملك (ديوان غالب). أما غزله فيقبله كل شاعر ويحفظه كل قارئ.
ويحتوي على الغزل والرباعيات ومدائح الأئمة عليهم السلام. وغالب كاتب كما هو شاعر، واشتهرت رسائله إلى تلاميذه وإخوانه، ومن كتبه (ديوان أوردو) و(كليات فارسي) و(عود هندي) و(أوردوي معلي).
مير أنيس ابن مير مستحسن خليق
ولد سنة 1220هـ في منطقة (فيض آباد) التابعة لمدينة (لكهنو) في الهند. وتوفى وقد بلغ الثانية والسبعين من عمره.
قال الدكتور أحمد تميم واري: كان أسلاف أنيس كلهم من الكبار والعلماء، وكان والده في أول أمره ضعيف الحال ثم زعيماً روحياً ذا خدم وحشم. وكان أحد أجداده (المير إمامي الموسوي الهروي) غادر هرات وجاء إلى (شاه جهان آباد) ولم يُعرف سبب نزوحه وقد كان عالماً يحب الشعر والخطابة و(المير غلام حسين) هو أحد أسلاف (أنيس) وقد كان خطيباً يتخلص بلقب (الضاحك) وقد هاجر من نيودلهي إلى (فيض آباد) واتصل ببلاط (نواب شجاع الدولة) وأصبح أحد شعراء البلاط.
وكان (الميرزا سودا) من كبار شعراء البلاط الذين ينافسون (مير غلام حسين) كثيراً، وقد تبادلا الهجو في بعض الأحيان.
حياة المير أنيس
ترك (المير مستحسن) ولداً أضحى كالنجمة الساطعة: حيث أحيا ذكر جده (إمامي موسوي الهروي). وقد سُمي أنيس الذي كان ذا هيبة ووقار ومتمتع بشجاعة ـ (بير علي) أي ـ (الفهد)
أتم دراسته الابتدائية في (فيض آباد) ثم غادرها إلى (لكهنو) وأخذ يتلقى العلوم هناك حتى بلغ الأربعين عاماً. وفي لكهنو، كان الآخرون في البداية لا يعتبرونه عالماً، لكنهم كانوا يعترفون بمعلوماته. وكان مير أنيس يرغب في المعقولات أكثر من المنقولات. ويطالع كتباً نادرة أصيلة. فقد كانت مكتبته مليئة بكتب في مختلف الفنون. وقد طالع هذه الكتب كلها. وكان العلماء والفضلاء يتوافدون عليه وكان يكلمهم كلاً على قدر مكانته.
كما أن تعامل أسرة مير أنيس كان طيباً للغاية ويتسم بالإباء وقد توارثوا هذه الأخلاق جيلاً بعد جيل، ولم تقتصر هذه الأخلاق على رجال الأسرة، بل كانت النسوة يتصفن بهذه الأخلاق أيضاً. ولقد كانت والدة مير أنيس تعرف المسائل الشرعية وتجيد اللغة الفارسية إلى الحد الذي كانت تقرأ وتدرس كتاب (جامع عباسي)، متمسكة بالعبادة للغاية. وقد كانت حياتها وتعاملها أنموذجاً للنساء. فقد كانت نساء الأمراء يرغبن كثيراً في التردد إليها. وكانت هذه السيدة لا تخرج من المنزل إلا لضرورة، ولذا اهتمت كثيراً بتربية أنيس، وفي الحقيقة إن أنيس تربى في مدرسة والدته. تلك التربية التي لا يتسنى الحصول عليها في أية مدرسة ولا جامعة. وقد أمضى أنيس فترة شبابه في (لكهنو) وعاشر العلماء والأدباء هناك، وقد كانت هذه المعاشرة مؤثرة جداً في تكوين شخصيته.
مير أنيس وفنون الجيش
غادر (مير كاظم علي) أحد أساتذة فنون الجيش نيودلهي إلى لكهنو. وأقام قرب منزل والد (مير أنيس) وبما أن الأسرتين تعرفتا على بعضهما، لذا فإن (مير مستحسن خليق) والد (مير أنيس) طلب من (مير كاظم) تعليم ولده الفنون العسكرية. وقد تعلم بالإضافة إلى الفروسية والمبارزة بالسيف، رمي الوزنة ولعبة الخشب.
عزلة مير أنيس وخلوته
كان مير أنيس يخلو بنفسه لساعات ويغلق البيت بأقفال كي لا يدخل عليه أحد، وفي تلك الحالة كان يتجه إلى إنشاد الشعر، وفي الخلوات أيضاً كان يمارس السباحة، وبعد تفتح قريحته الفكرية كان ينشغل بإنشاد الأشعار وكان بعض أفراد الأسرة يكتبون ما ينشده.
مكانة مير أنيس
كان أمثال الشيخ علي حزين ومير تقي مير والشيخ إمام بخش ناسخ من المعروفين بين الشعراء بشفافية الفكر وبالمشاعر المرهفة، إلا أن (مير أنيس) كان يفوقهم جميعاً في هذا المجال. وقد كانت جميع أعماله على أساس مبادئ وأصول رئيسية فبالإضافة إلى التزامه بالأخلاق، كان لا يسمح للآخرين أن يتجاوزوها أبداً. ولدى استقباله للضيوف كان يلتزم حتى في كلامه العادي، بالفصاحة والبلاغة والأدب.
أنيس وحُب الجمال
كان مير أنيس يحب الجمال، وهذا الحب يليق به باعتباره شاعراً كبيراً. ونتيجة اهتمامه بالمناظر الطبيعية، كان يبدو حين نظمه للشعر كأنه رسام مثل (بهزاد) و(ماني) إلا أنه كان يصوّر ويرسم بالشعر.
الهيئة الظاهرية لـ(مير أنيس)
كان مير أنيس ممشوق القامة متوسط الجسد، لم يكن بديناً ولا ضعيفاً. وكانت عيناه واسعتين ونافذتين، فيهما الشجاعة والجرأة. وكان له شارب مفتول، ذا هيبة. كان يضع على رأسه دائماً قبعة بيضاوية وفي يده منديل أبيض وعصا قصيرة جميلة.
أول مجلس لـ(مير أنيس)
عندما ذهب أنيس إلى مدينة لكهنو، كانت تزهو بالشعر والأدب، وكان الشعراء آنذاك مجموعتين: الأولى تعنى بالغزل والأخرى تهتم بالمراثي وقد اهتم (مير خليق) والد (أنيس) الذي كان من المنشدين المعروفين للمراثي)[180](، بتربيته واعتنى بتطوره كثيراً. وقد طلب الشعراء من (مير خليق) تشجيع أنيس على إنشاد المراثي. وفي مناسبة تلا (مير خليق) مرثية قال بعدها للحاضرين في المجلس إن أنيس مستعد لتلاوة قصيدته. وأنشد أنيس بكل أدب ووقار ما لديه. وقد كان تعامل والده معه بشكل يمنحه قدراً ومنزلة خاصة، لذا فقد كان يجلسه إلى جانبه. وبعد ذلك ذاع صيت مير أنيس في الهند بسرعة وعرفه أهل الأدب. وفي ذلك الوقت كان ميرزا (دبير) وهو من أصحاب المراثي المعروفين من أشد المنافسين لـ(أنيس).
كان نقاد الكلام مجموعتين: إحداهما تؤيد ميرزا (دبير) والأخرى كانت تدافع عن (مير أنيس).
في ذلك العهد كان من الصعب للغاية جمع هذين الشاعرين في مجلس واحد، ولذا فقد بالغ (نواب مفتاح الدولة بهادر) عند (محمد واجد علي شاه) ملك (أَوَدْ) في وضعهما، إلى أن دعاهما الملك إلى مجلسه، وبعد ترتيب المجلس ودعوتهما إليه، بدأ ميرزا (دبير) كعادة الشعراء السابقين بإنشاد رباعية في مدح الملك. وبعدها ألقى قصيدة رثائية. ثم تلا (مير مونس) وهو من أصحاب المراثي ما لديه. وبعدها جاء دور (مير أنيس) فأنشد قصيدة في مدح الإمام علي (ع) ولم يمدح الملك وقال في ختام قصيدته ما تعريبه: كيف أمدح الملوك وأنا مادح علي، هل أتحمل منّة النمل وأنا مثل سليمان. وبعد ذلك حيا وسلّم (والسلام كان نوعاً من الشعر بذكر النبي (ص) أو الأئمة (ع) أو الأولياء) فيقول أنيس في قصيدته ما تعريبه:
أنا مادح فتى الرجال
لا أمدح الأجانب
أنا سليمان
ولا أفقد الحكم على الفضاء
بعد إنشاد هذه الأشعار بلغة الـ(أوردو)، قرأ قصيدة رثائية، وهنا أدرك الملك أن أنيس ذا شخصية عالية ولا يمدح أحداً سوى الأنبياء (ص) والأولياء. وبعد ذلك أخذ أنيس يلقي في مجالس مختلف المدن المراثي وحصل على صلات وهبات كثيرة، وفي مجال عزة نفسه وشخصيته يكفي أنه عندما ذهب إلى (حيدر آباد)، طلب منه (أمير نواب سر آسمان جاه بهادر) أن يخلع قبعته ويضع على رأسه قبعة حيدر آبادية ويتسلم منه 5000 روبية، إلا أن أنيساً رفض هذا الطلب.
كان آخر مجلس له في آخر حياته. في منطقة (شيش محل) بمدينة لكهنو. وقيل عنه، إنه كلما كان يشيب، يزداد شعره حيوية، وكان منذ بداية عمره إلى نهايته، يحظى باحترام الناس. وقد حضر مئات المجالس وكان هيبة الأوساط. وأخيراً أصيب بمرض (السل) وتوفى بعد شهر من إصابته بهذا المرض.
وارث مير أنيس
كان مير (نفيس) ابن مير (أنيس) يختلف مع والده بسبب مشاكل تحدثها زوجة أبيه. وفي أحد الأيام أراد أحد الأخيار أن يصلح ما بين الوالد وابنه، فأخذ مرثية إلى مير (انيس) وقرأها عنده، فقال له (أنيس) إن كلمات هذا الشعر لا تصدر إلا من أسرتنا. فقال له: إن الشعر هو لولده بعد ذلك احتضن أنيس ولده واهتم بتشجيعه وتربيته وجعله خلفاً له.
عدد أشعار مير أنيس:
لم يُعرف عدد مراثي مير أنيس بدقة، وقد ذكر شمس العلماء (محمد حسين آزاد) في تذكرة (ماء الحياة) أن مير (أنيس) أنشد ما لا يقل عن 10 آلاف بيت في المراثي، وأما قصائد السلام ورباعياته فلا تُعد ولا تُحصى.
أسلوب تفكير وأشعار أنيس:
إن أشعار مير (أنيس) خلافاً لأشعار الكثير من الشعراء الآخرين أصبحت في شيخوخته أكثر كمالاً وحيوية. فالأشعار التي تنشر في العشق المادي الزائل لا تدوم. ولكن بما أن أشعار أنيس كانت مستلهمة من المعنويات والروح، فإنها أصبحت خالدة. وقد جسّد الفردوسي الطوسي في ديوانه (الشاهنامه) حروب الأبطال بما لم ير الأدب الفارسي له نظيراً. ونظامي كنجوي أبرز قدرته الشرعية في ديوان (إسكندرنامه). ولكن مير أنيس جسّد مشاهد القتال وفق إيمانه واعتقاده بآل الرسول (ص) بحب وحزن شديدين. وقد انتخب أنيس لكل واحد من أبطال كربلاء مفردة خاصة، إذ أنه لم يستخدم ألفاظاً معقدة، وكان يبتعد في إنشاد شعره عن التعقيد في اللفظ والمعنى. وكان يرصف الكلمات في أشعاره وينظمها مثل اللؤلؤ، وكان حديثه المتعارف متصلاً بأشعاره. ففي حين كان كلامه بسيطاً، إلا أنه كان يعتمد على ملكته الأدبية والمعنوية أيضاً.
إن الفردوسي جسّد في (الشاهنامه) الكثير من الحروب والمشاهد، إلا أن مير أنيس كان يعتمد في مراثيه على حادثة كربلاء المفجعة فقط، وتحدث عن جميع أبطالها ووسائل القتال آنذاك بدقة، فعندما نقرأ أشعار مير أنيس في مشاهد القتال، تترك في نفوسنا أثراً وكأننا نرى الحادثة بأم أعيننا. إن الخصوصية البارزة في شعر مير أنيس هي أنه لم يتطرق في مراثيه إلى أوصاف الإمام الحسين (ع) وأصحابه فقط، بل يصف قادة عسكر بني أمية بدقة.
وقد كان أهالي لكهنو مغرورين بأنفسهم للغاية، ويعتبر كل واحد منهم نفسه أفضل الآخرين ولم يعترفوا حتى بالأساتذة، إلا أن مير أنيس كان من الذين يحظون منذ بداية عمره إلى آخر حياته باحترام الجميع. وفي نيودلهي كان الخطباء يعظمون أنيس حيث كان ميرزا غالب الدهلوي يمدحه ويقول: لم يستطع أي شخص أن ينشئ مراثي مثل مير (أنيس). وإذا أنشد أحد المراثي تحدياً لأنيس، فإنه لم يهن أنيس فحسب، بل إنه يستهزئ بالمراثي أيضاً. ففي نيودلهي ولكهنو تعتبر مراثي أنيس من إعجاز الكلام. وقد ترجمت بعض آثاره إلى العربية والإنكليزية. وترجم (سر رأس مسعود) عدة مراثي إلى الإنكليزية. كما أن مولانا (علي نقي لكهنوئي) عرّب بعض مراثي مير أنيس. وترجم (غلام إمام) و(سيد غلام عباس) و(أمير إمام حردجي) و(شاكر جعفري) عدة مراثي إلى الإنكليزية أيضاً. وقد اعتمد أنيس الكثير من التركيبة الفارسية واستخدم أحياناً من التركيبة العربية فمثلاً استخدم التركيب العربي في هذا المجال.
يا معين الضعفاء أدركني
يا إله العالم خذ بيدي خذ بيدي
وعندما يصف أبناء زينب (ع) بالفارسية:
في هذه الظفائر، أولاد زينب لهم نكهة المسك
السنبلة في الرياض مضطربة
وعن القاسم (ع) أنشد يقول:
رمشاته أكثر حدة من الشفرة
وعندما يصف أعداء القاسم (ع) يقول ما تعريبه:
أولئك السكارى الذين لا يعرفون الشراب على ماذا يحصلون.
كان أنيس في البداية ينشد الغزل، إلا أن والده كان يعارض إنشاد الغزل ويمنعه من ذلك، والشاعر الفتى التزم بموعظة أبيه.
إن مراثي أنيس ذات حيوية وجمال عظيمين، ولم يتسلل الانحطاط إلى شعره أبداً، ويصف في كل مكان أصحاب الإمام الحسين (ع) بالشجاعة والبسالة والوقار، وينشد عن ليلة عاشوراء لسان حال الإمام الحسين (ع) وهو يخاطب أصحابه
استخدم مير أنيس في شعره أسلوب شعراء نيودلهي ولكهنو
وكان (ناسخ) و(أنيس) يعتبران من كبار شعراء (لكهنو) إلا أن مكانة أنيس كانت أسمى من (ناسخ) والشعراء الآخرين. وبالرغم من أن الاتجاه الديني كان موجوداً في أسلوب جميع شعراء لكهنو، إلا أن أنيس كان دينياً بشكل خاص به، بل إن شعره كان في الاساس ملحمة دينية، إذ كان (ناسخ) شاعراً فصيحاً، إلا أنه لم يصل إلى تدين أنيس حيث كان أنيس يستخدم أحاسيسه وأفكاره وقدرته الفنية في المراثي. وقد كان في عهد (سودار) الشعري قبل أنيس: يُستخدم الرثاء عادة في مجالس العزاء ووسيلة لمعاش الشعراء. وبعده وسع الشاعر (ضمير)، مدرسة إنشاد المراثي واستخدم الخصوصيات الأخرى لأنواع الشعر وأنواع الأدب في الملاحم وأظهر خصوصياته العاطفية والخيالية والذهنية في شعره في وصف السيف والفروسية.
فقد قال في وصف الجواد ما تعريبه:
حسن الوجه حسن الجسم، حسن الوقار
حسن الذات، حسن الجمال والأداء والفهم وسريع الخطى.
ووصف السيف بهذا الشكل:
الجميع يحبون طرب السيف إذا نزل على رقبة أي شخص لا يتركه إن لم يقتله.
إن أنيس يفصل في شعره بين ساحة القتال ومجلس السمر بقوله: انظر إلى السيف كيف يطرب كلما حلّ على جسد، فإنه يفلق هامته. لقد كان أنيس يؤدي واجبه الديني في شعره، إذ أن أسماء الأبطال في مراثيه كلها عربية، لكنه عندما يصف إحساساتهم. فإنه يهتم بالجانب الإنساني والعام منها، ولا يأخذ بالاعتبار إن كانوا عرباً أو غير عرب.
وإن كل ما وجه إلى أنيس من نقد، كونه ليس مؤرخاً، بل منشداً للمراثي وقصصياً يبين الأحداث التاريخية على شكل قصص، وقد جاء في الكثير من مراثي مير أنيس الحديث عن أصول الدين والمعرفة الإلهية والصلاة وأهمية الجهاد وحب محمد (ص) وآله، ولذا فإن مراثيه لا نظير لها.
مكانة أنيس لدى منشدي
المراثي الأوردوية
بدأ نظم المراثي بعد واقعة كربلاء وأنشد الشعراء العرب والفرس وبعدهم شعراء اللغة الأوردوية المراثي. إن إنشاد الرثاء باللغة الأوردوية تزامن مع أول أشعار هذه اللغة حيث يعد أوائل المنشدين لها من منطقة (الدكن). وعندما دخلت لغة الأوردو إلى بلاط ملوك نيودلهي كان إنشاد المراثي باللغة الأوردوية قد اتسع في الهند. وبعد زوال مُلك الـﮔورﮔانيين في نيودلهي، توجه الشعراء المنشدون للمراثي إلى بلاط ملوك (أوَدْ) الشيعة ووسعوا هذا الفن في ذلك المناخ الحر، وبعد ذلك اهتم (مير خليق مستحسن) و(ميال دلـﮔير) وعدد آخر من الشعراء بإنشاد المراثي. وبعدهم ظهر (مير أنيس) وقد فتح أنيس بالإضافة إلى مواصلة سُنة أسلامه وآبائه إنشاد طرق وإبداعات جديدة. وقد انتقد المعارضون لأنيس تجسيد حادثة كربلاء على شكل أسطورة واستخدامه الكثيرمن الخيال والمبالغة.
والنقد الآخر له هو أنه شبه أبطال كربلاء نوعاً ما بأسر الملوك الهنود، إلا أن الحقيقة هي أن أنيس لم يكن فقيهاً أو مؤرخاً، ولكنه كان شاعراً ملتزماً مع تقديس لا نهاية له لواقعة كربلاء حيث إنه بيّنها على شكل شاعري. وقد كان كمال (أنيس) أنه أوصل تلك الواقعة عبر البيان والتعريف الى ذروتها. لقد نقل أنيس في الكثير من أشعاره حادثة كربلاء كما هي ولم يكن يتناولها كأسطورة.
على أي حال إن حياة أنيس في لكهنو ونيودلهي أثرت على أشعاره. لقد كان أنيس يعرف الخصوصيات النفسية لأبناء بلده بشكل جيد، وبأي أسلوب من الشعر يرغبون أكثر. وكان هذا الموضوع لا يتناقض مع اعتقاد أنيس، ولم ينشد الأشعار لرضى الناس فقط، بل كان يعرض نهاية فهمه وإدراكه في أطر فنّه يقول (شبلي النعماني) مؤلف (شعر العجم) المعروف أن المبالغة في مضمونها إذا وصلت إلى المجال العقلي يقال لها لغو، ولكن إن لم تصل إلى المجال العقلي، فهي صفة عالية. فإذا وصفنا طفلاً بأنه رستم، فإننا نقول لغواً، ولكن إذا وصفنا بطلاً معروفاً بأنه رستم، فإننا نكون قد بالغنا فيه. ففي مراثي أنيس نرى صفات لأهل البيت (ع) لا يمكن أن تعد لغواً حسب اعتقاد المسلمين، بل إن الكثير منها يمكن أن يكون من المبالغة وهي تعتبر من محاسن الشعر.
إن اللغو لم يدخل إلى كلام مير أنيس أبداً، بل إن ما نقرأه في كلامه، هو كمال الخيال الشاعري. فعندما يتحدث عن حرارة كربلاء، يقول ما تعريبه:
إلهي اجعل من إنشادي بستاناً
مُنّ على مزرعتي اليابسة بالغمامة
إن أنيس لم يُعرّف أجواء كربلاء بأنها مخيفة ورهيبة، بل كان يصوّرها بتخيله الشاعري بأنها هادئة وجميلة للغاية كي يؤثر على الآخرين بهدوء.
إقبال وأنيس
لقد تأثر إقبال بـ (أنيس) حيث إنه أنشد شعره المعروف (شكوى) وجواب الشكوى بتأثير وتقليد أنيس، فعندما أنشد إقبال (الشكوى) فإنه وضع أمامه رثاء أنيس الذي جاء في مطلعه ما تعريبه:
أي عالم يعيشه اليوم الحسين (ع) وسحاب الظلم غطى قمر الزهراء. كان إقبال يتذكر جميع مراثي أنيس. وقد نقل في رسالة بعثها إلى (عطية فيضي) عدة أبيات من مراثي أنيس. وعموماً فإن أشعار أنيس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: السلام والرباعيات والرثاء. فرباعياته على وزن رباعيات الخيام، إلا أن أنيس استخدم في رباعياته المراثي أو أنه نظمها على شكل مراثي، كما نظم بعض الحكم بصورة جديدة ومبتكرة وقصيرة في إطار الرثاء.
وقال أمير عباس حيدري: عندما سمعت وقرأت تلك الصفات العظيمة لـ(أنيس) كنت أتصورها غلواً على الطريقة الهندية. إلى أن جاء محرم. فتعرفت على شخصين من أبناء جلدته من أهالي (محمود آباد) الهندية، حيث أصبحا وسيلة لمعرفتي آثار (أنيس) واتضح لي أن الحديث عنه ما كان عبثاً. إن أنيس ليس ككل أولئك المنشدين للمراثي. فقد أعطى الكلام حقه. وقد أخرج إنشاد المراثي بتعابيره الحديثة الخاصة به من حالتها الجافة ويمكن القول إنه أستاذ نادر في هذا الفن ولا يضاهيه أحد. وبما أن هذا الشاعر كان رجل القتال وله مهارة تامة في الفروسية والمبارزة بالسيف. فقد خلع ثوب الحداد والسواد من جسد الرثاء وألبسه ثوب السلاح. ولذا فإن مراثيه تأخذ طابعاً حماسياً. وبدل أن يبكي، فإنه يؤجج في المستمع جذوة الحماسة. وقد كانت لديه قدرة وصف المشاهد بحيث ينقل المستمع إلى مكان الواقعة لتريه الأحداث كما هي ويترك لديه أثراً يبقى زماناً طويلاً.
ولقد صرف زهاء 57 عاماً من عمره في نظم الشعر. إذ كان له من العمر (16) عاماً حين غادر مسقط رأسه متوجهاً إلى (لكهنو) حيث مهد الثقافة وحضارة الهند، ولم يتخل عن الدراسة إلى أن بلغ الأربعين، وكان مشغوفاً بحب المطالعة إذ كان يُمضي معظم أوقاته في مكتبته الخاصة المليئة بالكتب النادرة.
وكانت أسرته من أهل الفضل، حيث يشير الشاعر في البند الأول من ديوانه إلى أنه من أسرة شعراء أباً عن جد، وأن الشعر إرث وصل إليه من آبائه.
كان (أنيس) مغرماً بالعلوم الإلهية وعمل في هذا المجال وطالع الكتب الخاصة بهذا النوع من المعرفة، وبالرغم من كل حبه للمجتمعات ومحافل النقد، فإنه انقطع عن الجميع وركز على محور واحد، مما حفزه إلى التوجه نحو شؤون الدين وإنشاد المراثي.
كان أنيس شاعراً بارعاً في مجال فهم الجمال، وكان يتأثر كغيره من كبار الشعراء بالجمال بحيث ينسى نفسه. وأشعاره مستلهمة من الوجوه الجميلة والزهور والفجر، ويرى في وصف هذه الجمالات، حمداً للخالق.
إن الطبيعة تعد أكثر الحوافز تأثيراً فيه، وإحدى خصوصيات أنيس هي أنه يصف ما يشاهده من الرياض والاخضرار، فيشد السامع.
ورغم أن أنيس يسعى لوصف الطبيعة في أي مكان كما هي. فإنه يستعين أحياناً بالخيال، ولا مانع لديه مثلاً في أن يزرع في صحراء كربلاء، الزهور والاخضرار، أو أشجار السرو والصنوبر.
لغة أنيس
يقولون إن (نيودلهي) و(لكهنو) هما المركزان الرئيسيان في الهند للغة الـ(أوردو) ومعظم الخطباء المفوهين هم من هاتين المنطقتين الشيعيتين. وقد أجمع المتكلمون أن لغة أنيس نموذج للفصاحة ولا نظير لها في بساطتها وعذوبتها. إذ أن التعابير التي استخدمها هذا الشاعر لإخراج الشعر الهندي من تعقيده السابق، أمر جديد حيث يُعرف أنيس اليوم بأستاذ اللغة وأولئك الذين لا شأن لهم بإنشاد المراثي يتأثرون به شاؤوا أم أبوا. إنهم، لجمال لغته، يكررون قراءة ديوانه.
آثار أنيس
قرأت مرة، أن أنيس أنشد عشرة آلاف مرثية، وإذا عرفنا بأن أقصر المراثي لا يقل عن خمسين بنداً عرفنا أنه لا سابق لمراثيه في تاريخ إنشاد المراثي من ناحية الكمية. فبعض مراثيه يصل إلى 250 بنداً، ولكن يجب أن نعلم بأن مراثي أنيس ليست كلها في متناولنا، ولم يبق سوى أقل من نصفها. وإذا تجاوزنا مراثيه، فإننا نصل إلى رباعياته. ويبدو أن هذه الرباعيات أنشدها في مناسبات مختلفة.
إن الحديث عن مراثي أنيس التي هي حاصل عمره ليس بالأمر اليسير، إذ أنه يتطلب دراسة ومجالاً أكثر. إن العمل ساعة وإملاء صفحة أو صفحتين لا يعطي الموضوع حقه، لا سيما وأنه يتعلق بشاعر دقيق حاذق وفنان كأنه رسام ماهر يجسد حتى حدة أذن الجواد وصوت حوافز الخيل عندما تضرب الأرض. يبدأ من خلال عرض مبادئ الشعر أو المسائل الفلسفية أو النفسية مع الأسس الإسلامية، وبعدما يقوم بوصف المناظر الطبيعية يظهر إبداعه. وفي المرحلة الثالثة يشرح الاصطفاف وإنشاء المراثي. وبعد وصفه وجود الإمام وبيان الخصوصيات الظاهرية والباطنية له، يصف الحرب ثم يصل إلى الشهادة وينتهي بالنعي أو النتيجة النهائية. وبالرغم من أن الموضوع واحد، إلا أننا لا نشاهد في مراثي أنيس البالغة 150 بنداً. مرثيتين متماثلتين أو تكون إحداهما تكراراً للمكررات. فكل واحدة تتميز بميزة خاصة وتحمل أشياء جديدة، ولذا فإنها فتحت في الأدب الهندي طريقها وحظيت بقيمة أدبية فائقة.
ميول التشيّع في شعر إقبال
قال الدكتور محمد حسين مشايخي فريدني:
مع أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وسياسة التسامح الديني في الهند، وتعرف المسلمين فيها على الحركات الفكرية والمذاهب الفلسفية الجديدة، والعلوم والاختراعات الحديثة في أوروبا، وظهور دعاة الوحدة الإسلامية مثل: أحمد خان الدلهوي (المتولد عام 1898م) والسيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي، المعروف بالأفغاني (المتولد عام 1897م)، واتساع العلاقة بين الشرق والغرب، وتأسيس منظمات: اتحاد الإسلام والدفاع عن الإسلام في لندن والهند، ونشر المطبوعات الحرة… انهارت سدود التعصب المذهبي التي كان شيدها (أورنـﮛ زيب عالمـﮔير) الأمبراطور الـﮔورﮔاني (1069هـ/1707م) وعلماء الحنفية مثل: الشاه ولي الله، والشاه عزيز الله الدلهوي.
وقام الحكام الشيعة في (لكنو) و(كشمير) وفي مدن الهملايا وشمال الهند باستقبال العلماء الشيعة. وازدهرت المساجد والمدارس والتكايا ومراسم العزاء الحسيني، وما يسمى عندهم بالجلوس العاشورائي. وزين شعراء الفارسية والأوردو صفحات المطبوعات ومجالس المشاعرة بقصائد مناقب أهل البيت (ع) ومراثيهم. وكان من أولئك الشعراء: أرزو، سودا، ميرامن، سوز، أنيس، دبير، غالب وغيرهم. وقام المحققون الشيعة بطرح موضوع الإمامة بشكله الصحيح، وبيان اختلافه عن الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، وشرح معنى الاجتهاد والتقليد كضرورة عقلية وعلمية. وكان من أولئك العلماء: مير حامد حسين النيسابوري الكنتوري مؤلف كتاب عبقات الأنوار، المتوفى عام (1306هـ). وإعجاز حسين الموسوي الكنتوري، المتوفى عام (1286هـ) مؤلف كتاب كشف الحجب والأستار وأميرها علي الهندي، المتوفى عام (1347هـ) مؤلف كتاب تاريخ الإسلام وروح الإسلام باللغة الإنكليزية.
وساهموا بأعمالهم تلك بتصحيح الصورة المغلوطة في الأذهان والتصور القبيح عن التشيع. ونشطت الحركة الفكرية الحرة، واستطاع التشيع أن يوقظ الجيل الشاب المسلم في الهند من غفلته، وينير دربه بنور التعاليم الإسلامية الثورية. وكان إقبال اللاهوري، الشيخ محمد إقبال السيالكوتي اللاهوري ابن الشيخ نور محمد (1877 ـ 1938م) الشاعر والفيلسوف المعاصر الكبير الذي كان من مواليد عصر النهضة الفكرية ذاك.
ترعرع إقبال سيالكوت (البنجاب) في أحضان أسرة مسلمة كشميرية الأصل تجيد الفارسية. وكان في محيط حياته وأصدقائه ومعاشري والده معلمون ووعاظ شيعة إيرانيون، وشعراء هنود ينظمون بالفارسية والهندية. ومداحون وقرّاء المناقب والعزاء. لذلك فإن أفكاره وثقافته قامت على أصول العقائد الشيعية وآدابها.
توجه (إقبال) من مسقط رأسه إلى (لاهور) ليدرس الأدب والفلسفة، وكانت لاهور حينها مركزاً للثقافة الإسلامية واللغة والأدب الفارسيين في الهند، وكان مشاهير الأساتذة الهنود والإنكليز يدرسون الفكر الإسلامي في (الكلية الحكومية) وكانت الصحف الفارسية والأوردوية والإنكليزية تكتب عن المذاهب والعقائد بحرية. والاتحادات الإسلامية والأدبية تفتح ذراعيها لأهل الذوق والعلم لإبداء آرائهم، فينطلق من تلك المراكز شبان ذوو استعداد، ينطلقون نحو الشهرة والرقي..
في مثل هذا الجو ترعرع (إقبال وعليه تأسست روحيته ولغته الأدبية، فبدأ بنظم الشعر باللغتين الفارسية والأوردوية، فنحا منحى السنّة القديمة لشعراء الفارسية والأوردوية، فكان مع بدء شاعريته يتغنى بحبه واحترامه لأهل بيت الرسول (ص) فكانت ثنائيته الفارسية في مناقب أمير المؤمنين علي (ع) تحكي عن تمسكه بولاء أمير المؤمنين وأولاده. وأفضل أشعاره ما نشر عام (1905م) في مجلة (مخزن) في لاهور، مما جعله مشهوراً بين المسلمين عامة، والشيعة خاصة.
وكان من أساتذته: الفيلسوف وخبير الإسلام، الإنكليزي الشهير (السير طامس آرنولد) وخبير اللغة العربية وعلومها، ومدرس الكلية الحكومية. فكان بالنسبة لإقبال معلماً ومرشداً وموجهاً، وقد أثر على إقبال بحرية فكره وجاذبية روحيته إلى درجة رسم فيها لإقبال خطه الفكري، وأزاح عن عينيه غشاوة التعصب والنظرة الضيقة، وشجعه على إكمال دراسته في إنكلترا.
وفي عام (1905م) توجه إقبال إلى لندن، فقضى في أوروبا ثلاثة أعوام، نال خلالها شهادة الليسانس في الحقوق من كلية (لينكولن إن) وشهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونخ بألمانيا. وتعرّف في لندن على المستشرقين المشهورين بواسطة البروفسور أرنولد. والتحق فيها بجمعية اتحاد الإسلام التي تضم زملاء وأتباع السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي (الأفغاني). وفي جامعة كمبريديج رافق خبيري الشؤون الإيرانية: البروفسور أدوار براون والبروفسور رينولد نيكولسن، فاطلع منهما على خصوصيات وأسرار الأدب والعرفان الإيرانيين، وطالع الكتب التي أوصياه بمطالعتها، فأغنى بذلك ثقافته الإسلامية، وأتقن اللغة الفارسية، ومحور دراساته حول محاور محدودة.
ومن بين الكتب التي نصحه (نيكولسن) بمطالعتها كان كتاب (الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل) لمؤلفه (عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي) المولود عام (832هـ) والذي كان صوفياً مشهوراً في القرن الثامن والتاسع الهجري. وبعد مطالعته لذلك الكتاب الذي يعرف الإنسان الكامل، ويشرح مقاماته. وكان إقبال يحمل سوابق ذهنية عن مقام الولي والقطب عند الشيعة والصوفية؛ حصل على آراء فلسفية واجتماعية وسياسية جديدة، أكسبته شهرة عالمية، وأضحت محوراً لجميع أشعاره ومؤلفاته. من تلك الآراء (الفلسفة الذاتية وأسرار التجرد) وشرح إعجاز معرفة النفس وأثرها في استنقاذ الشعوب الشرقية المستعمرة. وقد استعرض نظريته تلك في ديوان ثنائياته (أسراري الذاتية) و(أسرار التجرد) وديواني شعره: (الرسالة الخالدة) و(رسالة الشرق) وفي رسالته للدكتوراه (مراحل تطور الحكمة في إيران).
بعد كتابته للفلسفة الذاتية تكشفت له نظرية الولاية وحكومة الإنسان الكامل أو خليفة الله، التي تشكل أساس العقيدة الشيعية، ولزوم الوحدة بين مقام الولاية والخلافة، وفي ظل نظريته تلك استطاع أن يجهّز مسلمي آسيا وإفريقيا ويشجعهم على مواجهة الثقافة الاستعمارية، وإحياء الموروثات الإسلامية، ويمهد الطريق أمام استقلال باكستان وبنغلادش بوضع مباني استقلالهما.
وطبق إقبال آراء الفلاسفة الجدد مع الكلام والعرفان الإسلامي، فاعتقد بأصالة الحركة والاجتهاد، وكلاهما من مباني التشيع، واستنتج أن السبب الرئيسي في تخلّف مسلمي الهند هو التحجّر وعدم الاستفادة من الحكمة والبعد عن الاستدلال والبحث.
وعندما عاد من أوروبا عام (1908م) برز في الهند كمصلح ومنادٍ بالاتحاد الإسلامي على نهج السيد جمال الدين بالسلاح والشعر والقلم. وكان أشد معارضيه المولويون المتحجرون من الحنفية، الذين كانوا يمسكون بزمام عقول العوام، ويرفضون التخلي عن التقاليد البالية. فكان يشكو منهم في أشعاره، فيشير إلى أن الدين الحق يضره الكافر بقدر ما يضرّه المعمم المؤمن المتحجّر الذي يمزّق الأمة بقلة ذوقه وقصر نظره وقيله وقاله. وأن أولئك يعتبرون الفكر والتدبر كفراً، في حين أن دينهم الإفساد في سبيل الله. وقد نظم هذا المعنى شعراً.
دين حق أز كافري رسواتراست
زانكه ملا مؤمن كافر ﮔراست
كم نـﮔاه وكور ذوق وهرزه ﮔرد
ملّت أزقال واقولش فرد فرد
دين كافر: فكر وتدبير وجهاد
دين ملا: في سبيل الله فساد
كان إقبال يعتبر العالم الإسلامي وحدة لا تتجزأ، وأمة إسلامية واحدة تتشكل من عدة شعوب وقوميات وأعراق، مرتبطة برباط الدين والثقافة الإسلامية، وإن هذا المجتمع الكبير لا يدار بنظام مستبد، لأن ذلك يخالف الحرية الفطرية عند الإنسان، فيقول:
آدم أز بي بصرى بندﮔي آدم كرد
ﮔوهري داشت ولى نذر قباد وجم كرد
يعنى أزخوى غلامي زسـﮔان يست تراست
من نديدم كه سـﮔي ويش سـﮔـي سرخم كرد
فيبين أن صفة عبودية الإنسان للإنسان تجعله أكثر وضاعة من الكلب، فيقول إني لم أر كلباً ينكس رأسه أمام كلب مثله.
فيؤكد أن على المسلمين أن لا يؤخذوا بالأنظمة الغربية وشعاراتها الرنانة بالديمقراطية التي تعتمد رأي الأكثرية العددية، فيتساءل هل ينتج اجتماع مئتي حمار فكراً بشرياً سليماً؟
ومن هنا كان يهاجم منظمة الأمم المتحدة ويعتبرها أداة لفرض إرادة أقوياء العالم على مستضعفيه، ويسميها منظمة سارقي الأكفان الذين يجتمعون من أجل تقسيم القبور، فيقول:
برفتد ثاروش رزم أزين بزم كهن
درمهذان جهان طرح نو أنداخته اند
من أز آن بيش ندانم كه: كفن دزدي وضد
بهر تقسيم قبور أنجمني ساخته أند
وأفضل حكومة في رأي إقبال هي الحكومة التي تعتمد القرآن دستوراً لها، والكعبة قبلة، وولي الله وخليفته حاكماً. وتلك هي حكومة علي (ع). حيث كتب في كتاب (أسراري) يقول: «إن النموذج الكامل لمقام الولاية والخليفة الإلهي الذي جمع في نفسه الطاقة والقدرة العلمية والعملية، وملكت نفسه العاقلة ملكه الظاهر والباطن هو علي المرتضى (ع)» ويقول شعراً:
مسلم أول شه مردان علي
عشق را سرمايه إيمان علي
أز ولاي دودمانش زنده أم
درجهان مثل ﮔهرتابنده أم
مرسل حق كرد نامش بوتراب
حق يد الله خواند در أمّ الكتاب
قوّت دين مبين أنديشه أش
كائنات آيين يذير أزدوده أش
مرتضى كز تيغ أو حق روشن أست
بوتراب أز فتح إقليم تن أست
هركه در آفاق ﮔردد بوتراب
بازﮔرداند زمغرب آفتاب
وقد عدد في ثنائيات (أسراري) صفات خليفة الله وولي العصر، فذكر شمائل بقية الله الإمام الغائب، فقال:
أي سوار شهب دوران بيا
أي فروع ديده إمكان بيا
رونق هنـﮔامه إيجاد شو
در سواد ديده ها آباد شو
إلى أن يقول:
نوع إنسان مزرع وتو حاصلي
كاروان زندﮔي رامنزلي
ريخت أزجور خزان برﮛ شجر
جون بهاران بررياض ماﮔذر
فيذرف حسراته في انتظار ذلك الموعود، ويصف حال الناس كأوراق الأشجار التي تسقطها الحشرات، ويصوره كالربيع الذي سيطل على رياض الناس فيعيد لها الحياة من جديد.
ويؤيد حاكمية العقل والاجتهاد، اللذين هما من أصول عقائد الشيعة، ويرفض التحجر وإغلاق باب الاجتهاد في غير المنصوص، ويستدل على رأيه ذاك بأن التقليد لو كان أسلوباً صحيحاً لأخذ به النبي وبقي على أثر الآباء.
ويتفق مع فيلسوف الشيعة الملا صدرا في اعتقاده بأصالة الحركة والحركة الجوهرية، ويعتبرها أساساً للخلقة، فيشرح تلك النظرية شعراً في قصيدته (قناة الماء) فيقول:
ساحل أسوده ﮔفت: ﮔرجه بسي زيستم
آه نه معلوم شد كيستم وجيستم
موج زخود رفته أي تيز خراميد وﮔفت:
هشم أﮔرمي روم، ﮔرنروم نيستم
وقد نظم قصيدة من ثلاثة وثلاثين بيتاً من الثنائيات أشار فيها بوضوح إلى عقيدته بالولاية المطلقة لأمير المؤمنين علي (ع) على عالم الإمكان، وإخلاصه وتوليه له، وكان ينشدها كل صباح بعد الصلاة. وقد نشرت القصيدة في مجلة (مخزن) في لاهور، نورد فيما يلي ترجمة لمقاطع منها:
يا من ثناؤه يمحو الألسنة
يا يوسف قافلة النفوس
يا باب مدينة المحبة
يا نوح سفينة المحبة
يا ماحي دور الباطل فيّ
يا فاتح خيبر قلبي
يا رأس خط الوجوب والإمكان
تفسيرك في سور القرآن
يا من مذهبه عشق الصلاة
يا من صدره أمين الأسرار
يا سرّ نبوة محمد
يا من وصفه مدح محمد
فالسماء الرفيعة
لا تبلغ سموّك العالي
فكل ذرّة عندك كالمنصور
تنشد نغمة أنا الطور
فالفردوس مخضّرة بلقائك
لبست الحيرة في شأنك
روحي لا يسرّها إلا عبوديتها
أضحي براس فداءً لجيب قنبر
يقظ، بل سكران بكأسك
من ظل أقدامك التي غمرتني
أعلم أن كتم الأسرار من الأدب
فخلف الستار يألف الظلام
لكن ماذا أفعل فولايتي لك
ظاهرة لا تطيق الكتمان
تخليت عن خشية عاقبة ذا
واستبدلته بغم آلك
ولما جال فكري باحثاً
عاد للماضي فطرق الحرم
***
حبك خطف قلبي فجأة
وانفتحت عقدة فجأة
أفهمه الوجود والعدم
حول معبد العقل إلى حرم
ولما مرّ البرق بهشيم نفسي
شعرت بلذة الاحتراق
***
خلعت لباس الأنا والنحن
عندما جرى الدمع من مقلتي
أخذت ترابي نحو العرش
بالسرّ الذي أودعته قلبي
***
ليس عندي حكاية سوى العشق
فلست أطيق الملامة
فلست أحتاج تجليات العلم
محترق، باكٍ، محموم، ذائب
وتناول في أشعاره مسألة فصل الخلافة عن الولاية والعلماء، وتربع الأمويين على الحكم، التي كانت نقطة انطلاق الانحراف في التاريخ الإسلامي فيقول:
لما مزّقت الخلافة جزءاً من القرآن
هدّت الحرية أصول كل شيء
وكان إقبال يعتقد أن دماء الإمام الحسين (ع) كانت السبب في إعلاء الحق وبقاء الإسلام وتثبيت بناء التوحيد، حيث يقول ما ترجمته:
من أجل الحق غرق في دمه
لكنه بنى لا إله إلا الله به
كان سر إبراهيم وإسماعيل
أي أنّه فصّل ما كانوا أجملوا
أيقظ الأمة النائمة
دمه كان تفسير هذه الأسرار
فسرّ القرآن تعلمناه من الحسين
وألهبنا كل نار من شعلته
ففرق رؤوسنا ما زال يرعف من جرحه
وما زال القرآن زاهياً بتكبيره
فيا رياح الصبا يا رسول القاصين
خذ بدمعي إلى ترابه الطاهر
إن البحث في الميول الدينية لدى إقبال يحتاج إلى مجال أوسع من هذا، لكن لو أردت أن أتحدث عن ذلك بجملة واحدة لقلت: إن مباني أفكاره وملهمه هي العقائد والعرفان والكلام والأدب الشيعي الإيراني، ولذا نجده قد سطر أهم وأشهر آثاره بالشعر الفارسي.
نظرة تشيّع على مسكوكات ملوك الهند
نقش نصير الدين حيدر من ملوك أود (1253 ـ 1243هجري شمسي) بيتاً من الشعر الفارسي على مسكوكه الفضي تعريبه أنه ضرب على الفضة والذهب من فضل الحق، ظل الإله ـ نائب المهدي نصير الدين حيدر الملك ومن الأسر الأخرى التي حكمت في جنوب الهند، أسرة حيدر علي حيث استولت على جميع منطقة جنوب الهند.
وكان والد والده يسمى محمد بهلول حيث هاجر من البنجاب إلى إحدى مناطق ﮔليرﮔه وتزوج ولداه محمد علي ومحمد ولي هناك ثم هاجروا فيما بعد إلى سيرا في مقاطعة ميسور. وفي هذه المدينة وُلد فتح محمد بن محمد علي ووالد حيدر علي. ولكن قتل في إحدى المعارك.
سلّم ولداه حيدر علي وشهباز وهما في السابعة والتاسعة من العمر إلى الدنيا. وكان حيدر أميّاً ترعرع في الأجهزة الحكومية وعقد في البداية اتفاقية تعاون مع نظام علي ملك النظام شاهيين وحارب الإنكليز عدة مرات وتقدم حتى فتح مدراس أيضاً.
توفي حيدر علي في الثمانين من عمره بعد أن أصيب بجروح في الحرب في السابع من ديسمبر سنة 1782 وخلفه بعده ابنه تيـﭜو سلطان ـ قبره موجود في مدينة سري ﮔاتـﭜام.
وقد وقعت معركة بينهم بدعم من القوات الإنكليزية وبين قوات السلطان تيـﭜو، وكذلك وقعت حروب كثيرة بين السلطان تيـﭜو والقوات الإنكليزية وعندما وصل إليه في سنة 1799 خبر استشهاد أشجع ضباطه وهو السيد غفور خاض بنفسه الحرب ضد الإنكليز وقُتل، دفن جثمانه في عاصمة بلاده.
بعد مدة نقلت الحكومة الإنكليزية ابنه إلى كلكلته وإن آخر أولاده وهو الأمير غلام محمد توفى في الحادي عشر من أغسطس سنة 1872م.
ضرب السلطان تيـﭜو مختلف أنواع المسكوكات في أوزان وأحجام مختلفة وحسب أوزانها كان لكل قطعة من المسكوكات الفضية اسم خاص من ذلك:
روبية حيدرية، نصف روبية عابدية، ربع روبية باقرية، ثُمن روبية جعفرية، 1/16 روبية كاظمية. وهي منسوبة إلى أسماء الأئمة.
من الأسر الأخرى ملوك العادل شاهية في بيجاﭜور. مسكوكات تنوعت الكتابة عليها فمن ذلك: «علي بن أبي طالب، وأسد الله الغالب، وبعضها نقش على وجه منها اسم الملك وعلى الوجه آخر عبارة «غلام علي المرتضى».
وبعض نقش على وجه المسكوك اسم الملك وعلى الوجه الآخر عبارة «غلام حيدر صفدر».
وهناك سلاطين شيعة آخرون في الهند غير معروفين ضربوا أسماء الأئمة على مسكوكاتهم.
الإسماعيليون النزاريون
في الهند)[181](
قد تكون الدعوة النزارية انتقلت إلى الهند في النصف الأول من القرن السابع (الثالث عشر) أو قبل هذا التاريخ. ولكن ليست لدينا معلومات عن كيفية بدئها هناك، ولا عن مدى قبول المجتمعات الإسماعيلية التي كانت قد تأسست في عصر الفاطميين ـ عن قبولها لها بعد الانشقاق النزاري ـ المستعلوي سنة 487هـ (1097م).
الوثائق والمستندات الوحيدة التي لدينا حول نشاطات النزاريين في الهند هي تلك التي سُجلت في القصص والروايات الشعبية النزارية الهندية أو في قصص الخوجات وهي عادة منقولة في الأدب الديني الأصيل للمجتمع النزاري الهندي بصورة أشعار بلغات هندية مختلفة كانت مستعملة في الهند. وتسمى هذه الأشعار (ﮔنان). إن هذه الأشعار (الـﮔنان) التي تنسب إلى الشيوخ غير منسجمة من الناحية الزمنية وتشبه الأساطير من ناحية ماهيتها. ولهذا لا يمكن اعتبارها مصادر ومآخذ تاريخية يُعتمد عليها. وحسب قصص وروايات الخوجات النزاريين: إن ستـﮔورنور أو نور الدين هو أول داع نزاري أرسل من (ديلمان) إلى ﮔجرات. ويقال إن نور الدين شجع في ديمة ﭜاتان (ﭜاتن) حاكمها المحلي (سيدها راجه) وهو ملك ﮔجرات الهندي الذي كان قد قبل المذهب الإسماعيلي الطيبي، شجعه على قبول المذهب النزاري. وتقول الرواية المحلية للمجتمع النزاري أن ستـﮔور نور شجع جميع سكان (ﭜاتان) على قبول المذهب الإسماعيلي النزاري وعرفت هذه المدينة فيما بعد باسم ﭜيرناﭜاتان أي مدينة الشيخ. إن التواريخ التي تشير إلى وصول ستـﮔورنور إلى الهند تختلف بعضها عن بعض. وتقول إحدى القصص إن الخليفة الفاطمي المستنصر بعثه إلى الهند للتبشير لصالح ولده نزار. وتقول رواية أخرى إن ستـﮔورنور بدأ نشاطه في أيام حسن الثاني كما تقول قصة أخرى إنه هو نفس الإمام الإسماعيلي القديم محمد بن إسماعيل. على أي حال ليست هناك وثيقة أو مستند يؤكد نجاح الدعوة النزارية في ﮔجرات في القرن السابع (الثالث عشر) أي في الوقت الذي كان المذهب الإسماعيلي الطيبي مستقراً في المنطقة بصورة كاملة.
إن النشاطات النزارية في القارة الهندية كانت في الأساس متمركزة في السند، انتشرت هناك بأشكال مختلفة رغم الاعتقالات التي كانت تجري بين حين وآخر في فرق الشيعة في مولتان. إن أول شخصية جاء اسمه في القصص وينسب إليه بدء نشاطات النزاريين في السند هو الشيخ شمس الدين ويُدعى أن شيخاً آخر هو صلاح الدين الذي يقال إنه والد شمس الدين كان قد أوفد من ألموت إلى الهند. إن شمس الدين شخصية غير معروفة يتوسط هالة من الأساطير وإن التواريخ التي تذكر عن نشاطاته تُشكّل زمناً طويلاً. تقول القصص الأسطورية إن شمس الدين الموجود ضريحه في مولتان هو نفس شمس الدين محمد التبريزي (المتوفى سنة 645/1247) المرشد الروحي لمولانا جلال الدين الرومي (المتوفى سنة 672/1273) الشاعر والعارف الإيراني المعروف وكذلك شمس الدين محمد أول إمام نزاري بعد عصر ألموت. ويُذكر أن بعض المصادر تشير إلى أن شمس التبريزي هو أحد أئمة ألموت وبعض أشعار (الـﮔنان) التي تُنسب إلى الشيخ شمس الدين، تقول إن قاسم شاه الذي هو أحد الأئمة النزاريين الأوائل في عصر بعد ألموت هو الإمام المعاصر. وبهذا فإن نشاطات الشيخ تكون حوالى منتصف القرن الثامن/ الرابع عشر. وتقول بعض الـﮔنانات الأخرى أن أيام نشاطه كانت في القرن السادس/ الثاني عشر. وبهذا فليست لدينا أخبار مؤكدة عن المرحلة الأولى لتاريخ الإسماعيلية النزارية في الهند. ولكن إذا قلنا إن الدعوة النزارية انتشرت بين هنود السند واستقرت هناك بعد سقوط ألموت إثر نشاطات الدعاة الأوائل الذين كانوا قد أوفدوا إلى السند في أواخر عصر ألموت، لا في ﮔجرات، فإن هذا الكلام لا يكون مبالغاً فيه.
إن تطورات المذهب الإسماعيلي النزاري في الهند غير معروفة لدينا بسبب عدم وجود وثائق ومستندات ومصادر يعتمد عليها. إن الـﮔنان والمؤلفات والقصص والروايات الدينية غير صحيحة من ناحية الزمان ومن ناحية ترتيب الأحداث وإن أغلبها تمزج الحقيقة بالأسطورة والخيال خاصة حول القرون الأولى من نشاطات الدعوة.
تقول الروايات إن الدعوة في الهند بدأها الموفدون أو الشيوخ الذين كانوا قد أوفدوا من قبل الأئمة النزاريين في إيران. إن هؤلاء الموفدين الذين قد بدأوا التبشير في أواخر عصر ألموت ركزوا نشاطهم في البداية في منطقة السند. نقول إن المعلومات المتوفرة عن نشاطات الدعوة النظارية بعد عصر ألموت في الهند مأخوذة تماماً من الروايات المحفوظة بين أنصار أئمة القاسم شاهية والإمام شاهية الذين انفصلوا عن الجامعة وسنشير فيما بعد إلى نشاطات الأئمة المحمد شاهية، خاصة نشاطات الشاه طاهر الذي كان يقيم في الهند.
سبق أن قلنا إنه رُوي أن ستـﮔورنور كان أول شيخ أوفد من إيران إلى الهند للتبشير والدعاية للمذهب النزاري الذي كان يسمى هناك ستـﭜنت أي طريق الحقيقة. وعلى أساس هذه الرواية فإن نشاطات ستـﮔورنور كانت الأكثر في (ﭜاتان) في مقاطعة ﮔجرات ومقبرته تقع في (نوسري) بالقرب من (سورت) ويدهشنا أن حجر قبره يشير إلى تاريخ 487/1094.
والشيخ المهم الثاني هو شمس الدين الذي اقتصرت نشاطاته على السند والأشعار الدينية التي تنسب إليه يذكر فيها قاسم شاه بأنه إمام زمانه. وهكذا يبدو أن الشيخ شمس الدين بدأ نشاطاته في النصف الأول من القرن الثامن/ الرابع عشر. وكان نشطاً في مولتان (أوﺝ) في السند وقبره في مولتان يعرف بقبر شمس التبريزي.
جماعة شمس النزارية الذين يعتقدون الآن بإمامة آغا خان ومهنتهم هي صياغة الذهب في مولتان ومناطق أخرى في البنـﭼاب يدّعون أن الشيخ شمس الدين هو الذي شجعهم على الدخول في المذهب النزاري. واستمر بأعمال شمس الدين ابنه نصير الدين وحفيده شهاب (أو صاحب) الدين ولا نعرف شيئاً عن هذين الشيخين اللذين يحتلان المرتبة الحادية والعشرين والثانية والعشرين في قائمة الشيوخ. ورُوي أنهما كانا يقومان بأعمال الدعوة بصورة سرية. ولما توفى الشيخ شهاب الدين، خلفه ابنه صدر الدين. وكان الشيوخ النزاريون في الهند حتى هذا الزمان يتمتعون باستقلال ذاتي كما أوجدوا سلالة وراثية.
الشيخ صدر الدين الذي تنسب إليه أعداد كثيرة من الـﮔنان كان له دور فعال ورئيسي في التبشير بالدعوة النزارية في الهند وتنظيماتها. ويقال إنه توفى في الفترة بين 770/1369 و819/1416. وبهذا فإنه يكون معاصراً للإمام إسلام شاه. شجع صدر الدين الكثيرين من هنود كاست ولوهانه LOHANA & CASTE على قبول المذهب النزاري. وسماهم (خواجه) المأخوذة من كلمة خواجه الفارسية ومعناها السيد. إن هذه الكلمة تعادل الكلمة الهندوسية thakur (أو thakkar) ومعناها السيد والصاحب. وكانوا يسمون اللوهانيين بهذا الاسم لأنهم كانوا من طبقة (كشتريا) وما زال اللوهانيون والخوجه يستعملون هذا العنوان الهندوسي. ويعود الفضل في إنشاء أول جماعة نزارية في (كوتري) بالسند إلى صدر الدين، ثم بعد ذلك قام بإنشاء مركزين للجماعة النزارية في الـﭜنجاب وكشمير وعين لهما رئيسين يسمى الواحد منهما (مُكي). وكلمة (مُكي) مأخوذة من كلمة (موكهية) Mukhya باللغة السنسكريتية ومعناها الأفضل أو الرئيس. وبهذا فإن صدر الدين وضع حجر الأساس للتنظيمات النزارية في الهند التي عرف المنتمون إليها بـ(الخوجه) وبمرور الزمان وصل صدر الدين بالدعوة إلى ﮔجرات وتمكن من إقناع اللوهانة والكاست من أصحاب المهن الهندوس بقبول المذهب النزاري. غير أن مقر نشاطات صدر الدين بقيت في (أوﭻ) وكان من هناك يشرف بصورة علنية على أمر الدعوة.
يجب أن نقول إن السند كانت آنذاك تحت سلطة السمة الذين خلفوا في 752/1351 السومرة الذين كانوا على المذهب الإسماعيلي ويحتمل جداً أن يكون أعضاء سلالة السومرة قد قبلوا الدعوة النزارية في السند ولكنهم حافظوا على تقاليده الإسماعيلية الخاصة. غير أن السمة سرعان ما قبلوا المذهب السني. ويبدو أن الشيخ صدر الدين لما سافر إلى إيران لتقديم العشرية أو داسوند Dassondh التي كان قد جمعها من المجتمع النزاري في الهند، قابل الإمام إسلام شاه.
يقع قبر صدر الدين بالقرب من جتـﭜور في ضواحي أوﭻ جنوب مولتان. وسدنة هذا المزار يعتبرون الآن أنفسهم من الشيعة الإثني عشرية ويسمون الشيخ صدر الدين، الحاج صدر شاه.
أكبر أبناء صدر الدين واسمه حسن كبير الدين. خلف والده. وجاء في كتاب أخبار الأخبار، وهو كتاب معروف في مدح الشيوخ تمّ تأليفه في الهند من قبل عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي (المتوفى سنة 1052/1642) أن كبير الدين قام برحلات كثيرة قبل استقراره في أوﭻ. ويبدو أنه سافر إلى إيران لمقابلة الإمام. كما شجع عدداً كبيراً من الهندوس على قبول المذهب النزاري. وتاريخ وفاة هذا الشيخ كان بين 853/1449 و896/1490 ـ 1491 ولكن من المحتمل جداً أن يكون قد توفى حوالى سنة 875/1470 ـ 1471. جاء هذا التاريخ في مخطوطة منازل الأقطاب. وهذا الكتاب يبحث عن تاريخ فرقة الإمام شاهية، تمّ تأليفه حوالى سنة 1237/1821 من قبل القاضي رحمة الله بن غلام مصطفى في ﮔجرات. ويقع مزار كبير الدين خارج أوﭻ. ويعرف في المنطقة باسم حسن دريا. ويذكر أن هذا الشيخ حسب الروايات الموجودة كان على صلة مع الطريقة السهروردية الصوفية التي كانت منتشرة في مولتان آنذاك. والحقيقة أن اسم الشيخ كبير الدين موجود في قائمة شيوخ هذه الطريقة الصوفية. على أي حال فإن هذا دليل على أن علاقات وثيقة كانت قائمة في الهند في عصر بعد ألموت بين النزارية والصوفية.
وبعد وفاة كبير الدين تدهورت أحوال المجتمع النزاري في الهند وأدت الحال في النهاية إلى شقاق بينهم. ويقال إن حسن كبير الدين كان له ثمانية عشر ابناً ولكن لأمر ما اختار شقيقه تاج الدين خلفاً له. على أن هذا الاختيار واجه معارضة بعض أبناء كبير الدين الذين كانوا في خلاف بعضهم مع بعض. وعندما عاد تاج الدين إلى الهند بعد أن قام بزيارة الإمام في إيران وبعد أن قدم له عُشرية النزاريين، اتهمه أبناء أخيه بأنه استولى على بعض هذه الأموال الدينية لنفسه، ويقال إن الشيخ مات متأثراً بهذه التهمة، حتى لقد قيل: إنه انتحر. إن تاج الدين لا يعترف به الإمام شاهية لكونه شيخاً مات في أواخر القرن التاسع/ الخامس عشر بعد وفاة كبير الدين بمدة قصيرة. وتقع مقبرته في جُهن في السند.
بعد وفاة تاج الدين، حاول إمام الدين عبد الرحمن بن حسن المعروف بـ(إمام شاه) وهو أحد أبناء كبير الدين الذي تنتسب الإمام شاهية إلى اسمه حاول عبثاً الجلوس على كرسي زعامة الخوجه النزاريين، وسافر بعد ذلك إلى إيران لمقابلة الإمام، إلا أن الإمام لم يمنحه منصب الشيخ. ولما عاد إمام شاه إلى الهند أقام في ﮔجرات وبقي فيها إلى آخر حياته وحقق انتصارات كثيرة في تشجيع الهندوس وخاصة المزارعين والفلاحين على قبول المذهب النزاري الإسماعيلي. وتقول بعض القصص الأسطورية إنه شجع محمود بـﮔرا (862 ـ 917/1458 ـ 1511) سلطان ﮔجرات على قبول المذهب الإسماعيلي، وإن السلطان زوج ابنته إلى (نرّ محمد ) أكبر أبناء إمام شاه. كما تقول بعض الروايات غير الموثوقة إن إمام شاه الذي انفصل عن المجتمع النزاري وأسس فرقة الإمام شاهية لا يعترف به الخوجة النزاريون شيخاً ويسمونه سيداً فقط. توفي في 919/1513 في ﭜيرانه، البلدة التي أنشأها بنفسه بالقرب من أحمد آباد وقبره موجود هناك. في هذه الأحوال وبسبب استمرار الخلافات بين أفراد عائلة الشيخ حسن كبير الدين، فإن الإمام لم يعين شيخاً بعد تاج الدين وأرسل بدلاً من ذلك رسالة إرشاد إلى المجتمع النزاري في الهند وتحتل هذه الرسالة المكان السادس والعشرين في فهرست الشيوخ. إن هذه الرسالة أو الكتاب هي نفس نصائح جوانمردي (ﭜنديات جوانمردي) التي أشرنا إليها قبل هذا وهي تشتمل على النصائح والوصايا الدينية للإمام المستنصر بالله الثاني. وصل هذا الكتاب إلى السند في منتصف القرن العاشر/ السادس عشر، ونعيد إلى الأذهان أن الأئمة القاسم شاهية آنذاك كان يبذلون مساعيهم الحثيثة لفرض قدرتهم على المجتمعات النزارية الهندية وعلى المناطق البعيدة. فمثلاً يشير خير خواه الهراتي إلى سفر الدعاة من الهند لمقابلة الإمام في أنجدان ويقول أيضاً إن عدد نزاريي الهند كان أكثر من نزاريي إيران. وتُرجمت نصائح جوانمردي إلى اللغتين السندية والـﮔجراتية وكتبت بالخط الخوجي ليستفيد منها النزاريون الخوجه.
في هذا الزمان كان نرّ محمد أو نور محمد ابن إمام شاه. قد خلف والده في ﮔجرات. ويبدو ـ بحسب الظاهر ـ أن إمام شاه كان مخلصاً ووفياً للأئمة النزاريين في إيران حتى آخر حياته، غير أن نرّ محمد فصل نفسه عن الدعوة النزارية ومجتمع الخوجات وأسس فرقة جديدة في سنة 919/1513 وطلب أن تسلم إليه في ﮔجرات أموال العشرية التي كانت ترسل إلى الإمام في إيران عن طريق السند، والحقيقة أن نرّ محمد ادعى الإمامة لنفسه ولوالده. وهكذا فإن الأوامر والتعليمات الجديدة أدت إلى شقاق في المجتمع النزاري في ﮔجرات. فقد رفض المدعو (كهتا) KHETA وكان يرأس 18000 هندوسياً اعتنقوا المذهب النزاري ـ رفض طلبات وادعاءات نرّ محمد غير أن كثرة في ﮔجرات كانت تؤيده فأسسوا فرقة إمام شاه المستقلة التي كانت تسمى (ستـﭜنتي) أيضاً. وظل قليل من أنصار نر محمد السابقين وبقية نزاريي ﮔجرات أوفاء مخلصين للأئمة النزارية والدعوة الأصلية.
توفى نر محمد سنة 940/1533 ـ 1534 ودفن في مقبرة والده في ﭜيرانه وأنكر الإمام شاهيون بعد ذلك وجود أية صلة بينهم وبين مذهب الإسماعيلية رغم أنهم ظلوا يقبلون سلالة الأئمة الإسماعيلية حتى إسلام شاه الذي كان الإمام النزاري القاسم شاهي الثلاثين. غير أنهم يرفضون قبول بعض الأئمة النزاريين مثل ركن الدين خورشاه ومحمد بن إسلام شاه. وإلى زمن حصول الشقاق والانفصال فإن هؤلاء يدعون أن الشيوخ الأوائل وحتى حسن كبير الدين كانوا على المذهب الشيعي الإثني عشري، وإنهم لا يعترفون بتاج الدين شيخاً ويقولون إن نر محمد هو آخر أئمتهم.
بعد وفاة نر محمد حصل شقاق في المجتمع الإمام شاهي حول منصب الشيخ. وفي عهد أورنـﮛ زيب، كان زعيم الإمام شاهية رجل يدعى شاهجي ميرانشاه وكان مركزهم في مدينة ﭜيرانه. وخلف شاهجي والده محمد شاه في 1067/1657 وكان والده أحد أحفاد سعيد خان/ ابن نر محمد، شيخ إحدى فرق الإمام شاهية التي تسمى أطهيا ATHTIYA. وكان أورنـﮛ زيب قد سمع بعض الأقوال عن معتقدات شاهجي الإلحادية، فاستدعى الشيخ العجوز إلى بلاطه للتحقيق معه من قبل رجال الدين السنيين. فأرغم حاكم ﮔجرات، تنفيذاً لأوامر أورنـﮛ زيب ـ أرغم شاهجي على السفر إلى بلاط أورنـﮛ زيب، غير أن شاهجي توفى في الطريق بالقرب من ﭜيرانه أو أحمد آباد وأغلب الظن أنه انتحر بالسم. وإثر هذا الحادث ثار أنصار شاهجي لا سيما في (ماتيه كنبيس) MATHYA KANBIS واحتلوا قلعة بروﭻ، وأعلنوا السيد محمد شاه (المتوفى سنة 1130/1718) ابن شاهجي ميرانشاه ملكاً على بروﭻ. وقعت هذه الاضطرابات حوالى سنة 1100/1688 ـ 1689 إلا أن أورنـﮛ زيب أخمدها وقضى عليها. وبقي منصب الشيخ في هذا الفرع من فرقة الإمام شاهية في أيدي أخلاف شاهجي المباشرين إلى آخر شيخ وهو باقر علي الذي كان آخر شيوخ أطهيا توفى حوالى 1251/1835) وأسست زوجة شاهجي ميران، واسمها راجي طاهرة فرعاً جديداً من فرقة الإمام شاهية. على أن أنصار هذه الفرقة الذين يعيشون الآن في قرى وأرياف ﮔجرات وخاندش ومدهيه ﭜرادش الغربية بالقرب من برهاﭜنور يعتبرون أنفسهم شيعة اثني عشرية أو من أبناء السنة بدلاً من كونهم إسماعيليين، وليست لدينا أية معلومات عن رد فعل مركز الدعوة القاسم شاهية في أنجدان بالنسبة للشقاق الذي حصل بين الإمام شاهية في الهند.
في الأحوال التي أعقبت الانفصال في المجتمع الهندي الذي أسفر عن الشقاق بين الإمام شاهية. لم يرسل الأئمة النزاريون أي شخص بصفته شيخاً ليخلف تاج الدين، وكما أشرنا فإن كتاب نصائح جوانمردي أرسل إلى القارة الهندية كدليل للنزاريين هناك. وبعض القوائم القديمة جداً التي فيها أسماء الشيوخ بعد كتاب نصائح جوانمردي، تشير إلى شيخ اسمه (دادو). يقال إنه أوفد من قبل الإمام إلى السند ليمنع الخوجه النزاريين من الانحياز إلى المذهب السني، غيرأنه وحوالى سنة 1584م اضطر دادو إلى السفر إلى نوانـﮔر (جام نـﮔر) في ﮔجرات وأقام هناك مع عدد من النزاريين السنديين الذين كانوا قد هربوا معه. ثم انتقل دادو بعد ذلك إلى (بهوج) وتوفى فيها سنة 1593. وقد لعب دادو دوراً هاماً في إعادة تنظيم المجتمع النزاري في الهند وتوثيق العلاقات وتعزيزها بين هذا المجتمع وبين الإمام ومركز الدعوة في أنجدان. غير أن اسم دادو حذف من قوائم شيوخ الهند فيما بعد.
وبعد انتهاء سلالة الشيوخ، أرسل الأئمة ممثلين عنهم إلى المجتمعات المحلية في الهند للإشراف عليها وكانوا يسمونهم الوكلاء أو (باوا) BAWA. إن هذه الكلمة المأخوذة من اللهجة الخوجية هي نفس الكلمة الفارسية أو التركية (بابا) بمعنى الأب، وتستعمل للطاعنين في السن احتراماً لهم. إن أئمة أنجدان الذين كانوا غير مرتاحين لسلالة الشيوخ كانوا يسعون الآن للإشراف على النزارية في الهند بصورة مباشرة. وإحدى أهم أعمال الوكلاء والممثلين المحليين الآخرين هو جمع الأموال والديون الدينية ونقلها في وقتها بصورة صحيحة إلى الخزينة المركزية للدعوة في إيران التي كانت موجودة في مقر الإمام. وكان بعض أسر السادات المحليين أي أخلاف الشيخ حسن كبير الدين قد احتفظوا بسيطرتهم على المجتمع النزاري والخوجه وكانوا في بعض الأوقات يعيّنون وكلاء. ولما كان هؤلاء ما زالوا مخلصين وأوفياء للأئمة النزاريين في إيران فقد كانوا يشرفون على أمر الدعوة ويقومون ببعض الأعمال التعليمية في مجتمع الخوجة. إن سادات (كديوالا) Kadiwala الذين كانوا من ضمن مؤلفي الـﮔنان، كانوا نموذجاً لهذه الأسر، وما زال هؤلاء يزاولون نشاطاتهم وأعمالهم في السند. وكان جدهم السيد فاضل شاه من أخلاف رحمة الله بن حسن كبير الدين وكان يمارس أعماله في مدينة (كدي) الواقعة في كاﭻ حوالى منتصف القرن الحادي عشر/السابع عشر قبل أن ترحل هذه الأسرة إلى السند. وأخيراً استقرت حوالى سنة 1780 م في السند في (تندو محمد خان)، المكان الذي ما زال سادة كديوالا يقيمون فيه.
استمرت الدعوة النزارية في الهند وفي ﮔجرات بالذات. وكانت إحدى هذه الجماعات النزارية المخلصة الوفية للأئمة وممثليهم في الهند تسمى (مومنا) وهذه الكلمة مأخوذة من كلمة مؤمن. إن هذا المصطلح أطلق على بعض الجماعات الإمام شاهية. ويقول المؤمنون النزاريون إنهم بمرور الزمن أصبحوا في خدمة سيد كديوالا فاضل شاه الذي كان قد جاء لجمع العشرية وإرسالها إلى إيران. إن الشيخ مشايخ وحسن الشيخ ابني السيد فاضل لعبا أدواراً هامة بين المؤمنين النزاريين في شمال ﮔجرات. وتقول روايات المؤمنين النزاريين أن مشايخ عُيّن رئيساً للجماعة النزارية بشمال ﮔجرات وحاول هناك أن يمنع بعض العادات والآداب الهندوسية التي كان يزاولها بعض أنصار الفرقة، وأخيراً أقام في أحمد آباد وأعلن استقلاله عن الدعوة في أنجدان. وكان يحتفظ بالعشرية المالية التي كان يجمعها في مجتمعه لنفسه، ونقض بيعته للأئمة النزاريين في إيران. وتقول بعض الروايات إنه أصبح سني المذهب وسافر إلى الدكن للاجتماع بـ أورنـﮛ زيب. ويقال إن الشيخ مشايخ تعاون مع الملك المغولي على الحكام الشيعة في بيجاﭜور. والكثيرون من أنصار مشايخ الذين أعلنوا وفاءهم بعد ذلك لأخلاف مشايخ أصبحوا سنيين في حين أن المؤمنين النزاريين ما زالوا يعاضدون سادة كديوالا.
توفى الشيخ مشايخ سنة 1108/1697 في أحمد آباد وحصل خلاف بعد وفاته بين أنصاره حول ما إذا كان سنياً أو شيعياً. والحقيقة أن الأمر غامض حيث أن مؤلفات مشايخ تشير إلى رغباته السنية والشيعية معاً. يقول عظيم نانجي AZIM NANJI إن الشيخ مشايخ قد يكون من أنصار الأئمة النزاريين المحمد شاهيين الذين كانوا يقيمون آنذاك في الدكن ولكنه كان يتظاهر تقية بأنه سني المذهب وبقي أخوه حسن الذي كان يزاول نشاطاته في (كتهياوار) مخلصاً للأئمة النزاريين وأصبح شيخاً للمؤمنين النزاريين، إضافة إلى ضريحه في تهاناﭜيـﭜلي بالقرب من (جوناﮔره)، أنشأ الخوجه النزاريون والمؤمنون له معبداً في سنة 1717 ميلادية في (ﮔنود) في ﮔجرات تخليداً لذكراه. وانقسم المؤمنون وأكثرهم الآن في ﮔجرات، انقسموا إلى جماعات مختلفة بعضهم من أبناء السنة والبعض الآخر من أبناء الشيعة الإثني عشرية، والبعض من الإسماعيلية النزارية والبعض الآخر مزيج من جميع هذه المذاهب.
كان الشيوخ النزاريون الذين قاموا بالتبشير للدعوة النزارية في الهند ـ كانوا يبذلون اهتماماً خاصاً بالعادات الدينية للمجتمعات الهندية، المفروض أن تنتهي إلى المذهب النزاري. وكان هؤلاء يبذلون جهودهم لعرض التعاليم الإسلامية والعقائد الإسماعيلية باللغة التي يفهمها سكان السند الهندوس وسكان ﮔجرات والمناطق الأخرى في القارة الهندية. ويمكن مشاهدة هذا الأسلوب بوضوح في نصوص الـﮔنان الدينية التي هي مزيج من العناصر الإسلامية والهندوسية. لقد منع الشيوخ عبادة الأصنام واستنكروها، ولكنهم كانوا يستعملون الأساطير الهندوسية لشرح وتبيين بعض الاسس التعليمية. إنهم عرضوا عقيدة الإمامة على الشكل الذي كان يعتقده النزاريون بعد عصر القيامة، ضمن إطار هندوسي. وإن هذا التركيب في الـﮔنان جاء في مؤلف جديد اسمه دَسَه أوَتارَ DASA AVATARA (عشرة أوتارات أو عشرة مظاهر) موجودة في ثلاث نصوص مختلفة تنسب إلى الشيخ شمس الدين والشيخ صدر الدين وإمام شاه. إن دَسَه أوَتارَ كالكثير من الـﮔنان انتهى مفعولها وكانت تشرح عقائد النزاريين بعد عصر القيامة. وإن دَسَه أوَتارَ كان يمثل الإمام النزاري كرمز للمنقذ الموعود والمنتظر كما هو الحال بالنسبة لـ ويشنو إله الهندوس.
إن المعلومات حول الأئمة النزارية والمحمد شاهية ونشاطاتهم في أمر الدعوة قليلة جداً. وسبق أن قلنا إن أغلبية المجتمع النزاري في سوريا حتى القرن الماضي كانوا يتبعون هذه السلسلة من الأئمة. وكان عدد كبير من المحمد شاهية حتى القرن العاشر/ السادس عشر موجودين في إيران خاصة في الديلم، وكذلك في أفغانستان والمناطق المجاورة في بدخشان وحيجوك العليا وبعد رحيل الأئمة المحمد شاهية إلى الهند في أوائل القرن العاشر/ السادس عشر فإن هذا الفرع من الفرقة النزارية بقي في شبه القارة الهندية عدة قرون. ولكن بسبب عدم وجود مصادر ومستندات ووثائق كافية عن الفرقة فإن الكثير من الأئمة المحمد شاهية باتوا مجهولين لدينا وأن أسماءهم وحدها بقيت محفوظة في القصص وخاصة تلك القصص والروايات المنقولة عن نزاريي سوريا. لقد سبق أن أشرنا إلى محمد شاه بن مؤمن شاه الإمام السابع والعشرين لهذه السلالة وقلنا إنه قد يمكن أن يكون هو نفسه الرب محمد. إن الرب محمد كان عادة يرشد أنصاره النزاريين في الديلم من ألموت، ولعب دوراً فعالاً في الاتحادات وفي الاشتباكات في المنطقة إلى أن نفاه تيمور إلى مدينة السلطانية وكان أخلافه وربما نوابه يعيشون في السلطانية حتى أواخر القرن التاسع/ الخامس عشر. وفي غضون ذلك جلس رضي الدين (المتوفى سنة 838/1434) على كرسي الإمامة خلفاً لوالده محمد شاه بن مؤمن شاه، وخلفه بعده طاهر بن رضي الدين (المتوفى سنة 868/1463 ـ 1464) ثم رضي الدين الثاني بن طاهر الإمام الثلاثون لهذه السلالة ووالد شاه طاهر الدكني المعروف. ربما يمكننا أن نعتبر الإمام رضي الدين الثاني هو نفسه الشاه رضي الدين، الزعيم النزاري الذي ظهر في أوائل القرن العاشر/ السادس عشر في بدخشان في المنطقة الجبلية الواقعة على الساحل الأيسر من جيحون الأعلى أو بصورة أفضل على ساحل نهر ﭜنج المكان الذي ينبع منه نهر جيحون.
إن إسماعيلية جيحون الأعلى الذين كانوا أوفياء مخلصين لناصر خسرو قبلوا الدعوة النزارية في أواخر عصر ألموت. إلا أن تاريخ هذا الحادث والأوضاع والأحوال الخاصة به غير ظاهرة لنا، وحسب روايات الإسماعيليين الموجودين في (شغنان) وهي منطقة في جيحون الأعلى على ساحل نهر ﭜنج وفي أقصى الغرب من ﭜامير، فإن اثنين من الدعاة كانا قد أوفدا من قبل الأئمة النزاريين في عصر ألموت جاءا بالمذهب النزاري إلى بدخشان. ويُروى أن أحد الدعاة واسمه السيد شاه ملنـﮛ، ذهب من خراسان إلى (شغنان) وعزل حاكمها وجلس مكانه وتسلم السلطة. وبعد الشاه ملنـﮛ، جاء إليها داع نزاري آخر اسمه السيد شاه خاموش يتصل نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (ع) وأصبح هذان الداعيان المؤسسان لسلالة الشيوخ وسلالة الميدانيين ـ أصبحا يحكمان شغنان والمناطق المجاورة لها. في هذه الأحوال بقيت بدخشان التي كان يحكمها حكام محليون، بقيت مصانة من بلية المغول. إن هذه المنطقة انضمت وأُلحقت ببلدان التيموريين في عهد أبي سعيد (855 ـ 873/1451 ـ 1469) أحد أحفاد تيمور. وفي بداية القرن العاشر/ السادس عشر استولى الأزبك على بدخشان إلا أن حكومة الأزبك فيها واجهت معارضة عدد من الحكام المحليين بينهم حاكم تيموري يسمى ميرزا خان (المتوفى سنة 926/1520). وفي هذه الأوضاع المتدهورة المضطربة وفي سنة 913/1507 ـ 1508 جاء الشاه رضي الدين الذي سبق أن أشرنا إليه وهو أحد كبار الشخصيات النزارية الذي كان يتزعم النزاريين في تهستان قبل هذا ويمكننا أن نعتبره الإمام المحمد شاهي الثلاثين، جاء من سيستان إلى بدخشان واستقر فيها. وخلال الاشتباكات والصراعات التي سرعان ما وقعت بين أنصاره، قتل الشاه رضي الدين في ربيع سنة 915/1509 وأرسلوا رأسه إلى ميرزا خان الحاكم التيموري الذي كان قد استقر في قلعة ظفر الواقعة على الساحل الشمالي من نهر ككـﭼه. أما ميرزا خان فإنه بعد أن هزم حاكماً محلياً آخر اسمه زبير راغي أنزل ضربة قاصمة بالنزاريين في بدخشان الذين كانوا قد اجتمعوا آنذاك حول الشاه رضي الدين.
خلف الإمام رضي الدين الثاني ابنه الشاه طاهر الحسيني الدكني وهو الإمام الحادي والثلاثون، وأشهر أئمة السلالة المحمد شاهية كان الشاه طاهر متكلماً فاضلاً وشاعراً مجيداً ذواقة، أدى خدمات سياسية جزيلة لسلالة أحمد نـﮔر الملكية في الدكن. وأوفى شرح عن حياة هذا الإمام هو الذي جاء في كتاب تاريخ محمد قاسم هندوشاه الاسترآبادي المعروف بـ(فرشته) واسم هذا التاريخ هو ﮔلشن إبراهيمي ويعرف عادة بتاريخ فرشته. وهذا الكتاب هو تاريخ الهند العام. انتهى المؤلف من تأليفه سنته 1015/1607 ـ 1606. يقول فرشته في كتابه بعد أن اطلع على منزلة الشاه طاهر بصفته إماماً إسماعيلياً نزارياً. يقول إن آباءه في إيران كان لهم أنصار كثيرون وكانوا يعيشون في ناحية تسمى خُند (خواند) بالقرب من مدينة قزوين. وبمرور الزمان أصبح الشاه طاهر رئيساً على أسرته وأنصاره. وكان شخصية كفوءة وبسبب علمه وتقواه كسب شعبية كبيرة. وقد سمع الشاه إسماعيل الصفوي أبناء الشاه طاهر وخاف من مكانته الشعبية. لكن بتوسط الميرزا حسين الأصفهاني وشفاعته وهو أحد الرجال البارزين في البلاط الصفوي ومن المدافعين عن الشاه طاهر. وجهت الدعوة للإمام النزاري للالتحاق ببقية العلماء في بلاط الشاه إسماعيل في مدينة السلطانية. إلا أن كثرة أنصار الشاه طاهر وسياسته المذهبية أثارت شكوك الشاه إسماعيل، على أنه سمح للشاه طاهر بتدخل الميرزا حسين الأصفهاني الذي كان اعتنق المذهب الإسماعيلي النزاري فرع المحمد شاهية سراً، سمح للشاه طاهر بالذهاب إلى مدينة كاشان والإقامة فيها وأصبح الشاه طاهر في مدينة كاشان مدرساً للعلوم الدينية وصار له تلاميذ وأنصار كثيرون ويعتقد أن الكثيرين من أنصاره كانوا يسافرون إلى كاشان لحضور جلسات الدرس. وسرعان ما أثارت هذه الانتصارات التي حققها الشاه طاهر عداء الحكام المحليين وعلماء الشيعة الإثني عشرية مما دفعهم إلى إرسال أخبار مزيفة حاقدة عن تعاليم الشاه طاهر الإسماعيلية إلى الشاه إسماعيل واتهموه أيضاً بأنه يتزعم الإسماعيلية والفرق الإلحادية الأخرى وله مراسلات مع السلاطين الأجانب.
وكان الشاه إسماعيل يتحين الفرصة للقضاء على الشاه طاهر، فسنحت الآن له هذه الفرصة وأصدر أمراً بتأديب الشاه طاهر. غير أن الميرزا حسين الأصفهاني، صديق الشاه طاهر في البلاد الصفوي أسرع فأبلغ صديقه الأمر. ففي سنة 926/1520 هرب الشاه طاهر وأسرته من كاشان ونجا قبل أن يقع في براثن الرجال الذين أوفدوا لاعتقاله. ذهب الشاه طاهر إلى فارس ثم توجه منها عن طريق البحر إلى الهند ونزل إلى الساحل في (ﮔوا). وذهب فور وصوله إلى بلاط إسماعيل عادل (916 ـ 941/1510 ـ 1534) الذي كان في بيـﭼاﭜور يحكم إحدى المقاطعات الخمس التي تأسست من بلاد بهمني الدكني السابقة وكان يوسف والد إسماعيل الحاكم الهندي المسلم الأول الذي أعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في البلاد. ولكن إسماعيل عادل شاه لم تكن لديه معتقدات دينية جذرية. ولهذا فلم يعر أي اهتمام للشاه طاهر، ولما كان هذا قد يئس من استقباله في بيـﭼاﭜور قرر الذهاب إلى حج بيت الله الحرام والذهاب من هناك إلى العتبات المقدسة في العراق ومن ثم العودة إلى إيران.
توقف الشاه طاهر في طريقه إلى الميناء، في قلعة ﭜرنده حيث اجتمع بالخواجة جهان وزير السلاطين البهمنيين المعروف الذي كان آنذاك يخدم سلاطين سلالة أحمد نـﮔر الملكية كما اجتمع هناك بالشيخ محمد الشيرواني العالم السني الحنفي من أهالي أحمد نـﮔر الذي كان قد أوفد في مهمة من قبل برهان الأول نظام شاه (914 ـ 961/1508 ـ 1554) إلى الخواجه جهان فأعجب الشيخ محمد بفضل الشاه طاهر وعلمه وأبلغ الأمر إلى برهان نظام شاه. فوجه هذا دعوة إلى الشاه طاهر للذهاب إلى أحمد نـﮔر.
في سنة 928/1522 وصل الشاه طاهر إلى أحمد نـﮔر، عاصمة مملكة النظام شاهية، حيث كان المقدر أن تكون موطنه إلى الأبد. وسرعان ما أصبح أحد كبار مستشاري برهان نظام شاه. وحصل على مكانة بارزة في بلاطه وبطلب من برهان نظام شاه. بدأ الشاه طاهر بإلقاء محاضرات أسبوعية حول مختلف المواضيع الدينية في قلعة أحمد نـﮔر. وكان يحضر هذه المحاضرات كبار العلماء والسلطان نفسه وكانت السبب في انتشار صيته في جميع أنحاء الدكن. وينقل إلينا (فرشته) في تاريخه بالتفصيل كيف أن الشاه طاهر عالج بصورة مدهشة عبد القادر الابن الشاب لبرهان نظام شاه وكان ذلك هو السبب في أن ينتقل برهان من المذهب السني إلى المذهب الشيعي. تقول مصادرنا إن برهان نظام شاه اعتنق المذهب الشيعي الإثني عشري، وهو نفس المذهب الذي كان يبشر به الشاه طاهر منذ البداية. وأن التبشير بمذهب شيعي اثني عشري من قبل أحد الأئمة النزاريين قد يكون عجيباً في البداية ولكن لا ننسى أن الشاه طاهر وبقية الزعماء النزاريين آنذاك كانوا مضطرين لمراعاة التقية. ولا شك أن الشاه طاهر كان يقوم بالتبشير بشكل من الأشكال بالمذهب الإسماعيلي النزاري تحت مظلة المذهب الشيعي الإثني عشري حيث إن هذا النوع من التشيع بين الحكام المسلمين في الهند كان مطلوباً أكثر بسبب العلاقات الودية التي كانوا يرغبون في إقامتها مع السلالة الصفوية الشيعية الإثني عشرية في إيران.
إن هذا الأمر يؤكد لنا أيضاً لماذا قام الشاه طاهر بشرح بعض المؤلفات الكلامية للعلماء الشيعة. وإضافة إلى ذلك فإن الشاه طاهر كمنافسيه في السلالة القاسم شاهية كان يعرب عن أفكاره وعقائده النزارية ضمن غطاء من الصوفية ولكننا لا نعرف التفاصيل عن هذا الأمر.
يجب أن نذكر هنا أن تأليف الشرح الإسماعيلي على كتاب ﮔلشن راز ينسب إلى الشاه طاهر وسبق أن أشرنا إلى ذلك. وعلى أي تقدير فإن هذه الأمور جاءت بوضوح في كتاب لمعات الطاهرين وهي رسالة محمد شاهية شعرية أنشدها غلام علي بن محمد في الدكن حوالى سنة 1110/1698 وكتاب اللمعات وهو المؤلف المحمد شاهي الوحيد المحفوظ في الهند يشير مؤلفه بصورة علنية إلى عقائده النزارية بعبارات ومصطلحات صوفية وإثني عشرية. وفي نفس الوقت الذي يمدح فيه الأئمة الإثني عشر يشير إلى الأئمة المحمد شاهية أيضاً.
حقق الشاه طاهر أكبر انتصار ديني له في الدكن عندما انتمى برهان نظام شاه إلى المذهب الشيعي وأعلن بعدها في سنة 944/1537 المذهب الشيعي الإثني عشري، المذهب الرسمي في بلاد النظام شاهية. وأخمد حاكم أحمد نـﮔر بتوجيه من الشاه طاهر، بسهولة الفوضى التي كان قد أوجدها الشيخ محمد الشيرواني على هذا الإعلان. ومنذ هذا التاريخ اجتمعت أعداد كثيرة من علماء الشيعة بينهم الشاه جعفر شقيق الشاه طاهر في بلاط برهان نظام شاه وتمتعوا بدعمه وتأييده وأعلن البلاط الصفوي في إيران ارتياحه وسروره بقبول الدولة النظام شاهية للمذهب الشيعي رسمياً، وأرسل الشاه طهماسب ممثلين عنه إلى برهان نظام شاه ومعهم هدايا وتحف كثيرة. كما أُوفد حيدر ابن الشاه طاهر سفيراً من أحمد نـﮔر إلى إيران. ويشير فرشته والمصادر الأخرى إلى الخدمات السياسية التي قدمها الشاه طاهر إلى برهان نظام شاه. هذا الإمام النزاري المحمد شاهي. شارك خلال أكثر من عشرين سنة في الكثير من المحادثات والمباحثات والوساطات مع الحكام المسلمين في المناطق المجاورة أمثال ﮔجرات وبيجاﭘور وكمكنده وبيدر، نيابة عن برهان نظام شاه.
توفى الشاه طاهر بعد إمامة استمرت حوالى أربعين سنة، بين سنة 952/1545 ـ 1546 حسب ما يذكره الأمير الصفوي سام ميرزا وبين سنة 956/1549 الذي يذكره فرشته، توفى في أحمد نـﮔر، ثم نقلت رفاته إلى مدينة كربلاء ودفن بجوار ضريح الإمام الحسين (ع). ولقد كتب الشاه طاهر مؤلفات كثيرة حول الإلهيات والكلام والفقه ولكن لم يتبق منها شيء، إلا أن كثيراً من أشعاره ما زال يروى.
بعد وفاة الشاه طاهر، خلفه ابنه الأكبر الشاه حيدر الذي كان حين وفاة والده في بلاط الشاه طهماسب في إيران. وعاد بعد فترة قصيرة إلى أحمد نـﮔر وترأس فرقته وحصل على منزلة بارزة رفيعة لدى بلاط نظام شاه. وكان لشاه طاهر عدا ابنه حيدر ثلاثة أبناء آخرون وهم الشاه رفيع الدين حسين والشاه أبو الحسن والشاه أبو طالب وقد ولدوا جميعهم في الهند وحظي هؤلاء الأولاد بمكانة عالية في بلاط العادل شاهيين وبقية حكام مقاطعة الدكن واستمرت الإمامة المحمد شاهية عن طريق أخلاف الشاه حيدر (المتوفى سنة 994/1586) الذين كانوا يعيشون في أحمد نـﮔر ثم انتقلوا إلى أورنـﮒ آباد. وتقول روايات المحمد شاهية في سوريا، إن أخلاف الشاه حيدر كانوا: صدر الدين محمد (المتوفى سنة 1032/1622) ومعين الدين (المتوفى سنة 1054/1644) وعطية الله المعروف بـ(خدايبخش) والظاهر أنه كان يقيم في بدخشان وتوفى فيها في 1074/1663. وعزيز شاه الذي توفي في أورنـﮒ آباد سنة 1103/1691 ومعين الدين الثاني (المتوفى سنة 1127/1715) والأمير محمد مشرّف (المتوفى سنة 1178 ـ 1764) وحيدر (المتوفى سنة 1201/1786) والأمير محمد باقر وهو الإمام الأربعون من هذه السلالة والإمام الأخير للأئمة المحمد شاهية.
آخر اجتماع بين الأمير محمد باقر مع أنصاره في سوريا كان في شعبان سنة 1210/فبراير 1796. وقد قلنا من قبل إن المجتمع النزاري السوري كان يتبع الأئمة المحمد شاهية إلا أن بعد أن أخفقت محاولات العثور على أحد أخلاف الأمير محمد باقر في الهند نقل أغلب النزارية المحمد شاهية في سورية ولاءهم سنة 1306/1887 إلى سلالة الأئمة القاسم شاهية وكان إمامهم آنذاك آغاخان الثالث.
بعد استقرار الأئمة المحمد شاهية في الدكن، تفتت أنصار هذا المذهب في إيران خلال القرن العاشر/السادس عشر واضمحلوا. ورغم أن عدداً من المحمد شاهية في إيران قد انضموا إلى القاسم شاهية إلا أن أغلبية هذا الفرع من النزاريين قد ألقوا بأنفسهم في أحضان الشيعة الإثني عشرية. والجدير بالذكر أن أعضاء الأسرة الشاه طاهرية يعيشون الآن في مدينة قم والمدن الإيرانية الأخرى وينسبون أنفسهم إلى الشاه طاهر.
والأئمة المحمد شاهية في بدخشان وكابل كان لهم أنصار حتى نهاية القرن الحادي عشر/ السابع عشر ولكن يبدو أن النزاريين في منطقة جيحون العليا وأفغانستان كانوا حتى بداية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر قد أصبحوا من أنصار الأئمة القاسم شاهية. وكان جماعة النزارية في بدخشان وبينهم الذين كانوا ضمن الاتحاد السوفييتي (السابق) واليوم هم ضمن جمهورية تاجيكستان. كانوا كلهم تحت سلطة سلالة شيوخهم المحليين وفي الهند أيضاً يبدو أنه لم تبق باقية من أنصار السلالة المحمد شاهية بعد القرن الحادي عشر/ السابع عشر وبعد الاعتقالات في الشيعة بالدكن في عصر أورنـﮒ زيب. إن هذا الفرع من النزاريين موجود حالياً في سوريا.
حتى نهاية القرن الحادي عشر/ السابع عشر تمكن أئمة القاسم شاهية من أن يحصلوا على بيعة أغلبية النزاريين وخليل الله الثاني، الإمام التاسع والثلاثون لهذه السلالة توفي سنة 1090/1680 وخلفه ابنه الشاه نزار الثاني وحتى هذا التاريخ كان الأئمة القاسم شاهية في المنطقة المركزية من إيران، في مدينة (محلات) والمناطق الأخرى المجاورة لأنجدان ـ كانوا قد أرسوا جذوراً عميقة لهم. وقد نقل الشاه نزار خلال السنوات الأولى من إمامته لأسباب مجهولة، مقره ومركز الدعوة النزارية من أنجدان إلى ﮔـهـﮒ، القرية الواقعة على مسافة خمسة وثلاثين كيلومتراً شمال شرقي أنجدان وشمال غرب مدينة محلات. لقد غادر الأئمة منطقة أنجدان التي تفصلها عن ﮔـهـﮒ سلسلة جبال قليلة الارتفاع ـ غادروها إلى الأبد. فكانت نهاية عصر أنجدان في تاريخ النزارية الذي استمر حوالى القرنين. كان الشاه نزار والذي خلفه يعيشان في ﮔـهـﮒ ولكن سرعان ما غادرا هذا الكان، على أن الذين جاؤوا بعد نزار حافظوا حتى القرن الثالث عشر/ التاسع عشر على مكانهم في ﮔـهـﮒ. و ﮔـهـﮒ في يومنا هذا قرية صغيرة، بعيدة متروكة فيها حوالى خمسمئة نسمة على مذهب الشيعة الإثني عشرية. ويبدو أن هذا المكان كان في العصور الماضية مكاناً للراحة والاستجمام وكان فيها خان صفوي ينزل فيه المسافرون على الطريق الفاصل بين مدينتي قم وأراك.
يبدو أن الأئمة القاسم شاهة منذ عهد المستنصر بالله الثاني حافظوا على علاقاتهم مع الصوفية على الطريقة النعمت اللهية غير أن أقدم وثيقة حول علاقات هذه الفرقة مع الشاه نزار هي أن الشاه نزار كان على صلة بهذه الطريقة قبل أن تجدد حياتها في إيران وكان اسم الشاه نزار في هذه الفرقة هو عطاء الله. وهنا يتضح لنا لماذا كان بعض أنصاره في بعض مناطق كرمان يسمون العطاء اللهية. هؤلاء النزاريون الذين هم من عشائر خراسان نزحوا إلى سيرجان وبعض المناطق الأخرى من كرمان بتشجيع من نزار نفسه. توفى الإمام شاه نزار الثاني حسب المخطوطة الموجودة على قبره في شهر ذي الحجة سنة 1134/سبتمبر 1722 قبيل زحف الأفغان على إيران التي امتدت إلى ﮔـهـﮒ. وتقول المصادر والوثائق إن تاريخ وفاة نزار الثاني كان قبل ذلك التاريخ بقرن واحد أي في 1038/1628 ـ 1629. وما زال قبره موجوداً في أقصى الغرب من كهك، هذه البناية التي قد تكون جانباً من محل إقامة الإمام تحتوي على عدة غرف وتوجد في كل حجرة عدة قبور في المجموعة وفي البستان الملصق بها توجد بعض أحجار القبور مكتوب عليها بالخط السندي الخوجكي، وهذا دليل على أن نزاريي الهند كانوا يسافرون إلى إيران بانتظام لمقابلة أئمتهم. وحتى هذا التاريخ كانت العلاقات الودية قائمة بين الأئمة النزاريين وأنصارهم من الخوجه في السند والـﭘنجاب وﮔجرات والمناطق الأخرى من القارة الهندية. ولقد أعيد تعمير مقبرة نزار سنة 1966 م بعد أن كانت الأبواب الخشبية المحفورة قد أبيدت. وكان إيفانوف قد عثر على قاعدة صخرية هناك سنة 1937 يقال إن نزار عندما كان يستقبل أنصاره كان يجلس عليها.
بعد وفاة الشاه نزار الثاني، خلفه ابنه السيد علي الموجود قبره في أكبر غرفة من غرف مقبرة نزار. وبعد وفاة السيد علي خلفه الإمام الثاني والأربعون من هذه السلالة وهو السيد حسن علي المعروف بالسيد حسن بيـﮒ وخلال فترة إمامة حسن علي استطاع نادر شاه أن يطرد الأفغان من إيران. ثم قضى على السلالة الصفوية. وجلس هو على العرش وأسس السلالة الإفشارية. وفي أواخر حكومة نادر شاه (1148 ـ 1160/1736/1737) نقل الإمام حسن علي مقره إلى مدينة بابك في مقاطعة كرمان التي تقع على مسافة 180 كليومتراً جنوب غربي مدينة كرمان بين مدينتي رفسنجان وسيرجان. إن الدافع الرئيسي لهذا القرار هو حسب ما يبدو اهتمام الإمام بسلامة الزوار النزاريين الذين كانوا يقدمون من الهند إلى إيران ويحملون معهم أموال العشرية إلى خزينة الدعوة، ويقول أحمد علي خان الوزيري (المتوفى سنة 1295/1878) في كتابه تاريخ كرمان إنه في الأوضاع المتدهورة في إيران بعد سقوط الصفوية كان نزاريو الهند الذين يسافرون إلى إيران بانتظام ويأتون إلى أنجدان ومحلات لزيارة الإمام لتقديم ديونهم المذهبية وعشرياتهم ـ كانوا يقتلون بين مدينتي نائين ويزد على أيدي القبائل البختيارية وتنهب أموالهم، هذا عدا الضرائب التي كانت تؤخذ منهم في الطريق من قبل رجال الحكومة. وبسبب ذلك قرر الإمام نقل مقره إلى مدينة بابك جنوب شرق إيران حيث كانت هذه المدينة قريبة إلى موانئ الخليج الفارسي كما كانت قريبة إلى الطرق التي كان يمر منها أنصاره من الهند. كان عدد من النزاريين يعيشون في مدينة بابك من قبل وقد أصبحت هذه المدينة بعد وصول الإمام إليها من المراكز النزارية الرئيسية المهمة. وبعد وصول أموال العشريات إلى الخزينة سرعان ما تمكن الإمام حسن من أن يبتاع أراض وبيوتاً كثيرة في مدينة بابك. كما أنشأ لنفسه مقراً شتائياً في مدينة كرمان. وقد كان أول إمام من هذه السلالة يخرج من الخفاء. ويشارك بصورة فعالة في شؤون كرمان وكان شاهرخ الإفشاري الذي كان يحكم كرمان منذ مقتل نادر شاه في سنة 1160/1747 إلى أن اغتيل هو في سنة 1172/1758 ـ 1759، كان يعامل الإمام حسن علي باحترام. وبعد مقتل شاهرخ أصبحت كرمان ضمن مقاطعات كريم خان الزندي مؤسس السلالة الزندية في إيران وبلغت العلاقات الوثيقة بين حسن علي وشاهرخ ذروتها بعد زواج لطف علي خان ابن شاهرخ مع ابنة الإمام. وبعد وفاة الإمام حسن علي خلفه ابنه قاسم علي (شاه) المعروف بالسيد جعفر ولا توجد في مصادرنا ووثائقنا أنباء خاصة عن قاسم علي.
بعد وفاة قاسم علي خلفه ابنه أبو الحسن علي (شاه) المعروف بالسيد أبو الحسن الكهكي وهو الإمام الرابع والأربعون. وقد لعب أبو الحسن دوراً فعالاً على الساحة السياسية لهذه المقاطعة في السنوات المضطربة التي كانت السلالة الزندية تتخلى عن حكمها للسلالة القاجارية. وكانت علاقات أبو الحسن مع كريم خان الزندي (1163 ـ 1193/1750 ـ 1779) وكذلك مع حاكم كرمان الميرزا حسين خان وثيقة وودية. كان الميرزا حسين خان يعامل الإمام النزاري باحترام ويكرمه كثيراً ووضع بعض المدن والنواحي في كرمان مثل سيرجان وزند تحت أمرته، ثم أصبح حاكم كرمان، وكان يعرف بـ(بيـﮔلربيـﮒ) ويقال إن أبا الحسن وخلال فترة إمامته كان يستلم سنوياً مبلغاً قدره 20000 تومان من أتباعه وأنصاره في الهند وأن هذه الأموال مكّنته من أن يبتاع المزيد من الأراض والبيوت في كرمان كما كان يصرف على أهالي كرمان بسخاء: ونتيجة لذلك ازدادت شعبيته بين الأهالي يوماً بعد يوم وتمكن بعد انهيار السلالة الزندية وبعد وفاة كريم خان سنة 1193/1779 أن يبقى حاكماً على كرمان. والحقيقة هي أن الإمام النزاري كان منذ هذا التاريخ يحكم كرمان بصورة مستقلة وكان تارة يدافع عن سلاطين الزندية الذين كانوا في حرب مع أكبر عدو لهم آغا محمد خان القاجاري (1193 ـ 1313/1779 ـ 1797) مؤسس السلالة القاجارية في إيران ويعارضهم تارة أخرى. وفي الصراع الذي حصل بعد وفاة كريم خان قام السيد أبو الحسن بالدفاع عن صادق خان الزندي (1193 ـ 1195/1779 ـ 1781) شقيق كريم خان وساعده في جمع قوات له في كرمان وتعزيز قدرته في شيراز عاصمة الزندية. أما صادق خان فقد أبقى أبو الحسن على مقاطعة كرمان حاكماً من قبل الحاكم الزندي.
في الظروف المضطربة آنذاك، سرعان ما فقد أبو الحسن سلطته على بعض مناطق كرمان مثل نرماشير وارﮒ بم وكانت المناطق الحدودية بين كرمان وأفغانستان ومنها نرماشير عرضة لهجوم القوات الأفغانية والبلوشية التابعة لأعظم خان أحد أمراء قندهار. وكان أعظم خان قد هُزم فيما بعد أمام جيش من سبعة آلاف مقاتل أعده السيد أبو الحسن. وكان هذا الجيش بقيادة ميرزا صادق ابن عم أبي الحسن الذي كان قائداً قديراً. وبعد ذلك وعندما كان أبو الحسن يقوم بزيارة مدينة بابك، قام أعظم خان مرة أخرى بالزحف على مختلف مناطق كرمان بدءاً من نرماشير ووصلت قواته إلى خلف بوابات مدينة كرمان غير أن أبا الحسن قاد قواته بنفسه وهاجم أعظم خان من مدينة بابك وهزمه خارج مدينة كرمان. وتمكنت القوات الأفغانية المنهزمة وهي في حالة الانسحاب أن تحتفظ بنرماشير وبعض نقاط الحدود في كرمان. وتعرضت حكومة الإمام أبي الحسن للخطر الحقيقي عندما قام محمد حسن خان السيستاني الذي كان يحكم مدينة بم مستقلاً، قام بتشجيع لطف علي خان (1203 ـ 1209/1789 ـ 1794) بالزحف نحو كرمان ولطف علي خان حفيد صادق خان شقيق كريم خان وكان قائداً قوياً مقتدراً وهو آخر الحكام الزنديين. وكان والده جعفر خان (1199 ـ 1203/1785 ـ 1789) حاكماً على قسم من إيران لمدة قصيرة. وفي عهد حكومة جعفر خان تمكن آغا محمد خان القاجاري من الاستيلاء على شمال إيران وأصفهان وطهران وجعل هذه عاصمة له سنة 1200/1786.
اشتد القتال بين آغا محمد خان ولطف علي خان على عرش إيران وانتهى الأمر بانتصار القاجارية. وفي شهر صفر سنة 1205/ أكتوبر 1790 توجه لطف علي خان إلى سيرجان بقصد الاستيلاء على مدينة بابك، وكانت مدينة بابك الحصن الرئيسي لأبي الحسن في كرمان. وكان للإمام أنصار كثيرون هناك من أبناء خراسان والعطاء اللهيين في المنطقة. وكان قد أنشأ حصناً قوياً مليئاً بالذخيرة والعتاد والمؤونة في مدينة بابك وكان يرابط فيها عدد من النزاريين المسلحين وفي كهك أعطى آغا محمد خان لأسرة الإمام بعض الأراضي والبيوت تعويضاً لما فقدوه في كرمان. كما تم إسكان عدة مئات من الأسر النزارية العطاء اللهية الذين كانوا يعيشون في مدينة بابك ـ تم إسكانهم خارج مدينة كرمان. واعتقل لطف علي خان الهارب في مدينة بم وأرسل إلى آغا محمد خان. فأمر آغا محمد خان في البداية بإطفاء عينيه. وفي سنة 1209 أمر بقتله. وتوج آغا محمد خان سنة 1210/1796 ملكاً فكان أول ملوك للسلالة القاجارية ولكنه اغتيل بعد مدة قصيرة سنة 1211/1797.
وبعد وفاة أبي الحسن علي خلفه ابنه الأكبر خليل الله علي المعروف بـ(شاه خليل الله الثالث) وجلس على كرسي إمامة الإسماعيلية النزارية القاسم شاهية. وبعد فترة قصيرة نقل الشاه خليل الله سنة 1206/1792 مقر الإمامة من كرمان إلى كهك وبقي فيها عشرين عاماً. وتزوج ابنة محمد صادق المحلاتي (بي بي سركاره) ومن زوجته هذه ولد آغا خان الأول في كهك سنة 1219/1804. كان محمد صادق المحلاتي سيداً نزارياً من الصوفية النعمت اللهية. وكان مظفر علي شاه (المتوفى سنة 1215/1800) ألبسه الرداء الصوفي وكان اسمه الصوفي صدق علي شاه. كان والد والدة آغا خان الأول شاعراً وقد توفى سنة 1230/1815 ودُفن في مدينة قم وابن صدق علي شاه واسمه محمد علي ويعرف باسم عزت علي شاه كان من دراويش النعمت اللهية البارزين. وهو الذي ضم خال آغا خان واسمه مجذوب علي شاه (المتوفى سنة 1238/1823) إلى الطريقة النعمت اللهية وأصبح القطب الثامن والثلاثين. وأقام عزت علي شاه بعد ذلك علاقات ودية وثيقة مع زين العابدين الشيرواني (المتوفى سنة 1253/1837) واسمه الصوفي مست على شاه. ومست علي شاه هذا خلف مجذوب علي شاه فيما بعد واصبح شيخ أو قطب الطريقة النعمت اللهية التي كانت قد تفرعت الآن إلى عدة فروع.
قضى عزت علي شاه القسم الأكبر من أيام حياته في مدينة محلات حيث كانت قد انتشرت هناك شعبية الإمام النزاري وتوفى في مدينة محلات حوالى سنة 1245/1829 ورغم أن الشاه خليل الله الثالث كان له اسم صوفي نعمت اللاهي، فإنه لم يكن تواقاً للصوفية.
في سنة 1230/1815 انتقل الشاه خليل الله إلى مدينة يزد الواقعة بين مدينتي اصفهان وكرمان على طريق بلوجستان والسند. وكان الدافع الرئيسي لهذا القرار هو رغبة الإمام بأن يكون قريباً من أنصاره في الهند حيث كان هؤلاء يسافرون باستمرار إلى إيران للاجتماع بالإمام. وبعد سنتين أي سنة 1232/1817 راح الإمام ضحية مؤامرة علماء الدين المحليين وقتل خلال اشتباك وقع بين مجموعة من أنصاره وبين بعض أصحاب المحلات التجارية. وكانت القضية كما يلي حصل خلاف في سوق المدينة بين عدد من النزاريين وبين أصحاب المحلات التجارية ولجأ النزاريون إلى القوة، ثم احتموا بمكان إقامة الشاه خليل الله ولم يخرجوا منه، فجمع الملا حسين اليزدي وهو من علماء الشيعة الإثني عشري وكان غير مرتاح لشعبية الإمام النزاري ـ جمع عدداً من الأهالي واقتحم بيت الإمام. وبينما كانت الاشتباكات جارية قُتل الشاه خليل الله وعدد من أنصاره بينهم أحد الخوجه الهنود. ونهب بيت الإمام فأمر السلطان القاجاري حاكمه في مدينة يزد المدعو حاجي زمان خان، أمره باعتقال الملا حسين وأعوانه وإرسالهم إلى طهران لتأديبهم. وكانت العلاقات بين الشاه خليل الله وبين السلطان القاجاري الثاني فتح علي شاه (1212 ـ 1250/1797/1834) وثيقة ودية. وقد قيل إن فتح علي شاه كان قد انتمى سراً إلى المذهب الإسماعيلي. والحقيقة أنه لا أساس لذلك من الصحة. جرى تأديب الملا حسين بالفلقة وبحلق لحيته ولكن لم يقتلوا أحداً قصاصاً لدم الإمام.
كان الشاه خليل الله الإمام الخامس والأربعين وآخر إمام قاسم شاهي قضى خمسة وعشرين عاماً من إمامته في إيران. وقد حملوا جنازته إلى مدينة النجف المقدسة في العراق وأنشأوا له ولبعض أفراد أسرته وأحفاده ضريحاً هناك.
بعد مقتل الشاه خليل الله الثالث، خلفه ابنه الأكبر محمد حسن الذي اشتهر باسم حسن علي شاه. وعندما انتقل الشاه خليل الله إلى مدينة يزد ترك زوجته بي بي سركاره وأولاده في كهك معتمدين في حياتهم على واردات ممتلكات الأسرة في محلات. إلا أن نزاعاً وقع بين نزاريي المحل وبين المدعو إيماني خان الفراهاني الذي كان قد تزوج إحدى بنات الإمام واسمها شاه بي بي وكان الإمام قد جعله مراقباً على أملاكه. وأثر هذا النزاع بقيت أسرة الإمام بدون مأوى وبدون طعام، وبعد فترة قصيرة سافر حسن علي شاه مع والدته إلى مدينة قم إلا أن حالتهم ازدادت تدهوراً هناك. وكان حسن علي شاه طفلاً في الثلاثة عشرة من العمر عندما قُتل والده وأصبح الإمام النزاري السادس والأربعون. وبعد فترة معتبرة ذهبت والدة الإمام الشاب إلى طهران إلى بلاط الملك القاجاري للأخذ بثأر زوجها وابنها فأثمرت مساعيها في هذا الأمر. وقد أشرنا إلى تأديب المحرضين على اغتيال الشاه خليل الله ثم إن فتح علي شاه ضم بعض الأراضي إلى ممتلكات الإمام في محلات وزوج إحدى بناته (سرو جهان خانم) إلى حسن علي شاه وفي الوقت نفسه عين السلطان القاجاري، الإمام حسن علي شاه حاكماً على مدينة قم ومنحه لقباً فخرياً وهو آغا خان. ومنذ هذا التاريخ اشتهر حسن علي شاه باسم آغا خان المحلاتي. وبقي عنوان آقاخان بصورة وراثية في أعقابه الأئمة النزاريين في العهد الجديد. وقد توفيت والدة آغا خان الأول التي سافرت فيما بعد إلى الهند توفيت في كاج سنة 1267/1851.
كان حسن علي شاه، آقا خان الأول يعيش حياة هادئة مرتاح البال حتى وفاة فتح علي شاه في شهر جمادى الثانية سنة 1250 تشرين الأول 1834 وكان موضع احترام وتكريم في البلاط القاجاري. وكان قد نظم قوة عسكرية لنفسه كان يستخدمها عندما يسافر إلى طهران لتحية حفيد فتح علي شاه، محمد شاه (1250 ـ 1264/1834 ـ 1848) وبعد فترة قصيرة من جلوس محمد شاه على العرش وبعد استشارة رئيس وزرائه قائم مقام الفراهاني (المتوفى سنة 1251/1835) عين آغا خان سنة 1251/1835 حاكماً على مقاطعة كرمان. وبمناسبة هذا التعيين أنشد قا آني (المتوفى سنة 1270/1854) أكبر شعراء العصر القاجاري وأحد أصدقاء آغا خان، أنشد قصيدة يمدح فيها الإمام ويشرح فضائله. وكانت مقاطعة كرمان آنذاك في يد أولاد الطاغية شجاع السلطنة الذي كان يطالب بالعرش القاجاري وكانت هذه المقاطعة تتعرض باستمرار لهجوم الأفغان والبلوش. وتمكن آغا خان من أن يعيد الاستقرار والنظام إلى المقاطعة دون أن يطلب أية مساعدة مالية من خزينة البلاط القاجاري. وأخذت مدينتا بم ونرماشير بالطاعة بعد أن كانت لفترة طويلة في يد العناصر الثورية. وساعد نزاريو عطاء اللهي ونزاريو خراسان الذين كانوا يعتبرون آغا خان إمامهم، ساعدوا الإمام كثيراً في هذا الأمر. ومنذ هذا التاريخ تولى شقيق آغا خان واسمه أبو الحسن خان والمعروف بـ سردار (القائد) قيادة قوات آغا خان.
كان آغا خان الأول يرسل تقارير انتصاراته إلى طهران بصورة منتظمة ولكن توقعاته للحصول على تعويض للأموال التي أنفقها والحصول على الكرم الملكي كانت عديمة الفائدة. كانت فترة حكم آغا خان في كرمان قصيرة رغم الخدمات التي أنجزها. ففي سنة 1252/1837 أي بعد أقل من عامين من مجيء آغا خان إلى كرمان، عُزل من منصبه واستدعي إلى طهران وتم تعيين فيروز ميرزا نصرت الدولة أحد أخوان محمد شاه القاجاري حاكماً على مقاطعة كرمان، غير أن آقا خان رفض قبول عزله وانسحب مع قواته إلى (قلعة بم)، ثم استدعى أخاه القائد أبو الحسن خان الذي كان في عمليات عسكرية في بلوجستان وأخاه الآخر محمد باقرخان الذي كان في مدينة راور، استدعاهما إليه واستعد لمواجهة القوات الحكومية التي كانت قد أوفدت للقضاء عليه بقيادة سهراب خان. ظل آغا خان محاصراً في بم أربعة عشر شهراً وخلال هذه المدة أصيب أخاه محمد باقر بجروح بليغة وأُسر. ولما تبين أنه لا جدوى من الصمود أكثر من هذا بعث آغا خان القائد أبا الحسن خان إلى شيراز مطالباً حاكم فارس، فريدون ميرزا التوسط للخروج من كرمان بأمان. استسلم آغا خان بفضل وساطة فريدون ميرزا وخرج من (قلعة بم). فاعتقل ونهب الجنود الحكوميون جميع أمواله. ثم نقل هو وحاشيته إلى كرمان، وبقي هناك أسيراً لمدة ثمانية أشهر وخلال هذه المدة سمح للإمام النزاري أن يستلم الأموال والديون الذهبية التي كانت قد أرسلت إليه بواسطة ممثلي النزاريين في خراسان وبدخشان والهند. وعندما عاد محمد شاه فاشلاً من هجومه على مدينة هرات سمح لآغا خان أن يسافر إلى طهران في نهاية سنة 1254/1838 ـ 1839 وعرض مسألته على السلطان القاجاري فعفا الملك عنه شريطة أن يعود إلى ممتلكاته وأراضيه في محلات بهدوء. وبعد إقامة قصيرة في مدينة قم توجه إلى مدينة محلات التي كان قد أنشأ فيها مجموعة سكنية لأعضاء عائلته وأقاربه وحاشيته.
إن عزل آغا خان من حكومة كرمان يحتمل أن يكون نتيجة للمنافسة حول زعامة الطريقة النعمت اللهية في إيران. إن هذه المنافسات بدأت بعد وفاة مجذوب علي شاه القطب الثامن والثلاثين من هذه السلالة سنة 1238/1823، سبق أن قلنا إن الحاج زين العابدين الشيرواني والذي كان معروفاً باسم مست علي شاه، وعُرف من قبل أغلبية الصوفية النعمت اللهية بأنه خليفة مجذوب علي شاه. وحسب المصادر النعمت اللهية: إن آغا خان كان في شبابه قد انضم إلى هذه الطريقة وكان اسمه الصوفي عطاء الله شاه. إن ادعاء انضمامه إلى الطريقة النعمت اللهية التي لم يحظ بتأييد المصادر النزارية كان يستلزم اتباع شروط خاصة حيث كان من المؤكد أن يكون الإمام النزاري تابعاً لأحد الشيوخ الصوفية، وكان آغا خان يدافع عن ادعاء مست علي شاه زعامة الطريقة النعمت اللهية. وفي عهد فتح علي شاه كان آغا خان قد أنقذ مست علي شاه من ملاحقة علماء الدين الإثني عشرية في فارس ومنحه اللجوء إلى قرية دولت آباد بالقرب من محلات. وفي عهد تتويج محمد شاه، توجه مست علي شاه الذي كان منذ مدة يتمتع بكرم ضيافة آغا خان في محلات، توجه مع صديقه النزاري إلى طهران، وكان مست علي شاه قد ادعى مرة أمام محمد شاه لإثبات صداقته مع آغا خان، ادعى أن له مريداً مثل آغا خان الذي هو له آلاف الأنصار في أنحاء العالم. وكان لمحمد شاه أيضاً رغبة صوفية جذرية عميقة. وربما كان قبل جلوسه على العرش قد دخل الطريقة النعمت اللهية بواسطة مست علي شاه وبعد ذلك أصبح مست علي شاه ضمن حاشية السلطان القاجاري ولم تمض مدة طويلة حتى صار في بلاط السلطان القاجاري منافس قوي لمست علي شاه. ولم يكن هذا المنافس سوى الحاج ميرزا آقاسي، الذي كان قد أصبح رئيساً للوزراء خلفاً لقائم مقام الفراهاني، وكان الحاج ميرزا آقاسي من الصوفية النعمت اللهية وكان يأمل أن يتزعم هذه الطريقة، وسرعان ما استسلم محمد شاه لأقوال رئيس وزرائه ويبدو أنه قبل أن يكون الحاج ميرزا آقاسي قطباً للطريقة النعمت اللهية. ونتيجة لذلك لاقى مست علي شاه جفاء السلطان وطرد من البلاط. ولما كان آغا خان مستمراً في دعم صديقه الصوفي، أثار هو أيضاً عداء الحاج ميرزا آقاسي عليه، ولما كان الحاج ميرزا آقاسي مستمراً في التآمر على آغا خان، تمكن أخيراً أن يكون السبب في عزله من حكومة كرمان.
ازداد عداء الحاج ميرزا آقاسي لآغا خان ولما رفض الإمام تزويج إحدى بناته إلى ابن عبد المحمد المحلاتي. وكان بعد المحمد المحلاتي هذا شخصاً وضيعاً، كان في البداية يخدم آغا خان ثم حصل على مناصب عالية بعد أن التحق بالحاج ميرزا آقاسي وأخذ يدافع عن ادعاءات مخدومه الصوفية، وقد حافظ آغا خان على علاقاته مع الطريقة النعمت اللهية حتى بعد أن رحل إلى الهند وكانت بين آغا خان الأول ورحمت علي شاه (المتوفى سنة 1278/1861) والذي كان قد أصبح قطباً لإحدى فروع الطريقة النعمت اللهية، كانت بينهما علاقات ودية. وكان رحمت علي شاه مع مست علي شاه ضيفاً على آغا خان في محلات مدة من الزمن. وبعد ذلك وفي سنة 1298/1881 قام آغا خان وأولاده في بومبي باستضافة معصوم علي شاه ابن رحمت علي شاه الذي كان في جولة في الهند. شارك معصوم علي شاه وهو مؤلف الكتاب الصوفي المعروف (طرائق الحقائق) شارك في مراسيم دفن آغا خان الأول في بومبي في شهر جمادى الأولى سنة 1298/إبريل 1881. بعد أن عُزل آغا خان الأول من حكومة كرمان وفشل في ثورته على الحكومة، عاش سنتين في مدينة محلات بهدوء واستقرار وسرعان ما شاع أن آغا خان يستعد لجمع القوات والعتاد للثورة ثانية. وكان آغا خان يعتقد أن منبع هذه الإشاعات هو عبد المحمد المحلاتي الذي فشل في تزويج ابنة الإمام لولده.
لقد كان آغا خان يستعد حقاً لجمع القوات من بين المرتزقة من النزاريين وغير النزاريين في محلات. وفي بداية سنة 1256/1840، سافر محمد شاه بحجة تفقد مدينة دليجان، بالقرب من مدينة محلات، ليكشف بنفسه حقيقة التقارير المرعبة حول نشاطات آغا خان، وكان الإمام آنذاك ذاهباً للصيد ولكنه كان قد أرسل مبعوثاً إلى الحاج ميرزا آقاسي يطلب إليه أن يحصل على إجازة من الملك للسفر إلى مكة المكرمة لحج بيت الله الحرام. فمنحه الملك هذه الرخصة وتم إرسال والدة آغا خان وعدد من أقاربه إلى العتبات المقدسة في العراق، وغادر آغا خان بحسب الظاهر مدينة محلات بقصد السفر إلى الحجاز في غرة رجب 1256/سبتمبر 1840. وكان يرافقه في هذه الرحلة إخوانه وأبناء إخوانه وعدد من أفراد أسرته وحاشيته وعدد كبير من أنصاره. ويبدو أن آغا خان قبل مغادرته مدينة محلات قد أعد رسائل تشير إلى أنه عُين حاكماً على مقاطعة كرمان. وبدل أن يتوجه إلى بندر عباس على ساحل الخليج الفارسي ليذهب من هناك إلى الحجاز، توجه إلى يزد بهدف الحصول على بعض القوات من النزاريين العطاء اللهيين هناك. ولما اقترب من مدينة يزد أرسل وثائقه التي تقول بأنه أعيد تعيينه حاكماً على مقاطعة كرمان إلى بهمن ميرزا بهاء الدولة حاكم يزد فاعتبر بهمن ميرزا أن هذه الوثائق صحيحة فهيأ المكان المناسب لآقا خان في المدينة، غير أن آقا خان ادعى أنه يريد أن يتفقد النزاريين العطاء اللهيين الذين يعيشون في أطراف مدينة يزد. وعندما وصل إلى مدينة مهريز بالقرب من يزد وصل مبعوثون من قبل الحاج ميرزا آقاسي إلى بهمن ميرزا وأبلغوه أن الوثائق التي يحملها آغا خان مزيفة. وفي الحرب التي وقعت بين آغا خان وبهمن ميرزا، هزم بهمن ميرزا. وقبل أن يصل آغا خان إلى مدينة بابك انتصر في بعض المعارك الصغيرة وكان هدفه أن يجعل مدينة بابك قاعدة لعملياته للاستيلاء على كرمان. وسبق أن قلنا إن مدينة بابك كانت حصناً للعطاء اللهيين والخراسانيين الذين كانوا يعتبرون آغا خان إمامهم وكانت آنذاك قلعة مدينة بابك في يد (كهندل خان) وأعوانه من القندهاريين الذين كانوا قد التحقوا به، شاركوا في محاصرة مدينة بابك وأُرغم الأفغان على الاستسلام.
وبعد ذلك أرسل آغا خان، أخاه محمد باقر خان إلى سيرجان لإعداد المؤن وانسحب هو إلى (رومني) القرية القريبة من مدينة بابك. وكان فضل علي خان القره باغي حاكم كرمان قد تسلم أمراً من طهران لمعاقبة آغا خان ولهذا فقد قام حاكم كرمان بمحاصرة محمد باقرخان في قلعة زيد آباد في سيرجان، فتوجه آغا خان بنفسه على رأسه قواته لإنقاذ أخيه فتمكن من إخراج أخيه وقواته من سيرجان. ثم توجّه بعد ذلك إلى فارس وأمضى فصل الشتاء في مدينة ميناب بالقرب من بندر عباس وفي هذه الأحوال حصل آغا خان على مدفعين من مدافع البريطانيين حققتا له انتصارات في معاركه مع القوات الحكومية.
بعد أيام قليلة بعد شهر محرم سنة 1257/مارس 1841 توجه آغا خان مرة أخرى نحو مدينة كرمان. وكان قد أرسل القائد أبا الحسن خان في وقت مسبق لاحتلال (دشتاب) ثم التحق به هناك. وبالقرب من دشتاب هزم آغا خان القوات الحكومية المؤلفة من 4000 مقاتل وكانت بقيادة أسفنديار خان شقيق فضل علي خان. وقتل أسفنديار خان في الحرب والتحق الكثير من أفراد قواته بقوات آغا خان وتمكن آغا خان من الانتصار في عدة معارك أخرى قبل أن يصل إلى مدينة بم للاستراحة، وفي هذه الأيام تمكن فضل الله خان أن يجمع 24000 مقاتل وأرغم آغا خان على أن يهرب من مدينة بم إلى مدينة ريـﮔان الواقعة على حدود بلوﭼستان. وهناك هزمت قوات آغا خان التي كانت أقل بكثير من القوات الحكومية. وبعد هذه الهزيمة قرر آغا خان أن يلجأ إلى الحجاز أو الهند. ولما كان طريق بندر عباس مغلقاً آنذاك قرر أن يهرب عن طريق البر ويذهب إلى أفغانستان عبر جنوب خراسان. فتحرك من مدينة (راور) ووصل إلى (سربيشه) جنوب شرقي مدينة (بيرجند) بعد أن اجتاز الأراضي القاحلة في (دشت لوط). وكان يرافقه إخوانه وقواته وعدد كبير من حاشيته. ثم توجه نحو الشرق وبعد أن اجتاز الحدود ووصل في سنة 1257/1841 إلى (لاش) و(جوين) في أفغانستان. وكانت هذه نهاية عصر الإمامة الإسماعيلية النزارية في إيران.
بعد أن وصل آغا خان المحلاتي إلى أفغانستان ذهب إلى قندهار ماراً بـ(ﮔراشك) في غرب أفغانستان وكانت القوات البريطانية والهندية قد احتلتها في 1254/1839. ومن هنا بدأ التعاون بين آغا خان وبين البريطانيين الذين قد يكونون هم الذين شجعوه على إحداث الفوضى داخل إيران لصيانة مصالح الحكومة البريطانية في الهند. وقيل بصراحة إن ثورة آغا خان في كرمان كان لها الدور الرئيسي في منع انتصار الزحف الإيراني على مدينة هرات في عهد السلطان محمد شاه القاجاري.
إن التعاون بين آقا خان وبين البريطانيين بعد وصوله إلى أفغانستان كان متزامناً مع الأعوام الأخيرة للعصر المعروف بحرب الأفغان الأولى 1838 ـ 1843. وجاء في تاريخ حياة آغا خان الذي كتبه بنفسه، كما جاء في المصادر الأخرى، أن آغا خان بعث من ﮔرشك مذكرات إلى محمد تيمور الحاكم الإنكليزي في قندهار والكولونيل هنري راولنسن HENRY RAWLINSON المبعوث السياسي البريطاني هناك. وكان راولنسن خلال الأعوام 1833 إلى 1839 قد عاش في إيران وربما شارك في احتفالات تتويج محمد شاه في طهران، وهناك تعرف إلى آغا خان. وعلى أي حال فقد قرر راولنسن لآغا خان راتباً يومياً مقداره مائة روبية طوال مدة إقامته في قندهار. وبعد فترة قصيرة من وصوله إلى قندهار، في صيف 1257/1841 بعث آغا خان رسالة إلى السير ويليام مكناتن SIR WILLIAM MACNAGHTEN المندوب السياسي البريطاني في كابل الذي اغتيل في ديسمبر 1841 على أيدي الأفغان، أبلغه فيها خططه المستقبلية، وكان اقتراحه أن يستولي على مدينة هرات ويحكمها باسم البريطانيين وباسم ملكهم المزيف الملك شجاع الملك الذي جلس على عرش كابل بصورة مؤقتة في 1255/1839. وكان البريطانيون قد نصبوا الملك شجاع الملك بدلاً من دوست محمد خان مؤسس الحكومة الباركزائية في أفغانستان. ويبدو أن الموافقة حصلت على هذا الاقتراح إلا أنه سرعان ما فشلت جميع مخططات البريطانيين في أفغانستان بسبب ثورة محمد خان ابن دوست محمد خان. في كانون الثاني 1842 سحق محمد أكبر خان جميع القوات البريطانية والهندية التي كانت تنسحب من كابل وانتقلت الثورة إلى قندهار وفي المعارك التي اندلعت هناك تقدم آغا خان لمساعدة الجنرال ويليام نات لسحب القوات البريطانية في يوليو 1842 من قندهار وسرعان ما توجه آغا خان نحو الجنوب إلى السند وترك شقيقه أبا الحسن خان في قندهار، المدينة التي كانت الوفود النزارية تتوافد عليها من كابل وبدخشان وبخارى والسند لمقابلة الإمام. قدم آغا خان الأول خدمات جلية للبريطانيين في السند، لا سيما عندما وضع خيالته تحت إمرة البريطانيين وحاول أن يقنع ناصر خان حاكم قلعة تالـﭘر TALPUR بتسليم مدينة كراتشي إلى البريطانيين. ولما رفض ناصر خان التعاون مع آغا خان والبريطانيين، سلم آغا خان جميع مخططات ناصر خان الحربية إلى الفريق جيمز أوترم JAMES OUTRAM المندوب السياسي البريطاني في السند ونتيجة لذلك فإن مخيّم البريطانيين نجا من هجوم ليلي. وفي المعارك التي وقعت في شباط 1843 ضمت حيدر آباد ومن بعدها جميع منطقة السند إلى الهند البريطانية. وبسبب الخدمة التي قدمها آغا خان للبريطانيين في السند، قرر الجنرال ﭼارلز ناﭘير CHARLES NAPIER الفاتح البريطاني للسند الذي كانت تربطه علاقات ودية مع الإمام النزاري منذ وصوله إلى السند في خريف 1842، قرر تعيين راتب سنوي مقداره 2000 جنيه لآغا خان.
وبعد فتح السند في 1259/1843 بدأ البريطانيون بالاستيلاء على بلوﭼستان، وساعدهم آغا خان مرة أخرى من الناحيتين العسكرية والدبلوماسية واتصل من مدينة (جِرُك) الذي كان قد استقر فيها بعد شباط 1843، اتصل مع رؤساء العشائر البلوشية ونصحهم بالاستسلام للبريطانيين وكذلك أرسل أخاه محمد باقر خان مع عدد من خيالته لمساعدة البريطانيين ضد مير شيرخان أحد كبار الحكام البلوش وفي الوقت نفسه تعرض آقا خان نفسه لهجوم قام به البلوش عليه انتقاماً للمساعدات التي قدمها للبريطانيين، ونهبوا أمواله، إلا أنه استمر في تقديم مساعداته للبريطانيين وكان يأمل أن يتمكن من أن يعود آمناً إلى إيران بمساعدة من البريطانيين، وفي شهر ربيع الأول 1260 نيسان (أبريل) 1844 أرسل آغا خان أخاه محمد باقر خان لفتح قلعة بمـﭘور (بنفهل) في بلوﭼستان الإيرانية، ثم اتبعه بأخيه الآخر أبي الحسن خان فتمكن أبي الحسن خان من فتح بمـﭘور وحقق انتصارات عسكرية أخرى في بلوﭼستان.
وبعد عامين من سيطرة أبي الحسن خان على مناطق من بلوﭼستان، وقعت معركة في 1262/1846 بينه وبين القوات القاجارية التي كانت قد قدمت من كرمان، هزم فيها أبو الحسن خان واعتقل وأرسل إلى طهران حيث وصلها في شهر رجب 1262 هجرية. وبعد أن أمضى فترة من الزمن كان فيها تحت المراقبة عفا عنه السلطان ناصر الدين شاه القاجاري (1264 ـ 1313/1849 ـ 1896) ابن محمد شاه وأعجب السلطان القاجاري بمهارة أبي الحسن خان العسكرية وجسارته في الصيد فجعله من حاشيته ومرافقيه وزوجه مهرجان خانم إحدى الأميرات القاجاريات. وقضى أبو الحسن خان بقية حياته في إيران في الإشراف على ممتلكات عائلته في مدينة محلات. وكان بين حين وآخر يؤدي بعض الخدمات لآغا خان. توفى أبو الحسن خان في سنة 1297/1880 ودفن في مقبرة والده الشاه خليل الله الثالث في النجف الأشرف.
وما زال عدد من أحفاد أبي الحسن خان يعيشون في طهران ومحلات وهم اليوم من الشيعة الإثني عشرية.
في رمضان سنة 1260/تشرين الأول 1844 غادر آغا خان الأول السند عن طريق ميناء كراﭼي إلى بومبي ماراً بمدينتي كاج وكتهياوار في محرم 1261/كانون الثاني 1845 وأقام سنة واحدة في كتهياوار وتفقد الجماعات النزارية هناك. ثم توجه إلى سورات ودمن وفي شهر صفر 1262/شباط 1846 وصل إلى مدينة بومبي. وبعد قليل من وصوله إليها، طلبت الحكومة الإيرانية ـ أيام رئاسة الحاج ميرزا آقاسي للوزارة ـ طلبت استناداً إلى معاهدة سنة 1229/1814 بينها وبين إنكلترا من الهند استعادة آغا خان.
غير أن البريطانيين رفضوا هذا الطلب. على أنهم دخلوا في مفاوضات مع إيران للحصول على أمان لآغا خان يضمن له العودة بسلام فلم يتم ذلك. فوطن آغا خان نفسه على الإقامة في الهند. وبذلك انتقل مقر الإمامة النزارية بعد حوالى سبعمئة سنة من إيران إلى الهند واصبحت مدينة (بومبي) قاعدة الأئمة النزاريين القاسم شاهية، وبدأ عصر جديد في تاريخ الإسماعيلية النزارية.
المخطوطات الإسلامية في الهند
تمت فهرسة وطباعة العديد من المكتبات الهندية لكن المخطوطات تعرضت للإتلاف على أيدي المتطرفين السيخ والهندوس، وعلى مرأى ومسمع السلطات الهندية التي تبطن العداء للإسلام؛ ولا تتورع عن التغاضي عن إلحاق الأذى بالمسلمين وتراثهم بكافة أنواعه. وتؤثر عوامل الطبيعة والحشرات على المخطوطات أيضاً، لذا فإن إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتصوير من المخطوطات الإسلامية في الهند أصبح حاجة ملحة تستوجب الإسراع باتخاذ الخطوات التنفيذية على ضوء المعلومات المتوافرة لدينا. وفيما يلي كشف أولي بمعظم ما في الهند من مكتبات تراثية مشهورة.
مخطوطات ولاية أترابراديش
(أوتار برادش)
1ـ مكتبة متحف الولاية: نشر فهرسها في الله آباد سنة 1982م.
2 ـ مكتبة رضا الشعبية؛ في مدينة رامبور ـ ولاية أترا براديش: فيها حوالى:1400 مخطوطة. صدرت فهارسها في 6 مجلدات سنة 1963 ـ 1977م. ولها فهرس بخط اليد في مجلدين يعود إلى سنة 1371هـ/ 1952م.
3 ـ مكتبة ولاية رامبور: نشرت معلومات عنها في مجلة الثقافة الإسلامية المجلد: 21. ص: 360 ـ 368. سنة 1947م.
4 ـ مكتبة صولات بمدينة رامبور: أسسها صولات علي خان سنة 1934م (ت في كراتشي سنة 1969م) وصدرت فهارس مخطوطاتها العربية والفارسية في رامبور سنة 1966م.
5 ـ مكتبة ندوة العلماء بلكنهو ـ ولاية أترا براديش: صدرت فهارسها باللغة الفارسية سنة 1968م.
6 ـ مكتبة الإمامة بمدينة لكنهو: صدر فهرسها في نشرة أخبار التراث العربي في الكويت سنة 1984م. عدد كانون الثاني/ يناير. ص: 20.
7 ـ مكتبة الناصرية: صدرت معلومات عنها في صحيفة أمير المؤمنين بالنجف ـ العراق: الجزء: 2، ص: 14 ـ 56. سنة 1964.
8 ـ مكتبة حبيب جانج: نشرت معلومات عن مخطوطاتها مجلة الثقافة الإسلامية المجلد: 51 سنة 1942م. ص: 465 ـ 497.
9 ـ مكتبة إحسان مار هراوي: نشرت معلومات عن مخطوطاتها مجلة الكلية الشرقية في لاهور سنة 1955م. ص: 25 ـ 56.
10 ـ مكتبة الجامعة الإسلامية في عليكره ـ ولاية أترا براديش: فهرسها كميل حسين سنة 1930 ـ 1932م. وصف مخطوطاتها ديفيد بينولت في: بحث حول المخطوطات العربية والفارسية في بعض المكتبات الهندية المختارة؛ حمدارد إسلاميكوس المجلد 13؛ العدد: 2 (1990) ص: 71 ـ 82.
11 ـ مكتبة مولانا أسد الله (آزاد) في جامعة عليكره: نشرت فهارسها سنة 1969م. نشر فهرس المخطوطات العربية سنة 1973م. ونشرت الفهارس العامة في مجلدين سنة 1981 ـ 1985م.
صدر الفهرس الأبجدي للمخطوطات العربية والأوردوية والفارسية المحفوظة في ولاية أوتار بردايش. سنة 1968م.
12 ـ مكتبة دار العلوم في ديوباند: صدرت فهارسها في مجلدين في ديوباند سنة 1969 ـ 1972م. ثم صدر لها فهرس في مجلدين سنة 1970 ـ 1973م.
مخطوطات حيدر آباد ـ الدكن
ولاية أندهرا براديش
13 ـ مكتبة دائرة المعارف العثمانية؛ في مدينة حيدر آباد ـ ولاية آندهرا براديش: فيها عدد قليل من المخطوطات والمصورات التي يستفاد منها في أعمال التحقيق والنشر. وقد فهرس بعض مخطوطاتها م. نظام الدين سنة 1954م وفهرس عزيز باشا مخطوطات الطب فيها.
14 ـ معهد الأبحاث ومكتبة المخطوطات الشرقية الحكومية لولاية أندهرا براديش ـ في حيدر آباد الدكن؛ ورمزها: أوملري (OMLRI) وكانت سابقاً جزءاً من المكتبة الآصافية التي أسسها آخر ملوك الأسرة الآصفية النظامية في حيدر آباد عثمان علي خان الذي انتهى حكمه سنة 1948م وفي أوملري أكثر من 23000 مخطوطة مكتوبة بالحروف العربية واللغات الشرقية التي استعملت الحروف العربية. أما المخطوطات العربية فهي 6337 مخطوطة.
صدر فهرس الآصافية في حيدر آباد سنة 1900 م. ثم صدر في 4 مجلدات سنة 1914 ـ 1936م.
صدر فهرس أبجدي للمخطوطات الأوردوية الموجودة في أندهرا براديش. سنة 1985م.
15 ـ مكتبة حكومة ولاية حيدر آباد للمخطوطات الشرقية (الآصفية سابقاً) تقع في منطقة تارنكا في أطراف حيدر آباد. وفيها حوالى 17000 مخطوطة شرقية؛ منها 6337 مخطوطة باللغة العربية. لها فهارس.
16 ـ مكتبة متحف سالارجنك (مير يوسف علي خان الثالث 1889 ـ 1949م) الوطني في مدينة حيدر آباد؛ فيها 8920 مخطوطة باللغات الشرقية؛ منها 2620 مخطوطة باللغة العربية تمت فهرستها في أربعة أجزاء ما بين سنة 1376 هـ وسنة 1402هـ/1957 ـ 1981 وتضمنت الفهارس وصف بعض المخطوطات العربية وما زال بعضها من غير وصف حتى الآن.
17 ـ مكتبة متحف حيدر آباد: صدرت فهارس مخطوطاتها العربية والأوردوية والفارسية سنة 1953م.
18 ـ مكتبة الجامعة العثمانية في حيدر آباد: أسسها الملك عثمان علي خان؛ وفيها 6428 مخطوطة باللغات الشرقية منها 1673 مخطوطة باللغة العربية. وليس للمكتبة فهارس مطبوعة.
19 ـ الجامعة النظامية في حيدر آباد: أسسها الشيخ محمد أنوار الله سنة 1292هـ/1875م؛ وفيها ما يقرب من 1000 مخطوطة شرقية منها 635 باللغة العربية. ليس لها فهارس.
20 ـ المكتبة السعيدية الخاصة في حيدر آباد: يملكها آل الشيخ محمد سعيد خان الذي توفى سنة 1312هـ ـ 1895م؛ توجد في المكتبة: 7000 مخطوطة؛ منها باللغة العربية: 2500 مخطوطة؛ والباقي باللغات الشرقية. صدر مجلدان من فهارسها سنة 1388هـ/1968 ـ 1991م وفيها وصف 700 مخطوطة. مخطوطاتها نفيسة وقديمة. حرق الهندوس جزءاً من المكتبة سنة 1984م.
21 ـ مكتبة روضة الحديث في حيدر آباد: تابعة لهيئة أوقاف المسلمين؛ فيها حوالى 800 مخطوطة.
ليس لها فهارس. تعرضت المخطوطات للتدمير منذ سنة 1982م.
22 ـ مكتبة نواب فيلسوف جانح: لها فهرس مطبوع.
23 ـ مكتبة متحف ولاية أندهرا براديش. نشر فهرس المخطوطات سنة 1953م.
24 ـ مكتبة معهد الأدبيات الأوردية؛ في حيدر آباد: فيها مخطوطات عربية وغير عربية. ولها فهارس.
مخطوطات ولاية بهار
25 ـ مكتبة خدابَخش الشرقية العامة؛ في مدينة بتنه (بانكي بور) (بين مدينتي كلكته ودلهي؛ وتقع بتنه في ولاية بهار: فيها 16000 مخطوطة؛ وعدد المخطوطات العربية فيها: 7000 مخطوطة. وفهارسها مطبوعة أكثر من مرة: 1918 ـ 1920 ـ 1921 ـ 1922 ـ 1925 ـ 1926 ـ 1927 ـ 1928 ـ 1929 ـ 1930 ـ 1931 ـ 1932 ـ 1933 ـ 1936 ـ 1937 ـ 1939 ـ 1940 ـ 1942 ـ 1946 ـ 1961 ـ 1962 ـ 1965 ـ 1971 ـ 1980م.
26 ـ مكتبة جامعة بتنة؛ فيها مخطوطات غير مفهرسة ولا تتوفر معلومات دقيقة عنها.
27 ـ مكتبة جامعة كلكتا؛ في مدينة كلكتا: صدر سنة 1905 فهرس مكتبة مدرسة كلكتا.
مخطوطات ولاية تاميل نادو
وعاصمتها مدراس
28 ـ مكتبة الحكومة للمخطوطات الشرقية في حرم جامعة مدراس، وهي تابعة لدائرة الآثار في الولاية وفيها حوالى 40000 مخطوطة معظمها باللغة السنسكريتية وفيها بالعربية 341 مخطوطة. للمكتبة فهارس مطبوعة في مجلدين سنة 1893م، ولها فهارس صدرت في مدراس سنة 1929 ـ 1954م، كما لها فهارس وصفية 1929 ـ 1961م. ولها فهرس للمخطوطات العربية والأوردوية والفارسية 1963م.
29 ـ مكتبة المدرسة المحمدية؛ والمكتبة الرحمانية؛ ومكتبة الأمانة (العشيرة شرف المُلك) وتقع المكتبات الخاصة الثلاث في حرم المدرسة المحمدية في حي رايا بيتا بمدينة مدراس؛ وفي المكتبات الثلاث توجد 12000 مخطوطة شرقية كتب منها باللغة العربية 7000 مخطوطة. ليس لها فهارس مطبوعة.
30 ـ مكتبة أمانة عشيرة شرف الملك في مدراس، فيها قائمة بخط اليد.
31 ـ مكتبة المسلمين المحمدية العامة في مدراس، وتشرف عليها لجنة إسلامية. وفيها 300 مخطوطة بالعربية و400 مخطوطة بالأوردوية والفارسية. وليس لها فهارس ولا بطاقات.
32 ـ مكتبة قلعة القديس جورج وقد نشرت فهارسها في 3 مجلدات بمدراس سنة 1857 ـ 1862م.
ولاية تونك ـ راجستان
33 ـ المكتبة السعيدية العامة في تونك، لها فهرس في 182 ورقة.
34 ـ مكتبة متحف حكومة تونك، صدرت فهرستها الصوفية سنة 1960م.
35 ـ مكتبة وزير الدولة: لا توجد معلومات كافية عنها.
36 ـ مكتبة القصر الخاصة للنواب بهادر خان؛ للكتب المخطوطة والمطبوعة: لها فهرس في 208 صفحة.
37 ـ مكتبة ماهارانا: صدرت لها فهرسة بهندر سنة 1943م.
38 ـ مكتبة المهراجا مانسينغ الثاني في جايبور: نشرت لها قائمة في مجلة تاريخ العلوم العربية. المجلد: 4. (ص: 81 ـ 86) سنة 1990م.
39 ـ مكتبة متحف المهراجات جايبور: نشرت فهرستها سنة 1971م.
40 ـ مكتبة معهد راجستان للأبحاث: صدر مسح لمخطوطاته النادرة من عربية وفارسية. مجلة معهد الأبحاث العربية والفارسية في تونك؛ 1980 ـ 1984م.
41 ـ مكتبة معهد الأبحاث العربية والفارسية في تونك؛ وفيها أكثر من 3000 مخطوطة؛ منها 1757 مخطوطة بالعربية. صدر سنة 1980م فهرس ما فيها من المخطوطات العربية والفارسية؛ إعداد شوكت علي خان ثم صدر فهرس آخر سنة 1991م. وفي سنة 1981م صدرت خزنة المخطوطات في 3 مجلدات باللغة الأوردوية. محمد عمران خان.
مخطوطات العاصمة دلهي
ودلهي الجديدة ومحيط دلهي
42 ـ قسم مخطوطات المتحف الوطني في دلهي؛ ويتبع لوزارة التعليم والثقافة: فيه حوالى 10000 مخطوطة منها باللغة العربية و3000 مخطوطة ليست مفهرسة. وباقي المخطوطات باللغات الشرقية والسنسكريتية.
43 ـ المعهد الهندي الخاص للدراسات الإسلامية؛ في أطراف دلهي بضاحية تغلق آباد.
44 ـ مكتبة جامعة همدرد ـ في مدينة دلهي الجديدة. فيه حوالى 4000 مخطوطة باللغة العربية؛ وفيه حوالى 1000 مخطوطة بالفارسية والأوردوية. ويملك المعهد حوالى 800 مخطوطة مصورة على ميكروفيلم. ليس للمخطوطات والمصورات فهارس ولا بطاقات.
45 ـ مكتبة الشيخ أبي الحسن زيد الفاروقي الخاصة في دلهي القديمة وفيها حوالى 80 مخطوطة عربية وحوالى 190 بالفارسية والأوردوية.
46 ـ مكتبة جامعة الملة الإسلامية في مدينة دلهي الجديدة: توجد فيها مكتبة الدكتور حسين؛ وفيها نحو 500 مخطوطة باللغة العربية ونحو هذا العدد بباقي اللغات الشرقية. صدرت فهارسها سنة 1985م.
47 ـ مكتبة مخطوطات معهد تاريخ الطب والأبحاث في دلهي الجديدة: صدرت فهارسها سنة 1970م.
مخطوطات كلكته
عاصمة ولاية بنغال الغربية
48 ـ المكتبة الوطنية التابعة للحكومة المركزية بدلهي؛ وتقع المكتبة في منطقة بلفدير بأطراف مدينة كلكته؛ وفي المكتبة: 681 مخطوطة بالعربية وحوالى: 2320 مخطوطة باللغات الشرقية؛ وقد صدر فهرسها المطبوع سنة 1923 م وتضمن وصف 467 مخطوطة عربية جيء بها من بلدة بُهار.
49 ـ مكتبة الجمعية الآسيوية في كلكته: وفيها 3500 مخطوطة عربية ونحو 36500 مخطوطة باللغات الأخرى. صدر المجلد الأولى من فهارسها سنة 1939م وصدر المجلد الثاني سنة 1949م؛ وصدر مجلد سنة 1980م؛ ووصفت في الفهارس المطبوعة: 1774 مخطوطة عربية.
50 ـ مكتبة مدرسة كلكته: صدر فهرس مخطوطاتها العربية والفارسية سنة 1905م وفيه وصف 103 مخطوطات عربية.
ولاية كابورتهالله ـ البنجاب
51 ـ مكتبة ولاية كابورتهالله: نشرت لها قائمة وصفية للمخطوطات العربية. مجلة الكلية الشرقية: المجلد 3. العدد 4. سنة 1927م. والمجلد: 4. العدد: 2. 1927م.
كجرات
52 ـ مكتبة فيرست داستور مهراجا: لها كتالوك وصفي صدر سنة 1923.
جامو وكشمير
53 ـ مكتبة الأبحاث في جامعة كشمير؛ لها قائمة بالمخطوطات تعود إلى سنة 1982م. وصدر فهرس مخطوطات التصوف سنة 1984 ـ 1985م.
ماضيا برادش ـ بهوبال
54 ـ مكتبة در العلوم ـ تاج المساجد؛ في بهوبال: (ج1/415).
55 ـ مكتبة حميدية؛ في بهوبال: طبع فهرسها في دلهي سنة 1986م.
ولاية مهاراشترا بومباي
56 ـ مكتبة جامعة بومباي: لها فهرس وصفي للمخطوطات العربية والأوردوية والفارسية؛ نشرته جامعة بومباي سنة 1935م.
57 ـ مكتبة فرع الجمعية الآسيوية الملكية في بومباي: صدرت لها قائمة وصفية في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية؛ المجلد 3 سنة 1928م.
58 ـ مكتبة معهد ك. ر. كاما الشرقي في بومباي، لها فهرسة من سنة 1917م.
59 ـ مكتبة الملا فيروز: لها فهرس منشور في بومباي سنة 1873م. يتضمن المخطوطات العربية والتركية والأوردية والفارسية والهندية. وصدر لها فهرس آخر صدر في بومباي سنة 1917م. وصدر لها فهرس ثالث في بومباي سنة 1928م.
60 ـ مكتبة مسجد بومباي والمدرسة المحمدية: صدرت لها فهرسة في بومباي سنة 1922م.
بيون
61 ـ مكتبة متحف ساتارا التاريخي: لها قائمة وصفية نشرتها مجلة معهد بحوث كلية ديكان؛ المجلد: 4؛ العدد: 3؛ 1943م. (ص: 246 ـ 262). تتضمن القائمة وصفاً للمخطوطات العربية والفارسية والهندية.
62 ـ مكتبة أورانج آباد: كتب محمد حميد الله عن بعض مخطوطاتها؛ مجلة الثقافة الإسلامية. المجلد: 16 (ص: 449 ـ 456) سنة 1942م.
ميسور
63 ـ المكتبة الشرقية الخاصة بالسلطان الراحل تيـﭙو؛ في ميسور. صدرت فهارسها في كامبردج سنة 1809م.
نفساري
64 ـ مكتبة دستور مهرجا رانا الأول؛ في نفساري: صدرت فهارسها في بومباي سنة 1923م. (1/414).
هذه معلومات مختصرة تلقي ضوءاً على بعض أماكن المخطوطات الإسلامية والعربية في بعض المدن الهندية؛ وهنالك عشرات آلاف المخطوطات الموجودة في المكتبات الخاصة. كما أنّ هنالك آلاف المخطوطات التي تعرض للبيع في المكتبات الهندية أسواق العاديات (الأنتيك)، وبعض تلك المخطوطات يصل إلى مزادات لندن ونيويورك. ثم تختفي المخطوطات ويحيط بها الغموض حيث إن هوية الذين يشترونها مجهولة في أغلب الأحيان.
هناك شكوك حول وجود جماعات هدفها السيطرة على التراث الإسلامي ونشر كتب الشعوذة والخرافات التي تسيء إلى جوهر الإسلام الحنيف. وبنفس الوقت تخفي تلك العصابات الكتب الإسلامية المفيدة.
لقد سطت العصابات على العديد من المخطوطات المسجلة في بعض المكتبات حيث يجد الباحث أسماء العديد من المخطوطات في الفهارس، وعندما يطلبها لا يجدها بل يجد عبارة أُضيفت إلى الفهرس تدل على فقدان المخطوط. وربما يجد ميكرو فيلم من النوع الرديء للمخطوط المفقود.
من ناحية أخرى تعرضت المخطوطات الإسلامية للحرق والتدمير باستمرار؛ فعندما دخل فرديناند وإيزابيلا إلى غرناطة أحرق نصف مليون مخطوطة؛ وفي البوسنة أحرقت مخطوطات المكتبة الشعبية في سيراييفو؛ وفي الهند أحرق السيخ والهندوس المخطوطات الإسلامية… وحبل المأساة طويل.
لذا فإن الأمر يستوجب تحركاً إسلامياً من أجل تصوير المخطوطات التي يمكن تصويرها، وشراء المخطوطات الإسلامية المعروضة للبيع في المزادات وغيرها، للاستفادة منها وحفظها وتفويت الفرصة على المتربصين بالتراث الإسلامي السائب في الكثير من بقاع العالم الإسلامي.
محمود السيد الدغيم
أبو الريحان البيروني
وميتافيزيقيا الهند
تعرض البيروني المتوفى عام (428هـ/1037م) في كتابه المعروف حول الهند (في تحقيق ما للهند) بحث مفاهيم مثل الله والروح والجسم في الفلسفة الهندية بشكل تفصيلي. وكان البيروني على معرفة دقيقة بالمذاهب والأديان القديمة، وخاصة الهندية منها، وليس ذلك أمراً عجيباً، لأن الدراسة التطبيقية للمذاهب تعتبر اليوم جزءاً مهماً من الفلسفة الجديدة حيث يقول (فرانتس روزنتال) في مقدمته لكتاب (بروس لاورنس): «إن ذلك يدل حقاً على التأثير العظيم الذي أوجده التمدن الإسلامي في تطور الفكري البشري». إن كثيراً من الكتاب والمحققين المسلمين وضعوا كتباً في باب فلسفة الأديان والمذاهب للشعوب غير المسلمة، بأسلوب عيني، ودون أية أحكام أو ميول.. ومن تلك الكتب نجد أن كتابات البيروني في مجال ميتافيزيقيا الهند هي من أفضل البحوث، ذلك لأن بحوثه تلك لم تعتمد على الأقوال، بل ركزت على الكتب المقدسة عند الهندوس.
ففي نظر الميتافيزيقيا الهندية إن مفهوم الميتافيزيقيا الهندوسية تقوم على أساس مبنى بهاغواد غيتا (النصوص السانكية، الكابيلية، اليوغاشوتراي، الباتانجالي) ولم يبحث البيروني في تعاليم سائر المذاهب الفلسفية الهندوسية مثل: تيايا، وإيسسكا، ودانتا، ميمانا وغيرها، ولا في التعاليم البوذية والجينية.
الفصل الثاني من كتاب (في تحقيق ما للهند) يتناول دراسة المفهوم الهندي لله. فيبين البيروني ـ في البداية ـ وبوضوح أن هناك تفاوتاً أساسياً بين عقائد الناس المتعلمين والأميين من كل شعب في المواضيع المتعلقة بالدين أو المذهب. ويضيف أن المتعلمين يمكنهم فهم العقائد الانتزاعية عن الله، في حين يفهم العوام العقائد العينية التي تدرك بالحواس، أي المحسوسات. فيتناول البيروني وبشكل مفصل العقائد الهندوسية حول الله لدى المثقفين والعوام، ويبين التفاوت بين هذه العقائد.
الله
يعتبر البيروني أن (فيدا) الذي نزل على (برهمن) هو المصدر الأساسي، فبرهمن درودا يقول: «اسمه يثبت وجوده، فحيث هناك أمر ما أو شيء يجب أن يكون، فإنه يعود على ذلك الأمر. وحيث هناك اسم لا بد من وجود مسمى. فهو غائب عن الحواس ولا يدرك بها، لكن الروح تدركه ويحيط التفكير بصفاته، فالسكينة المقرونة بالعبادة الخالصة له وبالعمل المداوم له يؤمّنان السعادة».
بعد ذلك يكتب البيروني: «عقيدة الهندوس عن الله إنه: واحد، خالد، أزلي، سرمدي، عامل باختياره، قادر، حكيم، حي، محيي،حاكم، حافظ، أوحد في الملكوت، وهو فوق كل تشبيه وتفاوت، ليس له شبيه، ولا يشبه هو شيئاً ما».
وعندما يبدي البيروني آراءه فإنه يستند إلى الآثار الدينية والفلسفية الهندوسية. فينقل ما جاء عن (بهاغواد غيتا) مقطعاً من بهارتا، الفصل 10، البند 2 و3: «إني موجود دون بدء بولادة ولا نهاية بموت، لا أبغي الجزاء فيما أفعل، لست لفئة من المخلوقات دون أخرى لأحب أحداً وأكره آخر، وهبت كل مخلوق ما يسد حاجته، فمن عرف صفتي هذه وسعى مثلي ليكون عمله خالياً من الطمع دوماً؛ فسينفك القيد من قدميه، وتسهل نجاته وحريته».
ثم ينقل في نفس الكتاب مقاطع من كلام (واسرديوا): «الطمع يدفع معظم البشر للجوء إلى الله لتأمين حاجاتهم، لكن إذا أمعنت النظر في أعمالهم أدركت أنهم بعيدون عن معرفة الله بدقة، لأن الله ليس ظاهراً للجميع ليدركوه بحواسهم، إذن هم الذين لا يعرفونه، فمنهم من لا يذهب إلا حيث ما تدركه حواسه. ومنهم من ينطلق إلى أبعد من ذلك، لكنه يقف عند معرفة قوانين الطبيعة، دون أن يدري أن فوق هذه القوانين هناك من لم يلد ولم يولد، لا يحيط العلم بجوهر وجوده، وعلمه يحيط بكل شيء».
إن الأبحاث التي أجراها البيروني حول الاختلاف الدقيق بين مفاهيم الإيشور (أي حاكم العالم) والإديفا (أي آلهة النور) هي أبحاث هامة وقيمة. فالديفا أهل للثناء والعبودية، لكنه ليس الله. والبيروني ينسب هذا المفهوم إلى الأشوت الأبدي (أي شجرة التين المقدسة) التي ترتفع جذورها إلى الأعلى بينما تتدلى فروعها إلى الأسفل، وهذا الوجود النوراني هو برهمن. إن استناد البيروني إلى هذه الشجرة صحيح، فالعقائد المطروحة في البهاغوادغيتا 10، 26، 15، 1 و2 وكاتها أوبانيشاد 2، 31 يمكن شرحها على الشكل التالي:
لردشدي بهاغوان يوضح للآرجن أنه هو روح جميع الأشياء، ووارث كل شيء، وأنه أيضاً منشأ ومركز منتهى كل شيء. يمكن تشبيهه بشجرة الآشوت التي ترتفع جذورها إلى الأعلى، وتتسع وتنتشر بفروعها المتدلاة.
واستناداً إلى قول الدارسين فإن الآيشور غني ومعط، فهو يعطي ولا يأخذ. فهم يعتقدون أن وحدة الله مطلقة، لكن كل شيء يمكنه أن يظهر بصورة الوحدة أيضاً، وهو في الواقع كثرة الأشياء. فهم يرون أن وجود الله هو وجود واقعي، لأن وجود كل شيء متعلق بوجوده. فتصور أن كل الموجودات ليس لها وجود، وأنه وحده له الوجود أمر غير ممكن. أما تصور أنه غير موجود، وأنها جميعاً موجودة فهو أمر محال.
فالبيروني يرى أن الله هو العلة الأولية، أي العلة الغائية لجميع العلل، ويضيف: إن اليونانيين القدامى كانوا يرون شبه ما يراه الهندوس، وأن ذلك قريب من استنتاجات الصوفية أيضاً. وهذا الإله يمكن أن يكون ما اعتبره ابن سينا بواجب الوجود أيضاً.
ويبين البيروني أن عامة الهندوس الأميين يحملون عقائد تقوم على تشبه الله بالإنسان، أما المثقفون الهندوس فإنهم يجتنبون مثل تلك العقائد، فالهندوسي العامي إذا أراد أن يصف علم الله يقول: إنه يرى بألف عين.
ويكتب البيروني «إن المثقفين الهندوس يتبرأون من هذا النوع من تشبيه الله بالإنسان، أما عامة الناس وأعضاء الفرق المجزئة فإنهم يستخدمون هذه التشبيهات كثيراً، بل ويتمادون إلى أكثر مما ذكرنا، فيتحدثون عن زوجة وابن وابنة وولادة وسائر الأحوال الجسمية فينسبونها إلى الله. إنهم عديمو التقوى إلى درجة نجدهم لا يتورعون عن استخدام كلمات الحماقة وغير المناسبة في حديثهم عن تلك الأشياء المنسوبة إليه».
ويشير البيروني إلى نظرية فعل الكارما، فيبين وجود اختلاف بين الهندوس حول تعريف الفعل والفاعل، فيعتقد بعضهم أن الله مصدر كل فعل، ويرون أنه علّة العالم «بينما يرى آخرون منهم أن الفعل غير منحصر بالله، بل إنه يصدر عن مصادر مختلفة، ويرون أن هذه المصادر هي علل خاصة، وآخر نموذج لذلك هو حديثهم عن المشاهدة الخارجية، فيوجدون بذلك الفعل المنظور. فيما يرى غيرهما أن اتحاد الفعل والفاعل خاضع لتأثير الطبيعة، ومثل هذا الموضوع يزيد وينقص استناداً إلى المراحل العادية لأي شيء. ويرى آخرون أن الفاعل هو الروح، ذلك لأنه قيل في الودا: إن كل موجود يصدر عن البوروش».
بعد استعراض النظرات المتفاوتة حول الفعل والفاعل، يقول البيروني: «إن جميع هذه النظرات غير صحيحة. فالحقيقة هي أن الفعل بكامله متعلق بالمادة، ذلك لأن المادة تصنع الروح، وتؤدي إلى هيمان الروح في أشكال مختلفة، ثم تحررها من تلك الأشكال. وعليه فإن المادة هي الفاعل، وكل متعلقات المادة تساعدها لتقوم بالفعل. لكن الروح ليست هي الفاعل لأنها عارية عن الاستعدادات المختلفة».
ويشير البيروني إلى نظرية الفعل اللاإرادي (نيسكاما ـ كارما) التي ورد توضيحها في بهاغوادغيتا 3، 30؛ 4، 21؛ 6، 10.
أما مسألة الخلق هي مسألة خطيرة عند الهندوس، كما هي عند المسيحيين والمسلمين. وقد بحث البيروني قضية الخلق من وجهة نظر الهندوس، وبيّن بوضوح أن الخلق بشكل عام يعتبر مجموعة واحدة عندهم، فتحت عنوان المعقولات يعتبر أن الله هو عقل صرف، وأن الأفراد أو الأنفس المجزّأة هي بوروش. وأن العناصر المادية أو الطبيعة أو براكريتي هي المحسوسات وهي تشتمل على أربعة وعشرين جزءاً. الله هو الخالق أي أن الطبيعة أو البراكريتي تظهر عنه. وفي ذات الوقت نجد أن لدى الهندوس نظرات متفاوتة حول الخلق أو وجود العالم لم يتصد البيروني لبحثها.
العقائد السامية تختلف عن العقائد الهندوسية في مجال الله والخلق اختلافاً كاملاً. فالسامية تدافع عن نظرية الخلقة الأولى والخلق من العدم، في حين أن المفكرين الهندوس يقولون بعدم وجود الخلقة الأولى، وأن الخلق قد تم خارج الذرات الأبدية المصاحبة لله.
إن نظرة البيروني إلى المفهوم الهندوسي عن الله كما جاء آنفاً يمكن اعتبارها صحيحة بشكل عام. فقد بحث البيروني في النظرة الإلهية عند الدارسين حول مفهوم الله. ولم يتطرق إلى نظراتهم التوحيدية والإلهية التي بحثت في الأوبانيشادا، ووضحت بشكل كامل في الأدويت فيدانا.
الروح
وبالحد المتعلق ببحثه حول الفعل والفاعل ينقل البيروني عن السانكيين في موضوع الروح، فيكتب:
«يقول البضع ليست الروح فعالة ولا الجسم حي، بل إن الله القائم بذاته هو الوجود الذي يربط بين الروح والجسم، ويفصل بينهما، من هنا فإنه هو الفاعل حقيقة، والفعل ناشئ عنه، لذا فهو سبب حركة الروح والجسم. وهو الحي والقوي الذي يحرك الموتى والضعفاء».
فالروح أو النفس المسماة (آتمان) هي فاعل حي ترتبط بالمادة بسبب فعالية (الكارما) أي الأفراد، وهي تسعى دوماً إلى الخلاص من العلائق الجسمية. أما الروح فإنها مسيرة بدورها من خلال الحكمة التي أودعها الله فيها، ويمكنها تشخيص الله من خلال معرفة (الجنانا) والفعل الصحيح أو الفعل اللاإرادي الذي شكل طريقاً نحو (الموكشا) أو التحرر من العبودية الأرضية. وهجرة الروح تستمر حتى تحصل على تلك الحرية. ويصور البيروني انتقال الروح من بدن إلى بدن آخر كخلع الإنسان لباسه القديم وارتدائه الحالة الجديدة.
وكتب موضحاً كيفية انتقال الروح «إن الهجرة أو التناسخ تبدأ من المراحل السفلى، وتتجه نحو المراحل الأسمى والأعلى، وليس عكس ذلك. ذلك لأن كل مرحلة ستكون ابتدائية للمرحلة التي تليها. وتفاوت هذه المراحل في الدنو والسمو يرتبط بتفاوت الأفعال، وهذا ناشئ عن التنوع الكمي والكيفي للأمزجة، وإلى الدرجات المختلفة التركيبية التي تظهر فيها هذه الأمزجة والدرجات».
الروح تشتاق دوماً إلى الاتحاد مع البدن، لهذا فهي تتحد مع أرواح الواسطة. من ناحية أخرى فإن المادة أيضاً تسعى إلى الاتحاد مع الروح. «إن المادة توجد جميع الإمكانات المتعلقة بها، وتعرضها على تلميذها الروح، وتأخذها نحو جميع أنواع النباتات والحيوانات. فيشبه الهندوس المادة أو البراكريتي بالراقصة الماهرة التي تعرف مدى تأثير كل حركة أو حالة تؤديها.
وحول العلاقة بين الروح والمادة والحكمة كتب البيروني: «يقول الناس إن الروح تشبه ماء المطر الذي يتساقط من السماء، فهو يحمل دوماً نفس الماهية، لكن إذا وضع في آنية من ذهب أو فضة أو زجاج أو خزف أو فخار فإن شكله الظاهري وطعمه ورائحته ستتغير. لذا فإن الروح لا تؤثر في المادة مطلقاً، سوى أنها تمنح المادة الحياة من خلال قربها منها. وعندما تبدأ المادة بالفعل فإن النتيجة ستختلف استناداً إلى القوة الغالبة من القوى الأولية الثلاثة، واستناداً إلى التعاون المتقابل للقوتين الخفيتين الأخريين مع القوة الغالبة. ويمكن أن يتم هذا التعاون بطرق مختلفة، كما يتعاون الزيت الجديد مع الخيط الجاف والنار المشتعلة ليصنعوا سوياً النور. والروح في المادة كمستقل العربة حيث الحواس في خدمته تسير بالعربة حيث يريد. والروح ترشد العقل، وهي تتلقى الحكمة بإلهام من الله. أولئك يصفون العقل بالشيء الذي تدرك بواسطته واقعية الأشياء. فالعقل هو طريق معرفة الله، وهو يشتمل على الأفعال التي يحبها الجميع ويحمدونها».
الموكشا أو خلاص النفس يعني الخلاص من (السامسارا) أي الوجود الترابي والارتباط الجسماني أو الارتباط بين البدن والنفس، هذه العقيدة تشاهد في تعاليم الصوفية أيضاً. لكن الموكشا لا تعني بدقة غلبة النفس، رغم أن البيروني يشير في الظاهرإلى نظرية انفضال البدن والنفس. ويتحدث البيروني عن طرق مختلفة للوصول إلى الموكشا، ويذكر الموكشا كما وردت في الفصل 4 من البهاغوادغيتا واليوغاشوتراي باتانجالي أي المعرفة والعبادة وتزكية النفس.
المادة
حول المادة يبين البيروني أنها تنتج عن اتحاد القوات الأولية الثلاثة، تلك القوى تظهر الفروع الثلاثة المتفاوتة أي الساتو (فرع الظهور) والراجاس (فرع الطاقة) والتاماس (فرع الجرم). وهذه القوى والطاقات تؤثر على بعضها البعض، فتوجد المادة.
ويوضح البيروني أن الطبيعة (براكريتي) تعني وضعية التعادل في هذه القوى (ساميا واستها). هذه النظرية وليدة المذهب الفكري للسانكيين، وتشبهه تماماً. لكن البيروني أخطأ عندما سمى هذه الأشكال والفروع بالقوة، ذلك لأن هذه الأشكال الثلاثة ليست قوة، بل هي العناصر الأساسية للمادة. وقد أوضح البيروني بشكل صحيح أن الطبيعة تسمى أوياكتا وهي أصل لم يبن غير قابل للتشخيص وشيء طبيعي. والياكتاست له شكل وعدة عناصر. ويضيف البيروني أن اتحاد المادة أمر مجرد ومتشكل ويسمى براكريتي أو طبيعة أو جسم مادي. وحسب قول الهندوس فإن في العالم توجد خمسة عناصر هي: الأثير، الهواء، النار، الماء، التراب. وتسمى مهابهوت أو العناصر الكبيرة. ويستمر في بحثه فيوضح كل واحد من هذه العناصر الخمسة، فيقول البيروني «الهواء بين الماء والنار المتخالفان، وهو الحد الوسط بين ذينك الكيفيتين، فهو يرتبط مع النار بالرقة، ومع الغلظة، ويخلطهما بقابليته رغم اختلاف كيفيتهما.
طرق الحرية
أما بالنسبة لطرق الحرية (موكشا) فإن البيروني يتحدث عن ثلاثة طرق تؤدي إلى الموكشا أو الخلاص من العبودية الأرضية. هذه الطرق عبارة عن: العبادة، المعرفة، الفعل أو التصرف. والتي تعرف في المصطلحات الهندوسية باسم بهاكتي. وجنانا أو المعرفة عن طريق التعلم وغيره. والكارما أو الكيريايوغا أو التصرف المصحوب بالنظرة الأخلاقية هي من جملة السانياس أو محاربة النفس. ويستشهد البيروني كثيراً بالفصل السابع من البهاغوادغيتا في دعم كلامه. فمن يسعى لاكتساب المعرفة فهو سعيد. إن نيل الحرية عن طريق المعرفة لا يتسنى إلا بالاحتراز عن الشر الذي يمكن تقسيمه إلى: الطمع والغضب والجهل. ويشير البيروني إلى طريقة رابعة وهي ماهية التخيّل الموسوم بالرساين وتشمل الكيمياء والأدوية. ويورد اسم البانجالي كمصدر لبحثه هذا. لكن هذا الإسناد غير أكيد، لعدم وجود هذه المسألة في اليوغاشوتراي باتانجالي الموجودة حالياً.
المصادر
قبل ختم هذه المقالة أجد من المناسب أن أبحث في المصادر التي أوردها البيروني في كتاباته حول ميتافيزيقيا الهند. في الحقيقة كان البيروني عالماً أهل تعلم وعمل، وكان يدرك قيمة وأهمية المصادر المكتوبة الأصلية بشكل كامل، فقد كان يستخدم المصادر الأساسية تماماً كما يفعل المؤرخون المعاصرون، وكان يستفيد في كتابته عن ميتافيزيقيا الهند من كتبهم المقدسة وباللغة السانسكريتية. لكن يبدو بوضوح أن جميع تلك الكتب لم تكن متوفرة له، وكان البيروني ملماً باللغة السانسكريتية، مما مكنه من الاستفادة من هذه المصادر الأصلية بشكل جيد. وكما بينا سالفاً كان يستند عادة إلى البهاغوادغيتا واليشنوبوشوران والسانكيها ويوغاشوترا. وقد ترجم بنفسه المصدر الأخير إلى اللغة العربية، وترجمته تلك موجودة حالياً. وكما ذكرنا آنفاً فإن إسناده إلى تلك المصادر كان صحيحاً تارة، لكنه كان ينقل أحياناً خلاصة لما ورد في تلك المصادر، ولم تكن ترجمته لها دقيقة دائماً، لذلك فإن بعض العبارات لا توجد في النصوص السانسكريتية. فإسناده عن الودا مبهم وناقص، ويبدو أنه لم يكن يعرف الأوبانيشاد الغني بالميتافيزيقيا، لكنه كان على معرفة جيدة بمذهب السانكيين والفلسفة الهندية ونصوصها التي تشمل الكابيلا ونظرية اليوغا الباتانجالية. حيث لم ينقل عن الأقوال والمسموعات، بل استخدم أفضل المصادر التي توفرت له.
إن أسلوب البيروني في بحثه للمواضيع المطروحة هو أسلوب جديد بالكامل ومطابق للأساليب التطبيقية لعلماء العصر الحاضر. فهو في بحثه حول آراء الميتافيزيقية للهندوس يقارنها مع آراء اليونانيين من جهة، ومع آراء الصوفيين من جهة أخرى. مما يعني أنه كان مطلعاً على المصادر الأصلية لكليهما، حيث كان يعرف اللغتين اليونانية والعربية.
النتيجة
في الختام يمكن القول إن البيروني قد أطل إطلالة صحيحة على المفاهيم الأساسية للميتافيزيقيا الغالبة بين المثقفين والعوام الهندوس خلال القرن الحادي عشر الميلادي. وتوجد حول هذا الموضوع مصادر كثيرة ومتنوعة لم يعرف البيروني منها آنذاك إلا القليل، لذلك كانت معلوماته حولها محدودة. ولا بد أن البيروني قد واجه المشاكل خلال بحثه هذا على أساس أنه مسلم أجنبي في الهند. ومن الواضح أنه استطاع أن يتغلب على بعض تلك المشاكل بسبب حبه لهذا الموضوع واعتماداً على قوة إرادته. لكن البيروني لم يكتب شيئاً عن البوذية والجينية، ولعلها كانت مجهولة عنده تماماً. علاوة على ذلك فإنه لم يكن على علم بالنظرات الأساسية لفلسفة الهندوس التي تشكل قاعدة ميتافيزيقياها.
ورغم وجود هذه النواقص إلا أن البيروني استطاع أن يكتب بعضاً من أكثر الصفحات تلألؤاً في باب الفلسفة والمذاهب الهندية باللغة العربية. وصفحاته هذه كانت الأفضل والأدق بين ما كتبه المحققون والكتاب المسلمون في هذا الموضوع. إن النظرة العقلائية والمحايدة للبيروني في هذا الموضوع تدل على مشربه الواسع في فهم وتفسير ميتافيزيقيا الهندوس استناداً إلى كتبهم المقدسة، مما يندر وجوده بين كتاب القرون الوسطى. مما أعطى للبيروني منزلة سامية بين من كتبوا حول تاريخ الفكر الهندي.
محمد صابر خان
البرتغاليون في الهند
لما وصل فاسكو دي ﮔاما البرتغالي إلى كليكوت على ساحل مليبار سنة 904هـ/1498م، كان من حسن حظ البرتغاليين أن الممالك الإسلامية في منطقة المحيط الهندي كانت تعاني ضعفاً شديداً.
وقوبل فاسكو دي ﮔاما بالعداء من قبل المسلمين في ساحل مليبار، وكان أول مظهر لهذا العداء الهجوم الذي وقع على القلعة التي شيدها البرتغاليون في كاليكوت وأدى إلى الفتك بمن فيها. وعلى الأثر، صمم ملك البرتغال على الاحتفاظ بقوة عسكرية دائمة في الشرق فأرسل في العام 1505م فرانسيسكو دي الميدا (Almeida) ونصبه نائباً للملك. ورداً على ذلك، أرسل سلطان مصر المملوكي قانصوه الغوري أسطولاً إلى المياه الهندية لمساعدة المسلمين على طرد البرتغاليين أوقع هزيمة بأسطول برتغالي قرب ميناء شيول (Chaul) في مطلع العام 1508. إلا أن الميدا أوقع في مطلع العام التالي هزيمة بأسطول مصري كجراني مشترك قبالة ميناء ديو على ساحل كجرات، وبذلك تخلص البرتغاليون من القوة البحرية الإسلامية الوحيدة التي كان بمقدورها التصدي لهم في المحيط الهندي. فسيطروا على مياه المحيط الهندي قرابة قرن من الزمن.
وفي عهد ألفونسو دي ألبوكرك (Albuquerque) الذي خلف الميدا، تمت للبرتغاليين السيطرة على جزيرة كووه (Goa) من سلطان بيجابور (تشرين الثاني/نوفمبر 1510م) وملاقة (آب/أغسطس 1511م) وهرمز (1515م). ولم تلبث كووه أن حلت محل كاليكوت كميناء تجاري رئيسي على ساحل الهند الغربي وأصبحت مقراً لنائب ملك البرتغال.
ومن بين أسباب النجاح الذي أحرزه البرتغاليون أن الممالك الإسلامية الخمس بهضبة الدكن، التي قامت على أنقاض المملكة البهمنية، كانت في منازعات مستمرة في ما بينها، وكذلك موقف السلاطين اللامبالي من الخطر البرتغالي المحدق بأراضي المسلمين ومصالحهم التجارية، إذ كان الكثيرون منهم يشاطرون سلطان كجرات بهادر شاه الرأي بأن «حروب البحار أمر يعني التجار وحدهم ولا يمس هيبة الملوك». أضف إلى ذلك العداء القديم بين صاحب كاليكوت وبين صاحب كشي ـ على ساحل مليبار ـ الذي استغله البرتغاليون وتمكنوا من الاستحواذ على أول موطئ قدم لهم على ساحل الهند، بمساندتهم صاحب كشي ضد خصمه)[182](.
وفكر الأتراك العثمانيون في إرسال حملة «بحرية» العام 1538م إلا أن الفكرة لم تنجح. وكان فشل حملات العثمانيين البحرية ضد البرتغاليين في المحيط الهندي على النقيض من الانتصارات التي حققها في البحر المتوسط قادتهم آنذاك كخير الدين بربروسا ودرغوت. وعلى رغم عدم التكافؤ في حجم المراكب وسلاحها فإن غزاة البحر المسلمين من موانئ مليبار نشطوا في هجماتهم على سفن البرتغاليين كما يذكر المعبري، وحتى قرب قلاع كووه كان غزاة موبله (Moplah) المسلمون من ساحل مليبار يوقعون خسائر كبيرة في تجارة البرتغال الساحلية وذلك باعتراضهم سبيل قوافل المراكب البرتغالية الصغيرة (Cafilas) المشحونة بالأرز والمؤن إلى قاعدة كووه البرتغالية. ومع ذلك، فإن هذه الهجمات ـ على رغم خطورة بعضها أحياناً ـ لم تقض على قوة البرتغال البحرية في المحيط الهندي، ذلك لأن غزاة البحر المسلمين في مراكبهم الصغيرة ذات المجاذيف لم يكن باستطاعتهم أن يجابهوا بصورة فعالة وسط البحار السفن البرتغالية الكبيرة التي كانت تشكل نواة قوة البرتغال البحرية. ويعتبر بعض المؤرخين صمود البرتغاليين في كووه وشيول العام 1571م مضاهياً للانتصار الذي أحرزه أمير النمسا دون خوان على الأسطول العثماني في معركة ليبانتو البحرية في العام ذاته)[183](.
الهند حتى الاستقلال
اعتبر الإنكليز الهند كلها من أملاك التاج البريطاني لا في عداد المستعمرات أو الحمايات. وكانت تنقسم إلى وحدتين دستوريتين كبيرتين: الأولى الهند البريطانية وتبلغ مساحتها مليون ومائة ألف ميل مربع، وتشتمل على ولايات بورما وبنغالة وبهار وأوريسا والولايات المتحدة والبنجاب والولايات الشمالية الغربية وبلوخستان البريطانية وبومباي والولايات الوسطى ومدراس وجزائر أندمان ونيكوبار. وكان يتولى حكم الهند البريطانية نائب الملك يعاونه مجلس تنفيذي هو مجلس الدولة، وجمعية تشريعية ذات اختصاص محدود.
والثانية: هي الولايات الهندية المستقلة، وتبلغ مساحتها أكثر من سبعمائة ألف ميل مربع، وسكانها نحو ثمانين مليوناً، وتشمل الولايات الآتية: حيدر آباد، وبارودا، وميسور، وكشمير، وراجيوتانا، والهند الوسطى وولايات بومباي ولايات مدراس، والولايات الوسطى يات بنغالة، والولايات المتحدة، وولايات بنجاب وبلوخستان، وسكيم والولايات الشمالية الغربية، وتعترف الولايات المستقلة بسيادة التاج البريطاني. ويتولى الحكم فيها أمير وطني مطلق السلطان، ولكل منها جيش خاص وميزانية خاصة، ولكن يحد من سلطان الأمير وجود مقيم بريطاني إلى جانبه. ولا يحق للأمير أن يعقد معاهدات أو محالفات داخلية أو أن يعلن الحرب أو أن يسيء معاملة السكان. فإذا أساء إدارة الأقاليم عزل وعين مكانه أمير وطني آخر. ومعنى ذلك أن أمراء الولايات المستقلة لا يعدون أن يكونوا حكاماً محليين تابعين مباشرة للتاج البريطاني.
وقد اتخذت الأماني الهندية منذ البداية صورة المطالبة بالاستقلال الذاتي، واقترنت هذه الأمنية بسائر الحركات العنيفة التي اضطرمت بها الهند في سبيل المطالبة الوطنية منذ نهاية الحرب الكبرى الأولى. ولكن السياسة البريطانية كانت ترى أن تعتبر المسألة الهندية مسألة دستورية فقط تتعلق بنظام الهند الدستوري والشكل الذي يتخذه هذا النظام في ظل الأمبراطورية. وكانت هذه النظرة المتواضعة رائد السياسة البريطانية في جميع ما اتخذته من خطوات لمعالجة المسألة الهندية.
ومنذ أواخر الحرب الكبرى الأولى، اشتدت حركة المطالبة بالاستقلال الذاتي، وشعرت بريطانيا بأن الوعي القومي الهندي بدأ يتخذ وجهة عدائية فعندئذ رأت الحكومة البريطانية في هذه المرحلة الدقيقة التي ما زالت تواجه فيها الأمبراطورية أخطار الحرب أن تبادر إلى العمل، فأوفدت في سنة 1917 مستر مونتاجو (اللورد فيما بعد) وزير الهند إلى الهند للبحث فيما يجب عمله نحو إنشاء حكومة هندية ذاتية. وفي العام التالي صدر تقرير مشترك من اللورد شلمسفورد نائب الملك ومستر مونتاجو يقترح بعض إصلاحات دستورية وإدارية في هذا السبيل، فلقيت هذه المقترحات أشد معارضة من زعماء الجبهة القومية، وبدأ غاندي دعوته الشهيرة إلى العصيان المدني، وتوالت الاضطرابات والمصادمات الدموية في الهند في الأشهر التالية. وعدلت المقترحات أثناء ذلك على يد لجنة برلمانية.
وفي ديسمبر سنة 1919 صدر قانون الهند الجديد المعروف بقانون مونتاجو وشلمسفورد تحقيقاً لما وصفته السياسة البريطانية يومئذ بأنه العمل على ترقية نظم الحكم الذاتي في الهند والسير بها قدماً في سبيل إقامة الحكومة المسؤولة. وأخص ما فيه أن يجعل مجلس الدولة مجلساً تشريعياً ثانياً، وأن تختص الجمعية التشريعية بإقرار الميزانية، وأن تمنح بعض الضمانات الطائفية، وأن يمثل الهند لدى حكومة لندن مندوب سام.
وهكذا اقتصر التعديل على المظاهر الشكلية، ولم يتقدم كثيراً في سبيل إنشاء الحكوموة الهندية المسؤولة. بيد أنه نص في القانون الجديد على «أنه لما كان التقدم في تحقيق نظام الحكم الذاتي في الهند البريطانية لا يمكن إجراؤه إلا بمراحل متعاقبة، فإنه يجب بعد عشرة أعوام أن تنتدب لجنة للبحث في سير الدستور الجديد، واقتراح ما يجب إجراؤه فيه من التغييرات».
وقطعت الهند بعد صدور الدستور الجديد بضعة أعوام مليئة بالاضطرابات والكفاح القومي. ولكن السياسة البريطانية لم تعدل عن خطتها المرسومة.
وفي الحرب العالمية الثانية تجد بريطانيا نفسها للمرة الثانية مشتبكة في صراع مميت مع ألمانيا وحلفائها، وتجد الهند نفسها للمرة الثانية وقد دفعت إلى خوض حرب لم تردها، وسخرت مواردها ومئات الألوف من أبنائها لمؤازرة بريطانيا والدفاع عن الأمبراطورية البريطانية. وكان موقف الهند في هذه المرة أخطر وأدق نظراً لخطورة الأحوال في الشرق الأقصى، وما تنطوي عليه خصومة اليابان لبريطانيا، حتى قبل أن تقع الحرب بين الدولتين، من الاحتماات الخطيرة.
وهنا بادرت السياسة البريطانية كما فعلت أثناء الحرب الكبرى إلى بذل وعودها المعسولة. ففي سنة 1940م أغسطس أعلن نائب الملك اللورد لثلثجو أن الحكومة البريطانية تقطع على نفسها عهداً بأن تمنح الهند نظام «الدومنيون» أو الأملاك المستقلة، ولكن بشرط أن يتحقق الاتفاق بين الطوائف الرئيسية، لأن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تفوض السلطة إلى أي حزب لا تعترف بسلطانه أقليات ذات شأن، وأن هذا العهد الجديد الذي يمنح الهند الاستقلال الذاتي سوف ينفذ عقب انتهاء الحرب مباشرة، وسيضطلع الهنود أنفسهم بوضع الدستور الهندي الجديد.
وبالرغم مما ينطوي عليه هذا العهد الجديد من تقدم واضح في تحقيق الأماني الهندية، فقد بدأ يومئذ في ثوبه الحقيقي عهد ضرورة ملحة كمعظم العهود التي تقطعها السياسة المرنة تحت ضغط الحاجة الطارئة. ومن ثم فقد استقبلته الهند بفتور ظاهر. ولما رأت الحكومة البريطانية أنها لم تصل إلى الغرض المنشود في التهدئة أوفدت وزيراً لامعاً من وزرائها هو السير ستافورد كربس إلى الهند في مارس سنة 1942م، ليروج للمشروع الجديد، وليقنع الزعماء الهنود بحسن نية بريطانيا. وكانت الأمور قد تفاقمت يومئذ في الشرق الأقصى. ولم يمض على إعلان اليابان الحرب على بريطانيا وأميركا بضعة أسابيع حتى سقطت سنغافورة وجزائر الهند الشرقية، وأخذ الزحف الياباني في البر والبحر يهدد الهند نفسها، ولم تجد محاولات السير كربس في الإقناع والتهدئة شيئاً، بل على العكس اضطرمت الهند بفورة جديدة من الاضطرابات والقلاقل، وطالب حزب المؤتمر بإقامة الحكومة الهندية المسؤولة في الحال، وهدد غاندي بالاتفاق مع اليابان كما هدد بالعصيان والثورة فعندئذ بادرت الحكومة بالقبض على غاندي وزملائه واعتقلوا حتى نهاية الحرب. ولبث الموقف على خطورته مدى حين. وفي سنة 1943م تولى اللورد ويفل منصب نائب الملك، وحاول مرة أخرى أن يقيم حكومة هندية مسؤولة من جميع الأحزاب، ولكنه لم يوفق، لمعارضة حزب الرابطة الإسلامية، وإصراره على أن يكون جميع الوزراء المسلمين من أعضائه. وهكذا أخفقت جميع المحاولات البريطانية للبدء في تنفيذ السياسة الدستورية الجديدة. وانتهت الحرب العالمية الثانية وقد بذلت الهند فيها أضعاف ما بذلته في الحرب الكبرى من الموارد والرجال.
وفي يوليه (حزيران) سنة 1945م صرحت الحكومة البريطانية بأنها ستبذل أقصى جهدها لتحقيق الحكم الذاتي الكامل للهند في أقرب وقت. وفي شهر مايو أوفدت الحكومة البريطانية إلى الهند لجنة وزارية جديدة، وتقدمت هذه اللجنة إلى الهند بمشروع جديد، وخلاصته أن تؤلف في الحال حكومة قومية مؤقتة للهند يتولى الهنود جميع الوظائف فيها، وأن تقوم بوضع الدستور الهندي الجديد جمعية تأسيسية تمثل فيها الطوائف الثلاث الكبرى: الهندوس والمسلمون والسيخ، كل بحسب نسبتها العددية في سائر الأقاليم على أن يمثل كل نائب مليوناً من الأنفس. أما قواعد الدستور الأساسية فتتلخص في وجوب إنشاء اتحاد هندي يضم الهند البريطانية والولايات المستقلة مع اختصاص مشترك في شؤون الدفاع والمواصلات الخارجية وإنشاء مجلس تشريعي مشترك يضم ممثلي الهند البريطانية والولايات المستقلة، وأن تحتفظ الولايات على الشؤون المحلية الأخرى الخارجة عن اختصاص الاتحاد، وأن تؤلف حكوماتها الخاصة. ولكل ولاية أن تطلب تعديل الدستور الجديد بعد مرور عشرة أعوام وذلك بأكثرية الأصوات، وكان الدستور الجديد يستبعد مشروع «الباكستان» أو مشروع الدولة الإسلامية المنفصلة التي تنادي به أغلبية كبيرة من المسلمين التي يمثلها حزب الرابطة الإسلامية.
ولذلك لم يبد المسلمون حماسة في تأييد المشروع الدستوري الجديد، لأنه يأخذ بنظرية التمثيل العددي ولا يأخذ بمبدأ التمثيل الطائفي، ولا يقدم أية ضمانة حقيقية للأقلية الإسلامية الكبرى. ولم تسفر المفاوضات التي دارت بين اللجنة البريطانية وبين حزب المؤتمر الذي يمثل الأكثرية الهندوسية، وحزب الرابطة الإسلامية الذي يمثل الأكثرية المسلمة عن الاتفاق على وسائل تنفيذ المشروع الجديد من إقامة الحكومة الهندية المسؤولة والجمعية التأسيسية التي تتولى وضع الدستور الهندي. ثم تقرر تقسيم الهند إلى قسمين: الهند وباكستان ثم انقسمت بعد ذلك باكستان بدورها إلى قسمين أيضاً باكستان وبنغلادش.
في آب (أغسطس) عام 1947م تخلصت الهند من عهد الاستعمار الإنكليزي ونالت حريتها كاملة بعد كفاح مرير وتضحيات جبارة وجهود بالغة، فوجدت نفسها مثخنة بأنواع من الجراح الاجتماعية مثل الفقر والجهل والمرض، وعدم تكافؤ الفرص وتركز الثروات في أيدي قليل من الأفراد والنظام الإقطاعي السائد في القرى والأرياف.
وفي كانون الثاني (يناير) عام 1950م أعلنت الهند دستورها الجديد الذي ينص على أن الهند جمهورية ديمقراطية ذات سيادة. ويتألف البرلمان الهندي من مجلس الولايات والشعب أو بعبارة أخرى مجلس الشيوخ والنواب. ويتم انتخاب أعضاء مجلس الشعب بطريقة مباشرة في كل ولاية، أما مجلس الشعب فيختار رئيسه من بين أعضائه، بينما يرأس مجلس الولايات نائب رئيس الجمهورية. ويجري انتخاب رئيس الدولة بطريق مجمع انتخابي يضم أعضاء مجلس البرلمان المركزي والمجالس التشريعية في الولايات المختلفة. ومدة رياسة رئيس الجمهورية خمس سنوات قابلة للتجديد. ولا يجوز له أن يمارس سلطات دستورية بطريق مباشر، فهذه السلطات من اختصاص رئيس الوزراء، حيث يباشرها بوصفه رئيس مجلس الوزراء. وهذا المجلس مسؤول أمام البرلمان المنتخب من الشعب، ويشترك مجلسا البرلمان المركزي في انتخاب نائب رئيس الجمهورية.
إن الجمهورية الهندية تتألف الآن من ست عشرة ولاية ويضاف إليها بعض المناطق الموضوعة تحت إدارة الحكومة المركزية مباشرة وقبل إعادة تنظيم الولايات كانت الهند تتألف من 29 وحدة بعد إدماج الإمارات التي بلغ عددها وقت الاستقلال 562 إمارة. وفي عام 1954 ألفت الحكومة الهندية لجنة خاصة لإعادة تنظيم الجمهورية الهندية، ولكل ولاية من هذه الولايات جمعيتها التشريعية الخاصة، وفي بعض منها مجلس أعلى إلى جانب تلك الجمعية التشريعية. وينتخب أعضاء الجمعيات التشريعية في الولايات بطريق الانتخاب العام الذي يقوم على أساس حق التصويت لجميع البالغين. وعلى رأس كل ولاية حاكم يعينه رئيس الجمهورية، وليس لحكام الولايات سلطات دستورية بطريق مباشر كما أسلفنا في سلطات رئيس الجمهورية. ويسير نظام الحكم في الولايات على نمط النظام القائم في الحكومة المركزية، فلكل ولاية مجلس وزرائها ويرأسها كبير الوزراء الذي تختاره الجمعية التشريعية من بين أعضائها المنتخبين من الشعب وهو مسؤول أمام الجمعية التشريعية مباشرة.
وعدد نفوس الهند حسب تقديرات 1980م يبلغ 659 مليون نسمة. وفي حربها الطويلة على الانفجار السكاني عرفت الهند ظواهر ومفارقات كثيرة، بعضها مضحك ومعظمها مثير للبكاء، وخصوصاً متى تذكرنا ما سمي بالتخطيط العائلي الفاشل في الخمسينات ومحاولة إنقاذه في أوساط السبعينات على يد أنديرا غاندي. فخلال 19 شهراً خضع ملايين الرجال في طول الهند وعرضها للإخصاء القسري.
وتفيد تقارير الأمم المتحدة أن منطقة الحزام الهندوسي التي تضم ولايات برادش العليا، وراجستان، وبرادش، وبيهار، ومدهية، تضم حوالى أربعين في المئة من سكان الهند ومعدل نموها السنوي أربعة في المئة. وهي على أهميتها السياسية، الأشد فقراً وأمية.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة قررت وزارة الشؤون العالية اعتماد سياسة التوعية والخيار، فقامت بحملة واسعة النطاق شملت برامج الإذاعة والتلفزيون واليافطات الضخمة في الشوارع ناهيك عن حلقات الوعظ المباشرة.
أوساط وزارة الإسكان تفيد أن نسبة الزيادة الحالية وهي 18 مليوناً في كل سنة، إذا استمرت سيبلغ عدد سكان الهند في العام 2010 حوالى 920 مليوناً ما يعني أن أي تخطيط لتخفيف شظف اليعش عن الفقراء سيبقى سراباً.
اللغة الفارسية وثقافتها
في الهند
1 ـ اللغة الفارسية
بدءاً من أوائل القرن الخامس، عندما بدأ الإسلام بالتقدم ـ بجهود الإيرانيين ـ في شمال وغربي الهند، لقيت اللغة الفارسية قبولاً من المسلمين الجدد بعنوان أنها لغة إسلامية، ثم صارت شيئاً فشيئاً لغة المسلمين الهنود المشتركة، ثم بعد ذلك لغة جميع مسلمي آسيا.
وقد سعى مسلمو الهند بكلّ قوتهم لكي ينسلخوا من جميع ارتباطاتهم بالمذاهب والسنن الهندية ويلتحقوا بالمجتمع الإسلامي الإيراني، ويستمدّوا الآداب الإسلامية من الإيرانيين. ومن هنا اختاروا الخط واللغة الفارسية، وتوجهوا إلى علوم ومعارف الفنانين الإيرانيين، ولم يمض وقت طويل حتى كان للأمة الإسلامية في الهند استقلالها وهويتها على هذا الأساس.
وهذه الأمة على رغم الحوادث والمصائب التي اعتصرتها، قد سلكت بصورة دائمة طريق التقدّم والرقي. إنّ الشعوب الإسلامية في باكستان وبنـﮔلادش، والمجتمعات الإسلامية في الهند وسريلانكا وجزر الهند وكشمير ونبال وإمارات هيمالايا، التي يبلغ تعداد أفرادها حوالى الأربعمائة مليون نسمة، قد حافظت ـ بفضل هذا التمدن وهذه الثقافة ـ على وجودها وتكاثرها، في حين أن سائر الأديان غير القومية لم تحظ بنصيب كهذا. فمثلاً على الرغم من الوجود المسيحي القديم في الهند والذي يمتد إلى عهد الحواريين، وعلى رغم الجهود المنظّمة والتمتّع بالمهارات الكافية وبالدعم الغربي ـ خصوصاً في القرون الخمسة الأخيرة ـ فإن تعداد المسيحيين لم يصل بعد إلى 25 مليون نسمة.
2 ـ هجرة الإيرانيين
الحكام المسلمون الذين كانوا يقدمون إلى الهند في الغالب من ما وراء جبال الهند وكشمير، وكانوا بأجمعهم من الناطقين باللغة الفارسية، كانوا يرون أنفسهم في شبه القارة، غرباء، ويعتمدون فقط على رجالات الحكم والمسؤولين والمقاتلين الإيرانيين، ولم يكونوا يعتمدون على الوطنيين وإن كانوا قد أسلموا. ومن هنا تمّ استقطاب العقول والأيادي العاملة الإيرانية إلى الهند، ويمّم شطر تلك البلاد الأثرياء والتجار والأطباء والفقهاء والقضاة والحكماء والصوفيون والمنجمون والشعراء والموسيقيون والخطاطون والرسامون والبناؤون.. وسائر أهل المعرفة وأرباب الصناعات، وقد بلغ أكثرهم مراتب عالية في الشهرة والثراء. وشكّلت في جميع أنحاء الهند خلايا المسلمين الناطقين بالفارسية، وتمّ إحداث المعسكرات والمساجد والمعابد ودور العلاج والمراصد ومنازل المسافرين والأبنية والقصور بالطراز الإيراني على أيدي الإيرانيين. والحكومات الإسلامية التي كانت تؤسس، كانت بأجمعها تحمل صبغة إيرانية.
وفي القرن السابع الهجري، أضحت دهلي قبّة الإسلام وعاصمة الهند، وأعظم قطب للثقافة الإيرانية ومركز الإسلام في آسيا. ومن جهة، فإن سلاطين الهند كانوا في الغالب أدباء ومحبين للأدب ومشجعين للشعراء وعلماء مسلمين، ومن جهة ثانية فإن الهجمات الماحقة والمتتالية للتتر، على بلاد ما وراء النهر وخراسان والعراق وآذربايجان وفارس، كانت تجذب أهل العلم والفن من بلاد إيران باتجاه دهلي وملتان ولاهور وآكره وبنكال والدكن.
3 ـ عصر النهضة
في الدكن (جنوب الهند) كان سلاطين الشيعة من محبي الأدب، أمثال بهمنيان وعادل شاهيان وقطب شاهيان، ففتحوا أبواب بلدهم في وجه الإيرانيين وسعوا لأن يجعلوا من مراكز السلطنة في بيجاﭙور وكلكنده وبيدر محطات لرجال العلم الشعراء، ونسخة عن مراكز السلطنة في إيران. وأسّس مشايخ التصوف من الجشتية والسهروردية والقادرية والنقشبندية، الصوامع والمراكز في كل ناحية من نواحي الهند، وانبروا بكل جهد وهمة لإرشاد الخلق باللغة الفارسية، وراج تأليف الكتب في أصناف العلوم والمعارف باللغة الفارسية، وبتشجيع من الحكام المسلمين ترجمت إلى الفارسية أمهات الكتب والروايات الدينية والأساطير السنسكريتية، مثل أجزاء ودا وتعاليم بودا وملحمة مهابهارت وأسطورة راماين، والكتب الرياضية والطبيعية، وكتب النجوم والطلسمات والزيجات، ومئات الكتب الأخرى. واعتمدت في المدارس دواوين أمير خسرو ودهلوي ومعاصريَه سعدي ورومي، وكذلك الشاهنامه وخماسية نظامي وكليات أنوري وناصر خسرو وسنائي ومعزي، وفيما بعد غزليات حافظ وكليات جامي. ودعى بعض السلاطين المهتمين بالأدب في ملتان وبنـﮔال والدكن، سعدي وحافظ إلى مراكز سلطنتهم، والتمسوا منهم كتابة دواوين، وأرسلوا إليهم بالصلات والهدايا. ووقعت الموسيقى الهندية تحت تأثير الموسيقى الإيرانية، وتم تقليد النمط المعماري الإيراني في الأقطار الإسلامية الهندية.
4 ـ أوج الكمال
في عهد سلطة أفاغنة لودي، ثم الـﮔورﮔانيين في الهند، أي من أواخر القرن التاسع الهجري، فقدت دهلي واكرة وفتح بورسيكري ولاهور وسائر البلاد الإسلامية في شبه القارة، فقدت كلياً الهوية الهندية، واصطبغت بشكل كامل بصبغة فارسية. صارت اللغة الفارسية لغة السلطنة الرسمية، ولغة العلم والأدب، وكان للعنصر الإيراني تقدم على العنصر الهندي في جميع الشؤون. واستحدث في اللغات المحلية كالأوردوية والبنـﮔالية والسندية والهندية والكوازية، تركيبات فارسية باللهجات المحلية، كانت تستخدم فقط في محاورات العوام لا في المراسلات والتأليفات والخطابات الرسمية. وحتى السلاطين الهنود صاروا يشجعون اللغة والأدب الفارسيين، وفي الفترة التي كان فيها الجهاز الصفوي الحاكم في إيران يتكلم بالتركية، كان الجهاز الحاكم في دهلي وسائر الأجهزة الحاكمة في الهند لا ترى قيمة واعتباراً لغير اللغة الفارسية.
ولا تزال المدارس الإسلامية القديمة ومكتباتها دائرة إلى الآن، وهي خزائن لكنوز النسخ الخطية الفارسية، ولا ترى مسلماً مثقفاً يجهل الفارسية التقليدية، ولا يستشهد بالأشعار الفارسية لسعدي وحافظ ومولانا وخسرو وجامي وغالب… في الهند لا يزال كلام سعدي يعدّ حجة قاطعة، كما يعد وجود ديوان حافظ إلى جانب المصحف الشريف، في منزل كل مسلم من أهل العلم، شعاراً إسلامياً.
5 ـ منزلق الانحطاط
بعد وفاة الشاه عباس الصفوي الكبير (1038هـ) واعتلاء أورنك زيب الـﮔورﮔاني عرش الهند (1068هـ)، اتجهت العلاقات بين إيران والهند إلى التمزّق. فمن جهة كان خلفاء الشاه عباس يفتقدون عزمه وتدبيره، ومن جهة أخرى لم يكن لسلاطين دهلي علاقات حميمة مع التشيع وإيران. ومن هنا، ضعفت العلاقات الثقافية والتجارية ـ كما السياسية ـ بين البلدين، ووقعت في هاوية الجمود والسقوط. اللغات المحلية المخلوطة تمرّدت على الفارسية. الاستعمار الذي كان يسعى لقطع علاقات الهند مع جيرانها وبالأخص إيران، عمد عبر إحداث المدارس العصرية والمطابع في دهلي وكلكته وبمبي وسائر المدن الكبرى، وبواسطة المبشرين النصارى، إلى نشر الكتب والجرائد باللغتين الأوردوية والإنكليزية، وبالأخص عمد إلى ترويج اللغة الأوردوية.
والمسلمون وإن كانوا قد قاوموا في بداية الأمر، إلا أنهم في النهاية رضخوا لحكم الواقع، وحلت الكتابة بالأوردوية والتكلم بها محل الفارسية. وقد ساهم في ازدياد الأمر سوءاً، ضعف وعدم اكتراث الحكومات الإيرانية في حينها.
ومن هنا، انفصلت الأمتين الجارتين الهند وإيران، وأضحت اللغة والأدب الفارسيين مغلوبين في الهند إزاء الإنكليزية والأوردوية وسائر اللغات المحلية.
ولكن مع ذلك، وإلى مدة من الزمن، حافظت اللغة الفارسية على مقامها في المحافل الإسلامية وبالأخص لدى الشيعة، بعنوان لغة الدين والعرفان والعلوم الشرعية والأدبية. ومثالاً على ذلك: في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، كتب الشاه عبد العزيز الدهلوي الفاروقي، كتابه المشهور في رد الشيعة المسمى التحفة الإثنا عشرية، كما كتب ترجمة القرآن وتفسيره وسائر أمهات كتبه، باللغة الفارسية، وبرز له في نفس ذاك القرن السيد حامد حسين الكنتوري النيشابوري وألف بالفارسية كتابه القيم الضخم عبقات الأنوار في إثبات مذهب الإمامية ورد التحفة الإثنا عشرية.
لقد كُتب في ذلك القرن المئات من كتب التفسير والترجمات القرآنية والكتب الأدبية والعرفانية والتاريخية والدينية واللغوية والقانونية. وبتأليف المستشرق والقاضي الإنكليزي المشهور في كلكته سير ويليام جنز لكتابه «قانون اللغة الفارسية»، وبتأسيسه للهيئة الملكية البنكالية، صان اللغة والكتب الفارسية القيمة من الأندراس والزوال.
6 ـ الوضع الراهن
بعد فشل آخر ثورة تحررية للهنود سنة 1857م، والتي انتهت بالانتصار النهائي للجيش الإنكليزي وصدور أمر الملكة فكتوريا بانضمام الهند إلى المستعمرات الإنكليزية وحرية الأديان واللغات في تلك الديار سنة 1859م، أضحت اللغة الإنكليزية هي اللغة الرسمية للدولة ولغة التعليم والتربية ولغة الإدارات والمحاكم القانونية ولغة الهند في المحافل الدولية كتابة ونطقاً. ومن ذاك الحين فصاعداً، توجه الجامعيون إلى تلقي الإنكليزية، وغدت الجامعة الإسلامية في عليـﮔره وسائر جامعات الهنود والمسلمين، تروج للثقافة الإنكليزية. عامّة الناس كانوا يتكلّمون باللغات المحلية، ولكن الإنكليزية راجت واعتمدت بدل الفارسية التي كانت لغة العلم والدولة.
ومع ذلك، وعلى مدى فترة الاستعمار التي دامت مائتي سنة، فإن دراسة اللغة الفارسية كانت إلزامية للهنود والمسلمين وسائر الفرق في جميع المدارس المتوسطة والثانوية في كافة أرجاء الهند، وكانت تنتشر الجرائد الفارسية في كلكتة ودهلي وبمبي ولاهور وسائر المدن الرئيسية في الهند بأعداد كبيرة. كانت تدار مجالس الشعر الفارسي، وكانت المراثي تلقى في مجالس العزاء باللغة الفارسية، واستمر إنشاد الشعر الفارسي من عصر «غالب الدهلوي» إلى «إقبال اللاهوري». جميع الأبنية العظيمة والبقاع المباركة والمساجد والصوامع، كانت مزينة بالكتابات الفارسية، كما كانت مستندات الزواج وسائر المستندات الشرعية وألواح القبور والتأريخات.. وبنحو عام جميع المظاهر الدينية كانت تستفيد من اللغة الفارسية.
ولكن منذ سنة (1948م) وهي السنة التي استقلت فيها الهند وباكستان، ثم بنـﮔلادش في سنة (1973م)، قويت المشاعر الوطنية والقومية والعرقية، وشدت الدول الثلاث الحزام لنبذ اللغة الفارسية. فابتدأت بحذف اللغة الفارسية من برامج جميع المدارس المتوسطة، وجعلتها مادة تخييرية بينها وبين العربية في الجامعات. ثم بعد عدة سنوات حذفتها كلية من البرامج الجامعية، ووضعتها في خانة اللغات القديمة الميتة كالرومانية واليونانية.
لكن مع أن هذه الدول المستقلة حديثاً أعلنت اللغات الهندية والأوردوية والبنـﮔالية لغات رسمية ووطنية، وأنشأت مؤسسات ونواد ثقافية لا حصر لعددها بغية حمايتها والترويج لها، لكن مع ذلك كله لما تزل جميع المراسلات الرسمية والأسانيد القانونية تكتب بالإنكليزية في جميع أنحاء الهند، ولا أمل في صمود أية لغة أخرى بإزائها.
والعجب أن ردّ فعل بعض الباكستانيين تجاه اللغة الفارسية ـ سراً لا علناً ـ أشد من تصرف الهنود. فالتعصّب الأعمى لمشايخ السنة وعداؤهم الباطني القديم للتشيع وجميع مظاهره، من جهة؛ والجهد المنظم والدؤوب لبعض الأنظمة العربية، وبالأخص السعوديين، من جهة أخرى؛ أدى إلى إلغاء الفروع الأدبية الفارسية واحدة بعد الأخرى في مراحل التخصص العالي (فوق البكالوريوس) نتيجة للإهمال وإلغاء الميزانية، وحالياً فإن المدرسين الفارسيين المعدودين وخريجي فروع اللغة والآداب الفارسية، قلقون ويائسون من مستقبلهم، ولا أمل لهم بتلقي المساعدة من أي طرف غير إيران.
وخلاصة القول، إن استقلال الهند أصاب اللغة والأدب الفارسيين بما لم يصبه الاستعمار الإنكليزي من الضرر والبلاء في المائتي سنة من حكمه.
7 ـ جهود متبورة
بعد استقلال الهند وباكستان، أدركت إيران لزوم حفظ وإحياء التراث الثقافي واللغة الفارسية، وبمبادرة الدكتور علي أصغر حكمت، أرسل وزير الخارجية في حينها، السيد محمد محيط طباطبائي وكاتب هذه السطور، بعنوان ملحقين ثقافيين إلى دهلي وكراﭼـي. وأرسل أيضاً إلى العراق وأفغانستان الأستاذ إقبال آشتياني والدكتور مقتدري بتلك السمة. وبما أن هؤلاء الملحقين الثقافيين ـ كما قد نوّه في مذكرة مجلس الوزراء ـ كانت لهم مقامات مشهودة في ثقافة اللغة الفارسية، وكان قد تمّ تنظيم برنامج العمل بنحو صحيح، ولم يكن مطلوباً منهم سوى نشر المعرفة الفارسية وتمتين العلاقات الثقافية؛ فلذلك استطاعوا في سنيهم الأولى تحقيق إنجازات باهرة.
فعلى سبيل المثال، فإنّ كاتب هذه السطور، الذي كان الممثل الثقافي الإيراني في باكستان والهند مدّة سبع سنوات، عقد اتفاقيات ثقافية بين إيران ودولتي الهند وباكستان، وأسّس مركز التحقيقات الثقافية الفارسية، ودرّس في جامعات الهند وباكستان بعنوان أستاذ زائر، وأسس كرسي الفارسية في جامعة كراﭼـي ولاهور وملتان وبيشاور وحيدر آباد في السند وداكا وإسلام آباد ودهلي وبمبي وكلكته مراكز ثقافية مجهّزة بصفوف دراسية ومكتبات وصالات عرض الأفلام، لا تزال دائرة إلى الآن.
وحصلت في تلك الفترة مبادرات مهمّة أخرى، كان أهمها سفر الوفود الثقافية، وتبادل الأساتذة والجامعيين الفرس، وإعطاء المنح الدراسية، وتحصيل موافقة دولة باكستان لافتتاح مدارس ابتدائية وثانوية فارسية في المدن الكبرى، وتقديم المساعدات إلى الجامعات لطبع النسخ الخطيّة الفارسية، ونشر مجلة هلال الفارسية في باكستان، ودعوة ممثل مرجع التقليد ليؤم ويرشد الشيعة. وآثار هذه المبادرات لما تزل باقية في العلاقات الأخوية بين إيران وباكستان، وستظل باقية.
ولكن لم يمض وقت طويل حتى انقلبت الملحقيّة الثقافية إلى وظيفة إدارية فحسب، وانحرفت عن وظائفها الأصلية، وبعض الملحقين الذين أرسلوا كانوا يؤدّون الأهداف السياسية للحكومات أفضل من تأدية الأهداف الثقافية، وكانوا مكلّفين بمهمّات صحافية وتجسسية: وكان من نتيجة ذلك أن فشلوا في جمع شتات المعلمين والجامعيين وفي تقوية فرع الفارسية في شبه القارة، حتى أنهم لم يفلحوا في حفظ المؤسسات والمراكز التي تمّ تشييدها: «حمّلوا أكابر الأعمال على أصاغر العمّال فآل الأمر إلى مال آل».
الدكتور محمد حسين مشايخ فريدني
التراث العلمي والأدبي
الإيراني في الهند
الهند بلد مليء بالتراث الفارسي الضخم العظيم، وفي البداية يجب التنويه بأنه قد طبع في الهند ما يزيد على 2500 كتاب فارسي معظمها دواوين شعر وكتب عن الصوفية والتاريخ، وهناك كتب عديدة مثل كتب سعدي وديوان حافظ الشيرازي والشاهنامه ورباعيات عمر الخيام قد طبعت عشرات المرات. وأهم مكتبة في الهند تحتوي على المخطوطات الفارسية هي مكتبة (خدابخش) في منطقة (نبكي ﭜور) من مدينة (ﭜتنه) ومؤسسها المولوي خدابخش وهو من العلماء والمتصوفة في تلك المدينة وتسمى المكتبة الآن (المكتبة الشرقية العامة لخدابخش) أو (مكتبة بنكي ﭜر) وهي اليوم في عمارة عظيمة تلفت النظر، وقد تأسست المكتبة عام 1891م وتحتوي على 400 نسخة مخطوطة، ومعظمها باللغة الفارسية، وفهرست مخطوطاتها في 31 مجلداً ومنها 14 مجلداً فهرست المخطوطات الفارسية والبقية عن المخطوطات العربية. ومن نوادر المخطوطات فيها كتاب (نهاية الإدراك في دراية الأفلاك) من مؤلفات قطب الدين محمود بن سعد بن مصلح الفارسي الشيرازي (634 ـ 710) وهو شرح على كتاب (زبدة الإدراك) للخواجة نصير الدين الطوسي (597 ـ 672) وكانت هذه النسخة ملكاً لجلال الدين الدواني (830 ـ 907) وقد كتب على ظهر النسخة بخطه.
والمكتبة الثانية هي (مكتبة الرابطة الآسيوية بنبـﮔاله) في مدينة كلكته، والأخرى هي مكتبة ملا فيروز في (بومباي)، وكذلك مكتبة بهار في كلكته، وكذلك مكتبة جامعة عليـﮔره وكذلك مكتبة جامعة بومباي، وكذلك المكتبة الآصفية بحيدر آباد وكذلك توجد في مكتبة جامعة بنارس مجموعة من المخطوطات الفارسية.
كما أن متاحف الهند ومجاميع التحف والمقتنيات الأثرية لأثرياء الهند تحتوي على نماذج قيمة ومهمة للمخطوطات الفارسية التي تحتوي على لوحات فنية ومذهبات جميلة، ومن هذه المجاميع يمكن أن نشير إلى مجموعة سالارجنـﮛ بحيدر آباد حيث تحتوي على مجموعة نفيسة من المخطوطات والسجاد والمرصعات والتحف الإيرانية. ومن المكتبات المهمة مكتبة (وامـﭜور) وهي أسرة شيعية تعود أصولها إلى إيران وكانوا يحبون اللغة والأدب الفارسيين وتتحدث الأسرة بينها بالفارسية والمكتبة تضمها عمارة ضخمة جميلة أوقفها كبير الأسرة (نواب محمد سعيد خان) وأكملها (كلب علي خان) وحفيده (رضا علي خان) وهي الآن مكتبة عامة تحتوي على 11,000 مخطوطة إسلامية، 5000 منها مخطوطات فارسية. وفيها نوادر المخطوطات العربية والفارسية.
سعيد نفيسي
عيد النوروز في الهند والباكستان
إن الاحتفال بالنوروز الذي يعتبر من الأعياد التاريخية العريقة في إيران، حيث توجهت إليه أنظار الملوك والقاطنين في هذه الديار والنواحي منذ بداية العهد التاريخي منها، لا بد أن تكون له هناك تقاليد رائجة من قديم الأيام وفي كل أنحاء الأراضي المنضمة إليها وبالأخص تلك التي كانت متعاطفة ومتعاطية ومختلطة من الإيرانيين فكانت تجري فيها هذه المراسم كمدينة تاكسيلا وسائر مدن هضبة السند التي كان أهلها من أغلب الأدوار التأريخية محسوبين على الشعب الإيراني فألف هؤلاء الناس الاحتفال بعيد النوروز وكان ذلك أمراً طبيعياً ولذلك نرى للاحتفال به لا سيما من باكستان جذوراً تاريخية عريقة.
إن شبه القارة هذه تحتوي على فصول ثلاثة هي فصل الشتاء وفصل الصيف وفصل المطر.
وتطول كل واحدة من هذه الفصول لمدة أربعة أشهر لا يوجد فصل الربيع بين هذه الفصول وهو الفصل الذي يأتي بعد فصل الشتاء في إيران، بل هناك موسم يسمى بموسم المطر هو العوض عن فصل الربيع الذي حفل الأدب الفارسي بذكره. ويأتي فصل المطر بعد فصل الصيف وهو فصل الاخضرار والبهجة. والأدب السانسكريتي المحلي مليء بأوصاف الطبيعة نظماً ونثراً.
إن وصف فصل الربيع في الأدب الفارسي الذي دخل في الأدب الهندي باللغة الأوردوية والذي يعتبر وليد التقليد للشعراء الإيرانيين، ويمكن القول نفسه بالنسبة إلى احتفالات عيد النوروز والتي على مستوى من الأهمية الخاصة والعناية الفائقة منذ عدة قرون في شبه القارة الهندية، وهناك نواح تقام فيها هذه الاحتفالات إلى الآن وقد جاءتها عن طريق الإيرانيين وكذا يقال بالنسبة إلى إقامة أعياد السدة والمهرجان التي كان السلاطين الغزنويون يهتمون بها من عهد حكومتهم في مدينة لاهور. وكذلك بالنسبة إلى احتفالات آب باسكان (مجموعة يرشون الماء الملون على الناس وعلى أنفسهم) والتي كانت تقام في بلاط سلاطين دهلي على عهد الملوك التيموريين باهتمام بالغ وأبهة خاصة ومنها الاحتفالات المسماة جش تركان أو عيد ﮔلابي (عيد الإجاص).
وكانت هذه الاحتفالات تقام في بلاط أورنـﮛ زيب من دهلي كما ورد ذكرها في كتاب «عالمـﮔير نامه» من ص 623.
يقول نور الدين جهانـﮔير ملك الهند في كتابه: «انعقد مجلس ﮔلاب باشان الذي عرف من قديم الزمان باب باشي وهو يعتبر من المراسم القديمة عندنا».
وجاء في كتاب «عمل صالح» المسمى بـ «شاهجان نامه» لمحمد صالح ﮔنبوه اللاهوري (ج1 طبع كلكته ص 374) عن إحياء هذه الاحتفالات ما يلي: «ومن ذكريات التاريخ في هذه الأيام الاحتفال بمراسم عيد ﮔلابي (عيد الإجاص) وعلى الطريقة المعهودة لدى هذا البلاط الخالد كما جرت العادة في كل سنة في مثل هذا اليوم الذي هو اليوم الأول من شهر تير (حزيران ـ تموز) ويصادف أيام موسم المطر من الهند بأبهى صورته المزين والمحلى بحلية الملوك ويسمى بالفارسية بـ(عيد تركان) أي عيد الأتراك ـ كما احتفل ملوك العجم بذلك منذ القدم وبالاختصار وعلى حسب الطريقة المعهودة فقد استعرضت أمام عظماء الدولة وأمرائها الكوز الذي كان مرصعاً بنوادر الجواهر وأحضر سائر الناس بدورهم عدداً لا يستهان بها من الكيزان المرصعة بالآبنوس والذهب والفضة المملوءة بماء الورد الصافي لعرضها هناك.
وفي كتاب بادشاهنامه تأليف عبد الحميد اللاهوري طبع كلكته المجلد الأول ص 214 كتب في وصف هذا الاحتفال «يوم الاثنين سلخ شوال الذي هو يوم من أيام شهر تير (حزيران ـ تموز) انعقد الاحتفال بعيد الـﮔلابي (عيد الإجاص). وأن أولياء العهد السعداء وغيرهم من أمراء الجيش المشاهير وعلى رأسهم يمين الدولة قد استعرضوا الكيزان المرصعة بالذهب والفضة المليئة بماء الورد وعرق الفتنة، وعرق البهار، استعرضت كلها أمام أنظارهم المقدسة…
ولقد اكتسب الاحتفال بعيد النيروز أهمية خاصة من بداية الحكم الإسلامي في شبه القارة الهندية من بين الأعياد الحكومية واحتفالات البلاط لأنه كان يقام باهتمام خاص به.
وقد وصف الأمير خسرو الدهلوي من مثنوياته «قران السعدي» مراسم انعقاد الاحتفال بالنيروز في عهد سلطنة معز الدين كيقباد (619 ـ 686) وصفها بأبيات من الشعر.
ويشهد بذلك آثار ومؤلفات المؤرخين المشهورين في عهد سلطنة جلال الدين أكبر كالشيخ أبو الفضل مؤلف كتاب أكبر نامه وآئين أكبري، والملا عبد القادر بدايوني مؤلف كتاب منتخب التواريخ وأمثالهما حيث وصفوا الاحتفال بالنيروز في بلاد سلاطين المغول البابريين وما كان له من الأهمية يقول مؤلف أكبر نامه (ج2 ص 13 طبع كلكته).
وقد استعمل محمد أكبر سنة 992هـ التقويم الشمسي الذي يستعمله الإيرانيون وقرر أن تقام الاحتفالات الرسمية كما كانت تقام عند الإيرانيين، وأذاع بذلك المنشور التالي:
«بما أن علماء الملل والنحل لأجل أداء الشكر والثناء قد قرروا من الشهور والسنين أياماً لها مناسبات فلكية وارتباطات روحانية وكذلك لأجل سرور جمهور الخلائق وابتهاج الطوائف من الأنام التي تعتبر سبب للخيرات والمبرات، فاختاروها وسموها أياماً وأعياداً ففي هذه الأيام المكتسية بالزينة قد أحكموا أساس الشكر والثناء لتقديم الخضوع والخشوع إلى جناب الباري صاحب الكبرياء والعظمة والتي تعتبر خلاصة العبادات وزبدة الطاعات إليه وقد بذل هؤلاء الأجلاء جهوداً مشكورة لأجل أن يحظى كل من الغني والفقير والصغير والكبير كل حسب درجته ومرتبته فائدة ونفعاً له بقدرة القادر لينال الفضل والإحسان من أبوابها المفتوحة وليحظى إخواننا بالعشرة والعيش الهنيء من ذوي الخواطر المكروبة وأصحاب البواطن المحزونة. وعليه فالاحتفالات الجيدة التي نذكر تفصيلها في هذا المنشور الفائض بالنور والتي اشتهرت في البلاد منذ آلاف السنين وعلى ذلك فنحن نعلن رسميتها لأنها كانت مرسومة عند السلاطين العادلين وكذلك عند حكماء الحقائق وهي قد عطلت وخمدت لفترة زمنية لأسباب ما، وها نحن نعلن بإنشاء تلك الأيام المبتهجة ابتغاء لمرضاة الله واقتفاء لآثار القدماء، فعلى جميع القاطنين في بلادنا المحروسة من المدن والقرى والأرياف إحياؤها وبالوجه الأتم، وأن يبذلوا كل جهدهم لذلك بدون تضييع أي فرصة تتاح لهم، وتفصيل هذه الأعياد للنيروز كما يلي:
«19 فروردينماه الهي، 3 أرديبهشت الهي 6 خرداماه الهي.
13 تير ماه الهي، 7 مرداد ماه الهي، 4 شهريور ماه الهي. 16 مهر ماه الهي، 10 آبان ماه الهي، 9 آذر ماه الهي.
وكذلك اليوم الثامن والخامس عشر، والثالث والعشرون من شهر دي يعتبر إلهياً وكذلك اليوم الثاني من شهر بهمى يعتبر إلهياً، وأيضاً الخامس من شهر اسفند تُعتبر كلها إلهية.
وقد أورد الخواجه نظام الدين أحمد بن محمد المقيم الهروي في كتاب طبقات أكبري (طبع الاتحاد الآسيوي للبنغال كلكته ج2 ص 5/364) من ذكر وقائع السنة الثامنة والعشرين الإلهية لإحياء احتفالات النيروز من البلاط الأكبري.
«كان ابتداء هذه السنة من يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر سنة إحدى وتسعين وتستعمئة ففي يوم النيروز لهذه السنة قسم الأمراء تولي أمور تزيين الحيطان وأعمدة الشرفات، وقصر الرئاسة العامة وكذلك القصر الرئاسي الخاص فيما بينهم؛ فأتوا بالأقمشة والستور المزخرفة وزينوا بها بأحسن زينة، بحيث كان ذلك يلفت أنظار الحاضرين ويثير إعجابهم، وزينوا ساحة القصر الرئاسي كذلك أيضاً حيث نصبوا هناك أخبية مزركشة بالذهب، ووضعوا فيها سريراً مزيناً بالذهب أيضاً ومرصعاً بالياقوت واللآلئ، فبدا وكأنه يُضاهي سرير الجنان الخالدة.
فاستمرت الزينة والسرور لمدة ثمانية عشر يوماً وكانوا يضيفون إلى الزينة في الليل فوانيس ملونة والناس كانوا يأتون مرة أو مرتين في الليل والنهار وكان أهل النغم من الفرس والهندوس يلازمونهم ويلطفون الأجواء.
وكان لكل من الأمراء والخدم هدايا ملوكية خاصة لهم يحظون بها.
وإلى جانب ذلك كانوا يزينون سوق مدينتي فتح ﭜور واﮔرا، فكانت الناس تزدحم لمشاهدة هذه الزينة الفخمة التي لم ترها العين من قبل ولم يسمعوا بها.
ومن بين تلك الأيام كان يوم مخصص لعامة الناس للحضور في البلاط وأما بقية الأيام فكانت للأمراء والمقربين والأثرياء فكانوا يحضرون كل بدوره وبيومه.
وكان الملك يجلس في يوم النوروز على السرير، وقد اصطف الأمراء وأركان الدولة كل بحسب مرتبته ودرجته، وأما يوم الشرف الذي هو آخر أيام النوروز فكان على نفس النسق والترتيب، فكان أن انعقد المجلس الفخم، وحظي الأمراء كلهم بالصلات الهمايونية فكان نصيب بعضهم الجواد والخلع، وكان ينال بعضهم زيادة في العلوفة لدابته، وآخر حظي بإضافة الخدم إليه. وفئة اقتطعت لهم الأراضي حيث لم يبق أحد محروماً من العطايا والهبات الملوكية.
وإلى جانب ذلك تبودلت الهدايا المناسبة بين كبار الأمراء في جلساتهم، وعلى رأسهم الأمير الذي يترأس تشريفات المجلس وأمور الضيافة فكانت تساق إليه الهدايا من الأقمشة الهندية والخراسانية والعراقية، وكذلك من اللؤلؤ والياقوت والآلات الذهبية والخيول العربية والعراقية، والفيلة العظيمة وقاطرات النوق والجمال، تساق هدية للأمير المستضيف.
وقد حضر أيضاً في أيام النوروز (شاهم خان الجلاير) من ناحية البنغال وحضر كذلك الرجال (بهـﮔـوان داس) من مدينة لاهور وقد تشرفوا كلهم بتقبيل العتبة السامية. وقد تقرر أخيراً الاستمرار في إحياء مراسم النوروز في كل سنة بالطريقة نفسها التي ذكرناها.
وقد ذكر أبو الفضل في كتاب آئين أكبري (المجلد الأول مراسم رقم 22) بأن انعقاد احتفالات أعياد النوروز في أيام (أكبر) كانت تستمر 19 يوماً، كانوا يبالغون بالزينة في الشوارع والمحلات حتى كان يصرخ بعض عامة الناس عالياً مدهوشاً وينبهت من رؤيتها إعجاباً بها؛ وإلى جانب ذلك كانوا يضربون على الطبول عند انتهاء كل فترة من حصص النهار اليومية، وكان المطربون والمغنون يمتعون أسماع الناس بأصواتهم وألحانهم المطربة وأناشيدهم الممتعة وكانت الأضواء تضاء طوال الليل وكانوا يتصدقون قبل يوم الاحتفال وكذلك في آخر يوم منه وكانت تتبادل الهدايا فيها فيما بينهم.
وأورد أبو الفضل أيضاً في كتابه أكبر نامه (ج3 ص 379) بأنه في الاحتفال الذي أقيم في ذكرى السابع والعشرين من جلوس أكبر شاه على منصة السلطنة، صدر من البلاط مرسوم بتعمير المستشفيات ومنازل المسافرين، ومنع من اصطياد الطيور الصغيرة، وكذلك منع الزواج من البنات اللواتي لم يبلغن الثانية عشرة من العمر، وألغيت الإعدامات إلا بأمر خاص من الشاه نفسه وأدرجت أغلب المصالح العامة في القائمة ووضعت في الأولوية.
ولقد دون الشاهنشاه نور الدين جهانـﮔـير نجل أكبر شاه الاحتفالات بالنوروز وكيفية إجراء المراسم في تلك الاحتفالات التي كانت تعقد سنوياً في بلاطه. في كتابه القيم باللغة الفارسية المسمى «توزك جهانـﮔـيري». وهو المدفون في لاهور. وكان حاكماً على أراضي شاسعة من شبه القارة الهندية لمدة 22 سنة (أي من 1004 ـ 1026هـ) وكان يعقد في كل سنة من هذه الفترة من حكمه احتفالات ومهرجانات في أيام النوروز. كما كانت مرسومة من أيام سلطنة أبيه وذلك من بداية أول يوم من شهر (فروردين) إلى اليوم الثامن عشر منه، وكانت تنتهي في اليوم التاسع عشر مختتمة باحتفال الشرف فيها، وقد قسم الكتاب أي كتاب (توزك جهانـﮔـيري) إلى 22 فصلاً، أي على عدد سني سلطنته، وكان كل فصل منه معنوناً باحتفال النوروز وهو يحتوي على وقائع مهمة لكل سنة بدأ فيها النوروز مع شرح كيفية انعقاد الاحتفال وأخيراً الانتهاء باحتفال الشرف.
وكانت الملكة نورجهان زوجة نور الدين جهانـﮔـير التي هي من أصل إيراني تهتم هي الأخرى باحتفالات النوروز في قصرها اهتماماً فائق النظير قد يخرج من حد الوصف والإحصاء. فكان المنجمون يخبرونها باللون المناسب لتلك السنة والتي كان يتعلق على حسب تقديراتهم لنوروز تلك السنة، فكانت تأمر باختيار ألوان الزينة لبيتها وحيطانه بذلك اللون الذي قرره المنجمون وتغير ألوان الفرش والستائر وكذلك ألوان ألبستها وألبسة الخدم والجواري، فتأمرهم بالتقيد به بملابسهم بلون واحد وكانت طبعاً تتوحد معهم وتواكبهم زينة الفيلة والخيول والجمال وكذلك الحيوانات الأهلية كلها بلون واحد وذلك حسب ما كان يقرره المنجمون، وكذلك كان يشمل حتى المخمل والديباج والأطلس مما كان يستخدم في تزيين حيطان القصر المخصص للنساء والحريم فكان كل ذلك على نمط واحد من الخاص بتلك السنة.
وكان للملك جهانـﮔـير وقت معين يدخل فيه القصر ويختلي بنورجهان في مكان مخصص لها وكانت تضرب الطبول والنقارات على نغمة خاصة. عندما يريد أن ينصرف كان الفقراء والمحتاجون يجتمعون على باب القصر فيتصدق عليهم.
يصعد نورجهان وجهانـﮔير إلى القسم العلوي من القصر لاستعراض الفيلة والخيول والجمال، والجند ثم يتبعهم أصحاب الصنائع والحرف ببدائع فنونهم، وفي نهاية الاحتفال كانت تنصب الموائد في أنحاء المدينة.
وقد أورد السيد محمد علي الأشهري في كتابه «نورجهان بيـﮔم كي سوانح عمري» الذي ألفه باللغة الأوردوية ـ مقتطفات رائعة حول كيفية إحياء مراسم عيد النوروز عند نورجهان.
وشاه جهان نجل جهانـﮔير الذي يعتبر من أبرز ملوك سلالة بابر الذي بنى ذلك البناء الفخم باسم تاج محل الذي لا يزال باقياً من آثاره حتى عصرنا هذا وقد ساهم أيضاً في تشييد أبنية متعددة تاريخية عظيمة أخرى كالمسجد الجامع في دهلي وقلعة دهلي وغيرها من العمارات الكبيرة؛ وكانت تجري مراسم ذكرى عيد النيروز من بلاطه باوج عظمتها؛ حيث قرر في سنة 1044هـ من سنوات جلوسه على عرش السلطنة المعروف بـ«تخت طاووس» من يوم النيروز، فهيأ لذلك اليوم الشعراء قصائدهم ونالوا الجوائز الكبيرة.
وقد كتب في ذلك أيضاً الملا عبد الحميد اللاهوري مؤلف كتاب بادشاهنامه )المجلد الأول ص 186 طبع كلكته) يصف فيه إجراء مراسم أول عيد نيروز من عهد شاه جهان..
والجدير بالذكر بأن مراسم عيد النيروز كانت تقام في شبه القارة الهندية كما تقام عند الإيرانيين ولكن بحذف التقاليد المحلية.
وقد يطغى عليها الطابع الديني، حيث نراهم يؤدونها بالدعاء والصلاة والعبادة معتقدين بانفتاح أبواب استجابة الدعاء لحظة تحول الشمس إلى برج الحمل.
وإلى جانب هذه التقاليد تجري هناك مراسم خاصة لبعض الأسر وهي أنهم يجتمعون عند تحول الشمس إلى برج الحمل، فيضعون وعاء يحتوي على ماء الورد والعطور الأخرى على صينية كبيرة فيبدأ أحدهم بتلاوة هذا الدعاء: «يا ذا الجلال والإكرام، ويا مدبر الليل والنهار، يا مقلب القلوب والأبصار، حول حالنا إلى أحسن حال…» فيردد معه أفراد الأسرة هذا الدعاء (365) مرة ثم يأخذ شيئاً من الماء على أصابعه ويرشه عليهم وعلى زوايا البيت تبركاً وتيمناً بمناسبة هذا اليوم.
وأما الحديث بالنسبة إلى الشيعة المهاجرين من لكهنو إلى باكستان بعد تقسيم الهند فلهم ابتكار غريب وهو أنهم يعمدون إلى مضخات ماء فيملأونها بأنواع من الماء الملون ويرشونها بعضهم على بعض.
ومن مدينة لكهنو التي تعتبر من المراكز الشيعية المهمة في الهند لا يزال الاهتمام قائماً بإحياء أعياد النوروز، فيحتفلون بها احتفالاً يفوق الوصف ويعتبرونها من الأعياد الرئيسية عندهم.
فقد أورد الوزير محمد أشرف في أوائل تصنيفه «أرمغان ﮔلـﮔت» المطبوع سنة 1957م في لاهور، بأن إحياء مراسم النوروز تجري في شمال كشمير بإضافة الألعاب النارية والرماية ولعب الصولجان.
أما في القسم الغربي من شمال باكستان الذي يجاور إيران وهو قريب بتقاليده إلى الإيرانيين فيقوم الأهالي في النوروز بمراسم خاصة، وذلك بارتداء الملابس الجديدة وتهنئة بعضهم البعض(عند) تحول الشمس إلى برج الحمل، ويقومون بالضيافة والإطعام في بيوتهم، ومن جملة ذلك ما يسمونه (سفرة أمير المؤمنين) التي تشتمل على سبعة أنواع من الفواكه الجافة وأنواع الخضروات وما يسمونه (المعمول النوروزي)، ويطبخون الأرز مع اللحم الأبيض لا سيما الدجاج ويضعون بيضات ملونة على السفرة، وقد يفتقد الدجاج في الأسواق لكثرة الطلب عليه من الناس، متفائلين بذلك بالسعادة من استمرارية حياتهم طوال تلك السنة.
وأما الكلام حول (المعمول النوروزي) الذي يعملونه عندهم. فله شعبية خاصة حتى في أوساط أهل مدينة بيشاور من غير الشيعة وبعد قراءة سورة الفاتحة أو ما يسمى عندهم بـ(نياز) عن روح أمير المؤمنين (ع) يخرج الرجال والنساء من منازلهم لقضاء أوقاتهم في المزارع والمروج ويسمونها (سبزه ﮔلدﮔرون) فيقضون نهارهم بالفرح.
حيدر شهريار النقوي
نادر شاه يغزو الهند
من الأحداث الهامة في تاريخ الهند غزو الملك الإيراني (نادر شاه) لها.
ولا بد قبل الحديث عن ذلك الغزو من بعض التعريف بنادر شاه، فنقول:
بعد انقضاء عهد الشاه عباس الصفوي الكبير ساءت سياسة خلفائه وأهملوا تدبير أمور مملكتهم وإدارتها، وساروا سيرة المستبدين المستكبرين، وبلغ الفساد والانحلال الروحي في بلاط الملك إلى حيث أصبح سقوط الصفويين أمراً متوقعاً مسلماً به.
أخذ المتمردون من كل ناحية يقومون بحركات انفصالية. وبلغ الجهل وفساد التربية بالناس إلى طريق الانحطاط والفناء. ونسيت الفنون الحربية والتنظيم العسكري وأهمل الجيش، حتى كانت سنة 1106هـ (1694م)، وهي السنة التي اعتلى فيها الشاه سلطان حسين ابن الشاه سليمان الصفوي عرش المملكة، سنة إعلان اضمحلال السلالة الصفوية. فقد عمت الفتن أنحاء الدولة وعدم الناس الأمان والراحة، إذ كان هذا الشاه عاجزاً غير كفء للحكم. وفي عهده استولى الروس على كثير من إيالات الشمال والشمال الغربي من إيران.
قال «الشوفاليه جان شاردان»، الفيلسوف الفرنسي السائح، في مذكراته يصف أوضاع إيران في تلك الحقبة:
«لن يتقدم الإيرانيون خطوة عن مكانهم، لأنهم يرون أن الحياة الناعمة هي قبل كل شيء. لقد خسروا خصالهم الحربية وغرقوا في اللذائذ والشهوات، لا يرون لهم فائدة في التحركات العظيمة واقتحام المصاعب وتجشم المشقات إلى غاية عليا. من أجل ذلك ما إن انقضت مدة قليلة وحلت سنة 1111هـ حتى كانت قبائل «البلوش» في «كرمان» وطوائف الغلجائيين الأفاغنة في «قندهار» والملك محمود السيستاني في خراسان والعثمانيون في شمال إيران وشمالها الغربي والتركمان في «جرجان» وشمالي خراسان والروس في «جيلان» يثيرون الفتن ويخلون بالأمن ويحكمون حكماً مستقلاً كل الاستقلال».
وفي تلك الحقبة بعث الأمبراطور الروسي «بطرس الأكبر» بعثة جاسوسية برئاسة «أرتمي فولينسكي» إلى إيران بصورة تجار. ثم رفعت هذه البعثة إلى الأمبراطور تقريراً جاء فيه أن إيران أصبحت على شفا منحدر السقوط والاضمحلال. وأخذ الروس يثيرون عليها القبائل الكرجية والداغستانية واللزكية.
كانت قبيلة «الغلجائيين» تسكن في «قندهار» ونواحيها وقبيلة «الأبداليين» تسكن في «هرات» ونواحيها. والمدينتان تابعتان يومئذ لإيران. والقبيلتان من أصل إيراني، وبينهما خصومات وحروب. ولكن كانتا كلتاهما تشغبان على الحكومة المركزية وتثوران عليها. وكان «أورنك زيب» أمبراطور الهند المغولي يساعدهما ويساندهما على إيران.
وفي تلك السنة بعث الشاه حسين الصفوي حاكماً حازماً إلى «قندهار». وهو من أصل كرجي اسمه «جرجين خان». يقول المؤرخ الإنكليزي العقيد «السير جان مالكم» سفير إنلكترا في بلاط «فتح علي شاه» القاجاري: «كان هذا الحاكم من أشجع رؤساء إيران وأحسنهم تدبيراً». وقد استطاع أن يضبط الأمور فيها، واعتقل رأس الفتنة «ميرويس» أحد رؤساء «الغلجائيين» وبعث به إلى أصفهان العاصمة فسجنه الشاه الصفوي)[184](. ولكنه استطاع أن يخدع الشاه الأبله فأطلقه، وأذن له بالسفر إلى مكة. ثم عاد إلى أصفهان. واستطاع أن يحمل الشاه على الإذن له بالعودة إلى «قندهار». وهناك دبر مكيدة قتل فيها حاكمها «جرجين خان»، وهجم في سنة 1112هـ على مقر الحامية الإيرانية والكرجية فقتل فريقاً منها وطرد الباقين من «قندهار» ونصب نفسه حاكماً عليها. وقام «الأبداليون» بعمل مشابه في «هرات» وتسلطوا عليها. وكان أمبراطور الهند يساعد القبيلتين ويساندهما في هذه الثورة، إذ كان يطمع في ضم «قندهار» وغيرها إلى أملاكه.
وفي سنة 1131هـ احتل إمام مسقط جزائر البحرين. وتسلطت طوائف «البلوش» على إيالتي «كرمان» و«لارا» وهاجموا «بندر عباس» وخربوها. عمت الفتن «كردستان» و«لرستان».
وفي سنة 1134هـ ثار إقليم «شيروان» (شمال إيران الغربي)، وساعدت الدولة العثمانية هذه الثورة. وتهيأت روسيا لتحقيق مطامع قديمة لها في جنوب بلادها.
وفي 12 من المحرم سنة 1135 هـ كان محمود الأفغاني رئيس قبيلة «غلجائي» يحاصر أصفهان عاصمة المملكة الإيرانية، ويضطر الشاه حسين الصفوي الضعيف العاجز إلى التسليم وأن ينزع التاج عن رأسه ويضعه بيده على رأس الغازي الأفغاني. ثم حبسه هذا في داخل القصر وظل مسجوناً فيه سبع سنوات، ثم قتله الأفاغنة بعدها.
وروى «السير جان مالكم» أن محموداً الغلجائي هذا ارتكب بعد احتلاله أصفهان، وجلوسه على عرش الصفويين فظائع رهيبة في أصفهان وغيرها، من قتل ونهب وتخريب. من ذلك قتله مائة وأربعة عشر رجلاً من رؤساء القزلباش. وقتل بيده هو وواحد أو اثنين من خواصه أبناء الشاه، وهم واحد وثلاثون أميراً في إحدى ساحات القصر الملكي، وغير هؤلاء كثير، بلا ذنب منهم يحمله على ذلك. بل إنه قبض على مائتي طفل صغير وقتلهم خارج المدينة. ونجا من هذه المذبحة «طهماسب ميرزا» ولي العهد إذ كان في «قزوين». فلما بلغه خبر أبيه أعلن توليه منصبه في 14 صفر سنة 1135هـ. وكان محمود الأفغاني في أثناء ذلك يواصل احتلال المدن الإيرانية ويطارد الشاه الجديد.
وفي سنة 1136هـ استولت روسيا على مدن القفقاس و«داغستان» و«طوالش» و«قراجه داغ» و«أردبيل» و«دربند» و«أنزلي» و«جورجيا» و«تفليس» و«باكو» والإيالات الساحلية على بحر قزوين، وهي «جيلان» و«تنكابن» و«مازندران».
واحتل العثمانيون «إيروان» والقسم الغربي من القفقاس و«تبريز» و«أرومية» و«كردستان» و«كرمانشاهان» و«لورستان» و«خوزستان» إلى شاطئ الخليج الفارسي.
وفي سنة 1138هـ عقدت الدولة العثمانية والدولة الروسية معاهدة بينهما بأن تكون ناحية التركمان وسواحل غربي «مازندران» على بحر الخزر إلى ملتقى نهر «كر» ونهر «أرس» للدولة الروسية. وتكون «جورجيا» و«كنجه» و«أذربيجان» و«كردستان» و«كرمانشاهان» والعراق و«خوزستان» للدولة العثمانية.
وفي أوائل سنة 1142هـ، في أيام حكم الشاه «طهماسب» الثاني ابن الشاه حسين، كان العثمانيون قد استولوا على كل «جورجيا» و«أرمينيا» و«أذربيجان» وقسم من إيالة «داغستان» وقسم من إيالة «شيروان» (القسم الآخر من هاتين الإيالتين استولى عليه الروس وأكثر عراق العجم وكل كردستان و«همذان» و«كرمانشاهان».
وفي سنة 1144هـ. عقد الشاه «طهماسب» معاهدة بينه وبين العثمانيين تقضي بأن تكون «كنجه» (جنوب داغستان) و«تفليس» و«إيراوان» و«نخجوان» (آذربيجان) والقسم الأكبر من إقليم «داغستان» وإقليم «شيروان» (جنوبي داغستان غربي بحر الخزر) للعثمانيين.
وفي سنة 1145هـ. عقد الشاه «طهماسب» معاهدة بينه وبين روسيا تقضي بأن تجلو روسيا عن جميع الإيالات التي تستولي عليها ما عدا النواحي الواقعة في شمالي نهر «كر».
إضافة إلى هذا كله كانت دسائس البلاطيين والحكام لا تنفك تحيط بالشاه حسين ثم بخليفته الشاه «طهماسب» وتتلاعب به من كل جانب، ويذهب ضحيتها المخلصون والناصحون ويطلق العنان للخونة والفاسدين.
وعلاوة على ذلك كان قطاع الطرق والسلابون يعيثون بالأرض فساداً على هواهم، وغارات الأزابكة والتتر وغيرهم تتوالى على إيران.
مولد نادر شاه وأصله ونشأته
وفي 29 من المحرم سنة 1100هـ، الموافق 22 تشرين الأول سنة 1688م، أي في أيام تلك الفتن، ولد نادر شاه في قرية «دستجرد» الواقعة في الشمال الشرقي من إيران في سهول «درجز» الخصبة، مشتى قبيلة «قرقلو»، قبيلة نادر شاه.
قال اللورد «جورج غورزن»: «هذا الإقليم كان لا ينفك تستغرقه الفتن السياسية والحركات العسكرية، ويعد مكاناً استراتيجياً مهماً تتوالى فيه الأحداث حتى أصبحت حالته المعتادة هي الحرب والغارات والخصومات.
وقبيلة «قرقلو»، قبيلة نادر شاه، هي أحد فرعين تنقسم إليها قبيلة «أفشار» التركية، وكانت تقيم، مع قبائل أخرى من الأتراك، في الشمال الشرقي من إيران، ثم انتشروا في أكثر من ناحية من نواحي تلك البلاد. ولكن الأرجح، بناء على قول بعض الثقات من المؤرخين، أن قبيلة «أفشار» هذه تنتمي إلى «الأشكانيين» الأشداء الذين حكمت سلالتهم إيران من سنة 250 قبل الميلاد إلى سنة 226 بعد الميلاد، أي ما يقرب من خمسة قرون. ولكن اضطرار الإفشاريين إلى معاشرة الأتراك مدة طويلة أنساهم لغتهم الأصلية فتكلموا بالتركية.
وكانت ولادة هذا القائد العبقري في خيمة من خيام قبيلة «قرقلو» هذه. وأبوه يدعي «إمام قلي»، رجل مغمور خامل الذكر، فقير شديد الفقر. وكان فرّاء على ما يظن. وسمى ابنه «ندر قلي» أو «نادر قلي» باسم جده. ولم يلبث الأب أن توفى بعد قليل من ولادته)[185](، وعمر نادر أربع سنوات أو ست سنوات.
وكان لقبيلة «أفشار» هذه مع غيرها من قبائل الترك الأخرى يد طولى في إقامة ملك الصفويين. انضموا إلى عسكر مؤسسه الشاه إسماعيل الأول الصفوي المعروفين باسم «قزلباش» وحاربوا معه وساندوه.
ولما بلغ نادر السابعة عشرة من عمره أسره الأزابكة في إحدى غاراتهم على تلك النواحي، وكانوا يغيرون عليها في كل سنة، وأسروا معه أمه، بعد أن أبلى في محاربتهم بلاءً حسناً وخاطر بنفسه مظهراً شجاعة خارقة. وتوفيت أمه في الأسر، وبقي هو فيه أربع سنوات استطاع بعدها أن يفر.
قاسى في مطلع شبابه فقراً كان يضطره إلى الاستدانة ليحصل على قوته الضروري. وأحس، وهو في هذه السن، أن سلوك طريق أبيه في الحياة لا يتفق وعلو همته وطاقاته، فسعى كثيراً إلى الالتحاق بخدمة «باب علي بك كوسه أحمد لو»، أحد رؤساء قبيلة «أفشار» وحاكم «أبيورد» (خراسان) حتى تمكن من ذلك هو وأخ له اسمه ابراهيم في سنة 1122هـ. فشارك المحاربين في قمع الفتن والمنازعات الكثيرة التي كان يثيرها التركمان والأكراد والأزابكة والتتر وقبيلته هو، قبيلة «أفشار» نفسها. فعرف بالإقدام والشجاعة وتجلت مواهب العسكرية الفائقة، وتوالت انتصاراته على المغيرين وقطاع الطرق فأحبه «بابا علي بك» وأكرمه وقرّبه إليه حتى أنه زوجه بابنته. وأخذ يوكل إليه مهمات الأمور من عسكرية وغير عسكرية فيقوم بها خير قيام. وبعث به أكثر من مرة إلى مشهد إلى والي خراسان ليؤدي إليه رسائل ويقوم بمهمات مختلفة. وبعث به مرة إلى العاصمة أصفهان إلى الشاه سلطان حسين الصفوي لمثل هذه الغاية.
وترقى في خدمة رئيسه حتى وصل إلى درجة حاجب في حاشيته. وأعجب به كثير من فتيان القبيلة فأحبوه وأخلصوا له الصداقة والنصرة، ونظم منهم كتيبة مسلحة بقيادته أخذت تدفع المغيرين والغزاة ولا سيما التركمان والأزابكة وتنتصر عليهم في غالب الأحيان. وظل أربع سنوات متوالية لا تفتر عن الحرب والمقاومة حتى قطع دابر المعتدين فلم يجرؤوا بعدها على غزو الأفشاريين. وانتشر صيته في كل مكان وأصبح اسمه يبعث الرعب في قلوب المغيرين من التركستانيين والأزابكة.
وفي أعقاب هذه السنوات الأربع احتل بلدة «كلات»، من بلاد خراسان، واستولى على قلعتها، وهي قلعة منيعة. وقصة ذلك هي أن حاكم تلك البلدة كان من حساد نادر يخشى تفوقه وتقدمه فأراد اعتقاله بحيلة، فطلب منه أن يلتحق هو وفرسانه بخدمته، ليتوصل بذلك إلى وضع يده عليه ثم اعتقاله. فلم يعتن نادر بطلبه وأهمله. فعاد ودعاه إلى وليمة. فأجاب نادر دعوته وهو يسيء الظن به. وذهب مع فرسانه إلى «كلات» ودخل إلى مكان الوليمة مع نفر قليل منهم، وترك الباقي كميناً في خارج القلعة. ثم هجم على الحاكم فاعتقله ودخل الذين كانوا في الخارج وراءهم فهجموا على حامية القلعة واعتقلوا رجالها، فتم لهم احتلال «كلات». وبذلك أقام نادر لنفسه أساس إمارة صغيرة في هذه البلدة. ثم أخذ يجمع أنصاراً له من قبيلته وغيرها حتى اكتملت له عدة منهم اتخذوا من «كلات» مقاماً لهم ومن قلعتها مقر قيادته العسكرية.
ويروى، في جملة ما يروى عن هذا العبقري، أنه لما عرف بما نزل بالأمة الإيرانية من مصائب وويلات جاءه إلهام بأن عليه أن ينجي إيران مما نزل بها نجاة قاطعة، وأن يجعل من قلعة «كلات» مقر قيادته العسكرية. ولذلك جمع حوله رجال القبائل المقيمة في تلك النواحي من الأفشاريين والأكراد وغيرهم، وأقام في هذه القلعة ليتم مهمته التاريخية هذه..
وتابع نادر غزواته حتى استولى على جميع البلدان والقرى الواقعة في السفوح الشمالية من جبال «هزار مسجد».
عند حاكم مشهد
وفي سنة 1136 توفى «بابا علي بك» وترك أمواله إرثاً لنادر. ولكن نادراً لم يستطع أن يخلف حماه في مقامه لما قام به حساده ومنافسوه من دسائس وما أوجدوه في القبيلة من خلافات، وتعذر عليه البقاء في «أبيورد». ووقعت خلافات بين الأفشاريين والأكراد، ورحل كثير من رؤساء الأفشاريين إلى مشهد والتحقوا بالملك محمود السيستاني حاكم الولاية ليكيدوا عنده لنادر. وكان محمود هذا خارجاً على الشاه الصفوي مستقلاً بالحكم في خراسان ويرى نفسه أحق بالتاج من الصفويين لأنه كان يعتقد أنه من سلالة الصفاريين.
وأراد الملك محمود أن يتقوى بنادر وجيشه فاستدعاه إلى مشهد لينضم إليه. وكان نادر عرافاً بسعي رؤساء الأفشاريين به عند محمود. ولكنه قبل دعوته غير هياب، وهيأ خيلاً وذخائر وذهب إلى مشهد وانضم إلى عسكره وقبل بأن يلازمه، وهو ينوي إسقاطه. وأخذ يتقرب إليه ويتحين الفرص ويهيئ الوسائل إلى ذلك.
وكان من رؤساء الأفشاريين الذين التحقوا بالملك محمود اثنان من أشد منافسي نادر وحساده هما «قليج خان» و «إمام قلي». ولكن سعيهما بنادر عند الملك لم ينفعهما إذ كان الملك معجباً به يرى فيه قائداً عسكرياً شجاعاً عالي الهمة، فلم يصغ إلى سعاياتهما. وكان نادر على علم كامل بنواياهما وسعاياتهما فترفق وتلطق في تصرفاته على نحو جنّبه الوقوع في شرهما وأبعده عن أذاهما. ومع ذلك اضطر في نهاية الأمر إلى قتلهما بتدبير بلغ فيه غاية المهارة، ثم فرّ عائداً إلى «أبيورد» و«كلات».
وقصة ذلك هي أن نادراً تظاهر بأنه لا يعرف شيئاً عن نواياهما، وخدعهما بأن صادقهما وأراهما من نفسه الإخلاص والمودة. ثم اقترح عليهما تدبير مؤامرة لإسقاط الملك محمود واستخلاص الحكم من يده لأنفسهم. فطاب لهما هذا الاقتراح واتفقوا على أن يغتالوا الملك ويوقعوا بعسكره في احتفال كان مقرراً أن يقام في ميدان سباق الخيل وأن يتسابق فيه نادر والملك محمود. وجعلوا علامة الهجوم أن يمسك نادر عنان حصان محمود. ولكن اتفقا أن نادراً لم يستطع أن يمسك العنان حين أراد ذلك فحبطت خطتهم. وظل الملك محمود لا يدري شيئاً عن هذه المؤامرة، وعاد بعد الاحتفال مع حاشيته وعسكره إلى مشهد.
حرب الملك محمود
ولكن نادراً أيقن بأن رفيقيه في المؤامرة لن يظلا ساكتين وأنهما سينتهي بهما الأمر إلى إفشائها لمحمود ومن ثم يتوصلان إلى إهلاك نادر لما يبطنان من حقد عليه وحسد له، فسعى هو إلى إهلاكهما قبل أن يتمكنا منه. فدعاهما يوماً إلى الصيد في مكان قريب من مشهد. وهناك انفرد كل منهم عن الآخر في مطاردتهم للصيد. فما كان من نادر إلا أن تتبعهما، كلاً على حدة، وقتلهما. ثم فر من هناك إلى «كلات» و«أبيورد». وهناك أخذ يجمع الرجال والعتاد لمحاربة الملك محمود، فأجابه جمع كبير أمّروه عليهم.
أما الملك محمود فبلغ به الغضب مبلغاً عظيماً حين علم بمقتل الزعيمين الأفشاريين وفرار نادر فبدأ محاربته وقتاله. ولكن نادراً انتصر عليه في أول معركة خاضها قرب بلدة «قوشان»، فهزم حملته، وكانت تعد ستة آلاف مقاتل وغنم ذخائرها وعتادها. وتوالت بعد ذلك هجمات الملك محمود عليه في أماكن متعددة فانتصر فيها نادر كلها، وقضى أيضاً على عدد من حركات التمرد التي قامت في تلك النواحي، حتى أصبح اسمه يلقي الرعب في قلوب أعدائه. وبقي عليه القضاء على الملك محمود وحكومته في مشهد.
ومما يدل على شهامة نادر حادثة وقعت في مجرى إحدى المعارك التي خاضها في قتال المتمردين، إذ كان يحاصر قلعة تحصن فيها أحد المتمردين من زعماء الأفشاريين. وهي أن قافلة من تجار خوارزم كانت تجتاز تلك النواحي قاصدة إلى مشهد بحراسة رجال موكلين من قبل الملك محمود. فوقع خلاف بينهم وبين رجال القافلة فأغاروا عليها ونهبوها وقتلوا بعض رجالها. فبعث والي خوارزم إلى نادر التماساً يستنجد فيه على المعتدين لاعتقالهم واسترجاع أموال القافلة منهم. فتلقى نادر طلبه بالعطف والأريحية وتعهد له بقضاء حاجته. ثم قام بمطاردة المعتدين حتى اعتقلهم واسترجع أموال القافلة منهم وسلمها إلى أصحابها وبذل ما في وسعه لإرضائهم.
الاتصال بالشاه طهماسب
وحصل أول اتصال بين الشاه طهماسب الصفوي ونادر في سنة 1139هـ فقد بعث الشاه، وكان في مازندران، مندوباً من قبله للتحقق من أوضاع نادر وأحواله، بعد أن انتشر صيته في الآفاق. فتلقاه نادر بالإكرام والإجلال، وحسّن له أن يقوم الشاه بمهاجمة مشهد، واحتلالها واعتقال الملك محمود، وقال له إنه حاضر لمساعدته.
وقد أثرت شخصية نادر في مندوب الشاه تأثيراً عظيماً. وبناء على تقريره الذي رفعه إلى الشاه عين الشاه نادراً حاكماً على «أبيورد». فلما أبلغ المندوب مرسوم الشاه إليه طلب من المندوب أن يحمل الشاه على التوجه بقواته إلى خراسان. فعاد المندوب فأبلغه أن الشاه قد تحركت ركابه متوجهاً إلى مشهد وأنه يرغب في ملاقاته ـ وكان نادر في طريقه إلى مشهد ـ فتوقف عن الزحف متهيئاً لاستقبال الشاه. فلما وصل التحق به.
وحين أصبح من رجال الشاه أبدى غاية الذكاء والحنكة والصبر والتيقظ في إحباط المؤامرات والدسائس والفتن التي كان يدبرها الحساد والمنافسون والانتهازيون لإسقاطه والحيلولة بينه وبين تطلعاته العظيمة، فنجح نجاحاً عجيباً في وقاية نفسه من تلك الشرور التي كان يعج بها ذلك البلاط الفاسد، وإزاحة حساده ومنافسيه من طريق تقدمه وتفوقه، حتى أصبح في مدة قصيرة صاحب المقام الأول بين قواد الجيش ومستشار الشاه الخاص.
وكان هذا الشاه كأبيه لعبة في أيدي الوزراء والحكام، متقلباً ضعيف الرأي، قد يرفع أحداً إلى أعلى المراتب ثم لا يلبث في نزوة من نزواته أن يرمي به جانباً كشيء مهمل. ولم يكن نادر بمنجى من هذا المصير لولا ما أبداه من دهاء فيم عاملة هذا الشاه. وآل به الأمر، بعد أن أزاح من طريقه كل منافسيه، إلى أن جمع زمام الأمور في يده وجعل الشاه بمعزل عن شؤون الأمر والنهي، وعهد بالمناصب الحساسة إلى أنصاره وحصل لنفسه على منصب وزير التشريفات ولقب «طهماسب قلي» أي «غلام طهماسب»، وهو لقب يعني أنه من أخص خواص الشاه.
انكسار محمود واحتلال مشهد
وبعد أن خاض معارك رهيبة تجلت فيها شجاعته وعبقريته الحربية على أكمل وجه تمكن من التغلب على الملك محمود، ودخل مدينة مشهد مظفراً في 16 ربيع الثاني سنة 1139.
ولما دخل نادر مدينة مشهد أمر بتغشية، إيوان مقام الإمام علي الرضا (ع) بصفائح الذهب وبناء منارة أخرى تقابل المنارة القديمة وتغشيتها بالذهب، وذلك وفاء بيمين كان قد حلفها.
والتجأ محمود إلى إحدى حجر الإمام الرضا (ع). وأبقى عليه نادر ولم يقتله.
تغيّر طهماسب
ولكن طهماسب، في تقلبه وميوعته ونزواته، لم يلبث أن انقلب على نادر وأخذ يصغي إلى وشايات حساده وينصاع إلى تحريضهم إياه على نادر. وكان مبدأ ذلك أن نادراً بعث رسولاً من قبله إلى بلدة «قوشان» ليعقد قرانه على بنت أحد رؤساء الأكراد، وكان قد خطبها باقتراح من الأكراد، قبيل احتلال مشهد، لتكون هذه المصاهرة وسيلة إلى التصالح ورفع اختلافات وثارات كانت بينه وبينهم. ولكن طهماسب كان يريدها لنفسه من قبل ذلك، فمنع أهلها من تزويجها بنادر. فلما وصل رسول نادر إلى «قوشان» طرده أكراد البلدة فعاد إلى مشهد خائباً. فغضب نادر غضباً شديداً إذ فوجئ بسلوك الأكراد على هذا النهج العدائي. فهيأ جيشاً وتوجه إلى «قوشان» بمعية الشاه طهماسب لتأديب الأكراد. فلما قارب البلدة خرج إليه أخو البنت وأراه الأمر الذي أصدره الشاه إليهم بشأنها. فلما دخل الليل انفصل طهماسب عن المعسكر وذهب إلى «قوشان». فلما علم نادر بذهاب الشاه تقدم وحاصر البلدة. فخرج إليه جماعة من مسلحي الأكراد كانوا من أنصار الشاه فكسرهم واضطرهم إلى أن يعودوا إلى البلدة. ثم فك الحصار عنها احتراماً للشاه وعاد إلى مشهد.
فلما أقام الشاه في «قوشان» وأقام نادر في مشهد خلا الجو للبلاطيين من حاشية الشاه ورؤساء العشائر للكيد لنادر. فحرضوا الشاه على أن يأمر الحكام في مختلف الأقاليم بأن ينجدوه على نادر لأنه يريد الفتنة. فانصاع لهم وكتب إلى الحكام والرؤساء آمراً بالثورة عليه. وكان الملك محمود في معية نادر فأطلعه على أمر الشاه هذا. وكذلك حرضوا الشاه على أن يعقد قرانه على بنت ذلك الزعيم الكردي التي كانت مخطوبة لنادر.
أما نادر فقد أغضبه عمل الشاه ونفاقه وتقلبه، فتوجه بأقصى ما يستطيع من السرعة بجيشه إلى «قوشان» فحاصرها وأوقع بالأكراد المناصرين للشاه وأتباعه هزيمة منكرة، فلم يجد طهماسب حينئذ بداً من مصالحة نادر. ووعد بأن يعود إلى مشهد بعد عودة نادر إليها. وفي عيد النوروز من سنة 1139هـ وصل طجهماسب إلى مشهد فاستقبله نادر استقبالاً لائقاً بالملوك وأمر بإقامة حفلات الأنس والسرور مدة أسبوع احتفاء بقدومه.
ثورات وفتن
ولكن الفتن والثورات لم تلبث أن قامت في مختلف أنحاء الشمال. فثار عليه الأكراد مرة ثانية وثار التتر والتركمان وغيرهم، فبعث إليهم نادر بجيش بقيادة أخيه إبراهيم خان. ثم اضطر هو نفسه إلى التوجه إلى «أبيورد» لنجدة أخيه، وقد حاصره الثوار في مضيق هناك، فنجح في فك الحصار عنه وفر الثوار فتبعهم إلى مسافة طويلة. ثمل لم يجد بداً من العودة إلى مشهد ليحول دون قيام ثورة هناك.
ثم ثار التتر في «مرو» بتحريض من الملك محمود، وثار الأكراد في «قوشان» وغيرها. ويرى بعضهم أن ثورة الأكراد هذه كانت بتحريض من الشاه طهماسب نفسه. بعث نادر بأخيه ابراهيم إلى فريق منهم وتوجه هو في صحبة طهماسب إلى فريق آخر. ولكن طهماسب انفصل عنه في أثناء الطريق وقصد إلى «نيسابور» للاستجمام. وقد تمكن نادر من قمع تلك الفتن كلها بسرعة فائقة، ثم عاد من فوره إلى مشهد.
ومع أن تمرد الأكراد بدأ بامتناعهم عن تزويج بنت الزعيم الكردي لنادر، وتبع ذلك كما تبعه من حرب وسفك دماء، فإن الأكراد بعد انتهاء هذه الحرب، حملوا الفتاة إلى مشهد في موكب فخم وزفوها إلى نادر، وبهذه المصاهرة وضع الأكراد يدهم في يد نادر وأصبحوا حلفاء.
ولما كان التتر قد ثاروا بتحريض من الملك محمود السيستاني فقد قتله نادر وقتل معه أخويه الملك «إسحاق» والملك «محمد علي»، وقامت ثورات في أماكن أخرى استطاع أن يخمدها بمثل تلك السرعة والدراية بفنون الحرب.
محاربة الأفغان
بعد ذلك توجه نادر إلى محاربة الأفاغنة. وكانوا يحتلون العاصمة أصفهان كما مر. وكان محمود الأفغاني رئيس طائفة «الغلجائيين» الذي تنازل له الشاه حسين الصفوي عن العرش وتوجّه بيده بتاجه قد تمادى في الطغيان حتى اختلت قواه العقلية واضطر الأفاغنة أنفسهم إلى تنحيته عن العرش وتنصيب ابن عمه «أشرف غلجائي»، وكان مسجوناً في سجن محمود هذا، في مكانه. وفي سنة 1137 هـ قتله أشرف واستقل بالعرش.
وفي الثاني من صفر سنة 1140هـ بدأ نادر حرب الأفاغنة. وافتتح حملته هذه بالهجوم على بعض الثائرين المتمردين في خراسان فهزمهم واحتل مدنهم وقلاعهم. وقتل الناكثين منهم الذين استأمنوه فأمنهم ثم غدروا به، واستولى على أموالهم. وفي إحدى هذه الوقائع، في محاصرته بلدة «سنجان»، كاد نادر يقتل إذ انفجر مدفع على بعد بضعة أقدام منه، فقتل المدفعي وبضعة جنود، وسلم نادر.
وبعد أن احتل «سنجان» جاءه خبر أن جيشاً أفغانياً من الأبداليين عدته بين سبعة آلاف وثمانية آلاف جندي قد خرج من «هرات» ووصل إلى «باخرز» و«نياز آباد» في طريقه إلى إنجاد أهالي «سنجان» فتهيأ لقتالهم.
وكان عسكره متعباً فرأى أنه لا يستطيع، وهو على هذه الحال، أن يحارب كما يجب أن تكون الحرب. وفوق هذا كان اسم الأفغان يبعث الرعب في نفوس جنوده بسبب انتصاراتهم المتوالية على الإيرانيين. فلم يُخرِج عسكره إلى القتال بل أمرهم بالتزام خندق «سنجان» لا يغادرونه. واختار من بينهم خمسمائة فارس من المجربين، وحمل بهم على الأفاغنة حملة ماهرة. وبعد أربعة أيام بلياليها من الكر والفر، لم يأذن فيها لأحد من جنده بالحرب غير هؤلاء الفرسان الخمسمائة، رد المغيرين على أعقابهم ففروا عائدين إلى «هرات». وعاد هو إلى مشهد ولم يتبعهم إلى «هرات» إذ رأى أن ظروفه لا تمكنه من ذلك.
بعد هذه الواقعة أخذت العلاقات بين طهماسب ونادر تسير من سيئ إلى أسوأ، ووزراء الشاه يسعون بكل وسيلة ممكنة إلى توسيع شقة الخلاف بينهما.
وخالفه طهماسب في التخطيط لحرب الأفغان، ثم اتفقا على خطة لها. ولكن حاشية طهماسب أقنعته بقطع صلته بنادر والانصراف عما بينهما من تعاون ففعل. وطلب من نادر أن يتولى هو وحده قيادة الحملة على «هرات»، فقبل اقتراحه ولكنه تريث في السير لعلمه أن خصومه من الوزراء وأصحاب النفوذ يدبرون مؤامرة لإيقاع الخلاف في جيشه. أما طهماسب فغادر مشهد إلى «سبزوار».
ثم وصل خبر إلى نادر بأن «الأبداليين» الأفاغنة قاموا بهجوم آخر ووصلوا إلى مكان يقع على الطريق بين طهران ومشهد، فلم يجد بداً من السير إليهم على الفور. ولكنه عرف، وهو في طريقه إليهم، أن طهماسب يهاجم أتراك محلة «بو جاري» وهم من أنصار نادر. فبعث إليه نادر التماساً يرجوه فيه الانصراف عن محاربة أتباعه هؤلاء، وأن يتعاونا معاً على حرب الأفاغنة. فأجابه طهماسب بأن أمره بالحضور إليه لوضع الترتيبات اللازمة لهذا التعاون. إلا أن طهماسب، مع ذلك، ظل يتابع هجومه على أنصار نادر واحتل إحدى قلاعهم. فعرف نادر أن في الأمر مؤامرة عليه. ويقول محمد حسين قدوسي في كتابه «سيرة نادر» إن هذه الساعة كانت أشد أيام نادر حساسية. ومن ثم انصرف عن متابعة السير إلى حرب الأفاغنة، وتوجه إلى «سبزوار» حيث يقيم طهماسب، بناء على طلبه. وقبل أن يصل إليها بلغه أن طهماسب عمم على نواحي خراسان أمراً بالامتناع عن إطاعة أوامر نادر وأتباعه. فلما وصل إلى «سبزوار» وجد أبوابها قد أغلقت في وجهه. فلم يجد بداً من ضربها بالمدافع ثم احتلالها بالقوة. أما طهماسب فلم يجد لنفسه مخرجاً غير مصالحة نادر. ثم حلف له يميناً أن لا يعود إلى مخاصمته أبداً. وبعد يومين أرسله نادر إلى مشهد ووكل أحد أتباعه بملازمته بأشد المراقبة. ثم عاد هو إلى مشهد منفصلاً عنه.
ولكن لم يكد يستقر به المقام في مشهد حتى ثار التركمان وبعض الأكراد في نواح مختلفة. فبعث إليهم بجيش بقيادة أخيه ابراهيم خان ورجل آخر. ثم اضطر هو نفسه إلى أن ينجدهما، فسار إلى الثائرين وأوقع بهم وشردهم. وقد صبر في هذه الحملة على شدائد مضنية من وعورة الطرق وشدة البرد والثلج والجليد. وعلم أن أخاه ورفيقه قد قصرا في الحرب فسجنهما مدة، ثم أطلق سراحهما.
احتلال هرات
ثم بعث سفيراً باسم الشاه «طهماسب» إلى بلاط روسيا يطلب جلاء الروس عن «جيلان». وانصرف إلى تهيئة قواته لاستئناف حرب الأفاغنة. واتخذ في هذا السبيل تخطيطاً يدل على ذكاء وتفكير عسكري فائقين. وكان يرى منذ حملته الأولى التي هزم فيها الأفاغنة الأبداليين عند «سنجان»، أن يبدأ بمهاجمة «هرات» وإخضاع الأبداليين قبل مهاجمة أصفهان العاصمة وإنقاذها من الأفاغنة الغلجائيين الذين يحتلونها. وكان طهماسب يرى عكس هذا. فخالفه نادر إذ كان يرى أن ابتعاده هو وطهماسب من مشهد يتيح الفرصة للأبداليين لمهاجمتها واحتلالها. فالصواب البدء بالأبداليين في «هرات» قبل الغلجائيين في أصفهان.
وفي الرابع من شوال سنة 1141هـ تحرك جيش نادر، وعدة رجاله 25 ألفاً ما بين فارس وراجل، إلى «هرات»، وتحرك من «هرات» إلى ملاقاته جيش الأبداليين، وعدد رجاله 15 ألفاً ما بين فارس وراجل. والتقى الجمعان عند مدينة «كافر قلعة» ـ وهي اليوم اسمها «إسلام قلعة» تابعة لأفغانستان ـ حيث سبق أن التقى قبل عشر سنوات جيشا الصفويين والأبداليين ودارت بينهما معركة انهزم فيها الصفويون شر هزيمة.
وبعد معارك طاحنة دارت بين جيش نادر وجيش الأبداليين انهزم الأبداليون وطلبوا الصلح. وبعثوا من قبلهم ثلاثة من رؤسائهم يحملون رسالة من قائد جيشهم إلى نادر جاء فيها:
«لقد كانت طائفتا الغلجائيين والأبداليين، وما زالتا، من رعايا الدولة الإيرانية الشاهنشاهية. وقد شرع الغلجائيون الشريرون الخيانة بأن تسلطوا أولاً على «قندهار» ثم أصفهان. ولكن طائفة الأبداليين كانت دائماً تحارب الغلجائيين وتخاصمهم، إخلاصاً منها للدولة الشاهنشاهية. لهذا نلتمس من قائد إيران القادر أن يعفو عما سلف من ذنوبنا وينزل عقوبته بزعماء الغلجائيين جزاء سلوكهم الفظ بما ارتكبوه من خيانة ونكران للجميل. وطائفة الأبداليين تضع في عنقها ربقة طاعة العبودية لهذا القائد الشجاع. وهي حاضرة لتكون فداء في سبيل تقدم القوات الإيرانية المظفرة».
فقبل نادر التماسهم وعفا عنهم بشرط أن يسلموه مدفعيتهم. وفي اليوم الثاني وفد إلى معسكره ثلاثون رجلاً من رؤساء الأبداليين يحملون إليه الكثير من التحف والهدايا. فأكرمهم وخلع عليهم. وجعل قائد جيش الأبداليين «اللهيار خان» حاكماً على «هرات». وأقام فيها شهرين ثم عاد إلى مشهد.
ومع أن هذه الحملة لم تكن حاسمة من الناحية العسكرية إلا أنها كانت بعيدة الأثر في الناحية المعنوية، إذ أنها أعادت إلى الإيرانيين ثقتهم بأنفسهم وأبعدت عن أذهانهم أسطورة أن الأفاغنة لا يهزمون.
تحرير أصفهان
بعد هذه المعركة الرائعة استطاع نادر وعسكره أن يفكروا بعمل أعظم منها، وهو طرد الأفاغنة الغلجائيين من أرض إيران وإجلاس طهماسب على عرش المملكة في أصفهان.
وكان «أشرف» الغلجائي المتسلط في أصفهان على وضع سيئ. فقد تورط في محاربة العثمانيين بسبب سوء تصرفه. وأرسل إليه «أحمد باشا» والي بغداد العثماني في سنة 1139 رسالة يهدده فيها ويخبره بأنه قادم إلى حربه ليخلص الشعب الإيراني المتمدن من حكم الأفاغنة المتوحشين، وإعادة الشاه حسين إلى عرش إيران. وفي هذه الحرب اضطر «أشرف» إلى التخلي عن قسم من أرض إيران للعثمانيين. وتورط «أشرف» أيضاً في محاربة الروس. وفي صيف سنة 1142هـ شاع في أصفهان أن «حسين سلطان» ابن عم «أشرف» ـ وكانت بينهما ثارات ـ يجمع العسكر في «قندهار» لمحاربة «أشرف». وفي هذا الوقت تواترت الأخبار على أصفهان أن نادراً وطهماسب، بعد أن أوقعا بالأبداليين تلك الهزيمة الكاسحة قد توجها إلى أصفهان لمهاجمته. فاضطرب «أشرف» اضطراباً شديداً، وحشد كل ما عنده من قوة وأسرع بها إلى حرب نادر.
وكان نادر، بعد عودته من «هرات» إلى مشهد قد عبأ جيشه لمحاربة الأفاغنة. ولكنه قبل مسيره عقد اتفاقاً بينه وبين طهماسب تعهد فيه طهماسب بأن يعهد إليه، بعد تحرير أصفهان وطرد الأفاغنة من إيران، بالولاية على إيالات خراسان ومازندران وجرجان، مكافأة له على خدماته العظيمة.
وفي 18 صفر سنة 1142هـ غادر نادر وطهماسب مشهد بجيشهما، وعدته ثلاثون ألفاً بين فارس وراجل، قاصدين مدينة «سمنان» من ولاية «دامغان» في غرب خراسان، وكان «أشرف» يحاصرها. فترك عندها قسماً من جيشه يديم الحصار وسار هو بالقسم الآخر إلى «خاور» و «دامغان» لملاقاة جيش نادر وطهماسب.
والتقى الجمعان عند بلدة «بسطام» ودارت هناك أول معركة بينهما. وقاتل فيها من جيش أشرف مقدمته من الفرسان. فتغلب عليهم نادر وردهم على أعقابهم، فعادوا إلى «سمنان»، إلى جيش «أشرف».
وتابع نادر تقدمه حتى وصل إلى قرب نهر يعرف باسم «مهماندوست» في صباح يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة 1142. وهناك دارت معركة بين الفريقين اتبع فيها نادر تكتيكاً عسكرياً بارعاً ضعضع به صفوف الأفاغنة. وقتل فيها حامل لواء «أشرف»، فاضطر الأفاغنة إلى الفرار وتركو ذخائرهم وأسلحتهم غنيمة لنادر. وقدر الكاتب الفرنسي «أوتر» عدد الجيش الأفغاني في هذه المعركة بخمسين ألفاً وقدر «هانوي»)[186]( عدد الجيش الإيراني بخمسة وعشرين ألفاً، وقدر «كوكل» وكيل «شركة الهند الشرقية» الإنكليزية في إيران على عهد نادر، عدد القتلى باثني عشر ألفاً من الأفاغنة وأربعة آلاف من الإيرانيين. وأراد الإيرانيون تعقب المنهزمين فمنعهم نادر إذ لم تكن لهم فائدة في تعقبهم.
وبعد بضعة أيام بعث طهماسب ونادر برسول إلى القسطنطينية ليطلب من العثمانيين الجلاء عن الولايات الإيرانية التي احتلوها. ولكن الرسول توفي في تبريز قبل وصوله.
ثم تابعا طريقهما إلى «سمنان». وفي مسيرهما هذا ذكر نادر طهماسب بما سلف بينهما من وقائع مرّة كدرت صفو العلاقة بينهما.
وتراجع «أشرف» عن «سمنان» إلى «ورامين». وفي نواحي «سمنان» دارت معركة بين نادر وجيش أفغاني كان قادماً من طهران لنجدة “أشرف” نجّى فيها نادر جيشه من كمين مخيف. وكان عملاً رائعاً دل على شدة تيقظه وتبصره بالأمور وبراعة تكتيكه العسكري. وانتهت المعركة بفوز الإيرانيين وفرار الأفاغنة، وذلك في 21 ربيع الأول سنة 1142هـ.
وتتبع نادر الأفاغنة إلى «ورامين» حيث يقيم «أشرف» فلم يجد هذا بداً من الفرار بقواته إلى أصفهان.
وقبل أن يتابع نادر سيره إلى أصفهان كف يد طهماسب عن العمل وبعث به إلى طهران. وكان الأفاغنة قد جلوا عنها.
أما «أشرف» فإنه، بعد أن وصل إلى أصفهان منهزماً، قام فيها بأعمال بلغت غاية الوحشية، فقد قتل حوالى ثلاثة آلاف من العلماء والأعيان، وأمر رجاله بالإغارة عليها بالسلب والنهب وإحراق الأسواق، واعتقل موظفي الشركات الإنكليزية والهولندية المقيمين فيها وسجنهم خشية أن يساعدوا نادراً، وظلوا مسجونين سبعة عشرة يوماً إذ سهل لهم الحراس سبيل الفرار.
وكان أحمد باشا والي بغداد العثماني قد أرسل إلى «أشرف» الغلجائي، بناء على طلب منه، مدداً من الرجال والمدافع. ثم غادر «أشرف» أصفهان مع قواته وعسكر في ناحية «مورشه خورت» في الغرب الشمالي من أصفهان.
وأما نادر فتابع سيره إلى أصفهان حتى وصل إلى معسكر الأفاغنة فهاجمه ونشبت معركة رهيبة بلغت حد القتال بالسلاح الأبيض وقام فيها الأفاغنة بحملات شديدة. ولكن الدائرة دارت عليهم في النهاية، ففر «أشرف» بمن بقي من جنوده عائداً إلى أصفهان، وترك أسلحته وكثيراً من الأسرى في يد نادر، وكان بين الأسرى جماعة من العثمانيين فعاملهم نادر بالحسنى ثم أطلق سراحهم.
ولما وصل «أشرف» إلى أصفهان سارع إلى تهيئة وسائل الفرار وصادر كل ما في المدينة من الدواب ليحمل عليها النساء والأطفال وذخائره من الجواهر والأموال. وقبل فراره قتل الشاه حسين الصفوي، وكان سجيناً في قصره.
ودخل نادر أصفهان ظافراً في الثامن والعشرين من ربيع الثاني سنة 1142هـ. وشرع أول شيء بتطهير المدينة من آثار الأفاغنة. وأمر بهدم البناء الذي أقيم على قبر محمود الغلجائي الأفغاني وجعل مكانه مزبلة.
ثم أبلغ نبأ انتصاره إلى «طهماسب» ودعاه إلى أصفهان، فعاد إليها في الثامن من جمادى الأولى سنة 1142هـ، بعد غيبة طالت مدة ثماني سنوات تقريباً، واستعاد لنفسه منصب أبيه وأجداده، ولكنه وجد قصر أبيه خرباً. ولم يجد أحداً من نساء القصر سوى امرأة واحدة تلقته واحتضنته فرحانة مستبشرة، وإذا به يتبين أن هذه العجوز هي أمه، وكانت قد نجت من الأفاغنة بأن جعلت من نفسها خادمة فلم يفطنوا إليها. وبهذا سلمت من الموت. وكانت أصفهان كلها قد أصبحت خراباً وغاب عنها أكثر سكانها ما بين قتيل وهارب. ولما بلغ خبر انكسار أشرف إلى الأفاغنة المقيمين في «كرمان» عمدوا إلى تخريبها ثم فروا منها. إلا أنه كان لهذه الانتصارات المتوالية أثر معنوي بالغ في نفوس الإيرانيين، إذ ارتفعت معنوياتهم وعادت إليهم ثقتهم بأنفسهم.
تحرير شيراز
وبعد أن استراح نادر وجنده وهيأ ما يلزم لمتابعة الهجوم سار في أقسى أيام البرد إلى شيراز لتعقب «أشرف» في الثالث من جمادى الثانية سنة 1142هـ. فتلقاه «أشرف» بعشرين ألف مقاتل من خيرة المقاتلين. ودارت بين الفريقين معركة هائلة، استبسل فيها «أشرف» وأظهر خبرة عسكرية فائقة، ولكن الدائرة دارت عليه فعجز عن متابعة المقاومة. وبلغت خسائره من الرجال أكثر من خمسة آلاف بين قتيل وجريح وأسير. عندئذ بعث إلى معسكر نادر بثلاثة سفراء من كبار رجاله يلتمسون منه وقف الحرب، فأجابهم نادر إلى طلبهم شريطة أن يطلق «أشرف» سراح من بقي حياً من أسرة الشاه حسين ومعهم سائر الأسرى والمعتقلين الإيرانيين. فأجابه «أشرف» إلى طلبه وأرسل إليه جميع هؤلاء ولكنه رفض تسليم نفسه إلى نادر. وحرضه قواده على أن يفر بمن بقي من رجاله إلى «قندهار» ففعل. وعلم نادر بذلك فانطلق إلى تعقبه فأدركه عند جسر «فسا» قريباً من شيراز، فأمر مقدمته من الفرسان وعددهم خمسمائة فارس بالهجوم على مؤخرة جيش «أشرف» وعدتهم خمسة آلاف ونيف، ووقعت بينهما معركة أسر الإيرانيون فيها جماعة منهم وغرق آخرون في النهر وقتل «بير محمد خان» شيخ محمود الغلجائي وأشرف ومرشدهما، وسملوا عيون جماعة من قوادهم. فعاد «أشرف» يطلب مصالحة نادر. فقبل شريطة أن يسلم «أشرف» نفسه إليه، فرفض «أشرف» وفر متوجهاً إلى «لار» في جنوب إيران.
مقتل أشرف ونهاية الأفاغنة
وظل نادر في شيراز، ومنها عمم على جميع النواحي أن تغلق جميع المدن الإيرانية أبوابها في وجه الأفاغنة. وأراد الأفاغنة أن يستعينوا بالعرب المقيمين في موانئ الخليج على الهرب بالبحر إلى بلدان الخليج العربية، ولكن نادراً أمر موظفي «شركة الهند الشرقية» بالامتناع عن حمل الهاربين على سفنهم، وأنذر الشيوخ الذين في المرافئ بأن يوقعهم هم وعائلاتهم في الأسر والعبودية إذا ساعدوا الأفاغنة على الهرب. وأراد أخ لأشرف، وكان يحمل كثيراً من الجواهر، ورفاق له من الأفاغنة أن يستعينوا بهؤلاء الشيوخ على الهرب إلى بعض البلدان العربية الواقعة على الخليج فامتنعوا. ولكن أحد الشيوخ، ويدعى أحمد المدني، قبل أن يعطيهم سفينة تحملهم إلى هناك فانطلقوا بها إلى «رأس الخيمة». إلا أن عرب عُمان قتلوا أكثرهم واستعبدوا من بقي منهم حياً.
وانطلق «أشرف» من «لار» شرقاً مع ألفين من رجاله وعدة نساء. ولكن رجاله أخذوا يتناقصون بالموت من الجوع والتعب حتى لم يبق منهم معه غير ثلاثة. ثم قتل في صحراء «بلوشستان» الشرقية. قتله أحد رؤساء «البلوش». ويقول «مالكم» إن القاتل قطع رأسه وبعث به إلى نادر ومعه ماسة كبيرة كان يضعها على عضده. وفي رواية أخرى عن «الميرا مهدي خان» كاتب نادر وعن «مارتين فرنج» وكيل «شركة الهند الشرقية» و«محمد خان» رئيس تشريفات «أشرف» ـ وقد رافقه حتى قتل ـ أن «أشرف» وهو في حال فراره إلى «قندهار»تلقته في بعض نواحيها قوة من عسكر ابن عمه عدوه «حسين سلطان» فقتلوه وجماعة من أصحابه.
وبهذا استطاع نادر أن يحقق أعظم انتصاراته وينتهي إلى هذا النجاح الباهر بالقضاء على الجيش الأفغاني وتحرير إيران من طغيان هذا الغازي الفظيع. وقد استمر احتلال الأفاغنة لإيران سبع سنوات ذهب فيها مليونان من الإيرانيين بين قتيل وأسر وخربت أجمل مدنها وأحلى عماراتها.
معاودة غزو هرات
وانصرف نادر بعد ذلك إلى معالجة أمور العثمانيين فسافر إلى «آذربيجان» لهذه الغاية. وفيما هو يحاول هناك حل تلك المشاكل بالحسنى وصله تقرير من مشهد من ابنه «رضا قلي ميرزا» أن الأبداليين في «هرات» عادوا فنقضوا عهدهم الذي عاهدوه عليه، وأنهم عازمون على غزو مشهد. هذا وقد أقدم الأبداليون بالفعل في الثالث من شوال سنة 1143هـ على طرد حاكم «هرات» الذي سبق أن عينه نادر لها. وساقوا حملة على مشهد وعسكروا قريباً منها. فتوجه فوراً من آذربيجان إلى خراسان. وقبل أن يبلغها كان الأفاغنة قد كسروا الجيش الإيراني المدافع، وكان يقوده إبراهيم أخو نادر، وذلك لخطأ في التكتيك ارتكبه إبراهيم.
إلا أن نادراً تلقى تقريراً آخر من ابنه أن الأبداليين انصرفوا عن مشهد عائدين إلى «هرات» لشغب الغلجائيين عليهم، فانصرف نادر، موقتاً، عن المضي إلى مشهد وتوجه إلى قمع حركات بعض المتمردين في نواحي أخرى.
ثم أعد عدته لمواجهة الأبداليين في «هرات» نفسها، فتوجه إليها. فلما علم الغلجائيون بمسيره هبوا إلى مساعدة الأبداليين، تاركين خلافاتهم جانباً لمقاومة العدو المشترك.
وبعد معارك رهيبة دارت في نواحي «هرات» تغلب عليهم واحتل المدينة في غرة رمضان سنة 1145هـ، بعد أن حاصرها عشرة أشهر وكاد يقتل في محاصرته لها.
ثم انصرف إلى غزو الأفغانيين في نواح أخرى فهزمهم واحتل بلدة «فراه». وفيما هو مشغول بهذه الحروب جاءته الأخبار بأن العثمانيين قد تغلبوا على الشاه «طهماسب» في «كوريجان» بالقرب من «همذان» وأنه وقع على معاهدة صلح بينه وبينهم.
وبعد احتلال «هرات» نقل ستين ألفاً من الأبداليين إلى نواحي مشه و«نيسابور» و«دامغان»، ونقل أيضاً إلى تلك النواحي ستين ألف عائلة من قبيلة «أفشار» قبيلته. وقبل ذلك يوم كان في «آذربيجان»، نقل ما بين خمسين ألفاً وستين ألفاً من أسرها إلى خراسان. منهم اثنا عشر ألف أسرة من قبيلة «أفشار». واختار ستة آلاف شاب من الآذربيجانيين فجندهم في جيشه.
احتلال قندهار
كان نادر، منذ أن أجلى الغلجائيين عن وسط إيران وجنوبها، ينوي تطهير إيالة «قندهار» من الأفاغنة ويتحين الفرصة لذلك. وحانت هذه الفرصة بانشغال العثمانيين والروس عنه بحرب وقعت بينهما، وتمكنه من القضاء على حركات التمرد. فجهز جيشاً من ثمانين ألف مقاتل، وسارب به من أصفهان العاصمة قاصداً «قندهار»، في السابع عشر من شهر رجب سنة 1149هـ، وصحب معه جماعة كبيرة من أمراء البختياريين والكرج رهائن، ولكن بعنوان متطوعين في الظاهر.
واحتل في مسيره هذا قبل وصوله إلى مدينة «قندهار»، بعض المدن والقلاع وأوقع بحامياتها. فلما وصل إلى «قندهار» أقام معسكره قريباً منها. وبنى هناك مدينة كبيرة أحاطها بأسوار عظيمة وأقام سوقاً ومسجداً وحماماً، وسماها «نادر آباد».
وبدأ هجومه على «قندهار» في التاسع من شوال سنة 1151هـ. وقام بالهجوم الحاسم صباح يوم الجمعة الثاني من ذي الحجة سنة 1151. واختار من رجاله نخبة من الشجعان ليكونوا مقدمة الهجوم على أول برج من أبراج المدينة واحتلاله. وقال لهم: من دخل منكم البرج فاتحاً فله جائزة ألف «نادري» (نقد) وإن تراجعتم فسأجعلكم طعمة للكلاب. وكان من اشد المتطوعين للهجوم «ملا» (رجل دين) اسمه «الملا آدينه مستوفي». فاحتار نادر في أمره وقال له: أنت رجل دين فما أنت والحرب، وهي ليست من شأنك ولا عادتك؟! فقال الملا: جعلت فداك. سترى إن شاء الله بعينك!
وبدأ الهجوم بمعركة رهيبة انتهت بتضعضع المدافعين الأفغان فلم يجد قائدتهم «سلطان حسين» ـ وهو زعيم الغلجائيين وابن عم «أشرف» الذي مر ذكره ـ بداً من التسليم. فبعث بكبرى أخواته واسمها «زينب» ومعها جماعة من رؤساء الغلجائيين إلى نادر يطلبون منه الأمان له. فأكرم نادر وفادتهم وأحسن استقبالهم، وأمن «سلطان حسين» وأفراد عائلته.
ثم أعطى جنده الجوائز الذهبية التي وعدهم بها، وخص «الملا آدينه» بأكبر جائزة منها إذ كان من أشد المهاجمين شجاعة. وأمر بهدم المدينة وأجلى أهلها إلى «نادر آباد» وجعلها مركز الإيالة. وأقام فيها مدة شهرين بعد الفتح. وبذلك محا لطخة عار الهزيمة التي أوقعها محمود الغلجائي وجنده قبل ستة عشر عاماً بالإيرانيين. واستطاع أن يسترد ما اغتصبوه من أرض إيران، مع تنزيه نفسه عن مثل ما ارتكبه الأفاغنة يومئذ من إيذاء الأبرياء وسفك دمائهم ونهب أموالهم.
وبعد أن تم له فتح «قندهار» هاجرت طوائف الأبداليين القاطنين في «نيسابور» وأماكن أخرى من خراسان إلى «قندهار» وهاجر الغلجائيون القاطنون في «قندهار» إلى خراسان، ودخل بضعة آلاف منهم في حرس نادر.
غزو الهند
في ربيع سنة 1151هـ، بدأ نادر بغزو الهند، وكان يحكمها المغول التيموريون. غزاها لتأديب أمبراطورها «محمد شاه» إذ كان يجير المتمردين الفارين من وجه نادر ويؤويهم ويساعدهم ويحرضهم على الثورة، غير مصغ إلى إنذارات متكررة وجهها إليه نادر بأن يمتنع عن ذلك، حتى أنه استبقى عنده سفيراً كان قد بعث به إليه نادر في تلك السنة لهذه الغاية، فلم يأذن له بالعودة إلى إيران. وسبق أيضاً أن قتل أحد أعوانه من الأفاغنة سفيراً لنادر كان قد أرسله إليه، وفي عودته من الهند اعتقله ذلك الأفغاني وقتله. وكانت لنادر أيضاً غاية أخرى في غزو الهند، غاية أبعد من هذا، وهي أن يغنم من ثروات الهند الضخمة ما يجبر به خسائر إيران في تلك الحروب المتطاولة الدائمة.
كان الجيش الذي أعده لغزو الهند يتألف من ثلاثة آلاف ومائة ألف جندي، سار به من «نادر آباد» فاحتل أولاً «غزنة» سلماً ثم «كابل» بعد معارك جزئية انتصر فيها على الأفاغنة المقاومين، ثم أقبل أعيان المدينة وحكامها يستقبلونه ويستسلمون إليه مرحبين.
وفي أثناء سيره هذا جاءه رسل من الهند يحملون رسالة من «محمد شاه» يسأله فيها عن سبب سوقه هذا الجيش نحو الهند. فأجابهم نادر بقوله: سأجيب محمد شاه على هذا السؤال بنفسي في عاصمة الهند!
ثم انطلق حتى عبر حدود الهند من إقليم السند، وأخذ يحتل مدنه مدينة مدينة، بعضها صلحاً وبعضها حرباً.
ومما يدل على ذكائه وسرعة خاطره أنه لما اعترضه نهر السند، وهو واسع العرض جداًن جمع ما وجده في أيدي الناس من سفن وقوارب ليبني منها جسراً لعبور النهر. ولكن الحبال التي كانت عنده لربط السفن لم تكفه. فأمر بجز أعراف الخيل وشعر أذنابها وفتلها حبالاً، وبذلك وجد حاجته من الحبال وبنى الجسر.
ومن مآثره أنه كان، بعد انتصاره في كل معركة، يؤمن أهل المدن المفتوحة، ويمنع جنده من التعدي على أحد، ويعفو عن قوادها العسكريين الذين قاوموه، حتى الذين اشتدوا في القسوة والشراسة وهم يقاومونه، بل كان يعيد حكامها إلى مناصبهم التي كانوا فيها.
وبعد أن فتح مدينة «لاهور» نادى بنفسه آمراً على كل الهند. ووصله وهو في «لاهور»، أن «محمد شاه» امبراطور الهند يحشد قواته لملاقاته بالحرب. فبعث إليه نادر برسالة أعلن له فيها أنه لا يقصد الهند بسوء. وذكّره بأن الهند قاست على يد الأفاغنة أشد ما قاسته إيران من الشر. وذكّره بسوء معاملته للسفراء الإيرانيين الذين كان يبعث بهم إليه. وختم رسالته بإنذار «محمد شاه» بأنه إذا حارب الجيش الهندي الجيش الإيراني فإن الإيرانيين سيؤدبونه كما يجب أن يكون التأديب. وإن سالمهم نجا من العقاب.
وجرت المعركة الأخيرة الفاصلة في ناحية تعرف باسم «كرنال» في أواسط ذي القعدة سنة 1151هـ. وحشد فيها «محمد شاه» ثلاثمائة ألف جندي وألفي فيل حربي وخمسمائة مدفع.
وروى «هانوي» أن الهنود ربطوا سكاكين بخراطيم الفيلة، وقد دربت على أن تضرب بها في الحرب، هذا والخيول من شأنها أيضاً أن تجفل من رؤية أجسامها الضخمة. فأمر نادر بتهيئة كيزان تملأ نفطاً ومواد قابلة للاشتعال، وحين تدور المعركة توقد هذه الكيزان ويلقى بها في جيش العدو بين الفيلة فتفزع منها وتفر.
وفي هذه المعركة أمر نادر أيضاً، حين حميت الحرب، بإشعال النار في التبن الذي تحشى به رحال الجمال التي تحمل المدافع ثم الدفع بالجمال نحو كتيبة الفيلة في جيش العدو. فلما أشعلوا النار في الرحال وأحست الجمال بحرارتها هبت واقفة مذعورة فطردوها نحو الفيلة. فوقعت بينها وهي تقفز وتتراكض هنا وهناك وتهدر بأصوات مرعبة والنار تنطلق من ظهورها، فارتاعت الفيلة وفرت من مكانها المقرر في المعركة، وانحازت إلى مكان بعيد متجمعة بعضها إلى بعض.
وانتهت تلك المعركة الهائلة بانتصار نادر وفرار الهنود. وقدر بعضهم عدد قتلاهم فيها بعشرة آلاف وقدره آخرون بثلاثين ألفاً. وقدر عدد القتلى من الإيرانيين بألفين وخمسمائة والجرحى بخمسة آلاف.
وصلى نادر بعد هذا الفتح صلاة شكر وتلا دعاء، وأعطى قواد عسكره جوائز. وغيّر اسم إبنه الثاني «مرتضى قلي خان» باسم «نصر الله قلي خان» تذكاراً لهذا النصر العظيم.
الصلح
وأراد قواد جيشه متابعة الزحف فرفض وقال لهم: إن محمد شاه لا يلبث ان يستسلم إلينا.
وبالفعل طلب الهنود الهدنة في مساء ذلك اليوم، وهو السادس عشر من ذي القعدة سنة 1151هـ، وحضر إلى معسكر نادر مندوبان من قبل «محمد شاه» مفوضين منه بإمضاء شروط الهدنة بما يريان. وتم الاتفاق بين الطرفين على أن يعود نادر إلى إيران بهذه الشروط:
1 ـ يدفع الأمبراطور إلى إيران مبلغ خمسة ملايين روبيّة (نقد هندي) غرامة حربية.
2 ـ يدعو نادر محمد شاه إلى وليمة يقيمها له في معسكره غداً ويوقع فيها على وثيقة الاتفاق ثم يعود إلى معسكره.
3 ـ يلقي جنود الجيش الهندي سلاحهم.
4 ـ تسلم المدفعية الهندية والعتاد الحربي الهندي إلى الجيش الإيراني.
5 ـ الجيش الإيراني متعب يحتاج إلى الراحة. ولذلك يجب أن يذهب إلى العاصمة الهندية للاستجمام مدة من الزمن.
وبناء على ذلك امر «محمد شاه» بتسليم كل أسلحة الجيش الهندي إلى الجيش الإيراني. وأجاب الدعوة إلى وليمة نادر، فحضر إلى معسكره في موكب فخم وحاشية كبيرة من رجاله وحرسه، فخرج إلى استقباله جماعة من فرسان الجيش الإيراني، وتلقاه «نصر الله ميرزا» ابن نادر شاه، وكان هو المعين للقيام على ضيافته، بكل احترام وتعظيم، وقادوه إلى الخيمة الخاصة التي نصبت له، وخرج نادر نفسه إلى خارج الخيمة لاستقباله، ووضع يده في يده ودخل به إلى الخيمة فأجلسه إلى جانبه.
وبعد المجاملات أخذ نادر يوبخه على معاملته السيئة له ولسفرائه، ويلومه على ضعفه وإهماله شؤون مملكته، ثم قال له: لن أسلب منك ملك الهند. إذ اضطررتني بلا مبالاتك وأثرتك إلى قطع طريق طويلة وبذل نفقة فاحشة، وكان جيشنا منهكاً بالسير، يعوزه الطعام وغيره من اللوازم، أرى من الضروري حضوري إلى عاصمة الهند والإقامة فيها بضعة أيام يرتاح فيها الجيش ونتسلم عوض خسارات الحرب كما تم الاتفاق. ثم أدعك وشأنك تتدبر أمورك.
ثم تناولا الطعام معاً. وأعطى نادر «محمد شاه» صحفة طعامه بعد أن أكل منها شيئاً وأخذ صحفته ليطمئنه إلى أن الطعام غير مسموم. ثم أعيد إلى معسكره محروساً بحرس نادر.
دخول دهلي
وفي غرة ذي الحجة سنة 1151هـ سار نادر شاه وأمبراطور الهند من «كرنال» قاصدين العاصمة «دهلي». وكان موكب نادر يتقدم موكب «محمد شاه» بما يقرب من ثلاثة كيلومترات.
وتوقف نادر شاه في ضواحي «دهلي» في «باغ شليمار» حيث فرشت طريقه إليها بالنفيس من المفروشات، وأعد مكان إقامته فيها بتجهيزات بلغت غاية الفخامة والأبهة. ثم سبقه «محمد شاه» إلى «دهلي» لإعداد وسائل الضيافة. وفي التاسع من ذي الحجة سنة 1151هـ سار نادر من «باغ شليمانر» إلى «دهلي» فدخلها في ذلك اليوم في موكب عظيم من الفرسان والمشاة عليهم الألبسة المزينة الفاخرة ومظاهر الخيلاء والزهو. ودخل نادر من الباب الخاص بالملوك لا يفتح لغيرهم، وأطلقت المدافع تحية له. وأنزل في القلعة الخاصة بسكنى «محمد شاه» زيادة في تعظيمه وتكريمه.
ثم سلم حاكم المدينة مفاتيح خزائن المملكة ومفاتيح قلاعها ومخازنها إلى موفد نادر شاه، وقدمت إليه هدايا غالية. وأعلن هو أنه يلتزم بكل ما عاهد عليه «محمد شاه» في «كرنال»، ومن ذلك إبقاؤه على عرش الهند. فشكره «محمد شاه» وقدم إليه كل ما في الخزائن الملكية من جواهر وأثاث وذخائر أسلافه من السلاطين.
وأمر نادر شاه قواده بأن يحسنوا معاملة أهالي المدينة، وأنذر من يخالف منهم بعقاب شديد.
خطب باسمه في المساجد، وضربت باسمه نقود.
فتنة رهيبة
ولكن حدث في اليوم الثالث من وصوله أن شاع في المدينة أن نادراً قد قُتل أو أن «محمد شاه» قد سجنه. وعلى أثر ذلك ثار فريق من أهالي المدينة وهجموا على جنوده فأوقعوا برجال «قزلباش» مذبحة عظيمة. وتضعضعت معنويات المسلحين الإيرانيين لسماعهم نبأ مقتل نادر فلم يستطيعوا مقاومة. وقدر عدد من قتل من الإيرانيين في ذلك اليوم بثلاثة آلاف.
أما نادر فلم يصدق الخبر أول الأمر، واتهم جنوده بأنهم اختلقوه ليجعلوه ذريعة لهم إلى نهب المدينة. فلما تحقق من صحة الخبر أمر قواده بحشد الجنود لإخماد الثورة. ولكنه أوصاهم بأن لا يمسوا الأبرياء بسوء، وأن يقتصر عملهم على حفظ النظام وضبط المدينة.
وفي صباح اليوم التالي ارتدى ثوباً أحمر اعتاد أن يجعله علامة على الغضب، وامتطى حصانه وخرج بنفسه مع نخبة من جنده الأشداء وقصد إلى مركز الثائرين. وقيل إنه، وهو في سيره هذا، أطلقت عليه رصاصة من إيوان أحد المساجد فأخطأته وأصابت أحد ضباطه فقتلته. فاشتد غضب نادر وصعد إلى سطح المسجد ونادى جنده بأن لا يبقوا على أحد حياً في كل مكان قتل فيه جندي من «قزلباش».
وانطلق جنوده في الأسواق والأزقة ينفذون أمره فقاموا بمجزرة عامة رهيبة. ثم نهبوا الأسواق والبيوت، وهدموا وأحرقوا كثيراً من الأبنية، ونادر يقف في المسجد شاهراً سيفه ينظر بنفسه إلى ما يجري.
واستمرت هذه الغارة الهائلة ست ساعات إلى أن أرسل «محمد شاه» أحد وزرائه وآخر من خواصه إلى نادر يتشفعان إليه ويلتمسان منه العفو والمسامحة. فأجابهما إلى طلبهما واستدعى حاكم المدينة وأمره أن يصحب جماعة من الحرس ويطوفوا في الشارع يأمرون الجنود بوقف الغارة. وقد امتثل الجنود الأمر فوراً، وهذا يدل على أن نادراً كان مسيطراً سيطرة كاملة على عسكره. يقول المؤرخ عبد الكريم البخاري: «إن إطاعة الجند لهذا الأمر إطاعة فورية في إبان الغارة والفتنة أمر من الأعاجيب». وأمر أيضاً بإعادة كل الأسرى إلى أهاليهم. وقدر بعضهم عدد القتلى بأربعين ألفاً، وبعضهم بعشرين ألفاً، وبعضهم بثمانية آلاف.
بعد ذلك عقد نادر قران إبنه «نصر الله ميرزا» على إحدى بنات العائلة التيمورية المالكة، وأقيم لذلك عرس عظيم بين معالم الزينة، والأضواء تشمل المدينة كلها، وأهدى «محمد شاه» إلى صهره شيئاً كثيراً نفيساً من الجواهر والتحف، وأنعم على الضباط والعسكر الإيرانيين بمبالغ كبيرة من المال.
وكان من عادة المغول أن يكتبوا في وثيقة الزواج سلسلة نسب العريس إلى سبعة جدود. فطلبوا من العريس «نصر الله ميرزا» أن يذكر اسماء جدوده متسلسلين على هذا النحو. فجاء إلى أبيه ونقل إليه طلبهم هذا. فقال له نادر: قل لهم إنك ابن السيف وحفيد السيف ونتيجة السيف. وهكذا سلسل لهم أسلافك سيفاً سيفاً إلى سبعين جداً لا سبعة!
ثم انصرف بعض رجال نادر إلى إحصاء الغنائم. وأمرهم بمعاملة الناس بالحسنى واجتناب كل ما من شأنه أن يؤذي شعورهم. وبلغت الغنائم مبلغاً لا يتصوّر من النفاسة والكثرة، منها مبالغ ضخمة من النقد، ومنها «تخت طاووس» الشهير، وهو لا يمكن تقديره بثمن، ومنها ثلاث ماسات هي ماسة «كوه نور» (جبل النور) الشهيرة وتسمى «ملكة الماس»، وهي اليوم في لندن، وماسة «درياي نور» (بحر النور) وهي اليوم في إيران، وماسة «أورلوف»، وهي اليوم في موسكو. ومن هذه الغنائم ستون ألف مخطوطة ثمينة.
وفي السادس عشر من ذي الحجة سنة 1151هـ بعث مع حامل بريده إلى إيران أمراً بإعفاء جميع الولايات الإيرانية من دفع الضرائب إلى مدة ثلاث سنوات، وجعل ذلك «حلوان»، انتصاره في الهند. وأنعم على جنوده وخدمه بجوائز مالية كثيرة وخلع عليهم خلعاً ثمينة.
معاهدة الصلح
وفي صباح 21 ذي الحجة حضر، بأمر من نادر شاه، إلى قصر «محمد شاه» في «باغ شليمار» جميع عظماء الدولة والجيش الإيرانيين والهنود. وحضر «محمد شاه» ووزراؤه مشاة. وهناك أمضى الملكان «معاهدة شليمار» المعقودة بينهما، بحضور رؤساء الجيش الإيراني ووزراء الهند ورجال بلاطها وحكام محافظاتها وعلمائها. فلما وقع الملكان على المعاهدة صاح الجميع «شاد باش» (كن…)، ثم انقضى المجلس. وهذا نص المعاهدة:
«سبق أن أرسل وزراء صاحب الجلالة، بهرام الصولة، مريخ السطوة، بطل الزمان، سلطان سلاطين الأوان، ملك ملوك العالم، ظل الله، ملاذ المسلمين، إسكندر العظمة، سَمْك السرير، السلطان العادل المنصف والملك السماوي الفطرة، نادر شاه أفشار خلد الله ملكه وسلطانه، سفراء كباراً إلى هذا البلاط لتسوية بعض الأمور. وكنا نحن أيضاً نرغب في الوفاق. وبعد ذلك قدم أيضاً محمد خان تركمان من قندهار للتذكير. ولكن وزراءنا وممثلينا ماطلوا أولئك السفراء وأخروا جواب رسالة صاحب الجلالة المعظم. ومن هذه الطريق حصل نفار وسار جيشه المظفر إلى حدود الهند وتلاقينا في نقاط مختلفة وفي صحراء كرنال. فاتقدت حرب عارمة. ومن هناك طلعت بتقدير إلهي، شمس الانتصار والظفر من مشرق إقباله الذي لا يزول. وإذ كان صاحب الجلالة جمشيد القدرة المعظم منبع الرأفة والفتوة فقد حصلت مسرة الملاقاة بالاعتماد على شهامته والاتكال على صحبته وحصلت بهجة الحديث في محفل كالفردوس. وبعد ذلك ترافقنا إلى شاه جهان (دهلي). وهناك عرضنا على نظره خزانة سلاطين الهند وجواهرها النفيسة وأهديناها كما يليق إليه. وقبل صاحب الجلالة المعظم بعضها بالتماس منا، وأبقى عرش الهند وتاجها في تصرفنا من علو همته وفرط محبته والتفاته إلى عظمة السلالة الكركانية وشرف شجرة طرخان. وفي إزاء هذه الملاطفة التي لا تصدر من أب إلى إبنه ولا من أخ إلى اخيه نضع في تصرف دولة إيران العلية خمسين ومائة كرور تومان (الكرور: خمسمائة ألف) خسائر الحرب وكل الأملاك الواقعة في غرب نهر آت تك وماء السند ونالاسنك وهو شعبة من شعب نهر السند يعني بيشاور وملحقاتها وإيالة كابل وغزنة وكوهستان وأفغانستان وهزارجات ودربندها مع قلعة بكرسنك وخداداد وأراضي دربندها ومساكن الجوكيين والبلوش وغيرها وإيالة تنه قلعة رام وقرية تربين وبلدة رشن وسموالي وكترا مع كل الأراضي والقرى والقلاع والبنادر من ابتداء منبع نهر آت تك إلى نالاسنك حيث مصب النهر في البحر وكل القلاع والبلدان التي يحيط بها نهر آت تك وفروعه أي أن كل الأماكن الواقعة في غربي نهر آت تك وتلك النواحي وغربي نهر السند ونالاسنك هي جزء من أملاك هذا الملك القوي الشوكة. ومن هذا التاريخ فصاعداً يدخل عماله وموظفوه النواحي المذكورة ويتصرفون بها ويتولون الحكومة والولاية عليها وعلى أهلها. وعلى عمالنا وموظفينا إخلاء النواحي المذكورة وأن يعدوها خارجة عن أملاكنا ويعلموا أن كل حقوقهم الحالية والماضية هناك قد سقطت. وقلعة لهري بندر وكل الأملاك الواقعة في شرقي نهر آت تك ونهر السند ونالاسنك هي كما في السابق جزء من سلطنة الهند. في باغ شليمار ـ مؤرخة في 11 المحرم الحرام سنة 1152 هجرية ـ محمد شاه التيموري ـ نادر شاه أفشار».
وفي الثالث من صفر سنة 1152 هيأ نادر شاه مجلساً ملوكياً بالأبهة والفخامة، ودعا إليه «محمد شاه» وسائر أعيان الهند. فلما استقر بهم المقام أخذ بيده تاج سلطان الهند ووضعه على رأس «محمد شاه» ونطّقه بسيف وخنجر مرصعين، وألبسه، جرياً على عادة سلاطين الهند، وشاحاً مرصعاً بالجواهر. فشكره «محمد شاه» بهذه الكلمة:
«لقد أعطاني شاهنشاه إيران تاج مُلْكِ الهند وعرشه، فكان ذلك منه سماحة وعلو نفس. وإن إعادتهما إلي يجعل الأسرة الكركانية ترفع رأسها عالياً. وأنا أيضاً أعلن على مشهدكم جميعاً أني أشكر هذا الجميل الذي لا نظير له، أسلم الدولة الإيرانية الشاهنشاهية إلى الأبد الأراضي الواقعة على ضفة نهر السند اليمنى، ومن بحر عمان إلى منبع نالاسنك، مع كل مدن تلك الأرض وقلاعها وسهولها وجبالها».
فرد عليه نادر بكلمة نصحه فيها بالاهتمام بشؤون مملكته وتقوية جيشه وضبط حساباته والضرب على يد المتلاعبين من الوزراء ورجال البلاط وقطع له عهداً بأن يسارع إلى نجدته كلما وجد حاجة إلى ذلك. ثم أصدر أمراً بالتوقف عن سك النقد والخطبة باسمه وجعلهما مجدداً باسم «محمد شاه».
عودة نادر إلى إيران
ولما فرغ نادر من أعماله في الهند عزم على العودة إلى إيران. فبعث بجماعة من النجارين والسفانين إلى كابل وبلخ ليصنعوا له سفناً تحمل جنوده على نهر «جيحون» إلى غزو تركستان وخوارزم. وحمل معه جماعة كبيرة من البنائين والنحاتين والصاغة إذ كان ينوي أن يبني في إيران مدينة كدهلي، كما حمل معه جماعة من علماء الهند وأكابرها.
وفي الثامن من شهر صفر سنة 1152هـ ترك «دهلي»، وكان قد أقام فيها ثمانية وخمسين يوماً، في قافلة هائلة فيها ألوف من الدواب، أفيال وخيل وجمال وبغال. وحملت الذخائر في ثلاثة عشر ألف صندوق. وامتطى نادر حصاناً عراقياً واعتمر بقلنسوة حمراء مرصعة ولف على عنقه شالاً كشميرياً أبيض، واجتاز شوارع «دهلي» مزهواً مختالاً، ينثر الروبيات بكلتا يديه على رؤوس الناس.
وقاسى في عودته شدائد صعاباً من الحر والعواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات ومقاومة قطّاع الطرق، ومات بهذه العوامل كثير من رجاله. ولما وصل إلى نهر يعرف بنهر «شهناب» هطلت أمطار غزيرة، وكان جيشه يعبر النهر على جسر أقيم عليه من السفن. فلما عبر منهم إلى الضفة الأخرى ما يقرب من نصفهم كانت حواميل المطر السائلة في النهر قد طغت طغياناً عظيماً فتضعضع الجسر، وهو ينوء بتلك الأحمال الثقيلة من الرجال والعتاد، وانشق فهوى في الماء أكثر من ألفي جندي وغرقوا. وفي اليوم الثاني جرف التيار كل سفن الجسر. واضطر نادر إلى إقامة جسر آخر جمع سفنه من تلك النواحي، واستغرق ذلك أربعين يوماً.
وكان يرافقه حاكم «لاهور»، فسلم هناك من كان معه من الأسرى الهنود وأمره بالعودة بهم إلى بلادهم ومساعدتهم وتسليمهم إلى أهلهم، ثم الذهاب إلى «لاهور» مركز عمله.
وجاءه خبر من خراسان، وهو في طريق عودته، أن والي خوارزم اغتنم فرصة غيبته في الهند فأخذ يجمع جيشاً من الأزابكة والأتراك لغزو خراسان، فعزم على مهاجمة تركستان.
ولما وصل إلى «حسن آباد أتك» بعث برسولين أحدهما إلى السلطان العثماني والآخر إلى القيصر الروسي وحملهما إليهما هدايا نفيسة من الجواهر، ليعلماهما بنبأ فتحه بلاد الهند.
وتابع نادر سيره قاصداً «كابل». واعترضه في طريقه، في بعض الجبال وفي مضيق خيبر بعض طوائف الأفاغنة الشجعان بمقاومة شديدة أريق فيها كثير من الدماء، فتغلّب عليهم وقتل منهم كثيراً، ثم صالحهم، وانضم فريق منهم إلى جيشه.
ووصل إلى «كابل» في غرة رمضان سنة 1152 هـ، فخرج إلى استقباله كل أعيانها ورؤساء قبائل الأفاغنة وجمهور كبير من سائر رجالها، وأظهروا له كل مظاهر الإجلال والاحترام. وتجند في جيشه أكثر من أربعين ألف أفغاني من «بيشاور» و«كابل» و«هزاره» ونواحي أخرى وأرسلوا إلى «هرات» ينتظرونه فيها.
إلا أن نادراً اضطر إلى تأديب أحد العصاة الأقوياء، هو حاكم «زمينداور» السند. فجهز حملة كلفته خسائر جسيمة في الأرواح والأموال بسبب البرد ووعورة الطريق ونهوض المقاومين إلى محاربته من كل جانب في طريقه ومنع الناس الأقوات عن جيشه. ولكنه استطاع أن يقهرهم حتى وصل إلى مقر العاصي فظفر به. ويرى «مينورسكي»)[187]) أن حملة نادر شاه هذه تعد من أروع أعمال حياته. وأسر نادر العاصي وقيده وحمله معه إلى أحد المنازل ثم عفا عنه، إذ أنه أحسن السلوك حتى رضي عنه، وأطلق سراحه، بل إنه أعاده حاكماً على قسم من ولايته التي كان والياً عليها، وأخذ عليه عهداً بأن يبعث إليه بمبلغ معين من المال وعدد من الجند واستبقى عنده إثنين من أبنائه رهينتين.
ومن هناك سار قاصداً «نادر آباد» حيث استهل حملته على الهند، فوصلها في السابع من صفر سنة 1153هـ، بعد أن غاب عنها في تلك الحملة مدة سنتين.
وفي العاشر من ربيع الأول سنة 1153هـ دخل إلى «هرات» قادماً من «نادر آباد» فمكث فيها ستة عشر يوماً.
محاولة توحيد المسلمين
من الأحداث المهمة في حياة نادر شاه المحاولة التي قام بها لتوحيد المسلمين والتي أفسدها تعصب المتعصبين، وهي ما نلخصه فيما يلي:
إن نادر شاه بعد ما فتح الهند وغيرها من البلاد، وحاصر بغداد ثمانية أشهر وكاد يفتحها، كان في تلك المدة يراسل السلطان العثماني في عدة أمور منها الاعتراف بالمذهب الشيعي كالمذاهب الأربعة وأن يكون له محراب خاص وإمام في المسجد الحرام وأن يكون من قبله أمير للحاج من طريق العراق وهو يتولى إصلاح البرك والآبار من طريق زبيدة. وفي سنة 1154 أمر ببناء مشهد أمير المؤمنين عليه السلام وتذهيب القبة والمنارتين والإيوان. وفي سنة 1156 غزا العراق بجيش عظيم وحاصر البصرة وبغداد والموصل وفتح السليمانية وكركوك وترددت الرسل بينه وبين أحمد باشا ابن حسن باشا والي بغداد في الصلح على شرط الاعتراف بالمذهب الشيعي كأحد المذاهب وجمع الشاه لذلك كل مفت في بلاده من الشيعة وأهل السنّة حتى بلغوا سبعين مفتياً. وأرسل وهو في العراق رسلاً إلى الباشا يطلب منه إرسال عالم من قبله للمفاوضة مع العلماء الذين بصحبته فأرسل عبد الله السويدي فأكرمه الشاه واحترمه بعدما كان خائفاً أشد الخوف وقد وصف دخوله على الشاه وإن عنده أربعة آلاف بنادقي يحرسون ليلاً ونهاراً وأنه جعله في ضيافة اعتماد الدولة.
ولم يترك نادر شاه من وسيلة في التقريب بين أهل السنّة والشيعة إلا توسل بها كما يعلم من مراجعة الرسالة التي كتبها عبد الله السويدي في وصف ما جرى، مما سننقله عنها، وفيها من التحامل العظيم على الشيعة وعلى نادر شاه ووصفه بأقبح الصفات مثل الباغي الخارجي وغيرها، مع كل هذا الإكرام. لكن كل هذه الوسائل ذهبت أدراج الرياح بسبب التعصب وعدم الميل إلى الإلفة ولولا ما حال دونها من هذه التعصبات لأنتجت نتائج حسنة للمسلمين.
ثم أمر الشاه باجماع عبدالله السويدي مع الشيخ علي أكبر الملاباشي للمناظرة، ثم يذكر السويدي مناظرات جرت بينه وبين الملا باشي، ثم يقول:
أخبر الشاه بهذه المناظرة طبق ما وقعت فأمر باجتماع علماء إيران والأفغان وما وراء النهر وأن يرفعوا جميع ما يرونه منافياً وأن أكون ناظراً عليهم ووكيلاً عن الشاه فاجتمع في المسقف الذي وراء ضريح الإمام علي سبعون عالماً من علماء إيران فيهم سنّي واحد وهو مفتي أردلان كتبت أسماء المشهورين منهم.
وهم:
- الملا باشي علي أكبر.
- مفتي ركاب آقا حسين.
- الملا محمد إمام لاهجان
- آقا شريف مفتي مشهد الرضا.
- ميرزا برهان قاضي شروان.
- الشيخ حسين المفتي بأرومية.
- ميرزا أبو الفضل المفتي بقم.
- الحاج صادق المفتي بجام.
- السيد محمد مهدي إمام أصفهان.
- الحاج محمد زكي المفتي بكرمان شاه.
- الحاج محمد الثماني المفتي بشيراز.
- ميرزا أسد الله المفتي بتبريز.
- الملا طالب المفتي بمازندران.
- الملا محمد مهدي نائب الصدارة بمشهد الرضا.
- الملا محمد صادق المفتي بخلخال.
- محمد مؤمن المفتي باستراباد.
- السيد محمد تقي المفتي بقزوين.
- الملا محمد حسين المفتي بسبزوار.
- السيد بهاء الدين المفتي بكرمان.
- السيد أحمد المفتي باردلان الشافعي وغيرهم من العلماء وهذا الاخر من علماء أهل السنّة.
ثم جاء علماء الأفغان فكتبت أسماؤهم وهم:
- الشيخ الفاضل الملا حمزة القلنجاني الحنفي مفتي الأفغان.
- الملا أمين القلنجاني قاضي الأفغان.
- الملا دنيا الخلفي الحنفي.
- الملا طه الأفغاني الحنفي المدرس بنادر آباد.
- الملا نور محمد القلنجاني الحنفي.
- الملا عبد الرزاق القلنجاني الحنفي.
- الملا إدريس الأبدالي الحنفي.
ثم جاء علماء ما وراء النهر يتقدمهم شيخ جليل عليه المهابة والوقار يخيل للناظر أنه أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة فكتبت أسماؤهم وهم:
- العلامة هادي خواجة الملقب بحر العلم القاضي ببخارى.
- مير عبد الله صدور.
- قلندر خواجه.
- ملا أميد صدور.
- باد شاه خواجه.
- ميرزا خواجه.
- الملا إبراهيم.
وكلهم بخاريون حنفيون.
ثم قاموا وتصافحوا ويقول أحدهم للآخر: أهلاً بأخي. وانقضى المجلس قبيل الغروب يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة 1157 فنظرت فإذا الواقفون على رؤوسنا والمحيطون بنا من العجم ما يزيد على عشرة آلاف وجاء اعتماد الدولة من عند الشاه وقد مضى من الليل أربع ساعات، فقال لي: إن الشاه شكر فعلك وهو يرجو أن تحضر غداً في المكان الأول ليكتبوا جميع ما قرروه ويضعوا خواتيمهم وتكتب شهادتك في صدر الرقعة فحضرنا يوم الخميس كلنا. والعجم متصلة من الخارج من باب القبة إلى باب الضريح يبلغون نحو الستين ألفاً. فأتوا بصحيفة طولها أكثر من سبعة أشبار، فأمر الملا باشي مفتي الركاب آقا حسين أن يقرأ ما فيها (من الاتفاق والتوحيد)، ففعل، وهي باللغة الفارسية.
ثم وضعوا خواتيمهم في تلك الرقعة وفيها أيضاً كتابة عن لسان أهل النجف وكربلاء والحلة والخوارز (كذا) فوضعوا فيها خواتمهم ومنهم السيد نصر الله المعروف بابن قطة والشيخ جواد النجفي الكوفي وغيرهم وكتابة عن لسان الأفغانيين وعلماء ما وراء النهر وفيها شهادة على الإيرانيين بذلك فوضعوا خواتمهم فيها وقال شهدت في أعلاها. وبعث الشاه بالحلويات في صواني الفضة ومبخرة من الذهب مرصعة بالجواتهر فيها العنبر فتبخرنا وأكلنا ووقف الشاه تلك المبخرة على حضرة سيدنا علي ثم أرسل إلي وقربني وقال لي جزاك الله خيراً وجزى أحمد خان (أحمد باشا) خيراً فما قصر في إصلاح ذات البين وحقن دماء المسلمين أيد الله سلطان آل عثمان وزاده عزاً ورفعة. ثم قال أريد أن تبقى غداً، أمرت بصلاة الجمعة في مسجد الكوفة وأن تذكر الصحابة على المنبر على الترتيب ويدعى لأخي الكبير سلطان آل عثمان ثم يدعى للأخ الصغير يعني نفسه. وصباح الجمعة ارتحل إلى الكوفة وهي فرسخ وشيء وأمر مؤذنيه فأعلنوا بأذان الجمعة فقلت لاعتماد الدولة أن صلاة الجمعة لا تصح عندنا في مسجد الكوفة لعدم المصر عند أبي حنيفة ولعدم الأربعين من البلد عند الشافعي. فقال: المراد حضورك لتسمع الخطبة فإن شئت صليت وإن شئت لا، فذهبت إلى الجامع فرأيته غاصاً بالناس فيه نحو خمسة آلاف فيهم علماء إيران والخانات.
ثم يقول السويدي إنه بعد الصلاة قال لي الاعتماد: كيف رأيت الخطبة والصلاة؟ فقلت: أما الخطبة فلا كلام فيها وأما الصلاة فخارجة عن المذاهب الأربعة على غير ما شرط عليهم أن لا يتعاطوا أمراً خارجاً عن المذاهب الأربعة.
يقول في أعيان الشيعة: يا عجباً للسويدي لا يرضيه عن الشيعة إلا أن يتركوا مذهب جعفر الصادق عليه السلام إمام أهل البيت ويقلدوا المذاهب الأربعة التي ليس مذهب جعفر دونها إن لم يكن خيرها. ومع كل هذا التشدد كيف يمكن اتفاق المسلمين الذي حاوله نادر شاه بكل جهده فحال دونه أمثال السويدي. وأرسل الشاه صورة الصحيفة إلى أحمد باشا مع السويدي وأرسل بعد ذلك السيد نصر الله الحائري ليكون إماماً في مكة المكرمة وأرسل معه هدايا إلى شريف مكة. فحاول أهل مكة قتله. ثم جاءه الأمر بالسفر إلى أسلامبول للسفارة بين الشاه والسلطان فاستشهد فيها لأجل التشيع فبطلت مساعي نادر شاه في جمع كلمة المسلمين.
عدد سكان الهند
قال كاتب في جريدة صادرة يوم الاثنين 8 أيار سنة 2000
سيتجاوز عدد سكان الهند يوم الخميس المقبل رسمياً عتبة البليون نسمة، ما يدفع سلطات هذا البلد إلى دق ناقوس الخطر خوفاً من هذا الانفجار الديموغرافي الذي لم تتمكن من وضع حد له والذي تعجز موارد البلاد الطبيعية عن مواجهته.
ووفقاً لتعداد رسمي استند إلى إحصاء سكاني أجري عام 1991، فإن الهند ستتجاوز عتبة البليون نسمة الخميس الحادي عشر من أيار (مايو) الجاري في الساعة 12:55 في التوقيت المحلي الساعة (7:25 بتوقيت غرينيتش). إلا أن العديد من الخبراء الدوليين يعتبرون أن الهند تجاوزت هذه العتبة منذ فترة وهي تقترب سريعاً من الصين وبحلول سنة 2040 سيصبح عدد سكان كل من البلدين 5،1 بليون نسمة.
ويرى الخبراء في هذا الارتفاع السريع لعدد السكان تطوراً مقلقاً لأن الموارد المائية والغذائية المتوافرة قد لا تكفي قريباً لسد حاجات السكان.
وقال مايكل فلاسوف المكلف بالشؤون الهندية لدى صندوق الأمم المتحدة للسكان إن «المياه هي أهم المشاكل التي ستظهر مستقبلاً لأن مستوى المياه الجوفية يتراجع بشكل ثابت».
ومن المقرر أن يقيم هذا الصندوق الخميس في نيودلهي ندوة بالتعاون مع الحكومة الهندية في شأن تجاوز الهند عتبة البليون نسمة.
وأضاف فلاسوف: «إن سهول القمح في الهند الواقعة في ولايتي البنجاب وهاريانا الشماليتين مزروعة بكاملها ولا يمكن توسيعها»، مشيراً إلى أن هذا يعني أن إنتاج الحبوب «سيبقى على حاله، هذا إذا لم يتراجع».
والإحصاءات الرسمية في شأن الزيادة السكانية مخيفة، فهناك هندي يولد كل ثانيتين أي 30 مولوداً كل دقيقة و1815 كل ساعة و3،1 مليون كل شهر و5،15 مليون كل سنة وهو ما يوازي تقريباً عدد سكان بلد مثل استراليا.
ويعاني نصف البليون من سكان الهند من الأمية فيما يعيش ثلث هذا البليون تحت العتبة الرسمية للفقر.
يذكر أن الهند كانت أول دولة نامية تقرر عام 1952 وضع خطة لتحديد النسل، فانخفض معدل الولادة لدى كل امرأة من ستة عام 1947 إلى 5،3 في التسعينات، كما انخفض معدل الولادات من أربعين للألف في الستينات إلى 28 للألف في التسعينات.
إلا أن معدل الوفيات انخفض في الوقت نفسه بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة سكان الهند ثلاثة أضعاف خلال نصف قرن. ويمكن أن تصل الهند إلى عتبة البليونين قبل نهاية القرن الحالي.
وتعتبر مؤسسة «وورلد واتش» الأميركية أن الهند تجاوزت عتبة البليون نسمة منذ آب (أغسطس) الماضي. وقالت إن السياسات المعتمدة في الهند للحد من الانفجار السكاني «غامضة وغير فاعلة».
واعتمدت الهند في البداية لتحديد النسل سياسة فرض وسائل منع الحمل أو التعقيم القسري الأمر الذي أدى إلى ردود فعل مستهجنة. ثم أعطيت الأولوية لاعتماد سياسة توعية، وتم تسجيل تقدم للحد من النسل في بعض الولايات تزامن مع انخفاض نسبة الأمية.
كما تعتمد بعض الولايات الهندية سياسة وقف الإعانات الاجتماعية للعائلات التي تتجاوز الولدين.
وقال أحد المسؤولين في مكتب الإحصاءات «سي. كي. سينها» إن الطبقات الفقيرة في الهند لا تزال تعتبر أن عدد الأبناء المرتفع هو أفضل ضمان للشيخوخة.
ويرفض فلاسوف هذا الكلام ويقول إن «العديد من الأبحاث أثبت أن الناس يعرفون أن الأطفال يكلفون أكثر بكثير مما يمكن أن يقدموا من المنافع التي يمكن أن يجلبوها خصوصاً عندما يصبح التعليم عاملاً مهماً في المجتمع».
وقال كاتب آخر:
أعلن مكتب التعداد السكاني الهندي أمس أن عدد سكان الهند سيتجاوز عتبة المليار نسمة في 11 أيار سنة 2000.
وبحسب ساعة تعداد السكان التي يتقدم عقرباها باستمرار في موقع مكتب التعداد السكاني على شبكة إنترنت، كان عدد سكان الهند الساعة 9,15 بتوقيت غرينتش 975,435 مليون نسمة.
ويزداد عدد سكان الهند بمعدل شخص واحد كل ثانيتين أي 15,6 مليون نسمة سنوياً. وتأتي الهند في المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بعد الصين (1,23 مليار نسمة) ومن المتوقع، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، أن تحتل المرتبة الأولى سنة 2050 وسيكون عدد سكانها 1,5 مليار نسمة.
هور العـوينة
يقع هور العوينة في قضاء الهندية، في الجهة الغربية مِن نهر الفرات. كانت أرضه قبل حفر فرات الهندية الذي قام به آصف الدولة وزير محمّد شاه الهندي سنة 1205هـ (1790م) مفازة لا نبت فيها ولا ماء، ثمّ تحوّلت تلك المفازة بسبب توسّع فرات الهندية إلى أَجَمة واسعة مستعصية يكثر فيها القصب والبردي، ثمّ جفّ ماؤها وتحوّلت إلى منطقة شلبية وفي هذا الدور صارت تمون مِن أحد فروع الفرات المسمى أبو رويّة (بتشديد الياء)، بعدما كانت تمون من الفرات مباشرة، وقد مات هذا النهر وحلّ محلّه الجدول الغربي (جدول بني حسن)، ومكانها يُعرف اليوم باسم أراضي هور العوينة، ولابدّ لنا أن نشير هنا أنّ العوَيْنة لغة، تصغير عامي للعين.
كانت عشائر الهندية أمثال بني حسن، وآل فتله، وقريط، وطفيل، والزابية وغيرهم تلتجىء إلى هور العوينة المذكور كلّما توجّهت نحوها عساكر الأتراك، فتتّخذ منه خير حصن تتّقي به شرّهم. ويحدّثنا التاريخ عن أهالي منطقة الهندية من أنّهم قد أظهروا العصيان على الحكومة التركية أكثر من مرّة، وفي كلّ مرّة كانت تقصدهم عساكر الدولة، وترجع عنهم خائبة.
ففي شهر ذي القعدة من سنة 1257هـ (1841) م توجّه إليهم وإلى بغداد الوزير عليّ رضا باشا بعد أن سدّ فرات الهندية مِن صدره)[188]) وحاربهم وأجلاهم عن مواطنهم، فنزلوا في مكان اسمه (الأحمر)، وذبحوا العسكر الذي معه. وفي أواخر شهر ذي القعدة مِن سنة 1258هـ (1842م) توجّه إليهم محمّد نجيب باشا الذي حلّ محل علي رضا باشا في الولاية، ونزل بجيوشه في المسيب، وحاول سدّ الفرات لغرض تجفيف هور العوَيْنة غير أنّه عجز عن سدّه، ولمّا أخفق في مسعاه توجّه إلى كربلاء للقضاء على فرقة اليرمازية وعميدهم السيّد الزعفراني، وحاصر البلدة، وفتحها يوم 11 ذي الحجّة مِن السنة المذكورة وأباح أهلَها قتْلاً ونهْباً، وبعد أنْ أمضى في كربلاء عدّة أيّام ارتحل عنها إلى النجف عن طريق البر لغرض التنكيل بأهلها أيضاً غير أنّ النجفيّين أخذوا للأمر حيطته وذلك بأنّهم شكّلوا وفداً من رجال الدين والوجهاء، وخرجوا لاستقباله ومعهم العَلَم الحيدري والقرآن، وأظهروا له الطاعة والولاء فعفى عنهم، وبعد أنْ أمضى في النجف، وفي الكوفة التي كان يُخيّم فيها الجيش بضعة أيّام توجّه إلى الهندية في شهر محرّم مِن سنة 1259هـ (1843م) ولمّا وصل إليها استعمل مع أهلها سياسة فَرّق تسد وبهذه الواسطة استمال إلى جانبه عشائر الحويزة أمثال طفيل والزابية وبنى طرف والكرافة، ولمّا تمّ له ذلك، هاجم الباقين وانتصر عليهم وأجلاهم وبنى قِلاعاً لأفراد العشائر الموالية للحكومة وكذلك بنى قلعتين ضخمتين إحداهما للكتخدا وأفراد الحامية والثانية لأمير زبيد (وادي الشفلح) وأتباعه مِن العساكر اللانظامية ولما تمّ له ذلك عاد إلى بغداد.
وفي سنة 1265هـ (1848م)، وهي السنة الأخيرة لحُكم نجيب باشا الإرهابي في العراق، أعلن غضب بن سلمان العجّه الحسناوي رئيس عشيرة الجرّاح في الهندية العصيان على الحكومة وذلك لمّا انقطع عليه مِن الخراج (الميري) عشرون وثلاثون ألفاً، وانهزم هو وشرذمة قليلة مِن بني عمّه إلى إخوان لهم في هور الدخن (ناحية العباسية)، فأجاروه، واجتمع عليه بعض الناس وبنى قلعة وجمع جيشاً وهجم بهم على مخازن الأطعمة العائدة للحكومة وكانت عند عشيرة المكاتيم)[189]) واستولى عليها وفرّقها على أتباعه، فازداد جيشُه وقويت كلمته وانضمّت إليه بقية العشائر وسار بجموعه إلى الهندية، وفي طريقه إليها استولى على مخازن الشلب التي بأراضي حرقه القريبة مِن تل برس وأطاعه أهلها ووصل الهندية واستولى عليها وأخذ جميع ما فيها من الشلب العائد للحكومة أيضاً فكان مجموع ما أخذه مِن الشلب ثمانية آلاف طن وانهزم شيخ زبيد وادي الشفلح لمّا تقابل معه، وكان وادي يومئذ هو المسئول مِن قِبَل حكومة نجيب باشا في الهندية بل وفي غيرها مِن المناطق الفراتية. ولم يقف غـضب العجّة عند هذا الحدّ، بل توجّه بجموعه إلى (الطنبي) الذي هو أحد مراكز الحكـومة في الهندية وحاصره عشرين يوماً، واستولى عليه وأخرج أهله منه.
وفي اليوم الثاني من شهر جمادى الأولى مِن سنة 1266هـ (1849م)، استولى على (الطنبي) الذي يقيم فيه الكهية والعسكر وأخذ جميع ما عندهم مِن سلاح ومتاع وهدم الطنبي وأحرقه، وهذه الحادثة الأخيرة حصلت في أيّام ولاية عبد الكريم باشا)[190](.
وعلى أثر هذا اهتمّ الوالي الجديد للأمر وسعى لإقامة سد قوي على الفرات لغرض تجفيف هور العوينة ليسهل على عساكر الدولة الوصول إلى مواطن العُصاة وخصص لأجل هذا السد خمسة آلاف ليرة ذهب ومن ثم خرج الوزير عبد الكريم مِن بغداد ونزل على صدر الهندية وشرع في سدها في يوم 26 ذي الحجّة مِن سنة 1266هـ (1849م) واجتمعت على السدّ جميع الأعراب مِن شمّر وغيرهم بالإضافة إلى أفراد الحملة العسكرية البالغ عددهم بضعة آلاف، وفي اليوم العاشر من شهر صفر سنة 1267هـ (1850م) كَمُل السد. ومن ثم توجّه الوزير عبد الكريم باشا بعساكره إلى العوينة فوصلها يوم 9 ربيع الأوّل مِن السنة المذكورة واستمرّت الحرب بينه وبين العشائر إلى يوم 20 منه، وفي التاريخ المذكور رجع عنهم خائباً واستولت العشائر على بعض المدافع والخيم. وكان السبب في ضعف الوزير مجيء كريدي آل ذرب شيخ الخزاعل لنصرة عشائر الهندية.
وفي الأيام الأولى مِن ولاية وجيه باشا)[191]( جهّز محمّد نامق باشا الذي كان يشغل منصب زعيم الفيلق السادس في بغداد وملحقاتها، حملة قويّة، وأرسلها إلى أهالي العوينة بقيادة علي المشير، فوصل هذا إليهم وحاربهم بضعة أيّام، وفي يوم الخميس 7 جمادي الثانية من سنة 1267هـ، فتح عليّ المشير العوينة بعدما خانت عشائر الحويزة وطفيل، وقد أسر النساء وقتل الأطفال، ونهب الأموال وانهزمت العشائر المتمرّدة إلى الحسكة (الديوانية) وأطراف الشامية والسماوة.
استمر المشير في أعماله البربرية عشرة أيام عاد بعدها إلى بغداد بالأسرى وبالمنهوبات، ومن هناك أرسل نامق باشا بعض أسرى العوينة إلى اسطنبول وأنزل بعضهم في المحلّة المعروفة اليوم باسم العوينة، وكانت يومئذ غير معمورة وعهد إليهم تربية الجاموس والبقر الذي نهبته الحكومة مِن أهالي الهندية في حادثة العوينة المارة الذكر، وكان جل هؤلاء مِن البوعريف من بني حسن، ولا يزال أحفادهم يُقيمون في محلّة العوينة ويتَسَمَّوْن بالعريفات.
وللشاعر محمّد أمين العمري قصيدة بهذه المناسبة، تشتمل على (22) بيتاً يمدح بها المشير نامق باشا ويهجو أهل الهندية، وقد ذيّلها بستّة أبيات أرّخ فيها الوقعة المذكورة، ذكرها أبو الثناء شهاب الدين السيّد محمود الآلوسي في (نشوة الشمول) وقدّم لها بما لفظه: سمعت في جزيرة ابن عمر قصيدة لمحمّد أمين العمري أرسلها إليّ مع كتاب مِن أرجاء الزوراء حضرة نامق باشا مشير الحجاز والعراق، يخبرني بها عن حادثة وقعت هنا ظهر فيها سعده وهو قوله:
يا أيها الملك المشير القسور
هذا الجهاد هو الجهاد الأكبر
جاهدت أرباب الشقاء فأصبحوا
طوع القياد لما تقول وتأمر
دارت عليهم للنحوس دوائر
فيها النكال مكور ومدور
مكروا فأصبح كيدهم في نحرهم
ويحيق مكر السوء فيمن يمكر
جحدوا وما شكروا لنعمة ربهم
وطغوا وفي طرق الضلال تجبروا
فبطشت فيهم بطشة كبرى بها
ذلوا وفي (عين العوينة) صغروا
ومنها قوله:
فغدا (بنو حسن) لسوء فعالهم
كانوا بها وكأنهم لم يذكروا
لم يسلكوا طرق الرضا وبحزبهم
(غضب) أحاط من البلاء مقدر
ومنها قوله:
رتبتهم صفاً فصفاً للقا
وسديد رأيك للأمور مدبر
بكتيبة الهيجاء إنك (نامق)
وصفوفهم من حسن حظك أسطر
وأما الأبيات المتضمنة تأريخ فتح قلاع الهندية فهي:
أهل هندية بغت بقلاع
شيدوها من مكرهم والخباثه
واستقلوا بها على البغي جهلاً
فهم معدن الخنا والدياثه
زرعوا حولها الشقاء عناداً
لا رشاداً إلى طريق الحراثه
فأتاها «المشير» ليث البرايا
من له الحزم من قديم وراثه
وعليها استولى بشدة حزم
فأغاث الورى بحسن الإغاثه
عند تسخيرها لقد قلت جهراً
سخرت أرخوا (القلاع ثلثه)
حمود الساعدي
هولندا
هولندا الواقعة ضمن البلاد المنخفضة في شمالي غربي أوروبا، تمتلك ميزات جغرافية واقتصادية وثقافية وسياسية مهمة، ضاربة في جذور تاريخ القارة الأوروبية، وبارزة في مجرى حياتها وأحوالها المعاصرة.
في القرون الثلاثة الماضية، دخلت هولندا في ميدان السيطرة الاستعمارية الغربية على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي وشرقي آسيا، وبعد الحرب العالمية الثانية وتدمير البنية الصناعية والزراعية في أوروبا، أصبحت محل استقطاب أعداد كبيرة من اليد العاملة القادمة من البلاد الإسلامية، ومع العقود الأخيرة تزايد تدفّق المهاجرين المسلمين إليها، لا سيما طالبو اللجوء والطلاب، وبفضل سماح الحكومة بلمّ شمل العائلات المهاجرة.. تنتشر اليوم في أرجاء هولندا، جالية إسلامية كبيرة يتزايد حضورها في مختلف المجالات، وتتسع علاقاتها مع المجتمع الهولندي، وكذلك مع الدولة.. يبقى أن لهذه الجالية كغيرها من الجاليات الإسلامية في دنيا الغرب همومها ومشاكلها، كما لها طموحاتها وآمالها..
نتحدث عن هذا الموضوع فيما يلي:
تبلغ مساحة هولندا 41,526 كلم2 يحدّها جنوباً بلجيكا، وشرقاً وشمالاً ألمانيا، وغرباً بحر الشمال.
وإلى جانب العاصمة أمستردام، تعتبر روتردام، ولاهاي (وفيها محكمة العدل الدولية)، وأوترخت، ودوردرخت، وغروننكن من أهم مدنها.
هولندا دولة ملكية يتألف برلمانها من مجلسين، يضم المجلس الأول 75 عضواً والثاني 150 عضواً وتنقسم هولندا إلى 12 مقاطعة سياسية.
يطلق على هولندا وبلجيكا واللوكسمبورغ (دول البينكلوس): اسم الأراضي المنخفضة، إذ أن أعلى موقع فوق سطح البحر في هولندا يصل إلى 321 متراً.
فالداخل الهولندي منبسط إجمالاً، والشاطئ منخفض ذو كثبان رملية، والظاهرة المميزة في هولندا أن قسماً من أراضيها يقع تحت مستوى البحر، الأمر الذي جعل الهولنديين منذ القدم مضطرين إلى إقامة السدود والقنوات، وإلى تجفيف البحيرات والمستنقعات وأجزاء من البحر بواسطة الطواحين الهوائية.
أما المناح فهو معتدل إجمالاً، كثير الرطوبة والضباب والأمطار.
وتحتل الزراعة مركزاً مهماً في الاقتصاد الهولندي؛ وأهم الزراعات:
الحبوب والبطاطا والشمندر السكري والكتّان والفاكهة والزهور، ولهذه الزهور شهرة عالمية.
وتنشط في هولندا تربية الماشية وإنتاج اللحوم والحليب والزبدة، ونسبة إنتاج الحليب البقري فيها أرفع نسبة في العالم. كما يشكل صيد الأسماك مورداً مهماً فيها.
وإلى جانب المنتوجات الزراعية، تزدهر في هولندا، صناعة بناء السفن والأدوات الكهربائية والإلكترونية، وتكرير البترول، وكذلك تزدهر الصناعة النسيجية والكيميائية والغذائية.
وتحتل هولندا وبلجيكا المركز الأول في العالم في صناعة الألماس.
وتعتبر مدينة روتردام أكبر مرافئ العالم على الرغم من بعدها مسافة 18 كلم من البحر. ويشكل البترول النسبة الكبرى من الواردات عبر مرفئها. وليست روتردام مرفأ هولندا الرئيسي فحسب، بل وبوابة أوروبا أيضاً، فقسم كبير من تجارة ألمانيا وسويسرا والنمسا يتم عبرها.
وعدد السكان بحسب إحصائيات عام 2000م:
15,878,304 نسمة، وتبلغ الكثافة السكانية 382 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد.
و36% لا ينتمون إلى أي دين أو عقيدة.
34% كاثوليك.
25% بروتستانت (بما فيهم 15% من أتباع الكنيسة الإصلاحية الهولندية أي الكنيسة الكلفينية).
3% مسلمون.
2% من ديانات مختلفة.
محطات بارزة في تاريخ هولندا
كانت الأمبراطورية الهولندية أولى الأمبراطوريات الاستعمارية ظهوراً، أي قبل بريطانيا وفرنسا.
ففي عام 1594م تمكن الهولنديون من السيطرة على جزر الهند الشرقية.
وبين أعوام 1598 ـ 1601 قاد الهولنديون حملات استولوا فيها على مستعمرات برتغالية في الهند وأسسوا شركة الهند الشرقية.
وعام 1622م هزم الهولنديون الأسطول البرتغالي عند ميناء بندر عباس فجعلوا هذا الميناء مركزاً تجارياً لهم وسيطروا على تجارة التوابل.
وخلال النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، بدأ النفوذ الهولندي يتضاءل في منطقة الخليج بسبب سياسات الملك لويس الرابع عشر.
وعام 1752م أخلوا وكالتهم في البصرة إثر خلاف مع السلطات العثمانية هناك.
وعام 1753م انسحبوا من بوشهر على الجانب الإيراني.
وعام 1759 تم الانسحاب من بندر عباس إلى جزيرة قرب بوشهر.
وعام 1765 اضطروا إلى إخلاء تلك الجزيرة إثر تعرضهم لضربات عنيفة، وكان ذلك إيذاناً بانتهاء نفوذهم في الخليج لمصلحة النفوذ البريطاني.
وعام 1815 كانت هولندا دولة متحدة مع بلجيكا.
وعام 1830 انفصلت بلجيكا عن هولندا.
و1914 ـ 1918 بقيت هولندا محايدة خلال الحرب العالمية الأولى، لكن تجارتها تأثرت بسبب تلك الحرب.
و1940 احتلت ألمانيا هولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وهربت الحكومة الهولندية إلى لندن.
و1949 بعد أربع سنوات من الحروب، اعترفت هولندا باستقلال مستعمراتها الأندونيسية.
1954 أصبحت سورينام والأنتيل الهولندية أجزاء تابعة للمملكة الهولندية.
و1957 صارت هولندا عضواً مؤسساً في السوق الأوروبية المشتركة.
و1962 تخلّت هولندا عن غينيا الجديدة (إحدى مستعمراتها) إلى أندونيسيا.
و1975 استقلت مستعمرة سورينام عن هولندا، وهاجر كثير من أبنائها إلى هولندا.
و1986 انفصلت أوروبا ARUBA عن الأنتيل الهولندية لتصبح عضواً تابعاً للمملكة الهولندية.
و1991 التقت الدول الأوروبية الإثنتا عشرة في ماستريخت الهولندية لتوقيع مسودة معاهدة التكامل الاقتصادي والتعاون السياسي.
وقد أُقرّت معاهدة ماستريخت عام 1993 لتسارع في ولادة الاتحاد الأوروبي.
المسلمون في هولندا
يُعرف الشعب الهولندي بتسامحه الديني وقبوله الآخر بديانته وعاداته وتقاليده، فهو شعب غير متعصب دينياً أو عرقياً، على الرغم من وجود أصوات خافتة تعلو من فترة إلى أخرى جاهرة بعدائها للمسلمين، وللمهاجرين عامة.
ففي مدينة دوردريخت ـ مثلاً ـ تُعقد لقاءات وتُلقى محاضرات حول الإسلام والمسيحية من أجل فهم أفضل لتعاليم هاتين الديانتين، ولا يُسمح بطرح الأسئلة حول موضوع أي الأديان على حق، بل يجري التأكيد على معرفة القيم والمفاهيم الدينية ومعرفة نمط الحياة الذي يعيشه المؤمنون بهاتين الديانتين.
توافد المسلمون إلى هولندا منذ منتصف القرن العشرين، بأعداد قليلة، ثم ازداد عددهم سنة بعد سنة، فقفز هذا العدد من 458,500 نسمة عام 1990 إلى 700,000 نسمة عام 1999.
ويعود سبب ارتفاع عددهم إلى استمرار وصول اللاجئين من الدول العربية والإسلامية ولا سيما من العراق (8300 لاجئ) وأفغانستان (7100) والبوسنة (3800) والصومال (2800) والسودان (1900) وإيران (1700) وتركيا (1200) والجزائر (800)، وذلك بحسب إحصائيات 1998.
إضافة إلى استمرار تدفّق اللاجئين، فإن هولندا تطبّق قانون جمع الشمل، وهذا يعني أن مئات الآلاف استطاعوا الانضمام إلى أسرهم وأبنائهم العاملين في هولندا.
ولا ننسى أن نضيف أعداد المسيحيين الهولنديين الذين اعتنقوا الإسلام، فقد ارتفع عددهم من 2500 عام 1990 إلى 4000 نسمة عام 1999.
ويشكل الأتراك الغالبية العظمى من الجالية الإسلامية في هولندا (241 ألفاً) ثم المغاربة (196 ألفاً).
وإلى جنب هؤلاء يوجد العراقيون والصوماليون والإيرانيون والأفغانيون والباكستانيون واللبنانيون والمصريون والسوريناميون وغيرهم. ويتوزع هؤلاء على المذاهب الإسلامية المشهورة، كالحنفي (أتراك وباكستانيون وسوريناميون وعراقيون)، والشافعي (أندونيسيون وهنود وأكراد)، والشيعة (عراقيون وإيرانيون ولبنانيون) والمالكي (مغاربة وجزائريون وتونسيون).
وهناك العلويون المتمثلون بأكراد تركيا، كما توجد طرق صوفية منتشرة بين المسلمين، كالطريقة القادرية والنقشبندية والسليمانية والدرقاوية وملي غورش.
وإلى جانب طالبي اللجوء السياسي، قدم المسلمون إلى هولندا طلباً للعمل، والعيش في ظل الحكومة الهولندية طمعاً بمستوى معيشة أفضل، لذا نجد أعداداً كبيرة منهم يعملون في المصانع والشركات الكبيرة، واستطاع عدد منهم امتلاك محلات تجارية لبيع المواد الغذائية والألبسة وغيرها، بالإضافة إلى امتهانهم عدداً من المهن المختلفة. واللافت للنظر أن نسبة الأمية منتشرة في صفوف هؤلاء العمال، ويعيش معظمهم في أحياء فقيرة وقديمة معزولة داخل المجتمع الهولندي، ولذلك تحاول الحكومة الهولندية دمجهم في المجتمع الهولندي ودمج المقيمين على أراضيها من غير المسلمين أيضاً، وفي سبيل ذلك جعلت اكتساب الجنسية الهولندية أمراً غير معقد، إذ يكفي الإقامة الشرعية في هولندا مدّة خمس سنوات لاكتسابها، كما أنها تساهلت في شرطي اللغة والعمل مخالفة بذلك بقية الدول الأوروبية، فاستطاع كثير من العاطلين عن العمل وممن لا يجيدون اللغة الهولندية، اكتساب الجنسية الهولندية، وكان المسلمون يتحفظون على اكتسابها إذا ما أفقدتهم جنسيتهم الأصلية، وبعد صدور قانون يسمح بالاحتفاظ بالجنسية الأصلية عام 1990، تقدّم المسلمون لطلب الحصول على الجنسية الهولندية، ففي عام 1999 اكتسبها 1071 فرداً معظمهم من الأتراك والمغاربة والعراقيين.
مسجد الفتح التابع للمسلمين المغاربة في مدينة «الفن»
وقد سهّلت الحكومة الهولندية فرص إيجاد عمل للعاطلين، بمن فيهم أبناء الجاليات الإسلامية، فانخفضت نسبة العاطلين عن العمل في صفوفهم من 26% عام 1990 إلى 18% عام 1998، وإلى 4,1% بين الهولنديين في العام نفسه.
وقد أخذت بعض المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بفتح المجال أمام العاملين المسلمين، ولم تعارض تشغيل المسلمات الملتزمات بالحجاب.
فهذه الإجراءات مكّنت المسلمين من العمل في القطاعين الرسمي والخاص، وأصبح عدد الأعضاء في المجالس البلدية من المسلمين 75 عضواً عام 1998 وعدد النواب منهم سبعة في البرلمان الهولندي من العام نفسه، فعلى سبيل المثال، سمحت إدارة الشرطة في هولندا للمسلمات الموظفات في هذه الإدارة بارتداء الحجاب، بعد أن قامت بتصميم زي خاص بغطاء الرأس أثناء العمل، وقد أثار هذا الأمر ردود فعل مختلفة في الأوساط الإعلامية والسياسية بين مؤيد ومعارض. وتأمل المسلمات بعد هذه الخطوة، أن يفتح أمامهن الباب في بقية الدوائر الحكومية والشركات الكبرى، فعلى الرغم من أن هولندا هي من أكثر الدول الأوروبية تسامحاً واحتراماً للأديان والمعتقدات المختلفة، فإن مؤسسات عديدة ما تزال إلى الآن ترفض توظيف المسلمات المحجبات، أو تقوم بطردهن إن هن تمسكن بغطاء الرأس أثناء العمل.
إن هذه الأمور والإشكاليات تطرح في هولندا تحت عنوان احترام الحريات والمساواة التي ينادي بها الدستور الهولندي، ولقد استطاع أحد المسلمين (عدنان السعبري) كسب قضية رفعها ضد إحدى المدارس الكاثوليكية في مدينة زيست بخصوص ارتداء إبنته الحجاب.
ففي مدن كأمستردام وروتردام وبروكسيل، حيث يشكل المسلمون جزءاً كبيراً من النسيج السكاني، لم تعد المرأة المسلمة المحجبة تشعر اليوم بالغربة كما كان عليه الحال قبل عقود قليلة خلت عندما وطأ المهاجرون الأوائل أرض أوروبا. وهذا ما نلمسه من خلال أحاديث النساء المحجبات أنفسهن في هولندا، فعلى سبيل المثال تقول وفاء بوبناد (وهي من أصل مغربي)، الطالبة الجامعية في المعهد الأعلى لتأهيل المدرّسين بمدينة روتردام: إنها طالبة مسلمة ملتزمة بالزي الشرعي، لا تشعر بغربة ثقافية ونفسية في هولندا، في حين شعرت بذلك في بعض الدول العربية (مع الأسف) عند زيارتها إحدى تلك الدولأ، حيث كانت محط أنظار الكثيرين، عندما تتجول في شوارع المدن، إذ بدا الحجاب وكأنه ظاهرة غريبة، أما في هولندا فإنها تمارس شعائرها ومعتقداتها الدينية بكل حرية، ويسمح لها بمزاولة العمل أو الدراسة، وهي مرتدية الحجاب.
ولقد خصصت مجلة فاست فوروارد الهولندية التي توزع مجاناً على طلاب الجامعات صفحة غلافها لصورة طالبة الحقوق المسلمة المحجبة، من أصل تركي آسيا كاباتبا التي تعرضت للتمييز العنصري في مباراة أجريت للفوز بمنصب وظيفة، بسبب حجابها، كما أفردت مجلة «سترات مغازين» التي تصدر في روتردام غلاف عددها الصادر في 19 ـ 5 ـ 2001 لنشر صورة شابة مسلمة ترتدي حجاباً من صنع تركي، تعكس ذوق المسلمات المنحدرات من أصول تركية، والمغرمات عادة بالألوان الزاهية. ويُشار إلى أن «الحجاب» تحول مؤخراً إلى مادة لترويج المطبوعات، فقد تمكنت بعض الجرائد والمجلات الهولندية التي أفردت غلافها لصورة امرأة محجبة من رفع رقم مبيعاتها، خصوصاً بين أبناء الجالية المسلمة من فئات طلاب الثانويات والمدارس.
وفي بدايات تواجدهم في هولندا، اضطر المسلمون إلى الانعزال عن المجتمع من أجل الحفاظ على الهوية والذات، وخوفاً من ضياع أبنائهم في المجتمع الهولندي بعاداته وتقاليده، ولكن هذا الأمر لم يفلح في تنشئة أولادهم تنشئة إسلامية سليمة، والسبب الرئيس في ذلك هو ضعف الثقافة الإسلامية عند هؤلاء المهاجرينن ولا سيما في صفوف العمال، وعدم معرفتهم أحكام الشريعة على نحو دقيق، فنشأت الأجيال وهي تعاني من غربتين: غربة مكانية وغربة حضارية، الأمر الذي زاد في حدّة الأزمات النفسية التي يتعرّض لها الشبّان، فاندفع بعضهم إلى التفلّت من القيود العائلية والانغماس في أجواء لا تحمد عقباها، وفي المقابل قام بعض الرجال (كردة فعل) بقتل بعض البنات والسيدات تحت مبرر غسل العار والدفاع عن الشرف، وهي طريقة غير إسلامية في معالجة المشاكل الاجتماعية والأخلاقية.
كما عمد بعض الشبان إلى التورط بأعمال مخالفة للقوانين وبعضهم في تجارة المخدرات، حتى بلغت نسبة السجناء المسلمين 18% من السجناء في هولندا، وهي نسبة مرتفعة جداً إذا ما قورنت بعدد المسلمين من هولندا.
إحياء ذكرى أربعين الإمام الحسين (ع) في مسجد أهل البيت في لاهاي
وأحسّت الجاليات الإسلامية بخطورة ذوبان أبنائهم في المجتمع الجديد وابتعادهم عن الدين الحنيف، فعمدوا إلى تأسيس المساجد والمراكز الثقافية والمدارس الإسلامية.
ويبلغ عدد المساجد في هولندا، بحسب إحصائيات 1999م، 500 مسجد وتقوم السلطات المحلية بتوفير الأرض اللازمة في معظم الأحيان وتقديم المساعدات، إلى جانب ما تقدّمه الجالية من تبرّعات مالية وعينية.
وتقام في هذه المساجد الصلوات اليومية وصلوات الجمع، ويقوم الخطباء بالوعظ والإرشاد وشرح عقائد الإسلام وأحكامه، وقد فرضت السلطات منذ مدة وجيزة على أئمة المساجد، إتقان اللغة الهولندية، وهذه ظاهرة إيجابية حيث ينفتح الإمام على المجتمع الهولندي ويعرف طبيعته وخصوصيته وكيفية معالجة العديد من المشاكل التي يقع فيها الشبّان الذين يعيشون في ذلك المجتمع، بالإضافة إلى التمكّن من محاورة الشعب الهولندي نفسه.
وقبل الثمانينيات من القرن العشرين لم يكن في هولندا مدرسة إسلامية، نظراً لقلة الموارد المالية لدى المسلمين، وقلّة عددهم مقارنة بعددهم اليوم، ومع يقظة المسلمين وتنبّههم إلى خطورة تربية أولادهم في أوساط يخشى عليهم فيها من الضياع والفساد، تمّ تدشين مدرستين إسلاميتين (للمرحلة الابتدائية) عام 1988، ثم وصل عدد المدارس إلى 35 مدرسة إسلامية عام 1999، وتحظى هذه المدارس بالدعم المالي الحكومي.
أما أول مدرسة ثانوية فقد قامت عام 2000 في مشروع لإقامة مدرسة ثانوية أخرى في أمستردام. ولقد أسس المسلمون في هولندا جامعة روتردام الإسلامية عام 1997 وباشرت عملها عام 1998 لتكون منبراً إسلامياً للعلوم والثقافة.
وتهدف هذه الجامعة عن طريق التعليم والبحث العلمي، إلى تحقيق هدفين أساسيين هما «العيش مسلماً والعيش كمواطن صالح» داخل المجتمع الهولندي مع التمسك بالثوابت الإسلامية والاعتزاز بها، وتسعى الجامعة للتعاون مع الجامعات الهولندية في مختلف المجالات. كما تولي الجامعة اللغة العربية، أهمية كبيرة وهي شرط أساس لقبول الطالب بالجامعة، وتقوم بتنظيم دورات مكثفة في اللغة العربية للطلاب الجدد غير الناطقين بها. أما منهجها الأساس فإنه يجمع بين دراسة المصادر الإسلامية ومعالجة الخلفيات التاريخية والسياسية والاجتماعية للمجتمعات الأوروبية.
يوجد في هولندا أكثر من 1500 جمعية ومنظمة ومؤسسة إسلامية تتوزع على الأعراق والمذاهب التي ينتمي إليها المسلمون.
وترتبط غالبية الجمعيات باتحاد أو مجلس إسلامي للتنسيق في ما بينها، فهناك المجلس الإسلامي في هولندا Islamatische Raad Nederland (IRN) ومجلس المسلمين الهولنديين Nerlandse Moslim Raad (NMR)، إلا أن بعض المنظمات ترفض الانضمام والتنسيق مع المجلسين المذكورين، كما أن المجلسين يعانيان من المشاكل الحاصلة بينهما.
عدد من هذه الجمعيات يدير المساجد والمصليات، وعدد آخر يهتم بالبرامج الثقافية الإسلامية ونشاطات الشباب.
والمنظمات التركية وأقدمها: «منظمة المركز الإسلامي في هولندا»، التي تأسست في أوترخت عام 1972، تدير 18 مسجداً و12 مركزاً للشبان.
المنظمة الفيدرالية التركية، تأسست في روتردام عام 1979، وتضم 96 مسجداً.
المنظمات المغربية، تأسست عام 1978 وأقدمها اتحاد المنظمات المغربية المسلمة. وتلقى هذه المنظمات دعماً مالياً من الحكومة التي تدفع رواتب لخمسة وستين إماماً.
وفي عام 1990 تأسست الفيدرالية الهولندية للمنظمات المغربية المسلمة ويتبعها 21 مسجداً.
الفيدرالية الإسلامية الهولندية، التابعة لحركة «ملي غورش» وتضم 20 مسجداً و40 منظمة للشباب.
منظمة النساء المسلمات الهولنديات في أمستردام.
مركز المعلومات الإسلامي للمسلمين الهولنديين في لاهاي، في عام 1980 أسس هذا المركز عبد الواحد فان بومل الذي أسلم عام 1967. وهو مدير «إذاعة المسلمين الهولنديين» Nederlandse Moslisms OMroep (NMO) والسيد عبد الواحد فان بومل من الشخصيات المهمة في المجتمع الهولندي. ويقوم هذا المركز بالدعوة إلى الإسلام في اوساط الهولنديين ويحضر عدد كبير منهم برنامجه الأسبوعي، وقد أسلم بعضهم من خلال هذا المركز.
المنظمات الإسلامية العراقية تضم حوالي عشرين جمعية من هذه الجمعيات:
ـ الجمعية الثقافية العراقية: تأسست عام 1991، من أهدافها: الحفاظ على الثقافة الإسلامية، وإقامة الشعائر الإسلامية، ورعاية اللاجئين العراقيين.
ـ المركز الثقافي الإسلامي في أوترخت.
ـ جمعية النور في غروننكن.
ـ جمعية الحكمة في دنبوش.
ـ جمعية أهل البيت عليهم السلام في ألميرا.
وتنضم حوالي 14 جمعية إسلامية عراقية في مجلس الجمعيات العراقية في هولندا، الذي تأسس عام 1996.
تأسس هذا المركز في شهر تموز عام 1995، ويتألف هيكله الإداري من الهيئة العامة التي بدورها تنتخب سنوياً لجنة إدارية يقوم على عاتقها إدارة نشاطات المركز.
والهدف الأساس للمركز هو تعميق الوعي الإسلامي والدعوة للالتزام بالأحكام الإسلامية بين صفوف المهاجرين.
ويقوم بشرح مبادئ الإسلام وتعاليمه في المناسبات الإسلامية وضمن دروس أسبوعية، ويولي اللغة العربية اهتماماً خاصاً، وفي سبيل ذلك أسس في عام 1995، مدرسة سُمّيت باسم «مدرسة الزهراء»، وهذه المدرسة تقوم بتدريس اللغة العربية والتعاليم الإسلامية وفق مراحل متعددة. وبين هذه المراحل، مرحلة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، يلتحق بها طلبة هولنديون.
وكذلك يلتحق بهذه المدرسة عدد من أبناء الجاليات الإسلامية غير العراقية. ويصدر المركز نشرة شهرية باسم الرسالة، وهي تعنى بنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام والتعريف بقوانين البلد وتسليط الضوء على سلبيات الحضارة المادية، وتوضيح معاناة الشعب العراقي، ويصدر نشرة دورية باسم «الشباب»، عن لجنة الشباب في المركز، وهي تطرح المفاهيم الإسلامية المناسبة لأعمار الشباب، وللمركز مكتبة تحتوي على مجموعة من الكتب وأشرطة التسجيل الصوتي والمرئي مفهرسة حسب المواضيع والمناسبات وتحتوي على مختلف المحاضرات الإسلامية والمجالس الحسينية والندوات الثقافية والاحتفالات التي تعقد في الساحة الهولندية، إضافة إلى الأنشطة الأخرى.
ومن نشاطات المكتبة مراسلة مختلف المراكز والمكتبات المختلفة، وإنتاج أشرطة مسجلة للأدعية والأناشيد الإسلامية باللغتين العربية والهولندية.
ومن أهداف المركز التعريف بأساليب الحياة في المجتمع الهولندي وكيفية التكيّف معه دون فقدان مقومات الثقافة الإسلامية الأصلية.
ويجب أن نشير إلى أن البرنامج الثقافي الإسلامي الذي يعرضه التلفزيون الهولندي كل يوم أحد لمدة نصف ساعة، وكذلك البرامج اليومية في الإذاعة، تتيح للهولنديين فرصة أكبر وأوسع للتعرف إلى الإسلام.
ويسعى المركز لبناء علاقات جادة مع المجتمع الهولندي، من خلال الانفتاح على المؤسسات الرسمية والمنظمات الإنسانية، وكذلك المراكز الدينية من أجل إبراز صورة صحيحة للإسلام.
وإلى جانب إحياء المناسبات الإسلامية، يساهم المركز في النشاطات الاجتماعية التي تشد أواصر المحبة والتماسك بين أبناء الجالية المسلمة، إذ يشارك مثلاً في مراسيم الجنازة وإقامة مجالس التأبين، ويرعى مناسبات الأفراح، ويقوم المركز بزيارات المرضى أو العائلات التي ترزق بمولود جديد، كما يقدم خدماته للاجئين الجدد.
وتشتد الحركة الاجتماعية بين أبناء الجاليات الإسلامية في شهر رمضان المبارك، حيث تُقام موائد الإفطار، والزيارات المتبادلة، والحضور المكثف في المساجد لتلاوة القرآن والأدعية، وتزدحم الشوارع بالمارة من المسلمين ولا سيما بعد الإفطار.
وتأسست الجمعية الثقافية العراقية في هولندا عام 1992، وقد قام بتأسيسها مجموعة من العراقيين المقيمين في هولندا.
وإلى جانب رعاية شؤون اللاجئين العراقيين الذين يفدون إلى هولندا، تهدف الجمعية إلى إقامة الشعائر الإسلامية وإحياء المناسبات الإسلامية كذكرى المولد النبوي الشريف وولادات الأئمة عليهم السلام ووفياتهم وغير ذلك. وهناك اهتمام خاص بإحياء ذكرى عاشوراء وإقامة مجالس العزاء تخليداً لذكرى سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
وتقيم الجمعية محاضرات ثقافية على نحو أسبوعي، يحضرها الرجال والشبان، حيث يتم شرح الأحكام الإسلامية وكيفية تطبيقها.
وهناك درس أسبوعي للنساء اللواتي يأتين للاستفسار عن أمورهن الدينية وللاستماع إلى المحاضرات الإسلامية.
وهناك برامج للأطفال، حيث يجري تعليمهم الصلاة والمفاهيم الإسلامية كما تجري دوماً مسابقات ذات طابع إسلامي، ثم توزع الهدايا على الفائزين.
وتصدر عن الجمعية نشرة شهرية ثقافية عامة تسمى «النخيل».
وفي لاهاي مسجد المعصومين عليهم السلام الذي تقام الصلاة فيه، كما تعطى الدروس الإسلامية التي يحضرها عدد كبير من أبناء الجالية الإسلامية. وفي لاهاي أيضاً يوجد مسجد أهل البيت عليهم السلام للمسلمين الشيعة من الجالية الإسلامية التركية، وهي أكبر الجاليات الإسلامية في هولندا.
كذلك يوجد العديد من المساجد والمصليات المنتشرة في لاهاي وفي غيرها من المدن الرئيسة في هولندا.
هُونين
قرية على أواخر جبل عامل من جهة الشرق على جبل، وفوقها جبل ينسب إليها، ويقابلها من المشرق جبل بانياس، وترتفع عن سطح البحر نحو 660متراً. وتقع إلى الشمال منها قلعة شيدها فيها الصليبيون العام 1179م بعد أن احتلوها فيما احتلوه من بلاد. وفي العام 1187م حاصرها المسلمون فاستسلم من فيها صلحاً في شهر كانون الأول من ذلك العام وظلت في يد المسلمين إلى أن أعادها إلى الصليبيين الملك الأيوبي (الصالح إسماعيل) صاحب دمشق سنة 1241م، مع ما أعاد إليهم من بلاد شملت فيما شملت صيدا وتبنين والشقيف وهونين، وذلك لكي يساعده الصليبيون على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر، وهي واحدة من الخيانات الأيوبية، وما أكثرها من خيانات. وظلت بيد الصليبيين إلى أن استعادها الظاهر بيبرس في العام 1266)[192](.
وجميع سكان هونين هم من الشيعة. وقد شردوا عن قريتهم السنة 1948 ودمرت القرية بكاملها. وفي السنة 1951 سكنها صهيونيون مهاجرون من العراق واليمن بعد أن أسسوا على أرضها موشاف (مرجاليوت).
وكانت هونين في فترة من فتراتها مقراً لقبلان الحسن من آل علي الصغير وذلك في عهد ناصيف النصار، كما سكنها قبله رؤساء من أسرته، وكانوا قد جددوا تعمير القلعة لأنها كانت قد تهدمت في الزلزال الذي حدث العام 1837. ولتلك الأسرة فيها آثار وعمارات محكمة منها الجامع الذي ظلت منارته وبعض جدرانه باقية وقد كتب عليه هذا التاريخ:
ومسجد فاز ببنيانه
ذو الفضل قبلان حليف الندى
كيف وقد قال لنا جعفر
والقول حق من بنى مسجدا
مذ أمّه الناس وصلوا به
أرخت خرّوا ركعا سجدا
(1116هـ)
وقد توهمت الموسوعة الفلسطينية فيما كتبته عن هونين فحسبت أن تاريخ بناء المسجد (1116) هو تاريخ ميلادي في حين أنه تاريخ هجري.
وفي أعلى الجبل الذي فوق هونين بينها وبين المنارة شجرات عادية ضخمة تسمى شجرات العبابيد، ينسب لها أبناء جبل عامل أسطورة متداولة بينهم. وترتفع قمة العبّابيد عن سطح البحر 902م.
وقصة إلحاق هونين بفلسطين، ثم بيعها للصهاينة وطرد أهلها منها قصة طويلة ترتبط بمنطقة (الحولة) المتصلة أرضها بها، إذ ان هونين تطل من موقعها على سهول الحولة الرحيبة الخصبة. وإليك بعض التفاصيل.
تأخر شراء اليهود لهونين وبقية المناطق العاملية المتصلة بها عن شرائهم للحولة، فبعد أن اطمأنوا على أمرهم في السهول المنبسطة أرجؤوا أمر الجبال إلى فرصة أخرى. ولم يطل الأمر أكثر من بضع عشرة سنة، إذ تقدم سماسرة لبنانيون لمفاوضة مالكي هونين والمنارة وما يليهما ويتصل بهما، اعتباراً من القمم الممتدة وراء هونين لجهة جبل عامل ثم هبوطاً من تلك القمم إلى ما هو دونها في العلو حتى السفوح المنحدرة إلى الحولة والمتصلة قواعدها بأرضها.
والسماسرة الذين تولوا أمر الوساطة بين مالكي الأرض من آل الأسعد وبين الشركة هما شقيقان لبنانيان أحدهما من كبار الأثرياء، وكان كلما ازدادت ثروته ازداد نهمه للمال ولو كان هذا المال نتيجة (سمسرة) على أرض عربية لتباع للصهاينة. والأخ الثاني وهو الأكبر أصبح ينادى به بين الزعماء وتحتوشه الجماهير وتهتف باسه، ثم صار في عهد الاستقلال وزيراً أكثر من مرة. وكانت تلك الأرض الواسعة ملكاً لأحمد الأسعد وبعض شركائه من أبناء أسرته وهم الأكثر، وآخرين وهم أقل من القليل. على أن هونين نفسها لم تكن كلها ملكاً لأحمد الأسعد وأسرته، بل إن فريقاً من أهلها كانوا يملكون شطراً ليس بالقليل من أرضها، كانوا قد اشتروه تدريجياً من آل الأسعد، وعندما فوتحوا ببيع ما يملكون من أرض لليهود أبوا ذلك كل الإباء بالرغم من مغالاة السماسرة في ثمن الأرض. وزادوا على ذلك بأن حاولوا منع أحمد الأسعد من البيع فطاف بعضهم على بعض العامليين البارزين يستنهضونهم لمنع هذه الصفقة، ولكن كل ذلك لم يجد، وباع أحمد الأسعد هونين والمنارة وكل تلك الذروات والسفوح والأصواح والأسناد الممتدة على أوسع المساحات. وحسبك في اتساعها أن مستعمرتين صهيونيتين كبيرتين تبدوان بارزتين في القسم المطل على جبل عامل، أما ما وراء ذلك فعلمه عند الله.
وأحمد الأسعد هذا صار في لبنان في عهد الاستقلال الزعيم النافذ والوزير الدائم ورئيساً لمجلس النواب، وعضواً في الوفود اللبنانية التي تشارك في اجتماعات الجامعة العربية التي تعالج أمور فلسطين.
اشترى اليهود هونين والمنارة في عشر الثلاثين أي قبل قيام دولتهم بأكثر من عشر سنين، ولم يتصرفوا في شيء من تلك الأرض المتسعة، وتركوا أهل هونين في بلدهم ولم يتعرضوا لهم حتى إذا قامت دولتهم في سنة 1948 شردوهم عن بلدهم، ثم هدموا البلدة وأقاموها من جديد يهودية البنيان والسكان.
والذي زاد في المحنة أن قسماً من الأرض التي بيعت كان داخلاً ضمن لبنان، فلما خطط الصهاينة حدودهم مع لبنان ضموا هذا القسم إلى دولتهم، ثم زادوا فجعلوا الحدود خطاً مستقيماً مما جعلهم يضمون إليهم أكثر من ربع أراضي القرى المجاورة مثل عديسة ومركبا وحولا وميس وبليدا وعيثرون. ضموا ذلك واستولوا عليه عفواً صفواً.
وأهالي هونين هؤلاء الذين شردوا عن أرضهم كانوا يتميزون في جبل عامل بشهامتهم وكرمهم وفروسيتهم، وكان من مظاهر فروسيتهم أنهم كانوا يقتنون أكبر عدد من الخيل بالنسبة إلى القرى الأخرى، فحين تقام الاحتفالات الشعبية، ويدعى إليها أهل القرى المجاورة كان موكب أهل هونين يتميز بفرسانه الكثر فوق خيولهم الأصائل، مرتفعة أهازيجهم الحماسية إلى عنان الجو.
وبعد تشريدهم من بلدهم حل القسم الأكبر منهم في ضاحية بيروت الجنوبية لاجئين مستضعفين ولكنهم استطاعوا بجدهم وكدهم أن يبنوا أنفسهم من جديد متكاتفين متعاضدين، وأقاموا في الضاحية مؤسسة خيرية كان من أبرز ما فيها، حسينية كبيرة سموها حسينية هونين، ظلوا يقيمون فيها الحفلات الخطابية الحافلة في ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام وغيرها من الذكريات، ويدعون للمشاركة فيها الخطباء والعلماء والشعراء.
وقد دعيت للخطابة في حسينيتهم فكنت وأنا أرى نشاط شبانهم وحيويتهم، أتذكر رؤيتي ـ وأنا فتى يافع ـ لأسلافهم الفرسان يقبلون إلينا في شقراء يوم عودة الوالد من العراق وإيران، على خيولهم المطهمة، منتصبين فوق متونها كالأطواد، هازجين كالرعود، متهللين كالشموس…
ويا بعد ما بين الموقفين: موقف أهل هونين نازحين في حسينية هونين، وموقفهم مقبلين من هونين…
ولم يفتهم وهم يقدمونني للخطابة من أن يشيروا إلى أبي، ولم يكونوا يدرون أني في تلك اللحظة كنت أعيش مع ذكرى آبائهم.
هوية التاريخ الإسلامي
نظرة في التاريخ
شكلت المعرفة التاريخية في القديم جزءاً لا يتجزأ من معارف الإنسان الفلسفية والسياسية والأخلاقية، كما شكلت جزءاً من ذوقه الأدبي والفني وذاكرته ومتعته القصصية.
هكذا كان شأن المعرفة التاريخية وموقعها في الحضارات الإنسانية القديمة. لم تكتسب ـ شأنها شأن المعارف الأخرى ـ حيزاً مستقلاً من حيث الموضوع أو المنهج. فهي إما جزء من سجلات سياسية وإدارية وعسكرية ومالية تخص الدولة وملوكها وسلالاتها كما هو الحال بالنسبة للحضارة المصرية القديمة أو البابلية، أو جزء من الأدب السياسي والخطابي والقصصي كما هو الحال بالنسبة للحضارتين اليونانية والرومانية.
وإذا كانت هاتان الحضارتان الأخيرتان (اليونانية والرومانية) قد شهدتا بزوغاً لمحاولات تأريخية مستقلة وصلت إلى ذروتها مع توسيديد اليوناني (٤٦٠ – ٣٩٥ ق.م) فقد بلغت مع بوليبوس الروماني (٢١٠ – ١٢٥ ق.م) أوسع تحركها دوافع Polybe فإن الفكر التاريخي ظل جزءاً من اهتمامات السياسة أحياناً كما هو حال الخطاب السياسي الروماني أو دوافع الأدب الذي يستلهم من التاريخ موضوعه ومادته وشخصياته وأبطاله. يقول «إيف لاكوست» معبراً عن هذه الفكرة: «إن الفكر التاريخي برغم احتلاله مركزاً هاماً في الثقافة اليونانية والرومانية لم يبق في المستوى الذي رفعه إليه توسيديد. فلقد تغلبت فيه اهتمامات الأدب على اهتمامات المؤرخ. ولم يعد المثل الأعلى فهم الماضي، بل أصبح تدبيج وصف الماضي».
وأما بالنسبة للحضارة العربية ـ الإسلامية فإن الكتابة التاريخية كانت في البدايات جزءاً من أدب السيرة والمغازي والفتوح، كما كانت جزءاً من علوم الحديث والفقه والتفسير. وكل هذه العلوم انبثقت، كما نعرف، عن الإسلام في مسار الجهد الذي بذل من أجل فهم الدين ونشره وتطبيقه في الحياة العامة والحياة اليومية. ومن هنا يمكن أن نقول: إن الإسلام شكّل المنطلق الأساسي في بروز كتابات تاريخية ارتبطت بالتفسير لمعرفة الظروف التاريخية لنزول الآيات كما ارتبطت بالحديث والسنة وأخبار الفتوح والمغازي للمساعدة في استنباط الأحكام الفقهية المتعلقة بالسلوك البشري وتحديد الضرائب وتصنيف الملكيات الزراعية كما نلحظ ذلك بوضوح في كتاب «فتوح البلدان» للبلاذري. وباختصار يمكن أن نقول: إن المعرفة التاريخية كانت «علماً مساعداً» للتشريع الإسلامي ولا سيما لعلمي التفسير وأصول الفقه.
ومع ذلك، فإن التأثيرات القبلية العائدة إلى العصر الجاهلي، والتي استمرت في الحياة السياسية والاجتماعية الإسلامية تركت بصماتها أيضاً في الكتابة التاريخية، وذلك انطلاقاً من الإهتمام بالتاريخ للأنساب القبلية، والوقائع وتماثلاً مع أدب التفاخر بالأنساب وأيام العرب في مرحلة ما قبل الإسلام. وهنا يمكن أن نسجل دوراً أكيداً للعملية القبلية، أي العصبية التي رافقت بناء الدولة في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي في توكيد ذاك الاتجاه التاريخي. فمعطيات بيت المال وتأسيس ديوان الجند كانا عاملين مساعدين لاستمرار الإهتمام بالأنساب عملاً بتسجيل الأسبقية في الإسلام والمشاركة في الحروب، وتركيزاً لوظيفة العصبية في رفع السلطان والملك.
ويضاف إلى هذه العوامل حاجة العمل السياسي إلى العبرة التاريخية من أحداث الماضي، ولا سيما الأحداث المتعلقة بسياسات الملوك السابقين وحروبهم ومعاركهم.
وكل هذه العوامل تنتظم في عامل أساسي محرك هو تأكيد القرآن الكريم الاعتبار من الماضي والحث على النظر والتأمل في التجارب الإنسانية.
وجملة القول إن المعرفة التاريخية احتلّت بسبب تقاطع كل هذه العوامل مكاناً مرموقاً في الثقافة العربية ـ الإسلامية ـ سواء لدى السياسي أو الأديب أو الفقيه أو الفيلسوف أو الإنسان العامي. ومن هنا كان انتشار كتب التاريخ في المكتبات العامة التي ازدهرت في حقب عديدة من التاريخ الإسلامي، انتشاراً جعلت الثقافة التاريخية ثقافة شعبية بالمعنى الذي تحدث عنه ابن خلدون حين قال: إن فن التاريخ من الفنون التي تتداومها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركاب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال ويتساوى في فهمه العلماء والجهّال.
ولا يقتصر الإنجاز العربي الإسلامي على الجانب الكمي من المعارف التاريخية التي تزخر بها المكتبة العربية، الإسلامية من كتب ومخطوطات مبثوثة اليوم في جميع أنحاء العالم (عدا القسط الأكبر الضائع والمفقود منها) بل إن الجهد التاريخي الكبير هذا، كان قد انتج منهجاً نقدياً ـ ولا سيما في مجال جمع الأحاديث وتمحيصها ـ تجلّى في بروز معارف منهجية في النقد عرفت بعلم الرجال والجرح والتعديل، ولعل هذا ما حدا بالمؤرخ اللبناني أسد رستم أن يقارن بين منهجية البحث التاريخي الغربي الحديث وأساليب نقد الخبر والحديث عند المحققين والمحدّثين المسلمين فيكتب كتابه الشهير «مصطلح التاريخ» الذي يعتبر أول محاولة عربية معاصرة أشير فيها للتشابه القائم بين المنهجين.
وإذا كان القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) قد شهد نهاية مرحلة سابقة امتدت منذ منتصف القرن السادس الهجري، وازدهرت فيها الكتابة التاريخية ازدهاراً كبيراً، فإن المرحلة اللاحقة كانت مرحلة استعادة «التقليدية» التي قامت في القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس الهجري على يد السلطنة السلجوقية التي أرست نهجاً «اتجهت (فيه) الأقلام التي تسجل استمرار المؤسسات الإسلامية على حالها واستمرار العلوم السابقة على خطها وعلماء الحديث والفقه على سنة السلف».
وهذا الخط الذي أرسته السلجوقية في مؤسساتها ومدارسها هو الذي سيعود فينتصر ويسود (ابتداءً من القرن التاسع الهجري ـ الخامس عشر الميلادي). واللافت للنظر أن المرحلة التي شهدت نمواً للكتابة التاريخية وتتويجاً لها بابن خلدون (في القرنين السابع والثامن الهجريين) هي مرحلة التفكك في أبنية السلطة المركزية في الداخل ومرحلة مواجهة المخاطر الكبرى من الخارج (خطر الفرنجة والمغول). ولعل تفسير هذه المفارقة كامن في أن المنهج التاريخي الذي يقوم بالدرجة الأولى على النقد لا يزدهر إلا عبر تحقق مسافة تقوم بين المؤرخ من جهة وموضوعه من جهة أخرى، وهي مسافة لا تتحقق إلا في وضعية تاريخية معينة تضعف فيها وطأة السلطان على المجتمع أو تبرز فيها مثيرات وتحديات تدفع بدورها نحو نمط من الاستجابة التحليلية والتأملية.
ولا شك أن موضوع ابن خلدون الذي هو تاريخ الاجتماع الإسلامي (كحالة خاصة من حالات الاجتماع البشري في شمالي إفريقيا). كان موضوع الدراسة في وقت شهد فيه العالم الإسلامي تحديات كبرى وأزمات عاصفة. وكان أن يتم تجاوز للتقليدية السابقة المرتبطة بمركزية الدولة الكبرى عبر تلك المسافة التأملية التي قامت بين المؤرخ وحالة الاجتماع السياسي الإسلامي المفكك والمهدد آنذاك.
أمّا وقد أخذ العالم الاسلامي بعد ذلك يشهد تثبت السلطنات الكبرى المركزية التي تنحو في اتجاهها نحو اعتماد النموذج السلجوقي (المملوكية في مصر الشام، والعثمانية في آسيا الصغرى، والصوفية لاحقاً في إيران، فإن ضبطاً للإنتاج الفكري في جميع القطاعات قد أخذ طريقه في سياق ضبط العلاقة المؤسسة العامة بين المجتمع والسلطان (الدولة).
وفي إطار هذا الضبط استخدمت الأجهزة المملوكية والعثمانية نصوص السلف السني وفقاً لما آل إليه الإسناد من ضعف وتشويه، وكان هذا الاستخدام في كل الأحوال هو الركيزة «الشرعية» التي استندت إليها الدولة السلطانية المتأخرة لإنتاج آيديولوجيتها ومسوّغات حق أهلها في الحكم. يضاف إلى هذا، أن الطرق الصوفية التي نمت كتعبير عن حالة نفسية اجتماعية في تجاوز القيود الفقهية الضيقة التي حبست الفكر الإسلامي في قوالب صارمة وجاهزة، لم تفلت من رقابة السلطة وجاذبيتها حتى جرى إدراج هذه الطرق أخيراً في حالات الاستسلام لإرادة السلطان كواحد من كبار «أوليائها». وهكذا تحول الفقيه تدريجياً من دور الناصح للسلطان إلى دور المبرر لأحكامه، وتحول الصوفي من دور المعبّر الحدسي والضميري عن واقع العامة إلى دور المموه والمستلب لمشكلاتها الحقيقية.
والحالة نفسها قامت في إيران حيث استخدمت الصفوية الفقهاء في بناء دولتها وخوض حروبها)[193](. ولم ينج من ذلك إلا النجف الذي اتخذ، موقف الاستقلال عن السلطان أيّاً كان.
وإذا كان الأمر قد وصل في عهد السلطان عبد الحميد الثاني إلى حد الحجر على قراءة كتب الحديث والتفسير لأنها تعرّض قارئها «لإلصاق تهمة الاجتهاد». فكيف يمكن أن ينمو منهج تاريخي نقدي في تلك الظروف؟ إن الإستغناء عن علم أصول الفقه أو منعه، وهو منهج علمي وضعي لممارسة الاجتهاد بغية استخراج الأحكام الفقهية الجديدة المواكبة لحركة الحياة في الزمان والمكان، يعني عملياً الاستغناء عن المنهج التاريخي في النظر والتأمل والتحليل وإعادة التركيب.
ومن هنا نفهم لماذا أعيق منهج البحث التاريخي في تراثنا المتأخر؟ والواقع أنه لولا كتب الخطط وأدب الرحلات التي تكاثرت والتي استخدمت أسلوب الملاحظة والاستقصاء، وتناولت موضوعات العمران البشري التي دخلت في التاريخ الاجتماعي اليوم، لقلنا إن كتابة التاريخ العربي ـ وحتى مرحلة الاستجابات النهضوية لتحديات الثقافة الغربية في التاريخ المعاصر ـ هو نوع من التكرار الدائم لأخبار وروايات وتراجم حفظت ونقلت من راوٍ إلى آخر وأضيف إليها أخبار معاصرة للمحدث أو الإخباري المتأخر كما نلاحظ في كتب التراجم الكثيرة التي ظهرت ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي.
د. وجيه كوثراني
عيون التاريخ
نعني بعيون التاريخ: الكتب الأولى التي عُنيت بتدوين أحداث التاريخ الإسلامي حتى صارت في ما بعد المصادر المعوَّل عليها في معرفة تاريخ الإسلام وسِيَر رجاله.
ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى قسمين: اختصّ الأول بتدوين حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعصر الرسالة.
فيما اتّسع الثاني لعهود الخلفاء بعد الرسول وحتّى عصر المؤرِّخ غالباً.
مصادر القسم الأول
اتّسمت مصادر هذا القسم بسِمةٍ بارزة تمثّلت بالعناية الفائقة بأمر الحروب والمغازي، حتى قُصِر الكثير منها على هذا الباب، ومن هنا غلب اسم (المغازي) على هذه المصادر، فيما كان اسم (السيرة) أقلّ ظهوراً.
وأبرز من عُرف من مؤرّخي هذا القسم:
1 ـ عروة بن الزبير بن العوّام (93هـ): كان من فقهاء المدينة، وقد اعتزل الحياة السياسية في عهد أخيه عبدالله بن الزبير، وقد أكثر الرواية عن أُمّ المؤمنين عائشة)[194](.
2 ـ أبان بن عثمان بن عفّان (105هـ): عمل والياً على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين)[195](.
3 ـ وهب بن منبه (110 أو 114هـ): لم يكن معتمداً في الحديث وأخبار الإسلام، وإّنما كانت غزارة علمه في الإسرائيليات، وعمل قاضياً على صنعاء)[196](.
4 ـ عاصم بن عمر بن قتادة (120هـ): تابعي حدّث عن أبيه وجابر بن عبد الله وأنس، ومن التابعين الإمام عليّ بن الحسين والحسن بن محمّد ابن الحنفيّة وعبيد الله الخولاني، وحدّث عنه ابن إسحاق والأسود ربيب عروة. أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في المسجد الأموي بدمشق فيحدّث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة)[197](.
5 ـ شرحبيل بن سعد (123هـ): كان من أعلم الناس بالمغازي، إلاّ أنّه كان يجعل لمن لا سابقة له سابقةً، فأسقطوا مغازيه وعلمه)[198](. لكن سفيان بن عُيينة قال فيه: لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريّين منه. ووثّقه يحيى بن معين وابن حبّان، وخرّج له ابن حبّان وابن خزيمة في صحيحيهما)[199](.
6 ـ ابن شهاب الزهري (124هـ): له كتاب المغازي، حُفظت أجزاء منه في كتاب «المصنّف» لعبد الرزّاق الصنعاني. وكان الزهري صاحب شرطة بني أُميّة، ولم يزل مع عبد الملك بن مروان وأولاده: هشام وسليمان ويزيد، ثمّ استعمله يزيد بن عبد الملك على القضاء)[200](.
7 ـ يزيد بن رومان الأسدي المدني (130هـ): له كتاب المغازي، منه قطع في طبقات ابن سعد، وجلّ اعتماده على عروة والزهري، وروى عنه ابن إسحاق)[201](.
8 ـ أبو الأسود الأسدي (131هـ): ربيب عروة بن الزبير، ومعظم روايته عنه، له كتاب المغازي، منه قطع في «الإصابة»)[202](.
9 ـ عبد الله بن أبي بكر بن حزم (135هـ): صاحب المغازي، أخذ عن أبيه وعروة بن الزبير، وحدّث عنه الزهري وابن إسحاق)[203](.
10 ـ داود بن الحصين الأموي (135هـ): تلميذ عكرمة، يذهب مذهب الخوارج، حدّث عنه ابن إسحاق)[204](.
11 ـ موسى بن عقبة (141هـ): له كتاب المغازي، اعتمد فيه رواية الزهري بالدرجة الأولى)[205](.
12 ـ محمّد بن إسحاق بن يسار (151هـ): صاحب السيرة، وهو أتمّ ما كتب في هذا القسم وأحسنه ترتيباً، وبه صار ابن إسحاق شيخ كُتّاب السيرة، وصار من جاء بعده عيالاً عليه.
ولم يصلنا كتاب ابن إسحاق كاملاً بل وصلت منه أجزاء فقط، وأمّا الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام في «السيرة النبوية» فحذف منه أشياء كثيرة، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الحذف، وسيأتي ذكره لاحقاً.
13 ـ محمد بن عمر الواقدي (207هـ): صاحب «المغازي» وقد عمل الواقدي قاضياً بشرقي بغداد لهارون الرشيد وللمأمون من بعده، ثمّ تولّى قضاء العسكر للمهدي أربع سنوات. وأكثر اعتماده في مغازيه على موسى بن عقبة ومعمر بن راشد، وهما تلميذا الزهري، وأخذ كثيراً من كتاب ابن إسحاق دون أن يذكر إسمه)[206](.
وهناك أعلام آخرون كانوا أقلّ أثراً في التاريخ المحفوظ، وسيأتي ذكر بعضهم أثناء البحث.
مصادر القسم الثاني
أما القسم الثاني من عيون التاريخ فيبرز فيه:
1 ـ تاريخ محمّد بن جرير الطبري (310هـ): ويعدّ أكبر موسوعة تاريخية جمعت أحداث القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، إذ ختم الطبري تاريخه بذكر أحداث سنة 302هـ.
فكان تاريخ الطبري المصدر الأول والأساس لمن جاء بعده، ومنهم من توقّف عنده في أخبار القرون الثلاثة ولم يتعدّاه إلى غيره، كما فعل ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» وابن خلدون في تاريخه، وغيرهما.
هذا مع أنّه لم تخلُ تلك الفترة من كتابات مهمّة جديرة بالعناية، وربّما كانت أكثر دقّةً وأصدق نقلاً لكثير من الأحداث على الرغم من إيجازها بالنسبة إلى تاريخ الطبري، ومن تلك المصادر:
2 ـ الإمامة والسياسة ـ أو تاريخ الخلفاء؛ لابن قتيبة الدينوري، المتوفّى سنة 276هـ.
3 ـ تاريخ اليعقوبي: لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب، من أعلام القرن الثالث الهجري.
4 ـ فتوح البلدان: للبلاذري، المتوفّى سنة 279هـ.
5 ـ الفتوح: لابن أعثم الكوفي، المتوفّى سنة 304هـ.
6 ـ مروج الذهب: للمسعودي، المتوفّى سنة 346هـ.
7 ـ أخبار الزمان: للمسعودي أيضاً، وهو كتاب كبير كما وصفه صاحبه في «مروج الذهب» غير أنّه مفقود، وهو الكتاب الوحيد المفقود من هذه المجموعة.
أمّا كتب التاريخ الأخرى فقد أضافت أحداث السنين اللاحقة التي لم يدركها الطبري ولم يدوّنها.
نتيجة
من هنا يمكن أن نخلص إلى القول بأنّه قد انتظمت للتاريخ الإسلامي عينان، هما:
سيرة إبن إسحاق.
تاريخ الطبري.
الاتجاه وأجواء التدوين
بين المنتمي واللامنتمي، أين وقفت عيون التاريخ الإسلامي؟
هل كان القدر المنتمي منها هو هذه النسبة إلى الإسلام وحسب؟
تلك نسبة طبيعية صيغت من الموضوع الذي تناوله الكتاب من غير أن تكون هناك ضرورة لهيمنة هذا الموضوع على مادة الكتاب، فكتاب التاريخ الذي يعني بأحداث حقبة زمنية ينسب إليها.
والذي يُعنى بأخبار طائفة من الطوائف أو أمة من الأمم ينسب إليها، والذي يعنى بأحداث بلد من البلدان ينسب إليه، وكلها نسب لا تتعدى التعريف بموضوع الكتاب.
لكن حين ينحصر الأمر بتاريخ أُمّة وقد ظهرت فيها الاختلافات، وتوزّعت أبناءَها الفِرَق والطوائف، وتغلّبت الأهواء التي تفرض هيمنتها في صياغة أفكار الناس ورؤيتهم للأحداث… عندئذٍ أين سيقف التاريخ؟
هل سيكون بعيداً عن معترك الميول والأهواء، منفصلاً عن قيود الزمان والمكان ليُسجّل الأحداث والأخبار كما هي تماماً، وبكامل أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة، ثمّ بكامل تفاصيلها وما خلّفته من آثار كما هي قبل أن تنفعل معها الميول والأهواء؟
لا شكّ أنّ هذا هو الأمل المنشود، وهو الذي تقتضيه الأمانة للتاريخ وللحقيقة.
ولكن لا شكّ أيضاً أنّ التاريخ لم يُكتب في الفضاء، ولا كان المؤرّخ يستقلّ بساطاً سحرياً يقلّه فوق آفاق زمانه ومكانه.
إنّه يكتب من على الأرض، وفي زمانٍ ما ومكانٍ ما…
وإنّه يكتب ما يسمع، لا ما يرى…
وإنّما يُحدّثه رجال لهم حيال الأحداث مواقف وميول، فهو لم يسمع في الحقيقة حدثاً مجرداً، وإنما سمع الحدث ممزوجاً له أو مضافاً إليه انفعالات الناقلين…
وأيضاً فإنّ المؤرّخ نفسه هو واحد من أولئك البشر، يعيش في عصر من الأعصار.. وللبشر ميول، ولكلّ عصر لونه ونغماته التي ميزته عن غيره من العصور، فهو ينفر من كلّ لون ونغمة لا تنسجم معها.
وفرقٌ بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولأصحابه الذين يُتابعونه ويوافقونه، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين أيدي الناس، كل الناس، علمائهم وعامّتهم، فإذا كان الأوّل قد يجد نفسه في مأمن ومعزلٍ عن الرقباء، فإنّ الثاني يرى عيون الناس وكأنّها ترصد أفكاره وتحصي عليه حتى ما لم يَرِد بحسبانه! فهي لا تكتفي بقراءة ما سطره على الورق، بل تتعدّى إلى ما وراء ذلك لتقرأ دوافعه وميوله أيضاً، لتصدر أحكامها عليه بحق وبغير حقّ.
وحين يكون عصر من العصور قاسياً في مواجهة النغمات التي لا توافق نغماته، فإنما جاءت قسوته من أُناسه، لا من أرضه ولا سمائه..
ففي حال كهذه هل يبعد أن يكون المؤرخ مسوقاً من حيث يدري أو لا يدري، ومن حيث يريد أو لا يريد لمجاراة تلك النغمات، أو مداراتها؟
إنه عندئذٍ سوف يقطع من الحقيقة التاريخية أجزاء مساوية لمقدار ذلك الانسياق.
ولعلّ هذا هو أقلّ الأخطار الثلاثة التي قد تتعرّض لها الحقيقة التاريخية…
أما الخطر الثاني: فيتمثّل في الانسياق التامّ لنغمات العصر وأهواء أهله، والسير مع تيّاره الجارف الذي سيجرف معه أهمّ الحقائق التاريخيّة التي تعاكس اتّجاه سيره.
وأما الخطر الثالث: فهو أن يكون المؤرخ نفسه من أصحاب الأهواء الذين لا يقبلون إلاّ ما وافق أهواءهم، ولا ينظرون إلى الأحداث والحقائق إلا بمنظار الهوى.
ثمّ إن هذا الكتاب أو ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح مصدراً لثقافة الأجيال، تستقي منه رؤيتها للتاريخ التي ستساهم مساهمة فعالة في صياغة عقائدها.
فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التي نُسجت فيها الأحداث تحت إحدى المؤثّرات الثلاثة المتقدّمة، على حساب الحقيقة التاريخية، فمن البديهي أن تُحَمّل أذهانهم برؤى مغايرة للحقيقة.
ومن هنا تتسرّب العقائد الدخيلة إلى الأذهان، فيعتقد الناس بأشياء ومفاهيم ليست هي من الإسلام ومفاهيمه الحقة، وهم يظنّون أنّها الحق الذي لا تشوبه شائبة لكثرة ما يرونه من تسطير المؤرّخين لما وربّما دفاعهم عنها.
وسوف لا يكون العوامّ وحدهم ضحيّة هذه الخطيئة، بل العلماء أيضاً يقعون في ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع من المصادر، وحين يكونون هم أيضاً منفعلين بتلك المؤثّرات الثلاثة أو بعضها.
فكيف اجتازت عيون التاريخ الإسلامي تلك الأجواء لتحفظ لنا حقائقه؟
لا شك أن الوقوف على المشاهد الحيّة لإثبات حقيقةٍ ما هو أهمّ بكثير من البحوث النظريّة والبراهين الفلسفية.
مشاهد حية من عيون التاريخ
أولا: مع مصادر القسم الأول:
1 ـ قال الزبير بن بكار)[207](: قَدِم سليمان بن عبد الملك إلى مكّة حاجّاً سنة 82 ه، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه. فقال له أبان: هي عندي، قد أخذتها مصحّحة ممّن أثق به.
فأمر سليمان عشرة من الكُتّاب بنسخها، فكتبوها في رقّ، فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وفي بدر، فقال: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا !
فقال أبان: أيها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.
فقال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه.
ثمّ أمر بالكتاب فخُرِّق، ورجع فأخبر أباه عبد الملك بن مروان بذلك الكتاب، فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تعرف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها؟ !
قال سليمان: فلذلك أمرت بتخريق ما نسخته)[208](.
ومن هذه الواقعة تظهر عدّة ملاحظات هامّة:
* لم يكن أهمها تخريق الكتاب.
* ولا كلمة عبد الملك بن مروان ـ وهو الخليفة ـ التي تُعدّ دستوراً نافذاً في تحديد المنهج الثقافي إبّان الحكم الأموي.
* بل أهمّ من ذلك اختفاء أهم مناقب الأنصار، وفي الوقائع الحاسمة في تاريخ الإسلام: بيعة العقبة الأولى، والعقبة الثانية، ومعركة بدر! غابت عن السواد الأعظم من المسلمين، وحتّى عن سليمان بن عبد الملك الذي سيصبح عن قريب خليفة المسلمين، هذا وما زال الناس في القرن الأوّل من عمر الإسلام!
* وأهمّ من هذا: البعدُ الذي انطوت عليه كلمة أبان بن عثمان المؤرّخ وهو يحاول إقناع سليمان بن عبد الملك، فيقول له: أيّها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحقّ!
لا شكّ أنّ جناية الأنصار الّذين كانوا أنصار رسول الله والمجاهدين معه وأنصار دين الله، هي أنهم لم يكونوا فيما بعد أنصاراً لبني أُميّة. وهذه وحدها حجّة كافية في غلق أبواب الجدال فيهم، وفي تخريق الكتاب!! هذا إن لم نعطف عليه ما سيراه الأمويّون إذن في الأنصار من نظرة عداء قديم ثبت ظاهراً على مدى عشر سنين، ابتداء ببيعة العقبة الأولى، ومروراً بمعركة بدر وأُحد والخندق، وانتهاءً بفتح مكّة !
* وثمّة ملاحظة أخرى خفيّة لم تتطرّق إليها نصوص هذه الواقعة، لكنّ الناظر الفطن يراها ظاهرةً ظهور النصوص الجليّة..
فماذا لو وقف سليمان بن عبد الملك في تلك الصحف على مواقف عليّ بن أبي طالب عليه السلام وبني هاشم ومناقبهم، ألم يكن سينكرها أشدّ من إنكاره لمواقف الأنصار؟
إنّ هذه الواقعة لتنطق بصوت خفيّ بأن تلك الصحف التي حفظت من حق الأنصار ما أثار انتباه الأمير ودهشته ثمّ استنكار الخليفة من بعده، لم تكن تحفظ شيئاً من حقّ عليٍّ وبني هاشم الّذين هم لبني أُميّة خصوم العقيدة والتاريخ.
ولهذه الملاحظة ما يؤيّدها من سيرة أبان بن عثمان، إذ كان هواه على الدوام مع خصوم عليّ عليه السلام، ففي مستهلّ شبابه في السادسة عشرة من عمره خرج مع أصحاب الجمل لقتال عليّ، ثمّ كان هواه مع الأمويّين وعمل لهم والياً على المدينة المنوّرة سبع سنين.
وإذا كانت هذه الملاحظة قد جاءت هنا خفية، فإنها قد استولت بالكامل على المشهد الآتي:
2 ـ قال المدائني:
أخبرني ابن شهاب بن عبد الله، قال: قال لي خالد القسري)[209](: اكتب لي السيرة.
فقلت له: فإنّه يمرّ بي الشيء من سير عليّ بن أبي طالب، فأذكره؟
قال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم ! )[210](.
فهذا القول الصريح لا يقصر عن أن يكون برهاناً على ما نسبناه إلى تاريخ أبان بن عثمان آنفاً.
3 ـ من أصحاب التاريخ:
الذين عرفناهم في القسم الأوّل: عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة، فكيف كان موقفهم من سير علي بن أبي طالب عليه السلام؟
كان عروة بن الزبير واحداً من كبار علماء المدينة، هذا حقّ، وكان قد اعتزل السياسة أيّام النزاع بين أخيه عبدالله وبين الأمويّين، هذا ما حفظه له التاريخ، ولكن هل اعتزل أيضاً إزاء النزاع الذي حصل حول الخلافة؟
الذي ثبت عنه يفيد القطع بأنّه لم يكن معتزلاً ذلك النزاع.
فالذي ثبت عنه أنّ أكثر حديثه كان عن أُمّ المؤمنين عائشة، ولا شكّ أنّها كانت طرفاً من أطراف النزاع في مراحله الأخيرة، كما كان لها ميل صريح إلى أحد طرفي النزاع منذ أيّامه الأولى، بل ربّما قبل ذلك أيضاً.
ولقد ثبت عن عروة أنّه قد تأثّر بهذا الميل تأثّراً كبيراً، بل الأرجح أنّ ميله هذا هو الذي دعاه إلى الاختصاص بعائشة دون سواها، فهو ابن الزبير بن العوّام الذي كان إلى جانب عائشة في طليعة الداعين إلى نقض بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وإعلان الحرب عليه تلك الحرب التي كان الزبير من أول ضحاياها.
وكان عروة قد حاول الخروج معهما في تلك الحرب، لكن ردّوه لصغره، إذ كان عمره ثلاث عشرة سنة )[211](.
فلم يكن اختصاصه بأُمّ المؤمنين عائشة لكونها خالته أُخت أُمّه أسماء إذن، فلقد كان بنو هاشم أخواله أيضاً، فأُمّ أبيه هي صفيّة بنت عبد المطّلب أخت أبو طالب.
ولقد كان هذا الميل ثابتاً في حديثه حتّى عُدّ في المنحرفين عن عليّ عليه السلام، نسبه إلى ذلك من لا يُتّهم فيه:
قال معمر: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السلام، فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ الله أعلم بهما! إنّي لأتّهمهما في بني هاشم)[212](!
إذن فهذا المصدر متهم أيضاً، متّهم لا في إخفاء بعض حقائق التاريخ وحسب، بل في إدخال الأخبار المختلقة التي نسجها خصوم بني هاشم للنيل منهم والتنقص من منزلتهم!
إنه متّهم بذلك حتّى عند الزهري الذي لم يكن له ميل إلى عليّ وبني هاشم، بل على العكس كان قريبا من بني أُميّة مقرّباً لديهم، كما سيأتي ذكره.
4 – مغازي ابن شهاب الزهري:
الفائدة الأُخرى التي تظهر من الخبر المتقدّم هي أن الزهري كان أكثر إنصافاً لحقائق التاريخ من عروة.
ومرّة أخرى يبدو الزهري أكثر إنصافاً من آخرين ممّن عاصروه حين يوجّه الطعن للتاريخ الذي كان يُكتب على عيون بني أمية:
قال معمر: سألت الزهري عن كاتب الكتاب يوم الحديبية، فضحك، وقال: هو عليُّ بن أبي طالب عليه السلام، ولو سألت هؤلاء – يعني بني أُميّة – لقالوا: عثمان!!)[213](.
إذن لم يقتصر الأمر هنا على كتمان مواقف علي عليه السلام وسِيَره، بل تعدّى إلى سلبها منه وإضافتها إلى غيره!
* لا شكّ أنّ الخبرين المذكورين قد حفظا للزهري موقفاً فريداً، إذ نزّه قلمه فيهما عن لونين من ألوان اغتصاب الحقيقة التاريخية، فأبى أن يسوق أحاديث عَلِمَ أنّها وضعت للنيل من عليِّ عليه السلام وبني هاشم، كما أبى أن يسلبهم حقهم ليمنحه آخرين من غيرهم.
ويبقى السؤال: هل استطاع الزهري أن يكون أميناً على السِيَر فيثبتها في محلّها بلا زيادة ولا نقصان، وحتى سِيَر عليٍّ عليه السلام وبني هاشم والأنصار، في تلك الأجواء التي لم تتوقّف عند كتمان سِيَرهم، بل تعدّت ذلك فأثارت حولها سُحباً كثيفة لتعكس لهم صورة أخرى تماماً؟
هل وفى الزهري للحقيقة وأدّى الأمانة على أتمّ وجه؟
الحقّ أنّ من تتبّع رواية الزهري للسِيَر والمغازي يجد أنّه لم يكن كذلك، فعلى امتداد سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه لا تجد لعلي بن أبي طالب عليه السلام ذِكراً، إلاّ حين لا ينطوي ذكره على فضيلة تميزه على غيره)[214](، وحين سُئل عن فضيلة له جحدها!
ففي ذكر أوّل من أسلم نقل عبد الرزّاق ما نقله معمر عن غير الزهري: أن أوّل من أسلم عليّ بن أبي طالب عليه السلام. لكن الزهري قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة)[215](. في حين لا يكاد يعرف هذا عن أحد غير الزهري)[216](.
ثم يواصل الزهري ذِكرَ من أسلم فلا يذكر إسلام علي عليه السلام ولا أحدٍ من بني هاشم.
ثمّ يمضي في ذكر السيرة والمغازي فلا تجد عليّاً فيها إلاّ رجلاً غريباً ليس له فيها خبر ولا أثر، مع أنّه لا يمرّ على أثر لأبي بكر وعمر إلاّ فصّل فيه وزيّنه، أما علي عليه السلام فلا ذكر له! لا في العهد المكّي، ولا في الهجرة، ولا في المؤاخاة، ولا في بدر، ولا في أُحد، ولا في الخندق، ولا في خيبر، ولا في فتح مكّة، ولا في حنين، ولا في تبوك، ولا في غير ذلك!!
إنه ليبدو لقارئ مغازي الزهري أنّ عليّاً رجل غريب على السيرة!
ولقد استشعر عبد الرزّاق ذلك وهو يروي مغازي الزهري فتداركه في مواضع معدودة فقط:
فروى خبر إسلام عليٍّ من حديث معمر عن قتادة وعن عثمان الجزري)[217](.
وروى مبيت عليٍّ عليه السلام على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم الهجرة من حديث معمر عن عثمان الجزري وعن قتادة)[218](. أما حديث الزهري فكان يرويه عن عروة عن عائشة، وليس فيه ذكر لعليٍّ! )[219](.
وروى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ عليه السلام حين خلّفه أميراً على المدينة يوم تبوك: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبيّ بعدي» رواه من حديث معمر عن قتادة وعليّ بن زيد بن جدعان)[220](.
هذا، مع أنّ الزهري يُثبت في مغازيه حديث ابن عبّاس الذي يدين فيه أمّ المؤمنين عائشة للسبب نفسه؛ كتمان مواقف عليّ عليه السلام!
قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّ عائشة أخبرته، قالت: أوّل ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يُمرَّض في بيتي، فأذن له – قالت – فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ أخرى على يد رجل آخر، وهو يخطّ برجليه في الأرض.
فقال عبيد الله: فحدثت به ابن عبّاس، فقال: أتدري من الرجل الذي لم تُسَمِّ عائشة؟ هو عليُّ بن أبي طالب عليه السلام، ولكن عائشة لا تطيب نفسا بخير)[221](.
استظهار
من هذه القراءة في مغازي الزهري يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أنّ ذلك المؤرخّ الذي سمّاه المدائني (ابن شهاب ابن عبد الله) والذي طلب إليه خالد القسري أن يكتب له السيرة، أنّه هو ابن شهاب الزهري هذا، فابن شهاب هو الغالب على تسمية الزهري، وأمّا عبد الله فهو جده، وعبد الله هو ابن شهاب، ومن هنا وقع اللبس.
ويؤيّد ما قلناه أنّه لم يكن أحد من أهل العلم بالسير ممّن عاصر خالد القسري يُعرف بابن شهاب إلا ابن شهاب الزهري.
إذن هذه هي مغازي ابن شهاب الزهري التي عرّف بها نفسه، فقال: قال لي خالد القسري: اكتب لي السيرة.
فقلت له: فإنّه يمرّ بي الشيء من سِيَر عليّ بن أبي طالب، فأذكره؟
فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم! )[222](.
فلمّا لم يجد الزهري عليّاً في قعر الجحيم، لم يورد له ذِكراً في مغازيه!
دهاء الزهري
تجنّب الزهري شيئاً من أخبار شيخه عروة حين اتّهمه في بني هاشم، وهذه فضيلة يحفظها له التاريخ. وفي مقابل ذلك أعرض عن ذِكر سِيَر عليٍّ عليه السلام ومناقبه إرضاءً لبني أميّةً، وهذه حفظها له بنو أُميّة!
وربّما ظن أنّه قد سلك مسلكاً وسطاً، فلا هو أرضاهم في النيل من علي وبني هاشم، ولا هو أسخطهم بذِكر سِيَر عليّ وبني هاشم!
وبهذا نجح الزهري فكان حظيّاً عند الأُمويّين لا يقدّمون عليه أحداً حتى توفّي.
ولكن لم يأت هذا النجاح إلاّ بما هدره من حقائق الدين والتاريخ التي لو أظهرها لكان الزهري عندهم غير الزهري!
* ثمّ ألمْ يكن في إخفاء صفحات هامّة من السيرة تغييراً لوجه السيرة، وعرضها بوجه جديد مخالف لوجهها الحقيقي؟ فكيف يُعدُّ هذا مسلكاً وسطاً؟!
* ويزيد في تغيير وجه السيرة ما يقع أثناء الحديث من ذكر لموقف اشترك فيه مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام رجل آخر، فحين يحذف اسم عليٍّ سيبرز الآخر في صورة جديدة لم تكن هي الصورة التي تحقّقت في الواقع.
فحين يذكر الزهري أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر على الحج)[223](، ثمّ يخفي ما وراءها من أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث عليّاً عليه السلام على أثره وأمره أن يأخذ منه ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذينَ عَهَدتُم مِنَ المُشْرِكينَ﴾ فيبلّغها في الموسم، فعاد أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أَنَزَلَ فيَّ شيء يا رسول الله؟
فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لا، ولكنّي أمرتُ ألاّ يبلّغ عنّي إلا أنا أو رجل منّي»)[224](. إنّه عندما يقطع هذا الجزء فسوف تظهر الواقعة بوجه آخر.
إنّ الذي سخر منه الزهري آنفاً من قول بني أُميّة في كاتب الكتاب يوم الحديبية)[225](، قد وقع في مثله في مواضع كثيرة من مغازيه.. وأكثر هذه المواقع وضوحاً ما نقله في سدّ أبواب المسجد، فقال:
قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلاّ باب أبي بكر رحمه الله، فإنّي لا أعلم رجلاً أحسن يداً عندي من الصحابة من أبي بكر»)[226](.
وحديث سدّ الأبواب إنّما هو لعليٍّ لا لأبي بكر، حتّى اشتهر أنّه لا يدخل المسجد جنباً إلاّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن كثير والعسقلاني وغيرهم)[227](.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: حديث سدّ الأبواب كان لعليٍّ عليه السلام فقلبه البكرية لأبي بكر)[228](.
5 – مغازي تلامذة عروة والزهري
كان من أصحاب المغازي: يزيد بن رومان تلميذاً لعروة والزهري، وأبو الأسود تلميذاً لعروة وهو ربيبه، وموسى بن عقبة تلميذاً للزهري، وقد جعل هؤلاء اعتمادهم بالمرتبة الأولى على رواية عروة والزهري)[229](. فلا شكّ إذن أن تأتي مغازيهم بنفس تلك الخصائص.
مثال ذلك: ما رواه يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير في قصّة مهاجري الحبشة وحديث النجاشي معهم، فقال: إنّما كان يكلّم النجاشي عثمان بن عفّان!
قال ابن إسحاق: وليس كذلك، إنّما كان يكلّمه جعفر بن أبي طالب)[230](.
والذي ذكره ابن إسحاق هو الذي عليه سائر أصحاب السير)[231](. أمّا رواية يزيد بن رومان عن عروة فهي من جنس ما ذكره الزهري عن بني أُميّة في حديث كاتب الكتاب يوم الحديبية.
6 – مغازي عاصم بن عمر بن قتادة
هذا المصدر نجا نسبيّاً من أسر التطرّف أو الانحياز الذي وقعت فيه المصادر السابقة، فذكر كثيراً من سِيَر الأنصار وأخبارهم وأطرافاً من سِيَر عليٍّ عليه السلام)[232](.
ولعلّ السرّ في ذلك يعود إلى أمرين:
الأول: أنّه كان من الأنصار، فجدّه قتادة هو قتادة ابن النعمان الأنصاري الذي سقطت عينه إثر ضربة في معركة أُحد، فردّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده الشريفة فعادت أحسن من قبل.
والثاني: أنّه كان يحدّث في عهد عمر بن عبد العزيز، وهو عهد أكثر اعتدالاً استطاع فيه بعض أهل العلم أن يظهروا من العلم ما لم يكن يظهر في عهود سائر خلفاء بني أُميّة قبل عمر بن عبد العزيز وبعده.
لكنّه كان يُحدّث في مسجد دمشق، فهو بلا شك لم يستطع أن يقول كلَّ ما يعلم فيصدم أهل الشام بما ينكرونه، وهم كما وصفهم معاوية بن أبي سفيان:
إنّ بالشام مئة ألف فارس، كلٌّ يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليّاً ولا قرابته، ولا عمّاراً ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحبته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتّقون سعداً ولا دعوته)[233](.
7 – آخرون
أمّا الآخرون من أصحاب المغازي والسير الذين لم يقفوا عند تلك الحدود ولا خضعوا لتلك الضوابط، فأثبتوا من السِيَر ما صحّ لديهم أو ما بلغهم حتّى من سِيَر عليٍّ عليه السلام وبني هاشم والأنصار، فكان من اليسير جدّاً أن يُنْبَزوا بالتشيّع، وعندما يقال لمؤرّخ أو محدّث إنه يتشيّع فليس المراد التعريف بمذهبه وحسب، بل المراد الطعن بروايته وردّها.
وهكذا كان نصيب الكثير من مؤرخي تلك المرحلة، والمرحلة اللاحقة أيضاً، فقيل فيهم: كان أصحاب المغازي يتشيّعون، كابن إسحاق، وأبي معشر، ويحيى بن سعيد الأُمويّ وغيرهم)[234](.
* قد تقدّم التعريف بابن إسحاق وسيأتي بتفصيل أكثر في الفقرة اللاحقة.
* أبو معشر: نجيح بن عبد الرحمن السندي (170 ه) مولى أُمّ موسى ابن المهدي العبّاسي)[235](، أشخصه المهدي معه من المدينة إلى بغداد سنة 160 ه وأمر له بألف دينار، وقال له: تكون بحضرتنا فتُفقِّه من حولنا)[236](. فهذا من أين يأتيه التشيّع، إلاّ أن يكون قد روى من سِيَر عليٍّ عليه السلام وبني هاشم ما كان لا يأذن به الأمويّون؟!
لقد لاحظ بعض المحقّقين أنّ مغازي أبي معشر كانت تضمّ كلّ أحداث حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)[237](.
فهو إذن لم يقتطع تلك الأجزاء التي اقتطعها عروة والزهري وتلاميذهم، وهذا هو التشيع!
هذا، رغم أنّ الظاهر من رواية أبي معشر أنّه كان متحفّظاً في نقل هذا النوع من الحديث، كما هو ظاهر في الرواية الوحيدة التي نقلها عنه الطبري في ما يخصّ عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي روايته لإمارة أبي بكر على الحجّ وبعث عليٍّ عليه السلام على أثره وتبليغ سورة براءة، فقد أخفى أبو معشر ما في هذه الواقعة من مزيّة لعليّ عليه السلام في قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أُمرت ألاّ يبلّغ عني إلاّ أنا أو رجل منّي» فلم يأت هذا الحديث في روايته! )[238](.
وأمّا في عهد الخلفاء فقد روى الطبري عنه كثيراً)[239](، ولكن لم يرو عنه في الغالب إلاّ تاريخ غزوة، أو تاريخ وفاة، أو اسم من وَلِيَ الحجّ في كلّ سنة من السنين!
* يحيى بن سعيد: ابن أبان بن سعيد بن العاص الأموي (194 ه) تلميذ ابن إسحاق، أخذ عنه المغازي)[240](، وروى عنه كتاب الخلفاء)[241](.
من هنا لحق به ما لحق بابن إسحاق، ورغم أنّه روى عن هشام بن عروة ابن الزبير وآخرين من خصوم الشيعة إلاّ أنّ هذا لم يمحُ عنه سمة التشيّع التي لم يمحها نَسبه الأُمويّ أيضاً!
وقد أخرج له الطبري ستّ روايات ليس فيها ما يمتّ إلى التشيّع أو سِيَر عليّ عليه السلام وبني هاشم بصلة، بل منها ما هو من رواية عروة والزهري)[242](.
8 – سيرة ابن إسحاق
الكتاب الجامع للسيرة النبوية والمغازي، وهو كتاب كبير اختصره ابن هشام في كتابه الشهير «السيرة النبوية لابن هشام». رواه عنه ثلاثة من تلامذته، وإحدى الروايات هي التي اختصرها ابن هشام، وهي رواية البكائي)[243](.
وقد عدّد ابن إسحاق مصادر كتابه، فروى عن الزهري ويزيد بن رومان وفاطمة بنت المنذر بن الزبير زوجة هشام بن عروة بن الزبير، كما روى عن عاصم بن عمر بن قتادة، وروى عن الأعمش وعبد الله بن الحسن بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
أما تشيّعه ففسّره بعضهم بقوله: كان له انقطاع إلى عبد الله بن الحسن بن الحسين، وكان يأتيه بالشيء فيقول له: أثبت هذا في علمك. فيُثبته ويرويه عنه)[244](.
تُرى لماذا لا يقال في مَن وقف كتابه على رواية عروة والزهري إنّه كان بكريّاً أو عثمانيّاً، فيجعل ذلك عيباً قادحاً فيه؟!
على أيّ حال فقد أثبت ابن إسحاق كثيراً من سِيَر علي عليه السلام والأنصار التي أعرض عنها غيره ممّن تقدّم ذِكرهم، وربّما تكون من أبرز رواياته في ذلك: حديث سلمان الفارسي وهو يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، إنّه ليس من نبيّ إلاّ وله وصيّ وسبطان، فمن وصيّك وسبطاك؟
فيجيبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «والذي نفسي بيده لأنا خير النبيّين، وإنّ وصيّي لخير الوصيّين – يعني عليّاً عليه السلام – وسبطاي خير الأسباط – يعني الحسن والحسين عليهما السلام –)[245](.
اختصار ابن هشام
عمد ابن هشام إلى أشياء في سيرة ابن إسحاق فحذفها، وقال: تركتُ ذكرها للاختصار. ولأجل الأمانة فقد أوضح عن تلك الأشياء التي حذفها في مقدّمته، وقد تضمّنت: بعض أخبار ما قبل النبوّة، وبعض الأنساب التي لا تتّصل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأشعاراً تفرّد بذكرها ابن إسحاق، ثمّ ذكر أشياء أُخرى حذفها فقال:
وأشياء:
ـ بعضها يشنع الحديث به.
– وبعض يسوء بعض الناس ذِكرُه.
– وبعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته.
ولعل هذه الأشياء هي أخطر ما حذف من سيرة ابن إسحاق، وبالخصوص الثاني منها الذي قال عنه «يسوء بعض الناس ذكره» وسوف تظهر معالم هذه الأشياء المحذوفة عند الحديث عن تاريخ الطبري، وعن منهاج التدوين في تلك المرحلة، علماً أنّ ابن هشام قد توفّي سنة 213 ه.
ثانياً: مع مصادر القسم الثاني
وأهمّها – كما قدّمنا – هو تاريخ الطبري الموسوم ب: تاريخ الأُمم والملوك.
فكيف تعامل الطبري مع الأحداث، وبالخصوص ما يتّصل منها بمواضع النزاع المذهبي وإرضاء الرأي العامّ أو إسخاطه؟
النقاط التالية ستقدّم لنا الجواب الشافي بأكبر قدر ممكن من الإيجاز:
1 – اعتمد الطبري كثيراً من كتب المغازي والسِيَر المتقدّمة، وأضاف إليها كثيراً ممّا سمعه من مشايخه ومن رواة الأخبار، فأسند رواياته غالباً، ونسبها إلى مصدرها أحياناً، وخروجاً من العهدة فقد ذكر ذلك في مقدّمته، ثمّ قال: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ممّا يستنكره قارئُه، أو يستشنعه سامعُه من أجل أنّه لم يعرف له وجهاً في الصحّة ولا معنًى في الحقيقة، فليعلم أنّه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنّما أُتِي من قِبَل بعض ناقليه إلينا)[246](.
لقد دافع بعبارته هذه عن نفسه، لا عن الحقيقة التاريخية… فهو بريء ممّا جاء في بعض مرويّاته من تهافت أو مناقضة للحقيقة، وإنّما التبعة في ذلك على الرواة.
وإذا كان وجه العذر في أنّه حين عرّف بالأسانيد فقد ترك الطريق واضحاً أمام الدارسين ليعرفوا الصحيح منه، ويعرفوا الضعيف والباطل المفترى كذلك من خلال معرفة حال الرواة، وهو أمر قد أصبح هيّناً بعد إحكام علم الجرح والتعديل، إذا كان هذا هو وجه العذر فلا شك أنّه وجه صحيح لو تمّ كما أراد له صاحبه.
ولكن هنا مسألتان:
الأولى: إنّ الّذين سينتفعون من ذلك إنّما هم الخاصّة من أهل العلم ذوي الباع الطويل في علوم الرواية والدراية وأهل التخصّص في هذا الفنّ، وهؤلاء أندر من الكبريت الأحمر في كلّ عصر ومصر، أمّا السواد الأعظم من الناس بما فيهم الكثرة الغالبة من أهل المعرفة والاطّلاع وحتّى بعض المتخصّصين في التاريخ فهم بعيدون عن معرفة ذلك والتقحّم فيه، وإنّما يقرأون تاريخاً مسطوراً ومنظّماً، ومما يزيد في تقبّلهم لكلّ ما فيه واطمئنانهم إليه هو هذه الأسانيد نفسها!
وهنا انقلب دور هذه الأسانيد لتأتي بالنتيجة المعكوسة تماماً عند الغالبية العظمى، بل عند عامّة الأمّة وسائر طبقات المتعلّمين من أبنائها على مدى العصور وتعاقب الأجيال!
هذه هي الحقيقة الواقعة.. وهذه هي العاقبة الخطيرة لتلك الطريقة من الحذر..
وسوف تتّضح لنا خطورة هذه النتيجة أكثر حين نلتفت إلى أنّه ليس المهمّ في كتابه التاريخ تبرئة الكاتب المصنّف أو إلقاء اللوم عليه، إنّما المهمّ فيه والمطلوب منه هو ما سيتركه من أثر في ثقافة الأجيال ورؤيتها لحقائق التاريخ وأحداثه الهامّة.
الثانية: إنّ كبار المؤرّخين الّذين أخذوا عن الطبري – وهم عادةً من خاصّة أهل العلم والتحقيق – قد وقعوا في ذلك المحذور في كثير ممّا أخذوه عنه، حين اعتمدوا أشدّ الروايات ضعفاً وأكثرها تهافتاً ومناقضةً للواقع.
وهذه حقيقة لائحة للناظر في تاريخ ابن الأثير «الكامل في التاريخ»، وتاريخ ابن كثير «البداية والنهاية»، وتاريخ ابن خلدون، بل حتى تاريخ المسعودي «مروج الذهب» الذي أثنى على تاريخ الطبري أشدّ الثناء ولم يشر إلى رواياته عن المتروكين والضعفاء.
ومن أمثلة تلك الروايات المتهافتة الروايات التي تنتهي إلى سيف بن عمر، فلعلّه لم يُعرف في التاريخ روايات أضعف منها سنداً ولا أشدّ منها نكارةً!!
فسيف بن عمر معروف عند أهل الجرح والتعديل بلا خلاف بينهم، أنّه: متروك كذّاب، يضع الحديث، متّهم بالزندقة)[247](.
أضف إلى ذلك أنّ الرجل الذي روى كتب سيف – وهو شعيب بن إبراهيم – هو رجل مجهول ليس بالمعروف)[248](.
لكنّ هذه المعرفة بحال سيف بن عمر وراوي كتبه لم تمنع أكابر المؤرّخين من اعتماده بالدرجة الأولى وخاصّة في أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسيّةً، وهي المرحلة التي سنعرّف بها في النقطة التالية.
2 – إنّ أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسية هي المرحلة التي تبتدئ بمرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته وابتداء عهد الخلافة وما نجم فيها من خلافات وفتن ابتداءً بأحداث سقيفة بني ساعدة لانتخاب أوّل الخلفاء، وانتهاء بمعركة الجمل التي قادها نصف من بقي من أعضاء الشورى)[249]( ـ طلحة والزبير ـ لقتال رابع الخلفاء وهو ربع من بقي من أعضاء الشورى، فيما اعتزل الربع الآخر – سعد بن أبي وقاص – ولكن كان قلبه ولسانه مع الربع المستهدف في تلك الحرب – علي بن أبي طالب عليه السلام -.
وقد تمخّضت تلك المرحلة عن أحداث كانت بمثابة النواة الأولى لأوّل خلاف وقع بين المسلمين، ذلك الخلاف الذي أخذ ينمو مع الزمن ومع تعاقب الأحداث، ومع نموّه كان يظهر في الميدان مزيد من الأهواء التي اتخذت أشكالاً شتّى دخلت في الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي مواقف الصحابة ونزعاتهم.
ففي مرحلة كهذه ينبغي أن يكون المؤرخ حذراً كل الحذر فلا يجنح إلى رواية من عرف بالكذب ووضع الحديث، ولا إلى صاحب الهوى وهو ينتصر لهواه.
فكيف كان اختيار الطبري في تأريخه لهذه المرحلة؟
إنه ممّا يلفت النظر أنّ الطبري قد جعل جلّ اعتماده في تدوين أحداث هذه المرحلة بطولها على رواية سيف بن عمر المعروف بالكذب ووضع الحديث والمتّهم بالزندقة!
ففي هذه المرحلة، ابتداءً من مرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وانتهاءً بمعركة الجمل، لا يفارق الطبري رواية سيف إلاّ حين يضع إلى جانبها رواية أخرى، وغالباً ما تجد الفرق شاسعاً بين رواية سيف وغيره)[250](.
ولعلّه سيتّضح السبب في اعتماد رواية سيف عند المرور على النقاط التالية:
3 – وقف الطبري عند قصّة أبي ذرّ مع بني أُميّة، فرآها من أخطر الأحداث التي تصف مسار التاريخ وتكشف عن وجهه الحقيقي، فأعرض عن كلّ ما روي فيها باستثناء ما رواه سيف بن عمر، لأنّه الكاتب الوحيد الذي حفظ للسلطان ماء وجهه واستنقذه من عواقب تلك الأحداث كما صرّح بذلك الطبري نفسه في مستهلّ حديثه عن هذه القصّة، فقال:
«وفي هذه السنة – سنة 30 ه – كان ما ذُكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إياه)[251](، أُمور كثيرة كرهتُ ذكر أكثرها، فأمّا العاذرون لمعاوية فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب بها إليَّ السَريّ يذكر أنّ شعيباً حدّثه سيف…».
ويسرد الطبري هذه القصّة مردّداً بين فقراتها «قال سيف» «قال سيف» حتّى أتى على آخرها، ثم قال: «وأمّا الآخرون فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأُموراً شنيعة كرهتُ ذكرها»)[252](!
إذن لا شيء عن هذا الحدث الحاسم الذي يكشف كثيراً من أسرار التاريخ، لا شيء عنه في هذه الموسوعة التاريخية الكبرى إلا ما يرويه المتزندق سيف، وينقله عنه راويته المجهول شُعيب، ولا شيء بعد ذلك، فهؤلاء هم العاذرون معاوية، وأمّا الآخرون فلا بُدّ من وضع الأكفّ على أفواههم، فالطبري يكره ذكر أخبارهم!
ترى لماذا نسي الطبري منهجه في الرواية؟!
ألم يقرّر في مقدّمته أنّه يروي ما بلغه، ثمّ إذا كان فيه ضعف أو خلاف للواقع فالعُهدة فيه على الناقلين، لا عليه؟!
فلماذا إذن تجنّب رواية الطرف الآخر وكره ذكرها، ألم يكن الأولى أن يذكرها أيضاً ثمّ يترك الأمر من بعده لأهل التمحيص فينظروا أيّ الروايتين أحسن إسناداً وأَوْلى بالاعتماد؟!
ربّما يظهر من كلام الطبري أنّ رواية هذا الطرف – العاذرين أبا ذر – قد حوت أُموراً شنيعة، ولذا كره ذكرها، ولم تكن رواية سيف كذلك.
لكنّ هذا العذر مردود بأمرين:
الأول: أنّ رواية سيف جاءت بما هو شنيع، بل بما هو أكثر شناعة من تلك الأمور التي كره الطبري ذكرها…
فأما الشناعة التي كره الطبري ذكرها فمفادها: أنّ معاوية كان يحبّ المال والزينة، وأنّه سيّر الصحابي الكبير أبا ذرّ من الشام إلى المدينة على بعير بلا وطاء حتى تآكل لحم فخذيه. وحين قدم أبو ذرّ المدينة أمر الخليفة عثمان بن عفّان بنفيه إلى الربذة بعد جدل دار بينهما أصرّ فيه أبو ذرّ ألاّ يكفّ عن طعن الأُمراء الذين شغلتهم الدنيا وجمع الثروات الطائلة، وخرج أبو ذرّ إلى الربذة ولم يجرؤ أحد أن يودّعه سوى عليٍّ وولديه الحسن والحسين عليهم السلام)[253](.
وأمّا رواية سيف التي لا يذكر الطبري سواها، فأوّلها: «لمّا ورد ابن السوداء)[254]( الشام لقي أبا ذرّ، فقال: يا أبا ذرّ، ألا تعجب إلى معاوية، يقول: المال مال الله؟! ألا إنّ كل شيء لله، فكأنّه يريد أن يحتجبه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين!
فأتاه أبو ذرّ فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّي مال المسلمين مال الله!… قام أبو ذرّ بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء… فما زال حتّى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء.. ثمّ يذكر تسيير معاوية أبا ذرّ إلى المدينة على أحسن هيئة، ويكرمه الخليفة أحسن إكرام ويتلطّف به، غير أنّ أبا ذرّ يصرّ على أن يهجر المدينة ليرتدّ أعرابياً!!
فهذه القصّة التي حملت على رابع الإسلام – أبي ذرّ)[255]( – فجعلته تابعاً لإرادة ذلك اليهودي الماكر، ثمّ جعلت منه رجلاً متمرّداً على الخليفة بإيعاز من ذلك اليهودي، ثمّ جعلت منه مرتدّاً أعرابياً بعد الهجرة.
أليس في هذه القصّة من الشناعة ما يكفي لنفور المؤرّخ منها حين يكون عهده النفور من أمثالها وما هو أدنى منها؟!
الثاني: إنّ الطبريّ باختياره هذا يصرّح قولاً وعملاً أنه قد وقف في تاريخه إلى جانب الأمير الغالب، ملتمساً له العذر على كلّ حال وإن لم يجد هذا العذر إلاّ عند الزنادقة كسيف بن عمر!!
ألا تراه كيف كان صريحاً في إعراضه عن سائر أحاديث العاذرين أبا ذرّ – الطرف المغلوب – واكتفائه برواية العاذرين معاوية – الأمير الغالب – رغم أنه لا يجد هذا العذر إلاّ عند الموصوف بالزندقة والمعروف بالكذب والوضع، سيف بن عمر، ومن طريق راويته المجهول شُعيب؟!
إنّ موقفاً كهذا ينبغي ألاّ يظهر في تدوين التاريخ، وبالخصوص تاريخ الإسلام.
* وهنا نلحظ أنّ عذر الطبري بترك تلك الروايات بأنّها حوت أُموراً شنيعة، قد جاء مطابقاً لعذر ابن هشام في حذف أشياء من سيرة ابن إسحاق حيث قال عنها: «يشنع الحديث به»!
4 – موقف آخر يتبناه الطبري في تاريخه:
وقف الطبري على مكاتبات جرت بين محمّد بن أبي بكر لمّا ولّي مصر، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال:
عن يزيد بن ظبيان أنّه قال: إنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان، لمّا ولي.
وقطع الطبري الكلام إلى هنا ثمّ قال: فذكر يزيد بن ظبيان مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعه العامة! )[256](.
وهذا كلام صريح بأنّ أذهان العامّة قد شُحنت بثقافة منحازة، وقد تعصّبت لها كثيراً فهي لا تحتمل سماع ما يناقضها وإن كان هو الحقّ.
إنّ عبارة الطبري هذه تحدّد لنا بوضوح ما عناه ابن هشام حين حذف أشياء من سيرة ابن إسحاق فقال عنها: «يسوء بعض الناس ذكره»!
فما هي معالم هذه الثقافة التي شُحنت بها أذهان العامة؟
لقد تقدّمت نبذٌ من ذلك عند ذِكر كتاب أبان بن عثمان الذي خرّقه سليمان بن عبد الملك لِما فيه من ذكر للأنصار، وفي حديث خالد القسري لابن شهاب حين طلب منه أن يكتب المغازي شريطة أن لا يأتي لعليِّ عليه السلام بذِكرٍ إلاّ أن يجده في قعر جهنّم! وفي حديث الزهري عن كاتب الكتاب يوم الحديبية: لو سألت بني أُميّة لقالوا هو عثمان!
وسنأتي على مزيد من معالم تلك الثقافة في فقرة لاحقة أعددناها لهذا الغرض، بعنوان «منهاج التدوين».
مؤرّخون على أثر الطبري:
وجاء المؤرّخون اللاحقون من أصحاب التصانيف الكبيرة في التاريخ فاقتفوا أثر الطبري حذو القُذَّة بالقُذَّة)[257](، فلم يقتصروا على اعتماده مصدراً وحيداً لتلك الحقبة من التاريخ، بل اجتهدوا في توثيقه إلى أبعد الحدود، غافلين عن أسانيده التي كانت في أغلب ما يخصّ هذه الحقبة الحسّاسة من أوهى الأسانيد وأبعدها عن دواعي القبول، فألبسوا الطبري ما أراد أن يتبرّأ منه من تبعات ذلك!
أ – ابن الأثير:
في كتابه الكبير «الكامل في التاريخ» تابع الطبري في نصوصه ومنحاه، فنقل ما اختاره الطبري كاملاً أو أوجزه في أغلب الأحيان، ولم يخالفه في شيء أثبته، ولا عارضه على إسناد ضعيف ولا متن منكَر، بل على العكس حاول توثيق كلّ ما جاء فيه.
قال ابن الأثير في مقدّمة كتابه وهو يعرّف بمنهجه ويذكر مصادره: «أقول: إنّني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد… فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبريّ، إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أُخلّ بترجمة واحدة منها..».
وقال: «فلمّا فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه… إلاّ ما يتعلّق بما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم…».
هذه هي النقطة الخطيرة التي استوعبت تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الإسلام، فما هو موقف ابن الأثير إزاء ما فيها من أحداث حاسمة في تشخيص الحقائق؟
قال ابن الأثير مواصلاً كلامه: «إلاّ ما يتعلّق بما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنّي لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً.. وإنّما اعتمدت عليه من بين المؤرّخين، إذ هو الإمام المُتقن حقّاً، الجامع علماً وصحة اعتقاد وصدقاً»)[258](.
فهل غفل ابن الأثير عمّا قدّمه الطبري على مرويّاته من أسانيد، وما صرّح به من أنّه لم ينقلها ثقةً بها وإنّما هي روايات بلغته والعهدة فيها على رواتها؟!
لقد أسقط ابن الأثير تلك الأسانيد وأبقى النصوص وكأنّها الحقائق التي لا شكّ فيها ولا غبار عليها!
فإذا تذكّرنا أنّ هذه الحقبة الحاسمة من التاريخ قد حصرها الطبري برواية سيف بن عمر في الأغلب الأعمّ، وإذا تذكّرنا من هو سيف، ومن هو راويته الأوّل، علمنا عندئذٍ فداحة الأمر الذي ارتكبه ابن الأثير!
وعلمنا أيضاً مدى ما لقوله الآتي من حقيقة، ومدى ما له من أثر فادح في ثقافة الأجيال وعقائدها… ذلك قوله وهو يصف مصادره التي اعتمدها في تاريخه وفي مقدّمتها روايات الطبري عن كتب سيف، فيقول: «على أنّي لم أنقل إلاّ من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممّن يُعلَم بصدقهم في ما نقلوه، وصحّة ما دوّنوه… ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي»)[259](.
فكم بين هذا وبين ما قاله الطبري في ديباجته؟!
فالطبري لم يوثّق ما نقله، بل على العكس علم أنّ فيه ما يُستنكر ويُستشنع لما فيه من مجانبة الصواب، فقدّم عذره إلى قرّائه بأنّ هذا قد أتى من رواته لا منه هو، وجعل وسيلته إلى هذا العذر أن ذكر الأسانيد كاملة ليقف القارئ عليها فيأخذ بروايات الصادقين والممدوحين، ويترك روايات الكذابين والمتروكين.
أمّا ابن الأثير فقد أتى على تلك الأسانيد فحذفها، ثمّ حكم بصحّة كلّ ما ورائها، معلّلاً ذلك بأنّ الطبري قد رواها في تاريخه، والطبري إمام لا شكّ في علمه وصدقه!!
إنّ هذا لفادح من الأمور.
ولم يكن الطبري وحده ضحيّته، بل هذه الأجيال التي عُرضت لها الأباطيل وكأنّها الحقائق، ورُسم لها تاريخ الإسلام منكوساً على رأسه وهي تخال أنّه قائم على قدميه!
وهكذا تستولي الأباطيل على عقائد الناس، حين يغترّ الناس بكلام معسول كديباجة ابن الأثير هذه.
ب – ابن خلدون:
ابن خلدون أيضاً يؤكّد اعتماده على ما نقله الطبري دون غيره، ثم يزيد على ذلك ليهاجم المؤرّخين الذين نقلوا أخباراً غير التي نقلها سيف بن عمر والعاذرون، فيقول بعد أن فرغ من ذكر وقعة الجمل:
«هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبري، اعتمدناه للوثوق به، ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره»)[260](.
وفي موضع آخر وبعد أن فرغ من الكلام في أمر الخلافة الإسلامية، قال:
«هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثمّ الاتفاق والجماعة، أوردتها ملخّصة عيونها ومجامعها من كتاب محمّد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير، فإنّه أوثق ما رأيناه في ذلك، وأبعد عن المطاعن والشُبَه في كبار الأُمّة من خيارها وعدولها من الصحابة والتابعين. فكثيراً ما يوجد في كلام المؤرّخين أخبار فيها مطاعن وشُبَه في حقّهم أكثرها من أهل الأهواء، فلا ينبغي أن تُسَوّد بها الصحف»)[261](.
إنّ ما قيل في حقّ ابن الأثير يقال هنا أيضاً في حقّ ابن خلدون.
ج – ابن حزم:
أورد ابن حزم في سيرته أخبار الخلفاء باختصار شديد، وفي حديثه المختصر عن خلافة أمير المؤمنين الإمام عليٍّ عليه السلام وذكر وقعة الجمل وصِفّين، قال: «وفي أيّامه كانت وقعة الجمل وصِفّين، وعَلِم الناس منه فيها كيف قتال أهل البغي».
ثمّ انتقل فوراً ليوجّه القارئ إلى المصادر التي تكفّلت ذكر الغزوتين، فقال: «وحديثها قد اعتنى به ثِقات أهل التاريخ، كأبي جعفر بن جرير وغيره»)[262](.
فقد اكتفى بذكر الطبري من بين ثقات أهل التاريخ، في حين لم يعتمد الطبري في أخبار معركة الجمل سوى رواية سيف بن عمر!!
طريقة الانتقاء وشروط الصحة:
لمسنا بوضوح أنّ شيخ المؤرّخين الإمام الطبري قد التزم منهاجاً خاصاً في انتقاء الأخبار، وبالخصوص ما يعني منها بأحداث تلك المرحلة الحسّاسة والحاسمة في تاريخ الإسلام.
وقد كشف الطبري عن بعض حدود منهاجه هذا بصريح القول أحياناً، وأحياناً أخرى بما التزمه بالفعل من شروط الانتقاء وإن لم يصرّح بها قولاً.
1 – انتقاؤه أخبار العاذرين معاوية وترك ما سوى ذلك.
وحجّته في ذلك حفظ السَلَف. ولكن الحقّ أنّه مهما أجهد نفسه في انتقاء الأخبار وتهذيبها فلا يستطيع إعذار معاوية حتّى ينال من خصومه وهم دائماً من كبار السلف الّذين لا يُقرن بهم معاوية.
إذن فالسَلَف الذي يُعنى الطبري بحفظه هو معاوية وفئته فقط لا كلّ السَلَف.
2 – إنتقاؤه ما يرضي العامّة ويوافق أهواءها دون سواه.
فإذا تذكّرنا أنّ العامّة كانت تهوى هوى الفئة الغالبة، وتعتقد بما أذِن المتغلّبون بنشره من عقائد، أدركنا أنّ التاريخ قد مال أيضاً إلى هذه الفئة، وغمص الآخرين حقهم.
3 – متابعة الأمر الواقع والذبّ عنه ما وجد لذلك سبيلاً.
وهذا النهج واضح؛
أوّلاً: في التزام الشرطين المتقدّمين.
وثانياً: في التزام رواية سيف بن عمر على طول هذه المرحلة الحسّاسة، ابتداءً بوفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وانتهاءً بمعركة الجمل. وسيف هو الراوي الذي نذر نفسه لهذا الغرض، وصنع لأجله الأساطير، وزوّر الحقائق، وقلب الأخبار)[263](.
وعلى هذا النحو سار الآخرون، كما رأينا ذلك واضحاً عند ابن الأثير وابن خلدون، وقد جعلا تلك الأمور شروطاً في صحّة الخبر.
وثمّة ترابط وثيق بين هذه الأُمور الثلاثة سيظهر جليّاً في الفقرة اللاحقة.
* ومع حذر الطبري الشديد وتمسّكه بتلك النقاط لم ينج من أولئك العامّة، فقد اتّهموه بمناصرة الشيعة! فكيف بنيت إذن ثقافة العامّة؟!
منهاج التدوين ومعالم الثقافة:
سِيَر الصحابة ومناقبهم هي القضيّة الحاسمة في هوية التاريخ..
فمنذ أن ظهر الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت هذه القضية المحور الأهمّ في محاور الخلاف.. وما زالت تنمو حتى بلغت أوجها في عهد معاوية بن أبي سفيان.
وأهمّ من ذلك أنّه في هذا العهد وُضِعَتِ اللبنات الأولى لهذه المرحلة من مراحل التدوين. فلم تشأ السياسة آنذاك أن تدع الثقافة تجري بعيداً عن سلطانها، بل بسطت عليها سلطانها كما بسطته على شؤون الإدارة والأجناد، فرسمت لها مساراً لا تتعدّاه.
وقد تمّت معالم هذا المسار مبكّراً على يد معاوية بن أبي سفيان، الذي كان قد أنجز منها شوطاً هاماً في حدود سلطانه أيّام ولايته على الشام..
ولقد حفظ لنا التاريخ ذلك في نصوص شهد لها الواقع بجزئيّاته، نُقلت عن أئمّة ثقات كالإمام محمد الباقر عليه السلام، والمدائني، ونفطويه. واتّفقت هذه النصوص في وصف الخلاصة التي تُمثّل هوية هذا المسار الجديد، فيما كان حديث المدائني معنيّاً بتحديد المراحل التي اتُّبِعت في ذلك، فقال:
* كتب معاوية نسخةً واحدةً إلى عماله بعد عام الجماعة: «أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته».
هذه هي الخطوة الأولى من خطوات هذا المشروع، أن يمنع التحدُّث بسيرة عليٍّ وأهل البيت عليهم السلام وفضائلهم، لئلاّ تنقل إلى العامّة فتدخل في ثقافتهم وعقائدهم.
وعلى أثر هذه الخطوة، قال المدائني: قامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً عليه السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.
فعليٌّ عليه السلام وأهل بيته لم يكونوا مجرّدين من الفضائل غرباء على السيرة فقط، وإنّما هم هؤلاء الّذين يلعنهم خطباء المسلمين ويبرؤون منهم!!
وهكذا ابتدأ المشروع الجديد بهدم ما في أذهان العامّة الّذين يعلمون أنّ عليّاً عليه السلام هو أحد خلفاء المسلمين، وأنّه صاحب السابقة والعلم والجهاد والزهد، وأنّ أهل بيته هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ جاءت الخطوة الثانية، قال المدائني:
* وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: «ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليٍّ وأهل بيته شهادة». هؤلاء الّذين ما زالوا يحتفظون بحبّ عليّ، تُهدر كرامتهم ويعاملون معاملة الفسّاق فلا تُقبل لهم شهادة.
ومن كانت هذه حاله فلو حدّث بحديث فحديثه باطل ومردود بلا كلام، فكيف تؤخذ أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ممّن لا تُقبل شهادته؟!
وهكذا فعلاً رُدّت شهادات أهل هذه الطائفة، وتركت أحاديثهم. فلمّا جاء أهل الجرح والتعديل في فترة لاحقة علّلوا ترك أحاديثهم بأنّهم كانوا يتشيّعون، وصار كلّ حديث يرد عنهم خلاف ما أَلِفَه الناس يُعدّ حديثاً منكراً.
* قال المدائني: وكتب إلى عمّاله: «أن انظروا من قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل بيته، والّذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته».
ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لِما كان يبعثه إليهم معاوية ويفيضه عليهم، وكثُر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا. فلبثوا بذلك حيناً..
فهذه هي الخطوة الثالثة من خطوات هذا المشروع الثقافي الجديد.
* ثمّ كتب إلى عمّاله: «إنّ الحديث في عثمان قد كثُر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجهٍ وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين…
ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليَّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضائله».
فقُرِئت كتبه على الناس، فرُويتْ أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها..
وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر.. وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع.. حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن… وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله..
فظهر حديث كثير موضوع.. وبهتان منتشر..
ومضى على ذلك: الفقهاء، والقُضاة، والولاة، والقرّاء المراؤون، والمستضعفون الّذين يُظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند الأئمّة، يصيبوا به الأموال والضياع والمنازل..
حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها!! )[264](.
وإلى مثل هذا انتهى حديث الإمام الباقر عليه السلام وهو يصف حال أهل البيت وشيعتهم في ذلك العهد، إلى أن قال: «وحتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير – ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً – يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممّن لم يُعرف بالكذب ولا بقلّة ورع»!!)[265](.
وإلى مثله أيضاً انتهى كلام نفطويه في تاريخه حيث يقول: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختُلِقت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يُرغمون به أُنوف بني هاشم!!
الخلاصة:
تلك هي مصادر ثقافة العامّة… وهذه هي مادة عقائدها!!
وكل ما جاء بخلاف ذلك فهو ممّا يسوء العامّة ذكرُه.. فتجنّب التاريخُ ذِكرَه!
وكلّ حديث لا ينسجم في مؤدّاه مع هذا الحديث المنتشر فهو حديث منكر، لا يُكتب ولا يُتديّن به.
ثم جاء اللاحقون من أهل الجرح والتعديل وتدوين الحديث والتاريخ فاعتمدوا على ما ثبت في ذلك العهد من أحاديث وأخبار مدوّنة أو محفوظة، فمن وثّقه المُعتَمدون المأذونون في ذلك العهد فهو الثقة المأمون، ومن مضى على مثل طريقته فهو مثله على امتداد العصور، ومن طعنه أولئك فهو المطعون وحديثه المتروك، ومن مضى على مثل طريقته فهو مثله… فهؤلاء هم أهل الأهواء الّذين ينبغي ألاّ تُسَوّد الصُحف بأحاديثهم، كما قال ابن خلدون وكما صنع ابن هشام والطبري.
هكذا يكشف لنا التاريخ عن هويته…
هويّة حدّدتها تلك المدرسة الثقافية الشاملة التي أنشئت في أول عصور التدوين.
إن هذه الحقيقة لتستدعي إثارة الشكوك حول الكثير ممّا جمعته عيون التاريخ وكأنّه الحقيقة التي لا مراء فيها..
إنها تستدعي أن يُحاكم هذا التاريخ محاكمة جادّة حتّى يتميّز ما ثبت فيه ممّا هو حقّ، وما ثبت فيه تأثّراً بتلك المدرسة وما خلّفته في أذهان الناس، حتى وجد ابن هشام والطبري نفسيهما مكتوفَي الأيدي لا يستطيعان أن يُثبتا حقيقة واحدةً تصطدم مع عقائد الناس وما ترسّخت عليه أهواؤهم.
بل حتّى وجدا نفسيهما منساقَين لتلك الآثار، يَعُدّان ما خالفها من الأُمور الشنيعة التي يجب ألا تكتب!
إنّ الآثار التي تركتها تلك المدرسة في أذهان عامّة الناس قد بلغت حدّاً يصعب تصوُّره!
التاريخ في محكمة السُنّة:
ماذا عساه أن يكون نصيب أبي ذرّ في تاريخ يكتبه العاذرون معاوية؟!
لقد عزم هذا التاريخ أن ينفي أبا ذرّ كما نفاه خصومه… وأن يتركه وحيداً كما عاش وحيداً ومات وحيداً!!
وماذا عساه أن يكون نصيب عمّار؟!
لقد سعى هذا التاريخ في محو أثره بعد ما غاله سيف الفئة الباغية!!
وماذا عساه أن يكون نصيب الأنصار بعدما مضّت فيهم الأثَرة فلم يجدوا إلاّ الصبر، فاتّخذوه شعاراً ودثاراً؟ فالذي استأثر عليهم بحقّهم أيّام حياتهم، هل سيرعى لهم حقّهم بعد مماتهم؟!
وماذا سيكون نصيب الخصم الألدّ!! خصم الأبد… أبي تراب وأهل بيته؟!
من هذه النوافذ التي نفتحها على التاريخ تتجلّى لك أسرار النبوّة.. فتهتف من الأعماق بشعور وبلا شعور:
الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله، أشهد أنك رسول الله حقّاً!
فتعال نطلّ إطلالة تأمّل من تلك النوافذ:
فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يخصّ أبا ذرٍّ بقولٍ عجب!! ويمنح عمّاراً شهادةً عجباً!! ويخبر الأنصار بنبأ عجب!! ويُخبر عليّاً عليه السلام بمثله وزيادة!! ويقرن بين الأنصار وعليٍّ بما يثير الدهشة والعجب!!
1 – أبو ذرّ:
النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصّ أبا ذرّ بقولٍ عجب، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذرّ»!!)[266](.
لِمَ هذا الاختصاص لأبي ذرّ وحده، وفي الصحابة كثير من أهل الصدق الّذين لم يُعرف لأحدهم كذبة قطّ؟!
إنّ الإطلالة على هذا التاريخ تُنبئك أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بقوله الشريف هذا يريد الإطراء على أبي ذرّ وحسب، وإنّما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يقف بنفسه المقدّسة وبحديثه الشريف إلى جنب أبي ذرّ حين تقف الدولة ضدّه بكامل ثقلها… يريد أن يشهد له ويصدقه حين تكذّبه الناس، وحين يتّهمه التاريخ!
وحين يبقى أبو ذرّ الرجل الذي ينطق وحده، ويُنفى وحده، ويموت وحده!
حين يكون خصمه الدولة بكامل ثقلها، بأمرائها وقضاتها ومحدّثيها ومؤرّخيها، فيعلو عليه الضجيج لتضيع أصداء صوته المخنوق!!
حينئذٍ يقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – بشخصه الكريم وسُنّته المطهّرة – فيشهد له بأنّه الأصدق قولاً من كلّ ذلك الرعيل، وأنّه الأثبت لهجةً من كلّ ذلك الضجيج..
فإنْ جفاه الناس، وأعرض عنه التاريخ، فلا ضير عليه، فإنّه كان وحده أُمّة في مقابل تلك الأُمّة، وسيُبعث وحده يوم القيامة أُمّة)[267](!! وفي الحالين هو الأُمّة الأصدق لهجة والأمضى حجّةً والأعزّ ناصراً.
إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال لنا بهذا الحديث: إذا رأيتم أُمّة تتّهم أبا ذرّ وتردّ عليه، فصدّقوه وكذّبوها، ولا يغرّكم أنّ فيها رواة ومحدّثون، فأبو ذرّ هو الأصدق لهجةً على الدوام.
ولا يغرّكم فيها كثرة أو غلبة، فأبو ذرّ وحده أمّة!
ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أخذ على أبي ذرّ ألاّ تأخذه في الله لومةُ لائم:
قال أبو ذرّ: «بايعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهَد الله عليَّ سبعاً ألا أخاف في الله لومة لائم»)[268](.
أما عاذروا السَلَف فقالوا: إنّما أغواه ابن سبأ!!
تلك قصّة أبي ذرّ بين السُنّة والتاريخ.
ولو قلنا إنّ التاريخ قد أسقط الكثير من سير أبي ذرّ ومناقبه لما أسأنا الظن.
2 – عمّار:
ومثل الذي كان مع أبي ذرّ كان مع عمّار الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحق»)[269](!
وهكذا عرّف به الصحابي الكبير حذيفة بن اليمان، حيث سُئل عن الفتن وانشقاق الأمّة فِرَقاً، فقال: «انظروا الفئة التي فيها ابن سُميّة – عمار – فاتّبعوه، فإنّه يدور مع كتاب الله حيث دار»)[270](.
وأعجب من هذا فإنّ عمّاراً قد أجاره الله من الشيطان على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم. وبهذا كان يعرف أصحاب رسول الله رضي الله عنهم)[271](.
فحين يأتي التاريخ ليصف عمّاراً بأنّه كان من أوّل المتأثّرين بدعوة ابن سبأ؛ تأثّر به فأظهر الخلاف على عثمان! وتأثّر به فتعصّب لعليٍّ عليه السلام وشدّد على حقّه في الخلافة! )[272]( عندئذٍ تظهر أبعاد تلك الأحاديث الشريفة.
فكأنّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول لنا: إذا جاءكم أحد بمثل هذا عن عمار فاعلموا أنّما هو افتراء باطل، فإن عمّاراً قد أجاره الله تعالى من الشيطان، فما كان يقوله عمّار فهو دينه وعقيدته، وهو الحقّ، وما هو من وحي شيطان..
إنه غبار يُثار بوجه الفئة التي انتظم فيها عمار، وهي الفئة المحقّة، فمهما تعدّدت الفئات فإنّ عماراً مع الفئة المُحقّة، لا يفارقها، يدور مع كتاب الله حديث دار..
فلا يصدّنّكم هذا عنه، ولا يغرّنّكم أنّه يقال من قِبَل الفئة القويّة المتغلّبة على الأرض وعلى تدوين التاريخ، فإنّ تلك هي الفئة الباغية… فإنّ عماراً «تقتله الفئة الباغية»!!
فقد علم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ عمّاراً سيكون قطباً من الأقطاب التي يدور عليها اختلاف الناس، فسوف يكون له أعداء يحاربونه بأكثر من سلاح، منها:
أ – أنّهم سيتّهمونه في عقيدته ويزعمون أنّه قد تأثّر بشياطين الإنس فأغوته ومالت به عن الرشاد.
ب – سيصفونه بإثارة الفُرقة والفتنة في هذه الأمة.
ج – سيقاتلونه فيقتلونه.
فردّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الأوّل بإبلاغه أصحابه أنَ عمّاراً قد أجاره الله من الشيطان!! فمن اتّهم عمّاراً بشيء من ذلك فكذّبوه واعلموا أنّه مفترٍ.
وردّ على الثاني فقال: «إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحق» «يدور مع كتاب الله حيث دار» فإذا رأيتم فئةً تخالف عمّاراً فاعلموا أنّ تلك هي فئة الباطل والضلال!
وإذا دعاهم عمار إلى شيء فردّوه وكذّبوه فإنّما يدعوهم إلى الحقّ، ويدعون هم إلى الباطل.. وتعجّب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الناس مع عمّار فقال: «ما لهم ولعمّار؟! يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار!» )[273](.
وردّ على الثالث، فقال: «تقتله الفئة الباغية».
وقال: «من يعاد عمّاراً يعادِه الله، ومن يُبغض عمّاراً يُبغضه الله)!! )[274](.
إنها شهادتان في آنٍ واحد: شهادة ببراءة عمّار، وشهادة بجناية التاريخ. شهادة لعمّار بأنه مع الحقّ، وشهادة على التاريخ بأنّه مع الباطل.
وهكذا رسمت السُنّة مساراً، وسار التاريخ في مسارٍ آخر.
3 – الأنصار:
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: «ستلقون بعدي أثَرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»!)[275](.
فهناك الجزاء، وهناك النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم، خصمٌ لمن استأثر عليهم، ومن كان النبي خصمه فقد خسر!!
وذاق الأنصار تلك الأثَرَة، وذاقوا مُرّ الصبر عليها.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار»!)[276](.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الأنصار لا يحبّهم إلاّ مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافق، فمن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»!)[277](.
فتغلّب أناس على أُمور المسلمين أبغضوا الأنصار واستأثروا عليهم، فطاوعهم التاريخ على ذلك!
4 – عليّ:
أولئك الّذين نال منهم التاريخ – أبو ذرّ، وعمّار، والأنصار – هم فئة عليٍّ عليه السلام.
أبو ذرّ وعمّار هما اللذان لم يفارقا عليّاً قط، ولا قدما عليه بشرا غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والأنصار هم الذين أحبّوا عليّاً وأحبّهم، حتّى جرّ عليهم حُبّه تلك الأثَرَة.
وبعد، فعليٌّ هو العنوان المستهدَف على الدوام من قِبَل خصومه المتغلّبين على البلاد، وعلى كتابة التاريخ والحديث.
وكما جعل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حبّ الأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق، جعل ذلك لعليٍّ عليه السلام، فعهد إليه عهداً: «لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»!)[278](.
وقال له: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه»!)[279](.
وقال له ولأهل بيته: «أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»!)[280](.
فجاء التاريخ مسالماً وعاذراً، بل مطاوعاً لمن أبغضهم وعاداهم وحاربهم!!
نتيجة البحث:
أبو ذرّ قرّبته السُنّة، ونفاه الحاكمون، فنفاه التاريخ!
وعمّار نصرته السُنّة، وقتله الباغون، فغاله التاريخ!
والأنصار أدنتهم السُنّة، وأبعدهم المتغلّبون، فأبعدهم التاريخ!
وعليٌّ حالفته السُنّة، وخاصمه القاسطون، فخاصمه التاريخ!
ذاك مسار السُنّة، وهذا مسار التاريخ!!
فالسُنّة قد أدانت التاريخ مرّات ومرّات، فجناية التاريخ ليست في اصطناع الأعذار فقط، بل في مبادلة الأدوار.
فحين يكون أبو ذرّ وعمّار قد تأثّرا بابن سبأ، أو انحرفا عن الجادّة بإثارة الفتنة، فسوف يكون الحقّ مع خصومهم، فالخصوم إذاً هم الّذين لزموا الصراط المستقيم، وما كان عليه أبو ذرّ وعمّار هو الباطل!!
فهذا هو مصير السُنّة حين يُكتب التاريخ بأقلام العاذرين ولإرضاء العامة واستجلاب رضا المتغلّبين.
إنه لفصام كبير بين مسار الإسلام كما أراده الله ورسوله، وبين المسار الواقعي الذي شهده تاريخ الإسلام ومضى عليه التدوين.
تلك حقيقة وقف عليها الكثير من الدارسين والمحقِّقين، ولم تَعُد من الأمور الغامضة التي قد تُثير حفائظ المتمسّكين بكلّ ما يُنسَب إلى التراث.
لقد أدرك الجميع حقيقة أنّ معظم المؤرّخين الّذين صاغوا هذا التاريخ هم من الموالين للسلطات سياسياً، في عهود تأجّج فيها النزاع السياسي وازدادت حدّته حتى امتدّ إلى كلّ ميادين الحياة، فكان أقلّ ما يفعله المؤرّخون هو تبرير أعمال الخلفاء والأمراء، أيّاً كانوا، ومهما كانت أعمالهم، والكفّ عن ذِكر ما يزعجهم من حقائق التاريخ، وما لا يأذنوا بكتابته!
كما أنّ معظم المؤرخين كانوا أيضاً موالين للسلطات مذهبيّاً، في عهود كان فيها النزاع المذهبي على أشدّه «وقد صار كلّ الفرق يحكي الشرّ عن مخالفيه ويكتم الخير، ويروي الكذب والبهتان، وينتحل الأحاديث النبوية والمأثورات عن السَلَف خدمةً لأغراض المتخاصمين»!.
ووجد المتديّنون والفقهاء في هذا التاريخ مادّةً دسمةً في الانتصار لأوليائهم في السياسة والمذهب.
بل الغريب أن يكون الفقهاء أشدّ تطرّفاً من المؤرّخين في ما يمسّ (عدالة) أوليائهم من (الخلفاء)! وهذا ظاهرٌ جدّاً في كتابات ابن حزم وابن تيميّة.
تلك الحقائق هي التي جمعت الدارسين والمنصفين من أهل التحقيق والنظر على قولٍ واحد مفاده:
إنّ معلوماتنا عن التاريخ بحاجة إلى مراجعة جادّة ودراسة في ضوء رؤية شمولية للتاريخ الإسلامي…
رؤية تحيط بجوهر رسالة الإسلام…
رؤية تكون فيها الشريعة الإسلامية بمصدريها الأساسيَّين – القرآن والسُنّة – هي المعيار الذي تقوّم على أساسه الأطراف المتنازعة والفئات المختلفة.
وهذا هو الذي أردناه في هذا البحث…
* فالقرآن والسُنّة هما المصدران المعصومان اللذان يحكمان على كلّ ما عداهما، ولا شيء يحكم عليهما.
* وإنّ القرآن والسُنّة يعكسان الصورة التامّة لمسار الإسلام، في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعده.
* وأمّا الواقع الذي صنعه المسلمون بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو من صنع المسلمين أنفسهم، وهو خاضع لميزان القرآن والسُنّة، فما كان منه موافقاً لهما فهو من الإسلام ومن مساره الشرعي الذي لا شكّ فيه، وما كان منه مخالفاً لهما فهو مسار آخر أولى أن يُنسب إلى أصحابه.
كما ظهر هنا جليّاً نوعان من الموازين خضعت لهما أكثر الدراسات في التاريخ والعقيدة، وهما:
* ميزان منح أُصول المذهب سمة العصمة، فجعل نصوص القرآن والسُنّة وحقائق التاريخ كلّها خاضعةً له، فما وافق المذهب فهو الحقّ عنده، وما خالف المذهب أعملَ فيه التأويل ولو إلى حدّ التعطيل وخصوصاً مع آيات الكتاب الكريم، وما لا يمكن تأويله من السُنّة والحقائق التاريخية أنكرها بالمرّة وكذب بها!
* وميزان منح السياسة النافذة والأمر الواقع في مرحلة ما سمة العصمة، وجعلها هي الحاكمة على نصوص القرآن والسُنّة، فلا يقبل إلاّ ما وافقها، وأمّا ما خالفها فمصيره إمّا إلى التأويل الذي يبلغ أحياناً منزلة النسخ والتعطيل، وإمّا إلى التكذيب والانكار الذي ينال الكثير من السُنّة النبوية والوقائع التاريخية.
صائب عبد الحميد
بعض مؤرخي الشيعة
1 ـ جابر بن يزيد الجعفي
جابر بن يزيد الجعفي:
جابر بن يزيد بن حارث الجعفي، كنيته أبو عبد اللّه، كان من الفقهاء التابعين ومن أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام. توفي في الكوفة سنة 128 هـ ودفن فيها.
يقول النجاشي: إن «جابر بن يزيد المكنى بأبي عبد اللّه، أو أبو محمد، جعفي عربي عاش في عصر الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام».
الكتب التاريخية التي نسبت إليه هي:
1 ـ كتاب صفين، 2 ـ النهروان، 3 ـ مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، 4 ـ مقتل الحسين عليه السلام ، 5 ـ الجمل.
2 ـ أبو مِخنَف
لوط بن يحيي بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي، كنيته أبو مخنف، من أقدم مؤرخي العرب ومحدثيهم، توفي سنة 157هـ.
يقول ابن النديم عنه: «كتب أحمد بن حارث الخزاعي بخطه: «يعتقد العلماء أن أبا مخنف أعلم من غيره عن تاريخ العراق وأخباره».
يصفه صاحب الأعلام، بأنه مؤرخ شيعي من أهالي الكوفة.
ويقول المامقاني: «ما من شكّ أن أبو مخنف كان إمامياً ويعتقد المحدّث النوري أن: «أبا مخنف بن يحيي من كبارالمحدثين وهو ثقة لدي المؤرخين وأصحاب السير.
ويعتبره المحدّث القمي من كبار مؤرخي الشيعة.
وبالرغم من أن بعض غير الشيعة أمثال أبي حاتم، الدارقطني ويحيي بن معين يطعنون في أبي مخنف ويرفضون رواياته، إلاّ أن مؤرخين أمثال الطبري والبلاذري يعتمدون علي كتاباته ومصنفاته ونقلوا الكثير عنه. وهذا يؤكد أن طعن رجال مثل أبي حاتم وغيره إنما كان بدوافع مذهبية لا لعدم وثاقته.
لأبي مخنف رسائل وكتب ومصنفات تاريخية كثيرة منها:
1 ـ كتاب الردة، 2 ـ كتاب فتوح الشام، 3 ـ كتاب فتوح العراق، 4 ـ كتاب الجمل، 5 ـ كتاب صفين، 6 ـ كتاب أهل النهروان والخوارج، 7 ـ كتاب الغارات، 8 ـ كتاب الحارث بن راشد وبني ناجية، 9 ـ كتاب مقتل علي، 10 ـ كتاب مقتل حجر بن عدي، 11 ـ كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة، 12 ـ كتاب الشورى، 13 ـ كتاب مقتل عثمان، 14 ـ كتاب المستورد بن علقمة، 15 ـ كتاب مقتل الحسين، 16 ـ كتاب وفاة معاوية وولاية ابنه يزيد ووقعة الحرة وحصار ابن الزبير، 17 ـ كتاب المختار ابن أبي عبيدة، 18 ـ كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة، 19 ـ كتاب مرج راهط وبيعة مروان ومقتل الضحاك بن قيس، 20 ـ كتاب مصعب وولاية العراق، 21 ـ كتاب مقتل عبد اللّه بن الزبير، 22 ـ كتاب مقتل سعيد بن العاص، 23 ـ كتاب حديث باخمرى، 24 ـ كتاب مقتل ابن الأشعث، 25 ـ كتاب بلال الخارجي، 26 ـ كتاب نجدة أبي قبيل، 27 ـ كتاب حديث الأزارقة، 28 ـ كتاب حديث روستقباذ، 29 ـ كتاب شبيب الخارجي وصالح بن مسرح، 30 ـ كتاب مطرف بن معيمر، 31 ـ كتاب دير الجماجم وخلع عبد الرحمن بن الأشعث، 32 ـ كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر، 33 ـ كتاب خالد ابن عبد اللّه القسري ويوسف بن هشام وولاية الوليد، 34 ـ كتاب يحيي، 35 ـ كتاب الضحاك الخارجي، 36 ـ كتاب خطبة الزهراء لأمير المؤمنين عليهم السلام، 37 ـ كتاب فتوحات الإسلام، 38 ـ كتاب أخبار ابن الحنفية، 39 ـ كتاب أخبار زياد، 40 ـ كتاب مقتل الحسن السبط، 41 ـ كتاب أخبار الحجاج، 42 ـ كتاب فتوح خراسان، 43 ـ كتاب الحكمين، 44 ـ كتاب آل مخنف بن سليم.
3 ـ ابن الكلبي
هشام بن محمد، أبي نضر بن السائب بن بشرالكلبي، كنيته أبو المنذر، مؤرخ عربي وعالم في الأنساب له حوالي مائة وخمسين كتاباً في مختلف العلوم، كان من أهالي الكوفة وتوفي فيها سنة 204 أو 206 هجرية.
يقول ابن خلكان عنه: «هشام بن الكلبي أعلم رجال عهده في علم الأنساب وكان من حفّاظ القرآن».
وقال الذهبي عنه: حفظ هشام القرآن وكان واسع المعرفة بالأخبار، توفي سنة 206 هـ وله مائة وخمسون كتاباً، أفضلها كتاب الجمهرة في معرفة الأنساب، لا مثيل لهذا الكتاب في علم الأنساب.
ويقول الأديب المصري أحمد زكي باشا عن ابن الكلبي: «من مشاهير رجال العلوم الإسلامية في القرن الثاني للهجرة. كان يقيم في الكوفة وتعلم على والده وعلماء الكوفة وكان من أصحاب الفكر في تاريخ العرب والمعارف الإسلامية، سافر إلي بغداد وحظي بمكانة مرموقة. نقل عنه معاصروه والمؤرخون الذين جاؤوا بعده كالطبري وابن سعد.
كان هشام ذكياً للغاية، كتب الكثير من الكتب حول التاريخ والجغرافيا والأقوام قبل الإسلام والأحداث بعد الإسلام والروايات والأديان والعقائد الدينية لعرب الجاهلية. لم يبق منها إلا ثلاثة كتب وهي:
1 ـ الجمهرة. في علم الأنساب والقبائل العربية.
2 ـ أنساب الخيل.
3 ـ الأصنام، في علم الاجتماع الديني.
حقق عن هذه الكتب الثلاثة الأديب المصري أحمد زكي باشا وطبعها.
يذكر أن مؤلفات ابن الكلبي رغم ما تحظى به من أهمية لا تخلو من الأغلاط وهذا إما بسبب كثرة المواضيع بحيث قللت من اهتمام ابن الكلبي وإما أن يكون هناك من دسَّ في كتبه ما ليس منها، إن مثل هذه الأمور ونزعة ابن الكلبي الشيعية كانت السبب بأن يرفض رجال مثل الدارقطني وابن حنبل رواياته إلاّ أن هذا بعيد عن الإنصاف وله جذوره التعصبية.
4 ـ الواقدي
محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي من الموالي، كنيته أبو عبد اللّه من حفّاظ الحديث ولد بالمدينة سنة130 هـ. وفي سنة 180 هـ سافر إلى العراق حيث تولى القضاء في بغداد وبقي في منصبه حتي سنة 207 هـ مؤلفاته كثيرة في مواضيع علمية عديدة.
يقول الخطيب البغدادي عن دقة نظر الواقدي: «إذا سمع الواقدي خبراً ذهب بنفسه إلى مكان الحادث ليتأكد منه ثم يسجله.
ويقول ابن النديم: «ترك الواقدي بعد وفاته ستمائة دولاب من الكتب رغم أنه كان قد بيع قبل ذلك ما يعادل ألفي دينار من كتبه.
هناك خلاف في الرأي حول مذهب الواقدي، فبعضهم يعتبره شيعياً وبعض آخر لا يعتبره كذلك.
يعتقد ابن النديم: «أن الواقدي شيعي حسن الأسلوب وكان يعيش في التقيّة».
وكان الشيخ المفيد يعتبر الواقدي عثمانياً، ميالاً إلي علي عليه السلام. ربما يؤيد نظرية الشيخ المفيد هو أن الواقدي تسلّم عطية من هارون الرشيد وعاش في رفاهية بفضل يحيي البرمكي.
وأن كاتبه ـ ابن سعد ـ كان من موالي العباسيين.
رغم هذا كله لا يمكن إنكار كون الواقدي شيعياً لأنه كما كتب ابن النديم كان يعيش في التقية، وحسب تحقيق المامقاني ربما كان الواقدي يتردد علي بلاط هارون بتوصية من الإمام الرضا عليه السلام.
كتب ومصنفات الواقدي هي:
1 ـ كتاب التاريخ والمغازي والمبعث، 2 ـ كتاب أخبار مكة، 3 ـ كتاب الطبقات، 4 ـ كتاب فتوح الشام، 5 ـ كتاب فتوح القرآن، 6 ـ كتاب الجمل، 7 ـ كتاب مقتل الحسين عليه السلام ، 8 ـ كتاب السيرة، 9 ـ كتاب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، 10 ـ كتاب الردة والدار، 11 ـ كتاب حرب الأوس والخزرج، 12 ـ كتاب صفين، 13 ـ كتاب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، 14 ـ كتاب أمر الحبشة والفيل، 15 ـ كتاب المناكح، 16 ـ كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر، 17 ـ كتاب ذكر القرآن، 18 ـ كتاب سيرة أبي بكر ووفاته، 19 ـ كتاب مدعى قريش والأنصار في القطائع ووضع عمر الدواوين وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها، 20 ـ كتاب في علوم القرآن وغلط الرجال، 21 ـ كتاب مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين، 22 ـ كتاب ضرب الدنانير والدراهم، 23 ـ كتاب تاريخ الفقهاء، 24 ـ كتاب الآداب، 25 ـ كتاب التاريخ الكبير، 26 ـ كتاب غلط الحديث، 27 ـ كتاب السنّة والجماعة وذم الهوى، 28 ـ كتاب الاختلاف.
5 ـ نصر بن مزاحم المنقري
نصر بن مزاحم بن سيار المنقري التميمي الكوفي، كنيته أبو الفضل. نسبه من منقر بن عبيد بن حارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم. كان من أقدم المؤرخين. يعتقد أصحاب الرأي أنه كوفي بالرغم من أنه عاش في بغداد.
ويقول المؤرخون أنه كان عطاراً.
يقول العقيلي عنه: كان نصر بن مزاحم شيعي المذهب، إلا أن في حديثه هفوات. أما أبو حاتم وهو أحد المحدثين من غير الشيعة فيعتقد أن في حديثه ذلة وهفوة. إلاّ أن ابن حبّان، يعتبر نصر بن مزاحم من الثقاة. ويقول ابن أبي الحديد عنه: «إننا نعتقد أن ما كتبه نصر بن مزاحم في كتاب صفين يعتمد عليه وبعيد عن الشوائب وهو من رجال الحديث».
يعتقد بعض كبار الشيعة أنه شيعي يعتمد عليه وصادق القول.
وهذا ما جعل بعض المصنفين من غير الشيعة يعتبرونه مؤرخاً غالياً.
كتبه ومؤلفاته هي:
1 ـ الجمل، 2 ـ صفين، 3 ـ مقتل الحسين، 4 ـ عين الوردة، 5 ـ أخبار المختار بن أبي عبيد، 6 ـ المناقب، 7 ـ النهروان، 8 ـ الغارات، 9 ـ مقتل حجر بن عدي، 10 ـ أخبار محمد بن إبراهيم طباطبا وأبي السرايا.
6 ـ الجهمي
أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان بن عبد اللّه بن أبي جهم بن حذيفة العدوي، من قبيلة بني عدي بن كعب، كنيته أبو عبد اللّه. وبسبب نسبه إلي جده أبي جهم العدوي سمي بالجهمي.
درس في العراق وأصبح أديباً، شاعراً، راوياً للحديث استخدم قلمه في خدمة كتابة التاريخ وعلم الأنساب.
قال في عهد المتوكل العباسي، كلاماً في رد أعداء علي عليه السلام فحكم عليه بأن يجلد مئة جلدة، توفي سنة 232 هـ أو في سنة 247 هـ. مؤلفاته هي:
1 ـ أنساب قريش وأخبارها، 2 ـ المعصومون، 3 ـ المثالب، 4 ـ الانتصار في الرد على الشعوبية، 5 ـ فضائل مصر.
7 ـ البرقي
(المتوفي سنة 274 هـ)
أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، كنيته أبو جعفر وهو من الكوفة من كبار الشيعة المعروفين ومن أنصار الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليه السلام والإمام علي بن موسي الرضا عليه السلام. عاش حتى عصر الإمام الجواد عليه السلام.
صنف الكثير من الكتب في مختلف العلوم وأهم الكتب التي ألّفها في التاريخ هي:
1 ـ الطبقات، 2 ـ التاريخ، 3 ـ الرجال، 4 ـ الشعر والشعراء، 5 ـ الأرضين، 6 ـ البلدان، 7 ـ الجمل، 8 ـ المغازي، 9 ـ التعازي، 10 ـ التهاني، 11 ـ المآثر والأنساب، 12 ـ أنساب الأمم، 13 ـ مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، 14 ـ بنات النبي وأزواجه، 15 ـ الأوائل، 16 ـ الطب، 17 ـ ذكر الكعبة… يبلغ عدد مؤلفاته ما يقارب المئة جاءت أسماؤها في مختلف المصادر.
8 ـ اليعقوبي
(المتوفي سنة 284 هجرية)
أحمد بن إسحاق (أبي يعقوب) بن جعفر بن وهب بن واضح، الكاتب العباسي، كنيته ابن واضح والمعروف باليعقوبي، جغرافي ومؤرخ كبير من بغداد، سافر إلي كثير من البلدان. كان اليعقوبي معاصراً لأبي حنيفة الدينوري المتوفى حوالي سنة 290 هـ والبلاذري المتوفى سنة 279 هـ وكان من علماء الجغرافيا في عصر العباسيين.
كان واضح، جد اليعقوبي من شيعة أهل البيت عليهم السلام الثابتين بحيث توفي في سبيل التشيّع. ليس هناك أي شك في كون اليعقوبي شيعياً.
وهناك أدلّة تؤكد هذا الأمر منها أن اليعقوبي في الحديث عن غدير خم فسر (حديث الثقلين) بكتاب اللّه والعترة. كما يعتبر أن نزول الآية: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم). كان يوم الغدير ويُصرّح بأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم سمى علياً خليفة له في يوم الغدير. استخدم يعقوبي عبارة «أمير المؤمنين» لعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده.
ويقول المستشرق سارتن بعد أن يذكر أن اليعقوبي جغرافي ومؤرخ شيعي: إن تاريخ اليعقوبي يتناول الحقائق التاريخية بصورة محايدة ولهذا يمتاز عن غيره.
ويقول جرجي زيدان: «من خصائص تاريخ اليعقوبي إضافة إلى كونه قديم هو أن كاتبه شيعي المذهب ويكتب عن العباسيين أشياء يمتنع الآخرون عن ذكرها.
وقد أكدت المصادر الشيعية، تَشَيُّعه. ولم تذكر المآخذ والمصادر شيئاً عن تاريخ مولد اليعقوبي وهناك خلاف في الرأي في تاريخ وفاته. حيث سجلوا تاريخ وفاته في السنوات 278 و282 و284 و292 هـ ويُعتقد أن الأصح هو سنة284 هـ.
مؤلفات اليعقوبي هي:
1 ـ كتاب في فتوحات طاهر بن الحسين، 2 ـ تاريخ فتوح افريقيا، 3 ـ أخبار الأمم السالفة، 4 ـ المسالك والممالك، 5 ـ ملوك الروم، 6 ـ مشاكلة الناس لزمانهم، 7 ـ تاريخ اليعقوبي، 8 ـ البلدان.
9 ـ الرازي
(المتوفي سنة 298 هجرية)
محمد بن زكريا بن دينار أبو عبد اللّه الجوهري المصري، مولي بني غلاّب. وبنو غلاب مجموعة من قبيلة بني نصر بن معاوية وهو فرع من قبيلة هوازن ولم تستقر في البصرة قبيلة من هوازن غير هذه القبيلة.
كان من كبار الرجال المعروفين في البصرة، وكان مؤرخاً وشاعراً وكاتباً.
يقول ابن النديم: «أبو عبد اللّه، محمد بن زكريا ابن دينار الغلابي، من رواة التاريخ والحديث والحروب. كان كاتباً صادقاً وثقة. صنف كتباً كثيرة في مواضيع مختلفة. بعض مؤلفات الرازي هي:
1 ـ الجمل الكبير، 2 ـ الجمل الصغير، 3 ـ صفين الكبير، 4 ـ صفين الصغير، 5 ـ مقتل الحسين، 6 ـ الأجواد، 7 ـ النهر، 8 ـ الوافدون، 9 ـ مقتل أميرالمؤمنين، 10 ـ أخبار زيد، 11 ـ أخبار فاطمة عليها السلام ومولدها ومنشؤها، 12 ـ الخيل.
10 ـ ابن أعثم الكوفي
أحمد بن أعثم الكوفي الكندي، كنيته أبو محمد. من كبار المؤرخين والرواة والشعراء الشيعة، توفي سنة 314 هجرية. لم تتوفر أية معلومات عن أصله ومولده وتاريخ ميلاده وحياته وهناك خلاف حول اسمه وأجداده.
مؤلفاته هي:
1 ـ الفتوح ترجم إلي اللغة الفارسية وسمي تاريخ الفتوح، يعتقد الكثير من المؤرخين والمحققين في العصر الإسلامي أن هذا الكتاب من أهم النصوص في تاريخ العرب القديم والإسلام منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتي عصر هارون الرشيد (المتوفى سنة 193 هـ) وفيه معلومات قيّمة عن العراق وفتح خراسان وأرمينيا وآذربايجان وحروب العرب وانتشار الإسلام في إيران والروم الشرقية.
2 ـ كتاب التاريخ، ابتداءً من أيام المأمون (المتوفي سنة 218 هـ) حتي أيام المقتدر (320 هـ).
يقول ياقوت الحموي عن الكتب المذكورة أعلاه: «قرأت الكتابين وأعتقد أن الكاتب صنف الكتاب الثاني تكملة للكتاب الأول.
11 ـ ابن عماد الثقفي
أحمد بن عبيد اللّه بن محمد بن عماد الثقفي الكاتب كنيته أبو العباس ومعروف بابن عماد الثقفي، توفي سنة 319 هـ. وله مؤلفات كثيرة منها:
1 ـ المبيضة في أخبار مقاتل آل أبي طالب، 2 ـ الأنواء، 3 ـ مثالب أبي خراش، 4 ـ أخبار سليمان بن أبي الشيخ، 5 ـ الزيادات، 6 ـ أخبار الوزراء، 7 ـ أخبارحجر بن عدي، 8 ـ رسالة في بني أميّة، 9 ـ أخبار أبي نواس، 10 ـ أخبار ابن الرومي ومختارات من شعره، 11 ـ رسالة في تفضيل بني هاشم وأوليائهم وذم بني أمية وأتباعهم، 12 ـ رسالة في أمر ابن محرز المحدث، 13 ـ أخبار أبي العتاهية، 14 ـ المناقضات، 15 ـ أخبار عبد اللّه بن معاوية بن جعفر.
12 ـ الجلودي
عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسي، أبو أحمد الجلودي الأزدي البصري، عالم مؤرخ عاش في البصرة.
قال ابن النديم عنه: «الجلودي من أعاظم الإمامية ومن الرواة البارزين في السيرة والحديث».
يعتقد الشيخ الطوسي أن: «عبد العزيز بن يحيي ابن أحمد بن عيسى الجلودي وكنيته أبو أحمد من أعاظم الشيعة في البصرة له مصنفات كثيرة في السيرة والأخبار والفقه.
يقول العلامة الحلي: «أبو أحمد الجلودي البصري، شيعي إمامي ورجلٌ ثقة. ويقول السيد حسن الصدر: «الجلودي من أعاظم البصرة ومن أئمة المؤرخين في تلك الديار. كان من أبرز علماء القرنين الثالث والرابع الهجريين وفي عداد جعفر بن قولويه والكليني. كان جده عيسي الجلودي من أتباع الإمام الباقر عليه السلام ثم يشير إلى كتب ومصنفات الجلودي ويعتبرها 189 كتاباً.
ويذكر النجاشي في كتاب الرجال الكثير من مؤلفات الجلودي، ويذكر الزركلي عدداً منها. توفي الجلودي في يوم الإثنين السابع عشر من ذي الحجة سنة 332 هـ.
13 ـ المسعودي
أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (المتوفى سنة 346 هـ) من أشهر مؤرخي بداية القرن الرابع الهجري من أسرة تنتسب إلى الصحابي عبد اللّه بن مسعود.
يقول ابن عماد رداً على الذين يعتبرون المسعودي معتزلياً: «إن المسعودي الشافعي ليس هو المسعودي المؤرخ صاحب مروج الذهب ويبدو أن شبهة نسبته إلي المعتزلة نجمت عن أن الكثير من أصول كلام المعتزلة يشبه أصول عقائد الشيعة».
يعتبره جميع علماء علم الرجال الشيعة شيعياً، منهم صاحب كتاب روضات الجنات حيث ينقل عبارات من كتب رجال الشيعة ثم يقول: ليس هناك أي شك في كون المسعودي شيعياً إمامياً إثنا عشرياً.
وعندما يذكر ابن طاووس العلماء الفلكيين يقول: «من كبار علماء الفلك والنجوم الشيخ الفاضل الشيعي المذهب، علي بن الحسين بن علي المسعودي مؤلف كتاب مروج الذهب والكتب الثمينة الأخرى».
ويقول أبو علي في كتاب الرجال: «المسعودي من الأعاظم ومن العلماء الشيعة البارزين. ومثل ذلك يقول الميرزا عبد اللّه الأفندي.
وصفه المجلسي في مقدمة كتابه بحار الأنوار بأنه من الممدوحين واعتبر كتبه في عداد مصادر ومآخذ البحار. وبعد أن يذكر كتابي إثبات الوصية ومروج الذهب يقول: «هذان الكتابان من تأليف علي بن الحسين بن علي المسعودي أحد علماء الشيعة».
ويقول الشيخ عباس القمي: «علي بن الحسين بن علي الهذلي، الشيخ الجليل العالم الكامل. الماهر، الخبير، البصير سائح أقطار العالم والعالم القدير، أبو الحسن المعروف بالمسعودي، المؤرخ الأمين والمعتمد لدي الفريقين، أسكنه اللّه في أعلى العليين، صاحب المصنفات الرائقة النافعة مثل مروج الذهب واعلم أن المسعودي يطلق على جماعة من العامة والخاصة ولكن المعروف عندنا (الشيعة) هو الشيخ المعتمد الجليل. ويقال بما أنه ينتسب إلى عبد اللّه بن مسعود الصحابي سُمي بالمسعودي».
وينقل ابن حجر، عبارات عن المسعودي ويقول: «إن بيان هذه الكلمات حول علي عليه السلام دليل علي عقيدة المسعودي في تفضيل علي عليه السلام على بقية الصحابة.
ويقول السيد محسن الأمين: «من مطالعة كتاب إثبات الوصية للمسعودي يظهر أنه من أعاظم أبناء الشيعة وخواصهم».
وقد جاءت في كتب الرجال والتاريخ معلومات كثيرة عن المسعودي نكتفي بما ذكرناه آنفاً.
أما مؤلفاته فهي:
1 ـ أخبار الزمان، 2 ـ الأوسط، 3 ـ مروج الذهب، 4 ـ فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف، 5 ـ ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور، 6 ـ التنبيه والإشراف، 7 ـ المقالات في أصول الديانات، 8 ـ القضايا والتجارب، 9 ـ سرّ الحياة، 10 ـ رسالة البيان في أسماء الأئمة القطعية من الشيعة، 11 ـ الزلف، 12 ـ المبادي والتراكيب، 13 ـ الانتصار، 14 ـ نظم الجواهر في تدبير الممالك والعساكر، 15 ـ الاستذكار لما جري في سالف الأعصار، 16 ـ طب النفوس، 17 ـ نظم الأدلة في أصول الملة، 18 ـ الصفوة في الإمامة، 19 ـ الاستبصار في الإمامة، 20 ـ الدعوات الشنيعة، 21 ـ حدائق الأذهان في أخبار أهل بيت النبي وتفرقهم في البلدان، 22 ـ الواجب في الفروض اللوازم، 23 ـ وصل المجالس بجوامع الأخبارو مخلط الآثار، 24 ـ مقاتل الفرسان العجم، 25 ـ تقلب الدول وتغيير الآراء والملل، 26 ـ المسائل والعلل في المذاهب والملل، 27 ـ خزائن الدين وسر العالمين، 28 ـ نظم الأعلام في أصول الأحكام، 29 ـ الإبانة عن أصول الديانة، 30 ـ النهي والكمال، 31 ـ الرؤوس السبعية، 32 ـ الاسترجاء في الكلام، 33 ـ مظاهر الأخبار وطرائف الآثار في أخبار آل النبي، 34 ـ الأخبار المسعودية، 35 ـ الزاهي، 36 ـ التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم، 37 ـ الخوارج، 38 ـ الرسائل، 39 ـ إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، 40 ـ في أحوال الإمامة، 41 ـ المسالك والممالك.
14 ـ إبراهيم بن محمد الثقفي
إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي عالم كبير انتقل من الكوفة إلى أصفهان وتوفي فيها سنة 383 هـ. كان من أبرز مؤرخي زمانه.
يقول عنه ابن النديم: «هو إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي وهوابن أخ أبي عبيدة بن مسعود والد المختار. كان عمه وابن عمه من الرجال المعروفين في التاريخ الإسلامي».
ويقول أبو نعيم الأصفهاني: «إن علماء السنّة رفضوا حديث إبراهيم بن محمد الثقفي لأنه كان شيعياً وكان أبناء السنّة يعتقدون أن التشيع ذنب لا يغفر.
ويقول السمعاني: «كان إبراهيم بن محمد كوفياً جاءإلي أصفهان وأقام فيها، وكان شديد التمسك بالمذهب الشيعي».
ويقول ياقوت الحموي: «إبراهيم بن محمد الثقفي عالم قوي من مشاهير الشيعة الإمامية».
ويقول صلاح الدين الصفدي: «كان الثقفي رجلاً إخبارياً ومن كبار الإمامية». ويقول ابن حجر: «كان إبراهيم بن محمد الثقفي يغلو في كونه شيعياً وكان حديثه غير مقبول لدي عامة الناس».
ويقول عمر رضا كحالة: «كان إبراهيم بن محمد الثقفي محدثاً، مؤرخاً وفقيهاً، وله مؤلفات كثيرة».
ويقول الشيخ محمود حسن: «كان إبراهيم بن محمد الثقفي من كبار مشايخ الشيعة. وكان فاضلاً وجليلاً، ولد في الكوفة.
بعض مؤلفاته:
1 ـ كتاب المغازي، 2 ـ كتاب السقيفة، 3 ـ كتاب الردة، 4 ـ كتاب مقتل عثمان، 5 ـ كتاب الشورى، 6 ـ كتاب بيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، 7 ـ كتاب الجمل، 8 ـ كتاب صفين، 9 ـ كتاب الحكمين، 10 ـ كتاب النهروان، 11 ـ كتاب الغارات، 12 ـ كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، 13 ـ كتاب رسائل أمير المؤمنين عليه السلام وأخباره وحروبه، 14 ـ كتاب قيام الحسن بن علي، 15 ـ كتاب مقتل الحسين، 16 ـ كتاب التوابين وعين الوردة، 17 ـ كتاب أخبار المختار، 18 ـ كتاب فدك، 19 ـ كتاب الحجة في فعل المكرمين، 20 ـ كتاب السرائر، 21 ـ كتاب المودة في القربي، 22 ـ كتاب المعرفة، 23 ـ كتاب الحوض والشفاعة، 24 ـ كتاب الجامع الكبير في الفقه، 25 ـ كتاب الجامع الصغير، 26 ـ كتاب ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام، 27 ـ كتاب فضل الكوفة ومن نزلها من الصحابة، 28 ـ كتاب في الإمامة، 29 ـ كتاب الجنائز، 30 ـ كتاب الوصية، 31 ـ كتاب المبتدأ، 32 ـ كتاب أخبار عمر، 33 ـ كتاب أخبار عثمان، 34 ـ كتاب الدار، 35 ـ كتاب الأحداث، 36 ـ كتاب حروراء، 37 ـ كتاب الاستنفار والغارات، 38 ـ كتاب السير، 39 ـ كتاب ابن الزبير، 40 ـ كتاب التفسير، 41 ـ كتاب التاريخ، 42 ـ كتاب الرؤيا، 43 ـ كتاب الأشربة الكبير والصغير، 44 ـ كتاب محمد وإبراهيم، 45 ـ كتاب من قتل من آل محمد، 46 ـ كتاب معرفة فضل الأفضل، 47 ـ كتاب المتقين.
15 ـ الشمشاطي
(المتوفى في القرن الرابع)
علي بن محمد بن عدوي الشمشاطي كنيته أبو الحسن، من كبار الإمامية في الجزيرة ومن رجال الفضل والأدب في عصره.
وشمشاط مدينة في الروم ينسب إليها عدد من رجال العلم والمعرفة منهم أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي. كان شاعراً قديراً وله مؤلفات كثيرة في الأدب. عاش في عهد سيف الدولة الهمداني.
من مؤلفات الشمشاطي:
1 ـ الأنوار والثمار، 2 ـ النزه والابتهاج، 3 ـ مقتل أبي نواس والرد علي الطاعن في شعره، 4 ـ شرح الحماسة الأولى التي عملها أبو تمام لعبد اللّه بن طاهر، 5 ـ شرح أخبارها واستدراك ما فرط فيه أبو تمام (رياش) ، 6 ـ ما تشابهت معانيه وتخالف معانيه في اللغة، 7 ـ المثلث في اللغة على حروف المعجم، 8 ـ المجزي في النحو، 9 ـ المقصور والممدود، 10 ـ المذكر والمؤنث، 11 ـ الواضح، 12 ـ الموثق، 13 ـ غريب القرآن، 14 ـ مختصر فقه أهل البيت، 15 ـ رسالة البرهان في النص الجلي علي أمير المؤمنين، 16 ـ عمل كتاب العين للخليل بن أحمد، 17 ـ مختصر تاريخ الطبري، 18 ـ الموصل، لأبي زكريا بن محمد، 19 ـ نسب ولد عدنان ولمع أخبارهم وأيامهم، 20 ـ الشبهات، 21 ـ رسالة في الشعر، 22 ـ رسالة في إبطال أحكام النجوم، 23 ـ رسالة الجامعة، 24 ـ رسالة الكاشفة عن خطإ العصبة المخالفة، 25 ـ رسالة المعاتبة، 26 ـ كتاب الشهدات، 27 ـ رسالة الانتصاف من ذوي البغي والافتراق، 28 ـ رسالة في كشف توبة حليف الكذب وما اقترف من سيره، 29 ـ شرحه في الأشعارو النسب، 30 ـ رسالة تعد شعر أبي فضلة وشعر النامي والحكم بينهما، 31 ـ رسالة تتعلق بأبي فضلة، 32 ـ رسالة البيان عن ما موه الخالدانئ، 33 ـ رسالة الإيضاح عن ما أنبأ به من الإفك الصراح، 34 ـ رسالة التنبيه عما أخطأ الأعمى فيه، 35 ـ رسالة جواب مسألة سئل عنها، 36 ـ رسالة في الذي قابل الجميل بالقبيح، 37 ـ رسالة في الرد على من خطأ سعيد والسيرافي، 38 ـ رسائل إلى سيف الدولة عدة، 39 ـ عمل شعر ديك الجن وصنفه، 40 ـ الديارات الكبير، 41 ـ أخبار أبي تمام والمختار من شعره، 42 ـ المثلث الصحيح، 43 ـ العلم.
تابعنا تاريخ حياة الشيعة السبّاقين في كتابة التاريخ حتى القرن الرابع وننهي كلامنا إلى هنا ونذكر هنا أن على الذين يتابعون تحقيقهم حول تقييم وتثمين المؤلفات والمصنفات التاريخية والعلوم والأخبار والحديث يجب أن لا يتجاهلوا الظروف الصعبة والقاسية الاجتماعية والسياسية للشيعة ويجب عليهم الوقوف على هذا الأمر وهو أن الكثير من المؤرخين الشيعة لم يقتصروا على تأليف واحد ولم تقتصر جهودهم في تصنيف كتاب واحد أو كتابين بل وإن كل واحد منهم ورغم الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تفرض عليهم قاموا وبوحي من مدرسة الأئمة عليهم السلام وبكفاءاتهم وجهودهم المخلصة بتأليف الكتب المختلفة وسجلوا دورهم في موسوعة العلوم والمعارف الإسلامية.
محمد علي جناراني
راجع: تجارب الأمم
هيرمند)[281]( (نهر)
(هيرمند) من أنهار شرقي بلاد إيران، طوله 1100 كيلومتر، ينبع من سلسلة جبال مشهورة باسم «بابا» تقع على بعد 60 كيلومتراً إلى الغرب من (كابل) بالقرب من (باميان). ويجري هذا النهر من الشمال الشرقي باتجاه الجنوب الغربي، ويعبر من أطراف (هزارجات) و(زمين داور) )[282](، وينضم إليه من جانبيه أنهر متعددة مثل: أورزكان، موسى قلعة، وغيرهما. ويمر بالقرب من (كرشك) في الطريق بين (هرات) إلى (قندهار). وفي جوار قلعة (بست) يتصل بنهر (أرغنداب) )[283]( الذي يجري من نواحي (قندهار) ويتشكل من عدة شعب مثل (ترنك) (أرغستان)، (دري) وغير ذلك.
ومن قلعة (بست)، يسير نهر (هيرمند) في جهته الجنوبية الغربية، فيعبر أراضي (رودبار)، ويصل إلى (بند كمال خان) )[284](، ومن هذه النقطة يغير بشكل مفاجئ جريانه باتجاه الشمال، فيتجه إلى (بندكوهك) ومنها يصل إلى محاذاة قرية (حسن خروت).
ويطابق وسط مياه المجرى الأصلي لنهر (هيرمند) ـ وفقاً لتحديد حدود سيستان سنة 1905 ميلادية الموافقة لسنة 1321 هجرية ـ الحدود الفاصلة بين إيران وأفغانستان. وتتفرغ عن نهر (هيرمند) ـ كما سيأتي بيانه ـ أنهار متعددة تجري إلى داخل الأراضي الإيرانية، وبعد أن تروي أراضي سيستان، تصب مياهها في بحيرة (هامون).
نهر (هيرمند) من الأنهار الكبيرة الغزيرة حيث يبلغ عرضه في الربيع قرابة 900 متر، ولا ينقص في سائر فصول السنة عن 300 متر، خاصة في النواحي الجنوبية، حيث يتحول بعد اتصاله بنهر (أرغنداب) إلى نهر عملاق صالح للملاحة.
منذ القدم كان عمران سيستان وخاصة القسم الجنوبي منها الذي يدعى (نيمروز) ـ ولا زالت خرائب (ترقو) )[285]( مركز (نيمروز) )[286](. باقية إلى الآن ـ مرهوناً بوجود هذا النهر، وكان يصاب أهل تلك الديار بشدة وبلاء عظيمين عندما ينخفض منسوب مياه نهر (هيرمند) أو يجف بشكل كلي. وجاء في «تاريخ سيستان». «في سنة عشرين ومائتين جفت مياه نهر (هيرمند) من (بست)، فظهر قحط شديد في ولاية سيستان و(بست)، وقضى الكثيرون، ومات العديد من التجار والزعماء والمحسنون وبقي الأمر هكذا عاماً كاملاً إلى أوائل سنة إحدى وعشرين ومائتين)[287](.
إن سايكس الذي سافر إلى سيستان سنة 1899م لأجل تأسيس القنصلية الإنكليزية، أجرى تحقيقات تاريخية وجغرافية مفيدة حول سيستان، لا يخلو نقل قسم مما يتعلق منها بنهر (هيرمند) من فائدة: «يقول الإصطخري إن نهر (هيرمند) يصب في بحيرة (زره)، وقدّر طول البحيرة بقرابة الثلاثين فرسخاً أو بعبارة أخرى مائة ميل»)[288](.
«وكان نهر هيرمند قد سُدّ قبل عهد الأمير تيمور، ويمتد هذا السد إلى الموضع الذي يسمّى حالياً (بندر كمال خان)، بواسطة سدّ (أوك) أو (أكواه))[289](. وقد ذكر في خارطة «كنلي» باسم سد (برمكة)» )[290](.
«وابتداءً من سد (أكواه) يُحدث النهر (حوضدار) وهي ترعة مياه واسعة وعميقة، وتسقي المنطقة الجنوبية من سيستان، أي المنطقة التي يقصدها السواح هذه الأيام ويمرون بالقرب من بقايا مدنها الكبرى، وأهمها (حوضدار) التي يقال إن «فرامرز» ابن «رستم» قد قاتل فيها «بهمن».
كان يمر النهر الرئيسي ـ في الاتجاه الشمالي الغربي ـ بـ (شهرستان) و(زاهدان))[291](، ويجري لعدة أميال قرب القرى العامرة، وهذه كانت الحالة الطبيعية للمنطقة قبل استيلاء التتار عليها، ولكن عندما دُمّر السد الكبير في المنطقة بأمر من «شاهرخ»، جفت (حوضدار) من المياه. وعلى الرغم من بقاء نهر (نصرو) على وضعه، فقد أوجد ترعة مياه جديدة محصورة بين ثلاثة جبال بالقرب من السد القائم فعلاً».
توجد حالياً خارطة لسيستان وضعت سنة 1911م بواسطة مهندس يدعى «ذو الفقار»، بأمر من «وكيل المُلك كرماني» أثناء توقفه في سيستان، وهو يصف موضع السد على نهر (هيرمند) في أراضي (رودبار) بقوله:
«(بوزه باشي) الذي بني سد (كرشاسبي) في مقابل هذا الموضع».
باعتقادي أن المراد من سد (كرشاسبي) هذا، السد المعروف بـ(بند رستم)، الذي هُدِم ـ على قول سايكس ـ بأمر «شاهرخ». وما يلفت النظر في الخارطة المتقدم ذكرها هو أنه رسم عليها حدود سيستان في تلك الأيام (سنة 1911) التي كانت فيها تحت سيطرة دولة إيران. بل ذكر فيها أيضاً أسماء حكام المنطقة مع حدود امتداد حكومتهم، فهي في الحقيقة تبين خطاً إحصائياً. وأخيراً، بالرجوع إلى هذه الخارطة وتحديد الحدود التي جعلها الكولونيل ماكماهون)[292]( سنة 1905م (المطابقة لسنة 1323 هجرية) أي بعد إحدى وثلاثين سنة من ذلك التاريخ، يظهر بوضوح إجحاف وظلم الحكم المذكور)[293](.
على أية حال، بعد أن خرب السد المذكور، الذي لا نعلم كيفية وضعه البنائي والمواد المستخدمة فيه، بل أصبح معلوماً لكاتب هذه المقالة أنه لم يبن أصلاً على نهر (هيرمند) أي سدّ مطابق للأصول الفنية الدقيقة، وأن السدود القائمة حالياً مثل سد كمال خان وسد كوهك وغيرهما، مجبولة من التراب وأغصان نبات الـ(كز)، وهي تغلق لأجل تحويل مياه الأنهار إلى نهر (هيرمند) وحين لم يبن في سيستان سد أو جسر ففي هذه الحالة إنه إضافة إلى الخسائرة الناتجة عن فقدان السدود الأساسية والطرقات، التي تصيب المزارعين في سيستان، ففي أيام الربيع، أثناء فيضان نهر (هيرمند)، يتعذّر العبور والتنقل في تلك النواحي، وتبقى الوسيلة الوحيدة لعبور النهر المذكور والأنهار المتشعبة عنه هو القوارب الخاصة المعروفة باسم «توتين»، التي لها أوصاف ملفتة للانتباه لمن لم يروها:
يصنع قارب الـ«توتين» من أغصان نبات الـ (الكز) أو القصب، التي تنمو في أطراف بحيرة (هامون) وهي أشبه ما تكون بالحصير ذي الأطراف، يفرض على سطح الماء ويجلس الركاب عليه، ويقوده القبطان بعصا تقوم مقام المجذاف في القوارب العادية، ويبقى المسافرون التعيسون، لحظة بلحظة في هاجس انقلابه وغرقهم، حتى يصل بهم إلى ساحل النجاة.
موضوع تقسيم مياه هيرمند
إن موضوع تقسيم مياه نهر (هيرمند) ـ كما يذكر ذلك أيضاً الكولونيل (ماكماهون) ضمن اتفاق حدود سيستان ـ هو موضع خلاف ومباحثات من السابق، بين سكان شواطئه اليمنى وشواطئه اليسرى. ويسعى كل فريق أن يتعدى على حصة الطرف الآخر من مياه النهر أو يجحف فيها.
وحيث إن هذا النهر ومساحة واسعة من شرقيه كانت قبل تعيين حدود سيستان، ملكاً لإيران وخاضعاً لسيطرتها، لذلك كان لموضوع تعيين الحصص في اليسرى أبعاداً داخلية ومحلية لكل من طرفي النزاع. ولكن بعد تعيين الحدود، الذي جعل قسماً يوازي أضعاف المساحة الحالية لسيستان تحت سيطرة دولة أفغانستان، برزت مسألة الخلاف على المياه بين رعايا الدولتين المتجاورتين.
وقد أراد الحَكَم المذكور أن يطبّق في تقسيم مياه النهر ما طبّقه في تقسيم أرض سيستان، عملاً بالمثل المعروف: «تصدّق بما شئت من خزينة السلطان». ولكن من حسن الحظ أن دولة إيران في ذلك الوقت اعترضت على هذا الموضوع، وردت اقتراحات الكولونيل ماكماهون المتعلقة بتقسيم مياه نهر (هيرمند)، ولم تعقد بعد ذلك التاريخ أية اتفاقية بين دولتي إيران وأفغانستان في مجال تقسيم المياه وبناء السدود على نهر هيرمند. وبقي الإيرانيون يستفيدون في ري تلك المناطق من تلك السدود الترابية التي تسد مجاري المياه على نهر هيرمند.
وفي الختام، لمزيد اطلاع القراء، نشرح الوضع الحالي لنهر (هيرمند) من المواضع التي يدخل فيها الخط الحدودي، بضميمة الأنهار المتشعبة عن هذا النهر التي تستخدم في مصارف الشرب والري لأراضي سيستان الحالية:
كما قلنا سابقاً، إن نهر هيرمند ـ طبقاً لحدود ماكماهون ـ ينشعب عند (كوهَك) إلى شعبتين:
شعبة باسم (رود سيستان) يدخل الأراضي الإيرانية، وينشعب بدوره أيضاً إلى (شاه نهرها) وعدد آخر من الأنهار الصغيرة، وبعد أن يسقي النواحي الواقعة خلف المياه وتحتها، وقسماً من أراضي القرى المحيطة بالمدن، يلقي فاضل مياهه في بحيرة (هامون).
والشعبة الأخرى لنهر (هيرمند) تمتد من سد (كوهك) بطول 13 كيلومتراً على امتداد الخط الحدودي حتى تصل إلى سد (بريان)، وتنشعب عند هذه النقطة مجدداً إلى شعبتين: الشعبة الأولى باسم نهر (بريان) تدخل الأراضي الإيرانية، والشعبة الثانية باسم مجرى (نادعلي)، يقع الخط الحدودي في وسط مياهها، وينشعب منها نهران هما (ميلك) و(شاه نهر كلمير) )[294](، ويتجهان إلى الأراضي الإيرانية.
وبالقرب من قلعة (نادعلي) وخرائب (برج آس) فما بعد، يطلق على نهر (نادعلي) اسم (سيخ سر)، وفي هذه الحدود أيضاً يجري نهر قرية (دوستمحمد خان) )[295]( ونهر (لخشك) من نهر (سيخ سر) إلى داخل أرض إيران. ويشكل نهر (سر سيخ) الخط الحدودي حتى مقابل قرية (حسن خروت)، وعندها يخرج خط الحدود عن النهر المذكور، ويدخل في الصحراء.
إضافة إلى الأنهار المذكورة أعلاه، يتفرع عن نهر (سر سيخ) أنهار أخرى مثل (جهان آباد)، و(محبت)، (كدخداحسين دلمراد)، (صديق)، (كرمشاه)، (مختار)، (آخوند زاده)، وترد إلى القرى المجاورة لحدود إيران. وهي جافة في هذه الأيام وإنما تجري فيها بعض المياه في أيام الربيع.
المهندس محمد علي مخبر
وادي آش
بلدة وادي آش من توابع مملكة (غرناطة) ذكرت عنها الأوصاف الجميلة، وصورتها بدائع الشعر، بأحسن تصوير، وقد اختص أهلها بالأدب وحب الشعر. ولا زالت تسمى بالإسبانية كما جاءت بالعربية، مع تحريف بسيط Guadix. اشتهر منها (ابن طفيل) الفيلسوف صاحب رسالة (حي بن يقظان). والشاعر أبو الحسن بن نزار وحمدونة بنت زياد المؤدب ـ المسماة عندهم بخنساء المغرب.
ومن جميل تلك الأوصاف عن هذه القطعة الزاهرة من الفردوس المفقود. قول أبي القاسم محمد بن علي البراق:
أنظر إلى (الوادي) إذا ما غردت
أطياره شق النسيم ثيابه
أتراه أطربه الهديل وزاده
كلفاً وحقك إذا حللت جنابه
وقالت فيه (حمدونة) الشاعرة بنت زياد المؤدب من قطعة رائعة. وليست لغيرها كما يذكر بعض مؤرخي الأدب من المشارقة:
أباح الدمع أسراري بوادي
له في الحسن آثار بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض
ومن روض يطوف بكل واد
كما وصفه أيضاً الشاعر الرقيق (أبو الحسن بن نزار) ويسميه (وادي الآشات):
لله ظلك والهجير مسلط
قد برّدت لفحاته الأنداءُ
والشمس ترغب أن تفوز بلحظة
منه فتطرف طرفها الأفياء
والنهر يبسم بالحباب كأنه
سلخ نضته حية رقطاء
فلذاك تحذره الغصون فميلها
أبداً على جنباته إيماء
ووادي آش هي مسقط رأس العالم الشاعر الشيعي جمال الدين أبو المكارم محمد بن موسى المولود سنة 599 والمقتول غيلة في منزله بمكة وقد وصفه الذهبي بأنه: الحافظ العلامة الرحال…
ومن شعراء الشيعة الذين أخرجتهم وادي آش: (ناهض بن محمد بن إدريس الحكمي) المكنىن بأبي الحسن. وقد تحدث عنه الدكتور عدنان محمد طعمة في مجلة الثقافة الإسلامية (العدد الأربعون سنة 1991 ص 114) قائلاً في بعض ما قال:
ويبدو لنا أن شعره قد ضاع كلّه، وليس بين أيدينا شيء إلا النزر القليل كما ضاعت أخباره أيضاً فيما فقد من تراث الأندلس ولا يُعرف عن مولده شيء ولكن ابن الزبير حدّد وفاته سنة خمس عشرة وستمائة. هذا كلُّ ما نعرف عنه وكانت له اتصالات مع الأمير السيد أبي يحيى حاكم قرطبة، ولم يرد عن هذا الأمير في المدوّنات التاريخية المعاصرة له واللاحقة ما يفيدنا في شيء بل لقد جاء اسمه عابراً في كتابي ابن صاحب الصلاة (ألمِن بالإمامة) وابن عذارى المراكشي (البيان المغرب) لكن المقرّي ذكره في (نفح الطيب) فيما ذكر من قصور قرطبة وهو قصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن الموحدي الذي اتصل به الشاعر، فقد كان قصره من أبدع القصور خارج قرطبة وهو على متن النهر الأعظم (الوادي الكبير) تحمله أقواس، وقيل للسيد أبي يحيى كيف تأنقت في بنيان هذا القصر مع إعزافك عن أهل قرطبة!!؟
فقال: علمتُ أنهم لا يذكرون والياً بعد عزله ولا له عندهم قدرٌ لما بقي في رؤوسهم من الخلافة المروانية، فأحببت أن يبقى لي في بلادهم أثرٌ أذكر به على رغمهم، قال ابن الشعار الموصلي ـ في كتاب عقود الجمان ـ، يقول ناهض بن إدريس الوادي آشي في هذا القصر ويصفه:
ألا حبَّذا القصر الذي ارتفعت به
على الماء من تحت الحجارة أقواس
هو المَصنع الأعلى الذي أنِفَ الثرى
ورفعه عن لثمه المجدُ الباسُ
فأركب متن النَّهر عزّاً ورفعةً
وفي موضع الأقدام لا يوجد الراسُ
فلا زال معمور الجناب وبابُهُ
يغصُّ وحلّت في أُفقه الدَّهر أعراسُ
وقد نقل صاحب النفح هذه المقطوعة عن ابن سعيد، ولكن لا نجد في المغرب هذه القطعة مع العلم أنّ والد المؤلف كان صديقاً لناهض الوادي آشي ولكننا نجد بدلها قطعة أخرى فيما يتصل بابن جامع الوزير الموحدي بمراكش، ويفيدنا ابن سعيد هنا في ثلاثة أشياء: أولاً: أنَّ الشاعر كان صديق والده موسى بن محمد بن عبد الملك ت / 640هـ، وأن الشاعر كان من خاصة ناصر بن عبد المؤمن ووزيره ابن جامع، وثالثها أنّه أورد لنا قطعة شعرية لم نظفر بها عنده وهي كما جاءت في المغرب:
«أخبرني والدي أنّه اجتمع به (ناهض بن إدريس) وكان من مُداح ناصر بن عبد المؤمن قال: وأنشدني لنفسه من قصيدة في ابن جامع وزير مراكش:
أرنو إليك وأنت مني تبعد
وتنامُ والجفن القريح مسهّدُ
وتطيل عُمر الوجد لا من علة
والدار دانية ودهرك مسعدُ
هلا اختلست من الليالي فرصةً
فالحمدُ يبقى واللَّيالي تنفُدُ
وتقول لي مَهْمَا أتيت إلى غدٍ
يا ربِّ كم يأتي بإخلافٍ غَدُ
هذا كل ما لدينا من شعر ناهض فيما يتصل بعلاقاته بمحبيه وإخوانه، ولكن شعره الذي خصَّصه بأهل البيت لم نظفر لحدّ الآن إلاّ بقصيدة في رثاء الحسين عليه السلام وقد حفظها لنا المقري فيما حفظ لنا من مراثي الحسين عليه السلام، وهي:
أمُرَنَّةً سجعت بعود أراك
قولي مُوَلَّهةً علام بُكاك؟
أجفاك إلفك أم بُلِيتِ بفرقةٍ
أم لاح برقٌ بالحمى فشجاكِ
لو كان حقاً ما ادّعيتِ من الجوى
يوماً لما طَرَقَ الجُفُونَ كراكِ
أو كانَ روَّعك الفِراقُ إذاً لما
ضنَّت بماء جفونها عيناكِ
ولما ألفتِ الرَّوض يأرج عرفُهُ
وجعلتِ بين فروعه مَغْناكِ
ولما اتّخذتِ من الغصونِ مِنَصَّة
ولما بدت مخضوبةً كفَّاكِ
ولما ارتديت الرِّيش بُرداً مُعْلَماً
ونظمتِ من قُزَحٍ سلوكَ طلاكِ
لو كُنتِ مثلي ما أفقتِ من البُكا
لا تحسبي شكوايَ من شكواكِ
إيهٍ حمامةُ خبّريني إنَّني
أبكي الحُسين، وأنتِ ما أبكاك؟
أبكي قتيل الطف فَرْع نبيّنا
أكرم بفرعٍ للنبوة زاكي
ويلٌ لقومٍ غادروهُ مُضَرَّجاً
بدمائِهِ نِضواً صريعَ شكاكِ
متعفّراً قد مُزّقَت أشلاؤه
فَرياً بكلِّ مُهنَّدٍ فتاكِ
أيزيدُ لو راعيت حُرمة جَدِّهِ
لم تَقْتَنص ليثَ العرينَ الشاكي
أو كنت تصغي إذ نَقَرْتَ بثغره
قرعت صماخكَ أنَّهُ المسواكِ
أترومُ ويك شفاعةً من جدِّه
هيهات! لا ومُدبِّر الأفلاك
ولسوف تُنْبَذُ في جهنَّم خالداً
ما الله شاء، ولاتَ حين فكاكِ
قال ابن الزبير، كان ناهض من الأدباء الأذكياء وكان كثير الشعر ذكره لي بعض قرابته. وليس بين أيدينا اليوم من شعره سوى هاتين المقطوعتين والقصيدة الحسينية، توفي كما ذكرنا سنة 615هـ في بلده، جاء ذلك في (صلة الصلة) وأضاف مؤلفها أنّ الشيخ الملاحي ذكره كذلك والشيخ في الذيل عن ابن النديم، ووهم في إسمه وبلده وكنيته)[296](.
وقال علي الغزيوي أستاذ الأدب الأندلسي في كلية الآداب من جامعة محمد الخامس في الرباط:
ليست لدينا معلومات كافية عن هذا الشاعر الأندلسي، إذ لم ينل من كتّاب التراجم في الأندلس ما يستحقه من العناية والاهتمام، والمصدر الوحيد الذي ذكره باختصار شديد متأخر زمنياً، هو كتاب «نفح الطيب» لأبي العباس أحمد المقري الذي يُعدّ مصدرنا الفريد عنه، ولكنه اكتفى بذكر اسمه ونسبه دون تطويل، وأثبت نص قصيدته في رثاء الحسين عليه السلام دون تعليق، كما ذكر سنة وفاته ومكانها ولم يزد شيئاً، ومن خلال تلك المعلومات القليلة نحاول أن نلقي بعض الضوء على هذه الشخصية:
ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي، وأنه توفي (رح) سنة 615هـ. ببلدة وادي آش، وبذلك يكون معاصراً لمجموعة من أدباء عصره، الذين عاشوا خلال القرنين السادس والسابع للهجرة، واشتركوا معه في الموضوع نفسه، وهو بكاء سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام، شعراً أو رجزاً، أو نثراً وتأليفاً، وكانوا حلقة وصل بينهم وبين غيرهم، ومنهم أبو البحر صفوان بن إدريس (561 ـ 598هـ)، وأبو عبدالله محمد بن التجيبي (540 ـ 610هـ)، وابن المناصف موسى بن عيسى (ت 627هـ)، وأبو عبدالله بن الأبار البلنسي القضاعي (595 ـ 658هـ)، وأبو البقاء الرندي (601 ـ 684هـ)، بل وجدنا عدداً من أدباء القرن الثامن الهجري أيضاً ينجذبون إلى هذا الموضوع سواء تعلّق الأمر بعامة الأدباء ومنهم على سبيل المثال أبو عبدالله محمد بن أحمد بن جابر الهواري الألبيري، أما بالخاصة، ومنهم على سبيل المثال السلطان النصري الشاعر يوسف الثالث من ملوك بني الأحمر، فقد ضم ديوانه قصيدتين في رثاء الحسين عليه السلام والتعبير عن الولاء لآل البيت والدفاع عن التشيّع، وإن كان تشيع أبناء الغرب الإسلامي في معظمه، كما عبّر عنه كبير الكتّاب في العهد المريني، صاحب القلم الأعلى عبد المهيمن الحضرمي السبتي بقوله: «نحبهم حب تشرع لا حب تشيّع»، وقد مثل هؤلاء وغيرهم امتداداً واضحاً لظاهرة التعلّق بآل البيت عامة. وللقول على مذهب التشيّع بخاصة ولرثاء الحسين عليه السلام وبكائه بصفة أخصّ. واتسم اتجاههم بمجموعة من الظواهر الفنية المرتبطة بطبيعة التجربة الموضوعية وخلفيتها من جهة، وبما عاناه هؤلاء من نكبات وما قاسوه من ويلات من جهة أخرى، ولقد زاد التفاعل بين التجربة الموضوعية والتجربة الذاتية من رقّة العاطفة وهيمنة مسحة الحزن والأسى عليها، وتعميق الانفعال لدى أدباء الغرب الإسلامي.
كافيته في بكاء الإمام الحسين عليه السلام
احتفظ نفح الطيب للمقري بنص قصيدة ناهض الوادي آشي، وموضوعها رثاء الحسين عليه السلام، وتقع في ستة عشر بيتاً، على وزن الكامل، ورويها الكاف المكسورة، ويستهلها الشاعر بتساؤل يتوجه به إلى حمامة يتصورها باكية مولهة مثله، على غرار شعراء الوجدانيات مثل أبي فراس الحمداني وابن شهيد الأندلسي، وابن خفاجة وغيرهم، ليستفسر عن سبب بكائها، لعله يكون هو سبب بكائه أيضاً، يقول فيه:
أمُرِنة سَجَعتْ بعود أراك
قولي مولهة: عَلاَمَ بكاكِ؟
وقد وُفّق الشاعر في اختيار السياق العام لصياغة تجربته، مستغلاً ما ترمز إليه الحمامة في التراث الشعري العربي قبله من حزن وأسى ولوعة، ولكنه يجعل مصابه فوق مصابها لأنه يبكي الحسين عليه السلام قتيل الطف، فرع النبوة الزاكي، ويتوعد قاتله بمصيره المظلم في قعر جهنم حيث سيُنبذ دون شفاعة، ويبدو الشاعر الأندلسي موفقاً أيما توفيق في اختيار معجمه الشعري، وحسن توظيفه لمجموعة من الألفاظ ذات الظلال والإيحاءات الخاصة، مستعيناً في تصوير انكساره بإيثار الكسرة لحرف الروي، وبمناجاة الحمامة التي يسعى إلى تشخيصها محاولاً استبطان حزنها الدفين لعله يصل إلى اكتساب سببه، مُعظِّماً من مصابه لأنه فوق كل مصاب، وحين تتأزم نفسه يصرّح لها بسرّ معاناته فيقول:
لو كنتِ مثلي ما أفقتِ من البكا
لا تحسبي شكوايَ من شكاوكِ
إيهِ حمامة خبّريني إنني
أبكي الحسينَ، وأنتِ ما أبكاكِ؟
أبكي قتيلَ الطف فرعَ نبينا
أكرِم بفرعٍ للنبوةِ زاكي
وهكذا جاءت القصيدة مشحونة بالصور الحزينة، والأنغام الشاجية، مصرّحة بألفاظ البكاء واللوعة، متنوعة الأساليب، ما بين الخطاب الذي هيمن على معظم أبياتها الأولى، في شكل تساؤل، والبوح الذي يتلو ذلك بما فيه من وصف وتصريح، مع ميل الشاعر إلى إضفاء المشروعية على موقفه، وتوسله بالصور المفزعة الدامية لمقتل الشهيد الحسين عليه السلام، فرع النبوة، وكيف تعفر ومزّقت أشلاؤه بالسيوف عدواناً وظلماً، من أجل أن يشاركه المتلقي وجدانياً، بما يوفره من صدق المعاناة، وما يظهره من رقة في العاطفة، وحرارة في الأحاسيس، وصدق فني، وانسياب وتلقائية في العبارة، ومتانة في البناء، مع إيمان قوي بإحقاق الحق والانتصاف من الجناة، في غير تعريض أو فحش أو خروج عن النهج الإسلامي وأخلاقياته السامية.
وإشراكاً للقراء الأكارم في التفاعل مع هذه القصيدة كاملة، وتمثل تجربتها ومعايشة الشاعر ناهض الأندلسي ومشاركته فيما رام تسجيله فيها، وهو يستعيد أجواء الحادثة المأساوية التي تفصله عنها قرون من الناحية الزمنية، وآلاف الأميال من الناحية المكانية، ولكنه استطاع أن يقدمها حيّة نابضة، وكأن أحداثها قريبة العهد، جديدة الأثر، ما يؤكد قوة شاعريته وعمق عاطفته.
وادي الحجير
هو أجمل واد في جبل عامل وكلمة الحجير هنا هي بلفظ تصغير حجر، وهو واد طويل عميق مبدؤه من آخر وادي السلوقي ومنتهاه عند نهر الليطاني قرب جسر القاقعية، يخرج ـ إذا كثر المطر ـ من جانب حجر كبير فيه من الحول إلى الحول، وقد يجف أو لا يخرج من قلة المطر.
كانت عليه أرحية كثيرة تقصد من القرى المجاورة، ثم زالت مع تبدل وسائل الطحن.
وادي الحجير والشعر
وقد كان هذا الوادي مثار شاعريات عاملية، على ندرة ما نظم الشعراء العامليون في طبيعة بلادهم فمن ذلك أبيات للشيخ محمد علي خاتون من شعراء أواخر القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر):
هذا الحجير فرو منه غليلاً
واحبس ركابك في رباه طويلا
نهر يزول صدا القلوب بمائه
فاق الفرات محاسنا والنيلا
واد غدت فوق الغصون بدوحه
تشدو البلابل بكرة وأصيلا
إن ضل قاصده الغداة طريقه
كان الأريج به عليه دليلا
واد سقته المعصرات وأمطرت
فيه الهتان المرزمات سيولا
فلكم أقمنا للشباب بظله
أوداً وكم فيه اتخذت مقيلا
والروض باسمة هناك ثغوره
جرّ الندى من فوقهن ذيولا
وقال السيد محسن الأمين من قصيدة:
وادي الحجير سقاك وكاف الحيا
كم فيك للأبصار من مستمتع
مذ أظهرت فيك الطبيعة رونقا
يبدو فيفضح شيمة المتطبع
كم قد مررت بذلك الوادي فلم
أملك صباباتي وأصحابي معي
ما غوطة ما شعب بوان وما
صغد ونهر بالأبلّة قد دعي
إن لم تكن أبهى وألطف منظرا
منها فإنك لست دون الأربع
وبعد أن يصف الوادي وأشجاره وأزهاره وأطياره يتذكر العلماء العامليين وكل رجالات جبل عامل الذين طالما قصدوه أو مروا به فيقول:
ولكم أقام جحاجح من عامل
بك يسمرون على رحيب المهيع
من كل بحر في العلوم غطمطم
أو كل قرم في الحروب سميدع
سباق غايات بمضمار العلى
طلاع كل ثنية لم تطلع
ومما نظم في وادي الحجير من الشعر لشعراء غير عامليين، قصيدة نظمها الشاعر الدمشقي أديب التقي الذي مر في الوادي أوائل سنة 1920:
حيا الحيا شجرات ذاك الوادي
وروى معاهده الغمام الغادي
الغار والملول في أجزاعه
وعلى رباه السنديان العادي
والروض خلف مسيله وأمامه
غض تراوحه الصبا وتغادي
نسجت له أيدي الربيع مطارفا
موشية بالعشب والأوراد
يفتر عوسجه على حافاته
والشيح فواح على الأسناد
وتفتحت عن نوره أكمامه
فزها على الأغوار والأنجاد
وتغنت الأطيار في أدواحه
وتجاوبت باللحن والإنشاد
فتخال ثمة كل شيء معبدا
يحيي الغناء وكل شيء شادي
ترد السوام على الغدير وتنثني
ريانة الإصدار والإيراد
وتجوز في الصدفات من عقباته
موزونة الخطوات والأبعاد
يا نافخاً بالناي إن الواد قد
أصغى وكل من في الوادي
الصخر رجع بالحنين وجاوبت
بالشدو أعلام نأت وبوادي
ردد على الأسماع لحنك إنه
يحلو على الترجيع والترداد
السحر فيه وطب أدواء الهوى
ولذاذة الأرواح والأجساد
يشفي وقد وهب النفوس سكونها
غل الصدور وقرحة الأكباد
خذ للحضارة ما تشاء وأعطني
في هذه التلعات عيش البادي
وادي الحجير وما أدكرتك مرة
إلا وهاج الادّكار فؤادي
أكبرت فيك متاعة لو لم تكن
متع الحياة إلى بلى ونفاد
وادي السلوقي
هو من أجمل الأودية في جبل عامل يقع بين بلدتي شقرا وحولا ويمتد من غربي قلعة دويبة حتى منبع نهر الحجير. وفي السنين التي يكثر فيها المطر تخرج فيه ينابيع شتوية تتجمع فتشكل نهراً يستمر تدفقه حتى أواخر الربيع.
وفي هذا الوادي يقول السيد علي محمود الأمين:
طرزت ثرة السحاب الدفوق
بصنوف الأزهار وادي السُلوقي
وجرت كاللجين فيه مياه
راق سلسالها بلا راووق
فوق حصباء كالدراري تزهو
ببريق يفوق لمع البروق
وزها روضه الأنيق ونفس الصـ
ـب تهفو لكل روض أنيق
كم ترى من بنفسج واقاح
في رباه ونرجس وشقيق
وخطيب من الورود ينادي
حيهلا على ورود الرحيق
وعلى ضفتيه أثل ورند
ومن البان كل غصن وريق
لاعبته الصبا فعانق غصناً
آخر مثل شائق ومشوق
فلقد لذ للمحبين فيه
نشوة من صبوحه والغبوق
خلته مذ كسا السحاب رباه
ببرود الشقيق وادي العقيق
فتق الزهر في ثراه نسيم
فحبانا بنشر مسك فتيق
قام للنور فيه سوق عناق
فاق في حسنه على كل سوق
وغنا الطير فيه أغنى الندامى
عن أغاني إسحاق بالموسيقي
قم بنا نركب الطريق إليه
ضل من ضل عنه نهج الطريق
وقال شاعر آخر من أبيات:
لست أنسى مسيل وادي السلوقي
بين آس ونرجس وشقيق
يا لها من مناظر حاليات
بصنوف من كل لون أنيق
كم أقمنا يوماً بها إثر يوم
ووصلنا صبوحنا بالغبوق
وقال الشيخ علي حسين شمس الدين:
أزهر الربى يزهو أم النجم يزهر
وهاتيك أقمار أم النور مقمر
رياض بها الوادي لقد طاب مورداً
وقد راق منه للنواظر منظر
تفجر ماء كاللجين فشاقني
ورود ينابيع به تتفجر
كأن حصاه حين أصبح يجتلى
فرائد در في مجاريه تنثر
تود الغواني لو تكون قلائداً
على جيدها تختال فيه وتخطر
وإني ليصيبني غناء حمائم
وروض على سفح السلوقي مزهر
وريح الصبا عنه إلينا تحملت
لطائم عن مسك بدارين تخبر
وقال الشيخ محيي الدين شمس الدين:
سلوا السلوقي ينبي عن تلاقينا
أيام طال بواديه تناجينا
وسائلوا رنده إذ كان يحجبنا
ظلال أغصانه عن عين واشينا
أيام كنا وكان الشمل مجتمعاً
وللزمان ابتسام من تصافينا
نشكو الأسى وكلانا مغرم وله
ونجتني من ثمار الأنس ماشينا
وننثني ولنا من فعلنا عجب
نساجل الطير أسجاعاً وتلحينا
أيام أنس قضيناها على عجل
ما كان أجملها لولا تنائينا
وقلت:
صباح الخير ما أحلى الصباحا
نطالع فيه عينيك الملاح
لمحتك والعراب الجرد وافت
تجوب بنا السباسب والبطاحا
فكنت لمهجتي في الواد مهوى
وكنت لناظري روحاً وراحا
نزلنا الواد و(القندول) ماجت
أزاهره وعرف الرند فاحا
وعزة بين أسراب الصبايا
تلوح كجؤذر في الرمل لاحا
تفيض على الروابي الخضر زهواً
وتملأ جانب الوادي مراحا
هيا وادي السلوقي المندى
سقى الوسمي أربعك الفساحا
نحب على النوى منك الخزامى
ونشتاق (السكوكع) والأقاحا
ونهوى في متالعك اغتباقا
ونعشق في محانيك اصطباحا
إذا ما عزة طلعت صباحا
على الوادي فما أحلى الصباحا
وقلت وأنا في العراق متذكراً طبيعة شقرا ومناظرها وأزهارها ومواقعها الجميلة ومنها وادي السلوقي، وكان ذلك يوم عيد:
أطل علينا كالح الوجه خابيا
يثير شجوناً في الضمير سواجيا
أطل فلا القلب الطروب كعهده
طروب ولا غر الليالي كما هيا
يهيم بحوراء اللحاظ ويجتلي
على طلعة العيد الحسان الروانيا
لقد حال ذاك البشر غماً وبدلت
ضواحك نفسي في الحياة بواكيا
فلا العيد بساماً يهيج صبابتي
ولا الحسن وضاء يثير غراميا
تلفت للعيد المطل فلم أجد
على جنبات العيد إلا مآسيا
ورائي من الأشواق ثم مفاوز
وبحر من الأشجان طام أماميا
تلفت من شط الفرات فراعني
على نخلات الشط أن لا تلاقيا
لئن لذ للوراد عذب فراتهم
فإن فؤادي فيه ما زال ظاميا
يحنّ لماء البركتين ويشتهي
على عدوتي وادي الحجير مساقيا
له الله خفاقاً على غارب النوى
يصارع أياماً ويشكو لياليا
لقد شفه بعد المزار وهاجه
إلى شجرات الرند أن ليس دانيا
فيا شجرات الرند في سامق الذرى
سقيت على البعد الغمام الغواديا
فما راقني بعد (الدواوير) مربع
ولا اعتضت عن (وادي السلوقي) واديا
ولا شاقني من بعد (ظمياء) مبسم
يشوق ولا هاج الغرام فؤاديا
سقى (الحومة) الخضراء صوب سحائب
وروّى هطول المزن ثم (الدغاليا)
مرابع يطلعن (السكوكع) أبيضاً
ويزهين (بالدحنون) أحمر قانيا
نناجي مغانيها النضيرة لو وعت
على منتأى الدار المشوق المناجيا
ونسأل عنها الركب هل كان زاهراً
ربيع الحمى فيها وهل كان زاهيا
وهنا لا بد من التساؤل عن أصل هذه النسبة (السلوقي). وكل ما عثرنا عليه ما جاء في معجم البلدان: أن السلوقية من الدروع منسوبة إلى سلوق قرية باليمن.. قال النابغة:
تعدّ السلوقي المضاعف نسجه
وتوقد بالصُّفاح نار الحباحب
وكذلك الكلاب السلوقية منسوبة إليها. قال القطامي:
معهم ضوار من سلوق كأنها
حصن تجول تجرر الأرسانا
وفي كتاب ابن الفقيه: سلوق هي مدينة اللآن ينسب إليها الكلاب السلوقية. وقال الجوهري: مدينة بالشام تنسب إليها الدروع السلوقية. وقال ابن الحائك وهو يذكر اليمن: سلوق كانت مدينة عظيمة بأرض الجديد، واسم بقعتها اليوم حسل الزينة، وهي آثار مدينة قديمة يوجد فيها خبث الحديد وقطاع الفضة والذهب والحلي، وإليها كانت العرب تنسب الدروع السلوقية والكلاب السلوقية. اهـ.
يبقى من هو هذا (السلوقي) الذي نسب إليه الوادي؟ ليس في أيدينا ما يرشدنا إلى شيء من ذلك.
وإذا كانت (سَلُوق) قرية باليمن أو مدينة وكان العامليون هم أحفاد بني عاملة الذين هاجروا من اليمن فهل يمكن أن نستدل من ذلك على قدم اسم الوادي إلى الحد الذي تعود نسبته إلى أحد أولئك اليمنيين الذين نزحوا من قرية أو مدينة (سَلُوق) اليمنية؟…
وادي المخازن
راجع: السعديون
واسط
سُمّيت واسط واسطاً، لتوسّطها بين الكوفة والبصرة والأهواز: فهي على خمسين فرسخاً من كل واحدة منها. وقد كانت أعظم مدن طُسوج كَسكر، بل كانت إحدى مدن العراق الكبرى الثلاث قبل بناء بغداد.
ابتنى الحَجّاج، في أيام عبدالملك بن مروان، مدينة واسط في نحو سنة 84هـ (703 م). وكانت واسط على جانبي دجلة، بينهما جسر سُفن. لها جامعان، في كل جانب جامع. وذكر اليعقوبي أن الجانب الشرقي من واسط كان مدينة قبل زمن الحجاج. وبنى الحجاج في المدينة الغربية القصر الأخضر ويقال له القبة الخضراء، وهو المشهور بقبته العظيمة فقد كانت تُرى من أعلاها فم الصلح، وهي على سبعة فراسخ في شمالها. «كانت أرض واسط وفيرة الخصب، وبها قوام مدينة السلام إذا اسنَتَت)[297]( نواحيها أو عَيَهَت)[298]( وكان خراجها في العام ألف ألف درهم و (40 ألف دينار) على ما ذكر ابن حَوقَل. وكانت أسواقها حسنة عامرة، وقد جُعل في طرفي الجسر موضعان تدخل فيهما السفن لتفريغ وسقها.
وبقيت واسط طوال عصور الخلافة من أشهر مدن العراق. ويظهر أن جانبها الشرقي كان أول ما انتابه الخراب منها. فالقزويني، وكان قاضياً في واسط في النصف الأخير من المئة السابعة (الثالثة عشرة)، ذكر أن المدينة بمفردها في جانب دجلة الغربي. وأشاد ابن بطوطة، وكان فيها في أوائل المئة التالية، بمبانيها الفخمة، وقال إن فيها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاثمئة خلوة ينزلها القادمون للتعلّم. ونوّه المستوفي، وهو ممن عاصر ابن بطوطة، بما حولها من بساتين النخيل الكثيفة التي ترطّب هواءها كثيراً. وفي نهاية المئة الثامنة للهجرة (الرابعة عشرة) ورد ذكر واسط غير مرة بكونها موضعاً ذا شأن في حروب تيمور الذي أقام فيها حامية قوية. ولكن بعد ذلك بنحو قرن، ابتعد مجرى دجلة عن واسط ـ على ما بينا في مطلع الفصل السابق ـ وتحوّل إلى مجراه الشرقي المنحدر إلى القرنة، فاستولى الخراب على سائر المدينة. فلما كتب الحاج خليفة في مطلع المئة الحادية عشرة (السابعة عشرة)، قال: إنها بمفردها في وسط البرية، وإن النهر قد كان مشهوراً بقصبه الذي تُتّخذ منه الأقلام.
وعلى ما ذكر ياقوت، كان دجلة أسفل من واسط، إذ انفصل عنها، وإنقسم إلى خمسة أنهر عظام تحمل السفن، ذكرها بأسمائها، ثم تصبّ في البطائح. وهذا القول يوافق ما ذكره المصنفون الأولون. فقد ذكر ابن سرابيون، جملة مدن على دجلة أسفل من واسط وفوق القطر، وهي فم البطيحة في المئة الرابعة (العاشرة). وأولى هذه المدن: الرصافة في الجانب الأيسر على عشرة فراسخ من واسط. وبالقرب منها نهر يحمل من دجلة شرقاً ويصب في البطيحة، يقال له نهر بان. وفي مصبّه بلدة بهذا الاسم. ويلفظ أيضاً نهر أبان. وأسفله: الفاروث، فدير العمال. وهذه المواضع في الجانب الشرقي، وبإزائها ثلاثة أنهر تجري غرباً وتصب في البطائح، هي أولاً نهر قريش وعليه قرية كبيرة بهذا الاسم، فنهر السيب وعليه بلدتا الجوامد والعقر، فنهر بردودي أوله عند قرية الشديدية. وكلها كانت مدناً ذات شأن في البطيحة حول الجامدة وقربها، ويقال لها أيضاً «الجوامد» (بصيغة الجمع). وإلى ذلك فقد وصف المَقْدسي مدينة كبيرة في هذه البقعة تعرف بالصليق على بحيرة حولها ضياع ومزارع حسنة. وكان تجاه هذه الأمكنة على الجانب الشرقي من دجلة: الحوانيت)[299]( وبها المأصر يشدّ جانبي دجلة.
وتعرف خرائب واسط اليوم بالمنارة أيضاً، لأن منارة قديمة ما زالت قائمة في مسجد الجانب الشرقي منها. وأطلال مدينة واسط واسعة فسيحة تمتد على جانبي عقيق دجلة القديم المعروف اليوم بالدجيلة على نحو 25 كيلو متراً من جنوب شرقي مدينة الحي التي على نهر الغراف.
وقد نَقّبت مديرية الآثار العراقية العامة في أطلال واسط منذ سنة 1936 حتى 1942، وكان مما عُثر عليه في الجانب الغربي، بقايا من جامع الحجاج، وقصره الذي كانت تُرى قبته الخضراء من فم الصلح، أي من مسافة 35 كيلومتراً، وثلاث طبقات بنائيّة لثلاثة جوامع أُقيمت فوق جامع الحجّاج بعد خرابه. وعُثر بين أنقاض الجامع على أسطوانة من الحجر مكتوبة، جاء فيها «عملوها الواسطيين» (كذا) واكتُشف على ضفّتي النهر بقايا الجسر الذي كان يربط جانبي واسط. وعثر في مكان آخر على مئات من دُمى الطين ترقى إلى العهد الإيلخاني.
وفي الجانب الشرقي من واسط كُشفت عن بقايا جامع ما زال بابه وإحدى منارتيه وبعض جدرانه قائمة حتى اليوم، وعثر في مواضع منه على قبور فيها شواهد مؤرخة بسنوات من المئة السابعة للهجرة. وبعد هذا التمهيد نترك الكلام للشيخ علي الشرقي:
شرع الحَجّاج في عمارة واسط في مكان شديد السبخة كثير الحر والسموم. ومن ظُلم الحجاج وفظائعه أنه سخّر الناس للعمل في بناء المدينة مُجبِراً لهم على ذلك، ومن يستبيح سفك دماء عشرات الألوف يَسهل عليه إجبار أمثالهم على العمل القسري. لقد ذكر المبرد في شرح المثل «تغافل واسطي» إن الحجاج كان يتسخّر الناس في البناء فيهربون وينامون بين الغرباء في المسجد فيجيء الشرطي ويقول على غرة يا واسطي فمن رفع رأسه أُخذ وأُلحق بالعمّال، فكانوا بعد ذلك يتغافلون عن صوته، وقد هدم الحجاج لعمارته كثيراً من المدن والقرى ونقل أخشابها وأبوابها، حتّى ضجّ الناس من تلك التعديات، ونقل الحجاج إلى مدينته خمسة أبواب من مدينة زندرود والدوقرة وشرابيط وغيرها، وذكر ابن الخطيب ج1 صفحة 75 أن أبا جعفر المنصور نقل تلك الأبواب من واسط إلى بغداد، ونشأت المدينة أولاً على الجانب الأيسر لدجلة وقابلتها مدينة أخرى على الجانب الأيمن بمكان مدينة كسكَر الفارسية، وقد كان لواسط أربعة أبواب باب الكوفة وباب البصرة وباب الأهواز وبعد ذلك باب بغداد، وللجانب الشرقي منها سور، وكان عمود دجلة يشطرها شطرين يربطهما جسر طوله 680 ذراعاً معقود من السفن على دجلة التي كانت تستقيم مادّةً نابها حتّى تهبط عن واسط فتنقسم إلى أنهر منها نهر ميسان الذي كانت عليه مدينة ميسان الفارسية التي طُويت ولم يَبقَ منها إلا البلد المعروف بـ «العزير» ومنها: نهر دقله الذي نهضت عليه واسط الثانية بعد خراب الأولى والعراقيون اليوم يسمونه (الدجيلة)، ومنها: نهر الغراف الكثير البركات وأول ذكر للغراف يتصل بالقرن الرابع للهجرة فقد جاء في الجزء السادس من ديوان الحسين بن الحجاج ذكر للغراف في قصيدة يهجو بها ابن سُكّرة مطلعها:
يا شاعراً أبطحي القفا بغير خلافِ
ومنها يقول:
لكلِّ وافرةِ الخصرِ نضوةِ الأردافِ
لها مثير حـراً مثل فوهة الغـرّافِ
ونهر الغرّاف هذا هو الذي نشأت عليه واسط الثالثة، ويسمى صدره اليوم «الأعمى» لأن الجري تحول عنه وصار يجري بين يدي مدينة (الحيّ) تلك المدينة التي نهضت على أنقاض واسط الثالثة، وقد انتقل إليها أهل واسط، فمدينة الحي هي واسط اليوم، ومنها: نهر الفضل ونهر جعفر الذي له اليوم آثار في غراف (البدعة) تسمّى الجعفري، ومنها نهر الصلة، كل هذه الأنهر متشعبة من دجلة العمود التي كانت بعد أن تهبط من واسط تنقسم إلى هذه المجاري وكان العشّارون يقيمون على محل الانقسام لاستلام الأعشار من السفن المنحدرة والمصعدة وكان هناك حي يسمى حي العشّارين، فارتأى بعض الباحثين أن بقيّته اليوم هي مدينة الحيّ. وإني أعتقد أن هذه المدينة بقية للمدينة الفارسية التي كانت على فرع لدجلة هناك يسمى «زندرود» وترجمة هذه التسمية «النهر الحيّ» وهو اسم المدينة الفارسية التي كانت عليه، فالحيّ: مأخوذ من مادة الحياة وليس هو بمعنى مجموعة منازل، وهذا يجتمع مع قول القائلين إن اسم النهر هناك «النهر الحيّ» لأنهر الغراف.
إنما كان الغراف وصدره تحت ذلك الصدر الذي يسمى «الأعمى»، لقد كانت دجلة في عهد الساسانيين تجري بين يدي «المذار» وهو بلد فارسي دارس لم يَبقَ منه غير مشهد عبدالله بن علي، وموقعه وراء البلد المعروف اليوم بـ «قلعة صالح» ثم تحوّل مجرى دجلة إلى جهة واسط مما يلي مدينة «السنّ» وهو بلد دارس، ثم تحوّل عمودها جارياً بين واسط والمذار وهو مجراها اليوم المسمّى بشط العمارة وكانت دجلة تسمى أم الموات لأنها كثيرة التحول فيموت ما كان عليها من الحياض الزراعية. ودجلة المتحولة هي دجلة العوراء التي كثيراً ما تعور متونها لا دجلة بغداد.
محلاّت واسط
أسلفنا أن الطرف الشرقي من مدينة واسط يقال له: واسط، والغربي يقال له: كسكر، وقد عرفنا من محلات واسط محلة الأنباريين وفيها جامع البلد، ومحلة الزيدية وهي مسكن العلويّين وشيعتهم ومحلة الزبيدية وفيها الحقول والبساتين ومحلة الرزّازين وهي المحلة السفلى بواسط والمحلة الشرقية لوقوعها شرقي واسط ومحلة الحزاميين وهي في شرقي واسط ومحلة برجونية وهي من محلات واسط ولكن ترتفع عنها قليلاً. واليوم يوجد مشهد لسعيد بن جبير وهو رواق عُقدت عليه قبة، وهذا المشهد هو البقية من برجونية، ولواسط محلات كثيرة لم نقف على أسمائها وكان في وسط المدينة بناء شامخ ضخم اتخذه الحَجّاج سجناً ويقال له «ديماس».
كانت واسط شديدة السموم كثيرة الرمال، وهذه الرمال كانت تهب عليها من الغرب، وإلى اليوم يوجد أثر لتلك الرمال بين مزارع الغرّاف وبين الأراضي الخراب التي كانت سقياً لفرات الحلة والغرافيون يسمّون موقع تلك الرمال بـ«خط الرمال».
وهذا الخط يمتد بصورة تلول سيارة ومتنقلة، وقد شاهدت بعضها فكانت في عام بمكان وفي غيره بمكان آخر، والمزارع الخضراء الكثيرة ومن حولها الأنهار الكبيرة لطّفت الهواء وزادت في عذوبته صبوحاً وغبوقاً.
وقد بقيت تلك العذوبة لواسط حتى انفتقت في أسفل كسكر واستوسع الخَرق فكوّن بطيحة أثّرت على مناخ واسط وجعلت هواءها غمقاً ذا وَبالة، وتبطح المياه هناك ليس بالطارئ فقد كانت بطيحة الغراف قبل نهر الغراف كما وأن تفتّق دجلة في تلك الأنحاء لا يزال يعاود، والغرافيون يسمّونه «موحان». وقد شاهدت مظهراً منه عام 1914 ـ 1915 في أثناء الحرب العامة الأولى وكابدت ما كابدت من سفالة المقام ووخامة الهواء وإلى بعض ذلك الويل يشير الواسطي هبة الله:
لله واسط مـا أشـهى المقـامَ بهـا
إلـى فـؤادي وأحـلاه إذا ذُكــرا
لا عيب فيها وللهِ الكمالُ سوى
أن النسـيم بهـا يفسـو إذا خطـرا
وإلى شبه ذلك يشير البحتري في قوله:
حنانَيك من هولِ البطايح سائرا
على خطر والريح هول دبورها
لأنْ أوحشتني جبّلٌ وخصاصها
فمـا أنسَتْني واسط وقصورها
وجُبّل هذه التي يذكرها البحتري قرية كبيرة ذات بناء وأسواق كانت على ضفاف دجلة بين موقع الكوت والنعمانية وكان منها يعبر الطريق الأعظم بين واسط وبغداد، وقد سفّ عليها الماء. وفي وقت الجفاف تظهر اليوم هناك آثار عمارة تسميها الأعراب «جنبل».
الحالة الأدبية في واسط
كان للأدب والعلم سوق في واسط وفيها نَبَغ كثير من العلماء والأدباء والشعراء، ففي كتب التراجم ودواوين التاريخ مئات من هؤلاء الفطاحل وإلى ذلك يشير السيد محمد المشعشع الواسطي مؤسّس عائلة مَوالي الحويزة:
مدينتـا أرض العـراق بواسطٍ
مدينة أهل العلم والفضل والعمل
وقد تخصّصَتْ مدرسة واسط بعلم التجويد والقراءة وأصبحت محطة علمية لطلاب ذلك العلم، يَفِدون عليها من سائر الأقطار وتأسست فيها بعض المعاهد العلمية ومن جملتها مدرسة الغرباء التي كانت تشتمل على ثلاثمائة خلوة، وفي الأقلام العربية القلم الواسطي وهو مشهور كالقلم الكوفي والحِيري والأنباري وفيه مظهر من مظاهر تدرّج الخط العربي ورقيّه، ولم يغفل كتّاب آداب اللغة العربية شأن واسط بل دوّنوا كثيراً من الكتب في تاريخها وحوادثها وتراجم بيوتاتها والمشاهير من رجالها ولكن ذهبت تلك النفائس وانطمست فعادت واسط من البلاد المنسيّة، وقد عثرنا في بعض المراجع على ذكر بعض الكتب التي وضعت في تاريخ واسط، منها كتاب أبي عبدالله محمد بن سعيد الدبيثي المتوفّى 637 والتعليق عليه للجلابي وتاريخ السيد جعفر المعروف بتاريخ الجعفري وتاريخ بخشل وتاريخ أسلم بن سهل. هذا بعض ما وجدنا له ذكر، وكل هذه لا يوجد لها اليوم أثر على ما أعلم. وقد قامت في واسط نقابة للطالبيين وقد وجدنا ذكراً لجماعة من نقبائها في كتاب الأنساب لمؤلفه مؤيد الدين، واسم الكتاب (المثبت المصان بذكر سلامة آل عدنان) فمِن نقباء واسط مؤيد الدين عبدالله المتوفّى سنة 787 وأبو عمر المعروف بجلال الدين وأبوه محمد قوام الدين وأبوه عبدالله وأبوه طاهر وأبو علي سالم وأبو اليعلا وأبو البركات محمد والأمير محمد بن الأشتر ومحمد بن عبدالله الثالث وعلي بن عبدالله الثاني.
الحالة الاقتصادية في واسط
كانت واسط في موقع اقتصادي مهم يشغله أهل التجارة من بغداد الذين استوطنوا واسطاً وذلك لكثرة ما يتسنّى لهم من العمل هناك وهو الموضع الواقع في متوسط العراق بين البصرة والكوفة وبغداد والأهواز وبلاد الجبل، فكانت واسط الطريق التجاري العظيم الذي تصعد إليه السفن من البصرة وتنحدر من بغداد، وواسط كثيرة الخصب وافرة الحصيلة. والكتب حافلة بأخبار رخائها وآخر من ذكر رخاءها ياقوت الحموي.
وقد كان للحركة الاقتصادية هناك أثر كبير في ميزانية الدولة ووفور المال، وهذا هو الذي شجع الحَجّاج على تثقيل الجباية فقد ذكر ابن الأثير ج 5 صفحة 19 أن الحجّاج تشدّد في وضع الضرائب على كور واسط حتّى أن الأمراء من بعده كانوا يستنكفون عن ولاية الخراج في واسط خوفاً من نقصان الخراج إذا هم خفّضوا الضريبة والاستمرار على ظلم الناس إذا راموا جباية ما كان يحمله الحجاج إلى الخليفة من المال. وقد حضر ابن هرقل ارتفاعها إلى الديوان بمدينة السلام عام 358 للهجرة فكانت ستة ملايين من الدراهم، وهذا الخصب هو الذي حرك السيد محمد المشعشع وولده المولى أعلى لاحتلال واسط، فجرى عليها الخراب والدمار، لقد كان السيد محمد في مناجزته لحكام الحويزة كلما قلّت مؤنة جيشه واحتاج إلى الميرة تذكّر الخير في واسط فيتراجع إليها لِيتَموّن، ولكن سكانها يمنعونه عنها فيشتبك معهم على أبواب واسط، وكم من مرة حاصرها بأصحابه ونهبها.
التجدد والدثور في واسط
تلوّنت مظاهر واسط وتنقلت بين محنة تارة ورفاهية أخرى حسب الظروف ولم أعثر على بسط جامع لأخبارها التي وصلتنا متقطعة تنقص سلسلتها حلقات كثيرة فاضطُررت إلى التقاط كلمات العلماء التي لها مساس بالبحث وجاءت في غضون أبحاثهم بغيةَ أن أؤلف منها مجموعة عما طرأ على واسط من تجدد ودثور، عاشت واسط الأولى حتى القرن التاسع للهجرة، وقد تعرّفت على شيء عنها في القرن الأول وبسطته فيما مرّ، أما القرون الأُخر فسوف نوافيكم بموجز عنها اعتمدنا فيه على كتب حضارة الإسلام ومجالس المؤمنين وابن الأثير والأبشهي والمسعودي والبلاذري وابن حَوقل وابن جُبَير وابن بطوطة وابن السوادي، كانت واسط في القرن الثاني مدينة طيّبة الأقليم ومبانيها من الإحكام بمكان سامٍ ومنها القصر الذي أنهضه الحجاج فإنه لم يَزَل ماثلاً إلى الربع الأخير من القرن الثاني، والناس يقولون عنه الخضراء وله قبة مشهورة في المباني الإسلامية حتى قيل إنه ما بُني لأحد مثلها قبل الحجّاج وفيه أحواض من رخام كثيرة يرقى إليها الماء من دجلة أعظمها حوض من الرخام الأخضر في مجلس به سرير مذهّب كان مَقعَد الحجاج في مجالسه العامة، وهذا القصر بهيج مزخرف بأنواع الزينة، وكانت في واسط فنادق مطلّة على دجلة حيث الجسر المعقود، وفي واسط سوق شهيرة للخيل وكان لها موسم معلوم من السنة، وقد كانت المدينة زاهية في بداية هذا القرن ومن أعمر بلدان العراق ولكن وفد عليها الطاعون الجارف سنة 116هـ ومن بعد تلك الكارثة نزلت بالناس السنون وأخذتهم المجاعات فأتى على واسط الخراب والانحلال وتجافى الناس عنها بما توالى من الفتن التي وقعت في صدر الدولة العباسية، إلى أن استقر الوضع فسارع أرباب التجارة إلى استيطانها، وعادت إلى زهوها القديم. وكانت في القرن الثالث والرابع مدينتين عظيمتين على جانبي دجلة يحدّها من الغرب الأرض الخراب بعد مزارع يسيرة وهي شَجراء كثيرة الخصب هواؤها أصحّ من هواء البصرة ورقعتها واسعة ونواحيها فسيحة وعماراتها متصلة ولم يكن حولها بطايح. تكاثر فيها البَغادِدة وانحدر إليها الخليفة المعتمد، بعدها صارت مليئة بالحوادث والفتن وتنازعها أمراء البطايح التي امتدت إليها ونشأت حولها، ففي بداية القرن الخامس حدث بواسط خرق في أسفل كسكر فاستوسع وأُعورت دجلة من عدة مواضع فأهملت وتكونت بطايح مرة أخرى، وفي القرن الثامن شاهدها ابن بطوطة فوصفها بأنها مدينة حسنة الأقطار كثيرة البساتين والأشجار فيها أعلام يهدي إلى الخير شاهدُهم وأهلها من خيار أهل العراق، وفيها مدرسة عظيمة حافلة ينزلها القادمون لتعلم التجويد بالقراءة عمّرها الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي وكان يعطي المتعلم فيها كسوة ويُجري عليه نفقة لكل يوم وكان يجلس هو وإخوانه وأصحابه للتعليم في المدرسة، وجاء القرن التاسع للهجرة على واسط وهي كما وصفها صاحب جريدة العجائب من أعمر بلاد العراق وعليها المعول لولاة بغداد زاهية العمران برغم الهزاهز والمحن التي تعاورت عليها. وآخر عهدها بالمحن الغارة التي شنّها عليها السيد المشعشع سنة 844هـ ولكن الواسطين كشفوه عن مدينتهم فتراجع وملء جوانحه عزيمة ورغائب للاستيلاء على تلك المدينة الغنية بيت أحلامه وأمانيه، وقد انتقلت هذه اللوعة من الوالد إلى الولد ففي عام 858هـ اعتزم المولى علي بن محمد المشعشع على تدويخ العراق وانتزاعه من يد المغول فهاجم واسط وقاومه أهلها وعلى رأسهم الحاكم المغولي أمير أفندي، فطوّقت جيوش المولى علي المدينة بعد أن قلعت الأشجار والنخيل وقد أبلى الواسطيون أحسن البلاء ولكن عبثت في مساكنهم قذائف المنجنيق وخرّبت العمارات وقتلت كثيراً من الناس وشعروا بخطر الاحتلال فتآمروا مع عامل المغول على الجلاء والانحدار إلى البصرة ولكن بعد تخريب المدينة التي يغارون عليها من استلام الغازي لها سالمة فخربوا واسطاً، واحتلها المولى علي ركاماً وأقام في خراباتها عاملاً له يقال له «دراج» وقفل عنها، وبهذا اندثرت واسط الحجاج وقامت قريباً منها واسط الثانية وذلك أن الواسطيين بعد انحلال أمر المولى علي وقتله على أبواب بغداد عندما هاجمها تراجعوا وأسسوا واسط الثانية تحت الأولى بمسافة هينة وفي قربها على نهر (دقلة) ولم يكن لهذه الثانية شأن كبير كما أنها لم تَعِش أكثر من قرنين حتّى تنازلت عن كونها مدينة إلى قرية نشأت على الجانب الغربي من الثانية وتبعد عنها قليلاً وهي واسط الثالثة التي كانت على فوهة الغرّاف والتي كانت تأخذ من دجلة يوم كانت تستقيم من هناك. والغرافيون يسمون تلك الفوهة أو ذلك الصدر بـ «الأعمى» ولما تحولت دجلة تحولت فوهة الغراف إلى ما يقابل الكوت فعمي ذلك الصدر وبقيت واسط الثالثة إلى أواخر القرن الثالث عشر للهجرة ونشأت مدينة (الحيّ) ويوجد اليوم كثير من الواعين الذين شاهدوا واسط الثالثة.
بقايا واسط الحَجّاج
تلول وخرابات تقع في الشمال الشرقي لمدينة الشطرة وتبعد عنها 36 ميلاً ولا أثر بارز لواسط غير باب محرابي مقوّس من أعلاه قليلاً وعليه كتابة غير جليّة لأن الرياح والأمطار خرشتها وطمست كثيراً منها وإلى جانب الباب مغارة سقط برجها فهي عمود يلوح من بعيد، تراه شاخصاً في القفر، ولا ترى في ذلك القفر غير رمم أطلال وحجارة جرداء، وتلك هي المدينة العظيمة ذات البساتين والنخيل الذي يفوق الحصر، وجذوره يشاهدها العابر حتى اليوم، ويظهر أن ذلك الباب هو باب مسجد واسط وهو مسجد الأنباريين.
كور واسط
لم يكن اسم واسط مقصوراً على المدينة بل كان يطلق على كور واسع يشمل ما بين الأهواز والنعمانية وعذار الحلة وفرات الناصرية، وكانت واسط في بداية أمرها مركز العمل الإداري في كل العراق، وبعد ذلك أصبحت تابعة لبغداد في العهد العباسي والمغولي، ثم تبعت البصرة في أوائل العصر العثماني، فقد كان المتسلّم الإداري في البصرة يضاف إلى عمله عمل الجزائر وواسط، ويراد كور واسط، وإليك بعض المواقع من ذلك الكور.
«زندرود» مدينة فارسية قرب واسط، «سابس» بضم الباء نهر فارسي كبير وعليه قرى كثيرة، وهي تلول مبثوثة بين مدينة الحي والعدوة اليمنى لدجلة في الموضع المعروف بـ «جزيرة الرفاعي». «ساسي» تل على نهر فارغ شمال الشطرة بمسافة هينة ويسمّونه اليوم «ساسه» قرية فارسيّة تحت واسط، ويُنسَب إليها أبو المعالي ابن بدر الساسي، « بزوفر » ويسمونه اليوم أبو زوفر تل كبير حول صدر الغراف وراء الناحية الإدارية المسماة بـ «الموفقية» والتي كانت قائمة على النهر الموفقي، ذلك النهر الذي أقام عليه الموفق العباسي عند محاربته لصاحب الزنج في واسط، أصل هذا النهر فارسي مثل اسمه وكان من أعمال قوسان الفارسية الواقعة قرب واسط «كسكر» بالفتح ثم السكون من أكبر طُسوج الفرس في العراق إنها مدينة سهلية ذات إحازات ونواحٍ، قصبتها «خسرو سابور» وهي الجانب الشرقي من واسط وكانت قبل الإسلام مملكة مستقلة وفي زمن الفتح كانت قطيعة (لترسي) ابن خالة كسرى. أما خمائل كسكر وحقولها فمشهورة في العهدين الأموي والعباسي، وكانت البقية منها تسمى «عمر كسكر» بضم العين، وكان ديراً للنصارى آخذاً من قولهم عمرتُ ربي أي عبدته، وهو منتزه كبير كان يسمى «عمر واسط» و«عمر كسكر»، وللنصارى احتفاء به واهتمام، «برجوينه» محلة من محلات واسط كانت منتزهاً للواسطيين، تكثر فيها الأشجار والأزهار والعمارة الأنيقة لكنها اليوم صعيد زاري، والغرافيون يعرفونها بقبر سعيد وهو سعيد بن جُبير التابعي الشهير قتيل الحجّاج وله مشهد هناك يحيط به حصار وعليه قبة يطوف به الهلاك ويقصده الزوار، «أم عَبيده» قرية فوق واسط بينهما طريقان براً ونهراً، وقد كانت عامرة شجراء يكثر فيها الغروس وقد زارها ابن بطوطة، وذكر صدراً من أخبارها وهي اليوم في قفر واسع يُعرف بـ «جزيرة الرِّفاعي» وليس فيها شيء ماثل غير رواق السيد أحمد الرفاعي الذي يلوح بقبته للسالكين، وقد نهض هذا الرواق في القرن السادس للهجرة ولا يزال يُرمَّم وآخر تجديد له على نفقة العثمانيين على يد هداية باشا والي البصرة، «الزَّبيدية» غربي نهر الغرّاف وهي اليوم مزرع عامر، وموقعها قبالة واسط وتبعد عنها بمسافة ثلاثة فراسخ، فيها آكام مبثوثة ذكرها الحموي ويظهر أنها غير الزبيدية التي هي محلة من واسط. «العمرانية والشاهانية» تلاّن كبيران في جنوب الشطرة، وهما بلدان لعمران بن شاهين الخفاجي أمير الغَرّاف والبطايح، سُمِّيتا باسمه واسم ابيه، ويوجد في مكان آخر من الغراف تل يُقال له (العمرانية)، وهي بلدة أخرى لعمران «الزاوية» مزرعة كبيرة في صدر الغراف، فيها رمم أطلال ذكرها الفيروزآبادي أنها بُليدة بواسط «الرصافة». وتلول متداخلة تقع شمال الشطرة وهي رصافة واسط، ذكرها الحموي، «المداخن» تل يقع في شمال الشطرة وهذا التل أحد المناظر التي اتخذها الحجّاج بين واسط والأهواز حيث المقر العسكري هناك وكان مركز القيادة في واسط فإذا احتك الخوارج بالجيش واحتاج الجيش إلى مدد دخّن أهل الأهواز فتدخّن المناظر كلها نهاراً وتوقد النار ليلاً وبذلك يصل النبأ فتتوجه النجدة. تلاّن آخران في تلك الأنحاء سُمّيا «المناظر»، «ساقية سليمان» قرية بواسط «شلمغان» ناحية فارسية من نواحي واسط، «شافيا» من قرى واسط بناحية نهر جعفر، «الشرابيط» كورة كبيرة من أعمال واسط، «برجلان» من قرى واسط، وهي اليوم موجودة في البطايح، «الأفشولة» قرية غربي واسط، «الجامدة» قرية كبيرة من أعمال واسط، وهي التي نشأ بها عمران بن شاهين ومكانها اليوم معروف بالبطايح، «الحوز»، «الخسروانية»، «أوداز»، «بثا»، «الرياحية». كل هذه وغيرها كانت قرى عامرة في كور واسط وهناك مدينتان فارسيتان هما «الدوقرة» «والشرابها» لا يُعرَف مكانهما اليوم. هذا غيض من فيض من كور واسط الذي دُرِس وانطمست آثاره.
علي الشرقي
وفي واسط يقول بشاره بن برد:
على واسط من ربها ألف لعنة
وتسعة آلاف على أهل واسط
أيُلتمس المعروف من أهل واسط
وواسط مأوى كل علج وساقط
نبيط وأعلاج وخوز تجمعوا
شرار عباد الله من كل غائط
وإني لأرجو أن أنال بشتمهم
من الله أجراً مثل أجر المرابط
ويقول غيره:
يا واسطيين اعلموا أنني
بذمكم دون الورى مولع
ما فيكم كلكم واحد
يعطي ولا واحدة تمنع
وقال أبو شجاع الوسطي يناقضهما:
يا رب يوم مرَّ بي في واسط
جمع المسرة ليله ونهاره
وقميص دجلة بالنسيم مفرّك
كسر تجر ذيوله أقطاره
وقال شاعر في التغافل الواسطي:
تركتَ عيادتي ونسيتَ بري
وقدماً كنتَ بي براً حفيا
فماذا هذا التغافل يا ابن عيسى
أظنك صرت بعدي واسطيا
وقال أبو الفتح المازني الواسطي:
عرج على غربي واسط إنني
دائي الدوي بها وفرط سقامي
وطني وما قضيت فيه لبانتي
ورحلت عنه وما قضيت مرامي
وقال بعض الأعراب:
ألا أيها الصَمْد الذي كان مرة
تحلل سقيت الأهاضيب من صمد
ومن وطن لم تسكن النفس بعده
إلى وطن في قرب عهد ولا بعد
ومنزلتي دلقاء من بطن واسط
ومن ذي سليل كيف حالكما بعدي
تتابع أمطار الربيع عليكما
أما لكما بالمالكية من عهد
وفي مقاطعة جازان (عسير) قرية تسمى (الواسط) تقع على عودة وادي ضَمَد الجنوبية بين قريتي المحلة وملقوطة ذكرها الشاعر القاسم بن هُتَيْمل باسم واسط بدون تعرف في غير موضع من شعره ومنه:
هل الأثلات اللاء غربي واسط
نواعم خضر ما بهن ذبول
وهل هنّ غضات كأن فروعها
فروع العذارى ظلهن ظليل
فيا طالما أمست وأضحت ودوحها
مبيت لغزلان الحمى ومقيل
وقوله:
وهل لكم علم بدارة (واسط)
فأنشدكم عن عهدكم بالمعاهد
وفي نجد واد يسمى وادي واسط، وهو واد ينحدر من الغرب إلى الشرق وبه مناهل. وقد ذكر صاحب (معجم البلدان) في معجمه سبعة (أواسط) منها واسط نجد، وهو هذا، وأورد على هذه الأواسط قصصاً وأخباراً وأطنب في ذكر واسط العراق.
وواسط نجد هو الذي ذكره خِداش بن زهير:
عفا واسط كلاّؤه فمحاضره
إلى حيث نهيا سيله فصدائره
وواسط الحجاز هو الذي ذكره كثير فقال:
أجدّوا فأما أهل عزة غدوة
فبانوا وأما واسط فمقيم
وما ظعنت طوعاً ولكن أزالها
زمان بنا بالصالحين غشوم
فوا حزني لما تفرق واسط
وأهل التي أهدى لها وأحوم
وفي واسط الجزيرة قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا
وقال أيضاً:
عفا واسط من أهل رضوى فنبتل
فمجتمع الحُرين فالصبر أجمل
وواسط اليمامة هو الذي ذكره الأعشى.
وواسط أيضاً: قرية بحلب قرب بزاعة. وواسط أيضاً: قرية بالخابور قرب قرقيسيا. وفي دجيل على ثلاثة فراسخ من بغداد. وهناك واسط الرقة، وأواسط أخرى.
وجــدة
ـ 1 ـ
تتوسط مدينة وجدة سهل «إنكاد» الذي يعتبر أحد سهول منطقة المغرب الشرقي الخصبة، حيث تساعدها جبال «بني بزناسن» التي تعتبر من بين أجمل المناطق الجبلية في المغرب، على الإفلات من المؤثرات المتوسطية.
لكن الحديث عن هذه المدينة التي لا تفصلها عن الحدود الجزائرية إلا بضعة كيلومرات يستدعي التوقف عند محطات تاريخية عدة تركت بصماتها واضحة على الحياة الاجتماعية والثقافية للأسر الوجدية التي استقرت فيها عبر مراحل متباينة زمنياً سواء منها تلك التي هاجرت من بلاد الأندلس عقب سقوطها عام 1492، أو التي وفدت عليها من البلدان المغاربية المشرقية.
وساهم هذا التمازج الثقافي في جعل وجدة تتحول إلى محط اهتمام المؤرخين وعلماء الأنسنة، فيما يستطيع السياح الأجانب أن يتلمسوا في ملامحها التاريخية أسراراً قل نظيرها في بقية المدن المغربية.
يرجع تاريخ بناء مدينة وجدة إلى القرن العاشر حين اتخذها أحد زعماء قبيلة مغراوة، وهي إحدى القبائل المغربية التي مارست نشاطاً تراوح بين التجاري والديني، ويدعى «طرف زيري بن عطية»، عاصمة لحكمه لمدة ثمانين عاماً.
هذه المدة الطويلة مكنت المدينة من التحول إلى نقطة اتصال بين الغرب الإسلامي وشماله وشرقه، ونظراً لهذه الأهمية الاستراتيجية والسياسية اتخذتها الدول التي تعاقبت على حكم المغرب نقطة عبور إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الإطار ركزت الدولة الموحدية على تحصينها سنة 1206 بمجموعة من الأسوار والقلاع العسكرية، فيما أولاها المرابطون اهتمامهم وعمل ولاتهم على تنظيم النشاط التجاري البحري فيها وذلك بهدف الحد من حركات القراصنة التي كانت موانئ المدينة مسرحاً لها.
أما في عهد الدول المرينية فقد أقدم السلطان المريني أبو يوسف عام 1297 على إعادة بناء المدينة وأسوارها التي دعمها بأسوار أكثر علواً وحجماً، واحتفظ ببوابتين تظللهما قلعتان عسكريتان كان دورهما حماية السكان وضبط الأجانب المتسللين.
وفي المقابل ظلت المرافق الاجتماعية والثقافية والأسواق والمدارس والمساجد محصورة بين «قصبات» (أحياء) المدينة المسيجة التي بلغ عددها ست قصبات.
وفي عهد الدولة العلوية تم ربط قصبات المدينة عبر أسوار شاهقة تتوسطها أزقة شاسعة تربط أحياء المدينة القديمة بعضها بالبعض الآخر، وبنى مرفأين بحريين ساعدا على تسيير حركات تجارية مزدهرة في ظل حماية أسطول بحري يحكى ان عدد سفنه زادت عن 250 سفينة.
أما على صعيد النشاط المعماري فعرفت المدينة نقلة نوعية حيث ساهمت المباني الدينية في تطعيم الأشكال الهندسية بمعالم مشرقية وتركية الطابع كما هو الشأن مع المساجد ودور الوعظ والإرشاد.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى ان مدينة وجدة كانت لا تقل أهمية على مدينة مكناس التي كان يتخذها المولى إسماعيل عاصمة له، وانعكست آثارها على بقية المدن المتاخمة لها بما فيها مدينة مليلية التي كانت تئن تحت وطأة التدخلات التي كان يقوم بها الإسبان والبرتغاليون.
وعلى رغم سيادة عناصر التحديث بمدينة وجدة فإنها ظلت وفية لإرثها التاريخي ويتفرد سكانها بأنماط خاصة سواء تعلق الأمر بلباس الرجال التقليدي المتمثل في الجلباب والبرنس والعمامة، او اللثام و«الحايك» وهو عبارة عن قماش تصنع مواده الأولية من الصوف الخالص وتلفه المرأة الوجدية على جسدها.
وجــدة
ـ 2 ـ
عاصمة المغرب الشرقي وأقرب مدينة مغربية إلى الحدود الجزائرية تقع وسط سهول أنجاد على ارتفاع 550م أسسها زيري بن عطية المغراوي سنة 384هـ وبنى بها الملوك المرابطون والموحدون والمرينيون عدة مآثر لا زالت ماثلة للعيان. ثم احتلها الأتراك العثمانيون واستردها المولى سليمان سنة 1121هـ واحتلها الفرنسيون أولاً سنة 1844م ثم سنة 1859 ثم سنة 1907.
وكان يقطن بالمدينة عدد كبير من الأوروبيين والجزائريين وبضاحيتها عدة أماكن للراحة والاستجمام يقصدها الناس من مختلف الجهات وفي مقدمتها عين سيدي يحيى بن يونس وهي ضاحية جميلة من أجمل الأماكن بناحية وجدة تحف بها الجنان والبساتين ذات الأشجار المختلفة الأنواع تشقها جداول المياه المتدفقة الغنية بالمواد البوتاسية يقصدها سكان المدينة للراحة والاستجمام.
والمدينة مركز تجاري مهم بما اشتملت عليه من بنوك ومخازن ودور تجارية. وبضاحيتها كلية الآداب ومركز زوج بغال وهو مركز ديوانة الحدود بين المغرب والجزائر تقع المدينة على بعد 18 ك.م. من الحدود الجزائرية.
الوجوه والنظائر في القرآن الكريم
وكتاب مقاتل بن سليمان
الوجوه والنظائر علم من علوم القرآن عني العلماء به منذ العصور الإسلامية الأولى، فقد ألّف فيه مقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة 150هـ. وسنعرض في السطور التالية لهذا العلم مع تناول كتاب مقاتل بن سليمان بالعرض والتحليل.
معنى الوجوه والنظائر
أوّل تعريف يواجهنا للوجوه والنظائر ـ فيما بأيدينا من الكتب ـ ما كتبه الزركشي في «البرهان». وعنه نقله السيوطي في «الاتقان» نصاً دون زيادة أو نقصان. وقد اختلفت آراء العلماء في معنى الوجوه والنظائر على اتجاهات ثلاثة نذكرها بشيء من التفصيل رغم قلّة ما كُتب في تعريف هذا العلم، حيث لم يجاوز ما ذكره الزركشي في تعريفه النصف صفحة.
الاتجاه الأول:
(الوجوه اللفظ المشترك الذي يُستعمل في معان متعدّدة كلفظ «الأمة»). بعبارة أخرى أنّ اللفظ الذي يُستعمل في القرآن الكريم في أكثر من موضع واحد، ولا يُراد منه في المواضع كلّها معنى واحد بل يُراد منه في بعض المواضع معنى، وفي مواضع أُخر معنى آخر، وهكذا، فلفظ «أُمّة» ورد في (64) أربعة وستين موضعاً من القرآن الكريم، ويُراد منه:
1 ـ عُصبة كما في قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَتِنا أُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ﴾.
2 ـ ملّة كقوله تعالى: ﴿كَانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾.
3 ـ سنين محدودة كقوله تعالى: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
4 ـ قوم كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾.
5 ـ إمام كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبرَاهيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
6 ـ الأمم الخالية من الكفّار وغيرهم كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾.
7 ـ أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
8 ـ الكفار خاصة كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْناك في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾.
9 ـ خلق كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾.
ويؤخذ على تعريف الوجوه هذا أنّه «اللفظ المشترك…» وهذا يعني أنّ لفظ «الأمّة» هو الوجوه، في حين أنّ الوجوه المعاني المتعدّدة للأمّة وليس الأمة، يدلّ على هذا أنّ كلاً من مقاتل والدامغاني والزركشي والسيوطي وكذلك من المفسّرين الطبرسي يقول: لفظ كذا على وجوه: الوجه الأول… والوجه الثاني… الخ. وقد جاء في خطبة كتاب الوجوه والنظائر للدامغاني «إنّي تأمّلت كتاب وجوه القرآن لمقاتل بن سليمان وغيره فوجدتهم أغفلوا أحرفاً من القرآن لها وجوه كثيرة». وهذا صريح في أنّ الوجوه هي المعاني المذكورة لبعض أحرف «كلمات» القرآن الكريم وليست الوجوه الكلمات ذات المعاني المختلفة. نعم ورد في الاتقان للسيوطي تحقيق «محمد أبو الفضل إبراهيم» وهو المتداول بين الدارسين «الوجوه للفظ المشترك…» وهذا يعني أنّ ما ورد في طبعة «محمد أبو الفضل إبراهيم» سهو مطبعي، يدل على ذلك بالإضافة إلى ما ورد في الطبعتين الأخريين أنّ الوارد في «البرهان»: «اللفظ المشترك» وأنّ من دأب «محمد أبو الفضل إبراهيم» الإشارة في تحقيقه إلى موارد الاختلاف، فلو كان ما ذكره تحقيقاً منه لأشار إلى ذلك، فلما لم يشر إلى ذلك أمكننا القول بأنّه ورد سهواً.
أمّا النظائر فهو اللفظ الذي ورد في القرآن الكريم في غير موضع ويُراد به في كل المواضع معنى واحد، كلفظ «الله» مثلاً، فإنّه في كلّ موضع يُقصد به عَلَم الذات المقدّسة، وليس شيئاً آخر.
وقد نسب أحد الباحثين هذا الرأي إلى السيوطي بشكل تُشمّ منه رائحة ابتكار السيوطي لهذا حيث عبّر عنه بـ«نظرية سيوطي». في حين أنّ السيوطي أحد الذين تبنّوا هذا الرأي، وليس بصاحبه، يدلّ على ذلك أن الزركشي وهو متقدّم على السيوطي بأكثر من قرن يذكر ذلك، ونقله السيوطي عنه بحذافيره.
الاتجاه الثاني:
«وقيل الوجوه في المعاني والنظائر في اللفظ». وهذا تعريف مجمل شرحه حاجي خليفة في «كشف الظنون» وبسطه بقوله: (ومعناه أن تكون الكلمة الواحدة ذُكرت في مواضع من القرن على لفظ واحد وحركة واحدة وأُريد بها في كل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كلّ كلمة ذُكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، وهو النظائر، وتفسير كلّ كلمة بمعنى غير معنى الأخرى هو الوجوه. فإذاً النظائر اسم الألفاظ والوجوه اسم المعاني).
وعلى هذا فإنّ المعاني المختلفة للفظ «الأمّة» (عصبة، ملّة، سنين معدودة…) تُسمّى وجوهاً، ولفظ «الأمّة» الذي تكرّر في القرآن يُسمّى النظائر، فإنّه نظير لفظ «أمّة» الذي ورد في آيات أخرى.
وقد تبنّى صاحب كشف الظنون هذا الرأي لأنّه لم يذكر غيره ـ ممّا حدا ببعض الباحثين إلى نسبة هذا الرأي إليه بعبارة «نظرية حاج خليفة مؤلف كشف الظنون» في حين أنّ حاجي خليفة من المثبتين له لا غير، فقد ذُكر قبله في مؤلَّفين ـ على الأقل ـ وهما «البرهان» و«الاتقان».
وقد ضعّف العلماء قديماً هذا التفسير للوجوه والنظائر بأنّه ليس المقصود من الوجوه المعاني المختلفة ومن النظائر الألفاظ، بل يقصد العلماء بقولهم الوجوه المعاني المختلفة والنظائر الكلمات التي تكرّرت بمعنى واحد. وقد استند هؤلاء في تضعيفهم إلى أنّه (لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد في مواضع كثيرة، فيجعلون الوجوه نوعاً لأقسام والنظائر نوعاً آخر). ويقصد الرادّون بقولهم هذا أنّ الوجوه والنظائر لو أُريد منها ما ذكره هؤلاء يعني النظائر اللفظ والوجوه معاني ذلك اللفظ المتكرر لكان ما ذكره العلماء في كتب الوجوه والنظائر منحصراً بالألفاظ المشتركة، يعني الألفاظ التي لها معان متعدّدة، لأنّ معانيها المختلفة وجوه، وألفاظها المتكرّرة نظائر كما يوضّحه الرسم المُلحق، في حين أنّ المصنّفين يذكرون في كتبهم بالإضافة إلى لفظ «الأمّة» الذي له معان متعدّدة وما شابهه ألفاظاً أخرى متكرّرة لها معنى واحد فقط في القرآن الكريم كلفظ «الله». فجمعهم بين هذين النوعين: اللفظ الذي له معان متعددة، واللفظ الذي له معنى واحد يدلّ على أنّهم يقصدون بالأوّل الوجوه وبالقسم الثاني «اللفظ الذي له معنى واحد» النظائر، فيكون المقصود من الوجوه نوعاً من الألفاظ ومن النظائر نوعاً آخر.
ويؤخذ على هذا الردّ:
1 ـ ذكر كلّ من الزركشي والسيوطي أنّه (لو كان كذلك لكان الكلّ في الألفاظ المشتركة وهم يذكرون… العبارة) وهذا يعني أنّ كتب هذا الفن تجمع بين الألفاظ التي لها معان مختلفة والألفاظ التي ليست كذلك، في حين أنّ ثلاثة كتب طبعت من هذا الفن وهي «الأشباه والنظائر» لمقاتل و«الوجوه والنظائر» للدامغاني، و«وجوه قرآن» لحُبيش التفليسي ذُكرت فيها الألفاظ التي لها معان متعدّدة، ولم يذكر فيها شيء مما قاله الزركشي والسيوطي. حتى السيوطي نفسه كتابه مختصّ بهذا النوع كما يشير إليه عنوانه «مُعترك الأقران في مشترك القرآن».
2 ـ إن كلاً من كتابي «مقاتل بن سليمان» و«الدامغاني» يشتمل عنوانه على عبارة «والنظائر» في حين أنّه يختص بالالفاظ المشتركة، ولم يذكر فيه شيء غير ذلك.
3 ـ تشير عبارة حاجي خليفة في كشف الظنون عند ذكره كتاب ابن الجوزي إلى أنّه قصد بالوجوه المعاني وبالنظائر الألفاظ.
من كلّ هذا يترجح لدينا أنّ قصد العلماء من الوجوه المعاني المختلفة ومن النظائر الألفاظ، وهذا يوافق ما ذكرناه سابقاً من أنّ المراد من كلمة الوجوه المعاني المختلفة للفظ وليس اللفظ.
الاتجاه الثالث:
وهو ما يمكن ملاحظته في «مجمع البيان» للطبرسي حيث تتردّد عبارة الوجوه والنظائر كثيراً، ويقصد بالوجوه المعاني المختلفة، ويقصد بالنظائر ما يُسمى بالمترادف كقوله: «الجعل والخلق والإحداث نظائر». والذي أراه أنّ الطبرسي يقصد من قوله نظائر أنّ معانيها نظائر، وليس ألفاظها.
ويمكن توضيح هذه الاتجاهات الثلاثة بالشكل التالي:
حسب الاتجاه الأول:
أمة: عصبة، ملّة، سنين معدودة، قوم.
إمام، الأمم الخالية من الكفّار وغيرهم.
أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الكفار خاصة، خَلق: الوجوه.
النظائر: الله: «بسم الله الرحمن الرحيم».
«الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم».
«الله نور السماوات والأرض».
الاتجاه الثاني:
أمّة:
| وجوه | نظائر | |
| عصبة: | ﴿وَمِن ذُرِّيتنا أُمَّةً مُسلمةً لَكَ﴾. | |
| ملّة: | ﴿كَانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾. | |
| سنين: | ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. | |
| قوم: | ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾. | |
| إمام: | ﴿إِنَّ إِبراهيم كانَ أُمَّةً﴾. | |
| الأمم الخالية: | ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾. | |
| أمة محمد (ص): | ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. | |
| الكفّار خاصة: | ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْناك في أُمَّةٍ قَد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾. | |
| خلق: | ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٌ يَطيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ﴾. | |
الاتجاه الثالث:
أمّة:
عصبة، ملة، سنين، قوم، إمام… وجوه.
الجعل، والخلق، والإحداث… نظائر.
العلاقة بين الوجوه واللفظ
قد يسأل سائل فيقول: ما العلاقة بين المعاني المختلفة (الوجوه) التي تذكر لبعض ألفاظ القرآن الكريم واللفظ؟
الجواب: إنّ الذين كتبوا عن الوجوه والنظائر لم يذكروا شيئاً عن هذا الموضوع. ولكننا نستطيع ـ من خلال استقراء عمل العلماء في كتبهم ـ أن نلحظ أنّ العلاقة لا تخرج عن أحد احتمالات ثلاثة:
1 ـ أن يكون الوجه هو المعنى الحقيقي للفظ، فالحبل ورد على وجوه في القرآن الكريم منها:
الرَّسَن كما في قوله تعالى: ﴿في جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَد﴾.
وكذلك الركوع ورد على وجوه منها الركوع في الصلاة الذي هو حقيقة شرعيّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيّكم الله ورسوله والَّذينَ آمنُوا الّذين يُقيمُونَ الصلواةَ ويَؤتُونَ الزّكواة وَهُمْ رَاكِعُون﴾.
2 ـ أن يكون الوجه هو المعنى المجازي للفظ، فالحبل من وجوهه:
العهد كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفوا إلاَّ بِحَبلِ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
ومعلوم أنّ هذا معنى مجازي للحبل حيث شبّه العهد بالحبل لأنّه يربط بين طرفين على طريق الاستعارة التصريحيّة الأصليّة.
القرآن: كقوله تعالى: ﴿وَاْعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾.
وهذا معنى مجازي آخر للحبل حيث شبّه القرآن بالحبل، لأنّه رابط بين الإنسان وربّه، على طريق الاستعارة التصريحية الأصليّة.
الإسلام: كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاّ بِحَبْلٍ مِنَ الله وَحَبلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
وهذا معنى مجازي آخر للحبل حيث شبّه الإسلام لأنّه يربط بين الإنسان وربّه على طريق الاستعارة التصريحيّة الأصليّة.
3 ـ أن يكون الوجه أحد مصاديق اللفظ، أي أنّ اللفظ مبهم يصلح لأفراد كثيرة لا حصر لها، وما ذُكر له من الوجوه هو من مصاديق هذا اللفظ كما في لفظ «امرأة» الوارد في القرآن الكريم حيث ذكر له من الوجوه.
1 ـ زليخا كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ العَزيزِ الئنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾.
2 ـ بلقيس كقوله تعالى: ﴿إنّي وَجَدتُ امرأةً تَمْلِكُهُمْ﴾.
3 ـ آسية بنت مُزاحم امرأة فرعون كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ﴾.
4 ـ سارة زوجة إبراهيم عليه السلام كقوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ…﴾.
5 ـ أم مريم بنت عمران وهي حنّة كقوله تعالى: ﴿إذْ قَالَتِ امْرأَتُ عِمرانَ رَبّ إنّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطني مُحَرّرا﴾.
6 ـ امرأة لوط ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾.
7 ـ امرأة نوح كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً للّذينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوح﴾.
8 ـ أم جميل زوجة أبي لهب وذلك في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾.
9 ـ بنت محمد بن مسلمة نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً…﴾.
10 ـ أمّ شريك بنت جابر العامرية، وهي المعنيّة بقوله تعالى: ﴿وَامرَأَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبي﴾.
11 ـ امرأة مجهولة وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإن لم يَكونا رَجُلَين فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾.
12 ـ ابنتا شعيب أو أخيه وذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾.
ويلاحظ على هذا شيئان:
الأول: كون المقصود في رقم «1» زليخا معروف من «امرأة العزيز» وكذا في رقم «3 و4» ورقم «5» ورقم «6» و«7». ويبدو أنّهم تعارفوا على هذا ويعتبرونه من الوجوه.
الثاني: بعض الوجوه هذه تداخَلَ مع المُبهَم وهو علم من علوم القرآن فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً﴾ يُقصد منه بنت محمد بن مسلمة يُبحث في علم المبهمات.
منابع الوجوه
المنابع التي تُستقى منها الوجوه وهي المعاني المختلفة (أقوال المفسّرين)، فقد يُفسّر مفسر لفظاً ما بتفسير لا يكون معه وجه وقد يفسّره بما يكون وجهاً. فلفظ، قرآن «في قوله تعالى ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ إن فُسِّر بالصلاة يُضاف معنى أي وجه جديد لكلمة «قرآن» الواردة في كتاب الله العزيز. وعند ما يُفسَّر بالقراءة لأنه مصدر قرأ تقلّ عدد الوجوه التي ذُكرت لهذه اللفظة.
وفي كتاب الوجوه والنظائر للدامغاني إشارة إلى ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿فإِنْ لَم تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلوا فَاتَّقُوا النَّارَ الّتي وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للكَافِرينَ﴾ ذكر الدامغاني عن ابن مسعود أنّ المقصود بالحجارة حجر الكبريت فعلى هذا إنّ من وجوه الحجارة الكبريت.
وإذا استقرأنا ما ذكره الطبرسي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية وجدناه يذكر أن الحجارة (جمع حجر، وقيل إنها حجارة الكبريت لأنها أحرّ شيء إذا حميت عن ابن مسعود وابن عباس والظاهر أنّ الناس والحجارة وقود النار أي حطبها يريد بها أصنامهم المنحوتة من الحجارة).
ويظهر من هذا النص الذي نقلناه عن الطبرسي أنّ المؤلّف في الوجوه عليه أن يستقرئ آراء المفسّرين كي يستطيع استخراج الوجوه. ولكنه مع هذا قد يغفل عن شيء من الوجوه لسعة البحث وتنامي أطرافه، ولا أدلّ على ذلك من أنّ الدامغاني أراد أن يستدرك ما فات غيره من الوجوه فلم يذكر عند عدّه وجوه الحجارة أنّها قد يقصد بها الأصنام، لذا لم يذكر هذا الوجه لها.
صيغة الكلمة التي يذكر لها وجوه
ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون عند حديثه عن الوجوه والنظائر (أن تكون الكلمة واحدة ذُكرت في موضع واحد من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة وأريد بها في كلّ مكان معنى غير الآخر).
أمّا غيره من العلماء فلم يتطرق إلى هذا الموضوع أصلاً، ولم يشيروا إليه أدنى إشارة، ولكنّ معرفة رأيهم ممكنة في هذا الموضوع، وذلك بمراقبة سيرتهم العلميّة. ويمكننا بالرجوع إلى الكتب التي وصلت إلينا من الوجوه والنظائر أن نقول بأنّهم لا يشترطون ما اشترطه حاجي خليفة، لأنهم يذكرون أنّ للهدى سبعة عشر وجهاً، ومن الشواهد التي ذكروها: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، و﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، و﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾، و﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾، و﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون﴾ )[300](.
وهذا يعني أنّ العلماء لا يشترطون في الكلمة أن تكون على ضبط واحد وصيغة واحدة.
كتاب الأشباه والنظائر
لمقاتل بن سليمان
ألّف مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150هـ كتاباً في وجوه القرآن الكريم حقّقه الدكتور عبدالله محمود شحاتة الأستاذ بقسم الشريعة في كلية دار العلوم القاهرية. وسنعرض فيما يلي لهذا الكتاب مبيّنين مادته ومنهجه وغيرهما:
اسم الكتاب:
يحمل الكتاب الذي حققه الدكتور عبدالله محمود شحاته اسم «الأشباه والنظائر في القرآن الكريم». وقد حقّقه عن نسخة تحتفظ بها إحدى مكتبات تركيا. ولم يشر المحقق إلى مصدر العنوان الذي يبدو غير مناسب لما هو المعروف في علوم القرآن. فقد درج المهتمون بعلوم القرآن على تسمية هذا الفنّ بـ«الوجوه والنظائر». ولعلّ المحقق استفاد من عنوان النسخة المخطوطة التي حقّقها وإن لم يشر إلى ذلك. وفيما عدا ذلك فإن المحقّق عبّر عن الموضوع بالوجوه والنظائر في كل مكان تطرّق فيه إلى الكتاب.
ومن الجدير ذكره أنّه وردت في آخر الكتاب عبارة «تمّ الوجوه والنظائر بحمد الله تعالى وحسن توفيقه…». فهل عنوان الكتاب الوجوه والنظائر أم الأشباه والنظائر؟!
مادة الكتاب:
أشرنا فيما سبق إلى انّ كلاً من «الأشباه والنظائر» لمقاتل بن سليمان و«الوجوه والنظائر» للدامغاني حوى كلمة النظائر. فهل وردت هذه الكلمة «النظائر» سهواً أم أنّ الكتاب على قسمين قسم للوجوه، وهو الذي وصل إلينا، وقسم للنظائر وقد فُقِد؟ أم أنّ هذا يدلّ على أنّهم جعلوا الوجوه للمعاني والنّظائر للألفاظ؟
الشقّ الأول من السؤال مرفوض، لأنّه على فرض سهو أحد المؤلِّفين فإنّ الآخر ينبّه على هذا السهو ويتجنّبه، وبعبارة أخرى يَبعُد اجتماع مؤلّفين على سهو في العنوان.
والشقّ الثاني من السؤال يمكن استبعاده بأنّ أيّاً من الكتابين لا يشير آخره إلى وجود تتمّة له، بل يشير إلى انتهاء الكتاب.
بقي احتمال واحد وهو أنّ العلماء اعتبروا الوجوه للمعاني والنّظائر الألفاظ.
والذي ساعد على عدم القطع واليقين في هذا أنّ مقاتل بن سليمان والفقيه الدامغاني لم يذكرا المقصود بكلمة الوجوه والنظائر ممّا جعل الوصول إلى يقين في هذا الباب أمراً ليس سهلاً.
ذكر مقاتل بن سليمان (185) مائة وخمساً وثمانين مادة في كتابه، وهو عدد يقلّ كثيراً عن العدد الذي ذكره الدامغاني في كتابه الوجوه والنظائر، فقد ذكر الدامغاني (532) خمسمائة واثنتين وثلاثين كلمة. وذكر هذا العدد القليل شيء يبدو طبيعياً من مصنّف مثل مقاتل بن سليمان عاش علميّاً في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري، وهو زمن مبكّر بالنسبة إلى تدوين العلوم، بالإضافة إلى أنّه فيما يبدو أوّل كتاب صُنّف في هذا الموضوع. والكتب الأوائل عادة تحوي نقائص يحاول العلماء فيما بعد تلافيها في مؤلفاتهم اللاحقة.
أهمية كتاب الوجوه والنظائر لمقاتل:
ترجع أهميّة كتاب مقاتل بن سليمان إلى الأمور التالية:
1 ـ أنه أول كتاب أُلِّف في هذا الفن)[301](، وطبيعي أن يكون أول مؤلّف صاحب قصب السبق في كلّ ميدان من ميادين العلم، بالإضافة إلى أنّ من يأتي بعده يشير إليه، ويتّخذ من كتابه مصدراً من مصادره. وهذا ما نلاحظه في كتاب مقاتل، فهناك النصوص الكاملة التي نقلها الدامغاني في كتابه الوجوه والنظائر، بالإضافة إلى أنّ كتاب حُبيش بن إبراهيم التفليسي ترجمة لكتاب مقاتل وتحشية وتكميل على حدّ قول محقق الكتاب.
2 ـ إنّ هذا الكتاب أُلّف في عصور التأليف الإسلامية الأولى، وهو عصر مبكّر نسبيّاً فقد عاش مقاتل كما سبق حتى نهاية النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري، وهذا يعني أنّ العقليّة الإسلامية كانت على مستوى علمي وتنظيمي عال حيث تُصنَّف الموضوعات وتُستخرج الأشياء المتماثلة وتُفصَل عمّا يختلف معها، كما في الوجوه، حيث تُضمّ الآيات التي تحوي كلمات بمعنى واحد مع ما يماثلها لتكون أمثلة لوجه من الوجوه.
ولا تفوتنا الإشارة ها هنا إلى أنّ الملاحظة والتتبّع كانتا قبل مقاتل بكثير، فهذا ابن عباس يذكر كليّات عن القرآن الكريم. كقوله: «كل شيء في القرآن الكريم أليم فهو الموجع».
وكتاب مقاتل هذا يدحض رأي بعض المستشرقين القائلين بأنّ النحو العربي منقول من اللغات الأخرى وليس وليد العقليّة الإسلامية في ذلك العصر، لأنّه بحاجة إلى تتبّع واستقراء وإمكانيّة لتصنيف الأشياء وهذا لم يكن في ذلك الوقت. أقول كتاب مقاتل يدحض هذا الادّعاء لأنّ مقاتل عاش قبل سيبويه بنحو يزيد على الخمس وعشرين سنة. فإذا كان مقاتل وهو ليس من علماء النحو واللغة، ذكر لبعض الحروف معانٍ متعدّدة استخرجها بالملاحظة، فما بالك بسيبويه العالم المتخصص.
3 ـ إنّ مقاتل مؤءلف الكتاب مفسّر مشهور، وهذا يعني أنّ كتابه ليس ترديداً لأقوال من سبقه، بل مادة الكتاب تمثّل آراء مقاتل وبنات أفكاره التي لاحظها.
4 ـ ويترتّب على كون مقاتل مفسِّراً أنّنا نستطيع أن نرجع إلى كتاب مقاتل «الوجوه والنظائر» لمعرفة رأيه في بعض معاني الآيات، ولو لم نكن نبحث عن الوجوه. فعندما تواجهنا لفظة قرآنيّة نريد معرفة معناها وأقوال المفسّرين فيها، يمكن الرجوع إلى الوجوه والنظائر لمعرفة رأي مقاتل في معنى هذه اللفظة.
5 ـ إنّ الكتاب تضمّن بعض الآراء ـ في مواضع قليلة ـ التي صارت تبحث في علم النحو، وتُنسب إلى بعض النحاة دون بعض. ففي مجيء «مِن» زائدة اشترط البصريون أمرين: الأول: أن تُسبقَ بنفي أو شبه نفي نحو «ما عاش من مضروب بسيف أمير المؤمنين عليه السلام» و«لا تغتب من أحد».
الثاني: أن يكون مدخولها نكرة، أي أنّ المجرور بها يكون نكرة كما في المثالين المتقدّمين.
وقد نُقِل عن الأخفش أنّه لم يشترط شيئاً من هذين الشرطين.
أمّا مقاتل فإنّه يرى أن «من صلة في الكلام، فذلك قوله في سورة نوح ﴿يَغْفِر لَكُم مِن ذُنُوبِكُم﴾»، فإنّ من هاهنا صلة يقول: يغفر لكم ذنوبكم جميعاً. وقال في حم عسق ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدّينِ﴾ يعني شرع لكم الدين، ومن هاهنا صلة. وقال في النور: ﴿قُل لِلْمُؤمِنينَ يَغُضُّوا مِن أَبْصَارِهِمْ﴾ ومن هاهنا صلة. يقول: يغضوا أبصارهم جميعاً عن المعاصي. وكذلك قال: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضَضْنَ مِن أَبْصارِهِنَّ﴾ ومن هاهنا صلة. وقال في يوسف: ﴿رَبِّ قَد ءاتَيْتني مِنَ المُلْكِ﴾ يقول: أعطيتني، ومن هاهنا صلة، ونحوه كثير».
فمقاتل وإن لم يتعرّض لشرطي زيادة «من» بإثبات أو نفي، لكنّ استشهاده بهذه الآيات القرآنية التي ورد فيها مجرور (من) معرفة، ولم يُسبق بنفي أو شبهه دليل على عدم اشتراطه شيئاً من ذلك.
وفي موضوع آخر ذكر مقاتل أنّ «أو» ألفها صلة فذلك قوله في طه ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يعني لعلّه يتذكّر ويخشى، والألف هاهنا صلة، نظيرها في عبس ﴿أَوْ يَذكَّرُ﴾. وقال أيضاً في طه: ﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُم ذِكْراً﴾، يعني القرآن والألف هاهنا صلة، وقال في المرسلات: ﴿عُذْراً أو نُذْراً﴾ الألف هاهنا صلة يعني عذراً ونذراً.
وهذا يعني أنّ «أو» في هذه الآيات بمعنى الواو أي لمطلق الجمع كما ذهب إليه الكوفيون والأخفش والجرمي.
وذهاب مقاتل إلى هذه الآراء يقوّي أمر القائلين بها بعده ويرجّحه، لأنّه صادر عن مفسّر يتذوق النص القرآني بالسليقة، ولا يتذوقه على أساس أقوال النحويين الذين ـ في الأغلب ـ يجعلون قواعد النحو نصب أعينهم وهم يقرؤون القرآن محاولين تطبيق القواعد التي استنبطوها عليه، وإخضاع النص لها.
ترتيب مادة الكتاب:
لم يلتزم مقاتل في ترتيب مادة كتابه منهجاً خاصاً، فهو يورد ـ حسبما يبدو ـ ما خطر بباله أو ما يراه مهماً وجديراً بذكره قبل غيره أوّلاً، دون مراعاة ترتيب أبجدي، ولا موضوعي، ولا ترتيب في عدد الوجوه كأن يقدّم ما عدد وجوهه أكثر أو أقلّ. فقد ابتدأ الكتاب بذكر وجوه الهدى بالكفر، فالشرك، فسواء، فالمرض، فالفساد… الخ.
ويمكن للباحث في كتاب مقاتل أن يرى بعض المواد جُعلت مع ما يناسبها في بعض الموارد، فقد ذكر «الحسنة والسيّئة»، و«الحسنى» ووجود المناسبة بين هذين الموضوعين أشهر من أن يُذكر، وكذلك جعل الأمر وبعده المعروف. و«الظلمات والنور»، و«الظلمات» و«الظالمين»، و«الظلم» وكذلك «الطيّبات» و«الطيّب والخبيث». وكذلك «الأعمى»، و«البصير»، و«السميع».
تحليل مادة الكتاب:
يمكن لقارئ الكتاب بدقّة ملاحظة النكات التالية:
1 ـ إن مقاتل يعبّر عن بعض الأشياء بكلمات استقرت في عرف المؤلفين على غير ما ذكره، وهذا شيء يبدو طبيعياً في كتاب ألِّف في وقت مبكّر نسبياً حيث لم تستقرّ المصطلحات بعد ولم يُتعارف عليها من قبل الدارسين. فعند حديثه عن أوجه «أو» ذكر أنّها تأتي على ثلاثة وجوه: بمعنى، بل، وخيار، والوجه الآخر (أو ألفها صلة فذلك قوله في طه ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يعني لعله يتذكر ويخشى، والألف هاهنا صلة…).
وإذا رجعنا إلى كتب النحو، وخاصة الكتب التي عنيت بمعاني الحروف كمعاني الحروف للرماني، والجنى الداني في حروف المعاني لابن أمّ قاسم، ومغني اللبيب لابن هشام وجدناهم يعبّرون عنها بـ«الجمع المطلق» أو بمعنى الواو. ولم يعبّر أحد منهم بتعبير مقاتل. وكذلك المعنى الثاني «خيار» يقولون «للتخيير».
وعند استعراضه لمعاني «إلاّ» ذكر أنّ (الوجه الثاني: إلاّ، وهو الذي يشبه الاستثناء وليس باستثناء ولكنه مستأنف الكلام، فذلك قوله في الأعراف حين سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن القيامة فقال الله له: ﴿قُل لا أملِكُ لِنَفسي نَفعاً ولا ضَرّاً﴾ البتة ثم انقطع الكلام ثم استأنف «إلا ما شاء الله»، فإنه يصيبني ما شاء الله).
ومعلوم أنّ قصده الاستثناء المنقطع، فبدلاً من التعبير بالاستثناء المنقطع قال ما قال.
وعند حديثه عن الوجه الثالث من وجوه «إلاّ» ذكر بأنّها (خبر يخبر عن شيء، بذلك قوله في الحجر: ﴿وإن من شَيءٍ﴾ ثمّ خبر عنه فقال: ﴿إلاّ عندنا خزائنه وما نُنْزِلُهُ﴾ ثم خبر عنه ﴿إلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُوم﴾. وقوله: ﴿وإذ قُلْتُم﴾ ثمّ أخبر عنهم ﴿إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾، قالت لهم رسلهم إن نحن ثم أخبر ﴿إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُم﴾، وقال: ﴿إنْ أَنْتُم﴾ ثمّ أخبر ﴿إلاَّ في ضَلال﴾ ونحوه كثير).
ومقاتل يقصد بهذا الاستثناء المفرّغ.
2 ـ يلحظ القارئ في موضع خلطاً من مقاتل في وجوه بعض الكلمات، فهو يذكر أنّ من وجوه هذه المادة المعنى الفلاني، وعندما ندقق في الموضوع نرى أنّ هذا ليس وجهاً لهذه المادة بل مأخوذ من مادّة أخرى. فلكلمة «الهدى» سبعة عشر وجهاً الأخير منها يعني السابع عشر (هدنا: يعني تبنا، فذلك قوله في الأعراف: ﴿هُدْنا إلَيكَ﴾ يعني تبنا إليك). ومعلوم أن «هدنا» من «هاد» وليس من مادة «هدى».
وقريب من هذا أنّ (تفسير الأمر على وجهين: فوجه منهما: الأمر بالمعروف: يعني بالتوحيد، والنهي عن المنكر: يعني الشرك، فذلك قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْروفِ﴾ يعني بتوحيد الله و﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يعني الشرك وقال في براءة ﴿التَّائِبُونَ العَابِدونَ﴾ إلى قوله: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْروفِ﴾ يعني التوحيد ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يعني عن الشرك. ومن وصية لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَ أَقِمِ الصَلَواةَ وأمُر بِالْمَعْروفِ﴾ يعني التوحيد ﴿وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يعني عن الشرك.
والوجه الثاني: الأمر بالمعروف: يعني باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق به والمنكر التكذيب.
فذلك قوله في آل عمران عن أهل التوراة ﴿لَيْسُوا سَوَاءَ مِن أَهلِ الكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿يأَمُرُونَ بِالْمَعْروفِ﴾ يعني الإيمان بمحمد عليه السلام ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يعني عن تكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم…).
وواضح من النصّ المتقدّم أنّ المعنيين اللذين ذكرهما وهما: الأمر بالتوحيد، واتّباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسا للأمر بل للمعروف، بدليل قوله: ﴿الأمْرِ بِالْمَعْروفِ﴾ يعني بالتوحيد و«النهي عن المنكر» يعني الشرك، والمعنى الثاني الأمر بالمعروف يعني باتّباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق به، والمنكر يعني التكذيب».
3 ـ قام مقاتل بتفكيك الكلمات المشتقّة من مادة واحدة بغية تسهيل الموضوع وتوضيحه، وجذب القرين إلى قرينه. ففي الكتاب تطالعنا كلمة الأمر، وذكر مقاتل لها وجهين: أحدهما (الأمر بالمعروف: يعني بالتوحيد والنهي عن المنكر: يعني الشرك… والوجه الثاني: الأمر بالمعروف: يعني باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم).
وذكر في موضع آخر «أمر» وجاء له بثلاثة عشر وجهاً هي: الدين، والقول، والعذاب، وعيسى، والقتل ببدر، وفتح مكة، وقتل أهل قريظة، وجلاء أهل النضير، والقيامة، والقضاء، والوحي، والنصر، والأمر، والذنب.
وقد يسأل سائل فيقول: ما الحكمة في ذكر كلمة «أمر» في موضعين من كتاب مقاتل؟ الجواب فيما يبدو ـ والله أعلم ـ أنّ مقاتل قصد بالأمر الأوّل عبارة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، يعني الأمر المقرون بالمعروف، والنهي عن المنكر، بينما لا يقصد من الثاني ذلك. وذكر في مورد آخر الحسنة بمعيّة السيّئة، وساق لها خمسة معان هي:
الأول: الحسنة يعني النصر والغنيمة والسيّئة يعني القتل والهزيمة.
الثاني: الحسنة والسيئة يعني التوحيد والشرك.
الثالث: الحسنة يعني كثرة المطر والخصب، والسيئة يعني قحط المطر وقلّة النبات والخير.
الرابع: السيّئة يعني العذاب في الدنيا والحسنة يعني العاقبة.
الخامس: الحسنة يعني العفو وقول المعروف، والسيّئة قول القبيح والأذى.
وذكر بعد هذا مباشرة كلمة «الحُسنى» وساق لها ثلاثة وجوه هي: الجنّة، والبنون، والخير. ومعلوم أنّ الحُسنى والحسنة من مادّة واحدة، ولكن مقاتل فرّق بينهما ليذكر وجوه ما ورد مع السيّئة وما لم يرد معها.
ويمكن ملاحظة «الظلمات والنور»، «الظلمات». وكذلك «الطيّب والخبيث» و«الطيّبات».
4 ـ يلحظ القارئ في الوجوه والنظائر لمقاتل تكثيراً للوجوه في بعض الموارد، أي أنّ مقاتل يذكر لبعض الكلمات وجوهاً يمكن دمج بعضها مع بعض كما يظهر من قراءة الكتاب. فـ (تفسير المشي على أربع وجوه: فوجه منها: المشي يعني المضيّ، فذلك قوله في البقرة: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فيهِ﴾ يعني مضوا فيه…
والوجه الثاني: المشي يعني هدى، فذلك قوله في الأنعام ﴿فأحيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمشي بِهِ في النَّاسِ﴾ يقول إيماناً يهتدى به…
والوجه الثالث: المشي يعني المَمَر، فذلك قوله في تنزيل السجدة ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَسَاكِنِهِم﴾ يقول: يمرّ أهل مكّة على قراهم…
والوجه الرابع: المشي بعينه، فذلك قوله في بني إسرائيل ﴿لَوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئنّينَ﴾…
ويلاحظ القارئ انّ المعنى الأوّل والثالث والرابع يمكن وضعها تحت عنوان واحد، لأنّ المقصود منها واحد، فالمضيّ والمرور والمشي بعينه لا اختلاف ـ فيما يبدو لي ـ بينها حسب الظاهر. ويدلّ على ذلك أنّه قال: (قوله تعالى ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا﴾ يقول امضوا ومرّوا في نواحيها)، فالمشي هنا هو المضي والمرور.
ويمكن ملاحظة «نرى» كذلك، فالوجه الثاني «المعاينة»، والوجه الثالث بمعنى النظر شيء واحد.
الدكتور مرتضى الإيرواني
ورّامين
ـ 1 ـ
يقع قضاء ورامين على الدرجة (51) والدقيقة (39) طول شرقي والدرجة (35) والدقيقة (19) عرض شمالي خط الاستواء. يحدّها من الشرق خوار، ومن الجنوب الصحراء، ومن الغرب غار بشابويه، ومن الشمال سياه كوه. ويمر نهر جاجرود في وسطها.
الجغرافيون الإسلاميون من أمثال: الإصطخري والجيهاني وابن حوقل اعتبروا (ورامين) من القصبات الهامة المكتظة بالسكان في الري. فقال السمعاني ما مضمونه: (ورامين قرية كبيرة تشبه المدن، تخرّج منها كثيرون من أهل العلم. وفي زماننا فيها رئيس متموّل قام بعمارة الحرمين الشريفين، وصرف فيهما مالاً كثيراً. ابنه حسين الوراميني حج كثيراً، وكان يرغب في فعل الخيرات وإعطاء الصدقات، لكنه كان شيعياً، مغالياً في ذلك كثيراً».
وعند ذكره لبعض البلدان الشيعية قال الشيخ عبد الجليل الرازي: (رغم أن ورامين قرية، لكنها بمنزلة المدينة، لما فيها من آثار الشريعة وأنوار الإسلام، ومن الطاعات والعبادات وملازمة الخيرات والإحسان والبركات ما بناه رضي الدين أبو سعيد مثل المسجد الجامع والمدرسة الرضوية وغيرهما، حيث يشتغل فيهما العلماء والفقهاء الورعون بتدريس العلوم. وفي شهر رمضان من كل عام تنال جميع الطوائف الإسلامية من الحنفية والشيعة وغيرها حظها من إنعام السلطان أبي سعيد).
في عام (617هـ) عندما هاجم المغول الري ودمّروها، هاجر أهل الري إلى مدينتي ورامين وطهران، بحيث أصبحت ورامين في النصف الأول من القرن السابع الهجري من أكثر مدن المنطقة عمراناً. وعندما وجدت طهران ازدهاراً توجه إليها أهالي المدن المحيطة بها بشكل تدريجي، وكان من جملتهم أهالي ورامين، حتى أضحت ورامين عام (809هـ) شبه متروكة ومهجورة.
الآثار الهامة في ورامين هي: المسجد الجامع، برج علاء الدولة، بقعة إمام زاده يحيى، بقعة شاه زاده حسين، بقعة إمام زاده جعفر في (بيشوا) من توابع ورامين.
ونتناول هنا الأسلوب المعماري للمباني المذكورة، وهوية المدفونين في تلك البقاع المباركة:
1 ـ المسجد الجامع في ورامين
(المسجد الجامع هو أهم المباني التاريخية في ورامين، ولحسن الحظ فإن القسم الأكبر منه ما زال قائماً. بدئ ببنائه في عهد محد خدابنده (أولجايتو) وانتهى بناؤه في عهد خلفه السلطان أبو سعيد بهادر. وقد رمم قسم منه عام (722هـ) وقسم آخر عام (726هـ) وفي عهد الميرزا شاهرخ الكوركاني).
جامع ورامين هو نموذج كامل للمساجد التي تتشكل من أربعة إيوانات، بناؤه عظيم، وقبته من الطابوق، عالية، ويعد ذا قيمة معمارية، بل ومن أهم المعالم الفنية في إيران لما حواه من زينة بالكاشي المحفور والآجر والكتابات والخطوط التاريخية المتنوعة. وقد بني بأربعة إيوانات، وزينت مقدمته بالكاشي والآجر باللون البني الفاتح. ويشمل المبنى مدخلاً رأسه خرب، وعدة أقواس من الأطراف، ورواقين في الشمال والجنوب وساحة.
فوق باب مدخله طاق مقرنس، وحاشية مستطيلة كالإطار، مزينة بشريط من قطع الكاشي المطلي وغير المطلي. وعلى الأعمدة الجانبية للإيوان في القسم الأخير نقشات متنوعة، وتحت الطاق تتقاطر قطع الكاشي أيضاً. وظاهر الجدران الجانبية للإيوان مدرجات بارتفاع 80 سنتيمتراً من الآجر الصيني. وفوقها أقواس مقعرة. وطاق فوقه قوسان أقل عمقاً. وهناك حواشٍ مستطيلة الشكل في أطراف القوسين وبينهما. وعلى الحافة الخارجية وفوق الحواشي كتابات محفورة تؤطر القسم العلوي للباب. الكتابة من الموزاييك المقولب دون طلاء، وقاعدته مركبة من قطع الكاشي الصغيرة.
قياس الكتابات (60 × 30/1) وقد أتلف قسم من ذلك الكاشي، فلم يبق من الكتابات إلا كلمات مقطعة مثل: (معظم، الخاقان الأعظم) في السطر الأول، و(محمد بن محمد) في السطر الثاني، وباقي العبارات غير مقروءة. لكن صنيع الدولة ذكر جميع تلك العبارات في (مرآة البلدان) ويبدو أنها كانت سالمة حينذاك.
نص الكتابات حسب الكتاب المذكور هو: (ذكر القديم أولى بالتقديم، ولي هذه العمارة الجامع وسائر المنازل الأعلى المولى السلطان المعظم والخاقان الأعظم ومالك رقاب الأمم وسلطان السلاطين العرب والعجم أبو سعيد بهادر خان خلد الله سلطانه العبد الضعيف محمد بن محمد بن منصور المهتدي تقبل الله مرضاته بسعي ولده الخلف الصالح الحسن بن محمد سلمه الله تعالى في شهور سنة 722).
قبة المسجد العظيمة ترتفع عن أرضه مسافة (23,5) متراً، وقطرها (10,5) متراً، وارتفاع الطاق السفلي حتى الأرض (17,5) متراً. أما مساحة الساحة الوسطى فهي كما جاءت في مرآة البلدان: جاء الصحن على شكل مقصورة مستطيلة، طولها (11,5) ذراع، وعرضها (10) أذرع. الكتابة داخل الصحن بالخط الثلث وهي من الجفصين، نصها البسملة، ثم سورة يسبح لله حتى الآية الشريفة ﴿وَلا يَتَمنَّوْنَه أبداً بِمَا قَدَّمَتْ أيدِيهِم واللهُ عَليمٌ بالظَّالِمِينَ﴾ وفي كتابة الإيوان جاءت الآية الكريمة ﴿يا أَيُّها الذين ءامَنُوا إذا نُودِيَ للصلَواة من يَوْمِ الجُمْعَةِ فاسعَوا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُم خَيْرٌ لَكُم إنْ كُنْتُم تَعْلَمونَ﴾.
جزء من زينة داخل القبة هو بالكاشي الفيروزي اللون قد أتلف، ولم يبق من الزينة الخارجية للإيوان أثر إلا القليل. داخل البهو المسقوف توجد لوحتان من الجفصين ما زالت نصوصها مقروءة، ففي اللوحة اليمنى يشاهد اسم الميرزا شاهرخ الذي بني المسجد في عهده، وفي اللوحة اليسرى اسم بانيه يوسف خان، وتاريخ بنائه (شهر محرم سنة 800) ولما كان الميرزا شاهرخ قد تسلم الحكم عام (808هـ) لذلك لا بد من وجود رقم بعد (800) قد انمحى لأنه من الجفصين.
وقد قامت إدارة التنقيب عن الآثار بعمليات ترميم لهذا المسجد، وتمكنت من اكتشاف أقسام كانت مجهولة ومطمورة منه تحت الأتربة، لقد وجدت حتى الآن حوضاً كبيراً داخل الصحن، والأعمدة الأساسية للحوض الصغير الموجود أمام المدخل الرئيسي. الحوض الكبير كان مستطيلاً، وفي قعره منفذ لعله كان لتفريغه من الماء.
2 ـ برج علاء الدولة (علاء الدين)
(برج علاء الدولة المبني من الآجر يعد من المقابر التاريخية، جدرانه مستديرة، ارتفاعه (12) متراً. يحتوي البناء على ثلاثين ضلعاً من الآجر، وارتفاع القبة (5) أمتار في شكل مخروطي. وفي الحد الفاصل بين جدران البرج والقبة هناك خط جميل من الكاشي الفيروزي اللون، وكتابة قديمة. باب البرج في الجهة الغربية، فوقه إحدى عشر خطاً، وفي الجهة الشرقية يوجد جسر لباب. المهم في هذا البناء الزينة الخارجية للبرج. أما تاريخ بناء مقبرة علاء الدين فهو النصف الثاني للقرن السابع، بحدود 680هـ.
تحت القبة مباشرة وفي أعلى تدرجات البرج هناك كتابة بالخط الكوفي، ويؤطر الكتابة من فوقها وتحتها إطار من الكاشي، ويستمر المتن متدرجاً ليشمل الأضلاع كلها. والحروف أعدت من الآجر المحفوف المزين بأشكال كورق الأشجار، مما يشكل أفضل شكل لتزيين الخط الكوفي بالورد والأوراق بعد القرن السادس الهجري وحملة ا لمغول. وعلاوة على قيمة الكتابة؛ فإن تاريخ البناء وكيفيته أمر تم تأكيده.
نص الكتابة المذكورة حسبما بقي منها الآن هو: بسم الله الرحمن الرحيم… ذكره وطاعة أمره… الإسلام والمشهور بين الأنام علاء الدولة والدين ركن الإسلام والمسلمين كهف العترة الطاهرة، المرتضى ابن المولى الأعظم فخر الدولة والدين حسن الحسيني الوراميني رضوان الله عليه وعلى أرواح أجداده مبرهن الكلام بمحمد وآله مصابيح الظلام. توفي في ربيع سنة خمس وسبعين وستماية تمت هذه القبة 688.
بناءً لكتب الأنساب فإن شجرة نسب الشخص المدفون في برج علاء الدولة هي كالتالي: علاء الدين المرتضى بن فخر الدين حسن بن جمال الدين محمد بن الحسن بن أبي زيد بن علي بن أبي زيد بن علي بن كياكي عبدالله علي إبراهيم بن إسماعيل المنقذي بن جعفر صحصح بن عبدالله العقيقي بن حسين الأصغر ابن الإمام زين العابدين عليه السلام.
3 ـ بقعة إمام زاده يحيى
بقعة إمام زاده يحيى التاريخية الدينية بنيت بقبة جميلة داخل سور المقبرة. الأهمية التاريخية والفنية لهذا المرقد تعود إلى الزينة المعدة من الجفصين، والكتابة البارزة بخط الثلث. والمحراب المصنوع من الكاشي الثمين، إضافة إلى قطعة من الكاشي تغطي القبر. ولم يبق من سائر النفائس التاريخية إلا الكتابة.
الكتابة التي ملأت أطراف الحاشية الداخلية للبقعة نقشت بشكل بارز وجميل وزينت بالزهور. أما تاريخ بناء البقعة فإنه في شهر محرم عام (707هـ).
المهندس (ديولافوا) خبير الآثار الفرنسي قدم إلى إيران عام (1881م) وزار بقعة إمام زاده يحيى، ودوّن ما شاهده فقال: (بناء إمام زاده يحيى هو بناء قديم، وقد رمم عدة مرات. وأقيم أساساً في القرن الثاني عشر الميلادي خلال عهد السلاجقة، داخل البناء مضلّع وينتهي بزوايا حادة، فيشبه بالشكل قبة أتابك نخجوان، وفي عهد الغزنونيين أقيم ملحق له، ويبدو بوضوح أن البناء الجديد قد أعد بشكل يتناسب مع البناء القديم، وقد اتصل المبنيان القديم والجديد. كاشي المحراب لونه معدني مصقول، وقد رمم، واضطر المرمم أن يهدم جزءاً من الزينة السابقة. المسألة التاريخية الأساسية هي أن اللون المعدني يحدد لنا زمان وضع ذلك الكاشي بشكل دقيق. فالكاشي الموجود على مجموعات ثلاث: قسم يميل إلى اللون الأصفر، وقسم بلون معدني نحاسي، وقسم معتم كالنحاس الأحمر… أما الكاشي الذي قطع على شكل نجوم وصلبان فإنه يزين القبر والمحراب والجدران وهو على درجة من الأهمية الفنية والحرفية، تمتاز بصفاتها وخصائصها عدة درجات على كاشي مباني إسبانيا وإيطاليا، بل إنها تفوق الرسوم على الورق. أما تلبيس جدران صالة المقبرة فقد تم بعد سقوط السلاجقة، مما يعني أنه كان معاصراً لأتابكة آذربايجان والمغول في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي في إيران.
وحول تسلسل نسب إمام زاده يحيى نقل أبو الفرج الصفهاني أنه: (يحيى بن علي بن عبد الرحمن بن قاسم بن حسن بن زيد بن أبي محمد الحسن. وأمه بنت عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب. وقد قتله أعوان عبدالله بن عزيز حاكم مدينة الري في إحدى قرى الري).
وبعد أبو الفرج أكد ابن طباطبا في القرن الخامس الهجري هذا التسلسل لنسبه، وأشار إلى مدفن يحيى المذكور في ورامين فهو يقول: (قتل بورامين يحيى بن علي بن عبد الرحمن الشجري، لا عقب له).
4 ـ بقعة شاه زاده حسين
إن بقعة الشاه زاده حسين هي من أبنية العهد المغولي، وهي آثار تاريخية فنية فريدة. وتشمل بقايا مرقد ومحراب جميل من الكاشي المعرق اللازوردي والفيروزي اللون، الذي يعد من أنفس وأثمن الآثار المغولية. وضع المحراب المذكور تحت طاق عادي، أصبح فيما بعد مدخلاً للبناء الجديد للشاه زاده حسين.
أما نسب الشاه زاده حسين فإني لم أجد في المصادر سوى ما جاء في المنتقلة الطالبية: (بورامين ذو الفقار الحسين بن أبي حرب الحسين بن الهادي بن حمزة شراهنك بن علي بن زيد بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن الحسن. عقبة المرتضى اسمه الحسين، والمجتبى اسمه الحسن).
إذا لم يثبت وجود مزار قديم آخر في ورامين لأحد اسمه حسين، فهناك احتمال شبه أكيد أن ذا الفقار الحسين هذا الذي يذكر أنه في ورامين، ليس سوى الشاه زاده حسين الذي نتكلم عنه. خاصة وأن أبناء عمه كانوا متوطنين في الري وقزوين وآوه (آبة) وتلك النواحي.
ونقل ابن عنبة تفصيل نسل عبد الرحمن الشجري ابن القاسم بن الحسن بن زيد بن أبي محمد الحسن عليه السلام قال: (كان لعبد الرحمن الشجري تسعة أبناء ذكور، من جملتهم علي بن عبد الرحمن الذي استشهد في ورامين وذلك في أيام المهتدي، وقبره معروف في ورامين).
وعلق الفخر الرازي على هذا النسب قائلاً: (خلّف علي بن عبد الرحمن ثلاثة أولاد هم: إبراهيم وحسن وزيد الذي كان في قزوين. وكان لزيد المذكور ابن اسمه أبو الحسن علي، وقد خلف حمزة سراهنك. وحمزة سراهنك هذا هو في الحقيقة جد ذو الفقار حسين الذي كان في ورامين حسب نقل صاحب المنتقلة).
5 ـ مزار إمام زاده جعفر
في قرية بيشواي ورامين
إن أسس بناء بقعة إمام زاده جعفر وضعت في عهد الشاه عباس، ويقع في محل كثير الحركة. لكنه غير لافت من الناحية الفنية المعمارية. أما أقدم تاريخ مذكور في المبنى فهو تاريخ الضريح، فلقد ذكر في آخر جملة منه عام (994هـ). وكتابات الحرم هي بخط الثلث، وفي آخر الكتابة ذكر اسم الشاه طهماسب الصفوي وتاريخ (956هـ). وقد رمم البناء في العهد القاجاري عام (1227هـ).
وقد سجّل هذا المبنى تحت رقم (319) في مؤسسة الميراث الثقافي، ويقال إن صاحب القبر هو ابن الإمام الكاظم عليه السلام.
من الجدير ذكره أنني لم أجد في كتب الأنساب القديمة المتوفرة ذكراً لقبر جعفر ابن الإمام الكاظم عليه السلام، لكن الاحتمال الكبير هو أنه جعفر بن محمد بن جعفر بن حسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين عليه السلام، الذي قتله عبدالله بن عزيز حاكم مدينة الري، وقد دفن قرب الري في قرية بيشواي ورامين.
صفر الرجبي
ورّامين
ـ 2 ـ
تقع مدينة ورامين في جنوب شرقي طهران في صحراء واسعة، وهي تشتمل على ما يقارب ثلاثمائة وستين قرية، وكانت في الماضي إحدى قرى وقصبات الري القديمة.
قال الإصطخري: وللري سوى هذه المدن قرى تزيد في الكبر على هذه المدن كثيراً مثل سُدّ وورامين وأرنْبُويَة ووزرنين ودِزاه وقوسين وغير ذلك من القرى التي بلغني أن فيها ما يزيد أهلها على عشرة آلاف رجل.
ومن رساتيقها المشهورة قَصْران الداخل والخارج وبهزان والسن وبشاويه ودنباوند ورستاق قوسين وغير ذلك. ويرتفع من الري مما يجلب إلى غيرها القطن الذي يحمل إلى بغداد وآذربيجان، ومن الثياب المنيّر والأبراد والأكسية.
ويؤيد ابن حوقل قول الإصطخري، ويبدو أنه استقى ما كتبه من كتاب الإصطخري.
ويؤيد صاحب «اللباب» الذي عاش بين القرنين السادس والسابع وجود مدينة ورامين وعمرانها، ويقول إنه خرج منها العديد من العلماء منهم عتاب بن محمد بن أحمد بن عتاب الوراميني. الذي كان حافظاً للقرآن.
ويقول ياقوت عن: «ورامين إنها بلدة من نواحي الري وأنها تقع على طريق القوافل بين الري وأصفهان ويقول حمدالله: «كانت ورامين في السابق قرية، وهي الآن قصبة وهي أفضل من الري بمائها وهوائها، ومثلها بالقطن والغلة والفاكهة وأهلها من الشيعة الإثني عشرية، ويغلب الكبر على طبعهم».
كانت ورامين جزءاً من إحدى النواحي الأربعة التابعة للري، وهي ناحية بهنام التي تحوي ستين قرية، وأكبر قراها هي ورامين وخاوه)[302](. وقد أخطأ حمد الله في تقسيمات نواحي الري، حيث تتضارب أقواله في بعض الأحيان فمثلاً يعتبر ورامين وخاوه جزءاً من ناحية بهنام وسبور قرج، بينما يذكر أن الناحية الثانية في تقسيماته هي ناحية سبور قرج ومن ثم لا يمكن أن تكون ورامين في هاتين الناحيتين في وقت واحد.
بدأت ورامين بالعمران في الوقت الذي أخذت فيه الري تتجه نحو الخراب والزوال، فاحتلت ورامين مكانها وراحت تثبت وجودها وتجذب الأنظار نحوها، فيقول حمدالله المستوفي: في هذا الوقت مدينة الري خربة وأضحت ورامين هي المدينة القائمة هناك)[303](.
من القرى المهمة والكبيرة في ورامين هي قرية فوهة سبور قرج، ويتحدث عنها مؤلف (الري باستان) فيقول: يسمى الآن جزء سهل سبور قرج الذي تقع فيه (الفوهة) باسم قرية بهنام بازوكي وهي معروفة في ورامين)[304](. ثم يضيف هذا المؤلف في موضع آخر قوله: تعتبر قوهة وشندر وطهران وفيروزان من أهم قرى ناحية غار، بينما ينقل نفس هذا المؤلف عن ياقوت الحموي قوله: «وثانياً: ناحية سبور قرج وتشتمل على تسعين قرية، وأهم هذه القرى هي: قوهة وشندر وإيوان كيف، ثالثاً ناحية فشابويه… ورابعاً ناحية غار»)[305](. ولعل السبب في هذا الخطأ يعود إلى كون إسم (ناحية سبور قرج) كان يطلق على منطقة واسعة من هذه السهول، بحيث تذكر في بعض الأحيان مع الري.
عندما ضُربت الري أثر حملات المغول، أخذ أهلها يرحلون إلى نقاط أخرى من البلاد. ويذكر حمد الله المستوفي قائلاً: «آلت الري إلى الخراب في زمن غازان خان المغولي، فحاول هذا أن يعيد إعمارها، فبنى عدداً من البنايات وأسكن فيها بعض الناس، إلا أنها لم تستعد عافيتها، إذ كان أهلها قد انتقلوا إلى مدينتي ورامين وطهران القريبتين من الري، وكان الانتقال إلى ورامين أكثر من غيرها، إذ كانت تفضل الري بهوائها وصفاء مناخها»)[306](.
وبصورة عامة فإن ورامين كانت في أوائل القرن الثامن الهجري ذات قرى عامرة كثيرة الخيرات. ومن هذه القرى (قوهة) التي تنقسم إلى جزأين: قرية قوهة العليا أو (قوهة آب) وموقعها في (كبود كنبد) الحالية وهي معقل للصوفيين، وكان ماء جاجرود ينقسم فيها، والقرية الثانية هي قوهة السفلى وتقع بين قوهة العليا والري، ويطلق عليها ياقوت الحموي الذي شاهدها عن كثب اسم قوهذ)[307](.
يتحدث حمدالله عن مذهب أهل هذه النواحي فيقول: كل الري وأكثر الولايات الأخرى من الشيعة الاثني عشرية، إلا قرية قوهة وبعض الأماكن الأخرى، حيث يتخذون من الحنفية مذهباً لهم، ولذلك يسمى سكان هذه النواحي منطقة قوهة بـ(قوهة الحمير) )[308](.
ومما يلفت النظر ويحظى بقدر وافر من الأهمية هو قول بعض المؤرخين بأن موضع الري القديمة يقع بالقرب من ورامين فمثلاً ينقل الأستاذ كريمان عن كتاب درر التيجان، المجلد الثاني قوله: يزعم بعض الفضلاء بأن «راكز» والري أو «قلعة إيدج» كانت تقع بالقرب من ورامين»)[309]( وقد ورد في كتاب «إيران باستان» ما يلي: كانت الري تقع في محل أطلال قلعة إيرج الحالية وأطرافها، أي تبعد عن ساحل بحر كركان بستة فراسخ)[310](.
ونحن لم نعثر في أي من المصادر المحلية القديمة والحديثة على إشارة إلى وجود خرائب الري القديمة في شمالي الري الحالية أو شرقها أو غربها، وحسب معرفتنا فإن سهول الري التي تبعد عنها بمسافة ستة فراسخ إلى الجنوب الشرقي منها، وتقع في حدود ورامين، بالقرب من طريق «خوار» كانت تسمى بهنام، ويبدو أن اسمها بالأصل هو بهمان ثم تغير موقع حرفي الميم والنون، وهو أمر شائع في الأدب الفارسي)[311](. وإذا أخذنا بعين الاعتبار كثرة الخرائب والأماكن المحيطة بالري والتي تعود في أكثرها إلى الأزمنة الغابرة، فحينئذٍ لا يمكننا الاعتقاد بأن الري القديمة هي القلعة المعروفة المجاورة لورامين ويتحدث مؤلف «ري باستان» عن معابد النار في الري فيقول: يبدو أنها (معابد النار) أقيمت منذ عصور غابرة وحتى عهد أنوشيروان في جنوب غرب الري ثم أقيمت على تل يقع على بعد اثني عشر كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من الري، ولا تزال آثار هذه المعابد قائمة إلى الآن. وثمة آثار قديمة كثيرة في هذه المناطق، بحيث يخيل إلى البعض أن بعض هذه الآثار مثل آثار «جال ترخان» كانت في السابق مدينة»)[312](.
يمكن أن نخلص إلى القول بأن محل الري القديمة يقع بالقرب من هذه المعابد والخرائب وليس في شمال شرقي ورامين الحالية.
عمت الفوضى والاضطرابات جميع أنحاء الدولة المغولية بعد وفاة أبي سعيد بهادرخان، فعمد خلفاؤه إلى تقسيم البلاد فيما بينهم فأخذ كل منهم بعض أجزائها وضمه إلى حكمه.
في ذلك الوقت كان السائح المعروف، ابن بطوطة مشغولاً في سياحته في إيران، فيتحدث عن هذه الأمور ويقول)[313](: «ومن ضمن هؤلاء كان حسن خواجه ابن دمرطاش جوبان، الذي استولى على تبريز والسلطانية وهمذان وقم والري وورامين وفرغان وكرج».
يستنتج من قول ابن بطوطة، أن ورامين كانت مدينة عامرة ومهمة في عداد مدن مثل قم وكاشان. والدليل الواضح على هذا الاستنتاج هو قول السائح المعروف كلاقيخوست، الذي قدم إلى إيران في أوائل فتوحات الأمير تيمور، حيث يقول: وصلنا في يوم الجمعة الموافق للثالث والعشرين من كانون الثاني إلى مدينة تسمى ورامين، وهي مدينة واسعة جداً، ولكن أكثر بيوتها خالية من السكان، ولا يحيط بها سور، وهي تقع في أرض سهلية منبسطة، ويسكنها صهر تيمور، حيث تزوج بإحدى بنات تيمور، وتعرفنا فيها إلى شخص كبير آخر هو «بابا شيخ» واسم صهر تيمور هو الميرزا سليمان»)[314](.
حافظت ورامين على وجودها خلال فترات حكم خلفاء تيمور وسلالات الأتراك الآق قويونلو، وقد ورد اسمها مراراً في الحديث عن الحملات العسكرية لهؤلاء. وينقل مؤلف «ري باستان» عن «لب تواريخ» قوله: «من بين ملوك الآق قويونلو، كان محمدي ميرزا الذي استولى على جميع ولايات العراق ثم اتخذ من الري مقراً له، ثم قدم السلطان أيبه والوند بيك لقتاله في الري، حتى إذا بلغوا حدودها لاذ محمدي ميرزا بالفرار إلى قلعة أستا أو «استاره» في مازندران ونزل عند حسن كياوي الجلاوي، بينما نزل السلطان أيبه والوند بيك في قم لقضاء فصل الشتاء فيها، وتركا كزل أحمد أخا السلطان أيبه بجيشه في ورامين لدفع محمدي ميرزا)[315](.
ومع ظهور الدولة الصفوية وانقراض التيموريين والتركمان، كان اهتمام الصفويين بالبناء، سبباً في إعمار بعض قرى وقصبات الري ومنها قصبة طهران، حيث بنى فيها في زمن الملك طهماسب برجاً وحصناً، ومن ثم أخذ أهالي قرى الري الأخرى ومنها ورامين بالانتقال إلى طهران، ويتحدث بارتولد، مؤلف كتاب «الجغرافيا التاريخية لإيران» عن ذلك فيقول: «يبدو أن نمو طهران، أعقبه هجرة أهالي ورامين والري بالتدريج إليها»)[316](.
أخذ نجم ورامين بعد ذلك بالأفول، ففقدت أهميتها السابقة، يقول لسترنج: «كانت ورامين أكثر مراكز نواحي الري سكاناً ولكنها آلت إلى الخراب في مطلع القرن التاسع، وخلفتها في موقعها طهران التي كانت في القرن السابع مجرد قرية تابعة للري»)[317](، وهكذا راحت ورامين تفقد أهميتها بالتدريج حتى انقطع ذكرها، ولم يذكر اسمها فيما بعد إلا في أوائل الحكم القاجاري حيث وصفها بعض السائحين والرحالة الأجانب بالمدينة الخربة.
تقع ورامين الحالية على بعد 42 كم من طهران في السهول الخصبة لجبل دماوند المشرف على جبال ألبرز المرتفعة، وتعتمد هذه المنطقة في ريها على السواقي التي تنبع من الجبال المجاورة. وفي الحقيقة يمكن اعتبار ورامين مستودعاً للغلال بالنسبة لسكان طهران. ومن المحاصيل التي تنتجها هذه المنطقة هي: القطن والغلال والشمام ومحصولات غذائية أخرى مثل السكر والسمن النباتي، وكل من هذين المحصولين الأخيرين يتم إنتاجهما وتهيئتهما في معامل ومصاف ضخمة.
الآثار التاريخية لورامين
كانت مدينة الري تحظى باهتمام خاص من قِبل مختلف الحكام والخلفاء في السلالات الإسلامية المتعاقبة، وكان ذلك سبباً لرقيها وعمرانها، وإضافة إلى ذلك فإنا نشاهد فيها بعض الآثار والأبنية القديمة التي تعود إلى عصور ما قبل الإسلام ومنها القلعة المعروفة باسم (ايرج) التي تقع بالقرب من ورامين.
تعد الخربة المعروفة بقلعة إيرج، والتي هي إلى الشمال الشرقي من مدينة ورامين من الآثار الموغلة في القدم، ورغم أن اسمها لم يرد في أي من تواريخ ورحلات السائحين العرب، إلا أن بعض مظاهرها تشير إلى كون عمرها يتجاوز الألفي سنة.
تتعرض مدام ديولافوا لذكر قلعة إيرج القريبة من ورامين فتقول: «ذهبنا لمشاهدة قلعة قديمة، وهي بناء واسع جداً وقد بنيت من الطوب والطين على شكل مربع مستطيل، وهي تشتمل على أبراج دفاعية تفصلها عن بعضها مسافة ثلاثين متراً. ولا يشاهد في أطلالها المتبقية شيء من الطوب، ويبدو أنها بنيت على نمط الجدران الضخمة لخرساباد)[318]( وقيونجيق)[319](»)[320](.
ويتحدث اللورد كرزن عن القلعة فيقول)[321](: «تقع قلعة إيرج بالقرب من قرية جعفر آباد، وهي ذات جدران طينية ضخمة يبلغ ارتفاعها خمسين ذراعاً، وتبلغ مساحة محوطتها، حسب قول إيستفيك 1800 ياردة في 1500 ياردة أي ما يقارب ميلاً مربعاً واحداً. وأما تاريخ هذا البناء فهو غير معلوم ومثير للحيرة وتضارب الآراء، ويستبعد أن يكون موغلاً في القدم».
وفيما يتعلق بالقلعة أيضاً، تقول ديولافوا: «يختلف طراز هذا البناء عن طراز الأبنية الإسلامية، ومن المسلم به أننا إزاء واحدة من الأبنية الساسانية التي ترجع إلى ما قبل أحداث برج وحصن مدينة الري. وتذكر القصص المحلية أن بناءها يعود إلى فريدون الذي يمدحه الشعراء القدماء والمؤرخون الإيرانيون. وليس ثمة ركام أو تل في داخل القلعة، حتى يتم التنقيب فيه واستخراج بعض الوثائق التي تعين التاريخ التقريبي لبنائها» وتعتقد مارسل ديولافوا أن هذه القلعة كانت إحدى المعسكرات الخندقية القديمة، لوجود العديد من القنوات التي تجري فيها المياه العذبة داخل محوطتها الداخلية، وعلى أي حال فإن آراء مارسل ديولافوا واللورد كرزن حول قدم القلعة المعروفة بقلعة إيراج تتضارب فيما بينها ولا يملك أي منهما دليلاً قاطعاً حول تاريخ بنائها.
ومن الآثار التاريخية الأخرى، المسجد الجامع في ورامين، الذي يعتبر أحد الآثار الإسلامية لعصر المغول، وقد كان هذا البناء مرتفعاً شامخاً، إلا أنه لا يعدو في الوقت الحاضر كونه خربة، ويتحاشى المؤمنون الصلاة فيه، خشية انهدام طاقه عليهم، وتكثر الأشواك في أطرافه، بحيث يصعب المرور منها)[322](.
زينت بوابته الرئيسية بالموزاييك المزخرف، ويُشبه قسم من بنائه الخرب (مسجد شاه) في قزوين إلى حد بعيد، وهو يشتمل على محراب وزخارف من الجص تبلغ من الروعة أقصاها ولا بد أنها صنعت على يد فنان ماهر أبدع في رسم الأغصان والأوراق والورود حتى ليتمنى المرء أن لا يرفع عينه عنها لشدة جمالها. ويحتوي هذا المسجد ـ كما هو الحال في (مسجد شاه) في قزوين ـ على تقعرات وتحدبات في السقف، ينبغي للداخل أن يمر تحتها حتى يصل محوطة تنتصب فوقها قبة المسجد) )[323](.
مدخل المسجد الجامع في ورامين، المؤرخ في 726هـ: يحتوي هذا المدخل على زوايا مزخرفة ومزينة بالموزاييك. ومن خلال ملاحظة هذه الزخارف والمواد العالقة في سطح الطاق يمكن الاستنتاج بأن هذا السطح كان يشتمل على زخارف وزوايا مزينة)[324](.
وبصورة عامة، فإن المسجد الجامع في ورامين هو نموذج للمساجد ذات الإيوانات الأربعة. والقسم الغربي من هذا المسجد خرب تماماً إلا أن جوانبه الأخرى لا تزال محتفظة بكامل وجودها)[325](.
يُغطي آجر البناء طلاء من الجص الأبيض وهو يشتمل على فواصل قائمة بعرض 40 سم ملصقة على الجدار، وهي مزينة بأنواع الزخارف التي نقشت بمقدمة المالج)[326](، من غصون وأوراق وزهور وهي غاية في الجمال والروعة.
مدخل القاعة المربعة لمسجد ورامين: تشكل كل زاوية من طرفي هذا المدخل طاقاً مرتفعاً على شكل مقوس وفي داخل هذه الطيقان زخارف لوزية متداخلة فيما بينها.
إمام زاده يحيى
في ورامين
يقع مرقد (إمام زاده) يحيى في إحدى الميادين الصغيرة في المدينة، وقد بنيت له حديثاً قبة ثمانيّة الأضلع وحولها حجرة مربعة الأضلع. وتوجد صخرة قبر (إمام زاده) يحيى في متحف أرميتاج في لينينغراد منذ عام 1307م وتم شراء بعض قطع الجدران المزخرفة من قبل بعض المجاميع.
ويعتبر البناء المعروف بـ(إمام زاده يحيى) واحداً من عدة آثار في ورامين ترجع إلى العصر المغولي، ولكن يبدو من المستبعد أن يكون هذا البناء بالذات متعلقاً بالعصر المغولي، إذ ان طرازه وطريقة بنائه تشبهان إلى حد بعيد أبنية العصر السلجوقي، وعند تعلق هذا البناء بالعصر السلجوقي تقول ديولافوا: شيد هذا البناء في العصر السلجوقي في القرن الثاني عشر الميلادي، ويوجد في داخله عدد من الأضلاع المدببة الرؤوس التي تشبه من حيث الشكل قبة أتابك نخجوان وقد تم بناؤها في زمن الغزنويين ومعروف أن البناء الحديث متناسق مع البناء القديم ويشكل حلقة وصل بين الأبنية القديمة والحديثة. واستعمل لتزيين المحراب أنواع من الكاشي الفلزي اللون، واضطر المهندسون حين تثبيته إلى تخريب بعض أجزاء الزخارف والزينة القديمة)[327](.
يشتمل هذا المرقد على حجرة مربعة الأضلاع تعتليها قبة، وتحاط هذه الحجرة من جميع جوانبها بسلسلة من الحجر الصغيرة التي يرجع تاريخ بنائها إلى العصور المتأخرة.
وهذا البناء مربع من الخارج وثماني الأضلاع من الداخل، ويشتمل في زواياه على حجرة صغيرة، وقد زيّن محرابه في الأزمنة اللاحقة بزخارف الجص، ومن أسفل الحائط وحتى ارتفاع 1,85م خال من الزينة، لكن وسطه والطاق يحتويان على زخارف من الجص، وثمة حفر جصية في قمة الطاق تحتوي على مدرجات وزخارف)[328](.
وتقول ديولافوا: ليس هناك (كاشي) أصفى وأكثر لمعاناً من كاشي (إمام زاده يحيى)، وينقسم هذا الكاشي الفلزي اللون إلى ثلاثة أقسام: المجموعة الأولى، وتميل إلى اللون الأصفر، والمجموعة الثانية ذات لون فلزي، بينما تقترب المجموعة الثالثة من لون النحاس الأحمر. وتحظى أنواع الكاشي التي تزين القبر والمحراب والجدران بأهمية فنية وصناعية، وهي بخصائصها وصفاتها الرائعة تتفوق كثيراً على كاشي الأبنية الإسبانية والإيطالية وحتى على الزخارف المرسومة على الورق)[329](.
تحتوي صخرة القبر المحرابية الشكل التي يرجع تاريخها إلى عام 705هـ/1305م والموجودة حالياً في متحف أرميتاج على العبارة التالية: صنعت هذه الصخرة لمقبرة (إمام زاده يحيى). وتحتوي على توقيعين لأرباب صناعة الكاشي المعروفين في كاشان)[330](.
ومن الأبنية الأخرى في ورامين، مقبرة علاء الدين التي يعتقد الناس أنها تحوي قبر كوكب الدين. ويوجد إزاء بوابتها الرئيسية الصغيرة بناء حديث ذو صحن مفتوح. وقد ورد في «مرآة البلدان» بأنه حتى عام 1778م كانت على هذه البوابة كتابة ورد فيها اسم هذا البناء وهو «مسجد الشريف». وجزء البوابة المنهدم من الآجر، وتحتوي أعمدة السور القائمة على زينة من الجص، بينما تحتوي البوابة الشمالية على قوس مدبب.
توجد في أعلى البوابة الشمالية نقوش أفقية كتبت بالجص بخط الثلث، وتحتوي هذه الكتابة في نهايتها على التاريخ وهو متضرر إلى حد ما، ولكن إحدى الروايات تشير إلى كونه عام «707»، ويمكن من خلال أسلوب الكتابة والزخارف الجصية الموجودة الاستدلال على أن تاريخ هذا البناء يعود إلى القرن الرابع عشر، حتى ولو لم يكن التاريخ موجوداً.
ومن الأبنية الأخرى التي لا أثر لها اليوم، وإنما ورد إسمها أحياناً في بعض كتب الرحالة والمؤرخين: قلعة ورامين التي كانت تحوي خندقاً عميقاً وطريقاً تحت الأرض مسقوفاًن ليس له شبيه في سائر الأبنية الأخرى، ويبدو أن هذه القلعة قد تم بناؤها بعد القلعة الأولى بأزمنة طويلة، وهي تحتوي على وسائل دفاعية في داخلها، وربما كان أول الملوك السلاجقة هو الذي بناها، للحيلولة دون وصول أحد إلى مقر حكومته.
ومن الآثار التاريخية الأخرى في ورامين المقبرة ذات الأضلع الثمانية والتي يرجع تاريخ بنائها إلى عام 1330م/1331م. ويعرف هذا البناء باسم (إمام زاده شاه حسين) ويقع بالقرب من مركز ورامين الحالية على بعد بضعة مئات من الأمتار إلى الجنوب الشرقي من المسجد الجامع. ويشتمل هذا البناء في الوقت الحاضر على صحن محاط بالجدران ومصلى يحوي محراباً وضريحاً برجي الشكل. وحسب كتاب «مرآة البلدان» فإن تاريخ بناء المسجد والمحراب يرجع إلى عام 819هـ. ويتعلق الضريح بالسيد فتح الله، ولا يزال برج المقبرة جيداً نسبياً إلا أن سقفها وزخارفها انهدمت بينما رمم القسم الداخلي منها. وتبدو هذه المقبرة مثمنة الأضلاع من الخارج ومدورة من الداخل، ويغطي الجدار الداخلي طلاء من الجص الأبيض. وتوجد في أعلاها قبة قصيرة من الآجر. حديثة البناء، وتتمثل زينتها بالزخارف الآجرية العادية التي تعتمد التداخل في تركيب الآجر.
الدكتور حسن قره جانلو
زيارتي لورامين
أقبلنا على ورامين من طهران أصيل اليوم الثامن والعشرين من شهر أيار سنة 1991، فعبرنا إليها على جسر مشرف عليها، مقام على السكة الحديدية، وولجناها في شارع طويل جميل تقوم المدينة على جانبيه المديدين وينتهي بميدان (راه آهن) الذي سمي بعد الثورة (ميدان انقلاب). ثم من الميدان إلى شارع آخر طويل عريض تنتشر على جانبيه أسواق المدينة وينتهي بميدان الشهداء. ويبرز إلى جانبه الجنوبي الشرقي برج تاريخي قديم اسمه برج علاء الدولة. وتتفرع من الميدان أربعة شوارع جميلة مشجرة، وجوانب الميدان عامرة بالمتاجر.
مررنا في شارع المسجد الجامع الذي ينتهي بمسجد قديم يقول قيّمه إن تاريخ بنائه يعود إلى سنة 722، ويبدو القدم ومعالم الخراب على واجهته الشمالية التي لا تزال تحتفظ ببقايا الكاشي.
وتقام اليوم في الصحنين الداخلي والخارجي لهذا المسجد صلاة الجماعة في فصلي الربيع والصيف فقط، ولا تقام في الخريف والشتاء، للبرد وتساقط المطر.
ويبدو جلياً أن هذا المسجد كان مسجداً فخماً، ولا يزال يحتفظ ببقايا الفخامة سواء في أسطواناته المربعة العالية أو في الآيات القرآنية المنقوشة على واجهته التي أثر فيها الزمن.
ويقول قيم المسجد إن المغول أيام زحفهم المدمر قد دمروا فيما دمروا هذا المسجد بأن سلطوا عليه المياه، ولا تزال آثار الخراب بادية في جانبه الغربي، ولا تزال قواعد الأسطوانات الفخمة التي تهدمت بادية.
وقد أبصرنا في الباحة التي هي خارج المسجد مجموعة من الناس جالساً بعضها على أكياس مملوءة، وبعضها على الأرض أو على الأحجار، فسألت القيم عنهم، فقال هم طلائع العمال الذين يبدؤون بالقدوم إلى الباحة قبيل الغروب، (في هذا الوقت كنا نحن هناك)، ثم يزدحمون في أوائل الليل حيث يتخذون من الباحة مهاجع لهم حتى الصباح. أما الأكياس المحشوة فملؤها أغطية ووسائد لهم وأدوات عملهم. وفي الصباح توقد النيران لتحضير الشاي.
وهكذا فإن الأرض الفضاء هي (فنادق) هؤلاء العمال. ولا أدري ماذا يفعلون عند قدوم الشتاء وهطول الأمطار واشتداد البرد…
ورامين اليوم هي قاعدة (شهرستان) في الاصطلاح الإداري الإيراني تتبع (أستان) طهران ويبلغ عدد نفوسها ستين ألف نفس، وهي محاطة بالبساتين ومن مميزاتها التشجير في الشوارع الكبرى وداخل البيوت. وبعض الشوارع تتشابك أغصان أشجارها العالية حتى لتبدو وكأنها مظلة تغمر الشارع بفيئها، وفيها مطار زراعي ومعسكر للجيش ومصنع للسكر ومعصرة كبيرة للزيتون، يؤتى لها بالزيتون من (رودبار) و(منجيل) لأن ورامين لا تنبت الزيتون. ولم ندر الحكمة في أن تقام معصرة الزيتون في بلد لا ينبت الزيتون بل يجلب إليه من الأقاصي.
وفيها اليوم شاعر أمي اسمه (إبراهيم ضمير آذر) وهو صوفي، وكل شعره في مدح علي ورثاء الحسين عليه السلام، كما أن فيها شاعراً من شعراء إيران المعدودين هو (جولي ده نيشابور) له عدة دواوين شعرية.
ومنذ عهد قريب صدرت فيها مجلة شهرية.
وعلى بعد سبعة كيلومترات من ورامين في قرية (بيشوا) مقام فخم لمن يقال إنه جعفر بن موسى بن جعفر أخي الإمام علي الرضا عليه السلام.
وفي ورامين فرقة صوفية تنسب إلى كميل بن زياد صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، يدعون أنفسهم (الكميلية)، قصدنا واحداً منهم لاستطلاع أحوالهم، فإذا هو صاحب مرآب (كاراج) لإصلاح السيارات يعمل فيه بنفسه، فسلمه رفيقنا السيد ضياء الحكيم سيارته لفحصها فهبط إلى قعر غرفة الإصلاح بثيابه الملطخة بالزيت ويديه الملوثتين به، وانبطح في النقرة والسيارة فوقه يدقق فيها ويفحصها. ثم سأله رفيقنا ـ وكان عليماً به ـ عن الصوفية فاندفع يتحدث حديثاً لا تظن معه أنه هو نفسه العامل البسيط الذي انبطح تحت السيارة في نقرة قعر المرآب (الكاراج)، ومنه عرفنا قصة الكميليين الذي هو من أركانهم، وكنا لم نسمع باسمهم من قبل.
ولما كان الحديث لا يكتمل ونحن وقوف على أقدامنا وسط (الكاراج) تواعدنا على اللقاء ليلاً في منزل السيد ضياء، فجاءنا (علي رضا تفنكجيان) وقد تبدل مظهره، فبدا أنيقاً نظيف الملابس واليدين والوجه، ولم يعد هنا عامل (الكاراج) بل صار (الكميلي) المتحدث الموغل في (كميليته)، فأفاض في حديث اشترط أن لا ينشر بعضه لأنه من أسرارهم التي لا تباح إذاعته. وها نحن نفي له بما وعدناه به من الاحتفاظ ببعض المعلومات لأنفسنا، ولا نظن أن القراء قد حرموا شيئاً مهماً بعدم الاطلاع عليها…
يقول علي رضا تفنكجيان إن العقيدة قائمة على أن كميل بن زياد كان له ثلاثة رجال بسلسلة مراتب، ثم كان للثالث منهم طلاب اختار منهم المتفوقين وسمى كل واحد منهم باسم (بيرطريقت). ثم تتابع رجال الطريقة حتى اليوم. وقال إن عندهم في مقرهم الرئيسي في طهران مشجر مذكور فيه أسماء شيوخهم منذ كُميل حتى اليوم)[331](.
وسألناه عن صلتهم بالصوفية وشيخهم الكنابادي المقيم في طهران، فقال إننا لسنا منهم ونحن نحترم هذا الشيخ ولكننا لسنا من أتباعه ولنا مقرنا المستقل في طهران، وكان آخر شيخ فيه هو الشيخ مشكور الطهراني الذي أعدم بعد الثورة الإسلامية بوشاية من أحد رجالهم (حسين حيدر خان) الذي انشق عنهم وتبعه فريق منهم في طهران، والجماعة لا تعترف به شيخاً، بل لها شيخها المقيم الآن في مدينة حيدر آباد بالهند، وهو إيراني إسمه (تاج عالم)، وهم موجودون عدا ورامين في طهران و(بيشوا) و(حصار كلك بالا) و(محمود آباد) و(طُرين) في إيران. ولهم وجودهم في الهند أيضاً. ويبلغ عددهم في إيران أكثر من أربعة آلاف.
وكان لهم قبل انشقاق حسين حيدر خان جلسات أسبوعية في طهران، وليلة في الأسبوع مخصصة للعبادة.
وقال إن كل من ينتمي إليهم يطلق عليه لقب (درويش) وإن كانوا يسمون أنفسهم (الفقراء) أو (أهل الفقر)، والواحد منهم (فقير). ولهم خانقاه في طهران هو اليوم مغلق.
وسأله أحد الحاضرين إذا كانوا يقلدون أحد المراجع الشيعية فزعم أنهم يقلدون السيد الخوئي والله أعلم بالحقيقة.
إلى قبر الكسائي
كنت أعرف أن النحوي الشهير الكسائي قد مات هو والفقيه محمد بن الحسين الشيباني في يوم واحد من أيام سنة 189هـ في منطقة الري ودفنا في قرية من قراها اسمها (أرنبويه)، ثم عرفت في طهران أن أرنبويه هي اليوم من قرى (ورامين)، فكان من أول ما فكرت به حين عزمت على زيارة ورامين أن أسعى إلى أرنبويه لعلي أظفر بزيارة قبر الكسائي.
والكسائي الذي امتحن به زميله في النحو (سيبويه)، فاتفقا على أن لسع الزنابير ولسع النحل لا يختلف أحدهما عن الآخر ألماً وشدة، ولكنهما اختلفا في شيء آخر لا صلة له لا بالنحل ولا بالزنابير ولا بالألم ولا بالشدة، اختلفا في أمر نحوي بحت طلع عليهما من ذكر النحل وذكر الزنابير، فكان شؤماً على سيبويه!.
لا أدري لماذا اختار النحويان العظيمان هذا المثل العجيب الطالع من الآلام، ولسع النحلة ولسع الزنبور، ولماذا لم يختارا مثلاً أعذب وقعاً على السمع، وألطف صدى في النفس)[332](.
وإذا كان لا بد من ذكر النحل فلماذا يُذكر أقبح شيء فيها؟ لماذا يُذكر لسعها ولا يذكر عسلها مثلاً؟ ولماذا تقرن إلى شيء ما فيه إلا القبح والمرارة، لماذا تقرن إلى الزنبور؟!
لماذا لم يقولا مثلاً: قد كنت أحسب أن العسل أشهى من اللوزنج، فنستلطف ذلك، ونستعذبه، ونسرع إلى التهام أحدهما إن لم نلتهمهما معاً، ولا علينا بعد ذلك أن يختلفا في الحكم النحوي فيجيزا في الجواب، القول: فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها، ما دمنا قد التهمنا نحن العسل أو اللوزينج أو التهمناهما معاً!.
على أن هذا المثل المستند إلى (اللسع) قد تجاوزت نتيجته لسع النحلة ولسع الزنبور إلى لسعة معنوية كان من شأنها أن تميت سيبويه غماً وكمداً!.
وإذا صح أن الرشوة قد عملت عملها في كسب الكسائي المعركة مع سيبويه، كان لنا أن نردد مع أبي بكر الخوارزمي قوله: لا تقل: فسد الناس، بل قل: اطرد القياس!.
عزمت على الذهاب إلى (أرنبويه) لتحية الكسائي في قبره بعد أن مات قبل قرون وقرون، وليس في ذهني إلا علمه، وما فعله في تقدم النحو، متناسياً معركته مع سيبويه، ومتجاهلاً أمر الرشوة التي قيل إنها دفعت للأعراب لينصروا قول الكسائي على قول سيبويه…
ولما علم السيد ضياء الحكيم بهذا العزم وأن الرحلة القريبة المدى هي رحلة لتحية العلم وأهل العلم كان سريع التلبية لتحقيقها، فكنا نخرج في سيارته صباحاً من ورامين سائرين في سهول زراعية مديدة أوصلتنا إلى قرية (خير آباد) فاجتزنا وسطها بين البيوت والحوانيت، ثم خرجنا منها إلى السهل الرحيب الذي كانت تلوح في طرفه الشمالي جبال (ألبرز) البعيدة وفي أعلاها قمة (دماوند) المغطاة بالثلوج.
ثم كنا في قرية (خُرين) التي اختيرت ليكون فيها أحد السجون الكبيرة في إيران، وليكون فيها ما اصطلح اللبنانيون على تسميته باسم (المسلخ)، وهو المكان الذي تذبح فيه مواشي اللحوم، ففي خُرين (المسلخ) الذي يغذي طهران بلحوم المواشي كل يوم.
ومضينا في السهول الزراعية بين حقول القمح المحصود بعضه حتى كنا في قرية (محمود آباد) الصغيرة، ثم في السهول حتى قرية (فيلستان) البسيطة ماشين في الطريق الضيق ذي الحفر والنقر حتى كنا بعد عشرين دقيقة من خروجنا من ورامين نقبل على (أرنبويه) في مدخل جميل على جانبيه أشجار جميلة. ثم تركناه منحرفين إلى طريق المقبرة.
وإذا كان الناس في ترحالهم يقصدون الدور والقصور، فقد كنا نحن نقصد القبور!.
مقبرة (أرنبويه) منتشرة في ساحة واسعة تفوق مساحتها ما تحتاجه جثث هذه القرية، ولكن المقبرة ليست مقبرة هذه القرية وحدها، بل هي تكاد تكون مقبرة للقرى المجاورة وحتى لمدينة ورامين نفسها. إذ أن في القرية مقاماً لأحد من يعرف الواحد منهم في إيران بـ(إمام زاده) والمقصود بإمام (زاده): ابن الإمام، أي أن المدفون في هذا المقام هو من نسل أحد الأئمة. وتكثر هذه المقامات في الريف الإيراني، بل حتى في غير الريف.
مدخل المسجد الجامع في ورّامين
ومن هنا رغب سكان القرى المجاورة أن يدفنوا موتاهم قريباً من مدفن سليل الأئمة.
و(إمام زاده) هذه القرية يطلقون عليه اسم (إمام زاده إبراهيم)، أي أن اسمه هو إبراهيم ويقول قيم القبر إن إبراهيم هذا من نسل الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وأن بينه وبين زين العابدين أربعة أجداد.
ولما قرأنا الزيارة المكتوبة، رأينا أن كاتبها لا يسمي صاحب القبر، بل يخاطبه بقوله: أيها الشخص الطاهر الكريم.
وكاد يشغلنا أمر القبر وأمر صاحبه عن هدفنا الأساسي من زيارة (أرنبويه)، وهو السؤال عن قبر الكسائي، ولكننا عدنا نسأل قيم القبر عما إذا كان يعلم شيئاً عن قبر الكسائي وقبر الشيباني، فقال إنه يجهل كل شيء عنهما وعن قبريهما، وكذلك قال من تجمّع من أهل القرية، ما عدا واحداً منهم قال إنه قرأ في الكتب إنهما ماتا في هذه الأرض، ولا يعلم شيئاً غير ذلك.
رحم الله الكسائي ورحم الله الشيباني فقد كانا عالمين مجرد عالمين، وما للناس أن يشغلوا أمرهم بهما أحياء، فكيف بهما وقد عادا جثتين هامدتين، ثم تراباً في الأرض!..
وإذا كنا قد فشلنا في أن نعلم شيئاً عن قبري الكسائي والشيباني، فقد شئنا أن نعلم شيئاً عن أمر هذه القرية، فعرفنا أن عدد سكانها لا يتجاوز الستمائة نسمة، وأن منهم طالباً واحداً يدرس في مدينة قم العلوم الإسلامية، وستة طلاب وثلاث طالبات يدرسون في الجامعة الإسلامية الحرة بطهران، وأن في القرية مدرسة ابتدائية، مديرها ومعلموها من أبناء القرية. وأن أهل القرية يشتغلون بالزراعة، وفيهم رجال يعملون في معمل الأسلحة الكبير الموجود في (بارجين). وأن ثلاثة من أبناء القرية استشهدوا في الحرب العراقية الإيرانية، وأن امرأة منها استشهدت في مجزرة الحج في مكة.
في العودة إلى طهران
في العودة من (ورامين) إلى طهران عرجنا قبل الوصول إلى طهران إلى ما يقال إنه قبر (شهربانو))[333]( زوجة الحسين عليه السلام، ولما كان ذلك خلال رحلة ورامين وإن كان غير مرتبط بورامين أردنا أن نذكر هنا ما شهدناه: قبل الوصول إلى طهران من ورامين انحرفنا عن الطريق العام متجهين صوب الجبال، فإذا بنا في قرية دخلنا أحد شوارعها الضيق في شيء من الصعود، ثم كانت إلى يسارنا غابة من شجر الصنوبر البري، سرنا في محاذاتها خارجين من القرية في طريق تثير السيارات فيه الغبار، ثم بدت لنا قبتان في قلب سفح الجبل، وانتهت الغابة، وبدأنا صعود الجبل في طريق ترابي مشقوق فيه، وتابعنا الصعود في الطريق الذي كان مقفراً إلا من سيارة أجرة (تكسي) صاعدة بدون ركاب، ثم بدا فجأة المقام المنسوب إلى السيدة (شهربانو) فوقفنا في ظله وصعدنا درجاً طويلاً هو في الحقيقة ثلاثة أدراج متتابعة يفصل بين كل واحد منها وبين الآخر فسحة، فوصلنا إلى إيوان مستطيل صعدنا فيه درجاً آخر، ثم ولجنا المقام.
وهو مقام معتنى به عناية فائقة من صندوق مذهب ومرايا صغيرة وبلاط مرمري على الجدران وسجاد ثمين، في غرفة ضيقة محاطة بمساجد صغيرة متداخل بعضها في بعض.
وهذا المقام بهذه الصورة من العناية أنشئ منذ سنتين، ولم نجد فيه من الزائرين سوى باكستاني مع زوجته، كانت سيارة الأجرة الفارغة التي رأيناها قادمة لأخذهما. وقال قيم القبر إن الزائرين يكثرون في الصيف الذي هو الآن على الأبواب. أما في الشتاء فلشدة البرد، ينعدم الزائرون. وقال إن أكثر الزائرين هم من الهنود والباكستانيين، وبعضهم يبيت هناك أكثر من ليلة.
وفي الخارج قبور مسواة بالأرض لبعض أهالي قرية أمين آباد القريبة، ومما قاله القيم إن تاريخ إنشاء القبر يعود إلى ما قبل 700 سنة كما كان مكتوباً عليه، ويروي القيم أسطورة وصول صاحبة القبر إلى هذا المكان. والأسطورة خيال في خيال لا أصل له.
الورق
لا شك أن الورق يعتبر من أهم المواد التي تسهم في تطور الإنسان في مرحلة العلم والحضارة وتساعده كثيراً على السير في هذا الطريق. فقد ظلت العلوم والآداب محصورة في محيط محدود قبل أن ينجح الإنسان في صناعة الورق، إذ اقتصرت على طبقة بعينها من المجتمع بينما ظلت الطبقات الأخرى محرومة منها، حيث لم يكن استعمال وحمل ونقل وسائل الكتابة آنذاك سهلاً، وإضافة إلى ذلك لم يكن بالمقدور تخزينها كما يُفعل في أيامنا هذه.
الوسائل التي كانت تستعمل
في الكتابة قبل صناعة الورق
كانت الشعوب القديمة تستعمل في تدوين العلوم والفنون وحاجاتها اليومية مختلف الوسائل قبل أن تتم صناعة الورق.
ومن أقدم المواد التي كان القدماء يستعملونها لهذا الغرض، هو الطين، حيث كانوا يصنعونه في قوالب ثم يكتبون عليه قبل أن يجف وبعد ذلك يعرضونه تحت الشمس حتى يجف.
وقد استطاع علماء الآثار العثور على آلاف من هذه الألواح الطينية في العراق وسائر بلاد الشرق الأوسط، وهي مكتوبة بخط مسماري وأغلب اللغات الميتة مثل السومرية والآكدية والآشورية كانت تكتب بهذا الخط.
وكانت الصخور إحدى المواد الأخرى التي تستعمل في الكتابة، وهي تتميز عن الطين بكونها أكثر مقاومة إلا أنها أثقل وزناً وتتطلب جهوداً أكبر. ولم يكن استعمال الطين والصخور شائعاً لصعوبة نقل هذه المواد وكبر حجمها.
وثمة مواد أخرى كثيرة كانت تستعمل في الكتابة، وليس بالأمر اليسير أن تذكر كلها. فمثلاً يتحدث أبو الريحان البيروني (المتوفى عام 440هـ/ 1048م) عن إحدى المواد التي كان يستعملها الهنود في كتابتهم فيقول: «توجد في جنوب بلاد الهند شجرة عالية تشبه شجرتي النخيل والنارجيل، وهي ذات ثمر يؤكل، وأوراق، يبلغ طولها ذراعاً وعرضها ثلاثة أصابع وهي متصلة ببعضها البعض، وتسمى هذه الشجرة في اللغة الهندية باسم (تاري)، ويستعمل الهنود هذه الأوراق في الكتابة ثم يلصقونها ببعضها بخيط يدخلونه في وسط هذه الأوراق.
«وأما في المدن المركزية والشمالية في الهند، فيستعمل الناس قشور شجرة التوز)[334]( )[335](. التي يسمونها (بهوج) في كتاباتهم. حيث يأخذون هذا القشر الذي يبلغ طوله ذراعاً وعرضه بضعة أصابع، فيطلونه بالسمن ويصقلونه حتى يتصلب ثم يكتبون عليه ويرقمون الأوراق بالترتيب حتى إذا اكتمل الكتاب، جمعوا هذه الأوراق في قطعة من قماش ووضعوها بين لوحين، ويسمون هذا النوع من الكتب بـ(بوتي). وهم يستعملون نفس هذا الأسلوب في مراسلاتهم ومكاتباتهم حيث يكتبون على قشور شجرة التوز ويرسلونها من محل إلى آخر».
ويذكر المسعودي المتوفى عام 345هـ (956م) بأن ثمة مادة تستعمل للكتابة في الهند وتسمى بـ(كاذي)، ولا نعرف إذا ما كانت (كاذي) هذه هي نفسها (تاري) التي تحدث عنها أبو الريحان البيروني أم غيرها.
يقول المسعودي:؛ «كانت رسالة ملك الهند إلى ملك إيران خسرو أنوشروان مكتوبة على قشور شجرة تدعى (كازي) بخط من الذهب الأحمر، وتوجد هذه الشجرة في الهند والصين وهي شجرة عجيبة، ذات لون جميل ورائحة طيبة، وقشرها أقل سمكاً من الورق الصيني ويستعمل ملوك الهند والصين هذه القشور في مراسلاتهم)[336](.
وكانت الأمم الغابرة تستخدم مواداً أخرى في مكاتباتها، وعلى رغم صمود هذه المواد أمام تعاقب الزمن وعدم زوال الكتابة منها إلا أن استعمالها لم يكن شائعاً كما ذكرنا سابقاً بسبب ندرة الحصول عليها أو ثقل وزنها أو كبر حجمها، ومن ثم لم يكن استعمالها عملياً ولم تكن فترة استعمالها طويلة، إذ كف الناس عنها بعد حين.
يقول ابن النديم، وهو من علماء القرن الرابع: «… ثم أخذ الناس يكتبون أغراضهم على الصخور والنحاس للاحتفاظ بها… ثم استعملوا الأخشاب وقشور الأشجار، ومن أجل أن تبقى كتاباتهم خالدة استعملوا أشجار التوز، حيث يشدونها على قوس ويكتبون عليها، ثم راحوا يدبغون الجلود ويكتبون عليها. بينما كان أهل مصر يستعملون القرطاس المصري، حيث يصنعونه من أوراق البردي.
وكان الروم يكتبون على الحرير الأبيض أو الجلود الرقيقة أو الطوامير المصرية)[337]( أو جلود الحمير الوحشية (الزيبرا)، بينما كان الإيرانيون يستعملون في كتاباتهم جلود الجاموس والبقر والغنم، أما العرب فقد كانوا يستفيدون في ذلك من عظمة كتف البعير أو الصخور الرقيقة البيضاء أو سعف النخيل بعد إزالة قشورها. وكان الصينيون يكتبون على الورق الصيني الذي يصنعونه من النباتات اليابسة وأما الهنود فيكتبون على النحاس أو الصخر أو الحرير الأبيض.
وعن هذا الموضوع يتحدث القلقشندي المتوفى عام 821هـ (1418م) في كتابه صبح الأعشى (ج2، ص 475 ـ 476) وضوء الصبح المسفر (ج1 ص 412)، وهو يقترب إلى حد كبير من ابن النديم في كتاباته، ومن ثم أعرضنا عن حديث القلقشندي وأحببنا أن نلفت أنظار القراء إليه فقط.
ثم أخذ الناس يتحولون في كتاباتهم إلى نبات البابيروس)[338](، فكان ذلك خطوة جدية في طريق تطور الكتابة، ونعتقد أن من المناسب التعرض للحديث عن هذا الأمر بعض الشيء.
أوراق البابيروس والقرطاس
قام بعض المستشرقين بالدراسة والتحقيق حول أوراق البابيروس وكيفية صناعتها ومن هؤلاء ألفرد بتلر حيث يقول في هذا الصدد: «يوجد في مصر السفلى العديد من الغابات التي تنمو فيها نباتات البابيروس، وقد كان المصريون ينتزعون اللب من هذا النبات الجميل فيقطعونه إرباً ثم يضغطونه فيحولونه إلى صفحات، وبعد ذلك يصقلونه بآلة عاجية ويلصقون الصفحات ببعضها فتتكون مجموعة من الأوراق يسهل الكتابة عليها. ويتم في كل عام تصدير كميات كبيرة من البابيروس من مصر عن طريق ميناء الإسكندرية الكثيف السكان. ولا يعرف على وجه الدقة التاريخ الذي انقطعت فيه هذه التجارة وما هو السبب الذي أدى إلى انتهاء زراعة هذا النبات في مصر»)[339](.
ويذكر البلاذري في كتاب فتوح البلدان)[340]( أن ورق البابيروس كان ينقل من مصر إلى العديد من بلدان العالم وخصوصاً بلاد الروم، ويذكر بأن العديد من المصادر القديمة تسمي هذا الورق بالقرطاس. ويعتبر السيوطي (المتوفى عام 911هـ/1505م) بأن إحدى امتيازات مصر هي وجود أنواع القرطاس فيها، ويقول: «يصنعونه (القرطاس) على شكل طومار وهو أفضل وسيلة للكتابة، وتتم صناعته في مصر من النبات الجاف، ويبلغ طول هذه الطوامير في بعض الأحيان ثلاثين ذراعاً ويزيد عرضها على الشبر»)[341](.
ويشير أحد الشعراء إلى هذه القراطيس المصرية بقوله:
حملت إليك عروس الثناء
على هودج ماله من بعير
على هودج من قراطيس مصر
يلين على الطي لين الحرير)[342](
ويشير ابن حوقل وهو أحد أشهر الجغرافيين العرب في القرن الرابع الهجري إلى وجود البابيروس في جزيرة صقلية حيث يقول: «توجد بعض الأماكن في وسط جزيرة صقلية تنمو فيها نباتات البربير وهي نباتات البردي التي يصنعون منها الطوامير، ولم أشاهد في أي بقعة من بقاع الأرض هذا النوع من البردي الذي يوجد في مصر إلا في صقلية. ويستعمل هذا النبات في هذه الجزيرة في صناعة الحبال التي يستعملونها في إرساء السفن ولا يستعملون منه إلا القليل لصناعة الطواميرلمملكتهم، وهم لا يصنعون أكثر من ذلك لعدم توفره بمقادير كبيرة».
ويشير البيروني في الصفحة (81) من كتابه الهند إلى وجود البابيروس (البردي) ويقول:
«تتم صناعة نوع من القرطاس في مصر من لب نبات البردي حيث يستخرج هذا اللب، وحتى عهد قريب كان الخلفاء يدونون مكاتباتهم على هذا النوع من القرطاس، إذ لا يمكن لأحد أن يمحي الكتابة من هذا القرطاس أو يغير شيئاً فيه إذ سرعان ما يفسد وينكشف التغيير في الكتابة».
وورد ذكر القراطيس ومفردها قرطاس في القرآن الكريم)[343](، ويعتبرها علماء اللغة كلمة أجنبية، فمثلاً يقول الجواليقي: قرطاس بضم القاف وكسرها؛ كلمة قديمة)[344]( وعدها البعض أجنبية الأصل»)[345](.
والقرطاس كلمة يونانية الأصل مشتقة من كارتس (Chartes) وتعني الشيء الذي يكتب عليه وتقابلها في العربية الورقة والصحيفة)[346](.
وقد أخذ المسلمون منذ بداية تاريخهم أوراق البابيروس عن المصريين واستعملوها في المكاتبة، وقد عثر في الآونة الأخيرة على العديد من هذه الأوراق في مصر وهي تحوي كتابات بالخط العربي وأمكن بعد قراءتها رفع الستار عن الكثير من المسائل المبهمة التي تتعلق بإدارة المسلمين لمصر.
وبادر بعض المستشرقين لدراسة وتحقيق أوراق البابيروس العربية هذه ومن هؤلاء المستشرقين؛ كراباجك وبيكر وغيرهما ولكن أبرزهم كان كروهمان الذي طالع عدداً من أوراق البابيروس العربية الموجودة في مكتبات فيينا والقاهرة وأخضعها للبحث والتحليل.
وكان استعمال أوراق القرطاس شائعاً في العراق بعد فتحه على يد المسلمين بفترات طويلة، ويذكر ابن عبدوس الجهشياري (المتوفى عام 331هـ/942هـ) أن مؤسس بغداد أبا جعفر المنصور أطلع ذات يوم على كثيرة ما تجمع في خزائنه من القرطاس فأمر صالحاً صاحب مصلاه أن يخرج لبيعها، وقال له بعها حتى ولو بدانق (كل ستة دوانيق تعادل درهماً واحداً)، فأموالها خير لنا من الاحتفاظ بها، وعندما رأى صالح أن قيمة كل طومار من القرطاس تبلغ درهماً أبى أن يبيعها ولم يعد إلى الخليفة، ثم ينقل بأن الخليفة استدعاه في اليوم التالي وقال له: لقد فكرت في حاجتنا إلى الكتابة ورأيت أن الأوضاع في مصر لا تبعث على الإطمئنان، فلربما تعذر وصول القرطاس إلينا بسبب الحوادث هناك، ثم نحتاج إلى ما نكتب عليه ولا يتوفر في بلادنا، ولذا رأيت أن تترك طوامير القرطاس على حالها، وللإيرانيين الحق حينما لا يكتبون إلا على الجلود الرقيقة والسميكة ويمتنعون عن سواها وحين يقولون إنّا لا نكتب إلا على ما يتوفر في بلادنا».
وكان في الجانب الغربي من بغداد أي في الكرخ بوابة يسمونها «درب القراطيس» أو «درب أصحاب القراطيس» وقد ورد ذكرها في كتب القدماء مثل الجاحظ)[347]( والطبري)[348]( والخطيب البغدادي وعمرو بن متى)[349]( وماري بن سليمان)[350]( وغيرهم، ولكن أي من هؤلاء المؤلفين لم يذكر فيما إذا كانت تصنع أوراق القرطاس في هذه البوابة، أو كانت تباع فيها.
ويذكر أبو سعد السمعاني (المتوفى عام 562هـ/1166م) في كتاب الأنساب)[351](، ضمن مادة (القراطيسي) بأن هذا اللفظ يطلق على الأشخاص الذين يصنعون القرطاس أو يبيعونه، ثم يذكر عدداً من أسماء الذين يشتغلون في هذا العمل وأغلبهم من أهل بغداد، وربما كان السبب في تسميتهم بهذا الاسم هو سكنهم في محلة (درب القراطيس) أو كون عملهم صناعة أو بيع القراطيس.
ويذكر الخطيب البغدادي (المتوفى عام 463هـ/ 1070م) في كتابه تاريخ بغداد)[352](، أسماء سبعة ممن يلقبون بالقراطيسي، ولكنه يغفل ـ كما أغفل السمعاني ـ ذكر سبب تسميتهم بهذا اللقب ومن ثم ترك الموضوع مبهماً.
وفي زمن خلافة المعتصم العباسي انتقلت صناعة الورق من بغداد إلى سامراء، وينقل اليعقوبي (المتوفى في أواخر القرن الثالث الهجري) بأن المعتصم بعد أن فرغ من بناء سامراء، نقل إليها عدداً من الحرفيين والصناعيين لكي يضفي على المدينة رونقاً وجمالاً، وكان من بين هؤلاء الحرفيين عدد من المصريين البارعين في صناعة القرطاس، إلا أن قراطيسهم لم تكن بمثل جودة القراطيس المصنوعة في مصر.
الجلود السميكة والرقيقة
لم تكن المواد التي كان الناس يستعملونها في الكتابة مقتصرة على الأشياء التي ذكرناها، بل كان الجلد أحد أفضل الوسائل التي تستعمل في الكتابة، حيث يحتفظ بوجوده لفترات طويلة، وقد كانت بعض الأمم الغابرة تستفيد من الجلود وسيلة للكتابة.
وكانت بعض أنواع الجلود الرقيقة تصبح بعد دباغتها وصقلها غاية في الرقة والنعومة بحيث يمكن اعتبارها من آيات الصناعة والفن.
وكان استعمال الجلود الرقيقة شائعاً قبل الإسلام، واستعملها المسلمون أيضاً، إلا أن قيمتها الباهظة جعلت استعمالها مقتصراً على خطوط القرآن وكتابة الرسائل الرسمية والوثائق والعهود المتداولة آنذاك.
يتعرض البيروني في الصفحة (81) من كتابه عن الهند لذكر القدماء والمواد التي يستخدمونها في الكتابة، ويقول بأن الهنود يختلفون عن اليونان بأنهم لا يستعملون الجلود في الكتابة. وحين سُئل سقراط لماذا لا تقوم بالتأليف والتصنيف؟ أجاب: لا أحب أن أكتب ما يترشح عن قلوب الناس حياً على جلود الأغنام الميتة.
«وفي صدر الإسلام كان الناس ـ كما هو حال يهود خيبر في أوان قوتهم» يكتبون على الجلود، ويكتبون القرآن على جلود الغزلان كما كان اليهود يكتبون توراتهم على الجلود».
ظلت الكتابة على الجلود الرقيقة شائعة في الشرق والغرب لفترات طويلة، وكانت مكتبات هذه البلدان تحوي كتباً من الجلود باللغات اليونانية واللاتينية والآرامية والعبرية والعربية وغيرها من اللغات الأخرى.
الورق (الكاغذ)
الكاغد أو الكاغذ كلمة فارسية)[353]( وربما كانت صينية)[354](، وتشاهد هذه الكلمة أو كلمة الورق في الكتب العربية القديمة بكثرة، ولكن قلما نجد في هذه الكتب حديثاً عن كيفية صناعة الورق والمواد التي تتم صناعته منها وأنواع هذا الورق. وإنما هناك إشارات ومواضيع مختصرة متشتتة بين أقوال المؤلفين القدامى، يمكن من خلال جمعها وترتيبها الحصول على تحقيق تاريخي عن تاريخ الورق في زمن الحضارة الإسلامية.
بعد اكتشاف طريقة صناعة الورق، ومشاهدة الناس لخفته وطراوته ورقته وسهولة حمله وإمكانية خزن مقادير كبيرة منه في مكان صغير، أخذ الناس يولون صناعته اهتماماً كبيراً، ومن ثم ازدادت صناعة الورق في العالم وازدادت الكتب تبعاً لذلك.
الورق السمرقندي
من المشهور أن الصينيين هم أول الشعوب التي نجحت في صناعة الورق، وكان الورق الصيني أحد الأمتعة التي دأب التجار المسلمون على جلبها من الصين خلال أسفارهم المتكررة إلى بلاد الشرق الأقصى.
وكان انتشار صناعة الورق في البلدان الإسلامية نتيجة لإحدى الحروب، وأول مدينة إسلامية انتشرت فيها هذه الصناعة هي مدينة سمرقند.
استطاع المسلمون في عام 87هـ (704م) أن يفتحوا مدينة سمرقند التي كانت تعد من أشهر وأكبر مدن ما وراء النهر. وفي معرض حديثه عن انتساب الأشياء إلى المدن والأماكن المختلفة، يقول الثعالبي (المتوفى عام 429هـ/1037م) ما مضمونه إن من خصائص سمرقند، صناعة الورق فيها، إذ استطاعت بجمالها ورقتها ولطافتها أن تحد من رواج سوق القرطاس المصري والجلود التي كانت شائعة في السابق، ولا يصنع مثل هذه الأنواع من الورق إلا في الصين وسمرقند.
ويذكر صاحب كتاب المسالك والممالك أن من بين الأسرى الذين جلبهم صالح بن زياد من الصين إلى سمرقند، كان هناك عدد من الأشخاص الماهرين في صناعة الورق. فاشتغلوا في هذه الصناعة في مدينة سمرقند، ثم أخذت صناعة الورق تزدهر شيئاً فشيئاً وما زالت كذلك حتى أصبحت سمرقند مركزاً لتجارة الورق واشتهر ورقها في أرجاء العالم، فراحت جميع مدن العالم تطلبه منها.
ويكاد زكريا القزويني (المتوفى عام 682هـ/1283م) أن يتفق مع الثعالبي في هذا الموضوع في كتابه آثار البلاد (ص 360، طبع وستنفلد في كوتينكن عام 1848م) حيث يقول ما مضمونه إن ثمة أشياء جميلة يتم صنعها في سمرقند وتصدر إلى المدن الأخرى، ومن هذه الأشياء الورق السمرقندي الذي لا مثيل له إلا في بلاد الصين. ويذكر صاحب المسالك والممالك بأنه تم جلب عدد من الأسرى من الصين إلى سمرقند وكان من بينهم أشخاص ماهرين في صناعة الورق فباشروا بصناعته في هذه المدينة، ثم أخذ سوق الورق يزدهر فيها وأصبح سوقاً رائجاً تستورد منه المدن الأخرى حاجاتها من الورق.
ولسنا نعرف صاحب كتاب المسالك والممالك الذي نقل عنه الثعالبي والقزويني، فثمة ثلاثة كتب تحمل نفس العنوان وهي المسالك والممالك للإصطخري والمسالك والممالك لابن حوقل. والذي صدرت طبعته الثانية بعنوان صورة الأرض والمسالك والممالك لابن خرداذبه وكل هذه الكتب الثلاثة، مطبوعة في ليدن ضمن مجموعة «مكتبة الكتب الجغرافية العربية» وهي جميعاً خالية من هذا الموضع، ومن ثم يكون الثعالبي والقزويني قد نقلا هذا الموضوع من إحدى الكتب الجغرافية القديمة التي تحمل اسم المسالك والممالك والتي وردت أسماء عدد منها في كتاب الفهرست لابن النديم وكشف الظنون لحاجي خليفة.
يشير كتاب نهاية الأرب)[355]( إلى الورق السمرقندي ويعده من مزايا هذه المدينة، وعبارته في ذلك عين عبارة الثعالبي في ثمار القلوب، ونقل ابن الوردي نفس هذه العبارة في كتابه خريدة العجائب)[356](.
وقد كان الورق السمرقندي مضرباً للمثل في جودته وغلاء ثمنه فمثلاً كتب أبو بكر الخوارزمي رسالة إلى أبي الحسين علي بن دايه، يعتب عليه فيها لإبطائه في المراسلة فيقول)[357](: «أم أن سمرقند بعدت عليه والكاغذ عز لديه؟ فأنا أجهز إليه قوافل تحمل من الكاغذ أوقاراً ويتصل مني إليه قطاراً قطاراً».
يذكر السمعاني في كتاب الأنساب أن نسبة «الكاغذي» تطلق على الشخص الذي يشتغل في صناعة الورق أو بيعه، ويضيف قائلاً: «وصناعة الورق غير معروفة في بلاد الشرق إلا في سمرقند».
ويقول ياقوت الحموي (المتوفى عام 626هـ/1228م) في معرض حديثه عن أبي الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن خنزابه (المتوفى عام 391هـ/1000م) ما مضمونه إن هذا الوزير كان يستورد الورق من سمرقند، ليستعمله الناسخون في استنساخهم الكتب لمكتبته. ويذكر محمد بن طاهر المقدس بأنهم كانوا يصنعون ورقاً في سمرقند خصيصاً للوزير أبي الفضل ويجلبون إليه من مصر مقداراً من الورق كل عام. وقد كان هناك عدد من الناسخين يعملون في مكتبته باستمرار، وفي أحد الأيام استقال أحدهم من عمله، فأمر أبو الفضل باستجوابه ومعرفة السبب في استقالته وأضاف إلى عطائه مائة دينار، فلما رأى الناسخ ذلك ألغى استقالته وعاد إلى عمله.
وينقل محمد بن طاهر المقدسي أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم بن سعيد الحبال قوله: كان أبو نصر السجزي الحافظ قد حضر عند أكثر من مائة أستاذ ولم يبق أحد سواي لم يحضر الدرس عنده، فلما حضر عندي كان معه ما يقارب العشرين جزءاً من الكتب وكلها مكتوبة على ورق قديم، فسألته من أين لك هذه الأوراق؟ فأجاب: إنها من الأوراق التي تجلب من سمرقند إلى الوزير أبي الفضل ثم وقع في يدي بعض كتبه صدفة، فرحت أقتطع منها الأوراق البيضاء وأكتب عليها كتاباتي، فكانت هذه الأجزاء ثمرة هذا العمل»)[358](.
ينقل السيوطي عن البعض قولهم: «قراطيس سمرقند بالنسبة لأهل الشرق كقراطيس مصر بالنسبة لأهل المغرب»)[359]( وغرضه في قراطيس سمرقند هو الورق المنسوب إليها.
لما كانت سمرقند تعد من مدن ما وراء النهر، وشهرة ورقها مقترنة بهذه البلاد، فقد كان بعض المؤلفين يصفون جميع بلاد ما وراء النهر بصناعة الورق، فهذا ابن حوقل، يتحدث عن أهل هذه البلاد فيذكر بأنه يشتهر هؤلاء في الآفاق بصناعة الورق الذي لا مثيل له في أقطار الدنيا بجودته وكثرته»)[360]( وكذلك يذكر الإصطخري وهو مثل ابن حوقل من القرن الرابع الهجري، بأنه لا يوجد في أي من المدن الإسلامية مثل (نشادر) وورق بلاد ما وراء النهر)[361](.
أنواع الورق
كان المسلمون يستعملون القطن ومواد نباتية أخرى في صناعة الورق، ومن الطبيعي أن أنواع الورق تختلف بسمكها ورقتها ودوامها ولونها حسب المواد التي تصنع منها.
يذكر القدماء أن أفضل انواع الورق هو أكثرها بياضاً وصقلاً ومساحة وثقلاً وتناسباً في الحجم وقدرة على البقاء فترة أطول)[362](.
ويتحدث ابن النديم عن ستة أنواع من الورق، كانت شائعة في عصره، ويتعرض لذكر المواد التي كان القدماء يستعملونها في الكتابة ثم يقول بأنهم كانوا يصنعون الورق الخراساني من الكتان وينقل أنه كان شائعاً في عهد بني أمية وفي قول آخر في عهد بني العباس، ويذكر البعض أن صناعته قديمة بينما يذكر البعض الآخر أنه من المخترعات الحديثة.
يروى أن بعض أهل الفن انتقلوا من الصين إلى خراسان وأخذوا هناك يصنعون الورق الصيني أسوة بالصين. وأما أقسامه فهي: السليماني والطلحي والنوحي والفرعوني والجعفري والطاهري)[363](.
وهذه الأنواع الستة هي التي كانت شائعة في البلدان الإسلامية في أواخر القرن الرابع الهجري.
والورق السليماني هو المنسوب إلى سليمان بن راشد الذي كان والياً على خراسان في عهد هارون الرشيد)[364](. والورق الطلحي هو المنسوب إلى طلحة بن طاهر، ثاني أمير بين سلسلة الأمراء الطاهريين الذي كان حاكماً على خراسان من عام 207 إلى 213 (822 ـ 828م) ويبدو أن الورق النوحي منسوب إلى نوح الساماني ولكن أي نوح؟ فربما كان نوح الأول (331 ـ 343: 947 ـ 954م) أو نوح الثاني (366 ـ 387: 976 ـ 997).
والورق الفرعوني هو الورق الذي كان حتى في مصر منافساً للورق البابيروسي، وأقدم كتابة عربية على هذا النوع من الورق يرجع تاريخها إلى حدود عام 180 أو 200هـ (796 ـ 815م))[365](.
ظل هذا النوع من الورق شائعاً إلى ما بعد هذا التاريخ بعدة سنين، فمثلاً يتحدث أحد تلامذة الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا (المتوفى عام 428هـ/1036م) شارحاً حال أستاذه، فيقول:
طلب مني الشيخ الرئيس أن أحضر له ورقاً أبيض، ولما أحضرته اقتطع منه بعض القطع، وجمعت منها خمس قطع في كل واحدة عشرة أوراق وهي تعادل حجم أربعة أوراق من لنوع الفرعوني)[366](.
وأما الورق الجعفري فينسب إلى جعفر البرمكي، الذي قتل في عام 187 (الموافق لـ802م) حين أفل نجم البرامكة.
وينسب الورق الطاهري إلى طاهر الثاني، أحد الأمراء الطاهريين في خراسان (230 ـ 248= 844 ـ 862م)، ويتحدث ياقوت عن نوعين آخرين من الورق؛ الأول الورق الجيهاني)[367]( والثاني الورق المأموني)[368](، ويبدو أن النوع الأول منسوب إلى مدينة جيهان من بلاد خراسان بينما ينسب الثاني إلى الخليفة المأمون (198 ـ 218= 813 ـ 862م).
يذكر السمعاني نوعاً آخر من الورق، وهو الورق المنصوري، ويقول: «من الأشخاص الذين اشتهروا بنسبة الكاغذ إليهم، أبو الفضل المنصور بن نصر بن عبد الرحيم الكاغذي وهو من أهل سمرقند، والورق المنصوري المشهور في خراسان منسوب إلى هذا الشخص المتوفى في سمرقند عام 423هـ»)[369](.
لقد كان الورق المنصوري مشهوراً في جميع البلاد الإسلامية، وكانوا يقلدون طريقة صناعته في جميع هذه البلدان مثل العراق ومصر.
وثمة نوع من الورق المنصوري، ورد ذكره في الكتب القديمة وهو غير هذا النوع الذي أشرنا إليه، ولا يُعرف على وجه الدقة لأي منصور ينسب هذا النوع. ويذكر بعض المؤرخين بأن الوزير أبا الحسن بن الفرات (المتوفى عام 312هـ = 924م) كان من عادته ألا يدع أحداً يخرج من بيته أثناء الليل حتى يدفع إليه شمعة وطوماراً منصورياً»)[370](.
والمقصود بالطومار أو الدرج المنصوري هو مجموعة من الأوراق، مطوية حول بعضها كانت تستعمل آنذاك في كتابة الرسائل والأمور الأخرى»)[371](.
ومن أنواع الورق الأخرى، الذي لم نعرف علة انتسابه، ولم يرد ذكره إلا في نسخة خطية هو الورق الصلحي)[372](.
ومن الأنواع الأخرى للورق، ثمة نوع لم يتسن لنا معرفة اسمه وهو النوع الذي ذكره السمعاني في معرض حديثه عن أبي الحسين الكاغذي المشهور بالدهقان، حيث يقول: «ينسب لهذا الشخص نوع من الورق، لم يستطع أحد مضاهاته في جودة الصنع وبياض الورق ونظافة الجنس)[373](.
ومن المشهورين في صناعة الورق، أبو علي الكاغذي الذي كان معاصراً للسمعاني، صاحب كتاب الأنساب، المتوفى عام 652هـ، الموافق لعام 1166م.
كتب هلال بن محسن الصابي (المتوفى عام 488هـ/1056م) فصلاً عن الأوراق التي كان الخلفاء يكتبون رسائلهم عليها أو يكتب إليهم عليها، ويبدو من قوله)[374]( أنه في الماضي كانت العادة جارية بأن تكتب الرسائل الرسمية على الورق المصري العريض، ولكن بعد أن تعذّر جلبه وندر وجوده، استعيض عنه بالورق الشيطاني العريض، حيث يستفاد من هذا النوع في كتابة المواثيق والأحكام الحكومية والألقاب، وكذلك تتم المكاتبة بين الأمراء والمتنفذين أو معهم بهذا النوع من الورق، ولكن الورق النصفي يستعمل أكثر منه في التوقيعات التي يصدرها وزير الخليفة.
كانت المكتبات الكبيرة القديمة تحتوي في الماضي على أنواع مختلفة من الورق، وكان بعض هذه الأنواع ثميناً جداً، فعلى سبيل المثال يذكر ياقوت الحموي عن الخطاط المعروف ابن البواب المتوفى عام 413هـ (1022م) في معرض حديثه عن مكتبة بهاء الدولة البويهي أن أبا الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب يقول: كنت متعهداً في شيراز بإدارة مكتبة بهاء الدولة ابن عضد الدولة، حيث كان أمرها موكولاً إلي وكنت مسؤولاً عنها. وفي ذات يوم عثرت بين الكتب المبعثرة على نسخة في جلد أسود، فلما فتحته وجدت أنه أحد الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم وهو بخط أبي علي ابن مقلة فدهشت لرؤيته ووضعته جانباً، ثم رحت أبحث عن الأجزاء الأخرى فوجدت منها بين الكتب تسعة وعشرين جزءاً، ولكني لم أعثر على الجزء الثلاثين واستمر بحثي حتى يئست وأيقنت أن الكتاب ناقص. ثم جمعت الأجزاء التسعة والعشرين ووضعتها جانباً، ثم ذهبت إلى بهاء الدولة، فقلت له: ثمة رجل جاء يلتمس العون، وليست حاجته بالأمر الصعب، فهو يطلب من الوزير أن يعينه على خصمه ويقول: إذا قضى لي الأمير حاجتي فسأعطيه الهدية التي جلبتها معي. فقال: وما هي هديته؟ قلت: قرآن بخط أبي علي بن مقلة. فقال: أحضرها، لأقضي حاجته مهما كانت. فأحضرت أجزاء القرآن، وأخذ منها واحداً وتفحصه ثم قال: لدينا في مكتبتنا عين هذا القرآن إلا أنه فقد، فقلت له: إنه ذاته، ثم سردت له قصة جمعي له وكيف وجدته ملقى في الأرض وأخبرته أن جزءاً منه مفقود. فقال لي: أكتب ذلك الجزء وأتمم النسخة، فقلت: سمعاً وطاعة، ولكن بشرط هو أني إذا كتبته ولم يستطع الأمير أن يميزه بين سائر الأجزاء، ينعم علي بمائة دينار. فوافق بهاء الدولة على ذلك.
أخذت أجزاء القرآن ورجعت إلى البيت، ثم ذهبت إلى المكتبة وأخذت أبحث عن أوراق قديمة تشبه أوراق نسخة القرآن حتى عثرت عليها. وكان في المكتبة أنواع من الورق السمرقندي والصيني وكلها غاية في الظرافة والروعة. فأخذت الأوراق التي اخترتها وكتبت عليها الجزء الناقص ثم ذهبته وأضفيت على التذهيب بعض القدم، ثم انتزعت جلد أحد الكتب الموجودة في المكتبة وجلدت به هذا الجزء ووضعت جلداً آخر بدلاً عنه.
نسي بهاء الدولة قصة القرآن، ومضى على هذه الحادثة سنة حتى جاء ذات يوم ذكر أبي علي بن مقلة. فقال لي بهاء الدولة: هل كتبت ذلك الجزء من القرآن؟ فقلت: بلى، قال: فائتني به لأراه فجلبت له الأجزاء الثلاثين، فتصفح الأجزاء كلها ولم يستطع أن يميز الجزء الذي كتبته بيدي. ثم التفت إلي وسألني: أي جزء كتبته؟ فقلت: إذا كانت عين الأمير تميزه فلماذا لا تتعرف إليه؟ إن هذا القرآن كله بخط ابن مقلة، وينبغي أن يبقى الأمر سراً بيننا. فقال: وهو كذلك. ثم احتفظ بهاء الدولة بالقرآن في موضع قريب من محل نومه ولم يرجعه إلى المكتبة. ولكنه لم يعطني الخلعة والدنانير التي وعدني بها، فكلما ألح في المطالبة، كان يقابلني بالوعود والمماطلة، فلما يئست منه، قلت له: إن في المكتبة أوراقاً صينية بيضاء وأوراقاً ممزقة قديمة عديمة الفائدة، وهي بكمية كبيرة، فإذا أذن لي الأمير أخذتها إلى بيتي عوضاً عن الخلعة والدنانير، فقال: إذهب وخذها. فذهبت إلى المكتبة وجمعت كل ما وجدته في المكتبة من هذه الأنواع، فأخذتها إلى البيت وبقيت أكتب عليها لسنين طوال)[375](.
صناعة الورق في العراق
على الرغم من كون شهرة الورق السمرقندي طارت في الآفاق، وكون سائر المدن تستورد حاجاتها للورق من هذه المدينة، إلا ان ذلك لم يستمر طويلاً، إذ انتقلت هذه الصناعة من موطنها الأول إلى سائر البلاد الإسلامية، كما يستشف ذلك من الكتب التاريخية، وكانت بغداد في طليعة هذه البلدان.
يتحدث ابن خلدون في مقدمة تاريخه (ص 206 طبع بولاق عام 1274هـ) تحت عنوان «صناعة الورق» عن هذا الموضوع، فيدلي بمعلومات هامة تلخص بما يلي:
في صدر الإسلام كانت التأليفات والمكتبات الرسمية قليلة والحياة رخيصة، فكانوا نتيجة لذلك يستعملون الجلود الرقيقة في مكتباتهم الرسمية واستنساخ كتبهم وكتابة الأحكام إذ كانوا يعدون الجلود لهذه الأغراض، وهم يختارونها لهذه الأعمال لكون التحريف في الكتابة المدونة على الجلد أمر صعب، ولكن بعد أن كثرت أعمال التأليف وازداد التدوين بصورة كبيرة جداً، لم تعد الجلود تفي بهذه الأغراض، فاضطر الفضل بن يحيى أن يصدر أوامره بصناعة الورق، ثم أخذوا يكتبون المراسلات الرسمية على هذا الورق، وراح الناس يستخدمونه في مكتباتهم الرسمية وتأليفاتهم العلمية، فأخذت صناعة الورق تزدهر باضطراد.
بناء على هذا الحديث يكون الفضل بن يحيى وهو من كبار وزراء بني العباس؛ أول شخص يستحدث معملاً لصناعة الورق في بغداد، ولما كانت ولادة الفضل في عام 147 ووفاته في عام 193 (764 ـ 808م) فإن دخول صناعة الورق إلى بغداد تكون مقترنة بالربع الأخير من القرن الثاني الهجري.
أخذت صناعة الورق تزدهر في بغداد بسرعة كبيرة، وبلغت مراحل متقدمة، بحيث أمر جعفر بن يحيى البرمكي أخو الفضل المذكور فيما بعد باستعمال الورق في الدواوين الرسمية بدلاً عن الجلود.
ويتحدث القلقشندي عن بداية صناعة واستعمال الورق في العراق بما خلاصته أن رأي الصحابة في بادئ الأمر كان أن يكتبوا القرآن على الجلود، لكونها أكثر دواماً من غيرها، وربما كن عزمهم هذا بسبب عدم وجود مواد أخرى في ذلك الوقت، وظل هذا العرف قائماً حتى جلس هارون الرشيد على كرسي الخلافة (من عام 170 إلى 193هـ: 786 ـ 809م) حيث ازدهرت صناعة الورق في عهده وما تلاه وأصبحت هذه الصناعة شائعة بين الناس. وقد أمر هذا الخليفة بالكتابة على الورق حيث يصعب محو الكلمات من الورق أو التلاعب بها، فإذا حاول أحدهم ذلك بانَ التزوير والتلاعب على صفحة الورق بوضوح. ومنذ ذلك الوقت أخذ الورق ينتقل من بغداد إلى سائر البلاد، وتتلقفه المدن البعيدة والقريبة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن)[376](.
بلغت صناعة الورق أوجها في بغداد خلال القرن الرابع الهجري، فكان هناك العديد من معاملها ودكاكين بيعها.
ينقل الصولي بأن حريقاً نشب في بغداد في ذي القعدة عام 332هـ (943م) حيث انطلق من سوق السماكين ثم انتقل إلى دكاكين الوراقين والإسكافيين»)[377](.
ويشير ياقوت الحموي في معجم البلدان في (مادة دار القز) إلى صناعة الورق في بغداد في عصره (القرن السابع الهجري) بأن دار القز: محلة كبيرة إلى جانب الصحراء من بغداد وهي تبعد في الوقت الحاضر عن مركز المدينة بحوالي الفرسخ، ولكنها الآن آلت إلى الخراب، حيث تهدمت جميع أطرافها ولم يبق منها إلا أربعة محلات وهي: محلة دار القز ومحلة العتابين (الذين ينسجون القماش المخطط) ومحلة النصرية ومحلة جهارسوق وأما بقية المحلات فهي مجرد خرائب، ويصنع فيها الورق في أيامنا هذه.
ويذكر ابن عبد الحق المتوفى عام 739هـ: 1338م في كتابه مراصد الاطلاع بأن محلة دار القز تقع في الجانب الغربي من بغداد.
ثم يشير ياقوت في مادة «جهارسوج» إلى أنها ناحية من نواحي بغداد في مقابل محلة الحربية وجميع المحلات المحيطة بها خربة، ولم يتبق منها إلا محلات النصرية ودار القز اللتين يتصلان ببعضهما ويشكلان منطقة مستقلة خلف خرائب بغداد، وتشيع فيها صناعة الورق في أيامانا هذه.
ويبالغ القلقشندي في إطراء الورق البغدادي فيقول: هو (الورق البغدادي) أفضل أنواع الورق التي رأيناها، فهو طري رغم متانته وجوانبه لطيفة وأجزاؤه متناسبة وقطعه غاية في الكبر، وفي أغلب الأحيان لا يكتبون عليه سوى نسخ القرآن الشريف، ولكن يحدث أحياناً أن يكتب الناسخون عليه مراسلات السلاطين»)[378](.
أشرنا فيما مضى في معرض حديثنا عن أنواع الورق إلى «الدرج المنصوري» وقلنا بأن الوزير أبا الحسن بن الفرات لم يكن يأذن لأحد بالخروج من داره خلال الليل حتى يدفع إليه درجاً منصورياً.
وينقل ابن الطقطقي مؤلف كتاب الفخري)[379]( هذه القصة بشكل آخر، ونحن نلخص هذه القصة بما يلي لكونها تتحدث عن كثرة الورق في بغداد.
يقول المؤرخ المذكور ما خلاصته إنه كلما كان ابن الفرات يتصدر الوزارة كان الشمع والورق يشح وجودهما في السوق)[380]( ويرتفع ثمنهما وكذا الحال بالنسبة للثلج حيث كان يتوجب على كل شخص يدخل بيته ـ مهما كان مقام هذا الشخص ـ أن يشرب من ماء الثلج وعندما يهم بالخروج تُدفع إليه شمعة كبيرة نظيفة، وفي بيته حجرة تسمى الكاغد خانه، يدخلها كل شخص فيحمل منها حاجته من الورق ولا فرق في ذلك بين صغير أو كبير.
على الرغم من أن الفخري يستعمل في حديثه هذا لفظ «الكاغذ» إلا أن الصابي يستعمل لفظ القرطاس في كتاب تاريخ الوزراء (ص 195) حيث يذكر بأنه يوجد في جوار منزل ابن الفرات العديد من السلال التي تحتوي أشياء عديدة للمحتاجين إليها ولا يقدرون على دفع ثمنها، ومنها قطع من القرطاس بقطع النصف أو الثلث.
يمكننا أن نعرف حقيقة مهمة حول حجم النفقات الشهرية التي كانت مخصصة للورق في أيام الخليفة المعتضد (279 ـ 289= 892 ـ 902) من خلال حديث الصابي عن أحوال أحمد بن محمد الطائي.
حيث يتحدث الصابي عن حياة هذا الشخص والأعمال التي كانت بعهدته والأموال التي يتوجب عليه دفعها إلى بيت المال يومياً، ومن ضمن ذلك قيمة الورق فيظهر أنه كان خرج الكتاب الكبار وأعضاء الدواوين والمحاسبين والحراس والمدراء والمساعدين وسائر موظفي الدواوين وتكاليف الصحف والقراطيس والورق… تبلغ في الشهر 4700 دينار وفي اليوم 165 دينارً وثلثين)[381](.
صناعة الورق في مدن الشام
بعد أن انتشرت صناعة الورق في العراق، بدأت تتوسع دائرتها لتشمل الشام، فأصبح لها العديد من المعامل التي تنتج أنواعاً ثمينة من الورق، وكانت طرابلس متفوقة في هذا المضمار على سائر مدن بلاد الشام الأخرى، وذلك في حكم بني عمار الشيعة.
شاهد الرحالة والشاعر المعروف، ناصر خسرو هذه المدينة في عام 438 (1047م) ويتحدث عن صناعة الورق فيها فيقول: يشبه بجماله وجودته الورق السمرقندي بل يتفوق عليه)[382](.
ولو لم تكن هذه الصناعة قد بلغت أوجها في طرابلس بني عمار لما كانت تلفت انتباه الرحالة الإيراني إلى هذا الحد.
ومن مدن الشام الأخرى التي عرفت بصناعة الورق في القرن الرابع الهجري؛ طبرية، حيث يشير البشاري المقدسي إلى ذلك)[383](.
وأما دمشق فقد كانت معروفة بصناعة الورق منذ العصور الغابرة وقد ذكر المؤرخون اليونانيون ذلك)[384](.
وقد اشتهر الورق الدمشقي بجودته بين سائر المؤرخين الإسلاميين فيذكر أبو البقاء البدري، من أهل القرن التاسع الهجري بأنه «تنتشر صناعة القرطاس في دمشق، ويُعد من الأنواع الممتازة لصقله وجودته ونظافته»)[385]( والمقصود بالقرطاس في هذه العبارة هو الورق نفسه.
كانت تجارة الكاغذ الدمشقي رائجة بكثرة في بعض فترات التاريخ، وكانت البلدان الشرقية من أوروبا تستورد حاجتها من الورق من بلدان الشرق القريبة منها بصورة مباشرة. وكلمة (Charta Damascina) في اللغات الأوروبية، والتي تعني الكاغذ الدمشقي دليل على صحة ما ذهبنا إليه)[386](.
وصف محمد كرد علي الكاغذ الشامي بالتفصيل في كتابه «خطط الشام» (الجزء الرابع، ص 243) بما ملخصه بأنهم كانوا يصنعون الكاغذ في الشام بعدة أشكال تحت وسائل ضغط صغيرة، وكانت المادة الأولية لهذا الكاغذ هي الحرير. ففي عام 706م، استبدل رجل يدعى يوسف بن عمر القطن الذي كان استعماله في الكاغذ الدمشقي شائعاً بالحرير، وتوجد في متحف «دار الكتب العربية» في دمشق مخطوطة يرجع تاريخها إلى عام 266هـ ويبدو أنها من الكاغذ الدمشقي ذاته، ولا تزال هذه المخطوطة التي تعد أقدم مخطوطة عربية في الشام، محتفظة بكامل وجودها دون أدنى عيب».
ثم ينتقل محمد كرد علي في نفس هذا الكتاب (الجزء الرابع، ص 244) إلى الحديث عن صناعة الكاغذ في حلب، فيقول ما خلاصته: نقل لي أحد علماء حلب بأن الكاغذ كان يصنع في حلب، ولا تزال أحد محلاتها التي كانت تحتوي على معامل للورق تعرف إلى الآن باسم الوراقة. والكاغذ الحلبي معروف بمتانته وصقله ولا يزال إلى الآن يتميز بذلك.
وثمة مدن أخرى في الشام تشتهر بصناعة الكاغذ، وكانت تحتوي على معامل خاصة بهذه الصناعة ومنها حماة ومنبج)[387](.
يتحدث القلقشندي عن الكاغذ الشامي بعد ذكره للكاغذ البغدادي بما خلاصته: أن جنسه أردأ من الكاغذ البغدادي ويشتهر منه نوعان: النوع الحموي وهو أصغر قطعاً من الكاغذ البغدادي والنوع الآخر هو الكاغذ الشامي وجنسه أردأ من الكاغذ البغدادي وقطعه أصغر حتى من الكاغذ الحموي)[388](.
عرفنا مما مر ذكره طبيعة صناعة الكاغذ في الشام وعرفنا أيضاً المدن التي كانت تحتوي على مصانع للورق في أوائل القرن التاسع الهجري ومنها مدينة حماه.
صناعة الكاغذ في بلاد مصر
يذكر المقريزي المتوفى عام 845 هـ (1441م) ـ وبناء على هذا يكون قد عاش في النف الأول من القرن التاسع ـ في كتابه الخطط ناحية بني ريه بن عمرو في الفسطاط فيقول: «توجد فيها في أيامنا هذه معامل لصناعة الكاغذ»)[389](.
وفي موضع آخر من نفس هذا الكتاب)[390]( يذكر: «تنحصر صناعة الكاغذ المنصوري في مصر في مدينة الفسطاط، والمعامل التي توجد فيها ليس لها مثيل في القاهرة. وفي موضع ثالث من نفس هذا الكتاب)[391]( يتحدث عن «خان الوراقين» فيذكر أنه تشتغل في هذا الخان جماعة في صناعة الورق.
ولم يغفل القلقشندي ذكر الكاغذ المصري فهو يتحدث عنه بعد بيان الكاغذ العراقي والشامي فيذكر أنهما أفضل من الورق المصري وهو على نوعين: القطع العادي والقطع المنصوري، والمنصوري أكبر من العادي من حيث القطع، وقلما يحدث أن يصقل وجهاه بينما القطع العادي صقيل من كلا وجهيه ويسميه الوراقون بـ(المصلوح). وثمة أنواع أخرى من الكاغذ المصري هي العالي والمتوسط ونوع ثالث يعرف بـ(الفوّي)، وهو ذو قطع صغير ويتميز بضخامته وخشونته وعدم صقله ومن ثم فهو لا يصلح للكتابة ويستعملونه في لف الحلوى والعطور وغيرها»)[392](.
صناعة الكاغذ في المغرب والأندلس
أخذت صناعة الورق تنتقل بالتدريج من بلاد المشرق أي العراق والشام ومصر إلى بلاد المغرب، فأقيمت معامل لهذه الصناعة في جزيرة صقلية ومراكش والأندلس، وانتقلت من هذه البلدان إلى سائر المدن الأوروبية، ومن ثم يكون المسلمون قد عرفوا هذه الصناعة قبل الأوروبيين وعلى سبيل المثال كان المسلمون يصنعون الكاغذ في جزيرة صقلية في معامل خاصة ثم انتقلت هذه الصناعة إلى شبه الجزيرة الإيطالية)[393](.
ومن بين مدن الأندلس التي اشتهر أهلها بمهارتهم في صناعة الورق كانت مدينة شاطبة، وهي إحدى المدن الكبيرة الواقعة في شرق هذه البلاد إلى الشرق من قرطبة، وقد أفرط مؤلفو الكتب الجغرافية في الثناء على كاغذها، فمثلاً يقول الشريف الإدريسي إن ورقها ليس له مثيل في العالم)[394](. ويقول ياقوت الحموي بأن ورق شاطبة غاية في الجودة وهو ينقل منها إلى سائر مدن الأندلس)[395](.
يشير المقري، المتوفى عام 1041هـ (1632م) إلى وجود نوع من الكاغذ المنصوري في الأندلس)[396](. وقد تحدثنا في ما مضى عن هذا النوع في ذكرنا لأنواع الكاغذ.
ويصف القلقشندي الورق الذي يصنع في بلاد المغرب بالرداءة فهو يفضل الأنواع التي تصنع في الشام والعراق على تلك التي تصنع في المغرب وبلاد الإفرنج، ويصف الأخيرة بأنها غاية في الرداءة لأنها سرعان ما تتهرأ ولا تدوم طويلاً، ولذلك فهم يكتبون القرآن على الجلود كما كان الأمر في الماضي لأنها تحتفظ بوجودها لفترة أطول)[397](.
صناعة الورق في إيران
لم ترج صناعة الورق في إيران كما ينبغي لها في القرون الأولى للإسلام، ومن المفروض أن هذه الصناعة كانت تنتقل من سمرقند إلى إيران قبل أن تنتقل إلى بغداد، لكن يبدو من النصوص التاريخية أن شيئاً من ذلك لم يحدث، وإنما راجت هذه الصناعة في إيران في القرون الأخيرة فقط.
من أبرز المدن الإيرانية التي اشتهرت بصناعة الورق هي مدينة خونج أو خونه، ويتحدث ياقوت الحموي عنها بأنها تسمى في أيامنا هذه (كاغذكنان) أي صانعو الورق وهي تبعد عن زنجان بمسيرة يومين)[398](.
أحجام قطع الورق
كثيراً ما يصادف قراء الكتب العربية القديمة خلال مطالعتهم لهذه الكتب ألفاظاً تتعلق بحجم الورق دون أن يعرفوا معناها. فقد كانت أحجام الورق تختلف في الماضي حسب الغرض المطلوب من الأوراق، إضافة إلى ذلك كانت كل مدينة تحتوي مصنعاً لصناعة الورق تتعارف على منهج خاص في ذلك.
ينقل القلقشندي بعض الأمور في هذا الشأن)[399]( فيذكر عن محمد بن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة)[400]( بأنه كان الخلفاء يفضلون عادة الكتابة على القرطاس أكثر من سائر المواد الأخرى، فكان هؤلاء الخلفاء يكتبون على قطع بثلثي الطومار، بينما يكتب الأمراء على قطع بنصف الطومار ويكتب الكتاب والحكام على ورق بثلث الطومار ويكتب التجار وأمثالهم على ورق بربع الطومار أما المساحون والمحاسبون فيكتبون على قطع بسدس الطومار. وإذن فقد كانت الأحجام المتعارف عليها في السابق هي الثلثان والنصف والثلث والربع والسدس، أما الطومار فيقصد به القطع الكامل من الورق ويبدو أنه القطع البغدادي بعينه الذي يختلف عن القطع الشامي بكونه قابلاً للقسمة إلى الأقسام المذكورة لا سيما وأن بغداد كانت في ذلك الوقت مركزاً للخلافة ومن ثم فقد كان الكاغذ البغدادي يتميز بعدة محاسن ويختلف عن غيره من أنواع الكاغذ بكونه قابلاً للقسمة إلى الأقسام المذكورة.
يتحدث القلقشندي ـ الذي عاش في القرن التاسع الهجري ـ عن وجود تسعة أحجام للورق كانت متداولة في عصره في ديوان سلاطين مصر، ويذكر:
1 ـ القطع البغدادي الكامل وهو بحجم قطع الورق البغدادي أي بعرض ذراع واحد من الأذرع المصرية التي تستخدم في قياس الأقمشة وبطول ذراع ونصف بنفس الذراع المذكور.
2 ـ القطع البغدادي الناقص وهو بعرض أقل من عرض القطع البغدادي الكامل بأربع أصابع.
3 ـ قطع الثلثين من الكاغذ المصري وهو بقطع ثلثي الطومار المنصوري الكامل وعرضه ثلثا الذراع.
4 ـ القطع النصفي وهو بقطع نصف الطومار المنصوري وعرض ذراع واحد.
5 ـ القطع الثلثي: وهو ثلث الطومار المصري وعرضه ثلث الذراع.
6 ـ القطع المعروف بالمنصوري وهو بحجم ربع الذراع.
7 ـ القطع الصغير أو القطع العادي وهو بعرض سدس الذراع.
8 ـ القطع الشامي الكامل وهو بعرض الطومار الشامي وطوله.
9 ـ القطع الصغير وهو بعرض ثلاثة أصابع مضمومة إلى بعضها وهو الكاغذ المعروف بالحمائمي وهو نوع مصنوع من ورق شامي رقيق جداً وهو يستعمل في الملطفات وفي الرسائل التي تبعث على أجنحة الحمام.
أما الأحجام الأخرى التي كانت شائعة في الشام في زمن القلقشندي فلم تكن تتجاوز الأربعة أقسام ويتم اختيارها جميعاً من جنس الكاغذ الشامي وهي كما يلي:
1 ـ القطع الشامي الكامل وعرضه بمقدار طول طومار شامي كامل.
2 ـ القطع الحموي النصفي ويبلغ عرضه نصف الطومار الحموي وطوله بقدر طول طومار واحد.
3 ـ القطع الشامي العادي وهو بعرض سدس الطومار وطول طومار كامل أو أقل.
4 ـ القطع الحمائمي وقد مر ذكره.
الكتب التي صنفها القدماء
في مجال صناعة الكاغذ
قليلة بل نادرة هي الكتب العربية التي صنفها القدماء في مجال صناعة الكاغذ والمواد التي يصنع منها. ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى فقدان الكثير من الكتب القديمة أو أن المسلمين لم يكونوا يعنون كثيراً بهذه الأمور المتعلقة بالفن والحرف.
وعلى أي حال فقد عثرنا على بعض هذه المؤلفات بعد بحث طويل وفيما يلي نشير إليها.
توجد في مكتبة كوركيس عواد ببغداد نسخة خطية حديثة الخط بعنوان «كتاب فضل القلم والخط والمداد» وهي تشتمل على 53 صفحة ولكنا لا نعرف مؤلفها.
ينقسم هذا الكتاب إلى عدة أبواب ويختص الباب الحادي عشر وهو الباب الأخير بكيفية صناعة الورق وصقله وأنواع الأقلام ويبلغ عدد صفحاته أربعاً.
وفي المكتبة الوطنية في مصر رسالة خطية بعنوان «صناعة الورق والليق والحبر» تأليف الخليفة محمود بن سليمان بن عبد الرحمن بن مصطفى أفندي وهي في أربع أوراق ويرجع تاريخ كتابتها إلى عام 1139هـ (1727م) )[401](.
وفي المكتبة الآصفية في الهند ثمة نسخة خطية برقم 221 وهي نسخة واحدة وتشتمل في طياتها على «المخترع في فنون من الصنع» تأليف محمد بن قوام بن صفي بن محمد ضياء ترك الناكوري المعروف بقاضي خان. ويرجع تاريخ تأليف هذه النسخة الخطية إلى عام 876هـ (1471م) ولا يعرف مؤلفها.
تشتمل هذه الرسالة على خمسة عشر باباً، يختص الباب الخامس بصناعة الورق وأنواعه وأسرار الكتابة والمواد التي يمكن بها إزالة الكتابة من الجلد أو الدفتر)[402](.
آداب صناعة الكاغذ
كنت آمل أن أعثر في الكتب المتعلقة بالحسبة على بعض المواضيع التي تتحدث عن صناعة الورق وما يتعلق بالوراقين، ومن ثم طالعت جميع الكتب التي تخوض في هذا المجال وتسنى لي الحصول عليها، ولكني لم أعثر على شيء مما ابتغيته.
والكتاب الوحيد الذي يشتمل على معلومات قيمة وكثيرة في هذا المجال هو كتاب المدخل من تأليف ابن الحاج المتوفى في القاهرة في عام 1336م الموافق لعام 737هـ.
يورد هذا الكاتب في كتابه المذكور فصلاً بعنوان «نية الورق وكيفيتها وتحسينها» وفيما يلي نلخص بعض النكات التي تتعلق ببحثنا:
يقول: «ينبغي على صانع الورق أن يحترز من الغش في صنعته، فمثلاً لا يبيع المشتري ورقاً يبلغ ثمنه ثلاثة دراهم بدلاً عن الورق ذي الأربعة دراهم، فلكل نوع من الورق قيمة خاصة به فهي تتغير حسب درجة البياض والصقل وصناعته في الصيف أو بالعكس أي قلة بياضه ورداءة صقله وصناعته في الشتاء، وكذلك ينبغي على كل بائع أن يبين قيمة ورقه وصفته لكل مشتر، ليخرج من شبهة الغش، وإن لم يفعل ذلك فهو حينئذٍ من جملة الأشخاص الذين قال عنهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا»؟
ويضيف هذا الكاتب نفسه في موضع آخر من كتابه)[403](: «يجب أن يذهب المشتري إلى معامل الورق في وقت يكون فيه العمال ساترين عوراتهم، لأن هؤلاء عادة ما يشدون على خصرهم خرقة رقيقة في أثناء العمل، وهي لصغرها والبلل الذي فيها لا تستر عوراتهم كما ينبغي، فإذا ذهب أحدهم إلى المعامل على هذه الحال فقد ارتكب معصية، ومن ثم فالأولى أن يذهب إليها في وقت يكون فيه العمال قد ستروا عوراتهم.
ثم يوصي بائع الورق بعدم خلط الورق الرقيق مع الورق المخصص للاستنساخ، لأن ذلك بحكم خداع المشتري، حيث إن الورق الرقيق لا يتحمل الضغط. ومن ثم ينبغي على بائع الورق أن يعرض للمشتري الذي يبغي ورقاً للاستنساخ ما يناسب هذا الغرض، وإذا كان يبغي ورقاً للتحرير أعطاه ورقاً رقيقاً ويقول له الحقيقة)[404](.
والوصية الأخرى التي يوصي ابن الحاج بها صناع الورق هي: ألا يستعملوا الأوراق الممزقة التي كتب عليها حتى يعرفوا ما هو مكتوب عليها، لأنها في أغلب الأحيان تكون متضمنة لبعض المواضيع الشرعية التي ينبغي احترامها… وأغلب العمال يطؤون هذه الأوراق بأرجلهم دون علم منهم فيرتكبون بعملهم هذا توهيناً عظيماً.
خاتمة البحث
وفي الختام لا نرى أنا نحيد عن جادة الصواب إذا ما قلنا بأن المسلمين أسدوا إلى عالم الحضارة خدمات جليلة في مجال صناعة الورق وتطويرها. حيث انتقلت هذه الصناعة منذ الأزمان القديمة من الصين إلى العراق والشام ومصر والمغرب والأندلس على يد المسلمين وعلى وجه التحديد في القرن الثاني للهجرة وما تلاه. وما آلاف النسخ الخطية العربية الموجودة في عصرنا هذا في المكتبات العامة في بلدان الشرق والغرب إلا دليل قاطع على مدى التطور والرقي اللذين أحرزهما المسلمون في هذه الصناعة.
بدأ ازدهار ونمو معامل صناعة الورق في مدن البلدان الإسلامية منذ القرن الثاني للهجرة، فراحت تنتج أنواعاً من الورق تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً من حيث القطع والصقل والنعومة والصفات الأخرى.
انتقلت هذه الصناعة بعد ذلك من المدن الإسلامية إلى بلدان الغرب، واستطاع أهل هذه البلدان بآلاتهم العديدة التي نجحوا في صناعتها، أن يبلغوا بصناعة الورق مراحل متطورة ويضفوا عليها أنواعاً من الفنون، وكان ذلك سبباً كبيراً في تراجع صناعة الورق في الأقطار الشرقية وكساد سوقها)[405](.
الوزارة
يرى المؤرخون في تاريخ الوزارة أن منصب الوزارة استحدث في العصر العباسي الأول ولكن الباحث في تاريخ الوزارة في الدولة الإسلامية يواجه صعوبات جمة منها ما يتعلق بأصل اصطلاح (وزير) ومنها ما يعود إلى بداية نشأة منصب الوزير وتطوره ومنها ما يلاحظ من عدم تحديد صلاحيات الوزارة.
فمن الأسئلة التي تواجه الباحث وهو يطالع كتب المؤرخين الرواد عن الوزارة، متى أصبحت الوزارة إحدى المؤسسات الرسمية في الدولة الإسلامية وما هي نظمها؟ أليس من الدقة أن يتحدث مؤرخ الوزارة في الإسلام عن شخصيات تتمتع بصلاحيات معينة تتفاوت درجاتها بحسب قابلية الوزير وحذقه السياسي وتفاوت علاقته بالخليفة. وبمعنى آخر هل هناك منصب إداري ـ .سياسي واضح المعالم يطلق عليه (الوزارة) أم أن الخليفة اختار شخصاً من صحابته أو مواليه أو خاصته (أي من النخبة) ليحمل عنه أعباء الحكم ومسؤولياته أو ليعينه في الحكم والمشورة والتدبير.
إن الجواب على هذا السؤال يجب أن يعين أصل نشوء منصب الوزارة في الإسلام، فالمعروف أن كلمة وزير ليست غريبة على لغتنا العربية أما منصب الوزير وصلاحياته فقد وجدت في دول أخرى قبل أن تقرر أسسه في الدولة العباسية. هذا مع الإقرار بأن المنصب وصلاحياته في الدولة الإسلامية يختلف عما هو، في تلك الدول، كما سنرى فيما بعد.
لقد اعترضت نشأة الوزارة عوامل وتأثيرات متداخلة ومعقدة منها ما يتصل بالتقاليد والعادات العربية ومنها ما يتعلق بتأثير مبادئ الإسلام. وهنا لا بد من الإشارة بأنه ربما كان لادعاء العباسيين بأنهم أصحاب الحق الشرعي في حكم الجماعة الإسلامية وأنهم يمثلون السنّة والجماعة أثر في اختيارهم هذا الاصطلاح القرآني ليدل على مشاور الخليفة الأول ومساعده الأيمن.
وهناك سؤال يتعلق بالأسلوب المنهجي الذي يجب أن يتبعه الباحث في تاريخ الوزارة: هل أن الباحث يجب أن يفترض منذ البداية وجود منصب يسمى (الوزير) يشبه منصب (الوالي) مثلاً، وأن هذا المنصب إذا شغر من وزير قديم فيجب أن يملأ بوزير جديد؟ أم ان فكرة الوزارة مرت بتجربة طويلة قبل أن تستقر أسسها، وأنه كان هناك في البداية نوع من عدم الميل إلى اتخاذ وزير بصورة دائمية وإنما كان الخليفة العباسي يتخذ كاتباً مرة ووزيراً مرة أخرى. ثم أن الباحث في تاريخ الوزارة عليه أن يدرك اعتبارات سياسية وإدارية وثقافية وينظر إلى هذا المنصب من خلال هذه الاعتبارات. فالباحث مثلاً إذا اعتبر الوزير تطوراً للكاتب في العصر الأموي فعليه أن يجد جواباً للتساؤل كيف ولماذا استطاع الكاتب من بين كل أعوان الخليفة وصحابته ومواليه أن يبرز ويبسط نفوذه ويوسع سلطته. ثم ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الوزراء الأوائل وهل كانت لهم صلاحيات مرسومة؟ فإذا لم تكن كذلك ففي أي عصر تبلورت هذه الصلاحيات؟ وكيف كانت علاقات الوزراء الأوائل بالخليفة؟
إن الوزارة مرت بفترات من القوة والضعف أطلق عليها الفقهاء النظريون وكتاب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية مصطلحات منها وزارة التنفيذ. ولكن المؤرخ الباحث يتساءل هل كان هذا الضعف أو تلك القوة نتيجة ضعف في نظام الوزارة أم في شخصية الوزير نفسه؟. أم أن قوة شخصية الخليفة منعت الوزير من ممارسة صلاحياته؟ وهنا تدخل اعتبارات أخرى ذات علاقة بالتنافس بين التكتلات المختلفة في البلاط والإدارة.
أصل اصطلاح وزير
يعتبر اصطلاح (وزير) اصطلاحاً عربياً وأوجه اشتقاقه ثلاثة: فهو إما مأخوذ من الوزر (بفتح الواو) وهو الملجأ لأن الملك أو الخليفة يلجأ إلى رأي الوزير ومشورته، أو مأخوذ من الأزر وهو الظهر لأن الخليفة يقوى ويستند إلى وزير كما يستند البدن إلى الظهر، أو مأخوذ من الوزر (بكسر الواو) وهو الثقل لأن الوزير يحمل عن الخليفة أعباءه ومسؤولياته.
ويرى الزمخشري في (أساس البلاغة) بأن وظيفة الوزير هي أن يؤازر الملك أعباء الملك. وقد قال أبو بكر للأنصار أثناء المشادة حول الخلافة (منا الأمراء ومنكم الوزراء). وقد استعملت العرب قبل الإسلام كلمة وزير في أشعارهم كما سمت به أبناءها مما يدل على شيوع الكلمة واستعمالها لديهم.
يتضح من ذلك أن الاصطلاح عربي في أصله واشتقاقه رغم أن بعض المستشرقين ومن تبعهم من الباحثين قد أعادوا الاصطلاح إلى أصل فارسي قديم فيرى المستشرق بابنجر مثلاً في (دائرة المعارف الإسلامية) أن كلمة وزير مشتقة من كلمة فيشير الفارسية. على أن فيشير تعني بالفارسية قاضياً ثم إن عمل القاضي يختلف عن عمل الوزير. هذا إضافة إلى أن الشبه في الألفاظ لا يقوم دليلاً على الاقتباس. وأخيراً وليس آخراً فإن لغويي العرب اهتموا بتمييز الكلمات الدخيلة على العربية وحاولوا إرجاعها إلى أصولها وقد أجمعوا على أن كلمة وزير عربية استعملها العرب قبل الإسلام ووردت في القرآن وفي الروايات التاريخية عن تاريخ العرب والمسلمين. أما كريستنسن فيعتقد في كتابه (إيران في عهد الساسانيين) بأن نظام الوزارة مقتبس من الدولة الساسانية ويرى بأن ما تذكره المصادر العربية الإسلامية عن نظرية الوزارة تشبه إلى حد كبير نظام الوزارة الساساني، إلا أننا نرد على هذا القول كذلك بأن الوزارة من الناحية النظرية تختلف عن واقعها العملي في الدولة الإسلامية ذلك لأن الفقهاء وكتاب السياسة الشرعية وضعوا نظرياتهم حول الوزارة بعد مدة طويلة من ظهور منصب الوزارة. ويبدو المستشرق جوتين أكثر اعتدالاً وموضوعية في آرائه فيرى بأن أصل اصطلاح الوزارة وكذلك المنصب نفسه ذو جذور عربية ولو أنه استفاد من نظام الوزارة الساساني بعض الشيء فيما يتعلق بصلاحيات الوزير فقط.
ويرى الدكتور عبد العزيز الدوري في (النظم الإسلامية) بأن نظام الوزارة قد تأثر إلى درجة كبيرة بظروف البيئة العربية الإسلامية في نشوئه ثم تطوره، على أن فكرة الوزارة ربما ـ كما يرى الدوري ـ اقتبست من إيران. ويعزز الدوري موقفه قائلاً بأن هذا المنصب يرمز إلى اشتراك الفرس في السلطان الجديد على اعتبار أن الخلفاء عرب ووزراءهم فرس.
وكأن الدوري يريد أن يقول بأن هناك خطة موضوعة ومدبرة في هذا الشأن سار عليها خلفاء بني العباس اعترافاً منهم ـ حسب الفرضية القديمة ـ بفضل الفرس في قيام الخلافة العباسية. ونحن نرد على ذلك قائلين بأن الخلفاء العباسيين لم يكونوا مجبرين على اختيار وزرائهم من الفرس ذلك لأن الثورة العباسية لم تكن فارسية وأن الدولة العباسية لم تقم على أكتاف الفرس كما أثبتت ذلك المخطوطات التي ظهرت إلى النور حديثاً. ثم إن أكثر وزراء العصر العباسي الأول كانوا من (الموالي) المرتبطين بالخليفة ارتباطاً وثيقاً أو من المغمورين الذين شرفهم الخليفة بهذا المنصب لكفاءتهم ومقدرتهم الإدارية. ولذلك فإن ارتباط هؤلاء الوزراء بالخلافة العباسية سواء كانوا فرساً أو عرباً أم موالي كان ارتباط الولاء والإخلاص للدولة، وأن مصلحة الخليفة والدولة العباسية كانت أقوى بصورة عامة من أية مصلحة أخرى مع وجود حالات استثنائية بطبيعة الحال. ولا بد أن نشير هنا بالمناسبة بأن الجاحظ يميز كتلة الموالي عن العجم أو العرب ويجعلهم كتلة متميزة بحد ذاتها مرتبطة بالولاء للدولة. وهذا هو سبب اختيار غالبية الوزراء منهم إضافة إلى أسباب فنية وشخصية وسياسية أخرى.
اصطلاح الوزير في الإدارة
قبل العصر العباسي
رغم أن الوزير يعقوب بن داود وزير الخليفة العباسي المهدي كان أول من حصل على لقب وزير بصورة رسمية موثقة سنة 163هـ (سنة 779م) ولكن الملاحظ أن شخصيات عديدة اضطلعت بمسؤوليات الوزير وصلاحياته قبل يعقوب بن داود وقبل العصر العباسي كذلك. ويبدو أن اصطلاح وزير عرف قبل الإسلام ولكننا لا نعلم بالضبط المراد من الكلمة وأغلب الظن أنها كانت تطلق على المجربين من ذوي الحكمة والرأي الذين يعينون بالمشورة أثناء الأزمات ثم وردت الكلمة أكثر من مرة في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿واجْعَل لي وَزيراً مِن أهلي * هَرون أخي * اشْدُد به أزري * وأشْرِكُهُ في أمْرِي﴾ وهي هنا تدل على معنى الوزير في تلك الفترة التاريخية فهي مشتقة من الأزر وبمعنى آخر تدل على المشاركة في المسؤولية والمؤازرة في العمل.
وقد استعمل اصطلاح الوزير في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ففي رواية تاريخية للطبري أن زيد بن ثابت قال: «نحن أنصار الله ووزراء رسوله». وقد استعمل أبو بكر اصطلاح الوزير في مناقشاته مع الأنصار في اجتماع السقيفة، وفي رواية عن ابن أبي الحديد أن عثمان بن عفان استقدم عدداً من الأمراء والعمال معظمهم من بني أمية وشاورهم قائلاً: «لكل أمير وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي». وفي رواية تاريخية في نفس الكتاب يستعمل علي بن أبي طالب عليه السلام الاصطلاح بنفس المفهوم حيث قال بعد أن رشحه بعض الصحابة للخلافة عقب مقتل عثمان بن عفان: «التمسوا غيري فأنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً».
ولعل هذه الروايات تشير بأن المقصود بالاصطلاح في تلك الفترة من تاريخ الإسلام معانٍ لا تتعدى المشاورة والمؤازرة بالرأي والعمل قد تصل في بعض الأحيان إلى المشاركة الفعلية في الحكم كما ورد في القرآن الكريم وفي حديث زيد بن ثابت ومناقشة أبي بكر أو قد لا تصل إلى المشاركة الفعلية كما في قول الإمام علي عليه السلام.
فإذا جاء العصر الأموي نلاحظ بعض الروايات التاريخية تطلق اصطلاح الوزير على شخصيات تشارك عملياً في رسم سياسة الدولة والمشاركة في الحرب والإدارة. ولهذا نلاحظ أن ابن خلدون يرى بأن مرتبة الوزارة كانت موجودة بالفعل في عصر الخلافة الأموية رغم عدم تقريرها كمنصب سياسي وإداري يحمل صاحب لقب الوزير. يقول ابن خلدون:
«فكانت الوزارة أرفع رتبهم (الأمويون)، هذا في سائر دولة بني أمية فكان النظر للوزير عاماً في أحوال التدبير والمفاوضات وسائر أمور الجبايات والمطالبات وما يتبعها من النظر في ديوان الجند وفرض العطاء لأهله وغير ذلك. فلما جاءت دولة بني العباس، واستفحل الملك وعظمت مراتبه وارتفعت عظم شأن الوزير وصارت إليه النيابة في إنفاذ الحل والعقد وتعينت مرتبته في الدولة.. فصار اسم الوزير جامعاً لخطتي السيف والقلم وسائر معاني الوزارة والمعاونة».
على أننا نخالف ابن خلدون في رايه هذا ونرى بأن الوزارة كمنصب رسمي أو مرتبة سياسية إدارية لم تكن بعد مقررة القواعد مثبتة الأصول بصورة رسمية. ففي رواية للطبري مثلاً يطلق اصطلاح الوزراء على مشاوري الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وصحابته. فلقد جاء وفد من أهل المغرب لمقابلة هشام: «فلما طال عليهم ونفدت نفقاتهم كتبوا أسماءهم في رقاع ورفعوها إلى الوزراء وقالوا هذه أسماؤنا وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه..».
وبمثل هذا المعنى تورد مصادرنا التاريخية روايات عديدة. فقد كان المختار بن أبي عبيد الثقفي يقول إنه: «وزير محمد ابن الحنفية وظهيره» وعلى لسان محمد ابن الحنفية نفسه يقول المختار الثقفي عن نفسه: «أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجيبي لنفسي وقد أمرته بقتال عدوي».
وفي رواية أن رجاء بن حيوة كان: «وزيراً ومستشاراً وقيماً على أعمالهم وأولادهم وكانت له من الخاصة عند سليمان ما ليس لأحد يثق به ويستريح إليه.
ومنذ بدايات العصر الأموي اتهم الضحاك الهلالي بن الحضرمي الذي قدم البصرة يحث الناس على الانضمام إلى معاوية اتهمه بالعمل لمصلحته قائلاً: «أتأمرنا أن نخلع سيوفنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضاً ليكون معاوية أميراً وتكون له وزيراً».
ويبدو أن استعمال لفظ الوزير من المرونة بحيث أطلق على أعوان الولاة وأمراء الأقاليم فقد كان موسى بن نصير وزيراً لعبد العزيز بن مروان أمير مصر بل إن بعض المؤرخين سمى أعضاء الأسرة الأموية الحاكمة وزراء للخليفة بمعنى المشاورين والمساعدين. وجوز الجهشياري إطلاق لقب الوزير على عبد الحميد كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. وإذا كنا نتفق مع ابن طباطبا في أن (الوزارة لم تتمهد قواعدها وتتقرر قوانينها إلا في دولة بني العباس) ومع مقولة ابن المقفع في أن السلطان «لا يستطاع إلا بالوزراء والأعوان» فإننا لا بد أن نشير بأن هذه الأفكار حول الوزارة لم تتبلور مع مجيء العباسيين إلى السلطة بل أخذت بعض الوقت حتى اختمرت وتوضحت.
وعلى ذلك فالصحيح والواقع هو أن المفهوم الأموي للوزير بقي سارياً ردحاً من الزمن خلال العصر العباسي الأول. فلم يكن أبو سلمة الخلال في البداية وزيراً لدولة بل كان وزيراً لدعوة هي الدعوة العباسية وكان لقبه (وزير آل محمد) كما كان المختار الثقفي وزيراً لدعوة ابن الحنفية.
وحين تأسست الدولة العباسية لم يعط لقب وزير بصورة رسمية للخلال وكانت صلاحياته خلال فترة تواجده القصيرة قبل مقتله محدودة وتتضارب مع صلاحيات الخليفة أبي العباس ومع صلاحيات أبي مسلم الخراساني وربما آخرين غيره.
ورغم أن أبا مسلم الخراساني منح لقب (أمين آل محمد) وشارك في عمليات عسكرية في المشرق وبلاد الشام وكان والياً للعباسيين على خراسان. إلا أن أبا مسلم الخراساني حين اختلف مع الخليفة أبي جعفر المنصور وعزم على القطيعة والرحيل كتب إلى الخليفة الرسالة التالية:
(إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدواً إلا أمكنه الله منه وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء. فنحن نافرون عن قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت حريصون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد تقارنها السلامة. فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك وإن أبيت إلا أن تعطي النفس إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي).
فأجابه الخليفة المنصور: (قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم).
وواضح من هذين النصين استمرار ورود اصطلاح وزير في بدايات العصر العباسي بمعنى المساعد والمستشار وأنها كانت تطلق على بعض الولاة والأمراء ممن لعبوا دوراً في الدعوة العباسية وفي نشوء الدولة العباسية.
وفي عهد المهدي العباسي أطلق الاصطلاح على مساعديه في رسم سياسة الدولة وعلى صحابته حيث ترد رواية عن مشاورة المهدي لوزرائه: (فقال المهدي لوزرائه ما تقولون في حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطف).
وواضح من هذا النص أن المهدي يقصد مستشاريه وذلك لأن المهدي كان لديه وزير مسؤول وله صلاحيات معينة بل إن المهدي كان أول خليفة عباسي يصدر مرسوماً رسمياً بتقليد الوزارة ليعقوب بن داود كما سيرد ذلك فيما بعد.
وفي رواية تاريخية أخرى جمع الخليفة المهدي (وزراءه) لبحث تمرد خراسان حيث كسرت الخراج وسألت ما ليس لها بحق: (فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خلائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستنصحهم الرعية).
وتستطرد الرواية نفسها فتشير إلى الحاضرين بأسمائهم أو كتلهم. فقد أمر المهدي مواليه بالابتداء بالكلام ثم قال لعمه العباس بن محمد أن يعطي الرأي الأخير بترجيح أحد الآراء، وأمر محمد بن البعيث بإثبات مقالتهم في كتاب. وكان بين الحضور سلام صاحب المظالم والربيع بن يونس الحاجب وأبو عبيد الله معاوية وزير الخليفة. والفضل بن العباس وصالح العباسي وهارون وعلي وموسى أولاد الخليفة.
والملاحظ في هذه الرواية أنها فرقت بين الأقوياء (اللحمة) وبين الوزراء رغم أنهم جميعاً من الأعوان والمستشارين، كما سمت الرواية كل مستشاري الخليفة بالوزراء رغم أن للخليفة وزيراً واحداً معيناً هو أبو عبيد الله معاوية.
وأخيراً وليس آخراً فلا بد من القول بأن اصطلاح الوزراء بهذا المعنى المطلق الذي استعمله مؤرخونا الرواد في رواياتهم التاريخية يعني في اعتقادنا أول ما يعنيه وجود تلك النخبة أو الصفوة التي يستشيرها الخليفة أو يستعين بها في تدبير أمور السياسة والإدارة وقد كانت هذه النخبة تشاركه في صنع القرار.
الوزارة من الناحية النظرية
أشرنا سابقاً إلى أن الوزارة في نظريتها كالخلافة نشأت من أفكار بسيطة ثم تطورت وتعقدت وحتى استكملت معالمها في فترة متأخرة من العصر العباسي. ولذلك فإن الباحث في الوزارة كالباحث في الخلافة يستشعر بوجود فجوة كبيرة بين الواقع العملي والنظري. ومع ذلك فإن التعريف بنظرية الوزارة مهم لفهم التفكير السياسي والإداري الإسلامي.
إن الوزارة الإسلامية تصنف من قبل كتاب السياسة الشرعية كالماوردي إلى صنفين:
أولهما: وزارة التفويض وفيها يفوض الخليفة إلى وزيره تدبير الأمور برأيه واجتهاده وبهذا يصبح للوزير سلطة مطلقة في الحكم والتصرف والتولية والعزل وصرف الأموال، ويجوز لوزير التفويض أن يحكم بنفسه أو يقلد الحكام في المظالم بدل الخليفة ويتولى الجهاد أحياناً. ولذلك يسميه السيوطي (نائب الملك) ومن أشهر وزراء التفويض البرامكة ويعقوب بن داود في أول وزارته والفضل بن سهل (ذو الرئاستين).
ثانيهما: وزارة التنفيذ والوزير فيها وسيط بين الخليفة والولاة والأمراء والرعية وهو منفذ لأوامر الخليفة ليس إلا ويعرض عليه ما يرد من الأمور ليعمل فيها بما يأمره به الخليفة فهو معين على التنفيذ وليس متقلداً للأمور وكان وزراء المنصور وزراء تنفيذ.
وقد ذكر كتاب الأحكام والسياسة الشرعية الفرق بين وزارة التنفيذ ووزارة التفويض ويمكن تلخيصها بما يلي:
1 ـ إن وزير التفويض يباشر الحكم بنفسه وله حق النظر في المظالم.
2 ـ إن وزير التفويض يحق له تقليد الولاة وعمال الخراج.
3 ـ لوزير التفويض الحق في تسيير الجيوش وتدبير أمر الحرب.
4 ـ لوزير التفويض الحق في التصرف بالأموال وتعيين وجهات صرفها من بيت المال.
5 ـ يشترط في وزير التفويض شروطاً لا بد من اعتبارها عند اختيار وزير التفويض وهي: الحرية والإسلام والعلم بالشرع والمعرفة بأمور الحرب والخراج. وكل هذه الأمور غير معتبرة في وزارة التنفيذ. فلو أقام السلطان وزير التنفيذ من أهل الذمة كان ذلك جائزاً رغم اختلاف آراء الفقهاء في ذلك وحددوا تولية الذميين إلى أضيق الحدود فقال صاحب كتاب (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) إنه لا يجوز تولية الذمي شيئاً من ولايات المسلمين إلا في جباية الجزية من أهل الذمة أو جباية ما يؤخذ من تجارات المشركين. إلا ان هذه الشروط وغيرها بقيت وليس لها واقع عملي في أحيان كثيرة، سواء كانت في الفروق بين الوزارتين أو في الشروط الواجب توفرها في الوزراء.
لقد عالج موضوع الوزارة بالإضافة إلى كتاب السياسة الشرعية العديد من الفلاسفة والعلماء ولعل أقدمهم في هذا الباب ابن المقفع الذي قال:
(لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان ولا ينفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة). ويقول ابن المقفع:
(حلية الملوك وزراؤهم وأبصر الوزراء من بصر صاحبه عيبه بالأمثال) ويشير ابن أبي الربيع في كتابه (سلوك المالك في تدبير الممالك) إلى الوزارة فيقول: (اعلم أنه لا بد لمن تقلد الخلافة والملك من وزير على نظم الأمور ومعين على حوادث الدهور يكشف له صواب التدبير).
وقد ألف أبو الحسن الماوردي كتاباً في أدب الوزير ومما قاله عن الوزير:
(أنت أيها الوزير في منصب مختلف الأطراف تدبر غيرك من الرعايا وتتدبر بغيرك من الملوك فأنت سائس ومسوس تقوم بسياسة رعيتك وتنقاد لطاعة سلطانك فتجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع).
ويستطرد الماوردي ناصحاً الوزير فيقول:
(واعلم أيها الوزير أنك مباشر لتدبير ملك له أس هو الدين المشروع ونظام هو الحق المبتدع. واعلم أنك لن نستغزر موادك إلا بالعدل والإحسان ولن تستدرها بمثل الجور والإساءة لأن العدل استثمار دائم والجور استئصال منقطع).
وقد عالج ابن الطقطي في كتابه موضوع الوزارة والوزير فقال: (الوزير وسيط بين الملك ورعيته فيجب أن يكون في طبعه شطر يناسب طباع الملوك وشطر يناسب طباع العوام ليعامل كلاً من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبة. الأمانة والصدق رأس ماله).
أما ابن خلدون فقال عن الوزارة: (هي أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة). ويرى ابن خلدون بأن الوزارة من أرفع الرتب في الدولة الإسلامية وأن الوزير جمع في أحيان كثيرة خطتي السيف والقلم وسائر معاني الوزارة والمعاونة.
الوزارة في العصر العباسي الأول
لما انتقلت الخلافة إلى العباسيين لم يكن منصب الوزير موجوداً مع معرفة العرب المسلمين به. ويرى المسعودي أن بني العباس (استخارت تسمية الكاتب وزيراً) يؤيده ابن الطقطقي فيقول: (لما ملك بنو العباس سمي الوزير وزيراً وكان قبل ذلك يسمى كاتباً أو مشيراً).
ومن الناحية التأريخية الواقعية تذكر رواياتنا التأريخية بأن جيش العباسيين الذي دخل الكوفة في 11 محرم الحرام سنة 132هـ/ سنة 749م سلم على الداعية أبي سلمة الخلال في الكوفة وسماه (وزير آل محمد) وهكذا ظهر المنصب ولكن قبل إعلان الخلافة العباسية وقبل إعلان الخليفة العباسي والكشف عن اسمه، ولهذا يبقى منصب الخلال غير واضح وصلاحياته غير معروفة.
وبمرور الزمن في عهد الخليفة أبي العباس وقوة الاتجاه نحو المركزية في الدولة العباسية تطلب وجود شخص يعاون الخليفة وهكذا بدأت صلاحيات الوزير تنمو من البساطة إلى التعقيد. ومع أن مسؤوليات الوزير لم تكن في البداية تبعد كثيراً عن مسؤوليات الكاتب في العصر الأموي ولم يكن أبو سلمة الخلال سوى مشاور للخليفة ولم تكن الدواوين كلها بيده. مع ذلك كله فإن ابن الطقطقي يقول:
(إن أول وزير لأول خليفة عباسي أبو سلمة الخلال. وكان من مياسير أهل الكوفة وكان ينفق ماله على رجال الدعوة).
كما يسميه الطبري في رواية تاريخية (وزير الإمام) أي وزير إبراهيم الإمام مفجر الثورة العباسية، وخاطبه أبو مسلم الخراساني بلقب الإمارة والوزارة وكان إبراهيم الإمام يكتب له قبل سنة 127هـ/ 744م ويسميه (داعية الهاشميين ووزيرهم).
ولكن ما هي صلاحيات الخلال كوزير بعد تأسيس الدولة العباسية؟ إن مصادرنا التاريخية لا تحدد بالضبط مسؤولياته وصلاحياته ولكنها تذكر تأسيسه لدواوين جديدة في الكوفة وتعيينه الولاة والعمال على الأقاليم وإرساله الجيوش ضد الأمويين وأتباعهم وقيادته لبعض العمليات العسكرية ضد الجيوب المقاومة للثورة العباسية.
ولكن من جهة أخرى لم تكن الدواوين كلها بيده فقد كان ديوان الجند وهو أهم الدواوين وديوان الخراج بيد خالد البرمكي.
وكان للخلال العديد من صفات الوزير النظرية، فكان فقيهاً عالماً بأخبار العرب وأشعارها وبالسير والتفسير، وكان قبل استيزاره من فئة الكتاب. لقد انتهت سلطة الخلال بسرعة بعد أقل من أربعة أشهر حيث قتل بسبب محاولته نقل الخلافة إلى العلويين واتصاله سراً بشخصيات علوية. إن المتمعن في سبب سقوطه يلاحظ اتساع نفوذه السياسي الذي أصبح واسعاً بحيث بات يهدد نفوذ الخليفة العباسي. ثم يلاحظ المنافسة بينه وبين أبي مسلم الخراساني منافسه القوي حيث تعتبرهما الروايات التاريخية الرجلين القويين الوحيدين في هذه الفترة المبكرة من الخلافة العباسية. وهذا ربما يفسر دور أبي مسلم الخراساني في مقلته من أجل التخلص من نفوذه.
إن نهاية الخلال تعتبر مظهراً من مظاهر الغموض في وضع الوزارة من جهة والتصادم بينه وبين الخليفة أو رجالات الدولة الآخرين من جهة أخرى ولهذا فيمكننا القول بأن إطلاق لقب الوزير على الداعية الخلال لا يدل على أن الوزارة كمؤسسة رسمية قد بدأت أعمالها وصلاحياتها مع بداية الدولة العباسية الجديدة. فهذا التفسير يعتبر نظرياً فقط وقد أشاعه بعض المؤرخين وعلى رأسهم الدينوري (في الأخبار الطوال) الذين رأوا أن من الطبيعي أن تبدأ الوزارة مع بداية الدولة الجديدة.
إن عدم تحديد صلاحيات الوزير وعدم وضوح منصب الوزارة خلال هذه الفترة المبكرة من العصر العباسي جعل التصادم محتوماً بين الوزير الذي يريد أن يسيطر على كل شيء والخليفة الذي يحاول أن يجعله معيناً له فقط. ولهذا لم تكن العلاقة جيدة بين الطرفين ولقي بعض الوزراء مصيراً سيئاً وانتهى العصر العباسي الأول بالتأكيد على سلطة الخليفة. وللسبب نفسه تجنب الوزراء الذين خلفوا الخلال أن يسموا أنفسهم بالوزير ففي رواية تاريخية: (إن كل من استوزر بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمى وزيراً تطيراً لما جرى لأبي سلمة). وقال الشاعر:
إن الوزير وزير آل محمد
أودى فمن يشناك كان وزيرا
على أن العديد من المؤرخين الرواد يعطون لقب وزير إلى أبي الجهم بن عطية الباهلي وهو أحد الدعاة الأوائل الذين شاركوا في الثورة العباسية. ولكن مؤرخين آخرين يشيرون إلى خالد بن برمك باعتباره الوزير الذي أعقب الخلال. إن ذلك يوضح مدى تناقض أقوال المؤرخين حول وضع الوزارة العباسية. وأغلب الظن أن بعض مؤرخينا الرواد حين لاحظوا غياب الوزير بعد الخلال لم يتورعوا عن إعطاء اللقب لهذا أو ذلك من الشخصيات المقربة جداً للخليفة أبي العباس. إلا أن واقع الأمر يدل على أن هذه الشخصيات لم تمنح لقباً معيناً من قبل الخليفة.
وحين جاء المنصور إلى الخلافة بعد أخيه أبي العباس كان خليفة قوياً حازماً ينظر في كل صغيرة وكبيرة بنفسه ولذلك فإن الوزير على عهده لا يتعدى عمله التفيذ وإبداء النصح. ولم يكن له وزير دائم وإنما كان يتخذ كاتباً مرة ووزيراً مرة أخرى. يقول كتاب الفخري:
(لم تكن للوزارة في أيام المنصور طائلة لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء وكانوا لا يزالون منه على وجل وخوف).
ومن أشهر وزراء المنصور أبو أيوب المورياني الخوزي نسبة إلى خوزستان وكان صرافاً في بداية حياته ثم غدا كاتباً لأمير الأحواز في أواخر العصر الأموي. وقد نجح المورياني في إقناع الوالي الأموي على الأحواز بإطلاق سراح أبي جعفر المنصور بعد أن سجنه لنشاطات سياسية ضد الأمويين قبل اندلاع الثورة العباسية، ولم ينس أبو جعفر ذلك للمورياني تقول رواية:
(كانت له بأبي جعفر حرمة رعاها له فخف على قلبه فلم يزل أمر أبي أيوب يعلو ومحله من رأي أبي جعفر يزيد حتى قلده وزارته وفوض إليه أمره كله).
وقد تقلد المورياني الدواوين مع الوزارة مما يشير إلى اتساع سلطته على أن المصادر لا تتفق على إعطائه لقب الوزير. فالطبري لا يمنحه هذا اللقب ويتردد البلاذري في إعطائه له فهو مرة يسميه كاتباً ومرة وزيراً ولكن الجهشياري لا يتردد في تلقيبه بالوزير. ولذلك فنحن نتساءل هل أن إضفاء لقب الوزير على المورياني كان تفسيراً متأخراً من الجهشياري ومن جاء بعده معتمداً على الصلاحيات الواسعة التي تمتع بها المورياني؟؟ ولكن دون شك كان المورياني أكبر من كاتب للمنصور وأنه كان المعين الأول للخليفة دون أن يحمل لقب وزير بصورة رسمية. لقد سقط المورياني بعد خدمة طويلة في الإدارة العباسية ويبدو أن سبب سقوطه يعود إلى تبذيره مبلغ ثلثمائة ألف درهم حيث أمره المنصور باستثمارها في ضيعة فلم يفعل. وقد صودرت أمواله وأموال أعوانه والمقربين إليه ومات في السجن سنة 154هـ (770م). وقال الشاعر بعد موت المورياني:
أسوأ العالمين حالاً لديهم
من تسمى بكاتب أو وزير
لقد كان غضب المنصور على المورياني بمقدار الثقة التي أعطاها له. ولقد كانت هذه الثقة كبيرة لأن نفوذ المورياني وسلطاته كانت واسعة بحيث إن المهمات التي اضطلع بها المورياني وزعت على أكثر من شخصية فقد قلد المنصور ديوان الخاتم للفضل الطوسي وقلد النفقات والعرض للربيع بن يونس وقلد الرسائل والسر لأبان بن صدقة ووزع أمور الضياع والخراج على العديد من الكتاب.
ومع ذلك فإن مصادرنا التاريخية تحاول أن تبرز الربيع بن يونس على أنه الشخصية التي تتمتع بالمقام الأول عند المنصور بعد سقوط المورياني وبقي كذلك حتى وفاة المنصور. وتصف بعض الروايات التاريخية الربيع:
«كان جليلاً نبيلاً منفذاً للأمور مهيباً فصيحاً كاتباً حازماً عاقلاً فطناً خبيراً بالحساب والأعمال حازماً بأمور الملك بصيراً بما يبقي ويذر محباً لفعل الخير».
وقد اشتهر الربيع بلباقته وذكائه وحسن سياسته ولعب دوراً كبيراً في البيعة بولاية العهد للمهدي حيث استوثق البيعة من الهاشميين كافة. وكان يظهر في العديد من المناسبات مع الخليفة وبجانبه يشير إليه ويجيبه على تساؤلاته. وكان مشرفاً على بناء قصر الخلد كما كان مسؤولاً عن رقيق الخليفة ولديه كذلك مفاتيح الخزائن.
ويشير الجهشياري إلى المراسم الرسمية التي اتبعت في تقليد الربيع بن يونس الوززارة والعرض على الخليفة فيقول:
«ولما عزم على تقليد الربيع العرض عليه قال: اجلس في بيتك حتى يأتيك رسولي.. فصار إليه الرسول بدراعة وطيلسان وشاشية. فقال له البس هذا واركب بهذا الزي فركب. فأمر الفراش أن يطرح له مرفقه تحت البساط تقصيراً به عن منزلة المهدي وعيسى بن علي.. فلما وصل إليه قال له: قد وليتك الوزارة والعرض».
وعلى هذا فإن نفوذ الربيع بن يونس في عهد المنصور لم يكن أقل من نفوذ سلفه المورياني ولقد كان الاثنان مساعدين رئيسيين للخليفة دون أن يحق لهما اتخاذ إجراءات مهمة إلا بعد الاستئناس برأي المنصور حيث إن طبيعة المنصور لم تكن تسمح لهما بذلك.
لقد شهد عهد المنصور بداية نظام جديد فمن أجل أن يكون ولي العهد قادراً على تحمل مسؤولياته حيث يأتي اليوم الذي يكون فيه خليفة المسلمين، قرر المنصور أن يلحق بولي عهده المهدي مربياً وكاتباً يدربه ويعده لليوم الموعود. وفي رواية أن المنصور كان «قد عزم أن يستوزر أبا عبيد الله معاوية بن يسار لكنه آثر به ابنه المهدي». ولم يمض وقت طويل حتى غدا أبو عبيد الله معاوية يدير بكفاءة شؤون محمد المهدي قبل خلافته وأن يصبح الرجل الأول إلى جانب المهدي بعد أن أصبح خليفة للمسلمين سنة 158هـ (774م) لقد كان عهد الخليفة المهدي عهد استقرار نسبي ولكن المهدي لم يكن بقوة شخصية والده المنصور بل يميل إلى الترف والبذخ وقد طغت شخصية بعض وزرائه عليه. ولهذا يقول كتاب الفخري: «ظهرت أبهة الوزارة في عهد المهدي» أي أن نفوذ الوزراء وسلطاتهم الواسعة برزت في ذلك العهد. وقد بقي أبو عبيدالله معاوية بن يسار في منصبه أربع سنوات وفوض إليه المهدي تدبير المملكة وإدارة الدواوين. وإليه يعود الفضل في ابتداع نظام المقاسمة أي تنظيم الخراج في أرض السواد على الطريقة العينية. كما أنه صنف كتاباً في الخراج مما يدل على خبرته الكبيرة وتقديره لمسؤولياته.
يؤكد الجهشياري أن أبا عبيد الله معاوية استلم الوزارة والدواوين وفي رواية تاريخية أن أبا عبيد الله:
«كان غالباً على أمور المهدي لا يعصي له قولاً، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال ما يشير به، فلما مات المنصور وتولى المهدي الخلافة فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين».
ويبدو من هذه الرواية أن أبا عبيد الله لم يمنح لقب وزير بعد خلافة المهدي وهذا ما يؤكده الطبري، كما أن الجهشياري لا يشير إلى مراسيم توزيره أو منحه اللقب رغم أنه يقول باستلامه الوزارة والدواوين وهذا يدل على أن اصطلاح وزير كان ولا زال مرناً غير متبلور وأن المفهوم منه في تلك الفترة هو الكاتب الأول للخليفة ومدبر أمور الدولة أو الشخصية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالخليفة وينسحب كذلك على الشخصية الأولى المرتبطة بولي العهد.
على أن سلطة أبي عبيد الله معاوية لم تدم طويلاً فقد نقل المهدي ثقته إلى يعقوب بن داود واتخذه وزيراً له سنة 163هـ (779م). وقد اشتهر يعقوب بن داود بثقافته الواسعة ولباقته وكياسته وحسن تصرفه، وهذه الصفات هي التي جذبت نظر الخليفة المهدي إليه إضافة إلى ميول يعقوب بن داود إلى العلويين. ولما كان المهدي يرغب في إيجاد نوع من الوفاق الودي والمسالمة بين فرعي بني هاشم العباسيين والعلويين فقد اختار يعقوب بن داود لمنصب الوزارة ليقوم بمهمة الوسيط وقد قربه وسماه (أخي في الله) حتى أنه انفرد بتدبير الأمور كلها ولهذا يقول الشاعر:
بني أمية هبوا طال نومكم
إن الخليفة يعقوب بن داود
ولعل أول شخصية سياسية في العصر العباسي تتفق الروايات التاريخية على أنها تلقبت رسمياً بلقب (وزير) هي شخية يعقوب بن داود السلمي بالولاء. وتتباين الروايات التاريخية في الوقت الذي حصل فيه يعقوب على لقب (الإخاء) وعلى (الوزارة) ومنصبها ولكننا نتفق مع رواية الطبري التي تؤكد حصوله على اللقب الأول قبل اللقب الثاني بسنوات وأنه كان له مغزاه السياسي حيث أصدر المهدي توقيعات أثبتت ذلك في الدواوين. فلقد كان من الطبيعي أن يسبق تعيين معارض قديم للنظام العباسي في منصب رفيع كالوزارة إصدار عفو كامل عنه لذلك أعلن الخليفة أنه (أخوه في الله) مشيراً إلى قلب صفحة جديدة. أي أن الإخاء خطوة ضرورية تسبق منحه لقب الوزير وتزيل ترسبات الماضي المريرة. وقد قلد يعقوب بن داود سلطات واسعة في الدولة وكان تأثيره كبيراً فقد (غلب على أمر المهدي ووزارته) (وتفرد بتدبير الأمور كلها) (وفوض إليه المهدي أمر الخلافة). وقد استغل يعقوب الموقف فعين أقرباءه وأنصاره من (الشيعة) في مناصب الدولة المهمة. وكان له في كل إقليم أمين فكان الوالي لا ينفذ أمراً دون أن يستشيره.
ولكن سلطة يعقوب بن داود لم تدم طويلاً حيث حظي بالوزارة أربع سنوات ثم عزله الخليفة وسجنه وقد بقي يعقوب في سجن المطبق ببغداد أعواماً عديدة حتى أخرجه الرشيد فقضى بقية حياته في مكة المكرمة.
استند المهدي بعد يعقوب بن داود على الفيض بن صالح وكان من طبقة الكتاب تربى في الدولة وتأدب وبرع في الكتابة.
ويلاحظ أن الوزارة رسخت في عهد المهدي وزاد نفوذ الوزراء وغدت تسمية الوزراء بمراسيم رسمية كما حدث ليعقوب بن داود. ولكن الخليفة كان ولا يزال يتمتع بسلطة كبيرة حيث يعزل وزراءه ويعينهم كما يشاء. كما يلاحظ أن الخلفاء يسندون كتابتهم ووزارتهم إلى شخص واحد، فقد قلّد المهدي أبان بن صدقة كتابته ووزارته واستمر هذا العرف بعد عهد المهدي كذلك. وعند وفاة المهدي سنة 169هـ/785م كان ولي عهده الأول موسى الهادي والياً على جرجان وارتبط به عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى الذي كان مسؤولاً عن الرسائل كما اعتبر وزيراً لولي العهد، وتحت تأثير زوجته الخيزران قرر المهدي اختيار هارون لولاية العهد الأولى، ولكن موسى رفض التنازل عن حقه عدة مرات مما اضطر المهدي إلى السير إليه سنة 168هـ (784م) ومعه هارون لإجباره على التنازل. وقد ترك المهدي في بغداد الربيع بن يونس حاجبه نائباً عنه في بغداد. وهنا تجدر الإشارة أنه لأول مرة في تاريخ العباسيين يعين الخليفة (نائباً عنه) في بغداد شخصية غير عباسية بل أحد مواليه المقربين له.
وفي الطريق توفي المهدي وعاد هارون إلى بغداد وأخذ البيعة لأخيه موسى الهادي. وفي انتظار عودة الهادي من جرجان التي استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع أصبح الأمير هارون نائباً للخليفة في بغداد يساعده الربيع بن يونس. وخلال هذه الفترة أوعز الربيع بن يونس للخيزران وكتلتها من البرامكة وغيرهم لتأكيد ولاية العهد لهارون بعد الهادي وكتب بذلك إلى الأقاليم. وقد انزعج الهادي لهذا الإجراء المتعجل وهدد الربيع بن يونس، ولكن الربيع الذي غدا من أقدم خاصة الخلفاء في البلاد استطاع أن يسترضيه ويعتذر إليه:
(فاعتذر إليه وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك فقبله وولاه الوزارة مكان أبي عبيد الله بن زياد وضم إليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزمام).
وهكذا أصبح الربيع بن يونس وزيراً للمرة الثانية، ومع هذا فقد أبقى الهادي إلى جانبه العديد من المسؤولين، فكان محمد بن جميل على ديوان خراج العراقين وعبيد الله بن زياد على خراج الشام وما يليه وعلي بن عيسى بن ماهان على الحرس وديوان الجند وعبدالله بن مالك على الشرطة وعلي بن يقطين على الخاتم. على أن اصطلاح الوزير يبقى في هذه الفترة اصطلاحاً مرناً وغير واضح المعالم والصلاحيات ولا يزال يستعمل أحياناً ليعني المستشار والمساعد الأول أو الكاتب الأول. فبعد عودة هارون إلى بغداد تشير رواية تاريخية «وكان هارون خليفة الهادي (في بغداد) ومعه الربيع بن يونس وزيراً» وقد لاحظنا أن للهادي وزيراً حين كان ولياً للعهد هو عبيدالله بن زياد وينعت المسعودي إبراهيم بن ذكون الحراني على أنه وزير للهادي ويؤيده في ذلك الجهشياري.
وهكذا تبقى الوزارة اصطلاحاً مرناً ومنصباً غير محدود الصلاحيات وأن العديد من الشخصيات لقبوا بهذا اللقب ولم يكن عملاً محدداً سوى المشورة وتنفيذ تعليمات الخليفة العباسي. بل إن بعض المؤرخين يطلقون على صاحب ديوان الرسائل وصاحب ديوان بيت المال لقب الوزير بسبب زيادة نفوذهم منذ عهد المهدي.
إن الشخصيات التي تلقبت بلقب وزير بصورة رسمية قليلة جداً، فالخلال منح اللقب باحتفال خاص في عهد أبي العباس ويعقوب بن داود الذي يعتبر أول وزير منح اللقب بمرسوم رسمي صدر عن الخليفة المهدي)[406](، أما ما عدا ذلك فإن الرواة والمؤرخين هم الذين منحوا لقب الوزير لأكثر الموظفين حظوة لدى الخليفة دون أن نجد ما يثبت ذلك في الوثائق أو المراسيم الخلافية للدولة العباسية.
ولعلنا نستنتج من ذلك بأنه لم يكن هناك منصب وزاري لحد الآن بل كان هناك شخصيات تلقبت بالوزير وتمتعت بنفوذ معين اختلف من «وزير» إلى آخر، ولقد اتضح خلال فترة العقود الأربعة أو الخمسة من تاريخ العباسيين الأوائل اتجاهان رئيسيان:
الأول: النمو المتزايد لنفوذ الإداريين من الكتاب (أصحاب القلم) الذين استطاعوا بقابلياتهم أن يضطلعوا بالإشراف على الإدارة مثل المورياني وخالد البرمكي وأبي عبيدالله معاوية.
الثاني: ظهور شخصية معينة من بين خاصة الخليفة ربما كان حاجباً أو مدبراً لأمور القصر أو مساعداً ولكنه غير محترف لأمور الإدارة ثم تزايد نفوذه ليصبح بمرتبة مستشار مثل الربيع بن يونس وإلى حد ما يعقوب بن داود.
إن هذين العاملين وهما القابليات الإدارية والضرورات السياسية سيندمجان ليكونا ما يسمى بالوزير بعد فترة قصيرة. فالوزير يوصف في روايات التاريخ العباسي بكونه كاتباً حاذقاً في الإدارة وسياسياً ماهراً. وهذا ما أثبته يحيى البرمكي حين تولى الوزارة لهارون الرشيد.
وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالإشارة خلال نفس الفترة المنصرمة من تاريخ العباسيين الأوائل وهي أن أغلب وزراء هذه الفترة كانوا من الموالي فكان الخلال مولى لبني الحارث أو لقبيلة سبيع والمورياني عبداً أو مولى فارسياً والربيع بن يونس مولى مغمور النسب وأبو عبيد الله معاوية مولى من طبرية بفلسطين ويعقوب بن داود مولى لبني سليم والفيض بن صالح مولى من نيسابور أمه مسيحية أسلم وانتقل إلى خدمة العباسيين وتربى وتأدب تحت رعايتهم والبرامكة موالي لقبيلة الأزد. ولعل هذه الحقيقة هي التي دفعت بعض المؤرخين المحدثين إلى القول بأن إسناد الوزارة إلى هؤلاء الموالي أو على حد تعبيرهم (العجم) يدل على تقدير العباسيين لمساعدة الفرس أو العجم في نجاح الثورة العباسية ولذلك أشركوهم في الحكم على اعتبار أن السلطة قسمة بين العباسيين العرب وهم خلفاء الدولة والفرس العجم وهم وزراء الدولة. ونكرر القول هنا بأن هذه الفرضية لا أساس لها من الصحة في رواياتنا التاريخية فلا الثورة العباسية قامت على أكتاف الفرس ولم يدر في خلد خلفاء بني العباس أن يرسموا خطة مدبرة لجعل وزرائهم من العجم أو الفرس دون غيرهم.
إن هؤلاء الوزراء كغيرهم من رؤساء الكتاب وأصحاب الدواوين كانوا من كتلة الموالي الذين اصطنعهم الخلفاء فأصبحوا موالي للخليفة وللدولة، ولهذا فإن ولاءهم وإخلاصهم كان للخليفة وللدولة لا لعنصرهم أو إقليمهم هذا مع وجود حالات استثنائية لا يمكن أن تتخذ قاعدة عامة، ومن هذا المنطلق يميز الجاحظ بذكاء وحذق بين كتلة الموالي وكتلة العجم وكتلة العرب فالموالي ليسوا العجم كما وأنهم غير العرب، وتشير روايات تاريخية عديدة إلى مدى التحامهم وإخلاصهم للدولة العباسية، وهو أمر أدركه الخلفاء واستفادوا منه فائدة كبيرة، ثم إنه كان باستطاعة الخليفة أن يتخلص من وزيره إذا ما تعدى هذا الوزير حدود سلطته وبكل سهولة كما لاحظنا، لقد عيّن الخلفاء العباسيون وزراءهم لا لكونهم موالي أو عرباً إنما لقابلياتهم أو صفاتهم وإخلاصهم للدولة.
لقد ظهرت أبهة الوزارة بصورة جلية وتبلورت سلطات الوزير بصورة أدق من السابق في عهد الخليفة هارون الرشيد، وربما كان ذلك يعود إلى اعتماد الخليفة على البرامكة وثقته الكبيرة بهم والمعروف أن المهدي عيّن يحيى بن خالد البرمكي مربياً للأمير هارون ومشرفاً على شؤونه ومرافقاً له في حملاته ومدبراً للمهام التي تناط به. وكان يحيى البرمكي ذا طموح كبير وآمال عريضة أراد أن يحققها من خلال الأمير هارون. فوقف وراءه ليشد من عزمه ويشجعه على التمسك بحقه الشرعي في الخلافة باعتباره ولياً ثانياً للعهد تجاه ضغوط أخيه الهادي.
وحين فوجئ البلاط والناس بموت الهادي المفاجئ استدعت الخيزران يحيى البرمكي بعد الإفراج عنه من السجن وطلبت منه إبلاغ الخليفة الجديد هارون الرشيد بالأمر. وقد ابتدأ الرشيد خلافته بتعيين يحيى البرمكي وزيراً وتفويض أمر الدولة له. فقد خاطبه (فاحكم بما ترى واستعمل من شئت وأسقط من رأيت فإني غير ناظر معك في شيء).
وقد دخل مع يحيى البرمكي عدد من أفراد عائلته وخاصة ولديه الفضل وجعفر، ومع ذلك فإن واقع الأحداث يثبت أن البرامكة لم يكونوا وحدهم في السلطة. فقد ترك الرشيد في السنوات الأولى الكثير من النفوذ لأمه الخيزران حيث استعادت سلطتها التي فقدتها في عهد الهادي. ثم إن يحيى البرمكي كان من الحكمة والذكاء بحيث أشرك الخيزران في الكثير من القرارات التي اتخذها فكان يعرض عليها الأمور حتى اعتبرتها بعض الروايات (الناظرة في الأمور) إلى أن توفيت.
ومع أن البرامكة والخيزران تمتعوا بصلاحيات واسعة إلا أن شخصيات أخرى غالبيتها عربية كانت تنافسهم وتتسقط هفواتهم منذ البداية، نذكر منها الفضل بن سليمان الأزدي الطوسي ومحمد بن فروخ الأزدي ويزيد بن مزيد الشيباني والعديد من أمراء بني العباس وكذلك الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى بن ماهان وغيرهم، وقد لعبت هذه الكتلة دوراً متزايداً في سياسة الرشيد بتقدم الزمن.
ومهما يكن من أمر فإن الدواوين كانت تحت إشراف يحيى البرمكي بعد سنة 171هـ (787م) حيث تمتع بمنصب الوزير. ولكن ما هي صلاحياته كوزير؟ إن مصادرنا لا تعرفنا صلاحياته بالضبط على أننا نعلم أنه كان يرأس الديوان. وأن ديوان الخاتم ضم إليه سنة 171هـ/ بعد وفاة الفضل بن سليمان الطوسي الأزدي وتداول يحيى وولداه الفضل وجعفر رئاسة الخاتم وأعطى المؤرخون أهمية كبيرة إلى منح الرشيد ديوان الخاتم للبرامكة لأن الخاتم يعتبر رمز السلطة والنفوذ اللذين تمتع بهما البرامكة.
الدكتور فاروق عمر فوزي
بعض الوزراء الشيعة
ومن أشهر وزراء الشيعة في العهد العباسي كل من: أبي سلمة الخلال، ومحمد بن الأشعث، وعلي بن يقطين، ويعقوب بن داود، وجعفر بن محمود الإسكافي، وعلي بن الفرات، والفضل بن جعفر بن الفرات، والوزير المهلبي الحسن بن هارون… إلى عشرات غيرهم.
الوسائل
كتاب للشيخ محمد بن الحسن الحر واسم الكتاب في الأصل:
(تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) ست مجلدات تشتمل على جميع أحاديث الأحكام الشرعية الموجودة في الكتب الأربعة وسائر الكتب المعتمدة أكثر من سبعين كتاباً وذكر الأسانيد وأسماء الكتب وحسن الترتيب وذكر وجوه الجمع مع الاختصار وكون كل مسألة لها باب على حدة بقدر الأماكن. واشتهر باسم (الوسائل).
وعليه معول مجتهدي الشيعة من عصر مؤلفه إلى اليوم وما ذاك إلا لحسن ترتيبه وتبويبه، والوافي لملا محسن الكاشي أجمع منه ومع ذلك لم يرزق من الحظ ما رزقته الوسائل لصعوبة ترتيبه وربما كان مؤلفه أكثر تحقيقاً من صاحب الوسائل. وكان لبحر العلوم الطباطبائي اعتناء خاص بالوافي وكان يدرس فيه وأمر تلميذه صاحب مفتاح الكرامة بجمع تقريرات ذلك الدرس ومع ذلك كله لم يجر الوافي مع الوسائل في حلبة، وكم صنف العلماء في أحوال الرجال فلم يرزق كتاب من الاشتهار ما رزقه أمل الآمل على اختصاره وكثرة انتقاد الناس إياه ووضعت عدة كتب في أعصار كثيرة باسم تكملة أمل الآمل.
وعدا (الوسائل) فإن له من المؤلفات:
(1) الجواهر السنية في الأحاديث القدسية.
(2) الصحيفة الثانية من أدعية زين العابدين عليه السلام الخارجة عن الصحيفة الكاملة.
(3) هداية الأمة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام ثلاث مجلدات صغيرة منتخبة من ذلك الكتاب مع حذف الأسانيد والمكررات وكون كل مطلب منه إثني عشر من أول الفقه إلى آخره يذكر المسألة ثم دليلها من الأخبار بحذف الإسناد.
(4) فهرست وسائل الشيعة يشتمل على عنوان الأبواب وعدد أحاديث كل باب ومضمون الأحاديث مجلد واحد ولاشتماله على جميع ما روي من فتاويهم عليهم السلام سماه كتاب من لا يحضره الإمام.
(5) الفوائد الطوسية خرج منه مجلد يشتمل على مائة فائدة في مطالب متفرقة.
(6) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات مجلدان على أكثر من عشرين ألف حديث وأسانيد تقارب سبعين ألف سند.
(7) كتاب أمل الآمل في علماء جبل عامل. وقد جعله قسمين اقتصر في الأول على علماء جبل عامل وذكر في الثاني علماء بقية البلاد. وجعله كالمتمم لرجال الميرزا الكبير.
(8) رسالة الرد على الصوفية تشتمل على اثني عشر باباً واثني عشر فصلاً.
(9) رسالة نزعة الإسماع في حكم الإجماع.
(10) رسالة تواتر القرآن.
(11) رسالة الرجال مطبوعة مع الرسائل.
(12) رسالة أحوال الصحابة.
(13) العربية العلوية واللغة المروية. ذكر فيه ما يتعلق بالعربية من النحو والصرف والمعاني والبيان وما يتعلق باللغة من تفسير الألفاظ الواردة في القرآن وغير القرآن كل ذلك من الأخبار.
(14) إجازات متعددة للمعاصرين مطولات ومختصرات.
(15) ديوان شعر يقارب عشرين ألف بيت.
(16) منظومة في المواريث.
(17) منظومة في الزكاة.
(18) منظومة في الهندسة.
(19) منظومة في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام ووفياتهم وعدد أزواجهم وأولادهم ومدة خلافتهم وأعمارهم وفضائلهم تبلغ نحو ألف ومائتي بيت.
(20) رسالة نزعة الإسماع في حكم الإجماع وغير ذلك.
وفيما يلي كلمة عن الكتاب للشيخ علي خازم:
وهذه الأوراق التي بين يدي محاولة، مبنية على ما قرأته من ملاحظات وإشكالات أُوردت من قبل علماء كبار على الشيخ ومصنفه (الوسائل)، وهذه الإشكالات وإن جاءت في مقام بيان فضيلة الكتاب وكاتبه إلا أنها بمجملها توجه إليه سهام النقد القاسي أحياناً بما يصل إلى حد إسقاط أي قيمة له.
وغرض هذه المقالة إنصاف الكتاب والكاتب، ووضع الملاحظات والإشكالات في مجراها الصحيح لدفع ما يندفع، وبيان وجه الالتزام بما يمكن الالتزام به. وهذا لا يتيسر إلا بالوقوف على اتجاه الشيخ الحر الفقهي ومنهجه في الكتاب مع الالتفات إلى حقيقة ثابتة هي أن الناظر في الكتاب من هؤلاء العلماء الأعلام لا نتهمه بمجانبة الموضوعية إذا انطلق في نقده من اتجاهه الفقهي المخالف، فهو غير مطالب بالحياد في ما تكون ثمرته عمل المكلفين، لكن المؤسف أنه لم يقيض من ناقش الكتاب تفصيلاً إذ لو تم ذلك ولم يكتف بالتعميم لكانت قد تهيأت لنا دورة تدريبية في علوم الحديث والرجال والفقه عظيمة الأثر، وهذا الأسف يتجه إلى متابعي اتجاهه الإخباري ومعارضيه في الاتجاه الأصولي وهذه الملاحظة مبنية على حدود اطلاعي. ولا ينتقض هذا الكلام بما جاء في تحقيق الكتاب.
التعريف بالكتاب
تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة والمشتهر بالوسائل أو بوسائل الشيعة الموجود بين أيدي القراء اليوم في طبعته الكاملة)[407]( يقع في عشرين مجلداً، ضم إليه كتاب من لا يحضره الإمام الذي هو بمثابة فهرست وسائل الشيعة موزعاً على المجلدات مقدماً لما تحويه من كتب وأبواب فقهية دالاً على اختيار المؤلف في الفتوى.
يضم الجزء الأول مقدمة الفهرست ومقدمة الوسائل ويختم الكتاب في القسم الأخير من المجلد التاسع عشر وتمام المجلد العشرين بفوائد اثنتي عشرة، منها جميعاً مضافاً إلى ما أحال إليه في باب القضاء يمكن معرفة المنهج الخاص الذي اعتمده الشيخ الحر في تأليف مصنفه هذا، وبدون هذه المعرفة تكون الملاحظات الموجهة إلى الكتاب محيرة للقارئ الذي تدهشه هوامش المحققات من الكتب الأربعة وغيرها السابقة له، بكثرة وغزارة الإحالة عليه بأجزائه وصفحاته للتثبت وتخريج النصوص.
هذه الدهشة تنبع من أن الواقع العلمي يفرض أن يعرض (الوسائل) على تلك الكتب كما فعل المحقق الفاضل عبد الرحيم الرباني الشيرازي لا العكس، ولكن الظاهر ـ وخلافاً للملاحظات العامة على الكتاب ـ أن تلقي العلماء له بالقول والاعتماد قد بلغ حد الاطمئنان بحيث قال صاحب (القوانين) على سبيل العد لا الحصر: «ثم إن الظاهر أنه يكفي في تحصيل الظن تتبع كل باب بوّبوه في كتب الأخبار لكل مطلب وكل ما يظن وجود ما له مدخلية في المسألة فيه من سائر الأبواب وإن كان في كتاب آخر مثل أن ملاحظة أبواب لباس المصلي في كتاب الصلاة له مدخلية في أحكام الطهارة وغسل الثياب… ونحو ذلك، وهكذا.
وقد صار الآن تتبع ذلك سهلاً عندنا من جهة تأليف الكتب المبوبة مثل الكافي والتهذيب والاستبصار زاد في ذلك إعانة كتاب الوافي للفاضل الكاشاني وكتاب وسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحر العاملي عظم الله أجورهم»)[408]( اهـ.
وإن الاهتمام بتصحيح نسخه قبل الطبع والجهد العظيم الذي بذل في طباعته وإن أعطياه ميزة إضافية إلا أنهما يدلان على شدة طلبه في الأوساط العلمية وما ذلك إلا لقيمته في مجاله.
ماذا في الكتاب
وزع المؤلف كتابه على ستة مجلدات حافظت النسخ المطبوعة حجرياً أو بالحروف على الإشارة إليها ووصف الكتاب هنا ناظر إليها جميعاً بين الأصل والفهرست الذي أعده المؤلف كتاباً مستقلاً.
يضم المجلد الأول تقريظاً للسيد محمد حسين الطباطبائي وأرجح أنه صاحب تفسير الميزان لوصفه بالتبريزي.
ثم مقدمة المحقق الأصلي)[409]( الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي المشتملة على تمهيد في تعريف الحديث وأول من صنف الحديث في الإسلام، والشيعة والحديث مع ذكر طبقاتهم في ذلك ثم تدوين الجوامع الحديثية والجوامع الأخيرة إلى وسائل الشيعة وذكر شروحه وتعاليقه ومزايا تعليقه عليه ومرجع تصحيحه ومزايا هذه الطبعة فموجز عن حياة الشيخ الحر.
بعد ذلك تأتي مقدمة فهرست وسائل الشيعة المسمى في كتاب من لا يحضره الإمام وأبواب مقدمة العبادات العشرة)[410](.
بعدها تأتي مقدمة الوسائل ثم تفصيل أحاديث أبواب مقدمة العبادات في عشرة عناوين.
المجلد الثاني كتاب الطهارة وعناوينه إثنا عشر يسبقها الفهرست.
المجلد الثالث كتاب الصلاة فيه ثمانية عناوين.
المجلد الرابع تابع كتاب الصلاة في سبعة عشر عنواناً.
المجلد الخامس تابع كتاب الصلاة في ثلاثة عشر عنواناً.
المجلد السادس كتاب الزكاة وعناوينه ثمانية وكتاب الخمس في ثلاثة عناوين.
المجلد السابع كتاب الصوم في تسعة عناوين ـ كتاب الاعتكاف.
المجلد الثامن كتاب الحج في سبعة عناوين.
المجلد التاسع تابع لكتاب الحج وفيه عشرة عناوين.
المجلد العاشر تابع لكتاب الحج أيضاً وفيه تسعة عناوين.
المجلد الحادي عشر كتاب الجهاد في خمسة عناوين ـ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يلحق به وفيه عنوانان.
المجلد الثاني عشر كتاب التجارة تسعة عناوين.
المجلد الثالث عشر تابع لكتاب التجارة في أربعة عناوين وفيه كتاب الرهن.
وكتاب الحجر.
وكتاب الضمان.
وكتاب الصلح.
وكتاب الشركة.
وكتاب المضاربة.
وكتاب المزارعة والمساقاة.
وكتاب الوديعة.
وكتاب العارية.
وكتاب الإجارة.
وكتاب الوكالة.
وكتاب الوقوف والصدقات.
وكتاب السكنى والحبس.
وكتاب الهبات.
وكتاب السبق والرماية.
وكتاب الوصايا.
المجلد الرابع عشر كتاب النكاح فيه أحد عشر عنواناً.
المجلس الخامس عشر تابع لكتاب النكاح أربعة عناوين وكتاب الطلاق ثمانية عناوين، كتاب الخلع والمباراة، كتاب الظهار، كتاب الإيلاء والكفارات وفيه عنوانان وكتاب اللعان.
المجلد السادس عشر كتاب العتق ـ وكتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاد فيه عنوانان ـ كتاب الإقرار ـ كتاب الجعالة ـ كتاب الإيمان ـ كتاب النذور والعهد كتاب الصيد والذبايح فيه عنوانان ـ كتاب الأطعمة والأشربة فيه عنوانان.
المجلد السابع عشر تابع لكتاب الأطعمة والأشربة ـ فيه ثلاثة عناوين ـ
كتاب الغصب.
كتاب الشفعة.
كتاب إحياء الموات.
كتاب اللقطة.
كتاب الفرائض والمواريث فيه أحد عشر عنواناً.
المجلد الثامن عشر ـ كتاب القضاء وفيه ثلاثة عناوين ـ كتاب الشهادات ـ كتاب الحدود والتعزيزات فيه اثنا عشر عنواناً.
المجلد التاسع عشر كتاب القصاص وفيه ثلاثة عناوين ـ كتاب الديات وفيه خمسة عناوين.
خاتمة الكتاب في فوائد ضمّ هذا المجلد الفائدة الأولى منها.
المجلد العشرون فيه الفوائد الإحدى عشرة الباقية.
ما هو الكتاب؟
يلاحظ القارئ لمقدمة الوسائل ومن خلال ألفاظ الفهرس الإجمالي الذي قدمه اعتماد الشيخ الحر على التقسيم الذي أسسه المحقق الحلّي في الشرايع للكتب الفقهية وتابعه عليه في تذكرة الفقهاء وكثير من العلماء إلا في عدم إفراده العمرة والفلس بكتابين مستقلين.
هذه الملاحظة تؤكد اتجاه الشيخ الحر لتقديم كتاب فقهي وليس مجموعاً روائياً في المطلق وتظهر صحة هذه الملاحظة بالرجوع إلى قوله: «وقد كنت كثيراً ما أطالب فكري وقلمي، وأستنهض عزماتي وهممي إلى تأليف كتاب كافل ببلوغ الأمل، كاف في العلم والعمل، يشتمل على أحاديث المسائل الشرعية ونصوص الأحكام الفرعية، المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة». ونحن نعرف أن من خصائص الاتجاه الإخباري الذي التزمه الشيخ الحر القول بالاكتفاء بما سأله الشيعة للأئمة وفهموه من أجوبتهم وأحكامهم عن اللجوء إلى الاجتهاد والاعتماد على صحة صدور الروايات المذكورة في الكتب المعتبرة كما سنبينه عن منهجه في محله.
وتوجيه قوله عن الوسائل في مقدمة من لا يحضره الإمام: «.. ويكتفي به أرباب الفضل والكمال في الفقه والحديث، الرجال». إن الكفاية في الفقه واضحة بدلالته على معاني الأحاديث واختياره لها، أما في الحديث فإن في مراجعة كتاب القضاء والفوائد الملحقة بيان تمام مذهبه فيه، وكذلك في الرجال فإنه استوفى الكلام في طرقه إلى أهل البيت عليهم السلام وبذلك تندفع واحدة من الإشكالات الموجهة إلى الكتاب فإن أصحابها أطلقوها وهم ينظرون فيه كمجموع روائي والحال أن الرواية فيه واقعة تحت الاختيار الفقهي على مبناه كما ستعرف في محله.
أهمية الكتاب عند مؤلفه
يظهر اهتما الشيخ الحر بكتاب الوسائل فضلاً عما ذكره في مقدمته، أولاً: من خلال تحرير نفس النصوص الشرعية عن السند وهو بذلك يكون قد جمع بين منهجي الفقهاء المتقدمين ومن تبعهم أولاً بالإفتاء بالرواية مع ذكر السند كما في الكافي ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي، وثانياً الإفتاء بنصها دون سند كما في المقنع والهداية للشيخ الصدوق (ت 381هـ) والمقنعة للشيخ المفيد ويظهر هذا الأمر في كتابه هداية الأمة إلى أحكام الأئمة كما ذكره الآقا بزرك في الذريعة.
ثانياً: شروعه في شرح الوسائل في كتابه تحرير وسائل الشيعة وتحبير مسائل الشريعة قال عنه في مقدمته «لما ألفت كتاب تفصيل وسائل الشيعة التمس جماعة تأليف شرح لذلك الكتاب يشتمل على توضيح الأحاديث وبيان نكتها ووجوه الترجيح وتقدير دلالاتها…» ذكر المتتبعون أنه لم يتم.
ثالثاً: كتابه بداية الهداية في الواجبات والمحرمات المنصوصة من أول كتب الفقه إلى آخرها اختصره من كتابه (هداية الأمة إلى أحكام الأئمة) وقد حصر في آخره عدد الواجبات المنصوصة في ألف وخمسماية وخمس وثلاثين واجباً وعدد المحرمات المنصوصة في ألف وأربعماية وثمانية وأربعين محرماً.
رابعاً: كتابه لحاشية على الوسائل بخطه رآها الآقا بزرك.
خامساً: كتابه فهرست وسائل الشيعة وقد سمّاه من لا يحضره الإمام اشتمل على جميع ما روي من فتاوى الأئمة يذكر لها عناوين وروايات كل باب وهو الذي أشرت إليه أنه مطبوع في مقدمة كل مجلد من الوسائل. وقد ذكر فيه أنه قضى في ترتيبه عشرة أشهر بعد العشرين سنة التي قضاها في جمع الوسائل.
وفي هذا بيان كاف لشدّة اعتنائه بالكتاب بعد تمامه ودلالة على تنقيحه أكثر من مرّة فضلاً عمّا ذكره معاصروه ومنهم الشيخ الأردبيلي من تدريس الشيخ الحر للكتاب في المشهد الرضوي بنفسه. وتأكيد لإدراج الوسائل تحت المصنّفات الفقهية.
منهج المصنّف فيه كما ذكره
يعتبر منهج التحقيق للأخبار الشرعية أهمّ مناهج البحث العلمي، وإذا كانت الأمم الأخرى قد تأخرت في استكشاف المناهج هذه فإن المسلمين قد عرفوها واعتمدوها وما التزموه في مجال الحديث الشريف يكشف عن عقل حر من جهة وعن تدريب لتحرير العقل من جهة أخرى كما يعرفه أساتذتنا من الروايات العلاجية وما إليها من روايات توجيهية عن أئمة الهدى.
وحيث إن مصنفنا يعد من المتأخرين وبحسب تقسيم الفضلي فإنه من أبناء المرحلة الأولى التأسيسية من فقهاء الاتجاه الإخباري فإن توضيح منهجه في الكتاب يحتاج إلى إضاءة على الفارق بين الاتجاه الأصولي والاتجاه الإخباري تكفل بها أحد أساتذتنا وأكتفي بها عن إزعاجكم فيقتصر الكلام على ما ذكره هو عن منهجه في الكتاب مختصراً ذلك من المقدمة والفوائد في الخاتمة:
1 ـ اعتبار علم الحديث مصدر كل العلوم: «علم الحديث أشرف العلوم وأوثقها عند التحقيق بل منه يستفيد أكثرها بل كلها صاحب النظر الدقيق».
2 ـ بيان الغرض من تأليف الكتاب: «كونه كافل ببلوغ الأمل، كاف في العلم والعمل يكون مفزعاً لي في مسائل الشريعة ومرجعاً يهتدي به من شاء من الشيعة».
3 ـ التصريح بمضمون الكتاب «أحاديث المسائل الشرعية ونصوص الأحكام الفرعية».
4 ـ النص على مصادره «الأحاديث المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة» 97 مصدراً مباشراً و94 بالواسطة فيكون المجموع 191 مصدراً ذكرها في الفائدة الرابعة.
5 ـ بيان دليل صحتها «نص على صحتها علماؤنا نصوصاً صريحة» ذكرها في الفائدة التاسعة.
6 ـ المنهج في الاختيار:
«مؤلفاً في شوارد هاتيك الفوائد والفرايد.
مفرداً لكل مسألة باباً بقدر الإمكان.
عدم الاستقصاء في المسائل الضرورية والآداب الشرعية.
ترك الأحاديث التي لا تتضمن شيئاً من الأحكام.
ترك الأخبار المشتملة على الأدعية الطويلة والزيارات والخطب.
الاستقصاء للفروع الفقهية والأحكام المروية والسنن الشرعية والآداب الدينية والدنيوية.
عدم الالتزام بما اشتملت عليه كتب فقه الشيعة لما فيه من الحفظ لأحاديث المعصومين ليكون الرجوع إليهم عليهم السلام لا إلى غيرهم في أمور الدنيا والدين والظاهر أن مراده هنا طريقة التفريع للمسائل لا أنه ينقل عن غير كتب الشيعة كما يشير إليه.
عدم نقل الأحاديث إلا من الكتب المشهورة المعول عليها التي لا تعمل الشيعة إلا بها ولا ترجع إلا إليها».
لم يذكر في الجمع بين الأخبار وتأويلها إلا الوجوه القريبة والتفسيرات الصادرة عن الأفكار المصيبة مع مراعاة التلخيص والاختصار حذراً من الإطالة والإكثار.
7 ـ أسلوب النقل:
«الابتداء باسم من نقلت الأحاديث من كتابه.
تأخير ذكر الطرق والكتب وما يتعلق بها لآخر الكتاب اقتداء بالشيخ الطوسي والصدوق وكذلك تأخير أسانيدهما.
عدم الاقتصار على كتاب «الأحاديث الأربعة».
ما ينقله من غيرها «يصرح باسم الكتاب الذي ينقله».
8 ـ النواقص في غيره من الكتب والمزايا المطلوبة فيه كما ذكرها في المقدمة: «… فإن من طالع كتب الحديث واطلع على ما فيها من الأحاديث، وكلام مؤلفيها وجدها:
لا تخلو من التطويل
وبعد التأويل
وصعوبة التحصيل
وتشتت الأخبار
واختلاف الاختيار
وكثرة التكرار
واشتمال الموسوم منها بالفقه على ما لا يتضمن شيئاً من الأحكام الفقهية وخلوه عن كثير من أحاديث المسائل الشرعية». «وإن كانت بجملتها كافية…».
هذه النواقص وأما المزايا المطلوبة فهي:
تصحيحه وتهذيبه.
تسهيل المأخذ منه.
إتقان ترتيبه.
9 ـ ملاحظات أدى إليها تصنيف الكتاب تعليقاً على «ما اتفق لجماعة من الأصحاب في هذا الباب مثل:
ـ حكمهم على كثير من الروايات بأنها ضعيفة مع وجودها بطرق أخرى هي أيضاً عندهم صحيحة.
ـ دعواهم في كثير من المسائل أنها غير منصوصة مع ورودها في نصوص صريحة.
ـ وحصرهم لأدلة بعض المسائل في حديث واحد، أو أحاديث يسيرة مع كون النصوص عليها كثيرة.
10 ـ المنهج في تصحيح الأخبار.
ذكر طرقه إلى الكتب المذكورة المنقول عنها.
ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحة الكتب المذكورة وأمثالها إجمالاً وتفصيلاً تحصيل القرينة الموجبة لثبوت النقل والوثوق به بوجود أصحاب الإجماع وأمثالهم كأصحاب الأصول والجماعة الذين وثقهم الأئمة.
تحديد القرائن المعتبرة الدالة على ثبوت الخبر أو صحة مضمونه أو ترجيحه على معارضيه.
الاستدلال لصحة الاتجاه الإخباري في الفائدتين التاسعة والعاشرة.
الملاحظات والإشكالات
الواردة على الكتاب
جمعت في هذا المجال أبرز ما ورد مناسبة للمقام وهرباً من التطويل دون مراعاة لسبب معين في تقديم بعضها وتأخير بعض آخر ونقلتها بتمامها مع تصرف بسيط يقتضيه الاختصار ويكون الجواب عليها بعد تمام إيرادها بعرضها على منهجه من جهة ومناقشة بعضها من جهة أخرى.
ـ ملاحظات الشيخ النوري في مقدمة المستدرك في الوسائل:
1 ـ عثوره على «جملة وافية من الأخبار لم يحوها كتاب الوسائل ولم تكن مجتمعة في مؤلفات الأواخر والأوائل وهي على أصناف:
منها ما وجدناه في كتب قديمة لم تصل إليه ولم يعثر عليها.
ومنها ما يوجد في كتب لم يعرف هو مؤلفيها فأعرض عنها.
ومنها ما وجدناه في مطاوي الكتب التي كانت عنده وقد أهمله أما للغفلة عنه أو لعدم الإطلاع عليه».
2 ـ ثم يعرِّض بأمور من خلال بيان ما في المستدرك من صفات بقوله «فبلغ بحمد الله تعالى لو شئت لجعلته جامعاً أصيلاً وإلا فلهذا الجامع المنيف مستدركاً وتذييلاً فكم من خبر ضعيف في الأصل يوجد في التذييل صحته.
أو واحد غريب تظهره فيه كثرته.
أو مرسل يوجد طريقه وسنده أو موقوف يكشف فيه مستنده أو غير ظاهر في المطلوب تتضح فيه دلالته.
وكم من أدب شرعي لا ذكر له وفيه ما يرشد إليه.
وكم من فرع لا نص فيه يظهر من التذييل أنه منصوص عليه».
ـ ملاحظات الشيخ يوسف البحراني صاحب لؤلؤة البحرين فيه كما نقلها الميرزا محمد باقر الموسوي في روضات الجنات الجزء السابع من ترجمة الشيخ الحر: «لا يخفى أنه وإن كثرت تصانيفه (قده) كما ذكره إلا أنها خالية من التحقيق والتحبير، تحتاج إلى تهذيب وتنقيح وتحرير كما لا يخفى على من راجعها وكذا غيره ممن كثر تصانيفه كالعلامة وغيره، ولذا إن بعض متأخري أصحابنا رجح الشهيد على العلامة وقال إنه أفضل لجودة تقريره وحسن تحبيره وكذا مصنفات شيخنا الشهيد الثاني فإنها مشتملة على مزيد التحقيق والتنقيح والتقرير…».
ـ ملاحظات السيد حسين الطباطبائي البروجردي كما نقلها نجله السيد محمد حسن في مقدمة (جامع أحاديث الشيعة):
ـ احتياجه إلى تنقيح وتهذيب وتكميل فإن كتابه أشبه بكتاب الفقه من الحديث.
ـ وأراد أن يجمع ما دل من الأخبار بزعمه على حكم فرع من الفروع الفقهية ولم يكن قاصداً على أن يأتي بها بنظام تام.
ـ ولذا قد فرق بين ما ينبغي أن يجمع وجمع بين ما ينبغي أن يفرق.
ـ وكثيراً ما أورد الأحاديث في غير بابها ووضعها في غير مواضعها.
ـ ولم يضبط أحاديث الكتب الأربعة كما في الأصول بل اكتفى بذكر الخبر عن أحد الشيوخ ثم قال رواه الكليني أو الشيخ أو الصدوق مع أنه ربما تختلف متونها في الألفاظ التي يختلف بها المعنى المقصود واهمل هذا في غير الأربعة مما أهمله فيها.
ـ وخلط فيه الآداب والسنن بالأحكام الفرعية.
ـ ولم يعين مواضع ما أشار إليه من الأخبار بل قال في أواخر أكثر الأبواب «تقدم ما يدل على ذلك، ويأتي» ولا بد لمن أراد أن يطلع على الأدلة المتقدمة والمتأخرة أن ينظر الكتاب من البدو إلى الختام ومعلوم أن هذا في غاية الإشكال.
ـ ولم يذكر فيه الآيات المتعلقة بالأحكام.
ـ ولا ما استدركه صاحب المستدرك رحمه الله من الأخبار.
ـ … ولا يخلو عن تكرار الأبواب والأحاديث وتقطيع الأخبار والأسانيد.
ملاحظات المحقق للكتاب الفاضل الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي وقد أشار إلى أنه استفادها أيضاً مما سمعه من آية الله البروجردي «قده» وتلاحظ ذلك من مقارنته بما سبق:
ـ إهمال مواضع مصادره.
ـ تقطيع كثير يوجد في أكثر أبوابه.
ـ الاقتصاد بقوله «ورواه… مثله أو نحوه» عن ذكر متن الحديث.
ـ والإجمال في قوله ذيل الأبواب: «وتقدم ما يدل على ذلك ويأتي».
ـ وربما يوجد اختلال في بعض الإسناد أو المتون بسبب التقطيع.
مناقشة الإشكالات
وإني وإن لم أكن أهلاً لذلك فسأستفيد من منهج الشيخ الحر نفسه، ومن أقوال العلماء المحتجين أو المدافعين فأكون بذلك كالآلة في هذا الغرض:
أولاً: بالنسبة لما ذكره صاحب المستدرك وتبناه السيد البروجردي قدس الله نفسيهما من جهة اجتماع جملة وافية من الأخبار لم يحوها كتاب الوسائل والتقطها الشيخ النوري فإن العلامة الراحل آقا بزرك الطهراني قد ذكر في ترجمة شيخه النوري صاحب المستدرك أموراً خارقة وعجيبة في توفيقه، بالحصول على أصول وكتب مفقودة حتى أنها كانت معدودة في ما ضاع من الآثار ومن ذلك شراؤه لأصل من الأصول الأربعماية بقيمة ثوبه بعدما وجده بيد من كان يدلل عليه في السوق مخافة أن يضيع، وبمثل هذا التوفيق لا يكون في بذل جهد الشيخ الحر عيب ولا تقصير.
ثانياً: إن إعراضه عن بعض الكتب لعدم معرفة مؤلفيها ليس عيباً طالما كان هذا الإعراض موافقاً لمبانيه، نعم يمكن مناقشته فيها وهذا أمر آخر.
ثالثاً: القول بالغفلة وعدم الاطلاع على بعض الأخبار في الكتب التي كانت عنده يبقى دعوى بلا دليل ما دام هو قد صرح في المقدمة أنه لا يقصد الاستقصاء.
رابعاً: وصف الشيخ النوري للمستدرك بما اعتبرناه تعريضاً إنما توفر لصاحبه لما ذكرناه أولاً، ولوجود أساس أضاف إليه هو نفس الوسائل. وهي تقريباً بتمامها نفس المحاسن التي ذكر مصنفنا أنها اتفقت له بعد الانتهاء من الكتاب كما ذكرناها عند الكلام عن منهجه.
خامساً: القول بخلو الكتاب من التحقيق والتحبير وهي تهمة اتجهت أيضاً إلى كتابه أمل الآمل وأكدها صاحب روضات الجنات بقوله: «بل الخلو عن التصرف والتحقيق ودقة النظر في مقام فهم النصوص، والجمع بين متناقضات الأخبار إنما هي علة توجد في غالب من كان على طريقة الإخبارية..».
هذا القول مردود بمنهج الشيخ الحر في الكتاب حيث صرح بأن مضمونه: «أحاديث المسائل الشرعية ونصوص الأحكام الفرعية ليكون» كافياً في العلم والعمل من خلال «تصحيحه وتهذيبه، وتسهيل المأخذ منه، واتقان ترتيبه».
فليس هو كتاب فقه استدلالي، ولذلك رأينا أن المصنف قد شرع في كتابة شرح على الوسائل أسماه (تحرير وسائل الشيعة وتحبير مسائل الشريعة) وهو كما وصف الآغا بزرك المجلد الأول منه يدل على إتيانه فيه بما أشكل عليه هنا.
سادساً: بالنسبة لما نقل عن السيد البروجردي لجهة اعتباره (الوسائل) أشبه بكتاب الفقه، مر معنا أنه فعلاً كذلك وهو مختاره من الروايات وليس الكتاب مصنفاً ليكون مجمعاً للحديث عن منهاج المحدثين. وهكذا تكون الملاحظة الثانية والثالثة والرابعة منه «قده» موضحة لحقيقة مراد الشيخ الحر من كتابه هذا وليست إشكالاً عليه.
سابعاً: ملاحظة خلط الآداب والسنن بالأحكام الفرعية يردها منهج الشيخ الحر الذي قدمها مع الإشارة إلى ذلك بقوله «وإن خرجت عما اشتملت عليه كتب فقه الإمامة» واستظهرنا في الكلام عن منهجه أن مراده بذلك طريقة التفريع للمسائل وقد جعل غاية ذلك «ليكون الرجوع إليهم عليهم السلام لا إلى غيرهم في أمور الدنيا والدين».
ثامناً: إنه لم يذكر في الآيات المتعلقة بالأحكام، وهذا الإشكال لا يتجه إلى الكتاب بل إلى الشيخ الحر نفسه وأنت خبير بموقف الإخباريين من ظواهر القرآن ولذلك تجد في مصادر (الوسائل) التفاسير الروائية.
تاسعاً: ما بقي من ملاحظات السيد البروجردي والتي اتفق فيها النقل عنه بين ولده السيد محمد حسن وتلميذه الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي الخمس المذكورة آنفاً صحيحة وبالجهد المشكور للشيخ الشيرازي تم تجاوزها وبذلك ظل (الوسائل) عمدة الفقهاء والمتفقهين ومرجعاً أساسياً في التعليق والتحقيق وتخريج الروايات وما إلى ذلك من مطالب علمية وعملية.
خاتمة
كتب الشيخ الحر في آخر كتابه أمل الآمل سنة 1097هـ أي قبل وفاته بخمس سنين وكان قد مضى على كتابة (الوسائل) خمسة عشرة سنة لأنه انتهى منه في سنة 1082هـ «… ولعل من كان أكثر مني تتبعاً وعلى أحوالهم ومؤلفاتهم اطلاعاً يقدر على الزيادة على ما ذكرته أو يمكنه أن يجمع أضعاف ما جمعته، خصوصاً بعدما فتحت له الباب وكشفت له عن محاسن تلك الخرائد النقاب وقد اشتهر المثل السائر ونطق به الشاعر والناثر «كم ترك الأول لللآخر» وقد تقدم في المقدمات عبارة ابن إدريس في آخر السرائر».
وهي ما ذكره في الفائدة الرابعة «لا ينبغي لمن استدرك على من سلف أو سبق إلى بعض الأشياء أن يرى لنفسه الفضل عليها لأنهم إنما زلوا حيث زلوا لأجل أنهم كدوا أفكارهم وشغلوا زمانهم في غيره ثم صاروا إلى الشيء الذي زلوا فيه بقلوب قد كلت ونفوس قد سئمت وأوقات ضيقة ومن جاء بعدهم قد استفاد منهم ما استخرجوه وقف على ما أظهروه من غير كد ولا كلفة وحصلت له بذلك رياضة واكتسب قوة».
وقد ختم الفائدة الخامسة منه بقول أحد الشعراء:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً
ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثاً
وسيغدو هذا الحديث قديما
ولعل هذا أبلغ كلام يمكن الاختتام به والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علي خازم
الوسيلة
كتاب لابن حمزة
ابنُ حَمزَة هو عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي، فقيه في القرنين 5 ـ 6هـ/11 ـ 12م، وصاحب كتاب الوسيلة، لا تتيسر معلومات دقيقة عن حياته وشيوخه وتلامذته. وأقدم من أشار إليه منتجب الدين (ت بعد 600هـ) فذكر أنه فقيه وأورد له عدداً من الكتب منها الوسيلة، وورد في مصادر أن قبره في ضواحي كربلاء.
وعدا كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة الذي طبع في طهران سنة 1276هـ/1859م ضمن الجوامع الفقهية، وفي النجف، 1399هـ/1976م وفي قم 1408هـ فإن له كتاب الواسطة، وكتاب المعجزات.
وقعة الجمل
تأليف: ضامن بن شدقم بن علي الحسيني المدني، كان حياً سنة 1090هـ.
كتاب مخصّص لذكر وقائع وأحداث معركة الجمل التاريخية التي دارت رحاها قرب البصرة سنة 36هـ بين الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد بيعة المسلمين له بالخلافة، وبين الذين نكثوا بيعتهم له، كما يتعرّض لذكر ما رافق هذه المعركة من أحداث ومواقف المشاركين فيها وغيرهم قبل وأثناء المعركة وبعدها.
الولاية عن الجائر
رسالة صغيرة مخطوطة للسيد المرتضى ألّفها للوزير «أبي القاسم الحسين بن علي المغربي» سنة 415 وهي تعالج مشكلة ضاق بها الإمامية في مختلف عصورهم، وحالت بين متورّعيهم وقبول الولاية من الخلفاء، وإذ أن القرن الرابع دفع بالإمامية ومنهم «السيد الشريف» إلى قبول المناصب من لدن الخليفة العباسي، فقد ألّفت هذه الرسالة حضاً للإمامية على تقبّل الوظائف، تبريراً لموقف السيد نفسه ـ فيما يخيل لي ـ.
وأهمية الرسالة تعود إلى تصويرها مجالات عمل الإمامي في الدوائر التي لا يعترف بشرعيتها، وما يمتنع أن يقوم به من أعمال الدولة وبخاصة القضاء، وتنفيذ الأحكام. وقد ورد ذكرها ضمن إجازة الريف لتلميذه «البصروي».
وليلي)[411](
هي المدينة التي انطلقت منها دعوة إدريس بن عبدالله بن الحسن في المغرب حيث قام بأمره فيها عبد الحميد بن إسحاق الأوربي سنة 172هـ (788م).
على السفح الغربي لجبل زرهون الذي يشكل إحدى مقدمات جبال الأطلس الصغير تتكئ مدينة وليلي بنوع من الهدوء، لتفسح المجال لأفواج السياح تستقرئ من خلال معالمها التاريخية ما أبدعه العنصر الروماني في المغرب من حضارة تبقى عملياً مجسدة لما ألفه في موطنه الأصلي. مدينة تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي أربعين كيلومتراً مربعاً تتوسطها أطلال ومعالم تاريخية تحمل، من حيث بعدها الزمني، مزايا معمارية لا تخرج عن المتآلف عليه في باقي المدن الرومانية الإغريقية، وإن كان بعض المصادر التاريخية التي اتخذت من هذه القلعة موضوعاً لها اعترف بعجزه في تحديد هوية بعض أطلالها المتناثرة الأطراف والتي كانت عرضة لعدد من الغزوات التي تلت تواضع الجنس الروماني في المغرب.
وليلي
بقايا وليلي القديمة
شكلت مدينة وليلي منذ تأسيسها في القرن الرابع قبل الميلاد متنفساً جديداً لعدد من الغزاة الرومانيين، ولم يكن استقرارهم في هذه المنطقة من المغرب وليد الصدفة وإنما ظل يمليه عدد من المعطيات التاريخية والجغرافية، إذ أنها عرفت من جهة السواحل المغربية سيلاً من الأحداث المتميزة التي ساهمت فيها أنشطة القراصنة الأوروبيين زهاء قرن من الزمن، الشيء الذي دفع بعض التجار الإغريق إلى البحث عن أماكن جديدة تنعم بنوع من الاستقرار، ليجدوا في هذا الإطار هذه المنطقة المتاخمة للقبائل البربرية والمطلة على المحور التجاري الرابط بين المناطق المغربية الريفية والصحراوية.
وبعد استتباب الأمن الداخلي في سهل سايس وباقي القبائل البربرية وظهور أنظمة تجارية حدت من تحركات القبائل الأجنبية والمغربية، عملت الأسر الرومانية على إعطاء قلعة وليلي بعداً فنياً ومعمارياً لا يختلف من حيث مضمونه الثقافي والفكري عما كانت عليه المدن الإغريقية. ولعل هذا المعطى المتميز في الغالب يمكن أن يستشف من النظام المعماري والمؤسساتي الذي ظلت تحمله وليلي إلى اليوم، فما أن يهم السائح بدخول هذه القلعة التاريخية حتى يقوده ممر عريض إلى ما يعرف بالجزء العسكري، حيث تنتشر اسطبلات الخيول التي يصل عددها إلى مئة إسطبل كان يعدها القادة العسكريون لإنجاب الخيول المتميزة، فيما كان يرابط ببعضها الآخر الخيول المعدة للحراسة والتنقل. وإلى جوار هذه المعلمة تبدو ساحات تدريب الجند التي تتوسطها أقواس مشيدة من الإسمنت الممزوج بقطع من الحجر الصلب. أما الواجهة الثانية لهذا الفضاء فتنتشر فيها الحجرات التي يرجح أنها كانت توظف لخزن المؤن الغذائية والذخيرة.
وعلى خلاف هذه المعالم التاريخية تضم الجهة الجنوبية لقلعة وليلي نماذج معمارية لا تقل أهمية عن الأولى وإن كانت كلها تشكل وحدة متجانسة ظلت تفرضها المعطيات الثقافية والاجتماعية السائدة في ذلك الزمن، حيث تبدو في هذا الإطار المعالم المعمارية متفردة بأنماط هندسية يمكن ملاحظتها في معبد «أزدونس» الذي تبلغ مساحته حوالي 400 متر مربع تعلوه أبراج يغلب عليها الطابع العقائدي والعسكري، فيما انفردت مساحته الداخلية بأسلوب معماري تجسده الفسيفساء الممثلة لرأس أحد القادة الرومانيين ويدعى «ميدوس».
أم في الواجهة الأمامية للمعبد فتبقى المنحوتات والنقوش على بعض الصخور شاهدة على غنى وثروة سكان هذه المدينة الرومانية القديمة.
وعلى بعد أمتار فقط من هذا المعبد القديم تظهر مدينة صغيرة شبه منعزلة تسيجها أسوار متداخلة يقطعها ممر ضيق يؤدي إلى ما يعرف باسم «مقر السلطة» ويتكون من قاعتين مستطيلتي الشكل كانتا توظفان من طرف العسكريين والمدنيين الرومان لتدارس قضايا المجتمع الروماني المرابط داخل القلعة.
- () ما أطلق عليه اسم المنطقة الشرقية هو موطن الشيعة هناك. ↑
- () العلويو النسب. ↑
- () المقصود بالهند هنا الهند القديمة قبل تقسيمها. ↑
- () هو جغرافي فارسي الأصل من مؤلفاته: المسالك والممالك. ↑
- () المسالك والممالك، ص 57. ↑
- () المسالك والممالك، ص 88. ↑
- () معجم البلدان، ج7/ص18 ـ طبعة مصرية. ↑
- () لسان العرب، ج3/ ص 223 ـ الطبعة الجديدة ـ بيروت. ↑
- (* ) اسمه الأصلي فتح علي بن حيدر علي. كان حيدر علي رجلاً عصامياً ارتقى سلم المجد من أول درجة حتى أصبح قائداً عاماً للقوات في البنغال. وكان أثر ذلك واضحاً في تربيته لابنه. نشأ فتح علي على الشجاعة والبسالة والأخلاق الحميدة، وتعلم فنون القتال منذ نعومة أظفاره، وبعد وفاة أبيه أصبح حاكماً لولاية البنغال، وأصبح اسمه تيـﭘو سلطان، ولقب بأسد البنغال لوقوفه في وجه الإنكليز بشجاعة نادرة المثال حتى أنه قال:«يوم من حياة الأسد خير من مائة يوم من حياة ابن آوى». استمر تيـﭘو سلطان يقاتل الإنكليز ويدحرهم عن البلاد حتى استشهد والسيف في يده. ↑
- () System Subsidiare. ↑
- () صار بعد ذلك رئيساً للجمهورية. ↑
- () راجع: أود. ↑
- () Percival Spear: Twilight of the Moghuls, (Cambridge, 1951), P.34. ↑
- () «Our Indian Musslmans» by Sir William Hunter. ↑
- () نفس المرجع. ↑
- () نفس المرجع ↑
- () راجع: أود. ↑
- () أزهار اللوتس، معروفة في كتب الطب، وكانت لدى الهنود القدامى تحمل معنى الانتقام والعقاب. ↑
- () كان السير جيمس أوترام قد أنزل قوات قوامها 5 آلاف عسكري إنكليزي في ميناء بوشهر جنوب إيران قبل أشهر من اندلاع ثورة الهند الكبرى، لإجبار إيران على الخروج من ولاية هرات بعدما استطاع الأمير سلطان مراد ميرزا حسام السلطنة السيطرة عليها وقد اشتبكت القوات الإنكليزية مع قوات علي خان شجاع الملك قائد قوات إيران وإيلخاني قشقائي، وكانت الغلبة للجانب الإنكليزي الذي فرض على إيران معاهدة تتعهد بموجبها بالانسحاب من هرات وضواحيها مقابل انسحاب القوات الإنكليزية من جنوب إيران. ولو كانت الحكومة الإيرانية قد ماطلت قليلاً في قبول المعاهدة لاستفادت من ظروف اندلاع ثورة الهند التي حدثت بعد فترة وجيزة، إذ انشغلت في قمعها كل القوات الإنكليزية ما كان سيدفع الإنكليز إلى التراجع عن الشروط الصعبة التي فرضوها على إيران مقابل سحب قواتهم من أراضيها. ↑
- () HENRI HAVELOCK. ↑
- () تركنا لكشمير بحثاً مستقلاً في موضعه في حرف (الكاف). ↑
- () راجع: أوَدْ في بحث مستقل. ↑
- () ماكس ويبر: الاقتصاد والمجتمع (بركلي ولوس أنجلس: مط. جامعة كاليفورنيا، 1978)، الأول: ص 305 ـ 307، الثاني (ص 932 ـ 938). ↑
- () و. كروك W.Grooke: القبائل والطبقات في المقاطعات الشمالية ـ الغربية وأود، 4 مجلدات (كلكته: مكتب المشرف على الطباعة الحكومية، 1896)، الرابع: ص 302 ـ 309. ↑
- () س.أ. بايلي C.A.Bayly: الحكام، رجال المدن والأسواق (كامبريدج، مط. جامعة كمبريدج، 1983)، الصفحات من 46 ـ 47، 346 ـ 368، وس.أ. بايلي: المدينة الصغيرة وأشراف المسلمين في شمالي الهند: مدينة كارا Kara، في كتاب حرره ك. بالهاتشيت وج. هاريسون بعنوان: المدنية في جنوب آسيا: ما قبل الحديثة والحديثة (لندن: مط. كورزون، 1980) الصفحات 27 ـ 28. ↑
- () مظفر عالم: بعض ملامح من التغيرات في مركز مالكي مدد ومعاش في أود من عام 1676 ـ 1772. سلسلة مطبوعات مؤتمر التاريخ الهندي 35 (1974) ص 198 ـ 207. ↑
- () معجم مقاطعة أود، 3 مجلدات (إله آباد: مط. الحكومة في المقاطعات الشمالية ـ الغربية وأود، 1877)، الأول: ص 14 ـ 17، ص 324. ↑
- () نفس المرجع السابق، الأول: 141، 179، 201، الثاني: ص 82 ـ 83، ص 99 ـ 100. ↑
- () هـ.ر. نيـﭬيل، تحرير بارابانكي DG BaraBanki (الله آباد: مط. حكومة المقاطعات المتحدة، 1904) ص 224 ـ 225. ↑
- () محمد علي كشميري: نجوم السما في ترجمان العما (لكنو: مط. جعفرية، 1302/1884) ص 420. ↑
- () سيد محمد حسين نونكانوي Nauganavi: تاريخ بي بها في تاريخ العلما (دلهي، مط. جيدبرقي، دون تاريخ)، ص 4 ـ 5. ↑
- () سيد محمد بلـﮔرامي: «تبصرة الناظرين»، مخطوط فارسي HL.158، ص 294 ـ 299، مكتبة خودابخش الشرقية العامة، ﭜاتنا. ↑
- () معجم مقاطعة أود: الأول ص 313 ـ 316، الثاني: ص 32 ـ 34، الثالث: ص 226 ـ 231. ↑
- () هاشم علي الرضوي: مرآة البلاد، مخطوط فارسي رقم 2551 ص 226 ـ 231، مكتبة المخطوطات الحكومية، إله آباد، سيد عابد حسين: تاريخ جايس Jais (الله آباد: مط. جلالي، 1878) ص 5 وما بعدها، سيد محمد علي: مخزن أحمدي (أجرا: م. المفيد العامة، 1299 هـ/ 1882م، ص 47، راماساهايا Ramasahaya تامانا Tamanna: أفضل التواريخ (لكنو: مط. تمني، 1879م) ص 150 ـ 152. ↑
- () معجم مقاطعة أود، الأول ص 141، الثاني ص 83 ـ 99 ـ 100. ↑
- () حسين، تاريخ جايس Jais، ص 9. ↑
- () مرتضى بيلجرامي: حديقة الأقاليم (لكنو: ناﭬال كيشور، 1879)، ص 138. ↑
- () معجم مقاطعة أود، الثاني ص 378. ↑
- () مسز مير حسن علي: ملاحظات حول مسلمي الهند، تحرير و. كروك (لندن، مط: جامعة أوكسفورد، معاد طبعه 1917)، ص 137. ↑
- () نفس المرجع، ص 3 ـ 4 ، 137 ↑
- () نفس المرجع، ص 4 ـ 5. ↑
- () ويبر: الاقتصاد والمجتمع: الثاني ص 935 ـ 936. ↑
- () محمد علي أزاد: أب ـ حياة (الله آباد: رام ناريان لول بيني مادهو، 1980). ↑
- () معجم منطقة أود، الأول: ص 342، الثالث ص 298 ـ 303. ↑
- () كروك: القبائل والطوائف، الرابع ص 3 ـ 6. ↑
- () رفيع الدين أحمد: المسلمون في البنغال من 1871 ـ 1906م: قضية هوية (دلهي: مط. جامعة أكسفورد، 1981)، ص 14 ـ 15. ↑
- () سير جون شاردان John Chardin: رحلات في بلاد الفرس (لندن، مط. أرجونوت، 1927) ص 130 ـ 139. ↑
- () م. أثار علي: الأشراف المغول في عهد أورانكزيب (بومباي: دار النشر الآسيوية، 1966)، ص 19 ـ 20، 175 ـ 271. ↑
- () جاجاديش ناريان ساركار: دراسة للهند في القرن الثامن عشر، المجلد (1): التاريخ السياسي، 1707 ـ 1761 (كلكته: ساراسوت Saraswat 1976)، ص 24 وما بعدها. ↑
- () أمين بناني، «انطباعات حول البنية الاجتماعية والاقتصادية لإيران الصفوية في أوج مجدها»، سلسلة دراسات إيرانية 11 (1978م): ص 9 وما بعدها. ↑
- () محمد فايز بخش: تاريخ فرح بخش، ترجمة وليام هوي، مذكرات دلهي وفايز آباد، مجلدان (الله آباد: مط. الحكومة، 1888 ـ 1889)، ص 2، 4. ↑
- () عبد اللطيف الشوشتري: تحفة العالم، الورقة 193-b، Add.23 المكتبة البريطانية. ↑
- () حسين: تاريخ جايس Jais، ص 9 ـ 10. ↑
- () غلام علي نقوي، عماد السادات (لكنو: ناﭭال كيشور، 1897، ص 126). ↑
- () مونتستورات إلفنستون: تاريخ مملكة كابول، مجلدان (كراتشي: مط. جامعة أكسفورد، طبعة معادة، 1972)، الثاني ص 51. ↑
- () المرجع السابق، الأول ص 269 ـ 271. ↑
- () تذكرة بي بها ص 175 ـ 176. ↑
- () انظر الجدول (الاحتلال عن طريق الدين في كتاب تأليف د.س. بيلي D.C. Baillie بعنوان: إحصائيات الهند، 1891، المجلدات 26 ـ 28، والمقاطعات الشمالية ـ الغربية وأود (الله آباد: مط. حكومة أود، 1894) مجلد 28، الجدول D، وانظر أيضاً أرشد علي أعظمي «مركز الزراعة في اقتصاد أود خلال الحكم النوابي، سلسلة مؤتمر التاريخ الهندي 29، رقم 2 (1967)، ص 82 ـ 90، الذي يبين أن 50% من السكان لم يكونوا من الزراعيين. ↑
- () بيلي: إحصائيات الهند، 1891، مجلد 26، خرائط في آخره. ↑
- () كروك Crooke: القبائل والطوائف، المجلد (3) ص 493. ↑
- () هـ. حسين: تحالف النساج، أثر الصراع بين الدخل الحكومي والاستثمارات التجارية لشركة الهند الشرقية، 1750 ـ 1800 «مجلة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للهند (16) 1979: ص 323 ـ 345.» ↑
- () معجم مقطعة أود، الثالث ص 493. ↑
- () إدموند هوايت، (محرر): تقرير حول إحصائية المقاطعات الشمالية ـ الغربية وأود في تاريخ السابع عشر من شباط 1881 (الله آباد: مط. حكومة المقاطعات الشمالية الغربية وأود، 1882، ص 8. ↑
- () Bayly: الحكام: رجال المدن والتجار، ص 193. ↑
- () هوايت White: تقرير من إحصائية 1881، الصفحات 62 ـ 63. ↑
- () كروك: القبائل والطبقات، الثاني ص 99 ـ 101. ↑
- () كروك Tribes and Castes: Crooke3/ ص 1 ـ 8 ومعجم مقاطعة أود، الثالث: ص 205. ↑
- () هوايت White: تقرير عن إحصائية عام 1881، النموذج II: ص 2 ـ 3. ↑
- () مجلة الموسم. ↑
- () إن مفهومي للمجتمع النامي الذي يقود إلى الطائفية الاجتماعية يأتي من كتاب تأليف: ساندريا فرايتاج، «الطقوس الدينية والمشاغبات»: من هوية اجتماعية إلى الطائفية في شمال الهند، 1870 ـ 1940، (رسالة دكتوراه من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، 1980)، هنا أناقش ظاهرة قبل ذلك هي ما يسمى تكون المجتمع. ↑
- () انظر روزي لولين ـ جونز Rosie Lolewelyn-Jones: مدينة لكنو قبل عام 1856، في كتاب تحرير ك. بالهاتشيت وج. هارسون، المدينة في جنوب آسيا، قبل الحديثة والحديثة (لندن: مط. كوزون، 1980)، ص 91 ـ 98، وكتاب هـ.ك.نقوي Naqvui المراكز المدنية والصناعات في الهند العليا، 1556 ـ 1803 (بومباي: دار النشر الآسيوية، 1968) ص 139. ↑
- () س.أ. بايلي: الحكام، رجال المدن والأسواق (كامبردج: مط جامعة كامبردج، 1983) ص 115 ـ 117. ↑
- () فيكونت جورج فانتينا: الرحلات في الهند، 4 مجلدات (لندن: ف.س.وج. ريفنجتون، 1811)، الأول ص 120. ↑
- () وليام تينانت William Tennant: الإنعاش في الهند، 3 مجلدات (لندن: لونجمان، 1804م) الثاني ص 405. ↑
- () علي بخت أظفري Ali Bakht Azfari: فاكهة أظفري، تحرير ت. شاندرا سياوان (مدراس. مط. نوري، 1957)، ص 96، انظر إنعام علي: «أوصاف الآصاف» فارسي تاريخ، مخطوط 25، الورقة a 65، مكتبة مولانا أزاد، جامعة عليـﮔرة ومرتضى بيلجرامي: حديقة الأقاليم (لكنو: ناﭭال كيشور، 1879) ص 155، سيد عباس أرديستاني Sayyed Abbas Ardistani «الحصن المتين في أحوال الوزراء والسلاطين»، مجلدان، مخطوط عربي a-b 235. ↑
- () أبو طالب أصفهاني: تفضيح الغافلين Tafdih al-ghafilin، تر.و. هوي (لكنو: بوستاك كندرا، طبعة معادة، 1971) ص 72 ـ 73. ↑
- () لولين ـ جونسن: مدينة لكنو قبل عام 1856، ص 104. ↑
- () زين العابدين شرواني: بستان السياحة (طهران: دون ناشر، 1897) ص 523. ↑
- () إمام باره: هي ما يعرف باسم (الحسينية). ↑
- () ك.أ. نظامي: إمام باره El2، سيد آغا مهدي لكنوي Lakhnavi تاريخ لاكنو (جمعية الخدام، 1976) ص 152 ـ 153. ↑
- () جيمس فيجرسون: تاريخ العمارة الهندية والشرقية، مجلدان (لندن: جون موراي، 1910)، الثاني ص 328 ـ 329. ↑
- () حول بناء الإمام باره، انظر عبد اللطيف شوشتري: تحفة العالم Add. 23.533 المكتبة البريطانية، الورقة 194a، مرتضى بيلجرامي: حديقة ص 115، وكمال الدين حيدر حسيني مشهدي، سوانح سلاطين أود (لكنو: ناﭭال كيشور، 1896)، ص 112، تحرير نيفيل Nevill، لكنو DG، ص 30، 203. ↑
- () أصفهاني: تفضيح الغافلين، ترجمة هوي، ص 73 وما بعدها. ↑
- () فالنتيا: رحلات: الأول: ص 122 ـ 123. ↑
- () أصفهاني: تفضيح الغافلين ترجمة هوي، ص 72. ↑
- () مهدي لكنوي: تاري لكنو، ص 49. ↑
- () انظر مثلاً نفس المرجع ص 49 ـ 50، 77، 127، 182 ـ 183، 192 ـ 193، وكتاب زين العابدين الشرواني: رياض السياحة، 3 مجلدات (موسكو، 1974) ج3، ص 1053. ↑
- () مهدي لكنوي: تاريخ لكنو، ص 154 ـ 155، وكتاب م. هـ. زيدي Zaidi: احتفالات محرم في لكنو خلال الحكم في أود من 1722 ـ 1856، مقال باللغة الألمانية، في مجلة معهد الدراسات الألمانية الملحق (3)، (1977)، ص 639. ↑
- () انظر سيد ديلدار علي ناصر آبادي: نجاة السائلين: فقه شيعي، مخطوط فارسي رقم 256 fall 7a في المكتبة الناصرية في لكنو، وهو مجموعة من الأحكام الشرعية لأول مجتهد في لكنو أعدت في العقد الأول من القرن التاسع عشر. ↑
- () Far Zand Ali Khan to Chief Commissioner, Oudh, 7960, Boara of Revenue, Lucknow File 2607 أرشيف مقاطعة أوترت برديش. ↑
- () محمد فيض بخش: تاريخ فرح بخش ترجمة وليم هوي، مجلدان (طبع في إله آباد ـ مطبعة الحكومة (1888 ـ 1889م) الثاني: 112). ↑
- () شوشتري: تحفة العالم ص 197 ـ 198. ↑
- () انظر محمد صديق: تاريخ أدب اللغة الأوردوية (لندن: مط. جامعة أكسفورد، 1964)، الفصل (91). وكتاب رالف راسل وخورشيد الإسلام: الشعراء المغوليون الثلاثة: مير، سودا، ومير حسن (كامبردج: مط. جامعة هارفارد، 1968)، وكتاب عبد الحليم شرار: كزشته لكنو Guzashtah Lakhnau: شرقي تمدن كاأخيري نامونا (لكنو: مكتبة نسيم، 1974) ص 10 ـ 101، تر. أ.س هاركورت وفقير حسن بعنوان: لكنو الوجه الأخير للثقافة الشرقية (بولدار، مط. وستيفو، 1976)، ص 84، انظر زهرة إقبال مرثية في فترة القاجار Qajar، في كتاب بيترج. شلكوسكي، (محرر): تعزية الطقوس الدينية والمأساوية في إيران (نيويورك، مط. جامعة نيويورك، 1979). من أجل مرثية مير، انظر صفدار آه، مير، ميرايت Mir aw Miriyyat (بومباي: مكتبة آلافي، 1971)، ص 342 ـ 346، ↑
- () مير تقي مير: كليات مير: بعناية احتشام حسين مجلدان (إله آباد 1972) 2/259. ↑
- () سيد آغا أشهر لكنوي: تذكرة الذاكرين (جهانسي: مط. شمس، 1942)، ص 26، وقد دفع موت أحد أبنائه السيد ديلدار علي لكي يصدر مثل هذا الحديث عن كربلاء، انظر «إثارة الأحزان»، مخطوط عربي H.L2292، مكتبة خودا بخش الشرقية العامة، بتنا Putna. ↑
- () غلام علي نقوي، عماد السادات (لكنو: ناﭭال كيشور، 1897)، ص 172 ↑
- () مهدي لكنوي: تاريخ لكنو، ص 116 ـ 117. ↑
- () نقوي: عماد، ص 172. ↑
- () نفس المرجع، وكتاب أرديستاني «الحصين المتين»، الأول ص 56 ـ 57. ↑
- () مسز مير حسن علي: ملاحظات حول المسلمين في الهند (لندن: مط. جامعة أكسفورد، 1917)، ص 36. ↑
- () مهدي لكنوي: تاريخ لكنو، ص 116. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 34 ـ 35، نقوي: عماد، ص 172، وكتاب تأليف إيما روبرتو Emma Roberto بعنوان: مشاهد مميزة من هندستان، (3) مجلدات (لندن: وم.هـ. آلن وشركاه، 1835)، الثاني ص 180. ↑
- () مهدي لكنو، ص 116. ↑
- () يعرف فيشر المثال بأنه يشتمل على ثلاث عناصر:(1) قصة تشتمل على مشاكل الحياة اليومية، التاريخ والكون.(2) الخلفية الطائفية (مثلاً السنة).(3) المأساة الدينية، انظر مايكل م. ج فيشر، إيران من النزاع الديني إلى الثورة (كامبردج: مط. جامعة هرفارد، 1980)، ص 131 ـ 27. ↑
- () الاقتباس من كتاب لروبرتس Roberts: مشاهد ومميزات، الثاني ص 178 ـ 179، انظر أيضاً فالنتيا «رحلات وأسفار»، الأول ص 121. ↑
- () علي: ملاحظات ص 13. ↑
- () فالنتيا: رحلات وأسفار، الأول ص 121. ↑
- () علي: ملاحظات ص 19 ـ 21. ↑
- () سيد حسين علي جعفري: شعائر محرم في الهند، في شيكوسكي، محرر تعزية ص 222 ـ 223. ↑
- () عبد الوهاب قزويني: سياحت نامة في ممالك هندستان، ص 220، مخطوط فارسي في مكتبة البروفسور أمين بناني، UCLA. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 18. ↑
- () المرجع السابق، ص 27. ↑
- () محمد إمام علي خان: أثاري يادكار (لكنو: مط. تصويري علم، 1902)، ص 47 ـ 48. ↑
- () علي حسن: محمود آباد تاريخ، 5 مجلدات، مخطوط بالأوردوية في مكتبة راجا محمود آباد، لكنو، الأول ص 38 ـ 82، حديث مع مهراج كومار محمود آباد، بتاريخ 17 حزيران، 1982، لكنو. ↑
- () حديث مع راجا نانبارا Nanpara بتاريخ نيسان، 1982، لكنو. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 20، حاشية. ↑
- () روبرتس: مشاهدات ومميزات، الثاني ص 181 ـ 182. ↑
- () نفس المرجع. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 21. ↑
- () نفس المرجع، ص 28. ↑
- () حول مجالس الحداد انظر محمود أيوب: المعاناة في الإسلام، دراسة لعاشوراء عند الشيعة الاثني عشرية (1978)، ص 158 وما بعدها. ↑
- () علي: ملاحظات ص 22. ↑
- () محمد مهدي لكنوي كشميري: نجوم السماء: تكملة، مجلدان (قم: مكتبة بصيرتي، 1397هـ/1977) الأول ص 245. ↑
- () علي: ملاحظات ص 23. ↑
- () علي: ملاحظات ص 23، وروبرتس: مشاهد الثاني ص 192. ↑
- () شرار: كذشته لكنو ص 211 ـ 217، مترجم ص 13، 147 ـ 150 والحواشي. ↑
- () ناصر آبادي: نجاة السائلين: الورقة 22a. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 22 ـ 23. ↑
- () نفس المرجع ص 30. ↑
- () شريف: قانون إسلام، ترجمة هوكلوت، ص 159. ↑
- () علي: ملاحظات ص 23 ـ 29، وانظر شرار: كذشته لكنو، ص 289، ترجمة بالإنكليزية ص 182 ـ 183. ↑
- () قارن إليزابث وارنوك فيرنيا Elizabeth Warnock Fernia: ضيوف الشيوخ: الإنثروبولوجيا الوصفية لقرية عراقية (جاردن سيتي: نيويورك، 1969) ص 107 ـ 115 وص 196 ـ 197، وروبرتس فرنيا واليرازبث وفيرنيا: الاختلاف في الشعائر بين النساء المسلمات، في كتاب: ن.ر. كيدي Keddie (محرر): العلماء، الأولياء والصوفيون (بركلي ولوس أنجلس: مط. جامعهة كاليفورنيا، 1978)، ص 385 ـ 104. ↑
- () علي: ملاحظات ص 29. ↑
- () See Ayoub: Redemptive Suffering PP.180 – 96. ↑
- () علي: ملاحظات ص 17 ـ 18، 32، 57. ↑
- () نفس المرجع السابق ص 36 ـ 38. ↑
- () نفس المرجع ص 34 ـ 36. ↑
- () انظر بايلي: الحكام، رجال المدن والأسواق، الفصل 4. ↑
- () علي: ملاحظات ص 42 ـ 46. ↑
- () شريف: قانون الإسلام، ترجمة هركلوت ص 161، حول محرم في حيدر آباد انظر غلام حسين: خان الزمان، كلزار آصفية (حيدر آباد: سيد رستم علي 1260/1844، ص 560 وما بعدها). ↑
- () انظر صمويل بيترسون: التعزية والفنون المتصلة بها في شيلكوسكي Chelkowski (محرر): تعزية، ص 67 ـ 68. ↑
- () علي: ملاحظات ص 46 ـ 49. ↑
- () نفس المرجع ص 50 ـ 53، وكتاب روبرتس: مشاهد ومميزات، الثاني ص 194، وكتاب فاني باركس Fanny Parkes: جولات حاج بحثاً عن صور رائعة، مجلدان (لندن، 1850)، الأول ص 298. ↑
- () علي: ملاحظات، ص 56 ـ 57. ↑
- () آغا أحمد بهباني: مرآة الأحوال جهان نامة بوهار كول Buhar Coll: مخطوط فارسي رقم 96 الورقة 194b، المكتبة الوطنية في كالكوتا. ↑
- () ناصر آبادي: نجاة السائلين الورقة 25a. ↑
- () شرار: كذشته لكنو، ص 359، ترجمة إنكليزية، ص 216. ↑
- () نوانوي Nauganavi: تذكرة ص 54. ↑
- () فرنر إند Werner Ende: الجلد بالسياط في محرم والعلماء الشيعة: في مجلة Der Islam 55 (1978)، ص 19 ـ 36. ↑
- () تينانت Tennant: التجديد، الأول ص 218 ـ 219، 184، وكتاب روبرتس: مشاهد الثاني ص 180 ـ 181. ↑
- () مشرف علي لكنوي، تحرير: بياض مسائل، الثالث ص 13، وكتاب شرار Sharar: كذاشته لكنو، ص 360 ترجمة بالإنكليزية ص 216 ـ 217، والحاشية رقم 539 وتقول بأنه في أواخر القرن التاسع عشر أدخل مولوي مهدي حسسين الستائر الملونة في مجالس الحداد، وكانت النساء يمثلن في المسرح كما في «التعزية» بإيران، لكن هذه البدع الأخيرة لم تدم ولم يكن لها تأثير في شمال الهند. ↑
- () موضوع الوسيط الثقافي في الهند في المجتمع الهندي ـ الإسلامي ما قبل الصناعي في البنغال، انظر آسيم روي Asim Roy: التراث الإسلامي التوفيقي بين الأديان في البنغال (برنستونك مط. جامعة برنستون، 1983) الفصل 2. ↑
- () روبرتس: مشاهد، الثاني ص 192 ـ 193، شريف: قانون: ترجمة هركلوتس Herklots ص 159. ↑
- () حول موضوع التطور في احتفالات محرم في لكنو في القرن العشرين انظر كتاب: سارو جيني جانجو Sarojini Gonju ص 290، امتياز أحمد: النزاع الشيعي ـ السني في لكنو، 1905 ـ 1980، في م. إسرائيل ومافوهار، 1984) ص 35 ـ 350 وكتاب كيث هيروتشوج Keith Hirotshoj: كربلاء: دراسة لمحرم في لكنو ـ الهند. رسالة دكتوراه، جامعة كورنويل، 1977، وساندريا فرايتاج Sandria Freitag: الطقوس الدينية والشغب، الفصل (7). ↑
- () شوشتري: تحفة العالم، الورقة 199a-b. ↑
- () انظر ك. ليونارد: التاريخ الاجتماعي للطائفة الهندية المسماة كياست في حيدر آباد Kaysaths (بركلي ولوس أنجلس: مط. جامعة كاليفورنيا، 1978) ص 81 ـ 82، 103 ـ 104، من أجل هذه الطائفة في الهند انظر و. كروك: القبائل والطوائف في المقاطعات الشمالية الغربية وفي أود، 4 مجلدات (كلكته: مط. الحكومة، 1896) ج3: 184 ـ 216. ↑
- () روبرتس: مشاهد، الرابع ص 186. ↑
- () باركس: تجولات: الأول في 296. ↑
- () روبرتس: مشاهد، الثاني ص 186، و. هـ. سليمان W.H Sleeman: رحلة في مملكة أود في 1849 ـ 1850، مجلدان (لندن: ريتشارد بنتلي، 1858) الأول ص 276، وكتاب شريف: قانون إسلام، ترجمة هركلوتس Herklots، ص 166 ـ 167. ↑
- () مشرف علي لكنوي Musharraf Ali Lacknavi، تحرير، بياض مسائل، الثالث ص 97. ↑
- () فيكتور تورنر Victor Turner: العروض والحج: دراسة في الرمزية المقارنة (نيودلهي، 1979) الفصل 4 الموت والموتى في الرحلة الطويلة. ↑
- () مارك جابوريو Marc Gaborieau: الأقلية الإسلامية بين الهنود في نيبال (نانتير: مختبرات الإثنولوجيا، 177) ص 121 ـ 122، 182 ـ 183. ↑
- () انظر خاصة، فريتاج Freitag «الطقوس الدينية والشغب». ↑
- () توتارام شايان: تواريخ نادر العصر (لاكتو: ناﭭال كيشور، 1863)، ص 159. ↑
- () محمد أمان لكنوي: وجيزة، الورقة b 38. ↑
- () انظر سيد أمير أرجموند: وظيفة الملا باشي في إيران الصفوية، سلسلة الدراسات الإسلامية، 57 (1983): 141 ـ142. ↑
- () أنظر ترويلتش Troeltsch: التعليم الاجتماعي، الأول ص 331، الكنيسة تحاول السيطرةعلى الجماعات. ↑
- () انظر ويبر Weber: الاقتصاد والمجتمع، الأول: ص 341 ـ 348.See Weber, Economy and Society 1;341 – 48, Parkin, Marxism and Class Theroy, ch.4 ↑
- () يتجمع في شبه القارة الهندية أكبر عدد من سلالة الرسول (ص)، إذ أنهم كانوا يفرون بأنفسهم من المذابح والاضطهاد، وكانوا يتجهون أولاً إلى خراسان ثم يتقدم أكثرهم إلى شمال الهند حتى يبلغوا سفوح جبال هملايا فيسكنوا هناك بأعداد كثيرة. وكانوا يؤثرون سكن القرى ويبتعدون عن المدن خوفاً من الاضطهاد، وهناك قرى جميع أهلها من السادة وأكثرهم رضويون، وقد عرفوا باسم (سادات بارها) ويرى بعض الباحثين أنها محرفة من الباهرة كما يرى آخرون أنها مأخوذة من كلمة (باره) الأوردية وهي بمعنى «12» أي الإثنا عشرية. ↑
- () من هذه الأمور أتت الحملة علي أكبر. ↑
- () أحد ملوك آل تغلق الذين حكموا في دهلي ابتداء من أولهم غازي ملك تغلق الذي تولى الحكم سنة 720 (1321) بعد علاء الدين الخلجي. وهم أتراك من قوم جغتاي جاؤوا إلى الهند من خراسان. ↑
- () ولد مير محمد تقي مير حوالى سنة 1136 هـ وتوفى سنة 1225 في لكهنو.هاجر جد جده من الحجاز إلى حيدر آباد الدكن، ثم انتقل منها إلى أحمد آباد، ثم إلى أكره فأقام بها. اشتهر والد المترجم مير محمد علي باسم علي متقي، وقد توفى وترك ابنه طفلاً وبدأت تعترض الطفل اليتيم صعوبات معيشية لا سيما حينما بدأ تحصيل العلم.على أنه حين بلغ سن الرشد أخذ يتردد على بعض الأمراء لخدماتهم العسكرية، من أجل أن يجد ما يقوم بأوده، كان شاعراً سلك سبيل الشعر واشتهر به وصار محبوباً عند الأمراء. وعندما امتدت شهرته طلبه إليه في لكهنو آصف الدولة حاكم أود، معززاً مكرماً. فاتسعت شهرته وزادت.كان من مدّاحي أهل البيت المخلصين في ولاتهم.ترك من الآثار أربعة كتب:
1 ـ كليات أردو، وهي في مدح أهل البيت ورثاء الحسين (ع).
2 ـ ديوان في الشعر الفارسي.
3 ـ ذكر ميرخود نوشت سوانح. وهو في سوانح حياته.
4 ـ نكات الشعراء. ↑
- () ولد السيد إنشاء الله (إنشا) حوالى سنة 1170 (1756) في مرشد آباد وتوفى سنة 1233 (1817) في لكهنو هو ابن مير ما شاء الله النجفي. كان يحسن اللغات الفارسية والعربية والتركية والبنغالية والكجراتية والبنجابية والبشتوية والكشميرية والمرهتية، وينظم الشعر في بعض هذه اللغات، وتوجد نماذج من هذا الشعر في كلياته. وألف كتاباً قيماً في قواعد اللغة الأوردوية باسم (دربائي لطافت)، كما كتب في القصص والحكايات باللغة الأوردوية. ↑
- () ميرزا غالب: أسد الله خان غالب بن عبدالله بيـﮛ ولد سنة 1212 هـ (1797م) في أكره وتوفى سنة 1286 (1869م) في دلهي. وهو عدا منزلته الكبرى في الشعر الأوردوي، كان شاعراً في اللغة الفارسية يعد بمستوى عرفي، ونظيري. ↑
- () لاستكمال هذا البحث لا بد من الرجوع إلى بحث (أوردو) ففيه تفاصيل أساسية تتعلق بموضوع هذا البحث وتكمله، ولم نشأ تكرارها هنا، بل فضلنا أن نحيل القارئ عليها. ↑
- () الميرزا سلامت علي دبير ولد سنة 1218 (1803م) في دلهي وتوفى سنة 1292 (1875م) وهو ابن غلام حسين الذي كان من أولاد ملا هاشم الشيرازي. أتقن اللغتين العربية والفارسية، وقد تعلق قلبه بالشعر وهو في الخامسة عشرة من عمره، فتتلمذ فيه على مير مظفر حسين ضمير، وكان موضوعه الشعري الأساس رثاء الحسين (ع) وكربلاء وما جرى فيها، فغدت له شهرة عظيمة في ذلك، وترك عدة دواوين في هذا الموضوع لا يزال شعرها ينشد حتى اليوم على المنابر الحسينية، حتى ليقرن بـ(نظامي كنجوي) في اللغة الفارسية ويعتبر مؤسس مدرسة في تاريخ المراثي الحسينية، له فيها أسلوبه الخاص. ↑
- () مير ببر علي أنيس: ابن مير مستحسن خليق وحفيد مير غلام حسن حسن، ولد في فيض آباد سنة 6121 (1801م) وتوفى في لكهنو سنة 1291 (1874م) هو معاصر لميرزا دبير. كان فنه إنشاء المراثي الحسينية أمضى حياته في إنشائها،ولم يجاره أحد في ذلك. نظم مئات القصائد الرثائية بأسلوب جديد. وعلى حد تعبير أحد مؤرخي الأدب الأوردوي: يعتبر الراثي الأعلى للحسين (ع) ووصف ما جرى في كربلاء، وهو في اللغة الأوردوية بمنزلة (الفردوسي) في اللغة الفارسية، وشكسبير في اللغة الإنكليزية، أعطى أسلوباً جديداً للشعر والأدب وغيّر معاني الرثاء.طبع أربعة مجلدات ضخمة من مراثيه، وكتبت عنه تحقيقات ودراسات ومؤلفات عديدة. وأطلقوا عليه لقب: خدائي سخن (مالك الكلام).ومن أولاده: مير خورشيد علي نفيس المتوفى سنة 1318 (1901م)، وابنه هذا وأحفاده ظلوا على طريقته في المراثي ويرى القارئ دراسة مفصلة عنه.وفي أواسط القرن العشرين طغى الأدب الإنكليزي على الأوساط الهندية وبات يؤثر في تراجع الأدب الأوردوي، فتصدى لذلك محمد حسين آزاد الدهلوي بإقدامات عملية تحول دون تدهور الأدب الأوردوي.وفي ذكرى وفاة مير أنيس في 8 مايو سنة 1874م أقيمت جلسة (المشاعرة) وألقى آزاد خطاباً هاماً حرك فيه شعور المسلمين تجاه لغتهم. ↑
- () كان حامل راية الحسين (ع) يوم كربلاء هو أخوه العباس (ع). ↑
- () توجد في (دكا) عاصمة بنغلادش واحدة من أقدم الحسينيات في الهند وتدعى «إمام دالان»، وهي في الوقت ذاته من أبرز المعالم التاريخية القديمة وأهم مزاراتها الإسلامية، التي تستقطب كل عام آلاف الزوار. وبحسب المؤرخ خان بهادر سيد أولاد حسن، في كتابه «دكار القديمة» فإن سبب بناء هذه العمارة يعود إلى أن مير مراد، قائد الأسطوب البحري، حلم ذات ليلة أنه رأى الإمام الحسين (ع) وهو يبني بنفسه مزاراً له، وقد دعاه إلى بناء مزار مشابه له في دكا حتى يزوره المسلمون من شيعته ويتذكروه. وفي اليوم التالي أسرع مير مراد وبدأ ببناء «حضرة» مشابهة لحضرة الإمام الحسين (ع) في كربلاء. وكان ذلك في زمن الشاه شجاع حاكم ولاية البنغال عام 1052هـ/1642م. كما ذكر خان بهادر، بأنه سرعان ما أصبح للحضرة مكانة دينية واجتماعية عالية، وذلك لمكانة مير مراد في دكا، باعتباره أحد أقطاب الشيعة فيها.تقع الحسينية في القسم الجنوبي من مدينة دكا القديمة. بالقرب من نهر بريكنكا. وتقدر مساحتها بحوالى 8453(م2) وتتكون من طابقين مع حدائق وبحيرة جميلة.وفي الطابق الأول تقام احتفالات عاشوراء ومجالس العزاء. كما توجد فيه غرف عديدة تستخدم لحفظ التوابيت والأعلام والتعزية (بانكا) وعلم زاري كما توجد غرفة خاصة لفرس الحسين «ذو القنا» وغرف أخرى للخيول التي تستخدم في مواكب العزاء. وتأتي «دلول»، وهي فرس القاسم بن الحسن، بعد «ذو القنا» في الأهمية والقدسية.ومن المعتاد في دكا أن تخرج مواكب العزاء، في الأيام الثاني والتاسع والعاشر، من حسينية إمام دالان حيث تخترق الشارع الرئيسي في المدينة متجهة إلى البحيرة.وبعد انتهاء مراسيم العزاء في اليوم العاشر من محرم ترمى الأعلام والبيارق في الماء. أما التوابيت والباتكا والخيول فتعود مع الموكب إلى حسينية إمام دالان ليشاركوا في شامة غريبان (عزاء الغرباء)، الذي يقام بعد صلاة المغرب. ↑
- () المقصود بالمراثي: مراثي الحسين وأهل بيته (ع). ↑
- () ملخص عما كتبه الدكتور فرهاد دفتري. ↑
- () Boxer, C.R. The Portuguese Sea Borne Empire London 1969, P.44. ↑
- () ktsi w 58 – 59. ↑
- () على أن بعض المؤرخين الإيرانيين يرى في جرجين خان حاكماً ظالماً، وأن الشاه أخطأ بإرسال حاكم غير مسلم إلى منطقة إسلامية متشددة. ↑
- () روى أحد المؤرخين أن نادر شاه لما وصل إلى مقام الملك بنى مسجدًا في المكان الذي ولد فيه، وبنى في جوانبه ثلاث مآذن غشاها بصفائح الذهب، ورفع في أعلاه سيفاً من الذهب، يرمز بذلك إلى أن السيف قد ولد في هذا المكان. ولما انتهى بناء المسجد وتزيينه قال المعمار الذي بناه لنادر شاه: هذا البناء يناسبه أن يكون تاريخ الكتابة التي تنقش عليه مطابقاً لتاريخ ولادة الشاه. فضحك نادر شاه وقال: لما ولدت لم يكن في «كلات» كلها و«أبيورد» كلها مثل هذا المقدار من الذهب الذي أنفق على هذه التزيينات. فأي شيء كانت ثروة أسرتي! وعليه يجب أن يكون التاريخ هو اليوم الذي اكتمل فيه بناء المسجد. و«كلات» و«أبيورد» بلدتان من إقليم «درجز» في خراسان. قضى فيهما نادر أيام نشأته وشبابه. ↑
- () تاجر إنكليزي سكن إيران في عهد نادر شاه من سنة 1156 هـ إلى سنة 1161هـ وألّف كتاباً نفيساً في تاريخ نادر. ↑
- () فلاديمير مينورسكي مؤلف كتاب «تاريخ نادر شاه». أقام عدة سنوات في إيران. وكان أستاذ الأدب الفارسي في جامعة لندن. ↑
- () لقد انهار هذا السد في السنة نفسها كما سيتضح لك ذلك من الحوادث الآتية. ↑
- () المكاتيم عشيرة من بني حسن تقع منازلهم على شط العباسيات بين الكفل والكوفة. ↑
- () تولى الوزير عبد الكريم باشا ولاية بغداد يوم 11 شعبان سنة 1265 هـ (1848م). ↑
- () دخل وجيه باشا بغداد والياً عليها يوم الخميس 24 جمادى الأولى سنة 1267هـ (1850م). ↑
- () يبدو أن في المغرب بلداً باسم (هونين). فقد جاء في كتاب (فارس في عهد المرينيين) ضمن البحث ما يلي: (… فضلاً عن الخوائي التي كانت تفيد منها تلمسان ـ هونين ورسفونة ووهران ـ كانت أيسر متناولاً من الخوائي التي تفيد منها فارس…). ↑
- () راجع في بحث (الصفويون) عوامل تعاون الفقهاء مع الدولة. ↑
- () الطبقات الكبرى 5/178، سير أعلام النبلاء 4/421. ↑
- () الطبقات الكبرى 5/151، سير أعلام النبلاء 4/351. ↑
- () سير أعلام النبلاء 4/544، معجم الأدباء 19/259. ↑
- () سير أعلام النبلاء 5/240، تهذيب التهذيب 5/47. ↑
- () سير أعلام النبلاء 6/116، ضمن ترجمة موسى بن عقبة. ↑
- () تهذيب التهذيب 4/282، الثقات 4/365. ↑
- () وفيات الأعيان 3/371، ميزان الاعتدال 1/625. ↑
- () تهذيب التهذيب 11/284، تاريخ التراث العربي 2/81. ↑
- () سير أعلام النبلاء 6/150، تاريخ التراث العربي 2/81. ↑
- () سير أعلام النبلاء 5/314. ↑
- () تهذيب التهذيب 3/157. ↑
- () سير أعلام النبلاء 6/114. ↑
- () معجم الأدباء 18/277، تاريخ التراث العربي 2/100. ↑
- () الزبير بن بكار: هو أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر ـ ويسمى: بكار ـ بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، صاحب النسب، تولى القضاء بمكة للمعتصم العباسي، وبقي على القضاء حتى توفي سنة 356 ه (وفيات الأعيان 2/ 311). ↑
- () الموفقيات ـ للزبير بن بكار ـ: 222، عنه السيد الجلالي في تدوين السنة الشريفة: 420. ↑
- () الدمشقي، والي مكة للوليد بن عبد الملك ثمّ لسليمان بن عبد الملك، ووالي العراق لهشام بن عبد الملك. (سير أعلام النبلاء 5/425). ↑
- () الأغاني 22/21 أخبار خالد بن عبدالله القسري. ↑
- () سير أعلام النبلاء 4/423، الطبقات الكبرى 5/179. ↑
- () شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4/64. ↑
- () أخرجه عبد الرزاق في المصنّف 5/343 ح 9722. ↑
- () رواية الزهري لمغازي الرسول جمعها عبد الرزّاق في المصنّف ـ كتاب المغازي ـ 5/313 ـ 439. ↑
- () المصنّف 5/325. ↑
- () أنظر: كتاب الأوائل: 91 ـ 93، سيرة ابن إسحاق: 137، الطبقات الكبرى 3/21، البدء والتاريخ 4/145، السيرة النبوية من تاريخ الإسلام ـ للذهبي ـ: 70، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ: 132، وترجمة الإمام علي عليه السلام في «الاستيعاب» و«أُسد الغابة» و«الإصابة». ↑
- () المصنّف 5/325. ↑
- () المصنّف 5/389. ↑
- () المصنّف 5/385 ـ 389 ، 390 ـ 392. ↑
- () (المصنف5/405-406ح9745 و: المصنّف 5/429 ـ 430. ↑
- () أخرجه عبد الرزاق في المصنّف 5/343 ح 9722. ↑
- () تقدّم في الفقرة 2 عن كتاب الأغاني 22/21 من رواية المدائني. ↑
- () المصنّف 5/382. ↑
- () هذا الحديث في: مسند أحمد 1/3، 331 و3/212، 283، و4/164، 165، سنن الترمذي 5/ح3719، سنن النسائي كتاب الخصائص ـ 5/ح 8461، جامع الأصول 9/ح 6496، مجمع الزوائد 9/119، تاريخ اليعقوبي 2/76، البداية والنهاية 7/370. ↑
- () تقدّم قول الزهري: أنّ كاتب الكتاب يوم الحديبية هو عليّ، ولو سألت بني أُميّة لقالوا: هو عثمان!. ↑
- () المصنّف 5/431. ↑
- () مسند أحمد 1/331، سنن الترمذي 5/ح 3732، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص ـ 5/ ح 8423، البداية والنهاية 7/355، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7/13، الإصابة 4/270، جامع الأصول 9/ح 6494، مجمع الزوائد 9/114 ـ 115. ↑
- () شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11/49. ↑
- () تقدّم ذكره عن مصادره في بداية هذا البحث. ↑
- () سيرة ابن إسحاق 217 ـ 218. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2/29، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ: 79، المنتظم ـ لابن الجوزي ـ 2/383، الكامل في التاريخ 2/80، السيرة النبوية ـ للذهبي ـ: 189 ـ 190، عيون الأثر 1/155، البداية والنهاية 3/89. ولا يُعرف خلاف في ذلك. ↑
- () نقل بعض مرويّاته ابن إسحاق في سيرته، والطبري في تاريخه. ↑
- () الإمامة والسياسة: 46. ↑
- () معجم الأدباء 18/7. ↑
- () من هنا قالوا له: مولى بني هاشم. ↑
- () سير أعلام النبلاء 7/435 ـ 440، تهذيب التهذيب 9/374. ↑
- () تاريخ التراث العربي 2/94. ↑
- () تاريخ الطبري 3/123. ↑
- () لا عن مغازيه التي تختصّ بعهد النبيّ، وإنّما كتابه الآخر «تاريخ الخلفاء» الذي يبدو أنّه استوعب فيه التاريخ إلى سنة وفاته. ↑
- () سير أعلام النبلاء 9/139. ↑
- () معجم الأدباء 18/9 ترجمة ابن إسحاق. ↑
- () أنظر: تاريخ الطبري 1/246، 2/364، 3/27، 68، 162، 194. ↑
- () طُبعت أجزاء من رواية ثانية ـ رواية يونس ـ بكير ـ في مجلد واحد، بتحقيق د. سهيل زكّار. غير أنّ أيّاً من تلك الروايات لم تصل كاملة! ↑
- () معجم الأدباء 18/7. ↑
- () سيرة إبن إسحاق 124 ـ 125، وانظر مقدّمة د. سهيل زكّار على السيرة: 13 ـ 14. ↑
- () تاريخ الطبري 1/8. ↑
- () أنظر ترجمته في ميزان الاعتدال 2/255 رقم 3637. ↑
- () ميزان الاعتدال 2/275 رقم 3704، لسان الميزان 3/176 رقم 4100. ↑
- () كان أعضاء الشورى ستّة نفر من كبار المهاجرين وهم: عليّ وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، فتوفّي عبد الرحمن وعثمان وبقي الأربعة المذكورون. ↑
- () راجع تاريخ الطبري 3/184 ـ 4/ 562 تجد رواية سيف بن عمر تكتسح هذه الصفحات اكتساحاً غريباً!وأما المقارنات بين رواية سيف ورواية غيره في كلّ واحدة من الأحداث والوقائع فقد جمعها السيّد مرتضى العسكري في كتابين هما: «عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى» و«خمسون ومائة صحابي مختلق» وكل منهما في مجلّدين. ↑
- () يعني تسيير معاوية لأبي ذرّ من الشام إلى المدينة. ↑
- () تاريخ الطبري 4/283 ـ 286. ↑
- () راجع القصّة في: تاريخ المدينة المنوّرة 3/1034، تارخي اليعقوبي 2/171 ـ 173، أنساب الأشراف: القسم الرابع: 5442 ـ 5445، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/54، ومنه أيضاً 1/199 و3/28. ↑
- () يريد عبدالله بن سبأ، اليهودي الذي أسلم كيداً للإسلام والمسلمين. ↑
- () فقد أسلم أبو ذرّ بعد خديجة وعليّ وزيد بن حارثة، أنظر: سيرة ابن إسحاق: 137 ـ 138. ↑
- () تاريخ الطبري 4/557. ↑
- () يُضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. ↑
- () الكامل في التاريخ 1/3 مقدّمة المصنّف. ↑
- () الكامل في التارخي 1/3 ـ 4. ↑
- () تاريخ ابن خلدون 2/622. ↑
- () تاريخ ابن خلدون 2/650. ↑
- () جوامع السيرة: 355. ↑
- () من طريف أخباره أنه اختلق 39 صحابياً، وعدّهم أبطالاً فاتحين في 39 واقعة، ولكن لم يخلق الله أحداً من أولئك الذين عدّهم في الصحابة، ولا كان شيء من تلك الوقائع التي ذكرها!أنظر: خمسون ومئة صحابي مختلق، للسيّد مرتضى العسكري. ↑
- () عن كتاب الأحداث للمدائني، نقلها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 11/44 ـ 46. ↑
- () شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11/44. ↑
- () سنن الترمذي 5/ ح 3801 و3802، سنن ابن ماجه 1/ ح 156، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 4/228، المستدرك 3/442. ↑
- () سير أعلام النبلاء 2/78، الإصابة 4/64. ↑
- () مسند أحمد 5/172، سير أعلام النبلاء 2/62. ↑
- () سير أعلام النبلاء 1/416 رجاله ثقات. ↑
- () المستدرك 3/391 وصحّحه الحاكم والذهبي. ↑
- () صحيح البخاري 3/1368 ـ كتاب فضائل الصحابة ـ باب 20 مناقب عمّار وحذيفة. ↑
- () أنظر: تاريخ الطبري 4/341 ـ أحداث سنة 35 ـ من رواية سيف بن عمر، وعنه: الكامل في التاريخ 3/155، تاريخ ابن خلدون 2/587. ↑
- () منتخب كنز العمّال 5/231. ↑
- () مسند أحمد 4/90، المستدرك 3/389 وصحّحه الحاكم والذهبي. ↑
- () صحيح البخاري 3/1381 ح 3581 ـ 3583 كتاب فضائل الصحابة، باب 38. ↑
- () صحيح البخاري 3 ـ كتاب فضائل الصحابة ـ باب 34 ح 3573. ↑
- () صحيح البخاري 3 ـ كتاب فضائل الصحابة ـ باب 34 ح 3572. ↑
- () صحيح مسلم 1/86 ح 131 ـ كتاب الإيمان ـ، سنن الترمذي 5/643 ح 3736، سنن النسائي 8/116 ـ كتاب الإيمان، سنن ابن ماجه 1/42 ح 114. ↑
- () مسند أحمد 1/119، 152 و4/281، 370، 372، سنن ابن ماجه 1/43 ح 116، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص ـ بعدّة طرق. ↑
- () مسند أحمد 2/442، سنن الترمذي 5/699 ح 3870، سنن ابن ماجه 1/52 ح 145، مصابيح السُنّة 4/190. ↑
- () ضبط كتّأب الجغرافيا الإسلاميون اسم هذا النهر: فذكره ياقوت الحموي باسم «هندمند» (معجم البلدان، ج 8، ص 482). وفي «تاريخ أفغانستان» تأليف «اعتضاد السلطنة» جاء: «كان يقال قديماً لـ«هيرمند»، «هيرمنت» كما ضبطه صاحب المراصد. ويكتب اسم النهر في الخرائط الأجنبية «هلمند» والصحيح هو «هيرمند»، كما ورد تكراراً في كتاب «تاريخ سيستان» (بتصحيح ملك الشعراء بهار) وهو كتاب معتمد في ضبط الأسماء الجغرافية لـ(سيستان). ↑
- () «كورسيستان: اسفزار، جبل نيه، سردرهء هند قانان، فراه، أوق، خواش، فلاد، فشنج نوزاد، بست، زمين داور، رخج، كش، رودبار، زابل، كابل» (تاريخ سيستان، ص 28). ↑
- () «بالقرب من (بست) يصب نهر (أرغنداب) في (هلمند). لقد كان ـ بشكل دائم ـ لنهر أرغنداب وشعبه أهمية تجارية واستراتيجية فإن شعبتي الطريق من آسيا الغربية إلى الهند تتصلان في هذا المكان». (التذكرة الجغرافية والتاريخية لإيران، تأليف الأستاذ بارتولد، ص 125 و126، ترجمة حمزة سردادور). ↑
- () وردت في الخرائط السابقة باسم (بندر كمال خان)، ولكنها تشتهر اليوم باسم (بند كمال خان). ↑
- () في خرائط «ماكماهن». ↑
- () «يسمى الحد الشمالي (باختر)، والحد الجنوبي (نيمروز) و…، والحد الشرقي (خراسان)، والحد الغربي (إيران شهر)». (تاريخ سيستان، ص 23 و24). وجاء في ذيل صفحة 308 من هذا الكتاب، كما ذكر بهار: «زابلستان اسم أرض (نيروز)، وهي عبارة عن سيستان وزمين داور وطوران وغزنة وقندهار حتى كابل». ↑
- () ص 186. ↑
- () ينقل ذلك أيضاً صاحب معجم البلدان عن الإصطخري، وجاء في كتاب (حدود العالم من المشرق إلى المغرب) بتصحيح واهتمام السيد جلال الدين الطهراني: «… والنهر الآخر نهر (هيذمند)، يمتد من حد (كوزكانان) ويمر قرب غور بر درغش وتل وبست، ويدور حول سيستان، ويستفاد من بعضه ويصب البعض الآخر في بحيرة (زره)». من مجموع هذه الأقوال يستفاد أن نهر (هيرمند) كان يصب في السابق في بحيرة (كود زره) الحالية، وهي بحيرة بطول مائة كيلومتر وبعرض يتفاوت بين 25 إلى 40 كلم، واقعة إلى جنوب النهر المذكور. وبمرور السنين تغير مسيره إلى داخل بحيرة هامون. ↑
- () لم أجد سدّاً بهذا الاسم في الخرائط الموجودة بين يدي. ويحتمل وقوع تحريف في ترجمة هذا الاسم. ولا أملك النسخة الإنكليزية من الكتاب. راجع: كتاب (ثمان سنوات في إيران) تأليف سايكس، ترجمة حسين سعادت نوري. ↑
- () مجلة المجمع الآسيوي البنغالي، العدد التاسع، ص 724، 1840. ↑
- () الاسم الأصلي لمدينة زاهدان الفعلية التي هي في بلوجستان الإيرانية، هو (دزد آب)، وتبعد عن مدينة (زابل) ـ وكانت تدعى سابقاً (نصرت آباد) ـ مسافة 159 كلم، أو ما يقرب من ستة وعشرين فرسخاً ونصف. ولكن الموضع الحقيقي لمدينة زاهدان كان بالقرب من (قاسم آباد) وبين مدينة (زابل) وقرية (جهان آباد)، ولا تزال خرائبها باقية إلى الآن، وقد دمرت في هجوم الأمير تيمور على هذه المدينة ومدينة (زرنك) التاريخية. وقد سمع كاتب هذه المقالة من سكان المنطقة، أثناء عمل حدودي له في سيستان سنة 1938 ـ ويطابق ما قاله الأستاذ «بارتولد» (كتاب الجغرافيا التاريخية لإيران، ص 120) ـ أن موقع مدينة (زرنك) كان على مسافة ثلاثة كيلومترات تقريباً على يمين نهر (هيرمند) بالقرب في قلعة (ناد علي) التي هي الآن جزء من أفغانستان، فوق هضبتين تسميان (سوردك) و(سفيدك). ↑
- () Col. Sir Henry McMahon. ↑
- () لأجل شرح تحديد حدود سيستان، يرجع إلى الكتاب (حدود إيران) لكاتب هذه المقالة. ↑
- () قرى ميلك وكلمير تقع في ناحية (ميانكنكي) ومن توابع مدينة (زابل). ↑
- () قرية دوستمحمد خان هي مركز ناحية (ميانكنكي). ↑
- () ابن الزبير: أحمد بن إبراهيم ت/708هـ. صلة الصلة ـ مخطوط ـ التيمورية: رقم 850 تاريخ ابن سعيد: علي بن موسى ت/685هـ.المغرب في حُلى المغرب 1 ـ 2 ـ تحقيق الدكتور شوقي ضيف ـ دار المعارف ـ 1955 القاهرة. ابن الشعّار الموصلي/ المبارك بن أبي بكر بن حمدان م/654.عقود الجمان في شعراء الزمان المجلد التاسع مخطوطة أحمد الثالث جشرين رقم 2329. المقرّي: أحمد بن محمد التلمساني 1041.نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 1 ـ 8، تحقيق إحسان عباس دار صادر 1968 بيروت. ↑
- () أسنتت بمعنى أصابها الجدب والقحط، وعيهت أصابتها عاهة. ↑
- () صورة الأرض لابن حوقل (1: 239 طبعة كريمرز). ↑
- () ترى بقايا مدينة الرصافة على نحو 30 كيلومتراً من شرق قلعة سكر على نهر الدجيلة ا لمندرس. وتعرف بالرصافة وهي بقايا مدينة الحوانيت على 25 كيلومتراً من جنوب شرقي الشطرة. ↑
- () ذكر صاحب كشف الظنون 2: 2001 أنه نسب لعكرمة عن ابن عباس كتاب في الوجوه، وكذلك نُسب لعلي بن طلحة عن ابن عباس كتاب، وهذا أمر يعوزه البحث والتحقيق، لا سيما أنّ مقاتل لم يشر إلى شيء من ذلك، لهذا عددنا مقاتل أول من صنّف في هذا. ↑
- () الوجوه والنظائر للدامغاني: 105 «أو»، و: 107 «أم» ويلاحظ هنا أنّ مقاتل قال في «أم» إنّ أحد وجوهها أن تكون صلة، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْر شَيءٍ﴾ يقول: أخلقوا من غير شيء، والميم ها هنا صلة، ومعلوم أن البحث في «أم» وليس في الميم وكان يستطيع أن يقول التي ميمها صلة. وهذا السهو ورد بعينه في كتاب الدامغاني، ص 107. ↑
- () نزهة القلوب ـ حمد الله المستوفي، ص 58. ↑
- () نزهة القلوب أيضاً ـ ص 52. ↑
- () كتاب «ري باستان» تأليف حسين كريمان، ص 609. ↑
- () «ري باستان» حسين كريمان، ص 474. ↑
- () نزهة القلوب لحمدالله المستوفي، ص 58 و59. ↑
- () سفرنامه ابن بطوطة، ص 233. ↑
- () نزهة القلوب، حمدالله المستوفي، ص 59. ↑
- () «ري باستان» حسين كريمان، ص 24. ↑
- () «إيران باستان» مشر الدولة بيرينيا، الجزء الثامن، ص 2217. ↑
- () «ري باستان»: كريمان، ص 515. ↑
- () أيضاً «ري باستان» ص 365. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ص 223. ↑
- () «سفرنامه كلاقيخو» ص 303. ↑
- () ري باستان ص 232. ↑
- () (الجغرافيا التاريخية لإيران) بارتولد ص 181. ↑
- () لسترنج،ص234. ↑
- () من قرى كردستان. ↑
- () من قرى كردستان. ↑
- () مدام ديولافوا، ص 143. ↑
- () إيران وقضية «كذا» إيران اللورد كرزن، ص 446. ↑
- () في هذا القول عن الوضع الحالي للمسجد الجامع مبالغة (راجع وصفنا له عند زيارتنا ورامين سنة 1991م) (ح). ↑
- () «سفرنامه مدام» ديولافوا ص 140. ↑
- () مجلة (هنرومردم) عدد رقم 106، العام الخمسون، ص 16. ↑
- () إيران زمين. محمد رضا زهتابي جليل زاهد، ص 159. ↑
- () المالج هو الآلة التي يتم بها طلاء الجدران بالجص. ↑
- () مدام ديولافوا، ص 149. ↑
- () معماري إيلخانان، دونالد ويلبر، ص 119. ↑
- () كتاب «سفرنامه ديولافوا» ص 149. ↑
- () (معماري إيلخانان) ص 121 (المقصود بأرباب صناعة الكاشي المعروفين عائلة محمد بن أبي طاهر الكاشاني الذي صنع كاشي مرقد معصومة في قم «المؤرخ في عام 602هـ) وزخارف الكاشي الموجودة في مدخل حضرة الإمام الرضا في مشهد (ويرجع تاريخها إلى عام 612هـ) وله العديد من صناعات الكاشي الأخرى، وانتقلت هذه الصناعة إلى أفراد عائلته لعدة أجيال، حيث تركوا في المراقد والأماكن الدينية العديد من هذه الزخارف، الرائعة، وتوجد أسماء العديد من أفراد هذه العائلة الفنية في محارب وزخارف القرنين السابع والثامن الهجريين م ـ ت مصطفوي). ↑
- () مما يلفت النظر هنا هو أن الصوفي الشيعي السيد حيدر الآملي الذي أراد أن يخلق تصوفاً شيعياً يمزج بين العقيدة الشيعية وبين الآراء الصوفية المتطرفة يرى في كتابه (جامع الأسرار) ص 223 أن الصوفية (الحقة) ينسبون خرقتهم إلى الإمام علي عليه السلام وأولاده، أما الإمام فأورثها لتلميذه كميل بن زياد إلى آخر ما قال…وقد جاء عن السلسلة الكميلية النوربخشية في كتاب (تاريخ نهضتهاي فكري إيرانبان) ما ترجمته:تأتي هذه السلسلة ضمن إطار الحركات الصوفية التي ظهرت في العهد القاجاري. عاش اثنان من زعمائها في زمن ناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه القاجاريين وهما: الحاج صفا والحاج الشيخ محمد علي ويعتقد مريدو هذه السلسلة أن الحاج صفا هو سادس خلفاء الكميلية التي تنسب إلى كميل بن زياد، وقد كتب كل منهما مذكراته. وفي الفترة التي كان المستشرق والمحقق الإنكليزي البروفسور إدوارد براون مقيماً في إيران، دخل في سلك مريدي المرشد الحاج صفا، وتلقب بلقب (مظهر علي) واستمر بمكاتبة أستاذه، وقد التقطت له صورة في لباس الدراويش. وأما الحاج الشيخ محمد علي وهو من أحفاد الحاج عبد الوهاب النائيني والحاج محمد حسن الكوزه كناني فقد تشرف بلقاء الحاج المرشد صفا في اسطنبول ودخل في سلك مريديه، ثم نال درجة الإرشاد بعد سنوات. ولم ينتخب الشيخ محمد علي (الملقب ببير زاده) خليفة له.عين المرشد شاه غياث الدين المشهدي الكشميري خليفة له. وبعد وفاته (المرشد صفا) أقام (بيرزاده) في بستان (صفائية) المجاورة لجشمه علي بالقرب من مدينة الري، واشتغل في إعمار هذا المكان. وقد نقل البعض أن الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي وهو من فحول علماء عصره دخل في سلك مريدي بير زاده. وكان كيوان القزويني قد درس علم الأصول على الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي.فارق بير زاده الحياة في شهر ذي الحجة عام 1321هـ، ودفن إلى جوار المرشد صفا في بستان صفائية في مدينة الري مع عدد من مشايخ الكميلية. وكان آخر أقطاب السلسلة الكميلية النوربخشية في العهد القاجاري هو محمد حسن قطب الدين الدهلوي المشهور بولي الله. ↑
- () المثل هو: كنت أحسب أن النحل أشد لسعاً من الزنابير، واختلف سيبويه والكسائ في بقية الكلام، هل نقول فإذ هو هي، أو فإذا هو إياها. ↑
- () .شهربانو بنت يزدجرد بن شهريار،ملك الفرس،بعث بها وبأختها عبدالله بن عامر بعد فتح خراسان الى عمر بن الخطاب فتزوج احدهما الامام الحسن(ع)- وقيل محمد بن ابي بكر- والثانية الامام الحسين(ع) وقد اختلف في اسمهما، فقيل:سلافة، وغزالة، وشاه زنان، وشهر بانويه، وخولة. إتفق المؤرخون على انها ماتت بعد ولادة الامام علي بن الحسين(ع) وكانت وفاتها سنة 35 هـ. ↑
- () كتاب الهند (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) تأليف أبي الريحان البيروني ص 18، طبع ساخائو، ليبيسك 1925. ↑
- () ورد معنى شجرة التوز في القاموس بأنها شجرة اللوز الجبلية، التي تصنع منها العكازات ويستخرج منها الصمغ العربي. ↑
- () مروج الذهب ج 2، ص 202. طبع باريس. ↑
- () يعني الطومار؛ الصحيفة أو الورقة وهو في الأصل كلمة يونانية، ثم انتقلت إلى اللغة العربية. ↑
- () البابيروس هو اسم البردي المصري، ويسميه اليونانيون بهذا الاسم، وكلمات Paper و Papier وغيرها مما هي متداولة في اللغات الأوروبية مشتقة من هذه الكلمة (Papyrus). ↑
- () راجع كتاب «فتح مصر على يد العرب» ترجمة محمد فريد أبي حديد ص 95. ↑
- () فتوح البلدان، ص 240، طبع دخويه، ليدن عام 1866. ↑
- () حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، تأليف السيوطي (ج2، ص 173). طبع مصر عام 1327هـ. ↑
- () ثمار القلوب في المضاف والمنسوب تأليف الثعالبي (ص 421، طبع القاهرة، عام 1908 ميلادي). ↑
- () سورة الأنعام: 6 و90. ↑
- () كتاب أدب الكتاب (ص 105، 106، طبع القاهرة 1341هـ) وهو ينقل العديد من أقوال القدماء حول القرطاس. ↑
- () المعرب الجواليقي (ص 276) تحقيق أحمد محمد شاكر، وشفاء الغليل للخفاجي (ص 180 طبع في القاهرة عام 1282هـ). ↑
- () راجع ذيل قواميس العرب تأليف الدزي Dozy ج 2، ص 331 وكتاب تفسير الألفاظ الدخيلة في العربية تأليف القس طوبيا العنيسي (ص 55 طبع القاهرة عام 1932). ↑
- () المحاسن والأضداد ـ الجاحظ (ص 138). طبع القاهرة 1938م. ↑
- () تاريخ الطبري (ج3، ص 999)، طبع دخويه. ↑
- () كتاب «أخبار فطاركة كرسي المشرق» تأليف عمرو بن متى (ص 119 طبع روما 1896م). ↑
- () كتاب أخبار فطاركة كرسي المشرق «تأليف ماري بن سليمان طبع روما عام 1899م). ↑
- () ص 445. طبع ماركيلوث في ليدن عام 1912. ↑
- () ج 2، ص 91 وج 4 ص 43 وج11 ص 233 وج 12 ص 3 و151 وج 13 ص 45. ↑
- () كتاب «الألفاظ الفارسية المعربة» تأليف إدي شير، ص 136، طبع بيروت عام 1908. ↑
- () يبدو أن أصل هذه الكلمة سنسكريتي وانتقلت من هذه اللغة إلى اللغة الفارسية. ↑
- () الجزء الأول، صفحة 354، طبع دار الكتب المصرية. ↑
- () صفحة 231، طبع محمد شاهين، القاهرة 1280هـ. ↑
- () رسائل أبي بكر الخوارزمي ص 25، طبع مطبعة الجوائب، الآستانة عام 1297. ↑
- () معجم الأدباء، الجزء الثاني، صفحة 412، طبع مركليوث وحسن المحاضرة، الجزء الثاني، صفحة 173. ↑
- () حسن المحاضرة، الجزء الثاني، صفحة 173. ↑
- () صورة الأرض لابن حوقل، الجزء الثاني، صفحة 465. ↑
- () المسالك والممالك للإصطخري، صفحة 278، طبع دخويه، ليدن عام 1927. ↑
- () صبح الأعشى، الجزء الثاني، ص 476. ↑
- () الفهرست ص 21، طبع ليبسيك وص 23 طبع مصر. ↑
- () تاريخ الطبري، الجزء الثالث، ص 740. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية، مادة «كاغذ». ↑
- () عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تأليف ابن أبي أصيبعة الجزء الثاني، صفحة 8. ↑
- () معجم البلدان ص 95. ↑
- () معجم الأدباء ج 6، ص 285. ↑
- () الأنساب للسمعاني. ↑
- () كتاب تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء، تأليف هلال الصابي (صفحة 63 طبع (آمد روز) في بيروت عام 1904م. ↑
- () الجزء الأول من معجم الأدباء، صفحة 342. ↑
- () كتاب فضل القلم والخط وأعمال المداد (نسخة خطية) وربما كان المراد به هو «الورق الطلحي» الذي أسلفنا الحديث عنه. ↑
- () كتاب الأنساب. ↑
- () صفحة 231، طبع محمد شاهين، القاهرة 1280هـ.كتاب رسوم الخلافة، تأليف الصابي. ↑
- () ملخص عن معجم الأدباء، الجزء الخامس ص 446 ـ 448. ↑
- () ملخص عن صبح الأعشى، الجزء الثاني، ص 475 ـ 476. ↑
- () أخبار الراضي بالله والمتقي لله، من كتاب الأوراق للصولي (ص 260 طبع القاهرة عام 1935). ↑
- () ملخص عن صبح الأعشى، الجزء الثاني، ص 476. ↑
- () كتاب الفخري (ص 312) طبع أهلوارد في كوتا عام 1860. ↑
- () يشير أبو علي مسكويه في تجارب الأمم، الجزء الأول ص 120، طبع (آمد روز) إلى غلاء هذه الثلاث. ↑
- () تاريخ الوزراء، ص 20 ـ 21. ↑
- () «رحلة ناصر خسرو». ↑
- () أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ↑
- () الإسلام والحضارة، الجزء الأول ص 215. ↑
- () نزهة الأنام في محاسن الشام، تأليف البدري، ص 363 طبع القاهرة 1341. ↑
- () الإسلام والحضارة، الجزء الأول ص 215. ↑
- () ملخص عن خطط الشام، الجزء الرابع صفحة 243. ↑
- () ملخص عن صبح الأعشى، ج 2، ص 476. ↑
- () ملخص عن الخطط، صفحة 77 من المجلد الثاني، طبع النيل، القاهرة 1325هـ ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثياني، ص 189. ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثالث صفحة 37. ↑
- () ملخص عن صبح الأعشى، الجزء الثاني، ص 476 ـ 477. ↑
- () الإسلام والحضارة العربية الجزء الأول ص 263. ↑
- () مختصر نزهة المشتاق للإدريسي، صفحة 168، طبع روما عام 1593 ميلادي. ↑
- () معجم البلدان، الجزء الثالث، ص 235 طبع وستنفلد، وخريدة العجائب ص 38. ↑
- () نفح الطيب، الجزء الأول، ص 694 طبع دزي. ↑
- () صبح الأعشى، الجزء الثاني، صفحة 477. ↑
- () معجم البلدان، صفحة 500، الجزء الثالث. ↑
- () صبح الأعشى، الجزء السادس ص 189. ↑
- () على الرغم من ضياع هذا الكتاب، إلا أن بإمكاننا أن ندرك مدى أهميته من خلال هذا الموضوع الذي ينقله القلقشندي. ↑
- () فهرست دار الكتب المصرية، الجزء الخامس ص 151، رقم 39 مبحث الصناعات. ↑
- () وصف هذه الرسالة عبد القدوس الهاشمي بالتفصيل في صفحات 152 ـ 158 في كتاب «المباحث العلمية من المقالات السنية» الذي طبع في حيدر آباد عام 1358هـ. ↑
- () المدخل لابن الحاج، الجزء الرابع صفحة 79 ـ 83 طبع المطبعة المصرية في الأزهر عام 1929م. ↑
- () كتاب المدخل الجزء الرابع صفحة 81. ↑
- () ملخص عن الجزء الرابع من المدخل. ↑
- () أبو سلمة الخلال ويعقوب بن داود شيعشيان (ح). ↑
- () توجد طبعة لم تكتمل تجمع بين المستدرك والوسائل ابتدأت في القاهرة. ↑
- () القمي، قوانين الأصول، ص 282 ـ 283. ↑
- () شارك في التحقيق بعد ذلك عدد من العلماء. ↑
- () يسبق الوسائل القسم المتعلق بها من الفهرست في كل المجلدات فلا نكررها. ↑
- () كان أبناء المغرب يطلقون في الماضي اسم «قصر فرعون» على آثار مدينة وليلي التاريخية، لاعتقادهم بأن أحد الفراعنة هو الذي قام ببناء هذه المدينة التي تبعد حوالى عشرين كيلومتراً عن مدينة مكناس.ويتميز موقع وليلي بخصوصية دفاعية وبمساحات شاسعة خصبة. وهذه من الدوافع الأساسية التي جعلت السكان الأوائل يقطنونها منذ فترة تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، ويدلّ على ذلك بعض الكتابات الفينيقية التي اكتشفت فيها.أما النقوش والكتابات التي تعود إلى الحقبة الرومانية فتشير إلى أنه كان يعيش في وليلي أناس من جنسيات مختلفة، من سورية ومصر واليونان وإسبانيا، بالإضافة إلى السكان الأصليين، وفي عهد الإمبراطور مارك أوريل، في النصف الثني في القرن الميلادي الثالث، تمّ بناء سور جديد لها بأبواب ثمانية عملاقة. وبالإضافة إلى قطع فسيفساء مميزة، عُثر في وليلي على بقايا أبنية ضخمة تعود إلى عصور رومانية مختلفة، مثل الكاتدرائية وقوس النصر ومبنى الكابيتول. ↑