لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد العشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
كنز العرفان في تفسير القرآن
تأليف شيخ مفسري الشيعة وأحد مراجع التقليد في القرن الثالث عشر للهجرة الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية فجأة داخل الروضة الحسينية عند ضريح الإمام الحسين عليه السلام وهو في حال الدعاء. والكتاب من أكبر تفاسير الشيعة في سبعة وعشرون مجلداً ضخماً أكبر من بحار المجلسي، وهو ما يعادل مائة وخمسين مجلداً بالقطع الوزيري. وكل مجلد أكثر من ستمائة صفحة. وحين شرع المؤلف في عام 1254 هجرية بتأليف التفسير المسمى [بحر العرفان] بعد مراجعة مختلف الكتب العامة والخاصة جلب انتباهه جملة من الروايات والقصص الواردة في الآية وشواهد ونوادر العلوم والأدب والشعر وكثير من البراهين التي لها مدخلية تامة في فهم باطن الآية وتأويلها ولكن خشية من أن يبلغ التفسير حجماً كبيراً بحيث يشق حمله ويثقل نقله وقراءته لم يدخله في تفسيره [بحر العرفان]. وفي أواخر عمره بدأ بجمع جميع هذه الملاحظات التي دونها طول حياته وجمع في كل مجلد منها ما يقرب من حدود أكثر من ألفي حديث وقد صرح في ديباجته أنه كان هدفه جمع جميع الروايات والأحاديث الواردة في تفسير الآيات دون خوض في صحتها أو عدم صحتها ولم يقصد به بيان اعتقاد ولا عمل وإنما أورده ليعلم الناظر كيف نقل وعمن نقل وترك تحقيقها وقبولها أو عدم قبولها للفضلاء المحققين. وأصبح الكتاب تفسيراً جامعاً كبيراً في سبعة وعشرون مجلداً ضخماً يتعرض المؤلف فيها للمعاني الظاهرة والباطنة للآيات الواردة في أحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام فيذكر بعد كل آية ما ورد فيها من الروايات ثم يتبعها بمباحث مختلفة مع عناوين اللغة، الإعراب، أسباب النزول، مكان النزول، المعنى، القراءة، فقه الآيات واختلاف الأحكام بين المذاهب الأربعة ثم بيان آراء الشيعة والدفاع عنها.
كما يستشهد كثيراً بأشعار العصر الجاهلي وصدر الإسلام وما أشبهها يقول عبد الحسين الصالحي: إن تفسير [كنز العرفان] في حدود ضعفي [بحر العرفان] وأن الأحاديث التي استقصى فيها بلغت حدود ستين ألف (60,000) حديث وفي بعض الأحيان يستشهد المؤلف بقسم من الحديث. وجميع المجلدات بخط المؤلف من مخطوطات كاتب هذه السطور حفيد المؤلف.
عبد الحسين الصالحي
الكنية
1 ـ أصل الكنية
قال ابن الأثير: بلغني أن سبب الكنى في العرب كان: أن ملكاً من ملوكهم الأول وُلد له ولدٌ توسَّم فيه أمارات النجابة فشغف به، فلما نشأ وترعرع وصلُح لأن يؤدب أدب الملوك، أحب أن يفرد له موضعاً بعيداً من العمارة يكون فيه مقيماً يتخلق أخلاق مؤدبيه، ولا يُعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البرية منزلاً ونقله إليه، ورتّب له من يؤدبه بأنواع الآداب العلمية والملكية، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه وأمرائه ليواسوه ويتأدّبوا بآدابه بموافقتهم له عليه.
وكان الملكُ على رأس كل سنة يمضي إلى ولده، ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد، ليُبصروا أولادهم، فكانوا معه إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاؤوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: «هذا أبو فلان، وهذا أبو فلان» يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم فمن هنالك ظهرت الكُنى في العرب، ثم انتشرت حتى صاروا يكنّون كل إنسان باسم ابنه([1]).
واحتمل السيد حيدر شرف الدين، أبو رضا: أن يكون أصل استعمال الكنية عند العرب لإخفاء أسمائهم، لأنهم كانوا أمةً قبليةً تعيش حالات الحروب والغارات، فربما اتخذوا الكُنى ـ في بداياتها ـ ليُخفوا وراءها شخصياتهم المعروفة ـ عادةً ـ بالأسماء، ثم تبلورت إلى أداةٍ معبرةٍ عن الأشخاص، وتميزت بخصوصيات أخرى.
ويؤيد هذا الاحتمال: أن اللغويين فسروا الكنية بالستر، كما سيجيء.
2 ـ حقيقة الكُنية
قال الجرجاني: ما صُدِّرَ بأب أو أم أو ابن أو بنت([2]).
وقال الشيخ الرضي: الكنية هي: الأب، أو الأم، أو الابن، أو البنت، مضافات، نحو: أبو عمرو، وأم كلثوم، وابن آوى، وبنت وردان([3]).
وقال ابن الأثير: لما كان أصل الكنية أن تكون بالأولاد، تعين أن تكون بالذين ولدوهم، كأبي الحسن، في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام.
فمن لم يكن له ابن، وكان له بنت، كنُوه بها.
ومن لم يكن له ابن ولا بنت، كنّوه بأقرب الناس إليه كأخ وأخت وعم وعمّة وخالٍ وخالة([4]).
وجروا في كنى النساء بالأمهات هذا المجرى في الكُنى بالأولاد([5]).
أقول: ورد في الحديث الشريف عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: «من السُنَّة والبر أن يكنى الرجل باسم ابنه» كما سيأتي.
وقال الرضي: وقد يكنّى الشخص بالأولاد الذين له، كأبي الحسن لأمير المؤمنين علي عليه السلام.
وقد يكنّى في الصغر تفاؤلاً لأن يعيش حتى يصير له ولد اسمه ذاك([6]).
التكنية بالبنوة
قال ابن الأثير: وكذلك فعلوا في إضافة الأبناء والبنات إكراماً واحتراماً لهم بإضافتهم إلى آبائهم مع ترك أسمائهم([7]).
تكنية الحيوان
قال ابن الأثير: وأجروا غير الأناسي مجراهم في ذلك، لما شارك الناس ـ في الولادة ـ باقي الحيوانات، كنّوا ما كنّوا منها بالآباء والأمهات، كأبي الحارث: للأسد، وأم عامر: للضبع، وأجروها في ذلك مجرى الأناسيّ([8]).
تكنية الجمادات
قال ابن الأثير: فلما تجوّزوا في إجراء الحيوانات العُجْم مجرى الناس في الكنى والأبناء، حملوا عليها بعض الجمادات فأجروها مجراها فقالوا: أبو جابر: للخبز، وأم قار: للداهية، وابن ذكاء: للصبح، وبنت أرض: للحصاة([9]).
3 ـ أقسام العَلَم
العَلَم من ما يسمى في النحو «المعارف» وهو ينقسم إلى اسم وكنية ولقب، قال ابن مالك الأندلسي:
اسمُ يُعيِّن المُسمى مطلقاً
علَمُه كجعفرِ وخِرْنَقا
واسماً أتى وكُنْيةُ ولقبا
……………………………. ([10])
وقال الرضي: الاسم: ما لا يُقصد به مدحٌ ولا ذمّ (وإنما يراد به مجرد تعيين المسمى).
واللقب: هو اللفظ الذي يدل على مدح أو ذم.
وأمّا الكنية: فما كان فيه أحد أدوات الكناية من: أب، وأم، وقيل: وابن، وبنت ـ أيضاً([11]).
وقال أبو البقاء: العَلَم: إن كان مصدَّراً بأب أو أم فهو «كنية» وإن لم يصدَّر بأحدهما: فإن قصد به التعظيم أو التحقير فهو «اللقب» وإلاّ فهو «اسم».
وبعض أهل الحديث يجعل المصدَّر بأب أو أم، مضافاً الى اسم حيوان أو وصفه كنيةً، وإلى غير ذلك لقباً.
والشيء ـ أول وجوده ـ تلزمه الأسماء العامة، ثم تعرض له الأسماء الخاصة كالآدمي، إن ولد سمّي به ـ ذكراً كان أو أنثى أو مولوداً أو رضيعاً ـ وبعد ذلك يوضع له الاسم، والكنية، واللقب.
وقال: ويجوز اجتماع الثلاثة لشخص واحد، إذا قصد بكل واحد منها ما لا يقصد بالآخرين، ففي التسمية إيضاح وفي الكنية تكريم، وفي التلقيب ضرب من الوصفية([12]).
وقال الصفدي: إن العلم الدال على شخص معين: إن كان مصدراً بأب، كأبي بكر، أو بأم، كأم كلثوم وأم البنين …. فهو «الكنية».
وإن أشْعَر برفع المسمّى، كماء السماء، وذي الجناحين، وذات النطاقين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء، كالعباس، والمهدي ….، ويدخل فيه مصطلح الناس من: شمس الدين، وبدر الدين، ونجم الدين، وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب، كشمس الدولة، وتاج الملك.
أو يُشْعر بضعة المسمّى، كقُفّة، وبَطّة، والأقَيْشَر، والأحوص.
فهذا هو «اللقب».
وإن كان للدلالة على ذات المسمّى وتعيينه، كزيد، وعمرو، فهو «الاسم»([13]).
4 ـ موقع الكنية في الكلام
قال ابن مالك الأندلسي:
واسماً أتى وكُنيةً ولقَبا
وأخّرَنْ ذا إنْ سِواهُ صَحِبا([14])
ومعناه: أن اللقب إذا اجتمع مع الاسم والكنية، لزم تأخير اللقب عنهما، فالاسم والكنية مقدمان على اللقب عند اجتماعها، فيقال: الحسين، أبو عبد الله، الشهيد عليه السلام.
أما تقديم الاسم على اللقب: فمتفق عليه:
قال ابن عقيل: يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم([15]).
وأما تقديم الكنية على اللقب، فهو ظاهر الألفية حيث ورد فيها: «وأخِرَنْ ذا» أي اللقب «إنْ سواه» أي غير اللقب «صَحِبا».
ولكن شُراح الألفية قالوا: أنت ـ في اللقب مع الكنية ـ بالخيار، بين أن تقدم الكنية على اللقب، فيقول: أبو عبد الله زين العابدين، وبين أن تقدّم اللقب على الكنية فتقول: زين العابدين أبو عبد الله([16]).
وعلى هذا الأساس احتملوا أن تكون عبارة الألفية:
وأخّرَنْ ذا إن سِواها صَحِبا
بأي أخر اللقب إن صَحِبَ سوى الكنية، أي إن صحب الاسم لزم تأخيره عن الاسم، وأمّا إن صحب الكنية، فهو ساكت عنه.
ويرد عليه: أنهم حكموا في اجتماع الاسم والكنية بالخيار في تقديم أحدهما على الآخر، فلو كان الناطق في اجتماع اللقب والكنية بالخيار أيضاً، لزم من تقديم اللقب على الكنية جواز تقديمه على الاسم نفسه، وقد عرفنا أن اللقب متأخر عن الاسم! ذكر أبو البقاء هذا الاعتراض([17]).
فالظاهر وجوب تأخّر اللقب عن الاسم والكنية، وهذا يوافق النسخة المعروفة من الألفية: «إن سواه»([18]).
وقال أبو البقاء: إذا اجتمع الاسمُ واللقبُ: فالاسم ـ إن لم يكن مضافاً ـ أضيف إلى اللقب، كسعيد كُرْزٍ، لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد.
وإن كان مضافاً، فهم يؤخرون اللقب، فيقولون: عبد الله بَطّة.
ويقدّم اللقب على الكنية، وهي على العَلَم، ثم النِسْبة إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع. ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العِلم.
وقد يقدّمون اللقب على الاسم، ويُجرون الاسم عليه بدلاً أو عطف بيان([19]).
وقال الصفدي: فسردُها يكون على الترتيب: ـ ثم ذكر عين ما ذكره أبو البقاء ـ إلاّ أنه أضاف بعد قوله: «ثم إلى العِلم» قوله: أو الصناعة أو الخلافة أو السلطنة أو الوزارة أو القضاء أو الإمرة أو المشيخة أو الحج أو الحرفة.
وقال: هذا الذي ذكرته ها هنا هو القاعدة المعروفة والجادة المسلوكة المألوفة عند أهل العلم([20]).
وفي المقام أقوال أخر([21]).
5 ـ كنية أو لقب؟
قال الشيخ الرضي: لفظ «اللقب» ـ في القديم ـ كان في الذمّ أشهر منه في المدح، وهو ما يُقصد به المدح أو الذم في الأعصار المتأخّرة مثل: بَطّة، وقُفّة، وعائد الكلب، في الذم.
وكالمصطفى، والمرتضى، وفخر الدين، في المدح([22]).
وقد تجعل اللفظة المستعملة للكنية «لقباً» لشخص، والمراد بجعلها اعتبار جهة المدح أو الذم فيها، بحيث لا تستعمل إلاّ لإرادة أحدهما منها فتسمّى «لقباً» اصطلاحاً، وهي كنية لفظاً.
وقد قسّم ابن منظور الأنصاري الكنية إلى ما يراد به الذم أو المدح، أو الخالي منهما([23]).
وعلى ذلك يصح إطلاق «الكنية» و«اللقب» على لفظ واحد، باختلاف الاعتبار.
وقد جعل ابن الأثير كلمة «أبي تراب» كنية للإمام علي عليه السلام، ولكن جعلها من قسم الكنى النادرة، كما سيأتي([24]).
وابن الصلاح جعل لفظ «أبي تراب» لقباً للإمام عليه السلام، فقال: الذين لقبوا بالكنى، ولهم غير ذلك كنى وأسماء، مثاله: علي بن أبي طالب عليه السلام يلقب بأبي تراب، ويكنى أبا الحسن([25]).
وممن لُقّب بالكنية: عبد الله بن محمد الأصفهاني، المكنّى بأبي محمد، الملقب بأبي الشيخ([26]).
وقال ابن حجر، في إبراهيم بن خالد: قيل كنيته أبو عبد الله، وأبو ثور لقب([27]) وقد ذكر عدّة من الكنى في فصل الألقاب من التقريب([28]).
وقال الفيروز آبادي: أبو العتاهية: لقب أبي إسحاق بن سويد، لا كنية([29]).
وقد يقال: إن الكنية ـ ما سيجيء ـ تدل على الاحترام والتعظيم للمكنى، وهذا ينافي أن يكون دالاً على الذم، عندما يستعمل لقباً؟!
ويجاب: بأن اللقب ـ إنما يذم الملقّب به بمعنى لفظه، فدلالته على الذم لفظية ظاهرة مطابقية، بخلاف الكنية([30]).
فاللقب يدل بمعناه اللغوي على ذم الملقب به، أما الكنية فجهة التعظيم فيها ـ كما سيجيء ـ هو عدم ذكر اسم الشخص، فهي تدل عليه بالدلالة الالتزامية.
6 ـ أهداف الكنى
قال الأهدل: والمقتضى للتكنية أمور:
الأول: الإخبار عن نفس كأبي طالب، كُنّي بابنه طالب، وهذا هو الأغلب.
الثاني: التفاؤل والرجاء، كأبي الفضل: لمن يرجو ولداً جامعاً للفضائل.
الثالث: الإيماء إلى الضِدّ، كأبي يحيى لمَلِك الموت.
الرابع: اشتهار الشخص بخصلةٍ، فيكنّى بها:
إما بسبب اتصافه بها في نفسه.
أو انتسابه إليها بوجهٍ قريب، أو بعيد، كأبي الوفاء: لمن اسمه إبراهيم، وابي الذبح، لمن اسمه إسماعيل أو إسحاق.
ومن هذا القبيل غالب كنى الحيوان([31]).
أقول: ومن فوائد الكنية وأغراض وضعها:
هو التمييز بين الأشخاص بتعيين أحدهم بكنيته، بالدلالة عليه.
قال ابن قتيبة: الكناية أنواع، ولها مواضع … فمنها: أن تكنّى عن اسم الرجل بالأبوة لتزيد من الدلالة عليه، إذا أنت راسلته أو كتبتَ إليه، إذ كانت الأسماء قد تتفق([32]).
أقول: وتتضح هذه الفائدة لو كانت الأسماء المتفقة لعدة من الإخوة، حيث تتفق هناك أسماء الآباء والأجداد ـ أيضاً ـ فتكون الحادة إلى تمييز كل واحد، والدلالة عليه بما يخصّه، أظهر.
وإليك أمثلة لذلك:
ذكرالنسّابة المروزي عدةً ممكن اتفقت أسماؤهم واختلفت كناهم:
منهم أبناء عمر بن يحيى بن الحسين، أمير الحاج، صاحب الكوفة، والموسم: فإنهم ثمانية وعشرون أخاً، واسم (واحد وعشرين) منهم (محمد) وكُناهم مختلفة([33]).
وسمّى الحسن بن الحسين بن القاسم بن محمد البطحاني أبناءه السبعة (علياً) وكِناهم مختلفة([34]).
وذكر أن محمد الجور بن الحسين بن علي الخارص بن محمد: له عشرة أولاد ممّن اسمه (جعفر) وكناهم مختلفة([35]).
وقد ذكر النسّابة المذكور تلك الكنى، فتراجع.
7 ـ الكنية للتعظيم والتكريم
قال ابن قتيبة: أن تكنّيَ عن اسم الرجل بالأبوّة … لتُعظّمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدل على الحنكة وتُخبر عن الاكتهال([36]).
وقال ابن الأثير: إنما جيء بالكنية لاحترام المكنّى بها وإكرامه وتعظيمه ….
ومنه قول الشاعر:
أكنّيهِ أناديه لأكرمَهُ
ولا ألقّبه والسوءة اللَّقبُ
وهذا مختص بالإنسان دون غيره، وهو الأصل([37]).
وقال ـ في وجه دلالة الكنية على الاحترام ـ : كي لا يصرّح في الخطاب باسم([38]).
وقال الرضي: الكنية ـ عند العرب ـ يقصد بها التعظيم، لعدم التصريح بالاسم … فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطَبَ باسمها([39]).
أقولِ: يظهر من الجمع بين الكلمات: أن في الكنية أكثر من جهةٍ تدل على التكريم والتعظيم:
1 ـ عدم ذكر الاسم.
2 ـ الإخبار عن الاكتهال، فيما لو كانت الكنية بالأبوة.
3 ـ النسبة إلى الآباء، فيما لو كانت الكنية بالبنوّة([40]).
وفي قول ابن الأثير: «وهو الأصل» إشارة إلى أن هذه الدلالة قد تختلف، وأن الكنية قد تُستعمل للإهانة والذم، وإن كان ذلك نادراً، فهو بحاجة إلى قرينة تدل عليه.
وقد انعكست دلالة الكنية على التكريم والتعظيم في الأخبار التالية:
1 ـ روى الشيخ المفيد ـ بسنده ـ عن أحمد بن عبيد الله بن الخاقان ـ الذي كان على الضياع والخراج بقُم ـ قوله: أذكر أني كنت يوماً قائماً على رأس أبي ـ وهو يوم مجلسه للناس ـ [بسامراء] إذ دخلَ حجّابه، فقالوا: «أبو محمد بن الرضا» بالباب.
فقال ـ بصوتٍ عالٍ ـ : ائذنوا له.
فتعجبت مما سمعت منهم، ومن جسارتهم أن يكنّوا رجلاً بحضرة أبي، ولم يكن يكنّى عنده إلاَّ خليفة أو وليّ عهد أو مَنْ أمر السلطانُ أن يكنّى!
فقلت لحجّاب أبي وغلمانه: ويحكم من هذا الذي كنّيتموه بحضرة أبي … إلى آخر الحديث([41]).
ونقله القهبائي، وقال: فظهر أن ذكر الرجل بالكنية لا يكون إلاَّ مع اعتبار زائدٍ، حتى قد يصير سبباً لاعتباره في حديثه([42]).
2 ـ وقال الحسين بن حمدان الخصيبي ـ في مَنْ لقيه في ضواحي قم، فقال له: يا حسين ـ : لا احترمني ولا كنّاني([43]).
3 ـ قال أبو بكر بن إسماعيل الورّاق: دققتُ على أبي محمد بن صاعد بابه، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا أبو بكر بن أبي علي، يحيى ها هنا؟ فسمعته يقول للجارية: هاتِ النعلَ، حتى أخرج إلى هذا الجاهل، الذي يكنّي نفسه واباه، ويسمّيني، فأصفعه؟!([44]).
4 ـ كان عروة بن الزبير (ت 93) يتحدث عن أخيه عبد الله بن الزُبير، عند عبد الملك، فذكره بكنيته «أبي بكر» فاستشاظ الحجاج غضباً، وقال له: لا أم لك، أتكنّي منافقاً عند أمير المؤمنين؟! فقال له عروة: ألي تقول: «لا أم لك» وأنا ابن عجائز الجنة؟! أمي أسماء بنت أبي بكر، وجدّتي صفية بنت عبد المطلب٬ وعمتي خديجة بنت خويلد([45]).
وقد اعترض على دلالة الكنية على الاحترام، بذكر «أبي لهب» في القرآن دون اسمه!
وقد أجابوا عن ذلك بوجوه، سنذكرها في فصل «الكنية في التفسير».
8 ـ الكنى الغالبة
إن بعض الكنى يغلب وضعها مع بعض الأسماء، وإذا تمكّنا من تحديدها، أمكن الاستفادة منها عند اشتباه الأسماء بوقوع تصحيفٍ فيها، أو خلط بعضها ببعض.
وقد وقفنا على مجموعة منها:
المسمّى بمحمد يكنّى بأبي جعفر.
المسمّى بعلي يكنّى بأبي الحسن.
المسمّى بالحسن يكنّى بأبي محمد.
المسمّى بالحُسين يكنّى بأبي عبد الله.
المسمّى بأحمد يكنّى بأبي العباس.
المسمّى بموسى يكنّى بأبي عمران.
المسمّى بسليمان يكنّى بأبي داود.
المسمّى بالعباس يكنّى بأبي الفضل.
وأمثال ذلك، مما هو غالبيّ، وقد يتخلف.
والظاهر أنهم تعارفوا على تكنية الشخص بالكنية الغالبة، قبل أن يكتنى باسم من يولد له من الأولاد.
وتظهر فائدة ذلك ـ بعد إثبات الغلبة ـ في تعيين الاسم المناسب للكنية عند الاشتباه، كما أشرنا.
مثلاً: كثيراً ما يتصحّف اسم «محمد» بـ «عمر» وبالعكس، فإذا كان الشخص المشتبه في اسمه مكنّى بأبي جعفر، أمكن الحكم بأن اسمه «محمد» وإذا كان مكنّى بأبي حفص، أمكن الحكم بأن اسمه «عمر» استناداً إلى هذه الغلبة.
وقد استند السيد الخوئي إلى هذه الغلبة في ترجمة «الحسن بن سعيد الأهوازي» حيث وقع الخلاف في أن من عنونه النجاشي في رجاله ـ أصالةً ـ هل هو الحسن أو أخوه الحسين، وذكر الآخر تبعاً وضمناً.
وقد اختلفت نسخ رجال النجاشي في العنوان، كما اختلفت المصادر الناقلة عنه.
لكن النجاشي كنّى المترجم في صدر الترجمة بقوله: «أبو محمد الأهوازي»([46]).
فقال السيد: إن المذكور في أكثر نسخ النجاشي، هو «الحسين بن سعيد» وقد ترجم «الحسن» في ضمن ترجمة الحُسين، ولكن ابن داود والميرزا في رجاله الكبير، ذكرا عن النجاشي: «الحسن بن سعيد» وقد ترجم أخاه «الحسين» في ضمن ترجمة الحسن.
والمظنون ـ قوياً ـ صحة نسخة ابن داود، والميرزا، فإن «أبا محمد» يكنّى به المسمّى بالحسن، في الغالب. ولو صحّت تكنية المسمى بالحسين به، فهو نادر جداً([47]).
وقد استندنا إلى ذلك في تعيين اسم الحيري صاحب التفسير، حيث ذكره بعض باسم «الحسن» وورد كذلك في بعض الأسانيد، فقلنا: إن من المطمأنّ به كون الصواب في اسمه هو «الحسين» مصغراً، وأن تسميته بالحسن مكبّراً سهواً، ومن المناسب الاستشهاد لذلك بأن الرجل يكنّى بأبي عبد الله، كما ورد في عدة أسانيد، فهذه الكنية يغلب استعمالها للمسمى بالحسين، وأما من يسمى بالحسن فيكنى بأبي محمد، عادة([48]).
9 ـ بعض أقسام الكنى
أ ـ الكنى المفردة
هي الكنى التي لا نظير لها، مثل:
أبو السليل: للقيسيّ البصريّ.
وأبو السنابل: لعبيد ربّه بن بعكك، رجل صحابي من بني عبد الدار([49]).
وأبو المساكين: لجعفر بن أبي طالب، كان يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدّثهم، ويحدّثونه، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكنّيه بذلك([50]).
وذكر ابن الصلاح بعض الكنى المفردة، كالتالي:
أبو العُبَيْدَيْن ـ مصغّرٌ، مثنّى ـ واسمه: معاوية بن سبرة، من أصحاب ابن مسعود.
أو العُشَراء الدارمي.
أبو المُدِلّة ـ بكسر الدال المهمة، وتشديد اللام ـ ولم يوقف على اسمه.
أبو مُراية العجلي، واسمه عبد الله بن عمرو، تابعيّ.
أبو مُعَيْد ـ مصغّرٌ، مخفّفُ الياء ـ حفص بن غيلان الهمدالني.
أنظر: علوم الحديث، تحقيق عتر: 328.
ب ـ الكنى النادرة
قال ابن الأثير: قد جَرَوْا في الأسماء والكنى على قسمين: معتاداً، وغير معتادٍ. فمن المعتاد: الكنية بالأولاد، كما سبق.
والنادر: كقولهم في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام: أبو تراب([51]).
أقول: ومن النادر: ابن العشرة، وابن جماعة، وابن جنّي، وابن فهد، وابن بابويه.
ج ـ تقسيم آخر
قال ابن منظور: الكنية على ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن يكنّى عن الشيء الذي يُستفحش ذكره.
والثاني: أن يكنّى الرجل باسمه توقيراً وتعظيماً.
والثالث: أن تقوم الكنية مقام الاسم، فيعرف صاحبها بها، كما يعرف باسمه([52]).
10 ـ الكنية من خواصّ اللغة العربية
الظاهر أن الكنية من خواص الحضارة العربية، إذ لم يعهد ـ حسب اطلاعنا ـ في اللغات الأخرى، مثل هذا الاستعمال.
ومن الظرائف ما نقل عن النقّاش، محمد بن الحسن، أبي بكر الموصلي، البغدادي، فإنه كان يصحّف.
قال الدارقطني: قال النقّاش: «كسرى، أبو شروان» جعلها كنيةً([53]).
بينما هي «أنوشِروان» اسم.
القسم الثاني: أثر الكنية في العلوم والحضارة تمهيد:
قد يعجب الإنسان إذا لاحظ تأثير الكنية في كثير من العلوم بشكلٍ واضح ومباشر، وفيما يأتي نحاول إيراد ما وقفنا عليه من هذا القبيل من الآثار، فلها مجالُ بحثٍ في العلوم الإسلامية من عقائد، وفقهٍ، وحديثٍ، ومصطلحٍ، ورجال إسناد.
ولها مجالُ بحثٍ في علوم الأدب من لغةٍ، ونحوٍ، وأدب عامّ كالحرب، والظرائف والمحادثة، والتُراث.
أولاً: في العقائد
1 ـ الكيسانية من الفرق الإسلامية:
قالت بإمامة محمد بن الحنفية، وهو ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ويكنّى بأبي القاسم، فزعموا أنه هو «المهدي».
واعتلّوا لأنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله عز وجل رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسمُ أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً».
قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام: «عبد الله» لقوله: «أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذّاب مفترٍ».
وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمداً رحمه الله كان الإمام بعد الحسن والحسين عليهما السلام([54]).
وردّ الشيخ المفيد تعلّقهم بهذه الرواية بقوله: إن بإزائهم الزيدية يدّعون ذلك في «محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن».
وهم أولى به منهم، لأن أباه كان اسمه المعروف به «عبد الله» وكان أمير المؤمنين عليه السلام اسمه «علي» وإنما انضاف إلى «الله» بالعبودية كما انضاف جميع العباد إلى «الله» بالعبودية.
أقول: إن الاستدلال بهذه الرواية وأمثالها على إمامة ابن الحنفيّة أمرٌ مرفوضٌ، لوجوه:
1 ـ أن الإمامة من الأصول، ولا يمكن إثباتها بالخبر الواحد، لأنه لا يوجب علماً ولا عملاً في هذا المقام، كما تقرر في أصول العقائد، وأصول الفقه.
2 ـ أن الأحاديث المذكورة لم تثبُتْ سنداً بمستوى الاحتجاج بها.
3 ـ أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن فلاناً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً يمكن أن ينطبق على محمد بن الحنفيّة، لعدم تحقق ذلك في حياته، كما هو المعلوم من التاريخ.
كما أن الروايات الدالة على سماح النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية ابن الحنفية باسمه وتكنيته بكنيته، لا تدل إلاّ على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام وابنه بهذا السماح، خاصةً بعد منعه من الجمع بين اسمه وكنيته لأي أحد.
وروى ابن الأثير عن عن محمد بن الحنفية، عن ابيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن وُلِد لي بَعدَكَ ولدٌ أسمّيه بإسمك وأكنّيه بكنيتك؟
قال: نعم. أخرجه أبو داود([55]).
وسيأتي في فصل «الفقه» سرد الروايات المانعة عن التسمية بمحمد مع التكنية بأبي القاسم، والجمع بينها وبين هذه الروايات.
2 ـ أبو تراب
ذكر العلماء في كنى الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام «أبا تراب»([56]).
وقد عدّوها من الكنى النادرة([57]) وهي خاصة به، فينصرف إليه إطلاقها، في طبقة الصحابة بل التابعين، قطعاً.
وأصل هذه الكنية أن النبي صلى الله عليه وسلم كنّاه بها، كما جاءت بذلك الأحاديث المسندة:
فقد أخرج الدولابي بسنده حديثاً: فيه: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج، فإذا علي عليه السلام نائم في ظل جدار المسجد، وقد سقط الثوب عنه، فجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم ينفضُ التراب عن جسده ويقول: «يا أبا تراب، قم، يا أبا تراب، قم».
فما كان اسمٌ أحبٌّ إلى علي من أن يُدعى به من «أبي تراب»([58]).
وقد ذكر سماك بن حرب، قال: قلت لجابر: إن هؤلاء القوم [يعني بني أمية] يدعونني إلى شتم علي!!
قال: وما عسيتَ أن تشتم به؟ قال: أكنّيه بأبي تراب.
قال: فوالله ما كانت لعلي كنية أحبَّ إليه من أبي تراب، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : «قُمْ، يا أبا تراب»([59]).
وكذلك قال سهل بن سعد: ما كان لعلي اسمٌ أحبَّ إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به، وذكر حديث تكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام بهذه الكنية([60]).
أقول: لكن معاوية الذي حارب الإمام علياً عليه السلام، أوْغَل في الحقد على علي وآله الأطهار، فكان يُطلق اسم «أبي تراب» بقصد النَبْز والتعيير، ونيلاً منه، ومناوءةً له، وعناداً للرسول صلى الله عليه واله وسلم الذي توجّه بهذا الاسم الشريف.
3 ـ كنى الأئمة عليهم السلام
للمعصومين عليهم السلام نوعان من الكنى:
الأول: الكنى الموضوعة لهم، للاستعمال العام، وهي الكنى الواردة في كتب التاريخ والسيرة.
وقد ذكرها مؤلف كتاب «تاريخ أهل البيت عليهم السلام» كما يلي:
1 ـ كنية علي بن أبي طالب عليه السلام: أبو الحسن، وأبو الحسين، وأبو تراب.
2 ـ كنية الحسن بن علي عليه السلام: أبو محمد.
3 ـ كنية الحسين بن علي عليه السلام: أبو عبد الله.
4 – كنية علي بن الحسين عليه السلام: أبو الحسن، وأبو محمد، وأبو بكر، قال ابن أبي الثلج: عندنا في رواية أخرى: أبو الحسين.
5 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام: أبو جعفر.
6 ـ كنية جعفر بن محمد عليه السلام: أبو عبد الله.
7 ـ كنية موسى بن جعفر عليه السلام: أبو الحسن، وأبو إبراهيم.
8 ـ كنية علي بن موسى عليه السلام: أبو الحسن.
9 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام: أبو جعفر.
10 ـ كنية علي بن محمد عليه السلام: أبو الحسن.
11 ـ كنية الحسن بن علي عليه السلام: أبو محمد.
12 ـ كنية القائم: أبو القاسم([61]).
النوع الثاني: كنى الأئمة عليهم السلام المستعملة في كتب الحديث وأسانيد الروايات.
قال القهبائي: لما كثر ذكر الرسول صلى الله عليه واله وسلم والأئمة الاثني عشر عليهم السلام بالكنى فينبغي للناظر في الروايات خصوصاً المحدث، معرفتها:
فأبو إبراهيم مختصٌ بالكاظم عليه السلام.
وأبو إسحاق، بالصادق عليه السلام.
وأبو جعفر مشترك بين الباقر والجواد عليهما السلام.
لكن الأكثر المطلق، ومع تقييده بالأول: هو الأول.
والمقيّد بالثاني: هو الجواد عليه السلام.
وأبو الحسن: مشتركٌ بين أمير المؤمنين عليه السلام، وزين العابدين عليه السلام، والكاظم عليه السلام، والرضا عليه السلام، والهادي عليه السلام.
وقلّما يذكر في الأحاديث الأول عليهم السلام.
والأكثر في الإطلاق هو الكاظم عليه السلام.
وقد يراد منه ـ حينئذٍ ـ الرضا عليه السلام.
والمقيّد بالأول: هو الكاظم عليه السلام.
وبالثاني: هو الرضا عليه السلام.
والثالث: هو الهادي عليه السلام.
ويختص المطلق بأحدهم مع القرينة.
وأبو الحسنين مختص بأمير المؤمنين عليه السلام.
وأبو عبد الله: مشترك بين الحسين عليه السلام، والصادق عليه السلام.
وأبو القاسم: مشترك بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين الصاحب عليه السلام.
لكن أكثر إطلاقاته في كتب الأخبار هو الأخير عليه السلام.
وأبو محمد: مشترك بين الحسن المجتبى عليه السلام، وزين العابدين عليه السلام، والحسن العسكري عليه السلام.
لكنّ أكثر إطلاقه في كتب الأخبار على العسكري عليه السلام([62]).
5ـ الكنية في بعض الأحاديث
أورد الصدوق في كتابه «عيون أخبار الرضا عليه السلام» الباب 4، بعنوان: «نص أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام على ابنه الرضا عليه السلام بالإمامة والوصية».
جاء في الحديث الثاني منه ما نصّه:
عن علي بن يقطين، قال: كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، وعنده علي ابنه عليه السلام، فقال: يا علي، هذا ابني سيد وُلْدي وقد نحلتهُ كنيتي([63]).
ومثله الأحاديث 3 و4 و5.
ولو صحّت النسخة في كلمة «كنيتي» في هذه الأحاديث، فإن ذلك يشير إلى أهمية الكنية وإلى قبولها للنحلة والهبة!!
ولكن:
1 ـ قد يقال: إن المسمى باسم «علي» هو يكنّى ـ عادةً ـ بأبي الحسن، كما ذكرنا في عنوان «الكنى الغالبة» فما وجه قول الإمام عليه السلام إنه وَهَبَ كنيته ـ وهي أبو الحسن ـ إلى ابنه – وهو علي أبو الحسن؟.
2 ـ مع أن الكنية من الأعلام التي توضع على الشخص من أول الأمر ويستحب وضعها له منذ الولادة، فلاحظ.
ومن هذه الجهة قَوِيَ لديّ احتمال التصحيف في لفظ «كنيتي» في هذه الأحاديث.
وأرجّحُ أن يكون الصحيح: «وقد نحلته كتبي» وذلك:
1 ـ إنَّ الظاهر من الأحاديث، وعنوان الباب، أنها بصدد ذكر الأدلة على الإمامة والوصية، ومن الواضح أن من علامات الإمامة أن تكون الكتب الخاصة عند الإمام.
فيكون الإمام الكاظم عليه السلام قد نصَّ في هذه الأحاديث على وجود تلك الكتب عند ابنه الرضا عليه السلام، كدليل على إمامته من بعده.
2 ـ إن ذكر «الكتب» قد جاء في بعض أحاديث ذلك الباب.
ففي الحديث 13 ما نصّه: لقيتُ أبا إبراهيم عليه السلام وهو يذهب إلى البصرة، فأرسل إليَّ، فدخلت عليه، فدفع إليَّ «كتباً» وأمرني أن أوصلها بالمدينة.
فقلتُ: إلى مَنْ أوصلها، جُعلتُ فداك؟
6 ـ تناسب الكنية مع اسم
ذكر ابن النجار: أنه وُلد لبعض الكُتَّاب وَلَدٌ، فسمّاه عليًّا، وكنّاه أبا حفص، فقال له بعضهم: لِمَ كنّيته بأبي حفص؟
قال: أردت أن أنغّصه على الرافضة!!([64]).
أقول: قد اعترف اعترافاً ضمنياً، بوجود التناقض بين اسم «علي» وكنية «أبي حفص» والذي يبدو على جوابه أنه مُنفعل، وأنه نغّص على نفسه بعمله هذا، وشوّه ذكر ولده بهذا التصرف الشاذّ، حيث جمع بين ما لا تناسب بينهما.
ثانياً ـ في التفسير
قال السمعاني ـ في آداب المستملي ـ مسنداً:
عن سفيان الثوري، في قول الله عز وجل: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ [سورة طه، آية: 44]، قال: كنّياه أبا مُرَّة([65]).
وقال السيوطي في «الكنى في القرآن»:
أمّا الكنى فليس في القرآن منها غير «أبي لهب» واسمه عبد العُزّى([66]) أي في قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [المسد: 1].
وقد اعتُرضَ بورود كنية «أبي لهب» في القرآن، على ما ذكرنا سابقاً من أن الكنية إنما هي للتكريم.
وتصدّى العلماء للجواب عن ذلك بوجوه:
1 ـ أنَّ كنيته غلبت عليه، فكانت بمنزلة اسمه، فإذا كانت كذلك لا تستعمل إلاّ للدلالة على المسمى وتعيينه، من دون أن تتميز بمزايا الكنية، كما مضى، ويأتي([67]).
2 ـ أنه إنما وضع عليه لحسنه، وإشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان([68]).
3 ـ للإشارة إلى أنه جهنّمي([69]).
4 ـ أن اسمه كان «عبد العُزى» ومن الواضح أن القرآن لا يذكر ذلك لبطلانه، وحرمته.
وقال السيوطي: اسمه «عبد العُزى» فلذلك لم يذكر باسمه، لأنه حرام شرعا.
أقول: هذا الوجه الأخير غير واضح، إذ الاسم الموضوع علماً على الشخص لا يُراد معنى لفظه عند إطلاقه، وإنما يطلق ليعيّن المسمى فقط، فلا وجه لحرمته.
مع أن بطلان معناه، لا يمنع من ذكره إذا كان ذكره نقلاً لا تقريراً، كما هو أوضح من أن يبيّن، فكيف يقال بحرمته؟!!
فالأولى: أن يقال في المقام ـ وهو ما حكاه السيد الطباطبائي ـ : إنه لم يُذكر باسمه ـ وهو عبد العزّى ـ لأن «العُزّى» اسم صَنَم، فكره أن يعدّ ـ ولو بحسب اللفظ ـ عبداً لغير الله، وإن كان اسم إنما يُقصد به المسمّى.
تكنية المولود
قال المحدّث البحراني في ما يستحبّ فعله بالمولود: ومنها تكنيته، إلاّ أن منها ما يستحب، ومنها ما يكره([70]).
الكنية المستحبّة
قال الشهيدان: «ويستحبّ … تكنيته» بأبي فلان إن كان ذكراً، أو أم فلان إن كان أنثى.
قال الباقر عليه السلام: إنا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم([71]).
أقول: رواه في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن سعيد بن خيثم، عن معمر بن خيثم، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام ـ ضمن حديث ـ …([72]).
وقد ذكروا في هذا الباب حديث الكليني: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: من السُنّة والبرّ أن يكنى الرجل باسم ابنه([73]).
الكنية المكروهة
قال العلامة في القواعد ـ في أحكام الولادة ـ : فإذا كان اليوم السابع سمّاه، وكنّاه مستحبًّا … ولا يجمع بين «محمد» و«أبي القاسم»([74]).
وقال الفاضل الهندي في شرحه: (و) يُستحب أن لا يجمع بين «محمد» و«أبي القاسم» للنهي، والتأدُّب معه صلى الله عليه وسلم، وحرّمه ابن حمزة([75]).
وقال الشهيدان: (ويكره الجمع بين كُنيته) (بأبي القاسم وتسميته محمداً) ([76]).
أقول: حكم الأكثر بالكراهة.
وهو ظاهر القواعد حيث عبّر بصيغة النهي فقال: «ولا يجمع» كما مرَّ، وبذلك نعرف أن ما جاء في «كشف اللثام» من شرحه بقوله: «ويستحب أن لا يجمع» غير تامّ. إذ هو تفسير لا يُوافق عبارة العلامة المؤلف، معنًى، ولا إعراباً:
فإن استحباب أن لا يجمع، لا يستلزم كراهة الجمع، مع أن «لا» للنهي وبالفعل مجزوم في كلام العلامة وهي في الشرح للنفي والفعل منصوب بـ «أن».
وأمّا ابن حمزة، فقد قال ـ في أحكام الولادة، بعد أن عدد المستحبات والمكروهات ما لفظه: والمحظور واحد، وهو الجمع بين التسمية بمحمد والكنية بأبي القاسم([77]).
والظاهر استناده إلى ظاهر النهي، اللازم حمله على الكراهة، كما هو واضح.
هذا ما ورد من طرق الشيعة في هذا الباب، وما أثبته الأصحاب من الروايات في مصادر الحديث.
وأمّا غير الشيعة:
فقد رووا بأسانيد عديدة في صحاحهم ومسانيدهم وجوامعهم، ما يدلّ على المنع عن الجمع بين الاسم والكنية، وأكثرها بلفظ: «تسمّوا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي» كما رووا الترخيص في ذلك أيضاً، ووقع بينهم لرفع هذا التعارض اختلاف كبير.
أقول: إنّ ملاحظة هذه الأمور تعطينا ظنًّا بأن المنع كان خاصاً بعهده صلى الله عليه واله وسلم، وأن الحرمة ـ على فرض ثبوتها ـ قد زالت بعده.
ويؤيد ذلك كله ـ قبل إجماع الأمة على عدم الحرمة ـ ما دلَّ على كراهة ذلك.
ولعلَّ حكمة المنع في عصره هو الحدّ من اشتراك أحدٍ مع الرسول صلى الله عليه وسلم والكنية، لأداء ذلك إلى الاشتباه في النقل بين الرسول وبين ذلك المسمّى والمكنّى، وفي ذلك ما لا يخفى من التغرير والإيقاع في الشبهة، فكان المنعُ من الجمع بين اسمه وكنيته لأحدٍ من أمته أفضل طريق لقطع ذلك التشابه.
ومن الواضح اختصاص ذلك الاشتباه بعصره، وحال حياته صلى الله عليه واله وسلم، وارتفاعه بعد وفاته، فلا تبقى الحرمة.
لكن مقتضى «التأدّب معه صلى الله عليه واله وسلم» هو الامتناع عن الجمع بين اسمه وكنيته، كما عُلّلتْ الكراهةُ بذلك([78]).
رابعاً: في علم الحديث الشريف
لقد كثرت الأحاديث الشريفة المرتبطة بموضوع الكنية والتي تدلّ على ميزات كثيرة وأحكام عديدة للكنية، نعرضها هنا ونشير إلى ما يدلّ عليه كل حديث.
الحديث الأول:
عن معمر بن خيثم، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: ما تُكنّى؟
قال: قلت: ما اكتنيتُ بعدُ، وما لي من ولد، ولا امرأة ولا جارية.
قال: فما يمنعك من ذلك؟
قال: قلتُ: حديثٌ بلغنا عن علي عليه السلام قال: من اكتنى وليس له أهلٌ، فهو أبو جَعْر([79]).
فقال أبو جعفر عليه السلام: شُوْه، ليس هذا من حديث علي عليه السلام، إنا لنُكَنّي أولادنا في صِغرهم مخافةٌ النَبز أن يلحق بهم([80]).
وهذا يدل على استحباب تكنية الولد.
الحديث الثاني:
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من السُنّة والبِرّ أن يكنّى الرجل باسم ابنه([81]).
وهو يدلّ على استحباب التكنية باسم الولد خاصةً، وإذا كانت التكنية مطلقاً مستحبةً، فهذا الحديث يدل على تأكد الاستحباب باسم الابن، فيتضاعف الاستحباب بالتكنية باسم الابن.
الحديث الثالث:
عن أبي جعفر عليه السلام، قال لابن صغير: ما اسمُك؟
قال: محمد.
قال: بمَ تُكنّى؟
قال: بعليّ.
فقال أبو جعفر عليه السلام: لقد احتظرتَ من الشيطان احتظاراً شديداً، إن الشيطان إذا سمع منادياً ينادي «يا محمد» أو «يا علي» ذابَ كما يذوبُ الرصاص، حتى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوّ من أعدائنا اهتزَّ واختالَ([82]).
وهذا الحديث يدلّ على استحباب التسمية بأسماء أولياء الله والتكنية بكناهم، وكراهة التسمية بأسماء أعداء الله والتكنية بكناهم، ويدل ـ أيضاً ـ على استحباب النداء بأسمائهم سلام الله عليهم.
الحديث الرابع:
وفي خبر «عُنوان البصري» ـ وهو حديث طويل، جاء فيه ـ :
قال له الصادق عليه السلام: ما كُنيتك.
قال: أبو عبد الله.
قال عليه السلام: ثبّتكَ الله على كُنيتك([83]).
الحديث الخامس:
عن زُراره، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام، يقول: إن رجلاً كان يغشى علي بن الحسين عليه السلام، وكان يكنّى «أبا مُرَّة» فكان إذا استأذن عليه يقول: «أبو مُرَّة بالباب».
فقال له علي بن الحسين عليه السلام: بالله، إذا جئت إليَّ ثانياً فلا تقولنَّ «أبو مُرَّة»([84]).
ويدلّ هذا الحديث على ما دلّ عليه الحديث السابق، لأن «أبا مُرّة» هو كنية الشيطان.
قال ابن الأثير: أبو مُرَّة هو أشهر كنى إبليس، وهو كنية فرعون أيضاً([85]).
الحديث السادس:
عن أبي عبد الله عليه السلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أربع كنى: عن أبي عيسى، وعن أبي الحكم، وعن أبي مالك، وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً([86]).
الحديث السابع:
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في حديث طويل ـ قال: لا تسمّوا أولادكم بالحَكَم، ولا أبا الحَكَم، فإن الله هو الحَكَم([87]).
الحديث الثامن:
لمَّا وفد هانئ بن يزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، فسمعهم يكنونه «أبا الحكم» فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلا تكن «أبا الحكم».
فقال: إن قومي، إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمتُ بينهم فرضيَ كلا الفريقين.
فقال: ما أحْسنَ هذا! فما لكَ من الوَلَد؟
قال: لي شريحٌ، وعبد الله، ومُسلم.
قال: فمن أكبرهم؟
قال: شريح.
قال: فأنت أبو شريح، ودعا له ولولده([88]).
الحديث التاسع:
عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه الكاظم عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من الجفاء أن يصحب الرجل الرجل فلا يسأله عن اسمه وكنيته. وأن يُدعى الرجل إلى طعام فلا يُجيب، فلا يأكل([89]).
الحديث العاشر:
وروى المروزي في مسند الإمام الكاظم عليه السلام … قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا أحب أخاه فليسأله عن اسمه، وكنيته، ولقبه و … ([90]) .
الحديث الحادي عشر:
عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام، قال: يعتبر عقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمه، وفي كنيته([91]).
خامساً: في علم مصطلح الحديث
لقد اهتم علماء مصطلح الحديث اهتماماً بالغاً بالكنية:
1 ـ قال ابن الصلاح في النوع الموفي خمسين من أنواع الحديث: «معرفة الأسماء والكنى».
وقال: هذا فن مطلوبٌ لم يزل أهل العلم بالحديث يُعْنَون به ويتحفّظونه ويتطارحونه فيما بينهم وينتقصون من جهله.
وقال: وقد ابتكرتُ فيه تقسيماً حسناً([92]).
وذكر الأقسام التالية، ونحن نذكرها باختصار:
الأول: الذين سمّوا بالكنى، فمنهم من له كنية أخرى سوى اسمه فصار كأنه كنية للكنية، وذلك طريف عجيب، مثل أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن([93]).
ومنهم من لا كنية له مثل أبي حاتم الرازي، قال: «اسمي وكنيتي واحد»([94]).
أبو طالب:
قال ابن قتيبة في مشكل القرآن [أنظر: 1/ 185 من كتاب القُرطين]: «وربّما كان للرجل الاسم والكنية، فغلبت الكنية على الاسم، فلم يعرف إلا بها، كأبي طالب، وأبي ذرّ، وأبي هريرة، ولذلك كانوا يكتبون: «علي بن أبي طالب»، لأن الكنية بكمالها صارت اسماً.
وحظّ كلّ حرف الرفعُ ما لم ينصبه، أو يجيء حرف من الأدوات أو الأفعال. فكأنه حين كُنّي قيل: «أبو طالب» ثم تُرك كهيئته، وجعل الاسمان واحداً([95]).
وقال العمري النسّابة: «أبو طالب» اسم عبد مناف. قالوا: بل اسمه كنيتهُ، ورويتُ عن أبي علي النسّابة ـ وله «مبسوط» يعمل به ـ أنه كان يرى ذلك، ويزعم: أنه رأى خطّ علي عليه السلام: «وكتب علي بن أبو طالب».
والصحيح الأول([96]).
الثاني: مما ذكره ابن الصلاح من أقسام الكنية:
الذين عُرفوا بكناهم، ولم يوقف على أسمائهم، مثل: أبو أناس الصحابي، وأبو شيبة الخُدري الذي مات بساحل القسطنطينية ودُفن هناك، وأبو حرب بن أبي الأسود الدُئلي([97]).
الثالث من تلك الأقسام:
الذين لُقّبوا بالكنى ولهم غير ذلك كنى وأسماء:
وقد ذكرنا نحن سابقاً أن من الكنى ما أصبح لقباً لصاحبه، وذكرنا بعضها وأضِفْ على ذلك: أبا الزناد، وأم المساكين لبعض أمهات المؤمنين.
الرابع: مَنْ له كنيتان، أو أكثر:
مثل عبد الله بن الزبير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كنّاه بأبي بكر، وهو جدّه لأمّه، ولمّا ولد له ولد سمّاه «خبيباً» وتكنّى به([98]).
وقال ابن الأثير ـ في مَنْ له كنيتان ـ : وبعضهم تكون له كنيتان في حالين، كعامر بن الطُفيل، يكنّى في السلم بأبي علي، وفي الحرب بأبي عقيل([99]).
وعطاء بن يسار، له ثلاث كنى، فكنيته أبو محمد، وقدم الشام فكانوا يكنّونه بأبي عبد الله، وقدم مصر فكانوا يكنّونه بأبي يسار([100]).
وأبو إسحاق السبيعي، عمرو بن عبد الله، له ثلاث كنى: أبو بشر، وأبو عمارة، وأبو عمرو.
وقيل ـ أيضاً ـ : أبو الطفيل، قاله ابن عبد البر([101]).
الخامس: مَنْ اختُلف في كنيته.
السادس: مَنْ عُرفت كنيته، واختُلف في اسمه.
السابع: مَنْ اختُلف في كنيته واسمه، معاً.
الثامن: مَنْ لم يُخْتَلف في كنيته ولا اسمه، وعُرفا معاً.
التاسع: مَنْ شُهر بكنيته دونَ اسمه([102]).
ثم ذكر ابن الصلاح «النوع الحادي والخمسين: معرفة كنى المعروفين بالأسماء» وقال: وهذا من وجه … يصحّ لأن يجعل قسماً من أقسام النوع الذي قبله من حيث كونه قسماً من أقسام أصحاب الكنى([103]).
وقال ابن كثير في النوع 48: معرفة مَنْ له أسماء متعدّدة، فيظن بعض الناس أنهم أشخاص متعدّدة، أو يذكر ببعضها أو بكنيته، فيعتقد من لا خبْرة له أنه غيره، وأكثر ما يقع ذلك من المدلّسين، يغرّبون به على الناس، فيذكرون الرجل باسم ليس هو مشهوراً به، أو يكنّونه يهِمُوه على مَن لا يعرفها([104]).
الكنية والإملاء
قال السمعاني ـ في آداب المستملي ـ : أن يكنّي المُملَي في خطابه، ولا يُسمّيه([105]).
سادساً: في علم الرجال
وفي علم الرجال ورواة الحديث، يبدو للكنية أثرٌ علميّ مهم، وآخر عمليّ أهم.
1 ـ قال الشيخ الدربندي: من المهمّ معرفة كنى المسمّين ممّن اشتهر باسمه، وله كنيته، لا يؤمن أن يأتي في بعض الروايات مكنّى، لئلاَّ يُظَنّ أنه آخر.
ومعرفة أسماء المكنّين، وهو عكس الذي قبله.
ومعرفة من اسمه كنيتُه، وهو قليلٌ.
ومعرفة من كثُرت كناه أو كثرت نُعوته وألقابه.
ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفته نفي الغلط عمّن نسبه إلى أبيه.
أو وافقت كنيتُه كنية زوجته، كأبي أيوب وأم أيّوب الأنصاريّان، صحابيّان مشهوران.
أو وافق اسم شيخه اسم أبيه، كابن أنس عن أنس، فيظنّ أنه يروي عن أبيه.
وهكذا من المهم معرفة مَنْ نُسب إلى غير أبيه، كالمقداد بن الأسود نسب إلى الأسود لأنه تبنّاه، وإنما هو المقداد بن عمرو([106]).
وقد مضى في فصل «مع علم مصطلح الحديث» ذكر لبعض هذه الأمور.
2 ـ قال السيد بحر العلوم في «فوائده الرجالية» الفائدة 8: «أبو عبد الله» الذي يروي عنه الشيخ رحمه الله في «الفهرست» مشترك بين:
محمد بن محمد بن النعمان، المفيد، والحسين بن عبيد الله الغضائري، وأحمد بن عبدون.
فإن كلهم يكنّى: «أبا عبد الله» وقد وقع إطلاق ذلك في كثير من المواضع، لكن الذي يقضي به كلام الشيخ رحمه الله إرادة «المفيد» من ذلك حيث أطلق، فإنه ـ وإن ذكر غيره ـ إلاَّ أنه على سبيل النُدرة، فينصرف الإطلاق الى الشائع المعروف المعلوم من تتبّع استعمالاته.
مع أن هذا الاشتراك لا يضرّ، لاشتراك الجميع في التوثيق، عند التحقيق([107]).
3 ـ أورد المعلّق على «مجمع الرجال» القصة التي نلقناها في القسم الأول من هذا البحث بعنوان «الكنية للاحترام» رقم 1 عن «الإرشاد» للشيخ المفيد، وقال: فظهر أن ذكر الرجل بالكنية لا يكون إلا مع اعتبار زائدٍ حتى قد يصير سبباً لاعتباره في حديثه([108]).
4 ـ إن كثيراً من الرواة يذكرون في الأسانيد بكناهم، من دون ذكر أسمائهم ـ فيظن من لا يقف على كناهم – أنهم مجهولون، أو أن المكنّى غير المسمّى، ويحكم بكون الحديث «مُعَلَّلاً» من هذه الجهة، وإليك أمثلةً لذلك:
1 ـ إن الصدوق يروي في كتاب «الفقيه» عن «أبي علي بن راشد» وفي «المشيخة» التي عقدها لذكر أسانيده إلى الرواة، لم يذكر سنداً له إلى الراوي المكنّى بـ «أبي علي بن راشد» فظنَّ بعضُ من لا خبرة له، أن حديث «أبي علي بن راشد» في الفقيه من المراسيل، لعدم وجود سندٍ للصدوق إليه.
بينما الصدوق قد أثبت في «المشيخة» سنده إلى الرجل في عنوان اسمه، فإنه هو الحسن بن راشد المكنّى بـ «أبي علي» وللصدوق إليه سند صحيح([109]).
2 ـ مثال آخر: روى الشيخ الطوسي بسنده عن: سعد، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة، هل فيها زكاةٌ؟
فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس.
قال الحر العاملي: رواه المفيد في «المقنعة» عن الصادق عليه السلام مرسلاً نحوه.
ورواه الكليني … ورواه الصدوق، وفي «المقنع» أيضاً وترك ذكر «المعادن»([110]).
أقول: استدلّ الحلبي بهذه الرواية لتحديد النصاب في وجوب الخمس في المعادن بدينار.
وقد ردّ عليه السيد الخوئي بوجوهٍ، ثانيهما: أن الرواية ضعيفة السند بـ «محمد بن علي بن أبي عبد الله» فإنه مجهولٌ، بل لم يُرْوَ عنه [فيها] البزنطي، والأخرى ما يروي عنه علي بن أسباط([111]).
أقول: ذكره السيد الخوئي في معجم رجاله برقم 11272 بعنوان: «محمد بن علي بن أبي عبد الله» وقال: روى عن أبي الحسن، وروى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر.
وأشار إلى: التهذيب ج 4 باب الخمس والغنائم، الحديث 356، ورواها في باب الزيادات، الحديث 392، وهو الحديث المبحوث عن سنده هنا.
قال: وروى عنه علي بن أسباط.
وأشار إلى: الكافي، الجزء 3 كتاب الصلاة 4، باب النوادر 100، الحديث 12، والتهذيب، الجزء 2 باب كيفية الصلاة وصفتها، الحديث 452([112]).
وأقول: حيث إن الغالب في الأسانيد هو ذكر الراوي بالاسم الثنائي، أي بذكر اسمه واسم أبيه، وقد تضاف كنيته هو، أو لقبه، أو نسبته إلى عملٍ أو قبيلة أو بلد، كل ذلك للتمييز.
أمّا ذكر جده بالاسم، فهو قليلٌ، وأما ذكر جده بالكنية فهو أقل، بل نادر، إلا في القرون المتأخرة عن عصر «تحديد النصوص».
وبملاحظة ما كان في نفسي من التحسس تجاه الكنية تصورت أن ذكر جد الراوي بكنيته يدل على أن له شأناً، ولا بد أن يكون شخصاً ذا أهمية في نظر المؤلفين والرواة حيث عمدوا إلى نسبة الراوي إلى جده المذكور بالكنية! خاصة أن الأمور المضافة على الاسم الثنائي للراوي، إنما تضاف للتمييز ومزيد التعريف به، كما أشرنا.
وبحثت عن المكنِّيْن «بأبي عبد الله» في طبقة جد الراوي المذكور، ممن يكون له ولد باسم «علي» وممن يُهتم به فيذكر بكنيته!!
فوجدت أن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، المعروف في الحديث بكنيته «أبي عبد الله» ـ كما عرفنا سابقاً ـ هو في طبقة جد هذا الراوي.
والإمام أبو عبد الله عليه السلام له ولد اسمه «علي» وهو علي بن جعفر أبو الحسن العُريضي.
ولجأت إلى كتب الأنساب لأعرف عن أولاد علي بن جعفر العُريضي، وهل فيهم من يُسمى «بمحمد»؟ ممن يروي الحديث؟ وفي طبقة هذا الراوي؟ فوجدت ما يلي:
قال أبو نصر: أبو الحسن، علي بن جعفر، هو العريضي … ولد: محمداً، وحسناً([113]).
وقال ابن عِنَبة: علي العُريضي بن جعفر الصادق عليه السلام، يكنّى أبا الحسن … وكان يرى رأي الإمامية … فأعقب من أربعة رجال: محمد، وأحمد الشعراني، والحسن، وجعفر الأصغر([114]).
وقال ابن حجر ـ في ترجمة علي العُريضي ـ : روى عنه ابناه محمد وأحمد([115]).
وقال ابن طباطبا ـ في ناقلة «عُرَيْض» ـ : أبو الحسن علي بن جعفر بن محمد … عقبه من أربعة رجال: محمد الأكبر … ([116]).
وذكروا ـ أيضاً ـ «محمداً» في المواضع الخاصة به في كتبهم([117]).
فتحصّل: أن «محمد بن علي بن جعفر» هو حفيد الإمام الصادق أبي عبد الله عليه السلام .
فهل هذا الراوي، المسمى «محمد بن علي بن أبي عبد الله» المبحوث عنه، هو حفيد الإمام، وأنَّ الإمام ذُكر بكنيته؟!
وهنا عدت إلى كتب الرجال: فوجدت «محمد بن علي بن جعفر» عنونه ـ كذلك ـ الشيخ الطوسي في أصحاب الرضا عليه السلام، في حرف الميم، برقم 5 وبرقم 19 وبرقم 44([118]).
وقال في المورد الثاني برقم 19: محمد بن علي بن جعفر: ابن عمه عليه السلام([119]).
لكن هذا المورد لم يرد في النسخة المخطوطة القيّمة من كتاب الرجال([120]).
وأمّا الموردان الآخران: فقد نقلهما القُهبائي في رجاله، بإضافة جملة «عليه السلام»([121]).
مما يدل على أن المراد (بجعفر) في عمود نسب الراوي هو الإمام الصادق عليه السلام، حيث إن جملة التحية لا يذكرونها مع اسم غير الإمام ـ عادةً ـ .
وقد عنونه ـ كذلك ـ السيد الخوئي، نقلاً عن رجال الشيخ، من دون ذكر المورد الثاني([122]).
ورجعت إلى كتب الحديث:
فوجدت رواية «محمد بن علي بن جعفر» عن الإمام الرضا عليه السلام ، والراوي عنه ـ في هذا المورد ـ هو «علي بن أسباط».
أنظر: الكافي، الجزء 6 كتاب الطلاق 2 باب 30 ح 2.
وعلي بن أسباط، هو الراوي عن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» كما عرفنا في بداية هذه الفقرة.
ثم لاحظتُ: أن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» الراوي عن الإمام الرضا عليه السلام في الحديث المبحوث عنه، لم يُذْكَر بهذا العنوان في أصحاب الرضا عليه السلام من كتب الرجال!
مع أن الشيخ الطوسي أورد روايته عنه! فمن البعيد إهماله له وعدم ذكره إيّاه.
وباجتماع هذه الملاحظات: حصل لديّ اطمئنان بأن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» هو «محمد بن علي بن جعفر عليه السلام» وهو حفيد الإمام الصادق عليه السلام.
وعلى ذلك: فليس الرجل مجهولاً، وليست روايته قليلةً منحصرةً بالموردين في كلام السيد الأستاذ([123]).
بل هو محمد الأكبر ابن علي العُريضي ابن الإمام الصادق عليه السلام، وله رواية بعنوان «أبيه» برواية أبنائه في الكافي 1/ 336.
وقد كان علي العُريضي إمامياً صحيح الاعتقاد، كما يظهر من ترجمته([124]).
ويظهر من روايات أولاده، واتصالهم بالأئمة عليهم السلام أنهم كانوا على ذلك.
مثال ثالث:
اشتبه الذهبي فعنونت لـ «أبي الذراع» وظنه كنيةً لوالد إسماعيل بن أبي الذراع.
وقد اعترض علي ابن حجر، فقال: وليس كذلك، وإنما هو: «ابن أبيّ» بضم الهمزة، وتخفيف الموحدة، وتشديد التحتانية.
والوازع ـ لا الذراع ـ هي صفة لأبيّ، وكنيته أبو عبّاد([125]).
مثال رابع:
كثيراً ما يشتبه المحدثون والرجاليّون في ذكر كنية «ابن جريح» ـ بالحاء المهملة ـ بينما هي: «ابن جُرَيْج» ـ بالجيم ـ واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، المكّي.
وقد ترجمه ابن حجر في حرف العين([126]) وفي الكُنى([127]).
وذكره الشيخ الطوسي في الرواة عن الصادق عليه السلام([128]) وأورد ابن عساكر روايته([129]).
وقد تنبّه السيد الخوئي إلى الصواب في اسم الرجل، فذكر أنه من رواة العامة، لكنه عنونه بـ «عبد اللمك بن جريح»([130])، وفي الكنى بـ «ابن جريح» بالحاء المهملة([131]).
وصار أخيراً إلى أنه هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ـ بالجيم ـ الذي ترجمه ابن حجر([132]).
أقول: ما صار إليه أخيراً هو الصواب، ولكنّ النسخة المطبوعة من رجاله وقع فيها ما ذكرناه من التشويش، والعُهْدة في ذلك على كُتّابه أو طابعي كتابه.
كما وردت هذه الكنية مصحّفة في كثير من الأسانيد.
مثال خامس:
في الحديث: عن محمد بن خلف، أخبر أن أبا الأسود أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يُبايع الناس يوم الفتح.
قال ابن الأثير: هذا خطأ، وإنما الحديث عن «محمد بن الأسود بن خلف» أن أباه الأسود حضر النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو يبايع.
فسقط عن الراوي «الهاء» من «أباه» في الكتابة، فجعله «أبا الأسود» وليس لأبي الأسود (الدئلي) صحبة، بل هو تابعي، بصري([133]).
وقال العلائي: ظالم بن عمرو، ويقال: عمرو بن ظالم، وقيل: غير ذلك، وهو بكنيته أشهر، قال الواقدي: أسلم على عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم.
قلت: لم يره، فروايته عنه مرسلة([134]).
سابعاً: في علم اللغة
1 ـ قال ابن الأثير: أمّا الكنية: فأصلها من الكتابة وهي أن تتكلم بالشيء وتُريد به غيره، تقول:
2 ـ كنيتُ وكنوتُ بكذا، وعن كذا، كُنيةً وكِنْيةً، والجمع: الكُنى.
3 ـ واكتنى فلان بأبي محمد.
4 ـ وفلان يُكنى بأبي الحسن.
5 ـ وكَنَّيْتُهُ أبا زيد، وبأبي زيد.
6 ـ ويخفّف ويثقّل، والتخفيف أكثر.
7 ـ وفلان كَنِيُّ فلانٍ، كما تقول «سَمِيُّهِ» إذا اشتركا في الاسم والكنية([135]).
8 ـ قال الرضي: الكنية من كنيتُ أي سترتُ وعرّضْتُ، كالكناية سواء، لأنه يعرّض بها عن الاسم([136]).
وقال ابن منظور:
9 ـ الكناية: أن تتكلّم بشيءٍ وتُريد غيره.
10 ـ وكنّى عن الأمر بغيره، يُكنّي، كنايةً، يعني: إذا تكلم بغيره مما يُستدل عليه.
11 ـ وكنوت بكذا عن كذا.
12 ـ ورجلٌ كان، وقومٌ كانُونَ.
13 ـ وكَنَيْتُ الرجل بأبي فلان، وأبا فلان ـ على تعدية الفعل بعد إسقاط الحرف ـ كُنْية، وكِنْيةً.
14 ـ وكذلك: كَنَّيْتُهُ([137])، عن اللحياني.
15 ـ ولم يعرف الكسائي «أكْنَيْتُهُ».
وهذا يوهم أن غيره قد عرفه.
16 ـ وكُنْيَةُ فلانٍ أبو فلان، وكذلك كِنْيَتُه، أي: الذي يُكنى به.
17 ـ وكُنْوَةُ فلانٍ أبو فلان، وكذلك كِنْوَتُه، كلاهما عن اللحياني.
18 ـ وكَنَوْتُه لغة في كَنَيْتُه.
19 ـ ويقول أهل البصرة: «فلان يُكْنَى بأبي عبد الله» وقال غيرهم: «يُكْنَى بعبد الله».
وقال الجوهري: لا تقل: «يُكْنَى بعبد الله».
وقال الفرّاء: أفصح اللغات أن تقول: «كُنّيَ أخوك بعمرو» والثانية: «كُنّي أخوك بأبي عمرو» والثالثة: «كُنّي أخوك أبا عمرو».
20 ـ ويقال: كَنِيُّهُ وكَنَوْتُهُ، وأكْنَيْتُهُ وَكَنَّيْتُهُ ـ قاله، وكَنَّيْتُه أبا زيد، وبأبي زيد، تكنيةً.
21 ـ وهو كَنِيُّهُ كما تقول: سَمِيُّهُ([138]).
22 ـ وقال البغدادي: الضمير يقال له: «الكِناية».
23 ـ وكنيتُ: إذا أتيت بكناية.
24 ـ وكنيتُ عن الشيء: إذا سترته([139]).
والمتحصل من مجموع هذه النصوص: أن اللغويين ـ في كتب اللغة ـ لم يتصدّوا لتعريفها في هذا المجال وتحديدها بما مَرَّ من كونه ما بُدئ بـ «أب» و«أم» و«ابن» بل ذكروا الأمور التالية (وقد أرجعنا إلى تلك النصوص بالأرقام):
أ ـ المعنى اللغوي
فقد جعلوا أصلها من الكِناية، لاحظ 1 و9، وفسرها الرضيّ بالستر، وانظر: 8 و24، والتعريض، لأنه يعرّض بالكنية عن الاسم.
ب ـ أصول المادة
فهي واويّة ويائية، أنظر: 2 و11 و17 و18.
وهي ثلاثية بالتخفيف، ورباعية بالتثقيل، والتخفيف أكثر، لاحظ 6 و10 و14.
ويتعدى بنفسه إلى المفعول الأول.
وأمّا إلى المفعول الثاني فيتعدى تارةً بنفسه: وتارةً بالباء، لاحظ 5.
وبعن، لاحظ 2.
وإذا كان أصل الكنية من الكِناية لزم ـ على أساس وحدة الأصل ـ أن يعتدى إلى المفعول الثاني بالباء، لاحظ 2 و11 و13 و19.
ويدل على ذلك أن ابن منظور اعتبر تعديته إلى المفعول الثاني لا بنفسه، بل على أساس نزع الخافض، لاحظ 13.
والمفعول الثاني هل هي الكنية بكاملها فيقال: كنَيْته بأبي فلان، أو أبا فلان، أو هو الاسم المضاف إليه أداة الكنية، فيقال: كنيته بفلان؟؟؟
وجوه، لاحظها في 19.
والغريب ورود تعديته بـ «عن» في كلام ابن الأثير، لاحظ 2.
ج ـ الأفعال
ـ فالمجرّدة بالواو والياء، لاحظ 2 و8 و13 و18 و20.
ـ وورد مجهولاً في 19.
ـ ومزيداً من باب الإفعال، لاحظ 15 و20، ولم يعرفه الكسائي.
ـ ومن باب التفعيل، بالتثقيل، لاحظ 4 و6 و14، ولاحظ ما علّقناه هناك، و20.
ـ ومن باب الافتعال، لاحظ 3.
د ـ الأسماء
ـ الكُنية، بضمّ الكاف وكسرها، وهو مصدر، والاسم الذي يكنّى به الشخص، لاحظ 2 و11 و13 و16.
ـ الكِنوة، بضمّ الكاف وكسرها، وهي الكُنية، لاحظ 17.
ـ والكُنى: جمع الكُنية، مثل مُنية ومُنى، لاحظ 2.
ـ والكَنيّ: على وزن فعيل، وهو المشترك مع غيره في الكنية كالسَمِيّ وهو المشترك في الاسم، لاحظ 7 و21.
ـ وكان من الكِناية، وهو المكنّي عن الشيء، لاحظ 12.
ـ وكانون، جمع كان، لاحظ 12.
ـ والكناية 8 و9 و10 و22 و23.
ثامناً ـ في علم النحو
في مبحث الأسماء الستّة:
قال ابن مالك:
وارفَع بواوٍ وانصِبَنَّ بالألِفْ
واجرُرْ بباءٍ ما مِن الأسما أصِفْ
أبٌ أخٌ حمٌ كذاك وَهَنُ
والنقص في هذا الأخير أحْسَنُ
وفي أبٍ وتالييه يَنْدُرُ
وقَصْرها عن نقصِهِنَّ أشْهَرُ([140])
قال ابن عقيل: يعني أن «أباً» و«أخاً» و«حماً» تجري مجرى «ذي» و«فم» اللذين سبق ذكرهما، فتُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ بالياء … وهذه هي اللغة المشهورة في هذه الثلاثة.
وأشار بقوله: «وفي أب وتالييه يندُرُ …» إلى اللغتين الباقيتين: فإحدى اللغتين «النقص»: وهو حذف الواو والألف والياء، والإعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم نحو: هذا أبُه، أخُه وحَمُها، وهذه اللغة نادرة.
واللغة الأخرى: أن يكون بالألف، رفعاً ونصباً وجراً، نحو هذا أباه وأخاه وحماها، وهذه اللغة أشهر من النقص([141]).
ونرجئ التفصيل إلى كتب النحو.
تاسعاً ـ في الأدب العامّ والحضارة
أ ـ في الحرب:
قال ابن منظور في الكنية: من شعار المُبارزين في الحرب، يقول أحدهم: «أنا فلان وأبو فلان».
ومنه الحديث: «خُذْها منّي وأنا الغلام الغِفاري» وقول عليّ عليه السلام: «أنا أبو حسن القَرْم»([142]).
ب ـ قال ابن قتيبة: لم يكن ـ في الجاهلية ـ أحد يكنّى «أبا علي» غير قيس بن عاصم، وعامر بن الطفيل([143]).
ج ـ في المحادثات والظرائف:
قال الصابئ: حدث القاضي أبو الحسن بن السبتي: حضرتُ يوماً مجلساً فيه أبو يعلى بن كيكس، كاتب منيع بن حسان الخفاجي ووزيره في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، بالجامِعَيْن([144])، وقد حضر هنا، رؤساء البلاد من سقي الفرات، للسلام على منيع بن حسان وأبي يعلى بن كيكس، وكانا وردا من الشام، وحضر ـ في جملة الأشراف الطالبيّين، من الكوفة ـ الزكي أبو علي، عمر بن محمد بن السايس، والزكي الآمر الناهي في الإقامات وترتيب الأمور، وبين يديه غلام يدعى بـ «أبي يعلى بن عرس» فأخذ الزكي يقول له: ويلك يا أبا يعلى، افعل كذا، وامض في كذا، وينتهره ويستخف به استعجالاً له، وحثاً فيما يستنهضه فيه ويستبطئه، ويقول: يا أبا يعلى، يا فعال، يا صانع.
فلما طال ذاك على أبي يعلى بن كيكس، لأجل موافقة كنيته بكنيته، قال له: أيها الشريف، سأستخدم اليوم غلاماً كنيته «أبو علي»، وأستخفّ به بحضرتك، مجازاةً لك عن هذا الفعل منك.
فاسترجع الزكي، واستيقظ وقال: الله الله، يا سيّدنا، فوالله ما كان عن قصد مني، بل بنسبة حضرتني.
فضحكت الجماعة منه.
ثم قال أبو يعلى: كان بخوزستان أمير من أمراء الديلم يخضب لحيته، فحضر في مجلس فيه رجل من أصحاب الملك (أبي) كاليجار، وللرجل غلام خضيب، وكان يأمره وينهاه، ويقول له: «يا خَرْمنحى([145])، يا فاعل، ويا صانع، ويا خرمنحى، مُدْبِر، منحوس» وما يشبه هذا القول.
فنهض الديلمي، مغضباً، وقال: هذا تعريض بي وقصد لي، وصار ذلك سبب عداوة تأكّدتْ بينهما واستحكمت معهما([146]).
ـ كان «يموت بن المزرّع، لا يعودُ مريضاً خوفاً من أن يُتَطيّر من اسمه، وكان يقول: بُليتُ بالاسم الذي سمّاني أبي به، فإني إذا عُدْتُ مريضاً فاستأذنتُ عليه، فقيل: مَنْ هذا؟ قلت أنا ابن المزرّع، وأسقطتُ اسمي» ([147]).
ـ تولى يحيى بن أكثم ديوان الصدقات على الأضِرّاء، فلم يعطهم شيئاً، فطالبوه فلم يُعطهم، فقال: ليس لكم عند أمير المؤمنين شيء!
فقالوا: لا تفعل، يا أبا سعيد.
فقال: الحبس، الحبس، فأمر بهم فحُبسوا جميعاً.
فلما كان الليل ضجّوا، فقال المأمون: ما هذا؟ فقالوا: الأضِرّاء حبسهم يحيى بن أكثم، فقال لم حبسهم؟ فقالوا: كَنَّوْهُ، فحبسهم.
فدعاه فقال له: حبستهم على أن كَنَّوْكَ؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لم أحبسهم على ذلك، وإنما حبستُهم على التعريض، قالوا لي «يا أبا سعيد» يعرّضون بشيخ لائطٍ في الخريبة([148]).
أقول: وكان القاضي يحيى متّهماً بما عرَّضوا به، فقد عَرَّضَ به المأمون نفسه فقال له: من الذي يقول:
قاضٍ يرى الحدّ في الزناء ولا
يرى على مَنْ يلوط من باسِ
فقال يحيى: أما يعرف أمير المؤمنين مَنْ قاله؟ قال: لا.
قال: يقوله أحمد بن أبي نعيم، الذي يقول:
حاكِمُنا يرتشي وقاضينا
يلوطُ والراسُ شرُّ ما راسِ
لا أحسبُ الجَوْرَ ينقضي وعلى الـ
أمةٍ والٍ من آل عبّاسِ
فأُفحم المأمونُ، وأسكت خجلاً، وقال: ينبغي أن يُنْفى أحمد بن أبي نعيم إلى السِنْد([149]).
ـ اجتمع الجاحظُ وأبو العَيْناء، عند الحسن بن وهب.
فقال الجاحظ: علمت أن «محمد بن عبد الله» أحسنُ من «عمرو بن بَحْر» و«أبو عبد الله» أحسن من «أبي عُثمان» ولكنّ «الجاحظ» أحسن من «أبي العَيْناء».
فقال أبو العيناء: هيهات! جئت إلى ما يخفى من أمورنا ففضَّلْتني عليك فيه، وإلى ما يُعرف ففضَّلتَ نفسك فيه!
إن «أبا العيناء» يدلّ على كُنية، و«الجاحظُ» يدلّ على عاهة، والكُنية ـ وإن سمجت ـ أصلح من العاهة ـ وإن ملحت ـ ! ([150]).
ـ وفي رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج نجاح بن سلمة: قد ظهر أنه في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكنى أجدادكم من بُرهان الفأل الحسن، ونفي طيرة السوء، ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسماؤكم وكُناكم بين فرج، ونجاح، وسلامة، وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
ـ سأل رجلٌ رجلاً: ما اسمك؟ فقال بَحْر، قال: أبو مَنْ؟ قال: أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق([151]).
ـ صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل! قيل: ليست كنيته، قال: وإن لم تكن كنيته فإنها صفته([152]).
ـ كان صاحب ربيع يتشيّع فارتفع إليه خصمان: اسم أحدهما علي، والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتجهت عليه حُجّة، ففطن من أين أُتِيَ! فقال: أصلحك الله! سَلْ خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن ـ وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان ـ فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لصاحبه: ما أخذته منّي بالاسم استرجعتُه منك بالكنية([153]).
ـ روى عمر بن شبّة قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كان عمر إذا بعثني إليه أحد من ولده قال لي: «لا تُخبره لم بعثتُك إليه، فلعلَّ الشيطان يعلّمه كِذْبةً».
فجاءت أم ولد لعبد الرحمن، فقالت: إن أبا عيسى لا يُنفق عليّ ولا يكسوني.
قال: ويحكِ، مَنْ أبو عيسى؟
قالت: ابنُك عبد الرحمن.
فقال: وهل لعيسى من أب؟!
قال: فأرسلني إليه وقال: قُلْ له: «أجبْ» ولا تُخبره لأيّ شيء دعوته.
قال: فأتيتُه، وعنده ديكٌ ودجاجة هنديّان، فقلتُ له: أجِب أباك أمير المؤمنين.
قال: ما يُريدُ مني؟
قلت: لا أدري.
قال: إني أعطيك هذا الديك والدجاجة على أن تُخبِرَني ما يُريد منّي.
فاشترطتُ أن لا يُخبر عمر، وأخبرتُه، وأعطاني الديك والدجاجة، فلمّا جئتُ عمر قال لي: أخبرته؟
فوالله ما استطعت أن أقول: لا، فقلت: نعم.
قال: ما رشاك؟
قلت: ديكاً ودجاجة.
قبض بيده اليسرى على يدي فجعل يضربني بالدِرّة، وجعلت أدنو، وجعل يضربني وأنا أدنو، فقال: إنك لجدير.
ثم جاء عبد الرحمن، فقال: هل لعيسى من أب؟! تكتني أبا عيسى! هل لعيسى من أب؟! أما تدري ما كنى العرب؟! أبو سلمة، أبو حنظلة، أو عرفطة، أبو مُرَّة! ([154]).
عاشراً ـ في التُراث
وأخيراً: يبدو أثر الكنية في التراث بوضوح، عندما نُشاهد المجموعة الكبيرة من الجهود العلمية والمؤلفات في موضوعها وما يرتبط بها، وقد تصدى جمع من كبار العلماء لبذل الجهود المشكورة في هذا المجال، وإن كان الكثير منها مختصاً بكنى الرواة أو الأعلام والمعارف، وفيها ما يتكفّل كنى الحيوانات والجمادات غير الأناسيّ كالمرصّع لابن الأثير، فموضوعه وإن كان أعم من الكنى، لاحتوائه على سائر الإضافات والأذواء والذوات، إلا أنه قال في مقدمته: وحيث كان مدار هذا الكتاب على ذكر الكنايات والإضافات بالأولاد والأذواء والذوات لغير الناس، لم نذكر فيه من أسماء الناس إلاّ بعض من اشتهر منهم فضُرب به مثل أو لم يعرف بغير كنيته أو إضافته ممّن غلبت عليهم الكنى والإضافات([155]).
ونحن نخصّ ـ هنا ـ بالذكر المؤلفات المستقلة، وإلا فأكثر كتب الرجال والتراجم تحتوي على كثير من الكنى، أو تخصّص فصولاً واسعة لها، وقد تستوعب الكنى في بعض المؤلفات مجلّداً كبيراً مستقلاً.
وتحدث ابن الصلاح عن منهج هذه المؤلفات بقوله: كُتُب الأسماء والكنى كثيرة …. والمصنّفُ في ذلك يُبَوّبُ كتابه على الكنى مبيّناً أصحابها([156]).
ووصف بعضها وهي كتب ابن عبد البرّ فقال: «له في أنواع من الكنية كتب لطيفة رائقة» ووصف واحداً بأنه «مصنّف مليح» كما سيأتي.
وقال ابن كثير، النوع 48: وصنّف الناس كتب الكنى، وفيها إرشاد إلى إظهار تدليس المدلّسين([157]).
وإليك قائمة بأسماء ما وقفنا عليه من المؤلفات في الكنى:
1 ـ الآباء والبنين:
للدينوري.
ذكره ابن الأثير في المرصّع: 379.
2 ـ الأسامي والكنى:
لعلي بن عبد الله بن جعفر، المديني (161 ـ 258هـ).
ذكره النديم في الفهرست: 286، وابن الصلاح في المقدمة: ص ، وإيضاح المكنون 1/ 80، ومعجم المؤلفين 7/ 132.
3 ـ الأسماء والكنى:
لأحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ).
ذكره في الرسالة المستطرفة: 90.
4 ـ الأسماء والكنى:
لأحمد بن سهل البلخي، أبي زيد (ت 340).
ـ الفهرست للنديم: 153، ومعجم الأدباء 3/ 66.
5 ـ الاستغنا في معرفة الكنى:
لابن عبد البرّ، القرطبي.
ـ ذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح: 508 وقال: إنه في مجلد كبير ضخم.
6 ـ البنين والبنات من رجال الأحاديث:
لأبي السعادات، مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري (ت 606).
كشف الظنون 1/ 256.
7 ـ تسمية الخلفاء وكناهم:
الفهرست للنديم: 115.
8 ـ التكنية:
لقابوس بن وشمكير أبي المعالي.
مطبوع في الرسائل المجموعة باسم «كمال البلاغة» بالقاهرة سنة 1341.
أعيان الشيعة 8/ 434.
9 ـ تلخيص الكنى:
لأبي أحمد الحاكم، لخّصه الحافظ عبد الغني المقدسي.
يوجد الجزء الأول منه مخطوطاً في المكتبة الظاهرية بدمشق، 5 مجاميع 89، رقم 3825 عام.
فهرس مجاميع الظاهرية: 461.
10 ـ جزء في الكنى والأسماء:
لضياء الدين المقدسي، محمد بن عبد الواحد (ت 643).
يوجد برقم 17 من المجموع 67 عام، مجاميع 3803.
فهرس مجاميع الظاهرية: 346.
11 ـ رسالة في الكنى والألقاب:
للشيخ محمد بن جابر بن عباس النجفي، تلميذ الشيخ محمد السبط.
توجد في خزانة السيد حسن الصدر بالكاظمية. الذريعة 18/ 177.
12 ـ الروض الباسم في الكلام على التكنّي بأبي القاسم:
نسبه البغدادي إلى أحمد بن عمر بن عثمان الشافعي الشهير بابن فرّاء في إيضاح المكنون 1/ 588، وقال: موجود بدار الكتب الشامية.
لكن مفهرس المكتبة الظاهرية نسبه إلى محمد بن عبد الرؤوف الغامدي (ت 1031) وقال: كتبها المؤلّف سنة 1028.
هو الكتاب الأول من المجموع 3863 عام مجاميع 127.
فهرس مجاميع الظاهرية: 673.
13 ـ ريحانة الأدب في المعروفين بالكنى واللقب:
للشيخ محمد علي المدرس التبريزي، طبع أولاً سنة 1367، وأعيد حديثاً مع استدراك.
14 ـ عكس الرتبة في تهذيب الكنى:
للحافظ أبي الوليد، هشام بن أحمد بن هشام الأندلسي (ت 488).
إيضاح المكنون 2/ 117.
15 ـ غاية المُنى في تحقيق الكنى:
وما يكنى من الحيوانات وغيرها.
للميرزا محمد علي التبريزي الخياباني.
الذريعة 16/ 23.
16 ـ غاية المنى في ذكر المعروفين بالألقاب والكنى:
للشيخ عباس القمي (ت 1359) صاحب «الكنى والألقاب».
يوجد عند ولده بخطّه.
الذريعة 16/ 23.
17 ـ فتح الباب في الكنى والألقاب:
لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن مندة الأصبهاني (310 ـ 395).
سير أعلام النبلاء 17/ 33.
وقد نشر الكتاب في ألمانيا سنة 1927م، وانظر: تاريخ التراث العربي لسزكين 1/ 354.
18 ـ كتاب أبي إسحاق الصريفيني في الكنى:
ذكره البلقيني.
19 ـ كتاب أبي بكر بن أبي شيبة، في الكنى: ذكره البلقيني.
20 ـ كتاب أبي الجارود:
ذكره البلقيني.
21 ـ كتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري:
ذكره شاكر في الباعث الحثيث: 3 ـ 204.
22 ـ كتاب ابن مخلّد:
ذكره البلقيني.
23 ـ الكنى:
لابن عبد البر القرطبي، يوسف بن عبد الله (ت 413) صاحب «الاستغنا في معرفة الكنى» الذي ذكرناه برقم 5.
سير أعلام النبلاء 18/ 159، وكشف الظنون: 1454.
24 ـ الكنى:
لأبي محمد، عبد الرحمن بن أبي حاتم، الرازي.
ذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح: 508، وإيضاح المكنون 2/ 325، والرسالة المستطرفة: 90 ـ 91.
25 ـ الكنى:
للقبّاني، الحسين بن محمد بن زياد، أبي علي، النيسابوري (ت 2389)، كان أعرف الناس بالأسامي والكنى.
سير أعلام النبلاء، للذهبي 13/ 500، وتهذيب التهذيب 2/ 369.
26 ـ الكنى:
لابن حيّان، محمد بن حيان بن أحمد البستي الدارمي (ت 354). سير أعلام النبلاء، للذهبي 16/ 95.
27 ـ الكنى:
للنسائي.
قال الذهبي في «المقتنى» وهو يتحدث عن كتب الكنى: من أجلها وأطولها كتاب النسائي.
ذكره ابن الصلاح في المقدمة، وفي كشف الظنون: 1453 والرسالة المستطرفة: 90 ـ 91، وروى عنه البكري في الأربعين حديثاً: 121.
28 ـ الكنى:
لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 206).
الفهرست للنديم: 108، وسير أعلام النبلاء 10/ 102، وفيات الأعيان 6/ 83، والذريعة 18/ 142.
29 ـ كنى آباء الرسول صلى الله عليه وسلم:
لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 206).
الفهرست للنديم: 111، ومعجم الأدباء 19/ 291.
30 ـ كنى الأشراف:
للهيثم بن عدي، الطائي الكوفي (ت 130 ـ 207).
الفهرست للنديم: 112، ومعجم الأدباء 19/ 310.
31 ـ الكنى التي للصحابة:
لابن الدبّاغ، خلف بن القاسم بن سهل الأزدي القرطبي (ت 393).
سير أعلام النبلاء، للذهبي 17/ 113.
32 ـ كنى الدوابّ:
لمحمد بن إسحاق، أبي العنبس، الصيرمي.
الفهرست للنديم: 169، معجم الأدباء 18/ 11.
33 ـ كنى الشعراء:
لمحمد بن حبيب، أبي جعفر، البغدادي (ت).
الفهرست للنديم: 119، معجم الأدباء 18/ 116.
34 ـ الكنى والأسماء:
لمحمد بن أحمد بن حماد، أبي بشر الدولابي الأنصاري (ت 234 ـ 320) طبع في حيدر آباد ـ الهند سنة 1322هـ) في جزأين، وأعيد في دار الكتب العلمية ـ بيروت 1403هـ.
35 ـ الكنى والأسماء:
لأبي أحمد الحاكم، محمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الحافظ (285 ـ 328).
وذكره ابن الصلاح في المقدمة: 507، وكشف الظنون: 1391. وانظر: 1453، والرسالة المستطرفة: 91، والأعلام للزركلي 7/ 244، ومعجم المؤلفين 11/ 180.
36 ـ الكنى والأسماء:
لمسلم بن الحجّاج القشيري (204 ـ 261هـ).
منه نسخة في الظاهرية، المجموع 3738، كما في فهرس مجاميع الظاهرية: 16.
ونسخة في دار الكتب المصرية، رقم 221 مصطلح، طلعت.
وذكره النديم في الفهرست: 286، وابن الصلاح في المقدمة ص 508، وانظر: سير أعلام النبلاء 10/ 595 و19/ 136.
37 ـ الكنى والألقاب:
للشيخ عباس القمي (ت 1359).
طبع بصيدا، وبالنجف، وأعاد طبعه في قم بالأوفست من طبعة صيدا، الشيخ محسن بيدار، ووضع له فهارس عامة.
38 ـ الكنية، حقيقتها وميزاتها وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية:
لمؤلفه السيد محمد رضا ابن السيد محسن ابن السيد علي الحسيني، العبيدلي، الأعرجي نسباً، والحائري مولداً، والنجفي دراسة، والمهاجر إلى مدينة «قم» الطيّبة، المعروف بالجلالي لقباً.
39 ـ متاح المنى في إيضاح الكنى:
للشيخ علي بن الحسن بن عنبر، أبي الحسن، الحلي النحوي، المعروف بـ «الشميم» (ت 601).
ذيل تاريخ بغداد، لابن النجار 3/ 311 ـ 317، وذكره ياقوت في معجم الأدباء 3/ 70 ـ 71 وقال: أربعة كراريس.
40 ـ مجلة النصاب في الأسماء والكنى والألقاب:
لمستقيم زاده، سليمان الرومي.
قال في إيضاح المكنون 2/ 432: هو كتاب كبير نافع جداً.
41 ـ المرصّع:
لابن الأثير، مبارك بن محمد مجد الدين الجزري (ت 606).
طبع في مطبعة الإرشاد ببغداد 1391 بتحقيق هزيل.
42 ـ المستطرفات في الكنى والألقاب:
للسيد حسين ابن السيد رضا، الحسيني البروجردي (ت 1277).
طبع في إيران على الحجر سنة 1313 منضماً إلى كتاب «نُخبة المقال في الرجال» للمؤلف.
الذريعة 21/ 11.
43 ـ مصنّف ابن عبد البر في من اشتهر بكنيته دون اسمه من الصحابة:
ذكره ابن الصلاح وقال: مصنّف مليح.
المقدمة: 516.
44 ـ المعجم في مَنْ وافقت كنيته [كنية] زوجته:
للحافظ، أبي الربيع الكلاعي، سليمان بن موسى صاحب «الأربعين السباعية».
إيضاح المكنون 2/ 509.
45 ـ المقتنى في سرد الكنى:
للحافظ الذهبي.
اختصر به كتاب أبي أحمد الحاكم، وقال: «قد جمع الحفّاظ كتباً في الكنى ومن أجلّها وأطولها كتاب النسائي، ثم جاء أبو أحمد الحاكم فزاد وأجاد وعمل ذلك في أربعة عشر سِفْراً، لكنه يتعب الكشف عنه، لعدم مراعاته ترتيب الكنى على حروف المعجم، فرتبتُه واختصرته وزدته» ألّفه سنة 737 وزاد في آخره كنى النساء، منه نسخة في المكتبة المرعشية بقم، رقم 5460، ذكرت في فهرسها 14/ 240.
توجد نسخة منه في المكتبة الأحمدية في حلب باسم «المنتقى من الكنى».
كشف الظنون: 1794 و1453، والرسالة المستطرفة: 91، وهامش سير أعلام النبلاء 14/ 464.
46 ـ المنى في الكنى:
للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911).
ذكره في تدريب الراوي: 459، وكشف الظنون: 1888.
47 ـ مَنْ وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة:
لابن حيّويْه، محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، الشافعي (ت 366).
يوجد في المكتبة الظاهرية، الكتاب 9 من المجموع 3774، مجاميع 37، وأخرى برقم 3852.
فهرس مجاميع الظاهرية: 193 و624.
48 ـ من وافقت كنيته اسم أبيه:
للخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت 463).
معجم الأدباء 4/ 20.
49 ـ من وافقت كنيته كنية زوجته:
لابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله، الحافظ الدمشقي (ت 571).
معجم الأدباء 13/ 78 وقال: أربعة أجزاء.
50 ـ هدية الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب والأنساب:
للشيخ عباس القمي (ت 1359).
طبع مكرّراً.
محمد رضا الحسيني الجلالي
الكوت
مدينة عراقية على يسار نهر دجلة هي اليوم قاعدة محافظة واسط تبعد عن جنوب بغداد نحو 180 كيلومتراً، أنشئ فيها سنة 1936 سدّ.
وقد اشتهرت الكوت خلال الحرب العالمية الأولى بأن حاصر فيها الجيش التركي قطعة من الجيش الإنكليزي بقيادة الجنرال (طاونزند) فانتهى الأمر باستسلام هذا الجنرال مع جيشه بتفاصيل تأتي فيما يلي:
في أوائل تشرين الأول سنة 1914 وقبل إعلان تركيا الحرب على الحلفاء كان الإنكليز يعدون العدة لاحتلال البصرة، فتقدموا بحراً من بومبي في الهند وأنزلوا قوة في (عبادان) لحماية آبار النفط والتهيؤ في الوقت المناسب للانقضاض على البصرة، وفي 5 تشرين الثاني اعلنت الحرب على تركيا، فأنزل الإنكليز قوة في البحرين، ثم تقدموا باتجاه العراق فاحتلوا في 14 تشرين الثاني (الفاو) الواقعة عند مصب شط العرب. ثم تقدموا فاصطدموا بقوة تركية صغيرة على ضفة شط العرب اليمنى انسحب بعدها الأتراك إلى البصرة. وفي 22 تشرين الثاني كانوا يحتلون البصرة بلا مقاومة. ثم تقدموا إلى (القرنة) الواقعة عند ملتقى دجلة بالفرات على مسافة خمسة وثلاثين ميلاً إلى شمال البصرة، وهي موقع حربي هام.
وفي الوقت نفسه كانت قوة إنكليزية أخرى تتقدم إلى (المزيرعة) على ضفة دجلة اليسرى قبالة القرنة فتحتلها في التاسع من كانون الأول.
وفي 20 كانون الثاني 1915 تقدم الإنكليز من المزيرعة مستكشفين على ضفة النهر اليمنى فاشتبكوا بالأتراك فجرح القائد التركي الجديد سليمان عسكري بشظية قنبلة جرحاً لم يشف منه ولازمه حتى انتحاره بعد معركة الشعيبة.
وكان الترك قد عزموا على استرداد البصرة فحشد سليمان عسكري معظم قواته في الناصرية استعداداً للزحف على البصرة بطريق الصحراء. وكانت القبائل العراقية الشيعية قد استجابت لفتوى مجتهدي النجف بإعلان الجهاد، فعسكرت ومعها العلماء وعلى رأسها السيد محمد سعيد الحبوبي منضمة إلى قوات القائد العام سليمان عسكري.
وكان الإنكليز قد أنشؤوا معسكراً محصناً في (الشعيبة) إلى غرب مدينة البصرة فتقدم سليمان عسكري بقواته ومعها المجاهدون فهاجموا مواقع الإنكليز في 14 نيسان سنة 1915 في الشعيبة وغابة البرجسية فثبت الإنكليز المحصنون وفشل الهجوم وانتحر سليمان عسكري، وتراجع الأتراك إلى الناصرية، ومات السيد محمد سعيد الحبوبي في الناصرية.
وهنا عزم الإنكليز على التقدم إلى بغداد عن طريق العمارة والكوت، وفي 31 أيار سنة 1915 زحفوا من (القرنة) بقيادة الجنرال (طونزند) وفي 3 حزيران كانوا يصلون العمارة بعد مقاومات لا تذكر.
وفي الوقت نفسه كانوا يزحفون عن طريق آخر فاحتلوا الناصرية في 24 تموز بعد مقاومة عنيفة من الأتراك استمرت أسبوعاً.
وفي هذه الأثناء كان الأتراك قد أوفدوا إلى العراق قائداً عاماً جديداً من أكفأ قوادهم هو نور الدين باشا فرابط بقواته لملاقاة القوى الإنكليزية الزاحفة في موقع (السن) على ضفتي دجلة على مسافة ثمانية أميال إلى شرقي (الكوت).
وفي 27 أيلول أشعلت قوات (طونزند) المعركة زاحفة صوب الكوت فاستطاعت احتلالها بعد معارك عنيفة.
وأقام نور الدين خطوط دفاعه في منطقة (سلمان باك) ([158]) لحماية بغداد، فواصل طونزند زحفه فكان في 3 تشرين الثاني في بلدة العزيزية، وهناك علم بصمود نور الدين في خطوط سلمان باك فاتخذ من العزيزية مقراً له.
وفي 22 تشرين الثاني كانت قواته تبدأ هجومها مستهدفة المواقع التركية الممتدة على ضفة دجلة اليسرى شمالاً على مسافة ستة أميال.
وكان الأتراك قد أرسلوا لقيادة المعارك خليل باشا من جبهة القفقاس إلى جبهة العراق، وكان معروفاً عنه أنه قائد مهاجم مقدام.
وقامت معارك طاحنة صمد فيها الأتراك مدافعين فتراجعوا أولاً ثم عادوا مهاجمين وألحقوا بالإنكليز خسائر فادحة. وفي 25 تشرين الثاني 1915 أصدر طونزند أوامره بالانسحاب من المعركة باتجاه العزيزية فلم يتوقف فيها طويلاً لأنه علم بأن الأتراك يتعقبونه، ثم واصل انسحابه فوصل الكوت صباح الثالث من كانون الأول وقرر الثبات فيها.
وقد طلبت إليه القيادة العامة أن يثبت في الكوت معللة ذلك بأن الانسحاب من الكوت يفتح طريق شط العرب والحي للأتراك، وقالت له في البرقية المرسلة منها إليه: يجب أن يكون انسحابك من الكوت الأمر الأخير الذي تفكر به، وذلك عندما لا ترى سبيلاً آخر تسلكه.
وبالرغم من أن طونزند يقول في مذكراته بأن هذا هو رأيه، وأن قرار الثبات في الكوت كان قبل كل شيء قراره، فإنه يعلق على أوامر القيادة قائلاً: «فيرى القارئ من هذا أنه تقرر أمر بقائي في الكوت على صورة نهائية. وبعد أن قطع لي قائد الحملة عهداً مطلقاً بفك الحصار عني رأيت اعتصامي في الكوت رأياً صائباً من وجهة سوق الجيش لأنه لو انسحبت من الكوت لخسرنا العراق بأسره. وكانت القوات الواقفة لي بالمرصاد متفوقة عليَّ كل التفوق بعددها فلو قاتلتها في ميدان مكشوف لانكسرت لا محالة» اهـ.
ويبدو أن الإنكليز كانوا يرون أن حصار الأتراك للكوت سيكون موقتاً وأنهم سيستطيعون فك هذا الحصار في مدة قصيرة، وهو ما اعتمد عليه الجنرال طونزند. فقد جاء في برقية مرسلة إليه من القيادة العامة: «إن فك الحصار عنك في مدة شهرين هو الحد الأقصى الذي عيناه لإنجادكم وذلك أننا قد حسبنا المدة التي تنقضي إلى حين وصول آخر قوة من النجدات العسكرية التي تردنا والمدة التي قبل الشروع في الزحف العام. والمأمول أن نسرع سير هذه الحركة» اهـ.
ولكن القيادة العامة لم تستطع إنجاد طونزند، ولا استطاعت فك الحصار عنه خلال شهرين، بل اضطر للاستسلام كما سنرى.
على أنه هو نفسه كان يرى أن مدة الشهرين هي مدة طويلة، لذلك أبرق إلى القيادة قائلاً فيما قال: «إن فك الحصار عني في مدة شهرين يؤول إلى خسارة الفرقة لأن الجيش التركي السادس المؤلف من ست فرق سيحيط بي إحاطة السوار بالمعصم قبل أن تتمكنوا من إنجادي».
ثم يقول في نفس البرقية: «إن خسارة الفرقة يؤثر أسوأ تأثير في الهند فضلاً عن كونه ضربة قاضية على نفوذنا في العراق».
على أن الشيء المهم جداً في برقية طونزند هذه هو أنه سأل فيها القيادة العامة عما إذا كان المقر قد تلقى أنباء تتعلق بزحف الروس على بغداد لأنه إذا قام الروس بهذه الحركة تغير موقفه كل التغير اهـ.
ونحن لا ندري هل كان هناك فعلاً تفكير روسي جدي بالزحف على العراق والوصول إلى بغداد لإنجاد الإنكليز، أم أن هذا مجرد سراب لوحت به القيادة العامة لطونزند لتقوي عزائمه.
إننا نعتقد أن طونزند كان مخدوعاً في هذا الأمر، وذلك أولاً لأن الإنكليز لم يكونوا على المدى البعيد بحاجة لنجدات الروس، وإذا كان موقفهم الآن في العراق ضعيفاً فقد كان ضعفاً موقتاً، وبدلاً من أن ينتظروا نجدات الروس فإن الهند التي هي في أيديهم كافية للقيام بهذه المهمة بمئات الملايين التي فيها، وهو ما تحقق بعد ذلك.
ثم هل يسمح الإنكليز للروس بأن يكونوا بعد الانتصار في الحرب، في العراق على مقربة من الهند، وهم الذين ظلوا يثيرون الحروب ويوقدون المواقع في كل مكان حماية لطريق الهند؟!
ويزداد طونزند أملاً بالنجاة بتعليل نفسه بالزحف الروسي فيقول: «إذا هدد الروس بغداد حوّل (فوندر غولتس)([159]) كل قوته للدفاع عنها وحينئذٍ لا يبقى لي إلاّ مقاتلة قوة تركية صغيرة في الكوت تعادل قوتي أو تزيد عليها زيادة طفيفة».
وزادت القيادة الإنكليزية العامة طونزند أملاً على أمل حين قالت له في إحدى برقياتها ما تقدم ذكره وهو: يجب أن يكون انسحابك من الكوت الأمر الأخير الذي تفكر به.
وبعد هذا الأمر الصارم أردفت القيادة كلامها هذا بقولها: «وبلغنا أن الروس أصبحوا في 4 كانون الأول على مسافة ثلاث مراحل من همذان و23 مرحلة من بغداد، وقد أبرق قائد الحملة إلى رئيس أركان الجيش ليعجل زحفهم».
ولكن لا الروس عجلوا زحفهم ولا القيادة أنجدته فاستسلم بعد حصار طويل كما سنرى: ويهمنا هنا أن نعرف موقف السكان العراقيين المسلمين الشيعة من الجيشين التركي والإنكليزي.
وعندما يرجع القارئ إلى بحث (الشعيبة) يرى أن دعوة الجهاد التي أطلقها مجتهدو الشيعة في ذلك الوقت واستجابة العراقيين لها قد جعلت مشاركة الشيعة في قتال الإنكليز مشاركة فعالة.
وكما دعا المجتهدون الشعب إلى النفور إلى الجهاد فنفر كان عليهم أن يكونوا أول النافرين، وقد فعلوا.
ومن مراجعة بحث (الشعيبة) وقراءة هذا البحث يرى القارئ أن الإنكليز بعد احتلالهم البصرة قد انطلقوا منها على خط (الشعيبة) الذي سيفضي بهم إلى الناصرية، وخط القرنة الذي أفضى بهم إلى العمارة فالكوت كما رأينا.
وقد كان على رأس الناس في خط الشعيبة السيد محمد سعيد الحبوبي، وعلى رأسهم في خط القرنة السيد مهدي الحيدري، وقد فصلنا في بحث (الشعيبة) ما كان من السيد مهدي ومن رافقه من العلماء فلا نعيده هنا.
يصف طونزند موقف العراقيين من الإنكليز بما يلي: «وقد ضايق عرب ربيعة وعجيل لواء الخيالة بعد خروجه من الكوت، وكان عدد أولئك العرب 800 فارس، وقد لقي هذا اللواء العداء من كل عربي في طريقه».
ثم يصف الموقف بعد تشديد الحصار على الكوت بقوله: «وكان العرب الذين يقطنون البلدة يبعثون القلق والاضطراب في نفسي لأنني كنت عالماً بأنهم يخابرون العدو وهذا أمر واقع لا حاجة إلى ذكره. وكان الباعث على قلقي واضطرابي اعتقادي كذلك بأن هؤلاء العرب قد طمروا بندقيات كثيرة وأخفوها، ولا يخفى الخطر الشديد الذي يؤول إليه عمل العرب هذا إذا تمكن العدو من إغرائهم بالقيام علينا ليلاً أثناء هجومه على جبهتنا الشمالية، لذلك اعتقلت بعض وجوه البلدة وأعلنت أنني سأعدم أولئك المعتقلين بالرصاص إذا بدرت من السكان أقل بادرة خيانة».
على أنه لم يتورع عن إعدام اثني عشر رجلاً من أبناء البلدة رمياً بالرصاص بحجة واهية زعم فيها أنه قبض عليهم أثناء قيامهم بالنهب، زعم هذا بعد أن اعترف بأن إعدامهم جرى لمنع النهب، ثم استدرك بأن وضع بين عارضتين هذه الجملة ـ قبض عليهم أثناء ارتكابهم هذه الجريمة ـ ونحن غير ملزمين بأن نأخذ باستدراكه، بل نحن نأخذ باعترافه الأول بأنه أعدمهم لمجرد إرهاب الناس، ومن ذا الذي يصدقه بأن هناك من يجرؤ على ممارسة النهب في بلدة صغيرة يسيطر عليها آلاف الجنود المدججين بالسلاح، والنهب حين يجري ـ إذا جرى ـ إنما يجري في حالة انعدام القوة العسكرية الرادعة لا في حالة وجود حكم عسكري رهيب غير مقيد بقانون ولا نظام ومدعوم بالفرق العسكرية المثقلة بأدوات القتل والتدمير.
ثم يقول بأنه أمر بطرد سكان البلدة جميعاً وأنه لم يمنعه عن ذلك سوى تدخل (السير برسي كوكس) الذي أقنعه بأنه «إذا طرد هؤلاء السكان من البلدة هلكت النساء والأطفال في الصحراء من الجوع ورصاصات البدو».
بهذه القلوب القاسية المتحجرة دخل هؤلاء الإنكليز وغيرهم من الأوروبيين المستعمرين العراق وغير العراق، وبهذا الطغيان عاملوا الشعوب.
إن هذا القائد الإنكليزي يريد أن يطرد سكان مدينة بكاملها من مدينتهم، وإذا كان زميله الإنكليزي الآخر قد تدخل لمنعه من ذلك فلا لأنه كان أرحم منه، بل لأنه كان أعقل، فقد عرف ما سيكون لهذا التصرف من أثر سيئ في نفوس العراقيين يزيد في نقمتهم على الإنكليز الفاتحين، في حين كانوا هم في أمس الحاجة للتقليل من نقمة الناس.
ولماذا يستنكر الإنكليز ما فعله بهم هتلر من قصف مدنهم على سكانهم ما داموا هم يبيحون لأنفسهم أن يطردوا سكان المدن من مدنهم وأن يفرغوها منهم جميعاً ويرموهم للموت جوعاً وعطشاً في الصحراء؟!
وهو نفسه يعترف بأنه ما منعه من تنفيذ قراره لا الإنسانية، بل المصلحة الإنكليزية إذ يقول فيما يقول تعقيباً على طلب برسي كوكس منه إلغاء قراره: «وحينئذٍ رأيت أنه سيحدث عملي هذا تأثيراً سياسياً سيئاً في العراق بين العرب الذين جئنا لإنقاذهم من مظالم الترك. لذلك أُكرهت على إلغاء أمري بطرد جميع القاطنين في البلدة واكتفيت بطرد جميع الغرباء منها وسمحت ببقاء سكان الكوت الأصليين فيها فبقي في البلدة نحو خمسة آلاف أو ستة آلاف نسمة وطردت نحواً من 700 أو 800 رجل».
على أنه لم يلبث أن يقول: «وقد أسفت على الدوام لتساهلي هذا لأنني لم أهتم قلامة ظفر بمن يقتل أو يموت في الصحراء من العرب الخائنين لأنهم لم يستحقوا ذرة من الرحمة والشفقة».
ونقول له: إذا كنت قد أسفت لتساهلك ولم تهتم بمن يقتل أو يموت بالصحراء من العرب لأنهم لم يستحقوا ذرة من الرحمة والشفقة ـ فإن هتلر لم يأسف أبداً لما حل بكم من قنابله في عاصمتكم لندن لأنكم بما عاملتم به الشعوب لا تستحقون ذرة من الرحمة والشفقة …
أمّا (الخيانة) فإن خيانتكم هي الأمانة كل الأمانة.
وإذا كنتم قد أجليتم شعباً في فلسطين عن أرضه وأحللتم مكانه من أحللتم، فكلامك هذا يدل على أن إجلاء الناس عن أوطانهم هو طبيعة فيكم لا صفة عارضة تعتريكم.
وبدأ الحصار يشتد على طونزند ومن معه في الكوت، ويقدر هو عدد الجنود التي تحاصره باثني عشر ألف جندي، وقد كان الأتراك يقومون بهجمات متواصلة على مواقع الإنكليز فيرد الإنكليز بالنيران على المهاجمين، ويقول طونزند إنه في 13 كانون الأول دنت خنادق الأتراك من خنادقه حتى باتت على مسافة خمسين يارد من خنادقه الواقعة على الميسرة القصوى لجبهته الشمالية الغربية فكانت عمال كل من الفريقين تسمع أصوات عمال الفريق الآخر. وعلم طونزند من الأسرى الذين وقعوا في أيدي جنوده أن نجدات قريبة ستصل إلى الأتراك فقدّر أن نحواً من أربعين ألف جندي سيحاصرونه. وفي هذا اليأس المرير عاوده أمله السرابي بوصول الروس، فابرق إلى القيادة يخبرها بقرب وصول النجدات التركية ويقول إن أمله شديد بأن الحكومة تطلب من الروس أن يهددوا بغداد تهديداً شديداً لرفع الضغط عنه.
والفرق واضح بين كلامه عن الروس هنا وكلامه عنهم فيما تقدم، فهناك زعمت له القيادة بأن الروس في الطريق إلى بغداد وقد وصلوا إلى مقربة من همذان. وهنا يتوسل بقيادته بأن تطلب من الروس أن يتقدموا بعد أن أيقن أن الأمل السابق قد خاب.
وبدلاً من أن يتلقى خبر التقدم الروسي إلى بغداد من إيران، تلقى خبراً بأن (فوندر غولتس) القائد الألماني العام للقوى التركية هو الذي سيتوجه إلى إيران بأربعين ألف جندي زاحفاً بهم من بغداد. ولا تخلو مذكرات طونزند بين فترة وأخرى من ذكر فرار جنود هنود وانضمامهم إلى الجيش التركي. ويظل الهاجس الروسي يعاوده فيذكر أنه في برقيته المرسلة في 29 كانون الأول طلب من القائد أن يخبره عما يعلمه من أمر الروس. ثم يقول بأن المقر العام أنبأه بأنه لم يتلق خبراً يتعلق بحركات الروس في إيران. وهنا ملكه اليأس من التحرك الروسي وأيقن أن ما كان يتخيله في ذلك كان سراباً في سراب، فهو يقول: «فأيقنت حينئذٍ أن الروس لا يقومون بحركة ذات شأن لتهديد بغداد إذ لولا ذلك لزحفوا بقواتهم متحدة في كتلة واحدة على كرمنشاه وقصر شيرين».
ومن طريق ما يذكره أن الكثيرين بين جنود فوج من الأفواج الهندية كانوا يشوهون أبدانهم للتخلص من الاشتراك في القتال فكانوا يقطعون الأصبع التي يضغطون بها الزناد (السبابة) بإطلاق البندقية عليها فيتظاهرون بأنهم أصيبوا بجرح فيها.
وقد حاكم طونزند هؤلاء الجنود الذين بلغ عددهم أربعة عشر جنديا في مجلس عسكري فحكم عليهم أحكاماً صارمة.
وفي 1 كانون الثاني تلقى طونزند برقية بان هناك خطة لفك الحصار عن الكوت.
ويقول طونزند إنهم في 9 كانون الثاني شاهدوا الأتراك ينشرون الأعلام على بواخرهم ويراصفون سفنهم، وأنهم سمعوا اصوات الهتاف تتصاعد من الخنادق التركية. يقول طونزند: فعزونا هذه المظاهرات إلى انسحاب القوة البريطانية من غاليبولي فصدق ظننا.
والواقع أن ما يسميه طونزند (انسحاب القوة البريطانية) من غاليبولي كان نصراً تركياً عظيماً أحرزه الأتراك على الحلفاء في صد محاولتهم احتلال استنبول، فلم يكن بدعاً أن يحتفل الأتراك في الكوت بهذا النصر، وأن تنكسر له نفس طونزند فوق ما هي منكسرة، ومع ذلك فهو يهوّن من شأنه ويسميه (انسحاباً).
وتضيع بعد ذلك أخبار محاولة فك الحصار فلا نسمع لها حساً فيما يسجله طونزند إلى أن يأتي يوم 15 كانون الثاني فيقول طونزند : «طفقت الهموم تتقاذفني لأني حصرت نفسي في الكوت على أن يفك الحصار عني في مدة شهر. ولكن انقضت علينا الآن ستة أسابيع ونحن محصورون».
ثم يتحدث عن نجدة كانت قادمة إليه فردها الأتراك، ثم يقول: «فإذا كان زحف القوة القادمة لنجدتي على هذه الحالة من البطء ترى كيف يكون ذلك حين وصول النجدات التركية؟».
ثم قامت محاولة أخرى لفك الحصار عن الكوت ففشلت هي الأخرى.
والروس الذي تحدث عنهم طونزند فيما تقدم من الكلام كانوا فعلاً في إيران، ولكن لا على أن يزحفوا منها إلى بغداد، بل على أن يستقروا فيها ولا يتجاوزونها، وبالرغم من يأس طونزند منهم فقد عاوده بصيص من الأمل فيهم، فهو يقول: «كان أملي من الروس قد خاب غير أنني طلبت مرة أخرى أن يتنبئ الفريق (باراتوف) الذي كان مرابطاً حينئذٍ في قصر شيرين بحراجة موقفي ويوعز إليه بمضايقة بغداد مضايقة شديدة».
ومن الطريف أن طريقة القيادة الإنكليزية العامة بتعليل طونزند بالآمال الروسية السرابية استعملها هو بتعليل جنوده بها ففي 26 كانون الثاني 1916 نشر على القطعات بلاغاً كان بعض ما جاء فيه: «إن حلفاءنا الروس الذين يجتاحون الآن بلاد فارس سيجدون لهم متسعاً من الوقت للزحف نحو بغداد».
ومع أن رؤساء طونزند وقفوا في تعليله عند حد محدود، فإنه هو لم يقف عند هذا الحد، بل أوغل في التعليل كل الإيغال، فأبرز لجنوده السراب وكأنه حقيقة واقعة فتابع كلامه الأول قائلاً: «وقد تلقيت رسالة خاصة من قائد القوات الروسية الفريق باراتوف يفصح فيها عن شدة إعجابه بما قمتم به أنتم رجال الفرقة السادسة والقطعات الملحقة بها من الأعمال المجيدة في بضعة أشهر مضت وينبئني كذلك عن سير زحفه من كرمانشاه وهو على طريقه إلى بغداد الآن!!».
وعندما بدأت المؤن تنفذ عند طونزند عمد إلى ذبح ما عنده من خيل لإطعام الجنود٬ ولكن الجنود الهنود المسلمين امتنعوا عن أكل لحم الخيل وكذلك بعض الهندوس، وكان قد انتشر بين الجنود مرض الزحار فرأى مدير الأمور الطبية أن امتناع الجنود عن أكل اللحم كان من عوامل انتشار المرض، فاستنجد طونزند بالسلطات الإنكليزية بالهند لاستصدار فتاوى بتحليل أكل لحم الخيل. ويقول طونزند إنه تلقى برقية من رئيس أركان الجيش في دلهي بأن يذيع على الجنود الهنود المسلمين أن إمام دلهي (جمعه مسجد) أفتى بأن ضرورات الحرب تحلل أكل لحوم الخيل للمسلمين وأن كبير رجال الدين الهندوس (باندوت) في دلهي أفتى بتحليل أكل لحوم الخيل للجنود الهندوس. وسيصدر كل من هذين الرئيسين الروحيين فتوى مكتوبة بهذا المعنى.
ومما يجدر ذكره أنه ظهرت في هذه الحرب العراقية لأول مرة الطائرات الحربية فبدأ أولاً ظهور طيارات إنكليزية، ثم ظهرت الطيارات الألمانية ويذكر طونزند أنه في الواحد من آذار حلقت فوق الكوت ثلاث طائرات ألمانية من ذوات السطح الواحد وألقت على القوات الإنكليزية نحواً من أربعين قنبلة.
ومن الطبيعي أن نقول إنه لم يكن معروفاً يومذاك ما يسمونه اليوم وسائل الدفاع الأرضية التي تستهدف الطائرات المغيرة، لذلك يقول طونزند: «ولم يغننا فتيلاً ما أعددناه لمقاومة الطيارات على صورة مستعجلة من مدافع ورشاشات لأن الطيارات كانت تطير فوقنا على مستوى رفيع حيث لا تطالها مقذوفات معداتنا».
وبعد فشل محاولات فك الحصار الثلاث، وتناقص الأقوات يوماً بعد يوم، وكان قد مضى على الحصار ثلاثة أشهر، أخذ طونزند يقتل الخيول بدل انتظار ذبحها توفيراً لعلفها، وكانت كميات الغذاء التي توزع يومياً على الجنود قد أخذت تتناقص، وفي 11 آذار أمر بقتل 417 حصاناً دفعة واحدة، وكمان همه محاولة الصمود إلى 15 نيسان، إذ أن التسليم هو القرار الذي لا بد منه.
ومع ذلك ظلت القيادة تشجعه على الثبات فزعمت له في إحدى برقياتها المؤرخة في 16 آذار بأنها ستفك الحصار عنه قبل 15 نيسان، وكان قد أعلمها أن هذا التاريخ هو آخر يوم يستطيع الثبات فيه لنفاد الأقوات عنده.
ويبدو مما ذكره طونزند أن فتوى تحليل لحم الخيل لم يعمل بها الجنود الهنود إذ أنه يذكر عرضاً استمرار امتناعهم عن أكل هذا اللحم، بالرغم من تناقص المواد الغذائية الأخرى تناقصاً كبيراً واستمرار هذا التناقص كل يوم عن اليوم السابق.
ويثني طونزند على صلابة الجنود البريطانيين ونشاطهم، ويشكو مر الشكوى مما حل بالجنود الهنود ـ الذين تتألف منهم الكثرة من جنوده ـ من خور ويأس.
وينسى أن الجنود الهنود سيقوا إلى هذه النهاية القاسية لأمر لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وأنهم أرغموا على التجند للدفاع عن الإمبراطورية التي تستعمر بلادهم والتي تسوقهم الآن إلى الذبح والبلاء الذي ما بعده بلاء.
وعندما أذاع طونزند بلاغاً على جنوده في 10 نيسان 1916 لتشجيعهم وتقوية معنوياتهم، وكان هؤلاء الجنود كما قلنا هم في أكثريتهم من الهنود، قال طونزند في بلاغه مخاطباً الجنود: «إن كل فرد من أفراد هذه القوة قد قام بواجباته نحو ملكه وبلاده».
قال ذلك وهو يعلم أن ما يقوم به الجنود الهنود ليس من واجباتهم، بل هم مجبورون عليه، ولم يكن من أجل بلادهم، بل من أجل بلاده هو، وهو لتوطيد أقدام مستعمري بلادهم، وأن الملك الذي يعنيه ليس ملكهم، بل ملك ظالميهم ومستعبديهم.
وجاء 12 نيسان وكان قد مضى على الحصار أربعة أشهر ونصف الشهر، ويقول طونزند أن طعام 3700 من أصل سكان البلدة البالغ عددهم ستة آلاف، كان ما يسميه (حساء الفقراء) وهو شيء من لحم البغال والحمير.
وهنا يعلمنا أن معظم الجنود الهنود كانوا من المسلمين ويظل يبدي تذمره منهم وأنهم ضايقوه مضايقة شديدة منذ أيام زحفه من العزيزية إلى سلمان باك، وأنهم لا يزالون يمتنعون عن أكل لحم الخيل. ومن بين 10870 هندياً كان 1535 منهم يأكلون لحم الخيل فقط، بالرغم من ضآلة الأقوات الأخرى التي لم تزد عن خمس (أوفسات) لكل فرد.
فأصدر طونزند بلاغاً أنذر فيه من لا يأكلون لحم الخيل بالموت جوعاً، فضلاً عما سينالهم إذا نجوا بعد الحصار من عقاب. ويقول إنه نتيجة لذلك أصبح من يأكلون لحم الخيل 9329 شخصاً.
وحتى الآن كانت لا تزال هناك محاولات لإرسال قوة إنكليزية لفك الحصار، وكانت الطائرات تنقل بعض المواد الغذائية.
ويزعم طونزند أن الضباط والجنود الهنود كانوا يخشون غضبة مواطنيهم عليهم إذا علموا أنهم أكلوا لحم الخيل وأنهم كانوا يقولون: «إن الناس في قرانا سيعروننا بأكل لحم الخيل فلا يتزوج إنسان بناتنا».
وجاء 16 نيسان وكل تصرفات طونزند تُشعر بعزمه على التسليم ويأسه من وصول النجدة.
ولم ينقطع فرار الهنود إلى الأتراك ويذكر طونزند أنه أعدم من لم ينجح في محاولة الفرار التي كانت تتم في كل ليلة.
وانطفأ آخر شعاع من الأمل في نفس طونزند عندما تلقى برقية في 22 نيسان من المقر العام تقول: «يسوؤني أن أنبئكم بأن الأتراك صدوا الهجوم الذي قمنا به صباح اليوم» إلى آخر البرقية.
ومعنى ذلك، الفشل النهائي لمحاولات فك الحصار عنه والاستسلام للأتراك. فأبرق في 23 نيسان إلى المقر العام بهذه الحقيقة.
وفي هذا اليوم نفسه قدم طونزند اقتراحاً للقيادة التركية وافقت على مضمونه الوزارة البريطانية مؤداه أنه على استعداد لدفع فدية في مقابلة فك الحصار قدرها مليونا ليرة استرلينية، فلم ينجح الاقتراح.
ولم يشر طونزند في مذكراته إلى هذا الاقتراح، كما أن الحكومة البريطانية أخفت الخبر كلياً عن الصحافة الإنكليزية.
ثم التقى بقائد الجيش التركي خليل باشا الذي أصر على التسليم بلا قيد ولا شرط. وفي 29 نيسان كان فوج تركي يدخل (الكوت) بعد حصار استمر خمسة أشهر، ثم أُرسل طونزند إلى استنبول أسير حرب.
ومن طرائف طونزند أنه طلب من خليل باشا أن يبعث بكلبه إلى صديق له في إنكلترا لأن هذا الكلب كان أميناً في خدمته ورافقه في معاركه بالعراق وقتل قططاً كثيرة أثناء الحصار، وأنه بعد رجوعه إلى إنكلترا التقى به.
وإذا كان يوم 29 نيسان 1916 هو يوم استعادة الأتراك للكوت، فإن يوم 2 آذار 1917 هو يوم عودة الإنكليز إليها في زحفهم الكثيف بقيادة الجنرال (مود) الذي واصل الزحف حتى احتلال بغداد.
نهاية الحرب
توالت الهزائم فاستسلمت بلغاريا وسقطت دمشق واستقالت وزارة (الاتحاديين) المسؤولة عن دخول الحرب وحل عزت باشا محل طلعت باشا في رئاسة الوزراء التركية فطلب هذا من طونزند أن يكون رسوله إلى قومه الإنكليز للمفاوضة في الصلح.
وتم الأمر على أن يسافر طونزند إلى جزيرة (ساقز) حيث الدارعات البريطانية والحامية اليونانية، فيتصل هناك بالإنكليز فسافر في 19 تشرين الأول إلى أزمير ومنها ركب البحر متجهاً إلى (مدلي) حيث كان يتوقع أن يلتقي بمركب حربي بريطاني. وفي 20 تشرين الأول وصل مرفأ مدلي من غير أن يشاهد مركباً. ونترك لطونزند أن يصف لنا ما جرى:
وبعد أن صفرنا مرتين خرج إلينا زورق بخاري وعليه ضابط بحري بريطاني نادانا من أنتم؟ فأجبته صارخاً: الفريق طونزند.
فأجاب وقد دهش للأمر: الله تسرني مشاهدتكم سيدي.
فأبرقت إلى أمير البحر قائد الأسطول طالباً إليه أن يوفد مركباً سريعاً ليقلني إليه وفي 20 تشرين الأول وصلت جزيرة مدروس فذهبت إلى سفينة أمير البحر فقابلني القائد العام لأسطول البحر المتوسط.
ووصل المندوبون الترك في 26 تشرين الأول ونزلوا في الدارعة (أغاممنون) وشرع المؤتمر في أعماله في اليوم التالي.
وفي 30 تشرين الأول أمضيت شروط الهدنة بين بريطانية وحلفائها وبين تركيا على ظهر الدارعة أغاممنون.
معارك سلمان باك في الشعر العربي
نظم الشيخ محمد رضا الشبيبي قصيدة من روائعه في معارك سلمان باك، قدم لها بما يلي:
إن هذه الوقعة من أكبر الوقائع في العراق وأشهرها تسميها العامة واقعة (سلمان باك) خسر فيها الفريقان أكثر من عشرة آلاف جندي، خلاصتها أن الإنكليز زحفوا في المحرم سنة 1334 من كوت العمارة بقيادة الفريق طاونسند قاصدين أخذ بغداد، فصمد لهم العثمانيون بقيادة نور الدين باشا قائد الجيش العثماني العام وتحصنوا في أنقاض (المدائن) قرب مشهد سلمان الفارسي. وبدأت المناوشات بين الفريقين منذ المحرم سنة 1334 ثم شرع الإنكليز بهجومهم العنيف الشديد يوم الاثنين في 14 المحرم بعد تمهيد هائل بالمدفعية لم يسمع البغداديون نظيره فاستولوا أول الأمر على خنادق العثمانيين وتأخر الأتراك إلى ديالى فاشتد الأمر على الناس وكثرت الأراجيف. ثم كرت الجنود التركية الجديدة التي كانت تتواصل منذ أوائل المحرم من السنة المذكورة بقيادة خليل باشا ومحمد علي بك على العدو كرة شديدة واستقتلوا وتغامسوا مع الإنكليز بالحراب فكشفوهم وأورثوهم وهناً بيناً بعد أن دامت الحرب أربعة أيام بلياليها حتى اضطر الإنكليز إلى الانسحاب فجأة ليلة 19 المحرم فثابرهم الأتراك إلى يوم 26 منه وفيه ضرب الحصار على كوت العمارة:
أعالم بالذي وافت مدائنه
كسرى وإيوانه المعقود والسور
يا أعدل الناس قم للناس أوصهم
إن الوصية شيء عنك مأثور
أسمعهم بعد أن صحت اصفحوا انتقموا
وقل لهم بعد أن قلت اعدلوا: جوروا
أبعد عشرين قرناً لم يزل ذلقا
قيل السياسة والبهتان الزور
أبا المدائن في أيامك انبعثت
وفي مدائنك السبع الأعاصير
ما في البسيطة من أنس ومن بشر
إلا الوحوش تعادي واليعافير
مدائن أردشير الملك خططها
وقام في عقرها كسرى وسابور
لولا بلى طيسفون والبلى حرم
دكت كما دك من أركانه الطور
من حاسديك على هذا البلى كرة
لم يبق في ربعها المعمور معمور
الأرض كاسفة الأرجاء قد عبثت
فيها الصروف ونابتها التغايير
رواية النصر صحت بعدما اشتبهت
وحينما رجحت عنها الأخابير
لتذكري بخليل أو بفيلقه
سعداً وفيلق سعد فيك منصور
كل همام وكل ليث ملحمة
أزل دامية منه الأظافير
تجاه إيوان كسرى مأزق ضنك
أودى الرجال به والخيل والعير
كادت تميز ذباً عن حقائقها
فيه النقوش وتستضري التصاوير
شأو تعاطت سباقاً دون غايته
جرد البصائر والجرد المحاضير
إن كان للخيل مضمار ومضطرب
فكم خلت ثم للرائي المضامير
قتلى بدجلة منها دجلة امتلأت
والنهر وإن ان والأنقاض والدور
من يلذ يوم ساباط وليلته
صوب النجاة فمقتول ومأسور
يوم أغر من الأيام منبلج
وموقف في سبيل الله مأثور
من جالب جرح بغداد وقد علمت
إن الرشيد بذاك الجرح موتور
للكرخ عهد من المأمون مؤتمن
وفيه روح من المنصور منصور
أيستبيح الحمى قوم أمامهم
ومن وراء الحمى غلب مساعير
الكوفة
ـ 1 ـ
تقع مدينة الكوفة على شاطئ الفرات مباشرة، وتبعد عن مركز مدينة النجف الأشرف نحو 10 كلم، وإلى الجنوب الغربي من مدينة بغداد حوالي 161 كلم. وهي ثاني مدينة إسلامية شيدت في العراق بعد البصرة وتعتبر إحدى أهم مدن العالم الإسلامي، أسست العام 17هـ (638م)، ثم تحولت إلى مدينة مزدهرة في فترات زمنية قصيرة، وأصبحت مناراً علمياً وأدبياً، ومركزاً فكرياً وسياسياً مهماً، ولا سيما بعد اتخاذها عاصمة للخلافة الإسلامية من قبل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام العام 36هـ (657م)، وبلغت شهرتها الآفاق، وصارت ملتقى طرق عسكرية، وسوقاً تجارياً كبيراً لعرب الجزيرة.
وتذكر المصادر التاريخية أن الكوفة خُططت منذ البادية تخطيطاً هندسياً أشبه بمخطط مدينة البصرة، وأقيمت مبانيها من خصاص القصب. ولكن بعد احتراق أبنيتها القصبية، شيدت من اللبن ثم من الآجر والجص، وكان أول مبنى شيّد في الكوفة من الآجر والجص هو مسجدها الجامع ودار إمارتها التي كانت ملاصقة للمسجد في بداية الأمر.
وجاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي عن تسميتها، الآتي: الكُوفَةُ بالضم: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسمّيها قوم خدّ العذراء، قال أبو بكر محمد بن القاسم: سُمّيت الكوفة لاستدارتها آخذاً من قول العرب: رأيت كُوفانا وكَوْفانا، بضم الكاف وفتحها، للرميلة المستديرة، وقيل: سُميت الكوفة كوفة لاجتماع الناس بهم من قولهم: قد تكوف الرمل، وقيل سُميت كوفة أيضاً لأنها قطعة من البلاد، من قول العرب: قد أعطيت فلاناً كيفة أي قطعة، وقال قُطرُب: يُقال القوم في كوفان أي في أمر يجمعهم٬ قال أبو القاسم: قد ذهبت جماعة إلى أنها سُميت كوفة بموضعها من الأرض وذلك أن كل رملة تخالطها حصباء تسمى كوفة، وقال آخرون: سُميت كوفة لأن جبل ساتيدما يحيط بها كالكفاف عليها، وقال ابن الكلبي: سُميت بجبل صغير في وسطها كان يُقال لهُ كوفان، وقد سمّاها عَبْدة بن الطيب كوفة الجند فقال:
إن التي وضعت بيتاً مهاجرةً
بكوفة الجند غالت ودَّها غولُ
وفي العهد البويهي ازدهرت مدينة الكوفة وأصبحت مركزاً سياسياً وثقافياً بعد أن فقدت جزءاً من بريقها عند تأسيس مدينة بغداد.
وتذكر المصادر التاريخية أنه كان في الكوفة آنذاك أكثر من ثلاثين مسجداً. ولا تزال آثار مسجدها الجامع ودار إمارتها قائمة إلى يومنا هذا. أمّا دورها القديمة وبقية مرافقها العامة فغطتها أبنية المدينة الحديثة.
ومن المعالم العمرانية البارزة الأخرى في الكوفة مسجد السهلة الذي يعتبر ثاني أقدم المساجد الموجودة في المدينة بعد مسجد الكوفة، إذ تمّ تشييده في زمن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وكذلك مسجد صعصعة بن صوحان، ومسجد الحمراء.
وأنجبت الكوفة العديد من عباقرة العلم واللغة والأدب والشعر أبرزهم: جابر بن حيان، والفيلسوف الكندي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو الأسود الدؤلي، والكُميت بن زيد الأسدي، والكسائي، والأصمعي وغيرهم.
جامع الكوفة سنة 1860
الكوفة
ـ 2 ـ
مصرت الكوفة سنة 17هـ (638م) مصرها سعد بن أبي وقاص بأمر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في الجانب الغربي من الفرات على بضعة أميال من الجهة الشمالية الشرقية من مدينة الحيرة([160]) في السهل المحصور ما بين الفرات شرقاً والبادية المطلة على مشارف الشام وعمان غرباً.
وكان السبب في تمصيرها أن تكون قاعدة عسكرية للقسم الأوسط للمسلمين بدل المدائن([161]).
أمّا تخطيطها وبناؤها فكان على غرار البصرة التي خطت قبلها بعامين أو ثلاثة، وكان المسجد الجامع ودار الإمارة أولى أبنيتها، وما أن حطت القبائل رحالها في المصر الجديد وبدأ العمران، حتى توافد عليها الناس من كل صوب، ثم نمت الكوفة بعد ذلك وتحضرت وازدهر فيها العمران حتى صارت قبلة أنظار العرب وزعمائهم.
وليس من السهل تحديد الرقعة التي شغلتها الكوفة عند إنشائها وذلك لاندثار كثير من معالمها، فقد بنيت الكوفة كما هو معروف باللبن والآجر، وكلاهما مما يسهل هدمه وقلعه، ومن ثم نقله إلى أماكن سكنية أخرى، ومن الملاحظ جيداً أن كثيراً من أبنية الكوفة الحديثة والنجف وأبو صخير قد بنيت بآجر أغلبه قد أخذ من أبنية الكوفة القديمة، الأمر الذي لم يبق على آثار بارزة يمكن الاهتداء إليها في تحديد المسافة أو الحدود التي ابتنيت عليها المدينة على الوجه الدقيق، يضاف إلى هذا أن المسح الأثري للكوفة لم يباشر به إلاّ في نطاق محدود، كما أننا لم نعثر في الكتب على أرقام تشير إلى المساحة التي شغلتها في بادئ أمرها، فاليعقوبي مثلاً يذكر أن البصرة قد أنشئت على فرسخين في فرسخ([162]) ويمكننا من باب التخمين والترجيح أن نقول: إن الكوفة قد أقيمت في رقعة صغيرة من الفرات لا يتجاوز قطرها الكيلومترين، فالمسجد الجامع ودار الإمارة لا يتجاوز بعدهما حالياً عن النهر إلا نحو كيلومتر وربع تقريباً.
أما في العصر الأموي فقد بلغت الكوفة من المساحة كما قدر الفقيه الشعبي «ستة عشر ميلاً وثلثي الميل» وكان بها خمسون ألف دار للعرب من ربيعة ومضر وأربعة وعشرون ألف دار لسائر العرب وستة آلاف دار للمسلمين([163]).
ومن الملاحظ أن الكوفة لم تبق على حالها بل توسعت أكثر لازدياد سكانها وتوسع عمرانها وكان توسعها كما تدل بعض الأكام المنتشرة في موضعها على امتداد الفرات من جهة الشرق وإلى قرب الحيرة والنجف من جهة الغرب.
وأغلب الظن أن أقصى ما بلغت الكوفة من المساحة في القرون الثلاثة للهجرة حسبما نحدده مؤقتاً هو 15 كيلومتراً طولاً و9 كم عرضاً أي من نقطة تبدأ من خان المصلى في الشمال إلى حدود قصر أم عريف في الجنوب قرب بحر النجف.
وبلغ عدد سكان الكوفة وقت إنشائها مائة ألف مقاتل([164])، ويقول ياقوت إن عمر بن الخطاب (رض00) كتب إلى سعد يأمره بأن يخط مسجد الكوفة بحيث يتسع للمقاتلة فخطه بحيث يسع أربعين ألفاً([165])، وفي إمارة زيادة سنة 50هـ (670م)، وسع المسجد ـ وكان التوسيع في داخل المسجد ـ بحيث يتسع لستين ألفاً أي زاد فيه عشرين ألفاً.
والكوفة لم تكن معروفة قبل أن ينزلها العرب ولم يعرف عن مكانها بأنه كان مستوطناً قديماً يعود إلى عصور ما قبل التاريخ أو بعده وإلى الزمن الذي مصرت فيه، غير أن ثمة رواية فارسية يذكرها المستوفي، تزعم بأن الملك الأسطوري «خوشنك» هو الذي بنى الكوفة، ولكنها تخربت، ثم شادها سعد بن أبي وقاص من جديد، أو كما يقول ابن الفقيه بأن الطوفان قد أصاب مسجدها ومنه خرجت سفينة نوح([166]) وكل من الروايتين خرافة لا يدعمها دليل تاريخي أو أثري ولا تتطلبان فيما أرى عناء البحث لتفنيدها، فالكوفة كما أثبتت التحريات الاستكشافية فيها إسلامية المنشأ أنشئت إنشاءً جديداً لتكون «دار هجرة ومنزل جهاد للمسلمين»([167])، فنزلها سعد وخط مسجدها ودار إمارتها وخط فيها الخطط للقبائل، واقطع فيها القطائع وعلم المناهج ورسم السكك والدروب والأسواق ثم تسابق فيها الناس على البناء، فأسرع إليها النمو، وتحولت في بضع سنين إلى مدينة عامرة مزدحمة السكان تقوم هي والبصرة بدور العاصمة للعراق.
كانت الكوفة أولاً منزل العرب وحدهم وكان غالبيتهم عناصر متحضرة من اليمن وحضرموت مثل قبيلة «كندة» و«بجيلة»، يقول ماسينيون إن هذه العناصر كانت سبباً لتحضر العنصر العربي بالكوفة ونشاط الحركة الفكرية فيما بعد([168]) ثم نزل الكوفة بعد تمصيرها وبنائها عدد من الموالي، من الفرس، وأخلاط من أبناء المدن المجاورة كالسريان والنبط والنصارى واليهود.
والواقع أن المسجد في حالته الراهنة يوحي بحدوث كثير من التجديدات في مختلف العصور ولكننا مع الأسف لا يمكن أن نحدد أزمنة هذه التجديدات أو التطورات التي حدثت في بنائه في العصور المختلفة لعدم وجود ما يدل على تاريخها، وربما تجود الحفائر أو الكشوف الأثرية المستقبلة، بما يمكننا من تحديد أزمنتها أو على الأقل إضافة بعض الحقائق الى معلوماتنا الحالية.
هذا وقد سبق أن أشرنا إلى أن المؤرخين لم يذكروا شيئاً عن تفصيلات هذا المسجد بحيث يمكن تكوين صورة واضحة عما كان عليه تخطيطه الأصلي وقت البناء ولا يمكن حسب معلوماتنا الحالية أن نتصور بأنه كان يختلف كثيراً عن طراز مسجد الكوفة.
جامع الكوفة
وقد هدى البحث التاريخي والأثري أن هذه المدينة قد بنيت أول الأمر بشيء من البساطة واليسر فبدأت أبنيتها بالقصب، فلما احترق بنيت من اللبن ثم الآجر. فكان أول ما بني من أبنيتها المسجد الجامع ودار الإمارة ولم يبنيا من القصب واللبن ولكنهما بنيا بالآجر كما أثبت البحث الأثري.
وكان طبيعياً بعد التخطيط الأول للمدينة أن يشمل البناء كل هذه الخطط ثم أخذت بعد ذلك تتسع اتساع العمران ونموه.
مدرسة الكوفة
إن العراق من أكثر البلاد العربية ثروة علمية وأدبية والكوفة أهم كنز من كنوز تلك الثروة ومن القديم كانت الكوفة معهداً علمياً مهماً في تاريخ العراق فقد قيل ان عاقولا كانت قبل الإسلام مدرسة آرامية انتشر فيها الأدب السرياني فالروماني واليوناني وكانت قريبة من الكوفة أو بمكانها، وغير هذا فقد كانت الكوفة أول مدرسة عربية جمعت الأدب والفلسفة والعلم والفن وأنها المركز الثاني للفقه الإسلامي بعد الحجاز وبالأصح أن الكوفة ورثت حضارات وآداب كثيرة لأمم شتى وللدول التي سبقت العرب في تلك البقاع، والوارثون كانت لهم موهبة الإبداع والابتكار في الفكر والتصور وخصوصاً الجماعات الهابطة من جنوب الجزيرة العربية من اليمانيين فقد كانوا أهل حضارة وتمدن وعندما نزل العرب الكوفة كان اليمانيون أكثر من العدنانيين، ومما يزيد في المادة العلمية هناك الفرس هذه بعض الأسباب لتفوق مدرسة الكوفة في تأسيس الثقافة العربية الإسلامية، لقد كان الإبداع في الكوفة شاملاً لكافة أدوار الثقافة من الفلسفة والتصوف والفقه وعلم الأصول فكانت محطة للفقهاء والمشرعين وكان لها مذهب الاجتهاد، ولها المكانة في السياسة وآداب اللغة فمذهب الكوفيين ومقالتهم منوه عنها ومشهورة وقد قيل إن الأدب ميراث الكوفة.
ومما أعان على ثراء مدرسة الكوفة الخط الكوفي حيث اختصت به واختص بها ومن المعلوم أن الخط ولوازم الخط وآثار الخط من تحرير وتقرير وتأليف ومراسلة هو الأساس للثقافة، وقد كان لآداب اللغة العربية أكبر مظهر في مدرسة الكوفة فقليل من الإلمام بحياة المتنبي وثقافته يكشف لك مظهر الأدب في الكوفة.
وفي عهد المتنبي كانت الكوفة في الغاية من العمران فقد ذكر بشر بن عبد الوهاب القريشي في عام 314 أن فيها خمسين ألف دار لربيعة ومضر وأربعة وعشرين ألف دار لغيرهم من العرب وستة آلاف دار لأهل اليمن.
خراب الكوفة
وعاشت الكوفة إلى القرن الثامن للهجرة وهنا ابتدأ الخراب فيها حتى عادت خراباً، وبعد القرن الثالث عشر دب العمران إليها ثانية في بداية القرن الرابع عشر للهجرة وكانت في النصف الأول من هذا القرن أعمر تجارياً منها اليوم وذلك لانها كانت أهم ميناء للفرات الأوسط تنحدر منها السفن التجارية إلى البصرة حاملة للصادرات وتصعد إليها من البصرة حاملة الاستيراد ولكن بعد أن امتد القطار فقدت الكوفة أهميتها التجارية أما من جهة العمران فقد كانت النجف محطة علمية يهبط إليها علية القوم من أبناء فارس وكان المترفون منهم يتنزهون على شواطئ الفرات في الكوفة الأمر الذي استلزم أن تهيأ لهم أسباب الراحة في قصور ولوازم القصور فتقدمت الكوفة في العمران ولكن تحولت الهجرة العلمية فهجرت الكوفة وعادت موحشة ولكن في النصف الأخير من هذا القرن أخذ العمران يزحف إليها صاعداً من النجف وأوشك أن يتصل ما بين المدينتين على العكس من وضعية العمران الأول التي كانت منحدرة من الكوفة إلى الثوية وسوف تصبح الكوفة تابعة للنجف بعد أن كانت النجف تابعة للكوفة أما الآثار التي نشاهدها اليوم من الكوفة القديمة فتشعر باتساع مساحتها، نعرف ذلك من الأحجار والصخور وآثار المباني المتراكمة في الغرب والشمال للضفة الأولى من فرات الكوفة وفي الشرق لجانبي النهر ويوجد على حافتي الطريق بين جامعي السهلة والكوفة حفر مبثوثة تمتد إلى ما وراء مسجد الكوفة المارة (مقالع) وهي قسم من عمارة الكوفة القديمة وبيوتها كان الناس ينبشونها ويقلعون حجارتها ويجلبونها إلى النجف لتكون مادة للتعمير والإنشاء.
لم تنهض الكوفة الأولى على النهر تماماً بل كان يبعد عنها قليلاً إذ كان يجري بموقع الجسر الذي كان في الجانب الشرقي بين القصر والكناسة وكان إلى الموقع المسمى (العباسيات) أقرب، وقد كان ذلك النهر فرعاً من عمود الفرات.
الحياة العلمية في الكوفة
ونترك الكلام هنا للشيخ عبد الجبار الرفاعي:
تعود نشأة الحياة العلمية في الكوفة إلى الأيام الأولى من تمصيرها حيث جاءها «عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً».
وتفرغ عبد الله بن مسعود لتعليم أهل الكوفة القرآن الكريم، وبيان أصول تلاوته، وتفسيره، فتخرج عليه بعض القرّاء المعروفين، مثل زِرّ بن حُبَيْشٍ الشكري العُطاردي الذي «قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كله، في كل يوم آية واحدة، لا يزيده عليها شيئاً، فإذا كانت آية قصيرة استقلها زرّ من عبد الله، فيقول: عبد الله: خُذها، فوالذي نفسي بيده، لهي خير من الدنيا وما فيها». ومارس صحابة آخرون التعليم في الكوفة بعد تأسيسها مباشرة غير ابن مسعود، فقد قال نصر بن عاصم الليثي: «أتيت اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: قدمت الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة كأنما قُطِعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل، فقمت عليهم، فقلت: مَنْ هذا؟ فقيل: حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله، فدنوت منه، وسمعت بعض حديثه، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم». وقال عمران بن سريع: «كنا مع حذيفة رضي الله عنه في مسجد الكوفة، فأنشأ يُحدّث عن الأحزاب».
إن هذه الإشارات تدل على أن الدرس القرآني والحديث انطلق في الكوفة من الأيام الأولى لتمصيرها وهبوط الصحابة فيها، بيد أن الحياة العلمية افتتحت عهداً جديداً حالما وفد أمير المؤمنين عليه السلام إليها سنة 36هـ، وأضحت السنوات الأربع التي مكث فيها بالكوفة منذ وفوده إليها حتى استشهاده سنة 40هـ تمثل العصر التأسيسي لغير واحد من العلوم الإسلامية، ذلك أن الإمام علياً عليه السلام عنى عناية فائقة بغرس وتنمية الحياة العلمية، ولم تمنعه الحروب والاضطرابات التي استغرقت منه زمناً وجهداً كبيراً، من مهمته العلمية في هذه الحاضرة الجديدة. فكان نشر العلوم الإسلامية شاغله الأعظم، وكانت تربية وإعداد نخبة من حملة هذه العلوم وظيفته التي ما انفك مواظباً عليها في السلم والحرب، وفي الحضر والسفر، وفي الكوفة وخارجها. ففي كل زمان كان معلماً، وفي كل مكان حل فيه كان معلماً أيضاً، وحرص تلامذته على الإفادة منه وحفظ ما يلقيه إليهم أينما كانوا.
مقام مسلم بن عقيل في الكوفة
واستأثر القرآن من أمير المؤمنين عليه السلام باهتمام بالغ، وتخرج عليه في علوم القران والقراءات والتفسير رهط من أهل القرآن الذين انتهت إليهم أشهر القراءات والآراء في تفسير القرآن، فإذا «رجعت إلى القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النَّجود، وغيرهما، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ القارئ. وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه»، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ المتوفى سنة 74هـ هو صاحب الرواية المتداولة للقراءة التي يرويها عنه عاصم بن أبي النّجود الأسدي الكوفي المتوفى سنة 127هـ ويرويها عن عاصم تلميذه حفص بن سليمان الأسدي الغاضري الكوفي المتوفى سنة 180هـ وكان السُّلَميّ قد مكث أربعين سنة يقرأ القرآن في جامع الكوفة، وتخرج عليه خلق كثير من القرّاء، من أشهرهم عاصم الذي واصل مهمة أستاذه فعكف يُعلّم القرآن في المسجد، وتخرج عليه عدد من القرّاء، كان حفص أبرزهم، وأصبحت لحفص مكانة مرموقة بين القرّاء، جعلت القرّاء يلتزمون «بقراءته في المصحف المتعارف بين المسلمين، وعليها كان مدار القراءة العامة».
وكان حفص يؤكد وراثة هذه القراءة من أمير المؤمنين، إذ يروي عن أستاذه عاصم ذلك، فيقول: «قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي قرأتها على أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن علي عليه السلام».
ومن أمير المؤمنين استقى أهل القرآن من الصحابة علم التفسير، فقد عُرف عبد الله بن عباس كاشهر مفسِّر عهدئذٍ، والكل يعلم أن ابن عباس (تلميذه وخريجه)، إذ كان ملازماً له، ومنقطعاً إليه، وكان يشهد بتفوقه العلمي على سواه، فعندما «قيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ قال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط».
إن فترة إقامة أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة تميزت بانعطاف ملحوظ في تعلم قراءة القرآن، والتعرف على محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، واستجلاء معانيه، ووعي مضامينه.
ومع أن المركز التعليمي الذي كان يعلِّم فيه علي بن أبي طالب عليه السلام تلامذته هو المسجد الجامع بالكوفة، حيث انعقدت في أفيائه حلقات القرآن، ومن على منبره ألقي علي عليه السلام الكثير من خطبه الطافحة بالمعاني الربّانية العميقة، والتي اشتمل على بعضها كتاب «نهج البلاغة»، بَيْد أنَّ الإمام علياً عليه السلام لم يقتصر على المسجد في بثّ علومه. وتشير بعض الوقائع إلى أنّ بعض تلامذة الإمام علي عليه السلام كان يحظى بإعداد وتأهيل خاصّ منه، كما يحكي كميل بن زياد النخعي نموذجاً لذلك بقوله: «كنت مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مسجد الكوفة، وقد صلينا العشاء الآخرة، فأخذ بيدي، حتى خرجنا من المسجد، فمشى حتى خرج إلى ظهر الكوفة، لا يكلمني بكلمة، فلما أصحر، تنفس، ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول:…) وقد تربّى في فضاء مدرسة أمير المؤمنين نخبة من التلاميذ عملوا على إرساء قواعد مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، مضافاً إلى دورهم المتميز في غرس وتنمية بذرة غير واحد من العلوم عند المسلمين، فازدهرت على أيديهم الحركة الفكرية في الكوفة، وانتقلت بواسطتهم تلك العلوم إلى أمصار أخرى غيرها، وسجّل تاريخ الحياة العلمية في الإسلام مساهمات رائدة لأسماء لامعة منهم، ويعتبر علم النحو أحد أبرز العلوم التي غرس بذرتها أمير المؤمنين عليه السلام، وحرص على تنميتها تلميذه أبو الأسود الدؤلي، الذي تلقّى هذا العلم منه مباشرة، ذكر القفطي أنّ «الجمهور من أهل الرواية، على أن أول من وضع النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قال أبو الأسود: دخلت على أمير المؤمنين، فرأيته مطرقاً مفكّراً، قلت: فيمَ تُفكِّر يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم أتيته بعد أيام، فألقى إليّ صحيفة، فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثمّ قال: تتّبعه، وزد فيه ما وقع لك، واعلم أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر»([169]).
وكتب ياقوت الحموي أنَّه: «كان عليه السلام أول من وضع النحو، وسنّ العربية، وذلك أنه مرّ برجل يقرأ «إن الله بريءٌ من المشركين ورسولِهِ» بكسر اللام في رسوله، فوضع النحو، وألقاه إلى أبي الأسود الدؤلي»([170]) وكتب ابن أبي الحديد يشرح العلوم التي ابتدعها وأنشأها عليه السلام، فذكر منها «علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي ا|لأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم، وفعل، وحرف، ومن جملته تقسيم الكلمة إلى: معرفة، ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى: الرفع، والنصب، والجرّ، والجزم، وهذا يكاد يُلحق بالمعجزات، لأن القوة البشرية لا تفي بهذا العصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط». وكتب أبو حيّان التوحيدي: «إن علي بن أبي طالب عليه السلام سمع قارئاً يقرأ على غير وجه الصواب، فساءه ذلك، فتقدّم إلى أبي الأسود الدؤلي حتى وضع للناس أصلاً، ومثالاً، وقياساً، بعد أن فتق له حاشيته، ومهّد له مهاده، وضرب له قواعده»([171]).
وتعود نشأة الحياة العقلية عند المسلمين إلى ما غرسه أمير المؤمنين من بذور، صارت فيما بعد أصولاً للفكر الإسلامي ولسائر تجلّيات المنحى العقلي في الإسلام. فإن ما اشتملت عليه طائفة من خطبه وتعاليمه مثّلت رافداً أساسياً استقى منه المتكلمون مقولاتهم وآرائهم، يقول السيّد المرتضى: «اعلم أن أصول التوحيد والعدل، مأخوذة من من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وخطبه، فإنها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، عَلِمَ أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعده في تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه عليه السلام من ذلك ما لا يُحاط به كثرة»([172]) ويشير ابن الحديد المعتزلي إلى اقتباس سائر الفرق الكلامية المعروفة صنعة الكلام من خطب أمير المؤمنين وكلامه، حيث يقول: «إنّ شرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه عليه السلام: اقتُبِس، وعنه نُقِل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ، فإنّ المعتزلة … تلامذته وأصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام. وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن [إسماعيل بن] أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبّائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخَرَةٍ إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام. وأمّا الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر».
على أنّ مدرسة أمير المؤمنين في الكوفة تجذّرت بعد استشهاده بمرور الزمن، وتجلّت بأبهى صورة لها بعد ما يناهز القرن في العدد الكبير من التلامذة الذين ازدلفوا من أصقاع شتّى للتتلمذ على حفيده جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وامتدَّت هذه المدرسة جغرافياً من خلال انتشار مريديها وتلامذتها في البصرة، وقم، والريّ، وبغداد. فبسطت نفوذها، وشعّت أفكارها، لتهيمن على أبرز الحواضر العلمية الإسلامية وقتئذٍ.
مدرسة الكوفة بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام
اتّسمت الحقبة التي عاشتها الكوفة بعد استشهاد أمير المؤمنين، بسلسلة من الاضطرابات الداخلية، والثورات، والحروب الأهلية، واكبتها حملة تصفيات واسعة شملت طليعة عالمة مجاهدة من تلامذة أمير المؤمنين وخاصة أصحابه، فيما اضطر آخرون منهم للهجرة من الكوفة واللجوء إلى بلدان أخرى أبعد عن عيون السلطة الأموية، وأكثر أمناً من الكوفة. ونشأ عن تدهور الامن انكماش وضمور أصاب الحياة العلمية في مدرستها، استمر عشرات السنين، وإن لم يؤد ذلك إلى اندثار هذه المدرسة، وتعطل الحياة فيها بنحو تام؛ لأن هناك إشارات تاريخية تكشف عن حضور علمي سجلته حلقات تلامذة أهل البيت عليهم السلام في النصف الثاني من القرن الأول الهجري عقيب رحيل أمير المؤمنين عليه السلام، فبالرغم من حالة الإرهاب التي اتشحت بها مدينة الكوفة، وما تعرّض له أتباع أهل البيت عليهم السلام فيها من خوف واضطهاد، لم تحل هذه الظروف بينهم وبين السعي لتحصيل العلم ونشره، وكان من أبرز الأعلام الذين تصدّوا للتدريس بالكوفة في هذه الحقبة سعيد بن جبير تلميذ الإمام زين العابدين عليه السلام، وكان بعض التلامذة «يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب، ومعه الدواة …» ([173])، وقد سعى سعيد سعياً حثيثاً لبثّ ما عنده من علوم، فكان يقول: «وددت أنّ الناس أخذوا ما عندي، فإنّه مما يهمني». وسطع نجم سعيد بالكوفة، واشتهر بين أهل العلم، كأحد المفسّرين والمحدّثين والفقهاء البارزين يومئذٍ، حتى «كان ابن عباس، بعد ما عمي، إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه، قال: تسألوني وفيكم ابن أمّ دهماء؟»، يعني سعيد بن جبير.
مدرسة الكوفة في عصر الإمام الصادق عليه السلام
أوشك ليل الكوفة على فجره بعد اضمحلال سلطان الأمويين في الشام، وتعاظمت قمة الثوار العباسيين، وهيمنتهم على رقعة واسعة من القسم الشرقي للدولة الإسلامية عهدئذٍ. وبموازاة ذلك أعلن قطاع كبير من المسلمين في غير مصر من الأمصار. وخاصة بالكوفة عن تشيّعهم وتضامنهم مع دعوة «الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم» الشعار الذي انتشر بين الثوار المنقادين للدعوة العباسية. وعلى هذا صارت الحقبة الفاصلة بين انحطاط وضعف الدولة الاموية ونشأة ونمو سلطان الدولة العباسية فيما بعد، حقبة حافلة بالنشاط العلمي، من ازدياد ملحوظ في عدد طلاب العلم، وتنامي حلقات التدريس تبعاً لذلك، وازدهار حركة تدوين العلوم والتأليف، والإبداع في مختلف حقول المعرفة.
وليس بوسع الباحث أن يسجل جميع تفاصيل الحركة العلمية في الكوفة، وما حفلت به حلقات الدرس في هذا العصر؛ لأنّ التاريخ لم يحتفظ لنا بالمصنفات العديدة المدونة في تلك الحقبة، والتي اهتمت بتاريخ الحياة العلمية فيها. إلا أن ذلك لا يمنع من رسم ملامح وخطوط عامة لصورة الحياة العلمية بالكوفة، عبر التقاط بعض الاشارات من كتب الرجال، والتراجم، والتاريخ التي تحدّثت عرضاً عن ذلك عندما ذكرت أعلام الكوفة. فمثلاً تشير المصادر التاريخية إلى هبوط (148) صحابياً بالكوفة، واتخاذهم إيّاها وطناً دائماً لهم منذ تمصيرها، كذلك أوردت تلك المصادر أسماء ما يربو على عشرين عائلة من العوائل المعروفة بولائها لأهل البيت عليهم السلام بالكوفة من الصحابة وغيرهم، اشتهر أكثر المنتسبين إليها بطلب العلم كآل أبي الجعد رافع الغطفائي الأشجعي مولاهم، وآل أبي الجهم القابوسي اللخمي، وآل أبي رافع، وآل أبي سارة، وآل أبي شعبة الحلبيين، وآل ابي صفية، واسم أبي صفية دينار، وهو أبو ثابت المعروف بأبي حمزة الثمالي، وآل أعين، وهم أكبر بيت في الكوفة من الشيعة، وأعظمهم شأناً، وطولهم مدة وزماناً، وآل حيان التغلبي مولى بني تغلب، وآل نعيم الأزدي الغامدي، وبني الحر الجعفي، وبني دراج، وبني عمار البجلي الدهني مولاهم،… وغيرهم.
وما كان من الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلاّ أن يرحل من موطنه المدينة إلى الكوفة مغتنماً مناخ الحرية الذي تحقق في الحقبة المارة الذكر، «ولقد بقي عليه السلام في الكوفة سنتين، أيام أبي العباس السفاح، فازدلفت إليه الشيعة من كل فج زرافات ووحداناً، تسقى من العلم وترتوي من منهله العذب الروي، وتروي عنه الأحاديث في مختلف العلوم، وكان منزله عليه السلام في بني عبد القيس». والتفّ حوله عدد غفير من أهل العلم، حتى أضحى لقاؤه من قِبل مريديه ليس سهلاً في كلّ آن، يقول محمد بن معروف الهلالي: «مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمد عليه السلام، فما كان لي فيه حيلة، من كثرة الناس، فلما كان اليوم الرابع رآني، فأدناني، …». وبالرغم من أن المدة التي أمضاها جعفر الصادق عليه السلام بالكوفة كانت محدودة، إلاّ أنّه تفرّغ فيها للتعليم والتربية، فصارت مدرسة الكوفة في هاتين السنتين من أعظم الجامعات العلمية في العالم وقتئذٍ، بحيث وصل عدد الدارسين فيها إلى عدّة آلاف، فقد ذكر الحافظ بن عقدة في كتابه «أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام أربعة ألاف رجل، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه». وربما كان بعض هؤلاء الرجال الذين ترجم لهم ابن عقدة ممّن لم يرد الكوفة، وإنّما تتلمذ على الإمام الصادق عليه السلام بالمدينة، بَيْد أنّ إشارة أخرى جاءت في «رجال النجاشي» تدلَّل على اتّساع نطاق مدرسته عليه السلام بالكوفة، وانضواء جميع أهل العلم تحت لوائه، إذ يقول أحمد بن محمد بن عيسى: «خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشاء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين، فقال لي: يا احمد، رحمك الله، وما عجلتك، اذهب فاكتبهما، واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أن هذا الحديث يكون له هذا الطلب، لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد»([174]). ومهما يكن عدد تلامذته عليه السلام ، فإنّ ما يمكن أن نجزم به هو وفرة عدد تلامذته عليه السلام بالكوفة، وتفوّق مدرسة الكوفة يومئذٍ على أية حاضرة علمية معاصرة لها، فإنّها مضافاً إلى كثرة الدارسين فيها، ظهرت فيها حلقات لعدّة علوم، فبينما انضوى تحت أفيائها طائفة من المحدّثين، واستأثر الحديث الشريف باهتمام الأعمّ الأغلب من تلامذتها، برع آخرون في التفسير والقراءات، والفقه، والكلام، وعلوم اللغة العربية وآدابها، وعلوم أخرى. فقد عُرِف جماعة من المفسّرين من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة، ومن أشهرهم ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي صاحب كتاب «تفسير القرآن»، وكذلك عُرِف منهم قرّاء لامعون، مثل حمران بن أعين الشيباني الذي كان «أحد حملة القرآن، ومن يُعدّ ويُذكر اسمه في كتاب القرّاء».
وتخرج في مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة شيخ القرّاء، وأحد القرّاء السبعة الأئمة، حمزة بن حبيب بن عمارة أبو عمارة التَّيْميُّ، الذي أخذ القراءة عن الإمام جعفر بن محمد الصادق، وحمران بن أعين.
كما أن الفقهاء المعروفين في هذه الفترة تخرجوا في هذه المدرسة، فقد كان أبرز الفقهاء المتقدمين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة، طبقاً لما نصّ عليه الكشي بقوله: «أفقه الأوّلين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستّة زرارة …».
أمّا علم الكلام، فقد اشتهر مجموعة من تلامذة الامام الصادق بمحاججاتهم، فمثلاً كان زرارة بن أعين «خَصِماً، جَدِلاً، لا يقوم أحد لحجّته … والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه».
وكان هشام بن الحكم «حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب». خاض مناظرات عديدة مع متكلمي المعتزلة وغيرهم، ولاحقهم في حلقات درسهم فنقض آراءهم بحضور تلامذتهم، فكان يذهب إلى البصرة المركز الأهمّ لمدرسة المعتزلة آنذاك، لأجل مناظرة علماء هذه المدرسة، وهكذا كان يفعل مع علمائهم في بغداد، ولا يترك أية فرصة دون أن يغتنمها، وقد احتفظت المراجع القديمة ببعض مناظراته.
وبرع في الكلام جماعة آخرون من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام ، من أبرزهم أبو جعفر الأحول محمد بن علي بن النعمان بن طريفة البجلي، المعروف عند الشيعة بمؤمن الطاق وعند غيرهم بشيطان الطاق، الذي كانت له مع أبي حنيفة والمرجئة مجالس تخللتها مناظرات كلامية طويلة في مسجد الكوفة، دوّنها في كتابه «مجالس مع أبي حنيفة والمرجئة». وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، وقيس الماصر.
وأنجبت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة أعلاماً آخرين، سجَّلَ لهم تاريخ العلم مساهمات رائدة في علوم العربية وغيرها، ومن هؤلاء محمد بن الحسن بن أبي سارة المعروف بأبي جعفر الرواسي، الذي كان هو وابن عمه مُعاذ بن مسلم بن أبي سارة من أساتذة النحو اللامعين بالكوفة، واضطلعا بدور مهم بتأسيس مدرسة الكوفة النحوية، فقد تخرّج عليها الكسائي والفراء قال النحاس وعلي مُعاذ ومحمد فَقِه الكسائي عِلم العرب، والكسائي والفراء يحكون في كتبهم كثيراً: «قال أبو جعفر الرواسي، ومحمد بن الحسن». وقال أحمد بن يحيى ثعلب: «كان الرواسي أستاذ علي بن حمزة الكسائي، والفرّاء … وكلّ ما في كتاب سيبويه «وقال الكوفي كذا» فإنّما يعني الرواسي … وكتاب الروّاسي يقال له «الفصيل»، وقال ابن النديم: «إن الرواسي أول من وضع من الكوفيين كتاباً في النجوم» وكان الرواسي من أصحاب جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
ومن العلوم الأخرى التي كان قصب السبق فيها لمدرسة الكوفة علم الكيمياء، فقد ذكر حاجي خليفة أن «أوّل من اشتهر هذا العلم عنه جابر بن حيّان» وعندما يذكر جابر يصفه بقوله: «جابر تلميذ جعفر الصادق». والمعروف «أن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة». وطارت شهرته في الآفاق، وأثنى المؤرخون على نبوغه في العلوم الطبيعية، فقال عنه القفطي إنه: «كان متقدماً في العلوم الطبيعية، بارعاً منها في صناعة الكيمياء، وله فيها تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة». ووصف منزلته العلمية «برتلو» بقوله «ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة أرسطو في تاريخ المنطق».
في ضوء ما سبق يتبين لنا أن مدرسة الامام جعفر الصادق بالكوفة، اتسعت لتستوعب آلاف التلاميذ، وتنوّعت في تخصصاتها وفروعها المعرفية، فشملت العلوم الطبيعية، وعلوم اللغة العربية، مضافاً إلى العلوم الشرعية، وشاع في فضائها منطق الحوار والحرية والتسامح، بحيث «كانت مدرسة شبه سقراطية، وقد ساهم عدد من تلامذته مساهمة عظمى في تقدم الفقه والكلام. وصار اثنان من تلامذته، وهما أبو حنيفة، ومالك بن أنس فيما بعد من أصحاب المذاهب الفقهية».
مدرسة الكوفة بعد الإمام الصادق عليه السلام
واصلت مدرسة الكوفة نشاطها بعد عصر الإمام الصادق عليه السلام باعتبار الكوفة حاضرة علمية تضمّ عدداً كبيراً من شيوخ العلم، الذين ازدحمت بهم أروقة مسجد الكوفة، واستمرت حلقات الدرس فيه عدة قرون لم تتوقف عن إعداد طلاب العلم وتأهيلهم لنشر علوم الشريعة وغيرها في أمصار أخرى. غير أن أهلها ما انفكوا يعيشون حالات تدهور الوضع الأمني في مدينتهم بين حين وآخر؛ لأن الكوفة ظلت وفيّة لمبادئ مدرسة أهل البيت عليهم السلام أبداً حتى خرابها، وأضحت أهم قاعدة لتعبئة الثورات المناهضة للأمويين، والعباسيين، لسنوات طويلة.
ومثلما كانت الكوفة محطة تنبعث منها الثورات، كذلك صارت ينبوعاً استقت منه المدن الأخرى العلوم، عندما هاجر أهل العلم منها إلى البصرة، ومكة، وقم، وبغداد وغيرها، فمثلاً انتقل المتكلم المعروف هشام بن الحكم إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومئة، واضطلع بدور رائد في تأسيس مدرسة الكلام الإمامية ببغداد، كذلك هاجر محدّثون وفقهاء من الكوفة إلى بغداد، فأسهموا ببناء وتنمية مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيها. وانتقل المحدّث الغزير الرواية إبراهيم بن هشام الكوفي المعروف بالقميّ إلى قم، فكان «أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم» بحسب تعبير النجاشي، وهو تلميذ يونس بن عبد الرحمن، والأخير من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. وكان سبقه بالهجرة إلى قم عبد الله والأحوص ابنا سعد بن مالك الأشعري مع بعض أفراد قبيلتهم سنة 73هـ وبمرور الزمان التحق ما بقي من هذه القبيلة من الكوفة إلى قم، فاستغرقت هجرتهم عشر سنوات، انتهت سنة 83هـ، والمعروف أن لهم دوراً هاماً في تمصير مدينة قم، واتخاذها قاعدة للتشيّع وعلوم أهل البيت عليهم السلام، منذ ذلك الحين.
كذلك فاض العلم من الكوفة، فعاد إلى مكة عبر رهط من أهل العلم، كان منهم أحمد بن علي بن محمد العلوي العقيقي، الذي «كان مقيماً بمكة، وسمع أصحابنا الكوفيين وأكثر منهم».
وقبل ذلك غادر بعض أهل العلم الكوفة إلى البصرة، فعملوا على نشر العلوم فيها، ومن هؤلاء إبان بن عثمان الأحمر البجلي مولاهم الكوفي، الذي كان يسكن الكوفة تارة «والبصرة تارة، وقد أخذ عنه أهلها: أبو عبيدة معمر بن المُثنى، وأبو عبد الله محمد بن سلاّم، وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام». وحكم بن هشام بن الحكم مولى كنده، الذي «سكن البصرة، وكان مشهوراً بالكلام كلّم الناس( لم الكلام العقيدة). وحُكِي عنه مجالس كثيرة». وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّار الكوفي، الذي «سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلمين من أصحابنا، كلُّمَ أبا الهُذيل والنظام» وغيرهم.
وفي حقبة لاحقة نجد إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ينتقل إلى أصفهان، مع ما كانت عليه هذه المدينة من موقف مناوئ لمدرسة أهل البيت عليهم السلام بهدف بث أحاديث المناقب والمثالب بين أهلها، فقد حكى النجاشيّ أن «سبب خروجه من الكوفة، أنه عمل كتاب المعرفة، وفيه المناقب المشهورة والمثالب، فاستعظمه الكوفيون، وأشاروا عليه، بأن يتركه ولا يخرجه، فقال: اي البلاد أبعد من الشيعة؟ فقالوا: أصفهان، فحلف، لا أروي هذا الكتاب إلاّ بها، فانتقل إليها، ورواه بها، ثقة منه بصحة ما رواه فيه».
وظلت الكوفة تغذي مراكز العلم في بقية الأمصار قروناً متوالية، ولم تتوقف الحركة العلمية فيها تماماً إلى القرن الثامن الهجري، غير أنّها فقدت الكثير من وهجها وحيويتها منذ القرن الرابع الهجري، فقد وردت إشارات تؤكّد تواصل مجالس الدرس الشرعي في فترة متأخرة، يقول الشريف عمر بن إبراهيم بن محمد المنتهي بنسبه إلى زيد الشهيد، أبو البركات الكوفي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة: «دخل أبو عبد الله الصوري الكوفة، فكتب بها عن أربعمائة شيخ، وقدم علينا هبة الله بن المبارك السقطي، فأفدته عن سبعين شيخاً من الكوفيين، وما بالكوفة اليوم أحد يروي الحديث غيري». وبعد هذا التاريخ نجد الشريف عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي ابن زهرة العلوي، يُحدِّث بالكوفة سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وهذا يعني وجود بقايا للحركة العلمية في الكوفة، وإن كانت محدودة.
تقويم عام لمسار مدرسة الكوفة
يمكننا استخلاص عدة نتائج من العرض السابق لنشأة وتطور مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، نتعرّف في ضوئها على الإطار العام لهذه المدرسة، والتقاليد العلمية السائدة فيها، وميراثها العلمي، وما أسهمت به من منجز ثقافي في الحضارة الإسلامية، وما آلت إليه في خاتمة المطاف. وفيما يلي عرض سريع لذلك:
1 ـ نشأت بذرة هذه المدرسة بعد تمصير الكوفة، حينما هبط جماعة من الصحابة الكوفة واتخذوها وطناً لهم، فتشكلت حلقات بسيطة في المسجد لتعليم قراءة القرآن الكريم وتفسيره، ثمّ رواية السُنة الشريفة. وبعد وفود أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة وإقامته فيها خمس سنوات، كعاصمة للدولة الإسلامية، شهدت مدرسة الكوفة مرحلة جديدة اصطبغت فيها بنمو واتساع، تبدّى في تمام أبعادها. فأصبحت هذه الحقبة هي حقبة إشادة أُسس ومرتكزات المدرسة، ورصف البناءات الفوقية على هذه الأسس. وبوسعنا القول: إن الجهود العلمية لأمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، بما اشتملت عليه من خطب، ومواعظ، وحلقات تعليم، وبث الحكمة بين الناس عبر التجوال في الأسواق، والاهتمام الخاص بنخبة من التلاميذ، والتركيز على تأهيلهم تأهيلاً خاصاً، مثل كميل بن زياد، وميثم التمار، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، ورُشيد الهجري .. وغيرهم. كلّ ذلك ساهم بإرساء أرضية علمية متينة في هذه الحاضرة الحديثة الإنشاء، أمدّتها بعناصر الحياة، وأمّنت لها شروط النجاح والتواصل مع الزمان، مهما قست الظروف، واضطربت الأحوال. ولهذا استمرت حياة هذه المدرسة قروناً عديدة، فيما انطفأ غيرها باكراً.
2 ـ اتّسمت أنماط الحياة المدنية والثقافية بالكوفة بمظاهر إبداع، ودينامية فاعلة، أتاحت للكوفة أن تعمم أنساق التمدن الخاصة بها خارج حدودها، فطبعت البصرة وبغداد بنموذجها الخاص، فمثلاً صار وضع بناء الأسواق وعقد سقوفها بالأحجار «أنموذجاً وقدوة لسوق بغداد»، وقد صار توطّن «سكان جنوب شبه جزيرة العرب، أهل المدن والقرى، الذين كانوا متمدنين تقريباً، سبباً لتحضير العنصر العربي في الكوفة»، ولذلك «لم تكن البصرة سوى مقتبسة منها». حتى أن نمط التمدن الذي ازدانت به حياة أهل الكوفة أثار دهشة الفقيه الشافعي، حين زار مدينة الكوفة للمرة الأولى، وحلّ ضيفاً على الفقيه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فلمّا جاء إلى منزل محمد بن الحسن، قال يصف ما رآه من صورة فنية لعمارة المنازل بالكوفة: «فرأيت أبواباً واسعة، ودهاليز منقوشة بالذهب والفضة»، ثمّ قارن ذلك بما عليه الوضع بالحجاز: «فذكرت ضيق أهل الحجاز، وما هم فيه، وقلت: أهل العراق ينقشون بيوتهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد، ويمصّون النوى».
على أنّ إبداع الكوفة لم يظهر في نمط التمدّن فحسب، بل أسفر بأزهى صورة في الحياة الثقافية ومعطياتها، ففي الخط تميز الخط الكوفي بتجسيده لروح الفن الإسلامي، من هنا أضحى عنصراً أساسياً في الزخرفة والتزويق، وتكلّلت به المصاحف، والمساجد، والأماكن المقدسة.
وانطبعت الحياة الفكرية في الإسلام بمكونات فكرية كوفية، كما في القراءات، والتفسير، والحديث لا سيما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وعلم الكلام، والفقه، وعلوم العربية وأدابها. واستقت من مدرسة الكوفة الحواضر العلمية المعروفة في الحياة الإسلامية آنذاك. وبذلك يصدق ما قاله الباحث معروف من إن «المزية الخاصة للمذهب الكوفي هي الإبداع في التصوّر، في كافة الأدوار الثقافية العربية»([175]).
3 ـ اتخذت مدرسة الكوفة من المسجد الجامع في مدينة الكوفة مركزاً علمياً لها، ففي أروقته انعقدت حلقات دراسة وتعليم القراءات، والتفسير، والحديث، والفقه، والكلام، والعربية وآدابها، وفي رحابه جرت المناظرات والحوارات الفكرية المتنوعة في شتى حقول المعارف المتداولة ساعتئذٍ، ومن على منبره أُذيعت البيانات السياسية للتعبئة الحربية، وحرصت الحركات الثورية أيضاً على فرض سيطرتها على المسجد، والإعلان عن برامجها عبر منبره، وكان بسط نفوذها على مسجد الكوفة هو رمز انتصارها وظهورها على رجال السلطة؛ لأن المسجد هو المركز العلمي، والتربوي، والسياسي، والعسكري في حياة الأمة. تجدر إلإشارة إلى أن دور المسجد كمركز للتعليم لم يقتصر على تعليم الكبار فقط، بل استوعب المتعلمين من جميع الأعمار، فقد قال خلف الأحمر: «رأيت الكميت في مسجد الكوفة يعلِّم الصبيان».
وضمّت أروقة المسجد حلقات العلم المتنوعة، فكانت حلقات الشعر تنعقد بجوار حلقات العلوم الشرعية وغيرها، وحرص شعراء مرموقون على إذاعة شعرهم في حلقاته، فقد «قصد الشاعر الناشئ الصغير «271 ـ 365هـ» الكوفة، وأملى شعره بجامعها سنة 325هـ، وحضر المتنبي في صباه مجلسه في مسجد الكوفة، وكتب من إملائه».
4 ـ ساهمت مجموعة عوامل في تواصل العطاء العلمي لمدرسة الكوفة قروناً عديدة، من أبرزها تجذُّر البُنى التأسيسية التي أشادها أمير المؤمنين عليه السلام، وعمّقتها جهود تلامذته ومن تلاهم، لا سيما النشاط العلمي الواسع الذي قام به الإمام جعفر الصادق عليه السلام وامتد بتلامذته في القرن الثاني الهجري، والحضور المكشف للتشيع بالكوفة منذ تمصيرها سنة 17 هجرية حتى خرابها في القرن الثامن، فإن إقصاء الشيعة من مؤسسة الحكم منحهم فرصة أكبر للتفرغ للعمل العلمي، وتوجيه الحركة الفكرية. وكان لشيوع مناخ نسبي من الحرية الفكرية في بعض ادوار نشاط وفاعلية مدرسة الكوفة تأثير بالغ في استمرار حياتها؛ إذ تعايشت بين جدران مسجد الكوفة أكثر من مدرسة فقهية في وقت واحد، فقد شهد القرن الثاني ازدهاراً علمياً متميزاً في مسار مدرسة أهل البيت عليهم السلام، التي بسطت نفوذها على الحياة العلمية بالكوفة، واستقطبت أفواجاً من أهل العلم في داخل الكوفة وخارجها، وبموازاتها نشطت بالكوفة مدارس أخرى، من أبرزها مدرسة الراي التي كان يتزعمها الفقيه المعروف أبو حنيفة، الذي مكث يُعلَّم تلامذته ويحدّد معالم مدرسته، ويصوغ أصول مذهبه الفقهي بمسجد الكوفة. وخلَّف تلميذه أبا يوسف ومحمد بن الحسن بعد رحيله بمدرسته في الكوفة. وظلّت الكوفة طوال حياتها تستقطب كبار العلماء، فمن لم يتوطن بها، ويتخذ مسجدها مقراً لعمله العلمي، لم يزهد بالإقامة مدة من الزمن في رحاب مدرستها، والتزود من علمائها، مثلما فعل الفقيه الشافعي، الذي رحل من المدينة إلى الكوفة، ومكث فيها فترة مصاحباً لتلميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن.
غير أن البيئة الفكرية بالكوفة لم تعدم فترات توتر سادتها أجواء إرهاب فكري شديدة، اضطرت بعض العلماء من أتباع أهل البيت عليهم السلام للتظاهر بالجنون خشية من عيون السلطة، كما فعل جابر بن يزيد الجعفي، يقول علي بن عبد الله: «خرج جابر ذات يوم وعلى رأسه قوصرة، حتى مرّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جُنَّ جابر، جُنَّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أياماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه، قال: فسأل عنه الأمير، فشهدوا عنده، أنه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام، فلم يتعرّض له، ثمّ ترجع إلى ما كان من حاله الأول». واضطرت هذه الظروف الإمام الصادق عليه السلام أن يقول كلاماً في بعض خاصة تلامذته، كما يصرف عنهم أعين السلطان، مثلما حصل بشأن زرارة بن أعين، وكان الامام الصادق عليه السلام قد أفصح عن بواعث ذلك، في رسالته الشفوية لزرارة، والتي حملها ولده عبد الله بن زرارة، وجاء فيها: «أقرإ منّي على والدك السلام، وقل له: إني إنما أُعيبك دفاعاً مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كلّ مَنْ قرّبناه، وحمدنا مكانه، لإدخاله الأذى فيمن نحبه ونقربه، ويرمونه، لمحبتنا له، وقربه ودنوه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه، وقتله، ويحمدون كلّ مَنْ عبناه نحن، وأن نعمد أمره، فإنما أُعيبك، لأنّك رجل اشتهرت بنا، ولميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند الناس، غير محمود الأثر لمودّتك لنا، وبميلك إلينا، فأحببت أن أُعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منّا دافع شرّهم عنك، يقول الله عزّ وجلّ: أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة [صالحة] غصباً، هذا التنزيل من عند الله صالحة، لا والله، ما عابها إلاّ لكي تسلم من الملك، ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة، ليس للعيب منها مساغ، والحمد لله، فافهم المثل يرحمك الله، فإنك والله أحبّ الناس إليَّ، وأحبّ أصحاب أبي حياً وميتاً، فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر ..».
5 ـ اتّسع نطاق العلوم الإسلامية في مدرسة الكوفة، فشملت مضافاً إلى القراءات والتفسير، والحديث، علوماً أخرى، ولد بعضها في فناء هذه المدرسة، فيما نما وتكامل البعض الآخر فيها، وتتمثّل هذه العلوم، في علم النحو، وعلم الكلام، والفقه، وبدايات أصول الفقه، وعلم الكيمياء. وهذا ما تحكيه لنا عناوين المؤلفات الكثيرة التي صنفها أهل العلم بالكوفة، ومع أن الأعم الأغلب من هذه المؤلفات لم تصل إلينا بِيْد أنّ الببليوغرافيين السابقين ضبطوا طائفة واسعة من عناوينها. وتجسد قائمة مؤلفات الكوفيين غزارة الإنتاج الفكري لهذه الحاضرة العلمية العريقة، وتنوّع هذا الإنتاج، وبانتمائه لعلوم عديدة. وليس بوسعنا هنا تدوين قائمة بهذا الإنتاج، لتنوعه وسعته، غير أنّ ذلك لا يمنعنا من الإشارةِ إلى نموذجين منه، لمعرفة شيء من أثر مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، في الإنتاج الفكري للإسلاميين في مرحلة لاحقة. أما النموذج الأول فهو كتاب «نهج البلاغة» الذي هو حصيلة بعض الخطب، والرسائل، والحِكَم، التي انتقاها الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد ألقى بعض هذه الخطب من على منبر مسجد الكوفة، أو في ضواحيها، عند تعبئة جيشه، استعداداً للحروب، كذلك صدرت رسائله إلى ولاته وعماله على البلدان، من عاصمة دولته الكوفة، وبثّ طائفة كبيرة من حكمه وتعاليمه بين أهل الكوفة، لما لبث فيهم سنوات خلافته. ويعتبر «نهج البلاغة» أخصب أثر يكتنز هدي الوحي وتعاليم القرآن، وأغنى ميراث علمي لمدرسة أهل البيت عليهم السلام في الكوفة، فقد توفر هذا الكتاب على «حاجة العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله تعالى من شَبَه الخلق، ما هو بلال كل غُلَّة، وشفاء كل علّة، وجلاء كل شبهة»، حسب تعبير الشريف الرضي.
لقد احتلّ «نهج البلاغة» مكانة سامية في تطور العلوم الإسلامية، فنهلت منه دراسات المتكلمين، والفلاسفة، والمتصوفة، والعرفاء، وأصحاب السير والسلوك، والأخلاقيين، من علماء المذاهب الإسلامية قاطبة، واعتمده علماء البيان، باعتباره أبلغ النصوص في اللغة العربية، وتسابق العلماء لشرحه والتعليق عليه، فتجاوزت شروحه مائة شرح، وقع بعضها فيما يناهز العشرين مجلداً.
وأمّا النموذج الثاني فهو «الأصول الأربعمائة»، وهي طبقاً لقول المحقق الداماد «أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مُصنّف، من رجال أبي عبد الله الصادق عليه السلام، بل وفي مجالس السماع عنه والرواية عنه عليه السلام، ورجاله من العامة والخاصة على ما قاله الشيخ المفيد في إرشاده، زهاء أربعة آلاف رجل، وكتبهم ومصنفاتهم كثيرة، إلا أن ما استقر الأمر على اعتبارها، والتعويل عليها، وتسميتها بالأصول، هذه الأربعمائة». وقد صرّح «الشيخ الطبرسي، والمحقق الحلي، والشهيد، والشيخ الحسين بن عبد الصمد، والمحقق الداماد، وغيرهم من أعلام علماء الأصحاب، بأن الأصول الأربعمائة ألفت في عصر الإمام الصادق عليه السلام، من أجوبة المسائل التي كان يُسأل عنها، ولم يصرح أحد من الأصحاب بخلاف ما قالوه». وشكّلت هذه الأصول مادة أساسية لمدونات الحديث الأربعة المشهورة عند الإمامية، والتي جرى تأليفها في القرنين الرابع والخامس، وبقي قسم كبير منها «بالصورة الأوّلية إلى عصر محمد بن إدريس الحلي، وقد استخرج من جملة منها ما جعله مستطرفات، وحصلت جملة منها عند السيد رضي الدين علي بن طاوس، المتوفى سنة 664هـ».
ولم تزل مجموعة من الأصول موجودة إلى اليوم، حيث نشر الشيخ حسن المصطفوي، بطهران سنة 1371هـ هذه المجموعة، تحت عنوان «الأصول الستة عشر»، وربما تكتشف في قادم الأيام أصول أخرى، بعد فهرسة ما لم يفهرس من خزائن المخطوطات.
6 ـ في ضوء العرض التاريخي السالف لمسار مدرسة الكوفة، يمكن استنتاج عدة أدوار مرت بها هذه المدرسة بمرور الزمان، اتسم كلّ دور منها بطابع خاص. وفيما يلي تعداد سريع لهذه الأدوار:
الدور الأول:
ويبدأ هذا الدور بتمصير الكوفة سنة 17هـ ويتواصل حتى سنة 41هـ، بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام، ولجوء ولده الإمام الحسن عليه السلام لإبرام الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، ثم مغادرة أهل البيت عليهم السلام الكوفة وعودتهم إلى موطنهم المدينة المنورة، وتفريغ مدرسة الكوفة من أساتذتها من أهل البيت عليهم السلام. ويمثّل هذا الدور المرحلة التأسيسية في مسار مدرسة الكوفة.
الدور الثاني:
ويبدأ بعودة أسرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة، وتخلّي الإمام الحسن عليه السلام عن الخلافة، وبسط معاوية سلطته على الكوفة، وفرض الولاء الولاة الأمويين ما يشبه الأحكام العرفية على الكوفيين، ومطاردتهم الطليعة من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام، وحبسهم، والتنكيل بهم، وصلب غير واحد منهم. ويمتدّ هذا الدور إلى المرحلة النهائية من الدولة الأموية، أي بعد مضي الربع الأول من القرن الثاني. وقد شهد هذا العهد تراجعاً في نشاط مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، بفعل ما عاشته هذه المدينة من قلق، واضطرابات، وحروب أهلية، فإن السنوات الواقعة بين سنة (41 إلى 126هـ)، اتخذت فيها عدة ثورات موالية لأهل البيت عليهم السلام، الكوفة منطلقاً لها، وهي ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وثورة التوابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة زيد بن علي (رضي الله عنه)، وحفلت حياة أهل الكوفة بهزات وتموجات سياسية حادة، أُصيبت معها الحركة الفكرية بشيوخ مناخ من الإرهاب الفكري، وما يشبه محاكم تفتيش العقائد أحياناً.
الدور الثالث:
ويبدأ هذا الدور بأفول سلطان الأمويين في الكوفة، بعد مضي الربع الأول من القرن الثاني، ثم ابتداء قيام دولة بني العباس سنة 132هـ ومجيء الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى الكوفة في العقد الرابع من هذا القرن، أيام خلافة السفاح، وبقائه سنتين فيها. واستمر هذا الدور إلى أوائل العقد الرابع الهجري، بعد زوال شأن الكوفة، واضمحلال الحياة العلمية فيها. ويمثل هذا الدور عهد ازدهار وتكامل الحركة الفكرية بالكوفة.
الدور الرابع:
ويبدأ هذا الدور منذ أوائل القرن الرابع ويمتد إلى اندثار الكوفة وخرابها في القرن الثامن. وفي هذا الدور استمر مؤشر الحركة الفكرية بالانحدار تدريجياً، بعد نزوح أكثر أهل العلم، وتوطنهم في حواضر علمية أخرى. ويمثل هذا الدور عهد الانحطاط الذي آل إلى انطفاء الحياة العلمية بالكوفة.
7 ـ كان السماع من الشيخ مباشرة أشهر أساليب التدريس المتداولة بمدرسة الكوفة، تليا طريقة القراءة أو العرض على الشيخ، فيقرأ التلميذ على شيخه كتاب الشيخ أو الكتاب الذي يرويه الشيخ عن شيخه، والأسلوب الآخر هو كتابة الشيخ ما يرويه إلى تلميذه، عندما يكون التلميذ غير حاضر عند أستاذه، فيكتب له شيخه بخطه، أو يأمر بالكتابة إليه، وعادة ما يجيز الشيخ تلميذه مشافهة أو كتابة، الرواية عنه، وقد تكون الإجازة بجميع مروياته أو ما يشتمل عليها كتاب معين للشيخ.
8 ـ ظلت نفقات التعليم محدودة في مدرسة الكوفة، لأنّ الشيوخ لا يتقاضون أجراً على تدريسهم، وكان التلاميذ في الغالب من أصحاب الحرف والمهن، كما ذُكِر في ألقابهم، مثل الصيرفي، والجمال، وبياع السابري، وبياع الطاطري (وهما نوعان من المنسوجات) وغير ذلك. غير أن ما يصل إلى الأئمة عليهم السلام والشيوخ من حقائق مالية شرعية، وهبات من الشيعة، كان يستخدم في تغطية النفقات المحدودة للتعليم.
عبد الجبار الرفاعي
دور شيعة الكوفة
في عهدي الإمام الرضا
والإمام الجواد عليهما السلام
إن لمدينة الكوفة منزلة خاصة في التاريخ الدامي للشيعة، ورغم كل اللوم الموجّه إلى أهل الكوفة([176])، نجدهم أكثر التحاماً بثورات العلويين من شيعة سائر المناطق. وكانوا حتى النصف الأول من القرن الثالث الهجري بمثابة نواة انطلاق الحركات العلوية، وأدوا دور السند المهم لها، وأعدوا لثورات قوية. وقد اجتمع في الكوفة محبو الأئمة من أهل البيت عليهم السلام أكثر من أي مكان آخر، وكانوا يشكّلون كثافة سكانية كبيرة، إلى حدّ اعتبرت الكوفة مدينة الشيعة. وكان أهلها شديدي التعلّق بالأئمة بحيث كان من يطلق على الإمام الباقر عليه السلام لقب (إمام أهل العراق) ويُعدّ أهل العراق من المأخوذين بالإمام الباقر عليه السلام، وكان معظم أصحاب الأئمة من أهل الكوفة، أو من أصل كوفي([177]).
ففي عهد الإمام الصادق عليه السلام كان كثير من رواة حديثه من أهل الكوفة، وكانت الكوفة من المراكز المهمة لنقل الحديث. والمحدّثون كوفيو المشرب ـ أي العراقيون الميالون نحو التشيّع ـ قد رووا معظم أحاديثهم عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وأصحابه أمثال: معاذ بن جبل، أبو مسعود الأنصاري، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عباس، جابر بن عبد الله الأنصاري، حذيفة بن اليمان.
علاوة على ذلك فإن الكوفة كانت حتى نهاية عهد الخلافة الأموية تشكل مركزاً سياسياً وإدارياً لبلدان شرق الخلافة الأموية أي من آذربيجان إلى خراسان وما وراء النهر ونهر السند. ومن الكوفة كان يتم تأمين المسؤولين الإداريين وجند المعسكرات لتلك المناطق. وعليه فإن معظم المبعوثين إلى تلك المناطق كانوا ممن تربى في الكوفة. وكان هناك إلى جانب أولئك أفراد وقبائل من شيعة الكوفة منفية أو هاربة بعد تسلّط زياد بن أبيه على الكوفة، وانتهاء ثورات المختار وعبد الرحمن بن الأشعث وزيد بن علي. فكانوا يحدثون بحديث أهل البيت عليهم السلام، وساهموا إلى حد كبير في نشر التشيّع في تلك المناطق. من هنا فإنّ انتشار الفكر الشيعي في إيران وحتى ما وراء النهر ونهر السند مدين لجهود شيعة الكوفة.
ليس هناك شك في أن شيعة الكوفة كانوا يستفيدون من توجيهات الأئمة وإرشاداتهم خلال تحركهم ذاك، رغم أن الأئمة لم يكونوا يظهرون اهتمامهم بثورات الكوفة بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، لكنهم كانوا على اتصال بخواص مريديهم، وكان لديهم ممثلون يعملون على تنسيق نشاطات أتباع أهل البيت عليهم السلام، وكان لكل من أولئك الممثلين أهميته الخاصة في مركزه. وكان من تلك الوجوه البارزة لشيعة الكوفة في عهد إمامة الإمامين الرضا والجواد عليه السلام: صفوان بن يحيى الذي عاش حتى عام (210هـ).
صفوان ين يحيى:
كان من موالي قبيلة بجيلة، وكنيته أبو محمد، وكان يبيع الأقمشة. وتلميذاً لعبد الرحمن بن الحجاج البجلي بائع الأقمشة، الذي كان ممثلاً للإمام الصادق عليه السلام. وكان صفوان يعدّ من الأصحاب والفقهاء الكبار في عهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وممثلاً للإمام الرضا والإمام الجواد عليه السلام في مدينة الكوفة، وقد احتل مرتبة خاصة في الزهد والعمل، موثوقاً عند الأئمة عليهم السلام.
وقد ترك كتباً كثيرة في الآداب والتجارات، الشراء والبيع. وقد وضعه لإرشاد التجار الشيعة، حيث كان الشيعة يمارسون دوراً فعالاً في الأسواق، وخاصة في سوق الكوفة، التي كانت مزدهرة اقتصادياً لوقوعها عند طريق التجارة بين إيران والشام والجزيرة العربية وميناء البصرة، وكانوا يتولون حِرَفاً هامة مثل: الصرافة والتجارة وتأجير وسائط النقل (الجمال والبغال والحمير) مما يشكل همزة وصل لهم مع سائر البلدان الإسلامية.
وكان سوق الكوفة متخصصاً، فكان كل أصحابه لهم حرفة ينفردون بمكان خاصٍ بهم، وكان للكسبة والتجار تنظيم خاص بهم. ولعل أصحاب الأئمة كانوا يسعون من خلال ذلك التنظيم إلى اكتساب الأشخاص بسبب ظروف التعسف التي كانت تحيط بهم، وهذا ما دلت عليه شخصيات رؤساء المهن ومراحل الدخول إليها وكيفية ذلك. من هنا كان للسوق أهمية خاصة في نشاط الشيعة والجماعات المعارضة للحكم، وكان الخلفاء العباسيون يدسّون جواسيسهم في الأسواق لمراقبة معارضيهم. على أننا لم نحصل على معلومات وافية عن نشاط صفوان بن يحيى في الاتحادات المهنية في الكوفة، ونأمل أن يبذل المحققون في هذا المجال جهداً أكبر.
ماضي النشاط السياسي لصفوان بن يحيى
كان (صفوان) يعيش في الكوفة إبان عهد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكان له شأن واحترام خاص بين الشيعة، ذلك أن زعماء فرقة (الواقفة) حاولوا استمالته، لكنه رفض، ونجى بنفسه من الغوص في وحول الواقفة، وهذه الفرقة (الواقفة) قامت بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وشغلت مدة من الزمن شيعة كل من الكوفة وبغداد ومصر. وكانوا يمتلكون في الكوفة قدرة أكبر، وقد طال عمرهم في الكوفة لوجود أرضية مناسبة للانحراف. وكانوا يبرزون كل فترة من خلال وجوه وعناوين مختلفة مما سبب القلق للأئمة وللشيعة. وقد نشأت مثل هذه الانحرافات بسبب وجود جو من الضغط، وظروف صعبة، والسرية بين الشيعة، مما جعل الاتصال بين الشيعة أنفسهم، وبينهم وبين قيادتهم بطيئاً. واضعف من إشراف القيادة على الذين كانوا يتولون المسؤوليات بينهم.
في هذا الوضع انطلق بعض المنحرفين لاقتناص الفرصة مستفيدين من موجة الغلو الاجتماعي والسياسي التي كانت تلف المجتمع الإسلامي، والتي أدت في حينها إلى بروز اضطرابات قوية (السنبادية عام 137هـ/ والراوندية عام 142هـ/ والاستاذسيسية عام 150هـ/ والمقنعية عام 159هـ إلى عام 161هـ).
وقد خبت نار فتنة الواقعة في بغداد وبعض المدن الأخرى إثر التحرك الذي قام به الأوفياء من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وبصمود (يونس بن عبد الرحمن). لكن الواقفة استمرت في الكوفة، وأدت إلى انحراف الكثيرين، وبثوا الكثير من الإشكالات على الإمام الرضا عليه السلام. حتى قام الأوفياء من شيعة الإمام بملاحقة واقفة الكوفة وعلى رأسهم (علي بن أبي حمزة البطائني) رئيس واقفة الكوفة و(سماعة بن مهران) و(حسين بن أبي سعيد المكاري) الذين كانوا يصرون على التمسك بعقيدتهم المنحرفة، ففروا إلى بغداد، ثم اندثر ذكرهم بعد مدة.
وصفوان الذي بقي مندوباً للإمام الرضا وللإمام الجواد عليه السلام لمدة ثلاثة عقود في الكوفة تخلص من المشاكل والحوادث المختلفة، وقاد شيعة الكوفة بسلامة، مدعوماً من شخصيات خيّرة مثل: محمد بن سنان، وعلي بن النعمان صديقه الحميم، وأيوب بن نوح، وجعفر بن أحمد بن ايوب، وحسن بن موسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب. وفي الختام سلّم هذا الرجل العظيم والتقي الزاهد ثقل الأمانة إلى (محمد بن سنان) بعد أن قضى سنوات مضنية، فتوفي عام (210هـ) وذكره الإمام بخير عدة مرات، وكان يكرر أنه لم يخالف قولي وقول أبي.
محمد بن سنان
هو محمد بن الحسن بن سنان من قبيلة زاهر وموالي عمرو بن الحمق الخزاعي، وكان يكنى بأبي جعفر. فقد والده في طفولته، وعاش في كنف جده (سنان) فحمل اسمه، بدأت حياته السياسية في عهد الإمام الصادق عليه السلام، وتردد اسمه بين من حضر مجلسه، مما يدل على ثقة الإمام به، وعلى منزلته لدى الإمام. لكن زمان دخوله في حلقة أصحاب الإمام ورواته غير معروف، لكن اقتران اسمه عند ذكر روايات المفضل بن عمر ويونس بن يعقوب اللذين كانا من المعتمدين، ونوع الرواية التي نقلها عن المفضل، يزيد من احتمال كونه أحد أعضاء مجموعة المفضل. وأنه ترعرع سياسياً ضمن تلك المجموعة. وكان في خضم أحداث المواجهات العقائدية والسياسية الداخلية للشيعة، حيث يروي أحداثها عن (يونس بن يعقوب) فيتحدث في روايته تلك عن اضطرابات فئة (المؤلفة) التي ظهرت في عهد الإمام الصادق عليه السلام.
بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام عام (148هـ) كان ابن سنان ضمن أتباع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، فأدى دوراً أكثر أهمية في هذه المرحلة في أحداث الكوفة. فقبل عام من استدعاء الإمام إلى بغداد (179هـ) حذره الإمام من ظهور معارضه لإمامة الإمام الرضا عليه السلام، فأقسم محمد في حضرته أنه مهما طال عمره فإنه يسلمه حقه ويقرّ بإمامته.
ورغم أن راوي هذا الأمر هو (محمد بن سنان) بنفسه وليس هناك ما يؤيد كلامه هذا، لكن هذا الكلام عدّ من سلامة عقيدته وحسن فكره، ويشير إلى أنه كان مكلفاً بمهمة ما من قبل الإمام، وله اعتباره عند شيعة الكوفة. لذا نرى أن محمد لم يتزلزل في الفتن التي انطلقت مع إمامة الإمام الرضا عليه السلام، بل كان في سلامة من عقيدته، وسار مؤتمراً بإمامة الإمام الرضا عليه اسلام، والتقى به عدة مرات، وروى عنه.
إن روايات (ابن سنان) لا تولي أحداث الوضع الداخلي لأتباع الإمام في الكوفة أهمية، بل تظهر الخلافات التي دارت بينه وصفوان وأصدقائه: أيوب بن نوح، والفضل بن شاذان. فيصفه صفوان على أنه (الطائر) ويؤكد أن محمد بن سنان كان يحاول التحليق عدة مرات، لكننا قصصنا أجنحته، فبقي إلى جانبنا. ويقول أيضاً: كان محمد بن سنان من المحلقين فقصصنا جناحيه.
وروى أيوب بن نوح بدوره عن محمد بن سنان، لكنه أخذ جانب الحيطة في شرح أحاديث محمد ونشرها، وكان يقول: لا أستسيغ رواية أحاديث ابن سنان.
وآخرهم كان الفضل بن شاذان الذي استعمل لهجة أشد، فقال لأحد أصحابه: ما دمت حياً فلا ترو أحاديث محمد بن سنان عني. كما أنه أطلق عليه عبارة (الكذاب المشهور) في بعض كتبه.
هذا هو الحد الذي نقلته لنا الروايات عن الخلافات الداخلية، ولم تدعنا نمخر عباب الأحداث الداخلية لهذه المجموعة، فبقيت أسئلة كثيرة دون جواب، كما أن أسباب ذلك لم يوضح في التاريخ، ولم ينقل عن ذلك سوى رواية واحدة عن الإمام الرضا عليه السلام تشير إلى صراع بينهم، ولعلها تتحدث عن نفس ما ذكرناه. ورغم عدم ثبوت أن كلامه عليه السلام كان في نفس تلك الفترة الزمنية، أو كان يتناول نفس الشخصيات المذكورة، لكن بما أنه يتحدث عن صراع على قيادة شيعة الكوفة، ولم يحدثنا التاريخ عن مثل هذا الصراع في تلك الفترة إلاّ ما جرى بين صفوان وابن سنان، لذا يمكن الاستنتاج أن كلام الإمام كان في نفس الموضوع، وأن المسألة كانت مهمة إلى الدرجة التي دفعت الإمام إلى اتخاذ موقف منها. حيث روي عنه قوله «ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرّق رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من طلب الرياسة» ثم ذيل كلامه هذا بقوله «ولكن صفوان لا يحبّ الرياسة».
يبدو أن هذا الصراع قد خمد أواره بعد تدخل الإمام، فبعده توجه محمد بن سنان برفقة صفوان إلى مكة، والتقيا بالإمام (196هـ) وتوجها منها إلى المدينة لرؤية الإمام الجواد عليه السلام، وكان حينها طفلاً لا يتجاوز عمره ثمانية عشر شهراً، وكانا ينتقلان معاً في الكوفة. ويبدو أن (أيوب بن نوح) و(الفضل بن شاذان) حضرا مجلسه بعد حل المشكلة، ونقلا من أحاديثه.
والملفت أن ابن سنان لم يتحدث بأي حديث رداً على أولئك وما قالوه عنه، بل استمر بنشاطه بهدوء، فبقي سالم العقيدة إبان إمامة الإمام الرضا عليه السلام، وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام، وكانت له منزلة خاصة، حتى إن الإمام الجواد عليه السلام عبّر عن رضاه عنه. ويبدو أنه كان مندوباً للإمام الجواد عليه السلام في الكوفة إلى جانب صفوان بن يحيى، لكنه كان يمثل الشخصية الثانية بعد صفوان في حياته، وكان صفوان هو الذي يتولى قيادة شيعة الكوفة. وقد خاطب (سنان) عند دخوله مع صفوان إلى مسجد الكوفة بما مؤداه: من أراد أن يسأل عن مسائل معقدة فليأتني، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليذهب إلى الشيخ ـ صفوان ـ .
كلام ابن سنان هذا يحدد بطريقة مهذبة حدود مهمته، ويبرز مسؤولية صفوان بوضوح، ويبين قبوله لقيادة صفوان، المكلف بتبيان مسائل الحلال والحرام، فيقدمه بذلك على نفسه، ويبين اختصاصه. من هنا يتبين لنا شكل القيادة وتركيبتها في الكوفة حتى وفاة صفوان، وبعد وفاته أضحى ابن سنان رئيساً للشيعة في الكوفة. ومع أن أحداً لم يحدثنا عن تولي محمد بن سنان لهذا المنصب سوى الشيخ الطوسي، لكن عدم تعيين الإمام الجواد عليه السلام مندوباً عنه بعد صفوان رغم وجود أيوب بن نوح المؤهل لهذا المنصب يدل على ذلك. حتى إذا توفي ابن سنان تولى أيوب المسؤولية تلك، وذلك في عهد إمامة الإمام الهادي عليه السلام.
فبعد وفاة ابن سنان (220هـ) جعل الإمام أيوباً في منزلة الوكلاء والشخصيات الكبيرة من أمثال: صفوان بن يحيى، وزكريا بن آدم، وسعد بن سعد. الذين كانوا قد توفوا، ومدحه. ووجه عليه السلام كلاماً ينفي فيه كل التهم التي كانت وجهت إلى ابن سنان، وذلك بعد موته، مؤكداً أنه لم يخالف قولي وقول أبي. إضافة إلى تكليف الإمام الجواد عليه السلام له بإبلاغ رسالته إلى شيعة البصرة، وهو أمر مهم أيضاً.
كما روى عنه كل من: حسن وحسين بن سعيد الأهوازي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والفضل بن شاذان. أما (علي بن إبراهيم) فقد أدرج روايات محمد بن سنان في تفسيره، واعتبره من الثقات.
من هذا كله يتبين سبب تكليف الإمام ابن سنان بتمثيله، وثقة الإمام والشيعة به. ويدل على بطلان ما ورد بحقه من تهم وافتراءات.
أخيراً توفي محمد بن سنان عام (220هـ) قبل وفاة الإمام الجواد عليه السلام.
من بين شيعة الكوفة كانت هناك شخصيات بارزة أخرى غير: صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان. ترددت أسماؤهم من خلال الروايات المنقولة عن ابن سنان وصفوان، ممن صحبوهما وتولوا مسؤوليات متعددة في مجال إدارة وتنظيم شيعة الكوفة، وكانوا يشكلون مركزية ـ إلى جانب صفوان وابن سنان ـ ناجحة ومتجانسة. لكن بما أن باقي الشخصيات لم تكن منصوبة من قبل الإمام الرضا والجواد عليهما السلام مباشرة، لذا يحتمل أنها كانت تتولى مسؤوليات من الدرجة الثانية وأدنى من ذينك الرجلين، ويعملون تحت إشرافهما. من أولئك الأشخاص: حسين بن سعيد الأهوازي، وأيوب بن نوح بن دراج ـ قاضي الكوفة ـ والفضل بن شاذان النيسابوري. وكانت لهم منزلة خاصة بارزة.
أيوب بن نوح عيّن من قبل الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام وكيلاً عنهما في الكوفة.
أمّا باقي الشخصيات التي برزت ونشطت وتوفيت خلال عهد الإمام الجواد عليه السلام ، وفي بداية عهد الإمام الهادي عليه السلام ، وتلك التي خبا نشاطها بعد وفاة الإمام الجواد عليه السلام فكانت:
1 ـ جعفر بن بشير:
عاش في الكوفة، وكان من موالي قبيلة بجيلة، وكان تاجر أقمشة حرير. كان جعفر من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ، وروى عنه، وكان كلامه ثقة، وله منزلة رفيعة عند الشيعة. روى عنه أشخاص بارزون من أمثال: صفوان بن يحيى، ومحمد بن خالد البرقي. ومحمد بن حسين بن أبي الخطاب بائع الزيت الشيعي المشهور كان يحضر عند جعفر ويستفيد من رواياته.
كانت هناك علاقة بين جعفر بن بشير، وصفوان بن يحيى الذي كان تاجراً أيضاً، وابن أبي الخطاب بائع الزيت. وقد وضعوا كتباً في فقه التجارة والكسب منها: كتاب المكاسب، وكتاب الصيد، وكتاب الذبائح. وهذا يدل على نشاطهم في مجال تجارتهم وسعيهم لتنظيم هذه المهن. لكن التاريخ لم يحدثنا عن كيفية نشاطهم داخل تلك النقابات والتجمعات في الكوفة.
يبدو أن (جعفر بن بشير) كان من شيعة الكوفة الناشطين علناً، وكان يستخدم المسجد لتوسيع نشاطه هذا. وكان مسجده في منطقة بجيلة قرب النجف، وكان يصلي فيه. وكان عامراً حتى النصف الأول من القرن الخامس الهجري. وقد لقي الكثير من الأذى والمطاردة بسبب نشاطه ذاك، خاصة خلال سنوات الاضطراب في العراق خلال الأعوام (195 ـ 203هـ) وبعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام ، وعودة المأمون إلى بغداد، أرسل يطلبه، مما يدل على أهمية جعفر بن بشير في الكوفة.
أخيراً وبعد سنوات من العناء والجهد فارق جعفر بن بشير الحياة عند مسيره إلى مكة في (الأبواء) ولم يتمكن من لقاء الإمام الجواد عليه السلام.
2 ـ الحسن بن محبوب:
هو الحسن بن محبوب بن وهب بن جعفر بن وهب، من موالي قبيلة بجيلة. جده الأكبر (وهب) كان من أهل السند، ومن موالي (جرير بن عبد الله البجلي) وكان يعمل في إعداد أدوات المقاتلين، ويبدو أن هذا الأمر كان سبباً لمحاولة أمير المؤمنين عليه السلام شراءه من (جرير) لكن جرير لم يكن يرغب ببيعه فأعتقه، وعرف بمولى بجيلة. لكنه بعد أن أصبح حراً توجه إلى الإمام، وبقي في خدمته. هذا ما هو معروف عن وهب، وليس هناك أي خبر عن سلالته حتى الحسن بن محبوب. لكن بما أن الحسن هذا كان يحمل لقب صانع العتاد أيضاً، فهذا يعني أن أبناء وهب وأحفاده استمروا في مهنة أبيهم، وعرفوا بنفس اللقب.
(جعفر بن محمد بن الحسن) حفيد الحسن بن محبوب ذكر أن جده الحسن كان قوياً، مما يتناسب مع مهنته. لكن (حسن) لم يكتفِ بمهنة صنع العتاد العسكري، بل طلب العلم، والتحق بطليعة الشيعة. لكن لم تحدثنا الأخبار عن كيفية وزمان التحاقه بالشيعة، لكنه كان في زمان الإمام الكاظم عليه السلام من بين الشخصيات الشيعية المعروفة، ومن علماء عهد الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، والتقى بهما، وروى عنهما. وقد اشتهر في العلم إلى درجة أن الشيخ الطوسي اعتبره أحد الأساطين الأربعة في زمانه وترك عدة مؤلفات منها تفسيره المعروف.
بعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام ابتعد (ابن محبوب) عن الأضواء، ولم يعد يذكر اسمه على الألسنة. وتوفي عام (224هـ) لكن لا ينقل عنه روايات للإمامين الجواد والهادي عليهما السلام. ومع ذلك فإن (النديم) ذكره بين أصحاب الإمام الجواد عليه السلام . لكن باقي العلماء لم يذكروه. ويستدل من ذلك على أنه لم يوفق للقاء الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام. لكن ذلك لا يعني أنه كان حينها من بين المنحرفين، واتهام البعض له بالانحراف لأنه روى عن (علي بن أبي حمزة البطائني) أمر مرفوض. لأنه كان مرضياً عنه من قبل الإمام الرضا عليه السلام. ووثقه معظم علماء الرجال.
وإذا لم يوفق (الحسن بن محبوب) للقاء الإمام الجواد عليه السلام، فإن ابنه (محمد) كان من أصحاب الإمام، وروى عنه عليه السلام. ويستبعد أن يكون (محمد) رابطاً بين أبيه والإمام، أو أنه لم يكن مسموحاً له بلقاء الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة.
3 ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي:
كان جده أبو نصر من مماليك قبيلة (سكون) التي كانت تقطن جنوب مسجد الكوفة. وبعد عتق (أبي نصر) صار من موالي القبيلة، وأحمد من أبناء الموالي في القبيلة، وكان من علماء عهد الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، وكانت له منزلة سامية عند الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام، ومن ثقات الشيعة. رافق صفوان وعبد الله بن جندب ـ ممثل الإمام الرضا عليه السلام في الأهواز ـ ومحمد بن سنان في سفرهم للقاء الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام مما يدل على منزلته السياسية في مجتمع شيعة الكوفة. واستقبل الإمام الرضا عليه السلام في القادسية، خلال سفر الإمام إلى (مرو) وتولى مسؤولية بعض تجهيزات قافلة الإمام. هذه المحطات تدل على أنه كان من الناشطين الشيعة في الكوفة، وله دور أساسي في إدارة شؤون شيعتها. لكن في عهد الإمام الجواد عليه السلام لم يذكر بمدح. لكن بما أن التركيب الأساسي لمركزية الكوفة لم يتغير حتى وفاة صفوان، وبقي نفس الأشخاص الفاعلين خلال عهد الإمام الرضا عليه السلام إلى جانب بعضهم البعض. مما يفترض أنه بقي محتفظاً بمنزلته السامية بين الشيعة. وبقي على عقيدته خلال عهد الإمام الجواد عليه السلام، وتوفي عام (221هـ) في أول عام من إمامة الإمام الهادي عليه السلام.
4 ـ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب:
كان يعيش في الكوفة، ومن ثقات شيعتها، ومن أصحاب الإمام الجواد عليه السلام. ترك روايات كثيرة، وألّف أكثر من ستة كتب. وكان كسبه من تجارة الزيوت، ومن الشخصيات البارزة بين الشيعة، فطريقه في الرواية يجعله في مستوى زعماء شيعة الكوفة، فهو يروي عن: صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، ومحمد بن أبي عمير، والحسين بن محبوب، وجعفر بن بشير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي. مما يدل على مدى نشاطه وارتباطاته السياسية. ورغم عدم وجود أخبار عن نشاطه السياسي داخل المحيط المهني أو تقلده مسؤولية فيه، لكن لا يستبعد أن يكون رابطاً بين الشخصيات الشيعية البارزة في بغداد ـ محمد بن أبي عمير ـ والكوفة، ويؤدي دور همزة الوصل بين المندوبين والوكلاء والشخصيات الشيعية البارزة.
عاش ابن أبي الخطاب عمراً مديداً، فبعد تشرفه بصحبة الإمام الجواد عليه السلام، أدرك الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، ثم توفي عام (262هـ).
5 ـ محمد بن خالد البرقي:
هو أبو عبد الله محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي المعروف بالبرقي، وكان جدّه الأكبر (محمد بن علي) يعيش في الكوفة، وشارك في ثورة زيد بن علي عليه السلام عام (122هـ) وبعد استشهاد (زيد) وتفرّق أصحابه اعتقل (محمد) وأودع السجن لدى حاكم الكوفة آنذاك (يوسف بن عمر) ثم قتل، وبعد مقتله فرّ ابنه عبد الرحمن إلى إيران حاملاً معه ابنه الطفل (خالد) واستقر في منطقة (برق رود) من نواحي قم، وكانت تقطنها قبيلة هي فرع من قبيلة الخزرج وكانوا قد تواردوا إليها بعد فشل ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
بعد ذلك انقطعت أخبار عبد الرحمن وابنه خالد ولا يوجد ما يشير إلى عودتهم إلى العراق. لكن يبدو أن (محمد) بن خالد قد غادر (برق رود) لأنه التقى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وظهرت آثاره في بغداد والكوفة، فروى عن محمد بن أبي عمير البغدادي ـ بائع الأقمشة ـ وعن محمد بن سنان، وأحمد بن نصر، وجعفر بن بشير العجلي، وصفوان بن يحيى.
بعد وفاة الإمام الكاظم عليه السلام، نجا (محمد) من فتنة الواقفة، والتقى الإمام الرضا عليه السلام، وروى عنه.
وبعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام أصبح من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام، ويبدو أنه فارق الحياة خلال فترة إمامته. ولم يحدد مكان إقامته وزمان وفاته ومحل دفنه بشكل دقيق. لكن لما كانت معظم رواياته عن أعيان الشيعة في الكوفة، يبدو أنه عاش في الكوفة بين الشخصيات الشيعية البارزة.
6 ـ عبد الرحمن بن أبي نجوان:
اسمه الحقيقي عمر بن مسلم، من موالي قبيلة تميم، عاش في الكوفة، واعتبر من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وكان أبوه من أتباع الإمام الصادق عليه السلام. وكانت له منزلة خاصة عند شيعة الكوفة. روى عن: صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، وصفوان بن مهران الجمال، وعبد الله بن بكير، وأبي بصير. وروى عنه: الحسين بن سعيد الأهوازي، وأيوب بن نوح، وإبراهيم بن هاشم، ومحمد بن أبي عمير. ومن مؤلفاته: كتاب البيع والشراء.
الشواهد المذكورة آنفاً تدل على أهميته ومنزلته، ويبدو أنه كان مكلفاً بمسؤولية حساسة جعلته يتخذ اسماً مستعاراً (عبد الرحمن) حيث كانت الأسماء المستعارة تستخدم خلال تنفيذ النشاطات السرية، وفي مواجهة الحكم الجائر، وفي محاربة المنحرفين.
وعدا ما ذكرناه من شخصيات بارزة، هناك شخصيات مهمة أخرى، ومن أتباع الإمام الجواد عليه السلام في الكوفة، تشرفوا بلقاء إمامهم مما يدل على منزلتهم. لكن التاريخ أخفى منزلتهم في الكوفة، ولم يحدثنا عن تعاونهم مع صفوان وابن سنان ــ ممثلي الإمام ـ أو أنه لم يذكر معلومات وافية عنهم. لهذا لا يمكننا أن نعدهم من الشخصيات الرئيسية. فأوردناهم في ختام بحثنا هذا ومنهم:
1 ـ مروك بن عبيد بن سالم بن أبي حفصة:
وهو صالح بائع اللؤلؤ، عُدّ من أتباع الإمام الجواد عليه السلام، وهو من أقارب (نشيط بن صالح) خادم الإمام الكاظم عليه السلام، وكان ثقة عند الشيعة، اعتبره بعض الشيعة من الموالي، فذكروا أنه من موالي (عمار بن المبارك العجلي).
لم نجد معلومات كافية عن نشاطه ومحل سكناه، لكنه لما روى عن: إبراهيم بن أبي البلاد، وعلي بن الحسن بن أبي فضال، وأحمد بن نصر، وعبد الرحمن بن أبي حماد ـ الذين كانوا يقطنون الكوفة ـ وعن: منصور بن العباس، ويعقوب بن يزيد ـ اللذين كانا يقطنان بغداد ـ من هذا يبدو أنه قطن إحدى هاتين المدينتين ـ الكوفة أو بغداد ـ أو أنه تولى مهام في إحداهما. أو كونه تاجر لؤلؤ كان يتردد على هاتين المدينتين. لكن ليس هناك ذكر لسبب استخدامه اسماً مستعاراً، أو لدوره في نادي بائعي اللؤلؤ.
2 ـ موسى بن عمر بن بزيع:
صحب الإمام الجواد ثم الإمام الهادي عليهما السلام، ومن ثقات الشيعة، وهو من موالي المنصور الخليفة العباسي، وابن عم محمد بن إسماعيل بن بزيع.
3 ـ أحمد بن عبد الله الكوفي:
وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام.
4 ـ أبو سكينة الكوفي:
وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام.
عبد الهادي الأحمدي
جامعة الكوفة
تطورت مدينة الكوفة وازدهرت منذ خلافة الإمام علي عليه السلام وأصبحت مركزاً حضارياً مهماً. والتقت فيها مختلف العلوم والآداب، فنبغ فيها علماء كبار.
وقد احتل فقهاء الشيعة في الكوفة مركز الصدارة في القراءة والبحث والتدريس.
غير أن أهميتها الدينية والحضارية أخذت تتضاءل بالتدريج خصوصاً بعد تطور مدينة النجف واتساع أهميتها وتحولها إلى مركز للتشيع. كما أن الحكومات المتعاقبة في العراق لم تولها أية أهمية وتجاهلت دورها الريادي وتاريخها الحضاري الذي أغنى الفكر العربي ـ الإسلامي بعلوم اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والفن، ولم تبذل أي جهود جادة لإعادة إعمارها وتنميتها وإعادة الاعتبار لها كرمكز حضاري عريق.
غير أن مجموعة من العلماء والمفكرين العراقيين قاموا بمحاولة جادة لإعادة إعمارها وإحياء دورها الريادي، العلمي والثقافي، في منتصف الستينات من القرن العشرين. وكانت الخطوة الأولى تشكيل هيئة تحضيرية من عدد من العلماء والمفكرين لتأسيس (جامعة الكوفة).
وقد جمعت لهذا الغرض أموال كثيرة من المتبرعين كانت تكفي لإقامة جامعة ومركز علمي يرفدان العراق والعالم العربي والإسلامي بينبوع من العلم والثقافة لإعادة الكوفة إلى عصرها الذهبي وجعلها مركزاً علمياً عمرانياً وحضارياً مرموقاً يلتقي فيه الدين مع العلم ليكمل كل منهما الآخر. وقد انطلقت الفكرة من أن الإسلام ليس دين عبادة فحسب، بل دين حضارة وتقدم وإشعاع وتمدّن، ولم يأخذ المكانة التي يستحق بالرغم من مضي أربعة عشر قرناً من الزمان. «لذا يكون من الضروري إحداث عصر تنوير جديد لعالمنا، باعتبارنا جزءاً من هذا العالم وجزءاً من هذا الكوكب، وعلينا ألا نكون منعزلين، وأن نخرج من وضعنا الحالي، ولكن ليس عن طريق التبشير، وإنما عن طريق العمل والتصور العقلي ـ العملي. وإذا كان لنا تصوّر عملي واضح فسوف يقبلنا العالم ويحترمنا، لأن معطياتنا لا تأتي إلاّ من احترام الآخرين لنا».
لقد كان المشروع حدثاً تاريخياً مهماً في حينه لتأسيس عمران حضاري ينعش جنوب ووسط العراق، ذلك المشروع الذي كان من أهدافه وقف نزيف الهجرة الريفية المستمرة من الجنوب إلى بغداد والمدن الكبرى.
أمّا الهدف الرئيسي من إعادة إعمار الكوفة وإنعاشها من جديد، هو ما جعلها وريثة الحضارات الكبرى، الأكادية والبابلية والإسلامية، فهو إعادة كوفة اللغة والأدب والنحو والخط والبلاغة، وربطها بعلاقة وثيقة بالنجف الأشرف، مثلما قال الدكتور محمد مكية، أحد مؤسسي المشروع «من أجل ربط العلم بالدين، كبداية لحضارة عربية ـ إسلامية جديدة وغنية ومتفتحة».
لقد استمر التحضير لهذا المشروع أكثر من سنتين، قام المؤسسون خلالها بعلاقات جدية مع مؤسسات علمية وحضارية، عالمية ومحلية، كان هدفها تأسيس «استشراق معكوس» يدرس الشرق والإسلام في بلد شرقي مسلم، وهو تمثيل لوعي جديد وميثاق لمجتمع عراقي جديد، بخصوصيته المحلية. وقد حصل المشروع على موافقة مجلس الوزراء عام 1967، بسبب أن المشروع العمراني لم يكن ذا طابع سياسي أو عنصري أو طائفي، بقدر ما كان رؤية تصورية جديدة لإنعاش وإعمار منطقة مهمة أهملت منذ قرون. لذا كان من جملة الأهداف الحضارية لهذا المشروع زراعة مليون نخلة وحفر آلاف الآبار الإرتوازية وبناء مدينة جامعية بكل ما يرتبط بها من مرافق ومكتبات ومعاهد وأسواق وغيرها من العمران الحضاري.
لقد لاقى المشروع تأييداً وترحيباً كبيرين، وبدل تشجيع الحكومة البعثية التكريتية حكومة صدام ورعايتها لهذا المشروع العلمي الحضاري، فإنها لجأت إلى منع المشروع ومصادرة جميع الأموال التي تبرع بها المواطنون لإقامته.
بغداد والبصرة والكوفة
يقول حسن الأمين:
لما دُعي إلى مهرجان الشعر العربي في بغداد دعيت إلى المساهمة فيه وألقيت قصيدة آخذ منها هنا ما ورد فيها عن بغداد وعن البصرة وعن الكوفة. وكنت قد قضيت من قبل في بغداد فترة تدريسية ظلت ذكرياتها العذبة عالقة في نفسي.
قلت عن بغداد:
حب يظل على المدى متجددا
وهوى يعود به الوفاء كما بدا
بغداد يا حلم النفوس إذا هفت
شوقاً ويا لحن المحب إذا شدا
الوجد فيك كما عهدت ولم يزل
شوق الأحبة ما عرفت توقدا
من رافديك كما تبسم دجلة
عبر الضحى وكما الفرات تنهدا
بالحب بالعهد الوثيق وبالوفا
صغنا القلوب مودة والأكبدا
كم كان طيفك للأحبة مسعفاً
إن لج شوقهم وذكرك مسعدا
هذه العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعاً وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت (الرضي) إذا ترنم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
صوت تردده الشعاب وتنتخي
قمم الجبال تحفزاً وتوعدا
وقلت عن البصرة والكوفة:
هذا العراق وما رأيت كمجده
أبقى على مر الزمان وأخلدا
سل في البيان العبقري أمثله
من رتّل الآيات فيه وجوّدا
البصرة الفيحاء أبصر ثغرها
في ظلمة التاريخ يلمع فرقدا
وجرير يهتف بالغرام وينثني
صوت الفرزدق بالمفاخر منشدا
كانت على الأيام أسطع كوكب
علماً وأزهاه تقًى وتعبدا
إني لأسمع في الخيال هتافها
وأرى مواكبها تؤم المربدا
والكوفة الخضراء ألمح وجهها
عبر الزمان نضارة وتوردا
في كل زاوية تريك حضارة
وبكل ركن ثم تبصر معهدا
رعت البيان فضيلة ومحبة
وحوته حين حوته في الدنيا هدى
يا كوفة الجند استطالت عزة
وشأت طريفاً في الحياة ومتلدا
جددت سالفة المنابر شاعراً
فذّ القريض وناثراً متفردا
من قبتيك ومن منارات العلى
شعت على الكون الهداية فاهتدى
حييت أرضك مهطعاً لجلالها
ولثمت تربك خاشعاً متعبداً
متخيلاً نور (الإمام)، ووجهه
جلّى بمشرقه الضلال وبدّدا
أعلى ميادين الكفاح بطولة
وأنار داجية الظلام تهجدا
أرنو إلى الأطلال علّ بها سناً
من نور غرته وعلّ بها صدى
إني لأستوحي الطلول فخارها
شرف الكتاب ومجده والسؤددا
والألمعيون استفاض حديثهم
بحراً تدفق بالمعارف مزبدا
متحلقين على الحقيقة ما رأوا
في دهرهم إلا الحقيقة مقصدا
ذكرى (عليّ) في رحابك غضة
وسبيل نهجك لا يزال موطّدا
لا تتركي القصد القديم فربما
كان القديم تقدماً وتجدداً
كوفن
قرية تقع على بعد ستة فراسخ من مدينة (أبيورد) في خراسان بينها وبين مدينة نسا. وفي (كوفن) ولد الشاعر أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي. وتوفي بأصفهان سنة 507هـ.
وفي كوفن يقول الأبيوردي:
سقى الله رملي كوفن صيب الحيا
ولا برحا مسنن راع ورائد
ويقول أيضاً:
أأستنشق الريح علوية
أجل وبكوفن أهلي ومالي
ويقول:
وتلك دار ورثناها معاوية
لكن كوفن ألقاها بنا الزمن
والأبيوردي هذا أموي النسب، فهو من نسل معاوية الأصغر بن محمد بن أبي العباس عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان.
وأول من سكن كوفن من أجداد الأبيوردي معاوية بن محمد.
ولم تمنع أموية الأبيوردي من تشيعه، كما أنها لم تمنع أبا الفرج الأصفهاني من ذلك، وقد قرأ له ياقوت الحموي ـ وهو المصدر الأول لكل من كتب عنه، قصيدة بخطه في رثاء الحسين عليه السلام يقول فيها:
فجدي وهو عنبسة بن صخر
بريء من يزيد ومن زياد
وإذا عرفنا أن ياقوتاً لا يمكن أن يتهم بنسبة التشيع إلى الأبيوردي، لأن ياقوتاً كان متعصباً على الشيعة، عرفنا أن حذف تلك القصيدة من ديوانه بعد ذلك إنما كان للعصبية، كما جرى في كثير من الكتب.
ويقول الدكتور ممدوح حقي في كتابه عن الأبيوردي عن هذا الموضوع: «وياقوت ـ على ما يذكر ابن خلكان ـ كان متعصباً على علي، وجرت له مناظرة في دمشق مع متشيع بغدادي، وهرب منها بعد فتنة، فلا يعقل أن يتعصب للأبيوردي ويروي له ذلك من غير تحقيق ليحشره في زمرة الشيعة»، ونضيف نحن إلى ذلك: لا سيما وأن ياقوتاً يؤكد أنه قرأ القصيدة بخط الأبيوردي نفسه.
ولد الأبيوردي ـ كما قلنا ـ بكوفن، وانتقل منها إلى أبيورد حيث درس وحصل، ثم تنقل في البلاد واتصل بالملوك والرؤساء، ومدحهم، لا سيما نظام الملك الذي أدناه إليه، وبعد موت الأسفرائيني خازن المدرسة النظامية تولى منصبه عام 498، ويبدو أنه كان هناك من يحسده ويدس عليه لدى الخليفة وحكام بغداد، فترك بغداد نازحاً إلى أصفهان، وقد ضاقت أحواله حتى اضطر لأن يعمل مؤدباً لأولاد زين الملك برسق ثم كتب إلى المستظهر في بغداد يعتذر عن فراره، وما لبث أن عاد إلى بغداد، وراح يتصل بملوك العراق وأمرائه، فأقبلت عليه الدنيا حتى قال عنه ياقوت: لقد حصل للأبيوردي بعد ما تراه من شكوى الزمان في أشعاره مما أنتجه بالشعر من ملوك خراسان ووزرائها وخلفاء العراق وأمرائها ما لم يحصل للمتنبي في عصره، ولا لابن هاني في مصره.
ثم يصف وصوله إلى سيف الدولة صدقة بن دبيس المزيدي في مدينة الحلة نقلاً عن أحد المشاهدين فيقول: لما قدم الحلة على سيف الدولة ممتدحاً له ـ ولم يكن قبلها اجتمع به قط، خرج سيف الدولة لتلقيه، فأقبل الأبيوردي راكباً في جماعة كثيرة من أتباعه، منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاماً، ووراءه سيف مرفوع وبين يديه ثمان نجائب بالمراكب والسرافسارات الذهب([178]) وعددنا ثقله فكان على واحد وعشرين بغلاً، وكان مهيباً محترماً جليلاً عظيماً، لا يخاطب إلا بمولانا، فرحب به سيف الدولة وأظهر له من البر والإكرام ما لم يعهد مثله في تلقي أحد ممن كان يتلقاه وأمر بإنزاله وإكرامه، والتوفر على القيام بمهامه وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد. وكان الأبيوردي قد عزم على إنشاد سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها:
وفي أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المنيرة والبدر
ولم يكن سيف الدولة أعدّ له بحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شعره، فاعتذر إليه ووعده يوماً غير ذلك اليوم ليعد ما يليق بمثل إجازته مما يحسن به بين الناس ذكره، ويبقى على مرّ الزمان أثره، فاعتقد الأبيوردي أن سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استكباراً لما يريد أن يصله به ثانياً، وأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقاً في دفعات، وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب بن خميس فإنه سمعه ينشد على شاطئ الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عنا فالبلاد وسيعة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرها
وكل مكان خيمت فيه بابل
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة فقال له: رأيت على شاطئ الفرات فارساً يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات. فقال سيف الدولة: وأبيك ما هو إلاّ الأبيوردي، فركب من وقته في فل من عسكره، فلحقه فاعتذر وسأله الرجوع وعرفه عذره في امتناعه من سماع شعره، وأمر بإنزاله في داره، وحمل أليه ألف دينار ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
واستمرت حياة الأبيوردي هكذا ترحالاً بين ذوي السلطان حتى استقر في أصفهان تلبية لدعوة محمد بن ملكشاه حيث أسند إليه (أشراف المملكة) وهو منصب رفيع في الدولة.
ثم توفي فجأة فيقال إن (الخطير) أحد أركان الحكم في بلاط محمد بن ملكشاه دس إليه سماً لأنه كان يحسده على ما وصل إليه وكان ينافسه في المناصب. ويقول العماد الأصفهاني: إنه سقي السم وهو واقف عند سرير السلطان محمد بن ملك شاه فخانته رجلاه وحمل إلى منزله فقال:
وقفنا بحيث العدل مد رواقه
وخيم في أرجائه الجود والباس
ففوق السرير ابن الملوك محمد
تخر له من فرط هيبته الناس
فخامرني ما خانني قدمي له
وأن ردعني نفرة الجأش إيناس
فذاك مقام لا نوفيه حقه
إذا لم ينب فيه عن القدم الراس
لئن عثرت رجلي فليس لمقولي
عثار وكم زلت أفاضل أكياس
مؤلفاته
منها: (1) تاريخ أبيورد ونسا (2) المختلف والمؤتلف (3) قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان (4) نهزة الحافظ (5) المجتبى من المجتنى في رجال كتاب أبي عبد الرحمن النسائي في السنن المأثورة وشرح غريبه (6) الأنساب (7) ما اختلف وائتلف في أنساب العرب (8) طبقات العلم في كل فن (9) تعلة المشاق إلى ساكني العراق (10) كوكب المتأمل في الخيل (11) تعلة المقرور (12) الدرة الثمينة (13) الصهلة القارح، رد فيه على المعري في سقط الزند. ولم يبق من كل ذلك إلاّ ديوانه الشعري.
كُوهَتْ
يقع على بعد نحو 25 ميلاً إلى الجنوب من مدينة بيشاور (الباكستان) ممر كَوهَتْ KOHAT المعروف، ومنطقة هذا الممر الشهير هي موطن قبائل «أفريدي الشجعان الذين يشتهرون بصنع أسلحة عالية الجودة ومن أبناء هذه المنطقة القبلية المشهورين عجب خان الذي قام في عام 1923 باختطاف الآنسة مولّلي إليس Miss Molly Eliss ابنة أحد كبار الضباط البريطانيين من قلب مدينة كُوهَتْ Kohat مقر المنطقة الإداري، وذلك ثأراً لشرف عائلته، وانتقاماً للإهانة التي ألحقتها القوات البريطانية بكرامة أسرته.
وتقع مدينة كُوهَتْ Kohat على مسافة أربعين ميلاً إلى الجنوب من ﭕيشارو Peshawar، وسط دائرة من التلال الخضراء. وترتفع حولها من جهات ثلاث جبال حادة الارتفاع تعيش فيها قبائل أفريدي Afridi، وبَنْغَشْ Bangash، وأُرْكْزَاي Orakzai، وشِنَواري Shinwari، بينما تعيش الى الجنوب والجنوب الغربي منها قبائل الخَتَّك. وقد لعبت جميع هذه القبائل دوراً عظيماً في أحداث هذه المنطقة في الماضي الغابر. وقد أسس مدينة كُوهَتْ Kohat التي كانت تدعى قديماً كُوهُوت Cohaut راجا كان يدعى بهذا الاسم وذلك في العهد البوذي. وحتى اليوم ما زالت بقايا الآثار القديمة مبعثرة هنا وهناك في هذا الوادي، وتخرج من كُوهَتْ Kohat طريق ضيّقة شقّت في بطن الجبل باتجاه بوابة هانْدِي سايّد Handyside Gate على قمة جبل كوتال Kotal. وهذه الطريق الصعبة تذكرنا بالأيام الغابرة الأولى يوم كانت الحياة محفوفة بشتى المخاطر.
وتوجد في جوار مدينة كُوهَتْ Kohat بلدة هنغو Hangu المعروفة بمدرسة تدريب الشِرطة فيها. وتشتهر قرية لاتشي Lachi في تلك المنطقة بصنع الصنادل. وتصنع في مدينة كوهت وجوارها الحصر والسلال من نبات الحلفاء والقصب الذي ينمو هناك بوفرة. ومن أماكن النزهة المحببة في جوار مدينة كُوهَتْ Kohat نبعا ماء عذبان هما جَنْغَل Jangal وخِلّ Khel.
وقد نشأت في هذه المنطقة رقصة الخَتَّك المعروفة في مرابع قبيلة الخَتَّك التي ينتسب إليها شاعر قبائل الباثان العظيم خوش حال خان خَتَّك. ومن أهم المراكز التي يقطنها أفراد قبيلة خَتَّك قرى: لاتشي، وتيري، وكَرَك، وبهادور خِلّ.
وغالبية سكان مناطق كُوهَتْ الريفية يعملون في الزراعة أو الحِرَف. والأرض هناك خصبة ولكن ينقصها الريّ. وحيثما تتوفر هناك مياه للري سواء من الينابيع أو الجداول والغدران يزرع الأهالي محاصيل جيدة من الغلال والخضر والفواكه، بيد أن شحّ الماء هناك هو مشكلة خطيرة، ومن أجل حل هذه المشكلة أقامت الدولة سدّ تَنْدَه على مسافة أربعة أميال إلى الجنوب الغربي من مدينة كُوهت وذلك قرب قرية تَنْدَه بَنْدَه التي استمد هذا السدّ اسمه منها. وقد بلغت كلفة إنشاء هذا السد الذي دشن رسمياً في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 مبلغ 66,83 مليون روبيه. ولهذا السد الذي يُعَدُّ صغيراً بالمقارنة مع سدود أخرى ضخمة مثل: وَرْسَك، ومَنْغْلَه، وتَرْبِلاَ Tarbela أهمية عظيمة لمدينة كُوهَتْ Kohat وجوارها، وسيكون له أكبر الأثر في تحسين أحوال هذه المنطقة المتخلفة نسبياً.
العشائر والقبائل:
تقطن المرابع الجبلية في الأجزاء الشمالية الغربية من غرب باكستان قبائل عدة من الباثان والأفغان وغيرها من القبائل مثل: اليُوسُفزَ، والتارين، والتَنُولي، والدُرَّاني، والجَادُون، والخَتَّك، والمهْمنَدْ، والأفْرِيدي، والشِنْوَارِي، وأيضاً عدة جماعات عرقيّة أخرى مثل: الأعوان، والرَجْبُوت، والسّادة، والسوانيس، وبطبيعة الحال أن سكان هذه المرابع الجبلية ليسوا ميسوري الحال مثل إخوانهم سكان الهضاب السهلية الخصبة في منطقة بيشاور ومَرْدَنْ حيث تُنْبِتُ الأرض محاصيل غنية وافرة من قصب السكر والتبغ والذرة والأرز وبساتين الفواكه، وحيث تكثر المعامل والمصانع.
وسكان القطاع الشمالي الغربي من غرب باكستان قوم بسطاء في عاداتهم وتقاليدهم. وهم مضيافون جداً، ولا يتأخرون عن تقديم حتى آخر كُسرة خبز لديهم للغريب الذي يحل بين ظهرانيهم. وهم لا يقصرون إكرامهم لضيفهم على العناية به بل يظهرون له جميعاً آيات الاحترام والتبجيل. ولا يجرؤ أيٌّ كان على إلحاق أي أذى بالضيف حتى وإن كانت هناك عداوة شديدة بين المضيف الذي يحل الضيف عنده وبين نفر آخر من أفراد القبيلة أو القبائل الأخرى.
حب الأسلحة النارية هو نقطة الضعف الأساسية في طباع أفراد قبائل الباثان، فحتى إذا كان الواحد منهم شحاذاً أو غارقاً في الديون أو لصًّا يعيش من السطو فلا بد أن يكون بحوزته رشاشٌ أو بندقية أو مسدسٌ، وإن لم يُسْعِفَ الحال فخنجرٌ على أقل تقدير. وواقع الحال إن الواحد منهم يود لو تكون بحوزته على الأقل قطعة واحدة من كل هذه الأسلحة جميعاً، لأن امتلاك الأسلحة هو كناية عن سموّ مكانته وعُلُوّ شأنه. وهذا الشغف بامتلاك الأسلحة متأصِّل بوجه خاص لدى أفراد القبائل وسكان القرى المجاورة لها. وأيًّا كان سن الواحد من أفراد قبائل الباثان فإنه يتباهى باستعراض ما لديه من سلاح ويعتز بمهارته في استعماله والعناية به والحرص عليه. وهذا الشغف بالسلاح يفسّر لنا سر وجود عدة معامل لصناعة السلاح في هذه المرابع القبلية المتخلفة.
وأبناء القبائل هذه محاربون أشداء وماهرون جداً في الرماية، إذ يأخذون في التدرّب على فن الرماية وأصولها منذ نعومة أظافرهم، ولذلك يَشُبّون محاربين أشداء يلقنون أعداءهم دروساً قاسية عند احتدام القتال. وسر شجاعتهم في القتال هو أنهم يفضلون الموت على العار … حتى إذا وقع الواحد منهم في مأزق صعب لا تتكافأ فيه قوته مع قوة خصمه يفضل أنه يضحي بروحه على أن يعود إلى دياره يجر أذيال الخيبة فيتعرض لتوبيخ النساء وتقريع الشيوخ من ذويه وأبناء قبيلته، وحريّ بالتنويه أيضاً أن من شيمهم التي تدل على شهامتهم في القتال أنه يتوجب على من يبقى منهم على قيد الحياة أن يسحبوا من ساحة المعركة جثث من يُقْتَلثون من رفاقهم لئلا تقع في أيدي أعدائهم، حتى وإن كان سحب الجثث هذا ينطوي على مجازفة شديدة بأرواحهم.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن هؤلاء القوم الأشداء في القتال مولعون إلى حد الجنون بضروب الرقص والموسيقى. وأهم الآلات الموسيقية لديهم آلتان وتريتان هما: الربابة والصَّرِنْدَح، وتصدر عن هاتين الآلتين أنغام موسيقية عميقة.
وهؤلاء القوم يجيدون فن المحادثة، ويحبون مجالسة أقرانهم في المضافة أو «الديوان»، وهذا هو مكان الاجتماع العام الذي يلتئم فيه جميع أبناء القبيلة لا سيما في المساء، فيدخنون النرجيلة ويحتسون الشاي الأخضر ويتبادلون الأحاديث مدة ساعات طويلة. وفي هذا الديوان يستغرقون في شتى الأحاديث الإخوانية. وبين الفينة والأخرى ينفجرون ضاحكين في قهقهات شديدة عالية جداً قد تُرَوِّع الزوار الغرباء الذين لا يعرفون عادات الباثانيين وتقاليدهم. ويقيم الباثانيون في قراهم أسواقاً عامة ومعارض يبيعون فيها منتوجاتهم ويشترون منها حاجياتهم، كما توجد لديهم مناسبات عامة اجتماعية ودينية يحتشدون فيها ويقيمون الاحتفالات المتنوعة وهم مولعون بممارسة الألعاب وأنواع الرياضة الرجالية، ويحبون اللهو في الهواء الطلق.
قد يبدو أبناء هذه القبائل في نظر الأشخاص العصريين الذين قلَّما يغامرون بالتجول في هذه الأجزاء من الباكستان قوماً غريبي الأطوار، بيد أن مثل هذا الانطباع قد يتولّد من الجهل بطبائع هؤلاء القوم وتاريخهم الغابر ومشكلاتهم الراهنة سواء الاقتصادية منها أو العاطفية، علماً بأنهم قوم يتمتعون بحس مرهف ومشاعر سامية. وعندما يعرفهم المرء عن كثب يتبين له أنهم من أكثر الناس مودة ووفاءً، فهم يتجاوزون في حفظهم لمواثيق الصداقة كل الحدود، فلا يتورعون عن التضحية بأموالهم وحتى بأرواحهم من أجل رعاية أصدقائهم والحفاظ عليهم. وقد يبدو غريباً أن يُقْدِم هؤلاء الناس، الذين يعرف عنهم حبهم الشديد للمال، على الإنفاق بسخاء شديد لإكرام ضيوفهم والاحتفاء بهم.
أما في ميدان الأغاني والأدب القصصي فلا يقل الباثانيون إبداعاً عن أشقائهم في مقاطعة باكستان الأخرى، فمنذ الأزمان الغابرة كان شعر البشتو رفيع المستوى، وقد اشتهر شعراء البشتو بأنهم شعراء حب وغرام ومغامرة وملاحم كما اشتهروا بالشعر الصوفي. ومن أشهر شعراء البشتو: خوش حال خان خَتَّك، وكاظم خان شَيْدَه ورحمن بابا وغيرهم كثيرون.
إنّ عنصر الوقت بالنسبة لمعظم سكان المناطق الجبلية النائية يبدو ثابتاً لا يتحرك ولا يسير، فإحساسهم بالزمن شبه مفقود، والوقت عندهم يمضي بطيئاً إلى حد الجمود. وهم يمضون في حال سبيلهم قانعين بعيشهم؛ منهم من يحمل بندقية أو رشاشاً أو مسدساً بينما آخرون ينؤون تحت أحمال ثقيلة من حزم الحطب لإشعال مواقدهم أو ما إلى ذلك من الأحمال. وهم في ضروب عيشهم المتواضعة هذه لا يشكون ولا يتذمرون لأنهم لم يتذوقوا أطايب العيش في يسر وبذخ، كما لم يعرفوا مرارة الحرمان من بعد نعيم؛ فحياتهم هي حياة قناعة ورضى، فليس هنالك ما يقلق خواطرهم أو يؤرِّق نومهم. وهم يمضون حياتهم في كنف وديان فسيحة وجبال شاهقة، ويمتعون أبصارهم بمناظر رائعة تسخو بها الطبيعة عليهم، ويلهو صغارهم في هذا الجو الطليق بينما يمتع كبارهم الأنظار بلهو الصغار في أحضان هذه الطبيعة الخلابة.
إن سكان المناطق الجبلية هم، بسبب شدة الطقس وصرامة المناخ، قوم أقوياء أشداء وشجعان؛ فظروف عيشهم تضطرهم إلى القتال من أجل البقاء، قتال الطبيعة القاسية وقتال الإنسان والوحوش ولذلك قد يبدو نمط حياتهم لسكان المدن غريباً مستهجناً، ولكن هؤلاء الناس يدخرون في نفوسهم، تحت هذه القشرة الصلبة من مظاهر الحياة القاسية، مشاعر وأحاسيس إنسانية لا تقل رقة عن مشاعر اي أناس آخرين. وهم قوم لا يعرفون الخوف ويركبون المخاطر مجازفين بأرواحهم دون وجل، ولكنهم في الوقت ذاته لا يعانون من أي كبت أو قيود تكبح إرادتهم وتقهر رغباتهم.
وهم في تعاملهم اليومي يبدون قوماً بسطاء ولكنهم ليسوا بأي حال من الأحوال ساذجين أو أغرار، بل يؤمنون بقدر كبير من الأخذ والعطاء مع الآخرين، وهم يعتزّون بمآثر أجدادهم ويفخرون بعظمة أمجادهم الماضية …
وبدأ الحرص على تطوير هذه المناطق وتحسين أوضاع سكانها فأنشئت وزارة خاصة بشؤون القبائل، كما أقيم عدد من المشاريع فيها لتحسين أحوال سكانها الاقتصادية.
ومن أهم هذه المشاريع سد وَرْسَك وسد تَنْدَه، وسد خَنْبُور التي سيكون لها أعظم الأثر في رفع مستوى معيشة سكان هذه المناطق الجبلية النائية.
ا.س. خان قمر
الكويت
تقع دولة الكويت في الزاوية الشمالية الغربية من الخليج الفارسي، بين خطي العرض 528 و530 (28.45-30.05)ْ شمالاً وخطي الطول (46.30-48.30)ْ 546 و548 شرقاً على وجه التقريب جنوبي العراق وشمالي مقاطعة الإحساء التابعة لما يسمى بالمملكة العربية السعودية. ويحدها من الشمال والغرب العراق، ومن الشرق الخليج، ومن الجنوب ما يسمى المملكة العربية السعودية، وتبلغ مساحتها نحو 15 ألف كيلومتر مربع، وتبلغ مساحة المنطقة المحايدة نحو 5700 كيلومتر مربع، وتقع هذه المنطقة في جنوبي الكويت وتشترك في إدارتها كل من ما يسمى المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وهما تتقاسمان مواردها بالتساوي.
ومدنها الرئيسية: الكويت، حولّي، الاحمدي، الجهرا، الفحيحيل، وتحيط بها عدة جزر أكبرها: بوبيان، وربة، فيلكا.
يتألف سطحها بوجه عام من سهول رملية منبسطة تتخللها أحياناً تلال قليلة الارتفاع، وفي بعض الأماكن وخاصة في الجنوب توجد بعض التلال على شكل القباب الملائمة لتجميع الزيت وتبدو واضحة كأنها جزر صغيرة وسط بحر من الرمال، وهي في الغالب مكونة من صخور رسوبية ورملية كما هو الحال في منطقة وارة والبرقان.
وتعتبر الكويت من حيث المناخ، منطقة انتقال بين الإقليم الصحراوي وإقليم البحر المتوسط، ويمتاز هذا المناخ بفصلين رئيسيين هما: صيفٌ حار جاف وشتاء قصير دافئ قليل الأمطار. وأمّا الرياح فتهب في جميع فصول السنة، منتظمة أحياناً ومتغيرة في أحيان أخرى. والخريف قصير للغاية، والشتاء يتركز في شهري كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) ثم يبدأ الربيع فيعتدل الجو في شباط (فبراير) وآذار (مارس).
وليس في الكويت ماء جارٍ ولكن فيها آباراً صغيرة وربما كانت منطقة الجهرا أغزر المناطق مياهاً. وقد أنشئت في الكويت مصافٍ ضخمة لتقطير مياه البحر وتحويلها إلى مياه عذبة، واكتشفت أخيراً ينابيع عذبة في منطقة الروضتين، وينتظر اكتشاف ينابيع جديدة في مناطق أخرى.
ونباتات الكويت من النوع الصحراوي الذي يتحمل الجفاف وقلة المياه، وأهمها الحشائش والأعشاب والشجيرات التي تستفيد لأقصى حد من مياه الأمطار القليلة.
وأعلى نقطة فيها تقع في الزاوية الجنوبية الغربية ويبلغ ارتفاعها نحو 900 قدم فوق سطح البحر.
وفي الكويت بعض التلال الصخرية المتباعدة لا يزيد ارتفاع أعلاها على 150 قدماً عن سطح الصحراء المحيطة بها.
وبينما تنخفض درجة الحرارة في شهري كانون الأول وكانون الثاني «ديسمبر ويناير» في الليل إلى درجة التجمد أحياناً فإن الحر يبلغ ذروته في شهري تموز وآب (يوليو وأغسطس) حتى يزيد أعلى درجة للحرارة في النهار عادة عن 110 درجات فهرنهايت وقد تبلغ أحياناً 120.
ومما يلطف درجة الحرارة في الصيف ريح الشمال التي تهب باردة لطيفة إلا أنها مبعث للإزعاج كذلك إذ تهب أحياناً شديدة مسببة عواصف رملية قوية. وفي هذه العواصف ينخفض مدى الرؤية إلى بضعة أقدام.
وتقع المدينة البحرية التي تعتبر ميناء الكويت والتي تحمل اسم الدولة (أي مدينة الكويت) في رأس جغرافي يشكل الجانب الجنوبي لجون واسع مأمون، وكانت قبل اكتشاف النفط أكبر ميناء بحري في الخليج وأكثر مدن شبه الجزيرة العربية كثافة سكان. ففي سنة 1930 كان عدد سكانها حوالي 60 ألفاً فارتفع إلى مائة ألف نسمة قبل بدء إنتاج النفط. وما أن هل عام 1945 حتى ارتفع هذا الرقم إلى ثلاثة أضعافه، وذلك للتطور السريع الذي طرأ على استخراج النفط، وإلى برامج الأشغال العامة الواسعة التي شرعت الحكومة الكويتية تقوم بها.
وكان يحيط بمدينة الكويت سور كبير أقيم حولها لصد غارات الوهابيين الذين كانوا يهاجمونها منذ عام 1791 حتى أنهم قطعوا عنها الماء باستيلائهم على الآبار خارج البلدة.
وفي عام 1919م هاجموها فنشبت بينهم وبين الكويتيين معركة الجهراء ردهم فيها الكويتيون وبنوا بعد الوقعة سوراً طوله خمسة أميال وعلوه أربعة عشر قدماً استغرق بناؤه شهرين واشترك فيه جميع سكان المدينة، وظل هذا السور قائماً حتى عام 1957م.
لمحة تاريخية
منذ أقدم العصور، وشواطئ الكويت ملتقى للسفن التجارية التي تجوب البحار، وتنقل البضائع بين الشرق والغرب، إذ أن هذه السفن كثيراً ما كانت تتوقف على هذه الشواطئ، ولا سيما شاطئ جزيرة فيلكا لتتزود بالماء والطعام أو لتتقي الأنواء البحرية العاصفة.
وقد استطاعت البعثة الدانمركية للتنقيب عن الآثار، بعد الحفريات العديدة التي قامت بها، لا سيما في جزيرة فيلكا، من العثور على آثار عديدة تربط هذه البلاد بالعالم الخارجي ربطاً محكماً عن طريق البحر.
فاليونان مثلاً قد وصلوا للكويت وعثر من الآثار اليونانية على قوالب لتماثيل صغيرة منها رأس الإسكندر وآلهة النصر وآلهة الجمال، وعلى نقوش وأعمدة من الطراز اليوناني وقطعة من الحجر نقشت عليها كتابة يونانية واضحة، وهي تقدمة من الربان اليوناني ستوليس، وبحارته إلى بوسدون إله البحر، وأرتميس حامية البحارة لأنهما أنقذاهم من الغرق، وستوليس هذا هو أحد الربابنة الذين عملوا تحت إمرة يناركسوس أمير البحر الذي كان يقود أسطول الإسكندر الأكبر … وقد أيدت هذه الآثار الروايات التاريخية التي ذهبت إلى أن أسطول الإسكندر الذي انطلق إلى المحيط الهندي بحثاً عن الاكتشافات الجغرافية في منابع الشمس، قد عاد من الهند إلى العراق سنة 326 ـ 325ق.م. عن طريق الخليج لسبر غور مياهه واكتشاف مصب الفرات، وأن الإسكندر الذي كان يطمح إلى أن يحمل لقب ملك العالم، قد راودته فكرة افتتاح بلدان الخليج للسيطرة على سواحله، وتشييد الموانئ والمدن فيه. وقد ذهب الفينيقيون إلى أنهم قدموا إلى لبنان من منطقة عمان في الخليج، كما يقول هيرودوت. كما أن مؤرخاً آخر اسمه (استرابون) أشار إلى قيام علاقات تجارية بين الفينيقيين وشواطئ الخليج.
وفي 31 كانون الأول سنة 1972 صرح أحد علماء الآثار الدانمركيين بما يلي:
يقوم علماء الآثار الدانمركيون بالتنقيب عن الآثار في إمارات الخليج منذ عدة سنوات. ابتدأ البحث سنة 1953 في البحرين ثم امتد إلى قطر في السنة التالية.
والهدف من هذا البحث هو تحديد بقايا القرى والمعابد القديمة في هذا القسم من العالم والتي كانت شاهداً على بعض أقدم المجتمعات المدنية في تاريخ الإنسان حيث كانت الخطوط البحرية عبر الخليج تربط مدن العراق بباكستان والهند منذ حوالي 4 إلى 5000 سنة.
وفي سنة 1957 وجهت لنا الحكومة الكويتية دعوة للقيام على نفقاتها للتنقيب عن الآثارات في مناطق ترك اختيارها لنا.
وفي السنة التالية تلقيت وزميلي ت.ج. بيبي استقبالاً حاراً من قبل صاحب السمو الشيخ عبد الله الجابر الصباح وزير التربية.
كانت الكويت في ذلك الوقت غير مستغلة من ناحية البحوثات الأثرية وأقلها اكتشافاً في الشرق الأوسط، مع العلم أن عدة اكتشافات قد سجلت في المناطق المجاورة وأدى استكشافنا في اليوم الأول على العثور في جنوبي غربي جزيرة فيلكا على آثارات معروفة باسم سعد وسعيد. وكانت هذه الآثارات مؤلفة من جرات فخارية وغيرها من الأواني المغروزة في الرمال التي ساعدتنا على تحديد الموقع الصحيح لهذه الآثارات.
وقد ركزنا بحوثاتنا على هذين الموقعين حتى سنة 1963 وكانت نتيجتها اكتشاف حقائق فنية رائعة وكان الفضل في نجاح هذا البحث في فيلكا يرجع لعمران عطا عبدو عالم الآثار في متحف الكويت.
مدينة فيلكا القديمة
وفي خلال حفرياتنا في «رمال سعد» توصلنا تدريجياً إلى العثور على بقايا مدينة قديمة يرجع تاريخها إلى 4,000 سنة، وكانت المدينة مركزاً تجارياً للبحارة القدامى. وقد عثرنا خلال بحثنا على منازل وهياكل قديمة وشوارع ضيقة وتحف رائعة مزخرفة تحمل أختام «ديلمون» لم يوجد لحينه سوى بضع قطع مماثلة بحالة جيدة في العراق والباكستان وتمثل هذه الصور الآلهة وقطع من ملحمة جيلجميش أعظم أبطال السوماريين. وقد استعملت هذه الأختام من قبل تجار فيلكا لختم البضائع قبل شحنها إلى الهند وجنوبي غربي الجزيرة العربية.
أمّا آثارات «سعيد» فتختلف كلياً عن ما وجد في رمال «سعد» وهنا يجدر بالذكر أن المنطقتين تمثلان فترتين من التاريخ مختلفتين.
وتبين لنا من اكتشافاتنا خلال السنة الأولى أن الآثارات هي من أصل إغريقي، إحدى التحف الأثرية كانت لوحة من الحجر منحوت عليها عبارات إغريقية وقد ذكرنا هذه اللوحة ببطاقة «زيارة إسكندر الاكبر».
وفي السنين التالية عثرنا على معبد إغريقي في قلب الآثارات وهي مخصصة للآلهة الإغريقية «سوتيرا» وقد عثر أمام الهيكل على كمية كبيرة من العملة الفضية الإفريقية بعضها قد صنع في ميناء جرهاء الأسطوري في جنوب الكويت وهي الآن منطقة مجتمع واحة التاج.
وعثرنا أيضاً على تماثيل وكتابة إغريقية ومن ضمنها لوحة ضخمة من الحجر الرملي نقشت عليها بالإغريقية أحرف تدل على أن الاسم القديم لجزيرة فيلكا بالإغريقي هو «أكاروس» وقد عثرنا في هذه المدينة القديمة على عدة هياكل وبيوت وقد أسسها أحد جيوش إسكندر الأكبر خلال عودتهم من حملة الهند إلى الخليج.
وسجل المؤرخون الإغريقيون أن فيلكا كانت مغطاة بالغابات وجميع أنواع الأشجار وطرقاتها المزروعة كانت مرعى للمعز والغزلان وهي ملك الآلهة سوتيرا.
الاستكشافات في الكويت على يد علماء الآثار الدانمركيين لم تكن سوى البداية. هناك الكثير مما يتطلب العمل والدراسة ومنذ توقفنا عن العمل في هذه المنطقة بذلنا كل جهدنا لننشر عن ما عثرنا عليه من آثارات على الصعيد الدولي. ونأمل في السنين القادمة استئناف نشاطنا في جزيرة فيلكا، وفي الكويت لمعرفة المزيد من تاريخ المنطقة، عندما كانت ملتقى للأحداث التاريخية العالمية بصفتها مركزاً بحرياً تجارياً مهماً منذ 4000 سنة على طريق المدن الواقعة ما بين النهرين حتى الهند والباكستان.
هجرات عربية
أرض الكويت امتداد للبساط الصحراوي الهائل في شبه الجزيرة العربية … وقد شهدت هجرات عربية عديدة ولعل إحدى الهجرات القديمة هي هجرة قبيلة إياد إلى الأرض التي تقوم عليها اليوم دولة الكويت منذ العصر الجاهلي.
وكان أول نزول أفراد هذه القبيلة واستيطانها في المكان الذي عرف باسم (النباج) ثم اختاروا المكان الذي أقاموا عليه مدينة كاظمة التي لا يزال يعرف مكانها على وجه التحديد، وهي تقع ضمن أراضي دولة الكويت، وتبعد عن قرية الجهراء نحو خمسة أميال وتشرف عليها جبال (قضى أو غضى) المعروفة بهذا الاسم منذ التاريخ العربي الأول، أما مجتمع قبيلة إياد العربية الذي استقر في مدينة كاظمة، فقد اتخذ شكله السياسي وفقاً للنظام القبلي الذي كان سائداً في جميع أنحاء الجزيرة العربية آنذاك.
ومن المعروف أن كاظمة التي تقع على مقربة من الشاطئ الشمالي لخليج الكويت كانت مسرحاً للمعركة الشهيرة التي عرفت بمعركة السلاسل سنة 12هـ (630م).
ومن المؤكد أن قبائل أخرى منها تميم، نزلت قبل ذلك في المنطقة ولهم فيها قبور وآثار أشهرها قبر غالب بن صعصعة والد الفرزدق الذي قد دفن في جبل بكاظمة يسمى المقر.
ومن المواقع الأخرى ـ في الكويت ـ التي عرفت عند العرب وذكرت في أشعارهم وأخبارهم جبلا أوارة وغضى، وقد اشتهر الأول أيام الجاهلية بما دار حوله من الحروب بين قبائل العرب فقالوا (يوم أوارة الأول) و(يوم أوارة الثاني) ولعل هذا الجبل قرب مدينة الأحمدي الحديثة ومعروف باسم (وارة).
أما جبل (غضى) فهو سلسلة تلال ممتدة من ساحل جون الكويت بين كاظمة والصبية حتى نهاية الجهراء.
وهناك (الرحا) وهي أكمة غربي الجهراء وتبعد عن مدينة الكويت نحواً من عشرين ميلاً وتعرف الآن بالرحية، وقد وصفها ياقوت الحموي بقوله: (الرحا جبل بين كاظمة والميدان عن يمين الطريق من اليمامة إلى البصرة) أما (السيدان) فأرض كاظمة كانت تعرف في الماضي بهذا الاسم، أما الآن فتعرف باسم السادة.
الكويت حديثاً
لم يعرف اسم الكويت إلا في أواسط القرن الحادي عشر للهجرة حين سكنها بنو خالد الذين سيطرت قبيلتهم على قطر والإحساء والكويت ومن اليمامة في نجد إلى السماوة في العراق وأنشأ فيها أميرهم محمد بن عريعر حصناً صغيراً (كوتا) سنة 1080 هجرية ووضع فيها جماعة من جنده وأتباعه ليكون مستودعاً للزاد والذخيرة كلما أراد أن يقيم في الكويت أو يقوم بالغزو شمالاً على قبائل العراق كما يكون مأوى لرعاة قبيلته إذا ما قصدوا المراعي القريبة، وقد عرفت يومذاك باسم (الكويت) ويرى بعض الباحثين أن الكويت تصغير الكوت وهي القلعة الحصينة واللفظة هندية، وفي الهند مدن بهذا الاسم مثل (كالكوت).
وقد صغر الاسم هذا، على نسق الأسماء الأخرى المصغرة ربما لميل سكان المنطقة إلى التصغير كما يلاحظ الأستاذ عبد العزيز حسين في كتابه محاضرات عن المجتمع العربي في الكويت.
وجاء في تاريخ قطر أنه لما اتسع نفوذ محمد بن سعود الأول شمل نفوذه بعضاً من جنوب العراق والإحساء، وأخل بني خالد في طاعته وقد كانوا من الذين ناهضوه، وقبل ظهور آل سعود كانت الزعامة هناك للشيخ (ابن عريعر) وهو زعيم بني خالد.
وجاء في مختصر تاريخ الكويت صفحة 17 أن اسم الكويت لم يكن شاملاً لجميع الأراضي والمناطق الحالية بل يطلق على محل معين هو اسم المدينة فقط وما عتم الكويت أن أصبح مرفأ ممتازاً تنازعته الدول من قبل انبثاق النفط فيه.
الكويت القديم
بليدة ضمن موضع (كاظمة) الشهيرة المتصلة ببادية البصرة، وكانت الكويت منسية ومعدومة الأهمية لا ميزة لها عدا أنها المرفأ الطبيعي للصحراء على الخليج لم تمنحها الطبيعة من هباتها شيئاً محسوساً في الظاهر ولكنها كانت ظهراً فقيراً وجوفاً ثرياً، وفي موجة من موجات الجزيرة العربية أزعجت الصحراء فريقاً من أبنائها فالتجؤوا إلى البحر هابطين إلى ساحل الخليج وهم مجموعة من بني عتبة الذين ينحدرون بأنسابهم إلى عنيزة من بكر بن وائل الأب الذي تنتسب إليه البيوت الثلاثة آل السعود وآل صباح، فآل صباح الذين هبطوا إلى هناك عام 1130 للهجرة كانوا أبناء عم آل خليفة وأقرباء آل سعود. لقد أزعجت الصحراء هذا الفريق فالتجؤوا إلى الشاطئ على أنهم لم يتخلصوا من الرمال السافية والقيظ بصبر وجهد وداوموا متماسكين حتى عوضتهم العناية بتلك الثروة الفائضة، وكانوا قبل ذلك التعويض مولين وجوههم شطر البحر، فكان الكويتيون من أجرأ الغواصين وأمهر الغطاسين وأشجع البحارة، وكان من بينهم جبر بن رحمة ذلك الشجاع الذي دوخ الخليج وأمراء الخليج وقد كان الكويتيون يسكنون بيوتاً من الطين نشأت منها بعض القُرى الفقيرة التي كانت تضم أناساً بدائيين، يتردد عليهم البدو ومعهم الخيمة والجمل وكل الخير عندهم أن تمن الطبيعة على الجزيرة بزخة من المطر توشح البادية بحلة خضراء فيهرعون عائدين إلى الصحراء الأم، وترى في تلك البلدة إلى جانب الخيام أكواخا من صفيح التنك الصدئ أو من سعف النخل اليابس قامت على شاطئ رديء وبيء ومناخ رطب محموم وجو ملوث هبوب لزج، كذا كانت الكويت الفقيرة بلد الرمال والسباخ وفي الثلث الأول للقرن الثاني عشر للهجرة كثر الهابطون على الكويت ولأجل ترتيب شؤونهم اختاروا شيخاً لهم حسب نظام البداوة ووقع اختيارهم على الشيخ صباح بن جابر الذي سميت به العائلة.
لقد كان القرن التاسع عشر للميلاد من أسوأ الأزمنة في حياة الحكومة العثمانية السياسية في العراق وأطراف العراق جنوباً وشمالاً ولم يستقر الوضع إلاَّ في عهد مدحت باشا وأن الحملة التي وجهها إلى الإحساء وقطر كانت مؤلفة من الجند العثماني ومن قبائل المنتفك تحت قيادة ناصر السعدون ومن عرب الكويت بزعامة مبارك الصباح، وبعد انتهاء تلك الحملة قدر مدحت باشا موقف الشيخ مبارك فنصبه قائم مقام على قبائل الكويت.
وكان عماد اقتصاد الكويت على صناعة بناء السفن الشراعية المبنية من خشب الساج الهندي وكانت تلك المراكب تحمل التمور من البصرة إلى شواطئ الهند والجزيرة العربية وإفريقيا الشرقية وتعود محملة بأخشاب الساج من الهند وأسطوانات شجر «المانجروف» من زنجبار وغير ذلك.
وعدا بناء السفن والتجارة كان الغوص على اللؤلؤ من مقومات الاقتصاد الكويتي. وبحلول فصل الصيف عندما تصبح مياه الخليج دافئة كان أسطول الغوص وعدده حوالي ستمائة سفينة يخرج إلى البحر ويتجه إلى مغوص اللؤلؤ في الجنوب ثم تدهور صيد اللؤلؤ باستحداث اللؤلؤ الصناعي ثم ظهور النفط.
وعلى أن الحفر على النفط بدأ عام 1936 فإنه لم يدشن تصديره إلاَّ عام 1946.
الكويت اليوم
إن الكويت الحديثة التي كانت تضمها الكويت القديمة كما يضم الفحم الماس تقدّمت وتدرجت في الانتعاش، وأول انتعاش لها جاء من البصرة وذلك عند مهاجمة الفرس الزندية مدينة البصرة في القرن الحادي عشر للهجرة ويلتجأ تجار البصرة إلى الكويت بثرواتهم وتجاراتهم وبهذه الهجرة احتكرت الكويت تجارة الخليج، وتمكّث المهاجرون سنوات عديدة وبهم ظهرت أهمية هذا المرفأ، أما الانتعاشة الثانية فقد كانت أضخم ألا وهي الثروة النفطية التي بشّرت طلائعها في النصف الأول من القرن العشرين وتقدمت الدول الكبرى تخطب ود الكويت متصلين بالشيخ السابع وهو الشيخ مبارك الذي يعتبر المؤسس الثاني لمشيخة آل صباح. وتشتمل الكويت اليوم على ستة أحياء وهذه الأحياء على ثلاث مدن وهي (الكويت) (الأحمدي) (الجهرة) وعلى عدة قُرى وعلى عشرة من الجزر الصغيرة والكبيرة. ويبلغ عدد الآبار المنتجة للنفط ثلاثمائة وتسعة عشر بئراً اعتباراً من أول يوم تدفقت فيه البئر الأول بما فيها آبار منطقة الحيادة وقد تأسست الكويت الحديثة عام 1756 وفي عام 1885 تقدم الباب العالي وضمها إلى العراق رسمياً، وفي عام 1899 عقد الإنكليز بينهم وبين شيخ الكويت اتفاقية سرية ضمنت نفوذهم فيها. وبين عشية وضحاها أصبحت إمكانية الكويت لا حد لها وصار التقدم الاقتصادي في الكويت لا يجاريه أي تقدم في العالم فوراناً. إن الفورة صعدت بإنتاج البترول في غضون ثلاثة عشر عاماً 90 ضعفاً من بداية إنتاجه، ففي عام 1946 كانت الشحنة الأولى ثمانية آلاف طن وكانت عائدات الكويت منها ثمانمائة ألف دولار وفي عام 1956 بلغت الشحنة خمسة وسبعين مليوناً من الأطنان وتوالت الزيادة باستمرار.
عدد السكان
وحسب إحصاء سنة 1975 بلغ عدد نفوس دولة الكويت 991,392 ألفاً وفي سنة 1976 بلغ العدد مليون و55 ألف أي بنسبة زيادة 6 بالمائة وتعد من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم. وأشير إلى أن هذه الزيادة السكانية ترجع إلى تدفق الوافدين للعمل.
وقد تطور عدد السكان بالشكل الآتي: السنة 1957 كان عدد السكان 206,472 وفي السنة 1961 كان العدد 321,621 وفي السنة 1965 كان 467,339 وفي السنة 1970 كان 738,662 وفي السنة 1975 كان 991,392، وفي السنة 1980 كان 1,400,000 وتتوقع الإدارة المركزية للإحصاء في الكويت أن يصل عدد السكان في سنة 1985 إلى 1,907,150 نسمة. وقد تمّ هذا التقرير في ضوء النمو في عدد السكان بين التعدادين الذين أجريا سنة 1975 و1980 وفي ضوء استمرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية القائمة في الكويت وفي المنطقة المحيطة بها عربية وآسيوية.
والكويت من مواطن الشيعة التي يكثرون فيها ويشكّلون ثقلاً في حياتها الاقتصادية والثقافية والسياسية. ولهم فيها مساجدهم ونواديهم وجمعياتهم وحسينياتهم.
كيفون
بلدة في جبل لبنان قرب بلدة سوق الغرب جميع سكانها شيعة نزحوا إليها من جبل عامل. كان معظم أراضيها لمشايخ آل تلحوق، وجاءها سكانها الحاليون وأخذوا يعملون في الأرض التي ملكوها بعد ذلك.
وقبل نحو مائة سنة لم يكن عدد منازلها يتجاوز الاثني عشر منزلاً. وفي أوائل عشر الخمسين بدأ التحرك العمراني يلف البلدة من وسطها وروابيها وجوانبها. وأول مجلس بلدي انتخب كان سنة 1954.
ترتفع البلدة 850 متراً عن سطح البحر وتبعد عن بيروت 22 كلم. تصلها ببيروت طريق عاليه ـ سوق الغرب، وطريق الشويفات ـ عيتات، وطريق القماطية ـ بسوس. وطريق بيصور ـ قبرشمول ـ عرمون ـ خلدة.
تحدها شرقاً سوق الغرب وغرباً شملان وشمالاً عيتات وجنوب عيناب وبيصور. من منتزهات البلدة رأس الجبل. ويقع ضمن منطقة كثيفة بأشجار الصنوبر. ومن آثار كيفون: قلعة الحصن، وهي فينيقية تحوي خزان مياه.
وتشرب البلدة من مياه نبع الباروك.
واصطاف السيد محسن الأمين في كيفون سنة 1369هـ فقال:
ليست بنا نعم الإله تكافى
«كيفون» قد صارت لنا مصطافا
بلد بها اعتل النسيم فصح باسـ
ـتنشاقه ذو علّة وتعافى
والحر في تموز أقلع ركبه
عنها وولى راحلاً وتجافى
شجر الصنوبر ماثل في أرضها
فوق الشوامخ يملأ الأكنافا
لا في مرابعها فتى متعجرف
ركب المتون وأوطن الأكتافا
زعم البرية كلهم خولا له
جهلاً فسخر جاهلين ضعافا
وأبو سعيد جار بيتينا غدا
يفري الحلوق ويبقر الأجوافا
يقري بها الأقوام طول نهاره
فكأنهم كانوا له أضيافا
ثاو (بسوق الغرب) ليس ببارح
منه ليملأ للطهاة صحافا
أكرم بربة بيته من جارة
لجميع ما ينتابنا تتلافى
ما أن تزال ببكرة وعشية
تسقي الزروع وتغرس الأليافا
ولها ابنتان سميرة وسهيلة
حكتا سهيلاً بل عليه أنافا
لأبي أمين خلة يعيا بها
وصف البليغ وتنفذ الأوصافا
ما زال يطربنا بصوت نشيده
والتين يتحفنا به إتحافا
كل الألى فيها كرام طبائع
فغدا إلى باقي الكرام مضافا
(بيصور) جارتنا (وعيناب) هما
قد أشرفا فوق الربى إشرافا
فيها بنو معروف كل هاجر
خلق البخيل وللندى قد صافى
(ومعيسنون) لا أغب ربوعها
فيض السحائب هاطلاً وكافا
شتى وخرف (جوهر) في أرضها
وكذاك ربع عندها واصطافا
أما أبو فوزي فإنك دائماً
تلقى الأنام ببابه عكافا
من أهل بيروت وعاملة وكيفـ
ـفون وحيفا والجليل ويافا
أن تحص عدتهم تجدها تبلغ العـ
ـشرات إن لم تبلغ الآلافا
دكانه جمعت من الحاجات أنوا
عاً ومن أنواعها أصنافا
قد أنجبته بنو خليفة لا ترى
في وصفه بين الأنام خلافا
فيها كما تهوى السليقة مسجد
أهل الصَّلاة إليه لا تتوافى
فيه يصلي خلفنا من ليس من
عدد الأصابع يبلغ الأنصافا
والأمن فيها ضارب أطنابه
ما في مرابع أرضها من خافا
بعدت عن المدن الكبار واشبهت
في وصفها القصبات والأريافا
لبست من النسمات برداً زاهيا
أمسى عليها ضافياً شفافا
صفت المسرة للمقيم بأرضها
زمن المصيف وضوعفت أضعافا
لا يستطيع المرء وصف جمالها
مهما أطال وإن يكن وصافا
والغانيات بها سوافر منتهى
حد السفور وإن ملئن عفافا
وقاال أيضاً في كيفون:
حيتك سارية السحاب الجون
يا ربع لذاتي على كيفون
فسقتك من ديم الحيا وكافة
من كل حافلة الضروع هتون
تلك الربوع الفيح لا سقط اللوى
عند الدخول ولا ربى يبرين
طابت وطاب لي المقام بأرضها الفـ
ـيحاء بين التين والزيتون
فيها الجبال الشامخات إلى العلى
حكت مناط نجومها بمتون
من كل طود مشمخر شاهق
رحب الجوانب شامخ العرنين
جاث على وجه البسيطة جاثم
متمكن كالليث وسط عرين
وعلى الخضم جبالها قد أشرفت
ورست بجانبه رسو سفين
وأخالني لما حللت بأرضها
وسط الجنان وبين حور عين
شجر الصنوبر مائل فيها على
متن الجبال بشكله الموضون
ورياضها الغناء عاد نسيمها
يهدي إليك المسك من دارين
فيها النسيم الطلق ما نفح الصبا
إذ هب من نجد له بقرين
فيها القصور تبوأت شرفاتها
مجرى النجوم على منيع حصون
والعين جارية بها ينبوعها
يجري بماء كاللجين معين
والكرم باسقة بها أغصانه
باد تدليها على العرجون
والحصن فوق الطود فيها قد غدا
أثراً وبدل عزه بالهون
(ومعيسنون) ما تمر بخاطري
إلاّ وذكراها تهيج شجوني
لكنني أصبحت فيها مفرداً
من كل من أحكيه أو يحكيني
ما لي إذا ما الهم أطبق مؤنس
إلاَّ يراع قد جرى بيميني
ونديم صدق لا أمل حديثه
يروي الذي قد كان قبل قرون
مهما دعوت أجابني ما حاد عن
أمري ولا هو مرة يعصيني
عاهدته أن لست أجفوه وعا
هدني مدى الأيام لا يجفوني
ذهبت لذاذات الشباب وقد وهت
مني القوى ودنت إليّ منوني
قصرت خطاي وكنت أمشي قبلها
رحب الخطا بالزهو والتمكين
وإذا تذكرت الشباب وعهده
أمسى مصون الدمع غير مصون
كينيا
تقع كينيا على جهة خط الاستواء وعلى الساحل الشرقي من القارة الإفريقية بين خطي العرض 4 درجات شمالاً و4 درجات جنوباً، ومن خط الطول 34 إلى خط الطول 41 شرقاً.
وتحد كينيا من الشمال أراضي أثيوبيا والسودان وإلى الجنوب تنجنيقيا وإلى الشرق البحري جمهورية الصومال والمحيط الهندي.
وتغطي كينيا مساحة 225,000 ميلاً مربعاً ـ منها 5171 ميلاً مربعاً من المياه بما فيها بحيرة (رودولف) (Rudulf) وجزء من بحيرة «فيكتوريا» (Victoria) و6,111 ميلاً مربعاً من الأحراش والغابات، وتتجمع في المرتفعات من كينيا كثافة السكان ـ كما تنتج المرتفعات والتي تختلف في علوها بين 5000 و9000 قدماً عن سطح البحر أكثر المحاصيل الاقتصادية في البلاد.
وطبقاً لإحصاء عام 1962م، كان عدد السكان 9,847,000 مليون نسمة، وتقدر الزيادة السنوية ثلاثة في المئة، وهناك ثلاث ديانات رئيسية وهي المسيحية، والإسلام، والهندوسية، ولا يزال عدد كبير من السكان الإفريقيين يتبعون الاعتقادات والعادات الوثنية.
وبين المسلمين الألوف من الشيعة ومعظمهم من أصل هندي. ومدن كينيا الرئيسية: نيروبي، ممباسيا، ناكورو، كيسومو.
اللاذقية
مرفأ الجمهورية العربية السورية على الساحل الشمالي من سورية، يحيط بها البحر المتوسط والتلال والبساتين، وتجري فيها الأنهار أهمها النهر الكبير، ومن وراء ذلك القُرى العامرة بأراضيها الزراعية وجبالها.
بنيت على أنقاض راميتا الفينيقية سنة 290 قبل الميلاد، بناها سلوكس نيكاتور حين صار ملكاً على سورية بعد وفاة متبوعه الإسكندر الكبير، وسمّاها باسم والدته (لاويسه). ثم حكمها الرومان فالعرب فالصليبيون فالمماليك، إلى أن حكمها الأتراك العثمانيون بعد استيلائهم على سورية سنة 1516م.
لاهور
مدينة في شمال شرقي باكستان على شاطئ نهر (راوي)، تبعد عن كراتشي 758 ميلاً على ارتفاع 700 قدم عن شاطئ البحر، كانت عاصمة الدولة الإسلامية قديماً في الهند. وكان من المفروض أن تكون عاصمة باكستان الحديثة لولا وقوعها قريباً من الحدود الهندية وهي الآن عاصمة البنجاب ومركز الحياة الثقافية والدينية في باكستان وتضم الكثير من الآثار المغولية. وقامت فيها صناعات حديثة هامة منها صناعات ثقيلة. ويزيد عدد سكانها عن 1,774,000 نسمة.
والتشيع في لاهور قديم العهد وفي أيام محمود الغزنوي لاقى الشيعة منه عنتاً وأذىً، ومحمود معروف بنزعته التعصبية المذهبية التي لم يتورع معها عن استحلال أي محرم يرضي هذه النزعة لذلك كان عهده عهد بلاء على الشيعة فحاربهم وحارب مؤسساتهم حرباً حققت له ما أراده ولكن إلى حين، إذ لم يكد ينقضي عهده وعهد خلفائه ويأتي عهد الملك محمد أكبر حتى جمع حوله نخبة من المستشارين الأكفياء فيهم من علماء الشيعة الشيخ فتح الله الشيرازي الذي أصبح مستشاره الشرعي الأول. وقد كان هذا على جانب كبير من العلم والفضل وسداد الرأي وفيهم كذلك من الشيعة الشيخ مبارك وولداه أبو الفيض وأبو الفضل. كما جعل قاضيه السيد نور الله التستري وكان مقره في لاهور فانتعش الشيعة وانتشر التشيع وسادت حرية العقيدة والقول.
ولكن انتكس الأمر بموت محمد أكبر فاستشهد القاضي نور الله وملا أحمد التتوي على التشيع. على أن التشيع كان قد تركز وثبتت قدمه، وكانت جماعات من الإيرانيين والعراقيين والكشميريين قد استقرت في
لاهور. وبتعاقب الحكومات وتبدلها كان الشيعة قد استطاعوا أن ينشئوا الحسينيات ويقيموا المآتم ويخرجوا بالمواكب وشاركهم بذلك غير الشيعة مشاركة فعالة، ويقول الأستاذ جغتاي (ماه نو، كراتشي ص 50) إن (استاذ تاج) كان من أوائل المؤسسين للمآتم الحسينية من غير الشيعة.
وفي عهد (رنجيب سنك) كان الأمر على أحسن أحواله إلى أن جاء حكم (شركة الهند الشرقية) وقدر في ما بعد للسيد رجب علي خان أرسطو جاه أن يكون سكرتيراً لحاكم لاهور، والسيد رجب هذا كان من العلماء المؤلفين في العقائد والتفسير فضلاً عن مكانته السياسية فحمى الشيعة وساعدهم وأنشأ حسينية في لاهور لا تزال قائمة حتى الآن.
حسن الأمين في حفلة بلاهور بمنزل السيد شمسي
وفي هذا العهد هبط لاهور أحد رجال القزلباش. هدايت علي خان وربما كان ذلك سنة 1839 وهو مؤسس السلسلة القزلباشية في لاهور. وصار ولده رضا علي خان نواباً ذا منزلة محترمة فقاد حركة التشيع قيادة حكيمة. ولهذه السلسلة أوقاف كثيرة يصرف ريعها على الشؤون الدينية حتى الآن.
وللشيعة اليوم في لاهور عدة جمعيات أشهرها (إدارة تحفظ حقوق الشيعة) و(كل باكستان شيعة كونفرس) وهناك جمعيات لمختلف الأغراض لإقامة المآتم وخدمة الحفلات الدينية مثل: (رضا كاران حسيني) و(حماية أهل البيت). ولإقامة الصلوات وتعزيز الشعائر (معين الصلاة) ولكفالة شؤون الأموات (معين الأموات) وغيرها وهناك مؤسسات أخرى منها لنشر العلوم وطبع الكتب (إمامية مشن) و(معارف إسلام) وغيرها، ومن المؤسسات الثقافية (جامعة المنتظر) و(جامعة إمامية) و(حسينية هائي سكول) و(قراءة كالج) و(تجويد كالج).
حسن الأمين خارجاً من الاستقبال الذي أقامته له جمعية أصدقاء العالم الإسلامي في لاهور سنة 1964
ويسكن الشيعة في لاهور أكثر ما يسكنون في موجي دروازه وبازار حكيمان كما يسكنون في أماكن أخرى متفرقة. ولهم فيها العديد من المساجد.
وأكبر هذه المساجد هو مسجد كرشن نكر ثم مسجد سمن آباد ومسجد الحائري ومسجد خاجكان أما مسجد كل برك فهو اليوم في طريق البناء وسيكون أفخمها.
ومن المؤسسات الشيعية (الرباط الحيدري) المؤسس سنة 1927م ليكون منزلاً مجانياً ينزله القاصدون إلى الحج أو الزيارة في طريقهم إلى العراق والحجاز. كما تقدم فيه احتفالات ذكر استشهاد الحسين عليه السلام. ومما يذكر في لاهور أن فيها مقبرة منسوبة إلى بنات أمير المؤمنين يسمونها (بيبي باك دامنة) ومعناها المخدرات الطاهرات الذيول.
لاهيجان
ـ 1 ـ
تقع مدينة لاهيجان في محافظة كيلان في إيران ويحدها من الشمال والشمال الشرقي بحر الخزر ومن جنوبها الغربي سلسلة جبال ألبرز وغابات ومزارع الشاي.
وتشهد هذه المدينة كل عام 26 يوماً من أشد أنواع البرد فتتجمد فيه كل المياه فضلاً عن بقية أيام الشتاء ودرجة حرارتها في الصيف تتراوح بين 8 درجات كحد أدنى و21 درجة كحد أقصى ويبلغ معدل الأمطار فيها 1327,3 ملم، أما اللغة، فتسود هذه المدينة لغتان: الكيلانية والديلمية ولمدينة لاهيجان أربع توابع هي: الحومة وأستانة وسياهكل وحسن كيادة.
وقد أشارت إحصائية عام 1966م إلى أن عدد سكان هذه المدينة وضواحيها بلغ (228312) شخصاً ويسكن مركز المدينة 18,7 بالمائة وضواحيها 81,3 أي أن عدد سكان المدينة لم يتجاوز في ذلك التاريخ (25725) شخصاً ويبلغ عددهم حالياً 30 ألف نسمة. وتشير الإحصائيات إلى أن ازدياد السكان خلال الأعوام 1956 ـ 1966م في قضاء أستانة بلغ نسبة أعلى من المناطق الأخرى حيث وصلت إلى 54,2 % بينما لم تتعد نسبة الزيادة في مركز المدينة لاهيجان أكثر من 29,2 % وكانت أخفض نسبة من كافة المناطق التابعة لها.
وأكثر أعمال سكان هذه المناطق زراعة الشاي والأرز وتربية دودة القز وصيد الأسماك ويعمل عدد منهم في مجالات مختلفة أخرى فيها، بل ينتقل إليها عدد من القرويين.
ويعتبر الشاي والأرز من أولى صادرات هذه المحافظة. ويتألف سكان كيلان من طائفتين هما: كيل والديلم وقد سكن الكيلانيون سهول لاهيجان ورشت وفومنات، وسكنت طائفة الديلم نواحي جبال الموت ورودبار.
وقد لعبت مدينة لاهيجان دوراً هاماً في القرن السابع الهجري في زيادة نفوذ الشيخ (صفي) وفي القرن التاسع في إعداد وتربية الشاه إسماعيل للحكم، وفي النصف الثاني من القرن السابع جاء الشيخ (صفي) وهو في الخامسة والعشرين من عمره إلى كيلان وتتلمذ سنوات على يد شيخ زاهدان الذي قام بتشكيل فرقة دينية حرة متصوفة وزوجه ابنته فاطمة وانتخبه ولياً ليحل محله ويكون مرشداً للناس بعده، وأرسله إلى أردبيل وكانت هذه مقدمة لتأسيس السلالة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي في القرن العاشر الهجري.
وفي أواخر القرن الثامن الهجري حيث استحوذ الخوف على طائفة (آق قويونلو) من النفوذ الصفوي فقررت قتل أبناء الشيخ صفي والتخلص منهم وتمكنت من تنفيذ أغراضها فقتلت الشقيق الأكبر للشاه إسماعيل وقام فريق من الرجال بحماية إسماعيل وأخيه إبراهيم ونقلهما سراً من أردبيل إلى رشت ثم لاهيجان حيث كان يومذاك يحكم هذه المدينة حاكم خاوري، ومات إبراهيم هناك فأحيلت رئاسة أنصار الشيخ صفي إلى إسماعيل رغم أنه كان ما يزال طفلاً، وأرسل سلطان طائفة (آق قويونلو) كاظم بيك تركمان وبرفقته ثلاثمائة مقاتل ليقضي على إسماعيل ويتخلص من تلك العائلة نهائياً ويُقال إنه قبل وصولهم إلى لاهيجان أمر حاكم هذه المدينة (كاركيا) أن يوضع إسماعيل في قفص ويعلق في إحدى أشجار الغابة ولما وصل إليه أتباع كاظم بيك تركمان أقسم لهم يميناً أن إسماعيل ليس على الأرض التي يحكمها وتمكن من أن يخلص إسماعيل ويمتنع بهذه الطريقة من تسليمه بينما كانت في نفس الوقت فئة القزلباش تقاتل طائفة (آق قويونلو) في آذربيجان مناصرة بذلك إسماعيل.
وفي العام 905هـ توجه إسماعيل إلى أردبيل مع عدد من أنصاره تاركاً لاهيجان وكان لم يبلغ بعد الثالثة عشرة من عمره وبعد حروب دامية دامت حتى عام 917 تمكن من احتلال آذربيجان وجعل مدينة تبريز عاصمة له ونصب نفسه ملكاً فيها.
بدأت زراعة الشاي في لاهيجان منذ عهد القاجاريين بعد أن استورد كاشف السلطنة إبان عهد مظفر الدين شاه الشتلات والبذور من الهند في عام 1275هـ (1896 ميلادي) وبذل جهداً كبيراً في نجاحها رغم المعارضة التي واجهها، ونمت هذه الزراعة في شمال البلاد تدريجياً حتى توسعت إلى الحد الذي نراه في يومنا هذا.
لاهيجان
ـ 2 ـ
لاهيجان واحدة من أجمل مدن إيران، وهي جزء من محافظة جيلان. يقع بحر الخزر إلى الشمال والشمال الشرقي منها. ومن جنوبها الغربي تحدّها جبال ألبرز والغابات وهي أعلى من مستوى سطح بحر الخزر بتسعة عشر متراً. إن أراضيها على العموم أعلى من بقية أراضي جيلان، ولهذا السبب فإن مناخها أكثر لطافة من مناخ تلك الأراضي.
وتهطل الثلوج عليها ستة وعشرين يوماً في السنة. وأقصى درجات الحرارة فيها ـ على مدار السنة ـ تصل إلى 21,1 درجة سانتيغراد، في ما يصل أدنى معدل إلى 8,2 درجة سانتيغراد. أما معدل متوسط سقوط الامطار فيصل الى 1327,3 مليمتر.
وتقع القُرى التابعة لمدينة لاهيجان على جادة الطريق الرئيس وبيوتها السكنية على مقربة من الأراضي الزراعية.
وتعتبر صناعة الحصران وسلال القصب، والخيام، واللباد، والخزف أهم المهارات اليدوية في لاهيجان، وتتركز نسبة 97,9 في المائة من هذه الصناعات في مناطق الريف والقُرى.
كما أن لصيد الأسماء أهمية في النشاطات التجارية للمدينة، بل ان عدداً من صيادي الأسماك يقدمون لهذا الغرض من قُرى آذربيجان (خلخال وأردبيل). كما يُربى فيها دود القز لإنتاج الحرير.
ولغة أهل لاهيجان مزيج من لهجة الكيل والديلم، لأنها تتكون من هاتين الطائفتين من الأقوام.
وتؤمن الأنهار حاجة الأراضي الزراعية في لاهيجان من المياه للسقي، وتنبع هذه الأنهار من عيون وينابيع الجبال الواقعة جنوبي لاهيجان، وتجري أنهار صغيرة وكبيرة مجتازة الغابات.
ينسب إنشاء هذه المدينة إلى لاهيج بن سام بن نوح، وكانت تُعرف في السابق بأسماء «دار الإمارة»، و«دار الأمان»، و«لاهيجان المبارك».
في عام 705 هجري فتحت لاهيجان على يد أولجايتو. وفي عام 806 هجري اقتحمها الأمير تيمور، ثم حكمها السيد أمير كيا من سادات كيائي، وذلك في القرن السابع الهجري، حتى القرن العاشر. وفي شوال عام ألف للهجرة دخلها الشاه عباس الصفوي، بعد أن هزم خان أحمد خان، وأنهى حكم السلالة الكيائية. واحتلها الروس عام 1139 هجري.
وقد دخل أهالي لاهيجان الإسلام قبل حوالي أكثر من عشرة قرون على يد الأمير العلوي ناصر الحق، وتشيّعوا على مذهب الاثني عشرية في عهد السلطان أحمد خان الذي كان والياً على جيلان الشرقية.
أهم المهارات اليدوية التي يبرع بها أهالي لاهيجان، هي: الأثاث الخشبي، وسلال القصب، والحصران، والمزهريات، والحقائب.
كما تشتهر لاهيجان بزراعة الشاي، حيث تغطي مزارع الشاي الخضراء مساحات واسعة من جبال ووديان المنطقة، وكذلك زراعة أنواع مختلفة من محصول الرز.
داريوش به آذين
لبنان
لبنان شريط ساحلي يقع في القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، معدل طوله 220 كيلومتراً ومعدل عرضه ستين كيلومتراً تقريباً تحده إلى الشمال والشرق والجنوب الشرقي الجمهورية العربية السورية، وإلى الجنوب فلسطين، وإلى الغرب البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ مساحته 10,400 كلم مربع ويزيد عدد سكانه على الثلاثة الملايين.
تنتصب في لبنان سلسلتان متوازيتان من الجبال يفصل بينهما سهل البقاع الغني وفيه يجري نهر العاصي والليطاني الأول باتجاه الأراضي السورية والثاني يجري في الأراضي اللبنانية.
هذان الحاجزان الجبليان المرتفعان (بعض القمم بارتفاع ثلاثة آلاف متر تقريباً) يضيفان على البلاد مناخاً معتدلاً جميلاً، حيث تتراوح درجات الحرارة في الشتاء من 13 إلى 15 درجة مئوية وفي الصيف من 20 إلى 27 درجة مئوية.
كان لبنان في العصور الغابرة مكسواً بالغابات الكثيفة لكن القطع الدائم الذي قام به الغزاة المتتابعون جعلت الجبال جرداء قاحلة ليس عليها سوى بعض الغابات من أشجار الصنوبر والملول والسنديان والأرز.
ويشترك المناخ المعتدل اللطيف مع الشمس، ليجعلا من لبنان حديقة كبيرة غنّاء تنبت فيها أشجار البرتقال والليمون والموز والزيتون والكرمة والتين والتفاح والإجاص والدراق والخوخ، وكذلك كافة أنواع الفاكهة والخضار المعروفة في الحقول الساحلية وعلى منحدرات الجبال وفي سهل البقاع الغني.
تتألف الشبكة المائية من ثلاثة أنهر تنبع في سهل البقاع أولها نهر العاصي الذي يتجه نحو الشمال عابراً أراضي الجمهورية العربية السورية ليصب في خليج إنطاكية وثانيها نهر الأردن الذي يجري نحو الجنوب عبر فلسطين لينتهي في البحر الميت وأخيراً نهر الليطاني، ليصب في البحر الأبيض المتوسط قرب صيدا. وهناك أيضاً عدد من السواقي الغنية بالمياه المستعملة للشرب أو للري أو لإنتاج الطاقة الكهربائية. والآن هناك عدد من المشاريع المائية والكهربائية قيد الدرس والتحقيق وخاصة على مجرى نهر الليطاني.
معدل هطول الأمطار السنوي مرتفع نسبياً إذ يصل بين 700 إلى 800 ملم في العام الواحد وهذا ما يجعل لبنان مخزن المياه، في الشرق الأوسط.
المدن الرئيسية
بيروت هي العاصمة وكانت تحمل اسم «بيريت» في عهد الرومانيين، والمدن الرئيسية الأخرى هي: طرابلس وصيدا وزحلة وصور وبعلبك وبعبدا.
ويشبه لبنان عادة بـ «سويسرا» الشرق الأوسط. فمناخه المعتدل المنعش في الصيف، وينابيعه الباردة المتدفقة، والثلوج التي تكلل قمم جباله بالبياض الناصع وزرقة البحر الأبيض المتوسط، والعدد الكبير من الفنادق الحديثة المتناثرة في كافة أنحاء البلاد، كل ذلك يحث السواح من كافة أرجاء العالم ويشجعهم على التمتع بما يقدمه لبنان لهم.
كما أن المناطق الأثرية، كبعلبك وجبيل وصيدا وصور وغيرها من المدن التاريخية، تقدم للسواح ما لا يجدونه أبداً في أي مكان آخر من العالم.
وتقوم الحياة السياسية في لبنان على أساس طائفي وتقسم الرئاسات والوزارات ومجلس النواب والوظائف على الطوائف المذهبية ومن الثابت أن الشيعة يشكّلون في لبنان أكبر طائفة عددياً، ومنذ سنة 1933م لم يجرِ أي إحصاء رسمي، ولكن تسجيل الوفيات والولادات يمكن من تحديد العدد. ونصيب الشيعة من الرئاسات بعد الاستقلال سنة 1943 هو رئاسة المجلس النيابي. في حين أن نصيب الموارنة رئاسة الجمهورية ونصيب السنة رئاسة الوزارة.
نبذة تاريخيّة
فتح السلطان سليم العثماني سورية سنة 1516 قاضياً على حكم المماليك وثبت في مقاطعة (إقطاعية) الشوف، الأمير فخر الدين المعني الأول.
وفي عهد السلطان سليمان ابن السلطان سليم (1520) انقسمت سورية إلى ثلاث ولايات: دمشق وطرابلس وحلب؛ عدا جبل لبنان الذي كان يضم بيروت وصيدا في كثير من الأزمان. ففي سنة 1590 أحسن الأمير فخر الدين الثاني المعني إدارة شؤون مقاطعته وجمع، بعد موافقة ولاة الأمر العثمانيين، بين جبل لبنان ومتصرفيتي بيروت وصيدا وحالف باقي أمراء لبنان وضم إليه إقطاعياتهم ثم وسع حدود لبنان من الجهات الثلاث وجعل عاصمته دير القمر صيفاً، وصيدا شتاءً، وبنى في بيروت أضخم القصور.
ولما توفي الأمير أحمد آخر الأمراء المعنيين في مركزه دير القمر سنة 1697 ولم يبق من سلالة المعنيين وريث من الذكور، انتقل الحكم في لبنان إلى الأمراء الشهابيين بفضل صلة المصاهرة بين الأسرتين.
وفي منتصف الجيل (القرن) الثامن عشر ضم الأمير ملحم الشهابي إلى إمارته بلاد البقاع التي كانت ملحقة بولاية الشام في عهد واليها أسعد بك العظم الذي كان من أعظم ولاة ذلك الجبل إحاطةً بمقتضيات إدارة البلاد من حزم وبطش في الطغاة وعطفاً على الأقليات والضعفاء ثم جعل الأمير الشهابي مدينة بيروت مرفأ لبنانياً وعاصمةً شتوية.
ولما احتل حاكم بلاد صفد وعكا، الشيخ ضاهر العمر، مرفأ صيدا سنة 1770 وتسلّط على نابلس ويافا وبرزت مطامعه في التوسع، استرضاه الأمير منصور الشهابي بالمال وصرفه عن مدينة بيروت.
وفي سنة 1775 عيّن أحمد باشا الجزار والياً على صيدا، فنقل مركزه إلى عكا وضمّ بيروت إلى ولايته التي دامت ثلاثين سنة. وفي سنة 1789 أقدم هذا الجزار على قتل الأمير يوسف الشهابي في عكا وأحل محله في حكم لبنان الامير بشير الثاني الشهابي الملقب بالكبير فكان أبرز الأمراء الشهابيين مستبداً في الشعب شديداً منتقماً من أعدائه متمايلاً في سياسته بين الأتراك والمصريين والفرنسيين والبريطانيين. ولما احتل إبراهيم باشا المصري عكا سنة 1830 بمساعدة الأمير بشير ظلت بيروت وصيدا وصور متصرفيات تابعة لحكم الأمير بشير وفي كل منها ممثل لإبراهيم باشا.
وبعد أن غادر إبراهيم باشا سورية سنة 1840 بفضل معاونة الدول الأوروبية للدولة العثمانية في سياستها آنئذ، اضطر حليفه الأمير بشير إلى التنازل عن الحكم واستسلم لمندوب الدولة في صيدا فخلفه الأمير بشير الشهابي الثالث ولم يطل العهد بهذا حتى حدث في الشوف اضطرابات دامية امتدت إلى ساحل بيروت. فأُقِيل بشير الثالث من منصبه وانتهى عهد الحكم الإقطاعي العائلي وعيّن عمر باشا النمسوي الأصل التركي التابعية حاكماً على جبل لبنان، ولكن حكمه لم يطل أكثر من ثلاثة أشهر بسبب احتجاج الزعماء من دروز ومسيحيين على تعيين غريب عن لبنان حاكماً عليه وتأييد الدول الأوروبية وفي طبيعتها فرنسا احتجاجهم مما حمل الدولة العثمانية على حلّ الخلاف بتقسيم جبل لبنان إلى معاملتين، شمالية يقوم على رأس إدارتها قائم مقام مسيحي وجنوبية يرئسها درزي على أن يكون والي صيدا مرجعاً لكليهما.
لم يسلم ذلك العهد من الفتن والدسائس بسائق اختلاف الزعماء والإقطاعيين وتدخل الوالي في كل شاردة وواردة وتنافس فرنسا وبريطانيا لإحراز النفوذ الأوفر. ثم عقب ذلك في فترات متقطعة اضطرابات دامية كان أشدها هولاً ما وقع سنة 1860 في دير القمر والشوف والمتن، ولم تسلم من مثلها دمشق فامتدت منها إلى البقاع وزحلة وغيرهما وهكذا تغلبت السياسة الغاشمة سياسة التفريق بين أبناء الوطن الواحد على الوطنية الصحيحة وما تقتضيه من تعايش سلمي في ظل استقلال إداري، إلى أن تدخلت الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا نصيرة جبل لبنان التاريخية التي أرسلت قطعاً من أسطولها الحربي إلى ساحل بيروت ولبنان واضطرت الدولة العثمانية إلى الاعتراف باستقلال جبل لبنان استقلالاً إدارياً بموجب نظام مؤقت وقّعه سنة 1861 المشير فؤاد باشا موفد السلطان عبد المجيد ومندوبو فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا ثم أقر نهائياً مع بعض التعديل سنة 1864 واشتركت إيطاليا في توقيعه.
اقتصر جبل لبنان بمقتضى نظامه الخاص، المشار إليه، على سبعة أقضية هي الكورة والبترون وكسروان والمتن والشوف وجزين وزحلة ومديريتين مرتبطتين مباشرةً بالحكم أسوةً بالأقضية وهما دير القمر والهرمل وكان كل من هذه الأقضية، عدا زحلة، يشمل عدة مديريات فكانت حدود جبل لبنان طرابلس شمالاً وصيدا جنوباً والبقاع وبعلبك شرقاً ومدينة بيروت والبحر الأبيض المتوسط غرباً.
صورة انتقاء الحاكم
يكون حاكم جبل لبنان مسيحياً عثمانياً برتبة وزير مرتبطاً مباشرةً بالصدر الأعظم ويعيّن بإرادة سنية بناءً على إنهاء الصدر الأعظم بعد موافقة الدول الأوروبية العظمى الست الموقّعة على نظام جبل لبنان، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. ولا يجوز عزل الحاكم أو نقله أو موآخذته لأمر من الأمور إلاًّ بإجماع رأي مجموعة الدول المشار إليها.
يستقل الحاكم في إدارة شؤون جبل لبنان وحفظ الأمن والنظام وجمع السلاح من الأهلين إذا قضت الضرورة بذلك وجباية الضرائب ونصب القضاة وسائر الموظفين وعزلهم وتنفيذ الأحكام إلاّ ما تعلق منها بعقوبة الإعدام فيتوقف على صور الإرادة السنية بشأنه بعد اقترانه بتصديق محكمة التمييز في العاصمة.
مجلس الإدارة
يساعد الحاكم في فرض الضرائب والإشراف على إنفاقها مجلس إدارة ينتخب أعضاءه شيوخ الصلح في القُرى والقصبات على أساس الأكثرية الطائفية في كل قضاء ثم أضيف إلى شيوخ الصلح مندوبون عن المكلفين من الشعب باعتبار مندوب عن كل مائة مكلف أما في زحلة فيختار كل خمسين مكلفاً مندوبهم. وكان للشيعة في هذا المجلس نائب واحد.
يجري تعيين رؤساء المصالح الإدارية وجميع الموظفين في المراكز والملحقات وعزلهم حين الاقتضاء من الحاكم على أن يكون قائم المقام في القضاء والمدير في الناحية على مذهب أكثرية سكانهما أما شيخ الصلح في القضية أو القرية فينتخبه المكلفون بأداء ضريبة من أهلها.
وعلى هذا الأساس كان قائم مقام الكورة أرثوذكسياً وقوام المقام في أقضية البترون وكسروان والمتن وجزين ومدير دير القمر من الموارنة وقائم المقام في الشوق درزياً وفي زحلة من الروم الكاثوليك ومدير الهرمل شيعياً([179]) وعلى هذه القاعدة يعيّن سائر المديرين في النواحي المرتبطة بمراكز الأقضية.
والجند في لبنان من أبنائه دون سواهم لم يتجاوز عدده الألف في وقت ما إلاّ بعد سنة 1912 إذ بلغ ألفاً ومئتين.
إن مهمة الجند اللبناني هي في الدرجة الأولى المحافظة على الأمن بالإضافة إلى مهام الضابطة الموكول أمرها في الولايات إلى دائرتي الدرك والشرطة.
يرئس الجند اللبناني ميرالاي (عميد، كولونيل) يعاونه أربعة برتبة بكباشي (مقدم، قومندان) واثنان برتبة قول أغاسي (رائد، ميجر) وضباط عديدون برتبة يوزباشي (قائد مئة، نقيب، أو رئيس، كابتن) فما دون. يتم تعيين رئيس الجند والمقدمين باقتراح حاكم لبنان وموافقة ناظر (وزير) الحربية وصدور الإرادة السنية. أما باقي الضباط والأفراد فيعينهم الحاكم صاحب السلطة العليا في لبنان.
وكان للدولة العثمانية مفرزة من الجيش لا يزيد عدد أفرادها عن الخمسين يرئسها ضابط برتبة يوزباشي (نقيب) موضوعة تحت مطلق أمر الحاكم دون أن يكون لها أية وظيفة خلاف ذلك.
كانت هذه المفرزة تقيم في ثكنتها العسكرية في بيت الدين المقر الصيفي لحكومة جبل لبنان وكانت تظهر في طليعة الجند اللبناني عند كل استعراض يجري في الأعياد الرسمية كعيد مولد السلطان وعيد جلوسه على العرش.
وكان القضاء العدلي في لبنان يتألف من محكمة بدائية في مركز كل قضاء ومديرية تابعة للحاكم مباشرةً ومحكمة استئنافية بدائرتيها الحقوقية والجزائية في مركز المتصرفية الرئيسي وكان يقوم في بادئ الأمر حاكم فرد على رأس المحكمة البدائية يعاونه نائب عنه وتتألف كل دائرة من الدوائر الاستئنافية من رئيس وستة أعضاء من مجموع الطوائف اللبنانية. ثم أخذ لبنان بمبدأ تشكيل المحاكم في الولايات العثمانية وتطبيقه قانون أصول المحاكمات بالإضافة إلى سائر القوانين وفي طليعتها الأحكام العدلية. وروعي في هذا التشكيل أن يكون رئيس محكمة البداية وممثلو النيابة العامة على مذهب الأكثرية في القضاء أما العضوان فعلى مذهب من يأتي في الدرجة التالية من الأقليات.
كانت الدعاوى التجارية تنظر فيها محاكم بيروت حتى تاريخ صدور بروتوكول سنة 1912 الذي خول محاكم لبنان النظر في هذه الدعاوى بدايةً واستئنافاً إذا كانت قائمة بين لبنانيين دون سواهم.
كان رئيس دائرة الحقوق الاستئنافية مارونياً ورئيس الدائرة الجزائية التي تفصل في الجنايات وما استؤنف إليها من الجنح درزياً مع المحافظة في كل منها على الأعضاء من الطوائف اللبنانية الست الأكثر عدداً من سواها وبينها الشيعة. لذلك لم يكن بين القضاة ولا بين موظفي الحكومة لاتيني المذهب ولا أرمني ولا بروتستنتي نظراً لضآلة عدد المنتمين إلى هذه المذاهب في جبل لبنان.
كان المدعي العام لدى محكمة الاستئناف مارونياً يعاونه نائب أرثوذكسي وعدد من الكتبة في مختلف الطوائف اللبنانية.
إن الأحكام الاستئنافية التي يطلب ذوو المصالح تمييزها ترفع إلى محكمة التمييز في العاصمة.
وكانت الضريبة (الأموال الأميرية حسب تعبير ذلك العهد) المفروضة على جبل لبنان في بدء استقلاله الإداري سبعة آلاف كيس أي خمسة وثلاثين ألف ليرة عثمانية ذهباً وهي مجموع ضريبتي الأعناق والأرزاق، تصرف على إدارة حكومته ورواتب موظفيها وفتح الطرق وإنشاء الجسور إلى غير ذلك من النفقات الضرورية فإن لم يكف المبلغ المذكور قامت الدولة العثمانية بسد العجز بما تدفعه من خزانتها ولذلك كانت تبعث إلى لبنان بموظف مالي كبير يحمل لقب محاسب (محاسب جي) يعاونه موظفون لبنانيون يعيّنهم حاكم لبنان كسائر موظفي حكومته.
ظلت الدولة العثانية تقوم بسد عجز موازنة حكومة جبل لبنان سنوياً حتى سنة 1879 فقد اقترح حاكم ذلك العهد رستم باشا، الاستغناء عن هذا المدد لإمكان تداركه بواسطة فرض ضرائب إضافية محلية معيّنة معبّر عنها بـ «المهملات» تصرف في سبيل كل إصلاح تستدعيه مقتضيات الإدارة والأمور النافعة تبعاً لتطور الزمن فنجح في اقتراحه.
وأعفي جبل لبنان من عدة ضرائب كانت سارية في العاصمة وجميع الولايات العثمانية ومن تلك الضرائب ما سمي بالرسوم الستة المفروضة على الطوابع المالية والملح والكحول وصيد السمك وصناعة الحرير وزراعة التبغ والتنباك وهي الرسوم المخصصة لوفاء الديون التي للدول الأوروبية على الدولة العثمانية فكان اللبنانيون يزرعون بملء الحرية التبغ ويصنعون منه السكاير للتدخين ويزاحمون بها بطريق التهريب دوائر الحصر التي شكلتها شركة مختلطة بموجب معاهدة بينها وبين الدولة العثمانية ثم تعهدت هذه الشركة لحكومة جبل لبنان بعطائها عشر ثمن مبيعاتها في الجبل وأن لا تعارض في زراعة التبغ اللبناني وصناعته داخل الجبل بمقابلة تعهد حكومته بالسهر على منع التهريب بينه وبين جواره ولا سيما مدينة بيروت.
وكان للبنانيين في جبلهم مصانع للحرير بفضل تربيتهم دودة الشرانق وغذاؤه أوراق أشجار التوت المغروسة في معظم أنحاء الجبل كما أكثروا من كروم العنب واستخرجوا منها أجود أنواع النبيذ والعرق والكحول وأكثروا من صيد الأسماء وأنشؤوا في ساحل البحر ممالك يستثمرونها مما خفف عنهم الضائقة المالية. وبالرغم من شدة المراقبة التي كان يقوم بها مراقبو الولاية على الحدود منعاً لتهريب المواد الممنوع نقلها وحيازتها ظل اللبنانيون مغبوطين من جيرانهم حتى ذهب مثلاً القول المأثور: «سعيد من له مرقد عنزة في جبل لبنان».
أما ارتباط متصرف جبل لبنان مباشرةً بالصدارة العظمى فناشئ عن استقلاله الإداري المضمون بتوقيع الدول الأوروبية العظمى فحكمه من هذا القبيل حكم الولايات الممتازة في السلطنة العثمانية.
وبديهي أن كلاً من والي بيروت ووالي سورية ومتصرف جبل لبنان يمثّل ضمن حدود ولايته، سلطان الدولة العثمانية رغم ارتفاع منزلة متصرف لبنان بإحرازه دوماً مرتبة الوزارة وارتباطه المباشر بالصدارة العظمى وبكونه لا يعزل ولا ينقل من منصبه إلاّ بإجماع الدول الموقعة على نظام جبل لبنان.
القضاء على استقلال جبل لبنان
بعد دخول إيطاليا الحرب في أيار عام 1915 إلى جانب دول الاتفاق، وجدت الدولة العثمانية نفسها طليقة من القيود التي فرضها عليها نظام جبل لبنان دون أن تلقى مقاومة في هذا السبيل من حليفتيها ألمانيا والنمسا، بل كان الألمان يؤيدونها في خطتها لانهم لم يظفروا في وقت من الأوقات باجتذاب عواطف اللبنانيين. وهكذا وبعد استقالة أوهانس باشا وانقضاء ثلاثة أشهر على فترة الانتقال، كما سبق ذكره، استصدرت الحكومة العثمانية في شهر أيلول الإرادة السلطانية بتعيين علي منيف بك مستشار وزارة الداخلية متصرفاً على لواء جبل لبنان مرتبطاً مباشرة بوزارة الداخلية، اسوة بسائر الألوية المستقلة عن الولاية. وبهذا التعيين الذي انفردت به الدولة، انتهى امتياز جبل لبنان بعد أن دام أربعاً وخمسين سنة.
بعد الحرب العالمية الأولى
في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1918 نزلت القوات الفرنسية في بيروت وعممت انتشارها على طول الساحل الممتد من صور حتى كيليكيا. وأطلق على هذه المنطقة اسم: المنطقة الغربية، كما أطلق على المنطقة المحتلة من الجيش العربي اسم: المنطقة الشرقية.
وصارت بيروت عاصمة المنطقة الغربية، ودمشق عاصمة المنطقة الشرقية. وكانت الإدارة في كلا المنطقتين تحت إشراف الجنرال اللنبي العسكري باعتباره القائد العام لجيوش الحلفاء. وعيّن حاكماً لجبل لبنان الكومندان الفرنسي (سيشه) ومنح صلاحيات المتصرف، وبقي حبيب السعد رئيساً لمجلس الإدارة فقط وأعفي من رئاسة الحكومة التي كان عيّنه فيها الحاكم العسكري العربي: شكري الأيوبي.
وعيّن حاكماً إدارياً للمنطقة الغربية (الساحلية) كلها الكولونيل الفرنسي نياجر، ومرجع الجميع: المفوض السامي جورج بيكو يعاونه معاونان أحدهما مدني هو روبر كولندر، وآخر عسكري هو الكابتن (دام).
وهكذا نرى أن اللبنانيين قد خسروا بزوال الحكم العربي وحلول الحكم الفرنسي محله ـ خسروا خسراناً أي خسران، فبينما جعل الحكم العربي حاكمهم منهم، إذا بالحكم الفرنسي يجعل حاكم لبنان فرنسياً.
هذا فضلاً عن أصحاب السلطات الأعلى من حاكم جبل لبنان التي صارت كلها فرنسية، في حين أن مرجع جبل لبنان لو تمّ الحكم العربي هو دمشق التي كان يحكمها فيمن يحكمها ويشارك في سلطاتها العليا، جمهرة من اللبنانيين المسيحيين.
ولأجل تثبيت الحكم الفرنسي في المنطقة الغربية لا سيما منها لبنان، ألّف الفرنسيون وفداً برئاسة فؤاد عمون ومن أعضائه إميل إده ليذهب إلى باريس ويُطالب بذلك أمام مؤتمر الصلح.
ومن المضحكات أن يقول الوفد إنه ذاهب للمطالبة باستقلال لبنان، في حين أنه ذاهب للمطالبة بالانتداب الفرنسي على لبنان، وكلمة الانتداب هي التمويه الذي موّه به المستعمرون كلمة: الاستعمار.
فيصل يعود
في الواحد والعشرون من نيسان/ أبريل 1919 غادر الأمير فيصل باريس عائداً إلى دمشق تاركاً أمر متابعة القضية العربية السورية إلى رستم حيدر وفق هذا المخطط الذي دوّنه الأمير:
1 ـ الاعتراف بإسقاط حكم المعاهدات القديمة.
2 ـ الاعتراف باستقلال سوريا التام.
3 ـ سحب القوات العسكرية الاحتلالية في الوقت الذي يعيّنه السوريون.
4 ـ احترام استقلال لبنان.
5 ـ الاستقلال بضمانة الدول.
6 ـ الخيار للحكومة السورية في إبقاء قسم من جند الاحتلال أو عدمه.
7 ـ مقابل هذا، بعد ضم المواد الثانوية عليه أثناء المذاكرات فالحكومة السورية ترجح أخذ المعونة من فرنسا (انتهى) والذي يهمنا نحن من هذا هو أن نقول: إن وفد داود عمون ثم وفد البطريرك الماروني لم يكن لهما أي داع، فالحكم العربي السوري لم يكن في نيته التعرض للبنان وضمه إلى سوريا، وقد رأينا كيف أن الحاكم العسكري شكري الأيوبي حين ذهب إلى بيروت لإعلان الحكم العربي فيها، اعتبر لبنان ذا وضع خاص فاختار له حاكماً من أهله مستقلاً فيه عن غيره.
وها نحن نرى هنا أن الأمير فيصل رائد الاستقلال العربي السوري ينص في مذكرته التي تركها لمن يمثّله ويمثّل سوريا في باريس على احترام استقلال لبنان.
لذلك نقول إن ذهاب الوفدين اللبنانيين إلى باريس كان أمراً لا داعي له، هذا إذا كان المقصود من ذهابهما الاحتفاظ باستقلال لبنان عن سوريا.
ولكن الحقيقة أن الفرنسيين الحاكمين في بيروت هم الذين أرسلوا هذين الوفدين لا لتثبيت استقلال لبنان عن سوريا، بل لتثبيت الاستعمار الفرنسي للبنان، في مقابل جهود الوفد العربي السوري في محاربة هذا الاستعمار في سوريا ولبنان معاً.
وبشارة الخوري نفسه في مذكراته التي سمّاها (حقائق لبنانية) يعترف بأن الفرنسيين هم الذين أرسلوا الوفد. فقد قال في الصفحة 94 من الجزء الأول:
«وكان أول عمل سياسي حركته تلك السلطة (الفرنسية) في مجلس إدارة الجبل تشكيل وفد يشخص إلى باريس للمطالبة باستقلال لبنان …»، إلى آخر ما قال:
ثم يقول في الصفحة 96:
«وبال الفرنسيين ظل مشغولاً قلقاً. لم يكونوا أمينين على نتائج مساعيهم المحلية فرجوا أن يذهب البطريرك إلياس الحويك إلى باريس على رأس وفد من الأحبار والكهنة للمطالبة باستقلال لبنان برعاية الدولة الفرنسية، أيضاً وأيضاً، فنزل البطريرك على رغبتهم وأبحر من جونية في أواخر صيف 1919 على مدرعة حربية …».
ثم يقول عن عودة البطريرك في الصفحة 99:
«فخففنا إلى الميناء ودخلت الباخرة ونزل منها غبطة الحويك وحاشيته بقارب رسمي، والمدافع تطلق والعساكر الفرنسيون يؤدون التحية، وواكب الخيالة السباهيون سيارة البطريرك …».
ولم يكتفِ الفرنسيون بهذين الوفدين بل عادوا فأرسلوا وفداً ثالثاً برئاسة المطران عبد الله الخوري، فيه: إميل إده والأمير توفيق أرسلان والشيخ يوسف الجميل فسافروا في أوائل آذار/ مارس سنة 1920.
وإذا كانت هذه الوفود قد نجحت فإنها نجحت في شيء واحد هو أن أصبح حاكم لبنان فرنسياً، كما يقول بشارة الخوري نفسه:
«أفادت (فرنسا) موظفيها ومستشاريها وشركاتها وصاحبة الامتياز منها إفادات مادية لا يستهان بها، وأفرطت في تعيين الفرنسيين في شتى الدوائر، ووضعت يدها على الجمارك وهو أعظم الموارد وحجبته عن الخزانة الوطنية فغلّت يدها عن العمران وتحسين حالة البلاد».
ثم يقول:
«أما التقصير الفادح الذي ارتكبته فهو استئثارها بالسلطة والإدارة».
هذا هو الاستقلال الذي طالبت به الوفود اللبنانية!
أما ما يعتبرونه نجاحاً، وهو تكبير لبنان بأن ضُم إليه ما ضم، فالحقيقة فيه هي أن هذه الفكرة كانت موضع ترحيب وتشجيع الاستقلاليين السوريين. بل أن مندوب العرب في مؤتمر الصلح رستم حيدر يسجل في مذكراته، وهو يتحدث عن وصول البطريرك الماروني إلى باريس قائلاً عن يوم السبت 21/6/1919. يظهر أن بطريرك الموارنة سيحضر إلى باريس لأجل المطالبة بلبنان الكبير مع معاونة فرنسا … ثم يقول:
«أرى أنه من الواجب توسيع لبنان بقدر الإمكان والاتفاق إذا أمكن ضمن هذه الشروط مع البطريرك في طلب الاستقلال التام بدون قيد ولا شرط. لبنان المتوسط لا الكبير مفيد إذا كان مستقلاً تمام الاستقلال وإضمام بيروت وصيدا وصور مع جبل عامل له يقوي حزب الإسلام والدروز وبقية العناصر المسيحية غير الموارنة ويربط الجبل بصفته العربية لأنه على هذه الحالة يخشى من أن يعتنق الفرنسوية ويلوذ بها حفظاً لكيانه فنضيع بذلك قسماً من البلاد يكون دوماً خطراً عليها في المستقبل. أما إذا استقل لبنان وفازت فيه السياسة العربية فيكون ملجأ للأحرار ومركزاً تنشر منه الأفكار الحرة والاستقلالية. وأما لبنان فيستفيد استفادة عظمى لأن كل البلاد العربية تصبح مستعمرة له إذا قام بما قام به من النشاط حتى الآن».
هذا كلام قاله استقلالي عربي مسؤول يمثّل العرب في مؤتمر الصلح. قاله سنة 1919. والذي يقبل بلبنان متوسط يقبل ـ بعد الأخذ والرد ـ بلبنان كبير.
الحال في لبنان
في الوقت الذي كان يجري في باريس ما يجري من صراع سوري استقلالي واستعمار فرنسي كان مجلس إدارة لبنان يصدر القرار التالي:
لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القديم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوة واغتصاباً من الدولة التركية.
ولما كانت الدولة الغاصبة قد تقلص ظلها واضمحلت سيطرتها على هذه البلاد، ولما كان لبنان لا يتسع له العيش والرقي ما لم تعد إليه القطع المفصولة عنه.
ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة وإعادة الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعد قسماً منه ومعظم سكانها هم من اللبنانيين، فبناءً على ذلك كله وعلى طلبات وإلحاح اللبنانيين المتواصلة والمعلنة في عموم أنحاء الجبل قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار التالي:
أولاً: المناداة باستقلال لبنان الإداري والسياسي بحدوده الجغرافية والتاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً: جعل حكومة لبنان هذه ديموقراطية مؤسسة على الحرية والمساواة والإخاء مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً: أن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنسوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة.
رابعاً: مباشرة درس وتنظيم للقانون الأساسي بطريقة الأصولية.
خامساً: تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
سادساً: إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية وفي غيرها من الجرائد الوطنية تطميناً لأفكار اللبنانيين وبياناً للمحافظة على حقوقهم. 20 أيار/ مايو 1919.
مناقشة القرار
هذا هو القرار الذي أوحى به المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو إلى مجلس الإدارة اللبناني. ونحن هنا بعد أن أقررنا بما يعبرون عنه بالكيان اللبناني ـ أقررناه بعد طول إنكار، إنكار كان منا له لأنه كان تركيباً فرنسياً يُراد به سلخه عن أصوله العربية ونوازعنا الاستقلالية وأهدافنا القومية. وإقرار بعد أن اندمج بالجامعة العربية وهفا لنوازع الاستقلال والقومية …
إننا ونحن الآن لبنانيون أصلاء نريد أن نناقش هذا القرار نقاشاً لبنانياً بحتاً، ونسأل اللبنانيين الذين تعاقبوا على السياسة طيلة أيام الانتداب الفرنسي مرتكزين إلى مضمون هذا القرار ـ نسألهم ونسأل سفاح الاستقلالين السوري واللبناني الجنرال غورو، نسأله هو أولاً: هل ما عامل به لبنان واللبنانيين كان ينطبق على ما تضمنه هذا القرار؟
هل تعيين حاكم فرنسي يحكم لبنان هو الاستقلال؟
هل توزيع حكام فرنسيين على جميع الوحدات الإدارية في جميع المناطق اللبنانية باسم مستشارين بينما هم الحاكمون الحقيقيون هو الاستقلال؟
هل وضع مستشار فرنسي على رأس كل مديرية عامة هو الآمر الناهي، هو الاستقلال؟
وما شأن المباشرة بدرس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور)؟! أين صارت؟ وأين هو القانون الأساسي؟ وأين هي الديموقراطية؟
إن الوحيدين الذين صدقوا مع أنفسهم ومع وطنهم هم أعضاء مجلس الإدارة الذين تبيّن لهم بعد ذلك أنهم خدعوا، فتمردوا على الجنرال غورو وعلى الاستقلال المزيف وعلى الانتداب، فكان جزاؤهم السجن والنفي، كما سيأتي.
أما الوفود التي ذهبت إلى باريس تطالب بما أسمته الاستقلال، وأما الذين توالوا على التعاون في الحكم مع الفرنسيين مباهين بما صار إليه لبنان من استقلال. وأما الجنرال غورو الذي أوحى بقرار مجلس الإدارة وأوحى بإرسال الوفود إلى باريس للمطالبة بالاستقلال. أما هؤلاء جميعاً فقد كان للاستقلال عندهم معنى غير المعنى الذي اصطلحت عليه أمم العالم كلها، كان معنى طلب الاستقلال عندهم، هو طلب الانفصال عن سوريا مقروناً بطلب الاستعمار الفرنسي!
ولم يكن قرار مجلس الإدارة هو كل ما أوحى به الجنرال غورو، بل أوحى بتوقيع عرائض من أكبر عدد ممكن من الناس ترفع نسخة إليه ونسخة إلى مؤتمر الصلح. وكانت العرائض بهذا النص:
… نحن الموقعين أدناه أهالي …. في قضاء …. اللبناني أنه بناءً على ما قررناه سابقاً في عرائضنا المؤيدة لمطالب اللبنانيين التي قررها مجلس إدارة لبنان وعرضت بواسطة الوفد المعلوم لدى مؤتمر الصلح العالي فقد وكلنا … لكي يطالبوا عنا أمام المؤتمر المشار إليه وأمام جمعية الأمم واللجنة الدولية الموفدة إلى هذه البلاد لاستقصاء الحقائق وأمام سائر المراجع الرسمية صاحبة الاختصاص على اختلاف مراتبها ودرجاتها باستقلال جبل لبنان الإداري والسياسي معاً استقلالاً تاماً بحدوده التاريخية والجغرافية وإعادة القطع المغصوبة منه إلى إدارته المستقلة مشترطين في طلب عقد الوكالة هذه دوام التشبث باستقلال لبنان التام شأن كل البلدان المستقلة إدارة وسياسة وقد فوضنا الوكلاء المومى إليهم حق المطالبة بذلك باسمنا مباشرة وخولناهم حق التوكيل وإجراء جميع المخابرات على اختلاف أنواعها مع كافة المراجع صاحبة الاختصاص وإننا نعتبر كل ما يقرره وكلاؤنا المذكورون أو من يقوم مقامهم وكالة بشأن مطالبنا الآنف بيانها نافذاً علينا وفي الوقت نفسه فإننا نكذب تكذيباً باتاً كل من انتحل وينتحل الوكالة عنا أو يستعير اسمنا لطلب اندماج جبل لبنان بمقاطعة سوريا سياسياً وغير ذلك من الطلبات التي تخالف مطاليبنا الحقيقية المبينة في توكيلنا المحرر أعلاه ولأجله حرر هذا البيان نسختين. (انتهى).
ولقد كان للجنرال غورو من تحريك الوفود إلى باريس ومن قرار مجلس الإدارة ومن توقيع هذه العرائض ـ كان له هدفان: الهدف الأول هو بالفعل تكبير لبنان، والهدف الثاني هو اقتطاع أكبر ما يمكن اقتطاعه من سوريا وضمه إلى لبنان، لا تحقيقاً لرغبة لبنانية في ذلك، بل لأن سوريا كانت تطالب باستقلال حقيقي، وأنه كان مقرراً أن يكون لها وضع استقلالي خاص وهو ما كان يجري التفاوض عليه بين فيصل وكليمانصو. فأراد الجنرال غورو أن يأخذ ما يستطيع أخذه من الجسم السوري الموعود بالاستقلال ويلحقه بلبنان الذي سيظل محكوماً حكماً استعمارياً فرنسياً مباشراً.
تقسيم البلاد
إن ما يمكن أن نسميه سوريا الطبيعية التي تحد من الشمال بجبال طوروس ومن الجنوب بصحراء سيناء وقناة السويس ومن الشرق بالحجاز والعراق ومن الغرب بالبحر المتوسط، كانت عندما جلا عنها الأتراك بانتهاء الحرب مقسمة إلى ثلاث ولايات: ولاية حلب وولاية دمشق ولاية بيروت، وإلى متصرفيتين ملحقتين بوزارة الداخلية مباشرة هما: متصرفية القدس التي تشمل معظم فلسطين، ومتصرفية دير الزور المتصلة حدودها بحدود العراق، وإلى متصرفية ممتازة مرتبطة مباشرة بمقام الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) هي متصرفية جبل لبنان ذات النظام الخاص المستقل.
وبعد الانسحاب التركي الكامل أصدر الجنرال اللنبي القائد العام للقوات الثلاث: الإنكليزية والعربية والفرنسية أمراً بتقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق:
المنطقة الشرقية: تشمل ولايتي دمشق وحلب ومتصرفيات حماه وحوران والكرك بما فيه المنطقة التي سميت بعد ذلك (شرق الأردن) وتعرف اليوم بالأردن. وتحولت حمص التي كانت مركز قضاء تابع لمتصرفية حماه إلى متصرفية. كما تحول جبل العرب الذي كان يسمى جبل الدروز والمؤلف من عدة أقضية تابعة لمتصرفية حوران، إلى متصرفية قاعدتها بلدة السويداء.
أما ولاية حلب فقد جلا الأتراك عن قسمها الجنوبي، وهو القسم العربي منها الممتد من حدود متصرفية دير الزور شرقاً حتى ساحل إسكندرون غرباً. أما القسم الشمالي منها ذو الأكثرية التركية مع مجموعات كردية وأرمنية وأقلية عربية فبقي ضمن تركيا.
وهكذا فإن المنطقة الشرقية تألفت من ولاية دمشق (التي كانت تعرف باسم ولاية سوريا) كلها ومن القسم الجنوبي من ولاية حلب، ومن متصرفية دير الزور.
المنطقة الغربية: اشتملت على متصرفية جبل لبنان والقسم الغربي الساحلي الممتد من رأس الناقورة جنوبي مدينة صور حتى ما بعد مرفأ إسكندرونة شمالاً، بما في ذلك مدينة بيروت قاعدة الولاية، ومتصرفيتي طرابلس واللاذقية، وأقضية جسر الشغور وإنطاكية وإسكندرونة وكل ما أطلق عليه بعد ذلك اسم لواء إسكندرونة وقد كان سابقاً من توابع ولاية حلب، وقضاء العمرانية (مصياف) الذي كان تابعاً لمتصرفية حماه.
منطقة فلسطين: وقد شملت متصرفية القدس ومتصرفية عكا ومتصرفية نابلس وأقضيتهما، وكانت هاتان المتصرفيتان تابعتين لولاية بيروت.
وقد عيّن الجنرال اللنبي الذي كان مقره في القاهرة ومعه مستشاره الفرنسي جورج بيكو ـ عيّن رضا الركابي حاكماً عسكرياً على المنطقة الشرقية، ثم عيّن بعد ذلك الكولونيل الفرنسي (دوبياباب) حاكماً على المنطقة الغربية التي كانت قاعدتها بيروت، وفصل عن ولايتها السابقة متصرفية عكا ومتصرفية نابلس وألحقهما بمنطقة فلسطين التي هي تحت الإدارة البريطانية منذ احتلالها.
وقد كان هذا تطبيقاً عملياً لمعاهدة سايكس ـ بيكو. وبعد دخول فيصل إلى دمشق وإقراره حاكمية رضا الركابي تصرفت الحكومة العربية على أساس رفض هذه المعاهدة بأن شكلت حكومة من رجال ينتمون إلى عدة أقطار عربية، فكان عادل إرسلان (لبنان) معاوناً للحاكم العسكري ونوري السعيد (العراق) مستشاراً سياسياً، وجعفر العسكري (العراق) مستشاراً عسكرياً، وياسين الهاشمي (العراق) رئيساً لميرة الجيش، ورشيد طليع (لبنان) مديراً للداخلية، وسليم موصلي (دمشق) مديراً للشؤون الصحية، وسعيد شقير (لبنان) مديراً للمالية، وإسكندر عمون (لبنان) مديراً للعدلية، وساطع الحصري (حلب) مديراً للمعارف.
وبنفس المنهج تألف ديوان الأمير فيصل، ومحكمة التمييز، ومحكمة الاستئناف، وجميع الوظائف الكبرى، وبعد أن احتل الجيش الفرنسي المنطقة الغربية بكاملها، عمد الفرنسيون إلى تقسيمها إلى ثلاث حكومات:
1 ـ لبنان الكبير وقاعدته بيروت، وسمي كبيراً تمييزاً له عن متصرفية جبل لبنان القديم، إذ ضم إليه مدينة بيروت وأقضيتها الثلاثة صيدا وصور ومرجعيون، وهي المنطقة المسماة جبل عامل، كما ضمّ إليه مدينة طرابلس والنواحي التابعة لها وهي: المينا والمنية والقلمون والضنية وقضاء عكار، بعد أن فصلت عنه الأقضية الأخرى وألحقت باللاذقية.
ثم فصل عن دمشق ما عرف باسم الأقضية الأربعة وهي: البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا وألحقت بلبنان الكبير.
2 ـ بلاد العلويين وقاعدتها اللاذقية، وتألفت من أقضية اللاذقية الثلاثة: جبلة، والمرقب، وصهيون وما يتبعها من نواح وقُرى. وما فصل عن متصرفية طرابلس وهو: الحصن (تل كلخ)، وصافيتا، وطرطوس، وجزيرة أرواد، وما فصل عن متصرفية حماه وهو: قضاء مصياف الذي كان اسمه في العهد التركي: (العمرانية)، وما فصل عن ولاية حلب وهو قضاء جسر الشغور.
3 ـ إسكندرونة وهي التي كانت قاعدة قضاء تابع لولاية حلب مع عدة أقضية أخرى فصلت عن حلب وألّف منها ما عرف باسم لواء إسكندرونة، وجعل مرتبطاً رأساً بالمفوض السامي الفرنسي.
وبعد سقوط الحكم الاستقلالي السوري قسّم الجنرال غورو البلاد على هذا الشكل:
- دولة حلب:
بقرار أعلنه الجنرال غورو في 8 أيلول/ سبتمبر سنة 1920 وجعل منها دولة مستقلة بهذا الاسم رغم ضآلة حدودها وقلّة موازنتها.
- دولة العلويين:
التي أصدر المفوض السامي قراراً بتأليفها في 23 أيلول/ سبتمبر سنة 1920 من لواء اللاذقية القديم بما فيه أقضية صهيون وجبلة وبانياس وقضاء حصن الأكراد وصافيتا من لواء طرابلس الشام القديم وناحية طرطوس وقضاء مصياف من أعمال حماه.
- دولة دمشق:
التي أصدر المفوض نفسه في 3 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1920 قراره بجعلها دولة مستقلة وبإبدال الوزارات بمديريات عامة وجعل حاكم لهذه الدولة بدلاً من رئيس وزراء ففقدت ما تمتاز به هذه المدينة من المميزات الطبيعية وأصبحت كغيرها من العواصم التي أحدثت والتي هي أقل شأناً منها بكثير.
- دولة جبل الدروز:
التي أعلنت السلطة الفرنسية بتاريخ 20 نيسان/ أبريل سنة 1921 بلسان الجنرال غورو إنشاء الحكومة الجديدة فيه.
- دولة لبنان الكبير:
في أول أيلول سنة 1920 أعلن دولة لبنان الكبير بعد أن ضم إليه بيروت وصيدا وصور ومرجعيون (جبل عامل). وضم معها طرابلس والأقضية الأربعة التي فصلها عن سوريا وألحقها بلبنان وهي: حاصبيا وراشيا وبعلبك ومعلقة زحلة كما فصل معها قسماً من قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد. وسمى ذلك: لبنان الكبير وعيّن له حاكماً فرنسياً([180]).
وبيروت وصيدا وصور ومرجعيون التي ألحقت بلبنان كانت جزءاً من ولاية بيروت التي كانت تضم فيما تضم القسم الشمالي من فلسطين، محتوية على نابلس وجنين وطبريا وصفد وعكا وحيفا. كما كانت منها مدينة اللاذقية السورية وأصدر في اليوم نفسه القرار رقم 336 الذي أعطى حاكم لبنان الفرنسي السلطة التنفيذية وجعله مسؤولاً عن السلامة العامة أمام المفوض السامي الفرنسي. وكانت صلاحياته تشمل وضع مشروع الموازنة ومشاريع الضرائب والقرارات وتعيين موظفي الدولة شرط عرض هذه الأمور على المفوض السامي الفرنسي للموافقة عليها.
هذا هو الاستقلال الذي ذهبت الوفود اللبنانية إلى باريس للمطالبة به، هذا هو الاستقلال الذي طالب به البطريرك الحويك وإميل إده وداود عمون وأشباههم.
الشام سبع دول
وهكذا أصبحت بلاد الشام سبع دول.
الإسكندرونة
وظل لواء الإسكندرونة حتى صيف 1924 جزءاً من دولة حلب فأصدر المفوض السامي قراراً قال فيه:
«يتمتع لواء إسكندرونة مع بقائه تابعاً للدولة السورية بنظام إداري ومالي خاص وتعتبر اللغة التركية لغة رسمية كالعربية والفرنسية ويعين متصرف لواء إسكندرونة من قبل رئيس الدولة السورية بناءً على اقتراح مندوب المفوض ويكون له كل السلطة المخولة لمتصرفي الألوية وله علاوة على ذلك النظر في شؤون المعارف والأشغال العامة».
على أن الانتخابات التي جرت على قاعدة اللواء في عهد المفوض السامي المسيو دي جوفنيل جعلت هذا اللواء منفصلاً بصورة إدارية عن سوريا ومربوطاً بالمفوضية العليا رأساً مع توسيع سلطة مندوب المفوض السامي فيه. إنهم ما عتموا أن رجعوا عن ذلك بتاريخ 12 حزيران/ يونيو سنة 1926 فقرروا إلغاء استقلاله وأدخلوه على قاعدة اللامركزية للبلاد السورية على أن يكون التعيين راجعاً إلى المركز المختص على شريطة التفاهم مع المفوض السامي.
ويتألف هذا اللواء من مدن إسكندرونة وإنطاكية وبيلان وقرقخان وهو متاخم لتركيا.
ولم يلبث الفرنسيون أن سلموه إلى تركيا بعد معاهدة سنة 1937.
تمرد مجلس الإدارة على الفرنسيين
كما كان الفرنسيون محركين لذهاب الوفود إلى باريس لتثبيت حكمهم، كذلك حركوا من حرّكوا للاحتجاج على قرار المؤتمر السوري بإعلان الاستقلال التام وملكية فيصل، فاحتج البطريرك الماروني منكراً أن يكون اللبنانيون المشتركون في المؤتمر يمثلون الشعب اللبناني.
كما احتج مجلس الإدارة على ما ورد في قرار المؤتمر فيما يتعلق بلبنان. إلاَّ أنه لم تمضِ ثلاثة أشهر حتى اجتمع مجلس الإدارة نفسه واتخذ القرار التالي:
إن مجلس إدارة جبل لبنان المؤلف نظاماً من 13 نائباً وفي الوقت الحاضر في 12 نائباً عاملاً بسبب خلو مركز أحد نائبي كسروان المستقيل قد وضع نهار السبت الموافق 10 تموز سنة 1920 بأكثريته الكبرى القرار الآتي:
إنه لما كان اللبنانيون منذ أعلنت الدول العظمى حق إنشاء الحكومة الوطنية لشعوب هذه البلاد قد طالبوا وما زالوا يطالبون تأييد حقوقهم بتأسيس حكومة وطنية مستقلة.
ولما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً ومعروفاً منذ أجيال طويلة وموقعه وطبيعة أهله المؤالفة للحرية والاستقلال منذ القدم مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً لوقايته من المطامع والطوارئ. وكان مع ذلك من أهم مصالحه وراحته شعور الوفاق وصفاء العلاقات مع مجاوريه، وقد دلّ على ذلك ما أحدثه التقاطع من ثوران الجهلاء لارتكاب الحوادث المؤلمة المقلقة المتسلسلة من السنة الماضية إلى هذه الآونة.
فبناء على ما تقدم قد بذل هذا المجلس مزيد الاهتمام توصلاً لوفاق يضمن حقوق البلدين المتجاورين سورية ولبنان ومصالحهما ودوام حسن العلاقات بينهما في المستقبل. وبعد البحث في هذا الشأن وجد أنه من الممكن الوصول إلى ذلك بمقتضى البنود الآتية:
1 ـ استقلال لبنان التام المطلق.
2 ـ حياده السياسي بحيث لا يحارب ولا يُحارَب ويكون بمعزل عن كل تدخل حربي.
3 ـ إعادة المسلوخ منه سابقاً بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا.
4 ـ المسائل الاقتصادية يجري درسها وتقرر بواسطة لجنة مؤلفة من الطرفين وتنفذ قراراتها بعد موافقة مجلسي لبنان وسوريا.
5 ـ يتعاون الفريقان في السعي لدى الدول للتصديق على هذه البنود الأربعة وضمانة أحكامها.
ولأجل التمكن من العمل بحرية وبمعزل عن ضغط وتأثير خارجي ولأجل السعي الناجح لدى المراجع الإيجابية لتقرير البنود الأربعة المتقدم بيانها والتي هي مطالب الأمة اللبنانية، ومصلحة لبنان الحقيقية المنزهة عن المآرب والأغراض الخصوصية، وبالنظر لنيابة هذا المجلس عن الشعب اللبناني القانونية والمؤيدة مؤخراً أيضاً بأكثرية أصوات الشعب الكبرى، قد قررت أكثرية المجلس موقعة هذه المضبطة الانتقال والتوجه بالذات لملاحقة ومتابعة تقرير مضمون البنود الآنف بيانها، في أعمال القضية والمراجع الإيجابية وإبلاغ هذا القرار بكامله إلى المقامات الرسمية والسعي بالطرق الممكنة.
سعد الله الحويك (نائب الرئيس)، خليل عقل، سليمان كنعان، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، محمد الحاج محسن، إلياس الشويري.
وتخلف العضو الثامن وهو إلياس البريدي مع أنه متضامن مع الأعضاء الموقعين بسبب مرضه، وأرسل نسيبه ميشيل قاصوف فاشترك في اجتماعهم ووعد باللحاق بهم.
وكان قد سبق هذا القرار اتصالات مع دمشق قام بها (الأمير ألاي) سعيد البستاني، وكان يتردد على دمشق بغية إيجاد نوع من التفاهم بين لبنان وسوريا بحسنات الاتحاد الوطني بين البلدين الشقيقين ومهد للمعتمد العربي في بيروت أن يجتمع بأعضاء مجلس الإدارة وقد اتفقوا مع الحكومة العربية في دمشق بواسطة معتمدها في بيروت على استقلال لبنان التام وتوسيع حدوده وقرروا أن يرفعوا عريضة إلى عصبة الأمم وأن يوقعوها بهذا المعنى وأن يسافروا بأنفسهم إلى دمشق فحيفا فباريس لملاحقة قضية الاستقلال اللبناني التام بالاتفاق مع سوريا.
ولم يفاتح أعضاء مجلس إدارة لبنان زميليهما داود عمون وحبيب السعد بهذه القرارات اعتقاداً منهم أن هذين العضوين هما لفرنسا قلباً وقالباً.
وكان لا بد للمسافرين من نفقات لم يكن يمكنهم تحملها فتطوع لدفع هذه النفغقات عارف النعماني أحد كبار رجال الأعمال البيروتيين.
يقول عارف النعماني في مذكراته:
وبرزت مشكلة المال فاقترح بعضهم جمع المبلغ من بعض الإخوان فأجبته: بل أنا أدفع كل شيء، وقد دفعت عشرة آلاف وخمس مائة ليرة ذهبية وزعت على الأعضاء بنسبة 900 ليرة لكل عضو.
وهنا قال أحد الإخوان إن المبلغ ضخم ويجب أن يحرر لك صك به، وبذلك نضمن سفرهم جميعاً بحيث إذا هم عدلوا عن السفر أعادوا المبلغ.
وهنا قال لي سليمان كنعان تعقيباً على هذا الاقتراح إنه موافق عليه ومستعد أن يوقع السند وحده، وقال إذا شئتم فإن صديقي الأمير أمين إرسلان يكفلني.
ووضع السند ووقعه سليمان كنعان بكفالة الأمير أمين لمدة خمسة عشر يوماً.
وفي العاشر من تموز/ يوليو كان أعضاء مجلس الإدارة يتجهون إلى دمشق فرادى، وكان كلما وصل واحد منهم إلى المديرج يقبض عليه حتى قبض عليهم جميعاً.
أما كيف انكشف أمرهم فذلك أنهم كانوا يجتمعون في منزل نجيب الأصفر واثقين به في حين أنه كان جاسوساً عليهم، فكان يرفع إلى الجنرال غورو نفسه أخبارهم خبراً وراء خبر.
فأشاع الفرنسيون جواً إرهابياً محاولين كتم الأنفاس وضعضعة النفوس، وفي هذا الجو الإرهابي الرهيب أحيلوا جميعاً إلى مجلس حربي فرنسي رأسه الكولونيل (ديفو كريسون) وبُدئ بمحاكمتهم محاكمة أريد بها قبل كل شيء إهانتهم وتحقيرهم فتولى ذلك بكل إتقان رئيس المحكمة والنائب العام العسكري فوجها إليهم كل ما يستيطعان توجيهه من العبارات المهينة المهددة المتوعدة.
ولما تقدم شهود الدفاع لأداء شهاداتهم كان الرئيس يعنفهم ويروعهم، وعكس الأمر مع شهود الحق العام فراح يثني عليهم ويتملقهم ويهنئهم على حبهم لفرنسا.
وعندما تقدّم محامو الدفاع باعتراضهم على صلاحية المجلس العسكري وعلى خرقه البروتوكول الذي هو بمثابة الدستور اللبناني ومبادئ الحقوق الدولية، كان الكولونيل ديفو كريسون لا يأبه لذلك ويرد الاعتراضات غير مبال بما فيها من صواب ومنطق.
وبعد محاكمة استمرت يومين كاملين حكم عليهم بالنفي وبتغريمهم غرامات مالية باهظة وبإسقاطهم من الحقوق المدينة.
وظلوا يعاملون بتعذيب وتحقير، ثم أرسلوا إلى جزيرة كورسيكا.
وبلغت أصداء ما جرى إلى المهاجر اللبنانية، فقامت جمعيات المهاجرين تحتج على ذلك. وتولت الجمعية اللبنانية التي كان قد ألفها خير الله خير الله في باريس إذاعة ما جرى على الرأي العام الفرنسي، وإبلاغه إلى البرلمان وإلى أعضاء الحكومة، فقامت ضجة في البرلمان تولّى إثارتها النائب أندرن برتون، وعضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون الخارجية فيه: فيكتور بيرار، فاستنكرا الأساليب التي اتبعت في المحاكمة وأظهرا براءة المحكوم عليهم ظلماً، وبينا عدم قانونية المحاكمة.
وانتقد المسيو برتون في جلسة 20 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1921 السلوك الذي اتبع في المحاكمة مما يتنافى مع العدل.
فرد رئيس الوزراء المسيو بريان قائلاً: إن احترام الطرق القانونية أمر سهل في بلاد حرة في وقت السلم، كما هي الحال في فرنسا. ولكن إذا وجد قائد في بلاد مضطربة وكان في حدودها مضطراً إلى مواصلة اعمال حربية دامية، وهو في كل حين عرضة للقتل كما جرى مؤخراً، فهل تريد والحالة هذه أن نحفظ المعاملات القانونية كلها حفظاً تاماً كما لو كانت المسألة في فرنسا؟ هل هذا عدل؟
فأجابه المسيو برتون: إذاً يا حضرة الرئيس فليعدموا الناس، لكن لا يقولوا إنهم يحاكمونهم.
أما الأحكام فكانت كما يلي:
1 ـ ينفى سعد الله الحويك شقيق البطريرك الحويك 8 سنوات ويعيد من المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره 1400 ليرة ويغرم 2800 ليرة.
2 ـ ينفى فؤاد عبد الملك 10 سنوات ويعيد 800 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 1600 ليرة.
3 ـ ينفى خليل عقل 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفا لسفره ويغرم 2000 ليرة.
4 ـ ينفى سليمان كنعان 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 2800 ليرة.
5 ـ ينفى محمد محسن 8 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2800 ليرة.
6 ـ ينفى محمود جنبلاط 7 سنوات ويعيد 1350 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2700 ليرة.
7 ـ ينفى إلياس الشويري 10 سنوات ويعيد 1500 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 3000 ليرة.
8 ـ ينفى الأمير ألاي سعيد البستاني 10 سنوات.
9 ـ ينفى الأمير أمين أرسلان 6 سنوات.
10 ـ وحكم على عارف النعماني ورشيد عقل من أقرباء خليل عقل وإلياس الحويك ابن شقيق البطريرك الحويك بغرامات مختلفة وسجن تتراوح مدته بين 4 سنوات و9 سنوات.
لُرستان
تقع محافظة لُرستان غرب إيران. وتحدّها من الشمال المحافظة المركزية ومحافظة همذان، ومن الشرق محافظة أصفهان، ومن الجنوب محافظة خوزستان، ومن الغرب والشمال الغربي محافظتا إيلام وكِرْمانْشاه (باختران).
تقع بين خطي عرض 32 درجة و37 دقيقة، و34 درجة و22 دقيقة. وخطي طول 46 درجة و51 دقيقة، و50 درجة و3 دقائق.
تبلغ مساحة المحافظة 31383 كيلومتراً مربعاً، وهي تعادل 1,9 % من مساحة إيران، وتغطي الجبال والمرتفعات 75,6 من هذه المساحة، وتزداد درجة الحرارة تدريجياً في مناطق المحافظة من الشمال إلى الجنوب.
يتميز الطقس السائد في مناطق المحافظة بالتنوّع على طول السنة، وهي ذات طقس معتدل … إلاَّ أن وجود الجبال الشاهقة والأماكن الطبيعية الباردة في هذه المحافظة، جعلها تمتلئ بعيون المياه الغزيرة والأنهار الفياضة التي تجري طول أيام السنة في الوديان والسهول الخضراء.
كما أن الطبيعة الملائمة في مناطق المحافظة ووفرة المياه فيها جعلتها مكاناً لانتشار الغابات الطبيعية، وبالأخص غابات أشجار البلوط والأشجار المثمرة المنتشرة في مناطق عديدة من هذا الإقليم، مثل: زز، وماهر، وزلقي في «أليكودَرْز»، أو في «خرّم آباد» مركز المحافظة.
تعتبر محافظة لُرستان من المناطق الأولى التي سكنها الإنسان، حيث إن حملات التنقيب الأثرية التي نفذت في خرّم آباد (مركز المحافظة) أثبتت أن ثمة حياة بدائية كانت سائدة في هذه المنطقة في العصر الحجري القديم وعصور بارادوستي (Baradostian) وبالتولتيك، أي قبل حوالي 38 ـ 45 ألف سنة. وكانت هناك مجاميع من البشر يسكنون هذه المناطق ويعيشون نوعاً من الحياة في الكهوف والمغارات وشقوق الجبال، ويعتمدون على ما يصطادونه كغذاء يومي لهم، وكانوا دائمي الترحل والتنقل بحثاً عن الطعام والمأوى.
وفي العصر الحجري الثاني أو الحديث (نئولتيك) نرى دلائل على التحور الثقافي والفكري المتنامي لأبناء هذا العصر، من خلال تسنين الصخور الجبلية، والاستفادة من الألوان المتنوعة في الصور المنقوشة على جدران الكهوف والملاجئ، حيث إن الصور المنقوشة على جدران ملاجئ واديي ميرملاس وهميان، وهي من آثار هذا العصر، وقد استخدمت فيها من الألوان: الأسود والرمادي الغامق والأصفر.
تبدأ الصور الموجودة في وادي ميرملاس بصورة على شكل مرساة السفينة، ثم تليها صور من ساحات صيد حيوان الوعل بشكل فردي وجماعي، وهي على شكل خطوط بسيطة أو أشكال متنوعة.
وقد شوهد في وادي ميرملاس أكثر من 18 صورة، وفي هميان عشر صور.
كما كان يوجد في وادي هميان الشمالي صورة لحيوان الوعل وفارس صياد مع أدوات صيده البدائية مصور بشكل جميل رائع، إلا أن هذه اللوحة أصابها الدمار والتشويه مع مرور الزمن.
هذا وأن مجموع هذه الصور الموجودة في الملاجىء والكهوف كانت تستخدم في مراسم الدعاء والتوسل خلال آلاف السنين من قبل الأشخاص الذين كانوا يخرجون للصيد.
وأن شكل المرساة (T) يتحدث عن عقيدة قديمة كان يؤمن بها سكان الكهوف، ويقال: كان يُعقد أن رؤية هذا الشكل ومشاهدته من قبل الصياد يؤدي إلى زيادة النعم الطبيعية والفرائس. والأهم من ذلك هو أن وجود هذا الشكل المرسوم على جدران الكهوف والملاجئ يمثل أول دليل على اعتقاد سكان تلك المناطق في تلك العصور القديمة، وقد استمر ذلك حتى بعد تطور الحياة البدائية، ونزول هؤلاء الناس من الكهوف والملاجئ إلى السهول والوديان وانشغالهم بالزراعة والتمتع بالاستقرار الحياتي النسبي.
وفي العصور اللاحقة التي تلت العصر الحجري حافظ الأحفاد على عقائد آبائهم، رغم أنهم انتقلوا إلى الحياة الصناعية البدائية وسباكة المعادن والفلزات والنقش والحفر على المعادن التي لا زالت مورد إعجاب كل من يراها رغم مرور آلاف السنين.
خلال القرون التي تلت ذلك العصر، وظهور الخامنشيين والساسانيين، فإن حلقة معدنية مقدسة باسم (ابرته أو ناموس) والقانون الإلهي وقانون العالم كانت تُعطى للملوك الخامنشيين والساسانيين من قبل (أهورا مَزْدا)، وأحياناً من قبل إله الشمس. بعد ذلك حفرت الحلقة المقدسة في صخور القصور الملكية وظلت بيد أهورا مزدا الذي كان يتصرف بالعالم وناموسه، وكان يعطيه لكل من يرغب به.
ثم ذاع صيت هذه الحلقات والدوائر المصممة بشكل فني وهندسي، ودخلت في الفن المعماري وصناعة الأدوات الخزفية، وبقيت هذه الرسوم والأشكال الفنية حتى عصرنا الحاضر، وتحولت إلى شكل الهلال المعدني الذي يزين القبب والمباني وأقواس العمارات والمباني التاريخية.
في عصور متقدمة أخرى، تمَّ اكتشاف رسوم كهف (دوشه) في أعلى جبل بهذا الاسم في منطقة (جكين)، وتميزت هذه الرسوم بالتطور والإبداع الفني المتميز، حيث شوهدت رسوم كاملة لمشاهد الحروب واشتباك المقاتلين والفرسان، وهو ما يثبت القدرة الإبداعية والتخيلية لفناني تلك العصور.
عرفت لُرستان في عصور متأخرة قبل الميلاد بأن أبناء قومها كانوا يسمون بالكاسيتيين وهم آريون وأجداد سكان هذه المنطقة الفعليين قد برعوا في صناعات أدوات معدنية في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي ذات صور ورسوم شبيهة جداً بالصور التي كانت منقوشة على جدران الملاجئ والكهوف القديمة.
وكان هؤلاء القوم يربون الخيول التي يستخدمونها في التنقل وحمل البضائع واللوازم الحياتية.
كذلك فإن الآثار والأدوات المعدنية الباقية من تلك العصور يُحتفظ بها في العديد من المتاحف العالمية وتعرض هناك أمام الناس.
كانت أرض لُرستان تسمى في العصور التاريخية القديمة بـ (بهله) وكانت تشمل أجزاء واسعة من أرض إيران القديمة … وكان سكانها يتحدثون اللغة البهلوية أو الفهلوية وينظمون الشعر بها، واليوم تسمى الأشعار والأناشيد المحلية والتراثية والوطنية لسكان غرب إيران بالفهلويات.
أهم مدن لُرستان
تضم محافظة لُرستان العديد من المدن المهمة منها: خرّم آباد وهي مركز المحافظة ومدينتي: بروجَرْد وأليكودر.
- أولاً: خرّم آباد أو (شابور خواست):
وهي مدينة العيون العذبة والسواقي الرائعة الجمال، وتنحصر بين الجبال الشاهقة وتنتشر فيها بكثرة أشجار السرو والبلوط، مما يجعلها ذات ربيع جميل مزهو بالشقائق وأزهار الجوري والبنفسج، وخريفها ربيع العارفين وفي شتائها تكتسي الطبيعة زياً جميلاً ناصعاً. فهي مدينة عامرة، حيّة وسكانها مخلصون، رائعون كطبيعتها.
كانت (خرّم آباد) منذ القدم مركزاً للحكومات التي تعاقبت على هذه المنطقة، وبالأخص في مهد حاكمها (لُر الصغير)، حيث شيدت لأول مرة أوائل القرن السادس الهجري بعد تدمير مدينة (شابور خواست) الأثرية التي كانت قد بنيت بأمر من (شابور أردشير الساساني)، وتم إعمارها واتخاذها مركزاً للملوك والسلاطين عبر التاريخ، وكان يسكنها الناس على مختلف أديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، وحافظت المدينة على موقعها السياسي والاجتماعي والتجاري في القرون التي تلت الفتح الإسلامي.
إلى الغرب من (شابور خواست) كان هناك جسر كبير على نهر ماء، ولم يبق منه سوى أطلاله التي تحكي عن الإبداع المعماري في العهد الساساني، ومدى الأهمية الكبرى لهذه المدينة آنذاك.
كما شُيّدت في عهد الديالمة منارة من الطابوق والآجر وسط (شابور خواست)، ولا تزال باقية حيث يبلغ ارتفاعها 30 متراً، ويتخللها من الداخل سلّم بتسع وتسعين درجة، مقام بشكل ملتوي رائع يأخذك إلى قمة المنارة.
كانت (شابور خواست) عامرة ومتألّقة حتى عهد السلاجقة، حيث كانت هناك صخرة مكعبة الشكل في مدخل المدينة تعود إلى ذلك العهد، كتب عليها باللغة الفارسية أنها تعود إلى عهد السلطان السلجوقي (برسق أبو سعيد) في عام 513 للهجرة.
تقع مدينة (خرّم آباد) الفعلية في وادٍ إلى الشمال من (شابور خواست)، وهي محصورة بين مرتفعات (جبال مخمل)، ويبلغ ارتفاع المدينة عن البحر 1160 متراً، وتنحصر بين خط عرض 30 درجة و43 دقيقة، وخط طول 48 درجة و21 دقيقة، وتبلغ مساحة وادي خرّم آباد حوالي 4000 كيلو متر مربع … وكما أشرنا سابقاً، فإن تاريخ بناء المدينة وتألّقها يعود إلى أواخر القرن السابع الهجري بعد تدمير مدينة (شابور خواست) الأثرية ويتميز طقسها بالاعتدال، وطبيعتها جميلة بسبب كثرة الغابات وعيون المياه العديدة المنتشرة داخل المدينة وفي أطرافها.
هذا وقد تعرّضت مدينة (خرّم آباد) للدمار إثر هجوم تيمور المغولي، وبعد مقتل شاهور ديخان (آخر ملوك اللُّر) على يد الشاه عباس الأول، أصبح حسين خان والياً على لُرستان، وظلّت منطقة (بشت كوه) في لُرستان تُدار من قبل أحفاده والموالين له، حتى أوائل حكم رضا شاه.
أهم المناطق الأثرية
في (خرّم آباد):
تنتشر في مدينة (خرّم آباد) وأطرافها العديد من المناطق الأثرية والتاريخية التي يؤمها سنوياً الآلاف من الزائرين من أبناء المدينة وخارجها، نشير هنا إلى أهمها:
ـ قلعة شابور خواست (فلك الأفلاك): من الأبنية القديمة في المدينة، وتذكر الروايات التاريخية أنها شُيّدت لأول مرة بأمر من (شابور أردشير)، وقد عثرت فرق التنقيب عن الآثار على قواعد قديمة لا علاقة لها بالمبنى الفعلي للقلعة.
أقدم الكتب التي أشير فيها إلى هذه القلعة هو كتاب (مجمل التواريخ والقصص) من تصحيح (شادروان بهار) … وقد شهدت هذه القلعة عهوداً عديدة من المد والجزر، حيث أصابها الدمار لمرات عديدة خلال التاريخ، وأعيد بناؤها مراراً لتُخزن فيها كنوز الملوك والسلاطين والولاة.
في عام 404 للهجرة، وفي عهد الديالمة، حصلت الأسرة «الحسنوية» على غنائم وأموال وكنوز طائلة من هذه القلعة.
بعد أن أهملت مدينة (شابور خواست) القديمة، وشُيّد على أنقاضها مدينة جديدة أطلق اسم جديد على القلعة وهو: (قلعة خرّم آباد).
وقد تضرّرت القلعة كثيراً في هجوم تيمور عليها، ولكنها عمَّرت فيما بعد، وأطلق عليها اسم (فلك الأفلاك) في عهد الدولة القاجارية.
أقيمت القلعة على تلة تقع إلى جانب المدينة القديمة، حيث تمر من تحت التلة والقلعة مياه الينابيع الكبيرة الموجودة بكثرة في المنطقة، ومنها نبع كبير من الجانب الشرقي وآخر كبير مع عدد من الينابيع الصغيرة في الجانب الشمالي من القلعة والتلة، كما أن هذه الينابيع تؤمّن نسبة كبيرة من مياه الشرب التي تحتاجها المدينة.
في العهد القاجاري، وبأمر من حاكم لرستان محمد علي ميرزا دولتشاه، شُيّد بستان كبير في أطراف القلعة وعند منحدراتها، وأطلق عليها اسم (كلستان ارم).
استخدمت هذه المساحة الواسعة من الأرض المشجّرة والعامرة كمعسكر حتى عام 1978، وبعدها أُلحقت بجامعة لُرستان، ولا زالت الجامعة تشرف عليها.
كان يحيط بالقلعة سور كبير و12 برجاً، يقال إنها أقيمت استناداً لمعادلة فلكية وطبقاً لحركة الشمس خلال النهار، وقد اندثر الجدار والأبراج بمرور الزمن، ولم يبق منها سوى برج واحد يقع في الجهة الغربية من التلة والقلعة.
توجد حالياً في القلعة مكتبة ومعرض للقطع الصخرية واللوحات الكتابية المخطوطة على الصخور، والتي تعود إلى القرن الخامس الهجري كما يوجد فيها متحف التراث الشعبي لمحافظة لُرستان، حيث تعرض فيه الأزياء الشعبية والسجاد اليدوي والصناعات اليدوية ومستلزمات الحياة الريفية، فضلاً عن أدوات مصنوعة من الفلزات والمعادن التي تعود إلى العهد السلجوقي وحتى العهد القاجاري.
المسجد الجامع في خرّم آباد:
شيد هذا المسجد عام 970 للهجرة بأمر من ابنة (آغوربيك) وزوجة الشاه رستم … ثم أعيد بناؤه عام 1110 للهجرة بأمر من الشاه سلطان حسين الصفوي، ويحتفظ إلى الآن بالصخرة التي كتب عليها أمر التجديد في متحف قلعة (شابور خواست). كما جدّد بناء المسجد مرتين من قبل السلطان خان حسنوند رئيس طائفة (الحَسْنَوَنْد) في عهد كريم خان زند، وكذلك جدد بناؤه في المرة الثانية بناءً لوصية المُلاّ محمد تقي خرّم آبادي من قبل شخص يسمى زكي خان … وهو يضم مدرسة علمية لتدريس العلوم الدينية، فضلاً عن مكان إقامة الصلاة.
ـ مثوى الشهيد زيد بن علي عليه السلام: يقع هذا المرقد وسط المدينة القديمة في محلة بهذا الاسم … ويقال إن الشهيد زيد ابن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام مدفون في هذا المكان، ويؤمه الناس للزيارة. والحقيقة أن زيداً الشهيد استشهد في العراق، ثم صلب جثمانه زمناً طويلاً، ثم أحرقه الطغاة.
وقد شُيد هذا المرقد لأول مرة عام 404 للهجرة من قبل (أبو النجم بدر حَسْنَويْه)، وأعيد بناؤه عام 1117 للهجرة بأمر من عليمردان خان بن حسين خان والي لرستان، كما جدّد البناء مرة أخرى عام 1307 للهجرة من قبل شخص باسم حسين جهانكير، كما أضاف إلى المرقد قبتين مدورتين، كما أن الباب الخشبي للمرقد الذي صنع بشكل فني رائع من قبل جمال الدين أصفهاني في عام 950 للهجرة، لا زال موجوداً إلى يومنا الحاضر.
ـ بقعة باب طاهر: تقع هذه البقعة في منطقة قديمة في المدينة بالاسم نفسه إلى الجنوب الغربي من (قلعة شابور خواست)، حيث إن أسلوب البناء المتّبع في تشييد البقعة يتميز بالقدم، ويُنسب إلى العارف والشاعر الإيراني الكبير بابا طاهر، كما يوجد في الجانب الغربي من البقعة ركن أثري يُسمى (قلندرخانه).
ـ الترعة الصخرية كرداب سنكي: يعود هذا الأثر التاريخي إلى العهد الساساني وتقع الترعة في منطقة تسمى (ردو بردينه)، وهي نبع يحتوي على الماء العذب خلال تسعة أشهر من السنة، وتزداد كميات المياه الموجودة فيه خلال الربيع، ويجف النبع خلال أشهر الخريف الثلاثة، تقع هذه الترعة إلى الغرب من مدينة خرم آباد.
ـ جسر خرّم آباد الأثري: وهو أقدم جسور المدينة، حيث يعود تاريخ بنائه إلى العهد الصفوي (حكومة الشاه سلطان حسين)، شُيّد الجسر من الطابوق والآجر، وهو ذو 20 ينبوع ماء.
- ثانياً ـ بروجَرْد:
وهي مدينة جميلة ذات طقس رائع، تكتسي بردائها الأخضر المزين بالأزهار والشقائق في الربيع، وطقسها معتدل في الصيف مع وفرة الفواكه، وخريفها عرفاني رائع.
تبلغ مساحة المدينة 2642 كيلومتراً مربعاً، وترتفع 1600 متر عن سطح البحر، ويسكنها حوالي 200 ألف نسمة … وهي كخرّم آباد مليئة بالينابيع وعيون المياه العذبة ووديانها وسهولها كثيرة الأشجار، وتحيط بها سلسلة جبال كراي التي أضفت على المدينة أجواءً خلابة لا نظير لها.
تتكون المدينة حالياً من قسمين متصلين، الأول: يمثل شقها القديم المتميز بالطابع الأثير، ويتركز في وسط المدينة، والشق الثاني: يمثّل الأحياء السكنية والتجارية التي ألحقت بالمدينة.
تعتبر مدينة بروجَرْد من آثار القرون الإسلامية الأولى، حيث إن تقارير السواح والرحالة الذين زاروها، تؤكد هذا الأمر، ولها تسميتان قديمتان هما (ورويرد (Veruverd و(وروغرد).
كتب (الإصطخري) في كتابه عن المدينة التي أسماها بـ (وروغرد) قائلاً: «إنها مدينة وفيرة النعم ومشهورة بالزعفران»، كما جاء وصفها بقلم (ابن الفقيه الهمداني) في (البلدان)، وكذلك ذكرت المدينة في (حدود العالم) و(مجمل التواريخ) و(القصص)، دون التطرق إلى تاريخها القديم، حيث جاء فيه: «إنها مدينة رائعة الطقس ووفيرة الفاكهة».
بعد تأسيس حكومة أتابكان القبلية، خضعت بروجرد لسيطرة هذه الحكومة، وكانت تحسب كجزء من ولاية (لُر الصغير) … كما اعتبرها (حمد الله المستوفي) في (التاريخ المنتخب) جزءاً من ولاية (لُر الصغير)، وكتب يقول: «… وهو إقليم عامر فيه ثلاث مدن عامرة هي بروجرد، وخرم آباد، وشابور خواست …».
عرفت بروجرد منذ القدم بصناعة الأقمشة، حيث كانت تصدرها إلى باقي مدن إيران، بل وإلى خارج الحدود، وكانت مشهورة بنسيجها الجيد وألوانها الرائعة. أُلحقت بالمدينة أضرارٌ كبيرة في هجوم المغول وتيمور في عام 790 للهجرة، حيث تهدمت أجزاء كبيرة من المدينة تحت أرجل جنود تيمور، منها «قلعة روميان» التي تبعد عن المدينة بعدة فراسخ، وتسمى أطلالها اليوم (تلة قلارميان).
أهم الأماكن الأثرية
في المدينة
تتوزع في مدينة بروجرد العديد من الآثار والأماكن الأثرية التي تعود إلى حقب زمانية قديمة، نذكر هنا بعضاً منها:
ـ المسجد الجامع في بروجرد:
ذكر (حمد الله المستوفي) في (نزهة القلوب) هذا المسجد، وهو يصف المدينة بالجمال والطبيعة الخلابة، حيث يقول: إن فيها مسجدين: الأول قديم، والآخر حديث.
شُيّد باب المسجد الجامع في عام 1092 للهجرة بأمر من السلطان محمد، ولم يكن للمسجد قبّة حتى عام 1209 للهجرة، حيث أمر ببنائها أحد الحكام المحليين في المدينة، ويدعى تقي خان رازاني.
هناك لوحة كتابية فوق الباب الغربي للمسجد، سُجّل عليها تاريخ دخول الشاه عباس الصفوي إلى بروجرد (عام 1022 للهجرة) وقد دخلها للاقتصاص من (شاهور ديخان) آخر ولاة (لُر الصغير) الذي كان قد قتل والي شاه عباس الصفوي في بروجرد.
- مسجد سلطاني:
شُيّد هذا المسجد على أنقاض أحد المسجدين اللذين ذكرهما (حمد الله المستوفي) وقد بُني في عهد فتح علي شاه القاجاري.
للمسجد باب كبير مصنوع من الخشب، ومنقوش عليه العديد من الآيات المباركة بشكل فني بارز، وقد صنع عام 1291 للهجرة.
يُستفاد من المسجد الآن للعبادة وتدريس العلوم الدينية، حيث كان يعتبر من أكبر الحوزات العلمية في إيران، وذلك في أيام السيد البروجردي الذي كان يُدرِّس فيه قبل انتقاله إلى مدينة قم.
- مثوى السيد جعفر في بروجرد:
يعتبر هذا المكان من الآثار التاريخية القديمة في بروجرد، تحيط بالمثوى مقبرة قديمة جداً … حيث يعود تاريخ بناء القبة التي تزيَّن المكان إلى العهد السلجوقي، ويبلغ طولها 25 متراً، ويضم المثوى عدداً كبيراً من اللوحات المعمارية والفنية والألواح السيراميكية والخزفية والصخرية التي تعود إلى قرون قديمة سابقة. كما أن باب المثوى الخشبي يعود بناؤه إلى عام 1230 للهجرة، ويُعتقد أن السيد جعفر هو أحد أبناء الأئمة.
لغت نامه دهخدا([181])
ولد علي أكبر دهخدا حوالي سنة 1297هـ، في مدينة طهران، وكان والده (خانبا خان) من الطبقة المالكة المتوسطة، ترك بلدته قزوين واستقر في طهران قبل ولادة ابنه دهخدا وتوفي والده حين كان دهخدا في العاشرة من العمر، فرعته والدته وتابعت له دراسته.
شغل بدراسة العلوم القديمة والحديثة، إضافة إلى اللغة الفرنسية. وبعد حين من الزمان قصد أوروبا لمتابعة إتقانه للفرنسية. وللاطلاع على العلوم الحديثة.
ثم عاد إلى إيران إبَّان النهضة الوطنية، وباشر التحرير في الصحف بأسلوب فكه، ووجَّه قلمه في صحيفة (صور إسرافيل) للمقالات السياسية، فنتج عن ذلك إبعاده إلى أوروبا بسِعاية (محمد علي شاه قاجار). فاشتغل بنشر المجلات في فرنسا وسويسرا وتركية. وحين قام الدستور وزال الاستبداد عاد إلى إيران ليغدو عضواً في مجلس النواب غير أنه اختار الاعتزال أثناء الحرب العالمية الأولى. وحين عهدت إليه رئاسة (المدرسة السياسية) في طهران، ورئاسة (كلية العلوم السياسية والحقوق) حوّل قلمه نحو التحقيق والكتابة، وكانت وفاته سنة 1375هـ.
آثاره ومؤلفاته
1 ـ أمثال وحكم في أربعة مجلدات.
2 ـ ترجمة (عظمة الروم وانحطاطهم) تأليف مونتسكيو.
3 ـ ترجمة (روح القوانين) تأليف مونتسكيو.
4 ـ معجم فرنسي ـ فارسي.
5 ـ أبو الريحان البيروني.
6 ـ تعليقات على ديوان ناصر خسرو.
7 ـ تصحيح ديوان السيد حسن الغزنوي.
8 ـ تصحيح ديوان الحافظ.
9 ـ تصحيح ديوان منوجهري.
10 ـ تصحيح ديوان فرُّخي.
11 ـ تصحيح ديوان مسعود سعد.
12 ـ تصحيح ديوان سوزني السمرقندي.
13 ـ تصحيح (لغة الفرس) للأسدي.
14 ـ تصحيح (صحاح الفرس).
15 ـ تصحيح ديوان ابن يمين.
16 ـ تصحيح (يوسف وزُليخا) المنسوبة إلى الفردوسي.
17 ـ مجموعة مقالات.
18 ـ عظات وكلمات قصار.
19 ـ ديوان.
20 ـ لغت نامه دهخدا.
والمقصود في هذا البحث التعريف بـ «لغت نامه» وها نحن أولاءِ نعرض موجزاً لها:
إن «لغت نامه» حصيلة معاناة وكفاح دام خمساً وأربعين سنة. تحمّل دهخدا وثلّة من أصدقائه عبأها. ولقد جمع لها ما يقرب من ثلاثة ملايين بطاقة موثقة، من نصوص شعرية ونثرية صحيحة، من اللغتين الفارسية والعربية، على أساس كتب اللغة المطبوع منها والمخطوط، ناهيك عن كتب التاريخ، والجغرافية، والطب، والنجوم، والرياضيات، وعلم الكلام، والفلسفة، والفقه، وغير ذلك. ولقد كانت هذه البطاقات نواة «لغت نامه دهخدا».
ونعرض فيما يلي رأي الدكتور محمد معين، زميله ومعينه. فهو خير من يوضح حقيقة هذا العمل. قال الدكتور محمد معين: «تعد اللغة الفارسية من أعمدة الإيرانيين الثابتة، من حيث كثرة الكتابات النثرية والمنظومة في مواضع متفرقة. وهي بالتالي من أرسخ لغات العالم».
ففي غضون عشرة قرون تقريباً بلغت اللغة مقاماً سامياً على يد شعراء عظام أمثال: رودكي، الفردوسي، العنصري، فرُّخي، منوجهري، نظامي، سنائي، عطار، المولوي، سعدي، حافظ، وكتاب أعلام أمثال: البعلمي، والبيهقي، الكرديزي، الوطواط، سعدي، فراهاني، وغيرهم كثير. ولقد استطاع هؤلاء الرجال أن يعبروا عن أرق المعاني، ويجسِّدوا ألطف الأحاسيس وأعمق الأفكار بأفصح التعابير وأبدع الصور والأشكال.
وقد حظيت اللغة الفارسية الدرِيَّة إبان هذه القرون العشرة بتطور سريع ملموس. فقد أدخلوا في منظومهم ومنثورهم ألفاظاً وتركيبات وافرة من اللغات الفرعية كالسُّغدية، والخَتَنيَّة، والخوارزمية. ومن اللهجات الإيرانية المحلية كالسَّكرية، والزاولية، والأفغانية، والكردية، واللُّرية، والفارسية، وغيرها. ومن اللغات الأجنبية أمثال: العربية والتركية، والفرنسية، والإنكليزية، والروسية، والألمانية. مما ساعدهم على إبداعهم في بيان المعاني والأفكار، واستخدام التعبيرات المتنوعة.
ولم يمض حين من الزمان حتى توافدت على الفارسية ثروة لغوية ثرّة، أغنت اللغة ورفدتها وما زال الإيرانيون، حتى بعد مضي عشرة قرون أو أحد عشر قرناً، محافظين على كمال لغتهم بهذا الميراث الضخم. ومهمة الإيرانيين أن يحافظوا على المخزون الثمين بكل أمانة وإخلاص، مُجهدين أنفسهم بإقصاء ما قد يعتوِرَهُ من خلل أو فساد، وما قد يداهم هذا الحصن الحصين من تصرف ما أو تدخل يسيء إليه.
فجنحوا إلى لمِّ شتات اللغة الفارسية ضمن أثر جامع، يكوع مرآة واضحة الإرادة لتحول اللغة الفارسية عبر هذه القرون الماضية. ومما يؤسف له أن المعجمات الفارسية لتي ألفت حتى الآن سواء في إيران والهند وتركيا لم ترو شغف طلاب العلوم والآداب، لأن بعضها ضم الألفاظ الفارسية والمهمل من الألفاظ العربية (المستعملة في الفارسية) (أمثال: لغت الفرس للأسدي، وصحاح الفرس، والبرهان القاطع)، وبعضها مثل «غياث اللغات» و«آنَنْدراج» التي اشتملت على الألفاظ الفارسية والعربية من غير ضبط، ناهيك عن أن مقداراً من الألفاظ المبثوثة فيها ورد مغلوطاً. كما أنها اكتفت بمعنى واحد أو معنيين للفظة الواحدة. وبعض هذه المعاني مما لم يعد يُستعمل. أما الأخطاء فحدِّث عنها …
كما أن بعض المعجمات قصّرت في ذكر الشواهد والأمثلة. وهي إذا استشهدت لبعض المعاني نقلت الشاهد نقلاً. وقد كانت أغلب شواهدهم شعرية، ولم يُولوا النثر أهمية تذكر … ناهيك عن الصَّدع البارز، والغموض المشين بين معنى اللفظة وما استشهدوا به.
كما أنهم، من ناحية أخرى، اتخذوا شعر شعراء العصور الانحطاطية شواهد لهم، ولا سيما أصحاب المعجمات المتأخرة.
الأسس المرعية
في لغت نامه دهخدا
1 ـ مع أن «لغت نامه» سعت لأن تنقل جميع المعجمات الخطية والمطبوعة المهمة، الفارسية والعربية، فإنها قصدت الغاية في الدقة، خوف وقوعها بأخطاء السلف.
2 ـ ضمت أكثر الألفاظ شواهد متنوعة من نصوص شعرية ونثرية معتبرة، ولا سيما تلك الألفاظ المستخرجة من نصوص ذات عدد من الشواهد والأمثلة. وهذه الشواهد إضافة إلى أنها تعد مستنداً، فإنها توضح وجهة استعمالها في التعابير المختلفة.
3 ـ كان ردف جميع مترادفات اللفظة في ذيل معانيها من الأسس البارزة لهذه «اللغت نامه».
4 ـ لقد هيأت (لغت نامه) دراسة موسعة في نحو الفارسية وصرفها، مما يعين القارئ ويفيده.
5 ـ يُركّب كثير من الألفاظ الفارسية بالألفاظ العربية أو الأجنبية، عن طريق أدوات أو كلمات أخر، بحيث تؤدي معاني خاصة جديدة، أمثال نصيحت يذير (قابل النصيحة)، حَقشناس (مؤِّدي الحق)، ملامت كر (لائم)، مطالعه كرده (مقروء). ولم يول أغلب المؤلفين اللغويين أهمية لهذه الألفاظ في معجماتهم، في حين أن «لغت نامه دهخدا» جمعتها واستشهدت لها.
6 ـ أوردت «لغت نامه» شروحاً كثيرة لأعلام الرجال والأماكن.
7 ـ كان إدخال صور النباتات والحيوانات والرجال والأماكن وغيرها من الأسس الجلية جداً في «لغت نامه».
ونقتطف ـ فيما يلي ـ من لسان دهخدا نفسه ما قاله بشأن «لغت نامه، اللغة الفارسية» في مقدمة كتابه.
اللغة الفارسية
1 ـ كما أن جذع الشجرة يزداد ورقه كل عام على قطره السابق، فإن كلامنا أيضاً تضخم في غضون ألف سنة على حسب تبدل حاجات الأزمنة والأشخاص، وتنوع الألوان والمجازات.
2 ـ ومن خصائص اللغة الفارسية ما يدل على روح الأمانة عند الإيرانيين ـ فهم يحافظون على الشكل الأصلي للفظة الأجنبية التي وفدت على لغتهم. وهذا يخالف قواعد اللغات الأخرى في طريقة استقبالها للدخيل من الألفاظ.
3 ـ تعدّ اللغة الفارسية غنية جداً بالمركبات اللفظية.
4 ـ ليس في الفارسية مذكر ولا مؤنث، ولا حرف تعريف، ولا جموع متنوعة، وهذا كله يسهل عملية تعلمها.
5 ـ سيثبت للعالم، إثر طبع هذا الكتاب، أن اللغة الفارسية إحدى أضخم لغات الدنيا، وسيدحض كل الآراء المتداولة.
الألفاظ العامية
6 ـ الشعب دائماً هو الذي يولِّد اللغة، إذ يدرك المفاهيم، ويتخيَّر الألفاظ المناسبة التي تؤدي سياق هذه المفاهيم. فما ولَّده الذوق السليم يُثبتُ وجوده. ولقد تراكمت هذه الألفاظ منذ ما قبل ألف سنة. وكان أصحاب اليراع يحجمون عن استخدامها في كتاباتهم الأدبية. ولا بد للخاصَّة من أن يمنحوا هذه الألفاظ حقها بالتداول، لتأخذ طريقها إلى كتب اللغة.
7 ـ كثيراً ما نلقى ألفاظاً تتداولها العامة. ولبعضها مرادف في اللغة الأدبية، في حين أن بعضها الآخر يفتقر إلى هذا المرادف. واستعمال هذين النوعين من الألفاظ، في ظني، ضروري لدعم اللغة. وهذا ما حداني إلى جمع ما ترامى إلى خاطري منها في هذا الكتاب. مثل «تيله» التي هي بمعنى انكسار الخزف، ولم أجد لها مرادفاً. أو «جخد» ومعناها القوة والمكر والغاية.
تصرُّف الإيرانيين باللغة العربية
8 ـ لقد صُغنا على أوزان الصيغ العربية ألفاظاً فارسية واستخدمناها، في حين أن العرب القدماء، وكذلك المعاصرون، أحجموا عن استعمالها، مثل «نزاكت» من اللفظة «نازُكي»، و«فلاكت، ومفلوك، ومفاليك» من الكلمة «فلك زده».
9 ـ كما صغنا صفات بإضافة «با» الفارسية (بمعنى مع) على أول المصادر العربية مثل: باعظمت (عظيم)، باديانت (متديِّن)، باشهامت (شهم)، بامسرَّت (مسرور)، بافضيلت (فاضل)، باشجاعت (شجاع)، بارأفت (رؤوف).
10 ـ كما صغنا صفات بإضافة حرف النفي الفارسي «نا» قبل الكلمات العربية، مثل: ناتمام (ناقص)، نا بالغ (قاصر)، ناخلف (بلا خلف)، بي حميَّت (بلا نخوة)، بي عاطفة (عديم العاطفة).
11 ـ جمعنا الكلمات العربية المجموعة مرة ثانية، مثل: أخلاطها جمع أخلاط، كُتبها جمع كتب. قال منوجهري:
زنانِ دُشمنان دربيش ضربتْ
بياموزند ألحانهاي شِيوَن
وترجمته: «تتعلم نساء الأعداء، لقاء الضربة، ألحان الأسى».
12 ـ وصُغنا من المصادر العربية مصادر فارسية مركبة (وتدعى مصادر جعلية)، مثل: رقصيدن، بلعيدن، طليبدن. وصغنا مثل هذا باللغة التركية، مثل: قابيدن (الخطف)، جابيدن (الإغارة)، جياندن (الضغط).
13 ـ استنبطنا من لفظة عربية واحدة عشرات الكلمات المركبة، مثل حسابْدار (محاسب)، حسابداري (محاسبة)، خوش حساب (سريع الحساب)، خوش حسابي (سرعة في الحساب)، بدحساب (سيئ الحساب)، بد حسابي (سوء في الحساب)، حساب كشيدن (إجراء الحساب)، حساب بس دادن (رد الحساب)، بي حساب (بلا حساب)، حساب وكتاب، حساب بردن از (نقل الحساب من)، حساب داشتن يا (تضمن الحساب بـ)، حساب ساز (صانع الحساب، حيسوب)، حساب سازي (صناعة الحساب).
وكذلك: بي عيب (خالٍ من العيوب)، بي عيبي (بلا عيوب)، عيب جستن (تخطى العيوب)، عيب جوئي، عيب جوئي كردن (البحث عن العيوب، تقصِّيها)، عيب جوينده (الباحث عن العيوب، كاشفها) ومثلها عيب جوي، عيب جويندكي (كشف العيوب)، عيب كير (معيب)، ومثلها عيب كيرنده، عيب كيري وعيب كرفتن (التعييب)، عيب كردن (عمل العيب)، عيب داشتن (الوقوع في العيب)، عيب دار (معيوب)، عيب داري (الوقوع في العيب)، عيب يوش (ساتر العيوب)، عيب يوشي (ستر العيوب)، ومثلهما: عيب يوشنده وعيب يوشندكي، عيب ناك (ذو عيب)، عيب ناكي (الوقوع في العيب)، عيب كو (لافظ العيب)، عيب كوثي (لفظ العيب).
14 ـ صنعنا «حاصل المصدر» بإضافة ياء على آخر اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وصيغة المبالغة العربية، مثل: قادري، حاكمي، شاعري، مشهوري، مستحكمي، شريفي، بخيلي، عليمي، شيادي، رقّاصي، جبّاري.
15 ـ بإضافة «ياء» على صيغة المبالغة العربية حصلنا على العمل، والمكان، والمحل، إضافة إلى معنى حاصل المصدر، مثل: بقَّالي، نسّاجي، قنّادي، نجاري.
16 ـ وبإضافة «ياء النسبة» إلى المصادر العربية صنعنا صفات، مثل: فراري معناها هارب.
17 ـ صنعنا مصادر مركبة من المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول العربية. مثل: صيحة كشيدن (الصياح)، تغيير دادن (التغيير)، جمع شدن (اجتماع)، جمع آمدن (جمع)، معجز كردن (تعجيز)، مُسهل خوردن (شرب المسهل)، مُنفعل شدن (انفعال)، محتوم شمردن (الحتم)، مجبور شدن (اضطرار)، مجبور كردن (جبر)، مجبور بودن (اضطرار)، مجبور كرديدن، مجبور آمدن، خودرا مجبور غودن.
18 ـ صُغنا من تركيب كلمات عربية وفارسية ألفاظاً مركبة، مثل: سَرصف (رأس المجموعة)، نايب سرهنك (معاون المقدم)، جمع آوري (جمع تحصيل)، صف آرائي (تشكيل الصف العسكري استعداداً للمبارزة).
19 ـ بدَّلنا معاني كلمات عربية مثل: رعنا (متكبر)، إعزام (إرسال).
اللغة العربية
20 ـ تمتاز اللغة العربية، من حيث الألفاظ، بالاتساع والشهرة. ومن علائم اتساعها عدم انتشار الكتابة بين العرب، ولهذا فإن العربي حين يستمع إلى نطق لفظة يرقبها في خاطره، ويستخدمها داخل خيمته، بشكل خاطئ، ومن هذا القبيل: لذع، لدغ، لحس، نهش.
كليات لغت نامه
21 ـ لم يتسنَّ للألفاظ الفارسية جمعاء أن تجمع حتى الآن. فقد تضمنت الكتب ولا سيما دواوين الشعراء والأسفار اللغوية عدداً من الألفاظ المتداولة، فقمنا نحن بلمِّ شتاتها. في حين أن آلاف المفردات الفارسية وغير الفارسية المبذولة لم يُقدم أحد على جمعها، وإن حصل مثلُ هذا، فإن هذه الأعمال لم تبلغ مرحلة طبعها ونشرها.
وها نحن ننقل أغلبها من طريق مخزون الذاكرة، ثم نرتبها ألفبائياً. ولا مندوحة لنا من القول بأن استرجاع آلاف المفردات إلى الخاطر، وترتيبها ألفبائياً يحتاج إلى عمر سبعة من النسور!
22 ـ ونحن إذ قلنا إن كتابنا هذا ضم ثلث الألفاظ الفارسية نكون تسرَّعنا القول. وبلا شك، فإن الألفاظ، المكتوبة والشفهية، الواردة في المسجلات أو في لغات الآخرين لا تعادل ثلثي هذا الكتاب، إذ لا أقلَّ من نصفها عفى عليه الزمان، ولم يحوِه هذا السِّفر.
23 ـ تفصيل لغت نامه: ستشمل «لغت نامه» على مجلدات عديدة، وقد يكون هذا العمل موجب تعجب العديد من الناس واعتراضهم، وسيسألون: لماذا لم تحظ معاجم الفرنسيين والإنكليز اللغوية مثل هذا التفصيل؟! ودلائلنا على ذلك:
أ ـ لقد تركبت لغتنا من لسانين أساسيين هما: الفارسي العربي، ولكل من هذين اللسانين مفردات بسيطة ومركبة، ونجم عن تركيبهما ببعضهما بعضاً تراكيب عديدة.
ب ـ تعدُّ اللغة الفارسية في مجال مركباتها، واللغة العربية من حيث مشتقاتُها فريدتين في العالم. وقد حظيت الفارسية من جراء مزج هاتين اللغتين بتوسع قلَّما نجد له نظيراً في لغة أخرى.
ج ـ وقد أعمل الإنسان فكره بهذه اللغة المركبة قرابة أربعة عشر قرناً، وفي نصف الدنيا المعمورة بحوائجه، وبين رغباته وكتب شيئاً.
د ـ في أحياء العرب المختلفة، في الممالك الإسلامية الشاسعة مفردات، ولا سيما أسماء الذات التي تدعوها كل بقعة باسم خاص. كما أن «لغت نامه» تضطر إلى ضمّ المترادفات إليها، مثل: أضراس الكلب، الكثيرة الأرجل، بسفايج بسبايه، بولوبوديون … وهذه المسميات كلها اسم لعشب واحد … ويجب أن تذكر جميعها.
24 ـ آمل من أحبَّتي وقراء «لغت نامه» ألا يعتريهم الخور من طول مدة الطبع، لأن العمل صعب وضخم وعويص جداً. فقد حرَّر كتب اللغة الفرنسية مئات من العلماء من أهل اللغة بمدة قرنين من الزمان، حتى تيسَّر لهم أن يبلغوا هذه المرحلة الحالية.
25 ـ لم ننقل المفردات العربية بحسب مادتها الأصلية وجذرها، بل بحسب تسلسلها الهجائي، لأن استخراج «ذناذن الثوب» من مادة «ذن» [ذَنَ نَ] ليس صعباً على الفرس وحسب، بل على العرب أنفسهم، باستثناء علماء اللغة والصرف منهم.
26 ـ الأعلام التاريخية والجغرافية: كان كثير من الناس يتمنون لو أن «لغت نامه» طُبعت من غير إقحام الأعلام بين ثناياها. على أننا نعتقد بعكس ما ذهبوا إليه، لأننا في عصر إذا لم نطبع ترجمة الأعلام بالفارسية بهذا التفصيل في مكانها بين الألفاظ اعترتنا الحسرة، لأن فصل الأعلام داع إلى إقصائها. ويعتقد الكاتب أن المحققين سوف يقدِّرون أهمية طبع الأعلام بمرور الزمان واشتداد الحاجة إليها، بل أنهم سيتلافون نقائصها فيما بعد.
ولا بد من الإشارة إلى أن المشاهير كالأنبياء: موسى، عيسى، محمد، ومن أمثال: كوروش، داريوش، بطرس الكبير، سقراط، كونفوشيوس، الفردوسي، شيكسبير هم دهاة ونوابغ يجب الإشادة بحسناتهم. ومن ناحية أخرى فإن بعضاً من هؤلاء المشاهير حظوا بشهرة واسعة، ويجب ضمّهم في زمرة البلايا والعفاريت، ومن هؤلاء: آتيلا، جنكيز، هولاكو، تيمورلنك. أي يجب التفريق بين هاتين المجموعتين.
27 ـ باعتبارنا مسلمين فإننا دونّا الأعلام الأوروبية بالشكل الذي استخدمه المسلمون تماماً، من ذلك: إشبيلية، فلوطرفس، المبياذيس من غير إعلام أو ترويج. فغايتنا الارتباط بوشائج تاريخنا وديننا.
28 ـ نقلنا بعض الأعلام الجغرافية الإيرانية من على الخرائط الفارسية وقد كان أغلبها مدوناً بخط دقيق، وكان كثير منها غير مقروء لسوء الطباعة وسقوط بعض الأحرف، مما اضطرنا إلى قراءتها بأقرب صورة. وعلى الدولة، فيما بعد، أن توجه موظفيها لتدوين هذا النوع من الأسماء بالخط المعرب، حتى تتمكن «لغت نامه» من تلافي النقص في الطبعات القادمة.
29 ـ لم أتبع في هذا الكتاب تقليد صرف كتب اللغة والمعاجم، فقد قدّرت حاجة عامة إيران الماسَّة. إن كتبنا لمّا تطبع، وما طبع منها معدود ومحدود، أو غالي الثمن. ولهذا لم تُبذل بين الأيدي، إضافة إلى هذا فإن العلماء من آبائنا، عدة مئات، كان كل ما كتبوه باللغة العربية، ولهذا افتقرت اللغة الفارسية إلى منحها حقها، فسعيتُ جهدي أن أستلهم المعلومات من مؤلفاتهم.
30 ـ سعينا في هذا الكتاب أن نستفيض باستخدام المفردات العربية، ولا سيما الشواهد لاستخدامها في الفارسية، سواء كانت موجودة في الفارسية أو غير موجودة.
31 ـ قد يُلحظ في الكلمات العربية المدوَّنة في «لغت نامه» بعض المعاني مما هو غير مذكور في كتب اللغة العربية. وسبب ذلك أن الإيرانيين منحوها هذه المعاني في معرض سياقهم لها، وقد اضطررنا إلى ذكرها.
32 ـ إن نقل الأساطير العربية وإيراد أسامي الجن والملائكة وشجعان العرب وأسماء خيولهم وسيوفهم ووقائعهم في هذا الكتاب من هذه الوجهة تماماً كما ورد عند الأدباء الإسلاميين من مترسلين وشعراء، فجاء ذكرها مشابهاً لأساطير اليونان في أدب المسيحيين. وكتبنا الأدبية السهلة التناول، الشعرية والنثرية زاخرة بالإشارات عنها. وما زلنا نفتقر إلى كثير من الكتب الأخرى، إما بطريقة طبعها، وإما بضيق انتشارها ووقوعها بأيدٍ غير مناسبة، أو محفوظة في مكتبات شخصية في الهند وبلاد الترك وغيرهما. ولا شك أن «لغت نامه» يجب أن تشتمل على هذه الكتب. كما لا يمكننا اليوم أيضاً منع أي شاعر، إذا كان يدرك المقصود من الإشارة إليها.
33 ـ وقد لا يتسنى لمطالع هذا الكتاب الاطلاع على القواعد الصرفية والنحوية للمفردات العربية، ولهذا جاءت الجموع والمثنيات المستعملة وأفعال التفضيل وصيغ المبالغة والصفات المشبهة منفصلة، وتأخذ مكانها المناسب من التسلسل الألفبائي.
34 ـ الأمثال: لم أورد في «لغت نامه» أمثالاً كافية، لأنها نقلت في كتاب الأمثال والحكم، وإذا ما كُرر ذكرها هنا احتاجت إلى وقت طويل، وزادت من حجم الكتاب، وعقَّدت من طبعه.
35 ـ أما خواص بعض الأدوية وغيرها مما نقل إلى الكتاب، فإننا أرفقنا بالكلمة تاريخها. وكذلك الأمر اتبعناه في شرح بعض النباتات والحيوانات والمعادن ذات الخواص الخرافية، من غير أن نكوّن اعتقاداً ما. إنما تنقل من الوجهة التاريخية، وكثيراً ما نوَّه الشاعر وغير الشاعر بها.
36 ـ ربما يقال إن الكلمات المشهورة لا تحتاج إلى شاهد بالضرورة، لكن هذا غير صحيح، لأن ما هو مشهور عند قوم، مهجور عند قوم آخرين. وما هو مهجور في زمان، مشهور في زمان آخر. ويعلم المشتغلون باللغة أن كثيراً ما كان اللغوي يقنع من التعريف بكلمة «مشهور» أو «هو مشهور». في حين أن هذا «المشهور» اليوم لم يعد فقط «غير مشهور»، بل غدا في عداد المفقود أو المجهول، وإدراك معناه مستحيل أو ممتنع.
37 ـ قد تردُ في هذا الكتاب لفظة فارسية من «منتهى الأرب» معدَّة شاهداً ومثالاً. وسبب ذلك أن مؤلف هذا الكتاب، وإن كان هندياً، فإنه اعتمد كتباً مترجمة عربية إلى الفارسية، وفارسية إلى العربية كثيرة. ونحن لا نعلم عنها شيئاً، وهي في غاية الكمال وصحيحة تماماً.
عبيد الله ناصري طاهري
لكنو
تقع لكنو في شمال غربي الهند وبين سكانها العدد الكثير من الشيعة وكانت عاصمة ملوك (أوَدْ) الشيعة الذين أسسوا دولتهم عام 1167هـ وأخذوا ينشئون في لكنو المعاهد والمؤسسات والمشاريع واستمر ذلك حتى أصبحت مركزاً من أهم مراكز الثقافة الإسلامية في الهند.
وقد قامت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في نيودلهي بإحصاء وفهرسة الكتب الخطية لعدة مكتبات مهمة في الهند من الإرث الإسلامي، وطبعت الفهرست. ثم أصدرت فهرستاً للكتب الخطية النفيسة الموجودة في مكتبة (راجه محمود آباد) وجاء في مقدمة ذلك الكتاب تقرير عن مكتبات (لكنو) العامة، أعدّه السيد (خواجه بيري) مدير مركز الدراسات الفارسية في المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بنيودلهي، ندرجه فيما يلي بعد مراجعته ورفده بالإضافات:
إن انتشار الإسلام في الهند مكّن المسلمين من حكم شبه القارة الهندية ما يقرب ثمانمائة عام، لتكون بذلك الهند إحدى قواعد الإسلام والعلوم والفنون الإسلامية، ما أدّى إلى تعلق السلاطين المسلمين بالثقافة والأدب الإسلاميين واحترامهم للعلماء والمفكرين طوال تاريخ التمدن والثقافة الإسلامية في الهند. وقد بسط الحكّام المسلمون الثقافة والتمدن الإسلامي في كافة أنحاء الهند فأنشؤوا مدارس وبنوا مبان عظيمة، وكرموا العلماء، وشجعوا الطلاب.
ففي عهد محمد شاه تغلق (1325 ـ 1351م) كان في دلهي وحدها ألف مدرسة كبيرة وصغيرة لطلاب العلوم، وكانت كل مدرسة منها تضم عشرات طلاب العلم الذين يتلقون العلوم الإسلامية، وكان إلى جانب معظم تلك المدارس مكتبات عامة يستفيد منها المدرسون والطلاب. وما زالت آثار مدرسة (فيروز شاه تغلق) قائمة حتى الآن إلى جانب حوض خاص في دلهي.
ولم يكن تحصيل العلوم والفنون الإسلامية آنذاك منحصراً في المدارس وحدها، بل كانت المساجد والمعابد الصوفية أيضاً مراكز تدريس للعلوم الإسلامية. وكانت المكتبات العامة تقف شامخة إلى جانب معظم المساجد والمعابد الصوفية.
ذكر الشيخ عبد الحق المحدث الدلهوي المتوفى عام (1642م/ 1052هـ) في كتاب أخبار الأخيار في ترجمته لسراج الدين أنه كان من تلاميذ مولانا ركن الدين والعارف الكبير الخواجة (نظام الدين أولياء) المتوفى عام (1325م/ 725هـ) وكان يستفيد من مكتبته.
ومن بين الحكومات الإسلامية في الهند، كان السلاطين المغول الأكثر تعلقاً بالفنون والعلوم الإسلامية. فظهير الدين محمد بابر المتوفى عام (937هـ/ 1530م) رأس سلالة الملوك المغول التيموريين في الهند، كان صاحب فضل، ينظم الشعر. وقد أوجد مكتبة عظيمة داخل قصره، وكان يدعو العلماء والفنانين من كافة الأنحاء للاستفادة منها، وقد بلغ شدة تعلقه بالمطالعة حداً كان إذا فرغ ليلاً من شؤون الحكم توجه إلى المكتبة ليطالع في كتبها شطراً من الليل، حتى أنه كان ينام فيها أحياناً، وكان خطّه حسناً، وقد ابتكر خطاً سمّي فيما بعد بالخط البابري. وبلغ عدد كتب تعداد مكتبته (52400) مجلد حسب نقل المؤرخين.
وهمايون بن بابر (937 ـ 963هـ/ 1530 ـ 1556م) كان متعلقاً بالعلوم الأدبية إلى درجة جعلته يقيم المجالس العلمية والأدبية الكبيرة في مختلف الأنحاء بحضوره شخصياً، فأسس القاعات السبع التي سميت بالنجوم السبع الكبيرة لاستقبال ضيوفه. منها قاعتان باسم الزُهرة والمشتري مخصصتين للقاء العلماء والمفكرين وأهل الفن. وقد ذكر السيد علي الملقب بأمير البحر تلك المجالس وذكرياتها وذلك في كتابه (سفر نامه). أما همايون فإنه كان يقضي معظم أوقات فراغه في مكتبته الشخصية في برانا قلعة أي القلعة القديمة ليطالع فيها. وفي يوم (17 ربيع الأول عام 963هـ) خرج السلطان من مكتبته لأداء فريضة المغرب، فتعثر عند الدرج وسقط ومات، ولا تزال عمارة مكتبته قائمة في القلعة القديمة.
وأبرز فترة لنمو الثقافة والتمدن الإسلامي في الهند هي فترة حكم جلال الدين محمد أكبر (963 ـ 1014هـ/ 1556 ـ 1605م) وهو ابن همايون وخلفه. ورغم أنه لم يكن في مستوى آبائه في مجال المعارف والفنون الإسلامية، لكن عشقه وتعلقه الوافر بالعلوم والفنون كان شديداً. إضافة إلى وجود علماء في البلاط من أمثال: أبو الفضل بن مبارك المتوفى عام (1011هـ/ 1602م) وأخوه الفيضي المتوفى عام (1004هـ/ 1595م) وملاّ فتح الله الشيرازي المتوفى عام (997هـ/ 1588م) والقاضي نور الدين الشوشتري الشهيد الثالث المتوفى عام (1019هـ) وأبو الفتح الجيلاني المتوفى عام (997هـ/ 1589م) والحكيم همام المتوفى عام (1004هـ/ 1595م) وعبد الرحيم خان خانان المتوفى عام (1036هـ/ 1627م)، ممن ساهموا بانتشار الثقافة والفنون الإسلامية أكثر من أي عهد آخر.
وقام (أكبر) بتوسيع مكتبة أسلافه، وشجع وزراءه وأعوانه على تأسيس مكتبات كثيرة. فأسس عبد الرحيم خان خانان مكتبة كبيرة، ودعا إليها العلماء والفنانين والخطاطين والرسامين من أنحاء العالم الإسلامي للتعاون وإغناء المكتبة. فعمل فيها لمدة كل من: بهبود ميرزا الخطاط، وأخوه مير علي خوشنويش، وشجاع الشيرازي أستاذ خط الثلث والنسخ، والملا عبد الرحيم الهروي الملقب بعنبرين قلم، ومحمد حسين الخطاط. وقام بتزيين كتبها الأستاذان الأخوان: ميان نديم وميان فهيم. وتولى إدارة شؤون تجليد الكتب فيها: محمد أمين الخراساني، وكان جمع من العاملين يساعدونه. وقد هاجر محمد أمين هذا من مدينة مشهد في إيران إلى الهند ليعمل في المكتبة المذكورة، وكان يتقاضى أجراً شهرياً قدره (400) روبية.
وابنة أخ همايون من كلرخ بيكم الشاعرة المشهورة: سليمة سلطانة كانت تمتلك مكتبة، وكانت معظم كتبها من النوادر.
ومن المكتبات الهامة لذلك العهد: مكتبة منعم خان سبهسالار في جونبور، ومكتبة نور جهان بيكم في دهلي، ومكتبة الفيضي في فتح بور سيكري (أكبر آباد).
كانت توجد في مكتبة الفيضي مؤلفاته التي ناهزت مائة وعشرة مجلدات، إضافة إلى (4600) نسخة نادرة من الكتب.
ونواب نور النساء بيكم كانت تعشق الكتب إلى درجة جعلتها تشتري ديوان كامران بمبلغ يعادل ثلاثة مهور من الذهب. وما زالت تلك النسخة موجودة في مكتبة خدابخش بتنا، وقد كتب على صفحتها الأولى: (ثلاثة مهور من الذهب قيمة هذه الخزانة) نواب نور النساء بيكم.
وفي زمان حكومة الملوك الذين تلوا (أكبر) ومنهم: جهانكير (1014 ـ 1037هـ/ 1605 ـ 1627م) وشاه جهان 1037 ـ 1068هـ/ 1627 ـ 1658م) وأورنكزيب (1068 ـ 1118هـ/ 1658 ـ 1708م) أسست مكتبات عامة وخاصة أيضاً.
فجهانكير كان يحمل مكتبته الشخصية معه خلال أسفاره، فعندما سافر إلى مقاطعة كجرات كان يلتقي العلماء والمفكرين، ويقدم لهم الكتب هدايا.
وفي زمان حكومة شاه جهان زار سائح ألماني اسمه (جان البرت) الهند عام (1638م) وكتب في مذكراته أنه زار مكتبة جهانكير، ورأى فيها (24000) نسخة من أفضل الكتب المجلدة.
(دارا شكوه) ابن العالم والعارف (شاه جهان) الذي قد قتل عام (1659م/ 1069هـ) كان صاحب مؤلفات قيمة في العرفان الإسلامي، وأسس مكتبة كبيرة في دلهي ما زال مبناها قائماً في ناحية كيت الكشميرية (بوابة كشمير).
وفي زمان سلطنة (أورنكزيب) تنامت مجالات الفقه والتفسير والحديث بسبب تشدد الملك بالمسائل الدينية. وكان (أورنكزيب) يصلي نافلة الليل، ثم يقرأ القرآن أو يخطه بيده. وعند موته أوصى أن يشترى كفنه بمبلغ (405) روبية من المبلغ الذي جمعه من بيع النسخ القرآنية التي خطها بيده. وكان قد تعلم فن إدارة المكتبات والتأليف على يد السيد علي التبريزي، مديرالمكتبة الملكية.
ابنة أورنكزيب (زيب النساء) التي توفيت عام (1114هـ/ 1702م) يقال إنها كانت شاعرة صاحبة ذوق أدبي، تنظم الشعر، وتحتوي مكتبتها الشخصية على كتب متعددة في الأدب والأخلاق، وأنها أمرت بتأليف وترجمة كتب كثيرة في المعارف الإسلامية منها: التفسير الكبير للفخر الرازي الذي ترجمه إلى الفارسية الملاّ صفي الدين وسماه (زيب التفاسير) وألّف بأمر منها كتاب أنيس الحجاج. وبعد موت أورنكزيب اختلف أبناؤه فيما بينهم، مما أضعف حكومة المغول، وكان من بين سلالته ملوك أحبوا العلم والأدب، وكانوا يتذوقون ذلك، وهو: بهادر شاه ومحمد شاه (1131 ـ 1161هـ/ 1719 ـ 1748م) والشاه عالم ثاني.
ومع ضعف حكومة المغول في دلهي عام (1211هـ) ورفع غائلة ولاية (أود) عيّن (سعادت خان برهان الملك) قائداً لتلك المنطقة، فاتخذ من مدينة (فيض أباد) مركزاً لقيادته. وكان برهان الملك رجلاً محباً للعلم، وكان من أصل إيراني، ومن سادات نيسابور. وكان اقتدار (سعادت خان برهان الملك) وضعف الحكومة المركزية أديا لأن تصبح ولاية أَوَدْ منطقة حكم ذاتي([182]). ومع تأسيس حكومة أود، وخفوت شعلة العلم والمعرفة في (دلهي) أضحت ولاية (أود) مركزاً للعلماء والمثقفين ومهداً للعلوم والفنون الإسلامية. وفي عهد (آصف الدولة) من الجيل الثالث من أبناء (برهان الملك) اتخذ من (لكنو) عاصمة لولاية أود. وكان آصف الدولة هذا عالماً ومحباً للعلم، وكان مرهفاً يعشق الشعر والأدب الفارسي، وكان ينظم الشعر باللغة الفارسية، وقد طبع ديوان شعره مرتين حتى الآن في الهند. وفي عهده أسست عشرات المدارس والمكتبات العامة في مختلف أنحاء ولاية أود، وتوجه إلى هذه المنطقة العلماء والمفكرون من أنحاء الهند والعالم الإسلامي.
وفي عام (1134هـ) سافر إلى لكنو السيد عبد اللطيف بن أبي طالب بن نور الدين بن نعمة الله الحسيني الموسوي التستري، ودوّن مشاهداته عن خدمات آصف الدولة فقال: (رأيت في مكتبة السلطان عالم واجد علي شاه كتباً مختارة بخط حسن ونظيفة، وقد عيّن شخصاً على كل مائة مجلد منها، وقد تصفّحت أكثرها من خلال مصاحبته، فوجدتها في مجالات: أقسُم الفنون وأصناف العلوم العربية والفارسية والإنجليزية، من نظم ونثر وتاريخ وديوان، إضافة إلى قطع جميلة سطّرت بأقلام أساتذة الخط الأوائل والمعاصرين، وصور لمصورين من إيران والهند والروم والإفرنج بأعداد لا يمكن مطالعتها خلال العمر كله. فيها مجلدات كثيرة من الكتب العلمية منها: الشرائع والمدارك والمسالك والمفاتيح والكشكول وبعض مجلدات بحار الأنوار كلها بخط مؤلفيها، وسمعت من قيم المكتبة أن فيها سبعمائة مجلد من الكتب العلمية بخط مؤلفيها، وأنها تضم ما كانت تحويه مكتبات السلاطين التيموريين بعد سقوطهم. والحق أن جميع الخزائن والدفائن والذهب والمجوهرات التي كانت معه لا تعادل عشر عشير مكتبته.
مكتبات السلاطين:
كان ملوك (أود) الشيعة مثل باقي سلاطين الهند المسلمين يحبون جمع الكتب وتأسيس المكتبات حباً جماً، وكانوا يولون العلماء والمفكرين اهتماماً خاصاً، لذلك فإن جمعاً كبيراً من العلماء والمفكرين والفنانين قد توجهوا آنذاك إلى (أود) قادمين من أنحاء الهند وإيران والعراق، وكان لاهتمام الملوك والأمراء في أود بالعلوم الإسلامية، ووجود العلماء والمفكرين فيها أثره في نمو الثقافة والعلوم الإسلامية أكثر من أي زمان آخر، حتى ألّفت فيها مئات الكتب العلمية في عدة مجالات من العلوم والثقافة الإسلامية، وكثير من تلك الكتب ما زالت مجهولة لدى المجتمعات العلمية. ففي تلك الأيام أسّس الملوك والأمراء والمسؤولون والعظماء والعلماء مكتبات لا تعد ولا تحصى في منطقة أود، وكان كل واحد منهم يسعى لأن يضم إلى مكتبته أندر الكتب، إضافة إلى وجود سماسرة كانوا يعرفون بتعلق أولئك بالكتب، فكانوا يجمعون الكتب النفيسة والنادرة من كل حدب وصوب لينالوا القرب من الحكام ونيل عطاياهم، وكانوا يقدمونها لهم في مراسم خاصة. لذلك فإن جزءاً من كتب مكتبات السلاطين كانت هدايا وتحفاً تصل إلى مكتبة قادمة من الأطراف.
وأكثر أولئك السلاطين تعلقاً بالبحث العلمي والأدبي كان سلطان أود (راجه علي شاه 1263 ـ 1271هـ/ 1847 ـ 1856م) وقد بلغت مؤلفاته من النظم والنثر ستة وأربعين كتاباً ورسالة. وكانت المكتبة السلطانية في عهده تضم مائتي ألف مجلد في مختلف ضروب الثقافة والمعارف الإسلامية، وفي أول عام من حكمه أمر بإعداد فهرست بأسماء جميع الكتب التي تحتاجها المكتبة السلطانية، وبعد إعداد الفهرست أصدر أمره على الشكل التالي: (إن أي كتاب ورد اسمه في الفهرست التفصيلي التالي يصل قبل تاريخ (24) من هذا الشهر ـ ذي القعدة ـ الخميس من سنة (1263) هجرية إلى يد محمد حسين المشرف على المكتبة السلطانية في تكية الشاه الفصيح، سيشتري بالثمن الذي يحدده صاحب الكتاب، شرط أن ينال الموافقة عليه).
وبعد صدور أمر (واجد علي شاه) بشراء الكتب، نظم الشعراء قصائد تؤرخ الأمر.
وبصدور هذا الأمر السلطاني فإن مئات الكتب تهافتت نحو مكتبته لتنضم إلى مجموعات كتب المكتبة السلطانية. وكان من الأسباب الموجبة لاتساع المكتبات آنذاك إهداء الكتب إلى العرسان، فطبق أعراف ملوك أود تحمل مجموعة من الكتب برفقة أثاث العروس وتنقل إلى بيت زوجها، وكلما كانت أسرة الفتاة ميسورة مالياً، ازداد عدد تلك الكتب، وكانت الكتب في ذلك الوقت غالية الثمن ونفيسة. وبذلك انتقلت كتب كثيرة إلى تلك المنطقة نتيجة للطلب. وعندما عقد زواج السيدة (نواب بهو بيكم) الأميرة التيمورية من دلهي بوزير ممالك أود، حملت مع أثاثها عدداً كبيراً من الكتب النادرة النفيسة، وبعد موتها نقلت تلك الكتب إلى المكتبة السلطانية.
من ناحية أخرى فإن فتوحات الملوك والأمراء لباقي المناطق ساهمت في إغناء المكتبات أيضاً. ففي عام (1188هـ/ 1774م) قام (نواب شجاع الدولة) بمهاجمة (روهيلة) وقتل واليها (حافظ رحمة خان) وعاد بالغنائم إلى (لكنو) وكان من جملتها المكتبة الكبيرة للنواب روهيلة، وأودعت المكتبة السلطانية.
محل المكتبة السلطانية:
تقع المكتبة السلطانية في مدينة لكنو عاصمة أود، في عمارة من العمارات الملكية اسمها (برانة دولت خانه) وهذه العمارة تقع بين رومي دروازة وبل آهني (الجسر الحديدي) الواقع على نهر غومتي، وهي تضم عدة آلاف من الكتب النادرة النفيسة. وفي عهد حكومة غازي الدين حيدر (1814 ـ 1827م) تم شراء عدد كبير من الكتب، وأهديت للمكتبة السلطانية. وفي ذلك العهد ظهر استهلاك عمارة المكتبة وتصدّعها، فقسمت الكتب إلى ثلاثة أقسام، ونقل قسم منها إلى إحدى العمارات الملكية (مؤتى) محل (قصر مرواريد وقد اشتهرت بهذا الاسم لوجود قبة لؤلؤية الشكل فوقها. ومؤتى هو مكان عند شاطىء نهر غومتي الكبير، ولا يبعد عن حديقة (قيصر باغ) مكان إقامة (واجد علي شاه) إلا مسافة قليلة.
(شرينغر) زار هذه المكتبة، وذكر أن كتبها كانت تزيد عن ثلاثة آلاف كتاب. وقد ازدهرت هذه المكتبة بعد هجرة أحد الأمراء التيموريين وهو (سليمان شكوه) من دلهي إلى لكنو، وكان سليمان هذا عالماً وصاحب فضل، وكان يقيم في (مؤتى) بأمر من ملك (أود) وكانت تقام بحضوره مجالس أدبية، فزيد في عدد كتب تلك المكتبة خلال أيام إقامته هناك مئات الكتب النادرة. وعمارة مؤتى تقع في حديقة واسعة قرب نهر غومتي، ويوجد جنبها مبنى كبير لإقامة طلاب جامعة لكنو. والعمارة القديمة ما زالت هي المكتبة، وفيها بضعة آلاف من الكتب باللغات: الإنجليزية والأوردو والعربية والفارسية والبشتون. لكن لم يبق فيها أي نسخة خطية، حيث نقلت منها ألف نسخة من أفضل الكتب الخطيّة وأندرها إلى عمارة (فرح بخش منزل) وكان (سعادت علي خان) قد اشترى هذه العمارة بمبلغ (25000) روبية من تاجر إنجليزي اسمه (الجنرال مارتين) وجعلها من جملة المباني الملكية.
وقد ابتلي (سعادت علي خان) بمرض شديد، فأمر بنقله إلى تلك العمارة، وفيها تحسنت حاله، فأطلق عليها اسم (فرح بخش منزل) أي منزل السعادة، ومنذ ذلك الحين كان جميع ملوك أود يقيمون فيها، ونصبوا فيها عروشهم، وجعلوها قصراً لسلطنتهم. أما الكتب التي نقلت إلى هذه العمارة فكانت تنتخب تحت إشراف الملك، وكان لها أهمية خاصة من حيث التذهيب والخط والقدم.
ونقل عدد لا بأس به من كتب المكتبة السلطانية إلى عمارة المدفعية، وهي متصلة ببيلي غاردن، محل إقامة المندوبين الإنجليز، وقد اعتبر بعض المحققين أن عمارة المدفعية هي من ملحقات (بيلي غاردن) في حين أنها خارج أسوارها، وهي عمارة قديمة، وقد استولى عليها الإنجليز إضافة إلى مبنى بيلي غاردن، وجعلوا الطابق الأول منها مكاناً لإقامة جنود وحراس بيلي غاردن. أما كتب مكتبة (حافظ رحمت خان) والي روهيلة التي غنمها نواب شجاع الدولة وأحضرها معه إلى لكنو، فقد وضعت في الطابق الثاني، وأضيف إليها عدد من كتب المكتبة الملكية. وهذه المكتبة لا تزال قائمة مكانها.
مصير مكتبات أود:
المكتبات الكبرى والخزائن القيمة في أود كانت أهم وأعظم مكتبات شبه القارة الهندية في ذلك العصر، لكن ضعف حكومات ملوك أود، والنفوذ المتعاظم للإنجليز قضيا على تلك الكنوز خلال فترة وجيزة، فنهبت نفائس الكتب، أو أصبحت بسبب الإهمال طعمة للعث، وانتشرت أوراق آلاف الكتب الخطية ليستعملها البقالون، وتحولت المكتبات إلى خرائب مع انهيار نظام ملوك أود.
السؤال الذي بقي عاصياً عن الإجابة على مر العصور هو: ما هي أسباب تلف مكتبات أود وتفرّق كتبها وضياعها؟ وقد حاول المستشرقون تحليل الأمر. فالسرجنت ستريجي المستشرق والمؤرخ المعروف يعتقد أن الكتب تعرضت للتلف نتيجة للإهمال بعد خلع (واجد علي شاه) ونفيه عام (1857م) إلى كلكته، واستيلاء الإنجليز على ولاية أود.
لكن الوثائق التاريخية تشير إلى وجود مؤامرات كثيرة حاكها الإنجليز قبل واقعة عام (1857م) بعدة سنوات، بهدف الاستيلاء على مكتبات أود، ذلك لأن الإنجليز كانوا قد استولوا على حكومة أود قبل سنوات من خلع (واجد علي شاه) عام (1857م) وكان الملوك يتربعون على عروشهم بقدرة الإنجليز ودعمهم، وكان العزل والتعيين بأيديهم أيضاً، ولم يكن الملك يمتلك أية صلاحيات في شؤون مملكته.
وعندما كانت مدينة لكنو وتوابعها تتلظى بنار الحملات المتتابعة للإنجليز، وكانت ألسنة لهب الاختلاف والنفاق ترتفع فيها، كان جمع من الانتهازيين وعملاء الإنجليز وصنائعهم الذين تيقنوا من استيلاء الإنجليز على أود، قد هبّوا لمساعدة المحتل الأجنبي على أمل أن يحافظوا بذلك على امتيازاتهم ومناصبهم بعد استيلاء الإنجليز بشكل كامل. وفي أواخر عهد حكومة (واجد علي شاه) حيث كانت الشؤون كلها بيد مندوبي الحكومة الإنجليزية، اختار نائب السلطنة الإنجليزي في الهند جمعاً من المستشرقين وكلّفهم بدراسة أوضاع المسلمين والمكتبات في الهند. وكان السير (هنري إيليت) رئيس مكتب نائب السلطنة الإنجليزي في الهند واحداً من أولئك، وقد كلّف بكتابة كتاب حول التاريخ الإسلامي في الهند. وقد بدأ مهمته تلك عام (1848م) باقتراح من الدكتور (اشبرينغر). فكلّف الدكتور (إيليت) بالسفر إلى معظم المدن الهندية، وكان يستغل منصبه خلال أسفاره تلك، فكان كلما دخل مدينة أو قرية أو محلة يستقبل باحترام من قبل زعمائها ومسؤوليها نظراً لمنصبه ذاك، وكان يدخل إلى جميع المكتبات والخزائن الإسلامية تلك دون أي عائق، ويحصل منها بسهولة على أي كتاب يحتاجه. وقد جمع خلال أسفاره تلك مئات الكتب النادرة والنفيسة، كان معظمها هدايا قدمت له، وإذا أعجبه كتاب ما كان يأخذه بالقوة أو يدفع ثمنه زهيداً.
وفي الأول من شهر أيار عام (1847م) قدّم القائد العسكري الإنجليزي في الهند قدم الدكتور إيليت إلى الملك واجد علي شاه، فسُرَّ واجد علي شاه بسعة معلومات إيليت في العلوم الإسلامية، فسمح له بالدخول إلى المكتبة السلطانية وباقي مكتبات لكنو، فقام الدكتور إيليت خلال أسبوع واحد باستعراض جميع تلك المكتبات، واختار الكتب التي يريدها من بين آلاف الكتب النادرة، وكان الشاه واقعاً تحت تأثيره، فأهداه تلك الكتب.
إضافة إلى ذلك قام الدكتور إيليت خلال مدة إقامته في لكنو ببناء عرى الصداقة مع (الميرزا الوصي علي خان) وكان حينها يشغل منصب مستشار رئيس وزراء حكومة أود، لكن خلافاً وقع بينه وبين بعض الموظفين الإنجليز أدى إلى خلعه من منصبه ذاك بتوصية من القائد الإنجليزي في لكنو. لذلك فإنه كان يسعى لإرضاء الإنجليز طمعاً في استعادة منصبه، لهذا فقد فتح أبواب المكتبات عنوة بوجه إيليت، فاختار إيليت منها ما يشاء وما استطاع، وكان الميرزا يخرج الكتب له بنفسه، ولئلا يلتفت الآخرون لعدد الكتب المفقودة كان يضع مكانها كتباً لا قيمة لها. هذا عدا الكتب التي قدمها (واجد علي شاه) للدكتور إيليت. وبالفعل فإن خدمات الميرزا للدكتور إيليت أدت إلى عودته إلى منصبه المفقود.
من المكتبات الأخرى التي تعرضت للنهب على يد الدكتور إيليت وبغطاء من الميرزا وصي علي خان مكتبة (قلعة مجلي بمون) وهي مكتبة كانت لأحد أمراء أود، وقد أغلقت بعد وفاته وأهملت، وعندما وجد مدير المكتبة اضطراب الأوضاع قام بإخراج جميع الكتب النادرة من المكتبة وباعها للميرزا محمد جعفر (1230هـ/ 1814م) وبعد موت الميرزا محمد جعفر انتقلت المكتبة لابنه الميرزا محسن، واعتقل الميرزا محسن بسعاية من معتمد الدولة وأودع السجن، وخلال قضائه مدة حبسه أهملت المكتبة، فنال العث من عدد كبير من كتبها، حتى إذا مات الميرزا محسن، قام ابن أخيه الميرزا محمد ببيع المكتبة إلى (علي نقي خان) رئيس وزراء ذلك العهد بعدة آلاف من الروبيات، ثم قام الميرزا وصي علي خان بتقديم جميع تلك الكتب إلى الدكتور إيليت.
على أي حال فإن الدكتور إيليت هذا استطاع بطرق مختلفة أن يجمع عدة آلاف من الكتب والرسائل، مستغلاً منصبه ونفوذه، ونقلها معه إلى إنكلترا، وسلمها جميعاً إلى المتحف البريطاني. ففي فهرست (شارلس ريو) المكوّن من ثلاثة مجلدات نجد أن معظم الكتب تحمل ختم ملوك أود وتوقيع الدكتور إيليت.
وكتب الدكتور اشبرينغر مقالة حول المخطوطات التاريخية لإيليت في عام (1854م) أشار فيها إلى بعض الكتب التي نقلها الدكتور إيليت معه إلى إنجلترا.
ومن المستشرقين الذين أرسلهم الإنجليز إلى أود قبل انهيار حكم ملوك أود لدراسة مكتبات أود كان الدكتور اشبرينغر، وهو ذو أصل أسترالي، استخدمه الإنجليز بسبب تبحره في العلوم الشرقية، وأرسلوه إلى لكنو كمفهرس لمكتبات أود، وكان موفقاً في عمله هذا أكثر من الدكتور إيليت، حيث استطاع خلال أقل من عامين أن يستعرض أكثر من عشرة آلاف كتاب ويفهرسها، وتحديد الكتب المهمة الموجودة في منطقة أود، وأعطى قسماً منها للإنجليز، ونقل قسماً آخر معه إلى ألمانيا. ورغم اعتقاد البعض أنه قد قدم خدمة للمسلمين وللعلوم الإسلامية بما قام به خلال إقامته في لكنو من فهرسة لمخطوطات المكتبة السلطانية في أود، لكنه كان أذكى من أن يدون ما شاهده في المكتبات، فيطلع الآخرون على أسرار عمله، فرغم أنه كان يعمل لصالح الإنجليز، لكنه أخفى عنهم الكثير من الكتب النادرة، ونقلها إلى بلده ألمانيا. وهكذا فعل بالنسبة للفهرسة أيضاً، فبعد أن أعدّ فهرساً لعشرة آلاف كتاب من محتويات مكتبات أود، وجعله في أربعة مجلدات، وجعل المجلد الأول منها في قسمين للكتب الفارسية والأوردو، وقد طبعه في الهند. أما المجلدات الثلاثة الأخرى فإن مصيرها مجهول، وأظن أنه أخذها معه إلى ألمانيا، ولم يكن ينوي طبعها أبداً.
وعليه يتبين أن مكتبات أود كانت محطاً لأطماع الإنجليز قبل سقوط سلالة ملوك أود بسنوات، وفي عام (1857م) خلع (واجد علي شاه) آخر ملوك أود، خلعه الإنجليز من السلطة، ونفي إلى كلكتا، وأضحت حكومة أود جزءاً من المستعمرات الإنجليزية بشكل رسمي. ومع تسلط الإنجليز على أود وقتل الناس ونهب أموالهم، خلال الأيام التي سماها الإنجليز بأيام الغدر، تعرضت المكتبات إلى النهب والحوادث مثل باقي الأملاك، ونحي مسؤولو المكتبات ومدراؤها عن مناصبهم، وعين مكانهم أفراد غير مؤهلين، ودبت الفوضى داخل المكتبات، وأتلفت كتب كثيرة بسبب الإهمال والفقر والأهداف الإنجليزية المخزية للقضاء على العلوم والثقافة الإسلامية.
كتب المستشرق والمفهرس للنسخ الخطية في مكتبة ملوك أود (اشبرينغر) في مذكراته أن مدير المكتبة الملكية باع عدداً من الكتب النادرة بإحدى عشرة ألف روبية، ليؤمن بذلك تكاليف عرس ابنته.
وكتب الميرزا محمد نصير في صحيفته: (دخلت برفقة أخي نظام الدين إلى مدينة لكنو في يوم 12/4/1858م) وأقمنا في منزل قرب حويلي روشن الدولة. وكان بيتاً خرباً، وكان في إحدى زوايا المنزل مئات الكتب القيمة والوثائق المهمة مخزنة ومتروكة بقيت من حوادث عام (1857م).
وجاء في كتاب (قيصر التواريخ) أنه كانت في تلك الأيام ترمى الكتب من البيوت إلى جوانب الطرقات والأزقة كأوراق تالفة، أو تباع إلى البقالين لتغليف البضائع بأسعار متدنية.
وكتب العلاّمة (خامة حسين النيسابوري) في مذكراته: (كنت محتاجاً لكتاب خلال تأليفي لعبقات الأنوار، وبحثت عنه عدة سنوات، وأوصيت جميع أصدقائي في الدول الأخرى أن يبحثوا عنه ويرسلوه لي، وكتبت من أجله الرسائل، إلى أن ذهب الخادم في أحد الأيام إلى البقال ليشتري منه، وعاد ببضاعة مغلفة بورقة لفتت نظري، فقرأت كلماتها، فوجدت فيها بعض ما كنت أريده، ثم تبين لي أنها ورقة من ذلك الكتاب، فأرسلت الخادم فاشترى منه الكتاب كله بقيمة بخسة).
(مسيح الدين خان الكاكوري) كان قد توجه إلى لندن برفقة أم (واجد علي شاه) وأخيه من أجل إعادة حقه في الحكم، ثم كتب كتاباً حول الظلم الذي ارتكبه الإنجليز لملوك أود. وكان من جملة ما أشار إليه: وضع المكتبة السلطانية، وأن القادة الإنجليز أخذوا معهم عدداً كبيراً من كتبها، كما أتلفت أعداد كبيرة أخرى من كتبها بسبب إهمالهم لها.
وحسام الدولة وكيل الشؤون السلطانية كتب رسالة إلى معاون القائد العسكري الإنجليزي في لكنو بعد نفي (واجد علي شاه) تظهر ما آلت إليه تلك المكتبة، ومحاربة القادة الإنجليز للمراكز الإسلامية. وذكر في رسالته المؤرخة (14/8/1856م) أني أُبلغت اليوم أن الكابتن فليشر قد دخل إلى المكتبة السلطانية في فرح بخش بأمر منكم، وحاول نقل الكتب إلى محل إقامة الجنرال مارتين. ونعلمكم بأن هذه الكتب من ملكية حكومة شاه أود السامية، ولا يحق لي التصرف بها من رأيي. لكن بما أن هناك حالة صداقة وتفاهم بين حكومة الهند الشرقية وحكومة أود، لذلك لا مانع من قيامكم بمطالعة الكتب وزيارة المكتبة.
وعندما وصلت رسالة حسام الدولة إلى معاون الحاكم العسكري الإنجليزي في لكنو، غضب وأرسل له رسالة جوابية بتاريخ التاسع عشر من نفس الشهر هذا مضمونها: (بالنسبة لتمرّدك على حكم رسولنا، وعدم تسليم المكتبة السلطانية إلى الجنود لنقل الكتب إلى مكان إقامة مارتين، فإن القائد الحاكم قد غضب عليك، ورسالتك هذه لا تليق بضابط كبير، ولم تحفظ بذلك منزلتك ومنصبك، ولن نسمح لك في المستقبل أن تخوض في الشؤون السياسية. أما بالنسبة لثقة ملك أود بك، واستشارته لك في شؤونه فهذا أمر شخصي، لكن من الآن فصاعداً لا يحق لك التدخل في الشؤون العامة، ولا ينبغي لك عصيان أوامر الضباط الإنجليز، وتذكر بأنك أحد خدم شركة الهند الشرقية أيضاً).
على أي حال بعد إرسال معاون الحاكم العسكري الإنجليزي رسالتين أخريتين إلى المسؤول عن المكتبة يذكر فيهما أن الكتب معرضة للتلف في المكتبة بسبب قلة الاهتمام وفقدان الإمكانات اللازمة لدى الملك المنفي، اضطر مدير المكتبة لتسليم جميع الكتب. وبعد نقل الكتب إلى مكان إقامة مارتين، فإننا ننقل خبرها من كتاب (قيصر التواريخ) حيث يقول: (بعد نفي واجد علي شاه إلى كلكتا، قام الحاكم العسكري الإنجليزي الجديد في لكنو بزيارة المكتبة السلطانية، وكانت الكتب مرمية على الأرض دون ترتيب، فاستفسر الحاكم من مسؤول المكتبة عن سبب ذلك، فأجابه مفتاح الدولة قائلاً: الميجر كارينغي ـ أحد الضباط الإنجليز ـ أمر في أحد الأيام بإنزال جميع الكتب من أقفاصها، ثم أمر موظفي المكتبة بإعادة الكتب حسب ترتيبها السابق في أماكنها. فقيل له إن المكتبة نظمت خلال عدة سنوات وكلّف ترتيبها آلاف الروبيات، ويستحيل إعادة ترتيبها وهي على هذه الحال).
لكن الأمر كان غير مهم للقائد الإنجليزي إلى درجة أنه أجاب ببساطة: (لا يفترض أن يعاند كارينغي إلى هذه الدرجة).
ونقل ظهير الدين: (خلال قيامي بأمر تحقيقي خلال مدة نفي الملك احتجت إلى كتاب، فأرسلت له رسالة طلبت فيها ذلك الكتاب من المكتبة السلطانية، فأجابني (واجد علي شاه) قائلاً: (إن المؤلفات والمصنفات الأساسية قد تعرضت لسيل نهب المتمردين كما يتناثر الخس والتبن في الأمواج، فلم يبق منها حرف).
وعندما قام الشيخ عبد الحسين الأميني المتوفى عام (1390هـ) بزيارة مكتبات الهند مدة أربعة أشهر، اشتغل خلالها بمطالعة الكتب بشكل جعله عند عودته إلى النجف الأشرف وسؤال أحد طلاب العلم له عن الماء والجو الحار في الهند، أجابه الشيخ الأميني قائلاً: (لم ألتفت إلى وضع الماء والجو وما شابه خلال هذه المدة). ويتبين من خلال ما كتبه قيمة تلك المكتبات، ومدى تأسفه على حالتها المزرية. حيث قام هذا الرجل ببذل قصارى جهده في تصفح الكتب النادرة، واستنسخ بعضها لعلمه بما ستؤول إليه في المستقبل. وفي تقريره عن سفره ذاك ذكر إحصاءً للمكتبات التي زارها، فذكر محتويات مكتبات لكنو على الشكل التالي:
1 ـ المكتبة الناصرية، 30000 كتاب ونسخ خطية كثيرة.
2 ـ مكتبة مدرسة الواعظين، 20000 كتاب مع نسخ خطية نادرة.
3 ـ مكتبة سلطان المدارس، 5000 كتاب ونسخ خطية فريدة.
4 ـ مكتبة ممتاز العلماء، 18000 كتاب معظمها خطي.
5 ـ مكتبة فرنكي محل، 9000 كتاب و4000 مخطوطة.
6 ـ مكتبة ندوة العلماء، 60000 كتاب تقريباً و5500 مخطوطة.
7 ـ مكتبة أمير الدولة، أكثر من 110000 كتاب.
مكتبة نوار روهيلة:
أسست خلال عهد السلطان (محمد شاه التيموري) في منطقة (روهيلة) من مدينة دلهي، وتولى إدارتها أحد النواب واسمه (حافظ رحمة الله خان) وكان رجلاً شجاعاً، صاحب علم وكمال. وخلال مدة صدارته قام ببناء عدة مدارس كبيرة في دلهي. وكان (حافظ رحمة الله خان) من مريدي آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويكنّ احتراماً خاصاً للعلماء والسادة وأهل العلم. وفي عام (1188هـ /1774م) هاجم (نواب شجاع الدولة) منطقة روهيلة، وقتل حافظ رحمة الله خان، وحمل معه إلى لكنو الغنائم، وكان من جملتها مكتبة نواب روهيلة الكبرى. وبعد نقل الكتب إلى لكنو بمدة حفظت تلك الكتب في المكتبة السلطانية، ثم خصص مبنى في محلة (المدفعية) لحفظها، وكان مبنى المكتبة من ملحقات بيلي غاردن، وهو مكان إقامة قادة الإنجليز وسفرائهم، وكانت المكتبة في الطابق الثاني من المبنى، لذلك لم تكن تلقى كتبها الاهتمام الخاص.
نقل (اشبرينغر) عن هذه المكتبة أن جميع الكتب وضعت في صناديق غير محكمة الإغلاق، ويبلغ عدد تلك الصناديق الأربعين، وكانت قاعة المكتبة مخزناً للفئران والحشرات المؤذية، ومن ينوي دخول المكتبة لا يمكنه ذلك إلا باصطحاب عصا معه لمواجهة الفئران والحشرات. وفي نهاية القاعة حيث وضعت الكتب، توجد عدة صناديق قد أتلف العث جميع كتبها، ومن جملة تلك الكتب: تاج اللغات والأقاليم السبعة التي أتلفت بالكامل. وتوجد بين كتب تلك الذخيرة الكبرى كتب باللغة البشتوية، كتبت وزينت باهتمام خاص، وكانت قدمت لقادة (روهيلة).
وللأسف فإن المسؤولين الحكوميين كانوا يهتمون بعدد الكتب، وكانوا يجهلون قيمة الكتب النادرة والفريدة، وكان مسؤولو المكتبة يستغلون ذلك، فيبيعون الكتب القيمة، ويضعون مكانها كتباً عادية. ومن ذلك أن مائة نسخة من كتب كلستان ويوسف وزليخا كانت في المكتبة وضعت مكان كتب نادرة.
وكان (اشبرينغر) قد أرسل للإنجليز ثلاثة تقارير عن الكتب النادرة في المكتبة خلال إقامته في (لكنو). ورغم أنه لم يبق الآن أي شيء من مبنى المكتبة وكتبها، لكن يمكننا الحدس بأن قسماً من الكتب النادرة قد نقل إلى إنجلترا، ولم تكن الحوادث والعث وحدهما المسؤولين عن إتلاف تلك الكتب النادرة.
ولما كانت مكتبة المدفعية جزءاً من المكتبة السلطانية في أود، لذلك لم يكن لها ختم خاص، لذلك لا يمكن تحديد الكتب الباقية التي كانت فيها من الكتب التي كانت في مكتبات أود، إلا إذا كانت مختومة بختم نواب روهيلة، ولم أشاهد مثل تلك الأختام على الكتب الممهورة بختم ملوك أود.
مكتبة فرنكي محل:
الشيخ علاء الدين المعروف بقطب العالم كان من علماء هرات الكبار، هاجر إلى الهند في أواخر عهد سلاطين (تغلق) وسكن في نواحي دلهي، ومن أبنائه: شيخ الإسلام نظام الدين. وبعد وفاة (قطب العالم) هاجر (نظام الدين) إلى قرية (سهالي) من نواحي (بارابنكي) للتبليغ، وبقي فيها حتى آخر عمره، وتوفي فيها. وكان من أبنائه: (قطب الدين) الذي اشتهر بالعلم والفضل، حتى طلب ملك المغول لقاءه. وقتل على يد أحد أعدائه، وهاجر أبناؤه إلى لكنو بعد استشهاده.
أورنغزيب ملك المغول أراد أن يعزي أبناء الملا قطب الدين، فاصطحب اثنين من أبنائه وهما (الملا محمد سعيد والملا محمد أسعد) برفقة الجيش إلى (برهان بور) وبقي الابن الثالث (الملا نظام الدين) في لكنو. فأراد الملك أن يكرم الملا قطب الدين، فقدم له مبنى كان يقيم فيه التجار الأجانب، اسمه (فرنكي محل) أي مكان الإفرنج. ولما كان آباء (نظام الدين) من العلماء وأصحاب الفضل، وكانوا يعرفون بأساتذة الهند، فقد حول بيته ذاك إلى مدرسة للعلوم الدينية، وبعد مدة أصبح مبنى (فرنكي محل) من أكبر مدارس العلوم الدينية في الهند، وكانت خلافاً لباقي المدارس لا تختص بفرقة أو مذهب خاص، بل كان يدرس فيها طلاب جميع الفرق والمذاهب الإسلامية. فدرس فيها المقدمات السيد علي دلدار أول المجتهدين الشيعة في أود، ثم هاجر إلى النجف الأشرف، ثم عاد إلى لكنو ليقيم أول صلاة جمعة للشيعة في لكنو بأمر (نواب آصف الدولة). وأعد طلاباً ناجحين مثل: المفتي محمد قلي، والمفتي مير محمد عباس.
وليكمل مدرسته قام الملا نظام الدين بتخصيص غرفة من مدرسته تلك كمكتبة عامة، لكن لا توجد معلومات دقيقة عن سنة تأسيسها وعدد كتبها، لكن المعلوم هو أن خلفه قاموا بتوسيع المكتبة وزيادة عدد كتبها، حتى أصبحت مرجعاً علمياً في لكنو. وقد استفاد من هذه المكتبة المولوي السيد (عبد الحي الحسني) صاحب كتاب (نزهة الخواطر) وذكر أنها من أهم مكتبات لكنو. لكن فيما بعد تعرضت المكتبة لعدة مشاكل كان منها إغلاق مدرسة (فرنكي محل) والإهمال، مما أدى إلى إتلاف قسم مهم من كتبها. ولم يبق اليوم من مدرسة فرنكي محل سوى اسمها، لكن مكتبتها نقلت إلى عمارة (اليوسفي برس) ولقلة أهل العلم في المدينة لم يهتم بها أحد، وأكل العث أكثر مخطوطاتها. وكان إذا مر من تلك المدينة أحد من أهل العلم، كان يتوجه لزيارة المكتبة، وتفتح له أبوابها. وممن استفاد من تلك المكتبة الشيخ عبد الحسين الأميني الذي نقل أن فيها أربعة آلاف كتاب.
وفي السنوات الأخيرة وقع خلاف بين أبناء أسرة (فرنكي محل) وهاجر قسم منهم إلى باكستان، وبيعت معظم كتب تلك المكتبة، ونقل جزء منها إلى مكتبة جامعة عليكر الإسلامية، وبقيت بعض الكتب في نفس المبنى، ومفتاح المكتبة بيد أحد أفراد الأسرة، وهو مقيم في باكستان. على أي حال فإن هذه المكتبة تطوي نفس المسير الذي طوته رموز الميراث العلمي والثقافي الإسلامي في السنوات الأخيرة.
مكتبة ندوة العلماء:
في عام (1894م) أسست في مدينة لكنو مدرسة على شاطىء نهر (غومتي) سميت مدرسة ندوة العلماء، بناها جمع من العلماء والمفكرين الإسلاميين. وكان الهدف من بنائها تعريف الشبان المسلمين بالمعارف الإسلامية، وتربية الأغرار المسلمين وتعليمهم. وقد لخص أول وزير للمعارف في الهند المستقلة (مولانا أبو الكلام أزاد) هدف تأسيس هذه المدرسة ببيان جاء فيه: (أن الهدف من تأسيس ندوة العلماء هو اطلاع المسلمين على المعارف الإسلامية وتربية وتعليم جمع من الشبان على العلوم الإسلامية المختلفة. وتأسيس مكتبة كبرى يستفيد منها المحققون وطلاب العلم، ليتمكن الباحثون عن الحقيقة من الاطلاع على الكتب والوثائق الإسلامية بسهولة).
وبعد اثني عشر عاماً من تأسيس مدرسة ندوة العلماء عقد أول اجتماع لعلماء ومدرسي ندوة العلماء في مدينة (شاه جهان بور) في ولاية (يوبي) وبحث المجتمعون في مسألة تأسيس المكتبة التي تشكل أحد أهداف مؤسسي الندوة. خلال ذلك الاجتماع قدم (المولوي عبد الرزاق) أحد شخصيات المدينة مكتبته الشخصية التي كانت تحتوي على ثلاثة آلاف مخطوطة، قدمها لمدرسة ندوة العلماء.
وخلال اجتماع آخر لعلماء المدرسة ومدرّسيها عقد في مدينة (بتنا) قدم (المولوي عبد العظيم) مائتي مخطوطة لمكتبة الندوة. ووقف (المولوي عبد الغني) أيضاً مائة مجلد من الكتب الأدبية والتاريخية للمكتبة. وأمّن مؤسسو المدرسة مبنى في محلة (غولاغنج) من لكنو ليضم الكتب ويكون مخصصاً للمكتبة، ونقلوا الكتب إليه وتزامناً مع تأسيس المكتبة تقاطرت الكتب الخطية والمطبوعة المهداة إلى المكتبة من كافة مدن الهند، وكان من جملتها: مكتبة (نواب عالمكير محمد خان) والي (بهوبال) ومكتبة السيد (حميد الدين) من (بتنا) وجزء من كتب مكتبة المولوي (محمد يحيى خاني) من (لكنو) وكتب السيد (أحسن شاه).
كذلك فإن عدداَ آخر من العلماء والشخصيات قاموا بوقف مكتباتهم الشخصية على هذه المكتبة، ومنهم: نواب صديق حسن خان، نواب نور الحسن خان، نواب نجم الحسن خان قنوجي، واجد علي صاحب، سيد عبد الجليل صاحب، شبلي النعماني، السيد عبد الحي الحسني الندوي مدير ندوة العلماء. فبلغ عدد الكتب المهداة إلى هذه المكتبة حتى عام (1973م) (62000) كتاب مخطوط ومطبوع. وفي عام (1974م) خصصت قاعة مدرسة ندوة العلماء للمكتبة، وبأمر من المولوي (سيد سليمان الندوي) نقلت المكتبة من (غولاغنج) إلى المدرسة. وبعد نقلها إلى المدرسة أضيفت إليها الكتب الدراسية للطلاب، وأضحت قاعة المدرسة داراً للمطالعة، وخصص الطابق الثاني وغرف أطراف الطابق الأول مخازن للكتب، وأعدّ فهرست جديد لجميع الكتب على الطريقة القديمة.
وفي عام (1906م) كتب (مولانا أبو الكلام أزاد) مقالة حول نوادر كتب مكتبة ندوة العلماء، تحدث فيها عن بعض تلك الكتب قائلاً:
(كان يعقوب الكندي أول من حمل لقب الفيلسوف الأكبر في الإسلام، ومجموعة رسائل هذا الحكيم الكبير موجودة في مكتبة ندوة العلماء. وفيها من الكتب المهمة أيضاً: مدينة العلوم للأرنيقي، وتذكرة الأقاليم السبعة للأمين الرازي. ويكفي في بيان أهمية كتاب مدينة العلوم أن كتاب كشف الظنون ـ الذي يعد من أفضل الفهارس الإسلامية ـ قد استفاد من هذا الكتاب في أكثر موارده. كما أن كتاب الأقاليم السبعة يعد من أفضل تذكرات الشعر الفارسي، وهناك نسخة منه في دار العلوم، لكنه حتى الآن لم يطبع) (طبع فيما بعد ثلاث طبعات).
ويزين هذه المكتبة عدد كبير من الكتب التي ترجمت في عهد (أكبر) ملك المغول الكبير، والتي لم تطبع حتى الآن. ومن الكتب المتبقية من عهد (شاه جهان) والتي ترجمت من اللغة السنسكريتية إلى الفارسية هناك كتاب في علم الموسيقى موجود في هذه المكتبة أيضاً.
ومن نوادر الكتب فيها: جواهر القرآن من تصنيفات الغزالي، ورغم أنه قد طبع حتى الآن عدة طبعات، لكنها كانت طبعات ناقصة، وتوجد النسخة الكاملة بخط حسن في هذه المكتبة. إضافة إلى قاموس اللغة الذي تقاطرت عليه أختام معظم ملوك المغول.
مقالة (مولانا أبو الكلام أزاد) جاءت بعد تأسيس المكتبة ببضع سنوات فقط، ولم تكن كتبها آنذاك تزيد عن (4000) كتاب، أما الآن فقد فاق عددها (110000) كتاب خطي ومطبوع.
في عام (1984م) شيد مبنى جديد في دار ندوة العلماء خاص بالمكتبة وبأسلوب جديد. المبنى الجديد يضم ثلاث قاعات كبيرة للمطالعة ولعقد المؤتمرات، وعند أطراف كل طابق توجد مخازن الكتب. فالطابقان الأول والثاني للكتب المطبوعة، والطابق الثالث مخزن خاص بالكتب الخطية التي بلغ عددها (4500) كتاب تقريباً، وهي في وضع جيد نسبياً. منها (2227) مخطوطة عربية، وأكثر من ألفي مخطوطة باللغتين الفارسية والأوردوية، مخطوطات الأوردو هي الأقل عدداً، لكنها الأكثر قيمة وقدماً. ومن دواوين الشعر باللغة الأوردوية في هذه المكتبة: ديوان المنتظر، وهو تلميذ الشاعر الكبير المصحفي شاعر اللغتين الفارسية والأوردوية، وهي النسخة الوحيدة من هذا الديوان، ولم تطبع حتى الآن.
وهناك دواوين شعر أخرى لشعراء مشهورين مثل: سودا، برهمن، صبا، مصحفي، شاهنامه أردو، ديوان شيدا التي تشكل زينة هذه المكتبة.
بدأت فهرسة الكتب الخطية العربية والفارسية في هذه المكتبة عام (1985م) من قبل مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند، واختتم ذلك العمل عام (1986م) وطبع الفهرست في مجلدين، مجلد للمخطوطات العربية في (885) صفحة، ومجلد للمخطوطات الفارسية في (900) صفحة، طبعا في نفس العام بدلهي.
مكتبة السيد محمد تقي ممتاز العلماء:
من المكتبات العامة الكبرى التي أسست في أواخر عهد حكام أود في لكنو مكتبتين لمجتهدي تلك المدينة وهما: السيد حامد حسين النيسابوري، وممتاز العلماء. السيد محمد تقي ابن السيد حسين سيد العلماء ولد عام (1234هـ) في لكنو، ودرس العلوم الإسلامية على والده وعمه السيد محمد سلطان العلماء، وبلغ مرتبة الاجتهاد في عامه الثامن والعشرين، فحصل على إجازة الاجتهاد من والده وعمه. أرسل السيد محمد تقي أحد مؤلفاته إلى الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب جواهر الكلام، وبعد أن اطلع صاحب الجواهر على ذلك الكتاب أرسل له إجازة اجتهاد مع دورة من موسوعة جواهر الكلام. وفي عام (1259هـ) دعي السيد محمد تقي ليدرس العلوم الإسلامية في مدرسة سلطان المدارس والجامعة السلطانية، وكان مدرسو تلك المدرسة آنذاك هم علماء كبار من أمثال: مولانا (أحمد علي محمد آبادي) من تلامذة (دلدار علي). وعند دخوله إلى المدرسة السلطانية منحه حاكم أود (أمجد علي شاه) لقب ممتاز العلماء فخر المدرسين.
وذكره المفتي (محمد عباس الشوشتري) في كتاب (أوراق الذهب): (أكبرهم في الهدى والسداد، وأبرعهم في الفقه والاجتهاد، وذو الفكر المتين والرأي الوزين فخر الفضلاء والمدرسين التقي المتقي السيد محمد تقي أعلى الله قدره، ونوّر بدره، أحدث منّي سنّاً، وأقدم الفضلاء منّا).
وبقي مدة ثلاثين عاماً يدرس في المدرسة السلطانية، وإلى جانب تدريس طلاب العلوم الدينية وتربيتهم كان منشغلاً بالتأليف والتصنيف، وفاقت مؤلفاته في المعارف الإسلامية الثلاثين عنواناً. وليؤمن مصادر إسلامية أكثر قام ممتاز العلماء بتأسيس مكتبة، واشترى المخطوطات النادرة من أنحاء الهند والدول الإسلامية.
تحدث مولانا السيد (آقا مهدي) في كتابه (تاريخ كاخونشغان ورق) عن مكتبة ممتاز العلماء فقال: (مكتبة ممتاز العلماء تشكل مجموعة من الكتب الإسلامية في مجالات مختلفة من التفسير والفقه والحديث والكلام والمناظرة، وأكثر مخطوطاتها من النوادر التي يصعب العثور عليها في الدول الأخرى. ومن جملة نوادر تلك المكتبة التفسير الكامل للثعلبي، الذي نسخ بعد مائة عام من وفاة مؤلفه، وقد قيّمت هذه النسخة عام (1919م) بقيمة مائة وخمسون ألف روبية. وكذلك الصحيفة السجادية بخط الشهيد الأول، وتفسير منبع عيون المعاني، والفقه الرضوي المنقول عن النسخة الأصلية، ومئات الكتب والمخطوطات الأخرى من نفائس هذه الخزانة الإسلامية الكبرى. وفي عام (1857م) خلال أيام الغدر حيث نهب الإنجليز الميراث الثقافي الإسلامي، هوجمت هذه المكتبة أيضاً، لكن المهاجمين لم يتمكنوا من أخذ أي كتاب منها. وكان عدد كتبها حتى عام (1350هـ) تعدّ (4241) نسخة).
وذكر الدكتور محمد سالم القدواني مكتبة ممتاز العلماء فقال: (كان يحمل شوقاً وافراً لجمع الكتب النفيسة والقيمة، وأسس مكتبة ليحافظ عليها، لكن بسبب إهمال متولي المكتبة تعرضت للانهيار). وعدد القدواني بعض الكتب النفيسة فيها: نخبة الدعوات، العياب، كتاب الإرشاد، حديقة الواعظين، نزهة الواعظين، لمعة الواعظين تفسير ينابيع الأنوار. وهذا التفسير من تأليف السيد محمد تقي ممتاز العلماء وهو في أربعة مجلدات.
لكن الآن اكتست تلك المكتبة حلة جديدة. ونقلت إلى حجرات حسينية السيد محمد تقي، ووضعت الكتب بشكل صحيح ومنظم في رفوف وهياكل معدنية. وأعد فهرست لمخطوطات هذه المكتبة من قبل مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند، وطبع.
المكتبة الناصرية:
وهي واحدة من عدد محدود من الخزائن العلمية والدينية في الشرق الأوسط. أسسها السيد (محمد قلي) الذي ألف كتباً متعددة في الثقافة والمعارف الإسلامية، وأسس هذه المكتبة الكبرى ليستفيد منها العلماء والمحققون والباحثون، ووقفها خلال حياته على أولاده. وبعد وفاته تابع ابنه الأكبر السيد حامد حسين طريقه، فألف وصنف وصحح ورتب كتب والده، ووسع المكتبة. وهمّ بتأليف دائرة المعارف الشيعية الكبرى (عبقات الأنوار) واحتاج إلى مصادر لها يصعب وجودها في الهند، فسافر إلى أكثر الدول الإسلامية برفقة أخيه (مولانا إعجاز حسين) صاحب كتاب (كشف الحجب والأستار) وذلك لتأمين الكتب التي يحتاجها، فاشترى مئات الكتب وأضافها إلى المكتبة. وإضافة إلى أسفاره تلك، طلب من أصدقائه تزويده بالكتب. إن مجموعة الرسائل التي بعثها السيد حامد حسين إلى علماء وشخصيات سائر البلاد يطلب فيها الكتب الإسلامية، تدل على مدى تعلقه بها. وسعى قدر الإمكان للحصول على النسخ الأصلية، وإذا لم يتمكن من ذلك كان يرسل أحداً إلى هناك لينسخ له تلك الكتب.
بعد وفاة السيد حامد حسين انتقلت إدارة المكتبة إلى ابنه (مولانا ناصر حسين) الملقب بناصر الملّة. فازدهرت المكتبة أكثر في عهده، وأوجد تغييرات أساسية فيها، ووقف أحد المؤمنين مبنى كبيراً للمكتبة، فنقلت الكتب إلى المبنى الذي ما يزال حتى الآن معروفاً بالمكتبة الناصرية، حيث اشتهرت المكتبة باسمه. تحوي هذه المكتبة أكثر من ثلاثين ألف كتاب، منها خمسة آلاف مخطوطة تقريباً، وأكثر تلك المخطوطات هي من النوادر. وقام مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند بوضع فهرست لمخطوطات هذه المكتبة، وطبع، ويضم الفهرست في مقدمته شرحاً وافياً عن المكتبة.
مكتبة مدرسة الواعظين:
مدرسة الواعظين هي إحدى أكبر مدارس العلوم الدينية للشيعة في الهند، حيث يدرس طلاب العلوم الدينية مراحل المقدمات في المدارس الإسلامية الأخرى، ثم ينتقلون إلى هذه المدرسة لدراسة دورة في الفقه والكلام والمناظرة لمدة ثلاث سنوات. وبعد إنهاء هذه الدورة يرسل الطلاب مدة سنتين للتبليغ في مناطق الهند المختلفة وباقي الدول الإسلامية. وبعد ذلك ينالون درجة (واعظ). أول مدير لهذه المدرسة كان الخطيب الكبير مولانا (سبط الحسن) وكان يمتلك مكتبة كبيرة، وبعد وفاته نقلت مكتبته إلى مكتبة (راجه محمود آباد).
أسست هذه المدرسة في (19/5/1919م) على يد (مهاراجه محمد علي خان) والي (محمود آباد) عن روح أخيه الشاب المرحوم (محمد علي أحمد خان). وسلمت نظارة هذه المدرسة لهيئة المتولين برئاسة (المتولي المنتظم) الذي عين من قبل أسرة (محمود آباد) مديراً لشؤون المدرسة والطلاب طوال عمره. أما المدير الحالي والمتولي المنتظم للمدرسة فهو (مهارا جكمار محمد أمير حيدر خان).
في المدرسة مكتبة كبيرة يستفيد منها الطلاب والمدرسون وتضم هذه المكتبة (25000) كتاب مخطوط ومطبوع. هذه المكتبة ومجموعة مكتبات (راجه محمود آباد) تحت إدارته وابن أخيه دانش بروشان محمد أمير محمد خان. ففي (محمود آباد هاوس لكنو) توجد مجموعة كتب خطية، وفي قلعة محمود آباد مجموعة كتب مطبوعة. أما عدد النسخ الخطية لهذه المكتبة فهي تبلغ (1500) كتاب، قام مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند بإعداد فهرست لمخطوطاتها، وفي مقدمة الفهرست أدرج شرح مفصل حول مدرسة الواعظين ومكتبتها.
مكتبة راجه محمود آباد:
في عهد المعتصم العباسي (217 ـ 227هـ) هاجر جمع من علماء ومفكري بغداد إلى الهند، وحطوا رحالهم فيها. وكان من جملة أولئك أسرة قضاة بغداد، الذين قاموا بنشر وتبليغ المعارف الإسلامية في الهند، وكان منهم القاضي نصر الله الذي وجد طريقه داخل جهاز حكم السلطان شهاب الدين الغوري، فعينه السلطان (قاضي الملتين) وبقي هذا المنصب في أسرته من بعده. فتولت أسرته منصب القضاء، وقامت بنشر المعارف الإسلامية في الهند، وتشرف جمع كبير بالإسلام بواسطتهم، وكان من جملة من أسلم على يدهم: قبيلة كهكر من السند، فأصبح جميع أفرادها مسلمين. وبعد وفاة القاضي هاجر بعض أبنائه إلى مدينة أمروهة، وعينوا قضاة فيها أيضاً. لكن (داود خان) أحد أبناء هذه الأسرة التحق بالجيش في عهد حكومة (جلال الدين محمد أكبر) ملك الهند المقتدر. ولما أبدى لياقة في مهامه لقب بـ (خان بهادر) وعرف أبناؤه من بعده بـ (خان زاده). و(محمود خان) المذكور هو حفيد (داود خان) الذي كان من قادة جيش المغول، وقد سميت منطقة من ضواحي لكنو آباد باسمه (محمود آباد) وأقام أفراد أسرته فيها. ومن أولاده (بايزيد خان) الذي نال لقب (عمدة الموالي، غضنفر الدولة، نواب جنك) وخلال عهد سلطنة (جهانكير) قدم له الملك تحفاً وهدايا كثيرة، من جملتها: سيف ما زال موجوداً لدى تلك الأسرة. ومبنى مقبرة بايزيد خان يقع في (بلهرا) قرب (محمود آباد). ومن أولاد بايزيد خان ابنه (ميان مظهر علي خان) الذي كان على اتصال بعلماء ومجتهدين من الشيعة، حتى تشيّع، وقام ابنه (ميان أمير علي) من بعده بترويج مذهب التشيع، وجاء من بعده أبناءه (راجه عباد علي) حاكم (بلهرا) و(راجه نواب علي) حاكم (محمود آباد) وكانا يقيمان مراسم العزاء بشكل خاص ويروجان لها. وكان (راجه نواب علي خان) رجلاً عالماً ويمتلك قريحة شعرية، وما زال ديوان شعره (كليات سَحَرْ) موجوداً في مكتبة محمود آباد، ويضم قصائد وغزل. وقد نال لقب (مقيم الدولة، قيام جنك، راجه) من آخر حكام أود (واجد علي شاه). ونال ابنه (الأمير حسن خان) من بعده لقب (أمير الدولة، سعيد الملك، ممتاز جنك) من حكومة أود، وكان ينظم الشعر كأبيه، وكان يوجه شعره إلى الحبيب، وقد نظم أكثر من مائة قصيدة في رثاء الأئمة الأطهار، وما زالت قصائده تتلى في المجالس.
زار الأمير (حسن خان) العتبات العاليات للأئمة عليهم السلام والتقى هناك بالشيخ (زين العابدين المازندراني) مرجع الشيعة آنذاك، فكرمه الشيخ كثيراً، ومنحه لقب (نصير الملة والدين) وقدم له سجادة صلاة وعباءة وخاتم نقشه (محمد نبي الله، علي ولي الله) وما زال أصل حكم المرحوم الشيخ هذا موجوداً في حسينية قلعة محمود آباد.
(راجه أمير حسن خان) كان عالماً، وقد أسس مكتبة دلت على ذوقه العلمي. وتقع مكتبة أمير الدولة في (قيصر باغ لكنو) محل إقامة (واجد علي شاه) وتعد من المآثر العلمية، وهي باسمه، وتحتوي على عدة آلاف من الكتب الخطية والمطبوعة. وتدار حالياً من قبل الحكومة المحلية، وعدد كتبها بلغ (15000) كتاب، لكن للأسف لم يبق من مخطوطاتها سوى (72) مخطوطة.
وأسس أمير الدولة في لكنو عام (1895م) مدرسة باسم (أمير الدولة كولج) تدرس فيها العلوم الإسلامية والعلوم الجديدة، وما زالت هذه المدرسة قائمة في لكنو بنفس الاسم.
والمدرسة الإيمانية أيضاً هي من المآثر العلمية لأمير الدولة، التي أسست بطلب منه وبإدارة (مولانا أبو الحسن الرضوي الكشميري) لتدريس العلوم الدينية. وبعد وفاة (مولانا أبو الحسن) انتقلت إدارة المدرسة إلى (غلام حسين الكنتوري) لكنها أهملت، وأقفلت بعد مدة، ونقلت جميع موقوفاتها إلى مدرسة (أمير الدولة كولج).
بعد وفاة أمير الدولة، خلفه ابنه (راجه محمد علي خان) وكان قد تلقى العلوم الدينية إلى جانب العلوم العصرية، وهو من مؤسسي جامعة عليكر الإسلامية، وجامعة لكنو، وكلية الطب في لكنو، وأول رئيس لجامعة عليكر الإسلامية. وعندما كان العلم والمعرفة يسيران نحو الانحدار في مركز العلوم الإسلامية لكنو بعد تسلط الإنجليز، وكانت الثروة العلمية الإسلامية تتعرض للنهب، كان (راجه محمد علي خان) يقوم بشراء الكتب الكثيرة وينقلها إلى (مكتبة محمود آباد) ومن جملة المكتبات التي اشتراها: المكتبة الشخصية للحكيم ميرزا مهدي، مكتبة الميرزا محمد هادي عزيز صاحب تجليات العباس، مكتبة المفتي مير محمد عباس الشوشتري، مكتبة سبط الحسن أول مدراء مدرسة الواعظين.
وبعد (راجه محمد علي خان) قام أبناؤه (راجه محمد أمير محمد) و(مهارا جكمار محمد أمير حيدر خان) بتوسعة المكتبة، واشتروا بعض الذخائر النادرة التي كانت في معرض التلف من النواحي والأطراف، وضموها إلى المكتبة، وأطلقوا اسم (مكتبة سقراط) عليها بداية، ثم اسم (المكتبة الحسينية) وما زالت حتى الآن قائمة وتعرف باسم (مكتبة راجه محمود آباد).
وقد نقلت بعض كتبها في زمان (محمد أمير أحمد خان) إلى النجف الأشرف، وعدد آخر إلى الباكستان. ولا توجد معلومات دقيقة عن مصير الكتب التي نقلت إلى النجف، أما التي نقلت إلى الباكستان فما زالت موجودة في كراتشي. وعدد الكتب الموجودة حالياً في مكتبة (راجه محمود آباد) (80000) كتاب تقريباً، منها (2500) مخطوطة تقريباً محفوظة في محل إقامة أسرته في (قيصر باغ) بلكنو، أما الكتب المطبوعة فما زالت موجودة في مكتبته الكبرى في قلعة محمود آباد.
د. مهدي خواجه بيري
الليطاني (نهر)
ينبع نهر الليطاني من ينابيع عدة متفرقة (تدعى بمجملها نبع العليق) عند نقطة تقع على نحو 25 كلم شمالي بلدة رياق، غرب مدينة بعلبك، وعند تقاطع خط الطول 36,06 درجة شرق «غرينتش» وخط العرض 34,02 درجة شمالي خط الأستواء على علو ألف متر فوق سطح البحر. ويصب في البحر المتوسط شمالي مدينة صور حيث يسمى هناك نهر القاسمية عن تقاطع خط الطول 35,15 درجة شرق «غرينتش» وخط العرض 33,20 درجة شمال خط الاستواء.
وتبلغ مساحة حوض الليطاني 2170 كلم2 (أي ما يزيد على خُمس مساحة لبنان تقريباً) يقع معظمها على ارتفاع 800 متر، حيث إن ثمانين في المائة من مساحة الحوض ترتفع فوق هذا المستوى.
وتقدّر كمية الأمطار الهاطلة فوق حوض الليطاني في سنة متوسطة المطر بنحو 1660 مليون متر مكعب، أي بمتوسط 770 ملم في السنة. وهذا المتوسط يختلف من موقع إلى آخر في الحوض نفسه، فعند قمم السلسلة الغربية يفوق المعدل السنوي 1500 ملم، بينما يتدنى هذا المعدل في المنطقة الشمالية الشرقية للحوض إلى نحو 450 ملم، ويقترب من 700 ملم على الساحل حيث المصب.
ويمكن القول إن تصريف نهر الليطاني يتكون من مجموع الجريان السطحي مضافاً إليه تصريف الينابيع والروافد المستديمة والموسمية. وتساهم المياه الجوفية بنحو ثلث تصريف النهر، وهي العامل الأساسي في استمرار جريان نهر الليطاني عندما تنحبس الأمطار خلال ستة أشهر من السنة، إذ يتضح من الإحصاءات أن 70 في المائة من التصريف السنوي للنهر يجري خلال بضعة أشهر (كانون الثاني حتى نيسان)، وأن 17 في المائة فقط من هذا التصريف يجري خلال الأشهر التي تستغرقها الدورة الزراعية (من أيار حتى أيلول).
«ويقدر معدل تدفق الليطاني الطبيعي بنحو 920 مليون متر مكعب في السنة، في حين يراوح معدله الطويل الأمد (باحتساب عناصر التبخر الكلي والترشح) بين 750 و800 مليون متر مكعب. أما معدله الحالي فيميل، نوعاً ما، إلى الانخفاض، إذ يراوح بين 600 و700 مليون متر مكعب في السنة. ومياه الليطاني تتميز في شكل خاص بعذوبتها، إذ لا تزيد ملوحتها في المعدل على 320 جزءاً في المليون» وتختلف كمية المياه التي يصرفها نهر الليطاني في السنة الواحدة بين نقطة وأخرى على طول مجراه. كما يُختلف التصريف بين سنة وأخرى في الموقع نفسه. إلا أنه، بموجب الرصد المائي السنوي لمحطات القياس منذ ما يزيد على ربع قرن، أمكن تحديد المعدلات السنوية لتصريف الليطاني:
1 ـ في القرعون، يبلغ 411 متر مكعب.
2 ـ في الخردلة، يبلغ 641 مليون متر مكعب.
3 ـ في المصب (القاسمية فقط)، يبلغ 130 مليون متر مكعب.
ويقسم مجرى الليطاني من حيث الانحدار ثلاثة أجزاء:
1 ـ العلوي (من منبعه حتى منطقة القرعون في البقاع الغربي): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 2,5 بالألف (بين المنسوبين 1000م و800م على طول 74 كلم).
2 ـ الأوسط (من القرعون حتى منطقة الخردلة في جنوب لبنان): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 10 بالألف (بين المنسوبين 800م و250 على طول 46 كلم).
3 ـ السفلي (من الخردلي حتى مصبه في البحر الأبيض المتوسط): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 5 بالألف (بين المنسوبين 250م ومستوى سطح البحر على طول 50 كلم).
ولهذا فإن مواقع القرعون والخردلة على طول مجرى النهر تؤلف نقاطاً مهمة لمشاريع استثمار مياه الليطاني لأنها تتمتع بالشروط الهندسية والجيولوجية والجغرافية المناسبة لإنشاء السدود وتخزين المياه.
وينساب مجرى الليطاني من المنبع في اتجاه جنوبي غربي نحو 130 كلم، ثم ينعطف هذا المجرى إلى الغرب حتى مصبه في القاسمية بطول 40 كلم، بحيث يكون الطول الكلي لليطاني 170 كلم.
ويمكن تقسيم مساحة حوض الليطاني تبعاً للارتفاع عن مستوى سطح البحر على الشكل الآتي: أن المساحة بين المنسوبين 2000م و2628م، تبلغ 130 كلم مربع (6 في المائة من المساحة الإجمالية)، وبين المنسوبين 1500م و2000م، تبلغ 280 كلم مربع (13 في المئة)، وبين 800م و1500م، تبلغ 1330 كلم مربع (61 في المئة) وبين صفر و800م، تبلغ 430 كلم مربع (20 في المئة).
ويتلقى الليطاني مياه عدد قليل من الروافد تقع جميعها في مجراه الأعلى، فنجد على الضفة اليمنى أنهار البردوني وشتورا وقب الياس، وعلى الضفة اليسرى أنهار يحفوفا والغزيل. وهذه الروافد إجمالاً قليلة الطول متقلبة التصريف ما عدا الغزيّل الذي تغذيه مجموعة ينابيع رأس العين والفاعور وعنجر …
وذكر د. كمال خير، نقلاً عن آخرين، أن كمية المياه التي تجري في حوض الليطاني بين أسفل القرعون وجسر الخردلي تُقدّر بنحو 400 مليون متر مكعب في السنة، في حين أنها تبلغ 255 مليون متر مكعب بحسب دراسة عبد العال و230 مليون متر مكعب بحسب برنامج التنمية للأمم.
الخطة اللبنانية
لاستثمار نهر الليطاني
يعتبر الليطاني أكبر الأنهر اللبنانية، يبلغ طوله 170 كلم أي طول سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية ويغذيه حوض تبلغ مساحته 2168 كلم2 أي خُمس مساحة لبنان بكامله تقريباً بين خطي العرض 33,5 و34,5 في نصف الكرة الأرضية الشمالي وبين خطي الطول 35,13 و36,25 شرقي غرينتش ويتجه بشكل عام من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي.
يقع القسم الأكبر من حوض الليطاني في المناطق العالية إذ أن 12، 80 بالمائة من مساحته، أي 1735 كلم2 تقع فوق المنسوب 800م فوق سطح البحر وتحيط به الجبال العالية من مختلف الجهات فمن الجنوب: جبل صنين 2628 متراً فوق سطح البحر وجبل الكنيسة: 2091 متراً وجبل الباروك: 1980 متراً ومن الشرق جبل لبنان الشرقي: 2461 متراً ومن الجنوب جبل عامل: 943 متراً.
إن مناخ سهل البقاع (حيث يقع 80 بالمائة من حوض نهر الليطاني) متوسطي داخلي مع شتاء ممطر وصيف جاف وحار، ويتميز بالجفاف حيث بلغ معدل الرطوبة 58 بينما يبلغ المعدل في بيروت 67 بالإضافة ألى أن الأشهر الأكثر رطوبة في بيروت تقع في فصل الصيف وتبلغ 72 بالمائة بينما تتراوح درجة الرطوبة في البقاع بين 78 في شهر كانون الثاني و44 في شهر تموز.
يدوم فصل الصيف ستة أشهر تقريباً سماء صافية وشمس ساطعة مع رياح نهارية تساعد على تبخر المياه.
أما في الشتاء فالمطر غزير إجمالاً ويهطل خلال ثلاثة أو أربعة أشهر وبشكل زخّات شديدة، أما الكمية فتختلف كثيراً من سنة لأخرى، ففي سنة 1944 مثلاً هطل في كسارة 888 ملم من المطر بينما لم يهطل سوى 312 ملم سنة 1932 . أما فوق المنسوب من 1300 إلى 1400 متر فيهطل المطر بشكل ثلوج تذوب بسرعة خلال فصل الربيع ولا يبقى منها إلا كميات قليلة جداً فوق المنسوب 2500 خلال فصل الصيف وفي فجوات صغيرة محمية من حرارة الشمس.
إن قسماً كبيراً من المطر يتبخر مباشرة، كما أن قسماً مهماً يتسرب إلى جوف الأرض ليشكل الخزانات الممونة للينابيع في الطبقات الكلسية المشققة، وهي كثيرة في حوض نهر الليطاني. وكانت هذه الخزانات الجوفية موضوع دراسات وتجارب من قبل الإدارة لتقدير كميات المياه المخزونة والتي يمكن تفريغها والاستفادة منها خلال فصل الجفاف ثم تمتلئ خلال فصل الشتاء التالي، وقد أعطت هذه الدراسات نتائج لا بأس بها وسيصار إلى إدخالها ضمن خطة استثمار مشروع الليطاني للري باعتبارها تشكل جزءاً منه.
ويبلغ معدل تصريف نهر الليطاني في السنة المتوسطة حوالي 400 مليون متر مكعب عند بلدة القرعون منها حوالي 300 مليون متر مكعب خلال الستة أشهر من السنة خارج موسم الري (من أول تشرين الثاني إلى أول شهر أيار) وحوالي 100 مليون متر مكعب فقط خلال الستة أشهر الأخرى من السنة خلال موسم الري أي خلال فترة الحاجة إلى المياه، كما يبلغ تصريف النهر بكامله حوالي 700 مليون م3 في سنة متوسطة.
القسم المنفذ من مشروع الليطاني:
1 ـ سد ألبير نقاش:
بما أن تصريف نهر الليطاني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمطار وبما أن القسم الأكبر من تصريفه يسيل خلال أشهر السنة، خارج موسم الري كما رأينا.
ومهما كانت الغاية من تجهيز النهر سواء للري أو لتوليد الطاقة الكهربائية كان لا بد من العمل على تخزين المياه التي تسيل خلال فترة الشتاء لاستعمالها في فصل الجفاف، ولهذه الغاية أنشىء سد من الركام الصخري مع قميص مانع لتسرب المياه من الخرسان المسلح، قرب بلدة القرعون وسمي سد ألبير نقاش تخليداً للمهندس اللبناني الذي قام بدراسات حول تجهيز مختلف الأنهر اللبنانية ودعا للاستفادة من هذه الثروات الطبيعية. وقد واجه إنشاء هذا السد صعوبات كثيرة أهمهات نوع طبقات الأرض المشققة وخشية تسرب المياه من حوض السد في باطن الأرض جرى تنفيذ القسم الأول منه بارتفاع 42 متراً ومليء بالمياه للتأكد من عدم تسربها وجرت متابعة العمل في المرحلة الثانية إلى ارتفاع 62 متراً بعد النتيجة الإيجابية للقسم الأول.
أما مواصفات السد فهي التالية: منسوب قمة السد بالنسبة لسطح البحر: 862 متراً طول السد: 1000 متر. ارتفاعه فوق مستوى الأرض الطبيعية: 62 متراً. المنسوب للمياه: 858 متراً. سعة الحوض 220000000 متر مكعب.
مساحة البحيرة: 12300000 متر مكعب. حجم الركام الصخري المستعمل: 160000 متر مكعب مرصوفة و 18000000 متر مكعب مرمية. عرض قمة السد: 6 أمتار. عرض القاعدة: 162 متراً. مساحة القميص المانع لتسرب المياه: 50000 متر مربع.
2 ـ نفق مركبا ومعمل عبد العال:
تخرج المياه من سد ألبير نقاش إلى نفق مركبا على الضفة اليمنى لنهر الليطاني، طول النفق: 6400 متر. قطره: 3,1 متر مقطعه: 7,55 متراً مربعاً. تصريفه: 22 متراً مكعباً في الثانية. انحداره 2 بالمئة.
وتسقط المياه من ارتفاع 199 متراً فتدير عنفات معمل توليد الطاقة الكهربائية في مركبا وتبلغ قدرته 34000 كيلو وات ويتكون من عنفتين فرنسيس قوة كل منهما 24340 حصاناً وتدور بسرعة 600 دورة في الدقيقة وقد سمي معمل عبد العال تخليداً للمهندس إبراهيم عبد العال المدير العام الأسبق للإنشاءات المائية.
توليد الطاقة الكهربائية
يبلغ كامل الطاقة الكهربائية المجهزة في لبنان في الوقت الحاضر 374,10 كليو وات يضاف إليها معمل جون الذي سيوضع قيد الاستثمار في الصيف القادم كما ذكرنا فتصبح كامل الطاقة المجهزة في لبنان في نهاية عام 1968 الحالي 423,4 كيلو وات منها 176,5 كيلو وات حرارية هي التالية: بحصاص 4446 كيلو وات، حريش 37200 كيلو وات، شكا 6260 كيلو وات، أبو علي 1600 كيلو وات، ذوق مكايل 1090000 كيلو وات، زحلة 2460 كيلو وات، حراري بيروت 15000 كيلو وات، صيدا 500 كيلو وات.
ومنها 246,9 كيلو وات كهربائية هي التالية:
من الليطاني:
معمل عبد العال 34000 كيلو وات، معمل بولس أرقش 72000 كيلو وات، معمل جون 49300 كيلو وات.
ومن بقية مساقط المياه ـ البارد1: 13500 كيلو وات، البارد 2: 3690 كيلو وات، أبو علي 7400 كيلو وات، بلوزا (على نهر أبو علي) 8400 كيلو وات مارليشع (على نهر أبو علي) 3120 كيلو وات، بشري 1630 كيلو وات الجوز 5274 كيلو وات، نهر إبراهيم 3: 4980 كيلو وات، نهر إبراهيم 2: 12500 كيلو وات، نهر إبراهيم 1: 15000 كيلو وات، حراش 2912 كيلو وات وادي العرايش 1120 كيلو وات، الصفا 13120كيلو وات.
ويتبين من ذلك أن القوة الكهربائية المجهزة من نهر الليطاني تساوي 61 بالمائة من كامل القوة الكهربائية و41 بالمائة من كامل القوة الكهربائية الإجمالية المجهزة في لبنان.
أما من حيث كمية الكهرباء فقد بلغ مجموع الطاقة المولدة سنة 1967 في لبنان 407,3 ملايين كيلو وات ساعة منها 284,8 مليون كيلو وات ساعة من معامل الليطاني أي ما يعادل 30 بالمائة من مجموع توليد الطاقة في لبنان وأمنّت دخلاً للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني يقدر 14240000 ل.ل. مع التذكير أن معمل جون لم يدخل بالاستثمار بعد وأن بالاستطاعة توليد طاقة أكثر من إنتاجه عن سنة 1967 ولكن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لم تتمكن من بيعها بكاملها إذ أن إمكانيات التوليد الحالية تفوق قليلاً حاجة الاستهلاك ومن المنتظر أن تمتص مصلحة كهرباء لبنان كامل هذه الطاقة قبل سنة 1972.
وننشر هنا دراسة عن مطامع الصهاينة بمياه الليطاني بقلم الدكتور كمال حماد:
الصهيونية منذ البداية وبعدها إسرائيل، نظرت دائماً إلى الجنوب اللبناني، حيث نهر الليطاني ومنابع الوزاني والدردارة ونهر الحاصباني، كمنطقة حيوية واقتصادية لحياة إسرائيل. ومن هذا المنطلق، وضعت عدداً من المشاريع التي تصب في النهاية بسرقة تلك المياه ووضع اليد عليها، تحت حجج واهية وغير مشروعة، ومن بين تلك الحجج، أن المياه اللبنانية تهدر في البحر بينما نحن بحاجة إليها، مع الإشارة إلى أن إسرائيل وقفت دائماً ضد استغلال العرب لطاقاتهم ومواردهم المائية، وقامت في عام 1967 بالقضاء على المشروع العربي لاستغلال نهر الأردن وروافده واحتلال كل منشآته، كما حصل لاحقاً مع نهري الليطاني والحاصباني ومنابع الدردارة والوزاني وغيرها في عام 1982، عام الاحتلال الإسرائيلي لمعظم الأراضي اللبنانية، حيث أقامت بعد ذلك المنطقة الأمنية في الجنوب اللبناني حيث المياه.
أ ـ الصهيونية ومشاريعها المائية:
عكفت الحركة الصهيونية منذ نشوئها على تحقيق أحلام هرتزل التي تحدّث عنها في كتابه: «الأرض الجديدة ـ الأرض القديمة»، والتي تطالب بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض التي تطمع بالاستيلاء عليها لإنشاء الوطن اليهودي.
ولخّص (فرش فاسر رعنان) في كتابه: «حدود الأمة»، المخططات التوسعية الصهيونية على صعيد الموارد المائية المتوافرة في المناطق المتاخمة لفلسطين، فيقول: «لما كانت المنظمة الصهيونية تهدف إلى جمع أكبر عدد من الناس (اليهود) في أرض محدودة المساحة، فقد أصبح من الواجب وضع مخططات للري واسعة النطاق … ولما كانت الموارد المائية محدودة في فلسطين، فقد جرى توسيع تلك المخططات لتشمل الأراضي الواقعة إلى الشمال الشرقي من فلسطين، كما تصل إلى منابع الأردن ونهر الليطاني وثلوج حرمون واليرموك، فضلاً عن ذلك، فإن افتقار البلاد إلى الفحم والبترول، أوجب الاعتماد في المشاريع التصنيعية على إنتاج الطاقة الكهربائية التي يمكن تأمنيها من الليطاني واليرموك»([183]).
وفي الثالث من شباط عام 1919، تقدمت المنظمة الصهيونية العالمية بمذكرة إلى المجلس الأعلى في مؤتمر السلام بباريس، أوضحت فيها معالم الحدود التي تريدها لفلسطين، وتشمل إضافة إلى فلسطين كلاًّ من مصر والعراق والسعودية والأردن وسوريا ولبنان. وقد طالبت هذه المذكرة الدول المجتمعة في المؤتمر، بأن تقدم اعترافاً بما سمته: «الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين، وحق اليهود في أن يعيدوا إنشاء وطن قومي لهم فيها»([184]).
وأكدت المذكرة على أنه: «يجب أن يكون لفلسطين مخارجها الطبيعية على البحار، وسيطرتها على أنهارها ومنابع مياهها، كما أن الحياة الاقتصادية لفلسطين، شأنها في ذلك شأن أي بلد شبه جاف، تعتمد على الموفور من موارد المياه … ولذلك، فإنه من الأمور الحيوية ألاّ يكتفي بتأمين جميع موارد المياه التي تتغذى بها البلد حالياً، بل أنه يمكن خزنها والسيطرة عليها في منابعها … وجبل الشيخ هو «أبو المياه الحقيقي بالنسبة لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها من دون إنزال ضربة جذرية بحياتها. فيجب إذاً أن يبقى تحت سيطرة أولئك الذين هم أكثر رغبة فيه، وأقدر على إعادته إلى نفعه الأقصى … ويجب وضع ترتيبات دولية لحماية حقوق المياه للسكان الذين يعيشون إلى الجنوب من نهر الليطاني، وإذا ما لقيت هذه المنابع عناية كافية، فمن الممكن استخدامها لتنمية لبنان ولتنمية فلسطين أيضاً»([185]).
وتحدد الصهيونية العالمية الحدود الشمالية لدولتها في خط يصل ما بين نقطة تقع جنوبي صيدا وسفوح جبل الشيخ عند بيت جن، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يشمل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني في آذار 1978، معظم هذه المناطق الواردة في المذكرة الصهيونية.
وتجلى الاهتمام بالمصادر المائية اللبنانية، في الدراسة التي أجرتها إدارة مياه فلسطين في عام 1943، والتي دعت إلى استثمار حوالي 85 بالمائة من مياه الليطاني في فلسطين. وكانت الوكالة اليهودية قد انتدبت إلى فلسطين في عام 1938، أحد أكبر خبراء التربة الأميركية وهو «لاودرميلك»، وكلفته بتقديم تقرير عن أوضاعها المائية. وتتخلص التوصيات التي وضعها هذا الخبير في عام 1944، والتي لا تزال تعتبر أساساً لجميع المشروعات المائية في إسرائيل، في تحويل مياه نهر الأردن من حوضه الطبيعي إلى المنطقة الساحلية، ومنها إلى النقب، بعد الاستيلاء على مياه الحاصباني وبانياس.
ووجدت الصهيونية منذ أن قررت إنشاء دولتها في فلسطين، أن هذه الدولة ذات موارد مائية ضئيلة، لا تكفي لمشروعات التوسع السكاني والاستيطاني، لهذا، توجهت حتى قبل قيامها (كدولة) إلى البحث عن مصادر رديفة للمياه لدى البلدان العربية المتاخمة، حيث توجهت أطماعها خصوصاً نحو مياه الليطاني والحاصباني.
ب ـ مرحلة ما بعد قيام إسرائيل:
في أعقاب توصيات «لاودرميلك»، وصل إلى إسرائيل في عام 1948 خبيرا المياه الدوليان «هايز» و«سافيج»، لوضع تلك التوصيات موضع التنفيذ. وقد وضع هذان الخبيران مشروعاً لتحويل نهر الأردن، يتضمن تحويل نهر الليطاني ودمجه بالمشروع العام. ولم يقم هذا المشروع آنذاك أي اعتبار للأوضاع القانونية، التي انتهت إليها اتفاقات الهدنة العربية ـ الإسرائيلية.
وفي عام 1949، أثار المندوب الإسرائيلي أمام لجنة التوفيق الدولية مسألة مياه الليطاني، مما حدا باللجنة إلى أن توصي في تقريرها الصادر في كانون الأول 1949، بتأجير سبعة أثمان (7/8) مياه الليطاني لإسرائيل، وذلك بتحويل مياهه إلى وادي الأردن، بغية الاستفادة منها في الري وتوليد الطاقة الكهربائية.
وفي عام 1953، أوفد الرئيس الأميركي أيزنهاور مبعوثاً خاصاً وهو «أريك جونستون»، ليعرض على الأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل مشروعاً لاستثمار المصادر المائية القريبة من مناطق الحدود المشتركة. ويتلخص المشروع في إنشاء سد على نهر الحاصباني في لبنان لتخزين الفائض السنوي للنهر، وتحويله إلى ترعة لري أراضي حوض الحولة وتلال الجليل في الأراضي المحتلة، وكذلك إنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه هذا النهر تقام داخل إسرائيل … وقد رفض لبنان طبعاً هذا المشروع، لأنه لا يتيح له الانتفاع من الموارد المائية التي يملكها.
ووضعت السلطات الإسرائيلية في العام 1954 مشروعاً عرف باسم مشروع (كوتون)، تضمن خططاً مفصلة بالنسبة إلى نهر الليطاني. ففي هذا المشروع، أدخلت إسرائيل ما سمته فائض الليطاني (400 مليون متر مكعب /سنوي) إلى مشروع الري الإسرائيلي، بحيث تروي مصادر المياه المتوافرة لها نحو مليوني دونم، ولم يبق المشروع الإسرائيلي من مياه الليطاني للبنان إلاّ ما يكفي لري 350 ألف دونم من الأراضي.
وفي خلال العامين 1954 و1955، قام المبعوث الأميركي «جونستون» بعدة زيارات إلى المنطقة لإجراء مباحثات، تهدف إلى تحديد كمية المياه التي تتلقاها كل دولة من الدول المعنية بالمشروع. وكانت حصة لبنان من مياه الحاصباني (35 مليون متر مكعب/ سنوي) فقط.
وقد رفضت الدول العربية المعنية المشروع في قرار موحّد اتخذ في شباط 1955، كما رفضته إسرائيل، لأنه لا يشمل مياه الليطاني، ووضعت بدلاً منه مشروع (كوتون) كما أسلفنا، الذي يتضمن مياه الليطاني … وظهر بعد ذلك مشروع (فايتس)، الذي يقوم في الأساس على تقديم مقترحات لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
ويطرح «رعنان فايتس»، الذي كان يشغل منصب رئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، في مشروعه هذا الذي نشر في بداية السبعينات، فكرة تكشف عن المقاصد والأطماع الإسرائيلية تجاه مياه لبنان.
ويتضمن المشروع نقل فائض مياه الليطاني عن طريق الأنابيب ودمجها بمشروع المياه الإسرائيلي العام، من أجل تطوير الأراضي العربية المحتلة وإنشاء مشروعات زراعية وصناعية فيها، بشكل يجعل بالإمكان استيعاب اللاجئين وتوطينهم. ويعتقد «فايتس» أنه يمكن استيعاب مليون لاجئ، إذا ما تم تحويل (400 مليون متر مكعب/ سنوي) من مياه الليطاني، ونقلها لخدمة المشروع المقترح.
وفي بداية عام 1964، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها على وشك إنجاز المرحلة الأولى من مشروع (كوتون)، والتي تتضمن إيصال مياه نهر الأردن إلى النقب. وهذا الأمر حمل الرئيس جمال عبد الناصر إلى الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية في القاهرة في 17 كانون الثاني 1964، وقد خرج المؤتمر بقرار تشكيل هيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده، تتولى مهمة وضع التصاميم والإشراف على تنفيذ سلسلة عمليات هندسية وجيولوجية في كل من سوريا ولبنان والأردن، هدفها استثمار مياه نهر الأردن وروافده. وكان من المفترض حسب تقرير الهيئة، أن يستغل العرب من مواردهم المائية كمية تقدر بـ (300 مليون متر مكعب/ سنوي)، إلا أن تنفيذ هذا المشروع لم ير النور، بل اصطدم بنقص التمويل وغياب الحماية العسكرية الضرورية له، حتى كانت حرب 1967 التي أدت إلى احتلال إسرائيل لمواقع المشروع العربي كافة، وباتت كل مياه الأردن وروافده تحت الاحتلال الإسرائيلي باستثناء المياه اللبنانية.
وحول «المشاريع الإسرائيلية المفترضة»، يشير المهندس أديب الجدع في دراسته: «الإنماء المائي ـ الزراعي المتكامل لحوض نهر الحاصباني»، إلى أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، ستكون المشاريع المائية مرتبطة باتفاقات بين إسرائيل وكل من الدول المجاورة، وسيكون بعضها مرتبطاً بأكثر من كيان واحد منها:
1 ـ اتفاقات مع لبنان: استغلال كهربائي لمياه الحاصباني.
2 ـ اتفاقات مع الأردن: تخزين التدفق الشتوي لمياه اليرموك في طبريا.
ومن الفرضيات الإسرائيلية، على سبيل المثال فقط وليس للتحديد أو الحصر، للتعاون مع لبنان في شأن المياه يعرض كما يلي:
أ ـ توليد الكهرباء من المياه التي تتدفق إلى إسرائيل.
ب ـ نقل مياه لبنانية إلى إسرائيل لهدف مزدوج: إنتاج الطاقة وتزويد المستهلكين. وهذا موجز ببعض تفاصيل هاتين الفرضيتين:
1 ـ مشروع توليد الكهرباء من الحاصباني:
يتعلق بمياه الحاصباني بصورة أساسية، ومياه نهر العيون (نبع الدردارة في مرج مرجعيون) بصورة جزئية. وتكمن فائدته لإسرائيل، بإمكان إيجاد مشروع أكثر نجاعة في مجال الاستغلال الكهربائي لمياه الحاصباني، إذا ما امتد هذا المشروع في أراضي الدولتين. ومن الممكن إسرائيلياً، إقامة مشروع لاستغلال مياه الحاصباني كهربائياً، تكون عملية السيطرة على المياه وتخزينها فيه ضمن حدود لبنان، وتكون محطة الطاقة ضمن حدود إسرائيل، وذلك لاستغلال 100 مليون متر مكعب سنوي (نحو 80 بالمائة من طاقة الحاصباني المقدرة بـ 125 مليون متر مكعب/ سنوي)، وسيقوم على إنشاء سد ـ خزان بمحطة طاقة يحدد موقعها داخل إسرائيل في موقع قريب من مجرى الأردن، على المنسوب 120 متراً تحت سطح البحر، لإنتاج 40 مليون كيلو وات ساعة/ سنوي.
وثمة مجال، إسرائيلياً، للجمع بين هذا المشروع ومشروع تحويل مياه الليطاني، وذلك عن طريق تحويل الليطاني إلى الحاصباني شمال بحيرة طبريا، أو عن طريق تحويل الحاصباني إلى الليطاني، أو إلى العيون في مرج مرجعيون شمال منطقة الاستغلال، عوضاً عن إقامة الخزان ـ السد المذكور آنفاً([186]).
2 ـ مشروع تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبريا:
إنه مشروع كبير وأكثر أهمية لإسرائيل من النواحي الاقتصادية، ويستند إلى معطيات الخلفية التالية:
أ ـ إن نقل المياه اللبنانية إلى إسرائيل قابل للتحقيق إسرائيلياً، عن طريق تحويل مياه الليطاني بواسطة نفق إلى نهر الحاصباني، أو إلى نهر العيون من سد الخردلة على المنسوب 220 متراً.
ب ـ فيما يتعلق بتوليد الكهرباء، فإن تحويل مياه الليطاني إلى الحوض الصباب لبحيرة طبريا، أجدى إسرائيلياً من إبقاء هذه المياه في الحوض الصباب للبحر الأبيض المتوسط، وذلك لأن منسوب طبريا أدنى بـ 200 متر، ولذا، فإن كميات الكهرباء المولدة من كل متر مكعب ستكون أجدى بـ 0,5 كيلوات/ ساعة. وسيجري توليد معظم الكهرباء من المياه المحولة في محطة المغور الإسرائيلية، المخطط لإنشائها في أعلى طبريا قبالة نهر الأردن.
ومن وجهة نظر إسرائيلية، سينقل مشروع التحويل هذا 100 مليون متر مكعب/ سنوي، وسيشمل سد تحويل ونفق بطول 6 ـ 8 كلم، وخزان ومحطة للطاقة، وسيولد 20 مليون كيلو وات ساعة/ سنوي. وسيكون هناك خياران لتحويل الليطاني:
(1 ) تحويل الليطاني إلى الحاصباني.
(2 ) وتحويل الليطاني إلى العيون (مرج مرجعيون). وتكمن ميزة هذا الخيار الثاني، إسرائيلياً، في استغلال وظيفة الخزان المرتقب، في تخزين مياه فصل الشتاء لاستخدامها في فصل الشحائح، الأمر الذي يمنحه الأفضلية من وجهة النظر الإسرائيلية([187]).
ونشير في هذا الصدد إلى مشروع «قناة البحرين»، والتي باشرت إسرائيل بتنفيذها منذ تشرين الأول في عام 1991، وهذا المشروع يربط بين البحرين المتوسط والميت. أما أهداف هذا المشروع فهي:
(أ ) توليد الطاقة الكهربائية (600 ميغاواط) من الكهرباء.
(ب ) توفير المياه اللازمة لتبريد محطات القوة النووية في النقب، ولتبريد محطة القوة الكهربائية التي ستدار بأحواض الزيت الحجري في شرق النقب.
(ج ) إقامة محطات لتحلية مياه البحر الجارية في القناة للاستفادة منها في ري أراضي النقب الشمالي.
(د ) إقامة المستوطنات والمدن على طول القناة.
(هـ ) تغذية البحر الميت بالمياه لتعويضه عن مياه نهر الأردن، التي تنوي إسرائيل تحويل معظمها من وراء السد المزمع إنشاؤه شمال بحيرة طبريا، ونقلها إلى الجليل والسهل الساحلي والنقب([188]).
وفي رد على مشاريع إسرائيل ومطالبها في نهر الليطاني، قامت الحكومة اللبنانية بوضع مشروع الليطاني، الذي أثبت إمكانية الاستفادة من موارده المائية كلها في لبنان، ناهيك عن أن هذا النهر، ينبع ويسير خط مجراه ويصب ضمن الأراضي اللبنانية. ويشير الدكتور كمال خير في دراسته: «نهر الليطاني: دراسة جيولوجية وهيدرولوجية»، إلى أن نهر الليطاني لا يتجاوز ما يتلقاه من المياه الموسمية أثناء فصل الأمطار من خارج الأراضي اللبنانية (من وراء حدود الجمهورية العربية السورية) الواحد بالمائة. أما بالنسبة إلى المياه الجوفية في حوض نهر الليطاني، ليس هناك علاقة مع أي من المياه الجوفية في الأحواض المجاورة([189]). من هنا، فإن إسرائيل لا تملك أي أساس قانوني للمطالبة بأية حصة منه. وزيادة على ذلك، فإن كل الدراسات والأبحاث التي قامت بها الحكومة اللبنانية، أثبتت أن مياه نهر الليطاني ضرورية للتطور الطبيعي للزراعة ولمتطلبات وحاجات السكان. ويؤكد الدكتور خير على أن: «نهر الليطاني هو الأهم بالنسبة للبنان نظراً إلى كمية تصريفه واتساع حوضه وطوله والمناطق التي يخترقها والتي تشمل أراضي زراعية واسعة، لا تستلزم عملية استصلاح، بالإضافة إلى كونها خصبة، وخصوصاً في منطقة السهل الساحلي الذي يعتبر من أكثر المناطق اللبنانية إنتاجاً، نظراً لجودة التربة وللظروف المناخية الملائمة»([190]).
واستناداً إلى القانون الدولي العام، إذا كان حوض النهر يقع برمته في إقليم دولة واحدة، خضع النهر لسيادة هذه الدولة وحدها وسمي نهراً وطنياً. ولكل دولة الحق في أن تنظم استغلال موارد أنهرها الوطنية، وتقصر الملاحة فيها على مراكبها وحدها. أما إذا كان النهر دولياً يمر في عدة دول، أو يفصل بين دولتين، فإنه يخضع عند ذلك لوضع أو حكم مختلف بسبب وجود مصالح مختلفة([191]).
ونشير هنا إلى أنه: «رصد في لبنان 15 نهراً دائماً، منها ثلاثة أنهر داخلية واثنا عشر نهراً ساحلياً، كما وأن هناك ثلاثة أنهر مشتركة مع دول مجاورة وهي: النهر الكبير الشمالي ونهر العاصي (مع سوريا) ونهر الحاصباني (أحد روافد حوض الأردن)» ([192]).
واستناداً إلى تعريف قواعد هلسنكي لعام 1966 والخاصة باستعمال مياه الأنهار الدولية، فإن المادة الأولى الفقرة الثانية تنص على أن: «حوض النهر الدولي هو مساحة جغرافية تشمل دولتين أو أكثر والمحددة بحدود انتشار مياه النهر الدولي، والذي يتضمن المياه السطحية (فوق الأرض)، والمياه الجوفية (تحت الأرض)، والتي تصب في مصب عام». وتنص المادة الثانية الفقرة الرابعة من قواعد هلسنكي على أن: «كل دولة حوض تملك حق في حدود أراضيها في الاستفادة باستخدام عادل وعاقل لقسم من مياه حوض النهر الدولي». كما أن المادة الأولى الفقرة الثالثة تعرف دولة الحوض بأنها «الدولة التي يقع في أراضيها قسم من حوض النهر الدولي»([193]).
3 ـ المياه الجوفية المنسابة باتجاه الطبقات الجوفية في فلسطين المحتلة:
إن حجم المياه الجوفية المنسابة من مختلف الخزانات الجوفية التي هي على اتصال مباشر أو غير مباشر بالخزانات الجوفية الموجودة في فلسطين المحتلة، قد تم احتسابها في كل قطاع من القطاعات الأربعة، والتي تبدأ من منطقة الناقورة غرباً إلى بلدة شبعا (حرمون) شرقاً، والتي سنستعرضها بعد قليل، آخذين بعين الاعتبار ميل الطبقات الجوفية اللبنانية إلى الطبقات الجوفية في الأرض المحتلة، ومنها بصورة مباشرة إلى موقع بحيرة الحولة التي تقع على ارتفاع 70 متراً عن سطج البحر، في موقع منخفض نسبياً بالمقارنة مع الخزانات الجوفية الموجودة في الطرف الجنوبي من الحدود اللبنانية. وهذا ما أسهم، وبدرجة كبيرة، في استقطاب أكبر كمية من مياه الخزانات الجوفية اللبنانية والسورية الواقعة شمالها. أما القطاعات الأربعة فهي:
أ ـ قطاع الناقورة ـ عيترون ـ شقرا ـ دير سريان.
ب ـ قطاع دير ميماس ـ فالق اليمونة ـ سهل المرج.
ج ـ قطاع نبعي الحاصباني والوزاني.
د ـ قطاع حرمون ـ شبعا (نبع سريد).
وإضافة إلى مياه نبعي الحاصباني والوزاني وغيرهما من المصادر المائية السطحية التي تذهب هدراً إلى الأراضي المحتلة، فإن كميات ضخمة من المياه الجوفية تنساب أيضاً بذلك الاتجاه، مستفيدة من ميل الصخور المؤاتي، والفوالق التي هي عبارة عن قنوات جوفية تسرع عملية تفريغ الطبقات الجوفية اللبنانية باتجاه الجنوب. وأهم الفوالق في هذا الصدد:
ـ فالق اليمونة.
ـ فالق راشيا الوادي ـ شبعا.
وتقدر الكميات الإجمالية التقريبية الجوفية المغذية للطبقات الجوفية في الأرض المحتلة، مع الكميات المتكشفة في محيط بحيرة الحولة حوالي 194,8 مليون متر مكعب/ سنوي([194]).
4 ـ المصادر المائية في لبنان:
إن المصادر المائية في لبنان تتوزع كما يلي([195]):
مليون م 3 / سنوي.
أ ـ الهواطل من أمطار وثلوج وغيرها 8600.
ب ـ المياه التي تذهب بالنتبخة([196]) 4500.
ج ـ مياه الجريان السطحي التي تذهب باتجاه سوريا عن طريق: (1) نهر العاصي 415.
(2 ) النهر الكبير الشمالي 95.
د ـ مياه الجريان السطحي التي تذهب باتحاه فلسطين عن طريق الحاصباني والوزاني 160.
هـ ـ المياه الجوفية التي تذهب هدراً إلى البحر 700.
ويبقى بالتالي للبنان كمية 2730 مليون متر مكعب، على مدار السنة، منها 800 مليون متر مكعب فقط خلال أشهر الجفاف. فإذا احتسبنا الكمية التي يمكن الاستفادة منها من المياه الجوفية 500 مليون متر مكعب، إضافة إلى 700 مليون متر مكعب يمكن تخزينها واستغلالها في فترة الشحائح بواسطة السدود والبحيرات، وهو أمر كبير الكلفة نظراً لطبيعة الأرض اللبنانية المشققة، فإن كمية المياه القصوى المتاحة للبنان بكلفة معقولة خلال أشهر الجفاف تبلغ 2000 مليون متر مكعب/ سنوي.
علماً أن هذه الكميات قد تنخفض إلى 55 بالمائة كل عشر سنوات، وإلى الثلث أو أقل في حال حدوث ثلاث سنوات جافة متتالية، كما حصل في السنوات الثلاث (1988 ـ 1989) ـ (1989 ـ 1990) ـ (1990 ـ 1991).
وهكذا، أن المياه المتاحة أو التي يمكن السيطرة عليها لا تزيد عن 2000 مليون متر مكعب/ سنوي، وهي إذا ما قورنت بأرقام الحاجات التي تبلغ في الخمس والعشرين سنة المقبلة، أي في عام 2018 (2440 مليون متر مكعب/ سنوي) مفصلة كما يلي:
1 ـ للحاجات المنزلية والشرب
900 مليون متر مكعب/ سنوي
2 ـ للحاجات الصناعية
240 مليون متر مكعب / سنوي
3 ـ لحاجات الري والزراعة
1300 مليون متر مكعب/ سنوي
المجموع 2440 مليون متر مكعب/ سنوي
وإذا احتسبنا 20 بالمائة نسبة الهدر، تصبح الحاجات 2900 مليون متر مكعب/ سنوي، أي أن لبنان سيكون مضطراً للبحث عن مصادر مياه جديدة وربما غير تقليدية ليتمكن من سد حاجاته، إذ أن العجز يفوق 800 مليون متر مكعب/ سنوي([197]).
ويبقى أن نشير أخيراً إلى أن المنظمات الدولية العاملة في مجال المياه حددت ما يسمى «معدل الفقر المائي» في بلد ما. ويبلغ المعدل 2000 متر مكعب/ سنوي للفرد، وهو يشمل كل الاحتياجات من استعمال منزلي وري واحتياجات صناعية.
وهذا ما يجعل حاجة لبنان إلى المياه تبلغ، تقريباً، كل ما يتساقط على أرضه من أمطار([198]).
إن المخطط الإسرائيلي للاستيلاء على المياه اللبنانية يقوم على مرحلتين:
ـ المرحلة الأولى: ضم الأراضي التي تحتوي ينابيع والتي تصب في إسرائيل. وهو ما جرى تنفيذه فعلاً، لجهة تسييج المساحات المحيطة بنبع الوزاني والدردارة، مباشرة بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في حزيران 1982.
ـ المرحلة الثانية: تحويل مجرى نهر الليطاني من نقطة انعطافه قرب قرية دير ميماس عن طريق حفر نفق استناداً إلى دراسة «فايتس»، يصل تل النحاس بسد الخردلي ومنه إلى بحيرة طبريا، وقد أكد ذلك مقال الصحفي «جون كولي» في جريدة «هيرالد تريبيون» البريطانية في 10 حزيران 1983، والذي تحدث فيه عن أن إسرائيل تقيم نفقاً للوصول إلى مياه نهر الليطاني طوله عشرة كيلومترات من منخفض وادي البراغيث في إسرائيل إلى نقطة منحدرة تحت سد الخردلي ترتفع 215 متراً عن سطح البحر، وهذا النفق من شأنه أن يحول مياه نهر الليطاني إلى إسرائيل.
وقد اشتكت الحكومة اللبنانية من الأعمال الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة وطلبت منها التدخل. وقد منعت إسرائيل بعثة الأمم المتحدة من الوصول إلى المنطقة للاطلاع على ما يجري على الطبيعة، بحجة أنها منطقة عسكرية، وبذلك بقيت لجنة التحقيق الدولية عاجزة عن أداء المهمة التي أتت إليها من نيويورك.
وقد حذرت الحكومة اللبنانية من النتائج الخطيرة المترتبة من جراء استيلاء إسرائيل على مياه الليطاني ومنابع الوزاني والدردارة. وتتخلص هذه النتائج بما يلي:
ـ قطع المياه كلياً أو جزئياً عن السهل الساحلي الجنوبي، أي عن قناة القاسمية التي تروي نحو (50 ألف دونم) من الأراضي.
ـ قطع المياه كلياً أو جزئياً عن محطات الضخ العائدة إلى 60 قرية جنويبة.
ـ وقف تنفيذ مشروع ري الجنوب الذي كان يعتمد في جزء كبير من مصادره، على مياه سد الخردلي، إضافة إلى قطع الكهرباء.
إن أعمال إسرائيل تلك، تعتبر أعمالاً عدوانيةً استناداً إلى تعريف العدوان لعام 1974، وتعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية للبنان على أساس أن من أولويات السيادة لكل دولة هي حريتها بالتصرف بمصادرها الطبيعية، بما يتناسب مع إرادة شعبها ومن دون أي تدخل خارجي.
ما بعد الطبيعة
رسالة للفارابي
مقالة في أغراض ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس في كتاب ما بعد الطبيعة:
بحث الفارابي في رسالته هذه في غرض ارسطو في كتاب ما بعد الطبيعة، قسم فيه العلوم إلى مجملة وجزئية، وغرضه من العلم الجزئي هو العلم الذي موضوعه عن بعض الموجودات أو الموهومات. والعلم المجمل في الشيء الشامل لجميع الموضوعات مثل الوجود والوحدة وأنواعها ولواحقها، والأشياء التي ليست بعارض على الموجودات الخاصة، وتبحث مبدأ جميع الموجودات ثم بعد هذا شرح الفارابي غرض ارسطو في كل واحدة من المقالات الاثنتي عشرة.
طبعاته: ـ طبعة ليدن اهتم بها «ديتريشي» 1890 (في الثمرة المرضية …).
ـ طبعة القاهرة اهتم بها «عبد الرحمن مكوي» 1907م (في مجموعة فلسفة أبو نصر).
ـ طبعتان في حيدر آباد ضمن رسائل الفارابي الأخرى عامي 1930 و1931م.
ـ طبعة بومباي ضمن رسائل الفارابي الأخرى عام 1937م.
مازندران
هو الإقليم المعروف قديماً باسم (طبرستان). وتقع جنوبي بحر الخزر وشمالي جبال ألبرز، وهذا الإقليم اشتهر بخصب أرضه ووفرة مياهه وكثرة غاباته وأشجاره وطيب هوائه وجمال مناظره الطبيعية الرائعة، ومما يزيدها بهاءً وجمالاً ذاك الطريق الساحلي المعبّد الممتد على ساحل بحر الخزر مئات الأميال، حيث تكتنفه المروج الخضر والحدائق والغابات. ولابن اسفنديار في كتابه (تاريخ طبرستان) وصف رائع تناول فيه الحديث عن جمالها، وكثرة خيراتها ورخاء أهلها واستغنائها عن غيرها من الأقاليم بما فيها من ذلك الخير الوفير ويصف أيضاً مناخها بالاعتدال فشتاؤها خريف، وصيفها ربيع … ثم ينقل عن عبد الله بن قتيبة وصفاً مشابهاً لذلك.
ولقد كان رخاء هذا الأقليم من الأسباب التي جعلته منزلاً لكثير من أهل الفضل من العلماء والشعراء والمؤرخين، وإلى هذا يشير ياقوت الحموي في كتاب (معجم البلدان) بقوله:
طبرستان بلاد واسعة خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه.
ومقر الحاكم العام لمازندران بمدينة سالي. ومن مدنه الشهيرة بارفروش، وعلي آباد، وأشرف، وشالوس، وآمل التي نشأ بها ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ المعروف ـ وفي الشرق من مازندران يقع شهرستان (جرجان) الذي يعتبر من أهم مراكزه مدينة جرجان الكبيرة الواقعة على مقربة من حدود إيران وإليها ينسب عبد القادر الجرجاني إمام البلاغة (راجع: طبرستان).
ماسوله
بين مجموعة من الجبال وعلى سفح يرتفع عن سطح البحر (1050 متراً) تقع مدينة ماسوله التاريخية، الجميلة.
تقع (ماسوله) غربي قضاء فومن، وفي الجنوب الغربي من محافظة كيلان في إيران حيث تلتقي المحافظات الثلاث: كيلان وزنجان وآذربيجان الشرقية. يحدّ ماسوله من الشمال والشمال الشرقي ناحية (ماسال) وتوابعها، ومن الغرب قضاء خلخال وتوابعه، ومن الجنوب محافظة زنجان، ومن الشرق سهل فومنات.
ترتبط ماسوله بمدينة فومن، وهي أقرب مدينة لها في محافظة كيلان، بطريق معبدة طولها 35 كيلومتراً، تمتد عبر سهل فومنات الذي ينبسط في الجهة الشرقية منها، مشكّلاً المنفذ السهلي الوحيد لها، أما جهاتها الأخرى فمحاطة بالجبال المرتفعة. وهي تعدّ بمساحتها البالغة (160,000م2) أصغر مدينة في محافظة كيلان. ويبلغ امتداد منطقة ماسوله وتوابعها من الشمال إلى الجنوب 12 كلم، ومن الشرق إلى الغرب 30 كلم.
تنخفض درجات الحرارة فيها في فصل الشتاء إلى حد كبير بسبب موقعها المرتفع (1050 متراً فوق مستوى سطح البحر). وإحاطتها بالجبال المرتفعة من ثلاث جهات، ومن ثم يكون شتاؤها قارساً طويلاً يكثر فيه سقوط الثلج، حتى يبلغ ارتفاعها مترين أحياناً.
أما الصيف فمعتدل فيها كثيراً، فمن جهة يمر بها نسيم جبلي عذب، يساعد على تلطيف جوها، ومن جهة أخرى تكسوها، في أغلب الأحيان، طبقات من الضباب والغيوم، وتحيط بها الغابات من الشمال والجنوب.
ولعل أهم ما يميز هذه المدينة عن سواها هو نمط البناء الخاص فيها، إذ تنتظم بيوتها بشكل عمودي، مشكلة ما يشبه المدرجات. وليس لبيوتها ساحات خاصة بها، إنما يكون سطح الدار السفلي ساحة للدار التي تعلوها. ويتم دخول الناس وحيواناتهم إلى المدينة وخروجهم منها عن طريق سطوح المنزل، دون أن يعترض أصحابها على ذلك، فهو نظام اجتماعي متعارف عليه في ماسوله منذ القدم.
إلا أن عبور الحيوانات غير متيسّر إلاّ من خلال بعض الطرق الرئيسية في المدينة. أما المواد المستعملة في بناء البيوت، فهي: الصخور، اللِبْن، الخشب، التِبْن، بالإضافة إلى طين لزج أزرق اللون، وطين أصفر اللون يستعمل للطلاء بعد خلطه بالطين الأبيض أو بالجص في بعض الأحيان. وكل هذه المواد متوفرة بكثرة في ماسوله.
وتستخدم في الأبواب والشبابيك أنواع النقوش والزخارف، وأحياناً الآيات القرآنية والأشعار الفارسية المنقوشة على الخشب.
وفي السابق كانت مياه العيون تنقل إلى المنازل بواسطة أنابيب من الفخار لتصنع لها عيوناً خاصة بها، أما إذا نبعت فيها عين طبيعية فتخزّن ماءها في مستودع. وفي الوقت الحاضر هناك الكثير من هذه العيون في الطوابق السفلى، أو في الغرف التحتية من المنازل.
وتشكل «ماسوله» بتصميها الخاص منطقة سياحية، تجتذب السائحين إليها كل عام في فصل الصيف، وهي تشتمل على الكثير من المتنزهات الطبيعية والمناظر الخلابة والمناطق الجبلية الجميلة التي يُقبل إليها هواة تسلق الجبال كل عام، وهي تعدّ بالعشرات، ومنها مناطق الشلالات، مثل: شلال ماسوله، في الجانب الغربي منها وشلال (خِره بو) على بعد 2 كلم منها وشلال (كوه بن) إلى الجنوب الغربي منها وشلال (برده سر) على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشرق منها. أما المناطق الأثرية، فأهمها:
1 ـ مزار عون بن محمد بن علي عليه السلام، وهو يشتمل على بوابة أثرية، ويقع في محلة (مسجد بر) داخل المدينة.
2 ـ مسجد صاحب الزمان التاريخي في محلة (خانه بر).
3 ـ مزار عين علي وزين علي على بعد كيلو متر واحد إلى الشرق من ماسوله.
4 ـ مزار السيد إبراهيم في الشمال، ومزار السيد هاشم في الغرب.
5 ـ مسجدا (كشه سر) العليا والسفلى التاريخيان، مسجد (دُوخالِه)، مسجد (خانه بر) الجامع.
6 ـ عدد من الجسور القديمة التي اندثر أكثرها، ولم يبق منها إلا القليل.
7 ـ ماسوله القديمة: تقع في منطقة جبلية على بعد 4 كلم إلى الشمال الغربي من ماسوله، وفيها كان يسكن أهالي ماسوله قبل زمن بعيد.
وتعود حركة اكتشاف المناجم فيها إلى ماضٍ بعيد، فقد كان أهالي ماسوله يستخرجون الحديد بوسائلهم البدائية من الجبال المجاورة لهم، قبل أن يعرض الروس الحديد الحديث في الأسواق، ولا تزال آثار الأماكن المخصصة لصهر الحديد باقية إلى الآن في منطقة كوروبار. وفي الوقت الحاضر هناك عدة مناجم في المناطق المجاورة لماسوله.
وتنقسم الصناعات اليدوية في ماسوله إلى معدنية وغير معدنية، وقد ازدهرت الصناعات المعدنية بسبب كثرة المعادن، وخصوصاً الحديد بالقرب من المدينة، وينشط الحدّادون والنحّاسون في صناعة الأدوات المعدنية التي تستعمل في الحياة اليومية وفي الأعمال الزراعية، مستخدمين المنفاخ اليدوي والحطب في صهر المعادن، ومن هذه الأدوات: المنجل والمطرقة والفأس والمسامير والسلاسل والرّفش ونعل الحصان والملاعق والأقفال والمفاتيح والسكاكين والمديات والمقاص والسيوف وغيرها.
وإلى جانب ذلك، فقد عرفت ماسوله صناعة الأسلحة في عهد فتح علي شاه، إذ كانت تصنع قذائف المدافع وبعض أنواع البنادق التي كانت تتفنن في تزيينها بالنقوش والكتابة البارزة، بالإضافة إلى السيوف الجميلة المزينة بالنقوش والخناجر ذات القبضات الجلدية أو الخشبية، وهي مزينة أيضاً بالنقوش، ولا تزال هذه الأدوات تصنع في ماسوله ولكن بكمية أقل.
وتبرز الصناعات غير المعدنية بقوة أكبر على أيدي الماهرين من الرجال والنساء الذين يحوّلون المواد الأولية إلى أشياء جميلة قابلة للاستخدام، وأبرز هذه الصناعات: صناعة الصوف والجلد والأخشاب.
وليس لدينا اطلاع دقيق على الماضي البعيد لماسوله. فالمصدر الوحيد عن ذلك هو ما يتناقله الناس من روايات تحكي بطولة أجدادهم في تصديهم لقطّاع الطرق والحكام المستبدين.
أما في العصر الصفوي فيذكر أن الشاهسونيين([199]) هاجموا «ماسوله» عدة مرات، وكان الأهالي يتصدّون لهم ببسالة، ويردّونهم على أعقابهم دون أن يمكنوهم من دخول مدينتهم. وإذا ما دخلوها كانوا يضطرون للإنسحاب منها تحت وطأة مقاومة أهلها، وكانت «ماسوله» تُعرف وقتئذٍ بـ (قزل دره): أي وادي الذهب.
وفي الحرب العالمية الأولى كان القوزاق الروس يهاجمون ماسوله بين آونة وأخرى فيقتلون وينهبون، فلجأ الناس إلى إخفاء أموالهم في الغرف التحتية التي يطلق عليها اسم (زان) لتكون في مأمن من المعتدين. وذات يوم حاول إثنان من القوزاق الاعتداء على امرأة من «ماسوله»، فانتدب لهما نفر من الأهالي وقتلوهما ووضعوهما على ظهري جواديهما، ودفعوا بهما صوب معسكر الروس خارج المدينة، فثارت ثائرتهم ودخلوا المدينة وعاثوا فيها قتلاً ونهباً.
ومع ثورة رجال الغابات وقف «الماسوليون» مع الثوار يمدونهم بالرجال والسلاح، فقدّموا عدداً من الشهداء، من بينهم إمام جمعتهم وكثيراً ما كانت تقع في أطراف «ماسوله» معارك ضارية بين القوات الحكومية ورجال الغابات الذين كانوا يتمتعون بدعم الأهالي.
ويهتم «الماسوليون» ببعض العادات والتقاليد ويحافظون عليها، وهي كثيرة وأبرزها: مراسم ليلة السبت ومراسم ليلة الأربعاء (جهار شنبه سوري) ومراسم العرس.
مراسم ليلة السبت: يتفاءل بعض الناس ليلة السبت، فيخرجون من بيوتهم ويرددون بعض الأشعار، طالبين من الله أن يريهم من أمرهم خيراً، ثم يفسرون فألهم بأول شخص يلتقونه أو كلام يسمعونه.
مراسم ليلة الأربعاء: (جهار شنبه سوري): يحتفل أهل «ماسوله» في آخر أربعاء من كل عام، فيوقدون ناراً ويقفزون فوقها مرددين الكلمات التالية: صفرتي عليك حمرتك لي ـ ليذهب الشقاء وتأتي السعادة. ومع حلول الليل تخرج النساء ليشترين المرايا والبخور وبعض الحاجيات الأخرى. ولا بد أن يكون طعام ليلة الأربعاء من (الكوكو) و(الكبيس المخلل) لأنه علامة الفأل الحسن.
مراسم الزواج: يسعى الابن الراغب في الزواج للحصول على موافقة والديه على البنت التي يختارها، فإذا تم ذلك، توجهت امرأة صالحة من العائلة أو من الجيران لعائلة الفتاة لطلب يد ابنتهم، فتطلب العائلة أسبوعاً أو عشرة أيام للتشاور، فإذا جاء الرد إيجابياً بدأت مراسم تناول الحلوى، إذ تأتي عائلة الشاب ووجهاء الحي ومعهم أنواع الحلوى وبعض الأقمشة وقطعة من الذهب، ويتناول الكلام قيمة المهر وتحديد وقت العرس، ثم ترسل عائلة الفتاة إلى عائلة صهرها حلوى تصنع من الطحين والعسل والزيت بطريقة خاصة في صينية كبيرة تسمى (مجمع) ومعها الفستق والنقولات.
فإذا حلّ شهر رمضان قبل العرس، بعثت عائلة الفتاة ببعض الحلوى، لعائلة صهرها، وترد هذه بشيء من الذهب والحلوى وهكذا في عيد النوروز، فإذا حل عيد الأضحى بعث الشاب خروفاً وفي رقبته قطعة ذهب، فتذبحه عائلة الفتاة وتبعث ببعضه لصهرها.
وفي مراسم عقد الزواج توزع الحلوى على الحاضرين، ثم يتوجه المدعوون إلى بيت العروس برفقة الشاب والشيخ، وتجري مراسم العقد ثم يتناولون طعام العشاء ويسهرون حتى الصباح، ثم يمر العريس وعروسه تحت القرآن، ويشد أخوه الأكبر أو عمه شالاً حول خصر العروس ويمسك بيدها، ويأخذ بيدها الأخرى أخوها الأكبر، ويتوجهون نحو بيت العريس والناس خلفهم يزغردون. وبعد بضعة أيام يتوجه والدا العروس لتناول الغداء في دار صهرهما، فيرد الصهر وعروسه بزيارتهما بعد أيام، ثم ينقلان جهاز العرس إلى دارهما وتتم مراسم الزواج.
ويتكلم الماسوليون اللغة الطالشية مع تغيير بسيط فيها، وهي تشتمل على بعض الكلمات الروسية والتركية والعربية والفارسية. واللغة الطالشية إحدى فروع اللغة البهلوية القديمة.
ويغلب الظن أن الطالشيين ينحدرون من الأصل الكادوسي، وكانوا يسكنون جنوب غرب بحر قزوين، قبل دخول الآريين إلى إيران.
ويعتنق جميع أهل ماسوله الدين الإسلامي، ويتّبعون المذهب الشيعي الجعفري.
وفي منتصف ليلة الخميس 21/5/1990 اهتزت ماسوله بشدة إثر زلزال شديد أصاب مناطق واسعة من شمال إيران، بلغت درجته حسب مقياس ريختر 7,8 درجات، وهي الهزة الأرضية الأقوى التي تصيب ماسوله منذ 1400 عام.
ورغم فداحة الخسائر التي لحقت بها، فإنها بقيت تتمسك بجمالها وتستقبل بالترحيب الأعداد الكبيرة من السائحين الذي يتوافدون عليها باستمرار.
المؤسسة الدينية الشيعية
انطلق التشيّع رافضاً للمسار الذي اختاره التاريخ لنفسه، فقد بقي متمرداً محتجاً على ذلك التاريخ الذي ركب، باسم القرآن، أمواج جاهلية كسرى وقيصر.
الشيعي لم يركن لحتمية التاريخ، ونهض ثائراً على أولئلك الذي فرضوا هيمنتهم عليه وسلّطوا جام غضبهم على الشعوب رافعين شعار خلافة النبي وإمامة المسلمين. بلى، لقد أعرض الشيعي عن المساجد الفاخرة والقصور العامرة ووجد ضالّـته في بيت فاطمة، المشيّد من الطين!
وفي ذلك البيت المهجور وجد الشيعي، ممثل الطبقة المسحوقة والمنادي بتطبيق العدالة والمساواة، وجد ما يريد ومن يريد معاً!
فاطمة بالنسبة إليه كانت الوارثة للنبي ومظهر (الحق المهتضم) وهي في الوقت ذاته تجسيد حي لأول اعتراض علني وأولى المطالبات الصريحة بتطبيق مبدأ العدل والمساواة، شعار الشعوب المضطهدة والطبقات المسحوقة في ظل أنظمة الحكم الجائرة.
أما عليّ فهو مرآة (العدل المظلوم) والمجسد الواقعي للحقيقة التي تضافرت الحكومات على خنقها وحكم عليها الدين الرسمي للدولة بالطمس والكتمان!
وجاء الحسن ليمثل آخر خطوط المقاومة في جبهة إسلام الإمامة بإزاء الخط الأول في جبهة إسلام الحكومات.
ومن بعده كان الحسين شاهداً وما يزال لكل شهداء الظلم والجور على طول التاريخ ووارثاً لجميع أحرار العالم ومن ينادون بتحقيق العدالة والمساواة من عهد آدم إلى زمانه وإلى الأبد، رسولاً للشهادة ومظهراً لدم الثورة.
وأخيراً، زينب! الشاهدة على كل الأسرى العزّل في ظل سطوة الجلاّدين، رسول ما بعد الشهادة ومظهر نداء الثورة!
وفي خط عليّ يجد الشيعي شعاراته الرئيسية والتي ينطلق فيها في تجسيد آمال وآلام الطبقة المسحوقة، الواعية والمتمردة في نفس الوقت على طغيان الحاكم، فهو يهتدي إلى التخلص من ولاية الجور برفع شعار (ولاية علي)!
وإذا أراد أن يميط اللثام عن الوجه الحقيقي لنظام الخلافة القائم فإنه يعمد إلى رفع شعار (الإمامة)!
ولتفنيد أسس نظام التمييز العنصري والطبقي يرفع شعار (العدل).
وحيث يسعى السلاطين ووعاظهم وحاشيتهم للتمويه على حقيقة ما يدور ويصرفون أنظار الناس عن طريق الفتوحات وكسب الغنائم وبناء المساجد والمدراس وإقامة الفرائض وبذل الهدايا والنذور والأوقاف وتعظيم الشعائر والاهتمام بالمظاهر وكأن الأمور تجري على خير ما يرام وعلى النحو الذي يرضي الله وعباده الكرام، ينبري الشيعي لفضح هذا الزيف من خلال رفع شعار (الانتظار).
وبغية إيجاد تنسيق في العمل ومركزية في النهضة يلوذ الشيعي بشعار (المرجعية)، ويستثمر شعار (التقليد) من أجل تعبئة الطاقات باتجاه واحد وإيجاد منهجية موحدة في التحرك، وبقيادة شخص مسؤول هو (نائب الإمام)!
ولا شك أن كل حركة تحتاج إلى تأمين مصادر دعم مالي ليتاح لها النهوض بواجباتها في ميادين النضال الفكري والاجتماعي وإدارة التشكيلات والمؤسسات العلمية والتربوية، على الخصوص في ظل أنظمة تصادر باسم الدين، كل موارده المالية وتسخّرها لتحقيق مآربها وأهدافها، فكان لا بدّ من مصدر تمويل حر ومستقل فكان (سهم الإمام)!
أما (مجالس العزاء) فكانت هي الوسيلة للتذكير المستمر بكفاح الشيعة على طول التاريخ ضد من يحاولون تحريفه وتشويه مساراته، وبواسطتها كان يشار إلى حوادث الظلم والغضب والخيانة ومكامن الزور والخداع والكذب والانحطاط، مضافاً إلى استثمار تلك المجالس في إحياء ذكرى الشهداء!
ومن أجل فضح النظام الحاكم المتستر تحت عنوان وارث سنة الرسول وخليفته، وتعرية الوجه الحقيقي له وكونه الوارث لقتلة ذرية الرسول وجلاّديهم، وبغية التأشير على المنهج السليم وتقديم إجابات شافية على التساؤل القديم الجديد (ماذا ينبغي أن نفعل؟!) وتحديد أوجه تصعيد العمل المعارض لسلاطين الجور ورفض البيعة لهم والإيمان بترابط حلقات التاريخ وإعلان الحرب المستمرة بين ورثة آدم وورثة إبليس، وتوضيح حقيقة أن الإسلام الحكومي هو إسلام القتلة بينما الإسلام الحقيقي والواقعي ما زال غائباً يرتدي ثوبه المضرّج بالدماء! حقاً هل ثمة شعار يعبر عن كل هذه المفاهيم أفضل من نداء (عاشوراء)؟
بعد ذلك كله ، لا بد من غطاء يجري من خلاله التعتيم على كل هذه الأنشطة الثورية الرافضة والتستّر عليها حرصاً على إدامة المشروع النهضوي وحفظاً لعناصره وخططه من الضياع والاستئصال في ظل أنظمة حكم لا تتورع عن فعل أي شيء ترى فيه ضماناً لمصالحها، يعينها على ذلك ويسهّل لها تلك المهمة وجود (رجال دين) على أهبة الاستعداد دائماً لتنفيذ مطاليب السلطة بفتاوى جاهزه تصاغ على ضوء ما يشتهيه الحكم مع وجود أناس مغفلين بالإمكان تسخيرهم لتحقيق مآرب السلطة بأجر أو بدون أجر، والنتيجة أن تسحق النهضة وينكّل بقادتها المخلصين وتشتت قاعدتها قتلاً وحبساً ونفياً حتى تتلاشى ولا يعود بالإمكان مواصلة النهضة فضلاً عن تصعيدها. كل ذلك نتيجة عدم رعاية الضوابط الأمنية وعدم كتمان أسرار الثورة، الأمر الذي يتكفل بتحقيق معلم آخر من معالم الخط العلوي. وليس إلا (التقية)!
جاء التشيع مذهباً معتدلاً وغنياً بالمعارف ليمثل قمة التوجه الثوري التغييري الرافض للوضع السائد المدعوم من قبل السلطة، وقد ارتكز هذا المذهب في دعوته التربوية إلى ركيزتين، الإمامة والعدل، وكان شعاره الثوري هو عاشوراء حيث استطاع من خلاله تعبئة الجماهير المتذمّرة من الوضع السائد متمِّماً ذلك بالدعوة إلى انتظار الإمام المهدي وطرح قضايا من قبيل علامات الظهور وآخر الزمان، وإحياء الأمل والفرج بعد الشدة، والإيمان بانكسار الباطل والظلم في نهاية المطاف، وانبساط العدل بالسيف وإعداد جميع المظلومين والمنادين بالعدالة إلى لحظة الثورة …
علي شريعتي
امتد وجود المؤسسة الدينية الشيعية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام في عمق التاريخ الإسلامي الطويل، وبدأت الخيوط الأولى لنسيج هذا الكيان تتشكل منذ المقاطع الزمنية الأولى التي انبثق فيها فجر التشريع.
وقد دأبت (المؤسسة الدينية) خلال مسيرتها الطويلة هذه على حفظ الثروة العلمية الإسلامية المتدفقة، وصيانة المنابع الأساسية للتشريع، والاهتمام بالمظاهر والوقائع والمعطيات التي اكتنفت الرسالة الإسلامية في مختلف أدوارها، والاعتزاز بها والمحافظة عليها.
واحتل فكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام الطليعة الأولى في تغذية روافد هذه الثروة الغنية، من خلال السيل الفكري والتراث العلمي المتدفق الذي خلفه أهل البيت عليهم السلام للأمة الإسلامية.
وبهذا تمثل (المؤسسة الدينية) المنبع الحقيقي والمصدر الأساسي الذي تستقي منه حركة الشيعة اتباع أهل البيت عليهم السلام وقودها في الاستمرار ونظرتها إلى مختلف جوانب الحياة، فتقوم كل مجموعة من طلبة العلوم الدينية بتحمل جزء من هذه المسؤولية الجسيمة، إذ أن الإحاطة التفصيلية بكل خصوصيات الواقع وجزئياته لا يمكن تصورها بشأن أي فرد مهما كانت قدراته الذاتية ومؤهلاته العلمية باستثناء مصدر التشريع المتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.
ومن المفترض أن تحصل هذه الإحاطة في خطوطها العامة وبشكل إجمالي لدى (المرجع الديني) الذي يمثل قمة الهرم في هذا الوجود، باعتبار معالجة الفقه الذي هو مجال تخصصه لمختلف شؤون الحياة.
وهذا لا يعني الاستغناء عن المتخصصين في المجالات المتعددة الأخرى، وإلغاء دورهم بشكل كامل، بل يبقى (الفقه) يمثل الخط الخلفي العام الذي تستمد منه كل هذه المجالات شرعية حركتها وتحديد هويتها، فتبقى الطولية محفوظة بين كل هذه التخصصات والعلوم من جهة، وبين علم الفقه من جهة أخرى. و(علم الفقه) باعتبار توفر هذه الخصوصية الشمولية فيه، وكونه يمثل الشريان الأبهر لكيان الشريعة الإسلامية، فإنه أخذ موقعه المتقدم في هذه المؤسسة الدينية طيلة الحقب التاريخية المتطاولة، واقترن التاريخ له بالتأريخ للحالة العلمية المتنامية في هذا الكيان.
فدراسة تاريخ (المؤسسة الدينية) ومحاولة التعرف على بدايات نشوئها، وطبيعة حركتها، ومراحل نموها … يتطلب دراسة التاريخ الفقهي في حركة الإسلام، وملاحظة الفترات التي قطعتها هذه الحركة، والمواقع التي انطلقت منها، والظروف التي هيأت لها.
وسوف نقوم باستعراض عاجل لهذه المراحل منذ بداية نشوء هذه المؤسسة في تاريخ المسلمين الشيعة وحتى وصولها في رحلتها إلى مدينة (النجف الأشرف) حيث استمرت في هذا المركز الديني الكبير لما يناهز الألف عام.
كانت (المدينة المنورة) تمثل المهد الأول لمنطلق الرسالة الإسلامية، والعاصمة العلمية الأولى التي تربى فيها فقهاء المذهب من الرعيل الأول مثل سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن عباس حبر الأمة، وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين. وكانت مهمة هذه النخبة الرائدة تتمثل بحفظ مضامين القرآن الكريم وسنة أهل البيت عليهم السلام وصيانة الشريعة ونقلها إلى الأجيال اللاحقة بأمانة وحرص وإخلاص.
وقد دوّن الفقهاء في هذه المرحلة الأولية عدة مدونات حديثية مهمة([200]).
ولهذا ساهمت هذه الفترة بإرساء قواعد الفقه الإسلامكي الشيعي، وتأسيس دعائمه، وخصوصاً في عهد الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام.
فعلى الرغم من حدة الصراع بين التيارات السياسية المتكالبة على السلطة في عهد الإمام الباقر عليه السلام، وكثرة الفتن والاضطرابات التي مرت بها الأمة الإسلامية آنذاك، إلا أن إطلالة الإمام عليه السلام كانت قد فتحت أمام العلوم الإسلامية آفاقاً جديدة، وأعطت للحركة العلمية الشيعية زخماً فقهياً كبيراً، ومنحت الفكر الإسلامي أصالة وثراء، وأشبعت المطالب الكلامية والاعتقادية بحثاً وتدقيقاً.
فاتخذ الإمام عليه السلام من الجامع النبوي الشريف وبهو بيته مركزاً لنشر هذه الثروة العلمية الغنية، وأخذت الوفود العلمية تترى إليه، لتأخذ العلوم والمعارف منه، يقول الشيخ أبو زهرة: «وما قصد أحد مدينة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرّج عليه، ليأخذ عنه معالم الدين»، وقد أخذ عنه أهل الفقه ظاهر الحلال والحرام، وعموماً فإن الحياة الثقافية في هذه الفترة مدينة لهذا الإمام العظيم، وهو الباعث والقائد لها على امتداد التاريخ([201]).
وعندما جاء دور الإمام الصادق عليه السلام مرت الحركة العلمية بفترة من الازدهار العلمي المتميز، على الرغم من ظروف الإرهاب التي كانت سائدة آنذاك، فقد أحست السلطات العباسية أن الإمام عليه السلام بحركته هذه سوف يسحب البساط من تحت أقدامها، ويكسب رأي الأمة لصالحه، وينفذ في أعماق الجماهير، من خلال مختلف المعارف والآداب والعلوم التي كانت مدرسته تغذي المجتمع بها.
ولأجل هذا سعى أبو جعفر المنصور العباسي عندما تولى الخلافة عام (136هـ) إلى القضاء على هذه الحركة العلمية بمختلف الوسائل والأساليب، لما رأى من إقبال الناس على الإمام الصادق عليه السلام واجتماعهم حوله ولما كان يمتلكه عليه السلام من موقع مرموق في نفوس أبناء الأمة الإسلامية، ونفوذ في أعماق الرأي العام القائم آنذاك، وخصوصاً في أوساط أهل العلم والفضل.
فعمد (المنصور) في البداية إلى استمالة الإمام عليه السلام إليه، ظناً منه أنه عليه السلام سوف يستجيب له، ومن ذلك أنه كتب إليه: «لم لا تغشانا كما يغشانا الناس»، فكتب إليه عليه السلام: «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا تراها نقمة فنعزيك». فكتب إليه المنصور ثانياً: «تصحبنا لتنصحنا» فأجابه الإمام عليه السلام: «من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك»([202]).
لقد أصبح واضحاً لدى المنصور، أن الإمام الصادق عليه السلام ليس من النوع الذي ينجرف مع هذه العروض الدنيوية الزائلة، ويستجيب لهذه الإغراءات الزائفة، فقطع أمله في هذا النوع من المحاولات، وعمد إلى أسلوب آخر يتمثل بالقوة والمواجهة والإكراه.
فبدأ بملاحقة شيعة الإمام عليه السلام ورواد مجلسه، وجعل عليهم العيون، ففرضت عليه العزلة الكاملة، وأخذ الناس يمتنعون عن زيارته وينفضّون عنه.
وعلى الرغم من كل هذا الذي كان يبدو للمنصور من نفوذ لفكر الإمام الصادق عليه السلام واتساع نطاق تأثير مدرسته وكيانه العلمي، إلا أنه لم يجد ما يبرر له أن يفتك به، لأنه يخشى العاقبة من ذلك، لما كان يعلم به من تعلق الناس بشخصية الإمام عليه السلام وحبهم له.
فكان المنصور يرى سلطانه مهدداً، وملكه زائلاً إن طال الوقت واستمر الزمن، وأراد أن يقرب مما يرومه، وذلك في فرض الإقامة على الإمام عليه السلام في الكوفة، ليكون قريباً منه وعسى أن تصدر منه بادرة فينقض عليه([203]).
وبهذا يقع الفكر ضحية الاستبداد، ويلاحق العلم في كل موقع ينطلق منه، ويتعرض رواد مدرسة صادق أهل البيت عليهم السلام إلى شتى أنواع الاضطهاد والبطش والتنكيل في (المدينة المنورة)، فتنتقل الحركة العلمية إلى (الكوفة) وتصبح هذه المدينة المدرسة الدينية الثانية بعد (المدينة المنورة)، وتتأقلم هذه الحركة مع الوضع الجديد، وتبدأ مسيرة جديدة تشق طريقها وسط تيارات الإرهاب، وتتمخض عن عطائها الجم رغم محاولات الكبت والاحتواء.
وعلى الرغم من كل هذه الضغوط التي تعرضت لها مدرسة الإمام الصادق عليه السلام العلمية في (المدينة المنورة)، وفي (الكوفة) في أواخر أيامه عليه السلام، إلا أنها انحسرت عن نتائج ملأت الخافقين، وعن علم جم غفير أتحف التراث الإسلامي بعناصر البقاء، وروافد الاستمرار، ومفاصل التغيير.
وقد استثمر الإمام الصادق عليه السلام الفترة الانتقالية من (الحكم الأموي) إلى (الحكم العباسي) حيث سادت أجواء ملائمة نسبياً لبث الفكر والثقافة والوعي الأصيل، ووضع أصول الفقه وفروعه، فمثلت هذه الحقبة الزمنية بذلك فترة الازدهار العلمي من بين مراحل انتشار الشريعة على يد أهل البيت عليهم السلام.
فمن المصاديق البارزة لهذا الازدهار أن (أبان بن تغلب) قد روى عن الإمام الصادق عليه السلام 30,000 حديث وعد له ابن النديم في الفهرست ثلاثة كتب: كتاب في القراءات، وكتاب في معاني القرآن، وكتاب في أصول الحديث على مذهب الشيعة([204]).
وروى (محمد بن مسلم) 40,000 حديث، وقال الحسن الوشاء: «إني أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد»([205]).
وأملى الإمام عليه السلام كتاب توحيد المفضل، وكات الإهليلجة، ومجموعة الرسائل التي رواها عنه جابر بن حيان([206]).
وفي هذا الفترة صنف علماء الشيعة المعاصرون للأئمة عليهم السلام ما يزيد على (6,600) كتاب في الحديث، ومن بين هذا العدد تميز (400) كتاب اشتهر باسم «الأصول الأربعمائة»([207]).
والخلاصة أنه لم تزدهر المدرسة الحديثية في مذهب من المذاهب الإسلامية كما ازدهرت عند الشيعة في ذلك الوقت، وكانت لهذه المرحلة أهمية خاصة في حفظ التراث الإسلامي والأحاديث النبوية، فلهشام الكلبي أكثر من (300) كتاب، ولابن شاذان (280) كتاباً، ولابن دؤل (100) كتاب، ولابن أبي عمير (94) كتاباً، ولهذا قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «لو رُدّ حديث هؤلاء ـ أي الشيعة ـ لذهبت جملة الآثار النبوية»([208]).
ومما عزز هذا الموقع الهام الذي احتلته مدرسة (الكوفة) بالنسبة إلى الانطلاقة الفكرية الشيعية، أنها كانت عاصمة الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فمثلت الكوفة بذلك «أول مركز للتشيع طوال عهد الدولة الأموية»([209]).
وفي بداية عصر الغيبة الكبرى بدأت خصوصيات هذا الكيان العلمي ومعالم المدرسة الفقهية تتبلور بشكل أكثر وضوحاً من السابق، وأصبحت مدينتا (قم والري) في (إيران) المعهد الديني الذي ترعرعت فيه الحركة العلمية الجديدة التي اتّسمت بطابع الرشد والتطور عن المرحلة السابقة.
فقد كانت بلدة (الري) في هذا التاريخ عامرة بالمدراس والمكاتب، وحافلة بالعلماء والفقهاء والمحدثين، وكان في بلدة (قم) من المحدثين (200,000) رجل([210]). ولعل السبب في هذا الازدهار يعود ألى أن (قم والري) كانت خاضعتين لسلطان حكومة (آل بويه) المعروفين بولائهم وتشيعهم، مما أدى إلى أن يجد علماء الشيعة الأرضية الصالحة لنشر الفقه الإسلامي، وترويج دعائم الفكر الشيعي تحت ظل هذه الدولة الموالية.
فبرز في هذه الفترة علماء كبار أتحفوا العلم والفكر بآثارهم الفذّة من أمثال محمد بن يعقوب الكليني (329هـ) وأبو جعفر محمد بن علي القمي المعروف بالصدوق (381هـ)، فقد دوّن هذان العلمان موسوعتين حديثتين كبيرتين هما: الكافي في الأصول والفروع للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، إذ احتوت هاتان الموسوعتان بين دفتيهما على جملة الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، وبوبتها بشكل منهجي متناسق، وقد انتظم هذان الكتابان في جملة (الكتب الأربعة) ([211]) التي تمثل المنابع الأساسية لحديث أهل البيت عليهم السلام عند الشيعة.
ودوّنت كذلك كتب حديثية أخرى، فقد ذكر ابن النديم في الفهرست أن الشيخ الصدوق ذكر (200) كتاب لوالده (علي بن الحسين) وكان للصدوق نحو من (300) مؤلفاً، من جملتها موسوعته الحديثية الكبرى «عيون أخبار الرضا عليه السلام»([212]).
انتقلت (المؤسسة الدينية الشيعية) بعد هذه المرحلة إلى (بغداد) في القرن الخامس الهجري، وأخذت ملامح هذه الكيان تحمل طابع الاستقلالية والنضوج والكمال، لما تهيأت لها من أجواء فكرية وسياسية ملائمة، فأنجبت هذه المدرسة كتلة من النبوغ البشري، ومجموعة شامخة من العقول الشيعية الجبّارة، يقف في طليعتها الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد (413هـ)، والسيد المرتضى (436هـ)، وشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (460هـ)، (الذي كان يحضر درسه حوالي 300 مجتهد من الشيعة، ومن غير الشيعة ما لا يحصى) ([213]).
بدأ في هذه المرحلة (علم أصول الفقه) يضرب جذوره تدريجياً من خلال تنقيح المسائل الأصولية بصورة مستقلة عن الحديث، وإدخال فن الصناعة إلى (علم الفقه)، واستنتاج أحكام شرعية خارج نطاق ألفاظ الحديث، وعدم الجمود على ظاهر نصه والاكتفاء به.
وطفقت (المؤسسة الدينية الشيعية) في هذه المرحلة تمارس دوراً اجتماعياً وفكرياً متميزاً إلى جانب اهتماماتها الفقهية والعلمية التخصصية، ونشطت الحركة الثقافية بشكل ملحوظ، فدخل علماء الشيعة في غمار المباراة العلمية الصعبة التي كانت قائمة آنذاك، وخاضوا لججها الغامرة، فخرجوا منها بنظريات فكرية وإبداعات فقهية، وتصورات مفاهيمية في منتهى العمق والثراء والأصالة.
فإن من استعرض حياة الشيخ (المفيد) يستظهر أنه استطاع أن يغير الجو الفكري في (بغداد) حاضرة العالم الإسلامي يومذاك، وأن يكهرب ندوات الفقه والكلام، ويجذب إلى نفسه طلاّب العلم، حتى كاد أن يغطي المدارس الفقهية والكلامية الأخرى، والفقهاء والمتكلمين من أتباع سائر المذاهب، وقد كان الفقهاء والمتكلمون يقصدونه من أقطار بعيدة، وكان بيته ندوة عامرة بحديث الفقه والكلام والنقاش والأخذ والرد([214]).
وأما حركة التأليف والكتابة، فقد أخذت طابع الشمولية والمنهجية أكثر من المراحل السابقة، وامتلأت (المؤسسة الدينية الشيعية) بنفائس الكتب العلمية القيمة في مختلف المعارف والفنون الإسلامية والإنسانية.
فقد أحصى (السيد الأمين) في (أعيان الشيعة) للشيخ (المفيد) قريباً من (200) كتاب ورسالة في الفقه والكلام والحديث، وعدّ للسيد المرتضى ما يقرب من (90) مجلداً من مقروءاته ومصنفاته ومخطوطاته، وذكر (آقا بزرك الطهراني) اسم (47) مؤلفاً للشيخ الطوسي مما وصل إليه من أسماء مصنفاته([215]).
سياسياً أيضاً مارست (المؤسسة الدينية الشيعية) في ذلك الوقت دورها بكل جدارة، وكان لعلماء هذه الفترة مكانة اجتماعية وسياسية مرموقة، وامتد نفوذهم بشكل فاعل وقوي في الدولة وأجهزتها.
فقد اتصل الشيخ (المفيد) بالدولة فقدرت مكانته حق تقديرها، وأجروا الرواتب له ولتلاميذه، وخصصوا له جامع (براثا) في منطقة (الكرخ) لوعظه، وإقامة الصلاة جمعة وجماعة، وله معهم نوادر وقضايا منشورة ومشهورة([216]).
وبلغ الأمر بشيخ الطائفة (الطوسي) أن كان له كرسي الكلام والإفادة، وكان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يعط إلا لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه([217]).
أفلت الحركة العلمية في (بغداد) عند دخول (طغرل بيك) إليها بالجيوش السلجوقية وأحرقت حينها مكتبة الشيعة الضخمة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي، والتي كانت تضم أكثر من (10,000) كتاب من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وتوسعت الفتنة حتى اتّجهت إلى شيخ الطائفة (الطوسي) وأصحابه فنهبوا داره، وأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه([218]).
فبزعت مدرسة (الحلة) ومدرسة (النجف) خلفاً لمدرسة (بغداد).
وأخذت هذه الحركة طابعاً أعمق من السابق، وأكثر رشداً ونضوجاً، فقد نظمت أبواب الفقه، وعرضت بأسلوب منهجي وموضوعي، وتم تدوين (الفقه المقارن) وإبرازه في موضوعات ضخمة وشاملة، وتميز عرض الفقه الشيعي في هذه المرحلة بمزيد من التطور، وقد تمثل هذا العرض رائعاً في كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي (676هـ)، حيث بقي هذا الكتاب منهجاً ناضجاً وحيوياً يتعاطاه طلبة العلوم الدينية في (المؤسسة الدينية الشيعية) منذ زمن تأليفه في القرن السادس الهجري حتى الوقت الحاضر.
وبعد هذه الرحلة الطويلة رست حركة العلم في مدينة (النجف الأشرف) حيث مرقد باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، بعد أن انتقل إليها شيخ الطائفة (الطوسي)، واتّخذ منها منطلقاً لنشر الفكر الإسلامي وقاعدة للتحرك والتغيير، ومناراً لطلب العلم من جديد، وأخذ يستقطب طلبة العلوم الدينية من كل مكان، ويودعهم من أسرار علمه، وكنوز معارفه (فصيَّر مدينة النجف الأشرف مركزاً للعلم، وجامعة كبرى للإسلام، فشدّت إليها الرحال وتعلقت بها الآمال، وبان فضلها على ما سواها من البلدان، وتخرج من هذه الجامعة خلال هذه القرون المتطاولة ما يعدّون بالآلاف المؤلفة من أساطين الدين، وأعاظم الفقهاء، وكبار الفلاسفة، ونوابغ المتكلمين، وأفاضل المفسّرين، وأجلاّء اللغويين، وغيرهم ممن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها، وبرعوا فيها أيما براعة([219]).
واستمرت هذه الجامعة الدينية الكبرى تغذي الإسلام في مختلف أدوارها بالفكر والثقافة والأدب، ومختلف المعارف الإسلامية المتنوعة الأخرى طيلة ألف عام، وكانت تتحول عن هذا الموقع، وتنتقل عنه في بعض الأزمنة لفترات وجيزة مؤقتة، إلا أنها ما تلبث أن تعود إلى مهدها الأول ومقرها الأصيل، فبقيت محوراً لكل هذه المعاهد المنتشرة، وأساساً لكل انطلاقة إسلامية أخرى إلى هذا اليوم.
المؤسسة الدينية ـ المهام والغايات
حظيت (المؤسسة الدينية) في مختلف مراحلها بالدور التوجيهي المتميز الذي هيمن روحياً وفكرياً وسياسياً على كل حيثيات الوجود الإسلامي الشيعي، وكانت صاحبة القرار الفاصل في مختلف القضايا المصيرية الكبرى، التي تتعرض لها الأمة الإسلامية بشكل عام.
وليس غريباً أن تحتل (المؤسسة الدينية) مثل هذا الدور الخطير على مرّ القرون الطويلة، إذ كانت تضم النخبة الصالحة والطليعة الرائدة دائماً وأبداً.
إن من الأغراض البارزة التي تتصدر قائمة الأوليات في المنهج الحوزوي هو الاهتمام بالمنابع الأساسية للتشريع (الكتاب الكريم والسنة الشريفة)، وحفظها وصيانتها من عمليات المحو والتحريف والاحتواء، ونقل محتوى هذه المنابع بأمانة وتثبت إلى الناس لربطهم بالشريعة الإسلامية، وشدهم إلى قيم السماء.
وهذه الأهداف تتطلب مستوًى عالياً من تزكية النفس وتهذيبها، إذ أن مضامين الشريعة تركز على الجوانب المشرقة في الحياة الإنسانية، والتي تتمثل بالهدي المتّزن البعيد عن الأهواء والشهوات، وتلزم الإنسان المنتسب إليها بنمط من السير التكاملي والسلوك التربوي الناهض بروح الإنسان نحو المثل السامية والأخلاق الرفيعة.
فإذا ما انعكس هذا السيل من المفاهيم التربوية إلى سلوك عملي يتحرك في الواقع بصدق، ويضغط للتأثير فيه، من خلال الموعظة الحسنة والكلمة الهادفة والسلوك الملتزم، فلا شك في أن هذا الكيان سوف يكون القدوة الصالحة والأسوة الأمثل التي ينحدر عنها سيل الهداية لكافة أبناء المجتمع، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الإصرار العميق من قبل (المؤسسة الدينية) على ضرورة ممارسة الدارسين لدورهم الرسالي ومسؤوليتهم التعليمية في المجتمع في المواسم المختلفة، خلال ما يعادل أيام الدراسة والتحصيل، أو ينقص بقليل، وقد يتفرغ بعض الدارسين لأداء هذا الدور بعد أن ينال شطراً معتدًّا به من العلم، بحيث أصبح التبليغ والوعظ والإرشاد ضرورة يمارسها أغلب الدارسين كل على شاكلته.
وكان بسبب ذلك أن حققت (المؤسسة الدينية) إنجازات كبيرة وجبارة في مجال نشر وترويج الفكر الإسلامي، وتقوية دعائم الدين، لا على المستوى الفردي المحدود فحسب، بل على مستوى تغيير أو تصحيح معتقدات راسخة آمن بها قطاع كبير من الناس، ولعصور مختلفة.
فمن تلك المواقف مثلاً العلاقة الاجتماعية الهادفة التي أنشأها نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (673هـ)، مع (هولاكو) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الإسلامي المهدَّد بالزوال، وأن يحول دون اكتمال الكارثة النازلة بالمسلمين من وحشية وهمجية المغول، والحدّ من انتهاكاتهم، وقد نجح نصير الدين إلى حد كبير في بناء هذه العلاقة وتحصيل طاعة (هولاكو) لآرائه في كثير من الأمور، حتى فوّض إليه (هولاكو) أمر أوقاف البلاد، وقد بلغ من إحكام أمره وترسيخ منهجه، أن الدولة التي أقبلت بجيوشها الجرّارة لتهدم الإسلام، وتقضي على حضارته، انتهى أمرها بعد حين إلى أن تعتنق بنفسها الإسلام، ويصبح خلفاء (جنكيز) و(هولاكو) الملوك المسلمين([220]).
كما نجد أن هذا الدور يتجلّى في مناظرة الحسن بن يوسف المعروف بالعلامة الحلي (736هـ) في مجلس السلطان الجايتو محمد المغولي الملقَّب بـ (خدابنده) في (إيران) لأهل المذاهب الأخرى، حيث كان من بينهم الخواجة نظام الدين المراغي أفضل علماء الشافعية، وكان من جراء إحدى هذه المناظرات أن التحق السلطان مع أتباعه بمذهب أهل البيت عليهم السلام، وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده، وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد([221]).
ولا يخفى حجم الخدمات الدينية التي أسداها الشيخ علي الكركي العاملي الملقب بالمحقق الثاني (940هـ). في عهد الشاه (طهماسب) الصفوي، عندما استدعاه إلى (إيران)، وجعل أمور مملكته بيده، فقد أصبح المحقق الكركي الحاكم الفعلي للبلاد فيما يخص الشؤون الدينية، وسعى إلى إعلاء كلمة الإسلام. وأزال الفجور والمنكرات، وأجرى الحدود والتعزيزات، وأمر أن يقرر في كل بلد وقرية إمام يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين([222]).
وإذا ما تخطينا الأدوار الأولى للمؤسسة الدينية الشيعية في مواجهتها للتيارات الفكرية المنحرفة، وتصميمها على تقوية دعائم الدين، وإرساء قواعده في العصور السابقة، وانتهينا إلى القرن الأخير، لأدركنا مقدار المسؤولية التي تحمل أعباءها علماء الإسلام ومفكروه، وحجم الخدمة التي قدّمتها (المؤسسة الدينية) للمحافظة على بقاء الشريعة، واستمرار حركتها خلال المنازلة التي اتّسمت بسعة ساحة الصراع وشموليتها، وجدّية التحدي، ووفرة إمكانات الخصم، وتعدد وسائل التضليل والتمويه والانحراف، ولاحظنا مقدار النضوج الحاصل في عمق هذه المواجهة، وقوة الإرادات المبارزة لهذه الانحرافات، وخصوصاً عند انتشار الحملات التبشيرية المرافقة لاستعمار البلدان الإسلامية، والأفكار الاعتقادية المنحرفة كالوهابية والبهائية والبابية، وهجمة التيارات الغربية المظللة.
وكان في طليعة المواجهين لهذه التيارات السيد محسن الأمين (1371) والشيخ محمد جواد البلاغي (1378هـ)، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ) والشيخ الشهيد مرتضى المطهري (1399هـ)، وغيرهم كثيرون.
ولم يقتصر دور (المؤسسة الدينية) على هذا الأمر الحيوي الهام، بل مارست الحضور الدائم والفاعل في الفترات الحساسة التي مرّت بها الأمة الإسلامية بمنعطفات مصيرية فاصلة، انطلاقاً من موقعها الذي تأخذه في ساحة المواجهة، ومناهجها التي تستوعب كل خصوصيات الحياة، فإن (علم الفقه) الذي يمثل المحور الأساسي للمناهج الدراسية والعمود الفقري لكيان (المؤسسة الدينية) يتكفل بتلبية جميع مطاليب المجتمع، ويدخل في جميع شؤونه، ويعين التكاليف الإلهية، والمواقف العملية التي يحتاجها الفرد والمجتمع إزاء الوقائع والأحداث في مختلف الميادين.
والفقيه بحكم اطلاعه على الأدلة التفصيلية للأحكام الشرعية، وإحاطته بها، وقدرته على تطبيق تلك الأدلة على مفردات الواقع، وبالتالي استنباط الوظيفة الشرعية للمكلف، وهكذا المقومات الأساسية التي اشترطت الشريعة الإسلامية توفرها فيه، بأن يكون صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه([223]) … كل ذلك يؤهل الفقيه لأداء الدور القيادي ويمنحه شرعية البت والفصل في قضايا الأمة المصيرية، وتعيين الرؤية وصنع القرار.
وقد كانت (المؤسسة الدينية) وما زالت تشارك الأمة همومها وآلامها، وتسجل الحضور الدائم والقوي في ساحة المواجهة مع التحديات السياسية في نقاط مضيئة من تاريخها الحافل بالعطاء.
ومن تلك الشواهد المتميزة التي أدت فيها (المؤسسة الدينية) رسالتها بوعي وفاعلية في مقاطع هامة وحساسة من التاريخ الإسلامي، التقديرات المتزنة للأحداث السياسية من قبل المرجعية الدينية التي تمثل قمة الهرم في سلسلة المراتب العلمية في هذا الكيان، وتعيين الموقف تجاهها، وتشخيص الرؤية لمعالجة التعقيدات المرافقة لتلك التحديات، وخصوصاً في أواخر القرن السابق، وأثناء القرن الأخير.
فلا يمكن الإغضاء عن النشاط السياسي للميرزا محمد حسن الشيرازي المعروف بالميرزا الشيرازي الكبير (1312هـ)، الذي امتدت مرجعيته للشيعة لمدة (23) عاماً.
فمن ذلك رفضه لاستقبال ملك إيران ناصر الدين شاه عند مدخل مدينة (النجف)، ورفضه كذلك لزيارته وقبول هديته المالية، عندما وفد الأخير إلى (العراق) مقر المرجعية الدينية لزيارة العتبات المقدسة عام (1870م) ([224]). الأمر الذي حفظ للمؤسسة الدينية الشيعية استقلاليتها وتعففها عن مداهمة الملوك والسلاطين، وكان من أثر ذلك أن توطدت مكانة الميرزا في نفوس الناس، وازداد عدد مقلديه.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى (ثورة التنباك) المعروفة، حيث واجه الميرزا الشيرازي بشدة وعنف ناصر الدين شاه الذي أراد أن يربط اقتصاد (إيران) بعجلة الإنجليز، من خلال منحه الامتياز لشركة التنباك الإنجليزية، يسمح لها فيه باحتكار التنباك وبيعه في كافة أنحاء (إيران) لمدة (50) عاماً مما يؤدي إلى إحداث أضرار فادحة بالمزارعين والتجار وعامة الناس.
وقد تجسدت هذه المواجهة بفتوى الميرزا المشهورة سنة (1891م)، التي حرَّم فيها استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان، حيث أدت هذه الفتوى إلى مقاطعة شاملة من قبل الإيرانيين للتدخين، وأغلقت جميع محلات بيع التبغ، الأمر الذي اضطر إلى استرداد حق الامتياز([225]).
وقد كان لفتوى الشيخ الآخوند الخراساني (1329هـ) الأثر الكبير في إلزام السلطة في (إيران) بالنظام الدستوري، وتشكيل القانون الأساسي (المشروطة) ([226]). في بداية المطالبة السليمة وفي خطوطها العامة.
وفتواه أيضاً لمحاربة (الروس) في إيران التي استجابت لها العشائر العراقية ومدن النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وغيرها من مدن العراق الأخرى، وسارت مع الآخوند كتائب المجاهدين بالآلاف، في طريقهم إلى (إيران)، وخرج معه علماء الدين والمجتهدون، وكان من بينهم السيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ)، إلا أن الآخوند تلقى خبراً من (إيران) بسقوط محمد علي شاه، وانسحاب القوات الروسية من (إيران).
وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام (1914م)، وهجوم القوات البريطانية على مدينة (البصرة) في جنوب العراق أفتى السيد كاظم اليزدي بالجهاد، وأرسل ابنه (محمد) لينوب عنه في استنهاض العشائر.
وفي سامراء أفتى الميرزا محمد تقي الشيرازي (1338هـ) بوجوب محاربة الإنجليز، وأرسل ابنه الشيخ (محمد رضا) للالتحاق بالسيد مهدي الحيدري الذي خرج على رأس كتائب المجاهدين، وكان له من العمر ثمانين عاماً.
وتصدى لحركة الجهاد أيضاً الشيخ مهدي الخالصي (1343هـ) ومجموعة أخرى من علماء (المؤسسة الدينية الشيعية) ومجتهديها.
كما أفتى السيد محمد سعيد الحبوبي (1333هـ) بالجهاد، وكان له دور طليعي وبارز في هذا الخصوص، فقد تحرك إلى جنوب العراق لأداء فريضة الجهاد، وتحرك بعده شيخ الشريعة الأصفهاني (1373هـ)، ومجموعة أخرى من كبار العلماء([227]).
وبهذا سجلت (المؤسسة الدينية الشيعية) في هذا المقطع الحساس أروع صور الوعي واليقظة والمقاومة والاستعداد، مما ضم مواقف تاريخية خالدة يرددها تاريخ البطولات بفخر واعتزاز.
وفي ثورة العشرين على الإنكليز في العراق كانت القيادة الدينية والمؤسسة الشيعية تمثل العنصر الهام في إشعال وقود الثورة، وتعبئة الجماهير لها، وخصوصاً من خلال فتاوى ومواقف الميرزا الشيرازي الشجاعة، فقد كان يمثل القطب الذي حوله تدور جميع رجالات الثورة، وإليه تفزع عند الملمات([228]).
وقد نقل الثورة من مرحلة (العمل السياسي) البطيء والمتعرج والمحفوف بألف مؤامرة وخطر إلى مرحلة (العمل العسكري) الذي لا يقبل التزوير والخداع والتردد، وذلك أخطر قرار يمكن أن يتخذه قائد حكيم في الثمانين من عمره، فالاحتكام إلى السلاح هو آخر ما تفكر فيه القيادات الحكيمة والمسؤولة، وأشجع قرار يمكن أن يتخذه زعيم في حياته([229]).
وكان الشيخ فتح الله الأصفهاني (1339هـ) يمثل الركن الثاني للزعامة الدينية إبان الثورة العراقية الكبرى([230]).
وفي عام (1923م) دعا الحكم في (العراق) إلى انتخاب المجلس التأسيسي، ووضع القانون الأساسي، كخطوة أولى للانتداب، فأدركت (المؤسسة الدينية الشيعية) خطورة هذه الخطوة، وتصدرت من خلال ثلاثة من مجتهديها الكبار وهم السيد أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ) والميرزا حسن النائيني (1355هـ)، والشيخ مهدي الخالصي لمقاطعة الانتخابات وكان من جراء هذا الموقف أن نفي الشيخ الخالصي، والسيد أبو الحسن والميرزا النائيني إلى (إيران).
ولم يقف دور (المؤسسة الدينية الشيعية) عند الطابع المنحصر في اتباع أهل البيت عليهم السلام وحسب، وإنما وقفت تجسد الاهتمامات الكبرى ذات الطابع الإسلامي العام، فعندما تعرضت (طرابلس الغرب) إلى الغزو من قبل (إيطاليا)، أصدر علماء الشيعة وفي طليعتهم الآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي فتاوى الجهاد في الدفاع عن بلاد المسلمين، ضد هذا الغزو([231]).
ومن المصاديق البارزة التي وقفت فيها (المؤسسة الدينية الشيعية) في وجه التمددات القومية والإلحادية على حساب القيم والمبادئ الإسلامية صرخة السيد الشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ) في وجه حكومة البعث المستبدة في (العراق) وإعلانه عن مواجهتها على كافة الأصعدة وبمختلف الوسائل والأساليب، مما أدى إلى استشهاده محتسباً مع أخته المظلومة بنت الهدى.
ومن المواقف الحية التي ما زالت نابضة في ضمير الواقع وساخنة في سجلاته الشهقة البطولية الأخيرة التي أطلقها السيد أبو القاسم الخوئي (1413هـ) في انتفاضة الخامس عشر من شعبان عام 1411هـ.
ولعل أبرز هذه المواقف هو الانطلاقة الإسلامية العارمة في (إيران) على يد الإمام السيد روح الله الخميني (1410هـ)، حيث فجر ثورة إسلامية وأسس دولة تقوم على أساس الإسلام.
أسامة البصري
اقتصر الكاتب على دور المؤسسة الدينية في العراق وإيران، ولا يمكن إغفال دور السيد محسن الأمين في قيادة الحركة النضالية في مقاومة الفرنسيين في بلاد الشام، ففي بيته وباقتراح منه أعلن العصيان المدني الذي عرف في تاريخ سوريا باسم (الإضطراب الخمسيني) الذي انتصر فيه السوريون على طغيان الاستعمار الفرنسي بقيادة السيد محسن الأمين وتوجيهه([232]).
المال
عُرّف المال، لغوياً، وعُرّف علميًّا في الفقه والقانون والاقتصاد. ولأن تعريفه العلمي ينبثق من تعريف مقوِّمات المالية، نستعرض، أولاً التعريف اللغوي، ثم ننطلق إلى التعريف العلمي بعد تعريفنا لمقومات المالية.
قال ابن منظور في «لسان العرب»: «المال معروف، ما ملكته من جميع الأشياء، والجمع أموال».
قال ابن الأثير: «المال، في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال، عند العرب، على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم».
وفي «معجم ألفاظ القرآن الكريم»: «المال: ما يملك من الأعيان كالذهب والفضة والحيوان والدار والشجر. وأكثر ما كان يراد بالمال عند أهل البادية الإبل، يقول القائل منهم: خرجت إلى مالي، يريد إبله، وكان الحضري يقول: خرجت إلى مالٍ لي بالطائف، يريد ضيعته، وجمع المال أموال».
وفي «المغرّب»: «وعن محمد (ره): المال: كل ما يمتلكه الناس من دراهم أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك».
نستفيد من هذه التعريفات اللغوية ما يلي:
أ ـ إن كلمة المال ـ في البدء ـ كانت اسماً للنقد (الذهب والفضة) ثم صارت تطلق على النقد والعين.
ب ـ يغلب استعمال كلمة المال في الأعيان التي تعد ثروة ومورداً لتنمية المال، كالإبل عند أهل البوادي والضياع عند أهل الحواضر.
ج ـ اعتبار التملك أو قابلية أن يُملك عنصراً مقوماً لحقيقة المال.
ونخلص منه إلى أن المال ـ لغةً ـ هو ما يملك من النقود والأعيان.
أو قل: المال: «هو ما يملك من الأعيان»، على اعتبار أن مفهوم العين يشمل النقود أيضاً لأنها مادة ذات وجود خارجي، أو لأن من معاني كلمة «عين»: النقد ففي «مجمع البحرين»: «العين: ما ضرب من الدنانير، ويجمع على أعيان».
مقومات المالية
يراد بمقوِّمات المالية: العناصر الأساسية التي تعطي الشيء صفة المالية، أو قل: قيمة المالية، بحيث لا يكون مالاً إلا عند توافرها فيه وتوافره عليها.
والذي اطلعت عليه مما ذكر من مقومات مالية الشيء، هو:
ـ ما جاء في «مجلة الأحكام العدلية» من أن «المال: ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادّخاره إلى وقت الحاجة».
وهذا يعني أن مقومات المالية في رأي المجلة تقتصر على أمرين هما:
1 ـ ميل الطبع إلى الشيء.
2 ـ إمكانية ادخاره.
ـ وفي كتاب «الدر المختار» عرّف المال بـ «ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل والمنع».
فمقومات المالية في «الدر» هي:
1 ـ ميل الطبع إلى الشيء.
2 ـ جريان البذل فيه والمنع.
ويريد بالبذل ـ هنا ـ : البذل لصيانة الشيء المتمول وإصلاحه، وبالمنع: الحماية له والمحافظة عليه.
ـ وفي كتاب (المدخل الفقهي العام) يذهب مؤلفه الأستاذ الزرقاء إلى أن مالية الشيء تتقوم بعنصرين، هما:
1 ـ العيينية.
2 ـ العرف.
يقول: «إن المالية في نظر الفقهاء ترتكز على أساسين، وتقوم بعنصرين هامين، هما: العينية والعرف.
ـ والعينية يراد بها أن يكون المال شيئاً مادياً ذا وجود خارجي.
ـ والعرف أن يعتاد الناس كلهم، أو بعضهم، تموله وصيانته بحيث يجري فيه بذل ومنع.
فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالاً، ولو كان عيناً مادية كالإنسان الحر، وحبة القمح، وكسرة الخبز وحفنة التراب، والجيفة.
وكذلك ما يعتاد الناس تموله وصيانته، ويجري فيه البذل والمنع، لكنه ليس عيناً مادية، فإنه لا يعتبر في نظرهم مالاً، بل قد يكون ملكاً أو حقاً كالمنافع والحقوق المحضة والديون.
وغني عن البيان أن عنصر العرف يستلزم القيمة، إذ لا يعتاد الناس هذا الاعتبار والصيانة في شيء بحيث يحمى تارة، ويبذل أخرى، إلاّ لمنفعة مادية أو معنوية يقدرونها فيه، فتتوجه إليه الرغبات، وإنّ الرغبات يبذل في سبيل تحقيقها وتحصيلها أعراض مادية، وهذه هي القيمة المادية بالمعنى الاقتصادي العام».
ثم يستخلص تعريف المال في نظر الفقه الحنفي فيقول: «فمما تقدم نستطيع أن نعرّف المال في نظر فقهاء المذهب الحنفي بالتعريف التالي: المال: هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس».
ـ وبـ «العين» خرجت المنافع والحقوق المحضة مما عدّوه ملكاً لا مالاً.
ـ وبـ «القيمة المادية» خرجت الأعيان التي لا قيمة بها بين الناس ـ مما تقدم بيانه ـ كحبة القمح والجيفة والخ. على أن حبة القمح أو الأرزّ وأمثالها إنما لا تعتبر مالاً في حالتها الطبيعية.
أما إذا دخلتها صنعة ـ مثلاً ـ كما يكتبه مهرة الخطاطين على حبة قمح أو أرز من أبيات شعر أو حكم قرآنية تجعل لها قيمة فنية أو دينية، فإنها عندئذٍ قد تصبح من أنفس الأموال، وكمثل بعض الآثار التي قد يحرص الناس على اقتنائها للذكرى مما ليس له قيمة في ذاته، ولكنه أصبح ذا قيمة بنسبته، كفضلة قلم أحد العلماء المشاهير، أو توقيعه، أو مسودة بخط أحد العظماء، ونحو ذلك مما يدخل في زمرة الآثار.
وقد أطلنا بعض الشيء في تحقيق هذا الموضوع لأنه يكاد يكون مهملاً في كتب الفقه، والمذكور فيها وفي (المجلة) عن مفهوم المال مقتضب مشتت وغير محكم.
ـ وفي كتاب «المكاسب» للشيخ الأنصاري تتقوم مالية الشيء بعنصرين، هما:
1- أن يكون للشيء منفعة متوفرة على وصفين، هما:
أ ـ أن تكون مقصودة عند أبناء العرف، أي معتبرة عندهم، ومطلوبة من قبلهم.
ب ـ أن تكون محللة شرعاً، أي غير ملغى اعتبار ماليتها من قبل المشرّع الإسلامي.
قال: «إن مالية الشيء إنما هي باعتبار منافعه المحللة، المقصودة منه، لا باعتبار مطلق الفوائد غير الملحوظة في ماليته، ولا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرمة».
ـ وفي كتب «تحرير المجلة» للشيخ آل كاشف الغطاء: «إن مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً: الحبوب والأطعمة مال لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها، قد انتزع العقلاء منها معنى وصفياً عرضياً يعبر عنه بالمال».
ـ وفي كتاب «بحوث فقهية» للشيخ حسين الحلي بقلم تلميذه السيد عز الدين بحر العلوم: «مالية المال إنما تتقوم بتوفر جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه».
ثم ينوع المالية الاعتبارية على أساس من مصدر الاعتبار إلى: مالية متقومة باعتبار عام، وأخرى متقومة باعتبار خاص.
قال: واستناداً إلى هذا (أي تقويم المالية المذكور) فإنّا نتمكن من أن نتصور المال على نحوين:
النحو الأول: ما كانت ماليته ذاتية، وهو كل ما يحتاجه الإنسان بحسب فطرته الأولية من المأكول والمشروب والملبوس، وما شاكل هذا.
وهذا النوع من المال لا تتوقف ماليته على جعل جاعل لتنافس العقلاء عليه، وإن لم يكن في البين جعل (أي اعتبار) من أحد أو جهة.
ويلحق بما ذكرناه من المأكول والملبوس ما كان كالحديد والخشب، وما شابه.
النحو الثاني: ما كانت ماليته بالجعل (أي بالاعتبار).
وهذا لو لاحظناه لرأيناه على قسمين:
القسم الأول: ما كان فيه الجعل (الاعتبار) عاماً يشترك فيه جميع البشر باختلاف عصورهم وبيئاتهم بدافع من الشعور بالحاجة الجماعية (أي الاجتماعية) لمثله.
وهذا يتصور في الأحجار الكريمة النادرة كالذهب والفضة والماس، وغيرها.
القسم الثاني: ما كان اعتباره خاصاً.
وهذا تارة يكون اعتباره من قبل دولة أو بنك ليقوم مقام القسم الأول كالأوراق النقدية ـ مثلاً ـ ، وكثيراً ما حصلت لها تغطية مما له قيمة ذاتية أو مجعولة بالجعل العام ليعم اعتبارها، كما هو الشأن في الدينار العراقي.
وأخرى ما يكون اعتباره بالنظر لما يترتب عليه من الآثار الخاصة كطوابع البريد وتذاكر القطار، وبطاقات اليانصيب، وتذاكر مصالح نقل الركاب (أوتوبيسات النقل الجماعي)، وغير هذه مما كانت الورقة فيه فاقدة للاعتبار المالي لو تجردت عن الآثار الخاصة المترتبة عليها من قبل الدولة أو البنك.
فمثلاً ورقة الطابع لا قيمة لها لو لم تتعهد الحكومة، في قبالها، بأن توصل الرسالة أو الرزمة إلى أي محل شاء المرسل مقابل هذا الطابع.
وكذا الطوابع المالية فإن السند الذي يحمل هذه الورقة يعتبر ذا أهمية في نظر الدولة والعرف.
وهكذا الحال في بقية ما كان من هذا القبيل.
وهذه آثار معتبرة توجب أن يتنافس عليها العقلاء فيبذلون بإزائها الأموال.
وطبيعي أن قوام مالية الشيء ـ كما قلنا ـ أن يكون موضوعاً لغرض يبعث على تنافس العقلاء فيه.
وقد عرفت: أن هذا التنافس منوط بهذا الأثر الذي رتب عليها، وإلاّ فلا قيمة لتلك الأوراق لو خليت ونفسها مجردة عن تلك الآثار.
أما الفرق بين هذين النحوين من القسم الثاني فهو:
إن مالية ما كان على شاكلة طوابع البريد ـ مثلاً ـ إنما كانت بالاعتبار للأثر المترتب عليها، وهي، في الوقت نفسه غير معتبرة من جانب العقلاء مالاً، بل هي ورقة يترتب عليها أثر خاص في اعتبار جعلها.
وأما مالية النحو الأول كالدينار ـ مثلاً ـ فإن هذه الورقة قد أصبحت بالفعل مالاً بواسطة الجعل والاعتبار، فلا فرق بينها وبين المعادن والأحجار الكريمة، بل قد يرجّح العقلاء، في كثير من الموارد، الأوراق النقدية ويفضلونها على المعادن وما شاكلها، لأن الورق أخف للنقل، والتعامل به من الذهب والفضة وغيرها.
واقتصادياً تقوّم مالية الشيء بعنصرين، هما:
1 ـ ندرة الشيء.
2 ـ وصلاحيته لقضاء الحاجة أو تلبية الرغبة.
يقول الدكتور عزمي رجب، في كتابه «الاقتصاد السياسي»: وهم: [يعني الاقتصاديين] لا يعتبرون المال اقتصادياً إلا إذا اقترن بميزتين اثنتين:
الأولى ـ أن يكون نادراً.
أي أن تكون كميته محدودة بالنسبة إلى طلب الناس له.
ومن هنا كان لزاماً على طالبه أن يقدم ثمناً للحصول عليه.
ـ الثانية أن يكوزن صالحاً ـ ولو في نظر راغبه ـ لقضاء حاجة ما، أو تلبية رغبة لديه.
فالأموال الاقتصادية ـ إذن ـ أموال نادرة نسبياً، وهي تشمل الأشياء المادية من منتجات وأدوات وبضائع مختلفة ـ وهي المعبر عنها في اللغة الاقتصادية بلفظة (السلع)، والأشياء غير المادية ـ أو المعنوية المعروفة باصطلاح الخدمات ـ وهي الخدمات أو الأعمال التي يقدمها الأشخاص مباشرة كأصحاب المهن الحرة، أو المؤسسات الخاصة والعامة كالمصارف وشركات السفر والإدارات الحكومية.
أما الأشياء والأموال المتوفرة بغزارة في الطبيعة والتي لا يوجب الحصول عليها بذل أي ثمن كالهواء ونور الشمس والماء في منابعه أو في الأنهار وما شابه ذلك، فهي ليست من الأموال الاقتصادية في المفهوم المتقدم.
فيمكن تلخيص عبارة المال الاقتصادي ـ إذن ـ بأنه المال الذي يحقق رغبة أو يقضي حاجة، والذي يكون نادراً، بمعنى: «ألا يكون الحصول عليه إلاّ مقابل عمل أو ثمن معين».
ويعرّف الحاجة بأنها «شعور شخصي بالرغبة في الحصول على شيء معين».
والحاجة، في اللغة الاقتصادية، أوسع نطاقاً منها في اللغة الجارية، فهي لا تقتصر على الأشياء الضرورية أو الملحّة كالمأكل والمشرب والملبس أو ما شابه ذلك… ولكنها تتعداها إلى كل ما يطيب للإنسان أن يتمنى أو يطلب، سواء أكان الشيء المطلوب مادياً، نافعاً أم ضاراً.
ويعرف الرغبة بأنها «شعور شخصي بالميل للحصول على شيء من الأشياء يختلف حدة باختلاف مدة أهمية هذا الشيء في نظر صاحب الرغبة».
والمقارنة بين هذه المقومات المذكورة تقوم على أساس إدراج بعضها تحت عنوان بعضها الآخر، وفي إطار مبدأ الحلال والحرام الشرعيين وكالتالي:
كان المقوّم الأول من مقومات مالية الشيء في رأي (المجلة) و(الدر) ميل الإنسان بطبعه إلى الشيء.
والميل إلى الشيء: يعني حب ذلك الشيء والانحياز إليه.
والطبع: الجبلّة التي فطر الإنسان عليها.
وميل الطبع ـ إرادياً كان أو غير إرادي ـ لا يصدر من الإنسان كشعور أو سلوك إلاّ إذا واجه سبباً مثيراً أو عاملاً حافزاً، وهو هنا ليس إلا وجود ما يشبع حاجة الإنسان أو يلبي رغبته في ذلك الشيء.
وبهذا نستطيع أن نفسر سبب ميل الطبع بوجود الصلاحية في الشيء لإشباع الحاجة أو تلبية الرغبة.
وكذلك يمكننا أن نفسر العرف في تعريف الزرقاء، وتقدير وجود المنفعة في الشيء في نظر العرف في تعريف الأنصاري، ووجود جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه في تعريفي كاشف الغطاء والحلي، نفسرها بصلاحية الشيء لقضاء الحاجة وإجابة الرغبة.
ومن هنا: لنا أن نعبّر عن هذه المذكورات جميعاً بصلاحية الشيء لتلبية الرغبة أو إشباع الحاجة.
أما إمكانية الادخار في تعريف المجلة، وجريان البذل والمنع في تعريف الدر فترجع إلى ما يتوفر عليه الشيء المتمول من قيمة مالية، فالادخار إنما هو للاحتفاظ بسبب وجدان هذه القيمة المالية في الشيء، وكذلك البذل فيه لصيانته والمنع له أي حمايته إنما هو بسبب ما هو موجود فيه من قيمة مالية.
ويُحمل على هذا ـ أيضاً ـ اشتراط كون الشيء نادراً فإنما هو للاحتفاظ بقيمته المالية.
وفي ضوئه نستطيع أن نعبّر عن هذه جميعها بالاحتفاظ بالقيمة المالية للشّيء.
يبقى عندنا عنصر العينية في تعريف الأستاذ الزرقاء، وهذا يرجع إلى أن المال لا يقع إلا على الأعيان أشياء كانت أو نقوداً، وهو الرأي المشهور.
فذكره إنما هو لتخصيص المال بالأعيان، وهذه مسألة خلافية، سوف نأتي على تبيانها عند ذكرنا لمفردات المال.
وبعد هذه المقارنة المتواضعة، علينا أن نحدد مقومات المالية بالعنصرين التاليين:
1 ـ صلاحية الشيء لتلبية رغبة الإنسان أو إشباع حاجته.
2 ـ قابلية الشيء للاحتفاظ بقيمته المالية.
ولنا أن نعرّف المال ـ على أساس من توفر هذين العنصرين في الشيء ـ بأنه كل شيء فيه الصلاحية لتلبية رغبة الإنسان أو إشباع حاجته، والقابلية للاحتفاظ بقيمته المالية.
والذي يحدد توافر هذين العنصرين في الشيء ليكون مالاً هو العرف.
وهو ـ أعني العرف ـ يختلف باختلاف الأمصار والأعصار، واختلاف المجتمعات والبيئات.
وعليه نقول: إن ما يعتبره العرف مالاً فهو المال.
وألمح إلى هذا، الفيومي في «المصباح المنير» بقوله: «فقول الفقهاء: (ما يتمول) أي ما يعد مالاً في العرف».
ولأننا نعلم ـ بالضرورة ـ أن المشرع الإسلامي أهدر وألغى مالية بعض الأشياء كالخمر وأمثالها، يمكننا أن نختصر المقومين السابقين (الصلاحية والقابلية) بعبارة (اعتبار العرف)، ونضيف إليها تحليل الشرع مقوماً ثانياً، فنقول: مقومات المالية هي:
1 ـ اعتبار العرف.
2 ـ وتحليل الشرع.
وهذا يشمل كل ما يصلح لأن يُمتلك ويصح ـ شرعاً ـ تملكه، عيناً كان أو نقداً أو انتفاعاً أو ديناً أو حقاً، وهي التي أطلقتُ عليها عنوان مفردات المال.
ولا بد من الإشارة ـ هنا وقبل الانتقال إلى تعريف مفردات المال ـ إلى أن القانون المدني يختلف في تعريفه للمال عنه في علم الفقه.
فـ «المال (قانونياً) هو الحق ذو القيمة المالية»([233]).
ويقول الدكتور السنهوري في «الوسيط»: «والمال ـ في نظر القانون ـ يتكوّن من حقوق».
والحق في المعاملات (المالية) مصلحة ذات قيمة مالية يقرها القانون للفرد.
وهو إما حق عيني أو حق شخصي.
والحق العيني: هو سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين.
أما الحق الشخصي: «فهو رابطة ما بين شخصين دائن ومدين، يخوّل الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو بالامتناع عن عمل»([234]).
أما الشيء الذي يعتد مالاً في نظر الفقه فهو «محل ذلك الحق» أي هو ما يتعلق به ذلك الحق الذي هو المال.
والفرق بين الرأي الفقهي والرأي القانوني هو أن المالية في الرأي الفقهي صفة للشيء، أو قل: قيمة اعتبارية للشيء، سواء تعلق به حقٌّ لإنسان أم لم يتعلق به.
بينما هي ـ أعني المالية ـ في القانون تعني الحقَّ نفسه الذي يتعلق بذلك الشيء ذي القيمة المالية.
وبتعبير آخر: المالية ـ فقهياً ـ هي الشيء الذي به الحق وقانونياً هي الحق المتعلق بالشيء.
وقد يرجع هذا الفرق ـ وإن لم يُشَرْ إليه لغوياً في حدود اطّلاعي ـ إلى أصل كلمة (مال).
ـ فهل هي من الميل أي ميل الطبع إلى الشيء المرغوب فيه.
ـ أو هي (مالي) و(مالك) و(ماله) المؤلفة من (ما) الموصولة، واللام الجارة والضمير المجرور الذي حذف بسبب كثرة الاستعمال للتخفيف وأصبحت الجملة أو شبه الجملة بعد الحذف اسماً أي مفرداً.
فعلى الأول هو الشيء يصلح لتعلق الحق به.
وعلى الثاني هو الحق الذي يتعلق بالشيء.
ولأننا ندرس الموضوع ـ هنا ـ فقهياً يكون التعريف الفقهي هو الأساس للبناء عليه، والنقطة للانطلاق منها.
مفردات المال:
يراد بمفردات المال: الأشياء القابلة للتمول، في ضوء ما ذكرناه من مقومات المالية وتعريف المال.
وتتنوَّع هذه الأشياء القابلة للتمول، بحسب طبيعتها، إلى المفردات التالية:
1 ـ الأعيان.
2 ـ النقود.
3 ـ المنافع.
4 ـ القروض.
5 ـ الحقوق.
وسنتناول كل مفردة من هذه المفردات بإيضاج مفهومها وتوضيح المقصود منها في حدود ما يرتبط بدراستنا هذه.
1-الأعيان
يقصد بالأعيان ـ هنا ـ الأشياء المادية ذات الوجود الخارجي، وفي مقابلة النقود التي هي الأخرى أشياء مادية لها وجود خارجي، إلا أنها اتّصفت بصفة النقدية فتميزت بهذا عن الأشياء المادية الأخرى التي هي الأعيان.
وقد تطلق كلمة العين في الاستعمال الاجتماعي، وفي اللغة العلمية كلغة الفقه والقانون والاقتصاد على ما يعم الأشياء المادية مطلقاً نقدية وغير نقدية.
والأعيان ـ كمصطلح علمي في المجال المذكور ـ تشمل الماديات المنقولة، والأخرى غير المنقولة.
فهي ـ على هذا ـ تعم الأرض والمواد الخام والمواد المصنعة والحيوان والنبات وما شابه ما يقبل التمول.
2- النقود
يعرّف المعجم اللغوي العربي النقد بأنه «العملة من الذهب أو الفضة أو غيرهما مما يتعامل به».
ويبدو أن الوحدات النقدية ما كانت تعرف باسم «النقد» أو باسم «العملة»، وإنما كانت تعرف باسم (المال (Money ففي «معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وإدارة الأعمال»: «عملة مال (Money) تعني الكلمة في أصلها اللاتيني النقود المسكوكة في معبد «جونومونيتا» الذي كان داراً لضرب النقود في الأمبراطورية الرومانية».
ثم تطورت في استعمالها حتى أصبحت «تعني ـ الآن ـ أية وسيلة أو واسطة متداولة للتبادل، مقبولة على نطاق واسع كمعيار أو مقياس لقيمة الأشياء».
والكلمة تشمل ـ بمعناها الضيق ـ النقود المعدنية والورقيَّة التي تصدرها الحكومة.
وهي تشمل كذلك ـ بمعناها الواسع ـ الأشياء التي يمكن قبولها لتسديد أثمان البضائع والخدمات والديون كالشيكات والحوالات والكمبيالات.
كان هذا التطور الاستعمالي في غير لغتنا العربية، أما فيها فقد «ذكر جمع من المؤرخين: أن النقود التي كانت جارية في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام هي النقود التي كانت مسكوكة بسكة ملوك الروم والفرس، وكان أكثر ما ترد إليهم من الروم دنانير قيصرية، وأكثر ما ترد إليهم من الفرس دراهم كسروية، وكانوا يطلقون على النقود الذهبية (العين)، وعلى النقود الفضية (الورق) …» ([235]).
ثم استعملت كلمة «نقد» اسماً للعملة، أخذاً من مهنة الصيرفة التي تقوم بنقد الدنانير والدراهم لتبيان خلوصها من شائبة الغش.
ذلك أن عملية النقد تعني النقر، حيث ينقر الصَّيرفيّ العملة الذهبية أو الفضية لمعرفة سلامتها من الزيف، قال ابن منظور في «لسان العرب»: «النقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وأنشد سيبويه:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفيَ الدنانير تنقادُ الصَّياريفِ
ورواية سيبويه: «نفي الدراهيم»، وهو جمع درهم على غير قياس، أو درهام على القياس فيمن قاله».
وقال أيضاً: «ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف».
ثم استعملت الكلمة اسماً للذهب والفضة المسكوكين.
وبعد ذلك توسعوا في استعمالها فشملت جميع الوحدات النقدية ذهباً كانت أو فضّة أو غيرهما.
ولأنها يتعامل بها في التبادل سميت بـ (العملة)، وهي من المولد كما يرمز لهذا المعجم الوسيط.
وإذا ذهبنا ـ بعد هذا ـ إلى علم الاقتصاد نلتمس فيه تعريف النقود، فسنراه يقوم على أساس من تحديد وظائفها، ثم اعتماد تلكم الوظائف في التعريف.
وأهم الوظائف التي ذكرها الاقتصاديون للنقود، هي:
1 ـ اعتبار النقود مقياساً لتقدير قيمة السلعة مقارنة بالسلع الأخرى.
فمثلاً إذا أردنا أن نعرف قيمة لحم الغنم بالنسبة إلى قيمة الأرزّ، فإننا نتوصل إلى هذا عن طريق الوحدة النقدية، فإذا كان كيلو اللحم بعشرين ريالاً وكيلوا الأرز بعشرة ريالات يكون الفارق بينهما الضّعفين، وهذا يعني أن قيمة اللحم ضعفا قيمة الأرز.
2 ـ اعتبار النقود وسيطاً لتبادل السلع:
فقد كان التبادل قبل اختراع النقود يُعتمد فيه طريقة المقايضة (Barter)، التي تعني «مبادلة السلع بسلعه أخرى مباشرة، أو مبادلة سلع بخدمات».
أي يتم التبادل هكذا: س ـ س.
ولكن لما في المقايضات من صعوبات ذكرها علماء الاقتصاد ومن أهمها: صعوبة توافر الرغبات المشتركة أو المتوافقة بين الأطراف المتبادلة للسلع، اخترعت النقود وسيطاً لتبادل السلع، فصار التبادل يتم هكذا:
سلعة ـ نقد ـ سلعة.
س ـ ن ـ س.
3 ـ اعتبار النقود مستودعاً للقيمة:
وذلك بادخارها لوقت الحاجة إليها، ويعود هذا لما في النقود من قابلية لاختزان القيمة والمحافظة عليها.
وعلى أساس من هذه الوظائف قام تعرف النقود في علم الاقتصاد.
يقول الدكتور قريضة، في كتابه «النقود والبنوك»: «يمكن أن نعرّف النقود بالنسبة للوظائف التي تؤديها: فهي أي شيء يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل. ويستخدم، في نفس الوقت، مقياساً للقيم ومستودعاً لها»([236]).
ويقول الدكتور شامية، في كتابه «النقود والمصارف»: «تعرّف النقود بأنها أي شيء يحظى بالقبول العام في التداول، وله قوة شرائية عامة، يستخدم وسيطاً في التبادل، ومقياساً للقيم».
ثم يعلق على تعريفه بالتوضيح التالي: «ومن الواضح أن هذا التعريف يعكس تطور النقود خلال المراحل المختلفة التي مرت بها. ويثير هذا التعريف الملاحظات التالية:
1 ـ من الملاحظ أننا استخدمنا كلمة أي شيء، في تعريف النقود، وهو ما يعني تعدد الأشياء التي استخدمت نقوداً وتنوّعها خلال المراحل المختلفة لتطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي ترافقت مع التطور الحضاري للمجتمعات. ففي مرحلة أولى انتشر استخدام النقود السلعية، كالجلود والماشية والقواقع والإبل.
وفي مرحلة تالية اعتمدت الجماعات على النقود المعدنية، مثل الحديد والبرونز والفضة والذهب.
ثم استخدمت النقود الورقية.
ومن ثم النقود المصرفية في العصر الحاضر.
2 ـ أن استخدام جملة، يحظى بالقبول العام في التداول، يعني أن يقبل جميع أفراد المجتمع، استخدام هذا الشيء في التداول ويتفقوا عليه لإتمام المعاملات الاقتصادية في ما بينهم.
3 ـ يلاحظ استخدام عبارة له قوة شرائية عامة ما يعني أن يتخلى الأفراد عما يمتلكون من سلع في سبيل الحصول على هذا الشيء المستخدم كنقود، وبكميات غير محدودة، ومن ثم شراء ما يحتاجون إليه من سلع في الحال أو في وقت لاحق.
4 ـ يلاحظ أنه تمت الإشارة في التعريف إلى الوظائف الأساسية للنقود، وهي وسيط للتبادل ومقياس للقيمة، بمعنى أن الشيء الذي يستطيع أن يؤدي هاتين الوظيفتين، فإنه يستطيع بالتالي أن يقوم بالوظائف الأخرى للنقود. وهذا ما جعل بعض الاقتصاديين، عند تعريفهم للنقود، أنهم يذكرون جميع وظائف النقود، وهو ما يجعل التعريفات الشائعة للنقود هو (أن النقود هي كل ما تفعله النقود)» ([237]).
ويقول الدكتور الشمري، في كتابه: «النقود والمصارف»، «بعد أن ذكرنا بإيجاز كيفية تطور الحياة الاقتصادية الإنسانية، وتدرجها من مرحلة (المقايضة) (س 1، س 2) إلى مرحلة التبادل في ما بين السلع والخدمات، اعتماداً على عنصر وسيط في التبادل (س 1، ن، س 2)، وكان ما زال هذا العنصر الوسيط في التبادل يتمثل في النقود (Money) ([238]).
لهذا كان توصل البشرية إلى التعامل بالنقود وسيلة للمبادلة يعد من التحولات المهمة والحاسمة في تسهيل المبادلات وتسويتها في ما بين الأفراد والجماعات.
وأبسط صور هذا التحول يتضح في تغيير دائرة التبادل السلعي وتوسعها، فبدلاً من اقتصارها، في بداية الأمر على مقايضة سلعة بأخرى مباشرة ومن دون وسيط يفصل بين عمليتي البيع والشراء، أصبحت هذه الدائرة تتسع لتبادل سلعة بأخرى بصورة غير مباشرة عن طريق وسيط بينهما يساعد على تبادل السلع المختلفة بسهولة.
لذلك يمكن اعتبار أي وسيط للتبادل في ما بين سلعتين، أو خدمتين، أو أكثر بمثابة (نقود) بشرط أن يكون هذا الوسيط قابلاً لأداء وظائف أخرى تكميلية لمهمته الأساسية المذكورة وأن يكون مقبولاً قبولاً عاماً لدى الأطراف المتعاملة بهذا الوسيط.
وهذا المعنى ينطبق إلى حد كبير ويتفق مع التعريف السائد للنقود في أنها «كل شيء يلاقي قبولاً عاماً بين الناس وسيطاً للتبادل أو لإبراء الديون يسمى نقوداً». ويعني هذه التعريف المبسط للنقود أن قبول الناس أو الأفراد لأي شيء قبولاً عاماً وسيطاً للتبادل وأداة لتسوية الديون وإبراء الذمم يعطي لهذا الشيء صفة النقود.
لذا فإن (النقود هي أي شيء يؤدي وظيفة النقود … (Money is what money does.
فكل ما يتمتع بقبول عام في تسهيل التبادل وتسوية الديون يعد نقوداً، ولا اعتبار بعد ذلك لمادة هذا الشيء أو لخصائصه الذاتية أو للجهة التي أصدرته.
يمكن مما تقدم الاستنتاج بأن النقود لا تطلب لذاتها كسلعة يمكنها إشباع الحاجات الإنسانية والاستهلاكية والإنتاجية بصورة مباشرة، بل أنها تطلب لغرض استخدامها لتحقيق منفعة استهلاكية معينة، وتطلب أيضاً لتسهيل تبادل السلع والخدمات المختلفة في أثناء عمليات الإنتاج. أي أن النقود يمكنها أن تلبي الحاجة الإنسانية والاستهلاكية والإنتاجية بصورة غير مباشرة عن طريق استخدامها وسيلة للحصول على السلع والخدمات الاستهلاكية الإنتاجية، ويمكن التوصل إلى تعريف إجرائي للنقود في أنها:
(كل شيء يقبله الجميع قبولاً عاماً، بحكم العرف أو القانون أو قيمة الشيء نفسه، ويكون قادراً على أن يكون وسيطاً في عمليات التبادل المختلفة للسلع والخدمات، ويكون صالحاً لتوسية الديون وإبراء الذمم فهو عبارة عن نقود).
إن الأهمية الحقيقية للنقود لا تقتصر على تأديتها لوظيفتها الأساسية وسيطاً للتبادل فحسب وإنما تظهر أهميتها أيضاً من خلال الوظائف الأخرى الأساسية والثانوية التي يمكن أن تقوم بها النقود في الحياة الاقتصادية».
أنواعها
تقسم النقود ـ اقتصادياً ـ تقسيمات متعددة ومختلفة بتعدّد الاعتبارات التي اتخذت أساساً للقسمة واختلافها.
وأشهر تقسيم من هذه التقسيمات وألصقها بطبيعة النقود واستخداماتها، ذلك التقسيم الذي يرتبط بواقع نشأة النقود وتطورها، والذي يقسم النقود إلى قسمين:
1 ـ نقود سلعية Commodity money.
2 ـ نقود ائتمانية Credit curency.
ثم يقسّم النقود الائتمانية إلى قسمين أيضاً:
أ ـ نقود ورقية.
ب ـ نقود مصرفية (نقود ودائع).
النقود السلعية
سُميت بهذا الاسم نسبة إلى السلعة، والسلعة ـ كما يعرفها المعجم الوسيط ـ : «كل ما يتجر به من البضاعة». وتعد هذه النقود ـ تاريخياً ـ المرحلة الثانية للنقود التي استعملها الإنسان بعد أن انتقل من مرحلة المقايضة إلى مرحلة النقود.
ذلك أنه كان يستخدم، في المرحلة الأولى (مرحلة اختراع النقد)، الحجارة أو الخرز وأمثالها مما تعطيه الدولة أو العرف الاجتماعي الاعتبار والقيمة المالية.
ثم، في المرحلة الثانية، استعمل الإنسان السلع مقام الحجر وأمثاله نقوداً تعامل بها وتداولها، وهي مثل القمح والشاي والقماش والتبغ وغيرها.
واعتمد الإنسان في استخدامه لهذه السلع نقوداً، على قبول العرف لها واعتباره إياها، ويرجع هذا إلى أنها أيسر في تسهيل المبادلات، وأسهل في تيسير القدرة على الوفاء بالالتزامات.
وإلى جانب استعمال الإنسان لأمثال السلع المذكورة استعمل سلعاً أخرى معدنية كالذهب والفضة والحديد والزنك والقصدير وغيرها.
«ولا تختلف النقود المعدنية عن سابقتها من بقية أنواع النقود السلعية في تأدية نفس الوظائف الأساسية للنقود في كونها قادرة على أن تكون وسيطاً للتبادل، ومعياراً للقيمة، ومخزناً لها وأداة للدفع المؤجل، والادخار، فضلاً عن أنها تتميز عن النقود السلعية في أنها معادن نفيسة (كالذهب والفضة) مما يجعلها تتمتع بندرة نسبية، هذه الندرة تدعم قيمتها بالقياس إلى الأنواع الأخرى من النقود السلعية، كما أنها غير معرضة للتلف مما يساعد على استخدامها مخزناً للقيمة، وقابلة للتجزئة إلى وحدات أصغر مما يسهل التعامل بها، وإلى أنها سهلة النقل، ويمكن التعرف إليها بواسطة العين المجردة»([239]).
وأمام استعمال الإنسان للنقود المعدنية انحسر استعماله للنقود السلعية غير المعدنية إلا قليلاً.
ويرجع هذا لما في النقود المعدنية من يسر التعامل بها وسهولة تقدير قيمة كل سلعة بواسطتها، وإمكانية ادّخارها، مع المحافظة على قيمتها المالية.
النقود الائتمانية
ويقال لها، أيضاً، النقود الاعتمادية، والنقود المعتمدة نسبة إلى اعتمادها من قبل الحكومات التي تصدرها، وائتمان الناس للحكومة التي أصدرتها وثقتهم بها.
وعامل نشوء هذه النقود الائتمانية هو تراجع أهمية النقود المعدنية وانحسار دورها في الحياة الاقتصادية أثناء الحرب العالمية الأولى من سنة 1914 ـ إلى سنة 1918م([240]).
«إن النقود الائتمانية تكتسب أهميتها الفعلية من خلال قبولها العام المبني على أساس قدرتها في توفير عنصر الثقة في تحويلها إلى السلعة المرتبطة بها، وعادة ما كانت هذه السلعة هي (الذهب) مثل تحويل الجنيه الاسترليني أو الدولار الأمريكي إلى ما يساويه، أو ما يعادل قيمته من الذهب في حينه.
كما أن النقود الائتمانية تعد ديناً لحاملها على ذمة الجهة التي أصدرتها، وحقاً لصاحبها في الحصول على ما يساويها من السلع والخدمات»([241]).
النقود الورقيّة
وهي المعروفة بـ «العملة الورقية «Bank note التي تصدرها السلطة النقدية في الدولة المتمثلة بالبنوك المركزية أو مؤسسات النقد وأمثالها.
وهي عبارة عن وثائق متداولة تمثل ديناً معيناً في ذمة السلطة النقدية التي أصدرتها لحاملها.
ويرجع تاريخ التعامل بالنقود الورقية إلى الفترة التي انتشرت فيها عادة الاحتفاظ بالنقود المعدنية لدى التجار والصيارفة الذين كانوا يقبلون إيداع الأفراد لنقودهم والاحتفاظ بها لديهم مقابل منح المودعين إيصالات أو سندات تتضمن كمية الأموال المودعة مع تعهد بإعادتها ودفعها لحامل السند أو الإيصال عند الطلب وبدون تأخير.
وبعد فترة زمنية أصبح الأفراد المودعون والصيارفة أيضاً راغبين في استخدام هذه الإيصالات أو السندات أداة لتسوية المدفوعات وإبراء الديون في ما بين الأطراف الدائنة والمدينة، مقابل الحصول على فوائد نقدية محدودة.
فالمودع قادر على استخدام السند أو الوصل في تسوية مدفوعاته والصّيرفيّ والتاجر (ثم المصرف فيما بعد) يحصل على مكافأة نقدية تتمثل في دفع المودع لمبلغ الرسم المحدد والمتفق عليه مقابل الخدمة التي حصل عليها في إنجاز تسوية ديونه والمحافظة على أمواله من السرقة والضياع.
وقد لاحظ الصيارفة أن الأموال المودعة لديهم لا يتم سحبها كاملة في وقت واحد، ما دفعهم إلى إصدار إيصالات جديدة إلا أنها لا تستند إلى ودائع حقيقية مودعة لديهم، هذه الإيصالات أصبحت كسابقتها مقبولة لدى الآخرين، إذ أنها يمكن أن تؤدي وظيفة النقود الأساسية وسيطاً للتبادل، وبمعنى آخر أصبحت نقوداً ورقية مقبولة قبولاً عاماً، وإن كانت لا تساوي حجم الودائع المعدنية بل عادة ما كانت تزيد عنها وتفوقها حجماً، وهذا الحال دفع بالدولة إلى أن تضطلع بدورها في التدخل في تنظيم عملية الإصدار للنقود الورقية، ونشأت بموجب ذلك البنوك المركزية التي أخذت على عاتقها مهمة الإصدار النقدي كجهة وحيدة ومحتكرة لعملية الإصدار النقدي الورقي الإلزامي الذي نتعامل به حالياً. وصفة الإلزام في النقود الورقية على مستوى التعامل بها نابع من قوة القانون إذ لا يحق للأفراد أو الهيئات التي بحوزتها هذه النقود المطالبة بتحويلها إلى ما يعادلها أو ما يساوي قيمتها من المعدن المغطاة به (كالذهب في حينه) …» ([242]).
النقود المصرفية
والاسم المشهور لها هو «نقود ودائع».
«تعود تسمية هذا النوع من النقود بـ (النقود المصرفية) كنوع من مكونات وأنواع النقود الائتمانية إلى كونها نقود ودائع.
والمقصود بالودائع ـ هنا ـ الودائع الجارية (أو الودائع تحت الطلب).
وهي عبارة عن الأموال التي يودعها طرف معين لدى المصرف التجاري.
وتكون هذه الأموال المودعة قابلة للسحب من قبل المودع في أي وقت يشاء في سحبها بواسطة توجيه أمر من المودع (الدائن) إلى المصرف التجاري (المدين) عن طريق (الشيكات) التي تلزم الطرف المدين بدفع المبلغ المذكور في الشيك لمصلحة حامله أو لأمره أو لأي طرف آخر (المستفيد).
وهذه الأوامر بالدفع (الشيكات المصرفية) تعتبر أداة أو وسيلة لتسوية المبادلات والمدفوعات وإبراء الذمم.
بذلك فهي تقوم مقام النقود الاعتيادية لأنها تؤدي وظائف الأخيرة، ولأنها ديون في ذمة المصارف لصالح المودعين.
ولهذا سميت بالنقود المصرفية أو نقود الودائع»([243]).
«تشترك نقود الودائع مع النقود الورقية في كونها ديوناً لصالح مالكها، أو حاملها، في ذمة الجهة التي تلتزم بها، وهي البنوك التجارية في حالة نقود الودائع، أو البنك المركزي في حالة النقد الورقي، أو قِبل الدولة عموماً بعد تأميم البنك المركزي والبنوك التجارية كما هي الحال في النظام المصري المعاصر.
وتختلف الودائع، أو النقود المصرفية، عن النقود الورقية والسلعية، من حيث إن ليس لها كيان مادي ملموس.
كما أن «الشيك» الذي تُتداول هذه النقود بواسطته لا يتمتع بالقبول العام في التداول حيث لا يلزم القانون الدائنين والبائعين على قبوله، بمعنى أن المدينين لا يستطيعون إلزام الدائنين والبائعين على قبول «الشّيك» في إبرام الديون وتسديد أثمان المشتريات.
وبالرغم من هذا القصور نجد هذا النوع من النقود يمثل الجانب الغالب من العرض الكلي للنقود في البلاد المتقدمة اقتصادياً، ففي الولايات المتحدة ـ مثلاً ـ يبلغ حجم النقد المصرفي أو نقد الودائع حوالي 90 % من العرض الكلي للنقود.
ويجب أن نتذكر أن الوديعة ـ وليس الشيك ـ هي التي تعتبر نقوداً.
فالشيك لا يعد نقداً مثل ورقة البنكنوت، فهو مجرد وسيلة لنقل مديونية البنك من شخص إلى آخر، ولا تتوافر فيه شروط القبول العام لأنه يصدر من شخص غير معروف من الجميع، كما أنه متقيد بتاريخ معين، وينص على كمية محدودة من النقود، وينتهي عمله بعملية واحدة»([244]).
وأخيراً، من المفيد أن نلمح بعد أن عرضنا تعريف النقود ووظائفها وأنواعها إلى الوحدة النقدية، والقاعدة النقدية:
الوحدة النقدية (Monetary Unit):
يقصد بها الوحدة الأساسية لقياس نقد البلد، حيث تحدد بالنسبة إليها قيمة جميع القطع النقدية والورقية، أمثال:
الدولار في العملة الأميركية، والجنيه في العملة البريطانية والدينار في العملة العراقية والكويتية والريال في العملة القطرية والسعودية والدرهم في العملة الإماراتية … إلخ.
القاعدة النقدية (Monetary Standard):
وهي معيار أو مقياس خاص للأقيام يقرره القانون كأساس لعملة البلاد.
وفي الوقت الحاضر اتخذت معظم البلدان الذهب أو الفضة أو عملات البلدان الأخرى المبينة على أساس الذهب أو الفضة مقياساً لنقدها».
3- المنافع
المنافع جمع منفعة، والمنفعة مصطلح فقهي، وكذلك هي مصطلح اقتصادي، ويعبر عنها في القانون بـ (الانتفاع)، (حق الانتفاع).
والفرق بين المنفعة والانتفاع هو:
أن المنفعة هي ما يحصل عليه المنتفع من الشيء الذي ينتفع به.
والانتفاع هو الاستفادة باستغلال المنفعة.
وهذا مثل سكنى الدار، فإن السكنى منفعة الدار، والانتفاع بها ـ أعني السكنى كمنفعة للدار ـ هو ممارسة فعل السكن بالدار.
فالمنفعة هي الثمرة، والانتفاع هو الاستثمار، أي الاستفادة من تلك الثمرة.
أو قل: المنقعة هي الفائدة، والانتفاع هو الاستفادة.
وعرّفت المنفعة ـ لغوياً ـ بأنها «كل ما ينتفع به».
وعرّف الانتفاع بالحصول على المنفعة من الشيء ذي الفائدة.
وهو ما سلف تبيينه في أعلاه.
وعرّف الانتفاع في القانون، أو بالأصح حق الانتفاع بأنه «الحق الذي يخوّل الشخص استعمال واستغلال ملك غيره».
أما التصرف في الملك في غير مجال الانتفاع فهو للمالك.
وفي «الوسيط»: «الانتفاع حق عيني يخوّل صاحبه استعمال شيء مملوك للغير واستغلاله»([245]).
وعرّفت المنفعة ـ اقتصادياً ـ بما يلبي حاجة أو رغبة عند المرء، ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها.
يقول الدكتور عزمي رجب: «لهذا التعبير (يعني المنفعة) مفهوم خاص في اللغة الاقتصادية يختلف عن المعنى المعروف في اللغة الجارية فالشيء النافع، أو المال النافع في الاصطلاح الاقتصادي: هو كل ما يلبي حاجة أو رغبة عند المرء، ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها، بغض النظر عما إذا كان هذا الشيء نافعاً أو ضاراً في حد ذاته، فقد يكون المال المطلوب ضاراً من الوجهة الصحيّة، كالتبغ مثلاً، ولكنه يعتبر نافعاً من الناحية الاقتصادية عندما يقوم بقضاء حاجة لدى راغبه.
ومن هنا كان تقدير منفعة الأشياء، ومدى هذه المنفعة أمراً شخصياً يختلف باختلاف الأشخاص وميولهم وحاجاتهم»([246]).
وهذا يعني أن المنفعة أمر نسبي يختلف باختلاف الميول والرغبات.
وهي اقتصادياً أعم منها في الفقه والقانون لأنها تشمل حتى ما لا يعد منفعة عرفاً، وذلك مثل ما لو تملك شخص حشرة لا يعتبر العرف الاستيلاء عليها تملكاً من أجل أن يشبع رغبته في التملك ويلبي حاجة التملك التي تعتمل في نفسه.
ومفهوم المنفعة في الفقه قريب من هذه المذكورات؛ حيث يندرج تحت عنوانين أحدهما أخص من الآخر.
أما المعنى الخاص فهو: «خصوص المعاني التي لا عين لها في الخارج كسكنى الدار ولبس الثواب وعمل الخياطة».
والمعنى الآخر ـ وهو المعنى العام ـ فإنه يعم المعاني التي لا عين لها في الخارج، والأخرى التي لها أعيان خارجية كنماءات الحيوانات من أصواف وألبان وأسمان وأولاد … وإلخ، وثمار النباتات كالتمر في النخلة والعنب في الكرمة والنبق في السدرة … والخ، والنبت بذاته كالعشب في المرعى … وإلخ.
وعلى هذا فمنفعة كل شيء بحسبه.
ويقول الشيخ كاشف الغطاء، في «تحرير المجلة»: «ولا تزال السيرة جارية على إجارة الأرض لرعي الأغنام في نباتها وعشبها».
4- القروض
القروض جمع، مفرده قرض، وتستعمل هذه الكلمة مصدراً يدل على فعل دفع المال للغير، واسم مصدر يدل على المال المقترض.
فالقرض ـ بالمعنى الأول ـ هو دفع المال لمن ينتفع به على أن يرد بدله حين الأجل المحدد أو وقت الطلب إذا كان الدين غير مؤجل.
والقرض ـ بالمعنى الثاني ـ هو المال المدفوع نفسه.
وهناك ثلاثة مشتقات أخرى تحمل معاني ترتبط بالموضوع هي:
الاقتراض: وهو أخذ المال من قِبل من ينتفع به مع إلزامه برد بدله.
والمقترِض: وهو الآخذ للمال، ويقال له المستقرض أيضاً.
والمقرِض: وهو الدافع للمال.
وبدل القرض: وهو المال الذي يرده المقترض إلى المُقرِض عوضاً عن القرض.
والقرض هو الدَّين، ففي (المخصص): «دنتُ الرجل بمعنى أقرضتُه».
ويفرّق في (القاموس المحيط): «بين القرض والدين بأن الدين هو الذي له أجل، والقرض هو الذي لا أجل له».
واللغة العملية وكذلك الاستعمال الاجتماعي يرادفان بينهما، ولا يفرقان الفرق القاموسي المذكور.
ويقال للدافع: الدائن، والآخذ: المدين والمستدين.
ويعرّف القانون المدني المصري، في المادة 538، القرضَ بما نصه: «القرض: عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء آخر على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته».
وفي الفقه يعرّفه أستاذنا الشيخ زين الدين في «كلمة التقوى» بقوله: «الدين هو مال تشتغل به ذمة إنسان لإنسان آخر، لأحد الأسباب التي توجب ذلك، كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترض، وابتياع شيء يكون ثمنه في ذمة المشتري، وبيع شيء موصوف مؤجل إلى أجل في ذمة البائع كما في بيع السلف، وكالتزويج بإمرأة مؤجل صداقها في ذمة الزوج، واستئجار عين أو أجير يبقى بدل إجارته في ذمة المستأجر، وفدية خلع أو مباراة تبقى في ذمة المرأة المختلعة، وضمان مال بسبب إتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان، ونحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الإنسان بالمال، وهذا هو الدين الذي يبحث عنه وعن أحكامه في كتاب الدين.
ويطلق الدين أيضاً على ما تشتغل به ذمة الإنسان من الأموال والحقوق لجهة عامة أو لجهة خاصة، كالزكاة والخمس والكفارات والنذور، وأشباهها».
ويقول الشيخ كاشف الغطاء في «تحرير المجلة» لبيان معنى الدين: «إن مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تقوم بها معايشهم وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً الحبوب والأطعمة مال لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنى وصفياً عرضياً يعبر عنه بالمال، وهو من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم، ولما كانت مدنية الإنسان لا تتم إلا بالحياة المشتركة، وهي تحتاج إلى المقايضة والتبادل في الأعيان والمنافع وكان التقايض بتلك الأعيان وهي العروض مما لا ينضبط أرادوا جعل معيار يرجع إليه في المعاملات ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسية فاختاروا الذهب والفضة وضربت سكة السلطان عليهما لمزيد الاعتبار في أن يكون عليهما المدار فماليتهما أمر اعتباري محض لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرها من حيث الذات والحقيقة، ولذا في هذه العصور حاول بعض الدول قلب الاعتبار إلى الورق ولكن مع الاعتماد عليهما. ومهما يكن الأمر، فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالاً ولكن مع الالتزام والتعهد، فإذا التزم لك الثقة الأمين بمال في ذمته وثقت به وجعلته كمالٍ في يدك أو صندوقك وكذا العقلاء يعتبرون أن لك مالاً عنده. أمَّا من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير بل السفلة من الناس الذين لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب، ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف والتزامهم عند العقلاء هباء ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال: فالمال إذا نوعان خارجي عيني وهو النقود والعروض واعتباري فرضي، وهو ما في الذمم أعني الالتزام أو العهدة والالتزام».
وفي «المدخل الفقهي العام»: «فالديون في الذمم هي حقوق شخصية مملوكة لأصحابها، والتزامات على من هي في ذممهم.
يقول الفقهاء الحنفيون: «إن الدين هو: وصف في الذمة».
واختلفوا هل يعتبر ملكاً لصاحبه وهو في الذمة، أو لا يعتبر لأنه مجرد وصف شرعي؟
وقد رجحوا النظر الأول فقالوا: الحق إنه يُملك، ولذا جازت هبة الدين للمدين وهي تمليك، واعتبر الدين المشترك من قبيل شركة الملك، حتى لو أخذ أحد الشريكين فيه من المدين شيئاً عن حصته يشاركه فيه الآخر»([247]).
«على أن الفقهاء قد يصفون الدين بأنه مال حكمي، أي شيء اعتباري يملكه الدائن، وهو موجود في ثروة المدين، فيصح أن يقال: إن الدين عند الفقهاء مال من حيث المال».
«والدين في الفقه الإسلامي يعبر به في الأصل عن الناحية السالبة في الالتزام النقدي أو ما في حكمه، أي عن الالتزام الملتزم بدفع نقود وما في حكمها من الأموال المثلية التي تثبت في الذمة، كمن اقترض مثلياً أو أتلفه فإنه يكون ملتزماً بمثله ديناً في ذمته، وعليه وفاؤه من أي الأموال العينية المماثلة للثابت في الذمة».
ونخرج من هذه التعريفات المذكورة بالنتائج التالية:
1 ـ أن القرض، أو الدين كمصطلح فقهي، يطلق على المال الذي اشتغلت به ذمة المدين.
وهو المتعارف عليه في تعبيرات الفقهاء.
2 ـ ويطلق على ذمة المدين، ولكن بمعنى ما تتعهد به وتلتزم من رد البديل للدائن، ويعبر عن هذا بالوصف كما في التعريف الحنفي، أو الحق كما في تعريف القانون المدني المصري، أو بالمال الحكمي أي الاعتباري على رأي فقهي آخر.
وننتهي، من هاتين النتيجتين، إلى أن القرض هو المال الذي التزم المقترض بدفعه للمقرض أو هو الحق الثابت في ذمة المدين للدائن.
5- الحقوق
كلمة الحقوق جمع، مفرده حق.
وهو في اللغة: «النصيب الواجب للفرد والجماعة» كما في المعجم الوسيط.
وفي الفقه: له ـ داخل إطار موضوعنا هذا ـ معنيان:
1 ـ نحو من السلطنة في مقابلة الملك.
2 ـ مرتبة ضعيفة من الملك، أو أول مراتب الملك.
قال السيد الخميني، في كتاب «البيع»: «يظهر من الشيخ الأنصاري: أنه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك، ومن عدة من المحققين: أنه مرتبة ضعيفة من الملك ونوع منه.
وربما يقال: إنه نحو سلطنة وملك، فيكون الحق والملك والسلطنة معنى واحداً، وإن كان الحق أخص منهما»([248]).
وقال السيد محمد بحر العلوم في «بلغة الفقيه»: «وأما الحق فهو يطلق مرة مقابل الملك، وأخرى (في) ما يرادفه.
هو ـ بمعنييه ـ سلطنة مجعولة للإنسان، من حيث هو، على غيره، ولو بالاعتبار، من مال أو شخص، أو هما معاً كالعين المستأجرة، فإن للمستأجر سلطنة على المؤجّر في ماله الخاص.
وهو أضعف من مرتبة الملك، أو أول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدة والضعف».
ويقول السيد محمد تقي بحر العلوم في تعليقه على هذا المنقول من «البلغة»: «هو عبارة عن مرتبة ضعيفة من المُلك، وإضافة ناقصة مجعولة من المَلك الحقيقي ـ تبارك وتعالى ـ لذي الحق، أعم من وجود من عليه الحق أو عدمه.
وعبر عنها بعض المعاصرين بالملكية غير الناضجة، وهو تعبير حسن، فإن المرتهن للعين المجعولة من الراهن وثيقة لدينه الذي له عليه ـ وإن كان يألالالالاذا إضافة وسلطنة عليها ـ ومن هنا يمنع الراهن من التصرف في ما ملكه من العين المرهونة مطلقاً أو خصوص التصرف المنافي لحق المرتهن على الخلاف، ولكن ليس للمرتهن بالنسبة إلى الراهن من التصرف فيه، سوى استيفاء دينه منه ببيعه وأخذ مقدار حقه من ثمنه عند امتناع تحصيله من المديون، وكذا من له الخيار في عقد البيع ـ مثلاً ـ فإنه ـ وإن كان ذا حق متعلق بالعقد وسلطنة عليه من حيث القدرة على فسخه وإقراره أو متعلق بالعين التي خرجت عن ملكه إلى ملك طرفه بالتسلط على إعادتها إلى ملكه بفسخ العقد، ومن هنا يمنع طرفه من التصرفات المنافية لحقه في ما انتقل إليه وملكه بالعقد، لكن حقه المجعول له لا يتجاوز التسلط على فسخ العقد أو إقراره، أو التسلط على استرجاع العين التي نقلها إلى طرفه إليه، بناء على تعلق حقه بنفس العين المنقولة إلى طرفه».
ثم يفرق السيد محمد تقي بحر العلوم، في تعليقه، بين الحق والملك بقوله: «والحاصل: إن العلقة والإضافة الحاصلة بين المضاف والمضاف إليه إذا كانت تامة صالحة لأنحاء التقلبات تسمى ملكاً.
وإذا كانت ناقصة لا تصلح إلا لنحو من التقلب لقصور في نفسها أو متعلقها، تسمى حقاً كالإضافة الحاصلة للمرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة، والحاصلة للشَّفيع بالنسبة إلى حصة شريكه المبيعة في شركته، فإن المرتهن ليس له سوى استيفاء دينه من الرهن إذا لم يفه المديون، والشفيع ليس له من السلطنة إلا تملك ما اشتراه المشتري من الحصة بالثمن الذي اشتراه به».
وبعد، فهذه هي المفردات التي أمكنني لملمتها من هنا وهناك من كتب الفقه وكتب القانون لتكون داخل إطار واحد يعطينا فكرة واضحة عن المال وما يتمول.
والفقهاء ـ هنا ـ يتفقون على أن الأعيان والنقود مال، ويختلفون في ما سواهما، وكالتالي:
ـ ذهب بعضهم إلى إضافة المنافع مفردة ثالثة لمفردات المال، فتصبح المفردات المالية عنده: الأعيان والنقود والمنافع.
ـ آخر ربَّعَ المفردات بإضافة القروض.
ـ وغيرهما جعلها خمسة بإضافة الحقوق.
ولأننا قلنا: إن مالية الشيء تتقوم باعتبار العرف وتحليل الشرع، والعرف ـ كما هو معلوم ـ يختلف في مثل هذه الأمور من مجتمع لآخر، ومن عصر إلى سواه يكون هو المرجع، فما يعتبره عرف اجتماعي مالاً يعتد مالاً، ما لم يكن مما ألغى الشارع المقدس ماليته.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
ما وراء النهر
كان نهر جيحون القديم يعدّ الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية، أي إيران وتوران. فما كان في شماله، أي وراءه، من أقاليم، قد سماه العرب ما وراء النهر. (وهو نهر جيحون) وكذلك سموها الهيطل. على أن مصنفي القرون الوسطى من العرب، كانوا لا يتقيدون في استعمال اسم الهيطل فقد أطلقوا اعتباطاً على جميع الشعوب والبلاد التورانية في ما وراء جيحون وعلى ذلك جرى المقدسي في استعماله إياه.
ويمكن تقسيم هذه البلاد إلى خمسة أقاليم. أجلّها شأناً كان الصُغْد، مع قصبتيه بخارا وسمرقند. وفي غرب الصغد: خوارزم، وهو الإقليم المعروف اليوم بـ (خيوة). ويشتمل على دلتا جيحون. وفي الجنوب الشرقي: الصغانيان ومعه الختّل وغيرهما من الكور الكبيرة التي في أعالي نهر جيحون. وإليه أيضاً تعود بذخشان، وإن وقعت في ضفته اليسرى أي الجنوبية، فإن المنعطف الكبير للنهر فيما وراء طخارستان يكاد يطوقها. ثم إقليما نهر سيحون، وهما فرغانة في أعلى النهر وإقليم الشاش (وهو اليوم طشقند) مع النواحي التي في الشمال الغربي الممتدة حتى مصب سيحون في منافع بحر آرال.
وأطلق العرب في القرون الوسطى على نهر أوكسس Oxus ونهر جكزرتس Jaxartes اسمي: جيحون وسيحون.
وفي أواخر العصور الوسطى، في نحو من زمن الغارة المغولية، كاد يبطل استعمال اسمي جيحون وسيحون. فعرف نهر اكسس في الغالب بـ «أمويه» أو «أمودريا» أما جكزرتس فعرف بـ «سيردريا».
ويمكن القول إن إقليم الصغد، وهو صغديانا Sogdiana القديمة، كان يشمل الأراضي الخصبة في ما بين نهري جيحون وسيحون، التي كانت تسقيها مياه نهرين، هما زَرَفْشان أي نهر السُغْد، وعليه كانت تقوم سمرقند وبخارا، والنهر المنساب حيال مدينتي كش ونسف. وكان هذان النهران ينتهيان إلى منافع أو بحيرات ضحلة في المفازة الغربية من جهة خوارزم. مع ذلك، فإنه لمن الأوجه أن يعد الصغد اسماً للرساتيق المحيطة بسمرقند. فإن بخارا وكش ونسف كانت كل واحدة منها تعد كورة بذاتها.
وكان الصغد، يحسب إحدى جنان الدنيا الأربع، وقد بلغ أوج ازدهاره في النصف الأخير من المائة الثالثة (التاسعة) في أيام الأمراء السامانيين. ومع ذلك فقد ظل هذا الإقليم في المائة التالية لها، في خصب ويسار لا نظير لهما. وكانت أجل مدنه: سمرقند وبخارا، ويمكن القول إن الأولى كانت مركزه السياسي، بينما كانت بخارا عاصمته الدينية. إلا أن كلا من المدينتين كانتا في مرتبة واحدة وتعدان قصبتي الصغد.
وحافظت بخارى على مكانتها الرفيعة في أوائل العصور الوسطى، ولكن في سنة 616هـ (1219م) أدركها الغزو المغولي فنهبت المدينة ودمرت عن آخرها. ولم تنهض مما أحاق بها من دمار وخراب مدى قرن ويزيد. وفي أوائل المائة الثامنة (الرابعة عشرة) حين زار ابن بطوطة الموضع، نزل في ربض يقال له فتح أباد. وكان معظم الجوامع والمدارس والأسواق، على الحال المشعثة التي كانت عليها حين غادرها جنكيزخان. وفي الواقع أن بخارى لم تستعد شيئاً من ازدهارها السابق إلا في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) في عهد تيمور فقد اتّخذ سمرقند عاصمة له واستعادت بخارى أختها شيئاً من سابق بهائها.
أما سمرقند، فكانت في أعلى النهر، على نحو 150 ميلاً من شرق بخارا، تقوم على مسافة قصيرة من ضفة نهر السغد الجنوبية على نشز من الأرض. وكانت سمرقند فرضة تجارية عظيمة لبلاد ما وراء النهر. ومن جملة ما اشتهرت به الكاغد السمرقندي، فهو يحمل منها إلى سائر بلاد الشرق. وكانت صناعته قد دخلت إليها من الصين. وهواء سمرقند رطب، ولكل دار في المدينة وربضها بستان «حتى أنك إذا صعدت أعلى القلعة لم تبد المدينة للنظر لاستتارها بالبساتين والأشجار». وفي جنوبها جبل صغير يقال له كوهك يمتد طرفه إلى مرحلة يوم عن المدينة.
ويرجع سبب الخراب الوقتي الذي حلّ بسمرقند إلى المغول، على ما أوقعوه في سائر أنحاء ما وراء النهر. فقد خرّبوا معظم البلد في سنة 616هـ (1219م) حتى أن ابن بطوطة لما زارها في المائة التالية لذلك الزمن، قال فيها «لا سور لها ولا أبواب عليها»، وأكثر دورها خراب والقليل منها آهل. ومع ذلك فقد استعادت سمرقند مجدها السابق بعد ذلك بقليل، وذلك في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) حين اتخذها تيمور عاصمة له فجدّد البلد وشيّد المساجد وأقام الربط، وما زال بعض ذلك قائماً إلى يومنا. وذكر علي اليزدي أن مسجدها الجامع قد أنشأه تيمور عند عودته من فتح الهند فكان مردّ بهائه وجماله إلى ما وضعه فيه من غنائم تلك الحملة.
وإقليم أشروسنة ـ وكتب أيضاً: أسروشنة وسروشنة وستروشنة ـ يقع في شرق سمرقند، بين الرساتيق الممتدة في محاذاة يمين نهر السغد والرساتيق التي في يسار نهر سيحون، ولا يدخل هذان النهران ضمن إقليم أسروشنة.
أما إقليم فرغانة الذي كان إلى وقت قريب يعرف بخانيّة خوقند، وقد أعادت إليه الحكومة الروسية رسمياً اسمه القديم، فكانت قصبته في أوائل العصور الوسطى مدينة أخسيكث، وسماها ابن خرداذبه وغيره مدينة فرغانة. وهي تقوم على ضفة نهر سيحون الشمالية. وخرائب هذه المدينة شاخصة. وفي المائة العاشرة (السادسة عشرة) لما كان بابر حاكماً على فرغانة، كانت مدينة الإقليم الثانية، تعرف باسمها المختصر «اخسى». وانديجان كانت هي القصبة حينذاك.
قال ابن حوقل في مدينة اخسيكث: إنها مدينة واسعة، فيها مياه جارية وحياض كثيرة.
وما هو في جنوب نهر سيحون من إقليم فرغانة، يقال له كورة نسيا أو نسائية. وهي اثنتان: عليا وسفلى بالنظر إلى اختلاف مستوى سطحيهما. فالعليا في الجبل. أما خوقند التي صارت في الأزمنة الحديثة قصبة فرغانة ونسبت إليها خانيتها، فلم يرد ذكرها إلا عرضاً بين مدن نسائية العليا باسم خواكند أو خواقند.
أما خجندة، فإنها أول مدن فرغانة من الغرب، إذا جئت من سمرقند تقوم على ضفة سيحون اليسرى. قال فيها ابن حوقل «هي مدينة نزهة». وأهلها لهم سفن يسافرون فيها في سيحون. وكان يحف بالمدينة البساتين الملتفة مقدار فرسخين مما يلي أبواب ربضها. والظاهر أن اخسيكث قد استولى عليها الخراب كما استولى على مدن كثيرة في إقليم فرغانة أثناء حروب محمد خوارزمشاه في مطلع المائة السابعة (الثالثة عشرة). وما لم تنله هذه الحروب بسوء قد دمّرته غزوات المغول، فانتقلت بعدها قصبة الإقليم إلى انديجان. وفي زمن تيمور، ذكر علي اليزدي اسمها بصورة اخسيكنت على ما بيّنا إلى أخسى في أيام بابر، واخسيكت، فاختصر هذا الإسم.
أما أنديكان (انديجان الحالية)، فقد اتخذها، على ما ذكر المستوفي، كيدوخان حفيد أغتاي بن جنكيز قصبة لفرغانة في النصف الأخير من السابعة (الثالثة عشرة). وقد جاء الاسم أندِكان أو أندكان بين أسماء المدن التي سردها ابن حوقل في المائة الرابعة (العاشرة)، وكذلك ذكره ياقوت، ولكن دون أن نجد وصفاً لهذه المدينة في مرجع ما، وإن أشار إليها علي اليزدي غير مرة في كلامه على حروب تيمور.
وإلى غرب فرغانة ناحية الشاش ويسميها الفرس (ﭼاﭺ). كانت في العصور الوسطى أعظم المدن العربية في ما وراء سيحون. وكان يقال لمدينة الشاش أيضاً بنكث وذلك على غرار كثير من أسماء المدن في بلاد ما وراء النهر، فإن لها تسميتين إيرانية وتورانية.
وفي أوائل المائة السابعة (الثالثة عشرة)، لحق الدمار بعض الشاش في غضون فتوحات محمد خوارزمشاه، ثم كان للغزو المغولي الذي أعقبها ما أضاف إلى بؤس أهلها بؤساً على نحو ما حل بغيرها من البلدان. والظاهر، أن المدينة سرعان ما صلح حالها مما ألمّ بها من بلايا، فأصبحت موضعاً ذا شأن في المائة الثامنة.
وعلى ضفة سيحون الشرقية، أسفل انصباب نهر جمكنت فيه مباشرة، المدينة التي عند معبر سيحون، المعروفة قديماً بباراب أو فاراب وفي الأزمنة الحديثة باسم أترار، وفيها لقي تيمور حتفه في سنة 807هـ (1405م) وهو على أهبَّة السير لفتح الصين. وكان الاسم فاراب أو باراب يطلق على الناحية والمدينة. وقد حسبت فاراب أحياناً قصبة ناحية أسبيجاب. وينسب إليها أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 339هـ (950م) وهو أشهر فلاسفة المسلمين قبل ابن سينا. على أن ابن حوقل قد نسب مولد الفارابي إلى وسيج لا إلى فاراب. ووسيج بلدة صغيرة محصَّنة على فرسخين من فاراب. ثم بعد هذا الزمن، عرفت فاراب باسم أترار أو أطرار وقد نهبها المغول في أوائل المائة السابعة (الثالثة عشرة) ولكنها سرعان ما جدد بناؤها.
خوارزم
كان لإقليم خوارزم في صدر العصور الوسطى، قصبتان: أولاهما في الجانب الغربي، أي الفارسي من نهر جيحون، تسمى الجرجانية، أو أركنج. والأخرى في الجانب الشرقي، أي التركي من النهر. ويقال لها كاث. وقد كانت في المائة الرابعة (العاشرة)، في منزلة تفوق صاحبتها.
ومدينة كاث، ما زالت قائمة. إلا أن مدينة العصور الوسطى العظيمة ربما كانت تقوم على بضعة أميال من جنوب شرقي البلدة الحديثة.
أما قصبة خوارزم الثانية التي أصبحت بعد سقوط كاث أولى مدن الإقليم، فكانت كركانج وقد سماها العرب الجرجانية، ثم عرفت بعد هذا الزمن باركنج.
والجرجانية في المئة الرابعة (العاشرة) ـ وإن كانت حينذاك مدينة الإقليم الثانية ليس إلا، لكن كاث كانت ما زالت قصبته متجر البلاد وفيها مجتمع القوافل الآتية من بلاد الغز. ومنها تخرج إلى بلاد خراسان. والجرجانية على غلوة من غرب نهر كبير تجري فيه السفن، يأخذ من جيحون، ويجري محاذياً له. وقد احتالوا في رد خطر الماء بإقامة السدود من الخشب والحطب. وبانحطاط كاث أصبحت الجرجانية أولى مدن إقليم خوارزم، ومن ثم قصبته الوحيدة. وفي الأزمنة الأخيرة، كانت تعرف بوجه عام بمدينة خوارزم.
وفي سنة 616هـ (1219م) زار ياقوت الجرجانية، أو كركانج على ما سماها به، قبيل أن يكتسحها المغول بقيادة جنكيز خان، فقال فيها «لا أعلم أني رأيت أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالاً وأحسن أحوالاً» فاستحال ذلك كله بتخريب السرّ إياها في سنة 617هـ (1220م). ولما سارت عنها جحافل المغول قال ياقوت فيها «لم يبق في ما بلغني، إلا معالمها، وقتلوا جميع من كان بها» على أن قصبة خوارزم ما عتمت أن نهضت من كبوتها بعد بضع سنين، فابتنى الناس بلداً قريباً منها، وكان ذلك في سنة 628هـ (1231م) على ما جاء في تاريخ ابن الأثير المعاصر لتلك الأيام، قال: «وعمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم، عظيمة». وكان قبل الغزو المغولي لهذه الأرجاء، على ما ذكر ياقوت وغيره، مدينة تعرف بكركانج الصغرى. وسماها الفرس كركانجك على نحو من ثلاثة فراسخ من القصبة كاركانج الكبرى. ومن المحتمل، على ما يظهر، أن خوارزم الجديدة، قد اختير لها موضع كركانج الصغيرة.
وسرعان ما صارت خوارزم الجديدة قصبة الإقليم. وصفها المستوفي وابن بطوطة في المائة الثامنة (الرابعة عشرة). وذكر القزويني، وهو ممن كتب في النصف الأخير من المائة السابعة، أن أهل كركانج (الجديدة): «أهل الصناعات الدقيقة كالحداد والنجار وغيرهما. فإنهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم، والسكّاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس، لا يعمل في غير خوارزم إلا بقرية يقال لها طَرْق من أعمال أصفهان».
وقال المستوفي، وقد سمى هذه المدينة باسمها الشائع أركنج. وكذلك خوارزم الجديدة، إنها على عشرة فراسخ (ولعله وهم في ذلك، ويريد عشرة أميال) من أركنج العتيقة. ورأى ابن بطوطة، معاصره، خوارزم (على ما سمى البلدة) مدينة من أعظم المدن وأجملها، لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة «وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر». وما كادت المائة الثامنة (الرابعة عشرة) تأذن بالختام، إلا واجتاح تيمور مدينة خوارزم هذه وتركها قاعاً صفصفاً بعد حصار دام ثلاثة أشهر. إلا أن تيمور لنك أمر بتجديد بنائها فكمل ذلك في سنة 790هـ (1388م). وكان أبو الغازي أمير خوارزم، يعقد مجلسه في مطلع المائة الحادية عشرة (السابعة عشرة) في هذه البلدة، وهي التي يسميها أركنج. قال فيها إنها بلد حسن كثير البساتين. إلا أنه بعد هذا الزمن تربعت مدينة خيوه في مكانها ثم صارت قصبة الإقليم الجديدة. أما خرائب أركنج هذه، أي المدينة التي ابتنيت بعد الغزو المغولي، فهي المعروفة اليوم باركنج العتيقة (كهنه أركنج).
أما خيوه ـ وهي التي أخذت في عهد الرؤساء الأزبك بعد زمن تيمور تحجب بالتدريج مدينة أركنج وصارت قصبة خوارزم وشمل اسمها مع الأيام الإقليم كله ـ فقد ذكرها غير مرة بلدانيو المائة الرابعة (العاشرة) بأنها بلدة صغيرة. كانت تهجئة اسمها القديمة خيوق، وكان هذا الاسم هو الشائع حتى زمن ياقوت. قال فيها المقدسي «خيوه، على فم المفازة، رحبة، على شعبة من النهر (تأخذ من يسار جيحون)، بها جامع عامر» فكانت في المائة الرابعة (العاشرة) موضعاً ذا شأن. (راجع تركستان).
من أهم المدن التي عاشت في كنف جيحون أو نعمت بأحد روافده: بلخ وبخارى وترمذ([249])، سمرقمد وخوارزم. ولكل من هذه البقع دراسات مفصلة في دائرة المعارف في أماكنها. ونقول هنا عن بلخ إنها من أقدم المدن الكبرى في حوض نهر جيحون. فقد كانت عاصمة دولة كبرى هي بكتيريا القديمة التي ظهر فيها زرادشت بدينه الجديد بعد أن رفضه أهل موطنه آذربيجان، ومن هذا الإقليم ذي الألف مدينة على حد تعبير جوستين نفذت عبادة النار إلى الصغد وخوارزم، ومن معبد النوبهار المشهور، انتشر المذهب الجديد في فارس القديمة وميديا.
وتنقل رجال العلم والأدب في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه في ذلك الوقت للاتصال بحكّام الدول التي استقلّت عن الخلافة العباسية، فنشطت الحركة الفكرية، وراجت الثقافة. وأدى هذا كله إلى التأثير العظيم للأدب العربي في أدب ما وراء النهر، ويدل على ذلك كثرة استخدام شعرائها للألفاظ العربية، وكان لنهر جيحون أبعد الأثر في الشعر الفارسي.
وقد وجدنا الشعر الفارسي الذي ذكر فيه نهر جيحون يدور حول ثلاثة محاور رئيسية هي: شعر الوصف، وشعر الحرب، والشعر الصوفي.
وهذه المحاور تتفق في اتخاذ نهر جيحون المادة الشعرية، التي تدور حولها الأشعار ولكنها تختلف من حيث الشكل، فمنها المثنوي والرباعي.
1 ـ شعر الوصف
لقد كان نهر جيحون دائماً محركاً لأخيلة الشعراء مثيراً لعواطف الحكام والقادة.
2 ـ شعر الحرب:
هذا النوع من الشعر انقسم إلى نوعين:
(أ ) شعر الحرب بين إيران وتوران في شاهنامة الفردوسي (ت 411هـ) وكان مسرح هذه الحرب دائماَ نهر جيحون.
(ب ) شعر الحرب بين السلطان محمود الغزنوي وخانات التركستان ويمثل هذا النوع من الشعر:
«العنصري» (المتوفى عام 431هـ).
و«الفرخي» (المتوفى عام 429هـ).
وهما أبرز شعراء السلطان محمود الغزنوي([250]).
3 ـ الشعر الصوفي:
سطعت وتلألأت سماء الحياة الروحية في بلاد ما وراء النهر بأنوار كثيرة من الرجال الذين أحبّهم الله فأحبوه، ورادوا الطريق وعبدوه ووضعوا الأسس والدعائم، وهم كثرة كاثرة، عدّ منهم «السلمي» في الطبقة الأولى:
ـ الفضل بن عياض: وقد ولد في سمرقند.
ـ إبراهيم بن أدهم: وهو من بلخ.
ـ بشر الحافي: وهو من أهل مرو.
وفي الطبقة الثانية عدّ «السلمي» منهم:
ـ شاه الكرماني وهو من مرو.
ـ محمد بن علي الترمذي الشهير بالحكيم الترمذي.
ـ أبو بكر الوراق وهو من ترمذ.
ويذكر مؤرخو الأدب الفارسي أن الصوفية العظام الذين كتبوا المثنويات ثلاثة أولهم: سنائي وقد ولد في بلخ، وثانيهم: فريد العطار، أما ثالثهم فهو جلال الدين الرومي وقد ولد في بلخ.
ونخلص من هذا إلى أن التصوّف في بلاد ما وراء النهر عنصر أصيل في الحياة، فقد ساهم أهل هذه البلاد بنصيب وافر في إثرائه وإرساء دعائمهم، ولهذا لا نعجب أن يذكر اسم النهر في كثير من التراث الشعري الصوفي، خاصة وأن النهر يلعب دوراً رمزياً كبيراً في التعبير عن الحقيقة الصوفية، وعن أسرار الحب الإلهي والفيض الربّاني والمعرفة السرمدية.
ومجمل القول إن النهر والبيئة كانا إلهاماً لكثير من عيون الشعر، وفي الوقت نفسه أسهمت هذه البيئة في خلق شعراء كانوا رواداً لحركة الشعر الفارسي في جميع العصور وهم على سبيل المثال لا الحصر:
الرودكي السمرقندي: وهو من شعراء السامانيين في القرن الرابع الهجري، وأبو طاهر الخسرواني: وهو من شعراء القرن الرابع الهجري كذلك في بلاط السامانيين.
الدقيقي: المتوفى في عام 368هـ، وقد عاش في بلاط آل محتاج في صغانيان ببلاد ما وراء النهر.
منحيك الترمذي: وهو من شعراء أواسط القرن الرابع الهجري وقد عاش في بلاط صغانيان، الصغانياني.
لبيبي: وهو أحد الشعراء المشهورين في أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، وقد اتَّجه في البداية إلى مدح أمراء صغانيان.
عمعق البخاري: وهو من الشعراء المشهورين في بلاد ما وراء النهر وكان يعيش في بلاد أيلك خان «آل أفراسياب» وكانت وفاته بين عامي 542، 543هـ.
أديب صابر الترمذي: وقد عاش في بلاد سنجر السلجوقي ثم انتقل إلى بلاد أتز وقد أغرق في نهر جيحون عام 546هـ.
سوزني السمرقندي وكان مدَّاح الإيلخانيين في بلاد ما وراء النهر وكانت وفاته عام 562هـ.
ثم نظامي الكنجوي: وكانت وفاته 576هـ أو 606هـ.
وقد قامت على أكتاف هؤلاء الشعراء جميعاً نهضة الشعر الفارسي ووضع أسسه وقواعده.
وقد ظلوا أساتذة لمعاصريهم، وكذلك على طول العصور لمن جاء بعدهم، وسيظلون كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وإقليم نهري جيحون وسيحون يعتبر معبراً للتجارة بين الشرق والغرب، وقد سمى طريق القوافل بين الشرق والغرب باسم طريق الحرير، وكان يمر على كثير من مدن هذا الإقليم مثل: بخارى وسمرقند وخوارزم مما جعلها تعيش في يسار اقتصادي وانتعاش تجاري.
يضاف إلى النشاط التجاري النشاط الزراعي، فدلتا النهر والواحات والبحيرات والأنهار والمجاري المائية التي تعد بالآلاف قد أضفت الحياة على الأراضي التي تمر بها فأنتجت الحبوب والفاكهة والقطن كما ربيت الحيوانات.
أما في الصحراء وشبه الصحراء فقد وجدت المراعي المتنقلة التي قام أكثرها على تربية الأغنام والماعز وبعض الخيول والبغال والحمير والماشية. وقد أكرم الله المنطقة بالثروة المعدنية، ففيها: البترول والغاز والفحم والحديد والرصاص، والذهب والفضة والياقوت واللازورد.
ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم أو رسالة في فضيلة العلوم والصناعة للفارابي
ألّف الفارابي رسالته هذه بطلب من إبراهيم بن عبد الله البغدادي ـ من فضلاء القرن الرابع الهجري، والعالم الرياضي الذي تباحث مع الفارابي في باب صحة أحكام النجوم ـ وراوي هذه الرسالة هو إبراهيم بن عبد الله نفسه.
وضع الفارابي في هذه الرسالة ثلاثين أصلاً، وفي آخره استنسخ بطلان أحكام النجوم منها.
الطبعات:
ـ طبعة ليدن 1890م (ضمن الثمرة المرضية …).
ـ طبعة القاهرة 1907م (دار المجموع للمعلم الثاني).
ـ طبعة حيدر آباد 1931م.
ـ طبعة بومباي 1937م.
«ديتريشي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الألمانية وطبعاً عام 1892م.
«أولكان وبورسلان» ترجما هذه الرسالة إلى اللغة التركية وطبعاها عام 1941م.
«السيد علي أكبر الشهابي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الفارسية تحت عنوان: في فضيلة العلوم والصناعة، وطبعها في المجلد 13 من نشرة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة الفردوسي بمشهد.
مبادىء نظام الحكم الإسلامي
بين التطبيق والإلغاء
ليس الإسلام ديناً ناجماً عن التطور الطبيعي للفكر البشري في مجال الألوهية ومواقفها من البشر ومواقف البشر منها في الحضارات التي سبقته، ولا هو فقط مجموعة من العبادات التي تصل المخلوق الفرد بالخالق، بل هو نهاية فكر الرسالات السماوية التي نزلت على الإنسانية في جميع العصور السالفة، فشكّلت الثورة المستمرة ضد الممارسات التي كان يفرضها العقل البشري ابتكاراً أو تحويراً لما بعث إليه من شرائع بقصد تسويغ أنظمة حكم واجتماع تماشت مع مصالح القوى الغالبة في المجتمعات، وممارسات نابعة من غرائز الأفراد مستجيبة لمنافعهم الخاصة.
فالأديان السماوية كانت تقيَّد صلاحيات الحكّام على أساس أنهم مأمورون لإله أعلى ينظم طرائق تعيينهم ويحدد واجباتهم وحقوقهم، وتبين كذلك واجبات المواطنين وحقوقهم التي لا تمسّ، على أن تكون العبادات حافزاً ومذكراً للجميع فلا يتجاوزوا الحدود الخاصة بكل منهم ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [سورة طه، آية: 14]. ومن هنا كان الصراع التاريخي القائم بين الدين الصحيح وبين الحاكمين منذ وجود المجتمعات البشرية على الأرض حتى اليوم، والذي كتبت فيه الغلبة حتى هذه الساعة للحاكمين.
ونحن، هنا، إذ نركز بحثنا على الإسلام، فإننا لا نقصد الإسلام وحده، بل نستشهد به لما يطرحه من نموذج حكم غير متبلور بشكل كافٍ وواضح في الأديان الأخرى، لا سيما في مصادرها الأساسية.
وهكذا، فإننا من أجل إثبات المقدمة المطروحة أعلاه على ضوء أحكام الإسلام وغيره من الأديان في حدود معينة، فسوف نستعرض أولاً نظام الحكم الإسلامي الذي نزل به القرآن ومارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين أتوا بعده، ثم نقارن بينه وبين أنظمة الحكم التي تلت حتى الأمس القريب وإلى اليوم، لنبين لحظة أو لحظات حصول الاختلاف إذا كانت حصلت فعلاً.
النظام الذي ثارت عليه الأديان السماوية:
كان ذلك النظام يعتبر رئيسه إلهاً أو وكيلاً عن الإله. ففي مصر القديمة، كان الملوك يُعتبرون، إبّان حياتهم «آلهة»، فهم يتحدرون بالولادة المباشرة والشرعية من «الآلهة» القدماء الذين سادوا على مصر منذ عصر الأسر «الإلهية»، «فالملك بمجرد تكوُّنه في رحم أمه كان «إلهاً» وكانت تصحب ولادته احتفالات تتضمن التشريف الموجه لـ «إله» ويبقى «إلهاً» طوال حياته ويستمر بعد موته …» ([251]).
أما في بلاد الرافدين فإن الملك كان «يمثل الله في المدينة، وهو حبره أو وكيله ووسيطه لدى الناس، إنه الوسيط بين الإنسان والإله»([252]).
أما اختياره فكان اختياراً «إلهياً»، وكان عند تنصيبه يرتدي الثياب الكهنوتية ويطوف الشوارع في موكب مهيب ممسكاً بصورة لـ «الإله» مردوخ([253]).
وفي بلاد الصين، كان الأمبراطور يحكم وفقاً لما يسمونه «الحق الإلهي» بتفويض من «السماء»، وهو «ابن السماء» وهو الكاهن الأعلى، ولهذا فإن مملكته كانت تسمى «تيان شان» أي المملكة المحكومة من السماء.
على أن هذه الاعتقادات، وإن خفت حدتها في ما بعد أو جرى تحويرها، إلا أن صلاحيات الحكّام بقيت صلاحيات «الإله» الذي بيده الحياة والموت والإعطاء والحرمان ومصادرة الأرزاق والحريات كلما أراد ذلك.
فالناس يقتلون لأتفه الأسباب، بل وعلى الظن في معظم الأحيان، والأرزاق تصادر ويساق الناس إلى السخرة حيث يعملون دون شفقة في الأشغال العامة أو في بناء المعابد والقلاع والقصور. وما الآثار الجبارة التي لا تزال ماثلة حتى اليوم إلا الدليل على ذلك: من أهرام مصر ومعابدها وسدودها القديمة إلى المعابد الكلدانية والرومانية التي قضى في العمل فيها مئات آلاف الرجال، خضوعاً لحق الحاكم المطلق بالتصرف بهم.
إذا كانت «ألوهية» الحاكم تمنحه حقوقاً على الحياة وعلى الحرية وعلى الأرزاق غير محدودة، وقد جاءت الأديان السماوية لتواجه كل هذا بأنظمة تناقضه تمام المناقضة.
المبادىء للأساسية لنظم الأديان السماوية:
إن المبدأ الأول والأساس الذي تبنى عليه الأديان السماوية هو وحدانية الله تعالى، فلا إله أرضياً ولا سماوياً إلا الله الواحد الأحد الذي لا يشاركه شيء في ألوهيته، لا على قدره ولا أصغر. وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿قل هو الله أحد﴾ [سورة الإخلاص، آية: 1]. كما يكرر: ﴿إنما إلهكم إله واحد﴾ [سورة فصلت، آية: 6] و﴿إنما هو إله واحد﴾ [سورة إبراهيم، آية: 52] ﴿وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم﴾ [سورة المؤمنون، آية: 91] ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء، آية: 22].
ولما كان الله واحداً أحداً، كان هو خالق كل شيء، وهكذا فمن الواجب أن يكون رباً للسماوات والأرض، للكون بأجمعه، فلا شريك له من خلقه ولا ند له. القرآن: (2/22، 12/3، 41/9) فهو إذاً المستحق للعبودية وحده (35/13 و40/66) الأمر الذي يقضي باجتناب العبودية للمتنطحين للربوبية وللألوهية دون الله. ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [سورة النحل، آية: 36].
وقد جاء في التوراة أيضاً: «أنا الرب إلهك، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً لا منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض ولا تسجد لهن ولا تعبدهن»([254]). وهذه كانت أولى الوصايا العشر.
أما عبادة الله فهي تنفيذ ما أمر به والابتعاد عما نهى عنه.
وقد أمر الله فيما أمر بعدم الشرك، فهو إثم لا غفران له: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [سورة النساء، آية: 48 و116].
وعدم الشرك يقضي ليس فقط بعدم الإيمان بإله آخر من دون الله بل هو يقضي تبعاً لذلك أن لا يطاع أحد إذا كان عاصياً لأوامر الله فـ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([255]) ويكون عاصياً لله كل من يعمل برأيه الخاص، لأنه يكون مشاركاً لله في سلطته التي لم تترك شيئاً إلا نظمته كما يقول تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام، آية: 38] ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [سورة النحل، آية: 89].
وفي المجال السياسي، فإن الله أكّد أنه هو مصدر كل سلطة ولا يمكن أن تصدر السلطة من غيره إذ يقول: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾ [سورة آل عمران، آية: 26] ويقول: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [سورة الأنعام، آية: 57 وسورة يوسف، الآيات: 40 و67].
وهذا الملك أو السلطة التي لله والتي يؤتيها من يشاء، يرى بعض الباحثين أنه تعالى وضع شروطاً لتفويضها في حين لا يرى بعضهم الآخر مثل هذا الرأي. أما من رأى الرأي الاول فيقول إن هذه الشروط تتلخص بأن يكون مؤمناً ولا يكون من الظالمين أي المرتكبين للآثام والخطايا ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [سورة المائدة، آية: 55].
وإذا كان هذا هو الشرط الإيجابي فإن الشرط السلبي أبلغه الله تعالى إبراهيم عليه السلام الذي جعله للناس إماماً أي قائداً ومثالاً وهو أنه:﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [سورة البقرة، آية: 124]، ولكن الله على كل الأحوال لا يكتفي بالضمانات الذاتية التي قد تخفى على الناس، لذلك فهو يأمر الحاكم بأن يحكم بما أنزل الله. ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظلمون﴾ [سورة المائدة، آية: 45] و﴿الفاسقون﴾ [سورة المائدة، آية: 57] بل و﴿الكافرون﴾ [سورة المائدة، آية: 44].
فما هي المبادىء الأساسية لحكم الله؟
لقد تبلورت في الحكم الإسلامي، في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في عهد الخلفاء بعده، مبادئ تحدد صلاحيات الحاكم وواجباته في الداخل والخارج من نشر الدعوة والدفاع عن بلاد الإسلام وتحصيل الفيء وسائر الحقوق العامة وتوزيعها وإشاعة العدل وإقامة الشعائر.
وقد استمر الحكام المسلمون يمارسون حقوقهم، إلا أنه في مجال التزامهم بواجباتهم حصل اختلاف واضح وذو طابع تناقضي بين ممارسات الخلفاء الأوائل وممارسات الحكام الذين تلوا، إلا أنه مما لا يختلف عليه اثنان أننا لا بد أن نقتبس من سنة الخلفاء الأولين، إضافة إلى سنة الرسول، حتى نتبين المعايير الإسلامية الصحيحة، ثم نتابع ما تلا تلك المرحلة لنرى قرب الحاكم أو بعده عن الإسلام.
الواجبات الآساسية للحاكم: إن أهم ما يكشف عن طبيعة حكم ما هو علاقته بالشعب أولاً وقبل كل شيء، ذلك لأن علاقة الحاكم بالخارج لا بد أن تنبثق من ذلك. فالحاكم الذي يحمل رسالة للآخرين عليه أن يطبق نموذجها في بلاده ولا يمكن أن يكون الحاكم في الخارج غيره في الداخل.
أما أهم المبادئ التي كرّسها الحكم الإسلامي على هذا الصعيد فهي تلك المتعلّقة بحياة الناس وحرياتهم وحقوقهم كما سنوضحه فيما يلي:
علاقة الحاكم بالمحكوم: إن الواجب الأساس الواقع على الحاكم تجاه المحكوم هو الصدق والإخلاص والإرشاد وتوفير الفيء وإشاعة العدل والتمسك بالسنة على وجه عام، يقول علي عليه السلام في هذا المجال مخاطباً سائر الناس: «أما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا …» ([256]).
إن على الإمام «الإبلاغ في الموعظة والاجتهاد والنصيحة والإحياء للسنة وإقامة الحدود على مستحقيها وإصدار السهمان على أهلها»([257]).
فإذا لم يقم الحاكم بواجباته فإن على المسلمين أن يثوروا عليه. فقد قال أبو بكر في خطبته التدشينية: «… فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»([258]).
كما أن عليًّا يسوّغ الحركة ضد الحاكم إذا أحدث «حدثاً»، فقد كتب إلى عماله حول حركة طلحة والزبير أنهما قاما ضده دون حدث أحدثه»([259]).
الوفاء بالعهود: لقد عانت البشرية من الأساليب اللاإنسانية في التعامل بين القوى لا سيما في حالات الحروب والأزمات، حيث كان يباح كل أسلوب يخطر على البال إذا كان ممكناً. وقد ترتبت على ذلك مآسٍ وفظائع دفعت في العصور الحاضرة إلى التفكير بالحد من الويلات والظلم لأن المنتصر اليوم قد يكون منهزماً غداً. ومن جملة المبادئ التي كرّست، مبدأ الوفاء بالعهود الذي ما زال الالتزام به مرهوناً بالظروف، إذ يلتزم الكبار به فقط تجاه الكبار، ولا يلتزمون به تجاه الصغار.
أما الإسلام فقد ألزم الناس به بشكل مطلق، إذ فرضه القرآن الكريم في العديد من الآيات، كالآية 34 من سورة الإسراء التي تقول: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾. كما أن الرسول كان يأمر بالوفاء بالعهود وقد وصل الأمر إلى قرن الوفاء بالصلاة، إذ جاء في الحديث: «وآمركم بالصلاة والوفاء بالعهود»([260]).
وقد التزم الرسول بهذا المبدأ عملياً كما التزم به قادة الإسلام، وفي مقدمهم علي بن أبي طالب الذي أعطى موافقته في صفين على التحكيم تحت ضغط جيشه، ثم رفض التراجع بعدما أيقن بعض من كان موافقاً على التحكيم أنه كان خطأً ارتكبوه.
وقال علي حاثاً على الوفاء: «الوفاء توأم الصدق ولا أعلم جنة أوقى منه. ولا يغدر من علم كيف المرجع»([261]).
حق الإنسان بالحياة: لا يجوز في النظام الإسلامي اللجوء إلى القتل إلا عقوبة في حال ارتكاب المتهم جرم القتل أو الفساد في الأرض، وذلك على أساس الحكم القرآني القائل: ﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [سورة المائدة، آية: 32].
وهذا حكم لا ينطبق على سائر الناس فقط بل وعلى الحكام قبلهم. والدليل أن علي بن أبي طالب عليه السلام ينبه مالكاً الأشتر حين أرسله إلى حكم مصر بقوله: «إياك والدماء، وسفكها بغير حلها … فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام … ولا عذر لك عند الله وعندي في قتل العمد لأن فيه قول البدن (أي المعاقبة) بالقتل»([262]).
وهذا ما التزم به علي عليه السلام نفسه عندما كفره الخوارج وأخذوا يتجمعون في بعض الأماكن وطلب منه قتالهم فرفض على أساس أنه لا يحق له ذلك، فكان يخاطب الخوارج قائلاً: «لا نبدؤكم بقتال حتى تبدؤونا به»([263]) وقد تقيد الإمام بهذا الموقف حتى عمد الخوارج إلى قتل الناس فقاتلهم عند ذلك.
حق الملكية الخاصة: لقد حدّد الإسلام حقوق السلطة في أموال الناس ولم يجز للحكام تجاوزها. وهذا ما أكّد عليه علي عليه السلام في وصاياه لعماله بقوله: «لا تمسنّ مال أحد من الناس مصل أو معاهد»([264]).
وحتى حالة الحرب لم تكن لتبرر نقض هذا المبدأ ـ فقد كان علي عليه السلام يوصي قادته السائرين إلى القتال بالتقيد به في كل الظروف بقوله: «ولا تستأثرون على أهل المياه بمياههم ولا تشربن مياههم إلاّ بطيب أنفسهم ولا تظلم معاهداً ولا معاهدة ولا تسخرنّ بعيراً ولا حماراً وإن ترجلت وحبست»([265]).
على أن الحفاظ على أموال الناس لم يتوقف عند حرمة أخذ ما ليس بحق منهم، بل هو يصل إلى حدود أبعد، وذلك بتحريم تحصيل الحقوق العامة إذا كان الأمر سيفضي إلى استخدام الإكراه أو بيع الضروريات، فقد أوصى علي رجلاً من ثقيف استعمله على الخراج بقوله: «إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج أو تبيع دابة يحمل عليها في درهم»([266]).
وكان يوصي أيضاً: «ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة شتاء أو صيف»([267]).
على أن احترام الحقوق والمحافظة عليها لم يكن يقتصر على امتناع الحاكم من الاعتداء عليها وحسب بل هو يحرم عليه أن يفتئت عليها بنظمه حتى ولو كانت معاملات بين الأفراد. فقد حاول عمر بن الخطاب أن يحدد مهور النساء عندما رآهن يغالين فيها، فقامت امرأة في المسجد وقالت له: إن هذا ليس لك لأن الله تعالى يقول: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ [سورة النساء، آية: 20] فتراجع عمر وقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة([268]).
ويمكن أن يلحق باحترام حق الملكية منع السخرة، فقد حرَّمها الإسلام، ومن هنا فإن عهد الإسلام الأول لم يتميز بإقامة المنشآت الجبارة من المعابد والقصور، وربما كان هذا في أصل ملاحظة ابن خلدون: «أن العرب ما حلوا في أرض إلا سارع إليها الخراب» والتي بناها على عدم إقامة المسلمين لمثل هذه المنشآت([269]).
ولعل أهم النصوص في هذا المجال ما أوصى به علي عماله بقوله: «ألا لا تسخروا المسلمين»([270]).
على أن منع السخرة بهذه الصورة لم يكن ليبيح الإكراه على العمل حتى في سبيل المصلحة العامة أو الشخصية، على أساس مبدأ «لست أرى أن تجبر أحداً على عمل يكرهه»، فقد اقترح بعض الفلاحين على علي بن أبي طالب عليه السلام أن يعيدوا حفر نهر دارس ليستفيدوا منه، فأوصى عامله في ذلك بقوله: «… فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل والنهر لمن عمل دون من كرهه»([271]).
الجرائم والعقوبات يحددها القانون:
وهذا المبدأ يعني أن الجرائم يحددها القانون وكذلك العقوبات ولا يعتبر عمل ما جرماً إلا إذا كان سبقه قانون يعتبر مثله من الأعمال جرماً، وكذلك لا توقع عقوبة بشخص ما لم يكن قبلها قد وضع قانون يأمر بإيقاعها.
وفي الإسلام، حدّد الله الجرائم والعقوبات ولم يترك لأية سلطة أخرى أمر الإضافة والابتكار، بل سمح فقط بالاستنباط والتفريع، فإذا خالف أحد هذا المبدأ فإن ما يقوم به باطل.
لقد حدّد عمر بن الخطاب مهمة الخليفة بقوله: «… ألا إن أحق ما تعاهد به الراعي رعيته أن يتعاهدهم بالذي لله تعالى عليهم من وظائف دينهم الذين هداهم به: إنما علينا أن نأمركم بالذي أمركم الله من طاعته وننهاكم عما نهاكم الله عنه من معصية وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم»([272]).
ويوضح علي ابن أبي طالب مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات مركّزاً على أن الله قد حدّد ما يجب وما لا يجب كما حدد العقوبات وذلك بقوله: «الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله»([273]). وما عدا أحكام الله الملزمة فكل تصرف مباح على مبدأ. ﴿لا يكلف نفسا إلا ما آتاها﴾ [سورة الطلاق، آية: 7].
وهكذا فإن علي بن أبي طالب عليه السلام شتمه أحد الخوارج، فهب جماعته ليقتلوا الخارجي، فمنعهم علي على أساس أن الحكم الإلهي لا يسمح بذلك قائلاً لهم: «رويداً إنما هو سبٍّ بسب أو عفو عن ذنب».
على أن الذنب الذي يستحق العقوبة يجب أن يكون قد وقع وأن تكون السلطة المعنية قد تأكدت من وقوعه. أما إذا كانت المسألة ظنية فقط فلا تجوز العقوبة لأن ﴿الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ سورة النجم، آية: 28 وسورة يونس، آية: 36].
وقد أكد علي بن أبي طالب عليه السلام هذا المبدأ في حواره مع الخرّيت بن راشد الذي أتى يخبره أن بعضاً من الناس سيخرج عليه، مقترحاً عليه أن يضرب أعناقهم. فأجاب الإمام: «إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن»([274]) وكان يوصي قضاته بالقول: «إذا كان في الحد لعل وعسى فالحد باطل»([275]) ويقوله: «دع عنك أظن وأحسب وأرى»([276]) وأخيراً فإن حق الدفاع لا يجوز المساس به في الإسلام، فالمحاكمة يجب أن تكون مقابلة بين الخصمين (Contradictoire) وقد أكد هذا علي بن أبي طالب بقوله: «إن الحدود لا تستقيم إلا على المحاجة والمقاضاة وإحضار البينة»([277]).
الحريات البدنية: إن الإسلام يؤمّن الحرية للناس ويحرم الظلم والتعسف، وقد نطقت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وعلى ذلك سار الخلفاء الأول، فخارج إطار الحدود (العقوبات المحددة شرعاً) لا يجوز حجز الحرية ولا التعذيب لأنهما تعدٍ لحدود الله ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [سورة البقرة، آية: 229] وقد نهى الله عن الظلم في القرآن في عدد كبير من الآيات كقوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيرا﴾ [سورة الفرقان، آية: 19] و﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾ [سورة الشورى، آية: 42].
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذّر المسلمين من الظلم بقوله: «فلا تظلم الناس»([278]) وقوله: «ألا لا تظلموا لا تظلموا لا تظلموا» كما حثهم على مواجهة الظالمين بقوله: «إن الناس أذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب»([279]).
وقد تقيد الخلفاء وخاصة علي بن أبي طالب بأحكام الحفاظ على الحريات، فهو لم يقيد حرية الحركة والانتقال حتى لأولئك الذين كان يخشى أن يتحركوا ضده، فهو لم يمنع طلحة والزبير من ترك المدينة إلى مكة، رغم أنه كان يعرف أنهما لم يقصدا «العمرة» التي ادّعيا بل «الغدرة» كما قال.
وهو لم يقيد حركة الخوارج ولم يمنع الفارّين إلى معاوية.
كما أن علياً حرّم ممارسة العنف على الناس من دون وجه حق، فالمتهم لا يجوز تعذيبه مهما كانت تهمته. فحتى في تهمة القتل قضى علي بـ «التلطّف باستخراج الإقرار من الظنين»([280]).
ثم هو رفع العقوبة عن المقرّ إذا كان إقراره قد أتى نتيجة لعنف على شخصه أو ماله أو نتيجة لتهديده. فكان يقول: «من أقر عن تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه»([281]).
هذا وكان علي لا يقر السجن في مسائل الحقوق المالية إلا في حالات استثنائية، وهي تدخل اليوم في قوانين الجزاء، وذلك لأن الحرية أثمن من المال، فكان لا يسجن إلا المفاليس الاحتياليين ومن أكل مال اليتيم ظلماً ومن ائتمن على أمانة فذهب بها، كما كان يسجن الغالين من الأثرياء أو المبذرين بقصد حرمان دائنيهم من حقوقهم([282]).
وأخيراً فإن الدولة الأسلامية كانت تضمن أخطاء القضاة، فكانت تدفع التعويض للمظلوم أو لأوليائه عند حصول ذلك الخطأ([283]).
أما أخطاء عامة الموظفين فإن الدولة تضمنها بتوفير حق الناس والعودة على الموظفين المرتكبين. ويؤكد عمر هذا المبدأ بقوله: «أيما عامل من عمالي ظلم أحداً، ثم بلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا الذي ظلمت»([284]). ويضيف عمر: «والذي بعث محمداً بالحق لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب»([285]).
هذا وقد نبّه علي بن أبي طالب عثمان إلى هذا المبدأ الإسلامي فقال له: «والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينك وبينه»([286]).
المساواة: يشدّد الإسلام على المساواة بشكل غير عادي، فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى «أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» وأن المسلمين «سواسية كأسنان المشط»، وقد طبق هذا المبدأ في أيام الرسول وأيام الخلفاء.
فعلى صعيد العطاء للمسلمين، كجنود احتياطيين، كان الفيء، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوزع بالتساوي، وقد تبعه في ذلك أبو بكر ثم عمر في الفترة الأولى من خلافته. ولكن ما لبث أن وضع معياراً يقوم على التفاضل المبني على السابقة في الإسلام وعلى الجهاد وعلى القربى من الرسول. إلا أنه بعد التجربة اقتنع بأن العودة إلى المساواة هي الطريق الصحيح([287]).
فلما ولي علي بن أبي طالب عليه السلام أعاد المساواة، معتبراً أن الفيء «ليس لأحد فيه على أحد أثرة، فقد فرغ الله عز وجل من قسمه»([288]) ولما احتجّ القوم على هذه المساواة أجابهم علي: «لو كان المال مالي لسويت بينهم فكيف والمال مال الله»([289]).
أما ما خلا مسألة العطاء فإن المساواة لم يكن عليها خلاف بين قادة المسلمين، فهذا عمر يوصي خليفته المحتمل بقوله: «واجعل الناس عندك سواء، لا تبال على من وجب الحق، لا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله وأفاء الله على المسلمين فتجور وتظلم»([290]).
كما أنه يمزّق كتاباً كتبه أبو بكر لشخصين من متأخري الإسلام يقطعهما فيه أرضاً ثم يعاتبه بقوله: «أهي (الأرض) لك خاصة أم بين المسلمين عامة … فما حملك على أن تخص بها هذين من دون جماعة المسلمين؟» فأخبره أبو بكر أنه استشار في ذلك. فأجاب عمر: «أفكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضاً؟»([291]).
كما أن عمر كان يتشدد مع أهله ويطلب من ولاته التشدد معهم. فلما شرب ابنه عبد الرحمن الخمر في مصر وعلم أن عمرو بن العاصم أقام عليه الحد في مكان محصور، كتب إليه مهدداً لعدم مساواته في المعاملة بين ابنه وبين سائر الناس، الأمر الذي ينم عن المحاباة، وطلب إليه أن يرسله «في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع. ولما وصل عبد الرحمن إلى أبيه، أقام عليه الحد مجدداً»([292]).
هذا وسوّى علي عليه السلام بين خاصة أهله وعامة المسلمين، فلما طلب منه عقيل أخوه زيادة على عطائه من بيت المال، أحمى له حديدة وأمسكه إياها (وكان أعمى)، ولما طلب منه ابن أخيه عبد الله ابن الشهيد جعفر الطيار مساعدة من أموال المسلمين، أجابه: «لا والله لا أجد لك شيئاً إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك»([293]).
أما على صعيد المعاملات الأخرى، فإن النبي لم يكن يميّز نفسه عن المسلمين في شيء، إلا أنهم كانوا يعاملونه من تلقائهم باحترام غير محدود. وكان عمر يرفض أن يخص بشيء ما لم ينل منه جميع المسلمين، فقد رفض أنواعاً من الحلوى كانت تأتيه من عماله في بلاد فارس «لأن مسلمي تلك البلاد لم يشبعوا منها»([294]).
كما أن علياً عليه السلام كان يركز على المساواة الدقيقة فيوصي عماله بالقول: «واخفض للرعية جناحك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية» وذلك للغني وللفقير «كي لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك»([295]).
هذا ويغضب علي عليه السلام في مجلس عمر، وكان قاضياً، لأن عمر كنّاه بأبي الحسن بينما سمى خصمه باسمه مخلاً في ذلك بمبدأ المساواة.
حرمة الحياة الخاصة: لقد حمى الإسلام الحياة الخاصة، لا سيما في الجانب الحميمي الذي لا يريد الإنسان أن يظهره للناس، شرط أن لا يلحق الضرر بالآخرين، فالتجسس وكشف المستور محرّم حتى ولو كان هناك اعتداء على حقوق الله.
فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿ولا تجسسوا﴾ [سورة الحجرات، آية: 12] كما جاء ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾ [سورة النور، آية: 27] ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [سورة البقرة، آية: 189] وذلك لأن البيت هو المكان المخصص للراحة وللستر لقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا﴾ [سورة النحل، آية: 80].
وقد أوضحت السنة النبوية هذه الأحكام فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التجسس([296]). لأن في التجسس إفساداً للناس كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم»([297]).
وهذا المبدأ تمسك به علي عليه السلام وأعطاه أبعاده في السلم والحرب، فهو نهى قادته عن المسير بالجيش ليلاً وكذلك عن الهجوم ليلاً لأن الليل سكن فحيث يكون الإنسان فكأنما هو في بيته([298]).
كما نهى مقاتليه حتى عن دخول دور أعدائه في الحرب من تلقائهم بقوله: «ولا تدخلوا داراً إلا بإذني»([299]).
ومن جهة أخرى نهى علي(ع) عن تتبع العورات، إذ جاء في عهده إلى مالك الأشتر: «وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن على ما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك … فاستر العورة ما استطعت … وتغاب عن كل ما لا يصح لك ولا تعجلن على تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين»([300]).
كل هذا لأن المعصية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت لم تضر إلا بصاحبها، ولكن إذا ظهرت أضرت بالعامة». على أن الخليفة والحاكم عموماً إذا أخطأ في هذا المجال عليه أن يتراجع ويمتنع عن إنزال العقوبة إن كشف أن أمراً يستحقها. وهذا ما فعله عمر بن الخطاب الذي سمع، وهو يتعسس صوتاً مريباً منبعثاً من إحدى الدور، فتسلق الحائط ونزل في الداخل، ونظر وهو في الظلام إلى داخل البيت فوجد أناساً يعصون الله، فلما سألهم عن فعلتهم هذه قالوا: إنهم أخطؤوا بواحدة بينما أخطأ الخليفة بثلاث، فالله يقول: «ولا تأتوا البيوت إلا من أبوابها وأنت تسورت الحائط، ويقول: ولا تجسسوا وأنت تجسست. ويقول: ولا تدخلوا البيوت حتى تستأنسوا وتسلموا وأنت لم تستأذن ولم تسلم، فاعتذر عمر وعفا عنهم»([301]).
هذا وتبرز مسألة حرمة السرية والحياة الخاصة في الإثبات الواجب لعقوبة الزنى التي لا يعاقب عليها ما لم تصبح علنية بحيث يشهدها أربعة شهود أو أن يصرّ مرتكبها على طلب العقوبة لنفسه. وقد حاول الخلفاء كما حاول الرسول صلى الله عليه وسلم ثني الناس عن الاعتراف بالزنى. إذ يقول علي بن أبي طالب بمناسبة مجيء رجل إليه واعترافه بالزنى: «ما أقبح الرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا، أفلا تاب في بيته. فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد»([302]).
الحقوق السياسية: لقد حظر الإسلام على الحاكم أن يتعرض للحريات السياسية من طرح الرأي إلى التحزّب وما إليهما: فالرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيفة التي كتبها في المدينة سمح للقوى الدينية الموجودة اتخاذ المواقف، ولم يقاتل اليهود حتى قاتلوه. كما أن أبا بكر لم يكره القوى التي رفضت مبايعته كسعد بن عبادة وبني هاشم، على البيعة.
على أن التطبيق الواضح لمبدأ حرية اتخاذ الموقف السياسي برز في عهد علي بشكل واضح، إذ حرَّم الخليفة على نفسه التعرض للجماعات السياسية ما لم تبدأه بقتال، فبمناسبة بيعته، لم يعمد علي عليه السلام إلى إكراه أحد على مبايعته، وهكذا فقد رفض سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة الأنصاري، فتركهم الإمام بعد أن أكّدوا له أنهم لن يحدثوا أي حدث.
وفي حروبه لم يلزم علي أحداً بالانضمام إلى جيشه، لا يوم الجمل ولا في معركة صفين ولا في النهروان.
وكذلك هو لم يقاتل الجماعات التي انفصلت عن جيشه إلا بعد أن بدأته القتال. وهكذا فهو قد ترك الخوارج ولم يستخدم معهم إلا الحوار، على الرغم من تركهم الصلاة وراءه وتكفيرهم إياه. فكان المبدأ الذي سار عليه تجاههم «لا تمنعهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا ولا نحول بينهم وبين دخول مساجد الله ولا نهيجهم بحرب ما لم يسفكوا دماً وما لم ينالوا محرماً»([303]).
وهو لم يقاتلهم إلا بعد مباشرتهم قتل الناس وأعمال الفساد في الأرض على أثر مقتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: أقام الإسلام نظاماً للضمان الاجتماعي أرسيت أسسه أيام الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بأجلى صورة فيما بعد.
وهذا النظام يجد أصوله في كتاب الله، حيث تتعدد الآيات التي تتناوله، كتلك التي تتحدث عن الزكاة [سورة التوبة، آية: 60] أو التي تتحدث عن الخمس [سورة الأنفال، آية: 41] وغيرهما. وقد أقام الرسول نظام الضمان اعتماداً على الموارد المحدودة، أولاً، وعلى التطوع أيضاً، حيث تبرّع الأنصار بشطر أموالهم للمهاجرين، إلا أنه تحول بفضل موارد الدولة إلى ضمان كافٍ فيما بعد.
وفي المرحلة اللاحقة، وبعد اتساع رقعة الدولة قام نظام الضمان في جميع أرجائها، وكان المسؤولون يبحثون أحياناً عن الفقراء لمساعدتهم. فهذا عمر يتعسس حتى إذا وجد محتاجاً أعانه من مال الصدقات، فقد عثر ذات يوم على أسرة مكونة من امرأة وأطفال جياع تعللهم الأم بقدر على النار في ماء فقط. فذهب عمر إلى مخازن الصدقات وحمل لهم على ظهره كيساً من الطحين وشيئاً من السمن ولم يتركهم حتى أكلوا وناموا([304]).
على أن النظرة الاجتماعية الإسلامية نالت تقنينها الأوضح عند علي بن أبي طالب عليه السلام نظراً لشمول نظرته ونفاذ فكره.
لقد قامت فلسفة الإمام علي الاجتماعية على الإيمان بأن الحقوق المفروضة في أموال الأغنياء لصالح الفقراء كافية في النهاية لرفع الحاجة في المجتمع، فهو يقول: «إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير بما متّع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك»([305]).
على أن حق الفقير لا يقتصر على إقامة أوده فقط، بل هو يبلغ في حال الرخاء الاقتصادي حد الإغناء، وكان هذا الأمر قائماً في أيام علي الذي كان يوصي عماله بالقول: «فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فأقسمه فيمن قبلك حتى تغنيهم وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا والسلام»([306]).
هذه النظرية ليست نظرية الاشتراكية الماركسية لأنها تترك الحرية للفرد ضمن الشرائع ثم تأخذ منه الضريبة، كما أنها تتجاوز ما يحصل اليوم في البلدان التي تعتمد نظام التدخلية (Interventionnisme) التي تلبي الحاجات الضرورية لبعض الفئات الدنيا، كتأمين الطبابة وتغطية القسم الأكبر من تكاليفها للعاملين والموظفين، وبتوفير مدخول متواضع جداً لمن يفقدون عملهم، إضافة إلى بعض المساعدات البسيطة للفقراء، ممن يتقدمون لطلبها.
وما يميز الموقف الإسلامي، كما مارسه الإمام علي عليه السلام عن التدخلية الحديثة، هو أن جميع الناس يجب أن يوفر لهم ما يسد حاجاتهم الضرورية وحتى غير الضرورية إذا ما كانت الموارد كافية، على أن لا تقدم الضمانات للمطالبين بها فقط، بل وأيضاً إلى أولئك الذين لا يمدون أيديهم ويقنعون بأقل الأشياء، حتى يعاملوا على قدم المساواة مع سائر الفقراء، وحتى يتمكن الولي من ذلك، فعليه أن يكلف من يثق بهم للبحث عن هؤلاء الناس ورفع حوائجهم، وكذلك حوائج الأيتام والعجزة.
يقول الإمام علي بهذا الخصوص مخاطباً عامله المعين على مصر مالكاً الأشتر: «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه ولا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييع التافه لإحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك عنهم ولا تصغر خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقحمه العيون وتحقره الرجال. ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم. ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه»([307]).
هذا ويخص الإسلام المدينين الذين لم يبذّروا والمسافرين الذي تتقطع بهم السبل إلى جانب فئات الفقراء، بالمساعدة (الآية 60 من سورة التوبة والآية 41 من سورة الأنفال).
الحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم في الظروف الاستثنائية: لم يسمح الإسلام بالتعدي على الحقوق والحريات حتى في الحالات الاستثنائية، ذلك أن التشريعات التي ناقشناها فيما سبق طبّقت في جميع الحالات. فعهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المدينة عهد حروب، وكذلك عهد أبي بكر وعهد عمر. وإذا كانت هذه الحروب بعيدة أحياناً عن عاصمة الخلافة وحتى عن جزيرة العرب كما في عهد عمر، فإنها في عهد علي عليه السلام كانت حروباً داخلية، سواء معركة الجمل أم حرب صفين أم معركة النهروان.
وقد أوضح علي نظام الحريات والحقوق كما رأينا، ولكن ليس في السلم بطبيعة الحال فقط، بل هو اعتبر أحكام الإسلام في مجال الحقوق والحريات واحدة، ومن هنا كان عدم تضييقه على الخوارج على الرغم من تجهيزه للمسير إلى الشام، وهو لم يعامل معاوية بالمثل في مسألة الماء، فبعد أن كان جيش الشام قد منع جيش الإمام علي من الشرب عندما استولى على شريعة النهر، فإن علياً الذي أمر قادته بانتزاع شريعة الماء، أبلغ معاوية أن لجيشه الحق بورود الماء كما لجيش الإمام نفسه.
وهذه مسائل لا تستطيع حكومات اليوم تبنيها، بل هي تتعمد في حالة الحرب أو في حالة الكوارث إلى إعلان حالة الطوارئ وحالة الحصار، التي تسمح بمصادرة الأموال والأشخاص وتقييد الحريات وتحديد إقامة فئات من الناس. كل هذا لم يمارسه الإمام علي على أساس أن الله لم يسمح به.
انهيار النظام الإسلامي:
هذا النظام المتطور الذي لم تصل إليه الإنسانية اليوم، لم يعمّر طويلاً بل هو انهار ليقوم بدلاً منه نظام استبدادي، على غرار ما سمي «نظام الاستبداد الشرقي» استمر لقرون طويلة، فضرب بمكاسب الإسلام كلها عرض الحائط. فكيف انهار هذا النظام؟
لقد انهار النظام الإسلامي كله بوصول معاوية بن أبي سفيان إلى الحكم، حيث ارتد في موضوع تعيين الحاكم وفي صلاحياته وفي موضوع حقوق الإنسان وحرياته، فكيف مارس معاوية مهماته؟
الحق في السلطة: لقد كان المعين لمعاوية في وصوله إلى السلطة «قميص عثمان»؛ إذ أن العامل الأموي على الشام ترك عثمان يحاصر ويقتل رغم استنجاده به.
وبعد أن قتل تصدى للمطالبة بثأره، مقاتلاً الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب عليه السلام حتى إذا اغتيل علي توصل معاوية إلى ممارسة الحكم على المسلمين.
إذاً أقام معاوية سلطة على الأساس القبلي الذي أتى الإسلام لينسفه، معتمداً الاتهامات غير الصحيحة ومتوسلاً بالخداع وحجب المعلومات الحقيقية، حتى إذا وصل إلى ما يريد، كشف عن أغراضه بكل وضوح فكانت مبادئ حكمه هي التالية:
مهمة الحاكم: بعد أن كانت مهمة الخليفة، تعليم الرعية ووعظهم والنصح لهم إضافة إلى إشاعة العدل وتوفير الفيء وإقرار النظام، كما رأينا، تحولت في زمن معاوية إلى تأمّر وتسلّط مبني على الاستخفاف بالعهود التي قدسها الإسلام. فقد أعلن عندما وصل الكوفة أنه لن يلتزم بأي اتفاق وأنه لا يريد إلاّ التحكم وذلك في خطابه الذي جاء فيه: «يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وأليَ رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين»([308])!
أما خطابه لأهل المدينة، من أبناء المهاجرين والأنصار، فلم يكن أفضل، إذ يعلن أنه حكمهم بالقوة ويرفض السير على نهج أبي بكر وعمر فهو يقول: «أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي، ولكني جالدتكم عليها بسيفي هذا مجالدة … وقد رُضْتُ لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفاراً شديداً»([309]).
أما التعليم والتأديب والنصيحة التي التزم بها الخلفاء الأول، فقد تحولت في أيام معاوية إلى رشوة وتجهيل وإخافة، واستمرت في عهد خلفائه حتى «أن الشيوخ من أهل الشام (كانوا) يقسمون لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة»([310]).
هذا وكان معاوية أعلن بنفسه جهل أهل الشام بمن بنوا الإسلام يوم قال مخاطباً عمار بن ياسر: «إن بالشام مائة ألف فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم لا يعرفون علياً ولا قرابته ولا عماراً ولا سابقته ولا الزبير ولا صحابته ولا طلحة ولا هجرته ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ولا يتقون سعداً ولا دعوته»([311]).
حق الإنسان بالحياة: كان معاوية يستخف بهذا الحق استخفافاً ملفتاً، إذ فكّر بإبادة جزء من الموالي، وذلك لا لذنب سوى أنهم موالٍ، وقد ينتفضون على العرب وعلى الحكم يوماً ما. فهو يقول للأحنف بن قيس: «إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت … وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رأيت أن أقتل شطراً وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق …» ([312]).
وقد سار خلفاؤه على تزكية الحساسيات بين الموالي والعرب، فكان الحجاج يخاطب الموالي بالعلوج والأعاجم ويبقي الجزية على مسلميهم حفاظاً على مداخليه. وقد كتب إلى عماله: أن الخراج قد كسر وأن أهل الذمة قد دخلوا الإسلام ولحقوا بالأمصار فأمر بإرجاعهم وإبقاء الجزية والخراج عليهم. كما أن معاوية أمر بسم الحسن بن علي عليه السلام وقتل حجر بن عدي وأصحابه كما قتل عمرو بن الحمق الخزاعي، لا لسبب إلا لأنه كان يخاف قطع الأول الطريق على ورثائه من بعده، ولكي يسكت أي صوت يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. فقد كان السبب في قتل حجر بن عدي وصحبه أنهم استنكروا عدم إحقاق الحق على يدي عامله زياد في العراق، بعدم القود من مسلم عربي قتل ذمياً وكانت النتيجة أن أمر معاوية بقتله مع عدد من الرجال ممن رأوا رأيه»([313]).
وقد أصبح القتل من أسهل الأمور عند الأمويين فيما بعد حتى وصل الحال بخالد بن عبد الله القسري عامل الأمويين على العراق أن يذبح الجعد بن درهم في أسفل المنبر يوم عيد الأضحى معلناً أنه سيضحي به([314])، وذلك لأن الجعد يحمل رأياً لا يروق السلطة. إلى جانب إزهاق آلاف الأرواح بدون حق.
الحق بالملكية الخاصة: لم يصن معاوية هذا الحق، وكانت مسألة العطاء هي المسألة التي جرى خرق التعاليم الإسلامية بخصوصها، فلم يكتف معاوية بالرشاوي، بل عمد إلى المعاقبة بقطع العطاء عمن لا يؤيده حتى ولو كان مستعداً للجهاد، الأمر الذي أخل بمبدأ المساواة إخلالاً فظيعاً.
فعلى صعيد الرشاوي كان معاوية يمنح المال إلى المقربين منه، ولعل مساوماته مع عمرو بن العاص حول إعطائه مصر طعمة له، ما يبرز طبيعة تلك الرشاوي وحجمها.
أما الحرمان من العطاء فقد طال مؤيدي علي عليه السلام إلا من بقي يراوده الأمل في إسكاته أو تقريبه، ولكن الفئة التي يكرهها الأمويون والتي منيت بالحرمان بشكل ملفت هي، الأنصار باستثناء عدة أشخاص منهم، كالنعمان بن بشير بن سعد الذي كان أبوه عيناً لقريش بين الأنصار يوم السقيفة. وهكذا فقد أتى وفد الأنصار يطالب بحقوقهم.
وقدّموا على رأسهم النعمان بن بشير نفسه ليشفع لهم، وهم يشكون الفقر والفاقة، وقالوا لمعاوية لقد صدق رسول الله في قولنا لنا: «ستلقون بعدي أثرة فقد لقيناها».
فقال معاوية: فماذا قال لكم؟
قالوا: قال لنا: فاصبروا حتى تردوا علي الحوض.
قال معاوية: «فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقونه غداً عند الحوض كما أخبركم».
وحرمهم ولم يعطهم شيئاً([315]).
على أن تصرّف معاوية هذا فتح الباب فيما بعد ليزيد ابنه ليفتك بهم ويستبيح المدينة تقتيلاً لرجالها واغتصاباً لعذاراها في وقعة الحرة الشهيرة([316]).
أما سلوك معاوية الشخصي فكان على طرف نقيض مع الخلفاء، فقد كان يلبس الحرير ويشرب في آنية من الذهب والفضة، وهذا ما كان يستنكره كبار المسلمين حتى قال له أبو الدرداء يوماً: «إني سمعت رسول الله يقول: إن الشارب فيهما لتجرجر في جوفه نار جهنم. فأجاب معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأساً»([317]).
ولعل هذا ما فتح الباب واسعاً لخلفاء بني أمية حتى يتنعموا بأموال المسلمين، حتى أن هشام بن عبد الملك كان «لا يحمل ملابسه إلا سبعمائة جمل من أجلد ما تكون من الإبل وأعظم ما يحمل عليه من الجمال»([318]).
شرعية الجرائم والعقوبات: لقد وجه معاوية ضربة قاصمة إلى التشريع الإسلامي عندما عبث بأحد المصدرين الرئيسين له حسب إجماع المسلمين، فقد أمر عماله بالبراءة ممن يروي الأحاديث في فضل علي، كما أمر بوضع الأحاديث لصالح «الصحابة» وبأن يوضح في مقابل كل حديث في علي عليه السلام حديث في أحد الصحابة.
فقد روى المدائني في كتاب «الأحداث» أن معاوية كتب نسخة موحدة إلى عماله بعد استيلائه على الحكم «أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل «أبي تراب» و«أهل بيته»، كما كتب نسخة أخرى: «أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان وأهل ولايته من الذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم»، ففعلوا ثم كتب معاوية إلى عماله «إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقرّ لعيني وأدحض لحجة أبي تراب … فرويت أخبار كثيرة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى وما يذكر في ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى تعلموه إلى جانب القرآن وحتى علموه نساءهم وحشمهم».
وكانت النتيجة أن «ظهر حديث كثير موضوع وبهتان فشا ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء المراؤون المستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فتقبلوها ورووها على أنها صحيحة»([319]).
وإذا علمنا أن القرآن حمّال وجوه، وأن السنة هي المفسّرة الدقيقة له في الكثير من الأحكام، أدركنا أي انقلاب على الإسلام قام به معاوية بحيث نسف أسسه من الأعماق. أما على صعيد تطبيق المبادئ الشرعية فقد عرف التاريخ لمعاوية استهتاراً وتعسفاً شديدين. فقد نال مؤيدي الشرعية الإسلامية في شخص الخليفة المبايع علي بن أبي طالب، من التعذيب ما لم يعرفه التاريخ العربي ولا غير العربي في المنطقة حتى تلك الفترة، فقد ولي زياد بن أبيه، بعد أن ألحقه معاوية بأبي سفيان، على العراقيين فأخذ يلاحق أنصار علي، «تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النحل وطردهم وشردهم»([320]) من دون أي مسوغ شرعي.
ثم عين الخلفاء الأمويون من البيت المرواني، الحجاج بن يوسف الذي طبّقت شهرته الآفاق في القتل والصلب والتقطيع والتخليد في السجون.
هذا وقد رأينا قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وأصحابه والتآمر على الحسن بن علي عليه السلام وسمه وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي واغتيال مالك الأشتر من دون أي مسوغ شرعي. هذا وقد سن معاوية «سنّة» لعن علي بن أبي طالب عليه السلام على المنابر، فاستمرت طوال حكم الأمويين. وعلي عليه السلام يعرف المسلمون ما ورد فيه من أحاديث عن لسان الرسول، منها أن علياً مع الحق وأن الحق مع علي وما ورد عن لسان أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنهم كانوا يعرفون المنافقين أيام رسول بموقفهم من علي وقول الرسول له: يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر … على أن جرائم معاوية لم تطل فقط من لم يكن مؤيداً له، فهو كان لا يقيم وزناً حتى لذمة رسول الله، فكان يأمر بالإغارة على أطراف العراق وعلى سواده بقصد القتل، حتى لو طال القتل النصارى وهذا ما أنّبه علي عليه السلام من أجله حين قال له: «ويحك وما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان»([321]).
هذا وكان معاوية يحاول أحياناً كثيرة إهانة كبار المسلمين وقتلهم، من دون مراعاة لكتاب أو سنة. ولكنه كان يتراجع عندما يجد عندهم الحزم ويخاف قبائلهم.
أما سائر خلفاء الأمويين فقد تخلّوا عن المرونة الظاهرية بعد أن استتب لهم الحكم. فهذا عبد الملك بن مروان يرفض أي نقد أو توجيه ويصرّح في خطبة له: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقالي هذا إلا ضربت عنقه».
ويسير عمال بني أمية على النهج الجديد، فالحجاج بن يوسف الذي مات عن خمسين ألف سجين عدا المصلوبين والمقطعين يقول: «والله لا آمر أحداً أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه»([322]).
هذا وقد أعلن عدد من الخلفاء اللاحقين من بني أمية تعاليهم على الناس وعدم قبولهم حتى بما كان يتقبله أسلافهم. فقد ودّع عبد الملك بن مروان القرآن عندما بويع له بالخلافة وقال: «هذا آخر عهدنا بك». وخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر قريش، إنكم لا تحبوننا أبداً وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبداً ونحن نذكر يوم مقتل عثمان»([323]).
ويضيف «ألا إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم … ألا إن الجامعة، (القيد الذي يجمع اليدين إلى العنق) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعلة إلا جعلتها في عنقه»([324]).
أما ابنه الوليد فكان فعلاً ابن السلالة الأموية. فها هو يخطب في رعيته بقوله: «إنكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون: يا معاوية ويا يزيد، وإني أعاهد الله! لا يكلمني أحد بمثل ذلك إلاّ أتلفت نفسه». وهو الذي كان يستفسر مستنكراً: «أيمكن للخليفة أن يحاسب؟». وقد أتى أخوه يزيد بأربعين شيخاً فشهدوا له: «ما على الخليفة من حساب ولا عذاب»([325]).
أما الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقد كان يرمي القرآن بالنبل ويقول:
«أتوعد كل جبار عنيد
فها أنذا جبار عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشر
فقل يا رب مزقني الوليد»
وقد عزم على أن يحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة. ولما قتل خاطبه أخوه سليمان قائلاً: «أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً ولقد راودني عن نفسي»([326]).
هذا وقد تمادى خلفاء بني أمية وعمالهم في تجاهل الشرع، فاسترقّوا المسلمين وأبقوا الجزية على بعضهم. فقد سبى زياد ذراري قريب وزحاف الخارجيَّين. ثم سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني وأم يزيد بن عمرو بن هبيرة واسترقّوا، كما سبي رجال من المسلمين واسترقّوا أيضاً كواصل بن عمرو القنا وسعيد الحروري([327]).
كما كانوا يبيعون الرجل في الدين كمعز أبي عمير بن معن الكاتب الذي اشتراه أبو سعيد بن زيد ابن عمرو العنكي. وباع الحجاج علي بن بشير الماحوز لأنه قتل رسول المهلب إلى رجل من الأزد. كل ذلك إلى جانب أخذ البيعة ليزيد من أهل المدينة بعد وقعة الحرة على أنهم عبيد أرقّاء ليزيد بن معاوية. هذا وكان الأمويون كما رأينا يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة ويقولون: هؤلاء فرّوا من الجزية([328]).
وأخيراً، فإن الأمويين بعد معاوية وبعد ما سنّه لهم من استباحة الشرائع، أرسوا تقليد نبش القبور والتمثيل بالجثث، كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين الذي نبشوا قبره وأخرجوا جثته ورموا برأسه في أرض الدار يوطأ بالأقدام وينقره الدجاج([329]).
وكل هذه عقوبات مخالفة للقرآن والسنة وخاصة لمبدأ «شرعية الجرائم والعقوبات».
الحريات العامة: لم يكن معاوية يقيم أي وزن للحريات العامة إلا إذا كانت مجرد كلام هو أمي عابر. وقد سأله أحد أقربائه عن ذلك، فقال له: «أنحول بين الناس وألسنتهم. فما داموا لا يهددون ملكنا فليقولوا ما يشاؤون»([330]).
على هذا النهج سار معاوية ضارباً بالحريات، خصوصاً في المجال السياسي، عرض الحائط. ففي مجال اختيار خليفته عبث معاوية بمسألة البيعة إلى الدرجة التي اختار فيها ابنه يزيد خليفة له وهو لم يكن من المسلمين إلاّ في بعض المظاهر. فكان سكّيراً قاتلاً يلاعب القرود، وقد مات فيما كان يجري سباقاً مع قرد فوقع عن ظهر الحصان وعلقت رجله بالركاب وجرّه الحصان حتى مات، وهو الذي قتل الحسين عليه السلام وأصحابه في سنته الأولى واحتلت قواته المدينة وأباح رجالها ونساءها لجيشه بعد وقعة الحرة في السنة الثانية ودك الكعبة في السنة الثالثة.
أما عن كيفية أخذ البيعة من المسلمين ليزيد، فكانت صفعةً للإسلام وخاصة في فكره السياسي، فقد أجلس معاوية ابنه يزيد لأخذ البيعة، فتولى الأمر بين من تكلموا يزيد بن المقنع فقال مشيراً إلى معاوية: «أمير المؤمنين هذا فإن هلك (وأشار إلى يزيد) فهذا، فمن أبى (وضرب يده على السيف) فهذا»([331]).
ثم أن معاوية، بعد أخذ البيعة لإبنه في الشام، توجه إلى المدينة، فجمع أبناء المهاجرين والأنصار، ودعا إلى البيعة من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفاً حواليه كبار المسلمين، موكلاً حرسه بهم مع أموامره بضرب عنق من يحاول الكلام منهم، فيما يشهد هو على ألسنتهم بأنهم بايعوا يزيد.
وقد ذهبت هذه العادة سُنّة في بني أمية، فقد أوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد بقوله: «وادع الناس إذ مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا (أي رفض) فقل بسيفك هكذا (أي اضرب عنقه)» ([332]).
كما أن سليمان بن عبد الملك دعا بقرطاس وكتب فيه العهد لخليفته وختمه وأرسل من ينادي في الناس قائلاً: «إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب». ولما شعر بأن بعضهم يتساءل، رجع إلى سليمان، فأمره بأن ينطلق إلى صاحب الشرطة، ثم يجمع الناس ويأمرهم بالبيعة فمن أبى ضرب عنقه([333]).
أما في الجوانب الأخرى من الحريات التي أرساها الإسلام، فلم يكن الشرع يعرف طريقه إلى التطبيق، بعدما شجع معاوية من أتى بعده على الاستبداد والتحكم الكيفي، فكان انتهاك حرمات المنازل وقتل الأطفال أمراً مألوفاً، فبسر بن أرطأة الذي كلفه معاوية بالترويع والقتل في الحجاز واليمن دخل بيتاً فيه طفلان لعبيد الله بن العباس فضربهما بالأرض فقتلا.
واستهل خلفاء معاوية أمر انتهاك الحرمات فدخلوا دور بني هاشم أيام يزيد وسائر بيوت المدينة عنوة، فقتلوا واغتصبوا النساء وسبوهن، وما سبي بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل الحسين عليه السلام إلا القمة التي وصل إليها هؤلاء القوم في انتهاك حرمة الإسلام وليس حرمة البيوت وحسب([334]).
المساواة: لم يكن معاوية مؤمناً بالمساواة وكان يدّعي للناس أن قريشاً كان يحوطهم الله على كفرهم فكيف وهم مسلمون، فلم يكن يعطي بالسوية بل كان يؤتي بعض الناس إما رشوة وإما بسبب القرابة، وقد تحول بنو أمية إلى أرستقراطية نتيجة لهذه المعاملة.
وكان التبرير الذي يستخدمه معاوية هو أن المال مال الله وهو وكيل الله، فباستطاعته توزيع المال كما يشاء، وقد أجابه أبو ذر الغفاري على هذا الادّعاء بأن المال مال المسلمين، ولهم حقوق معلومة فيه ومحددة، الأمر الذي دفع به إلى التخلص من أبي ذر، وكان ذلك في زمن عثمان. وقد رأينا سابقاً إغداق معاوية الأموال على الرواة الذين يروق له حديثهم، وحجبه عن الآخرين الذين لا يؤيدون اغتصابه للحكم.
ومن هنا فإن معاوية أخلّ بمبدأ المساواة في الإسلام عن طريق التمييز في العطاء، كما أخلّ به عند تمييزه بين قبيلة وقبيلة وبين العرب والموالي. وقد كان هذا إسفيناً دُقّ في نعش السياسة الاجتماعية التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء.
الغدر ونقض العهود: لم يكن معاوية يقيم وزناً للعهود حتى الموثقة منها بالأيمان المغلظة، رغم تشديد القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وقادة الإسلام على الوفاء بالعهد، فقد نقض معاوية ما تعهد به للحسن بن علي، كما رأينا ولمّا يجفَّ حبره، وكذلك هو تعهد لجعدة بنت الأشعث بن قيس، إن هي سمّت الإمام الحسن، بتزويجها من يزيد وحنث، كما حنث مع عبد الله بن سلام الذي دفعه إلى طلاق زوجته أرينب بنت إسحاق ليزوّجها إلى يزيد، واعداً زوجها بأن يزوجه ابنته، فلما طلق عبد الله بن سلام أرينب، لم يف له معاوية بما وعده، كما تراجعت ابنة معاوية عن وعدها له([335]).
معاوية والظروف الاستثنائية: إذا كان معاوية يضرب عرض الحائط بكل مكاسب الإنسان في ظل الإسلام في الظروف العادية، فهو في الظروف الاستثنائية لا بدّ أن يكون أشدّ تنكراً لها. ولعل المثال الذي بقي لنا للتدليل على مدى استباحة معاوية لحقوق البشر ومن ورائها مبادئ الإسلام بعد أوامره لقادته بالقتل والسبي والنهب دون تمييز بين إمرأة أو شيخ أو طفل أو مقاتل كما رأينا فهو، قطع الماء عن المسلمين العراقيين عندما استولى على شريعة الفرات في صفين، ولكن الإمام علي عليه السلام لقّنه الدرس الإسلامي الصحيح، بإباحته الماء لجيش الشام عندما استولى عليه.
الخلاصة:
لقد نسف معاوية النظام الإسلامي من أساسه، وكان هذا النظام قد وجد تعبيراته المتكاملة في عهود الخلفاء فكان عهد علي بن أبي طالب من أكثر العهود الإسلامية وضوحاً، نظراً لكثرة المشاكل التي اعترضته والحلول التي وضعها لها. ولما أتى معاوية على الأثر لم يكن جاهلاً بكيفية ممارسة هذا النظام وأسسه، بل هو تعمد ألاّ يسير بسيرة أسلافه، متجاهلاً أن النظام الذي وضعه الخلفاء هو، بحسب الإسلام نظام إلهي، يحدّد للحاكم كيفية الحكم مبيناً حقوقه وواجباته.
ولما كان معاوية قد رفض تطبيق هذا النظام ومارس صلاحيات لم يفوضها الله إلى الحاكم، فهو قد انتزعها انتزاعاً. ولما كانت السلطة لله، فإن من ينتزعها، يحاول مشاركة الله في صلاحياته وبالتالي يكون متألهاً دون أن يعلن ذلك، لأن المتألهين السابقين، من غير المؤمنين بالأديان السماوية، إنما كانوا يمارسون صلاحياتهم على أساس أنهم آلهة أو وكلاء الآلهة، وإذا كانت العبرة بالممارسة لا بالخطاب، فإن معاوية ليس مختلفاً عنهم، وفي هذا ارتداد عن النظام الإسلامي وعن كل ما أنجزت الأديان السماوية من إلغاء الشرك بالله وتحريمه.
وإذا كان بعض الفقهاء يظن أن من يقوم بالعبادات يكون مسلماً، حتى ولو كان يمارس نظاماً شركياً، فإن هؤلاء يكونون كمن يحاسب مرتكب الصغيرة الفرد ويكافئ مرتكب الجرائم بحق الشعوب والأمم على فظاعتها. فإن كان معاوية يصوم ويصلي ويحج في الوقت نفسه الذي ارتد على صعيد الحكم إلى الوثنية، فإنه لم يرتكب جريمة بحق الإسلام والإنسانية التي أراد الإسلام أن يقيم فيها النظام الأمثل في القرن السابع الميلادي فحسب، بل هو ارتكب كل الجرائم التي تعرض لها الإنسان المسلم أولاً، والإنسان عموماً ثانياً، منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، ذلك لأنه سنّ تلك السنّة التي أدّت إلى مصادرة الحقوق والحريات وإباحة الذبح والقتل والسجن التي ما زال المسلمون حتى اليوم يعانون منها، كما تعاني منها شعوب العالم الثالث، وحتى سائر الشعوب إلى الأمس القريب.
وبعد كل هذا، نجد من يلتمس الأعذار لمعاوية. فهذا ابن خلدون يرى أنه «لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية على مقتضى العصبية، كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد، كما قد يتوهمه متوهم وينزع إليه ملحد، وإنما اختلفوا باجتهادهم في الحق وسفّه كل واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه، فإن كان المصيب علياً فلم يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل وإنما بقصد الحق وأخطأ»([336]).
وهكذا وبكل بساطة ورغم كل المراوغات، ورغم تراجع معاوية بعد تحكمه عن كل ما كان يطرحه ورغم كل جرائمه.
إن المنظار الذي يجب أن ينظر إلى الأمور من خلاله هو منظار اليوم، فالحكم الإسلامي أيام الخلفاء الراشدين كان حكماً يتجاوز في إنجازاته للإنسان ما أنجز اليوم، والحكم الذي مارسه معاوية كان في أسسه، منطلق الحكم الديكتاتوري الفردي الذي لا يقيم وزناً للقيم والأخلاق والدين. وكان هذا نتيجة لعدم إيمانه الفعلي بالدين الإسلامي كما يقول علي بن أبي طالب عندما رأى رايات أهل الشام: «والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر، فلما وجدوا عليه أنصاراً، رجعوا إلى عداوتهم لنا إلا أنهم لم يتركوا الصلاة»([337]).
وقد حرّض الإمام جيشه لهذا السبب بقوله: «سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكاً ويتخذهم المؤمنون أرباباً ويتخذون عباد الله خولاً»([338]).
وبالفعل فإن معاوية لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إيماناً حقيقياً، وهذا ما يؤكده المطرف بن المغيرة بن شعبة في ذكره لحادثة وقعت بين أبيه ومعاوية حيث نصح المغيرة معاوية بأن يقرب بني هاشم بعد أن اغتصب الحكم منهم وأصبحوا ضعافاً فقال معاوية:
«هيهات هيهات، أي ذكر أرجو بقاؤه، ملك أخو تيم (أبو بكر) فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: «أبو بكر».
وملك أخو عدي (عمر) فاجتهد وشمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، أو يقول قائل: «عمر».
وأن ابن أبي كبشة ي ى نزتلزتلخه (رسول الله صلى الله عليه وسلم) يصاح به كل يوم خمس مرات: «أشهد أن محمداً رسول الله». «فأي عمل يبقى وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك»([339]).
وهكذا فإن نظام الحكم الإسلامي قد انهار نهائياً على يدي معاوية، ولم تقم له قائمة منذ ذلك الحين حتى اليوم، وقد عاد نظام «الاستبداد الشرقي» ليكون هو النظام السائد في بلاد الإسلام بعد أن كان الإسلام، ومن قبله سائر الأديان السماوية الثورة الشاملة ضد هذا النظام.
د. محمد طي
مجمع البحرين
مؤلفه الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، النجفي، ولد في النجف الأشرف سنة 979 هجرية، عالم وفقيه ومحدث ولغوي، نشأ في أسرة عريقة بعلومها الدينية واللغوية والأدبية. توفي سنة 1085 هجرية/ 1674م.
هدف الكتاب: رفع الستار عن غريب الأحاديث، ورفع الغبار عن غير الجلي منها، ثم شفع المؤلف ذلك بالغرائب القرآنية، والعجائب البرهانية، ليتم الغرض من مجموعي الكتاب والسنة لمن رام الانتفاع بهما، ويتحصل المطلوب فيه من كل منهما.
نوعه: معجم في غريب القرآن الكريم والحديث الشريف.
مصادره: ذكر الملف في مقدمته العديد من الكتب اللغوية التي اعتمد عليها، «كصحاح الجوهري، والغريبين للهروي، والدر النثير، ونهاية ابن الأثير، وشمس العلوم لنشوان الحميري، والقاموس، ومجمع البحار المأنوس، وفائق اللغة، وأساسها، والمجمل من أجناسها، والمغرب الغريب، وشرح النهج العجيب، ونحوها من الكتب المرضية، والشروح المطّلعة على النكت الخفية».
منهجه: اختار المؤلف لترتيب مواده ترتيب كتاب الصحاح، أي اعتماد الحرف الأخير من الكلمة المجردة، باعتباره باباً، والحرف الأول باعتباره فصلاً، ويذكر المؤلف أنه جعل «بابي الهمزة باباً واحداً ليكون التناول أسهل والانتشار أقل».
ميزاته: يجمع هذا المعجم إلى جانب موضوعه الأساسي: تفسير لغات غريب الكتاب والسنة، اهتمامه الواسع بالشرح اللغوي للمفردات، وبسط الدلالة المجازية والشرعية وتفسيرهما بما يتلاءم والمذهب الشيعي.
أهمية الكتاب
قال صاحب رياض العلماء:
«ثم إن كتاب مجمع البحرين من أحسن الكتب، ولقد أبدع في ذلك حيث جمع فيه بين تفسير لغات غريب القرآن، ولغات الحديث الخاصة، كما أن العامة قد ألّفوا كثيراً في لغة حديثهم ـ ولم يسبقه إلى تأليفه أحد من الإمامية».
وقال في موضع آخر:
«وهو كتاب جيد يغني عن الصحاح والقاموس فيما يتعلق بلغات الكتاب والسنة، وقد بلغ في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار».
محافل المؤمنين
كتاب باللغة الفارسية تأليف السيد محمد شفيع ابن السيد بهاء الدين الحسيني الكركي العاملي القزويني المتوفى حدود سنة 1200هـ من كبار متكلمي الشيعة. كان شيخ الإسلام في قزوين. ألفه ذيلاً ومستدركاً على مجالس المؤمنين الفارسي أيضاً للقاضي نور الله التستري الشهيد في سنة 1019هـ وقد ذكر في مقدمته سبب التأليف ثم شرع بتدوين تاريخ الصفوية والقطبشاهية والعادل شاهية في الهند وبعض السلاطين التيموريين كذلك في الهند. وتراجم بعض علماء العصر الصفوي. وقد أخذ عنه الخوانساري في كتابه روضات الجنات تاريخ وفاة الشيخ لطف الله الميسي العاملي([340]).
كما أخذ عنه في بعض حواشي [أمل الآمل] في ترجمة الأغارضي القزويني الذي توفي 1096هـ. وكذلك بعض المجامع الذي نقل عنه ترجمة الشيخ علي العرب، وصرح هناك باسم المصنف ونسبه ووصفه بالعاملي ولكن الفاضل الميرزا محمد تقي الرضوي المدرس ذكر في مقدمة طبع [مجمل التواريخ] عند ذكر تأليف هذا المؤلف … أنه السيد محمد شفيع الحسيني القزويني … والمظنون أنه عاملي الأصل قزويني الموطن …
وأجاب عن ذلك شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك قائلاً: «ومن هؤلاء السادة في قزوين السيد جمال الدين العاملي القزويني المعاصر الذي توفي حدود سنة 1330 والمترجم في [النقباء] ص 314 …» ([341]).
يقول عبد الحسين الصالحي: أخطأ شيخنا الأستاذ الشيخ آغا برزك الطهراني وخلط بين أسرتين عامليتين قزوينيتين، هما أسرة المؤلف الحسينية وهم سادات حسينيون من ذرية محمد الديباج ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وهم شيوخ الإسلام في قزوين، هاجر جدهم السيد أبو تراب علي ابن السيد حسين الحسيني العاملي الكركي من جبل عامل إلى قزوين في عصر الشاه طهماسب الصفوي (المتوفى 984هـ) وولد نجله السيد حسين المتوفى سنة 1001هـ في قزوين وهو سبط المحقق الكركي الشيخ نور الدين علي (875 ـ 940هـ) وهو أول من عين شيخ الإسلام في قزوين العاصمة الصفوية آنذاك.
والأسرة الثانية العاملية القزوينية وهم من سلالة الإمام الرضا عليه السلام وأول من هاجر منهم من جبل عامل إلى قزوين هو السيد جعفر الرضوي العاملي في عصر نادر شاه (جلوس 1148 ـ المتوفى 1160هـ) ولقبه الشاه بصدر الصدور. ومنهم السيد جمال الدين العاملي القزويني. ومؤلف كتاب محافل المؤمنين هو من أسرة شيخ الإسلام العاملية القزوينية وهذا الكتاب من أهم وأجلّ ما كتب في مستدركات مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الذي هو من أهم المصادر في التاريخ الشيعي.
ومنه نسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور الذي فرغ من تأليفه في سنة 1190هـ ونسخة ثانية بخط نجل المؤلف السيد المير فضل الله شيخ الإسلام القزويني عند ناظم الشهابي من خدمة الروضة الرضوية في خراسان ونسخة ثالثة مسجلة تحت رقم 6578 في المكتبة المركزية للروضة الرضوية.
عبد الحسين الصالحي
محبوب القلوب (كتاب)
تأليف قطب الدين الأشكوري الديلمي اللاهيجي، تصحيح وتقديم: الدكتور إبراهيم الديباجي والدكتور حامد صدقي.
يُعدّ قطب الدين الأشكوري من كبار علماء الفقه والكلام والفلسفة والتفسير أيام الحكم الصفوي و«محبوب القلوب» من أهم مؤلفاته وهو موسوعة في التاريخ والفلسفة والكلام ويتضمن ثلاث مقالات:
ـ الأول: تناول ترجمة حياة الحكماء من أقدم الأزمنة حتى فجر الإسلام. الثاني: ترجمة حياة الفلاسفة في العصر الإسلامي منذ صدر الإسلام وحتى القرن الحادي عشر وكبار رجال التصوّف والعرفان وأحاديثهم. والمقال الثالث، دراسة تاريخ أئمة الشيعة وسيرتهم وحكمهم وأحاديثهم.
المحكم والمتشابه
رسالة صغيرة طبعت على الحجر في إيران ضمن جملة رسائل في (128) صحيفة بقطع الربع ـ ينسبها المفهرسون إلى «الشريف المرتضى»، ولكن في الصحيفة الأولى نص صريح على أنها منقولة جميعاً من تفسير «محمد بن إبراهيم بن حفص النعماني» السابق لعصر «المرتضى». وعليه فلا أفهم نسبتها للمرتضى إلا أن يكون ناسخاً لها. وبعد المقدمة تقرأ ما يدل على أنها من التفسير المأثور عن الامام «جعفر الصادق عليه السلام» فهي إلى أن تنسب إلى الإمام الصادق عليه السلام أولى من نسبتها إلى كل من «المرتضى» و«النعماني».
موضوعها: الحديث عن الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وما لفظه عام ومعناه خاص، وعن التحريف في القراءة، والفرق بين الرخصة والعزيمة، إلى غير ذلك.
هذا ولم ترد الرسالة ضمن فهرست كتب السيد، الذي رواه «البصروي»، كما أنها خالية من الإحالة على بعض مؤلفاته على غير جاري عادته، ولكن ذكرها صاحب البحار و«الشيخ الشهيد» في حواشي الخلاصة.
تجد في الرسالة نواة الدراسة الذاهبة إلى أن المفردة في القرآن تؤلف ونظيرتها معنى مستقلاً حين يَرِدان على هيئة مخصوصة يختلف عنها نفسها حين ترد بهيئة أُخرى في آيات أُخريات، منظراً لذلك بالكلمات: ضل، أهدى، الخير، الشر.
المحمدون الثلاثة
الأوائل
1 ـ الكليني (329هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الرازي؛ البغدادي؛ المعروف بالسلسلي؛ نسبة إلى درب السلسلة بباب الكوفة، في بغداد.
من بيت معرق الأصل في الحديث والرواية والفقه وعلوم الدين.
كان ثقة جليل القدر، عارفاً بالأخبار، من أئمة العلماء والفقهاء، والمصنِّفين. وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. حدّث في العراق والشام، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء في أيام الخليفة المقتدر. وكان شيخ الأصحاب ووجههم في وقته. وقد عُدّ من المجدّدين في رأس المائة الثالثة.
تُوفي ببغداد، في شعبان سنة 329هـ. وهي «سنة تناثر النجوم».
صنَّفَ عدَّة كتب منها:
1 ـ كتاب تفسير الرؤيا.
2 ـ كتاب الرجال.
3 ـ كتاب الرد على القرامطة.
4 ـ كتاب الرسائل؛ رسائل الأئمة.
5 ـ كتاب الكافي.
6 ـ كتاب ما قيل في الأئمة من الشعر.
2 ـ الصدوق (381هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن موسى؛ ابن بابويه، الصدوق، الفقيه؛ رئيس المحدّثين، نزيل الريّ وبغداد والكوفة. من بيت معرق في العلم والحديث والفقه والتأليف والتصنيف.
ولد في سنة 306هـ (ظ)، وتُوفي سنة 381هـ.
كان حافظاً للأحاديث، بصيراً بالفقه، ناقداً للأخبار والرجال. لم ير مثله في الحفظ وكثرة العلم، يتعجب الناس من حفظه.
صنَّف (300) مجلد في الأصول والفروع وفنون الحديث والعلم. ورحل إلى مشهد، ونيسابور، ومرو الروز، وهمذان، والكوفة، وبغداد، وما وراء النهر، وبلخ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وحجّ ومرّ بفَيْد([342]) بعد منصرفه من مكة. وكانت أسفاره في سنة 352 و354 و355 و367 و368هـ، وروى عن حملة العلم، وهم مئات حفظت أسانيد كتبه أسماء (252) رجلاً منهم. وسمع منه مشاهير الشيوخ، وهو حدَث السن.
ألَّف الصدوق في الحديث والفقه والرجال والكلام والاعتقادات والعقائد والتفسير والناسخ والمنسوخ والفضائل والزهد والعلل والمسائل والمواعظ والوصايا والنوادر والأخبار والتأريخ. وله أمالي ومجالس وجوامع وجوابات مسائل وردت عليه من واسط وقزوين والبصرة والكوفة ومصر ونيسابور والمدائن.
وقد اهتمَّ الصدوق بتصنيف الأخبار؛ فصنَّف (كتاب التوحيد) في التوحيد ونفي التشبيه والجبر والتفويض، وأن التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وهو في (67) باباً فيها (583) حديثاً؛ فصلت معنى الواحد والتوحيد والموحّد، وتفسير قل هو الله أحد، ومعنى التوحيد، والعدل، وأنَّه ـ عزّ وجل ـ ليس بجسم ولا صورة. وأنه تعالى ـ لن يُنال، ولا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولا تدركه الأوهام، ولا تقدر قدرته، ولا يقدر العباد على صفته.
وفي الكتاب أبواب في التفسير، ومعاني الأخبار والأسماء والألفاظ والحروف.
وصنّف كتاب (معاني الأخبار) في معاني الحديث، ومعاريضه، وتفسير ألفاظه؛ فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية. وهو كتاب لغة وحديث. يحتوي على (413) باباً فيها (821) حديثاً.
وصنَّف (الخصال)، ويشتمل على (26) باباً في الأعداد، والخصال المحمودة والمذمومة. وفيه (432) خبراً.
وصنّف (الأمالي) في الحديث. وفيه (97) مجلساً.
وصنَّف (علل الشرائع) في العلل التي من أجلها سمِّيت الأشياء كذا، وقيل للشيء كذا، ومن أجلها صار كذا، وخلق كذا، وجعل كذا، وقال كذا، وفعل كذا، وكان كذا، ونهي عن كذا، ووجب كذا، وسن كذا، ولا ينبغي كذا، ويجوز ولا يجوز، وأُحل كذا وحرم كذا، وهكذا سائر علل الأسماء والأشياء والأفعال والسنن والواجبات والتروك والفرائض والمستحبات والرخص. ويشتمل على (647) باباً.
وصنَّف (عيون أخبار الرضا)، وجعله (69) باباً؛ فيها مجالس الرضا (عليه السلام) عند المأمون مع أهل الأديان وأصحاب المقالات؛ في التوحيد وعصمة الأنبياء. ومع سليمان المروزي متكلم خراسان. وما جاء عن الرضا من الأخبار في التوحيد والإيمان، والمعرفة، وصفة النبي، وما كتبه الرضا للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين وغيرها من الأخبار المجموعة والمتفرقة والنادرة في فنون شتى.
وألَّف كتاب (مَنْ لا يحضره الفقيه) في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام.
3 ـ الشيخ الطوسي (460هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي؛ نزيل بغداد، ثم النجف.
شيخ العلماء ووجههم ورئيسهم وعينهم. كان فقيهاً عالماً مفسراً مقرئاً متكلماً ثقةً صدوقاً، جليل القدر عظيم المنزلة، عارفاً بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام.
ولد سنة 385هـ. وهبط بغداد في سنة 408هـ. وسكن الكرخ وهاجر إلى النجف سنة 448هـ وأسَّس مدرسته فيها على التقوى والدين والعلم والخير. وكانت مدارس الغري عامرة في أواخر القرن الرابع.
وتُوفي في المحرم سنة 460هـ.
صنَّف أكثر من (200) مجلد في فنون العلوم.
وهذَّب العقائد في الأُصول والفروع.
ومن تصانيفه المتداولة المشهورة:
1 ـ اختيار الرجال.
2 ـ الاستبصار.
3 ـ الاقتصاد.
4 ـ الأمالي؛ المجالس في «الحديث».
5 ـ الإيجاز.
6 ـ البيان في التفسير.
7 ـ تلخيص الشافي في الكلام.
8 ـ الجمل والعقود في الفقه.
9 ـ الخلاف.
10 ـ العُدَّة.
11 ـ الفهرست.
12 ـ المبسوط.
13 ـ مسائل.
14 ـ مصباح المتهجد.
15 ـ النهاية.
يشتمل (الاقتصاد) على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته ويلزم العمل به والمصير إليه مما لا يخلو منه مكلف في حال من الأحوال. وقد رتَّبه على فصول في معرفة الله، وإثبات صانع العالم، وبيان صفاته، وأنه واحد. وفي العدل والاستطاعة، والتكليف واللطف، والمعرفة والعلم، والآجال والأرزاق، والوعد والوعيد، والنبوة والمعجز، والعصمة والإمامة والعبادات.
أمَّا (الفهرست) فيشتمل على ذكر المصنَّفات والأصول. وقد رتَّبه على المصنِّفين، على حرف المعجم؛ مشيراً إلى ما قيل فيهم من التعديل والتجريح، وأسانيده إلى كتبهم، ومَنْ أخبره بها.
وأمَّا (الرجال) فيشتمل على أسماء الرجال والنساء الذين رووا عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعن الأئمة من بعده. ثم يذكر بعد ذلك مَنْ تأخَّر زمانه عنهم من رواة الحديث، أو مَنْ عاصرهم، ولم يروِ عنهم، ورتَّبه على حروف المعجم.
وأمَّا (المبسوط) فيشتمل على جميع كتب الفقه التي فصَّلها الفقهاء. يذكر كلَّ كتاب على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، ويقتصر على مجرد الفقه، دون الأدعية والآداب. وقد قسَّم فيه المسائل، وجمع بين النظائر واستوفاه غاية الاستيفاء، وذكر أكثر الفروع، وقال ما عنده على ما يقتضيه المذهب، وتوجبه الأصول. وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً قنع فيه بمجرد الفتيا. وإن كان غريباً أو مشكلاً أومأ إلى تعليله، ووجه دليله. وإذا كان مما فيه أقوال ذكرَها، وبيَّن عللها، والصحيح، والأقوى منها.
وأمَّا (النهاية) فقد ذكر فيه جميع ما رواه الأصحاب في مصنَّفاتهم، وأصَّلوهُ من المسائل، ورتَّبه ترتيب الفقه، ولم يتعرض للتفريغ. ويشتمل على كتب الفقه؛ الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وسيرة الإمام، والديون والكفالات والحوالات والوكالات، والشهادات والقضايا والأحكام، والمكاسب والمتاجر، والنكاح والطلاق، والعتق والتدبير والمكاتبة، والإيمان والنذور والكفارات، والصيد والذبائح والأطعمة والأشربة، والوقوف والصدقات، والوصايا والمواريث، والحدود والديات.
وسلك في (جمل العقود) في العبادات طريق الإيجاز والاختصار.
د. حسين علي محفوظ
المحمدون الثلاثة
الأواخر
1 ـ الفيض (1019هـ)
هو محمد محسن بن المرتضى بن محمد، المشتهر بالفيض.
توفي سنة 1091هـ عن 84 سنة.
له تصانيف ومؤلفات تقرب من (200) كتاب ورسالة؛ منها:
1 ـ الصافي في تفسير القرآن الكريم، ألَّفه سنة 1075هـ. 2 ـ الأصفى؛ منتخب من الصافي. 3 ـ الوافي، ألَّفه سنة 1068هـ. 4 ـ الشافي؛ منتخب من الوافي، ألَّفه سنة 1082هـ. 5 ـ النوادر. 6 ـ المعتصم في أحكام الشريعة، ألَّفه سنة 1042هـ. 7 ـ النخبة؛ خلاصة الفقه، في سنة 1075هـ. 8 ـ التطهير؛ نخبة النخبة. 9 ـ علم اليقين في أُصول الدين، في سنة 1042هـ. 10 ـ المعارف؛ ملخص علم اليقين، في سنة 1036هـ. 11 ـ أُصول المعارف؛ ملخص مهمات عين اليقين، صُنِّفَ في سنة 1089هـ. 12 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، «إحياء علوم الدين»، ألَّفه سنة 1046هـ. 13 ـ الحقائق في أسرار الدين؛ ملخص المحجة البيضاء. في سنة 1090هـ. 14 ـ قرة العيون، في سنة 1038هـ. 15 ـ الكلمات المكنونة في بيان التوحيد، صنَّفه في سنة 1090هـ. 16 ـ جلاء العيون؛ في أذكار القلب. 17 ـ تشريح العالم. 18 ـ أنوار الحكمة؛ مختصر كتاب علم اليقين، في سنة 1043هـ. 19 ـ اللباب؛ في الإشارة إلى كيفية علم الله ـ سبحانه ـ بالأشياء. 20 ـ اللب؛ في معنى حدوث العالم، في سنة 1073هـ. 21 ـ ميزان القيامة، في سنة 1044هـ. 22 ـ مرآة الآخرة، صُنِّف في سنة 1044هـ. 23 ـ ضياء القلب، في سنة 10576هـ. 24 ـ تنوير المذاهب؛ تعليقات على المواهب للكاشفي في التفسير. 25 ـ شرح الصحيفة، في الأدعية. 26 ـ سفينة النجاة؛ في أن مأخذ الأحكام الشرعية ليس إلاَّ محكمات الكتاب والسنة. صُنِّف في سنة 1058هـ. 27 ـ الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين. صُنِّف في سنة 1068هـ. 28 ـ الأُصول الأصلية، في سنة 1044هـ. 29 ـ تسهيل السبيل في الحجة في انتخاب كشف المحجة، في سنة 1040هـ. 30 ـ نقد الأُصول الفقهية؛ خلاصة علم أُصول الفقه. 31 ـ أُصول العقائد، في سنة 1036هـ. 32 ـ منهاج النجاة، صُنِّف في سنة 1042هـ. 33 ـ خلاصة الأذكار، صُنِّف في سنة 1033هـ. 34 ـ ذريعة الضراعة في أدعية المناجاة، صُنِّف في سنة + 1055هـ. 35 ـ مختصر الأوراد. صنَّفه في سنة 1067هـ. 36 ـ أهم ما يعمل. 37 ـ الخطب؛ نيف ومائة خطبة، لجمعات السنة والعيدين. جمعه في سنة 1067هـ. 38 ـ الشهاب الثاقب في تحقيق عينية وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة، صُنِّف في سنة 1057هـ. 39 ـ أبواب الجنان في بيان وجوب صلاة الجمعة وشرائطها وآدابها وأحكامها، في سنة 1055هـ. 40 ـ ترجمة الصلاة، صُنِّف في سنة 1043هـ. 41 ـ مفاتيح الخير؛ في فقه الصلاة. 42 ـ ترجمة الطهارة. 43 ـ أذكار الصلاة. 44 ـ ترجمة الزكاة. 45 ـ ترجمة الصيام. 46 ـ ترجمة العقائد. 47 ـ السائح الغيبي في تحقيق معنى الإيمان والكفر ومراتبهما. 48 ـ رسالة في طريق الصواب، صُنِّف في سنة (+ 1040هـ). 49 ـ شرائط الإيمان. 50 ـ ترجمة الشريعة. 51 ـ الأذكار المهمة؛ منتخب خلاصة الأذكار. 52 ـ الرفع والدفع. 53 ـ منتخب ضياء القلب، في سنة 1066هـ. 54 ـ وصف الخيل، صنف في سنة 1067هـ. 55 ـ زاد السالك. 56 ـ النخبة الصغرى. 57 ـ الضوابط الخمس. 58 ـ حرمان الأموات. 59 ـ رسالة في بيان أخذ الأجرة على العبادات. 60 ـ رسالة في تحقيق ثبوت الولاية على البكر في التزويج. 61 ـ غنية الأنام في معرفة الأيام والساعات. 62 ـ معيار الساعات. 63 ـ الأحجار الشداد والسيوف الحداد في إبطال الجواهر الأفراد. 64 ـ المحاكمة. 65 ـ رفع الفتنة؛ في بيان حقيقة العلم والعلماء. 66 ـ فهرست العلوم. 67 ـ رسالة في أجوبة مكتوبات وسؤالهنّ. 68 ـ شرح الصور؛ في مجمل سيرته، صُنِّف في سنة 1065هـ. 69 ـ أربعون حديثاً. 70 ـ الأمالي. 71 ـ رسالة الإنصاف. 72 ـ أُنموذج أشعار أهل العرفان. 73 ـ البشارة. 74 ـ كتاب التوحيد. 75 ـ ثناء المعصومين. 76 ـ الجبر والاختيار. 77 ـ الكلمات المخزونة؛ مختصر الكلمات المكنونة. 78 ـ حاشية الرواشح السماوية. 79 ـ حاشية الصحيفة. 80 ـ ديوان شعر. 81 ـ شوق العشق؛ منظومة. 82 ـ شوق الجمال؛ منظومة. 83 ـ شوق المهدي؛ منظومة. 84 ـ فهرست مصنفاته. 85 ـ مثنويات؛ تسنيم، وسلسبيل، وندبة العارف، وندبة المستغيث. 86 ـ مفاتيح الشرائع؛ في الفقه. 87 ـ عين اليقين.
2 ـ الحرّ العاملي (1104هـ)
هو، محمد بن الحسن بن علي؛ الحر|ّ العاملي، المشغري.
ولد في قرية مشغرى من ناحية البقاع، ليلة الجمعة 8 شهر رجب سنة 1033هـ، وتُوفي 21 شهر رمضان سنة 1104هـ.
قرأ في قرية جُبع، ثم سافر إلى العراق والمشرق، وحجّ مرات.
له كتب منها:
1 ـ الجواهر السنية في الأحاديث القدسية. 2 ـ الصحيفة الثانية من أدعية علي بن الحسين (عليه السلام). 3 ـ كتاب الوسائل إلى تحصيل مسائل الشريعة. 4 ـ هداية الأُمة إلى أحكام الأئمة؛ (منتخب من الوسائل).
5 ـ فهرست الوسائل. يشتمل على جميع ما روي من فتاوى الأئمة (عليهم السلام). وهو كتاب مَنْ لا يحضره الإمام.
6 ـ الفوائد الطوسية؛ يشتمل على (100) فائدة في مطالب متفرقة.
7 ـ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. يشتمل على أكثر من (20,000) حديث وقريب (70,000) سند. نقل فيه من (142) كتاباً من كتب الإمامية، ومن (24) كتاباً من كتب أهل السنة بغير واسطة ونقل بالواسطة من (223) كتاباً من كتب أهل السنة، و(50) كتاباً من كتب الإمامية. ومجموع مصادره (439) كتاباً.
8 ـ أمل الآمل في علماء جبل عامل. 9 ـ تذكرة المتبحرين في العلماء المتأخرين.
10 ـ الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة؛ في (12) باباً تشتمل على أكثر من (600) حديث، و(64) آية.
11 ـ رسالة في الرد على الصوفية. تشتمل على (12) باباً، و(12) فصلاً فيها نحو (1000) حديث.
12 ـ رسالة في خلق الكافر. 13 ـ كشف التعمية في حكم التسمية. 14 ـ رسالة الجمعة. 15 ـ نزهة الأسماع في حكم الإجماع. 16 ـ تواتر القرآن. 17 ـ رسالة الرجال. 18 ـ أحوال الصحابة. 19 ـ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان. 20 ـ بداية الهداية في الواجبات والمحرمات؛ فيها (1535) واجباً، و(1448) محرماً. 21 ـ الفصول المهمة في أصول الأئمة؛ أكثر من (1000) باب. 22 ـ العربية العلوية واللغة المروية. 23 ـ إجازات متعددة؛ مطولات ومختصرات. 24 ـ ديوان شعر، يقارب (20,000) بيت. 25 ـ منظومة في المواريث. 26 ـ منظومة في الزكاة. 27 ـ منظومة في الهندسة. 28 ـ منظومة في تاريخ النبي (صلى الله عليه وسلم)، والأئمة (عليهم السلام). 29 ـ شرح كتاب الوسائل، سمّاه «تحرير الوسائل». 30 ـ عشر رسائل طويلة. 31 ـ رسالة في أحواله. 32 ـ رسالة في الوصية لولده. 33 ـ الأخلاق. 34 ـ المزار. 35 ـ إبطال عموم مسألة المنزلة. 36 ـ الأبحاث في الميراث. 37 ـ منظومة في الأخلاق. 38 ـ منظومة في أصول الفقه. 39 ـ منظومة في علم الكلام. 40 ـ منظومة في النحو. 41 ـ تلخيص الشافية؛ منظومة. 42 ـ منظومة في الخط والكتابة. 43 ـ منظومة في الفقه. 44 ـ منظومة في صيغ العقود والإيقاعات. 45 ـ منظومة في الرضاع. 46 ـ ديوان زين العابدين علي بن الحسين السجاد (عليه السلام). 47 ـ مقتل الحسين. 48 ـ حاشية الكافي. 49 ـ حاشية مَنْ لا يحضره الفقيه. 50 ـ حاشية تهذيب الأحكام. 51 ـ حاشية الاستبصار. 52 ـ جدول كبير في المحرَّمات الرضاعية. 53 ـ جدول في مسائل الميراث. 54 ـ تفسر بعض الآيات. 55 ـ مناظرة. 56 ـ جواب الشيخ إبراهيم حسنا. 57 ـ تأويل حديث الترجيع.
يروي الحرّ العاملي عن أكثر معاصريه، ويروي عنه كثير، وبعضم يروون عنه، ويروي عنهم. وقد أحصى بعضهم (18) من أساتذته وشيوخه، و(27) من تلاميذه والرواة عنه.
3 ـ المجلسي (1110هـ)
هو، محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي المجلسي؛ سبط كمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي.
ولد سنة 1037هـ. وتُوفي ليلة 27 شهر رمضان سنة 1110هـ.
له مؤلفات وتصانيف كثيرة؛ منها:
1 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، في (26) مجلداً ضخماً كبيراً. وهو «البحار». 2 ـ مرآة العقول في شرح الكافي في (12) مجلداً. 3 ـ ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار. 4 ـ شرح الأربعين. 5 ـ الفوائد الطريفة في شرح الصحيفة. 6 ـ الوجيزة في الرجال. 7 ـ رسالة الاعتقادات. 8 ـ رسالة الأوزان. 9 ـ رسالة في الشكوك. 10 ـ المسائل الهندية. 11 ـ حواشي متفرقة على الكتب الأربعة «الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار»، وغيرها. 12 ـ رسالة في الأذان. 13 ـ رسالة في بعض الأدعية الساقطة عن الصحيفة الكاملة. 14 ـ عين الحياة. 15 ـ مشكاة الأنوار؛ مختصر عين الحياة. 16 ـ حق اليقين. 17 ـ حلية المتقين. 18 ـ حياة القلوب ـ (3 مجلدات). 19 ـ تحفة الزائر. 20 ـ جلاء العيون. 21 ـ مقباس المصابيح. 22 ـ ربيع الأسابيع. 23 ـ زاد المعاد. 24 ـ رسالة الديات. 25 ـ رسالة في الشكوك. 26 ـ رسالة في الأوقات. 27 ـ رسالة في الرجعة. 28 ـ ترجمة عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك. 29 ـ اختيارات الأيام. 30 ـ رسالة في الجنة والنار. 31 ـ مناسك الحج. 32 ـ رسالة أخرى في مناسك الحج. 33 ـ مفاتيح الغيب في الاستخارة. 34 ـ رسالة في مال الناصب. 35 ـ رسالة في الكفَّارات. 36 ـ رسالة في آداب الرمي. 37 ـ رسالة في آداب الصلاة. 38 ـ رسالة في الزكاة. 39 ـ رسالة في صلاة الليل. 40 ـ رسالة «السابقون السابقون». 41 ـ رسالة في الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية. 42 ـ رسالة مختصرة في التعقيب. 43 ـ رسالة في البداء. 44 ـ رسالة في الجبر والتفويض. 45 ـ رسالة في النكاح. 46 ـ ترجمة فرحة الغري. 47 ـ ترجمة توحيد المفضّل. 48 ـ ترجمة توحيد الرضا. 49 ـ ترجمة حديث رجال بن أبي الضحاك. 50 ترجمة الزيارة الجامعة. 51 ـ ترجمة دعاء كميل. 52 ـ ترجمة دعاء المباهلة. 53 ـ ترجمة دعاء السمات. 54 ـ ترجمة دعاء الجوشن الصغير. 55 ـ ترجمة حديث عبدالله بن جندب. 56 ـ ترجمة قصيدة دعبل. 57 ـ ترجمة حديث «ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع؛ المعرفة، والجهل، والرضا، والغضب، والنوم، واليقظة». 58 ـ إنشاءات. 59 ـ صواعق اليهود؛ في الجزية وأحكام الدية. 60 ـ مناجاة. 61 ـ مشكاة الأنوار في آداب قراءة القرآن وفضلها، وأداب الدعاء، وشروطه. 62 ـ أجوبة المسائل المتفرقة. 63 ـ رسالة في السهام. 64 ـ شرح دعاء الجوشن الكبير. 65 ـ رسالة في زيارة أهل القبور. 66 ـ رسالة في ترجمة الصلاة. 67 ـ وصية لأولاده وأقاربه وعشائره وأصدقائه وخلانه، وسائر المؤمنين.
وقد أحصيتُ من أساتذته ومشايخه (18) علماً، ومن تلاميذه والرواة عنه (46). وتكاد آثاره تبلغ السبعين غير الإجازات.
تذييل
النوري: صاحب مستدرك الوسائل (1320هـ)
هو، حسين بن محمد تقي النوري، الطبرسي، نزيل سامراء؛ خاتمة المُحدِّثين.
ولد سنة 1254هـ. وورد النجف، وتتلمذ على علماء العراق فيها، وفي الكاظمية، وسامراء. ورحل في طلاب العلم سنة 1273 و1278 و1280هـ، وحجَّ في سنة 1280 و1286هـ.
عُدَّةُ مؤلفاته فوق عشرين كتاباً؛ منها:
1 ـ نفس الرحمان. 2 ـ مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم؛ في سلسلة إجازات العلماء. 3 ـ دار السلام. 4 ـ فصل الخطاب. 5 ـ معالم العبر. 6 ـ جنة المأوى. 7 ـ الفيض القدسي. 8 ـ الصحيفة الثانية العلوية. 9 ـ الصحيفة الرابعة السجادية. 10 ـ النجم الثاقب. 11 ـ الكلمة الطيبة. 12 ـ ميزان السماء. 13 ـ ظلمات الهاوية. 14 ـ رسالة في ردّ بعض الشبهات على كتب فصل الخطاب. 15 ـ البدر المشعشع. 16 ـ مستدرك الوسائل؛ نحا فيه نحو الحرّ العاملي في كتاب (الوسائل)، واقتدى بهداه، وزاد عليه. 17 ـ كشف الأستار. 18 ـ سلامة المرصاد. 19 ـ رسالة مختصرة في مواليد الأئمة. 20 ـ مستدرك مزار البحار. 21 ـ حواشي على كتاب «منتهى المقال» لأبي علي الحائري؛ المعروف برجال أبي علي. 22 ـ ترجمة دار السلام.
إلى غير ذلك من الحواشي والرسائل.
د. حسين علي محفوظ
مخازن الأصول
تأليف: الشيخ ميرزا عبد الوهاب الملقب رضوان الدين والمتخلص في شعره بـ «رضوان» المتوفى سنة 1294 هجرية ابن الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري.
موسوعة كبيرة في عشرين مجلد ضخم في علم أصول الفقه المجلد الأول منها أوله بعد البسملة (الحمد لله رب العالمين كلما حمد الله شيء وكما يحب الله أن يحمد وكما هو أهله … فيقول الفقير إلى الله الغني المغني عبد الوهاب رضوان الدين بن محمد صالح القزويني …).
لم يقف عليه شيخنا الطهراني ولم يذكر في الذريعة كما لم أجد له ذكراً في فهارس المكتبات العامة والخاصة وهو من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي. وللمصنف أيضاً عدة دواوين في مختلف فنون الشعر من غزل ورباعيات ورثاء ومديح بالعربية والفارسية أشهرها الديوان المسمى بـ «سوزوكذار» فارسي.
المختصر الصغير في المنطق
على طريقة المتكلمين للفارابي
ورد إسم هذه الرسالة في برنامج وفهرسين للقفطي وابن أبي أصيبعة.
أراد الفارابي في رسالته هذه ـ في مقابل بعض الإشكالات التي جعلها الظاهريون من المنطق ـ أن يقرب ذلك بأسلوب استدلال المتكلمين الإسلاميين.
النسخ الخطية: توجد نسخة خطية في المكتبة المركزية لجامعة طهران رقم 25/ 241. وكذلك نسخة خطية عبرية تعود للقرون الوسطى موجودة في باريس.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة
كتاب للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، المعروف بالعلاّمة الحلي. ذكره في الخلاصة وقال: ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة وحجة كلّ شخص والترجيح لما يصير إليه.
وقال في مقدمته: إنّي لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان الله عليهم، ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمّى بـ «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فإنَّه مجمع بين مسائل الخلاف والوفاق.
ومن محاسن ذلك الكتاب أنّه إذا لم يجد للمخالف دليلاً يحاول أن يلتمس دليلاً له.
قال: ثمّ إن عثرنا في كل مسألة على دليل لصاحبها نقلناه وإلاّ حصَّلناه بالتفكّر وأثبتناه، ثم حكمنا بينهم على طريقة الإنصاف، متجنبي البغي والاعتساف ووسمنا كتابنا هذا بمختلف الشيعة.
والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه أنّه حفظ آثار علمائنا السابقين، أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الأوّل وغيرهم ولولاه لاندثرت آثارهم.
وقد شرّع في تأليفه قبل سنة 699هـ، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمانٍ وسبعمائة، أي قبل وفاته بثمانية عشر سنة.
ومن فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة، ولها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب.
المدائن
ـ 1 ـ
هو الاسم الذي أطلقه العرب على أطلال العاصمتين التوأمين: قطيسفون وسلوقية التي أسسها السلوقيون الأولون قبل الميلاد بثلاثة قرون. وسلوقية، وهي في الجانب الغربي، قد سميت باسم سلوقس نقطور. أما «قطيسفون»، وقد اختصر العرب اسمها فقالوا طيسفون، فلا يعرف أصل اشتقاقه. وهو وإن بدا إغريقياً، فقد يكون تصحيفاً لاسم المدينة الفارسي القديم، إذ لسنا نعلم ما كان يسمي به الساسانيون عاصمة دولتهم. هذه وفي سنة 540 للميلاد، استولى أنوشروان العادل على إنطاكية الشام وسلوقية نهر الكلب، وأجلى أهل سلوقية هذه إلى عاصمته طيسفون على عادة ملوك الفرس، فأنزلهم فيها في ربض جديد في جانب دجلة الشرقي، أي بإزاء موضع سلوقية العراق. وكان هذا الربض باقياً حين فتح العرب العراق بعد ذلك بقرن. وكان ما زال يعرف بـ «رومية» أي المدينة الرومية «اليونانية» وقد ذكر بعضهم أنها بنيت على غرار إنطاكية.
وكانت المدائن على ما ذكر المصنفون المسلمون تتألف من سبع مدن ذات أسماء معروفة على اختلاف في قراءتها. والظاهر أن خمساً من هذه المدن فقط كانت قائمة عامرة حينما كتب اليعقوبي في المائة الثالثة (التاسعة). وهي: المدينة العتيقة أي طيسفون. وعلى ميل من جنوبها اسبانبر. وبجوارها رومية وهذه المدن في الجانب الشرقي. وفي الجانب الآخر من دجلة كانت بهرسير وهي تصحيف «به ـ أردشير» ـ (أي بلدة الملك أردشير الطيبة) ـ وعلى فرسخ من أسفلها: ساباط، وكان الفرس على ما ذكر ياقوت يسمونها بلاس أباذ.
والقصر الساساني الفخم الذي ما زالت بقاياه قائمة في الجانب الشرقي من دجلة، سماه العرب: إيوان كسرى. وكان هذا الإيوان، على ما جاء في اليعقوبي يقوم في اسبانبر.
وهناك بناء فخم آخر يعرف بالقصر الأبيض، كان يرى في المدينة العتيقة على ميل من شمالها. إلا أن هذا الأخير قد اندرس وعفت آثاره منذ ابتداء المائة الرابعة (العاشرة). فإن جميع المصنفين المتأخرين، أطلقوا اسم «القصر الأبيض» و«إيوان كسرى» دون تفريق على البناء المعقود الكبير وهو الأثر الوحيد القائم حتى اليوم في هذا الموضع من أبنية الملوك الساسانيين. وقد كاد هذا البناء يمحق عن آخره في أواسط المائة الثانية (الثامنة) حين كان المنصور يبني بغداد. فإن هذا الخليفة أمر بنقض القصر الساساني واستعمال آجره في بناء مدينته الجديدة، وحاول خالد البرمكي، دون جدوى، إقناعه بالعدول عن نقضه، فقد أصر الخليفة على ذلك ولكن الوزير تحقق رأيه حين بدئ بالنقض وتبين أن ذلك يكلف أكثر من صنع الآجر الجديد للبناء. فترك إيوان كسرى على ما سماه به ياقوت، قائماً في مكانه. وبعد ذلك بزمن نقل شيء كثير من آجره لبناء أسواء «قصر التاج» الجديد في بغداد الشرقية. وقد فرغ الخليفة علي المكتفي من بنائه في سنة 290هـ (903م).
والمدائن، وقد عمّها الخراب اليوم. كانت في المائة الرابعة (العاشرة) بلدة صغيرة آهلة ذات مسجد جامع عامر بني في زمن الفتح الإسلامي. وبالقرب منه ضريح سلمان الفارسي وحوله اليوم بلدة صغيرة تسمى (سلمان باك). وكانت أسواق المدائن من الآجر، عامرة. وقد عقد المنصور مجلسه حيناً من الزمن في رومية المجاورة لها. كما أقام المأمون أيضاً في ساباط، وهي في الجانب الثاني من النهر. وكانت فخامة قصر الأكاسرة العتيق وروعته موضوعاً تحدث به البلدانيون العرب وأفاضوا في الكلام عليه. فقد ذكر اليعقوبي أن علو قمة الطاق عن الأرض ثمانون ذراعاً. وأشار ياقوت إلى عظم آجره: فطول كل آجرة نحو ذراع في عرض أقل من شبر يعد هذا الطاق، أعرض طاق في العالم معقود بالآجر دون استعمال السمنت في تقويته.
عرضه خمسة وعشرون متراً وبعض المتر، وعلوه عن مستوى التبليط سبعة وثلاثون متراً. وروى المستوفي، وقد سرد حديثاً خرافياً عن المدائن وقصرها، أن في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) صارت المدائن ورومية خراباً يباباً وإن بقيت القرى التي بإزائها في الجانب الغربي آهلة. وكان من أعمر تلك القرى على قوله بهرسير، سماها ياقوت حين زارها: الرومقان. وإلى جنوبها: زريران، وهي على مرحلة في طريق الحاج، وفي غربها صرصر، وهي على نهر صرصر وهو يصب في دجلة على شيء يسير فوق المدائن، والطسوج الذي حول المدائن الممتد شرقاً من دجلة إلى النهروان، كان يعرف بالراذان (الأعلى والأسفل). وقد سرد ياقوت أسماء قرى عديدة فيه، وأطرى المستوفي وفرة غلاته.
المدائن
ـ 2 ـ
يقع طاق كسرى على الضفة الشرقية من دجلة على 40 كيلومتراً من جنوب بغداد والطاق الذي يشاهده الزائر اليوم وهو يعتبر من أعظم الطوق في العالم القديم وأعلاها، من بقايا القصر الساساني العظيم الذي كان يعرف أيام العباسيين بالقصر الأبيض أو إيوان كسرى. وقد تهدمت جدرانه واندكت ولم يبق من معالمها إلا الطاق وبعض الأسس.
فالقسم القائم اليوم من الطاق معقود بالآجر والجص يبلغ ارتفاعه عن سطح الأرض حوالي 30 متراً والمسافة بين جداريه الأيمن والأيسر 25,5 متراً وامتداد الإيوان من فتحته حتى صدره نحو 48 متراً وثخانة جدرانه من أسفل سبعة أمتار. ويطل الإيوان على الشرق وله ثلاثة أبواب واحد على اليمين والآخر على اليسار وكلاهما قرب فتحة الإيوان والثالث في وسط الجدار الغربي وإلى يسار الإيوان حائط شاهق يعلو حتى قمة الطاق وثخانته من أسفل ستة أمتار وقد أسندته مديرية الأشغال العامة في بغداد سنة 1942 بمسند من الآجر والإسمنت لتقيه من الانهيار. هذا إلى الترميمات التي أجرتها الحكومة العراقية قبل ذلك بسنتين. وفي واجهة الحائط هذا رواشن وهي أشباه النوافذ في أربعة صفوف كانت محلات تنصب فيها التماثيل. أما الحائط الذي كان قائماً إلى الجانب الأيمن من الإيوان فقد تهدم في نيسان عام 1887 بفعل فيضان دجلة. وتنتشر الآن أكوام الردم والأنقاض فوق عدة كيلومترات مربعة مما حول الطاق. وينم ما تبقى من البناء عن عظمة القصر عندما كان شاخصاً في عهده الغابر في القرن الثالث للميلاد في عهد الدولة الساسانية الفارسية. وقد غالى كتاب العرب في وصفه وذكروه في كثير من كتبهم وأشعارهم أمثال الثعالبي في كتاب ثمار القلوب وابن قتيبة في كتاب المعارف وياقوت في معجم البلدان والإصطخري في مسالك الممالك والبلاذري في فتوح البلدان وغيرهم كثير كالقزويني والمسعودي وابن الأثير وابن المقفع.
فذكر كتاب العرب فسيفساء هذا القصر ونقوشه المطعمة بالذهب والأحجار الكريمة وستائره الحريرية وسجاده النفيس الذي يعجز المرء عن وصف جمال نقوشه وألوانها الزاهية وذكروا التماثيل التي كانت تزين واجهات القصر وردهاته والكتابات التي كانت مسطورة على جدران الإيوان بالأحرف السريانية باللغات الفهلوية والفارسية.
وقد زار طاق كسرى كثير من السياح الأجانب وذكروه في عدة تآليف وكان أقدمهم السائح الإيطالي (بياترو دلافالا) في القرن السابع عشر ثم أعقبه آخرون منهم «ديولافوا» عام 1885 الذي صور الجناح الأيمن قبل سقوطه ثم هيرتسفلد (1907/ 1908) الذي رسم مخطط القصر ثم نقبت بعثة ألمانية عام 28/ 1929 في أطلال المدينة على جهتي النهر. ثم استأنفت البعثة الألمانية التنقيب فيه سنة 31/ 1932 بالاشتراك مع متحف مترو بولتن في نيويورك وركزت أعمالها في القسم الشرقي من المدينة فسبرت غور عدة مواضع في المدينة التي تبلغ مساحتها نحو 30 كيلومتراً مربعاً وكشفت عن أبنية مختلفة وسور المدينة وتحرت في القصر الأبيض وما حوله فاستطاعت تعيين حدوده وكان القسم الواقع إلى الجنوب وإلى الغرب من الطاق واضح المعالم والأسس أما القسم الشمالي فقد زال تماماً والمعتقد أنه كان يناظر القسم الجنوبي ويتكون القصر من الإيوان الكبير في الوسط وهو قاعة العرش ثم يحيط به من الشمال والجنوب حجرات صغيرة ملاصقة لجدران الإيوان وأمامها ردهة طويلة وتنتهي بردهة واسعة جداً تقع على محور الإيوان والبناية كلها كانت معقودة بالآجر والجص ومصبوغة من الداخل بالجص والألوان الزاهية.
أما واجهة البناء نحو الشرق فإنها كانت مزينة بنقوش جصية وتماثيل رخامية كثيرة. وأسفرت الحفريات عن استخراج مجموعة مختلفة من الآثار الهيلينستية والفرثية والساسانية والإسلامية كان بينها جرار مزججة وقوارير زجاجية ونقوش جبسية وتماثيل رخامية وأدوات عظمية ونحاسية متنوعة ومقدار كبير من المسكوكات الفضية والنحاسية وغير ذلك من الآثار وقد حفظ قسم كبير منها في المتحف العراقي في بغداد.
ولمعرفة تاريخ بناء القصر لا بد لنا من ذكر لمحة تاريخية عاجلة على بلاد الشرق الأوسط. وإننا نعلم أن الفرس الأخمينيين فتحوا بقيادة ملكهم كورش بابل (عام 538) قبل الميلاد. ثم جاء إسكندر المقدوني بعد مائتي سنة وفتح بابل (عام 331 ق.م.) ثم بعد وفاته اقتسم أتباعه البلاد فكان من نصيب سلوقس القسم الشرقي الذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط حتى الهند، فبنى على نهر دجلة مدينة سلوقية عاصمة له حوالي سنة (280ق.م.) تعرف اليوم بتل عمر على الضفة الغربية من دجلة مقابل طاق كسرى. ثم بنى بعد ذلك عاصمة أخرى في سورية هي إنطاكية. وبعد مدة ضعف السلوقيون في الشرق وظهرت سلالة الفرثيين «الإرشاقيين» في جنوبي بلاد فارس واستولوا أخيراً على العراق (عام 141ق.م.) وبنوا لهم مدينة قبالة سلوقية عرفت باليونانية باسم طيسفون. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة بالشهرة والسعة. ثم ظهرت على مسرح السياسة الأمبراطورية الرومانية فكانت مناوشات وحروب طاحنة مستمرة بين الفرثيين والرومان من المركزين العسكريين في إنطاكية حيث جيوش القيصر وفي طيسفون حيث جيوش كسرى وبعد مرور ما يقرب من أربعة قرون قامت ثورة داخلية في بلاد فارس تمكن القائم بها أردشير الساساني من القضاء على أرطبان آخر ملوك الفرثيين (عام 224 للميلاد) ومنذ ذلك الحين حكمت الدولة الساسانية (الأشكانية) بلاد فارس والعراق حتى الفتح الإسلامي. فبعد انتصار سعد بن أبي وقاص في واقعة القادسية تقدم بجيوشه نحو المدائن «طيسفون» عاصمة الساسانيين وفتحها (عام 637 للميلاد) وهرب ملك الساسانيين يزدجرد الثالث إلى داخل بلاد فارس.
وكان الساسانيون قد اتخذوا طيسفون عاصمة لهم ووسعوها وبنوا أسوارها وانضم إليها عدة قرى ومدن مجاورة منها سلوقية فسميت عندئذٍ بالمدائن. وشيدوا فيها عدة قصور وأهمها القصر الأبيض والمعتقد أن بانيه هو سابور الأول (ذو الأكتاف) شيّده في منتصف القرن الثالث للميلاد ثم رممه كسرى أنوشروان بعد خرابه وأضاف إليه ما أضاف بحيث تغلب اسم هذا الملك على بانيه الأول فعرف بإيوان كسرى ويسمى اليوم طاق كسرى. وعلى شيء يسير من شمال الطاق مدينة سلمان باك وقد أقيم فيها مسجد للصحابي (سلمان الفارسي).
الدكتور فرج بصمه جي
مدن إدريسية
مرّ الكلام مفصلاً عن الأدارسة، وننشر هنا بحثاً عن بعض المدن التي اعتصموا فيها في عهودهم الأخيرة وإن كان قد ذكر بعضها مستقلاً في مواضع أخرى:
البصرة: مدينة أولية بنيت على عهد القرطاجنيين حيث عرفت بـ «تريمولي» وقد عرفت بعد الفتح الإسلامي ببصرة الكتان، لأنهم كانوا يتبايعون بها في أكثر تجارتهم بالكتان، وتعرف أيضاً بالحمراء لأنها حمراء التراب، وقد جددت على يد الأدارسة في أواسط القرن الثالث الهجري، وكان أول أمير إدريسي تولى عليها إبراهيم بن القاسم بن إدريس وقد بني سورها من الحجارة الطوب، وكان لها عشرة أبواب، وبها مسجد جامع به سبع بلاطات، وكان بها أيضاً حمامان كبيران، وتقع مقبرتها الكبرى في شرقيها بينما تقع الصغرى في غربيها وتعرف بمقبرة قضاعة، وماؤها زعاق، وكان السكان يعتمدون في شربهم على بئر عذبة كبيرة تقع قريباً من إحدى أبواب المدينة تعرف ببئر أبي دلفاء. وكانت نساء البصرة مخصوصات بالجمال الباهر، يقولون ليس بأرض المغرب اجمل منهن ويقول فيهن أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا الفتح الحسني:
ما حاز كل الحسن إلا قينة
بصرية في حمرة وبياض
الخمر في لحظاتها والورد في
وجناتها والكشح غير مفاض
في شكل مرجي ونسك مهاجر
وعفاف سني وسمت إباضي
تحديد مكانها: يقول صاحب البيان المغرب منها إلى كتامة مسيرة يوم واحد، وقيل إنها كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة، ثم إلى وادي ماسنة مرحلة، وهي مدية عيسى بن حسن المعروف بالحجام، ثم إلى مدينة بسداك، وهي قاعدة خلوف بن محمد المغيلي، ثم إلى فاس، وذلك سبع مراحل، أما ياقوت في معجمه فيكتفي بالقول بأنها في المغرب قرب السوس، وينقل عن البكري قوله: بينها وبين فاس أربعة مراحل، وأما ابن حوقل فيقول: بينها وبين المدينة المعروفة بالأقلام أقل من مرحلة، وبينها وبين مدينة تشمس أقل من مرحلة أيضاً، أما الزياني فيقول: إنها قرب القصر، ومحققا كتاب الاستقصا يقولان في أحد التعليقات: وموقعها بقبيلة الغرب بنواحي حد كورت في حدود المنطقة الإسبانية، وكلها تحديدات لا تعين على معرفة مكانها بالضبط، على ما بينها من تفاوت في القرب من الحقيقة أو البعد عنها، على أن هذه الحقيقة لا تزال حية لحسن الحظ على لسان السكان الذين يقطنون بعين المكان ببعض المداشر، حيث تعرف بـ «دوار جعاونة البصرة» وتقع في الطريق الذاهب إلى مدينة وزان على بعد 33 كيلومتراً منها وعلى بعد 31 كيلومتراً من حد كورت، وإلى الآن لا يزال جزء من سورها الغربي ماثلاً للعيان، كما لا تزال بقايا برجين، أما السور الشرقي فقد اندثر نهائياً، ويبدو أن الطريق الرابطة بين وزان والطريق الرئيسية لطنجة تخترق المدينة، بدليل ركام الحجارة الواقعة في الربوة الجنوبية، وقد حكمها إبراهيم بن إدريس نحو أربعين سنة، ثم وليها ابنه عيسى بن إبراهيم ثم أخوه أحمد بن إبراهيم، ثم برهون بن عيسى ثانية، ثم سعيد غلام المظفر من قبل مصالة بن حبوس، ثم حسن بن محمد الحجام ثم محمد بن القاسم الجوطي، ثم عيسى بن أحمد المعروف بأبي العيش وفي سنة 368 دخل أبو الفتح صاحب إفريقيا من قبل العزيز بالله الفاطمي بلاد المغرب، وهدم مدناً كثيرة من بينها مدينة البصرة التي محا آثارها بعد طول مدتها وكثرة عمارتها من الأندلسيين والبربر والأشراف، ونهب ما كان فيها من أمتعة وأموال، ويذكر صاحب البيان المغرب أن جبل صرصر يقع على ثمانية أميال منها ويصفه بأنه كثير المياه والثمار وتسكنه مصمودة.
قلعة حجر النسر: بنيت سنة 317 على يد إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس، وبها حوصر أدارسة الريف على عهد موسى بن أبي العافية، أما عن موقعها فيذكر الزياني أنها تقع قرب سبتة، بينما يذكر البعض أنها في الجنوب الشرقي من البصرة، مرجحاً أنها تقع بقبيلة سماتة الواقعة قرب العرائش، وهذا يعني أن البصرة هي التي تقع جنوب شرقي قلعة حجر النسر أو العكس، وقد كانت هذه القلعة هي عاصمة القاسم الملقب بكنون، وشقيقه إبراهيم، وهما أخوان للحسن الحجام. فاستمر هو وعقبه تحت نظر الشيعة أصحاب إفريقيا تارة، أو المروانيين أصحاب الأندلس تارة أخرى، ومن أشهر أبنائه أبو العيش أحمد بن القاسم بن كنون، غير أن هذا زهد في الإمارة، وذهب إلى الأندلس برسم الجهاد، وولى مكانه أخاه الحسن بن كنون، وقد قتل هذا الأخير على يد المنصور بن أبي عامر، وبموته تفرق الأدارسة في قبائل المغرب، واختفوا حتى أنهم خلعوا عنهم صفة النسب الشريف، واستحال الكثير منهم بدواً.
أصيلا: يقول البكري عنها: «ومدينة أصيلا أول مدينة العدوة مما يلي الغرب، وهي في سهلة من الأرض حولها رواب لطاف والبحر بغربيها وجنوبيها، وكان عليها سور، ولها خمسة أبواب فإذا ارتج الابحر بلغ الموج حائط الجامع، وسوقها حافلة يوم الجمعة، وماء آبار المدينة شروب، وبخارجها آبار عذبة ويقول عنها صاحب البيان المغرب: «كان سبب بنائها أن المجوس خربوا ساحلها وزعموا أن لهم بها أموالاً وكنوزاً تركها لهم الأوائل الذين كانوا يسكنون السواحل. وأخرجهم منها عامة القبائل ويقول في مكان آخر كانت مدينة للآل ثم تغلب عليها البحر، ثم بنيت بعد ذلك وسبب بنائها أن المجوس خرجوا بمرساها مرتين أما الأولى فإنهم قصدوها زاعمين أن لهم بها كنوزاً، وأما خروجهم الثاني فإن الريح قذفت بهم إليها وعطبت لها أجفان كثيرة عليها حتى كان يعرف ذلك الموضع بباب المجوس، وكان موضعها ملكاً لقبائل لواتة. فابتناهم قوم من كتامة، فأول ما ابتنوا بها مسجداً، ثم بنت لواتة مسجداً ثانياً، شاع أمرها فبنى الناس شيئاً بعد شيء فقصدها التجار من الأنصار بضروب المتاجر في أوقات معلومات، وقد ملكها الأدارسة، وكان أول من ملكها منهم القاسم بن إدريس، ثم ابنه إبراهيم كما حكمها الحسن الحجام، وقد خربت لمدة، ثم جددت بعد ذلك، وستعرف عجمات من لدن الإسبانيين والبرتغاليين على عهد السعديين وواضح أنها بنيت على يد القرطاجنيين أول مرة كما قدمنا حيث كانت تعرف بزليس.
طنجة: قال أبن حوقل: طنجة مدينة أزلية آثارها طاهرة بناؤها بالحجارة قائمة على البحر، والمدينة العامرة على ميل من البحر وليس لها سور، وهي على ظهر جبل وماؤها في قناة يجري إليها من موضع لا يعرفون مكانه على الحقيقة، وهي خصبة وبينها وبين سبتة مسيرة يوم واحد، وقد قيل إنها بنيت على يد الفينيقيين حيث كانت تعرف بتنجيس وقد لعبت دوراً هاماً في تاريخ المغرب، وخضعت لحملات متتالية من لدن الإسبان والإنجليز إلى أن خلصها من هؤلاء المولى إسماعيل.
سبتة: يقول عنها ابن عذاري المركشي تقع على بحر الزقاق من بر العدوة فهي نظام باب المغربين ومفتاح باب المشرقين، وهي على ما قيل: مجمع البحرين وقاعدة البحر والبر، وقد نسب إليها جماعة من أهل العلم منهم ابن مرانة السبتي، وكان من أعلام الناس في الحساب والفرائض والهندسة وكان المعتمد ابن عباد يقول: «اشتهيت أن يكون عندي من أهل سبتة ثلاثة نفر: ابن غازي الخطيب وابن عطاء الكاتب، وابن مرانة الفرضي، وإليها ينسب أبو العباس السبتي دفين مراكش، والقاضي عياض ومالك بن المرحل وغيرهم وقد احتلها البرتغال ضمن بعض الشواطئ المغربية في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وسلموها للإسبان سنة 1080 ولا تزال بحوزتهم إلى الآن، وقد حاول بنو النقسيس من تطوان افتكاكها مراراً، لكنهم لم يوفقوا، والأمر لله.
تطوان: بنيت قبل الإسلام على يد الأفارقة الأقدمين على ما يذكر ليون الإفريقي، وقد افتتحت في القرن الأول للهجرة عندما فتحت سبتة، وحسب المصادر العربية ذكرت تطوان في القرن الثالث الهجري من بين المدن التي كانت من نصيب القاسم بن إدريس بالإضافة إلى طنجة والبصرة وسبتة وقلعة حجر النسر، وفي القرن الرابع الهجري أجمع بنو محمد بن القاسم على هدم تطوان، ثم ندموا على ذلك، ثم حاولوا بناءها مرة أخرى، غير أن أهل سبتة حالوا بينهم وبين ذلك، لأنها كانت تضر مصالحهم، وقد خربت تطوان مراراً وجدد بناؤها وقبل أن يجددها أبو الحسن المنظري بقيت مخربة مدة تسعين سنة وقد امتلأت بالأندلسيين الذين عمروها وساهموا مساهمة فعالة فيما اتّسمت به فيما بعد من حيوية وازدهار وكانت بداية ذلك سنة 888 هجرية وقد تكاثر عدد المهاجرين الأندلسيين عليها بعد سقوط غرناطة سنة 898هـ وقد ألّف فيها الشيخ محمد داود كتاباً موسوعياً حافلاً يعرف بتاريخ تطوان، فليراجع هذا الكتاب الهام.
مدينة نكور: بناها سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور المعروف بالعبد الصالح، كان دخل المغرب في الافتتاح الأول زمن عبد الملك بن مروان فنزل في بني تمسمان، ومن نكور إلى زواغة، التي كانت للحسن بن أبي العافية مسيرة خمسة أيام، وكان لـ نكور أربعة أبواب منها باب سليمان، وباب بني ورياغل وباب المصلى، وباب اليهود، بها جامع كبير وأكثر خشبهم الأرز، وبها حمامات كثيرة، وأسواق عامرة ممتدة، وهي بين نهرين أحدهما اسمه نكور. وبه سميت المدينة، ودخلها المجوس سنة 244 وتغلبوا عليها وانتهبوا ما كان فيها، وقد اعتصم بها أدارسة الريف المعروفون بالحموديين، ولعل مكانها قريباً من الحسيمة التي كانت تحمل اسم المزمة في الحقيقة ….
مدينة جراوة: كانت لها حسب ابن عذاري المراكشي سور مبني بالطوب وبخارجها عيون مالحة، وداخلها آبار كثيرة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها وفيها قصبة مانعة وبها خمسة حمامات، وجامع له خمس بلاطات، أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة 257هـ. ووليها بعده ابنه الحسن سنة 291هـ وكان لها أربعة أبواب، وحولها مزارع ومراعي، وقريباً منها قرى مدغرة على البحر وفي الجبل بنو يزناسن ومن جهة الشرق بو يفرن من زناتة، ومن جهة الغرب قبائل زواغة، وإليها ينسب الشاعر المغربي الفحل أبو العباس الجراوي الذي كان منقطعاً لمدح الخلفاء الموحدين ولعلها تقع قرب بركان اليوم.
مدينة وزان: قدمنا أنها ربما كانت بنيت على أنقاض المدينة الرومانية المعروفة باب جولياكا مبيستديس وقد نقل الكثيري في «الروض المنيف» وهو تقييد لم يطبق بعد أن منار المسجد الأعظم بوزان من وضع الفاتح العربي موسى بن نصير عامل بني أمية على شمال إفريقيا كما أن الذين كتبوا عن حياة المولى عبد الله الشريف ذكروا أنه بعد انتقاله إلى وزان نزل بدار مولاي بوسلهام من قديم، وظلت مسكنه بقية حياته، ثم أن من جملة الحياء الموجودة الآن بوزان حياً يعرف بحي بني مرين، وإضافته إلى بني مرين يدل على أنهم كانوا يتخذون منه مساكنهم، وأنه بني على عهدهم ومعلوم أن الدولة المرينية قامت بين القرنين السابع والتاسع الهجري أي ما بين 1300 ـ 1500م وقد عرفت وزان ازدهاراً كبيراً منذ انتقل إليها المولى عبد الله الشريف ـ جد شرفاء وزان من الميقال بقبيلة مصمودة إلى أن توفي عام 1089هـ (1678م) واحتفظت بدورها كمقر لأقطاب الزاوية الوزانية المتعاقبين.
مدينة كرت: يقول ابن عذاري المراكشي وكانت مدينة يقال لها كرت في جبل تسمى به إلى وقتنا هذا، خربها بنو محمد، وكانت قاعدة أحمد بن القاسم، ولعلها تقع في المكان المعروف اليوم بحد كرت أو قريباً منه.
بعض الحصون
وهناك أيضاً حصن يعرف بسوق عكاشة قريب من ورغة كان عليه محمد بن حسن من بني إدريس، وهناك جنيارة، وهي حصن كبير في جبل يعرف بالجبل الأشهب، وهي لبني حصين، وفي ذلك الجبل قرى كثيرة وتقع بمقربة من فاس.
محمد الأمري المصمودي
المدينة المنورة
هي موقع حيوي وموضع خصيب تتوسط الكتلة المعمورة في المنطقة التي تتركز فيها الحياة البشرية في الحجاز، الذي يحجز سهل تهامة من مرتفعات نجد، ويرتفع فوق سطح البحر أكثر من ستمائة متر، وجوّها أقرب إلى الاعتدال، وموقعها موقع واحة استراتيجية، وهي مدينة قوافل تتصل ببادية نجد من الشرق ومنها إلى العراق، وتتصل بالبحر الأحمر من الغرب، وتقع على طريق القوافل بين اليمن والشام. وكانت بحق بوابة الجزيرة العربية ـ الشام، كما تقع في نهاية وادي القرى وبداية وادي العقيق.
وبالقياس إلى مكة فهي واحة كبيرة المساحة تطوقها الحدائق ومحصنة طبيعياً، واحة خصبة تحيطها الجبال على شكل «حدوة حصان» تتجه فتحتها إلى الجهة الجنوبية الشرقية، وتقع على هضبة أواسط الجزيرة العربية، جبل أُحُد عند شمالها الغربي، وإلى جانبه جبل عَيْر، ويحد السهل من الشرق والغرب «الحرات» أي البقع البركانية المغطاة بالبازلت الأسود والتي تبعد مسافة طويلة عن البلدة لتمتد البقعة الخضراء من الأرض الخصبة، وتتوفر فيها المياه المتجمعة من الجنوب وتغذي طبقة المياه الجوفية، وتكثر فيها الينابيع والعيون.
تبعد المدينة عن البحر الأحمر حوالي 175 ك.م. ويربطها بجدة طريق معبد، ويتفرع منه عند بدر طريق إلى مينائها ينبع، وكانت ترتبط بدمشق بخط حديدي عطل في الحرب العالمية الأولى.
وانبسطت المدينة وانقبضت بالنسبة لحجم سكانها فكانت في مطلع هذا القرن تفوق في حجم السكان أي مدينة عربية أخرى في شبه الجزيرة العربية، أيام عمل خط حديد الحجاز
وكان اسم المدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها يثرب.
يتوسط المدينة المنورة المسجد النبوي الشريف. وإلى الشرق من المسجد النبوي توجد مقبرة بقيع الغرقد، وتوجد شمال المسجد حديقة الصافية، وإلى الشمال منه يوجد مركز طيبة، ويصل إلى الطريق الدائري الثاني بعد اجتياز الطريق الدائري الأول من شمال إدارة مرور المدينة وإدارة التوجيه التربوي.
ويقابله شارع يتجه غرباً من عند المسجد النبوي هو شارع باب السلام الذي يجتاز الطريق الدائري الأول والدائري الثاني مروراً من جنوب كلية البنات، والجامعة الإسلامية، وإلى الجنوب من هذين الشارعين توجد الأحياء التالية من الغرب إلى الشرق: طيبة، الحرة الغربية، الأنصار، الخلفاء، الروضة، السلام، العوالي. وإلى الجنوب من هذه المناطق توجد: قباء، وقربان، ومدينة الحجاج، ويوجد جبل قريظة جنوب شرقي المدينة المنورة، وفي الجنوب الغربي جبل غُرابة الذي يرتفع 850م عن سطح البحر. وإلى الشمال منه يوجد جبل جمَّة ويفصل ما بين المدينة والجبلين وادي العقيق الذي يمتاد شمالاً ويعبر ما بين الرُف غرباً، وجبل أُحد شرقاً مروراً بالعيون.
إلى الشمال من شارع باب السلام يوجد شارع السيح، ومنطقة الخندق، وفيها المساجد السبعة وجبل سلع، وإلى الشمال الغربي من سلع توجد منطقة العقيق. وإلى الغرب منها بعد الطريق الدائري الثاني يوجد مسجد القبلتين. وإلى الشمال منه توجد منطقة النصر. ويلتقي عند المسجد النبوي بشارع سيد الشهداء حمزة الذي يصل ما بين المسجد النبوي جنوباً وجبل الرماة ومرقد حمزة وشهداء أُحد شمالاً.
ويوازيه شارع أبي ذر الغفاري، وما بين الشارعين تقع منطقة البيعة، وإلى الشرق منها تقع منطقة أُحد. وفي شمال المدينة المنورة يوجد جبل أُحُد الذي يرتفع أكثر من ألف متر عن سطح البحر.
يحد منطقة المدينة المنورة من الشمال منطقتا تبوك وحائل، والبحر الأحمر وجزء من منطقة تبوك غرباً ومنطقتا الرياض والقصيم شرقاً ومنطقة مكة المكرمة جنوباً وتبلغ مساحتها الإجمالية 153216 كيلومتراً مربعاً.
تضم المدينة المسجد النبوي الشريف وفيه مرقد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعدد كبير من الصحابة وآل البيت في مقابر البقيع على بعد خطوات قليلة من المسجد النبوي.
وتتخذ المدينة المنورة أهميتها من كون الرسول عليه الصلاة والسلام هاجر إليها من مدينته مكة المكرمة، قبل أكثر من 15 قرناً، وأس فيها أول دولة إسلامية في التاريخ، ومن هجرته إليها بدأ استخدام التاريخ الهجري.
وكان يطلق على المدينة قديماً اسم «يثرب» حتى قدم إليها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأطلق عليها اسم المدينة.
ويقع في المدينة المنورة أيضاً مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام عند وصول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليها مهاجراً من مكة، وهو الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه». وتضم المدينة المنورة مساجد عدة بنيت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تزال حتى يومنا هذا، ومن أهمها المساجد السبعة المعروفة وأعلاها مسجد الفتح، إضافة إلى مساجد الإجابة والقبلتين والجمعة والغمامة.
المسجد النبوي الشريف
وتشتهر المدينة المنورة إلى جانب كونها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يشكله ذلك من أهمية خاصة لدى المسلمين في كافة البلاد الإسلامية، بالتمور التي تختص بها مثل عنبر المدينة والصفري والروتانا والعجوة وغيرها من أنواع الرطب والتمور الأخرى.
كما تتميز بالنباتات العطرية التي تضاف إلى أنواع الشراب الساخن مثل الشاي فتكسبه نكهة خاصة، أهمها النعناع المديني والحساوي والدوش والعطرة والورد المديني بلونه الوردي الخالص.
النشاط الاقتصادي
يبرز دور المسجد النبوي الشريف في إعطاء المدينة أهمية اقتصادية كبرى، إذ يقدر حجم إنفاق الحجاج والزوار الذين يبلغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة سنوياً بأكثر من سبعة بلايين ريال (1,87 بليون دولار).
وتزخر المنطقة بثروات طبيعية عدة مثل الذهب والمعادن الثمينة وغيرها التي توجد في مدينة مهد الذهب.
الزراعة في المدينة
على رغم تراجع عدد مزارع النخيل وإنتاج التمور عن السابق بنسبة 2,6 و33,8 في المائة على التوالي، إلا أن الكمية المصدرة من تمور المنطقة سجلت زيادة قدرت بنحو 34,3 في المئة. ويبلغ عدد مزارع النخيل أكثر من سبعة آلاف تنتج نحو 37 ألف طن من التمور المتنوعة، ويصدر نحو 11 في المائة من الإنتاج إلى عدد من دول العالم من أهمها: السويد والدنمارك وبريطانيا وهولندا وماليزيا والهند وباكستان وجنوب إفريقيا إضافة إلى بعض الدول العربية.
الشوارع والحارات وتاريخ
المناخة والجرف والخندق
وسارت قريش وأحزابها إلى المدينة راجية أن تستأصل المسلمين المؤمنين، وكانت أطراف المدينة الجنوبية الشرقية، وبعض أطرافها الغربية مُغطى ببقايا ركام بركانية شكّلت مع مزارع النخل الكثيفة حماية طبيعية لأرض المدينة المنورة. الجهتان الغربية والشمالية مكشوفةً يسهل العبور منها إلى قلب المدينة المنورة، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق على امتداد المنطقة المكشوفة من أطراف المدينة المنورة كي يحول دون مرور غُزاة الأحزاب الطامعين، وخطّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق، ووزّع الصحابة كل عشرة يحفرون أربعين ذراعاً من الخندق، وشاركهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العمل فكان يحفر بيديه الشريفتين، ويُحطم الصخور التي يعجز الصحابة عن تحطيمها، واستمر العمل في الخندق ستة أيام، ونُصبت خيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أقيم في موقعها في ما بعد مسجد الفتح.
وسعى بعض الباحثين لتحديد موقع الخندق بدقة فلم يصلوا إلى نتيجة مرضية.
المناخة
تقع منطقة المناخة غرب المسجد النبوي من ثنيه الوداع الشامية شمالاً إلى بداية قُربان جنوباً. وكان القسم الشمالي من المناخة ميداناً للسباق والتدرب على ركوب الخيل والرماية. وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحضر بعض التدريبات ويحض المتدربين على أن يجودوا، ويسابق بينهم أحياناً، وقد بني في موقع السباق مسجد سمي مسجد السبق.
وفي قسمه الثاني اختط النبي محمد صلى الله عليه وسلم للمسلمين السوق في السنوات الأولى من الهجرة ليخلصهم من سيطرة المُرابين اليهود على الأسواق الأخرى، وقال صلى الله عليه وسلم : «هذا سوقكم فلا يضيق ولا يؤخذ منه خراج». وكانت السوق مكشوفة ليس فيها بناء. وكان يحضر التجار إليها صباحاً. ومن سبق إلى موقع وضع بضاعته فيه ويتاجر إلى نهاية اليوم ثم يحمل متاعه ليعود في اليوم الثاني.
منظر من المدينة المنورة، وتظهر الجبال الخلفية
الجُرف
تقع منقطة الجرف الآن في الشمال الغربي من المدينة المنورة، وتمتد إلى ما وراء جبل أُحد، وتمرّ فيها الطريق الخاصة بغير المسلمين والآتية من المطار شرقاً خارج حرم المدينة المنورة، وكانت منطقة الجرف من قبل أرضاً منبسطة فيها مجموعة من البساتين وفيها بعض الآبار.
واستثمر المسلمون أرض الجُرف وأقاموا فيها المزارع، وكان لعدد من الصحابة فيها بساتين. وفي أواخر أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر جيش أسامة بن زيد أن يُرابط في الجُرف.
وكانت تُضرب في الجُرف الخيام وتُعقد الرايات وتوجَّه منه الجيوش. وفي العهد العثماني شيّد العثمانيون قلعة على سفح جبل أُحد تُشرف على الجُرف لحماية المدينة المنورة. وما زالت القلعة شامخة. وفي الوقت الحاضر زحف العمران الإسمنتي على الجُرف، فتقلصت مساحات المزارع والبساتين حتى أوشكت أن تختفي نهائياً لولا حماية الدولة للبساتين التي فيها بئر رومة، والتي جعلتها مزرعة تجريبية. وحافظ بعض الخيرين على واحات النخيل في غرب وشمال جبل أُحُد.
قُـــبـــاء
تقع منطقة قُباء جنوب المدينة المنورة، ويجري فيها وادي رانوناء. كانت من قبل قرية مستقلة على طريق القوافل القادمة من مكة المكرمة، ثم امتد العمران إليها فاتصلت ببقية أنحاء المدينة المنورة.
تتميز قُباء بالمياه الجوفية القريبة من سطح الأرض. كما تتميز بخُصوبة تربتها. ولذلك تكثر فيها مزارع النخيل، والعنب، والبساتين المتنوعة الأشجار والثمار، وكانت قُباء إلى عهد قريب مجموعة من المزارع المتصلة التي تنتشر بينها البيوت، أو تتجمع على شكل أحياء صغيرة، وخصوصاً حول مسجدها التاريخي الذي خطّه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وصل إليها، وشارك الصحابة في بنائه، وهو أول مسجد بُني في الإسلام.
وانتشر العمران حالياً وامتد في جميع الاتجاهات وتقلصت المزارع والبساتين عمّا كانت عليه سابقاً. وبقيت في قُباء بعض بساتين النخيل التي تُضفي على المنطقة جمالاً وجلالاً.
الخندق
هو الذي أمر النبي بحفره بناء على رأي سلمان الفارسي، لصيانة المدينة من غزو أبي سفيان لها بالجموع التي جمعها من مختلف القبائل وذكر السمهودي في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى»، أن بقايا متفرقة من الخندق كانت موجودة في عصره أي في القرن التاسع الهجري، ولكنها انطمرت بمرور الزمن ولم يبق منها الآن شيء على الإطلاق، ولكن المكان معروف ولا سيما في منطقة المساجد السبعة.
وتضم المدينة المنورة مساجد عدة بنيت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تزال حتى يومنا هذا، ومن أهمها المساجد السبعة المعروفة وأعلاها مسجد الفتح، إضافة إلى مساجد الإجابة والقبلتين والجمعة والغمامة.
وتزخر المنطقة بثروات طبيعية عدة مثل الذهب والمعادن الثمينة وغيرها التي توجد في مدينة مهد الذهب.
ومن المشاريع التي تشهد اهتماماً خاصاً مشاريع المياه والصرف الصحي، إذ يبلغ طول شبكة المياه حالياً نحو 100 كيلومتر وهناك أربعة مشاريع لا تزال قيد التنفيذ وخمسة مشاريع أخرى جديدة إلى جانب دراسة 18 مشروعاً لتنفيذها مستقبلاً.
يؤم المدينة المنورة نحو أربعة ملايين حاج وزائر سنوياً بهدف زيارة المسجد النبوي الشريف لإتمام مناسك الحج أو العمرة، إلى جانب زيارة مساجد ومواقع أخرى ذات مكانة دينية مثل مسجد قباء وجبل أحد وغيرهما.
والمسجد النبوي الشريف هو المسجد الذي بناه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بعد وصوله إلى المدينة ببضعة أيام، فاشترى الأرض المحيطة بالمكان وكانت مملوكة ليتيمين هما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو، ومن ثم سويت الأرض ووضع أساس المسجد بالحجارة بارتفاع القامة تقريباً، واستخدم الجريد للسقف وجذوع النخل للسواري، وبلغت مساحة المسجد النبوي الشريف آنذاك نحو 1050 متراً مربعاً، وهي مساحة محدودة للغاية مقارنة بالمساحة الحالية البالغة 153216 كيلومتراً مربعاً.
ويأتي مسجد قباء في المرتبة الثانية لجهة الأهمية التي اكتسبتها مساجد المدينة المنورة كمواقع دينية، وهو أول مسجد أسس على التقوى وأول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة.
وهناك مساجد أخرى يهتم الزائرون بالصلاة فيها مثل مسجد القبلتين، ومسجد الميقات، وسمي كذلك لأنه ميقات أهل المدينة ومن أتى عليها من غير أهلها في حال رغبوا في الإحرام للحج أو العمرة، إضافة إلى المساجد السبعة، ومسجد الجمعة الذي شهد أول صلاة جمعة تؤدى في الإسلام. ومن المواقع الأخرى التي يقصدها الزوار جبل أحد حيث وقعت معركة أحد الشهيرة، ووادي العقيق غربي المدينة. وهناك بقيع الغرقد وهي مقبرة المدينة المنورة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وديان المدينة
وادي العقيق
والعقيق لغة الوادي، وكل مسيل شقه ماء السيل فأنهره ووسّعه، والعقيق بالمدينة فيه عيون ونخيل([343]) وقد قيل عن عقيق المدينة إنه عقيقان: الأكبر، وهو ما يلي الحرّة ما بين أرض عروة بن الزبير إلى قصر المراجل ومما يلي الحمى ما بين قصور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن عثمان إلى قصر المراجل ثم الذهاب بالعقيق صُعداً إلى منتهى البقيع.
والعقيق الأصغر ما سفل عن قصر المراجل إلى منتهى العَرْصَة، وفي عقيق المدينة يقول الشاعر:
إني مررتُ على العقيق وأهْلُهُ
يَشكُون من مطر الربيع نُزُورا
ما ضرّكم إن كان جعفرُ جارَكم
أن لا يكون عقيقكم ممطورا
وهناك عقيق آخر هو أكبر من ذينك العقيقين في المدينة([344]) وقد أقيمت على العقيق قصور ومبانٍ منذ القديم، وهو واقع في غربي (المدينة) ومصدر (حضير) على مسيرة يوم ونصف يوم منها على ما عينه عبد القدوس الأنصاري في (آثار المدينة المنورة)، وفي العقيق عدد كبير من الآبار.
وادي القرى
وهو أشهر أودية الحجاز وأوسعها يمتد بين المدينة والشام، وقد كان مشهوراً بغزارة مياهه، وكثرة عيونه، وقد روى الرواة أنه استخرجت ثمانون عيناً فيه بعد أن كان هذا الوادي قد أهمل لترك سكانه له، وقد استنتج بعض المؤرخين من تسميته بوادي القرى كثرة ما كان عليه من القرى بسبب غزارة مياهه.
وادي مذينيب
ويقع وادي مذينيب على نحو سبعة أميال من (المدينة)، وهو من أشهر وديان المدينة قامت عليه منازل بني النضير وهم أول من احتفر به، وبنى، وغرس، وقد نزل عليهم بعض قبائل العرب فشاركهم في ذلك، ومن هؤلاء الأشرف والد كعب صاحب الحصن المشهور باسمه([345]).
الشيعة في المدينة المنورة
تسكن المدينة اليوم أربع جماعات شيعية:
* النخاولة، ومفردها نخلي، وهم من القبائل العربية، وقد تداخل معهم عدد من أبناء القبائل الأخرى طلباً للحماية قبل نحو قرنين من الزمان مثل (العصارى) الذين ينتمون إلى عنزة (بني أعصر). والنخاولة هم أكثر الشيعة عدداً وانتشاراً، وقد تعرّضوا للاضطهاد والأذى بسبب التحامل الطائفي …
من زعماء الشيعة المشهورين في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم: الشيخ محمد العمري، وابنه الشيخ كاظم العمري.
* الأشراف، ويأتون بعد النخاولة في العدد، وهم سادة من بني هاشم. كما أنهم ينتشرون في مناطق أخرى غير المدينة المنورة مثل مكة المكرمة وجدة والطائف والمدن الجنوبية.
قال صاحب كنز الأنساب إن من بين من ينتمي إلى هذه القبيلة (الأشراف) في المنطقتين الغربية والجنوبية: الحيادرة، والنسبة إليهم حيدريّة، وهم بطن من بني جعفر الصادق يُعرفون ببني أيمن. وآل إبراهيم ويسكنون ينبع النخل، وآل حسين مع قبيلة الضفير سادة حسينيّون.
وقد حكم الأشراف المناطق المقدّسة سنوات طويلة في القرون الماضية وحتى وقت قريب أيضاً([346]).
* قبائل حرب وجهينة (الحروب)، حيث اعتنق بعض أفرعها المذهب الشيعي (فرع بني علي/ الفريد، وغيرهما). وقد اشار أحد الكتّاب إلى انتشار المذهب الشيعي بين قبائل حرب وجهينة.
* المشاهدة، وهم من أصول عربية ويتواجدون في مكة والمدينة المنورة، إلا أنهم أقلّ الفئات عدداً. ومن آل المشهدي الكاتب والروائي محمد بن عيسى المشهدي.
أما الأحياء التي يسكنها الشيعة في المدينة المنورة وما حولها فهي:
1 ـ وسط المدينة، جنوب الحرم المدني … حيث يوجد حيّ كان يسمى فيما مضى بزقاق النخاولة، أو محلّة النخاولة، ويسمى في الوقت الحالي الروضة … كما يوجد النخاولة شمال غربي المسجد النبوي (باب الكومة).
2 ـ قبا، كانت قرية تبعد ميلين عن المدينة المنورة، والآن أصبحت حياً من أحيائها الجنوبية، وتسكن الحي أكثرية من النخاولة.
3 ـ قربان، حي جنوبي المدينة المنورة، ويسكنه إضافة إلى النخاولة شيعة الحروب والمواليد.
4 ـ حي العوالي، جنوب شرقي المدينة المنورة، ويسكنه النخاولة والحروب بكثرة. على أن الشيعة منتشرون في معظم أحياء المدينة المنورة، ولكن بكثافة أقل، كما في الحارة الشرقية التي يتواجد بها عدد غير قليل من الأشراف وبشكل أقل من النخاولة. وكذلك يصدق القول على الحارة الغربية وحي العيون.
وبالطبع هناك أعداد غير قليلة من الشيعة الزيدية أقامت في السنوات الأخيرة في المدينة المنورة. ويوجد الشيعة في العديد من القرى المحيطة بالمدينة المنورة أو التي تدخل ضمن إطارها الإداري، من بين هذه القرى:
وادي الفرع، الواقع جنوب المدينة المنورة، وقد اشتهرت قرى الوادي ـ وبينها قرى شيعية عديدة ـ بكثرة مياهها ونخيلها وطبيعتها الخلاّبة، القرى الشيعية المعروفة قرية (أبو ضباع) ويسكنها لفيف من الحروب والأشراف.
السويرقية، وتقع جنوب شرقي المدينة، وغالبية سكان القرية من الشيعة الأشراف.
ينبع النخل، ويطلق هذا الاسم على جهة واسعة على شكل عقد من القرى ينتظم من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي. والمنطقة عامرة بالسكان والبساتين وتبعد عن المدينة المنورة حوالي 150 كيلومتراً. ويذكر البعض أن الاسم جاء من كثرة الينابيع واستمدت شهرتها من مرور طرق القوافل بها، ولقد أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من جهينة يدعى كشد بن مالك، ثم اشتراها عبد الرحمن بن أسعد، واشتراها منه الإمام علي بن أبي طالب، وتصدّق بعينين من عيونها.
وبمنطقة ينبع النخل 21 قرية قدّر عدد سكانها في إحصاء 1974 بنحو 19207 نسمة. ويشير أحد المؤلّفين إلى أن في ينبع ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً من الشيعة. ويبدو أن المقصود هنا ليس سكان ينبع النخل وإنما ينبع
البحر/ الميناء، حيث يقترب منها (جبل رضوى)، وهو ما أشار إليه ياقوت الحموي بقوله: «ورأيته من ينبع اخضر، وأخبرني من طاف في شعابه أن به مياهاً كثيرة وأشجاراً».
مهد الذهب، وهي القرية المعروفة بمناجم الذهب، ويتواجد فيها عدد غير قليل من الشيعة من قبائل عربية متفرّقة.
المسجد النبوي الشريف
ويقدّر مجموع الشيعة في المدينة المنورة والقرى الأخرى المحيطة بها، بنحو مائة ألف نسمة.
وعن البرزنجي في كتاب نزهة الناظرين أنه قال: وأما الخطابة على المنبر الشريف النبوي فكانت في (الإمامية الشيعة) حتى اتصلت بآل سنان. قال ابن فرحون الخطابة من آل سنان سنة 682 واستمروا حكاماً على حالهم.
وللطرافة والفائدة معاً ننقل هنا ما كتبه الوهابيون عن شيعة المدينة فيما أسموه: (الرافضة في بلاد التوحيد). وما ننقله هنا هو بعض ما كتبوه عن الشيعة فيما يسمى بالمملكة العربية السعودية:
إظهارهم البدع والشرك في المدينة النبوية:
وذلك أن الذاهب إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يرى مقدار علو شوكتهم وقوتهم في الجهر بمنكرهم، حيث يأتي الشيعة الرافضة من إيران والإحساء والقطيف إلى المدينة في شهر رجب زرافات ووحداناً، وذلك عن طريق الحملات المنظمة التي تفد إلى المدينة بشكل كبير، ويمكن إجمال الوضع في المدينة في النقاط التالية:
1 ـ يلاحظ التنظيم الدقيق للرافضة من حيث التنقلات من وإلى المسجد النبوي ومقبرة البقيع، وغيرها من الأماكن التي يزورونها.
2 ـ لكل طائفة منهم قائد يتصرفون بحسب ما يمليه عليهم، وهو الذي يقوم بقراءة الموالات والأدعية التي يقولونها.
3 ـ لا يصلي الرافضة في المسجد النبوي على السجاد المفروش، بل يصلون على الحصر التي لا تفارق أيديهم، فإن لم تكن معهم فإنهم يتقدمون أو يتأخرون عن الصفوف ليسجدوا على البلاط.
4 ـ تجتمع أعداد كبيرة منهم رجالاً ونساءً في الساحات الخارجية، وعند الأبواب خارج المسجد النبوي، حيث يعلو صياحهم ونياحهم وتسمع أصواتهم من بعيد.
5 ـ يخرج كثير من رافضة القطيف والأحساء في وقت صلاة الظهر والعصر بالذات من المسجد بعد الأذان، بلا إنكار من أحد، فالناس يدخلون وهم يخرجون.
6 ـ يصلي الرافضة الظهر والعصر جمعاً كما هو معتقدهم ودينهم، ويكون ذلك قرابة الساعة الثانية ظهراً، حيث يبدؤون في التوافد بكثرة على المسجد النبوي. ويراهم كل أحد، بشكل ملفت للنظر.
7 ـ يحمل غالبية الرافضة أثناء وجودهم في المسجد النبوي كتباً تتعلق بمذهبهم ويقرؤون فيها بل بلغ الحال بأحدهم أن وزّع نسخاً من كتاب (أكذوبة تحريف القرآن بين السنة والشيعة) في المسجد النبوي، وهذا الكتاب ينفي عن الشيعة قولهم بتحريف القرآن ويرمي به أهل السنة.
8 ـ تدخل جموع غفيرة منهم إلى مقبرة البقيع يومياً، وبخاصة بعد الإشراق ويجتمع ملاليهم وساداتهم، ثم يبدأ الدعاء والتوسل والبكاء عند قبور بعض أهل البيت عليهم السلام وإطلاق كلمات الشرك والغلو فيهم، وعدد أولئك الداخلين إلى المقبرة يعد بالمئات، بل أنهم يقومون كل مساء بالدخول إلى المقبرة ورش الطيب على قبر فاطمة، وتجتمع النساء الرافضيات عند جدران المقبرة ويقوم رجل في وسطهن ليقرأ عليهن من موالاتهم ثم يبدؤون بالبكاء والصياح. ويقوم بعض الرافضة هناك بتوزيع الحلوى على أطفال أهل السنة الذين ربما راقبوهم بدهشة.
9 ـ يسكن الرافضة غالباً في الفنادق القريبة من المسجد النبوي وتكون خاصة بهم تقريباً ولذا فإنه يوجد في هذه الفنادق وعند أبوابها بعض التهاني أو التعازي الرافضية، بل والدعوة إلى الاحتفال ببعض مناسباتهم في (المدينة النبوية)، مع تحديد الوقت والمكان، وهذه يلاحظها كل داخل إلى الفندق.
ملاحظة: المسجد النبوي مليء بالآيات المكتوبة على جدران المسجد وفي أروقته. والغريب أنه قد كتبت بعض الأئمة الاثني عشر على جدران إحدى الساحات المكشوفة في المسجد حيث كتب: (محمد المهدي رضي الله عنه)، (علي التقي رضوان الله عنه)، (موسى الكاظم رضي الله عنه)، (محمد الباقر رضي الله عنه)، (حسن العسكري رضي الله عنه).
وبشكل عام فالوضع في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام خطير، والأمر يزداد سوءاً في كل عام، والجهر بالمنكر يتضح لكل زائر، فالله المستعان.
نشأة مدرسة أهل البيت عليهم السلام في المدينة
المدينة هي الرحم الذي ولدت فيه بذرة التشيع، واحتضن الجيل الأول من شيعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وتواصل توطن أئمة أهل البيت عليهم السلام فيها إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ولم يغادرها أحد منهم إلاّ لضرورات سياسية أو عسكرية أو علمية أو أن يستقدمه السلطان الجائر فيسيّره إلى بغداد أو سامراء.
إن تراث أهل البيت عليهم السلام وعلوم الإمامة فاضت من المدينة إلى بقية الأمصار بعد انتشار التشيع في شتى أقاليم الدولة الإسلامية آنذاك، وكان المسجد النبوي هو المركز العلمي الأهم الذي عقدت تحت سقفه الحلقات الدراسية الأولى عند الشيعة، وشهد هذا المسجد منذ تأسيسه إلى عدة قرون تعاقب مجموعة كبيرة من التلامذة، الذين انخرطوا في حلقات الأئمة عليهم السلام وأصحابهم ثم العلماء الشيعة في فترات لاحقة. فبعد غياب الرسول صلى الله عليه وسلم عن المسرح مكث الإمام علي عليه السلام نحواً من ثلاثين سنة أمضى معظمها في المدينة ما خلا نحو خمس سنوات في الكوفة ـ عكف فيها على صيانة القرآن الكريم والسنة الشريفة وتعليمهما.
لقد كان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يمثل المرجعية العلمية في حياة المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالرغم من إقصائه عن المسرح السياسي في حياة الخلفاء الثلاثة، لكنه كان يسهر على حماية تجربة الإسلام الفتية من النكوص والتداعي، وهذا ما جعله يسجل حضوراً مشهوداً في مواقف متنوعة، منها ما يرتبط بالقضاء وحسم الخصومات بين الطرفين المتنازعين حين يتعذر على الخليفة اتخاذ موقف قضائي بذلك، ومنها ما يرتبط ببيان المواقف الاستراتيجية في المنعطفات السياسية والعسكرية في الحياة الإسلامية، عندما يتعرض المسلمون لأخطار وشيكة، إثر الصراع المحتدم مع الأمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وقوى الشرك الأخرى في الجزيرة العربية.
يضاف إلى ذلك الدور البارز الذي اضطلع به الإمام علي عليه السلام في حلّ المعضلات العقائدية والفكرية، التي كانت تتوالد كلّ يوم مع ازدياد عدد المسلمين واتساع رقعة الدولة الإسلامية. وهذا ما تحكيه بوضوح المراجع التاريخية، التي تحدثت عن تلك الحقبة، فحين تشير إلى طبيعة التحديات المختلفة، التي كانت تواجه المسلمين وقتئذٍ، تكشف عن الدور المتميز، الذي كان ينهض به الإمام علي عليه السلام، ففي التفسير وبيان ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه كان هو المرجع، وفي بيان الأحكام الشرعية هو المرجع، وفي حلّ المعضلات الفكرية المتنوعة هو المرجع، وفي المناظرات العقائدية هو المرجع، حتى شهد الخليفة الثاني بمرجعيته هذه غير مرة قائلاً: (لولا عليٍّ لهلك عمر)، (ولا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، و(لا يُفتين أحد في المسجد وعليّ حاضر) ([347]).
من هنا يتبين أنه كان المدرّس الأول في المدينة المنورة، وكان هو منهل العلم الذي استقى منه عدد وفير من الصحابة والتابعين المعارف الإسلامية، وإليه ينتهي تأسيس جملة من العلوم الإسلامية، يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: (ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أُخِذَ، ومنه فُرِّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأن أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حالَ ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنِسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. ومن العلوم علمُ الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشِّبْلي، والجُنَيد، وسَري، وأبو يزيد البِسْطامي، وأبو محفوظ معروف الكرخي، وغيرهم … ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه).
في ضوء ذلك يتضح أن الإمام علي عليه السلام مكث في المدينة المنورة بعد وفاة رسول الله مدة ناهزت عقدين ونصف العقد عكف فيها على غرس بذرة العلوم الإسلامية، وإعداد جيل من التلامذة كعبد الله بن عباس المعروف بحبر الأمة، أسهم هذا الجيل فيما بعد في الامتداد بمدرسة علي عليه السلام من المدينة إلى بقية الأمصار الإسلامية، وتنمية العلوم التي غرسها. ومثلما كان للإمام علي الريادة في إرساء أسس مدرسة المدينة المنورة، والسهر على تربية طائفة من التلامذة من ذوي البصائر، كذلك فعل الشيء نفسه لما بويع بالخلافة واتخذ من الكوفة عاصمة له.
مدرسة المدينة بعد غياب الإمام علي عليه السلام
لم تقفل مدرسة المدينة أبوابها بعد هجرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة عام 35 للهجرة، ثم استشهاده في مسجد الكوفة بعد خمس سنوات من هذا التاريخ، وإنما تعاقبت عليها عدة أجيال من تلامذة الإمام علي وتلامذتهم. إذ امتدت الحركة العلمية في المدينة بأبناء علي من الأئمة عليهم السلام، وبتلامذته الآخرين، الذين برز منهم عبد الله بن عباس، الذي باشر تعليم التفسير والحديث والفقه والأدب، وكان مجلسه يكتظ بالدارسين من مختلف الطبقات، قال عطاء: (ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر علماً وأعظم جَفْنة، وإن أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب النحو عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه، كلهم يصدرهم في واد واسع)([348]).
إلاّ أن ابن عباس عنى بتعليم التفسير وعلوم القرآن عناية فائقة فعرف به، ومُلِئت المصنفات المبكرة للتفسير بمروياته وآرائه الخاصة. وعمل الوضّاعون فيما بعد على وضع أشياء كثيرة ونسبتها إليه تزلفاً لأبنائه من الخلفاء في العصر العباسي([349]). وعلى هذا لا يمكن القول: إن تراث ابن عباس التفسيري يعبر عن روح مدرسة الإمام علي عليه السلام بصورة نقية أمينة، وإن كان ابن عباس نفسه أميناً فيما حكاه عن أستاذه، لكن التشويه والدس الذي ابتُليَت به آثاره في العصر العباسي نأى بها عن المنبع الذي استقت منه، على أن ابن عباس لم ينفرد في مدرسة المدينة، وإنما سطع فيها نجم الحسن والحسين عليهما السلام، اللذين ورثا ودائع النبوة والعلوم التي نهلها أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورث الحسين ذلك لولده علي السجاد وصار السلف منهم يوصلها لخلفه، (عن عمر بن يزيد قال أبو جعفر عليه السلام : إن علياً عالِم هذه الأمة، والعلم يتوارث، ولا يهلك أحد منّا إلاّ ترك من أهله مَنْ يعلم مثل علمه أو ما شاء الله)([350]).
وتؤكد المصادر التاريخية أن عبد الله بن عباس كان على بيّنة من هذا الأمر، ولذلك كان يبالغ في احترام الحسن والحسين، يقول مدرك بن عمارة: (رأيت ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين، فقيل له: أتأخذ بركابيهما وأنت أسنّ منهما؟ فقال: إن هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ليس من سعادتي أن آخذ بركابيهما)([351]).
لقد واصل الحسنان رعاية مدرسة أبيهم في المدينة، والتف حولهما نخبة من تلامذة أمير المؤمنين وغيرهم ينهلون من حلقات دروسهم في في المسجد النبوي الشريف، وذاع نبأ هذه الحلقات فرحل إليها طلاّب العلم من خارج المدينة، فكان الحسن (يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمع الناس حوله، فيتكلم بما يشفي غليل السائلين، ويقطع حجج القائلين)([352]). ونالت حلقة الإمام الحسن في المسجد النبوي اهتمام القادمين إلى المدينة، وتميزت على ما سواها من الحلقات الأخرى في المسجد.
أما حلقة الإمام الحسين عليه السلام في المسجد النبوي فقد اشتهرت وتفوقت على نظائرها من حلقات الدرس في المسجد، حتى اضطر معاوية للاعتراف بذلك عندما قال لرجل من قريش: (إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله، مؤتزراً على أنصاف ساقيه، ليس فيها من /الهُزِّيلي([353]) شيء)([354]).
وتمتع الإمام الحسين عليه السلام بمرجعية علمية في المدينة مثلما تسنم أمير المؤمنين عليه السلام قبل ذلك هذه المرجعية، فكان يدحض الشبهات العقائدية حين يعجز غيره عن تفنيدها.
وبعد الإمام الحسين عليه السلام انبرى ولده الإمام السجّاد عليه السلام لتبني مدرسة المدينة ورعايتها، وحظي السجاد عليه السلام بمقام المرجعية العلمية في هذه المدرسة مثلما حظي أبوه وجده عليهما السلام قبل ذلك، وهذا ما تدلل عليه مجموعة شهادات صدرت من علماء معروفين من معاصريه، (فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منّة)([355]).
ويضيف قائلاً: (ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين! وما رأيت أحداً كان أفقهَ منه، ولكنه كان قليل الحديث … لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين)([356]). و(قال رجل لسعيد بن المُسَيّب: ما رأيت أحداً أورع من فلان! قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه!)([357]).
وقال ابن خلكان في معرض الحديث عنه: (وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تُحصَر)([358]). وكان الإمام السجّاد عليه السلام منصرفاً إلى بثّ علوم النبوة، متَّخذاً من المسجد النبوي مدرسة له، ففي كلّ جمعة يستثمر توافد المسلمين على المسجد فينبري للإرشاد والوعظ، ويبدو أن الإمام السجّاد عليه السلام كان يمضي قسطاً وافراً من وقته يُعلِّم في المسجد النبوي، قال يزيد بن حازم: (رأيتُ علي بن حسين وسليمان بن يسار، يجلسان بين القبر والمنبر، يتحدثان إلى ارتفاع الضحى ويتذاكران) ([359]).
ولم يقتصر نشاطه العلمي على فترات وجوده في المسجد، وإنما كان أهل العلم يقصدونه حيث مضى ولا ينفكّون عن طلب الإفادة منه والارتشاف من معين علومه حتى في سفره، يقول سعيد بن المسيب (إن القراء كانوا لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب …) ([360]). إن خروج موكب يضم ألف رجل من القرّاء مع علي بن الحسين، يبرهن بدون شك على حاجتهم إليه، وأنه هو المرجع الأول في التفسير وعلوم القرآن يومئذٍ، ويمكن أن نستنتج من هذا الرقم الكبير «ألف راكب» وجود إجماع بين المسلمين على منزلته العلمية، ولا سيما إذا لاحظنا أن هذا الموكب لا يفارقه في رواحه ومجيئه، يقول سعيد بن المسيب: (كان القوم لا يخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد الساجدين …) ([361]).
إن التفاف الناس وطلاّب العلم خاصة حول الإمام السجّاد عليه السلام، ومرافقتهم له بنحو دائم في سفره وحضره، يعبر عن ظاهرة ملفتة للنظر، خصوصاً أن السجّاد عليه السلام كان يخضع لرقابة السلطة الأموية باستمرار، لكن ذلك لم يُثنِ أهل العلم من الارتباط بمجالسه والحرص على مرافقته أينما رحل. وقد كان الوضع الأمني الذي عاشه الإمام السجّاد عليه السلام في المدينة عقيب واقعة كربلاء مباشرة لا يسمح له بممارسة مهامه العلمية بحرية، إلاّ أنه لم يتخلَّ عن تلك المهام، فتكثف عمله على إعداد وتربية نخبة من الرجال الذين وعوا علومه ونشروها بين الناس، (قال الفضل بن شاذان: ولم يكن في زمن علي بن الحسين عليه السلام في أول أمره إلاّ خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر، سعيد بن المسيّب ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام، وكان حزن جدّ سعيد أوصى إلى أمير المؤمنين عليه السلام)([362]).
وكان لتلامذة الإمام السجّاد دورٌ هام في نشر العلوم الإسلامية، فمثلاً عُرِف سعيد بن جبير كأحد أبرز رجال التفسير والفقه في عصره، حتى (كان ابن عباس، إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أُم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير)([363]). واعترف ابن عمر عندما سأله رجال بأن سعيد أفقه منه، (عن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة، فقال: ائت سعيد بن جُبير فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يُفرِض منها ما أفرض) ([364]). وروى (عمرو بن ميمون عن أبيه، قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلاّ وهو محتاج إلى علمه)([365]).
أما سعيد بن المسيب فكان من أبرز علماء عصره مثلما وصفه الإمام السجّاد (عن أبي جعفر، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفهمهم في زمانه) ([366]).
ومضافاً إلى ما أنجبته مدرسة الإمام السجّاد عليه السلام من حملة العلوم الإسلامية، خلفت لنا هذه المدرسة أيضاً نصّين هامين، أحدهما عبارة عن مجموعة من الأدعية التي طفحت بالتعاليم والمفاهيم الربّانية، اشتهرت باسم «الصحيفة السجّادية»، والآخر وهو وثيقة حقوقية نصّت على طائفة من الحقوق الأساسية لله تعالى، وللنفس، وللأئمة، وللرعية، وللرحم، وللناس … وغير ذلك وعرفت باسم «رسالة الحقوق».
مدرسة المدينة في عصر الباقر والصادق عليهما السلام
وبعد وفاة الإمام علي بن الحسين عليه السلام نهض بمهمة إدارة مدرسته والتعليم فيها ولده الإمام محمد الباقر عليه السلام، الذي احتضن تلامذة أبيه، واقتفى أثره في تربية مجموعة من العلماء، (وشُهِرَ أبو جعفر بالباقر من: بقر العلم، أي شقَّهُ فعرفَ أصلَهُ وخفيّه) ([367]).
واعترف له بالتفوق العلمي وأهليته لإمامة المسلمين مَنْ ترجم له من المؤرخين، فمثلاً قال عنه الذهبي: (وكان أحد مَنْ جمع بين العلم والعَمَل والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وكان أهلاً للخلافة)([368])، وقال عنه أبو زرعة (ولعمري إنّ أبا جعفر عليه السلام لمن أكبر العلماء)([369]). ولم ينفرد الشيعة بتوقير مقامه والإفادة منه، وإنما ورد نميره طائفة من طلاّب العلم الآخرين، لما وجدوا لديه من غزارة في العلم وإحاطة شاملة بالعلوم الإسلامية، فكانوا إذا أرادوا معرفة السنة الشريفة جاؤوه، وإذا اضطربت الآراء وتزايدت الشبهات لم يجدوا الجواب النهائي عليها عند غيره، فقد (روى أبو جعفر عليه السلام، أخبار المبتدإ وأخبار الأنبياء، وكَتَبَ عنه الناس المغازي، وأثروا عنه السُّنَنْ، واعتمدوا عليه في مناسك الحج التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا عنه تفسير القرآن، وروت عنه الخاصة والعامة الأخبار، وناظرَ مَنْ كان يَرِدُ عليه من أهل الآراء، وحفِظَ عنه الناس كثيراً من علم الكلام … وروي عنه عليه السلام أنه سُئِل عن الحديث يُرسلُه ولا يُسندُه، فقال: «إذ حدّثتُ الحديث فلم أُسنِده، فسندي فيه أبي عن جدِّي عن أبيه عن جدِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم»)([370]).
وكان مجلسه عامراً بالعلماء، وهم في غاية التواضع والاحترام له، قال عبد الله بن عطاء المكي: (ما رأيتُ العلماء عند أحدٍ قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام، ولقد رأيتُ الحكم بن عُتَيْبة ـ مع جلالته في القوم ـ بين يديه كأنه صبيّ بين يديه مُعَلِّمه. وكان عليه السلام يفد عليه السائلون وطلاب العلم من شتى البلاد في ذلك العصر، ومجلسه يومئذٍ معروف في المسجد النبوي الشريف، ومزدحم بهؤلاء القادمين من تلك البلاد، كلٌّ منهم يسأل ويطلب المعرفة من أبي جعفر عليه السلام، يقول أبو حمزة الثمالي: (كنت جالساً في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجل فسلَّمَ، فقال: مَنْ أنت يا عبد الله؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام؟ فقلت: نعم، فما حاجتك إليه؟ قال: هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها) ([371]).
وقد كان أبو جعفر الباقر عليه السلام مثلما كان أبوه السجّاد عليه السلام، حيثما ذهب أو حلَّ يلحقه أهل العلم وينتهز أهل ذلك البلد أو القادمون إليه من بلدان أخرى فرصة وجوده عليه السلام فيرتشفون من منهله الغزير، (عن ثوير بن فاخته، قال: خرجت حاجًّا فصحبني عمر بن ذر القاضي، وقيس الماصر، والصلت بن بهرام، وكانوا إذا نزلوا منزلاً، قالوا: أنظر الآن، فقد حررنا أربعة آلاف مسألة تسأل أبا جعفر عليه السلام منها عن ثلاثين كل يوم …) ([372]). أما إذا بلغ الإمام الباقر عليه السلام بيت الله الحرام، فيتهافت على مجلسه المقيمون في مكة والقادمون من الأمصار، ويصبح مجلسه في البيت الحرام حديث الحاج في الموسم، لشدة ازدحام الناس عليه. (قال الأبرش الكلبي لهشام، مشيراً إلى الباقر عليه السلام: مَنْ هذا الذي احتوشه أهل العراق يسألونه؟)([373]).
ويؤكد موقف آخر تجمهر طلاب العلم حوله عليه السلام في الحرم، كما يقول أبو بصير: (كان أبو جعفر الباقر عليه السلام جالساً في الحرم، وحوله عصابة من أوليائه، إذ أقبل طاووس اليماني في جماعة، فقال: مَنْ صاحب الحلقة؟ قيل: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: إيّاه أردت، فوقف عليه، وسلَّم وجلس، ثم قال: أتأذن لي في السؤال؟ فقال الباقر عليه السلام: قد أذنّاك فسل …) ([374]).
وتخرج في مدرسة الباقر عليه السلام نخبة من العلماء الذين سهروا على حفظ ورواية أحاديث أهل البيت عليهم السلام ونشرها بين حفظة العلم، من أمثال أبان بن تغلب بن رباح، الذي كان من تلامذة علي بن الحسين، وأبي جعفر، وأبي عبد الله عليهم السلام، روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقَدَم …. وقال له أبو جعفر عليه السلام: «إجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإني أحِبّ أن يُرى في شيعتي مثلك» …. وكان أبان إذا قدم المدينة تَقَوّضَتْ إليه الحَلَق، وأُخليت له سارية النبي صلى الله عليه وسلم([375]). واعترف الجمهور باستيعاب تلامذة الإمام الباقر عليه السلام ودقَّتهم في رواية الحديث الشريف، فقد ورد في (مسند أبي حنيفة قال الراوي: ما سألت جابر الجعفي قطّ مسألة إلاّ أتاني فيها بحديث …)([376]).
وهكذا كان محمد بن مسلم الثقفي الذي يقول: (ما شجر في رأيي شيء قط إلاّ! سألت عنه أبا جعفر عليه السلام، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ستة عشر ألف حديث)([377]). وكان بعض الوافدين إلى مدرسة الإمام الباقر عليه السلام من الأمصار يمكثون عدّة سنوات فيها للتزود من معارف أهل البيت عليهم السلام منقطعين عن أوطانهم وأهليهم، كما فعل محمد بن مسلم الذي (أقام بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر عليه السلام يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد عليه السلام يسأله)([378]).
وقدم جابر الجعفي إلى المدينة لطلب العلم منه عليه السلام، يقول جابر: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا شاب، فقال من أنت؟ قلت من أهل الكوفة، قال: ممَّن؟ قلتُ: من جعفي، قال: ما أقدمك إلى ههنا؟ قلت: طلب العلم، قال: ممن؟ قلتُ: منك…) ([379]).
ولا يسعنا في هذا المقام أن نتحدث عن جميع مَنْ تخرّج في مدرسة الإمام الباقر، والذين تجاوز عدد المعروفين منهم أكثر من (450) أربعمائة وخمسين رجلاً([380]).
وبعد وفاة الإمام الباقر خلفه في مدرسته ولده الإمام جعفر بن محمد الصادق، الذي (نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الرُّكبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته ما نُقل عنه، ولا لقي أحدٌ منهم من أهل الآثار ونقَلَةِ الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل ….. وكان يقول: «حديثي حديث أبي، وحديثُ أبي حديث جدِّي، وحديث جدِّي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم([381]). واتسع نطاق مدرسته فاستوعبت عدداً غفيراً من طلاّب العلم، وامتدت جغرافياً لتتخذ من مدينة الكوفة مركزاً لها في ذروة نموها وتطورها. فإن انتقال الإمام وحلوله في أي مكان كان سبباً لأن يقصده أهل العلم ويلتفوا حوله للارتشاف من نمير علمه. وكان البعض يستفيد من وفود الإمام الصادق عليه السلام إلى بيت الله الحرام فيتلقى العلم منه، ويلجأ إليه في دحض الشبهات التي بدأت بالظهور في هذا العصر.
وعندما نراجع مواقف المعاصرين للإمام جعفر الصادق من الفقهاء، والرواة، والمفسرين، نجدهم يعترفون بأسرهم له بالفضل والمقام العلمي الشامخ.
وبمثل هذا يشهد الإمام أبو حنيفة، كما في (مسند أبي حنيفة، قال الحسن بن زياد: سمعتُ أبا حنيفة وقد سُئِلَ مَنْ أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمد. لما أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد فيهيّئ له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته، فدخلتُ عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمتُ عليه، فأومأ إليّ فجلستُ، ثم التفتَ إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفت إليّ، فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلتُ أُلقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلَّ منها بشيء. ثم قال أبو حنيفة: أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس)([382]).
وقد أمضى الإمام جعفر الصادق عليه السلام جُلَّ حياته في المدينة المنورة منصرفاً لإحياء السُّنة الشريفة ونشر معارف الوحي، كتب الشهرستاني يصف الإمام الصادق عليه السلام (وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة، يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق، وأقام بها مدة)([383]).
واشتهر مجلسه في المدينة؛ لأنه (كان يجلس للعامة والخاصة، ويأتيه الناس من الأقطار، يسألونه فلا يخرج أحد منهم إلاّ راضياً بالجواب)([384]). واستقطب مجلسه القادمين إلى المدينة، فكان أهل العلم لا يتركون الورود عليه عندما يأتونها، فقد دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم، فقال له: (يا أبا حنيفة، إن ههنا جعفر بن محمد، من علماء آل محمد، فاذهب بنا إليه، نقتبس منه علماً، فلما أتيا إذ هما بجماعة من علماء شيعته ينتظـرون خروجـه أو دخـولـهـم عـلـيه…)([385]). ولم ينقطع توافد أصحابه عليه على مدارس السنة، وكان يزدحم وفدهم وقت الحج، فمثلاً عُرِف عن زرارة بن أعين وإخوانه مجيئهم إليه من الكوفة باستمرار، حتى (قال ربيعة الرأي لأبي عبد الله عليه السلام: ما هؤلاء الأخوة الذين يأتونك من العراق، ولم أرَ في أصحابك خيراً منهم ولا أهيأ؟ قال: أولئك أصحاب أبي، يعني ولد أعين)([386]). وهكذا (عمر بن محمد بن يزيد أبو الأسود بياع السابري … أحد مَنْ كان يفد في كلّ سنة)([387])، إلى أبي عبد الله عليه السلام من الكوفة للارتشاف من المعارف لديه. وهاجر آخرون من أصحابه إلى المدينة عازفاً عن وطنه ملتحقاً به عليه السلام، مثلما فعل حماد بن عيسى الجهني البصري، الذي (لحق بأبي عبد الله عليه السلام، ومات بوادي قناة بالمدينة …. سنة تسع ومئتين)([388]).
وقد أسهم تزايد وفود أصحاب الصادق عليه السلام إلى المدينة في تنامي الحركة العلمية فيها، وازدهار حلقات الدراسة والمناظرة في أروقة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو خالد الكابلي: (رأيت أبا جعفر صاحب الطاق، وهو قاعد في الروضة، قد قطع أهل المدينة أزراره، وهو دائب يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه، فقلت: إن أبا عبد الله ينهانا عن الكلام، فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا والله، ولكن أمرني أن لا أكلم أحداً، قال: فاذهب فأطعه فيما أمرك، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فأخبرته بقصة صاحب الطاق، وما قلتُ له، وقوله لي اذهب وأطعه فيما أمرك، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام، وقال: يا أبا خالد، إن صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقضّ، وأنت إن قصوك لن تطير)([389]). وما كان لهذه الحركة العلمية أن تأخذ بالاتساع لو لم يكن الإمام مرشداً وهادياً لها.
وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام يغمر تلامذته بفيض من العطف والرعاية والمودة، ويتكفل شيئاً من نفقتهم، ويقوم بضيافتهم في منزله إذا وردوا المدينة، يقول زيد الشحّام: (رآني أبو عبد الله عليه السلام وأنا أصلي، فأرسل إليّ ودعاني، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من مواليك، قال: فأيّ مواليَّ؟ قلتُ: من الكوفة، فقال: مَن تعرف من الكوفة؟ قلت: بشير النبّال وشجرة، قال: وكيف صنيعتهما إليك؟ فقال: ما أحسن صنيعتهما إليّ! قال: خير المسلمين مَنْ وصل وأعانَ ونفعَ، ما بتُّ ليلة قط ولله في مالي حقّ يسألنيه، ثم قال: أي شيء معكم من النفقة؟ قلتُ: عندي مائتا درهم، قال: أرنيها، فأتيته بها فزادني فيها ثلاثين درهماً ودينارين، ثم قال: تعشَّ عندي، فجئت فتعشّيت عنده، قال: فلما كان من القابلة لم أذهب إليه، فأرسل إليّ فدعاني من عنده (من غده)، فقال: مالك لم تأتني البارحة، قد شفقت عليّ؟ فقلتُ: لم يجئني رسولك، قال: فأنا رسول نفسي إليك ما دمت مقيماً في هذه البلدة([390])، ويتكرر هذا الموثقف مع آخرين من أصحابه جاؤوا المدينة، فعن مفضل بن قيس بن رمّانة، الذي قال: (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فشكوتُ إليه بعض حالي، وسألته الدعاء … فقال: هذا كيس فيه أربعمائة دينار، فاستعن به، قال: قلتُ: لا والله، جُعِلتُ فداك ما أردتُ هذا، ولكن أردت الدعاء لي …)([391]). وفي حالات أخرى يبادر مَن يدخل عليه فيكرمه، كما يقول جابر المكفوف: (دخلت عليه، فقال: أما يصلونك؟ قلتُ: بلى، ربما فعلوا، قال: فوصلني بثلاثين ديناراً…)([392]). بهذا الأسلوب يتفقد أبو عبد الله عليه السلام تلامذته، ويتولى تأمين نفقاتهم، ويقيهم الحاجة إلى غيره، وهو أسلوب ينبئنا عن كيفية تمويل التعليم وتأمين نفقات المتعلم وقتئذٍ.
وطالما حثَّ الإمام عليه السلام أتباعه على طلب العلم، ولا سيما الشباب منهم، وتمنى لهم أن ينخرطوا في سلك العلماء والمتعلمين، روى (أبو قتادة عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: لستُ أُحبّ أن أرى الشباب منكم إلاّ غادياً في حالين: أما عالماً أو متعلِّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، وإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار، والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحقّ)([393]).
وأفصح الصادق عليه السلام عن معيار يحدد في ضوئه منزلة كلّ واحد من شيعته، فيما رواه عن أبيه الباقر عليه السلام حين قال له: (يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرِّواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان، إني نظرت في كتاب لعليّ فوجدتُ في الكتاب: أن قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، أن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا) ([394]).
مدرسة المدينة بعد الإمام الصادق عليه السلام
لم يدم عصر الازدهار الذي عاشته مدرسة المدينة بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام إثر ازدياد الاضطهاد، الذي كان يتعرض له تلامذة الأئمة في العصر العباسي، وقسوة الأحوال الأمنية التي عاشوها، وانتهت بإمامهم موسى الكاظم عليه السلام إلى السجن، وهيمنت حالة من الخوف والذعر على الشيعة بالمدينة، أدّت إلى حرصهم على التكتم، وإحاطة نشاطهم بالسرية، يقول هشام بن سالم: (كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام، أنا، ومؤمن الطاق، وأبو جعفر، …. فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومي إليّ بيده، فخفت أن يكون من عيون أبي جعفر (المنصور)، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على أن من اتّفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنحَّ فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّى غير بعيد. وتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلّص منه، فما زلت أتبعه حتى وردني على باب أبي الحسن موسى عليه السلام، ثم خلاّني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أدخل رحمك الله، قال: فدخلت فإذا أبو الحسن عليه السلام … قلت: جُعلتُ فداك، أسألك عما كان يسأل أبوك؟ قال: سل تُخبَر ولا تُذِع، فإن أذعت فهو الذبح، قال: فسألته فإذا هو بحر. قال: قلت: جُعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلاّل فألقي إليهم، وأدعوهم إليك فقد أخذت عليّ بالكتمان؟ قال: مَنْ آنست منهم رُشداً فألق إليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه …) ([395]).
إن هذه الظروف حالت بين الإمام الكاظم عليه السلام واتصال أصحابه به بنحو طبيعي، ذلك أن غياب الحرية ينتج ضمور الحركة العلمية وتراجعها، ومع ذلك فإن الإمام عليه السلام لم يتخلَّ عن مهمة بثّ المعارف ونشرها بين خاصة أصحابه، كما حرص تلامذته على الإفادة من أية فرصة تتاح لهم بلقائه، وتسجيل كلّ شيء يتفوّه به، روى أبو الوضاح أن أباه قال: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن عليه السلام من أهل البيت، والشيعة، يحضرون، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال، فإذا نطق أبو الحسن بكلمة أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك) ([396]).
وأصر الشيعة على مواصلة الاتصال بأبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام وهو في سجنه ببغداد، عبر مراسلات كانت تجري بطريقة سرية، ولم تمنعه الرقابة المشددة في السجن، وقسوة الأحوال التي كان يعيشها فيه من بيان معارف الوحي على خاصته، يقول علي بن سويد السائي: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام وهو في الحبس، أسأله عن حاله، وعن جواب مسائل كتبت بها إليه، فكتب إلي: بسم الله الرحمن الرحيم…)([397]).
وربما بادر في بعض المرات فبعث هو رسائل من سجنه إلى شيعته لتجلية وتوضيح أمور معينة؛ لئلا يلتبس الموقف فيها عليهم، يقول الحسين بن المختار: (خرجت إلينا ألواح من أبي إبراهيم موسى عليه السلام، وهو في الحبس)([398]). بيد أن ما تعرض له الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من رقابة مشددة، آلت في خاتمة المطاف إلى الحبس، لم تحجبه عن طلاّب العلم وتمنعهم من التتلمُذ على يديه، أحصى منهم الشيخ الطوسي في رجاله ما يربو على مائتين وخمسين([399]). ومع أن هذا العدد من التلاميذ يعدّ قليلاً بالمقارنة مع عدد تلامذة أبيه جعفر الصادق عليه السلام، الذي قُدِّر بأربعة آلاف، لكن هذا العدد يعتبر كبيراً بالنسبة إلى طبيعة الظروف السياسية، التي عاشها الإمام وأصحابه في ظل الحكم العباسي.
وبالرغم من أن هذه الظروف أعاقت الإمام الكاظم عليه السلام عن التصدّي للتدريس وإدارة الحلقات العلمية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما كان يفعل سلفه، إلاّ أنه عمد لتبني أساليب أخرى لا تثير حفيظة عيون السلطة، في تربية وتعليم تلامذته، ويمكن التعرف على شيء من ذلك في العدد الوفير من الصحف والنسخ الحديثية التي دوّنها هؤلاء التلاميذ عنه، فقد ذكر النجاشي طائفة من أسمائهم مع بيان لأسماء كتبهم التي تلقوها من الإمام الكاظم عليه السلام، ومن هؤلاء: محمد بن تميم النّهشلي التميمي البصري([400])، ومحمد بن صدقة العنبري البصري([401])، وعلي بن عبيد الله بن حسين([402])، والحسن بن علي بن يقطين([403])، وأخو الإمام الكاظم علي بن جعفر([404])، ومحمد بن الفرج الرُخَّجِيّ([405])، وعبد الله بن محمد الأهوازي([406])، وعلي بن يقطين([407])، وموسى بن إبراهيم المروزي([408])، وعلي بن حمزة بن الحسن([409])، ومحمد بن زُرْقان([410])، ومحمد بن ثابت([411])، ومحمد بن فُضيل بن كثير الصيرفي الأزدي([412]). وذكر الشيخ الطوسي في الفهرست «مسائل» ليونس بن عبد الرحمن([413])، ولصفوان بن يحيى([414])، روياها عن موسى بن جعفر عليه السلام.
ولم يقفل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحقبة أبوابه تماماً عن حلقات الدراسة، ومجالس العلم الشيعية، وإنما كان ينتخب موسى بن جعفر عليه السلام بعض أصحابه، ممن يتوفر على مزايا علمية متميزة، فيوجهه لعقد مجلس علم في المسجد؛ لئلا يغيب صوت الهدى عن هذا المكان الشريف، يقول حمّاد: (كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكلّمهم ويخاصمهم، حتى كلمهم في صاحب القبر، فكان إذا انصرف إليه، قال له: ما قلتَ لهم؟ وما قالوا لكَ؟ ويرضى بذلك منه) ([415]).
على أن قلة ظهور موسى بن جعفر عليه السلام وتكتمه على بعض نشاطه العلمي، لم يخف حقيقته عن المسلمين، فقد استأثر بمقام المرجعية العلمية خلفاً لسلفه من آبائه الأئمة عليهم السلام، واعترف له بذلك قطّاع كبير ممن عاصره أو جاء بعده، فمثلاً (كان أحمد بن حنبل، قال: حدثني موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال أحمد: وهذا إسناد لو قُرئ على مجنون لأفاق) ([416]). بل أن هارون الرشيد الذي حبس موسى بن جعفر عليه السلام فيما بعد، يعترف بمقامه العلمي لما دخل عليه الإمام في المدينة، فبالغ الرشيد في احترامه، سأله ولده المأمون عن دوافع هذا الاحترام بدهشة! (لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئاً ما رأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين، والأنصار، ولا بني هاشم، فمَن هذا الرجل؟ فقال: يا بني هذا وارث علم النبيين، هذا موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا. قال المأمون.: فحينئذٍ انغرس في قلبي محبتهم) ([417]).
وبعد وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تصدّى لرعاية مدرسة المدينة ولده الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، الذي نهج منهج سلفه في إشاعة المعارف لتلامذته الخاصين، حذراً من محاولات السلطة العباسية، وكثّفت جهودها لإجهاض مدرسته، ولذلك لم تعد حلقات مدرسة أهل البيت عليهم السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحقبة إلى عصر ازدهارها السابق في أيام جعفر الصادق عليه السلام وأبيه محمد الباقر عليه السلام فقد صوّر أحد تلامذة الإمام الرضا عليه السلام حالة الخوف التي كانوا يعيشونها عقيب وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، بقوله: (لما مضى أبو الحسن موسى عليه السلام، وتكلَّم الرضا خفنا عليه من ذلك، وقلنا له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغية، فقال: ليجهد جهده، ولا سبيل له عليّ. قال صفوان: فأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد، قال للطاغي: هذا عليّ ابنه قد قعد وادّعى الأمر لنفسه، فقال: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعاً) ([418]) من هنا اضطر علي بن موسى عليه السلام لاقتفاء أثر أبيه في التكتم على المهم من حركته العلمية في زمن هارون الرشيد، لكن هلاك الرشيد وجلوس المأمون الذي أظهر الولاء لأهل البيت على منصة الخلافة، أشاع مناخاً مناسباً من الحرية للإمام الرضا عليه السلام وتلامذته، وأتاح لهم ممارسة حياتهم الفكرية من دون خشية السلطات، وبرز الدور العلمي للإمام بالتدريج، بحيث أضحى مقامه العلمي في المدينة، هو المرجع الذي يتلقى جميع أهل العلم منه، ويرجع إليه طلاّب العلم دون غيره من علماء التابعين، الذين كان عددهم وفيراً في المدينة آنذاك، كما ينقل أبو الصلت الهروي، فقد ذكر الهروي أنه لم يرَ (أعلم من علي بن موسى الرضا عليه السلام، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادته، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلمين، فما بقي أحد منهم إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرعلى نفسه بالقصور..) ([419])
وأكّد إبراهيم بن العباس تفوق علي بن موسى الرضا عليه السلام العلمي على كافة علماء عصره، بقوله: (… وما رأيته نقل إلاّ علمه، ولا رأيت أعلم منه، بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه).
لقد ازدلف طلاّب العلم من شتى الأمصار ينهلون من المعارف عند علي بن موسى الرضا عليه السلام، وصار العلماء يقتفون أثره للتزوّد منه أينما حلّ، كما (حدَّث أبو الصلت، قال: كنت مع علي بن موسى الرضا عليه السلام، وقد دخل نيسابور، وهو راكب بغلة شهباء، فغدا في طلبه علماء البلد: أحمد بن حرب، وياسين بن النضر، ويحيى بن يحيى، وعدّة من أهل العلم، فتعلقوا بلجامه في المربعة، فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته من أبيك.
لقد منحت الحرية النسبية في عصر المأمون الإمام الرضا عليه السلام فرصة ثمينة لنشر السُّنة الشريفة بين رواة الحديث، ولذلك كان يحثّ أصحابه باستمرار على تعلم معارف أهل البيت عليهم السلام، وإذاعتها ونشرها بين الناس، كيما يتعرف الناس على معالم مدرسة الوحي عبر قنواتها الأصيلة.
يقول الهروي: (سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا، ويعلمها الناس …) ([420]) ووردت إشارات يستفاد منها أن الإمام الرضا عليه السلام كان يطلب من بعض تلامذته التصدي لمهمة التعليم في مواطنهم، وكان يحيل إليهم أصحابه من مواطنيهم، فقد ذكر عبد العزيز بن المهتدي، الذي كان من خاصة أصحاب الإمام عليه السلام أنه سأله قائلاً: (إني لا ألقاك في كلّ وقت، فعمَّن آخذ معالم ديني؟ قال: خُذ من يونس بن عبد الرحمن)([421]). وقال ابن المسيب الهمداني: (قلت للرضا عليه السلام شقتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلّ وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا)([422]). إن توجيه الإمام الرضا عليه السلام أصحابه لتعلم معالم دينهم من يونس بن عبد الرحمن، وزكريا بن آدم، يدلل على اهتمام الإمام عليه السلام بتنمية النبتة الفتية للحركة العلمية في الأمصار الشيعية، التي غُرست بذرتها من قبل آبائه الطاهرين عليهم السلام وتلامذتهم المخلصين. وتجدر الإشارة إلى أن العصر الذي عاش فيه الإمام الرضا عليه السلام اتّسم بازدهار الحياة العقلية وتأسيس مراكز علمية هامة لدى المسلمين، التي كان من أبرزها بيت الحكمة في بغداد، الذي باشر فيه جملة من المترجمين نقل العلوم اليونانية وغيرها من علوم الأوائل إلى العربية. وقد رافق هذه الحركة ولادة وانبعاث مجموعة تيارات فكرية، كانت تموج بها الحياة العقلية وقتئذٍ، وولدت في هذا الفضاء الثقافي أسئلة متنوعة، حار أهل العلم في تقديم إجابات شافية عنها، فتكفل علي بن موسى الرضا عليه السلام بيان إجابات دقيقة عن تلك الأسئلة الحائرة، فقد ذكر محمد بن عيسى اليقطيني في تقدير عدد الأسئلة، أنه: (لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام، جمعت من مسائله، مما سُئل عنه وأجاب عنه، خمس عشرة ألف مسألة) ([423]). وهو عدد كبير، ولا سيما إذا لاحظنا طبيعة العصر آنذاك وبدائية وسائل الاتصال فيه. بيد أن هذا العدد من المسائل يكشف عن مدى نمو الحياة العقلية في ذلك العصر، والموقع الذي كان يحتله الإمام في توجيهها.
وبعد وفاة علي بن موسى الرضا عليه السلام ورثه في الإشراف على مدرسة المدينة ولده أبو جعفر محمد الجواد عليه السلام. وقد تصدّى أبو جعفر عليه السلام للمهام، التي كان يضطلع بها أبوه من قبل في سن مبكرة، وبرهن للعامة والخاصة تقدمه على سواه، وحمله لمواريث النبوة، فكان إذا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هرع إليه أهل العلم للإفادة منه، وتؤكد بعض المواقف أنّ التبجيل والاحترام اللذين يعامله بهما هؤلاء يعبران عن اعترافهم بفضله وتقدمه على غيره، ويتجلّى هذا بوضوح في الموقف الذي نقله (محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنين أكتب عنه ما يسمع من أخيه ـ يعني أبا الحسن عليه السلام ـ إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا المسجد ـ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبّلَ يده وعظّمه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: يا عم اجلس رحمك الله، فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا، إذا كان الله عزّ وجل ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهل هذه الشيبة، وأهّل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، أُنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد) ([424]). مع العلم أن علي بن جعفر كان من العلماء المعروفين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام في ذلك الوقت، حتى أن بعض التلامذة كان يبقى عدة سنوات متلمذاً عليه، وهو في هذا المقام العلمي الشامخ نراه يبالغ في تعظيم الإمام الجواد عليه السلام، وهذا يكشف عن الإذعان لمرجعيته العلمية لمدرسة المدينة، والاعتراف بتفوقه على مَنْ عاصره من أهل العلم. وقد تجاوزت شهرة الإمام عليه السلام حدود المدينة، فعرفه أهل العلم في بقية الأمصار، خاصة في عاصمة الخلافة يومئذٍ بغداد، (وكان المأمون قد شُغِفَ بأبي جعفر عليه السلام، لمّا رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة، والأدب، وكمال العقل، ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفراً على إكرامه، وتعظيمه، وإجلال قدره)([425]). وكان المأمون قد واجه معارضة شديدة من البيت العباسي لما قرر تزويج ابنته لأبي جعفر الجواد عليه السلام، فاضطر أن يُفصِح لهم عن الأسباب التي دعته للإقدام على ذلك، بقوله: (وأما أبو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنِّه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أن الرأي ما رأيتُ فيه)([426]).
ومكث أبو جعفر مضطلعاً بالمرجعية العلمية في المدينة طيلة حياته، (فلم يزل بها حتى أشخصه المعتصم في أول سنة عشرين ومائتين إلى بغداد، فأقام بها إلى أن توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة)([427]). وكان مقامه في المدينة محط أنظار الفقهاء والمحدثين، فقد استقطب القادمين إلى الحج منهم، وكانوا بعد انصرافهم يردون المدينة للقاء أبي جعفر الجواد عليه السلام والتزود من علومه، والوقوف على الإجابات الصحيحة للأسئلة والإشكالات المختلفة، التي كانت تتوالد كل يوم، مع اتساع معرفة المسلمين بالثقافات المترجمة من اليونانية والسريانية وغيرها.
وخلَّفَ الإمام أبو جعفر الجواد عليه السلام بعد وفاته ولَده الإمام أبا الحسن علي الهادي عليه السلام، فقد مكث الإمام الهادي عليه السلام في المدينة نحو ثلاث وعشرين سنة بعد وفاة أبيه، ثم أشخصه المتوكل العباسي إلى العراق، (وكان مقامه بسُرّ مَن رأى إلى أن قُبِض عشر سنين وأشهراً)([428]). وكان أبو الحسن عليه السلام يتولى رعاية تلامذته، ويشرف على أنشطتهم، ويتابع أعمالهم، ويراقب سلوكهم وهو في المدينة، عبر مكاتباته معهم، هذه المكاتبات التي تضمّنت حلولاً لمشكلات عقائدية وفكرية كان يتعرض لها أتباع الإمام عليه السلام المنتشرون في شتى الأصقاع، ولعلّ من أبرز هذه المكاتبات رسالته عليه السلام في الرد على أهل الجبر والتفويض، وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، والتي جاء فيها: (من علي بن محمد، سلام عليكم، وعلى مَنْ اتّبع الهُدى، ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد عليّ كتابتكم، وفهمت ما ذكرتُم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القَدَر، ومقالة مَنْ يقول منكم بالجبر، ومَنْ يقول منكم بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه، وبيانه لكم، وفهمتُ ذلك كله. اعلموا رحمكم الله …) ([429]).
وكانت الحركة العلمية عند الشيعة تحظى برعاية الإمام بكافة مناشطها وفعالياتها، وحرص الشيعة في عصره على الرجوع إليه فيما التبس من مواقف وأفكار في حياتهم، واطّلاعه على التراث الذي بأيديهم، لمعرفة مدى أصالته ومطابقته لهدى أهل البيت عليهم السلام، فقد قال الجعفري: (أدخلتُ كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري عليه السلام، فنظر فيه، وتصفحه كلّه، ثم قال: هذا ديني ودين آبائي، وهو الحقّ كلّه)([430]).
ومع أن المصادر التاريخية تسكت عن الحديث حول النشاط التعليمي الخاص لأبي الحسن الهادي عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، إلاّ أن المصادر الرجالية ترجمت لأكثر من مائة وستين تلميذاً من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام([431])، من سائر بلدان التشيع وقتئذٍ. ويدل هذا العدد على كثافة الجهود التي كان يبذلها أبو الحسن عليه السلام في تربية وتعليم تلامذته المقيمين في المدينة، والذين يعيشون خارجها؛ في سائر البلدان.
مدرسة المدينة بعد الإمام الهادي عليه السلام
غادر الإمام الهادي عليه السلام موطنه وموطن آبائه عليهم السلام المدينة مضطراً، بعد أن أشخصه المتوكل إلى سامراء، وفُرِضت عليه وعلى ولده الإمام العسكري عليهما السلام الإقامة فيها إلى وفاة الإمام الهادي عليه السلام سنة 254هـ، ثم وفاة الإمام العسكري سنة 260هـ.
وبغياب أبي الحسن الهادي عليه السلام عن المدينة طويت صفحة نور متلألئة من تاريخ مدرسة الوحي بالمدينة، تعاقب على إدارتها سلسلة مطهرة من الهداة بدءاً بالنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وسلم بعد هجرته للمدينة حتى العقد الخامس من القرن الثالث الهجري، بعد أن غادر الامام العاشر عليه السلام من أئمة أهل البيت عليهم السلام المدينة إلى سامراء.
ربما يقال هل أقفلت هذه المدرسة أبوابها وانصرف طلاّبها، منذ منتصف القرن الثالث، أم واصلت رسالتها في نشر المعارف في القرون التالية؟ في الجواب عن هذا السؤال، يمكن القول: إنه نستطيع أن نجزم بعدم خلو المدينة من وجود أعلام معروفين من الشيعة في فترات مختلفة، وهذا ما يورده بصراحة المؤرخون وكتّاب التراجم، فمثلاً أحصينا ما ترجمهم السيد محسن الأمين في كتابه «أعيان الشيعة» من الأعلام الشيعة المنسوبين إلى المدينة منذ عصر الصحابة إلى القرن الرابع عشر الهجري، فوجدنا الرقم يقترب من الأربعمائة، بيد أن ذلك لا يمنعنا من القول: إن المدينة لم تعد حاضرة علمية أساسية للتشيع بعد عصر الأئمة عليهم السلام؛ انتقال المركز العلمي منها إلى الكوفة، وقم، والري، ثم بغداد. وبقاء الشيعة فيها أقلية إلى عصرنا هذا.
تلخيص واستنتاج
تأسيساً على ما سبق يمكن استخلاص النقاط التالية؛ لبيان معالم مدرسة المدينة:
1 ـ مؤسس مدرسة المدينة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة الشريفة، ثم ورثه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وورث الحسنان أبيهما عليهما السلام، ولم يزل أبناؤهم الأئمة يرث الخلف منهم السلف إلى أن هاجر الإمام العاشر أبو الحسن الهادي عليه السلام تاركاً المدينة إلى سامراء مكرهاً بأمر المتوكل العباسي.
2 ـ مركز الحركة العلمية في المدينة هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه كانت تُعقد حلقات الدروس، وفيه يتلقى الرواة الأحاديث الشريفة، ويتعلم أهل القرآن تلاوته، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه. وفيه أيضاً كانت تجري المناظرات العلمية، وإليه ترد البعثات من سائر الأمصار، ممن يرحلون في طلب العلم. وربما علَّمَ الأئمة عليهم السلام في منازلهم أحياناً خاصة شيعتهم، حذراً من أعين السلطان.
3 ـ لم تقتصر مهمة التعليم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأئمة عليهم السلام فقط، بل كانت تعقد حلقات لتلامذتهم البارزين أيضاً، مثل حلقة عبد الله بن عباس كما ذكرنا فيما سبق، وغيره. وبموازاة ذلك عُقِدت حلقات لرجال معروفين من الصحابة في هذا المسجد كعبد الله بن عمر، وآخرين من التابعين بعد ذلك. وتميز فيما بعد دور مالك بن أنس الذي انطلق مذهبه من أروقة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلميذه محمد بن إدريس الشافعي.
4 ـ كانت مدرسة المدينة هي الينبوع الذي تدفقت منه علوم أهل البيت عليهم السلام إلى المراكز العلمية الأخرى عند الشيعة، فمنها فاض العلم إلى الكوفة، ومنها فاض العلم إلى البصرة، ومنها فاض العلم إلى قم والري، ثم انتشرت العلوم من هذه المراكز فيما بعد إلى غيرها من البلدان.
5 ـ علوم مدرسة المدينة تمحورت بالسُّنة الشريفة، والتفسير وعلوم القرآن. بشكل أساسي، وظهرت فيها في فترة لاحقة بذور علم الكلام والفقه، واشتد عود العلمين الأخيرين في الدور الثاني من أدوار مدرسة المدينة.
6 ـ خلَّفت مدرسة أهل البيت عليهم السلام في المدينة ميراثاً علمياً هاماً، تجسَّدَ في مجموعة كُتُب توارثها أهل البيت عليهم السلام، هي: «صحيفة علي عليه السلام»، و«كتاب علي عليه السلام» أو «الجامعة»، و«مصحف فاطمة عليها السلام»، و«الصحيفة السجّادية»، و«رسالة الحقوق». هذا غير الكُتب والمصنفات العديدة المنسوبة للأئمة عليهم السلام، التي رواها تلامذتهم عنهم([432]).
7 ـ شهدت مدرسة المدينة أول تجارب للبعثات التعليمية في تاريخ التعليم عند المسلمين، إذ لاحظنا بعض تلامذة أهل البيت عليهم السلام يهاجر من موطنه في العراق، ويقيم في المدينة أربع سنوات لغرض الدراسة، بينما كان آخرون يمكثون فترات أقل، ويتكاثف وجود طلاّب العلم في موسم الحج.
8 ـ عرفت مدرسة المدينة بالمدرسة السيّارة المتنقّلة، كما لاحظنا ذلك في خروج عدد غفير من القرّاء بمعية علي بن الحسين عليه السلام إلى مكة ورجوعهم معه بعد الفراغ من الموسم، واهتمامهم بالتلقي منه طيلة الطريق، وهكذا فعل أهل العلم مع بقية أهل البيت عليهم السلام. حتى أضحت مدرسة المدينة تنتقل إلى مكة كل عام في موسم الحج مع قدوم إمام ذلك العصر إلى الحج، فيزدحم حوله المحدثون والفقهاء والمتكلمون للارتشاف من نمير علمه في حلقته بالمسجد الحرام طيلة مقامه بمكة.
9 ـ ظهرت في مدرسة المدينة التجارب الأولى لتمويل التعليم عند المسلمين، بإيواء التلميذ القادم من خارج المدينة، واستضافته، والإنفاق عليه.
أدوار مدرسة المدينة
مرت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالمدينة تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها التشيع بالأدوار التالية:
أ ـ الدور الأول
ويبدأ هذا الدور بتأسيس مدرسة المدينة، ويمتد إلى وفاة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام سنة 148هـ، ويمثل هذا الدور الذي استمر قرناً ونصف القرن تقريباً عصر نشأة هذه المدرسة ونموها وبلوغها ذروة تكاملها في حياة الإمام الصادق عليه السلام.
ب ـ الدور الثاني
ويبدأ هذا الدور مع الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام بعد وفاة أبيه جعفر الصادق عليه السلام، ويمتد إلى مغادرة الإمام علي بن محمد الهادي المدينة إلى سامراء نحو 234هـ، ويمثل هذا الدور الذي استمر نحو قرن من الزمان عصر انكماش هذه المدرسة، واختفاء بعض نشاطاتها، وانتقال بعض حلقاتها من المسجد النبوي، وغيابها في بيوت أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بالمدينة، وتحول بعض فعالياتها العلمية، مثل بعض الاتصالات والمكاتبات إلى الحالة السرية، حذراً من السلطان الغاشم وجواسيسه على نشاطات الأئمة وشيعتهم.
ج ـ الدور الثالث
ويبدأ هذا الدور في منتصف القرن الثالث الهجري، بعد هجرة الإمام الهادي عليه السلام من المدينة، وانتقال مركز علوم أهل البيت عليهم السلام قبل ذلك إلى الكوفة، وقم، والري، ثم بغداد. ويمثل هذا الدور عصر اضمحلال هذه المدرسة، وأفولها، وقلّة تعاطي دراسة علوم أهل البيت عليهم السلام فيها.
ملخص عما كتبه
الشيخ عبد الجبار الرفاعي
المرابطون
راجع: الثغور.
مراتب العلوم للفارابي
هذا الكتاب مرادف لكتاب أحصاء العلوم، المتن العربي لهذا الكتاب كان يعتقد أنه مفقود، لكنه اكتشف ضمن المجموعة MS. I. O. 3832 (ص 125 ـ 142) من مكتبة ديوان الهند (إنديا أوفس).
بدئ هذا الكتاب بهذه العبارة «بسم الله الرحمن الرحيم كتاب أبي نصر محمد الفارابي في مراتب العلوم، قال: قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علماً علماً، وتعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها، أجزاء وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ومنجملة في خمسة فصول:
الأول في علم اللسان وأجزائه، والثاني في علم المنطق، والثالث في علوم التعاليم وهي العدد والهندسة وعلم المناظر وعلم النجوم وعلم الموسيقى وعلم الأثقال وعلم الحيل، والرابع في العلم الطبيعي وأجزائه والعلم الإلهي وأجزائه، والخامس في العلم المدني وأجزائه وتعلم علم الفقه وعلم الكلام».
«دومي نيكوس جوند بسالوي» ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية في القرون الوسطى، وقد طبعت هذه الترجمة عام 1916.
شك بعض المحققين مثل «فارمر» في انتساب المتن اللاتيني من مراتب العلوم إلى الفارابي، وذلك قبل أن يكتشف المتن العربي.
«فارمر» طبع قسم الموسيقى من المتن اللاتيني مرفقاً بترجمة إنكليزية، وذلك عام 1934م.
مراغة
ـ 1 ـ
مدينة إيرانية أقام فيها نصير الدين الطوسي مرصداً عظيماً ومكتبة حافلة ومعاهد علمية.
قال ياقوت الحموي (626هـ/ 1228م):
(مراغة بالفتح والغين المعجمة، بلدة مشهورة عظيمة أعظم وأشهر بلاد أذربيجان طولها ثلاث وسبعون درجة وثلث وعرضها سبع وثلاثون درجة وثلث. قالوا: وكانت مراغة تدعى (أفراز هروذ) فعسكر مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو والي أرمينية وأذربيجان عند منصرفه من غزو موقان وجيلان بالقرب منها وكان فيها سرجين كثير فكانت دوابه ودواب أصحابه تتمرغ فيها فجعلوا يقولون:
«ابنوا قرية المراغة وهذه قرية المراغة فحذف الناس القرية وقالوا مراغة …. إلى أن يقول …. ولم تزل قصبتها وبها آثار وعمائر ومدارس وخانكاهات حسنة وقد كان فيها أدباء وشعراء».
وجاء في فرهنك جغرفيائي إيران ما تعريبه ملخصاً:
(مراغة: مدينة أثرية في أذربيجان تقع في (760) كيلومتراً من الشمال الغربي من طهران طولها 46 درجة و16 دقيقة ومن الشوارع الرئيسية وسط المدينة من الشمال إلى الجنوب شارع نصير الدين ومجموع سكانها في حدود (35300) وكلهم شيعة ما عدا الأقليات المسيحية والأرمنية واللغة الأم عندهم التركية).
وكان العامل الأول في إنشاء المرصد والمكتبة والمعاهد هو أن نصير الدين الطوسي استطاع أن يسيطر بعض الشيء على تصرفات هولاكو، وأن يروّض شارب الدماء ـ على حد تعبير أحد المؤرخين ـ فأقنعه بإقامة المرصد الذي أراد من ورائه إنقاذ العلماء وحفظ الكتب واستئناف مسيرة العالم الإسلامي العلمية والفكرية بعد أن كاد يقضى عليها بيد هولاكو. ولم يكن بإمكان الطوسي أن يقنع هولاكو بإنشاء المدارس وتأسيس المكتبات، ولكن كان من الممكن الدخول عليه عن طريق علم النجوم والفلك فاستجاب هولاكو لرغبة الطوسي، وكان ذلك إيذاناً بوقف التدمير العقلي في العالم الإسلامي وابتداء عصر جديد سيطر فيه الطوسي على زمام الامور فجمع شمل العلماء وأرسل الرسل يستحضرونهم من الخارج واستنقذ الكتب وضمها إلى المرصد. واستطاع بذلك أن يحول المخطط المغولي من تدمير العالم الإسلامي إلى إنقاذ هذا العالم دون أن يشعر بذلك الطاغية هولاكو مما أدّى في النتيجة إلى عكس الغاية التي أرادها هولاكو.
كل ذلك بفضل ما أعدَّه نصير الدين الطوسي من خطط مموهاً الأمر على المغول حتى استجابوا إلى طلباته كلها غير عالمين بأهدافه البعيدة.
وإليك نص ما قاله رشيد الدين الهمداني في تاريخه (جامع التواريخ) الذي كتبه معتمداً على تواريخ المغول أنفسهم:
«وفي التاريخ المذكور (18 شعبان سنة 656هـ/ 1258م) صدر الأمر بأن ينشئ مولانا الأعظم السعيد أستاذ البشر سلطان الحكماء الخواجة نصير الدين الطوسي ـ تغمده الله بغفرانه ـ مرصداً للكواكب في الموضع الذي يراه مناسباً، فاختار مدينة مراغة لهذا الغرض وشيَّد مرصداً مرتفعاً».
وقد تحول المرصد فيما بعد إلى مجمع علمي اشترك فيه الفلاسفة إلى جانب الفلكيين ويعتبر نصير الدين الطوسي العقل المدبر لهذا المجمع الذي جلب إليه فيما بعد ـ أكبر عدد من العلماء والطلاّب. وكان في مقدمة أولئك الذين شاركوا في بناء المرصد وهم في الواقع الأعضاء الدائمون وقد جاء حصرهم في أربعة أشخاص في كلام ابن الفوطي الذي عاش في الرصد. وألّف تاريخاً باسم «تذكرة من قصد الرصد».
فقد قال في ترجمة فخر الدين المراغي … إنه أحد الأربعة الذين انتخبهم الطوسي لبناء الرصد والثلاثة الآخرون هم:
2 ـ فخر الدين الأخلاطي.
3 ـ مؤيد الدين العرضي.
4 ـ نجم الدين القزويني([433]).
ويحدثنا حسن بن الحكم عن مشاهداته في الرصد بما نصه:
(سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد. ومتوليه صدر الدين علي ابن الخواجة نصير الدين الطوسي وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية. وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد العرضي وشمس الدين الشيرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي.
فرأيت فيه من آلات الرصد شيئاً كبيراً منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس الأول: دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض ودائرة معدل النهار، ودائرة منطقة البروج، ودائرة العرض، ودائرة الميل، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب واصطرلابات تكون سعة قطرها ذراعاً واصطرلابات كثيرة وكتب كثيرة([434]).
وقال الطوسي في مقدمة (الزيج الإيلخاني) عن كيفية إنشاء المجمع العلمي هذا ما تعريبه:
(إني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء، منهم المؤيد العرضي من دمشق والفخر المراغي الذي كان بالموصل، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس. والنجم دبيران القزويني. وابتدأنا ببنائه سنة (657هـ/ 1258م) في جمادى الأولى بمراغة (ثم تعرض للأرصاد التي بنيت من قبل) وصرح بذلك ابن الفوطي أيضاً([435]).
ونجد مؤيد الدين العرضي يقول في رسالته عن آلات الرصد واصفاً:
(… مولانا المعظم والإمام الأعظم العالم الفاضل المحقق الكامل قدوة العلماء ويد الحكماء ….. أفضل علماء الإسلاميين بل والمتقدمين وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرق في كافة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة وحسن السيرة وغزارة العلم وجزالة الرأي وجودة البداهة والإحاطة بسائر العلوم. فجمع العلماء إليه وضم شملهم بوافر عطائه. وكان بهم أرأف من الوالد على ولده. فكنا في ظلّه آمنين وبرؤيته فرحين كما قيل:
نميل على جوانبه كأنا
نميل إذا نميل على أبينا
ونغضبه لنخبر حالتيه
فنلقى منهما كرماً ولينا
وهو نصير الملّة والدين محمد بن محمد الطوسي ـ أدام الله أيامه ـ .
واستكبر الأخبار قبل لقائه
فلما التقينا صغر الخبر الخبر
فلله أيام جمعتنا بخدمته وأبهجتنا بفوائده، وإن كانت قد أبعدتنا عن الأوطان والعشيرة والولدان. فإن في وجوده عوضاً عن غيره. ومن وجده فما فاته شيء ومن فاته فقد عدم كل شيء. فلا أخذنا الله منه وأمتعنا بطول بقائه).
وإليك ترجمة مقتضبة للأعضاء الأربعة الذين قاموا ببناء الرصد برعاية نصير الدين الطوسي وهم:
الأول: الكاتبي القزويني (675هـ/ 1277م).
نجم الدين أبو الحسن علي بن عمر بن علي الشهير بـ «دبيراي» و«الكاتبي القزويني» قال ابن الفوطي:
إن قوام الدين أبا علي اليازري درس عليه سنة (667هـ/ 1268م) المنطق. ووصفه العلاّمة الحلي بقوله: (كان من فضلاء العصر وأعلمهم بالمنطق. وله تصانيف كثيرة. قرأت عليه شرح الكشف الاماشذ، وله خلق حسن، ومناظرات جيدة، وكان من أفضل علماء الشافعية).
الثاني: مؤيد الدين العرضي (664هـ/ 1266م).
برمك بن مبارك العرضي الشامي كان حكيماً فريداً ورياضياً عظيماً اشتغل في رصد «مراغة» مع الخواجة الطوسي. وذكر بين رجال الفلك المشاهير عند ذكر الرصد وبياناته هي المعول عليها في تاريخ هذا الرصد([436]).
وله رسالة في شرح آلات مرصد مراغة وأدواته. توجد نسخته في المكتبة الرضوية.
الثالث: فخر الدين المراغي (667هـ/ 1268م) قال ابن الفوطي:
(فخر الدين أبو الليث محمد بن عبد الملك بن أبي الحارث بن شحيم المراغي المهندس الرصدي أحد أركان الرصد الأربعة الذين ذكرهم مولانا نصير الدين أبو جعفر الطوسي في حضرة السلطان هولاكو لعمل الرصد وتقدم باستدعائهم وهم: فخر الدين العرضي ونجم الدين القزويني…).
وتوفي في صفر سنة 667هـ/ 1268م ومولده سنة 583هـ/ 1187م.
الرابع: «فخر الدين الخلاطي أيوب بن عين بن نصر الله الخلاّطي اشترك في رصد مراغة كما ذكره ابن الفوطي وغيره، له كتاب «إظهار ما كان في علم النجوم» ويوجد في المكتبة الخديوية. كما ورد في فهرستها (5/ 228)…» ([437]).
وأما الذين انتسبوا إلى الرصد فهم كثرة. ذكر العزاوي ـ عدا من تقدم ـ الأشخاص الآتية أسمائهم:
5 ـ ركن الدين الاسترآبادي.
6 ـ محيي الدين المغربي.
7 ـ قطب الدين الشيرازي.
8 ـ شمس الدين الشيرواني.
9 ـ كمال الدين الأيجي.
10 ـ حسام الدين الشامي.
11 ـ نجم الدين الاسطرلابي.
12 ـ صدر الدين علي بن الطوسي.
13 ـ نجم الدين علي بن محمود الحكيم والكاتب البغدادي المتوفى سنة (680هـ/ 1281م).
14 ـ قومنجي (تومه جي) الصيني الملقّب بـ (سينك سينك).
15 ـ ابن الفوطي كمال الدين عبد الرزاق الشيباني.
16 ـ شمس الدين بن محيي الدين بن عربي.
17 ـ أصيل الدين ابن الخواجة الطوسي.
ولم يتعد هذا العدد ولكنه قال:
(… وعلماء كثيرون من تلامذتهم عملوا في الرصد ولا شك أنهم جمهرة كثيرة). ونجد بعض الكتب الحديثة تصرح بأن من هؤلاء الذين انتسبوا إلى الرصد عالم صيني باسم (تومجي).
دار الكتب
كانت عناية الطوسي بالتراث بالغة للغاية. ويظهر ذلك بوضوح من المكتبة التي أسسها في «مراغة» فقد اتفقت التواريخ على أن عددها زاد على (400,000) أربعمائة ألف كتاب ـ وهذا العدد هائل جداً إذا تأملنا الحوادث والكوارث التي حلّت بالكتاب وكتبهم إبّان الحرب المغولية ـ العباسية ـ فإن نصيب الكتب لم يختلف عن الأرواح البشرية التي أزهقت والدماء البريئة التي سفكت في سبيل إقامة الحكم المغولي وقد احتفظ التاريخ بنصوص لا تخلو من مبالغة في تغريق المغول الكتب وتبديدها. إننا نشك في صحة هذه النصوص ونرى أن المبالغة فيها واضحة. ولكن رغم ذلك لا يمكن الاعتقاد باعتناء المغول بتراث الأعداء ـ وخاصة إبّان الحرب ـ وهذه المكتبة العظيمة التي أسسها الطوسي والتي بلغت كتبها الـ (400,000) كتاب تكشف عن كثرة التراث آنذاك.
يقول الدكتور مصطفى جواد:
(ولما أنشأ نصير الدين الطوسي دار العلم والحكمة والرصد بمراغة من مدن أذربيجان وهي أول مجمع علمي حقيقي (أكاديمية) في القرون الوسطى في البلاد الشرقية. فضلاً عن الأقطار العربية الجاهلة أيامئذٍ. أسند إليه (ابن الفوطي) الخزن في خزانة كتب الرصد. وقد كان النصير الطوسي جمع فيها أربعمائة ألف مجلد حملها إليها من مختلف الأصقاع).
ووصفها العزاوي بقوله:
(… كانت عظيمة لما جمعت من بغداد والموصل والجزيرة وربوع الشام. ذهب الطوسي مرتين إلى كتب نفيسة ومهمة … جلبت إليها من بغداد سنة (662هـ/ 1263م) لجمع الكتب، فتكوّنت منها خزانة مراغة).
وقال في تاريخ علم الفلك:
(… وبلغت نحو أربعمائة ألف كتاب. فذاع صيتها في الأقطار، وصارت تشد إليها الرحال. ولم تكن مقصورة على كتب الفلك وإنما حوت علوماً جمّة).
وفي الحقيقة كان موقف الطوسي موقفاً مشرفاً جداً. فلولا ترويضه لهمجية المغول وتوجيهه العناية في حفظ التراث لما وصلت هذه البقية الباقية من التراث إلى عصرنا … فقد سافر الطوسي بشخصه عام (664هـ/ 1265م) ـ كما يقول ابن الفوطي ـ إلى بغداد وواسط والبصرة وجمع من العراق كتباً كثيرة.
راجع: (الحوادث الجامعة/ 350).
ومجمل القول: إن شخصية الطوسي قد خلقت جيلاً مثقفاً بالعلم والمعرفة في أظلم العصور وأسوأ الظروف وأحيا العلم والعلماء. وهم على وشك الضياع. وأنقذ التراث الإسلامي، وهو في قبضة التلف وما أجدر بنا أن نخاطب الطوسي بمثل ما خاطبه معين الدين الشيرازي الذي زار رصد مراغة سنة (670هـ/ 1271م) حيث قال:
لكل زمان واحد يرتجى به
وهذا زمان أنت لا شك واحده
ونختم القول بما أنشأه قاضي القضاة نظام الدين الأصفهاني في مدح الطوسي ووصف رصد مراغة فقال:
صفا شرب عيشي في هوى في
مراغة فظلت كما شاء المنى أتفرج
بها الرصد العالي النصيري مقصدي
إلى الفلك الأعلى به أتدرج
فلله بانيه وطرق أبانها
إلى كشف اسرار الغوامض تنهج
أرى عصب التنجيم أحسن هيئة
به يستوي ما في التقاويم عوجوا
دقائق علم لا يجدن توانيا
حوى درجاً منه إلى الغيب يدرج
تسامي الهضاب الشم تبلغ جيدها
عساها بما يبنى عليها تتوج
فغالت لعمري الخط أرض مراغة
فمن كل إقليم عليها يعرج
فإن عيروا بابن المراغة شاعرا
مديحي على معنى الهجاء يخرج
بناء لعمري مثل بانيه معجز
تقربه الألحاظ والنفس تبهج
سيبلغ أسباب السماء بصرحه
يناغي عاب الزهر منها تبرج
أقول وقد شاد البناء بذكره
وشيد قصراً لم يشيده متوج
على الزهر أرصاد طلائع فكره
إلى الرصد المعهود من أين يحوج
ترصدت لقياه هناك وقربه
فكان مني من دونها الباب مرتج
ورمت سعود الجد في جنباته
فساعدني سعد بودي ملهج
وجدت اسمه فالاً علي مباركا
مقدمة منها الميامن تنسج
إلى السدة العلياء شمر ناهضا
لتقبيله منه البنان يهيج
فكلفته عرض الدعاء وخدمتي
وحملته ما في الصحائف يدرج
ورمت على حال وقوف وقوفه
فهمي أن أنهى إليه يفرج
وأحدرت عن تبرير ما أنا كاتب
وصحبي زموا العيس والخيل أسرجوا
لعضد جناب الصاحب الأعظم
ارتمت طلائح أسفار لما ناب تزعج
تكفل دفع الجر عنهم وأنه
مواعيد صدق صبحها يتبلج
ولولا عوادي الخطب جئت ملبيا
دواعي أشواق لظاها تأجج
محمد حسين الجلالي الحسيني
مراغة
ـ 2 ـ
مراغة، هي المركز القديم لإقليم أذربيجان. تقع جنوبي جبل «سهند» الذي يفصل بين مراغة وتبريز، وهو على ارتفاع 3547 متراً. ويبلغ ارتفاع أراضي مراغة عن مستوى سطح البحر 1400 متر، وتبعد عن تبريز بمسافة 76 كيلومتراً إذا ما قيست المسافة على شكل خط مستقيم، وأمّا على الطريق المعروف الكبير فتبعد عنها بمسافة 130 كيلومتراً.
إن وجود جبل «سهند» بين المدينتين؛ مراغة، وتبريز أدّى إلى اختلاف كبير في طبيعة مناخ ومياه كل منهما. فمناخ مراغة لطيف ورطب نسبياً، كما أن ماءها عذب ووفير، مما أدّى إلى تنامي الثروة النباتية فيها.
وتشتهر محاصيل الفاكهة المزروعة في مراغة في إيران، وتحمل مقادير كبيرة فائضة عن الحاجة منها إلى روسيا عن طريق أردبيل. وتسقى أراضي مراغة بواسطة قنوات وأنهر صغيرة تستمدّ مياهها من العيون في جبل «سهند»، وتدور هذه القنوات باتجاه الغرب، لتصبّ في بحيرة (أرومية) على مسافة 29 كيلومتراً عن مراغة التي بنيت على الضفة اليسرى لنهر صافي أو صوفي.
وعلى مسافة قليلة ـ باتجاه المشرق يجري نهر موازٍ لنهر صافي، يعرف بـ «باهيندور» أو «بايندور»، وكذلك هناك نهر آخر يقال له: «ليلان».
ويرى الجغرافيون أن مراغة مستقلة ومنفصلة نسبياً عن تبريز. وعادة ما ينقطع الطريق في غير فصل الصيف بين هاتين المدينتين بسبب الثلوج الهاطلة. وهناك طريقان مستقيمان من جنوبيّ مراغة وجنوبيّها الشرقي يربطانها بأردبيل وزنجان.
ويتكلم سكان مراغة اللغة التركية الآذرية، ولكنهم كانوا يتداولون اللهجة البهلوية التي كانت معروفة في شمال غرب إيران في القرن الرابع عشر الميلادي، طبقاً لما ذكره في (نزهة القلوب).
من أسماء محلات مراغة، أقابيك، وميدان، ودروازة، وسالار خانة، وأما أسماء أبوابها فهي: أحمدي، وكورة خانة، وآق داش، وجسر بناب (يل بناب)، وحاج ميرزا.
ويذكر البلاذري وابن الفقيه وياقوت الحموي أن اسمها القديم هو أفراروذ، الذي يقابل في اللغة الفارسية «رودافرا»، وهذا الأخير يشابه اسم «تافراغتة»، تلك المدينة التي حاصرها مارك أنطوان سنة ستة وثلاثين قبل الميلاد.
إن مراغة هي إحدى المدن التي فتحها المسلمون لدى فتح أذربيجان عام 22 هجري، كما ذكره البلاذري واليعقوبي، وفي عام 123 هجري (740 ميلادي) مرّ بها مروان بن محمد، وهو في مسيره إلى حرب مغان وجيلان، وبنى فيها بعض العمارات. وقد اتّخذها الأفشين مقراً صيفياً عند حرب بابك عام 221.
ويوجد في مراغة معسكر للجيش، ودار إمارة، وخزانة، وعدد من إدارات ودواوين الدولة، باقية من العهود الإسلامية.
مراكش
تتفق رواية ابن الخطيب هنا مع رواية القرطاس في أن تأسيس مدينة مراكش قد تم على يد يوسف بن تاشفين سنة 454هـ (1051م) وهناك رواية أخرى يرويها كل من ابن عذاري وصاحب الحلل الموشية تؤكد أن المؤسس الحقيقي لمراكش هو الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي شرع في بنائها سنة 462هـ (1070م) ثم جاء بعده ابن عمه يوسف بن تاشفين فأتم هذا البناء، ويبدو أن هذه الرواية الثانية هي الأصح.
ومدينة مراكش مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى تقع في سفح جبل الأطلس الكبير ويمر في شمالها نهر تانسيفت، وتمتاز هذه المدينة بخصوبة تربتها الحمراء وجودة مناخها وبمناظرها الخلاّبة حيث توجد فيها غابات النخيل الخضراء وبجانبها الثلوج البيضاء على قمم الأطلس.
وعلى الرغم من أن هذه المدينة قد أسست في أيام المرابطين إلا أن عظمتها لم تتحقق إلا في أيام الموحدين الذين اتخذوها أيضاً عاصمة لأمبراطوريتهم الواسعة وتركوا فيها مآثر جميلة نخص بالذكر منها مسجد الكتيبة ومئذنته المشهورة.
وفي أيام بني مرين تراجعت مكانة مراكش السياسية عندما صارت فاس عاصمة لدولتهم، ولكنها لم تلبث أن استعادت مكانتها كعاصمة للبلاد في أيام السعديين ولا تزال أطلال قصر البديع الذي شيّده أحمد المنصور الذهبي وقبور الأشراف السعديين، وقصر الباهية الذي بناه الوزير أبو حماد بن موسى خير شاهد على عظمة مراكش خلال هذا العصر السعدي.
هذا وتوجد في مدينة مراكش أضرحة بعض الشخصيات العلمية المغربية البارزة مثل أبي العباس السبتي، والقاضي عياض، والإمام السهيلي، كما يوجد فيها ضريح يوسف بن تاشفين الذي بنى عليه الملك محمد الخامس قبة جديدة.
مرجعية التقليد([438])
ـ 1 ـ
أولاً: مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية. هذان المصطلحان وما يرادفهما ويناسبهما غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان، وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيران يدلان على مؤسسة تقليد هي مؤسسة ومرجعية. هي مرجعية التقليد، يعني مؤسسة من حيث كونهما اثنين لمؤسسة، ليس لهما في الأخبار والآثار فضلاً عن الكتاب الكريم علماً ولا أثراً. كل ما هو موجود بالنسبة لمادة قلّد موجود في خبر ضعيف لا قيمة له من الناحية الاستنباطية إطلاقاً، وهو المرسل الشهير عن أبي الحسن، عن أبي محمد الحسن العسكري، ومتداول على ألسنة الناس: من كان من الفقهاء صائناً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه. مادة قلّد. موجودة فقط بهذا النص، ولكن لا نعتمد عليه إطلاقاً. هذا تقليد؛ ومُقلَّد ومُقلَّد لا أساس له. ومرجع لا أساس له. الموجود في الفكر الإسلامي وفي النص الإسلامي مصطلح الفقيه. الموجود في الكتاب والسنّة هو مصطلح الفقيه. في الكتاب ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، هذا في الكتاب. وفي السنة في جملة من النصوص أغلبها، أو كثير منها ضعيف أيضاً، أو ليس صحيحاً في الدرجة المطلوبة، ولكنه موجود، نطمئن بصدور هذا المصطلح عن المعصوم (سلام الله عليه).
هذا الفقيه، بعد ذلك لعله بالتأثر ببعض الأوساط الفكرية نشأ مفهوم التقليد، الموجود في الشرع ليس التقليد، الموجود هو الاتّباع. أو هو التعلّق، هو التفقّه. حتى الاتّباع، نحن نتحفّظ على هذا الكلام. الإنسان الجاهل أو العامي هو ليس متّبعاً للفقيه، هو متّبع للشريعة. نحن في الفكر الإسلامي ليس عندنا اتّباع للأشخاص. الفقيه لا يتمتّع بأي قداسة على الإطلاق، وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً على الإطلاق، ولذلك مفهوم التقليد هو مفهوم دخيل، أنا أعتبره مفهوماً دخيلاً. العامي ليس مقلداً في مفهومنا، العامي عامل بالشريعة. والتقليد بمعنى اتّباع الشخص، أصلاً ليس له عين ولا أثر، لا في الفكر ولا في الفقه الإسلامي على الإطلاق، وهذه مسألة جدية تتصل بتكوين العقل العملي، العقل الحركي، خاصة عند المسلمين الشيعة الملتزمين بالشرع الشريف. المصطلح الموجود في الكتاب والسنّة مادة أو هيئة هو مصطلح الفقيه. الفقيه هو من يعرف أحكام الدين، وهو مفهوم واسع، يمكن للجاهل بمعنى الاجتهاد أن يكون متعلماً في احكام الدين، ويمكن للفقيه العالم المستنبط أن يكون متلعماً في أحكام الدين.
الظاهر من الآيات والروايات أن الفقيه الذي يتعلم الأحكام الشرعية هو الذي اصطلح عليه بأنه القادر على الاستنباط، على اكتشاف الحكم الشرعي من أدلته المقدّرة وفقاً لمنهاج خاص معروف عند الفقهاء. هذا الفقيه هو معلم في الروايات، ويستفاد أيضاً من الكتاب الكريم. إن الموضوع موضوع التعليم والتعلّم والتبليغ والتبلّغ. نستفيد من آية النذر: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، الفعل لا يكون من جانب القول، وإنما الفعل يكون من جانب الفقيه. الفقيه هو الذي يأخذ زمام المبادرة: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، وإذ هؤلاء الفقهاء هم الذين يقودون حركة التفقه، وليسوا موضوعاً ساكناً. هم موضوع متحرك باتجاه المجتمع، لا أنهم موضوع ثابت يرجع إليهم الناس، أو الناس تتحرك باتجاههم. هذا المفهوم، مفهوم الناس تتحرك باتجاه الفقيه أيضاً فيه كلام كثير. أنا أعتبر أن إحدى انكسارات المسيرة الحضارية عند المسلمين أن الناس تبحث، ومركز المعرفة ساكن. يوجد في كلام الناس تعابير شعبية حول هذا المفهوم، أنه الذي يجعل من الفقيه مقاماً مقصوداً، يعني أن يقصده الناس، لأنه هو الذي يقصد الناس. نعتبر أن هذا مخالف لسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ومخالف لسيرة آل بيت العصمة عليهم السلام، ومخالف فيما نفهمه، ومخالف لمفاد الآية المباركة، الرسول كان يعرض نفسه على الناس. الأئمة كانوا يتصدّون للناس، والآية المباركة تقول: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾. إذاً مرجعية بهذا المعنى لا توجد لا في النصوص الشرعية ولا في نصوص السنة الشريفة بجميع طرقها ومدارسها، ولا في الكتاب الكريم. الموجود في الفكر الإسلامي هو مصطلح فقيه، واتّباع السنّة اتّباع الشريعة، ولكن لا نريد أن نثير مشكلة في المصطلحات، ولنبقى على مصطلح المرجعية.
هذه المرجعية، أولاً من الناحية التنظيمية هي تكوين طبيعي في كل مجتمع. كل مجتمع له مرجعيات، توجد مرجعيات في التنظيم السياسي، توجد مرجعيات في تنظيم الدولة ككل.
تنظيم السلطة القائدة للمجتمع، السلطة المدبّرة للمجتمع بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي الإدارة توجد مرجعيات، يعني مراكز قرار، مراكز توجيه، مراكز تنظيم. في الحياة الاجتماعية توجد مرجعيات، تبدأ من رب الأسرة، هو مرجع. زعيم الحي، هو مرجع. وجيه القرية، هو مرجع. رئيس القبيلة أو العشيرة، هو مرجع.
أحد مظاهر انتظام المجتمع، وهذا من الضرورات التنظيمية للمجتمع أن تكون هناك مرجعيات. بهذا المعيار، وفي الحقل الديني المحض، النبي صلى الله عليه وسلم مرجع. الإمام المعصوم مرجع. وكيل الإمام المعصوم عليه السلام مرجع. حقل المرجعية يختلف. ربما يكون وكيلاً للنبي أو الإمام المعصوم في شأن مالي أو تجاري هو مرجع في ذلك الشأن، وربما يكون وكيلاً أو ممثلاً في التبليغ، إذاً هو مرجع في الدين. هكذا نقول، هكذا نصطلح مرجعاً في الشريعة أو مرجعاً في الدين على اختلاف المستوى، قد يكون مرجعاً في الشريعة ولا يكون مرجعاً في الدين، قد يكون أهلاً لاستنباط الحكم، وليس أهلاً لبلورة المفهوم. المرجع في الدين أمر أكبر وأجلّ من أن يكون مرجعاً في الشريعة. المرجع في الشريعة مجتهد جامع للشرائط، وهذا يكفي.
أما المرجع في الدين فهو تجاوز مستوى الحكم الشرعي إلى المفهوم الشرعي، معرفة المفاهيم. والمرجعية في المفاهيم تحتاج إلى مستوى من الإحاطة والعمق والشمولية، تتجاوز كفاءات الفقيه، وهذه النقطة، نقطة غامضة. يجب أن نفرق بين المرجع في الشريعة، وبين المرجع في الدين. المرجع في الدين هو أوسع دائرة وأعم مسؤولية من المرجع في الشريعة. نأتي هنا إلى مصطلح تداول كثيراً وخلق وهناً مزعجاً في أذهان الناس، بأن هناك في التنظيم المرجعي الشيعي عند المسلمين الشيعة منصب أو مهمة مرجع أعلى. هذا المصطلح لا أساس له إطلاقاً بالشرع، ولا أساس له قبل الشرع في الفكر الإسلامي، أصلاً لا يوجد في الفكر الإسلامي، ولا الشرع الإسلامي خارج نطاق المعصومين، خارج نطاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا المعصومين الأئمة عليهم السلام، لا يوجد مرجع أعلى على الإطلاق.
بعد هذه المقدمات نقول: المرجعية تاريخياً كانت شخصاً، كانت نبياً أو إماماً معصوماً، وبعد ذلك كانت هذا الفقيه أو ذاك الفقيه. تعلّم أحكام الشريعة في الحد الأدنى، أو تعلّم الدين في الحد الأعلى. وما فرّقت فيه بين مرجع الدين ومرجع الشريعة. يبيّن للناس دينهم، مفاهيمه وأحكامه. هذا أمر لازم المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر بعده في عهد المعصومين عليهم السلام إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، وبعد ذلك انتقلت هذه المرجعية. في الغيبة الصغرى تمثلت بالإمام المعصوم، ولكن بصورة غير مباشرة، عن طريق وكلائه المشهورين نواب الحجة عليهم السلام، بحدوث الغيبة الكبرى وجد الفقيه. الفقيه لم يكن غائباً عن المرجعية، لا في زمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الأئمة عليهم السلام، الفقيه كان موجوداً في زمان الرسول، كان هناك فقهاء ومراجع. وفي زمان الأئمة عليهم السلام كان هناك فقهاء ومراجع خارج مركز النبوة، خارج مركز المدينة أو خارج المكان الذي يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو خارج محل إقامة المعصوم في المدينة أو في الكوفة أو في بغداد أو سامراء، كان يوجد فقهاء مراجع. غاية الأمر فقهاء مراجع موصولون بالمركز الذي هو النبي، أو الإمام في أطراف البلاد وانتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة، كان من يرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم الأكرم إلى القبائل ليعلم الناس القرآن والأحكام، كانوا يقومون بمهمة المرجع في الشريعة، وبعضهم مثّل أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث أرسله الرسول إلى اليمن، كان يقوم بمهمة المرجع في الدين، وليس فقط في الشريعة. بعد ذلك في عهد الأئمة المعصومين عليهم السلام في مرحلة الإمام. أصحاب الأئمة عليهم السلام وخواصهم أبواق المتفقّهين، أبواق الفقهاء، المحدثون الفقهاء، وليس مطلق نقلة الحديث، وحملة الحديث، وهم ليسوا كثيرين، ولكن هم موجودون. المحدثون الفقهاء الذين كانوا ينتشرون في معظم البلاد الإسلامية على مستوى خط آل البيت عليهم السلام، يعني أتباع خط آل البيت عليهم السلام، كانوا فقهاء، وكان الناس يرجعون إليهم، وكانوا يستغنون بالرجوع إليهم عن الاتصال بالإمام المعصوم عليه السلام، وكانوا يفتونهم الفكرة الشائعة بين بعض الأساتذة والزملاء من الفقهاء الذين كانوا يقولون إن هؤلاء نقلة فتاوى، نقلة حديث. نحن نخالفهم، كانوا فقهاء مجتهدين، وكانوا لا يفتون بالنص، وإنما يفتون بآرائهم كما يفهمونها من النصوص، كانوا ينقلون. نحن لا نتصور أن حياة المجتمع الإسلامي في ذلك الحين كانت تُدار بالنصوص. كانت تُدار بالفقه، وكان هؤلاء المحدثون من الفقهاء يفهمون من النصوص ويجيبون الناس بآحاد المسائل، وجزئيات المسائل بما يفهمونه، وحتى (أنا أقول) حينما ينقلون النص، يكون تطبيقهم للنص على مورده هو فهم لهم، اجتهاد أيضاً. كان هؤلاء وكان أتباع أهل البيت عليهم السلام موزعين عليها. من كان في خراسان مثلاً، أو في ما وراء النهر، لم يكن يسأل ماذا يقول الفقيه الفلاني في المدينة، أو في الكوفة، أو في الشام. من كان في حلب لا يسأل الفقيه الموجود في العراق، أو في الحجاز، كان هؤلاء الفقهاء هم مراجع محيطهم، ولو انتقل فقيه من محيطه إلى محيط آخر لكان فقيهاً في المحيط الآخر. أقول هذا لأصل إلى نقطة أبيّنها بعد استدراك فاتني يتصل بالمقدمات. الانطباع السائد عند المسلمين الشيعة. إن موضوع المرجعية، والرجوع المسمى تقليداً، إلى نقطة هو من خواص الشيعة مطلقاً، هذه الظاهرة غير موجودة في المسلمين. يعني المرجعية موجودة في كل المذاهب. على مستوى الأمة وعلى مستوى المذاهب كل المسلمين متّبعون ويوجد لهم فقهاء. المذاهب المسماة سنّية، سواء منها المذاهب الحية الموجودة الآن، أو المذاهب غير الموجودة المنقرضة، هي مذاهب مرجعيات بالمصطلح الشائع، مذاهب تقليد. يعني الأحناف هم يقلدون فقهاء الأحناف الأحياء الذين يتّبعون في منهجهم الاستنباطي المنهج الحنفي، الموالك أو الشوافع أو الحنابلة أو الظاهرية أو الأوزاعية أو الطبرية، هم كانوا يتّبعون، بالنسبة للبادئين، يتّبعون فقهاءهم الذين ينتهجون مذهبهم الاستنباطي نهج المدعو أمام المذهب تماماً وكمالاً. كما هو شأن الفقهاء الشيعة الذين يتبعهم الشيعة وهم يلتزمون بمنهجهم الاستنباطي المنهج الذي وضع أصوله الأئمة المعصومون عليهم السلام. الكل بالمصطلح المتداول هو مقلّد التقليد أو الاتباع هو ليس ظاهرة شيعية، وإن توهّم الشيعة ذلك في أنفسهم، نعم يوجد فارق على موضوع هذا التقليد، جعل هذه الشهرة في المرجعية الشيعية متمايزة عن المرجعيات الإسلامية الأخرى. إن المسلمين الشيعة اشتهر فيهم ولم يجمعوا. اشتهر فيهم في المتأخرين منهم أيضاً عدم صحة تقليد الميت أبداً. وفيهم قول قوي بمشروعية تقليد الميت ابتداء، وهو قول قوي، هو غير مشكور عند غيرنا من الفقهاء. نحن نميل إلى مشروعية تقليد الميت ابتداءً. عند السنّة يجيزون تقليد الميت ابتداءً، الشق الإخباري المسمى إخباريين. الشق المحدثين من الشيعة كانوا حتى الآن يلتزمون بهذا المنهج، الذين يقلدون الميت ابتداء مثل سائر أهل السنة، وهو كما قلت قول قوي، ولكنه غير مشكور، هذه خصوصية. الخصوصية الأخرى في المسألة التي سهوت عنها واستدركها هي حكاية الأعلم كمرجع أعلى. أحد الخلفيات التي نتغذّى منها الآن، القول المشهور باشتراط أعلمية الفقيه، فقيه التقليد. وهو قول مشهور عند متأخّري المتأخرين. أكاد أقول عند المعاصرين، وإلا ليس له فيما نرى نحن أساس على الإطلاق. يربط بين أعلى وبين مرجع أعلى، يعني المرجع الاعلى هو الاعلم، وهو قول موافق للاحتياط لمن استطاع. لا أقول هو قول لا قيمة له من الناحية العلمية، ولكنه قد يكون غير مستطاع، وهذا بحث آخر.
يوجد ارتباط غير واعٍ بين مصطلح مرجع أعلى، الذي اخترعناه نحن، وبين وجوب تقليد الأعلم. اشتراط وجوب الأعلمية في الفقيه الذي هو قول فقيه محترم ومشهور عند متأخّري المتأخّرين. أعود إلى طبيعة المرجع، المرجعية بحسب الفهم الأولي المتداول ـ ونتكلم عن الوظيفة ـ هي أنها مرجعية لمعرفة الححكم الشرعي في معرفة الأحكام الإلزامية تحديداً. يعني الحلال والحرام والصحيح والخطأ. الحرام ما هو؟ والحلال ما هو؟ أو أن الفعل الفلاني حلال أو حرام، أو أن الشيء الفلاني تحل مزاولته، أو لا تحل، وأن الفعل الفلاني، أو العمل الفلاني، أو الوضع الفلاني صحيح أو باطل. المفهوم العام الشائع هو أن المرجعية تُسأل فتبيّن الاحكام. وقد جرى الأمر على هذا من الناحية التطبيقية، منذ عهد الشيخ الطوسي، وهو يمثل نموذجاً مبكراً جداً للمرجعية بهذا المعنى. ولعله زامنه أو تقدّم عليه قليلاً فقهاء آخرون أقل شهرة مثل الشيخ المفيد، الشيخ الصدوق. فألّفوا كتباً تسمى كتب الفتاوى المجردة. المجرذدات في الفقه التي تتضمن بيان حرام وحلال وصحيح وخطأ وباطل في الأفعال المتداولة، فيما قُسّم وسُمّي فيما بعد العبادات والمعاملات وأحكام أو تقسيمات الفقه. أشهر الكتب المتداولة حتى الآن في ما يتصل بهذه الوظيفة للمرجعية هو كتاب: «النهاية في الفقه» للشيخ الطوسي (رض). هذا المفهوم الشرعي. الفقيه الإنسان يدرس، يجتهد، يبلغ درجة عالية من المعرفة بأدلة الشريعة، ومن ثم بالشريعة تتكوّن لديه قدرة على استنباط الأحكام، يسأله الناس فيفتيهم أو يبتدئهم بالفقه.
ولكن الفكرة الشائعة أنه يسأله الناس فيفتيهم، لا يبتدئهم بالفقه. هذا المستوى طبقه المسلمون الشيعة والمسلمون غير الشيعة، منذ تدوين الفقه عند الشيعة، تحديداً منذ الغيبة الكبرى. عند السنّة لعله في وقت أكثر حداثة. أمّا أهل البيت ـ خطّ الإمامية المعصومة ـ فكان أوسع من ذلك. أما المرجعية في الدين، فهذه في الواقع نحن نبحث عن نماذج قديمة لها مشروع سياسي، نحتاج إلى أن نبحث أكثر عن نماذج للمرجعية في الدين، فيما يتعلق ببلورة المفاهيم، وليس الأحكام، وفيما هو وراء ذلك، وهو ما يسمى قيادة. يعني تجاوز بيان الحكم الشرعي، وتجاوز بيان المفهوم في الدين، إلى انتهاج خط السير والسلك العملي في المجتمع. أبرز الفقهاء القدماء، ليس بالاصطلاح القدماء، بحسب التعبير العرفي، هو من المتأخرين، يعدّ (رض) أبرز الفقهاء المتقدمين فيما يمكن أن يطلق عليه أنه مرجع في الدين، أو يشكل مشروع قيادة، هو الفقيه الشهير محمد بن مكي الجزيني المعروف بالشهيد الأول، وهو الشهيد الأول.
هذا الرجل توصل إلى أن يكون مرجعاً في أكثر من الحكم الشرعي. تجاوز الحكم الشرعي في مرجعيته إلى بيان المفهوم. وبعض كتبه تبيّن هذا المعنى. وتجاوز هذا إلى مستوى تشكيل مشروع قيادة. يعني ما يسمى بمصطلح هذا الزمان مشروع سياسي. وضع مشروعاً سياسياً، أو وضع في ذهنه مشروعاً سياسياً، فلسفه أو شَرعَنَه من الناحية المفهومية، وجرى عليه ولعله من أجل ذلك استشهد (رض). هذا التصور لوظيفة المرجعية. الوظيفة الشائعة الآن والساذجة، هي أن يكون هناك شخص عام إذا سألته عن حليّة كذا، أو حرمة كذا «نحن حكمنا». كذا يفتينا وتنتهي مهمته عند هذا الأمر. وهذه القناعة هي القناعة السائدة حتى في أذهان الفقهاء. وغالباً أن الوظيفة المهمة هي بيان الأحكام لمن يسأل عنها، وليس من يرى له، أو من يرى لنفسه أنه يؤلف أو يستعين من غيره ما يسمى الرسالة العملية التي نعرفها نحن، وينشرها ويطبعها ويكون له مروّجون، ويدعون إلى تقليده، والناس قد تقلده كلياً، أو بعضاً كثيراً أو قليلاً من الناحية المضمونية.
أما من الناحية التنظيمية، فالمرجعية شخص، هذا الشخص يجمع في ذاته كل المهمات. هو يفتي، وهو يدير المسائل المالية. يعني هو أيضاً مرجع في قبض الأموال الشرعية، وهو ينفق بنفسه ويسحب ما يراه مناسباً أو بحسب ما يُرى له مناسباً من الناحية التنظيمية لا يوجد أكثر من هذا المقدار. طبعاً هو لا يعمل وحده. يكون له بعض الأعوان، بعض المروّجين. يكون عنده درس فقه غالباً أو درس أصول. من النادر أن يكون عنده درس تفسير. من أندر النادر أن يكون عنده درس مثلاً في مجال آخر، يكون مجال أخلاق أو فلسفة أو علم الكلام. من النادر جداً. منذ الغيبة الصغرى، صغرت المرجعية التي نعرفها. هو هذه. العنصر المالي قد يكون دخيلاً منها كما هو دخيل الآن. لعله لم يكن دخيلاً بهذه الدرجة، ولكن المرجعية من الناحية الوظيفية كانت إجابة على الاستفتاء، أو إفتاء مسبقاً، وكانت تنحصر في الشخص ويعينه أعوانه. أعوانه قد يكونون طلابه، وقد يكونون زملاءه. السؤال الآن هو هل هذه الصيغة التاريخية التي لا تزال قائمة حتى الآن للمرجعية، هل هي الصيغة الملائمة؟ هل ينبغي لها أن تتطور؟ نقول في الجواب: أولاً، هذه الصيغة هي صيغة مشروعة. بعض الكلام الذي قد يقال عن هذه الصيغة إنها صيغة غير شرعية وغير مشروعة. يقول البعض إنها غير إسلامية، هذا الكلام قد يكون لا ورع فيه. هذه الصيغة شائعة الآن، هي صيغة مشروعة، الصيغة التي جرى عليها الفقهاء الذين عاصرتهم (رحم الله من مات وحفظ الله من بقي نهم)، هذه الصيغة صيغة مشروعة. الفقيه فيها يقوم بهمته من ناحية الإفتاء، والمكلف يقوم فيها بواجبه من حيث الاستفتاء، والمفتي بشروطه تبرأ ذمته، والمستفتي بشروطه تبرأ ذمته. حينما نتحدث عن مرجعية رشيدة أو مرجعية ملائمة لمقتضى الأحوال ومقتضى الزمان، هذا لا يعني الطعن بالصيغة القائمة والسائدة فعلاً للمرجعية. وإنما يعني أن هذه المرجعية، هذه الصيغة للمرجعية التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت ملائمة لما كان عليه المسلمون في الماضي، أو كان هو المطلوب، لعلها لم تكن الملائمة أيضاً. لعله في زمن الشيخ الطوسي كان المسلمون يحتاجون إلى مرجعية أفضل من مرجعية الشيخ الطوسي، لا أقول افضل من الشيخ الطوسي، ولكن أفضل من مرجعيته. يعني الشيخ الطوسي كان ينبغي أن يكون مؤطراً بوضع غير الوضع الذي كان فيه. هذه المرجعية، هذه الصيغة القائمة فعلاً هي صيغة صحيحة وبراء للذمة قطعاً، لا ريب في ذلك مبرأ للفقيه ومبرأ لذمة المستفتي الذي يصطلح عليه بالمكلف، ولكنها صيغة في زماننا ناقصة، ولعلها كما أشرت كانت ناقصة منذ وجدت. ولكن تلك أمة قد خلت لا شأن لنا بها من حيث نقضها، حيث نترضى عليهم، نستنزل رضوان الله عليهم سبحانه وتعالى، وأسأله أن يرزقنا شفاعتهم وجوارهم عنده سبحانه وتعالى. نقول الكلام فيما نحن فيه الآن. ترى هل هذه الصيغة التي كانت سائدة، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن هي صيغة ملائمة الآن لحاجات الإنسان المسلم، ولظروف الإنسان المسلم ولحاجات الأمة الإسلامية وشعوبها؟ أو هذا الشعب منها أو ذاك، ولظروفها ومخاطرها أولاً. يبدو أن هذه الصيغة غير ملائمة، غير كافية. هي جزية من ناحية التكليف الشرعي، ولكنها غير كافية من ناحية الوضع العام. من هنا هذا الجيل، جيلنا بدأ يفكر بتطوير مؤسسة المرجعية إلى صيغة تلائم حاجات الإسلام والمسلمين، وحاجات الدعوة الإسلامية، وحاجات المسلمين في هذا الزمن. من هذه الجهة يوجد تصوران كبيران، لعل في داخل كل واحد منهما بعض التفاصيل، تصور يبقي على المرجعية، على الشخص، ولكنه يطور المؤسسة بأن يكون المرجع باختصار. أولاً مهمة المرجعية ليست فقط تبليغ الأحكام أو الإفتاء، وهذا أمر نتفق عليه. النظرتان تتفقان على أن المهمة هي ليست مهمة المرجعية في الشريعة، المهمة كما يبدو، والله أعلم، أنها ألمحت إليها الآية المباركة، أو لعل هناك آيات أخرى، ونصوص حديثية أخرى هي ليست مرجعية في الشريعة، وإنما هي مرجعية في الدين. ما يتجاوز الحكم الشرعي، في المضمون في المحتوى، ما يتجاوز الحكم الشرعي هو المفهوم الديني.
الآن توجد إشكاليات حول مفاهيم كثيرة، مفاهيم بشكل مطلق. الحريات النسبية، حرية المرأة، حرية الاقتصاد، حرية الإعلام، حرية التعبير، حرية الاعتقاد. هذه مفاهيم، وغير ذلك من مفاهيم ديمقراطية، شورى، حكم، علاقات خارجية، علاقات داخلية، وحدة، مفهوم الوحدة، الوحدة بالمطلق والوحدات النسبية. هذه أيضاً تحتاج لجهد لأجل أن أشرح لكم. أحدكم أو إحداكن تسأل الفقيه أو يسأل الفقيه. هل يجب هذا أو يحرم، هل يجب أو يباح هل يحرم أو يباح؟ هل هو صحيح أم خطأ، هو صحيح أو باطل؟ هكذا ويفتيه أو يفتينا. هذا الحكم غالباً مرتبط بمفهوم عام، الإنسان العادي، المسلم العادي، هو لا يعرف المفهوم. يطبق إذا شاء الفتوى بالحدود الجزائية في الطعام أو الشراب أو المعاشرة، أو الكلام أو القراءة، ولكن يبقى عنده عدم وضوح في المفهوم، فهو يبقى ضائعاً، هو متّبع في الشك تائه في الدين.
المحتوى الثاني للمرجعية، الذي يسد النقص المرجعي في الدين ليس الفقهاء، إنما الذي سد هذا النقص في الفصول الأخيرة من يُدْعَون مفكّرين إسلاميين ومنظرين إسلاميين. هذا بُعد نحن نتوافق في المدرستين لتطوير المرجعية، على أنه يجب أن تهتم المرجعية بالمفاهيم وليس فقط بالأحكام.
الأمر الثاني مجال الدعوة: كما قلنا النظرة السائدة هو إن المرجع يجلس، والناس تأتي. وإذا فعل شيئاً فهو يطبع رسالة. فإذا طبعها من الحقوق الشرعية يجوز أن يعطيها مجاناً، ويجوز أن تباع. وبكل أسف من نقدنا المسند للرسائل العملية هي أنه مكتوب في مقدمتها سطور صغيرة أن هذه الرسالة العملية، العمل بها مجزئ ومبرئ للذمة إن شاء الله، وأنها للعوام لغير المجتهدين، وبعضها معقد العبارة بحيث لا يفهمها الفضلاء. يعني هي أيضاً لا تعتبر تبليغاً. إذا بلّغ، فإنما يبلّغ رسالة عملية. هو في الآية المباركة مبلّغ، هي وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وظيفة الدعوة إنما أنت منذر مبلّغ لينذروا قومهم. يعني هؤلاء الذين يتفقهون في الدين، الذين نفروا وتفقهوا ورجعوا إلى قومهم لينذروهم. المرجع داعٍ، نحن نفهم أن المرجع شيخ الدعاة، هو منظم الدعاة. المرجعية إذاً تنذر قومها، يعني ليست في موقع الانفعال، وإنما بموقع الفعل: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾. ويمكن الاستئناس لهذا الفهم من هذه الآآية المباركة بكل ما ورد من توصيات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من قبيل الآية، إنما أنت منذر، من قبيل كل الآيات التي يرد في خواتيمها أو فيها معنى الإنذار، معنى التبليغ. هذا أيضاً بعد ثانٍ.
إذاً موضوع المفاهيم، وموضوع التبليغ، وموضوع الدعوة، هذان أمران، إضافة إلى موضوع الأحكام. نحن نفهم التراتبية هكذا. أولاً المفاهيم، وثانياً الأحكام، ثالثاً ومعهما معاً التبليغ، تبلغ المفاهيم، وتبليغ الأحكام. هناك بعد يتحدث عنه، يمكن أن يقال فيه شيء، لكن هذا الشيء أولاً يتّبع المعنى الفقهي، وثانياً يتّبع إمكانيات المجتمع. نعم قد يقال المرجع يقود، بمعنى أنه يتولى زمام إدارة المجتمع. هذه الإدارة الفعلية للمجتمع، هذه المسألة فيها كلام كثير، وخاصة في العشر السنوات أو الخمس عشرة سنة الأخيرة، حصل فيها كلام كثير، إن المرجع الفقيه يقود، أو ليس من مهماته المرجعية أن يقود، ربما في مهماته الشرعية أن يقود. إنسان تكليفه الشرعي أن يتولى قيادة هذا الشيء. أما من وظائفه كمرجع أن يكون قائداً فهذا شيء آخر. هذه المسألة من ناحية فقهية هي موضع جدل. يتبع المبنى في مدى ما للفقيه من ولاية، وأن له ولاية مطلقة، أو ولاية أضيق، أو له ولاية محدودة، ومن جهة ثانية درجة استعدادات المجتمع، ودرجة حاجة المجتمع، هذه مسألة نتركها للبحث. نحن نتكلم عن ما هو متفق، الفقيه، المرجع. الآن المرجعية التقليدية هي المرجعية في الحكم الشرعي، في الحلال والحرام، والصحة والبطلان، ونختصر على الحلال والحرام. كان أستاذنا السيد الخوئي (رض) يقول: الفقيه ليس واجباً عليه أن يبيّن المستحب والمكروه والمباح. ولذلك هم ـ «قدّس الله أرواحهم الشريفة» ـ يحصرون الناس في الاحتياط، وهو أمر لا نوافق عليه نحن. نحن نرى أنه ليس صحيحاً من الناحية الفقهية. الحرام والحلال والصحة والبطلان، يضاف إليها المرجعية في المفاهيم، يضاف إليها الدعوة. ونحن نعتبر أن المرجعية إذا أدّت هذه المهمات الثلاث فليس من المهم أن تقوم بالمعنى التقني للقيادة، لأنها قد تكون هيأت المناخ الملائم لإسلام المجتمع، لرُشد المجتمع. والقيادة تبقى بعد ذلك عملاً فنياً محضاً لا قيمة له من الناحية الجوهرية على الإطلاق. على كل حال هذا بعد آخر له مجال للبحث في وقت آخر.
بهذا المعنى نحن نتفق وكل التحديثيّين، وكل من يذهب إلى ضرورة تطوير المرجعية. ينبغي أن يتفقوا على أن مضمون المرجعية يكون هكذا، ولا يختصر فقط على الحكم الشرعي. الآن قد يقول قائل إن المرجع الان مبلّغ، يُرسل مشايخ أو وكلاء للمناطق وهم يبلّغون. أنا أعرف الآن مرجعاً غير مبلّغ، يرسل وكلاء لا يبلّغون، غالباً لا يقومون بمهمات التبليغ. هم وحدات كريمة مباركة إذا كانوا كراماً ومباركين، يعني إذا كان عندهم علم وتقوى وعقل، إذا سئلوا يبينون، وإذا لم يُسألوا هم غير مبلّغين، يعني ليسوا دعاة. هم لا يحملون صفة داعية، هم يتمثلون صفة مقام، هو مقام يحترم، يعظّم، يبجّل، يتبرك به فقط. المرجع الآن صيغة شائعة. يوجد بعض الاستثناءات. طبعاً هو لا يبلّغ، وغالباً وظيفة هؤلاء هي جباية الحقوق الشرعية. في المدة الأخيرة حصل تطور جزئي في هذا الحقل، حقل التبليغ. حدث تطور جزئي نتيجة لنمو الفكر الحركي، إذا صح التعبير، في أوساط الإسلاميين. يعني الحركة الإسلامية كان لها فضل في إيجاد مناخ تبليغ. فالبعض بدأ يهتم بالجانب التبليغي من هذه الجهة. وإلا فالصيغة التقليدية الرسمية هي كما ذكرت هذا من جانب الماضي. التحديثيون والتطويريون بشأن المرجعية يختلفون في الجانب التنظيمي. هناك اتجاه يقول: المرجع هو الشخص وهو الفقيه. وغالباً هؤلاء يعكسون مبنى اشتراط الأعلمية للفقيه. ولكن هذا الفقيه ينبغي أن يحيط نفسه بمكانة، بمجموعات من رجال الدين، من علماء الدين، ويكلّف قسماً بالحوزات الدينية، وقسماً بالنشر والتثقيف، وقسماً بالدعوة، وقسماً بالمال، وقسماً للاتصالات الخارجية. يعني بدل أن يكون هو وبعض المعاونين الموجودين بنتجية الصداقة والتلمذة، أو نتيجة للضرورة القصوى، كما جرت عليه المرجعية السائدة فعلاً، بدل أن يكون هكذا، هو يُحدّث المرجعية (يجعلها حديثة)، يجعل لها مكاتب ولجاناً، وهذه المكاتب أو اللجان، منها ما يهتم بالتبليغ، ومنها ما يهتم بالمال، ومنها ما يهتم بالدعوة، ومنها ما يهتم بالاتصال بالعالم الإسلامي ومناطق المسلمين وما إلى ذلك. ويشاورهم، ولكن يبقى هو الفقيه. يعني في المرجعية، بالشأن الفقهي، بالشأن الديني، يبقى هو الشخص.
هذه النظرة نقول أيضاً إنها نظرة صحيحة، كما قلنا عن الصيغة السائدة فعلاً. فقيه له مجموعات معاونين، كل مجموعة تمارس مهمة محددة، هذه الصيغة صيغة صحيحة. صيغة أفضل من الصيغة التقليدية بلا ريب. هناك رأي آخر لعلنا نفضله على هذا. نقول أولاً: لماذا يجب أن يكون هناك مرجع واحد في التقليد أساساً؟ من الثابت عندنا فقهياً مشروعية التبعيض في التقليد، وأن يقلد المكلف الواحد فقيهين، أو ثلاثة فقهاء، أو أربعة فقهاء، أو خمسة فقهاء. يقلد في العبادات فقيهاً، وفي البيوع والتجارات فقيهاً، وفي العلاقات الأسرية فقيهاً، وفي السياسات فقيهاً. لماذا الانحسار في فقيه واحد؟.
أنا أعتقد أن الفقه الشيعي إلى حد ما متأثر، والفقه السني متأثر، غالباً عند الشيعة بمفهوم الإمامة الواحدة، لأن الإمام في العصر الواحد لا يكون إلا معصوماً، وإلا لا يكون إماماً. في الفقه السني هو متأثر بالفكرة الفقهية السياسية عن وحدة الدولة ووحدة الخليفة، وأنه لا يكون للدولة الإسلامية إلا خليفة واحد. فإذا تصدى شخص آخر للخلافة يقتل الثاني. يعني أنه غير مشروع. أنا أعتقد وعندي بعض البينات الفقهية والفكرية على أن الخلفية الشيعية الإمامية في هذه الفتوى، أو في هذا السلوك هي خلفية كلامية. وإن الخلفية عند أهل السنة هي خلفية كلامية، وليست خلفية فقهية. يعني أنه ليس لها أساس فقهي. نقول لماذا تكون المرجعية الآحادية أساساً؟ المرجعية لماذا تدور حول شخص ويكون لهذا الشخص مكاتب أو لجان؟ لماذا تتحوّل المرجعية نفسها إلى مؤسسة؟ فيكون هناك تبعيض في التقليد، ليس تقليد المجموع في حكم بعينه. هذا أمر صعب التنفيذ لأن الاجتهاد في النهاية هو اجتهاد شخصي، والاتباع أيضاً هو اتباع شخصي، ولكن هذا الاتباع لا يكون شاملاً لجميع مساحة الفقه، يعني جميع مساحة الحياة. حينما نقول إني فقيه، يعني أني أبرمج حياة البشر وفقاً للشريعة. من يقلّدني هو يتبعني في مساحة حياته كلها، وحياة من يتصل معه أيضاً ممن لا يقلّدني. إذا كان هو مقلّداً لي، ومتزوج من امرأة غير مقلدة لي، أنا أبرمج حياته وحياتها هي أيضاً بحكم اتصالها معه. هذا لا يوجد له أساس في الآحادية الشاملة.
لا يوجد لها أساس فيما أرى في الفقه الإسلامي، وحتى في الفكر الإسلامي، وحتى في التطبيق التاريخي للمرجعية بصيغة آحادية أيضاً لم تكن صائنة وحادة ومركزية بالشكل الذي صارت عليه منذ قرن أو قرن ونصف. هذه الصيغة من الناحية التنظيمية تفترض ما يلي: أن يكون هناك مجمع فقهاء، كل واحد منهم مجتهد مطلق بكل معنى كلمة الاجتهاد المطلق في المبدأ، لأن هنا في حكاية الاجتهاد المطلق أيضاً يوجد التباس. لا يوجد مجتهدون مطلقون غالباً، لا عند الشيعة ولا عند السنة. يوجد مجتهدون مطلقون في المذهب. أما مجتهدون مطلقون في الإسلام فلا يوجد. الشيعة يقولون إن مذهبهم هو الإسلام، وهو المذهب الحق، والآخرون مسلمون. فيعتبرون أن اجتهادهم في المذهب هو اجتهاد مطلق، ولكن هل هم مجتهدون في فقه المذاهب الأخرى؟ كلا، فهم مجتهدو مذهب، كذلك الأحناف أو الحنابلة والشيعة الزيدية، أو الشوافع أو المالكية، هم مجتهدو مذهب، من النادر مثل الشيخ الطوسي (رض)، مثل العلامة الحلي (رض). بعض الآحاد الذين يحاولون في هذا الزمان ربما كانوا يتناولون يناوشون حافّات اجتهاد مطلق. أن يكون كل واحد من هؤلاء مجتهداً مطلقاً بالمعنى المذهبي على الأقل. إذا كان مجتهداً مطلقاً في جميع المذاهب يكون أفضل. ولكن بالمعنى المذهبي على مذهب الشيعة، ونحن نتحدث عنه الآن، وهي صيغة تصلح أن تكون نموذجاً لكل مرجعية في الإسلام. أن يكون كل واحد منكم مجتهداً مطلقاً في المذهب، وفي نفس الوقت يعطي اهتماماً كبيراً لحقل بعينه، فيكون متخصصاً في حقل بعينه. ويمكن الرجوع إلى الكل فيها. وأقول الآن في باب العبادات يمكن أن تقلدوا الموجودين، لأن العبادات عندنا مبنية على الاحتياط، والخلافات الموجودة، خلافات نادرة جداً بحيث لا تذكر (حتى بعض المستحبات أصبحت مثل الواجبات، وكل جلسة في الاستراحة بدأت الفتوى تشتهر بعدم وجوبها وخاصة الشيعة يعجز إذا ما جلس جلسة الاستراحة والناس كما تربّت على جلسات الاستراحة، وتربّت على ثلاث تسبيحات، وتربت على قراءة السورة الكاملة بعد الفاتحة وتربت على رفع اليدين في التكبير إلخ، الحج كذلك، الطهارة.
(الطهارة صارت احتياطاً) هذه هي العبادات لا مشكلة. لكن توجد حقول حرجة، حقل الأسرة، حقل المرأة، حقل الاقتصاد، حقل العلاقات مع الآخرين (مع الأجانب) حقل الأموال العامة، وهذا في الحقل الاقتصادي وأمور أخرى. هذه لم تعد مشاكل الناس فيها مشاكل شخصية. الآن في حياة الملايين من الناس قضايا القروض من البنوك، وحكاية الفائدة والبيوع والإيجارات والاقتراض، شراء السلع الصغيرة، وشراء السلع الكبيرة، هذه لم تعد مشكلات فردية، بل هي تنظيم المجتمع الحديث. جعل حياة الناس موصولة ببعضها بشكل كامل، قضايا عمل المرأة، عمل المرأة المنتج المأجور، المرأة في بيت أبيها أو زوجها، هذه مسألة جديدة، وقضايا أخرى كثيرة. قضايا الإنسان، قضايا تكوين الأسرة والاستيلاد، الحبل والولادة وعدد الأولاد. كثيرة هي القضايا التي لم تعد شأناً فردياً. الآن يقال ليس كل زوجين حرّين في إنجاب ما شاءا من الأطفال. يقال هكذا وله وجه، لأن أي إنجاب سيلزم المجتمع بمسؤوليات، سيلزمه بمقعد دراسي، سيلزمه بسرير في المستشفى، ويلزمه بمساحة معينة من الإسكان، ويلزمه بسيارة، بإنشاء هيئة مجلس. هذا المجلس يكوّن مجموعة، هو المرجعية. وهذا المجلس لا يستقل بنفسه، هنا فكرة المكاتب، أو اللجان لهذا المجلس. تكون هناك اختصاصات تتصل بكل شؤون الحياة التي لها علاقة بالشريعة وبحياة الناس، وهؤلاء الذين يساعدون على بلورة المفاهيم، والتي من الصعب أن يكون هناك دقة واتزان في الاستنباط الفقهي عند الفقيه من دون وضوح المفهوم عنده. نذكر الآن مثال: قضايا المخدرات. في النظرة الفقهية الحديثية، يجوز زرع الحشيش، ويجوز بيعها، ويجوز استهلاكها. لا يوجد أي نص رسمي فقهي يمنع هذا أبداً. يمكن لأي فقيه كبير، وهناك البعض من الكبار الكبار الذين وقعوا في هذا وأكثر. ولعلّ بعض الموجودين يعلمون بهذه الفتاوى، زرع وتجارة واستعمال أيضاً. هذه الفتوى صحيحة بالمعنى التقني، بالمعنى الميكانيكي، ولكنها فتوى غير صحيحة بالمعنى المفهومي. الآن في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي أماكن أخرى يُعدم الذي يروّج أو ينتج. بينما الفتوى أن الرجل الذي يعمل هذا، يعمل عملاً مشروعاً، عملاً مباحاً، كنشاط هو عمل مباح، كتبادل هي تجارة عن تراضٍ، وأحل الله البيع وحرّم الربا، وهذا بيع.
وهي تجارة عن تراضٍ، وتلغى الفتوى بالمعنى الفني المحض التقني، هذه الفتوى صحيحة، ولكن على قياس المفاهيم، هي فتوى غير صحيحة، غير شرعية. ربما قبل مائة سنة يمكن أن تكون هذه الفتوى غير مناقضة للمفهوم، ولكن الآن هي مناقضة للمفهوم، فهي غير مشروعة، يعني لا تمثل الشرعية. هذا الأمر قد لا يدركه الفقيه، والأمر لا يتصل بهذا. هذا الأمر يحتاج إلى خبرات أخرى، قد يوجد إنسان عبقري، علاّمة عظيم، يمكن نظرياً، ولكن عملياً صعب. فلا يمكن المغامرة بكينونة أمة وبكينونة مجتمع عند اعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد بعض محبيه فيه. لا يمكن تسليم مصير مجتمع، أو مصير أمة، لاعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد محبيه فيه. لا يمكن لأمة أن تبني أمورها على الاحتياط. الصيغة التنظيمية المطروحة للدرس، ولا يعني هذا خطأ صيغة تنظيمية مقابلة. ولا يعني هذا عدم مشروعية الصيغة السائدة بين الناس. هي أن تكون المرجعية، مرجعية غير شخصية، أن تتمثل في هيئة. الآن لا نملك تصوّراً تنظيمياً مفصلاً، ولكن المسألة هي في التداول. ويمكن أن يتعايش صنفان من المرجعية في وقت واحد. يمكن في حقل من الحقول أن تكون المرجعية شخصية، وفي المجالات الأخرى تكون هناك مرجعية مؤسسية، لا ترتكز على شخص، وإنما تقوم بها هيئة تعتمد على خبرات.
محمد مهدي شمس الدين
مرجعية التقليد
ـ 2 ـ
شهد القرن التاسع عشر الميلادي بإيران تثبيت مؤسسة اجتماعية دينية جديدة هي «مرجعية التقليد». وكانت إمامة الإمام الثاني عشر مع غيبته قد تحولت تدريجياً إلى رؤية ذات طابع نشوري، تركت المجال خالياً لتبلْوُر المؤسسة الدينية السالفة الذكر، التي لا تملك أساساً نظرياً في التشيع الكلاسيكي. وبذلك، فإن «مرجع التقليد» ظاهرة نجمت عن تطورات بلغت مداها في إيران في القرن التاسع عشر ضمن المذهب الشيعي. ويمكن ربط ظهور المؤسسة بثلاثة شروط نظرية ومؤسَّسية كانت قد سبقتها: انتصار الاتجاه الأصولي على الاتجاه الإخباري، والتأسيس الفقهي لفكرة الأعلمية، والتنظير لولاية الفقيه. لذا، فستتجه كلمتنا هنا لقراءة الظواهر الثلاثة أولاً، ثم للتأمل في أول مرجع للتقليد بإيران، لندرس في الخاتمة مكان ومكانة «مرجعية التقليد» في الحياة السياسية بإيران.
أ ـ انتصار المدرسة الأصولية
تعني الأصول هنا المبادئ والأدلة الفقهية المستخدمة في «علم أصول الفقه»، المعتبر في العادة علم الأدلة الذي تأسَّس عليه الأحكام الفقهية التفصيلية. والأصول أو أصول الأدلة في المذهب الشيعي هي: القرآن، وأحاديث الرسول والأئمة، والإجماع، والعقل. والإجماع عند الشيعة هو اتفاق الأئمة الشيعة المجتهدين على أمر أو فيه دون أن يخالف ذلك كلام الأئمة المعصومين. ولأن الإجماع مُظهرٌ لقول الإمام أو رأيه فهو معتبرٌ من الأدلة. أما العقل فيمكن القول إن معناه هنا هو المعروف لكنه في اصطلاح الأصوليين يتضمن أربعة حدود: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب. وهذه الحدود للعقل يمكن أن تتخذ دليلاً هادياً في استنباط الأحكام في حالة عدم توافر الأصول الأخرى لأنها في الحقيقة قائمة على الظن. وهذه المسألة بالضبط كانت منطلق مدرسة الإخباريين الذين وضعوا النصَّ فوق العقل وحدوده أو مبادئه. فبعكس الأصوليين يعتمدُ الإخباريون على الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة باعتبارها مصدراً للعلم والفقه في الدين. وكان هذان الاتجاهان المتضاربان موجودين في التشيع منذ البداية لكن المواجهة بينهما اتّضحت في سياق زمنيّ محدد وكان فقهاء الشيعة الأوائل من مثل الشيخ المفيد (413هـ/ 1021م)، والسيد المرتضى (436هـ/ 1044م) والشيخ الطوسي (460هـ/ 1067م) قد اهتموا بالأصول والأدلة وكتب السيد المرتضى كتابه الأول في أصول الفقه باسم الذريعة. ولقي العلم الجديد عندهم تفصيلاً واختياراً على يد الشيخ الطوسي في رسالته: عُدة الأصول.
ب ـ التأسيس الفقهي لفكرة الأعلمية
هذا التوجه الأصولي الذي سار فيه علماء الشيعة ببغداد، واجهه اتجاه آثريّ بين العلماء الشيعة في قُم والري. ومن علماء هذا الاتجاه الكليني (329هـ/ 940م)، وابن بابويه المعروف بالصدوق (381هـ/ 991م). ومع ذلك فلا يمكن القول إن الاتجاه الأصولي والآخر الإخباري تواجها بوعي في المرحلة الأولى فالشيخ الطوسي يسمي أصحاب الاتجاه الإخباري: أصحاب الجُمل؛ أي الحرفيين أو اللفظيين الذين يقفون عند الآثار والأخبار ولا يتجاوزونها. وأول ذكر للاتجاهين باعتبارهما مدرستين مختلفتين في التفكير في أصول الدين وفروعه نجده لدى عبد الجليل القزويني (565هـ/ 1170م) الذي يتهم أصحاب الأخبار بضيق الأفق([439]).
وكانت الموجة الثانية المرتفعة للاتجاه الإخباري في حقبة المغول الإيلخانيين بإيران. وكان النقاش وقتها حول الاجتهاد وشروطه. إذ يذكر الشيخ مرتضى المطهري أن ابن المطهر الحلي (726هـ/ 1325م) هو أول عالم شيعي تحدث عن المجتهد باعتباره ذلك الذي «يستنبط الحكم الشرعي» استناداً إلى الأدلة الشرعية المعتبرة([440])، ويمكن القول إنه في المرحلة الأولى أو الحقبة الأولى لم يكن الشيعة يهتمون بمسألتي القياس والاجتهاد. فالشيخ الطوسي يهاجم القياس والاجتهاد في كتابه المشهور عدة الأصول. وقد انصب جهده على التقعيد للأصول النصية حتى لا يضطر الفقيه للّجوء للقياس([441]). لكن هذا الجهد بالذات أدى إلى تجاوز الأصول الشرعية الأربعة([442]). وعندما نتأمل نص ابن المطهر الحلي بدقةٍ نجد أنه يفرق بين اجتهاد المكلفين واجتهاد المجتهدين. وهو يرفض اجتهاد المكلفين، ويحذر من وصول اجتهاد المجتهدين إلى التخمين والظن وليس إلى العلم([443]).
وفي الواقع فإن ابن المطهر يؤسِّسُ لاحتكار الفقهاء العلماء للاجتهاد. واكتملت صياغة شروط الاجتهاد على يد العاملي (1011هـ/ 1602م) الذي خصّص للاجتهاد فصلاً مستقلاً في كتابه([444]). وقد خسر الاتجاه الأصولي جولة في الصراع لصالح الإخباريين في القرن الثاني عشر الهجري الذي ظهر فيه الإخباريُّ الكبير الملاّ أمين الاسترابادي (1033هـ/ 1623م). بيد أن التطورات الاجتماعية والسياسية كانت تعمل لصالح اتجاه الأصوليين لاستمرار غيبة الإمام، واحتياج الجماعة الشيعية لاجتهادات وتجديدات تتوافق والظروف المتغيرة. وهكذا فقد كان ظهور آغا باقر البهبهاني (1118 ـ 1208هـ/ 1706 ـ 1793م) بكربلاء إيذاناً ببدء التغيُّر لصالح اتجاه الأصوليين. وقد حصل البهبهاني من جانب معاصريه على لقبي مؤسس ومجدد للفقه الجعفري مع أنه لم يكن لامعاً مثل ابن المطهر أو الشهيد الثاني. وهكذا، فإن أهميته تكمن لا في فقهه بل في عمله على إزاحة الإخباريين من مراكزهم بإيران والعراق. فقبل العصر القاجاري كان الاختلاف بين الأصوليين والإخباريين اختلافاً على الطرائق والأدلة، أما البهبهاني فقد عمل على إزاحتهم باعتبارهم من المبتدعة أو الزنادقة! وقد تركّز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام واستحالة استفتائه في قضايا الدين والفقه([445]) وهكذا، اتجه البهبهاني للقول بالعلم الإجمالي للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل عند الشيعة.
يقول البهبهاني([446]) إنَّ هناك رأياً سائداً يقول إن باب معرفة الاحكام أُقفل بعد غيبة الإمام؛ لكن ذلك غير معقول.إذ هناك أحكام كثيرة ظهرت وسادت بعد غيبة الامام ، صحيح أن تلك الأحكام الجديدة تفيد الظن لا العلم اليقيني؛ لكن لا بد من استمرار التأمل ولا يستطيع أحد إغلاق باب الاجتهاد رغم عدم تحقق العلم اليقيني. ثم أن هناك بديهيات لا يمكن إنكارها وإن لم تصدر عن الأئمة المعصومين. فلا بد في النهاية من اعتبار الاجتهاد المستند إلى الدليل مفيداً للعلم والبرهان وإلا صار التديُّن مستحيلاً. ولكي لا تصبح الأمور فوضى يقتصر الأمر على المجتهدين([447]). وهكذا. قاد البهبهاني القول ببلوغ قول المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه ثم جاء النراقي (1245هـ/ 1830م) فقال بذلك صراحةً مشدِّداً على أن المجتهدين الذين يبلغون هذه الرتبة قلة تتوافر لها الأعلمية.
إن الفقيه الذي يستحق لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين أو أعلمهم، وهو وحده الذي يستحق التقليد من جانب المكلفين. وكان هذا التطور في القرن التاسع عشر داخل المذهب الشيعي. إذ لا نجد قولاً واضحاً بذلك قبل القرن التاسع عشر وما حدث فيه من تطورات داخل المذهب. على أننا نجد إشارات أولية لذلك في مؤلفات السابقين. فالإمام هو الأعلم داخل الشيعة تبعاً لرؤية ترجيح الفاضل على المفضول. وقد ظهرت تلك الرؤية أولاً في علم الكلام. وعاد علماء الشيعة أيام المغول للتأكيد على الموقع الفريد للإمام استناداً إلى المبدأ السالف الذكر([448]). فقد قال القاضي نور الله العلم والورع والشجاعة([449]). وبعد قرنين؛ في العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطورات السالفة الذكر، والتي تقول بتقليد المجتهد الأعلم؛ لتأسيس «مرجعية التقليد» باعتبار «مرجع التقليد» عملياً متقدماً على الجماعة الشيعية في العلم، وفي جواز تفكيره بل ضرورته؛ مثل الإمام تماماً([450]).
وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى العاملي في معالم الأصول. لكن الأعلم عنده هو ذاك المتقدم في رواية الحديث وأقوال الأئمة([451]). لكن عندما استقر الشيخ الأنصاري (1281هـ/ 1864م) خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني (1266هـ/ 1849م) ([452]) باعتباره الأعلم؛ كانت أعلميته مفهومة في معناها الكامل الذي يجعله مرجعاً للتقليد في أصول الدين وأصول الفقه كما هو تقليد المدرسة الأصولية. بل أن الشيخ الأنصاري ادّعى الإجماع على أن المجتهد المعتبر هو الأعلم في الأصوليين([453]) وأوضح السيد الطباطبائي اليزدي (1338هـ/ 1920م) أواخر القرن التاسع عشر شروط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم في الوقت. أما المجتهد الأعلم فهو القادر استناداً إلى معرفته الوثيقة بالأصولين لاستنباط الاحكام في الزمان([454]). وبالإضافة لذلك أكّد اليزدي ضرورة التقليد من جانب المكلَّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين بدون التقليد([455]).
وينبغي القول هنا إن هذا التأكيد على ضرورة التقليد ظاهرةٌ خاصةٌ بالمذهب الشيعي في العصر القاجاري؛ إذ كان مجتهدو العصر المغولي مثل ابن المطهر والشهيد الثاني قد اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد؛ وبخاصة الشيخ حسن العاملي (1101هـ/ 1602م) ([456]).
ج ـ تطور رؤية ولاية الفقيه
تعاصر سقوط الصفويين مع صعود المدرسة الأصولية التي أكّدت على دور العلماء المجتهدين كشرّاح ومؤوّلين للشريعة. وقد دخلت فئة العلماء في سياسات الدولة بإقدام فتح علي شاه على استنان الرجوع إلى العلماء أو الحصول على موافقتهم لتولي السلطة (إذن السلطة). وربما كان ذلك من جانب الشاه احتيالاً على الرأي العام لأنه لم يكن أقل استبداديةً من أسلافه وأخلافه؛ بيد أن ذلك دعّم من مركز العلماء في المجتمع والسلطة فكان أن ظهر القول بولاية الفقيه على يد الملاَّ أحمد النراقي (1245هـ/ 1830م)؛ أفاد النراقي من تطورات تصنيفات الاتجاه الأصولي لاصطناع هذا اللقب الجديد، وهذه المرتبة الجديدة؛ وتطوير ذلك إلى نظرية جديدة فعلاً داخل المذهب. وحجته في ذلك أنه في غياب الإمام المعصوم، فإن المجتهد يحلُّ محله باعتباره خليفته في غيابه بما يعنيه ذلك من سلطة كاملة له. وأدلة النراقي في ذلك الأحاديث، والإجماع، والعقل([457]).
وقد أورد في الجانب الأثري تسعة عشر، أهمية رؤية النراقي، تكمنُ في تحويله «ولاية الفقيه» ـ بهذا المصطلح والتدليل عليه؛ من دعوى لبعض العلماء إلى جزءٍ من البنية الفقهية للمذهب. دعاوى الفقهاء كانت موزَّعة في بعض أبواب كتب الفقيه مثل القضاء، والجهاد، والخُمس، والاجتهاد. لكن التأكيد على عصمة الإمام، والنص عليه كان يُضعِفُ من الحديث عن موقع للفقيه؛ فكيف بالقول بنائب للإمام يتمتع بالسلطة نفسها رغم أنه غير منصوص عليه، وغير معصوم؛ مثلما حدث لابن المطهَّر الحلي([458]). صحيح أن الشهيد الثاني اعتبر الفقهاء خلفاء للإمام، لكن كان بعيداً عن الحديث عن الولاية العامة للفقهاء أو لفقيهٍ معين([459]).
كما أن آقا باقر البهبهاني دار حول فكرة الفقيه كخليفة للنبي لكنه لم يصل إلى القول بالولاية العامة([460]). لقد كان الأمر مقصوراً على محاولة إعطاء الفقيه سلطةً في حالات معينة لحل بعض الإشكالات الفقهية. ومن هنا، فإن عمل النراقي يكتسب أهمية من نقطتين اثنتين: معالجة موضوع «ولاية الفقيه» بشكل مستقل، والتدليل على ذلك بكل الوسائل الممكنة من ناحيتي العقل والنقل ـ وتقسيم الولاية إلى عامة وخاصة، وإعطاء الفقيه الولايتين تبعاً للحالات العارضة. قام النراقي بهذه المهمة ذات الوجهين في عمله المهم المسمى عوائد الأيام. وهو عملٌ ذو مقام عالٍ في قواعد الفقه الشيعي، يقول النراقي في القاعدة الثمانين أن هدف القاعدة هو شرح مهمة الفقيه الولي في غياب الإمام، والتدليل على أن ولايته عامةٌ مثلما هي ولاية الأئمة تماماً([461]).
ويعني هذا أن مهمة الفقيه أو ولايته هي مثل ولاية الأئمة في غياب الإمام المعصوم باستثناء الأمور التي فيها نص أو إجماع ولا تدخل في ولاية الفقيه. ثم أن كل ما يتعلق بأفعال المكلَّفين منحصرٌ إما بالشرع أو بالعقل([462]).
ولكي يدلّل النراقي على ذلك حشد مجموعة ضخمة من الروايات والآثار التي بلغت تسعة عشر جُلّها تتحدث عن ولاية النبي والأئمة، وتعود إلى الإمام جعفر الصادق. وذلك من مثل القول المنسوب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم ارحم وبارك خلفائي …. الذين يحفظون سنتي، ويعلّمونها الناس([463]). وهناك أثر آخر يعتبر الاحتكام إلى الأمراء والقضاة احتكاماً إلى الطاغوت؛ وقد ظهر للمرة الأولى مروياً بطريق ابن حنظلة عن جعفر الصادق عند الكُليني في الأصول من الكافي([464]). ثم هناك الأثر المشهور عن الإمام الثاني عشر الذي يطلب الرجوع في غيبته إلى رُواة آثار النبوة والإمامة([465]).
ولأن هذا الأثر مروي بطريق إسحاق بن يعقوب سفير الإمام؛ فإن النراقي يعتبره متصلاً. لكن النراقي لم يهتم بتلك التفرقة التي تُعطي الولاية لسفراء الإمام الغائب الأربعة فقط، وليس لسائر الفقهاء.
ثم ينتقل النراقي لتأييد مسألة الولاية بأدلة أخرى مثل الإجماع على ذلك بين مشاهير علماء المذهب([466]). على أن الشيخ الأنصاري ردَّ هذا الدليل بعد النراقي بقليل باعتباره قولاً مشهوراً فقط لا يبلغُ مرتبة الإجماع([467]). وللنراقي أدلته العقلية. فقد كان النبي في حال غيبته عن المدينة يستخلف عليها أمراء يتمتعون بنفس صلاحياته. لذا، فالمعقول أن يخلف الأئمة في حال الغيبة الأعلم بين الموجودين من الفقهاء([468]).
وهكذا، فإن النراقي يملك صورة مثالية للفقيه ودوره وولايته العامة، وخلافته للأئمة، لكن ليس واضحاً ما إذا كان الفقيه الولي عند النراقي يحلُّ محل السلطة السياسية القائمة أم لا؛ إذ أنه يُسمي ولاية الفقيه سلطنة الشريعة. وقد كانت للنراقي صداماته مع السلطة السياسية في عصره. لكنه بشكل عام كان له علاقة جيدة بفتح علي شاه القاجاري، وقد اعترف به شاهاً.
د ـ شروط المرجعية ومؤهلاتها
على الفقيه المجتهد أن يكون متقناً للعربية، والمنطق، وعلم الكلام والتفسير، والحديث، والفقه، أو بعبارة أخرى للفقه وأصول الفقه. ثم أن عليه أن يدلل على أعلميته بالحصول على شهادات وإجازات من كبار علماء عصره، وبتأليف كتب اجتهادية في المذهب. ثم لا بد أن تتوافر فيه صفات شخصية فُضلى مثل الذكورة، والذكاء، وأن يكون ولوداً من نكاح (لا من سفاح)، وأن يكون ورعاً. وهناك خصيصة يذكرها بعض المؤلفين وهي أن لا يكون مستهتراً بالثراء([469]).
هـ ـ مرجع التقليد في حياة إيران السياسية
لعب المراجع دوراً مهماً في الحياة السياسية لإيران الشيعية. فقد قاوموا التدخل السياسي والاقتصادي الأوروبي([470]). كما تعاونوا مع القوى الليبرالية بإيران من أجل العدالة والحياة الدستورية (المشروطة). وبذلك حدّوا من سيطرة الشاهات واستبداديتهم. وبسبب غياب مؤسسات أخرى غير المؤسسة الدينية، فإن الشعب كان يلجأ إليهم في الأزمات لتحدي الطغيان السلطاني. وقد ظهرت القدرة القمعية للمراجع المسيطرين في حملاتهم الشعواء على الصوفية والشيخية والبابية. إذ نشهد في إيران القاجارية عدة حركات دينية تدور كلها حول سلطة الإمام، ومن يخلفه فيها. ويبدو ذلك من مصطلحات وتعابير لدى «المبتدعين» من مثل الولاية الصوفية، والشيعي الكامل، والركن الرابع، والباب. وقد تصدى العلماء لكل هذه الدعاوى والحركات، وبذلك صارت الأعلمية الركن الإنساني للمرجعية. وقد استعان الشاهات بالمجتهدين أحياناً؛ إذ كانوا يجدون أن تهديد الصوفية والشيخية أقوى من خطورة المراجع المجتهدين على سلطتهم. وبالإضافة إلى دعم السلطة القائمة، حصل المجتهدون على دعم من التجار والأصناف (فئات الحرفيين). وهكذا، فإن تحالف المسجد والبازار أيام الصفويين والقاجاريين ساعد المجتهدين على التخلص من الصوفية والشيخية.
أحمد الكاظمي الموسوي
مرجعية التقليد
ـ 3 ـ
إن مرحلة تكامل الاجتهاد بدأت بالوحيد البهبهاني (م 1205هـ) وانتهت بزمان الشيخ مرتضى الأنصاري (م 1281هـ).
وقد شهدت الحوزات العلمية طوال تلك الفترة حركة وتكاملاً في الأبحاث الاجتهادية، ولما كان الأصوليون والمجتهدون قد وصلوا في هذه المرحلة إلى تحقيقات متكاملة، فقد وصل الفقه الاجتهادي إلى أوجه، وذلك بسبب كون استنباط الأحكام الشرعية للحوادث الواقعة من مصادرها الأصلية يعتمد على ما يلي:
1 ـ دراسة الأصول والقوانين العامة والكلية للاستنباط.
2 ـ دراسة فروع الأصول ومصاديق القوانين الكلية بصورة متكاملة.
3 ـ التركيز على أبعاد الأدلة الاجتهادية (الكتاب والسنة) في الموارد التي تتوفر فيها أدلة اجتهادية، وكذلك التركيز على أبعاد الأدلة الفقهية (مثل الأصول العملية) في الموارد التي تفتقر إلى الأدلة الاجتهادية.
4 ـ نقد ودراسة وتحليل آراء ونظريات العلماء السابقين لمصادر الاجتهاد.
وبعد تجاوز المجتهدين لهذه المراحل، يرجعون الفروع الجديدة إلى أصولها الأساسية، ويطبقون القوانين الكلية على مصاديقها الخارجية.
وقد كانت هذه المرحلة تحمل جميع مزايا المراحل السابقة من مراحل الاجتهاد، من هنا كان لها الأثر الأكبر في تطور الاجتهاد وتكامله، بحيث لا يزال الفقهاء وعلماء الأصول يستفيدون إلى الآن من تلك المرحلة، وتحقيقاتها القيمة. وفيما يلي نذكر باختصار علماء تلك المرحلة:
1 ـ الوحيد البهبهاني: وهو أبرز علمائها، ومجدد القرن الثالث عشر، وأستاذ الجميع (محمد باقر) الوحيد البهبهاني الذي أخذ على عاتقه مرجعية وزعامة الشيعة بين عام 1173 وعام 1205. وكان مقامه العلمي وحسن إدارته وتدبيره ومواهبه الخارقة وذوقه الخاص حديث الخاصة والعامة في ذلك العصر، بحيث يعتبر من نوادر العالم الإسلامي، ونقطة انعطاف في البحوث الأصولية والاجتهادية. فقد استطاع بسعيه المتواصل وطرحه لآرائه المميزة ونظراته الاجتهادية أن يؤدي دوراً مهماً ومميزاً في تطور ونمو المسائل الاجتهادية. تميز بقدرة عجيبة في التدريس، حيث كان يطرح دروسه في أصول الفقه بأسلوب بارع ويقحم هذه الأصول في مختلف الفروع وبذلك استطاع تخريج مئات المجتهدين البارزين من تحت منبره، وكان لهؤلاء المجتهدين بدورهم حصة كبيرة في نشر أصول البهبهاني في أكثر المدن الإسلامية. ومن بين أبرز طلابه كل من: السيد محمد مهدي بحر العلوم (م 1212). الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (المتوفى عام 1228 في النجف). السيد علي الطباطبائي (المتوفى عام 1231هـ في كربلاء). السيد محسن الأعرجي (المتوفى عام 1240هـ في الكاظمية). الميرزا القمي (المتوفى عام 1233هـ في مدينة قم). الميرزا مهدي الخراساني (المستشهد في مشهد عام 1218هـ). الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي (المتوفى في أصفهان عام 1245هـ). الملاّ مهدي النراقي الكاشاني (المتوفى في كاشان عام 1245هـ). الميرزا يوسف المجتهد (المتوفى في تبريز عام 1242هـ). السيد دلدار علي النصير آبادي (المتوفى في الهند عام 1235هـ). وللوحيد البهبهاني تلامذة آخرون، كان لهم مكانة اجتماعية بارزة.
كان البهبهاني يدرس متن معالم الأصول المعروفة، وإذا بدا له رأي يخالف المتن دوَّنه في الحاشية. وفي ذلك ينقل العلامة محمد حسين الكرهرودي (م 1314هـ) وهو من تلامذة الميرزا الشيرازي أن البهبهاني درّس متن المعالم عشرين مرة، وكان يدوّن حاشية جديدة في كل مرة. ثم يضيف قائلاً: شاهدت في مدينة بروجرد تسعة عشر نوعاً من هذه الحواشي.
وإضافة لهذه الحواشي، كان للبهبهاني تأليفات عديدة في الفقه والأصول والكلام والرجال والحديث وغيرها، منها: الاجتهاد والأخبار، تعليقات رجالية، شرح مفاتيح الفيض، فوائد الحائري ورسائل علمية.
ومن المناسب هنا أن نوجز النتائج المهمة لأعمال الأستاذ الكبير الوحيد البهبهاني القيمة.
1 ـ دراسة متكاملة لرواة الأخبار والأحاديث، نتج عنها تصحيح العديد من الأحاديث التي كانت أساساً لمسائل الفقه الاجتهادي وبالتالي حدث تحول واضح في مجال الاستنباط.
2 ـ حاكمية الاجتهاد وغلق باب الإخباريين والظاهريين الذين كانوا كثرة في ذلك العصر، وكانوا لا يأخذون بعين الاعتبار الخصائص الموضوعية للعصر، والتغيرات التي يمكن أن يحدثها مرور الزمن، بل يكتفون بظواهر الأحاديث والروايات. فانبرى الوحيد إلى تفنيد آرائهم التي كانت سائدة لفترات طويلة في الحوزات العلمية وزعزعة وجودهم ليخلي المكان للمجتهدين. فقد تغلب على الميرزا محمد الإخباري النيشابوري الذي كان من أبرز رجال المسلك الإخباري، وأخرج علماء هذا المسلك من كربلاء التي كانت المركز الأصلي لهم. ومن الطبيعي أن هذه التحولات لم تأت بصورة عفوية سهلة، إنما كانت ثمرة لجهود مضنية، تحمل معها الكثير من الإهانات.
3 ـ وضع الفقه الاجتهادي على سبيل التكامل، وخلق روح جديدة فيه. ولكن أغلب العلماء لا يدركون هذه الخدمات الاجتهادية الجليلة التي لا مثيل لها. والمجتهدون ذوو الرأي الثاقب والنظرة البعيدة هم وحدهم يدركون قيمتها، فلو لم يقف البهبهاني بوجه الإخباريين، ولم يسع لتجديد المشرب الاجتهادي، لما كان هناك اليوم أثر للاجتهاد والتقليد والفقه الاجتهادي.
والأمر الملفت للنظر أن الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني اعتزل المرجعية في أواخر عمره، وأناط مسألة التقليد بأبرز تلامذته. وقد نقل لي أحد كبار المراجع في النجف الأشرف أن الوحيد قلَّد الشيخ جعفر الكبير بعد إحساسه بضعفه في الاستنباط، وأخذ يدرس شرائع الإسلام للمحقق الحلي على سبيل الاستحباب.
وعلى أية حال فإن الوحيد البهبهاني يكون الشخص الأول الذي يستجيب للمصلحة الدينية ويتصرف خلافاً لمصلحته ومصلحة أولاده وحاشيته وأصحابه. وقد أظهر بذلك قوة تدينه وشدة التزامه.
2 ـ السيد مهدي بحر العلوم: كان السيد مهدي بحر العلوم متخصصاً في بحوث الأصول والمسائل الاجتهادية، ويعد في ذلك من الطلاب المميزين لدى الوحيد البهبهاني وأسباب نبوغه وتألق نجمه هي:
1 ـ اشتهاره بالفضل في المرحلة الدراسية.
2 ـ الاهتمام الخاص الذي خصّه الوحيد به.
3 ـ المكانة الاجتماعية والعائلية.
4 ـ الجدارة الفكرية والمعنوية التي تميز بها.
وكان الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني على قيد الحياة حين تصدى بحر العلوم لزعامة الشيعة، وأخذ على عاتقه مهمة التدريس فكان يجلس تحت منبره مئات من طلبة العلوم، وقد نبغ من هؤلاء أشخاص كان لهم دور كبير في تطوير أبحاث الاجتهاد، ومنهم:
الشيخ أحمد النراقي صاحب مستند الشيعة (1245هـ). الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي الأصفهاني، صاحب إشارة الأصول (المتوفى عام 1261هـ). السيد مير علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل (م 1231هـ) السيد محمد جواد العاملي، صاحب مفتاح الكرامة (م 1226هـ)، السيد محمد المجاهد، صاحب مفاتيح الأصول والمناهل (م 1242هـ) وللتوسع في هذا المجال، تُراجع مقدمة المجلد الأول من رجال بحر العلوم صفحة 67 ـ 70.
ولبحر العلوم أكثر من ثلاثين مؤلفاً في مختلف العلوم، ذكرت في مقدمة كتابه الرجالي، ومن بينها كتابان في الأصول: الأول الفوائد الأصولية، والثاني: الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية.
3 ـ الشيخ جعفر الكبير: الشيخ جعفر كاشف الغطاء (م 1228) صاحب كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء)، وهو أيضاً من تلامذة البهبهاني، وكان الأخير على قيد الحياة حين بدأ الحديث عن تحول أمر التقليد منه إلى الشيخ جعفر الكبير.
كانت قدرته في البحوث الأصولية والأبحاث الاجتهادية موضوعاً لحديث الخاصة والعامة. وكان له دور كبير في تكميل وتوسيع البحوث الأصولية والفقه الاجتهادي. وقد فاقت مصنفاته في هذا المجال مصنفات المتقدمين عليه من حيث الأهمية. إضافة إلى أنه طرح قواعد حديثة لم يسبقه إليها أحد. وأفضل دليل على ذلك هو كتابه كشف الغطاء الذي ما أن يطالعه المرء حتى يدرك صحة ما ذهبنا إليه، حيث احتوى هذا المصنف على قواعد وأسس الاجتهاد والاستنباط، لتكون أمانة لأجيال المستقبل.
وقد قال عنه الشيخ الأنصاري: في اعتقادي إن من يتقن قواعد الأصول التي أوردها الشيخ في أول كشف الغطاء يكون قد بلغ الاجتهاد. والأهمية الخاصة التي يتعامل بها الشيخ الأنصاري في كاسبه مع المباني الاجتهادية للشيخ جعفر لم يتعامل بها مع أي شخص آخر حتى أساتذته مثل صاحب الجواهر وغيره. ومن ثم نرى في المكاسب عبارة (بعض الأساطين) إشارة إلى الشيخ جعفر، وعبارة (بعض المعاصرين) إشارة إلى صاحب الجواهر. وهو (الشيخ الأنصاري) يتعامل مع آراء كاشف الغطاء بغاية الاحتياط، ويحاول أن يخلص إلى تأييدها، ولكنه خلاف ذلك في آراء وأقوال صاحب الجواهر.
وثمة علماء كبار غير الشيخ الأنصاري، يعطون قواعد الشيخ جعفر في الاجتهاد أهمية قصوى، لا يعطونها لأحد سواه. وكذلك نرى علماء الرجال ينظرون إليه نظرة خاصة لا ينظرونها إلى غيره، على غرار علماء الفقه والأصول.
وإلى جانب التبحر في استنباط الأحكام الإلهية وفقاً لقواعد الاستنباط تميز الشيخ جعفر الكبير بأسلوبه الخاص في التدريس وبيان الأحكام، ومن هنا نبغ من تحت منبره عظماء كان لهم دور كبير في توسيع وتطوير الفقه الاجتهادي مثل صاحب الجواهر والشفتي صاحب مطالع الأنوار والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي صاحب إشارة الأصول والسيد صدر الدين العاملي والشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب حاشية المعالم.
وكما ذكرنا آنفاً، فإن الأستاذ الأكبر البهبهاني اعتزل المرجعية في أواخر عمره، وأحال الناس إلى أبرز تلاميذه. ويعتقد بعض العلماء المعاصرين له أنه كان يريد السيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل وهو ابن أخته وصهره، ولكن البعض الآخر كان يرى أن المقصود هو الشيخ كاشف الغطاء، ويعود السبب في الرأي الأول إلى أنه حين يُسأل عن مسألة شرعية، يقول: ارجعوا فيها إلى السيد علي، إضافة إلى نبوغ السيد علي في التدريس والتأليف، حيث عدّه البعض من نوادر عصره في ذلك. وأما حجة الفريق الثاني فهي الخصائص والملكات التي تميز بها الشيخ جعفر، ومن المناسب هنا أن نذكر بعض خصائصه وميزاته:
أ ـ شهرته الكبيرة في الفضل والعلم، بحيث كان يشار إليه في النجف الأشرف بالبنان، ويعد مقدماً على جميع طلاب الوحيد البهبهاني، ولا تزال شهرته هذه على قوتها إلى الآن على الرغم من مرور قرنين على وفاته.
ب ـ شهادة البهبهاني له بتفوقه بالعلم والفقه في مناسبات مختلفة قبل أن يعتزل المرجعية.
ج ـ اعتقاد بحر العلوم بعلميته الكبيرة، حيث جاء في ص 41 من مقدمة رجال بحر العلوم: حدد بحر العلوم الشيخ جعفر الكبير مرجعاً للتقليد بعد وفاة البهبهاني، وكان يكثر من التأكيد على ذلك في مختلف المناسبات، ويوصي جميع المقربين منه بتقليد الشيخ جعفر، وفي ذلك دليل ساطع على مدى ثقته بعلمية الشيخ وتقواه.
د ـ قسَّم بحر العلوم الأعمال بعد وفاة الوحيد البهبهاني بين كبار العلماء في النجف الأشرف، فعين الشيخ جعفر الكبير مرجعاً للتقليد وبيان أحكام الشرع، والشيخ حسين نجف([471]) إماماً لصلاة الجماعة، والشيخ شريف محي الدين للقضاء، وخص نفسه بالتدريس وإدارة شؤون المسلمين.
ومن الميزات المهمة للشيخ جعفر أنه كان عالماً في غاية الشجاعة فقد ذكر أن أهالي النجف الأشرف كانوا يرجعون إليه في كل حادثة، ومنها حادثة محاصرة الفرقة الوهّابية للنجف، فكان أن لبس لأمة حربه واشترك في القتال في بعض المراحل، والمعروف أن بيته كان مركزاً للأسلحة والذخيرة وتجمع المقاتلين.
4 ـ السيد جواد العاملي: كان السيد جواد العاملي (م 1226هـ) أحد تلامذة الوحيد البهبهاني وبحر العلوم وكاشف الغطاء والشيخ حسين نجف، وقد بذل جهوداً كبيرة في تلك الفترة لتطوير البحوث الاجتهادية، وبالتالي سطع نجمه في الحوزات العلمية.
اتَّصف مجلس درسه بأهمية خاصة، ونبغ من تلامذته علماء كبار مثل صاحب الجواهر، والسيد صدر الدين العاملي والشيخ محمد علي هزار جريبي، وكل شخص من هؤلاء كان له دور مؤثر في تكامل المباني الفقهية والبحوث الاجتهادية لا سيما صاحب الجواهر الذي فاق أصحابه.
وفي كتابه الفقهي المهم (مفتاح الكرامة) شهادة حية على مدى تبحره في العلم وإحاطته بآراء وأقوال المجتهدين، وللسيد العاملي في الأصول شرح لوافية الأصول للفاضل التوني، وحاشية على تهذيب الأصول للعلامة الحلي، وتعليق على كتاب معالم الأصول.
ويمكن تلخيص خصائص السيد جواد العاملي بالنقاط التالية:
1 ـ ذاكرته القوية، فقد ورد في أعلام الشيعة، أنه في الوقت الذي كان في قم، كان الميرزا القمي يراجعه لمعرفة أقوال وآراء الفقهاء.
2 ـ شجاعته المميزة، فحينما كانت النجف الأشرف تحت حصار الوهابيين، بادر إلى الدفاع عن المدينة، وأصدر رسالة في ذلك.
3 ـ كان المقرر لدروس السيد علي الطباطبائي والشيخ حسين نجف وكاشف الغطاء، ويعرف الحوزيون أن هذا العنوان لا يتأتى إلا لمن كان يتمتع بذاكرة قوية واستعداد مميز، خصوصاً إذا كان مقرراً لعدة دروس.
5 ـ الشيخ أسد الله الدزفولي المعروف بالكاظمي، صاحب مقابس الأنوار (م 1234)، وهو من تلاميذ بحر العلوم وكاشف الغطاء والسيد علي الطباطبائي.
ويبدو أن هذا الأصولي الكبير لم يؤلف في الأصول كتاباً موسعاً رغم سعة علمه وحدة ذكائه، ولكن تخرج من مدرسته الفقهية والأصولية علماء بارزون، منهم الشيخ علي كاشف الغطاء وهو أستاذ الشيخ الأنصاري.
له في علم الأصول رسالة واحدة باسم كاشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، وهي رسالة قيمة جداً، تطرح جميع الطرق والمسالك والأمور التي يمكن طرحها بشأن الإجماع، وتحتوي على فروع ومسائل متنوعة في هذا المجال، ومن هنا صنفت هذه الرسالة كأفضل ما كتب بشأن الإجماع.
وعلى أية حال يعد الشيخ الكاظمي من نوابغ الحوزة العلمية في عصره، حتى عدَّه البعض في مرتبة العلامة الحلي.
6 ـ السيد محسن الأعرجي: السيد محسن الأعرجي (م 1240) أحد الطلبة البارزين في مدرسة الوحيد البهبهاني، يكتب عنه المحقق الخوانساري في روضات الجنات، أنه كان من أعاظم عصره، وكان محققاً في بحوث الأصول، وفي أداء البحوث الفقهية يعطيها حق أدائها.
تربى في مدرسة الأعرجي العديد من العظماء، مثل: السيد عبد الله شبر (م 1242هـ) والشيخ محمد تقي الأصفهاني (م 1322هـ 1248هـ) والشفتي (م 1260هـ).
صنف شرحين للوافية في علم الأصول للمولى عبد الله بن محمد البشروي الخراساني المعروف بالتوني، جاء أحدهما مختصراً باسم المحصول في شرح وافية الأصول، وكان الثاني مفصلاً باسم الوافي.
وقد أورد الميرزا القمي في كتاب قوانين الأصول ذكر كتاب المحصول، وله مصنف في الفقه اسمه وسائل الشيعة.
7 ـ الملا مهدي النراقي الكاشاني (م 1209هـ): كان النراقي أحد تلامذة الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق والحاج الملاّ إسماعيل الخواجوئي. صنّف العديد من المؤلفات، منها: تجريد الأصول، وهو كتاب صغير في حجمه، كبير في محتواه ومضمونه.
جمع هذا العالم النحرير إلى جانب الاجتهاد والمرجعية موهبة الشعر، فكان ينظم أشعاراً رائعة، جمعت في كتابين وتم طبعهما. وكان النراقي أول عالم كبير يتوفى بعد الوحيد البهبهاني.
8 ـ السيد علي الطباطبائي (م 1231هـ): وهو تلميذ وصهر وابن أخت الوحيد البهبهاني. له مؤلفات قيمة منها رسائل في الأصول، ولكن مصنَّفه المعروف كان كتاباً في الفقه اسمه رياض المسائل وهو شرح للمختصر النافع للمحقق الحلي. وقد جاء متميزاً من حيث التنظيم والترتيب، وهو أول كتاب متكامل يعرض في وقته لطلبة الحوزات، ومن ثم كان محلاً لإعجاب العلماء وإقبالهم، ولا يزال يحتفظ بأهميته رغم مرور زمن طويل عليه، إذ ينتفع به كبار المحققين والفقهاء.
ومن المناسب هنا أن ننقل كلام صاحب الجواهر بشأنه في مقدمة كتاب جواهر الكلام: «لم أكتب كتاب الجواهر ليكون مصدراً للآخرين، وإنما وضعته ليكون لي مرجعاً أستفيد منه في أسفاري الكثيرة حين أُسأل عن المسائل الشرعية، ولو كنت أنوي تأليف كتاب في الفقه لجاء على نمط كتاب رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي».
وجاء في وصايا الشيخ الأنصاري لطلابه: «ابحثوا في كتاب رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي وادرسوه، لأنه سيعينكم كثيراً على نيل الاجتهاد».
9 ـ الميرزا القمي: أبو القاسم الكيلاني الرشتي المعروف بالميرزا القمي (1231هـ) صاحب كتاب (قوانين الأصول) الشهير، الذي أعطى التكامل على مباني أصول الفقه، وأرسى دعائمها بصورة ملفتة للنظر، ويعد من حيث الشمولية والترتيب والتعبير، وحيداً في نوعه. من هنا كثر العلماء الذين أضافوا إليه الحواشي ودرّسوه لطلابهم. وله مصنفات أخرى أوردها علماء الرجال في كتبهم.
ونذكِّر بأن الميرزا القمي كان له رسالتان، الأولى تشتمل على قسم من مسائل العبادات والمعاملات، والأخرى تشتمل على جميع أبواب الفقه باسم (جامع الشتات) وهي عبارة عن أسئلة وأجوبة، وتعد الرسالة الأخيرة من أفضل الرسائل الفقهية لأنها جمعت جميع رسائل الاستفتاءات. وهي تفصح عن مدى إحاطته الكاملة بدقائق الفقه الاجتهادي. وقد حظيت باهتمام الفقهاء منذ زمن تأليفها إلى الآن.
10 ـ شريف العلماء المازندراني: وهو محمد شريف بن حسن علي المعروف بشريف العلماء المازندراني (الآملي) المتوفى عام (1245هـ) عرف كفقيه كبير وأصولي لامع ومدرس بارع في كربلاء. تتلمذ على السيد علي الطباطبائي والسيد محمد المجاهد. ولم يترك هذا الأصولي الكبير كتاباً له في الأصول وقواعد الاجتهاد رغم تخصصه وتبحره في هذه العلوم. كانت دروسه في مباحث الاجتهاد في الحوزة العلمية في كربلاء أبرز الدروس وأكثرها شعبية. وينقل صاحب تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمد حسن آل يس الذي كان أحد تلامذة شريف العلماء القول: «كان يشترك في درسه ألف طالب، بينهم مئات العلماء الأفاضل».
برز من تلامذته مجتهدون في الفقه والأصول مثل: الشيخ مرتضى الأنصاري، سعيد العلماء المازندراني (البابلي)، الفاضل الدربندي، السيد محمد شفيع الجابلقي، الشيخ محمد حسن آل يس، المولى محمد المشهدي صاحب أصول الفقه والسيد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الأصول الذي كان مقرراً لدرس الشريف، وكذلك إسماعيل اليزدي صاحب حقائق الأصول الذي يرجحه البعض على أستاذه شريف العلماء في الأصول، ولكنه لم يبق في الحياة بعد وفاة أستاذه أكثر من سنة واحدة.
على أية حال ترك شريف العلماء كتاباً موجزاً في علم الأصول اسمه (مبحث ألفاظ مسألة أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط) وهو موجود في مكتبة المدرسة القزوينية في النجف الأشرف.
وينقل البعض أنه سُئل: لماذا لا تؤلف كتاباً جامعاً في الأصول؟ فأجاب: قسمت وقتي ثلاثة أقسام: القسم الأول يتعلق بالتفكر والتحقيق في مباني الأصول والإشكالات الواردة عليها. والقسم الثاني يتعلق بالجواب على تلك الإشكالات، والقسم الثالث خصصته للتدريس، ولذا لا وقت عندي للتأليف.
الجدير بالذكر أن تدريس (الخارج) كان من إبداعه. فشريف العلماء المازندراني الآملي هو أول عالم شيعي بدأ تدريس بحوث الخارج، ولم يكن ذلك معروفاً قبله، والسبب في ذلك يعود إلى الشيخ الأنصاري صاحب المكاسب وسعيد العلماء البابلي([472])، فقد كان هذان العالمان يشتركان في مباحثة واحدة فيما بينهما، ولما كانا من أبرز طلبة شريف العلماء، فقد كانا يكثران من طرح الأسئلة والإشكالات، فكان الأستاذ يضطر في الإجابة على أسئلتهما وإشكالاتهما إلى ترك الكتاب، فما زال هذا الأمر يتكرر حتى ترك شريف العلماء كتاب المعالم الذي كان يدرسه لتلاميذه، وأخذ يلقي دروسه دون كتاب، ومنذ ذلك الحين أخذ العلماء يلقون دروسهم في الخارج دون كتاب.
ومنذ ذلك الحين أيضاً أطلق اصطلاح دروس الخارج على الدروس التي يتلقاها طلاب الحوزات العلمية الشيعية في المرحلة التي تعقب مراحل السطوح، وفي دروس الخارج يستفاد من آراء مختلف العلماء إضافة إلى المتون العلمية، ثم تدرس المواضيع وتحلل بصورة مستقلة خارجاً عن الكتب.
11 ـ الملا أحمد النراقي: هو الملا أحمد النراقي الكاشاني أستاذ الشيخ الأنصاري (م 1245هـ)، ألف في الأصول كتاباً اسمه مناهج الأصول في عبارات جميلة وأسلوب عذب، وقد ساهم هذا الكتاب في تكامل بحوث الأصول وتوسيعها.
شارك الملا أحمد في كربلاء في آخر دورة من دروس الوحيد البهبهاني ثم حضر عند الميرزا مهدي الشهرستاني والسيد محمد مهدي بحر العلوم، وبعد طيه لمراحل متقدمة في الدراسة عاد إلى نراق في كاشان، ثم أصبح مرجعاً للتقليد بعد وفاة أبيه الملا مهدي النراقي.
أهم كتبه، كتاب مستند الشيعة، لأنه أضفى على مسائل وبحوث الفقه الاجتهادي في كتابه هذا روحاً جديدة، وطرح آراء متكاملة، وهو شاهد على نمط تفكيره وذوقه وذكائه، لأنه ملئ بالآراء القيمة والمواضيع المفيدة، وقد طرح في كتابه هذا أسلوباً جديداً في استنباط الأحكام والمسائل الشرعية، وهو بحق مختص به، ولم يسبقه إليه أحد.
12 ـ السيد محمد المجاهد (م 1242هـ): صاحب كتاب مفاتيح الأصول وكتاب المناهل، ويعد كتاب مفاتيح الأصول من الكتب التي تحظى بأهمية بالغة وقيمة كبيرة، فهو يناقش فيه آراء العلماء وأدلتهم في مجال الأصول، ومن ثم فهو يحتوي مواضيع وبحوث أصولية رفيعة، ولا يزال يحظى باهتمام العلماء والباحثين، تتلمذ السيد محمد المجاهد على السيد بحر العلوم وشريف العلماء المازندراني وكان من أبرز تلامذتهما.
13 ـ المولى محمد المشهدي (م 1257هـ): وهو من تلاميذ السيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء وشريف العلماء المازندراني، وقد صنّف كتاباً قيّماً في علم الأصول أسماه (أصول الفقه)، رسخ فيه مباني الاصول، بحيث لا زال يحظى باهتمام العلماء والفقهاء.
14 ـ الكلباسي: محمد إبراهيم الكلباسي (م 1261هـ)، وهو أحد تلامذة الوحيد البهبهاني وبحر العلوم. وقد بذل جهوداً كبيرة في مجال دراسة قواعد الأصول والبحوث الاجتهادية. من مؤلفاته المعروفة في الأصول كتاب إشارت الأصول وهو في جزأين، الجزء الأول يحتوي على المبادئ اللغوية ومباحث الألفاظ والجزء الثاني يحتوي على المباحث العقلية والشرعية. ويذكر أصحاب الرجال في كتبهم أن تأليف الإشارات استغرق ثلاثين عاماً. وله رسالة في مبحث الصحيح والأعم.
15 ـ التبريزي: ساهم المولى أحمد التبريزي بدوره في تكامل مباحث الأصول، وصنَّف كتاباً قيماً في علم الأصول وهو في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يحتوي على البحوث الأصولية من أول مبحث الصحيح والأعم وحتى آخر المفاهيم، ويبدأ الجزء الثاني بأول العام والخاص وحتى آخر مسألة الإجماع، بينما يشتمل الجزء الثالث على أصل البراءة والاشتغال. وقد ألّف هذا الكتاب بين عام 1268 و1271هـ.
16 ـ الشيخ محمد تقي الأصفهاني (م 1248هـ): يعد من كبار الأصوليين في زمانه. وليس له مصنف مستقل في علم الأصول، إنما كتب شرحاً لمعالم الأصول أسماه (هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين) وفي شرحه دليل بيِّن على نبوغه في علم الأصول وتبحره في بحوث هذا العلم.
عرفت هذه الحاشية كأفضل حاشية كتبت على المعالم، وعرف صاحبها بصاحب الحاشية. وقد أسهم في ترسيخ علم الأصول وتوسيع بحوثه بكتابته هذه الحاشية. ويكفي في أهميتهما قول الشيخ الأنصاري حين سئل لماذا لا تؤلف كتاباً في مباحث الألفاظ؟ أجاب: تكفي مباحث الألفاظ في هداية المسترشدين للشيخ محمد تقي.
وعلى أية حال، كان الشيخ الأصفهاني قد استفاد فائدة جمّة من دروس السيد محسن الأعرجي والسيد علي الطباطبائي وبحر العلوم والشيخ جعفر الكبير. وقد كان مقرراً لدروس بحر العلوم، وفي ذلك شاخص على مدى أهميته.
عاد بعد إكماله مراحل الدراسة إلى أصفهان، واشتغل في التدريس فكان أستاذها الأوحد في عصره، حيث كان يحضر دروسه كبار الطلبة والعلماء، منهم أخوه الشيخ محمد حسين (م 1261هـ) صاحب كتاب الفصول والسيد حسن المدرس، والميرزا الشيرازي الكبير (م 1312هـ) وغيرهم.
كانت إحاطته بالأصول كبيرة، حتى أنه عندما عرض عليه كتاب أخيه الفصول، قال بعد مراجعة سريعة للكتاب: لا أرى في الكتاب نقصاً سوى نقطة فوق الصاد. ثم نقد أكثر بحوثه واعترض عليها، هذا في الوقت الذي يرجح العديد من كبار الأصوليين هذا الكتاب على قوانين الأصول للميرزا القمي. وفي اعتقادي أن عبارة الشيخ محمد تقي بشأن كتاب الفصول لأخيه إنما كانت على سبيل الدعابة لا أكثر.
وقد نال موقعاً خاصاً في نفوس أساتذته لذكائه وحسن استعداده وخصصه الشيخ جعفر الكبير بعلاقة خاصة، فزوجه ابنته.
17 ـ صاحب الجواهر: هو الشيخ محمد حسن النجفي (م 1266هـ) أحد تلامذة الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء والشيخ موسى كاشف الغطاء، والسيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة.
سلك صاحب الجواهر مسلك أستاذه الشيخ جعفر الكبير في تكملة مباحث الفقه الاجتهادي، ونجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وقد اعترف الفقهاء والأصوليون الذين جاؤوا بعده بهذه الحقيقة. وتميز درسه بعظمة خاصة، حيث كان يحضره مئات من طلاب العلم. وقد نبغ من هؤلاء شخصيات مهمة مثل: الشيخ الأنصاري، والشيخ محمد حسن آل يس، والسيد حسن المدرس الأصفهاني، والشيخ جعفر الشوشتري، والميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ حسن المامقاني عبد الحسين شيخ العراقين والفاضل الأبرواني وغيرهم، والميرزا حسين الخليلي والسيد حسن نجم الدين والشيخ وكان لكل من هؤلاء دور كبير في تطوير مباحث الفقه الاجتهادي.
صنف العديد من المؤلفات في مختلف العلوم، منها في علم الأصول، وينقل بعض كبار رجال النجف أن كتابه الأصولي تميز بصفات خاصة، إلا أنه ضاع في زمن حياته إثر حادثة مؤسفة.
وعلى أية حال فإن كتابه «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» دليل ساطع على مدى تضلعه في أبحاث الفقه والأصول. فقد كان هذا الكتاب دون نظير في قدرته الاستدلالية، وهو أول كتاب يعرض بهذا الشكل الشامل في الحوزات العلمية في شرح شرائع الإسلام.
احتل الشيخ محمد حسن النجفي مركز الصدارة في ركب المحققين بتأليفه كتاب الجواهر، لأن كل كتاب جاء بعد الجواهر في تحقيق كتاب شرائع الإسلام إنما كان مصدره الأساس هو جواهر الكلام. من هنا كان على الدوام موضعاً لاهتمام الباحثين والمحققين، وقد طبع عدة مرات لشدة الإقبال عليه.
وأهم خصائص كتاب الجواهر هي ما يلي:
1 ـ اشتماله على جميع أبواب الفقه.
2 ـ ذكر آراء جميع العلماء مع استدلالاتهم ونقده لآرائهم.
3 ـ طرح المسائل بأسلوب واحد في كل الكتاب.
4 ـ إغناء المجتهدين في مجال الاستنباط عن الاستعانة بكتب فقهية أخرى.
5 ـ اشتماله على فروع نادرة، لا توجد في كتب أخرى.
ولكن للأسف الشديد فإن هذا الكتاب على ميزاته وخصائصه المذكورة غير خالٍ من العديد من النقائص في التبويب وتنظيم المواضع، وعدم تمييز الفروع عن الأصول وغيرها … ومرد ذلك أن المؤلف لم يصنف كتابه للآخرين، إنما صنّفه لنفسه ليكون مصدراً يرجع إليه في موقع الحاجة.
وفي الختام نذكِّر بأن هناك غير هؤلاء العلماء لم نذكرهم لضيق المجال. ونذكر أيضاً أن علماء المرحلة التالية التي كانت مرحلة التكامل في الاجتهاد لم يألوا جهداً في ترسيخ قواعد الأصول ومباحث الاجتهاد، فأضفوا عليها روحاً كانت تفتقد إليها في المراحل السابقة.
محمد إبراهيم جناتي
مرجعية التقليد
ـ 4 ـ
المرجعية الدينية عند الشيعة كيان فقهي وسياسي كبير، يحتل من الحياة السياسية والدينية مساحة واسعة جداً يرتبط بها الجمهور بأوثق العلاقات وأمتنها، وتكتسب تعليمات المرجعية بالنسبة للفرد الشيعي صفة الحكم الشرعي الملزم دينياً.
وليس من شك أن كياناً دينياً سياسياً بمثل هذا الموقع الحساس والقيمة الكبيرة والنفوذ والتأثير في حياة الجماهير لا بد أن يكون من حيث التنظيم والإدارة والفعل بمستوى طموح الجماهير وثقتها، وليس من شك أنها لم تحقق هذا الطموح بعد، وأن النقد البنَّاء والموجه هو الأداة المفضلة لتقويم دور المرجعية وتسديدها وترشيدها وتصعيد دورها في حياة الأمة، وتمكينها من أداء رسالتها بصورة أفضل.
للشيعة طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني فلا يتم اختيار المرجع من قبل موقع مسؤول في النظام الحاكم كما هو الحال مثلاً في جملة من البلاد الإسلامية، حيث يتم تعيين الشخص الذي يعهد إليه برئاسة الشؤون الدينية بواسطة رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو وزير الأوقاف ولهذه الطريقة سلبيات واضحة تجعل منصب الفتوى تابعاً للنظام وخاضعاً له.
ولا يتم انتخاب المرجع بالطريقة الديمقراطية المعروفة في المؤسسات الديمقراطية، حيث تلعب الوسائل الإعلامية دوراً مؤثراً في تكوين الرأي العام وتوجيهه.
وإنما يتم انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن والسبب في ذلك أن ارتباط (المقلِّد) الفرد المسلم بالمرجع في شؤون دينية يتم بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفاءته الدينية والعلمية والإدارية واكتمال هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج إلى زمن غير قليل.
ولهذه الطريقة سلبية معروفة، نحن في غنى عن شرحها فإنها طريقة بطيئة ومعوقة للعمل، ولا تكمل لمرجع التقليد إمكانات العمل بصورة واسعة وقوية إلا في وقت متأخر وبعد تفويت فرص جيدة للعمل ويحدث أحياناً أن المرجعية تتوزع على عدد من المحاور بعد وفاة المرجع الذي كان يستوعب الساحة ويحتاج الأمر إلى زمن ليس بقليل حتى تجتمع المرجعية مرة أخرى حول محور واحد ويكتسب هذا المحور القوة والكفاءة اللازمة.
التقليد والحالة القومية
وإذا أردنا أن نسلط الأضواء على الجوانب المشرقة لفكرة التقليد والمرجعية عند الشيعة يجب أن نذكر قدرة المرجعية في تخطي الحالة القومية وتجاوزها على مستوى القمة والقاعدة معاً.
فإننا نلاحظ على مستوى القمة في الحوزات العلمية وفي الأوساط الفقهية ذات الخبرة بالمرجعية والمعنية بها طرح اسم فقيه أو آخر لقيادة المسلمين الدينية في العالم الشيعي دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار الحالة القومية والجذور القومية لهذا الشخص على الإطلاق.
وكما نلاحظ على مستوى القاعدة قبول مرجعية الفقيه المتصدي العادل والكفوء من قبل جماهير المسلمين الشيعة، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار انتماؤه وارتباطه القومي.
وهذا التخطي على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة يدل على درجة عالية من الوعي والالتزام بالحدود الشرعية والفهم الشامل والمستوعب لمفاهيم الإسلام ونظرته الإنسانية الواحدة يجب أن يذكر باعتزاز، ولنا على ذلك عشرات النماذج والمصاديق التاريخية والمعاصرة.
فقد ذاع اسم الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف الموسوعة الفقهية «جواهر الكلام» في الأوساط الفارسية والتركية في إيران والقفقاز وأذربيجان وإيروان كما ذاع اسمه في الهند وهو فقيه عربي عريق من العراق.
وتعاقب بعد ذلك فقهاء من العراق وإيران على مرجعية الشيعة، عم تقليدهم البلدين مثل مرجعية الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء من فقهاء العراق الكبار الذي شاع تقليده في إيران في العصر (القاجاري) وسافر إلى إيران واستقبلته إيران استقبالاً حافلاً، ومرجعية السيد ميرزا حسن الشيرازي الذي شاع تقليده في العراق بصورة واسعة.
وفي عصرنا الحاضر يمكن أن نذكر كشاهد على ما نقول مرجعية السيد محسن الحكيم من فقهاء العراق التي امتدت من العراق إلى إيران وبلاد الأفغان والهند وباكستان. ومرجعية السيد أبو القاسم الخوئي التي امتدت إلى البلاد العربية وغير العربية في العالم الشيعي بشكل واسع.
وهذه الشواهد تعبر بوضوح عن واقع مشرق في مرجعية الشيعة وهي أن الزعامة الشيعية تمكّنت من أن تتجاوز الحدود الإقليمية والقومية بكفاءة وجدارة عالية.
ومما لا يصح في أي نقد موضوعي لمرجعية الشيعة تجاوز هذا الواقع الموضوعي المشرق والحديث عن المرجعية بلغة العرب والعجم والقومية والإقليمية باللغة المألوفة في الأوساط السياسية … فقد استطاعت الزعامة الشيعية أن تتجاوز هذه الحالة منذ عهد بعيد([473]).
محمد مهدي الآصفي
المرداسيون ـ بنو مرداس
ـ 1 ـ
مؤسس الدولة المرداسية هو صالح بن مرداس سنة 414هـ ولقبه أسد الدولة. وهو من بني كلاب القبيلة العربية التي كانت تنزل ضفاف الفرات والجزيرة. وهي كلاب بن ربيعة، بطن عظيم من عامر بن صعصعة، من قيس عيلان من العدنانية.
كان الكلابيون مادة الدولة المرداسية وركيزتها، منهم تستمد القوة وعليهم تعول في الشدائد.
وكانت أبرز ميزات صالح الفروسية وما يستلزم تلك الفروسية من حب المغامرة واقتحام الصعاب والوصول إلى السلطة. ويبدو أن أول مغامرة لصالح كانت سنة 399هـ وأنه كان معروفاً بفروسيته ونجدته، إذ استعان به (ابن محكان) ليمكنه من السيطرة على الرحبة([474]).
وذلك فيما يروي ابن الأثير، أن الحاكم بأمر الله الفاطمي أمر نائبه بدمشق لؤلؤ البشاري بالمسير إلى «الرحبة» ليزيح عنها المستولي عليها بدران بن المقلد العقيلي، وأن لؤلؤاً نجح في تحقيق هدف الحاكم. غير أن رجلاً من أهل الرحبة يدعى (ابن محكان) استطاع السيطرة على الرحبة وملكها ولكن رأى أنه لا يستطيع الانفراد بالدفاع عنها فتطلع إلى فارس جدير بالمحالفة فوجد ذلك في صالح بن مرداس الكلابي فاستنصره فقدم عليه وأقام عنده مدة. ولكن الأمر فسد بينهما فتقاتلا ثم عادا فتصالحا وتزوح صالح ابنة محكان على أن هذا الزواج لم يسو الأمور بينهما وانتهى الحال إلى أن دبر صالح اغتيال ابن محكان وسيطر وحده على الرحبة وأحسن السيرة في الناس وحكمهم حكماً سليماً، إلا أن الدعوة كانت للفاطميين.
نسب بني مرداس([475])
حمد
نصر
إدريس
مرداس
1 ـ صالح
فلان([476]) 5 ـ أبو ذؤابة عطية 3 ـ معتز الدولة ثمال
شبل الدولة مقاتل(3) 2 ـ شبل الدولة نصر(4)
4 ـ رشيد الدولة محمود
7 ـ سابق وثّاب 6 ـ جلال الدولة نصر مشيب([477])
فلانة
وهنا تبدو لنا فجوة كبيرة في سير الأحداث التاريخية، فإننا لا نعلم كيف انتهى أمر صالح في الرحبة، بل نجد أنفسنا فجأة أمام حدث جديد يبدو فيه صالح بن مرداس مالكاً لمدينة حلب، يقول ابن الأثير وهو يتحدث عن السنة نفسها 399: «في هذه السنة قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي، وكان الحاكم بأمر الله صاحب مصر قد ولاّه الرحبة فسار إليها فخرج إليه عيسى بن خلاّط العقيلي فقتله وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب» ولا تنتهي الفجوات، بل نحن أمام فجوة أخرى يبدو فيها صالح بعيداً عن ملك حلب محاولاً الوصول إلى هذا الملك، إذ يقول ابن الأثير وقد وصل إلى… سنة 402 أي بعد ثلاث سنين من الحدث المار ذكره: «في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب وبين صالح بن مرداس». وهكذا بينما يتركنا ابن الأثير مع صالح وهو صاحب الرحبة، إذا به يفاجئنا به وقد صار صاحب حلب، ثم إذ إنه يفاجئنا مرة أخرى بأنه ينازع على ملك حلب!… فماذا حدث لصالح خلال هذه الفترات وكيف تطورت به الأمور؟ هذا ما يسكت عنه ابن الأثير، ويأخذ بالقفز بنا من حادث إلى حادث إلى حادث دون الربط بين تلك الحوادث! ….
وهذا عيب الأسلوب الذي سار عليه المؤرخان الكبيران الطبري وابن الأثير ومن تبعهما من جعل الأحداث متسلسلة حسب السنين لا حسب تتابع تلك الأحداث نفسها. فأنت حين يعنيك أمر قضية من القضايا التاريخية لا تستطيع أن تعثر عليها متتابعة تتابعاً يبدأ من أولها وينتهي بآخرها، بل عليك أن تفتش عنها موزعة بين السنين، وأن تقلب عشرات الصفحات لتربط الواقعتة بعضها ببعض وتضم أولها إلى آخرها، هذا عدا ما يمكن أن يفوتك من الأحداث المتصلة اتصالاً وثيقاً بتلك الواقعة، كما هو حادث في قصة صالح بن مرداس هذه.
ثم نجد بعد ذلك صالح بن مرداس يقاتل بقايا الحمدانيين على ملك حلب إذ كان أمر الحمدانيين قد انتهى إلى أبي الفضائل حفيد سيف الدولة، بعد أن أوصى إليه والده أبو المعالي وجعل مولاه لؤلؤاً مدبر أمره وذلك سنة 378 ثم توفي لؤلؤ سنة 399 فخلفه ولده مرتضى الدولة. وفي سنة 402 أغار صالح بن مرداس في 500 فارس على حلب وطالب مرتضى الدولة بجوائز الكلابيين مستضعفين إياه بسبب تسلط حكومة مصر عليه فاحتال مرتضى الدولة على الكلابيين وأدخلهم حلب وأغلق عليهم أبوابها وقتل منهم نحو 200 وأسر 120 بينهم صالح بن مرداس، ولكن صالحاً نقب حائط السجن وألقى نفسه من سور القلعة وهرب، واجتمعت عليه بنو كلاب ونزلوا على قرية حاصد فألف مرتضى الدولة جنداً من أهل حلب والتقى بصالح عند تل حاصد فانكسر جيش مرتضى الدولة وأسر، ثم افتدى نفسه بمال وعاد إلى حلب.
وتتوالى الأحداث بعد ذلك حدثاً بعد حدث حتى كانت سنة 414 وفيها تمّ قيام الدولة المرداسية إذ أنه في هذه السنة تحالف عرب البادية بالشام والجزيرة على اقتسامها فيما بينهم من الدولة الفاطمية.
على أن تكون حلب إلى عانة لصالح بن مرداس، والرملة إلى مصر لحسان بن مفرج الطائي، ودمشق وأعمالها إلى سنان بن عليان. فزحف صالح إلى حلب وقاتل عليها ابن ثعبان أو شعبان الكتامي والي حلب من قبل المصريين، فاستولى صالح على حلب، وبذلك قامت الدولة المرداسية.
وقد عاصر بنو مرداس ثلاثة خلفاء عباسيين هم القادر بالله والقائم بأمر الله والمقتدي بالله. وشملت دولتهم بعلبك وحمص وصيدا وحلب ومنبج وبالس والرقة والرحبة وامتدت إلى عانة فملكت جميع وادي الفرات الشامي([478]).
وصالح مؤسس الدولة هو الذي حاصر معرة النعمان سنة 418هـ وضايقها ورماها بالمنجنيق في مسيره من فلسطين إلى حلب، ولما رأت المدينة أن لا قبل لها بقتاله لجأت إلى أبي العلاء المعري فخرج إلى صالح شفيعاً للمعرة ودخل عليه فاحتفى صالح به وأعلى منزلته وشفعه بالمعرة، واستنشد صالح أبا العلاء الشعر فأنشده. ونظم أبياتاً منشورة في لزوميات المعري.
ومات صالح هذا قتلاً حين استنجد به حسان بن المفرج الطائي على أنوشتكين. وذلك أن الخليفة الفاطمي الظاهر جهز جيشاً لقتال صالح صاحب حلب، وحسان صاحب الرملة. فأنجد صالح حساناً ومضى إليه فاعتركوا في «الأقحوانة» قريباً من بحيرة طبريا، فقتل صالح وولداه في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة 420 ونجا ولده نصر فحضر إلى حلب فملكها ولقب شبل الدولة.
يقول صاحب (النجوم الزاهرة): «ولما انهزم شبل الدولة نصر بن صالح إلى حلب وملكها، طمع صاحب إنطاكية الرومي في حلب، وجمع الروم وسار إليها وأحاط بها وقاتل أهلها، فكبسه شبل الدولة نصر من داخلها ومعه أهل البلد فقتلوا معظم أصحابه وانهزم ملكهم صاحب إنطاكية إليها في نفر يسير من أصحابه، وغنم نصر أموالهم وعساكرهم» ويزيد صاحب النجوم الزاهرة قائلاً: «وسر الظاهر هذا بنصرة نصر لكون الإسلام يجمع بينهما».
وفي سنة 429 زحف الدزبري على حلب فتغلب عليها وقتل شبل الدولة. وفي سنة 433 مات الدزبري بحلب فأسرع إليها أبو علوان ثمال بن صالح المرداسي الملقب بمعز الدولة وملكها.
ثم كانت محاولتان للفاطميين للاستيلاء على حلب لم تنجحا حتى كانت سنة 449 وفيها تنازل ثمال عن حلب للفاطميين فسلموها إلى الحسن بن ملهم: فأساء هذا السيرة في أهل حلب فكتبوا محموداً بن صالح المرداسي فحضر وتسلم حلب فسيَّر الفاطميون إليه ناصر الدولة بن حمدان فجرح وأسر واستتب ملك حلب وقلعتها لمحمود.
وفي سنة 453 استولى ثمال على حلب مرة ثانية بمعاونة الفاطميين. ويبدو جلياً أن صلة ثمال بن صالح بالخليفة الفاطمي المستنصر صلة جعلت منه واحداً من رجال الدولة الفاطمية وليس أدل على ذلك مما جاء في ديوان ابن أبي حصينة المعري في مقدمة لإحدى قصائده التي مدح بها ثمالاً:
«قال يمدح … بهاء الدولة العلوية وزعيم جيوشها المستنصرية، علم الدين ذا الفخرين مصطفى أمير المؤمنين أبا العلوان ثمال. سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة».
وفي ثمال يقول ابن أبي حصينة:
لقد عز قوم شايعوك وحصنت
ثغور عليها من سيوفك أقفال
فلا يجزع الإسلام ما دمت سالما
فقد عز غيل فيه مثلك رئبال
ومن دون هذا الشام أنت وفتية
«مرداسة» شم العرانين أبطال
وقال محمد بن حيوس شاعر الدزبري([479]): معرضاً ببني مرداس:
فدع الألى مرقوا فإن بعادهم
عن ذا الجناب لهم عقاب مؤلم
أولاد مرداس لسيفك طعمة
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
فرد عليه ابن أبي حصينة شاعر ثمال من قصيدة مشيراً إلى الفرق بين الدزبري الذي بعثه الفاطميون إلى الشام أميراً فخانهم واستبد بالأمر وبين المرداسي الذي ما زال ناصحاً مخلصاً للفاطميين:
أين الذين تفوهت شعراؤهم
بالمين وافتخروا بما لم يعلموا
زعموا بأنا طعمة لسيوفهم
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
أن يصدقوا فسيوف من تركتهم
صرعى تهزهم النسور الحوم
بخراب حمص والجباب خبيثة
منهم كأن مياههن العندم
لا ينجحن الدزبري بما جرى
قدماً فقد وضح الطريق الأقوم
شتان بين الدزبري وبين من
نصح الإمام نصيحة لا تسقم
هذا يعق وقد أطاع وذا عصى
من بعد أن أضحى يعز ويكرم
أما العواصم والثغور فلم تزل
تحمي بنا دون الملوك وتعصم
وفي ثمال بن صالح يقول عبد الله بن سنان الخفاجي([480]):
تزور جياده أرض الأعادي
وأطراف الرماح لها دليل
وملك شاده طعن الهوادي
تزول الراسيات ولا يزول
حذار فإن في حلب ليوثاً
أنابيب الرماح لهن غيل
ومن بطن الشام إلى رجيل
مرابع نبتها الأسل الطويل
يشيد دونها لبني كلاب
بيوت ما يضام لها نزيل
تسيل شعابها بندى ثمال
فليس لها إلى كلأ رحيل
ويقول محمد أسعد طلس محقق ديوان (ابن أبي حصينة) في مقدمته للديوان «… حلب التي ازدهرت فيها الحركات العلمية ازدهاراً عظيماً في عهد بني حمدان، وقد استمر ذلك الازدهار في عهد بني مرداس الذين كانوا لا يقلون كثيراً عن الحمدانيين تشجيعاً للعلم وحدباً على أهله وبخاصة زعيمهم صالح بن مرداس وابنه ثمال بن صالح، فقد كانا محبين للعلم وأهله، كما كانا من أصحاب المواهب العربية الصافية التي تمجد الشعر وتكبر قدر اللغة». اهـ.
أما في الكفاح العسكري فقد صمدوا صمود الحمدانيين في عهد سيف الدولة فقارعوا الروم وصدوهم عن البلاد وانتصروا عليهم. قال ابن أبي حصينة([481]) في ثمال وفيها إشارة إلى معارك المرداسيين:
فلتدفعن عن البلاد وأهلها
نوباً يخاف وقوعها وكأن قد
ولتحمدن كما حمدت «بتبل»([482])
والخيل تعثر بالقنا المتقصد
والشرك منك ومن شقيقك هارب
هرب الشحاح من الغمام المرعد
لولا سيوفكم البواتر لالتقى
من بالثغور ومن ببرقة (منشد) ([483])
أسندتم الإسلام أن سيوفكم
لمعاقل الإسلام أفضل مسند
وفي هذه القصيدة يقول مشيراً إلى هدايا وصلت إلى ثمال من الخليفة المستنصر:
فيها نسيم أبي الأئمة حيدر
ونسيم خير الأنبياء محمد
وفي سنة 463 قطع محمود بن نصر خطبة المستنصر الفاطمي بمصر وخطب للقائم العباسي. وتوفي محمود سنة 467 فملك بعده ابنه نصر. ولم يحمد المؤرخون سيرة محمود. وانتهت حياة نصر قتلاً سنة 468 وذلك أنه خرج إلى التركمان في الحاضر وهم الذين كانوا ملّكوا أباه حلب فأراد نصر نهبهم وحمل عليهم فرماه تركي منهم في حلقه فقتله، وملك بعده حلب أخوه سابق.
وفي سنة 472 حصر حلب أبو المكارم شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران المقلد بن المسيب صاحب الموصل ودام حصاره لها إلى ابتداء سنة 473 وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحسيني مقدم الأحداث في حلب هو رئيس المدينة فتمكن وقويت يده وسلم المدينة إلى أبي المكارم المذكور فتسلمها وتسلم قلعتها واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود المرداسي. وبذلك انتهت الدولة المرداسية في حلب.
ويضيع ذكر بطولات المرداسيين في ثنايا التاريخ فلا يحفظ لنا منها الا نتفاً موجزة، هي صورة مجلوة لمآتيهم، فتمثلهم وقد تجردوا لرد الغارات وحفظ العواصم، واستبسلوا في الحفاظ على ما بأيديهم من الوطن العربي. ولا أدل على ذلك من هذه الوقعة الواحدة التي ترينا مدى الخطر الفادح الذي داهم بلاد الشام فكان المرداسيون أكفياء له أي أكفياء.
ففي العام 421 أي بعد مقتل صالح بعام واحد وصل ملك الروم «أرمانوس» إلى حلب ومعه ملوك الروس والبلغار والألمان والبلجيك والخزر والأرمن، كما نص المؤرخون الذين بالغوا في عدد جيش أرمانوس فقالوا إنه كان ستمائة ألف فتصدى لهم شبل الدولة نصر بن صالح، ووقف في وجه زحوفهم الكثيفة حتى هزمها وتبعهم إلى إعزاز وأسر جماعة من أولاد ملوكهم وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة.
وتعتبر هذه المعركة من المعارك الفاصلة في تاريخ العرب والمسلمين إذ قل أن تسنى للغزاة أن يحشدوا مثل هذا الحشد العظيم، ويؤلبوا مثل هذه القوى الرهيبة التي كانت شيئاً مخيفاً في تلك الأيام لا سيما أمام دولة ناشئة كالدولة المرداسية.
وإذا كان المرداسيون لم يحظوا كما حظي الحمدانيون بشاعر مثل المتنبي يغني في العصور صدى بطولاتهم، فإنهم لم يحرموا شعراء إذا كانوا دون المتنبي عبقرية فلم يكونوا دونه تحمساً وعاطفة، فرأينا شاعر المرداسيين الحسين بن أبي حصينة المعري يخلد هذه المعركة بشعره الجميل ويحملها أغنية على الشفاه العربية الشادية، وينظم هذه القصيدة وينشدها لبطل المعركة شبل الدولة نصر بن صالح بظاهر قنسرين، والتي نأخذ منها ما يلي:
إلى نصر وأي فتى كنصر
إذا حلت بمغناه الركاب
امنتهك الفرنج غداة ظلت
حطاماً فيهم السمر الصلاب
جنودك لا يحيط بهن وصف
وجودك لا يحصله حساب
«وأرمانوس» كان أشد بأساً
وحل به على يدك العذاب
أتاك يجر بحراً من حديد
له في كل ناحية عباب
إذا سارت كتائبه بأرض
تزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنه
كما سلبت من الميت الثياب
فما أدناه من خير مجيء
ولا أقصاه عن شر ذهاب
فلا تسمع بطنطنة الأعادي
فإنهم إذا طنوا ذباب
ولا ترفع لمن عاداك رأساً
فإن الليث تنبحه الكلاب
وما كان للدولة أن تعيش أكثر مما عاشت في عصر الفتن الصاخبة فزالت الدولة ولكن القبيلة لم تزل فظل بنو كلاب أبطالاً في الميدان العربي. وحسبك أن يقول عنهم القلقشندي في الجزء الرابع من (صبح الأعشى): «كانوا عرب أطراف حلب وكان لهم غزوات وغارات عظيمة على الروم وأنهم من أشد العرب بأساً».
وظل الكلابيون بقيادة بني مرداس فرساناً مناجيد حتى دهمت العالم الإسلامي الحروب الصليبية فتجندوا لها عام 491هـ بقيادة أميرهم وثاب بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس. وفي وثاب هذا ومعاركه يقول ابن الخياط من قصيدة:
عتادك أن تشن به مغاراً
فقدها شزباً قبا تبارى
كان أهلة قذفت نجوماً
إذا قدحت سنابكها شرارا
وقد هبّت سيوفك لامعات
تفرق في دجنته نهارا
أما والسابقات لقد أباحت
لك الشرف الممنع والفخارا
فزر حلباً بكل أقب نهد
فقد تدني لك الخيل المزارا
ويأبى الله إن أبت الأعادي
لناصر دينه إلا انتصارا
وفي محمود بن نصر بن صالح يقول عبد الله بن سنان الخفاجي:
لا يذكروا حلباً وبيضك دونها
مشهورة فهي الظبا وهم هم
كم وقفة لك دونها مشهورة
والنقع ليل والأسنة أنجم
المرداسيون
ـ 2 ـ
ينسب بنو مرداس إلى بني كلاب، وهم بطن من ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن خصفة بن قيس، أي أنهم من المضرية.
وعاش بنو كلاب قرابة قرن في بلاد الشام قبل إقامة إمارتهم، واستطاعوا بفضل كثرتهم العددية أن يفرضوا إرادتهم في منطقة حلب، كما خلقوا لأنفسهم المناخ المناسب لإقامة إمارتهم وسط القوى المتصارعة في ذلك الوقت، وهي الدولة البيزنطية والخلافة الفاطمية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي.
أما عن سياسة بني مرداس إزاء الدولة الفاطمية، فقد كانت في أول الأمر تميل إلى المسالمة وكسب الود والتأييد، في ذلك الوقت الذي اقتنع فيه خلفاء الدولة الفاطمية بفشل محاولاتهم في الاستيلاء على حلب، حتى أن الخليفة المستنصر بالله غضب على الوزير الجرجراني لمحاولته غزو حلب وأمر بنفيه إلى صور. ولعل هذا قد قرب وجهات النظر بين الطرفين فأصبحا أكثر رغبة في إحلال السلام، خاصة عندما أمر الأمير ثمال المرداسي بإطلاق سراح الأسرى الفاطميين وإرسالهم إلى مصر، ثم بعث بما هو مقرر عليه من أموال. كما بعث ببعض الهدايا والألطاف الفاخرة، فلم يسع المستنصر بالله إلاَّ أن يرسل إليه توقيعاً بحلب وسائر أعمالها.
إلا أن الأمير ثمال أدرك صعوبة الحفاظ على إمارته وسط أطماع القوى المجاورة، هذا فضلاً عن مضايقات بني كلاب له، لهذا آثر التنازل عن حلب طواعية للخلافة الفاطمية وذلك في أواخر سنة 448هـ (1052م) فمنحه الخليفة المستنصر مدينة بيروت وعكا وجبيل عوضاً عنها. وتسلم مكين الدولة بن ملهم إمارة حلب التي غدت لمدة أربع سنوات ولاية فاطمية، إلا أن أمراء بني مرداس لم يقفوا جامدين إزاء هذا التصرف من ثمال ومن الدولة الفاطمية، فشقوا عصا الطاعة وانتهى الأمر باسترداد بني مرداس لحلب من الفاطميين. وسارع الخليفة الفاطمي بإنفاذ ثمال المرداسي المقيم بمصر حينذاك وطلب إليه استعادة حلب من ابن أخيه محمود، وهكذا عادت حلب من جديد للحكم المرداسي في ظل الحماية الفاطمية.
وقد اضطرت الدولة الفاطمية بعد وفاة ثمال إلى تعضيد محمود بن نصر أقوى أمراء البيت المرداسي وقتذاك، فبادر الخليفة المستنصر بإنفاذ رسوله ظفر المستفادي برسالة ودية إليه ولقبه بعظيم أمراء العرب عضد الدولة وسيف الخلافة، إلا أن محموداً تحول إلى الولاء للسلاجقة والعباسيين.
الدكتور أحمد رمضان
نشوء الدولة المرداسية وازدهارها
أصل المرداسيين ونشأتهم
انتقلت قبيلة كلاب من المدينة «يثرب» في شبه الجزيرة العربية واتجهت شمالاً فسكنت في غرب الضفة العليا لنهر الفرات وذلك مع هجرات القبائل العربية منذ القرن السابع الميلادي، وقد لعبت هذه القبيلة دوراً هاماً في الحياة السياسية في سوريا عامة وفي شمالها بصورة خاصة وذلك منذ القرن السابع الميلادي وحتى الحادي عشر، وخلال حكم الأمويين وبخاصة في الصراع على الخلافة بعد موت يزيد بن معاوية 60 ـ 64هـ (680 ـ 683م) قاتل ظفر بن الحارث الكلابي مع رجال قبيلته في صف مروان بن الحكم في معركة مرج راهط 64هـ (683م) حيث هزم ظفر وفرّ باتجاه الشمال، فأسس حكماً قوياً في مدينة قرقزيا (في محافظة الجزيرة اليوم عند ملتقى رافد الخابور بنهر الفرات) ورفض إعلان الولاء لمروان الخليفة الجديد الذي لم يكن قادراً على إجباره ليفعل ذلك.
وعد رجال قبيلة بني كلاب منطقة شمالي سوريا دياراً لهم لذلك اعتبروا كل تحرك تجاه مناطقهم الشمالية هو عمل عدائي لهم وبخاصة في القرن الحادي عشر الميلادي.
وقبل الحديث المفصل عن المرداسيين لا بد لنا من تمهيد موجز نربط فيه بين الأحداث حتى الوصول إلى المرداسيين فنقول:
في العهد العربي، كانت حلب محاطة بقوتين كبيرتين هما الأمبراطورية البيزنطية من جهة والدولة الفاطمية من جهة ثانية وقد تأثرت بسياستهم لذلك من المفيد قبل الشروع بشرح الحكم العربي لحلب، أن نلقي نظرة خاطفة على الخلفاء الفاطميين والأمبراطورية البيزنطية من الناحية السياسية، وتصرفهم حيال حلب وطبيعة تركيبها كولاية.
أ – كانت تنبع سياسة الفاطميين واهتمامهم بحلب من مبدئين أساسيين نظري وعملي: فالنظري كان مبنياً على أساس عقيدة الفاطميين التي كانت ترمي للسيطرة على العالم الإسلامي بشكل عام والقضاء على الخلافة العباسية في بغداد بشكل خاص، وعلى موقع حلب الاستراتيجي وهو أنها تشكل الباب الرئيسي للوصول إلى العراق وكل من يسيطر عليها يستطيع أن يسيطر على المدن الموجودة خلفها.
وكانت هذه السياسة الفاطمية تؤكد على احتلال سوريا أو جزء منها، لأن أراضي مصر من الشمال سهلية خالية من الموانع الطبيعية، لذلك يسهل احتلالها من جهة الشمال أي من سوريا. لهذا تشكل الأخيرة حاجزاً بالنسبة إلى مصر.
ثم إن الغزاة لم يستطيعوا الوصول إلى مصر إلا بعد مقاومتهم من قبل القوات المصرية خارج حدود مصر. هذه السياسة تبنتها الدولة الفاطمية في مصر وبدأت بتنفيذها ونجحت في سوريا الشمالية ولكن نجاحها لم يكن مستمراً بسبب المصاعب التي انتصبت أمامها. من هذه المصاعب بعد القاهرة مركز الفاطميين عن حلب وسياسة الدولة البيزنطية التي تمثلت بمقاومة الوجود الفاطمي على الحدود البيزنطية ـ السورية. ثم إن قبائل البدو العربية كانت تعمد دائماً حسب طبيعة تركيبها القبلي إلى إثارة الاضطرابات، وإلى احتلال مناطق جديدة وإقامة دويلات خاصة بها كلما سنحت لها الفرصة كما حدث لقبيلة طيء في فلسطين وكلاب في حلب.
ب ـ الأباطرة البيزنطيون: ولقد صدَّ البيزنطيون عدة محاولات قامت بها الخلافة الفاطمية لضم حلب إلى الولايات الإسلامية لا سيما على عهد حكم الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني، ومن وجهة نظر السياسة البيزنطية أن سقوط حلب في يد الفاطميين يعني تقدماً باتجاه سقوط إنطاكية وأجزاء أخرى من آسيا الصغرى فيصبح الفاطميون إذا ما تحقق ذلك جيراناً متاخمين للدولة البيزنطية وهذا ما عملت الأخيرة على عدم تحقيقه. وذلك عندما كادت حلب أن تسقط في يد الفاطميين بعد حصار طويل في عام 384هـ (994م) بالرغم من مساعدة حاكم إنطاكية البيزنطي لها. نجد أن الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني يترك الحملة على البلغار ويعود مسرعاً مع جزء كبير من جيشه إلى حلب ليفاجئ الفاطميين. وقد شدد عليه أخوه قسطنطين بأخذها ليسهل عليه احتلال سوريا كلها، لكنه لم يستجب لقول أخيه.
بعد الحمدانيين
بوفاة أبي الفضائل سعيد الدولة الأمير الحمداني سنة 392هـ (1002م) انتهت السلالة الحمدانية الحاكمة لحلب. وخلال حياة هذا الأمير كان الحاكم الفعلي لحلب هو لؤلؤ غلام سيف الدولة الحمداني، وقد أصبح هذا الغلام حاكماً بالنيابة عن ولدي سعيد الدولة، أبو الحسن علي وأبو المعالي شريف وقد أرسلهما إلى مصر ليعلن نفسه حاكماً على حلب واشترك في الحكم مع ابنه منصور.
لقد توفي لؤلؤ في عام 399هـ (1008م) وانفرد ابنه بحكم حلب وكان على عكس أبيه يثق كثيراً بغيره، قصير النظر في السياسة ولقد كرهه أهل حلب كثيراً وهجاه شعراؤهم في أكثر قصائدهم.
لهذا نجد أن الحلبيين قد فتشوا عن طريقة تريحهم من هذا الحاكم منصور بن لؤلؤ. ولم تشر المصادر التاريخية إلى الأحزاب أو الأشخاص الذين حرّضوا الشعب للتخلص من حكمه. وقد وجدوا الحل في استعادة حكم الأسرة الحمدانية لأن منصوراً هو ابن أحد العبيد الذي خان سيده وأنكر حقوقه، ورأوا أن حاكم حلب يجب أن يكون إما أحد ولدي سعيد الدولة الحمداني اللذين هجَّرهما لؤلؤ إلى مصر وأما أبو الهيجاء الحمداني وهو أخو سعيد الدولة الحمداني الذي هرب إلى القسطنطينية. ولكن أحداً منهم لم يكن قادراً على ترك مصر أو بيزنطة من دون دعم الدولة التي حلَّ فيها. فالحلبيون لم يتوجهوا إلى مصر لأن الخلفاء الفاطميين ارتبط معهم منصور بعلاقات طيبة على حياة والده لؤلؤ فضلاً عن إرساله ولديه إلى القاهرة حيث وهبهما الخليفة الحاكم هبة كبيرة من المال مع سبع قرى في فلسطين ومنح والدهما لقب مرتضى الدولة. وقبل عدة سنوات كان الفاطميون يحاولون احتلال حلب ولكن كانوا يفشلون في محاولاتهم بسبب وجود حكام أقوياء، أما الآن وفي عهد منصور بن لؤلؤ فإن الوضع قد تغير تماماً فأصبحت قواعد حكم الأخير واهية وهذا ما يريده الفاطميون لاقتناص أية فرصة سانحة لينقضوا على حلب ويحتلوها.
أمام موقف الفاطميين المؤيد لحكم منصور، اتجه الحلبيون إلى حل آخر وهو إعادة أبي الهيجاء الحمداني من الأمبراطورية البيزنطية، وهكذا فعلوا بعد أن كسبوا قبيلة بني كلاب العربية التي كانت أعظم قوة في ولاية حلب في ذلك الوقت، واستنجدوا أيضاً بصهر أبي الهيجاء المسمى ممهد الدولة المرواني حاكم ديار بكر والذي كان على علاقة وطيدة مع البيزنطيين لكي يساعدهم على إعادة صهره إلى حلب. فقد أخبر ممهد الدولة الأمبراطور باسيل الثاني بالأمر، وأدرك الأخير أن إطلاق سراح أبي الهيجاء له فائدة كبيرة للأمبراطورية البيزنطية ليس من ناحية إنهاء حكم منصور الضعيف فقط بل القضاء على النفوذ الفاطمي وتقوية النفوذ البيزنطي في حلب. وهكذا فقد أعطى باسيل الثاني أبا الهيجاء حريته ليعود إلى حلب إذا أراد ولا توجد أية سجلات تشير إلى أنه أطلقه بشروط أو بغير شروط.
ففي عام 400هـ (1009م)، توجه أبو الهيجاء إلى ميافارقين حيث زوده ممهد الدولة المرواني بكمية كبيرة من النقود وبمائتي فارس، وبعد وصوله إلى هذه البلدة كتب إلى زعماء قبيلة بني كلاب طالباً دعمهم لقاء مكافآت كبيرة يقدمها لهم وفي طريقه إلى حلب التقى عدداً من قادة هذه القبيلة فرافقوه ووعدوه بالدعم حتى يتحقق هدفه. وفي وجه هذا الخطر تحرك منصور يائساً لمواجهته، فكتب بدوره إلى زعماء بني كلاب وعرض عليهم التخلي عن مساعدة أبي الهيجاء لقاء اقتسام المدخول معهم وكذلك السيطرة على المناطق المجاورة لحلب. وطلب في الوقت ذاته من الخليفة الفاطمي «الحاكم» المساعدة لقاء السماح بتعيين موظف فاطمي كبير في قلعة حلب، كرئيس، فأعطى الخليفة أمره إلى القاضي علي بن حيدرة والي طرابلس أن يقود الجيوش الفاطمية المعسكرة هناك باتجاه حلب لمساعدة منصور بن لؤلؤ.
عندما وصلت الجيوش إلى حلب، كان أبو الهيجاء وقبيلة بني كلاب قد وصلوا إلى ضواحي حلب. فنصبوا الخيام وأخذت قطعانهم ترعى في حدائق المدينة وفي بساتينها وحقولها، واستخدموا كل وسيلة لتعطيل المدينة وحاكمها.
أمام هذه الاضطرابات، وقف منصور عاجزاً عن مواجهة زعماء بني كلاب، فقد تظاهر بأنه سيحقق لهم وعوده السابقة بل أنه سيوقع معاهدة صداقة معهم وسينهي الخصام، وكدليل على حسن نواياه دعا زعماء القبيلة إلى مأدبة تقام داخل مدينة حلب فلبى الدعوة عدد كبير من زعماء وأفراد بني كلاب يذكر ابن العديم أنهم كانوا أكثر من ألف شخص في حين يذكر يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه أن هذا العدد كان حوالي 700 شخص.
دخل زعماء بني كلاب إلى مدينة حلب في سنة 402هـ (1012م) تلبية لدعوة حاكمها منصور بن لؤلؤ، وما أن دخلوا حتى استقبلهم منصور مع رجاله بالسيوف وكان قد أغلق جميع أبواب المدينة فقتل عدداً كبيراً منهم والباقون الذين نجوا من القصر فشلوا في الخروج من المدينة لأن أبوابها كلها كانت موصدة لذلك ألقي القبض عليهم وأودعوا زنزانات قلعة حلب.
وعندما سمعت قبيلة بني كلاب بما حلَّ بزعمائها، تحركت من ضواحي حلب بقيادة أحد أمرائها مقلّد بن زائدة باتجاه الجنوب، وحاولت الاستيلاء على مدينة كفر طاب وعندما سمع منصور بأنباء هذا التحرك نقل الأسرى من السجون إلى أماكن أخرى تتوفر فيها شروط أفضل وتجهيزات ومعاملة أكثر إنسانية. لكن ما أن سمع بعد فترة قصيرة بفشل بني كلاب في السيطرة على مدينة كفر طاب بقيادة ابن زائدة حتى أعاد السجناء إلى الزنزانات حيث بقوا فيها أكثر من سنتين، وقد قتل منصور عدداً كبيراً منهم لكن معظمهم مات بسبب الظروف السيئة في السجن والمعاملة القاسية التي تلقوها.
كان صالح بن مرداس الكلابي هو الرجل الشجاع من بين هؤلاء السجناء، وقد أجبره منصور على أن يطلّق زوجته التي كانت مشهورة بجمالها، وكانت أيضاً ابنة عمه. وبعد أن تم هذا الطلاق الإجباري تزوجها منصور بن لؤلؤ، والسؤال الذي يطرح في صدد هذه المسألة هو ماذا كان هدف منصور من هذا الزواج؟ هل كان يريد إذلال صالح بزواجه من زوجته الجميلة أم كان يرمي إلى التقرب بالمصاهرة من قبيلة بني كلاب، أو من جزء منها كوسيلة لحل مشاكله المتعددة مع القبيلة، وإزالة التهديد بالعداوة والتي بدونها لم يكن قادراً على استرجاع حكمه؟ لربما كان منصور يهدف إلى تحقيق كل هذه الفوائد دفعة واحدة، فالمصادر المتوفرة لا تعطي أي دليل مباشر على هذا الأمر. لكن الأنطاكي يقول بأن منصور بتهديده بالموت ووعده بالحرية لعدد من سجناء قبيلة بني كلاب استطاع أن يجعل عدداً منهم يقبلون به وبضريبته وبناءً على ذلك فقد أطلق منصور سنة 403هـ (1013م) عدداً من سجناء هذه القبيلة لكن لم يعرف عددهم أو أسماؤهم ولكنهم كانوا قليلي العدد. وجميع محاولات منصور في القضاء على صالح بن مرداس باءت بالفشل مما شجع صالح بن مرداس على الانتقام.
أما منصور فقد حاول من جهته وهو ثمل أن يتخلص من صالح بن مرداس لكنه فشل في تحقيق ذلك خاصة بعد أن تسلم صالح رسالة من صديق له لم يذكر اسمه يحذره فيها من قصد منصور واستطاع صالح أن يفتح فجوة في حائط بسجنه ويقطع أحد القيود التي تربط رجليه ولكنه لم يستطع قطع القيد الثاني، فلفه على رجله. وفي سنة 405هـ (1015م)، وخلال الليل هرب من السجن وتقول المصادر إن صالح فتح فجوة في حائط السجن وقفز من الحصن إلى تلة مجاورة واختبأ في قناة المياه طول الليل، وفي اليوم التالي وصل إلى مخيم قبيلته في مرج دابق. والأخذ بهذه القصة تشوبه عدة محاذير، أهمها ارتفاع الحصن ووجود قيد وسلسلة معلقة برجله تنتهي بكرة حديدية ثم يقظة حراس القلعة والمدينة فضلاً عن وجود الأبواب المقفلة فيها. ولكن الأقرب إلى الصحة والاقتناع هو أن يكون أحد أبواب المدينة مفتوحاً بواسطة أحد أصدقاء صالح أبو برشوة تلقاها أحد حراس هذه الأبواب والذي يجعلنا نميل إلى هذا القول هو اتهام منصور لحاكم القلعة بالتغاضي عن هرب صالح. والذي نؤكده هو هرب صالح وانضمامه إلى أفراد قبيلته التي تشجعت به فأعلنت الولاء له دون أي تأخير، وجمع جموعاً كبيرة وهاجم حلب، فحدثت عدة مناوشات بين الطرفين نهب فيها منصور قسماً كبيراً من مخيم صالح وأسر حوالي 50 رجلاً من المرداسيين.
هذا الانتصار شجع منصوراً على تجميع جنود حلب وسكانها بمن فيهم المسيحيون واليهود والتقى بهم صالح بن مرداس في صفر 405هـ (آب 1014م)، قرب حلب وانتصر صالح في هذه المعركة انتصاراً ساحقاً إذ قتل أكثر من 2000 حلبي ووقع منصور وعدداً من قواته في الأسر. وعندما توجه منصور إلى هذه المعركة ترك شقيقيه وأمه في حلب يتدبرون أمر المدينة حتى أن صالحاً لم يستطع احتلالها. وبعد انتهاء المعركة جرت محادثات الصلح بين الفريقين على أيدي رجال الدين في حلب، وقد اتفق الطرفان على أن يترك صالح منصوراً مقابل أن يطلق الأخير سراح السجناء المرداسيين ويعطي صالحاً 50 ألف دينار ذهبي و120 رطلاً فضياً و500 ثوب من مواد مختلفة. وأن يطلّق الامرأتين المرداسيتين اللتين تزوجهما وهما زوجة صالح وامرأة ثانية وأن يزوجه ابنته.
والأكثر أهمية هو أن صالحاً سيكون شريك منصور الذي سيخصص لنفسه نصف ولاية حلب بما في ذلك مدينة حلب ويعترف بصالح بأنه زعيم قبيلة بني كلاب المطلق. كما أن والدة منصور وزوجته وأولاده يجب أن يبقوا عند صالح رهائن. يتضح من هذا الاتفاق أن البندين الأخيرين هما أهم ما فيه، وبالرغم من أن منصوراً لم يف بكافة الوعود التي التزم بها، فإن صالحاً أكّد سلطته على قبيلة كلاب وعلى منبج وبالس. بهذا العمل يكون صالح قد وضع الأسس المتينة لقيام السلالة المرداسية الحاكمة.
منذ سنة 399هـ (1008م)، كان صالح يسيطر على الرحبة وبكسبه منبج وبالس صار على اتصال مباشر مع العراق والدولة البيزنطية والخلفاء الفاطميين. فضلاً عن أن هذه السيطرة جعلت له قاعدة رئيسية للسيطرة على حلب فيما بعد.
كما أفاد الأمراء المرداسيين في فترات حكمهم، لا سيما عندما يكونون مجبورين على ترك حلب فيلتجؤون إلى هذه المناطق التي بقيت تحت سيطرتهم الدائمة وكانوا يسترجعون منها حلب من حين إلى آخر.
لقد وفى منصور ببعض الوعود لصالح لكنه أنكر معظمها، كما كان يفعل في المناسبات السابقة فرفض أن يزوج صالحاً ابنته وكذلك مشاركته في دخل الولاية، فعمد صالح عند ذلك إلى الأخذ بالثأر فحاصر مدينة حلب ومنع التجار ومبعوثي المهمات من الدخول إلى المدينة فشلّ حياتها السياسية والاقتصادية، عندها طلب منصور من الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني مساعدته للقضاء على ما أسماه ثورة بدوية قام بها صالح والتي إذا لم يقض عليها فإنها ستهدد بالإضافة إلى حلب الأمبراطورية البيزنطية نفسها. فاستجاب باسيل الثاني لطلبه وأرسله له ألف جندي أرمني لمحاربة صالح. ثم بدا له شيئاً فأمر القوات الأرمنية بالانسحاب تاركاً منصور يلقى مصيره لوحده.
أما الضربة القاسية التي تلقاها منصور فكانت من غلامه «فتح» حاكم قلعة حلب فاتهمه بأنه كان مصدر كل متاعبه وبأنه تواطأ مع صالح عندما سهَّل للأخير فراره من سجن القلعة. لذلك أراد منصور أن يتخلص بأي وسيلة من «فتح»، وعندما عرف الأخير بنوايا سيده لم يرفض فقط الصعود إليه ومقابلته بل نجده يعمد إلى إغلاق باب القلعة ويعلن الثورة عليه ويعترف بسيادة صالح بن مرداس على القلعة، وكذلك بسلطة الخليفة الفاطمي «الحاكم» وذلك في سنة 406هـ (1016م) وفوجئ منصور بهذا العمل وظنَّ أن صالحاً احتل القلعة فهرب مع أبنائه وإخوته وبعض أعوانه إلى أنطاكية، وقد انتشرت أخبار هرب منصور فسادت الفوضى والاضطرابات في البلاد وهجم الشعب على قصر منصور وسرقوه وخاصة الاثاث الغالي الثمن والذي قدّر ثمنه بـ 80 ألف دينار.
يقول ابن العديم، إن أعظم مصيبة في هذه الفوضى هي خسارة 28 ألف مخطوطة كانت في مكتبة القصر.
الاحتلال الفاطمي لحلب
وفي اليوم الثاني من فراره وصل منصور إلى إنطاكية ملتجئاً إليها.
قال الإنطاكي وابن العديم إن «فتح» في اليوم الأول لثورته اتفق مع صالح بن مرداس على تقاسم الحكم في الولاية كما جاء تماماً في اتفاق صالح ـ منصور. أرسل «فتح» عائلة منصور إلى صالح فأرسل الأخير بدوره هذه العائلة إلى إنطاكية ما عدا ابنة منصور التي احتفظ بها وتزوجها. وفي نفس الوقت ولكي يضمن منصبه، كتب «فتح» إلى الحاكم الفاطمي في أفامية «علي بن أحمد» الذي كان يلقب بالضيف طالباً منه الدعم وداعياً إياه لزيارة حلب مع جيشه، قبل علي بن أحمد الدعوة وجاء إلى حلب مع جيشه ومن هناك كتب «فتح» إلى الخليفة الفاطمي «الحاكم» مقدماً له الطاعة والولاء فكافأه «الحاكم» بأن أطلق عليه لقب «مبارك الدولة وسعيدها» كما كتب أيضاً إلى صالح بن مرداس طالباً منه مساعدة «الضيف» و«فتح» وأطلق عليه لقب أسد الدولة.
وليكسب شعبية كبيرة في حلب عمد إلى تخفيف عدة ضرائب عن ولاية حلب وأعفى مدينة حلب من ضريبة سنوية.
إن تطور الأحداث هذه والعلاقات الطيبة بين فتح والخليفة الفاطمي أقضت مضاجع الأمبراطورية البيزنطية، لذلك رأينا الأمبراطور باسيل الثاني يعطي منصور ملجأ ويأمر له براتب وبأرض قرب حدود حلب لكي يراقب الأحداث من هناك عن كثب، ولهذا السبب سمح له بإنشاء جيش خاص بسبب منع الأمبراطورية أية تجارة أو سفر بين الامبراطورية وبين أي جزء من حلب أو سوريا.
دخل أول حاكم فاطمي إلى حلب في سنة 407هـ (1017م) وكان يدعى فاتكاً ولقبه «أمير الأمير عزيز الدولة» ولم تذكر المصادر أية معلومات عن تحركات لصالح بن مرداس خلال هذه المدة التي حكم فيها فاتك وقد كان صالح راضياً ومقتنعاً خلال مدة هذا الحاكم التي دامت أكثر من خمس سنوات.
ومن جهة أخرى نجد أن عزيز الدولة هذا كان قادراً على إرضاء الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني الذي أزال الحواجز التجارية وأعاد الاتصالات مع حلب. هذه الأعمال أزعجت الخليفة الفاطمي الذي اعتبرها خطوة نحو الاستقلال ولكنه لم يكن قادراً على القيام بأي عمل لأن القوات الفاطمية لم تكن في حلب. وخلال حكمه في حلب، استطاع عزيز الدولة أن يقنع قادة الجيش الفاطمي بأن مهمتهم قد أنجزت، وأنهم يجب أن ينسحبوا إلى قواعدهم الأساسية، فقد أنكر عزيز الدولة لوم «الحاكم» وأعلن استقلاله عن الخلافة الفاطمية، فصك عملة خاصة باسمه، وأصدر قراراً بذكر اسمه فقط على المنابر بدلاً من اسم الخليفة الفاطمي وقد يكون هذا الحدث قد حصل في سنة 411هـ (1020م) بسبب وجود مخطوطة باسم حاكم مدينة حلب عزيز الدولة وجدت في حلب، ولتأكيد ذلك قال المؤرخون: إن «الحاكم» الخليفة الفاطمي جهز في عام 411هـ (1020م) حملة عسكرية ضد عزيز الدولة وأن الأخير قد طلب من باسيل الثاني التدخل عارضاً عليه تقديم حلب له. أثناء توجه باسيل الثاني لنجدة عزيز الدولة وصلت أنباء اختفاء «الحاكم» الغامض في مصر إلى عزيز الدولة، فما كان من الأخير إلا أن أرسل مبعوثاً إلى باسيل الثاني يخبره بأن عرضه قد أصبح ملغى وهو لا يطلب مساعدته، وإذا حاول احتلال حلب فإن عزيز الدولة وقبيلة بني كلاب سيكونون أعداءه. عند ذلك غير باسيل الثاني وجهته نحو منطقة مناز كرد.
بعد الاختفاء الغامض للخليفة الفاطمي «الحاكم» ومجيء ابنه الظاهر حاول الأخير تألف عزيز الدولة فاتك. ولكن عزيز الدولة لم يثق كثيراً بذلك إذ سرعان ما أعاد بناء وتحصين القصر الذي يقع تحت قلعة حلب ليبقي العلاقة مع الفاطميين. وجند عدداً كبيراً من الخدم لحمايته بقيادة «بدر» وهو تركي الأصل تولى بالإضافة إلى ذلك حكم القلعة. ويبدو أن عزيز الدولة الذي وضع ثقته في قائد خدمه قد نسي بأنه هو نفسه كان عبداً وخان سيده وأن نفس المصير قد يواجهه هو مع «بدر» وهذا ما حصل فعلاً.
إن الحكم الفعلي في مصر لم يكن في يد الخليفة بل كان في يد عمته «السيدة» التي كانت داهية في التخطيط والتدبير، فقامت برشوة «بدر» قائد الخدم عند عزيز الدولة ودعته للإطاحة بسيده وكانت الاتصالات تتم بين بدر والسيدة عن طريق التجار أو المبعوثين الذين كانوا يجلبون الهدايا أيضاً لعزيز الدولة. وبعد تبوء الظاهر مركز الخلافة في مصر يبدو أن إرسال الهدايا كان سيفاً ذا حدين، بهذه الوسيلة كان من الممكن إظهار الولاء وإيجاد فرصة للغدر.
وكان عزيز الدولة يثق كثيراً بخادم آخر هندي الأصل اسمه توزون، عند ذلك فكر بدر، بمكيدة يستطيع بواسطتها التخلص من سيده فأخذ يسر لتوزون بأن عزيز الدولة يريد التخلص منه أي من توزون وفي كل مرة ينجيه من الموت وأنه أي «بدر» لا يتحمل موته. وعندما سمع توزون هذا الكلام خاف كثيراً وطلب من «بدر» الإرشاد والمساعدة، فقال بدر إن الأمر يتعلق بحياتنا نحن، فأما حياة عزيز الدولة وإما حياتنا، وأضاف فلنقتل عزيز الدولة ونتسلم الحكم معاً مكانه. اتفق الاثنان على تنفيذ هذه الخطة عندما تسمح الظروف بذلك. وقد سنحت الفرصة في سنة 413هـ (1022م)، عندما جاء عزيز الدولة من رحلة صيد طويلة وكانت الخطة تقضي بأن يسكر «بدر» عزيز الدولة وتوزون يقوم بقتله في سريره عندما يناديه كعادته كل ليلة. وبعد أن أكل وشرب واستسلم للنوم قام توزون فقتله بسيفه. أما بدر الذي كان ينتظر ويراقب فقد شاهد العمل ينجز ومن فرحه صاح وصرخ مما أيقظ الحراس فشاهدوا ما حدث فهجموا على توزون وقتلوه.
كان لهذا الاغتيال عدة نتائج، إذ أخبر بدر الخليفة الفاطمي بالحادث فأظهر الأخير أسفه في بادئ الأمر لكنه كان فرحاً في السر وكافأ «بدر» على خدماته وعينه وريثاً لعزيز الدولة وأطلق عليه لقب «وفيّ الدولة وأمينها» هذا اللقب يدل على أن الخليفة كان راضياً. والسؤال الذي يطرح هو هل أن «السيدة» شاركت في التخطيط للقتل أو أن القصة بكاملها كانت تماماً كما واجه «الحاكم مصيره». من المعروف أن المؤرخين العرب يقولون إن «السيدة» تواطأت في مقتل أخيها كما أنهم قالوا إنها شاركت في التخطيط لقتل عزيز الدولة.
في كلتا الحالتين فإن أسلوبي موت الاثنين متشابهان، فالمراجع المختصة غير قادرة على تأكيد أو نفي هذين الافتراضين والأمر سيبقى لغزاً غامضاً.
عيّن الخليفة الفاطمي بدراً حاكماً على حلب لملء الفراغ وليكسب الوقت، ويبدو أن «بدراً» كان عارفاً بهذا لأن الخليفة أرسل له رسالة كما يقول المقريزي يطمئنه فيها عن مستقبله وعن نيته الحسنة، وقد نقل هذه الرسالة (الضيف) وهو قائد فاطمي دخل حلب سابقاً لمساعدة «فتح» في ثورته ضد سيده منصور بن لؤلؤ، فقد التقى هذا القائد «بدراً» بالسر وأقنعه بالتخلي عن مركزه. وبعد أن ترك منصبه هذا بعد مدة لم تتجاوز الثلاثة الأشهر قبض عليه وتوفي بعد ذلك بقليل.
وفي سنة 413هـ (1022م)، عيّن الخليفة الفاطمي في حلب والقلعة حاكمين فاطميين خلفاً لـ «بدر» الأول هو محمد بن علي بن جعفر بن فلاح الكتامي الملقب بصفي الدولة وذلك على مدينة حلب وهو من قبيلة كتامة العسكرية البربرية في شمال فريقيا والتي ناصرت الحكم الفاطمي في مصر أما الثاني فهو السعدات الملقب بيمين الدولة، ولكن الخليفة الفاطمي لم يعين كلاًّ منهما لمدة طويلة فقد تعلم دروساً مهمة من الأخطاء السابقة. ولقصر ولاية هؤلاء الحكّام لا نعرف عن مآثر ولايتهم، لأنه في سنة 414هـ (1023م) طرد صفي الدولة وجاء محله كتامي آخر هو الحسن بن محمد بن ثعبان الملقب بسند الدولة وكان قبل توليه حلب والياً على أفاميا وقد انتهى حكمه خلال سنة واحدة أي في سنة 415هـ (1024م). وذلك نتيجة معاناته من مرض دائم. وعندما علم الخليفة الفاطمي بمرض سند الدولة أرسل أخاه من القاهرة إلى حلب ليحكم بالنيابة عنه، أخوه كان يدعى «ثعبان» ولقبه «سديد الملك»، وصل إلى حلب بعد وفة أخيه بـ 25 يوماً. وقد عينه الخليفة خلفاً لأخيه كما عيّن في الوقت ذاته «موصوف» والياً جديداً على قلعة حلب.
لم يدم حكم هذين الواليين الفاطميين طويلاً. ففي هذا الوقت أخذت قوة صالح بن مرداس تزداد على مسرح السياسة في شمالي سوريا حتى استطاع احتلال حلب وأسس السلالة الحاكمة المرداسية.
الحياة العلمية والثقافية
في عهد الدولة المرداسية
أبرز ما في الحياة العلمية والثقافية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) في حلب وشمالي سوريا، أنها عرفت عدداً كبيراً من الشعراء، نبغ منهم أبو العلاء المعري وابن حيوس وابن أبي حصينة وابن سنان الخفاجي، وقد عاش أكثرهم (ما عدا المعري) في قصور الأمراء المرداسيين وتلقى كل منهم معاشاً سنوياً بالإضافة إلى الجوائز السنية لقاء قصائده المدحية التي كان يقولها فيهم، وقد لقب كل من هؤلاء الشعراء الثلاثة بلقب أمير. ووصلت دواوينهم الشعرية الينا شبه كاملة وأفادتنا في المعلومات عن الحياة السياسية والعسكرية في حلب وشمالي سوريا وكذلك عن الحياة الثقافية والعمرانية في هذه المدينة لا سيما في قصر المرداسيين في قلعة حلب. نعرف من دراسة دواوين هؤلاء الشعراء أن مركز الأمير المرداسي كان في قلعة حلب، وأنه مؤلف من عدة قاعات، تعرف إحداها بدار الذهب وكانت أرضها مغطاة بالمرمر الأحمر وربما كانت جدرانها مغطاة بالذهب. وهناك قاعة أخرى كانت مزينة بصورة لشروق الشمس، وقد بنى الأمير محمود بن نصر منزلاً وزيّن غرفته وقاعاته بالذهب والفسيفساء والزجاج الملون وقد استعملت هذه المواد بطريقة فنية راقية أظهرت بعض مشاهد من المعارك، وكذلك عدة أنواع من الطيور وزرافتين وفيلاً وعدة جمال وبحراً تمخره السفن وتعيش فيه الأسماك وكذلك أشجار نخيل ومنظراً آخر يحكي قصة مجنون ليلى. وكانت الأرض مغطاة بألوان مختلفة من الرخام بأشكال جميلة وصور حدائق فتانة رسمت على السقوف. وفي ذلك يقول ابن حيوس:
وخُصِّصت في زمن الحياة بِجِنَّةٍ
حَسُنَ المصيف بها وطابَ المربع
دارٌ بها اكتست البسيطة زينةً
ويزينها منك الهُمامُ الأروعُ
* * *
وترى طيور الجوِّ في جنباتها
بعضٌ محلقة وبعض وقع
وسوابقاً ليست تفارق أرضها
وكأنها تحت الفوارس تمزع
بالمصلتين صواعقاً لا تعتدي
واللابسين يلامقاً لا تُنْزَعُ
رهط نضوا بين السيوف وآخر
قد جر قوساً ليس فيها منزع
وسهامه لا تستطيع فراقها
وحباله أبداً لطير مصرع
والأيم يؤخذ والحروب لدودة
طول الزمان وما أراه يجزع
بالجانب الغربي فيها نخلة
ناء جناها وهو آن مونع
* * *
وزرافتان أقيمتا كلتاهما
ران إليك بمقلة لا تهجع
والفيل يقرع جلده سوّاسه
من كل قطر وهو لا يتزعزع
وظعائن تخشى العيون وتتقي
نظر المريب فدهرها تتبرقع
والبحر عائمة به حيتانه
ومن الشباك لها سمام منقع
طام وما يخشى على ركابه
غرق ومركبه مقيم مقلع
وابن الملوح قائم وسقامه الـ
ـبادي طليعة ما تجن الأضلع
يشكوا إلى ليلى الغرام إشارة
شكوى لعمرك لم تعنها أدمع
ومواضع فيها كعرضك وضّح
ثلجية الألوان بل هي أنصع
ومن الرخام مقابل ومؤلف
ومفوف ومضلع ومجزّع
* * *
أطلعت من جدرانها وسقوفها
شمساً لها من كل أفق مطّلع
تعلو ضياء الشمس عند شروقها
ويعمها الأظلام وهي تشعشع
لكن الذي يدعو إلى الأسف، هو أن تلك المنازل التي بنيت على عهد الأمراء المرداسيين والتي وصفها الشاعر ابن حيوس لم تبق إلى يومنا هذا ولم تجر أية ترميمات في القلعة لتوسيع معرفتنا عن هذه الفترة التاريخية. فيصبح آنذاك عندنا المقدرة على الفصل بين الحقيقة والخيال.
أفادنا الشعراء بذكر أهم المعارك التي حدثت بين المرداسيين وخصومهم، وكانت بدورها عاملاً حاسماً في السيطرة السياسية على حلب وقلعتها، فقد وصف لنا الشاعران أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحلبي الفكيك وأبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني في بعض قصائدهما انتصار المرداسيين على ناصر الدولة الحمداني في وقعة الفنيدق سنة 452هـ (1059م)، بعد أن شلّت يده وتمّ أسره مع بقية مساعديه من الأمراء والقواد فيقول الأول:
على حلب به حلبت دماء
وحكم فيكم الرمح الأصمّ
وقد أرسلته إلى دمشق
يد شلاَّ وأمر لا يتم
أما الثاني فيقول ذاكراً مآثر بني كلاب في تلك الموقعة:
أليس هم ردوا ابن حمدان([484]) عنوة
على عقبه لا يتَّقون العواقبا
أليس ابنه يوم الفنيدق([485]) قاده
دنين أبي كلب([486]) وعرّاه سالبا
كانت العلاقة بين الأمراء المرداسيين والشعراء العرب قوية، وقد تداخلت القضايا الأدبية مع القضايا السياسية تداخلاً كبيراً إذ كثيراً ما كان الأمراء المرداسيون يرسلون شعراءهم رسلاً إلى القاهرة والقسطنطينية ليخطبوا ود الدولة الفاطمية حيناً والأمبراطورية البيزنطية حيناً آخر، بل كانوا يرسلونهم إلى كلا البلدين في الوقت ذاته وذلك محافظة منهم على استقرار حكمهم في حلب وقلعتها، وكان أشهر هؤلاء الشعراء أبو محمد عبد الله بن سنان الخفاجي الذي أرسله الأمير محمود بن نصر رسولاً إلى ملك الروم في القسطنطينية واستطاع الأمير ثمال بن صالح أن يسيطر على حلب خلال غياب الشاعر في بلاد الروم، لذلك بقي الأخير فيها وأرسل من هناك قصيدة مشهورة إلى حلب تضمنت أكثر من خمسين بيتاً قدّمها الشاعر بقوله:
هذا كتابي عن كمال سلامة
عندي وحال شرحها في الجملة
ولم يكتف الأمراء المرداسيون بإرسال الشعراء رسلاً إلى القاهرة والقسطنطينية، بل نجدهم يستعينون بقصائدهم أيضاً طلباً للمساعدة على أقربائهم في سبيل السيطرة على حكم حلب وقلعتها، فقد طلب الأمير محمود بن نصر من حسام الدولة منيع بن مقلد الذي ساعده على كسر الجيش المصري الذي كان بقيادة ناصر الدولة الحمداني في موقعة الفنيدق التي ذكرناها سابقاً أن يساعده على عمه ثمال بن صالح للسيطرة على حلب، لكن منيع رفض ذلك وقال: «إن العرب تأنف من معاضدة الولد على الوالد». فتركه والتحق بالأمير ثمال بن صالح. عند ذلك أمر محمود كاتبه الشاعر أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يكتب قصيدة ويرسلها اليه يذكره فيها بعهده ويعتب عليه في اطراح ودّه فكتب الشاعر يقول:
ألا أيّها السَّاري تخبّ برحله
قصيرة فضل النسعتين إذا تسري
تحمل ـ هداك الله ـ عني رسالة
إذا بلغت يوماً شفيت بها صدري
إلى معشر إنْ تنح نحوي سهامهم
فأخطأ منها ما توغل في صدري
وخصّ حسام الدولة بن مقلد
أخا الغارة الشعواء والكرم الدثر
* * *
وأنت من القوم الذين نفوسهم
ترى الغدر بالإخوان ضرباً من الكفر
سأصفيك ما صافيت يوماً بحفظه
وآمل إن ضيّعتني عاجل النصر
وإني إذا ما يدج ليل خطوبها
أصدّعه بالسيف عن فلق الفجر
* * *
أبى الله والأصل الذي طاب فرعه
إلى اليوم إعطاء القياد على قسر
وأخسر من تلقاه في الناس صفقة
فتى عند مجد لا يريش ولا يبري
فلا تحتقر ذنباً جنيت على الوفا
ولا تعتذر منه فما لك من عذر
عندما وصلت هذه القصيدة إلى الأمير ثمال بن صالح، قرأها منيع بن مقلد الذي انضم إليه ساعة طلب منه الأمير محمود بن نصر مساعدته ضد عمه ثمال وقال: «لقد ألبسني هذا النصراني من العار طوقاً لا يبلى ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلاً». ولقد غضب الأمير ثمال من هذا الشاعر غضباً شديداً لكتابته هذه القصيدة وحاول طعنه بالسكين عندما جاء الأخير ليسلم عليه عندما استولى على حلب وتملكها، لكنه أخطأه فهرب الشاعر إلى إنطاكية حيث صار بها أسقفاً إلى أن مات. نستنتج من ذلك أن الأمراء المرداسيين لم يتركوا أي وسيلة تخدمهم للسيطرة على حلب وتثبيت حكمهم فيها إلا واستخدموها بما في ذلك الشعر والشعراء.
كما أن بعض الأمراء المصريين الذين حكموا حلب، تركوا لنا قصائد مهمة من تبيان الحالة الاجتماعية والتقاليد والعادات في حلب وقلعتها وبخاصة التقاليد الدينية. فقد تولى حلب سنة 407هـ/ 1014م عزيز الدولة أبي شجاع فاتك من قبل الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي وكان محبًّا للأدب والشعر وصنّف له أبو العلاء المعري «رسالة الصاهل والشاحج» و«كتاب القائف».
أمر عزيز الدولة شاعره وقائده أبا الخير المفضل بن سعيد العزيزي أن ينظم قصيدة في وصف قلعة حلب ليلة عيد الميلاد، فوصف هذا الشاعر النار المشتعلة والمتصاعدة نحو السماء حتى كاد الغيم يستر النجوم وفي ذلك يقول:
ابق للمعروف والأدب
آمناً من صولة النوب
يا عزيز الدولة الملك الـ
ـمنتضى للمجد والحب
كيف يخشى الدين حادثة
وعزيز الدين في حلب
* * *
أضرم العنقاء قلعته
فبدت في منظر عجب
لزّت الأرض السماء بها
فثنت كشحاً على وصب
ورمتها بالشرار كما
رمت الغبراء بالشهب
أوقدت تحت الغمام فما
يلقها من مزنة يذب
طلعت شمس النهار بها
والدجى مسدولة الحجب
فلو أن النار لاحقة
بالنجوم الزُّهر من كثب
ضوؤها عمّن ألمّ على
نأي شهر غير محتجب
يأ أمير الآمرين ويا
مستجار القصد والطلب
قد نفيت الليل عن حلب
نفي مظلوم بلا سبب
وتركت الشمس حائرة
في دجى الظلماء لم تغب
وكم أصلح الشعراء في عهد المرداسيين الأمر بين الحكّام والرعية بقصائد يمدحون فيها الحاكم ويطلبون منه العفو عن السجناء المظلومين فيجسدون بأبياتهم الحكمة والتروي في معالجة الأمور السياسية والدينية، من هؤلاء الشعراء كان الشاعر أبو العلاء المعري الذي توسط بين سبعين سجيناً من ضمنهم أخواه المهذب وأبو المجد وكلهم من معرة النعمان وبين الأمير صالح بن مرداس صاحب حلب، وذلك إثر وشاية بهم عقب حادثة الماخور. وفي ذلك أنشد أبو العلاء عندما التقى بأسد الدولة صالح بن مرداس في ظاهر المعرّة شعراً:
تغيّبت في منزلي برهة
ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلا الأقل
وحم لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعاً إلى صالح
وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام
وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبني هذا النفاق
فكم نفقت محنة ما كسد
وقد قال صالح بن مرداس للشيخ أبي العلاء «قد وهبتهم لك أيها الشيخ».
وكان لقصائد شعراء المرداسيين قيمة تاريخية كبيرة في ذكر تحول القيادة السياسية في البلاد من المرداسيين إلى الفاطميين، أو العكس، وهذا ما تؤكده لنا القصائد التي أنشدها أصحابها ذاكرين فيها المعركة وحوادثها وأبطالها المنتصرين والمنهزمين ومن ذلك قصيدة الشاعر حيوس([487]) التي يذكر فيها قتل الأمير نصر بن صالح بن مرداس وتسلم (الدزبري) الحكم في حلب وقلعتها. يقول فيها:
ولما طغى (نصر) أتحت له الردى
ولم ينجه الجمع الكثير ولا الحشد
وله قصيدة أخرى يذكر فيها فتح حلب فيقول:
هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع
لله هذا العزم ماذا يصنع
وهكذا يكون الحكم قد انتقل من المرداسيين إلى الفاطميين ولكن إلى فترة قصيرة.
كما أن الشاعر الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة يذكر لنا انتصار الأمير ثمال بن صالح بن مرداس على القائد الفاطمي أبي الفضل رفق الخادم في موقعة مشهد الجف في قلعة حلب فيقول:
يا رفق رفقاً رب فحل غرّه
ذا المشرب الأهنى وهذا المطعم
حلب هي الدنيا تلذ وطعمها
طعمان شهد في المذاق وعلقم
قد راقها صيد الملوك فما انثنوا
إلا ونار في الحشا تتضرم
وهذه حقيقة تاريخية أخرى يسجلها الشاعر ابن أبي حصينة في تثبيت حكم المرداسيين المهدد من القائد الفاطمي رفق الخادم الذي أرسله الخليفة الفاطمي المستنصر من القاهرة ليستولي على حلب ويطرد منها الأمير ثمال بن صالح.
وبعد كل موقعة ينتصر فيها الأمراء المرداسيون كانوا يرسلون الهدايا والرسل إلى القاهرة يسترضون الخليفة الفاطمي ودلالة على قبول الرضى كان الخليفة يرسل الصلات والخلع والتشاريف إلى الأمير المرداسي وحاشيته وأقاربه، وفي ذلك يقول الشاعر أبو القاسم هبة الله ابن فارس المؤدّب في وصول الخلع والتشريف من مصر:
لا زال طوعاً لأمرك الأمم
ولا خَلت من ديارك النعم
وهذا ما يؤكد العلاقة القوية التي كانت تربط الخليفة الفاطمي المستنصر بثمّال بن صالح بخاصة بعد أن رجعت (البعثة الحلبية) ([488]) التي أرسلها ثمال إلى القاهرة بتوقيع من الخليفة بحلب وسائر أعمالها.
إن الشعراء المرداسيين ككل الشعراء هم مرآة زمانهم، يعكسون صورة العصر وحياة الحكّام في حلب وقلعتها لا سيما وأن أكثرهم لازموا الأمراء المرداسيين في بلاطهم وقصورهم، ومنهم من رافقهم في رحلات صيدهم وكان صديقاً حميماً لهم كالشاعر ابن أبي حصينة الذي وقف حياته الشعرية على مدح الأمير ثمال بن صالح وقد عايشه طيلة حياته، ولم يكن هناك أي ستار يحجب بينه وبين الأمير، ولم يكن هناك بروتوكولات ديبلوماسية تمنع على الشاعر اندماجه مع الأمراء المرداسيين بل كان اللقاء بينهما يأتي عفوياً دون تكلّف أو تصنع، وقد يصل الأمر بالشاعر أن يطلب من الأمير الحاكم أو الخليفة أن يمنحه لقب أمير أو أن يشكو له كثرة أولاده.
مدح الشاعر ابن أبي حصينة في سنة 450هـ (1057م) الخليفة الفاطمي المستنصر عندما أرسله الأمير ثمال رسولاً إليه وذلك بعدة قصائد أهمها:
ظهر الهدى وتجمل الإسلام
وابن الرسول خليفة وإمام
مستنصر بالله ليس يفوته
طلب ولا يعتاص عنه مرام
حاط البلاد وبات تسهر عينه
وعيون سكان البلاد نيام
ومدحه بقصيدة أخرى فوعده بالإمارة وأنجز الخليفة هذا الوعد في السنة التالية أي 451هـ (1058م) فتسلم الشاعر سجل الإمارة من الخليفة في ربيع الآخر وأنشده مادحاً:
أما الإمام فقد وفّى بمقاله
صلى الإله على الإمام وآله
لذنا بجانبه فعم بفضله
وببذله وبعفوه وبماله
* * *
فاقصد أمير المؤمنين فما ترى
بؤساً وأنت مظلّل بظلاله
زاد الإمام على البحور بفضله
وعلى البدور بحسنه وجماله
وعلا سرير الملك من آل الهدى
من لا تمر الفاحشات بباله
وفي مكان آخر، نجد أن الشاعر ابن أبي حصينة يشكو للأمير ثمال بن صالح كثرة أولاده وكان له أربعة عشر ولداً فيقول:
جنيت على نفسي بنفسي جناية
فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
عداد الثريا مثل نصف عدادهم
ومن نسله ضعف الثريا متى يثري
وأخشى الليالي الغادرات عليهم
لأن الليالي غير مأمونة الغدر
ولي منك قطاع قديم وحادث
تقلبت فيه تحت ظلك من عمري
وما أنا بالممنوع منه ولا الذي
أخاف عليه منك حادثة تجري
ولكنني أبغيه ملكاً مخلداً
خلود القوافي الباقيات على الدهر
إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الشاعر عرف بكرم وسخاء الأمير فسأله حاجته عله يجد فيه ضالته، وبالفعل أجابه الأمير وهو السخي الكبير إلى طلبه «فملّكه ضيعتين من أعمال حلب ومنبج فأثرى وحسنت حاله» وبنى داراً في حلب وكتب على شرفته:
دار بنيناها وعشنا بها
في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا
عليَّ للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا
فليفعل الناس مع الناس
وعندما سمع الأمير ثمال هذه الأبيات أمر له بدار ثانية مجاورة لهذه الدار، وهذا سخاء كبير يقوم به أمير مرداسي تكريماً للشعراء أياً كانت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية.
أبرز الشعراء الأحداث التاريخية المهمة على عهد المرداسيين، فقد ذكر لنا الشاعر ابن سنان الخفاجي كيف استرجع الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس حصن أسفونا من البيزنطيين بالرغم من كثرة أعدائه البيزنطيين الذين اجتمعوا على قتاله، وقد قتل حوالي ألفين وسبعمائة منهم كانوا داخل هذا الحصن وفي ذلك يقول الخفاجي:
أمّا ظباك فقد وفت بضمانها
فمتى تجود بها على أجفانها؟
* * *
إن أظهرت لعلاك إنطاكية
حزناً فقد ضحكت على قطبانها
* * *
بعث البريد مخبراً عن وثبة
ما كان أحوجه إلى كتمانها
لما أصل له لواؤك خافقاً
عرفت وجوه الذل في صلبانها
إن عاد نحوك جانب من كيده
قامت لك الخطباء في قميانها
وأنشده شاعر آخر هو ابن الفضل عبد الواحد بن محمد الحلبي الربعي مهنئاً إياه بانتصاره على الروم في إنطاكية قائلاً:
رددت على الإسلام شرخ شبابه
وكادت عليه أن تقام المآتم
وظن طغاة الروم منذ أغبّهم
نزالك أنا حين ذاك نسالم
وقد أعطى الأمير محمود بن نصر (ابن حيوس) «ألف دينار ذهباً في صينية فضة وجعلها له رسماً عليه في كل سنة». وذلك لقاء مدحه بقصيدة هي من عيون شعره، فقال:
قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمماً
ولا تقتفوا من جار لما تحكما
أرى كل معوّج المودة يصطفى
لديكم، ويلقى حتفه من تقوّما
وعرج في نفس القصيدة على شكر الأمير أبي الحسن علي بن منقذ الذي أشار عليه أن يذهب من طرابلس الشام إلى حلب فقال:
سأشكر رأياً منقذياً أحلّني
ذراك فقد أولى جميلاً وأنعما
وفي مكان آخر يمدح المنقذي أيضاً فيقول:
يا بن المقلد قد قلّدتني منناً
ما قارب الحمد أدناها ولا كربا
فيُمن جدك أفضى بي إلى ملك
ما اتبزه الشعر إلا هزّه طربا
* * *
أغنى وأقنى وأدنى ثم أغرب في
إنعامه فأفاد العقل والأدبا
فكل نوء بمصر جادني زمناً
فداء نوء سقاني الري في حلبا
لم يحصر الأمير محمود جوائزه في عدد معين من الشعراء الكبار المادحين، بل نجده يوزعها على أي شاعر أو مجموعة شعراء يطرقون بابه مادحين أو محتجّين، فقد اجتمعت جماعة من الشعراء على بابه، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة غير ابن حيوس فكتب إليه ابن الدويدة المعروف بالقاق:
على بابك الميمون منّا عصابة
مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك العصابة كلها
بعشر الذي أعطيته لابن حيّوس
وما بيننا هذا التفاوت كله
ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فقال محمود: «والله لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيتهم مثله».
ثم أمر لهم بالجائزة مائة دينار أو أكثر.
لقد كان الشاعر ابن حيوس صورة حية للمعارك التي خاضها الأمراء المرداسيون، بخاصة أولئك الذين عايشهم كالأمير محمود بن نصر وولده نصر ففي سنة 468هـ (1075م) جهّز الأمير نصر بن محمود جيشاً كبيراً وذهب بصحبة أحمد شاه التركي لاستعادة منبج التي كانت في ذلك الوقت بأيدي البيزنطيين، فحاصراها ثم استوليا عليها. فوصف ابن حيوس هذا الحصار وصفاً حياً بقصيدة طويلة بدأها بالبيت التالي:
وطريدة للدهر أنت رددتها
قسراً فكنت السيف يقطع مغمدا
كان شأن الأتراك يعلو يوماً بعد يوم. وذلك منذ حكم الأمير عطية بن صالح الذي هو أول من أدخلهم إلى حلب لمساعدته على ابن أخيه محمود بن نصر، وبعد وفاة الأمير نصر بن محمود الذي مات بسهم تركي نتيجة ثورة الأتراك عليه بسبب سجنه قائدهم أحمد شاه التركي، تسلم الحكم الأمير سابق ابن محمود وأطلق سراح أحمد شاه التركي. فساعده الأتراك وانضووا تحت لوائه، إلى أن اشتد ساعدهم فزحفوا بجحافل كبيرة على حلب واستولوا عليها. استطاع أحمد شاه التركي بعد إطلاق سراحه أن يقضي على الثائرة من الأتراك ويخمد فتنتهم فاستقرت البلاد على حكم “سابق” ووفد اليه الشعراء مادحين، كان أهمهم ابن حيوس الذي أنشده قصيدة قال فيها:
علي لها أن أحفظ العهد والودّا
وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا
فأطلق له الأمير سابق ألف دينار وجعل له في كل شهر ثلاثين ديناراً.
أما المنعطف السياسي الخطير الذي واجهه حكم سابق بن محمود فهو الزحف السلجوقي الكبير على إمارة حلب بقيادة السلطان ملكشاه وأخيه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وقد ساعدهما عدد من قادة بني كلاب أمثال وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب، عند ذلك ما كان من الأمير سابق إلا أن استعان بالأمير العربي أبي زائدة محمد بن زائدة، فأمر وزيره أبا نصر بن النحاس بأن يكتب قصيدة لهذا الأمير العربي يعرّفه فيها ما هو فيه من الضيق، ويسأله الإقبال عليه والقيام بمساعدته ويحذّره من التخلف عنه فيكون ذلك سبباً لزوال ملك العرب. والقصيدة هي:
دعوت لكشف الخطب والخطب
معضل فلبيتني لما دعوت مجاوبا
ووفيت بالعهد الذي كان بيننا
وفاء كريم لم يخن قط صاحبا
وما زلت فرّاجاً لكل ملمة
إذ المحراب الصنديد ضج هائبا
فشمر لها وانهض نهوض مشيّع
له غمرات تستقل النوائبا
وقال لـ «كلاب» بدّل الله شملكم
أويحكم ما تتّقون المعاتبا
* * *
وها أنا لا أنفك أبذل في حمى
حماكم مجداً مهتجتي والرغائبا
أأدخر مالي عنكم وذخائري
إذا بت عن طرق المكارم عازبا
شكرت صنيع «ابن المسيب» إذ أتى
يجر مغاويراً تسد السبابا
وأهد إلى «شبل» سلامي وقل له
لك الخير دع ما قد تقدم جانبا
فتلك حقود لو تكلم صامت
لجاء إليها الدهر منهن تائبا
وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها
عجالاً وإلا أعوز الدرَّ جالبا
فإني رأيت الموت أجمل بالفتى
وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا
أرسل الأمير سابق هذه القصيدة مع منصور بن كامل الكلابي ـ أحد أمراء بني كلاب ـ وبعض أصحابه ومعهم مال إلى الأمير أبي زائدة فما قرأ الأمير أبو زائدة هذه الأبيات وقبض المال، ثارت في نفسه النخوة العربية القبلية، فاتفق في الحال مع منصور ونائب سابق بن محمود على جمع ما يزيد عن ألف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير وقشير وكلاب وعقيل وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش ومشورته. وتصدى بعد ذلك بهذه القوة العسكرية للنجدة السلجوقية التي طلبها تتش بن ألب أرسلان والتي جاءت بقيادة تركمان التركي فانتصر على الأتراك السلاجقة انتصاراً كبيراً، وطاردهم من قرية إلى قرية حتى طلبوا النجدة من بلاد ما وراء نهر الفرات.
القصيدة التي أرسلها الأمير محمود بن زائدة جواباً على القصيدة التي تسلمها من نائب الأمير سابق بن محمود عكست لنا بوضوح أهم القرى والحصون التي استولى عليها الأمير بن زائدة، فكانت سجلاً تاريخياً واضحاً لكل باحث تاريخي إذ حوت هذه القصيدة بالإضافة إلى الانتصارات التي حققها على تركمان التركي إشارات بارزة إلى أهم الوقائع التي خاضها بنو كلاب بكبرياء وشرف. وهكذا فإن الشعر على عهد المرداسيين كان مرآة صافية تعكس بصدق وأمان جميع الحوادث التاريخية التي حدثت في عهدهم.
لهذا السبب نورد القصيدة التي أجاب بها الأمير ابن زائدة الأمير سابق بن محمود وقد جاء فيها:
دعوت مجيباً ناصحاً لك مخلصاً
يرى ذاك فرضاً لا محالة واجبا
فلبيت لا مستنكفاً جزعاً ولا
هدانا إذا خاض الكريهة هائبا
ولما دعاني المدركي ابن صالح
شققت ولم أرهب إليه الكرائبا
أسابق صرف الدهر في نصر «سابق»
إلى «تركمان» الترك أزجي النجائبا
فلما التقيناهم غدا البعض سالبا
لأنفسهم والبعض للمال ناهبا
وكان يرى في كفه الشام حاصلاً
ويوم «بزاعا» رد ما ظن خائبا
وليلة «كرمين» تركنا كرامهم
كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا
وفي يوم «خناقية» قد خنقتهم
بعثير ذلّ رد ذا الشرخ شائبا
* * *
فكم فارس منهن تركنا مجدلاً
يباشر ترب القاع منه الترائبا
وإذا أيقنوا أن ليس للكسر جابر
تولوا وعن «جيرين» حثّوا الركائبا
وخلوا بها كسباً حووه وأبصروا
سلامتهم منا أجل مكاسبا
كانت نفس الشاعر ابن حيوس كبيرة وطامحة ولطالما تمنى أن يعيش حتى يرى القائد العربي القوي الذي يفرض سطوته وسيطرته على إمارة حلب بخاصة وأن الأمير سابق بن محمود وإخوته كانوا ضعفاء لا سيما في أواخر حكمهم، وقد وجد ضالته بشرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش العقيلي الذي أتى من الموصل إلى حلب بناء على طلب من بعض الأمراء المرداسيين أنفسهم لا سيما الأمير سابق بن محمود لكن عندما وصل مسلم بن قريش إلى أبواب حلب أغلقوا الأبواب في وجهه بمن فيهم الأمير سابق نفسه، لكن سديد الملك أبو الحسن علي بن منقذ وكان صديقاً لمسلم بن قريش قوَّى نفسه صاحبه إلى أن تسلم حلب وتملكها وذلك في سنة 473هـ (1080م) ثم فتح القلعة بعد أربعة أشهر، وفي ذلك يقول ابن حصينة:
لقد أطاعك فيها كل ممتنع
خوف انتقامك حتى غارت القلب
ما أدرك الطلبات مثل متمم
إن أقدمت أعداؤه لم يحجب
أما ابن حيوس فأنشده قائلاً:
يا رحمة بعثت فأحييت أمة
قد طالما منيت بمن لم يرحم
جلَّيت ظلم النائبات كما جلا
ضوء الغزالة جنح ليل مظلم
* * *
أصفيت للعرب المشارب بعد أن
كانت كرمح لا يعان بلهذم
لا راعت الأيام من بفنائه
كنز الفقير وعصمة المستعصم
أنت الذي نفق الثناء بسوقه
وجرى الندى بعروقه قبل الدم
أجازه شرف الدولة على هذه القصيدة ألفي دينار وقربه، نستنتج من هذه القصيدة بأن الشاعر كان حاقداً على الأتراك السلاجقة الذين فرضوا سيطرتهم بالقوة على حلب وأماتوا الإرادة العربية فيها فذل العرب وخضعوا لهؤلاء السلاجقة الأغراب، لكن عندما جاء مسلم بن قريش منقذاً لحلب من حكم الأتراك رافعاً رأس العرب عالياً فرح واغتبط لهذا الحدث العظيم وأنشد القصيدة المنوّه عنها سابقاً إذ وصفه بأنه جاء رحمة لهذه الأمة العربية بعد طول ثبات وخضوع للأتراك الظالمين.
عكست هذه القصيدة منعطفاً تاريخياً مهماً في حياة حلب وقلعتها إذ أعادت لها الحياة العربية المجيدة، لكن للأسف ليس إلى وقت طويل إذ سرعان ما وصلت النجدات السلوقية الكبيرة من الشرق فيما وراء نهر الفرات وقضت على مسلم بن قريش، لتفرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة مدة خمسين سنة.
عكس الشعر أيضاً النقد والتجريح للحاكم الذي لا يحسن بنظرهم اختيار ولاته، ولتوضيح هذه الفكرة نورد القصيدة التالية وهي للشاعر أبي المعافي سالم بن المهذب المعري:
أمسلم لا سلمت من حادث الردى
وزرت وزيراً ما شددت به أزرا
ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ
من الله والناس المذمة والوزرا
فمت كمداً «فالجسر» لست بجاسر
عليه وعاين «شيزرا» أبداً شزرا
وعندما سمع مسلم بن قريش بهذه الأبيات، قال: اكتبوا إلى الوالي بالمعرة يكف عن هذا الشاعر ويحسن إليه فلعله جار عليه وأحوجه إلى أن قال ما قال.
لقد تابع الشعراء يسجلون في قصائدهم أهم الحركات السياسية والعسكرية التي حدثت في ايامهم، فها هو الشاعر ابن أبي حصينة يصف لنا بقصيدة طويلة المعركة التي دارت سنة 452هـ (1059م) بين المير محمود بن نصر وابن عمه منيع من جهة وبين أبي علي بن ملهم نائب الخليفة الفاطمي في حلب من جهة ثانية، وقد انتصر الأمير محمود على الأخير فيقول:
صبرت على الأهوال صبر ابن حرة
فأعطاك حسن الصبر حسن العواقب
وأتعبت نفساً يا بن نصر نفيسة
إلى أن أتاك النصر من كل جانب
وأنت امرؤ تبغي العلى غير عاجز
وتسعى إلى طرق الردى غير هائب
يطول محمود بن نصر وفعله
كلاباً كما طالت تميم بحاجب
وهكذا فإن العلاقات بين الحكّام المرداسيين والخلافة الفاطمية لم تكن دائماً ودّية وطيّبة، بل كان يتخللها سوء تفاهم في بعض الأحيان كما بيّنا سابقاً.
وقد وصف لنا الشاعر ابن أبي حصينة المعركة الأولى التي خاضها الأمراء المرداسيون ضد البيزنطيين وانتصروا فيها عليهم، فكانت هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين المرداسيين والبيزنطيين إذ حتى تلك السنة لم يقم الروم للمرداسيين أي حساب على اعتبار أنهم جماعة من البدو العرب لا حول لهم ولا طول، لكن بعد هزيمتهم النكراء أمامهم أخذوا يحسبون لهم حساباً كبيراً بخاصة بعد أن أسر الأمير نصر أمبراطورهم رومانوس والجدير بالذكر أن ابن أبي حصينة وقف شعره على مدح الأمراء المرداسيين لا سيما الأمير ثمال بن صالح وأخيه نصر لذلك سمي بشاعر الدولة المرداسية. وقد أنشد الشاعر ابن أبي حصينة الأمير نصر بن صالح بن مرداس في انتصاره في ظاهر قنسرين على الملك رومانوس البيزنطي قائلاً:
ديار الحيّ مقفرة يباب
كأن رسوم دمنتها كتاب
نأت عنها الرباب وبات يهمي
عليها بعد ساكنها الرباب
إلى نصر وأي فتى كنصر
إذا حلت بمعناه الركاب
امنتهك الصليب غداة ظلت
حطاماً فيهم السمر الصلاب
جنودك لا يحيط بهن وصف
وجودك لا يحصله حساب
وذكرك كله ذكر جميل
وفعلك كله فعل عجاب
و(أرمانوس) كان أشد بأساً
وحل به على يدك العذاب
* * *
إذا سارت كتائبه بأرض
تزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنه
كما سلبت عن الميت الثياب
إن العمر الطويل (أكثر من ثمانين سنة) الذي عاشه ابن حيوس قدم له مجالات لمعاصرة ومعايشة أهم الحوادث التاريخية والسياسية في بلاد الشام قاطبة، لذلك اغتنى شعره بهذه الأحداث الجسام.
وكان شاعراً مكتسباً يساير الحاكم القوي المسيطر، إذ سرعان ما يهجو من كان قد مدحه بالأمس أو يمدح من كان قد هجاه البارحة، وقصائده تشهد على ذلك، فتارة يمدح الفاطميين وولاتهم ووزراءهم بعشرات القصائد وطوراً يهجوهم، وكذلك بالنسبة إلى الأمراء المرداسيين فلقد أصابهم منه ما لم يصبهم من أي شاعر آخر من القدح والذم بأبشع الصور الشعرية بخاصة الأمير صالح بن مرداس وابنه نصر وفي ذلك يقول:
أولاد مرداس لسيفك طعمة
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
كل ذلك لأنه صرف كل مدحه للدزبري قائد الفاطميين الذي قضى على صالح بن مرداس في معركة الأقحوانة 420هـ (1029م) وعلى ابنه نصر في سنة 429هـ (1026م).
الدكتور حسين سبيتي
مرند
مدينة (مرند) هي إحدى المدن القديمة في مقاطعة آذربيجان، وتقع إلى الشمال الغربي من مدينة تبريز على مسافة اثنين وسبعين كيلومتراً. وتحدّها من الشمال حدود ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي ومن الجنوب مدينة تبريز، ومن المشرق ورزقان أهر، ومن المغرب مدينة خوي.
وقد ذكر هذه المدينة الجغرافي والمؤرخ اليوناني استرابون تحت اسم (موروندا). كما ذكرها المنجم والرياضي والجغرافي الإسكندري المعروف بطليموس. وكذلك فلاديمير مينورسكي، الذي عدّ القلعة الرملية الواقعة في جنوب شرق مرند من سلسلة القلاع الرملية التي شيّدها الملك الآشوري (سرجون) الثاني في نقاط مختلفة من آذربيجان، وذلك بناءً على ما قدّمه علماء الآثار في هذا الصدد، فيما يذهب ويليامز جاكسون إلى أن هذه القلعة هي إحدى معابد الزرادشت في العهد الساساني.
ويرى المؤرخون الرومان رأياً شاذاً في أنّ مرند يعود تاريخها إلى عهد نبي الله نوح، ويعتقد بعضهم أن اسمها مكوّن من كلمتين Mair وAnd «مير، أند»، على أساس أن زوجة نوح عليه السلام دفنت فيها.
كاري وآخرون غيره من دون نظر تاريخي وبلا تأمّل يكرّرون هذا الرأي، ولا يستغرب هذا الرأي الشاذ منهم لأنهم يذهبون نفس هذا المذهب في ما يخصّ تسمية مدينة تبريز. وعلى أية حال، فإن تاريخ مرند وأوضاعها تتّضح أكثر في العهد الإسلامي، حيث يربط البلاذري في (فتوح البلدان) نشوء مرند وعمرانها إلى حلبس، وولده بعيث، وولده محمد، فقد كانت قبلهما قرية صغيرة، وقد كان ذلك في عهد المتوكل العباسي.
ويعدّها أحمد بن يعقوب بن واضح، وأبو الفرج قدامة بن جعفر في عداد البلاد المعمورة في القرن الثالث الهجري، كما ذكر ابن خرداد مصنّف كتاب (المسالك والممالك) اتّخاذ محمد بن البعيث مرند مقراً لمعسكره.
وأشار ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى الحروب المتواصلة والغارات التي كانت تشن على مرند، وخراب المدينة على يد الكرجيين، كما أحصى أسماء عدد من فقهائها وعلمائها الكبار.
وأورد حمد الله المستوفي تعريفاً موجزاً لمرند، فقال: إنها مدينة كبيرة، محيطها ثمانية آلاف قدم، وتزرع فيها الغلال والحبوب والقطن وأنواع متعدّدة من الفاكهة كالعنب والمشمش والكمثري والسفرجل والخوخ، وهي تقع على أرض مرتفعة، وتتمتع بمناخ لطيف ونقي.
ولم يغفل الجغرافيون الغربيون والمستشرقون عن ذكر مرند في التاريخ، والتاريخ المعاصر. من هؤلاء: لسترنج، وبارتولد، وينوريسكي، ودونالدويلبر.
وفي المصنفات التاريخية الإسلامية والإيرانية ذكرت الحوادث المهمة في السنوات البارزة من تاريخ مرند منذ الفتح وحتى عصرنا الحاضر.
إن مدينة «مرند» اليوم هي إحدى المدن العامرة التي تتميَّز بنقاوة مناخها، وعذوبة مياهها، وتخترقها شوارع حديثة معبّدة بالإسفلت، وتكتظّ بالغابات والمزارع الخضراء الجميلة، وقد وصلتها أغلب التقنيات والخدمات الحديثة؛ كالمستشفى، ومستشفى الأطفال، والمدارس، وإسالة الماء، والإنارة الكهربائية ووسائل النقل الحديثة.
إن مرند هي مركز قضاء مرند، ومن توابعها خمس قرى، هي عبارة عن: حومة، ورودقات، وعلمدار، وهرزندات، ويكانات. وفي مرند والقرى التابعة لها توجد آثار تاريخية في غاية الأهمية، وللاعتناء بها قيمة كبيرة في الكشف أكثر عن تاريخ مرند، ومهارات أهلها. وفيما يلي تعداد لهذه الآثار التي ما يزال أغلبها مجهولاً:
أ ـ الآثار التاريخية في داخل مدينة مرند، وهي عبارة عن:
1 ـ المسجد الجامع الواقع في بداية شارع الموقف «ايستكاه» ويعود زمن إنشائه إلى العهد السلجوقي، ويتألف من مسجدين؛ كبير، وصغير. وللمسجد الكبير محراب غاية في الجمال يرجع تاريخه إلى عهد (أبو سعيد بهادرخان) الذي أمر عام 731 للهجرة بتصميمه على الطراز التبريزي. ويستفاد من الكتابات الظاهرة أن تولية المسجد كانت بيد حسين بن محمود بن تاج خواجة بتوجيه وأمر من السلطان أبو سعيد بهادرخان.
وبعد تسع سنوات، أي في عام 740 هجرية جدّد بناء وترميم المسجد الصغير (الشتائي)، وقد نقش تاريخ التعمير على الطاق الصخري الواقع في مدخل المسجد، باللغة العربية، وبالخطّ الثالث، وتنصّ العبارة: «أمر بتجديد هذه العمارة، الصدر الكبير، خواجة حسين بن سيف الدين محمود بن تاج خواجة، في أواخر شوّال سنة أربعين وسبعمائة».
2 ـ مسجد أم نوح، وقد زيّن هذا المسجد بأربع أسطوانات صخرية، وباثني عشر وجهاً وتسعة محاريب. ويقع في سوق مرند الرئيسي، ويعود تاريخ بنائه إلى العهد الصفوي، ومن المعتقد أن هذا المسجد قد كان من قبل معبداً على كيفية مغارة.
وقد عمّر بشكل أساسي عام 1268 هجري، وتوجد فيه قطعة من المرمر كتب عليها باللغة العربية: عُمّر هذا المسجد الشريف بناءً على ما اشتهر بين الناس من أن قبر أم نوح يقع فيه، بمباشرة من الشيخ علي المرندي، أحد التلامذة البارزين للمشايخ العظام؛ الشيخ محمد حسن صاحب جواهر الكلام، والشيخ محمد حسين صاحب الفصول، والشيخ الأزهر صاحب المفاخر، وخلاصة الأوائل والأواخر الشيخ مرتضى الأنصاري، بتاريخ 1268هـ.ق. وتحت هذه العبارة رباعية من الشعر الفارسي تتضمّن بيتاً في تاريخ التعمير من نظم علي بن هادي الحسيني.
3 ـ قلعة رملية تقع في الجنوب الشرقي من المدينة.
4 ـ مقبرة تاريخية معروفة بـ «باغ مزار» وقد كسيت سطوح مقابرها بالمرمر المزيّن بأنواع الخطوط والنقوش، وتعود تواريخها في الغالب إلى القرون؛ الثامن، والتاسع، والعاشر.
5 ـ قبر «همتلي بابا»، وقبر «بايرام قلي قراتاج» المتوفى عام 959 هجري ويقع على تل إلى جوار «ديزج عليا».
6 ـ المقبرة التاريخية «ديزج» التي تشمل على ألواح من الصخر تعود إلى عهد «آق قويونلو» و«قره قويونلو».
7 ـ ضريح الولي «إمام زاده» أحمد مرند، ويقع على تلٍ غربيّ المدينة.
8 ـ ضريح الولي «إمام زاده» إبراهيم، ويقع في محلّة بالدير.
ب ـ الآثار التاريخية الواقعة في خارج مدينة مرند، وهي عبارة عن:
1 ـ كنيسة «سان ريبسم»، تمّ بناؤها عام 1750 ميلادي.
2 ـ كنيسة «سهرل».
3 ـ مقبرة تاريخية، كسيت سطوح قبورها بالألواح الحجرية، تقع في قرية «منور».
4 ـ مقبرة تاريخية تقع في قرية «أمند»، وتوجد على صناديق القبور فيها نقوش كثيرة.
5 ـ جسر شيّد على نهر «برول». وتقع جميع هذه الآثار في قرى رودقات.
6 ـ تلّ أثري قديم يعرف بـ «باروق» أو «باروج»، يقع على مسافة عشرة كيلومترات شمالي «ماستري»، ويعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، وينتصب هذا التل على ساحل نهر «ذلبيد الكبير».
ـ كما ذكر ذلك الخواجة رشيد الدين فضل الله في وقفية الربع الرشيدي، ويعرف هذا النهر الآن باسم «زيلبير».
7 ـ قلعتا هرزند وجيلين ديز، وتقع كلّ منهما على تلٍ عالٍ.
8 ـ قلعة زنوزاق، وتقع على تلٍ شديد الارتفاع خلف منازل المدينة شمال زنوزاق.
9 ـ مقبرة زنوزاق التاريخية التي يعود تاريخها إلى القرون الهجرية الثامن والتاسع والعاشر.
10 ـ بعض القبور التاريخية العائدة إلى القرنين الثامن والتاسع، وجسر، وبعض المزارات في منطقة زنور.
11 ـ أطلال خرائب يعود تدميرها إلى زمن حملات هولاكو.
إن منطقة زنوزاق وعدداً من القرى الواقعة في أطرافها هي جزء من موقوفات الخواجة رشيد الدين فضل الله.
12 ـ كنيسة «سان استبانوس» التي تعتبر من أهم العمارات المنشأة في القرون العاشر إلى الثاني عشر وتعتبر قلعة «استبانوس» من القلاع التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام.
13 ـ أطلال وخرائب تعرف بـ «شاه عباسي». وتقع بين هذه الأطلال وكنيسة «سان استبانوس» مقبرة تاريخية، وبقايا جسر يعرف بجسر «ضياء الملك نخجواني»، أمر الشاه عباس بتخريبه.
14 ـ تلّ أثري يعرف بـ «كركر» يشابه تلال مرند وباروج، وقد قام بعض المزارعين بصفة غير رسمية بإجراء حفريات في جانب من التلّ وعثروا على أشياء أثرية كالأواني الخزفية، والجرار، والأساور، والسيوف، والحراب، والمسكوكات النقدية.
15 ـ ضريح لأحد الأولياء «إمام زاده» يقع في جانب من «كركر» على تلٍّ أخضر، والضريح مصنوع من الخشب، يعتقد أن نجاراً نخجوانياً فناناً قد صمّمه قبل حوالي مائة وعشرين سنة، ويقال: إن صاحب الضريح هو أحد أبناء الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام.
ويوجد إلى جوار هذا الضريح قبر يتعلق بأحد قادة الجيش العثماني قتل في العهد الصفوي ودفن في هذا الموضع.
عبد العلي كارنك
مرو
كانت تتبع ما سمي بالاتحاد السوفياتي، وقد كانت في وقت من الأوقات عاصمة القسم الشرقي من الدولة الإسلامية الكبرى، وذلك حين تولى (الأمين) الخلافة بعد والده (الرشيد) الذي جعل ولده (الأمين) ولياً لعهده، على أن يحكم (المأمون) القسم الشرقي الذي كانت قاعدته مدينة (مرو).
وبعد وفاة الرشيد وتولي الأمين الخلافة ظل المأمون في مرو، يحكم منها شطراً كبيراً من ذلك الملك المترامي الأطراف. ولما عزل الأمين أخاه المأمون من ولاية عهده وعهد بها إلى ولده، وتمرد المأمون على هذا العزل، وانهزمت جيوش (الأمين) وانتصر المأمون وصار هو الخليفة، ظل مستقراً في مرو.
وهكذا أصبحت (مرو) عاصمة الدولة كلها.
ولما جعل المأمون الإمام عليًّا الرضا عليه السلام ولياً لعهده استدعاه إلى (مرو)، فجمعت (مرو) بذلك بين كونها عاصمة الخلافة، وكونها عاصمة الإمامة.
قال الطبري: في هذه السنة (200هـ) وجّه المأمون رجاء بن أبي الضحاك ـ وهو عم الفضل بن سهل ـ وفرناس الخادم لإشخاص علي بن موسى بن جعفر بن محمد، ومحمد بن جعفر اهـ.
مظاهرة إمامية في مرو
في رمضان سنة 201 شهدت مرو مظاهرة إمامية فخمة، تجلت ببيعة الناس للرضا بولاية العهد. فقد جلس المأمون للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى الرضا عليهما السلام وأنه قد ولاه عهده وسماه (الرضا) وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا أرزاق سنة. فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة، وجلس المأمون، ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفراشه، وأجلس الرضا عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر ابنه (العباس بن المأمون) أن يبايع له أول الناس. فبايعه الناس، ووضعت البدر وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السلام.
المظاهرة الكبرى في مرو
أما المظاهرة الشعبية الكبرى التي شهدتها (مرو) فهي يوم خروج الرضا عليه السلام ليصلي بالناس صلاة العيد.
فقد بكّر القواد والحجاب والناس إلى باب الرضا عليه السلام وقعدت الجماهير في الطرقات والسطوح، واجتمعت النساء والصبيان ينتظرون خروجه.
فخرج متعمماً بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه، وأخذ بيده عكازاً، وقال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت، فخرجوا بين يديه، وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبَّر، وكبر مواليه معه، ثم مشى حتى وقف على الباب، فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة ترجلوا كلهم مسرعين.
وكبّر الرضا عليه السلام على الباب الأكبر، وكبر الناس معه. يقول الراويان المشاهدان ياسر الخادم والريان بن الصلت: فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن (الرضا) عليه السلام وسمعوا تكبيره.
مظاهرة أدبية عاطفية
وهناك مظاهرة إمامية أدبية عاطفية رائعة قامت في مرو إذ كان بطلها شخصاً واحداً، فقد كان هذا الشخص يمثل الجماهير العريضة التي كانت تغص بها مرو وغير مرو من أنحاء العالم الإسلامي والتي انطلق كبتها من عقاله بإسناد ولاية العهد إلى الإمام الرضا، فجاء هذا الرجل الواحد إلى مرو ناطقاً بلسانها، هاتفاً بشعارها، فكان صوته يومذاك، صوتاً جماهيرياً لا صوتاً فردياً، صوتاً جماهيرياً بما يمثل من عاطفة وعقيدة وفكرة.
هذا الرجل هو دعبل الخزاعي، الشاعر الثائر، الذي كان ينطق شعره بلسان الثوار الأحرار أينما كانوا.
جاء دعبل إلى مدينة مرو، وقد نظم قصيدته التائية، فدخل على الرضا عليه السلام، فقال يابن رسول الله، إني قلت فيكم قصيدة وأليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، وبدأ بإنشاد القصيدة التي مطلعها:
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ والنطقات
والتي يقول فيها مصوراً ما آل إليه حكم الإسلام في دول الجور والظلم والاستبداد التي سادته منذ قام بالانقلاب عليه معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين.
ألم تر للأيام ما جرّ جورها
على الناس من نقص وطول شتات
ومن دول المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى
وحكم بلا شورى بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجاً طعم كل فرات
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
وسبطي رسول الله وابني وصيه
ووارث علم الله والحسنات
منازل قوم يهتدي بهداهم
فتؤمن منهم زلة العثرات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف للأيام والسنوات
فيا وارثي علم النبي وآله
عليكم سلام دائم النفحات
لقد أمنت نفسي بكم في حياتها
وإني لأرجو الأمن بعد مماتي
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الأقطار مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير سادات وخير حماة
وما الناس إلا غاصب ومكذب
ومضطغن ذو أحنة وتراث
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر
ويوم حنين أسبلوا العبارات
فكيف يحبون النبي ورهطه
هم تركوا أحشاءهم وغرات
لقد لاينوه في المقال وأضمروا
قلوباً على الأحقاد منطويات
فلما بلغ إلى قوله:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
بكى الرضا وقال صدقت يا خزاعي.
فلما بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفاً عن الأوتار منقبضات
جعل الرضا يقلب كفيه ويقول: أجل والله منقبضات، واستمر دعبل بإلقاء القصيدة إلى آخرها.
واتصل خبر القصيدة بالمأمون فأحضر دعبلاً وأمره بإنشادها، فقال دعبل لا أعرفها.
فقال المأمون: لا بأس عليك، ولك الأمان من كل شيء فيها، فأنا أعرفها وقد رويتها إلا أني أحب أن أسمعها من فيك، فأنشده دعبل حتى صار إلى هذا الموضع:
بنات زياد في القصور مصونة
وبنت رسول الله في الفلوات
بكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره.
ولم يطل الأمر بعد ذلك فعزم المأمون على العودة إلى بغداد، فخرج وخرج معه الرضا عليه السلام.
وكان ما كان من وفاة الرضا عليه السلام في طوس مما ليس هنا مكان تفصيله ونعود الآن إلى الحديث عن مرو:
تفاصيل عن مرو
يمتد ربع مرو، على نهر مرغاب أي نهر مرو وينحدر هذا النهر من جبال الغور في شمال شرقي هرات، ثم يمر بمرو الصغرى ويدور منها شمالاً إلى مرو الكبرى، حيث تتشعب منه جملة أنهار، ثم يفنى ماؤه في رمال مفازة الغز.
وما خلا المدن المختلفة المنتشرة على نهر مرغاب، فن ربع مرو، يشتمل أيضاً على المواضع القائمة على طريق خراسان، مما يلي مرو إلى الشمال الشرقي من نهر جيحون عند آمل، حيث معبر الطريق إلى بخارى.
واسم مُرغاب، أو مَرغاب، أصله على ما ذكر ابن حوقل، مرو آب (أي ماء مرو) إلا أن الإصطخري قال إن مرغاب اسم موضع ينبع فيه هذا النهر، وسمى المقدسي نهر مرغاب نهر المروين، وقال هو: «يمتد إلى مرو العليا (أي الصغرى) ثم ينعطف إلى السفلى (أي مرو الكبرى) فإذا صار من مرو الكبرى على نحو من مرحلة سُدّ قاعه من الجانبين بالحطب فانحبس لذلك الماء وامتنع مجراه عن أن يتحول، وكان على هذا السد في المائة الرابعة (العاشرة) أمير لحمايته تحت يده عشرة آلاف رجل، وعليه حراس يحفظونه لئلا ينبثق «ولا ترى أحسن ولا أتقن من قسمته». وقد أقيم لوح على السد لقياس علو الماء وقت الفيضان. «وربما علا الماء فبلغ طوله في اللوح ستين شعيرة، ويستبشر الناس بذلك، وإذا كانت ست شعيرات، كانت سنة قحط».
وعلى فرسخ من جنوب مدينة مرو «الكبرى» أقيم في النهر سد شبه حوض عظيم مستدير، منه تخرج أربعة أنهار إلى محلات وأرباض المدينة المختلفة. وقد أقيم في الحوض أبواب ومقاسم تضبط علو الماء في الحوض. ويبتهج الناس حين يصل الفيضان حداً عالياً، فتفتح السدود المختلفة ويوزع الماء على الأنهار «قدر الحاجة».
وكانت مرو الكبرى تعرف في العصور الوسطى بمرو الشاهجان تمييزاً لها عن مرو الروذ وهي مرو الصغرى. ولعل الشاهجان ليس إلا الصيغة العربية لـ «شاهكان» الفارسية القديمة، ومعناها «السلطاني» أو «يخص السلطان». أما ياقوت الحموي وغيره فقالوا: «ن الشاهجان معناه نفس السلطان». ومرو، على ما وصفها الإصطخري وابن حوقل والمقدسي، تتألف من قلعة داخلة (قهندز)، والقهندز مرتفع «ومقداره مقدار مدينة» حوله المدينة الداخلة، ولها أربعة أبواب، ويليها أرباض واسعة تمتد على ضفاف الأنهر الكبيرة. وكان في مرو في المائة الرابعة (العاشرة) ثلاثة مساجد جامعة: أولها مسجد القلعة، ويقال لها مسجد بني ماهان. ثم المسجد العتيق، وكان على باب المدينة المفضي إلى سرخس. والمسجد الثالث هو المسجد الجديد جنب الأسواق الكبرى في مرو.
وفي الميدان المسجد الجديد ودار الإمارة والحبس، وهي من بناء أبي مسلم الخراساني. وفي دار الإمارة، قبة من الآجر سعتها خمسة وخمسون ذراعاً على ما ذكر الإصطخري، وعندها «صبغ أول سواد ولبسته المسوّدة» واتخذ السواد شعاراً للدولة العباسية.
وفي ظاهر باب (درمسكان) من أبواب مرو، قصر المأمون وفيه عاش أيام مقامه بمرو، وعلى ستة فراسخ من المدينة، كانت مدينة جيرنج (وهي كيرنك في المقدس) على ضفة النهر. وبجنبها الطاحونة التي اختفى فيها يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين وقتله الطحان طمعاً بكنوزه.
وفي النصف الثاني من المائة الرابعة (العاشرة)، زار المقدسي مدينة مرو، فرأى ثلث ربضها مهدماً، وقهندزها ليس بأحسن حالاً. على أن في المائة التالية اتسعت المدينة وعظم شأنها في أيام السلاجقة. وفيها دفن السلطان سنجر آخر السلاجقة العظام سنة 552هـ (1157م) وما زالت بقايا قبره فيها حتى اليوم. وصف ياقوت، وقد كان مر سنة 616هـ (1219م) بـ قبر السلطان سنجر، قائلاً: «قبره بها، في قبة عظيمة زرقاء تظهر من مسيرة يوم، لها شباك إلى الجامع. بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته». وفي قرية اندراية، على فرسخين من مرو، وهي من أملاك السلطان سنجر كانت ترى بقايا قصره في المائة السابعة (الثالثة عشرة). وكانت أسواره باقية إلا أن سائره قد استولى عليه الخراب وكذلك كان حال القرية المجاورة له، على ما ذكر ياقوت.
وقال ياقوت إنه كان في أيامه بمرو «جامعان للحنفية والشافعية، يجمعهما السور». وأقام ياقوت في مرو ثلاثة أعوام يجمع مادة لكتابه «معجم البلدان» لأن مرو كانت قبل ورود التتر اليها مشهورة بخزائن كتبها فنوه بذلك قائلاً: «لولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها، لما فارقتها إلى الممات» وذكر من بين خزائنها، خزانتين في الجامع، «إحداهما يقال لها العزيزية، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها. والأخرى يقال لها الكمالية، وبها خزانة شرف الملك في مدرسته. وخزانة نظام الملك في مدرسته، وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العُميدية»، وفيها أيضاً خزانة المدرسة الخاتونية وخزانة لمجد الملك، وبها خزانة الضميرية في خانقاه أي زاوية الدراويش وليس فيها إلا 200 مجلد، ولكن كل مجلد قيمته على ما ذكر ياقوت مائتا دينار ذهباً، لأن كل كتبها فريد لا يقدر بثمن([489]).
وبورود المغول الى مرو في سنة 617هـ (1220م)، هرب ياقوت إلى الموصل في إقليم الجزيرة، أما ما في خزائن مرو من نفائس الكتب فقد أضحت طعمة للنيران عقب نهب المغول لهذه المدينة العظيمة. وقال ابن الأثير: «ثم إنهم أحرقوا تربة السلطان سنجر». وأحرقوا أيضاً الجوامع والخزائن وغيرها. وزاد حافظ أبرو على ذلك، أن التتر كسروا السدود وخرّبوا المسنيات ومقاسم الماء في نهر مرغاب التي كثرت في أيام السلاجقة. وحين اجتاز ابن بطوطة بمرو في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) رآها فإذا هي جميعاً خربة عظيمة.
وتكلم معاصره المستوفي على ماضي مرو الزاهر ومجدها الغابر في المائة الثانية (الثامنة) حين كان يتولاها أبو مسلم، وحين كان يقيم بها المأمون قبل شخوصه إلى بغداد. ثم نقل بنو الصفار عاصمة خراسان إلى نيسابور، إلا أن السلاجقة جعلوا مرو أولى المدن مرة أخرى. وبنى السلطان ملكشاه سوراً عظيماً حول المدينة دوره 12300 خطوة، وكانت غلات واحة مرو مفرطة المحصول. فقد روى المستوفي أن قمحها كان يعطي الواحد في السنة الأولى مائة ضعف وما تخلف من حب يعطي الواحد في السنة الثانية ثلاثين. ويعطي الواحد في السنة الثالثة عشرة حتى وإن لم تزرع، على أن هواءها كان وخماً وبيئاً. وكانت الرمال المتحركة من المفاوز المجاورة لها قد طمرت في أيامه كثيراً من رساتيقها الخصبة، ولكن بطيخها الجيد بقي يزرع فيها ويحمل إلى سائر البلدان وكذلك كان فيها عنب وكمثري.
وقال المستوفي في سياق وصفه مرو، إن الخراب ما زال مستولياً على أكثرها، وإن استعادت في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) شيئاً من بهائها الأول. فإن تيمور لنك كان كثيراً ما ينزل عندها حين يخفت دوي الحرب. واستعادت مرو عظمتها الأولى في أيام شاه رخ، حفيد تيمور. فقد جدد قسماً كبيراً من المدينة في سنة 812هـ (1409م)، حتى أن حافظ أبرو، حين كتب في سنة 821هـ (1418م)، قال إنها قد عادت ثانية إلى ما كانت عليه من عمران وازدهار.
وعلى نحو من 160 ميلاً فوق مرو العظمى، تقوم مرو العليا أو الصغرى، في موضع من نهر مرغاب حيث ينعطف شمالاً بعد خروجه من جبال الغور فيقطع البرية إلى مرو الكبرى. ومرو الصغرى أي مرو العليا على ما سماها المقدسي وغيره، هي الموضع المعروف لدى الفرس باسم بالا مرغاب أي «مرغاب الأعلى». وهي اليوم خراب وقد ظلت على خرابها منذ غزو تيمور لها. إلا أن مرو الروذ، أي مرو الشط، على ما كانت تسمى به في المائة الرابعة (العاشرة)، كانت حينذاك أكبر مدينة في هذا الرستاق العامر الآهل.
وجامعها في السوق، وهو على ما ذكر المقدسي، على سواري خشب. وذكر ياقوت أن اسم مرو الروذ في أيامه كان يلفظه الناس مروذ. والظاهر أنها لم يصبها من التدمير ما أصاب مرو الكبرى على أيدي المغول. ومهما يكن من أمر فإن المستوفي، في المائة الثامنة (الرابعة عشرة)، قال إنها موضع، عامر، عليه سور دوره خمس آلاف خطوة، بناه السلطان ملكشاه السلجوقي. وكانت رساتيقها في غاية الخصب، يكثر فيها العنب والبطيخ والمعيشة فيها رخيصة.
وعلى مسيرة يوم من مرو الروذ، على الضفة نفسها من ناحية مرو الكبرى، كان القصر المعروف بقصر الأحنف، نسبة إلى الأحنف بن قيس القائد الذي أخضع هذه البلاد للإسلام في سنة 31هـ (652م). وكانت بلدة قصر الأحنف كبيرة على ما ذكر ابن حوقل، لها بساتين وكروم حسنة. وهي طيبة الهواء والتربة.
تلك الأيام …
وهكذا من عاصمة خراسان وعاصمة القسم الشرقي من الدولة الإسلامية الكبرى، إلى عاصمة الدولة كلها، إلى ما شاء الله من أحداث، إلى بلدة مغمورة.
وفي مرو يقول مالك بن الريب:
ولما تراءت عند مرو منيتي
وخل بها جسمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي أرفعوني فإنه
يقر بعيني أن سهيل بداليا
وفيها يقول كعب الأشقري الدوسي:
بئس التبدل من مرو وساكنها
أرض عمان وسكنى تحت أطواد
يضحي السحاب مطيراً دون منصفها
كأن أجبالها علّت بفرصاد
وفيها يقول القائل:
أقمرية الوادي التي خان إلفها
من الدهر أحداث أتت وخطوب
تعالي أطارحك البكاء فإننا
كلانا بمرو الشاهجان غريب
وفيها يقول آخر:
أخلاي إن أصبحتم في دياركم
فإني بمرو الشاهجان غريب
أموت اشتياقاً ثم أحيا تذكراً
وبين التراقي والضلوع لهيب
فما عجب موت الغريب صبابة
ولكن بقاه في الحياة عجيب
وفيها يقول عراقي آذاه بردها:
وأرى بمرو الشاهجان تنكرت
أرض تتابع ثلجها المذرور
إذ لا ترى ذا بزّة مشهورة
إلا تخال بأنه مقرور
كلتا يديه لا تزايل ثوبه
كل الشتاء كأنه مأسور
أسفاً على بر العراق وبحره
إن الفؤاد بشجوه معذور
وفي الحنين إليها يقول الآخر:
ليال بمرو الشاهجان وشملنا
جميع سقاك الله صوب عهاد
سر قناك من ريب الزمان وصرفه
وعين النوى مكحولة برقاد
تنبه صرف الدهر فاستحدث النوى
وصيّرنا شتى بكل بلاد
وفي أهلها يقول الآخر:
مياسير (مرو) من يجود لضيفه
بكرش فقد أمسى نظيراً لحاتم
ومن رسّ باب الدار منكم بقرعة
فقد كملت فيه خصال المكارم
يسمون بطن الشاة طاووس عرسهم
وعند طبيخ اللحم بطن الجماجم
فلا رحم الرحمن أرضاً وبلدة
طواويسهم فيها بطون البهائم
مروج الذهب
كتاب لعلي بن الحسين المسعودي
ولد المسعودي العام 287هـ/ 900م في بغداد في أواخر حكم الخليفة المعتضد بالله (279هـ ـ 290هـ) وبعده حكم ابنه المكتفي (290هـ ـ 295هـ) ثم بويع المقتدر (295هـ ـ 320هـ) وهو ابن ثلاثة عشر عاماً، فاختل نظام الملك بسبب صغر سنه، وعين أحد أبناء عمومته المرتضى الذي لم يمكث سوى يوم وليلة.
عاصر المسعودي هؤلاء الخلفاء وما رافق حكمهم من فوضى واضطرابات بعد تدخل الأتراك في الشؤون الداخلية للبلاد ولا سيما أيام المقتدر التي ظهر خلالها الفاطميون في شمال إفريقيا، وعبد الرحمن الثالث الأموي في الأندلس.
لكن هذه الأحوال المتردية لم تؤثر في نشاط بغداد التي اشتهرت بمكانتها الثقافية والعلمية، فنشأ المسعودي في هذه الأجواء واهتمت أسرته بتثقيفه، فألمّ بالتاريخ والجغرافية، ودرس العلوم اللغوية والأدبية، وتعلم اللغات الفارسية والهندية واليونانية والسريانية، كما عاصر كثيراً من المشاهير كالبلاذري وابن قتيبة واليعقوبي والطبري والبحتري وابن حنبل والجنيد …. وعاشر في صباه الشاعر ابن الرومي. وفي سنة 309هـ، فيما بغداد مشتعلة بنيران الصراعات الداخلية والهجومات البيزنطية الخارجية، غادر المسعودي المدينة صوب الأطراف الشرقية من الدولة، فطاف ببلاد فارس وكرمان حتى استقر في اصطخر. وفي العام التالي قصد الهند ثم سيلان، ومن هناك ركب البحر إلى بلاد الصين وجاب البحر الهندي وجزائره خصوصاً زنجبار ومدغشقر، عاد بعدها إلى عُمان لينتقل العام 314هـ مرة أخرى إلى ما وراء آذربيجان ثم إلى بلاد الشام.
وفي سنة 320هـ ولي الحكم الخليفة القاهر وكان سفاكاً للدم، وبعده حكم الراضي العام 322هـ، وفي أيامه تقطعت أوصال الدولة: بلاد فارس مع بني بويه، ومصر والشام مع الإخشيديين، بينما المغرب وإفريقيا بيد المهدي الفاطمي. ولم يعد بيد الخليفة سوى بغداد وأعمالها، قبل دخول البويهيين بغداد. هذه كانت حال الحكم العباسي التي عاشها المسعودي ولو عن بعد. ومع ذلك لم ينثن عن متابعة ترحاله، فوصل العام 332هـ إلى إنطاكية والثغور الشامية واستقر فترة في دمشق، ومن ثم مضى إلى مصر الهادئة فاستقر في مدينة الفسطاط العام 345هـ وهي تحت حكم كافور الإخشيدي. وفي العام 346هـ توفي بعيداً عن موطنه.
وضع المسعودي ثقافته الشخصية وخبرته التي اكتسبها في اجتيازه المدن وتقصي أخبارها في مجلدات ضخمة، تضمنت اقتباسات من كتب كثيرة سابقة له، فكان مصنفاً للتواريخ ولأخبار الملوك كما كان إخبارياً صاحب غرائب وملح ونوادر حسب ابن شاكر في «وفاة الوفيات». وأكثر مؤلفاته لم يصلنا، بل اقتصرت معرفتنا بها على ما ذكره هو في كتابيه «مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف» ومن تلك الكتب: كتاب ذخائر العلوم، فنون المعارف، نظم الجواهر في تدبير الممالك والعساكر، الأخبار المسعوديات، تقلب الدول، المبادئ والتراكيب، طب النفوس، الرؤوس السبعة، القضايا والتجارب، كتاب مقاتل فرسان العجم، الزاهي …. أما ما اشتهر من مؤلفاته فثلاثة:
1 ـ «أخبار الزمان»: يقع في ثلاثين جزءاً لم يصلنا سوى الجزء الأول، وفيه ذكر الأرض ومدنها وجبالها ومعادنها، وتناول أخبار الملوك حتى العام 332هـ.
2 ـ «التنبيه والإشراف»: جمع فيه أصنافاً متعددة من الثقافات والعلوم، وتحدث عن الفلاسفة، كما ضمنه صوراً تاريخية وجغرافية ووصفاً لكثير من الأقاليم، وكلاماً عن النجوم وفصول السنة والرياح ومصاب الأنهار، إضافة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعدد غزواته، وسير الخلفاء من بعده والملوك وأخلاقهم وكتّابهم حتى العام 345هـ.
3 ـ «مروج الذهب ومعادن الجوهر»: بدأ بتأليفه سنة 332هـ، وانتهى منه العام 336هـ. ويعد من أشهر كتب المسعودي على الإطلاق، وهو عبارة عن دراسة تاريخية فريدة تضمنت أخبار البشر وما مضى من الزمان من أخبار الأنبياء والملوك والأمم ومساكنها، مع تعريف بها ودراسة لجغرافيتها. والكتاب ليس تاريخاً متعدد الحلقات، بل مجموعة من الأحداث والاخبار رتّبها بشكل موضوعي. ويمكن تقسيمه إلى جزأين كبيرين.
الأول: ويبدأ به بالكلام عن دوافعه لوضع هذا المؤلف والمصادر التي اعتمدها، خصوصاً ما ورد في «أخبار الزمان» و«الكتاب الأوسط». ثم ينتقل إلى باب هو بمثابة فهرست مفصل لمواضيع الكتاب (132 باباً). ويختم هذا الباب بالقول: «… فهذا ما حوى الكتاب من الابواب على أنه قد يأتي من كل باب مما ذكرناه من أنواع العلوم وفنون الأخبار والآثار ما لم تأت عليه تراجم الأبواب وهو مرتب على حسب ما قدمنا من أبوابه نفردها على سيرهم، مما كان في عصورهم وأخبار وزرائهم وما جرى من أنواع العلوم في مجالسهم ملوحين بذلك إلى ما سلف من تصنيفنا وتقدم من تأليفنا من هذه المعاني والفنون».
أما في الجزء الثاني: فكلام عن خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام فالخلفاء الأمويين والعباسيين مع ذكر حروبهم وأخبارهم حتى يصل إلى أيام الخليفة المطيع وما حدث فيها من أخبار وغزوات.
وعلاوة على هذه المؤلفات الثلاثة وضع المسعودي «الكتاب الأوسط في الأخبار على التاريخ» في الفترة بين «أخبار الزمان» و«التنبيه والإشراف»، ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسعودي كان ينوي إصدار كتاب يضم فنوناً من الاخبار والآثار اختار له اسم «وصل المجالس»، لكنه توفي قبل تأليفه.
ومن خلال كتاب «مروج الذهب» يمكن التعرف جيداً إلى شخصية المسعودي ومنهجه العلمي، وثقافته الموسوعية وأسلوبه. ولعل سبب استقراره في الفسطاط يكمن في استمرار اضطراب الحالة الداخلية في بغداد من جهة، والهدوء والاستقرار اللذين عرفتهما مصر في تلك الفترة من جهة أخرى. إلا أن ترحال المسعودي المستمر لم ينسه وطنه الأصلي العراق، فها هو يعبر عن حنينه وشوقه لرؤيته: «وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وولدت قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا وهو إقليم بابل».
كان المسعودي متأثراً بالمحيط الذي عاش فيه، فاضطراب الأمور دفعه إلى مغادرة موطنه في وقت كانت أعداد المسافرين والرحالة في ازدياد طلباً للعلم وللتجارة بعد اتساع أراضي الخلافة. واستمرت أسفاره خمسة وعشرين عاماً جاب خلالها البلاد وتعرف على أحوال الأمم وعاداتها. وكان ـ حسب ما يذكر هو نفسه ـ موضوعياً لا يتملق الملك أو يخاف من أمير ولم يتوان عن نقد بعض الخلفاء العباسيين ووصف نقاط ضعفهم وكيف أفلت زمام الأمور من أيديهم.
أنشأ المسعودي مدرسة جديدة في التاريخ لم يتبع فيها طريقة السرد القديمة، بل اهتم بالتحليل التاريخي والبحث عن الدوافع. وكان الذين قبله يعتمدون الرواية عن طريق السند «حدثنا فلان عن فلان …». إلا أن المسعودي تفرد بذكر الأخبار والحوادث من غير سند مكتفياً بتعداد من اعتمد عليهم من الرواة والمصادر، مسجلاً لنفسه السبق في وضع نظرية النقد المقارن. وهو في هذا المجال أشاد ببعض من أخذ عنهم وانتقد الآخر.
أما المسعودي الرحالة والجغرافي، فيظهر وصفه الدقيق للبحار والأنهار ومنابعها ومصابها، وكذلك في كلامه عن الأطوال والأعراض، وعن تقسيم الأرض من خلال رحلاته التي بلغت الصين ومدغشقر. وهو حين يتناول الرحلات يتبع طريقة موضوعية إقليمية، فيقسم الدراسات إلى مواضيع مستقلة من دون أن يهتم بتتابع أخبار رحلاته والربط بينها.
وصلت الثقة بالمسعودي إلى حد التصدي وتصحيح المعلومات الجغرافية، فانتقد الجاحظ الذي زعم أن نهر «مران» الذي هو نهر السند من النيل، واستدل بوجود التماسيح فيه، فرد عليه: إن الجاحظ لم يسلك البحار، ولا أكثر من الأسفار ولا يعرف المسالك والأمصار، إنما كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين. ويتابع مصححاً: إن هذا النهر يخرج من أعالي بلاد السند ثم ينتهي إلى بلاد المنصورة ويصب في بحر الهند.
ولم يكن ترحال المسعودي الذي استمر ربع قرن إلا لمشاهدة أحوال البلاد ومعالمها، وساعده في هذا معرفته باللغات المتعددة. وإضافة إلى المعلومات الهائلة في «مروج الذهب»، فقد نوّع المؤلف فيه وأتى بأخبار علمية وعادات غريبة دلّت على سعة ثقافته وفضوله. وفي تناوله بعض الأخبار المميزة، يشير إلى العلامات الدالة على وجود الماء عبر رؤية منابت القصب واللين من الحشيش في المواضع التي يُشتبه بوجود الماء فيها. كما يشير إلى طريقة ثانية «من أراد علم ذلك، فلينظر إلى النمل، فإن وجدها غلاظاً سوداء ثقيلة المشي، فعلى قدر مشيهن الماء قريب، وإذا وجد النمل سريع المشي، فالماء على أربعين ذراعاً»([490]).
المرينيون (بنو مرين)
سنة 646هـ (1248م) كانت إشبيلية([491]) الأندلسية تسقط بأيدي القشتاليين بعد أن كانت قد سقطت في أيديهم قبل سنوات بلنسية وقرطبة ….
والأمر في الأندلس كما قال شوقي:
إن الأولى فتحوا الفتوح جلائلاً
دخلوا على الأسد الغياض وناموا
لقد ناموا عن ذاك التجمع الإسباني الذي اكتمل أمره في الشمال واحتمى بالجبال، وأقام مملكة إذا كانت قد بدأت صغيرة، فإنها أخذت تنمو يوماً فيوماً مشكلة التحفز الأول لحركة (الاسترداد (La Reconquista.
ثم أخذت تتقدم نحو الجنوب بخطوات بطيئة، ولكن ثابتة بصيرة، وبقايا القوط الذين انهزموا لاذوا في ناحيتين: في الشرق في سهول نافار وبسكونية، هناك في روابي كانتبريه في الطرف الغربي من جبال البيرينه حيث أنشؤوا إمارة كانتبريه التي كانت تغاديها القوى الإسلامية وتراوحها في عبورها إلى جنوب فرنسا وإيابها، فتحد من نشاطها.
أما الخطر الحقيقي فقد كان منبعثاً في الغرب مما يطلق عليه إمارة (أشتوريس (Osturias في (جيليقية (Galicia، فهي تقع في جبال متشعبة صعبة المزالق، وهي بعيدة عن طريق الغزاة المسلمين المنطلقين إلى فرنسا، فهي تتنامى في قوتها دون أن يحد من هذا التنامي قتال جانبي دام.
وقد مكن للقوط منعتهم فيها وجود مغارة (كوفادونكا (Covadong الرحبة المستعصية الواقعة في أعلى قمم سلسلة جبال كانتبريه الوعرة، التي سماها الإسبان قمم أوروبا Picasde Eurapa، وسماها المسلمون الصخرة.
وقد تجمع هناك القوط الهاربون، فتزعمهم (بلاجيوس (Pelagus المتحدر من أصول قوطية على الأرجح([492]) كما انضم إليه بعض الإيبيريين والرومان النازلين هناك، فاستثار الجميع للتخلص من المسلمين.
وقد حاول بعض الولاة المسلمين القضاء عليه فلم يفلحوا، على أنه استطاع الانتصار سنة 104هـ (722م) على حملة أرسلها عليه الوالي عنبسة بن سحيم([493]) بقيادة علقمة اللخمي.
والأمر المهم هو أن المسلمين لم يعنوا بأمر (بلاي) كما تجب العناية، ولم يشغلهم تقدمه خطوة بعد خطوة في المناطق الإسلامية، ومهما كانت تلك الخطوات تتوالى في أرضهم، وأن عليهم إيقافها، ثم الخلاص من صاحبها خلاصاً نهائياً.
وفضلاً عن هذا الاستخفاف فقد كانوا في صراع بينهم وانقسامات متوالية لا تنقضي.
وهكذا أهمل أمر (بلاي) وقوته المتنامية ولم يُنظر إليها بعين الحذر وتوقع الشر، بل استصغر شأنها ولم يخش أمرها. وكان هذا من أعظم ما مني به المسلمون من بلاء.
وقد كان تَرْك بلاي وشأنه أدّى إلى تكاثر المنضمين إليه، ووصل الأمر إلى إعلانه ملكاً على مملكة (أشتوريس)، فنظم أموره ووطد سلطانه في تلك الجبال، وأخذ في الإغارة على المسلمين فيما جاوره من بلاد، إلى أن مات سنة 119هـ/ 737م. وكان موت الدوق بتروس دوق (كنتبريه) متزامناً مع موت (بلاي)، وانتهى حكم كنتبريه إلى حفيده (إذفونش) (ألفونسو الأول)، فكان أن تزوج ألفونسو من ابنة بلاي ما كان عاملاً على تمتين الأواصر بين مملكة أشتوريس وإمارة كنتبريه، ثم اختير ألفونسو ملكاً على (جليقية) ما وحد بين الحكمين وأدى إلى قيام مملكة ليون([494]).
وألفونسو هذا هو في الحقيقة واضع أساس المملكة الإسبانية التي استطاع النهوض بها في توسيع رقعتها وتقوية جيشها وإنجائها من الخطر الإسلامي، وقد حكم من سنة 121هـ ـ 140/ 739 ـ 757م وفي خلال ذلك تم له اجتياح الأراضي الفاصلة بين جليقية والمنطقة الإسلامية وإخراج من كان قد بقي من المسلمين في جليقية وأستورقة والمناطق الأخرى حتى نهر (دويرة (Duero ما أفقد المسلمين مواقع هامة مثل شلمنقة Salamanca وليون Leon وشقوبية Segovia وأبلة Avala وغيرها من المواقع وبذلك فقدت الأندلس الإسلامية ربع شبه جزيرة إيبيريا.
وهنا لا بد لنا من أن نقف قليلاً لنرى ما كان لدخول عبد الرحمن (الداخل) بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي إلى الأندلس من نتائج في هزائم المسلمين فيها وما أثاره فيها من الفتن وما كان لهذه الفتن من أثر في اندحار المسلمين أمام الإسبان.
ففي سنة 757م كانت وفاة ألفونسو الأول الذي وطّد أمر المملكة الإسبانية وأعدّها لاجتياح الأندلس، وفي خلال ذلك كان عبد الرحمن يصارع المسلمين في الأندلس ويشغل قواهم عن مدافعة ألفونسو حتى مكّن له في السيطرة على ما سيطر عليه، ووضع الأساس القوي للآتين بعده في إفناء الإسلام والمسلمين في الأندلس.
سنة 757م مات ألفونسو وفي سنة 756م كان عبد الرحمن قد حطم القوى الإسلامية في وصوله إلى قرطبة، وعلى جماجم المسلمين التي كان يجب أن تقف سداً أمام ألفونسو، دخل عبد الرحمن منتصراً إلى قرطبة، بعد أن قضى على يوسف الفهري، والصميل بن حاتم وغيرما من القادة قبلهما وبعدهما من أمثال العلاء بن مغيث الجذامي وسعيد اليحصبي المطري وابي الصباح بن يحيى اليحصبي وغيرم ممن كانت تعدهم الأندلس لدفع نوازلها فأفناهم عبد الرحمن وأفنى قبائلهم في نوازله فانشغلت الأندلس بنفسها ما مكّن منها ألفونسو ومن جاؤوا بعد ألفونسو. لقد ضرب عبد الرحمن القبائل العربية بعضها ببعض فحطم فيها القوة التي كان يمكن أن تصمد أمام الأعداء، فاستعان أولاً باليمنية على المضرية وبعد أن قضى على زعيم المضرية يوسف الفهري ثم على زعيمهم الثاني الصميل بن حاتم، عاد فأغرى البربر باليمنية فجرت ـ فيما جرت ـ موقعة كبرى سقط فيها آلاف دفنوا في قبر واحد.
وحطّم قوة طليطلة بأن أغرى أهلها بأن يعقدوا معه صلحاً وأن يبعثوا إليه برؤسائهم لتوقيع عقد الصلح. ولما وصل هؤلاء الرؤساء صلبهم جميعاً([495]) …
وعلى هذا النسق مضى خلفاؤه في تحطيم قوى الأندلس. ونذكر نموذجاً منهم (الحكم الأول) (180؟ ـ 206هـ/ 796 ـ 822م) الذي استفز أهالي قرطبة وأعيان فقهاء المالكية، فأباد من أباد سنة 202هـ/ 818م من أبناء قرطبة وأعيان المالكية، وشرّد ما يقرب من عشرين ألف أسرة إلى خارج الأندلس.
الجموع التي قتلها، والجموع التي شردها كان فيها السيوف التي تحمي الأندلس في أهوالها، ولكنه أفرغ منها الأندلس فأضعفها وأذلّها ثم انتهى الأمر بانتهاء الإسلام فيها. والحَكَم هذا ليس متفرداً في أسرته بما فعل، بل مثال لما كان يجري على أيدي أسلافه وأخلافه.
لقد كان يوسف الفهري واقفاً في وجه ألفونسو الأول ووجه أخيه (فرويلا) الذي كان قد عيّنه حاكماً على مقاطعة كانتبريه، وكان الفهري يردهما حتى شغله عنهما عبد الرحمن الأموي فقاتله حتى قتله عبد الرحمن.
وبعد ألفونسو الأول جاء ابنه فرويلا الأول فكان طريق الأندلس الإسلامية أمامه مفتوحاً بإشغال عبد الرحمن لحماة الأندلس بقتاله إياهم لا سيما العلاء بن مغيث، حتى استطاع خلفاء فرويلا لا سيما غرسيه بن ألفونسو الثالث (297 ـ 301هـ/ 910 ـ 914م) دفع المسلمين أمامهم دفعة بعد دفعة ووطد الأمر له لنقل العاصمة من مدينة أوفيدو Ovido إلى مدينة ليون المتوسطة بين جليقية واشتوريس، وبذلك تكون هذه المملكة قد ثبتت أقدامها فتخلت عن مواقعها في الجبال ونزلت إلى السهولة لتكون أمام المسلمين وجهاً لوجه لأنه قد صار لها من القوة ما تستطيع أن تجابه معه المسلمين في السهول المديدة، بعد أن كانت تحتمي منهم بقمم الجبال. ورأت عند ذلك أن تتخلى عن الاسم المثنى: مملكة استوريس وجليقية، وأن تسمى باسم مملكة (ليون).
ولسنا هنا في مجال الحديث عما جناه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الاموي في وصوله إلى الإندلس من تحطيم قواها وتمزيق أمرها، ثم فصلها عن الدولة الكبرى وقطع كل صلة لها بها، لتواجه وحدها لا إسبانيا المتحفزة لاسترجاعها فقط، بل لتواجه أوروبا كلها. وإنما ذكرنا من الأمر ما له ارتباط محدود بموضوعنا الأساس.
وليس عبد الرحمن وحده هو الذي جنى على الأندلس ما جنى، بل أن خلفاءه الذين جاؤوا بعده كان لهم ما كان له من جناية على الأندلس حتى كانوا السبب في ضياعها([496]). وكمثال على ما كان يجري على أيديهم من أفاعيل نأخذ هنا ما ذكره أحميدة النيفر في عدد 24/1/99 من جريدة الحياة، وهو ما أشرنا إليه من قبل، كما أنه واحد من عشرات أحداثهم:
«لا غرابة بعد كل هذا ـ إن وقفنا على ما آل إليه مسعى أحد أمراء البيت الأموي بالأندلس الرامي إلى الانقضاض على مكانة الفقهاء رموز الحياة الدينية بالأندلس متجاوزاً بذلك الاتفاق الضمني القائم بين القصر والمسجد الجامع. لقد واجه الحكم الأول (180 ـ 206هـ/ 796 ـ 822م) تمرداً شعبياً كاسحاً سنة 202هـ/ 818م. قاد هذا التمرد الذي عرف في التاريخ الأندلسي باسم «هيجة الربض» وجهاء قرطبة وأعيان من فقهاء المالكية وانتهى بإبادة زعماء التمرد وسفك دماء المئات منهم وتشريد ما يقارب عشرين ألف عائلة خارج الأندلس».
ولم يكتف أمويو الأندلس بذلك، بل راحوا يتحالفون مع البيزنطيين (الروم)، متسابقين في ذلك مع معاصريهم من العباسيين. ونورد هنا ما ذكره المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي في مجلة دعوة الحق: «ومن هذا القبيل بعث الخليفة هارون الرشيد سنة 184هـ (801م) بسفارة هامة إلى أيكس لا شابيل كان هدفها الاستعانة بالأمبراطور شارلمان على خصوم الخليفة الذين يوجدون على حوض البحر المتوسط: الأمويين (في الأندلس) والرستميين والإدريسيين (في شمال إفريقيا). وباسم الأمويين راحت سفارة عام 255هـ (839 ـ 840م) باسم عبد الرحمن الناصر (الثالث) إلى أمبراطور بيزنطية (Theophclus) لإثارته ضد الخلافة، وذلك كرد فعل لما قام به هارون الرشيد من مساع مع الأمبراطور شارلمان». «انتهى».
ويذكر محمد عبد الله عنان في العدد 88 من مجلة الرسالة المصرية هذه المحالفات المتضادة قائلاً: «ومن ثم كانت هذه العلاقات والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج. ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على الدولة الأموية الجديدة في الأندلس. وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوأتها في المشرق على عقد التفاهم والصلات الودية، فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة».
ثم يشير عنان إلى الوفد الذي بعثه الأمبراطور «تيوفيلوس» سنة 225هـ (839م) إلى عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس يدعوه فيه إلى التحالف. وردّ عبد الرحمن بإرسال سفيره يحيى بن الغزال «فأحكم بينهما الصلة والتحالف». «انتهى».
لم تكن مملكة ليون هي المملكة الوحيدة التي انتظم أمرها في مواجهة الأندلس ا|لإسلامية، بل قامت مملكة أخرى هي مملكة (نافار) في الجنوب الغربي من جبال البيرنه Pyrenees في بلاد الباسك الجبلية. وقامت مملكة ثالثة في شمال إسبانيا بين مملكة ليون في الغرب، ومملكة نافار في الشرق عرفت باسم قشتالة([497]).
يقول أحد الشعراء عن الأمويين:
كانوا ملوكاً سرير الشرق تحتهم
فهل سألت سرير الغرب ما كانوا
أما سرير الشرق فليس هنا مكان الحديث عما كان أمرهم فيه، وأما سرير الغرب فهذا بعض ما كانوا فيه.
وهكذا فإن الدولة الأموية في قرطبة وقفت عاجزة أمام هذه التجمعات الإسبانية التي كانت هي السبب في انتصاراتها وامتداداتها، ولم يكن يخلو الأمر من اشتباكات بين الفريقين، فمن ذلك ما كان حين تقاتل عبد الرحمن الأموي مع العلاء بن المغيث فاغتنم فرويلا الأول هذا التقاتل فأغار على المنطقة الإسلامية وعبر نهر دويرة وغزا شلمنقة وشقوبية وأبلة وسمورة وغيرها. ومع أن عبد الرحمن استطاع رد هذا الغزو ولكنه لم يكن مستطيعاً التقدم إلى الأمام.
ومن ذلك ما حدث في عهد هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم وحفيده عبد الرحمن. وكان كل ذلك وبما يحققه أحياناً من انتصارات لا يعدو كونه محاولة تأخير للآتي الرهيب.
ولعل من أفضل ما قيل في وصف حال الأندلس بعد وصول عبد الرحمن الأموي إليها، وما كانت عليه الحال أيام كانت الأندلس في حكم الولاة التابعين للدولة الكبرى، وما آلت إليه بعد سيطرة الأمويين عليها وفصلها عن الدولة الأم ـ لعل من أفضل ما قيل في ذلك، هذا القول الموجز للدكتور إحسان عباس([498]): «إذا كان عهد الولاة قد مضى في توسيع الحدود، فإن عهد الدولة الأموية شُغل كثيراً بتثبيت الحدود».
هذا الكلام على إيجازه يريك ما انتهى إليه أمر الأندلس على يد عبد الرحمن (الداخل) وخلفائه. فبعد أن كان الإسلام يتوسع في حدوده مكتسحاً أوروبا خطوة وراء خطوة، عاد بعد أن أفنى الأمويون، حماة الأندلس قتلاً وتشريداً، وشغلوا الأندلسيين بالفتن الداخلية، وحركوا الفتن بين المولدين والعرب، وبين البربر والعرب ـ عاد الإسلام يحاول الاحتفاظ بحدوده فلا يستطيع حتى انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه في عهد الأمير عبد الله من توقع تفكك الأندلس إلى دويلات([499]) فثار من المولدين عبد الرحمن بن الجليقي، واتخذ بطليوس دار مملكته وكان يدعو لعصبية المولدين على العرب، واقتعد بكر بن يحيى بن بكر مدينة شنت مرية بكورة أكشونبة يدعو بمثل دعوة ابن الجليقي، وكان جده ردلف عجمياً، وثار محمد من بني قسّي المولدين أمراء الثغر وبلغ به الحال أن تملك طليطلة.

وثار كذلك السرنباقي صاحب ابن الجليقي ونظيره في التمرّد؛ وكان أشد الثوار شوكة عمر بن حفصون وهو أيضاً من المسالمة، هذا إلى ثوار آخرين من بيوتات البربر والعرب.
واشتعلت الفتنة بين العرب والمولدين بكورة البيرة واجتمع العرب إلى زعامة سوار بن حمدون القيسي ثم إلى سعيد بن جودي من بعده، وترأس المولدين رجل يدعى «نابل» ونشبت بين العرب والمولدين ثورة أخرى بإشبيلية، وهكذا، حتى كان كل شيء ينذر بتصدع أمر الأندلس([500]).
ويقول الدكتور إحسان عباس فيما يقول([501]): «كان هناك مظهر أخذ بالتقلص ذلك هو الروح العسكرية العربية» إلى أن يقول: «فلما جاء عبد الرحمن الداخل وقاومته اليمنية وأوقع بها استوحش من العرب قاطبة، وعلم أنهم على دغل وحقد، فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك، وأخذ يشتري الموالي من كل ناحية واستعان بالبربر، واستجلبهم من بر العدو واستكثر منهم ومن العبيد حتى كوّن جيشاً كبيراً. ثم كان الحكم الربضي، فاستكثر أيضاً من الخدم والحشم حتى بلغ مماليكه خمسة آلاف، ثلاثة آلاف منهم فرسان يسمون «الخرس» لعجمتهم.
وفي عهد الناصر والحكم كثر الصقالبة، وأصبحوا الحرس الخاص للخليفة، حتى إذا جاء المنصور نكبهم وقضى على نفوذهم. ولكنه من ناحية أخرى أراد أن يضعف العصبية العربية فجزأ القبائل وجعل في الجند الواحد فرقاً من كل قبيلة. وأسقط المنصور زعماء العرب لئلا ينازعوه السلطة وجنَّد البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد وأسرى الحرب واستدعى البربر ورتّب من هؤلاء جميعاً جنده.
غير أن حكّام الأندلس في محاولتهم القضاء على العصبية العربية أوجدوا عيوباً جديدة تسببت في القضاء على السيادة العامة في الأندلس وفي إشعال الفتنة بين أجناس متنافرة من البرابرة والمولدين وبقايا العرب والإفريقيين السود والصقالبة، وعلى يد البربر خربت قرطبة في الفتنة».
وإذا كان الناس قد توقعوا في عهد الأمير عبد الله تفكك الأندلس ـ كما تقدم ـ فإن هذا التفكك قد وقع بسبب السياسة الأموية …
يقول الدكتور إحسان عباس فيما يقول([502]): «حقيقة يمكن الحدس بوقوعها، لدى من كان يرى ببصيرته عوامل الانفصال والتجزؤ كامنة تحت سطح الظاهر الموحّد الذي سعى المنصور ابن أبي عامر ليحتفظ به حين ذهب يستكثر من الجنسيات المختلفة في الجيش. وكان انقسام تلك الجنسيات، واستقلال الزعماء البارزين في كل منها مرهوناً بزوال الحاكم القدير، ولذلك ما كادت شؤون الدولة بعد المنصور تقع في حوزة حجاب ضعفاء وخليفة مسلوب الإرادة حتى اشرأبت الأعناق إلى الفتنة، وتباينت أهواء العناصر التي لم يدركها التمازج والانصهار، وعمت الفوضى بلاد الأندلس، وأخفقت كل المحاولات التي بذلها المخلصون الحادبون على وحدة البلاد ورسم الخلافة ـ أخفقت في إعادة الأموية، وانقسم الثغر الذي كان في حاجة شديدة إلى رابطة جامعة، في ولايات، وكان أصحاب تلك الولايات يمثلون العناصر القوية في الجيش أعني الموالي العامريين والبرابرة وبعض الظاهرين من أبناء العرب.
ولما انقلبت الوحدة إلى تكثر أصبحت الأندلس دولاً متعددة، لكل دولة حاكم وإدارة وجيش وحياة أدبية وفكرية شبه مستقلة، وأصبحت العلاقات بين الحكام قائمة على التحرز والحذر وإنفاق الأموال في بناء الحصون والاستكثار من المرتزقة في حال الدفاع، إذ غدت مشكلة الحدود الداخلية أهم مشكلة وأبرزها بين أولئك الأمراء؛ أو أصبحت قائمة على طلب التوسع والغلبة وانقضاض القوي منهم على الضعيف في حال الهجوم. وفيما بين ذلك محالفات توجهها المآرب العابرة، ثم لا تلبث من بعد ذلك أن تنفصم.
وفي هذا فقد الأمراء القدرة حتى على التوحد المؤقت أمام الخطر المشترك، ذلك لأنهم رضوا أول الأمر ـ متفرقين ـ أن يدفعوا الجزية للروم، ثم عجزوا عن جمع الكلمة حين أصبحت الجزية مكسباً لا يكفي القوي الغالب، وأصبح اقتصاص الحدود واقتصاص الفرص المؤاتية للغزو هو المبدأ السائد. بل لعلهم ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك حين كانوا يحتكمون إلى صاحب الروم في خلافاتهم الداخلية، أو حين يستعين به المضعوف منهم ليأخذ له بحقه. وبذلك تفتتت الصخرة الصلبة المخوفة إلى أجزاء صغيرة واهنة». ثم انتهى أمر هذه الأجزاء الصغيرة الواهنة إلى الضياع، والقضاء على الأندلس العربية المسلمة.
هكذا جنى عبد الرحمن (الداخل) والأمويون على العروبة والإسلام في هذا الجزء من العالم فيما جنوه عليه في كل أجزاء العالم.
وقد عرف المسلمون الذين فضلوا البقاء في المناطق التي استردها الإسبان عُرفوا في التاريخ الأندلسي باسم: المدجنين. والمدجنون مأخوذ من دجن وتدجن أي أقام، ومصدره الدجن والتدجن ومنه دواجن البيوت وهي طيور وحيوانات أليفة مقيمة.
وفي منتصف القرن الثامن الميلادي مشت حركة الاسترداد تدفع حدودها جنوباً، فكان أول ما سقط في أيديها (لُك) في أقصى الشمال الغربي، ثم توالى السقوط فشمل (أسترقة) شمال نهر (دويرة) و(شلمنقة) و(شقوبية) و(سمورة) و(آيلة) على الجانب الآخر من دويرة.
ثم إذا بها تجتاز نهر (التاجة) في هجمات عنيفة ولم تلبث طليطلة([503]) ثالثة المدن الكبرى في الأندلس بعد قرطبة وإشبيلية ـ لم تلبث أن وقعت فريسة الغزو المتدفق.
على أن وقعة الزلاّقة التي انتصر فيها المرابطون أوقفت إلى حين التقدم في وسط الأندلس وشرقها.
ولكن بدأت مع بداية القرن السادس الهجري اندفاعات إسبانية غطت شمال شرقي الأندلس، فسقطت (سرقسطة) سنة 512هـ/ 1118م وتطيلة سنة 524هـ ثم (لاردة) و(إفراغة) و(طرطوشة) سنة 542هـ/ 1148م.
هذا في القسم الإسباني، أما في القسم البرتغالي فقد سقطت (أشبونة) و(شنترة) و(شنترين) سنة 542هـ/ 1147م. وسقطت باجة سنة 556هـ/ 1161م ثم تلتها (يابرة) سنة 561هـ/ 1165م.
على أن قيام دولة الموحدين في شمال إفريقيا ووصولهم بقوتهم إلى الأندلس في أواخر القرن السادس الهجري أوقف التقدم الإسباني لا سيما بعد معركة الأرك([504]) التي كان النصر الموحدي فيها نصراً مؤزراً. إلا أن هزيمة العقاب الموحدية بعد ذلك سنة 609هـ/ 1212م أعادت الوهج الإسباني إلى تألفه والتقدم إلى تحفزه. وفي ذلك يقول أبو إسحاق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي:
وقائلة آراك تطيل تفكراً
كأنك قد وقفت على الحساب
فقلت لها أفكر في عقاب
غدا سبباً لمعركة العقاب
فما في أرض أندلس مقام
وقد دخل البلا من كل باب
وقد كان الشاعر صادقاً في نبوأته فمنذ أوائل القرن السابع الهجري، بدأ البلاء يدخل كل باب في الأندلس في فورة غزو إسباني مجتاح من شرق الأندلس ومن غربها فتوالى سقوط كل من جزيرة ميورقة سنة 627هـ/ 1229م، وأبّدة سنة 631هـ/ 1233م ثم قرطبة سنة 633هـ/ 1236م وبياسة وإستجة والمدور سنة 634هـ/ 1233م وبلنسية سنة 636هـ/ 1238م وشاطبة ودانية سنة 638هـ/ 1240م ولقنت وأوريولة وقرطاجنة سنة 640هـ/ 1242م ومرسية سنة 641هـ/ 1243م وجيان سنة 644هـ/ 1246م ثم إشبيلية سنة 646هـ/ 1248م.
وفي الغرب سقطت بطليوس سنة 626هـ/ 1228م وماردة سنة 628هـ/ 1230م وشلب سنة 640هـ/ 1242م وسنتمرية الغرب سنة 647هـ/ 1249م وولبة سنة 655هـ/ 1257م. ثم سقطت قادس سنة 1262م وتلتها شريش سنة 1264م.
وهكذا فلم يكد القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي) ينتصف حتى كان لم يبق من ذلك الكيان الأندلسي الرحب سوى ولايات صغيرة في الطرف الجنوبي من إسبانيا.
واستطاع هذا الطرف أن يتجمع متماسكاً فيؤلف مملكة (غرناطة) المحصورة فيما بين نهر الوادي الكبير والبحر المتوسط وبين نهر المنصورة ونهر وادي لكه، وأن تعمر هذه المملكة مائتين وخمسين عاماً.
ومما أتاح لها البقاء أن الخلاف دبّ في أعدائها المتربصين بها، فشغلوا عنها بهذا الخلاف وتغنى الشعراء بغرناطة فقال ابن الخطيب:
بلد تحف به الرياض كأنه
وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة
ومن الجسور المحكمات سواره
وقال أبو الحجاج يوسف بن سعيد:
أغرناطة العلياء بالله خبري
أللهائم الباكي إليك طريق
وما شاقني إلا نضارة منظر
وبهجة واد للعيون تروق
تأمل إذا أملت «حوز مؤمل»
ومد من الحمرا عليك شقيق
وأعلامه نجد والسبيكة قد علت
وللشفق الأعلى تلوح بروق
وقال آخر:
غرناطة ما لها نظير
ما مصر ما الشام ما العراق
ما هي إلا العروس تجلى
والأرض من جملة الصداق
ومن عوامل بقاء مملكة غرناطة بعدها عن مركزية (الاسترداد) الإسباني وقربها من مواقع القوى الإسلامية في الضفة الثانية من البحر المتوسط في شمال إفريقيا، بحيث تستطيع الاستنجاد السريع بأخوتها فيهبون لإنجادها.
وقد سبق للأندلس أيام ملوك الطوائف أن استنجدت بالدولة الحفصية في عهد أبي زكريا بن أبي حفص الذي بلغت الدولة الحفصية في عهده درجة من القوة يحسب حسابها. ففي سنة 633هـ (1226م) استولى فرناندو ملك قشتالة على قرطبة، وكان خايمي الأول ملك أراغون يهزم سنة 634هـ قوى زيان أمير بلنسية في شهر رمضان سنة 635 (نيسان 1238م) فوجه الأمير زيان وزيره وكاتبه ابن الأبّار القضاعي([505]) إلى أبي زكريا الحفصي في تونس يستنجده لإنقاذ الأندلس([506]) . فألقى ابن الأبّار قصيدته السينية الرائعة بين يدي أبي زكريا في حفل مشهود، وهي القصيدة التي يقول فيها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
أن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
فلم يزل منك عزّ النصر ملتمسا
حاش مما تعانيه حشاشتها
فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا
للنائبات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقة
يعود مأتمها عند العدى عرسا
وكل غاربة إجحاف نائبة
نثني الأمان حذاراً والسرور أسا
وفي بلنسية منها وقرطبة
ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسماً
جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادي العائثات بها
يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
ما للمساجد عادت للعدى بيعاً
وللنداء يرى أثناءها جرسا
لهفاً عليها إلى استرجاع فائتها
مدارساً للمثاني أصبحت درسا
وأربعاً غنمت أيدي العدو بها
ما شئت من خلع موشية وكسا
كانت حدائق للأحداث مونقة
فصوح النضر من أدواحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجب
يستوقف الركب أو يستركب الجلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا
عيث الدبا في مغانيها التي كبسا
وابتز بزتها مما تحيفها
تحيف الأسد الضاري لما افترسا
فأين عيش جنيناه بها خضرا
وأين غصن جنيناه بها سلسلا
محا محاسنها طاغ أتيح لها
ما نام عن هضمها حيناً وما نعسا
ورج أرجاءها لما أحاط بها
فغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو وامتدت يداه إلى
إدراك ما لم تنل رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفردا
ولو رأى راية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فما
أبقى المراس لها حبلاً ولا مرسا

وأحي ما طمست منها العداة كما
أحييت من دعوة المهدي ما طُمسا
أيام سرت لنصر الحق مستبقاً
وبت من نور ذلك الهدي مقتبسا
وقمت فيها لأمر الله منتصراً
كالصارم اهتزّ أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم
والصبح ماحية أنواره الغلسا
هذي رسائلها تدعوك من كثب
وأنت أفضل مرجو لمن يئسا
وافتك جارية بالنجح راجية
منك الأمير الرضى والسيد الندسا
خاضت خضارة يعلوها ويخفضها
عبابه فتعاني اللين والشرسا
وربما سبحت والريح عاتية
كما طلبت بأقصى الشدة الفرسا
تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي
حفص مقبلة من تربه القدسا
ملك تقلدت الأملاك طاعته
ديناً ودنيا فغشاها الرضى لبسا
من كل غاد على يمناه مستلماً
وكل صاد إلى نعماه ملتمسا
مؤيد لو رمى نجماً لأثبته
ولو دعا أفقاً لبى وما احتبسا
أمارة تحمل المقدار رايتها
ودولة عزها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من ضوئه شنباً
ويطلع الليل من ظلمائه لعسا
كأنه البدر والعلياء هالته
تحف من حوله شهب القنا حرسا
له الثرى والثريا خطتان فلا
أعز من خطتيه ما سما ورسا
يا أيها الملك المنصور أنت لها
علياء توسع أعداء الهدى تعسا
وقد تواترت الأنباء أنك من
يحيي بقتل ملوك الصفر أندلسا
طهر بلادك منهم إنهم نجس
ولا طهارة ما لم تغسل النجسا
وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم
حتى يطأطئ رأساً كل من رأسا
وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت
عيونهم أدمعاً تهمي زكا وخسا
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت
داء متى لم تباشر حسمه انتكسا
أملأ هنيئاً لك التمكين ساحتها
جرداً سلاهب أو خطية دعسا
واضرب لها موعداً بالفتح ترقبه
لعل يوم الأعادي قد أتى وعسى
وبعد أن سقطت القواعد الأندلسية الكبرى في النصف الأول من القرن السابع الهجري كما ذكرنا من قبل، ولاذ المسلمون بمملكة غرناطة، وتنازل السلطان محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة أواخر سنة 665هـ/ 1267م عن عشرات البلاد والحصون الإسلامية لصاحب قشتالة منها شَريش والمدينة والقلعة وغيرها اتقاء لشره وحرصاً على مملكته الفتية وحمايتها من المصير الذي انتهت إليه حواضر الأندلس. ويقول محمد عبد الله عنان في كتابه (نهاية الأندلس) ط 2، ص 42 ما يلي: «سبق أن أشرنا إلى تنازل ابن الأحمر لملك قشتالة عن أرض الفرنتيزة، وفيها تقع شريش وقادس وغيرهما، ولكن هذا التنازل كان اسمياً، واضطر النصارى إلى افتتاح هذه المدن بصورة فعلية وكان سقوط شريش وقادس في يد ألفونسو العاشر سنة 1262م. والظاهر أن المقصود هنا هو مصادقة ابن الأحمر على استيلاء النصارى على هذه القواعد».
بعد هذا نظم صالح أبو البقاء الرندي قصيدته النونية واصفاً ما صار إليه حال الأندلس ومستنجداً بالمسلمين عامة لا سيما بالشمال الإفريقي، وخاصة ببني مرين. هذه القصيدة التي يقول فيها([507]):
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد
ولا يدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتماً كل سابغة
إذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضي كل سيف للفناء ولو
كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن
وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شداد في إرم
وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهب
وأين عباد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له
حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملك
كما حكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على داراً وقاتله
وأم كسرى فما آواه أيوان
كأنما الصعب لم يسهل له سبب
يوماً ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللزمان مسرات وأحزان
وللحوادث سلوان يهونها
وما لما حلّ بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له
هوى له أحد وأنهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزئت
حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص ما تحويه من نزه
ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كنّ أركان البلاد فما
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف
كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية
قد أُسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدهر موعظة
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه
أبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
وما لهام، طوال الدهر نسيان
يا أيها الملك البيضاء رايته
أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفة
كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراء البحر في دعة
لهم بأوطانهم عزّ وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس
فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنوها بنو المستضعفون
وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم
وأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها هم
أما على الخير أنصار وأعوان
يا لذلة قوم بعد عزهم
أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما
كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة ما رأتها الشمس إذ برزت
كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه صاغرة
والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في القلب إسلام وإيمان
بنو مرين بعد الموحدين
عندما ساد (الموحدون) في الأندلس كان حكم غرناطة حكم غيرها من المدن والمقاطعات الأندلسية في الانضواء تحت سلطانهم. ولما بدا الضعف عليهم ثار في وجههم محمد بن يوسف بن هود سليل بني هود أمراء سرقسطة السابقين، واستطاع أن يزلزلهم في الكثير من قواعد الأندلس ويستخلصها منهم.
بهو الأسود في قصر الحمراء بغرناطة
ففي سنة 620هـ توفي يوسف المستنصر بالله أبو يعقوب أمير الموحدين دون أن يترك ولداً يرث ملكه، فتصدى للأمر ابن أخيه محمد بن يعقوب المنصور وساد في بلنسية، وتلقب بالعادل بالله، كما تصدى أخوه إدريس للسيادة في إشبيلية وتلقب بالمأمون، ومد سيادته في الأندلس.
ولكن العادل لم يلبث أن قتل سن 624هـ بأيدي الثائرين بعد أربع سنوات في حكم إشبيلية، فضم المأمون إشبيلية إلى ملكه مولياً عليها أخاه. ثم انصرف إلى العناية بأمر المغرب وتثبيت أمره فيه، مستعملاً الشدة ومجاهراً بالنقمة على خط المؤسس الأول للموحدين: (المهدي) معلناً أنه خط بال لا يستقيم مع الخط الإسلامي الصحيح.
فكانت شدته وكان تجاهره بما تجاهر به عاملين في إثارة النقمة عليه في أوساط القبائل، وراح المتربصون ينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه الوثوب على الأمير الجائر المتعسف، وبينما هو مشغول بإخماد ما اضطرم في وجهه من ثوران، كان حكم الموحدين في الأندلس يتهاوى يوماً بعد يوم.
في هذا المعمعان برز أندلسي طامح للسلطة بتوجه أندلسي بحت، يرى في الموحدين عنصراً طارئاً على الأندلس، يجب التخلص منه بنفس وجوب دفع الإسبان عن الأندلس.
هذا الطامح هو ابن هود الذي أشرنا إليه في مفتتح الكلام. والذي زاد في انضواء الناس إليه أن المأمون بعد أن رأى الشدائد تحيط به من كل جانب مال إلى التحالف مع ملك (قشتالة)، ولم يتورع عن أن يتخلى له عن بعض ما في يديه من حصون ومواقع.
وجاهر ابن هود أنه يعمل على التخلص من المتحالفين معاً، فلقي تجاوباً من الأندلسيين وأقبلوا عليه. وفي سنة 625هـ (1228م) برز ابن هود في محاجر مرسية، ثم اندفع إلى مرسية نفسها فاحتلها. وتركيزاً لأمره أعلن ولاءه للخلافة العباسية في بغداد، وكان ذلك أيام المستنصر الذي بعث إليه بالخلع والمراسيم، ولم يلبث أن انضوت تحت حكمه: قرطبة وجيان وماردة وبطليموس، ثم وصل إلى غرناطة سنة 628هـ (1231م) طارداً منها المأمون.
والمأمون هذا الذي رأى أن يعود إلى قواعده في مراكش للاحتفاظ بها، توفي قبل أن يصل إليها. وإذا كان هذا حال الموحدين في الأندلس، فلم يكن حالهم في المغرب بأحسن كثيراً من ذلك. ولم يزل أمرهم إلى بوار حتى انتهى حكمهم في المغرب بعد أربعين سنة من هذه الأحداث أي سنة 667هـ/ 1269م. ليرتفع على أنقاض حكمهم حكم بني مرين
وبنو مرين من قبائل البربر المخيمة جنوب المغرب حيث سجلماسة وهم ينتمون إلى زناته، قام بدعوتهم عبد الحق بن محيو المريني عند ضعف دولة الموحدين أوائل القرن السابع للهجرة. وقد دخلوا تاريخ المغرب سنة 612هـ (1215م) وقد كانوا إلى ذلك الوقت لا يعدون أن يكونوا قبيلة بربرية مثل غيرهم، كانت تنتقل بين فقيق ومولوية. على أن بني مرين لا يرون ذلك، بل هم يعدون لأنفسهم نسباً عربياً يوصلهم إلى مضر، فهم بنو بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار. ولما أحسوا أن دولة الموحدين بدا عليها بعض العجز غامروا في شمال المغرب وانتصروا على جيوش الموحدين الذين كانوا يحاولون صدهم وتسلطوا على جزء من البلاد باستثناء المدن التي ظلت على ولائها للدولة. ولم يتمكنوا من احتلال فاس وإقامة دولتهم هناك إلا سنة 646هـ (1248م). إذ أفادوا من انكسار كبير أصاب الموحدين في منطقة تلمسان. وعلى كل فقد ظل الموحدون أصحاب السطوة في الجنوب حول مراكش، كما أن أسرة بربرية منافسة أقامت لها ملكاً في تلمسان.
ثم تمكن أبو يوسف المريني (656هـ/ 1258م ـ 685هـ/ 1286م) من القضاء على الموحدين والاستيلاء على مراكش سنة (667هـ/ 1269م) وإلقاء الرعب في قلب حاكم تلمسان.
وما كاد المرينيون يثبتون سلطانهم على أسس راسخة حتى اتخذوا مدينة فاس عاصمة لهم وكان ذلك في أواسط القرن السابع (الثالث عشر)، ولم تصبح فاس عاصمة مملكة المرينيين المستقرة فحسب بل كانت مركزاً مهماً للتجارة تربطها المصالح التجارية بالأقطار الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق العربي وبلاد السودان فيما وراء الصحراء الكبرى.
وقد حفظ لنا (ابن حبيب) في كتاب (تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه) ج 1، ص 263 خبراً عن امتداد علاقة المرينيين إلى مصر أيام المماليك في عهد الناصر محمد بن المنصور سيف الدين قلاوون سنة 704هـ/ 1304م فقد قال:
«فيها وصل إلى الديار المصرية رسول الملك يوسف بن يعقوب المريني صاحب المغرب، وصحبته هدية عظيمة من الخيل والبغال المسرجة بالسروج المذهبة واللجم والركب المكفتة بالذهب، وغير ذلك من التحف والطرف، فتقبلها السلطان بقبول حسن، جبراً لمهديها، والبحر الزخار على ما له من الإدرار يقبل ما يأتي إليه من الجداول الأنهار».
ولقد أحسن الشيخ صفي الدين عبد العزيز الحلي حيث يقول:
«بالله إلا ما قبلت هديتي
وجعلت لي فضلاً على الأقران
فالبحر تصدر عنه كل سحابة
نشأت ويقبل فاضل الغُدران»
نزعة شيعية في المرينية
وعن التشيع في المرينيين ولا سيما منهم أبو منصور أورد ما يلي وهو ما قرأته في العدد الرابع والخامس المزدوج للسنة الثانية الصادر في يناير غشت 1965م من مجلة (البحث العلمي) التي يصدرها المركز الجامعي للبحث العلمي في الرباط (المغرب) في الصفحة 97 من بحث طويل في القسم الثاني منه بعنوان (كتاب ذكر مشاهير أعيان فاس في القديم) لمؤلف مجهول حققه وعلق عليه عبد القادر زمامة.
قرأت في هذا البحث ما ذكره عن بيت بني أبي مدين إلى أن وصل إلى ذكر (ابن العربي) فقال:
وابن العربي المذكور هو الشيخ الإمام الفقيه العلامة المدرس أبو بكر محمد بن العربي المعافري الإشبيلي. والمعافر قبيلة من العرب وهم من شيعة بني أمية، ولما كانوا بالشام كانوا يظاهرون بني أمية ويقاتلون عليهم بني العباس، فلما غلبت بنو العباس على بني أمية فروا منهم إلى الأندلس إذ لا ملجأ منهم إلا فيها، أما المعافر فكان منهم أبو بكر المذكور استخدمه من كان من الموحدين بالأندلس فولوه قضاء إشبيلية عن كره من أهلها.
إلى أن يقول:
ثم إن بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه (العواصم من القواصم) في جانب أمير المؤمنين مولانا الحسين السبط ابن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو أن أمر يزيد لعنة الله بقتله إنما قتله بسيف جده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن الفقيه المذكور نادى بالعوام وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، قال لهم: ظاهر كلامه إنه استباح قتل الحسين وأحلّ دمه، فثار العامة بإشبيلية وقالوا يجب علينا تأديب هذا المبتدع وقصدوه وهو في داره، فلما بلغه الخبر هرب فوراً وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش واشتكى إلى أميرها، فوجد الخبر قد وصله فأمره بالمسير إلى مدينة فاس فسار إليها ليستوطنها فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لما وصله ما فعلوه بداره وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان فيه على فاس.
وأما أهل إشبيلية فلما بلغوا إلى داره ووجدوه قد فرَّ منها، قالوا نهدم هذه الدار ونحرق هذه الكتب لأنها كلها كتب فاسدة مثل هذا لئلا يضل المسلمين بها فهدموا داره وأحرقوا كتبه. ثم يتمم المؤلف كلامه قائلاً:
ولما وقف أبو عنان (المريني) على كلامه في الكتاب المذكور أراد تحريق قبره، وكان آن ذاك حينئذٍ حاضراً ابن الخطيب السلماني([508])، وجهه رسولاً صاحب الأندلس ابن نصر إلى أبي عنان المريني المذكور (752 ـ 760هـ/ 1351 ـ 1358م)، فكلمه فيه، وقال له: لا تفعل فإنه مضى إلى ما قدمت يده، فتركه حينئذٍ ولم يحرق قبره وزعم بعضهم أن ما أصاب ابن الخطيب من الحرق جزاء على منع أبي عنان من ذلك. (انتهى).
وفي هذا الموقف الذي يقفه أبو عنان المريني من صاحب (العواصم من القواصم)، وغضب الغضب الشديد لما أورد في كتابه عن الحسين عليه السلام، وعزمه على تحريق قبره انتقاماً منه لتجرئه على مقام سيد الشهداء دليل على تشيع عارم يملأ قلب هذا الملك المريني. وإذا كان قد عزم على تحريق قبره وهو ميت، فلا شك أن ما كان سيناله من العقاب لو ظفر به حياً عقاباً عظيماً.
وليس من المعقول أن يكون أبو عنان وحده من بين قومه ذا نزعة شيعية، لا سيما وأن هذه النزعة تبلغ هذا الحد من التأجج والاندفاع.
وأنه ليلفت النظر أيضاً قول الراوي: «وزعم بعضهم أن ما أصاب ابن الخطيب من الحرق، جزاء على منع أبي عنان من ذلك».
وطبيعي أن هذا الاعتقاد بسبب ما جرى على ابن الخطيب هو اعتقاد شعبي وهو ما يدل على تغلغل النزعة الشيعية في الأوساط الشعبية المرينية.
ومن مظاهر النزعة الشيعية عند المرينيين ما نقشوه على نقودهم. فمن النقوش المرينيية المحفوظة في باريس قطعة مستديرة وبداخلها مربع، وقد نقش على أحد الوجهين منها بين المربع ومحيط القطعة:
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
وهي في عهد السلطان عثمان بن عبد الحق (614 ـ 638هـ). وهناك قطع أخرى منها ما هو في عهد أبي سعيد عثمان (710 ـ 731هـ) منقوش عليها العبارة نفسها.
والكاتب المغربي علي الغزيوي يؤكد تشيع المرينيين، فهو في مقال له في مجلة (النور) في عددها 114 من السنة العاشرة الصادر في شهر تشرين الأول السنة 2000 ـ إنه في هذا المقال يقول وهو يعرض لقصة ابن العربي ولمن أبلغوا أبا عنان المريني ما قاله عن الحسين عليه السلام ـ يقول ما نصه: «… مستغلين الظروف النفسية لأبي عنان المريني وما كان عليه من التشيع في حب آل البيت …» اهـ.
ولتشيع المرينيين كان يلجأ إليهم الشيعة المضطهدون، فيقابلهم المرينيون بالإعزاز والإكرام، لا سيما حينما يكونون من السادة الأشراف. وقد كانوا يلجؤون إليهم حتى من العراق. فقد جاء في الصفحة 142 من الجزء 54 من مجلة المناهل التي تصدرها وزارة الشؤون الثقافية في المملكة المغربية أن الحاج محمد الهادي العراقي بن أبي القاسم بن نفيس الشريف الكربلائي العراقي الحسيني جد الشرفاء العراقيين بفاس وأول قادم منهم عليها من البلاد العراقية كانت له منزلة عظمى لدى الخاص والعام وكان حياً أيام السلطان أبي سالم المريني. وقد خرج السلطان أبو سعيد المريني لاستقباله.
ثم يذكر سلسلة نسب العراقي وصولاً إلى الإمام موسى الكاظم.
قيام مملكة غرناطة([509])
في الصراع بين ابن هود والموحدين وقيام الفتن الأهلية، كان ممن برز خلال تلك الفتن محمد بن يوسف النصري([510]) المعروف بابن الأحمر سليل بني نصر. وبنو نصر يربطون بسعد بن عبادة الصحابي الشهير سيد الخزرج، فهم ـ إن صح ذلك ـ عرب أقحاح حجازيو الجذور.
وكان محمد هذا مقاتلاً شجاعاً حازماً ذا عصبية قبلية تلتف حوله، وقد انعقدت له زعامة قومه، لذلك من الطبيعي أن تكون له مطامحه بين أصحاب المطامح في ذاك الصراع الأندلسي المتشعب. فلما ظهر ابن هود منتصراً على الموحدين وتكالب الإسبان على الأندلس، وتناثرت الاضطرابات، برز ابن الأحمر. ورأى الكثيرون في بروزه أملاً من آمال الإنقاذ لبقايا الأندلس، فعضدته عدة جماعات، واجتمع عليه الناس في أرغونة أولاً، أرغونة مقر عشيرته وما يقاربها من نواح متدانية، ثم انضمت إليه (بياسة)، و(وادي آش) وما إليهما من حصون وبلاد.
ولكن هذا لم يرق لابن هود الذي كن يوطد سلطانه في شرق الأندلس وجنوبها، على أن ذلك لم يثن ابن الأحمر الذي والى الانطلاق، فبعد أن كان يعمل في الوسط اتجه إلى الجنوب.
ولم تلبث قرمونة وقرطبة وإشبيلية أن أطاعته أواسط سنة 629هـ ولكن قرطبة وإشبيلية عادتا إلى ابن هود.
ثم أطاعته جيان وشريش ومالقة وعدد من الحصون والمواقع سنة 630هـ ورأى فيه المشردون من المدن التي احتلها الإسبان ملاذاً لاذوا به، فتألف له من كل ذلك جيش كبير.
على أنه وهو يرى تنامي قوى ابن هود، وامتداده إلى الغرب والجنوب، واستيلاءه على غرناطة، وإقرار الخليفة العباسي له على ما في يديه وتعضيده المعنوي له.
إن ابن الأحمر وهو يرى ذلك آثر مصانعة ابن هود والانقياد إليه، ولكن هذا لم يلبث أن مات أوائل سنة 635هـ وهوت دولته.
وكان يحكم غرناطة باسم ابن هود وآلٍ يجاهر بالعداء لابن الأحمر، وكان من شر الولاة ظلماً وعدواناً على الرعية، فثاروا به واقتحموا عليه قصره وقتلوه وأعلنوا ولاءهم لابن الأحمر، وراسلوه داعين إياه إلى غرناطة، فأسرع إليها ودخلها في شهر رمضان من سنة 635هـ (نيسان 1238م)، فكان ذلك بدء حكمه في غرناطة وقيام دولة بني الأحمر. وبعد قليل هاجم (المرية) وحاصرها وتم له فتحها، وبذلك استحوذ على جميع الشاطئ الجنوبي.
كان من الممكن أن تكون هذه المملكة الصغيرة نقطة انطلاق لاسترداد ما تساقط بيد الإسبان من مدن الأندلس، ومركز تجمع للقوى المبعثرة التي كانت الأندلس بأمس الحاجة لتجمعها، وكان يمكن أن يكون ابن الاحمر القائد الناجح لتلك القوى فيستعيد بها ما ضاع. ولكن المطامع الشخصية والأنانيات وحب التسلط الفردي، وتأصل الشقاق حالا دون ذلك.
فكان الأندلسيون يؤثرون الاستظلال بالحكم الإسباني الذي يرون فيه حماية لما تحت أيديهم ـ يؤثرون ذلك على الانضمام إلى المملكة الناشئة المؤهلة لقيادتهم إلى وحدتهم الكبرى.
وهكذا رأينا حكّام (مرسية) و(لقنت) و(أريولة) و(قرطاجنة) يصالحون ملك قشتالة ويؤدون له الجزية ويعترفون بطاعته فيظلون حاكمين برعايته في مدنهم.
وقد أدّى ذلك إلى أن يدخل (ألفونسو) بن (فرديناند) الثالث ملك قشتالة مدينة مرسية في احتفال ضخم سنة 641هـ/ 1243م بعد أن سُلّمت له.
وبعد موت ابن هود كان فرديناند الثالث يرى في ابن الأحمر زعيم الأندلس الوحيد القادر على المقاومة والصمود، وأن في إنهائه إنهاءً لما يرجى إنهاؤه من أمر الأندلس. كما أن ابن الأحمر كان يعي حقيقة الحمل الذي شاء القدر تحميله إياه في صيانة ما بقي من الأندلس، بل حتى الرجاء في استرجاع ما ذهب منها.
ولم يتوان عن التعرض للإسبان عندما روعوا أرباض جيان نهباً وتخريباً، بل لقد أقدم على حصار قلعة (مرتش) سنة 636هـ ولكن الإسبان أسرعوا لإنجازها فاشتبك معهم وهزمهم هزيمة قتل فيها قائد مرتش وعدد من مبرزي الفرسان والأحبار.
وتوالى الصراع مداً وجزراً حتى لقد حوصرت غرناطة نفسها سنة 642هـ/ 1244م ثم رد المحاصرون عنها.
وهنا تبدأ مصانعة ابن الأحمر لملك قشتالة، حتى لقد التقيا وأعلن ابن الأحمر أنه يحكم مملكته باسم ملك قشتالة وفي رعايته، ثم كان يؤدي له جزية سنوية ويتعهد بمعاونته في حروب أعدائه، إلى غير ذلك من الأمور المذلة.ولم يلبث أن تنازل له عن جيان وأرغونة وبركونة وبيغ والحجار وقلعة جابر. هذا فضلاً عما آل إليه الأمراء الصغار من التنازع والتحارب والتقرب من ملك قشتالة والتنازل له عن المدن والحصون.
ومن الشعر الذي قيل في تلك العهود قول إبراهيم بن سهيل الإشبيلي من قصيدة عندما حوصرت إشبيلية:
ورداً فمضمون نجاح المصدر
هي عزة الدنيا وفوز المحشر
نادى الجهاد بكم بنصر مضمر
يبدو لكم بين القنا والضُّمر
خلوا الديار لدار عز واركبوا
عبر العجاج إلى النعيم الأخضر
وتسوغوا كدر المناهل في السرى
ترووا بما الحوض غير مكدر
يا معشر العرب الذين توارثوا
شيم الحمية كابراً عن أكبر
إن الإله قد اشترى أرواحكم
بيعوا ويهنئكم وفاء المشتري
أنتم أحق بنصر دين نبيكم
ولكم تمهد في قديم الأعصر
أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا
ذاك البناء بكل لدن أسمر
وقد بلغت مصانعة ابن الأحمر لملك قشتالة إلى حد إعانته على محاربيه من المسلمين، وإذا كنا لا نعذر ابن الأحمر على ما كان منه، فإننا لنقر بأن ما بدا منه بعد ذلك إنما يدل على أن مصانعته كانت إلى حين([511]).
ويموت محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة سنة 671هـ/ 1271م بعد أن بلغ الثمانين من عمره ويتولى بعده أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف، ويمكن اعتبار محمد بن محمد هذا ـ يمكن اعتباره محول مملكة غرناطة إلى النظم التي يقتضيها قيام مملكة من تنظيم الدواوين وترتيب الجباية وغير ذلك من شؤون الملك الذي يراد له الدوام.
ويوصف محمد هذا بأوصاف جميلة: فهو فقيه عالم أديب شاعر، وإذا كانت هذه الصفات لا تعني شيئاً في تدبير الملك إذا كان الموصوف بها لا يتحلى بغيرها، أما إذا اجتمعت مع بعد الهمة وقوة الحزم وبعد النظر وحسن التدبير، فإنها تزيد صاحبها تفوقاً وتألقاً.
وكذلك كان محمد الثاني على ما تخبرنا مدونات المؤرخين. ولم يدعه ملك قشتالة ألفونسو العاشر الذي تولى أبيه فرديناند الثالث ـ لم يدعه يستقر، بل راح يعد العدة للقضاء على البقية الباقية من الأندلس الإسلامية.
وكما كان ألفونسو متربصاً، كان محمد حذراً متنبهاً، وعملاً بوصية أبيه تطلع ببصره إلى العدوة الإفريقية التي كان قد قام فيها على أنقاض الموحدين دولة فتية قوية هي دولة بني مرين([512]).
فلم يلبث أبو عبد الله محمد بن محمد بن الأحمر بعد توليه أن أرسل إلى السلطان المريني([513]) ابن يوسف بن عبد الحق الملقب بالمنصور وفداً من كبار الرجال مستصرخاً مستنجداً للغوث والجهاد. ومما جاء في رسالة ابن الأحمر:
مرين جنود الله أكبر عصبة
فهم في بني أعصارهم كالمواسم
مشنفة أسماعهم لمدائح
مسورة إيمانهم بالصوارم
فأنجدهم أبو يوسف وسار بنفسه إلى الأندلس في جيش كثيف من البربر انتصر به على الإسبانيين. ثم عاد إلى المغرب.
وعندما كان أبو يوسف لا يزال مقيماً في الجزيرة بعد إجازته الثانية إلى الأندلس ساورت ابن الأحمر الشكوك وتذكر ما كان من يوسف بن تاشفين والمرابطين من ابن عبّاد، فانقبض ابن الأحمر عن لقائه وأرسل إليه قصيدة نظمها له كاتبه أبو عمر بن المرابط معاتباً مستنجداً يقول له:
أتعز من أرض العدو مدائن
والله في أقطارها لم يعبد
وتذل أرض المسلمين وتُبتلى
بمثلثين سطوا بكل موحد
كم جامع فيها أعيد كنيسة
فأهلك عليه أسى ولا تتجلد
القس والناقوس فوق منارة
والخمر والخنزير وسط المسجد
كم من أسير عندهم وأسيرة
فكلاهما يبغي الفداء فما فدي
كم من عقيلة معشر معقولة
فيهم تود لو أنها في ملحد
كم من تقي في السلاسل موثق
يبكي لآخر في الكبول مقيد
أفلا تذوب قلوبكم إخواننا
مما دهانا من ردى أو من ردي
أفلا تراعون إلاَّ وذمة بيننا
من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم في إخوانكم
وسيوفكم للثأر لم تتقلد
أبني (مرين) أنتم جيراننا
وأحق من في صرخة بهم أبتدي
هذي الثغور بكم إليكم تشتكي
شكوى العديم إلى الغنى الأوجد
أنتم جنود الله ملء فضائه
تأسون للدين الغريب المفرد
فرد أبو يوسف بقصيدة من نظم شاعره مالك بن المرحل([514]):
شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي
أنّا أجبنا صرخة المستنجد
لما دعا الداعي وردد معلناً
قمنا لنصرته ولم نتردد
نسري له بأسنة قد جرّدت
من عضبها والصبح لم يتجرّد
لولا الأسنّة والسنابك ما جرى
أحد بسير خيولنا في الفرقد
والخيل تشكونا ولا ذنب سوى
أنّا نروح بها وأنّا نغتدي
لو أنها علمت بنا في قصدنا
كانت تطير بنا ولم تتردد
الله يعلم أننا لم نعتقد
إلا الجهاد ونصر دين محمد
ثم اعترضنا البحر وهو كأنه
ملك تقدم في الجيوش لمرصد
فترامت الخيل العطاش أورده
هيهات ما الماء الأجّاج بمورد
يا خيل إن وراءنا ماء روى
ومشارب ومزارع لم تحصد
وأحبّة بين الفواقد أصبحوا
يتوقعون الموت إن لم ننجد
من مطلق العبرات إلا أنه
تجري دموع جفونه لمقيد
ومفجع لا يستلذ بمطعم
ومروع لا يستقر بمرقد
إخواننا في ديننا وودادنا
ولهم مزيد تحبب وتودد
نسري بأجنحة البزاة إلى العدا
مثل الحمام الحائمات الورد
واستقبلت بحر الزقاق بعصبة
نفذت عزائمها ولم تتعدد
فاستبشروا في أفقهم بطلوعنا
كالشمس يوم طلوعها للأسعد
حتى بغتنا القوم في أوطانهم
أن الحوادث لا تجيء بموعد
ثم التقينا بالذين استصرخوا
منا بكل مؤيد ومسدد
حتى إذا جئنا وجاؤوا نحونا
ودنا المزار وقيل للبعد أبعد
أزور جانبهم وأشهد بعدما
بسطوا لنا الآمال بسط ممهد
أوما رأونا قد تركنا أرضنا
ولنا بها ملك رصين المحتد
وأطاعنا قوم كثير أسرعوا
فمزود منهم وغير مزود
أترون إن عادوا إلى أوطانهم
يبقى لكم في الأرض موضع مسجد
أم تحسبون بوارقاً نشأت لكم
أمثالنا في جوكم لم تعهد
برماحكم نفحت وعنها أمطرت
بل كان ذا منا وإن لم نشهد
إنّا أردنا أن رعبنا قومنا
فيكم فيرجع من مضى بتزيد
حتى ترون بلادكم معمورة
ويكون يومكم يقصر عن غد
فاليوم قد أوحشتمونا وحشة
إن لم تمد حبالها فكان قد
يا ليت شعري ما بدا منا لكم
حتى ابتديتم بالمكان الأبعد
تالله لولا ودنا فيكم وما
أدراك من ود قديم متلد
ومخافنا إن يستطيل عدوكم
ويثور بعد تذلل وتعبد
لخرجت من هذي البلاد بمن معي
وتركتها لكم ولم أتعهد
أوما علمتم أننا أيد لكم
دون العدا والله خير مؤيد
لولا رجال من مرين رفعوا
منكم لكنتم بالحضيض الأوهد
لولا رجال من مرين قاتلوا
عنكم لكنتم كالنساء الخرد
عهدي بجندكم الذين إذا رأوا
علجاً تولوا كالنعام الشرد
يتشبهون بكل أغلب كافر
في زيهم وكلامهم في المشهد
وطعامهم وخلالهم وشرابهم
ومناكر يأتونها وسط الندي
وتنقص العلماء والفضلاء والا
عيان من أهل التقى والسؤدد
كيف الهدى لهم ومن لا يقتدي
بنبيه وإمامه لم يهتد
فاتوا بعزكم إلى ما عندنا
في حقكم ولتسمعوا من مرشد
ثم السلام عليكم من والد
يدعو ابنه دعوى محب مسعد
كانت اللغة العربية هي لغة الدواوين والتأليف والتعليم والقضاء في جميع الدول التي كونتها القبائل البربرية مثل المرابطين والموحدين والمرينيين ومن تلاهم ولم تعرف تلك الدول في دواوينها وفي ترسلها غير العربية، ولم يكتب بغيرها حملة الأقلام. وها نحن نراها هنا لغة الشعر.
ولنا أن نقول: إن أعلاماً من البربر الأقحاح بزّوا غيرهم في خدمة العربية وعلومها، وحسبنا منهم ابن آجرّوم الصنهاجي من أهل فاس صاحب المقدمة الآجرومية. والجزولي مؤلف (الجزولية) و(الأمالي) وغيرها في النحو، وكتب أخرى في الأدب العربي.
وصف السيوطي ابن آجرّوم بالصلاح والبركة والإحاطة بعلم النحو قائلاً: ومما يدل على صلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته التي صنّفها وهو مجاور بمكة. ومعنى آجروم بلغة البربر (الصوفي الفقير). ويستنتج السيوطي من دراسة هذه المقدمة المشهورة أن صاحبها على مذهب أهل الكوفة في علم النحو كما يظهر ذلك من مصطلحاته التي استعملها في المقدمة. وكانت وفاته بفاس سنة 723هـ.
هذا وهناك من يرى أن كتاب (الجمل) للزجاج هو أصل الآجرومية الصنهاجية.
أما الجزولي عيسى بن عبد العزيز بن يلل بخت ـ ومعناه المحظوظ بالبربرية ـ وفي نسبه أسماء بربرية ترجمها المعنيون بكتابة سيرته، ومنهم السيوطي في البغية، فتوفي سنة 607هـ.
وفي أخذ البربر بالعربية وعلومها وآدابها وغير ذلك. يقول عبد العزيز الملزوزي([515]) في ملحمته:
فجادت زنانة البرابرا
فصيروا كلامهم كما ترى
ما بدل الدهر سوى أقوالهم
ولم يبدل منتهى أحوالهم
بل فعلهم أربى على فعل العرب
في الحال والإيثار ثم في الأدب
كذلك كانت قبلهم مرين
كلامهم كالدر إذ يبين
على أنه قد جاء في الكتب التي عنيت بسيرة يوسف بن تاشفين ملك المرابطين أنه كان يجهل العربية. قالوا: ولكنه كان ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف العربية والبربرية ويترجم له من لغة إلى خرى. ولما وصلت رسائل الاستغاثة من ملوك الطوائف بالأندلس إلى ابن تاشفين، وكانت مكتوبة باللغة العربية لم يفهم ما ورد فيها إلا بعد الترجمة، وإذا صح ذلك فيه فإنه لا بد من القول إن بعض ملوك الدول البربرية كانوا يُمدحون بالشعر العربي كما كانوا يراسلون بهذا الشعر فيأمرون شعراءهم بالإجابة كما رأينا فيما تقدم في الحديث عن دولة بني مرين وهذا يدل على إجادتهم اللغة العربية وتذوقهم آدابها وتأصل شعرها في أوساطهم.
وإذا كان الشعر الذي مرّ ليس على المستوى العالي فإن ذلك يعود إلى عدم وجود الشعراء المبدعين لا إلى عيب في استعراب ملوك البربر في تفهم الشعر العربي، وإذا رجعنا إلى القصيدة التي بعث شاعر ابن الأحمر الغرناطي العربي الصميم نراها دون القصيدة التي أجاب بها شاعر أبي يوسف المريني البربري الصميم.
ومما مُدح به بنو مرين قصيدة لشاعر تونسي كان يعتبر من ناشئة أهل الأدب هو أبو القاسم الرحوي الذي كان من بين شعراء تونس الذين رفعوا إلى أبي الحسن المريني قصائدهم يهنئونه على استيلائه على تونس والمهدية، وهو الذي اتسعت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من العدوة الافريقية إلى رُندة من عدوة الأندلس. ونرى في قصيدة الرحوي شعراً عربياً أصيلاً لا ينحدر إلى ما رأيناه من قبل من الشعر المتقدم ذكره. ولولا أن هذا الشاعر وغيره من الشعراء يرون أن لشعرهم وقعاً حسناً وتفهماً وتذوقاً واستحساناً عند الملك المريني البربري لما عنوا بالنظم، ورفعوا إليه الشعر([516]):
قال الرحوي في قصيدته الطويلة:
أجابك شرق إذ دعوت ومغرب
فمكة هشّت للقاء ويثرب
وناداك مصر والعراق وشامه
بداراً، فصدع الدين عندك يشعب
وحيتك أو كادت تحيي منابر
عليها دعاة الحق باسمك تخطب
وتاقت لك الأرواح حباً ورغبة
وأنت على الآمال تنأى وتقرب
ولما أقدم ثائرون في الأندلس على خلع ابن الاحمر أبي عبد الله وبايعوا غيره واضطر هو إلى الفرار إلى وادي آش وأرسل الملك المريني أبو سالم من أحضر ابن الاحمر من وادي آش إلى المغرب وعمل على إطلاق وزيره ابن الخطيب من معتقله وإحضاره هو الآخر إلى المغرب. أنشد ابن الخطيب في حفل استقبال حاشد أقامه أبو سالم لابن الأحمر ووزيره قصيدة استصراخ واستعطاف واسترحام يقول فيها:
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى
بأكنافها والعيش فينان مخضر
فمن لي بنيل القرب منها ودونها
مدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله عيناً من رآنا وللأسى
ضرام له في كل جانحة جمر
قصدناك يا مولى الملوك على النوى
لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
وأنت الذي تدّعي إذا دهم الردى
وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان بحكمه
لك النقض والإبرام والنهي والأمر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا
بآل (مرين) جاءه العز والنصر
همُ القوم إن هبّوا لكشف ملمة
فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا وإن نوزعوا سطوا
وإن وعدوا أوفوا وإن عاهدوا بروا
ومما يذكر للعهد المريني ازدهار علوم اللغة العربية فيه، ازدهاراً ينتج عنه انتشار هذه العلوم في طبقات الشعب. ومن أشهر الكتب التي ألّفت في ذلك العهد: شرح كتاب سيبويه لابن رشيد، وشرح مقصورة أبي حازم الغرناطي لمحمد الحسني السبتي، وشرح المكودي على الألفية، والأجرومية لأبي عبد الله بن آجروم المتوفى سنة 623هـ، وشرح تسهيل ابن مالك لابن هاني السبتي المتوفى سنة 733هـ، والمنزع البديع في تجنيس أساليب البديع لأبي محمد السجلماسي، والبسط والتعريف في علم التصريف لابن المرحل.
وقال الأستاذ أوراس مخلوف عن تشييد المرينيين للمدارس:
انتشرت المدارس خلال مرحلة السلالة المرينية التي شيّدت دولتها على أنقاض دولة الموحدين. وكان بنو مرين قبيلة شبه بدوية من أصول بربرية ومتفرعة عن الزناتة، وقد تمكنت منذ العام 1248 من الاستيلاء على فاس والرباط وسلا مستفيدة من انحلال الموحدين. وسعى قادتهم إلى إعادة تشكيل أمبراطورية الموحدين، فقاموا بحملات عسكرية عدة في إسبانيا، لكنهم لم يتمكنوا من بسط نفوذهم والوقوف في وجه القوى الكاثوليكية التي استعادت قرطبة وإشبيلية وفي شمال إفريقيا استولى المرينيون على تلمسان العام 1336 ثم على تونس لكنهم لم يتمكنوا من هزيمة الحفصيين.
جعل المرينيون من مدينة فاس عاصمة لهم، فعاشت في زمانهم عصرها الذهبي عند مطلع القرن الرابع عشر بعدما شيّدوا فيها عاصمة إدارية جديدة تعرف بـ «فاس الجديدة» وأبدوا اهتماماً واضحاً ببناء المدارس التي كان الهدف منها دعم الإسلام في المغرب العربي والتأكيد على وحدة شمال إفريقيا. وتعد هذه المدارس اليوم من روائع العمارة المغربية وتعكس الازدهار الاقتصادي والثقافي الذي عرفته فاس في المرحلة المرينية.
تعد مدرسة العطارين الواقعة شمال جامع القرويين في فاس من أجمل المدارس المغربية على رغم صغر مساحتها، بسبب زخارفها البديعة التي تجعل منها تحفة عمرانية نادرة. أمر بتشييدها السلطان المريني أبو سعيد عثمان ما بين 1323 و1325، ويقال إنه أشرف شخصياً على تأسيسها في البداية. وتتألف هذه المدرسة من صحن مكشوف فيه حوض ماء، تحيط به قاعة للصلاة مربعة وصالات معدّة لاستقبال الطلاب والأساتذة. وتختصر زخرفة الجدران التي تحف بالصحن المكشوف جميع التقنيات التي اعتمدها فنانو المغرب في تزيين صروحها، وهم أظهروا براعة كبيرة في التعاطي مع المواد المختلفة وأهمها الخشب والحجر والفسيفساء الخزفية المعروفة بالزليج والجفصين …
وتعادل مدرسة العطارين من حيث القيمة الفنية مدرسة شهيرة أخرى شيّدت في فاس خلال المرحلة المرينية وهي مدرسة بنو عنانيا نسبة إلى مؤسسها السلطان أبو عنان الذي شيدها ما بين 1350 و1355. وتتميز بمخططها المعقد وضخامتها وقدرتها على استقبال مصلى يوم الجمعة. وكان من المفترض أن تسمى هذه المدرسة بالمتوكلية لأن السلطان أبو عنان اتّخذ لنفسه ألقاباً عدّة منها أمير المؤمنين والمتوكل بالله، وهو شاء أن تفوق بروعتها الصروح التي شيّدها أسلافه. ومن المعروف أنه أشرف شخصياً على أعمال البناء، وبعد الانتهاء منها كان يحضر أحياناً الدروس التي يلقيها الأساتذة على التلامذة. ويروي المقري أنه وجه انتقادات إلى معلم اسمه علي الصرصاري بعد الاستماع إلى درسه، لأنه كان يكتفي بإلقاء المعلومات كما حفظها غيباً، ولا يسمح للطلاب بطرح أسئلتهم.
من مدينة فاس إلى مدينة مكناس التي نتعرف فيها على مدرسة تاريخية أخرى تحمل اسم بو عنانيا، وتقع بالقرب من الجامع الكبير. وكان السلطان أبو الحسن باشر ببنائها العام 1345 ثم أكملها ابنه السلطان أبو عنان. وكما درجت العادة، تحيط القاعات بصحن مكشوف يتوسطه حوض ماء. وقد ركّز الفنانون بالأخص على زخرفة الجدران الخارجية المحيطة بالصحن، وقد وصلت هنا إلى درجة عالية من الكمال والروعة والانسجام ما بين العناصر المختلفة.
سعى بعض المؤرخين إلى دراسة الأسباب التي دفعت بالمرينيين إلى التركيز على بناء المدارس وأهمهم الفرنسي لوسيان غولفان، المتخصص في تاريخ فنون الغرب العربي. وقد تناول بالتفصيل في أحد كتبه جميع المدارس التي شيّدها هؤلاء، وكانت أولاها مدرسة الصفارين في فاس العام 1276. ويرى أن الهدف الأساسي منها كان إعداد نخبة من المدرسين والموظفين والدعاة القادرين على حماية مصالح الدولة والوقوف في وجه دعاة التطرف. وتوطيد حكمهم للمغرب.
أما من الناحية الفنية، فمن المتفق عليه اليوم، أن المدارس التي شيّدها المرينيون هي من روائع الفن الإسلامي المغربي لأنها تعكس بصورة باهرة المستوى الفريد الذي حققه الإبداع المغربي في تلك المرحلة، بعد أن عرف كيف ينهل من مؤثرات عدة أهمها أندلسية ومشرقية، ويصوغها في بوتقته الخاصة. وتظهر الخصوصية المغربية في أمور متنوعة، من أهمها فن الزليج الذي يقضي بتغطية الجدران والأرض بالبلاطات المكعبات الفسيفسائية. إلى ذلك، تبين هذه المدارس الدور الذي لعبه المرينيون في تاريخ المغرب ورعايتهم للفنون.
إن المصادر التي بين أيدينا لا تلقي كثيراً من الضوء على الأنظمة المرينية في ميادين التجارة والصناعة والزراعة، ونذكر ـ أولاً ـ أن معلوماتنا عن تنظيم التجارة الخارجية لا تتعدى عصري أبي الحسن وأبي عنان. فقد عقد الأول ـ سنة 739هـ/ 1339م ـ معاهدة سياسية تجارية في تلمسان مع وفد مملكة ميورقة، وقد سمح هذا الاتفاق لرعايا ميورقة بالتجارة في المغرب، ولكن منع عليهم أن يصدروا منه القمح والسلاح والخيل والجلود المملحة والمدبوغة.
كذلك عقد أبو عنان معاهدات صلحية مع دول البرتغال وقشتالة وأرغون وميورقة وصقلية وجنوة، وقد كان من أثر المعاهدة مع جنوة بالخصوص، أن تدفقت تجارتها على المغرب، وامتلأت بتجارهم دواوين أقطاره.
وبدون شك فإن اتفاقات تجارية مرينية انعقدت في فترات أخرى من هذا العهد مع دول إسلامية ومسيحية بدون أن يتسنى الوقوف عليها، فإن ابن خلدون يتحدث عن تجار الأمم النصرانية الواردين على المغرب، وغير ابن خلدون يتحدث عن غراب توجه أخريات أيام أبي عنان من المغرب إلى الإسكندرية بتجارة مغربية، ثم عاد ـ بعد ذلك، بما جدله شراؤه من متاع الشرق وطيبه وطرفه، وقد كان المغرب يستورد الذهب من السودان والفضة من مدينة سردانية والأندلس.
وفي صدد منتوجات أخرى عربية وغربية راجت بالمغرب المريني ـ توجد إشارات عابرة في هذا الصدد، وبخصوص أيام أبي الحسن وأبي عنان، فقد كان ضمن إحسانات وعطايا الأول: ثياب من صنع الإسكندرية وتونس وتلمسان والجزيرة الخضراء، مع حنابل ونشريشية، وفي عهد أبي عنان تذكر عدة منتوجات يستخدمها الجيش وأخرى تستعملها النساء، وهي القسي العربية المجلوبة من البلاد المشرقية والمحكم عملها في البلاد المغربية، والأثواب البديعة المستوردة من الشام والعراق، مع أثواب عراقية أخرى وأندلسية ورومية.
وقد انتظمت في هذا العهد عدة مراسي للإصدار والإيراد، وكان أكبرها ميناء سبتة محشر أنواع الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، قال في ممالك الأبصار عن سبتة: (وهي من فرص البحر العظيمة، لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كل جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجودة فيها).
وقد كان بهذه المدينة دار الإشراف على عمالة الديوان أمام فنادق تجار النصارى حيث الرحبة العظمى، وفنادقهم سبعة: أربعة على صف واحد، وثلاثة مفترقة.
أما باقي المراسي المرينية فهي: مرسى آنفا «الدار البيضاء» التي يقول عنها في معيار الاختيار: جون الحط والإقلاع، ومجلب السلاع، تهوي إليها السفن شارعة، وتبتدرها مسارعة، تصارف برها الذهبي بالذهب الإبريز، وتراوح برها وتغاديه بالتبريز.
ومرسى أصيلا ذات السفن المترددة وفيها الملف والأبازير، ومرسى طنجة محط السفن اللطاف، ومرسى غساسة وهي ـ حسب معيار الاختيار ـ مرسى مطروق، بكل ما يروق. ومرفأ جارية تجرية، ومحط جباية مجرية.
ويلحق بهذه المراسي مدينة سجلماسة التي يدخل منها التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والردع، ويعودون بالذهب.
وهكذا تكشف هذه الفقرة الأخيرة عن أسماء بعض المصدرات المغربية لبلاد السودان كما تشير لنشاط القوافل التجارية المتنقلة بين البلدين، وقد كان سفر ابن بطوطة للسودان في رفقة تضم تجار سجلماسة وغيرها، والسودان المعني بالأمر هنا هو مملكة ملك مالي «مقدمة ابن خلدون» ص 46.
أما مصدرات المغرب إلى أوروبا ـ خلال القرن الثالث عشر ـ فمنها الصوف والخرفان والخيل والجلود والزرابي والأحزمة المزخرفة والقطن والشمع.
اهتم المرينيون بتنظيم الري بالنواعير التي تكاثرت أيام أبي عنان، وقد وقعت تجربتها في المغترسات المرينية الخاصة.
كذلك اهتم بعض ملوكهم بإسعاف طبقات من الفلاحين، فقد وزّع أبو الحسن على الأيتام في سائر القبائل قطعاً أرضية: مقدار حرث زوجين لكل فرد، مع إعفاء الأرض الممنوحة من اللوازم الجبائية (وحرث زوجين يقدر بنحو 16 هكتاراً).
كما وزّع أبو عنان أزواج الحرث على الزمنى والضعفاء ليقيموا بها أودهم.
ومن مظاهر التنظيم الفلاحي في هذا العهد ما لاحظه ابن خلدون من كثرة الفلح وعمومه بالمغرب المريني، كما لاحظ ابن قنفد القسمطيني عن دكالة بالخصوص: (أن مساحة الأرض المحروثة بها تبلغ عشرة آلاف زوج) أي معدل نحو 80000 هكتار.
هذا إلى أن هذا العصر حافظ على امتداد زراعة عدة مزدرعات اقتصادية هامة، فقد كان يزرع الكتان بأحواز فاس وسلا، وبأحواز سلا ـ أيضاً ـ كان يزرع القطن وتمتد زراعته إلى تادلا والهبط.
وكان قصب السكر يزدرع في عدة جهات: في ناحية سبتة، وهو بها ثلاثة أنواع كما يزرع بسوس ونواحي سلا ومراكش بوادي نفيس. وفي مراكش كان يوجد أربعون معملاً وأكثر زيادة على ما بسوس، وهي تنتج سكراً في غاية البياض والصلابة ولطافة الذوق، يقارب سكر مصر إن لم يكن مثله على حد تعبير مسالك الأبصار.
كانت فترة حكم بني مرين من أزهى فترات الحضارة المغربية، أعادت فيها للدولة المغربية بهاءها ورونقها، وجددت معالمها ومصانعها، وكان البناء والتشييد أكبر ظاهرة، وأصدق شاهد على حضارة المرينيين ورقي ذوقهم. فقد شيدوا معالم عمرانية متنوعة كالحصون والقلاع والأسوار والمساجد والمدارس والمستشفيات ودور الضيافة وغير ذلك.
وكانت المدارس المرينية القناة الطبيعية لازدهار الحياة الفكرية والأدبية، إذ حملت شعلة العلوم على تنوعها، وأذكت فتيل العناية بالكتابة والتأليف، وغدت هذه المدارس باتساعها وانتشارها ملتقى العلماء والفقهاء، ومجمع الأدباء والشعراء، ومركز إشعاع علمي استقطب اهتمام الباحثين والدارسين القدامى والمحدثين.
وتكفي الإشارة إلى مؤلفات ابن البناء العددي وابن عبد الملك المراكشي والعبدري وابن خلدون وغيرهم من الأعلام لإعطاء صورة واضحة الملامح عن ازدهار حركة الكتابة والتأليف، وعن تشجيع الملوك المرينيين لها في ميادين عديدة: في الرحلة والتاريخ والتراجم، وفي الفقه والحديث والتفسير والأدب …
كما شهدت الساحة الأدبية تألق عدد كبير من الشعراء كابن المرحل والمزوزي والقباب والخزرجي وابن الخطيب، مما يؤكد عناية بني مرين بالأدب وفنونه، وتشجيعهم للشعر ورجاله.
وكانت اللغة العربية هي وحدها التي تستعملها الدولة في سائر مرافقها، ومن توابع هذا المبدأ ما قرره أحد مشرعي هذا العصر في شأن الأرقام الحسابية الرومانية المعروفة بالفلم الفاسي، والتي كانت مستعملة في ديوان الأشغال، فقد سجل قاضي فاس أبو سالم إبراهيم اليزناسني: أن الرشم الروماني قد استفاض بين المسلمين حتى صار كسائر رشوم المسلمين، كأشكال الغبار وغيرها من المصطلحات.
وامتاز المرينيون باستعمال البياض، فهو كان لون العلم، ولباس الحفلات الرسمية، ولون أخبية الجيش بما فيها الخباء السلطاني العظيم (أفراك)، وهو ـ أيضاً ـ اسم ومظهر المدينة المرينية بفاس.
وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه أفراد من الشعراء والكتاب، وأولهم صالح بن شريف الرندي صاحب المرئية الشهيرة في الأندلس، فقد خاطب فيها الملك المريني بهذا البيت حسب أزهار الرياض:
يا أيها الملك البيضاء رايته
أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
ولما مر خالد اللوي بتلمسان في رحلته للشرق ـ وجد محلة أبي الحسن بضاحية هذه المدينة سنة 736هـ ـ 1335م ومما قال في وصفها: (وجلنا في المحلة وهي روض يثمر خيلاً وأعنّة، وبحر يزخر قنى وأسنّة … والأحوال قد استقامت، والأجنية على القاعدين فيها قد قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج….).
وجاء أثناء قصيدة لابن الخطيب يخاطب فيها أبا سالم، ويذكر أخبية الجيش وأفراك:
مضارب في البطحاء بيض قبابها
كما قلبت للعين أزهار سوسان
وما أن رأى الراؤون في الدهر قبلها
قرارة عز في مدينة كتان
وقال ابن الخطيب ـ أيضاً ـ في (معيار الاختيار 167) عن فاس الجديدة: وأما مدينة الملك فبيضاء كالصباح، أفق الغرر الصباح).
ويبدو أن من بين الأسباب التي حدت بالمرينيين لاختيار البياض ـ مخالفة جيرانهم المسيحيين الذين كانوا يؤثرون السواد، فقد كان هذا اللون هو لباس القشتاليين وملكهم سانشو. لما قدموا إلى معسكر يعقوب المريني بالأندلس لعقد الصلح، وقد ورد في روض القرطاس وصف لباس الطرفين في العبارات التالية:
وأمر (يعقوب) جميع جيوشه بلباس الأبيض والعدّة الكاملة، فابيضّت الأرض ببياض المسلمين، وأقبل شانجة (سانشو) في عدّة من المشركين مسودة، فكان ذلك عبرة للمعتبرين.
كان شعار الدولة المرينية لواء أبيض يسمى (العلم المنصور) وهو قطعة كبيرة منسوجة من الحرير مكتوب فيها بالذهب آيات قرآنية بدائر طرتها.
وقد اهتمّ المرينيون ـ مثل الموحدين قبلهم ـ بشأن العلم الرسمي، فجعلوا له موكباً خاصاً يتّبع إثر السلطان في مسيره يسمى (الساقة)، وفيها يكون العلم المنصور تحيط به أعلام دونه مختلفة الألوان، وفي أول الدولة كان عدد أعلام هذا الموكب بين العشرة والعشرين، ولما تضخّم ملك أبي الحسن بلغ عددها مائة بند بين كبير وصغير، ملونة بالحرير، منسوجة بالذهب.
على أننا نرى أن استعمال المرينيين للبياض على الشكل الذي مرّ ذكره هو من مظاهر النزعة الشيعية عند المرينيين، فالبياض كان شعار الثوار العلويين في العهد العباسي الذين كان يطلق عليهم لقب (المبيضة) وإن عُم أحياناً على غيرهم كأصحاب المقنع.
قال المسعودي في مروج الذهب: لقد أتينا على خبر أبي محمد الحسن بن القاسم الحسين الداعي واستيلائه على طبرستان ومقتله وما كان من الجيل والديلم في أمره في كتابنا أخبار الزمان. وقال في موضع آخر منه: والحسن بن القاسم الحسيني الداعي وافى الري وذلك في سنة 310 في جيوش كثيرة من الجيل والديلم ووجوههما فأخرج عساكر أحمد بن إسماعيل بن أحمد وصاحبه عنها واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وقم وأبهر وغير ذلك مما اتصل بالري فكتب المقتدر إلى نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان ينكر عليه ذلك ويقول: إنك أهملت أمر الرعية وأضعفت البلد حتى دخلته (المبيضة) وألزمه إخراجهم عنه.
مزار ﭙشاه
ﭙشاه PASHAH اسم قريتين صغيرتين تبعد كل واحدة منهما عن الأخرى حوالي كيلومتر واحد وتقعان في الشمال الشرقي من مدينة طبس. وتسمى إحداهما ﭙَشاه الكبيرة والأخرى ﭙَشاه الصغيرة. مناخ القريتين حارٌ وأهم محاصيلها الزراعية هي التمور ولكنها ليست من النوع الجيد بحيث إن أكثرها يذهب علفاً للماشية التي ترعى قطعانها من الغنم والماعز بالقرب من مدينة طبس حوالي قريتي ﭙَشاه.
الجدير بالذكر أنه نظراً لقيام بعض المسؤولين الزراعيين بتحسين تمور طبس فإنه من المؤمل أن يصبح هذا المحصول مورداً للملاّكين. أما المحاصيل الأخرى فهي الشعير والدُخن … ومياه ﭙَشاه مالحة غير صالحة للشرب. أما مياه الشرب فإنها تخزن في مخازن يُعرف الواحد منها بالحوض من مياه الأمطار في الشتاء وأن المسافرين القادمين إلى ﭙَشاه يحملون مياه الشرب معهم من مدينة طبس.
المستندات والوثائق المتبادلة بين الأهالي في بيع وشراء الأراضي والنخيل تبدل كلمة ﭙَشاه بالكلمة العربية قشاه وأن المصادر التاريخية القليلة التي أشارت إلى اسم هاتين القريتين ذكرتها باسمها العربي قشاه. والمعلومات الموجودة في المصادر المكتوبة عن ﭙَشاه هي:
1 ـ المجلد التاسع من معجم جغرافية إيران (القرى والأرياف) نقرأ: « ﭙَشاه العُليا، قرية صغيرة من قرى طبس قضاء فردوس على مسافة 18 كيلومتراً شمال شرق طبس، جبلية، حارة سكانها 11 شخصاً».
وفي نفس المصدر جاء عن ﭙَشاه الصغرى: «ﭙَشاه السفلى قرية صغيرة من قرى طبس قضاء فردوس على مسافة 17 كيلومتراً شمال شرقي طبس، جبلية، فيها سكان».
2 ـ في الدراسات التي قامت بها في السنوات الأخيرة المجموعة الجغرافية التابعة لمركز الدراسات الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة، جاء ذكرٌ عن ﭙَشاه الكبيرة وﭙَشاه الصغيرة ما يلي: «فشاه العُليا: السكان 33 نسمة، الأُسر سبعة، ويوجد مزار، الطول الجغرافي 59 ـ 56 العرض الجغرافي 42 ـ 23، الارتفاع عن سطح البحر 860 متراً، لا يوجد فيها كهرباء، محل لغسل الموتى، حمام، مدرسة ابتدائية، متوسطى، ثانوية، مسجد، حسينية، طبيب، مستوصف، بيطري، صندوق بريد، هاتف، درك، بنك، طاحونة، مجزرة (ملحمة)، خبّاز، شركة تعاونية».
وفي نفس المصدر جاء عن ﭙَشاه الصغرى: فشاه السفلى، السكان 24 نسمة، الأُسر 4. إن الأهالي هناك لا يستعملون كلمتي العليا والسفلى التي يستعملها مركز الدراسات الإسلامية ومعجم جغرافية إيران، بل أن الأهالي يطلقون عليهما اسمي ﭙَشاه الكبيرة وﭙَشاه الصغيرة.
3 ـ وثيقة مخطوطة أخرى: الأشعار الموجودة على حجر المزار الواقع في ﭙَشاه الكبيرة وتاريخها سنة 1081 هجرية نتحدث عنها فيما بعد.
إن سبب اهتمام الناس وسفرهم إلى ﭙَشاه الكبيرة هو وجود هذا المزار ولما كان طريق القوافل بين طبس ومدينة مشهد قديماً يمر بالقرب من ﭙَشاه فإن الذين كانوا يسافرون لزيارة مشهد المقدسة على ظهر الإبل والحمير كانوا يتوقفون في ﭙَشاه ويودعون أُسرهم في ﭙَشاه. وخلال عودتهم من زيارة مشهد المقدسة كانوا يقفون في ﭙَشاه أيضاً حيث كانت أسرهم تستقبلهم فيها. وفي فصل الصيف وخاصة في موسم التمور فإن أعداداً كبيرة من الناس كانوا يقدمون إلى ﭙَشاه ليالي الجمعة لزيارة مزارها وكانوا يقضون يوم الجمعة في ظلال النخيل بسبب عدم وجود بناية مناسبة للإقامة فيها. وقبل سنوات أسست مديرية التربية والتعليم في طبس مدرسة ابتدائية في ﭙَشاه الكبيرة ولكن هل أن هذه المدرسة موجودة الآن بسبب قلة عدد أفراد الأُسر هناك؟. وأما عن الإضاءة في مزار ﭙَشاه فإن الناس يستخدمون السراج ولما جاء دور النفط كانوا يستعملون النفط لإضاءة المزار وكانوا ينذرون النفط لهذا المزار وبعد الزلزال الذي وقع هناك ودمّر المزار تم إنشاء مبنى جديد للمزار وتم شراء محول كهربائي صغير للمزار كانوا يستعملونه لإضاءة المزار في ليالي الجمعة فقط حيث يأتي الزوار إلى هناك وما زال هذا المحول الكهربائي موجوداً.
أما المدفون في ﭙَشاه، فعدا الحجر الموجود على القبر والأشعار المنقوشة على هذا الحجر وتاريخ البناء فلا يوجد شيء آخر، وأن صاحب القبر حسب ما يُذكر في القصيدة هو السيد حسين جعفر من سلالة الإمام الباقر عليه السلام. وتوجد هذه العبارة على قطعة القماش الموضوعة فوق صندوق القبر: «السيد حسين بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب». ويبدو أنه قام بهذا التحقيق السيد رضا مدني زاده الشريعتي، أستاذ مدارس طبس.
ويبدو من الأشعار المنقوشة على حجر القبر أنه كان فوق المزار قبّة جيدة دُمرت تماماً وهي الآن غير موجودة وحسب ما أتذكر: أن القبر كان في غرفة صغيرة مرتفعة عن الأرض بعدة درجات وبعد وقوع الزلزال دُمرت الغرفة تماماً، وأن بعض الأخيار أعادوا بناء غرفة كبيرة واسعة ونصبوا صندوقاً على القبر وبنوا جداراً حول ساحة القبر كما بنوا غرفاً لإقامة الزائرين. ولكن هذه البناية دُمّرت في زلزال سنة 1357 الذي وقع في طبس. فأعادوا إنشاء بناية أخرى ما زالت قائمة يزورها الزوار. وكما أشرنا فإن البناية الأولى قد أنشئت حسب التاريخ الموجود في الأشعار المنقوشة على حجر القبر في سنة 1080 هجرية وأن مؤسسها حسب العبارة المنقوشة في نهاية الأشعار هو «… سلطان حَسَني ولد محمد داروغه سنة 1081».
محمد رضا الأظهري
المزولة
ربما كان المسلمون أكثر الملل احتياجاً إلى ضوابط الوقت، كانت تُحوجهم إليها كثرة طقوسهم وشعائرهم المتصلة بالصلاة والصوم والحج، وكانت لهم منها ضوابط ورثوها عن عرب ما قبل الإسلام، وأخرى ابتدعوها تلبية لمقتضيات جديدة، وضوابط أخذوها عن أمم احتكوا بها وتفاعلوا معها، فلم يأنفوا أخذ ما يوافقهم ويخدم عقيدتهم. وقد استعان المسلمون بـ «المزولة» لتعيين مواقيت الأذان والصلاة. فما هي «المزولة»؟
ـ ضبط العرب أوقاتهم ـ منذ ما قبل الإسلام، مستعينين بحركة الشمس والقمر والنجوم، وانتقال الظل، أكان ظل عنصر في الطبيعة أم ظل إنسان أو رمح، وكانت لهم اصطلاحاتهم على الأشهر والأيام والساعات والدقائق والثواني.
والموضوع ـ على الجملة ـ جدير ببحث قائم بذاته، يعنينا منه في هذه العجالة استعانة المسلمين بـ «المزولة» على تعيين مواقيت الأذان والصلاة في النهار، في تدبيرٍ نظن أنّ الباعث عليه حاجتهم إلى الأذان والصلاة في وقت واحد في المدن التي كثرت مساجدها؛ الأمر الذي يحملنا ـ ابتداء ـ على استنتاج أن المزاول لم تكن في المساجد كلها، وأنَّ المعول في هذا الأمر كان على مسجد إمامٍ في المدينة الواحدة، ينطلق فيه صوت مؤذنة، فيتبعه في اللحظة نفسها مؤذنو سائر المساجد.
ولم يكن على المسلمين حرج في أن يأخذوا هذه «المزولة» عن أمم سابقة، وفي أن يطوروها، شأنهم في كل ما أخذوه من عناصر الحضارة المادية ثم تمثلوه وأخرجوه في صورة أعلى فصار جزءاً من عناصر جضارية إسلامية شاملة.
والمزولة لوحة حجرية عليها خطوط محسوبة وشاخص معدني أو خشبي يتوسطها ويكون ظلُّه الناتج عن سقوط ضوء الشمس عليه وسيلة معرفة الوقت، لا سيما وقت أذان الظهر ووقت آذان العصر؛ إذ كانت لهم في تعيين مواقيت أذان الفجر والمغرب والعشاء ضوابط أخرى.
واسم المزولة من الزوال؛ «والزوال: زوال الشمس. وزالت الشمس زوالاً وزوولاً، بغير همز وزيالاً وزولاناً: زلَّتْ عن كبد السماء. وزال النهار: ارتفع وزال الظل زوالاً كزوال الشمس. وزال زائل الظل إذا قام قائم الظهيرة وعقل» (لسان العرب لابن منظور: مادة زوال). وفي «المساعد» للأب أنسطاس الكرملي (ص 242) أن المزولة سمّيت «البسيطة»، فقد «جاءت هذه اللفظة عند بعض العرب المخالطين للترك بمعنى المزولة أو الساعة الشمسية: «Cadran.
مزولة الجامع المنصوري
ومنشأ المزولة بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كما يستفاد من بعض المصادر، وأقدم مزولة معروفة في مصر الفرعونية يرجع إلى العام 1500 قبل الميلاد كما يذكر الدكتور عاصم محمد رزق في كتابه «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية»، وكانت عبارة عن «حجر منبسط عليه قضيب منكسر على هيئة ضلعي زاوية قائمة كان طول الظل عليها يقاس بواسطة تدريجات على جزئية الأكبر» (ص 280). ثم تطورت صناعة المزاول بتقدم علم الرياضيات وعلم الفلك «فصنع أحد الكهنة الكلدانيين مزولة نصف كروية بأعلاها عمود رأسي، ثم ازداد تصميم المزاول دقة في القرن الأول الميلادي وأصبح وضع القضيب أو الشاخص فيها موازياً لمحور دوران الأرض فازدادت الصلة بين حركة الشمس واتجاه الظل»، وهكذا …
إذاً، فالراجح أن العرب أخذوا المزولة من هذين المصدرين قبل ظهور مساجدهم، حتى إذا بنوا المساجد واحتاجوا فيها إلى تعيين مواقيت الأذان اعتمدوا المزاول، خصوصاً في المساجد الكبرى كجامع ابن طولون في القاهرة، إذ كانت فيه مزولة كما يذكر المقريزي كما ينقل الدكتور عاصم رزق عن مصادره أنّ الجامع الأزهر وحده كانت فيه سبع مزاول اندثرت ولم يبق منها غير مزولتين إحداهما مهملة على السطح والأخرى على يمين الداخل من باب المزينين.
وفي لبنان بقيت إلى أيامنا مزولتان، هما المزولتان الموجودتان في الجامع المنصوري في طرابلس، وهما في حال جيدة.
والطريف أن ينقل الباحث عبد الرحمن حجازي في كتابه «دليل معالم صيدا الإسلامية» (ص 27) عن «كبار السن» في مدينة صيدا أن جامع الكتخدا قد اشتهر «بساعته الشمسية التي كانت تزين مدخله من الداخل، ولم يبق لها أثر الآن نتيجة الهدم الذي تعرض له المسجد». فالباحث ينقل عن «كبار السن»، ولذلك يتعذر الاطمئنان إلى أنَّ ما كان في مدخل جامع الكتخدا كانت مزولة. والراجح أنه كان تحليلة زخرفية هي هذه التي أعادها المرممون إلى موقعها الذي يذكره حجازي.
والخلاصة أن المزولة كانت جزءاً من عمارة المساجد الجامعة في المدن.
المزيديون
بنو مزيد
ـ 1 ـ
قامت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر) دولة بني مزيد في الحلة بالعراق على يد مؤسسها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي.
وعن صدقة هذا يقول ابن الأثير: «كان جواداً حليماً صدوقاً كثير البرّ والإحسان، ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من قصده في أمن ودعة، وكان عفيفاً عادلاً لم يتزوج على امرأته ولا تسرّى عليها، ولم يصادر أحداً من نوابه ولم يأخذهم بإساءة قديمة، وكان أصحاب يودعون أموالهم في خزانته ويدلّون عليه إدلال الولد على ابيه. ولم يرد رعية أحبت أميرها كحبها له. وكان متواضعاً يبادر إلى النادر. وكان حافظاً للأشعار، وكانت له مكتبة تحوي ألوف المجلدات وكانت منسوبة الخط».
والواقع أن الإمارة المزيدية قامت قبل صدقة، وكان أول أمرائها أبو الحسن علي بن مزيد المتوفى سنة 408هـ وجاء بعده ولده دبيس الذي كان عند وفاة أبيه علي في الرابعة عشرة من عمره. فأقره بهاء الدولة البويهي على ملك أبيه، واستمر في الحكم سبعاً وستين سنة وتوفي سنة 474هـ. فقام بعده ولده منصور أبو كامل وكانت الدولة البويهية قد زالت وحل محلها السلاجقة. ودام حكم منصور خمس سنين وتوفي سنة 479هـ فتولى بعده ولده سيف الدولة صدقة. وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة.
وقد خضعت له القبائل الفراتية وامتدت إمارته إلى البصرة وواسط والبطيحة والكوفة وهيت وعنه والحديثة، وسيطر على أقوى القبائل العراقية لذلك العهد مثل خفاجة وعقيل وعبادة وقبيلة جاوان الكردية.
وقد اهتمّ بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية. ورأى أفضل ما يعينه على ذلك هو العدل في الحكم. هذا عدا عما كان يلقاه العلماء والأدباء في كنفه من الرعاية فأقبلوا عليه من كل ناحية.
وانتهت حياة صدقة سنة 501هـ قتلاً في حربه من السلاجقة. وبعد وفاة السلطان محمد السلجوقي أطلق ولده محمود، دبيساً بن صدقة الذي كان في أسر أبيه وأعاده إلى الحلة سنة 512هـ فأنشأ الدولة من جديد. وقال فيه ابن خلكان في وفيات الأعيان: «ملك العرب صاحب الحلة المزيدية، كان جواداً كريماً، عنده معرفة بالأدب والشعر وتمكّن في خلافة المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير. ودبيس هو الذي ذكره الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: والأسدي دبيس، لأنه كان معاصراً له فرام التقرب إليه في مقاماته ولجلالة قدره وله نظم حسن ….».
وقال فيه ابن الطقطقي في الآداب السلطانية: «كان صاحب الدار والجار والحمى والذمار، وكانت أيامه أعياداً، وكانت الحلة في زمانه محط الرحال وملجأ بني الآمال ومأوى الطريد ومعتصم الخائف الشريد …».
وقد تمكّنت سلطته في البلاد واجتمعت عليه القبائل العربية والكردية. وأغضبه الخليفة المسترشد فجمع جيوشه ودخل بغداد وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وهدد المسترشد، فاسترضاه فرجع إلى الحلة.
وقام صراع بينه وبين السلاجقة فانتصر عليهم عند نهر بشير شرقي الفرات سنة 516هـ.
وامتد الصراع إلى أن اضطر دبيس للجلاء عن الحلة، ثم عاد إليها وتكرر الجلاء والعودة. إلى أن دعاه إليه السلطان مسعود السلجوقي وبعد أن أكرمه عاد فغدر به وقتله سنة 529هـ. وقد استمرت الإمارة المزيدية بعده حتى سنة 545هـ إذ انتهت بموت علي بن دبيس.
وفي رجال هذه الدولة يقول العماد الأصبهاني: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات: كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجين وموئل المعتفين وكنف المستضعفين تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال، وأثرهم في الخيرات أثير، والحديث عن كرمهم كثير. وكان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الاعتزاز ويخص الشاعر من جوده بالاختصاص والامتياز ويؤمنه مدة عمره من طارق الأعواز يقبل على الشعراء ويمدهم، جميل الإصغاء وجزيل العطاء».
وكانت الحلة قد شيّدت في أواخر القرن الخامس للهجرة، شيدها سيف الدولة صدقة نفسه وكانت منازل آبائه في بعض أصقاع نهر النيل، في إقليم بابل أيضاً. فلما قوي أمره واشتد أزره، وكثرت أمواله ورجاله، انتقل إلى الجامعين موضع في غربي عمود الفرات، ليبعد عن الطالب إذا هرب. وكان ذلك في المحرم من سنة 495هـ على عهد السلطان بركيارق بن ملكشاه السلجوقي وفي خلافة المستظهر بالله العباسي، وكانت أجمّة تأوي إليها السباع، فنزل فيها بأهله وعسكره وحلفائه، وبنى بها مساكن جليلة ودوراً فاخرة، وتأنّق أصحابه في ذلك، وقصدها التجار، فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها.
وعن المزيديين والشعر يتحدث الدكتور علي جواد الطاهر:
كانت مكانة بني مزيد في الشعر بارزة بروزها في التاريخ([517])، ولقد مدح الشعراء نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد، فلما توفي في سنة 474 رثوه فأكثروا([518]).
ولقد رثوه بعد وفاته بأكثر مما مدحوه في حياته([519]) وظل ذكره يتردد عند مدح أعقابه ولما أفضت الإمارة بعد وفاته إلى ولده بهاء الدولة منصور، هنأه البندنيجي ودعا للسلطان ملكشاه. وكان بين منصور وشرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي مكاتبات ومعاتبات، وقد استنجد العقيلي مرة بهاء الدولة فلما لم ينجده عزم واعتمد على نفسه وانتصر، فأجابه بها الدولة معتذراً:
ولو أني جريت على اختياري
قددت إليكم الفلوات قدا
لتعلم أن بيت بني علي
لكم وبكم يعد إذا استعدا
ولا بد من تصديق عذر منصور لأنه معروف بالشجاعة والنجدة ولأنه يقول والتاريخ يؤيده:
فإن أنا لم أحمل عظيماً ولم أقد
لهاماً ولم أصبر على فعل معظم
ولم أجر الجاني وأمنع حوزة
غداة أنادي للفخار وأنتمي
فلا نهضت لي همة عربية
إلى المجد ترقى بي ذرا كل مخرم
وفي عام 476 لما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب في ديار بكر وغنموا أموالهم وسلبوا حريمهم بذل صدقة بن منصور الأموال وأفتك أسرى عقيل ونساءهم وأولادهم وجهّزهم جميعهم وردهم إلى بلادهم ففعل أمراً عظيماً وأسدى مكرمة شريفة([520]) فشكره الناس على ذلك([521]) وامتدحه الشعراء فأكثروا([522]).
وقد وصف السنبسي هذه الحادثة وصفاً يتفق هو والتاريخ في قصيدة منها:
كما أحرزت شكر بني عقيل
بآمد يوم كظهم الحرار
غداة رمتهم الأتراك طرا
بشهب من حوافلها أزورار
فما جبنوا ولكن فاض بحر
عظيم لا تقاومه البحار
فحين تنازلوا تحت المنايا
وفيهن الرزية والدمار
مننت عليهم وفككت عنهم
وفي أثناء حبلهم انتشار
ولولا أنت لم ينفك منهم
أسير حين أعقله الأسار
وأجود من أبيات السنبسي أبيات البندنيجي:
ويمسى له في جيد كل متوج
صنائع لم تخطر ببال حسابها
كيوم عقيل والرماح شواجر
وبيض الظبي يوري الكماة ضرابها
غداة غدت للترك في الحي وقعة
أباحت حمى دار عزيز جنابها
فأقسم لولا نخوة مزيدية
لباتت على حكم السبايا كعابها
ولكن سيف الدولة بن بهائها
حمى عرضها والترك يحرق نابها
تناشده الأرحام والنفع ثائر
ولا يحفظ الأرحام إلا لبابها
وكم ذاد عنها المزيديون بالقنا
سيوف العدى من حيث غص شرابها
عشية لاذت بالفرار من الظبي
وعاثت باسلات الأسود ذئابها
ولولا عوالي (نور دولة) خندف
لما انجاب عن تلك الشمس ضبابها
إذا نابها خطب فأنتم ملاذها
وإن رابها جدب فأنتم ربابها
ولما مات بهاء الدولة عام 479 أحزن موته نظام الملك والسلطان والخليفة وكثيراً من الشعراء.
وولي الإمارة بعده ولده سيف الدولة صدقة. وصدقة أخطر رجال بني مزيد ومن أعاظم رجال زمانه وقد مدحه غير السنبسي والبندنيجي شعراء كثيرون مثل المطاميري وابن أبي الصقر الواسطي وابن واثق الأنباري ومحمد بن حيدر وشبيب البروجردي ويحيى بن التلميذ والأبيوردي وابن الهبارية.
وإياه خاطب جحوش الكلبي الخفاجي بقوله:
فإن ترض عنا فالعراق نحله
وإلا نزلنا عنه أزورا
ومن عرف خفاجة وأذاها وعرف وقعات صدقة بها أدرك معنى هذا البيت.
ويقول ابن الهبارية في كتابه (الصادح والباغم) الذي أهداه صدقة بعد حديثه عن أجداد الممدوح:
ولم تزل (حلته) ملاذاً
لكل من يهرب من بغداد
يقصدها الملوك والخلائف
وجائع ذو فاقة وخائف
فيشبع الجائع في ذراها
ويأمن الخائف في حماها
يا ليتني سكنت الحلة
بين شموس المجد والأهلة
في خير دار ضيف خير مرتجى
ملك يعز عنده أهل الحجى
ومن قصيدة القاضي شبيب البروجردي في سيف الدولة:
قطعت الفيافي لا ضنينا بمهجتي
ولا كارهاً وعر الجبال وسهلها
إلى «حلة» ما حلها اللؤم والخنا
بل المجد والعلاء والجود حلها
وكانت مملكة صدقة في اتّساع وقد قال مهذب الدولة بن أبي الجبر يخاطبه:
كشفت عن قناعها لك بغدا(د)
وأعطتك واسط ما تشاء
وعصت جيدها إليك من الشو
ق حنانيك البصرة الفيحاء
وقد سار صدق نحو البصرة وملكها فهنأه الشعراء بهذا النصر وهم يرثون ابن خاله أبا النجم بن أبي القاسم الورامي الذي قتل في المعركة. ومن ذلك قول بعضهم:
تهن يا خير من يحمي حريم حمى
فتحاً أغثت به الدنيا مع الدين
ركبت للبصرة الغراء في نخب
غر كجيش علي يوم صفّين
هوى أبو النجم كالنجم المنير بها
لكنه كان رجماً للشياطين
أما الأبيوردي فإنه مدح صدقة منذ وصوله إلى العراق، فتحدث عن نسبه وذكر أيام أجداده ووصف أحدها، ثم قصد الحلة فاستقبل أحسن استقبال وقد أعدّ رائية مدح فيها أسداً وقال:
وما زال منصور ينيف على الورى
به الشرف الوضّاح والحسب الغمر
ومن أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المضيئة والبدر
فسرت على آثاره متمهلاً
ولم يختلف في السعي بينكما النجر
وقد أساء الشاعر فهم بعض الأحوال وفسرها بالإهمال وحاول ترك الحلة وهو يردد أبياتاً هجائية:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرها
وكل مكان خيّمت فيه بابل
وهذه الأبيات جزء من قصيدة طويلة كان الشاعر قد وجهها لمؤيد الملك بن نظام الملك مستعيناً به على عميد الدولة بن جهير، والأبيات في ذم بابل ويراد ببابل العراق كله ذلك أن حلّة صدقة لم تكن قد شيّدت يوم نظمت القصيدة ومن المحتمل أن يكون إنشاده لها من قبيل الاستشهاد. وإذا كان هناك شاعر غير مرتاح من الحلّة فهو الغزي، فقد قصدها مرة فقال:
أنا في الحلة الغداة كأني
علوي في قبضة الحجاج
بين عرب لا يعرفون كلاماً
طبعهم خارج عن المنهاج
وصدور لا يشرحون صدوراً
شغلتهم عنها صدور الدجاج
والمليك الذي يخاطبه النا
س بسيف ماض وفخر وتاج
ما له ناصح ولا يعلم الغيب
وقد طال في مقامي لجاجي
وواضح أن يكون بين أسباب هذا الهجاء إعراض لقيه من الأمراء وخيبة أصابته في آماله بالكسب، وفيما عدا ذلك لم يقل قوله إنسان وعندما قتل صدقة عام 501هـ فرح الغزي فرحاً شديداً كأنه انتقم لنفسه وثار، ثم دبج قصيدة يهنئ بها غياث الدين السلطان محمداً ووزيره ضياء الملك أبا نصر أحمد بن نظام الملك:
جلا لك وجهه الفتح المبين
ومد بضبعك السبب المتين
وكان الخطب في التقدير صعباً
فهان وأي خطب لا يهون
وما اللجب اللهام بذي امتناع
غداة يقوده الفرع المهين
رمى (أسداً) مقدمها سفيهاً
بمعضلة يضيب لها الجنين
وأوردها الردى والهام تهوي
كما يتهافت الخيط الدرين
وغرته السرية يوم فلت
سجالاً كانت الحرب الزبون
وظن الترك قد تركته خوفاً
وعند السر تنتقض الظنون
أقام بأرض بابل مستبداً
يراسله الأمير فما يدين
ويوسعه غياث الدين حلماً
وغير مثقف من لا يلين
يتيه بثروة وطنين صيت
وأجنحة البعوض لها طنين
ولما لم يعظه من الليالي
قرائن بعدما خلت القرون
سرى ورمى الفرات وراء ظهر
فنوناً جمّة كان الجنون
فأقبل وهو لاسم أبيه ضد
وأدبر والبوار له قرين
حمى الليث العرين وآل عوف
ليوث كان يحميها العرين
فلما أصحروا صاروا نقاداً
ومن شر الحمية ما يهون
كان الأعوجية حين فروا
مقيدة القوائم أو صفون
توالوا والسيوف من التراقي
مخضبة وباللمات جون
رجا أن يدخل الزوراء قهراً
وينصر باطل ليذل دين
فجيء بنصف رأس منه ترنو
إلى مكروه منظره العيون
وما اجتمع الغنى والبخل إلا
والآفات بينهما كمين
وغرض الشاعر الشخصي واضح وأهواؤه الشامتة بينة ولهجته العدائية مفضوحة. وما رمى أحد صدقة بسفاهة أو بخل أو كفر ولا آل مزيد بجبن وما يشبه الجبن، ولا مدح أحد ضياء الملك هذا المدح. ونحن نعرف ضعفه وبعده عن المقارنة بأبيه ونعرف غاية الغزي الاستجدائية من مديحه.
ولكن القصيدة على ذلك تجلو نقاطاً تاريخية مهمة، فهي ترينا أن السبب المباشر للمعركة هو قوة صدقة واتّساع نفوذه وآماله وقلّة اكتراثه لأوامر السلطان، ثم أنها تدلنا على أن جيش السلطان كان يستصعب حرب صدقة وأنه أرسل سرية فلها جيش صدقة.
وليلاحظ أن الغزي قد نصّ على أن صدقة كان يريد أن يملك بغداد وأن غايته من ذلك أن ينصر الباطل ويذل الدين. وقد يكون في الشطر الأول من هذا النص شيء من الصحة، إلا أن صدقة لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال من أنصار الباطل، فلم يعرف عن الرجل غير نصرة الحق والتقوى ولعل الغزي قصد الإشارة إلى تشيع صدقة، وقد كان تشيع صدقة ذنباً برأي بعض المؤرخين. أما إذا أراد نسبته إلى الباطنية فذلك مزعم غير صحيح وقد فنّده ابن الأثير، وطالما اتّخذ ذريعة رخيصة للتنكيل بكل ماجد يخشى سلطانه وتحسد منزلته.
ولما قتل صدقة أقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية.
وقد أنشأ البطانجي قصيدة يستهجن هذه الأفعال ويسخر على طريقته الخاصة:
لقد سن للسلطان ثابت سنة
فلا يأمن السلطان زيد ولا عمرو
موافقة النظار والكشف عنهم
ولو كان ممن لا يصح له العشر
وقد كثر القطاع حتى أظنه
سيقطع كلب في الجزيرة أو هر
ثلاثون ألف للبشيري وحده
فدع عنك ممن لا يجوز له ذكر
وعشرون ألفاً أقطعت نرجسية
كثير له ألف ولو أنها بعر
ولولا سفاه الرأي كان عليهم
من الغنم الأعشار والصوف والشعر
وما كان (اسياكيل) يركب خلفهم
جياد البراذين البشيرية الحمر
ويركب (سلار) أخوه بزهوه
ومن خلفه فهد وقدالمة صخر
سلام على مال العراق فإنه
مضى حيث لا نفع لذلك أو ضر
فشطر لأتراك ومن دونها النهر
وشطر لأكراد من شأنها الغدر
وشطر لكتاب وما فيهم صدر
وشطر لحجاب وما فيهم فخر
وفي هيت والأنبار للناس عبرة إذا
أبصروا (يمناً) كما انكشف البدر([523])
كان غراباً فوق أعواد سرجه
لك الخير إن لاقيته وله الشر
فورام ما ورام خير سجية
وليس سواء بأفراس وبانصر([524])
وإذا استبعدنا اللهجة الساخرة في هذه القصيدة بقيت لدينا معلومات قابلة التصديق وتفصيلات لا نجدها في أي كتاب من كتب التاريخ.
وفي مطلع قصيدة للسنبسي نظمها بعد قتل صدقة:
قالوا هجرات بلاد النيل([525]) وانقطعت
حبال وصلك عنها بعد أعلاق
فقلت إني وقد أقوت منازلها
بعد ابن مزيد من وفد وطراق
فمن يكن تائقاً بهوى زيارتها
على العباد فإني غير مشتاق
وكيف أشتاق أرضاً لا صديق بها
إلا رسوم عظام تحت أطباق
واستطاع دبيس بن صدقة أن يستعيد إمارة أبيه. وقد مدحه الشعراء وحدث المجحف القشيري عن فترة الانتقال التي مرّت بين الأميرين فقال وهو يطري دبيساً:
وقد حكمت كل الملاحم أنه
على الجانب السعدي قابلك السعد
وقلنا بأرض (الجامعين) وبابل
وقد أفسدت فيها الأعاريب والكرد
ألا فتنحوا عن دبيس وداره
فلا بد ما أن يظهر الملك الجعد
وقال فيه حيص بيص:
توالت عليه الفادحات ولم يحد
عن الصبر حتى أدرك المجد أجمعا
وما زال يرخي للنوى من قياده
إلى أن أفاد الحي شملاً مجمعا
وله أيضاً:
طليق الوجه أغلب مزيدي
مضيء النار مرفوع العماد
إلى أن يقول:
وباعثها إلى الغارات تهفو
سراعاً مثل مبثوث الجراد
فيوماً في المشارق في مغار
ويوماً بالمغارب في جلاد
أجلت الخيل في الآفاق حتى
تخوّفت السماء من الطراد
وباراك الملوك فكنت منهم
مكان الشامخات من الوهاد
وقتل دبيس سنة 529 فرثاه حيص بيص واثنى على شجاعته وكرمه ولطفه:
فلتبكه البيض الصوارم والقنا
والسابقات لواحق الأمطاء
وليبكه اليوم العصيب من الوغى
ينزو بكل كتيبة حمساء
وليبكه راد الصباح أعاده
بطراده كالليلة الليلاء
وليبكه اللطف الذي لم تؤته
خمر ولم يرزقه صفو الماء
وتألف القلب اللطيف بمنطق
أغنى مؤمله عن الإعطاء
ونلاحظ أن بني مزيد كانوا يتذوقون الشعر وربما قالوه، وكثيراً ما أجازوا الشعراء عطايا لا تخطر بالحسبان وأكرموهم إكراماً منقطع النظير.
والواقع أن لبني مزيد في الشعر اسم مذكور، وما كانوا يعتمدون قول الشعر إلا لحادثة على سبيل الندر([526]) فمنصور يفخر فيقول عن قومه وزعامته:
وجدت أبي فيهم وخالي كلاهما
يطاع ويؤتى أمره وهو محتبي
فلم أتعمل للسيادة فيهم
غداة أنادي للفخار وأنتمي
ودبيس بن منصور شاعر طالما طارح بني عقيل وكذلك صدقة وولده دبيس.
وكان بدران بن صدقة طامحاً ولعله حسب مجده في الهجرة:
لأقلقن العيس دامية إلا
خفاف من بلد إلى بلد
أما يقال سعى فأبرزها
أو أن يقال مضى ولم يعد
وكان من ذلك أن قصد مصر وأقام بها فاستشعر الغربة فكتب من هناك:
ألا قل لمنصور وقل لمسيب
وقل لدبيس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه
إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فأجابه دبيس:
ألا قل لبدران الذي حنّ نازحاً
إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما
عذار الأماني بالهموم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة
وللأرض من كأس الكرام نصيب
ومن المزيديين الأمير مزيد بن صفوان بن الحسن بن منصور (بهاء الدولة) ولد في الحلة سنة 538 ثم هاجر إلى الشام وتوفي هناك عام 584 ودفن في بلدة مصياف.
والمهم في أمره أنه كان شاعراً منصرفاً إلى الشعر وقد خلف ديواناً مخطوطاً فيه حنين إلى بلده وزوجته.
ومن شعره قوله:
فيا دهر هل بعد التفرق رجعة
فيهتف بي للوصل يا دهر هاتف
وتسعدني بالقرب بين أحبّتي
وتجمعني «بالجامعين» معارف
وقوله:
أتعود أيامي بزورة بابل
هيهات أيام مضت أتعود
والحلة الفيحاء منها طينتي
دار بها أهل الندى والجود
وقوله:
ليس موتي بعد الفراق عجيباً
عجب كيف لي عليه بقاء
من بشط الفرات هل يسعد الدهـ
ـر على البين أو يعين القضاء
ويعود الشمل الشتيت كما كا
ن وتنأى الهموم والبرحاء
ليت لي نظرة إليكم على القر
ب وهيهات أن ترى العنقاء
وإلى شامخ النخيل فيطفي
نار قلبي بالسيسبانة ماء
ومن شعر دبيس بن صدقة قوله:
حب علي بن أبي طالب
للناس مقياس ومعيار
يخرج ما في أصلهم مثلما
تخرج غش الذهب النار
المزيديون
ـ 2 ـ
منشأ الإمارة المزيدية
كانت مجالات بعض بطون أسد بن خزيمة من أجيال مضر في القرن الرابع الهجري بين البصرة وواسط والأهواز، وبالضبط في ميسان([527])، وكانت الزعامة لبني ناشرة بن نصر، وهم بطن من بني أسد، وكان يتنافس على الزعامة بنو مزيد([528]) الناشري، وبنو عفيف الناشري، وقد انشقّت بطون بني أسد إلى شطرين.
علا شأن بني مزيد باتّساع نفوذهم لكثرة أتباعهم من بني قومهم وغيرهم من حلفائهم من الأكراد: الشاذنجان والجاوان، فصار الخلفاء والسلاطين من آل بويه يخطبون ودهم، فأعرفوا بهم أمراء حاكمين، وبذلك انتقلوا من المشيخة إلى الإمارة وقد لعبوا دوراً مهماً في تاريخ الدولة العباسية دام نحو قرن ونصف قرن. وكان أمراء الأسرة المزيدية ثمانية أولهم الأمير أبو الحسن علي بن مزيد.
وكان رجلاً باسلاً جواداً قوي الشكيمة عالي الهمة، كبير النفس، له منزلة في نفوس كبراء الدولة العباسية والبويهية وهو أول من حاز لقب الإمارة من الأسرة المزيدية.
دبّت عقارب الحسد في قلوب منافسيهم من بني عمهم بني عفيف الناشري لما رأوا نفوذهم، ومكانتهم عند آل بويه، وكانت الحالة تنذر بشوب حرب بين الطرفين لهذا السبب من جهة، ومن جهة أخرى أن المكان الذي كانوا يقطنون فيه لا يكفيهم، ولا يسد حاجتهم المعاشية بسبب ازدياد نفوس القبيلة، فكان هذا عاملاً اقتصادياً يقرب نشوب الحرب بين الطرفين.
وقعت الحرب بينهما سنة 410، وكان السبب المباشر لنشوب الحرب هو أن أبا الغنائم أخا علي بن مزيد كان يقيم مع بني عفيف في جزيرتهم فقتل أحد زعمائهم وهرب إلى أخيه أبي الحسن، فقامت الحرب بين الطرفين وقتل فيها أبو الغنائم.
ثم تجددت الحرب سنة 415هـ فقد ألّف أبو الحسن علي بن مزيد جيشاً لجباً من العرب والشاذنجان والجوّانية وغيرهم، ولما علم بنو دبيس بذلك استعدوا لملاقته فلما تقارب الفريقان نشب القتال بينهما، وظفر الأمير أبو الحسن علي بن مزيد وقتل في هذه المعركة حسان وبنهان ولدا دبيس بن عفيف، واستولى أبو الحسن علي بن مزيد على بيوتهم وأموالهم وفرَّ من سلم منهم إلى الحويزة وضم الجزيرة الدبيسية إلى إيالته، وبقي هناك خمسة أشهر ثم أن مضر بن دبيس بن عفيف جمع جموعاً كثيرة وكبس أبا الحسن المزيدي وهو لا يعلم، فأخلى الجزيرة الدبيسية، ثم قرر أبو الحسن أن يرتحل بعشائره وسائر أتباعه إلى مكان أكثر خصباً يضمن حاجة القبيلة من جهة، ومن جهة أخرى يتفادى التصادم بين أفراد القبيلة الواحدة الذي يجلب لها الدمار.
ارتحل الأمير أبو الحسن بعشائره في نفس السنة إلى ريف النيل ذي الخصب الوفير، وانتشرت عشائره في أرياف الفرات في أرض بابل.
قيام الإمارة المزيدية في النيل
لما ارتحل الأمير أبو الحسن المزيدي من أرض ميسان نزل في بلد النيل واتّخذها مركزاً لإمارته وأخذ يسعى لنشر الأمن في إمارته، فعاش الناس في طمأنينة.
ثم جاء سلطان بن ثمال الخفاجي إلى الأمير أبي الحسن المزيدي طالباً وساطته لدى فخر الملك نائب بهاء الدولة البويهي لأنه كان متمرداً على فخر الملك، ثم خاف سوء العاقبة. فقبل الأمير أبو الحسن المزيدي القيام بهذه الوساطة لأنها تدعم الأمن في ولايته وتحقن الدماء، فطلب إلى فخر الملك العفو عن سلطان بن ثمال الخفاجي فقبل فخر الملك وساطته، وأخذ منه العهد بلزوم الطاعة.
ثم أن سلطان بن ثمال الخفاجي نكث العهد، ورفع راية العصيان، ونهب سواد الكوفة، فأرسل فخر الملك لحربه جيشاً، فكتب إلى أبي الحسن المزيدي بالخروج إليه، فخرج إليه أبو الحسن، وتعقب الثائرين، ونكل بهم وأسر جماعة منهم محمد بن ثمال الخفاجي.
بقي الأمير أبو الحسن في إمارته حتى توفي سنة 408هـ وخلفه على الإمارة ولده دبيس.
لما توفي الأمير أبو الحسن بن علي خلع سلطان الدولة البويهي على ولده دبيس وأقره في أعمال أبيه، ولقبه (بنور الدولة) فقام الأمير دبيس بشؤون الإمارة وعمره أربع عشرة سنة، وكانت مدة إمارته سبعاً وستين سنة. قال فيه ابن الأثير: «ما زال ممدحاً في كل زمان، مذكوراً بالتفضل والإحسان».
وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر الشهير كاتباً بين يديه في شبيبته.
اهتم الأمير دبيس بالأمن في ولايته، فقوى جيشه، وكان جيشه مؤلفاً من عرب وأكراد جاوانيين، وجعله على أهبّة الاستعداد لمجابهة الطوارئ.
وقد قصده الشعراء، ومدحوه، فأجزل عطاءهم، ومن هؤلاء الشاعر الشهير مهيار الديلمي. كان يفد إلى النيل، ويقدم مدائحه في آل مزيد ومن مدائحه في الأمير دبيس قصيدة منها:
وإن ببابل منكم لبحراً
لو أن البحر جاد كما يجود
إذا الوادي جرى ملحاً أجاجاً
ترقرق ماؤه العذب البرود
فتيّ السن مكتمل حجاه
طريف الملك سؤدده تليد
ويأبى الله إلا مزيدياً
على أسد يؤمر أو يسود
إذا اشتبهت كواكبكم طلوعاً
فنور الدولة القمر الوحيد
تراه الخيل أفرس من تمطّت
به والجيش أشجع من يقود
إن المقلد أخا الأمير دبيس كان يطمع بالإمارة، فذهب إلى بغداد، وبذل للأتراك أموالاً على أن يساعدوه على حرب أخيه دبيس، فأجابوه إلى ذلك وسار معه خلق كثير، كبسوا دبيساً، ونهبوا أمواله، وكاد يتلاشى أمره ولكنه لم ييأس فجمع جموعه وساعده أحد القواد وهو الأثير الخادم، وحارب دبيس أخاه ومن انضم إليه حتى أجلاهم عن أعماله، فهرب المقلد إلى بني عقيل، وأقام عندهم، ثم طلب المقلد من جلال الدولة البويهي مساعدته على حرب أخيه دبيس، فأمده بجيش لمحاربته فرأى دبيس الأقبل له بمحاربة جيش أخيه لكثرته واستعداده، فلحق بالشريد أحد الأمراء.
سار دبيس بصحبة الشريد إلى مجد الدولة، وطلب منه إرجاع دبيس إلى ولايته وضمن الشريد لمجد الدولة المال المقرر في ولاية دبيس، فأجاب إلى ذلك، وخلع على دبيس، وأرجعه إلى ولايته، واستقام حاله حيناً.
ثم أن المقلد أخا دبيس اتفق مع جماعة خفاجة على حرب أخيه دبيس، فقاموا ونهبوا مطيرباد والنيل وعاثوا فيهما، وخربوا المنازل، فتصدى لهم دبيس، وحاربهم فردهم، ثم قام أحد الأمراء المعروف بأبي الشوك وأصلح بين الأخوين، فعادا إلى الصفاء.
وما كاد الأمير دبيس ينتهي من أمر أخيه المقلد حتى ثار عليه أخوه الآخر ثابت، فاستعان هذا على حرب أخيه بالبساسيري أحد أمراء الأتراك في بغداد فأمده بجيش، ولما علم دبيس حقيقة الحال نزح عن أعماله، وملكها ثابت، ثم أن دبيساً سار بجمع من بني أسد وخفاجة، وقصد ثابتاً، ولما قاربوه جرت بين الفريقين معارك، وأخيراً تم وقوع الصلح بين الأخوين على أن يعود دبيس إلى أعماله ويقطع أخاه ثابتاً بعض الأعمال.
ومن ذلك الحين قوي نفوذ دبيس في أعماله واستتب فيها الأمن، وصار الملك البويهي يعتمد عليه في مهام الأمور، ففي سنة 441هـ أقطعه الملك الرحيم حماية نهر الصلة([529]) ونهر الفضل([530]) وكانا قبل من أقطاع عسكر واسط، فغضبوا من أجل ذلك، وزحفوا لحرب دبيس، فاستعدّ لهم وكمن لهم، فهزمهم، ورجعوا مدحورين.
في سنة 446هـ رفعت خفاجة راية العصيان، وقصدت الجامعين من أعماله تنهب، فراجع دبيس البساسيري في أمرها، فجاءه بعسكر وأجلى خفاجة من الجامعين، ونكل ببعض زعمائهم.
وكان دعاة الدولة الفاطمية بمصر قد انبثوا في العراق، وأخذوا يشجعون الأمراء على الانفصال عن الخلافة العباسية والاعتراف بالخلافة الفاطمية بمصر فتأثر بعضهم بدعايتهم، وكان منهم الأمير دبيس، فاتفق مع البساسيري أحد أمراء الأتراك على قطع خطبة العباسيين، وإعلان الخطبة للفاطميين، وأخذا يرقبان الفرص للقيام بعملهما ولما ذهب السلطان طغرل بك إلى همدان لمحاربة أخيه (نيال) اتّخذ دبيس انشغال السلطان بحرب أخيه فرصة سانحة، فقطع الخطبة للعباسيين، وخطب للخلفاء الفاطميين في أعماله سنة كاملة، وكان ذلك سنة 450هـ، وكذلك فعل البساسيري في بغداد، فاستنجد الخليفة العباسي بالسلطان طغرل فجاء السلطان طغرل إلى بغداد وقطع خطبة الفاطميين، وأعاد خطبة العباسيين، وقتل البساسيري.
وأما دبيس فقد رأى السلطان أن يلاينه لأنه وجده ذا شوكة بعشائره فمقابلته بالشدّة ربما تحدث أموراً لا تحمد عقباها، فتردد الرسل بينهما، وأقره على أعماله وخلع عليه، وبقي دبيس في أعماله إلى أن توفي سنة 474هـ.
لما توفي الأمير نور الدولة دبيس قام بالإمارة بعده ولده منصور أبو كامل كانت ولايته خمس سنين. بعد وفاة والده ذهب إلى السلطان ملك شاه السلجوقي، فأقره السلطان في عمل أبيه.
كان الأمير بهاء الدولة منصور أبو كامل يتحلى بصفات سامية من شجاعة وكرم وعطف إنساني وذكاء فريد. درس الأدب فاستفاد من دراسته وعانى نظم الشعر حتى برع فيه. قال ابن الأثير في الكامل: «وكان حسن السيرة مكرماً فاضلاً، وبرع بذكائه في الذي استفاده، وكان قد قرأ على ابن برهان، وله شعر جيد في منتهى الحسن كقوله:
فإن أنا لم أحمل عظيماً ولم أقد
لهاماً ولم أصبر لفعل معظم
ولم أجر الجاني وأمنع حوزة
فلست أنادي للفخار وأنتمي»
كان الأمن مستتباً في أعماله، ولم يخالف عليه أحد لا من قومه، ولا من غيرهم.
في سنة 477هـ استولى عسكر السلطان السلجوقي على منازل العرب من بني عقيل وأخذوا أموالهم، وسبوا نساءهم، فتألم الأمير بهاء الدولة أبو كامل لهذا الحادث فأرسل ولده صدقة للسعي في قضية هؤلاء المنكوبين من بني عقيل لفك أسراهم.
وبذل للأتراك أموالاً طائلة وأفتك الأسرى من بني عقيل ونساءهم وجهزهم وردهم إلى وطنهم بكل مظاهر العز ومن أجل هذا مدحه الشعراء وأشادوا بهذه المكرمة الجليلة منهم محمد السنبسي الذي قال من قصيدة:
ولولا أنت لم ينفك منهم
أسير حين أعقله الأسار
كما أحرزت شكر بني عقيل
بآمد يوم كظهم الحرار
غداة رمتهم الأتراك طرًّا
بشهب من حوالفها ازورار
فحين تنازلوا تحت المنايا
وفيهن الرزية والدمار
مننت عليهم وفككت عنهم
وفي أثناء حبلهم انتشار
في سنة 479هـ توفي الأمير بهاء الدولة أبو كامل ولما علم بوفاته الوزير نظام الملك قال مؤبناً له: «مات أجل صاحب عمامة» وقد أكثر الشعراء في رثاءه.
تولى الإمارة المزيدية بعد وفاة بهاء الدولة ولده سيف الدولة صدقة وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة (479 ـ 501هـ) بعد وفاة أبيه أرسل إليه السلطان ملك شاه السلجوقي نقيب العلويين أبا الغنائم يعزيه بوفاة والده ثم سار الأمير صدقة إلى السلطان ولما حضر عنده خلع عليه وأقره مكان أبيه.
كان الأمير سيف الدولة صدقة من أعاظم الرجال قلَّ أن تجود الدنيا بمثله وقد ترجم له المؤرخون فأثنوا عليه ثناء عاطراً. قال فيه ابن الأثير: «كان جواداً حليماً صدوقاً كثير البر والإحسان ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من قصده في أمن ودعة وكان عفيفاً عادلاً ولم يتزوج على امرأته ولا تسرى عليها ولم يصادر أحداً من نوابه ولم يأخذهم بإساءة قديمة وكان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته ويدلّون عليه إدلال الولد على أبيه ولم ير رعية أحبت أميرها كحبها له وكان متواضعاً يبادر إلى النادرة وكان حافظاً للأشعار وكانت له مكتبة تحوي ألوف المجلدات وكانت منسوبة الخط»([531]).
وقال فيه ابن الجوزي: «كان كريماً ذا ذمام عفيفاً عن الزنى والفواحش كأن عليه رقيباً من الصيانة ولم يتزوج على زوجته ولا تسرى وقيل إنه لم يشرب الخمر ولا سمع غناء ولا قصد التسوق في طعام ولا صادر أحداً من أصحابه وكان تاريخ العرب والأماجد كرماً ووفاءً وكانت داره ببغداد حرم الخائفين»([532]).
في سنة 489هـ أغارت خفاجة على بعض أعمال سيف الدولة فأرسل في أثرهم عسكراً بقيادة ابن عمه قريش بن بدران بن دبيس فأسرته خفاجة ثم أطلقته وقصدت مشهد الحسين عليه السلام فتظاهرت فيه بالفساد والمنكر فاهتاج سيف الدولة لذلك فوجه إليهم جيشاً فكبسهم وقتل منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتى في الضريح.
وفي سنة 493هـ توفي أبو المكارم عز الدولة بن سيف الدولة وكان ذكياً شجاعاً فجلس الوزير عميد الدولة في داره للعزاء ثلاثة أيام للصهر الذي بينهما ثم خرج قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني إلى حلة سيف الدولة برسالة من دار الخلافة تتضمن التعزية له.
في سنة 494هـ أرسل الوزير الأغر أبو المحاسن وزير السلطان بركيارق السلجوقي إلى سيف الدولة يقول له: «قد تخلف عندك لخزينة الدولة ألف ألف دينار فإن سلمتها فذاك وإلا سيرنا إليك العساكر وأخذنا منك بلادك» فلما وصلت هذه الرسالة إليه قطع خطبة السلطان بركيارق وخطب لأخيه محمد وكان السلطان بركيارق مشغولاً إذ ذاك بقتال أخويه محمد وسنجر، ولما رجع بركيارق إلى بغداد منهزماً أمام أخويه طلب إلى صدقة أن يحضر إليه في بغداد فرفض صدقة الحضور ثم أرسل الأمير صدقة جيشاً استولى على الكوفة، وطرد عنها نائب السلطان.
الإمارة المزيدية في الحلة
إن الأمير سيف الدولة صدقة مصرّ الحلة، واتخذها عاصمة إمارته، وكان سبب تمصيرها أمراً سياسياً، وهو أن الأمير سيف الدولة كان يرقب الفرص للانفصال عن جسم الدولة السلجوقية تحقيقاً لأمنية جده دبيس، فلما قوي أمره واشتد إزره وكثرت أمواله وانشغل السلاجقة بالانشقاقات التي وقعت بينهم، رأى الظروف ملائمة لتحقيق أمنيته، فمصّر الحلة واتخذها عاصمته سنة 495هـ. قال ياقوت الحموي:
«كان أول من عمرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وكانت منازل آبائه الدور من النيل، فلما قوي أمره واشتد إزره وكثرت أمواله لانشغال الملوك السلجوقية: بركيارق ومحمد وسنجر أولاد ملك شاه بن ألب أرسلان بما تواتر بينهم من الحروب، انتقل إلى الجامعين موضع في غرب الفرات ليبعد عن الطالب، وذلك في المحرم سنة 495هـ وكانت أجمة قصب تأوى إليها السباع، فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة، وتأنق أصحابه بمثل ذلك وصارت ملجأ، وقد قصدها التجار وصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدة حياة سيف الدولة، فلما قتل بقيت على عمارتها، فهي اليوم قصبة تلك الكورة، وللشعراء فيها أشعار كثيرة …» ([533]).
وأعطانا إيضاحاً عن تمصير الحلة رضي الدين علي بن المطهر الحلي؛ فقال: «في سنة 493هـ عمر سيف الدولة أرض الحلة، وهي آجام ووضع أساس الدور والأبواب ونزلها سنة 495هـ وحفر الخندق حولها سنة 498هـ وقد كان وضع سور الحلة في 21 رمضان سنة 500هـ …»([534]).
جاء في دائرة المعارف الإسلامية: «وقد أحسن هذا الأمير العربي (صدقة) المقتدر اختيار موقعها، فأقامها في موضع مدينة بابل المشهورة … وكان في موقع قبل تأسيسها مدينة زاهرة تسمى «الجمعين» على الضفة اليسرى للنهر، وقد بنى صدقة مدينة الحلة على الجانب المقابل للنهر وسرعان ما أصبح جسر القوارب الذي تجري عليه أسباب الاتصال بين الضفتين الممر الرئيسي على النهر في الطريق من بغداد إلى الكوفة، وكان هذا الطريق يمر قبل ذلك بقصر ابن هبيرة؛ ومن ثم أخذت الحلة بالازدهار وبسرعة»([535]).
حينما انتقل سيف الدولة إلى عاصمته الجديدة (الحلة) وخضعت له القبائل الفراتية أخذ يسعى لتوسيع إمارته، واتخذ جيشاً منظماً على أحدث الأساليب التي كانت متبعة في عصره، وكان قائد جيشه سعيد بن حميد العمري، وهو من رجالات خفاجة وكان بارعاً في الأمور الحربية.
كانت إيالته تشمل البصرة وواسط والبطيحة والكوفة وهيت وعانة وحديثة وخضعت له أقوى القبائل العراقية لذلك العهد مثل خفاجة وعقيل وعبادة وقبيلة الجاوان الكردية.
اهتم الأمير سيف الدولة بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية ورأى أحسن شيء لانتعاش هذه الأمور هو نشر العدل بين رعيته. وكان يحترم العلماء والأدباء ويجزل لهم العطاء لذا تقاطر إلى الحلة العلماء والأدباء والشعراء من كل حدب وصوب فنمت فيها الروح العلمية والأدبية.
رأى الأمير سيف الدولة صدقة أن السلاجقة قد قسموا العراق إلى إقطاعات بين قوادهم ومحسوبيهم من الأتراك، وقد أخذ هؤلاء يعيشون فساداً فالأمن مفقود، والعدل معدوم، والناس في بلاء أزل: الحرية الشخصية ممتهنة والكرامة الإنسانية مهدورة لذا أخذ سيف الدولة ينتهز الفرص لتطهير البلاد العراقية من هؤلاء الظلمة الجائرين، وإحقاق الحق ونشر راية العدل. عزم على توسيع إمارته. وهاك أشهر أعماله:
كان السلطان بركيارق قد أقطع (هيت) بهاء الدولة ثروان بن وهب فأناب بها عنه محمد بن رافع، وأقام ثروان بالحلة هو وجماعة من عقيل، فقد كان مصافياً لسيف الدولة؛ وكان سيف الدولة يزوره كثيراً ثم تنافرا بسبب أن ثروان خطب بنت سيف الدولة فلم يزوجها إياه وزوَّجها من ابن عمه؛ فتحالفت عقيل وهم في الحلة على أن يكونوا يداً واحدة عليه، فأنكر سيف الدولة ذلك. ثم حج ثروان وعاد مريضاً فألزمه سيف الدولة بالتنازل عن هيت له، فأرسل ثروان حاجبه وكتب بخطه يأمر نائبه بتسليم البلد إليه وسار دبيس بن سيف الدولة مع الحاجب، ولما وصلوا إلى هيت لم تسلم إليهما، ثم خرج إليها الأمير صدقة واستولى عليها سنة 496هـ واستخلف عليها ابن عمه ثابت بن كامل.
في سنة 497هـ استولى بهرام بن أرتق على (عنه) وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاّط، فقصد بنو يعيش سيف الدولة، ومعهم مشايخهم فسألوه الإصعاد إليها، وأن يتسلمها منهم، فأصعد معهم؛ ولما وصلها رحل عنها التركمان وبهرام؛ وأخذ سيف الدولة رهائنهم ثم عاد إلى الحلة.
في شوال من السنة نفسها انحدر سيف الدولة إلى واسط في عسكر كثير فأخلاها الأتراك، وبعضهم انضم إلى جيش سيف الدولة، وضمن البلاد لمدة آخرها آخر السنة بخمسين ألف دينار إلى مهذب الدولة بن أبي الجبر صاحب البطيحة.
في سنة 499 سار سيف الدولة بجيش إلى البصرة لأخذها من عاملها إسماعيل بن أرسلانجق، وكان قد استبدّ بها، وبعد أن حاصر سيف الدولة طلب عاملها الأمان فأجابه سيف الدولة إلى ذلك، وتسلّم البصرة منه واستناب عنه فيها (التونتاش) وكان مملوكاً لجده دبيس وقد فرح العرب بهذا الفتح([536]) وامتدحه الشعراء منهم محمد بن خليفة السنبسي فنظم قصيدة يمدح بها سيف الدولة، ويرثي ابن خاله أبا النجم بن أبي القاسم الورامي، وقد قتل في أثناء حصار البصرة منها:
تهن يا خير من يحمي حريم حمى
فتحاً أغثت به الدنيا مع الدين
ركبت للبصرة الغراء في نجب
غر كجيش علي يوم صفين
هوى أبو النجم كالنجم المنير بها
لكنه كان رجماً للشياطين([537])
في هذه السنة أخذت جماعة من خفاجة جملين من رجل من عبادة كان بالموقف في الحلة، فأحضر العبادي جماعة من عبادة وأخذوا من خفاجة غارة أحد عشر جملاً فلحقتهم خفاجة، وقتلوا رجلاً من عبادة، وقطعوا يد آخر. وكان ذلك بالموقف بالحلة ففرق بينهم أهل الحلة فاستعدت عبادة لمقاتلة خفاجة فساروا إليهم وجرت معركة بين الطرفين، ثم تغلبت خفاجة على عبادة.
في سنة 500هـ أجلى سيف الدولة قبيلة خفاجة عن ديارهم مما يلي البطيحة بسبب إقلاقهم راحة الناس إذ هم على الدوام ممتطون صهوات جيادهم، يغيرون على من جاورهم من أعماله، فشكاهم ولده بدران وكان عامل أبيه في تلك الجهات فحرض سيف الدولة قبيلة عبادة على قتالهم، فصادف تحريضه هوى في نفوسهم، فلبوا طلبه وكبسوهم ليلاً، وهم لا يعلمون، فقابلتهم خفاجة، وبينما هم في حومة القتال إذ سمعوا صوت طبل الجيش فعلمت خفاجة أن جيش سيف الدولة أطلّ عليهم، فهربوا وتركوا حرمهم فأمر سيف الدولة بحراستهن، وبإيثار عبادة بما غنموا، ونزحت خفاجة إلى نواحي البصرة، وأقامت عبادة مقامهم. تقدمت امرأة من خفاجة إلى سيف الدولة، وقالت: «إنك سبيتنا، وسلبتنا قوتنا وأضعت حرمتنا. قابلك الله في نفسك، وجعل صورة أهلك كصورتنا» يعفى عنها وكظم غيظه، وأعطاها أربعين جملاً.
في هذه السنة تسلم الأمير سيف الدولة قلعة تكريت من صاحبها «كيقباذ بن هزارسب الديلمي» ثم أقطعها السلطان محمد للأمير آق سنقر البرسقي، فحاصرها ولما ضاق الحصار راسل كيقباذ سيف الدولة ليسلمها إليه، فسار سيف الدولة إليها وتسلمها منه، وانحدر البرسقي، واستناب سيف الدولة بها ورام بن أبي فراس ابن ورام الجاواني.
المجتمع الحلي
في عهد سيف الدولة
إن المجتمع الحلي كان يتكون من عناصر مختلفة: عرب وأكراد ونبط سكان البلاد الأصليين. أما العرب فكان أكثرهم من بني أسد، ولهم السيادة، ويوجد طوائف من عرب خفاجة، وعبادة، وعقيل، وغيرهم من عرب العراق، وأما الأكراد فهم قبيلة الجاوان. قال الفيروزآبادي: «وجاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة المزيدية بالعراق، منهم الفقيه محمد بن علي الجاواني»([538]) وزاد علي السيد مرتضى الزبيدي في شرح القاموس: «… الحلي الشافعي».
وذكره السبكي في الطبقات، وبين أن مولده سنة 468هـ.
كان الجاوانيون ـ قبل نزوحهم إلى الحلة ـ يسكنون الجانب الشرقي لدجلة حيال طريق خراسان، والظاهر أنهم امتدوا في السكنى على النهروان في شرقي بغداد إلى جرجرايا قرب الكوت([539]).
وهذه القبيلة حالفت بني مزيد الأسديين، وشاركتهم في السراء والضراء قبل نزوحهم إلى النيل، وعلى ما يظهر أن اتصالها بالمزيديين يمتد من عهد الأمير علي بن مزيد حينما كان في ميسان، وكانت السيادة لبني مزيد عليهم وعلى بني أسد ومن انضمّ إليهم، وكانت قبيلة الجاوان شافعية المذهب، والمزيديون شيعة ولكن على مر الأيام اندمجوا ببني أسد، فصاروا شيعة كما استعربوا ولا تزال محلتهم في الحلة تعرف بـ (الكراد الجواني) وفي عهد الأمير ورام (الثاني) ابن أبي فراس انتقل الجاوانيون إلى أرض الجامعين ليؤسسوا الحلة مع أمير بني أسد صدقة([540]) ومن بطون الجاوانيين البشرية ونرجس([541]).
من الجاوانيين الأسرة الورامية، نسبة إلى ورام بن محمد الجاواني الذي كان عائشاً في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري الذي كان له تحالف مع الأمير أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي، ومما زاد في قوة التحالف حصول المصاهرة بينهم وبين الأسرة المزيدية، فقد كانت أم الأمير صدقة من الوراميين. إن ورام بن أبي فراس خال الأمير صدقة وابن خاله أبو النجم بن ورام الذي قتل في حرب البصرة.
كان الأمير صدقة يعتمد على الجاوانيين، وأقطعهم بلاداً في الأعمال الواسطية وغيرها، منهم أبو النجم الكردي الجاواني مؤسس قرية أبي النجم المنسوبة إليهم. ومنهم الأمير أبو شجاع عاصم بن أبي النجم المذكور، وكان هذا بطلاً، كان يقصد الأسد في عرينه، ويطعنه بحربة، كان مسعر حرب، ومع شجاعته الفائقة يتحلى بروح أدبية، كتب إلى سيف الدولة صدقة في شخص نازعه في بعض الأملاك وقد حلف زوراً بالقرآن:
مولاي خصمي فاسق ومن ادعى
زوراً ولم يخش العواقب يحلف
ولأخذ مال المسلمين وغصبه
بالزور أعظم من يمين المصحف
ومن أعلام الجاوانيين الأمير قسيم الدولة الجاواني، جاء في تلخيص معجم الألقاب «قرأت في ثبت الوزير مؤيد الدين أبي طالب محمد بن أحمد العلقمي عن هبة الله بن نما عن السيد التقي شمس الدين أبي طالب بن أسامة العلوي: أنه قرأ عليه في دار الأمير قسيم الدولة الجاواني».
مقتل الأمير صدقة
تكاد الأسباب التي أدّت إلى مقتل الأمير صدقة تنحصر في أمرين:
الأول: أنه لما عظم شأنه، واتّسع جاهه، كثر حساده، وأخذوا يرقبون الفرص للإيقاع به وكان منهم العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي، فإنه قال للسلطان محمد السلجوقي في جملة ما قاله عن الأمير صدقة: «إنه يتبسط في الدولة، ويحمي كل من يفر إليه من أعداء السلطان، وهذا لا تحتمله الملوك لأولادها، فلو أرسلت إليه بعض أصحابك لأخذ بلاده وأمواله» حتى تعدى ذلك وطعنه في اعتقاده ونسبه هو وأهل بلده إلى الباطنية.
قال ابن الأثير: كذب، وإنما كان مذهبه التشيع لا غير. ووافقه على كلامه أرغون السعدي، وبلغ ذلك صدقة وكانت زوجة أرغون السعدي وأهله بالحلة فلم يؤاخذهم بشيء مما كان له من بقايا خراج ببلده فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه، ويسلمه إلى زوجته([542]).
الثاني: وهو السبب المباشر للحرب وقتله، وهو أن السلطان محمداً غضب على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب (ساوة) و(آبة) ([543]) لأنه اتّهم بمذهب الباطنية، فأراد السلطان القبض عليه فهرب إلى الحلة مستجيراً بسيف الدولة، فأجاره فأرسل السلطان إلى سيف الدولة أن يسلّمه إليه فأبى ذلك وقال للرسول: «لا أسلمه بل أحامي عنه».
فتوجه السلطان محمد إلى العراق، فلما سمع صدقة استشار أصحابه فيما يفعله فأشار عليه ولده دبيس بأن ينفذه إلى السلطان، ومعه الأموال والخيل والتحف ليزيل ما في نفسه من التصورات التي أوجدتها السعايا المغرضة، وأشار سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة بالمحاربة وجمع الجند وتفريق المال فيهم، وأطال في القول فمال صدقة إلى قوله، فجمع العساكر، واجتمع إليه عشرون ألف فارس وثلاثون ألف راجل، فأرسل إليه الخليفة العباسي المستظهر نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي يحذره الخروج عن طاعة السلطان فأجاب صدقة: إني على طاعة السلطان، ولكن لا لآمن على نفسي في الاجتماع به، ثم أرسل السلطان قاضي القضاة أبا سعيد الهروي رسولاً إلى الأمير صدقة يطيب قلبه ويزيل خوفه ويأمره بالانبساط على عادته فأجاب: إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه علي وغيروا حاله معه، وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام. ثم قال سعيد بن حميد العمري: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع وامتنع الأمير صدقة من الاجتماع بالسلطان، ثم وصل السلطان إلى بغداد، ثم أرسل الخليفة كتاب صدقة إلى السلطان، فقال السلطان: أنا ممتثل ما يأمر به الخليفة، فأرسل الخليفة إلى صدقة يطلب إجابة السلطان إلى ما طلب منه، وأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق عليه. فأجاب صدقة: إذا رحل السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال، وما يحتاج إليه في الجهاد، وأما الآن وهو ببغداد وعسكره بنهر الملك فما عندي مال ولا غيره.
أنفذ السلطان إلى واسط جيشاً أخرج منها عامل صدقة، وأنفذ خيله إلى قوسان، وهي من أعمال الأمير صدقة، فنهب أقبح نهب، فأرسل إليهم ثابت بن سلطان، وهو ابن عم الأمير صدقة ومعه جيش فلما وصل إليها خرج منها الأتراك ثم وصلت عساكر السلطان إلى مطير آباد فقابلهم عسكر الأمير صدقة ودمرهم قتلاً وأسراً وغرقاً.
سار السلطان إلى الزعفرانية([544]) وسار الأمير صدقة إلى قرية مطر([545]) وأمر جنده بلبس السلاح. ثم أن الأمير صدقة عبأ جيشه، فجعل ولده دبيساً في الميمنة ومعه سعيد بن حميد العمري الخفاجي، وجماعة من الأكراد، وفي ميسرته ابنه بدران، ومعه عبادة بأسرها، وكان الأمير صدقة في قلب العسكر ومعه سرخاب الديلمي وأبو المكارم حماد بن أبي الجبر أمير البطيحة.
وتقابل الجيشان بالقرب من النعمانية، فلما نشب القتال بينهما تقاعدت خفاجة وعبادة عن نصرة صدقة ووقعت خيل صدقة في الوحل وقد شق السوق في موضع يقال له (يغانيا).
فلما حمي وطيس الحرب كشف سيف الدولة رأسه وصاح يا آل خزيمة يا آل عوف يا آل ناشر. أنا تاج الملوك. أنا ملك العرب. النار ولا العار. وقاتل قتالاً شديداً ووعد الأكراد بكل جميل لأنهم أبلوا معه بلاءً حسناً، وكان راكباً فرسه (المهلوب) الذي لم يكن لأحد مثله وكان له فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة فلما رأى الناس قد تكاثروا عليه هرب.
حمل سيف الدولة على الأتراك فرشقه الأتراك رشقة واحدة، خرج منها عشرة آلاف نشابة فوقع سهم في ظهره وتعلق به غلام وضربه بالسيف وقتله وأخذ رأسه إلى البرسقي قائد جيش السلاجقة وأسر ولده دبيس، وسرخاب الديلمي وسعيد بن حميد العمري. وكان القتلى من الطرفين ثلاثة آلاف فارس، ثم حمل رأس سيف الدولة إلى السلطان فدفنه رجل من المدائن.
أما بدران بن صدقة فقد ذهب إلى الحلة وأخذ من الأموال وغيرها ما أمكنه وسار بأمه ونسائه إلى البطيحة لمهذب الدولة صاحب البطيحة وكان مصاهراً له على ابنته. ولم يصل السلطان إلى الحلة. وكان قتل صدقة سنة 501هـ.
ثم تغرب بدران، فدخل الشام، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى مصر وتوفي هناك سنة 530هـ وبقي بها أولاده من بعده مدة ثم رجعوا إلى العراق.
خان ثابت بن سلطان بن دبيس بن علي بن مزيد ابن عمه سيف الدولة فقد كان يحسده فاستأمن إلى السلطان، فأكرمه وأحسن إليه ووعده بالإقطاع.
إن السلطان أرسل إلى زوجة سيف الدولة أماناً، فذهبت إلى بغداد وأطلق السلطان ولدها دبيساً وأنفذ معه جماعة من الأمراء لاستقبالها، ولما حضرت عند السلطان اعتذر عن قتل زوجها، وقال: وددت أنه حمل إليَّ حياً حتى كنت أصنع به ما يعجب الناس من الجميل والإحسان، لكن الأقدار غلبتني.
في سنة 502 عاد منصور بن صدقة إلى السلطان، فأكرمه وكان قد هرب بعد قتل والده.
ولاية سعيد بن حميد العمري على الحلة
في سنة 502هـ خلع السلطان على سعيد بن حميد العمري الخفاجي قائد جيش صدقة، وولاّه الحلة، قال فيه ابن الأثير: «كان صارماً، حازماً، ذا رأي وجلد»([546]).
كنا قد ذكرنا سابقاً أن سعيد بن حميد العمري كان قد أشار على سيف الدولة بحرب السلطان. فكيف ولاّه السلطان ولاية الحلّة، مع ما كان عليه من المقاومة للسلطان. أقول: إن السلطان عمل ذلك سياسة ومداراة لأنه يعلم أن ولاية الحلة لا تخضع ولا تستكين إذا عيّن لها أمير لا يريده أهلها، وتحدث عندئذٍ أمور لا تحمد عقباها، ومن جهة أخرى يستفيد من ولاء خفاجة له، فكان بعمله هذا قد ضمن الاستقرار في الحلة لم يعط سعيد بن حميد كل ولاية الحلة، بل أعطى الحلة وأطرافها، وأقطعت الأعمال الأخرى إلى جماعات من الكراد. أقطع السلطان بعض أعمال الحلة إلى البشيرية والنرجسية، وهما بطنان من أكراد الحلة، ومن زعماء البشيرية أسياكيل وفي ذلك يقول الأمير أبو شجاع عاصم بن أبي النجم الجاواني:
فقلت لها كفى جعلت لك الفدا
ألم تعلمي أن الزمان قد انقلب
قرى النيل قد أضحى سياكيل آمراً
بها، ونفي بدران منها إلى حلب
يقول الدكتور مصطفى جواد: (ويظهر أن السلطان محمداً ضرب الأكراد بعضهم ببعض، وذلك بأن أقطع بعضهم أكثر البلاد التي يحكمها سيف الدولة وحلفاؤه الجاوانيون …) ([547]).
قال العماد الأصبهاني: «لما قتل سيف الدولة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم البشيرية، وجماعة نرجسية أنشأ مرجا قصيدة منها:
لقد سن للسلطان ثابت سنة
فلا يأمن السلطان زيد ولا عمرو
مواقفة([548]) النظار والكشف عنهم
ولو كان ممن لا يصح له العشر
وقد كثر الإقطاع حتى أظنه
سيقطع كلب بالجزيرة أو هر
ثلاثون ألفاً للبشيري وحده
فدع عنك من لا يجوز له ذكر
وعشرون ألفاً أقطعت نرجسية
كثير لها ألف، ولو أنها بعر
وما كان أسياكيل يركب خلفه
جياد البراذين البشيرية الحمر
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيته
أقد جن أسياكيل أم خرف الدهر
سلام على مال العراق فإنه
مضى حيث لا نفع لذاك ولا ضر
إذا ما عبرت النهر يوماً وأصبحت
تخب بي الجرد المحجلة الغر
فأدنى بلاد الله منها وإن نأت
وأكثرها عدلاً وآمنها مصر
هنالك لا أخشى عظيماً هجوته
وتكتم أشعاري كما يكتم الشر
فيقنعني ألا أرى من أخافه
بمصر على نفسي وإن ظهر الشعر
الأمير دبيس بن صدقة
لما أطلق دبيس من الأسر سنة 501هـ بقي عند السلطان محمد السلجوقي إلى أن توفي السلطان وقام الملك ولده محمود، فأعاد دبيساً إلى الحلة في سنة 512هـ.
ولما رجع دبيس إلى الحلة التف حوله خلق كثير من الأعراب والأكراد. وكانت مدة ولايته سبع عشرة سنة.
كان الأمير دبيس رجلاً حربياً؛ وقائداً محنكاً، بصيراً بفنون الحرب خبيراً بشؤون السياسة في عصره. وكان على جانب عظيم من الشجاعة والفروسية، وقوة الاعتماد على النفس يخوض غمرات الحروب غير هياب ولا وجل قوي العارضة.
قال فيه ابن خلكان: «ملك العرب، صاحب الحلة المزيدية، كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر وتمكن من خلافة الإمام المسترشد؛ واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير. ودبيس المذكور هو الذي عناه الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: «والأسدي دبيس» لأنه كان معاصراً له. فرام التقرب إليه في مقاماته لجلالة قدره، وله نظم حسن …» ([549]).
وقال فيه ابن الطقطقي: «كان صاحب الدار والجار والحمى والذمار؛ وكانت أيامه أعياداً وكانت الحلة في زمانه محط الرحال؛ وملجأ بني الآمال، ومأوى الطريد ومعتصم الخائف الشريد…» ([550]).
وفي السنة التي ولي فيها دبيس أمر الحلة هرب الأمير أبو الحسن أخو الخليفة المسترشد وأخفى نفسه ومضى إلى الحلة مستجيراً بدبيس بن صدقة صاحب الحلة فأكرمه إكراماً فائقاً وأفرد له داراً، ومكث عنده مدة على أحسن حال. فلما علم المسترشد أنه عند دبيس قلق لذلك وخاف من أمر يحدث من ناحيته، فبعث نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي إلى الحلة بخاتمه وأمانه، وأمر أن يأخذ البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن؛ فقال دبيس: «أما البيعة فالسمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع، وأما تسليم جاري فلا؛ والله لا أسلمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه إلا أن اختار»([551]).
أبى الأمير أبو الحسن التوجه بصحبة النقيب إلى أخيه فمضى النقيب وحده ثم بعد ذلك خرج أبو الحسن عن الحلة ـ فظفر به أخوه المسترشد فسجنه في بعض دوره في حالة جميلة.
كان الأمير دبيس يرى أن الخلافة العباسية ـ في عصره ـ صارت اسماً بلا مسمى لذهاب المنعة والشوكة والعصبية التي هي الأساس في قيام الدولة وبقائها وقد خرج الأمر من يدها إلى السلاجقة. فكان يرى أنه أحق بالكل من العباسيين لوجود المنعة والشوكة والعصبية، فكان لذا محط آمال العراقيين؛ فالتفت حوله القبائل العراقية من عربية وكردية لأنه الوحيد الذي يمكن أن يناضل السلاجقة ويقارعهم.
كان يعجبه اختلاف السلاطين. ويعتقد أنه ما دام الخلاف قائماً بينهم فأمره منتظم كما استقام أمر والده صدقة عند اختلاف السلاطين([552]).
ساء حكومة بغداد نفوذ دبيس في الفرات الأوسط، والتفاف القبائل العربية والكردية حوله. فصدرت الأوامر إلى البرسقي؛ وهو أحد الأمراء في بغداد بالتوجه إلى الحلة لمحاربة دبيس وإخراجه منها فبرز البرسقي، ونزل بأسفل الرقة (موضع ببغداد) فلما علم دبيس بذلك جمع جيشاً عظيماً بالحلة مؤلفاً من العرب والأكراد. وفرق فيهم السلاح، ولما علم البرسقي بقوة دبيس الحربية عدل عن قصد الحلة.
بعد هذا أخذ الأمير دبيس يراسل الملوك والأمراء، ويعقد معهم الاتفاقيات والمعاهدات ليقوي مركزه السياسي والحربي. ورام الملك سنجر السلجوقي التقرب إليه فزوجه ابنته.
لما رأى الأمير دبيس أن الأمور قد تمّت له. وأن نفوذه قد قوي أخذ يوقع بمن حارب أباه، فلما علم الخليفة المسترشد بذلك أخذ ينهاه فلم يفلح فاستنجد الخليفة بالسلطان محمود السلجوقي. وكان يومئذٍ بهمذان، ولما علم الأمير دبيس بذلك أعطى لنفسه الحق بإعلان الحرب على المسترشد العباسي لأنه استعان بالأجنبي فسار بجيش عظيم إلى بغداد ودخلها وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وهدد المسترشد، فأرسل المسترشد إليه شيخ الشيوخ يستعطفه. ووعده أنه سيسعى في إصلاح الحال بينه وبين السلطان عند مجيئه إلى العراق فرجع إلى الحلة.
في سنة 514هـ في رجب دخل السلطان بغداد، فأرسل دبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن جهير إلى السلطان؛ ومعها مال كثير، وهدية نفيسة لتقوم بدور السفارة بين زوجها وبين السلطان لإحلال الصفاء بينهما، فأجاب السلطان إلى ذلك على قاعدة امتنع عنها دبيس فرجع إلى ما كان عليه ونهب جشيراً([553]) للسلطان فسار السلطان في شوال إلى الحلة لمحاربة دبيس، واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها، فلما علم دبيس بذلك أرسل نساءه إلى البطيحة، وأخذ أمواله وخرج عن الحلة إلى إيلغازي بن أرتق في جعير، ثم أرسل أخاه منصوراً فاستولى على الحلة والكوفة، فأرسل إلى أخيه دبيس يعلمه باستيلائه على الحلة، وطلب إليه التوجه إلى الحلة، فجاء دبيس إلى الحلة، ودخلها سنة 515، وملكها ثم أرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر ـ ويعد من نفسه الطاعة فلم يقبل منه ذلك وسيرت إليه العساكر، ولما قاربوها فارق الحلة ودخل الأزير، ثم دخلها العسكر، وهي فارغة قد أجلى عنها أهلها فكانت الميرة تنقل من بغداد، وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي، فترك بالحلة خمسمائة فارس، وبالكوفة جماعة أخرى تحفظ الطريق على دبيس وأرسل إلى عسكر واسط بحفظ الطريق على دبيس ثم راسل دبيس مقدم الجيش في أمر الصلح، وأخيراً تم الاتفاق بينهما على أن يرسل دبيس أخاه منصوراً رهينة، ويلازم الطاعة، فعاد العسكر إلى بغداد سنة 516هـ.
لم يرق الخليفة المسترشد ما تم من الصلح مع دبيس، وطلب من السلطان محمود إبعاد دبيس عن الحلة، وكرر المسترشد الطلب من السلطان فأجابه السلطان إلى طلبه فأرسل البرسقي إلى الحلة لمحاربة دبيس، فخرج دبيس لمحاربته فالتقى الجيشان عند نهر بشير شرقي الفرات، فدارت الحرب بينهما فانكسر عسكر البرسقي، ومزق شر ممزق، ولم يتعرض دبيس لنهب قرى نهر الملك ولا غيرها([554]).
رأى المسترشد ملاينة دبيس اعترافاً منه بصلابة عوده ومهارته الحربية وجدارته السياسية، هذا بالإضافة إلى مكانته السامية في نفوس العراقيين. ترددت الرسائل بين المسترشد ودبيس لإقرار الصلح بينهما، فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة، فقبض على الوزير، ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين إليه، وسمح دبيس أن يخرج ناظر المسترشد إلى القرى التي تعود للمسترشد لقبض دخلها([555]).
لم يرق السلاجقة ما تم من الصفاء بين المسترشد ودبيس، فأخذوا يعملون الدسائس حول دبيس ويؤلبون عليه ويثيرون الأحقاد القديمة عليه، وبذلك تمكّنوا من إحلال الجفاء محل الصفاء بينه وبين المسترشد، فعاد التوتر بينهما من جديد وشيء فعله السلطان محمود السلجوقي ضد دبيس أن كحل أخاه منصوراً (سمل عينيه) فلما علم دبيس بذلك جز شعره ولبس السواد ونهب البلاد وأخذ كل ما للخليفة بنهر الملك، فأجلى الناس إلى بغداد([556]).
أرسل المسترشد إلى دبيس عفيفاً الخادم يقبح ما فعل بنهر الملك وغيره فلما أدى هذه الرسالة قال له دبيس أنتم ضمنتم لي هلاك ابن صدقة عدوي، واستوزرتم ابن نظام الملك ولم تشاوروني فيه، وسألتكم إبعاد البرسقي عن بغداد وإطلاق أخي منصور وما أجبتموني، وقد أجلتكم خمسة أيام فإن أجبتم فذاك وإلاَّ جئتكم محارباً وتوعد وأبرق. عاد عفيف، وقص للمسترشد ما سمع وما رأى.
وحينئذٍ استعملت حكومة المسترشد سلاح الدعاية المسموم والافتراءات الخبيثة على دبيس لينفروا الناس منه ويؤلبوهم عليه، فأشاعوا أن أصحابه نهبوا نهر الملك وافترشوا النساء في شهر رمضان وشربوا الخمر وأنه يسب الصحابة ويترك الصلوات وليس في بلاده مؤذن ولا جمعة وأنه يشرب الخمر في نهار رمضان وأنه يسفك الدماء، فاستفتى المسترشد الفقهاء فأفتوا بقتاله. وبطل الحج في هذه السنة([557]).
وفي سنة 517هـ في المحرم توجه المسترشد لحرب دبيس، وقد تأثر أهل بغداد بالدعاية ضد دبيس، فذهبوا إلى المساجد وقرؤوا الختمات وابتهلوا إلى الله في الأدعية([558]).
وصلت جيوش المسترشد إلى النيل ونزلت في قرية المباركة، فتقدم دبيس بعسكره لمحاربة جيش المسترشد وقد رتب عسكره صفاً واحداً. وأشيع في عسكر المسترشد أن دبيساً منّى عسكره ووعدهم بنهب بغداد دار الخلافة، وأن بين يديه البغايا والمخانيث بالدفوف والملاهي والزمور والخمور([559]).
ولما نشبت المعركة بين الطرفين تأخر قائد عسكره عنتر بن أبي العسكر الجاواني ويقال إنه خامر عليه، وحمل زنكي بن آق سنقر واسر عنتر، وحمل إلى البرسقي ووقع القتال في أصحاب دبيس وأسر بعضهم فانسحب دبيس وألقى نفسه في الفرات بعد أن رمى سلاحه وأدركته الخيل ولم تقدر عليه.
أما أصحابه الذين وقعوا في الأسر فقد قتلوا صبراً بأمر المسترشد([560]) وكان كل واحد منهم عندما يقدم للقتل يقول: فداك يا دبيس.
إن دبيساً نزل على غزية وسألهم أن يحالفوه، فقالوا: نحن بطريق ولا يمكننا معاداة الملوك وأنت بعيد النسب عنا، وبنو المنتفق أقرب نسباً إليك منا، فمضى إليهم فحالفوه وقصد البصرة، فصالحه أهلها على مال، فأخذه ورحل.
أما الحلة فقد عينت حكومة المسترشد (بهروز) عاملاً عليها. وبعد أن تألّبت القوى على دبيس عزم على رحلات خارج العراق، وفي آخر المطاف اتصل بالسلطان سنجر لدى ابن أخيه السلطان محمود أن يهتم بأمر دبيس ويعيده إلى ولاية الحلة. وبناء على هذه التوصية رجع إلى الحلة، وأرسل إلى المسترشد يسترضيه، وضمن له أن يرد جميع ما أخذ منه، فترددت الرسل بذلك، وكان بالوقت نفسه يجمع الأموال والرجال فاجتمع عنده عشرة آلاف فارس.
بلغ السلطان محمود أن دبيساً يجمع الأموال والرجال فقصد العراق لمحاربته ولما وصل إلى بغداد خرج دبيس من الحلة، فسلمت إلى إقبال المسترشدي ثم أن دبيساً جمع جموعاً واستولى على الحلة ونواحيها وأخرج منها إقبالاً، وكان ذلك سنة 526هـ فطلب إقبال الإمداد من بغداد لمحاربة دبيس، فأرسل إليه عسكر كثيف فتخلى دبيس عن الحلة لكثافة العسكر الذي أرسل لمحاربته.
وتنقلت الأسفار بدبيس خارج العراق ودخل سورية، فقبض عليه عامل دمشق وفادى به أسراه عند صاحب الموصل، وكان صاحب الموصل عدواً لدبيس وطلب المسترشد دبيساً منه فلم يسلمه إليه بل أبقاه مكرماً محترماً.
إن السلطان مسعود السلجوقي دعا دبيساً إليه وكان في مراغة في آذربيجان فسار إليه، وأظهر السلطان له التجلة والاحترام وأضمر له الغدر.
ولما وقع المسترشد العباسي أسيراً في جيش السلطان مسعود قتله غدراً وأراد أن يقتل دبيساً متهماً إياه أنه قتل المسترشد، وبذلك يتخلص منهما، وقد أحسّ دبيس بتغير نية السلطان فيه وحاول الهرب مراراً ولكن حالت أمور دون ذلك.
وذات يوم وهم نازلون على باب مراغة جاء دبيس وجلس في باب خيمة السلطان فسير إليه بعض غلمانه فجاء من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه وكان ذلك في رابع عشر ذي الحجة سنة 529هـ وقيل إن قتله كان على باب خوي، وقيل إنه كان على باب تبريز. ولما قتل حمل إلى زوجته كهارخاتون في ماردين، فدفن بالمشهد عند نجم الدين الغازي والد كهارخاتون([561]).
كان دبيس كثيراً ما ينشد هذين البيتين قبيل قتله:
إن الليالي للأنام مناهل
تطوي وتبسط بينها الأعمار
فقصارهن من الهموم طويلة
وطوالهن مع السرور قصار
في الحلة الآن قبر في محلة الطاق بجوار قبر يحيى بن سعيد يعرف بقبر دبيس وهو مشهور لدى الحليين ولكنه لا ينطبق على الحقيقة التاريخية إذ أن دبيساً الأول مات بالنيل قبل تمصير الحلة، ودبيس الثاني قتل خارج العراق كما أسلفت ولكن يمكن أن يكون هذا قبراً لزعيم من زعماء الحلة قديماً اسمه دبيس أو أن دبيساً نقل رفاته ـ بعد تمصير الحلة ـ إليها، وهذا احتمال لا تؤيده النصوص التاريخية.
الأمير صدقة الثاني ابن دبيس
لما وصل إلى الحلة نبأ قتل السلطان مسعود دبيساً كان ابنه صدقة بالحلة فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه وكثر جمعه. كان عمره صدقة ـ إذ ذاك ـ أربع عشرة سنة وانضم إليه عنترة بن أبي العسكر الكردي الجاواني الذي كان قائد جيش أبيه دبيس يدبر أمر صدقة ويتم نقص صباه وكان في الحلة الأمير (قغلغ تكين) من قبل السلطان مسعود فاستأمن إلى الأمير صدقة.
ولما علم السلطان مسعود بقيام صدقة بالحلة واجتماع العساكر إليه أمر مسعود بك آبه أن يأخذ الحلة. فأرسل بعض عساكره إلى المدائن وأقاموا مدة ينتظرون لحاق (بك آبه) ولم يسر إليهم جبناً وعجزاً عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع الأمير صدقة.
وأراد الأمير صدقة أن يقوي مركزه فتحالف مع الملك داود بن السلطان محمود وبعض أمراء الأطراف على محاربة السلطان مسعود، ومن جهة أخرى أراد عطف الخليفة الراشد فذهب إلى بغداد في 12 صفر سنة 530هـ ووصل إلى قصر التاج ودخل على الخليفة مسلماً عليه. وفي بغداد في هذا التاريخ التقى مع الملك داود وأمراء الأطراف وقد عزموا على مناوأة السلطان مسعود وإخراج عماله من بغداد وكان الخليفة يناصرهم.
وعلم السلطان مسعود بما تم من الاتفاق بين الأمراء لمناوأته فقصد بغداد وسار بعساكره نحوها ولما وصل بغداد اختلفت كلمة أمراء الأطراف فرجع الأمير صدقة إلى الحلة.
وترددت الرسل بين السلطان مسعود والأمير صدقة لإيجاد الصفاء بينهما، ولما تم وثوق الأمير صدقة من السلطان ذهب إلى بغداد وأصلح حاله معه ثم أن السلطان مسعود زوج الأمير صدقة بابنته تمسكاً به.
لما عزل السلطان مسعود الراشد عن الخلافة ونصب مكانه المقتفي اتفق بعض الأمراء مع الملك داود على محاربة السلطان مسعود وإرجاع الراشد إلى الخلافة فخرج إليهم السلطان مسعود من بغداد وانضم إليه الأمير صدقة وعنتر بن أبي العسكر معهما عسكر الحلة فالتقوا مع عسكر الملك داود بـ «بتجن كشت»([562]) فهزمهم السلطان مسعود وقتل الأمير منكر برس أسيراً وهو من أصحاب الملك داود ثم تفرق عسكر السلطان مسعود في النهب، وقف بعض الأمراء من جماعة الملك داود على نشز من الأرض فرأوا السلطان في قلة من أصحابه فهجموا عليه فانهزم السلطان ووقع الأمير صدقة وعنتر بن أبي العسكر أسيرين فقتلا قصاصاً بمنكر برس وكان ذلك سنة 532هـ.
عنتر بن أبي العسكر
هو الأمير فخر الدين أبو محمد عنتر بن أبي العسكر كان من أكراد الجاوانيين كان جواداً وفارساً مغواراً بصيراً بفنون الحرب والإدارة وكان مخلصاً للإمارة المزيدية لذا كان قائد جيش الأمير صدقة ولما قتل دبيس انضم إلى ولده الأمير صدقة يدبر أمره ويتم نقص صباه بما كسبه من تجارب وحنكة وقد أقرّه زعماء عسكر الحلة ورضوا به زعيماً يقود حركتهم. وللحيص بيص الشاعر الشهير مدائح فيه منها قوله:
إذا قلقت بيض السيوف ظماءة
سقاها فرواها من الهام عنتر
ولم أرد العبسي لكن سميه
ومن هو أولى بالثناء وأجدر
فإن فخرت عبس بفارس رعبها
فإن بني الجاوان أعلى وأفخر
فتى هو للعافي من الجور مورد
وللخائف الجاني من الخوف مصدر
الأمير محمد بن دبيس
لما قتل الأمير صدقة جعل السلطان مسعود إمارة الحلة لأخيه محمد بن دبيس وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر يدبره وحكم الأمير محمد الحلة من سنة 532هـ إلى سنة 540هـ وكانت أكثر أيامه سلمية لم يحدث فيها ما يعكر صفو الأمن في إمارته.
في سنة 535هـ قصد الأمير إسماعيل والبقش بمن معهما من العساكر الحلة فذهبا إلى واسط ونهبوها، ثم استشفع الأمير إسماعيل إلى السلطان مسعود فعفا عنهما.
وكان الأمير علي أخو الأمير محمد بن دبيس يطمح في الاستيلاء على ولاية الحلة وكانت سياسته مقاومة السلاجقة فكان يتحين الفرص للوصول إلى هدفه هذا. في سنة 540هـ كان في بغداد ولما أراد السلطان مسعود الرحيل عن بغداد في هذه السنة أشار عليه مهلهل بن أبي العسكر أن يحبس عليًّا هذا بقلعة تكريت حذراً من حدوث أمور لا تحمد عقباها لأن مهلهلاً كان يتوسم فيه الطموح إلى ولاية الحلة فلما علم علي بهذه المؤامرة هرب إلى الأزيز([563]) وجمع جمعاً من بني أسد وغيرهم وسار إلى الحلة واستولى عليها وكان بها أخوه محمد فقاتله ثم تخلّى محمد عن الحلّة وملكها علي.
الأمير علي بن دبيس
كان الأمير علي رجلاً باسلاً عالي الهمة بصيراً بالأمور طموحاً إلى المجد. ولخصال الخير المتوفرة فيه كان أهل الحلة يحبونه ويتعصبون له ويخوضون غمرات الحروب معه. قال فيه سبط ابن الجوزي: كان شيخاً جواداً وكان وزيره كمال الدين أبو العباس أحمد بن رضي الدين محمد بن علي بن أبي الفضل يحيى الأسدي العلقمي([564]).
استهان السلطان محمود في شأنه في أول الأمر، ثم استفحل أمره فقد انضم إليه جمع من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم وكثر جمعهم.
سار إليه مهلهل بن أبي العسكر الجاواني من بغداد ومعه أمير الحاج نظر ومعهم عساكر فقابلهم علي برباطة جأش وعزيمة صادقة فهزمهم أقبح هزيمة وعادوا مغلوبين إلى بغداد فأسمعهم العامة في بغداد أقوالاً قبيحة وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس. كانوا يصيحون إذا رأوا مهلهلاً وبعض أصحابه: (يا علي كله) وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب([565]).
كان لأمراء بغداد أقطاع بولاية الحلة، فلما توترت الحالة بين الأمير علي وحكومة بغداد مد الأمير علي يده إلى أقطاع الأمراء وتصرف فيها.
وصار شحنة بغداد ومن فيها على وجل منه. وجمع الخليفة جماعة وجعلهم على السور لحفظه من جيش علي بن دبيس وراسل الخليفة علياً وأعاد الجواب: بأني العبد المطيع مهما رسم لي فعلت، فسكن الناس([566]).
في سنة 542هـ أقطع السلطان مسعود الحلة سلار كرد، فسار إليها من همذان ومعه عسكر وانضم إليه جماعة من عسكر بغداد وقصدوا الحلة فجمع الأمير علي عسكره والتقى العسكران في مطيرباد فاقتتلوا فاندفع علي إلى ناحية واسط وملك سلاركرد الحلة واحتاط على أهل علي ثم عاد علي ملك الحلة.
اتفق الأمير علي مع الملك محمد ابن السلطان محمود على محاربة الخليفة المقتفي لميله إلى السلطان مسعود فجمع الأمير علي جموعاً كثيرة من رجالة البلاد في عدة كثيرة وسفن يزيد عددها على خمسمائة، وكان مع الأمير علي رجل من بني عمه يقال له حسن المطرب ومعه منجم، وكانوا يتحاورون في أمر القتال ويتشاورون بكيفية المقاومة والنزال فقال المنجم للأمير حسن المطرب: (إنني أرى في نجمك أنك متى قاتلت في غد تدخل بغداد، فإن كان لك هم في القتال ورغبة في الجلاد والنزال فعليك به في غد).
نهض الأمير حسن إلى تهيئة رجاله وتعبئة أبطاله في الليل، وأصبح من بكرة ونزل في السفن جماعة من الأعيان المعتبرين وكانت المعركة بالسفن على دجلة ثم انجلت المعركة عن قتل جماعة كبيرة من أهل الحلة والأجناد السلطانية وأسر حسن المطرب وأخوه ماضي وعدة افرة من أعيان بني أسد وأحضر حسن المطرب بين يدي الوزير فراجع فيه الخليفة فأمر بصلبه بعد أن مثل به([567]).
في سنة 545هـ توفي الأمير علي بن دبيس، وكانت وفاته بالحلة.
قيل توفي بالسكتة وقيل: مات مسموماً، وقيل: مات بعلة القولنج واتّهم طبيبه محمد بن صالح. فإنه قصر في أمره ومات طبيبه بعد قليل وقال ابن الأثير توفي في أسدباد.
وبوفاته انقرضت الإمارة المزيدية في الحلة وصارت الحلة تابعة للعباسيين مباشرة يرسلون إليها العمال من قبلهم.
النهضة العلمية والأدبية
في الحلة في عهد المزيديين
بدأت النهضة العلمية والأدبية في الحلة منذ مصرها الأمير سيف الدولة صدقة المزيدي وبلغت هذه النهضة أوج عظمتها طيلة القرن السابع الهجري فصارت دار هجرة لطلاب العلوم والمعارف والآداب فقصدها عشاق الفضيلة ليدرسوا العلوم على علمائها الأعلام فنبغ فيها العلماء والحكماء والأدباء، وذاع صيتهم مدى الآفاق.
ولا تزال مصنفاتهم متداولة بين أيدي أرباب العلم والأدب عدا ما تلف، وهو الكثير الذي لعبت به أيدي العبث والفساد ونوائب الزمن الشداد.
كانت الحلة في ذلك العهد من أرقى المدن الإسلامية بالنسبة لرقيها العلمي والأدبي، وكانت تعتبر ـ في ذلك العهد ـ مدرستها أكبر جامعة إسلامية، فقد صار فيها لبضائع الأدب سوق، وأضحت ميداناً لكل ذي فضل سبوق. إن الذي ساعد على نشوء هذه النهضة أمران:
الأول: أن أمراء هذه المدينة ومؤسسيها المزيديين كانوا على جانب عظيم من الفضل والكمال وسمو الأخلاق وكرم السجايا يسعون جهدهم وراء ترقية المعارف والعلوم وكان للأمير سيف الدولة مكتبة تحوي ألوف المجلدات، وكانت منسوبة الخط. ولغرام أولئك الأمراء الكرام بالعلوم والآداب كانوا يدنون منهم مجالس رباب العلم والأدب وينتشلونهم من مهاوي البؤس والفاقة، ويحمونهم من نوائب الزمن وطوارق الحدثان، لذلك تقاطر إليها العلماء والأدباء والشعراء ليتمتعوا بحرية تامة وعيشة راضية، فرسخت فيها الروح العلمية والأدبية حتى أينعت وأثمرت وجادت بما يستطاب.
تأمل ما كتبه العماد الأصبهاني في الخريدة: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات، كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجين وموئل المعتفين وكنف المستضعفين، تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال …. وأثرهم في الخيرات أثير والحديث عن كرمهم كثير …».
الثاني: أن للبيئة أثراً كبيراً على الأخلاق والفطن وحدة الذهن التي من ثمراتها العلوم والمعارف. ولا أريد أن أصف لك تلك البيئة الفيحاء والجنة الغناء من دماثة التربة واعتدال الجو وجمال المناخ وبهجة الطبيعة إذ هي أرض بابل ذات الحضارة والمدنية العريقتين.
قد يسأل سائل: إن العلم دخل الحلة من أي مدينة؟ وما علاقة تلك المدينة بالحلة؟ أقول لما كان أمراء هذه المدينة على ما أسلفت في الأمر الأول أمّها الناس من كل حدب وصوب، ولكن كانت النجف أكثر علاقة لها من غيرها. وكان فيها يومئذٍ تلامذة الشيخ الطوسي الذي غادر بغداد سنة 448هـ بعد أن أحرق «طغرل بك» السلجوقي مكتبه وكرسي تدريسه واستوطن النجف وبقي فيها يدرس إلى أن توفي سنة 460 فقام تلامذته مقامه فلما مصر الأمير سيف الدولة الحلة واتخذها مركزاً لأعماله قويت الرابطة بين البلدتين وامتدت أعناق النجفيين إليه وعلقوا عليه الآمال ليحيوا ما اندثر من نفوذهم وما كان لهم في عهد آل بويه من الحرية التامة في التعبير عن آرائهم.
صارت الحلة في عهد سيف الدولة كعبة الأدباء والشعراء والعلماء لما يلقونه من رعاية وتشجيع من قبله. فقد كان يجزل لهم العطاء والبذل حتى أن بعض من وفد إليها اتخذها موطناً له بدل موطنه الأصلي مثل أبي المعالي الهيتي المعروف بالفارسي ومثل أبي عبد الله محمد بن خليفة السنبسي وغيرهما الكثير.
لقد كان الأمير سيف الدولة صدقة كما قال فيه العماد الأصبهاني في الخريدة: «… كان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الإعزاز، ويخص الشاعر من جوده بالاختصاص والامتياز، ويؤمنه مدة عمره من طارق الأعواز. يقبل على الشعراء ويمدهم بجميل الإصغاء وجزيل الإعطاء. لا يخيب قصد قاصده من ذوي القصائد ويبلغ آمليه إلى أغراضهم والمقاصد».
وهكذا كثر الوافدون على الحلة أيام الأمير سيف الدولة فاكتظت برجال العلم والأدب. ومن جملة الوافدين إليها أبو الفوارس المعروف بحيص بيص ومرجا بن بتاه شاعر البطائح وابن واثق الأنباري ومحمد بن حيدر ويحيى بن التلميذ وشبيب البروجردي وهو القائل من قصيدة في مدح سيف الدولة:
قطعت الفيافي لا ضنيناً بمهجتي
ولا كارهاً وعر الجبال وسهلها
إلى حلة ما حلها اللؤم والخنا
بل المجد والعلاء والجود حلها
فكل الذين وفدوا على الحلة مدحوها وأشادوا بأميرها سيف الدولة إلا المغربي فإنه ذمها إذ قال:
أنا في الحلة الغداة كأني
علوي في قبضة الحجاج
بين عرب لا يعرفون كلاماً
طبعهم خارج عن المنهاج
وصدور لا يشرحون صدوراً
شغلتهم عنها صدور الدجاج
والمليك الذي يخاطبه النا
س بسيف ماض وفخر وتاج
ماله ناصح ولا يعلم الغيب
وقد طال في مقامي لجاجي
يقول الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه (الشعر العربي في العصر السلجوقي):
«وواضح أن يكون بين أسباب هذا الهجاء إعراض لقيه من الأمراء وخيبه أصابته في آماله بالكسب وفيما عدا ذلك لم يقل قوله إنسان».
وإليك على سبيل المثال حديث وفادة الأبيوردي الشاعر الشهير على سيف الدولة بالحلة لتعرف مبلغ حفاوة سيف الدولة بالأدباء:
حدث القاضي أبو سعيد محمد بن عبد الملك بن الحسن النديم: إن أفضل الدولة الأبيوردي لما قدم الحلة على سيف الدولة صدقة ممتدحاً له ولم يكن قبلها اجتمع به قط، خرج سيف الدولة لتلقيه. وكنت فيمن خرج، فشاهدت الأبيوردي راكباً في جماعة كثيرة من أتباعه منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاماً، ووراءه سيف مرفوع وبين يديه ثماني جنائب بالمراكب والسرفسادات الذهب.
وعددنا ثقله فكان على واحد وثلاثين بغلاً، وكان مهيباً محترماً جليلاً معظماً لا يخاطب إلا بمولانا. فرحب به سيف الدولة وأظهر له من البر والإكرام ما لم يعهد مثله في تلقي أحد ممن تلقاه وأمر بإنزاله وإكرامه والتوقر على القيام بمهامه وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد.
وكان الأبيوردي قد عزم على إنشاء سيف الدولة قصيدة منها:
وفي أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المنيرة والبدر
وفي يوم عينه. ولم يكن سيف الدولة أعد له بحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شعره، واعتذر إليه ووعده يوماً غير ذلك اليوم ليعد ما يليق بمثله إجازته مما يحسن به بين الناس ذكره ويبقى على ممر الأيام أثره. فاعتقد أفضل الدولة أن سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استنكاراً لما يريد أن يصله به ثانياً فأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقاً في دفعات، وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب بن حبش فإنه سمعه ينشد على شاطئ الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة، فقال له: رأيت على شاطئ الفرات فارساً يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات. فقال سيف الدولة: وأبيك ما هو إلا الأبيوردي فركب في قل من عسكره فلحقه فاعتذر إليه وسأله الرجوع إلى داره معه وحمل إليه ألف دينار، ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
ولجلالة قدره وتقديره للأدب أهدى إليه أبو يعلى ابن الهبارية الأديب المعدود والشاعر المجيد كتاب (الصادح والباغم) نظمه على أسلوب كليلة ودمنة، وهو أراجيز، وعدد أبياته ألفا بيت نظمها في عشر سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة وسير الكتاب على يد ولده وختمه بهذه الأبيات:
هذا كتاب حسن
تحار فيه الفطن
أنفقت فيه مدة
عشر سنين عدة
بيوته ألفان
جميعها معان
لو ظل كل شاعر
وناظم وناثر
كعمر نوح التالد
في نظم بيت واحد
من مثله لما قدر
ما كل من قال شعر
أنفذته مع ولدي
بل مهجتي وكبدي
وأنت عند ظني
أهل لكل من
وقد طوى إليكا
توكلاً عليكا
مشقة شديدة
وشقة بعيدة
ولو تركت جيت
سعياً وما ونيت
إن الفخار والعلا
إرثك من دون الملا
فأجزل عطيته وأسنى جائزته.
ويقول ابن الهبارية في كتاب (الصادح والباغم) الذي أهداه لصدقة سيف الدولة:
ولم تزل حلته ملاذاً
لكل من يهرب من بغدادا
يقصدها الملوك والخلائف
وجائع ذو فاقة وخائف
فيشبع الجائع في ذراها
ويأمن الخائف في حماها
* * *
يا ليتني سكنت تلك الحلة
بين شموس المجد والأهلة
* * *
في خير ضيف خير مرتجى
ملك يعز عنده أهل الحجا
كان سيف الدولة يتذوق الشعر ويميز بين غثه وسمينه إذ كانت له حاسة شعرية مرهفة. وإليك الحادثة التالية لتعرف مبلغ تذوقه للشعر الجيد:
اتفق حضور الشاعر السنبسي ومقدار المطاميري([568]) عند سيف الدولة بالحلة فأنشد السنبسي هذه الأبيات:
فوالله ما أنسى عشية ودعوا
ونحن عجال بين ساع وراجع
وقد سلمت بالطرف منها فلم يكن
من الرد إلا رجعنا بالأصابع
وعندنا وقد روى السلام قلوبنا
ولم يجر منا في خروق المسامع
ولم يعلم الواشون ما دار بيننا
من السر إلا عبرة في المدامع
فطرب لها سيف الدولة، ولم يرضها المطاميري، فقال له سيف الدولة: ويلك يا مقيدير ما عندك في هذه الأبيات؟ فقال: أقول في هذه الساعة بديعاً أجود منها، قال سيف الدولة: إن خرجت من عهدة دعواك، وإلا ضربت عنقك فأنشد مقدار ارتجالاً:
ولما تناجوا بالفراق غدية
رموا كل قلب مطمئن برائع
وقفنا فمبد أنة إثر أنة
تقوّم بالأنفاس عوج الأضالع
مواقف تدمي كل عشواء ثرة
صدوق الكرى إنسانها غير هاجع
أمنا بها الواشين أن يلهجوا بنا
فلم نتهم إلا وشاة المدامع
فازداد سيف الدولة استحساناً لهذه واستدناه منه وأكرمه وجعله من ندمائه.
والمزيديون أمراء الحلة ومؤسسوها، كما نبغ فيهم جماعة في قيادة الجيوش وسياسة الملك نبغ فيهم كذلك جماعة في الآداب والعلوم وبقي اسم هذه الأسرة لامعاً حتى أواخر القرن التاسع الهجري ثم اختفى ذكرهم ودخلوا في غمار الناس.
قد ترجمت لجماعة منهم فيما تقدم وسأترجم في هذا القسم لجماعة آخرين منهم ممن أبدى نشاطاً فكرياً في الأدب والعلم.
1 ـ بدران بن سيف الدولة:
قال فيه العماد الأصبهاني في الخريدة: شمس الدولة بدران بن صدقة بن منصور الأسدي أبو النجم شمس العلى وبدر الندى، فبدران لحسن منظره وطيب مخبره بدران، ولعلمه وجوده بحران، تغرب بعد أن نكب والده وتفرقت في البلاد مقاصده، فكان برهة بالشام يشيم بارقة السعادة من الأيام وآونة ورد بلاد مصر فأولاده كانوا بها لهذا العهد، وعادوا بأجمعهم إلى مدينة السلام وظهر عليهم أثر الإعدام، وتوفي بمصر سنة ثلاثين وخمسمائة وله شعر ما له من جودته سعر، وقيمة ما لها من قيمة.
له:
لا والذي قصد الحجيج على
بزل وما يقطعن من جدد
لا كنت بالراضي بمنقصة
يوماً وإلا لست من أسد
لاقلقلن العين دامية إلا
خفاف من بلد إلى بلد
إما يقال سعى فأحرزها
أو أن يقال مضى ولم يعد
وله:
وغريرة ونحن على منى
والليل أنجمه الشوابك ميل
زعم العواذل إن مللت وصالنا
والصبر منك على الجفاء دليل
فأجبتها ومدامعي منهلة
والقلب في أسر الهوى مكبول
كذب الوشاة عليَّ فيما شنعوا
غيري يمل وغيرك المملول
وله وهو بمصر وقد ذكر المغني المعروف بالكميت:
اشرب اليوم من عقار كميت
واسقنيها على غناء الكميت
ثم اسق النديم حتى تراه
وهو حي من الكميت كميت
جاء في وفيات الأعيان: (إن بدران أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه:
ألا قل لمنصور وقل لمسيب
وقل لدبيس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه
إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فكتب دبيس إليه:
ألا قل لبدران الذي حن نازحاً
إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما
عذار الأماني بالهجوم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة
وللأرض من كأس الكرام نصيب
2 ـ الأمير مزيد الحلي المزيدي:
هو الأمير مزيد بن صفوان بن الحسن بن منصور بهاء الدولة. نشأ في بيت أثيل، كانت له الإمارة والكلمة النافذة في العراق. كان الأمير مزيد شاعراً مجيداً مكثراً من الوصف والغزل والنسيب والتغني بالخمرة ووصف مجالس الشراب والاشتياق للندمان ووصف الطلول والمناجاة، ومن استعراض قصائده تلاحظ أنها تمتاز بالقوة والجزالة والرقة والسلامة كما تدل على أنه شاعر مطبوع مرهف الحس رقيق الشعور وأنه شاعر صادق العاطفة يعبر عن ألم دفين وحزن كمين سببه فراقه بلده الجامعين وذكرى ما كان له فيها من مجالس أنس وطرب وحب جامع.
من شعره قوله:
ومرابع بالجامعين عهدتها
تزهو بغيلان لها وجآذر
أيام كنت أجر في روض الصبا
ردفي بين رفارف وعباقر
من كل فاتنة اللحاظ إذا رنت
يا للرجال من اللحاظ الفاتر
بيضاء كاملة المحاسن كاعب
تختال بين خلاخل وأساور
أخذت من الضدين ما عرفا به
من فاحم جثل وأبيض زاهر
فمن الصباح لها ابيضاض معاصم
ومن الظلام لها اسوداد غدائر
ومن شعره قصيدة جاء بها على ذكر الأحباب والحنين للديار والبكاء على ذكر الأصحاب منها:
إلى كم ألوم النفس عند أذكارهم
وحتام أخفي ما ألاقي وأكتم
وفي كبدي للبنين نات ومخلب
وحولي ذئاب للحوادث حوم
وكم ليلة قضيت فيها مآربي
أعانق رباب الخدور وألثم
له ستون قصيدة جمعها الأديب السوري عادل ناصر من مصادر إسماعيلية مخطوطة متفرقة([569]).
3 ـ الشيخ جمال الدين أحمد المزيدي:
هو الشيخ جمال الدين أحمد بن يحيى المزيدي، كان فقيهاً يروي عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ويروي عنه والده الشيخ رضي الدين علي المزيدي.
4 ـ رضي الدين علي المزيدي:
هو الشيخ رضي الدين علي أبو الحسن بن جمال الدين أحمد بن يحيى المزيدي كان أديباً فاضلاً فقيهاً محققاً مذكوراً في إجازات العلماء كان من أكابر تلامذة العلاّمة الحلي ومن في طبقته وله الرواية عنه وعن تقي الدين الحسين بن داود الحلي والسيد الإمام العلاّمة صفي الدين محمد بن معد الموسوي، ويروي عنه الشهيد الأول، وقد اختص بالرواية عن والده الشيخ جمال الدين أحمد عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلي وعن الفقيه جمال الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القبيني عن نجيب الدين بن نما الحلي عن أبيه هبة الله بن نما عن الحسين بن محمد طمان عن أبي علي بن الشيخ الطوسي عن أبيه. توفي غروب يوم عرفة سنة 757هـ ودفن في النجف الأشرف.
5 ـ الشيخ علي بن منصور بن الحسين المزيدي:
كان فاضلاً فقيهاً معاصراً للشيخ أحمد بن فهد الحلي. ذكر صاحب الرياض: أنه كان حياً في سنة 877 لأنه وجد كتباً كانت بخطه في هذا التاريخ.
يوسف كركوش
المسائل الرسية الأولى
للشريف المرتضى
رسالة مخطوطة تشتمل على ثمانٍ وعشرين مسألة. عدد صفحاتها 24 صحيفة، كل صحيفة تحتوي على 21 سطراً.
سأله عنها «أبو الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي». والسائل فيما وصفه «ابن إدريس»، وفيما تنطق به أسئلته، عالم مدقق، فقيه حاذق، ملزم لخصمه، محتج عليه، بما لا يكاد ينقصي منه إلا من كان في مثل درجة السيد، وهو كذلك فيما يبدو من تقدير «الشريف المرتضى» له، وثنائه عليه. ألَّفها سنة 428.
وهي تشتمل على مسائل فقهية وكلامية، أحال فيها السيد على كتابه «مسائل في أُصول الفقه» وعلى كتابه «المسائل والمطلبيّات».
وترجع أهميتها إلى أنها تؤرّخ آخر فتاوى الشريف في الفقه وآرائه في الكلام.
المسائل الرسية الثانية:
وردت بعد الأولى من «أبي الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي»، فألحقها الشريف بها. وهي خمس مسائل في أربع صحائف، كل صحيفة 22 سطراً كل سطراً 28 كلمة. الأُوّل منها فقهية، والأخريات، مزيج من الفقه والكلام.
وتعود أهميتها إلى أنها صور من التقاء الفقه والكلام على ألسنة المتفقهين المتكلمين، وإلى أنها من أواخر ما ألّف السيد، فهي تمثل أواخر آرائه.
المسائل الطرابلسية الثانية
للشريف المرتضى
لم نجد نسخة للمسائل الطرابلسية الأولى، ولكن الشريف أحال عليها في المسائل الطرابلسية الثانية مما يدل على أن هناك مسائل طرابلسية أولى. وهي رسالة صغيرة، ألّفها «المرتضى» إجابة عن أسئلة وردت عليه من الشيخ «أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني».
والرسالة تتناول أصول المذهب الشيعي وما يؤخذ عليه من مآخذ ردّ عليها الشريف.
وقد أحال فيها على كتابيه «المقنع في الغيبة» و«الشافي في الإمامة».
المسائل الفلسفية والأجوبة عنها
كتاب للفارابي يشتمل على اثنين وأربعين مسألة سئل عنها الفارابي وأجاب باختصار عنها. ويظهر أن مدوّن هذا الكتاب كان أحد تلاميذ الفارابي.
طبعاته:
ـ طبعة ليدن 1890م (في الثمرة المرضية).
ـ طبعة القاهرة 1907م (في المجموع للمعلم الثاني).
ـ طبعة حيدر آباد 1931م.
ـ طبعة بومباي 1937م.
«ديتريشي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الألمانية، وطبعها عام 1892م.
«حلمي ضياء أولكن وقوام الدين بورسلان» ترجما المتن الكامل لهذه الرسالة إلى اللغة التركية.
المسائل الطرابلسية الثالثة
رسالة مخطوطة تشتمل على ثلاث وعشرين مسألة وردت من الشيخ أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأبّاني عام 427. فأجاب عنها الشريف، ويبدو من روح الأسئلة أن سائلها شيعي، يودّ إيضاح ما في نفسه من مشاكل كلامية، تتعلق بالمذهب، مثل معنى كون الله مدركاً للأشياء، ومعنى كون القرآن نزل جملةً واحدة، ومعنى حياة الشهداء بعد الموت، وأخبار الكهان ومدى صحتها.
وأهمية الرسالة تعود إلى تصوير التطلّع والتوثب الذهني الذي لازم الشيعة في القرن الرابع، وإلى تنصيص شريف على وجوب الحذر من قبول أحاديث «كتاب الكافي» للكليني، في حين أنه من الأصول الأربعة للحديث عند الشيعة. وقد أحال السيد فيها على ما يأتي من كتبه: «الملخص»، «الذخيرة»، «تنزيه الأنبياء».
المسؤولية
المسؤولية مصطلح علمي حديث يعني الالتزام الفردي والالتزام الاجتماعي.
وتنقسم إلى:
1 ـ المسؤولية الفردية، وقد تسمى المسؤولية الخلفية، وتُبحث ـ عادة ـ في علم الأخلاق، وبخاصة الحديث منه.
ويراد بها من جانب: التزامُ الفرد بما فرضه عليه الشرع، أو ألزمه به القانون.
ومن جانبٍ آخر: التزام الفرد بما يصدر عنه من قول أو فعل.
2 ـ المسؤولية الاجتماعية، وتُبحث ـ عادة ـ في علم الاجتماع.
ويراد بها: الالتزام المتبادل بين الأفراد بعضهم البعض، وبين الفرد والمجتمع بأداء الحق والقيام بالواجب.
وبإمكاننا أن نضيف إلى هذين القسمين قسماً آخر، هو ـ في الواقع ـ وجه آخر من وجوه المسؤولية الفردية، وأن نطلق عليها اسم المسؤولية الشرعية الأُخروية.
ونعني بذلك أن الإنسان المكلف شرعاً، عليه أن يقوم يوم الحساب في الآخرة بالإجابة عن كل سؤال يوجه إليه، عن مدى قيامه بالتزاماته الشرعية في الدنيا.
وهو ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.
وهذه المسؤولية ـ في واقعها ـ هي تقديم كشف حسابي بمدى خروج الإنسان المكلف من عهدة مسؤوليته الفردية، وعهده مسؤوليته الاجتماعية، فهي تغطية حسابية شاملة لكل مسؤوليات الإنسان المكلف الشرعية.
من هذا المنطلق علينا أن نعلم أننا مسؤولون أمام الله تعالى عن تكوين شخصياتنا تكويناً إسلامياً وفق تعليمات التربية الشرعية، وتطبيق الأحكام الشرعية تجاه أنفسنا كأفراد وتجاه مجتمعاتنا.
والمسؤولية الاجتماعية تعني ولاية المؤمن للمؤمن (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنتكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله وأولئك سيرحمهم الله أن الله عزيز حكيم).
وكذلك تعني رعاية الفرد للفرد الآخر، وللمجتمع ككل (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
ومن هنا:
فليس التدين هو القيام بالواجبات العبادية المعروفة كالصلاة والصوم والحج ودفع الزكاة والخمس فقط.
لأن شريحة كبيرة من هذه تدخل ضمن المسؤولية الفردية.
والمسؤولية الفردية هي إحدى عناصر الالتزام الشرعي الذي تضفي على المكلف صفة التدين، ومن ثم صفة العدالة.
وعندما لا يتم الالتزام الشرعي بتوفر المكلف على كل عناصره لا يمكننا أن نعد ـ من ناحية شرعية ـ ذلك المكلف الذي التزم بجانب وأهمل الآخر متديناً، وعادلاً.
إذاً، لا بد من الالتزام بالجانب الآخر، وهو المسؤولية الاجتماعية، يستكمل المكلف عناصر الالتزام الشرعي، فيدخل في قائمة المؤمنين العدول.
وفي هدي هذا : يكون إعداد الوسائل الكفيلة بالنهوض بالأفراد والمجتمعات واجبة علينا، وهي أمثال:
ـ التعليم.
ـ التربية.
ـ الصحة.
ـ التعاون.
ـ التكافل.
ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكل هذه هي من الإلزامات الشرعية التي أوجبها القرآن الكريم:
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾.
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين﴾.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
المستمسك بحبل آل الرسول
لابن أبي عقيل
إِبْنُ أبي عَقيل هو أبو محمد الحسن بن علي الحذاء العماني، أو العمَّاني، المحدّث والفقيه والمتكلم في القرن 4هـ/ 10م. لا تتوفّر معلومات على تاريخ ولادته ووفاته ونظراً لكون ابن قولويه قد روى عنه، فلا بد من القول بأنّه كان في طبقة الكليني (260 ـ 329هـ/ 874 ـ 941م).
وقد حظي كتابه بالشهرة وكان الخراسانيون يبحثون عنه ويشترونه عندما كانوا يجتازون العراق في طريقهم إلى الحج.
وله كتاب الكرّ والفرّ في الإمامة.
ويرى بعضهم أنه أول فقيه شيعي هذّب الفقه واستخدم النظرة الاجتهادية وفصل بحث الأصول عن الفروع. وقد لفتت آراء ابن أبي عقيل الفقهية انتباه معظم الفقهاء الشيعة مثل: ابن إدريس الحلي في السرائر، والمحقق الحلي في المعتبر، والعلامة الحلي في المختلف.
مستند الشيعة في أحكام الشريعة
تأليف: الشيخ أحمد النراقي (1185 ـ 1245هـ).
من أهمّ الكتب المصنّفة في الفقه الاستدلالي، يشتمل على جلّ المسائل الفقهية، والأحكام الفرعية المتعلّقة بها، يذكر أدلّة كلّ مسألة ثم إيراد الإشكال والردّ على المخالف منه، مع بيان تعارض الآراء والأقوال المختلفة للعلماء فيها.
مسجد دامغان
يعتبر مسجد (تاريخانه) في «دامغان» بإيران أقدم بناء إسلامي يحافظ على بنائه الأصلي. وهو مشيّد على الطراز الساساني، ويبدو أنه نجا من زلازل القرنين الثالث والرابع للهجرة، وبقي محافظاً على تصميمه باستثناء بعض التغيرات الطفيفة التي أُجريت على باحته الداخلية.
وليس ثمة كتابة جدارية في مسجد «تاريخانه» (الذي يسمى أيضاً مسجد جهل ستون وخانه خدا) تبيّن تاريخ بنائه، ولكن الظاهر من طرازه أنه بُني قبل عام 200 للهجرة، فآرثور بوب يرى أنّ بناءه يعود إلى القرن الثامن الميلادي، بينما يرى مهدي فرشاد عام 760م، الموافق لعام 143هـ تاريخاً للانتهاء من تشييد هذا المسجد.
أما المؤرّخ الدكتور الموسوي فيجعل تاريخه يتراوح بين عامي 136 و158 للهجرة، ويقفز اعتماد السلطنة بهذا التاريخ إلى زمن خلافة الإمام علي عليه السلام في القرن الأول للهجرة.
ومما يضفي أهمية على هذا البناء التاريخي المهم اقتران طراز البناء العربي بالطراز الساساني، ولعل من أهم مظاهر البناء الإيراني التقليدي تتجلى بالطيقان القائمة على الأعمدة التي تنتظم بمحاذاة الباحة الخارجية للمسجد مشكلة ما يشبه الإيوانات الساسانية. وأعمدة المسجد تشبه بقطرها وحجمها أعمدة القصر الأثري في تلة «دامغان»، مما يؤكد استمرار طراز البناء الساساني في عهد ما بعد الإسلام. وفي الوقت ذاته ثمة مؤشرات على أن هذا المسجد كان زمن فتح المسلمين لإيران معبداً مجوسياً، ثم تحول إلى مسجد، وأجريت عليه تعديلات في القرن الثاني الهجري.
وإذا صدقت هذه المؤشرات يكون معبد النار في «دامغان» الذي ذكره المسعودي في معرض ذكره لمعابد النار المعروفة في إيران، وأبرزها معبد (قومس) المعروف باسم (جريش) الذي كان موجوداً في عهد الاسكندر، هو مسجد (تاريخانه) ذاته، ولكن الخبراء يرون أن هذا المسجد هو أول بناء شُيِّد في إيران على أساس أن يكون مسجداً دون أن تكون له علاقة بمعابد المجوس.
يتكوّن المسجد، بصورة أساسية، من باحة داخلية مربعة الأضلاع تقريباً، بطول 27 متراً وعرض 26 متراً، تحيط به طيقان من الآجر، تقوم على أعمدة بارتفاع 3 أمتار، وقطر يتراوح بين 1,5 ومترين، وثمة طاق كبير أوسع وأعلى من الطبقات الأخرى، ينتصب باتجاه القبلة ويقع المحراب خلفه، وإلى جوار المحراب يوجد منبر الوعظ.
ورغم بساطة البناء واقتصاره على ما يلزم من الاعمال العبادية، فإنه يمثّل نموذجاً لجمال البناء القديم، مجسّداً في بناء إسلامي، مشيَّداً بمواد البناء التي كانت تستخدم في العهد الساساني. ويشكل اللبن الجزء الأكبر من مواد البناء، ويلاحظ أيضاً قليل من الآجر والخشب، من هنا يعتبر المبنى مظهراً للبساطة، ومظهراً في الوقت ذاته للمهارة في استخدام مواد البناء وترتيبها في نظام أبقى المسجد شامخاً على تعاقب العصور.
مسجد الضرار
﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ [سورة التوبة، آية: 107].
بعد أن جاء نصر الله والفتح، ودخل المسلمون مكة ظافرين في السنة الثامنة للهجرة، أصبح الإسلام قوة كبرى في المنطقة، ولقد أزعجت الانتصارات الإسلامية المتلاحقة الدولتين العظميين ـ آنذاك ـ الرومية والفارسية، ولهذا أخذتا تخططان للقضاء على القوة الإسلامية الثالثة المنافسة التي ظهرت على المسرح السياسي العالمي.
من هذا المنطق شرع ملك الروم «هرقل» يهيئ جيشاً جراراً لغزو المسلمين والقضاء على قوتهم المتنامية يوماً بعد يوم، واستطاع الروم أن يوجدوا لهم قوة في أحضان الدولة الإسلامية تُخذَّل المسلمين وتمزقهم من الداخل.
وبدأ هؤلاء المنافقون يبثون الإشاعات التي تصف قوة الروم الأسطورية من أجل تثبيط العزائم والهمم كجزء من الحرب النفسية، وراحوا يثيرون البلبلة في صفوف المجاهدين، وانطلقت أراجيفهم تملأ البيوت والشوارع والساحات في المدينة:
﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ [سورة التوبة، آية: 81].
«إن بني الأصفر قادمون».
ولم تفل كل تلك الإشاعات في عزم المؤمنين المجاهدين الذين لبوا داعي الحرب والجهاد والقتال، وهم يرون القيادة الإسلامية تجهز وتعبئ، لخوض المعركة.
لقد عقد المنافقون الآمال الكبيرة والأماني العريضة على المعركة القادمة، التي تصوروا أنها ستكون حاسمة، يسقط فيها المسلمون، ولن تقوم لهم بعد اليوم قائمة.
ولهذا فإنهم أسرعوا للاتصال سراً بملك الروم ليقوموا بدورهم التخريبي في الداخل خير قيام.
كان رجل الاتصال بينهم وبين الروم أبا عامر الراهب، ذلك الذي ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فصار له شرف وسيادة في الخزرج، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة واجتمع حول قيادته المسلمون وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شرق أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فاراً إلى مكة مؤلباً المشركين على حرب المسلمين، ولما استيأس منهم، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده ومنّاه، وأقام عنده.
ومن هناك كتب إلى المنافقين في المدينة يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه! وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
وجاء الأسلوب النفاقي هذه المرة ماكراً، لتحقيق أهدافهم في تمزيق الساحة الإسلامية وضرب الإسلام باسم الإسلام:
أن يبنوا مسجداً مقابل مسجد قُباء الذي خطّه وأسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل إلى قرية قباء، الواقعة على بعد ميلين من المدينة وبقي فيها أياماً ينتظر مقدم علي عليه السلام. «وقد أقام علي عليه السلام، بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس».
ولقد عاشت قباء أيامها التاريخية وهي ترى مسجدها المبارك الذي صار مركزاً للمؤمنين ومدرسة لتعليم القرآن الكريم وقاعدة للوحدة وجمع شمل المخلصين، ولهذا فقد أصر أهلها على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقيم عندهم، وقالوا: «أقم عندنا يا رسول الله فإنّا أهل الجد والجلد والحلقة (السلاح) والمنعة».
وكان مسجد قباء هو المسجد الأول الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته، وقبل وصوله إلى المدينة.
ولهذا فقد كان اختيار المنافقين للموقع دقيقاً ومدروساً قُبالة مسجد قباء، ليكون مركزاً لإقامة التكتلات، وإثارة الفرقة والاختلافات.
وبعث أبو عامر الفاسق ـ كما كان يلقبه الرسول صلى الله عليه وسلم. برسائله إليهم يحثهم على الإسراع في إتمام البناء وبذل أقصى الجهود من أجل إقامته بأروع صورة وأحسن بنيان! ليكون لهم معقلاً ومرصداً، وأكّد وعوده بالذهاب إلى قيصر الروم ليحرضه على إرسال جيش جرار إلى المدينة.
وقبل أن ينطلق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فرغ المنافقون من بناء مسجدهم، فجاؤوا إليه بخمسة رجال، منهم مُعتِّب بن قشير، وثعلبة بن حاطب … مظهرين حرصهم على الإسلام والمسلمين، واهتمامهم الكبير في توعية الساحة على نهج القرآن، جاؤوا وشفاههم تهمهم بالدعاء والتسبيح، ووقفوا أمامه في خشوع وخضوع ليقولوا له بكل رفق وحرص ولين:
«يا رسول الله، إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، وإنا نحب ـ يا رسول الله ـ أن تأتينا فتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة»!!.
ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم يتفكر في كلام هؤلاء الذين لا تخفى عليه أساليبهم وتحركاتهم، ولكنه وقف يستمع إلى حديثهم رغم انشغاله بتجهيز الجيش الإسلامي للخروج إلى تبوك فقال لهم: «إنا على جناح سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله».
وفرح المنافقون بوعد الرسول لهم بالصلاة في مسجدهم، وراحوا ينتظرون قدومه على أحر من الجمر.
وانطلق المجاهدون بقيادة الرسول لمواجهة أكبر قوة في العالم آنذاك، يغذّون السير رغم بُعد الشقة، وحرارة الجو اللاهبة، وقلّة الزاد والماء، حتى سمى القرآن الكريم ذلك بـ «ساعة العُسرة» وعُرف ذلك الجيش الإسلامي الزاحف بـ «جيش العسرة».
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [سورة التوبة، آية: 117].
ولما بلغ الروم مسيرة الركب الإسلامي القادم إليهم، وما هو عليه من القوة والبأس والعزم والتصميم لخوض المعركة مهما كانت النتائج والعواقب، آثروا الانسحاب إلى الداخل حيث استقر قائدهم هِرَقل وجيشه في حمص.
وقفل الرسول صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة، وقبل أن يصلها بساعات، نزل عليه الوحي الأمين بقوله تعالى:
﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ وحذّره من أن يصلي فيه: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾.
ثم بيَّن الفارق بين المسجدين، ومصير كل منهما:
﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم﴾ [سورة التوبة، الآيتان: 109 ـ 110].
على الفور، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين من الصحابة وأمرهما بهدم ذلك المسجد وحرقه قائلاً لهما: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه».
وانطلق الصحابيان مسرعين فأضرما النار في نباته، فهوى مهدماً، وأمكن لمن كانوا فيه من جماعة النفاق أن يفروا خائبين خاسرين.
ونلتقي مع الدروس الكبيرة والدلالات العميقة للآيات المباركة وقصتها، ولعل من أهمها:
لماذا يتخذ المنافقون المساجد منطلقاً لمؤامراتهم ومكائدهم؟.
والجواب على ذلك يتصل بطبيعة النفاق وحركته التي تريد أن تضرب الإسلام باسم الإسلام، وتمزق الصف الإيماني تحت شعارات الوحدة والاتحاد، وتمرر المؤامرات من خلال اعتماد المؤسسات الإسلامية.
وليس هناك أكثر قدسية في قلوب المسلمين من المساجد التي هي بيوت الله عز وجل، والتي يعتبرها المسلمون المخلصون مركزاً لوحدتهم ومنطلقاً لجهادهم ومدرسة لوعيهم وفهمهم، وساحة لجمع صفوفهم وتألف قلوبهم.
وبذلك يستطيع المنافقون أن يكسبوا الثقة الكبيرة بأعمالهم ومكائدهم، ويجعلوا الكثيرين من الذين لا يملكون الوعي جنوداً أوفياء لتنفيذ مخططاتهم.
ولقد أراد هؤلاء أن يكسبوا الشرعية بصورة أكبر من خلال مباركة الرسول صلى الله عليه وسلم لمسجدهم وصلاته فيه حتى لا يبقى مجال للشك في نواياهم. ولذا جاؤوا إليه ملحّين على أن يصلي فيه بقولهم:
«وإنا نحب ـ يا رسول الله ـ أن تأتينا فتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة» أو «ونحن نحب أن تأتينا فتصلي بنا فيه».
ولكن الرسول رفض لأن إجابة الرسول طلبهم يضفي الشرعية على تحركهم، ويتخذون من إقامته فيه غطاءً لتمرير مخططاتهم وألاعيبهم.
إن مسجد الضرار يذكرنا بمكيدة رفع المصاحف في صفين وشعار (لا حكم إلاّ الله) …. وانطلت تلك اللعبة على أولئك السذّج من المتدينين الذين لا يملكون الوعي في تمييز كلمات الحق التي يُراد بها باطل من كلمات الحق التي يراد بها حق، فوقفوا بوجه علي عليه السلام معلنين رفضهم لاستمرار الحرب في الوقت الذي أشرف فيه جيش علي عليه السلام بقيادة مالك الأشتر على النصر النهائي، ولم تنفع كل صرخات أمير المؤمنين بقوله:
«إنها كلمة حق يراد بها باطل وما رفعوها إلا خدعة ومكيدة». لقد استغل أولئك قدسية المسجد بينما استغل معاوية قدسية القرآن فرفعوه على رؤوس الرماح.
قيل للصحابي عاصم بن عدي: لِمَ أراد المنافقون بناء مسجدهم؟ قال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم فشقَّ ذلك عليهم وأرادوا مسجداً يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلاَّ من يريدون ممن هو على مثل رأيهم.
ونلتقي مع مساجد الضرار في كل مسجد أو مؤسسة تتخذ من الإسلام شعارها من أجل تحقيق الأهداف الخبيثة.
وقد قال الشهيد سيد قطب في تفسيره (في ظلال القرآن):
«هذا المسجد ما زال يُتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين تتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترّس وراءها وهي ترمي هذا الدين! وتُتّخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام بصورة مشوهة».
مالك الموسوي
مسرقان (نهر)
يبدو أن أول مرة ورد فيها اسم (مسرقان) كان في بندهشن النهلوي حيث عدّه من أنهار إيران، ثم ورد ذكره في كتاب (حدود العالم) مرتين الأولى حينما تحدث عن أنهار ولاية خوزستان، والثانية حينما تحدث عن خوزستان ووصفها بأنها خضراء وفيها اشجار نخيل تنتج تموراً جيدة.
كما ورد ذكره في كتب الإصطخري وابن حوقل وغيرهما من الجغرافيين المسلمين ووصفوها بمثل الوصف السابق. كما أن ياقوت الحموي تحدث عن نهر (مسرقان) في كتابه معجم البلدان.
كما ورد ذكره في مؤلفات الرحالة والمستشرقين الأوروبيين ويبدو أن هذا النهر كان عامراً إلى نهايات القرن الخامس وبدايات القرن السادس الهجري، وقد تحدث عنه المستشرق الروسي الشهير (بارتولد) مفصلاً. وكان النهر يبدأ من مدينة (تستر) ويصل إلى مدينة الأهواز وكان يمرّ بمدينة (عسكر مكرم) وبالقرب من هذه المدينة كان يصب في نهر كارون. وكان الالتقاء مع كارون في قرية خصبة تسمى (مسروقان)، وهذا النهر برغم التغييرات التي حصلت في مجراه فإنه لا زال جارياً في الجانب الشرقي من نهر كارون ويسمى بـ (كركر) أو (دودانكه) ويلتقي مع نهر كارون في منطقة (بندرقير) الواقعة على مسافة 45 كلم شمال شرق مدينة الأهواز.
ولم يشر الجغرافيون والمستشرقون إلى إدامة سير هذا النهر حتى البحر والخليج حيث ليس لدينا شواهد جغرافية وتاريخية على أن النهر كان يستمر من مبدأه حتى التقائه مع نهر كارون ثم إدامته بموازاة نهر كارون مروراً بمدينة الأهواز ورامهرمز حتى الخليج خاصة إذا لاحظنا كثرة الأنهار في هذه المنطقة حيث يتعذر معرفة مسير هذا النهر في القرون السابقة.
المهندس محمد علي مخبر
مسند الإمام علي عليه السلام
تأليف السيد حسن بن علي بن حسن القبانجي.
موسوعة حديثية كبيرة، تشتمل على ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام من نصوص وروايات وأحاديث نبوية شريفة وأقوال وآراء، وما أُثر من علمه وفقهه وفتاويه وأقضيته عليه السلام، وما سُجّل عنه من ألوان العطاء المشع والحكمة الهادية في مختلف مجالات الحياة … استغرق العمل فيها نحو 23 سنة، من سنة 1387هـ، ولغاية 1409هـ.
تمّ جمع هذه المرويات ـ دون تمييز الصحيح والحسن والضعيف منها ـ بعد التتبّع والاستقراء والتنقيب، واعتماداً على أوثق مصادر العامّة والخاصّة، ثمّ ترتيبها بشكل مباحث مقسّمة إلى أبواب والابواب تشتمل على عناوين شتّى تبعاً لاختلاف مضامينها، إذ فيها الأحكام والاحتجاجات والقضاء والنصائح والحكم، وغيرها من المفاهيم.
ضمّت الأجزاء الخمسة 42 مبحثاً هي: العقل والجهل، العلم والعلماء، الحديث وفضله، البدع والأهواء والقياس، التوحيد، الإيمان والكفر، القرآن وفضله، وفضائل بعض السور والآيات، ثمّ تفسير الآيات وتأويلها، الدعاء، والأحراز والعوذ، ثمّ الطهارة، الصلاة، المساجد، الصوم، والحجّ، ثمّ الخُمس، الزكاة، الصدقة، المرض وعيادة المريض، الوصيّة، الميت وأحواله، الميراث، الجهاد في سبيل الله، التقيّة، جهاد النفس، فعل المعروف، المر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناهي، ثمّ النكاح، حقوق الأولاد والآباء، الطلاق، العدّة وأحكامها، الإيلاء، الخلع والمبارات، اللعان، الظهار، العتق، الصيد، الذباحة، الأطعمة والأشربة، وأخيراً مبحث اللباس والتجمل.
المشعشعون
كان السيد محمد الموسوي بن فلاح الذي يرجع نسبه إلى محمد ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام يعد من فضلاء زمانه، ويذكر أنه سافر بإذن من أبيه من واسط في سن السابعة عشرة، ليحط رحاله في مدينة الحلة ويباشر بالدراسة في مدرسة ابن فهد (ت 841) وهو من كبار العلماء في عصره.
طفق السيد محمد يدرس ليلاً ونهاراً حتى بلغ المراتب العلمية ولفت انتباه أستاذه في فترة قصيرة، وكان أستاذه يأذن له بإلقاء الدرس في حال غيبته، ويكن له الحب ويعده من المقربين له.
بعد وفاة والد السيد محمد، تزوج أستاذه بوالدته وزوجّه ابنته، ثم سعى جاهداً في تربية صهره وتعليمه، وعندما اطمئن السيد محمد إلى قدرته على طي طريقه لوحده أعلن دعوته في الناس.
بداية الدعوة
ثمة آراء عديدة للمؤرخين حول دعوة السيد محمد، ويذهب بعض هؤلاء إلى المبالغة في أعماله العجيبة، وزعم البعض أنه ادّعى المهدوية وقال: سأظهر قريباً باسم إمام الزمان. وأكثر المؤرخين لا يذكرونه بالخير، لا سيما المؤرخين الإيرانيين والعثمانيين([570]).
وفي كتاب «تاريخ المشعشعين» ينقل السيد شبر في كتاب «تاريخ الغياثي»([571]) قوله:
«كان لابن فهد كتاب في العلوم الغريبة، وعندما حضرته الوفاة سلمه لغلامه وأمره بإلقائه في الماء، ولكن السيد خدعه وأخذ منه الكتاب، فكان يعمل بعض الأعمال الغريبة مستفيداً من القوانين الكيميائية والفيزيائية فجمع حوله العديد من أهالي خوزستان، وكان الناس يصدقون بكل شعوذة يقوم بها، وكان يلقن طلابه وأتباعه أذكاراً تقترن بذكر علي عليه السلام.
ويذكر أن أتباعه كانوا يقومون بأعمال غريبة، فمثلاً يدخلون السيوف في بطونهم ويخرجونها دون أن يحسوا بألم (وهو نفس العمل الذي يقوم به الدراويش في كردستان إيران)، أو يلقون بشيء ثقيل في نهر عميق حتى إذا بلغ العمق ورسى في القعر أخذوا يقرؤون أذكارهم فيعود هذا الشيء الثقيل ليطفو على سطح الماء، ثم أخذت هذه الشعوذة تزداد باستمرار، حتى أعلن ظهوره باسم (المهدي) في عام 828هـ([572]).
وعمت دعوته جميع أنحاء خوزستان ومدنها المهمة مثل شوشتر والحويزة ودزفول.
وينقل عباس العزاوي في كتابه «العراق بين احتلالين»([573]) أن تاريخ الغياثي ذكر تفاصيل هذه الدعوة من بدايتها وحدد عام 820 تاريخاً لانطلاقها.
وكان السيد محمد يقول بأنه سيظهر باسم المهدي، فبلغ قول هذا مسامع أستاذه، فأنكر عليه ذلك وعنفه ووعظه. ويُنقل أن السيد محمد كان جامعاً للعلوم المعقولة والمنقولة ومن أهل الرياضة. ومن رياضاته: بقاؤه في مسجد الكوفة لعام كامل وكان خلاله يكتفي بالنزر القليل من طحين الشعير.
ثم بدأت دعوته في عام 840، وفي ذلك الوقت أصدر ابن فهد أمره بقتله، وبعث برسالتين إلى الأمير منصور بن قبان بن إدريس العبادي، أمير واسط، يبيح فيهما دمه ويحث الوالي على قتله، وعندما بلغت هاتان الرسالتان الوالي، أصدر أوامره بإلقاء القبض عليه وكان عازماً على قتله، فصار يدافع عن نفسه ويقول: إنا سني وصوفي وهم شيعة وأعدائي ويريدون قتلي، ثم أخرج القرآن وأقسم للأمير حتى يطمئن وما زال في أقواله هذه حتى فك الأمير المنصور عنه قيوده وأطلق سراحه.
وعندما نجا من الموت، أسرع إلى ديار «المعادي» حيث كان أهلها أول أتباعه، وكان لذلك وقع حسن في نفسه، ثم أخذت العشائر تلتحق به باستمرار ومنها قبيلة (الرزان السودان) ([574]).
عندما بلغت هذه الأخبار حكومة المنطقة، باشرت بقتل العديد منهم وأسرت آخرين. وقعت هذه الحادثة في أوائل عام 844هـ، «فاضطر السيد محمد إلى العودة إلى موطنه الأصلي في الثبق ثم ذهب إلى الدوب حيث كانت طائفة المعادي تسكن هناك ما بين دجلة والحويزة واستقر في هذا المكان.
كانت هذه خلاصة مما نقله عباس الغزاوي عن كتاب مجموعة الأنوار([575]) وتاريخ الغياثي.
ثمة مواضيع وردت في كتاب تحفة الأزهار بخصوص السيد محمد وهي تختلف عن التواريخ التي نقلناها. وفي «شجرة شب» ورد الحديث عن السيد وبعض حالاته، ومنها ما يلي: عندما توفي والده فلاح، تزوج الشيخ أحمد بن فهد من والدته وسعى في تربيته، ثم زوجه من إحدى بناته، وعندما حضرت الشيخ أحمد الوفاة وأحس بدنو أجله، أعطى لإحدى جواريه كتاباً لتلقي به في نهر الفرات، وكان هذا الكتاب مجموعة من الأسرار الغريبة والتعاليم المدهشة. فحال السيد محمد دون رمي الكتاب، وأخذه ثم أسرع إلى قبيلة خفاجة.
وارتاب الشيخ بالأمر لفراسته، فسأل عن الكتاب، فقالت له الجارية بأنها ألقت به في النهر. فقال لها الشيخ: ولكني لم أر شيئاً، لأن الكتاب إذا ما ألقي به في الماء فسينبعث دخان كثيف من النهر إلى السماء. فصدقت الجارية هذا القول واعترفت بالحقيقة، بأنها أعطت الكتاب لمحمد بن فلاح، فبعث الشيخ إليه أحدهم، وعثر عليه هذا في عشيرة خفاجة، فطلب منه الكتاب، فأنكر محمد ذلك وقال بأن الشيخ قد استولى عليه مرضه فأخذ يهجر([576]).
وعندما خيم الليل، هرب السيد محمد إلى عشيرة المزيرعة، وطفق يقرأ الكتاب بكل شغف ورغبة، ثم ذهب من هناك إلى أصفهان ومن أصفهان إلى الحويزة، وأجرى هناك بعض الأعمال الغريبة، فصار الناس يسألونه عن اسمه، فيقول لهم إن اسمه هو محمد المهدي ثم يحث الناس أن يذهبوا ويخبروا غيرهم، فأخذ الناس يلتفون حوله شيئاً فشيئاً ويقبلون بدعوته وينفذون أوامره، وكانت بيوت الحويزة آنذاك من القصب وأهلها من المزارعين. وكان يأتي موظف في موسم الحصاد ليأخذ الحصة السنوية ويقفل راجعاً. فما كان من محمد بن فلاح إلا أن تصدى لذلك فأمر بصناعة السيوف من عظام الجاموس والاستعداد للحرب، ثم نشبت الحرب بين هاتين القبيلتين وانتهت بهزيمة عشيرة العبادي وانتصار أهل الحويزة ولاذ رئيس عشيرة العبادي بالفرار، فخضعت هذه المنطقة لسيطرة السيد محمد.
كان للسيد محمد خمسة أولاد هم: كرم الله، معتوق، علي، محسن، إبراهيم.
في بادئ الأمر عاد محمد إلى (الدوب) وترك ابنه علي وأصحابه في (ثبق ـ نازور) ومكث في هذا المكان إلى حين جاءه أمر أبيه بالسير إليه مع سائر الطوائف التي معه، وفي أثناء الطريق اصطدموا ببعض أفراد عشيرة المعادي، فنهبوا أموالاً كثيرة منهم وأسروا جماعة، فسر الأب لتقدم ابنه ثم أمر ببيع أملاك قبيلة المعادي من بقر وجاموس وشراء أسلحة بثمنها، فبيع كل رأس بقر بسيف وعشرة دراهم. حتى إذا أتم شراء السلاح تحرك نحو ناحية أبي شوال من قرى الحويزة، فوصلها في يوم الجمعة، السابع من رمضان عام 844 وصمد أهلها فلم يستسلموا فقُتل من أهل الحويزة والجزائر جمع كثير.
كان حاكم الجزائر في ذلك الوقت هو الأمير الفضل بن عليان النبعي الطائي وقد اختلف مع إخوانه فترك الجزائر ورحل إلى الحويزة، فاستقر في قرية أبي شوال واجتمع له عدد كبير من أهالي الجزائر وأجمعوا على نصرته فلم ير محمد الاستمرار في حربه ومن ثم عاد إلى الدوب، ولكنه لم يمض عليه وقت طويل حتى أصابهم القحط، فتوجه نحو كحسلا من أراضي واسط وكان في هذه المنطقة بعض عرب عبادة فصمدوا له؛ إذ نهض حاكم واسط الأمير محمد بن شاء الله بمن معه من أهالي المنطقة للدفاع ولكن لم يدم الدفاع طويلاً، حيث تمكّن السيد محمد من قتل ما يقارب الأربعين شخصاً ثم أغار على المنازل فسلب ما فيها ونهب كل ما وقعت يده عليه من مال، وهكذا أنقذ نفسه وأصحابه من الجوع والهلاك.
وقعت هذه الحادثة في الثالث عشر من شوال عام 844هـ، وبعد فترة قصيرة من هذا التاريخ تحرك السيد محمد صوب الجزائر، فوقع الخلاف بين أهلها، ثم توجه رئيسهم واسمه شمل إلى السيد محمد ودخل في طاعته فعينه هذا بدوره حاكماً على الجزائر ونتيجة لذلك ازداد الخلاف تأججاً. ثم هزم أهل واسط المشعشعين وقتلوا من أصحاب السيد محمد ثمانية أشخاص غير من قتل منهم هارباً.
عندما أدرك السيد محمد وأصحابه عجزهم وحاق بهم الجوع والقحط قرروا ترك الجزائر والرجوع إلى الحويزة، وكان تاريخ هذه الحادثة هو الأول من رمضان عام 845هـ، وحاكم الحويزة آنذاك هو الشيخ جلال الدين المعين من قبل حاكم شيراز وخوزستان السلطان عبد الله ابن ميرزا إبراهيم بن شاهرخ.
أحاط الشيخ جلال الدين أباه في شيراز بما يجري في منطقته، فبادر هذا بدوره إلى إخبار السلطان عبد الله، فما كان من الأخير إلا أن أرسل الأمير خداقلي برلاس إلى الحويزة ثم أرسل الشيخ أبو الخير لنصرته. ثم تهيأ جيش كبير من شوشتر ودزفول والدورق ومكث هذا الجيش في الحويزة شهراً، وكان السيد محمد آنذاك مستقراً في قرية أبي شوال وكان هو وأصحابه يصنعون ـ لشدة قحطهم ـ من جذوع النخل خبزاً ليأكلوا، وفي أثناء إقامة الشيخ أبي الخير في الحويزة قتل حاكم القيصرية السيد شهاب الدين ظلماً.
إثر ذلك ازداد ظن الناس تجاه الحكم المغولي سوءاً، وعندما بلغ الخبر السيد محمد، عد ذلك فرصة اغتنمها وسار بجيش قليل بعد أن أمر بدفع قطعان الجاموس خلفهم، ثم شنّ حملته على الشيخ أبي الخير، فلما رأى الأخير مقدمة الجيش حسبه جيش كبير فلاذ وأصحابه بالفرار دون حرب، فأعمل المشعشعون سيفهم في أهل الحويزة، وأحدثوا المجازر على ضفة نهر الحويزة واستولوا على قلعة المغول.
عندما بلغ هذا الأمر مسامع اسبند اسبان بن قرا يوسف التركماني حاكم بغداد، جمع جيشه وبعث به إلى الحويزة فاصطدم هذا الجيش بمقدمة جيش السيد محمد وهُزم المشعشعون.
اضطر السيد محمد بعد ذلك إلى ترك أرض الحويزة والانتقال إلى منطقة تدعى الطويلة. ثم دخل الأمير إسبند مدينة الحويزة ودخل معه جيشه، فصادروا جميع الأموال التي عثروا عليها ثم توجهوا صوب الطويلة وقتلوا العديد من المشعشعين، فاضطر السيد محمد إلى إرسال ممثل عنه إلى الأمير إسبند وحمله بالهدايا وكتب إلى الأمير رسالة يتمنى عليه قبول هذه الهدايا، فقبلها الأمير إسبند ميرزا وقبل اعتذاره ثم أرسل إليه بسفن محملة بالرز، وغادر بعدها المنطقة.
انتهز السيد محمد فرصة عودة الأمير إسبند، وأسرع إلى الحويزة، فنهب كل ما كان مع أصحاب إسبند ميرزا، ولم يكتف بذلك بل أغار على السفن المتوجهة من البصرة إلى واسط، والتي كانت محملة بأنواع الأطعمة والأمتعة فنهبها وقتل من فيها. وعندما بلغ الخبر الأمير إسبند ميرزا، أسرع من البصرة إلى بغداد.
جمع السيد محمد في أثناء ذلك جيشاً وحاصر قلعة بندوان لثلاثة أيام وهي قلعة تابعة للأمير إسبند ميرزا ومع أن السيد محمد لم يفلح في فتحها فإن العديد من العشائر أخذوا بالالتحاق به والانضمام إلى صفوف جيشه، ومن ثم أصبح يمتلك جيشاً كبيراً، خصوصاً بعد أن انضم إليه الوند ابن الأمير اسكندر في أوائل عام 853هـ حتى إذا اكتملت عدة جيشه وعدده، توجه صوب البصرة لاحتلالها ولكن الحرب استمرت فترة طويلة فلم يوفق في احتلالها، ثم طلب أهالي الدورق ودزفول من المشعشعين الاستيلاء على مدينتيهما ففعلوا وعندما توفي السلطان أحمد، عزم بيربوداق بن جهانشاه على احتلال هذه المدن، فاستولى على شوشتر أولاً. ولما خاف أهل دزفول من حكومة (التركمان) سلموا مدينتهم إلى المشعشعين ورحلوا هم إلى أطرافها، وخاف البعض الآخر من المشعشعين فهربوا إلى بغداد وعندما رحل بيربوداق([577]) إلى شيراز، فحاصر السلطان المولى علي بن محمد واسط وفتحها، ثم عين ابن الدارج حاكماً لها، وكانت هذه الحادثة في عام 857هـ([578]).
ورد في كتاب (العرب والعراق)، تأليف علي الشرقي في حوادث عام 858هـ أن المولى علي عزم على انتزاع العراق من سيطرة المغول، فقام في بادئ الأمر بالهجوم على مدينة واسط، فثبت أهلها بوجهه وراح حاكمها المغولي أمير أفندي يدافع عن مدينته جنباً إلى جنب مع سكان المدينة. واشتد الضغط وراحت المجانيق تدك المدينة، حتى قتل الكثير من سكانها، فاضطر الأهالي ومعهم الحاكم إلى مغادرة المدينة والرحيل إلى البصرة، فاستولى المولى علي على مدينتهم.
وفي عام 860هـ شن المولى علي حملته على «مهروذ» وطريق خراسان «التي تمتد من بغداد» وباشر هناك بقتل وسلب نساء ورجال وشيوخ سلمان باك وأسر عدة منهم، فلما وصل الخبر جهانشاه، بعث بجيش من بغداد للقضاء على المولى علي، فلم يستطع هذا الصمود وكر راجعاً إلى الحويزة، وكان وصول جيش بغداد إلى مقصده في يوم الأربعاء 16 محرم، عام 816هـ([579]).
وذكر العديد من المؤرخين أن المولى علي أصيب بسهم وقتل بعد أن ذهب إلى كوه كيلويه وحاصر قلعة بهبهان في عام 861هـ([580]). ولكن لم يذكر اي منهم تفصيل هذه الحادثة، إلا الغياثي الذي يقول بأن المولى علي قتل في عام 861هـ بعد هزيمته من بيربوداق([581]) سنة 861هـ.
وبعد مقتل السيد علي عزم الأمير ناصر بن فرج الله العبادي وهو أحد أمراء العراق على قتال المشعشعين، فذهب إلى بغداد واجتمع العديد من الناس لنصرته ثم التقى الطرفان في واسط، فاستطاع السيد محمد أن يهزمهم ويشتت قواهم ولاذ الآخرون بالفرار. وقد وقعت هذه المعركة في أواخر عام 861هـ.
وتوفي السيد محمد في يوم الأربعاء 7 شعبان، من عام 866هـ([582]) وآلت خلافته إلى ابنه المولى محسن.
استمرت فترة زعامة المولى محسن بن محمد من عام 866هـ حتى عام 914هـ([583]) وضرب النقد باسم ابنه المهي، ولقب بالملك محسن، وقد اتسعت رقعة حكمه حتى شملت الأرض الممتدة من جهات بغداد الأربع حتى عبادان والحسا والقطيف وبندر عباس وجميع الموانئ الجنوبية حتى حدود فارس وكذلك كوه كيلويه ودهدشت ورامهرمز وشوشتر وجبال بختيار ولرستان وبيات ودزفول وبشت كوه وكرمانشاه وبهبهان.
حاول السيد محسن عدة مرات احتلال الحلة وبغداد فكان يفلح حيناً ويُهزم حيناً آخر، وتفصيل ذلك مدون في تاريخ حوادث العراق، ونحن نقتصر هنا على ذكر الحوادث التي تتعلق بتاريخ إيران. وفيما يلي نلقي نظرة مقتضبة على الأوضاع الاجتماعية في زمن المولى محسن:
كان المولى محسن رجلاً فاضلاً حسن السيرة، محباً للعلماء والفضلاء، وهو من أهل الأدب والكمال، وكان يبعث بأموال طائلة إلى العتبات المقدسة (في الكاظمية وسامراء وكربلاء والنجف) ويقدم الهدايا لخدم هذه العتبات، وعمد بعض العلماء لكتابة مقدمة مؤلفاتهم باسمه ثم يبعثون بها إليه ومن هؤلاء المولى شمس الدين محمد الاسترأبادي، حيث كتب حاشية على رسالة إثبات الواجب في الكلام «ثم كتب مقدمة لحاشيته باسمه ووصفه فيها بالعظمة. وشمس الدين هذا معاصر للملا صدرا والملا جلال الدين الدواني، فبعث السيد محسن إليه بجائزة لقاء ما فعل».
كان المولى محسن أول شخص يبني في الحويزة بيوتاً من الآجر والطوب بعد أن كانت أبنيتها من القصب، وقد بنى هناك قلعة وأسكن في أطرافها أربعين ألفاً وأقام حولها سوراُ ثم بنى قلاع أخرى جمع فيها الذخائر الحربية وحشود الجيش، وبلغ جيشه آنذاك اثني عشر ألف مقاتل. وبنى إضافة إلى ذلك قلعة المحسنية لتكون مقراً لعائلته وأحاطها بسور([584]).
الصفوية والمشعشعون
بعد وفاة المولى محسن عام 914هـ، تولى الزعامة ابناه علي وأيوب اللذان تميزا بالشجاعة والكفاءة، وكان القاضي نور الله الشوشتري يرشدهم ويوجههم في بعض الأمور السياسية والدينية.
سعى البعض للإيقاع بين الملك الصفوي والمشعشعين وأوحوا إلى الملك بأن هؤلاء أعداء له وأنهم ليسوا من أتباع المذهب الجعفري وبعد أن فرغ الملك الصفوي من الاستيلاء على بغداد حثه الأمير الحاج محمد والشيخ محمد رعناش وهما من أبناء معلم أولاد السيد محمد المشعشعي على التوجه إلى الحويزة، وعندما بلغ المشعشعين خبر قدوم الملك بجيشه صوبهم، هبّوا جميعاً لاستقباله استقبالاً لائقاً، وكتبوا إلى الملك الصفوي كتاباً بينوا فيه أن كل ما يقوله المغرضون والحاقدون إن هو إلا كذب محض وأرفقوا كتابهم هذا بالهدايا فقبلها الملك قبولاً حسناً وبعث بالمقابل بهدايا لهم([585])، ولكن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن هذين الأخوين قد تم قتلهما بأمر من حاكم شوشتر في عام 914هـ([586]).
وقد ورد في مصادر أخرى، أن الملك إسماعيل بعد فراغه من فتح بغداد توجه نحو الحويزة، وانتزع هذه الناحية من يد السيد علي والسيد أيوب ابني السلطان محسن، ثم أمر بقتل هذين الأخوين ومعهما كبار رجال الطائفة وكان ذلك في عام 914هـ ثم ألحق الملك الصفوي الحويزة وشوشتر وسائر نقاط خوزستان الأخرى بالدولة الصفوية.
وبعد مقتل هذين الأخوين، انتفض أهالي الحويزة وأطرافها واستولوا على البصرة والإحساء، واستولى على الحكم في هذه المناطق السيد فلاح المشعشعي أخو علي وأيوب، واقترن حكمه بحسن التدبير، ولم يذكر تاريخ حوادث ذلك الزمان كيفية استيلاء السيد فلاح على السلطة، إلا (كسروي) في تاريخه «تاريخ بانصد ساله خوزستان» حيث يقول «غير معروف كيف هرب إلى الجزائر، ولكن يبدو أنه اعتبر من مصير أخويه فبعث بالهدايا إلى الملك وطلب منه حكومة الحويزة ونواحيها، فاستجاب الملك لرغبته ونصبه حاكماً على الحويزة والقسم الغربي من خوزستان».
«تجدر الإشارة إلى أن فلاح استطاع استعادة حكومة عائلته التي سلبت، حيث أصبحت الحكومة التي منحه إياها الملك إسماعيل الصفوي ملكاً تتوارثه عائلته، حيث استمر حكم أولاده وأولاد إخوانه في هذه النواحي حتى مائتين وستين عاماً»([587]).
يمكننا أن نستنبط، بأن الملك إسماعيل حين غادر الحويزة عين أميراً فيها، وظل هذا الأمير في حكمه حتى تم عزله، وكان عزله نتيجة للاضطرابات التي حدثت عقب مقتل علي وأيوب والانتفاضات الداخلية التي حصلت في هذه المنطقة([588])، فاضطر الملك إلى تنصيب أحد المشعشعين في الحكم لتهدئة الأوضاع في المنطقة، وهكذا اختار السيد فلاح لهذا المنصب.
يرى المؤرخ العراقي أن خطوة الملك إسماعيل الصفوي هذه دليل على حسن تدبيره، حيث استطاع بتنصيب أحد المشعشعين إخماد الانتفاضات في خوزستان، وهذا عكس رأي كسروي الذي يأخذ على الملك إسماعيل خطوته هذه التي أرجع المشعشعين فيها إلى سدة الحكم مرة أخرى. وقد استمرت حكومة فلاح حتى عام وفاته في 920 ثم انتقلت بعده إلى ابنه.
- المولى بدران بن فلاح من عام 920 إلى 948هـ:
كان المولى بدران رجلاً مهيباً كريماً، وهو أول أمير من المشعشعين يستعمل البغال في أسفاره. أخذ يدير مناطق حكمه في بادئ الأمر بحكمة وحسن تدبير، لقوة نفسه وشجاعته، ولكنه ضعف في آخر الأمر حتى خرجت بعض المناطق عن يده. ويمكن أن يعزى السبب في ضعفه هذا إلى نمو قدرة الدولة الصفوية.
استمرت فترة حكمه مدة ثمانية وعشرين عاماً، عشرة أعوام منها خلال حكم الملك إسماعيل الصفوي وثمانية عشر عاماً في زمن الملك طهماسب.
- حكومة السيد سجاد (من 948 إلى 992هـ):
آلَ الحكم إلى السيد سجاد بعد وفاة أبيه، وكان رجلاً عالماً صبوراً، ولكن حدثت في عهده انتفاضات أدّت إلى انتزاع السلطة من أيدي المشعشعين، وانتهز العثمانيون الفرصة فتغلبوا عليهم. ثم قامت عشيرة بني لام التي كانت تسكن آنذاك في غرب الحويزة بالاصطدام مع السيد سجاد، بتحريض من أعدائه، فألحقت الهزيمة به ونهبت مدينة شوشتر. وهكذا أخذ السيد سجاد يواجه مشاكل وحوادث صعبة ولكنه كان طوال ذلك رجلاً صبوراً قوي الشكيمة، حتى استطاع سعد بن بركة وهو أحد الأمراء العرب إلحاق الهزيمة به في كمال آباد. ثم تمردت قبيلة نيس وتوابعها في الحويزة([589]).
وهكذا أخذت قواعد حكم السيد سجاد تتزلزل وبدأ يفقد بعض مناطق حكمه. وفي سبيل الاستيلاء على المحسنية حرك الأمير سعد بن بركة عشيرة كربلاء، فطلب السيد سجاد العون من إخوانه الذين كانوا آنذاك في خدمة الأمير الميرزا علي بن عبد الملك.
وقف الميرزا علي الذي كان في مدينة الدورق من نواحي خوزستان إلى جانب عشيرة بركة بالقرب من المحسنية، وتمكّن أمراء النيس من التغلب على السيد سجاد مرة أخرى. وقطع الأخير طريقه في أربعين يوماً، فوصل الميرزا علي إلى بركة وأمده بقوة جديدة.
وبعد ثلاثة أيام وصل المطلب وإخوان سجاد الآخرون، ثم بعد ثلاثة أيام من الحرب انتصر جيش بركة، وفي اليوم الرابع اشترك المطلب وإخوانه في الحرب فجرح الميرزا علي ثم قتل بيد السيد سجاد.
وهكذا هزم بنو تميم وأصحاب بركه ولاذوا بالفرار إلى الدورق، وكان النصر حليف السيد سجاد، ومنذ ذلك الحين نشب الخلاف بين قبيلة بني تميم والمشعشعين.
«نفذت عشيرة بني تميم حيلة، فادّعت أن مواشيها نهبت في خارج المدينة، فخرج المشعشعون من المدينة لرؤية الأمر، فأسرع بنو تميم وغلّقوا الأبواب ثم أخرجوا النساء والأطفال، ورداً على هذه الحيلة عمد السيد سجاد إلى حيلة أخرى، فحينما خرج بنو تميم من المدينة، أرسل أفراده إلى داخلها وأخرجوا عوائل بني تميم منها، ثم حالوا دون دخول الجميع، فتشتتوا في القرى والمدن الأخرى»([590]).
ولما حل عام 961هـ (1553م) عزم العثمانيون على احتلال الحويزة، فبعثوا السيد علي الرئيس على رأس جيش من المصريين ولكنه انهزم بعد أن خلف وراءه مائة قتيل([591]).
ثم بعث العثمانيون بخمس سفن للقضاء على أعدائهم، ولكنهم لم يفلحوا في هذه المرة أيضاً([592])، وظل السيد سجاد في الحكم حتى وفاته عام 992هـ. وكانت الحويزة مركزاً لحكمه طوال هذه السنين ثم خلفه في الحكم بعد وفاته ابنه السيد زنبور (من عام 992هـ حتى عام 998هـ).
حينما بلغ السيد زنبور الحكم في عام 992هـ، كانت قبيلتا نيس وكربلاء عازمتين على انتزاع السلطة منه، ثم نشب خلاف بين هاتين القبيلتين فتفرقتا عن بعضهما البعض وذهبت قبيلة نيس إلى السيد زنبور.
في عام 994 استولى السيد فلاح أخو السيد زنبور على الحويزة، ولكن الأخير عاد وانتزعها بجيش قوي في عام 997هـ. ثم ثار السيد مبارك وانتزع الحويزة من السيد زنبور فهرب هذا إلى دزفول وتحصن فيها ثم أخذ يعد عدته.
في غضون ذلك سمع السيد زنبور بأن مبارك عازم على القضاء عليه بقبيلة آل غزي، فمكث يتربص، حتى علم أن قبيلة آل غزي لم تصاحب مبارك، ومن ثم عزم على انتهاز الفرصة والقضاء على هذه القبيلة. إلا أن شخصين من رؤساء هذه القبيلة وهما خمين وعبادة، عزما على الانضمام إلى مبارك ليحولا دون تمكين السيد زنبور من القضاء على قبيلة آل غزي، ومن ثم بعثا بوفد يمثلهما إلى السيد مبارك، هذا الوفد اصطدم في الطريق بجيش زنبور ووقعت الحرب بين الطرفين، وفي أثناء ذلك التحقت قبيلة آل غزي بالحرب فهُزم زنبور وعبر نهر الكرخة ثم دخل دزفول ليخرج من جانبها الآخر، فتعقبه جنود مبارك وأمسكوا به فقتلوه (في عام 998) وقيل في عام 999هـ.
- السيد مبارك: «وفترة حكمه من 998هـ إلى 1025هـ»:
أُرسل مبارك، الملقب بذي العيون الزرقاء من قبل والده إلى خارج الدورق، حيث كان يقوم برفقة رؤساء العشائر بأعمال السلب والنهب، وعندما ساءت علاقة عشيرة آل غزي بالمشعشعين، وعدوه بالوقوف معه في سبيل الاستيلاء على الحويزة وأطراف شوشتر ودزفول، وكانت دزفول تحت حكم السيد زنبور.
استعد مبارك بجيشه لدخول الحرب، ثم دخلها فانتصر، ولاذ السيد زنبور بالفرار إلى دزفول. وبسط مبارك يده على الحويزة وأطراف شوشتر، ثم بعث بالبشرى إلى أبيه أنه استولى على رامهرمز وقتل حاكمها([593]).
عندما عرف المطلب والد مبارك الجدارة والكفاءة في ابنه، عزم على إحاطة الملك عباس بالأمر، ولكنه قبل أن يصل إلى أصفهان وقع أسيراً بأيدي جنود زنبور، فأخذه هذا وأقسم ليقتلنه إن لم يترك ابنه هذه البلاد.
في هذه الأثناء، وصلت قوات مبارك إلى دزفول، فهب زنبور للدفاع، وهرب المطلب من قبضة زنبور ولجأ إلى ابنه فقال له: إن من يفتح مدينة فهو قادر على فتح أخرى، وطلب منه أن يترك الحرب مع زنبور، وذكر له قسمه لدى هذا الأخير. ومن ثم ذهب مبارك إلى شوشتر وذهب أبوه إلى الدورق.
عاد مبارك بثلاثين شخصاً من أصحابه إلى خير آباد وذهب من هناك إلى العراق ليطلب العون من قبيلة آل غزي، ولكن هؤلاء لم يعنوا بطلبه كثيراً. إذ كانت هذه القبيلة قد اتفقت مع والد مبارك أن يكتفوا بهذه الفتوحات بعد فتحهم النهائي ولكنه استمر في حروبه. ثم ذهب مبارك إلى عشائر أخرى فجمعها حوله وهاجم زنبور وانتزع منه دزفول ثم قتله، وبعد ذلك خرج من المدينة ليدخلها بصورة رسمية، واستقبله أهلها (كان ذلك في عام 998هـ.ق.).
- دور الشيخ البهائي:
بعد الانتصارات التي أحرزها مبارك، عزم أبوه على الاستعانة بالشيخ البهائي ـ الذي كان عزيزاً ومقرباً من الملك ـ ليطلب من ملك إيران تنصيب ولده مبارك والياً على إمارة خوزستان، على أن يؤدي له سنوياً مبلغاً من المال وعدداً من الخيل.
توسط الشيخ في الأمر، فعيّن مبارك حاكماً على خوزستان واتخذ من رامهرمز مركزاً لهذه الإمارة. ثم باشر بتقريب عشائر آل غزي، وقرر لهم مبلغاً معيناً من المال، وعين مائة شخص من الأكابر وأوكل زعامة القبائل إلى هؤلاء الأشخاص، بحيث لا يسمح لأفراد القبيلة بالانتقال من مكان إلى آخر إلا بإذن منهم.
- الحرب مع فرهادخان:
سار الملك عباس لقتال مبارك حتى بلغ خرم آباد وأقام فيها معسكراً باسم «شاه آباد».
عُين فرهادخان قائداً للجيش وتحرك إلى شوشتر لقتال مبارك فيها، ووقعت الحرب بين الطرفين، واستمر مبارك في أربعين ألف محارب صامداً لأربعة أيام حتى قدم الشيخ البهائي ومعه كتاب صلح فقبله مبارك وأرسل ابنه ومعه خمسة عشر رأساً من الخيل إلى الملك. ثم رجع القادة الإيرانيون ورحل مبارك إلى الحويزة.
وبينما كان الملك في طريق عودته من خوزستان، استولى عبد المؤمن خان الأوزبك على خراسان وهرات، وأعمل السيف في الأهالي، ولاذ العلماء بحرم الامام الرضا عليه السلام، ولكن الملك تمكّن من استعادة هرات وخراسان مرة أخرى. فبعث بكتاب إلى مبارك ينبئه بخبر انتصاره، وكان ذلك في صفر عام 1000هـ.
- حوادث البصرة والجزائر:
استولى أفراسياب([594]) على البصرة، في عام 1005هـ، وكان حاكمها آنذاك رجلاً ضعيفاً يدعى بكتاش آغا، وإذ كانت الدورق تحت سلطة (المولى بدر) والحويزة عند السيد مبارك، ثم استولى أفراسياب على أطراف الجزائر، ويتحدث العزاوي في كتابه([595]) قائلاً: انطلق مبارك في عام 1006هـ بسلب المدن والأرياف ونهبها، ومن جانب آخر قامت الدولة العثمانية في هذا العام بتنصيب حسن باشا والياً على بغداد وأمرته بالقضاء على الفتنة، فتحرك هذا صوب البصرة.
ويذكر الكاتب الحلبي في كتاب الفذلكة أن الباشا الوزير الذي كان آنذاك رئيس الأمراء والجيش نهض للوقوف بوجه المجازر التي كان مبارك يرتكبها. ويُذكر بأن الناس استغاثوا في بادئ الأمر بملك إيران، إلا أنهم حسبوا فيما بعد أن تدخل إيران سيكون ضد مصلحتهم، فلجؤوا إلى الدولة العثمانية، فقامت هذه بدورها إلى مراسلة ملك إيران والطلب منه قطع دابر الفتنة. وهنا يتحدث صاحب الفذلكة عن هذه الأمور بالتفصيل ويقرنها بذكر التواريخ التي وقعت الحوادث فيها:
«نصب حسن باشا في هذه السنة وزيراً على بغداد، وأمر بقطع دابر الفتنة، حيث كان مبارك يرتكب المجازر العظيمة ويقوم بأعمال السلب والنهب في إطراف البصرة. فمثلاً قتل زعماء الجزائر في 7 شوال 1022هـ، ثم قتل رئيس قبيلة أبي بركة. ثم أعمل سيفه في عشيرة كربلاء. وكان حاكم البصرة آغا حسين باشا يخشى جانب المشعشعين ويحاول استمالتهم، فكان يؤدي لهم مبلغاً قدره (عشرة شاهى) يومياً»، وعن هذه الأحداث، يكتب أستيفن في كتابه([596]) قائلاً:
«كان مبارك يشن حملاته المتتالية على البصرة والجزائر، ولم تكن الدولة العثمانية قادر على دفعه، ومن ثم عقدت مع إيران صلحاً للوقوف بوجه المشعشعين، وإرغام مبارك على تسليم البصرة إلى علي باشا» وتؤكد موسوعة «أعيان الشيعة» رأي أستيفن هذا.
استعد علي باشا لخوض الحرب مع مبارك، فدارت رحاها بين الطرفين لثلاثة أيام متوالية، حتى إذا كان اليوم الرابع، هُزم الجيش العثماني وانكفأ راجعاً إلى بغداد، ثم بعث مبارك بممثل عنه وحمله بالهدايا، وقال: هذه هدايا البصرة التي تسلم إليك، ثم أعطاه الأمان، فكان أول حاكم عثماني في البصرة([597]).
وفي عام 1022هـ/ 1613م عقد صلح بين إيران وبغداد، بواسطة الملك عباس ووالي بغداد، وكان ينص على ما يلي:
يُسمح لسكان البلدين بحرية التجول بين إيران والعراق، ويُحث المسلمون على نبذ العداوة والبغضاء القائمة فيما بينهم.
تبقى الحدود كما هي عليه في زمن السلطان سليمان، ولا يتعرض أحد للقلاع والأبنية العسكرية، ولا تدعم إيران مباركاً، ويكون هو تابعاً لحكومة بغداد، وتبقى الأراضي الخاضعة لسيطرة مبارك كما هي عليه ودون تغيير.
يسلك الحجاج الإيرانيون طريق حلب والشام في سفرهم إلى مكة المكرمة، إذ لا أمان لهم في طريق بغداد والبصرة. وقد ورد في هذا الاتفاق اسم والي بغداد «حافظ محمود باشا» وأمير الأمراء محمد باشا.
- مقتل القائد العثماني:
انتفض بوجه مبارك بعض أقاربه ومعارضيه، فراح هذا يدافع لمدة عشرين يوماً، حتى كاد اليأس يخيم على جيشه ثم قُتل قائد جيش العثمانيين وفرق جيشهم ونهب كل من كان معهم.
- الأمان ووفرة النعم:
كان الناس يعيشون في أمن ونعمة وافرة إثر مساعي والد مبارك والشيخ عبد اللطيف الجامعي العاملي. وقد اتّصف هذا الحاكم بالعدل والإنصاف وتوفي في عام 1025هـ.
- المولى ناصر:
استمرت حكومته من 1025 إلى 1026هـ حيث توفي مسموماً بعد سنة من الحكم في عام 1026 وخلفه ابن عمه سيد راشد.
- طبيعة حكم ناصر وموته:
لا يفصح التاريخ بصورة كاملة عن شخصية ناصر وحكومته، وثمة آراء متضاربة بهذا الشأن. وقد ورد في تحفة الأزهار: أن مبارك أرسل ناصر إلى الملك، ثم رجع إلى أبيه حينما كان طريحاً في سرير الموت، وحكم سبعة أيام ثم دس له السم فمات. بينما يقول صاحب جامع الإنسان: إن ناصراً تزوج من ابنة الملك وأصبح من المقربين إليه، ثم عاد إلى الحويزة قبل وفاة أبيه، وتصدر للحكم بعد وفاته، ثم دسّ له السم فمات، فنصب الملك راشداً بدلاً عنه.
ويذكر المحقق العراقي يعقوب سركيس: أن ناصر بلغ الحكم بعد وفاة أبيه، إلا أن راشداً دسَّ له السم واستولى على الحكم، ثم تخلى هذا الأخير عن الحكم لمنصور، أخي مبارك. ويذكر مؤلف تاريخ المشعشعين أن الحوادث التاريخية تؤيد بأن بعض القبائل كانت مخالفة لراشد، واتهمته بدس السم لناصر.
وفيما يلي نقتبس بعض الأحداث المتعلقة براشد من كتاب أعيان الشيعة:
-المولى راشد بن سالم بن المطلب: تاريخ حكمه 1026 ـ 1029هـ استولى على الحكم بعد مولى ناصر في يوم الاثنين 13 ذي القعدة 1026هـ وفي جمادى الآخرة عام 1027هـ، اتهمه المشعشعون بدس السم لناصر، ولكنه لم يعبأ بقولهم. ثم وقع الخلاف بين المشعشعين ومخالفيهم، فازدادت قوته وقتل عبديس وجماعة من رؤساء قبائل شوشتر وابي بركة وكربلاء. وقتل بالإضافة إلى هؤلاء جماعة كثيرة من أفراد آل معاوية([598])، ثم دعا في إحدى الليالي ستمائة شخص فقتلهم جميعاً ولم ينج منهم إلا شخص واحد([599]).
وجاء في أعيان الشيعة نقلاً عن تاريخ المشعشعين أن راشداً وصل السلطة بعد وفاة ناصر دون سعي منه، وبعد فترة (عام 1026هـ) ألقى أمراء النيس وقبائل كربلاء عليه القبض وحبسوه، ثم أطلق أفراد عشيرة النيس سراحه.
وعندما قويت شوكة راشد، قتل من رؤساء قبيلة كربلاء ثلاثمائة شخص في مادبة أقامها لهم، ولاذ الباقون بالفرار إلى القيصرية ثم قتل خمسمائة شخص آخر منهم، وقتل من المشعشعين شخصين هما السيد طالب من قبيلة (أبي بركه) والسيد صالح. ولم يكتف بهذا القتل، فعندما امتنع بعض القبائل عن الدخول في طاعته، سار إليهم في جيش سفاك فقضى عليهم، وفرت عشيرة آل غزي إلى البصرة فتعقبهم راشد بجيشه، فلجؤوا إلى الأمير أفراسياب، وكان هذا الأمير من المقربين لعلي باشا، الذي فتح البصرة من قبل الدولة العثمانية وكان أول باشا ينتزع حكومة البصرة من المشعشعين.
- اتفاق الأمير أفراسياب وراشد:
بعث الأمير أفراسياب برسول إلى راشد، في سبيل إعادة عشيرة آل غزي إلى ديارهم، واستصدار العفو عنهم. وذكره بالقسم الذي تم بينه وبين أمير البصرة على ألا يقع الخلاف والعداء بينهما، ولكن راشداً لم يُعر اهتماماً لذلك واستمر في حربه فطلب أفراسياب من والي البصرة أن يمده بالجيش، ليستعد للحرب إلى جانب قبيلة آل غزي، فاستجيب طلبه. وحينئذٍ رأى راشد أنه لا طاقة له بالحرب، فذكر بالقسم، ولكن أفراسياب لم يعبأ بتذكيره، حتى انتهت الحرب لصالح الأمير أفراسياب، حيث قتل راشد وحمل رأسه إلى البصرة، في عام (1029هـ).
- المولى محمد بن مبارك: (تاريخ حكومته من 1029 ـ 1044هـ):
حينما وصل المولى محمد إلى سدة الحكم، وقف عمه السيد منصور بوجهه فطلب العون من ملك إيران، فقدم جيش إيران إلى المحسنية لنصرته فاضطر منصور للاستسلام.
وحاولت قبيلة آل غزي استغلال الخلاف القائم بين المولى محمد وعمه لأخذ الحويزة بعد أن خيل إليهم أنهم تمكّنوا من إلحاق الهزيمة براشد فبادر محمد إلى إلقاء الفتنة بين العشائر، حتى إذا انفردت قبيلة آل غزي، هجم عليها وقتل منها جماعة كثيرة حتى أرغمهم على الاستسلام.
- أمر ملك إيران:
بعد فترة من استسلام هذه القبيلة، قدم السيد منصور بجيشه ومعه قبيلة آل غزي وأمر من ملك إيران بتنصيبه حاكماً على الحويزة، فهجم عليها في عام 1044 وألقى القبض على ابن أخيه محمد وأعلن نفسه حاكماً على الحويزة([600]).
- المولى منصور بن المطلب: (تاريخ حكمه من عام 1044 وحتى عام 1053):
بعد أن استولى منصور على الحكم تحت إشراف حكومة إيران، ذهب إلى الملك صفي، فاصطحبه هذا إلى سفره إلى قزوين ومازندران وحين عودته أمره بالبقاء في مازندران، وظل تحت إشراف حكومة إيران لمدة أربع سنوات، وكان الملك مقرراً له عطاء في هذه الفترة.
خلال هذه السنين، ازدادت قوة العرب وضعفت قوة المشعشعين فطلب منصور من الملك أن يأذن له بتعمير قلعة المحسنية التي كانت مقراً لحاكم الحويزة([601])، وتعهد بدفع ستمائة تومان سنوياً إلى الجيش الإيراني بعنوان خراج بحيث يكون نصف هذا المبلغ نقداً والنصف الآخر متاعاً أو تسعة من الخدم والعبيد([602]).
- موافقة ملك إيران:
نصب منصور حاكماً على الحويزة بموافقة ملك إيران، فقدم في جيش إلى القلعة التي تم تعميرها، فأحكم قبضته على السلطة وباشر بتصفية أعدائه وخصوصاً آل غزي منهم، حيث كان هؤلاء قد تمكّنوا من انتزاع السلطة من المشعشعين في حربهم معهم وقتلوا راشداً، ولذلك قتل منصور منهم الكثير، وهرب الباقون إلى العراق حيث سكنوا العمارة والمنتفك.
واجه منصور في أواخر عهده اعتراضاً من الناس وأصيبت حكومته من جراء ذلك بالضعف والوهن بسبب سوء سلوكه وفرضه عليهم ضرائب مالية باهظة، ويُنقل أنه أرغم رجلاً إيرانياً كان يعتزم عبور كارون للذهاب إلى الحج على دفع مائة تومان وهكذا الحال مع الآخرين حيث كان يفرض عليهم ضرائب كبيرة ويأخذ الخراج منهم.
- عدم ترحيب ملك إيران بمنصور:
عندما كان ملك إيران في طريقه إلى بغداد، عزم منصور على لقائه ولكن الملك رغب عن هذا اللقاء وكان ذلك ومعه الأزمة الاقتصادية قد ساهما في تهيئة الظروف لعزله، ثم اتفقت بعض العشائر مع ابنه وجمعوا جيشً قوياً وتهيئوا للحرب في الرملة، من نواحي كمال آباد وقدم منصور في سبعة مقاتلين فقط، فقالوا ليس ثمة مبرر للحرب وسنقتل جميعاً.
اتفق ذلك الطرفان على اطلاع الملك على جلية الأمور واستيضاح أمره في هذا المجال، (وكان ذلك في عام 1053هـ) وعندما اطّلع الملك على الأمر استدعى منصور وبركة إلى أصفهان ثم نفى الأول إلى خراسان، حيث سجن فيها حتى آخر عمره، واستجاب لطلب الناس فعين بركة حاكماً على الحويزة.
- من أعمال منصور في البلاط الصفوي:
ينقل أن سفير الهند جلب إلى ملك إيران فيلاً، هدية من بلاده وكان منصور حاضراً في المجلس، فقال السفير: يعدل هذا الفيل ثلاثة آلاف مقاتل، فسأل الملك منصور عن رأيه في هذا القول، فرد منصور: لا بد أن يكونوا ثلاثة آلاف مقاتل من الهنود، فثار السفير وقال: إنه يعدل خمسة آلاف مقاتل من العرب، فاستأذن منصور الملك كي يمتحن الفيل، ثم استل سيفه واستعد للفيل الذي هجم عليه، فضربه بضع ضربات فأرداه قتيلاً([603]).
ولشهاب الدين الموسوي، الأديب الشاعر العديد من القصائد في ديوانه يمدح فيها منصوراً([604]).
- مولى بركة بن سيد منصور (فترة حكمه من 1053 إلى 1060هـ):
وصل مولى بركة إلى سدة الحكم بعد أبيه بمباركة الملك ورضى جميع العشائر والأهالي. وساد الهدوء طيلة فترة الست سنوات من حكمه. كان رجلاً أديباً ومحباً للعمل، ومن الشعراء المعاصرين له السيد شهاب الدين الموسوي الذي مدحه بقصائد عدة.
قسمت الأراضي بين العشائر، ورضيت كل منها بنصيبها، حتى نشب خلاف بين عشيرة بني لام وقبيلة بني ربيعة، فجمع بركة القبائل من حوله، وطرد قبيلة بني لام إلى ما وراء محافظة الكوت في العراق وكانت هذه القبيلة تستولي ـ قبل الحرب ـ على الأراضي الممتدة بين الحويزة وحدود العراق.
- حبس السيد بركة وأمر الملك عباس الثاني:
عيّن سياوش خان حاكماً على رامهرمز، فكتب إلى بركة أنه يرغب بالزواج من ابنته، فصدق بركة وسار إلى رامهرمز طمعاً في الوصال، ولكنه ألقى القبض عليه هناك وعين السيد علي خان ـ بأمر من الملك ـ حاكماً على الحويزة.
- المولى السيد علي خان بن خلف (فترة حكمه من عام 1060 إلى 1088هـ):
وصل هذا السيد إلى سدة الحكم بعد السيد بركة، وكان رجلاً عالماً عادلاً، وقد انتفض عليه أخوه جود الله مع جماعة آخرين للاستيلاء على الحكم في الحويزة.
عندما بلغ الخبر والد علي خان، طمأن ولده بأن جود الله لن ينتصر وأنه سيكون الرابح في الحرب، ثم وقف علي خان وأبوه للدفاع، فأصاب سهم جود الله وقتل. وإذ ذاك ثارت ثائرة السيد خلف لمقتل ابنه جود الله، إذ كان الأخير رجلاً شهماً، وعنف السيد خلف ابنه السيد علي ثم رحل إلى خلف آباد([605]) حتى توفي هناك([606]).
- الشخصية العلمية للسيد خلف:
يذكر المولى الميرزا محمد علي الكشميري في كتابه نجوم السماء أن حاكم بلدة الحويزة سيد جليل القدر هو (خليفة) بن المطلب بن حيدر الموسوي المشعشعي الحويزي، وهو رجل فاضل، عالم، شاعر، أديب وله العديد من المصنفات مثل: سيف الشيعة (كذا) في علم الكلام، رسالة في علم النحو، منظومة في النحو، شرح لدعاء عرفة، ديوان في الشعر العربي، ديوان في الشعر الفارسي، وغير ذلك، وهو معاصر للشيخ بهاء الدين العاملي([607]).
- منو جهر خان حاكم لرستان:
ورد في كتاب جامع الأنساب أنه حدثت فتنة في زمن السيد علي خان، فبعث منوجهر خان حاكم لرستان بالسيد علي خان إلى أصفهان، وأصبح حاكماً على الحويزة، ثم أعيد علي خان إلى الحكم في الحويزة بأمر من الملك عباس الثاني وظل فيها حتى وافته المنية في عام 1088هـ([608]).
- المولى حيدر (من 1089 إلى 1092هـ):
ذهب حيدر بعد وفاة أبيه إلى ملك إيران واستصدر منه أمراً بحكومة الحويزة في عام 1089هـ.
ونشب منذ البداية خلاف بين السيد حيدر وأخيه السيد عبد الله حول الحكم، فاستدعى الملك سليمان السيد عبد الله إلى أصفهان ثم كتب الملك إلى حيدر بأنه أمر بسجن أخيه، وبالفعل فقد سجن في بيت فضل الله بك، ولكن السيد حيدر لم يكن ليهدأ دون قتل أخيه.
وكان الملك عازماً على قتل السيد عبد الله، ولكن فتح علي خان اعتماد الدولة كان حائلاً دون تنفيذ هذا العزم، إذ قال للملك بأنه ضيف وقتل السيد بعيد عن رسوم الضيافة عند الملوك الصفويين فأمر الملك بحبسه في خراسان.
وغضب السيد لتحريض أخيه فكتب إلى أخيه فرج الله وذكره بالرحم، فقرأ فرج الله الرسالة ثم ذهب إلى أخيه الآخر راشد وتهيأ لخوض الحرب بمن معهما من حملة البنادق مع السيد حيدر، وصدف أن التقى هذان السيدان بقافلة للسيد حيدر، فأخذا منها خمسة آلاف تومان، فوقف السيد حيدر مدافعاً واستمرت الحرب بين الطرفين، ثم بعث السيد حيدر إلى والي بغداد يستمده العون، فبعث له الأخير بجيش وتمكن الاثنان من إلحاق الهزيمة بمقاتلي فرج الله، ولكن حكومة السيد حيدر لم تستمر طويلاً حيث وافاه الأجل، ثم نصب الملك سليمان الصفوي، بعد حين السيد عبد الله حاكماً على المنطقة.
- المولى السيد عبد الله (وفترة حكمه من عام 1097 ـ 1097هـ):
يذكر بأن السيد عبد الله كان رجلاً عالماً فاضلاً متديناً، وقد تصدى للحكم بأمر من الملك سليمان ولكن فترة حكمه لم تستغرق أكثر من سبعة أشهر وعشرين يوماً، وكان يعيش في أصفهان وخراسان لمدة ثلاث سنوات وبضعة أشهر بأمر من الملك، حتى كان ذو الحجة من عام 1095هـ حيث ذهب رسول الملك إلى خراسان وأبلغ السيد عبد الله بأمر الملك بتعيينه حاكماً على الحويزة.
ويصفه في أعيان الشيعة بأنه رجل شجاع ويضيف بأنه دخل في حرب مع ابن صبيح، أحد رجال العرب بجيشه المؤلف من اثني عشر ألف مقاتل.
تصدى السيد عبد الله في عام 1095 بأمر من الشاه سليمان للنقد المزور وفي رجب من عام 1096 حبس السيد مطلب ومشايخ عشيرة آل كثير، وفي عام 1097هـ وافته المنية، فخلفه في الحكم أخوه السيد فرج الله بأمر من الشاه.
- المولى فرج الله (امتدت فترة حكمه من عام 1097 إلى عام 1111هـ):
يعد فرج الله من أكثر الحكّام السياسيين شهرة في هذه المنطقة. وكانت الدولة الصفوية تعمد إلى عزل أحدهم وتنصيب الآخر كلما اقتضت مصلحة البلاد ذلك، وتقوم في بعض الأحيان بإلقاء الخلافات بين الأطراف المختلفة.
- فتح البصرة:
قام إياس باشا في عام 903 بالاستيلاء على البصرة وطرد راشد منها، ثم أعاد مرتضى باشا في عام 1078 فرض السيطرة العثمانية على هذه المدينة، ولم يرض الناس بالوضع، فأنهى العثمانيون بقيادة يحيى آغا حكومة آل أفراسياب وأصبح خليل باشا والياً على البصرة، وفي عام 1106 طلب الأهالي من الشيخ مانع أن يتصدى للحكم في البصرة، فلبى طلبهم.
- معاهدة فاتح البصرة مع والي الحويزة:
وقعت الحرب بين فرج الله والشيخ مانع وكانت الغلبة للأول وطرد الثاني من المدينة. ويتحدث عباس الغزاوي في كتاب عشائر العراق فيقول: استولى الشيخ مانع على البصرة في عام 1106 بمساعدة أمير الحويزة، وتعهد للأخير بدفع الضرائب له، ولكن ملك إيران لم يوافق ثم سلمت البصرة إلى العثمانيين في عام 1112هـ وتوفي الشيخ في عام 1115هـ، ويذكر الغزاوي في تاريخ العراق بين احتلالين أن فرج الله أطلع الملك على أمر احتلال البصرة.
- المندوب السامي الإيراني في البلاط العثماني:
لم يرغب ملك إيران في تجديد العداوة بين إيران والدولة العثمانية، ومن ثم بعث برستم خان إلى السلطان العثماني ومعه مفتاح البصرة وحمله بالهدايا.
- احتلال البصرة:
يُنقل أن السلطان العثماني بادر بعد اطّلاعه على احتلال فرج الله للبصرة بإرسال علي باشا لاستردادها، فانتصر الأخير في عام 1111هـ دون حرب، وبلغ القرنة بخمسين ألف مقاتل من ديار بكر والموصل وبغداد، ثم أفلح في إعادة البصرة إلى السلطة العثمانية([609]).
وقد ورد في كتاب «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» أن الباشا حاول أن يحل مسألة المشعشعين بسلام. وبعث فرج الله خان بممثل عنه لاستمهال الباشا حتى يخرج الشيخ بمفتاح البصرة إلى ملك إيران، وكما ذكرنا آنفاً فقد قام ملك إيران بدوره بإرسال المفتاح إلى الدولة العثمانية.
- اختلاف المشعشعين:
وقع الخلاف بين زعماء الحويزة، فبادر العثمانيون إلى دعوة فرج الله إليهم، وكان ذلك الوقت نهاية حكم الملك سلطان حسين الصفوي.
- المولى هيبة بن خلف (يبدأ حكمه في عام 1111هـ):
اطّلع علي بن عبد الله خان على هذا الاختلاف، فأخذ يتقرب من البلاط الصفوي ويسعى لنقل الحكم إلى هيبة الله وكان يعرف أن رغبة الملك تنسجم مع هذا الانتقال، إذ كانت سياسة الدولة تتطلب إحداث الفتنة في صفوف المشعشعين.
- المولى فرج الله: (حكومته الثانية من 1111هـ إلى 1112هـ.ق):
استطاع فرج الله الذي أطيح به سابقاً أن يعود ويهزم بجيشه هيبة الله ثم يستولي على الحكم فقام الملك سلطان حسين بعزل الاثنين وتنصيب علي بن عبد الله.
- المولى علي بن عبد الله (1112هـ):
رافق المولى علي أبناء عمومته ونال رضا الملك بحسن سلوكه، ولكنه لم يستمر في الحكم أكثر من ثمانية أشهر، إذ عفى الملك سلطان حسين عن فرج الله فنصبه في الحكم مرة أخرى وعزل علي خان.
- المولى فرج الله (الدورة الثالثة لحكومته من 1112 إلى 1114هـ):
يذكر السيد شبر([610]) أن المولى علي اعتزل الحكم، وأخذ فرج الله يفكر بجمع قواته ثم سار إلى الشيخ مانع الذي كان قد اتفق معه سابقاً. وفي أثناء ذلك طلب المولى علي من الملك أن يعفو عن فرج الله لئلا يشكل في العراق تهديداً لإيران، فوافق الملك وعفا عنه وقرر له عطاء وعينه حاكماً.
- نهاية حكومة المولى هيبة الله:
وصل المولى هيبة الله إلى الحكم بعد عزل فرج الله، ولكن خلافاً وقع بينهما، فرحل المولى هيبة الله إلى بهبهان بينما باشر فرج الله بأعمال السلب والنهب في الدورق. ثم فعل مثل ذلك ببهبهان، فرحل هيبة الله إلى شوشتر والتحق بعشيرة آل كثير، إلا أن جنود فرج الله خرقوا صفوف هؤلاء، ولم يصمد هيبة الله لبلوغه من الكبر عتياً، فما كان من فرج الله إلا أن نهب كل شيء.
- عبد الله خان بن فرج الله خان (من 1114 إلى 1115هـ):
بعث فرج الله بابنه إلى الملك لاستصدار أمر بحكومة الحويزة. فوافق الملك وعين عبد الله خان في هذا المنصب عام 1114هـ، فعزم عبد الله خان على انتزاع الحكم من أبيه، وندم الأخير على فعلته ثم وقعت الحرب بين الابن والأب وكان النصر حليف عبد الله.
- العفو الملكي:
في عام 1120 سخط الملك على علي بن عبد الله بعد بضعة أشهر من الحكم، ثم التمس العفو من الملك، فعفا عنه وبعث به من الحويزة إلى خراسان.
- المولى علي بن عبد الله:
أحدث السيد علي بين عامي 1124 و1125هـ شغباً وفتنة في خوزستان واضطر عبد الله والزعماء الآخرون إلى التخلي عن حكمهم له. ثم ارسلت حكومة إيران جيشاً بقيادة عوض خان إلى خوزستان وأعادت بذلك عبد الله إلى الحكم. ولكن عليًّا لم يهدأ، فثار مرة أخرى، ولم يستطع عبد الله أن يفعل شيئاً، فاستولى المولى علي في عام 1125 على ولاية خوزستان للمرة الثانية([611]).
- الملك سلطان حسين والحاكم المشعشعي:
ورد في كتاب أعيان الشيعة نقلاً عن تاريخ المشعشعين أن الملك سلطان حسين أصدر في عام 1112هـ أمراً بتعيين السيد علي والياً على خوزستان، ولكنه عاد فعزله ثم حبسه في قلعة ثم نفاه إلى مشهد. وفي عام 1120 استأذن للحج وذهب في طريق عودته إلى البصرة، فاستدعاه ابن عمه المولى عبد الله إلى إيران وعين حاكماً على خوزستان من رجب عام 1125 وحتى عام 1128.
قامت عشيرة بني لام في عام 1123هـ بالإغارة على أطراف نهر خريسان والثورة على العثمانيين بدعم من المولى عبد الله. فبعث حسن باشا بجيشين لتأديب العصاة، فلجأت هذه العشيرة إلى الحويزة ولاذت بعبد الله. حتى إذا وصل الوزير حدود الحويزة بعث برسله إلى عبد الله وطلب منه تسليم القبيلة، فأبى هذا تسليمهم وقال إنهم ضيوف لديَّ ومستعدون لإعادة كل ما نهبوه، ولكن المفاوضات لم تثمر وأصر الوزير على طلبه، فكتب حاكم الحويزة إلى ملك إيران يطلعه على الأمر، فأمر الملك بعزله وظل السيد عبد الله قلقاً مضطرباً حتى عفا عنه الملك.
- الحرب مع عشيرة بني لام:
جمع المولى عبد الله جيشاً كبيراً في عام 1127هـ وسار لقتال عشيرة بني لام، فلجأت هذه إلى جزيرة الجوارنده وتحصنت فيها خوفاً من الحرب، ثم أخبروا الوزير حسين باشا بالأمر وطلبوا منه الدفاع عنهم، فبعث الوزير بجيش لهذا الأمر، إذ كانت هذه القبيلة وفية للعثمانيين على الدوام.
وقعت الحرب بين جيش عبد الله وجيش الوزير حسن باشا وانتهت بهزيمة عبد الله وأصحابه ونهب ما كان معهم.
- لجوء أمير المشعشعين إلى بغداد:
يُنقل أن عبد الله خان لجأ إلى بغداد في عام 1131هـ بزوجه وابنه ونزل عند حسن باشا، فوعده الأخير أن يسعى له عند ملك إيران كي يعيده إلى الحكومة.
- رئيس قبيلة بني لام في حماية المشعشعين:
نشب خلاف بين حسن باشا وقبيلة بني لام في عام 1718م، فسجنه شيخ القبيلة، إلا أن الأخير أفلت من سجنه ولجأ إلى السيد عبد الله. فوصل جيش حسن باشا مشارف الحويزة وندم عبد الله لقبوله الشيخ، ثم طلب من حسن باشا أن يسمح ببقاء الشيخ في الحويزة وفي المقابل يؤدي مبلغاً معيناً للمسؤولين العثمانيين حسب رتبتهم، ويسمح كذلك بتردد الناس على الشيخ.
- شفاعة عبد الله خان:
ذهب عبد الله إلى بغداد في عام 1719م وتشفع لدى الوزير، وفي هذه السنة وقع وباء فأهلك خلقاً كثيراً.
- المنزلة العلمية للسيد عبد الله:
يعتبر السيد عبد الله، أديباً، عالماً للمعقول والمنقول وحافظاً لأشعار العرب القديمة.
- السيد علي:
وصل السيد علي إلى سدة الحكم مرة ثانية، ولكنه لم يستطع إخماد الثورة القائمة بوجهه، فاضطر للاستنجاد بملك إيران، ولكن الدولة كانت منشغلة بالقتال في منطقة بختياري، فلم تستطع تلبية الطلب، فلم يجد السيد بداً من مد يده إلى الدولة العثمانية، وهنا يغفل التاريخ ذكر النتيجة، فليس معروفاً ما إذا كان السيد قد تلقى مساعدة من الدولة العثمانية أم لا.
- حكومة محمد خان:
انتقل الحكم في الحويزة إلى محمد خان من قبيلة الواختشويين في عام 1132([612]).
- الثورة المضادة للدولة العثمانية:
ورد في تاريخ العراق أن أهالي الحويزة انتفضوا بوجه الدولة العثمانية، فتحرك أحمد باشا لإخماد انتفاضتهم، والأمر العجيب هو أن الأفاعي قضت على العديد من أفراد جيشه، وعلى أي حال فعندما وصل إلى الحويزة، خاف أهلها وقدموا له هداياهم، فأعيد ملا محمد إلى الحكم بمساعدة العثمانيين.
- العثمانيون والأفغان:
يذكر الغزاوي بأن أشرف الأفغاني كان مطيعاً للعثمانيين، وعقد معهم في عام 1139 معاهدة من 12 مادة وإحدى هذه المواد هي: تبقى المدن والقرى التي استولت عليها الدولة العثمانية تابعة لها فتلحق نهاوند وخرم آباد من لرستان والحويزة بأرض العراق([613]).
- المولى المطلب بن محمد بن فرج الله (فترة حكمه ما بين 1160 و1176هـ):
يسكت التاريخ في هذه السنين، حيث كانت الدولة الصفوية ضعيفة آنذاك وكان نادر قوة كبيرة، إلا أنه أخذ يعامل الناس في آخر الأمر بقساوة، فانتهز المطلب الفرصة واستولى على الحويزة في عام 1160، وعندما ثار الناس على نادر لم يستطع إخماد ثورتهم.
- اقتراح الصلح:
اتفق حاكم لرستان إبراهيم خان وحاكم شوشتر محمد رضا فيما بينهما وشنَّا هجوماً على حكومة المطلب، ولكنهما لم يفلحا في الوصول إلى هدفهما، فهزما وحاصر السيد المطلب مدينة شوشتر حتى بلغه خبر وفاة نادر.
انتهى حصار شوشتر بعقد الصلح بين المطلب وحاكم المدينة وأصبحت شوشتر تابعة لحكومة المشعشعين.
- اختلاف العشائر:
ثارت قبيلة آل كثير في عام 1161هـ واستولت على شوشتر وأطرافها ثم ازداد نفوذهم فاستولوا على مدينة دزفول وفي عام 1165 عزم المطلب بالاتفاق مع قبيلة بو سلطان على القضاء على قبيلة آل كثير، فباشر بمحاصرة شوشتر، واستمر الحصار أربعة أشهر ولكن أياً من الطرفين لم يحرز نصراً مبيناً، فاضطر كل من عباس قلي خان حاكم شوشتر والمطلب إلى ترك الحرب، وفي عام 1776 قتل المولى المطلب بيد علي محمد خان زند([614]).
ينقل السيد شبر في كتابه تاريخ المشعشعين أن التاريخ لا يتطرق لذكر الأحداث والوقائع التي أعقبت مقتل المولى المطلب، ولم يرد إلا الحديث عن نهاية حكم المشعشعين الذي ورد في بعض الكتب الفارسية الخطية وأن نزاعاً نشب بعد ذلك بين أفراد عائلة المشعشعين، ولم يبق بأيديهم من خوزستان إلا الحويزة التي استمروا بزعامتها([615]).
مرتضى المدرسي
مشغرة
قال الشيخ جعفر المهاجر في بعض ما كتب:
بلدة تقع على سفوح «جبل لبنان»، المطلّة على «سهل البقاع». على الممر الموصل بين السهل و«جبل عامل». وقد كان لهذا الوصل أثر حميد على التاريخ الثقافي، وكم لمثل هذا الموقع من أثر على حظوظ البلدان. حيث الممرّات، بما تنقل من حركة البشر تحمل معها أشياء كثيرة. ليس أقلّها الأفكار والأنماط السلوكية.
ولقد أعطتنا «مشغرة»، في ماضي أيامها، أحد الروّاد الأوائل لنهضة «جبل عامل» المجيدة. ذلك هو جمال الدين، يوسف بن حاتم المشغري. الذي كان حياً سنة 664هـ/ 1265م. ودرس في «الحلّة»، يوم كانت حاضرة الشيعة الأولى، على رضي الدين بن طاوس وجعفر بن سعيد. إذن، فهو من أوائل من عبّدوا الطريق بين «جبل عامل» الثقافي و«العراق» موضعه في هذا إلى جنب إسماعيل بن الحسين العودي الجزّيني، وطومان بن أحمد المناري، وصالح بن مشرف الطلّوسي. الذي يعود إليهم الفضل في أنهم هيّؤوا ومهّدوا للنهضة الكبرى. التي قادها بعد قليل، بكامل الأهليّة والجدارة، الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني. بطل النهضة، وصانع واحدة من أكبر التحوّلات الإيجابية في تاريخنا. مما لا نزال ننعم ببركته العميمة حتى يومنا هذا.
مشهد
الأماكن التي يطلق عليها
اسم مشهد في إيران
التحقيق في مختلف أسماء الأماكن الجغرافية القديمة يحتاج إلى العودة إلى تاريخ هذه الأماكن. على أن كثيراً من هذه الأماكن قد تبدلت أسماؤها بمرور الزمان.
ويمكننا تقسيم أسماء الأماكن الجغرافية إلى عدة أقسام دون أن نهدف إلى برمجة الأسماء الجغرافية، كما هو الحال بالنسبة للأسماء التي لها معاني ومفاهيم جغرافية فقط أو الأسماء التي تنطبق على ري الماء: الينابيع، والوديان والسهول والمزارع والبساتين وغيرها أو الأسماء التي لها معاني ومفاهيم شخصية أو معاني ومفاهيم أمنية وعسكرية خاصة.
جدول بأسماء الأماكن المعروفة بـ (مشهد) في إيران:
| اسم المكان الجغرافي | العرض الجغرافي | الطول الجغرافي | الارتفاع عن سطح البحر بالأمتار |
| مشهد إيلام | 51′ 33◦ | 50′ 46◦ | – |
| مشهد بهبهان | 49′ 30◦ | 11′ 50◦ | 460 |
| مشهد تفرش | 47′ 34◦ | 55′ 49◦ | 1520 |
| مشهد دماوند | 36′ 35◦ | 30′ 52◦ | – |
| مشهد قزوين | 48′ 35◦ | 55′ 48◦ | 1930 |
| مشهد (مزرعه) مردوشت | 19′ 30◦ | 12′ 52◦ | 1750 |
| مشهد مشهد | 17′ 36◦ | 35′ 59◦ | 970 |
| مشهد أردهال كاشان | 02′ 34◦ | 52′ 51 ◦ | 1825 |
| مشهد الكوبه أراك | 21′ 34◦ | 36′ 49◦ | 1687 |
| مشهد بازرنجان أراك | 48′ 34◦ | 55′ 49◦ | – |
| مشهد خيبر مسجد سليمان | 13′ 32◦ | 04′ 49◦ | – |
| مشهد ريزه باخرز | 47′ 34◦ | 30′ 60◦ | 1120 |
| مشهد زلف آباد تفرش | 30′ 34◦ | 38′ 49◦ | 1770 |
| مشهد سر تنكاين | 42′ 36◦ | 06′ 51◦ | 2- |
| مشهد سرا بابُل | 23′ 36◦ | 38′ 52◦ | 60 |
| مشهد طرقى بالا شيروان | 18′ 37◦ | 48′ 57◦ | 1320 |
| مشهد طرقى بايين شيروان | 19′ 37◦ | 48′ 57◦ | 1280 |
| مشهد فيروزكوه دماوند | 36′ 35◦ | 28′ 52◦ | 1670 |
| مشهد كاوه فريدن | 43′ 32◦ | 31′ 50◦ | 2125 |
| مشهد كندي ماكو | 04′ 39◦ | 39′ 44◦ | – |
| مشهد كوبه أراك | 21′ 43◦ | 37′ 49◦ | – |
| مشهد كرمه أراك | 16′ 34◦ | 32′ 49◦ | 2030 |
| مشهد لو مُغان | 58′ 38◦ | 14′ 48◦ | 1270 |
| مشهد لو مُغان | 04′ 39◦ | 07′ 48◦ | 700 |
| مشهد محمد إيرانشهر | 51′ 27◦ | 04′ 59◦ | 660 |
| مشهد ميقان أراك | 12′ 34◦ | 41′ 49◦ | 1678 |
وهناك الكثير من الأماكن التي تغيّرت وكسبت دوراً جديداً بعد ظهور الإسلام وازدهاره، وإن وجود ألقاب وعبارات خاصة في الثقافة الإسلامية أطلقت على بعض الأماكن كالمزارات، ومقامات سلالات الأئمة (إمام زاده) أبناء الأئمة، وألقاب الشهيد والبير والقدمكاه وغير ذلك، كلها تشير إلى أثر الإسلام في تسمية الأماكن. وتوجد أماكن في إيران تسمى (مشهد) وبالرغم من ابتعاد بعضها عن بعض، إلاّ أنها كلها تشير إلى مفهوم خاص، وهو الإشارة إلى محل استشهاد أو مرقد لشهيد. ففي كتاب (قاموس الأماكن الدينية) يوجد أسماء ستة وعشرين مكاناً جغرافياً باسم (مشهد) على رأسها مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام المسمى بمشهد الرضا وتحتل المحافظة المركزية (أراك) المرتبة الأولى في عدد الأماكن المسماة فيها بـ (مشهد) وهي سبعة أماكن.
يذكر (دهخدا) في موسوعته في ذكر الأماكن الجغرافية المعروفة بـ (مشهد) ثمانية عشر مكاناً وهي: مشهد المقدسة ومشهد دماوند ومشهد قزوين ومشهد أردهال، ومشهد ريزه، ومشهد زلف آباد ومشهد سبز (بابُل) ومشهد (بابلسر) ومشهد سرا (بابُل)، ومشهد طرقي، ومشهد كافي، ومشهد الكوبه، ومشهد كرمه، ومشهد كنج أفروز، ومشهد لو، ومشهد أم سليمان (مراب) ومشهد مير بزرك، ومشهد ميقان. كما يذكر مكانين جغرافيين باسم مشهد خارج إيران وهما مشهد باب الطيب وهو ضمن أحد عشر مشهداً في مدينة البصرة سميت باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالقرب من المسجد الجامع وكذلك مشهد الإمام الحسين عليه السلام أي كربلاء. ويُشير الأستاذ محمد معين إلى تسعة أماكن تحمل اسم مشهد من بينها مشهد كاوه (فريدن) ولا يوجد هذا الاسم في موسوعة دهخدا. ويبدو أن كلمة مشهد تعني مكان الشهادة، وكانت في الماضي تطلق على أماكن كثيرة وعلى مرّ الزمان حظي بعضها بأولوية خاصة مثل مشهد عبد العظيم داخل مدينة الري ولا يطلق عليه اليوم كلمة مشهد.
إنّ القاسم المشترك في جميع الأماكن الموسومة بمشهد في إيران هو وجود مدفن لأحد أبناء الأئمة أو بقاع متبرك بها سموها (بمشهد). وإنّ تاريخ الكثير من هذه الأماكن غامض وغير واضح وإن المآخذ والمصادر الوثيقة التي تعبر عن أسباب تسمية هذه الأماكن قليلة جداً. وفيما يلي نشير إلى الاماكن التي لم تخف تسميتها على المحققين والباحثين.
مشهد الرضا عليه السلام
هو ما يأتي الحديث عنه مفصلاً في الدراسات القادمة ويكون هو المقصود عند إطلاق كلمة (مشهد).
مشهد أردهال
يقع مشهد أردهال في محافظة أصفهان على مسافة 40 كيلومتراً غرب مدينة كاشان و60 كيلومتراً من مدينة قمصر. ويتداول الناس هناك أقاصيص عن استشهاد علي ابن الإمام الباقر عليه السلام في هذا المكان على أيدي الكفّار بعد أن جاء من المدينة إلى إيران وأنه دفن في هذا المحل. إنّ الآثار الأولية في هذا المكان حسب قول الراوندي (المتوفى سنة 588هـ) تعود إلى القرن السادس ومنها مقبرة مجد الدين عبيد الله الكاشاني شقيق معين الدين أبو نصر، وزير السلطان سنجر. وفي هذا ما يؤكد أن المذهب الشيعي كان موجوداً في كاشان منذ القرن السادس وقت ذروة قوة غير الشيعة وتوسعت وازدهرت هذه البقعة منذ عهد الصفويين. وتقام في كل عام وفي أحد أيام الجمعة من الشهر الأول من فصل الخريف إحدى المراسم المذهبية النادرة حيث يتوجه أهالي مدينة (فين) بالقرب من كاشان إلى هذه البقعة وهم يحملون أعواداً طويلة وينقلون السجاد الموجود في البقعة إلى النهر الواقع خارجها ويغسلونه في ذكرى استشهاد من يقولون إنه السلطان علي ابن الإمام محمد الباقر عليه السلام. ويسمى هذا اليوم في منطقة كاشان بيوم غسل السجاد أو (قالي شوبان).
مشهد الإمام زاده محمد ـ مشهد تفرش
يقع مشهد تفرش. شرق مدينة تفرش في المحافظة المركزية (أراك) عند باب الدخول لطريق دستكرد بوكرد. ويقولون هناك إن هذا المكان سمي (مشهد) بسبب وجود مرقد الإمام زاده محمد بن موسى بن جعفر. وكانت هذه البقعة تسمى في الماضي محلة التكية ويبدو أنه قبل تاسيس التكايا في محلات مدينة تفرش كان أهالي المدينة يقيمون مراسم عاشوراء في محلة التكية بجوار مزار الإمام زاده محمد. يقول عباس فيض «إن المدفون في هذه البقعة هو الجدّ الكبير للسادة الأفطسيين في تفرش. وبهذا تكون شجرة نسبه كما يلي: أبو محمد حسن بن أبي عبد الله حسين بن علي بن عمر بن حسن الأفطسي بن علي الأصغر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، وجاء في تاريخ قم أن أبا محمد حسن أقام في قرية ترخوران وتوفي فيها ودُفن هناك. إن مبنى مشهد الإمام زاده محمد هو من بنايات العهد الصفوي وزُيّن بالقاشاني والنقوش والتجصيص الخاص في ذلك العهد. إنّ مزار الإمام زاده محمد فيه بقعة ومرقد وصندوق وقبة وصحن وإيوان.
مشهد سر ـ بابلسر
كانت مدينة بابلسر الواقعة في محافظة مازندران تسمى في الماضي مشهد سر. سُميت بهذا الاسم لأنهم يقولون إن رأس الإمام زاده إبراهيم الملقب بالأطهر شقيق الإمام الرضا عليه السلام دُفن في هذا المكان.
تقع بقعة الإمام زاده إبراهيم جنوب شرقي مدينة بابلسر والمعروف أن هذا الإمام زاده (إبراهيم أبو جواب) هو من أبناء الإمام زاده محمد عابد وكان يُشرف على سفر أفراد أسرة الإمام الرضا عليه السلام وأقربائه من المدينة إلى خراسان وبعد أن وصلت أنباء وفاة الإمام عليه السلام تفرق أقرباؤه وكان إبراهيم ممن مضى إلى مازندران واستشهد فيها. إنّ بناية المزار على شكل برج دائري مع سطح مخروطي الشكل وارتفاعه عشرون متراً.
مشهد كاوه (مشهد آهنكران)
تقع قرية مشهد كاوه في محافظة أصفهان، بلرة فريدن، ناحية جادكان على الضفة الشرقية من نهر زاينده رود وعلى مسافة ثلاثين كيلومتراً من مدينة داران. والمعروف أن مشهد كاوه هو مكان مولد كاوه الحداد (البطل الوطني الإيراني في الشاهنامه) يقول مؤلف نصف جهان في تعريف أصفهان إن كاوه هي ناحية تسمى اليوم فريدن ولا يعرف إن كانت هذه الانتفاضة أو الثورة وقعت في نفس القرية أو أن (كاوه) جاء إلى هذه المدينة ليعمل فيها واختار لنفسه مهنة الحدادة. ويقول في أحوال راية الكاوياني إن مبدع هذا في قديم الزمان كان رجلاً من قرية «كودليّه» اسمه (كابي) طغى على الملك بيوراسب ولم يعرف أحد قبله اسماً للراية والعلم ويقول نقلاً عن محاسن أصفهان: وتلك القرية أي (كودليّه) سميت فيما بعد بمشهد آهنكران واشتهرت بهذا الاسم وأن مرقد كاوه وقارن موجودان هناك وأنه بعد وفاتهما نقل جثمانهما إلى هذا المكان ودفنا فيه.
وكما قلنا سابقاً إن كلمة مشهد معناها محل الشهادة وهي مصطلح إسلامي وكانت هذه الناحية تسمى كودليّه أو كواليّه قبل الإسلام وبعد أن اعتنق الإيرانيون الدين الإسلامي تغير اسمها وسميت مشهد وتوجد وسط القرية مقبرة تُنسب إلى كاوه الحداد ويقول المير سيد جناب في «أصفهان» إن كوه الحداد كان رئيساً لمصنع الأسلحة في الجيش وهو من أهالي مدينة فريدن وإن مرقده في مشهد فريدن.
مشهد مرغاب (مشهد أم النبي)
مشهد أم النبي أو والدة سليمان هو نفس مشهد مرغاب يقع في محافظة فارس ناحية مرودشت. يقع مشهد مرغاب في هضبة مرغاب في محل باساركاد القديمة عاصمة كوروش الكبير ومحل قبره ويسميه عامة الناس بقبر والدة سليمان ولهذا سمي هذا المكان بمشهد أم النبيّ أو والدة سليمان. وذكر الدكتور معين أسماء القرى المهمة في الناحية وهي مرغاب، والدة سليمان، قبر كوروش، باساركاد.
مشهد الكوبه ـ أراك
يقع مشهد الكوبة في المحافظة المركزية أراك على مسافة 45 كيلومتراً شمال مدينة أراك.
يشير مؤلف كتاب صورة مدينة أراك في بيانه للمزارات والآثار التاريخية في أراك إلى بناية باسم الأمير إبراهيم وهي من بنايات العهد الصفوي ولها قبة مضلعة وضريح من الخشب الثمين.
مشهد مير بزرك (المرعشي) ـ آمل
يقع مشهد مير بزرك في آمل من مدن محافظة مازندران وهو من الأماكن التاريخية في إيران ويُنسب إلى المير قوام الدين المرعشي. وكان الأمير قوام الدين مسعود الذي يصل نسبه إلى الإمام حسن العسكري عليه السلام ناسكاً متقشفاً يعيش في ضواحي آمل. التحق به بعض الناس كما أن الأمير أفراسياب الجلاوي الذي كان حاكماً على مازندران آنذاك انضمّ إلى أنصاره.
طمع هذا باحتلال مازندران ولما جاء أفراسياب ليزوره رصد عليه عدداً من أنصار الأمير قوام وقتلوه وبذلك أصبحت مازندران من شنوران إلى رستمدار في قبضة الأمير قوام الدين.
استولى السيد قوام الدين على طبرستان سنة 760 وأصبح ملكاً عليها. إن البقعة الحالية لمير بزرك المرعشي تعود إلى القرن الحادي عشر الهجري.
مشهد ميقان ـ أراك
توجد في قرية مشهد ميقان الواقعة في المحافظة المركزية- منطقة أراك. ناحية فرمهن بناية الإمام زاده المعروف بمحمد العابد وكذلك خان خرب قديم يعود إلى عهد الشاه عباس.
يقول مؤلف كتاب صورة أراك عند ذكره الإمام زاده محمد العابد إن الإمام زاده بناية دينية هامة في المنطقة تقع على مسافة 12 كيلومتراً شمال المدينة وهي من بنايات العصر السلجوقي قبتها رومية والجدران من الآجر أُعيد إصلاحها في عهد القاجارية. وربما بسبب وجود الإمام زاده محمد العابد سمي هذا المكان بمشهد.
حميد رضا مير محمدي
مشهد([616])
ـ 1 ـ
يقول المهندس السيد محمد علي الشهرستاني:
على السفوح الشرقية من جبال نيسابور بمنطقة خراسان الواقعة في الشمال الشرقي من إيران تقع مدينة كبيرة عريقة في التاريخ يناهز عمرها ألف سنة هي مدينة مشهد، التي تجمع بين دقة الفن المعماري الإسلامي القديم من المساجد الفخمة والقباب المذهبة والمزينة بالقاشاني الثمين وبراعة الهندسة الحديثة من الشوارع المنسقة والمباني الشاهقة ومعالم المدينة الحاضرة. تعد مدينة مشهد في الحال الحاضر ثاني مدن إيران بعد العاصمة طهران، وهي مركز مقاطعة خراسان الغنية بالمحاصيل والمنتجات الزراعية والمعادن والثروات الطبيعية، والمهمة من الناحية الجغرافية والاستراتيجية لمحاددتها روسيا من الشمال وأفغانستان من الشرق.
ومن الناحية الثقافية فإن جامعة مشهد تضم حالياً ما يقارب الف طالب يتابعون دراساتهم في كليات الطب والعلوم وطب الأسنان والآداب والعلوم الإلهية وإلى جانب هؤلاء هنالك عشرات المدارس الدينية الفخمة التي يقطن فيها ما يزيد عن ألفي طالب يكرسون حياتهم في مدارج العلوم الدينية من اللغة والمنطق والفقه والحديث، وختاماً أصول استنباط الأحكام على أيدي فحول علماء الفقه والأصول بحيث تنتشر اليوم بعثات هذه المدارس في جميع المدن والقصبات الإيرانية من أدناها إلى أقصاها.
يفد على مدينة مشهد كل عام ما يربو عن مليون نسمة من «الزائرين» من جميع الأقطار الإسلامية والمدن الإيرانية. وأن أول ما يجلب التفاتة زائر هذه المدينة المقدسة قبة ذهبية هي قبة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ثامن الأئمة من آل محمد.
ولنا الآن أن نقلب صفحات التاريخ إلى الوراء ونبتدئ من أول يوم سجل التاريخ عن هذه الديار حبراً على ورق.
قال الحموي بمعجم البلدان([617]): «سناباد قرية بطوس فيها قبر الإمام علي بن موسى الرضا وقبر أمير المؤمنين هارون الرشيد بينها وبين مدينة طوس نحو ميل». كانت طوس حتى القرن الثالث الهجري منطقة تحتوي على قصبتين كبيرتين نسبياً هما قصبة «طابران» التي تقع اليوم على نحو عشرين ميلاً من مدينة مشهد وفيها قبر الشاعر أبو القاسم الفردوسي محيي تراث إيران القديم وقصبة «نوغان» وهي اليوم جزء من مدينة مشهدن وهذا الجزء يبعد عن قبر الإمام عليه السلام ما يقارب الميل، وأمّا سناباد فكانت ضيعة وبستاناً، فيها بقعة مقدسة سماها بعض المؤرخين بالبقعة الإسكندرية. وكانت هذه الضيعة لحميد بن قحطبة الذي كان والياً لمنطقة خراسان في أوائل الخلافة العباسية.
في سنة 192 هجرية كان رافع بن ليث بن نصر بن سيار قد شق عصا الطاعة في مرو وما وراء النهر. فتحرك الخليفة العباسي هارون الرشيد بنفسه إلى خراسان لإخماد الثورة وكان برفقته ولده عبد الله المأمون، فاعتراه المرض في الطريق ولما وصل طوس اشتد عليه مرضه وتوفي فيها سنة 193 هجرية ودفن في دار حميد بن قحطبة بسناباد (في البقعة الآنفة الذكر).
وعندما أمر المأمون ببناء بقعة ومقبرة على قبر أبيه هارون وهذه البقعة عبارة عن دار مربعة الشكل محاطة بأربعة جدران ضخمة يبلغ سمك كل واحد منها ما يقرب الثلاثة أمتار وعليها قبة على النمط العباسي الذي كان آنذاك. وقبر هارون الرشيد في وسط هذه الدار، ومنذ ذلك الحين سميت هذه البقعة الهارونية.
بعد وفاة الخليفة العباسي هارون الرشيد استقر ولده عبد الله المأمون في مرو وبعد انتصاره على أخيه الأمين أراد جعل ولي عهده الإمام علي الرضا عليه السلام واستدعاه إلى خراسان.
ولما وصل إلى خراسان أعلن المأمون البيعة بولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وأمر بالدعاء له في المساجد والمنابر. وما أن استقر الأمر له حتى شد الرحال قادماً إلى بغداد. وعندما وصل طوس توفي علي الرضا، وكانت وفاته يوم التاسع والعشرين من شهر صفر 203 هجرية.
فشيع المأمون الجثمان ودفنه في الجهة الغربية من قبر أبيه هارون داخل البقعة الآنفة الذكر. فسميت هذه البقعة منذ ذلك التاريخ بمشهد الرضا وأصبحت مزاراً للمسلمين يفدون إليها من كل صوب ومكان.
وكان في الروضة صندوقان أحدهما على قبر الإمام علي بن موسى الرضا والآخر على قبر الخليفة العباسي هارون الرشيد حتى العهد الصفوي. وقد ذكر عنهما القاضي شمس الدين ابن بطوطة الطنجي الذي زار هذه البقعة سنة 724 هجرية إذ قال:
«والمشهد المكرم عليه قبة عظيمة في داخل زاوية ويجاورها مدرسة ومسجد وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني، وعلى القبر دكة خشب ملبسة بصفائح من الفضة، وعليه قناديل فضة معلقة وعتبة باب القبة فضة وعلى بابها ستر حرير مذهب وهي مبسوطة بأنواع البسط وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد».
كانت البقعة الرضوية منذ مدفن الإمام علي بن موسى على بساطة البناء بدون زركشة أو نقوش حتى عهد آل بويه حيث بيضوا الجدران والسقف بالجص ونقشوا عليها بعض النقوش البسيطة، وكانت كذلك حتى عهد سبكتكين والد السلطان محمود الغزنوي الذي هدم القبة بسبب التعصب الأعمى الذي كان ينفرد به وذلك سنة 390 هجرية.
وبقيت هذه الروضة على هذه الحالة حتى زمن ابنه السلطان محمود الذي ذكر عنه ابن الأثير في كامله هكذا (وجدد السلطان محمود عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا والرشيد وأحسن عمارته وكان أبوه سبكتكين خربه وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم من ذلك وكان سبب ذلك أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام وهو يقول إلى متى هذا فعلم أنه عليه السلام يريد عمار المشهد فأمر بعمارته. وبقيت على هذه الصورة حتى غزو التتر حيث غزوا هذه المدينة وهدموا مبانيها وأحلوا بها البوار، ولكن السلطان سنجر السلجوقي في العهد نفسه أوعز إلى وزيره شرف الدين أبي طاهر بن سعد بن علي القمي بإعادة البناء وترميم البقعة.
فقام هذا بالأمر وبنى القبة من جديد وزين الجدران بالقاشاني الثمين الذي هو باقٍ حتى الآن في القسم الأرضي من الروضة المباركة وكذا زين القبة بالقاشاني النفيس حتى العهد الصفوي.
وفي عهد الأمير شاهرخ بن تيمور كوركان قامت زوجته الملكة كوهرشاد ببناء مسجد فخم للغاية في القسم الجنوبي من المرقد المقدس وهذا المسجد الجامع من روائع الفن المعماري الإسلامي حتى الآن، وقام زوجها ببناء مدرسة في القسم الغربي من المرقد المبارك تسمى اليوم بمدرسة (بالاسر) أي فوق الرأس، وكان بين الجامع والمدرسة والبقعة الرضوية بيوت صغيرة مفصولة عن بعض غير أن الملكة كوهرشاد اشترت هذه الدور وبنت أروقة بين هذه الأبنية وأوصلت الواحدة بالأخرى، هذه الأروقة تسمى اليوم بدار السيادة ودار الحفاظ.
وفي العهد الصفوي وضع ضريح نفيس على قبر الإمام عليه السلام فقد شيد في عهد السلطان طهماسب الصفوي في القسم الشمالي من الروضة أروقة تسمى اليوم: صفة شاه طهماسب ودار التوحيد. كما قام هذا بنفسه سنة 932 هجرية بتبديل قاشاني القبة بصفائح الذهب، ولكن الأزبك عندما غزوا خراسان هدموا هذه الصفائح الذهبية وأخذوها مع غنائمهم.
ومرت الأيام والليالي والحالة هذه حتى زمن السلطان الصفوي القدير الشاه عباس الكبير الذي تحرك من عاصمته أصفهان وقدم مشهد الرضا ماشياً على قدميه لترميم هذه الروضة المباركة وتوسعتها ففي سنة 1010 هجرية أعاد تغليف القبة الرضوية بصفائح الذهب وباشر ببناء القسم الأعظم من الصحن العتيق وزين داخل الروضة بالنقوش والكتابة البارزة من الجص المطلي بالأصباغ الذهبية النفيسة.
ولعل أبرز كتابة موجودة في هذه الروضة هي سورة الجمعة مكتوبة بخط علي رضا العباسي أبرز الخطاطين في خط الثلث وذلك سنة 1014 هجرية وكذا شيدت في العهد الصفوي أروقة عديدة لا مجال للتفصيل عنها.
وفي سنة 1084 هجرية حدثت زلزلة عنيفة أدت إلى حدوث شق كبير في القبة الذهبية، وانفصل من جراء هذه الزلزلة دار السيادة عن المرقد الشريف فباشر السلطان سليمان الصفوي بترميم الروضة وأكمل هذا الترميم سنة 1086 هجرية. ومرّ زمن ليس بقليل على هذا المنوال حتى عهد السلطان القاجاري «فتح علي شاه» الذي شيد الصحن الجديد، وهو واقع في القسم الشرقي من الروضة المباركة.
وفي سنة 1275 هجرية على عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري أُعيد تزيين المرقد المقدس وغُلّفت الجدران بالزجاج المزركش والمرايا المنقوشة بقطعات صغيرة من المقرنص، ومنذ ذلك الحين لم يحدث أي تغيير أو تبديل أو إضافة تذكر في مباني هذه البقعة المقدسة حتى قبل عامين.
إن الذي رأى مشهد الرضا من يوم دفن الإمام عليه السلام حتى السنة الماضية كان يلاحظ أن بين الضريح أو دكة القبر والجدار الغربي فسحة ضيقة للغاية يبلغ عرضها حوالي 80 سنتيمتراً وذلك على أثر دفن الإمام في الجهة الغربية من قبر هارون الرشيد الذي دفن في وسط البقعة الهارونية التي بناها المأمون، وهذا الممر الضيق كان سبباً للزحام الشديد والأعياء الكثير الذي كان يعانيه الزائر حين طوافه بالقبر خاصة في السنوات الأخيرة التي بلغ فيها عدد الزائرين لقبر الإمام ما لا يقل عن خمسين ألف نسمة في الأيام المباركة وأغلب أيام الصيف.
مما حدا بالمسؤولين إلى التشبث بالمهندسين الاستشاريين الأوروبيين لتوسعة هذا الممر، غير أن النتائج كانت سلبية بعد إجراء الكشف على البناء. ولكن شاء الله أن يمن على عبد ضعيف وينجز هذه المهمة العظيمة بيد مسلم مؤمن بعظمة صاحب البقعة مستمداً قواه من قدرة غير بشرية.
ففي سنة 1383 هجرية قدمت طلباً إلى نائب تولية الروضة المقدسة لمنحي إجازة توسعة البقعة المباركة وتقبلت فيه تبعات هذا العمل الخطير ومسؤوليته. وبعد اللتيا والتي منحت لي هذه الإجازة وباشرت بالعمل رغم الصعوبات والعقبات العديدة حتى رفع الجدار الغربي من الروضة المباركة بعد ألف ومائة واثنتين وتسعين سنة، وبقيت قبة وزنها يقارب ألفاً وثلاثمائة طن معلقة في الهواء بإعجاز هندسي معماري من غير أن يغلق الممر الآنف الذكر حتى ساعة واحدة، والزائرون الطائفون بالمرقد الشريف لم يعلموا بما كان يحدث حتى ليلة التاسع من شعبان سنة 1384 حينما شاهدوا أن الممر الضيق الذي كانوا يمرون منه قد بدل من 80 سنتيمتراً بما يقارب الثمانية أمتار.
وبما أن البسط والتفصيل عن هذا العمل خارج عن غاية المقال فإني أكتفي بهذا القليل. كما وأحدثت أروقة جديدة من بين الجدران الضخمة التي كانت تحيط هذه البقعة والتي كانت زائدة من دون جدوى. وأهم هذه الأروقة الجديدة في القسم الغربي من الروضة استبدل من الطابوق بالخرسانة المسلحة وزين من جديد بأنفس الأنواع من القاشاني، وقسم منها بالقاشاني المطعم بالحروف الذهبية البارزة من الآيات القرآنية المناسبة بالمقام.
أمّا مدينة مشهد فبعد مدفن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فقد أصبحت مزاراً للمسلمين يفدون إليها ويقطنونها ويستوطنون فيها. وأول من بنى سوراً لهذه المدينة هو سوري بن معتز بأمر من السلطان محمود الغزنوي وكان قطر المدينة آنذاك لا يزيد عن ميل واحد، ولكن هذا السور هدم في الغزوات العديدة التي شنها التتر في العصور المختلفة على هذه المدينة في عهد السلطان سنجر السلجوقي الذي أعاد ترميم الروضة وبنى للمدينة سوراً أوسع من ذي قبل.
وعلى ما وصفه المؤرخون كانت سعة المدينة في ذلك الحين حوالي أربعة أميال مربعة ولكن هذا السور هدم أيضاً على أثر غزوات الأزبك حتى زمن السلطان طهماسب الصفوي الذي بنى سوراً واسعاً حول المدينة كان يضم بالإضافة إلى المساكن الموجودة فيها مقداراً واسعاً من الأراضي الزراعية وذلك للاستفادة منها عند محاصرة المدينة ومنذ ذلك الزمن بدأت مدينة مشهد بالتوسع والنمو إلى أن أصبحت مساحتها المأهولة بالسكان اليوم ما لا يقل عن خمسة وعشرين ميلاً مربعاً يقطنها أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة معظمهم من أصحاب المهن والصناعات وفيها حالياً مصانع مهمة كمصنعين للسمنت ومعامل لتعقيم الألبان وتعليب الفواكه وما إلى ذلك من الصناعات الخفيفة والثقيلة أهمها صناعة السجاد.
كما وأن موقع مدينة مشهد من الناحية الجغرافية كان سبباً لبناء أكبر محطة عالمية فيه وكذا إنشاء أوسع مطار في الشرق، ذلك بالإضافة إلى مرور الطريق الرئيسي الآسيوي في هذه المدينة.
أمّا من الناحية الثقافية والعلمية فإن مشهد الرضا على وجه التخصيص وطوس بالوجه الأعم كانت مهد العلوم العقلية والفقهية، والأرض الخصبة لنمو عظماء الرجال وكبار الفلاسفة والمفكرين منذ البداية حتى الحاضر.
وكانت محط أنظار المتعلمين في أنحاء المعمورة، فنبغ فيها فحول العلماء من المهاجرين إليها والمتولدين بها ولنا أن نذكر على وجه الإجمال بعض هؤلاء الذين ذاع صيتهم في شرق العالم وغربه وعرفهم الصغير والكبير.
من بين هؤلاء أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي صاحب كتاب احياء العلوم ومدرس النظامية ببغداد وحسن بن فضل بن حسن الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان الذي يعد من مراجع كتب التفسير. وكذا محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي المعروف بالشيخ البهائي أو بهاء الدين العاملي. ومنهم الشيخ محمد بن حسن بن علي الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة والجواهر السنية … من مراجع كتب الحديث، وأبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الملقب بالزمخشري صاحب تفسير الكشاف وأبو جعفر محمد بن حسن الطوسي صاحب التهذيب والاستبصار وتفسير التبيان وغيرها والفيلسوف العالم نصير الملة والدين محمد بن حسن الطوسي الحكيم والفلكي المعروف، والمحدث الفقيه أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي صاحب الخصائص والسنن وكذا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الفقيه الشافعي وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل، والعالم اللغوي الشهير عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي صاحب كتاب فقه اللغة ويتيمة الدهر وسحر البلاغة.
ثم العالم المنطقي المعروف سعد بن عمر بن عبد الله التفتازاني مصنف كتاب التهذيب في المنطق والمطول في المعاني والبيان، وأبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي المعلم الثاني، والعالم الرياضي الحكيم عمر الخيام.
هؤلاء هم بعض الذين نبغوا في أرض طوس وتركوا للعالم آثاراً أبدية وذكرى خالدة يمجدهم الدهر في كل عصر من عصور التاريخ.
وأمّا مراكز العلم والتدريس فقد كانت في الصدر الأول المساجد الكبيرة التي كانت معهد التعليم في ساعات الصلاة، إلى أن دعت الحاجة لتأسيس المدارس حيث يمكن لطلاب العلوم السكن فيها ومواصلة البحث والدراسة في ساعات الفراغ فأسست وشيدت مدارس دينية عديدة في هذه المدينة ومعظمها اليوم مأهولة بالطلاب. وأهم هذه المدارس ما يلي:
1 ـ مدرسة بالاسر (فوق الرأس) وهي أقدم مدرسة شيدت في مدينة مشهد الرضا وعلى ما ذكرناه آنفاً شيدها الأمير شاهرخ بن تيمور سنة 810 هجرية.
2 ـ مدرسة بربزاد ـ بنتها سيدة جليلة تسمى بربزاد وهي من أقارب الملكة التيمورية كوهرشاد التي بنت المسجد الجامع المعروف في هذه المدينة وكانت سنة تأسيسها 823 هجرية.
3 ـ مدرسة دو در التي بناها غياث الدين أمير يوسف خواجة بهاء أحد قادة شاهرخ التيموري وذلك سنة 843.
4 ـ مدرسة خيرات خان التي أسسها رجل خير يدعى خيرات خان سنة 1057 هجرية.
5 ـ المدرسة الباقرية التي أسسها الملا محمد باقر السبزواري وهو من مشاهير علماء العهد الصفوي وصاحب كتاب الكفاية في الفقه وذلك سنة 1086 هجرية.
6 ـ مدرسة النواب وهي أهم مدارس مشهد حالياً شيدها النواب أبو صالح النقيب الرضوي سنة 1086 هجرية.
7 ـ مدرسة عباس قلي خان التي أسست سنة 1077 هجرية.
8 ـ مدرسة حاج حسن التي شيدت في العهد الصفوي سنة 1090 هجرية.
9 ـ مدرسة ميرزا جعفر وهي أكبر مدارس مشهد من حيث السعة والمساحة بناها ميرزا جعفر بن حاج محمد التقي من تجار مشهد المعروفين آنذاك وكانت سنة تأسيسها 1091 هجرية.
10 ـ مدرسة رضوان التي أسست سنة 1091 هجرية.
11 ـ مدرسة سليمان خان التي شيدها اعتضاد الدولة سليمان خان قاجار سنة 1210 هجرية.
12 ـ مدرسة إبدال خان التي أسست سنة 1273 هجرية. وبالإضافة إلى المدارس الآنفة الذكر هناك مدارس قديمة متروكة أهمها مدرسة المستشاري وعلي تقي ميرزا وسعد الدين ومدرسة حاجي أتاجان.
يسكن هذه المدارس اليوم ما يقرب ألفين ومائة طالب يتابعون فيها دراساتهم، كما أن هناك عدداً كبيراً من الطلاب يسكنون خارج هذه المدارس والجميع مقسمون إلى حوزات علمية متعددة في كل موضوع من المواضيع الفقهية واللغوية والفلسفية وغيرها.
ومما يجدر ذكره أيضاً هي المكتبات العامة المهمة في هذا البلد والتي يرجع إليها الطلاب والمحققون في أبحاثهم وإعداد رسالتهم وأهمها المكتبة الرضوية وهي مكتبة واسعة النطاق مهمة للغاية، تابعة لإدارة الأوقاف الرضوية.
تحتوي هذه المكتبة ما لا يقل عن سبعة وأربعين ألف مجلد، فيها حوالي تسعة آلاف وخمسمائة مجلد مخطوط من بينها كتب نفيسة جداً كالقرآن المكتوب بخط الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وكذا القرآن المكتوب بخط الإمام الحسن بن علي عليه السلام وهكذا بخط الإمام علي بن الحسين والقرآن الذي بخط الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. وما إلى ذلك من نفائس عديدة لا مجال لعدها في هذا المقال.
يحضر هذه المكتبة سنوياً حوالي 200 ألف شخص للقراءة والمطالعة والمكتبة تعير الأشخاص حوالي أربعة آلاف كتاب سنوياً للاستفادة منها خارج المكتبة.
ويبدو من تاريخ وقف بعض المصاحف أن نشوء المكتبة كان في العصر الديلمي. وفي عام 681 كانت حافلة بالكتب كما يدل عليه ما ذكر على ظهر كتاب روض الجنان الموقوف على المكتبة.
ولما هاجم الأوزبكيون المشهد ودخلوه كانت المكتبة حافلة بمجموعة من المصاحف بخطوط الأئمة وخطوط الكتّاب المبدعين المعروفين فضلاً عن الكتب العلمية باللغة العربية واللغة الفارسية مما لا يحصى. فنهب الأوزبكيون تلك الكتب فتلف بعضها وبيع بعضها وذهبت المكتبة.
ولما قضى الصفويون على الفتنة الأزبكية وأعادوا إنشاء المكتبة صار العلماء يوقفون عليها كتبهم وفي طليعتهم بهاء الدين العاملي.
وفي عهد نادر شاه الأفشاري نقل إليها المكتبة الملكية الصفوية التي كانت في أصفهان وتوالت العناية بها حتى العصر الحاضر حيث شيدت بنايتها الضخمة المكونة من ثلاث طبقات.
وبالإضافة إلى هذه المكتبة الفخمة هنالك مكتبات أخرى كمكتبة جامع كوهرشاد ومكتبة مدرسة النواب ومكتبة مدرسة ميرزا جعفر ومكتبة جامعة مشهد ومكتبة المعارف العامة وما شاكلها مما له الأثر النافع في تثقيف الجيل الحاضر.
أمّا من حيث العلوم الجديدة فإن لمشهد مكانة مرموقة بين الأوساط العلمية والثقافية، ففيها جامعة تضم خمس كليات: كلية الطب، كلية طب الأسنان، كلية العلوم، كلية الآداب، وكلية الإلهيات والعلوم الإسلامية، وتعدّ العدة الآن لتأسيس كلية الزراعة وعدد طلاب هذه الكليات في الحال الحاضر حوالي ألف طالب وطالبة. وبالإضافة إلى هذه الجامعة هنالك معهد مهني زراعي ومعهد للتربية والتعليم كل ذلك على أثر حاجة هذه المدينة لتوسعها السريع وتقدمها المتواصل.
المهندس محمد علي الشهرستاني
مشهد
ـ 2 ـ
لم تزدهر هذه المدينة كما يجب، حتى القرن السابع الهجري. أضف إلى ذلك ما أصابها من هجمة المغول عليها وعلى سائر المدن الكبيرة الأخرى كطوس ونيسابور، مما لم يبق منها إلاّ الدمار الشامل والخراب.
وبعد انقضاء هذه الفترة أصبحت الظروف فيها مؤاتية للعمران والتوسعة.
وعند مجيء الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل سرعان ما ظهر فيها أثر العمران والاتساع، وكان من ذلك إقامة السور وشق الشوارع المعروفة فيها بـ (بالا خيابان) و(بائين خيابان) التي هي من صنع هذا العهد.
وازدادت أهميتها بعد تصدي نادر شاه الأفشاري لزمام السلطة واختياره لها عاصمة له حيث بلغ سكانها حينئذٍ، (250,000 نسمة) ولكن بعد زوال الأفشاريين أخذت بالتراجع وبعد استيلاء رضا بهلوي على السلطة ابتداءً من سنة 1920م وحدوث تطورات على البلاد، كانت مشهد فيما شملته تلك التطورات، فهدم سورها سنة 1931م وبتحديث الشوارع وتوسيعها تمزقت أحياؤها المعروفة القديمة مثل: نوقان، وسراب، وبالاخيابان، وبائين خيابان، وعيدكاه، وسناباد، وسرشور.
ورافق ذلك ازدياد عدد سكانها حيث ارتفع العدد من خمسين ألف نسمة في سنة 1896م إلى (176471) نسمة في سنة 1941 ثم وصل سنة 1976 إلى ما يقارب الـ (667777) نسمة كما اتسعت رقعتها إلى 78 كلم2.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية ازداد هذا العدد سنة 1996 إلى ما يقارب (1,870,000) نسمة وتوسعت مساحتها إلى ما يقارب الـ (200 كلم2) . وتزامناً مع تطورات كانت أكثرها سكانية احتفظت هذه المدينة بمعطياتها الهيكلية فالحيز المركزي لها لا سيما الأحياء السكنية فيها لم تتأثر كثيراً بهذه التطورات بل بقيت محتفظة ببنيتها التقليدية.
إنّ نسج المدينة القديم يتضمن مساحة تقارب (11689 هكتاراً) وعلى عدد سكان يقارب الـ (165087) نسمة حتى سنة 1991.
وبالرغم من استقرار النواة المقدسة، وهي وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام التي تبلغ مساحتها ما يقارب الـ (70 هكتاراً) مضافاً إلى وجود النواة التجارية الأصيلة نجد أنّ في هذا الحيز وفي نطاق الأسواق التجارية العامة عناصر أخرى لها دورها كالاحياء السكنية ومئات المساجد والحسينيات ومراقد الأعلام ومنازل القوافل القديمة.
وتجري توسعة حرم المرقد الرضوي بمباشرة هيئة الآستانة الرضوية بسعة 57 هكتاراً وقد بدئ بذلك سنة 1981م.
ويجري تحديد المسجد القديم بأطراف الحرم المطهر الذي بدئ به سنة 1992 في مساحة سعتها 337 هكتاراً حيث 57 هكتاراً منها مساحة الحرم الرضوي ويعترض ذلك عدة أمور منها: أنّ إنجاز مثل هذا المشروع الضخم الذي يشمل تجديد المدينة بهذا الحجم الكبير يتطلب تحديث المنطقة بكاملها وهذه سوف تواجه مشاكلها عويصة كالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية للسكان ومحو الهوية التقليدية التاريخية كلياً وبالنتيجة انقراض القسم التراثي منها وهذا يعني انعدام المظاهر الأثرية التي تتمتع بها المدينة.
إنّ من أبرز المباني التي تتمتع بالتراث الثقافي والتي تعتبر من النوادر الثقافية في نوعيتها وما تتمتع به من شتى آيات الجمال التي تفوق التصور البشري هي مجموعة الحرم الطاهر للإمام الرضا عليه السلام وهي في مساحة تقدر بـ (57) هكتاراً مع ما تحتويه من عشرات العناصر المتفاوتة والمترابطة مع بعضها البعض: المساجد والمدرسة والمكتبة والمتحف والجامعة.
فمسجد كوهر شاد الذي تمتد عراقته إلى ستة قرون في مساحة مقدارها عشرة آلاف متر مربع هو من الكنوز العظيمة للفن المعماري التيموري.
أما الأثر التاريخي الآخر فهو المدينة نفسها مع مجموعة الحرم الطاهر وكذلك مسجد (هفتاد ودوتان)، وتعني الاثنان والسبعون والذي كان يعرف بـ (مسجد شاه)؛ ثم مدرسة بريزاد، ومدرسة دودر (ذات بابين) هي كلها من مخلفات العهد التيموري النادرة في نوعها تاريخياً.
أمّا المباني التراثية الأخرى التي هي كذلك ذات قيمة تاريخية أمثال مقبرة نادر شاه، كنبت خشتي، وكنبت سبز، وقبر سبز، ومقبرة بيربالان دوز، وعشرات المباني القديمة الأخرى الأثرية التي هي من ذكريات ومخلفات العهد الماضي ذات القيم المعمارية والاجتماعية والدينية المُزدَانه بقيمها التاريخية لمدينة مشهد فهناك (21 مدرسة علمية، دينية، و140 مسجداً و150 حسينية و70 منزلاً لنزول القوافل و20 مخزناً لخزن المياه. هذه كلها موجودة في الحيز القديم للمدينة.
إنّ المسيرة الزمانية والمكانية لتشكل النسيج الهيكلي للمدينة بدأت من سنة (202هـ) وامتدت إلى سنة 1996م وهذا يظهر لنا كيفية هذا السير التكاملي التاريخي والحضاري لها.
فالفترة الزمنية المحددة والممتدة إلى 1200 سنة هي المظهر العيني للمصادر المادية والثروة الثقافية لسائر العهود الماضية وتتجلى كل هذه المظاهر في خلال التدقيقات في النسيج المشوه فيها كأمثال المعابر الملتوية الشديدة الالتواء، وصولاً إلى النسيج المنتظم بالشكل الشطرنجي المعاصر.
إنّ الحدود التاريخية للنسيج القديم لمدينة مشهد هي الصورة المعبرة للتغيرات الهيكلية لشكل المدينة نفسها من بداية نشوئها وإلى ما يقارب 1921م وهي في مساحة تبلغ سعتها (11689) هكتاراً وهي تعتبر من الكنوز الغنية لما تحمله من ذكريات قلّ نظيرها في الجمال تاريخياً.
وقد مرّت الإجراءات التخريبية المتزايدة على هذه الآثار التاريخية التي تحتويها هذه المنطقة بالذات على طول الفترة الزمنية الطويلة أضف إلى ذلك طروء بعض التداخلات غير المدروسة فيها التي سببت تخريب وهدم المئات من الأبواب والأبراج والسور والمقرات الحكومية والمساجد والحسينيات والمدارس ومخازن المياه الطبيعية ومنازل القوافل القديمة والأسواق وعدد كثير من المباني الحكومية. إنه يمكن كشف هذه المسيرة التكاملية للمدينة، وحضارتها البشرية من خلال زوايا أزقتها الملتوية التي هي ظاهرة في الأحياء القديمة للمدينة.
فعظمة حي نوقان مستوحاة من فكرة وجود المسجد الأول الذي صلى فيه الإمام عليه السلام. ثم ورود بعض التلميحات في التاريخ في خصوص نساء هذا الحي اللواتي بذلن مهورهن لأزواجهن بغية سماحهم لهن بالخروج من المنزل للمشاركة في تشييع جنازة الإمام عليه السلام. وكذلك حي تب محلة مع سوقه الصغير، وبجانبه المقهى التقليدي الموجود فيه وهو النادر في أمثاله. ثم وجود الكثير من المساجد والمخازن للمياه التي هي نماذج حية تظهر قيمة المدينة وسلوكها ضمن الآثار القديمة لمدينة مشهد نفسها.
وما يؤسف له أن هذه المعالم التاريخية الجليلة، الاجتماعية منها والتاريخية والتراثية، أي كل هذا النسيج القديم وقع فريسة لغضب نار التجارة والإتجار الغاصب، لوقوعه ضمن الخارطة الجديدة، لتحديث النسيج الجديد في أطراف الحرم الرضوي الذي تبنته شركة مسكن سازاي.
ومن المميزات الأخرى التي يمكن أن تتشخص المدينة التاريخية في الجملة هي معرفة التركيب السكاني فيها لا سيما نسبة الأفراد غير المقيمين فيها مقارنة مع القاطنين.
فعلى أساس الإحصائيات والمعلومات فإن نسبة عدد زوار المدينة ومقارنة بالعدد السكاني العام لها هو بين 68/98 % على أن هذه النسبة تصاعدت فجأة سنة 1991 فبلغت 9/88 % فكان النمو السكاني المتوسط للمدينة في في فترة 63 سنة بين 18/6 % وأما العدد التصاعدي للزوار فبلغت نسبته 1/8 % وهذا يدل على النمو النسبي لزوار هذه المدينة مع المقارنة بنسبة القاطنين فيها؛ وإجمالاً فإن فترة 63 سنة تراوحت فيها النسبة بين عدد الزوار وعدد السكان بشكل عام فكانت 4/77 % وهذا العدد مرتفع جداً مما ينبئ بأن يصل هذا العدد في عهد غير بعيد إلى 5/4 ملايين نسمة ويصل عدد الزوار إلى ما يقارب(26,312,000) نسمة وبالنتيجة فان ازدياد نسبة عدد الزوار الى عدد السكان تكون 97/82 %.
وبعد التحقق من تركيبة العدد السكاني يظهر لنا غلبة عدد الزوار على عدد السكان وبنتيجة هذه الإحصائيات نصل إلى أن مدينة مشهد تعتبر مدينة سياحية على ضوء ما بيّنا بالنِسب العددية المتفاوتة بين الزوار وبين غيرهم والسير المتحرك لعدد السكان القاطنين وغير القاطنين (الزائر والمسافر) فمدينة مشهد كما يلي:
| سنة الإحصاء | عدد الزوار | العدد الثابت لسكان المدينة | المجموع العام لسكان المدينة | النسبة المئوية لعدد الزوار |
| 1928 | 100000 | 45000 | 45000 | 96/68 |
| 1930 | 100000 | 45000 | 45000 | 96/68 |
| 1949 | 350000 | 198618 | 548618 | 8/63 |
| 1951 | 420000 | 219183 | 639183 | 7/65 |
| 1953 | 740000 | 232530 | 972530 | 1/76 |
| 1967 | 1500000 | 433497 | 1933497 | 6/77 |
| 1976 | 6277203 | 667770 | 6944973 | 4/90 |
| 1981 | 6440141 | 953331 | 7393472 | 91/87 |
| 1986 | 9730000 | 1463508 | 11198508 | 9/86 |
| 1991 | 14000000 | 1743000 | 14743000 | 9/88 |
| التنبؤ 2016 | 26312000 | 5400000 | 31713000 | 97/82 |
ومن أبرز المميزات التي يمكن بها معرفة خصوصيات المدينة التاريخية إجمالاً هي معرفة التركيبة المهنية في أقسامها الاقتصادية المتنوعة باعتبارها السبب الرئيسي لمظهر من مظاهر المدينة، لأن المنجزات والمظاهر التاريخية القديمة هي التي تخلق أمثال هذه الفرص العملية والمهنية وتهيئ الأرضية للنشاطات المختلفة الأخرى كعمليات البيوع بصورة مفرقة وإدارة الفنادق والصناعات اليدوية وتنظيم أسطول النقل والانتقال وما يتطلب من ترتيب كعملية التخزين وغيرها من الأمور الاخرى التي هي بالنهاية نتيجة لكل هذه المسائل المذكورة. فالدراسة التي أجريت في هذا المضمار خلال فترة (20 سنة) لكلٍ من أصحاب هذه الحرف وفي مختلف المجالات الاقتصادية في مدينة مشهد خاصة أظهرت نتائجها مختلف هذه التطورات وأفادت بتراجع النسبة المئوية للأقسام الزراعية فيها كما تشير الأرقام التالية إليها ـ 2/6 % في سنة 1956 إلى ما يقارب ـ 7/2 % ـ في سنة 1986 وأما النسب المئوية لأصحاب الحرف خاصة الخدماتية منها فنرى أنها في حالة الارتفاع حيث بلغت 2/54 % إلى 6/63 % فيدل هذا التحليل في مختلف مجالات الإحصاء بأن للخدمات دور أكبر من غيرها في هذا المضمار حيث إن الجانب السياحي (الزيارة) لمدينة مشهد باعتباره يجلب الملايين من الزوار من مختلف أنحاء إيران والعالم فإن لهذا الجانب أهميته البالغة في ازدياد هذه النسب المئوية خاصة في حقل النشاطات الخدماتية فيها لما يحتاجه الزوار والمسافرين القاصدين لهذه المدينة المقدسة وهذه تتلخص في الجدول التالي:
| الترتيب | السنة
الإحصائية |
النسبة المئوية لأصحاب المهن المختلفة من الناحية الاقتصادية | ||
| الزرعة | الصناعة | الخدمات | ||
| 1 | 1956 | 2/6 | 5/39 | 3/54 |
| 2 | 1966 | 2/4 | 8/40 | 55 |
| 3 | 1976 | 8/2 | 39 | 2/59 |
| 4 | 1986 | 7/6 | 7/22 | 6/63 |
وكذلك فإن النسبة المئوية لوجود كثير من المعامل المستقرة في الحيز القديم للمدينة تظهر الدور النوعي الذي تلعبه هذه المعامل وما تنتجه من المنتوجات المختلفة.
فمثلاً النسبة المئوية في الحي المسمى بـ «سر شور» للمعامل وأنواعها التي لها طابع تجاري كالمقاهي والفنادق هي 2/59 % وهي من جملة المصاديق الخدماتية المخصصة للشريحة غير القاطنة والزوار فيها.
ومن المميزات المهمة لمعرفة خصوصية المدينة التاريخية هي معرفة نوعية دخلها الاقتصادي لأن المدينة التاريخية هي المدينة التي يؤمن جلّ اقتصادها من واردات الأنشطة السياحية وظهر من الدراسات التي أجريت بأن نسبة تواجد الزوار والمسافرين في مدينة مشهد تتراوح ما بين (8/3) أيام من أيام سنة 1986 وكان الدخل الاقتصادي لها من تردد عدد المسافرين الذين بلغ عددهم ما يقارب 735/9 مليون نسمة والذين بلغ معدل مصروف الفرد الواحد منهم 7/13092 ريالاً ويعني ذلك بأن بلغ مجموع الدخل الوارد 127 مليار ريال.
إن من الأمور الأخرى التي لها الأهمية البالغة في جلب الناس إليها هي وجود الآثار التاريخية الكثيرة في أطراف المدينة ونواحيها أضف إلى ذلك وجود المناخ الملائم للإقليم ووجود المناظر الطبيعية فيها وما تحتويه من الحيوانات الوحشية المنتشرة في أنحائها.
إنّ مدينة مشهد من المدن التي تحتوي على كثير من هذه الأمور فالآثار التي فيها أمثال مقبرة خواجه ربيع ومقبرة خواجه أبو الصلت ومقبرة خواجه مراد ثم وجود العين المسماة (كيلاس) وبندكلستان وسد كارده وشلال أخلامد ومصايف وكيل آباد ووجود الأودية الجميلة الخلابة في منطقة قرطبة وشام ديز وزشك ووجود البيئة المناسبة والمرغوبة جداً في فصل الصيف أضف إلى ذلك وجود الحرف اليدوية المحلية. كل هذه العوامل تساعد على جلب الزوار والمسافرين غير القاطنين فيها إليها([618]).
كتاب تاريخ مشهد
صنيع الدولة محمد حسن خان من مشاهير أدباء الفرس تولى منذ أكثر من خمس وثمانين سنة النظر في ديوان الطباعة الفارسية وله آثار أهمها كتاب تاريخ مشهد خُراسان في مجلدين كبيرين بين يدي منهما المجلد الثاني وهو أهم من الأول يقع في 500 صفحة كبيرة والكتاب نفيس في بابه نادر الوجوه طبعت منه نسخ قليلة سنة 1303 في طهران وتفرّقت فأوشك أن يعود الكتاب أثراً بعد عين.
وبدأ المؤلف بذكر ما لمشهد خُراسان من الخطر والمنزلة وأن مدينة طوس من المدن المقدسة ثم ذكر اعتدال هوائها وتوفر مائها وكثرة جنانها وأشجارها وثمارها وغير ذلك من مزاياها الطبيعية والاعتبارية وأوضح فائدة البحث عن تخطيط المشهد وتعريف البقاع والأماكن والبنايات والآثار الباقية فيه وإيراد الحوادث التاريخية التي طرأت على مدينة مشهد خُراسان وترجمة الرجال الذين نبغوا أو جاوروا فيها إلى هذا ونحوه. وقال إن هذا الموضوع لم يستوفِ أحد البحث فيه على ما يجب أو بعض ما يجب من متقدم أو متأخر وذلك أن استفحال عمران مشهد خُراسان أو مدينة طوس كان بعد سقوط همم الباحثين والمخططين وأهل الرحلات من العرب الأولين الذين جابوا بلاد الفرس وما وراء النهر. وأما المتأخرون من الإفرنج فإنهم وإن طلبوا ذلك طلباً حثيثاً ووقفوا على ما يمكن الوقوف عليه لهم إلاَّ أنه كان ممتنعاً على مثلهم غالباً التغلغل داخل العمارات والمشاهد المهمة. ثم استشهد على عظيم اهتمام هؤلاء القوم بموضوع هذا الكتاب بما جاء في الصفحة 269 من المجلد الثاني من كتاب (تذكرة السياحة) أو (توردومند) المطبوع سنة 1861 في باريس عن الرحالة الروسي (نيكولا خانيكوف) الذي جاب بلاد خُراسان وأفغانستان ففيه أن الموسيو ـ يون سنت مارتن ـ قرأ في نادي «جمعية الجغرافيا» الباريسية في جلسة مارس سنة 1861 تقريراً عن أعمال (خانيكوف) الكبيرة واكتشافاته الجديدة في أصقاع خُراسان التي أماط النقاب عنها سنة 1859 وورد في هذا التقرير أيضاً أنه لم يكن قبل ظهور خانيكوف في اليد شيء عن حالة (المشهد) المقدس والأبنية التي فيه إلاَّ بعض ما ينقل عن المسافرين وبعض المتجولين وهو من النقص والاختصار بمكان فيجب أن تقدر أعمال هذا الرحالة وأن يوضع حيث أنزلته همته العالية وقد نبّه ذكر خانيكوف بأبحاثه عن تركستان والقوقاس وبسطه الكلام في خططها وأديان أهلها ومذاهبهم المختلفة وسلائلهم وقبائلهم وغير ذلك ولكن أجدر أعماله بالذكر بحوثه المفيدة في شمال إيران وخاصة بلاد خُراسان فقد جبر بها وهنا للعلم وسد فراغاً كان ظاهراً فيه.
ثم ذكر المؤلف أن رسالة خانيكوف عن خُراسان التي استحقت كل هذا الثناء ليست إلاَّ 19 قائمة أكثر ما فيها صور مختلفة ونقد بعض الأوضاع ونقل بعض الخرافات التي لا أصل لها ونحو ذلك مما لا فائدة فيه.
وقال: إني آسف جداً على أن أعضاء الجمعية الجغرافية لم يعلموا بعد وضع كتابنا هذا أن الثلمة التي زعموا أن خانيكوف سدها ببضع قوائم من كتابه أنّا قد توفقنا إلى سدها بأضعاف أضعاف ذلك. ثم شرع بإيراد أقوال السائحين والمجتالين والمؤلفين في الخطط من أهل المشرق في مشهد خُراسان.
أقوال الشرقيين في مشهد
أغفل ذكر المشهد جماعة من علماء العرب منهم ابن خرداذبة والمقدسي وأبو الفداء وذكرها الإصطخري وابن حوقل وزكريا بن محمد بن محمود القزويني في كتاب آثار البلاد وياقوت الحموي وابن بطوطة، أما كتّاب الفرس فقد ذكرها صاحب كتاب (نزهة القلوب) وذكرها الأمير زين الدين محمد في كتاب (زينة المجالس) والقاضي نور الله التستري الحسيني في (مجالس المؤمنين) وأحمد الرازي في (هفت إقليم) وميرزا حسن الزنوزي في (رياض الجنة) وفرهاد ميرزا في كتاب (جام جم) وميرزا رضا قلي خان من مشاهير حملة السيف والقلم في العهد القاجاري وقد أثبت المؤلف نصوص أقوال هؤلاء واجتزأت أنا بالإشارة إذ ليس القصد تعريب كل ما في الكتاب ثم أنه عاد إلى إثبات أقوال الغربيين في هذا السبيل.
أقوال الغربيين
ذكر المشهد من الإفرنج (فورشاير) الرحالة الإنكليزي في المجلد الثاني من رحلته وقد اجتاز بها سنة 1783 والسرجون مَلكُلمْ سفير إنكلترا على عهد فتح علي شاه ذكرها صاحبه (ماكدونال كينير) في كتابه (جغرافية إيران) والرحالة الإنكليزي (فيروزور) قد مرّ بها في منتصف القرن التاسع عشر وعاشر طائفة من خاصة أهلها وتظاهر بالإسلام توصلاً إلى مقاصده فنجح والمتجول (هانوي) في رحلته إلى بلاد الروس وإيران سنة 1743 وقد تمكن من الدخول إلى نفس المشهد وأفاض في تاريخه القديم والحديث وأورد فصولاً شائقة عن البلدة وأحصى مدارسها وعدد طلابها وذكر أوقافها وأجناسها إلى غير ذلك.
وذكرها أيضاً الدكتور (ريتر) الألماني من أساتذة جامعة برلين وأعضاء المجمع العلمي في كتابه (خطط إيران) بالألمانية وكثيراً ما يعتمد على كلام فيروزور المتقدم ذكره والمسيو (كنولي) وقد مرّ عليها مجتازاً إلى الهند سنة 1823 وقال إن مدينة طوس أوسع محيطاً من هراة إلاَّ أنها أقل منها سكاناً وبحث عن التجارة وأحوالها هناك والمسيو (فريه) الرحالة الفرنسي ماراً بها سنة 1854 في المجلد الأول من رحلته وصف منظر البلاد الطبيعي وأورد نبذة من تاريخها وغير ذلك. وتعددت له أغلاط أشار إليها مؤلف الكتاب غير أن أغلاط (خانيكوف) الرحالة الروسي المتقدم أكثر وقد نبّه عليها المؤلف فمنها قوله: إن مشهد وطوس واقعة في أقصى خُراسان مع أن أقصى ديار خُراسان بلخ.
وقوله: إن الكتابات في أثر المشهد لا يرتقي تاريخها إلى أبعد من عصور الصفويين والحالة أن قسماً منها يرتقي تاريخه إلى زمان السلاجقة والمغول كما سيجيء إلى غير ذلك من أوهامه. ثم أن المؤلف أورد لنفسه فصلاً من تاريخ ظهور المشهد وعمران المدينة.
ظهور المشهد وعمران المدينة
حاصل ما أورد المؤلف هنا أن مدينة مشهد خُراسان قائمة على أنقاض (ساناباد) البلدة الفارسية القديمة التي وليها حميد بن قحطبة من قبل الرشيد وكانت له فيها دار وبستان ولما مات الرشيد في خُراسان دفن في دار حميد هذه وأمر المؤمنون فأقيمت ثمة قبة دعيت (القبة الهارونية) ثم دفن إلى جنبه الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام سنة 203 فغلب اسمه على القبر. وقيل إن الديالمة تقدموا بعد ذلك بعمارة مشهد ثم أخربه الأمير سبكتكين.
وبالجملة بقي المشهد خراباً لا يجرؤ الشيعة على عمارته خوفاً من غيرهم إلى أن تقدم بها السلطان محمود ابن السلطان ناصر الدين سبكتكين فجدد العمارة كما ذكره ابن الأثير ثم عمره شرف الدين القسي على عهد السلطان سنجر السلجوقي ولم تزل عمارته قائمة إلى أن أخربها التاتار ثم تقدم بتجديدها السلطان محمد خدابنده حفيد هولاكو وقد وصف عمارته هذه ابن بطوطة ماراً بمدينة طوس سنة 734.
وتقدم بعد ذلك غير واحد من الملوك والصدور بتعمير المشهد والإنفاق على زينته وقد رافق عمرانه عمران المدينة إلى أن استفحل شأنها على عهد السلطان ميرزا شاه رخ الكوركاني سنة 808 وتقدّمت بعد ذلك.
وصف المشهد
موقع بناء المشهد وسط المدينة وهو مربع ومساحة موضع الضريح عشرة أذرع في عشرة وارتفاع القبة عليه عشرون ذراعاً وللسور المحيط به اثنا عشر باباً غشي بعضها بالذهب وبعض بالفضة أثبت فيها نصوص آيات وأحاديث كثيرة ومقاطيع شعر عربية وفارسية وعلى موضع الضريح عدة مشبكات أولها من الفولاذ ولا تاريخ له وبينه وبين المشبك الثاني عدة مشبكات من النحاس طليت بالذهب لحفظ المجوهرات التي داخله وهي كثيرة. أما القبة فهي مغشاة بالذهب الوهاج وفي دائرها كتابة عربية واضحة محصلها أنه أمر بتزيين هذه القبة الشاه عباس الكبير حين شد الرحال إلى زيارة الإمام من قاعدة مملكته أصفهان أمر بذلك سنة 1010 وتمّ سنة 1016 (عمل كمال الدين محمود اليزدي سنة 1015 كتبه علي رضا العباسي) … وهناك أيضاً كتابة عربية أخرى يظهر منها أن الشاه سليمان الصفوي أمر مرة أخرى بتذهيب القبة بعد سقوطها بزلزلة سنة 1084 وكان تذهيبها سنة 1086.
الكتابات في المشهد
الكتابات داخل المشهد كثيرة مختلفة يرتقي أقدمها إلى سنة نيف وخمسمائة جلها عربي الأسلوب واللفظ وبعضها بالخط الكوفي يذكر في أواخرها اسم الكاتب والمتقدم بالعمل غالباً وفي جملة المكتوب أبيات أبي نواس المشهورة التي أولها:
مطهرون نقيات جيوبهم
تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
وكتب تحتها (تقرب بهذه العمارة الضعيف الذليل المحتاج إلى رحمة ربه تعالى مولى آل محمد عبد العزيز بن آدم أبي نصر القمي). ومن الكتابات الكوفية في أطر بعض المحاريب ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) إلى قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) وعند هذا المحراب مكتوب (كن في صلوتك خاشعاً) وكتب بهذا الخهط أيضاً نص الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم اغفر لمن استغفر لأبي زيد محمد بن أبي زيد النقاش). وكتبت أيضاً سورة التوحيد بخط دقيق تاريخه سنة 612.
ويوجد داخل المشهد غير ما ذكرنا رسم آيات وأحاديث وكلم جامعة وعظات كلها عربية تقرأ واضحة جاء فيها ما نصه: (من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) قال إبراهيم بن العباس الصولي: لو وزنت هذه الكلمة بأحسن كلام الناس لرجحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا علم كالتفكر … لكل قلب شغل. من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه. قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه. رسول الموت الولادة. وعلى المحراب الذي يلي الراس رسوم آيات وأحاديث كثيرة وهي عمل (علي بن محمد بن أبي طاهر غفر الله ذنوبه) وغير ذلك الكثير.
الآثار والعمارات ـ دار الحفاظ
الآثار الماثلة إزاء المشهد كثيرة من أهمها (دار الحفاظ) وهو بناء عالٍ مستطيل طوله 18 ذراعاً في عرض سبعة أذرع ونصف وأرضه مبلطة بالقاشاني أحدثته كوهر شاد زوج الأمير شاه رخ ابن الأمير تيمور الكوركاني أمير هراة وخُراسان وفي هذه الدار خمسة أشرحة لبعض ملوك الفرس وصدورهم وفيه كتابات فارسية وغير ذلك.
دار السيادة
أيضاً من آثار كوهرشاد وهي بناية مستطيلة طولها 33 ذراعاً وعرضها مختلف وفيها ماء عذب وبعض الأضرحة وقد ضعضعتها الزلزلة على عهد الشاه سليمان الصفوي فتقدم بترميمها وفي بعض جدارها كتابات متأخرة أكثرها شعر فارسي غير أن في بعض دروبها كتابات قديمة سابقة على وجود هذه الدار إذ أن تاريخها يرتقي الى القرن السادس والثامن.
قبة الله يارخان
وهي من الأبنية المشهورة المعظمة هناك محكمة البناء عالية مثمنة الشكل وداخلها ثماني صفف كتب على قاشانيها المعرق مواليد الأئمة الاثني عشر ووفايتهم وأحاديث مأثورة عنهم وأبيات فارسية ورسمت في دائرها الأعلى سورة الجمعة وغير ذلك.
سائر الآثار
منها الصحن العتيق في شمال المشهد طوله 86 ذراعاً في عرض 20 وهو من آثار الصفويين كما تشهد بذلك الكتابات الظاهرة إلى الآن ومنها الصحن الجديد وهو من آثار السلطان فتح علي شاه طوله 72 ذراعاً في عرض 49 ومغشى الجدار بالقاشاني البديع الصنع وما يلي الأرض منه بالرخام وفيه كتابات عربية كثيرة.
ومن أهم آثار المشهد مسجد كوهر شاد وهو آية في إحكامه وجمال هندامه زين بالقاشاني المعرق وغيره طوله نحو 53 ذراعاً في عرض 48 وفيه قبة رفيعة ومآذن عالية لم تتضعضع بعد مع أن بناءها يرتقي إلى أوائل القرن التاسع ولهذا المسجد أربعة أبواب وقد عمر فيه على عهد الصفويين والقاجاريين وفيه كتابة منحوتة على الرخام أو محفورة في القاشاني جاء في بعضها بعد ذكر المتقدمة بالعمارة كوهر شاد وتمجيدها كثيراً بالعربية ما نصه: (اتفق تحريرها في أوائل شهر الله المبارك رجب المرجب سنة 821 عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان).
ومن آثار المشهد مقبرة البهائي ومقبرة الشاه طهماسب الصفوي وقد نشر المؤلف أثراً مهماً من آثار طهماسب وهو تذكرته التي كتبها بنفسه لنفسه وهي أثر نفيس نادر عثر عليه في بعض دور الكتب الكبيرة ومقبرة عباس ميرزا بن فتح علي شاه المتوفى سنة 1249 ومقبرة ربيع بن ختيم من مشاهير التابعين والزهاد وغير ذلك من مدافن الملوك والصدور.
مدينة المشهد
على عهد المؤلف سنة 1300
يكتنف المدينة سور عظيم غير تام الاستدارة من آثار الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل محيطه نحو فرسخ وفيه 141 برجاً بين كل برج وآخر مرسى بندقية قديمة وستة أبواب ويقطع البلدة شارع طويل جداً عرضه 22 ذراعاً وفي المدينة ستة أحياء كبيرة وعشرة صغيرة وأكثر من ثلاثين حماماً و11 فندقاً ومشهد طوس من أكثر مدن إيران عدد مدارس ففيه نحو 20 مدرسة كبيرة تشبه مدارس أصفهان من حيث العمارة وطلابها ذوو طبع جيد في الآداب والمعقولات وتخترق البلدة عدة أقنية جارية تحت الأرض وأقدم مدارسها (مدرسة البابين) أقيمت على عهد الشاه رخ الكوركاني سنة 843 وبعدها المدارس التي شيدت أيام الصفويين في القرن الحادي عشر وفي أكثر هذه المدارس كتابات كوفية ونسخية عربية الألفاظ هذا وقد أورد المؤلف في هذا الفصل أعمال المشهد وقراها وجبالها وغير ذلك بتفصيل عجيب.
حوادث المشهد التاريخية
هذا أكبر فصول الكتاب وفيه دوّنت أهم الحوادث التي طرأت على المشهد خلال تسعة قرون تنطوي في جملتها الأحداث الحربية والسياسية والعمرانية والطبيعية منذ عهد الدولة الغزنوية والدولة السلجوقية وغزوات قبائل الغز وغلب التاتار والمغول وتنازع القوم في تلك الديار ومهاجمات عشائر التركمان والاوزبك والأفشار ثم ظهور الصفويين ومناوشتهم ملوك تلك الأرجاء وقبائلها مدة طويلة ولهم فيها آثار خطيرة ثم حملة الأوزبك عليها سنة 951 وقتلهم أهلها قتلاً عاماً واسترداد الشاه عباس لها سنة 981 ثم انتزاء الذعار عليها بعد اختلال حال الصفويين سنة 1135 وتغلبهم واستردادها منهم ثم قيام نادر شاه وتغلبه عليها وعلى سائر البلاد وقد استولى عليها ابن أخيه علي قلي خان بعد قتل نادر سنة 1160 ثم محاصرات أمراء الأفغان لها ورد جنود الزندية لهم ثم استبداد بعض أوباشها فيها إلى أن قام القاجاريون في مستهل القرن الثالث عشر فامتلكوا هذه البلاد.
وفي خاتمة الكتاب أكثر من 200 ترجمة لرجال العلم والحديث والشعر والعرفان والخط من المشهديين أو المجاورين وغير ذلك.
محمد رضا الشبيبي
مشهد
ـ 3 ـ
وجود مدينة مشهد
يرجع وجود مدينة مشهد إلى جذور دينية تتعلق بمرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حيث كان هذا المرقد سبباً في توسعها وازدهارها.
في الأصل كان اسم مشهد (سناباد)، وسناباد هذه إحدى توابع القصبة أو المدينة الصغيرة المسماة بـ (نوقان) حتى عام 202هـ (أو 303 أو 304هـ) حيث دفن الإمام الرضا عليه السلام فيها في هذه السنة وتحول اسمها إلى مشهد، وحظيت باهتمام الناس خلال فترة غير طويلة.
ليس ثمة شك في أن ازدهار هذه المدينة ازداد في عهد الصفويين الذين اهتموا كثيراً في الترويج لمذهب التشيع، ولكن قبل وصول هذه السلالة إلى السلطة وحتى في القرون الأولى التي تلت وفاة الإمام الرضا عليه السلام كان الناس حتى الملوك السنة يهتمون بهذا المرقد وساهموا بترددهم ومجاورتهم وتعميرهم له وإنفاقهم عليه في أحيان أخرى في توسع المدينة وزيادة أهميتها وعدد سكانها.
يذكر بعض المؤرخين([619]) أن السلطان محمود الغزنوي وعلى رغم تعصبه على الشيعة، أمر عامله على نيسابور في عام 400هـ بتعمير (مشهد) إثر رؤيا رآها في المنام. وبعد هذا التاريخ بحوالي قرن ونصف أي في زمن السلطان سنجر ووزارة الخواجه نظام الملك قام عامل السلاجقة على مرو شرف الدين أبو طاهر القمي بتجديد بناء مشهد([620]).
وفي عام 809هـ قدم شاهرخ الكوركاني إلى مشهد فكرم سادات وخدام البقعة المباركة([621]). وبعد ذلك بفترة قامت زوجته كوهر شاد آغا ببناء مسجد جامع في جوار المزار المبارك سمي باسمها (مسجد كوهر شاد) وهو مشهور في مشهد، ثم بادر شاهرخ في غضون ذلك إلى تزيين الحرم الرضوي([622]).
وهكذا تضافرت العوامل الدينية والمعنوية وربما بعض العوامل الاخرى مثل كثرة الخيرات فيها وخصوبة أراضيها على توسع مشهد باستمرار بحيث وصفها ابن بطوطة الذي زارها في عام 734هـ بأنها مدينة كبيرة وكثيرة السكان. وذلك على الرغم من مجاورتها لمدينة طوس المشهورة والكبيرة التي وصفها ابن بطوطة أنها من أكبر مراكز خُراسان.
وبناءً على هذا، يبدو أن قول ياقوت الحموي (المتوفى عام 625) في معجم البلدان إن سناباد قرية من قُرى طوى وعدم ذكره لمشهد يبدو أن ذلك لم يكن يشتمل على نوع من الدقة، وأغلب الظن أنه اقتبس حديث من الكتب الجغرافية المصنفة في القرنين الثالث والرابع مثل المسالك والممالك تأليف الإصطخري وغيره.
ومن الطبيعي أننا لا يمكن أن نتغافل عن دول حملة تيمور على مدينة طوس وتدميره لها في أواخر القرن الثامن في إعمار مدينة مشهد وازدهارها.
مذهب أهالي مشهد إلى ما قبل الصفويين
كان المذهب الغالب على سكان إيران في العصور التي سبقت الصفويين هو المذهب السني، ولم تكن مشهد خارجة على هذا الوضع رغم وجود مرقد أحد أئمة الشيعة فيها.
من الطبيعي أن وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مشهد جذب إليها العديد من الشيعة إلاَّ أنهم كانوا يشكلون أقلية بالنسبة إلى الأغلبية السنية، وكانوا في بعض الأحيان يتعرضون لضغوط دينية من قبل الحُكام السنة.
وعلى الرغم من هذه المعاملة كان وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام في هذه المدينة حافزاً كبيراً لجذب الشيعة إليها فكانت مركزاً لتجمعاتهم.
ويقارن ابن بطوطة أهل طوس بأهل النجف وكربلاء والبحرين وقُم وغيرها ويقول هم من الشيعة الغلاة.
يظهر من ذلك أن مشهد كانت في الفترة التي سبقت الحكم الصفوي مركزاً لتجمع الشيعة.
الأوضاع العلمية في مدينة مشهد
قبل العهد الصفوي
لا يتوفر لدينا شرح وافٍ عن الأوضاع العلمية لهذه المدينة في فترة ما قبل العهد الصفوي. ولكنا نعرف أن عالماً كبيراً مثل الشيخ أبي علي الطبرسي (المتوفى عام 548هـ) الذي يعتبر من أكبر علماء الشيعة وصاحب تفسير كبير في عشرة مجلدات، كان ساكناً في هذه المدينة وأنهى فيها مراحل دراسته، وفي هذا قرينة على أن الأوضاع العلمية في هذه المدينة كانت تزدهر تزامناً مع ازدهار أوضاع المدينة وتطور عمرانها، بحيث كانت تخرج علماء وفضلاء مشاهير.
وخلال وصفه لحرم الإمام علي بن موسى عليه السلام يتحدث ابن بطوطة عن مدرسة ومسجد مجاورين لهذا الحرم الشريف، وبناءً على هذا فإن (مشهد) كانت تشتمل على مدرسة خلال زيارة ابن بطوطة لخُراسان في عام 734هـ ووجود المدرسة قرينة على وجود حوزة علمية في هذه المدينة.
ومن القرائن الأخرى التي تؤكد وجود حوزة علمية قبل القرن العاشر الهجري وجود مدرستين هما: مدرستا بربزاد ودودر، حيث بنيت الأولى تزامناً مع بناء مسجد كوهر شاد الجامع (في حدود عام 821هـ) بينما بنيت الثانية في عام 843هـ.
وينبغي هنا أن نتذكر أن المحيط العلمي في مشهد كان يخضع للمحيط الاجتماعي والديني السائد فيها آنذاك حيث كان المذهب السني هو الشائع فيها، ومن ثم كان أسلوب العلماء في تدريسهم للمسائل الفقهية والأصول وعلم الكلام والتفسير يختلف عن أسلوب علماء الشيعة في تدريسهم لهذه العلوم. ولعل في تفسير مجمع البيان، أي نقله لأقوال المفسرين السنة في ذيل أغلب الآيات خير شاهد على استيلاء الفكر السني على الحوزة العلمية في مشهد.
تأسيس الحوزة العلمية في مشهد
الحوزة العلمية منذ زمن الصفويين
حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري
ذكرنا آنفاً أن الاتجاهات الدينية للحكومات الصفوية ساهمت إلى حد بعيد في إعمار بعض المدن مثل مشهد، التي كان أصل وجودها وتكوينها مرتبطاً بعامل ديني شيعي وهو وجود مرقد ثامن أئمة الشيعة. بحيث يذكر صاحب كتاب زينة المجالس([623]) أن مشهد في غاية العمران والازدهار في زمن الملك طهماسب الأول أي في بدايات الحكومة الصفوية.
وعلى نفس مسار التطور والازدهار هذا، أخذت الحوزة العلمية فيها تزدهر بالتدريج حتى أضحت في عداد كبريات الحوزات الشيعة المعروفة في عالم التشيع.
في الحقيقة لا يمكننا تحديد بداية دقيقة لتأسيس الحوزة العلمية في مشهد، ولكن من خلال ملاحظة الفصل السابق حيث وردت الإشارة إلى هيمنة المذهب السني على المحيط العلمي في مشهد حتى ما قبل القرن العاشر الهجري، أقول يمكننا أن نعرف من ذلك أن بداية الحوزة كانت متزامنة مع ظهور الدولة الصفوية أي مع بداية القرن العاشر.
يبدو أنه مع وجود الاهتمام الكبير الذي حظيت به (مشهد) في القرن العاشر لموقعها الديني المتميّز، إلاَّ أن حوزتها العلمية لم تزدهر كثيراً ولم يشتغل في التدريس فيها علماء معروفون وربما كان ذلك سبباً في اقتصار مدارسها العلمية على مدرستين أو ثلاثة مدارس قديمة ولم تبنى فيها مدرسة جديدة.
من علماء مشهد المعروفين في ذلك القرن، الملا عبد الله الشوشتري (المتوفى عام 997هـ) الذي قتل في هرات بيد الأوزبك. والعالم الآخر هو مولانا محمد رستمداري (المتوفى في بداية القرن الحادي عشر الهجري) وقد وردت رسالته إلى علماء الإزبك بالتفصيل في مجالس المؤمنين ومطلع الشمس وهي دليل على مدى علمه وقدرته العلمية.
تغيّرت أوضاع الحوزة في القرن الحادي عشر حيث اشتغل بالتدريس فيها العديد من مشاهير العلماء والمدرسين وبنيت فيها عدة مدارس، وأخذ الطلاب يتجمعون فيها من كل حدب وصوب.
ويمكن أن نعتبر القرن الحادي عشر الهجري بداية أهمية وعظمة الحوزة العلمية في مشهد، خصوصاً في النصف الثاني من هذا القرن، حيث أصبحت حوزة مشهد من حيث كثرة العلماء والمدرسين في عداد حوزات الشيعة المهمة الأخرى، فراح الطلاب يقبلون عليها من المدن الأخرى، وانتقل إليها بعض مشاهير العلماء مثل مولانا محمد باقر المعروف بالمحقق السبزواري (مؤلف كتابي: الذخيرة والكفاية في الفقه) الذي كان يشغل في أصفهان مقام الرئاسة العلمية ويلقب بشيخ الإسلام وكانت هجرته إلى مشهد في أواخر القرن الحادي عشر، وبادر فيها إلى تجديد مدرسة (السميعية) القديمة التي عرفت بعد قدومه بالباقرية ولا تزال إلى الآن تحمل نفس هذا الاسم([624]) ـ وباشر بنفسه بالتدريس فيها، وتربية الطلاب.
يرجع تاريخ بناء أغلب المدارس المعروفة والمهمة في مشهد الى النصف الثاني من هذا القرن (القرن الحادي عشر)، حيث بنيت سبع من أشهر مدارس مشهد خلال فترة قصيرة بين عام 1057هـ وعام 1091هـ وفي نفس هذه الفترة جدد بناء ثلاث مدارس قديمة هي: بيريزاد ودودر وبالاسر (والمدارس السبعة هي: خيرات خان، عباس قليخان ميرزا جعفر، نواب، حاج حسن، فاضل خان وبائين با والمدرستان الأخيرتان تم هدمهما في شق الطرق المحاذية للحرم والتعميرات الداخلية للحرم في عام 1310هـ.
إذن فقد بلغت حوزة مشهد أوجها وذروتها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، ومن أشهر علماء مشهد في هذا القرن هو الملا محمد باقر المعروف بالمحقق السبزواري (المتوفى عام 1090هـ) والعالم الآخر هو الشيخ محمد الحر العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة) المعروف (توفي عام 1104هـ) وكلا هذين العالمين أتما دراستهما في مدن أخرى ثم أقاما في مشهد للاشتغال بالتدريس في مدارسها العلمية.
وليس لدينا اطلاع كامل ودقيق عن أوضاع الحوزة العلمية في مشهد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ولكن يبدو أن هذه الحوزة بعد ازدهارها السريع في القرن الحادي عشر وخصوصاً في النصف الثاني منه، لم تستطع أن تحافظ على مسيرتها التصاعدية وتكاملها واحتلالها مكانة مرموقة بين حوزات الشيعة المهمة، ولعل ظهور الحوزات العلمية في أصفهان بمدارسها المهمة وأساتذتها الكبار وشهرتها الواسعة في المجتمع الشيعي كانت السبب في هذا التوقف الذي اعترى حوزة مشهد.
وأغلب الظن أن حوزة مشهد كانت خلال هذين القرنين تمثل حوزة للمقدمات أي أن الطلاب بعد أن يتخطوا بعض المراحل العلمية يرحلون إلى أصفهان أو النجف الأشرف لإكمال دراستهم في حوزاتها.
يتحدث صاحب كتاب «تاريخ علماء خراسان» في معرض حديثه عن أحوال مولانا محمد صالح الترشيزي (المتوفى عام 1160هـ) والذي يصفه بأنه من علماء خراسان الكبار في عهده وله مكانة شامخة في المعقول والمنقول، عن هذا العالم يقول: «أتقن المبادئ في خراسان ثم رحل إلى أصفهان وأمضى فيها فترة طويلة في التلمذة على أيدي كبار الأساتذة وفي تحصيل الأخبار ودراية الآثار وسائر الفنون الأخرى …» ويتحدث بمثل هذه العبارات عن علماء آخرين من مشهد مثل الميرزا فضل الله الطبسي (المتوفى عام 1240هـ) ومولانا محمد جعفر الترشيزي (المتوفى عام 1244هـ) ومولانا محمد صالح التربتي (المتوفى عام 1246هـ) ومولانا محمد السبزواري (المتوفى عام 1248هـ) وعن عدد آخر.
وإذن فليس هناك شك في أن كبار علماء مشهد كانوا يدرسون مقدمات العلوم في مشهد ثم يرحلون إلى النجف الأشرف أو أصفهان لإكمال دراستهم في حوزاتها العلمية حتى إذا فرغوا من دراستهم عادوا إلى موطنهم الأصلي.
وحتى لو فرضنا أن المقصود بخراسان في العبارة السابقة لا يقتصر على مشهد وحوزتها، بمعنى أن كل شخص من الأشخاص المذكورين أتم دراسة المقدمات في الحوزة العلمية لمدينته، فإن ذلك يؤيد كون الحوزة العلمية في مشهد مقتصرة في ذلك الوقت على تدريس المقدمات، حيث إن وجود طلاب من مدن خراسان الصغيرة مثل ترشيز وطبس وتربت وسبزوار في أماكن قريبة من مشهد، ثم ذهابهم إلى الحوزات العلمية البعيدة مثل حوزة النجف وأصفهان لإكمال دراستهم فيها لدليل كبير على أن حوزة مشهد آنذاك كانت مقتصرة على تدريس المقدمات وليس لها شهرة ومكانة تلك الحوزتين.
ورد في كتاب «تاريخ علماء خراسان» ـ الذي يتضمن شرح أحوال العديد من علماء خراسان في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ـ الحديث عن العديد من الأشخاص الذين كانوا يسكنون في مدن صغيرة في خراسان وأتموا دراستهم في هذه المدن مثل تون (فردوس) وتشيز (كاشمر) وسبزوار دون أن يرحلوا إلى مشهد. وإذا ما عرفنا أن في ذلك الوقت كانت أكثر المدن تحتوي على حوزات تتناسب مع حجمها ووضعها وكان العديد من العلماء وكبار الفقهاء يعيشون في أكثر المدن، إذا عرفنا ذلك يتبين لنا أن الحوزة العلمية في مشهد لم تكن تحتل مكانة مرموقة تجعل من الهجرة إليها أمراً لا بد منه، وتمكنها من تخريج علماء بلاد خراسان.
أشهر علماء مشهد في القرن الثاني عشر هم: الشيخ حسين المدرس (إمام الجمعة المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الهجري) والشيخ محمد، مدرس الحضرة الرضوية، والسيد محمد السبزواري، (إمام الجمعة المتوفى عام 1198هـ).
ازداد عدد العلماء الكبار في القرن الثالث عشر، وفاق ما كان عليه في القرن الثاني عشر، ولكن ذلك لا يعتبر دليلاً على ازدهار الحوزة العلمية في مشهد خلال هذا القرن، لأن أغلب هؤلاء العلماء الكبار كانوا قد أنهوا دراساتهم العليا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف التي بلغت في ذلك الوقت أوج عظمتها وازدهارها أو في الحوزة العلمية في أصفهان، ولم يدرسوا في مشهد إلاّ مبادئ العلوم ومقدماتها. وحتى عندما عاد هؤلاء العلماء إلى بلادهم في مشهد، اشتغل أكثرهم في الأمور الشرعية وأداء الوظائف الاجتماعية بسبب توسع المدينة المضطرد وازدياد عدد سكانها، ولم يشتغل منهم بالتدريس إلاّ عدد محدود.
ويبدو لنا من وصف السائح الإنجليزي فريزر الذي كانت زيارته في أواسط القرن الثالث عشر الهجري بين عامي 1826م و1828م وصفه للحوزة العلمية في مشهد ووضع المدارس فيها([625])، أن هذه الحوزة لم تكن آنذاك في مكانة مرموقة، وعدد طلابها قليل بالنسبة إلى عدد العلماء فيها، حيث يذكر فريزر أن عدد الطلاب الذين كانوا يشغلون أربع عشرة مدرسة لم يكن يتجاوز الخمسمائة طالب، بينما يذكر مسيو كنولي الذي زار مشهد في نفس هذا الوقت تقريباً أن عدد العلماء فيها يقارب المائة شخص([626]).
أشهر علماء مشهد في أوائل القرن الثالث عشر هو الميرزا مهدي، المعروف في خراسان باسم الشهيد الثالث، حيث كان يحتل مكانة علمية مرموقة في جميع المدن الإيرانية ويعدّ من كبار علماء الشيعة، إضافة إلى مقامه الديني وزعامته ونفوذه في مشهد ذاتها.
درس في محضر كبار علماء النجف الأشرف حتى قطع شوطاً بعيداً في دراسته، ثم عاد إلى مشهد واشتغل فيها بأداء الوظائف الدينية وإمامة صلاة الجمعة ثم استشهد على يد نادر ميرزا الأفشاري في عام 1218هـ.
ومن العلماء المعروفين في هذا القرن:
الحاج الميرزا هدايت الله الشهيدي المتوفى عام 1248هـ، ومولانا محمد علي فديشه أي. والحاج الميرزا المعصوم الرضوي (المتوفى عام 1232هـ) السيد محمد القصير، صاحب العديد من الكتب الفقهية (المتوفى عام 1255هـ).
والحاج الميرزا حسن الرضوي (المتوفى عام 1278هـ). والحاج الميرزا عناية الله الأبرسجي (المتوفى عام 1281هـ). والميرزا نصر الله المدرس الشيرازي (المتوفى عام 1291هـ). والحاج الميرزا نصر الله التربتي (المتوفى عام 1298هـ).
وفي القرن الرابع عشر لم يختلف وضع الحوزة العلمية في مشهد كثيراً عما كان عليه في القرنين السابقين، وبقيت الأوضاع العلمية فيها على نفس المستوى.
زار محمد حسن خان صنيع الدولة مشهد في عام 1302هـ وخصص لها المجلد الثاني من كتاب مطلع الشمس، وهو يذكر في كتابه هذا وجود ثماني عشرة مدرسة ويعدد أسماءها إلاّ أنه لا أثر لبعض هذه المدارس في أيامنا هذه، ثم يضيف قائلاً: ليس هناك مدينة من مدن البلاد المحروسة ـ عدا أصفهان ـ تحتوي على مدارس بمثل بناء وازدهار مدارس مشهد.
ومن العلماء المعروفين في هذا القرن:
الشيخ محمد رحيم البروجردي صاحب كتاب جوامع الكلم في شرح قواعد العلامة (المتوفى عام 1309هـ).
والشيخ محمد تقي البجنوردي المعروف بزهده وتقواه (المتوفى عام 1314هـ).
الشيخ إسماعيل الكوهسرخي، الذي كان زعيماً مطلقاً للحوزة العلمية في حينه (المتوفى عام 1323هـ).
والشيخ حسن علي الطهراني (المتوفى عام 1325هـ) والذي كان أحد تلامذة الميرزا الشيرازي الكبير.
الوضع العلمي للحوزة من القرن الحادي عشر
حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري
تظهر القرائن الموجودة أن الحوزة العلمية في مشهد لم تكن تتميز بتدريس فرع خاص من فروع العلوم الإسلامية، وإنما كانت تدرس جميع فروع الفقه والحكمة والأدب بصورة متساوية تقريباً سواء في القرن الحادي عشر، حينما كانت في ذروة ازدهارها أو في القرون التالية. حيث كان أكثر علماء مشهد الكبار يدرسون الحكمة والأدب وحتى الرياضيات في بعض الأحيان ويدرسون الكتب الدراسية الموضوعة لهذه المواضيع إضافة إلى دراستهم الفقه، وكان الطلاب يدرسون العلوم العقلية والنقلية بصورة متوازية تقريباً([627]).
وينبغي أن نعرف أن المادة الأساسية التي كانت تدرس في الحوزة العلمية في مشهد هي مادة الفقه، مثلها في ذلك مثل سائر الحوزات العلمية الأخرى، حيث كان يتركز أغلب اهتمام الأساتذة والطلاب على هذه المادة، ولذلك نرى في كتاب «تاريخ علماء خراسان» أسماء بعض الأشخاص ممن لم يكن لهم اطلاع في فروع العلوم الأخرى أو على الأقل لم يكونوا معروفين في هذه الفروع.
ولكن أغلب الظن أن هذه الحوزة خرجت على القاعدة المألوفة، وذلك في أوائل القرن الرابع عشر الهجري وأواخر القرن الثالث عشر، حيث اهتمت بالأدب والعلوم العقلية أكثر من الفقه والعلوم النقلية كما سنرى فيما بعد وجود أساتذة من كبار الأدباء وعدد من أساتذة الحكمة يشتغلون بالتدريس في هذه الحوزة، ومن الطبيعي أن وجودهم يستلزم نصف قرن من وجود هذه العلوم في الحوزة العلمية في مشهد.
وقد زار كاتب مطلع الشمس مشهد في عام 1302هـ وشاهد أوضاع حوزتها عن كثب، فكتب عن هذا الأمر قائلاً: «يغلب على طلابها ذوق العلوم المعقولة والأدب»([628]).
الحوزة العلمية في مشهد
خلال الفترة السابقة
ذكرنا آنفاً أن الوضع العام والمستوى العلمي للحوزة العلمية في مشهد لم يشهدا تغيراً ملحوظاً في السنين الأولى من القرن الرابع عشر الهجري عما كان عليه الحال في القرون الماضية ولكن مع تعاقب السنين أخذت أوضاع الحوزة تخطو نحو الازدهار وتزداد أهميتها بالتدريج، بحيث أصبحت هذه الحوزة في أواخر النصف الأول من هذا القرن في عداد الحوزات المهمة المتكاملة.
وإذا أمعنا النظر في هذا التحول، نرى أن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتباطئ عجلة الحوزة العلمية المعروفة في أصفهان وأفول مركز العلوم الإسلامية فيها، الذي بدأ يخبو وهجه يوماً بعد آخر بعد زوال العهد الصفوي، كما كان الارتباط وثيقاً بين ازدهار هذه الحوزة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وضعف الحوزة العلمية في مشهد في نفس الفترة.
وكما أسلفنا سابقاً، فإن الحوزة العلمية في مشهد أضحت في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر، حوزة متكاملة، حيث كان طلاب العلوم الدينية يهاجرون إليها من مدن أخرى، وكانت أغلب مدارسها عامرة ومليئة بالطلاب، وينقل البعض أن عدد طلابها بلغوا ألفي طالب وكان فيها العديد من كبار الأساتذة، وخصص لكل فرع من فروع الآداب والفقه والأصول والحكمة حوزات دراسية كبرى وبعبارة موجزة، خرجت هذه الحوزة من حالة الركود وبدأت تخطو نحو التكامل.
في الحقيقة أنّ حوزة مشهد لم تصل في الفقه والأصول إلى مستوى حوزة النجف، فقد كان طلابها يهاجرون إلى النجف الأشرف لإكمال دراسة الفقه في حوزاتها وإرواء غليلهم في حلقات كبار أساتذتها. ولذلك فإن حوزة مشهد ظلت خاضعة لنفوذ حوزة النجف، وعندما أسست الحوزة العلمية الكبرى في قم عام 1340هـ أخضعت حوزة مشهد لنفوذها، ولكن ثمة شك في أن حوزة مشهد ظلت تحتل المرتبة الأولى في الآداب والعلوم المعقولة بين سائر الحوزات الشيعية الأخرى، ولم يكن هناك أحد ينافس أساتذة هذين الاختصاصين في حوزة مشهد في مجال تخصصهم.
كان كرسي الأدب هذه الفترة مخصصاً للشيخ عبد الجواد الأديب النيسابوري (المتوفى عام 1344هـ) وهو شاعر حر كريم، أعطى دروساً مهمة في مدرسة نواب، ودرس الكتب الأدبية لتلامذته، بأسلوب رائع، وتخرج على يده العديد منهم، ويوجد الآن بعض هؤلاء التلاميذ ممن يفتخرون بدراستهم على يده. وحوزة مشهد العلمية مُدِّينة لهذا الأستاذ الكبير في شهرتها وتفوّقها في فرع الأدب، ولا يزال هذا التفوق وهذه الشهرة محفوظين إلى الآن.
ومن أساتذة هذه الحوزة المعروفين بتدريس الحكمة والفلسفة، ثلاثة أشخاص بارزون هم:
أولاً: ملا محمد المعروف بالحاج الفاضل وهو من طلاب الميرزا الشيرازي وكان معروفاً في الفقه والفلسفة، ويشغل زعامة الحوزة العلمية في مشهد، وقضاءها الشرعي، وقد كان يدرس كتب الفلسفة المتداولة، بالإضافة إلى تدريس الفقه والأصول، وكانت وفاته في عام 1342هـ.
ثانياً: الميرزا العسكري الشهيدي المعروف بآقا بزرك وهو فيلسوف معروف وأستاذ فطحل للفلسفة في مشهد، حيث أمضى ثلاثاً وعشرين سنة في تدريس الحكمة في حوزة مشهد، وكان أكثر طلاب الفلسفة يحضرون درسه، وقد توفي في عام 1355هـ.
ثالثاً: الشيخ أسد الله اليزدي وهو حكيم كبير، لم يتزوج طوال حياته، وكان يتخذ من المدرسة مسكناً له، ويربي الطلاب في محضر درسه، وقد توفي في عام 1342هـ.
إثر وجود هؤلاء الأساتذة الثلاثة الكبار، أصبحت الحوزة العلمية في مشهد، مهداً للحكمة الإلهية ومركزاً لتدريس الفلسفة، واحتلت بذلك مركزاً مرموقاً بين الحوزات العلمية الشيعية المعروفة.
ولكن كما ذكرنا فإن المنزلة الفقهية في حوزة مشهد كانت أقل منها في حوزة النجف، ولذلك كان العديد من الطلاب المتعطشين لطي مراحل علمية عليا يرحلون إلى حوزة النجف التي كانت مركزاً لاجتماع العلماء والأساطين. ولذلك اكتفى بعض كبار أساتذة حوزة مشهد بتدريس دروس السطوح رغم تخطيهم لمراحل علمية عالية، فمثلاً كان السيد علي السيستاني (المتوفى عام 1340هـ) وهو من كبار علماء مشهد يدرس السطوح العالية وكان السيد عباس الشاهرودي (المتوفى عام 1341هـ) المعروف بإتقانه الكتب الفلسفية ومباني الحكمة، يدرس شرح اللمعة، وحتى الحاج فاضل المذكور كان يدرس بعض دروس السطوح رغم تصدره للزعامة العلمية والاجتماعية.
لعل دخول دروس البحث الخارج بالمعنى المتعارف عليه الحوزات الشيعية المعروفة إلى الحوزة العلمية في مشهد، كان لأول مرة في حدود عام 1335هـ، حيث باشر بإعطاء البحث الخارج اثنان من الأساتذة الكبار اللذين أنهيا دراستهما في حوزة النجف وحضرا دروس أشهر الأساتذة المعروفين فيها آنذاك وهما:
1 ـ السيد حسين القمي الذي قدم إلى خراسان في عام 1331هـ، واستقر في مشهد ليشتغل فيها بتدريس الفقه والأصول، وكان يعدّ من كبار زعماء وأساتذة الحوزة العلمية في مشهد حتى عام 1354هـ، حين أبعدته الحكومة المركزية إلى العراق. ثم أصبح مرجعاً عاماً للتقليد بعد بضع سنوات من رحيله إلى العراق، وكانت وفاته في عام 1366هـ.
2 ـ الحاج الميرزا محمد الكفائي الخراساني المعروف بآقازاده (وهو ابن الملا محمد كاظم الخراساني المتوفى عام 1329هـ)، وقد كان له دروس مهمة في حوزة مشهد تخرّج منها العديد من الفضلاء، وكان يعدّ من كبار زعماء وعلماء هذه الحوزة حتى أبعدته الحكومة المركزية إلى يزد في عام 1354، وكانت وفاته في عام 1356هـ.
ويأتي بعد هذين العالمين، مدرس البحث الخارج المعروف في حوزة مشهد وهو الشيخ مرتضى الآشتياني (المتوفى عام 1365هـ) وهو من علماء الطراز الأول في هذه الحوزة.
ومن أشهر أساتذة السطوح في تلك الفترة: الشيح حسن البرسي (المتوفى عام 1353هـ) والشيخ حسن الكاشي، والشيخ حسن بايين الخياباني (المتوفى عام 1366).
وفي حدود عام 1340هـ قدم إلى مشهد أحد الطلاب المتميزين للميرزا النائيني (المتوفى عام 1355) فباشر في بداية الأمر بتدريس السطوح العالية ثم اشتغل في تدريس البحث الخارج في الفقه والأصول، ولما كان متمكناً من أصول الميرزا النائيني التي كانت جديدة آنذاك فقد لفت انتباه فضلاء وطلاب مشهد. ثم أقام بعد فترة درساً آخر بعنوان درس المعارف الذي كان في حقيقته درساً في علم الكلام والرد على البحوث والمسائل الفلسفية والعرفانية، وبذلك أصبح مؤسس خط علمي مضاد للفلسفة والعرفان في مشهد، وفي غضون عشرين سنة تخرّج على يديه عدد من الطلاب، الذين لا يزال بعضهم إلى الآن يروج لهذه الأفكار ويطرحها في دروسه.
وإثر إشاعة هذه الأفكار، انقرض تدريس الفلسفة في حوزة مشهد، وحلت أفكاره الخليطة من الكلام والعرفان التي تعتمد على ظواهر الاحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام محل الأفكار الفلسفية والعرفانية في الحوزة العلمية في مشهد.
زمن الفترة والركود
في الحوزة العلمية في مشهد
بين عامي (1935م و1941م)
تعرضت الحوزة العلمية في مشهد أسوة بالحوزات العلمية الأخرى في سائر البلاد وفي بعض الأحيان أكثر منها جميعاً لهجمات السلطة الحاكمة، إثر المواجهات التي نشبت بين علماء مشهد من جهة والحكومة المركزية من جهة أخرى وظهور تطورات خطيرة أثرها في عام 1354هـ انتهت بنفي شخصين من كبار علماء مشهد، كانا يتصدران لإدارة الحوزة العلمية فيها وهما السيد حسين القمي والميرزا محمد آقازاده الكفائي، وألقي القبض على عدد من علماء هذه المدينة المعروفين وألقي بهم في غياهب السجون.
إثر هذه الأحداث وكذلك المعاملة القاسية التي تعامل بها الدولة رجال الدين، انتابت الحوزة العلمية في مشهد حالة من الركود والفتور، ثم عطلت تماماً بعد الحادثة الدموية في مسجد كوهر شاد في عام 1935م.
وأمّا مدارس مشهد الكبرى المعروفة آنذاك مثل: مدرسة نواب، ومدرسة الميرزا جعفر والمدرسة الباقرية فقد وقعت تحت سيطرة الإدارات الحكومية مثل المعارف والأوقاف لم يستثنَ من هذا الوضع إلاّ مدرسة سليمان خان، التي بقيت مدرسة دينية بصورة رسمية ويسكن فيها عدد من الطلاب.
لجأ بعض الأساتذة المعروفين إلى إقامة دروس محدودة في منازلهم، واضطر الطلاب والمدرسون وعموم العلماء ـ إلاّ القليل منهم ـ إلى خلع الزي الديني وارتداء الزي الموحد.
وخلاصة الأمر أنه لم يبق في مشهد بين أعوام 1935م و1941م أثر للحوزة ومدارسها ولا للعادات والأزياء الدينية.
وعندما حدثت تغييرات رئيسية في الجهاز الحاكم في عام 1360 هجرية (1941م) ارتفع الضغط عن المظاهر الدينية وعن رجال الدين، فتصدر الحوزة في هذه المدينة المقدسة شخصان من كبار العلماء هما الشيخ مرتضى الآشتياني والآقا ميرزا مهدي الأصفهاني، وباشرا بإعادة المؤسسات الروحانية فيها، واجتذبت دروسهما في الفقه والأصول عدداً كبيراً من الطلاب، فأخذت هذه الحوزة تزدهر بزعامتها مرة ثانية.
إلاّ أن هذين العالمين البارزين فارقا الحياة في عام 1365 هجري، ففقدت الحوزة العلمية في مشهد بوفاتهما آخر مدرسيها الكبار، مما تسبب في جمود درس الخارج في هذه الحوزة مرة أخرى.
من الطبيعي أنه كانت هناك بعض دروس الخارج، ولكن أساتذتها لم يكونوا على مستوى عالٍ من الكفاءة العلمية، ومن ثم لم تكن دروسهم كفيلة بإرضاء حاجات طلاب حوزة بمستوى حوزة مشهد، ولذلك بعد الازدهار النسبي الذي وصلت إلي في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري اعتراها نوع من الركود مرة أخرى في أوائل النصف الثاني من نفس هذا القرن، فاضطر العديد من طلاب العلم للهجرة إلى قم والنجف.
واستمرت دروس السطح خلال هذه الفترة في حوزة مشهد وأهم هذه الدروس قاطبة ما كان يلقيه الشيخ هاشم المدرس القزويني (المتوفى عام 1381هـ) حيث كان يلقي السطوح العالية وهي الرسائل، والمكاسب والكفاية في مدرسة نواب ولم يكن له ند في حلقات درسه.
لم تستمر فترة الركود طويلاً، فقد قدم إلى مشهد بعد بضع سنين منها، في عام 1373هـ السيد محمد هادي الميلاني، الذي كان مقيماً في كربلاء آنذاك، فطلب إليه جماعة من علماء الدين أن يقيم في مشهد فنزل عند رغبتهم، وباشر بالتدريس فيها، فأخذت حوزة مشهد منذ ذلك الوقت تستعيد بعض نشاطها، حتى أضحت في عداد حوزات الشيعة المعروفة.
الموقع الجغرافي للحوزة العلمية في مشهد
سبب استقرار الحوزة العلمية في مشهد
ليس بإمكاننا أن نجد سبباً خاصاً لظهور هذه الحوزة في مشهد، يختلف عن الأسباب التي تتسبب عادةً في إيجاد الحوزات العلمية الأخرى.
ففي العصور السابقة كان التنقل بين الأقطار والبلدان أمراً صعباً، ولم يكن الذهاب إلى المدن الكبرى والحضور في مجامعها العلمية أمراً متيسراً لكل من أراد، ومن جانب آخر كان النظام التدريسي واحداً في جميع الحوزات، ولذلك أقيمت في أغلب المدن والقرى، مدارس تتناسب مع عدد السكان وطبيعة إقبالهم، لتدريس العلوم والفنون المختلفة مثل الفقه والحديث والتفسير والطب والهيئة والفلسفة والأدب والرياضيات وغيرها من الفروع العلمية الأخرى، وكان أساتذة هذه المدارس يربون تلاميذهم قدر استطاعتهم.
ومن الطبيعي أن بعض المدن كانت تتميز بمواقع سياسية أو اجتماعية أو دينية أو تتوافر فيها أسباب أخرى تبعث على تجمع عدد أكبر من الأساتذة فيها، مما يضفي على حوزتها نشاطاً وحيوية أكبر من غيرها. ولذلك نرى آثار الحوزات في جميع المدن القديمة أو في أكثرها، ومن الطبيعي أن وجود الحوزة العلمية في مشهد يرجع إلى نفس هذه الأسباب.
وكما أشرنا آنفاً، فإن وجود وازدهار هذه المدينة يتعلق بصورة مباشرة بوجود مرقد الإمام علي بن موسى عليه السلام بين جنباتها. ويمكننا القول دون تردد إن ازدهار حوزة هذه المدينة وتوسعها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر يرجعان إلى نفس هذا العامل الديني.
ولهذا السبب نرى أن هذه الحوزة كانت متأرجحة في مسيرتها ومتذبذبة بين نشاط وركود؛ فقد كان المذهب السني هو الشائع آنذاك ويحظى بدعم السلطات وتأييدها، ورغم كون الشيعة يشكلون الأغلبية في طوس وفي مشهد على وجه الخصوص إلاّ أن هذه الأكثرية كانت مضطهدة، ومن الطبيعي حينئذٍ أن لا يكون لمشهد دورها الديني الذي أصبحت تتميز به في العصر الصفوي، ومن الطبيعي أيضاً أن لا تتأثر حوزتها العلمية كثيراً بهذا الطابع الديني، ولذلك لا نجد لحوزة مشهد قبل العصر الصفوي، أثراً إلا في مدارس ثلاث هي: دودر وبزيزاد وبالاسر، والمدرستان الأوليان تم بناؤهما في فترتين متقاربتين (بين عام 821 و843هـ) بينما تأخر عنهما بناء الثالثة.
إلاّ أن هذا الوضع تغير بعد وصول الصفويين للسلطة واعتبارهم المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد، ثم اهتمامهم بالمراقد والعتبات المقدسة لا سيما مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وكثرة زيارتهم لمشهد، مما كان له أبلغ الأثر في تطور وازدهار حوزتها، فأصبحت تجتذب إليها الطلاب من كافة المدن والنواحي الأخرى فضلاً عن اجتذابها لعدد من كبار العلماء من مدن أخرى، مثل: الشيخ الحر العاملي (المتوفى عام 1104هـ) والملا محمد باقر السبزواري (المتوفى عام 1090هـ)، فتمخض هذا الوضع عن ظهور حوزة علمية متكاملة تنافس حوزات الشيعة الأخرى ذات الطراز الأول.
والغرض أن وجود الحوزة العلمية في مشهد لم يكن معتمداً في الأساس على عامل خاص، وإنما شأنه في ذلك شأن الحوزات العلمية في سائر المدن الأخرى، وهو حاجة الناس إلى طلب العلم، إلاّ أن ازدهار هذه الحوزة في القرون الأخيرة يرجع ودون ريب إلى العامل الديني، وهو وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فيها.
والجدير بالدراسة والتحليل هنا، هو أن هذه الحوزة لم تبلغ درجة الحوزات الشيعية ذات الطراز الأول في جميع مراحلها التي تبتدئ في بداية العصر الصفوي وحتى في أوج ازدهارها وتطورها، أي في القرن الحادي عشر والنصف الأول من القرن الثاني عشر، ولم يتسن لها أن تضاهي حوزة النجف طوال قرونها السابقة ولا حوزة أصفهان في القرن العاشر والحادي عشر ولا حوزة قم في السنين الأربعين ونيف الاخيرة، ولذلك نرى أن هناك عدداً كبيراً من أساتذة وعلماء مشهد كانوا قد تخرجوا من الحوزات الكبرى في المدن الأخرى مثل الحوزة العلمية في أصفهان والحوزة العلمية في النجف الأشرف([629]).
نعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك يتكون من شقين؛ الشق الأول هو إقامة حكومات إيران آنذاك للمحافل العلمية وسائر وسائل التحضر والتطور الأخرى بالقرب من مراكز حكمهم، وفي الحقيقة فقد كان ذلك يعدّ من مظاهر القوة ومستلزمات الحكم، حيث كان الحكام الأقوياء يهتمون بجمع العلماء من حولهم اهتمامهم بفتح المدن والبلدان، لأنهم يرون في ذلك قوة معنوية لحكوماتهم، وربما نشب صراع بين ملكين حول عالم أو حكيم أو أديب، لا يقل شأناً وخطراً عن الصراعات السياسية والعسكرية.
وهكذا كانت مراكز العلم والأدب غالباً ما تتشكل في عواصم الملوك والحكام المحبين للعلم، وفي زمن الحكومات الصفوية، التي تمثل البداية الحقيقية للحوزة العلمية في مشهد، كان بُعد هذه المدينة عن مركز الحكم بمسافات شاسعة يشكل حائلاً دون إقبال الفضلاء والعلماء عليها ودون تشكيل حوزات على مستوى كبير من الأهمية، إلاّ أن الملوك الصفويين أخذوا يهتمون بالتدريج بهذه المدينة ويقيمون فيها العديد من المدارس، فبدأت حوزتها العلمية تزدهر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، حتى أصبحت في عداد الحوزات الشيعية المعروفة. ولكنها على الرغم من ذلك لم تستطع أن تصل إلى مستوى الحوزة العلمية في أصفهان التي كانت محطاً للعلماء والأساتذة والفضلاء، وقبلة لآمال الطلاب والمدرسين بسبب مركزيتها السياسية في بداية القرن الحادي عشر ولم تستطع حوزة مشهد أن ترتقي كثيراً في الفترة الأخيرة (أواسط وأواخر القرن الرابع عشر الهجري) بسبب عدم اهتمام الحكومات بالحوزات العلمية كما كان سابقاً في زمن الحكومات الماضية، بالإضافة إلى ظهور الحوزة العلمية في قم بمميزاتها الخاصة مثل التاريخ العلمي والديني لها الذي يرجع إلى القرون الأولى للإسلام وكونها مركزاً للمحدثين الشيعة وهجرة الشيخ عبد الكريم الحائري ثم السيد حسين البروجردي إليها ثم ارتباطها الوثيق بالمركز.
والشق الآخر الذي لم يسمح بتشكيل حوزة علمية من الطراز الأول في مشهد خلال العهد الصفوي وحتى آخر هذا العهد، هو عدم توفر الأمن اللازم فيها بسبب مجاورتها لقبائل الأوزبك والأفغان.
والشواهد التاريخية، تشير إلى كون حملات الأوزبك تستهدف غايات دينية ومذهبية بالإضافة إلى غاياتها الأصلية وهي أعمال السلب والنهب. حيث استمر هؤلاء الأوزبك لفترات طويلة بعد تأسيس الحكومة الصفوية وبسبب من تعصبهم الشديد ضد الشيعة بالقيام بحملاتهم المتكررة على مشهد وتعريض أهلها وأعراضهم وأموالهم للإغارة والسلب والانتهاك.
بدأ صاحب كتاب زينة المجالس([630]) تأليف كتابه هذا في عام 1004هـ أي في أوائل سلطنة الملك عباس الكبير وفي عصر تطور وازدهار الحكومة الصفوية، وهو يذكر (الخاقان المغفور) أي الملك طهماسب الأول وازدهار مشهد في عصره ثم يقول: «ولكنها الآن أصبحت خراباً بعد أن استولى عليها الأوزبك …» ([631]).
ومن الطبيعي أن إقامة الحوزات العلمية في مدينة هي عرضة لتهديدات الأعداء وأهلها يعيشون الخوف باستمرار من هجمات المغيرين، ستكون أمراً صعباً وغير معقول.
وبالإضافة إلى هذين السببين، ثمة سبب آخر كان يحول دون تجمع الطلاب في الحوزة العلمية في مشهد، وهو وجود حوزات علمية في المدن المجاورة لمشهد، مثل: سبزوار ونيسابور وكاشمر وتون (فردوس) وطبس وغيرها.
آثار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
والحوزة العلمية في مشهد
التأثير في مظهر المدينة
بعد أن كان وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مشهد سبباً في إعمارها وتوسعها، أصبح هذا المرقد مركزاً للمدينة وانتشرت المحلات والأبنية والأسواق في أطرافه. وظل هذا المرقد يشكل مركز المدينة حتى قبل أربعين سنة، حيث كان في أطرافه شارعان رئيسيان هما الشارع الغربي للمرقد والشارع الشرقي له، وفي أطرافه أيضاً أسواق مسقوفة ومراكز عامة من المساجد والمدارس الدينية والفنادق الكبيرة والمحلات القديمة مثل محلة نوقان ومحلة عيدكاه ومحلة جهارباغ ومحلة سرشور.
وفي عام 1310هـ استحدث شارع دائري يحيط بمؤسسات الروضة المقدسة ومقدار من الأبنية المجاورة لها وعدد من الأسواق واستحدث إلى جانب ذلك العديد من الشوارع الأخرى في أطرافها، بحيث اكتسب مركز المدينة وأصلها شكلاً جديداً، وهدمت الأزقة القديمة المجاورة.
ثم أخذت مشهد تخطو نحو التوسع والعمران بخطوات واسعة نسبة إلى أكثر المدن الإيرانية الأخرى بسبب تردد الزوار عليها، فأصبح الموقع الجغرافي للحضرة الرضوية مختلفاً عما كان عليه في السابق، حيث أصبحت مؤسسات هذه الروضة وهي الحرم والصحنان ومسجد كوهر شاد تقع في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة.
وفي العشرين سنة الأخيرة توسعت مشهد بسرعة كبيرة، بحيث أصبحت أكبر من حجمها السابق لهذه الفترة بعدة مرات، حتى بدأت تتقسم بالتدريج إلى منطقتين: المنطقة القديمة والمنطقة الجديدة. والمنطقة الأخيرة تتكون من الأجزاء الشمالية والغربية والجنوب غربية وهي محلات: عشرت آباد، سعد آباد، أحمد آباد، كوهنسكي وغيرها، وكل واحدة من هذه المحلات تحتوي على عدة شوارع إضافة إلى الشوارع الأخرى التي تتصل بها، ولا يبدو الوضع الديني للمدينة واضحاً في هذه المناطق وهي تعتمد في أبنيتها أسلوباً حديثاً اعتيادياً.
وأمّا في الجزء القديم من المدينة فأبرز شيء فيه هو تأثير مرقد الإمام الرضا عليه السلام في شق الشوارع، حيث توجد هناك أربعة شوارع من أكبر شوارع المدينة وأكثرها ازدحاماً بالسكان وهي: الشارع العلوي (شارع نادري) والشارع السفلي (شارع صفوي) وشارع طهران وشارع الطبرسي، وهذه الشوارع الأربعة تربط مختلف نقاط ومناطق المدينة بمرقد الإمام الرضا، وبديهي أن وجود هذه الشوارع يرتبط ارتباطاً مباشراً بمرقد الإمام الرضا عليه السلام.
ويبدو الطابع الديني للمدينة مؤثراً في كيفية بناء هذا الجزء وطبيعة أبنيته السكنية، حيث تكون منازل المحلات المجاورة للمرقد الشريف وخصوصاً في المحلات الشرقية والشمال شرقية والجنوب شرقية ذات جدران عالية وسواتر كاملة ولا يشاهد فيها الطراز الحديث للبناء.
المؤسسات التابعة
مكتبات الحوزة العلمية في مشهد
تشكل مكتبات الحوزة العلمية في مشهد أهم مؤسسات هذه الحوزة، ولكن هذه المكتبات ليست غنية بالكتب وليست متكاملة بسبب الظروف غير المساعدة والأحداث التي وقعت قبل شهيرور([632]) من عام 1320هـ.
وفي الوقت الحاضر تحتوي أغلب مدارس الحوزة العلمية في مشهد على مكتبات خاصة بها، مما يبعث على الظن أن مؤسسي هذه المدارس كانوا يبنون تزامناً مع بنائهم المدارس مكتبات ينتفع بها الطلاب أو عموم الناس. إلاّ أن هذه المكتبات أخذت تضمحل بالتدريج في الفترات التالية إثر عدم اهتمام المشرفين عليها وكذلك عدم إقبال عموم الإيرانيين على الكتب والمكتبات فأصبحت كتبها عرضة للنمل ولأشباه النمل من الناس.
ازداد وضع الحوزات بعد عام 1314هـ سوءاً إثر الأحداث الاجتماعية الخطيرة التي جرت آنذاك، واقتربت من الاضمحلال نهائياً، وأصبحت مدارسها تابعة للمؤسسات الحكومية مثل الأوقاف والثقافة، وتبعاً لذلك أصبحت مكتبات هذه المدارس في وضع مزر جداً، فقد نقلت بعض هذه المكتبات من مدارسها إلى مدارس أخرى ومكتبات ترتبط بمؤسسة الثقافة، ففقد الكثير من الكتب القيمة خلال عمليات النقل.
ثم أعيدت مدارس الحوزة العلمية في مشهد إلى طلابها بعد شهريور من عام 1320هـ واستأنفت الحوزة نشاطها من جديد إلاّ أن عملاً جدياً لم يتخذ في سبيل إرجاع المكتبات إليها، وكان في العمل الدؤوب لإعادة تشكيل الحوزة شاغل لزعماء الحوزة والمشرفين عليها عن متابعة أمور المكتبات أو التفكير فيها، ولكن هذا الانشغال لم يدم طويلاً، فبعد أن بدأت الحوزة تخطو نحو الأمام بالتدريج، سعى بعض المتصدين لها في إعادة المكتبات المنقولة إلى مواضعها، وبذلك تكونت بعض المكتبات في هذه المدارس.
ومع هذه الجهود بقيت بعض الكتب في المؤسسات التابعة لإدارة الثقافة، وطبعاً لم تعد الكتب المفقودة إلى المكتبات التي أخذت منها.
وإثر الجهود التي بذلها بعض الأشخاص ممن يعرفون قدر الكتاب والمكتبات في سبيل توسيع مكتبات مدارس مشهد، أصبحت أكثر هذه المدارس تمتلك مكتبات لا بأس بها وبعضها في مستوى جيد ونأمل أن توسع هذه المكتبات ويهتم بها أكثر في المستقبل.
أهم مكتبات الحوزة العلمية في مشهد
1 ـ مكتبة مدرسة نواب
مؤسس هذه المكتبة هو باني مدرسة نواب الميرزا أبو صالح نقيب الرضوي، حيث أسسها بعد بنائه للمدرسة عام 1086 واشترى لها أعداداً كبيرة من الكتب، وبعد وفاته استمر وقف الكتب لهذه المكتبة، ومن بينها نسخ خطية نفيسة.
وعندما هدمت مدرسة فاضل خان المعروفة إثر شق الطرق المحيطة بالمرقد الرضوي في عام 1310هـ نقلت مكتبتها وهي من أفخر المكتبات في مشهد إلى مكتبة مدرسة نواب فازدادت أهميتها.
وفي عام 1312هـ أصبحت مدرسة نواب ثانوية للدراسات المعقولة والمنقولة وأخضعت لوزارة المعارف والأوقاف، وعندئذٍ أهدى الناشرون ومؤسسات الطبع والنشر أعداداً كبيرة من مختلف الكتب إلى مكتبتها.
وحين حُلَّت كلية المعقول والمنقول التي كانت تتخذ من مدرسة الميرزا جعفر مقراً لها نقلت كتبها ومعها كتب مدارس مشهد الأخرى إليها، وفي بعض الفترات وضعت كتب مكتبة مؤسسة الثقافة تحت اختيار هذه المكتبة، فأضحت مكتبة نواب مكتبة مهمة وحاوية لكتب عديدة ومتنوعة. إلاّ أن هذا الوضع لم يدم طويلاً، حيث أعيدت الكتب التي أتى بها من أماكن أخرى إلى أماكنها ولم يترك منها إلا كتب مكتبة فاضل خان.
تركت هذه المكتبة في فترة الركود التي انتابت الحوزة العلمية في مشهد (بين عامي 1314هـ وعام 1320هـ)، وفقد العديد من كتبها على يد مختلف الأشخاص والمؤسسات، إلاّ أنها استعادت مكانتها وازدهارها، إثر سعي واهتمام المشرفين عليها، بعد أن استأنفت حوزة مشهد نشاطها، وجرى تصليح كتبها القديمة والمتآكلة، ووضع فهرست لكتبها في مجلدين، ويزداد حجم هذا الفهرست يوماً بعد آخر.
تُعدّ هذه المكتبة في الوقت الراهن أهم المكتبات في مدارس الحوزة العلمية في مشهد، فهي بالإضافة إلى احتوائها على عدد من الكتب يفوق ما هو موجود في المكتبات الأخرى، تحتوي أيضاً على عدد من الكتب الخطية النفيسة، التي لم يطبع بعضها إلى الآن، ويحتوي بعضها على خط كبار علماء الشيعة.
وإلى ذلك كله فهي تتميز بتنوع كتبها، فترى كتب الفلسفة والطب والأدب إلى جانب كتب الفقه والأحاديث ومجموعها 3626 كتاباً بينها 813 نسخة خطية و1992 كتاباً مطبوعاً والباقي من المجلات والنشرات المختلفة.
ودخول هذه المكتبة مباح للجميع، ويستطيع طلاب مدرسة نواب استعارة الكتب منها.
2 ـ مكتبة مدرسة ميرزا جعفر
كانت هذه المكتبة تحتوي على كتب قيمة في السابق، وقد نقلت إليها كتب مكتبة مدرسة فاضل خان بعد تخريبها وقبل نقل كتبها إلى مدرسة نواب، إلاّ أن بعضاً من كتبها تعرض للتلف إثر إهمال المشرفين عليها ونقل بعضها إلى مكتبة الحضرة الرضوية ومكتبة مدرسة النواب.
نقلت إليها أعداد من الكتب في عام 1330 وجعلت وقفاً لمكتبتها، وأُعيد إليها ما نقل منها إلى مدرسىة نواب، وأصبحت هذه المكتبة تحتوي على 3000 كتاب منها ثلاثمائة كتاب خطي والبقية من الكتب المطبوعة والمجلات.
والمطالعة والاستعارة مسموح بهما للجميع.
3 ـ مكتبة مدرسة خيرات خان
لا يعرف على وجه الدقة تاريخ تأسيس هذه المكتبة، ولكن البعض يعتقد أنه عام 1277هـ.
في عام 1303هـ وقف لها نصرت الملك علي مراد خان التيموري مائتي كتاب بين خطي ومطبوع.
وقد تعرضت هذه المكتبة بدورها إلى الإهمال فكان بعض كتبها طعمة للآفات، وضاع بعض آخر على يد عديمي الضمير من الناس.
تحتوي هذه المكتبة في الوقت الراهن على 400 كتاب (بين خطي ومطبوع) ولكنها لا تحتوي على فهرست لكتبها وليس لها وضع منظم يعين الطلاب على الاستفادة منها.
وتوجد بعض المكتبات في مدارس مشهد الأخرى مثل مدرسة دودر ومدرسة سليمان خان ومدرسة الحاج حسن ولكن أغلب هذه المكتبات تفتقد إلى المشرف المخلص وإلى الفهارس التي تعرف بكتبها ولذلك فهي تتجه نحو التلف يوماً بعد آخر.
4 ـ مكتبة مدرسة عباس قلي خان
ليس لهذه المكتبة سابقة تاريخية، فقد تأسست في عام 1334هـ بمائتي كتاب بين خطي ومطبوع ثم بدأت تخطو نحو الأمام بسعي وهمة طلاب المدرسة، فاستحدثت غرفة للمطالعة وأقيمت رفوف خاصة بالكتب وبلغ عدد كبتها 1500 كتاب.
وأبواب هذه المكتبة مفتوحة لطلاب المدرسة وعامة الناس، والاستعارة فيها خاصة بطلاب العلم.
الحرم الرضوي
ـ 1 ـ
ننشر عنه دراستين تكمل إحداهما الأخرى، وقد يتكرر أمر فيهما مما لا بد منه لاستكمال الدراسة واتساقها:
تاريخ الحرم
يقع المرقد الطاهر لثامن أئمة الشيعة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام (148 أو 151 ـ 203هـ/ 765 أو 768 ـ 818م) في مدينة مشهد مركز محافظة خراسان، وقد دفن بجوار قبر هارون الرشيد (148 ـ 193هـ/ 765 ـ 808م) في دار حميد بن قَحْطبَة (ت 159هـ/ 775م) في قرية تسمى سناباد بالقرب من محلة نوغان من توابع طوس.
بناء الحرم والتغييرات التي طرأت عليه
من المشهور أن القبة التي دفن تحتها الجثمان الطاهر للإمام الرضا عليه السلام كانت قد شيدها المأمون العباسي (ت 218هـ/ 833م) فوق قبر هارون الرشيد قبل وفاة الإمام الرضا عليه السلام، ولذلك يمكن اعتبار القبة الهارونية أول أبنية الحرم الرضوي المطهر، ولا يزال الجدار الذي ينسب بناؤه للمأمون قائماً ويبلغ ارتفاعه مترين وقد شيّد البناء الجديد عليه.
ومنذ ذلك الحين وحتى عصر الديالمة لا يوجد ما يشير إلى إعادة بناء الحرم أو ترميمه، ولكنه من المؤكد أن زيارة الحرم كانت شائعة عند الشيعة، وأن هذا المكان المعظم كان مزاراً معروفاً، ذكره السياح والجغرافيون أمثال: ابن حوقل والأصطخري والمقدسي. وقيل إن المقدسي كان أول من ذكر الحرم المطهر للإمام الرضا بعبارة «مشهد» في كتبه (أحسن التقاسيم، 2/515)، وعلى هذا فإن ما ذكره اعتماد السلطنة في كتابه مطلع الشمس أن «المقدسي لم يورد اسم مشهد» (2/8) لا أساس له.
وقد زيّن الديالمة البقعة المباركة ببعض الزخارف، كما راجت في عهدهم زيارة الروضة الرضوية، وفي القرن 4هـ/ 10م، هدم سبكتكين الغزنوي الحرم الطاهر ومنع الناس من زيارته، إلاّ أن ابنه يمين الدولة محمود رمم الحرم وجعل منه روضة زاهية ثم جاء عميد الدولة فائق، الذي اسماه البيهقي «خادم خاصة» [الخادم الخاص] فأكمل بناء الحرم وعمر مدينة مشهد. ثم عين السلطان محمود سوري بن المعتز أو المعرّ المشهور بـ «صاحب الديوان» والياً على خراسان، ورغم ظلمه كان كثير الصلاة والصدقة، وله في طوس آثار بديعة (البيهقي 413)، وقد أضاف إلى الحرم أشياء أخرى وبنى مئذنة «واشترى قرية عامرة أوقفها له» (ن.م) وبنى أول سور للمدينة، ولكن هذا البناء تعرض للضرر أثناء هجوم الغز في 548هـ/ 1153م، إبّان عهد سنجر السلجوقي (511 ـ 552هـ/ 1117 ـ 1157م): إلاّ أن شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي رمّم البناء فيما بعد وشيد فوقه قبة.
حرم الإمام الرضا عليه السلام
كما زيّن الجدران بالقاشاني النفيس الثمانيّ الأضلاع والمعروف بـ «القاشاني السنجري» وتغلفه الآن صفائح زجاجية كبيرة للمحافظة عليه، وهو من آثار «تركان زمرد ملك» بنت السلطان محمود السلجوقي، وقد نصب بعد سنة 557/ 1161. ويشاهد على هذا القاشاني أعداد واسماء مبعثرة مثل «خمسمائة» و«اثني عشر» و«تركان زمرد ملك» و«شهيد» المنقوشة على القاشاني، تدل على أن زخارف جدران الحرم قد نصبت بعد ذلك التاريخ، وكذلك يمكن الحدس بأن الأمير علاء الدين محمد خوارزمشاه قد رمّم هذا القاشاني في 612هـ/ 1215م، وأن العدد «اثني عشر» الموجود على القاشاني هو بقية كلمة «سنة 612» بعد أن سقط الرقم «ستمائة» وامحى أثره.
وفي عهد الخوارزمشاهيين كانت الروضة الرضوية موضع اهتمام، حيث زينت بنقوش حديثة وأضيف إليها محرابان مزينان بالقاشاني الصيني، كما زينت واجهة البوابة المقابلة للضريح المقدس بالفسيفساء النفيسة الناتئة والتي هي من تزيينات علي بن محمد المُقري.
وقد كتب على جدار الحرم المطهر بيتان من الشعر الفارسي لعبد الله بن محمود بن عبد الله «سنة 612هـ»، وقد اعتبرت هذه من آثار تلك الفترة. وفي 618هـ/ 1221م هدمت الروضة الرضوية إثر هجوم تولي بن جنيكز عليها، ولكنها لم تدمّر بالكامل، إذ كما اشرنا سابقاً، فإن جدران الحرم المطهر لا زالت مزيّنة بالقاشاني السنجري الذي نصب سنة 557هـ/ 1162م ولا يوجد من الوثائق ما يشير إلى ترميم الحرم منذ ذلك الحين وإلى ما بعده بقرن.
وقد أشار ابن بطوطة الذي زار مدينة طوس (مشهد) بعد خرابها بقرن في 734هـ/ 1333م إلى أنه قد شاهد البناء الرائع والتزيين بالقاشاني والضريح الفضي للمرقد المقدس. ومن المحتمل أن تكون تلك العمارة والتزيينات من عمل السلطان محمد خدابنده، وأن القبة قد شيّدت بأمره، خاصة وأنه كان شيعي المذهب.
ويوجد خلف الزاوية الشمالية للحرم إطار نقش عليه سنة 735هـ، ويشاهد في نفس الحرم قاشاني يعود تاريخه إلى سنة 760هـ، ولكن اسم صانعه مجهول. وفي عهد شاهرخ التيموري (حكم 807 ـ 850هـ/ 1404 ـ 1446م)، أقامت زوجته كوهر شاد آغا آثاراً قيمة في الحرم المطهر وأطرافه، منها، بناء رواقي «دار الحفاظ» و«دار السيادة» والمسجد الجامع المعروف باسمها في 821هـ/ 1418م، وذلك بإشراف المعمار الكبير قوام الدين الشيرازي: كما بنى شاهرخ السور الثاني لمدينة مشهد.
وقد أشار سفير إسبانيا روي كونزالس دوكلاويخو إلى عظمة وروعة الحرم والقبة الفضية، وذلك عند زيارته لمشهد آنذاك. وقد بنى السلطان حسين بايْقَرا (حكم 875 ـ 912هـ/ 1470 ـ 1506م) نصف الصحن القديم الحالي بتشجيع من وزيره أمير علي شير نوايي، ثم وسّعه الشاه عباس الصفوي، كما ورد اسم السلطان حسين فوق واجهة الإيوان المذهب في الصحن القديم. وكان الإيوان المعروف بإيوان أمير علي شير قد شيّد في عهده أيضاً، كما ترك الصفويون بتوسعتهم الروضة المقدسة وإكمالها آثاراً قيمة أيضاً، ثم تذهيب القبة التي شيدها السلطان محمد خدابنده، وترميم وتذهيب المنارة التي بنيت في عهد الغزنويين، وذلك في أيام شاه طهماسب الأول (حكم 930 ـ 984هـ/ 1523 ـ 1576م) كما شُيّد في عهده آخر أسوار المدينة.
وقام الشاه عباس الأول (حكم: 996 ـ 1038هـ/ 1587 ـ 1628م) بتجديد تذهيب القبة التي كانت بحاجة إلى الترميم في السنوات (1010 ـ 1016/ 1601 ـ 1607م) كما تشير الكتابة الموجودة على القبة بخط علي رضا عباسي، وأهدى الشاه عباس إلى المرقد المقدس عدداً من المصاحف التي تنسب كتابتها للأئمة الأطهار عليهم السلام. وباع بفتوى من العلماء الألماسة الكبيرة التي استعادها من الأوزبك الذين سرقوها من الروضة المقدسة أثناء غارتهم عليها. واشترى بثمنها أملاكاً كثيرة وأوقفها للروضة المقدسة.
أما الشاه عباس الثاني (حكم 1052 ـ 1077هـ/ 1642 ـ 1666م)، فقد رمم الصحن القديم وزيّنه بالقاشاني. كما أن الشاه سليمان (حكم 1077 ـ 1105هـ/ 1666-1694م) رأب التصدّع الذي أحدثه زلزال عام (1084هـ/ 1673م) بالقبة الطاهرة، حسبما تشير الكتابة التي نصبت عليها، كما بنى عدداً من المدارس. ثم بنى أميران كبيران من أمراء الدولة الصفوية هما: الله وردي خان وحاتم بيكا الأردوبادي بناءين مهمين في الروضة المقدسة: أحدهما رواق الله وردي خان، والآخر رواق حاتم خاني. كما أن الإيوان الواقع في الضلع الغربي لـ «دار الضيافة» هو أحد الأبنية التي شيّدها الله وردي خان أيضاً.
وفي عهد الأفشاريين قام نادر شاه (1100 ـ 1160هـ/ 1688 ـ 1747م) بتذهيب المنارة التي شيّدت في عهد الغزنويين وإيوان أمير علي شير، وشيّد منارة أخرى في الصحن القديم في عامي (1145هـ/ 1732م و1146هـ/ 1733م). كما تشير إلى ذلك قصيدة نديم الفارسية والكتابات المنقوشة في الإيوان الذهبي للصحن القديم، وما أورده محمد كاظم المروي وزير مرو، وأهدى نادر شاه أشياء ذهبية ومجوهرات للروضة المقدسة. ومن أبنيته أيضاً المسقاة الواقعة وسط الصحن القديم، ويتكون حوضها من قطعة صخرية واحدة أمر بجلبها من هراة. وقد شيّد إسماعيل خان الصائغ سقفاً مذهباً على الأعمدة الرخامية للمسقاة، في ما أمر نادر شاه بإمرار نهر من تحت حوض المسقاة ليبقى مملوءاً بالماء دائماً، ولا تزال هذه المسقاة موجودة ، وإن أجريت عليها بعض التغييرات، كما قام إبراهيم خان أخو نادر «بطلي بابي الصحن بالفضة» (مروي 1/ 203).
وفي عهد فتح علي شاه القاجار (حكم 1212 ـ 1250هـ/ 1797 ـ 1834م) بوشر ببناء «الصحن الجديد»، واستمر البناء في عهد محمد شاه (حكم 1264 ـ 1313هـ/ 1848م) وذُهب إيوانه. وفي عهد محمد شاه رمم الإيوان والبوابة الشمالية للصحن القديم والمعروف بـ «إيوان شاه عباسي»، كما تشير إلى ذلك الكتابات الموجودة عليه.
وفي عهد عضد الدولة نائب السادن رممت دار التوحيد المباركة (1276/1859)، كما أمر في 1275/1858 بتزيين النقوش والقاشاني النفيس في الحرم بالمرايا، وأمر ناصر الدين شاه بطلاء الجدران من الإزارة وحتى أعلى الإيوان الناصري وسقفه المقرنص بالذهب، ولهذا سمي بـ «الإيوان الناصري».
وفي أيام مظفر الدين شاه (حكم 1313 ـ 1324هـ/ 1895 ـ 1906م) تمّ ترميم الصحنين: القديم والجديد. كما جاء في الكتابة الموجودة على يمين الجدار الداخلي للإيوان وأعلى الباب الغربي للصحن القديم والتي كتبت بخط النستعليق.
وفي (1330هـ/ 1912م) أطلق الجيش الروسي الرصاص على القبة المطهرة، وألحق بها الدمار بذريعة حفظ أرواح الرعايا وتوفير الأمن والهدوء في مشهد، وتفريق القوات الموالية للملك المخلوع محمد شاه والمتحصنة في الروضة الرضوية المقدسة (خُراساني 633 ـ 635). إلاَّ أنه وبعد مدة قليلة قام والي خُراسان حسين ميرزا نير الدولة بتعميرها بمساعدة المحسنين.
وفي أعقاب العصر القاجاري رُمّم الضريح الطاهر وبعض أبنية الروضة المقدسة، كما شيّدت بعض العمارات الجديدة.
وفي الاعوام (1963 ـ 1965م) وسع فناء الحرم من جهة الرأس المبارك واستبدل سقف المسجد البالي من تلك الجهة بسقف كونكريتي زيّن ثانية بالقاشاني.
كما وسع الجناح الشمالي للحرم ليتصل برواق «دار الشكر»، ونقل المحراب القديم للمسجد الواقع في الجهة الجنوبية من الحرم إلى المتحف إثر توسعته والتعميرات التي أجريت عليه. ويجدر بالذكر أنه تمّت إجراءات أخرى أنجزت في هذه الفترة، كإنشاء عمارة المتحف الكبرى، والمكتبة، وبناية الإدارة، وتوسيع الشوارع المحيطة بالحرم، وإنشاء الحدائق حوله.
وبعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، طرأت تغييرات على أبنية الروضة المقدسة، كما أنشئت بنايات جديدة، ففي سنة 1979م تمَّ توسيع الرواق الواقع خلف الرأس المبارك (بُشْتِ سَرِ مُبارك) بمقدار 18 متراً. وفي السنة الثانية وسع الجناحان المواجهان «للوجه الشريف» (بيش روُي مبارك) و«القدم المباركة» (بايين با) بما مجموعه 36م2، وزيد في العرض من جهة القدمين بمقدار 70/1م.
ومن إنجازات هذه الفترة تجديد بناء المداخل وإحداث مدخل الطبرسي (بَسْتِ طبرسي)، وبناية جامعة العلوم الإسلامية، وبناء صحني «الجمهورية الإسلامية» و«القدس». ومما يذكر أيضاً المباشرة ببناء المكتبة والمتحف والرواق بـ «دار الولاية».
أبنية الحضرة
ويقصد بأبنية الحضرة، الحرم والعمارات المحيطة به والتابعة لمؤسسة إدارية واحدة، وهذه الأبنية هي عبارة عن الحرم والقبة والمآذن والصحون والإيوانات والأروقة والمداخل والمتحف والمكتبة.
1 ـ الحرم: بناء مستطيل الشكل (يقرب من المربع) بطول 90/10 وعرض 40/10م، فيه أربع صفف تقع كل واحدة منها في طرف من أطراف الحرم الأربعة، ويتم الدخول والخروج منها إلى الحرم: ويبلغ طول بوابة (مدخل) كل واحدة منها 3م، فوق هذه الصفف أربع صفف صغيرة، وقد أزّر الحرم بارتفاع 20 سم، يعلوه القاشاني الرباعي والسداسي والثماني الأضلاع والكواكبي الشكل بارتفاع 92 سم، أغلبه آيات قرآنية وأحاديث شريفة، فيما يشاهد على بعضه الآخر نقوش إسلامية ناتئة على صفائح صينية نفسية احتوت على آيات من سورة الفتح، وفوقها لوحة أخرى من الرخام بعرض 22 سم، كتبت عليها بخط النستقليق قصيدة: «دبير الملك الفراهاني». ويبلغ ارتفاع جدران الحرم من الأرض إلى السقف المقرنص 80/18م.
وعلى ارتفاع 85/6م من أرضية الحرم، وفي القسم العلوي لجدران الحرم الأربعة تحت القبة، وبعرض 80 سم كتبت سورة الجمعة بخط الثلث للخطاط علي رضا عباسي. ويوجد داخل الحرم ثلاثة محاريب: أحدها في الجدار الجنوبي الغربي من الحرم بعرض 15/2 وارتفاع 60/2م، والثاني في افلدجدار الحجنوبي الشرقي من الحرم بعرض 75/1/ وارتفاع 40/2/م. والثالث باتجاه أعلى الرأس المبارك تحت الطاق والصُّفة الموصلة بين الحرم ومسجد «بالاسر» [أعلى الرأس المبارك]، وهو بعرض 25/1 وارتفاع 90/1م.
أما مواضع الحرم الأربعة فهي كالتالي:
أ ـ الصُّفة الشمالية، خلف الرأس المبارك.
ب ـ الصفة الجنوبية أمام الوجه المبارك.
ج ـ الصفة الشرقية، أسفل القدم المبارك.
د ـ الصفة الغربية باتجاه أعلى الرأس المبارك.
وفي أيام عضد الملك كان قد نصب باب ذهبي بين الصفة الجنوبية والحرم، عرف باسمه، ثم استبدل بباب ذهبي جديد في 1974م، وكتبت على هذا الباب آيات وأحاديث وأشعار. وفي بوابة الصفة الشرقية أيضاً نقوش وخطوط ذهبية ناتئة على أرضية فضية.
البقعة والضريح: تعود أقدم المصادر التي تتحدث عن البقعة والضريح الرضوي إلى الخوارزمشاهيين. ينقل الخوانساري في روضات الجنات عن ثاقب المناقب أنه كانت لأنوشيروان المجوسي الأصفهاني مكانة لدى قطب الدين محمد خوارزمشاه (حكم: 490 ـ 521هـ/ 1097 ـ 1127م)، وقد عيّنه سفيراً لدى السلطان سنجر، إلاّ أن إصابته بمرض البرص المنفّر جعلته يخشى الذهاب إلى السلطان سنجر، وقد نُصح بطلب الشفاء عند الإمام الرضا عليه السلام فشفي وحسن إسلامه، فوضع صندوقاً من الفضة على الضريح، كما أهدى أموالاً طائلة للروضة في ما بعد.
ويذكر ابن بطوطة وجود ضريح خشبي مغطى بصفائح فضية ولعله يقصد بذلك «الضريح»، الصندوق الخشبي الذي كان فوق المرقد المبارك. ولذلك لا يمكن إبداء رأي حاسم عن صنع صندوق وضريح الإمام عليه السلام، بسبب الخطأ الناشئ من نقل هذا الرأي في الكتب المتأخرة عنه، ولكن يمكن التخمين الصائب ـ كما أشرنا سابقاً وملاحظة تاريخ زيارة ابن بطوطة لمشهد ـ بأن الصندوق المذكور كان من صنع السلطان محمد خدابنده، وهو نفس الصندوق الذي ظل حتى 1932م. وفي عهد الملك طهماسب الأول رُصّع الصندوق بصفائح ذهبية نقشت عليها آيات من القرآن الكريم بخط علي رضا عباسي، ولهذا عرف هذا الصندوق بـ «صندوق شاه عباسي» الذي استبدل في 1932م بسبب تآكله بصندوق آخر من الرخام بطول 10/2 وعرض 06/1م، وأودع ما كان على الصندوق الخشبي من الصفائح الذهبية في متحف الروضة الرضوية. وللبقعة الرضوية الآن ضريحان: ضريح داخلي من الفولاذ المرصع بالجواهر، والذي صنع في العهد النادري وأوقفه للحرم شاهرخ أفشار في 1160/1747، وضريح خارجي صنع من الذهب والفضة نصب في 1959م بدلاً من ضريح فتح علي شاه الفولاذي.
وفي القسم الداخلي للبقعة ضريح آخر أيضاً صنع في عصر الشاه عباس أو الشاه طهماسب وهو من الخشب والحديد وصفائح الذهب والفضة، وقد استبدل لتآكله آنذاك بضريح جديد وأودع ما كان عليه من الذهب والفضة في خزانة الروضة المقدسة. وكان طول الضريح الجديد 05/4 وعرضه 06/3 وارتفاعه 90/3م.
ولكل من ضلعيه الطويلين أربع فتحات ولكل من الضلعين القصيرين ثلاث فتحات، وبذلك يكون مجموع الفتحات 14 فتحة. وقد نصب في وسط وأعلى الفتحات 18 صفيحة ذهبية إهليلجية الشكل محدّبة، نقشت عليها أحاديث شريفة بخط الثلث. كما نصبت فوق أطراف الضريح صفائح ذهبية مضرّسة نُقشت عليها بخط الثلث أسماء المعصومين الأربعة عشر، وعلى حواف الضريح وفوق تلك الصفائح صفائح ذهبية أخرى أيضاً يبلغ مجموعها 92 صفيحة، كتب على كل منها لفظ الجلالة «الله».
2 ـ القبة: وتتألف من جدارين: الأول مقرنص ويرى من الأسفل (من داخل الحرم): والثاني العُلوي مغطى بصفائح ذهبية ويرى من الخارج. وقد ذُهّبت هذه القبة لأول مرة في عهد الشاه طهماسب الأول، ثم جدّد الشاه عباس تذهيبها. وارتفاع الحرم من قاعدته حتى السقف المقعّر (الجدار الداخلي) 8/18م، ومنها إلى أعلى القبة من الخارج 20/31م. أما محيط القبة فيبلغ 10/42م وارتفاع رأس طوقها 5/3م وارتفاع السطح المذهّب من قاعدتها حتى القمة 40/16م. وعلى السطح الخارجي للقبة المغطى بصفائح نحاسية مطليّة بالذهب نقوش وخطوط وكتابات بديعة.
3 ـ المآذن: وفي الحرم مئذنتان: واحدة قريبة من القبة وفوق الإيوان النادري المذهب جنوب الصحن القديم، والأخرى شمال هذا الصحن وفوق الايوان العباسي. والمئذنة الأولى القريبة من القبة من آثار سوري بن المعتز. وقد رممها وذهّبها الشاه طهماسب الأول مرة ونادر شاه مرة أخرى. ويبلغ ارتفاعها من القاعدة إلى القمة 50/40م ومحيطها الخارجي 13م، وارتفاع المئذنة الأخرى كسابقتها، بناها وذهّبها نادر شاه.
4 ـ الصحون: في الروضة الرضوية ثلاثة صحون: الصحن القديم (صحن الثورة)، والصحن الجديد (صحن الحرية)، وصحن المتحف (صحن الإمام): وهناك صحنان لا زالا في طور الإنشاء: أحدهما باسم الجمهورية الإسلامية، والثاني باسم القدس.
الصحن القديم (الثورة): ويقع شمال الحرم، وطوله 38/104م وعرضه 52/64م، ويحيط بالصحن عدد من الغرف بنيت على شكل طابقين، وفيه أربعة أواوين في جهات الصحن الأربع تفصل بين الغرف.
أ ـ الإيوان الجنوبي أو الإيوان الذهبي، وهو من أبنية أمير علي شير في القرن 9/15، وقد عرف بالإيوان النادري لأن نادرشاه كان قد ذهّبه. ويبلغ طوله 70/14م وعرضه 80/7م وارتفاعه 4/26، وقد أزر بارتفاع مترين بالرخام الملون وكتبت فوق الإزارة أحاديث بخط النستعليق في فضل زيارة الحرم. كما زين ما فوق الإزار حتى السقف بصفائح مطلية بالذهب. ويوجد في هذا الإيوان أربعة أبواب ذهبية: باب الضلع الشرقي والمؤدي إلى دار التوحيد، وباب الضلع الغربي ويؤدي إلى منزع الأحذية الكبير، والثالث باب الزاوية الجنوبية الغربية ويؤدّي إلى ممر المسقاة القديمة ومنها إلى دار السيادة، والرابع باب الزاوية الجنوبية الشرقية والمؤدي إلى مكان كان سابقاً موضعاً لقراءة القرآن. ويوجد في الضلع الجنوبي للإيوان طاق يشبه المحراب، كتبت على لبناته المطليّة بالذهب قصيدة بالفارسية لـ «نديم»، وذلك بخط النستعليق لمحمد علي بن سليمان الرضوي. وتشير هذه القصيدة إلى أن نادر شاه أمر بترميم وتذهيب الإيوان، وقد ورد في ختامها تاريخ إتمام ذلك (1145/1732)، وكتب في أعلى الغرف العلوية من الإيوان حديث في فضل زيارة حرم الإمام الرضا عليه السلام بخط النستعليق المذهب على أرضية لازوردية، كما نقش على القاشاني. وفي حاشية الباب الخارجي للإيوان سورة «مريم» بخط كوفي وباللون الأصفر.
ب ـ الإيوان الشمالي أو الإيوان العباسي: وطوله 80/14م وعرضه 20/8م وارتفعه 50/22م. وقد بناه الشاه عباس الأول ورُمم في عهد الشاه عباس الثاني، ولعل هذا كان سبب في التباس الأمر على بوب (نامه آستان قدس، 89) [رسالة الروضة الرضوية] حينما نسب البناء خطأ إلى الشاه عباس الثاني. وقد فرشت أرض الإيوان بحجر الخَلج، وأزرت جدرانه بالأحجار القاتمة اللون، وغلّف ما فوقها حتى السقف بالقاشاني المعرّق. وتقع خلف هذا الإيوان من جهة الشمال صفة كبيرة تشبه المحراب مزينة بالقاشاني المعرّق، كما زيّنت أربع غرف علوية من الإيوان بالقاشاني، وكتبت «البسملة والصلوات» بخط الثلث لمحمد رضا إمامي حول الصفة الكبيرة في 1059هـ/ 1649م. كما كتب على واجهة هذا الإيوان اسم الشاه عباس الثاني الذي أمر بترميمه آنذاك، بخط الثلث وباللون الأصفر لمحمد رضا إمامي.
ج ـ الإيوان الغربي: بناه الشاه عباس الأول، كما بنى الإيوان الشرقي. وطول هذا الإيوان 10/24م وعرضه 9/6م. وقد رمّم في أيام الشاه عباس الثاني مرة، وفي عهد ناصر الدين شاه مرة أخرى. وأرضية الإيوان من حجر الخلج وإزارته من الحجر القاتم اللون. وغلف بالقاشاني المعرّق في أعلى الإزارة حتى السقف. وقد زيّنت الواجهات الداخلية الثلاث للإيوان بكتابة عدد من الأحاديث بخط الثلث وباللون الأبيض للخطاط علي رضا عباسي. كما كتبت على الواجهة العلوية أيضاً آية الكرسي بخط الثلث الأصفر فوق أرضية لازوردية.
د ـ الإيوان الشرقي: وتعلوه مقصورة التطبيل «نقّاره خانه»، يبلغ طوله 20/18م. وعرضه 80/7م، وارتفعه 26م وأرضيته من حجر الخلج. وإزارته من الحجر القاتم اللون، زيّن ما فوق الإزارة حتى السقف بالقاشاني. وتوجد في داخل الإيوان وفوق المدخل المؤدي للحرم غرفة زيّنت جدرانها الداخلية بالقاشاني المعرّق، وكتب على جدرانها بخط الثلث وباللون الأبيض حديث للإمام الصادق عليه السلام، كما كتبت سورة المزمّل بخط الثلث وباللون الأبيض على حاشية المدخل الخارجي للإيوان، في ما كتبت آية النور بخط الثلث الأصفر في أعلى المدخل.
ويحيط بالصحن القديم 12 صُفَّة:
1 ـ الصفة الجنوبية للإيوان الغربي: كتب عليها بعض الآيات القرآنية بخط الثلث فوق القاشاني المعرّق وبخط علي رضا عباسي.
2 ـ الصفة الواقعة في شمال الإيوان الغربي: كتب عليها بعض الآيات القرآنية بخط علي رضا عباسي.
3 ـ الصفة الشمالية للصحن، لم يكتب عليها شيء.
4 ـ الصفة المجاورة للصفة الشمالية.
5 ـ الصفة الشمالية للإيوان العباسي، كتب عليها بخط الثلث آية «مثل الذين ينفقون أموالهم…».
6 ـ الصفة الواقعة شرق الإيوان العباسي كتب عليها حديث نبوي شريف بخط الثلث.
7 ـ الصفة الشمالية للإيوان الشرقي كتب عليها حديث للإمام علي عليه السلام بخط الثلث لمحمد رضا إمامي.
8 ـ صفة في جنوب الإيوان الشرقي كتب عليها حديث للإمام علي عليه السلام بخط الثلث لمحمد رضا إمامي.
9 ـ صفة منزع الأحذية لإيوان الله وردي خان، كتب عليها حديث لأمير المؤمنين علي عليه السلام بخط محمد رضا إمامي.
10 ـ الصفة الشرقية لإيوان نادري الذهبي وتحتوي على شباك برونزي، يُعرف بالشباك الفولاذي ويرى من خلاله داخل الحرم.
11 ـ صفة في غرب الإيوان الناصري الذهبي المؤدية إلى الحرم كتب عليها حديث للإمام الرضا عليه السلام بخط محمد رضا إمامي.
12 ـ الصفة الجنوبية للصحن، لم يكتب عليها شيء.
الصحن الجديد (صحن الحرية): يقع شرقي الحرم طوله 50/81م وعرضه 51م وتحيط به 56 غرفة في الطابق الأسفل، وبعددها في الطابق العلوي، وتقع خلف أكثر الغرف غرف صغيرة وكبيرة، وتشير الكتابة ـ التي تعلو مدخل الإيوان الشرقي والإيوان الجنوبي في هذا الصحن ـ إلى أن بناءه قد أنجز في أيام فتح علي شاه وتمّ تزيينه بالقاشاني في عهد محمد شاه. وارتفاع إزارة الصحن المرمرية القاتمة اللون 44/1م، وتمّ تزيين الجدران والأعمدة والأبواب مما فوق الإزارة بالقاشاني اللون.
وفي وسط الصحن وفي مكان المسقاة التي أزيلت فيما بعد يوجد حوض كبير يمكن أن ترى فيه المسقاة المذكورة المتكونة من قطعة حجرية واحدة. وفي الصحن أربعة أواوين كبيرة تقع في جهات الصحن الأربع:
1 ـ الإيوان الغربي: ومدخل الباب الذهبي الناصري، طوله 30/15م وعرضه 25/7م وارتفاعه 10/20م، ويتصل هذا الإيوان بدار السعادة عبر باب ذهبي وممر صغير وباب ذهبي آخر و منها إلى داخل الحرم. وقد غطيت أرضية الإيوان وإزارته إلى ارتفاع مترين بالرخام.
وتوجد فوق هذا الإيوان أربع غرف غلفت جدرانها الداخلية بصفائح ذهبية. ويشاهد داخل الإيوان كتابة بخط النستعليق البارز لسرخوش تحمل تاريخ ترميم وتذهيب الإيوان وأسماء القائمين بذلك، وقد كتبت سورة «النبأ» حول واجهة المدخل بخط الثلث وباللون البيض على القاشاني اللازوردي، في ما تضم الكتابة التي تعلو المدخل اسم آصف الدولة والي خُراسان باني الإيوان والرواق بخط الثلث الأصفر اللون وعلى القاشاني اللازوردي.
2 ـ الإيوان الشرقي: وطوله 80/15م وعرضه 10/7م وارتفاعه 10/20م، وقد فرشت أرضيته بحجر الخلج وإزارته بالرخام القاتم اللون. وزين ما فوق الإزارة حتى السقف المقرنص بالقاشاني. وقد كتبت حول الإيوان سورة «القيامة» و«العصر» بخط الثلث وباللون الأبيض على القاشاني اللازوردي، كما كتب على واجهة الإيوان وبخط الثلث الأصفر اللون تاريخ تزيين محمد شاه للصحن والإيوان في (1263/ 1847).
3 ـ الإيوان الجنوبي: طوله 30/18م، وعرضه 30/7م وارتفاعه 20م، وكان خلف هذا الإيوان سابقاً مطبخ لخدمة الروضة هدم وألحق في ما بعد بصحن الإمام الخميني (المتحف سابقاً). ويؤدي الصحن الجديد حالياً إلى صحن الإمام عن طريق هذا الإيوان. وأرضية الإيوان من حجر الخلج وإزارته من الرخام القاتم اللون، وقد زين ما فوق الإزارة وحتى السقف بالقاشاني. وتوجد في هذا الإيوان أربع غرف كتب تحت كل منها وعلى التوالي سور «الكافرون والتوحيد والفلق والناس»، وتتوسط الإيوان كتابة تحمل رواية عن الإمام الرضا عليه السلام، وأخرى عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بخط الثلث. كما كتبت سورة «المنافقون» حول الإيوان بخط الثلث وعلى القاشاني الأبيض وأرضية لازوردية. ويعود تاريخ كتابتها إلى (1262هـ/ 1846م)، وتعلو واجهة الإيوان وبخط الثلث وعلى القاشاني الأصفر وبأرضية لازوردية كتابة تشير إلى سنة تزيين وترميم الإيوان والتي كانت في عهد محمد شاه.
4 ـ الإيوان الشمالي: وطوله 20/17م وعرضه 9/7م وارتفاعه 20م. وأرضيته من حجر الخلج وإزارته من الرخام القاتم اللون، وقد زينت الجدران مما يعلو الإزارة وحتى السقف المقرنص بالقاشاني. وتوجد على واجهة هذا الإيوان من داخل الصحن وفوق بوابته كتابة بخط الثلث الأًصفر على القاشاني اللازوردي اللون، ورد فيها تاريخ تزيين مؤتمن الملك للإيوان ووقفه في عهد ناصر الدين شاه. كما تحيط بالإيوان كتابة تحمل آيات من القرآن الكريم بخط الثلث وباللون الأبيض وأرضية لازوردية.
صحن الإمام الخميني (المتحف سابقاً): يقع جنوب الصحن الجديد وجنوب غربي الحرم المطهر. وهناك عدد من الحوانيت القديمة الخربة ومدرسة نصف خربة تدعى مدرسة بايين با «أسفل القدم» أو مدرسة سعد الدين. كانت قد ابتاعتها مديرية سدانة الحرم في 1937م ومعها بعض البيوت والبنايات القديمة الأخرى، ثم أزالتها لتبني مكانها صحناً آخر وعمارات للمتحف والمكتبة، وقد افتتحت هذه المباني في 1945م، بعد أن استمر العمل ببنائها ثماني سنوات. وفي 1974م هدمت كل هذه المباني (المتحف والخزانة والمكتبة) وأضيفت أرضها البالغة 1000 م2 إلى الصحن بغية توسيعه بحيث صارت مساحة صحن المتحف 10,000 م2.
وقد رُصفت أرضية الصحن بالكونكريت وبارتفاع 15 سم، ثم فرشت بالأحجار. كما أنشئ حوض رخامي كبير أبعاده 10/44 × 40/13م في وسط الصحن. ويرتبط هذا الصحن من جهة الشمال بالصحن الجديد عبر بوابة مرتفعة ورائعة تعلوها مقرنصات بديعة. وفي الجهة الشرقية للصحن توجد بنايات جديدة وفخمة كالمتحف والمكتبة والخزانة، وقد بنيت على الطراز الإسلامي التقليدي. ويتصل هذا الصحن من الغرب بالإيوان الشرقي لمسجد كوهر شاد عبر مدخل عالٍ رائع آخر. وعلى طول الضلعين الشمالي والغربي للصحن توجد أطواق مزينة بالقاشاني على شكل طابقين. أما الضلع الجنوبي فيتصل عبر الحواجز المعدنية والأبواب بالشارع الدائري العريض الذي يحيط بكل أبنية الروضة المقدسة.
صحن الجمهورية الإسلامية: بوشر ببناء هذا الصحن في 1981م على أرض مساحتها 25000 م2، تتوسط المدخل الأعلى ومسجد كوهر شاد، حيث كانت منطقة فسيحة ومشهداً مائياً ولا زال العمل ببنائه مستمراً حتى الآن. وسيصل هذا الصحن من خلال المدرسة التي تلي الراس المبارك برواق دار السيادة ومنها بالحرم المطهر
صحن القدس: وتشكل الساحة الأمامية لصحن الإمام ومسجد كوهر شاد والأبنية الدائرية الخارجية والداخلية بمجموعها صحن القدس.
5 ـ الأروقة: وعددها 15 رواقاً، وهي تشكل جزءاً من أبنية الروضة المقدسة وفيما يلي شرحها:
دار الحفاظ: وتقع جنوب الحرم وهي من أبنية كوهر شاد. يبلغ طولها 18م، وعرضها 65/8م، وارتفاعها حتى السقف 8/12م وإلى ما وراء السقف 46/14م، ويوجد في دار الحفاظ 7 صفف. لأربع منها أبواب تؤدي إلى الحرم المطهر ورواق أبك كيرزا أو (أبكه ميرزا) ودار السيادة، وممر منزع الأحذية لمسجد كوهر شاد. ويزين جدران دار الحفاظ إزارة أحجار مطعمة رائعة جداً وبارتفاع 70/1م، ثم يليها لوح حجري عليه أبيات للقاآني.
دار السيادة: وتقع غرب المسجد المواجه للرأس المبارك وهي من أبنية كوهر شاد، وتعد من أكبر أروقة الحرم حيث يبلغ طولها 86/31م وبعرض متفاوت الأبعاد يشتمل على ثلاثة أقسام: عرض القسم الأوسط والأكبر 30/19م، وعرض القسمين الآخرين 76/7م، ويرتفع الرواق من الأرضية حتى الطاق 87/20م، ولدار السيادة عدد من الأبواب المؤدية إلى كل من الإيوان الشمالي لمسجد كوهر شاد والممر المعروف بالمسقاة، والذي يتصل بالإيوان الذهبي النادري ودار الحفاظ. وقد تعرضت دار السيادة والقبة لبعض الدمار أيام الصفويين إثر الزلزال الذي اصاب مدينة مشهد. ولكن الشاه طهماسب أصدر أمراً بترميمها. كما كتبت في أعلى الباب الذي يوصل إلى دار الحفاظ أبيات بخط النستعليق تشير إلى تاريخ ترميم الرواق، ولدار السيادة إزار بالقاشاني المعرق بارتفاع 80/1م.
دار السعادة: وتقع شرق أروقة الروضة المقدسة بين الإيوان الذهبي للصحن الجديد ورواق حاتم خاني، طولها 90/14م وعرضها 80/13م وارتفاعها 80/14م، وقد بناها اللهيار خان آصف الدولة القاجاري وزينها بالمرايا علي أصغر خان أتابك. وترتفع إزارتها الرخامية 40/1م تعلوها صخرة رخامية بعرض 40 سم، كتبت عليها قصيدة لصبوري بخط النستعليق يليها تزيين بالمرايا حتى السقف.
دار الضيافة: رواق يتوسط بين الصحن الجديد ورواق (قبة) الله وردي خان طوله 5/15م، وعرضه 25/9م، وارتفاعه 5/15م، وأرضيته من الرخام، وإزارته من الحجر المطعم بارتفاع 50/1م، ويشاهد فوقه كتابة بخط الثلث بعرض 40 سم تضمنت سورة «الإنسان» وآية «الكرسي» تعلوها المرايا.
دار الذكر: وتقع في الموضع الذي كان سابقاً مدرسة علي نقي ميرزا التي سقفت وجدد بناؤها في 1963 ـ 1965م، وعرفت في ما بعد بدار الذكر. ويبلغ طولها 72/15م وعرضها 29/12م وارتفاعها 9م. وأرضيتها من الرخام الأخضر وإزارتها من الرخام الأبيض وبارتفاع 50/1م وزين ما فوق الإزارة بالمعرقات والسقف بالجص والمقرنصات.
دار السرور: ويقع هذا الرواق جنوب دار السعادة وشمال دار الذكر. وقد كان غرفة لإعداد الشاي سابقاً، ثم مكتباً للإدارة الدالخلية للروضة المقدسة، ولكنه تحول في 1955 ـ 1959م إلى رواق كبير أطلق عليه اسم دار السرور. وطول الرواق 80/24م وعرضه 82/4م وارتفاعه 75/4م وقد أزّر إلى ارتفاع 46/1م بالرخام بينما زيّن ما فوق الإزارة وحتى السقف بالمرايا.
دار العزّة: وكان هذا الرواق سابقاً محلاً خاصاً بخدمة الروضة المقدسة، إلاّ أنه وبعد تعميره وتزيينه تحول إلى رواق، وذلك في 1963 ـ 1965م. وطوله 6/11م وعرضه 12/3م وارتفاعه 35/4م. وقد زينت أرضية دار العزة وإزارتها إلى ارتفاع 48/1م بالرخام ومنها إلى السقف بالقاشاني، في ما زين السقف كله بالمرايا. ويتصل هذا الرواق من الشمال بدار السرور ومن الشرق بدار الذكر عبر ثلاثة أبواب ومن الغرب بدار السلام.
دار السلام: وهذا البناء في الأصل عمارة من طابقين، وكان من أبنية كوهر شاد، ثم صار بيتاً يحمل نفس الاسم، ولكنه استخدم مستودعاً للسجاد وداراً للاستراحة، وقد اتصل هذا المكان بعد تعميره وتزيينه في 1955 ـ 1959م برواق (قبة) إبك ميرزا ليكوّن رواق دار السلام. وفي 1967م اتصل بممر محل الخدمة السابق ليصبح رواقاً كبيراً يبلغ طوله 20م وعرضه 10م وارتفاعه 5/9م. ولدار السلام ثلاثة أبواب تطل على باحة مسجد كوهر شاد ودار الحفّاظ ودار العزّة.
دار الشكر: وكانت تحفظ في هذا البناء المصاحف (المكتبة القديمة)، وبعد اتصاله بقسم من مر المسجد بدار التوحيد تحول إلى روّاق مربع عرف بدار الشكر، طول ضلعه 50/6م وارتفاعه 5/9م. وقد زيّنت أرضيته وإزارته لارتفاع 70/1م بالرخام، ومنها إلى الاعلى بالمرايا، وكذلك سطح السقف الذي استبدلت مراياه بالقاشاني أخيراً.
دار الفيض: ويتكون هذا الرواق من مجموعة أروقة مسجد الرياض وصفة الشاه طهماسب، والذي استبدل اسمه بدار الفيض بعد تعميره في 1968م. ويبلغ طوله 85/15م وعرضه 90/5م وارتفاعه 5/9م. وقد زينت أرضيته والإزارة لارتفاع 67/1م بالرخام، تعلوه كتابة على الرخام بعرض 33 سم، تضمنت أشعاراً للقاآني بخط النستعليق. وقد زيّنت الجدران مما يلي هذه الكتابة وحتى السقف المقرنص بالقاشاني المعرق.
دار التوحيد: [توحيد خانه] رواق يقع شمال الحرم بين الرواق الذي يلي الرأس المبارك والصحن القديم. وطوله 60/8م وعرضه 35/7م وارتفاعه 15م. وأرضيته والإزارة لارتفاع 60/1م من الرخام. يليها كتابة بعرض 50 سم تضم اسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام بخط الثلث، فيما زين ما فوقها وحتى السقف بالمرايا. وترتبط من الشرق بباب يؤدي إلى رواق الله وردي خان، فيما يربطها من الغرب باب آخر بالإيوان الذهبي للصحن الجديد.
رواق (قبة) حاتم خاني: بناه حاتم بيك الأردوبادي أحد الأمراء الصفويين حوالي 1010هـ/ 1601م. ويقع هذا الرواق شرق الحرم ويرتبط به عبر باب ذهبي مما يلي أسفل القدم المباركة. ويتصل هذا الرواق بدار السعادة من جهة الشرق عبر صفة كبيرة ومرتفعة. كما يتصل من الشمال برواق الله وردي خان من خلال صفة أيضاً، فيما يتصل جنوباً بموضع خفارة الخدم. يبلغ طول الرواق 50/13م وعرضه 30/7م وارتفاعه 60/11م وأرضية الرواق وإزارته إلى ارتفاع 50/1 من حجر الخلج المطعّم، ونقشت فوق الإزارة قصيدة على الحجر عرضها 40 سم، وقد غلّفت الجدران مما يلي الكتابة وحتى السقف بالقاشاني المعرق. وفي 1967م افتتح ممر آخر يربط الضلع الجنوبي لهذا الرواق بدار السعادة.
رواق (قبة الله وردي خان): لهذا الرواق ثمانية أضلاع وقد بناه الله وردي أحد أمراء الدولة الصفوية، ويقع شرق دار التوحيد وشمال شرقي قبة حاتم خاني. ويبلغ ارتفاع الرواق من الأرضية حتى سقف القبة 19/16م، وقد غطّيت أرضيته والإزارة إلى ارتفاع 90/1م بالرخام منها إلى الأعلى بما في ذلك السقف نفسه زين بالقاشاني المعرّق. وتوجد صفة في كل ضلع من أضلاعه الثمانية، وفوق كل صفةٍ صفةُ أخرى أصغر منها، وتصل الصفف السفلى بكل من الصحن القديم ودار التوحيد ورواق حاتم خاني ودار السعادة.
رواق دار الولاية: وهذا الرواق من أبنية عهد الجمهورية الإسلامية والذي سيشيّد على أرض مساحتها 2305 م2، وسيرتبط من الشرق بمدرسة دودر(ب) ومدرسة بريزاد، ومن الجنوب بالصحن القديم (الثورة)، ومن الشمال بالحرم المطهر، ومن الغرب بصحن الجمهورية الإسلامية.
المسجد الذي يلي الرأس المبارك [بالاسر]: ويتصل هذا المسجد بالحرم ويقع بينه وبين دار السعادة. بناه أبو الحسن العراقي (ت 429هـ/ 1038م) الكاتب في الديوان الغزنوي. فرشت أرضية المسجد وزينت إزارته لارتفاع 90/0م بالرخام، ما فوق الإزارة بالقاشاني المعرق السدسي والثماني الأضلاع. وكانت جدران المسجد وسقفه مزيّنة بالمرايا في العهد الناصري، وفي سنة 1965م زيّنت بالقاشاني المعرّق.
وقد كتبت على أطراف جدران المسجد آيات من القرآن المجيد بخط الثلث. كما كتبت في المحراب الواقع جوار الصفة المتصلة بالحرم والباب الشرقي للمسجد بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
6 ـ المداخل: المدخل هو بناء يقع خارج الصحن المقدس ويعد بداية لأبنية الروضة المقدسة. وكان هذا البناء سابقاً جداراً حجرياً بسيطاً له ثلاث فتحات متساوية لتردّد الزائرين، ويعلّق عليها غالباً علامة السلسلة دليلاً على الأمان لمن يلجأ للروضة المقدسة. وتوجد حالياً ثلاثة مداخل واحد في الشرق، والآخر في الغرب، والثالث شمال الصحن القديم.
المدخل العُلوي: ويطلق على القسم العلوي من الشارع عند تقاطع الدوار وحتى الإيوان الغربي للصحن القديم. وقد قام نائب السدانة السيد جواد ظهير الإسلام (ت 1965م) في عهد أحمد شاه باستبدال الجدار الحجري البسيط الذي يقع غرب المدخل ببناء أوسع، ولكنه أزيل هو الآخر أيضاً في 1962م، وشيّد مكانه في 1963 ـ 1965م بناء أكبر طوله 30م وعرضه 25/1م وارتفاعه 70/8م، ويحتوي على خمسة معابر، وقد طرأت بعض التعديلات على هذا البناء إثر تجديد بناء الحرم وتوسيع مساحته وذلك في 1974م، ولكنها أزيلت فيما بعد؛ ثم جدّد بناء المدخل على طراز حديث في عهد الجمهورية الإسلامية ولا زال قائماً.
المدخل السفلي: وهو القسم الأسفل من الشارع المحيط بالحرم، ابتداءً من محل تقاطع الدوار وحتى الإيوان والبوابة الشرقية للصحن والذي أطلقوا عليه اسم المدخل السفلي. والجهة الشرقية لهذا المدخل قديمة البناء كالمدخل العلوي، حيث أزيلت واستبدلت في 1963 ـ 1965م ببناء جديد كالمدخل العلوي. كما جرت على هذا البناء بعض التعديلات في 1974م، ولكنه سرعان ما أزيل ليجدد بناؤه مع المدخل العلوي ولا زال بناؤهما قائماً.
مدخل الطبرسي: ويقع في شمال الحرم المطهر ويفصل بين شارع الطبرسي والإيوان العباسي، وقد بني بعد انتصار الثورة الإسلامية بجوار الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية.
المدخل القبلي: في الفترة الأخيرة طرح مشروع إنشاء مدخل مقابل صحن الجمهورية الإسلامية، وقد أُنجزت بعض التمهيدات والأعمال الأولية لهذا المشروع. وأطلق عليه اسم المدخل القبلي لكونه سيواجه القبلة.
7 ـ المؤسسات الثقافية:
تعدّ المكتبة، والمتحف، وجامعة العلوم الإسلامية، ومؤسسة البحوث الإسلامية، والمؤسسة الثقافية الرضوية، ومؤسسة الطباعة والنشر من المؤسسات الثقافية للروضة المقدسة.
المكتبة: لا توجد معلومات دقيقة حول تاريخ تأسيس مكتبة الروضة الرضوية المقدسة، ولكن الشواهد التاريخية تفيد بأنه كان هناك محل لحفظ المصاحف والكتب الموقوفة للروضة المقدسة. يدل على ذلك أسماء بعض الواقفين للكتب التي كانت تحملها المصاحف والكتب الموقوفة وتواريخها، حيث يعود أقدم قرآن موقوف إلى عام 393هـ/ 1003م، كما أن هناك بعض أجزاء القرآن التي أوقفها أبو البركات علي بن الحسين في 421هـ/ 1030م. ومما يذكر في هذا المجال وجود قرآن يعود إلى القرن 5هـ/ 11م، أوقفته شَهْرِسِتّي بنت الأمير ابي العباس خسرو ابن ركن الدولة الديلمي.
وقد خصص لها مكان مع مرور الأيام وتتابع وقف المصاحف والكتب. فكان في الزاوية الجنوبية لإيوان أمير علي شير موضع لحفظ المصاحف المخطوطة، وأطلق عليه اسم دار القرآن. ويشاهد في وقفية كتاب غاية الوصول (825هـ/ 1422م) جملة (خزانة الكتب)، وهذا ما يؤكد وجود المكتبة في الروضة المقدسة في القرن 9هـ/ 15م. وقد تعرضت المكتبة أثناء هجوم الأوزبك على مشهد في 998هـ/ 1590م إلى الضياع، حينما امتدت إليها يد النهب والسلب وضاع العديد من المصاحف والكتب النفيسة، وقد صرح بهذا إسكندر بيك منشي حينما ذكر «مكتبة سركار فيض» في كتابه عالم آراي عباسي. ثم جمع الشاه عباس ما تبقّى من الكتب وأسس منها ومما أوقفه والشيخ البهائي مكتبة جديدة وعين لها مديراً. وكان يستفاد منها في عهد الأفشاريين. كما أوقف لها نادر شاه كتباً أيضاً.
وقد ورد في طومار علي شاه (ط: القسم الرابع من هذه المقالة). أسماء العاملين في المكتبة آنذاك مع ذكر أعمالهم ورواتبهم. وكان يستفاد منها في عصر القاجاريين أيضاً. وفي 1963 ـ 1965م أزيلت الأبنية القديمة الواقعة في الضلع الشرقي للمتحف، وأقيم مكانها قاعة له مكوّنة من ثلاثة طوابق. وتتصل هذه العمارة من الجنوب بصحن المتحف ومن الغرب بالمكتبة ويقع ضلعها الشمالي خلف أبنية الصحن الجديد حيث فتح منه طريق يؤدي إلى هذا الصحن، وقد أزيل هذا البناء فيما بعد، وأضيفت أرضه إلى فناء صحن الإمام.
وفي 1974م بنيت عمارة ذات خمسة طوابق للمكتبة وللخزانة والمتحف على أرض تزيد مساحتهاعن 10,000 م2، وذلك في الضلع الشرقي لصحن الإمام، حيث يقع طابقان من هذا البناء تحت سطح الأرض، فيما توجد الطوابق الثلاثة الأخرى فوقها. وتبلغ مساحة كل طابق حوالي 2000 م2. وقد خصص أحد الطوابق السفلى لخزانة الروضة والثاني للمخطوطات وصالة للعرض. وجدران هذين الطابقين من الكونكريت وأبوابهما محكمة. ويقع المتحف في الطابق الأرضي.
أما الطبقة الأولى فتحتوي على قاعتين للمطالعة إحداهما للرجال والأخرى للنساء، كما يوجد في هذا القسم مصعد خاص للكتب والخدمات اللازمة. ويقع مخزن الكتب في الطابق الثاني ويضم إدارة المكتبة أيضاً، وقد توفرت في هذه العمارة كافة المستلزمات الخاصة بحفظ الكتب والأشياء الثمينة كالتأسيسات الأمنية والرصد التلفزيوني ووسائل الإطفاء وأجهزة التكييف المركزي وجهاز تنظيم حرارة الجو المناسبة للمكتبة والمتحف؛ كما اتخذت التدابير الخاصة لعرض المصاحف والمخطوطات النفيسة، حيث وضعت داخل صناديق زجاجية مختلفة ليتسنى مشاهدتها. وتعتبر مكتبة الروضة المقدسة كنزاً عظيماً وثميناً بما حوته من مصاحف ومخطوطات نادرة جمعت خلال عدة قرون. هذا بالإضافة إلى اللوحات الثمينة وبخطوط أساتذة الخطب الكبار. ويوجد في هذه المكتبة 2290 نسخة من المصاحف النفيسة بالخط الكوفي والنسخ والثلث، حفظ أندرها وأكثرها نفاسة في خزانة خاصة. والكثير من هذه المصاحف مذهّب، فيما يوجد عدد منها كتبت كل آياته بماء الذهب.
وقد أوقفت كل من مكتبة ملك في طهران، ومكتبة وزيري في يزد لمكتبة الروضة المقدسة، وذلك من قبل مؤسّسَيْها الحاج حسين آقا ملك والحاج سيد علي محمد وزيري، وتداران بإشراف المكتبة المركزية، للروضة المقدسة. كما توجد عدة شعب تابعة للمكتبة المركزية منها شعبتان باسم مكتبة مسجد الرضا رقم 1 و2، بالإضافة إلى مكتبة مروج يزد ومكتبة نايين. وقد بلغ عدد الكتب في مكتبة الروضة المقدسة حسب إحصاء 1985 كما يلي:
المطبوعة 149,000 مجلد، والمخطوطات 15070 مجلداً، والمصاحف المخطوطة النفيسة 2290 مصحفاً، والأجزاء القرآنية المخطوطة 8750؛ وعدد الكتب في المكتبات التابعة لها 15,000 مجلد، ومجموع كل الكتب 190110 مجلدات.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية تقرر بناء عمارة جديدة للمكتبة تتلاءم ونموها المطرد. وعلى هذا الأساس بوشر ببناء المكتبة على أرض مساحتها 12,000 م2 وبثلاثة طوابق لتضم مليون كتاب. ويقع هذا البناء مقابل ملتقى شارعي الطبرسي وبالا خيابان الواقع في الضلع الشمالي لدوّار الروضة.
كنز المصاحف: في 1961م جُمعت المصاحف النادرة والتي تمتاز بجودة الخط والتذهيب والترصيع والتجليد وغيرها من المزايا، ووضعت في مكان أطلق عليه اسم كنز المصاحف، ووضع لكل مصحف بطاقة خاصة به تحتوي على كل مواصفاته. وأقدم مصحف مخطوط في هذا الكنز أوقفه للحرم الرضوي أبو القاسم منصور بن محمد بن كثير وزير السلطان محمود الغزنوي وصاحب ديوانه، وذلك في ربيع الأول 393هـ/ حزيران 1003م، وأن أحدث وقف لقرآن مخطوط هو مصحف بخط النسخ من القرن 9هـ/ 15م يعود لـ «بايسُنْقُر بن شاهرخ بن تيمور كوركان»، وقد أوقف في 1968م، وهو غاية في النفاسة من حيث الخط والتذهيب والترصيع. ويبلغ عدد المصاحف في هذا الكنز 200 نسخة.
المتحف: حفظت في متحف الروضة المقدسة تحف أثرية نفيسة جداً لا نظيراً لها، حيث جمعت في الخزانة الرضوية خلال عدة قرون. ويحتوي المتحف على مسكوكات نفيسة تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وكذلك مجوهرات ثمينة وفرش وسيوف وخناجر مرصعة تعود إلى أمراء وحكام العصور المختلفة، كما يحتوي على أشياء أثرية أخرى كالمنبر ومسقاة حجرية وشمعدان وثريات وهي الآن مرتبة ومعروضة للعموم. وتصرف عوائد المتحف لشراء الكتب. وبالإضافة إلى متحف الروضة المقدسة المركزي توجد متاحف أخرى تابعة لها وتحت إشرافها الإداري منها: متحف ملك آباد في قصر الشاه السابق والمتحف الشعبي الذي لم يفتتح بعد.
جامعة العلوم الإسلامية: تأسست هذه الجامعة بعد انتصار الثورة الإسلامية وتقع بجوار مدخل الطبرسي وقرب الإيوان العباسي. وقد أقيمت في موضع مدرسة ميرزا جعفر القديمة بعد أن أضيف إليها مدرسة خيرات خان وعدد من الأبنية المحيطة بها. وفي هذه الجامعة 22 غرفة درس و250 سريراً، ومسجد ومغسل للملابس وغرفة لإعداد الشاي، كما يوجد حانوت ومطعم وقاعة اجتماعات. وتبلغ مساحة هذه الجامعة 22,000 م2.
مؤسسة البحوث الإسلامية: تأسست في 1985م وتمارس هذه المؤسسة نشاطاتها بمساعدة أساتذة الجامعة والحوزة العلمية في ميادين العلوم الإسلامية والدراسات الاجتماعية واللغات الأجنبية والنشرات الدورية وإصدار الكتب. وتقع هذه المؤسسة في شارع الشهيد منتظري قرب محطة التلفزيون بمشهد المقدسة.
المؤسسة الرضوية الثقافية: وهي مؤسسة تعليم وتحقيق تشمل كل مراحل الدراسة من الابتدائية حتى الجامعة، حيث يدخلها طلبة العلوم تمهيداً للالتحاق بالدراسات العليا.
مؤسسة الطباعة والنشر: تأسست في 1983م، والهدف من تأسيسها هو التأليف والترجمة والتصحيح وإصدار الكتب والاطلاع على الآثار الإسلامية والبحوث الحديثة في مختلف العلوم والفنون، وتقع هذه المؤسسة في شارع كوه سنكي [الجبل الصخري] في مشهد المقدسة.
الموقوفات
ويقصد بموقوفات الروضة المقدسة، الأموال والأملاك التي أوقفت أعيانها على الروضة، وتصرف أرباحها وعوائدها عليها. ولا تزال سندات وقف الكثير من الأموال المنقولة وغير المنقولة والتي أوقفت خلال العصور للحرم الرضوي باقية، وهي ذات قيمة تاريخية كبيرة، وكان الكثير من موقوفات الأثرياء والأمراء، والحكّام مخصص للزوّار والمحتاجين المجاورين للحرم والمعتكفين فيه. كما أن الزوّار أنفسهم كانوا يوقفون ما باستطاعتهم عن طيب خاطر. وقد ضاع عدد من وثائق الوقف خلال غارات المغول والأوزبك والأفغان المتعددة على مشهد.
وأما الباقي منها فيعود إلى أوقاف العصر الصفوي. كما أن أسماء ومواصفات الأملاك الموقوفة التي استملكت ثم ضاعت لا تزال باقية. وفي عهد نادر شاه حجز ديوانه أملاك الروضة لفترة، ولكن ابن أخيه عادل شاه (علي شاه) أعاد تلك الموقوفات المحجوزة بعد أن أضاف عليها 100 قطعة أرض زراعية من ممتلكاته الخاصة وأملاك الدولة، ونظّم صورة وقفية لتلك الموقوفات والمزارع والأملاك على طومار سمي (طومار علي شاه)، يحفظ في مكتبة الروضة.
وفي عهد ناصر الدين شاه نظّم عضد الدولة نائب سادن الروضة آنذاك فهرساً بالأملاك والعقارات الموقوفة للروضة المقدسة. وقد وقّع على هذا الطومار أمناء سدانة الروضة وعلماء ذلك العصر بأمر من السلطان ناصر الدين شاه، وحفظ في مكتبة الروضة المقدسة. وقد تتعرض الأملاك الموقوفة وعوائدها لسوء التصرف، أو يقل الانتفاع بها حينما تضطرب الأوضاع السياسية، أو عندما يتصدى لسدانة الروضة الضعفاء والمصلحيون، وقد صرح بهذا المعنى طومار علي شاه وطومار عضد الملك. ولهذا فإن الهدف من تسجيل الموقوفات هو السعي للحيلولة دون وقوع مثل هذه الحوادث: وقد سجلت في العقود الأخيرة موقوفات الروضة المقدسة بشكل تدريجي وصدرت لها سندات ملكية باسمها.
وتشتمل موقوفات الروضة غير المنقولة، إضافة إلى الممتلكات الزراعية والأسواق الكبيرة منها والصغيرة، الأراضي والمعامل والمستشفيات والحمامات والحدائق والقنوات والحوانيت والمنازل. ويقع قسم كبير من هذه الموقوفات في مشهد ومدن خراسان، والبقية في طهران وقزوين ورشت ومازندران وآذربيجان وكرمان وأصفهان وشيراز. وقد حدد الواقفون وجوه الصرف والاستفادة لأغلب موقوفاتهم. بينما أطلق وقف البعض ولم يحدد وترك أمر التصرف بها للسادن. أما الأملاك التي فقدت سندات وقفيتها فتعد من النوع الثاني. وهناك نوع من الموقوفات حدد الواقفون التصرف بقسم منها وترك القسم الآخر تحت تصرف سدانة الروضة المقدسة.
السدانة والمؤسسات الإدارية
لا توجد معلومات دقيقة عن كيفية سدانة الروضة المقدسة ومؤسساتها الإدارية ما قبل طهماسب الأول الصفوي (920 ـ 984هـ/ 1514 ـ 1576م). ولكن القرائن والآثار تشير إلى وجود خدم ومباشرين منذ القدم، كما يذكر الإربلي (ت 683هـ/ 1284م) في كتابه كشف الغمة، أن امرأة كانت تتولى خدمة البقعة المباركة في أيام السامانيين. ثم تولى النقباء والذين كان أكثرهم من السادات والعلماء إدارة البقعة الرضوية قبل عهد الصفويين. وتحدث خواند مير عن «السادات العظام والنقباء الكرام للروضة الرضوية المقدسة».
وأورد عدداً من أسماء أولئك النقباء. وأول من حمل لقب (نقيب المشهد الرضوي) هو ميرزا بدر الدين النقيب (القرن 8هـ/ 14م)، وكان معاصراً للسلطان محمد خدابنده (ألجايتو) الذي حفظ مدينة مشهد من غارة «يسارو» ونهبه، وفي أيام شاهرخ التيموري كان نقيب المشهد الرضوي علاء الدولة علي حميدي العلوي المشهدي الرضوي، والذي أُوكلت إليه كوهر شاد في وقفيتها تولية «البقاع المباركة والأوقاف المذكورة» لمسجد كوهرشاد. وقد ظلت إدارة الروضة المقدسة بأيدي النقباء حتى عهد طهماسب الصفوي الذي أوقف بعض الممتلكات لها وعين سادناً من غير النقباء. وكان أول السدنة في عهده الأمير أبو الوالي ابن مير شاه محمود الأنجوي الشيرازي الذي كان «سيداً فاضلاً فقيهاً شديد الالتزام بالتشيع» (إسكندر بيك 1/ 149)، وفي عهد الصفويين كان يعين شخصان للسدانة أحياناً.
وأمّا العاملون في الجهاز الإداري للروضة المقدسة فهم عدد من الخدمة والفراشين والمقرئين والذين هم تحت إشراف رئيس الخدم، فرئيس الحراس، ثم رئيس الحفاظ على التوالي. وهناك عدد من الموظفين الإداريين والمشرفين على الأملاك. وللخدم والعمال في الروضة مرتبات مخصّصة تدفع لهم كل عام على شكل نقد وغلات من عوائد الموقوفات.
وفي عهد نادر شاه رتبت موقوفات الروضة إلى حد ما وصارت رواتب الخدم، تعطي مما يرميه الزائرون داخل الضريح من نقود ونذور، وتقلص عدد الخدم من 5 إلى 3 أشخاص. وقد ورد في طومار علي شاه ذكر لمرتبات وواجبات السادن والعمال بما في ذلك المشرف ورئيس الحرس والبواب وصاحب الختم والمدرّس ورئيس الخدم وقارئ الزيارة ورئيس الحفاظ والإمام والخطيب والواعظ وآخرون.
كما أن هناك أيضاً قراراً مفصلاً بصرف بعض عوائد الموقوفات على الخدمات العامة كالإنارة وإطعام الفقراء وعلاج المرضى وصيانة الأبنية ورواتب العاملين. وكانت الشؤون المالية للروضة المقدسة تدار على طريقة الحسابات الديوانية القديمة، وقد ظلت على هذا المنوال حتى أواسط العهد القاجاري، حيث كانت تحصى الإيرادات والمصروفات في نهاية كل عام، ويسجلها المحاسبون بالتفصيل على قوائم يوقع عليها السادن ويختمها. ولكن إدارة الروضة المقدسة اضطربت في منتصف العصر القاجاري بسبب بيع وشراء منصب السدانة وفساد المتصدّين، بحيث تصرف البعض بعدد من الممتلكات الزراعية والعقارات أو استملكوها. وفي 1926م وضع قانون لإدارة الروضة المقدسة وظل ساري المفعول حتى 1949م. وفي هذا العام شرع قانون جديد يتضمن 9 بنود و76 مادة، ثم ألحقت به مادتان في 1961م، وفي عام 1975م وضع مشروع لتصنيف الموظفين في الروضة المقدسة مبني على أساس ضوابط ومقررات، حددت لكل منهم درجته ومرتبه وترفيعه وطريقة نقله واستخدامه، وقد دوّن نظام جديد للشؤون الإدارية والمالية في الروضة المقدسة لإدارتها.
الحرم الرضوي
ـ 2 ـ
هو عبارة عن المرقد العظيم الواسع للإمام علي الرضا عليه السلام ثامن أئمة الشيعة، الذي يعتبر أعظم وأوسع المزارات في إيران، وترجع نواته الأولى إلى القرن الثاني الهجري، حيث دفن الإمام الرضا عليه السلام([633]) في موضع مجاور لقبر هارون الرشيد. ويقع هذا الموضع في بستان حاكم طوس في قرية (سناباد) ثم عرف بعد وفاة الإمام الرضا باسم (مشهد) وتوسع هذا الاسم ليصبح مدينة مشهد ويلغي بذلك اسم طوس.
وقد ورد اسم مشهد لأول مرة في كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي، وكذلك ذكر ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك هذا المكان باسم (مشهد الرضا).
وفي زمن الديالمة، كان هذا المرقد يزيّن ويعتنى به، حتى كان الملك الغزنوي المتعصب سبكتكين (366 ـ 387هـ) فأمر بهدم سقف المرقد وبعض جدرانه.
ثم يذكر البيهقي أن أبا بكر شهمرد عمد في عام 400هـ إلى إعادة بناء المرقد فأقام بقية جدرانه الطينية والآجرية وإضاف إليه منارة وذلك بأمر من السلطان محمود الغزنوي وكان هذا البناء النواة الأصلية لحرم الإمام الرضا عليه السلام وهو بناء ذو أربع زوايا.
وإذا كان تاريخ هذا البناء مزامناً لبناء (سنك بست) القريب من طريق فريمان والذي يُعد البناء الوحيد الباقي من العهد الغزنوي، فإننا يمكن أن نتعرف على الوضع الأصلي لمرقد الامام الرضا عليه السلام قبل إجراء التزيينات والإضافات التالية عليه من خلال المقارنة بين المكانين.
ومن بين الآثار المهمة الموجودة في متحف الحضرة الرضوية، قطعة صخرية بمقياس 6 × 30 × 40 سم يرجع تاريخها إلى عام 516هـ ويذكر أنها أول صخرة وضعت لمزار الامام الرضا عليه السلام، وقد كتبت عليها العبارة التالية: «أمر بعمارة مشهد علي بن موسى عليه السلام العبد المذنب الفقير إلى رحمته أبو القاسم أحمد بن علي بن أحمد العلوي الحسيني تقبل الله منه». وتشير هذه العبارة إلى وجود بناء للمرقد وليس وجود القبر وتثبيت الصخرة عليه وحسب.
وخلال حملة الغزيين في عام 548هـ تعرض هذا المرقد لبعض الأضرار، وبعد سنوات رممه شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي في عهد السلطان سنجر (511 ـ 557هـ).
ووفقاً لما هو مكتوب على بعض قطع (الكاشي) فإن زمرد ملك ابنة أخت السلطان سنجر، عمدت بعد عام 557هـ إلى تزيين الحرم الشريف بأنواع من الكاشي السداسي والثماني والنجمي، وقد ورد اسم هذه السيدة على إحدى قطع الكاشي كما يلي: «تركان زمرد ملك بنت السلطان الشهيد محمود». وكانت هذه السيدة قد كتبت القرآن في أجزاء بخط جميل ووقفته للمرقد الشريف، وهو الآن موجود في مكتبة الحضرة الرضوية.
وفي عام 612هـ (أي في زمن الخوارزمشاهيين) نصبت مخطوطات على جانبي بوابة الدخول في الحرم الشريف وهي مكتوبة بخط الثلث البارز على قطع جميلة من الكاشي، وهي تذكر نسب الإمام الرضا عليه السلام حتى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وفي نهايتها ما يلي: «من عمل العبد المذنب الراجي رحمة ربه مولى الإمام عليه الصلاة والسلام علي بن محمد المقري غفر الله له»، و«أضعف عباد الله محمد بن أبي طاهر بن أبي الحسن بعد ما عمله وصنعه في تاريخ غرة جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وتسعمائة [912هـ] غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمد وعترته الطاهرين».
ويوجد في حاشية هذه الكتابة بيتان من الشعر في مدح الإمام الرضا عليه السلام للشاعر أبي نواس. وثمة كتابات أخرى ترجع إلى نفس هذا التاريخ في داخل الحرم على الجانب الشمالي المسمى بجانب الملك طهماسب، وفيها بيتان من الشعر الفارسي ثم تليها العبارة التالية: «قائله عبد الله بن محمود بن عبد الله في شهور سنة اثنتي عشرة وتسعمائة» وتوجد ثلاثة محاريب في الحرم الشريف ترجع إلى نفس التاريخ كما هو مثبت «في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة». وتعتبر آثار الحرم المؤرخة هذه من النماذج التزيينية النادرة التي وصلت إلينا من العهد الخوارزمي.
وقد تعرض المرقد الشريف إلى أضرار كبيرة في حملات المغول. ثم أجريت عليه إصلاحات أساسية في زمن الإيلخانيين ففي بادئ الأمر باشر غازان بهذه الإصلاحات، ثم تابعها الملك الإيلخاني الشيعي الجايتو (703 ـ 716هـ) وأضاف بعض العمران إليه. ويرجع البناء الكامل للقبة الموجودة إلى عهد الجايتو.
كانت الحضرة الرضوية في القرن الثامن الهجري تشتمل على الحرم ومسجد بالاسر الذي يرجع بناؤه إلى أبي الحسن العراقي أحد كتّاب العهد الغزنوي وبعض الأبنية الصغيرة المتصلة بالضلع الشمالي للمرقد ومدرسة.
وقد تحدث ابن بطوطة عن الحضرة الرضوية الشريفة بعد زيارته لطوس في عام 734هـ قادماً إليها من جام قائلاً: «يحتوي المشهد الشريف على قبة عظيمة وتوجد إلى جانبه مدرسة ومسجد وبناؤهما محكم ومتين. وقد زينت جدران هذه الأبنية بالطوب الكاشاني، وثمة صندوق خشبي منصوب على قبر الإمام الرضا عليه السلام وهو مطرز بالفضة، وتتدلى فوق هذا الصندوق قناديل فضية، ويُشاهد على بوابة الحرم ستار من الحرير المذهب، وتحت القبة أنواع الفرش، ويوجد بإزاء قبر الإمام الرضا عليه السلام قبر هارون الرشيد، وعليه ايضاً صندوق تتدلى فوقه القناديل».
ظل الحرم الشريف على هذه الحال حتى الربع الأول من القرن التاسع الهجري، حتى جاء الملك شاهرخ التيموري فساهم وزوجته كوهرشاد في توسيعه إلى حد كبير، فقد أقيم في عهدهما في عام 821هـ أول مسجد جامع لمدينة مشهد في قبلة الحرم وهو الجامع المعروف باسم (جامع كوهر شاد) ([634])، ثم أقيمت (دار الحفاظ) بين الحرم وجامع كوهر شاد ثم (دار السيادة) إلى الغرب من (دار الحفاظ) وهو أكبر رواق في أطراف الحرم، وأخيراً (الخزانة) إلى الشرق من دار الحفاظ.
وإضافة إلى ذلك فقد شيدت ثلاث مدارس في عهد شاهرخ هي: مدرسة (بالاسر) ومدرسة (دودر) ومدرسة بريزاد.
وفي أواخر العهد التيموري استحدث الأمير علي شير نوابي وزير السلطان حسين بايقرا (878 ـ 912هـ) الصحن القديم وأساس (إيوان طلا)، ثم وسع الصحن المذكور في زمن الملك عباس الأول، وطلي الإيوان بالذهب في زمن الملك نادر شاه.
وقد ازدادت عظمة المرقد الرضوي في زمن الصفويين، فقد أمر الملك طهماسب الصفوي بترميم وطلاء المنارة القريبة من قبة الحرم والتي يرجع بناؤها إلى حاكم نيشابور في زمن الغزنويين سوري بن المعتز في عام 932هـ بقطع الكاشي الثمين المثبتة على القبة وقطع من الذهب ولكن عبد المؤمن خان الأوزبكي أغار على المرقد الشريف فنهب قطع الذهب وجميع الأشياء الثمينة الأخرى، وحين وصل الشاه عباس الأول (مشهد) في عام 1010هـ قادماً إليها من أصفهان مشياً على الأقدام أمر بطلاء القبة بالذهب مرة أخرى، وقد دوّن ذلك على القبة بخط علي رضا العباسي. وكان الشاه عباس مهتماً بمرقد الإمام الرضا عليه السلام غاية الاهتمام ومن ثم أجاز لكل من يوفق لزيارة هذا المرقد الشريف أن يتلقب بـ (المشهدي) فراج هذا اللقب منذ ذلك الحين.
وفي زمن الشاه عباس الأول أجريت عدة إصلاحات على الحضرة الرضوية، ومنها: توسيع الصحن القديم وإحداث الإيوان الشمالي وغرفه وبواباته وإيوانات على شرقه وغربه.
ويعدّ رواق (توحيد خانه) من الآثار المنسوبة إلى الملا محسن فيض الكاشاني. ويُوجد إلى جهة الشرق من التوحيد خانة رواق قبة اللهوردي خان وهي تحتوي على قبر اللهوردي خان أحد قواد الشاه عباس الأول. وقد هدمت هذه القبة في عام 1084هـ إثر زلزلة، فأمر الشاه سليمان الصفوي بإعادة بنائها في نفس العام.
ويرجع تعمير وطلاء (إيوان طلا أو إيوان الذهب) الموجود في الصحن القديم إلى نادر شاه أفشاد، ويرجع طلاء المنارة التي تعتلي هذا الإيوان إلى عام 1142هـ أي إلى زمن نادر شاه أيضاً. ومما ينسب إلى عهد نادر شاه أيضاً بناء منارة الإيوان الشمالي وتذهيبها ونصب الرخام على (سقاخانه إسماعيل) الموجودة في الصحن القديم.
وفي زمن القاجاريين أضيفت عدة بنايات واستحدثت عدة تغييرات في هذا المرقد، ومن الأبنية التي أضيفت إليه؛ صحن جديد في الجانب الشرقي من الحرم وهو يعود إلى زمن فتح علي شاه ورواق (دار السعادة) وهو من آثار اللهيار خان آصف الدولة وقد بني في عام 1251هـ وبناء رواق (دار الضيافة) في عام 1330هـ.
وقد تعرضت الحضرة الرضوية إلى حملة الروس خلال اعتدائهم على خراسان، حيث دكت القبة بالمدفعية الروسية وثقبت عدة أماكن منها، ثم دخل الجنود القوزاق أروقتها فاحتلوها وقتلوا الكثير من الناس فيها … فكانت مأساة لا تنسى على مرّ الزمن.
وفي عام 1331هـ عمد والي خراسان سلطان حسين إلى ترميم وتعمير ما خربه الروس.
وفي عام 1307 أجريت تغييرات أساسية في الأماكن المحيطة بالحرم، فقد استحدث (دوّار) يحيط بالحرم بقطر 180م من رأس القبة وعرض 30م. ثم استحدث متحف ومكتبة وقاعة لمراسم التشريفات.
ومن أهم التغييرات التي أجريت على الحضرة الرضوية وأماكنها التاريخية، التغيير الذي حدث في عام 1971م، حيث هدمت عدة أماكن تاريخية واستحدثت بدلاً عنها منطقة خضراء.
والأماكن الرئيسية الموجودة حالياً في الحضرة الرضوية هي كما يلي: الحرم المطهر ودار الحفاظ ودار السيادة ومسجد بالاسر ودار الإخلاص ودار الشكر والتوحيد خانه ودار الفيض وقبة اللهوردي خان والقبة والحاتم خاني ودار الضيافة ودار السعادة ودار السرور ودار الذكر ودار الزهد ودار العزة ودار السلام.
الحرم المطهر: ـ كما ذكرنا فإن نواته الأصلية تعود إلى عام 400هـ، حيث بنيت على الأساس الموجود في القرن الثاني الهجري وهي بمساحة 10,40م في 10,90م.
عندما بني هذا المكان كان مخصصاً لقبر هارون الرشيد، ولذلك عندما أضيف إليه قبر الإمام الرضا عليه السلام لم يكن يفصل هذا القبر عن الحائط الغربي أكثر من 85 سم، ولذلك كان الطائفون بالقبر يجدون صعوبة في طوافهم ومن ثم أجريت عملية تغييرات دقيقة جداً، حيث أبقيت على القبة دون تغيير وأزالت هذا الجدار مُستعينة بعمودين فأصبحت الفاصلة المذكورة 3,05م وكان أسفل الحرم مزيناً حتى ارتفاع 20 سم بالرخام ثم يعتليه (كاشي) ثمين يعرف بالسنجري حتى ارتفاع مترين وهو على أشكال عدة منها: السداسي والثماني والنجمي والكوكبي. وتوجد على الكاشي السنجري الأصيل كتابة بتاريخ 515هـ. ويوجد على الكاشي المذكور تاريخ 612هـ أي العام الذي عزم فيه السلطان محمود الخوارزمي على فتح بغداد إلاّ أنه تعرض إلى هجوم المغول. وتوجد في أعلى هذه الكتابة، كتابة أخرى على كاش نفيس قبالة وجه الإمام وهي مكتوبة بخط بارز، وأمّا تاريخها فهو (اثنين من جمادى الآخرة ستين وسبعمائة هجرية) (760هـ).
وقد زينت جميع أجزاء الحرم التي تعلو هذه الكتابات بالمرايا في عام 1275هـ أي في زمن ناصر الدين شاه. وقد ظهر خلال عملية إزالة الحائط الغربي المشار إليها، أن ثمة أربع طبقات تزيينية كانت موجودة قبل إجراء التزيين بالمرايا وهذه الطبقات هي كما يلي: الطبقة الأولى وهي من الجص المزين تزييناً بسيطاً، ويحتمل أنها تعود إلى القرن الثاني الهجري. ثم تأتي الطبقة الثانية وعليها مجموعة من الرسوم ويبدو أنها تعود إلى عهد البويهيين في القرن الرابع الهجري، وتأتي بعدها الطبقة الثالثة وتعود إلى العهد الصفوي وتزييناتها من الذهب واللاجورد والزنْجفر وتظهر الكتابة المنصوبة إزاء وجه الإمام في عام 1155هـ أن أعمال الطلاء والرسوم في الحرم تمت بأمر من نادر شاه، ثم أصدر ناصر الدين شاه أوامره إلى الميرزا صادق قائم مقام النوري بتغطية جميع التزيينات والرسوم والطلاء بتزيينات من المرايا، وهكذا بدأ استخدام المرايا في تزيين بقية أجزاء الحرم، وقد زين سقف القبة كله بهذا النوع من الزينة.
وأمّا قبة الحرم الخارجية التي تضفي على الحضرة جمالاً خاصاً فهي تنتصب على أعمدة ويبلغ قطرها 13,44م، ويبلغ سمك جدارها 65 سم عند العمود بينما يبلغ هذا السمك في أعلاها 45 سم، ويقع قسط من وزن القبة على خشخاش محصور بين جدارين. ويبلغ محيط القبة 42م وارتفاعها بدءاً من الطلاء وحتى قمتها 16,5م وارتفاعها عن سطح الأرض 31م. وتوجد في هذه القبة كتابة عربية بعرض 1,90م بخط الخطاط علي رضا العباسي وهي تفيد أن أعمال الزينة نفذت بعد وصول الشاه عباس الصفوي إلى مشهد مشياً على الأقدام في عام 1010 وأن الفراغ منها كان في عام 1016هـ.
وتوجد كتابة أخرى بخط محمد رضا الإمامي تعود إلى عام 1086 أي في زمن الملك سليمان يتحدث فيها عن حدوث شرخ في القبة إثر وقوع زلزلة ثم إجراء الترميمات والتزيينات اللازمة.
ومن الآثار الجميلة الموجودة في داخل الحرم؛ ثلاثة محاريب قيمة جداً، توجد فوق اثنين منها كتابات بالخط الكوفي، وأمّا المحراب الثالث فتوجد فوقه خطوط كوفية وخط ثلث مكتوبة على بياض باللون اللاجوردي وهي تشتمل على أحاديث وآيات شريفة.
ومن الآثار القيمة الأخرى؛ أبواب الدخول الثلاثة فالباب الذي يقع بين الحرم ودار الحفاظ يعود تاريخه إلى عام 1272هـ، وكان هناك قبل هذا الباب باب من الذهب المرصع أهداه فتح علي شاه القاجاري إلى الحرم، إلاّ أن هذا الذهب نهب على يد محمد حسين خان سالار الذي ثار في خراسان، حيث اقتلع الذهب من هذا الباب ومن سائر أماكن الحرم الأخرى وضرب به في مشهد نقداً باسمه. وثمة باب مذهب آخر يعود تاريخه إلى عام 1284هـ وهو موجود عند رجلي الإمام بين الحرم وقبة حاتم خاني.
الصندوق والضريح الشريف: تظهر بعض الكتابات التاريخية أن وضع الصندوق على الضريح كان لأول مرة في عام 500هـ. ثم وضع صندوق آخر في زمن الشاه محمد الخوارزمي في عام 600هـ.
ومن المؤكد أن الملك طهماسب الأول وضع صندوقاً من الذهب على المرقد الشريف، وقد كتب على الصندوق ما يلي: «بعد التوفيق الإلهي وتأييد حضرة ملاذ الرسالة والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وُفّق طهماسب بن إسماعيل الصفوي لنصب هذا المحجر الذهبي في موضع العرش العالي في سنة 957». ومع مرّ السنين تآكل الصندوق فانفصلت عنه القطع الذهبية.
وفي زمن الشاه عباس نصب صندوق جديد مطلي بالذهب وعليه مخطوطات لآية الكرسي وصلوات على المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام وأشعار فارسية وهي بخط الثلث والنستعليق ثم (قام) أحفاد نادر شاه نادر ميرزا ونصرت الله ميرزا بسرقة صفائح الصندوق الذهبية ومعها قنديل ذهبي كبير وقفل مرصع كان نادر شاه قد صنعهما نذراً لفتح الهند وتركستان، وضربا ببعضهما النقد باسمها. ولم يكن الناس يرغبون في إنفاق هذه النقود فكانوا يجمعونها ويسلمونها خلسة إلى المجتهد ميرزا مهدي ليقوم بنصبها في مكانها الأصلي.
بعد استعادة القطع، نقل الصندوق إلى المتحف في عام 1932م ثم نقلت إلى طهران مخطوطات علي رضا العباسي الذهبية ومعها الصفائح الذهبية ووزنها 36 ألف مثقال ومقادير من الفضة يبلغ وزنها 60 ألف مثقال لتكون رصيداً للنقد وفي المقابل اشتريت أملاك القشقائيين في وادي (دره كز) ووقفت للحضرة الرضوية. ثم أعيدت المخطوطات الذهبية المذكورة إلى المرقد الشريف في عام 1942م.
وفي عام 1932م استعيض عن الصندوق المذكور بصندوق مركب من إحدى عشرة قطعة من الرخام الليموني اللون وهو بمقياس 2,10 × 1,60 × 0,95م وقد نصب هذا الصندوق الجديد على المرقد وعليه مخطوطات باللغة العربية ومادته التاريخية: «الرضا قبره جددا» (1351هـ).
الأبنية التابعة للحرم: تتألف هذه البنايات من بناية المتحف الواقعة بين مسجد كوهر شاد والصحن الجديد، ويعود تاريخ بنائها إلى عام 1937م. ويحتوي هذا المتحف على آثار قيمة جداً.
المكتبة: وهي متصلة ببناء المتحف وتعد من المكتبات المهمة خصوصاً وهي تحتوي على نسخ خطية قيمة.
قاعة التشريفات: وتقع في غرب مقبرة الشيخ البهائي.
تحتوي أبنية الحرم ومجموعة الأبنية التابعة لها على 22 باباً قديماً ذات أهمية كبيرة وقد أشرنا إلى بعضها وأقدم هذه الأبواب جميعاً هو الباب الذي يربط ممر السقاخانه بدار السيادة، وقد حفرت على جبهته هذه العبارة: «أمر بتجديد الباب من خاص ماله العبد المذنب الراجي ناصر الدولة والدين شمس الدين السحياني تقبل الله منه في تاريخ سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (735) بعمل الأستاذ علي النجار النيشابوري».
ومما يجدر التذكير به أن أبنية الحرم في حالة تغيير مستمر فبالإضافة إلى إجراء عمليات التزيين في هذه الأبنية باستمرار وتغيير أنواع الزينة من حين لآخر فإن نفس الأبنية تتعرض لتغيير مستمر أيضاً. والتغييرات التي حصلت خلال عشرين السنة الأخيرة وحدها جديرة بمقال مفصل وقد ألحقت هذه التغييرات أضراراً كبيرة بالأبنية القديمة وآثارها الفنية القيمة، حيث يعمد المتصدون للمراقد المقدسة إلى إحداث أبنية جديدة وهدم الأبنية القديمة دون الأخذ بنظر الاعتبار أهميتها وقيمتها الفنية ودون استشارة ذوي الرأي من علماء الآثار، وإنما يبادرون إلى ذلك بحسن نية ولكثرة المبالغ التي يمتلكونها.ولكن على الرغم من كل ما لحق بأبنية الحضرة الرضوية من تغييرات وأضرار، إلاّ أنها تعد متحفاً فنياً قيماً بجموعة الآثار المعمارية التي تحتويها وخصوصاً تزيينات الكاشي وزينة المرايا وزخارف الجص والفلزات وأمثال ذلك. وبعبارة أخرى يمكن أن تعتبر الحضرة الرضوية الشريفة أعظم وأكبر المراقد والمزارات في العالم الإسلامي.
وهكذا أضحت هذه الحضرة الشريفة بفنونها الجميلة محلاً يجتذب الملايين من الزوار الذين يقدمون إليها بكل شوق من قرى ومدن إيران وأنحاء العالم.
وقد تميزت هذه الحضرة بمراسم خاصة مثل فتح الحرم وغلقه وغسله ورش ماء الورد فيه، وإضاءة السراج وتنقله من يد إلى أخرى قبل استخدام المصابيح الكهربائية، والمراسيم الخاصة التي تجري في الأعياد والمناسبات الأخرى ونفض الغبار عن الضريح واستقبال مئات من الضيوف يومياً في مضيف الإمام وكذلك وجود الموظفين والمسؤولين بملابسهم الخاصة وعصيهم المفضفضة، وكان لكل هذه المراسيم والمظاهر المنظمة وقع خاص وهيبة خاصة على مرّ الزمن.
ويوجد في الحضرة عمال وموظفون كثيرون يحافظون على نظافة الحرم والأبنية الأخرى ويشرفون على إدارة الأمور وسير النظام في هذه الأماكن وهم ينقسمون إلى مناصب مختلفة فمنهم الخدم والحراس والفراشين والبوابين ومنهم الشرطة. فالخدم يتكفلون برعاية الحرم ونفض الغبار عنه ويتعهد الحراس بالحفاظ على النظام داخل الحرم ويقوم الفراشون بهذا الدور في الأروقة بينما تقوم الشرطة بالحفاظ على النظام في الصحون وبالإضافة إلى ذلك فهناك حفاظ القرآن والخطباء وجامعو الأحذية ولكل منهم وظيفته الخاصة به. مسجد كوهر شاد
مسجد كوهر شاد
ـ 1 ـ
هو القائم خلف حرم الإمام الرضا عليه السلام ننشر عنه دراستين وقد يتكرر بعض ما فيهما:
يعدّ أحد أجمل مساجد العالم وقد عدّه البروفسور بوب المستشرق الفرنسي ثامن بناية جميلة في العالم، ولكن عدّه البروفسور كريستي ويلسن في الرتبة الثانية عشرة. وفي كل الأحوال فإن المستشرقين لم يبالغا في وصف هذا البناء الجميل الخالد.
أمرت ببناء هذا المسجد الجامع السيدة كوهر شاد بنت خواجه غياث الدين من أحفاد جنكيز خان عام 807 أيام حكم الملك شاهرخ في هرات واستمر العمل في بنائه حتى عام 821 وحينما تمّ البناء طلبت كوهر شاد من الملك التيموري افتتاحه فأتى من هرات إلى مشهد وافتتح الجامع وأهدى إليه واحدة من أضخم وأثمن الهدايا ألا وهي ثريا ذهبية فيها المئات من الشموع لإضاءة المسجد الجامع يبلغ وزنها 3000 مثقال، أشرف على بناء الجامع المعمار الإيراني المشهور قوام الدين الشيرازي وقد ورد اسمه في أحد أجزاء المسجد: «عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان».
وقد جاء تاريخ إتمام البناء في ثلاثة مواضع من جدران المسجد الجامع، أحدها في واجهة الكتيبة للإيوان المقصورة الواقعة في الجانب القبلي.
«كتبه بايسنقر بن شاهرخ بن تيمور كوركاني في 821»، والثاني: «اتفق تحريرها في أوائل شهر الله المبارك رجب المرجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة». والثالث في جدران داخل المقصورة: «المنافق في المسجد كالطير في القفص، في شهور سنة إحدى وعشرين وثمانمائة» كما ورد اسم كوهر شاد في الإيوان الشمالي للجامع: «أمرت بعمارة هذا المسجد صاحبة الرشد والرشاد المعظمة كوهر شاد».
تبلغ مساحة المسجد 2600م2 وفيه أربعة أواوين في الجهات الأربع وفي جوانب الجامع يوجد أروقة عديدة تستعمل لإقامة الصلوات، الإيوان الجنوبي المسمى المقصورة، والإيوان الشمالي المسمى بـ (دار السيادة)، والإيوان الشرقي المسمى بـ (إيوان آب) والإيوان الغربي المسمى بـ (إيوان حاج حسن). وأعظم هذه الأواوين الأربعة هو الإيوان الجنوبي حيث يبلغ ارتفاع الإيوان 27 متراً وعرضه 12 ذراعاً ويعلوه قبة عظيمة يبلغ ارتفاعها عن الأرض 43 متراً وبأطرافها من الداخل كتبت آيات من القرآن الكريم بخط محمد رضا أمامي الخطاط الشهير في العصر الصفوي. وفي جوانب هذه المقصورة عملت مقرنصات جميلة بالقاشاني الأزرق وكتبت عليها سورة الجمعة بخط محمد حسن الشهيد المشهدي أحد أشهر الخطاطين.
أمّا أشهر الخطوط المكتوبة في المسجد فهو ما كتبه بايسنقر بن شاهرخ ابن كوهر شاد جاء في آخرها: «طلباً لمرضاته وشكراً على الآئه وحمداً على نعمائه فتقبلها ربها بقبول حسن وبأحسن أجر المحسنين، كتبه راجياً إلى الله بايسنقر بن شاهرخ بن تيمور كوركاني سنة 821». وعلى جانبي الإيوان المقصورة مئذنتان جميلتان كُتِبَ على جدرانها «الملكُ لله» و«الله الباقي» بالخط الكوفي، كما كتبت على قواعدهما أشعار بالفارسية. تعرض هذا المسجد الجامع إلى أضرار بالغة نتيجة للزلزال والهزات الأرضية التي تحدث كثيراً في خراسان وقد عمر مرات عديدة آخرها بعد الخراب الذي لحق بأجزاء من القبة والمآذن وجدران الجامع نتيجة لقصف الجيش الروسي حيث اصاب المسجد 30 قذيفة مدفع.
وهذا المسجد يظل عامراً بالمصلين والزوار ويؤمه آلاف المصلين يومياً ولا تغلق أبوابه طوال السنة وله موقوفات عظيمة يصرف ريعهما على الخدم. وتجديد ما ينبغي تجديده.
حبيب الله حمدي
مسجد كوهر شاد
ـ 2 ـ
تبلغ مساحة مسجد كوهر شاد 2750 متراً مربعاً ويحتوي على أربعة إيوانات وبعض القاعات الكبيرة لأداء فريضة الصلاة. وأحد تلك الإيوانات الإيوان الصغير الذي يدعى بالفارسية «إيوان مقصورة» وهو الإيوان الجنوبي للمسجد ويعدّ أكبر إيوان في هذا المسجد وقد سمي بالإيوان الصغير مجازاً.
ولهذا الإيوان قبتان جميلتان ومئذنتان وعلى وجه البوابة الخارجية للإيوان كتابة بخط «بايسنقر بن شاهرخ» الذي يعدّ من كبار الخطاطين في الثلث وذلك في عصره ويبلغ ارتفاع الإيوان 25,5 متراً وبوابته 12 متراً وطوله 34 متراً وارتفاع المنارتين 43 متراً وارتفاع القبة 43 متراً أيضاً، أمّا الخطوط الأخرى فهي للخطاط محمد رضا امامي الأصفهاني الذي اشتهر في عصر السلالة الصفوية (1087هـ).
ولسنوات عديدة كان في وسط الصحن مسجد آخر تطلق عليه العامة اسم «بيره زن» «المرأة العجوز» وهو مربع الشكل يبلغ طول ضلعه 12 متراً ويوجد على أطرافه الأربعة، أربعة أحواض يمر منها ماء نهر، أمّا سبب وجود هذا المسجد داخل مسجد آخر فهو أن هذا المكان كان عبارة عن بيت امرأة عجوز أبت أن تبيعه لكوهر شاد، ثم أوقفته للحرم قبل موتها ولذلك جاء بشكل مسجد مستقل ويوجد داخل الإيوان محراب كتبت عليه آية الكرسي بالقاشاني المعرق والخط الكوفي باللون الأصفر كما نشاهد قصيدة شعرية مؤلفة من ثمانية عشر بيتاً مكتوبة تحت نقوش وزخارف جميلة على شكل باقات من الورود.
مدخل مسجد كوهر شاد
ومن الإيوانات الأخرى إيوان دار السيادة وهو الإيوان الشمالي للمسجد وقد جاء في كتابة بالقاشاني المعرق والخط الأصغر فوق أعلى باب أنيس الدولة الفضي قوله: «بني هذا المسجد الجامع في أيام دولة الخاقان الأعظم شاه عباس الصفوي الحسيني من عين مال المغفور المبرور خواجه صفر الجيلاني بسعي الفاضل الصالح المتقي مولانا حسن الخادم الجيلاني طلباً لنيل ثواب الآخرة …. كتبه محمد حسين الشريف «كما كتب على الطرف الأيمن لهذه الكتابة» الآمرة بعمارة هذا المسجد صاحبة الرشد والرشاد العظيمة كوهر شاد «وعلى الطرف الأيسر» بني هذا المسجد الجامع في أيام دولة الخاقان شاه عباس من عين مال المغفور له خواجه صفر جيلاني ويبدو من الكتابة وواجهة الإيوان أن البيت والمقام بنيا في زمن الشاه سليمان الصفوي (1087هـ) والكتابة أيضاً بخط محمد رضا امامي الأصفهاني الخطاط المعروف في ذلك العصر.
والإيوان الآخر هو الإيوان الغربي الذي يقع في كلا الطرفين المتجهة منهما نحو القبلة والمخالف لها، وبه ثلاث طاقات كتبت عليها الأسماء الحسنى، كما كتبت عليها (سورة الأعلى)، بالقاشاني المعرق.
والإيوان الأخير هو الإيوان الشرقي وجميع خطوط هذا الإيوان من القاشاني المعرق النفيس والذي يعد آية في الجمال وفي الإيوان عدد من الغرف، كتبت على واجهة كل منها آيات قرآنية وتوجد حول الإيوان كتابة تنتهي بما يلي: «كتبه إبراهيم في سنة ألف ومائتين وستة وثلاثين» وعلى طرفي الإيوان كتبت كلمة «علي» بخط هندسي مربع الشكل وقد كتب على أعمدة المسجد حتى أعلاها «الله الباقي» بالقاشاني المعرق الذي يبدو غاية في الجمال.
ومن نفائس هذا المسجد منبر صاحب الزمان الذي يقع داخل إيوان مسجد كوهر شاد الصغير وقد شاده الأستاذ محمد الخراساني، الذي يعدّ من أكبر فناني الحفر على الخشب، وذلك سنة 1242 في زمن فتح علي شاه القاجاري.
قضاء مشهد وولاية طوس([635])
قضاء مشهد في الشمال الشرقي من محافظة خراسان قاعدته مدينة مشهد ومساحته 13130 كيلومتراً مربعاً ونفوسه 3,310,538 نسمة حسب إحصاء سنة 1991م وكثافته السكنية تقدر بـ 161 شخصاً في الكيلومتر المربع وفيه 2071 ضيعة. هذا القضاء طوله الجغرافي بين 59,1 إلى 60,43 شرقية وعرضه الجغرافي بين 35,4 إلى 37,13 شمالية.
يحده من الشمال والشمال الشرقي: تركمانستان. ومن الشمال الغربي: دركز. ومن الغرب: جناران ونيشابور. ومن الجنوب الغربي: تربت حيدرية. ومن الجنوب: فريمان. ومن الجنوب الشرقي: تربت جام. ومن الشرق: قضاء سرخس.
قضاء مشهد فيه خمس مقاطعات هي:
1 ـ المقاطعة المركزية وقاعدتها مدينة مشهد والقرى التابعة لها هي: تبادكان، طوس، كارده، ميان ولايت وكنويست.
2 ـ مقاطعة أحمد آباد وقاعدتها ملك آباد والقرى التابعة لها هي: بيوه جن وسرجام وميامي.
3 ـ مقاطعة طرقبة وقاعدتها طرقبة والقرى التابعة لها هي: شانديز وطرقبة.
4 ـ مقاطعة رضويّة وقاعدتها بلدة رضوي والقرى التابعة لها هي: آبروان وبائين ولايت وميامي.
5 ـ مقاطعة كلات وقاعدتها كلات والقرى التابعة لها هي: بساكوه زاوين وكبودكنبد. وتوجد في قضاء مشهد سلسلتان من الجبال هما هزار مسجد في الشمال الشرقي والشرق وأجدركوه على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مشهد، والثانية سلسلة جبال ببنالود الواقعة في الغرب والجنوب الغربي من القضاءء.
لمزيد من المعلومات ومعرفة هذه المنطقة بصورة كاملة يجب أن نعود إلى ما قبل ظهور أو ازدهار مشهد التي كانت تُعرف بولاية طوس.
طوس ـ ذُكر في أفستا الأسماء السابقة لولاية طوس([636]) وهي «أورو» و«أوروا» وحسب قول الدكتور مشكور في كتابه تاريخ إيران باشان كان يطلق على طوس اسم «سوزيا» فترة من الزمن. وكانت قاعدتها «طابران» التي توجد أنقاضها حالياً باسم «مدينة طوس القديمة» التي تقع على مسافة 25 كيلومتراً شمال مدينة مشهد وإلى جانبها مراقد أبو القاسم الفردوسي الشاعر الإيراني ومحمد الغزالي الفيلسوف الإسلامي المعروف.
كانت طوس في العصور الماضية وحتى القرن السادس الهجري مدينة عامرة مزدهرة ولكن على أثر هجوم الأتراك الغُز سنة 548 هجرية دمّرت وقُتل سكانها ولم يبق منها شيء بعد هجوم التيموريين عليها.
أول من أسس هذه المدينة التي تُعرف بـ «طوس» جمشيد الملك الأسطوري الإيراني في بلاد خراسان ولما أخذت المدينة بالخراب أو دُمّرت تماماً، أسس طوس بن نوذر الذي كان يحتل منصب الإسبهبد في بلاط ملوك إيران مثل كيكاوس وكيقباد وكيخسرو، مدينة على أنقاضها أسماها طوس حسب اسمه.
أمّا المؤرخون وعلماء الجغرافية فقد وصفوا هذه المدينة وموقعها بصورة موجزة في كتبهم وأكثر هذه الأوصاف متشابهة ويستنتج من هذه المعلومات أن منطقة طوس في القرون الهجرية الأولى كانت فيها أربع مدن هامة وهي: رادكان وطابران وبزدغور (طرقبة حالياً) ونوقان وفي بداية القرن الثالث كانت نوقان أكبر مدن ناحية طوس. وأن مدينة طابران التي كانت تقع على مسافة ستة فراسخ كانت تنافس نوقان.
خريطة قضاء مشهد
طوس في كتب المؤرخين
أقدم مؤرخ وعالم جغرافي إسلامي أشار إلى طوس في كتابه هو أحمد بن أبي يعقوب واضح اليعقوبي المعروف باليعقوبي الأصفهاني (المتوفى سنة 284 هجرية) في كتابه البلدان. حيث يقول ما مضمونه: من مدن محافظة نيشابور وملحقاتها القريبة إلى بحر الديلم نذكر مدينة طوس وهي على مسافة موقفين إلى نيشابور ويعيش في طوس قومٌ من العرب من قبيلة «طي» وغيرهم أن أغلبية أهاليهم من العجم وفيها قبر الرشيد وأن الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام توفي هناك. وأن أكبر مدن طوس تسمى نوقان وأن خراجها وضرائبها تعود إلى خراج وضرائب نيشابور.
يقول الإصطخري في النصف الأول من القرن الرابع ما مضمونه: إذا اعتبرنا طوس ضمن أو تابعة لنيشابور فإن مدن طوس هي: رادكان وطابران وبزدغور ونوقان وأن ضريح علي بن موسى الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد هناك.
خريطة ولاية طوس
ويقول ابن حوقل في النصف الثاني من هذا القرن: «إذا كانت طوس ضمن مجموعة نيشابور فإن مدنها هي: رادكان وطبران ونوقان وتروغوز وأن ضريح علي بن موسى الرضا عليه السلام يقع خارج مدينة نوقان».
ويقول صاحب حدود العالم ما مضمونه: «إن طوس ناحية فيها مدن وهي: طوران ونوقان وبروغون ورايكان ونبوازه وفي جبالها توجد معادن الفيروز والنحاس والرصاص والكحل والزاج وفيها يصنعون القدور الصخرية. وفي نوقان يوجد المرقد المبارك لعلي بن موسى الرضا ويزوره الناس وفيها أيضاً قبر هارون الرشيد».
ويقول صاحب وفيات الأعيان ما مضمونه: «طوس ناحية في خراسان تشتمل على مدينتين هما طابران ونوقان وفيها ألف قرية.
ويصف المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، يصف طوس كما يلي: «طوس خزينة إيرانشهر وقصباتها هي طابران ونوقان ورادكان وجنابذ وأستورقان وتروغبذ».
وفي مكان آخر يقول ما مضمونه: «إن طوس مخزن كبير وقديم وهو ضمن قرى نيشابور وفيها أراضي فيها مزارع وفواكه ومعادن. وظهر فيها شخصيات عرفانية ولكن جبالها موطن اللصوص والمتمردين. وطابران أكبر مدن طوس لها سور وإني شبهتها بيثرب من بعيد، فيها سوق وشخصيات عرفانية كبيرة وتجار ومواردها كثيرة. الجامع يقع في السوق. فيها قنوات وآبار كثيرة. الأسعار رخيصة، الحطب كثير، فواكهها جيدة ولكنها غير نظيفة، أطرافها خرائب ومناطق باردة. حماماتها ليست جيدة وأهاليها غوغائيون».
جناوذ (كناواذ) أصغر من نوقان وفيها سبعون قرية وبقية مدنها هي: أستورقان وجرموكان وتروغبذ وسركو وبرنوخكان.
سمعت من بعض الشيوخ والمعمرين أن ظريف بن أحمد الكاتب في نسا قال في مجلس: إن أهالي طوس متقدمون في العالمَين. في الدنيا لأنهم سبقوا بقية سكان خراسان في قبول الإسلام وفي الآخرة حيث يقول الله عزَّ وجلَّ: «يوم ندعو كل أناس بإمامهم، وأن علي بن موسى الرضا هو أفضل الأئمة وهو عندهم».
ويقول ياقوت الحموي في النصف الأول من القرن السابع الهجري عن طوس، ما يلي: «طوس مدينة في خراسان والمسافة بينها وبين نيشابور عشرة فراسخ وتشتمل على مدينتين (طابران ونوقان). ونوقان هي دار المُلك في طوس ولهاتين المدينتين أكثر من ألف قرية وأن طوس فتحت في عهد عثمان بن عفان وفي هذه المدينة قبر علي بن موسى الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد».
ويقول صاحب نزهة القلوب في النصف الأول من القرن الثامن: «طوس من الإقليم الرابع، طولها من جزر الخالدات صب لب وعرضها من خط الاستواء لز. بناها جمشيد الملك الأسطوري وبعد خرابها جدد بناءها طوس نوذر وأسماها باسمه ومن مزارات العظماء فيها قبر الإمام المعصوم علي بن موسى الرضا رضي الله عنهما ابن جعفر في قرية سناباد التي تبعد أربعة فراسخ عن طوس.
وفي الجانب الشرقي قبر محمد الغزالي وأحمد الغزالي والفردوسي والمعشوق الطوسي. أهالي طوس حسنو السيرة وعقيدتهم طاهرة ويحبون الغرباء ومن فواكهها العنب والتين. وحوالي طوس أراضي خصبة يسمونها منجع رايكان (حالياً رادكان) طولها اثني عشر فرسخاً وعرضها خمسة فراسخ، معروفة في العالم».
وفي مكان آخر يصف مدينة طوس بأنها تساوي وتشبه المدن الكبيرة مثل كنجه وأصفهان ومرو. يقول شهاب الدين عبد الله بن لطف بن عبد الرشيد الخوافي المعروف بـ «حافظ أبرو» الجغرافي المؤرخ في كتابه زبدة التواريخ في سنة 820 هجرية أي في سنوات بعد هجوم الغز والمغول والتيموريين في شرح مبسوط حول طوس: «طوس من المدن القديمة في خراسان ولها توابع كثيرة، الرياح فيها شديدة، فيها أنواع الفواكه وتُزرع فيها الغلال وأن معدن الفيروز في جبل طوس ونيشابور ويصنعون القدور الصخرية من صخور جبل طوس ويرسلونها إلى أنحاء العالم. كانت مدينة كبيرة ومن رجالها وشخصياتها المعروفين الحكيم أبو القاسم الفردوسي والخواجه نظام الملك الطوسي ومن عماراتها المسجد الجامع».
من مجموع هذه المعلومات نستنتج أن جميع علماء الجغرافية كتبوا عن طوس بصورة مختصرة ولم يعطونا معلومات كثيرة عدا الإشارة إلى مدنها وقراها وأنواع الفواكه الحامضة والحلوة فيها. وعلى أي حال فإن بإمكاننا أن نقول إن طوس في جميع العصور كانت مدينة عامرة زاهرة وقاعدة الحكم ولما كانت مدينة نيشابور قريبة منها وكانت أكثر ازدهاراً منها من النواحي السياسية والاجتماعية والمحاصيل الزراعية فإن أصحاب السلطة ورجال الحكومة كانوا يفضلون نيشابور عليها.
لم تكن طوس مصونة من الحوادث التي أصابت نيشابور حيث أنه في سنة 548 أو 549 هجرية عندما دمّر الأتراك الغُز مدينة نيشابور هجموا على طوس ودمروها أيضاً وذبحوا أهاليها. ثم في سنة 618 هجرية زحف عليها تولي خان بن جنكيز خان على رأس جيوش المغول ودمرها كبقية مدن إيران إلاّ أن أوغدي خلف جنكيز خان أعاد بناءها وأصبحت منذ ذلك التاريخ قاعدة حكام المغول.
ولكن بعد سقوط مغول إيران، أصبحت ولايات طوس وقوجان وكلات وأبيورد ونسا وواحة مرو ضمن حكومة الأمير أرغون شاه رئيس طائفة جون قرباني وبعد أرغون شاه خلفه في الحكم ولداه محمد بيك وعلي بيك.
واضطر علي بيك في سنة 784 هجرية أن يطيع تيمور وأن تيموراً أرسله فيما بعد إلى فرغانة وبعد سنة أمر بقتله. وكان حاجي بيك أحد قادة علي بيك حيث التحق بعد مقتل علي بيك بقوات تيمور وحصل على غنائم كثيرة في حرب أصفهان وعاد إلى طوس وكان ينوي التمرد على تيمور.
وفي سنة 791 هجرية توجّه أقبوتا أحد قادة تيمور وبأمر منه من هرات للقضاء على حاجي بيك حيث حاصر مدينة طوس ولكن حاجي بيك كان يدافع عن المدينة ببسالة وكان يقاتل أقبوتا في النهار ويهجم على جيوشه في غارات ليلية ونتيجة هذه المعارك الدامية أصيب أقبوتا بجروح وطلب المساعدة من ميرانشاه ابن تيمور الذي كان حاكماً على خراسان من قبل والده.
وعجز حاجي بيك عن المقاومة والصمود أمام قوات ميرانشاه وهرب من المدينة ليلاً ودخل ميرانشاه المدينة مغيراً عليها جزاءً لتمرد حاجي بيك كما أمر بقتل عشرة آلاف طوسي وحسب العادة المتبعة آنذاك وعبرة للآخرين صنع منارة من رؤوس القتلى. وهرب من سلم من أهالي طوس إلى سناباد ولجؤوا إلى مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وسكنوا إلى جوار قبره.
وفي سنة 808 هجرية تولّى الخواجة السيد ميرزا بأمر من شاهرخ التيموري ابن تيمورلنك إعمار مدينة طوس وإعادة أهاليها إليها، فرفض اللاجئون العودة إلى طوس ومنذ ذلك التاريخ بدأ ازدهار مشهد الرضا بسرعة وباتت مدينة طوس خربة ولم يعد الإعمار والعمران إليها وحلّت مدينة مشهد المقدسة محل مدينة طوس من الناحية السياسية والاجتماعية والمذهبية.
وطوس اليوم قرية صغيرة تابعة لقاعدة قضاء مشهد وأن آثار مدينة طوس السابقة في القسم الشمالي الغربي ومقبرة الشاعر أبو القاسم الفردوسي في وسط حديقة كبيرة إلى الشرق منها. الأول يتحدث عن تاريخ طوس وماضيه اللامع والثاني عن العلماء مثل جابر بن حيّان أبي الكيمياء والفردوسي الطوسي الشاعر الكبير وصاحب الملحمة والخواجه نظام الملك الطوسي مؤلف كتاب سياستنامه ورجل السياسة الفريد في العهد السلجوقي ومحمد بن اسلم الطوسي العارف المعروف والغزالي المشهور والخواجه نصير الدين الطوسي الفيلسوف والفلكي في القرن السابع الهجري.
«المخطط أعلاه يبين موقع مدينة مشهد مع المدن المجاورة مع تعيين المسافة مع كل واحدة منها».
ظهور مدينة مشهد: قبل أن تتأسس مدينة مشهد الحالية قاعدة لمحافظة خراسان التي تبلغ مساحتها (سنة 1991م) حوالي 220 كيلومتراً مربعاً وعدد نفوسها 1,759,155 نسمة كان يوجد هناك مكانان، أحدهما نوقان وكانت مدينة والآخر سناباد وكانت قرية وكانت المسافة بين هذين المكانين قليلة بحيث إذا صرخ صارخ من أحد المكانين بصوت عالٍ فإن أهالي المكان الثاني يسمعون صوته.
تحدثنا كثيراً عن مدينة نوقان نقلاً عن كتب المؤرخين، أمّا سناباد فإن جميع المؤرخين بمن فيهم مؤلف صورة الأرض ومعجم البلدان ومطلع الشمس وآثار البلاد ومجالس المؤمنين يعتبرونها قرية أو ريفاً فيه بساتين وحقول زراعية كثيرة، وأن حميد بن قحطبة الطائي حاكم خراسان بنى قصراً فخماً وسط أحد البساتين الكبيرة ولما توفي هارون الرشيد الخليفة العباسي في سنة 193 هجرية دفنوه في هذا البستان.
ثم في سنة 203 هجرية دفن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بأمر من المأمون بن هارون إلى جانب قبر هارون. ومنذ هذا التاريخ فإن الهارونية (مكان قبر هارون)، بفضل وجود ضريح الإمام الرضا عليه السلام كسبت قداسة وصيتاً واشتهرت باسم مشهد الرضا وأن المسلمين وخاصة شيعة أهل البيت عليهم السلام يسافرون من جميع البلاد لزيارة ضريح الإمام الرضا عليه السلام وبعضهم يستوطن هذه المدينة وفي الحقيقة اصبح مزار الإمام الرضا عليه السلام القاعدة أو النواة المركزية لمدينة مشهد حيث أصبحت اليوم ثاني كبرى مدن إيران بعد طهران من ناحية عدد السكان.
ولم يكن هناك بناء يليق بقبر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عدا البناء الصغير الذي كان قد بناه حميد بن قحطبة حاكم خراسان على قبر هارون. وكانت تأتي امرأة من نوقان يومياً لزيارة قبر الإمام الرضا عليه السلام وتفتح باب هذه المقبرة ثم تغلقه في المساء وتعود إلى بيتها. وحوالي منتصف القرن الثالث بدأ محبو آل علي عليه السلام ومجاورو الضريح الطاهر ببناء بيوت في أطراف الضريح. وبالتدريج وحتى نهاية القرن الثالث اتصل المزار الطاهر من جهة بقرية سناباد ومن الجهة الثانية بمدينة نوقان وسمي بـ «مشهد الرضا».
وما زالت نوقان تعتبر محلة أو ضاحية في الشمال وسناباد اسم أحد الشوارع في غرب مدينة مشهد القديمة. وفي سنة 415 هجرية جدّد السلطان محمود الغزنوي بناء قبة الضريح. وفي سنة 499 هجرية بنى السوري حاكم نيشابور سور المدينة وفي سنة 531 هجرية جددوا بناء سور المدينة تحسباً لهجوم الأتراك الغُزاة إلاّ أن السور بعد ثماني سنوات من بنائه فقد مقاومته أمام هذا الهجوم ونتيجة ذلك دُمّرت المدينة ولكن الحرم والضريح الرضوي بقيا سالمين.
يقول مؤلف فردوس التواريخ إن السلطان سنجر السلجوقي أعاد تخطيط مدينة مشهد وبناءها وبنى البناية الموجودة فوق ضريح الإمام ولكن في سنة 618 هجرية دمرها تولي خان بن جنكيز المغولي ونهبوا النفائس والقناديل الموجودة في الروضة المنوّرة.
ثم وحسب قول مؤلف مطلع الشمس عين المغول شرطياً على طوس ولكن شاع بعد سنة واحدة في طوس أن السلطان محمد خوارزمشاه تغلّب على المغول وسيرتاح سكان إيران قريباً من أيدي المهاجمين المغول وعلى هذا الأساس فإن رجلاً يدعى سراج الدين اتفق مع بعض المغفلين وقتلوا الشرطي المغولي وبعثوا برأسه إلى بحير الملك الزوزني حاكم نيشابور ولكن رجلاً آخر اسمه «السيد أبو تراب» الذي كان مسؤولاً عن «خيل طوس» ذهب إلى مدينة أستو (قوجان حالياً) متخفياً وأخبر من يسمى تيمور الذي كان متعاوناً مع المغول وأخبره عن مقتل الشرطي وأن تيمور أخبر المغول بذلك وتوجه هو ومعه ثلاثمائة فارس وهجم على طوس واقتحموا دار الإمارة التي كان قد جعلها سراج الدين قاعدة لحكومته مع ثلاثة آلاف مقاتل وقتلوا أكثر الذين كانوا هناك ودمروا قلعة طوس وتحصيناتها.
وفي سنة 700 هجرية باشر غازان خان الإيلخان المغولي بتوجيه من العلامة الحلي المرجع الديني آنذاك بتعمير الخرائب وبنى أول قبة مرتفعة على جدران الحرم والضريح وبعده اهتم السلطان محمد خدابنده المعروف بـ الجاتيو بإكمال البناء …
ثم في عهد السربداريين([637]) عُمرت مدينة مشهد وأعيد بناء الكثير من العمارات والبنايات التابعة للروضة الرضوية المقدسة وأضيفت عمارات كثيرة إلى الروضة. وبعد هذه التعميرات يقول ابن بطوطة في رحلته إلى خراسان إن مدينة مشهد مدينة عامرة وفيها سكان كثيرون.
سبق أن قلنا إن حاجي بيك جاني قرباني أحد أقرباء الأمير علي بيك أرغون شاه جمع أهالي طوس حوله ورفع راية التمرد والعصيان. أرسل الأمير تيمور (لنك) ابنه ميرانشاه مع جيش كبير لفتح طوس وبعد صراع وقتال طويلين فتحت جيوش تيمور مدينة طوس. وحسب رواية صاحب مطلع الشمس: إن ميرانشاه بحجة أن أهالي المدينة كانوا قد ساعدوا وتعاونوا مع حاجي بيك أمر بالقتل العام فقُتل اكثر من عشرة آلاف من السكان ولجأ بقية أهالي المدينة إلى مشهد الرضا واستوطنوا هناك بصورة دائمة فزادوا في ازدهار مدينة مشهد وعمرانها وبدأت مدينة طوس بالدمار والخراب.
يبدو من هذه الأحداث التاريخية أن مدينة مشهد كانت حتى القرن الثامن الهجري تابعة لولاية طوس ومنذ سنة 791 هجرية بدأ ازدهار المدينة بسرعة وأصبحت قاعدة لحكومة مقاطعة مشهد. وبعد وفاة تيمورلنك تولى السلطة ابنه شاهرخ ميرزا واهتم في بداية حكمه في إعادة بناء المدن التي كانت قد دُمّرت في عهد والده. وفي سنة 808 هجرية تولى الخواجه السيد ميرزا إعمار مدينة طوس وإعادة سكانها المشردين إلا أن الأهالي رفضوا العودة. ونتيجة ذلك رأى شاهرخ أنه لا جدوى من إعمار مدينة طوس وأمر ببناء سور حول مدينة مشهد (ويحتمل أن يكون هذا السور يمر من زقاق القوافل حوالى: جهار باغ) ومنذ هذا التاريخ ازداد ازدهار مدينة مشهد وعمرانها وأخذ سكانها يزدادون وأبدى شاهرخ اهتماماً خاصاً بها بحيث كان يأتي من هرات لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ويقدم النذورات والصدقات إلى المستحقين ومن هذه النذروات قنديل وزنه ألف مثقال من الذهب عُلِّق تحت قبّة ضريح الإمام الرضا عليه السلام.
إن زوجته كوهر شاد ابنة الخواجة غياث الذين من الأمراء الجغتائيين كانت تهتم بمدينة مشهد كثيراً فشيّدت مسجداً سُمّي باسمها يعتبر اليوم لا مثيل له.
… بدأ بناء مسجد كوهر شاد في بداية سنة 807 هجرية عندما كان شاهرخ حاكماً على مدينة هرات وانتهى بناءه العظيم سنة 821 هجرية. وافتتحه شاهرخ بنفسه وأهدى ثريا ذهبية إلى الروضة الرضوية المقدسة كانت تزن حسب قول صاحب تاريخ أُلفي حوالي ثلاثة آلاف مثقال. والذي تولى البناء هو فنان إيراني اسمه قوام الدين الشيرازي وقد سُجل اسمه على الركن الأيسر من إيوان المقصورة في لوحة مستطيلة في سطرين بهذا الشكل: «عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان».
والجدير بالذكر أن البروفيسور أوبهام بوب المستشرق المعروف وصف هذا البناء الإسلامي العظيم بأنه «ثامن بناء جميل في العالم» وكان كريستي ويلسن مؤلف تاريخ القناعة في إيران وصفه قبل بوب بأنه «البناية الثانية عشرة في العالم».
مشهد والأوزبك في العصر الصفوي: عندما تأسست الدولة الصفوية كان السلطان حسين بايقرا آخر السلاطين الكوركانيين المقتدرين حاكماً على خراسان وراعى السلطان الصفوي شاه إسماعيل صداقته فتركه في ممتلكاته.
ولكن بعد وفاة السلطان حسين سنة 911 هجرية بدأ الصراع بين الأمراء التيموريين حول السلطة وأدى الخلاف بينهم إلى هجوم شيبك خان الأوزبكي على مشهد سنة 913 هجرية وانقرضت حكومة أسرة الكوركانيين في خراسان وقُتل الأمراء. ولما احتل الأوزبك مدينة مشهد سنة 913 هجرية دمروا أبراج المدينة وسورها وقتلوا الكثير من سكانها.
وفي سنة 932 هجرية وفي بداية حكومة الشاه طهماسب الصفوي حاصرت قوات الأوزبك المدينة ثم احتلتها قوات عبيد الله خان الأوزبكي حيث دمروا المدينة وعذّبوا أهاليها إلاّ أنه بعد ثلاث سنوات أي سنة 935هـ احتل الشاه طهماسب المدينة وهرب عبيد الله.
وفي سنة 951 هجرية هاجم محمد سلطان الأوزبكي مدينة مشهد مرة أخرى وبعد احتلالها قتل الكثير من أهاليها ودمّر تحصيناتها ولكنه انكسر بعد فترة قصيرة وعاد الشاه طهماسب ثانية إلى مشهد. وفي عهد الشاه عباس الأول الصفوي سنة 998 هجرية هاجم عبد المؤمن خان الأوزبكي حاكم بلخ مدينة مشهد وحاصرها أربعة أشهر وبعد أن احتلها نهب جميع ما كان في الروضة المنورة وسرق القناديل والشمعدانات والأواني والسجاد فيها ودمّر المدينة وقتل أهاليها كما أسر الكثير منهم وأرسلهم مكبلين إلى تركستان.
ويقول إسكندر بيك المنشي صاحب كتاب عالم آراي العباسي: «بدأ الأوزبك بقتل الاهالي ونهب المحلات في الأزقة والأسواق وأسروا الكثير منهم أيضاً ونهبوا الروضة المقدسة واستولوا على القناديل المرصعة والذهب والفضة والشمعدانات التي كانت لا تعد ولا تحصى كما سرقوا المفروشات والأواني الخزفية الكثيرة والمكتبة العامة التي كانت مليئة بالمخطوطات والمصاحف بخط الأئمة المعصومين والأساتذة المتقدمين مثل ياقوت المستعصمي والأساتذة الستة، والكتب العلمية الفارسية ومزقوا هذه النفائس الثمينة.
وعين عبد المؤمن حاكماً على المدينة قبل أن يغادرها وسرق العمود الذهبي الذي كان قد أمر به الشاه طهماسب الصفوي الموجود فوق القبة. إن المذبحة التي أعقبت سقوط المدينة شملت علماء الدين والسادات وكانت المذبحة شديدة مريعة فيها ويمكن مطالعة مُفصّل الواقعة في مجالس المؤمنين وفي فردوس التواريخ.
بعد تسع سنوات من هذه الأحداث المؤلمة استولى الشاه عباس على المدينة ثانية وأعاد بناء الروضة الطاهرة. وأن الأبواب الماسية المعروفة التي كان قد أهداها قطب شاه الدكني والتي كانت قد سُرقت أعيدت ثانية بواسطة أحد أمراء الأوزبك.
لكن بعد فترة من الزمن وقع خلاف بين الأمراء والقادة الأوزبك حول السلطة وبلغ الصراع العداء حداً بحيث وقع عبد المؤمن خان الأوزبكي في ايدي بقية الأوزبك الجلادين فمزقوه إرباً إرباً([638]). وفي عهد الشاه عباس الأول ازداد ازدهار مدينة مشهد وتم إحداث شارعين رئيسيين وخانات كثيرة وخزانات كبيرة للمياه. وتمّ توسيع الساحة والصحن العتيق وبُني الإيوان العباسي مقابل الإيوان الذهبي كما تمّ إنشاء طريق بين أصفهان ومشهد وهرات وأن الشاه عباس سمح بأن تطلق كلمة المشهدي على كل من يزور مدينة مشهد المقدسة.
وفي عهد الشاه عباس الثاني تمّ تعمير بعض اللوحات والقاشاني الموجود في الصحن العتيق. وفي هذا العصر تمّ إنشاء عشرة مدارس في مدينة مشهد يُنفق عليها من الموقوفات فالأراضي الزراعية التي كانت ضمن أوقاف مدرسة عباس قلي خان كانت تمتد من بوابة مشهد الشرقية إلى بوابة مدينة هرات.
الحادث الطبيعي الوحيد الذي وقع في مشهد في العصر الصفوي هو الزلزال الذي وقع في سنة 1084 هجرية في عهد الشاه سليمان الصفوي وتضررت إثر هذه الكارثة الكثير من البيوت وأروقة العتبة المقدسة وأعمدة القبة الطاهرة فأمر الشاه سليمان بتعميرها وقد انتهت عمليات التعمير والإصلاح سنة 1086 هجرية.
مشهد في العصر الأفشاري([639]): في أواخر حياة السلالة الصفوية تعرضت إيران لهجوم الأفاغنة وعمّت الفوضى والاضطراب جميع أنحاء إيران وكان كل قائد أو حاكم يطلب الحكم والسلطة لنفسه ومن بين هؤلاء المدعو ملك محمود السيستاني الذي احتل مدينة مشهد بالقوة والتهديد. وفي هذه الأحوال كان نادر قلي أفشار يعيش مع والد زوجته بابا علي بيك حاكم أبيورد وأن حسن علي مير الممالك الذي كان من ألدّ أعداء الملك محمود عرّف نادر قلي إلى الشاه طهماسب الثاني آخر سلاطين الصفوية. ولما شاهد الشاه طهماسب الثاني آخر سلاطين الصفوية.
ولما شاهد الشاه طهماسب الكفاءة والجدارة في نادر قلي أعطاه منصب «قورجي باشي» [رئيس مخزن العتاد والسلاح] ثم أعطاه لقب «طهماسب قلي» أي [عبد طهماسب] وأمره بالذهاب لسحق الملك محمود السيستاني وإنقاذ مدينة مشهد. فقام نادر مع قواته بمحاصرة مدينة مشهد وهجم عدة مرات على المدينة ولكنه لم يفلح في فتحها مما اضطر الشاه طهماسب أن يتوجه مع قواته القزلباش لمساعدة نادر وأخيراً وفي السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1139 هجرية فتح نادر مدينة مشهد المقدسة وانكسر الملك محمود السيستاني وسلم نفسه بعد أن قُتل الكثير من جماعته ولجأ إلى أحد الغرف الموجودة في العتبة المقدسة وقام أهالي المدينة بالهتاف والتهليل لدى دخول قوات نادر المظفرة إلى المدينة. وكان نادر قد أقسم اليمين بأن يدخل المدينة ظافراً ويُزين إيوان الصحن الجديد للإمام الرضا عليه السلام بالذهب وأن يبني منارة أخرى مطلية بالذهب مقابل المنارة السابقة. وفي عيد النوروز من تلك السنة استقبل الشاه طهماسب خلال وصوله إلى مشهد استقبالاً فخماً باهراً وأقام الحفلات ابتهاجاً بورود الملك.
بعد أن قضى نادر على الأفاغنة وقضى أيضاً على القوات الطاغية في الداخل وبعد أن تسلّم السلطة جعل من مدينة مشهد عاصمة له وأعطى أهمية بالغة وخاصة لهذه المدينة. أمّا الغنائم التي كان قد جاء بها من الهند فقد أهداها إلى العتبة الرضوية المقدسة واستعاد العمود الذهبي الذي كان قد سرقه عبد المؤمن خان الأوزبكي وأعطى حكومة ولاية خراسان إلى ابنه الأكبر رضا قلي ميرزا.
بعد أعوام من الهدوء والاستقرار، وبعد أن توفي نادر وقامت الخلافات بين خلفائه عمّت الفوضى والاضطراب مدينة مشهد ثانية ففي سنة 1163 هجرية اختطف الميرزا السيد محمد متولي باشي سادن الروضة الرضوية، اختطف شاهرخ ميرزا وسمل عينيه وأعلن نفسه سلطاناً وأسمى نفسه الشاه سليمان ولكن هو أيضاً سملت عيناه انتقاماً لما فعله مع شاهرخ.
فتح أحمد شاه الأبدالي حاكم مدينة هرات مدينة مشهد وأبقى شاهرخ في منصبه حاكماً على المدينة إلى أن جاء آغا محمد خان القاجاري، فنزع شاهرخ عن السلطة سنة 1211 هجرية وخلال هذه الفترة كانت الفوضى والاضطرابات قد عمّت مدينة مشهد، ففقدت هذه المدينة ازدهارها ونتيجة حملات التركمان المتتالية فقد انخفض عدد سكانها من 60 ألف نسمة إلى 20 ألف نسمة.
وفي سنة 1217 هجرية صمد نادر ميرزا أمام هجمات الطوائف القاجارية على مدينة مشهد وأراد أن ينهب الحرم الشريف ثانية بغية إعداد المعدات الحربية ولكنه فشل وأخيراً اعتُقل وأُرسل الى طهران حيث أمر فتح علي شاه بقتله.
الأحداث الهامة في مشهد في العصر القاجاري: بعد انقراض السلالة الأفشارية جاء دور السلالة القاجارية وكانت مدينة مشهد في هذه الأيام تتعرض لهجوم القبائل والعشائر المختلفة.
هجوم حاكم خيوة: في الفترة بين سنة 1241 إلى 1244 هجرية تعرضت مدينة مشهد وملحقاتها لهجمات حاكم خيوة غير أن القوات الإيرانية بقيادة عباس ميرزا ولي عهد فتح علي شاه تمكنت من إعادة الأمن والاستقرار الى المدينة.
ثورة السالار: في عهد حكومة محمد شاه القاجاري وفي سنة 1250 هجرية كان اللهيار خان آصف الدولة قاجار الدولّو صدر أعظم فتح علي شاه السابق وخال محمد شاه عُين حاكماً على ولاية خراسان. وكان آصف الدولة يحلم دائماً بأن يتولى الصدارة ثانية ولكن لما كان الميرزا آقاسي الصدر الأعظم مخالفاً له كان يسعى دائماً أن يُبعد آصف الدولة وأولاده عن البلاط. وفي سنة 1262 هجرية وبسبب مرض محمد شاه وتدهور أوضاع البلاط، فقد رفض حسن خان سالار ابن آصف الدولة الذي كان يحكم خراسان بالنيابة عن والده بسبب شيخوخته رفض قبول أوامر الميرزا آقاسي فحصل خلاف بينه وبين البلاط في طهران. غير أن آصف الدولة قرر السفر إلى طهران أولاً للإصلاح والمصالحة وثانياً بهدف تثبيت منصبه ومنصب ابنه وأخيراً لمقابلة الشاه. ورغم أنه حصل على منصب سدانة الروضة الرضوية إلى ابنه سالار وحكومة خراسان لابنه الآخر إلاّ أنه بسبب نفوذ الحاجي ميرزا آقاسي رفض الشاه مقابلته مما اضطره إلى السفر إلى مكة المكرمة ومنها إلى العتبات المقدسة في العراق والإقامة الجبرية فيها.
غير أن ابنه سالار وبمساعدة الأكراد في قوجان احتل في البداية قلعة كلات ثم جمع قواته وتوجّه نحو طهران وتقدم حتى وصل إلى مدينة سبزوار، فعيّن محمد شاه أخاه حمزة ميرزا حشمت الدولة حاكماً على خراسان، لصدّ سالار. هزم حشمت الدولة، سالار في منتصف طريق سبزوار وشاهرود وهرب سالار إلى قبائل التركمان. وعزم حشمت الدولة أن يلاحق سالار الا أنه اضطر إلى الذهاب إلى مشهد بسبب الاضطرابات التي حصلت هناك.
بعد هرب حسن خان سالار إلى التركمان، لم يتمكن حمزة ميرزا حشمت الدولة وأعوانه أن يقوم بواجبه في خراسان وبدأ الاعتداء على الأهالي وقام بأعمال وأفعال شنيعة. وفي هذه الأحوال أي في سنة 1264 هجرية كان محمد خان شقيق سالار لا يزال متحصناً في الروضة الرضوية وكان يحرّض الأهالي ضد حشمت الدولة وأخيراً أعلن أغلبية أهالي مشهد ولاءهم لسالار وثاروا على الحاكم.
أمّا سالار فقد توجّه نحو مشهد بمساعدة التركمان وكسر قوات حشمت الدولة وحاصر حشمت الدولة في مدينة مشهد بعد أن وصلت الأنباء عن وفاة محمد شاه وجلوس ناصر الدين شاه على العرش. في هذه الأحوال توجّه يار محمد خان الأفغاني الوزير السابق لكامران ميرزا حاكم هرات بعد أن قتل مخدومه سنة 1256 هجرية وأعلن استقلاله، وتوجّه بجيشه نحو جام وأبدى لكل من الجانبين المتنازعين أنه جاء ليدافع عنه ولكن عندما وصل إلى مشهد التحق بحشمت الدولة وأنقذه من المحاصرة ولكن ولما لم يتمكن من الصمود أمام سالار عاد إلى هرات ولحقه سالار إلى مدينة جام وعمّت الفوضى والاضطراب منطقة خراسان.
أرسل الأمير الكبير سلطان مراد ميرزا شقيق حشمت الدولة إلى خراسان مع سبعة آلاف من الجنود المشاة والمدفعية لتهدئة الأوضاع في خراسان والقضاء على فتنة سالار، فكسر سلطان مراد ميرزا قوات سالار بالقرب من جُوين وبعد أن استولى على سبزوار وترشيز ونيشابور، استدعى حشمت الدولة الذي كان قد لجأ إلى يار محمد خانت بالقرب من هرات، استدعاه إلى مشهد ثم أرسله إلى طهران بأمر من الأمير الكبير وأصبح هو حاكماً على خراسان.
وطوال سنة 1265 هجرية كان سلطان مراد ميرزا في قتال مع أتباع سالار ومحاصِرة مدينة مشهد وكان الأمير كبير يُمدّه بالمساعدة إلى أن اشتد الحصار على سالار وتمكن سلطان مراد ميرزا من أن يدخل مدينة مشهد في بداية سنة 1266 هجرية، فلجأ سالار مع شقيقه وولديه إلى العتبة الرضوية وطلب العفو من سلطان مراد ميرزا ولكن هذا الأمير الذي كان معروفاً بقساوته قتل سالار وأتباعه في ليلة الاثنين السادس عشر من شهر جمادي الثانية سنة 1266 هجرية وبهذا أخمد فتنة خراسان ولُقب سلطان مراد ميرزا بلقب حسام السلطنة.
الروس يضربون الروضة الرضوية بالمدفعية: لمعرفة سبب وكيفية ضرب الروضة الرضوية بالمدفعية الروسية يجب أن نبحث عن ذلك في سياسة الروس والإنجليز في إيران، ولهذا فإننا نعتمد على الوثائق السرية لضابط إنجليزي كان يعمل في القيادة الإنجليزية في الهند.
حسب معاهدة 1907 ميلادية بين روسيا وإنجلترا فإن أكثر منطقة خراسان ومدينة مشهد بالذات كانت منطقة نفوذ الروس ومنذ ذلك التاريخ كانت روسيا تسعى أكثر فأكثر لتثبيت موقعها وتعزيزه هناك، وثورة الدستور 1326 و1327 هجرية والنتائج الناجمة عنها أعطت الذريعة للروس لأن يرسلوا الكثير من قواتهم إلى خراسان لسحق الوطنيين.
ولما كانت مدينة مشهد إحدى مراكز الوطنيين فإن عدد القوات المحافظة على القنصلية الروسية في مشهد في شهر نيسان سنة 1909 ميلادية زاد على 75 جندياً وفي حزيران من السنة نفسها وبحجة استمرار الفوضى والاضطراب ارسلت روسيا مائة جندي إلى مشهد زيادة عما هناك من جنود. في تموز سنة 1911م واجهت مدينة مشهد مسـألة عودة محمد علي شاه القاجاري الذي كان قد خلع ونُفي إلى روسيا. فطلب البرنس (دبي جا) القنصل العام الروسي في خراسان إرسال المزيد من القوات في كانون الثاني سنة 1912 فأرسلت روسيا كتيبتين من حملة البنادق من تركستان وأربعة أفواج من الجنود ووحدات من المدفعية إلى قوجان ومشهد.
إن الاضطرابات التي كانت مستمرة في مدينة مشهد قد تكون بتحريض من بعض الوكالات الأجنبية القوية. وفي 30 آذار 1912 قصفت القوات الروسية جامع كوهر شاد والروضة الطاهرة وبلغت الاضطرابات عندئذٍ ذروتها وقتل عدد من الزوّار بفعل هذا القصف وأن خسائر وأضراراً جسيمة لحقت بالحرم الرضوي بسبب احتلال القوات الروسية للحرم لمدة يومين. وتحطمت القبة الطاهرة بقذائف المدفعية وتعرضت مدينة مشهد للفوضى والاضطرابات العجيبة.
مشهد وتحصيناتها: كان عدد سكان مدينة مشهد آنذاك ستين ألف نسمة وكان للمدينة ستة أبواب هي: نوغان والشارع السفلي والشارع العُلوي وسراب وارك وبوابة عيدكاه. وكان لكل باب حراس. والسور المحيط بالمدينة هو من ذكريات عهد الشاه طهماسب الصفوي وطوله حوالي 9 كيلو مترات والقاعدة 2,75 متراً والقسم العلوي 1,25 متراً. وكان حول السور 141 برجاً دفاعياً على مسافات وفواصل معينة فكانت تساعد كثيراً على حفظ الأمن في المدينة خلال هجمات التركمان والأوزبك.
مشهد في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري: في بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت لمدينة مشهد كالكثير من المدن الإيرانية أسوار قديمة وكان لها أبواب وحولها خنادق. وما زال السور القديم والخندق المجاور لهذا السور موجودين.
وقصر حاكم المدينة الذي كان قد بُني في عهد عباس ميرزا وبواسطة الأمير قهران ميرزا كان يقع في القسم الجنوبي من المدينة وفي الساحة الموجودة أمام هذا القصر كانت تجري التدريبات العسكرية للجيش. وفي هذا العصر كان الشارع الوحيد في المدينة اسمه الشارع الصفوي وكان في وسطه نهر بمياه قذرة جداً.
وكانت في المدينة أزقة كثيرة وأسواق طويلة مسقوفة وكانت داخل المدينة مزارع وبساتين كثيرة وعدا وسط المدينة وأطراف حرم الإمام الرضا عليه السلام والقسم الأكبر من شرق وشمال شرق المدينة حيث البيوت والمنازل والمرافق العامة. فإن بقية مناطق المدينة داخل السور كانت بساتين الفواكه والخضروات وكروم العنب وكانت تسمى «الحيطة» وكانت مساحة هذه الأراضي غير السكنية تعادل 50 بالمائة من مساحة المدينة. إن الازدحام السكني كان في أطراف الحرم وأطراف بوابة عيدكاه ونوقان.
وكانت المدينة حتى سنة 1310 هجرية قد حافظت على نسجها القديم الأصيل التاريخي ولكن في السنوات العشر الثانية من القرن الرابع عشر الهجري كانت خطوات مهمة لتجديد المدينة وتحديثها ومن أجل فتح شوارع طويلة وساحات وميادين تمّ تخريب سور المدينة كما أن بناية البنك الملي أسست في مكان القصر الحكومي وتغيرت واجهة المدينة بصورة عامة.
واقعة مسجد كوهر شاد: خلال هذه السنوات وقع حادث مؤلم وهو واقعة مسجد كوهر شاد بأمر من رضا البهلوي فعم الحزن والمصيبة مدينة مشهد بل محافظة خراسان بأجمعها. فعندما تمّ تنفيذ قانون تبديل الملابس واستعمال القبعة بالعنف وشاع على الألسن الإجبار على كشف الحجاب.
بدأ زعماء الدين بمعارضة هذا القانون وألقوا محاضرات على الأهالي طلبوا فيها القيام على هذه الاعتداءات. واجتمع علماء الدين في بيت السيد يونس الأردبيلي وقرروا تعيين ممثل عن الحوزة العلمية في مشهد وإيفاده إلى طهران للتفاوض مع رضا البهلوي، واختير الحاج آقا حسين القمي ليقوم بهذه المهمة، وقبل مغادرته المدينة قال: «أنا ذاهب لأتحدث مع هذا الشاه فربما أتمكن من تعديل قراره وعليكم أن توقظوا الأهالي وتقولوا لهم إن مؤامرة عظيمة على وشك الوقوع».
ولكنه اعتُقل في مدينة الري في بستان سراج الملك الذي كان قد نزل فيه ووضع في الإقامة الجبرية دون أن يتمكن من مقابلة أي أحد. وعند وصول هذا النبأ إلى مشهد اجتمع الأهالي في مسجد كوهر شاد وأخذوا يهتفون بشعارات مناقضة للشاه رضا ولقانون كشف الحجاب مطالبين الإفراج عن السيد القمي. وفي هذه الأحوال ألقى الشيخ بهلول خطابات ومحاضرات مثيرة مما دفع الأهالي إلى الثورة وهم يهتفون بإسقاط قرارات الشاه رضا. وفي منتصف ليلة السبت 21 شهر تير 1314 هجرية شمسية دخل رجال رضا بهلوي العسكريون إلى المسجد وفتحوا النار على الأهالي المجتمعين هناك وقتلوا وجرحوا الكثيرين منهم.
وفي اليوم التالي بدأ اعتقال علماء الدين والأهالي كما اعتُقل السيد محمد آقازاده في الليلة الثانية بواسطة العقيد نواتي رئيس الشرطة وباكروان محافظ خراسان ونُفي إلى مدينة يزد.
منذ سنة 1330 هجرية شمية وبعد توقف نسبي اتسمر أكثر من عشر سنوات بدأت مدينة مشهد ازدهارها وتطورها بصورة هادئة، وبدأ سكان القرى والأرياف والمدن الصغيرة يزحفون على مدينة مشهد وبدأ عدد سكانها يزداد شيئاً فشيئاً. وبسبب وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام وموقع مدينة مشهد الخاص بين المدن الإيرانية الأخرى وخاصة بين مدن شرق البلاد فقد بدأ سكان بقية المدن التوجه إلى مشهد والاستيطان فيها.
وعدا الموقع الديني للمدينة فإن مناخها المعتدل وأرضها الخصبة وكثرة المحاصيل كل هذه الأمور كانت السبب في توافد الناس لسكناها. وعلى هذا فإن المدينة التي كانت يوماً ما تحاصرها الأسوار والقلاع والأبراج وكانت أبوابها تفتح بواسطة الحراس في الصباح وتغلق في المساء أصبحت اليوم تضم أكثر من مائة قرية ومدينة صغيرة وصارت ثاني أكبر مدن البلاد وقد بلغ عدد سكانها اليوم أكثر من مليوني نسمة وتستضيف سنوياً أكثر من اثني عشر مليوناً من سكان المدن الإيرانية.
إبراهيم زنكنه
الحرم الرضوي المطهر وحوادثه الهامة([640])
لقد كتب الكثير عن الإمام الرضا عليه السلام. ولكن لم يكتب مثل ذلك عما توالى من الأحداث على مرقده المقدس، إذ أن المؤرخين مروا بذلك مروراً سريعاً. لهذا فإن الأمر يستحق بحثاً مستقلاً.
وإذا كان جميع مسلمي العالم يعربون عن حبّهم وتقديرهم للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، ويبذلون أموالهم من أجل زيارته، فإن المؤسف أن بعض الطغاة المتسلطين لم يتورعوا عن توجيه الإهانات لمرقده الشريف خلاف عصور مختلفة، وقد جاءت أخبار تلك الاعتداءات الآثمة بشكل مبعثر، لهذا قمنا بجمعها في هذه المقالة بشكل موجز.
مدفن الإمام
أمر المأمون بدفن الإمام في البقعة الهارونية إلى جانب قبر والده هارون الرشيد في بستان حميد بن قحطبة الطائي والي خُراسان. ومنذ ذلك التاريخ عرفت البقعة الهارونية بالقبر المطهر للإمام الرضا عليه السلام، حتى بلغت أوجها في أيامنا هذه تحت اسم الآستانة الرضوية المقدسة أو مشهد الرضا عليه السلام. وقد استخدمت عبارة (مشهد الرضا) لأول مرة في كتاب (عيون أخبار الرضا) ثم في كتاب (أحسن التقاسيم) الذي ألف في القرن الرابع الهجري.
القبة ومرقد الإمام الرضا عليه السَّلام:
تعددت أقوال المؤرخين والكُتّاب حول تاريخ إنشاء الحرم المطهر. فاعتقد بعضهم أن البقعة المباركة للإمام الرضا عليه السلام قد تعرضت لتحولات كثيرة خلال الوقائع والأحداث الهامة لخُراسان طوال القرون المتمادية، وقد تعرض للهدم الكامل وإعادة البناء عدة مرّات بسبب المواجهات بين القوميات والشعوب المختلفة، والجيوش التي هاجمت خُراسان مثل هجوم سبكتكين والغزيين التركمان والمغول.
فيما يعتقد كُتّاب آخرون أن البقعة تعرضت للخراب، لكن التخريب خلال الحملات المتعددة لم يبلغ حد هدمها بالكامل، بل أن بعض الهجمات أدت إلى تخريب في القسم العلوي فقط، دون أن تصل الأضرار إلى القسم السفلي للجدران، وأن أساسات البقعة ما تزال على البناء الأول لها، حيث بنيت بداية بالأحجار الطينية، ثم رممت وزينت عدة مرات.
إن القرائن تشير إلى أن الرأي الثاني أكثر صحة، وأن الخراب الكامل هو أمر بعيد عن الواقع، ذلك لأن المؤرخين والجغرافيين والرحالة قاموا خلال العصور المختلفة بزيارة المرقد المبارك للإمام عليه السلام، وتمعنوا فيه وكتبوا أوصافه.
ثم أن الآثار المختلفة والفنون المعمارية واستخدام الكاشي خلال القرون المتعددة كالآثار المعمارية للغزنويين والسلاجقة والتيموريين كلها موجودة داخل الحرم، وقد ورد في ختام العبارات المحفورة على الكاشي النفيس اسم المرمم أو تاريخ الترميم مثل (512 و612 و761هـ).
كما أنه لو كانت البقعة المنورة قد هدمت بالكامل، لما بقي أثر لقبر هارون، ولكان لمجددي البناء من محبي الإمام عليه السلام أن يقوموا ببناء جدران القبر المطهر للإمام عليه السلام بحيث يقع القبر وسط البناء الجديد، في حين أن الأمر حالياً ليس كذلك، بل أنه على الوضع الذي حدده المأمون لقبر والده عام (193هـ)، وعندما توفي الإمام بعد عشرة أعوام نقل جثمانه المقدس إلى داخل البقعة ليدفن جهة رأس هارون، لذلك فإن مكان دفنه ضيق، والممر جهة رأسه المبارك ما زال حتى الآن ضيقاً، سوى بعض التوسيع الذي حصل مؤخراً، وقد أشارت الأدلة القاطعة أن البقعة المباركة هي أقدم نقطة مبنية في الحرم. أما القبة المطهرة فقد هدمت عدة مرات بسبب الحوادث الطبيعية والحملات الوحشية.
عصر الديالمة:
بعد بناء البقعة الهارونية، ثم دفن الإمام الرضا عليه السلام فيها، قام السلاطين الشيعة من ديالمة وبويهيين ببناء هذه البقعة بشكل أساسي لتكون مشهداً للرضا، وكانت زيارة ذلك المرقد عامرة، تزداد يوماً بعد يوم.
عصر الغزنويين:
بعد الترميم والتزيين الأساسي الذي حصل في عهد الديلميين، أمر سبكتكين (366 ـ 387هـ) ملك الغزنويين في القرن الرابع بهدم سقف المرقد وقسم من جدرانه، ومنع الناس من زيارته. لكن الشيعة استمروا بزيارة قبر الإمام عليه السلام سراً، وبقي المرقد نصف مهدم، وعندما تسلّم الحكم السلطان محمود الغزنوي قِيل إنه رأى في منامه النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأنه خاطبه، وأشار إلى القبة الخربة، وقال له إلى متى ستبقى هكذا؟ فعندما أصبح السلطان محمود استدعى المعمار، وأرسله إلى طوس. وقد نقل تاريخ البيهقي أنه عام (400هـ) قام أبو بكر الشهمرد ببناء البقعة مرة ثانية على بقايا الجدران الطينية، وكساها بالآجر، وأضاف لها مئذنة، وهو ما شكّل فيما بعد النواة الأساسية للحرم المطهر.
السلاجقة:
خلال هذه الفترة وضع أول حجر رخام في مزار الإمام عليه السلام وذلك عام (516هـ) بقياس (6 × 30 × 40) سم، وضع على القبر المطهر، وكتب عليه (أمر بعمارة المشهد الرضوي علي بن موسى عليه السلام العبد المذنب الفقير إلى رحمته أبو القاسم أحمد بن علي بن أحمد العلوي الحسيني تقبل الله منه) وهذه الرخامة ما زالت محفوظة إلى اليوم في متحف الآستانة الرضوية المقدسة إلى جانب سائر الآثار التاريخية الأخرى.
أهم حادثة وقعت خلال هذه الفترة كانت اعتداء الغزيين الأتراك على الحرم الرضوي المطهر.
اعتداء الغزيين على الحرم المطهر:
قام الأتراك الغزيون عام (548هـ) بمهاجمة مشهد وناحية طوس، فأحرقوا المدينة كلها، وقتلوا عدداً كبيراً من الناس، ومنهم العلماء وكبار الرجال. وقد أصيب بناء الحرم الرضوي خلال هذه الحادثة. وبعد عدة سنوات قام شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي ـ حاكم مرو ـ بترميم الحرم في عهد السلطان سنجر (511 ـ 557هـ).
بعد عام (557هـ) أمرت السيدة زمرد بنت أخ السلطان سنجر بتزيين أزارة الحرم وتغطية الجدران العلوية بالكاشي النفيس بالأضلاع السداسية والثمانية والنجوم، وذلك حسب ما ورد على الكاشي الموجود. وأمرت أيضاً بكتابة القرآن الكريم بخط حسن في أجزاء، ووقفتها على الحرم الرضوي، وما زالت تلك المصاحف موجودة في المكتبة المركزية للآستانة الرضوية المقدسة.
الخوارزميون:
خلال عهد الخوارزمشاهيين جرى ايضاً ترميم الحضرة المقدسة، ومنها الكتابة الجميلة جداً التي كتبت عام (612هـ) بخط الثلث البارز على جدار وطرف مدخل الحرم من جانب رواق دار الحفّاظ. وقد كتب فيها نسب الإمام الرضا عليه السلام حتى أمير المؤمنين علي عليه السلام، وكتب في حاشيتها بخط صغير بيتين من الشعر في مدح الإمام الرضا عليه السلام من أشعار أبي نواس.
المغول والحرم المطهر:
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن (المغول هاجموا ابتداءً طوس عام (618هـ) فنهبوا المدينة، وقتلوا أهلها. ثم دخلوا مشهد الرضا وخربوه). ورغم أن بعض المصادر نقلت أن الحضرة الرضوية المقدسة قد خرّبت على يد المغول، لكن مؤلف تاريخ الآستانة الرضوية المقدسة نقل عن ابن أبي الحديد أن المغول رغم أنهم قتلوا أهالي مشهد، لكنهم لم يخربوا الحضرة الرضوية أبداً، ولعلهم اكتفوا بنهب أموالها وأثاثها. كذلك فإن (عطا ملك الجويني) مؤلف (جهانكشا) لم يذكر تخريب الحرم المطهر على يد المغول. وكذلك فإن (منظومة الفضل بن روزبهان الخنجي) لم تذكر في (مهمانخانه بخارى) ما يدل على تخريب الحرم المطهر رغم حديثها عن حملة المغول على طوس ومشهد. حيث إن كتابات عام (612هـ) أي قبل حملة المغول ما زالت موجودة.
عهد الإيلخانيين:
خلال هذا العهد تمَّ ترميم الخراب الذي حلّ بالحرم الرضوي المطهر. حيث أمر (غازان خان 694 ـ 703هـ) بترميم الحرم، ثم في عهد السلطان (محمد خدابنده الجايتو 703 ـ 716هـ) الملك الإيلخاني الشيعي المذهب تم ترميم الحرم أيضاً، وزيد في المباني التابعة للمرقد، كما أن البناء الكامل للقبة جرى في ذلك العهد. وعليه فإن القبة بنيت لتكون مثل القبب التي بنيت في العهد المغولي من طبقتين، وغطاء بألواح نحاسية، مع تغليف من الذهب. وخلال ذلك العهد مرّ الرحالة المعروف (ابن بطوطة) في عام (734هـ) من طريق جم إلى طبس، وكتب في مذكراته ما رآه من الحرم المطهر للإمام الرضا عليه السلام ومتعلقاته فقال: (في مشهد المكرمة قبة عظيمة، وتحتها زاوية، وجنبها مدرسة ومسجد، وكل هذه الأبنية العالية تابعة للحرم، أما جدران هذه الأبنية فهي مزيّنة بالكاشي، وقد وضع فوق قبر الإمام الرضا عليه السلام صندوق من الخشب).
مما كتبه ابن بطوطة وغيره يتبيّن أن المباني المذكورة التابعة للآستانة الرضوية المقدسة كانت موجودة في القرن الثامن الهجري، أي: الحرم، المسجد لجهة الرأس، المدرسة وعدة مباني صغيرة تتصل بالضلع الشمالي.
عهد التيموريين:
في القرن التاسع الهجري، وتحديداً في عام (821هـ) قام (شاهرخ التيموري) بإعمار مدينة مشهد، وأمرت زوجته (كوهر شاد آغا) ببناء أول مسجد جامع في المدينة، فبني باسمها في جهة القبلة أي في الصحن الجنوبي للآستانة المباركة، ثم بنيت دار الحفاظ بين الحرم ومسجد كوهر شاد، إضافة إلى التحويلخانة أو الخزانة في مشرق دار الحفاظ. وتزامناً مع إقامة هذه المباني داخل الحرم أقيمت مبانٍ أخرى حول الحرم، منها: مدرسة بربزاد ومدرسة جهة الرأس “بالاسر” (ما زالتا قائمتين حتى اليوم) وبائين با.
كما بني في العهد التيموري الصحن التيموري العتيق، واساس الإيوان المذهب بأمر من الأمير (علي شير النوائي) وزير السلطان (حسين بايقرا) وقد وسع فيما بعد خلال عهد الشاه (عباس الأول الصفوي) ثم قام (نادر شاه) بتذهيب الإيوان المذكور.
العهد الصفوي:
خلال العهد الصفوي ازداد الحرم المطهر عظمة وجلالاً، فالمئذنة القريبة من القبة التي كانت قد بنيت خلال عهد الغزنويين بأمر (ابن المعتز) حاكم نيسابور، رممت وذهبت بأمر من الشاه (طهماسب) وفي عام (932هـ) تم استبدال قطع الكاشي النفيسة التي كانت تغطي أجزاء من القبة، لتحل محلها قطع ملبّسة بالذهب. لكن خلال اضطرابات (عبد المؤمن خان الأوزبكي) نهبت هذه القطع الذهبية وغيرها من نفائس الحرم المطهر.
اعتداء الأوزبك على الحرم:
في العام الثاني من عهد الشاه (عباس الأول) أي عام (997هـ) حوصرت مدينة مشهد على يد (عبد الله خان الأوزبكي) وعندما أطلق الناس عليه النار، غضب وأمر بإبادة أهالي مشهد، بحيث جرى الدم في الروضة المنورة للإمام الرضا عليه السلام.
وفي العام التالي هاجم مشهد (عبد المؤمن خان الأوزبكي) فلجأ عامة الناس وخاصة السادات والعلماء وخدم الآستانة ومدرسوها لجؤوا إلى الآستانة الرضوية المباركة، وأخذوا يدعون الله. فدخل عليهم (عبد المؤمن خان) و(دين محمد سلطان) مع عدد من جنودهم، وارتكبوا مجرزة داخل الحرم. وكان غضبهم وحقدهم لا ينطفئان إلاَّ بسفك دم السادة من سلالة الرسول والصلحاء والعلماء، فأخرجوا الزائرين من داخل الحرم وقتلوهم بوحشية.
ومن ذلك ما فعلوه مع (مير محمد حسين) المعروف بـ (مير بالاي سر) وهو من السادة المتقين في مشهد، وكان ينشغل عند جهة الرأس بتلاوة القرآن المجيد، فأخذه اثنان من الأوزبك وقطعوه بسيوفهم قرب المرقد. في تلك الأثناء لجأ عدد من النسوة والأطفال إلى مسجد كوهر شاد، ومن هناك كانوا يرون المجازر ترتكب بحق أهلهم وأهل مدينتهم.
ثم أمر (عبد المؤمن) بنهب القناديل المرصعة بالذهب والفضة والشمعدانات، وذهب حافة القبة، وكثير من الأواني والسجاد وكتب مكتبة الآستانة، وأخذ النساء والأطفال أسرى، فأرسلهم إلى ما وراء النهر. ثم نال جزاءه عندما قتل بأبشع الأشكال على يد أتباعه.
بعد هذا العدوان الآثم توجه الشاه (عباس الصفوي) عام (1010هـ) مشياً على الأقدام لزيارة مرقد الإمام الرضا عليه السلام، وأمر مجدداً بترميم القبة وتذهيبها، ووضع حزام حول قاعدة القبة من الكاشي بعرض مترين، وكتب عليه بخط الثلث ما ترجمته: (إن من العنايات الكبرى لله سبحانه وتعالى أن وفق ـ سيد ملوك العرب والعجم، وصاحب النسب النبوي الطاهر، والحسب العلوي النير، وتراب هذه الروضة الملكوتية المنورة، ومروّج آثار أجداده المعصومين، السلطان أبو المظفر الشاه عباس الحسيني الموسوي الصفوي بهادر خان ـ بزيارة هذا الحرم الأشرف ماشياً من دار السلطنة أصفهان، ويفخر بتزيين هذه البقعة من ماله الخاص، وقد بدأ العمل عام 1010هـ وانتهى عام 1016هـ).
وبعد ذلك جرت تحولات أخرى في الحرم المطهر، كان منها توسيع الصحن العتيق، وإيجاد الإيوان الشمالي، والغرف، وحافات الأبواب، والإيوانين الشرقي والغربي، ورواق التوحيدخانة، وقبة (الله ورد خان). وتأكيداً منه على اهتمامه بالآستانة الرضوية أمر الشاه عباس أن يطلق على زائر الإمام الرضا عليه السلام لقب (المشهدي) مثل لقب (الحاج) و(الكربلائي)، ومنذ ذلك الحين راج هذا اللقب.
الهزة الأرضية والحرم الرضوي المطهر:
وقعت في مدينة مشهد هزات أرضية كثيرة منها (14) مرة ذكرت في كتب التاريخ خلال الأعوام: (108/ 1052/ 1053/ 1059/ 1077/ 1084/ 1087/ 1118/ 1119/ 1214/ 1232/ 1236/ 1254/ 1274هـ) تضرر بسببها مسجد كوهر شاد، ولعل جدران صحن الحرم المقدس وزينته تضررت قليلاً أيضاً.
لكن في الخامس عشر من ربيع الثاني عام 1084هـ خلال عهد الشاه سليمان الصفوي وقعت في مشهد هزّة مدمرة ألحقت الضرر بثلثي مدينة مشهد، وتضرر خلالها كل من: (قبة المرقد المطهر للإمام الرضا عليه السلام، وسقف قبة مسجد كوهر شاد، ومدرسة بريزاد، ومدرسة دودر، ومدرسة بالاسر، ومدرسة باتين با) ضرراً شديداً، وقضى حوالي أربعة آلاف شخص من أهالي مشهد تحت الأنقاض.
بعد هذه الفاجعة أرسل الشاه سليمان مندوبين عنه من أصفهان لدراسة الخسائر الحاصلة وإجراء الإصلاحات اللازمة. فقاموا بترميم القبة المطهرة ودار السيادة عام (1086هـ) ومسجد كوهر شاد في عام (1089هـ) ومدرسة بريزاد في عام (1091هـ) ومدرسة دودر في عام (1088هـ) ومدرسة بالاسر عام (1091هـ) ومدرسة باتين با عام (1087هـ).
الأفشاريون:
خلال هذا العهد، وخاصة في عهد (نادر شاه أفشار) تمَّ تذهيب الإيوان العتيق (انقلاب) والمئذنة التي فوقه، وتذهيب مئذنة الإيوان الشمالي، وسقاية إسماعيل المذهبة في الصحن العتيق. لكن قام أحفاده من بعده بارتكاب الإهانات بحق ذلك المرقد المطهر.
نهب مجهورات الحرم من قبل:
نصر الله الميرزا ونادر ميرزا أفشار
في عام (1183هـ) كان حاكم خُراسان (شاهرخ بن رضا قلي ميرزا بن نادر شاه أفشار) فشن (أحمد شاه الدرّاني) هجوماً على مدينة مشهد، فواجهه ببسالة (نصر الله ميرزا بن شاهرخ) الذي كان ولي عهده، فهزمه، وأجبره على عقد صلح. هذا النصر حرك غروره فأصابته نوبة من جنون العظمة.
وفي عام (1190هـ) خوت خزانة أبيه، ولم يبقَ معه ما يدفعه لجنده، فوسوس له بعض الأخسّاء فقام بإزالة الذهب والفضة والمجوهرات عن قناديل الحرم والأبواب، وبيع بعضها، وضرب الباقي مسكوكات، ودفع أجور الجنود.
ثم خلعه أبوه (رضا قلي ميرزا) العهد (وأصبح) أخوه (نادر ميرزا) ولياً للعهد فقام هذا بالاعتداء على الأموال الموقوفة وغير الموقوفة في الحرم، حتى بلغ الأمر به إلى أن قلع الكاشي الملبس بالذهب عن القبة المطهرة، وضرب الذهب مسكوكات باسمه، وباع مجوهرات الحرم، وحتى سارية العلم التي كانت فوق القبة اقتلعها، وكذلك السجادة المذهبة التي كانت تساوي حينها سبعة آلاف تومان فقد أحرقها. ولم تردعه عن أعماله القبيحة الشنيعة نصائح الميرزا مهدي المجتهد متولي الآستانة الرضوية آنذاك. لكن الناس اعترضوا عليه، وجمعوا المسكوكات الجديدة من السوق وأعادوها للميرزا مهدي المجتهد ـ جد السادة الشهيديين في مشهد ـ ثم ثار الناس عليه، فاعتبر (نادر ميرزا) أن محرك الثورة هو الميرزا مهدي، فقلته عام (1218هـ).
عصر القاجاريين:
الإصلاحات والتغييرات التي حصلت في الآستانة المقدسة طوال عهود القاجاريين كانت:
بناء الصحن الجديد (أزادي) في جهة الشرق من الحرم بأمر (فتح علي شاه) وبمباشرة من ابنه (علي التقي ميرزا) والمعمار (الحاج آقاجان) صاحب السوق المعروف في مشهد.
بناء دار السعادة عام (1251هـ) بأمر (الله يارخان آصف الدولة).
تركيب رواق دار الضيافة عام (1320هـ).
لكن المؤسف أن الحرم المطهر تعرّض خلال هذه العهود إلى اعتداءات وهتك حرمات وإهانات من قبل المعتدين، وكان منها:
1 ـ غارة سالار: وهو (محمد حسن خان سالار بن الله يارخان أصف الدولة) في عام (1263هـ) أي قبل عام من انتهاء حكومة (محمد شاه القاجاري). استغل انتفاضة هرات، ورفع راية المعارضة في خُراسان، واحتل قلعة (كلات) بسرعة. وحكم خُراسان بشكل مستقل لعامين. وفي السنة الأخرى أمر بإذابة جميع القناديل والقطع والآثاث الذهبي الموجود في حرم الإمام الرضا عليه السلام، وضرب المسكوكات باسمه. ونهب الذهب والمجوهرات الموجودة على الباب المرصع بالذهب والجواهر التي قدمها (فتح علي شاه القاجاري) إلى الآستانة المقدسة شكراً لله على استيلائه على خُراسان.
وبعد انتهاء تلك الفتنة قام (حسام السلطنة) عم (ناصر الدين شاه) بإعادة تلبيس ذلك الباب بالذهب السميك، وزينه بحبات من الياقوت والزمرّد واللؤلؤ، وأعاده إلى مكانه. وعندما تغلب حسام السلطنة على (سالار) عام (1266هـ) لجأ سالار إلى الحرم المطهر، فدخل عليه الحرم الميرزا العسكري إمام جمعة مشهد ومن أقرباء الميرزا مهدي الشهيد، ومعه جماعة من العلماء ومتولي الروضة الرضوية، فوبخوه على ما ارتكبه من جسارة على الآستانة المقدسة، وطردوه من الروضة المنورة، فبقي وحيداً، فأمر به حسام السلطنة فأخذ مع أخيه محمد علي خان وابنه أصلان خان ) وقتلوا جزاءً لأفعالهم الشنيعة.
2 ـ قصف الحرم: وفي شهر محرم من العالم (1330هـ) وأثناء تولي (مرتضى قلي خان النائيني) قام (يوسف الهراتي) بإعلان معارضته للحركة الدستورية (المشروطة) وتلقى الدعم من الأجانب فجمع عدداً من الأراذل والأوباش حوله، وزرع الفوضى في المدينة.
وانتشر في خُراسان ـ وخاصة في مشهد ـ العديد من الجنود الروس مع كامل أسلحتهم، واتخذوا من القصر الحكومي مركزاً لهم. وكان تواجد الجنود الروس لدعم أي معارض لدعاة المشروطة وحكومتها. وقام كل من (السيد محمد طالب الحق يزدي) ابن عم (السيد ضياء الدين) رئيس وزراء انقلاب رضا خان. و(نائب علي أكبر) بمؤازرة (يوسف الهراتي) وشرعوا بالدعاية لحركتهم المضادة للمشروطة في الشوارع والأزقة، وبلغ بهم الأمر إلى إيذاء وتهديد المارة.
وكان يوسف الهراتي يطلق على نفسه لقب القائد، وبلغ قمة التهتك والانحلال. وكان (طالب الحق) بدوره يعتلي المنبر كل يوم، ويحذر أن (محمد علي شاه) قد دخل إيران، وأنه موجود في (جرجان) وأننا نرفض ابنه (أحمد شاه). وكان هدف الجنود الروس الأساسي هو التدخل المباشر بشؤون المدينة، ولهذا قدموا دعمهم للأشرار، فاتخذوا من المواجهة التي وقعت بين جنود الحكومة والأشرار ذريعة لهم للتدخل، ووضعوا عدة جنود روس أمام متجر أحد المواطنين الروس من أهالي (بادكوبه) بذريعة حمايته باعتباره روسياً. ولما رأى التجار والباعة ذلك أغلقوا الأسواق وأضربوا عن العمل.
وفي يوم السبت العاشر من شهر ربيع الثاني (1330هـ) أصدرت القنصلية الروسية في مشهد بياناً هددت فيه بقصف الناس وتفريقهم بالمدافع واستخدام القوات المسلحة إذا لم يخرج الأشرار والمتجاسرون من الصحن والحرم قبل المغرب بساعتين، ويعود التجار والباعة إلى أعمالهم.
ولم يمضِ وقت طويل حتى نظم الجنود المسلحون صفوفهم أمام المسجد الجامع والفندق، وفي المقابل قام الأشرار والمشاغبون بالتمركز بأسلحتهم فوق سطح المسجد والمآذن، ووقف زعيم الأشرار (طالب الحق) أمام الحرم المطهر. وكان الجنود الروس قد تجهزوا بمدافعهم للقصف من عدة جهات. وجاءت ساعة الصفر فارتفعت أصوات المدافع من كل جانب لترمي بقذائفها نحو القبة المطهرة وصحن الإمام الثامن عليه السلام، وكان هدفهم المعلن هو تفريق الأوباش، أما هدفهم الحقيقي فكان هدم القبة المباركة ونهب نفائس الحرم.
وتقدم بعضهم بالرشاشات والمدافع الخفيفة نحو الحرم، وقصفوا الحرم المطهر ومرقد الإمام. وامتلأت أجواء مدينة مشهد بأصوات المدافع والرصاص الذي يطلقه الجنود الروس، وارتفعت الأصوات المذعورة من البيوت. وقد أصابت القبة ثماني عشرة قذيفة تركت فجوات في القبة واخترقتها إلى داخل الحرم. وبعد ساعتين من القصف وإطلاق النار شن العسكريون الخيالة والمشاة الروس هجومهم على الحرم عند الغروب، فلجأ الزائرون والناس إلى داخل الحرم المطهر، وأغلقوا أبواب الحرم، فصعد بعض العسكريين الروس إلى سطح الحرم، وأخذوا يطلقون النار على الناس من الشرفات وشبابيك القبة والأروقة.
بينما دخل آخرون إلى دار السيادة، وأخذوا بإطلاق الرصاص من فتحات النافذة الفضية، وقام آخرون بإطلاق النار إلى داخل الحرم من فتحات النافذة الفولاذية للصحن العتيق (انقلاب). فاستشهد عدد كبير من الناس داخل الحرم المطهر، وجرح آخرون. فرفع متولي الآستانة الرضوية المقدسة (مرتضى قلي خان) قطعة قماش بيضاء علقها على خشبة، وطلب الأمان من القوات الروسية. ولما رأى القائد الروسي ذلك أمر بوقف إطلاق النار، وقام متولي الحرم وخدم الحرم والناس بجمع القتلى والجرحى، وبقي الحرم مدة أربعة أيام في احتلال القوات الروسية، فنهبوا منه أشياء ثمينة نادرة كثيرة، بينما قتل (يوسف الهراتي) و(طالب الحق) على يد الجنود الروس، ليلقوا جزاء جرائمهم.
بعد هذا الخراب الكبير في الحرم، عين السلطان حسين ميرزا نيّر الدولة محافظاً على خُراسان، وبدأ عام (1331هـ) بترميم ما تهدّم، وقدرت كلفة إعادة بناء القبة المطهرة حسب الوحدة النقدية الرائجة آنذاك أي القران الفضي، ثلاثون ألف تومان، دفع منها نيّر الدولة 10,000 تومان ودفع الميرزا محمد علي متولي الحرم الرضوي 20,000 تومان. وما زالت آثار عدة رصاصات موجودة في الإيوان الذهبي للصحن العتيق.
وقد نظم بهذه المناسبة ملك الشعراء بهار قصيدة بعنوان (مدفع الروس) أدرجت في ديوانه.
العهد البهلوي:
في عام 1928م جرت تغييرات أساسية في محيط ساحة الحرم الخارجية، فأوجدت ساحة حول الحرم نصف قطرها 180 متراً عن مركز القبة، وبعرض 30 متراً، ثم أضيف إليها مباني المتحف والمكتبة العامة وقاعة الاستقبالات. لكن لم يدم الأمر طويلاً حتى ارتكب اعتداء جديد بأمر من (رضا البهلوي) طال مسجد كوهر شاد.
حادثة مسجد كوهر شاد:
عام (1935م) قرر رضا بهلوي تغيير الزي ومنع النساء من الحجاب والستر. فاعترض عليه العلماء ومنهم علماء مشهد، ودعوا الناس إلى التجمع والتظاهر، وقام العلماء المعروفون من أمثال: الشيخ مهدي واعظ خُراسان، والشيخ عباس علي المحقق، والشيخ محمد تقي البهلول بإلقاء الكلمات من منابر مسجد كوهر شاد والصحن المطهر، وخاصة الشيخ بهلول بطل المعركة الذي كان يلقي الخطب المطولة الحماسية. وفي صباح يوم الجمعة العاشر من ربيع الثاني (1354هـ) (11/7/1935م) تدخل أفراد شرطة مشهد لتفريق الناس، وقاموا دون تردد بإطلاق النار على الناس داخل الصحن الجديد، فقتل العديد وجرح آخرون).
بعد هذا الاعتداء أقبل الناس من نواحي مشهد وهم يحملون أدواتهم الزراعية متوجهين نحو الحرم المطهر، وتجمعوا داخل الصحن ومسجد كوهر شاد. واستمر العلماء بخطبهم الاحتجاجية وخاصة الشيخ بهلول. وفي اليوم التالي السبت (12/7) كان الحرم كله ملتهباً بالناس وخاصة مسجد كوهر شاد. فقام محافظ خُراسان (باك روان) ورئيس الشرطة (العقيد نوائي) وقائد الفرقة (مطبوعي) بإصدار الأمر إلى القوات المسلحة بمحاصرة الحرم الرضوي ومسجد كوهر شاد بحجة المحافظة على المصارف (البنوك).
وخلال ذلك كان نائب التولية (الأسدي) قد دعا السيدين المجتهدين إلى مركز خفر الحرم ودار التولية بحجة أن جواب برقيتهم إلى رضا شاه قد وصل. وبعد منتصف الليل مباشرة لعلع رصاص بنادق العساكر، ووجه جلاوزة النظام البهلوي رصاصهم نحو الناس، وارتفعت أصوات استغاثة الناس (وامحمداه واعلياه) وكانت النتيجة المفجعة هي مقتل عدة ألوف من الناس، واعتقال (1500) شخص. ثم قام العسكر بنقل القتلى والجرحى بشاحنات ليلاً، ليدفنوهم في مقبرة جماعية في حفرة خارج المدينة. ثم تم غسل المسجد ليطلع صبح اليوم التالي دون أن يبقى من أثر للمجزرة.
توسيع الحرم:
في السابق كان هناك ممر ضيق بعرض 85 سم بين الضريح المطهر والضلع الغربي للحرم (صُفة جهة الرأس) وكان يسبب ازدحاماً وصعوبة لمرور الزائرين، وقد أعد مشروع عظيم لتوسيع الممر وذلك عام (1963م) حيث قرر مهندسو الآستانة الرضوية أن المشكلة لا تحل إلاّ بإلغاء جدار الضلع الغربي للحرم، وكانت سماكة الجدار المذكور 2,90 متراً، ويحمل قسماً من ثقل القبة.
ولإجراء هذا الأمر الهام كان لا بدّ من إيجاد دعامات فنية مطمئنة، لذا بدأت أعمال الحفر وصب الأسمنت ووضع القواعد والجسور المثبتة والتدعيم، وبعد إيجاد جسر إسمنتي فوق الضلع الغربي، تمّ هدم الجدار من تحت القبة، كل ذلك دون وقف زيارة الناس للحرم. وهكذا تمّ توسيع الممر جهة الرأس المبارك، وأضيف إليه مترين، وانتهى العمل منه عام (1965م).
اعتداء زبانية الشاه:
بتاريخ 20/11/1978م ـ (19/12/1398هـ) وخلال انطلاق الثورة الإسلامية بزعامة الإمام الخميني، تعرض الحرم الرضوي المطهر إلى حادثة مؤلمة. في تلك الأيام كان رجال (السافاك) ينفذون انتشاراً بين الناس والزائرين، ويرفعون التقارير عن تحركاتهم، وقد تعرف الناس عليهم وحاصروهم، وأدت محاصرتهم إلى مواجهة معهم، ثم اعتقالهم، لكن واحداً منهم تمكن من الهرب وكان مسلحاً بمسدس، فأخبر مسؤوليه بالأمر، فتوجه رجال السافاك المسلّحون إلى الصحن ليحاولوا إطلاق سراح زملائهم، فواجههم الناس، ولجأ بعض المجاهدين المطلوبين إلى داخل الحرم، فلاحقهم رجال السافاك، وبدؤوا بإطلاق الرصاص، فأصابت عدة رصاصات التوحيد خانة المباركة، ثم بدئ إطلاق الرصاص من جهة (خزانة أحذية) قبة (الله وردي خان) فتضرر بذلك عدة نقاط من أبواب الحرم وجدرانه، وأطلقت عدة قنابل مسيلة للدموع مما أدى إلى خوف الزائرين وإغماء بعضهم، وجرح أحدهم في ساقه.
وإثر تزاحم الزائرين وصراخهم واعتراضهم، فرّ رجال السافاك. وبعد قليل وجه محافظ خُراسان اعتذاراً للناس عما حصل عبر إذاعة مشهد، خشية تفاعل الأمر. وبالفعل كان لهذا العدوان ردود فعل بين أهالي مشهد.
وفي يوم (26/11/1978م) وبمناسبة ذكرى مرور أسبوع على ذلك الاعتداء الآثم أعلن علماء مشهد ذلك اليوم يوم حزن وحداد عام، وأغلقت المحال وعطلت الأعمال في مشهد، وسارت تظاهرات كبيرة في مشهد وفي سائر المدن.
عصر الجمهورية الإسلامية:
يمكننا أن نسمي هذا العصر بالعصر الذهبي للآستانة الرضوية المقدسة، ذلك لأنه خلال عقدين من عصر الجمهورية الإسلامية حفلت بالنشاطات الهامة، وما حصل خلالهما يفوق ما حصل خلال الاثني عشر قرناً الماضية، ولا يمكن إدراج كل ما حصل خلال هذه المقالة، بل أنه يحتاج إلى دراسة مستقلة، لذلك أكتفي بذكر بعض تلك الأعمال:
توسيع الحرم: من أوائل الأعمال التي انطلقت بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة كان توسيع الأقسام الأخرى من الحرم مثل: جهة (خلف الرأس)، جهة (مقابل الوجه)، جهة (الأقدام). وبعد إجراء هذا التوسيع تم تزيين الجدران بالكاشي والمرايا، وافتتحت التوسعة يوم (15/3/1981م) بحضور العلماء الأعلام، وتمّ خلال هذه التغييرات استبدال البوابة عند جهة الأقدام، وزيادة (1,70) متر في عرضه ليصبح العرض (3,70) متراً بدل مترين في السابق، فتح ثلاثة مداخل جهة الرأس المبارك وتوسيع المكان لتسهيل تشرف الزائرين، وليتمكنوا من رؤية المرقد الطاهر من دار الحفّاظ. والمهم في هذه العمليات هو تدعيم القبة الحالية لتصبح أكثر تحملاً للهزات الأرضية.
إعادة تذهيب الحرم المطهر: التلبيس الذهبي للقبة كان قد تآكل الذهب لقلّة سماكته، ومرور الزمان عليه، وتأثره بالعوامل الجوية، فتم استبدال الكاشي ولبّس بالذهب من جديد، ووضعت طبقة نحاسية حافظت تحت التلبيس الذهبي بسماكة تعادل أربعة أضعاف ما كانت عليه في السابق، واعتمدت طريقة (الإلكتروليت) في التلبيس، وثبتت فوق طبقة إسمنتية. فغطت مساحة 700 متر مربع من الكاشي المذهب. وفي وسط الكتابة التي تلف قاعدة القبة، وعند الجهة الشمالية تم تثبيت لوحة تاريخ تجديد التذهيب بعد انتصار الثورة الإسلامية. جاء فيها: (مع بدء القرن الخامس عشر للبعثة النبوية، ومع ذكرى انتصار الثورة الإسلامية العظيمة في إيران بقيادة القائد الأعظم الإمام الخميني تم تجديد تذهيب القبة المطهرة وترميمها في صفر المظفر عام 1400 هجري قمري).
وكما ذكرنا من قبل فإن النواة الأساسية للآستانة المباركة تعود إلى آخر القرن الهجري الثاني، وقد تعرضت خلال (13) قرناً إلى تخريب بسبب الحروب والاعتداءات، وتم توسيعها بشكل ملحوظ، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية. ومنها: رواق دار الولاية وصحن القدس بمساحة (2500) متر مربع، وإيوان تابع له بمساحة (150) متراً مربعاً، وسقاية صحية. صحن الجمهورية الإسلامية بمساحة (10,000) متر مربع، ومئذنتين عند البابين الشمالي والجنوبي كل واحدة بارتفاع (30) متراً، ومرقد الشيخ البهائي، والمكتبة الجديدة العامة، وجامعة العلوم الرضوية. كل هذه الأمور تمّ إضافتها للحرم، هذا إضافة إلى مشروع توسيع الميدان المحيط بالحرم والمعابر والأنفاق التحتية الذي ما زال جارياً.
انفجار قنبلة داخل الحرم الرضوي:
في العاشر من شهر محرم الحرام عام (1415هـ/ 1994م) وخلال عطلة دامت أربعة أيام هي: يوم الجمعة واليوم الثامن ويوم تاسوعاء ويوم عاشوراء. أتيحت الفرصة للزائرين بالتجمع لزيارة الإمام الرضا عليه السلام. ومع فجر يوم الاثنين، يوم العاشر من محرم المصادف (20/6/1994م) تقاطر الناس إلى الحرم المطهر في مسيرات عزاء ورثاء، إحياء لذكرى استشهاد سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الامام الحسين بن علي وأصحابه الأوفياء، فدخلوا زرافات إلى داخل الحرم، وقدموا آيات العزاء للإمام الرضا، واستمر سيل الناس والمراسم الحزينة حتى ملأت الساحات الست حول الحرم.
وخلال تلك العواطف الجياشة والازدحام الشديد دوى صوت انفجار رهيب عند الساعة 2,26 من بعد الظهر لمتفجرة كانت موضوعة عند جهة الرأس الشريف إلى جانب العمود، وقد أدى الانفجار إلى تحطيم زجاج الحرم وإطفاء المصابيح، فتزاحم الناس وارتفعت الآهات والنداءات (يا الله، يا محمداه، يا علياه، يا حسيناه) وعندما تكشفت الأمور تبيّن استشهاد (27) زائراً وجرح (290) آخرين، واستمرت حالة الهلع والدهشة داخل المدينة كلها حتى تم نقل أجساد الشهداء إلى البرادات، والجرحى إلى المستشفيات، ورفع الأنقاض والزجاج المحطم، وتطهير الحرم من الدماء والأشلاء. وتصاعدت اللعنات على هاتكي حرمة الإمام الرضا عليه السلام، وأعلن الحداد الرسمي في خُراسان ثلاثة أيام، وفي إيران كلها يوم واحد.
مجموعة الحرم الرضوي:
بعد استعراض تاريخ الحرم الرضوي وحوادثه المهمة بشكل مختصر، من المناسب جداً استعراض تاريخ مجموعة آثار وأبنية الحرم أيضاً:
الصندوق والضريح المطهر: استناداً إلى المصادر التاريخية يبدو أن أول صندوق وضع فوق المرقد المطهر عام (500هـ) ثم جدد خلال عهد السلطان محمد خوارزمشاه عام (600هـ). ولكن الأمر الأكيد هو أن الشاه طهماسب قد وضع صندوقاً سميكاً من الذهب فوق المرقد. وأن الصفائح المشبكة الذهبية للصندوق كانت تحوي سورة الدهر (الإنسان) وتتكون من (166) قطعة صغيرة وكبيرة، من الخط الثلث قد ثبتت على الصندوق. أما نص الكتابة المدرجة على لوح ذهبي كبير على الصندوق فهو: (بتوفيق من الله، وتأييد من الرسول والأئمة المعصومين عليهم السلام وفق طهماسب الصفوي بوضع هذا المحجر من الذهب في هذا الموضع السامي، وذلك سنة 957هـ).
وبعد عدة أعوام تآكل الصندوق، وتساقطت عنه القطع الذهبية، فوضع الصندوق الجديد المذهب في عهد الشاه عباس الصفوي، مع كتابات بالخط الثلث أو النستعليق شملت آية الكرسي والصلوات على المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، وأشعار فارسية. وقام (نادر شاه) بإهداء قطع ذهبية للصندوق وقنديل ذهبي كبير وقفل مرصع بالجواهر عن نذره لفتح الهند وتركستان، لكنها نهبت من قبل أحفاده (نادر ميرزا) و(نصر الله ميرزا) وضربوا بها مسكوكات باسميهما، ولما لم يرغب الناس التعامل بتلك المسكوكات، فقد جمعوها وسلموها للميرزا مهدي المجتهد سراً، ليعيدها إلى مكانها المناسب، كما مر.
وبعد إعادة تلك القطع إلى مكانها ثم نقل الصندوق إلى المتحف عام (1932م) ثم تم نقل الكتابات الذهبية التي خطها (علي رضا العباسي) مع القطع الذهبية بوزن (36000) مثقال، وفضة الآستانة الرضوية للضريح الثالث، تمّ نقلها كلها إلى طهران لتشكل دعماً للعملة الورقية. وبقيمتها تم شراء أملاك في (دركز) وقفت للآستانة الرضوية. بعد شهر آب (1941م) أعيدت الكتابات المذكورة إلى الآستانة.
ثم صنع صندوق بديل عن الصندوق الذي أخذ عام (1932م) وكان مركباً من إحدى عشرة قطعة من المرمر الليموني اللون من (شانديز) ووضع فوق رخام القبر، وأدرجت فوقه كتابات هي أشعار عربية، وأرخ بجملة (الرضا قبره جددا) أي عام (1972م). فأصبح الضريح متشكلاً من ثلاثة أضرحة متداخلة، فالضريح الصغير الداخلي من الخشب المنحوت والمرصع بأحجار الزبرجد والياقوت، وأعده أحد أحفاد (نادر شاه أفشار) عام (1160هـ). والضريح الأوسط من الفضة، والضريح الثالث وهو الأكثر قيمة والأدق هو الحالي الذي وضع عام 1959م وأعد تحت إشراف الأستاذ الفنان الحاج محمد تقي ذو فن الأصفهاني، وقد استغرق صنعه ثلاثين شهراً. وقد استعمل في صنعه (338488) مثقالاً من الفضة من عيار (90) وكمية (7052) مثقالاً من الذهب من عيار (18) وطنين من خشب الجوز الجاف، وطنين من الحديد. ارتفاعه 3,60 متراً، وطوله 4,50 متراً، وعرضه 3,06 متراً، وعليه (14) لوحة تحمل كل واحدة اسم أحد المعصومين بخط الثلث على لوح ذهبي مرصع بالفيروز، ووضع على كل واحدة من زواياه الأربع عنقود من الذهب، إضافة إلى أشغال ذهبية وزينة بالمنياء اللازوردية والوردية الملونة. وأرض الضريح من الرخام وسجاده يعود إلى عام (1238هـ).
رواق دار السيادة: بني بعد عام (821هـ) بأمر من السيدة (كوهر شاد آغا) بطول 32,86 متراً، وعرض متفاوت، وارتفاع 20,75 متراً.
رواق دار الحفاظ: بني بعد عام (821هـ) بأمر من السيدة (كوهر شاد آغا) بطول 18 متر، وعرض 8,65 متر.
رواق حاتم الخاني: بناه (حاتم بيك الأردوبادي) من سلالة نصير الطوسي، ومن وزراء الشاه عباس، وذلك عام (1010هـ) بطول 13,5 متراً، وعرض 7,30 متراً، وارتفاع 11,60 متراً.
قبة الله وردي خان: بنيت بأمر من الله وردي خان) أحد أمراء الشاه عباس، وذلك عام (1022هـ) بقياس 16,19 × 8,75 متراً، وارتفاع 11,20 متر. يدخل إليها من دار الضيافة، وكان عليها كتابة وتاريخ بنائها، لكنها أتلفت خلال تولي (باقر بير نيا) وصورها موجودة في الآستانة الرضوية.
رواق الفيض: وهو مسجد الرياض أو مسجد النساء، يحتمل أن بانيه هو الفيض الكاشاني المجتهد الذي عاصر الصفويين. وطول الرواق 15,59 متراً، وعرضه 5,9 متر، وارتفاعه 9,5 متراً.
رواق التوحيد خانه: يحتمل ان بانيه الفيض الكاشاني، ومساحته هي: 7,35 × 8,60 متراً، وارتفاعه 15 متراً.
دار الضيافة: بناها الميرزا شفيع اعتماد الدولة القزويني، وزير الآستانة الرضوية، وذلك عام (1031هـ) ومساحتها 10 × 15 متراً، وارتفاعها 15 متراً.
دار السرور: بنيت عام (1334هـ).
دار الشكر: بنيت عام (1965م) بمساحة 6,5 × 6,5 متر، وارتفاع 9,5 متراً.
دار العزّة: بنيت عام (1964م) بمساحة 3,12 × 11 متراً، وارتفاع 4,35 متراً.
دار الذكر: بنيت عام (1964م) بمساحة 6,5 × 12,82، وارتفاع 9 متر.
دار السلام: بنيت عام (1967م) بناها الدكتور السيد فخر الدين شادمان نائب التولية للآستانة آنذاك، بمساحة 22 × 10 متراً، وارتفاع 9,5 متراً.
دار السعادة: بناها الله يارخان أصف الدولة عام (1251هـ) بمساحة 14,90 × 12,80 متراً، وارتفاع 14,80 متر.
دار الشرف: بنيت عام (1386هـ).
دار الزهد: بنيت عام (1971 ـ 1973م) بمساحة 17,5 × 16 متراً، وارتفاع 5,90 متر.
دار العبادة: بنيت عام (1974م) بمساحة 12 × 16 متراً، وارتفاع 5,90 متر.
دار الإخلاص: تقع غرب الحرم المطهر، مقابل مسجد جهة الرأس، بين أروقة: دار السيادة ودار الشرق ودار الولاية.
دار الولاية: مساحتها (2305) متراً مربعاً، وهي أكبر دار ورواق في الحرم المطهر، وقد بنيت بعد انتصار الثورة الإسلامية.
رواق الشيخ البهائي: ويضم مرقد الشيخ البهائي العاملي.
دار الهداية: وتقع بين مدرسة البابين(البائين با؟) وصحن الجمهورية، بمساحة 837 متراً مربعاً، وقد بنيت بعد انتصار الثورة الإسلامية.
دار الرحمة: وهي الحادية والعشرين وآخر الأروقة، مساحتها 520 متراً مربعاً، تقع جنوب رواق دار الهداية، بين مركز الشيخ البهائي وصحن الجمهورية.
النقارخانه:
كان متعارفاً في الماضي أن يعلن من قصور السلاطين عن حادثة معينة أو خبر مهم بدق الطبول. وفي عام (860هـ) مرض ابن بايسنقر بن شاهرخ التيموري في هرات، فتوجه إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام طلباً للشفاء، واعتكف في الحرم المطهر. وقد أعلن خبر مجيئه بقرع الطبول، ومنذ ذلك الحين تقرع الطبول في الحرم قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، عدا أيام الحداد.
سقاية إسماعيل الذهبية:
وهي حوض للشرب والوضوء في وسط صحن الثورة أو الصحن العتيق، عليها كتابات ذهبية، منذ عهد (نادر شاه أفشار) لذلك يطلق عليها أحياناً اسم (السقاية النادرية) وحولها رخام مسدس الأضلاع أمر به (نادر شاه) ليحضر من مقاطعة هرات بأفغانستان، أما الأحجار الملبسة بالذهب والكتابة فقد أعدها فنان اسمه إسماعيل، اشتهرت السقاية باسمه.
صحون الحرم:
وهي ساحات مكشوفة كبيرة تستوعب الزائرين قبل وبعد تشرفهم بالزيارة، وتقام فيها صلوات الجماعة كل يوم، ومراسم العزاء خلال أيام الحداد. وهي ست ساحات أو صحون (مع مسجد كوهر شاد) وأربعة مراكز، ومساحتها مجتمعة 225553 متراً مربعاً، وهي كما يلي:
1 ـ الصحن العتيق أو صحن انقلاب (الثورة):
أسس في عهد السلطان حسين بايقرا، بأمر من وزيره العالم الأمير علي شير نوائي، وتمّ توسعته بأمر من الشاه عباس الصفوي. مساحته 104,5 × 44 متراً، يضم أربعة إيوانات، و48 غرفة أرضية وطابق أول. وإيواناته هي:
ـ الإيوان الذهبي: ويقع عند الجهة الجنوبية للصحن العتيق، بني عام (875 ـ 885هـ) بأمر من الأمير علي شيرنوائي، طوله 14,70 متر، وعرضه 7,80 متر وارتفاعه 21,5 متراً.
ـ الإيوان الغربي: ويسمى إيوان الساعة، ويقع في الجهة الغربية للصحن العتيق، وشرق مركز الشيخ الطوسي، ويتصل به. وفوق بابه ساعة كبيرة تشير إلى الوقت من جهاتها الأربع.
ـ الإيوان العباسي: ويقع في الجهة الشمالية للصحن العتيق، وبني بأمر من الشاه عباس، لذلك يسمى الإيوان العباسي أيضاً.
ـ إيوان النقارخانه: ويقع في الجهة الشرقية للصحن العتيق، وقد تشكل من إيوانين، مثله في ذلك مثل الإيوان الغربي. مدخله الخارجي مقابل مركز الشيخ الحرّ العاملي.
2 ـ الصحن الجديد أو صحن آزادي (الحرية)
وهو بناء جميل جداً، طوله 58 متراً وعرضه 54 متراً. بني في عهد (فتح علي شاه) ويضم 56 غرفة في طابقين أرضي وأول.
3 ـ صحن الإمام الخميني
يقع جنوب شرق الحرم المطهر بين مسجد كوهر شاد والمكتبة العامة القديمة والمتحف، ومساحته هي (7798) متراً مربعاً، وبدأ مشروع توسيعه لعدة أضعاف.
4 ـ مسجد كوهر شاد
وهو من أجل وأجمل مساجد إيران، بني عام (807 ـ 821هـ) بأمر من السيدة كوهر شاد زوجة السلطان شاهرخ التيموري.
5 ـ صحن القدس
مساحته (4472) متراً مربعاً، بني بعد انتصار الثورة الإسلامية، يقع جنوب مسجد كوهر شاد، ويتصل بمركز الشيخ البهائي وفي وسطه سقاية القدس الحديثة على شكل مسجد الصخرة في القدس.
6 ـ صحن الجمهورية الإسلامية
وقد أسس بعد انتصار الثورة الإسلامية في غرب الحرم المطهر بمساحة (17500) مترمربع، ويوجد في كل جهة من جهاته الأربع، إيوان كبير، بني على طريقة العمارة الإسلامية، وفي وسطه سقاية حديثة ذات ثمانية الأضلاع. وفيه ساعة شمسية مع شاخص تبين وقت الظهر الشرعي لجميع فصول السنة، تعلوه مئذنتان ارتفاع كل واحدة (30) متراً فوق الإيوان الشمالي والإيوان الجنوبي للصحن، تمّ تزيينهما وتذهيبهما.
إبراهيم زنكنه
مشهد منطلق لطريق الحرير الجديد
نقطة تحول حاسمة حدثت في 13 أيار (مايو) 1996 عندما اجتمع رؤساء 12 دولة و1500 مندوب عن 50 بلداً قرب الحدود بين إيران وتركمانستان للاحتفال بافتتاح خط سكك حديد مشهد ـ سرخس ـ تيجن (تيجان). يملأ هذا الخط الذي يبلغ طوله نحو 300 كيلومتر الحلقة المفقودة في الخط القاري الذي يمتد من الصين عبر الجمهوريات المستقلة الآن كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان إلى إيران وتركيا، ومن هناك عبر اسطنبول إلى جنوب أوروبا.
هذا الخط من الصين إلى أوروبا يمر بالضبط في الطريق الذي كان يسلكه طريق الحرير القديم. إكمال هذا الخط القصير حاسم لأنه حوّل إيران نفسها إلى مركز رئيسي في شبكة سكك الحديد النامية عبر قارتي آسيا وأوروبا.
طريق الحرير الذي يجسد المصالح المشتركة للأمم في التنمية كان الموضوع الثابت في احتفالات افتتاح خط «مشهد ـ تيجان» إذ أعلن في الاحتفال الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رافسنجاني: «اليوم نفتتح بالتعاون مع أصدقائنا في تركمانستان خط السكك الحديد الذي يجد طريق الحرير القديم المشهور كرمز لعلاقات الشرق والغرب … فهو يختصر المسافة الطويلة بين الموانئ الصينية والخليج الفارسي، وهو جسر بين المنطقة والعالم».
وقال الرئيس التركي سليمان ديميريل «إنها أسطورة تاريخية عادت إلى الحياة طريق الحرير لم يكن مجرد طريق بل يعني تجمع أمم عدة». وتحدث رئيس الوزراء الصيني لي بنغ الذي كان حاضراً أيضاً الاحتفال عن إنشاء «طريق الحرير للقرن 21».
هذا الافتتاح التاريخي لنقطة ارتباط «مشهد ـ تيجان» رافقه في فترة بضعة شهور طوفان من اتفاقات جديدة حول مشاريع تنمية وهياكل ارتكازية واتفاقات تجارية ثنائية ومتعددة الأطراف وتعاون اقتصادي عبر المنطقة كلها. وكانت زيارة رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان إلى إيران في آب (أغسطس) 1996، ذات أهمية استراتيجية عظمى، إذ أنها أول زيارة دولية لأربكان بعد توليه المسؤولية ووقع رئيس الوزراء التركي الذي رافقه وفد يضم 102 رجل اعمال سلسلة اتفاقات ثنائية فتحت وفق تعبيره «عصراً جديداً للعلاقات الإيرانية ـ التركية».
واتفقت أيضاً إيران وتركيا على بناء خط سكك حديد جديد من تبريز في إيران إلى المدينة التركية «فان» في الجانب الشرقي من بحيرة فان، من هناك يمر خط نقل رئيسي للمراكب يعبر البحيرة ويتصل بخط السكك الحديد التركي عبر أنقره واسطنبول ويقدم بذلك خطاً محسناً من إيران إلى أوروبا. وفي الوقت نفسه أعلن وزير الطرق والمواصلات الإيراني أكبر توركان أن خطوط كهرباء عالية القوة ستبنى لربط شبكات الطاقة الكهربائية لإيران وتركيا، ما يسمح بنقل الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية في إيران إلى تركيا. وأخيراً توصلت تركيا وإيران إلى اتفاق لتقديم خدمات خاصة للصادرات الإيرانية عبر الميناء البحري التركي طرابزون على البحر الأسود.
وتشير اتفاقات تطوير السكك الحديد والتفاهم المشترك بين إيران وتركيا بتشجيع من الصين وبعض الدول الأخرى إلى تحول بعيد المدى تماماً من المنافسة العدائية السابقة على النفوذ في وسط آسيا ومناطق أخرى باتجاه الاتفاق لصالح تعاون بعيد المدى. مشاريع كثيرة للنقل والطاقة مطروحة على الطاولة أو بدأ العمل فيها فعلاً، تمتد من إيران شرقاً إلى باكستان والهند وشمالاً عبر القفقاس وآسيا الوسطى إلى روسيا. المفهوم التالي المثير الذي قدمه وزير الخارجية الإيراني يوضح سياسة حكومته: «لا يمكن أن تكون لدينا بلاد آمنة في منطقة موبوءة بالاضطرابات ولا يمكن أن يكون لدينا بلد غني في منطقة يسودها الفقر».
والصين التي حذر نابليون بونابرت الغرب من استيقاظها استيقظت، وهي تمدّ الآن أولى خطواتها العملاقة عبر الكتلة البرية الآسيوية الأوروبية المترامية الأطراف ما بين المحيطات العالمية الثلاثة الهادي والهندي والأطلسي. سكك الحديد التي شرعت في بنائها تربط هونغ كونغ على بحر الصين بعبادان على الخليج الفارسي وشانغهاي على البحر الأصفر بروتردام على بحر الشمال. هذه السكك أجزاء من مشاريع قارية يطلق الصينيون عليها اسم «الجسر القاري الأوروآسيوي». جسر يتكون من أروقة ارتكازية سعة كل منها نحو 100 كلم تضم خطوط مواصلات واتصالات وأنابيب نقل الغاز وشبكات الطاقة الكهربائية عالية القوة ومنظومات الري وتجهيزات الماء.
تفاصيل المشروع الصيني العملاق الذي عقد حوله مؤتمر دولي في بكين العام الماضي تنشر لأول مرة في كتاب صدر بالإنكليزية في واشنطن عنوانه «الجسر البري الأور آسيوي».
طريق الحرير
يحمل الكتاب الذي شارك فيه باحثون أميركيون وصينيون وأوروبيون وعرب العنوان الفرعي: «طريق الحرير الجديد ـ قاطرة التطور الاقتصادي العالمي». ويستعيد الباحثون فيه تاريخ طريق الحرير القديم الذي كان يمتد من الصين عبر سيبيريا شمالاً، وباتجاه جنوب شرق آسيا وأندونيسيا والهند، وإلى الجنوب نحو آسيا الوسطى وفارس وبحر الخزر والمنطقة العربية والسواحل الشرقية لإفريقيا، وذكر محرر الكتاب الباحث الأميركي الدكتور جوناثان تننباوم» أن المدن التجارية التي نشأت في الماضي على امتداد طريق الحرير تشكل عقداً يضم جواهر حضارية بينها أسماء خالدة لمدن عصر النهضة الإسلامية، مثل بخارى وسمرقند. يرتبط في اعتقاد مؤلفي الكتاب مصير ثلاثة أرباع سكان العالم الذين يعيشون في الكتلة القارية الأوروآسيوية الجبارة بطريق الحرير.
أروقة ارتكازية
وذكر الباحث العراقي حسين النديم الذي ساهم في تأليف الكتاب أن إحياء طريق الحرير القديم يمثل حالياً رؤية استراتيجية للسياسة الخارجية في الصين. وهو بالنسبة للصينيين وللأمم التي تشاركهم فيه ليس مجرد أحلام وخطط على الورق، بل مشاريع أنفقت عليها الصين ودول أخرى بلايين الدولارات.
وخلال السنوات الأخيرة أكمل بناء «الحلقات المفقودة» التي تربط طريق الحرير الجديد الذي يمتد من بكين إلى روتردام.
وفي العام الحالي ينتهي العمل في أطول خط بري للألياف الضوئية يمتد عبر قارتي أوروبا وآسيا: جادة معلومات فائقة تربط الصين وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى والقفقاس وإيران وتركيا وأوكرانيا وبيلاروس وبولنده وهنغاريا وأقطار أوروبا الغربية. ويدعم الصينيون مالياً وتكنولوجياً مشاريع ربط آسيا وأوروبا عبر «أروقة ارتكازية» تبلغ سعتها نحو 100 كلم. تتكون هذه الأروقة الارتكازية من خطوط مواصلات واتصالات وأنابيب نقل الغاز وشبكات الطاقة الكهربائية عالية القوة ومنظومات الري وتجهيزات الماء. وتيسر في الأروقة الظروف الملائمة لكل أنواع الصناعة والتعدين والزراعة والإنشاءات المدنية. ولا تبعد أي منطقة أكثر من 50 كلم عن «العروق» الارتكازية الرئيسية لطريق الحرير الجديد الذي تتفرع منه فروع وشرايين في كل الاتجاهات.
نقل التكنولوجيا
إنشاء الأروقة يدشن في رأي مؤلفي الكتاب أعظم الفترات في بناء الهياكل الارتكازية وتوظيف الاستثمارات في التاريخ العالمي فتجربة نشر الهياكل الارتكازية التكنولوجية الحديثة على امتداد طريق الحرير الجديد وتشغيلها وصيانتها تدشن أضخم عملية نقل تكنولوجي شهده العالم. وتعمل هذه الأروقة الارتكازية حال تشغيلها كأحزمة لنشر التقدم العلمي والتكنولوجي عبر الكتلة القارية الأوروآسيوية.
بناء مئات المدن والمناطق الزراعية والصناعية على هذه المساحة التي تبلغ 6 ملايين كيلومتر مربع يقدم حقل تجارب وتنمية لكل أنواع التكنولوجيات الجديدة من القطارات التي تسير على مخدات كهرومغناطيسية إلى الطاقة النووية لتحلية مياه البحر.
ويسخر مؤلفو الكتاب من تجاهل الصحافة الغربية «طريق الحرير الجديد» الذي يبرهن على أن بلدان العالم الثالث تستطيع بالاعتماد على نفسها الانطلاق في القرن الحادي والعشرين. ويعوض طريق الحرير الجديد المنطقة الأوروآسيوية عن الدمار الذي ألحقتها بها الحرب الباردة طيلة 40 عاماً دمرت اقتصادات أقطار بكاملها في وسط وشرق أوروبا وبلدان آسيا الوسطى وأولدت كوارث دموية، مثل الحروب الكورية والفيتنامية والأفغانية وحروب الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وطريق الحرير الجديد، وفق اعتقاد الباحث الأميركي تننباوم هو الأمل الوحيد لتجنب انهيار الاقتصاد المالي العالمي الذي تمزقه المضاربات.
طريق الحرير الجديد يرتبط بالسكك الحديدية المنطقة العربية وأسيا وأوروبا
ما هو طريق الحرير؟
مرت دراسة مفصلة عنه في بحث (تركستان) ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
ليس طريق الحرير تسمية مجازية وإنما هي واقعية أطلقت على خط تجاري أنشئ قبل ألفي عام، ونقل عبره التجار النفائس بين الشرق والغرب. والطريق نفسه سار عليه غزاة وفاتحون، من الإسكندر الأكبر والفرس والرومان إلى جيوش الفتح الإسلامي وجحافل جنكيز خان وهولاكو وتيمور لنك، كما حمل دعاة ومبشرين يهود ومسيحيين ومسلمين وبوذيين وغيرهم، وعليه سار ابن بطوطة وماركو بولو. وكان طريق الحرير سبباً في ظهور مدن وانتعاش ممالك، وكان أيضاً سبباً في اختفاء أخرى، كما حدث لتدمر والبتراء اللتين ازدهرتا بمرور تجارة طريق الحرير فيهما، ثم طواهما النسيان بتغيير مساره بعيداً عنهما.
وهناك أشكال شتى للتجارة شهدها الطريق، كان أغربها ذلك النمط الذي عرف باسم «التجارة الصامتة»، إذ كان أحد الطرفين يترك بضاعته في مكان متفق عليه، ثم يأتي الطرف الآخر بما يريد مقايضته بتلك البضاعة ويغادر المكان، فإذا عاد الطرف الأول ورضي بما تركه الطرف الثاني مقابل بضاعته أخذه وانصرف، وإن لم يعجبه غادر المكان من دون أن يأخذ شيئاً، وهنا يعود الطرف الآخر ويزيد المقابل ويغادر المكان، فإن قبل الطرف الأول أخذ بضاعة الآخر وانصرف، وتستمر هذه العملية إلى أن تتم الصفقة، من دون أن يرى أحد الطرفين الآخر.
أمّا سر التسمية فيعود إلى أن الحرير كان يوماً أهم سلعة تنقل على هذا الطريق، خصوصاً أن الصين ظلت زمناً طويلاً تحتفظ بأسرار تربية دودة القز وصناعة الحرير، ما أشاع قدراً من الأساطير حول الحرير الذي تصور بعضهم أنه نبات، وقال بعضهم إن ثمة نوعاً من الحملان يزرع في الأرض ويؤخذ منه الحرير. وكان الغرب يعرف الصين باسم «سيريس»، وهو مشتق من الكلمة التي تعني الحرير بلغة آسيا الوسطى.
وإلى جانب آلاف البضائع التي نقلت عبر طريق الحرير، ربما كان الورق أهم ما نقل من الصين إلى دول أوروبية عدة، ما أحدث ثورة في عالم الثقافة والمعرفة. كما أن الصين نقلت عبر هذا الطريق أيضاً طرقاً للطباعة الخشبية قد تكون هي التي أوحت إلى غوتنبرغ فيما بعد اختراع الطباعة بالحروف المتحركة.
وكان ظهور الطرق البحرية سبباً رئيسياً في أفول نجم «طريق الحرير» وتضاؤل أهميته. ويرجح المؤلفان أن تكون مدينة «تشانج آن» الصينية هي المدينة الأولى التي انطلق منها المسافرون على طريق الحرير، إذ مثلت رأس جسر للطريق، وكانت المدينة الرئيسية للتجارة الغربية، كما ظلت لفترة طويلة المنفذ الذي تدخل منه الأفكار الجديدة والديانات.
ولم يكن الماء والطعام والعواصف الرملية المصاعب الوحيدة التي تواجه كل المسافرين على طريق الحرير، فما أن يعبروا سور الصين العظيم حتى يتعرضوا لخطر آخر وهو قطاع الطرق. وكانت جماعات اللصوص تغير على القوافل وتستولي على كل ما هو ثمين. وكانت الدواب تستخدم فقط لحمل المؤن، أمّا المسافرون فكانوا يقطعون الطريق سيراً على الأقدام. وكتب ماركو بولو عن الصعاب التي تواجه العابرين قائلاً: «تتكون هذه الصحراء كلها من تلال وأودية رملية ليس بها ما يؤكل، وبعد مسيرة يوم وليلة تجد ماءً عذباً قد يكفي لخمسين أو مائة شخص مع دوابهم. وعلى امتداد الصحراء قاطبة ستجد الماء بهذه الكيفية، ففي ما يقرب من ثمانية وعشرين موضوعاً ستجد ماء صالحاً للشرب وإنما بكميات ليست كبيرة.
كما أنك ستجد في أربعة مواضع أخرى ماء صالحاً بعض الشيء والحيوانات البرية لا وجود لها هناك، إذ لا يوجد ما تقتات عليه، وهذه الصحراء يرتبط بها شيء مثير للدهشة، وهو أنه إذا شدّ المسافرون الرحال ليلاً وتصادف أن تخلف أحدهم أو غلبه النعاس، فإنه عندما يحاول اللحاق برفاقه يسمع أرواحاً تتحدث فيتصور أنها أصحابه. وفي بعض الأحيان تناديه الأرواح باسمه، ولذلك فإنه غالباً ما يضل هذا المسافر ولا يهتدي إلى صحبه أبداً، وهناك العديد ممن هلكوا بهذه الكيفية (…)، ومن ثم اعتاد المسافرون أن يكونوا قريبين من بعض في مثل هذه الرحلة، وكل الدواب هي الاخرى معلق في رقابها أجراس كي لا تضل بسهولة، وعندما يحين موعد النوم توضع علامة تدل على اتجاه السير في المرحلة التالية، وهكذا يتم عبور الصحراء».
هذا الوصف الذي قدمه ماركو بولو، يعني أن استخدام هذا الطريق لم يكن أمراً هيناً، كما أنه من غير المحتمل أن يسلكه من لم يتعوده. لذا كان المسافرون على طريق الحرير حريصين على استئجار قادة القوافل والمرشدين ذوي الخبرة بالطريق.
وبطبيعة الحال، وهذا ما نجده في النص الذي كتبه ماركو بولو نفسه، فإن خيطاً من واقع وآخر من خيال، لا بد أن ينسجا ما روي من حكايات عن هذا الطريق، فهو يمر ببلاد عشقت الأسطورة والميتافيزيقيا، وتفننت في الحكايا والأساطير، وقد غذى هذا الميل، اللقاء المباشر عبر التجارة وتبادل السلع والبضائع. ومن الحكايات التي تختلط فيها الأسطورة بالواقع «رحلات الأمبراطور مو» التي تضمنتها مجموعة تسمى «حوليات البامبو» كُتبت في القرن الثالث قبل الميلاد. وتقول الحكاية إن الإمبراطور «مو» بدأ رحلته من ممر «يو» وهو بوابة اليشب التي تميزت بها حدود الصين الغربية لآلاف السنين، ووجد الأمبراطور على السهول الواقعة خلف الحدود أناساً مثله من نسل «هوتسوغ» إله نهر هوانج، ولقي «مو» ترحيباً من الملوك المحليين الذين قدموا له جلود عشرة فهود و26 جواداً كهدية، ثم لقي آخرين من نسله أثناء تقدمه غرباً قدموا له المزيد من الهدايا ومنها «باتي» وهي حلة مستديرة من اليشب يتوسطها ثقب، كانت تستخدم رمزاً للمناصب الحكومية «…».
وتمضي الحكاية الأسطورية تروي مغامرات الأمبراطور في اتجاه «الغرب الموحش» حيث يلتقي هناك الأم الملكية الغربية التي يرى باحثون أنها بلقيس ملكة سبا، ويدور بينهما مُغنّى أثناء تناولهما الطعام على بركة الزمرد، تغني بلقيس:
تبدو الجبال والتلال
كأنها سحب تصعد للسماء
وعلى امتداد الأرض تتناثر بلادنا
تفصلها البحار وسلاسل الجبال
إذا قدر لك طول العمر
فلتأت مرة أخرى
ويرد عليها الأمبراطور «مو»:
عندما أعود إلى الشرق
حاملاً للملايين النظام والسلام
وعندما يتمتعون بالرفاهية وسعة العيش
سأعود إليك
أحسبي ثلاث سنوات من الآن
أعود بعدها إلى هذه البلاد
وعندما عاد الأمبراطور إلى بلاده نظم في المملكة الغربية قصيدة أخرى يقول فيها:
في ذلك الغرب الأقصى
تبسط حكمها على السهل
شديد الاتساع
تصاحبها النمور والفهود
وتنام مع الغربان.
وفي ما يتعلق بالحرير، وهو الاكتشاف الذي وصم الطريق به، فلم تحرمه الأسطورة حقه، إذ عُرف أن الفضل في اكتشاف الحرير يعود إلى «ليه تزو» كبرى زوجات الأمبراطور، التي كرمها الصينيون بمنحها لقب «سيدة دودة القز». وتقول الأسطورة إن «ليه» كانت تسير تحت شجرة توت في بستانها، وتصادف أنها التقطت شرنقة بيضاء من الأوراق، وبينما هي تلهو بها سقطت في كوب الشاي أمامها، ووجدت «ليه» أن بإمكانها سحب خيط أبيض طويل منها، وهكذا أمكن اكتشاف الحرير من دودة القز. ويمضي الكتاب سارداً سيرة طريق الحرير الذي تحول من طريق للتجارة والاكتشاف إلى ميدان للحروب والغزوات، سلكته كل الجيوش من الفرس والرومان والتتار والمقدونيين وغيرهم. ويروي المؤلفان قصة صراعات عدة شهدها الطريق، أثرت في حركة التجارة وتبادل السلع. لكن طريق الحرير شهد فترة من الازدهار الحقيقي في عهد السيطرة المغولية. ولم يأت هذا السلام المغولي بسهولة، بل اضطر المغول لانتخاب خان أعظم جديد. ولم يكن الأمر هيناً، إذ أدت التوترات العائلية التي ازدادت في كثير من الأحيان بسبب الانتماءات الدينية المتعارضة، إلى اقتتال الورثة الخصوم لمدة أربع سنوات، وفي النهاية فاز قوبلاي حاكم الصين المغولية، وفي عهده كثر تردد الأوروبيين على طريق الحرير حيث أصبح السفر روتينياً، واستمر السلام المغولي قرناً من 1260 إلى 1368، ما شجع التجار الغربيين على الذهاب إلى آسيا الوسطى.
ومنذ الحملة الصليبية الأولى في أواخر القرن الحادي عشر، أقامت المدن الواقعة على البحر المتوسط مثل البندقية وجنوى وبيزا تجارة مزدهرة في البضائع الشرقية. وما أن قامت الإمارات الصليبية، حتى تولت تلك الدول نقل الحجاج والفرسان إلى الأراضي المقدسة. وتكوّن لدى هؤلاء الحجاج والفرسان تذوق للسلع الشرقية من خلال التجارة، لكن الحروب المستمرة بين المسلمين والمسيحيين، جعلت ذلك الطريق غير مضمون، الأمر الذي دفع تجار البحر المتوسط إلى فتح طرق إلى الشرق عبر البحر الأسود، فأقاموا عليه محطات تجارية.
أما نهاية «طريق الحرير» العظيم، فقد بدأت مع سقوط القسطنطينية في يد الأتراك العام 1453. وهكذا تلاشى الطريق الذي بلغ طوله خمسة آلاف ميل.
وبسبب الرسوم الباهظة التي فرضت على الأوروبيين لقاء ما يحصلون عليه من نفائس، ومع المهارة التي اكتسبها الأوروبيون في الأبحار والمحيطات، تراجع أي أمل في إعاة الحياة إلى «طريق الحرير» … وغابت القرون التي كان فيها طريق الاتصال الرئيسي بين الصين وعالم البحر المتوسط، أي بين الشرق والغرب.
في دراسة طريق الحرير
في إطار البرنامج الذي تنظمه الأونسكو لدراسة طرق الحرير، قامت بعثة فرنسية ـ منغولية برحلة ذات طابع علمي لاكتشاف بلاد منغوليا في جوانبها المختلفة، خصوصاً أنها كانت من المناطق الأساسية التي تمر بها هذه الطرق.
وثمة أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذا المجال، ومنها: ما الذي حل اليوم بأحفاد جنكيز خان الذي أسس قديماً واحدة من أكبر إمبراطوريات التاريخ؟ كيف يعيش اليوم هؤلاء؟ ما هي علاقتهم بماضيهم وما هو مدى ارتباطهم بالحاضر؟ هنا لقاء مع الفرنسي بيار لوتونغ أحد أعضاء البعثة التي أتينا على ذكرها، وهو يقدم لنا شهادة حية تكشف عن تجربة ميدانية عاشها بنفسه:
ـ غيوم دو روبروك هو راهب فرنسيسكاني عاش في مرحلة الغزوات الصليبية والمغولية للشرق الإسلامي وألف كتاباً مهماً عن رحلته إلى منغوليا. وكان انتصار المغول في حملاتهم العسكرية وسيطرتهم على جزء مهم من العالم الإسلامي قد جعل عدد من الأوروبيين يفكرون بضرورة عقد محالفات بين الصليبيين والمغول، وبإرسال عدد من المبعوثين إلى الأمراء المغول لإقناعهم باعتناق الدين المسيحي. في هذا الإطار يمكن فهم رحلة الراهب غيوم دو روبروك إلى منغوليا. وهو رغم لقائه بالقديس لويس، ملك فرنسا وأحد قادة الحملات الصليبية، لم تكن له أي صفة رسمية. من هنا رفض الأمراء المغول النقاش معه عند لقائهم به.
وتعود أهمية هذا الراهب إلى النص الذي كتبه باللاتينية عن رحلته التي استمرت من العام 1253 إلى العام 1255 وقد صدر مترجماً إلى الفرنسية عام 1985 تحت عنوان «رحلة في الأمبراطورية المغولية». ودفعتني قراءة هذا النص وأهميته التاريخية إلى التفكير بتأليف بعثة تقتفي أثره، وأدركت أعمال هذه البعثة في إطار الدراسات التي تقوم بها الأونسكو لدراسة طرق الحرير.
ـ ثمة مزايا عديدة لهذا النص أولها الوصف الموضوعي والدقيق الذي يقدمه للحياة المغولية والذي ما زال حياً ويتطابق في خطوطه العريضة مع العادات والتقاليد التي ما زال يتبناها المغول حتى اليوم. وبعكس معظم الغربيين الذين زاروا منغوليا ووصفوا أهلها بالوحوش والبرابرة، فإن غيوم دو روبروك لم يوجه انتقادات قاسية لهؤلاء بل تعاطف معهم.
وهناك أيضاً جوانب تاريخية في نصه، منها مثلاً وصفه لمدينة فرافوروم التي أسسها ابن جنكيز خان وجعلها عاصمة الأمبراطورية المغولية، وبالإمكان القول إن هذا الوصف هو الشهادة التاريخية الوحيدة التي وصلت إلينا حولها. انطلاقاً من ذلك انطلقت فكرة تأسيس البعثة العلمية وإعادة اكتشاف منغوليا.
ـ بالنسبة للفريق الفرنسي، ضم 12 شخصاً منهم مترجم نص «رحلة في الأمبراطورية المغولية» والمصور رولون ميشو الذي يتمتع بشهرة عالمية، إضافة إلى مجموعة من المتخصصين بالحضارة الصينية والآسيوية وخبير بالأحصنة لأننا قمنا بالجزء الأكبر من الرحلة ونحن نمتطي الأحصنة.
وكنا في البداية قد اتصلنا بالسفارة المغولية في باريس التي وافقت على المشروع، وعرضناه بعد ذلك على الأونسكو التي أدرجته في إطار الدراسات التي تجريها عن أسس طرق الحرير، وقد وصلت البعثة إلى منغوليا في شهر آب (أغسطس) عام 1990، وعقدنا في العاصمة «أولون باطور» مؤتمراً صحافياً، ثم ذهبنا إلى قرية تدعى بولغان وكانت تنتظرنا الأحصنة ومجموعة من الخيم المصنوعة وفق التصاميم القديمة للخيم المغولية. انطلقنا إلى فرافوروم التي كانت عاصمة الأمبراطورية المغولية، وكان علينا أن نعبر سلسلة جبال الآلتاي وهي جبال مرتفعة تقع في آسيا الوسطى.
ـ تمتد جمهورية منغوليا على مساحات شاسعة (ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا) غير أن سكانها لا يتجاوزون المليوني نسمة، بينهم 600 ألف يقيمون في العاصمة والباقون موزعون في الأرياف يتألفون من البدو الرحل الذين لا زالوا يعيشون كما في زمن جنكيز خان.
ـ يعيشون من الرعي وتربية المواشي والخيول. يتنقلون من مكان إلى آخر ويسكنون في خيام مستديرة تدعى «يورث» وكنا نلتقي بهؤلاء البدو خلال عبورنا للسهوب والجبال المغولية. كانوا يسرعون إلينا مندهشين بوجود غرباء في مثل هذه الأماكن.
يتميز هؤلاء البدو بطيبتهم الكبيرة، وببساطتهم التي تصل أحياناً إلى حدود السذاجة لكن الأعضاء المغول في البعثة لم يشجعونا على الاتصال بهم حتى لا ندرك حال الفقر التي يعيشون بها، وهم بذلك عبّروا عن عدم استيعابهم لأهداف البعثة وعن جهل بطبيعة مهمتنا. وفي الواقع، يتسم فقر هؤلاء بالنبل وبالتقشف. على كل حال تلك كانت أحد العوامل التي جعلت التعامل معهم أمراً صعباً.
ـ لقد أعدنا من خلالها اكتشاف التاريخ المغولي وأدركنا، بالتالي، أن نمط الحياة المغولية في السهوب لم يتغير، وهو ما زال تقريباً كما كان عليه أيام رحلة الراهب غيوم دور روبروك في القرن الثالث عشر. صحيح أننا اليوم نشاهد بعض الأجهزة الحديثة مثل الراديو والتلفزيون داخل الخيم، لكن أسلوب الحياة ما زال هو نفسه، وهذا ما ينطبق ايضاً على الأزياء والطعام وطريقة صناعة الخيم.
ـ بعد إلغاء النظام الشيوعي، يقوم المغول بقراءة جديدة لماضيهم ويعيدون إلى الواجهة مظاهر من ثقافتهم كانت تعتبر منذ أمد قصير رجعية ومعيقة لتقدمهم. نراهم يرجعون إلى كتابتهم القديمة وأزيائهم التقليدية، كما يعودون إلى الديانة البوذية ويتعاملون مع شخصية جنكيز خان كبطل قومي.
طريق الحرير الجديد
السعر المنصف للنفط، في تقدير وزير نفط عربي سابق هو ما يمكن أن نحصل عليه زائداً عشرة في المائة. هذا قليل بالمقارنة مع قيمة النفط في أكبر مشروع اقتصادي لإعمار العالم. يهدف المشروع إلى إحياء طريق الحرير الذي كان يربط القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا ويشكل شريان التجارة الدولية في العالم القديم. وعلى غرار مدن القوافل والمراكز التجارية تنتشر مشاريع طريق الحرير الجديد على امتداد الكتلة البرية بين المحيطات الثلاثة الهادي والهندي والأطلسي: شبكات سكك حديد عائمة على مخدات مغناطيسية وحوّامات برمائية وأنفاق تحت البحار وغير الجبال وخطوط الألياف الضوئية للاتصالات، وجادة المعلومات السريعة والهياكل الارتكازية للمجمعات التجارية والزراعية والصناعية.
ويمثل الجزء الذي يربط العالم العربي وبلدان شرق آسيا قلب الطاقة المحرّكة لطريق الحرير الجديد. ذكر ذلك روي هينغوين رئيس «لجنة تطوير الجسر القاري الأوروآسيوي الجديد». وأوضح المسؤول الصيني في كتاب صادر بالإنكليزية، عنوانه «الجسر البري الأوروآسيوي» أن سد نهر اليانغتسي الذي يعتبر أكبر سد في العالم هو واحد من مشاريع طريق الحرير الجديد.
حملة الانتقادات التي تشنها حركات البيئة والصحافة الغربية على السد الذي احتفلت الصين بانتهاء المرحلة الأولى منه تعكس ردود أفعال سطحية. على الضد من ذلك ردود الأفعال «العميقة» التي تبدو في توظيف ترليونات الدولارات في مشاريع تجتذب نجوم جماعة الضغط البترولية الأميركية.
وفي الحديث عن مشاريع طريق الحرير التي ستعيد إعمار العالم يصعب تمييز الحقائق عن الأوهام المقصورة. يظهر ذلك بالأخص في المشاريع المتصلة بإنتاج الطاقة. تقدر الصحافة البريطانية حجم الأموال التي تصب في مشاريع النفط في جمهورية أذربيجان وحدها بأربعة ترليونات دولار. رقم ترليون يمثل العدد الواحد وإلى جانبه 12 صفراً. ويمكن التعرف على حجم هذا الرقم «الخيالي» في الزحف المتجه إلى هذه الجمهورية الإسلامية على بحر الخزر.
قائمة جماعات الضغط الأميركية وحدها تضم ألمع نجوم السياسة، مثل جيمس بيكر، سكرتير الدولة السابق في الولايات المتحدة، وجون سنونو رئيس موظفي البيت الأبيض السابق واثنين من مستشاري الأمن السابقين، هما برنت سكور كوفت وزبيغني بريجنسكي، وسكرتير الخزانة السابق للرئيس كلنتون لويد بنتستاين.
ويعتقد السياسي والمفكر الاقتصادي الأميركي ليندون لاروش أن مشاريع إحياء طريق الحرير يمكن أن تنقذ الاقتصاد العالمي الذي يواجه في رأيه الانهيار. ويقدم طريق الحرير الجديد في رأيه فرصاً لا مثيل لها للاستثمارات الصناعية في أوروبا، خاصة في ميدان صناعة الآلات شبه الميتة. فهذا الطريق يربط أكبر تجمعات سكانية وصناعية وزراعية تمتد بين المحيطات الثلاثة: من سواحل المحيط الهادي في الصين إلى شمال إفريقيا على الأطلسي، ومن جنوب شرقي آسيا إلى شبه الجزيرة العربية على المحيط الهندي. مناطق بكر تتعطش للاستثمارات والتكنولوجيات على امتداد هذا الطريق الذي كان يشكل عصب أعظم حضارات العالم القديم.
ويمكن أن يطور الجسر القاري البري أعماق البلدان العربية والآسيوية التي أهملت خلال عصور الأنهار والبحار. ويعتقد المفكر الأميركي الراديكالي المشهور بآرائه المعادية لبريطانيا أنها دمرت كل محاولات إحياء طريق الحرير، وذلك للحفاظ على سيادتها البحرية على العالم. ويرى لندون لاروش الذي نشر كتاباً حافلاً عن السد أن جميع مشاكل القرن العشرين سببها الصراع على بناء طريق الحرير، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وألمانيا التي كانت شرعت آنذاك في بناء سكك حديد تربط أوروبا والمنطقة العربية من برلين إلى بغداد والحجاز. وأفلحت بريطانيا في القضاء كلية على المشاريع الكبرى لإقامة شبكات سكك حديد واتصالات تربط القارات الثلاث. وبعد مرور نحو ثلاثة أرباع قرن على الحرب العالمية الأولى ونصف قرن على الحرب الثانية أعلنت صحيفة «تايمز» البريطانية ابتهاجها لتدمير آخر خطوط سكك حديد برلين بغداد خلال حرب الخليج عام 1991!
يطلق الصينيون على طريق الحرير الجديد اسم «الجسر القاري الأوروآسيوي الجديد». ويذكر روي هينغوين أن السد الذي أقامته الصين على نهر اليانغتسي يقدم صورة عن حجم مشاريع الجسر القاري، ويعادل السد الذي احتفلت الصين بانتهاء المرحلة الأولى من بنائه مرتين سد «إيتايبو» البرازيلي، الذي كان يعتبر أكبر سد في العالم. ويقطع السد نهر اليانغتسي، وهو ثالث أكبر نهر في العالم بعد النيل والأمازون. يبلغ طول السد أكثر من كيلومترين وارتفعه 610 أقدام وتبلغ كلفته 15 بليون دولار، وسيقيم عند الانتهاء منه عام 2009 كتلة برية تعادل أربع مرات جزيرة هونغ كونغ، ويولد طاقة كهربائية تعادل 18 محطة نووية.
يحقق سد اليانغتسي الذي طرح مشروعه الزعيم الصيني صن يات سن عام 1911 الحلم القومي للبلاد. وفي عام 1956 كتب الزعيم ماو تسي تونغ، وهو يسبح في نهر اليانغتسي قصيدة عن السد الذي «سيوقف الغيوم ويجمّع الأمطار»! وخضع مشروع سد يانغتسي طوال العقد الماضي لنقاشات ساهم فيها أكبر عدد من المثقفين منذ الثورة الثقافية. لكن بناءه يواجه الآن حملة قوية تشنها الصحافة وحركات البيئة الغربية. صحيفة «غادريان» اعتبرته «خطأً فادحاً ومقامرة خطيرة». وقالت الصحيفة البريطانية إنه سيؤدي إلى تهجير أكثر من مليون شخص ستغمر مياه السد أراضيهم. إلا أن الباحث الألماني الدكتور جوناثان تننباوم اعتبر الانتقادات الموجهة ضد سد اليانغتسي قمة النفاق الغربي الصادر عمن يسميهم «جماعات البيئة للبنك الدولي» و«غرين بيس» (السلام الأخضر).
وأورد تننباوم، الذي أشرف على تحرير كتاب «الجسر البري الأوروآسيوي» معلومات تبين أن السد يضع حداً لفيضانات نهر اليانغتسي المدمرة، آخر فيضان للنهر قبل سنتين أتلف 33 مليون هكتار من الأراضي الزراعية وقتل 1000 شخص ودمر 800 ألف منزل وشرّد نحو 3 ملايين شخص.
**( اعادة طبع لما ورد على الشكل-الصورة اعلاه). يربط الجسر القاري العربي الإسلامي أكبر تجمع سكاني وصناعي وزراعي في العالم، يمتد بين المحيطات الثلاثة: من سواحل المحيط الهادي في الصين إلى موانئ شمال أوروبا وشمال أفريقيا على الأطلسي، ومن جنوب شرق آسيا إلى شبه الجزيرة العربية على المحيط الهندي.
ويستعيد الجسر القاري طريق الحرير التاريخي الذي أهمل خلال عصور الأنهار والبحار ويقيم شبكات سكك حديد عائمة على مخدات مغناطيسية وحوّامات برمائية وأنفاقاً تحت البحار وعبر الجبال وخطوط الألياف الضوئية. وتمثل شبكات الاتصالات هياكل ارتكازية لمجمعات إنتاجية زراعية وصناعية عملاقة على امتداد طريق الحرير الجديد.
ويعيد الجسر القاري إحياء الطريق التجارية البرية في المنطقة العربية عبر خطوط قائمة أو قيد الإنشاء والتخطيط، مثل:
1 ـ اسطنبول ـ الموصل ـ بغداد ـ البصرة ـ الكويت.
2 ـ طهران ـ بغداد ـ عمان ـ غزة ـ الاسكندرية.
3 ـ بغداد ـ الكوفة ـ المدينة المنورة (طريق زبيدة).
4 ـ الاسكندرونة ـ حلب ـ دمشق ـ عمان ـ جدة ـ مكة ـ صنعاء.
5 ـ الاسكندرية ـ القاهرة ـ أسوان ـ الخرطوم.
6 ـ الاسكندرية ـ طرابلس ـ صفاقس ـ تونس ـ الجزائر ـ تطون ـ طنجة ـ الرباط ـ الدار البيضاء.
الجسر الإسلامي
ويقدم طريق الحرير الجديد فرصة «تاريخية» لاستعادة البلدان العربية امتدادها الثمين إلى الشرق، حيث يعيش أكبر تجمع سكاني إسلامي في العالم. ذكر ذلك الباحث العراقي حسين نديم الذي ساهم في تحرير كتاب «الجسر البري الأوروآسيوي». وقال السيد نديم إن إيران تعتبر أنشط الدول الإسلامية في الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية، حيث سارعت إلى بناء شبكات سكك حديد تربط أوروبا وشبه القارة الهندية وجنوب شرقي آسيا. ومدت إيران خط سكك حديد ما بين مدينة مشهد في الشمال الشرقي من إيران إلى سرخس وتاجان في تركمانستان. وفتح هذا الخط لإيران بوابة نحو أكبر شبكة حديد عابرة للقارات أقامتها الدولة السوفياتية السابقة.
عبر هذه الشبكة التي تربط آسيا وأوروبا أقامت إيران جسراً برياً يمتد من عبادان على الخليج حتى شنغهاي على المحيط الهادي، وروتردام على بحر الشمال والأطلسي. تساهم في الشبكة نفسها إيران وتركيا، اللتان (تعملان) لتحديث خط تبريز و«وان» جنوب شرقي الأناضول، الذي يمتد عبر اسطنبول وأنقره إلى برلين وفيينا وباريس ومدريد. وفي الاتجاه الجنوبي تبني إيران حالياً خط سكة حديد يربط الشبكة الإيرانية وباكستان. يمتد هذا الخط المزمع إنشاؤه من مدينة كرمان إلى زاهدان في الجنوب الشرقي عند الحدود مع باكستان.
وقال الباحث العراقي الذي يعمل في «معهد شيلر» في ألمانيا إن أكبر مشكلة تواجهها الدول النامية في مجال التجارة الداخلية والخارجية هي ضعف الهياكل الارتكازية التي تنقل منتجاتها إلى السوق الإقليمية أو العالمية. وتكشف نظرة فاحصة أن معظم خطوط السكك الحديد والطرق العامة في البلدان العربية يتركز حول الموانئ أو المنافذ الخارجية، دون التغلغل في أعماق البلد نفسه، أو المرور بدولة جارة. ويعتقد نديم أن هذا هو إرث الاستعمار الغربي الذي ركز اهتمامه على شفط ثروات البلدان العربية إلى الخارج. واستمر مفعول هذا الإرث الاستعماري لحد الآن في عزل المناطق الساحلية عن عمق البلدان والحيلولة دون أي اندماج للمواصلات على الصعيد الإقليمي بين الدول العربية.
صورة مخالفة تماماً يمكن أن تكتشفها نظرة خاطفة لخريطة شبكات المواصلات في أوروبا الغربية. هذه الشبكة الكثيفة للطرق وسكك الحديد وخطط الاتصالات هي الهياكل الارتكازية للتقدم الاقتصادي والصناعي للغرب. ويتساءل الباحث العراقي: كيف يمكن للبلدان العربية والإسلامية أن تطور علاقاتها الاقتصادية وتقيم المشاريع المشتركة من دون شبكات طرق وسكك حديد تربط بينها والعالم الخارجي؟ وكيف يحقق العرب نهضتهم الحضارية وهم يفتقرون إلى هياكل ارتكازية مشتركة؟
مشهد الحسين (عليه السلام) بحلب
عند مدخل مدينة حلب إلى اليمين، وعلى السفح الشرقي المطل على المدينة من الغرب يطالعك جبل الجوشن، وهو يحتضن مشهد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليه السلام. وهو يشرف على المدينة.
وقد شيّد هذا البناء في المكان الذي وضع عليه رأسه الشريف في إحدى مراحل نقله إلى يزيد بن معاوية بدمشق.
ولقد تعرَّض كثير من المؤرخين في حديثهم إلى بناء مشهد الإمام الحسين عليه السلام في أثناء حديثهم عن شيعة حلب أو عن الأمير سيف الدولة فأطنب بعضهم واختصر آخرون في وصف المكان وأهميته الدينية والاجتماعية، وفي الاحتفالات التي كانت تقام فيه. ولعل الشيخ كامل الغزي صاحب كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» ـ أكثر المؤرخين دقة وتفصيلاً في تاريخ البناء ووصفه، وفي كل ما له علاقة به وهو يروي ذلك عن يحيى بن أبي طي في تاريخه وعن بنائه يقول:
«وتولى عمارته الحاج أبو النصر بن الطباخ، وكان ذلك في أيام الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين. وكان الأمير محمود بن الختلو شحنة حلب فساعدهم في بنائه. ولما شرعوا في البناء جاء الحائط قصيراً فلم يرض بذلك الشيخ إبراهيم بن شداد، وعلاّه من ماله الخاص. وتعاضد الناس في البناء، فكان أهل كل حرفة يفرض على نفسه عمل يوم. وفرض أهل الأسواق عليهم دراهم تُصرف في المؤونة والكلف.
وبنى الإيوان الذي في صدره الحاج أبو غانم بن سويق من ماله، فجاء قصيراً فهدمه الرئيس صفي الدين طارو ابن علي النابلسي، ورفع بناءه وانتهت عمارته سنة 585هـ».
ويستطرد الغزي في عرضه لتاريخ البناء فيقول: «أنفق عليه صلاح الدين الأيوبي عشرة آلاف درهم، وأوقف له الملك الظاهر غازي عقارات بلغت وارداتها ستة آلاف درهم. وفوَّض تصريف أموره وإدارة أوقافه إلى نقيب الأشراف الإمام شمس الدين ابن أبي علي الحسين والقاضي شمس الدين ابن أبي علي الحسين والقاضي بهاء الدين ابن أبي محمد الحسن بن إبراهيم ابن الخشاب. وفي عهد الملك العزيز محمد (613 ـ 634هـ) استأذن القاضي بهاء الدين ابن الخشاب في بناء حرم إلى جانبه، وبيوت يأوي إليها طلبة العلم والمنقطعون للعبادة. وقبل إتمام هذا المشروع دخلت جيوش التتار مدينة حلب سنة 658هـ، ونهبوا جميع محتويات المشهد من سجاد وتحف وقناديل من الذهب والفضة، وحطَّموا كذلك أبوابه ونوافذه. وتوقف المشروع بعد ذلك إلى حين.
ولما ملك الظاهر بيبرس سنة 660هـ ـ كان يحب حلب ـ جدده ورمَّمه، وأعاد إليه نشاطه الديني والثقافي والاجتماعي. واستمر في أداء رسالته حتى سنة 1302هـ ـ 1885م. حيث أبدى السلطان عبد الحميد العثماني اهتماماً خاصاً به فجدَّد الجهة الشمالية من القبلية، وأهدى محرابه ستاراً حريرياً مزركشاً بآيات قرآنية. وجدَّد ترخيم أرض صحن المشهد، وفرش القبلية بالطنافس، ورتب له إماماً ومؤذناً وخادماً وموظفين يقرؤون كل يوم أجزاء شريفة من القرآن، والنفقة على ذلك كله من حساب أملاك السلطان بحلب. ولكن الإهمال اعترى المكان إثر الانقلاب الدستوري العثماني.
وفي 1312هـ ـ 1894م عاد الاهتمام به ثانية، فوضع فيه منبر خشبي جميل، وجرت فيه خطبة الجمعة والعيدين. واستمرت إقامة الشعائر فيه حتى الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918، حيث أبطلت فيه جميع الشعائر الدينية والاحتفالات بسبب تحويله إلى مستودع للذخيرة من قبل الأتراك الاتحاديين، مما سبَّب له الدمار الشامل عند انسحابهم من حلب يوم الجمعة 20 محرم 1337هـ ـ 12 تشرين الأول 1918 ويحدثنا الغزي كذلك عن هذا اليوم فيقول:
«هجم عليه جماعة من رعاع الناس وغوغائهم ونهبوا ما فيه من الذخائر والسلاح. وبينما كان بعض أولئك الغوغاء يعالج قنبلة لاستخراج ما فيها من البارود انفجرت وأتت على البارود المتجمع أمامه، وسرت فيه النار بأسرع من لمح البصر إلى غيرها من الأعتدة النارية، فانفجرت جميعها انفجار بركان عظيم، أحدث دوياً هائلاً كهزيم الرعد القاصف اهتزت له المدينة، وتحطم زجاج النوافذ فيها، وتطايرت أحجار البناء الضخمة في الهواء إلى مسافات بعيدة، وسقط بعضها على من فيه من الذعَّار والشطار فهلكوا عن آخرهم، ويقدر عددهم بثلاثين إنساناً تقريباً بات المكان بعدها مِزقاً محطمة وأطلالاً خاوية».
لم يكن وجود مشهد الإمام الحسين بحلب مقتصراً على الاحتفالات الدينية والمناسبات التاريخية، بل كان إلى جانب ذلك مركز إشعاع للعلم والمعرفة، يقصده الناس لينهلوا من موارد العلم الصافية ما يطفئ تعطشهم إلى العلم والمعرفة وكان يتردد عليه ويلتقي فيه أكثر من عالم لكل مقره ومحرابه، يتعبد فيه ويلقي دروسه على رواد العلم.
أمّا الاحتفالات التي كانت تقام فيه فأهمها احتفال يوم عاشوراء … وكان الناس يخرجون في هذا اليوم إلى المشهد حيث تقام وليمة حافلة يحضرها الوالي ومن دونه، فيتلى شيء من القرآن الكريم وصحيح البخاري وقصة المولد النبوي وتنشد مرثية ابن معتوق في سيدنا الحسين التي أولها:
هلّ المحرم فاستهل مكبرا
وانثر به درر الدموع على الثرى
ثم يأكل الجميع وينصرفون …. وفي اليوم السابع والعشرين من شهر رجب يخرج الناس إلى المشهد المتقدم ذكره، ويخرج الوالي ومن دونه، وتعطل الحكومة. فيسمعون فيه قصة الإسراء والمعراج ويُسقون الشراب ويطعمون الحلوى وينصرفون. وكانت النفقة في ذلك تُصرف بواسطة الخزينة السلطانية الخاصة التي تجبي غلات القرى الموقوفة عليه، وهي: أبو إلرويل وكفر هرارة ودلامة، ولما صارت هذه القرى مضبوطة للخزينة المالية كانت النفقة المذكورة تنفق من بيت المال.
وقد أحيط المشهد بأبنية وبساتين مشهورة كبستان الشريطي تجاه بابه، وفيه دولاب وغرَّاف وناعورة وعدَّان. وفي الجهة الجنوبية منه بستان الدبس، وشرقاً نهر قويق والجزيرة بالإضافة إلى الأبنية التي كانت على رأس جبل الجوشن أهمها عمارة عبد القادر بن طه بن عباس (الحلبي) أحد أعلام حلب المتوفى سنة 1338هـ ـ 1919م.
وكثيرون هم الذين كانوا يقدمون الهدايا والهبات للمشهد بدءاً من السلطان، وحتى عامة الناس. ويذكر الطباخ في الجزء الخامس من تاريخه أن نور الدين الصابوني المتوفى سنة 945هـ ـ 1538م كان يرسل إلى المشهد القناديل الفضية وغيرها. وهناك العديد من الأوقاف من قبل الملك الظاهر غازي ونور الدين محمود، ولأحمد بهاء الدين الزهراوي أوقاف للجامع الكبير ومشهد كربلاء ومشهد الحسين مؤرخ عام 1066هـ ـ 1655م.
وإلى الجنوب من المشهد يوجد مقبرة صغيرة مربعة الشكل هي مقبرة بني زهرة حيث دفن فيها أبو المكارم حمزة الإسحاقي الحسيني نقيب السادة الأشراف وأحفاده من بعده، وكذلك دفن جانب المشهد محمد بن علي المازندراني المعروف بابن شهر آشوب، وكذلك يحيى بن حميدة وأحمد بن منير الطرابلسي الشاعر.
إلى جانب آخرين منهم: عمر بن إبراهيم الرهاوي خطيب الجامع الأموي، ونصر الله الخلخالي الشافعي مدرس المدرسة العصرونية … الخ.
الكتابات
أول ما يطالعك من الكتابات كتابة المدخل وهي بالقلم الثلث ونصُّها:
1 ـ بسم الله الرحمن الرحيم عمّر مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب
2 ـ عليهما السلام في أيام دولة مولانا الملك الظاهر العالم العادل سلطان الإسلام
3 ـ والمسلمين سيد الملوك والسلاطين أبي المظفر الغازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب
4 ـ ناصر أمير المؤمنين في شهور سنة ست وتسعين
5- وخمسماية.
وفوق هذه الكتابة ثلاثة مقرنصات كتب عليها:
1 ـ اللهم صلَّ على سيدنا محمد وسلم
2 ـ ورضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
3 ـ ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
وعلى جانب المدخل من اليمين والشمال كتب بالخط الثلث ما يلي:
على اليمين: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صلِّ على محمد النبي وعلي الوصي والحسن المسموم والحسين الشهيد المظلوم وعلى زين العابدين ومحمد الباقر علم الدين وجعفر الصادق الأمين.
وعلى اليسار: وموسى الكاظم الوفي وعلي الطاهر الرضي ومحمد البر التقي وعلي الهادي النقي والحسن العسكري وصاحب الزمان الحجة المهدي. واغفر لمن سعى بهذا المشهد بنفسه ورأيه وماله.
وفي أعلى إيوان المشهد كتب بالخط الثلث في سطرين ما يلي:
1 ـ بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى والحسين الشهيد وعلي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق
2 ـ وموسى الكاظم وعلي الرضى وولده الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ومولانا محمد بن الحسن القائم بأمر الله تعالى.
وفوق المحراب:
صنعة أبي عبد الله وأبي الرجاء ابني يحيى الكتابي رحمهما الله.
هذا وقد ذكر المؤرخون وجود كتابة في صدر الإيوان لم نعثر عليها، وتنص على ذكر اسم المتبرع ببناء الإيوان واسمه أبو الفضل عيسى البزاز. إلاّ أننا وجدنا مؤخراً حجرة صغيرة كتب عليها بعد البسملة: «تبرع بعمل هذه العبد الفقير إلى الله تعالى أبو الحسن البزاز بن معالي التباري رحمه الله».
وقد يكون هو حجر الإيوان وأن الاسم الذي ذكره المؤرخون خطأ.
تجديد بناء المشهد
وفي أيامنا هذه يعاد بناء المشهد بإشراف الشيخ إبراهيم نصر الله أحد أفاضل رجال العلم العاملين الذي يرعى عدة أعمال خيرية هناك، ويقوم بالإرشاد والتوجيه الإسلامي.
المشهد الزينبي في ضاحية دمشق
مقام السيدة زينب في ضاحية دمشق
تقوم الروضة الزينبية في أرض منبسطة فيحاء في خراج قرية (راوية) جنوب شرقي مدينة دمشق وهي تعرف اليوم بقرية (قبر الست) وتبعد نحو سبعة كيلومترات عن مدخل دمشق.
إنَّ المشهد كائن في الجهة الغربية من القرية، وهو مؤلف من صحن واسع وحرم. وللصحن مدخلان غربي وشمالي فالغربي أمام سوق القرية وإليه تصل السيارات. والمدخلان يوصلان إلى الصحن ومنه إلى الحرم الذي يحتوي على الضريح، وأبعاد البناء الخارجية 90 × 90 متر وعلى يمين المدخل الغربي ويساره غرف للإدارة ـ والاستقبال وبعد اجتياز المدخل إلى الصحن الذي عرضه 18 متر في طرفه الغربي والشمالي غرف لمبيت الزائرين وهذه الغرف مبنية بتبرعات المحسنين الذي تقرأ أسماؤهم فوق أبوابها ويتقدم الغرف من الداخل رواق عرضه (4,5) متر مسقوف بالإسمنت المسلح المرتكز على أعمدة من الحجر البازلتي الأسود. وفي وسط الصحن الحرم وله باب ذو رتاج مصفح بالنحاس الأصفر المنقوش، وأمام الباب مصطبة بطول الجدار الغربي يعلوها رواق محمول على دعائم من الحجر البازلتي أيضاً وفي طرق الحرم من الناحية الغربية مأذنة متوسطة العلو مدورة ذات حجارة بيض جميلة حديثة التجديد. أمّا الحرم فمبني بالحجر والإسمنت المسلح والأرض مفروشة بالرخام الإيطالي الأبيض وفوقه قبة راكبة على ثمان دعائم ضخمة، ويحوي أيضاً 26 نافذة وله أربعة أبواب من جميع الجهات وزيّن داخل الحرم بثريات ذات الأنوار الساطعة.
والضريح تحت القبة يحيط به قفص جديد أبعاده 3,5 ـ 4,5 متراً وهو من طراز الدرابزون ذي الحلقات الصغيرة مصنوع من الفضة الخالصة بمنتهى الإتقان أهدته أسرة حبيب الباكستانية سنة 1954 وفي الداخل الصندوق الخشبي الموضوع كغطاء فوق قبر السيدة زينب وهو من خشب الأبنوس المقطع كالفسيفساء والمطعم بالعاج وأسلاك الذهب وهو من أروع التحف الفنية وأجملها، صنعه أكبر فنان في طهران وأهداه بعض وجهاء إيران. وقد جلب ووضع في مكانه سنة 1955 باحتفال كبير وقد أحيط بقفص من ألواح البلور.
وفي الطرف الغربي من المشهد مسجد حديث بني سنة 1955 بالحجر والإسمنت وهو مربع الشكل وأبعاده 20 × 20 متر ذو سقف حجري منور ومغطى بألواح البلور.
وقد كان العامل على قيام البناء في المشهد على ما هو عليه الآن من الفخامة بعد أن ظل قروناً عديدة على بساطته، هو أن السيد محسن الأمين خلال إقامته في دمشق وجّه رسائل إلى أشخاص معينين في مختلف المدن الإيرانية دعاهم فيها إلى التعاون لتشييد مقام يليق بالسيدة زينب عليها السلام، فلم تلبث أن وردت عليه مبالغ على عدة دفعات، فلما رأى هذه الاستجابة ألف لجنة خاصة تتلقى هي هذه التبرعات وتنظم أمورها وتباشر أعمال تجديد البناء. وهكذا استمر العمل واتسع بتوجيهه وإشرافه.
ضريح السيدة زينب في القاهرة
وقد كان قيام ما قام به مشجعاً على الاستمرار بعد وفاته. وهكذا وصل المقام إلى ما وصل إليه اليوم.
المشهد الزينبي في القاهرة
كان ضريح السيدة زينب يقع في الجهة البحرية من دار مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر من قبل يزيد بن معاوية، وكانت هذه الدار تشرف على الخليج وجماميز السعدية.
وبمرور السنين والعهود على هذه الدار، اندثر جزء كبير منها إلاّ ما كان من الضريح الطاهر، فإنه كان معظماً مقصوداً بالزيارة، وموضع تبجيل واحترام الخاصة والعامة من الناس، الذين كانوا يتعاهدونه بالتعمير والإصلاح وبناء كل ما يتصدع من جدرانه. وكان هذا المقام الكريم، من جملة المشاهد المعدودة التي يتناوب خدمتها أناس انقطعوا لهذا العمل الطيب الجليل، وكان يصرف عليهم من وجوه الخير ومن ريع الأعيان والممتلكات التي أوقفت على هذا الضريح الطاهر.
وفي زمن دولة أحمد بن طولون (254 ـ 293 هجرية أي 868 ـ 905 ميلادية) أجرى على هذا المشهد الطاهر، ما أجرى على المشاهد الأخرى من عمارة وترميم.
فلما جاءت الدولة الفاطمية (358 ـ 567 هجرية أي 969 ـ 1171 ميلادية)، كان أول من بنى عمارة جليلة عظيمة على هذا المشهد الطاهر من خلفاء الفاطميين، أبو تميم معد نزار بن المعز وذلك في سنة 369 هجرية.
وقد ذكر الرحالة الأديب، أبو عبد الله محمد الكوهيني الفارسي الأندلسي، أنه دخل القاهرة في 14 من المحرم سنة 396، وأنه دخل مشهد السيدة زينب بنت علي، فوجده داخل دار كبيرة وهو في طرفها البحري، يشرف على الخليج، قال: فنزلنا إليه مدردج، وعاينا الضريح، وشممنا منه رائحة طيبة، ورأينا بأعلاه قبة من الجص، وفي صدر الحجرة ثلاثة محاريب، وعلى كل ذلك نقوش في غاية الإتقان، ويعلو باب الحجرة زليخة قرأنا فيها بعد البسملة: «وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً»، هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين، أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت البتول، زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، صلوات الله تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين».
وفي أيام الحاكم بأمر الله، أمر بإثبات المساجد والمشاهد التي لا غلة لها ولا ريع، وأوقف عليها عدة ضياع وقيساريات([641]). وقد خص المشهد الزينبي بنصيب وافر من هذه الأوقاف، وما برح كذلك إلى أن زالت الدولة الفاطمية وزالت دولتها.
وظل هذا المقام الطاهر الذي يضم هذه البضعة الطاهرة، موضع عناية جميع الدول التي تعاقبت الحكم في مصر، كما قام عديد من أهل الفضل والعلم والولاية، يتناوبون خدمة هذا المسجد. ومن أجلّ هؤلاء قدراً وأعظمهم ذكراً، السيد العارف بالله محمد بن أبي المجد القرشي المعروف بسيدي محمد العتريسي المتوفى في أواخر القرن السابع الهجري، وهو شقيق القطب الكبير العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، صاحب المقام الكبير المشهور بمدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، وكذلك السيد العارف بالله سيدي محمد العيدروس المتوفى ليلة الثلاثاء ثاني عشر من المحرم سنة 1192 هجرية، وقد دفن كلاهما أمام المقام الزينبي الطاهر من الجهة البحرية.
وفي القرن السادس الهجري أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، أجرى الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري، أمير القاهرة ونقيب الإشراف الزينبيين بها وصاحب البساتين التي عرفت بمنشأة ابن ثعلب ومنشئ المدرسة الشريفية التي تعرف الآن بجامع العربي الجودرية بالقاهرة، عمارة وإصلاحاً على هذا المشهد الكبير.
وظلت تلك العمارة قائمة على هذا المشهد المبارك، إلى أن كان القرن العاشر الهجري، فاهتم الأمير علي باشا الوزير والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم الفاتح، بتعمير المشهد وتشييده، وجعل له مسجداً يتصل به، وكان ذلك في سنة 1956 هجرية.
وفي سنة 1174 هجرية، أعاد الأمير عبد الرحمن كتخدا القازدوغلي، بناء المسجد وتشييد أركانه، وأنشأ به ساقية وحوضاً للطهارة والوضوء، وبنى كذلك مقام سيدي محمد العتريس.
وفي سنة 1210 هجرية، جددت المقصورة الشريفة التي تحيط بالتابوت الطاهر المقام فوق القبر، وصنعت من النحاس الأصفر، ووضع فوق بابها لوحة نحاسية كتب عليها: «يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء مددك 1210»، وما زالت اللوحة على الضريح الشريف حتى اليوم.
وحدث في سنة 1212 هجرية أن تصدعت جدران المسجد، فانتدبت حكومة المماليك، عثمان بن المرادي لتجديده وإعادة بنائه، فابتدأ في هدمه وشرع في بنائه وارتفع بجدرانه وأقام أعمدته، إلاّ أن العمل ما لبث أن توقف بسبب الحملة الفرنسية على مصر. وبعد خروج الفرنسيين من البلاد، استؤنف العمل، إلا أنه لم يتم، فأكمل بعد ذلك يوسف باشا الوزير سنة 1216 هجرية وأرخ ذلك بأبيات من الشعر خطت على لوح من الرخام نصها:
نور بنت النبي زينب يعلو
مسجداً فيه قبرها والمزار
قد بناه الوزير صدر المعالي
يوسف وهو للعلى مختار
زاد إجلاله كما قلت وأرخ
مسجد مشرق به أنوار
(1216)
وبعد ذلك أصبح هذا المسجد محل رعاية حكام مصر من أسرة محمد علي، فظل التعمير والتجديد يدخلان عليه. ففي سنة 1270 هجرية، شرع الخديوي عباس باشا الأول في إصلاحه ووضع حجر الأساس، ولكن الموت عاجله. فقام الخديوي محمد سعيد باشا في سنة 1276 هجرية بإتمام ما بدأه سلفه، وأنشأ مقام العتريس والعيدروس، وكتب على باب المقام الزينبي هذا البيت من الشعر:
يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا
بنت الرسول لهذا القطر مصباح
كما كتب على باب الطهارة الأبيات التالية:
في ظل أيام السعيد محمد
رب الفخار مليك مصر الأفخم
من فائض الأوقاف أتحف زينبا
عون الورى بنت النبي الأكرم
من يأت ينوي للوضوء مؤرخاً
يسعد فإن وضوءه من زمزم
(1276)
وفي سنة 1291 هجرية أمر الخديوي إسماعيل بتجديد الباب المقابل لباب القبة وجعله من الرخام. وفي هذه المناسبة قال السيد علي أبو النصر مؤرخاً بتجديد هذا الباب:
مقام به بنت الإمام كأنما
هو الروضة الفيحاء باليمن مونقه
على بابها لاح القبول لزائر
ونور الهدى أهدي سناه ورونقه
بأمر الخديوي جددته يد العلا
فكانت بأسباب الرضا متوثقه
وفي حلية التجديد قلت مؤرخاً
شموس الحلى في باب زينب مشرقه
(1294)
وفي نفس العام أي سنة 1294 هجرية جدّد الباب المقابل لباب الضريح على الهيئة الموجودة الآن.
أما المسجد القائم حالياً فقد تمّ بناؤه على مراحل ثلاث، فبني الجزء الأول منه وهو المطل على الميدان المعروف باسم ميدان السيدة زينب في عهد الخديوي توفيق، فتم ذلك في سنة 1302 هجرية أي (1884/ 85 ميلادية)، وكتب على أبواب القبة الشريفة التي تضم الضريح الطاهر للعقيلة زينب رضي الله عنها، أبياتاً من الشعر، فعلى الباب المواجه للميدان وهو الباب المخصص حالياً لدخول السيدات لزيارة الضريح كتب ما يأتي:
قف توسل بباب بنت علي
بخضوع وسل إله السماء
تحظ بالعز والقبول وأرخ
باب أخت الحسين باب العلاء
(1302)
وكتب على أعلى الباب المطل على المسجد، وهو الباب الذي يغلق نهاراً بباب حديدي أثناء زيارة السيدات، ما يأتي:
رفعوا لزينب بنت طه قبة
علياء محكمة البناء مشيدة
نور القبول يقول في تاريخها
باب الرضى والعدل باب السيدة
أمّا الباب المعروف باسم باب الفرج ويؤدي إلى الضريح من الناحية القبلية للمسجد، فقد كتب في أعلاه ما يأتي:
باب لبنت المصطفى صفوته
يدخل من يشاء في رحمته
كماله بزينب أرخه
توفيق باني العز في دولته
وظل المسجد على تلك الحال حتى أدخلت عليه إضافات جديدة وذلك بتوسعته من الجهة القبلية تبلغ مساحتها حوالي 1500 متر مربع تقريباً، وقد تمّ ذلك في عهد الملك فاروق وافتتح للصلاة في يوم الجمعة 19 من ذي الحجة 1360 هجرية (1942 ميلادية).
ولما رأت حكومة الثورة بعد ذلك زيادة إقبال الناس على هذا المسجد حتى ضاق عن أن يتسع للآلاف منهم خاصة في أيام الجمع والأعياد، أمرت بإجراء توسعة عظيمة على هذا المسجد من الجهة القبلية أيضاً، وضمت إليه مساحة تقدر بحوالي ألفين وخمسمائة متر مربع. وبذلك اتصل المسجد الزينبي بمسجد الزعفراني المجاور له من الناحية القبلية من ناحية شارع السد، كما أقيمت به دورة مياه كبيرة للطهارة والوضوء، بها تسعون صنبوراً للمياه. وأعدت كذلك مكتبة كبيرة تضم عشرات الآلاف من المجلدات، من بينها العديد من المخطوطات النادرة، وألحق بها قاعة فسيحة للمطالعة.
وصف المسجد
على حالته الراهنة
يقع المسجد الزينبي في ميدان السيدة زينب وكان هذا الحي يعرف سابقاً باسم قنطرة السباع نسبة إلى نقش السباع على قنطرة كانت موجودة وقتئذٍ على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج وينتهي عند السويس. وكانت السباع شارة الظاهر بيبرس الذي أقام تلك القنطرة.
وفي عام 1215 هجرية، تمّ ردم الجزء الأوسط من الخليج وبردمه اختفت القناطر، ومع الردم تمّ توسيع الميدان.
وتبلغ مساحة المسجد وملحقاته حالياً حوالي سبعة آلاف من الأمتار المربعة، وتشرف واجهته الرئيسية على ميدان السيدة زينب، وبهذه الواجهة ثلاثة أبواب تؤدي إلى داخل المسجد مباشرة. وقد زينت تلك الأبواب من كلا جانبيها وفي مستوى قامة الإنسان ونظره بآيات من القرآن الكريم منقوشة على الحجر بخط الثلث الجميل، كما زيّن أعلى الابواب بأبيات من الشعر.
فخص جانبا الباب الشرقي للمسجد والمواجهة للميدان وأقرب الأبواب إلى المحراب، بالآية الشريفة:
﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾. ﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾.
مسجد السيدة زينب في القاهرة
كما كتب في أعلى هذا الباب ما يأتي:
لزينب الحرم المصري جدده
خديوي مصر بترتيب وتنسيق
نور الكريمة يحكى حين أرخه
لي بيت سعد عليه باب توفيق
(1302)
وخصّ جانبا الباب الأوسط المواجهة للميدان كذلك بالآيات الشريفة:
﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ صدق الله العظيم.
كما كتب في أعلى هذا الباب:
بتوفيق العزيز بناء بيت
وقبة من بها ترجي المنافع
فزر واقرأ وصل وسل وأرخ
به سر لكل الخير جامع
(1302)
ومن دقة صنع هذا الباب عند بنائه الحجر، أن كتب عليه لفظ الجلالة (الله) ضمن البناء في الجزء الأعلى المقعر منه، فظهر بوضوح الحجر الذي يمثل لونه إلى الاحمرار قليلاً، ذلك أن الحجارة التي استعملت في بناء جدران المسجد كانت من لونين مختلفين.
أما الباب الغربي ويعرف بباب الطرقة، وهو أقرب الأبواب المؤدية إلى الضريح، فقد كتب على جانبي مدخله الآية الشريفة:
﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين* واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ صدق الله العظيم.
كما كتب في أعلاه:
يا مسجدا قد شاده
توفيق لابنه خير شافع
قد قيل في تاريخه
باب القربى لخير جامع
(1302)
ثم ترتد إلى الوراء هذه الواجهة المطلة على الميدان عند طرفها الغربي، وفي هذا الارتداد باب آخر مخصص لدخول السيدات ويؤدي إلى الضريح، وتقوم المئذنة على يسار هذا الباب الذي يعرف بباب العتريس. وقد خص هذا الباب من على جانبيه بالآية الكريمة:
﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
كما كتب في أعلاه:
رب بالشفاعة عند قبة زينب
يلقاه غاد للمقام ورائح
من يمن توفيق العزيز مؤرخ
نور على باب الشفاعة لائح
(1302)
وقد تميز جدار هذا الجزء من المسجد بإضافات من الشعر ليست على باقي الجدران. فكتب في أعلى وسطه ما يأتي:
نحن آل البيت بيت الهدى
نسل طه المصطفى المرتضى
(1302)
بيتنا سامي الذرى أرخوا
بابنا المقبول باب الرضا
(1302)
وكتب على الجزء الأيمن من هذا الجدار وهو الذي تليه المئذنة ما يأتي:
بنى المسجد العالي العزيز لزينب
وفيه لنا نور العناية برزخ
بناؤه بانية في الله مخلص
بتكميل توفيق ببر يؤرخ
(1307)
وفي هذا دليل على أن المئذنة استمر العمل فيها بعد افتتاح المسجد في سنة 1302 هجرية حتى تمّ تشييدها كاملة في سنة 1307 هجرية.
كما كتب على الجزء الأيسر منه ما يأتي:
لمسجد ذات الخدر والستر زينب
بها قد علا نور البدور تطاولا
فقل للذي يرنو إليه مؤرخ
بتوفيق مولانا البناء تكاملا
أما المئذنة التي تعتبر فريدة في نوعها لما تتحلى به من نقوش وزخارف عربية جميلة، فإنها ترتفع عن سطح الأرض بما يقرب من خمسة وأربعين متراً وبها ثلاث شرفات تحيط بها، وأحيطت جدرانها بآيات من القرآن الكريم. فجاء في الجزء الأعلى ما يأتي:
﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما* يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا* وسبحوه بكرة وأصيلا* هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما* تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما* يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا* وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا* وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾.
وجاء في الجزء الأسفل ما يأتي:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون* وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾.
ويحيط بالركن الغربي البحري للمسجد سور من الحديد يقع بداخله قبتان صغيرتان ملتصقتان ومحمولتان على ستة أعمدة رخامية بواسطة سبعة عقود. وقد أقسمت هاتان القبتان على قبري العتريس والعيدروس رضي الله عنهما، وكتب عليهما:
أولاً: من الناحية المواجهة للميدان:
شاد سيد العصر في مصره
خير مقام قد زها كالعروس
من نور آل البيت تاريخه
به سنا العتريس والعيدروس
ثانياً: من ناحية باب العتريس أي الباب المؤدي للضريح:
بسر ابن أبي المجد الدسوقي وصنوه
محمد العتريس كن متوسلا
وتقع الواجهة الغربية للمسجد على شارع السد، وبها مدخلان أحدهما يتوسط الجديد والتوسيع الأول الذي تمّ في سنة 1360 هجرية (1942 ميلادية). ويوجد في أعلى جدار هذه الواجهة ساعة كبيرة دقاقة.
وللمسجد واجهتان أخريان، أحدهما على شارع العتريس وهي الواجهة الشرقية وبها مدخل يؤدي إلى المكتبة وقاعة الاطلاع وباقي ملحقات المسجد، والأخرى تطل على الفناء الواقع بين دورة مياه المسجد والجدار البحري لمسجد الزعفراني المجاور.
وقد أنشئت واجهات المسجد ومنارته وقبة الضريح على الطراز المملوكي، وهي حافلة بالزخارف العربية والمقرنصات والكتابات.
والمسجد من الداخل مسقوف جميعه، وحمل سقفه المنقوش كله بزخارف عربية على عقود مرتكزة على أعمدة بعضها من الرخام الأبيض وذلك في القسم الذي أنشئ في سنة 1302 هجرية، والبعض الآخر مرتكز على أعمدة من الموازيكو، وذلك في الإضافات التي تمّ بها توسيع المسجد. ويبلغ عدد الأعمدة التي تحمل السقف 124 عموداً بالإضافة إلى 30 قاعدة حجرية وهي التي يعبر عنها بالأكتاف، أي أن السقف كله محمول على 154 عموداً وقاعدة. ويوجد بالمسجد محرابان، أحدهما أقيم عند إنشاء المسجد الحالي في سنة 1302 هجرية، أي قبل الإضافتين اللتين ضمتا إليه، وهو المحراب المواجه للضريح الشريف. ويعلو هذا المحراب لوحة تذكارية نقشت فوق الجدار بحروف مذهبة تبين تاريخ إنشاء المسجد نصها:
«أمر بإنشاء هذا الجامع الشريف والمقام الزينبي المنيف خديوي مصر المفخم محمد توفيق».
«وقد باشر العمل وأتمه حسب الأمر محمد زكي باشا مدير الأوقاف في سنة 1302».
ويعلو الجزء الواقع أمام هذا المحراب، منور (شخشيخة) بها نوافذ زجاجية. وقد زينت جدرانها الداخلية الأربعة بالنقوش العربية الملونة، وكتبت حولها آيات شريفة من القرآن الكريم، وكذلك بعض أبيات شعر من قصيدة بردة المديح للإمام أبي عبد الله محمد البوصيري رضي الله عنه، وكل ذلك داخل عشرين إطاراً، بكل جدار خمسة إطارات على الوجه الآتي وفقاً لما اتسع له كل إطار:
الجدار الشرقي فوق المحراب
«إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس»
«أهل البيت ويطهركم تطهيراً»
« نبينا الآمر الناهي فلا أحد»
«أبر في قول لا منه ولا نعم»
«هو الحبيب الذي ترجى شفاعته»
الجدار البحري
«لكل هول من الأهوال مقتحم»
«دعا إلى الله فالمستمسكون به»
«مستمسكون بحبل غير منفصم»
«ولن يضيق رسول الله جاهك بي»
«إذ الكريم تحلى باسم منتقم»
الجدار الغربي
«فإن من وجودك الدنيا وضرتها»
«ومن علومك علم اللوح والقلم»
«يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت»
«إن الكبائر في الغفران كاللمم»
«لعل رحمة ربي حين يقسمها»
الجدار القبلي
«تأتي على حسب العصيان في القسم»
«يا رب واجعل رجائي غير منعكس»
«لديك واجعل حسابي غير منخرم»
«والطف بعبدك في الدارين إن له»
«صبراً متى تدعه الأهوال ينهزم»
وكذلك يعلو الجزء الأوسط من المسجد والمواجه للمحراب السابق الإشارة إليه، شخشيخة كبيرة جداً وهي الشخشيخة الثانية، وبها نوافذ زجاجية، وتتوسط قبة صغيرة فتح بدائرها نوافذ من الجص المفرغ المحلى بالزجاج الملون ومعلق في مركزها ثريا (نجفة) عظيمة.
وقد زينت جدران هذه الشخشيخة بآيات كريمة من النور، بدأت هكذا:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض﴾ إلى ﴿يقلب الله الليل والنهار إن ذلك لعبرة لأولى البصار﴾.
وجاءت بعد ذلك العبارة التالية:
«كتبه عبد الكريم فايق تحت نظر سعادة محمد زكي باشا مدير عموم الأوقاف المصرية حالاً في عهد العزيز خديوي مصر الأفخم محمد توفيق الأول سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة خير خلق الله وعلى أكمل وصف وعليه أفضل الصلاة وأزكى التحية».
أما الشخشيخة الثالثة المواجهة لنفس المحراب، وهي الواقعة أمام الضريح الشريف، فقد كتب على جدرانها الأربعة الآيات الشريفة الآتية داخل عشرين إطاراً موزعة بالتساوي بينها كالشخشيخة الأولى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾.
﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾.
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم* دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾.
﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين* ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
ويقع الضريح الطاهر بالجهة البحرية الغربية من المسجد، وبه مثوى الطاهرة البتول السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، تحيط به مقصورة من النحاس الأصفر وتعلو المقصورة قبة من الخشب زينت كذلك من الداخل بالنقوش العربية الملونة وبإطارات تضم آيات من الداخل بالنقوش العربية الملونة وبإطارات تضم آيات من القرآن الكريم ونبذة عن تاريخ صاحبة المقام الطاهر. ويحيط برقبة هذه القبة نوافذ من الخشب الخرط المعروف باسم الخرط الميموني الدقيق الصنع.
ويعلو الضريح قبة مرتفعة ترتكز في منطقة الانتقال من المربع إلى الاستدارة على أربعة جدران من المقرنص المتعدد الحطات، ويحيط برقبتها نوافذ جصية مفرغة بزجاج ملون. ونقشت جدران هذه القبة بالنقوش العربية الملونة، وكتب عليها في خطين متوازيين أحدهما يعلو الآخر، آيات من القرآن الكريم، فضلاً عن نبذة عن تاريخ إنشاء المسجد، فجاء في الجزء الأعلى منهما ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بل كان الله بما تعملون خبيرا﴾.
«كتبه عبد الكريم فايق المولوي في عهد خديوي مصر».
أما الجزء الأسفل وهو أكبر مساحة من الأعلى، فقد كتب فيه:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى …﴾. إلى آخر السورة. ثم:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم …..﴾ إلى آخر آية الكرسي. ثم:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. ثم نبذة أخرى عن تاريخ إنشاء المسجد جاء فيها:
«كتب عبد الكريم فايق المولوي تحت نظر محمد زكي باشا مدير عموم الأوقاف المصرية حالاً في عهد صاحب الدولة خديوي مصر الأفخم محمد توفيق وذلك في سنة 1302 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام».
هذا فيما يتعلق بالقسم القديم من المسجد وهو الذي تم بناؤه في سنة 1302 هجرية، أما التوسعة التي تمت في سنة 1360 هجرية (1942 ميلادية)، وهي التوسعة التي أقيم فيها المحراب الجديد الذي وضع المنبر بجواره، فيوجد في وسطها شخشيخة ذات نوافذ زجاجية ومعلق بوسطها ثريا من البلور الثمين القيمة، وكتب على جدرانها الأربعة ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور﴾.
ويلي هذه الشخشيخة من الناحية الغربية، شخشيخة أخرى تقع أمام أول مدخل للمسجد من ناحية شارع السد وهو الذي يطلق عليه باب القبول كذلك، فقد كتب عليها ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. صدق الله العظيم.
ثم إذا انتقلنا إلى التوسعة الأخيرة الكبيرة التي تمت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر (1389 هجرية ـ 1969 ميلادية)، وهي التي بدئ فيها في سنة 1384 هجرية (1964 ميلادية) كما يتبين من اللوحة التذكارية الرخامية التي أزيح عنها الستار بمناسبة بدء العمل في المشروع والتي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
في عهد السيد الرئيس
جمال عبد الناصر،
رئيس الجمهورية العربية المتحدة،
تفضل السيد المهندس
أحمد عبده الشرباصي،
نائب رئيس الوزراء للأوقاف وشؤون الازهر ووزير الأوقاف،
بوضع اللوحة التذكارية لتوسعة
مسجد السيدة زينب رضي الله عنها،
وذلك في يوم الجمعة 24 من جمادة الآخرة سنة 1384
الموافق 30 من أكتوبر سنة 1964.
إذا انتقلنا إلى هذه التوسعة، نجد أنها تحوي أربع (شخشيخات) زينت جدرانها كلها بالآيات الشريفة والنقوش العربية على الوجه الآتي:
أولاً: الشخشيخة الكبيرة في وسط التوسعة، ويعلوها قبة صغيرة ويحيط برقبتها نوافذ جصية مفرغة بزجاج ملون، وقد كتب عليها:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ….﴾ إلى آخر سورة الفرقان. صدق الله العظيم.
«تمّ بعون الله تعالى في سنة 1387 هجرية».
ثانياً: الشخشيخة التي تلي السابقة من الناحية الغربية وتقع أمام المدخل الثاني للمسجد من ناحية شارع السد، وتعلوها قبة من الحجر الصناعي، فقد كتب عليها نفس ما كتب على القبة السابقة.
ثالثاً: ويلي ذلك قبتان تقعان في آخر المسجد من الناحية القبلية منه، وهما أصغر مساحة من سابقاتهما، فقد نقشتا كذلك بالنقوش العربية الملونة، وزينتا بالآيات الشريفة الآتية من القرآن الكريم على الوجه الآتي على التوالي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾.
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾.
وقد توجت جدران المسجد من الخارج من النواحي الشرقية والقبلية والبحرية بآيات شريفة من القرآن الكريم نقشت فوق الحجر داخل إطارات منقوشة كذلك وكتبت بالخط الثلث الجميل الذي يدل على دقة الصنع وحسن الذوق.
فكتب على الواجهة الشرقية المطلة على شارع العتريس الآيات الكريمة الآتية:
﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون* وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾.
﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين* أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
أمّا الجهة القبلية المطلة على الفناء الذي يفصل بين المسجد الزينبي ومسجد الزعفراني المجاور، فقد كتب على جدارها ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ صدق الله العظيم.
أمّا الواجهة البحرية المطلة على الميدان فقد كتب عليها فوق الباب الأوسط ما يأتي:
﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما* تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما﴾.
﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ صدق الله العظيم.
﴿يا أيها النبي إنا أرسلنا شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾.
﴿وكان الله غفورا رحيما﴾.
علي أحمد شلبي
مضاعفة مساحة جامع
السيدة زينب سنة 2000
اكتملت عملية ترميم شاملة لمسجد السيدة زينب في القاهرة، اقترنت بمضاعفة مساحته الأصلية تقريباً بكلفة بلغت 25 مليون جنيه، وأصبح المسجد يتسع لنحو 15 ألف مصلٍّ، علماً أنه من أكثر المساجد التي يقصدها المصلون في القاهرة، خصوصاً في شهر رمضان ولياليه.
وقبل تنفيذ مشروع التوسعة كانت مساحة المسجد الزينبي تبلغ 4500 متر مربع، وبعد اكتماله صارت 7800 متر مربع، منها دار للمناسبات ومصلى للسيدات ومكتبة إسلامية.
ونفذت مشروع تجديد المسجد وتوسعته وزارة الإسكان والمرافق المصرية بالتعاون مع محافظة القاهرة، واشتمل أيضاً على تطوير الساحة الخارجية للمسجد التي تبلغ مساحتها 1500 متر مربع.
وتمّ تزويد المسجد والتوسعة بـ 80 ألف ثرية (نجفة) جديدة بأشكال وأحجام مختلفة، أكبرها واحدة يبلغ قطرها أربعة أمتار وارتفاعها ثلاثة أمتار، كذلك تمّ تركيب 450 مشكاة مذهبة بأسماء الله الحسنى، علقت في أرجاء المسجد بمحطة كهرباء حديثة تُغذى من مصدرين، وميكروفونات لاسلكية تتيح لإمام المسجد التحرك أثناء حملها.
وصُنعت أبدان الأعمدة الرخامية في إيطاليا، أمّا قواعدها وتيجانها فصنعت في القاهرة للتناسب مع طراز أعمدة المسجد القديم.
ويقع جامع السيدة زينب في الميدان الذي يُعرف باسمها، وكان يُعرف قبل ذلك باسم «قنطرة السباع» نسبة إلى نقش السباع الموجودة على القنطرة التي كانت مقامة على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج، وينتهي عند السويس وكانت السباع شارة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس الذي أقام القنطرة. وفي العام 1315هـ ـ 1898م تمّ ردم الجزء الأوسط من الخليج، وبردمه اختفت القناطر ومع الردم تمّ توسيع الميدان، وعند عملية التوسيع اكتشفت واجهة جامع السيدة زينب، الذي كان الوالي العثماني علي باشا جدده سنة 951هـ (1547م)، ثم أعاد الأمير عبد الرحمن كتخدا تجديده سنة 1170هـ (1768م) ومنذ اكتشاف واجهة الجامع في القرن التاسع عشر أصبح يطلق على الميدان، بل والحي كله اسم «السيدة زينب».
وأقامت وزارة الأوقاف المصرية المسجد الجامع الموجود حالياً، فوق أنقاض الجامع القديم سنة 1940، ويتكون من سبعة أروقة موازية للقبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة.
وتقابل القبلة قبة ضريح السيدة زينب وتتقدم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان يوجد بهما مدخلان رئيسيان، وفي الطرف الشمالي الغربي يوجد ضريح لمتصوف يدعى «سيدي العتريس». وفي 1969 ضوعفت مساحة الجامع، وتجاور مسجد السيدة زينب آثار إسلامية مثل سبيل وكتاب السلطان مصطفى الذي يعدّ تحفة فنية، وبيت السناري الذي شهد الكثير من لقاءات نابليون بونابرت مع علماء الأزهر وأعيان القاهرة أثناء الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801م).
ويحتفل المصريون بذكرى مولد السيدة زينب، التي يلقبونها بـ «أم هاشم» و«طبيبة الجراح»، طوال النصف الأول من شهر رجب من كل عام.
مشهد السيدة زينب
في سنجار (شمال العراق)
سنجار مدينة معروفة من مدن العراق الشمالي تقع في جنوبي نصيبين عن يمين الطريق الى الموصل، على اتصال بمعظم مدن الجزيرة، اشتهرت بكونها مدينة الطرق والقوافل منذ القديم لأنها سيطرت على الطريق بين العراق وسورية، وتقع فيها جبال سنجار التي يبلغ ارتفاعها نحو 4800 قدم وتعدّ من أعظم الجبال الشرقية في بلاد الجزيرة، واشتهر في سنجار الكثير من المراقد والأضرحة المنسوبة لآل البيت وقد أقيمت منذ القرون الهجرية الأولى أي منذ خضوع سنجار للدول الشيعية كالفاطميين والبويهيين والحمدانيين والعقيليين فقد شجع ملوك تلك الدول بناء هذه الأضرحة واستخدموا من أجلها أمهر البنائين والصناع فجاءت أبنيتها آية في الروعة والمتانة، وتخضع هذه الأضرحة الآن لنفوذ اليزيديين وهؤلاء لهم ديانة معروفة خاصة بهم وقد حافظوا على احترامهم لهذه المقامات ومن تلك المشاهد المرقد المنسوب للسيدة زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي ابتدأ أمره بمرور سبايا واقعة ألطف في هذه المنطقة، وهذه تفصيلات كتبها الدكتور حسن كامل شميساني وهو من المتخصصين في تأريخ سنجار وتراثها:
أ ـ موقعه: يقوم هذا الضريح على ربوة عالية في مدخل المدينة. وينسب إلى السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (سلام الله عليهما)([642]).
ب ـ أوصافه ومحتويات بنائه: استناداً إلى المشاهدات والنصوص الحديثة نقول: إن هذا الضريح يتكون من فناء واسع. يدخل إليه من باب صغير. وهذا الفناء اتخذ بأكمله مقبرة، ينزل إلى البناء من مدخل يقع إلى اليمين بدرجتين تؤديان إلى غرفة مربعة الشكل تقريباً، أبعادها ـ كما حددها المهتمون بالآثار ـ 3,40 × 3,62م. والمسافة بين المدخل والغرفة هي عبارة عن ممر يبلغ طوله: 4,30م × 3,30م. على جانبيه غرف مربعة مداخلها من الرخام.
في جدار الغرفة المربعة الجنوبية محراب مصنوع من الحجر والجص ـ سيأتي الكلام عنه ـ وغطيت هذه الغرفة بقبة مظهرها الخارجي نصف كروية، تقوم فوقها قبة أخرى محارية الشكل. يتوسط الجدارين الشرقي والغربي مدخلان شيدا من الحجر. يؤدي المدخل الذي إلى يمين الداخل (المدخل الأيمن) إلى غرفة صغيرة مربعة الشكل أبعادها: 3,40م × 3,30م وهي خالية من النقوش.
على عقادة الباب يوجد عبارة: «راجي رحمة ربه المعروف بالرشيد». أما المدخل الذي يوجد إلى يسار الداخل (المدخل الأيسر) فيعلوه عقد مزخرف بنقوش نباتية محفورة في الحجر، وهو يؤدي إلى غرفة الضريح. وهذه الغرفة هي مستطيلة الشكل ابعادها: 5,40م × 3.73م. وفي وسطها القبر المشيد من الحجر والجص. ويويجد على بعض قطعه كتابات من آية الكرسي وضاعت بقية الكلمات، وفي هذه الغرفة أيضاً محراب صغير مصلح خالٍ من النقوش، وتغطيها قبة مظهرها الخارجي مضلع مخروطي الشكل.
ج ـ تاريخ بنائه: إن الكلمات المنقوشة على مدخل الرواق ـ إلى يسار غرفة الضريح ـ تدل على أن هذا البناء هو من قبل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ أيام ملكه لبلاد سنجار 637 ـ 657هـ/ 1239 ـ 1259م. وهذه الكلمات هي: «عز مولانا السلطان الملك الرحيم بدر …». وبدر الدين هذا كان قد أكثر من إقامة المنشآت العمرانية في أطراف مملكته من قصور ودور وحمامات وخانات ومشاهد وسعى إلى إعادة تجديد أو ترميم الأسوار والقلاع والجسور والمساجد والأضرحة. وخصوصاً الشيعية منها. فالمعلومات كانت قد أفادت أنه كان قد تقرب من هذه الطائفة وأعلن موالاته لأئمتها وأخذ ينشر مذهبها ويدعو إليه. وعمل على رعاية شؤونها وصيانة مؤسساتها والعناية بها. فقيل إنه لقب بولي آل محمد. وقيل ايضاً إنه ـ رغبة منه في إظهار موالاته لهذه الطائفة وأئمتها ـ كان يرسل في كل سنة إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف قنديلاً مذهباً زنته ألف دينار.
إن ما ذكرناه من أقسام لهذا البناء يمثل في الواقع الأجزاء الأصلية منه، والتي ينحصر تاريخها بين سنة استيلاء بدر الدين لؤلؤ على سنجار سنة 637هـ/ 1239م وأخذها من صاحبها الملك الأيوبي الجواد يونس بن مودود، وبين سنة تشييده للأقسام الأخرى المضافة وهي سنة 644هـ/ 1246م. كما هو مثبت على إحدى مداخل غرف الضريح.
والأقسام الأخرى المضافة هذه فهي تقع إلى يسار وخلف غرفة الضريح. وتتكون من ممر يؤدي إلى غرفة مربعة تقريباً، صغيرة مقببة، تؤدي بدورها إلى غرفة مستطيلة غير منتظمة وبصيانات جديدة. طليت الغرفة المربعة المذكورة وجدران الممر بالإسمنت بحيث أمحت غالبية الزخارف الرخامية الموجودة.
أمّا باطن القبة فلم يعد يبدو منها شيء. والغرفة المربعة الموجودة في نهاية الممر فعقد الباب من داخلها يحتوي على ألواح رخامية معشقة، عليها كتابة بخط اليد تذكر اسم المؤسس ـ بدر الدين لؤلؤ ـ وتاريخ إضافة هذا القسم. أو لعله ـ كما ورد في كتاب القباب المخروطية ـ تأريخ البناء الأصلي وهو سنة أربع وأربعين وستمائة هـ.
ولعل الألواح هذه كانت قد قلعت من الأجزاء الرئيسية من البناء وأضيفت إلى هذا القسم. كما أن الزخارف الموجودة في الممر قلعت هي أيضاً من البناء الأصلي واستخدمت في تجميل هذه الغرفة حيث لا يوجد تناسق في الزخارف، ولم تعد تبدو بعد أن طليت بالإسمنت.
ويبدو أن هذا الضريح كان قد أصابه الهدم والتخريب مرات ومرات، وكان في كل مرة يعاد تجديده أو ترميمه، وإذا سلمنا جوازاً بما أفاد به ابن شداد من كون هذا الضريح أو المشهد هو للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وليس لابنته السيدة زينب، فإنه قد خرّب مع جملة المباني على أيدي التتار الذين استولوا على سنجار في سنة 660هـ/ 1262م كما قال ابن شداد نفسه. ويظهر أنه قد جدد فيما بعد ومن قبل نائب التتر وهو من العجم ويقال له قوام الدين محمد اليزدي، ورجع إلى سابق عهده ومجده حيث عادت تقام فيه صلاة الجمعة من كل أسبوع([643]).
وذكر أيضاً أن التجديد عاد ولحقه مرة أخرى كما يتضح ذلك من نص مكتوب على لوحة رخامية موجودة على جدار غرفة الضريح من خارج البناء يقول: «… جدد مزار الست زينب بنت علي، العبد الفقير سيدي باشا بن خداد … ثمان عشر شهر ربيع الآخر سنة 1105هـ. ومن بين القباب التي لا تزال تشاهد في سنجار وينظر إليها بإعجاب:
د ـ قبتا ضريح الست زينب: إحداهما نصف كروية، تغطي غرفة من غرف الضريح المتعددة وهي الغرفة المربعة الشكل. تقوم على ثلاثة صفوف من المقرنصات. وتقوم فوقها القبة المحارية الشكل. وتحت قاعدتها (أي قاعدة القبة نصف الكروية) يدور شريط كتابي هو تتمة الآية التي تعلو المحراب. أي تتمة الآية التالية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ ثم اسم المتولي على البناء. وترتفع المقرنصات التي تقوم عليها القبة مقدار 4,5م عن الأرض. ويبلغ ارتفاع القبة الكلي حوالي سبعة أمتار. ومن الخارج تكون هذه القبة بل وتظهر بشكل نصف كروية.
والقبة الثانية مخروطية. وهي قبة غرفة الضريح. لم يبق من مقرنصات الزوايا فيها سوى أربع دخلات مستطيلة في الجدار الشمالي. وواحدة في الجدار الغربي. كما توجد أيضاً أربع زوايا رممت بالجص بحيث محت المقرنصات التي كانت فيها. أمّا القبة من الأعلى فقد طليت بالجص بحيث فقدت ايضاً كامل معالمها تقريباً. أما من الخارج فالقبة تبدو مضلعة مخروطية الشكل.
هـ ـ محاريب مرقد السيدة زينب: يوجد في مرقد السيدة زينب عليها السلام محاريب عدة أشهرها المحراب الموجود في جدار القبلة من المصلى الصغير الذي يقع بين غرفة الضريح والغرفة المقابلة لها.
شيد هذا المحراب من الحجارة والجص. وغطيت واجهته بطبقة من الجص أيضاً. هو مستطيل الشكل. في داخله مستطيلان. الخارجي منهما ارتفاعه 3,76م وعرضه 2,28م، ويضم في داخله أعمدة ارتفاعها 1,69م، وارتفاع عقده 1,18م، وسعة فتحته 1,28م وعمقه 0,37م. أما المستطيل الداخلي فارتفاعه 1,28م وعرضه 0,83م. ومن الملاحظ أن هذا المحراب يحتل ما يقارب جدار القبلة بكامله.
إذن تألف المحراب من مستطيلين متداخلين، يمتد في أعلى المستطيل الخارجي شريط كتابي عرضه 0,60 م مسجل عليه (بخط الثلث) على أرضية مزهرة يقرأ عليها الآية القرآنية التالية: «بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله …» وتساقطت بقية الحروف. والشريط يحيط بجدران الغرفة من جهاتها الأرلابع.
وفي هذا الشريط إطار زخرفي عرضه 8,5 سم يحيط بالمحراب من جهاته الثلاث وقد حفر عليه أشكال وريقات صغيرة وأنصاف الأوراق النخيلية وأزهار مغلقة. وتربط هذه الأوراق فروع نباتية. وهذه الزخارف بارزة عن مستوى المحراب قليلاً. ويلي هذا شريط كتابي عرضه 0,30 م يحيط بالمحراب من جهاته الثلاث مسجل عليه بالخط النسخي الآية القرآنية التالية وتبدأ من أسفل الجهة اليمنى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض﴾.
وعلى القسم العلوي من المحراب تستمر تكملة الآية: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ….﴾.
وعلى الجهة اليسرى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا …﴾. أمّا تكملة الآية فقد زالت.
ويلاحظ على جانبي تجويف المحراب شكل عمودين يعلو كلاً منهما تاج ناقوسي. وليس له قاعدة، وإنما يرتكز على الأرض مباشرة. والعمودان خاليان من الزخرفة. ويستقر عليهما عقد مدبب مطول شبيه بالعقد المنفرج. وقد حفرت زخارف متعددة منها ما يشبه العقد المفصص. وحفرت أشكال خطوط متقاطعة.
وفي قمة العقد ورقة من ثلاث شحمات وأنصاف الأوراق النخيلية وأزهار مغلقة. ويتراوح بروز هذه الزخارف بين 2 و6 سم. ويحيط بالعقد من خارجه أشكال نباتية تشبه ما هو موجود بداخله. ويدنو من العقد شريط كتابي عرضه 0,25 م من الصعب قراءته لأن أكثر حروف كلماته زائلة. وتخطيط أرضية المحراب بشكل مستدير عمقه الكلي 0,37 م.
والمحراب هذا ليس مؤرخاً، وأغلب الظن أن تاريخه يرجع إلى زمن الملك بدر الدين لؤلؤ (637 ـ 644هـ/ 1239 م ـ 1246م) أي إلى زمن تشييد بناء الضريح بكامله لأن الزخارف النباتية والقنديل والتيجان (تيجان الأعمدة) شبيهة كما يقول صاحب كتاب المحاريب العراقية ـ بالتي على محرابي يحيى بن القاسم والإمام عون الدين في الموصل، وهما من مخلفات بدر الدين نفسه، وإن كان هناك اختلاف من حيث مادة البناء. فمحراب السيدة زينب عليها السلام بني بالحجارة والجص، وغطيت واجهته بطبقة سميكة من الجص، بينما المحرابان السابقان بنيا من الرخام الأزرق.
الدكتور حسن كامل شميساني
المصالح المرسلة
لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولاً ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص.
يقول الغزالي: المصلحة هي: «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة»، قال: «ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع».
«ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»([644]).
وعرّفها الطوفي بقوله: «هي السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة»([645]) وأراد بالعبادة «ما يقصده الشارع لحقه»([646]) والعادة «ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم»([647]).
أمّا تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه عدم الاعتماد على أي نص شرعي، وإنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص وإنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، واستناداً إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة.
فابن برهان يعرفها بقوله هي: «ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي»([648]) وربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض الأصوليين المحدثين من «أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه»([649]).
بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول ـ وهو يتحدث عن الاستصلاح ـ : «الاستصلاح في حقيقته هو نزعه من الحكم بالرأي المبني على المصلحة وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء»، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»([650]).
وقد رادف بعضهم بينها وبين الاستصلاح([651])، كما رادف آخر بينها وبين الاستدلال([652]).
وهو ما لم يتضح له وجه لبعده عما لهذه الألفاظ من مداليل لديهم، فالاستصلاح، كما هو صريح كلامهم، هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا أنه عينها، كما أن الاستدلال إنما يكون بها لا إنها عين الاستدلال.
وبما أن هذه التعاريف التي نقلنا نموذجين منها لا تحكي عن واقع واحد ليلتمس تعريفه الجامع من بينها، وربما اختلف الحكم فيها لديهم باختلاف مفاهيمها فلا جدوى بمحاكمتها.
والأنسب أن تعرض أحكامها وتحاكم على أساس ما ينتظمها من الأدلة نفياً أو إثباتاً على أسس من تعدد المفاهيم.
تقسيم الأحكام المترتبة على المصلحة
وقد قسموا أحكامها المترتبة عليها بلحاظ ما لمصالحها من رتب إلى أقسام ثلاثة:
1 ـ الضروري: «وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها»([653]).
يقول الغزالي: «وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها»([654])، ثم يقول: «وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليها ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر»([655]).
2 ـ الحاجي: وأرادوا به: «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة([656]) كتشريع أحكام البيع، والإجازة، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلفين.
3 ـ التحسيني: وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية كالمنع عن أكل الحشرات، واستعمال النجس فيما يجب التطهير فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، وقد عرفه الغزالي بقوله هو: «ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد»([657]).
ولهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم فهي مرتبة من حيث الأهمية فالأول منها مقدم على الأخيرين، والثاني على الثالث، ولعل قسماً من الأقوال القادمة يبتني في حجيته على الأخذ ببعض هذه الأقسام دون بعض.
الاختلاف في حجيتها
ذهب مالك وأحمد ومن تابعهما «إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، وأن المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها ولا على إلغائها مصلحة صالحة لأن يبني عليها الاستنباط»([658]).
وغالى فيها الطوفي، وهو من علماء الحنابلة([659])، فاعتبرها الدليل الشرعي الأساس في السياسات الدنيوية والمعاملات، وقدمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذر الجميع بينها([660]).
بينما ذهب الشافعي ومن تابعه: «إلى أنه لا استنباط بالاستصلاح، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى»([661]).
وللغزالي وهو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى أن «الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلاّ أنه يجري مجرى وضع الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضاً، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتاً إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين»([662]).
وخلاصة ما انتهى إليه في ذلك اعتبار أمور ثلاثة إن توفرت في شيء ما كشفت عن وجود الحكم فيه:
1 ـ كون المصلحة ضرورية.
2 ـ كونها قطعية.
3 ـ كونها كلية([663]).
هذا كله إذا وقعت في مرتبة الضروري «إن وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في المستصفى ردها وفي شفاء الغليل قبولها»([664]).
أمّا الأحناف فالمنسوب إليهم أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، ولا يعتبرونها دليلاً، وقد تنظر الأستاذ خلاف في هذه النسبة، واستظهر من عدة وجوه خلاف ذلك([665]).
وقد نسب الأستاذ الخفيف إلى الشيعة وأهل الظاهر «العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس»([666])، وسيتضح الحال فيها.
ولعل الفصل في هذه الأقوال نفياً أو إثباتاً يتضح مما عرضوه للحجية من أدلة، وقد آثرنا تحريرها على ترتيب ما ذكروه في التقديم والتأخير.
أدلة الحجية من العقل
وخلاصة ما استدل به للاستصلاح منها بعد إكمال نواقص بعضها ببعض هو:
1 ـ أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وأن هذه المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها «وبنى المجتهد حكمه فيها على ما ادركه عقله من نفع او ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلا في المعاملات ونحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالاستصلاح»([667]).
وهذا الاستدلال لا يتمّ إلاّ على مبنى من يؤمن بالتحسين والتقبيح العقليين، والدليل كما ترون قائم على الاعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك.
وقد سبق أن قلنا: إن العقل قابل للإدراك، ولو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعاً لكشفه عن حكم الشارع، ولكن الإشكال، كل الإشكال، في جزمه بذلك لما مرّ من أن أكثر الأفعال الصادرة عن المكلفين، إما أن يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الاقتضاء، وما كان منها من قبيل الحسن والقبح الذاتيين فهو نادر جداً، وأمثلته قد لا تتجاوز العدل والظلم وقليلاً من نظائرهما.
ومن فيه الاقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه وانعدام موانعه أي إحراز تأثير المقتضى وهو لا يحصل به الجزم غالباً لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، وربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مرّ عرض ذلك مفصلاً.
2 ـ قولهم: «إن الوقائع تحدث والحوادث تتجدد، فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والامكنة والبيئات والأحوال مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس وخاتمة الشرائع السماوية كلها»([668]).
وقد أجبنا على نظير هذا الاستدلال في مبحث القياس، وبيّنا أن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقتصر عن حاجاتهم، وهي بذلك مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال وبخاصة إذا لوحظت مختلف المفاهيم بعناوينها الأولية والاستفادة منها.
والحقيقة أن تأثير الزمان والمكان والأحوال إنما هو في تبدل مصاديق هذه المفاهيم.
فالآية الآمرة بالاستعداد بما يستطيعون له من قوة لإرهاب أعداء الله قد لا نجد لها مصداقاً في ذلك الزمن إلاّ بإعداد السيوف والرماح والتروس والخيول وأمثالها، لأن القوة السائدة هي من هذا النوع، ولكن تبدل الزمان وتغير وسائل الحرب حول الاستعداد الى اعداد مختلف الوسائل السائدة في الأمم المتحضرة للحروب كالقنابل النووية وغيرها، فالمفهوم هو وجوب الاستعداد بما يستطاع لهم من قوة لم يتغير في الآية، وإنما تغيرت مصاديقه وهكذا …
فالتبدل في الحقيقة، لم يقع في المفاهيم الكلية، وإنما وقع في أفرادها ومصاديقها، فما كان مصادقاً لمفهوم ما ربما تحول إلى مصداق لمفهوم آخر.
ولقد وسع لنا الشارع المقدس بما شرحه لنا من العناوين الثانوية من جهة، وبفتحه لنا أبواب الاجتهاد سواء في التعرف على أحكامه الكلية أو التماس مصاديقها بما سد حاجاتنا الأساسية إلى تطوير أنفسنا ومسايرة عصورنا ضمن إطار ما جاء به من أحكام، ولكن لا على أن نفسح المجال أمام أوهامنا وظنوننا لنتحكم في مصائر العباد كيفما نشاء، وما دام مقياس الحجية بأيدينا ـ وهو ما سبق أن عرضناه ـ فلا مجال لاعتماد ما يخالف هذا المقياس والأساس فيه هو تحصيل العلم بالحكم أو العلمي ولا أقل من تحصيل الوظيفة التي يأمن معها الإنسان من غائلة العقاب.
الاستدلال بسيرة الصحابة
وكما استدلوا بالعقل فقد استدلوا عليها بسيرة الصحابة، مما جاء في دليلهم: «إن أصحاب رسول الله لما طرأت لهم بعد وفاته حوادث وجدت لهم طوارئ شرعوا لها ما رأوا فيه تحقيق المصلحة، وما وقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة، واعتبروه كافياً لأن يبنوا عليه التشريع والأحكام، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، وحارب مانعي الزكاة، ودرأ القصاص عن خالد بن الوليد وعمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ووقف تنفيذ حدّ السرقة في عام المجاعة، وقتل الجماعة في الواحد، وعثمان جدد أذانا ثانياً لصلاة الجمعة([669]) … الخ».
والغريب أن تنزل هذه التصرفات وأمثالها على القياس تارة والاستحسان أخرى والمصالح ثالثة، وتعتبر على ألسنة البعض أدلة عليها، وما أدري هل تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الأدلة مع تباينها مفهوماً أم ماذا؟ّ!
ومهما يكن فإن النقاش في هذا النوع من الاستدلال واقع صغرى وكبرى.
أما الصغرى فلعدم إمكان تكوين سيرة لهم من مجرد نقل أحداث عن أفراد منهم يمكن أن تنزل على هذا الدليل أو ذاك، ومن شرائط السيرة أن يصدر المجموع عنها في سلوكهم الخاص، وكذلك لو أريد من هذا الدليل إجماعهم السكوتي على ذلك بالتقريب الذي ذكروه بالقياس، والذي عرفت ـ فيما سبق ـ مناقشته.
أما إذا أريد الاستدلال بتصرفاتهم الفردية فهي لا تصلح للدليلية على أي حال لعدم الإيمان بعصمتهم أولاً، واجتهادهم لا يتجاوز في حجيته أنفسهم ومن يرجع إليهم بالتقليد.
وأمّا المناقشة في الكبرى فلعدم حجية مثل هذه السيرة أو الإجماع على أمثال هذه الأدلة، لأن هذه التصرفات غير معللة على ألسنتها وما يدرينا أن الباعث على صدورهم هو إدراك المصالح من قبلهم، والسيرة مجملة لا لسان لها لنتمسك به، وغاية ما يمكن أن تدل عليه هو حجية نفس ما قامت عليه من أفعال لو كانت مثل هذه السير من الحجج التي يركن إليها لا حجية مصادرها المتخيلة، على أن هذه التصرفات ـ كما سبقت الإشارة إليها ـ جار أكثرها على مخالفة النصوص لأمور اجتهادية لا نعرف اليوم عواملها وبواعثها الحقيقية، وفيما سبق عرضه في مبحث القياس ما يغني عن إطالة الحديث.
الاستدلال بحديث لا ضرر
وقد تبناه الطوفي وقرب دلالته ـ بعد أن أطال الحديث في سنده ـ بقوله: «وأمّا معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعاً، وهو نفي عام إلاّ ما خصصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لأنا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمن ضرراً، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين، وإن لم ننفه به كان تعطيلاً لأحدهما وهو الحديث، ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها([670])، ويقول: «ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما»([671]).
والذي يرد على هذا الاستدلال:
1 ـ اعتقاده أن نسبة هذا الحديث إلى الأدلة الأولية هي نسبة المخصص مع أن من شرائط المخصص أن يكون أخص مطلقاً من العام ليصح تقديمه عليه، وقد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد وغيرها.
والنسبة هنا بين حديث لا ضرر وأي دليل من الأدلة الأولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلاً، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرورياً وغير ضروري وأدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري مجمع للحكمين معاً، ومقتضى القاعدة التعارض بينهما والتساقط، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامين إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة.
والظاهر أن الطوفي ـ بحاسته الفقهية ـ أدرك تقديم هذا الدليل على الأدلة الأولية وإن لم يدرك السر في ذلك.
والسر هو ما سبق أن ذكرناه من حكومة هذا النوع من الأدلة على الأدلة الأولية لما فيه من شرح وبيان لها، فكأنه يقول بلسانه إن ما شرع لكم من الأحكام هو مرفوع عنكم إذا كان ضرورياً، فهو ناظر إليها ومضيق لها.
وما دام لسانه لسان شرح وبيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه وبين غيره من الأدلة.
2 ـ اعتقاده أن بين الضرر والمصلحة نسبة التناقض، ولذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين مع أن الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن وبينه وبين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته ولم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر ولا منفعة فهما إذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، ومتى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، وعلى هذا المعنى يبتني ثبوت المباح، وهو الذي لا ضرر ولا مصلحة فيه.
وإذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، ومن هنا قلنا: إن حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الأحكام الضررية عن موضوعاتها، أمّا إثبات أحكام أخر فلا يتعرض لها، وإنما المرجع فيها إلى أدلتها الأخرى.
وإذا اتضح هذا لم يبق أمام الطوفي ما يصلح للاستدلال به على المصالح المرسلة فضلاً عن الغلو فيها.
غلو الطوفي في المصالح المرسلة: وكان من مظاهر غلو الطوفي فيها تقديمه رعاية المصلحة على النصوص والإجماع، واستدل على ذلك بوجوه:
«أحدهما أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذن محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه»([672]).
ويرد على هذا الاستدلال عدم التفرقة بين رعاية المصلحة وبين الاستصلاح كدليل، فالأمة، وإن اتفقت على أحكام الشريعة مما تراعي فيها المصالح، ولكن دليل الاستصلاح موضع خلاف كبير لعدم إيمان الكثير منهم بإمكان إدراك هذه المصالح مجتمعة من غير طريق الشرع، وقد سبق إيضاح ذلك في مبحث العقل.
فدليل الاستصلاح إذن ليس موضع وفاق ليقدم على الإجماع.
«الوجه الثاني: إن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرطاً فكان اتباعه أولى وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾([673])، ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾([674])، وقال عليه السلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، وقد قال عزَّ وجلَّ في مدح الاجتماع: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾([675])، وقال عليه السلام: «كونوا عباد الله إخوانا».
ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقلوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقارب أحد المذهبين أحداً من غيره في بلاده إلاّ على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ماله فيئاً حكمهم في الكفار، وحتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنيفة، كان فيه مسجد واحد للشافعية وكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يزل كذلك، حتى أصبح يوماً وقد سد باب ذلك المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك».
«ثم أن كلاً من أتباع الأئمة يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم حتى رأيت حنفياً صنف مناقب أبي حنيفة، فافتخر فيها بأتباعه، كأبي يوسف ومحمد ابن المبارك ونحوهم، ثم قال: يعرض بباقي المذاهب:
أولئك أبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية وغيره كثير، وحتى أن المالكية يقولون: الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل.
«وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع محمد».
«والحنفية يقولون: إن الشافعي غلام أبي حنيفة لأنه غلام محمد بن الحسن، ومحمد غلام أبي حنيفة»، قالوا لولا إن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف وحتى أن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالي، وأنه ليس من أئمة الحديث، وأحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي وأنه ليس قرشياً بل من موالي قريش ولا إماماً في الحديث لأن البخاري ومسلماً أدركاه ولم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماماً إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي في تصنيفهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميته حتى جعل كل فريق يروي السُنّة، في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا: «الأئمة من قريش، تعلموا من قريش ولا تعالموها»، أو «عالم قريش ملأ الأرض علماً»، قالوا: ولم يظهر من قريش بهذه الصفة إلاّ الشافعي.
والحنفية، رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، ويكون فيهم رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس». والحنابلة رووا: «ويكون في أمتي رجل يقال له أحمد بن حنبل يسير على سنتي سير الأنبياء» أو كما قال فقد ذهب عني لفظه».
«وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج: واعلم أن هذه الأحاديث منا بين صحيح لا يدل، ودال لا يصح. أما الرواية في مالك والشافعي فجيدة ولكن لا تدل على مقصودهم لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير ولا اختصاص لمالك دونهم، وإن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم وكانوا حينئذٍ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك وإنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه وانتشار مذهبه في الأقطار وذلك إمارة على ما قالوا، وكذلك الأئمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك وقد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، وكذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لأحد به».
«إما قوله: «عالم قريش يملأ الأرض علماً» فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه وصحبته ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» فكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر».
«وأما الرواية في أبي حنيفة وأحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها، أمّا حديث «هو سراج أمتي» فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي وأحمد بن عبد الله الخوشاري وكانا كذابين وضاعين، فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة وذم الشافعي، ويأبى الله إلا أن يتم نوره».
«وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعاً لأنا قدمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر تأليف ألف حديث وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله عزَّ وجلَّ، فما لم تجدوه فيه فليس بشيء».
«ثم أن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ليس في مسنده، فلو كان صحيحاً لكان هو أولى الناس بإخراجه والاحتجاج به في محنته التي طبق الأرض ذكرها».
«فانظر بالله أمراً يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما مبعثه إلاّ تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها الساطع برهانها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شيء مما ذكرنا عنهم».
«واعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السُنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك وقال: (لا أكتب مع القرآن غيره) مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» وقال: «قيدوا العلم بالكتابة» قالوا: فلو ترك الصحابة يدوّن كل واحد منهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد من الأمة وبين النبي صلى الله عليه وسلم، في كل حديث إلاّ الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما»([676]).
ثم أورد بعد ذلك على نفسه بقوله: «فإن قيل خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة وسعة، فلا يحويه حصرهم من جهة واحدة لئلا يضيق مجال الاتساع، قلنا هذا الكلام ليس منصوصاً عليه من جهة الشرع حتى يمتثل، ولو كان لكان مصلحة الوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم».
«ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين معارض بمفسدة تعرض منه، وهو أن الآراء إذا اختلفت وتعددت أتبع بعض رخص بعض المذاهب فأفضى إلى الانحلال والفجور».
«وأيضاً فإن بعض أهل الذمة ربما أراد الإسلام فيمنعه كثرة الخلاف وتعدد الآراء ظناً منه أنهم يخطئون، لأن الخلاف مبعود عنه بالطبع، ولهذا قال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾([677]) أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، لا يختلف إلاّ بما فيه من المتشابهات وهي ترجع إلى المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» على ما تقرر، لاتحد طريق الحكم وانتهى الخلاف فلم يكن ذلك شبهة في امتناع من أراد الإسلام من أهل الذمة وغيرهم»([678]).
ومع الغض عما في نصه من خطابية وتطويل قد لا تكون له حاجة أن الاختلاف ضرورة لا يمكن دفعها عن البشر، وهو لا يستدعي الصراع والخصام المذهبي ما دام أصحابه يسيرون ضمن نطاق الاجتهاد بموضوعية تامة، وما دامت الأهواء السياسية وغيرها بعيدة عنه. وهذا النوع من الصراع بين أتباع المذاهب كانت من ورائه دائماً عوامل لا ترتبط بالدين.
وكانت السياسة من وراء أكثرها وكثير من هؤلاء المصطرعين لم يكونوا من العلماء المجتهدين، وإنما كانوا مرتزقة باسم الدين لانسداد أبواب الاجتهاد في هذه الفترات التي أرخ لها، وحيث يوجد الغرض والهوى والجهل، ومحاولات الاستغلال من تجار الضمائر والمبادئ توجد التفرقة والصراع، وأمثال هؤلاء المفرقين من العلماء إنما هم دمى بيد السلطة تحركها كيفما تشاء.
وإلاّ فإن العالم الصحيح لا يضره الاختلاف معه في مجالات استنباطه وربما سر لعلمه بقيمة ما يأتي به الصراع من تلاقح فكري، وإنماء وتطور للأفكار التي يؤمن بها.
والعلماء في مختلف المجالات العلمية يختلفون، وما سمعنا خلافاً أوجب الصراع فيما بينهم باسم العلم فضلاً عن أن يدب الصراع إلى أبناء شعوبهم فيقتتلون، اللهم إلاّ إذا كانت السلطات من ورائه كما هو الشأن في موقف سلطة الكنيسة من بعض العلماء المكتشفين أمثال غاليلو.
والشيعة أنفسهم رأوا طوائف من علمائهم وهم بحكم فتح أبواب الاجتهاد على أنفسهم كانوا يختلفون وينقد بعضهم آراء البعض الآخر، ومع ذلك نرى تقديسهم لعلمائهم يكاد يكون منقطع النظير.
وما استشهد به من الآيات والروايات على المنع من الاختلاف أجنبي عن هذا النوع من الاختلاف الذي يقتضيه البحث الموضوعي، لأن المنع عن هذا النوع منه تعبير آخر عن الدعوة إلى الجمود وإماتة الفكر والنظر في شؤون الدين، وهو ما ينافي الدعوة إلى تدبر ما في القرآن والنظر إلى آياته، بل ينافي الدعوة إلى تدبر ما في الكون والحث على استعمال العقل، وما طفحت به كثير من الآيات والأحاديث، لأن طبيعة التدبر واستعمال الفكر تدعو إلى اختلاف الرأي.
فالاختلاف المهني عنه هو الاختلاف الذي يدعو إلى التفرقة وتشتيت كلمة الأمة، أي الاختلاف الذي يستغل عاطفياً لتفرقة الشعوب لا الاختلاف الذي يدعو إليه البحث الموضوعي وهو من أسباب الألفة والتعاطف بين أربابه، ففي الاستدلال خلط بين نوعي الاختلاف.
ومع التغافل عن هذه الناحية فإن دعواه بأن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه، لا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق ـ لا أعرف لها وجهاً، لأن المصالح الحقيقية التي يتطابق عليها العقلاء محدودة جداً، وما عداها كلها موضوع خلاف بل هي نفسها موضوع لخلاف كبير في مواقع تطبيقها كما سبق بيانه في مبحث العقل فكيف يكون النظر فيها موضعاً لاتفاق الكلمة وبخاصة إذا وسعنا الأمر إلى عوالم الظنون بها والأوهام وهل تكفي مواضع الاتفاق منها لإقامة شريعة إذا تجردنا عن النصوص.
وبهذا يتضح الجواب على ما أورده على نفسه من إشكال وأجاب عليه، فكون الاختلاف رحمة وسعة مما لا إشكال فيه أصلاً إذا كان في حدود البحث الموضوعي، والذي يدل عليه كل ما يدل على وجوب المعرفة المستلزمة حتماً للاختلاف من آيات وأحاديث، ومعارضتها بمفسدة الأخذ بالرخص لا تعتمد على أساس.
فالآخذون بالرخص إما أن يكونوا معتمدين على حجة كأن يكون هناك مرجع مستوف لشرائط التقليد يسيغ لهم ذلك، فالأخذ بها لا يشكل مفسدة وأصحابها معذورون وإمّا أن لا يكونوا على حجة، وهؤلاء لا حساب لنا معهم لتمردهم على أصل الشريعة في عدم الركون في تصرفاتهم على أساس، وكونهم يستغلون الرخص لتبرير أعمالهم أمام الرأي العام فإنما هو من قبيل الخداع والتمويه، ولو لم تكن هناك رخص لارتكبوا هذه الأعمال والتمسوا لها مبررات غير هذه.
وكون الاختلاف مانعاً من دخول أهل الذمة إلى الإسلام هو الآخر لا يخلو من غرابة، فإن هؤلاء كانوا على درجة من الثقافة عرفوا أن هذا المقدار من الاختلاف مبرر في جميع الشرائع، بل هو مما تقتضيه الطبيعة البشرية لاستحالة اتفاق الناس في فهم جميع ما يتصل بشؤون شرائعهم، بل جميع ما يتصل بشؤونهم الحياتية وغيرها، ومتى منع الاختلاف أحداً من الدخول في الإسلام؟!
وهناك أدلة أخرى له لا تستحق أن تعرض ويطال فيها الحديث وأجوبتها تعرف مما سبق أن عرضناه في مبحث القياس.
فغلو الطوفي في استعمال المصالح المرسلة وتقديمها على النصوص والإجماع لا يستقيم أمره بحال.
نفاة الاستصلاح وأدلتهم
أمّا نفاة الاستصلاح وفي مقدمتهم الشافعي فأهم ما استدلوا به:
1 ـ إيمانهم بكمال الشريعة واستيفائها لحاجات الناس «ولو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر مما شرعه ومما أرشد إلى الاهتداء به لبينه ولم يتركه لأنه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: «أيحسب الإنسان أن يترك سدى»([679]).
والجواب على هذا الاستدلال أن مثبتي الاستصلاح لا ينكرون وفاء الشريعة بحاجات الناس وإن أنكروا وفاء النصوص بها، فهم يعتبرون العقول من وسائل إدراكها كالنصوص على حد سواء، واهتداء العقول إليها إنما هو بهداية من الله عزَّ وجلَّ لها، فالعقول إذن كاشفة وليست بمشرعة.
2 ـ ما يستفاد من قول الغزالي وهو يرد على من يريد اعتبار الاستصلاح أصلاً خامساً «من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسُنّة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسُنَّة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطروحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسُنّة والإجماع فليس خارجاً من هذه الصول، لكنه لا يسمى قياساً بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسُنّة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في أتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة»([680]).
والجواب الذي يصلح ـ لمثبتي الاستصلاح ـ التمسك به. إن حصر معرفة المصلحة التي تحفظ مقاصد الشرع بالكتاب والسُنة والإجماع لا دليل عليه لما سبق من إثبات كاشفية العقل وإدراكه للمصالح والمفاسد المستلزم لإدراك حكم الشارع بها.
ومع إمكان الإدراك فليس هناك ما يمنع من وقوعه أحياناً، وعلى أي حال فالمسألة مبنائية.
3 ـ ما ذكره الآمدي في كتابه الأحكام من أن «المصالح على ما بينا، منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها، والمرسلة مترددة بين ذينك القسمين، وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الاحتجاج بالمرسل دون شاهد بالاعتبار يبين أنه من قبيل المعتبر دون الملغى»([681]).
وموضع الفجوة في هذا الاستدلال اعتبار المصلحة مترددة بين القسمين إذا أريد من ترددها،ـ ترددها بين ما دل على الاعتبار من النصوص، وما دل على الالغاء لافتراض القائلين بالاستصلاح إن النصوص غير متعرضة لها اعتباراً أو إلغاء، وإنما اكتشفوا اعتبارها من قبل الشارع بدليل العقل، فهي إذن معتبرة من الشارع ولكن من غير ما عهد منه، فهي قسم ثالث في عرض ذينك القسمين وإن شئت أن تقول: إن الاعتبار على قسمين: معهود من الشرع بطريق النصوص، ومعهود منه بطريق العقل، وهذه من القسم الثاني وليست بأحد القسمين اللذين ذكرهما الآمدي ليقال: «وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر».
تلخيص وتعقيب
وخلاصة ما انتهينا إليه من تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، كما هو مقتضى استفادة الدواليبي والطوفي.
ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها ـ أعني الصغرى ـ بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات إذ يكفي في إلحاقها بالسُنة دخولها تحت مفاهيمها العامة، ومتى اشترطنا في السُنة أن تكون خاصة لتكون مصدراً من مصادر التشريع، فعدها ـ بناء على هذه التعاريف ـ في مقابل السُنة لا يعرف له وجه.
وأمّا على تعاريفها الأُخر فينحصر إدراكها بالعقل. والذي ينبغي ان يقال عنها إنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان ذلك الإدراك كاملاً ـ أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها، في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع ـ فهي حجة، إذ ليس وراء القطع، كما سبق تكراره، مجال لتساؤل أو استفهام، يقول المحقق القمي: «والمصالح إمّا معتبرة في الشرع وبالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي إلى إفسادها([682]) … الخ».
ولكن القول بحجيتها هنا لا يجعلها دليلاً مستقلاً في مقابل العقل بل هي نفس ما عرضناه سابقاً في مبحث حجيته.
وإن لم يكن إدراكه لها كاملاً بأن كان قد أدرك المصلحة، واحتمل وجود زاحم لها يمنع من جعل الحكم، أو احتمل أنها فاقدة لبعض شرائط الجعل كما هو الغالب فيها، بل لا يتوفر الإدراك الكامل إلاّ في حالات نادرة وهي التي تكون المصلحة ذاتية ـ كما سبق ـ فإن القول بحجيتها ـ أعني هذا النوع من المصالح المرسلة ـ مما يحتاج إلى دليل، وليس لدينا من الأدلة ما يصلح لإثبات ذلك، لما قلناه من إن الإدراك الناقص ـ وهو الذي لا يشكل الرؤية الكاملة ـ ليست حجيته ذاتية، بل هي محتاجة إلى الجعل والأدلة غير وافية بإثباته.
والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها لتقوِّمها بالعلم، وقد مرّ إيضاح ذلك كله.
وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلاّ ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم كما هو مقتضى مبناهم الذي عرضناه في دليل العقل وما عداه فهو ليس بحجة، فنسبة الأستاذ الخفيف القول بها إلى الشيعة ليس بصحيح على إطلاقه.
محمد تقي الحكيم
المصطلح الشرعي
بين ألفاظ العبادات وألفاظ المعاملات
يشكل المصطلح الإسلامي أحد الرموز الثقافية المهمة الدالة على خصوصية الأمة الإسلامية وهو أحد المكونات الأساسية لهويتها الحضارية، بل أن بعض الباحثين يعتبر المصطلح جزء من النظرية السياسية في الإسلام. وجرى التعامل مع المصطلح الإسلامي بأسلوبين متناقضين، أحدهما التفريط والآخر الإفراط.
ويدعو التفريط إلى التخلي عن المصطلح الإسلامي لصالح المصطلحات الأجنبية بحجة الحداثة ومواكبة روح العصر والأخذ بمنتجات الحضارة الغربية المعاصرة، ويقابله أسلوب الإفراط الذي يتجمد عند الموروث من المصطلحات الإسلامية بلا تمييز بين ما هو شرعي منها وما هو بشري يحمل الصفة التاريخية من جهة، وبلا استعداد للأخذ بما يصح الأخذ به من المصطلحات المعاصرة بعد تبيئتها في المجال الثقافي الإسلامي من جهة ثانية.
وإذا كان الموقف الأول ينتصر للحداثة والمعاصرة على حساب الأصالة والخصوصية، فإن الموقف الثاني ينتصر للأصالة والخصوصية متجاهلاً التطور المستمر في حركة الحياة. وبهذا يحمل كلا الموقفين في داخله بذور الحكم عليه بالخطأ.
فما هو المصطلح؟ وهل يوجد مصطلح إسلامي؟ وما هو الموقف من المصطلحات الآتية من خارج المجال الفكري الإسلامي؟
من دلالة اللفظ إلى مضمون المصطلح
تحمل الألفاظ دلالات معينة هي عبارة عن الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى الذي يدل عليه وانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر. وهذا الاقتران هو ما يطلق عليه اسم «الدلالة» في حين يسمى اللفظ «دالاً» والمعنى «مدلولاً». والسؤال الذي يتصدى علماء أصول الفقه الإسلامي للإجابة عنه هو: من أين أتى هذا الاقتران؟
لا تحمل الألفاظ معانٍ ذاتية، لأن افتراض الدلالة الذاتية يعني أن اللفظ يحمل دلالته في ذاته من دون أن يكتسبها من الخارج. ويعجز هذا القول عن تفسير حقيقة إن أهل لسان ما من الناس لا تنتقل أذهانهم إلى معاني كلمات اللغات الأخرى التي لا يعرفونها. بل أنهم بحاجة إلى تعلّم هذه اللغات قبل أن يكون من الممكن أن تنتقل أذهانهم إلى معاني كلماتهم عند سماعهم أو قراءتهم لها. وهذا بحدّ ذاته دليل على أن دلالة اللفظ ليست نابعة من طبيعته بل هي من سبب آخر.
يقول البعض إن العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الأول أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة أو تكلّموا بها، حين قام هؤلاء بتخصيص ألفاظ معينة لمعانٍ خاصة، فاكتسبت الألفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني وأصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص. ويسمي علماء الأصول ذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل ونتجت عنه الدلالة «الوضع» فيما يسمى الممارس له «واضعاً» واللفظ «موضوعاً» والمعنى «موضوعاً له».
وإن كان هذا التفسير على حق في إنكار الدلالة الذاتية إلاّ أنه لم يتقدم إلاّ خطوة قصيرة في حل مشكلة الوضع، كما يقول السيد محمد باقر الصدر في بحثه القيّم عن هذه المسألة، إذ يذكر أن الصحيح أن علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقاً لقانون عام من قوانين الذهن البشري. وهذا القانون هو أن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مراراً عديدة ولو على سبيل المصادقة قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سبباً لانتقال الذهن إلى تصور الآخر.
وعلى هذا الأساس نستطيع تفسير اقتران اللفظ بمعناه بوصفه نتيجة لاقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكررة أو في ظرف مؤثر، الأمر الذي أدى إلى قيام علاقة بينهما. واقترنت بعض الألفاظ بمعانٍ معينة بصور تلقائية فنشأت بينهما العلاقة اللغوية، وليس ببعيد عن الاحتمال أن الإنسان أدرك هذا الاقتران العفوي فأخذ ينشئ على منواله علاقات جديدة بين الألفاظ والمعاني، وبعض الالفاظ اقترنت بمعانيها في عملية مقصودة لكي تقوم بينهما علاقة سببية مثل الأسماء الشخصية. وبتكرار استخدام اللفظ المعني لإرادة المقصود ترسخ الاقتران بينهما. وهذا الاستخدام هو ما يسمى بـ «الاستعمال»، واللفظ «مستعملاً» والمعنى «مستعملاً فيه».
وتؤثر اتجاهات الاستعمال في المجتمعات المختلفة على معاني كلمات لغاتهم. لهذا نجد أن بعض اللغات تتغير وتتطور تبعاً لاستعمالات المتكلمين بها. وهذا ما يسبغ على الألفاظ والمصطلحات الصفة التاريخية. فمعنى أي لفظ ومصطلح ليس هو المعنى الموجود في القاموس إنما هو المعنى المقصود في استعمالات أصحابها الذي يتبادر إلى ذهن السامع منهم.
ونحن هنا لا نتحدث عن اللفظ ومعناه عموماً، إنما نتحدث عن اللفظ الذي صار مصطلحاً. لكن فهم طبيعة اللفظ وصلته بمعناه تساعدنا على فهم طبيعة المصطلح وعلاقته بحمولته الفكرية والمفهومية. والمصطلح هو اللفظ الذي يضعه أهل عرف أو اختصاص معين ليدل على نحو معين يتبادر إلى الذهن عند إطلاق ذلك اللفظ. ويغلب هذا في الأمور الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية وليس في الكلام اليومي لبني البشر.
ولغرض الإجابة عن الأسئلة التي أثرناها في بداية هذا المقال، يتعين علينا التمييز بين المصطلح الشرعي الذي نصت عليه الشريعة في نصوصها التأسيسية، أي القرآن والحديث، أولاً، وبين المصطلح الذي تواضع على وضعه وصياغته المسلمون في سياق تطور الفكر الإسلامي عبر حركة التاريخ، ثانياً، وبين المصطلح الجديد الوافد، ثالثاً، وهذه هي الحالات الثلاث التي سنتناولها كالآتي:
المصطلحات الشرعية: وضعت الشريعة الإسلامية في نصوصها التاسيسية، مصطلحاتها ومسمياتها الخاصة بها التي تحمل فكرها وتعبّر عن محتواها وأهدافها في مجال العقيدة والأخلاق والتشريع والفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام والثقافي العام.
من هذه المصطلحات: التوحيد والرب والوحي والقيامة والصوم والوضوء والزكاة والصلاة والحج والإمامة والمستضعفين والمستكبرين والطاغوت والشيطان والنفاق والارتداد والكفر والولاية والأمة والملة والجهاد والشهادة والخلافة وحزب الله وحزب الشيطان والحرام والحلال والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستبدال والمفسد والمحارب والمعاهد والخاشع والمتقي والمؤمن والفاسق والشريعة والإسلام والغيب والدين والشورى. غير ذلك.
وهذه كلها ما يطلق عليه السيد مرتضى العسكري اسم «المصطلح الشرعي» أو «المصطلح الإسلامي»، الذي عرفه بأنه ما استعمله الشارع في معنى خاص وبلغ الرسول ذلك. وعليه فهو اللفظ الوارد في معناه في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، ومن دون هذا لا يوجد المصطلح الشرعي.
واستعملت الشريعة الإسلامية بعض الألفاظ العربية في غير معانيها الشائعة لدى العرب، مثل كلمة «الصلاة» التي كانت تستعمل في مطلق «الدعاء» لكن الإسلام استعملها للدلالة على عبادة خاصة لها قراءات خاصة مقارنة بأفعال خاصة من قيام وركوع وسجود مما لم يكن معروفاً عند العرب. وهذا هو المصطلح الشرعي سواء كان عبارة عن لفظة مستعملة ولكن تمّ تغيير معناها أم جاء في لفظ جديد بمعنى جديد مثل كلمة «الرحمن» كصفة لله.
ويعبّر هذا النوع من المصطلح عن ما يسميه علماء الأصول بالحقيقة الشرعية، وهي اللفظ الذي استخدمته الشريعة الإسلامية استعمالاً خاصاً للدلالة على معنى خاص بحقيقة محدودة مقصودة له فصار يدل على ذلك المعنى الشرعي الخاص مثل ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والحج والكفر والنفاق والفسوق وغير ذلك. وهذا يختلف عن الحقيقة اللغوية، هي اللفظ الموضوع لمعنى من المعاني كلفظ القتل والكذب وهي دوال على معانيها الحقيقية بالوضع اللغوي.
وهذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربية قبل الإسلام وإنما نقلت تلك الألفاظ من معانيها إلى هذه المعاني الشرعية.
ويظهر من كلام الأصوليين ثمة تمييز بين أنواع معاني هذه الألفاظ ـ المصطلحات. فنلاحظ أن معاني بعضها تنصرف إلى أمور خاصة بالعقيدة والأفكار والمفاهيم والقيم العامة في الحياة، فيما تنصرف معاني القسم الآخر منها إلى العبادات. وهذه يغلب عليها الوصف بأنها مصطلحات شرعية بمعنى أنها وردت استعمالياً في النصوص التأسيسية. لكن ليس في ألفاظ المعاملات خصوصيات شرعية، لأن معاني ألفاظ المعاملات غير مستحدثة، والشارع بالنسبة إليها كواحد من أهل العرف، فإذا استعمل أحد ألفاظها فيحمل على معناه الظاهر فيه عندهم إلاّ إذ نصب قرينة على خلافه.
قال الشيخ محمد جواد مغنية: أما قضايا المعاملات وما إليها فهي شرعية توقيفية في حكمها فقط. والموضوع يحدده الناس بلغة مصطلحاتهم وحوارهم إذ لا اختراع واصطلاح للشارع فيها، إنما موقفه منها موقف التقرير أو الإلغاء أو التقليم والتطعيم في حين أن ألفاظ العبادات بكاملها كالصوم والصلاة والحج والزكاة قد أعطاها الإسلام مدلولاً جديداً وأن هذه الألفاظ قد أصبحت أسماء حقيقية للمعنى الجديد تستعمل فيه بلا قرينة.
والبحث في التزام استخدام هذه الألفاظ لا يدخل في نطاق الحكم الشرعي من حيث الوجوب والتحريم كما يقول بعضهم، إذ ليس لدينا هنا ما يقتضي الوجوب والتحريم شرعاً، بل يدخل في نطاق الحديث عن مصلحة العمل الإسلامي، والمصلحة في هذا المورد هي الحفاظ على شخصية الدين أو المبدأ انطلاقاً من الشعور بالحاجة إلى أن تكون لكل دعوة شخصية مستقلة في حركتها في الحياة وفي سلوك أتباعها لتحافظ على وجودها من الذوبان والضياع وتحمي حركتها من الاهتزاز والانهيار.
بل يخطو خطوة أبعد حين يقرر أن الالتزام بهذه المصطلحات ليس حرفياً جامداً إنما هو خاضع لما تمر به الكلمة من حالات التطور والتغيّر، فكأنه يخضع حتى هذا النوع من المصطلحات لمنهج التاريخية الآتي ذكره بعد قليل، ويقول: إن قيمة الكلمة تتمثل في عطائها الفكري وفي تجسيدها للمعنى الذي يراد التعبير عنه بها، ولا تحمل أية قيمة ذاتية. والكلمات تموت كما يموت الأشخاص وقد تصاب بالتشويه كما يصاب بالتشويه كثير من الناس، وقد تحيا بعض الكلمات، فتبعث من بعد موت.
وعليه، فإن احتضان الدين لأية كلمة في نصوصه الدينية أو في تصريحات قادته لا يعني قداسة الكلمة أو اعتبارها جزءاً من شخصية الدين، فقد يكون التعبير بها منطلقاً من حياتها في ذلك الوقت، وعلى ضوء ذلك فإن الموقف هو أن تلاحق تلك الكلمات في نموها وتطورها، وحياتها وموتها، وشبابها وهرمها، لنتبنى منها الكلمات التي تحمل الحياة في حروفها وتجسد الفكر والتاريخ في مدلولها، ونرفض الكلمات التي فقدت مدلولها الأصلي وتحولت إلى مدلول مضاد.
هذا في المصطلح الشرعي، أما المصطلح الآخر من المصطلحات الإسلامية، وهو مصطلح المتشرعة.
فيقصد بمصطلح المتشرعة أو «تسمية المسلمين» الألفاظ التي شاع استخدامها بين المسلمين بمعانٍ خاصة على رغم أنها لم ترد في القرآن والحديث النبوي الشريف مثل «الاجتهاد» و«المجتهد» للدلالة على الفقه والفقيه. وكان اللفظان مستعملين في لغة العرب بمعنى بذل الجهد في طلب الأمر، وباذل الجهد، واستعملا بالمعنى نفسه كما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قال فيه: «فضل العالم على المجتهد مائة درجة» (مقدمة سنن الدارمي) و«كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (صحيح مسلم). لكن لم يرد «الاجتهاد» والمجتهد بمعنى الفقه والفقيه في القرآن الكريم ولا في الحديث النبوي الشريف. وسمى السيد العسكري هذا النوع من المصطلحات بـ «عرف المتشرعة» و«تسمية المسلمين» تمييزاً لها عن تلك الواردة في المصدرين النصيين التأسيسيين في الإسلام وهما القرآن والحديث.
ويعبّر هذا النوع من المصطلحات عن الحقيقة العرفية، بتعبير الأصوليين، وهو ما استخدمه الناس من ألفاظ في معانٍ خاصة. وهذه الحقيقة على أنواع عديدة بحكم تنوع مشارب الناس وما يدخل ضمن المصطلح الإسلامي هو ما كان مستخدماً من قبل المسلمين، كما تقدم.
ويتسم هذا النوع من المصطلحات بالتاريخية. والتاريخية حسب آلان تورين هي المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به ووسطه التاريخي الخاص به أيضاً. إنها قدرة المجتمع على التحرك على ذاته. وعليه فولادة أي مصطلح جديد في مرحلة تاريخية معينة هي تعبير عن قدرة ذلك المجتمع على بناء حقله الرمزي والدلالي والثقافي الخاص. والمصطلح المولود هو ابن ذلك الظرف التاريخي المحدد بمواصفاته الثقافية واحتياجاته الفكرية.
ولهذا يجب دراسة هذا المصطلح ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي وإذا كانت الوقائع متجددة والحاجات متغيرة ، فلا يمكن التوقف عند المصطلحات التي ابتدعها مفكرو المجتمعات الإسلامية السابقة، لأن ذلك يؤدي إلى تجميد حركة الفكر بعد أن فقد حرية إنتاج مصطلحاته التي يستطيع بها مواكبة تطوره الداخلي وتفاعله مع حركة الفكر على المستوى العالي. فالباب يبقى مفتوحاً للإبداع وصياغة المصطلحات الجديدة ما دامت الحاجات الفعلية تتطلب ذلك، إذ نبقى على المصطلحات القديمة إذا كانت تفي بالحاجة، ويتم تجاوزها وصياغة غيرها إذا لم تستطع مواكبة تطور مجتمعاتنا. ونلجأ إلى ابتداع مصطلحات جديدة استجابة لحاجات جديدة لم تكن موجودة في عصور المجتمعات الإسلامية السابقة، فإن «لكل زمان شؤونه وأفكاره ولا لوم على من ساير الزمان وأهله وإنما اللوم على من عاش بجسمه في عصر الفضاء وبعقله في القرون الوسطى».
تعامل أولئك المفكرون مع قضية المصطلح وفق هذه القواعد. وكانوا يلجؤون إلى صك مصطلحاتهم الجديدة أو الاستفادة من المصطلحات في الثقافات الأخرى على قدر ما تتطلب الحاجة الفكرية وتقتضيه المصلحة الإسلامية. وقد يحصل بينهم خلاف في وجهات النظر على هذا المصطلح أو ذاك، لكن الخلاف ما يلبث أن ينحل لصالح التطور الفعلي في حركة الفكر والمصطلح على حد سواء.
وبقيت أجيال من العلماء والمفكرين في بعض المدارس الفكرية والفقهية الإسلامية ترفض استخدام مصطلح الاجتهاد، على سبيل المثال، على رغم أن غيرها أخذ يستخدمه. وكان السبب في رفض هؤلاء وقبول أولئك اختلافاً في فهم مدلولات الكلمة لدى كل فريق. وأغفل النزاع الذي نشب بين الفريقين، كما لاحظ السيد محمد باقر الصدر، التطور الذي مرت به كلمة الاجتهاد.
تتبع السيد الصدر هذا التطور لكي يبرهن على أن هذا النزاع والضجة التي أثيرت حول عملية الاستنباط لم يكن سوى نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي. وعلى هذا، فإن رجال العلم ومنتجي الأفكار في المجال الثقافي الإسلامي معنيون بمتابعة حركة الأفكار وتطورات الحياة من أجل مواكبتها والاستجابة لمتطلباتها بإنتاج أفكار جديدة يتمّ التعبير عنها من خلال مصطلحات جديدة.
المصطلحات الوافدة: لعل أكثر موارد النزاع هي ما كان حول المصطلحات الوافدة، أي تلك التي تفد إلى المجال الثقافي الإسلامي ـ العربي من خلال الترجمة والاحتكاك بالثقافات الأخرى، إذ يرفض البعض الأخذ بالمصطلح الجديد، بحجة المحافظة على أصالة الثقافة الإسلامية، والرغبة في عدم إحداث البلبلة في الوسط الثقافي الإسلامي.
والواقع أن المسألة لا تحل على أساس الموقف المسبق، وإنما على أساس التحليل الموضوعي والعلمي والتاريخي للمصطلح الجديد ولطبيعته من حيث الصياغة أو من حيث الأفكار.
توجد مصطلحات تحمل فكراً ومضموناً مخالفاً للإسلام واستعملها أصحابها للدلالة على أفكارهم وفلسفاتهم، مثل مصطلح الرأسمالية ومصطلح الاشتراكية، إذا أريد بها المعنى المذهبي. والرأي في هذه المصطلحات أن لا تستخدم في التعبير عن الأفكار الإسلامية، كما لا يصح وصف الإسلام بها بحجة التشابه بين بعض حمولاتها الفكرية وما في الإسلام من أفكار ومفاهيم في المجال نفسه. مع جواز ذلك في حال الحديث عنها وعن اتجاهات الفكر الآخر.
لهذا فمن الخطأ أن نصف الاقتصاد الإسلامي بأنه اشتراكي، لأنه يأخذ بمبدأ الملكية العامة، كما من الخطأ وصفه بأنه رأسمالي، وأنه يأخذ بمبدأ الملكية الفردية. وأكثر خطأ من ذلك أن نتحدث عن الاشتراكية الإسلامية، أو الرأسمالية أو الاشتراكية في الإسلام.
إلى هذا يشير الباحث النمساوي المسلم محمد أسد حين تحدث عن الخطأ في استخدام المصطلحات الغربية وأثره في اضطراب الصورة التي تسود اليوم الأذهان عن الدولة الإسلامية، وعزى ذلك في كتابه «منهاج الإسلام في الحكم» الذي نشرت أفكاره للمرة الأولى في عام 1948 إلا أن المنادين بهذه الدولة يخطئون في استعمال المصطلحات السياسية الغربية للدلالة على فكرة تختلف في حقيقتها عن فكرة الدولة الإسلامية.
وقال إنه من باب التضليل المؤذي إلى أبعد الحدود أن يحاول الناس تطبيق المصطلحات التي لا صلة لها بالإسلام على الأفكار والأنظمة الإسلامية، إذ أن للفكرة الإسلامية نظاماً اجتماعياً متميزاً خاصاً بها وحدها يختلف من عدة وجوه عن الأنظمة السائدة في الغرب ولا يمكن لهذا النظام أن يدرس ويفهم إلاّ في حدود مفاهيمه ومصطلحاته الخاصة وأن أي شذوذ عن هذا المبدأ سوف يؤدي حتماً إلى الغموض والالتباس بدلاً من البوح والجلاء حول موقف الشرع الإسلامي من القضايا السياسية والاجتماعية التي تشغل الأذهان في الوقت الحاضر.
لكن يجب ملاحظة الطبيعة التاريخية لهذه المصطلحات، حين يتغير معناها ومضمونها في ضوء الإرادة الاستعمالية لأصحابها والمتحدثين بها. وفي مثل هذه الحال ينبغي إعادة النظر بالموقف الإسلامي منها، وتطبيق القواعد الفكرية والأصولية والفقهية عليها كما هو متبع في غير هذا من الحالات المشابهة. ويمكن تطبيق مفهوم الاستحالة (أي تبدل حقيقة الشيء وصورته النوعية إلى صورة أخرى) هنا على اعتبار أن المصطلح تغير من حال إلى آخر بحكم الاستعمال. والمعروف أن الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية على تفصيل والحنابلة على تقييد والظاهرية والزيدية والإمامية والإباضية) يحكمون بطهارة النجس إذا تبدلت صورته.
وهناك مصطلحات يقع فيها الاشتراك اللفظي من دون الاشتراك في المعنى، مثل مصطلح الإقطاع الذي ذكرناه. وهنا لا مناص من التمسك بالمصطلح الإسلامي، على أساس ما تمليه المصلحة إلاّ إذا كانت تلك المصلحة تقتضي خلاف ذلك، مع ضرورة التوضيح المستمر لما بين المصطلحين من فروق في المضمون.
وهناك مصطلحات محايدة مثل مصطلح الجمهورية إذا قصد بها الآليات الديموقراطية. فهذه مصطلحات تشير إلى معانٍ بعضها مستجد وبعضها لا يحمل أية شحنة فكرية أو مذهبية مخالفة للإسلام. وفي هذا المجال فليس هناك مانع شرعي من استخدامها على أن يتمّ تثبيتها (تكييفها) في المجال الثقافي الإسلامي، أي أسلمتها لكي يتاح لها الاندماج في المنظومة الدلالية الإسلامية. وأني أستعير مفهوم التبيئة هنا من الباحث محمد عابد الجابري الذي عرفه بأنه ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطاً عضوياً، وذلك ببناء مرجعية له فيه تمنحه المشروعية والسلطة.
وعملية بناء المرجعية للمفهوم في الحقل المنقول إليه تتطلب الاطلاع على مرجعيته الأصلية وظروف تشكلها ومراحل تطورها، أي استحضار تاريخيتها، وذلك لكي يتمّ التعامل مع المعطيات التي وضع المفهوم للتعبير عنها تعاملاً من نوع قياس الأشباه والنظائر مع الاحتفاظ دوماً بالفارق. وهذه العملية ليست ترفاً فكرياً، إنما هي عملية إجرائية تمليها الحاجة إلى ذلك المفهوم في الحقل الذي ينتمي إليه، بهدف تحقيق نتائج يصعب الحصول عليها من دونه.
وتواجه مسألة تبيئة هذه المصطلحات في المجال الفكري الإسلامي مشكلة خاصة تتمثل في كون هذه المصطلحات كغيرها تمتاز بالتاريخية. أي أنها تكون تبلورت عبر مسيرة طويلة اقتضت أن يتغير مضمونها. بل أن معظم المصطلحات السياسية والاجتماعية المعاصرة تدل على معانٍ تختلف عن المعاني التي اكتسبتها عندما تكونت في الأصل.
محمد عبد الجبار
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () التعريفات: 81. ↑
- () شرح الكافية: 2/ 139. ↑
- () لاحظ: النحو الوافي 1/ 277. ↑
- () المرصّع: 2 ـ 43. ↑
- () شرح الكافية: 2/ 139. ↑
- () المرصّع: 43. ↑
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () الألفية، لابن مالك، المطبوعة مع النحو الوافي 1/ 284هـ 5. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () الكلّيات، لأبي البقاء 3/ 192 ـ 193. ↑
- () نصرة الثائر: 2 ـ 73. ↑
- () النحو الوافي 1/ 284هـ 5. ↑
- () شرح ابن عقيل على الألفية ـ الطبعة الأولى ـ : 19. ↑
- () شرح ابن عقيل على الألفية ـ الطبعة الأولى ـ : 19. ↑
- () الكليات، لأبي البقاء 3/ 192 ـ 193. ↑
- () النحو الوافي 1/ 384هـ 5. ↑
- () الكليات، لأبي البقاء: 3/ 192 ـ 193. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/ 33 ـ 35. ↑
- () لاحظ الكواكب الدريّة، للأهدل 1/ 53. ↑
- () شرح الكافية للرضي 2/ 139. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة ( ك ن ى). ↑
- () المرصّع: 44. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 511. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 263 و512، وعلوم الحديث، له: 152. ↑
- () تهذيب التهذيب 1/ 118. ↑
- () تقريب التهذيب 2/ 7 ـ 568. ↑
- () كلّيات أبي البقاء 3/ 192، وانظر: وسائل الشيعة 15/ 132ب 30 ح 1. ↑
- () شرح الكافية، للرضي 2/ 139، وانظر: النحو الكافي 1/ 276هـ 2. ↑
- () الكواكب الدرّية، للأهدل 1/ 52. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 256. ↑
- () الفخريّ: 245. ↑
- () الفخريّ: 247. ↑
- () الفخريّ: 248. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 256. ↑
- () المرصّع: 41. ↑
- () المرصّع: 41. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () المرصّع: 42. ↑
- () الإرشاد للمفيد: 8 ـ 339. ↑
- () مجمع الرجال 7/ 2 هامش. ↑
- () جامع أحاديث الشيعة 8/ 551 رقم 1640. ↑
- () تاريخ بغداد. ↑
- () الأنساب، للبلاذري، كما في مغازي رسول الله، لعروة: 3. ↑
- () رجال النجاشي: 58 رقم 136. ↑
- () معجم رجال الحديث 4/ 357. ↑
- () تفسير الحيريّ: 22 ـ 23. ↑
- () الباعث الحثيث، لشاكر: 209. ↑
- () الكنى والأسماء للدولابي 1/ 77، والمجدي في النسب: 8. ↑
- () المرصّع: 44. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة (كنى). ↑
- () سير أعلام النبلاء 15/ 576. ↑
- () الفصول المختارة: 240 ـ 241. ↑
- () جامع الأصول 1/ 280، الكنى، للدولابي 1/ 5. ↑
- () تاريخ أهل البيت عليهم السلام. ↑
- () المرصّع، لابن الأثير: 44. ↑
- () الكنى والأسماء، للدولابي 1/ 8 ـ 9، أنظر: تاريخ دمشق، ترجمة الإمام علي (عليه السلام) 3/ 350 ح 1400، وانظر: السيرة النبوية، لابن هشام 2/ 249 ـ 250. ↑
- () تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام علي عليه السلام ـ 1/ 32 ح 31. ↑
- () صحيح مسلم 4/ 1874 وهو الحديث الأخير من باب فضائل الإمام علي عليه السلام، وصحيح البخاري 5/ 23، والحاكم في معرفة الحديث: 261 النوع 45، وابن عساكر في تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام علي عليه السلام ـ 1/ 31 ح 30.وانظر: الغدير، للأميني 6/ 333 ـ 335. ↑
- () تاريخ أهل البيت عليهم السلام (الفصل الخامس). ↑
- () مجمع الرجال 7/ 3 ـ 194. ↑
- () عيون أخبار الرضا عليه السلام 1/ 21 ح 2 ب 4. ↑
- () ذيل تاريخ بغداد، لابن النجّار 4/ 109. ↑
- () أدب الإملاء والاستملاء: 137. ↑
- () الإتقان في علوم القرآن 4/ 9. ↑
- () أنظر: تأويل مشكل القرآن: 6 ـ 257. ↑
- () مجمع البيان 5/ 559 ومجمع البحرين: 133 مادة (لهب). ↑
- () الإتقان 4/ 9. ↑
- () الحدائق الناضرة 25/ 41. ↑
- () اللمعة الدمشقية وشرحها الروضة البهية 5/ 444، وانظر: الأذكار النواوية مع الفتوحات الربّانية 6/ 160. ↑
- () الكافي 6/ 19 ح 11، وفي المطبوع «خثيم» وهو تصحيف. ↑
- () الكافي 2/ 162، ح 16، وأورده في وسائل الشيعة 15/ 129 باب استحباب وضع الكنية والجعفريات: 189، وجامع الأحاديث، للرازي: 13. أنظر: بحار الأنوار 104/ 131. ↑
- () قواعد الأحكام ـ المطبوع مع إيضاح الفوائد ـ 3/ 258. ↑
- () كشف اللئام: الجزء الأول، القسم الثاني، ص 97. ↑
- () اللمعة الدمشقية وشرحها الروضة البهية 5/ 444، ومسالك الأفهام 1/ 461. ↑
- () الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 315. ↑
- () كشف اللئام 1 ق 2/ 97. ↑
- () الجَعْر: النجو. ↑
- () الوسائل 15/ 129 ب 27 ح 1، الكافي 2/ 87 وتهذيب الأحكام 2/ 236، ورواه الدولابي في الكنى 2/ 119 عن معمر بن خيثم، وليس فيه ذكر حديث علي عليه السلام، وفيه «مخافة اللقب» بدل «مخافة النبز»، وأضاف: أنا أكنّيك، أنت أبو محمد. ↑
- () الوسائل 15/ 129 ب 27 ح 2، عن الكافي.ورواه القمّي في جامع الأحاديث: 13 وفيه: «يتكنّى» بدل «يكنّى» وقد مرّ من مصادر أخرى. ↑
- () وسائل الشيعة 15/ 131، عن الكافي 4/ 87. ↑
- () بحار الأنوار: 1/ 225 ح 17. ↑
- () الوسائل 15/ 131، عن الكافي 4/ 87. ↑
- () المرصّع: 302، وقد مرّ في فصل «التفسير» أيضاً. ↑
- () الوسائل 15/ 131 والخصال للصدوق: 250، وقد مضى بحث حول التكنية بأبي القاسم. ↑
- () الوسائل 5/ 319 كتاب الصلاة، أبواب المساكن، الباب 14 ح 6664. ↑
- () الكنى والأسماء، للدولابي 1/ 74. ↑
- () قرب الإسناد، للحميري: 74. ↑
- () مسند الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: (ص 46) ح (20). ↑
- () بحار الأنوار 1/ 107. ↑
- () مقدّمة ابن الصلاح: 8 ـ 509. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 509. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 510. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 6 ـ 257، والرسالة للشافعي ـ تحقيق شاكر ـ : 89هـ 3. ↑
- () المجدي في الأنساب: 7، وانظر: الكشّاف للزمخشري 4/ 814. ↑
- () المقدمة، لابن الصلاح: 10 ـ 511. ↑
- () المرصع: 2 ـ 43، والمقدمة، لابن الصلاح: 513. ↑
- () المرصع: 48. ↑
- () الأربعون حديثاً، للبكري: 119. ↑
- () الأربعون حديثاً، للبكري: 119. ↑
- () المقدمة لابن الصلاح: 516. ↑
- () المقدمة لابن الصلاح: 518. ↑
- () الباعث الحثيث: 3 ـ 204. ↑
- () أدب الإملاء والاستملاء: 137. ↑
- () القواميس ـ قسم الدراية: الورقة 21 و22. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 4/ 108. ↑
- () مجمع الرجال 7/ 2 الهامش. ↑
- () من لا يحضره الفقيه 4 المشيخة 83. ↑
- () وسائل الشيعة 6/ 343 كتاب الخمس ـ أبواب ما يجب فيه الخمس ـ باب 3 حديث 5. ↑
- () مستند العروة الوثقى ـ كتاب الخمس ـ : 43. ↑
- () معجم رجال الحديث ـ الطبعة الأولى ـ 16/ 343. ↑
- () سرّ السلسلة العلوية: 8 ـ 49. ↑
- () عمدة الطالب: 1 ـ 242. ↑
- () تهذيب التهذيب 7/ 593. ↑
- () منتقلة الطالبية: 224. ↑
- () عمدة الطالب: 4 ـ 245، ومنتقلة الطالبية 311. ↑
- () رجال الطوسي: 386 و387 و390. ↑
- () رجال الطوسي: 387. ↑
- () هي نسخة المتحف البريطاني، ومصوّرتها عند السيّد الطباطبائي ـ بقم. ↑
- () معجم الرجال 5/ 268. ↑
- () معجم رجال الحديث 16/ 352. ↑
- () وله رواية في الكافي 6/ 503 ح 38 وقد روى هو عن الرضا عليه السلام وروى عنه موسى بن عبد الله. ↑
- () لاحظ ما كتبناه في ترجمة علي العريضي بعنوان «أبو الحسن العريضي» وقد طبع في مقدمة كتابه «المسائل». ↑
- () لسان الميزان 1/ 404. ↑
- () تقريب التهذيب 1/ 520 رقم 1324. ↑
- () تقريب التهذيب 2/ 499 رقم 7. ↑
- () رجال الطوسي: 233 رقم 162. ↑
- () تاريخ دمشق ـ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ـ 20 رقم 4، و26. ↑
- () معجم رجال الحديث 11/ 21 رقم 7291. ↑
- () معجم رجال الحديث 22/ 202 رقم 1505. ↑
- () معجم رجال الحديث 11/ 23. ↑
- () أسد الغابة: 3/ 70. ↑
- () جامع التحصيل: 203 رقم 316. ↑
- () المرصع: 40. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () لم تُضبط هذه الكلمة في المصدر، وقد ضبطتُها باعتبار أن تكرار الفعل يائيًّا لا معنى له إلا أن يكون الثاني بالتضعيف، ويُقرّبُه قوله: أكنيته، وهم إنما يذكرون المزيد بالألف بعد المزيد بالتضعيف، فلاحظ. ↑
- () لسان العرب 20/ 8 ـ 99 مادة (كنى). ↑
- () خزانة الأدب، للبغدادي 11/ 228. ↑
- () النحو الوافي 1/ 104هـ 1. ↑
- () شرح ابن عقيل 1/ 48 ـ 52 باختصار. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة (كنى). ↑
- () الأوائل، لابن قتيبة: 52. ↑
- () كذا في المصدر، وأظن أن المراد بها مدينة الحلّة، والغريب أن المحقق لم يورد اللفظة في فهرس البلدان والمواضع. ↑
- () علق المحقق للمصدر على هذه الكلمة: «كذا، ولم نهتد إلى تصويبها» أقول: أظن أنها مصحفة عن «خَرْمُحَنّى» أي حمار مخضّب بالحناء، فلاحظ. ↑
- () الهفوات النادرة: 45 ـ 47 الرقم 41. ↑
- () وفيات الأعيان 7/ 54 ط.. عباس. ↑
- () تاريخ بغداد: 14/ 194 ـ 195. ↑
- () تاريخ بغداد: 14/ 196، وانظر سفينة البحار 1/ 367. ↑
- () الديارات، للشابشتي: 85. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 367. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 368. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 371. ↑
- () تاريخ المدينة المسوّرة ـ أخبار المدينة، لابن شبّة ـ 2/ 752. وانظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 19/ 368. ↑
- () المرصع: 36. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 508. ↑
- () الباعث الحثيث: 3 ـ 204. ↑
- () منطقة (سلمان باك) هي منطقة (المدائن) القديمة، ولا تزال قائمة فيها بقايا من إيوان كسرى وتبعد عن بغداد جنوباً عشرين ميلاً، وفيها دفن سلمان الفارسي وإليه ينسب اسمها. ↑
- () هو القائد الألماني الذي عهد إليه بالقيادة العامة للجيوش التركية في العراق. ↑
- () يذكر الإصطخري في المسالك والممالك: أن «الحيرة …. على طرف البادية مما يلي الغرب ويحيط بها مما يلي المشرق النخيل والأنهار والزروع … بينها وبين الكوفة نحو فرسخ». ↑
- () الطبري: حوادث سنة 14هـ. ↑
- () اليعقوبي: البلدان ص 322. ↑
- () ياقوت: معجم البلدان ج 7، ص 297. ↑
- () الطبري: المجلد الأول ص 2679. ↑
- () ياقوت: معجم البلدان ج 7، ص 279. ↑
- () ابن الفقيه: البلدان ص 173. ↑
- () الطبري: حوادث سنة 14هـ. ↑
- () ماسينيون: خطط الكوفة ص 12 فما بعدها. ↑
- () أنباء الرواة: 4، ص 4. ↑
- () معجم الأدباء: ج 14، ص 42. ↑
- () أبو حيان التوحيدي، البصائر والزخائر: ج 1، ص 175 (بغداد 1954). ↑
- () الأماني: ج 1، ص 148. ↑
- () الطبقات الكبرى: ج 2، ص 266. ↑
- () رجال النجاشي: ص 39 ـ 40. ↑
- () ماسينيون، خطط الكوفة: ص 13. ↑
- () يقول حسن الأمين: من الظلم ما يوجه إلى أهل الكوفة من (اللوم). وإذا كان الكاتب قد تلطف فاقتصر على (اللوم) فإن غيره يقذعون في أوصافهم للكوفيين. والحقيقة أن الأقدار كانت أقوى من الكوفيين، والأقدار لا تغالب. وليس المجال هنا مجال تفصيل. ↑
- () إن أول المجتمعات العلمية وأول جماعة من العلماء الشيعة ظهرت في مدينة الكوفة. إن هذه الظاهرة بدأت عندما كانت الكوفة أول مدينة أقام فيها الشيعة بصورة واسعة. إن كبار المتكلمين الشيعة في القرن الثاني الهجري أمثال أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان البجلي المعروف بـ مؤمن الطاق وأبو محمد هشام بن الحكم الشيباني وأبو الحكم هشام بن سالم الجواليقي وأبو الحسن علي بن ميثم التمار قد ترعرعوا في مدينة الكوفة وفي القرن نفسه نهض من هذه المدينة أو عاش فيها فقهاء ومحدثون من الطراز الأول أمثال زرارة بن أعين وأيوب بن نوح بن درّاج النخعي وحسن بن علي الوشا وحسن بن محبوب السرذاد البجلي وإبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي وأحمد بن محمد بن خالد البرقي وأحمد بن محمد المعروف بـ ابن عُقدة.وقد اشتهر في قراءة القرآن والتفسير في هذا العهد في هذه المدينة كلّ من أبان بن تغلب الجريري وزرارة بن أعين وسليمان بن خالد وعبد الله بن أبي يعفور.
وفي التاريخ والسيرة والأنساب اشتهر كل من إبان بن عثمان البجلي ولوط بن يحيى المعروف بـ (أبو مِخنف) ونصر بن مزاحم المِنقري وإبراهيم بن محمد الثقفي وهشام بن محمد بن السائب الكلبي وهم من أشهر علماء التاريخ والأنساب في العصر الأول وقد نهضوا من الكوفة أما أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف العربي الكبير الذي يعتبر أول فيلسوف إسلامي وجابر بن حيان من أكبر علماء الكيمياء في جميع العصور الإسلامية فقد نهضا من هذه المدينة أو عاشوا فيها.
وبهذا فإن أول مراحل نمو التشيّع والعلوم والثقافة والمعارف الشيعية كان في مدينة الكوفة ومن المحتمل جداً أن أول مدينة تأثرت بنفوذ الشيعة الناهضة من الكوفة هي مدينة قم وأن العلماء والمجتمعات العلمية التي ازدادت وازدهرت فيما بعد في مدينة قم مدينة لمدينة الكوفة.
إن المدن التي تأثرت بالشيعة فيما بعد هي أولا مدينة الري وبعدها مدينة بغداد ومن بين العلماء الذين جاءت أسماؤهم في أمهات كتب الرجال القدماء فإن أكثر الأعداد خاصة بعلماء مدينة الكوفة، أمّا البصريون فهم أقل من 1/6 من الكوفيين وعلماء مدينة قم حوالي 1/ 4 وأخيراً العلماء الشيعة في بغداد 1/ 12 من الكوفيين. ففي مثل هذه المصادر والمآخذ نواجه مثل هذه العبارات «أصله الكوفة وسكن بغداد» و«كوفي نشأ ببغداد» و«كوفي الأصل» و«سكن بغداد» و«كوفي صيرفي انتقل إلى قم وسكنها» و«إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم» و«كوفي مات بقم» و«الكوفي ساكن الري» وأمثال ذلك. إذاً فإن بغداد والكرخ مدينتان في تكوين المحيط العلمي في المرحلة الأولى إلى الكوفة وفي المراحل التالية يأتي دور قم والري، فالصدوق وابن قولويه من مدينة قم والكليني من مدينة الري وهشام بن الحكم والكندي ويحتمل جابر بن حيان توجهوا من الكوفة إلى بغداد. ↑
- () كلمة فارسية، مفردها سرافسار، ومعناها اللجام. ↑
- () كانت منطقة الشيعة تشمل ناحية الهرمل الواسعة بكاملها، وقسماً من أعالي جبال كسروان وبعض قُرى الساحل المعروفة اليوم بالضاحية الجنوبية. ↑
- () يقول كاتب في عدد 8/9/1995 من «النهار»: إن الجنرال غورو عندما وقف في قصر الصنوبر وأعلن إنشاء دولة لبنان الكبير، كان البطريرك إلياس الحويك يقف إلى يمينه والمفتي الشيخ مصطفى نجا إلى شماله. ويروي الكاتب أن وقوف البطريرك والمفتي إلى يمين الجنرال غورو وشماله كان يعني يومئذٍ قيام لبنان الكبير على ركيزتين قويتين هما: المسيحية والإسلام على حد سواء (انتهى).ونقول: إن الثلاثة لم يكونوا واقفين، بل كانوا جالسين: الجنرال غورو جالس في الوسط، والبطريرك جالس عن يمينه، والمفتي جالس عن شماله.
وتأكيدنا على هذا لنشير إلى أنهم لو كانوا واقفين لما ظل ثابتاً موقع كل من البطريرك والمفتي، هذا إلى اليمين وهذا إلى الشمال، فالواقفون يتحركون فتتبدل مواقعهم، والجنرال غورو لا يريد هذا التبدل، بل يريد أن يظل الوضع كما فرضه.
ونحن نرى عكس ما رأى الكاتب من أن هذا الذي فعله الجنرال غورو كان يُراد به الخير للبنان.
نحن نرى أن هذا كان مفتاح البلاء اللبناني، وهو الذي أرسى الانقسام الطائفي الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم. إنه لم يقرر أن في لبنان شعباً واحداً، ينقسم إذا انقسم سياسياً، كما تنقسم كل الشعوب، بل قرر أن في لبنان فريقين لا يلتقيان وطنياً، بل يفترقان دينياً، وأن وجهي هذين الفريقين اللذين يتمثلان بهما هما رجل هذا الدين، ورجل ذاك الدين.
وعلى أساس هذا التقسيم الديني أقام الجنرال غورو لبنان، فكانت المحنة الدائمة.
ثم زاد في البلاء أن أجلس البطريرك عن يمينه والمفتي عن شماله، فاستشعر فريق الغبن واستشعر فريق التفوق، فكان ذلك علة العلل.
إن إعلان لبنان الكبير على أساس انقسام ديني، لا على أساس امتزاج وطني، وإبراز رجلي الدين ممثلين لهذا الانقسام، هو الذي فتح الباب لرجال الدين للدخول في السياسة واستغلالها والانغماس فيها أسوأ انغماس، ما رسخ الانقسام الديني والتمزق الطائفي. ↑
- () لغت نامه: كتاب اللغة، ودهخدا: اسم مؤلفه. ↑
- () في أَوَدْ قام حكم شيعي عاصمته (لكنو). راجع: أَوَدْ. ↑
- () كمال حدّاد، المياه اللبنانية والخطر الإسرائيلي، جريدة الاتحاد، عدد 6254. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () أديب الجدع، الإنماء المائي ـ الزراعي المتكامل لحوض نهر الحاصباني، دراسة قدمت في ندوة عن المياه في جمعية خريجي الجامعة الأميركية في 11/12/1993. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () كمال حمّاد، مشروع «قناة البحرين» الإسرائيلية والقانون الدولي، جريدة البيان، عدد 4254. ↑
- () كمال خير، نهر الليطاني: دراسة جيولوجية وهيدرولوجية دراسة قدّمت في ندوة عن المياه في جمعية خريجي الجامعة الأميركية في 11/12/1993. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () Principles of Public International Law-J. Brownlie. (Oxford – 1073), P. 394. ↑
- () محمد المجذوب، محاضرات في القانون الدولي العام، بيروت، 1978، ص 148. ↑
- () بسام جابر، المياه المتاحة في لبنان، دراسة قدمت في ندوة عن المياه. ↑
- () النتبخة (Evapotranspiration) كلمة مركبة من النتح أو التبخر الفيزيولوجي من خلال النباتات والكائنات الحية، إضافة إلى التبخر الفيزيائي المتأثر بالحرارة والرياح ودرجة رطوبة الجو. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () زياد الحجار، حاجات لبنان من المياه، ري شفة، صناعة. دراسة قدمت في ندوة عن المياه …. ↑
- () الشاهسون: اسم القوات التي أسسها الشاه عباس الكبير وهي خاصة بشخص الشاه. ويطلق هذا الاسم في الوقت الحاضر على إحدى القبائل الإيرانية الكبرى التي تقطن حدود تبريز وأردبيل وقزوين. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، مقدمة الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، النجف 1398هـ، ص 27. ↑
- () باقر شريف القرشي، حياة الإمام الباقر عليه السلام، دراسة وتحليل، النجف 1977م، ص 139. ↑
- () الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 2، ص 427. ↑
- () أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، بيروت، 1971م، ج 5، ص 49. ↑
- () علي الفاضل النائيني، علم الأصول تاريخاً وتطوراً، قم 1405هـ، ص 78. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 33. ↑
- () محمد طراد، مجلة نور الإسلام، العددان: 31، و32، ص 41. ↑
- () آغا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت 1983، ج 2، ص 70 ـ 125. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 35. ↑
- () د. عبد الله فياض، تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، بيروت، 1975، ص 59. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق نفسه، ص 45. ↑
- () الكتب الأربعة هي: الكتابان المذكوران في المتن، و«تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» للشيخ الطوسي. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 49 ـ 50. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 55. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 55. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 57 و60. ↑
- () علي الفاضل النائيني، المصدر السابق، ص 98 ـ 99. ↑
- () أعيان الشيعة، بيروت 1983م، ج 90، ص 159. ↑
- () محمد صادق بحر العلوم ـ مقدمة رجال الطوسي، النجف 1961م، ص 160. ↑
- () المصدر السابق، ص 160. ↑
- () المصدر السابق، ج 90، ص 416. ↑
- () المصدر السابق، ج 5، ص 399. ↑
- () د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الأول، ص 60 ـ 61. ↑
- () الطبرسي، الاحتجاج، بيروت 1981م، ج 2، ص 458. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () محسن الأمين، المصدر السابق، ج 4، ص 215. ↑
- () علي الفاضل النائيني، علم الأصول تاريخاً وتطوراً، ص 192. ↑
- () عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، بيروت 1973م، ص 86. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، بيروت 1978م، ص 149. ↑
- () عباس محمد كاظم، ثورة الخامس عشر من شعبان (ثورة العشرين)، بيروت 1984م، ص 105. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص 286. ↑
- () مجلة النجف العدد 9، ص 129. ↑
- () إننا لنأخذ هنا ما كتبه المفكر العربي منح الصلح في مجلة الديار البيروتية عن بعض ما كان في بلاد الشام:«والنموذج الثاني بين رجال الدين على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام: هو المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذين كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى. فهو على الصعيد الديني لم يقل أثراً وسعة أفق عن محمد عبده، وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين، وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سورية سنة 1936 الإضراب الخمسيني الشهير».
هذا الإضراب كان عصياناً مدنياً على الإفرنسيين. ↑
- () المبادئ القانونية العامة، 254. ↑
- () د. السنهوري، الوسيط 1/ 103. ↑
- () السيد المازندراني، تاريخ النقود الإسلامية، د، ص 33. ↑
- () د. قريضة، والبنوك، 1404هـ، ص 20 ـ 21. ↑
- () د. شامية، النقود والمصارف ط 18، و19. ↑
- () د. الشمري النقود والمصارف 1408هـ ص 32 ـ 34. ↑
- () الشمري، النقود والمصارف ص 22. ↑
- () ن. م 42. ↑
- () ن. م 43. ↑
- () م. ن 43 ـ 44. ↑
- () ن. م 44 ـ 45. ↑
- () قريضة، النقود والبنوك، ص 28 ـ 29. ↑
- () الوسيط ج 6، ق 1، ص 46. ↑
- () د. عزمي رجب، ص 23. ↑
- () المدخل الفقهي العام 3/ 168 و169 و171. ↑
- () الإمام الخميني، كتاب البيع 1/ 21. ↑
- () صابر الترمذي المنسوب إلى مدينة ترمذ على الضفة الشمالية لنهر جيحون الشاعر الكبير في القرن السادس الهجري، له قصائد كثيرة يمدح فيها الصدر الأجل تاج المعالي السيد مجد الدين أبو القاسم علي بن جعفر الموسوي العلوي النسب رئيس خراسان موجودة في ديوانه. إن القصائد الموجودة في ديوان أديب صابر الترمذي في مدح هذا السيد العلوي النسب هي أكثر من القصائد التي أنشدها في مدح السلطان سنجر. ونستنتج من قصائد أديب صابر أن شخصية رئيس العلويين في خراسان كانت تساوي شخصية سنجر وربما تفوق شخصية سنجر في بعض الحالات. ومن الشعراء الآخرين في تلك الأيام وهم أنوري ومعزّي ومسعود سعد أنشدوا آنذاك قصائد في مدح هذه الأسرة وأن هذه القصائد خير دليل على مكانة العلويين وأنصار الشيعة ودرجة احترام الناس لهم وتكريمهم. ↑
- () د. عفاف زيدان. ↑
- () Histoire Generale des Religions, Librarie Aristide Quiller, Paris 1984, T. 1, P. 256. ↑
- () Ibid. P. 401. ↑
- () ول ديورانت ـ قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، مجلد 4، ص 280 و281. ↑
- () الكتاب المقدس ط. جمعية الكتاب المقدس، بيروت 1962، الخروج 20/ 2 ـ 5. ↑
- () صحيح البخاري: آحاد، صحيح مسلم: إمارة 39. ↑
- () علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، دار الرشاد الحديثة م 1، ج 2، ص 178. ↑
- () المرجع نفسه، م 2، ج 7، ص 217 و218. ↑
- () السيوطي تاريخ الخلفاء، المكتبة الإسلامية، بيروت ص 69. ↑
- () راجع ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، دار الأضواء، 1990، ص 111. ↑
- () صحيح البخاري، جهاد 103، مسند أحمد، 2/ 261، 263. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 1، ج 2، ص 216. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 17، ص 159، راجع كذلك الكامل للمبرّد، ج 2، ص 156. ↑
- () نهج السعادة، مؤسسة التضامن الفكري ط 1، 1968، م 2، ص 342 و343. ↑
- () أبو يوسف الخراج، طبعة مؤسسة النصر، بيروت ص 16. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 370 و371. ↑
- () الكليني، فروع الكافي، دار الأضواء، بيروت 33، ص 540. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 4، ج 17، ص 115. ↑
- () راجع حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، مكتبة النهضة، القاهرة، ط 13، 1991م، ج 1، ص 378. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ ص 118. ↑
- () وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي، ط 5، 1983م، م 6، ج 3، ص 216. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 359. ↑
- () المرجع نفسه، م 2، ج 10، ص 514. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 514. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 485. ↑
- () مستدرك وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط 2، ص 1980، م 18، ص 25. ↑
- () المرجع نفسه، م 17، ص 347. ↑
- () الدينوري، الأخبار الطوال، دار الفكر الحديث، بيروت 1988، ص 130. ↑
- () صحيح البخاري، ديات 22. ↑
- () سنن أبي داود، ملاحم 17، سنن الترمذي، فتن 8. ↑
- () مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 18، ص 273. ↑
- () الوسائل، مصدر سابق، م 16، ص 111. ↑
- () المرجع نفسه، م 13، ص 431. ↑
- () المرجع نفسه، م 18، ص 165. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ح 12، ص 109. ↑
- () نفس المرجع. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 1، ص 176. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 12، ص 109. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، ص 215. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، ح 2، ج 8، ص 315. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 12، ص 96. ↑
- () المرجع نفسه، ص 118 و119. ↑
- () المرجع نفسه، ص 123 و124. ↑
- () المرجع نفسه، م 1، ج 2، ص 181. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 12، ص 101 و102. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 17، ص 110. ↑
- () سنن أبي داود، الحدود 4890. ↑
- () المرجع نفسه، ح 4889. ↑
- () راجع، نهج البلاغة، مذكور أعلاه م 3، ج 15، ص 413. ↑
- () مستدرك الوسائل، مصدر سابق، م 11، ص 4. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 4، ج 17، ص 122. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 2، ص 96. ↑
- () الكليني، فروع الكافي، مصدر سابق، م 7، كتاب الحرص 188. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 339. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 12، ص 96. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 19، ص 393. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5. ↑
- () نهج البلاغة، م 4، ج 17، ص 140 و141. ↑
- () اليعقوبي، التاريخ، دار صادر بيروت، ج 2، ص 19، وشرح النهج، مصدر سابق، م 4، ج 6، ص 16. ↑
- () ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3، 1987، م 4، ص 171. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، المكتبة الإسلامية، م 3، ص 43. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، المكتبة الإسلامية، م 3، ص 43. ↑
- () ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مصدر سابق، ص 46. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 2، ص 260 و261. ↑
- () الطبري، التاريخ، مؤسسة الأعلمي، بيروت، بدون تاريخ، م 2، ص 188، وما بعدها. ↑
- () ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، ج 9، ص 364 و365. ↑
- () صحيح البخاري، مناقب الأنصار، وصحيح مسلم إمارة 45 و48. ↑
- () صحيح البخاري، شربة 28، صحيح مسلم لباس 1. ↑
- () د. حسن عدوان، الوليد بن يزيد، دار الجيل، بيروت، 1981، ص 168. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 11، ص 15 و16. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 308. ↑
- () محمد ماهر حمادي، الوثائق السياسية الإدارية للعصر الأموي. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 4 و178، والسيوطي، تاريخ الخلفاء، مذكور أعلاه ص 215. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، م 3، ص 166، والسيوطي، مصدر سابق، ص 523. ↑
- () السيوطي، مصدر سابق، ص 250 و251. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج 15، ص 470. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () الطبري، مصدر سابق، م 4، ص 249. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 5، ص 119. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، م 3، ص 170، والسيوطي مصدر سابق، ص 220. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، ص 226 و227. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 15، ص 468. ↑
- () ابن قتيبة، مصدر سابق، ص 217 ـ 223. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 162. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 148. ↑
- () المرجع نفسه، ص 143. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 1، ج 5، ص 463، نقلاً عن «الموفقيات» للزبير بن بكار وهو غير متهم بالعدوان لمعاوية بل بالانحراف عن علي عليه السلام. ↑
- () الخوانساري: روضات الجنات، ج 5، ص 381، قم طبعة إسماعيليان 392هـ. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: الذريعة، ج 30، ص 130، بيروت، دار الأضواء. ↑
- () كانت تقع يومذاك منتصف طريق الكوفة ـ مكة. ↑
- () تاج العروس ـ مادة عق مط الخيرية. ↑
- () معجم البلدان مادة (العقيق) ـ مط صادر ودار بيروت. ↑
- () آثار المدينة المنورة لعبد القدوس الأنصاري، ص 170. ↑
- () كانت إمارة المدينة المنورة للحسينيين كما كانت إمارة مكة للحسنيين، لكن أمراء مكة تظاهروا بالتسنن فدام ملكهم إلى زماننا هذا فكان آخرهم الملك حسين وابنه علي، وأمراء المدينة المنورة تظاهروا بالتشيع فزال ملكهم للعصبية. ولم يذكر المؤرخون من أحوال أمراء المدينة إلا نتفاً يسيرة وربما كان للعصبية مدخل في ذلك. ولم يذكرهم صاحب مجالس المؤمنين مع ذكره لكثير ممن هم دونهم.وفي صبح الأعشى: وأمرتها ـ أي المدينة ـ الان سنة 799 متداولة بين بني عطية وبين بني جماز وهم جميعاً على مذهب الإمامية. ويفهم من صبح الأعشى أن أول من ولي إمرة المدينة مستقلاً بها طاهر أبو الحسين بن محمد الملقب بمسلم بن طاهر بن الحسن بن أبي القاسم طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر حجة الله ابن أبي جعفر عبد الله بن الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين ابن الحسين السبط ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 18. ↑
- () الخطيب البغدادي. تاريخ بغداد أو مدينة الإسلام منذ تأسيسها حتى سنة 463هـ، بيروت: دار الكتب العلمية، ج 1: ص 174 ـ 175. ↑
- () أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، 1975م، ص 173 ـ 174، 202 ـ 203. ↑
- () بصائر الدرجات، ص 118. ↑
- () ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق.تحقيق: محمد باقر المحمودي. قم: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، 1414هـ، ص 210 ـ 211. ↑
- () علي بن عيسى الإربلي. كشف الغمة في معرفة الأئمة. تعليق: هاشم الرسولي. بيروت، دار الكتاب الإسلامي، ج 2، ص 169. ↑
- () الهزيلي: نسبة إلى الهزل مقابل الجد. وهي إشارة إلى أن حلقة الإمام الحسين ليس فيها عبث وشعوذة وإنما كل ما فيها حق وصواب. ↑
- () ترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق، ص 12. ↑
- () ابن سعد، الطبقات الكبرى. بيروت، دار صادر، ج 5، ص 214. ↑
- () المَزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال تحقيق: د. بشار عوّاد معروف. بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413هـ، ج 20، ص 386. ↑
- () المصدر السابق، ص 389. ↑
- () ابن خلكان. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق: د. إحسان عباس. قم، منشورات الرضي، مج 3، ص 269. ↑
- () الطبقات الكبرى، ج 5، ص 217. ↑
- () اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي. تصحيح: حسن المصطفوي. مشهد، جامعة مشهد، 1348ش، ص 117. ↑
- () المصدر السابق، ص 117. ↑
- () المصدر السابق، ص 115. ↑
- () تهذيب الكمال، ج 10، ص 364. ↑
- () الطبقات الكبرى، ج 6، ص 258. ↑
- () تهذيب الكمال، ج 10، ص 364. ↑
- () رجال الكشي، ص 119. ↑
- () شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مأمون الصاغرجي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1412هـ، ص 4، ص 402. ↑
- () المصدر السابق، ص 402. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد. تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1413هـ، ج 2، ص 163. ↑
- () المصدر السابق، ص 163، 167. ↑
- () فروع الكافي، ج 6، ص 256. ↑
- () رجال الكشي، ص 219. ↑
- () محمد باقر المجلسي: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ، ج 46، ص 355. ↑
- () المصدر السابق، ص 354 ـ 355. ↑
- () رجال النجاشي، ص 10 ـ 12. ↑
- () بحار الأنوار. ج 46، ص 289. ↑
- () رجال الكشي، ص 163. ↑
- () المصدر السابق، ص 167. ↑
- () المصدر السابق، ص 192 ـ 193. ↑
- () الشيخ محمد بن الحسن الطوسي. رجال الطوسي. قم، منشورات الرضي، ص 102 ـ 142. ↑
- () الشيخ المفيد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ص 179، 186. ↑
- () ابن شهر آشوب. مناقب آل أبي طالب. تصحيح: هاشم الرسولي المحلاتي. قم، انتشارات علامة، ج 4، ص 255. ↑
- () الشهرستاني. كتاب الملل والنحل. تخريج: محمد بن فتح الله بدران. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ج 1، ص 147. ↑
- () المسعودي، علي بن الحسين. إثبات الوصية، بيروت، دار الأضواء، 1409هـ، ص 196. ↑
- () الطبرسي. الاحتجاج، ص 210. ↑
- () رجال الكشي، ص 161. ↑
- () العلامة الحلي، رجال العلامة الحلي. تحقيق: السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف: المطبعة الحيدرية، 1961م، ص 119. ↑
- () الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 205. ↑
- () رجال الكشي، ص 185 ـ 186. ↑
- () رجال الكشي، ص 369. ↑
- () رجال الكشي، ص 184. ↑
- () المصدر السابق، ص 335. ↑
- () الشيخ الطوسي، الأمالي. تحقيق: مؤسسة البعثة. قم، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1414هـ، ص 303. ↑
- () الشيخ الصدوق، معاني الأخبار. تصحيح: علي أكبر الغفاري. قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، 1361هـ، ص 1 ـ 2. ↑
- () السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث. (د. م): ط 5، 1413هـ، ج 20، ص 326 ـ 327. ↑
- () بحار الأنوار، ج 12، ص 278، (طبعة الكمباني). ↑
- () رجال الكشي، ص 454. ↑
- () الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا. تصحيح: السيد مهدي الحسيني اللاجوردي. قم، 1363ش، ص 30. ↑
- () رجال الطوسي، ص 342 ـ 366. ↑
- () رجال النجاشي، ص 365. ↑
- () المصدر السابق، ص 364. ↑
- () المصدر السابق، ص 256. ↑
- () المصدر السابق، ص 45. ↑
- () المصدر السابق، ص 252. ↑
- () المصدر السابق، ص 371. ↑
- () المصدر السابق، ص 227. ↑
- () المصدر السابق، ص 273. ↑
- () المصدر السابق، ص 408. ↑
- () المصدر السابق، ص 272 ـ 273. ↑
- () المصدر السابق، ص 370. ↑
- () المصدر السابق، ص 369. ↑
- () المصدر السابق، ص 367. ↑
- () الشيخ الطوسي، الفهرست، ص 181. ↑
- () المصدر السابق، ص 83. ↑
- () رجال الكشي، ص 449. ↑
- () ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب. ج 4، ص 316 ـ 317. ↑
- () الصدوق، عيون أخبار الرضا. ج 1، ص 93. ↑
- () الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى. تصحيح: علي أكبر الغفاري، بيروت، دار المعرفة، 1979، ص 313. ↑
- () المصدر السابق، ص 315. ↑
- () الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 307. ↑
- () رجال الكشي، ص 483. ↑
- () رجال العلامة الحلي، ص 75. ↑
- () الشيخ الطوسي، كتاب الغيبة. تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح. قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1411هـ، ص 73. ↑
- () أصول الكافي، ج 1، ص 322. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد. ج 2، ص 281. ↑
- () المصدر السابق، ج 2، ص 282. ↑
- () المصدر السابق، ص 289. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد. ج 2، ص 312. ↑
- () الحسن بن علي بن شعبة الحراني، تُحف العقول عن آل الرسول. تصحيح: علي أكبر الغفاري. قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، 1404هـ، ص 458 ـ 475. ↑
- () رجال الكشي، ص 484 ـ 485. ↑
- () رجال الطوسي، ص 409 ـ 427. ↑
- () حول هذه الكتب، والمؤلفات المنسوبة للأئمة عليهم السلام، راجع كتاب: تدوين السُّنة الشريفة، ص 52 ـ 78، وص 134 ـ 187، للمحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي. ↑
- () معجم الألقاب. ↑
- () الوافي بالوفيات. ↑
- () معجم الألقاب. ↑
- () تاريخ علم الفلك/ 156. ↑
- () أحوال وآثار/ 132. ↑
- () المرجعية تُنسب إلى المرجع الديني، و«هو الإنسان الذي اكتسب، من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد استيعاباً حياً وشاملاً ومتحركاً للإسلام ومصادره وورعاً معمقاً يروض نفسه عليه ويصبح قوة تتحكم في كل وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات ليكون شهيداً عليه».بهذا التعريف الموجز الشامل يظهر لنا بأن المرجع الديني هو شخص معين تعييناً نوعياً لا شخصياً، أي بمعنى أن كل من توافر فيه الصفات المتقدمة في التعريف المار ذكره فمن حق الأمة أن تتخذه مرجعاً لها، أما كيف يمكن تعيين ذلك المرجع، فأمر متروك إلى وعي الأمة وأهل العلم والخبرة والمعرفة. تصبح المرجعية «مقاماً يمكن اكتسابه بالعمل الجاد والمخلص لله سبحانه …».
أما مصطلح التقليد فمعناه أخذ الأحكام الشرعية من المجتهد للعمل بموجبها، وسمي تقليداً لأنه «يجب على كل مكلّف لم يبلغ رتبة الاجتهاد، أن يكون في جميع عباداته ومعاملاته وسائر أفعاله وتروكه، مقلداً أو محتاطاً، إلاَّ أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، وكثير من المستحبات والمباحات».
ويتم التقليد في الفروع فقط حيث لا يجوز التقليد في أصول الدين كما لا يجوز التقليد في الضروريات من الأحكام، كوجوب الصلاة والحج، لأنها ثابتة في الشرع ولا تحتاج إلى اجتهاد.
ويضع الفكر الشيعي أهمية فائقة للعلماء المجتهدين ويعطيهم دوراً أساسياً في قيادة المجتمع. ويعود ذلك إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الذي أولى العلم والعلماء تلك الأهمية الفائقة التي ظهرت في فتح باب الإجتهاد الذي جعل عملية الإبداع عملية حيوية ومستمرة. لذلك يصبح الاجتهاد من الناحية السوسيولوجية عاملاً من أهم العوامل التي لعبت دوراً ريادياً في التطور الفكري والفلسفي، والذي هيأ أرضية خصبة ومجالاً حيوياً لحركة الفكر والإبداع وتطور الدراسات والبحوث الفلسفية والكلامية والفقهية.
وبحسب الشيخ أبو زهرة فإن الشيعة هم أول من فتح باب الاجتهاد لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والفقهية المستجدة دوماً، وكذلك اتساع صدور مجتهدي الشيعة للمسائل الفقهية، ما دام كل مجتهد منهم يلتزم بمنهج معين ويهدف إلى غاية لا هوى فيها، إلى جانب تحرّر مجتهديهم من أي ارتباط بالدولة ومؤسساتها، والذي يعود، إلى أن جامعة النجف وجميع المدارس الفقهية الأخرى، تعتمد في مصاريفها على الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة التي يدفعها المسلمون إلى المرجعية الدينية وكذلك التبرعات والهبات وإيجارات الأوقاف الإسلامية. وليس لجامعة النجف والمدارس الفقهية الأخرى أي مورد مالي من الحكومة العراقية ولا من وزارة الأوقاف العراقية، وهذا ما يوفر لها حرية الفكر والعمل واستقلالية القرار العلمي. ↑
- () محمد بن أيوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963) 1/ 12 ـ 14. وانظر أيضاً: Abdulaziz Sachedina, Islamic Missionism (1981), PP. 30 – 35. ↑
- () عبد الجليل قزوين: كتاب النقض (طهران، 1952) ص 12، 256، 304، 492. ↑
- () مطهري: «اجتهاد در إسلام» مرجعيت وروحانيت (طهران، 1962) ص 42. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تهذيب الوصول إلى علم الأصول (طهران، 1890). ↑
- () أبو القاسم كُرجي «نكاهي بي تحولات علم أصول»، مجلة دانشكاده أدبيات (طهران، 1973)، ص 39. ↑
- () ابن المطهر الحلي: الألفين (النجف، 1969) ص 9، 40، 82، 285، 290. ↑
- () الشيخ حسن العاملي: معالم الأصول (طهران، 1959) ص 416. ↑
- () آغا باقر بهبهاني: رسالة الاجتهاد والأخبار (1895) ص 1 ـ 20. ↑
- () المصدر نفسه، ص 16. ↑
- () قارن ابن المطهر الحلي: كشف المراد (دون تاريخ للطبع) ص 240، ونصير الدين الطوسي: تلخيص المحصل (طهران، 1980) ص 206، وفاضل مقداد سيوري: كتاب النافي في شرح الباب الحادي عشر (طهران 7/ 1979) ص 66. ↑
- () نور الله شوشتري: إحقاق الحق (بدون تاريخ للطبع) 21/ 319. ↑
- () النراقي: مناهج الأحكام 1891، ص 275 ـ 277. ↑
- () حسن العاملي: معالم الأصول (نهران، 1959)، ص 435. ↑
- () مرتضى الأنصاري: زندكي شيخ أنصاري (الأهواز، 1960) ص (72 ـ 75). ↑
- () الشيخ مرتضى الأنصاري: الاجتهاد والتقليد (مصر) ص 35. ↑
- () محمد كاظم الطبطبائي اليزدي: العروة الوثقى (طهران، بدون تاريخ) ص 4. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () العاملي: معالم الأصول، ص 425 ـ 443. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام (قم، 1903) ص 185 ـ 205. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تذكرة الفقهاء (طهران، 1955) 1/ 255 ـ 453. ↑
- () الشهيد الثاني: شرح اللمعة (طهران، 1929) 1/ 255 ـ 453. ↑
- () محمد باقر البهبهاني: رسالة الاخبار والاجتهاد، ص 9. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام، ص 185. ↑
- () المصدر نفسه، ص 187، 188. ↑
- () المصدر نفسه، ص 186. ↑
- () محمد بن يعقوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963) 1/ 113. ↑
- () ابن بابويه الصدوق: إكمال الدين وإتمام النعمة (طهران، 1960) 2/ 160 ـ 161. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام: ص 188. ↑
- () الشيخ مرتضى الأنصاري: المكاسب (تبريز، 1955) ص 153ـ 155. ↑
- () النراقي، عوائد الأيام: ص 188. ↑
- () الطباطبائي اليزدي: العروة الوثقى؛ ص 5. ↑
- () من الأمثلة على ذلك فتوى الميرزا حسن الشيرازي (1312هـ/ 1894م) في تحريم التبلغ، وميرزا حسن تقي الشيرازي (1338هـ/ 1919م) في الجهاد ضد الانتداب البريطاني على العراق، قارن بعلي دواني: نهضة روحانيون إيران (طهران، 1979) 1، 2. ↑
- () كان اعتقاد بحر العلوم في الشيخ حسين نجف كبيراً إلى أبعد الحدود، ومن ثم كان يصلي خلفه في صلاة الجماعة التي يؤمّها في المسجد الهندي، ويأتمّ به أيضاً الشيخ جعفر الكبير والشريف محيي الدين وأكثر علماء النجف، وكان بحر العلوم يتمنى أن يصلي الشيخ حسين نجف على جنازته. ↑
- () كذلك ينقل أن أول من استخدم المنبر في التدريس كما يفعل الخطباء في خطبهم هو شريف العلماء. وقد اشترى له المنبر الشيخ الأنصاري. ↑
- () كان الشيخ المفيد موضع احترام وثقة الدولة (البويهية) الإيرانية المعروفة والشيخ كما نعرفه من أسرة عربية عراقية معروفة من (عكبرا)، كما أن الشهيد الأول محمد بن مكي كان موضع ثقة واعتماد الدولة (السربدارية) الفارسية السبزوارية، وهو فقيه عربي من لبنان (جبل عامل). ↑
- () الرحبة: جمعها رحاب، والرحاب في الأصل: مواضع في الأودية متواطئة ليستنقع الماء فيها وما حولها مشرف عليها، وهي أسرع الأرض نباتاً، تكون عند منتهى الوادي في وسطه وتكون في المكان المشرف ليستنقع الماء فيها، وإذا كانت في الأرض المستوية نزلها الناس، وإذا كانت في بطن المسيل لم ينزلها الناس وإذا كانت في بطن الوادي فهي حفرة غير عميقة تمسك الماء ونزل الناس من ناحية منها.وقد غلب اسم الرحبة على أكثر من بلدة. والمقصود هنا رحبة مالك بن طوق، وبينها وبين دمشق ثمانية أيام ومن حلب خمسة أيام وإلى بغداد مائة فرسخ وإلى الرقة نيف وعشرون فرسخاً ـ على ما يقول ياقوت الحموي ـ وهي بين الرقة وبغداد.
وينسب إلى الرحبة هذه جماعة. وكان أسد الدين شيركوه ولّى الرحبة يوسف بن الملاح الحلبي وآخر معه من بعض القرى فكتب إليه يحيى بن النقاش الرحبي:
كم لك في الرحبة من لائم
يا أسد الدين ومن لاح
دمرتها من حيث دبرتها
برأي فلاح وملاح
وله فيه:
يا أسد الدين اغتنم أجرنا
وخلص الرحبة من يوسف
تغزو إلى الكفر وتغزو به
الإسلام ما ذاك بهذا يفي
↑ - () زامباور، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ص205. ↑
- () قتل هو وأبوه بموقعة الاقحوانة سنة 420 هـ. ↑
- () ابن الأثير، ج 9، ص165. ↑
- () قال ابن شداد في الأعلاق الخطيرة: إن صالح بن مرداس ملك حصن ابن عكار سنة 416، كما قال ابن العديم في زبدة الحلب: أنه سنة 416 ملك صالح حمص وبعلبك وصيدا وحصن ابن عكار بناحية طرابلس. وبعد قتل صالح استولى على عكار متولي طرابلس من قبل الظاهر ابن الحاكم صاحب مصر. وقال أبو الفداء: واستقر صالح مالكاً لحلب وملك معها من بعلبك إلى عانة. وأقام صالح بن مرداس بحلب مالكاً لما ذكرت سنين. ↑
- () هو الشاعر الدمشقي محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الغنوي. ↑
- () أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري وغيره، وسمع الحديث وبرع فيه. توفي بقلعة أعزاز من أعمال حلب مسموماً سنة 466هـ (1089م) وقد كان والياً عليها. وهو شاعر مجيد متفنن في ضروب الشعر وقد مدح الأمراء من بني مرداس وبني منقذ وبني ملهم والمتأخرين من بني حمدان. ترك ديوان شعره وكتاب سر الفصاحة الذي أراد بتأليفه أن يوضح حقيقة الفصاحة ويكشف عن سرها لأنه يؤمن بأن لكل جمال في الكلام سبباً يمكن الاهتداء إليه، فأراد أن يضع كتاباً يستطيع به دارسه أن يعلل ويستدل ويعرف الوجوه والأسباب. ↑
- () أبو الفتح الحسن وقيل: (الحسين) بن عبد الله من معاصري أبي العلاء المعري في معرة النعمان. ولد ونشأ فيها، اتصل بالدولة المرداسية في حلب فكان من شعرائها المنقطعين إليها، وقد أرسله تاج الدولة بن مرداس إلى الخليفة الفاطمي المستنصر في القاهرة فمدحه بعدة قصائد ومن شعره وهو في مصر:أقول وقد أشرفت ذات عشية
على النيل من إحدى الهضاب الشواهق
ومن دونها فسطاط مصر وزاخر
كان بشطيه مسوك الخرانق
خليلي شيما بارق الشام إنني
نظرت إلى إيماض تلك البوارق
كما ذهب إلى دمشق واتصل بعلمائها وزار مشاهدها ووصف أماكنها المقصودة واتصل بالبادية وأهلها عن كثب فاطلع على كثير من أهلها وسجل وقائعهم وكثيراًمن أحداثهم.
وقد وصف شعره بأنه السهل الممتنع، عذب الألفاظ حسن السبك. وكان مكثراً طويل النفس، وكان يطمح للقب الإمارة، وفي مدائحه للمستنصر الفاطمي كان يلمح إلى ذلك فأناله المستنصر بغيته فأصبح يلقب بالأمير، ثم نال اللقب نفسه من محمود بن نصر بن صالح المرداسي، وبعد الإمارة الفخرية توصل إلى الإمارة الفعلية حيث ولي بعض البقاع.
وعدا شعره في المرداسيين فله مدائح ومراثٍ في أمراء عصره وكبار رجاله. ولما مات أبو العلاء رثاه بقصيدة مطلعها:
العلم بعد أبي العلاء مضيع
والأرض خالية الجوانب بلقع
توفي ابن أبي حصينة في سروج سنة 457هـ (1065م) وله ديوان شعر مطبوع في دمشق سنة 1956م في جزأين. ↑
- () تبّل: من قرى حلب من جهة إعزاز. ↑
- () برقة منشد ماء لبني تميم وبني أسد. ↑
- () هو ناصر الدولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن حمدان ابن العديم: زبدة ج 1، ص 277. ↑
- () في معجم البلدان ج 3، ص 92: الفنيدق: من أعمال حلب كانت به عدة وقعات وهو الذي يعرف اليوم بتل السلطان: بينه وبين حلب خمسة فراسخ وبه كانت وقعات الفنيدق بين ناصر الدولة بن حمدان وبني كلاب من بني مرداس سنة 452 فأسره بنو كلاب. ابن الأثير: الكامل، ج 7/ 62. ↑
- () هو الذنيني بن أبي كلب الجهبلي الكلابي. ↑
- () هو أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس، الشاعر المشهور، كان يدعى بالأمير لأن أباه كان من أمراء العرب، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين. له ديوان شعر كبير، لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم وكان منقطعاً إلى بني مرداس، أصحاب حلب، ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بحلب. ↑
- () كانت هذه البعثة مؤلفة من شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر وزير ثمال بن صالح وولده وثاب وزوجته علوية بنت وثاب المعروفة بالسيدة. ↑
- () أو قد قال في هذا الصدد ما نصه (4: 509 ـ 510):«والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول، لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن، تكون قيمتها مائتي دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها … وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته من تلك الخزائن». ↑
- () مرت دراسة موسعة عن المسعودي. ↑
- () سقطت إشبيلية بعد حصار دام سنة وخمسة أشهر براً وبحراً عانت فيه إشبيلية أشد الأهوال. وقد نظم الشاعر أبو موسى هارون بن هارون يصف ما نالها من الكرب الشداد ويستنجد بمن وراء البحر في قصيدة طويلة:يا جنة زحزحتنا عن زخارفها
ذنوبنا فلزمنا البث والندما
يا سائلي عن مصاب المسلمين بها
اصخ لتسمع أمراً يورث الصمما
فالبحر بالمنشآت ارتج من ذعر
والبر بالمرهفات ارتاع فاكتتما
واستوطنوا القبر في الوادي وقام لهم
جسر من الفلك لا تشكو به السأما
فكم أسارى غدت في القيد موثقة
تشكو من الذل أقداماً لها حطما
وكم صريع رضيع ظل مختطفاً
عن أمه فهو بالأمواج قد فطما
يدعو الوليد أباه وهو في شغل
عن الجواب بدمع سال وانسجما
فكم ترى والهاً فيهم ووالهة
لا يرجع الطرف إن حاورته الكلما
وقد أحاطت بنا الأعداء فاغرة
أفواهها تبتغي أرواحنا طعما
عادت سواراً على سور المدينة قد
أفناه عضّاً وكم من معصم قصما
أين القباب التي كانت محجبة
فيها الملوك تفيض الجود والكرما
تمضي العزائم والأقدار تسعدها
فلا ترد لها الأيام معتزما
يا حسنها غرفاً للحسن جامعة
ما طاب قط لها إلا النعيم حمى
كانت معاهد للذات نعمرها
فلا نراع إذا ما هاجم هجما
عيش تقضى وابقى بعده أسفاً
كأن ما كان منه في الكرى حلما
يا أهل وادي الحما بالعدوة انتعشوا
هذا الذماء فقد أشفى به سقما
ماذا يبطئكم عنا وحق لكم
إن تبصروا دار قوم أصبحت رمما
وقد دعونا فأسمعنا على كثب
بما قد استنفد القرطاس والقلما
فتح الجزيرة مما سن أولكم
فلتنسبوا للهدى في أرضنا قدما
كونوا لها خلفاً منهم وإن نفُذُوا
ولا تبالوا أطال العهد أم قدما
هل من مجيب لداعينا فيركبنا
فلك النجاة فبحر الحادثات طما
لم يبق فينا سوى الأنفاس خافتة
فكلنا في وجود يشبه العدما
كم نستغيث ولا إنسان يصرخنا
ونستطب لداء طال، ما حسما
↑ - () المؤرخون العرب يمسونه (بلاي). ↑
- () هناك من يرى أن الحملة كانت في عهد عقبة بن الحجاج السلولي. ↑
- () والمسلمون يسمونها مملكة جليقية. ↑
- () قال كاتب في مجلة (نهج الإسلام) عن عبد الرحمن (الداخل) هذا:كان أول أمير للأندلس يقوم بفصل هذه الولاية عن جسم الدولة الإسلامية فصلاً سياسياً كاملاً، ويسعى إلى تأسيس حكم أسرة وراثية مستقلة فيها. فابتدأ بذلك عهداً جديداً في تاريخ الأندلس، وخط سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام ووحدة أراضيه السياسية.
لقد فصلت الأندلس عن بقية أجزاء الدولة الإسلامية، وكان عليها أن تعتمد في مواجهة أوروبا الغربية على طاقاتها وحدها لا على طاقات المسلمين ودولتهم العظمى، ففي هذا اليوم يمكن القول إن تيار المدّ العربي في أوروبا أخذ يتحول إلى جزر، ولا غرابة أن نقرأ أنه مع استيلاء عبد الرحمن على الأندلس فقد المسلمون ممتلكاتهم في فرنسا، وقام الملك الفرنجي شارلمان بغزو الأندلس مفتتحاً عهد حرب الاستغلاب الذي انتهى بسقوط الأندلس. (انتهى).
وكان أحمد شلبي قد كتب سلسلة مقالات عن عبد الرحمن (الداخل) فجاء في بعض ما رددت عليه ما يلي:
لا أريد الدخول في نقاش طويل مع الأستاذ أحمد شلبي فيما كتبه في مقالاته الست عن عبد الرحمن الداخل، هذه المقالات التي انتهت في العدد 10373 من (الحياة). إذ لو فعلت ذلك لكان عَليّ أن أُشغل (الحياة) بست مقالات أخرى، وهذا فوق ما يحتمله قرّاء (الحياة).
لذلك سأكتفي بالتعليق على آخر مقال له، وهو المقال السادس الذي خصصه لذكر انتقادات المؤرخين ومدائحهم لعبد الرحمن هذا.
إن جميع ما ذكره من انتقادات المؤرخين ليهون أمام ما لم يذكره مما أحدثه هذا الرجل من شرخ في جسم الدولة الإسلامية الكبرى حيث فصل شطرها الغربي عن قاعدته في الشرق، وتركه يلاقي مصيره وحده في مواجهة الخطر المتربص له. فكان بذلك «أكبر انفصالي في التاريخ الإسلامي، وأول من فتح باب الانشقاق والتمزّق في وطن الإسلام الكبير».
وحين نتجاوز ذلك نرى أن الأستاذ الشلبي يهوّن ما استطاع التهوين من أمر المجازر التي ارتكبها عبد الرحمن حتى في أقرب الناس إليه، حتى في ابني أخيه أبان حيث قتلهما فيمن قتل، وكان قد قتل قبلهما ابن عمه عبد السلام بن يزيد بن هشام.
والأستاذ الشلبي حين ذكر ذلك لا يرى فيه شيئاً من المؤاخذة، بل يقول: «والدارس لتاريخ عبد الرحمن قد يلومه لقسوته، وقد يعتذر عنه بسبب الظروف التي دعت لذلك».
فأقسى ما عند الأستاذ الشلبي لمن يسفك حتى دماء ابني أخيه وابن عمه، فضلاً عن الآلاف من اليمنية الذين اعترف الأستاذ الشلبي بقتلهم ودفنهم في قبر واحد. وعن الغدر برؤساء أهل طليطلة الذين أغراهم بعقد الصلح معهم حتى إذا وصلوا إليه صلبهم جميعاً.
إن أقسى ما عند الأستاذ الشلبي لمن يرتكب ذلك هو أنه (قد يلام)، اللوم فقط، ولكن الأستاذ الشلبي لم يقرر حتى هذا اللوم، فقرن فعله المضارع (يلام) بكلمة (قد). وكلمة (قد) هنا محت حتى (اللوم)، وفقاً للقواعد النحوية التي يعرفها الأستاذ الشلبي حق المعرفة!.
والأستاذ الشلبي يقر من حيث لا يقصد الإقرار، بأن حركة عبد الرحمن الانفصالية قد أدّت إلى استيلاء الإسبان على الأندلس، فهو حين يتحدث عن مناقبه يذكر من تلك المناقب إنشاءه أسطولاً ضخماً، ثم يقول بلا فاصل: «ومما يذكر عن هذا الأسطول أنه كان الدعامة التي اعتمد عليها الإسبان بعد تحول السلطة من العرب إليهم فاستطاعوا أن يتسلطوا على البحر المتوسط …».
أمن المناقب أن ينشئ عبد الرحمن أسطولاً ضخماً تؤدي تصرفاته إلى أن يصل هذا الأسطول إلى الإسبان فيتسلطوا به على العرب والمسلمين في البحر المتوسط؟!
ويتحدث الأستاذ الشلبي عن المسجد الذي أنشأه عبد الرحمن في قرطبة، ولا أدري لماذا لم يذكر أن انفصالية عبد الرحمن قد أدّت إلى أن يتحول هذا المسجد على أيدي الإسبان إلى كنيسة، كما ذكر استيلاء الإسبان على الأسطول؟! ↑
- () قال ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص 102 ـ 105، الذي زار الأندلس في عهد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر (300 ـ 350هـ/ 912 ـ 961م) واصفاً الحال العسكرية في عهده، قائلاً عن الناس يومذاك: «… وبعدهم عن البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ولقاء الرجال ومراس الأنجاد والأبطال». ويقول في مكان آخر: «وليس لجيوشهم حلاوة في العين لسقوطهم عن أسباب الفروسية وقوانينها». ويتحدث عن قلة عدد الفرسان قائلاً إن عدد الفرسان المسجلين في قوائم الدولة وسجلاتها في عهد عبد الرحمن الناصر ومن سبقه من آبائه الأمراء الأمويين لم يزد على خمسة آلاف فارس ممن يقبض أرزاقه من ديوان الدولة.ويقول في نفح الطيب ج 1، ص 295: إن أكثر سكان الشرف غربي إشبيلية كان من حضرموت قد برز من قادتهم حيوة بن ملامس الحضرمي. ويشير إلى أن هذا القائد كان ممن قتلهم عبد الرحمن الداخل. ↑
- () كتب كاتب عن عوامل سقوط الأندلس فعلقت على ما كتب بما يلي: لا شك أن معركة بواتييه بين شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي وانهزام المسلمين فيها أخّرت التقدم الإسلامي في فرنسا، ولكن إلى حين فمعركة بواتييه كانت مجرد معركة، فالقوى الإسلامية ممتدة حتى أقاصي المشرق، والدولة قائمة بكل مقوماتها، وبكل عددها وعتادها وهي مستطيعة إعادة الكرة أكثر من مرة.إن سبب النكبة في الأندلس، وسبب التراجع النهائي بعد الامتداد المتواصل في فرنسا هو انفصال الأندلس عن جسم الدولة، وقيامها كياناً مستقلاً لا تربطه بالقاعدة أية رابطة. وعندما نرجع إلى وقائع التاريخ نرى أن المد الإسلامي في فرنسا الذي كان مرشحاً لأن يتجاوزها إلى أوروبا كلها، توقف أولاً ثم أخذ بالانحسار في الوقت الذي وصل فيه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس فقامت الفتن، ثم تمّ الانفصال النهائي ووقفت الأندلس وحدها في مواجهة أوروبا الغربية كلها، ولم تعد الدولة الأم مسؤولة عنها، وصار عليها أن تواجه مصيرها بنفسها.
وكان من الطبيعي أن يقوم في هذا الكيان الانفصالي بعض التوهجات، ولكنها توهجات آنية ما كان لها أن تدوم ـ وهي فعلاً لم تدم ـ وكانت النتيجة أن تدرّجت النهاية تدرجاً، مرحلة بعد أخرى ففقد المسلمون أولاً ما كانوا يملكون في فرنسا، ثم تجرأ شارلمان فهاجم الأندلس نفسها، وإذا كان لم يفز منها بطائل، فقد كان مجرد هجومه عليها إيذاناً بأن عهد الامتداد انتهى، وأن على الأندلس أن تفكر بعد اليوم بما يحميها.
كان هذا في الوقت الذي لا تطمح بالنجدات من وراء البحر، لأنها هي نفسها قطعت صلتها بما وراء البحر، وبما في هذا (الوراء) من قوى!
كان هجوم شارلمان الخطوة الأولى بما عرف بعد ذلك بحرب الاسترداد ولم يكن من المحتوم أن تكون الخطوة الأولى ناجحة. وإذا لم تنجح فقد مهدت لنجاح الخطوات التي تلتها، وتتابعت الخطوات الناجحة خطوة بعد أخرى وأخذت المدن الأندلسية تتساقط مدينة بعد أخرى، وكان هذا طبيعياً في بلد محدود السكان، محدود المكان، محدود الإمكان. ولن ندخل في التفاصيل، فالتفاصيل معروفة.
إن لنا أن نعيد النظر في دراسة تاريخنا وأن نواجه الحقائق كما هي فلا نتعامى عنها، وأن نأخذ من كل ذلك العبرة، وما أكثر ما يمكن أن نأخذ من العبر. ↑
- () تاريخ الأدب في الأندلس ـ عصر سيادة قرطبة ص 16. ↑
- () كتاب المقتبس لابن حبان نشر بعضه بتحقيق أنطونية (باريس 1937). ↑
- () تاريخ الأدب في الأندلس ص 16. ↑
- () ن. م. ص 19 ـ 20. ↑
- () تاريخ الأدب الأندلسي ـ عصر الطوائف ص 7 ـ 8. ↑
- () لما سقطت طليطلة قال شاعر أندلسي:يا أهل أندلس شدوا رحالكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينقض من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
↑ - () كان لا بد للموحدين أن يتدخلوا في الأندلس، لتوحيد الجبهة الإسلامية على مملكة البرتغال غرباً، ومملكة قشتالة وليون شمالاً، ومملكتي أرغون وقطلونية في الشمال الشرقي ولم يلبث الموحدون أن عبروا المجاز وفرضوا طاعتهم على قادس وإشبيلية وقرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء في سنة 546هـ (1151م)، ثم تغلبوا على غرناطة في سنة 549هـ (1154م)، واستتب نفوذهم في جنوب الأندلس. وفي سنة 552هـ (1157م) نجح الموحدون في استرجاع المرية من القشتاليين بعد حصار دام سبعة أشهر.وفي عهد أبي يوسف يعقوب (580 ـ 595هـ/ 1184 ـ 1198م). اشتد خطر الولايات الإسبانية في شمال شبه الجزيرة، فلم يجد أبو يوسف بداً من العبور إلى الأندلس بجيوشه لينقذ ما تبقى من الأندلس في أيدي المسلمين.
ويذكر عبد الواحد المراكشي أن ألفونسو جمع جموعاً لم يجتمع له مثلها قط، كانت تتجاوز خمسة وعشرين ألف فارس ومائة ألف من المشاة، وتم الصدام في 3 شعبان 591هـ (10 تموز سنة 1195م)، والتحم الجيشان في قتال عنيف انتهى بانتصار الموحدين انتصاراً كبيراً على جيوش الإسبان وحلفائهم.
وقد أدّى هذا الانتصار إلى تغيير الأوضاع في إسبانيا فترة من الزمن، وكسر شوكة قشتالة بعض الوقت، ولقد أعطى المؤرخون العرب لهذا الانتصار أهمية كبرى باعتباره آخر انتصار للإسلام في الأندلس، فلم تمض 17 سنة على هذا الانتصار حتى هزمت إسبانيا المسلمين سنة 609هـ (1212م) في موقعة العقاب التي أدّت إلى انهيار دولة الموحدين وتصدّع دعائم الإسلام في الأندلس.
والأرك الذي نسبت الوقعة إليه موضع بنواحي بطليوس من غرب الأندلس. ↑
- () هو محمد بن عبد الله القضاعي من كبار رجال الشيعة في الأندلس (راجع عن تشيع ابن الأبار: أعيان الشيعة، ومستدركات أعيان الشيعة)، ولد في بلنسية سنة 595هـ وتوفي سنة 658 أصله من أنْده أرض بني قضاعة بالأندلس، كان بمثابة (سكرتير) لزيان بن مردنيش حاكم بلنسية. ولما حاصر ملك أرغونة دون جايم مدينة بلنسية أرسله إلى تونس مستنجداً.وقبل سقوط بلنسية أو بعده بأيام غادر بلنسية مع أسرته إلى تونس فحظي عند سلطان تونس ثم فسد ما بينهما ثم عادا إلى التصافي، ولما مات السلطان الحفصي أبو زكريا وخلفه ابنه المستنصر قرب ابن الأبار، ثم غضب عليه فأمر أن يقتل طعناً بالحراب، ثم أحرق جسده ومصنفاته وأشعاره وإجازاته العلمية في محرقة واحدة.
كان ابن الآبار مؤرخاً محدثاً أديباً شاعراً، عربي النسب، مؤلفاً. ↑
- () لما أفضت الخلافة للناصر الموحدي وعاود يحيى الميورقي ثورته على الموحدين وجاء الناصر إلى تونس وعهد إلى عبد الواحد بن أبي حفص بإخماد الثورة فثار بجيش لقتال الثائر فلقيه بناحية قابس وأوقع به وشرد عصابته سنة 602هـ (1206م) ولما عاد الناصر إلى بلاده استخلف على أفريقيا ثقته ووزيره أبا محمد عبد الواحد جد الأمراء الحفصيين سنة 603هـ (1207م) فكانت بداية الدولة الحفصية.واستتب أمر البلاد التونسية من ذلك الحين بيد الولاة الحفصيين إلى أن أعلنوا استقلالهم بها وانفصلوا عن المملكة الموحدية.
وقد اتسعت رقعة الإمارة الحفصية حتى شملت طرابلس والجزائر وما يعرف اليوم بالمغرب، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658هـ. وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة فكان من أمره ما كان. ولم تلبث هذه الدولة الفتية أن تمزقت فاستقل بنو يملول في توزر، وبنو خلف في نفطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
ثم عادت الحياة والقوة إلى الدولة الحفصية في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الهجريين بفضل الخليفة أبي العباس وأبي فارس فامتد نفوذ الحفصيين إلى المغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس، ثم عادت الدولة إلى التدهور مرة ثانية حتى لم يبق تابعاً لها في أواخر القرن التاسع الهجري إلا مدينة تونس. ↑
- () صالح بن شريف النفزي الرندي المعروف بأبي البقاء. هو الآخر من كبار من أنجبتهم الأندلس من الشيعة (راجع عن تشيعه: مستدركات أعيان الشيعة). ولد سنة 661 601هـ وتوفي سنة 680 684هـ ينتسب إلى قبيلة نفزة وهي من قبائل البربر، وينتمي إلى مدينة رُندة. كان أديباً فقيهاً، وامتدت اهتماماته لتشمل معظم جوانب الثقافة الأدبية والدينية لعصره. فكان شاعراً ومؤلفاً وناقداً، مقدماً في رجال القرن السابع المعدودين وقد نظم في مختلف فنون الشعر من المديح والغزل والوصف والرثاء والحكمة. ↑
- () هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني، الغرناطي الأندلسي الشهير بلسان الدين ابن الخطيب: وزير مؤرخ أديب. انتهت حياته خنقاً في السجن وبعد دفنه يوماً أخرج شلوه فأحرق.ومما قاله وهو في السجن متوقعاً الموت، من قصيدة:
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات فمن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت
بلغت مؤلفاته ستين كتاباً منها: الإحاطة في تاريخ غرناطة. وكان مقتله سنة 776هـ (1374م). ↑
- () نستطيع تعيين مملكة غرناطة تعييناً جغرافياً بأنها المحدودة من الشمال بولايات جيّان وقرطبة وإشبيلية، ومن الشرق بولاية مرسية والبحر المتوسط الممتد منها إلى الجنوب، ومن الغرب ولاية قادس وأرض الفرنتيرة. ممتدة فيما وراء نهر الوادي الكبير إلى الجنوب حتى شواطئ البحر المتوسط ومضيق جبل طارق. ويخترقها عدة أنهار. ↑
- () ولد محمد بن يوسف في أرغونة سنة 595هـ/ 1198م. ↑
- () من ذلك استنجاده ببني مرين وتوصية خليفته بالاستنجاد بهم إذا اشتد الأمر. ↑
- () عاشت دولة بني مرين أكثر قليلاً من قرنين إذا اعتبرنا بدايتها منذ يعقوب المنصور. وفي حين كان الإقطاع يسود أوروبا كان المغرب في عهد بني مرين تسوده حكومة موحدة ونعمة حضارة مزدهرة. كانت مملكة غرناطة، آخر الممالك الأندلسية، بالرغم من العمر الطويل الذي قدر لها. تستشعر الخطر الداهم دائماً، وترقب نمو جارتها، المملكة الإسبانية في جزع وخوف وقد لقيت في إخوانها وراء البحر، وهم بنو مرين، العون والإنجاد باستمرار وعقد التحالف المستمر بين المملكتين، وترك ملوك غرناطة لبني مرين ثلاث قواعد أندلسية، لتكون مراكز للدفاع وتدفق القوى المنجدة، هي جبل طارق (جبل الفتح) ورندة والجزيرة الخضراء. وأبدى بنو مرين في هذه المهمة الدفاعية، اهتماماً وإخلاصاً ومقدرة، واستعادوا جبل طارق من يد الإسبان، وكانوا قد استولوا عليه مدى حين. غير أن مملكة بني مرين ما لبثت منذ أواخر القرن الثامن الهجري، أن أصابها الضعف، وكثرت بها الانقلابات، ولم يبق في وسعها أن تهرع إلى إنجاد شقيقتها فيما وراء البحر. ↑
- () اكتفى المرينيون في دولتهم بلقب (الأمير) ثم استعاضوا عنه بلقب (أمير المسلمين) الذي اتخذه لأول مرة عثمان بن عبد الحق. وأطلق على الملوك المرينيين لقب السلطان الذي اشتهر منذ عهد يعقوب بن منصور. ↑
- () كان ابن المرحل أديب زمانه بالمغرب وإمام وقته، تحرف بصناعة التوثيق، وولي القضاء بجهات غرناطة، وسكن بسبتة طويلاً، وتنقل بينها وبين فاس. وجمع بين الفقه والأدب واللغة والشاعرية. وتذكر المصادر أنه كان يكتب الرسائل للأمير عبد الواحد ابن أمير المسلمين يعقوب المريني.وأنه مدح سلطان المغرب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق وكان من شعراء السلطان يوسف بن يعقوب المريني. وكان يجري عليه المرتبات والإحسان. وأنه كتب له أيضاً:
ولقد عمر ابن المرحل طويلاً فلما بلغ الثمانين قال:
يا أيها الشيخ الذي عمره
قد زاد عشراً بعد سبعينا
سكرت من أكواس خمر الصبا
فحدك الدهر ثمانينا
وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة عن خمس وتسعين سنة، ورغم ذلك لم يختل علمه ولا نظمه.
وكانت وفاته في السابع عشر من رجب عام 699هـ بمدينة فاس.
ألّف ابن المرحل في كثير من فنون المعرفة، غير أن أكثر مصنفاته ضائعة اليوم، وأثره الوحيد المطبوع ـ فيما نعلم ـ «نظم الفصيح» وهي أرجوزة نظم فيها فصيح ثعلب وشرحه سماها الموطأة، طبعت في المغرب بالمطبعة الفاسية ضمن مجموع المتون العلمية. ومنه نسخة مخطوطة في دار الكتب الظاهرية بدمشق رقمها 7625 أولها:
حمد الإله واجب لذاته
وشكره على علا هباته
صلاته بأدباء عصره:
شأن العباقرة في كل العصور، كثر حاسدو ابن المرحل وخصومه ونقاده.
ومن خصوماته ما كان بينه وبين الحسين بن رشيق المرسي السبتي وكان قد برز بمدينة سبتة وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين مالك بن المرحل من الملاحاة والمهاترات أشد ما يجري بين متناقضين، آلت إلى الحكاية الشهيرة، ذلك أن ابن رشيق نظم قصيدة منها:
لكلاب سبتة في النباح مدارك
وأشدها دركاً لذلك مالك
شيخ تفانى في البطالة عمره
وأحال فكيه الكلام الآفك
أحلى شمائله السباب المفتري
واعف سيرته الهجاء الماعك
وألذ شيء عنده في محفل
لمز لأستار المحافل هاتك
يفشي مخاطره اللئيم تفكهاً
ويعاف رؤيته الحليم الناسك
فكأنه التمساح بقذف جوفه
من فيه ما فيه ولا يتماسك
في شعره من جاهلية طبعه
أثقال أرض لم ينلها فاتك
أن سام مكرمة جثا متثاقلا
يرغو كما يرغو البعير البارك
ويدب في جنح الظلام إلى الخنا
عدواً كما يعدو الظليم الراتك
نبذ الوقار لصبية يهجونه
فسباله فرش لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهم
بمسالك لا يرتضيها سالك
والدهر باك لانقلاب صروفه
ظهراً لبطن وهو لاهٍ ضاحك
واللسن تنصحه بأفصح منطق
لو كان ينجو بالنصيحة هالك
تب يا ابن تسعين فقد جزت المدى
وارتاح للقيا بسنك مالك
يا ابن المرحَّل لو شهدت مُرَحلاً
وقد انحنى بالرحل منه الحارك
وطريد لؤم لا يحل بمعشر
إلا أمال قفاه صفع دالك
لرأيت للعين اللئيمة لمحة
وعلا بصفع عرك أذنك عارك
وشغلت عن ذم الأنام بشاغل
وثناك خصم من أبيك مماحك
لا قول للمغرور منك بشيبة
بيضاء طي الصحف منها حالك
لا تأمنن للذئب دفع مضرة
فالذئب أن أعفيته بك فاتك … الخ
واتخذ للقصيدة كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: «رقاص مُعَجَّل، إلى مالك بن المرحَّل» وعمد إلى كلب وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطاً حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقر، وطرده بالزقاق متكتماً بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمة، وقرئ مكتوب الكنانة، اشتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب ودفعت إليه … حتى قال: ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق … وفي أجوبته عن ذلك يقول:
كلاب المزابل آذينني
بابوا لهن على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا
ولكن عوت من وراء الجدار
على الصعيد المقابل نظفر بصلة صداقة طيّبة بالشاعرة سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبية، التي قدمت على سبتة في أواخر المئة السابعة، وخاطبت رؤساءها وخاطبت كتابها وشعراءها بعد زورتها الأندلس.
فمما خاطبت به ابن المرحل:
يا ذا العلا يا مالكي
أنعم عليَّ بمالك
العالم المتفنن البحـ
ـر المحيط السالك
يا نفس إن جاد الزما
ن به بلغت منالك
ولطاما قد نلت ما
أملت من آمالك
فأجابها ابن المرحل:
يا ندرة الدنيا لقد
حزت العلا بكمالك
جمعت لك الآداب
حتى أنهن كمالك
وملكت أفئدة الورى
فالناس فيك كمالك
إن فايسوك بمالك
ألفوك أملك مالك
فأجابته:
ورد الخطاب فسرني مضمونه
ووددت أني في الفؤاد أصونه
واشتقت كاتبه كما أشتاق الكرى
من لا تنام من الغرام جفونه
وكتب إليها مالك:
قلت للتي سارت برائق شـ
ـعرها تحكي «ابن ساره»
الآن إذ سارت ركابك في
البلاد دعيت ساره
بل أنت هاجر إذ هجر
ت بتونس دار الإمارة
↑ - () هو عبد العزيز الملزوزي المكناسي المتوفى سنة 697هـ. وهو شاعر الدولة المرينية على عهد يعقوب المنصور وولي عهده، وفي بني مرين يقول:هنيئاً يا مرين لقد علوتم
بني الأملاك بأساً وانتجابا
وقد كان في المرينيين شاعرات منهن صفية العزفية، وقد مدحتها الشاعرة سارة الفاسية بقصيدة قالت فيها:
ومن مثل ذات العلم والحلم والنهى
لقد سار مسرى الشمس معجزها الأرقى
لقد سار مسرى الشمس فخر صفية
ونوَّر إكباراً لها الغرب والشرقا
↑ - () كان في الملوك المرينيين من ينظم الشعر العربي كهذا الذي نظمه أبو العباس أحمد بن أبي سالم (776 ـ 786هـ/ 1374 ـ 1384م) وهو من أم عربية تدعى نزهة:الهوى يا صاحبي فألفته
وعهدته من عهد أيام الصبا
قوت النفوس وحليها
فتخذته دنيا إلي ومذهبا
رأيت له الفراق منغصا
لا مرحباً بتفرق لا مرحبا
↑ - () ومن أكثر من مدحهم في العصر البويهي مهيار الديلمي. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن خلدون. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () يمن هو أمير الحبش، اقطع هيت والأنبار وكان خادما حبشياً. ↑
- () هما كرديان أحدهما ورام بن بافراس والآخر ورام بن بانصر. ↑
- () النيل بلدة كانت على الفرت بين بغداد والكوفة، والأصل فيه نهر حفر في هذا المكان آخذ من الفرات وسمي باسم نيل مصر. والنهر اليوم خراب، أما البلدة فهي اليوم قرب بابل على بعد حوالي خمسة أميال من مدينة الحلة. ↑
- () الخريدة. ↑
- () ميسان: بالفتح ثم السكون ثم سين مهملة. وآخره نون: كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط، قصبتها ميسان. ↑
- () مزيد: بفتح الميم وسكون الزاء وفتح الياء وآخره دال. ↑
- () هو بواسط أمر بحفره المهدي، وأحيا ما عليه من الأراضي، وجعل غلته في صلات أهل الحرمين. ↑
- () نهر من نواحي واسط. عليه قرى. ↑
- () الكامل حوادث 501. ↑
- () المنتظم ج 9، ص 159. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () العدد القوية (مخطوط). ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية، ج 8، ص 56. ↑
- () كامل ابن الأثير حوادث 499. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () القاموس المحيط. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 94. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 96. ↑
- () المرجع السابق ص 98. ↑
- () الكامل حوادث 501هـ. ↑
- () ساوه بعد الألف واو مفتوحة بعدها هاء ساكنة: مدينة حسنة بين الري وهمدان، وبقربها مدينة يقال لها آبه (آوه) ساوه سنية شافعية وآبه شيعية وبينهما نحو فرسخين ـ المرصد. ↑
- () قرية من قرى نهر عيسى على شاطئه. ↑
- () أظنها خطأ مطبعي والصحيح مذار، وهي قصبة ميسان، وهي بين واسط والبصرة. وتبعد عنها البصرة مسيرة أربعة أيام. وبها قبر عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ↑
- () الكامل حوادث سنة 502هـ. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 98. ↑
- () هذا خطأ من النساخ ويمكن أن يكون الصحيح: مؤاخذة. ↑
- () وفيات الأعيان، ج 2، ص 31. ↑
- () الآداب السلطانية ص 218. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المنتظم ج 9، ص 218. ↑
- () وعاء لحفظ الأشياء النفيسة. ↑
- () الكامل حوادث 516. ↑
- () الكامل حوادث 516. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () مرآة الزمان، ج 8، ص 100 و102. ↑
- () المرجع السابق، ج 8، ص 109. ↑
- () المرجع السابق، ج 8، ص 110. ↑
- () الكامل في حوادث سنة 517. ↑
- () الوفيات، ج 7، ص 33. ↑
- () موضع بخوزستان. ↑
- () منازل لأياد أسفل سواد الكوفة. وكان عليه قصر تحج إليه العرب. ↑
- () تلخيص مجمع الألقاب في معجم الألقاب طبع بمباي ص 130 ـ 131. ↑
- () الكامل حوادث 540هـ. ↑
- () كامل ابن الأثير حوادث 541هـ. ↑
- () أخبار الدولة السلجوقية ص 136 ـ 137. ↑
- () هو مقدار بن مختار المطاميري نسبة إلى مطامير قرية بحلوان العراق. كان من الشعراء الفحول. ↑
- () مجلة الحكمة التي تصدر في بيروت ـ السنة الرابعة ـ عدد 3. ↑
- () للاطلاع حول المشعشعين يراجع (أعيان الشيعة) و(تاريخ بانصدساله خوزستان) وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم. ↑
- () تاريخ الغياثي، تأليف عبد الله بن فتح الله البغدادي. نسخة خطية. ↑
- () كان ظهور السيد محمد فلاح في عام 840 أو 844هـ. تاريخ المشعشعين. ↑
- () المجلد الثالث ص 108 وص 109 طبع بغداد. ↑
- () تسكن هذه العشائر في الوقت الحاضر في أطراف محافظة العمارة في العراق. ↑
- () وهي مجموعة خطية تشتمل على تاريخ المشعشعين، ينقل عنها عباس العزاوي في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين) ولكنه لا يذكر اسم مؤلفه، وهذا الكتاب موجود في مكتبته. ↑
- () يبدو جلياً أن الأساطير بالغت بشأن الكتاب وممارسات محمد بن فلاح. وأن الأمر لا يعدو بعض التفاعلات الكيميائية التي لم تكن معروفة في أوساط العامة فبدت وكأنها أعاجيب، ثم تزايد الناس في أخبارها وبالغوا. ↑
- () بعد وفاة شاهرخ بن تيمور، نشب خلاف بين أولاده، فتحرك بيربوداق صوب شيراز، وفرغت بغداد من الجيش، فاغتنم السيد علي ابن السيد محمد الفرصة وهاجم واسط. ↑
- () رسالة في شرح أحوال السيد شبر الموسوي (خطية)، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، تأليف السيد قاسم شبر، طبع النجف، ص 50، مع العلم أن بعض المصادر ذكرت هذا التاريخ في 858هـ، وتاريخ العراق بين احتلالين، تأليف عباس العزاوي، المجلد الثالث، ص 142 طبع بغداد. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، المجلد الثالث، ص 149. ↑
- () روضات الجنات، أعيان الشيعة، رياض العلماء، مجالس المؤمنين المجلس الثامن. ↑
- () ورد في كتاب الضوء اللامع بأن علي بن محمد بن فلاح الخارجي الشعاع «كذا» توفي في عام 863 وليس ذلك صحيحاً «تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم» ص 62. ↑
- () تاريخ الغياثي والضوء اللامع ص 280: «ذكر هذان المصدران بأنه دفن في موضع غير الحويزة بينما ورد في تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم أنه دفن في الحويزة وقبره معروف لدى المشعشعين في الحويزة». ↑
- () عندما سيطر الملك إسماعيل الصفوي على بغداد عام 914هـ بلغه خبر وفاة السيد محسن. ↑
- () المجلد الثالث من تحفة الأزهار، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 84، طبع النجف. ↑
- () أعيان الشيعة، المجلد 42، ص 46 طبع بيروت. ↑
- () تجدر الإشارة إلى أن قتل هذين الأميرين المشعشعين قد تمّ بإيعاز من الملك إسماعيل الصفوي، إذ ما كان حاكم شوشتر بمقدوره أن يقدم على عمل كهذا ما لم يكن هناك إذن من الملك الصفوي. ↑
- () «تاريخ بانصدساله خوزستان» ص 52، الطبعة الثالثة. ↑
- () (جهان آراء) للغفاري، وتاريخ العراق بين احتلالين المجلد الثالث ص 345، طبع بغداد، ومجالس المؤمنين طبع طهران، وتاريخ المشعشعين، طبع النجف، ص 89. ↑
- () نيس بالكسر والفتح هو اسم إحدى العشائر التي كانت تسكن على ضفاف أحد فروع نهر كارون وهي ذات عدد كبير وتعد مركزاً للسادات الموالي، «عشائر الفرات ـ تأليف الساعدي» نسخة خطية، وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 92. ↑
- () أعيان الشيعة ـ مجالس المؤمنين ـ (تاريخ بانصدساله) وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين تأليف عباس العزاوي، نقلاً عن كتاب مراه (كذا) الممالك، في المجلد الخامس ص 315 نقلاً عن كشف الظنون حيث يقول: وقعت الحرب في عام 962 بين علي باشا الوالي والسيد سجاد المشعشعي، وقد كتب الشاعر نيازي قصائد أسماها «هنرنامه علي باشا». ↑
- () راجع كتاب: «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» تأليف جعفر الخياط، طبع بغداد. ↑
- () نقل صاحب (تاريخ المشعشعين) كيفية قتل الميرزا علي خان. ↑
- () يذكر عبد العلي الحويزي في كتاب قطر الغمام ما يلي: ينتمي أفراسياب إلى السلاجقة الروم، والسلاجقة على ثلاث طبقات: 1 ـ السلاجقة الروم، 2 ـ سلاجقة عراق العجم، 3 ـ سلاجقة كرمان، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 105. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج 4، ص 141، طبع بغداد. ↑
- () «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» طبع بغداد. ↑
- () ورد في أعيان الشيعة: «علي باشا هو الشخص الذي باع البصرة إلى افراسياب، وتم شنقه في القسطنطينية» (تاريخ المشعشعين) ص 110. ↑
- () توجد هذه القبيلة في الأهواز، في الضفة الشرقية لنهر الكارون باسم (معاوية). ↑
- () مجلة الغري، السنة الثالثة (صفحة من تاريخ المشعشعين) بقلم عمار سميسم. ↑
- () (تاريخ بانصدساله خوزستان) ص 83. وجامع الأنساب للروضاني وتاريخ المشعشعين. ↑
- () كان أول والٍ ينزل في المحسنية ويبني المساكن فيها، حيث بنى بيوتاً للقادة، ومسجداً وحماماً وسوقاً. ↑
- () المجلد 48 من أعيان الشيعة، ص 118 طبع دمشق. ↑
- () المجلد 48 من أعيان الشيعة، ص 118، نقلاً عن تاريخ المشعشعين. ↑
- () السيد شهاب الدين الجوزوي (المتوفى في 14 شوال عام 1087هـ): وصف هذا الشاعر بقصائده زعماء ورجال المشعشعين المعاصرين له، وقد جمع ديوانه بأمر من ابنه السيد علي خان الموسوي الحويزي، حيث ورد في مقدمة الديوان، أنه تم جمعه بأمر من هذا السيد، وقد طبع في مصر طباعة حجرية، ثم أعيد طبعه بالحروف في بيروت عام 1271هـ وفي الإسكندرية عام 1307هـ. ↑
- () خلف آباد: مركز للجراحة، أسماها سيد خلف من آل المشعشع باسمه. ↑
- () أعيان الشيعة، مجلد 41، ص 438. ↑
- () نجوم السماء، ص 40 ـ 41، وقد تمّ طبع هذا الكتاب مرتين في الهند وفي إيران. ↑
- () ذكر الجزائري، صاحب كتاب الفوائد الرضوية في كتابه الأنوار النعمانية خطأ أن تاريخ وفاة السيد هو 1052هـ أو 1058، بينما صنّف السيد كتابه نكت البيان في عام 1084هـ وكتب تفسيراً لسورة الرحمن في عام 1081هـ، حسب ما ذكر الميرزا عبد الله الأفندي في كتاب رياض العلماء ص 503، (النسخة الخطية) ونقل عنه في أعيان الشيعة. (تاريخ المشعشعين)، ص 135. ↑
- () زاد المسافر ص 140 ـ البصرة بقلم عبد المجيد عرب العراق بقلم علي الشرقي، ص 160 وتاريخ المشعشعين ص 161 بقلم شبر. ↑
- () تاريخ المشعشعين، ص 163. ↑
- () (تاريخ بانصدساله) ص 115. ↑
- () تاريخ بانصدساله. ↑
- () العراق بين احتلالين، المجلد الخامس، طبع بغداد. ↑
- () تاريخ باصند ساله، ص 177. ↑
- () تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، تأليف السيد قاسم شبّر، ص 182، طبع النجف الأشرف. ↑
- () قال السيد هاشم الأمين عند زيارته قبر الإمام علي الرضا عليه السلام: من قصيدة:هذا أبو الحسن الرضا
وجلاله ملء الربوع
والمهرجان ومجده
دفق الجموع على الجموع
السابحات على العطور
الساطعات على الشموع
من مهجة حرى ومن
دمع ومن خد ضروع
أو مشرق متهلل
نضر التشوف والنزوع
أو هانئ قسماته
صفو الوداعة في الوديع
وضجيج أفراح
وأحزان وتحنان ورع
والصوت ترجيع
الملائك بالصفاء وبالنصوع
والذكريات تمور
بالدامي وتجأر بالوجيع
ضربت رواق محامد
كالشمس قدسي السطوع
يزهو بآل محمد
لا بالذليل ولا الخنوع
أيام ثاروا للكرامة
واستطالوا عن خضوع
ومضوا على سنن الكرامة
من شريد أو صريع
فسل القطيع أكان غير
الذل جزار القطيع
بمذلة الجوعان هان
الحق لا جور المجيع
ما ساد رب العبد
لولا خسة العبد المطيع
ومنها:
أمحمد ولك العزا
بالبيت والشمل الجميع
ما كان عهدك من
(خراسان) كعهدك في (البقيع)
ترعاكم ساسان لا نسب
سوى الشرف الطبيع
وتعقكم عدنان بين
الوحي والرحم الضليع
يخلو حماك لغاصب هو
منه في الرحب الوسيع
وعلى بنيك مضيق
ما بين عان أو مروع
لم يقصروا عن عاجزين
ولم يعفوا عن رضيع
بالسيف بالتشريد
بالترويع بالسم النقيع
↑ - () معجم البلدان صفحة 140. ↑
- () ملخص عن دراسة للدكتور محمد رحيم رهنما. ↑
- () (في مطلع الشمس) تأليف محمد حسن خان صنيع الدولة، الجزء الثاني صفحة 7 وصفحة 282. ↑
- () مطلع الشمس، الجزء الثاني، صفحة 51. ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثاني، صفحة 284. ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثاني، صفحة 15. ↑
- () هو من تأليف مير مجد الدين محمد، يرجع تأليفه إلى عام 1004هـ، وتفتقد هذه النسخة المطبوعة إلى ترقيم صفحاتها، وقد اختص الفصل الثاني من الجزء التاسع في بيان بعض خصوصيات المدن، والموضوع المذكور أعلاه موجود في هذا الفصل تحت موضوع (طوس). ↑
- () ورد الحديث عن المدرسة الباقرية في مطلع الشمس الجزء الثاني، صفحة 390، وفي فردوس التواريخ ضمن الحديث عن أحوال الملا محمد باقر المحقق السبزواري، ولكن يبدو من الكتابة المثبتة على بوابة المدرسة، أن بناء هذه المدرسة كان بإذن من المحقق السبزواري وعلى نفقة الملا محمد سميع. ↑
- () مطلع الشمس، المجلد الثاني، صفحة 25 ـ 29. ↑
- () مطلع الشمس، المجلد الثاني، ص 38. ↑
- () راجع كتاب «تاريخ علماء خراسان» تأليف الملا عبد الرحمن المدرس الشيرازي، صفحات 46، 50، 51، 54، 55، 63، 72، في شرحه حسب الترتيب للأشخاص التالية أسماؤهم: ميرشاه قاسم السبزواري المتوفى في أواسط القرن الثاني عشر الهجري، والشيخ حسين المدرس المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر أيضاً، وأبو محمد المدرس المتوفى عام 1240هـ ومولانا محمد رضا الترشيزي المتوفى عام 1200هـ، والميرزا أبو طالب المتولي باشي المتوفى عام 1216هـ، والميرزا الشهيد مهدي المتوفى عام 1218هـ، ومولانا إسحاق التربتي المتوفى عام 1237 ومولانا محمد علي الفديشه أي وغيرهم. ↑
- () مطلع الشمس، ص 242. ↑
- () راجع كتاب «تاريخ علماء خراسان» وما مرّ من هذا المقال. ↑
- () مير مجد الدين محمد. ↑
- () الفصل الثاني من الجزء التاسع، تحت كلمة طوس. ↑
- () هو الشهر السادس في السنة الإيرانية. ↑
- () تذكر بعض الروايات أن وفاته كانت في 21 رمضان سنة 202هـ وتذكر روايات أخرى أنها كانت في 30 صفر سنة 203. ↑
- () سـتأتي عنه دراستان مستقلتان. ↑
- () كلمة (قضاء) هنا تعني الوحدة الإدارية التي تلي مباشرة (المحافظة). ↑
- () راجع عن طوس بحثاً مستقلاً. ↑
- () راجع: السربداريون. ↑
- () تذكر تفاصيل عن هذه الأحداث وغيرها في موضع آخر، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ↑
- () توجد تفاصيل أخرى عن هذا الموضوع وغيره في بحث آخر. ↑
- () يتكرر ذكر بعض الأحداث في بحوث أخرى مما لا بد منه ليطرد سير الأحداث. ↑
- () أسواق ومحال تجارية. ↑
- () ذكر الهروي المتوفى سنة 611هـ (1214م) عند وصوله إلى سنجار ما يلي: (… وبها مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الجبل). ولم يذكر أنه مزار السيدة زينب (الإشارات إلى معرفة الزيارات ص 66). وكرر ابن شداد المتوفى سنة 684 ما قاله الهروي: (… وبسنجار مشهد كان ملاصقاً للسور يعرف بمشهد علي عليه السلام) (الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 1 ص 155).ويقع الضريح في مكان على جانب كبير من الجمال والروعة. ويروي سكان المدينة المسيحيون أن أصل هذه العمارة كان ديراً للنصارى، وقد كان فيها صلبان منقوشة أزالها المسلمون عندما أثروا عليهم. وأخذ بعض السكان المسلمين هذه الرواية عن المسيحيين، وهذا الاعتقاد الشائع، مرده إلى ظاهرة أوسع من هذه وهي أن جميع المنشآت الدينية كانت تنتقل من دين إلى دين آخر حسب هوية المسيطرين. إلاَّ أنه في هذه القضية بالذات ليس هناك دليل عمراني يثبت صحة هذا الاعتقاد، وقد يجوز في غيره. هذا وينفي الدملوجي وجود أية علامة للصليب المعكوف الذي قِيل إنه على أحد جدران العمارة حين زار المكان واطلع على محتوياته في زمن سابق. (اليزيدية، ص 188). وتجدر الملاحظة أن بعض عشائر اليزيديين الذين يعرفون بالبابوات (بابوات الست زينب) تجل هذا الضريح وتعظمه. ↑
- () ابن شداد الأعلاق الخطيرة، ج 3، ص 155. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 242. ↑
- () سلم الوصول، ص 309. ↑
- () المدخل إلى أصول الفقه، ص 284. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص 302. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 242. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 216. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () المصتصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 216. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () مصادر التشريع، ص 73. ↑
- () مصادر التشريع، ص 80. ↑
- () مصادر التشريع، ص 81 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص 74. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 141. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 141. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف للخفيف، ص 244. ↑
- () مصادر التشريع، ص 74. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف، ص 244. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 90. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 91. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 109. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 103. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 63. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 159. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 109 إلى ص 113. ↑
- () سورة الزمر، الآية: 23. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 116. ↑
- () مصادر التشريع، ص 78. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 243 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص 79 نقد عنه. ↑
- () القوانين المحكمة، ج 2، ص 92. ↑
بسم الله الرحمن الرحيم
كنز العرفان في تفسير القرآن
تأليف شيخ مفسري الشيعة وأحد مراجع التقليد في القرن الثالث عشر للهجرة الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية فجأة داخل الروضة الحسينية عند ضريح الإمام الحسين عليه السلام وهو في حال الدعاء. والكتاب من أكبر تفاسير الشيعة في سبعة وعشرون مجلداً ضخماً أكبر من بحار المجلسي، وهو ما يعادل مائة وخمسين مجلداً بالقطع الوزيري. وكل مجلد أكثر من ستمائة صفحة. وحين شرع المؤلف في عام 1254 هجرية بتأليف التفسير المسمى [بحر العرفان] بعد مراجعة مختلف الكتب العامة والخاصة جلب انتباهه جملة من الروايات والقصص الواردة في الآية وشواهد ونوادر العلوم والأدب والشعر وكثير من البراهين التي لها مدخلية تامة في فهم باطن الآية وتأويلها ولكن خشية من أن يبلغ التفسير حجماً كبيراً بحيث يشق حمله ويثقل نقله وقراءته لم يدخله في تفسيره [بحر العرفان]. وفي أواخر عمره بدأ بجمع جميع هذه الملاحظات التي دونها طول حياته وجمع في كل مجلد منها ما يقرب من حدود أكثر من ألفي حديث وقد صرح في ديباجته أنه كان هدفه جمع جميع الروايات والأحاديث الواردة في تفسير الآيات دون خوض في صحتها أو عدم صحتها ولم يقصد به بيان اعتقاد ولا عمل وإنما أورده ليعلم الناظر كيف نقل وعمن نقل وترك تحقيقها وقبولها أو عدم قبولها للفضلاء المحققين. وأصبح الكتاب تفسيراً جامعاً كبيراً في سبعة وعشرون مجلداً ضخماً يتعرض المؤلف فيها للمعاني الظاهرة والباطنة للآيات الواردة في أحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام فيذكر بعد كل آية ما ورد فيها من الروايات ثم يتبعها بمباحث مختلفة مع عناوين اللغة، الإعراب، أسباب النزول، مكان النزول، المعنى، القراءة، فقه الآيات واختلاف الأحكام بين المذاهب الأربعة ثم بيان آراء الشيعة والدفاع عنها.
كما يستشهد كثيراً بأشعار العصر الجاهلي وصدر الإسلام وما أشبهها يقول عبد الحسين الصالحي: إن تفسير [كنز العرفان] في حدود ضعفي [بحر العرفان] وأن الأحاديث التي استقصى فيها بلغت حدود ستين ألف (60,000) حديث وفي بعض الأحيان يستشهد المؤلف بقسم من الحديث. وجميع المجلدات بخط المؤلف من مخطوطات كاتب هذه السطور حفيد المؤلف.
عبد الحسين الصالحي
الكنية
1 ـ أصل الكنية
قال ابن الأثير: بلغني أن سبب الكنى في العرب كان: أن ملكاً من ملوكهم الأول وُلد له ولدٌ توسَّم فيه أمارات النجابة فشغف به، فلما نشأ وترعرع وصلُح لأن يؤدب أدب الملوك، أحب أن يفرد له موضعاً بعيداً من العمارة يكون فيه مقيماً يتخلق أخلاق مؤدبيه، ولا يُعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البرية منزلاً ونقله إليه، ورتّب له من يؤدبه بأنواع الآداب العلمية والملكية، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه وأمرائه ليواسوه ويتأدّبوا بآدابه بموافقتهم له عليه.
وكان الملكُ على رأس كل سنة يمضي إلى ولده، ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد، ليُبصروا أولادهم، فكانوا معه إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاؤوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: «هذا أبو فلان، وهذا أبو فلان» يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم فمن هنالك ظهرت الكُنى في العرب، ثم انتشرت حتى صاروا يكنّون كل إنسان باسم ابنه([1]).
واحتمل السيد حيدر شرف الدين، أبو رضا: أن يكون أصل استعمال الكنية عند العرب لإخفاء أسمائهم، لأنهم كانوا أمةً قبليةً تعيش حالات الحروب والغارات، فربما اتخذوا الكُنى ـ في بداياتها ـ ليُخفوا وراءها شخصياتهم المعروفة ـ عادةً ـ بالأسماء، ثم تبلورت إلى أداةٍ معبرةٍ عن الأشخاص، وتميزت بخصوصيات أخرى.
ويؤيد هذا الاحتمال: أن اللغويين فسروا الكنية بالستر، كما سيجيء.
2 ـ حقيقة الكُنية
قال الجرجاني: ما صُدِّرَ بأب أو أم أو ابن أو بنت([2]).
وقال الشيخ الرضي: الكنية هي: الأب، أو الأم، أو الابن، أو البنت، مضافات، نحو: أبو عمرو، وأم كلثوم، وابن آوى، وبنت وردان([3]).
وقال ابن الأثير: لما كان أصل الكنية أن تكون بالأولاد، تعين أن تكون بالذين ولدوهم، كأبي الحسن، في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام.
فمن لم يكن له ابن، وكان له بنت، كنُوه بها.
ومن لم يكن له ابن ولا بنت، كنّوه بأقرب الناس إليه كأخ وأخت وعم وعمّة وخالٍ وخالة([4]).
وجروا في كنى النساء بالأمهات هذا المجرى في الكُنى بالأولاد([5]).
أقول: ورد في الحديث الشريف عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: «من السُنَّة والبر أن يكنى الرجل باسم ابنه» كما سيأتي.
وقال الرضي: وقد يكنّى الشخص بالأولاد الذين له، كأبي الحسن لأمير المؤمنين علي عليه السلام.
وقد يكنّى في الصغر تفاؤلاً لأن يعيش حتى يصير له ولد اسمه ذاك([6]).
التكنية بالبنوة
قال ابن الأثير: وكذلك فعلوا في إضافة الأبناء والبنات إكراماً واحتراماً لهم بإضافتهم إلى آبائهم مع ترك أسمائهم([7]).
تكنية الحيوان
قال ابن الأثير: وأجروا غير الأناسي مجراهم في ذلك، لما شارك الناس ـ في الولادة ـ باقي الحيوانات، كنّوا ما كنّوا منها بالآباء والأمهات، كأبي الحارث: للأسد، وأم عامر: للضبع، وأجروها في ذلك مجرى الأناسيّ([8]).
تكنية الجمادات
قال ابن الأثير: فلما تجوّزوا في إجراء الحيوانات العُجْم مجرى الناس في الكنى والأبناء، حملوا عليها بعض الجمادات فأجروها مجراها فقالوا: أبو جابر: للخبز، وأم قار: للداهية، وابن ذكاء: للصبح، وبنت أرض: للحصاة([9]).
3 ـ أقسام العَلَم
العَلَم من ما يسمى في النحو «المعارف» وهو ينقسم إلى اسم وكنية ولقب، قال ابن مالك الأندلسي:
اسمُ يُعيِّن المُسمى مطلقاً
علَمُه كجعفرِ وخِرْنَقا
واسماً أتى وكُنْيةُ ولقبا
……………………………. ([10])
وقال الرضي: الاسم: ما لا يُقصد به مدحٌ ولا ذمّ (وإنما يراد به مجرد تعيين المسمى).
واللقب: هو اللفظ الذي يدل على مدح أو ذم.
وأمّا الكنية: فما كان فيه أحد أدوات الكناية من: أب، وأم، وقيل: وابن، وبنت ـ أيضاً([11]).
وقال أبو البقاء: العَلَم: إن كان مصدَّراً بأب أو أم فهو «كنية» وإن لم يصدَّر بأحدهما: فإن قصد به التعظيم أو التحقير فهو «اللقب» وإلاّ فهو «اسم».
وبعض أهل الحديث يجعل المصدَّر بأب أو أم، مضافاً الى اسم حيوان أو وصفه كنيةً، وإلى غير ذلك لقباً.
والشيء ـ أول وجوده ـ تلزمه الأسماء العامة، ثم تعرض له الأسماء الخاصة كالآدمي، إن ولد سمّي به ـ ذكراً كان أو أنثى أو مولوداً أو رضيعاً ـ وبعد ذلك يوضع له الاسم، والكنية، واللقب.
وقال: ويجوز اجتماع الثلاثة لشخص واحد، إذا قصد بكل واحد منها ما لا يقصد بالآخرين، ففي التسمية إيضاح وفي الكنية تكريم، وفي التلقيب ضرب من الوصفية([12]).
وقال الصفدي: إن العلم الدال على شخص معين: إن كان مصدراً بأب، كأبي بكر، أو بأم، كأم كلثوم وأم البنين …. فهو «الكنية».
وإن أشْعَر برفع المسمّى، كماء السماء، وذي الجناحين، وذات النطاقين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء، كالعباس، والمهدي ….، ويدخل فيه مصطلح الناس من: شمس الدين، وبدر الدين، ونجم الدين، وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب، كشمس الدولة، وتاج الملك.
أو يُشْعر بضعة المسمّى، كقُفّة، وبَطّة، والأقَيْشَر، والأحوص.
فهذا هو «اللقب».
وإن كان للدلالة على ذات المسمّى وتعيينه، كزيد، وعمرو، فهو «الاسم»([13]).
4 ـ موقع الكنية في الكلام
قال ابن مالك الأندلسي:
واسماً أتى وكُنيةً ولقَبا
وأخّرَنْ ذا إنْ سِواهُ صَحِبا([14])
ومعناه: أن اللقب إذا اجتمع مع الاسم والكنية، لزم تأخير اللقب عنهما، فالاسم والكنية مقدمان على اللقب عند اجتماعها، فيقال: الحسين، أبو عبد الله، الشهيد عليه السلام.
أما تقديم الاسم على اللقب: فمتفق عليه:
قال ابن عقيل: يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم([15]).
وأما تقديم الكنية على اللقب، فهو ظاهر الألفية حيث ورد فيها: «وأخِرَنْ ذا» أي اللقب «إنْ سواه» أي غير اللقب «صَحِبا».
ولكن شُراح الألفية قالوا: أنت ـ في اللقب مع الكنية ـ بالخيار، بين أن تقدم الكنية على اللقب، فيقول: أبو عبد الله زين العابدين، وبين أن تقدّم اللقب على الكنية فتقول: زين العابدين أبو عبد الله([16]).
وعلى هذا الأساس احتملوا أن تكون عبارة الألفية:
وأخّرَنْ ذا إن سِواها صَحِبا
بأي أخر اللقب إن صَحِبَ سوى الكنية، أي إن صحب الاسم لزم تأخيره عن الاسم، وأمّا إن صحب الكنية، فهو ساكت عنه.
ويرد عليه: أنهم حكموا في اجتماع الاسم والكنية بالخيار في تقديم أحدهما على الآخر، فلو كان الناطق في اجتماع اللقب والكنية بالخيار أيضاً، لزم من تقديم اللقب على الكنية جواز تقديمه على الاسم نفسه، وقد عرفنا أن اللقب متأخر عن الاسم! ذكر أبو البقاء هذا الاعتراض([17]).
فالظاهر وجوب تأخّر اللقب عن الاسم والكنية، وهذا يوافق النسخة المعروفة من الألفية: «إن سواه»([18]).
وقال أبو البقاء: إذا اجتمع الاسمُ واللقبُ: فالاسم ـ إن لم يكن مضافاً ـ أضيف إلى اللقب، كسعيد كُرْزٍ، لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد.
وإن كان مضافاً، فهم يؤخرون اللقب، فيقولون: عبد الله بَطّة.
ويقدّم اللقب على الكنية، وهي على العَلَم، ثم النِسْبة إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع. ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العِلم.
وقد يقدّمون اللقب على الاسم، ويُجرون الاسم عليه بدلاً أو عطف بيان([19]).
وقال الصفدي: فسردُها يكون على الترتيب: ـ ثم ذكر عين ما ذكره أبو البقاء ـ إلاّ أنه أضاف بعد قوله: «ثم إلى العِلم» قوله: أو الصناعة أو الخلافة أو السلطنة أو الوزارة أو القضاء أو الإمرة أو المشيخة أو الحج أو الحرفة.
وقال: هذا الذي ذكرته ها هنا هو القاعدة المعروفة والجادة المسلوكة المألوفة عند أهل العلم([20]).
وفي المقام أقوال أخر([21]).
5 ـ كنية أو لقب؟
قال الشيخ الرضي: لفظ «اللقب» ـ في القديم ـ كان في الذمّ أشهر منه في المدح، وهو ما يُقصد به المدح أو الذم في الأعصار المتأخّرة مثل: بَطّة، وقُفّة، وعائد الكلب، في الذم.
وكالمصطفى، والمرتضى، وفخر الدين، في المدح([22]).
وقد تجعل اللفظة المستعملة للكنية «لقباً» لشخص، والمراد بجعلها اعتبار جهة المدح أو الذم فيها، بحيث لا تستعمل إلاّ لإرادة أحدهما منها فتسمّى «لقباً» اصطلاحاً، وهي كنية لفظاً.
وقد قسّم ابن منظور الأنصاري الكنية إلى ما يراد به الذم أو المدح، أو الخالي منهما([23]).
وعلى ذلك يصح إطلاق «الكنية» و«اللقب» على لفظ واحد، باختلاف الاعتبار.
وقد جعل ابن الأثير كلمة «أبي تراب» كنية للإمام علي عليه السلام، ولكن جعلها من قسم الكنى النادرة، كما سيأتي([24]).
وابن الصلاح جعل لفظ «أبي تراب» لقباً للإمام عليه السلام، فقال: الذين لقبوا بالكنى، ولهم غير ذلك كنى وأسماء، مثاله: علي بن أبي طالب عليه السلام يلقب بأبي تراب، ويكنى أبا الحسن([25]).
وممن لُقّب بالكنية: عبد الله بن محمد الأصفهاني، المكنّى بأبي محمد، الملقب بأبي الشيخ([26]).
وقال ابن حجر، في إبراهيم بن خالد: قيل كنيته أبو عبد الله، وأبو ثور لقب([27]) وقد ذكر عدّة من الكنى في فصل الألقاب من التقريب([28]).
وقال الفيروز آبادي: أبو العتاهية: لقب أبي إسحاق بن سويد، لا كنية([29]).
وقد يقال: إن الكنية ـ ما سيجيء ـ تدل على الاحترام والتعظيم للمكنى، وهذا ينافي أن يكون دالاً على الذم، عندما يستعمل لقباً؟!
ويجاب: بأن اللقب ـ إنما يذم الملقّب به بمعنى لفظه، فدلالته على الذم لفظية ظاهرة مطابقية، بخلاف الكنية([30]).
فاللقب يدل بمعناه اللغوي على ذم الملقب به، أما الكنية فجهة التعظيم فيها ـ كما سيجيء ـ هو عدم ذكر اسم الشخص، فهي تدل عليه بالدلالة الالتزامية.
6 ـ أهداف الكنى
قال الأهدل: والمقتضى للتكنية أمور:
الأول: الإخبار عن نفس كأبي طالب، كُنّي بابنه طالب، وهذا هو الأغلب.
الثاني: التفاؤل والرجاء، كأبي الفضل: لمن يرجو ولداً جامعاً للفضائل.
الثالث: الإيماء إلى الضِدّ، كأبي يحيى لمَلِك الموت.
الرابع: اشتهار الشخص بخصلةٍ، فيكنّى بها:
إما بسبب اتصافه بها في نفسه.
أو انتسابه إليها بوجهٍ قريب، أو بعيد، كأبي الوفاء: لمن اسمه إبراهيم، وابي الذبح، لمن اسمه إسماعيل أو إسحاق.
ومن هذا القبيل غالب كنى الحيوان([31]).
أقول: ومن فوائد الكنية وأغراض وضعها:
هو التمييز بين الأشخاص بتعيين أحدهم بكنيته، بالدلالة عليه.
قال ابن قتيبة: الكناية أنواع، ولها مواضع … فمنها: أن تكنّى عن اسم الرجل بالأبوة لتزيد من الدلالة عليه، إذا أنت راسلته أو كتبتَ إليه، إذ كانت الأسماء قد تتفق([32]).
أقول: وتتضح هذه الفائدة لو كانت الأسماء المتفقة لعدة من الإخوة، حيث تتفق هناك أسماء الآباء والأجداد ـ أيضاً ـ فتكون الحادة إلى تمييز كل واحد، والدلالة عليه بما يخصّه، أظهر.
وإليك أمثلة لذلك:
ذكرالنسّابة المروزي عدةً ممكن اتفقت أسماؤهم واختلفت كناهم:
منهم أبناء عمر بن يحيى بن الحسين، أمير الحاج، صاحب الكوفة، والموسم: فإنهم ثمانية وعشرون أخاً، واسم (واحد وعشرين) منهم (محمد) وكُناهم مختلفة([33]).
وسمّى الحسن بن الحسين بن القاسم بن محمد البطحاني أبناءه السبعة (علياً) وكِناهم مختلفة([34]).
وذكر أن محمد الجور بن الحسين بن علي الخارص بن محمد: له عشرة أولاد ممّن اسمه (جعفر) وكناهم مختلفة([35]).
وقد ذكر النسّابة المذكور تلك الكنى، فتراجع.
7 ـ الكنية للتعظيم والتكريم
قال ابن قتيبة: أن تكنّيَ عن اسم الرجل بالأبوّة … لتُعظّمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدل على الحنكة وتُخبر عن الاكتهال([36]).
وقال ابن الأثير: إنما جيء بالكنية لاحترام المكنّى بها وإكرامه وتعظيمه ….
ومنه قول الشاعر:
أكنّيهِ أناديه لأكرمَهُ
ولا ألقّبه والسوءة اللَّقبُ
وهذا مختص بالإنسان دون غيره، وهو الأصل([37]).
وقال ـ في وجه دلالة الكنية على الاحترام ـ : كي لا يصرّح في الخطاب باسم([38]).
وقال الرضي: الكنية ـ عند العرب ـ يقصد بها التعظيم، لعدم التصريح بالاسم … فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطَبَ باسمها([39]).
أقولِ: يظهر من الجمع بين الكلمات: أن في الكنية أكثر من جهةٍ تدل على التكريم والتعظيم:
1 ـ عدم ذكر الاسم.
2 ـ الإخبار عن الاكتهال، فيما لو كانت الكنية بالأبوة.
3 ـ النسبة إلى الآباء، فيما لو كانت الكنية بالبنوّة([40]).
وفي قول ابن الأثير: «وهو الأصل» إشارة إلى أن هذه الدلالة قد تختلف، وأن الكنية قد تُستعمل للإهانة والذم، وإن كان ذلك نادراً، فهو بحاجة إلى قرينة تدل عليه.
وقد انعكست دلالة الكنية على التكريم والتعظيم في الأخبار التالية:
1 ـ روى الشيخ المفيد ـ بسنده ـ عن أحمد بن عبيد الله بن الخاقان ـ الذي كان على الضياع والخراج بقُم ـ قوله: أذكر أني كنت يوماً قائماً على رأس أبي ـ وهو يوم مجلسه للناس ـ [بسامراء] إذ دخلَ حجّابه، فقالوا: «أبو محمد بن الرضا» بالباب.
فقال ـ بصوتٍ عالٍ ـ : ائذنوا له.
فتعجبت مما سمعت منهم، ومن جسارتهم أن يكنّوا رجلاً بحضرة أبي، ولم يكن يكنّى عنده إلاَّ خليفة أو وليّ عهد أو مَنْ أمر السلطانُ أن يكنّى!
فقلت لحجّاب أبي وغلمانه: ويحكم من هذا الذي كنّيتموه بحضرة أبي … إلى آخر الحديث([41]).
ونقله القهبائي، وقال: فظهر أن ذكر الرجل بالكنية لا يكون إلاَّ مع اعتبار زائدٍ، حتى قد يصير سبباً لاعتباره في حديثه([42]).
2 ـ وقال الحسين بن حمدان الخصيبي ـ في مَنْ لقيه في ضواحي قم، فقال له: يا حسين ـ : لا احترمني ولا كنّاني([43]).
3 ـ قال أبو بكر بن إسماعيل الورّاق: دققتُ على أبي محمد بن صاعد بابه، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا أبو بكر بن أبي علي، يحيى ها هنا؟ فسمعته يقول للجارية: هاتِ النعلَ، حتى أخرج إلى هذا الجاهل، الذي يكنّي نفسه واباه، ويسمّيني، فأصفعه؟!([44]).
4 ـ كان عروة بن الزبير (ت 93) يتحدث عن أخيه عبد الله بن الزُبير، عند عبد الملك، فذكره بكنيته «أبي بكر» فاستشاظ الحجاج غضباً، وقال له: لا أم لك، أتكنّي منافقاً عند أمير المؤمنين؟! فقال له عروة: ألي تقول: «لا أم لك» وأنا ابن عجائز الجنة؟! أمي أسماء بنت أبي بكر، وجدّتي صفية بنت عبد المطلب٬ وعمتي خديجة بنت خويلد([45]).
وقد اعترض على دلالة الكنية على الاحترام، بذكر «أبي لهب» في القرآن دون اسمه!
وقد أجابوا عن ذلك بوجوه، سنذكرها في فصل «الكنية في التفسير».
8 ـ الكنى الغالبة
إن بعض الكنى يغلب وضعها مع بعض الأسماء، وإذا تمكّنا من تحديدها، أمكن الاستفادة منها عند اشتباه الأسماء بوقوع تصحيفٍ فيها، أو خلط بعضها ببعض.
وقد وقفنا على مجموعة منها:
المسمّى بمحمد يكنّى بأبي جعفر.
المسمّى بعلي يكنّى بأبي الحسن.
المسمّى بالحسن يكنّى بأبي محمد.
المسمّى بالحُسين يكنّى بأبي عبد الله.
المسمّى بأحمد يكنّى بأبي العباس.
المسمّى بموسى يكنّى بأبي عمران.
المسمّى بسليمان يكنّى بأبي داود.
المسمّى بالعباس يكنّى بأبي الفضل.
وأمثال ذلك، مما هو غالبيّ، وقد يتخلف.
والظاهر أنهم تعارفوا على تكنية الشخص بالكنية الغالبة، قبل أن يكتنى باسم من يولد له من الأولاد.
وتظهر فائدة ذلك ـ بعد إثبات الغلبة ـ في تعيين الاسم المناسب للكنية عند الاشتباه، كما أشرنا.
مثلاً: كثيراً ما يتصحّف اسم «محمد» بـ «عمر» وبالعكس، فإذا كان الشخص المشتبه في اسمه مكنّى بأبي جعفر، أمكن الحكم بأن اسمه «محمد» وإذا كان مكنّى بأبي حفص، أمكن الحكم بأن اسمه «عمر» استناداً إلى هذه الغلبة.
وقد استند السيد الخوئي إلى هذه الغلبة في ترجمة «الحسن بن سعيد الأهوازي» حيث وقع الخلاف في أن من عنونه النجاشي في رجاله ـ أصالةً ـ هل هو الحسن أو أخوه الحسين، وذكر الآخر تبعاً وضمناً.
وقد اختلفت نسخ رجال النجاشي في العنوان، كما اختلفت المصادر الناقلة عنه.
لكن النجاشي كنّى المترجم في صدر الترجمة بقوله: «أبو محمد الأهوازي»([46]).
فقال السيد: إن المذكور في أكثر نسخ النجاشي، هو «الحسين بن سعيد» وقد ترجم «الحسن» في ضمن ترجمة الحُسين، ولكن ابن داود والميرزا في رجاله الكبير، ذكرا عن النجاشي: «الحسن بن سعيد» وقد ترجم أخاه «الحسين» في ضمن ترجمة الحسن.
والمظنون ـ قوياً ـ صحة نسخة ابن داود، والميرزا، فإن «أبا محمد» يكنّى به المسمّى بالحسن، في الغالب. ولو صحّت تكنية المسمى بالحسين به، فهو نادر جداً([47]).
وقد استندنا إلى ذلك في تعيين اسم الحيري صاحب التفسير، حيث ذكره بعض باسم «الحسن» وورد كذلك في بعض الأسانيد، فقلنا: إن من المطمأنّ به كون الصواب في اسمه هو «الحسين» مصغراً، وأن تسميته بالحسن مكبّراً سهواً، ومن المناسب الاستشهاد لذلك بأن الرجل يكنّى بأبي عبد الله، كما ورد في عدة أسانيد، فهذه الكنية يغلب استعمالها للمسمى بالحسين، وأما من يسمى بالحسن فيكنى بأبي محمد، عادة([48]).
9 ـ بعض أقسام الكنى
أ ـ الكنى المفردة
هي الكنى التي لا نظير لها، مثل:
أبو السليل: للقيسيّ البصريّ.
وأبو السنابل: لعبيد ربّه بن بعكك، رجل صحابي من بني عبد الدار([49]).
وأبو المساكين: لجعفر بن أبي طالب، كان يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدّثهم، ويحدّثونه، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكنّيه بذلك([50]).
وذكر ابن الصلاح بعض الكنى المفردة، كالتالي:
أبو العُبَيْدَيْن ـ مصغّرٌ، مثنّى ـ واسمه: معاوية بن سبرة، من أصحاب ابن مسعود.
أو العُشَراء الدارمي.
أبو المُدِلّة ـ بكسر الدال المهمة، وتشديد اللام ـ ولم يوقف على اسمه.
أبو مُراية العجلي، واسمه عبد الله بن عمرو، تابعيّ.
أبو مُعَيْد ـ مصغّرٌ، مخفّفُ الياء ـ حفص بن غيلان الهمدالني.
أنظر: علوم الحديث، تحقيق عتر: 328.
ب ـ الكنى النادرة
قال ابن الأثير: قد جَرَوْا في الأسماء والكنى على قسمين: معتاداً، وغير معتادٍ. فمن المعتاد: الكنية بالأولاد، كما سبق.
والنادر: كقولهم في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام: أبو تراب([51]).
أقول: ومن النادر: ابن العشرة، وابن جماعة، وابن جنّي، وابن فهد، وابن بابويه.
ج ـ تقسيم آخر
قال ابن منظور: الكنية على ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن يكنّى عن الشيء الذي يُستفحش ذكره.
والثاني: أن يكنّى الرجل باسمه توقيراً وتعظيماً.
والثالث: أن تقوم الكنية مقام الاسم، فيعرف صاحبها بها، كما يعرف باسمه([52]).
10 ـ الكنية من خواصّ اللغة العربية
الظاهر أن الكنية من خواص الحضارة العربية، إذ لم يعهد ـ حسب اطلاعنا ـ في اللغات الأخرى، مثل هذا الاستعمال.
ومن الظرائف ما نقل عن النقّاش، محمد بن الحسن، أبي بكر الموصلي، البغدادي، فإنه كان يصحّف.
قال الدارقطني: قال النقّاش: «كسرى، أبو شروان» جعلها كنيةً([53]).
بينما هي «أنوشِروان» اسم.
القسم الثاني: أثر الكنية في العلوم والحضارة تمهيد:
قد يعجب الإنسان إذا لاحظ تأثير الكنية في كثير من العلوم بشكلٍ واضح ومباشر، وفيما يأتي نحاول إيراد ما وقفنا عليه من هذا القبيل من الآثار، فلها مجالُ بحثٍ في العلوم الإسلامية من عقائد، وفقهٍ، وحديثٍ، ومصطلحٍ، ورجال إسناد.
ولها مجالُ بحثٍ في علوم الأدب من لغةٍ، ونحوٍ، وأدب عامّ كالحرب، والظرائف والمحادثة، والتُراث.
أولاً: في العقائد
1 ـ الكيسانية من الفرق الإسلامية:
قالت بإمامة محمد بن الحنفية، وهو ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ويكنّى بأبي القاسم، فزعموا أنه هو «المهدي».
واعتلّوا لأنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله عز وجل رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسمُ أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً».
قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام: «عبد الله» لقوله: «أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذّاب مفترٍ».
وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمداً رحمه الله كان الإمام بعد الحسن والحسين عليهما السلام([54]).
وردّ الشيخ المفيد تعلّقهم بهذه الرواية بقوله: إن بإزائهم الزيدية يدّعون ذلك في «محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن».
وهم أولى به منهم، لأن أباه كان اسمه المعروف به «عبد الله» وكان أمير المؤمنين عليه السلام اسمه «علي» وإنما انضاف إلى «الله» بالعبودية كما انضاف جميع العباد إلى «الله» بالعبودية.
أقول: إن الاستدلال بهذه الرواية وأمثالها على إمامة ابن الحنفيّة أمرٌ مرفوضٌ، لوجوه:
1 ـ أن الإمامة من الأصول، ولا يمكن إثباتها بالخبر الواحد، لأنه لا يوجب علماً ولا عملاً في هذا المقام، كما تقرر في أصول العقائد، وأصول الفقه.
2 ـ أن الأحاديث المذكورة لم تثبُتْ سنداً بمستوى الاحتجاج بها.
3 ـ أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن فلاناً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً يمكن أن ينطبق على محمد بن الحنفيّة، لعدم تحقق ذلك في حياته، كما هو المعلوم من التاريخ.
كما أن الروايات الدالة على سماح النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية ابن الحنفية باسمه وتكنيته بكنيته، لا تدل إلاّ على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام وابنه بهذا السماح، خاصةً بعد منعه من الجمع بين اسمه وكنيته لأي أحد.
وروى ابن الأثير عن عن محمد بن الحنفية، عن ابيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن وُلِد لي بَعدَكَ ولدٌ أسمّيه بإسمك وأكنّيه بكنيتك؟
قال: نعم. أخرجه أبو داود([55]).
وسيأتي في فصل «الفقه» سرد الروايات المانعة عن التسمية بمحمد مع التكنية بأبي القاسم، والجمع بينها وبين هذه الروايات.
2 ـ أبو تراب
ذكر العلماء في كنى الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام «أبا تراب»([56]).
وقد عدّوها من الكنى النادرة([57]) وهي خاصة به، فينصرف إليه إطلاقها، في طبقة الصحابة بل التابعين، قطعاً.
وأصل هذه الكنية أن النبي صلى الله عليه وسلم كنّاه بها، كما جاءت بذلك الأحاديث المسندة:
فقد أخرج الدولابي بسنده حديثاً: فيه: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج، فإذا علي عليه السلام نائم في ظل جدار المسجد، وقد سقط الثوب عنه، فجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم ينفضُ التراب عن جسده ويقول: «يا أبا تراب، قم، يا أبا تراب، قم».
فما كان اسمٌ أحبٌّ إلى علي من أن يُدعى به من «أبي تراب»([58]).
وقد ذكر سماك بن حرب، قال: قلت لجابر: إن هؤلاء القوم [يعني بني أمية] يدعونني إلى شتم علي!!
قال: وما عسيتَ أن تشتم به؟ قال: أكنّيه بأبي تراب.
قال: فوالله ما كانت لعلي كنية أحبَّ إليه من أبي تراب، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : «قُمْ، يا أبا تراب»([59]).
وكذلك قال سهل بن سعد: ما كان لعلي اسمٌ أحبَّ إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به، وذكر حديث تكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام بهذه الكنية([60]).
أقول: لكن معاوية الذي حارب الإمام علياً عليه السلام، أوْغَل في الحقد على علي وآله الأطهار، فكان يُطلق اسم «أبي تراب» بقصد النَبْز والتعيير، ونيلاً منه، ومناوءةً له، وعناداً للرسول صلى الله عليه واله وسلم الذي توجّه بهذا الاسم الشريف.
3 ـ كنى الأئمة عليهم السلام
للمعصومين عليهم السلام نوعان من الكنى:
الأول: الكنى الموضوعة لهم، للاستعمال العام، وهي الكنى الواردة في كتب التاريخ والسيرة.
وقد ذكرها مؤلف كتاب «تاريخ أهل البيت عليهم السلام» كما يلي:
1 ـ كنية علي بن أبي طالب عليه السلام: أبو الحسن، وأبو الحسين، وأبو تراب.
2 ـ كنية الحسن بن علي عليه السلام: أبو محمد.
3 ـ كنية الحسين بن علي عليه السلام: أبو عبد الله.
4 – كنية علي بن الحسين عليه السلام: أبو الحسن، وأبو محمد، وأبو بكر، قال ابن أبي الثلج: عندنا في رواية أخرى: أبو الحسين.
5 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام: أبو جعفر.
6 ـ كنية جعفر بن محمد عليه السلام: أبو عبد الله.
7 ـ كنية موسى بن جعفر عليه السلام: أبو الحسن، وأبو إبراهيم.
8 ـ كنية علي بن موسى عليه السلام: أبو الحسن.
9 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام: أبو جعفر.
10 ـ كنية علي بن محمد عليه السلام: أبو الحسن.
11 ـ كنية الحسن بن علي عليه السلام: أبو محمد.
12 ـ كنية القائم: أبو القاسم([61]).
النوع الثاني: كنى الأئمة عليهم السلام المستعملة في كتب الحديث وأسانيد الروايات.
قال القهبائي: لما كثر ذكر الرسول صلى الله عليه واله وسلم والأئمة الاثني عشر عليهم السلام بالكنى فينبغي للناظر في الروايات خصوصاً المحدث، معرفتها:
فأبو إبراهيم مختصٌ بالكاظم عليه السلام.
وأبو إسحاق، بالصادق عليه السلام.
وأبو جعفر مشترك بين الباقر والجواد عليهما السلام.
لكن الأكثر المطلق، ومع تقييده بالأول: هو الأول.
والمقيّد بالثاني: هو الجواد عليه السلام.
وأبو الحسن: مشتركٌ بين أمير المؤمنين عليه السلام، وزين العابدين عليه السلام، والكاظم عليه السلام، والرضا عليه السلام، والهادي عليه السلام.
وقلّما يذكر في الأحاديث الأول عليهم السلام.
والأكثر في الإطلاق هو الكاظم عليه السلام.
وقد يراد منه ـ حينئذٍ ـ الرضا عليه السلام.
والمقيّد بالأول: هو الكاظم عليه السلام.
وبالثاني: هو الرضا عليه السلام.
والثالث: هو الهادي عليه السلام.
ويختص المطلق بأحدهم مع القرينة.
وأبو الحسنين مختص بأمير المؤمنين عليه السلام.
وأبو عبد الله: مشترك بين الحسين عليه السلام، والصادق عليه السلام.
وأبو القاسم: مشترك بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين الصاحب عليه السلام.
لكن أكثر إطلاقاته في كتب الأخبار هو الأخير عليه السلام.
وأبو محمد: مشترك بين الحسن المجتبى عليه السلام، وزين العابدين عليه السلام، والحسن العسكري عليه السلام.
لكنّ أكثر إطلاقه في كتب الأخبار على العسكري عليه السلام([62]).
5ـ الكنية في بعض الأحاديث
أورد الصدوق في كتابه «عيون أخبار الرضا عليه السلام» الباب 4، بعنوان: «نص أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام على ابنه الرضا عليه السلام بالإمامة والوصية».
جاء في الحديث الثاني منه ما نصّه:
عن علي بن يقطين، قال: كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، وعنده علي ابنه عليه السلام، فقال: يا علي، هذا ابني سيد وُلْدي وقد نحلتهُ كنيتي([63]).
ومثله الأحاديث 3 و4 و5.
ولو صحّت النسخة في كلمة «كنيتي» في هذه الأحاديث، فإن ذلك يشير إلى أهمية الكنية وإلى قبولها للنحلة والهبة!!
ولكن:
1 ـ قد يقال: إن المسمى باسم «علي» هو يكنّى ـ عادةً ـ بأبي الحسن، كما ذكرنا في عنوان «الكنى الغالبة» فما وجه قول الإمام عليه السلام إنه وَهَبَ كنيته ـ وهي أبو الحسن ـ إلى ابنه – وهو علي أبو الحسن؟.
2 ـ مع أن الكنية من الأعلام التي توضع على الشخص من أول الأمر ويستحب وضعها له منذ الولادة، فلاحظ.
ومن هذه الجهة قَوِيَ لديّ احتمال التصحيف في لفظ «كنيتي» في هذه الأحاديث.
وأرجّحُ أن يكون الصحيح: «وقد نحلته كتبي» وذلك:
1 ـ إنَّ الظاهر من الأحاديث، وعنوان الباب، أنها بصدد ذكر الأدلة على الإمامة والوصية، ومن الواضح أن من علامات الإمامة أن تكون الكتب الخاصة عند الإمام.
فيكون الإمام الكاظم عليه السلام قد نصَّ في هذه الأحاديث على وجود تلك الكتب عند ابنه الرضا عليه السلام، كدليل على إمامته من بعده.
2 ـ إن ذكر «الكتب» قد جاء في بعض أحاديث ذلك الباب.
ففي الحديث 13 ما نصّه: لقيتُ أبا إبراهيم عليه السلام وهو يذهب إلى البصرة، فأرسل إليَّ، فدخلت عليه، فدفع إليَّ «كتباً» وأمرني أن أوصلها بالمدينة.
فقلتُ: إلى مَنْ أوصلها، جُعلتُ فداك؟
6 ـ تناسب الكنية مع اسم
ذكر ابن النجار: أنه وُلد لبعض الكُتَّاب وَلَدٌ، فسمّاه عليًّا، وكنّاه أبا حفص، فقال له بعضهم: لِمَ كنّيته بأبي حفص؟
قال: أردت أن أنغّصه على الرافضة!!([64]).
أقول: قد اعترف اعترافاً ضمنياً، بوجود التناقض بين اسم «علي» وكنية «أبي حفص» والذي يبدو على جوابه أنه مُنفعل، وأنه نغّص على نفسه بعمله هذا، وشوّه ذكر ولده بهذا التصرف الشاذّ، حيث جمع بين ما لا تناسب بينهما.
ثانياً ـ في التفسير
قال السمعاني ـ في آداب المستملي ـ مسنداً:
عن سفيان الثوري، في قول الله عز وجل: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ [سورة طه، آية: 44]، قال: كنّياه أبا مُرَّة([65]).
وقال السيوطي في «الكنى في القرآن»:
أمّا الكنى فليس في القرآن منها غير «أبي لهب» واسمه عبد العُزّى([66]) أي في قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [المسد: 1].
وقد اعتُرضَ بورود كنية «أبي لهب» في القرآن، على ما ذكرنا سابقاً من أن الكنية إنما هي للتكريم.
وتصدّى العلماء للجواب عن ذلك بوجوه:
1 ـ أنَّ كنيته غلبت عليه، فكانت بمنزلة اسمه، فإذا كانت كذلك لا تستعمل إلاّ للدلالة على المسمى وتعيينه، من دون أن تتميز بمزايا الكنية، كما مضى، ويأتي([67]).
2 ـ أنه إنما وضع عليه لحسنه، وإشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان([68]).
3 ـ للإشارة إلى أنه جهنّمي([69]).
4 ـ أن اسمه كان «عبد العُزى» ومن الواضح أن القرآن لا يذكر ذلك لبطلانه، وحرمته.
وقال السيوطي: اسمه «عبد العُزى» فلذلك لم يذكر باسمه، لأنه حرام شرعا.
أقول: هذا الوجه الأخير غير واضح، إذ الاسم الموضوع علماً على الشخص لا يُراد معنى لفظه عند إطلاقه، وإنما يطلق ليعيّن المسمى فقط، فلا وجه لحرمته.
مع أن بطلان معناه، لا يمنع من ذكره إذا كان ذكره نقلاً لا تقريراً، كما هو أوضح من أن يبيّن، فكيف يقال بحرمته؟!!
فالأولى: أن يقال في المقام ـ وهو ما حكاه السيد الطباطبائي ـ : إنه لم يُذكر باسمه ـ وهو عبد العزّى ـ لأن «العُزّى» اسم صَنَم، فكره أن يعدّ ـ ولو بحسب اللفظ ـ عبداً لغير الله، وإن كان اسم إنما يُقصد به المسمّى.
تكنية المولود
قال المحدّث البحراني في ما يستحبّ فعله بالمولود: ومنها تكنيته، إلاّ أن منها ما يستحب، ومنها ما يكره([70]).
الكنية المستحبّة
قال الشهيدان: «ويستحبّ … تكنيته» بأبي فلان إن كان ذكراً، أو أم فلان إن كان أنثى.
قال الباقر عليه السلام: إنا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم([71]).
أقول: رواه في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن سعيد بن خيثم، عن معمر بن خيثم، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام ـ ضمن حديث ـ …([72]).
وقد ذكروا في هذا الباب حديث الكليني: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: من السُنّة والبرّ أن يكنى الرجل باسم ابنه([73]).
الكنية المكروهة
قال العلامة في القواعد ـ في أحكام الولادة ـ : فإذا كان اليوم السابع سمّاه، وكنّاه مستحبًّا … ولا يجمع بين «محمد» و«أبي القاسم»([74]).
وقال الفاضل الهندي في شرحه: (و) يُستحب أن لا يجمع بين «محمد» و«أبي القاسم» للنهي، والتأدُّب معه صلى الله عليه وسلم، وحرّمه ابن حمزة([75]).
وقال الشهيدان: (ويكره الجمع بين كُنيته) (بأبي القاسم وتسميته محمداً) ([76]).
أقول: حكم الأكثر بالكراهة.
وهو ظاهر القواعد حيث عبّر بصيغة النهي فقال: «ولا يجمع» كما مرَّ، وبذلك نعرف أن ما جاء في «كشف اللثام» من شرحه بقوله: «ويستحب أن لا يجمع» غير تامّ. إذ هو تفسير لا يُوافق عبارة العلامة المؤلف، معنًى، ولا إعراباً:
فإن استحباب أن لا يجمع، لا يستلزم كراهة الجمع، مع أن «لا» للنهي وبالفعل مجزوم في كلام العلامة وهي في الشرح للنفي والفعل منصوب بـ «أن».
وأمّا ابن حمزة، فقد قال ـ في أحكام الولادة، بعد أن عدد المستحبات والمكروهات ما لفظه: والمحظور واحد، وهو الجمع بين التسمية بمحمد والكنية بأبي القاسم([77]).
والظاهر استناده إلى ظاهر النهي، اللازم حمله على الكراهة، كما هو واضح.
هذا ما ورد من طرق الشيعة في هذا الباب، وما أثبته الأصحاب من الروايات في مصادر الحديث.
وأمّا غير الشيعة:
فقد رووا بأسانيد عديدة في صحاحهم ومسانيدهم وجوامعهم، ما يدلّ على المنع عن الجمع بين الاسم والكنية، وأكثرها بلفظ: «تسمّوا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي» كما رووا الترخيص في ذلك أيضاً، ووقع بينهم لرفع هذا التعارض اختلاف كبير.
أقول: إنّ ملاحظة هذه الأمور تعطينا ظنًّا بأن المنع كان خاصاً بعهده صلى الله عليه واله وسلم، وأن الحرمة ـ على فرض ثبوتها ـ قد زالت بعده.
ويؤيد ذلك كله ـ قبل إجماع الأمة على عدم الحرمة ـ ما دلَّ على كراهة ذلك.
ولعلَّ حكمة المنع في عصره هو الحدّ من اشتراك أحدٍ مع الرسول صلى الله عليه وسلم والكنية، لأداء ذلك إلى الاشتباه في النقل بين الرسول وبين ذلك المسمّى والمكنّى، وفي ذلك ما لا يخفى من التغرير والإيقاع في الشبهة، فكان المنعُ من الجمع بين اسمه وكنيته لأحدٍ من أمته أفضل طريق لقطع ذلك التشابه.
ومن الواضح اختصاص ذلك الاشتباه بعصره، وحال حياته صلى الله عليه واله وسلم، وارتفاعه بعد وفاته، فلا تبقى الحرمة.
لكن مقتضى «التأدّب معه صلى الله عليه واله وسلم» هو الامتناع عن الجمع بين اسمه وكنيته، كما عُلّلتْ الكراهةُ بذلك([78]).
رابعاً: في علم الحديث الشريف
لقد كثرت الأحاديث الشريفة المرتبطة بموضوع الكنية والتي تدلّ على ميزات كثيرة وأحكام عديدة للكنية، نعرضها هنا ونشير إلى ما يدلّ عليه كل حديث.
الحديث الأول:
عن معمر بن خيثم، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: ما تُكنّى؟
قال: قلت: ما اكتنيتُ بعدُ، وما لي من ولد، ولا امرأة ولا جارية.
قال: فما يمنعك من ذلك؟
قال: قلتُ: حديثٌ بلغنا عن علي عليه السلام قال: من اكتنى وليس له أهلٌ، فهو أبو جَعْر([79]).
فقال أبو جعفر عليه السلام: شُوْه، ليس هذا من حديث علي عليه السلام، إنا لنُكَنّي أولادنا في صِغرهم مخافةٌ النَبز أن يلحق بهم([80]).
وهذا يدل على استحباب تكنية الولد.
الحديث الثاني:
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من السُنّة والبِرّ أن يكنّى الرجل باسم ابنه([81]).
وهو يدلّ على استحباب التكنية باسم الولد خاصةً، وإذا كانت التكنية مطلقاً مستحبةً، فهذا الحديث يدل على تأكد الاستحباب باسم الابن، فيتضاعف الاستحباب بالتكنية باسم الابن.
الحديث الثالث:
عن أبي جعفر عليه السلام، قال لابن صغير: ما اسمُك؟
قال: محمد.
قال: بمَ تُكنّى؟
قال: بعليّ.
فقال أبو جعفر عليه السلام: لقد احتظرتَ من الشيطان احتظاراً شديداً، إن الشيطان إذا سمع منادياً ينادي «يا محمد» أو «يا علي» ذابَ كما يذوبُ الرصاص، حتى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوّ من أعدائنا اهتزَّ واختالَ([82]).
وهذا الحديث يدلّ على استحباب التسمية بأسماء أولياء الله والتكنية بكناهم، وكراهة التسمية بأسماء أعداء الله والتكنية بكناهم، ويدل ـ أيضاً ـ على استحباب النداء بأسمائهم سلام الله عليهم.
الحديث الرابع:
وفي خبر «عُنوان البصري» ـ وهو حديث طويل، جاء فيه ـ :
قال له الصادق عليه السلام: ما كُنيتك.
قال: أبو عبد الله.
قال عليه السلام: ثبّتكَ الله على كُنيتك([83]).
الحديث الخامس:
عن زُراره، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام، يقول: إن رجلاً كان يغشى علي بن الحسين عليه السلام، وكان يكنّى «أبا مُرَّة» فكان إذا استأذن عليه يقول: «أبو مُرَّة بالباب».
فقال له علي بن الحسين عليه السلام: بالله، إذا جئت إليَّ ثانياً فلا تقولنَّ «أبو مُرَّة»([84]).
ويدلّ هذا الحديث على ما دلّ عليه الحديث السابق، لأن «أبا مُرّة» هو كنية الشيطان.
قال ابن الأثير: أبو مُرَّة هو أشهر كنى إبليس، وهو كنية فرعون أيضاً([85]).
الحديث السادس:
عن أبي عبد الله عليه السلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أربع كنى: عن أبي عيسى، وعن أبي الحكم، وعن أبي مالك، وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً([86]).
الحديث السابع:
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في حديث طويل ـ قال: لا تسمّوا أولادكم بالحَكَم، ولا أبا الحَكَم، فإن الله هو الحَكَم([87]).
الحديث الثامن:
لمَّا وفد هانئ بن يزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، فسمعهم يكنونه «أبا الحكم» فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلا تكن «أبا الحكم».
فقال: إن قومي، إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمتُ بينهم فرضيَ كلا الفريقين.
فقال: ما أحْسنَ هذا! فما لكَ من الوَلَد؟
قال: لي شريحٌ، وعبد الله، ومُسلم.
قال: فمن أكبرهم؟
قال: شريح.
قال: فأنت أبو شريح، ودعا له ولولده([88]).
الحديث التاسع:
عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه الكاظم عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من الجفاء أن يصحب الرجل الرجل فلا يسأله عن اسمه وكنيته. وأن يُدعى الرجل إلى طعام فلا يُجيب، فلا يأكل([89]).
الحديث العاشر:
وروى المروزي في مسند الإمام الكاظم عليه السلام … قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا أحب أخاه فليسأله عن اسمه، وكنيته، ولقبه و … ([90]) .
الحديث الحادي عشر:
عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام، قال: يعتبر عقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمه، وفي كنيته([91]).
خامساً: في علم مصطلح الحديث
لقد اهتم علماء مصطلح الحديث اهتماماً بالغاً بالكنية:
1 ـ قال ابن الصلاح في النوع الموفي خمسين من أنواع الحديث: «معرفة الأسماء والكنى».
وقال: هذا فن مطلوبٌ لم يزل أهل العلم بالحديث يُعْنَون به ويتحفّظونه ويتطارحونه فيما بينهم وينتقصون من جهله.
وقال: وقد ابتكرتُ فيه تقسيماً حسناً([92]).
وذكر الأقسام التالية، ونحن نذكرها باختصار:
الأول: الذين سمّوا بالكنى، فمنهم من له كنية أخرى سوى اسمه فصار كأنه كنية للكنية، وذلك طريف عجيب، مثل أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن([93]).
ومنهم من لا كنية له مثل أبي حاتم الرازي، قال: «اسمي وكنيتي واحد»([94]).
أبو طالب:
قال ابن قتيبة في مشكل القرآن [أنظر: 1/ 185 من كتاب القُرطين]: «وربّما كان للرجل الاسم والكنية، فغلبت الكنية على الاسم، فلم يعرف إلا بها، كأبي طالب، وأبي ذرّ، وأبي هريرة، ولذلك كانوا يكتبون: «علي بن أبي طالب»، لأن الكنية بكمالها صارت اسماً.
وحظّ كلّ حرف الرفعُ ما لم ينصبه، أو يجيء حرف من الأدوات أو الأفعال. فكأنه حين كُنّي قيل: «أبو طالب» ثم تُرك كهيئته، وجعل الاسمان واحداً([95]).
وقال العمري النسّابة: «أبو طالب» اسم عبد مناف. قالوا: بل اسمه كنيتهُ، ورويتُ عن أبي علي النسّابة ـ وله «مبسوط» يعمل به ـ أنه كان يرى ذلك، ويزعم: أنه رأى خطّ علي عليه السلام: «وكتب علي بن أبو طالب».
والصحيح الأول([96]).
الثاني: مما ذكره ابن الصلاح من أقسام الكنية:
الذين عُرفوا بكناهم، ولم يوقف على أسمائهم، مثل: أبو أناس الصحابي، وأبو شيبة الخُدري الذي مات بساحل القسطنطينية ودُفن هناك، وأبو حرب بن أبي الأسود الدُئلي([97]).
الثالث من تلك الأقسام:
الذين لُقّبوا بالكنى ولهم غير ذلك كنى وأسماء:
وقد ذكرنا نحن سابقاً أن من الكنى ما أصبح لقباً لصاحبه، وذكرنا بعضها وأضِفْ على ذلك: أبا الزناد، وأم المساكين لبعض أمهات المؤمنين.
الرابع: مَنْ له كنيتان، أو أكثر:
مثل عبد الله بن الزبير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كنّاه بأبي بكر، وهو جدّه لأمّه، ولمّا ولد له ولد سمّاه «خبيباً» وتكنّى به([98]).
وقال ابن الأثير ـ في مَنْ له كنيتان ـ : وبعضهم تكون له كنيتان في حالين، كعامر بن الطُفيل، يكنّى في السلم بأبي علي، وفي الحرب بأبي عقيل([99]).
وعطاء بن يسار، له ثلاث كنى، فكنيته أبو محمد، وقدم الشام فكانوا يكنّونه بأبي عبد الله، وقدم مصر فكانوا يكنّونه بأبي يسار([100]).
وأبو إسحاق السبيعي، عمرو بن عبد الله، له ثلاث كنى: أبو بشر، وأبو عمارة، وأبو عمرو.
وقيل ـ أيضاً ـ : أبو الطفيل، قاله ابن عبد البر([101]).
الخامس: مَنْ اختُلف في كنيته.
السادس: مَنْ عُرفت كنيته، واختُلف في اسمه.
السابع: مَنْ اختُلف في كنيته واسمه، معاً.
الثامن: مَنْ لم يُخْتَلف في كنيته ولا اسمه، وعُرفا معاً.
التاسع: مَنْ شُهر بكنيته دونَ اسمه([102]).
ثم ذكر ابن الصلاح «النوع الحادي والخمسين: معرفة كنى المعروفين بالأسماء» وقال: وهذا من وجه … يصحّ لأن يجعل قسماً من أقسام النوع الذي قبله من حيث كونه قسماً من أقسام أصحاب الكنى([103]).
وقال ابن كثير في النوع 48: معرفة مَنْ له أسماء متعدّدة، فيظن بعض الناس أنهم أشخاص متعدّدة، أو يذكر ببعضها أو بكنيته، فيعتقد من لا خبْرة له أنه غيره، وأكثر ما يقع ذلك من المدلّسين، يغرّبون به على الناس، فيذكرون الرجل باسم ليس هو مشهوراً به، أو يكنّونه يهِمُوه على مَن لا يعرفها([104]).
الكنية والإملاء
قال السمعاني ـ في آداب المستملي ـ : أن يكنّي المُملَي في خطابه، ولا يُسمّيه([105]).
سادساً: في علم الرجال
وفي علم الرجال ورواة الحديث، يبدو للكنية أثرٌ علميّ مهم، وآخر عمليّ أهم.
1 ـ قال الشيخ الدربندي: من المهمّ معرفة كنى المسمّين ممّن اشتهر باسمه، وله كنيته، لا يؤمن أن يأتي في بعض الروايات مكنّى، لئلاَّ يُظَنّ أنه آخر.
ومعرفة أسماء المكنّين، وهو عكس الذي قبله.
ومعرفة من اسمه كنيتُه، وهو قليلٌ.
ومعرفة من كثُرت كناه أو كثرت نُعوته وألقابه.
ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفته نفي الغلط عمّن نسبه إلى أبيه.
أو وافقت كنيتُه كنية زوجته، كأبي أيوب وأم أيّوب الأنصاريّان، صحابيّان مشهوران.
أو وافق اسم شيخه اسم أبيه، كابن أنس عن أنس، فيظنّ أنه يروي عن أبيه.
وهكذا من المهم معرفة مَنْ نُسب إلى غير أبيه، كالمقداد بن الأسود نسب إلى الأسود لأنه تبنّاه، وإنما هو المقداد بن عمرو([106]).
وقد مضى في فصل «مع علم مصطلح الحديث» ذكر لبعض هذه الأمور.
2 ـ قال السيد بحر العلوم في «فوائده الرجالية» الفائدة 8: «أبو عبد الله» الذي يروي عنه الشيخ رحمه الله في «الفهرست» مشترك بين:
محمد بن محمد بن النعمان، المفيد، والحسين بن عبيد الله الغضائري، وأحمد بن عبدون.
فإن كلهم يكنّى: «أبا عبد الله» وقد وقع إطلاق ذلك في كثير من المواضع، لكن الذي يقضي به كلام الشيخ رحمه الله إرادة «المفيد» من ذلك حيث أطلق، فإنه ـ وإن ذكر غيره ـ إلاَّ أنه على سبيل النُدرة، فينصرف الإطلاق الى الشائع المعروف المعلوم من تتبّع استعمالاته.
مع أن هذا الاشتراك لا يضرّ، لاشتراك الجميع في التوثيق، عند التحقيق([107]).
3 ـ أورد المعلّق على «مجمع الرجال» القصة التي نلقناها في القسم الأول من هذا البحث بعنوان «الكنية للاحترام» رقم 1 عن «الإرشاد» للشيخ المفيد، وقال: فظهر أن ذكر الرجل بالكنية لا يكون إلا مع اعتبار زائدٍ حتى قد يصير سبباً لاعتباره في حديثه([108]).
4 ـ إن كثيراً من الرواة يذكرون في الأسانيد بكناهم، من دون ذكر أسمائهم ـ فيظن من لا يقف على كناهم – أنهم مجهولون، أو أن المكنّى غير المسمّى، ويحكم بكون الحديث «مُعَلَّلاً» من هذه الجهة، وإليك أمثلةً لذلك:
1 ـ إن الصدوق يروي في كتاب «الفقيه» عن «أبي علي بن راشد» وفي «المشيخة» التي عقدها لذكر أسانيده إلى الرواة، لم يذكر سنداً له إلى الراوي المكنّى بـ «أبي علي بن راشد» فظنَّ بعضُ من لا خبرة له، أن حديث «أبي علي بن راشد» في الفقيه من المراسيل، لعدم وجود سندٍ للصدوق إليه.
بينما الصدوق قد أثبت في «المشيخة» سنده إلى الرجل في عنوان اسمه، فإنه هو الحسن بن راشد المكنّى بـ «أبي علي» وللصدوق إليه سند صحيح([109]).
2 ـ مثال آخر: روى الشيخ الطوسي بسنده عن: سعد، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة، هل فيها زكاةٌ؟
فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس.
قال الحر العاملي: رواه المفيد في «المقنعة» عن الصادق عليه السلام مرسلاً نحوه.
ورواه الكليني … ورواه الصدوق، وفي «المقنع» أيضاً وترك ذكر «المعادن»([110]).
أقول: استدلّ الحلبي بهذه الرواية لتحديد النصاب في وجوب الخمس في المعادن بدينار.
وقد ردّ عليه السيد الخوئي بوجوهٍ، ثانيهما: أن الرواية ضعيفة السند بـ «محمد بن علي بن أبي عبد الله» فإنه مجهولٌ، بل لم يُرْوَ عنه [فيها] البزنطي، والأخرى ما يروي عنه علي بن أسباط([111]).
أقول: ذكره السيد الخوئي في معجم رجاله برقم 11272 بعنوان: «محمد بن علي بن أبي عبد الله» وقال: روى عن أبي الحسن، وروى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر.
وأشار إلى: التهذيب ج 4 باب الخمس والغنائم، الحديث 356، ورواها في باب الزيادات، الحديث 392، وهو الحديث المبحوث عن سنده هنا.
قال: وروى عنه علي بن أسباط.
وأشار إلى: الكافي، الجزء 3 كتاب الصلاة 4، باب النوادر 100، الحديث 12، والتهذيب، الجزء 2 باب كيفية الصلاة وصفتها، الحديث 452([112]).
وأقول: حيث إن الغالب في الأسانيد هو ذكر الراوي بالاسم الثنائي، أي بذكر اسمه واسم أبيه، وقد تضاف كنيته هو، أو لقبه، أو نسبته إلى عملٍ أو قبيلة أو بلد، كل ذلك للتمييز.
أمّا ذكر جده بالاسم، فهو قليلٌ، وأما ذكر جده بالكنية فهو أقل، بل نادر، إلا في القرون المتأخرة عن عصر «تحديد النصوص».
وبملاحظة ما كان في نفسي من التحسس تجاه الكنية تصورت أن ذكر جد الراوي بكنيته يدل على أن له شأناً، ولا بد أن يكون شخصاً ذا أهمية في نظر المؤلفين والرواة حيث عمدوا إلى نسبة الراوي إلى جده المذكور بالكنية! خاصة أن الأمور المضافة على الاسم الثنائي للراوي، إنما تضاف للتمييز ومزيد التعريف به، كما أشرنا.
وبحثت عن المكنِّيْن «بأبي عبد الله» في طبقة جد الراوي المذكور، ممن يكون له ولد باسم «علي» وممن يُهتم به فيذكر بكنيته!!
فوجدت أن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، المعروف في الحديث بكنيته «أبي عبد الله» ـ كما عرفنا سابقاً ـ هو في طبقة جد هذا الراوي.
والإمام أبو عبد الله عليه السلام له ولد اسمه «علي» وهو علي بن جعفر أبو الحسن العُريضي.
ولجأت إلى كتب الأنساب لأعرف عن أولاد علي بن جعفر العُريضي، وهل فيهم من يُسمى «بمحمد»؟ ممن يروي الحديث؟ وفي طبقة هذا الراوي؟ فوجدت ما يلي:
قال أبو نصر: أبو الحسن، علي بن جعفر، هو العريضي … ولد: محمداً، وحسناً([113]).
وقال ابن عِنَبة: علي العُريضي بن جعفر الصادق عليه السلام، يكنّى أبا الحسن … وكان يرى رأي الإمامية … فأعقب من أربعة رجال: محمد، وأحمد الشعراني، والحسن، وجعفر الأصغر([114]).
وقال ابن حجر ـ في ترجمة علي العُريضي ـ : روى عنه ابناه محمد وأحمد([115]).
وقال ابن طباطبا ـ في ناقلة «عُرَيْض» ـ : أبو الحسن علي بن جعفر بن محمد … عقبه من أربعة رجال: محمد الأكبر … ([116]).
وذكروا ـ أيضاً ـ «محمداً» في المواضع الخاصة به في كتبهم([117]).
فتحصّل: أن «محمد بن علي بن جعفر» هو حفيد الإمام الصادق أبي عبد الله عليه السلام .
فهل هذا الراوي، المسمى «محمد بن علي بن أبي عبد الله» المبحوث عنه، هو حفيد الإمام، وأنَّ الإمام ذُكر بكنيته؟!
وهنا عدت إلى كتب الرجال: فوجدت «محمد بن علي بن جعفر» عنونه ـ كذلك ـ الشيخ الطوسي في أصحاب الرضا عليه السلام، في حرف الميم، برقم 5 وبرقم 19 وبرقم 44([118]).
وقال في المورد الثاني برقم 19: محمد بن علي بن جعفر: ابن عمه عليه السلام([119]).
لكن هذا المورد لم يرد في النسخة المخطوطة القيّمة من كتاب الرجال([120]).
وأمّا الموردان الآخران: فقد نقلهما القُهبائي في رجاله، بإضافة جملة «عليه السلام»([121]).
مما يدل على أن المراد (بجعفر) في عمود نسب الراوي هو الإمام الصادق عليه السلام، حيث إن جملة التحية لا يذكرونها مع اسم غير الإمام ـ عادةً ـ .
وقد عنونه ـ كذلك ـ السيد الخوئي، نقلاً عن رجال الشيخ، من دون ذكر المورد الثاني([122]).
ورجعت إلى كتب الحديث:
فوجدت رواية «محمد بن علي بن جعفر» عن الإمام الرضا عليه السلام ، والراوي عنه ـ في هذا المورد ـ هو «علي بن أسباط».
أنظر: الكافي، الجزء 6 كتاب الطلاق 2 باب 30 ح 2.
وعلي بن أسباط، هو الراوي عن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» كما عرفنا في بداية هذه الفقرة.
ثم لاحظتُ: أن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» الراوي عن الإمام الرضا عليه السلام في الحديث المبحوث عنه، لم يُذْكَر بهذا العنوان في أصحاب الرضا عليه السلام من كتب الرجال!
مع أن الشيخ الطوسي أورد روايته عنه! فمن البعيد إهماله له وعدم ذكره إيّاه.
وباجتماع هذه الملاحظات: حصل لديّ اطمئنان بأن «محمد بن علي بن أبي عبد الله» هو «محمد بن علي بن جعفر عليه السلام» وهو حفيد الإمام الصادق عليه السلام.
وعلى ذلك: فليس الرجل مجهولاً، وليست روايته قليلةً منحصرةً بالموردين في كلام السيد الأستاذ([123]).
بل هو محمد الأكبر ابن علي العُريضي ابن الإمام الصادق عليه السلام، وله رواية بعنوان «أبيه» برواية أبنائه في الكافي 1/ 336.
وقد كان علي العُريضي إمامياً صحيح الاعتقاد، كما يظهر من ترجمته([124]).
ويظهر من روايات أولاده، واتصالهم بالأئمة عليهم السلام أنهم كانوا على ذلك.
مثال ثالث:
اشتبه الذهبي فعنونت لـ «أبي الذراع» وظنه كنيةً لوالد إسماعيل بن أبي الذراع.
وقد اعترض علي ابن حجر، فقال: وليس كذلك، وإنما هو: «ابن أبيّ» بضم الهمزة، وتخفيف الموحدة، وتشديد التحتانية.
والوازع ـ لا الذراع ـ هي صفة لأبيّ، وكنيته أبو عبّاد([125]).
مثال رابع:
كثيراً ما يشتبه المحدثون والرجاليّون في ذكر كنية «ابن جريح» ـ بالحاء المهملة ـ بينما هي: «ابن جُرَيْج» ـ بالجيم ـ واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، المكّي.
وقد ترجمه ابن حجر في حرف العين([126]) وفي الكُنى([127]).
وذكره الشيخ الطوسي في الرواة عن الصادق عليه السلام([128]) وأورد ابن عساكر روايته([129]).
وقد تنبّه السيد الخوئي إلى الصواب في اسم الرجل، فذكر أنه من رواة العامة، لكنه عنونه بـ «عبد اللمك بن جريح»([130])، وفي الكنى بـ «ابن جريح» بالحاء المهملة([131]).
وصار أخيراً إلى أنه هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ـ بالجيم ـ الذي ترجمه ابن حجر([132]).
أقول: ما صار إليه أخيراً هو الصواب، ولكنّ النسخة المطبوعة من رجاله وقع فيها ما ذكرناه من التشويش، والعُهْدة في ذلك على كُتّابه أو طابعي كتابه.
كما وردت هذه الكنية مصحّفة في كثير من الأسانيد.
مثال خامس:
في الحديث: عن محمد بن خلف، أخبر أن أبا الأسود أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يُبايع الناس يوم الفتح.
قال ابن الأثير: هذا خطأ، وإنما الحديث عن «محمد بن الأسود بن خلف» أن أباه الأسود حضر النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو يبايع.
فسقط عن الراوي «الهاء» من «أباه» في الكتابة، فجعله «أبا الأسود» وليس لأبي الأسود (الدئلي) صحبة، بل هو تابعي، بصري([133]).
وقال العلائي: ظالم بن عمرو، ويقال: عمرو بن ظالم، وقيل: غير ذلك، وهو بكنيته أشهر، قال الواقدي: أسلم على عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم.
قلت: لم يره، فروايته عنه مرسلة([134]).
سابعاً: في علم اللغة
1 ـ قال ابن الأثير: أمّا الكنية: فأصلها من الكتابة وهي أن تتكلم بالشيء وتُريد به غيره، تقول:
2 ـ كنيتُ وكنوتُ بكذا، وعن كذا، كُنيةً وكِنْيةً، والجمع: الكُنى.
3 ـ واكتنى فلان بأبي محمد.
4 ـ وفلان يُكنى بأبي الحسن.
5 ـ وكَنَّيْتُهُ أبا زيد، وبأبي زيد.
6 ـ ويخفّف ويثقّل، والتخفيف أكثر.
7 ـ وفلان كَنِيُّ فلانٍ، كما تقول «سَمِيُّهِ» إذا اشتركا في الاسم والكنية([135]).
8 ـ قال الرضي: الكنية من كنيتُ أي سترتُ وعرّضْتُ، كالكناية سواء، لأنه يعرّض بها عن الاسم([136]).
وقال ابن منظور:
9 ـ الكناية: أن تتكلّم بشيءٍ وتُريد غيره.
10 ـ وكنّى عن الأمر بغيره، يُكنّي، كنايةً، يعني: إذا تكلم بغيره مما يُستدل عليه.
11 ـ وكنوت بكذا عن كذا.
12 ـ ورجلٌ كان، وقومٌ كانُونَ.
13 ـ وكَنَيْتُ الرجل بأبي فلان، وأبا فلان ـ على تعدية الفعل بعد إسقاط الحرف ـ كُنْية، وكِنْيةً.
14 ـ وكذلك: كَنَّيْتُهُ([137])، عن اللحياني.
15 ـ ولم يعرف الكسائي «أكْنَيْتُهُ».
وهذا يوهم أن غيره قد عرفه.
16 ـ وكُنْيَةُ فلانٍ أبو فلان، وكذلك كِنْيَتُه، أي: الذي يُكنى به.
17 ـ وكُنْوَةُ فلانٍ أبو فلان، وكذلك كِنْوَتُه، كلاهما عن اللحياني.
18 ـ وكَنَوْتُه لغة في كَنَيْتُه.
19 ـ ويقول أهل البصرة: «فلان يُكْنَى بأبي عبد الله» وقال غيرهم: «يُكْنَى بعبد الله».
وقال الجوهري: لا تقل: «يُكْنَى بعبد الله».
وقال الفرّاء: أفصح اللغات أن تقول: «كُنّيَ أخوك بعمرو» والثانية: «كُنّي أخوك بأبي عمرو» والثالثة: «كُنّي أخوك أبا عمرو».
20 ـ ويقال: كَنِيُّهُ وكَنَوْتُهُ، وأكْنَيْتُهُ وَكَنَّيْتُهُ ـ قاله، وكَنَّيْتُه أبا زيد، وبأبي زيد، تكنيةً.
21 ـ وهو كَنِيُّهُ كما تقول: سَمِيُّهُ([138]).
22 ـ وقال البغدادي: الضمير يقال له: «الكِناية».
23 ـ وكنيتُ: إذا أتيت بكناية.
24 ـ وكنيتُ عن الشيء: إذا سترته([139]).
والمتحصل من مجموع هذه النصوص: أن اللغويين ـ في كتب اللغة ـ لم يتصدّوا لتعريفها في هذا المجال وتحديدها بما مَرَّ من كونه ما بُدئ بـ «أب» و«أم» و«ابن» بل ذكروا الأمور التالية (وقد أرجعنا إلى تلك النصوص بالأرقام):
أ ـ المعنى اللغوي
فقد جعلوا أصلها من الكِناية، لاحظ 1 و9، وفسرها الرضيّ بالستر، وانظر: 8 و24، والتعريض، لأنه يعرّض بالكنية عن الاسم.
ب ـ أصول المادة
فهي واويّة ويائية، أنظر: 2 و11 و17 و18.
وهي ثلاثية بالتخفيف، ورباعية بالتثقيل، والتخفيف أكثر، لاحظ 6 و10 و14.
ويتعدى بنفسه إلى المفعول الأول.
وأمّا إلى المفعول الثاني فيتعدى تارةً بنفسه: وتارةً بالباء، لاحظ 5.
وبعن، لاحظ 2.
وإذا كان أصل الكنية من الكِناية لزم ـ على أساس وحدة الأصل ـ أن يعتدى إلى المفعول الثاني بالباء، لاحظ 2 و11 و13 و19.
ويدل على ذلك أن ابن منظور اعتبر تعديته إلى المفعول الثاني لا بنفسه، بل على أساس نزع الخافض، لاحظ 13.
والمفعول الثاني هل هي الكنية بكاملها فيقال: كنَيْته بأبي فلان، أو أبا فلان، أو هو الاسم المضاف إليه أداة الكنية، فيقال: كنيته بفلان؟؟؟
وجوه، لاحظها في 19.
والغريب ورود تعديته بـ «عن» في كلام ابن الأثير، لاحظ 2.
ج ـ الأفعال
ـ فالمجرّدة بالواو والياء، لاحظ 2 و8 و13 و18 و20.
ـ وورد مجهولاً في 19.
ـ ومزيداً من باب الإفعال، لاحظ 15 و20، ولم يعرفه الكسائي.
ـ ومن باب التفعيل، بالتثقيل، لاحظ 4 و6 و14، ولاحظ ما علّقناه هناك، و20.
ـ ومن باب الافتعال، لاحظ 3.
د ـ الأسماء
ـ الكُنية، بضمّ الكاف وكسرها، وهو مصدر، والاسم الذي يكنّى به الشخص، لاحظ 2 و11 و13 و16.
ـ الكِنوة، بضمّ الكاف وكسرها، وهي الكُنية، لاحظ 17.
ـ والكُنى: جمع الكُنية، مثل مُنية ومُنى، لاحظ 2.
ـ والكَنيّ: على وزن فعيل، وهو المشترك مع غيره في الكنية كالسَمِيّ وهو المشترك في الاسم، لاحظ 7 و21.
ـ وكان من الكِناية، وهو المكنّي عن الشيء، لاحظ 12.
ـ وكانون، جمع كان، لاحظ 12.
ـ والكناية 8 و9 و10 و22 و23.
ثامناً ـ في علم النحو
في مبحث الأسماء الستّة:
قال ابن مالك:
وارفَع بواوٍ وانصِبَنَّ بالألِفْ
واجرُرْ بباءٍ ما مِن الأسما أصِفْ
أبٌ أخٌ حمٌ كذاك وَهَنُ
والنقص في هذا الأخير أحْسَنُ
وفي أبٍ وتالييه يَنْدُرُ
وقَصْرها عن نقصِهِنَّ أشْهَرُ([140])
قال ابن عقيل: يعني أن «أباً» و«أخاً» و«حماً» تجري مجرى «ذي» و«فم» اللذين سبق ذكرهما، فتُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ بالياء … وهذه هي اللغة المشهورة في هذه الثلاثة.
وأشار بقوله: «وفي أب وتالييه يندُرُ …» إلى اللغتين الباقيتين: فإحدى اللغتين «النقص»: وهو حذف الواو والألف والياء، والإعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم نحو: هذا أبُه، أخُه وحَمُها، وهذه اللغة نادرة.
واللغة الأخرى: أن يكون بالألف، رفعاً ونصباً وجراً، نحو هذا أباه وأخاه وحماها، وهذه اللغة أشهر من النقص([141]).
ونرجئ التفصيل إلى كتب النحو.
تاسعاً ـ في الأدب العامّ والحضارة
أ ـ في الحرب:
قال ابن منظور في الكنية: من شعار المُبارزين في الحرب، يقول أحدهم: «أنا فلان وأبو فلان».
ومنه الحديث: «خُذْها منّي وأنا الغلام الغِفاري» وقول عليّ عليه السلام: «أنا أبو حسن القَرْم»([142]).
ب ـ قال ابن قتيبة: لم يكن ـ في الجاهلية ـ أحد يكنّى «أبا علي» غير قيس بن عاصم، وعامر بن الطفيل([143]).
ج ـ في المحادثات والظرائف:
قال الصابئ: حدث القاضي أبو الحسن بن السبتي: حضرتُ يوماً مجلساً فيه أبو يعلى بن كيكس، كاتب منيع بن حسان الخفاجي ووزيره في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، بالجامِعَيْن([144])، وقد حضر هنا، رؤساء البلاد من سقي الفرات، للسلام على منيع بن حسان وأبي يعلى بن كيكس، وكانا وردا من الشام، وحضر ـ في جملة الأشراف الطالبيّين، من الكوفة ـ الزكي أبو علي، عمر بن محمد بن السايس، والزكي الآمر الناهي في الإقامات وترتيب الأمور، وبين يديه غلام يدعى بـ «أبي يعلى بن عرس» فأخذ الزكي يقول له: ويلك يا أبا يعلى، افعل كذا، وامض في كذا، وينتهره ويستخف به استعجالاً له، وحثاً فيما يستنهضه فيه ويستبطئه، ويقول: يا أبا يعلى، يا فعال، يا صانع.
فلما طال ذاك على أبي يعلى بن كيكس، لأجل موافقة كنيته بكنيته، قال له: أيها الشريف، سأستخدم اليوم غلاماً كنيته «أبو علي»، وأستخفّ به بحضرتك، مجازاةً لك عن هذا الفعل منك.
فاسترجع الزكي، واستيقظ وقال: الله الله، يا سيّدنا، فوالله ما كان عن قصد مني، بل بنسبة حضرتني.
فضحكت الجماعة منه.
ثم قال أبو يعلى: كان بخوزستان أمير من أمراء الديلم يخضب لحيته، فحضر في مجلس فيه رجل من أصحاب الملك (أبي) كاليجار، وللرجل غلام خضيب، وكان يأمره وينهاه، ويقول له: «يا خَرْمنحى([145])، يا فاعل، ويا صانع، ويا خرمنحى، مُدْبِر، منحوس» وما يشبه هذا القول.
فنهض الديلمي، مغضباً، وقال: هذا تعريض بي وقصد لي، وصار ذلك سبب عداوة تأكّدتْ بينهما واستحكمت معهما([146]).
ـ كان «يموت بن المزرّع، لا يعودُ مريضاً خوفاً من أن يُتَطيّر من اسمه، وكان يقول: بُليتُ بالاسم الذي سمّاني أبي به، فإني إذا عُدْتُ مريضاً فاستأذنتُ عليه، فقيل: مَنْ هذا؟ قلت أنا ابن المزرّع، وأسقطتُ اسمي» ([147]).
ـ تولى يحيى بن أكثم ديوان الصدقات على الأضِرّاء، فلم يعطهم شيئاً، فطالبوه فلم يُعطهم، فقال: ليس لكم عند أمير المؤمنين شيء!
فقالوا: لا تفعل، يا أبا سعيد.
فقال: الحبس، الحبس، فأمر بهم فحُبسوا جميعاً.
فلما كان الليل ضجّوا، فقال المأمون: ما هذا؟ فقالوا: الأضِرّاء حبسهم يحيى بن أكثم، فقال لم حبسهم؟ فقالوا: كَنَّوْهُ، فحبسهم.
فدعاه فقال له: حبستهم على أن كَنَّوْكَ؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لم أحبسهم على ذلك، وإنما حبستُهم على التعريض، قالوا لي «يا أبا سعيد» يعرّضون بشيخ لائطٍ في الخريبة([148]).
أقول: وكان القاضي يحيى متّهماً بما عرَّضوا به، فقد عَرَّضَ به المأمون نفسه فقال له: من الذي يقول:
قاضٍ يرى الحدّ في الزناء ولا
يرى على مَنْ يلوط من باسِ
فقال يحيى: أما يعرف أمير المؤمنين مَنْ قاله؟ قال: لا.
قال: يقوله أحمد بن أبي نعيم، الذي يقول:
حاكِمُنا يرتشي وقاضينا
يلوطُ والراسُ شرُّ ما راسِ
لا أحسبُ الجَوْرَ ينقضي وعلى الـ
أمةٍ والٍ من آل عبّاسِ
فأُفحم المأمونُ، وأسكت خجلاً، وقال: ينبغي أن يُنْفى أحمد بن أبي نعيم إلى السِنْد([149]).
ـ اجتمع الجاحظُ وأبو العَيْناء، عند الحسن بن وهب.
فقال الجاحظ: علمت أن «محمد بن عبد الله» أحسنُ من «عمرو بن بَحْر» و«أبو عبد الله» أحسن من «أبي عُثمان» ولكنّ «الجاحظ» أحسن من «أبي العَيْناء».
فقال أبو العيناء: هيهات! جئت إلى ما يخفى من أمورنا ففضَّلْتني عليك فيه، وإلى ما يُعرف ففضَّلتَ نفسك فيه!
إن «أبا العيناء» يدلّ على كُنية، و«الجاحظُ» يدلّ على عاهة، والكُنية ـ وإن سمجت ـ أصلح من العاهة ـ وإن ملحت ـ ! ([150]).
ـ وفي رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج نجاح بن سلمة: قد ظهر أنه في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكنى أجدادكم من بُرهان الفأل الحسن، ونفي طيرة السوء، ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسماؤكم وكُناكم بين فرج، ونجاح، وسلامة، وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
ـ سأل رجلٌ رجلاً: ما اسمك؟ فقال بَحْر، قال: أبو مَنْ؟ قال: أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق([151]).
ـ صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل! قيل: ليست كنيته، قال: وإن لم تكن كنيته فإنها صفته([152]).
ـ كان صاحب ربيع يتشيّع فارتفع إليه خصمان: اسم أحدهما علي، والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتجهت عليه حُجّة، ففطن من أين أُتِيَ! فقال: أصلحك الله! سَلْ خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن ـ وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان ـ فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لصاحبه: ما أخذته منّي بالاسم استرجعتُه منك بالكنية([153]).
ـ روى عمر بن شبّة قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كان عمر إذا بعثني إليه أحد من ولده قال لي: «لا تُخبره لم بعثتُك إليه، فلعلَّ الشيطان يعلّمه كِذْبةً».
فجاءت أم ولد لعبد الرحمن، فقالت: إن أبا عيسى لا يُنفق عليّ ولا يكسوني.
قال: ويحكِ، مَنْ أبو عيسى؟
قالت: ابنُك عبد الرحمن.
فقال: وهل لعيسى من أب؟!
قال: فأرسلني إليه وقال: قُلْ له: «أجبْ» ولا تُخبره لأيّ شيء دعوته.
قال: فأتيتُه، وعنده ديكٌ ودجاجة هنديّان، فقلتُ له: أجِب أباك أمير المؤمنين.
قال: ما يُريدُ مني؟
قلت: لا أدري.
قال: إني أعطيك هذا الديك والدجاجة على أن تُخبِرَني ما يُريد منّي.
فاشترطتُ أن لا يُخبر عمر، وأخبرتُه، وأعطاني الديك والدجاجة، فلمّا جئتُ عمر قال لي: أخبرته؟
فوالله ما استطعت أن أقول: لا، فقلت: نعم.
قال: ما رشاك؟
قلت: ديكاً ودجاجة.
قبض بيده اليسرى على يدي فجعل يضربني بالدِرّة، وجعلت أدنو، وجعل يضربني وأنا أدنو، فقال: إنك لجدير.
ثم جاء عبد الرحمن، فقال: هل لعيسى من أب؟! تكتني أبا عيسى! هل لعيسى من أب؟! أما تدري ما كنى العرب؟! أبو سلمة، أبو حنظلة، أو عرفطة، أبو مُرَّة! ([154]).
عاشراً ـ في التُراث
وأخيراً: يبدو أثر الكنية في التراث بوضوح، عندما نُشاهد المجموعة الكبيرة من الجهود العلمية والمؤلفات في موضوعها وما يرتبط بها، وقد تصدى جمع من كبار العلماء لبذل الجهود المشكورة في هذا المجال، وإن كان الكثير منها مختصاً بكنى الرواة أو الأعلام والمعارف، وفيها ما يتكفّل كنى الحيوانات والجمادات غير الأناسيّ كالمرصّع لابن الأثير، فموضوعه وإن كان أعم من الكنى، لاحتوائه على سائر الإضافات والأذواء والذوات، إلا أنه قال في مقدمته: وحيث كان مدار هذا الكتاب على ذكر الكنايات والإضافات بالأولاد والأذواء والذوات لغير الناس، لم نذكر فيه من أسماء الناس إلاّ بعض من اشتهر منهم فضُرب به مثل أو لم يعرف بغير كنيته أو إضافته ممّن غلبت عليهم الكنى والإضافات([155]).
ونحن نخصّ ـ هنا ـ بالذكر المؤلفات المستقلة، وإلا فأكثر كتب الرجال والتراجم تحتوي على كثير من الكنى، أو تخصّص فصولاً واسعة لها، وقد تستوعب الكنى في بعض المؤلفات مجلّداً كبيراً مستقلاً.
وتحدث ابن الصلاح عن منهج هذه المؤلفات بقوله: كُتُب الأسماء والكنى كثيرة …. والمصنّفُ في ذلك يُبَوّبُ كتابه على الكنى مبيّناً أصحابها([156]).
ووصف بعضها وهي كتب ابن عبد البرّ فقال: «له في أنواع من الكنية كتب لطيفة رائقة» ووصف واحداً بأنه «مصنّف مليح» كما سيأتي.
وقال ابن كثير، النوع 48: وصنّف الناس كتب الكنى، وفيها إرشاد إلى إظهار تدليس المدلّسين([157]).
وإليك قائمة بأسماء ما وقفنا عليه من المؤلفات في الكنى:
1 ـ الآباء والبنين:
للدينوري.
ذكره ابن الأثير في المرصّع: 379.
2 ـ الأسامي والكنى:
لعلي بن عبد الله بن جعفر، المديني (161 ـ 258هـ).
ذكره النديم في الفهرست: 286، وابن الصلاح في المقدمة: ص ، وإيضاح المكنون 1/ 80، ومعجم المؤلفين 7/ 132.
3 ـ الأسماء والكنى:
لأحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ).
ذكره في الرسالة المستطرفة: 90.
4 ـ الأسماء والكنى:
لأحمد بن سهل البلخي، أبي زيد (ت 340).
ـ الفهرست للنديم: 153، ومعجم الأدباء 3/ 66.
5 ـ الاستغنا في معرفة الكنى:
لابن عبد البرّ، القرطبي.
ـ ذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح: 508 وقال: إنه في مجلد كبير ضخم.
6 ـ البنين والبنات من رجال الأحاديث:
لأبي السعادات، مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري (ت 606).
كشف الظنون 1/ 256.
7 ـ تسمية الخلفاء وكناهم:
الفهرست للنديم: 115.
8 ـ التكنية:
لقابوس بن وشمكير أبي المعالي.
مطبوع في الرسائل المجموعة باسم «كمال البلاغة» بالقاهرة سنة 1341.
أعيان الشيعة 8/ 434.
9 ـ تلخيص الكنى:
لأبي أحمد الحاكم، لخّصه الحافظ عبد الغني المقدسي.
يوجد الجزء الأول منه مخطوطاً في المكتبة الظاهرية بدمشق، 5 مجاميع 89، رقم 3825 عام.
فهرس مجاميع الظاهرية: 461.
10 ـ جزء في الكنى والأسماء:
لضياء الدين المقدسي، محمد بن عبد الواحد (ت 643).
يوجد برقم 17 من المجموع 67 عام، مجاميع 3803.
فهرس مجاميع الظاهرية: 346.
11 ـ رسالة في الكنى والألقاب:
للشيخ محمد بن جابر بن عباس النجفي، تلميذ الشيخ محمد السبط.
توجد في خزانة السيد حسن الصدر بالكاظمية. الذريعة 18/ 177.
12 ـ الروض الباسم في الكلام على التكنّي بأبي القاسم:
نسبه البغدادي إلى أحمد بن عمر بن عثمان الشافعي الشهير بابن فرّاء في إيضاح المكنون 1/ 588، وقال: موجود بدار الكتب الشامية.
لكن مفهرس المكتبة الظاهرية نسبه إلى محمد بن عبد الرؤوف الغامدي (ت 1031) وقال: كتبها المؤلّف سنة 1028.
هو الكتاب الأول من المجموع 3863 عام مجاميع 127.
فهرس مجاميع الظاهرية: 673.
13 ـ ريحانة الأدب في المعروفين بالكنى واللقب:
للشيخ محمد علي المدرس التبريزي، طبع أولاً سنة 1367، وأعيد حديثاً مع استدراك.
14 ـ عكس الرتبة في تهذيب الكنى:
للحافظ أبي الوليد، هشام بن أحمد بن هشام الأندلسي (ت 488).
إيضاح المكنون 2/ 117.
15 ـ غاية المُنى في تحقيق الكنى:
وما يكنى من الحيوانات وغيرها.
للميرزا محمد علي التبريزي الخياباني.
الذريعة 16/ 23.
16 ـ غاية المنى في ذكر المعروفين بالألقاب والكنى:
للشيخ عباس القمي (ت 1359) صاحب «الكنى والألقاب».
يوجد عند ولده بخطّه.
الذريعة 16/ 23.
17 ـ فتح الباب في الكنى والألقاب:
لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن مندة الأصبهاني (310 ـ 395).
سير أعلام النبلاء 17/ 33.
وقد نشر الكتاب في ألمانيا سنة 1927م، وانظر: تاريخ التراث العربي لسزكين 1/ 354.
18 ـ كتاب أبي إسحاق الصريفيني في الكنى:
ذكره البلقيني.
19 ـ كتاب أبي بكر بن أبي شيبة، في الكنى: ذكره البلقيني.
20 ـ كتاب أبي الجارود:
ذكره البلقيني.
21 ـ كتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري:
ذكره شاكر في الباعث الحثيث: 3 ـ 204.
22 ـ كتاب ابن مخلّد:
ذكره البلقيني.
23 ـ الكنى:
لابن عبد البر القرطبي، يوسف بن عبد الله (ت 413) صاحب «الاستغنا في معرفة الكنى» الذي ذكرناه برقم 5.
سير أعلام النبلاء 18/ 159، وكشف الظنون: 1454.
24 ـ الكنى:
لأبي محمد، عبد الرحمن بن أبي حاتم، الرازي.
ذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح: 508، وإيضاح المكنون 2/ 325، والرسالة المستطرفة: 90 ـ 91.
25 ـ الكنى:
للقبّاني، الحسين بن محمد بن زياد، أبي علي، النيسابوري (ت 2389)، كان أعرف الناس بالأسامي والكنى.
سير أعلام النبلاء، للذهبي 13/ 500، وتهذيب التهذيب 2/ 369.
26 ـ الكنى:
لابن حيّان، محمد بن حيان بن أحمد البستي الدارمي (ت 354). سير أعلام النبلاء، للذهبي 16/ 95.
27 ـ الكنى:
للنسائي.
قال الذهبي في «المقتنى» وهو يتحدث عن كتب الكنى: من أجلها وأطولها كتاب النسائي.
ذكره ابن الصلاح في المقدمة، وفي كشف الظنون: 1453 والرسالة المستطرفة: 90 ـ 91، وروى عنه البكري في الأربعين حديثاً: 121.
28 ـ الكنى:
لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 206).
الفهرست للنديم: 108، وسير أعلام النبلاء 10/ 102، وفيات الأعيان 6/ 83، والذريعة 18/ 142.
29 ـ كنى آباء الرسول صلى الله عليه وسلم:
لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 206).
الفهرست للنديم: 111، ومعجم الأدباء 19/ 291.
30 ـ كنى الأشراف:
للهيثم بن عدي، الطائي الكوفي (ت 130 ـ 207).
الفهرست للنديم: 112، ومعجم الأدباء 19/ 310.
31 ـ الكنى التي للصحابة:
لابن الدبّاغ، خلف بن القاسم بن سهل الأزدي القرطبي (ت 393).
سير أعلام النبلاء، للذهبي 17/ 113.
32 ـ كنى الدوابّ:
لمحمد بن إسحاق، أبي العنبس، الصيرمي.
الفهرست للنديم: 169، معجم الأدباء 18/ 11.
33 ـ كنى الشعراء:
لمحمد بن حبيب، أبي جعفر، البغدادي (ت).
الفهرست للنديم: 119، معجم الأدباء 18/ 116.
34 ـ الكنى والأسماء:
لمحمد بن أحمد بن حماد، أبي بشر الدولابي الأنصاري (ت 234 ـ 320) طبع في حيدر آباد ـ الهند سنة 1322هـ) في جزأين، وأعيد في دار الكتب العلمية ـ بيروت 1403هـ.
35 ـ الكنى والأسماء:
لأبي أحمد الحاكم، محمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الحافظ (285 ـ 328).
وذكره ابن الصلاح في المقدمة: 507، وكشف الظنون: 1391. وانظر: 1453، والرسالة المستطرفة: 91، والأعلام للزركلي 7/ 244، ومعجم المؤلفين 11/ 180.
36 ـ الكنى والأسماء:
لمسلم بن الحجّاج القشيري (204 ـ 261هـ).
منه نسخة في الظاهرية، المجموع 3738، كما في فهرس مجاميع الظاهرية: 16.
ونسخة في دار الكتب المصرية، رقم 221 مصطلح، طلعت.
وذكره النديم في الفهرست: 286، وابن الصلاح في المقدمة ص 508، وانظر: سير أعلام النبلاء 10/ 595 و19/ 136.
37 ـ الكنى والألقاب:
للشيخ عباس القمي (ت 1359).
طبع بصيدا، وبالنجف، وأعاد طبعه في قم بالأوفست من طبعة صيدا، الشيخ محسن بيدار، ووضع له فهارس عامة.
38 ـ الكنية، حقيقتها وميزاتها وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية:
لمؤلفه السيد محمد رضا ابن السيد محسن ابن السيد علي الحسيني، العبيدلي، الأعرجي نسباً، والحائري مولداً، والنجفي دراسة، والمهاجر إلى مدينة «قم» الطيّبة، المعروف بالجلالي لقباً.
39 ـ متاح المنى في إيضاح الكنى:
للشيخ علي بن الحسن بن عنبر، أبي الحسن، الحلي النحوي، المعروف بـ «الشميم» (ت 601).
ذيل تاريخ بغداد، لابن النجار 3/ 311 ـ 317، وذكره ياقوت في معجم الأدباء 3/ 70 ـ 71 وقال: أربعة كراريس.
40 ـ مجلة النصاب في الأسماء والكنى والألقاب:
لمستقيم زاده، سليمان الرومي.
قال في إيضاح المكنون 2/ 432: هو كتاب كبير نافع جداً.
41 ـ المرصّع:
لابن الأثير، مبارك بن محمد مجد الدين الجزري (ت 606).
طبع في مطبعة الإرشاد ببغداد 1391 بتحقيق هزيل.
42 ـ المستطرفات في الكنى والألقاب:
للسيد حسين ابن السيد رضا، الحسيني البروجردي (ت 1277).
طبع في إيران على الحجر سنة 1313 منضماً إلى كتاب «نُخبة المقال في الرجال» للمؤلف.
الذريعة 21/ 11.
43 ـ مصنّف ابن عبد البر في من اشتهر بكنيته دون اسمه من الصحابة:
ذكره ابن الصلاح وقال: مصنّف مليح.
المقدمة: 516.
44 ـ المعجم في مَنْ وافقت كنيته [كنية] زوجته:
للحافظ، أبي الربيع الكلاعي، سليمان بن موسى صاحب «الأربعين السباعية».
إيضاح المكنون 2/ 509.
45 ـ المقتنى في سرد الكنى:
للحافظ الذهبي.
اختصر به كتاب أبي أحمد الحاكم، وقال: «قد جمع الحفّاظ كتباً في الكنى ومن أجلّها وأطولها كتاب النسائي، ثم جاء أبو أحمد الحاكم فزاد وأجاد وعمل ذلك في أربعة عشر سِفْراً، لكنه يتعب الكشف عنه، لعدم مراعاته ترتيب الكنى على حروف المعجم، فرتبتُه واختصرته وزدته» ألّفه سنة 737 وزاد في آخره كنى النساء، منه نسخة في المكتبة المرعشية بقم، رقم 5460، ذكرت في فهرسها 14/ 240.
توجد نسخة منه في المكتبة الأحمدية في حلب باسم «المنتقى من الكنى».
كشف الظنون: 1794 و1453، والرسالة المستطرفة: 91، وهامش سير أعلام النبلاء 14/ 464.
46 ـ المنى في الكنى:
للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911).
ذكره في تدريب الراوي: 459، وكشف الظنون: 1888.
47 ـ مَنْ وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة:
لابن حيّويْه، محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، الشافعي (ت 366).
يوجد في المكتبة الظاهرية، الكتاب 9 من المجموع 3774، مجاميع 37، وأخرى برقم 3852.
فهرس مجاميع الظاهرية: 193 و624.
48 ـ من وافقت كنيته اسم أبيه:
للخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت 463).
معجم الأدباء 4/ 20.
49 ـ من وافقت كنيته كنية زوجته:
لابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله، الحافظ الدمشقي (ت 571).
معجم الأدباء 13/ 78 وقال: أربعة أجزاء.
50 ـ هدية الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب والأنساب:
للشيخ عباس القمي (ت 1359).
طبع مكرّراً.
محمد رضا الحسيني الجلالي
الكوت
مدينة عراقية على يسار نهر دجلة هي اليوم قاعدة محافظة واسط تبعد عن جنوب بغداد نحو 180 كيلومتراً، أنشئ فيها سنة 1936 سدّ.
وقد اشتهرت الكوت خلال الحرب العالمية الأولى بأن حاصر فيها الجيش التركي قطعة من الجيش الإنكليزي بقيادة الجنرال (طاونزند) فانتهى الأمر باستسلام هذا الجنرال مع جيشه بتفاصيل تأتي فيما يلي:
في أوائل تشرين الأول سنة 1914 وقبل إعلان تركيا الحرب على الحلفاء كان الإنكليز يعدون العدة لاحتلال البصرة، فتقدموا بحراً من بومبي في الهند وأنزلوا قوة في (عبادان) لحماية آبار النفط والتهيؤ في الوقت المناسب للانقضاض على البصرة، وفي 5 تشرين الثاني اعلنت الحرب على تركيا، فأنزل الإنكليز قوة في البحرين، ثم تقدموا باتجاه العراق فاحتلوا في 14 تشرين الثاني (الفاو) الواقعة عند مصب شط العرب. ثم تقدموا فاصطدموا بقوة تركية صغيرة على ضفة شط العرب اليمنى انسحب بعدها الأتراك إلى البصرة. وفي 22 تشرين الثاني كانوا يحتلون البصرة بلا مقاومة. ثم تقدموا إلى (القرنة) الواقعة عند ملتقى دجلة بالفرات على مسافة خمسة وثلاثين ميلاً إلى شمال البصرة، وهي موقع حربي هام.
وفي الوقت نفسه كانت قوة إنكليزية أخرى تتقدم إلى (المزيرعة) على ضفة دجلة اليسرى قبالة القرنة فتحتلها في التاسع من كانون الأول.
وفي 20 كانون الثاني 1915 تقدم الإنكليز من المزيرعة مستكشفين على ضفة النهر اليمنى فاشتبكوا بالأتراك فجرح القائد التركي الجديد سليمان عسكري بشظية قنبلة جرحاً لم يشف منه ولازمه حتى انتحاره بعد معركة الشعيبة.
وكان الترك قد عزموا على استرداد البصرة فحشد سليمان عسكري معظم قواته في الناصرية استعداداً للزحف على البصرة بطريق الصحراء. وكانت القبائل العراقية الشيعية قد استجابت لفتوى مجتهدي النجف بإعلان الجهاد، فعسكرت ومعها العلماء وعلى رأسها السيد محمد سعيد الحبوبي منضمة إلى قوات القائد العام سليمان عسكري.
وكان الإنكليز قد أنشؤوا معسكراً محصناً في (الشعيبة) إلى غرب مدينة البصرة فتقدم سليمان عسكري بقواته ومعها المجاهدون فهاجموا مواقع الإنكليز في 14 نيسان سنة 1915 في الشعيبة وغابة البرجسية فثبت الإنكليز المحصنون وفشل الهجوم وانتحر سليمان عسكري، وتراجع الأتراك إلى الناصرية، ومات السيد محمد سعيد الحبوبي في الناصرية.
وهنا عزم الإنكليز على التقدم إلى بغداد عن طريق العمارة والكوت، وفي 31 أيار سنة 1915 زحفوا من (القرنة) بقيادة الجنرال (طونزند) وفي 3 حزيران كانوا يصلون العمارة بعد مقاومات لا تذكر.
وفي الوقت نفسه كانوا يزحفون عن طريق آخر فاحتلوا الناصرية في 24 تموز بعد مقاومة عنيفة من الأتراك استمرت أسبوعاً.
وفي هذه الأثناء كان الأتراك قد أوفدوا إلى العراق قائداً عاماً جديداً من أكفأ قوادهم هو نور الدين باشا فرابط بقواته لملاقاة القوى الإنكليزية الزاحفة في موقع (السن) على ضفتي دجلة على مسافة ثمانية أميال إلى شرقي (الكوت).
وفي 27 أيلول أشعلت قوات (طونزند) المعركة زاحفة صوب الكوت فاستطاعت احتلالها بعد معارك عنيفة.
وأقام نور الدين خطوط دفاعه في منطقة (سلمان باك) ([158]) لحماية بغداد، فواصل طونزند زحفه فكان في 3 تشرين الثاني في بلدة العزيزية، وهناك علم بصمود نور الدين في خطوط سلمان باك فاتخذ من العزيزية مقراً له.
وفي 22 تشرين الثاني كانت قواته تبدأ هجومها مستهدفة المواقع التركية الممتدة على ضفة دجلة اليسرى شمالاً على مسافة ستة أميال.
وكان الأتراك قد أرسلوا لقيادة المعارك خليل باشا من جبهة القفقاس إلى جبهة العراق، وكان معروفاً عنه أنه قائد مهاجم مقدام.
وقامت معارك طاحنة صمد فيها الأتراك مدافعين فتراجعوا أولاً ثم عادوا مهاجمين وألحقوا بالإنكليز خسائر فادحة. وفي 25 تشرين الثاني 1915 أصدر طونزند أوامره بالانسحاب من المعركة باتجاه العزيزية فلم يتوقف فيها طويلاً لأنه علم بأن الأتراك يتعقبونه، ثم واصل انسحابه فوصل الكوت صباح الثالث من كانون الأول وقرر الثبات فيها.
وقد طلبت إليه القيادة العامة أن يثبت في الكوت معللة ذلك بأن الانسحاب من الكوت يفتح طريق شط العرب والحي للأتراك، وقالت له في البرقية المرسلة منها إليه: يجب أن يكون انسحابك من الكوت الأمر الأخير الذي تفكر به، وذلك عندما لا ترى سبيلاً آخر تسلكه.
وبالرغم من أن طونزند يقول في مذكراته بأن هذا هو رأيه، وأن قرار الثبات في الكوت كان قبل كل شيء قراره، فإنه يعلق على أوامر القيادة قائلاً: «فيرى القارئ من هذا أنه تقرر أمر بقائي في الكوت على صورة نهائية. وبعد أن قطع لي قائد الحملة عهداً مطلقاً بفك الحصار عني رأيت اعتصامي في الكوت رأياً صائباً من وجهة سوق الجيش لأنه لو انسحبت من الكوت لخسرنا العراق بأسره. وكانت القوات الواقفة لي بالمرصاد متفوقة عليَّ كل التفوق بعددها فلو قاتلتها في ميدان مكشوف لانكسرت لا محالة» اهـ.
ويبدو أن الإنكليز كانوا يرون أن حصار الأتراك للكوت سيكون موقتاً وأنهم سيستطيعون فك هذا الحصار في مدة قصيرة، وهو ما اعتمد عليه الجنرال طونزند. فقد جاء في برقية مرسلة إليه من القيادة العامة: «إن فك الحصار عنك في مدة شهرين هو الحد الأقصى الذي عيناه لإنجادكم وذلك أننا قد حسبنا المدة التي تنقضي إلى حين وصول آخر قوة من النجدات العسكرية التي تردنا والمدة التي قبل الشروع في الزحف العام. والمأمول أن نسرع سير هذه الحركة» اهـ.
ولكن القيادة العامة لم تستطع إنجاد طونزند، ولا استطاعت فك الحصار عنه خلال شهرين، بل اضطر للاستسلام كما سنرى.
على أنه هو نفسه كان يرى أن مدة الشهرين هي مدة طويلة، لذلك أبرق إلى القيادة قائلاً فيما قال: «إن فك الحصار عني في مدة شهرين يؤول إلى خسارة الفرقة لأن الجيش التركي السادس المؤلف من ست فرق سيحيط بي إحاطة السوار بالمعصم قبل أن تتمكنوا من إنجادي».
ثم يقول في نفس البرقية: «إن خسارة الفرقة يؤثر أسوأ تأثير في الهند فضلاً عن كونه ضربة قاضية على نفوذنا في العراق».
على أن الشيء المهم جداً في برقية طونزند هذه هو أنه سأل فيها القيادة العامة عما إذا كان المقر قد تلقى أنباء تتعلق بزحف الروس على بغداد لأنه إذا قام الروس بهذه الحركة تغير موقفه كل التغير اهـ.
ونحن لا ندري هل كان هناك فعلاً تفكير روسي جدي بالزحف على العراق والوصول إلى بغداد لإنجاد الإنكليز، أم أن هذا مجرد سراب لوحت به القيادة العامة لطونزند لتقوي عزائمه.
إننا نعتقد أن طونزند كان مخدوعاً في هذا الأمر، وذلك أولاً لأن الإنكليز لم يكونوا على المدى البعيد بحاجة لنجدات الروس، وإذا كان موقفهم الآن في العراق ضعيفاً فقد كان ضعفاً موقتاً، وبدلاً من أن ينتظروا نجدات الروس فإن الهند التي هي في أيديهم كافية للقيام بهذه المهمة بمئات الملايين التي فيها، وهو ما تحقق بعد ذلك.
ثم هل يسمح الإنكليز للروس بأن يكونوا بعد الانتصار في الحرب، في العراق على مقربة من الهند، وهم الذين ظلوا يثيرون الحروب ويوقدون المواقع في كل مكان حماية لطريق الهند؟!
ويزداد طونزند أملاً بالنجاة بتعليل نفسه بالزحف الروسي فيقول: «إذا هدد الروس بغداد حوّل (فوندر غولتس)([159]) كل قوته للدفاع عنها وحينئذٍ لا يبقى لي إلاّ مقاتلة قوة تركية صغيرة في الكوت تعادل قوتي أو تزيد عليها زيادة طفيفة».
وزادت القيادة الإنكليزية العامة طونزند أملاً على أمل حين قالت له في إحدى برقياتها ما تقدم ذكره وهو: يجب أن يكون انسحابك من الكوت الأمر الأخير الذي تفكر به.
وبعد هذا الأمر الصارم أردفت القيادة كلامها هذا بقولها: «وبلغنا أن الروس أصبحوا في 4 كانون الأول على مسافة ثلاث مراحل من همذان و23 مرحلة من بغداد، وقد أبرق قائد الحملة إلى رئيس أركان الجيش ليعجل زحفهم».
ولكن لا الروس عجلوا زحفهم ولا القيادة أنجدته فاستسلم بعد حصار طويل كما سنرى: ويهمنا هنا أن نعرف موقف السكان العراقيين المسلمين الشيعة من الجيشين التركي والإنكليزي.
وعندما يرجع القارئ إلى بحث (الشعيبة) يرى أن دعوة الجهاد التي أطلقها مجتهدو الشيعة في ذلك الوقت واستجابة العراقيين لها قد جعلت مشاركة الشيعة في قتال الإنكليز مشاركة فعالة.
وكما دعا المجتهدون الشعب إلى النفور إلى الجهاد فنفر كان عليهم أن يكونوا أول النافرين، وقد فعلوا.
ومن مراجعة بحث (الشعيبة) وقراءة هذا البحث يرى القارئ أن الإنكليز بعد احتلالهم البصرة قد انطلقوا منها على خط (الشعيبة) الذي سيفضي بهم إلى الناصرية، وخط القرنة الذي أفضى بهم إلى العمارة فالكوت كما رأينا.
وقد كان على رأس الناس في خط الشعيبة السيد محمد سعيد الحبوبي، وعلى رأسهم في خط القرنة السيد مهدي الحيدري، وقد فصلنا في بحث (الشعيبة) ما كان من السيد مهدي ومن رافقه من العلماء فلا نعيده هنا.
يصف طونزند موقف العراقيين من الإنكليز بما يلي: «وقد ضايق عرب ربيعة وعجيل لواء الخيالة بعد خروجه من الكوت، وكان عدد أولئك العرب 800 فارس، وقد لقي هذا اللواء العداء من كل عربي في طريقه».
ثم يصف الموقف بعد تشديد الحصار على الكوت بقوله: «وكان العرب الذين يقطنون البلدة يبعثون القلق والاضطراب في نفسي لأنني كنت عالماً بأنهم يخابرون العدو وهذا أمر واقع لا حاجة إلى ذكره. وكان الباعث على قلقي واضطرابي اعتقادي كذلك بأن هؤلاء العرب قد طمروا بندقيات كثيرة وأخفوها، ولا يخفى الخطر الشديد الذي يؤول إليه عمل العرب هذا إذا تمكن العدو من إغرائهم بالقيام علينا ليلاً أثناء هجومه على جبهتنا الشمالية، لذلك اعتقلت بعض وجوه البلدة وأعلنت أنني سأعدم أولئك المعتقلين بالرصاص إذا بدرت من السكان أقل بادرة خيانة».
على أنه لم يتورع عن إعدام اثني عشر رجلاً من أبناء البلدة رمياً بالرصاص بحجة واهية زعم فيها أنه قبض عليهم أثناء قيامهم بالنهب، زعم هذا بعد أن اعترف بأن إعدامهم جرى لمنع النهب، ثم استدرك بأن وضع بين عارضتين هذه الجملة ـ قبض عليهم أثناء ارتكابهم هذه الجريمة ـ ونحن غير ملزمين بأن نأخذ باستدراكه، بل نحن نأخذ باعترافه الأول بأنه أعدمهم لمجرد إرهاب الناس، ومن ذا الذي يصدقه بأن هناك من يجرؤ على ممارسة النهب في بلدة صغيرة يسيطر عليها آلاف الجنود المدججين بالسلاح، والنهب حين يجري ـ إذا جرى ـ إنما يجري في حالة انعدام القوة العسكرية الرادعة لا في حالة وجود حكم عسكري رهيب غير مقيد بقانون ولا نظام ومدعوم بالفرق العسكرية المثقلة بأدوات القتل والتدمير.
ثم يقول بأنه أمر بطرد سكان البلدة جميعاً وأنه لم يمنعه عن ذلك سوى تدخل (السير برسي كوكس) الذي أقنعه بأنه «إذا طرد هؤلاء السكان من البلدة هلكت النساء والأطفال في الصحراء من الجوع ورصاصات البدو».
بهذه القلوب القاسية المتحجرة دخل هؤلاء الإنكليز وغيرهم من الأوروبيين المستعمرين العراق وغير العراق، وبهذا الطغيان عاملوا الشعوب.
إن هذا القائد الإنكليزي يريد أن يطرد سكان مدينة بكاملها من مدينتهم، وإذا كان زميله الإنكليزي الآخر قد تدخل لمنعه من ذلك فلا لأنه كان أرحم منه، بل لأنه كان أعقل، فقد عرف ما سيكون لهذا التصرف من أثر سيئ في نفوس العراقيين يزيد في نقمتهم على الإنكليز الفاتحين، في حين كانوا هم في أمس الحاجة للتقليل من نقمة الناس.
ولماذا يستنكر الإنكليز ما فعله بهم هتلر من قصف مدنهم على سكانهم ما داموا هم يبيحون لأنفسهم أن يطردوا سكان المدن من مدنهم وأن يفرغوها منهم جميعاً ويرموهم للموت جوعاً وعطشاً في الصحراء؟!
وهو نفسه يعترف بأنه ما منعه من تنفيذ قراره لا الإنسانية، بل المصلحة الإنكليزية إذ يقول فيما يقول تعقيباً على طلب برسي كوكس منه إلغاء قراره: «وحينئذٍ رأيت أنه سيحدث عملي هذا تأثيراً سياسياً سيئاً في العراق بين العرب الذين جئنا لإنقاذهم من مظالم الترك. لذلك أُكرهت على إلغاء أمري بطرد جميع القاطنين في البلدة واكتفيت بطرد جميع الغرباء منها وسمحت ببقاء سكان الكوت الأصليين فيها فبقي في البلدة نحو خمسة آلاف أو ستة آلاف نسمة وطردت نحواً من 700 أو 800 رجل».
على أنه لم يلبث أن يقول: «وقد أسفت على الدوام لتساهلي هذا لأنني لم أهتم قلامة ظفر بمن يقتل أو يموت في الصحراء من العرب الخائنين لأنهم لم يستحقوا ذرة من الرحمة والشفقة».
ونقول له: إذا كنت قد أسفت لتساهلك ولم تهتم بمن يقتل أو يموت بالصحراء من العرب لأنهم لم يستحقوا ذرة من الرحمة والشفقة ـ فإن هتلر لم يأسف أبداً لما حل بكم من قنابله في عاصمتكم لندن لأنكم بما عاملتم به الشعوب لا تستحقون ذرة من الرحمة والشفقة …
أمّا (الخيانة) فإن خيانتكم هي الأمانة كل الأمانة.
وإذا كنتم قد أجليتم شعباً في فلسطين عن أرضه وأحللتم مكانه من أحللتم، فكلامك هذا يدل على أن إجلاء الناس عن أوطانهم هو طبيعة فيكم لا صفة عارضة تعتريكم.
وبدأ الحصار يشتد على طونزند ومن معه في الكوت، ويقدر هو عدد الجنود التي تحاصره باثني عشر ألف جندي، وقد كان الأتراك يقومون بهجمات متواصلة على مواقع الإنكليز فيرد الإنكليز بالنيران على المهاجمين، ويقول طونزند إنه في 13 كانون الأول دنت خنادق الأتراك من خنادقه حتى باتت على مسافة خمسين يارد من خنادقه الواقعة على الميسرة القصوى لجبهته الشمالية الغربية فكانت عمال كل من الفريقين تسمع أصوات عمال الفريق الآخر. وعلم طونزند من الأسرى الذين وقعوا في أيدي جنوده أن نجدات قريبة ستصل إلى الأتراك فقدّر أن نحواً من أربعين ألف جندي سيحاصرونه. وفي هذا اليأس المرير عاوده أمله السرابي بوصول الروس، فابرق إلى القيادة يخبرها بقرب وصول النجدات التركية ويقول إن أمله شديد بأن الحكومة تطلب من الروس أن يهددوا بغداد تهديداً شديداً لرفع الضغط عنه.
والفرق واضح بين كلامه عن الروس هنا وكلامه عنهم فيما تقدم، فهناك زعمت له القيادة بأن الروس في الطريق إلى بغداد وقد وصلوا إلى مقربة من همذان. وهنا يتوسل بقيادته بأن تطلب من الروس أن يتقدموا بعد أن أيقن أن الأمل السابق قد خاب.
وبدلاً من أن يتلقى خبر التقدم الروسي إلى بغداد من إيران، تلقى خبراً بأن (فوندر غولتس) القائد الألماني العام للقوى التركية هو الذي سيتوجه إلى إيران بأربعين ألف جندي زاحفاً بهم من بغداد. ولا تخلو مذكرات طونزند بين فترة وأخرى من ذكر فرار جنود هنود وانضمامهم إلى الجيش التركي. ويظل الهاجس الروسي يعاوده فيذكر أنه في برقيته المرسلة في 29 كانون الأول طلب من القائد أن يخبره عما يعلمه من أمر الروس. ثم يقول بأن المقر العام أنبأه بأنه لم يتلق خبراً يتعلق بحركات الروس في إيران. وهنا ملكه اليأس من التحرك الروسي وأيقن أن ما كان يتخيله في ذلك كان سراباً في سراب، فهو يقول: «فأيقنت حينئذٍ أن الروس لا يقومون بحركة ذات شأن لتهديد بغداد إذ لولا ذلك لزحفوا بقواتهم متحدة في كتلة واحدة على كرمنشاه وقصر شيرين».
ومن طريق ما يذكره أن الكثيرين بين جنود فوج من الأفواج الهندية كانوا يشوهون أبدانهم للتخلص من الاشتراك في القتال فكانوا يقطعون الأصبع التي يضغطون بها الزناد (السبابة) بإطلاق البندقية عليها فيتظاهرون بأنهم أصيبوا بجرح فيها.
وقد حاكم طونزند هؤلاء الجنود الذين بلغ عددهم أربعة عشر جنديا في مجلس عسكري فحكم عليهم أحكاماً صارمة.
وفي 1 كانون الثاني تلقى طونزند برقية بان هناك خطة لفك الحصار عن الكوت.
ويقول طونزند إنهم في 9 كانون الثاني شاهدوا الأتراك ينشرون الأعلام على بواخرهم ويراصفون سفنهم، وأنهم سمعوا اصوات الهتاف تتصاعد من الخنادق التركية. يقول طونزند: فعزونا هذه المظاهرات إلى انسحاب القوة البريطانية من غاليبولي فصدق ظننا.
والواقع أن ما يسميه طونزند (انسحاب القوة البريطانية) من غاليبولي كان نصراً تركياً عظيماً أحرزه الأتراك على الحلفاء في صد محاولتهم احتلال استنبول، فلم يكن بدعاً أن يحتفل الأتراك في الكوت بهذا النصر، وأن تنكسر له نفس طونزند فوق ما هي منكسرة، ومع ذلك فهو يهوّن من شأنه ويسميه (انسحاباً).
وتضيع بعد ذلك أخبار محاولة فك الحصار فلا نسمع لها حساً فيما يسجله طونزند إلى أن يأتي يوم 15 كانون الثاني فيقول طونزند : «طفقت الهموم تتقاذفني لأني حصرت نفسي في الكوت على أن يفك الحصار عني في مدة شهر. ولكن انقضت علينا الآن ستة أسابيع ونحن محصورون».
ثم يتحدث عن نجدة كانت قادمة إليه فردها الأتراك، ثم يقول: «فإذا كان زحف القوة القادمة لنجدتي على هذه الحالة من البطء ترى كيف يكون ذلك حين وصول النجدات التركية؟».
ثم قامت محاولة أخرى لفك الحصار عن الكوت ففشلت هي الأخرى.
والروس الذي تحدث عنهم طونزند فيما تقدم من الكلام كانوا فعلاً في إيران، ولكن لا على أن يزحفوا منها إلى بغداد، بل على أن يستقروا فيها ولا يتجاوزونها، وبالرغم من يأس طونزند منهم فقد عاوده بصيص من الأمل فيهم، فهو يقول: «كان أملي من الروس قد خاب غير أنني طلبت مرة أخرى أن يتنبئ الفريق (باراتوف) الذي كان مرابطاً حينئذٍ في قصر شيرين بحراجة موقفي ويوعز إليه بمضايقة بغداد مضايقة شديدة».
ومن الطريف أن طريقة القيادة الإنكليزية العامة بتعليل طونزند بالآمال الروسية السرابية استعملها هو بتعليل جنوده بها ففي 26 كانون الثاني 1916 نشر على القطعات بلاغاً كان بعض ما جاء فيه: «إن حلفاءنا الروس الذين يجتاحون الآن بلاد فارس سيجدون لهم متسعاً من الوقت للزحف نحو بغداد».
ومع أن رؤساء طونزند وقفوا في تعليله عند حد محدود، فإنه هو لم يقف عند هذا الحد، بل أوغل في التعليل كل الإيغال، فأبرز لجنوده السراب وكأنه حقيقة واقعة فتابع كلامه الأول قائلاً: «وقد تلقيت رسالة خاصة من قائد القوات الروسية الفريق باراتوف يفصح فيها عن شدة إعجابه بما قمتم به أنتم رجال الفرقة السادسة والقطعات الملحقة بها من الأعمال المجيدة في بضعة أشهر مضت وينبئني كذلك عن سير زحفه من كرمانشاه وهو على طريقه إلى بغداد الآن!!».
وعندما بدأت المؤن تنفذ عند طونزند عمد إلى ذبح ما عنده من خيل لإطعام الجنود٬ ولكن الجنود الهنود المسلمين امتنعوا عن أكل لحم الخيل وكذلك بعض الهندوس، وكان قد انتشر بين الجنود مرض الزحار فرأى مدير الأمور الطبية أن امتناع الجنود عن أكل اللحم كان من عوامل انتشار المرض، فاستنجد طونزند بالسلطات الإنكليزية بالهند لاستصدار فتاوى بتحليل أكل لحم الخيل. ويقول طونزند إنه تلقى برقية من رئيس أركان الجيش في دلهي بأن يذيع على الجنود الهنود المسلمين أن إمام دلهي (جمعه مسجد) أفتى بأن ضرورات الحرب تحلل أكل لحوم الخيل للمسلمين وأن كبير رجال الدين الهندوس (باندوت) في دلهي أفتى بتحليل أكل لحوم الخيل للجنود الهندوس. وسيصدر كل من هذين الرئيسين الروحيين فتوى مكتوبة بهذا المعنى.
ومما يجدر ذكره أنه ظهرت في هذه الحرب العراقية لأول مرة الطائرات الحربية فبدأ أولاً ظهور طيارات إنكليزية، ثم ظهرت الطيارات الألمانية ويذكر طونزند أنه في الواحد من آذار حلقت فوق الكوت ثلاث طائرات ألمانية من ذوات السطح الواحد وألقت على القوات الإنكليزية نحواً من أربعين قنبلة.
ومن الطبيعي أن نقول إنه لم يكن معروفاً يومذاك ما يسمونه اليوم وسائل الدفاع الأرضية التي تستهدف الطائرات المغيرة، لذلك يقول طونزند: «ولم يغننا فتيلاً ما أعددناه لمقاومة الطيارات على صورة مستعجلة من مدافع ورشاشات لأن الطيارات كانت تطير فوقنا على مستوى رفيع حيث لا تطالها مقذوفات معداتنا».
وبعد فشل محاولات فك الحصار الثلاث، وتناقص الأقوات يوماً بعد يوم، وكان قد مضى على الحصار ثلاثة أشهر، أخذ طونزند يقتل الخيول بدل انتظار ذبحها توفيراً لعلفها، وكانت كميات الغذاء التي توزع يومياً على الجنود قد أخذت تتناقص، وفي 11 آذار أمر بقتل 417 حصاناً دفعة واحدة، وكمان همه محاولة الصمود إلى 15 نيسان، إذ أن التسليم هو القرار الذي لا بد منه.
ومع ذلك ظلت القيادة تشجعه على الثبات فزعمت له في إحدى برقياتها المؤرخة في 16 آذار بأنها ستفك الحصار عنه قبل 15 نيسان، وكان قد أعلمها أن هذا التاريخ هو آخر يوم يستطيع الثبات فيه لنفاد الأقوات عنده.
ويبدو مما ذكره طونزند أن فتوى تحليل لحم الخيل لم يعمل بها الجنود الهنود إذ أنه يذكر عرضاً استمرار امتناعهم عن أكل هذا اللحم، بالرغم من تناقص المواد الغذائية الأخرى تناقصاً كبيراً واستمرار هذا التناقص كل يوم عن اليوم السابق.
ويثني طونزند على صلابة الجنود البريطانيين ونشاطهم، ويشكو مر الشكوى مما حل بالجنود الهنود ـ الذين تتألف منهم الكثرة من جنوده ـ من خور ويأس.
وينسى أن الجنود الهنود سيقوا إلى هذه النهاية القاسية لأمر لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وأنهم أرغموا على التجند للدفاع عن الإمبراطورية التي تستعمر بلادهم والتي تسوقهم الآن إلى الذبح والبلاء الذي ما بعده بلاء.
وعندما أذاع طونزند بلاغاً على جنوده في 10 نيسان 1916 لتشجيعهم وتقوية معنوياتهم، وكان هؤلاء الجنود كما قلنا هم في أكثريتهم من الهنود، قال طونزند في بلاغه مخاطباً الجنود: «إن كل فرد من أفراد هذه القوة قد قام بواجباته نحو ملكه وبلاده».
قال ذلك وهو يعلم أن ما يقوم به الجنود الهنود ليس من واجباتهم، بل هم مجبورون عليه، ولم يكن من أجل بلادهم، بل من أجل بلاده هو، وهو لتوطيد أقدام مستعمري بلادهم، وأن الملك الذي يعنيه ليس ملكهم، بل ملك ظالميهم ومستعبديهم.
وجاء 12 نيسان وكان قد مضى على الحصار أربعة أشهر ونصف الشهر، ويقول طونزند أن طعام 3700 من أصل سكان البلدة البالغ عددهم ستة آلاف، كان ما يسميه (حساء الفقراء) وهو شيء من لحم البغال والحمير.
وهنا يعلمنا أن معظم الجنود الهنود كانوا من المسلمين ويظل يبدي تذمره منهم وأنهم ضايقوه مضايقة شديدة منذ أيام زحفه من العزيزية إلى سلمان باك، وأنهم لا يزالون يمتنعون عن أكل لحم الخيل. ومن بين 10870 هندياً كان 1535 منهم يأكلون لحم الخيل فقط، بالرغم من ضآلة الأقوات الأخرى التي لم تزد عن خمس (أوفسات) لكل فرد.
فأصدر طونزند بلاغاً أنذر فيه من لا يأكلون لحم الخيل بالموت جوعاً، فضلاً عما سينالهم إذا نجوا بعد الحصار من عقاب. ويقول إنه نتيجة لذلك أصبح من يأكلون لحم الخيل 9329 شخصاً.
وحتى الآن كانت لا تزال هناك محاولات لإرسال قوة إنكليزية لفك الحصار، وكانت الطائرات تنقل بعض المواد الغذائية.
ويزعم طونزند أن الضباط والجنود الهنود كانوا يخشون غضبة مواطنيهم عليهم إذا علموا أنهم أكلوا لحم الخيل وأنهم كانوا يقولون: «إن الناس في قرانا سيعروننا بأكل لحم الخيل فلا يتزوج إنسان بناتنا».
وجاء 16 نيسان وكل تصرفات طونزند تُشعر بعزمه على التسليم ويأسه من وصول النجدة.
ولم ينقطع فرار الهنود إلى الأتراك ويذكر طونزند أنه أعدم من لم ينجح في محاولة الفرار التي كانت تتم في كل ليلة.
وانطفأ آخر شعاع من الأمل في نفس طونزند عندما تلقى برقية في 22 نيسان من المقر العام تقول: «يسوؤني أن أنبئكم بأن الأتراك صدوا الهجوم الذي قمنا به صباح اليوم» إلى آخر البرقية.
ومعنى ذلك، الفشل النهائي لمحاولات فك الحصار عنه والاستسلام للأتراك. فأبرق في 23 نيسان إلى المقر العام بهذه الحقيقة.
وفي هذا اليوم نفسه قدم طونزند اقتراحاً للقيادة التركية وافقت على مضمونه الوزارة البريطانية مؤداه أنه على استعداد لدفع فدية في مقابلة فك الحصار قدرها مليونا ليرة استرلينية، فلم ينجح الاقتراح.
ولم يشر طونزند في مذكراته إلى هذا الاقتراح، كما أن الحكومة البريطانية أخفت الخبر كلياً عن الصحافة الإنكليزية.
ثم التقى بقائد الجيش التركي خليل باشا الذي أصر على التسليم بلا قيد ولا شرط. وفي 29 نيسان كان فوج تركي يدخل (الكوت) بعد حصار استمر خمسة أشهر، ثم أُرسل طونزند إلى استنبول أسير حرب.
ومن طرائف طونزند أنه طلب من خليل باشا أن يبعث بكلبه إلى صديق له في إنكلترا لأن هذا الكلب كان أميناً في خدمته ورافقه في معاركه بالعراق وقتل قططاً كثيرة أثناء الحصار، وأنه بعد رجوعه إلى إنكلترا التقى به.
وإذا كان يوم 29 نيسان 1916 هو يوم استعادة الأتراك للكوت، فإن يوم 2 آذار 1917 هو يوم عودة الإنكليز إليها في زحفهم الكثيف بقيادة الجنرال (مود) الذي واصل الزحف حتى احتلال بغداد.
نهاية الحرب
توالت الهزائم فاستسلمت بلغاريا وسقطت دمشق واستقالت وزارة (الاتحاديين) المسؤولة عن دخول الحرب وحل عزت باشا محل طلعت باشا في رئاسة الوزراء التركية فطلب هذا من طونزند أن يكون رسوله إلى قومه الإنكليز للمفاوضة في الصلح.
وتم الأمر على أن يسافر طونزند إلى جزيرة (ساقز) حيث الدارعات البريطانية والحامية اليونانية، فيتصل هناك بالإنكليز فسافر في 19 تشرين الأول إلى أزمير ومنها ركب البحر متجهاً إلى (مدلي) حيث كان يتوقع أن يلتقي بمركب حربي بريطاني. وفي 20 تشرين الأول وصل مرفأ مدلي من غير أن يشاهد مركباً. ونترك لطونزند أن يصف لنا ما جرى:
وبعد أن صفرنا مرتين خرج إلينا زورق بخاري وعليه ضابط بحري بريطاني نادانا من أنتم؟ فأجبته صارخاً: الفريق طونزند.
فأجاب وقد دهش للأمر: الله تسرني مشاهدتكم سيدي.
فأبرقت إلى أمير البحر قائد الأسطول طالباً إليه أن يوفد مركباً سريعاً ليقلني إليه وفي 20 تشرين الأول وصلت جزيرة مدروس فذهبت إلى سفينة أمير البحر فقابلني القائد العام لأسطول البحر المتوسط.
ووصل المندوبون الترك في 26 تشرين الأول ونزلوا في الدارعة (أغاممنون) وشرع المؤتمر في أعماله في اليوم التالي.
وفي 30 تشرين الأول أمضيت شروط الهدنة بين بريطانية وحلفائها وبين تركيا على ظهر الدارعة أغاممنون.
معارك سلمان باك في الشعر العربي
نظم الشيخ محمد رضا الشبيبي قصيدة من روائعه في معارك سلمان باك، قدم لها بما يلي:
إن هذه الوقعة من أكبر الوقائع في العراق وأشهرها تسميها العامة واقعة (سلمان باك) خسر فيها الفريقان أكثر من عشرة آلاف جندي، خلاصتها أن الإنكليز زحفوا في المحرم سنة 1334 من كوت العمارة بقيادة الفريق طاونسند قاصدين أخذ بغداد، فصمد لهم العثمانيون بقيادة نور الدين باشا قائد الجيش العثماني العام وتحصنوا في أنقاض (المدائن) قرب مشهد سلمان الفارسي. وبدأت المناوشات بين الفريقين منذ المحرم سنة 1334 ثم شرع الإنكليز بهجومهم العنيف الشديد يوم الاثنين في 14 المحرم بعد تمهيد هائل بالمدفعية لم يسمع البغداديون نظيره فاستولوا أول الأمر على خنادق العثمانيين وتأخر الأتراك إلى ديالى فاشتد الأمر على الناس وكثرت الأراجيف. ثم كرت الجنود التركية الجديدة التي كانت تتواصل منذ أوائل المحرم من السنة المذكورة بقيادة خليل باشا ومحمد علي بك على العدو كرة شديدة واستقتلوا وتغامسوا مع الإنكليز بالحراب فكشفوهم وأورثوهم وهناً بيناً بعد أن دامت الحرب أربعة أيام بلياليها حتى اضطر الإنكليز إلى الانسحاب فجأة ليلة 19 المحرم فثابرهم الأتراك إلى يوم 26 منه وفيه ضرب الحصار على كوت العمارة:
أعالم بالذي وافت مدائنه
كسرى وإيوانه المعقود والسور
يا أعدل الناس قم للناس أوصهم
إن الوصية شيء عنك مأثور
أسمعهم بعد أن صحت اصفحوا انتقموا
وقل لهم بعد أن قلت اعدلوا: جوروا
أبعد عشرين قرناً لم يزل ذلقا
قيل السياسة والبهتان الزور
أبا المدائن في أيامك انبعثت
وفي مدائنك السبع الأعاصير
ما في البسيطة من أنس ومن بشر
إلا الوحوش تعادي واليعافير
مدائن أردشير الملك خططها
وقام في عقرها كسرى وسابور
لولا بلى طيسفون والبلى حرم
دكت كما دك من أركانه الطور
من حاسديك على هذا البلى كرة
لم يبق في ربعها المعمور معمور
الأرض كاسفة الأرجاء قد عبثت
فيها الصروف ونابتها التغايير
رواية النصر صحت بعدما اشتبهت
وحينما رجحت عنها الأخابير
لتذكري بخليل أو بفيلقه
سعداً وفيلق سعد فيك منصور
كل همام وكل ليث ملحمة
أزل دامية منه الأظافير
تجاه إيوان كسرى مأزق ضنك
أودى الرجال به والخيل والعير
كادت تميز ذباً عن حقائقها
فيه النقوش وتستضري التصاوير
شأو تعاطت سباقاً دون غايته
جرد البصائر والجرد المحاضير
إن كان للخيل مضمار ومضطرب
فكم خلت ثم للرائي المضامير
قتلى بدجلة منها دجلة امتلأت
والنهر وإن ان والأنقاض والدور
من يلذ يوم ساباط وليلته
صوب النجاة فمقتول ومأسور
يوم أغر من الأيام منبلج
وموقف في سبيل الله مأثور
من جالب جرح بغداد وقد علمت
إن الرشيد بذاك الجرح موتور
للكرخ عهد من المأمون مؤتمن
وفيه روح من المنصور منصور
أيستبيح الحمى قوم أمامهم
ومن وراء الحمى غلب مساعير
الكوفة
ـ 1 ـ
تقع مدينة الكوفة على شاطئ الفرات مباشرة، وتبعد عن مركز مدينة النجف الأشرف نحو 10 كلم، وإلى الجنوب الغربي من مدينة بغداد حوالي 161 كلم. وهي ثاني مدينة إسلامية شيدت في العراق بعد البصرة وتعتبر إحدى أهم مدن العالم الإسلامي، أسست العام 17هـ (638م)، ثم تحولت إلى مدينة مزدهرة في فترات زمنية قصيرة، وأصبحت مناراً علمياً وأدبياً، ومركزاً فكرياً وسياسياً مهماً، ولا سيما بعد اتخاذها عاصمة للخلافة الإسلامية من قبل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام العام 36هـ (657م)، وبلغت شهرتها الآفاق، وصارت ملتقى طرق عسكرية، وسوقاً تجارياً كبيراً لعرب الجزيرة.
وتذكر المصادر التاريخية أن الكوفة خُططت منذ البادية تخطيطاً هندسياً أشبه بمخطط مدينة البصرة، وأقيمت مبانيها من خصاص القصب. ولكن بعد احتراق أبنيتها القصبية، شيدت من اللبن ثم من الآجر والجص، وكان أول مبنى شيّد في الكوفة من الآجر والجص هو مسجدها الجامع ودار إمارتها التي كانت ملاصقة للمسجد في بداية الأمر.
وجاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي عن تسميتها، الآتي: الكُوفَةُ بالضم: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسمّيها قوم خدّ العذراء، قال أبو بكر محمد بن القاسم: سُمّيت الكوفة لاستدارتها آخذاً من قول العرب: رأيت كُوفانا وكَوْفانا، بضم الكاف وفتحها، للرميلة المستديرة، وقيل: سُميت الكوفة كوفة لاجتماع الناس بهم من قولهم: قد تكوف الرمل، وقيل سُميت كوفة أيضاً لأنها قطعة من البلاد، من قول العرب: قد أعطيت فلاناً كيفة أي قطعة، وقال قُطرُب: يُقال القوم في كوفان أي في أمر يجمعهم٬ قال أبو القاسم: قد ذهبت جماعة إلى أنها سُميت كوفة بموضعها من الأرض وذلك أن كل رملة تخالطها حصباء تسمى كوفة، وقال آخرون: سُميت كوفة لأن جبل ساتيدما يحيط بها كالكفاف عليها، وقال ابن الكلبي: سُميت بجبل صغير في وسطها كان يُقال لهُ كوفان، وقد سمّاها عَبْدة بن الطيب كوفة الجند فقال:
إن التي وضعت بيتاً مهاجرةً
بكوفة الجند غالت ودَّها غولُ
وفي العهد البويهي ازدهرت مدينة الكوفة وأصبحت مركزاً سياسياً وثقافياً بعد أن فقدت جزءاً من بريقها عند تأسيس مدينة بغداد.
وتذكر المصادر التاريخية أنه كان في الكوفة آنذاك أكثر من ثلاثين مسجداً. ولا تزال آثار مسجدها الجامع ودار إمارتها قائمة إلى يومنا هذا. أمّا دورها القديمة وبقية مرافقها العامة فغطتها أبنية المدينة الحديثة.
ومن المعالم العمرانية البارزة الأخرى في الكوفة مسجد السهلة الذي يعتبر ثاني أقدم المساجد الموجودة في المدينة بعد مسجد الكوفة، إذ تمّ تشييده في زمن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وكذلك مسجد صعصعة بن صوحان، ومسجد الحمراء.
وأنجبت الكوفة العديد من عباقرة العلم واللغة والأدب والشعر أبرزهم: جابر بن حيان، والفيلسوف الكندي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو الأسود الدؤلي، والكُميت بن زيد الأسدي، والكسائي، والأصمعي وغيرهم.
جامع الكوفة سنة 1860
الكوفة
ـ 2 ـ
مصرت الكوفة سنة 17هـ (638م) مصرها سعد بن أبي وقاص بأمر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في الجانب الغربي من الفرات على بضعة أميال من الجهة الشمالية الشرقية من مدينة الحيرة([160]) في السهل المحصور ما بين الفرات شرقاً والبادية المطلة على مشارف الشام وعمان غرباً.
وكان السبب في تمصيرها أن تكون قاعدة عسكرية للقسم الأوسط للمسلمين بدل المدائن([161]).
أمّا تخطيطها وبناؤها فكان على غرار البصرة التي خطت قبلها بعامين أو ثلاثة، وكان المسجد الجامع ودار الإمارة أولى أبنيتها، وما أن حطت القبائل رحالها في المصر الجديد وبدأ العمران، حتى توافد عليها الناس من كل صوب، ثم نمت الكوفة بعد ذلك وتحضرت وازدهر فيها العمران حتى صارت قبلة أنظار العرب وزعمائهم.
وليس من السهل تحديد الرقعة التي شغلتها الكوفة عند إنشائها وذلك لاندثار كثير من معالمها، فقد بنيت الكوفة كما هو معروف باللبن والآجر، وكلاهما مما يسهل هدمه وقلعه، ومن ثم نقله إلى أماكن سكنية أخرى، ومن الملاحظ جيداً أن كثيراً من أبنية الكوفة الحديثة والنجف وأبو صخير قد بنيت بآجر أغلبه قد أخذ من أبنية الكوفة القديمة، الأمر الذي لم يبق على آثار بارزة يمكن الاهتداء إليها في تحديد المسافة أو الحدود التي ابتنيت عليها المدينة على الوجه الدقيق، يضاف إلى هذا أن المسح الأثري للكوفة لم يباشر به إلاّ في نطاق محدود، كما أننا لم نعثر في الكتب على أرقام تشير إلى المساحة التي شغلتها في بادئ أمرها، فاليعقوبي مثلاً يذكر أن البصرة قد أنشئت على فرسخين في فرسخ([162]) ويمكننا من باب التخمين والترجيح أن نقول: إن الكوفة قد أقيمت في رقعة صغيرة من الفرات لا يتجاوز قطرها الكيلومترين، فالمسجد الجامع ودار الإمارة لا يتجاوز بعدهما حالياً عن النهر إلا نحو كيلومتر وربع تقريباً.
أما في العصر الأموي فقد بلغت الكوفة من المساحة كما قدر الفقيه الشعبي «ستة عشر ميلاً وثلثي الميل» وكان بها خمسون ألف دار للعرب من ربيعة ومضر وأربعة وعشرون ألف دار لسائر العرب وستة آلاف دار للمسلمين([163]).
ومن الملاحظ أن الكوفة لم تبق على حالها بل توسعت أكثر لازدياد سكانها وتوسع عمرانها وكان توسعها كما تدل بعض الأكام المنتشرة في موضعها على امتداد الفرات من جهة الشرق وإلى قرب الحيرة والنجف من جهة الغرب.
وأغلب الظن أن أقصى ما بلغت الكوفة من المساحة في القرون الثلاثة للهجرة حسبما نحدده مؤقتاً هو 15 كيلومتراً طولاً و9 كم عرضاً أي من نقطة تبدأ من خان المصلى في الشمال إلى حدود قصر أم عريف في الجنوب قرب بحر النجف.
وبلغ عدد سكان الكوفة وقت إنشائها مائة ألف مقاتل([164])، ويقول ياقوت إن عمر بن الخطاب (رض00) كتب إلى سعد يأمره بأن يخط مسجد الكوفة بحيث يتسع للمقاتلة فخطه بحيث يسع أربعين ألفاً([165])، وفي إمارة زيادة سنة 50هـ (670م)، وسع المسجد ـ وكان التوسيع في داخل المسجد ـ بحيث يتسع لستين ألفاً أي زاد فيه عشرين ألفاً.
والكوفة لم تكن معروفة قبل أن ينزلها العرب ولم يعرف عن مكانها بأنه كان مستوطناً قديماً يعود إلى عصور ما قبل التاريخ أو بعده وإلى الزمن الذي مصرت فيه، غير أن ثمة رواية فارسية يذكرها المستوفي، تزعم بأن الملك الأسطوري «خوشنك» هو الذي بنى الكوفة، ولكنها تخربت، ثم شادها سعد بن أبي وقاص من جديد، أو كما يقول ابن الفقيه بأن الطوفان قد أصاب مسجدها ومنه خرجت سفينة نوح([166]) وكل من الروايتين خرافة لا يدعمها دليل تاريخي أو أثري ولا تتطلبان فيما أرى عناء البحث لتفنيدها، فالكوفة كما أثبتت التحريات الاستكشافية فيها إسلامية المنشأ أنشئت إنشاءً جديداً لتكون «دار هجرة ومنزل جهاد للمسلمين»([167])، فنزلها سعد وخط مسجدها ودار إمارتها وخط فيها الخطط للقبائل، واقطع فيها القطائع وعلم المناهج ورسم السكك والدروب والأسواق ثم تسابق فيها الناس على البناء، فأسرع إليها النمو، وتحولت في بضع سنين إلى مدينة عامرة مزدحمة السكان تقوم هي والبصرة بدور العاصمة للعراق.
كانت الكوفة أولاً منزل العرب وحدهم وكان غالبيتهم عناصر متحضرة من اليمن وحضرموت مثل قبيلة «كندة» و«بجيلة»، يقول ماسينيون إن هذه العناصر كانت سبباً لتحضر العنصر العربي بالكوفة ونشاط الحركة الفكرية فيما بعد([168]) ثم نزل الكوفة بعد تمصيرها وبنائها عدد من الموالي، من الفرس، وأخلاط من أبناء المدن المجاورة كالسريان والنبط والنصارى واليهود.
والواقع أن المسجد في حالته الراهنة يوحي بحدوث كثير من التجديدات في مختلف العصور ولكننا مع الأسف لا يمكن أن نحدد أزمنة هذه التجديدات أو التطورات التي حدثت في بنائه في العصور المختلفة لعدم وجود ما يدل على تاريخها، وربما تجود الحفائر أو الكشوف الأثرية المستقبلة، بما يمكننا من تحديد أزمنتها أو على الأقل إضافة بعض الحقائق الى معلوماتنا الحالية.
هذا وقد سبق أن أشرنا إلى أن المؤرخين لم يذكروا شيئاً عن تفصيلات هذا المسجد بحيث يمكن تكوين صورة واضحة عما كان عليه تخطيطه الأصلي وقت البناء ولا يمكن حسب معلوماتنا الحالية أن نتصور بأنه كان يختلف كثيراً عن طراز مسجد الكوفة.
جامع الكوفة
وقد هدى البحث التاريخي والأثري أن هذه المدينة قد بنيت أول الأمر بشيء من البساطة واليسر فبدأت أبنيتها بالقصب، فلما احترق بنيت من اللبن ثم الآجر. فكان أول ما بني من أبنيتها المسجد الجامع ودار الإمارة ولم يبنيا من القصب واللبن ولكنهما بنيا بالآجر كما أثبت البحث الأثري.
وكان طبيعياً بعد التخطيط الأول للمدينة أن يشمل البناء كل هذه الخطط ثم أخذت بعد ذلك تتسع اتساع العمران ونموه.
مدرسة الكوفة
إن العراق من أكثر البلاد العربية ثروة علمية وأدبية والكوفة أهم كنز من كنوز تلك الثروة ومن القديم كانت الكوفة معهداً علمياً مهماً في تاريخ العراق فقد قيل ان عاقولا كانت قبل الإسلام مدرسة آرامية انتشر فيها الأدب السرياني فالروماني واليوناني وكانت قريبة من الكوفة أو بمكانها، وغير هذا فقد كانت الكوفة أول مدرسة عربية جمعت الأدب والفلسفة والعلم والفن وأنها المركز الثاني للفقه الإسلامي بعد الحجاز وبالأصح أن الكوفة ورثت حضارات وآداب كثيرة لأمم شتى وللدول التي سبقت العرب في تلك البقاع، والوارثون كانت لهم موهبة الإبداع والابتكار في الفكر والتصور وخصوصاً الجماعات الهابطة من جنوب الجزيرة العربية من اليمانيين فقد كانوا أهل حضارة وتمدن وعندما نزل العرب الكوفة كان اليمانيون أكثر من العدنانيين، ومما يزيد في المادة العلمية هناك الفرس هذه بعض الأسباب لتفوق مدرسة الكوفة في تأسيس الثقافة العربية الإسلامية، لقد كان الإبداع في الكوفة شاملاً لكافة أدوار الثقافة من الفلسفة والتصوف والفقه وعلم الأصول فكانت محطة للفقهاء والمشرعين وكان لها مذهب الاجتهاد، ولها المكانة في السياسة وآداب اللغة فمذهب الكوفيين ومقالتهم منوه عنها ومشهورة وقد قيل إن الأدب ميراث الكوفة.
ومما أعان على ثراء مدرسة الكوفة الخط الكوفي حيث اختصت به واختص بها ومن المعلوم أن الخط ولوازم الخط وآثار الخط من تحرير وتقرير وتأليف ومراسلة هو الأساس للثقافة، وقد كان لآداب اللغة العربية أكبر مظهر في مدرسة الكوفة فقليل من الإلمام بحياة المتنبي وثقافته يكشف لك مظهر الأدب في الكوفة.
وفي عهد المتنبي كانت الكوفة في الغاية من العمران فقد ذكر بشر بن عبد الوهاب القريشي في عام 314 أن فيها خمسين ألف دار لربيعة ومضر وأربعة وعشرين ألف دار لغيرهم من العرب وستة آلاف دار لأهل اليمن.
خراب الكوفة
وعاشت الكوفة إلى القرن الثامن للهجرة وهنا ابتدأ الخراب فيها حتى عادت خراباً، وبعد القرن الثالث عشر دب العمران إليها ثانية في بداية القرن الرابع عشر للهجرة وكانت في النصف الأول من هذا القرن أعمر تجارياً منها اليوم وذلك لانها كانت أهم ميناء للفرات الأوسط تنحدر منها السفن التجارية إلى البصرة حاملة للصادرات وتصعد إليها من البصرة حاملة الاستيراد ولكن بعد أن امتد القطار فقدت الكوفة أهميتها التجارية أما من جهة العمران فقد كانت النجف محطة علمية يهبط إليها علية القوم من أبناء فارس وكان المترفون منهم يتنزهون على شواطئ الفرات في الكوفة الأمر الذي استلزم أن تهيأ لهم أسباب الراحة في قصور ولوازم القصور فتقدمت الكوفة في العمران ولكن تحولت الهجرة العلمية فهجرت الكوفة وعادت موحشة ولكن في النصف الأخير من هذا القرن أخذ العمران يزحف إليها صاعداً من النجف وأوشك أن يتصل ما بين المدينتين على العكس من وضعية العمران الأول التي كانت منحدرة من الكوفة إلى الثوية وسوف تصبح الكوفة تابعة للنجف بعد أن كانت النجف تابعة للكوفة أما الآثار التي نشاهدها اليوم من الكوفة القديمة فتشعر باتساع مساحتها، نعرف ذلك من الأحجار والصخور وآثار المباني المتراكمة في الغرب والشمال للضفة الأولى من فرات الكوفة وفي الشرق لجانبي النهر ويوجد على حافتي الطريق بين جامعي السهلة والكوفة حفر مبثوثة تمتد إلى ما وراء مسجد الكوفة المارة (مقالع) وهي قسم من عمارة الكوفة القديمة وبيوتها كان الناس ينبشونها ويقلعون حجارتها ويجلبونها إلى النجف لتكون مادة للتعمير والإنشاء.
لم تنهض الكوفة الأولى على النهر تماماً بل كان يبعد عنها قليلاً إذ كان يجري بموقع الجسر الذي كان في الجانب الشرقي بين القصر والكناسة وكان إلى الموقع المسمى (العباسيات) أقرب، وقد كان ذلك النهر فرعاً من عمود الفرات.
الحياة العلمية في الكوفة
ونترك الكلام هنا للشيخ عبد الجبار الرفاعي:
تعود نشأة الحياة العلمية في الكوفة إلى الأيام الأولى من تمصيرها حيث جاءها «عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً».
وتفرغ عبد الله بن مسعود لتعليم أهل الكوفة القرآن الكريم، وبيان أصول تلاوته، وتفسيره، فتخرج عليه بعض القرّاء المعروفين، مثل زِرّ بن حُبَيْشٍ الشكري العُطاردي الذي «قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كله، في كل يوم آية واحدة، لا يزيده عليها شيئاً، فإذا كانت آية قصيرة استقلها زرّ من عبد الله، فيقول: عبد الله: خُذها، فوالذي نفسي بيده، لهي خير من الدنيا وما فيها». ومارس صحابة آخرون التعليم في الكوفة بعد تأسيسها مباشرة غير ابن مسعود، فقد قال نصر بن عاصم الليثي: «أتيت اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: قدمت الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة كأنما قُطِعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل، فقمت عليهم، فقلت: مَنْ هذا؟ فقيل: حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله، فدنوت منه، وسمعت بعض حديثه، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم». وقال عمران بن سريع: «كنا مع حذيفة رضي الله عنه في مسجد الكوفة، فأنشأ يُحدّث عن الأحزاب».
إن هذه الإشارات تدل على أن الدرس القرآني والحديث انطلق في الكوفة من الأيام الأولى لتمصيرها وهبوط الصحابة فيها، بيد أن الحياة العلمية افتتحت عهداً جديداً حالما وفد أمير المؤمنين عليه السلام إليها سنة 36هـ، وأضحت السنوات الأربع التي مكث فيها بالكوفة منذ وفوده إليها حتى استشهاده سنة 40هـ تمثل العصر التأسيسي لغير واحد من العلوم الإسلامية، ذلك أن الإمام علياً عليه السلام عنى عناية فائقة بغرس وتنمية الحياة العلمية، ولم تمنعه الحروب والاضطرابات التي استغرقت منه زمناً وجهداً كبيراً، من مهمته العلمية في هذه الحاضرة الجديدة. فكان نشر العلوم الإسلامية شاغله الأعظم، وكانت تربية وإعداد نخبة من حملة هذه العلوم وظيفته التي ما انفك مواظباً عليها في السلم والحرب، وفي الحضر والسفر، وفي الكوفة وخارجها. ففي كل زمان كان معلماً، وفي كل مكان حل فيه كان معلماً أيضاً، وحرص تلامذته على الإفادة منه وحفظ ما يلقيه إليهم أينما كانوا.
مقام مسلم بن عقيل في الكوفة
واستأثر القرآن من أمير المؤمنين عليه السلام باهتمام بالغ، وتخرج عليه في علوم القران والقراءات والتفسير رهط من أهل القرآن الذين انتهت إليهم أشهر القراءات والآراء في تفسير القرآن، فإذا «رجعت إلى القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النَّجود، وغيرهما، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ القارئ. وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه»، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ المتوفى سنة 74هـ هو صاحب الرواية المتداولة للقراءة التي يرويها عنه عاصم بن أبي النّجود الأسدي الكوفي المتوفى سنة 127هـ ويرويها عن عاصم تلميذه حفص بن سليمان الأسدي الغاضري الكوفي المتوفى سنة 180هـ وكان السُّلَميّ قد مكث أربعين سنة يقرأ القرآن في جامع الكوفة، وتخرج عليه خلق كثير من القرّاء، من أشهرهم عاصم الذي واصل مهمة أستاذه فعكف يُعلّم القرآن في المسجد، وتخرج عليه عدد من القرّاء، كان حفص أبرزهم، وأصبحت لحفص مكانة مرموقة بين القرّاء، جعلت القرّاء يلتزمون «بقراءته في المصحف المتعارف بين المسلمين، وعليها كان مدار القراءة العامة».
وكان حفص يؤكد وراثة هذه القراءة من أمير المؤمنين، إذ يروي عن أستاذه عاصم ذلك، فيقول: «قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي قرأتها على أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن علي عليه السلام».
ومن أمير المؤمنين استقى أهل القرآن من الصحابة علم التفسير، فقد عُرف عبد الله بن عباس كاشهر مفسِّر عهدئذٍ، والكل يعلم أن ابن عباس (تلميذه وخريجه)، إذ كان ملازماً له، ومنقطعاً إليه، وكان يشهد بتفوقه العلمي على سواه، فعندما «قيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ قال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط».
إن فترة إقامة أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة تميزت بانعطاف ملحوظ في تعلم قراءة القرآن، والتعرف على محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، واستجلاء معانيه، ووعي مضامينه.
ومع أن المركز التعليمي الذي كان يعلِّم فيه علي بن أبي طالب عليه السلام تلامذته هو المسجد الجامع بالكوفة، حيث انعقدت في أفيائه حلقات القرآن، ومن على منبره ألقي علي عليه السلام الكثير من خطبه الطافحة بالمعاني الربّانية العميقة، والتي اشتمل على بعضها كتاب «نهج البلاغة»، بَيْد أنَّ الإمام علياً عليه السلام لم يقتصر على المسجد في بثّ علومه. وتشير بعض الوقائع إلى أنّ بعض تلامذة الإمام علي عليه السلام كان يحظى بإعداد وتأهيل خاصّ منه، كما يحكي كميل بن زياد النخعي نموذجاً لذلك بقوله: «كنت مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مسجد الكوفة، وقد صلينا العشاء الآخرة، فأخذ بيدي، حتى خرجنا من المسجد، فمشى حتى خرج إلى ظهر الكوفة، لا يكلمني بكلمة، فلما أصحر، تنفس، ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول:…) وقد تربّى في فضاء مدرسة أمير المؤمنين نخبة من التلاميذ عملوا على إرساء قواعد مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، مضافاً إلى دورهم المتميز في غرس وتنمية بذرة غير واحد من العلوم عند المسلمين، فازدهرت على أيديهم الحركة الفكرية في الكوفة، وانتقلت بواسطتهم تلك العلوم إلى أمصار أخرى غيرها، وسجّل تاريخ الحياة العلمية في الإسلام مساهمات رائدة لأسماء لامعة منهم، ويعتبر علم النحو أحد أبرز العلوم التي غرس بذرتها أمير المؤمنين عليه السلام، وحرص على تنميتها تلميذه أبو الأسود الدؤلي، الذي تلقّى هذا العلم منه مباشرة، ذكر القفطي أنّ «الجمهور من أهل الرواية، على أن أول من وضع النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قال أبو الأسود: دخلت على أمير المؤمنين، فرأيته مطرقاً مفكّراً، قلت: فيمَ تُفكِّر يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم أتيته بعد أيام، فألقى إليّ صحيفة، فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثمّ قال: تتّبعه، وزد فيه ما وقع لك، واعلم أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر»([169]).
وكتب ياقوت الحموي أنَّه: «كان عليه السلام أول من وضع النحو، وسنّ العربية، وذلك أنه مرّ برجل يقرأ «إن الله بريءٌ من المشركين ورسولِهِ» بكسر اللام في رسوله، فوضع النحو، وألقاه إلى أبي الأسود الدؤلي»([170]) وكتب ابن أبي الحديد يشرح العلوم التي ابتدعها وأنشأها عليه السلام، فذكر منها «علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي ا|لأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم، وفعل، وحرف، ومن جملته تقسيم الكلمة إلى: معرفة، ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى: الرفع، والنصب، والجرّ، والجزم، وهذا يكاد يُلحق بالمعجزات، لأن القوة البشرية لا تفي بهذا العصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط». وكتب أبو حيّان التوحيدي: «إن علي بن أبي طالب عليه السلام سمع قارئاً يقرأ على غير وجه الصواب، فساءه ذلك، فتقدّم إلى أبي الأسود الدؤلي حتى وضع للناس أصلاً، ومثالاً، وقياساً، بعد أن فتق له حاشيته، ومهّد له مهاده، وضرب له قواعده»([171]).
وتعود نشأة الحياة العقلية عند المسلمين إلى ما غرسه أمير المؤمنين من بذور، صارت فيما بعد أصولاً للفكر الإسلامي ولسائر تجلّيات المنحى العقلي في الإسلام. فإن ما اشتملت عليه طائفة من خطبه وتعاليمه مثّلت رافداً أساسياً استقى منه المتكلمون مقولاتهم وآرائهم، يقول السيّد المرتضى: «اعلم أن أصول التوحيد والعدل، مأخوذة من من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وخطبه، فإنها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، عَلِمَ أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعده في تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه عليه السلام من ذلك ما لا يُحاط به كثرة»([172]) ويشير ابن الحديد المعتزلي إلى اقتباس سائر الفرق الكلامية المعروفة صنعة الكلام من خطب أمير المؤمنين وكلامه، حيث يقول: «إنّ شرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه عليه السلام: اقتُبِس، وعنه نُقِل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ، فإنّ المعتزلة … تلامذته وأصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام. وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن [إسماعيل بن] أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبّائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخَرَةٍ إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام. وأمّا الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر».
على أنّ مدرسة أمير المؤمنين في الكوفة تجذّرت بعد استشهاده بمرور الزمن، وتجلّت بأبهى صورة لها بعد ما يناهز القرن في العدد الكبير من التلامذة الذين ازدلفوا من أصقاع شتّى للتتلمذ على حفيده جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وامتدَّت هذه المدرسة جغرافياً من خلال انتشار مريديها وتلامذتها في البصرة، وقم، والريّ، وبغداد. فبسطت نفوذها، وشعّت أفكارها، لتهيمن على أبرز الحواضر العلمية الإسلامية وقتئذٍ.
مدرسة الكوفة بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام
اتّسمت الحقبة التي عاشتها الكوفة بعد استشهاد أمير المؤمنين، بسلسلة من الاضطرابات الداخلية، والثورات، والحروب الأهلية، واكبتها حملة تصفيات واسعة شملت طليعة عالمة مجاهدة من تلامذة أمير المؤمنين وخاصة أصحابه، فيما اضطر آخرون منهم للهجرة من الكوفة واللجوء إلى بلدان أخرى أبعد عن عيون السلطة الأموية، وأكثر أمناً من الكوفة. ونشأ عن تدهور الامن انكماش وضمور أصاب الحياة العلمية في مدرستها، استمر عشرات السنين، وإن لم يؤد ذلك إلى اندثار هذه المدرسة، وتعطل الحياة فيها بنحو تام؛ لأن هناك إشارات تاريخية تكشف عن حضور علمي سجلته حلقات تلامذة أهل البيت عليهم السلام في النصف الثاني من القرن الأول الهجري عقيب رحيل أمير المؤمنين عليه السلام، فبالرغم من حالة الإرهاب التي اتشحت بها مدينة الكوفة، وما تعرّض له أتباع أهل البيت عليهم السلام فيها من خوف واضطهاد، لم تحل هذه الظروف بينهم وبين السعي لتحصيل العلم ونشره، وكان من أبرز الأعلام الذين تصدّوا للتدريس بالكوفة في هذه الحقبة سعيد بن جبير تلميذ الإمام زين العابدين عليه السلام، وكان بعض التلامذة «يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب، ومعه الدواة …» ([173])، وقد سعى سعيد سعياً حثيثاً لبثّ ما عنده من علوم، فكان يقول: «وددت أنّ الناس أخذوا ما عندي، فإنّه مما يهمني». وسطع نجم سعيد بالكوفة، واشتهر بين أهل العلم، كأحد المفسّرين والمحدّثين والفقهاء البارزين يومئذٍ، حتى «كان ابن عباس، بعد ما عمي، إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه، قال: تسألوني وفيكم ابن أمّ دهماء؟»، يعني سعيد بن جبير.
مدرسة الكوفة في عصر الإمام الصادق عليه السلام
أوشك ليل الكوفة على فجره بعد اضمحلال سلطان الأمويين في الشام، وتعاظمت قمة الثوار العباسيين، وهيمنتهم على رقعة واسعة من القسم الشرقي للدولة الإسلامية عهدئذٍ. وبموازاة ذلك أعلن قطاع كبير من المسلمين في غير مصر من الأمصار. وخاصة بالكوفة عن تشيّعهم وتضامنهم مع دعوة «الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم» الشعار الذي انتشر بين الثوار المنقادين للدعوة العباسية. وعلى هذا صارت الحقبة الفاصلة بين انحطاط وضعف الدولة الاموية ونشأة ونمو سلطان الدولة العباسية فيما بعد، حقبة حافلة بالنشاط العلمي، من ازدياد ملحوظ في عدد طلاب العلم، وتنامي حلقات التدريس تبعاً لذلك، وازدهار حركة تدوين العلوم والتأليف، والإبداع في مختلف حقول المعرفة.
وليس بوسع الباحث أن يسجل جميع تفاصيل الحركة العلمية في الكوفة، وما حفلت به حلقات الدرس في هذا العصر؛ لأنّ التاريخ لم يحتفظ لنا بالمصنفات العديدة المدونة في تلك الحقبة، والتي اهتمت بتاريخ الحياة العلمية فيها. إلا أن ذلك لا يمنع من رسم ملامح وخطوط عامة لصورة الحياة العلمية بالكوفة، عبر التقاط بعض الاشارات من كتب الرجال، والتراجم، والتاريخ التي تحدّثت عرضاً عن ذلك عندما ذكرت أعلام الكوفة. فمثلاً تشير المصادر التاريخية إلى هبوط (148) صحابياً بالكوفة، واتخاذهم إيّاها وطناً دائماً لهم منذ تمصيرها، كذلك أوردت تلك المصادر أسماء ما يربو على عشرين عائلة من العوائل المعروفة بولائها لأهل البيت عليهم السلام بالكوفة من الصحابة وغيرهم، اشتهر أكثر المنتسبين إليها بطلب العلم كآل أبي الجعد رافع الغطفائي الأشجعي مولاهم، وآل أبي الجهم القابوسي اللخمي، وآل أبي رافع، وآل أبي سارة، وآل أبي شعبة الحلبيين، وآل ابي صفية، واسم أبي صفية دينار، وهو أبو ثابت المعروف بأبي حمزة الثمالي، وآل أعين، وهم أكبر بيت في الكوفة من الشيعة، وأعظمهم شأناً، وطولهم مدة وزماناً، وآل حيان التغلبي مولى بني تغلب، وآل نعيم الأزدي الغامدي، وبني الحر الجعفي، وبني دراج، وبني عمار البجلي الدهني مولاهم،… وغيرهم.
وما كان من الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلاّ أن يرحل من موطنه المدينة إلى الكوفة مغتنماً مناخ الحرية الذي تحقق في الحقبة المارة الذكر، «ولقد بقي عليه السلام في الكوفة سنتين، أيام أبي العباس السفاح، فازدلفت إليه الشيعة من كل فج زرافات ووحداناً، تسقى من العلم وترتوي من منهله العذب الروي، وتروي عنه الأحاديث في مختلف العلوم، وكان منزله عليه السلام في بني عبد القيس». والتفّ حوله عدد غفير من أهل العلم، حتى أضحى لقاؤه من قِبل مريديه ليس سهلاً في كلّ آن، يقول محمد بن معروف الهلالي: «مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمد عليه السلام، فما كان لي فيه حيلة، من كثرة الناس، فلما كان اليوم الرابع رآني، فأدناني، …». وبالرغم من أن المدة التي أمضاها جعفر الصادق عليه السلام بالكوفة كانت محدودة، إلاّ أنّه تفرّغ فيها للتعليم والتربية، فصارت مدرسة الكوفة في هاتين السنتين من أعظم الجامعات العلمية في العالم وقتئذٍ، بحيث وصل عدد الدارسين فيها إلى عدّة آلاف، فقد ذكر الحافظ بن عقدة في كتابه «أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام أربعة ألاف رجل، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه». وربما كان بعض هؤلاء الرجال الذين ترجم لهم ابن عقدة ممّن لم يرد الكوفة، وإنّما تتلمذ على الإمام الصادق عليه السلام بالمدينة، بَيْد أنّ إشارة أخرى جاءت في «رجال النجاشي» تدلَّل على اتّساع نطاق مدرسته عليه السلام بالكوفة، وانضواء جميع أهل العلم تحت لوائه، إذ يقول أحمد بن محمد بن عيسى: «خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشاء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين، فقال لي: يا احمد، رحمك الله، وما عجلتك، اذهب فاكتبهما، واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أن هذا الحديث يكون له هذا الطلب، لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد»([174]). ومهما يكن عدد تلامذته عليه السلام ، فإنّ ما يمكن أن نجزم به هو وفرة عدد تلامذته عليه السلام بالكوفة، وتفوّق مدرسة الكوفة يومئذٍ على أية حاضرة علمية معاصرة لها، فإنّها مضافاً إلى كثرة الدارسين فيها، ظهرت فيها حلقات لعدّة علوم، فبينما انضوى تحت أفيائها طائفة من المحدّثين، واستأثر الحديث الشريف باهتمام الأعمّ الأغلب من تلامذتها، برع آخرون في التفسير والقراءات، والفقه، والكلام، وعلوم اللغة العربية وآدابها، وعلوم أخرى. فقد عُرِف جماعة من المفسّرين من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة، ومن أشهرهم ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي صاحب كتاب «تفسير القرآن»، وكذلك عُرِف منهم قرّاء لامعون، مثل حمران بن أعين الشيباني الذي كان «أحد حملة القرآن، ومن يُعدّ ويُذكر اسمه في كتاب القرّاء».
وتخرج في مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة شيخ القرّاء، وأحد القرّاء السبعة الأئمة، حمزة بن حبيب بن عمارة أبو عمارة التَّيْميُّ، الذي أخذ القراءة عن الإمام جعفر بن محمد الصادق، وحمران بن أعين.
كما أن الفقهاء المعروفين في هذه الفترة تخرجوا في هذه المدرسة، فقد كان أبرز الفقهاء المتقدمين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة، طبقاً لما نصّ عليه الكشي بقوله: «أفقه الأوّلين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستّة زرارة …».
أمّا علم الكلام، فقد اشتهر مجموعة من تلامذة الامام الصادق بمحاججاتهم، فمثلاً كان زرارة بن أعين «خَصِماً، جَدِلاً، لا يقوم أحد لحجّته … والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه».
وكان هشام بن الحكم «حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب». خاض مناظرات عديدة مع متكلمي المعتزلة وغيرهم، ولاحقهم في حلقات درسهم فنقض آراءهم بحضور تلامذتهم، فكان يذهب إلى البصرة المركز الأهمّ لمدرسة المعتزلة آنذاك، لأجل مناظرة علماء هذه المدرسة، وهكذا كان يفعل مع علمائهم في بغداد، ولا يترك أية فرصة دون أن يغتنمها، وقد احتفظت المراجع القديمة ببعض مناظراته.
وبرع في الكلام جماعة آخرون من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام ، من أبرزهم أبو جعفر الأحول محمد بن علي بن النعمان بن طريفة البجلي، المعروف عند الشيعة بمؤمن الطاق وعند غيرهم بشيطان الطاق، الذي كانت له مع أبي حنيفة والمرجئة مجالس تخللتها مناظرات كلامية طويلة في مسجد الكوفة، دوّنها في كتابه «مجالس مع أبي حنيفة والمرجئة». وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، وقيس الماصر.
وأنجبت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بالكوفة أعلاماً آخرين، سجَّلَ لهم تاريخ العلم مساهمات رائدة في علوم العربية وغيرها، ومن هؤلاء محمد بن الحسن بن أبي سارة المعروف بأبي جعفر الرواسي، الذي كان هو وابن عمه مُعاذ بن مسلم بن أبي سارة من أساتذة النحو اللامعين بالكوفة، واضطلعا بدور مهم بتأسيس مدرسة الكوفة النحوية، فقد تخرّج عليها الكسائي والفراء قال النحاس وعلي مُعاذ ومحمد فَقِه الكسائي عِلم العرب، والكسائي والفراء يحكون في كتبهم كثيراً: «قال أبو جعفر الرواسي، ومحمد بن الحسن». وقال أحمد بن يحيى ثعلب: «كان الرواسي أستاذ علي بن حمزة الكسائي، والفرّاء … وكلّ ما في كتاب سيبويه «وقال الكوفي كذا» فإنّما يعني الرواسي … وكتاب الروّاسي يقال له «الفصيل»، وقال ابن النديم: «إن الرواسي أول من وضع من الكوفيين كتاباً في النجوم» وكان الرواسي من أصحاب جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
ومن العلوم الأخرى التي كان قصب السبق فيها لمدرسة الكوفة علم الكيمياء، فقد ذكر حاجي خليفة أن «أوّل من اشتهر هذا العلم عنه جابر بن حيّان» وعندما يذكر جابر يصفه بقوله: «جابر تلميذ جعفر الصادق». والمعروف «أن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة». وطارت شهرته في الآفاق، وأثنى المؤرخون على نبوغه في العلوم الطبيعية، فقال عنه القفطي إنه: «كان متقدماً في العلوم الطبيعية، بارعاً منها في صناعة الكيمياء، وله فيها تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة». ووصف منزلته العلمية «برتلو» بقوله «ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة أرسطو في تاريخ المنطق».
في ضوء ما سبق يتبين لنا أن مدرسة الامام جعفر الصادق بالكوفة، اتسعت لتستوعب آلاف التلاميذ، وتنوّعت في تخصصاتها وفروعها المعرفية، فشملت العلوم الطبيعية، وعلوم اللغة العربية، مضافاً إلى العلوم الشرعية، وشاع في فضائها منطق الحوار والحرية والتسامح، بحيث «كانت مدرسة شبه سقراطية، وقد ساهم عدد من تلامذته مساهمة عظمى في تقدم الفقه والكلام. وصار اثنان من تلامذته، وهما أبو حنيفة، ومالك بن أنس فيما بعد من أصحاب المذاهب الفقهية».
مدرسة الكوفة بعد الإمام الصادق عليه السلام
واصلت مدرسة الكوفة نشاطها بعد عصر الإمام الصادق عليه السلام باعتبار الكوفة حاضرة علمية تضمّ عدداً كبيراً من شيوخ العلم، الذين ازدحمت بهم أروقة مسجد الكوفة، واستمرت حلقات الدرس فيه عدة قرون لم تتوقف عن إعداد طلاب العلم وتأهيلهم لنشر علوم الشريعة وغيرها في أمصار أخرى. غير أن أهلها ما انفكوا يعيشون حالات تدهور الوضع الأمني في مدينتهم بين حين وآخر؛ لأن الكوفة ظلت وفيّة لمبادئ مدرسة أهل البيت عليهم السلام أبداً حتى خرابها، وأضحت أهم قاعدة لتعبئة الثورات المناهضة للأمويين، والعباسيين، لسنوات طويلة.
ومثلما كانت الكوفة محطة تنبعث منها الثورات، كذلك صارت ينبوعاً استقت منه المدن الأخرى العلوم، عندما هاجر أهل العلم منها إلى البصرة، ومكة، وقم، وبغداد وغيرها، فمثلاً انتقل المتكلم المعروف هشام بن الحكم إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومئة، واضطلع بدور رائد في تأسيس مدرسة الكلام الإمامية ببغداد، كذلك هاجر محدّثون وفقهاء من الكوفة إلى بغداد، فأسهموا ببناء وتنمية مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيها. وانتقل المحدّث الغزير الرواية إبراهيم بن هشام الكوفي المعروف بالقميّ إلى قم، فكان «أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم» بحسب تعبير النجاشي، وهو تلميذ يونس بن عبد الرحمن، والأخير من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. وكان سبقه بالهجرة إلى قم عبد الله والأحوص ابنا سعد بن مالك الأشعري مع بعض أفراد قبيلتهم سنة 73هـ وبمرور الزمان التحق ما بقي من هذه القبيلة من الكوفة إلى قم، فاستغرقت هجرتهم عشر سنوات، انتهت سنة 83هـ، والمعروف أن لهم دوراً هاماً في تمصير مدينة قم، واتخاذها قاعدة للتشيّع وعلوم أهل البيت عليهم السلام، منذ ذلك الحين.
كذلك فاض العلم من الكوفة، فعاد إلى مكة عبر رهط من أهل العلم، كان منهم أحمد بن علي بن محمد العلوي العقيقي، الذي «كان مقيماً بمكة، وسمع أصحابنا الكوفيين وأكثر منهم».
وقبل ذلك غادر بعض أهل العلم الكوفة إلى البصرة، فعملوا على نشر العلوم فيها، ومن هؤلاء إبان بن عثمان الأحمر البجلي مولاهم الكوفي، الذي كان يسكن الكوفة تارة «والبصرة تارة، وقد أخذ عنه أهلها: أبو عبيدة معمر بن المُثنى، وأبو عبد الله محمد بن سلاّم، وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام». وحكم بن هشام بن الحكم مولى كنده، الذي «سكن البصرة، وكان مشهوراً بالكلام كلّم الناس( لم الكلام العقيدة). وحُكِي عنه مجالس كثيرة». وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّار الكوفي، الذي «سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلمين من أصحابنا، كلُّمَ أبا الهُذيل والنظام» وغيرهم.
وفي حقبة لاحقة نجد إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ينتقل إلى أصفهان، مع ما كانت عليه هذه المدينة من موقف مناوئ لمدرسة أهل البيت عليهم السلام بهدف بث أحاديث المناقب والمثالب بين أهلها، فقد حكى النجاشيّ أن «سبب خروجه من الكوفة، أنه عمل كتاب المعرفة، وفيه المناقب المشهورة والمثالب، فاستعظمه الكوفيون، وأشاروا عليه، بأن يتركه ولا يخرجه، فقال: اي البلاد أبعد من الشيعة؟ فقالوا: أصفهان، فحلف، لا أروي هذا الكتاب إلاّ بها، فانتقل إليها، ورواه بها، ثقة منه بصحة ما رواه فيه».
وظلت الكوفة تغذي مراكز العلم في بقية الأمصار قروناً متوالية، ولم تتوقف الحركة العلمية فيها تماماً إلى القرن الثامن الهجري، غير أنّها فقدت الكثير من وهجها وحيويتها منذ القرن الرابع الهجري، فقد وردت إشارات تؤكّد تواصل مجالس الدرس الشرعي في فترة متأخرة، يقول الشريف عمر بن إبراهيم بن محمد المنتهي بنسبه إلى زيد الشهيد، أبو البركات الكوفي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة: «دخل أبو عبد الله الصوري الكوفة، فكتب بها عن أربعمائة شيخ، وقدم علينا هبة الله بن المبارك السقطي، فأفدته عن سبعين شيخاً من الكوفيين، وما بالكوفة اليوم أحد يروي الحديث غيري». وبعد هذا التاريخ نجد الشريف عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي ابن زهرة العلوي، يُحدِّث بالكوفة سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وهذا يعني وجود بقايا للحركة العلمية في الكوفة، وإن كانت محدودة.
تقويم عام لمسار مدرسة الكوفة
يمكننا استخلاص عدة نتائج من العرض السابق لنشأة وتطور مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، نتعرّف في ضوئها على الإطار العام لهذه المدرسة، والتقاليد العلمية السائدة فيها، وميراثها العلمي، وما أسهمت به من منجز ثقافي في الحضارة الإسلامية، وما آلت إليه في خاتمة المطاف. وفيما يلي عرض سريع لذلك:
1 ـ نشأت بذرة هذه المدرسة بعد تمصير الكوفة، حينما هبط جماعة من الصحابة الكوفة واتخذوها وطناً لهم، فتشكلت حلقات بسيطة في المسجد لتعليم قراءة القرآن الكريم وتفسيره، ثمّ رواية السُنة الشريفة. وبعد وفود أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة وإقامته فيها خمس سنوات، كعاصمة للدولة الإسلامية، شهدت مدرسة الكوفة مرحلة جديدة اصطبغت فيها بنمو واتساع، تبدّى في تمام أبعادها. فأصبحت هذه الحقبة هي حقبة إشادة أُسس ومرتكزات المدرسة، ورصف البناءات الفوقية على هذه الأسس. وبوسعنا القول: إن الجهود العلمية لأمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، بما اشتملت عليه من خطب، ومواعظ، وحلقات تعليم، وبث الحكمة بين الناس عبر التجوال في الأسواق، والاهتمام الخاص بنخبة من التلاميذ، والتركيز على تأهيلهم تأهيلاً خاصاً، مثل كميل بن زياد، وميثم التمار، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، ورُشيد الهجري .. وغيرهم. كلّ ذلك ساهم بإرساء أرضية علمية متينة في هذه الحاضرة الحديثة الإنشاء، أمدّتها بعناصر الحياة، وأمّنت لها شروط النجاح والتواصل مع الزمان، مهما قست الظروف، واضطربت الأحوال. ولهذا استمرت حياة هذه المدرسة قروناً عديدة، فيما انطفأ غيرها باكراً.
2 ـ اتّسمت أنماط الحياة المدنية والثقافية بالكوفة بمظاهر إبداع، ودينامية فاعلة، أتاحت للكوفة أن تعمم أنساق التمدن الخاصة بها خارج حدودها، فطبعت البصرة وبغداد بنموذجها الخاص، فمثلاً صار وضع بناء الأسواق وعقد سقوفها بالأحجار «أنموذجاً وقدوة لسوق بغداد»، وقد صار توطّن «سكان جنوب شبه جزيرة العرب، أهل المدن والقرى، الذين كانوا متمدنين تقريباً، سبباً لتحضير العنصر العربي في الكوفة»، ولذلك «لم تكن البصرة سوى مقتبسة منها». حتى أن نمط التمدن الذي ازدانت به حياة أهل الكوفة أثار دهشة الفقيه الشافعي، حين زار مدينة الكوفة للمرة الأولى، وحلّ ضيفاً على الفقيه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فلمّا جاء إلى منزل محمد بن الحسن، قال يصف ما رآه من صورة فنية لعمارة المنازل بالكوفة: «فرأيت أبواباً واسعة، ودهاليز منقوشة بالذهب والفضة»، ثمّ قارن ذلك بما عليه الوضع بالحجاز: «فذكرت ضيق أهل الحجاز، وما هم فيه، وقلت: أهل العراق ينقشون بيوتهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد، ويمصّون النوى».
على أنّ إبداع الكوفة لم يظهر في نمط التمدّن فحسب، بل أسفر بأزهى صورة في الحياة الثقافية ومعطياتها، ففي الخط تميز الخط الكوفي بتجسيده لروح الفن الإسلامي، من هنا أضحى عنصراً أساسياً في الزخرفة والتزويق، وتكلّلت به المصاحف، والمساجد، والأماكن المقدسة.
وانطبعت الحياة الفكرية في الإسلام بمكونات فكرية كوفية، كما في القراءات، والتفسير، والحديث لا سيما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وعلم الكلام، والفقه، وعلوم العربية وأدابها. واستقت من مدرسة الكوفة الحواضر العلمية المعروفة في الحياة الإسلامية آنذاك. وبذلك يصدق ما قاله الباحث معروف من إن «المزية الخاصة للمذهب الكوفي هي الإبداع في التصوّر، في كافة الأدوار الثقافية العربية»([175]).
3 ـ اتخذت مدرسة الكوفة من المسجد الجامع في مدينة الكوفة مركزاً علمياً لها، ففي أروقته انعقدت حلقات دراسة وتعليم القراءات، والتفسير، والحديث، والفقه، والكلام، والعربية وآدابها، وفي رحابه جرت المناظرات والحوارات الفكرية المتنوعة في شتى حقول المعارف المتداولة ساعتئذٍ، ومن على منبره أُذيعت البيانات السياسية للتعبئة الحربية، وحرصت الحركات الثورية أيضاً على فرض سيطرتها على المسجد، والإعلان عن برامجها عبر منبره، وكان بسط نفوذها على مسجد الكوفة هو رمز انتصارها وظهورها على رجال السلطة؛ لأن المسجد هو المركز العلمي، والتربوي، والسياسي، والعسكري في حياة الأمة. تجدر إلإشارة إلى أن دور المسجد كمركز للتعليم لم يقتصر على تعليم الكبار فقط، بل استوعب المتعلمين من جميع الأعمار، فقد قال خلف الأحمر: «رأيت الكميت في مسجد الكوفة يعلِّم الصبيان».
وضمّت أروقة المسجد حلقات العلم المتنوعة، فكانت حلقات الشعر تنعقد بجوار حلقات العلوم الشرعية وغيرها، وحرص شعراء مرموقون على إذاعة شعرهم في حلقاته، فقد «قصد الشاعر الناشئ الصغير «271 ـ 365هـ» الكوفة، وأملى شعره بجامعها سنة 325هـ، وحضر المتنبي في صباه مجلسه في مسجد الكوفة، وكتب من إملائه».
4 ـ ساهمت مجموعة عوامل في تواصل العطاء العلمي لمدرسة الكوفة قروناً عديدة، من أبرزها تجذُّر البُنى التأسيسية التي أشادها أمير المؤمنين عليه السلام، وعمّقتها جهود تلامذته ومن تلاهم، لا سيما النشاط العلمي الواسع الذي قام به الإمام جعفر الصادق عليه السلام وامتد بتلامذته في القرن الثاني الهجري، والحضور المكشف للتشيع بالكوفة منذ تمصيرها سنة 17 هجرية حتى خرابها في القرن الثامن، فإن إقصاء الشيعة من مؤسسة الحكم منحهم فرصة أكبر للتفرغ للعمل العلمي، وتوجيه الحركة الفكرية. وكان لشيوع مناخ نسبي من الحرية الفكرية في بعض ادوار نشاط وفاعلية مدرسة الكوفة تأثير بالغ في استمرار حياتها؛ إذ تعايشت بين جدران مسجد الكوفة أكثر من مدرسة فقهية في وقت واحد، فقد شهد القرن الثاني ازدهاراً علمياً متميزاً في مسار مدرسة أهل البيت عليهم السلام، التي بسطت نفوذها على الحياة العلمية بالكوفة، واستقطبت أفواجاً من أهل العلم في داخل الكوفة وخارجها، وبموازاتها نشطت بالكوفة مدارس أخرى، من أبرزها مدرسة الراي التي كان يتزعمها الفقيه المعروف أبو حنيفة، الذي مكث يُعلَّم تلامذته ويحدّد معالم مدرسته، ويصوغ أصول مذهبه الفقهي بمسجد الكوفة. وخلَّف تلميذه أبا يوسف ومحمد بن الحسن بعد رحيله بمدرسته في الكوفة. وظلّت الكوفة طوال حياتها تستقطب كبار العلماء، فمن لم يتوطن بها، ويتخذ مسجدها مقراً لعمله العلمي، لم يزهد بالإقامة مدة من الزمن في رحاب مدرستها، والتزود من علمائها، مثلما فعل الفقيه الشافعي، الذي رحل من المدينة إلى الكوفة، ومكث فيها فترة مصاحباً لتلميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن.
غير أن البيئة الفكرية بالكوفة لم تعدم فترات توتر سادتها أجواء إرهاب فكري شديدة، اضطرت بعض العلماء من أتباع أهل البيت عليهم السلام للتظاهر بالجنون خشية من عيون السلطة، كما فعل جابر بن يزيد الجعفي، يقول علي بن عبد الله: «خرج جابر ذات يوم وعلى رأسه قوصرة، حتى مرّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جُنَّ جابر، جُنَّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أياماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه، قال: فسأل عنه الأمير، فشهدوا عنده، أنه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام، فلم يتعرّض له، ثمّ ترجع إلى ما كان من حاله الأول». واضطرت هذه الظروف الإمام الصادق عليه السلام أن يقول كلاماً في بعض خاصة تلامذته، كما يصرف عنهم أعين السلطان، مثلما حصل بشأن زرارة بن أعين، وكان الامام الصادق عليه السلام قد أفصح عن بواعث ذلك، في رسالته الشفوية لزرارة، والتي حملها ولده عبد الله بن زرارة، وجاء فيها: «أقرإ منّي على والدك السلام، وقل له: إني إنما أُعيبك دفاعاً مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كلّ مَنْ قرّبناه، وحمدنا مكانه، لإدخاله الأذى فيمن نحبه ونقربه، ويرمونه، لمحبتنا له، وقربه ودنوه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه، وقتله، ويحمدون كلّ مَنْ عبناه نحن، وأن نعمد أمره، فإنما أُعيبك، لأنّك رجل اشتهرت بنا، ولميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند الناس، غير محمود الأثر لمودّتك لنا، وبميلك إلينا، فأحببت أن أُعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منّا دافع شرّهم عنك، يقول الله عزّ وجلّ: أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة [صالحة] غصباً، هذا التنزيل من عند الله صالحة، لا والله، ما عابها إلاّ لكي تسلم من الملك، ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة، ليس للعيب منها مساغ، والحمد لله، فافهم المثل يرحمك الله، فإنك والله أحبّ الناس إليَّ، وأحبّ أصحاب أبي حياً وميتاً، فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر ..».
5 ـ اتّسع نطاق العلوم الإسلامية في مدرسة الكوفة، فشملت مضافاً إلى القراءات والتفسير، والحديث، علوماً أخرى، ولد بعضها في فناء هذه المدرسة، فيما نما وتكامل البعض الآخر فيها، وتتمثّل هذه العلوم، في علم النحو، وعلم الكلام، والفقه، وبدايات أصول الفقه، وعلم الكيمياء. وهذا ما تحكيه لنا عناوين المؤلفات الكثيرة التي صنفها أهل العلم بالكوفة، ومع أن الأعم الأغلب من هذه المؤلفات لم تصل إلينا بِيْد أنّ الببليوغرافيين السابقين ضبطوا طائفة واسعة من عناوينها. وتجسد قائمة مؤلفات الكوفيين غزارة الإنتاج الفكري لهذه الحاضرة العلمية العريقة، وتنوّع هذا الإنتاج، وبانتمائه لعلوم عديدة. وليس بوسعنا هنا تدوين قائمة بهذا الإنتاج، لتنوعه وسعته، غير أنّ ذلك لا يمنعنا من الإشارةِ إلى نموذجين منه، لمعرفة شيء من أثر مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، في الإنتاج الفكري للإسلاميين في مرحلة لاحقة. أما النموذج الأول فهو كتاب «نهج البلاغة» الذي هو حصيلة بعض الخطب، والرسائل، والحِكَم، التي انتقاها الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد ألقى بعض هذه الخطب من على منبر مسجد الكوفة، أو في ضواحيها، عند تعبئة جيشه، استعداداً للحروب، كذلك صدرت رسائله إلى ولاته وعماله على البلدان، من عاصمة دولته الكوفة، وبثّ طائفة كبيرة من حكمه وتعاليمه بين أهل الكوفة، لما لبث فيهم سنوات خلافته. ويعتبر «نهج البلاغة» أخصب أثر يكتنز هدي الوحي وتعاليم القرآن، وأغنى ميراث علمي لمدرسة أهل البيت عليهم السلام في الكوفة، فقد توفر هذا الكتاب على «حاجة العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله تعالى من شَبَه الخلق، ما هو بلال كل غُلَّة، وشفاء كل علّة، وجلاء كل شبهة»، حسب تعبير الشريف الرضي.
لقد احتلّ «نهج البلاغة» مكانة سامية في تطور العلوم الإسلامية، فنهلت منه دراسات المتكلمين، والفلاسفة، والمتصوفة، والعرفاء، وأصحاب السير والسلوك، والأخلاقيين، من علماء المذاهب الإسلامية قاطبة، واعتمده علماء البيان، باعتباره أبلغ النصوص في اللغة العربية، وتسابق العلماء لشرحه والتعليق عليه، فتجاوزت شروحه مائة شرح، وقع بعضها فيما يناهز العشرين مجلداً.
وأمّا النموذج الثاني فهو «الأصول الأربعمائة»، وهي طبقاً لقول المحقق الداماد «أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مُصنّف، من رجال أبي عبد الله الصادق عليه السلام، بل وفي مجالس السماع عنه والرواية عنه عليه السلام، ورجاله من العامة والخاصة على ما قاله الشيخ المفيد في إرشاده، زهاء أربعة آلاف رجل، وكتبهم ومصنفاتهم كثيرة، إلا أن ما استقر الأمر على اعتبارها، والتعويل عليها، وتسميتها بالأصول، هذه الأربعمائة». وقد صرّح «الشيخ الطبرسي، والمحقق الحلي، والشهيد، والشيخ الحسين بن عبد الصمد، والمحقق الداماد، وغيرهم من أعلام علماء الأصحاب، بأن الأصول الأربعمائة ألفت في عصر الإمام الصادق عليه السلام، من أجوبة المسائل التي كان يُسأل عنها، ولم يصرح أحد من الأصحاب بخلاف ما قالوه». وشكّلت هذه الأصول مادة أساسية لمدونات الحديث الأربعة المشهورة عند الإمامية، والتي جرى تأليفها في القرنين الرابع والخامس، وبقي قسم كبير منها «بالصورة الأوّلية إلى عصر محمد بن إدريس الحلي، وقد استخرج من جملة منها ما جعله مستطرفات، وحصلت جملة منها عند السيد رضي الدين علي بن طاوس، المتوفى سنة 664هـ».
ولم تزل مجموعة من الأصول موجودة إلى اليوم، حيث نشر الشيخ حسن المصطفوي، بطهران سنة 1371هـ هذه المجموعة، تحت عنوان «الأصول الستة عشر»، وربما تكتشف في قادم الأيام أصول أخرى، بعد فهرسة ما لم يفهرس من خزائن المخطوطات.
6 ـ في ضوء العرض التاريخي السالف لمسار مدرسة الكوفة، يمكن استنتاج عدة أدوار مرت بها هذه المدرسة بمرور الزمان، اتسم كلّ دور منها بطابع خاص. وفيما يلي تعداد سريع لهذه الأدوار:
الدور الأول:
ويبدأ هذا الدور بتمصير الكوفة سنة 17هـ ويتواصل حتى سنة 41هـ، بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام، ولجوء ولده الإمام الحسن عليه السلام لإبرام الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، ثم مغادرة أهل البيت عليهم السلام الكوفة وعودتهم إلى موطنهم المدينة المنورة، وتفريغ مدرسة الكوفة من أساتذتها من أهل البيت عليهم السلام. ويمثّل هذا الدور المرحلة التأسيسية في مسار مدرسة الكوفة.
الدور الثاني:
ويبدأ بعودة أسرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة، وتخلّي الإمام الحسن عليه السلام عن الخلافة، وبسط معاوية سلطته على الكوفة، وفرض الولاء الولاة الأمويين ما يشبه الأحكام العرفية على الكوفيين، ومطاردتهم الطليعة من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام، وحبسهم، والتنكيل بهم، وصلب غير واحد منهم. ويمتدّ هذا الدور إلى المرحلة النهائية من الدولة الأموية، أي بعد مضي الربع الأول من القرن الثاني. وقد شهد هذا العهد تراجعاً في نشاط مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالكوفة، بفعل ما عاشته هذه المدينة من قلق، واضطرابات، وحروب أهلية، فإن السنوات الواقعة بين سنة (41 إلى 126هـ)، اتخذت فيها عدة ثورات موالية لأهل البيت عليهم السلام، الكوفة منطلقاً لها، وهي ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وثورة التوابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة زيد بن علي (رضي الله عنه)، وحفلت حياة أهل الكوفة بهزات وتموجات سياسية حادة، أُصيبت معها الحركة الفكرية بشيوخ مناخ من الإرهاب الفكري، وما يشبه محاكم تفتيش العقائد أحياناً.
الدور الثالث:
ويبدأ هذا الدور بأفول سلطان الأمويين في الكوفة، بعد مضي الربع الأول من القرن الثاني، ثم ابتداء قيام دولة بني العباس سنة 132هـ ومجيء الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى الكوفة في العقد الرابع من هذا القرن، أيام خلافة السفاح، وبقائه سنتين فيها. واستمر هذا الدور إلى أوائل العقد الرابع الهجري، بعد زوال شأن الكوفة، واضمحلال الحياة العلمية فيها. ويمثل هذا الدور عهد ازدهار وتكامل الحركة الفكرية بالكوفة.
الدور الرابع:
ويبدأ هذا الدور منذ أوائل القرن الرابع ويمتد إلى اندثار الكوفة وخرابها في القرن الثامن. وفي هذا الدور استمر مؤشر الحركة الفكرية بالانحدار تدريجياً، بعد نزوح أكثر أهل العلم، وتوطنهم في حواضر علمية أخرى. ويمثل هذا الدور عهد الانحطاط الذي آل إلى انطفاء الحياة العلمية بالكوفة.
7 ـ كان السماع من الشيخ مباشرة أشهر أساليب التدريس المتداولة بمدرسة الكوفة، تليا طريقة القراءة أو العرض على الشيخ، فيقرأ التلميذ على شيخه كتاب الشيخ أو الكتاب الذي يرويه الشيخ عن شيخه، والأسلوب الآخر هو كتابة الشيخ ما يرويه إلى تلميذه، عندما يكون التلميذ غير حاضر عند أستاذه، فيكتب له شيخه بخطه، أو يأمر بالكتابة إليه، وعادة ما يجيز الشيخ تلميذه مشافهة أو كتابة، الرواية عنه، وقد تكون الإجازة بجميع مروياته أو ما يشتمل عليها كتاب معين للشيخ.
8 ـ ظلت نفقات التعليم محدودة في مدرسة الكوفة، لأنّ الشيوخ لا يتقاضون أجراً على تدريسهم، وكان التلاميذ في الغالب من أصحاب الحرف والمهن، كما ذُكِر في ألقابهم، مثل الصيرفي، والجمال، وبياع السابري، وبياع الطاطري (وهما نوعان من المنسوجات) وغير ذلك. غير أن ما يصل إلى الأئمة عليهم السلام والشيوخ من حقائق مالية شرعية، وهبات من الشيعة، كان يستخدم في تغطية النفقات المحدودة للتعليم.
عبد الجبار الرفاعي
دور شيعة الكوفة
في عهدي الإمام الرضا
والإمام الجواد عليهما السلام
إن لمدينة الكوفة منزلة خاصة في التاريخ الدامي للشيعة، ورغم كل اللوم الموجّه إلى أهل الكوفة([176])، نجدهم أكثر التحاماً بثورات العلويين من شيعة سائر المناطق. وكانوا حتى النصف الأول من القرن الثالث الهجري بمثابة نواة انطلاق الحركات العلوية، وأدوا دور السند المهم لها، وأعدوا لثورات قوية. وقد اجتمع في الكوفة محبو الأئمة من أهل البيت عليهم السلام أكثر من أي مكان آخر، وكانوا يشكّلون كثافة سكانية كبيرة، إلى حدّ اعتبرت الكوفة مدينة الشيعة. وكان أهلها شديدي التعلّق بالأئمة بحيث كان من يطلق على الإمام الباقر عليه السلام لقب (إمام أهل العراق) ويُعدّ أهل العراق من المأخوذين بالإمام الباقر عليه السلام، وكان معظم أصحاب الأئمة من أهل الكوفة، أو من أصل كوفي([177]).
ففي عهد الإمام الصادق عليه السلام كان كثير من رواة حديثه من أهل الكوفة، وكانت الكوفة من المراكز المهمة لنقل الحديث. والمحدّثون كوفيو المشرب ـ أي العراقيون الميالون نحو التشيّع ـ قد رووا معظم أحاديثهم عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وأصحابه أمثال: معاذ بن جبل، أبو مسعود الأنصاري، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عباس، جابر بن عبد الله الأنصاري، حذيفة بن اليمان.
علاوة على ذلك فإن الكوفة كانت حتى نهاية عهد الخلافة الأموية تشكل مركزاً سياسياً وإدارياً لبلدان شرق الخلافة الأموية أي من آذربيجان إلى خراسان وما وراء النهر ونهر السند. ومن الكوفة كان يتم تأمين المسؤولين الإداريين وجند المعسكرات لتلك المناطق. وعليه فإن معظم المبعوثين إلى تلك المناطق كانوا ممن تربى في الكوفة. وكان هناك إلى جانب أولئك أفراد وقبائل من شيعة الكوفة منفية أو هاربة بعد تسلّط زياد بن أبيه على الكوفة، وانتهاء ثورات المختار وعبد الرحمن بن الأشعث وزيد بن علي. فكانوا يحدثون بحديث أهل البيت عليهم السلام، وساهموا إلى حد كبير في نشر التشيّع في تلك المناطق. من هنا فإنّ انتشار الفكر الشيعي في إيران وحتى ما وراء النهر ونهر السند مدين لجهود شيعة الكوفة.
ليس هناك شك في أن شيعة الكوفة كانوا يستفيدون من توجيهات الأئمة وإرشاداتهم خلال تحركهم ذاك، رغم أن الأئمة لم يكونوا يظهرون اهتمامهم بثورات الكوفة بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، لكنهم كانوا على اتصال بخواص مريديهم، وكان لديهم ممثلون يعملون على تنسيق نشاطات أتباع أهل البيت عليهم السلام، وكان لكل من أولئك الممثلين أهميته الخاصة في مركزه. وكان من تلك الوجوه البارزة لشيعة الكوفة في عهد إمامة الإمامين الرضا والجواد عليه السلام: صفوان بن يحيى الذي عاش حتى عام (210هـ).
صفوان ين يحيى:
كان من موالي قبيلة بجيلة، وكنيته أبو محمد، وكان يبيع الأقمشة. وتلميذاً لعبد الرحمن بن الحجاج البجلي بائع الأقمشة، الذي كان ممثلاً للإمام الصادق عليه السلام. وكان صفوان يعدّ من الأصحاب والفقهاء الكبار في عهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وممثلاً للإمام الرضا والإمام الجواد عليه السلام في مدينة الكوفة، وقد احتل مرتبة خاصة في الزهد والعمل، موثوقاً عند الأئمة عليهم السلام.
وقد ترك كتباً كثيرة في الآداب والتجارات، الشراء والبيع. وقد وضعه لإرشاد التجار الشيعة، حيث كان الشيعة يمارسون دوراً فعالاً في الأسواق، وخاصة في سوق الكوفة، التي كانت مزدهرة اقتصادياً لوقوعها عند طريق التجارة بين إيران والشام والجزيرة العربية وميناء البصرة، وكانوا يتولون حِرَفاً هامة مثل: الصرافة والتجارة وتأجير وسائط النقل (الجمال والبغال والحمير) مما يشكل همزة وصل لهم مع سائر البلدان الإسلامية.
وكان سوق الكوفة متخصصاً، فكان كل أصحابه لهم حرفة ينفردون بمكان خاصٍ بهم، وكان للكسبة والتجار تنظيم خاص بهم. ولعل أصحاب الأئمة كانوا يسعون من خلال ذلك التنظيم إلى اكتساب الأشخاص بسبب ظروف التعسف التي كانت تحيط بهم، وهذا ما دلت عليه شخصيات رؤساء المهن ومراحل الدخول إليها وكيفية ذلك. من هنا كان للسوق أهمية خاصة في نشاط الشيعة والجماعات المعارضة للحكم، وكان الخلفاء العباسيون يدسّون جواسيسهم في الأسواق لمراقبة معارضيهم. على أننا لم نحصل على معلومات وافية عن نشاط صفوان بن يحيى في الاتحادات المهنية في الكوفة، ونأمل أن يبذل المحققون في هذا المجال جهداً أكبر.
ماضي النشاط السياسي لصفوان بن يحيى
كان (صفوان) يعيش في الكوفة إبان عهد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكان له شأن واحترام خاص بين الشيعة، ذلك أن زعماء فرقة (الواقفة) حاولوا استمالته، لكنه رفض، ونجى بنفسه من الغوص في وحول الواقفة، وهذه الفرقة (الواقفة) قامت بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وشغلت مدة من الزمن شيعة كل من الكوفة وبغداد ومصر. وكانوا يمتلكون في الكوفة قدرة أكبر، وقد طال عمرهم في الكوفة لوجود أرضية مناسبة للانحراف. وكانوا يبرزون كل فترة من خلال وجوه وعناوين مختلفة مما سبب القلق للأئمة وللشيعة. وقد نشأت مثل هذه الانحرافات بسبب وجود جو من الضغط، وظروف صعبة، والسرية بين الشيعة، مما جعل الاتصال بين الشيعة أنفسهم، وبينهم وبين قيادتهم بطيئاً. واضعف من إشراف القيادة على الذين كانوا يتولون المسؤوليات بينهم.
في هذا الوضع انطلق بعض المنحرفين لاقتناص الفرصة مستفيدين من موجة الغلو الاجتماعي والسياسي التي كانت تلف المجتمع الإسلامي، والتي أدت في حينها إلى بروز اضطرابات قوية (السنبادية عام 137هـ/ والراوندية عام 142هـ/ والاستاذسيسية عام 150هـ/ والمقنعية عام 159هـ إلى عام 161هـ).
وقد خبت نار فتنة الواقعة في بغداد وبعض المدن الأخرى إثر التحرك الذي قام به الأوفياء من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وبصمود (يونس بن عبد الرحمن). لكن الواقفة استمرت في الكوفة، وأدت إلى انحراف الكثيرين، وبثوا الكثير من الإشكالات على الإمام الرضا عليه السلام. حتى قام الأوفياء من شيعة الإمام بملاحقة واقفة الكوفة وعلى رأسهم (علي بن أبي حمزة البطائني) رئيس واقفة الكوفة و(سماعة بن مهران) و(حسين بن أبي سعيد المكاري) الذين كانوا يصرون على التمسك بعقيدتهم المنحرفة، ففروا إلى بغداد، ثم اندثر ذكرهم بعد مدة.
وصفوان الذي بقي مندوباً للإمام الرضا وللإمام الجواد عليه السلام لمدة ثلاثة عقود في الكوفة تخلص من المشاكل والحوادث المختلفة، وقاد شيعة الكوفة بسلامة، مدعوماً من شخصيات خيّرة مثل: محمد بن سنان، وعلي بن النعمان صديقه الحميم، وأيوب بن نوح، وجعفر بن أحمد بن ايوب، وحسن بن موسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب. وفي الختام سلّم هذا الرجل العظيم والتقي الزاهد ثقل الأمانة إلى (محمد بن سنان) بعد أن قضى سنوات مضنية، فتوفي عام (210هـ) وذكره الإمام بخير عدة مرات، وكان يكرر أنه لم يخالف قولي وقول أبي.
محمد بن سنان
هو محمد بن الحسن بن سنان من قبيلة زاهر وموالي عمرو بن الحمق الخزاعي، وكان يكنى بأبي جعفر. فقد والده في طفولته، وعاش في كنف جده (سنان) فحمل اسمه، بدأت حياته السياسية في عهد الإمام الصادق عليه السلام، وتردد اسمه بين من حضر مجلسه، مما يدل على ثقة الإمام به، وعلى منزلته لدى الإمام. لكن زمان دخوله في حلقة أصحاب الإمام ورواته غير معروف، لكن اقتران اسمه عند ذكر روايات المفضل بن عمر ويونس بن يعقوب اللذين كانا من المعتمدين، ونوع الرواية التي نقلها عن المفضل، يزيد من احتمال كونه أحد أعضاء مجموعة المفضل. وأنه ترعرع سياسياً ضمن تلك المجموعة. وكان في خضم أحداث المواجهات العقائدية والسياسية الداخلية للشيعة، حيث يروي أحداثها عن (يونس بن يعقوب) فيتحدث في روايته تلك عن اضطرابات فئة (المؤلفة) التي ظهرت في عهد الإمام الصادق عليه السلام.
بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام عام (148هـ) كان ابن سنان ضمن أتباع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، فأدى دوراً أكثر أهمية في هذه المرحلة في أحداث الكوفة. فقبل عام من استدعاء الإمام إلى بغداد (179هـ) حذره الإمام من ظهور معارضه لإمامة الإمام الرضا عليه السلام، فأقسم محمد في حضرته أنه مهما طال عمره فإنه يسلمه حقه ويقرّ بإمامته.
ورغم أن راوي هذا الأمر هو (محمد بن سنان) بنفسه وليس هناك ما يؤيد كلامه هذا، لكن هذا الكلام عدّ من سلامة عقيدته وحسن فكره، ويشير إلى أنه كان مكلفاً بمهمة ما من قبل الإمام، وله اعتباره عند شيعة الكوفة. لذا نرى أن محمد لم يتزلزل في الفتن التي انطلقت مع إمامة الإمام الرضا عليه السلام، بل كان في سلامة من عقيدته، وسار مؤتمراً بإمامة الإمام الرضا عليه اسلام، والتقى به عدة مرات، وروى عنه.
إن روايات (ابن سنان) لا تولي أحداث الوضع الداخلي لأتباع الإمام في الكوفة أهمية، بل تظهر الخلافات التي دارت بينه وصفوان وأصدقائه: أيوب بن نوح، والفضل بن شاذان. فيصفه صفوان على أنه (الطائر) ويؤكد أن محمد بن سنان كان يحاول التحليق عدة مرات، لكننا قصصنا أجنحته، فبقي إلى جانبنا. ويقول أيضاً: كان محمد بن سنان من المحلقين فقصصنا جناحيه.
وروى أيوب بن نوح بدوره عن محمد بن سنان، لكنه أخذ جانب الحيطة في شرح أحاديث محمد ونشرها، وكان يقول: لا أستسيغ رواية أحاديث ابن سنان.
وآخرهم كان الفضل بن شاذان الذي استعمل لهجة أشد، فقال لأحد أصحابه: ما دمت حياً فلا ترو أحاديث محمد بن سنان عني. كما أنه أطلق عليه عبارة (الكذاب المشهور) في بعض كتبه.
هذا هو الحد الذي نقلته لنا الروايات عن الخلافات الداخلية، ولم تدعنا نمخر عباب الأحداث الداخلية لهذه المجموعة، فبقيت أسئلة كثيرة دون جواب، كما أن أسباب ذلك لم يوضح في التاريخ، ولم ينقل عن ذلك سوى رواية واحدة عن الإمام الرضا عليه السلام تشير إلى صراع بينهم، ولعلها تتحدث عن نفس ما ذكرناه. ورغم عدم ثبوت أن كلامه عليه السلام كان في نفس تلك الفترة الزمنية، أو كان يتناول نفس الشخصيات المذكورة، لكن بما أنه يتحدث عن صراع على قيادة شيعة الكوفة، ولم يحدثنا التاريخ عن مثل هذا الصراع في تلك الفترة إلاّ ما جرى بين صفوان وابن سنان، لذا يمكن الاستنتاج أن كلام الإمام كان في نفس الموضوع، وأن المسألة كانت مهمة إلى الدرجة التي دفعت الإمام إلى اتخاذ موقف منها. حيث روي عنه قوله «ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرّق رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من طلب الرياسة» ثم ذيل كلامه هذا بقوله «ولكن صفوان لا يحبّ الرياسة».
يبدو أن هذا الصراع قد خمد أواره بعد تدخل الإمام، فبعده توجه محمد بن سنان برفقة صفوان إلى مكة، والتقيا بالإمام (196هـ) وتوجها منها إلى المدينة لرؤية الإمام الجواد عليه السلام، وكان حينها طفلاً لا يتجاوز عمره ثمانية عشر شهراً، وكانا ينتقلان معاً في الكوفة. ويبدو أن (أيوب بن نوح) و(الفضل بن شاذان) حضرا مجلسه بعد حل المشكلة، ونقلا من أحاديثه.
والملفت أن ابن سنان لم يتحدث بأي حديث رداً على أولئك وما قالوه عنه، بل استمر بنشاطه بهدوء، فبقي سالم العقيدة إبان إمامة الإمام الرضا عليه السلام، وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام، وكانت له منزلة خاصة، حتى إن الإمام الجواد عليه السلام عبّر عن رضاه عنه. ويبدو أنه كان مندوباً للإمام الجواد عليه السلام في الكوفة إلى جانب صفوان بن يحيى، لكنه كان يمثل الشخصية الثانية بعد صفوان في حياته، وكان صفوان هو الذي يتولى قيادة شيعة الكوفة. وقد خاطب (سنان) عند دخوله مع صفوان إلى مسجد الكوفة بما مؤداه: من أراد أن يسأل عن مسائل معقدة فليأتني، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليذهب إلى الشيخ ـ صفوان ـ .
كلام ابن سنان هذا يحدد بطريقة مهذبة حدود مهمته، ويبرز مسؤولية صفوان بوضوح، ويبين قبوله لقيادة صفوان، المكلف بتبيان مسائل الحلال والحرام، فيقدمه بذلك على نفسه، ويبين اختصاصه. من هنا يتبين لنا شكل القيادة وتركيبتها في الكوفة حتى وفاة صفوان، وبعد وفاته أضحى ابن سنان رئيساً للشيعة في الكوفة. ومع أن أحداً لم يحدثنا عن تولي محمد بن سنان لهذا المنصب سوى الشيخ الطوسي، لكن عدم تعيين الإمام الجواد عليه السلام مندوباً عنه بعد صفوان رغم وجود أيوب بن نوح المؤهل لهذا المنصب يدل على ذلك. حتى إذا توفي ابن سنان تولى أيوب المسؤولية تلك، وذلك في عهد إمامة الإمام الهادي عليه السلام.
فبعد وفاة ابن سنان (220هـ) جعل الإمام أيوباً في منزلة الوكلاء والشخصيات الكبيرة من أمثال: صفوان بن يحيى، وزكريا بن آدم، وسعد بن سعد. الذين كانوا قد توفوا، ومدحه. ووجه عليه السلام كلاماً ينفي فيه كل التهم التي كانت وجهت إلى ابن سنان، وذلك بعد موته، مؤكداً أنه لم يخالف قولي وقول أبي. إضافة إلى تكليف الإمام الجواد عليه السلام له بإبلاغ رسالته إلى شيعة البصرة، وهو أمر مهم أيضاً.
كما روى عنه كل من: حسن وحسين بن سعيد الأهوازي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والفضل بن شاذان. أما (علي بن إبراهيم) فقد أدرج روايات محمد بن سنان في تفسيره، واعتبره من الثقات.
من هذا كله يتبين سبب تكليف الإمام ابن سنان بتمثيله، وثقة الإمام والشيعة به. ويدل على بطلان ما ورد بحقه من تهم وافتراءات.
أخيراً توفي محمد بن سنان عام (220هـ) قبل وفاة الإمام الجواد عليه السلام.
من بين شيعة الكوفة كانت هناك شخصيات بارزة أخرى غير: صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان. ترددت أسماؤهم من خلال الروايات المنقولة عن ابن سنان وصفوان، ممن صحبوهما وتولوا مسؤوليات متعددة في مجال إدارة وتنظيم شيعة الكوفة، وكانوا يشكلون مركزية ـ إلى جانب صفوان وابن سنان ـ ناجحة ومتجانسة. لكن بما أن باقي الشخصيات لم تكن منصوبة من قبل الإمام الرضا والجواد عليهما السلام مباشرة، لذا يحتمل أنها كانت تتولى مسؤوليات من الدرجة الثانية وأدنى من ذينك الرجلين، ويعملون تحت إشرافهما. من أولئك الأشخاص: حسين بن سعيد الأهوازي، وأيوب بن نوح بن دراج ـ قاضي الكوفة ـ والفضل بن شاذان النيسابوري. وكانت لهم منزلة خاصة بارزة.
أيوب بن نوح عيّن من قبل الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام وكيلاً عنهما في الكوفة.
أمّا باقي الشخصيات التي برزت ونشطت وتوفيت خلال عهد الإمام الجواد عليه السلام ، وفي بداية عهد الإمام الهادي عليه السلام ، وتلك التي خبا نشاطها بعد وفاة الإمام الجواد عليه السلام فكانت:
1 ـ جعفر بن بشير:
عاش في الكوفة، وكان من موالي قبيلة بجيلة، وكان تاجر أقمشة حرير. كان جعفر من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ، وروى عنه، وكان كلامه ثقة، وله منزلة رفيعة عند الشيعة. روى عنه أشخاص بارزون من أمثال: صفوان بن يحيى، ومحمد بن خالد البرقي. ومحمد بن حسين بن أبي الخطاب بائع الزيت الشيعي المشهور كان يحضر عند جعفر ويستفيد من رواياته.
كانت هناك علاقة بين جعفر بن بشير، وصفوان بن يحيى الذي كان تاجراً أيضاً، وابن أبي الخطاب بائع الزيت. وقد وضعوا كتباً في فقه التجارة والكسب منها: كتاب المكاسب، وكتاب الصيد، وكتاب الذبائح. وهذا يدل على نشاطهم في مجال تجارتهم وسعيهم لتنظيم هذه المهن. لكن التاريخ لم يحدثنا عن كيفية نشاطهم داخل تلك النقابات والتجمعات في الكوفة.
يبدو أن (جعفر بن بشير) كان من شيعة الكوفة الناشطين علناً، وكان يستخدم المسجد لتوسيع نشاطه هذا. وكان مسجده في منطقة بجيلة قرب النجف، وكان يصلي فيه. وكان عامراً حتى النصف الأول من القرن الخامس الهجري. وقد لقي الكثير من الأذى والمطاردة بسبب نشاطه ذاك، خاصة خلال سنوات الاضطراب في العراق خلال الأعوام (195 ـ 203هـ) وبعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام ، وعودة المأمون إلى بغداد، أرسل يطلبه، مما يدل على أهمية جعفر بن بشير في الكوفة.
أخيراً وبعد سنوات من العناء والجهد فارق جعفر بن بشير الحياة عند مسيره إلى مكة في (الأبواء) ولم يتمكن من لقاء الإمام الجواد عليه السلام.
2 ـ الحسن بن محبوب:
هو الحسن بن محبوب بن وهب بن جعفر بن وهب، من موالي قبيلة بجيلة. جده الأكبر (وهب) كان من أهل السند، ومن موالي (جرير بن عبد الله البجلي) وكان يعمل في إعداد أدوات المقاتلين، ويبدو أن هذا الأمر كان سبباً لمحاولة أمير المؤمنين عليه السلام شراءه من (جرير) لكن جرير لم يكن يرغب ببيعه فأعتقه، وعرف بمولى بجيلة. لكنه بعد أن أصبح حراً توجه إلى الإمام، وبقي في خدمته. هذا ما هو معروف عن وهب، وليس هناك أي خبر عن سلالته حتى الحسن بن محبوب. لكن بما أن الحسن هذا كان يحمل لقب صانع العتاد أيضاً، فهذا يعني أن أبناء وهب وأحفاده استمروا في مهنة أبيهم، وعرفوا بنفس اللقب.
(جعفر بن محمد بن الحسن) حفيد الحسن بن محبوب ذكر أن جده الحسن كان قوياً، مما يتناسب مع مهنته. لكن (حسن) لم يكتفِ بمهنة صنع العتاد العسكري، بل طلب العلم، والتحق بطليعة الشيعة. لكن لم تحدثنا الأخبار عن كيفية وزمان التحاقه بالشيعة، لكنه كان في زمان الإمام الكاظم عليه السلام من بين الشخصيات الشيعية المعروفة، ومن علماء عهد الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، والتقى بهما، وروى عنهما. وقد اشتهر في العلم إلى درجة أن الشيخ الطوسي اعتبره أحد الأساطين الأربعة في زمانه وترك عدة مؤلفات منها تفسيره المعروف.
بعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام ابتعد (ابن محبوب) عن الأضواء، ولم يعد يذكر اسمه على الألسنة. وتوفي عام (224هـ) لكن لا ينقل عنه روايات للإمامين الجواد والهادي عليهما السلام. ومع ذلك فإن (النديم) ذكره بين أصحاب الإمام الجواد عليه السلام . لكن باقي العلماء لم يذكروه. ويستدل من ذلك على أنه لم يوفق للقاء الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام. لكن ذلك لا يعني أنه كان حينها من بين المنحرفين، واتهام البعض له بالانحراف لأنه روى عن (علي بن أبي حمزة البطائني) أمر مرفوض. لأنه كان مرضياً عنه من قبل الإمام الرضا عليه السلام. ووثقه معظم علماء الرجال.
وإذا لم يوفق (الحسن بن محبوب) للقاء الإمام الجواد عليه السلام، فإن ابنه (محمد) كان من أصحاب الإمام، وروى عنه عليه السلام. ويستبعد أن يكون (محمد) رابطاً بين أبيه والإمام، أو أنه لم يكن مسموحاً له بلقاء الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة.
3 ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي:
كان جده أبو نصر من مماليك قبيلة (سكون) التي كانت تقطن جنوب مسجد الكوفة. وبعد عتق (أبي نصر) صار من موالي القبيلة، وأحمد من أبناء الموالي في القبيلة، وكان من علماء عهد الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، وكانت له منزلة سامية عند الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام، ومن ثقات الشيعة. رافق صفوان وعبد الله بن جندب ـ ممثل الإمام الرضا عليه السلام في الأهواز ـ ومحمد بن سنان في سفرهم للقاء الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام مما يدل على منزلته السياسية في مجتمع شيعة الكوفة. واستقبل الإمام الرضا عليه السلام في القادسية، خلال سفر الإمام إلى (مرو) وتولى مسؤولية بعض تجهيزات قافلة الإمام. هذه المحطات تدل على أنه كان من الناشطين الشيعة في الكوفة، وله دور أساسي في إدارة شؤون شيعتها. لكن في عهد الإمام الجواد عليه السلام لم يذكر بمدح. لكن بما أن التركيب الأساسي لمركزية الكوفة لم يتغير حتى وفاة صفوان، وبقي نفس الأشخاص الفاعلين خلال عهد الإمام الرضا عليه السلام إلى جانب بعضهم البعض. مما يفترض أنه بقي محتفظاً بمنزلته السامية بين الشيعة. وبقي على عقيدته خلال عهد الإمام الجواد عليه السلام، وتوفي عام (221هـ) في أول عام من إمامة الإمام الهادي عليه السلام.
4 ـ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب:
كان يعيش في الكوفة، ومن ثقات شيعتها، ومن أصحاب الإمام الجواد عليه السلام. ترك روايات كثيرة، وألّف أكثر من ستة كتب. وكان كسبه من تجارة الزيوت، ومن الشخصيات البارزة بين الشيعة، فطريقه في الرواية يجعله في مستوى زعماء شيعة الكوفة، فهو يروي عن: صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، ومحمد بن أبي عمير، والحسين بن محبوب، وجعفر بن بشير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي. مما يدل على مدى نشاطه وارتباطاته السياسية. ورغم عدم وجود أخبار عن نشاطه السياسي داخل المحيط المهني أو تقلده مسؤولية فيه، لكن لا يستبعد أن يكون رابطاً بين الشخصيات الشيعية البارزة في بغداد ـ محمد بن أبي عمير ـ والكوفة، ويؤدي دور همزة الوصل بين المندوبين والوكلاء والشخصيات الشيعية البارزة.
عاش ابن أبي الخطاب عمراً مديداً، فبعد تشرفه بصحبة الإمام الجواد عليه السلام، أدرك الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، ثم توفي عام (262هـ).
5 ـ محمد بن خالد البرقي:
هو أبو عبد الله محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي المعروف بالبرقي، وكان جدّه الأكبر (محمد بن علي) يعيش في الكوفة، وشارك في ثورة زيد بن علي عليه السلام عام (122هـ) وبعد استشهاد (زيد) وتفرّق أصحابه اعتقل (محمد) وأودع السجن لدى حاكم الكوفة آنذاك (يوسف بن عمر) ثم قتل، وبعد مقتله فرّ ابنه عبد الرحمن إلى إيران حاملاً معه ابنه الطفل (خالد) واستقر في منطقة (برق رود) من نواحي قم، وكانت تقطنها قبيلة هي فرع من قبيلة الخزرج وكانوا قد تواردوا إليها بعد فشل ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
بعد ذلك انقطعت أخبار عبد الرحمن وابنه خالد ولا يوجد ما يشير إلى عودتهم إلى العراق. لكن يبدو أن (محمد) بن خالد قد غادر (برق رود) لأنه التقى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وظهرت آثاره في بغداد والكوفة، فروى عن محمد بن أبي عمير البغدادي ـ بائع الأقمشة ـ وعن محمد بن سنان، وأحمد بن نصر، وجعفر بن بشير العجلي، وصفوان بن يحيى.
بعد وفاة الإمام الكاظم عليه السلام، نجا (محمد) من فتنة الواقفة، والتقى الإمام الرضا عليه السلام، وروى عنه.
وبعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام أصبح من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام، ويبدو أنه فارق الحياة خلال فترة إمامته. ولم يحدد مكان إقامته وزمان وفاته ومحل دفنه بشكل دقيق. لكن لما كانت معظم رواياته عن أعيان الشيعة في الكوفة، يبدو أنه عاش في الكوفة بين الشخصيات الشيعية البارزة.
6 ـ عبد الرحمن بن أبي نجوان:
اسمه الحقيقي عمر بن مسلم، من موالي قبيلة تميم، عاش في الكوفة، واعتبر من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وكان أبوه من أتباع الإمام الصادق عليه السلام. وكانت له منزلة خاصة عند شيعة الكوفة. روى عن: صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، وصفوان بن مهران الجمال، وعبد الله بن بكير، وأبي بصير. وروى عنه: الحسين بن سعيد الأهوازي، وأيوب بن نوح، وإبراهيم بن هاشم، ومحمد بن أبي عمير. ومن مؤلفاته: كتاب البيع والشراء.
الشواهد المذكورة آنفاً تدل على أهميته ومنزلته، ويبدو أنه كان مكلفاً بمسؤولية حساسة جعلته يتخذ اسماً مستعاراً (عبد الرحمن) حيث كانت الأسماء المستعارة تستخدم خلال تنفيذ النشاطات السرية، وفي مواجهة الحكم الجائر، وفي محاربة المنحرفين.
وعدا ما ذكرناه من شخصيات بارزة، هناك شخصيات مهمة أخرى، ومن أتباع الإمام الجواد عليه السلام في الكوفة، تشرفوا بلقاء إمامهم مما يدل على منزلتهم. لكن التاريخ أخفى منزلتهم في الكوفة، ولم يحدثنا عن تعاونهم مع صفوان وابن سنان ــ ممثلي الإمام ـ أو أنه لم يذكر معلومات وافية عنهم. لهذا لا يمكننا أن نعدهم من الشخصيات الرئيسية. فأوردناهم في ختام بحثنا هذا ومنهم:
1 ـ مروك بن عبيد بن سالم بن أبي حفصة:
وهو صالح بائع اللؤلؤ، عُدّ من أتباع الإمام الجواد عليه السلام، وهو من أقارب (نشيط بن صالح) خادم الإمام الكاظم عليه السلام، وكان ثقة عند الشيعة، اعتبره بعض الشيعة من الموالي، فذكروا أنه من موالي (عمار بن المبارك العجلي).
لم نجد معلومات كافية عن نشاطه ومحل سكناه، لكنه لما روى عن: إبراهيم بن أبي البلاد، وعلي بن الحسن بن أبي فضال، وأحمد بن نصر، وعبد الرحمن بن أبي حماد ـ الذين كانوا يقطنون الكوفة ـ وعن: منصور بن العباس، ويعقوب بن يزيد ـ اللذين كانا يقطنان بغداد ـ من هذا يبدو أنه قطن إحدى هاتين المدينتين ـ الكوفة أو بغداد ـ أو أنه تولى مهام في إحداهما. أو كونه تاجر لؤلؤ كان يتردد على هاتين المدينتين. لكن ليس هناك ذكر لسبب استخدامه اسماً مستعاراً، أو لدوره في نادي بائعي اللؤلؤ.
2 ـ موسى بن عمر بن بزيع:
صحب الإمام الجواد ثم الإمام الهادي عليهما السلام، ومن ثقات الشيعة، وهو من موالي المنصور الخليفة العباسي، وابن عم محمد بن إسماعيل بن بزيع.
3 ـ أحمد بن عبد الله الكوفي:
وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام.
4 ـ أبو سكينة الكوفي:
وكان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام.
عبد الهادي الأحمدي
جامعة الكوفة
تطورت مدينة الكوفة وازدهرت منذ خلافة الإمام علي عليه السلام وأصبحت مركزاً حضارياً مهماً. والتقت فيها مختلف العلوم والآداب، فنبغ فيها علماء كبار.
وقد احتل فقهاء الشيعة في الكوفة مركز الصدارة في القراءة والبحث والتدريس.
غير أن أهميتها الدينية والحضارية أخذت تتضاءل بالتدريج خصوصاً بعد تطور مدينة النجف واتساع أهميتها وتحولها إلى مركز للتشيع. كما أن الحكومات المتعاقبة في العراق لم تولها أية أهمية وتجاهلت دورها الريادي وتاريخها الحضاري الذي أغنى الفكر العربي ـ الإسلامي بعلوم اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والفن، ولم تبذل أي جهود جادة لإعادة إعمارها وتنميتها وإعادة الاعتبار لها كرمكز حضاري عريق.
غير أن مجموعة من العلماء والمفكرين العراقيين قاموا بمحاولة جادة لإعادة إعمارها وإحياء دورها الريادي، العلمي والثقافي، في منتصف الستينات من القرن العشرين. وكانت الخطوة الأولى تشكيل هيئة تحضيرية من عدد من العلماء والمفكرين لتأسيس (جامعة الكوفة).
وقد جمعت لهذا الغرض أموال كثيرة من المتبرعين كانت تكفي لإقامة جامعة ومركز علمي يرفدان العراق والعالم العربي والإسلامي بينبوع من العلم والثقافة لإعادة الكوفة إلى عصرها الذهبي وجعلها مركزاً علمياً عمرانياً وحضارياً مرموقاً يلتقي فيه الدين مع العلم ليكمل كل منهما الآخر. وقد انطلقت الفكرة من أن الإسلام ليس دين عبادة فحسب، بل دين حضارة وتقدم وإشعاع وتمدّن، ولم يأخذ المكانة التي يستحق بالرغم من مضي أربعة عشر قرناً من الزمان. «لذا يكون من الضروري إحداث عصر تنوير جديد لعالمنا، باعتبارنا جزءاً من هذا العالم وجزءاً من هذا الكوكب، وعلينا ألا نكون منعزلين، وأن نخرج من وضعنا الحالي، ولكن ليس عن طريق التبشير، وإنما عن طريق العمل والتصور العقلي ـ العملي. وإذا كان لنا تصوّر عملي واضح فسوف يقبلنا العالم ويحترمنا، لأن معطياتنا لا تأتي إلاّ من احترام الآخرين لنا».
لقد كان المشروع حدثاً تاريخياً مهماً في حينه لتأسيس عمران حضاري ينعش جنوب ووسط العراق، ذلك المشروع الذي كان من أهدافه وقف نزيف الهجرة الريفية المستمرة من الجنوب إلى بغداد والمدن الكبرى.
أمّا الهدف الرئيسي من إعادة إعمار الكوفة وإنعاشها من جديد، هو ما جعلها وريثة الحضارات الكبرى، الأكادية والبابلية والإسلامية، فهو إعادة كوفة اللغة والأدب والنحو والخط والبلاغة، وربطها بعلاقة وثيقة بالنجف الأشرف، مثلما قال الدكتور محمد مكية، أحد مؤسسي المشروع «من أجل ربط العلم بالدين، كبداية لحضارة عربية ـ إسلامية جديدة وغنية ومتفتحة».
لقد استمر التحضير لهذا المشروع أكثر من سنتين، قام المؤسسون خلالها بعلاقات جدية مع مؤسسات علمية وحضارية، عالمية ومحلية، كان هدفها تأسيس «استشراق معكوس» يدرس الشرق والإسلام في بلد شرقي مسلم، وهو تمثيل لوعي جديد وميثاق لمجتمع عراقي جديد، بخصوصيته المحلية. وقد حصل المشروع على موافقة مجلس الوزراء عام 1967، بسبب أن المشروع العمراني لم يكن ذا طابع سياسي أو عنصري أو طائفي، بقدر ما كان رؤية تصورية جديدة لإنعاش وإعمار منطقة مهمة أهملت منذ قرون. لذا كان من جملة الأهداف الحضارية لهذا المشروع زراعة مليون نخلة وحفر آلاف الآبار الإرتوازية وبناء مدينة جامعية بكل ما يرتبط بها من مرافق ومكتبات ومعاهد وأسواق وغيرها من العمران الحضاري.
لقد لاقى المشروع تأييداً وترحيباً كبيرين، وبدل تشجيع الحكومة البعثية التكريتية حكومة صدام ورعايتها لهذا المشروع العلمي الحضاري، فإنها لجأت إلى منع المشروع ومصادرة جميع الأموال التي تبرع بها المواطنون لإقامته.
بغداد والبصرة والكوفة
يقول حسن الأمين:
لما دُعي إلى مهرجان الشعر العربي في بغداد دعيت إلى المساهمة فيه وألقيت قصيدة آخذ منها هنا ما ورد فيها عن بغداد وعن البصرة وعن الكوفة. وكنت قد قضيت من قبل في بغداد فترة تدريسية ظلت ذكرياتها العذبة عالقة في نفسي.
قلت عن بغداد:
حب يظل على المدى متجددا
وهوى يعود به الوفاء كما بدا
بغداد يا حلم النفوس إذا هفت
شوقاً ويا لحن المحب إذا شدا
الوجد فيك كما عهدت ولم يزل
شوق الأحبة ما عرفت توقدا
من رافديك كما تبسم دجلة
عبر الضحى وكما الفرات تنهدا
بالحب بالعهد الوثيق وبالوفا
صغنا القلوب مودة والأكبدا
كم كان طيفك للأحبة مسعفاً
إن لج شوقهم وذكرك مسعدا
هذه العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعاً وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت (الرضي) إذا ترنم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
صوت تردده الشعاب وتنتخي
قمم الجبال تحفزاً وتوعدا
وقلت عن البصرة والكوفة:
هذا العراق وما رأيت كمجده
أبقى على مر الزمان وأخلدا
سل في البيان العبقري أمثله
من رتّل الآيات فيه وجوّدا
البصرة الفيحاء أبصر ثغرها
في ظلمة التاريخ يلمع فرقدا
وجرير يهتف بالغرام وينثني
صوت الفرزدق بالمفاخر منشدا
كانت على الأيام أسطع كوكب
علماً وأزهاه تقًى وتعبدا
إني لأسمع في الخيال هتافها
وأرى مواكبها تؤم المربدا
والكوفة الخضراء ألمح وجهها
عبر الزمان نضارة وتوردا
في كل زاوية تريك حضارة
وبكل ركن ثم تبصر معهدا
رعت البيان فضيلة ومحبة
وحوته حين حوته في الدنيا هدى
يا كوفة الجند استطالت عزة
وشأت طريفاً في الحياة ومتلدا
جددت سالفة المنابر شاعراً
فذّ القريض وناثراً متفردا
من قبتيك ومن منارات العلى
شعت على الكون الهداية فاهتدى
حييت أرضك مهطعاً لجلالها
ولثمت تربك خاشعاً متعبداً
متخيلاً نور (الإمام)، ووجهه
جلّى بمشرقه الضلال وبدّدا
أعلى ميادين الكفاح بطولة
وأنار داجية الظلام تهجدا
أرنو إلى الأطلال علّ بها سناً
من نور غرته وعلّ بها صدى
إني لأستوحي الطلول فخارها
شرف الكتاب ومجده والسؤددا
والألمعيون استفاض حديثهم
بحراً تدفق بالمعارف مزبدا
متحلقين على الحقيقة ما رأوا
في دهرهم إلا الحقيقة مقصدا
ذكرى (عليّ) في رحابك غضة
وسبيل نهجك لا يزال موطّدا
لا تتركي القصد القديم فربما
كان القديم تقدماً وتجدداً
كوفن
قرية تقع على بعد ستة فراسخ من مدينة (أبيورد) في خراسان بينها وبين مدينة نسا. وفي (كوفن) ولد الشاعر أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي. وتوفي بأصفهان سنة 507هـ.
وفي كوفن يقول الأبيوردي:
سقى الله رملي كوفن صيب الحيا
ولا برحا مسنن راع ورائد
ويقول أيضاً:
أأستنشق الريح علوية
أجل وبكوفن أهلي ومالي
ويقول:
وتلك دار ورثناها معاوية
لكن كوفن ألقاها بنا الزمن
والأبيوردي هذا أموي النسب، فهو من نسل معاوية الأصغر بن محمد بن أبي العباس عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان.
وأول من سكن كوفن من أجداد الأبيوردي معاوية بن محمد.
ولم تمنع أموية الأبيوردي من تشيعه، كما أنها لم تمنع أبا الفرج الأصفهاني من ذلك، وقد قرأ له ياقوت الحموي ـ وهو المصدر الأول لكل من كتب عنه، قصيدة بخطه في رثاء الحسين عليه السلام يقول فيها:
فجدي وهو عنبسة بن صخر
بريء من يزيد ومن زياد
وإذا عرفنا أن ياقوتاً لا يمكن أن يتهم بنسبة التشيع إلى الأبيوردي، لأن ياقوتاً كان متعصباً على الشيعة، عرفنا أن حذف تلك القصيدة من ديوانه بعد ذلك إنما كان للعصبية، كما جرى في كثير من الكتب.
ويقول الدكتور ممدوح حقي في كتابه عن الأبيوردي عن هذا الموضوع: «وياقوت ـ على ما يذكر ابن خلكان ـ كان متعصباً على علي، وجرت له مناظرة في دمشق مع متشيع بغدادي، وهرب منها بعد فتنة، فلا يعقل أن يتعصب للأبيوردي ويروي له ذلك من غير تحقيق ليحشره في زمرة الشيعة»، ونضيف نحن إلى ذلك: لا سيما وأن ياقوتاً يؤكد أنه قرأ القصيدة بخط الأبيوردي نفسه.
ولد الأبيوردي ـ كما قلنا ـ بكوفن، وانتقل منها إلى أبيورد حيث درس وحصل، ثم تنقل في البلاد واتصل بالملوك والرؤساء، ومدحهم، لا سيما نظام الملك الذي أدناه إليه، وبعد موت الأسفرائيني خازن المدرسة النظامية تولى منصبه عام 498، ويبدو أنه كان هناك من يحسده ويدس عليه لدى الخليفة وحكام بغداد، فترك بغداد نازحاً إلى أصفهان، وقد ضاقت أحواله حتى اضطر لأن يعمل مؤدباً لأولاد زين الملك برسق ثم كتب إلى المستظهر في بغداد يعتذر عن فراره، وما لبث أن عاد إلى بغداد، وراح يتصل بملوك العراق وأمرائه، فأقبلت عليه الدنيا حتى قال عنه ياقوت: لقد حصل للأبيوردي بعد ما تراه من شكوى الزمان في أشعاره مما أنتجه بالشعر من ملوك خراسان ووزرائها وخلفاء العراق وأمرائها ما لم يحصل للمتنبي في عصره، ولا لابن هاني في مصره.
ثم يصف وصوله إلى سيف الدولة صدقة بن دبيس المزيدي في مدينة الحلة نقلاً عن أحد المشاهدين فيقول: لما قدم الحلة على سيف الدولة ممتدحاً له ـ ولم يكن قبلها اجتمع به قط، خرج سيف الدولة لتلقيه، فأقبل الأبيوردي راكباً في جماعة كثيرة من أتباعه، منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاماً، ووراءه سيف مرفوع وبين يديه ثمان نجائب بالمراكب والسرافسارات الذهب([178]) وعددنا ثقله فكان على واحد وعشرين بغلاً، وكان مهيباً محترماً جليلاً عظيماً، لا يخاطب إلا بمولانا، فرحب به سيف الدولة وأظهر له من البر والإكرام ما لم يعهد مثله في تلقي أحد ممن كان يتلقاه وأمر بإنزاله وإكرامه، والتوفر على القيام بمهامه وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد. وكان الأبيوردي قد عزم على إنشاد سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها:
وفي أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المنيرة والبدر
ولم يكن سيف الدولة أعدّ له بحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شعره، فاعتذر إليه ووعده يوماً غير ذلك اليوم ليعد ما يليق بمثل إجازته مما يحسن به بين الناس ذكره، ويبقى على مرّ الزمان أثره، فاعتقد الأبيوردي أن سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استكباراً لما يريد أن يصله به ثانياً، وأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقاً في دفعات، وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب بن خميس فإنه سمعه ينشد على شاطئ الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عنا فالبلاد وسيعة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرها
وكل مكان خيمت فيه بابل
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة فقال له: رأيت على شاطئ الفرات فارساً يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات. فقال سيف الدولة: وأبيك ما هو إلاّ الأبيوردي، فركب من وقته في فل من عسكره، فلحقه فاعتذر وسأله الرجوع وعرفه عذره في امتناعه من سماع شعره، وأمر بإنزاله في داره، وحمل أليه ألف دينار ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
واستمرت حياة الأبيوردي هكذا ترحالاً بين ذوي السلطان حتى استقر في أصفهان تلبية لدعوة محمد بن ملكشاه حيث أسند إليه (أشراف المملكة) وهو منصب رفيع في الدولة.
ثم توفي فجأة فيقال إن (الخطير) أحد أركان الحكم في بلاط محمد بن ملكشاه دس إليه سماً لأنه كان يحسده على ما وصل إليه وكان ينافسه في المناصب. ويقول العماد الأصفهاني: إنه سقي السم وهو واقف عند سرير السلطان محمد بن ملك شاه فخانته رجلاه وحمل إلى منزله فقال:
وقفنا بحيث العدل مد رواقه
وخيم في أرجائه الجود والباس
ففوق السرير ابن الملوك محمد
تخر له من فرط هيبته الناس
فخامرني ما خانني قدمي له
وأن ردعني نفرة الجأش إيناس
فذاك مقام لا نوفيه حقه
إذا لم ينب فيه عن القدم الراس
لئن عثرت رجلي فليس لمقولي
عثار وكم زلت أفاضل أكياس
مؤلفاته
منها: (1) تاريخ أبيورد ونسا (2) المختلف والمؤتلف (3) قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان (4) نهزة الحافظ (5) المجتبى من المجتنى في رجال كتاب أبي عبد الرحمن النسائي في السنن المأثورة وشرح غريبه (6) الأنساب (7) ما اختلف وائتلف في أنساب العرب (8) طبقات العلم في كل فن (9) تعلة المشاق إلى ساكني العراق (10) كوكب المتأمل في الخيل (11) تعلة المقرور (12) الدرة الثمينة (13) الصهلة القارح، رد فيه على المعري في سقط الزند. ولم يبق من كل ذلك إلاّ ديوانه الشعري.
كُوهَتْ
يقع على بعد نحو 25 ميلاً إلى الجنوب من مدينة بيشاور (الباكستان) ممر كَوهَتْ KOHAT المعروف، ومنطقة هذا الممر الشهير هي موطن قبائل «أفريدي الشجعان الذين يشتهرون بصنع أسلحة عالية الجودة ومن أبناء هذه المنطقة القبلية المشهورين عجب خان الذي قام في عام 1923 باختطاف الآنسة مولّلي إليس Miss Molly Eliss ابنة أحد كبار الضباط البريطانيين من قلب مدينة كُوهَتْ Kohat مقر المنطقة الإداري، وذلك ثأراً لشرف عائلته، وانتقاماً للإهانة التي ألحقتها القوات البريطانية بكرامة أسرته.
وتقع مدينة كُوهَتْ Kohat على مسافة أربعين ميلاً إلى الجنوب من ﭕيشارو Peshawar، وسط دائرة من التلال الخضراء. وترتفع حولها من جهات ثلاث جبال حادة الارتفاع تعيش فيها قبائل أفريدي Afridi، وبَنْغَشْ Bangash، وأُرْكْزَاي Orakzai، وشِنَواري Shinwari، بينما تعيش الى الجنوب والجنوب الغربي منها قبائل الخَتَّك. وقد لعبت جميع هذه القبائل دوراً عظيماً في أحداث هذه المنطقة في الماضي الغابر. وقد أسس مدينة كُوهَتْ Kohat التي كانت تدعى قديماً كُوهُوت Cohaut راجا كان يدعى بهذا الاسم وذلك في العهد البوذي. وحتى اليوم ما زالت بقايا الآثار القديمة مبعثرة هنا وهناك في هذا الوادي، وتخرج من كُوهَتْ Kohat طريق ضيّقة شقّت في بطن الجبل باتجاه بوابة هانْدِي سايّد Handyside Gate على قمة جبل كوتال Kotal. وهذه الطريق الصعبة تذكرنا بالأيام الغابرة الأولى يوم كانت الحياة محفوفة بشتى المخاطر.
وتوجد في جوار مدينة كُوهَتْ Kohat بلدة هنغو Hangu المعروفة بمدرسة تدريب الشِرطة فيها. وتشتهر قرية لاتشي Lachi في تلك المنطقة بصنع الصنادل. وتصنع في مدينة كوهت وجوارها الحصر والسلال من نبات الحلفاء والقصب الذي ينمو هناك بوفرة. ومن أماكن النزهة المحببة في جوار مدينة كُوهَتْ Kohat نبعا ماء عذبان هما جَنْغَل Jangal وخِلّ Khel.
وقد نشأت في هذه المنطقة رقصة الخَتَّك المعروفة في مرابع قبيلة الخَتَّك التي ينتسب إليها شاعر قبائل الباثان العظيم خوش حال خان خَتَّك. ومن أهم المراكز التي يقطنها أفراد قبيلة خَتَّك قرى: لاتشي، وتيري، وكَرَك، وبهادور خِلّ.
وغالبية سكان مناطق كُوهَتْ الريفية يعملون في الزراعة أو الحِرَف. والأرض هناك خصبة ولكن ينقصها الريّ. وحيثما تتوفر هناك مياه للري سواء من الينابيع أو الجداول والغدران يزرع الأهالي محاصيل جيدة من الغلال والخضر والفواكه، بيد أن شحّ الماء هناك هو مشكلة خطيرة، ومن أجل حل هذه المشكلة أقامت الدولة سدّ تَنْدَه على مسافة أربعة أميال إلى الجنوب الغربي من مدينة كُوهت وذلك قرب قرية تَنْدَه بَنْدَه التي استمد هذا السدّ اسمه منها. وقد بلغت كلفة إنشاء هذا السد الذي دشن رسمياً في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 مبلغ 66,83 مليون روبيه. ولهذا السد الذي يُعَدُّ صغيراً بالمقارنة مع سدود أخرى ضخمة مثل: وَرْسَك، ومَنْغْلَه، وتَرْبِلاَ Tarbela أهمية عظيمة لمدينة كُوهَتْ Kohat وجوارها، وسيكون له أكبر الأثر في تحسين أحوال هذه المنطقة المتخلفة نسبياً.
العشائر والقبائل:
تقطن المرابع الجبلية في الأجزاء الشمالية الغربية من غرب باكستان قبائل عدة من الباثان والأفغان وغيرها من القبائل مثل: اليُوسُفزَ، والتارين، والتَنُولي، والدُرَّاني، والجَادُون، والخَتَّك، والمهْمنَدْ، والأفْرِيدي، والشِنْوَارِي، وأيضاً عدة جماعات عرقيّة أخرى مثل: الأعوان، والرَجْبُوت، والسّادة، والسوانيس، وبطبيعة الحال أن سكان هذه المرابع الجبلية ليسوا ميسوري الحال مثل إخوانهم سكان الهضاب السهلية الخصبة في منطقة بيشاور ومَرْدَنْ حيث تُنْبِتُ الأرض محاصيل غنية وافرة من قصب السكر والتبغ والذرة والأرز وبساتين الفواكه، وحيث تكثر المعامل والمصانع.
وسكان القطاع الشمالي الغربي من غرب باكستان قوم بسطاء في عاداتهم وتقاليدهم. وهم مضيافون جداً، ولا يتأخرون عن تقديم حتى آخر كُسرة خبز لديهم للغريب الذي يحل بين ظهرانيهم. وهم لا يقصرون إكرامهم لضيفهم على العناية به بل يظهرون له جميعاً آيات الاحترام والتبجيل. ولا يجرؤ أيٌّ كان على إلحاق أي أذى بالضيف حتى وإن كانت هناك عداوة شديدة بين المضيف الذي يحل الضيف عنده وبين نفر آخر من أفراد القبيلة أو القبائل الأخرى.
حب الأسلحة النارية هو نقطة الضعف الأساسية في طباع أفراد قبائل الباثان، فحتى إذا كان الواحد منهم شحاذاً أو غارقاً في الديون أو لصًّا يعيش من السطو فلا بد أن يكون بحوزته رشاشٌ أو بندقية أو مسدسٌ، وإن لم يُسْعِفَ الحال فخنجرٌ على أقل تقدير. وواقع الحال إن الواحد منهم يود لو تكون بحوزته على الأقل قطعة واحدة من كل هذه الأسلحة جميعاً، لأن امتلاك الأسلحة هو كناية عن سموّ مكانته وعُلُوّ شأنه. وهذا الشغف بامتلاك الأسلحة متأصِّل بوجه خاص لدى أفراد القبائل وسكان القرى المجاورة لها. وأيًّا كان سن الواحد من أفراد قبائل الباثان فإنه يتباهى باستعراض ما لديه من سلاح ويعتز بمهارته في استعماله والعناية به والحرص عليه. وهذا الشغف بالسلاح يفسّر لنا سر وجود عدة معامل لصناعة السلاح في هذه المرابع القبلية المتخلفة.
وأبناء القبائل هذه محاربون أشداء وماهرون جداً في الرماية، إذ يأخذون في التدرّب على فن الرماية وأصولها منذ نعومة أظافرهم، ولذلك يَشُبّون محاربين أشداء يلقنون أعداءهم دروساً قاسية عند احتدام القتال. وسر شجاعتهم في القتال هو أنهم يفضلون الموت على العار … حتى إذا وقع الواحد منهم في مأزق صعب لا تتكافأ فيه قوته مع قوة خصمه يفضل أنه يضحي بروحه على أن يعود إلى دياره يجر أذيال الخيبة فيتعرض لتوبيخ النساء وتقريع الشيوخ من ذويه وأبناء قبيلته، وحريّ بالتنويه أيضاً أن من شيمهم التي تدل على شهامتهم في القتال أنه يتوجب على من يبقى منهم على قيد الحياة أن يسحبوا من ساحة المعركة جثث من يُقْتَلثون من رفاقهم لئلا تقع في أيدي أعدائهم، حتى وإن كان سحب الجثث هذا ينطوي على مجازفة شديدة بأرواحهم.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن هؤلاء القوم الأشداء في القتال مولعون إلى حد الجنون بضروب الرقص والموسيقى. وأهم الآلات الموسيقية لديهم آلتان وتريتان هما: الربابة والصَّرِنْدَح، وتصدر عن هاتين الآلتين أنغام موسيقية عميقة.
وهؤلاء القوم يجيدون فن المحادثة، ويحبون مجالسة أقرانهم في المضافة أو «الديوان»، وهذا هو مكان الاجتماع العام الذي يلتئم فيه جميع أبناء القبيلة لا سيما في المساء، فيدخنون النرجيلة ويحتسون الشاي الأخضر ويتبادلون الأحاديث مدة ساعات طويلة. وفي هذا الديوان يستغرقون في شتى الأحاديث الإخوانية. وبين الفينة والأخرى ينفجرون ضاحكين في قهقهات شديدة عالية جداً قد تُرَوِّع الزوار الغرباء الذين لا يعرفون عادات الباثانيين وتقاليدهم. ويقيم الباثانيون في قراهم أسواقاً عامة ومعارض يبيعون فيها منتوجاتهم ويشترون منها حاجياتهم، كما توجد لديهم مناسبات عامة اجتماعية ودينية يحتشدون فيها ويقيمون الاحتفالات المتنوعة وهم مولعون بممارسة الألعاب وأنواع الرياضة الرجالية، ويحبون اللهو في الهواء الطلق.
قد يبدو أبناء هذه القبائل في نظر الأشخاص العصريين الذين قلَّما يغامرون بالتجول في هذه الأجزاء من الباكستان قوماً غريبي الأطوار، بيد أن مثل هذا الانطباع قد يتولّد من الجهل بطبائع هؤلاء القوم وتاريخهم الغابر ومشكلاتهم الراهنة سواء الاقتصادية منها أو العاطفية، علماً بأنهم قوم يتمتعون بحس مرهف ومشاعر سامية. وعندما يعرفهم المرء عن كثب يتبين له أنهم من أكثر الناس مودة ووفاءً، فهم يتجاوزون في حفظهم لمواثيق الصداقة كل الحدود، فلا يتورعون عن التضحية بأموالهم وحتى بأرواحهم من أجل رعاية أصدقائهم والحفاظ عليهم. وقد يبدو غريباً أن يُقْدِم هؤلاء الناس، الذين يعرف عنهم حبهم الشديد للمال، على الإنفاق بسخاء شديد لإكرام ضيوفهم والاحتفاء بهم.
أما في ميدان الأغاني والأدب القصصي فلا يقل الباثانيون إبداعاً عن أشقائهم في مقاطعة باكستان الأخرى، فمنذ الأزمان الغابرة كان شعر البشتو رفيع المستوى، وقد اشتهر شعراء البشتو بأنهم شعراء حب وغرام ومغامرة وملاحم كما اشتهروا بالشعر الصوفي. ومن أشهر شعراء البشتو: خوش حال خان خَتَّك، وكاظم خان شَيْدَه ورحمن بابا وغيرهم كثيرون.
إنّ عنصر الوقت بالنسبة لمعظم سكان المناطق الجبلية النائية يبدو ثابتاً لا يتحرك ولا يسير، فإحساسهم بالزمن شبه مفقود، والوقت عندهم يمضي بطيئاً إلى حد الجمود. وهم يمضون في حال سبيلهم قانعين بعيشهم؛ منهم من يحمل بندقية أو رشاشاً أو مسدساً بينما آخرون ينؤون تحت أحمال ثقيلة من حزم الحطب لإشعال مواقدهم أو ما إلى ذلك من الأحمال. وهم في ضروب عيشهم المتواضعة هذه لا يشكون ولا يتذمرون لأنهم لم يتذوقوا أطايب العيش في يسر وبذخ، كما لم يعرفوا مرارة الحرمان من بعد نعيم؛ فحياتهم هي حياة قناعة ورضى، فليس هنالك ما يقلق خواطرهم أو يؤرِّق نومهم. وهم يمضون حياتهم في كنف وديان فسيحة وجبال شاهقة، ويمتعون أبصارهم بمناظر رائعة تسخو بها الطبيعة عليهم، ويلهو صغارهم في هذا الجو الطليق بينما يمتع كبارهم الأنظار بلهو الصغار في أحضان هذه الطبيعة الخلابة.
إن سكان المناطق الجبلية هم، بسبب شدة الطقس وصرامة المناخ، قوم أقوياء أشداء وشجعان؛ فظروف عيشهم تضطرهم إلى القتال من أجل البقاء، قتال الطبيعة القاسية وقتال الإنسان والوحوش ولذلك قد يبدو نمط حياتهم لسكان المدن غريباً مستهجناً، ولكن هؤلاء الناس يدخرون في نفوسهم، تحت هذه القشرة الصلبة من مظاهر الحياة القاسية، مشاعر وأحاسيس إنسانية لا تقل رقة عن مشاعر اي أناس آخرين. وهم قوم لا يعرفون الخوف ويركبون المخاطر مجازفين بأرواحهم دون وجل، ولكنهم في الوقت ذاته لا يعانون من أي كبت أو قيود تكبح إرادتهم وتقهر رغباتهم.
وهم في تعاملهم اليومي يبدون قوماً بسطاء ولكنهم ليسوا بأي حال من الأحوال ساذجين أو أغرار، بل يؤمنون بقدر كبير من الأخذ والعطاء مع الآخرين، وهم يعتزّون بمآثر أجدادهم ويفخرون بعظمة أمجادهم الماضية …
وبدأ الحرص على تطوير هذه المناطق وتحسين أوضاع سكانها فأنشئت وزارة خاصة بشؤون القبائل، كما أقيم عدد من المشاريع فيها لتحسين أحوال سكانها الاقتصادية.
ومن أهم هذه المشاريع سد وَرْسَك وسد تَنْدَه، وسد خَنْبُور التي سيكون لها أعظم الأثر في رفع مستوى معيشة سكان هذه المناطق الجبلية النائية.
ا.س. خان قمر
الكويت
تقع دولة الكويت في الزاوية الشمالية الغربية من الخليج الفارسي، بين خطي العرض 528 و530 (28.45-30.05)ْ شمالاً وخطي الطول (46.30-48.30)ْ 546 و548 شرقاً على وجه التقريب جنوبي العراق وشمالي مقاطعة الإحساء التابعة لما يسمى بالمملكة العربية السعودية. ويحدها من الشمال والغرب العراق، ومن الشرق الخليج، ومن الجنوب ما يسمى المملكة العربية السعودية، وتبلغ مساحتها نحو 15 ألف كيلومتر مربع، وتبلغ مساحة المنطقة المحايدة نحو 5700 كيلومتر مربع، وتقع هذه المنطقة في جنوبي الكويت وتشترك في إدارتها كل من ما يسمى المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وهما تتقاسمان مواردها بالتساوي.
ومدنها الرئيسية: الكويت، حولّي، الاحمدي، الجهرا، الفحيحيل، وتحيط بها عدة جزر أكبرها: بوبيان، وربة، فيلكا.
يتألف سطحها بوجه عام من سهول رملية منبسطة تتخللها أحياناً تلال قليلة الارتفاع، وفي بعض الأماكن وخاصة في الجنوب توجد بعض التلال على شكل القباب الملائمة لتجميع الزيت وتبدو واضحة كأنها جزر صغيرة وسط بحر من الرمال، وهي في الغالب مكونة من صخور رسوبية ورملية كما هو الحال في منطقة وارة والبرقان.
وتعتبر الكويت من حيث المناخ، منطقة انتقال بين الإقليم الصحراوي وإقليم البحر المتوسط، ويمتاز هذا المناخ بفصلين رئيسيين هما: صيفٌ حار جاف وشتاء قصير دافئ قليل الأمطار. وأمّا الرياح فتهب في جميع فصول السنة، منتظمة أحياناً ومتغيرة في أحيان أخرى. والخريف قصير للغاية، والشتاء يتركز في شهري كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) ثم يبدأ الربيع فيعتدل الجو في شباط (فبراير) وآذار (مارس).
وليس في الكويت ماء جارٍ ولكن فيها آباراً صغيرة وربما كانت منطقة الجهرا أغزر المناطق مياهاً. وقد أنشئت في الكويت مصافٍ ضخمة لتقطير مياه البحر وتحويلها إلى مياه عذبة، واكتشفت أخيراً ينابيع عذبة في منطقة الروضتين، وينتظر اكتشاف ينابيع جديدة في مناطق أخرى.
ونباتات الكويت من النوع الصحراوي الذي يتحمل الجفاف وقلة المياه، وأهمها الحشائش والأعشاب والشجيرات التي تستفيد لأقصى حد من مياه الأمطار القليلة.
وأعلى نقطة فيها تقع في الزاوية الجنوبية الغربية ويبلغ ارتفاعها نحو 900 قدم فوق سطح البحر.
وفي الكويت بعض التلال الصخرية المتباعدة لا يزيد ارتفاع أعلاها على 150 قدماً عن سطح الصحراء المحيطة بها.
وبينما تنخفض درجة الحرارة في شهري كانون الأول وكانون الثاني «ديسمبر ويناير» في الليل إلى درجة التجمد أحياناً فإن الحر يبلغ ذروته في شهري تموز وآب (يوليو وأغسطس) حتى يزيد أعلى درجة للحرارة في النهار عادة عن 110 درجات فهرنهايت وقد تبلغ أحياناً 120.
ومما يلطف درجة الحرارة في الصيف ريح الشمال التي تهب باردة لطيفة إلا أنها مبعث للإزعاج كذلك إذ تهب أحياناً شديدة مسببة عواصف رملية قوية. وفي هذه العواصف ينخفض مدى الرؤية إلى بضعة أقدام.
وتقع المدينة البحرية التي تعتبر ميناء الكويت والتي تحمل اسم الدولة (أي مدينة الكويت) في رأس جغرافي يشكل الجانب الجنوبي لجون واسع مأمون، وكانت قبل اكتشاف النفط أكبر ميناء بحري في الخليج وأكثر مدن شبه الجزيرة العربية كثافة سكان. ففي سنة 1930 كان عدد سكانها حوالي 60 ألفاً فارتفع إلى مائة ألف نسمة قبل بدء إنتاج النفط. وما أن هل عام 1945 حتى ارتفع هذا الرقم إلى ثلاثة أضعافه، وذلك للتطور السريع الذي طرأ على استخراج النفط، وإلى برامج الأشغال العامة الواسعة التي شرعت الحكومة الكويتية تقوم بها.
وكان يحيط بمدينة الكويت سور كبير أقيم حولها لصد غارات الوهابيين الذين كانوا يهاجمونها منذ عام 1791 حتى أنهم قطعوا عنها الماء باستيلائهم على الآبار خارج البلدة.
وفي عام 1919م هاجموها فنشبت بينهم وبين الكويتيين معركة الجهراء ردهم فيها الكويتيون وبنوا بعد الوقعة سوراً طوله خمسة أميال وعلوه أربعة عشر قدماً استغرق بناؤه شهرين واشترك فيه جميع سكان المدينة، وظل هذا السور قائماً حتى عام 1957م.
لمحة تاريخية
منذ أقدم العصور، وشواطئ الكويت ملتقى للسفن التجارية التي تجوب البحار، وتنقل البضائع بين الشرق والغرب، إذ أن هذه السفن كثيراً ما كانت تتوقف على هذه الشواطئ، ولا سيما شاطئ جزيرة فيلكا لتتزود بالماء والطعام أو لتتقي الأنواء البحرية العاصفة.
وقد استطاعت البعثة الدانمركية للتنقيب عن الآثار، بعد الحفريات العديدة التي قامت بها، لا سيما في جزيرة فيلكا، من العثور على آثار عديدة تربط هذه البلاد بالعالم الخارجي ربطاً محكماً عن طريق البحر.
فاليونان مثلاً قد وصلوا للكويت وعثر من الآثار اليونانية على قوالب لتماثيل صغيرة منها رأس الإسكندر وآلهة النصر وآلهة الجمال، وعلى نقوش وأعمدة من الطراز اليوناني وقطعة من الحجر نقشت عليها كتابة يونانية واضحة، وهي تقدمة من الربان اليوناني ستوليس، وبحارته إلى بوسدون إله البحر، وأرتميس حامية البحارة لأنهما أنقذاهم من الغرق، وستوليس هذا هو أحد الربابنة الذين عملوا تحت إمرة يناركسوس أمير البحر الذي كان يقود أسطول الإسكندر الأكبر … وقد أيدت هذه الآثار الروايات التاريخية التي ذهبت إلى أن أسطول الإسكندر الذي انطلق إلى المحيط الهندي بحثاً عن الاكتشافات الجغرافية في منابع الشمس، قد عاد من الهند إلى العراق سنة 326 ـ 325ق.م. عن طريق الخليج لسبر غور مياهه واكتشاف مصب الفرات، وأن الإسكندر الذي كان يطمح إلى أن يحمل لقب ملك العالم، قد راودته فكرة افتتاح بلدان الخليج للسيطرة على سواحله، وتشييد الموانئ والمدن فيه. وقد ذهب الفينيقيون إلى أنهم قدموا إلى لبنان من منطقة عمان في الخليج، كما يقول هيرودوت. كما أن مؤرخاً آخر اسمه (استرابون) أشار إلى قيام علاقات تجارية بين الفينيقيين وشواطئ الخليج.
وفي 31 كانون الأول سنة 1972 صرح أحد علماء الآثار الدانمركيين بما يلي:
يقوم علماء الآثار الدانمركيون بالتنقيب عن الآثار في إمارات الخليج منذ عدة سنوات. ابتدأ البحث سنة 1953 في البحرين ثم امتد إلى قطر في السنة التالية.
والهدف من هذا البحث هو تحديد بقايا القرى والمعابد القديمة في هذا القسم من العالم والتي كانت شاهداً على بعض أقدم المجتمعات المدنية في تاريخ الإنسان حيث كانت الخطوط البحرية عبر الخليج تربط مدن العراق بباكستان والهند منذ حوالي 4 إلى 5000 سنة.
وفي سنة 1957 وجهت لنا الحكومة الكويتية دعوة للقيام على نفقاتها للتنقيب عن الآثارات في مناطق ترك اختيارها لنا.
وفي السنة التالية تلقيت وزميلي ت.ج. بيبي استقبالاً حاراً من قبل صاحب السمو الشيخ عبد الله الجابر الصباح وزير التربية.
كانت الكويت في ذلك الوقت غير مستغلة من ناحية البحوثات الأثرية وأقلها اكتشافاً في الشرق الأوسط، مع العلم أن عدة اكتشافات قد سجلت في المناطق المجاورة وأدى استكشافنا في اليوم الأول على العثور في جنوبي غربي جزيرة فيلكا على آثارات معروفة باسم سعد وسعيد. وكانت هذه الآثارات مؤلفة من جرات فخارية وغيرها من الأواني المغروزة في الرمال التي ساعدتنا على تحديد الموقع الصحيح لهذه الآثارات.
وقد ركزنا بحوثاتنا على هذين الموقعين حتى سنة 1963 وكانت نتيجتها اكتشاف حقائق فنية رائعة وكان الفضل في نجاح هذا البحث في فيلكا يرجع لعمران عطا عبدو عالم الآثار في متحف الكويت.
مدينة فيلكا القديمة
وفي خلال حفرياتنا في «رمال سعد» توصلنا تدريجياً إلى العثور على بقايا مدينة قديمة يرجع تاريخها إلى 4,000 سنة، وكانت المدينة مركزاً تجارياً للبحارة القدامى. وقد عثرنا خلال بحثنا على منازل وهياكل قديمة وشوارع ضيقة وتحف رائعة مزخرفة تحمل أختام «ديلمون» لم يوجد لحينه سوى بضع قطع مماثلة بحالة جيدة في العراق والباكستان وتمثل هذه الصور الآلهة وقطع من ملحمة جيلجميش أعظم أبطال السوماريين. وقد استعملت هذه الأختام من قبل تجار فيلكا لختم البضائع قبل شحنها إلى الهند وجنوبي غربي الجزيرة العربية.
أمّا آثارات «سعيد» فتختلف كلياً عن ما وجد في رمال «سعد» وهنا يجدر بالذكر أن المنطقتين تمثلان فترتين من التاريخ مختلفتين.
وتبين لنا من اكتشافاتنا خلال السنة الأولى أن الآثارات هي من أصل إغريقي، إحدى التحف الأثرية كانت لوحة من الحجر منحوت عليها عبارات إغريقية وقد ذكرنا هذه اللوحة ببطاقة «زيارة إسكندر الاكبر».
وفي السنين التالية عثرنا على معبد إغريقي في قلب الآثارات وهي مخصصة للآلهة الإغريقية «سوتيرا» وقد عثر أمام الهيكل على كمية كبيرة من العملة الفضية الإفريقية بعضها قد صنع في ميناء جرهاء الأسطوري في جنوب الكويت وهي الآن منطقة مجتمع واحة التاج.
وعثرنا أيضاً على تماثيل وكتابة إغريقية ومن ضمنها لوحة ضخمة من الحجر الرملي نقشت عليها بالإغريقية أحرف تدل على أن الاسم القديم لجزيرة فيلكا بالإغريقي هو «أكاروس» وقد عثرنا في هذه المدينة القديمة على عدة هياكل وبيوت وقد أسسها أحد جيوش إسكندر الأكبر خلال عودتهم من حملة الهند إلى الخليج.
وسجل المؤرخون الإغريقيون أن فيلكا كانت مغطاة بالغابات وجميع أنواع الأشجار وطرقاتها المزروعة كانت مرعى للمعز والغزلان وهي ملك الآلهة سوتيرا.
الاستكشافات في الكويت على يد علماء الآثار الدانمركيين لم تكن سوى البداية. هناك الكثير مما يتطلب العمل والدراسة ومنذ توقفنا عن العمل في هذه المنطقة بذلنا كل جهدنا لننشر عن ما عثرنا عليه من آثارات على الصعيد الدولي. ونأمل في السنين القادمة استئناف نشاطنا في جزيرة فيلكا، وفي الكويت لمعرفة المزيد من تاريخ المنطقة، عندما كانت ملتقى للأحداث التاريخية العالمية بصفتها مركزاً بحرياً تجارياً مهماً منذ 4000 سنة على طريق المدن الواقعة ما بين النهرين حتى الهند والباكستان.
هجرات عربية
أرض الكويت امتداد للبساط الصحراوي الهائل في شبه الجزيرة العربية … وقد شهدت هجرات عربية عديدة ولعل إحدى الهجرات القديمة هي هجرة قبيلة إياد إلى الأرض التي تقوم عليها اليوم دولة الكويت منذ العصر الجاهلي.
وكان أول نزول أفراد هذه القبيلة واستيطانها في المكان الذي عرف باسم (النباج) ثم اختاروا المكان الذي أقاموا عليه مدينة كاظمة التي لا يزال يعرف مكانها على وجه التحديد، وهي تقع ضمن أراضي دولة الكويت، وتبعد عن قرية الجهراء نحو خمسة أميال وتشرف عليها جبال (قضى أو غضى) المعروفة بهذا الاسم منذ التاريخ العربي الأول، أما مجتمع قبيلة إياد العربية الذي استقر في مدينة كاظمة، فقد اتخذ شكله السياسي وفقاً للنظام القبلي الذي كان سائداً في جميع أنحاء الجزيرة العربية آنذاك.
ومن المعروف أن كاظمة التي تقع على مقربة من الشاطئ الشمالي لخليج الكويت كانت مسرحاً للمعركة الشهيرة التي عرفت بمعركة السلاسل سنة 12هـ (630م).
ومن المؤكد أن قبائل أخرى منها تميم، نزلت قبل ذلك في المنطقة ولهم فيها قبور وآثار أشهرها قبر غالب بن صعصعة والد الفرزدق الذي قد دفن في جبل بكاظمة يسمى المقر.
ومن المواقع الأخرى ـ في الكويت ـ التي عرفت عند العرب وذكرت في أشعارهم وأخبارهم جبلا أوارة وغضى، وقد اشتهر الأول أيام الجاهلية بما دار حوله من الحروب بين قبائل العرب فقالوا (يوم أوارة الأول) و(يوم أوارة الثاني) ولعل هذا الجبل قرب مدينة الأحمدي الحديثة ومعروف باسم (وارة).
أما جبل (غضى) فهو سلسلة تلال ممتدة من ساحل جون الكويت بين كاظمة والصبية حتى نهاية الجهراء.
وهناك (الرحا) وهي أكمة غربي الجهراء وتبعد عن مدينة الكويت نحواً من عشرين ميلاً وتعرف الآن بالرحية، وقد وصفها ياقوت الحموي بقوله: (الرحا جبل بين كاظمة والميدان عن يمين الطريق من اليمامة إلى البصرة) أما (السيدان) فأرض كاظمة كانت تعرف في الماضي بهذا الاسم، أما الآن فتعرف باسم السادة.
الكويت حديثاً
لم يعرف اسم الكويت إلا في أواسط القرن الحادي عشر للهجرة حين سكنها بنو خالد الذين سيطرت قبيلتهم على قطر والإحساء والكويت ومن اليمامة في نجد إلى السماوة في العراق وأنشأ فيها أميرهم محمد بن عريعر حصناً صغيراً (كوتا) سنة 1080 هجرية ووضع فيها جماعة من جنده وأتباعه ليكون مستودعاً للزاد والذخيرة كلما أراد أن يقيم في الكويت أو يقوم بالغزو شمالاً على قبائل العراق كما يكون مأوى لرعاة قبيلته إذا ما قصدوا المراعي القريبة، وقد عرفت يومذاك باسم (الكويت) ويرى بعض الباحثين أن الكويت تصغير الكوت وهي القلعة الحصينة واللفظة هندية، وفي الهند مدن بهذا الاسم مثل (كالكوت).
وقد صغر الاسم هذا، على نسق الأسماء الأخرى المصغرة ربما لميل سكان المنطقة إلى التصغير كما يلاحظ الأستاذ عبد العزيز حسين في كتابه محاضرات عن المجتمع العربي في الكويت.
وجاء في تاريخ قطر أنه لما اتسع نفوذ محمد بن سعود الأول شمل نفوذه بعضاً من جنوب العراق والإحساء، وأخل بني خالد في طاعته وقد كانوا من الذين ناهضوه، وقبل ظهور آل سعود كانت الزعامة هناك للشيخ (ابن عريعر) وهو زعيم بني خالد.
وجاء في مختصر تاريخ الكويت صفحة 17 أن اسم الكويت لم يكن شاملاً لجميع الأراضي والمناطق الحالية بل يطلق على محل معين هو اسم المدينة فقط وما عتم الكويت أن أصبح مرفأ ممتازاً تنازعته الدول من قبل انبثاق النفط فيه.
الكويت القديم
بليدة ضمن موضع (كاظمة) الشهيرة المتصلة ببادية البصرة، وكانت الكويت منسية ومعدومة الأهمية لا ميزة لها عدا أنها المرفأ الطبيعي للصحراء على الخليج لم تمنحها الطبيعة من هباتها شيئاً محسوساً في الظاهر ولكنها كانت ظهراً فقيراً وجوفاً ثرياً، وفي موجة من موجات الجزيرة العربية أزعجت الصحراء فريقاً من أبنائها فالتجؤوا إلى البحر هابطين إلى ساحل الخليج وهم مجموعة من بني عتبة الذين ينحدرون بأنسابهم إلى عنيزة من بكر بن وائل الأب الذي تنتسب إليه البيوت الثلاثة آل السعود وآل صباح، فآل صباح الذين هبطوا إلى هناك عام 1130 للهجرة كانوا أبناء عم آل خليفة وأقرباء آل سعود. لقد أزعجت الصحراء هذا الفريق فالتجؤوا إلى الشاطئ على أنهم لم يتخلصوا من الرمال السافية والقيظ بصبر وجهد وداوموا متماسكين حتى عوضتهم العناية بتلك الثروة الفائضة، وكانوا قبل ذلك التعويض مولين وجوههم شطر البحر، فكان الكويتيون من أجرأ الغواصين وأمهر الغطاسين وأشجع البحارة، وكان من بينهم جبر بن رحمة ذلك الشجاع الذي دوخ الخليج وأمراء الخليج وقد كان الكويتيون يسكنون بيوتاً من الطين نشأت منها بعض القُرى الفقيرة التي كانت تضم أناساً بدائيين، يتردد عليهم البدو ومعهم الخيمة والجمل وكل الخير عندهم أن تمن الطبيعة على الجزيرة بزخة من المطر توشح البادية بحلة خضراء فيهرعون عائدين إلى الصحراء الأم، وترى في تلك البلدة إلى جانب الخيام أكواخا من صفيح التنك الصدئ أو من سعف النخل اليابس قامت على شاطئ رديء وبيء ومناخ رطب محموم وجو ملوث هبوب لزج، كذا كانت الكويت الفقيرة بلد الرمال والسباخ وفي الثلث الأول للقرن الثاني عشر للهجرة كثر الهابطون على الكويت ولأجل ترتيب شؤونهم اختاروا شيخاً لهم حسب نظام البداوة ووقع اختيارهم على الشيخ صباح بن جابر الذي سميت به العائلة.
لقد كان القرن التاسع عشر للميلاد من أسوأ الأزمنة في حياة الحكومة العثمانية السياسية في العراق وأطراف العراق جنوباً وشمالاً ولم يستقر الوضع إلاَّ في عهد مدحت باشا وأن الحملة التي وجهها إلى الإحساء وقطر كانت مؤلفة من الجند العثماني ومن قبائل المنتفك تحت قيادة ناصر السعدون ومن عرب الكويت بزعامة مبارك الصباح، وبعد انتهاء تلك الحملة قدر مدحت باشا موقف الشيخ مبارك فنصبه قائم مقام على قبائل الكويت.
وكان عماد اقتصاد الكويت على صناعة بناء السفن الشراعية المبنية من خشب الساج الهندي وكانت تلك المراكب تحمل التمور من البصرة إلى شواطئ الهند والجزيرة العربية وإفريقيا الشرقية وتعود محملة بأخشاب الساج من الهند وأسطوانات شجر «المانجروف» من زنجبار وغير ذلك.
وعدا بناء السفن والتجارة كان الغوص على اللؤلؤ من مقومات الاقتصاد الكويتي. وبحلول فصل الصيف عندما تصبح مياه الخليج دافئة كان أسطول الغوص وعدده حوالي ستمائة سفينة يخرج إلى البحر ويتجه إلى مغوص اللؤلؤ في الجنوب ثم تدهور صيد اللؤلؤ باستحداث اللؤلؤ الصناعي ثم ظهور النفط.
وعلى أن الحفر على النفط بدأ عام 1936 فإنه لم يدشن تصديره إلاَّ عام 1946.
الكويت اليوم
إن الكويت الحديثة التي كانت تضمها الكويت القديمة كما يضم الفحم الماس تقدّمت وتدرجت في الانتعاش، وأول انتعاش لها جاء من البصرة وذلك عند مهاجمة الفرس الزندية مدينة البصرة في القرن الحادي عشر للهجرة ويلتجأ تجار البصرة إلى الكويت بثرواتهم وتجاراتهم وبهذه الهجرة احتكرت الكويت تجارة الخليج، وتمكّث المهاجرون سنوات عديدة وبهم ظهرت أهمية هذا المرفأ، أما الانتعاشة الثانية فقد كانت أضخم ألا وهي الثروة النفطية التي بشّرت طلائعها في النصف الأول من القرن العشرين وتقدمت الدول الكبرى تخطب ود الكويت متصلين بالشيخ السابع وهو الشيخ مبارك الذي يعتبر المؤسس الثاني لمشيخة آل صباح. وتشتمل الكويت اليوم على ستة أحياء وهذه الأحياء على ثلاث مدن وهي (الكويت) (الأحمدي) (الجهرة) وعلى عدة قُرى وعلى عشرة من الجزر الصغيرة والكبيرة. ويبلغ عدد الآبار المنتجة للنفط ثلاثمائة وتسعة عشر بئراً اعتباراً من أول يوم تدفقت فيه البئر الأول بما فيها آبار منطقة الحيادة وقد تأسست الكويت الحديثة عام 1756 وفي عام 1885 تقدم الباب العالي وضمها إلى العراق رسمياً، وفي عام 1899 عقد الإنكليز بينهم وبين شيخ الكويت اتفاقية سرية ضمنت نفوذهم فيها. وبين عشية وضحاها أصبحت إمكانية الكويت لا حد لها وصار التقدم الاقتصادي في الكويت لا يجاريه أي تقدم في العالم فوراناً. إن الفورة صعدت بإنتاج البترول في غضون ثلاثة عشر عاماً 90 ضعفاً من بداية إنتاجه، ففي عام 1946 كانت الشحنة الأولى ثمانية آلاف طن وكانت عائدات الكويت منها ثمانمائة ألف دولار وفي عام 1956 بلغت الشحنة خمسة وسبعين مليوناً من الأطنان وتوالت الزيادة باستمرار.
عدد السكان
وحسب إحصاء سنة 1975 بلغ عدد نفوس دولة الكويت 991,392 ألفاً وفي سنة 1976 بلغ العدد مليون و55 ألف أي بنسبة زيادة 6 بالمائة وتعد من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم. وأشير إلى أن هذه الزيادة السكانية ترجع إلى تدفق الوافدين للعمل.
وقد تطور عدد السكان بالشكل الآتي: السنة 1957 كان عدد السكان 206,472 وفي السنة 1961 كان العدد 321,621 وفي السنة 1965 كان 467,339 وفي السنة 1970 كان 738,662 وفي السنة 1975 كان 991,392، وفي السنة 1980 كان 1,400,000 وتتوقع الإدارة المركزية للإحصاء في الكويت أن يصل عدد السكان في سنة 1985 إلى 1,907,150 نسمة. وقد تمّ هذا التقرير في ضوء النمو في عدد السكان بين التعدادين الذين أجريا سنة 1975 و1980 وفي ضوء استمرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية القائمة في الكويت وفي المنطقة المحيطة بها عربية وآسيوية.
والكويت من مواطن الشيعة التي يكثرون فيها ويشكّلون ثقلاً في حياتها الاقتصادية والثقافية والسياسية. ولهم فيها مساجدهم ونواديهم وجمعياتهم وحسينياتهم.
كيفون
بلدة في جبل لبنان قرب بلدة سوق الغرب جميع سكانها شيعة نزحوا إليها من جبل عامل. كان معظم أراضيها لمشايخ آل تلحوق، وجاءها سكانها الحاليون وأخذوا يعملون في الأرض التي ملكوها بعد ذلك.
وقبل نحو مائة سنة لم يكن عدد منازلها يتجاوز الاثني عشر منزلاً. وفي أوائل عشر الخمسين بدأ التحرك العمراني يلف البلدة من وسطها وروابيها وجوانبها. وأول مجلس بلدي انتخب كان سنة 1954.
ترتفع البلدة 850 متراً عن سطح البحر وتبعد عن بيروت 22 كلم. تصلها ببيروت طريق عاليه ـ سوق الغرب، وطريق الشويفات ـ عيتات، وطريق القماطية ـ بسوس. وطريق بيصور ـ قبرشمول ـ عرمون ـ خلدة.
تحدها شرقاً سوق الغرب وغرباً شملان وشمالاً عيتات وجنوب عيناب وبيصور. من منتزهات البلدة رأس الجبل. ويقع ضمن منطقة كثيفة بأشجار الصنوبر. ومن آثار كيفون: قلعة الحصن، وهي فينيقية تحوي خزان مياه.
وتشرب البلدة من مياه نبع الباروك.
واصطاف السيد محسن الأمين في كيفون سنة 1369هـ فقال:
ليست بنا نعم الإله تكافى
«كيفون» قد صارت لنا مصطافا
بلد بها اعتل النسيم فصح باسـ
ـتنشاقه ذو علّة وتعافى
والحر في تموز أقلع ركبه
عنها وولى راحلاً وتجافى
شجر الصنوبر ماثل في أرضها
فوق الشوامخ يملأ الأكنافا
لا في مرابعها فتى متعجرف
ركب المتون وأوطن الأكتافا
زعم البرية كلهم خولا له
جهلاً فسخر جاهلين ضعافا
وأبو سعيد جار بيتينا غدا
يفري الحلوق ويبقر الأجوافا
يقري بها الأقوام طول نهاره
فكأنهم كانوا له أضيافا
ثاو (بسوق الغرب) ليس ببارح
منه ليملأ للطهاة صحافا
أكرم بربة بيته من جارة
لجميع ما ينتابنا تتلافى
ما أن تزال ببكرة وعشية
تسقي الزروع وتغرس الأليافا
ولها ابنتان سميرة وسهيلة
حكتا سهيلاً بل عليه أنافا
لأبي أمين خلة يعيا بها
وصف البليغ وتنفذ الأوصافا
ما زال يطربنا بصوت نشيده
والتين يتحفنا به إتحافا
كل الألى فيها كرام طبائع
فغدا إلى باقي الكرام مضافا
(بيصور) جارتنا (وعيناب) هما
قد أشرفا فوق الربى إشرافا
فيها بنو معروف كل هاجر
خلق البخيل وللندى قد صافى
(ومعيسنون) لا أغب ربوعها
فيض السحائب هاطلاً وكافا
شتى وخرف (جوهر) في أرضها
وكذاك ربع عندها واصطافا
أما أبو فوزي فإنك دائماً
تلقى الأنام ببابه عكافا
من أهل بيروت وعاملة وكيفـ
ـفون وحيفا والجليل ويافا
أن تحص عدتهم تجدها تبلغ العـ
ـشرات إن لم تبلغ الآلافا
دكانه جمعت من الحاجات أنوا
عاً ومن أنواعها أصنافا
قد أنجبته بنو خليفة لا ترى
في وصفه بين الأنام خلافا
فيها كما تهوى السليقة مسجد
أهل الصَّلاة إليه لا تتوافى
فيه يصلي خلفنا من ليس من
عدد الأصابع يبلغ الأنصافا
والأمن فيها ضارب أطنابه
ما في مرابع أرضها من خافا
بعدت عن المدن الكبار واشبهت
في وصفها القصبات والأريافا
لبست من النسمات برداً زاهيا
أمسى عليها ضافياً شفافا
صفت المسرة للمقيم بأرضها
زمن المصيف وضوعفت أضعافا
لا يستطيع المرء وصف جمالها
مهما أطال وإن يكن وصافا
والغانيات بها سوافر منتهى
حد السفور وإن ملئن عفافا
وقاال أيضاً في كيفون:
حيتك سارية السحاب الجون
يا ربع لذاتي على كيفون
فسقتك من ديم الحيا وكافة
من كل حافلة الضروع هتون
تلك الربوع الفيح لا سقط اللوى
عند الدخول ولا ربى يبرين
طابت وطاب لي المقام بأرضها الفـ
ـيحاء بين التين والزيتون
فيها الجبال الشامخات إلى العلى
حكت مناط نجومها بمتون
من كل طود مشمخر شاهق
رحب الجوانب شامخ العرنين
جاث على وجه البسيطة جاثم
متمكن كالليث وسط عرين
وعلى الخضم جبالها قد أشرفت
ورست بجانبه رسو سفين
وأخالني لما حللت بأرضها
وسط الجنان وبين حور عين
شجر الصنوبر مائل فيها على
متن الجبال بشكله الموضون
ورياضها الغناء عاد نسيمها
يهدي إليك المسك من دارين
فيها النسيم الطلق ما نفح الصبا
إذ هب من نجد له بقرين
فيها القصور تبوأت شرفاتها
مجرى النجوم على منيع حصون
والعين جارية بها ينبوعها
يجري بماء كاللجين معين
والكرم باسقة بها أغصانه
باد تدليها على العرجون
والحصن فوق الطود فيها قد غدا
أثراً وبدل عزه بالهون
(ومعيسنون) ما تمر بخاطري
إلاّ وذكراها تهيج شجوني
لكنني أصبحت فيها مفرداً
من كل من أحكيه أو يحكيني
ما لي إذا ما الهم أطبق مؤنس
إلاَّ يراع قد جرى بيميني
ونديم صدق لا أمل حديثه
يروي الذي قد كان قبل قرون
مهما دعوت أجابني ما حاد عن
أمري ولا هو مرة يعصيني
عاهدته أن لست أجفوه وعا
هدني مدى الأيام لا يجفوني
ذهبت لذاذات الشباب وقد وهت
مني القوى ودنت إليّ منوني
قصرت خطاي وكنت أمشي قبلها
رحب الخطا بالزهو والتمكين
وإذا تذكرت الشباب وعهده
أمسى مصون الدمع غير مصون
كينيا
تقع كينيا على جهة خط الاستواء وعلى الساحل الشرقي من القارة الإفريقية بين خطي العرض 4 درجات شمالاً و4 درجات جنوباً، ومن خط الطول 34 إلى خط الطول 41 شرقاً.
وتحد كينيا من الشمال أراضي أثيوبيا والسودان وإلى الجنوب تنجنيقيا وإلى الشرق البحري جمهورية الصومال والمحيط الهندي.
وتغطي كينيا مساحة 225,000 ميلاً مربعاً ـ منها 5171 ميلاً مربعاً من المياه بما فيها بحيرة (رودولف) (Rudulf) وجزء من بحيرة «فيكتوريا» (Victoria) و6,111 ميلاً مربعاً من الأحراش والغابات، وتتجمع في المرتفعات من كينيا كثافة السكان ـ كما تنتج المرتفعات والتي تختلف في علوها بين 5000 و9000 قدماً عن سطح البحر أكثر المحاصيل الاقتصادية في البلاد.
وطبقاً لإحصاء عام 1962م، كان عدد السكان 9,847,000 مليون نسمة، وتقدر الزيادة السنوية ثلاثة في المئة، وهناك ثلاث ديانات رئيسية وهي المسيحية، والإسلام، والهندوسية، ولا يزال عدد كبير من السكان الإفريقيين يتبعون الاعتقادات والعادات الوثنية.
وبين المسلمين الألوف من الشيعة ومعظمهم من أصل هندي. ومدن كينيا الرئيسية: نيروبي، ممباسيا، ناكورو، كيسومو.
اللاذقية
مرفأ الجمهورية العربية السورية على الساحل الشمالي من سورية، يحيط بها البحر المتوسط والتلال والبساتين، وتجري فيها الأنهار أهمها النهر الكبير، ومن وراء ذلك القُرى العامرة بأراضيها الزراعية وجبالها.
بنيت على أنقاض راميتا الفينيقية سنة 290 قبل الميلاد، بناها سلوكس نيكاتور حين صار ملكاً على سورية بعد وفاة متبوعه الإسكندر الكبير، وسمّاها باسم والدته (لاويسه). ثم حكمها الرومان فالعرب فالصليبيون فالمماليك، إلى أن حكمها الأتراك العثمانيون بعد استيلائهم على سورية سنة 1516م.
لاهور
مدينة في شمال شرقي باكستان على شاطئ نهر (راوي)، تبعد عن كراتشي 758 ميلاً على ارتفاع 700 قدم عن شاطئ البحر، كانت عاصمة الدولة الإسلامية قديماً في الهند. وكان من المفروض أن تكون عاصمة باكستان الحديثة لولا وقوعها قريباً من الحدود الهندية وهي الآن عاصمة البنجاب ومركز الحياة الثقافية والدينية في باكستان وتضم الكثير من الآثار المغولية. وقامت فيها صناعات حديثة هامة منها صناعات ثقيلة. ويزيد عدد سكانها عن 1,774,000 نسمة.
والتشيع في لاهور قديم العهد وفي أيام محمود الغزنوي لاقى الشيعة منه عنتاً وأذىً، ومحمود معروف بنزعته التعصبية المذهبية التي لم يتورع معها عن استحلال أي محرم يرضي هذه النزعة لذلك كان عهده عهد بلاء على الشيعة فحاربهم وحارب مؤسساتهم حرباً حققت له ما أراده ولكن إلى حين، إذ لم يكد ينقضي عهده وعهد خلفائه ويأتي عهد الملك محمد أكبر حتى جمع حوله نخبة من المستشارين الأكفياء فيهم من علماء الشيعة الشيخ فتح الله الشيرازي الذي أصبح مستشاره الشرعي الأول. وقد كان هذا على جانب كبير من العلم والفضل وسداد الرأي وفيهم كذلك من الشيعة الشيخ مبارك وولداه أبو الفيض وأبو الفضل. كما جعل قاضيه السيد نور الله التستري وكان مقره في لاهور فانتعش الشيعة وانتشر التشيع وسادت حرية العقيدة والقول.
ولكن انتكس الأمر بموت محمد أكبر فاستشهد القاضي نور الله وملا أحمد التتوي على التشيع. على أن التشيع كان قد تركز وثبتت قدمه، وكانت جماعات من الإيرانيين والعراقيين والكشميريين قد استقرت في
لاهور. وبتعاقب الحكومات وتبدلها كان الشيعة قد استطاعوا أن ينشئوا الحسينيات ويقيموا المآتم ويخرجوا بالمواكب وشاركهم بذلك غير الشيعة مشاركة فعالة، ويقول الأستاذ جغتاي (ماه نو، كراتشي ص 50) إن (استاذ تاج) كان من أوائل المؤسسين للمآتم الحسينية من غير الشيعة.
وفي عهد (رنجيب سنك) كان الأمر على أحسن أحواله إلى أن جاء حكم (شركة الهند الشرقية) وقدر في ما بعد للسيد رجب علي خان أرسطو جاه أن يكون سكرتيراً لحاكم لاهور، والسيد رجب هذا كان من العلماء المؤلفين في العقائد والتفسير فضلاً عن مكانته السياسية فحمى الشيعة وساعدهم وأنشأ حسينية في لاهور لا تزال قائمة حتى الآن.
حسن الأمين في حفلة بلاهور بمنزل السيد شمسي
وفي هذا العهد هبط لاهور أحد رجال القزلباش. هدايت علي خان وربما كان ذلك سنة 1839 وهو مؤسس السلسلة القزلباشية في لاهور. وصار ولده رضا علي خان نواباً ذا منزلة محترمة فقاد حركة التشيع قيادة حكيمة. ولهذه السلسلة أوقاف كثيرة يصرف ريعها على الشؤون الدينية حتى الآن.
وللشيعة اليوم في لاهور عدة جمعيات أشهرها (إدارة تحفظ حقوق الشيعة) و(كل باكستان شيعة كونفرس) وهناك جمعيات لمختلف الأغراض لإقامة المآتم وخدمة الحفلات الدينية مثل: (رضا كاران حسيني) و(حماية أهل البيت). ولإقامة الصلوات وتعزيز الشعائر (معين الصلاة) ولكفالة شؤون الأموات (معين الأموات) وغيرها وهناك مؤسسات أخرى منها لنشر العلوم وطبع الكتب (إمامية مشن) و(معارف إسلام) وغيرها، ومن المؤسسات الثقافية (جامعة المنتظر) و(جامعة إمامية) و(حسينية هائي سكول) و(قراءة كالج) و(تجويد كالج).
حسن الأمين خارجاً من الاستقبال الذي أقامته له جمعية أصدقاء العالم الإسلامي في لاهور سنة 1964
ويسكن الشيعة في لاهور أكثر ما يسكنون في موجي دروازه وبازار حكيمان كما يسكنون في أماكن أخرى متفرقة. ولهم فيها العديد من المساجد.
وأكبر هذه المساجد هو مسجد كرشن نكر ثم مسجد سمن آباد ومسجد الحائري ومسجد خاجكان أما مسجد كل برك فهو اليوم في طريق البناء وسيكون أفخمها.
ومن المؤسسات الشيعية (الرباط الحيدري) المؤسس سنة 1927م ليكون منزلاً مجانياً ينزله القاصدون إلى الحج أو الزيارة في طريقهم إلى العراق والحجاز. كما تقدم فيه احتفالات ذكر استشهاد الحسين عليه السلام. ومما يذكر في لاهور أن فيها مقبرة منسوبة إلى بنات أمير المؤمنين يسمونها (بيبي باك دامنة) ومعناها المخدرات الطاهرات الذيول.
لاهيجان
ـ 1 ـ
تقع مدينة لاهيجان في محافظة كيلان في إيران ويحدها من الشمال والشمال الشرقي بحر الخزر ومن جنوبها الغربي سلسلة جبال ألبرز وغابات ومزارع الشاي.
وتشهد هذه المدينة كل عام 26 يوماً من أشد أنواع البرد فتتجمد فيه كل المياه فضلاً عن بقية أيام الشتاء ودرجة حرارتها في الصيف تتراوح بين 8 درجات كحد أدنى و21 درجة كحد أقصى ويبلغ معدل الأمطار فيها 1327,3 ملم، أما اللغة، فتسود هذه المدينة لغتان: الكيلانية والديلمية ولمدينة لاهيجان أربع توابع هي: الحومة وأستانة وسياهكل وحسن كيادة.
وقد أشارت إحصائية عام 1966م إلى أن عدد سكان هذه المدينة وضواحيها بلغ (228312) شخصاً ويسكن مركز المدينة 18,7 بالمائة وضواحيها 81,3 أي أن عدد سكان المدينة لم يتجاوز في ذلك التاريخ (25725) شخصاً ويبلغ عددهم حالياً 30 ألف نسمة. وتشير الإحصائيات إلى أن ازدياد السكان خلال الأعوام 1956 ـ 1966م في قضاء أستانة بلغ نسبة أعلى من المناطق الأخرى حيث وصلت إلى 54,2 % بينما لم تتعد نسبة الزيادة في مركز المدينة لاهيجان أكثر من 29,2 % وكانت أخفض نسبة من كافة المناطق التابعة لها.
وأكثر أعمال سكان هذه المناطق زراعة الشاي والأرز وتربية دودة القز وصيد الأسماك ويعمل عدد منهم في مجالات مختلفة أخرى فيها، بل ينتقل إليها عدد من القرويين.
ويعتبر الشاي والأرز من أولى صادرات هذه المحافظة. ويتألف سكان كيلان من طائفتين هما: كيل والديلم وقد سكن الكيلانيون سهول لاهيجان ورشت وفومنات، وسكنت طائفة الديلم نواحي جبال الموت ورودبار.
وقد لعبت مدينة لاهيجان دوراً هاماً في القرن السابع الهجري في زيادة نفوذ الشيخ (صفي) وفي القرن التاسع في إعداد وتربية الشاه إسماعيل للحكم، وفي النصف الثاني من القرن السابع جاء الشيخ (صفي) وهو في الخامسة والعشرين من عمره إلى كيلان وتتلمذ سنوات على يد شيخ زاهدان الذي قام بتشكيل فرقة دينية حرة متصوفة وزوجه ابنته فاطمة وانتخبه ولياً ليحل محله ويكون مرشداً للناس بعده، وأرسله إلى أردبيل وكانت هذه مقدمة لتأسيس السلالة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي في القرن العاشر الهجري.
وفي أواخر القرن الثامن الهجري حيث استحوذ الخوف على طائفة (آق قويونلو) من النفوذ الصفوي فقررت قتل أبناء الشيخ صفي والتخلص منهم وتمكنت من تنفيذ أغراضها فقتلت الشقيق الأكبر للشاه إسماعيل وقام فريق من الرجال بحماية إسماعيل وأخيه إبراهيم ونقلهما سراً من أردبيل إلى رشت ثم لاهيجان حيث كان يومذاك يحكم هذه المدينة حاكم خاوري، ومات إبراهيم هناك فأحيلت رئاسة أنصار الشيخ صفي إلى إسماعيل رغم أنه كان ما يزال طفلاً، وأرسل سلطان طائفة (آق قويونلو) كاظم بيك تركمان وبرفقته ثلاثمائة مقاتل ليقضي على إسماعيل ويتخلص من تلك العائلة نهائياً ويُقال إنه قبل وصولهم إلى لاهيجان أمر حاكم هذه المدينة (كاركيا) أن يوضع إسماعيل في قفص ويعلق في إحدى أشجار الغابة ولما وصل إليه أتباع كاظم بيك تركمان أقسم لهم يميناً أن إسماعيل ليس على الأرض التي يحكمها وتمكن من أن يخلص إسماعيل ويمتنع بهذه الطريقة من تسليمه بينما كانت في نفس الوقت فئة القزلباش تقاتل طائفة (آق قويونلو) في آذربيجان مناصرة بذلك إسماعيل.
وفي العام 905هـ توجه إسماعيل إلى أردبيل مع عدد من أنصاره تاركاً لاهيجان وكان لم يبلغ بعد الثالثة عشرة من عمره وبعد حروب دامية دامت حتى عام 917 تمكن من احتلال آذربيجان وجعل مدينة تبريز عاصمة له ونصب نفسه ملكاً فيها.
بدأت زراعة الشاي في لاهيجان منذ عهد القاجاريين بعد أن استورد كاشف السلطنة إبان عهد مظفر الدين شاه الشتلات والبذور من الهند في عام 1275هـ (1896 ميلادي) وبذل جهداً كبيراً في نجاحها رغم المعارضة التي واجهها، ونمت هذه الزراعة في شمال البلاد تدريجياً حتى توسعت إلى الحد الذي نراه في يومنا هذا.
لاهيجان
ـ 2 ـ
لاهيجان واحدة من أجمل مدن إيران، وهي جزء من محافظة جيلان. يقع بحر الخزر إلى الشمال والشمال الشرقي منها. ومن جنوبها الغربي تحدّها جبال ألبرز والغابات وهي أعلى من مستوى سطح بحر الخزر بتسعة عشر متراً. إن أراضيها على العموم أعلى من بقية أراضي جيلان، ولهذا السبب فإن مناخها أكثر لطافة من مناخ تلك الأراضي.
وتهطل الثلوج عليها ستة وعشرين يوماً في السنة. وأقصى درجات الحرارة فيها ـ على مدار السنة ـ تصل إلى 21,1 درجة سانتيغراد، في ما يصل أدنى معدل إلى 8,2 درجة سانتيغراد. أما معدل متوسط سقوط الامطار فيصل الى 1327,3 مليمتر.
وتقع القُرى التابعة لمدينة لاهيجان على جادة الطريق الرئيس وبيوتها السكنية على مقربة من الأراضي الزراعية.
وتعتبر صناعة الحصران وسلال القصب، والخيام، واللباد، والخزف أهم المهارات اليدوية في لاهيجان، وتتركز نسبة 97,9 في المائة من هذه الصناعات في مناطق الريف والقُرى.
كما أن لصيد الأسماء أهمية في النشاطات التجارية للمدينة، بل ان عدداً من صيادي الأسماك يقدمون لهذا الغرض من قُرى آذربيجان (خلخال وأردبيل). كما يُربى فيها دود القز لإنتاج الحرير.
ولغة أهل لاهيجان مزيج من لهجة الكيل والديلم، لأنها تتكون من هاتين الطائفتين من الأقوام.
وتؤمن الأنهار حاجة الأراضي الزراعية في لاهيجان من المياه للسقي، وتنبع هذه الأنهار من عيون وينابيع الجبال الواقعة جنوبي لاهيجان، وتجري أنهار صغيرة وكبيرة مجتازة الغابات.
ينسب إنشاء هذه المدينة إلى لاهيج بن سام بن نوح، وكانت تُعرف في السابق بأسماء «دار الإمارة»، و«دار الأمان»، و«لاهيجان المبارك».
في عام 705 هجري فتحت لاهيجان على يد أولجايتو. وفي عام 806 هجري اقتحمها الأمير تيمور، ثم حكمها السيد أمير كيا من سادات كيائي، وذلك في القرن السابع الهجري، حتى القرن العاشر. وفي شوال عام ألف للهجرة دخلها الشاه عباس الصفوي، بعد أن هزم خان أحمد خان، وأنهى حكم السلالة الكيائية. واحتلها الروس عام 1139 هجري.
وقد دخل أهالي لاهيجان الإسلام قبل حوالي أكثر من عشرة قرون على يد الأمير العلوي ناصر الحق، وتشيّعوا على مذهب الاثني عشرية في عهد السلطان أحمد خان الذي كان والياً على جيلان الشرقية.
أهم المهارات اليدوية التي يبرع بها أهالي لاهيجان، هي: الأثاث الخشبي، وسلال القصب، والحصران، والمزهريات، والحقائب.
كما تشتهر لاهيجان بزراعة الشاي، حيث تغطي مزارع الشاي الخضراء مساحات واسعة من جبال ووديان المنطقة، وكذلك زراعة أنواع مختلفة من محصول الرز.
داريوش به آذين
لبنان
لبنان شريط ساحلي يقع في القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، معدل طوله 220 كيلومتراً ومعدل عرضه ستين كيلومتراً تقريباً تحده إلى الشمال والشرق والجنوب الشرقي الجمهورية العربية السورية، وإلى الجنوب فلسطين، وإلى الغرب البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ مساحته 10,400 كلم مربع ويزيد عدد سكانه على الثلاثة الملايين.
تنتصب في لبنان سلسلتان متوازيتان من الجبال يفصل بينهما سهل البقاع الغني وفيه يجري نهر العاصي والليطاني الأول باتجاه الأراضي السورية والثاني يجري في الأراضي اللبنانية.
هذان الحاجزان الجبليان المرتفعان (بعض القمم بارتفاع ثلاثة آلاف متر تقريباً) يضيفان على البلاد مناخاً معتدلاً جميلاً، حيث تتراوح درجات الحرارة في الشتاء من 13 إلى 15 درجة مئوية وفي الصيف من 20 إلى 27 درجة مئوية.
كان لبنان في العصور الغابرة مكسواً بالغابات الكثيفة لكن القطع الدائم الذي قام به الغزاة المتتابعون جعلت الجبال جرداء قاحلة ليس عليها سوى بعض الغابات من أشجار الصنوبر والملول والسنديان والأرز.
ويشترك المناخ المعتدل اللطيف مع الشمس، ليجعلا من لبنان حديقة كبيرة غنّاء تنبت فيها أشجار البرتقال والليمون والموز والزيتون والكرمة والتين والتفاح والإجاص والدراق والخوخ، وكذلك كافة أنواع الفاكهة والخضار المعروفة في الحقول الساحلية وعلى منحدرات الجبال وفي سهل البقاع الغني.
تتألف الشبكة المائية من ثلاثة أنهر تنبع في سهل البقاع أولها نهر العاصي الذي يتجه نحو الشمال عابراً أراضي الجمهورية العربية السورية ليصب في خليج إنطاكية وثانيها نهر الأردن الذي يجري نحو الجنوب عبر فلسطين لينتهي في البحر الميت وأخيراً نهر الليطاني، ليصب في البحر الأبيض المتوسط قرب صيدا. وهناك أيضاً عدد من السواقي الغنية بالمياه المستعملة للشرب أو للري أو لإنتاج الطاقة الكهربائية. والآن هناك عدد من المشاريع المائية والكهربائية قيد الدرس والتحقيق وخاصة على مجرى نهر الليطاني.
معدل هطول الأمطار السنوي مرتفع نسبياً إذ يصل بين 700 إلى 800 ملم في العام الواحد وهذا ما يجعل لبنان مخزن المياه، في الشرق الأوسط.
المدن الرئيسية
بيروت هي العاصمة وكانت تحمل اسم «بيريت» في عهد الرومانيين، والمدن الرئيسية الأخرى هي: طرابلس وصيدا وزحلة وصور وبعلبك وبعبدا.
ويشبه لبنان عادة بـ «سويسرا» الشرق الأوسط. فمناخه المعتدل المنعش في الصيف، وينابيعه الباردة المتدفقة، والثلوج التي تكلل قمم جباله بالبياض الناصع وزرقة البحر الأبيض المتوسط، والعدد الكبير من الفنادق الحديثة المتناثرة في كافة أنحاء البلاد، كل ذلك يحث السواح من كافة أرجاء العالم ويشجعهم على التمتع بما يقدمه لبنان لهم.
كما أن المناطق الأثرية، كبعلبك وجبيل وصيدا وصور وغيرها من المدن التاريخية، تقدم للسواح ما لا يجدونه أبداً في أي مكان آخر من العالم.
وتقوم الحياة السياسية في لبنان على أساس طائفي وتقسم الرئاسات والوزارات ومجلس النواب والوظائف على الطوائف المذهبية ومن الثابت أن الشيعة يشكّلون في لبنان أكبر طائفة عددياً، ومنذ سنة 1933م لم يجرِ أي إحصاء رسمي، ولكن تسجيل الوفيات والولادات يمكن من تحديد العدد. ونصيب الشيعة من الرئاسات بعد الاستقلال سنة 1943 هو رئاسة المجلس النيابي. في حين أن نصيب الموارنة رئاسة الجمهورية ونصيب السنة رئاسة الوزارة.
نبذة تاريخيّة
فتح السلطان سليم العثماني سورية سنة 1516 قاضياً على حكم المماليك وثبت في مقاطعة (إقطاعية) الشوف، الأمير فخر الدين المعني الأول.
وفي عهد السلطان سليمان ابن السلطان سليم (1520) انقسمت سورية إلى ثلاث ولايات: دمشق وطرابلس وحلب؛ عدا جبل لبنان الذي كان يضم بيروت وصيدا في كثير من الأزمان. ففي سنة 1590 أحسن الأمير فخر الدين الثاني المعني إدارة شؤون مقاطعته وجمع، بعد موافقة ولاة الأمر العثمانيين، بين جبل لبنان ومتصرفيتي بيروت وصيدا وحالف باقي أمراء لبنان وضم إليه إقطاعياتهم ثم وسع حدود لبنان من الجهات الثلاث وجعل عاصمته دير القمر صيفاً، وصيدا شتاءً، وبنى في بيروت أضخم القصور.
ولما توفي الأمير أحمد آخر الأمراء المعنيين في مركزه دير القمر سنة 1697 ولم يبق من سلالة المعنيين وريث من الذكور، انتقل الحكم في لبنان إلى الأمراء الشهابيين بفضل صلة المصاهرة بين الأسرتين.
وفي منتصف الجيل (القرن) الثامن عشر ضم الأمير ملحم الشهابي إلى إمارته بلاد البقاع التي كانت ملحقة بولاية الشام في عهد واليها أسعد بك العظم الذي كان من أعظم ولاة ذلك الجبل إحاطةً بمقتضيات إدارة البلاد من حزم وبطش في الطغاة وعطفاً على الأقليات والضعفاء ثم جعل الأمير الشهابي مدينة بيروت مرفأ لبنانياً وعاصمةً شتوية.
ولما احتل حاكم بلاد صفد وعكا، الشيخ ضاهر العمر، مرفأ صيدا سنة 1770 وتسلّط على نابلس ويافا وبرزت مطامعه في التوسع، استرضاه الأمير منصور الشهابي بالمال وصرفه عن مدينة بيروت.
وفي سنة 1775 عيّن أحمد باشا الجزار والياً على صيدا، فنقل مركزه إلى عكا وضمّ بيروت إلى ولايته التي دامت ثلاثين سنة. وفي سنة 1789 أقدم هذا الجزار على قتل الأمير يوسف الشهابي في عكا وأحل محله في حكم لبنان الامير بشير الثاني الشهابي الملقب بالكبير فكان أبرز الأمراء الشهابيين مستبداً في الشعب شديداً منتقماً من أعدائه متمايلاً في سياسته بين الأتراك والمصريين والفرنسيين والبريطانيين. ولما احتل إبراهيم باشا المصري عكا سنة 1830 بمساعدة الأمير بشير ظلت بيروت وصيدا وصور متصرفيات تابعة لحكم الأمير بشير وفي كل منها ممثل لإبراهيم باشا.
وبعد أن غادر إبراهيم باشا سورية سنة 1840 بفضل معاونة الدول الأوروبية للدولة العثمانية في سياستها آنئذ، اضطر حليفه الأمير بشير إلى التنازل عن الحكم واستسلم لمندوب الدولة في صيدا فخلفه الأمير بشير الشهابي الثالث ولم يطل العهد بهذا حتى حدث في الشوف اضطرابات دامية امتدت إلى ساحل بيروت. فأُقِيل بشير الثالث من منصبه وانتهى عهد الحكم الإقطاعي العائلي وعيّن عمر باشا النمسوي الأصل التركي التابعية حاكماً على جبل لبنان، ولكن حكمه لم يطل أكثر من ثلاثة أشهر بسبب احتجاج الزعماء من دروز ومسيحيين على تعيين غريب عن لبنان حاكماً عليه وتأييد الدول الأوروبية وفي طبيعتها فرنسا احتجاجهم مما حمل الدولة العثمانية على حلّ الخلاف بتقسيم جبل لبنان إلى معاملتين، شمالية يقوم على رأس إدارتها قائم مقام مسيحي وجنوبية يرئسها درزي على أن يكون والي صيدا مرجعاً لكليهما.
لم يسلم ذلك العهد من الفتن والدسائس بسائق اختلاف الزعماء والإقطاعيين وتدخل الوالي في كل شاردة وواردة وتنافس فرنسا وبريطانيا لإحراز النفوذ الأوفر. ثم عقب ذلك في فترات متقطعة اضطرابات دامية كان أشدها هولاً ما وقع سنة 1860 في دير القمر والشوف والمتن، ولم تسلم من مثلها دمشق فامتدت منها إلى البقاع وزحلة وغيرهما وهكذا تغلبت السياسة الغاشمة سياسة التفريق بين أبناء الوطن الواحد على الوطنية الصحيحة وما تقتضيه من تعايش سلمي في ظل استقلال إداري، إلى أن تدخلت الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا نصيرة جبل لبنان التاريخية التي أرسلت قطعاً من أسطولها الحربي إلى ساحل بيروت ولبنان واضطرت الدولة العثمانية إلى الاعتراف باستقلال جبل لبنان استقلالاً إدارياً بموجب نظام مؤقت وقّعه سنة 1861 المشير فؤاد باشا موفد السلطان عبد المجيد ومندوبو فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا ثم أقر نهائياً مع بعض التعديل سنة 1864 واشتركت إيطاليا في توقيعه.
اقتصر جبل لبنان بمقتضى نظامه الخاص، المشار إليه، على سبعة أقضية هي الكورة والبترون وكسروان والمتن والشوف وجزين وزحلة ومديريتين مرتبطتين مباشرةً بالحكم أسوةً بالأقضية وهما دير القمر والهرمل وكان كل من هذه الأقضية، عدا زحلة، يشمل عدة مديريات فكانت حدود جبل لبنان طرابلس شمالاً وصيدا جنوباً والبقاع وبعلبك شرقاً ومدينة بيروت والبحر الأبيض المتوسط غرباً.
صورة انتقاء الحاكم
يكون حاكم جبل لبنان مسيحياً عثمانياً برتبة وزير مرتبطاً مباشرةً بالصدر الأعظم ويعيّن بإرادة سنية بناءً على إنهاء الصدر الأعظم بعد موافقة الدول الأوروبية العظمى الست الموقّعة على نظام جبل لبنان، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. ولا يجوز عزل الحاكم أو نقله أو موآخذته لأمر من الأمور إلاًّ بإجماع رأي مجموعة الدول المشار إليها.
يستقل الحاكم في إدارة شؤون جبل لبنان وحفظ الأمن والنظام وجمع السلاح من الأهلين إذا قضت الضرورة بذلك وجباية الضرائب ونصب القضاة وسائر الموظفين وعزلهم وتنفيذ الأحكام إلاّ ما تعلق منها بعقوبة الإعدام فيتوقف على صور الإرادة السنية بشأنه بعد اقترانه بتصديق محكمة التمييز في العاصمة.
مجلس الإدارة
يساعد الحاكم في فرض الضرائب والإشراف على إنفاقها مجلس إدارة ينتخب أعضاءه شيوخ الصلح في القُرى والقصبات على أساس الأكثرية الطائفية في كل قضاء ثم أضيف إلى شيوخ الصلح مندوبون عن المكلفين من الشعب باعتبار مندوب عن كل مائة مكلف أما في زحلة فيختار كل خمسين مكلفاً مندوبهم. وكان للشيعة في هذا المجلس نائب واحد.
يجري تعيين رؤساء المصالح الإدارية وجميع الموظفين في المراكز والملحقات وعزلهم حين الاقتضاء من الحاكم على أن يكون قائم المقام في القضاء والمدير في الناحية على مذهب أكثرية سكانهما أما شيخ الصلح في القضية أو القرية فينتخبه المكلفون بأداء ضريبة من أهلها.
وعلى هذا الأساس كان قائم مقام الكورة أرثوذكسياً وقوام المقام في أقضية البترون وكسروان والمتن وجزين ومدير دير القمر من الموارنة وقائم المقام في الشوق درزياً وفي زحلة من الروم الكاثوليك ومدير الهرمل شيعياً([179]) وعلى هذه القاعدة يعيّن سائر المديرين في النواحي المرتبطة بمراكز الأقضية.
والجند في لبنان من أبنائه دون سواهم لم يتجاوز عدده الألف في وقت ما إلاّ بعد سنة 1912 إذ بلغ ألفاً ومئتين.
إن مهمة الجند اللبناني هي في الدرجة الأولى المحافظة على الأمن بالإضافة إلى مهام الضابطة الموكول أمرها في الولايات إلى دائرتي الدرك والشرطة.
يرئس الجند اللبناني ميرالاي (عميد، كولونيل) يعاونه أربعة برتبة بكباشي (مقدم، قومندان) واثنان برتبة قول أغاسي (رائد، ميجر) وضباط عديدون برتبة يوزباشي (قائد مئة، نقيب، أو رئيس، كابتن) فما دون. يتم تعيين رئيس الجند والمقدمين باقتراح حاكم لبنان وموافقة ناظر (وزير) الحربية وصدور الإرادة السنية. أما باقي الضباط والأفراد فيعينهم الحاكم صاحب السلطة العليا في لبنان.
وكان للدولة العثمانية مفرزة من الجيش لا يزيد عدد أفرادها عن الخمسين يرئسها ضابط برتبة يوزباشي (نقيب) موضوعة تحت مطلق أمر الحاكم دون أن يكون لها أية وظيفة خلاف ذلك.
كانت هذه المفرزة تقيم في ثكنتها العسكرية في بيت الدين المقر الصيفي لحكومة جبل لبنان وكانت تظهر في طليعة الجند اللبناني عند كل استعراض يجري في الأعياد الرسمية كعيد مولد السلطان وعيد جلوسه على العرش.
وكان القضاء العدلي في لبنان يتألف من محكمة بدائية في مركز كل قضاء ومديرية تابعة للحاكم مباشرةً ومحكمة استئنافية بدائرتيها الحقوقية والجزائية في مركز المتصرفية الرئيسي وكان يقوم في بادئ الأمر حاكم فرد على رأس المحكمة البدائية يعاونه نائب عنه وتتألف كل دائرة من الدوائر الاستئنافية من رئيس وستة أعضاء من مجموع الطوائف اللبنانية. ثم أخذ لبنان بمبدأ تشكيل المحاكم في الولايات العثمانية وتطبيقه قانون أصول المحاكمات بالإضافة إلى سائر القوانين وفي طليعتها الأحكام العدلية. وروعي في هذا التشكيل أن يكون رئيس محكمة البداية وممثلو النيابة العامة على مذهب الأكثرية في القضاء أما العضوان فعلى مذهب من يأتي في الدرجة التالية من الأقليات.
كانت الدعاوى التجارية تنظر فيها محاكم بيروت حتى تاريخ صدور بروتوكول سنة 1912 الذي خول محاكم لبنان النظر في هذه الدعاوى بدايةً واستئنافاً إذا كانت قائمة بين لبنانيين دون سواهم.
كان رئيس دائرة الحقوق الاستئنافية مارونياً ورئيس الدائرة الجزائية التي تفصل في الجنايات وما استؤنف إليها من الجنح درزياً مع المحافظة في كل منها على الأعضاء من الطوائف اللبنانية الست الأكثر عدداً من سواها وبينها الشيعة. لذلك لم يكن بين القضاة ولا بين موظفي الحكومة لاتيني المذهب ولا أرمني ولا بروتستنتي نظراً لضآلة عدد المنتمين إلى هذه المذاهب في جبل لبنان.
كان المدعي العام لدى محكمة الاستئناف مارونياً يعاونه نائب أرثوذكسي وعدد من الكتبة في مختلف الطوائف اللبنانية.
إن الأحكام الاستئنافية التي يطلب ذوو المصالح تمييزها ترفع إلى محكمة التمييز في العاصمة.
وكانت الضريبة (الأموال الأميرية حسب تعبير ذلك العهد) المفروضة على جبل لبنان في بدء استقلاله الإداري سبعة آلاف كيس أي خمسة وثلاثين ألف ليرة عثمانية ذهباً وهي مجموع ضريبتي الأعناق والأرزاق، تصرف على إدارة حكومته ورواتب موظفيها وفتح الطرق وإنشاء الجسور إلى غير ذلك من النفقات الضرورية فإن لم يكف المبلغ المذكور قامت الدولة العثمانية بسد العجز بما تدفعه من خزانتها ولذلك كانت تبعث إلى لبنان بموظف مالي كبير يحمل لقب محاسب (محاسب جي) يعاونه موظفون لبنانيون يعيّنهم حاكم لبنان كسائر موظفي حكومته.
ظلت الدولة العثانية تقوم بسد عجز موازنة حكومة جبل لبنان سنوياً حتى سنة 1879 فقد اقترح حاكم ذلك العهد رستم باشا، الاستغناء عن هذا المدد لإمكان تداركه بواسطة فرض ضرائب إضافية محلية معيّنة معبّر عنها بـ «المهملات» تصرف في سبيل كل إصلاح تستدعيه مقتضيات الإدارة والأمور النافعة تبعاً لتطور الزمن فنجح في اقتراحه.
وأعفي جبل لبنان من عدة ضرائب كانت سارية في العاصمة وجميع الولايات العثمانية ومن تلك الضرائب ما سمي بالرسوم الستة المفروضة على الطوابع المالية والملح والكحول وصيد السمك وصناعة الحرير وزراعة التبغ والتنباك وهي الرسوم المخصصة لوفاء الديون التي للدول الأوروبية على الدولة العثمانية فكان اللبنانيون يزرعون بملء الحرية التبغ ويصنعون منه السكاير للتدخين ويزاحمون بها بطريق التهريب دوائر الحصر التي شكلتها شركة مختلطة بموجب معاهدة بينها وبين الدولة العثمانية ثم تعهدت هذه الشركة لحكومة جبل لبنان بعطائها عشر ثمن مبيعاتها في الجبل وأن لا تعارض في زراعة التبغ اللبناني وصناعته داخل الجبل بمقابلة تعهد حكومته بالسهر على منع التهريب بينه وبين جواره ولا سيما مدينة بيروت.
وكان للبنانيين في جبلهم مصانع للحرير بفضل تربيتهم دودة الشرانق وغذاؤه أوراق أشجار التوت المغروسة في معظم أنحاء الجبل كما أكثروا من كروم العنب واستخرجوا منها أجود أنواع النبيذ والعرق والكحول وأكثروا من صيد الأسماء وأنشؤوا في ساحل البحر ممالك يستثمرونها مما خفف عنهم الضائقة المالية. وبالرغم من شدة المراقبة التي كان يقوم بها مراقبو الولاية على الحدود منعاً لتهريب المواد الممنوع نقلها وحيازتها ظل اللبنانيون مغبوطين من جيرانهم حتى ذهب مثلاً القول المأثور: «سعيد من له مرقد عنزة في جبل لبنان».
أما ارتباط متصرف جبل لبنان مباشرةً بالصدارة العظمى فناشئ عن استقلاله الإداري المضمون بتوقيع الدول الأوروبية العظمى فحكمه من هذا القبيل حكم الولايات الممتازة في السلطنة العثمانية.
وبديهي أن كلاً من والي بيروت ووالي سورية ومتصرف جبل لبنان يمثّل ضمن حدود ولايته، سلطان الدولة العثمانية رغم ارتفاع منزلة متصرف لبنان بإحرازه دوماً مرتبة الوزارة وارتباطه المباشر بالصدارة العظمى وبكونه لا يعزل ولا ينقل من منصبه إلاّ بإجماع الدول الموقعة على نظام جبل لبنان.
القضاء على استقلال جبل لبنان
بعد دخول إيطاليا الحرب في أيار عام 1915 إلى جانب دول الاتفاق، وجدت الدولة العثمانية نفسها طليقة من القيود التي فرضها عليها نظام جبل لبنان دون أن تلقى مقاومة في هذا السبيل من حليفتيها ألمانيا والنمسا، بل كان الألمان يؤيدونها في خطتها لانهم لم يظفروا في وقت من الأوقات باجتذاب عواطف اللبنانيين. وهكذا وبعد استقالة أوهانس باشا وانقضاء ثلاثة أشهر على فترة الانتقال، كما سبق ذكره، استصدرت الحكومة العثمانية في شهر أيلول الإرادة السلطانية بتعيين علي منيف بك مستشار وزارة الداخلية متصرفاً على لواء جبل لبنان مرتبطاً مباشرة بوزارة الداخلية، اسوة بسائر الألوية المستقلة عن الولاية. وبهذا التعيين الذي انفردت به الدولة، انتهى امتياز جبل لبنان بعد أن دام أربعاً وخمسين سنة.
بعد الحرب العالمية الأولى
في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1918 نزلت القوات الفرنسية في بيروت وعممت انتشارها على طول الساحل الممتد من صور حتى كيليكيا. وأطلق على هذه المنطقة اسم: المنطقة الغربية، كما أطلق على المنطقة المحتلة من الجيش العربي اسم: المنطقة الشرقية.
وصارت بيروت عاصمة المنطقة الغربية، ودمشق عاصمة المنطقة الشرقية. وكانت الإدارة في كلا المنطقتين تحت إشراف الجنرال اللنبي العسكري باعتباره القائد العام لجيوش الحلفاء. وعيّن حاكماً لجبل لبنان الكومندان الفرنسي (سيشه) ومنح صلاحيات المتصرف، وبقي حبيب السعد رئيساً لمجلس الإدارة فقط وأعفي من رئاسة الحكومة التي كان عيّنه فيها الحاكم العسكري العربي: شكري الأيوبي.
وعيّن حاكماً إدارياً للمنطقة الغربية (الساحلية) كلها الكولونيل الفرنسي نياجر، ومرجع الجميع: المفوض السامي جورج بيكو يعاونه معاونان أحدهما مدني هو روبر كولندر، وآخر عسكري هو الكابتن (دام).
وهكذا نرى أن اللبنانيين قد خسروا بزوال الحكم العربي وحلول الحكم الفرنسي محله ـ خسروا خسراناً أي خسران، فبينما جعل الحكم العربي حاكمهم منهم، إذا بالحكم الفرنسي يجعل حاكم لبنان فرنسياً.
هذا فضلاً عن أصحاب السلطات الأعلى من حاكم جبل لبنان التي صارت كلها فرنسية، في حين أن مرجع جبل لبنان لو تمّ الحكم العربي هو دمشق التي كان يحكمها فيمن يحكمها ويشارك في سلطاتها العليا، جمهرة من اللبنانيين المسيحيين.
ولأجل تثبيت الحكم الفرنسي في المنطقة الغربية لا سيما منها لبنان، ألّف الفرنسيون وفداً برئاسة فؤاد عمون ومن أعضائه إميل إده ليذهب إلى باريس ويُطالب بذلك أمام مؤتمر الصلح.
ومن المضحكات أن يقول الوفد إنه ذاهب للمطالبة باستقلال لبنان، في حين أنه ذاهب للمطالبة بالانتداب الفرنسي على لبنان، وكلمة الانتداب هي التمويه الذي موّه به المستعمرون كلمة: الاستعمار.
فيصل يعود
في الواحد والعشرون من نيسان/ أبريل 1919 غادر الأمير فيصل باريس عائداً إلى دمشق تاركاً أمر متابعة القضية العربية السورية إلى رستم حيدر وفق هذا المخطط الذي دوّنه الأمير:
1 ـ الاعتراف بإسقاط حكم المعاهدات القديمة.
2 ـ الاعتراف باستقلال سوريا التام.
3 ـ سحب القوات العسكرية الاحتلالية في الوقت الذي يعيّنه السوريون.
4 ـ احترام استقلال لبنان.
5 ـ الاستقلال بضمانة الدول.
6 ـ الخيار للحكومة السورية في إبقاء قسم من جند الاحتلال أو عدمه.
7 ـ مقابل هذا، بعد ضم المواد الثانوية عليه أثناء المذاكرات فالحكومة السورية ترجح أخذ المعونة من فرنسا (انتهى) والذي يهمنا نحن من هذا هو أن نقول: إن وفد داود عمون ثم وفد البطريرك الماروني لم يكن لهما أي داع، فالحكم العربي السوري لم يكن في نيته التعرض للبنان وضمه إلى سوريا، وقد رأينا كيف أن الحاكم العسكري شكري الأيوبي حين ذهب إلى بيروت لإعلان الحكم العربي فيها، اعتبر لبنان ذا وضع خاص فاختار له حاكماً من أهله مستقلاً فيه عن غيره.
وها نحن نرى هنا أن الأمير فيصل رائد الاستقلال العربي السوري ينص في مذكرته التي تركها لمن يمثّله ويمثّل سوريا في باريس على احترام استقلال لبنان.
لذلك نقول إن ذهاب الوفدين اللبنانيين إلى باريس كان أمراً لا داعي له، هذا إذا كان المقصود من ذهابهما الاحتفاظ باستقلال لبنان عن سوريا.
ولكن الحقيقة أن الفرنسيين الحاكمين في بيروت هم الذين أرسلوا هذين الوفدين لا لتثبيت استقلال لبنان عن سوريا، بل لتثبيت الاستعمار الفرنسي للبنان، في مقابل جهود الوفد العربي السوري في محاربة هذا الاستعمار في سوريا ولبنان معاً.
وبشارة الخوري نفسه في مذكراته التي سمّاها (حقائق لبنانية) يعترف بأن الفرنسيين هم الذين أرسلوا الوفد. فقد قال في الصفحة 94 من الجزء الأول:
«وكان أول عمل سياسي حركته تلك السلطة (الفرنسية) في مجلس إدارة الجبل تشكيل وفد يشخص إلى باريس للمطالبة باستقلال لبنان …»، إلى آخر ما قال:
ثم يقول في الصفحة 96:
«وبال الفرنسيين ظل مشغولاً قلقاً. لم يكونوا أمينين على نتائج مساعيهم المحلية فرجوا أن يذهب البطريرك إلياس الحويك إلى باريس على رأس وفد من الأحبار والكهنة للمطالبة باستقلال لبنان برعاية الدولة الفرنسية، أيضاً وأيضاً، فنزل البطريرك على رغبتهم وأبحر من جونية في أواخر صيف 1919 على مدرعة حربية …».
ثم يقول عن عودة البطريرك في الصفحة 99:
«فخففنا إلى الميناء ودخلت الباخرة ونزل منها غبطة الحويك وحاشيته بقارب رسمي، والمدافع تطلق والعساكر الفرنسيون يؤدون التحية، وواكب الخيالة السباهيون سيارة البطريرك …».
ولم يكتفِ الفرنسيون بهذين الوفدين بل عادوا فأرسلوا وفداً ثالثاً برئاسة المطران عبد الله الخوري، فيه: إميل إده والأمير توفيق أرسلان والشيخ يوسف الجميل فسافروا في أوائل آذار/ مارس سنة 1920.
وإذا كانت هذه الوفود قد نجحت فإنها نجحت في شيء واحد هو أن أصبح حاكم لبنان فرنسياً، كما يقول بشارة الخوري نفسه:
«أفادت (فرنسا) موظفيها ومستشاريها وشركاتها وصاحبة الامتياز منها إفادات مادية لا يستهان بها، وأفرطت في تعيين الفرنسيين في شتى الدوائر، ووضعت يدها على الجمارك وهو أعظم الموارد وحجبته عن الخزانة الوطنية فغلّت يدها عن العمران وتحسين حالة البلاد».
ثم يقول:
«أما التقصير الفادح الذي ارتكبته فهو استئثارها بالسلطة والإدارة».
هذا هو الاستقلال الذي طالبت به الوفود اللبنانية!
أما ما يعتبرونه نجاحاً، وهو تكبير لبنان بأن ضُم إليه ما ضم، فالحقيقة فيه هي أن هذه الفكرة كانت موضع ترحيب وتشجيع الاستقلاليين السوريين. بل أن مندوب العرب في مؤتمر الصلح رستم حيدر يسجل في مذكراته، وهو يتحدث عن وصول البطريرك الماروني إلى باريس قائلاً عن يوم السبت 21/6/1919. يظهر أن بطريرك الموارنة سيحضر إلى باريس لأجل المطالبة بلبنان الكبير مع معاونة فرنسا … ثم يقول:
«أرى أنه من الواجب توسيع لبنان بقدر الإمكان والاتفاق إذا أمكن ضمن هذه الشروط مع البطريرك في طلب الاستقلال التام بدون قيد ولا شرط. لبنان المتوسط لا الكبير مفيد إذا كان مستقلاً تمام الاستقلال وإضمام بيروت وصيدا وصور مع جبل عامل له يقوي حزب الإسلام والدروز وبقية العناصر المسيحية غير الموارنة ويربط الجبل بصفته العربية لأنه على هذه الحالة يخشى من أن يعتنق الفرنسوية ويلوذ بها حفظاً لكيانه فنضيع بذلك قسماً من البلاد يكون دوماً خطراً عليها في المستقبل. أما إذا استقل لبنان وفازت فيه السياسة العربية فيكون ملجأ للأحرار ومركزاً تنشر منه الأفكار الحرة والاستقلالية. وأما لبنان فيستفيد استفادة عظمى لأن كل البلاد العربية تصبح مستعمرة له إذا قام بما قام به من النشاط حتى الآن».
هذا كلام قاله استقلالي عربي مسؤول يمثّل العرب في مؤتمر الصلح. قاله سنة 1919. والذي يقبل بلبنان متوسط يقبل ـ بعد الأخذ والرد ـ بلبنان كبير.
الحال في لبنان
في الوقت الذي كان يجري في باريس ما يجري من صراع سوري استقلالي واستعمار فرنسي كان مجلس إدارة لبنان يصدر القرار التالي:
لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القديم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوة واغتصاباً من الدولة التركية.
ولما كانت الدولة الغاصبة قد تقلص ظلها واضمحلت سيطرتها على هذه البلاد، ولما كان لبنان لا يتسع له العيش والرقي ما لم تعد إليه القطع المفصولة عنه.
ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة وإعادة الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعد قسماً منه ومعظم سكانها هم من اللبنانيين، فبناءً على ذلك كله وعلى طلبات وإلحاح اللبنانيين المتواصلة والمعلنة في عموم أنحاء الجبل قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار التالي:
أولاً: المناداة باستقلال لبنان الإداري والسياسي بحدوده الجغرافية والتاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً: جعل حكومة لبنان هذه ديموقراطية مؤسسة على الحرية والمساواة والإخاء مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً: أن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنسوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة.
رابعاً: مباشرة درس وتنظيم للقانون الأساسي بطريقة الأصولية.
خامساً: تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
سادساً: إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية وفي غيرها من الجرائد الوطنية تطميناً لأفكار اللبنانيين وبياناً للمحافظة على حقوقهم. 20 أيار/ مايو 1919.
مناقشة القرار
هذا هو القرار الذي أوحى به المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو إلى مجلس الإدارة اللبناني. ونحن هنا بعد أن أقررنا بما يعبرون عنه بالكيان اللبناني ـ أقررناه بعد طول إنكار، إنكار كان منا له لأنه كان تركيباً فرنسياً يُراد به سلخه عن أصوله العربية ونوازعنا الاستقلالية وأهدافنا القومية. وإقرار بعد أن اندمج بالجامعة العربية وهفا لنوازع الاستقلال والقومية …
إننا ونحن الآن لبنانيون أصلاء نريد أن نناقش هذا القرار نقاشاً لبنانياً بحتاً، ونسأل اللبنانيين الذين تعاقبوا على السياسة طيلة أيام الانتداب الفرنسي مرتكزين إلى مضمون هذا القرار ـ نسألهم ونسأل سفاح الاستقلالين السوري واللبناني الجنرال غورو، نسأله هو أولاً: هل ما عامل به لبنان واللبنانيين كان ينطبق على ما تضمنه هذا القرار؟
هل تعيين حاكم فرنسي يحكم لبنان هو الاستقلال؟
هل توزيع حكام فرنسيين على جميع الوحدات الإدارية في جميع المناطق اللبنانية باسم مستشارين بينما هم الحاكمون الحقيقيون هو الاستقلال؟
هل وضع مستشار فرنسي على رأس كل مديرية عامة هو الآمر الناهي، هو الاستقلال؟
وما شأن المباشرة بدرس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور)؟! أين صارت؟ وأين هو القانون الأساسي؟ وأين هي الديموقراطية؟
إن الوحيدين الذين صدقوا مع أنفسهم ومع وطنهم هم أعضاء مجلس الإدارة الذين تبيّن لهم بعد ذلك أنهم خدعوا، فتمردوا على الجنرال غورو وعلى الاستقلال المزيف وعلى الانتداب، فكان جزاؤهم السجن والنفي، كما سيأتي.
أما الوفود التي ذهبت إلى باريس تطالب بما أسمته الاستقلال، وأما الذين توالوا على التعاون في الحكم مع الفرنسيين مباهين بما صار إليه لبنان من استقلال. وأما الجنرال غورو الذي أوحى بقرار مجلس الإدارة وأوحى بإرسال الوفود إلى باريس للمطالبة بالاستقلال. أما هؤلاء جميعاً فقد كان للاستقلال عندهم معنى غير المعنى الذي اصطلحت عليه أمم العالم كلها، كان معنى طلب الاستقلال عندهم، هو طلب الانفصال عن سوريا مقروناً بطلب الاستعمار الفرنسي!
ولم يكن قرار مجلس الإدارة هو كل ما أوحى به الجنرال غورو، بل أوحى بتوقيع عرائض من أكبر عدد ممكن من الناس ترفع نسخة إليه ونسخة إلى مؤتمر الصلح. وكانت العرائض بهذا النص:
… نحن الموقعين أدناه أهالي …. في قضاء …. اللبناني أنه بناءً على ما قررناه سابقاً في عرائضنا المؤيدة لمطالب اللبنانيين التي قررها مجلس إدارة لبنان وعرضت بواسطة الوفد المعلوم لدى مؤتمر الصلح العالي فقد وكلنا … لكي يطالبوا عنا أمام المؤتمر المشار إليه وأمام جمعية الأمم واللجنة الدولية الموفدة إلى هذه البلاد لاستقصاء الحقائق وأمام سائر المراجع الرسمية صاحبة الاختصاص على اختلاف مراتبها ودرجاتها باستقلال جبل لبنان الإداري والسياسي معاً استقلالاً تاماً بحدوده التاريخية والجغرافية وإعادة القطع المغصوبة منه إلى إدارته المستقلة مشترطين في طلب عقد الوكالة هذه دوام التشبث باستقلال لبنان التام شأن كل البلدان المستقلة إدارة وسياسة وقد فوضنا الوكلاء المومى إليهم حق المطالبة بذلك باسمنا مباشرة وخولناهم حق التوكيل وإجراء جميع المخابرات على اختلاف أنواعها مع كافة المراجع صاحبة الاختصاص وإننا نعتبر كل ما يقرره وكلاؤنا المذكورون أو من يقوم مقامهم وكالة بشأن مطالبنا الآنف بيانها نافذاً علينا وفي الوقت نفسه فإننا نكذب تكذيباً باتاً كل من انتحل وينتحل الوكالة عنا أو يستعير اسمنا لطلب اندماج جبل لبنان بمقاطعة سوريا سياسياً وغير ذلك من الطلبات التي تخالف مطاليبنا الحقيقية المبينة في توكيلنا المحرر أعلاه ولأجله حرر هذا البيان نسختين. (انتهى).
ولقد كان للجنرال غورو من تحريك الوفود إلى باريس ومن قرار مجلس الإدارة ومن توقيع هذه العرائض ـ كان له هدفان: الهدف الأول هو بالفعل تكبير لبنان، والهدف الثاني هو اقتطاع أكبر ما يمكن اقتطاعه من سوريا وضمه إلى لبنان، لا تحقيقاً لرغبة لبنانية في ذلك، بل لأن سوريا كانت تطالب باستقلال حقيقي، وأنه كان مقرراً أن يكون لها وضع استقلالي خاص وهو ما كان يجري التفاوض عليه بين فيصل وكليمانصو. فأراد الجنرال غورو أن يأخذ ما يستطيع أخذه من الجسم السوري الموعود بالاستقلال ويلحقه بلبنان الذي سيظل محكوماً حكماً استعمارياً فرنسياً مباشراً.
تقسيم البلاد
إن ما يمكن أن نسميه سوريا الطبيعية التي تحد من الشمال بجبال طوروس ومن الجنوب بصحراء سيناء وقناة السويس ومن الشرق بالحجاز والعراق ومن الغرب بالبحر المتوسط، كانت عندما جلا عنها الأتراك بانتهاء الحرب مقسمة إلى ثلاث ولايات: ولاية حلب وولاية دمشق ولاية بيروت، وإلى متصرفيتين ملحقتين بوزارة الداخلية مباشرة هما: متصرفية القدس التي تشمل معظم فلسطين، ومتصرفية دير الزور المتصلة حدودها بحدود العراق، وإلى متصرفية ممتازة مرتبطة مباشرة بمقام الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) هي متصرفية جبل لبنان ذات النظام الخاص المستقل.
وبعد الانسحاب التركي الكامل أصدر الجنرال اللنبي القائد العام للقوات الثلاث: الإنكليزية والعربية والفرنسية أمراً بتقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق:
المنطقة الشرقية: تشمل ولايتي دمشق وحلب ومتصرفيات حماه وحوران والكرك بما فيه المنطقة التي سميت بعد ذلك (شرق الأردن) وتعرف اليوم بالأردن. وتحولت حمص التي كانت مركز قضاء تابع لمتصرفية حماه إلى متصرفية. كما تحول جبل العرب الذي كان يسمى جبل الدروز والمؤلف من عدة أقضية تابعة لمتصرفية حوران، إلى متصرفية قاعدتها بلدة السويداء.
أما ولاية حلب فقد جلا الأتراك عن قسمها الجنوبي، وهو القسم العربي منها الممتد من حدود متصرفية دير الزور شرقاً حتى ساحل إسكندرون غرباً. أما القسم الشمالي منها ذو الأكثرية التركية مع مجموعات كردية وأرمنية وأقلية عربية فبقي ضمن تركيا.
وهكذا فإن المنطقة الشرقية تألفت من ولاية دمشق (التي كانت تعرف باسم ولاية سوريا) كلها ومن القسم الجنوبي من ولاية حلب، ومن متصرفية دير الزور.
المنطقة الغربية: اشتملت على متصرفية جبل لبنان والقسم الغربي الساحلي الممتد من رأس الناقورة جنوبي مدينة صور حتى ما بعد مرفأ إسكندرونة شمالاً، بما في ذلك مدينة بيروت قاعدة الولاية، ومتصرفيتي طرابلس واللاذقية، وأقضية جسر الشغور وإنطاكية وإسكندرونة وكل ما أطلق عليه بعد ذلك اسم لواء إسكندرونة وقد كان سابقاً من توابع ولاية حلب، وقضاء العمرانية (مصياف) الذي كان تابعاً لمتصرفية حماه.
منطقة فلسطين: وقد شملت متصرفية القدس ومتصرفية عكا ومتصرفية نابلس وأقضيتهما، وكانت هاتان المتصرفيتان تابعتين لولاية بيروت.
وقد عيّن الجنرال اللنبي الذي كان مقره في القاهرة ومعه مستشاره الفرنسي جورج بيكو ـ عيّن رضا الركابي حاكماً عسكرياً على المنطقة الشرقية، ثم عيّن بعد ذلك الكولونيل الفرنسي (دوبياباب) حاكماً على المنطقة الغربية التي كانت قاعدتها بيروت، وفصل عن ولايتها السابقة متصرفية عكا ومتصرفية نابلس وألحقهما بمنطقة فلسطين التي هي تحت الإدارة البريطانية منذ احتلالها.
وقد كان هذا تطبيقاً عملياً لمعاهدة سايكس ـ بيكو. وبعد دخول فيصل إلى دمشق وإقراره حاكمية رضا الركابي تصرفت الحكومة العربية على أساس رفض هذه المعاهدة بأن شكلت حكومة من رجال ينتمون إلى عدة أقطار عربية، فكان عادل إرسلان (لبنان) معاوناً للحاكم العسكري ونوري السعيد (العراق) مستشاراً سياسياً، وجعفر العسكري (العراق) مستشاراً عسكرياً، وياسين الهاشمي (العراق) رئيساً لميرة الجيش، ورشيد طليع (لبنان) مديراً للداخلية، وسليم موصلي (دمشق) مديراً للشؤون الصحية، وسعيد شقير (لبنان) مديراً للمالية، وإسكندر عمون (لبنان) مديراً للعدلية، وساطع الحصري (حلب) مديراً للمعارف.
وبنفس المنهج تألف ديوان الأمير فيصل، ومحكمة التمييز، ومحكمة الاستئناف، وجميع الوظائف الكبرى، وبعد أن احتل الجيش الفرنسي المنطقة الغربية بكاملها، عمد الفرنسيون إلى تقسيمها إلى ثلاث حكومات:
1 ـ لبنان الكبير وقاعدته بيروت، وسمي كبيراً تمييزاً له عن متصرفية جبل لبنان القديم، إذ ضم إليه مدينة بيروت وأقضيتها الثلاثة صيدا وصور ومرجعيون، وهي المنطقة المسماة جبل عامل، كما ضمّ إليه مدينة طرابلس والنواحي التابعة لها وهي: المينا والمنية والقلمون والضنية وقضاء عكار، بعد أن فصلت عنه الأقضية الأخرى وألحقت باللاذقية.
ثم فصل عن دمشق ما عرف باسم الأقضية الأربعة وهي: البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا وألحقت بلبنان الكبير.
2 ـ بلاد العلويين وقاعدتها اللاذقية، وتألفت من أقضية اللاذقية الثلاثة: جبلة، والمرقب، وصهيون وما يتبعها من نواح وقُرى. وما فصل عن متصرفية طرابلس وهو: الحصن (تل كلخ)، وصافيتا، وطرطوس، وجزيرة أرواد، وما فصل عن متصرفية حماه وهو: قضاء مصياف الذي كان اسمه في العهد التركي: (العمرانية)، وما فصل عن ولاية حلب وهو قضاء جسر الشغور.
3 ـ إسكندرونة وهي التي كانت قاعدة قضاء تابع لولاية حلب مع عدة أقضية أخرى فصلت عن حلب وألّف منها ما عرف باسم لواء إسكندرونة، وجعل مرتبطاً رأساً بالمفوض السامي الفرنسي.
وبعد سقوط الحكم الاستقلالي السوري قسّم الجنرال غورو البلاد على هذا الشكل:
- دولة حلب:
بقرار أعلنه الجنرال غورو في 8 أيلول/ سبتمبر سنة 1920 وجعل منها دولة مستقلة بهذا الاسم رغم ضآلة حدودها وقلّة موازنتها.
- دولة العلويين:
التي أصدر المفوض السامي قراراً بتأليفها في 23 أيلول/ سبتمبر سنة 1920 من لواء اللاذقية القديم بما فيه أقضية صهيون وجبلة وبانياس وقضاء حصن الأكراد وصافيتا من لواء طرابلس الشام القديم وناحية طرطوس وقضاء مصياف من أعمال حماه.
- دولة دمشق:
التي أصدر المفوض نفسه في 3 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1920 قراره بجعلها دولة مستقلة وبإبدال الوزارات بمديريات عامة وجعل حاكم لهذه الدولة بدلاً من رئيس وزراء ففقدت ما تمتاز به هذه المدينة من المميزات الطبيعية وأصبحت كغيرها من العواصم التي أحدثت والتي هي أقل شأناً منها بكثير.
- دولة جبل الدروز:
التي أعلنت السلطة الفرنسية بتاريخ 20 نيسان/ أبريل سنة 1921 بلسان الجنرال غورو إنشاء الحكومة الجديدة فيه.
- دولة لبنان الكبير:
في أول أيلول سنة 1920 أعلن دولة لبنان الكبير بعد أن ضم إليه بيروت وصيدا وصور ومرجعيون (جبل عامل). وضم معها طرابلس والأقضية الأربعة التي فصلها عن سوريا وألحقها بلبنان وهي: حاصبيا وراشيا وبعلبك ومعلقة زحلة كما فصل معها قسماً من قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد. وسمى ذلك: لبنان الكبير وعيّن له حاكماً فرنسياً([180]).
وبيروت وصيدا وصور ومرجعيون التي ألحقت بلبنان كانت جزءاً من ولاية بيروت التي كانت تضم فيما تضم القسم الشمالي من فلسطين، محتوية على نابلس وجنين وطبريا وصفد وعكا وحيفا. كما كانت منها مدينة اللاذقية السورية وأصدر في اليوم نفسه القرار رقم 336 الذي أعطى حاكم لبنان الفرنسي السلطة التنفيذية وجعله مسؤولاً عن السلامة العامة أمام المفوض السامي الفرنسي. وكانت صلاحياته تشمل وضع مشروع الموازنة ومشاريع الضرائب والقرارات وتعيين موظفي الدولة شرط عرض هذه الأمور على المفوض السامي الفرنسي للموافقة عليها.
هذا هو الاستقلال الذي ذهبت الوفود اللبنانية إلى باريس للمطالبة به، هذا هو الاستقلال الذي طالب به البطريرك الحويك وإميل إده وداود عمون وأشباههم.
الشام سبع دول
وهكذا أصبحت بلاد الشام سبع دول.
الإسكندرونة
وظل لواء الإسكندرونة حتى صيف 1924 جزءاً من دولة حلب فأصدر المفوض السامي قراراً قال فيه:
«يتمتع لواء إسكندرونة مع بقائه تابعاً للدولة السورية بنظام إداري ومالي خاص وتعتبر اللغة التركية لغة رسمية كالعربية والفرنسية ويعين متصرف لواء إسكندرونة من قبل رئيس الدولة السورية بناءً على اقتراح مندوب المفوض ويكون له كل السلطة المخولة لمتصرفي الألوية وله علاوة على ذلك النظر في شؤون المعارف والأشغال العامة».
على أن الانتخابات التي جرت على قاعدة اللواء في عهد المفوض السامي المسيو دي جوفنيل جعلت هذا اللواء منفصلاً بصورة إدارية عن سوريا ومربوطاً بالمفوضية العليا رأساً مع توسيع سلطة مندوب المفوض السامي فيه. إنهم ما عتموا أن رجعوا عن ذلك بتاريخ 12 حزيران/ يونيو سنة 1926 فقرروا إلغاء استقلاله وأدخلوه على قاعدة اللامركزية للبلاد السورية على أن يكون التعيين راجعاً إلى المركز المختص على شريطة التفاهم مع المفوض السامي.
ويتألف هذا اللواء من مدن إسكندرونة وإنطاكية وبيلان وقرقخان وهو متاخم لتركيا.
ولم يلبث الفرنسيون أن سلموه إلى تركيا بعد معاهدة سنة 1937.
تمرد مجلس الإدارة على الفرنسيين
كما كان الفرنسيون محركين لذهاب الوفود إلى باريس لتثبيت حكمهم، كذلك حركوا من حرّكوا للاحتجاج على قرار المؤتمر السوري بإعلان الاستقلال التام وملكية فيصل، فاحتج البطريرك الماروني منكراً أن يكون اللبنانيون المشتركون في المؤتمر يمثلون الشعب اللبناني.
كما احتج مجلس الإدارة على ما ورد في قرار المؤتمر فيما يتعلق بلبنان. إلاَّ أنه لم تمضِ ثلاثة أشهر حتى اجتمع مجلس الإدارة نفسه واتخذ القرار التالي:
إن مجلس إدارة جبل لبنان المؤلف نظاماً من 13 نائباً وفي الوقت الحاضر في 12 نائباً عاملاً بسبب خلو مركز أحد نائبي كسروان المستقيل قد وضع نهار السبت الموافق 10 تموز سنة 1920 بأكثريته الكبرى القرار الآتي:
إنه لما كان اللبنانيون منذ أعلنت الدول العظمى حق إنشاء الحكومة الوطنية لشعوب هذه البلاد قد طالبوا وما زالوا يطالبون تأييد حقوقهم بتأسيس حكومة وطنية مستقلة.
ولما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً ومعروفاً منذ أجيال طويلة وموقعه وطبيعة أهله المؤالفة للحرية والاستقلال منذ القدم مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً لوقايته من المطامع والطوارئ. وكان مع ذلك من أهم مصالحه وراحته شعور الوفاق وصفاء العلاقات مع مجاوريه، وقد دلّ على ذلك ما أحدثه التقاطع من ثوران الجهلاء لارتكاب الحوادث المؤلمة المقلقة المتسلسلة من السنة الماضية إلى هذه الآونة.
فبناء على ما تقدم قد بذل هذا المجلس مزيد الاهتمام توصلاً لوفاق يضمن حقوق البلدين المتجاورين سورية ولبنان ومصالحهما ودوام حسن العلاقات بينهما في المستقبل. وبعد البحث في هذا الشأن وجد أنه من الممكن الوصول إلى ذلك بمقتضى البنود الآتية:
1 ـ استقلال لبنان التام المطلق.
2 ـ حياده السياسي بحيث لا يحارب ولا يُحارَب ويكون بمعزل عن كل تدخل حربي.
3 ـ إعادة المسلوخ منه سابقاً بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا.
4 ـ المسائل الاقتصادية يجري درسها وتقرر بواسطة لجنة مؤلفة من الطرفين وتنفذ قراراتها بعد موافقة مجلسي لبنان وسوريا.
5 ـ يتعاون الفريقان في السعي لدى الدول للتصديق على هذه البنود الأربعة وضمانة أحكامها.
ولأجل التمكن من العمل بحرية وبمعزل عن ضغط وتأثير خارجي ولأجل السعي الناجح لدى المراجع الإيجابية لتقرير البنود الأربعة المتقدم بيانها والتي هي مطالب الأمة اللبنانية، ومصلحة لبنان الحقيقية المنزهة عن المآرب والأغراض الخصوصية، وبالنظر لنيابة هذا المجلس عن الشعب اللبناني القانونية والمؤيدة مؤخراً أيضاً بأكثرية أصوات الشعب الكبرى، قد قررت أكثرية المجلس موقعة هذه المضبطة الانتقال والتوجه بالذات لملاحقة ومتابعة تقرير مضمون البنود الآنف بيانها، في أعمال القضية والمراجع الإيجابية وإبلاغ هذا القرار بكامله إلى المقامات الرسمية والسعي بالطرق الممكنة.
سعد الله الحويك (نائب الرئيس)، خليل عقل، سليمان كنعان، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، محمد الحاج محسن، إلياس الشويري.
وتخلف العضو الثامن وهو إلياس البريدي مع أنه متضامن مع الأعضاء الموقعين بسبب مرضه، وأرسل نسيبه ميشيل قاصوف فاشترك في اجتماعهم ووعد باللحاق بهم.
وكان قد سبق هذا القرار اتصالات مع دمشق قام بها (الأمير ألاي) سعيد البستاني، وكان يتردد على دمشق بغية إيجاد نوع من التفاهم بين لبنان وسوريا بحسنات الاتحاد الوطني بين البلدين الشقيقين ومهد للمعتمد العربي في بيروت أن يجتمع بأعضاء مجلس الإدارة وقد اتفقوا مع الحكومة العربية في دمشق بواسطة معتمدها في بيروت على استقلال لبنان التام وتوسيع حدوده وقرروا أن يرفعوا عريضة إلى عصبة الأمم وأن يوقعوها بهذا المعنى وأن يسافروا بأنفسهم إلى دمشق فحيفا فباريس لملاحقة قضية الاستقلال اللبناني التام بالاتفاق مع سوريا.
ولم يفاتح أعضاء مجلس إدارة لبنان زميليهما داود عمون وحبيب السعد بهذه القرارات اعتقاداً منهم أن هذين العضوين هما لفرنسا قلباً وقالباً.
وكان لا بد للمسافرين من نفقات لم يكن يمكنهم تحملها فتطوع لدفع هذه النفغقات عارف النعماني أحد كبار رجال الأعمال البيروتيين.
يقول عارف النعماني في مذكراته:
وبرزت مشكلة المال فاقترح بعضهم جمع المبلغ من بعض الإخوان فأجبته: بل أنا أدفع كل شيء، وقد دفعت عشرة آلاف وخمس مائة ليرة ذهبية وزعت على الأعضاء بنسبة 900 ليرة لكل عضو.
وهنا قال أحد الإخوان إن المبلغ ضخم ويجب أن يحرر لك صك به، وبذلك نضمن سفرهم جميعاً بحيث إذا هم عدلوا عن السفر أعادوا المبلغ.
وهنا قال لي سليمان كنعان تعقيباً على هذا الاقتراح إنه موافق عليه ومستعد أن يوقع السند وحده، وقال إذا شئتم فإن صديقي الأمير أمين إرسلان يكفلني.
ووضع السند ووقعه سليمان كنعان بكفالة الأمير أمين لمدة خمسة عشر يوماً.
وفي العاشر من تموز/ يوليو كان أعضاء مجلس الإدارة يتجهون إلى دمشق فرادى، وكان كلما وصل واحد منهم إلى المديرج يقبض عليه حتى قبض عليهم جميعاً.
أما كيف انكشف أمرهم فذلك أنهم كانوا يجتمعون في منزل نجيب الأصفر واثقين به في حين أنه كان جاسوساً عليهم، فكان يرفع إلى الجنرال غورو نفسه أخبارهم خبراً وراء خبر.
فأشاع الفرنسيون جواً إرهابياً محاولين كتم الأنفاس وضعضعة النفوس، وفي هذا الجو الإرهابي الرهيب أحيلوا جميعاً إلى مجلس حربي فرنسي رأسه الكولونيل (ديفو كريسون) وبُدئ بمحاكمتهم محاكمة أريد بها قبل كل شيء إهانتهم وتحقيرهم فتولى ذلك بكل إتقان رئيس المحكمة والنائب العام العسكري فوجها إليهم كل ما يستيطعان توجيهه من العبارات المهينة المهددة المتوعدة.
ولما تقدم شهود الدفاع لأداء شهاداتهم كان الرئيس يعنفهم ويروعهم، وعكس الأمر مع شهود الحق العام فراح يثني عليهم ويتملقهم ويهنئهم على حبهم لفرنسا.
وعندما تقدّم محامو الدفاع باعتراضهم على صلاحية المجلس العسكري وعلى خرقه البروتوكول الذي هو بمثابة الدستور اللبناني ومبادئ الحقوق الدولية، كان الكولونيل ديفو كريسون لا يأبه لذلك ويرد الاعتراضات غير مبال بما فيها من صواب ومنطق.
وبعد محاكمة استمرت يومين كاملين حكم عليهم بالنفي وبتغريمهم غرامات مالية باهظة وبإسقاطهم من الحقوق المدينة.
وظلوا يعاملون بتعذيب وتحقير، ثم أرسلوا إلى جزيرة كورسيكا.
وبلغت أصداء ما جرى إلى المهاجر اللبنانية، فقامت جمعيات المهاجرين تحتج على ذلك. وتولت الجمعية اللبنانية التي كان قد ألفها خير الله خير الله في باريس إذاعة ما جرى على الرأي العام الفرنسي، وإبلاغه إلى البرلمان وإلى أعضاء الحكومة، فقامت ضجة في البرلمان تولّى إثارتها النائب أندرن برتون، وعضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون الخارجية فيه: فيكتور بيرار، فاستنكرا الأساليب التي اتبعت في المحاكمة وأظهرا براءة المحكوم عليهم ظلماً، وبينا عدم قانونية المحاكمة.
وانتقد المسيو برتون في جلسة 20 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1921 السلوك الذي اتبع في المحاكمة مما يتنافى مع العدل.
فرد رئيس الوزراء المسيو بريان قائلاً: إن احترام الطرق القانونية أمر سهل في بلاد حرة في وقت السلم، كما هي الحال في فرنسا. ولكن إذا وجد قائد في بلاد مضطربة وكان في حدودها مضطراً إلى مواصلة اعمال حربية دامية، وهو في كل حين عرضة للقتل كما جرى مؤخراً، فهل تريد والحالة هذه أن نحفظ المعاملات القانونية كلها حفظاً تاماً كما لو كانت المسألة في فرنسا؟ هل هذا عدل؟
فأجابه المسيو برتون: إذاً يا حضرة الرئيس فليعدموا الناس، لكن لا يقولوا إنهم يحاكمونهم.
أما الأحكام فكانت كما يلي:
1 ـ ينفى سعد الله الحويك شقيق البطريرك الحويك 8 سنوات ويعيد من المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره 1400 ليرة ويغرم 2800 ليرة.
2 ـ ينفى فؤاد عبد الملك 10 سنوات ويعيد 800 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 1600 ليرة.
3 ـ ينفى خليل عقل 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفا لسفره ويغرم 2000 ليرة.
4 ـ ينفى سليمان كنعان 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 2800 ليرة.
5 ـ ينفى محمد محسن 8 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2800 ليرة.
6 ـ ينفى محمود جنبلاط 7 سنوات ويعيد 1350 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2700 ليرة.
7 ـ ينفى إلياس الشويري 10 سنوات ويعيد 1500 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 3000 ليرة.
8 ـ ينفى الأمير ألاي سعيد البستاني 10 سنوات.
9 ـ ينفى الأمير أمين أرسلان 6 سنوات.
10 ـ وحكم على عارف النعماني ورشيد عقل من أقرباء خليل عقل وإلياس الحويك ابن شقيق البطريرك الحويك بغرامات مختلفة وسجن تتراوح مدته بين 4 سنوات و9 سنوات.
لُرستان
تقع محافظة لُرستان غرب إيران. وتحدّها من الشمال المحافظة المركزية ومحافظة همذان، ومن الشرق محافظة أصفهان، ومن الجنوب محافظة خوزستان، ومن الغرب والشمال الغربي محافظتا إيلام وكِرْمانْشاه (باختران).
تقع بين خطي عرض 32 درجة و37 دقيقة، و34 درجة و22 دقيقة. وخطي طول 46 درجة و51 دقيقة، و50 درجة و3 دقائق.
تبلغ مساحة المحافظة 31383 كيلومتراً مربعاً، وهي تعادل 1,9 % من مساحة إيران، وتغطي الجبال والمرتفعات 75,6 من هذه المساحة، وتزداد درجة الحرارة تدريجياً في مناطق المحافظة من الشمال إلى الجنوب.
يتميز الطقس السائد في مناطق المحافظة بالتنوّع على طول السنة، وهي ذات طقس معتدل … إلاَّ أن وجود الجبال الشاهقة والأماكن الطبيعية الباردة في هذه المحافظة، جعلها تمتلئ بعيون المياه الغزيرة والأنهار الفياضة التي تجري طول أيام السنة في الوديان والسهول الخضراء.
كما أن الطبيعة الملائمة في مناطق المحافظة ووفرة المياه فيها جعلتها مكاناً لانتشار الغابات الطبيعية، وبالأخص غابات أشجار البلوط والأشجار المثمرة المنتشرة في مناطق عديدة من هذا الإقليم، مثل: زز، وماهر، وزلقي في «أليكودَرْز»، أو في «خرّم آباد» مركز المحافظة.
تعتبر محافظة لُرستان من المناطق الأولى التي سكنها الإنسان، حيث إن حملات التنقيب الأثرية التي نفذت في خرّم آباد (مركز المحافظة) أثبتت أن ثمة حياة بدائية كانت سائدة في هذه المنطقة في العصر الحجري القديم وعصور بارادوستي (Baradostian) وبالتولتيك، أي قبل حوالي 38 ـ 45 ألف سنة. وكانت هناك مجاميع من البشر يسكنون هذه المناطق ويعيشون نوعاً من الحياة في الكهوف والمغارات وشقوق الجبال، ويعتمدون على ما يصطادونه كغذاء يومي لهم، وكانوا دائمي الترحل والتنقل بحثاً عن الطعام والمأوى.
وفي العصر الحجري الثاني أو الحديث (نئولتيك) نرى دلائل على التحور الثقافي والفكري المتنامي لأبناء هذا العصر، من خلال تسنين الصخور الجبلية، والاستفادة من الألوان المتنوعة في الصور المنقوشة على جدران الكهوف والملاجئ، حيث إن الصور المنقوشة على جدران ملاجئ واديي ميرملاس وهميان، وهي من آثار هذا العصر، وقد استخدمت فيها من الألوان: الأسود والرمادي الغامق والأصفر.
تبدأ الصور الموجودة في وادي ميرملاس بصورة على شكل مرساة السفينة، ثم تليها صور من ساحات صيد حيوان الوعل بشكل فردي وجماعي، وهي على شكل خطوط بسيطة أو أشكال متنوعة.
وقد شوهد في وادي ميرملاس أكثر من 18 صورة، وفي هميان عشر صور.
كما كان يوجد في وادي هميان الشمالي صورة لحيوان الوعل وفارس صياد مع أدوات صيده البدائية مصور بشكل جميل رائع، إلا أن هذه اللوحة أصابها الدمار والتشويه مع مرور الزمن.
هذا وأن مجموع هذه الصور الموجودة في الملاجىء والكهوف كانت تستخدم في مراسم الدعاء والتوسل خلال آلاف السنين من قبل الأشخاص الذين كانوا يخرجون للصيد.
وأن شكل المرساة (T) يتحدث عن عقيدة قديمة كان يؤمن بها سكان الكهوف، ويقال: كان يُعقد أن رؤية هذا الشكل ومشاهدته من قبل الصياد يؤدي إلى زيادة النعم الطبيعية والفرائس. والأهم من ذلك هو أن وجود هذا الشكل المرسوم على جدران الكهوف والملاجئ يمثل أول دليل على اعتقاد سكان تلك المناطق في تلك العصور القديمة، وقد استمر ذلك حتى بعد تطور الحياة البدائية، ونزول هؤلاء الناس من الكهوف والملاجئ إلى السهول والوديان وانشغالهم بالزراعة والتمتع بالاستقرار الحياتي النسبي.
وفي العصور اللاحقة التي تلت العصر الحجري حافظ الأحفاد على عقائد آبائهم، رغم أنهم انتقلوا إلى الحياة الصناعية البدائية وسباكة المعادن والفلزات والنقش والحفر على المعادن التي لا زالت مورد إعجاب كل من يراها رغم مرور آلاف السنين.
خلال القرون التي تلت ذلك العصر، وظهور الخامنشيين والساسانيين، فإن حلقة معدنية مقدسة باسم (ابرته أو ناموس) والقانون الإلهي وقانون العالم كانت تُعطى للملوك الخامنشيين والساسانيين من قبل (أهورا مَزْدا)، وأحياناً من قبل إله الشمس. بعد ذلك حفرت الحلقة المقدسة في صخور القصور الملكية وظلت بيد أهورا مزدا الذي كان يتصرف بالعالم وناموسه، وكان يعطيه لكل من يرغب به.
ثم ذاع صيت هذه الحلقات والدوائر المصممة بشكل فني وهندسي، ودخلت في الفن المعماري وصناعة الأدوات الخزفية، وبقيت هذه الرسوم والأشكال الفنية حتى عصرنا الحاضر، وتحولت إلى شكل الهلال المعدني الذي يزين القبب والمباني وأقواس العمارات والمباني التاريخية.
في عصور متقدمة أخرى، تمَّ اكتشاف رسوم كهف (دوشه) في أعلى جبل بهذا الاسم في منطقة (جكين)، وتميزت هذه الرسوم بالتطور والإبداع الفني المتميز، حيث شوهدت رسوم كاملة لمشاهد الحروب واشتباك المقاتلين والفرسان، وهو ما يثبت القدرة الإبداعية والتخيلية لفناني تلك العصور.
عرفت لُرستان في عصور متأخرة قبل الميلاد بأن أبناء قومها كانوا يسمون بالكاسيتيين وهم آريون وأجداد سكان هذه المنطقة الفعليين قد برعوا في صناعات أدوات معدنية في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي ذات صور ورسوم شبيهة جداً بالصور التي كانت منقوشة على جدران الملاجئ والكهوف القديمة.
وكان هؤلاء القوم يربون الخيول التي يستخدمونها في التنقل وحمل البضائع واللوازم الحياتية.
كذلك فإن الآثار والأدوات المعدنية الباقية من تلك العصور يُحتفظ بها في العديد من المتاحف العالمية وتعرض هناك أمام الناس.
كانت أرض لُرستان تسمى في العصور التاريخية القديمة بـ (بهله) وكانت تشمل أجزاء واسعة من أرض إيران القديمة … وكان سكانها يتحدثون اللغة البهلوية أو الفهلوية وينظمون الشعر بها، واليوم تسمى الأشعار والأناشيد المحلية والتراثية والوطنية لسكان غرب إيران بالفهلويات.
أهم مدن لُرستان
تضم محافظة لُرستان العديد من المدن المهمة منها: خرّم آباد وهي مركز المحافظة ومدينتي: بروجَرْد وأليكودر.
- أولاً: خرّم آباد أو (شابور خواست):
وهي مدينة العيون العذبة والسواقي الرائعة الجمال، وتنحصر بين الجبال الشاهقة وتنتشر فيها بكثرة أشجار السرو والبلوط، مما يجعلها ذات ربيع جميل مزهو بالشقائق وأزهار الجوري والبنفسج، وخريفها ربيع العارفين وفي شتائها تكتسي الطبيعة زياً جميلاً ناصعاً. فهي مدينة عامرة، حيّة وسكانها مخلصون، رائعون كطبيعتها.
كانت (خرّم آباد) منذ القدم مركزاً للحكومات التي تعاقبت على هذه المنطقة، وبالأخص في مهد حاكمها (لُر الصغير)، حيث شيدت لأول مرة أوائل القرن السادس الهجري بعد تدمير مدينة (شابور خواست) الأثرية التي كانت قد بنيت بأمر من (شابور أردشير الساساني)، وتم إعمارها واتخاذها مركزاً للملوك والسلاطين عبر التاريخ، وكان يسكنها الناس على مختلف أديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، وحافظت المدينة على موقعها السياسي والاجتماعي والتجاري في القرون التي تلت الفتح الإسلامي.
إلى الغرب من (شابور خواست) كان هناك جسر كبير على نهر ماء، ولم يبق منه سوى أطلاله التي تحكي عن الإبداع المعماري في العهد الساساني، ومدى الأهمية الكبرى لهذه المدينة آنذاك.
كما شُيّدت في عهد الديالمة منارة من الطابوق والآجر وسط (شابور خواست)، ولا تزال باقية حيث يبلغ ارتفاعها 30 متراً، ويتخللها من الداخل سلّم بتسع وتسعين درجة، مقام بشكل ملتوي رائع يأخذك إلى قمة المنارة.
كانت (شابور خواست) عامرة ومتألّقة حتى عهد السلاجقة، حيث كانت هناك صخرة مكعبة الشكل في مدخل المدينة تعود إلى ذلك العهد، كتب عليها باللغة الفارسية أنها تعود إلى عهد السلطان السلجوقي (برسق أبو سعيد) في عام 513 للهجرة.
تقع مدينة (خرّم آباد) الفعلية في وادٍ إلى الشمال من (شابور خواست)، وهي محصورة بين مرتفعات (جبال مخمل)، ويبلغ ارتفاع المدينة عن البحر 1160 متراً، وتنحصر بين خط عرض 30 درجة و43 دقيقة، وخط طول 48 درجة و21 دقيقة، وتبلغ مساحة وادي خرّم آباد حوالي 4000 كيلو متر مربع … وكما أشرنا سابقاً، فإن تاريخ بناء المدينة وتألّقها يعود إلى أواخر القرن السابع الهجري بعد تدمير مدينة (شابور خواست) الأثرية ويتميز طقسها بالاعتدال، وطبيعتها جميلة بسبب كثرة الغابات وعيون المياه العديدة المنتشرة داخل المدينة وفي أطرافها.
هذا وقد تعرّضت مدينة (خرّم آباد) للدمار إثر هجوم تيمور المغولي، وبعد مقتل شاهور ديخان (آخر ملوك اللُّر) على يد الشاه عباس الأول، أصبح حسين خان والياً على لُرستان، وظلّت منطقة (بشت كوه) في لُرستان تُدار من قبل أحفاده والموالين له، حتى أوائل حكم رضا شاه.
أهم المناطق الأثرية
في (خرّم آباد):
تنتشر في مدينة (خرّم آباد) وأطرافها العديد من المناطق الأثرية والتاريخية التي يؤمها سنوياً الآلاف من الزائرين من أبناء المدينة وخارجها، نشير هنا إلى أهمها:
ـ قلعة شابور خواست (فلك الأفلاك): من الأبنية القديمة في المدينة، وتذكر الروايات التاريخية أنها شُيّدت لأول مرة بأمر من (شابور أردشير)، وقد عثرت فرق التنقيب عن الآثار على قواعد قديمة لا علاقة لها بالمبنى الفعلي للقلعة.
أقدم الكتب التي أشير فيها إلى هذه القلعة هو كتاب (مجمل التواريخ والقصص) من تصحيح (شادروان بهار) … وقد شهدت هذه القلعة عهوداً عديدة من المد والجزر، حيث أصابها الدمار لمرات عديدة خلال التاريخ، وأعيد بناؤها مراراً لتُخزن فيها كنوز الملوك والسلاطين والولاة.
في عام 404 للهجرة، وفي عهد الديالمة، حصلت الأسرة «الحسنوية» على غنائم وأموال وكنوز طائلة من هذه القلعة.
بعد أن أهملت مدينة (شابور خواست) القديمة، وشُيّد على أنقاضها مدينة جديدة أطلق اسم جديد على القلعة وهو: (قلعة خرّم آباد).
وقد تضرّرت القلعة كثيراً في هجوم تيمور عليها، ولكنها عمَّرت فيما بعد، وأطلق عليها اسم (فلك الأفلاك) في عهد الدولة القاجارية.
أقيمت القلعة على تلة تقع إلى جانب المدينة القديمة، حيث تمر من تحت التلة والقلعة مياه الينابيع الكبيرة الموجودة بكثرة في المنطقة، ومنها نبع كبير من الجانب الشرقي وآخر كبير مع عدد من الينابيع الصغيرة في الجانب الشمالي من القلعة والتلة، كما أن هذه الينابيع تؤمّن نسبة كبيرة من مياه الشرب التي تحتاجها المدينة.
في العهد القاجاري، وبأمر من حاكم لرستان محمد علي ميرزا دولتشاه، شُيّد بستان كبير في أطراف القلعة وعند منحدراتها، وأطلق عليها اسم (كلستان ارم).
استخدمت هذه المساحة الواسعة من الأرض المشجّرة والعامرة كمعسكر حتى عام 1978، وبعدها أُلحقت بجامعة لُرستان، ولا زالت الجامعة تشرف عليها.
كان يحيط بالقلعة سور كبير و12 برجاً، يقال إنها أقيمت استناداً لمعادلة فلكية وطبقاً لحركة الشمس خلال النهار، وقد اندثر الجدار والأبراج بمرور الزمن، ولم يبق منها سوى برج واحد يقع في الجهة الغربية من التلة والقلعة.
توجد حالياً في القلعة مكتبة ومعرض للقطع الصخرية واللوحات الكتابية المخطوطة على الصخور، والتي تعود إلى القرن الخامس الهجري كما يوجد فيها متحف التراث الشعبي لمحافظة لُرستان، حيث تعرض فيه الأزياء الشعبية والسجاد اليدوي والصناعات اليدوية ومستلزمات الحياة الريفية، فضلاً عن أدوات مصنوعة من الفلزات والمعادن التي تعود إلى العهد السلجوقي وحتى العهد القاجاري.
المسجد الجامع في خرّم آباد:
شيد هذا المسجد عام 970 للهجرة بأمر من ابنة (آغوربيك) وزوجة الشاه رستم … ثم أعيد بناؤه عام 1110 للهجرة بأمر من الشاه سلطان حسين الصفوي، ويحتفظ إلى الآن بالصخرة التي كتب عليها أمر التجديد في متحف قلعة (شابور خواست). كما جدّد بناء المسجد مرتين من قبل السلطان خان حسنوند رئيس طائفة (الحَسْنَوَنْد) في عهد كريم خان زند، وكذلك جدد بناؤه في المرة الثانية بناءً لوصية المُلاّ محمد تقي خرّم آبادي من قبل شخص يسمى زكي خان … وهو يضم مدرسة علمية لتدريس العلوم الدينية، فضلاً عن مكان إقامة الصلاة.
ـ مثوى الشهيد زيد بن علي عليه السلام: يقع هذا المرقد وسط المدينة القديمة في محلة بهذا الاسم … ويقال إن الشهيد زيد ابن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام مدفون في هذا المكان، ويؤمه الناس للزيارة. والحقيقة أن زيداً الشهيد استشهد في العراق، ثم صلب جثمانه زمناً طويلاً، ثم أحرقه الطغاة.
وقد شُيد هذا المرقد لأول مرة عام 404 للهجرة من قبل (أبو النجم بدر حَسْنَويْه)، وأعيد بناؤه عام 1117 للهجرة بأمر من عليمردان خان بن حسين خان والي لرستان، كما جدّد البناء مرة أخرى عام 1307 للهجرة من قبل شخص باسم حسين جهانكير، كما أضاف إلى المرقد قبتين مدورتين، كما أن الباب الخشبي للمرقد الذي صنع بشكل فني رائع من قبل جمال الدين أصفهاني في عام 950 للهجرة، لا زال موجوداً إلى يومنا الحاضر.
ـ بقعة باب طاهر: تقع هذه البقعة في منطقة قديمة في المدينة بالاسم نفسه إلى الجنوب الغربي من (قلعة شابور خواست)، حيث إن أسلوب البناء المتّبع في تشييد البقعة يتميز بالقدم، ويُنسب إلى العارف والشاعر الإيراني الكبير بابا طاهر، كما يوجد في الجانب الغربي من البقعة ركن أثري يُسمى (قلندرخانه).
ـ الترعة الصخرية كرداب سنكي: يعود هذا الأثر التاريخي إلى العهد الساساني وتقع الترعة في منطقة تسمى (ردو بردينه)، وهي نبع يحتوي على الماء العذب خلال تسعة أشهر من السنة، وتزداد كميات المياه الموجودة فيه خلال الربيع، ويجف النبع خلال أشهر الخريف الثلاثة، تقع هذه الترعة إلى الغرب من مدينة خرم آباد.
ـ جسر خرّم آباد الأثري: وهو أقدم جسور المدينة، حيث يعود تاريخ بنائه إلى العهد الصفوي (حكومة الشاه سلطان حسين)، شُيّد الجسر من الطابوق والآجر، وهو ذو 20 ينبوع ماء.
- ثانياً ـ بروجَرْد:
وهي مدينة جميلة ذات طقس رائع، تكتسي بردائها الأخضر المزين بالأزهار والشقائق في الربيع، وطقسها معتدل في الصيف مع وفرة الفواكه، وخريفها عرفاني رائع.
تبلغ مساحة المدينة 2642 كيلومتراً مربعاً، وترتفع 1600 متر عن سطح البحر، ويسكنها حوالي 200 ألف نسمة … وهي كخرّم آباد مليئة بالينابيع وعيون المياه العذبة ووديانها وسهولها كثيرة الأشجار، وتحيط بها سلسلة جبال كراي التي أضفت على المدينة أجواءً خلابة لا نظير لها.
تتكون المدينة حالياً من قسمين متصلين، الأول: يمثل شقها القديم المتميز بالطابع الأثير، ويتركز في وسط المدينة، والشق الثاني: يمثّل الأحياء السكنية والتجارية التي ألحقت بالمدينة.
تعتبر مدينة بروجَرْد من آثار القرون الإسلامية الأولى، حيث إن تقارير السواح والرحالة الذين زاروها، تؤكد هذا الأمر، ولها تسميتان قديمتان هما (ورويرد (Veruverd و(وروغرد).
كتب (الإصطخري) في كتابه عن المدينة التي أسماها بـ (وروغرد) قائلاً: «إنها مدينة وفيرة النعم ومشهورة بالزعفران»، كما جاء وصفها بقلم (ابن الفقيه الهمداني) في (البلدان)، وكذلك ذكرت المدينة في (حدود العالم) و(مجمل التواريخ) و(القصص)، دون التطرق إلى تاريخها القديم، حيث جاء فيه: «إنها مدينة رائعة الطقس ووفيرة الفاكهة».
بعد تأسيس حكومة أتابكان القبلية، خضعت بروجرد لسيطرة هذه الحكومة، وكانت تحسب كجزء من ولاية (لُر الصغير) … كما اعتبرها (حمد الله المستوفي) في (التاريخ المنتخب) جزءاً من ولاية (لُر الصغير)، وكتب يقول: «… وهو إقليم عامر فيه ثلاث مدن عامرة هي بروجرد، وخرم آباد، وشابور خواست …».
عرفت بروجرد منذ القدم بصناعة الأقمشة، حيث كانت تصدرها إلى باقي مدن إيران، بل وإلى خارج الحدود، وكانت مشهورة بنسيجها الجيد وألوانها الرائعة. أُلحقت بالمدينة أضرارٌ كبيرة في هجوم المغول وتيمور في عام 790 للهجرة، حيث تهدمت أجزاء كبيرة من المدينة تحت أرجل جنود تيمور، منها «قلعة روميان» التي تبعد عن المدينة بعدة فراسخ، وتسمى أطلالها اليوم (تلة قلارميان).
أهم الأماكن الأثرية
في المدينة
تتوزع في مدينة بروجرد العديد من الآثار والأماكن الأثرية التي تعود إلى حقب زمانية قديمة، نذكر هنا بعضاً منها:
ـ المسجد الجامع في بروجرد:
ذكر (حمد الله المستوفي) في (نزهة القلوب) هذا المسجد، وهو يصف المدينة بالجمال والطبيعة الخلابة، حيث يقول: إن فيها مسجدين: الأول قديم، والآخر حديث.
شُيّد باب المسجد الجامع في عام 1092 للهجرة بأمر من السلطان محمد، ولم يكن للمسجد قبّة حتى عام 1209 للهجرة، حيث أمر ببنائها أحد الحكام المحليين في المدينة، ويدعى تقي خان رازاني.
هناك لوحة كتابية فوق الباب الغربي للمسجد، سُجّل عليها تاريخ دخول الشاه عباس الصفوي إلى بروجرد (عام 1022 للهجرة) وقد دخلها للاقتصاص من (شاهور ديخان) آخر ولاة (لُر الصغير) الذي كان قد قتل والي شاه عباس الصفوي في بروجرد.
- مسجد سلطاني:
شُيّد هذا المسجد على أنقاض أحد المسجدين اللذين ذكرهما (حمد الله المستوفي) وقد بُني في عهد فتح علي شاه القاجاري.
للمسجد باب كبير مصنوع من الخشب، ومنقوش عليه العديد من الآيات المباركة بشكل فني بارز، وقد صنع عام 1291 للهجرة.
يُستفاد من المسجد الآن للعبادة وتدريس العلوم الدينية، حيث كان يعتبر من أكبر الحوزات العلمية في إيران، وذلك في أيام السيد البروجردي الذي كان يُدرِّس فيه قبل انتقاله إلى مدينة قم.
- مثوى السيد جعفر في بروجرد:
يعتبر هذا المكان من الآثار التاريخية القديمة في بروجرد، تحيط بالمثوى مقبرة قديمة جداً … حيث يعود تاريخ بناء القبة التي تزيَّن المكان إلى العهد السلجوقي، ويبلغ طولها 25 متراً، ويضم المثوى عدداً كبيراً من اللوحات المعمارية والفنية والألواح السيراميكية والخزفية والصخرية التي تعود إلى قرون قديمة سابقة. كما أن باب المثوى الخشبي يعود بناؤه إلى عام 1230 للهجرة، ويُعتقد أن السيد جعفر هو أحد أبناء الأئمة.
لغت نامه دهخدا([181])
ولد علي أكبر دهخدا حوالي سنة 1297هـ، في مدينة طهران، وكان والده (خانبا خان) من الطبقة المالكة المتوسطة، ترك بلدته قزوين واستقر في طهران قبل ولادة ابنه دهخدا وتوفي والده حين كان دهخدا في العاشرة من العمر، فرعته والدته وتابعت له دراسته.
شغل بدراسة العلوم القديمة والحديثة، إضافة إلى اللغة الفرنسية. وبعد حين من الزمان قصد أوروبا لمتابعة إتقانه للفرنسية. وللاطلاع على العلوم الحديثة.
ثم عاد إلى إيران إبَّان النهضة الوطنية، وباشر التحرير في الصحف بأسلوب فكه، ووجَّه قلمه في صحيفة (صور إسرافيل) للمقالات السياسية، فنتج عن ذلك إبعاده إلى أوروبا بسِعاية (محمد علي شاه قاجار). فاشتغل بنشر المجلات في فرنسا وسويسرا وتركية. وحين قام الدستور وزال الاستبداد عاد إلى إيران ليغدو عضواً في مجلس النواب غير أنه اختار الاعتزال أثناء الحرب العالمية الأولى. وحين عهدت إليه رئاسة (المدرسة السياسية) في طهران، ورئاسة (كلية العلوم السياسية والحقوق) حوّل قلمه نحو التحقيق والكتابة، وكانت وفاته سنة 1375هـ.
آثاره ومؤلفاته
1 ـ أمثال وحكم في أربعة مجلدات.
2 ـ ترجمة (عظمة الروم وانحطاطهم) تأليف مونتسكيو.
3 ـ ترجمة (روح القوانين) تأليف مونتسكيو.
4 ـ معجم فرنسي ـ فارسي.
5 ـ أبو الريحان البيروني.
6 ـ تعليقات على ديوان ناصر خسرو.
7 ـ تصحيح ديوان السيد حسن الغزنوي.
8 ـ تصحيح ديوان الحافظ.
9 ـ تصحيح ديوان منوجهري.
10 ـ تصحيح ديوان فرُّخي.
11 ـ تصحيح ديوان مسعود سعد.
12 ـ تصحيح ديوان سوزني السمرقندي.
13 ـ تصحيح (لغة الفرس) للأسدي.
14 ـ تصحيح (صحاح الفرس).
15 ـ تصحيح ديوان ابن يمين.
16 ـ تصحيح (يوسف وزُليخا) المنسوبة إلى الفردوسي.
17 ـ مجموعة مقالات.
18 ـ عظات وكلمات قصار.
19 ـ ديوان.
20 ـ لغت نامه دهخدا.
والمقصود في هذا البحث التعريف بـ «لغت نامه» وها نحن أولاءِ نعرض موجزاً لها:
إن «لغت نامه» حصيلة معاناة وكفاح دام خمساً وأربعين سنة. تحمّل دهخدا وثلّة من أصدقائه عبأها. ولقد جمع لها ما يقرب من ثلاثة ملايين بطاقة موثقة، من نصوص شعرية ونثرية صحيحة، من اللغتين الفارسية والعربية، على أساس كتب اللغة المطبوع منها والمخطوط، ناهيك عن كتب التاريخ، والجغرافية، والطب، والنجوم، والرياضيات، وعلم الكلام، والفلسفة، والفقه، وغير ذلك. ولقد كانت هذه البطاقات نواة «لغت نامه دهخدا».
ونعرض فيما يلي رأي الدكتور محمد معين، زميله ومعينه. فهو خير من يوضح حقيقة هذا العمل. قال الدكتور محمد معين: «تعد اللغة الفارسية من أعمدة الإيرانيين الثابتة، من حيث كثرة الكتابات النثرية والمنظومة في مواضع متفرقة. وهي بالتالي من أرسخ لغات العالم».
ففي غضون عشرة قرون تقريباً بلغت اللغة مقاماً سامياً على يد شعراء عظام أمثال: رودكي، الفردوسي، العنصري، فرُّخي، منوجهري، نظامي، سنائي، عطار، المولوي، سعدي، حافظ، وكتاب أعلام أمثال: البعلمي، والبيهقي، الكرديزي، الوطواط، سعدي، فراهاني، وغيرهم كثير. ولقد استطاع هؤلاء الرجال أن يعبروا عن أرق المعاني، ويجسِّدوا ألطف الأحاسيس وأعمق الأفكار بأفصح التعابير وأبدع الصور والأشكال.
وقد حظيت اللغة الفارسية الدرِيَّة إبان هذه القرون العشرة بتطور سريع ملموس. فقد أدخلوا في منظومهم ومنثورهم ألفاظاً وتركيبات وافرة من اللغات الفرعية كالسُّغدية، والخَتَنيَّة، والخوارزمية. ومن اللهجات الإيرانية المحلية كالسَّكرية، والزاولية، والأفغانية، والكردية، واللُّرية، والفارسية، وغيرها. ومن اللغات الأجنبية أمثال: العربية والتركية، والفرنسية، والإنكليزية، والروسية، والألمانية. مما ساعدهم على إبداعهم في بيان المعاني والأفكار، واستخدام التعبيرات المتنوعة.
ولم يمض حين من الزمان حتى توافدت على الفارسية ثروة لغوية ثرّة، أغنت اللغة ورفدتها وما زال الإيرانيون، حتى بعد مضي عشرة قرون أو أحد عشر قرناً، محافظين على كمال لغتهم بهذا الميراث الضخم. ومهمة الإيرانيين أن يحافظوا على المخزون الثمين بكل أمانة وإخلاص، مُجهدين أنفسهم بإقصاء ما قد يعتوِرَهُ من خلل أو فساد، وما قد يداهم هذا الحصن الحصين من تصرف ما أو تدخل يسيء إليه.
فجنحوا إلى لمِّ شتات اللغة الفارسية ضمن أثر جامع، يكوع مرآة واضحة الإرادة لتحول اللغة الفارسية عبر هذه القرون الماضية. ومما يؤسف له أن المعجمات الفارسية لتي ألفت حتى الآن سواء في إيران والهند وتركيا لم ترو شغف طلاب العلوم والآداب، لأن بعضها ضم الألفاظ الفارسية والمهمل من الألفاظ العربية (المستعملة في الفارسية) (أمثال: لغت الفرس للأسدي، وصحاح الفرس، والبرهان القاطع)، وبعضها مثل «غياث اللغات» و«آنَنْدراج» التي اشتملت على الألفاظ الفارسية والعربية من غير ضبط، ناهيك عن أن مقداراً من الألفاظ المبثوثة فيها ورد مغلوطاً. كما أنها اكتفت بمعنى واحد أو معنيين للفظة الواحدة. وبعض هذه المعاني مما لم يعد يُستعمل. أما الأخطاء فحدِّث عنها …
كما أن بعض المعجمات قصّرت في ذكر الشواهد والأمثلة. وهي إذا استشهدت لبعض المعاني نقلت الشاهد نقلاً. وقد كانت أغلب شواهدهم شعرية، ولم يُولوا النثر أهمية تذكر … ناهيك عن الصَّدع البارز، والغموض المشين بين معنى اللفظة وما استشهدوا به.
كما أنهم، من ناحية أخرى، اتخذوا شعر شعراء العصور الانحطاطية شواهد لهم، ولا سيما أصحاب المعجمات المتأخرة.
الأسس المرعية
في لغت نامه دهخدا
1 ـ مع أن «لغت نامه» سعت لأن تنقل جميع المعجمات الخطية والمطبوعة المهمة، الفارسية والعربية، فإنها قصدت الغاية في الدقة، خوف وقوعها بأخطاء السلف.
2 ـ ضمت أكثر الألفاظ شواهد متنوعة من نصوص شعرية ونثرية معتبرة، ولا سيما تلك الألفاظ المستخرجة من نصوص ذات عدد من الشواهد والأمثلة. وهذه الشواهد إضافة إلى أنها تعد مستنداً، فإنها توضح وجهة استعمالها في التعابير المختلفة.
3 ـ كان ردف جميع مترادفات اللفظة في ذيل معانيها من الأسس البارزة لهذه «اللغت نامه».
4 ـ لقد هيأت (لغت نامه) دراسة موسعة في نحو الفارسية وصرفها، مما يعين القارئ ويفيده.
5 ـ يُركّب كثير من الألفاظ الفارسية بالألفاظ العربية أو الأجنبية، عن طريق أدوات أو كلمات أخر، بحيث تؤدي معاني خاصة جديدة، أمثال نصيحت يذير (قابل النصيحة)، حَقشناس (مؤِّدي الحق)، ملامت كر (لائم)، مطالعه كرده (مقروء). ولم يول أغلب المؤلفين اللغويين أهمية لهذه الألفاظ في معجماتهم، في حين أن «لغت نامه دهخدا» جمعتها واستشهدت لها.
6 ـ أوردت «لغت نامه» شروحاً كثيرة لأعلام الرجال والأماكن.
7 ـ كان إدخال صور النباتات والحيوانات والرجال والأماكن وغيرها من الأسس الجلية جداً في «لغت نامه».
ونقتطف ـ فيما يلي ـ من لسان دهخدا نفسه ما قاله بشأن «لغت نامه، اللغة الفارسية» في مقدمة كتابه.
اللغة الفارسية
1 ـ كما أن جذع الشجرة يزداد ورقه كل عام على قطره السابق، فإن كلامنا أيضاً تضخم في غضون ألف سنة على حسب تبدل حاجات الأزمنة والأشخاص، وتنوع الألوان والمجازات.
2 ـ ومن خصائص اللغة الفارسية ما يدل على روح الأمانة عند الإيرانيين ـ فهم يحافظون على الشكل الأصلي للفظة الأجنبية التي وفدت على لغتهم. وهذا يخالف قواعد اللغات الأخرى في طريقة استقبالها للدخيل من الألفاظ.
3 ـ تعدّ اللغة الفارسية غنية جداً بالمركبات اللفظية.
4 ـ ليس في الفارسية مذكر ولا مؤنث، ولا حرف تعريف، ولا جموع متنوعة، وهذا كله يسهل عملية تعلمها.
5 ـ سيثبت للعالم، إثر طبع هذا الكتاب، أن اللغة الفارسية إحدى أضخم لغات الدنيا، وسيدحض كل الآراء المتداولة.
الألفاظ العامية
6 ـ الشعب دائماً هو الذي يولِّد اللغة، إذ يدرك المفاهيم، ويتخيَّر الألفاظ المناسبة التي تؤدي سياق هذه المفاهيم. فما ولَّده الذوق السليم يُثبتُ وجوده. ولقد تراكمت هذه الألفاظ منذ ما قبل ألف سنة. وكان أصحاب اليراع يحجمون عن استخدامها في كتاباتهم الأدبية. ولا بد للخاصَّة من أن يمنحوا هذه الألفاظ حقها بالتداول، لتأخذ طريقها إلى كتب اللغة.
7 ـ كثيراً ما نلقى ألفاظاً تتداولها العامة. ولبعضها مرادف في اللغة الأدبية، في حين أن بعضها الآخر يفتقر إلى هذا المرادف. واستعمال هذين النوعين من الألفاظ، في ظني، ضروري لدعم اللغة. وهذا ما حداني إلى جمع ما ترامى إلى خاطري منها في هذا الكتاب. مثل «تيله» التي هي بمعنى انكسار الخزف، ولم أجد لها مرادفاً. أو «جخد» ومعناها القوة والمكر والغاية.
تصرُّف الإيرانيين باللغة العربية
8 ـ لقد صُغنا على أوزان الصيغ العربية ألفاظاً فارسية واستخدمناها، في حين أن العرب القدماء، وكذلك المعاصرون، أحجموا عن استعمالها، مثل «نزاكت» من اللفظة «نازُكي»، و«فلاكت، ومفلوك، ومفاليك» من الكلمة «فلك زده».
9 ـ كما صغنا صفات بإضافة «با» الفارسية (بمعنى مع) على أول المصادر العربية مثل: باعظمت (عظيم)، باديانت (متديِّن)، باشهامت (شهم)، بامسرَّت (مسرور)، بافضيلت (فاضل)، باشجاعت (شجاع)، بارأفت (رؤوف).
10 ـ كما صغنا صفات بإضافة حرف النفي الفارسي «نا» قبل الكلمات العربية، مثل: ناتمام (ناقص)، نا بالغ (قاصر)، ناخلف (بلا خلف)، بي حميَّت (بلا نخوة)، بي عاطفة (عديم العاطفة).
11 ـ جمعنا الكلمات العربية المجموعة مرة ثانية، مثل: أخلاطها جمع أخلاط، كُتبها جمع كتب. قال منوجهري:
زنانِ دُشمنان دربيش ضربتْ
بياموزند ألحانهاي شِيوَن
وترجمته: «تتعلم نساء الأعداء، لقاء الضربة، ألحان الأسى».
12 ـ وصُغنا من المصادر العربية مصادر فارسية مركبة (وتدعى مصادر جعلية)، مثل: رقصيدن، بلعيدن، طليبدن. وصغنا مثل هذا باللغة التركية، مثل: قابيدن (الخطف)، جابيدن (الإغارة)، جياندن (الضغط).
13 ـ استنبطنا من لفظة عربية واحدة عشرات الكلمات المركبة، مثل حسابْدار (محاسب)، حسابداري (محاسبة)، خوش حساب (سريع الحساب)، خوش حسابي (سرعة في الحساب)، بدحساب (سيئ الحساب)، بد حسابي (سوء في الحساب)، حساب كشيدن (إجراء الحساب)، حساب بس دادن (رد الحساب)، بي حساب (بلا حساب)، حساب وكتاب، حساب بردن از (نقل الحساب من)، حساب داشتن يا (تضمن الحساب بـ)، حساب ساز (صانع الحساب، حيسوب)، حساب سازي (صناعة الحساب).
وكذلك: بي عيب (خالٍ من العيوب)، بي عيبي (بلا عيوب)، عيب جستن (تخطى العيوب)، عيب جوئي، عيب جوئي كردن (البحث عن العيوب، تقصِّيها)، عيب جوينده (الباحث عن العيوب، كاشفها) ومثلها عيب جوي، عيب جويندكي (كشف العيوب)، عيب كير (معيب)، ومثلها عيب كيرنده، عيب كيري وعيب كرفتن (التعييب)، عيب كردن (عمل العيب)، عيب داشتن (الوقوع في العيب)، عيب دار (معيوب)، عيب داري (الوقوع في العيب)، عيب يوش (ساتر العيوب)، عيب يوشي (ستر العيوب)، ومثلهما: عيب يوشنده وعيب يوشندكي، عيب ناك (ذو عيب)، عيب ناكي (الوقوع في العيب)، عيب كو (لافظ العيب)، عيب كوثي (لفظ العيب).
14 ـ صنعنا «حاصل المصدر» بإضافة ياء على آخر اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وصيغة المبالغة العربية، مثل: قادري، حاكمي، شاعري، مشهوري، مستحكمي، شريفي، بخيلي، عليمي، شيادي، رقّاصي، جبّاري.
15 ـ بإضافة «ياء» على صيغة المبالغة العربية حصلنا على العمل، والمكان، والمحل، إضافة إلى معنى حاصل المصدر، مثل: بقَّالي، نسّاجي، قنّادي، نجاري.
16 ـ وبإضافة «ياء النسبة» إلى المصادر العربية صنعنا صفات، مثل: فراري معناها هارب.
17 ـ صنعنا مصادر مركبة من المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول العربية. مثل: صيحة كشيدن (الصياح)، تغيير دادن (التغيير)، جمع شدن (اجتماع)، جمع آمدن (جمع)، معجز كردن (تعجيز)، مُسهل خوردن (شرب المسهل)، مُنفعل شدن (انفعال)، محتوم شمردن (الحتم)، مجبور شدن (اضطرار)، مجبور كردن (جبر)، مجبور بودن (اضطرار)، مجبور كرديدن، مجبور آمدن، خودرا مجبور غودن.
18 ـ صُغنا من تركيب كلمات عربية وفارسية ألفاظاً مركبة، مثل: سَرصف (رأس المجموعة)، نايب سرهنك (معاون المقدم)، جمع آوري (جمع تحصيل)، صف آرائي (تشكيل الصف العسكري استعداداً للمبارزة).
19 ـ بدَّلنا معاني كلمات عربية مثل: رعنا (متكبر)، إعزام (إرسال).
اللغة العربية
20 ـ تمتاز اللغة العربية، من حيث الألفاظ، بالاتساع والشهرة. ومن علائم اتساعها عدم انتشار الكتابة بين العرب، ولهذا فإن العربي حين يستمع إلى نطق لفظة يرقبها في خاطره، ويستخدمها داخل خيمته، بشكل خاطئ، ومن هذا القبيل: لذع، لدغ، لحس، نهش.
كليات لغت نامه
21 ـ لم يتسنَّ للألفاظ الفارسية جمعاء أن تجمع حتى الآن. فقد تضمنت الكتب ولا سيما دواوين الشعراء والأسفار اللغوية عدداً من الألفاظ المتداولة، فقمنا نحن بلمِّ شتاتها. في حين أن آلاف المفردات الفارسية وغير الفارسية المبذولة لم يُقدم أحد على جمعها، وإن حصل مثلُ هذا، فإن هذه الأعمال لم تبلغ مرحلة طبعها ونشرها.
وها نحن ننقل أغلبها من طريق مخزون الذاكرة، ثم نرتبها ألفبائياً. ولا مندوحة لنا من القول بأن استرجاع آلاف المفردات إلى الخاطر، وترتيبها ألفبائياً يحتاج إلى عمر سبعة من النسور!
22 ـ ونحن إذ قلنا إن كتابنا هذا ضم ثلث الألفاظ الفارسية نكون تسرَّعنا القول. وبلا شك، فإن الألفاظ، المكتوبة والشفهية، الواردة في المسجلات أو في لغات الآخرين لا تعادل ثلثي هذا الكتاب، إذ لا أقلَّ من نصفها عفى عليه الزمان، ولم يحوِه هذا السِّفر.
23 ـ تفصيل لغت نامه: ستشمل «لغت نامه» على مجلدات عديدة، وقد يكون هذا العمل موجب تعجب العديد من الناس واعتراضهم، وسيسألون: لماذا لم تحظ معاجم الفرنسيين والإنكليز اللغوية مثل هذا التفصيل؟! ودلائلنا على ذلك:
أ ـ لقد تركبت لغتنا من لسانين أساسيين هما: الفارسي العربي، ولكل من هذين اللسانين مفردات بسيطة ومركبة، ونجم عن تركيبهما ببعضهما بعضاً تراكيب عديدة.
ب ـ تعدُّ اللغة الفارسية في مجال مركباتها، واللغة العربية من حيث مشتقاتُها فريدتين في العالم. وقد حظيت الفارسية من جراء مزج هاتين اللغتين بتوسع قلَّما نجد له نظيراً في لغة أخرى.
ج ـ وقد أعمل الإنسان فكره بهذه اللغة المركبة قرابة أربعة عشر قرناً، وفي نصف الدنيا المعمورة بحوائجه، وبين رغباته وكتب شيئاً.
د ـ في أحياء العرب المختلفة، في الممالك الإسلامية الشاسعة مفردات، ولا سيما أسماء الذات التي تدعوها كل بقعة باسم خاص. كما أن «لغت نامه» تضطر إلى ضمّ المترادفات إليها، مثل: أضراس الكلب، الكثيرة الأرجل، بسفايج بسبايه، بولوبوديون … وهذه المسميات كلها اسم لعشب واحد … ويجب أن تذكر جميعها.
24 ـ آمل من أحبَّتي وقراء «لغت نامه» ألا يعتريهم الخور من طول مدة الطبع، لأن العمل صعب وضخم وعويص جداً. فقد حرَّر كتب اللغة الفرنسية مئات من العلماء من أهل اللغة بمدة قرنين من الزمان، حتى تيسَّر لهم أن يبلغوا هذه المرحلة الحالية.
25 ـ لم ننقل المفردات العربية بحسب مادتها الأصلية وجذرها، بل بحسب تسلسلها الهجائي، لأن استخراج «ذناذن الثوب» من مادة «ذن» [ذَنَ نَ] ليس صعباً على الفرس وحسب، بل على العرب أنفسهم، باستثناء علماء اللغة والصرف منهم.
26 ـ الأعلام التاريخية والجغرافية: كان كثير من الناس يتمنون لو أن «لغت نامه» طُبعت من غير إقحام الأعلام بين ثناياها. على أننا نعتقد بعكس ما ذهبوا إليه، لأننا في عصر إذا لم نطبع ترجمة الأعلام بالفارسية بهذا التفصيل في مكانها بين الألفاظ اعترتنا الحسرة، لأن فصل الأعلام داع إلى إقصائها. ويعتقد الكاتب أن المحققين سوف يقدِّرون أهمية طبع الأعلام بمرور الزمان واشتداد الحاجة إليها، بل أنهم سيتلافون نقائصها فيما بعد.
ولا بد من الإشارة إلى أن المشاهير كالأنبياء: موسى، عيسى، محمد، ومن أمثال: كوروش، داريوش، بطرس الكبير، سقراط، كونفوشيوس، الفردوسي، شيكسبير هم دهاة ونوابغ يجب الإشادة بحسناتهم. ومن ناحية أخرى فإن بعضاً من هؤلاء المشاهير حظوا بشهرة واسعة، ويجب ضمّهم في زمرة البلايا والعفاريت، ومن هؤلاء: آتيلا، جنكيز، هولاكو، تيمورلنك. أي يجب التفريق بين هاتين المجموعتين.
27 ـ باعتبارنا مسلمين فإننا دونّا الأعلام الأوروبية بالشكل الذي استخدمه المسلمون تماماً، من ذلك: إشبيلية، فلوطرفس، المبياذيس من غير إعلام أو ترويج. فغايتنا الارتباط بوشائج تاريخنا وديننا.
28 ـ نقلنا بعض الأعلام الجغرافية الإيرانية من على الخرائط الفارسية وقد كان أغلبها مدوناً بخط دقيق، وكان كثير منها غير مقروء لسوء الطباعة وسقوط بعض الأحرف، مما اضطرنا إلى قراءتها بأقرب صورة. وعلى الدولة، فيما بعد، أن توجه موظفيها لتدوين هذا النوع من الأسماء بالخط المعرب، حتى تتمكن «لغت نامه» من تلافي النقص في الطبعات القادمة.
29 ـ لم أتبع في هذا الكتاب تقليد صرف كتب اللغة والمعاجم، فقد قدّرت حاجة عامة إيران الماسَّة. إن كتبنا لمّا تطبع، وما طبع منها معدود ومحدود، أو غالي الثمن. ولهذا لم تُبذل بين الأيدي، إضافة إلى هذا فإن العلماء من آبائنا، عدة مئات، كان كل ما كتبوه باللغة العربية، ولهذا افتقرت اللغة الفارسية إلى منحها حقها، فسعيتُ جهدي أن أستلهم المعلومات من مؤلفاتهم.
30 ـ سعينا في هذا الكتاب أن نستفيض باستخدام المفردات العربية، ولا سيما الشواهد لاستخدامها في الفارسية، سواء كانت موجودة في الفارسية أو غير موجودة.
31 ـ قد يُلحظ في الكلمات العربية المدوَّنة في «لغت نامه» بعض المعاني مما هو غير مذكور في كتب اللغة العربية. وسبب ذلك أن الإيرانيين منحوها هذه المعاني في معرض سياقهم لها، وقد اضطررنا إلى ذكرها.
32 ـ إن نقل الأساطير العربية وإيراد أسامي الجن والملائكة وشجعان العرب وأسماء خيولهم وسيوفهم ووقائعهم في هذا الكتاب من هذه الوجهة تماماً كما ورد عند الأدباء الإسلاميين من مترسلين وشعراء، فجاء ذكرها مشابهاً لأساطير اليونان في أدب المسيحيين. وكتبنا الأدبية السهلة التناول، الشعرية والنثرية زاخرة بالإشارات عنها. وما زلنا نفتقر إلى كثير من الكتب الأخرى، إما بطريقة طبعها، وإما بضيق انتشارها ووقوعها بأيدٍ غير مناسبة، أو محفوظة في مكتبات شخصية في الهند وبلاد الترك وغيرهما. ولا شك أن «لغت نامه» يجب أن تشتمل على هذه الكتب. كما لا يمكننا اليوم أيضاً منع أي شاعر، إذا كان يدرك المقصود من الإشارة إليها.
33 ـ وقد لا يتسنى لمطالع هذا الكتاب الاطلاع على القواعد الصرفية والنحوية للمفردات العربية، ولهذا جاءت الجموع والمثنيات المستعملة وأفعال التفضيل وصيغ المبالغة والصفات المشبهة منفصلة، وتأخذ مكانها المناسب من التسلسل الألفبائي.
34 ـ الأمثال: لم أورد في «لغت نامه» أمثالاً كافية، لأنها نقلت في كتاب الأمثال والحكم، وإذا ما كُرر ذكرها هنا احتاجت إلى وقت طويل، وزادت من حجم الكتاب، وعقَّدت من طبعه.
35 ـ أما خواص بعض الأدوية وغيرها مما نقل إلى الكتاب، فإننا أرفقنا بالكلمة تاريخها. وكذلك الأمر اتبعناه في شرح بعض النباتات والحيوانات والمعادن ذات الخواص الخرافية، من غير أن نكوّن اعتقاداً ما. إنما تنقل من الوجهة التاريخية، وكثيراً ما نوَّه الشاعر وغير الشاعر بها.
36 ـ ربما يقال إن الكلمات المشهورة لا تحتاج إلى شاهد بالضرورة، لكن هذا غير صحيح، لأن ما هو مشهور عند قوم، مهجور عند قوم آخرين. وما هو مهجور في زمان، مشهور في زمان آخر. ويعلم المشتغلون باللغة أن كثيراً ما كان اللغوي يقنع من التعريف بكلمة «مشهور» أو «هو مشهور». في حين أن هذا «المشهور» اليوم لم يعد فقط «غير مشهور»، بل غدا في عداد المفقود أو المجهول، وإدراك معناه مستحيل أو ممتنع.
37 ـ قد تردُ في هذا الكتاب لفظة فارسية من «منتهى الأرب» معدَّة شاهداً ومثالاً. وسبب ذلك أن مؤلف هذا الكتاب، وإن كان هندياً، فإنه اعتمد كتباً مترجمة عربية إلى الفارسية، وفارسية إلى العربية كثيرة. ونحن لا نعلم عنها شيئاً، وهي في غاية الكمال وصحيحة تماماً.
عبيد الله ناصري طاهري
لكنو
تقع لكنو في شمال غربي الهند وبين سكانها العدد الكثير من الشيعة وكانت عاصمة ملوك (أوَدْ) الشيعة الذين أسسوا دولتهم عام 1167هـ وأخذوا ينشئون في لكنو المعاهد والمؤسسات والمشاريع واستمر ذلك حتى أصبحت مركزاً من أهم مراكز الثقافة الإسلامية في الهند.
وقد قامت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في نيودلهي بإحصاء وفهرسة الكتب الخطية لعدة مكتبات مهمة في الهند من الإرث الإسلامي، وطبعت الفهرست. ثم أصدرت فهرستاً للكتب الخطية النفيسة الموجودة في مكتبة (راجه محمود آباد) وجاء في مقدمة ذلك الكتاب تقرير عن مكتبات (لكنو) العامة، أعدّه السيد (خواجه بيري) مدير مركز الدراسات الفارسية في المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بنيودلهي، ندرجه فيما يلي بعد مراجعته ورفده بالإضافات:
إن انتشار الإسلام في الهند مكّن المسلمين من حكم شبه القارة الهندية ما يقرب ثمانمائة عام، لتكون بذلك الهند إحدى قواعد الإسلام والعلوم والفنون الإسلامية، ما أدّى إلى تعلق السلاطين المسلمين بالثقافة والأدب الإسلاميين واحترامهم للعلماء والمفكرين طوال تاريخ التمدن والثقافة الإسلامية في الهند. وقد بسط الحكّام المسلمون الثقافة والتمدن الإسلامي في كافة أنحاء الهند فأنشؤوا مدارس وبنوا مبان عظيمة، وكرموا العلماء، وشجعوا الطلاب.
ففي عهد محمد شاه تغلق (1325 ـ 1351م) كان في دلهي وحدها ألف مدرسة كبيرة وصغيرة لطلاب العلوم، وكانت كل مدرسة منها تضم عشرات طلاب العلم الذين يتلقون العلوم الإسلامية، وكان إلى جانب معظم تلك المدارس مكتبات عامة يستفيد منها المدرسون والطلاب. وما زالت آثار مدرسة (فيروز شاه تغلق) قائمة حتى الآن إلى جانب حوض خاص في دلهي.
ولم يكن تحصيل العلوم والفنون الإسلامية آنذاك منحصراً في المدارس وحدها، بل كانت المساجد والمعابد الصوفية أيضاً مراكز تدريس للعلوم الإسلامية. وكانت المكتبات العامة تقف شامخة إلى جانب معظم المساجد والمعابد الصوفية.
ذكر الشيخ عبد الحق المحدث الدلهوي المتوفى عام (1642م/ 1052هـ) في كتاب أخبار الأخيار في ترجمته لسراج الدين أنه كان من تلاميذ مولانا ركن الدين والعارف الكبير الخواجة (نظام الدين أولياء) المتوفى عام (1325م/ 725هـ) وكان يستفيد من مكتبته.
ومن بين الحكومات الإسلامية في الهند، كان السلاطين المغول الأكثر تعلقاً بالفنون والعلوم الإسلامية. فظهير الدين محمد بابر المتوفى عام (937هـ/ 1530م) رأس سلالة الملوك المغول التيموريين في الهند، كان صاحب فضل، ينظم الشعر. وقد أوجد مكتبة عظيمة داخل قصره، وكان يدعو العلماء والفنانين من كافة الأنحاء للاستفادة منها، وقد بلغ شدة تعلقه بالمطالعة حداً كان إذا فرغ ليلاً من شؤون الحكم توجه إلى المكتبة ليطالع في كتبها شطراً من الليل، حتى أنه كان ينام فيها أحياناً، وكان خطّه حسناً، وقد ابتكر خطاً سمّي فيما بعد بالخط البابري. وبلغ عدد كتب تعداد مكتبته (52400) مجلد حسب نقل المؤرخين.
وهمايون بن بابر (937 ـ 963هـ/ 1530 ـ 1556م) كان متعلقاً بالعلوم الأدبية إلى درجة جعلته يقيم المجالس العلمية والأدبية الكبيرة في مختلف الأنحاء بحضوره شخصياً، فأسس القاعات السبع التي سميت بالنجوم السبع الكبيرة لاستقبال ضيوفه. منها قاعتان باسم الزُهرة والمشتري مخصصتين للقاء العلماء والمفكرين وأهل الفن. وقد ذكر السيد علي الملقب بأمير البحر تلك المجالس وذكرياتها وذلك في كتابه (سفر نامه). أما همايون فإنه كان يقضي معظم أوقات فراغه في مكتبته الشخصية في برانا قلعة أي القلعة القديمة ليطالع فيها. وفي يوم (17 ربيع الأول عام 963هـ) خرج السلطان من مكتبته لأداء فريضة المغرب، فتعثر عند الدرج وسقط ومات، ولا تزال عمارة مكتبته قائمة في القلعة القديمة.
وأبرز فترة لنمو الثقافة والتمدن الإسلامي في الهند هي فترة حكم جلال الدين محمد أكبر (963 ـ 1014هـ/ 1556 ـ 1605م) وهو ابن همايون وخلفه. ورغم أنه لم يكن في مستوى آبائه في مجال المعارف والفنون الإسلامية، لكن عشقه وتعلقه الوافر بالعلوم والفنون كان شديداً. إضافة إلى وجود علماء في البلاط من أمثال: أبو الفضل بن مبارك المتوفى عام (1011هـ/ 1602م) وأخوه الفيضي المتوفى عام (1004هـ/ 1595م) وملاّ فتح الله الشيرازي المتوفى عام (997هـ/ 1588م) والقاضي نور الدين الشوشتري الشهيد الثالث المتوفى عام (1019هـ) وأبو الفتح الجيلاني المتوفى عام (997هـ/ 1589م) والحكيم همام المتوفى عام (1004هـ/ 1595م) وعبد الرحيم خان خانان المتوفى عام (1036هـ/ 1627م)، ممن ساهموا بانتشار الثقافة والفنون الإسلامية أكثر من أي عهد آخر.
وقام (أكبر) بتوسيع مكتبة أسلافه، وشجع وزراءه وأعوانه على تأسيس مكتبات كثيرة. فأسس عبد الرحيم خان خانان مكتبة كبيرة، ودعا إليها العلماء والفنانين والخطاطين والرسامين من أنحاء العالم الإسلامي للتعاون وإغناء المكتبة. فعمل فيها لمدة كل من: بهبود ميرزا الخطاط، وأخوه مير علي خوشنويش، وشجاع الشيرازي أستاذ خط الثلث والنسخ، والملا عبد الرحيم الهروي الملقب بعنبرين قلم، ومحمد حسين الخطاط. وقام بتزيين كتبها الأستاذان الأخوان: ميان نديم وميان فهيم. وتولى إدارة شؤون تجليد الكتب فيها: محمد أمين الخراساني، وكان جمع من العاملين يساعدونه. وقد هاجر محمد أمين هذا من مدينة مشهد في إيران إلى الهند ليعمل في المكتبة المذكورة، وكان يتقاضى أجراً شهرياً قدره (400) روبية.
وابنة أخ همايون من كلرخ بيكم الشاعرة المشهورة: سليمة سلطانة كانت تمتلك مكتبة، وكانت معظم كتبها من النوادر.
ومن المكتبات الهامة لذلك العهد: مكتبة منعم خان سبهسالار في جونبور، ومكتبة نور جهان بيكم في دهلي، ومكتبة الفيضي في فتح بور سيكري (أكبر آباد).
كانت توجد في مكتبة الفيضي مؤلفاته التي ناهزت مائة وعشرة مجلدات، إضافة إلى (4600) نسخة نادرة من الكتب.
ونواب نور النساء بيكم كانت تعشق الكتب إلى درجة جعلتها تشتري ديوان كامران بمبلغ يعادل ثلاثة مهور من الذهب. وما زالت تلك النسخة موجودة في مكتبة خدابخش بتنا، وقد كتب على صفحتها الأولى: (ثلاثة مهور من الذهب قيمة هذه الخزانة) نواب نور النساء بيكم.
وفي زمان حكومة الملوك الذين تلوا (أكبر) ومنهم: جهانكير (1014 ـ 1037هـ/ 1605 ـ 1627م) وشاه جهان 1037 ـ 1068هـ/ 1627 ـ 1658م) وأورنكزيب (1068 ـ 1118هـ/ 1658 ـ 1708م) أسست مكتبات عامة وخاصة أيضاً.
فجهانكير كان يحمل مكتبته الشخصية معه خلال أسفاره، فعندما سافر إلى مقاطعة كجرات كان يلتقي العلماء والمفكرين، ويقدم لهم الكتب هدايا.
وفي زمان حكومة شاه جهان زار سائح ألماني اسمه (جان البرت) الهند عام (1638م) وكتب في مذكراته أنه زار مكتبة جهانكير، ورأى فيها (24000) نسخة من أفضل الكتب المجلدة.
(دارا شكوه) ابن العالم والعارف (شاه جهان) الذي قد قتل عام (1659م/ 1069هـ) كان صاحب مؤلفات قيمة في العرفان الإسلامي، وأسس مكتبة كبيرة في دلهي ما زال مبناها قائماً في ناحية كيت الكشميرية (بوابة كشمير).
وفي زمان سلطنة (أورنكزيب) تنامت مجالات الفقه والتفسير والحديث بسبب تشدد الملك بالمسائل الدينية. وكان (أورنكزيب) يصلي نافلة الليل، ثم يقرأ القرآن أو يخطه بيده. وعند موته أوصى أن يشترى كفنه بمبلغ (405) روبية من المبلغ الذي جمعه من بيع النسخ القرآنية التي خطها بيده. وكان قد تعلم فن إدارة المكتبات والتأليف على يد السيد علي التبريزي، مديرالمكتبة الملكية.
ابنة أورنكزيب (زيب النساء) التي توفيت عام (1114هـ/ 1702م) يقال إنها كانت شاعرة صاحبة ذوق أدبي، تنظم الشعر، وتحتوي مكتبتها الشخصية على كتب متعددة في الأدب والأخلاق، وأنها أمرت بتأليف وترجمة كتب كثيرة في المعارف الإسلامية منها: التفسير الكبير للفخر الرازي الذي ترجمه إلى الفارسية الملاّ صفي الدين وسماه (زيب التفاسير) وألّف بأمر منها كتاب أنيس الحجاج. وبعد موت أورنكزيب اختلف أبناؤه فيما بينهم، مما أضعف حكومة المغول، وكان من بين سلالته ملوك أحبوا العلم والأدب، وكانوا يتذوقون ذلك، وهو: بهادر شاه ومحمد شاه (1131 ـ 1161هـ/ 1719 ـ 1748م) والشاه عالم ثاني.
ومع ضعف حكومة المغول في دلهي عام (1211هـ) ورفع غائلة ولاية (أود) عيّن (سعادت خان برهان الملك) قائداً لتلك المنطقة، فاتخذ من مدينة (فيض أباد) مركزاً لقيادته. وكان برهان الملك رجلاً محباً للعلم، وكان من أصل إيراني، ومن سادات نيسابور. وكان اقتدار (سعادت خان برهان الملك) وضعف الحكومة المركزية أديا لأن تصبح ولاية أَوَدْ منطقة حكم ذاتي([182]). ومع تأسيس حكومة أود، وخفوت شعلة العلم والمعرفة في (دلهي) أضحت ولاية (أود) مركزاً للعلماء والمثقفين ومهداً للعلوم والفنون الإسلامية. وفي عهد (آصف الدولة) من الجيل الثالث من أبناء (برهان الملك) اتخذ من (لكنو) عاصمة لولاية أود. وكان آصف الدولة هذا عالماً ومحباً للعلم، وكان مرهفاً يعشق الشعر والأدب الفارسي، وكان ينظم الشعر باللغة الفارسية، وقد طبع ديوان شعره مرتين حتى الآن في الهند. وفي عهده أسست عشرات المدارس والمكتبات العامة في مختلف أنحاء ولاية أود، وتوجه إلى هذه المنطقة العلماء والمفكرون من أنحاء الهند والعالم الإسلامي.
وفي عام (1134هـ) سافر إلى لكنو السيد عبد اللطيف بن أبي طالب بن نور الدين بن نعمة الله الحسيني الموسوي التستري، ودوّن مشاهداته عن خدمات آصف الدولة فقال: (رأيت في مكتبة السلطان عالم واجد علي شاه كتباً مختارة بخط حسن ونظيفة، وقد عيّن شخصاً على كل مائة مجلد منها، وقد تصفّحت أكثرها من خلال مصاحبته، فوجدتها في مجالات: أقسُم الفنون وأصناف العلوم العربية والفارسية والإنجليزية، من نظم ونثر وتاريخ وديوان، إضافة إلى قطع جميلة سطّرت بأقلام أساتذة الخط الأوائل والمعاصرين، وصور لمصورين من إيران والهند والروم والإفرنج بأعداد لا يمكن مطالعتها خلال العمر كله. فيها مجلدات كثيرة من الكتب العلمية منها: الشرائع والمدارك والمسالك والمفاتيح والكشكول وبعض مجلدات بحار الأنوار كلها بخط مؤلفيها، وسمعت من قيم المكتبة أن فيها سبعمائة مجلد من الكتب العلمية بخط مؤلفيها، وأنها تضم ما كانت تحويه مكتبات السلاطين التيموريين بعد سقوطهم. والحق أن جميع الخزائن والدفائن والذهب والمجوهرات التي كانت معه لا تعادل عشر عشير مكتبته.
مكتبات السلاطين:
كان ملوك (أود) الشيعة مثل باقي سلاطين الهند المسلمين يحبون جمع الكتب وتأسيس المكتبات حباً جماً، وكانوا يولون العلماء والمفكرين اهتماماً خاصاً، لذلك فإن جمعاً كبيراً من العلماء والمفكرين والفنانين قد توجهوا آنذاك إلى (أود) قادمين من أنحاء الهند وإيران والعراق، وكان لاهتمام الملوك والأمراء في أود بالعلوم الإسلامية، ووجود العلماء والمفكرين فيها أثره في نمو الثقافة والعلوم الإسلامية أكثر من أي زمان آخر، حتى ألّفت فيها مئات الكتب العلمية في عدة مجالات من العلوم والثقافة الإسلامية، وكثير من تلك الكتب ما زالت مجهولة لدى المجتمعات العلمية. ففي تلك الأيام أسّس الملوك والأمراء والمسؤولون والعظماء والعلماء مكتبات لا تعد ولا تحصى في منطقة أود، وكان كل واحد منهم يسعى لأن يضم إلى مكتبته أندر الكتب، إضافة إلى وجود سماسرة كانوا يعرفون بتعلق أولئك بالكتب، فكانوا يجمعون الكتب النفيسة والنادرة من كل حدب وصوب لينالوا القرب من الحكام ونيل عطاياهم، وكانوا يقدمونها لهم في مراسم خاصة. لذلك فإن جزءاً من كتب مكتبات السلاطين كانت هدايا وتحفاً تصل إلى مكتبة قادمة من الأطراف.
وأكثر أولئك السلاطين تعلقاً بالبحث العلمي والأدبي كان سلطان أود (راجه علي شاه 1263 ـ 1271هـ/ 1847 ـ 1856م) وقد بلغت مؤلفاته من النظم والنثر ستة وأربعين كتاباً ورسالة. وكانت المكتبة السلطانية في عهده تضم مائتي ألف مجلد في مختلف ضروب الثقافة والمعارف الإسلامية، وفي أول عام من حكمه أمر بإعداد فهرست بأسماء جميع الكتب التي تحتاجها المكتبة السلطانية، وبعد إعداد الفهرست أصدر أمره على الشكل التالي: (إن أي كتاب ورد اسمه في الفهرست التفصيلي التالي يصل قبل تاريخ (24) من هذا الشهر ـ ذي القعدة ـ الخميس من سنة (1263) هجرية إلى يد محمد حسين المشرف على المكتبة السلطانية في تكية الشاه الفصيح، سيشتري بالثمن الذي يحدده صاحب الكتاب، شرط أن ينال الموافقة عليه).
وبعد صدور أمر (واجد علي شاه) بشراء الكتب، نظم الشعراء قصائد تؤرخ الأمر.
وبصدور هذا الأمر السلطاني فإن مئات الكتب تهافتت نحو مكتبته لتنضم إلى مجموعات كتب المكتبة السلطانية. وكان من الأسباب الموجبة لاتساع المكتبات آنذاك إهداء الكتب إلى العرسان، فطبق أعراف ملوك أود تحمل مجموعة من الكتب برفقة أثاث العروس وتنقل إلى بيت زوجها، وكلما كانت أسرة الفتاة ميسورة مالياً، ازداد عدد تلك الكتب، وكانت الكتب في ذلك الوقت غالية الثمن ونفيسة. وبذلك انتقلت كتب كثيرة إلى تلك المنطقة نتيجة للطلب. وعندما عقد زواج السيدة (نواب بهو بيكم) الأميرة التيمورية من دلهي بوزير ممالك أود، حملت مع أثاثها عدداً كبيراً من الكتب النادرة النفيسة، وبعد موتها نقلت تلك الكتب إلى المكتبة السلطانية.
من ناحية أخرى فإن فتوحات الملوك والأمراء لباقي المناطق ساهمت في إغناء المكتبات أيضاً. ففي عام (1188هـ/ 1774م) قام (نواب شجاع الدولة) بمهاجمة (روهيلة) وقتل واليها (حافظ رحمة خان) وعاد بالغنائم إلى (لكنو) وكان من جملتها المكتبة الكبيرة للنواب روهيلة، وأودعت المكتبة السلطانية.
محل المكتبة السلطانية:
تقع المكتبة السلطانية في مدينة لكنو عاصمة أود، في عمارة من العمارات الملكية اسمها (برانة دولت خانه) وهذه العمارة تقع بين رومي دروازة وبل آهني (الجسر الحديدي) الواقع على نهر غومتي، وهي تضم عدة آلاف من الكتب النادرة النفيسة. وفي عهد حكومة غازي الدين حيدر (1814 ـ 1827م) تم شراء عدد كبير من الكتب، وأهديت للمكتبة السلطانية. وفي ذلك العهد ظهر استهلاك عمارة المكتبة وتصدّعها، فقسمت الكتب إلى ثلاثة أقسام، ونقل قسم منها إلى إحدى العمارات الملكية (مؤتى) محل (قصر مرواريد وقد اشتهرت بهذا الاسم لوجود قبة لؤلؤية الشكل فوقها. ومؤتى هو مكان عند شاطىء نهر غومتي الكبير، ولا يبعد عن حديقة (قيصر باغ) مكان إقامة (واجد علي شاه) إلا مسافة قليلة.
(شرينغر) زار هذه المكتبة، وذكر أن كتبها كانت تزيد عن ثلاثة آلاف كتاب. وقد ازدهرت هذه المكتبة بعد هجرة أحد الأمراء التيموريين وهو (سليمان شكوه) من دلهي إلى لكنو، وكان سليمان هذا عالماً وصاحب فضل، وكان يقيم في (مؤتى) بأمر من ملك (أود) وكانت تقام بحضوره مجالس أدبية، فزيد في عدد كتب تلك المكتبة خلال أيام إقامته هناك مئات الكتب النادرة. وعمارة مؤتى تقع في حديقة واسعة قرب نهر غومتي، ويوجد جنبها مبنى كبير لإقامة طلاب جامعة لكنو. والعمارة القديمة ما زالت هي المكتبة، وفيها بضعة آلاف من الكتب باللغات: الإنجليزية والأوردو والعربية والفارسية والبشتون. لكن لم يبق فيها أي نسخة خطية، حيث نقلت منها ألف نسخة من أفضل الكتب الخطيّة وأندرها إلى عمارة (فرح بخش منزل) وكان (سعادت علي خان) قد اشترى هذه العمارة بمبلغ (25000) روبية من تاجر إنجليزي اسمه (الجنرال مارتين) وجعلها من جملة المباني الملكية.
وقد ابتلي (سعادت علي خان) بمرض شديد، فأمر بنقله إلى تلك العمارة، وفيها تحسنت حاله، فأطلق عليها اسم (فرح بخش منزل) أي منزل السعادة، ومنذ ذلك الحين كان جميع ملوك أود يقيمون فيها، ونصبوا فيها عروشهم، وجعلوها قصراً لسلطنتهم. أما الكتب التي نقلت إلى هذه العمارة فكانت تنتخب تحت إشراف الملك، وكان لها أهمية خاصة من حيث التذهيب والخط والقدم.
ونقل عدد لا بأس به من كتب المكتبة السلطانية إلى عمارة المدفعية، وهي متصلة ببيلي غاردن، محل إقامة المندوبين الإنجليز، وقد اعتبر بعض المحققين أن عمارة المدفعية هي من ملحقات (بيلي غاردن) في حين أنها خارج أسوارها، وهي عمارة قديمة، وقد استولى عليها الإنجليز إضافة إلى مبنى بيلي غاردن، وجعلوا الطابق الأول منها مكاناً لإقامة جنود وحراس بيلي غاردن. أما كتب مكتبة (حافظ رحمت خان) والي روهيلة التي غنمها نواب شجاع الدولة وأحضرها معه إلى لكنو، فقد وضعت في الطابق الثاني، وأضيف إليها عدد من كتب المكتبة الملكية. وهذه المكتبة لا تزال قائمة مكانها.
مصير مكتبات أود:
المكتبات الكبرى والخزائن القيمة في أود كانت أهم وأعظم مكتبات شبه القارة الهندية في ذلك العصر، لكن ضعف حكومات ملوك أود، والنفوذ المتعاظم للإنجليز قضيا على تلك الكنوز خلال فترة وجيزة، فنهبت نفائس الكتب، أو أصبحت بسبب الإهمال طعمة للعث، وانتشرت أوراق آلاف الكتب الخطية ليستعملها البقالون، وتحولت المكتبات إلى خرائب مع انهيار نظام ملوك أود.
السؤال الذي بقي عاصياً عن الإجابة على مر العصور هو: ما هي أسباب تلف مكتبات أود وتفرّق كتبها وضياعها؟ وقد حاول المستشرقون تحليل الأمر. فالسرجنت ستريجي المستشرق والمؤرخ المعروف يعتقد أن الكتب تعرضت للتلف نتيجة للإهمال بعد خلع (واجد علي شاه) ونفيه عام (1857م) إلى كلكته، واستيلاء الإنجليز على ولاية أود.
لكن الوثائق التاريخية تشير إلى وجود مؤامرات كثيرة حاكها الإنجليز قبل واقعة عام (1857م) بعدة سنوات، بهدف الاستيلاء على مكتبات أود، ذلك لأن الإنجليز كانوا قد استولوا على حكومة أود قبل سنوات من خلع (واجد علي شاه) عام (1857م) وكان الملوك يتربعون على عروشهم بقدرة الإنجليز ودعمهم، وكان العزل والتعيين بأيديهم أيضاً، ولم يكن الملك يمتلك أية صلاحيات في شؤون مملكته.
وعندما كانت مدينة لكنو وتوابعها تتلظى بنار الحملات المتتابعة للإنجليز، وكانت ألسنة لهب الاختلاف والنفاق ترتفع فيها، كان جمع من الانتهازيين وعملاء الإنجليز وصنائعهم الذين تيقنوا من استيلاء الإنجليز على أود، قد هبّوا لمساعدة المحتل الأجنبي على أمل أن يحافظوا بذلك على امتيازاتهم ومناصبهم بعد استيلاء الإنجليز بشكل كامل. وفي أواخر عهد حكومة (واجد علي شاه) حيث كانت الشؤون كلها بيد مندوبي الحكومة الإنجليزية، اختار نائب السلطنة الإنجليزي في الهند جمعاً من المستشرقين وكلّفهم بدراسة أوضاع المسلمين والمكتبات في الهند. وكان السير (هنري إيليت) رئيس مكتب نائب السلطنة الإنجليزي في الهند واحداً من أولئك، وقد كلّف بكتابة كتاب حول التاريخ الإسلامي في الهند. وقد بدأ مهمته تلك عام (1848م) باقتراح من الدكتور (اشبرينغر). فكلّف الدكتور (إيليت) بالسفر إلى معظم المدن الهندية، وكان يستغل منصبه خلال أسفاره تلك، فكان كلما دخل مدينة أو قرية أو محلة يستقبل باحترام من قبل زعمائها ومسؤوليها نظراً لمنصبه ذاك، وكان يدخل إلى جميع المكتبات والخزائن الإسلامية تلك دون أي عائق، ويحصل منها بسهولة على أي كتاب يحتاجه. وقد جمع خلال أسفاره تلك مئات الكتب النادرة والنفيسة، كان معظمها هدايا قدمت له، وإذا أعجبه كتاب ما كان يأخذه بالقوة أو يدفع ثمنه زهيداً.
وفي الأول من شهر أيار عام (1847م) قدّم القائد العسكري الإنجليزي في الهند قدم الدكتور إيليت إلى الملك واجد علي شاه، فسُرَّ واجد علي شاه بسعة معلومات إيليت في العلوم الإسلامية، فسمح له بالدخول إلى المكتبة السلطانية وباقي مكتبات لكنو، فقام الدكتور إيليت خلال أسبوع واحد باستعراض جميع تلك المكتبات، واختار الكتب التي يريدها من بين آلاف الكتب النادرة، وكان الشاه واقعاً تحت تأثيره، فأهداه تلك الكتب.
إضافة إلى ذلك قام الدكتور إيليت خلال مدة إقامته في لكنو ببناء عرى الصداقة مع (الميرزا الوصي علي خان) وكان حينها يشغل منصب مستشار رئيس وزراء حكومة أود، لكن خلافاً وقع بينه وبين بعض الموظفين الإنجليز أدى إلى خلعه من منصبه ذاك بتوصية من القائد الإنجليزي في لكنو. لذلك فإنه كان يسعى لإرضاء الإنجليز طمعاً في استعادة منصبه، لهذا فقد فتح أبواب المكتبات عنوة بوجه إيليت، فاختار إيليت منها ما يشاء وما استطاع، وكان الميرزا يخرج الكتب له بنفسه، ولئلا يلتفت الآخرون لعدد الكتب المفقودة كان يضع مكانها كتباً لا قيمة لها. هذا عدا الكتب التي قدمها (واجد علي شاه) للدكتور إيليت. وبالفعل فإن خدمات الميرزا للدكتور إيليت أدت إلى عودته إلى منصبه المفقود.
من المكتبات الأخرى التي تعرضت للنهب على يد الدكتور إيليت وبغطاء من الميرزا وصي علي خان مكتبة (قلعة مجلي بمون) وهي مكتبة كانت لأحد أمراء أود، وقد أغلقت بعد وفاته وأهملت، وعندما وجد مدير المكتبة اضطراب الأوضاع قام بإخراج جميع الكتب النادرة من المكتبة وباعها للميرزا محمد جعفر (1230هـ/ 1814م) وبعد موت الميرزا محمد جعفر انتقلت المكتبة لابنه الميرزا محسن، واعتقل الميرزا محسن بسعاية من معتمد الدولة وأودع السجن، وخلال قضائه مدة حبسه أهملت المكتبة، فنال العث من عدد كبير من كتبها، حتى إذا مات الميرزا محسن، قام ابن أخيه الميرزا محمد ببيع المكتبة إلى (علي نقي خان) رئيس وزراء ذلك العهد بعدة آلاف من الروبيات، ثم قام الميرزا وصي علي خان بتقديم جميع تلك الكتب إلى الدكتور إيليت.
على أي حال فإن الدكتور إيليت هذا استطاع بطرق مختلفة أن يجمع عدة آلاف من الكتب والرسائل، مستغلاً منصبه ونفوذه، ونقلها معه إلى إنكلترا، وسلمها جميعاً إلى المتحف البريطاني. ففي فهرست (شارلس ريو) المكوّن من ثلاثة مجلدات نجد أن معظم الكتب تحمل ختم ملوك أود وتوقيع الدكتور إيليت.
وكتب الدكتور اشبرينغر مقالة حول المخطوطات التاريخية لإيليت في عام (1854م) أشار فيها إلى بعض الكتب التي نقلها الدكتور إيليت معه إلى إنجلترا.
ومن المستشرقين الذين أرسلهم الإنجليز إلى أود قبل انهيار حكم ملوك أود لدراسة مكتبات أود كان الدكتور اشبرينغر، وهو ذو أصل أسترالي، استخدمه الإنجليز بسبب تبحره في العلوم الشرقية، وأرسلوه إلى لكنو كمفهرس لمكتبات أود، وكان موفقاً في عمله هذا أكثر من الدكتور إيليت، حيث استطاع خلال أقل من عامين أن يستعرض أكثر من عشرة آلاف كتاب ويفهرسها، وتحديد الكتب المهمة الموجودة في منطقة أود، وأعطى قسماً منها للإنجليز، ونقل قسماً آخر معه إلى ألمانيا. ورغم اعتقاد البعض أنه قد قدم خدمة للمسلمين وللعلوم الإسلامية بما قام به خلال إقامته في لكنو من فهرسة لمخطوطات المكتبة السلطانية في أود، لكنه كان أذكى من أن يدون ما شاهده في المكتبات، فيطلع الآخرون على أسرار عمله، فرغم أنه كان يعمل لصالح الإنجليز، لكنه أخفى عنهم الكثير من الكتب النادرة، ونقلها إلى بلده ألمانيا. وهكذا فعل بالنسبة للفهرسة أيضاً، فبعد أن أعدّ فهرساً لعشرة آلاف كتاب من محتويات مكتبات أود، وجعله في أربعة مجلدات، وجعل المجلد الأول منها في قسمين للكتب الفارسية والأوردو، وقد طبعه في الهند. أما المجلدات الثلاثة الأخرى فإن مصيرها مجهول، وأظن أنه أخذها معه إلى ألمانيا، ولم يكن ينوي طبعها أبداً.
وعليه يتبين أن مكتبات أود كانت محطاً لأطماع الإنجليز قبل سقوط سلالة ملوك أود بسنوات، وفي عام (1857م) خلع (واجد علي شاه) آخر ملوك أود، خلعه الإنجليز من السلطة، ونفي إلى كلكتا، وأضحت حكومة أود جزءاً من المستعمرات الإنجليزية بشكل رسمي. ومع تسلط الإنجليز على أود وقتل الناس ونهب أموالهم، خلال الأيام التي سماها الإنجليز بأيام الغدر، تعرضت المكتبات إلى النهب والحوادث مثل باقي الأملاك، ونحي مسؤولو المكتبات ومدراؤها عن مناصبهم، وعين مكانهم أفراد غير مؤهلين، ودبت الفوضى داخل المكتبات، وأتلفت كتب كثيرة بسبب الإهمال والفقر والأهداف الإنجليزية المخزية للقضاء على العلوم والثقافة الإسلامية.
كتب المستشرق والمفهرس للنسخ الخطية في مكتبة ملوك أود (اشبرينغر) في مذكراته أن مدير المكتبة الملكية باع عدداً من الكتب النادرة بإحدى عشرة ألف روبية، ليؤمن بذلك تكاليف عرس ابنته.
وكتب الميرزا محمد نصير في صحيفته: (دخلت برفقة أخي نظام الدين إلى مدينة لكنو في يوم 12/4/1858م) وأقمنا في منزل قرب حويلي روشن الدولة. وكان بيتاً خرباً، وكان في إحدى زوايا المنزل مئات الكتب القيمة والوثائق المهمة مخزنة ومتروكة بقيت من حوادث عام (1857م).
وجاء في كتاب (قيصر التواريخ) أنه كانت في تلك الأيام ترمى الكتب من البيوت إلى جوانب الطرقات والأزقة كأوراق تالفة، أو تباع إلى البقالين لتغليف البضائع بأسعار متدنية.
وكتب العلاّمة (خامة حسين النيسابوري) في مذكراته: (كنت محتاجاً لكتاب خلال تأليفي لعبقات الأنوار، وبحثت عنه عدة سنوات، وأوصيت جميع أصدقائي في الدول الأخرى أن يبحثوا عنه ويرسلوه لي، وكتبت من أجله الرسائل، إلى أن ذهب الخادم في أحد الأيام إلى البقال ليشتري منه، وعاد ببضاعة مغلفة بورقة لفتت نظري، فقرأت كلماتها، فوجدت فيها بعض ما كنت أريده، ثم تبين لي أنها ورقة من ذلك الكتاب، فأرسلت الخادم فاشترى منه الكتاب كله بقيمة بخسة).
(مسيح الدين خان الكاكوري) كان قد توجه إلى لندن برفقة أم (واجد علي شاه) وأخيه من أجل إعادة حقه في الحكم، ثم كتب كتاباً حول الظلم الذي ارتكبه الإنجليز لملوك أود. وكان من جملة ما أشار إليه: وضع المكتبة السلطانية، وأن القادة الإنجليز أخذوا معهم عدداً كبيراً من كتبها، كما أتلفت أعداد كبيرة أخرى من كتبها بسبب إهمالهم لها.
وحسام الدولة وكيل الشؤون السلطانية كتب رسالة إلى معاون القائد العسكري الإنجليزي في لكنو بعد نفي (واجد علي شاه) تظهر ما آلت إليه تلك المكتبة، ومحاربة القادة الإنجليز للمراكز الإسلامية. وذكر في رسالته المؤرخة (14/8/1856م) أني أُبلغت اليوم أن الكابتن فليشر قد دخل إلى المكتبة السلطانية في فرح بخش بأمر منكم، وحاول نقل الكتب إلى محل إقامة الجنرال مارتين. ونعلمكم بأن هذه الكتب من ملكية حكومة شاه أود السامية، ولا يحق لي التصرف بها من رأيي. لكن بما أن هناك حالة صداقة وتفاهم بين حكومة الهند الشرقية وحكومة أود، لذلك لا مانع من قيامكم بمطالعة الكتب وزيارة المكتبة.
وعندما وصلت رسالة حسام الدولة إلى معاون الحاكم العسكري الإنجليزي في لكنو، غضب وأرسل له رسالة جوابية بتاريخ التاسع عشر من نفس الشهر هذا مضمونها: (بالنسبة لتمرّدك على حكم رسولنا، وعدم تسليم المكتبة السلطانية إلى الجنود لنقل الكتب إلى مكان إقامة مارتين، فإن القائد الحاكم قد غضب عليك، ورسالتك هذه لا تليق بضابط كبير، ولم تحفظ بذلك منزلتك ومنصبك، ولن نسمح لك في المستقبل أن تخوض في الشؤون السياسية. أما بالنسبة لثقة ملك أود بك، واستشارته لك في شؤونه فهذا أمر شخصي، لكن من الآن فصاعداً لا يحق لك التدخل في الشؤون العامة، ولا ينبغي لك عصيان أوامر الضباط الإنجليز، وتذكر بأنك أحد خدم شركة الهند الشرقية أيضاً).
على أي حال بعد إرسال معاون الحاكم العسكري الإنجليزي رسالتين أخريتين إلى المسؤول عن المكتبة يذكر فيهما أن الكتب معرضة للتلف في المكتبة بسبب قلة الاهتمام وفقدان الإمكانات اللازمة لدى الملك المنفي، اضطر مدير المكتبة لتسليم جميع الكتب. وبعد نقل الكتب إلى مكان إقامة مارتين، فإننا ننقل خبرها من كتاب (قيصر التواريخ) حيث يقول: (بعد نفي واجد علي شاه إلى كلكتا، قام الحاكم العسكري الإنجليزي الجديد في لكنو بزيارة المكتبة السلطانية، وكانت الكتب مرمية على الأرض دون ترتيب، فاستفسر الحاكم من مسؤول المكتبة عن سبب ذلك، فأجابه مفتاح الدولة قائلاً: الميجر كارينغي ـ أحد الضباط الإنجليز ـ أمر في أحد الأيام بإنزال جميع الكتب من أقفاصها، ثم أمر موظفي المكتبة بإعادة الكتب حسب ترتيبها السابق في أماكنها. فقيل له إن المكتبة نظمت خلال عدة سنوات وكلّف ترتيبها آلاف الروبيات، ويستحيل إعادة ترتيبها وهي على هذه الحال).
لكن الأمر كان غير مهم للقائد الإنجليزي إلى درجة أنه أجاب ببساطة: (لا يفترض أن يعاند كارينغي إلى هذه الدرجة).
ونقل ظهير الدين: (خلال قيامي بأمر تحقيقي خلال مدة نفي الملك احتجت إلى كتاب، فأرسلت له رسالة طلبت فيها ذلك الكتاب من المكتبة السلطانية، فأجابني (واجد علي شاه) قائلاً: (إن المؤلفات والمصنفات الأساسية قد تعرضت لسيل نهب المتمردين كما يتناثر الخس والتبن في الأمواج، فلم يبق منها حرف).
وعندما قام الشيخ عبد الحسين الأميني المتوفى عام (1390هـ) بزيارة مكتبات الهند مدة أربعة أشهر، اشتغل خلالها بمطالعة الكتب بشكل جعله عند عودته إلى النجف الأشرف وسؤال أحد طلاب العلم له عن الماء والجو الحار في الهند، أجابه الشيخ الأميني قائلاً: (لم ألتفت إلى وضع الماء والجو وما شابه خلال هذه المدة). ويتبين من خلال ما كتبه قيمة تلك المكتبات، ومدى تأسفه على حالتها المزرية. حيث قام هذا الرجل ببذل قصارى جهده في تصفح الكتب النادرة، واستنسخ بعضها لعلمه بما ستؤول إليه في المستقبل. وفي تقريره عن سفره ذاك ذكر إحصاءً للمكتبات التي زارها، فذكر محتويات مكتبات لكنو على الشكل التالي:
1 ـ المكتبة الناصرية، 30000 كتاب ونسخ خطية كثيرة.
2 ـ مكتبة مدرسة الواعظين، 20000 كتاب مع نسخ خطية نادرة.
3 ـ مكتبة سلطان المدارس، 5000 كتاب ونسخ خطية فريدة.
4 ـ مكتبة ممتاز العلماء، 18000 كتاب معظمها خطي.
5 ـ مكتبة فرنكي محل، 9000 كتاب و4000 مخطوطة.
6 ـ مكتبة ندوة العلماء، 60000 كتاب تقريباً و5500 مخطوطة.
7 ـ مكتبة أمير الدولة، أكثر من 110000 كتاب.
مكتبة نوار روهيلة:
أسست خلال عهد السلطان (محمد شاه التيموري) في منطقة (روهيلة) من مدينة دلهي، وتولى إدارتها أحد النواب واسمه (حافظ رحمة الله خان) وكان رجلاً شجاعاً، صاحب علم وكمال. وخلال مدة صدارته قام ببناء عدة مدارس كبيرة في دلهي. وكان (حافظ رحمة الله خان) من مريدي آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويكنّ احتراماً خاصاً للعلماء والسادة وأهل العلم. وفي عام (1188هـ /1774م) هاجم (نواب شجاع الدولة) منطقة روهيلة، وقتل حافظ رحمة الله خان، وحمل معه إلى لكنو الغنائم، وكان من جملتها مكتبة نواب روهيلة الكبرى. وبعد نقل الكتب إلى لكنو بمدة حفظت تلك الكتب في المكتبة السلطانية، ثم خصص مبنى في محلة (المدفعية) لحفظها، وكان مبنى المكتبة من ملحقات بيلي غاردن، وهو مكان إقامة قادة الإنجليز وسفرائهم، وكانت المكتبة في الطابق الثاني من المبنى، لذلك لم تكن تلقى كتبها الاهتمام الخاص.
نقل (اشبرينغر) عن هذه المكتبة أن جميع الكتب وضعت في صناديق غير محكمة الإغلاق، ويبلغ عدد تلك الصناديق الأربعين، وكانت قاعة المكتبة مخزناً للفئران والحشرات المؤذية، ومن ينوي دخول المكتبة لا يمكنه ذلك إلا باصطحاب عصا معه لمواجهة الفئران والحشرات. وفي نهاية القاعة حيث وضعت الكتب، توجد عدة صناديق قد أتلف العث جميع كتبها، ومن جملة تلك الكتب: تاج اللغات والأقاليم السبعة التي أتلفت بالكامل. وتوجد بين كتب تلك الذخيرة الكبرى كتب باللغة البشتوية، كتبت وزينت باهتمام خاص، وكانت قدمت لقادة (روهيلة).
وللأسف فإن المسؤولين الحكوميين كانوا يهتمون بعدد الكتب، وكانوا يجهلون قيمة الكتب النادرة والفريدة، وكان مسؤولو المكتبة يستغلون ذلك، فيبيعون الكتب القيمة، ويضعون مكانها كتباً عادية. ومن ذلك أن مائة نسخة من كتب كلستان ويوسف وزليخا كانت في المكتبة وضعت مكان كتب نادرة.
وكان (اشبرينغر) قد أرسل للإنجليز ثلاثة تقارير عن الكتب النادرة في المكتبة خلال إقامته في (لكنو). ورغم أنه لم يبق الآن أي شيء من مبنى المكتبة وكتبها، لكن يمكننا الحدس بأن قسماً من الكتب النادرة قد نقل إلى إنجلترا، ولم تكن الحوادث والعث وحدهما المسؤولين عن إتلاف تلك الكتب النادرة.
ولما كانت مكتبة المدفعية جزءاً من المكتبة السلطانية في أود، لذلك لم يكن لها ختم خاص، لذلك لا يمكن تحديد الكتب الباقية التي كانت فيها من الكتب التي كانت في مكتبات أود، إلا إذا كانت مختومة بختم نواب روهيلة، ولم أشاهد مثل تلك الأختام على الكتب الممهورة بختم ملوك أود.
مكتبة فرنكي محل:
الشيخ علاء الدين المعروف بقطب العالم كان من علماء هرات الكبار، هاجر إلى الهند في أواخر عهد سلاطين (تغلق) وسكن في نواحي دلهي، ومن أبنائه: شيخ الإسلام نظام الدين. وبعد وفاة (قطب العالم) هاجر (نظام الدين) إلى قرية (سهالي) من نواحي (بارابنكي) للتبليغ، وبقي فيها حتى آخر عمره، وتوفي فيها. وكان من أبنائه: (قطب الدين) الذي اشتهر بالعلم والفضل، حتى طلب ملك المغول لقاءه. وقتل على يد أحد أعدائه، وهاجر أبناؤه إلى لكنو بعد استشهاده.
أورنغزيب ملك المغول أراد أن يعزي أبناء الملا قطب الدين، فاصطحب اثنين من أبنائه وهما (الملا محمد سعيد والملا محمد أسعد) برفقة الجيش إلى (برهان بور) وبقي الابن الثالث (الملا نظام الدين) في لكنو. فأراد الملك أن يكرم الملا قطب الدين، فقدم له مبنى كان يقيم فيه التجار الأجانب، اسمه (فرنكي محل) أي مكان الإفرنج. ولما كان آباء (نظام الدين) من العلماء وأصحاب الفضل، وكانوا يعرفون بأساتذة الهند، فقد حول بيته ذاك إلى مدرسة للعلوم الدينية، وبعد مدة أصبح مبنى (فرنكي محل) من أكبر مدارس العلوم الدينية في الهند، وكانت خلافاً لباقي المدارس لا تختص بفرقة أو مذهب خاص، بل كان يدرس فيها طلاب جميع الفرق والمذاهب الإسلامية. فدرس فيها المقدمات السيد علي دلدار أول المجتهدين الشيعة في أود، ثم هاجر إلى النجف الأشرف، ثم عاد إلى لكنو ليقيم أول صلاة جمعة للشيعة في لكنو بأمر (نواب آصف الدولة). وأعد طلاباً ناجحين مثل: المفتي محمد قلي، والمفتي مير محمد عباس.
وليكمل مدرسته قام الملا نظام الدين بتخصيص غرفة من مدرسته تلك كمكتبة عامة، لكن لا توجد معلومات دقيقة عن سنة تأسيسها وعدد كتبها، لكن المعلوم هو أن خلفه قاموا بتوسيع المكتبة وزيادة عدد كتبها، حتى أصبحت مرجعاً علمياً في لكنو. وقد استفاد من هذه المكتبة المولوي السيد (عبد الحي الحسني) صاحب كتاب (نزهة الخواطر) وذكر أنها من أهم مكتبات لكنو. لكن فيما بعد تعرضت المكتبة لعدة مشاكل كان منها إغلاق مدرسة (فرنكي محل) والإهمال، مما أدى إلى إتلاف قسم مهم من كتبها. ولم يبق اليوم من مدرسة فرنكي محل سوى اسمها، لكن مكتبتها نقلت إلى عمارة (اليوسفي برس) ولقلة أهل العلم في المدينة لم يهتم بها أحد، وأكل العث أكثر مخطوطاتها. وكان إذا مر من تلك المدينة أحد من أهل العلم، كان يتوجه لزيارة المكتبة، وتفتح له أبوابها. وممن استفاد من تلك المكتبة الشيخ عبد الحسين الأميني الذي نقل أن فيها أربعة آلاف كتاب.
وفي السنوات الأخيرة وقع خلاف بين أبناء أسرة (فرنكي محل) وهاجر قسم منهم إلى باكستان، وبيعت معظم كتب تلك المكتبة، ونقل جزء منها إلى مكتبة جامعة عليكر الإسلامية، وبقيت بعض الكتب في نفس المبنى، ومفتاح المكتبة بيد أحد أفراد الأسرة، وهو مقيم في باكستان. على أي حال فإن هذه المكتبة تطوي نفس المسير الذي طوته رموز الميراث العلمي والثقافي الإسلامي في السنوات الأخيرة.
مكتبة ندوة العلماء:
في عام (1894م) أسست في مدينة لكنو مدرسة على شاطىء نهر (غومتي) سميت مدرسة ندوة العلماء، بناها جمع من العلماء والمفكرين الإسلاميين. وكان الهدف من بنائها تعريف الشبان المسلمين بالمعارف الإسلامية، وتربية الأغرار المسلمين وتعليمهم. وقد لخص أول وزير للمعارف في الهند المستقلة (مولانا أبو الكلام أزاد) هدف تأسيس هذه المدرسة ببيان جاء فيه: (أن الهدف من تأسيس ندوة العلماء هو اطلاع المسلمين على المعارف الإسلامية وتربية وتعليم جمع من الشبان على العلوم الإسلامية المختلفة. وتأسيس مكتبة كبرى يستفيد منها المحققون وطلاب العلم، ليتمكن الباحثون عن الحقيقة من الاطلاع على الكتب والوثائق الإسلامية بسهولة).
وبعد اثني عشر عاماً من تأسيس مدرسة ندوة العلماء عقد أول اجتماع لعلماء ومدرسي ندوة العلماء في مدينة (شاه جهان بور) في ولاية (يوبي) وبحث المجتمعون في مسألة تأسيس المكتبة التي تشكل أحد أهداف مؤسسي الندوة. خلال ذلك الاجتماع قدم (المولوي عبد الرزاق) أحد شخصيات المدينة مكتبته الشخصية التي كانت تحتوي على ثلاثة آلاف مخطوطة، قدمها لمدرسة ندوة العلماء.
وخلال اجتماع آخر لعلماء المدرسة ومدرّسيها عقد في مدينة (بتنا) قدم (المولوي عبد العظيم) مائتي مخطوطة لمكتبة الندوة. ووقف (المولوي عبد الغني) أيضاً مائة مجلد من الكتب الأدبية والتاريخية للمكتبة. وأمّن مؤسسو المدرسة مبنى في محلة (غولاغنج) من لكنو ليضم الكتب ويكون مخصصاً للمكتبة، ونقلوا الكتب إليه وتزامناً مع تأسيس المكتبة تقاطرت الكتب الخطية والمطبوعة المهداة إلى المكتبة من كافة مدن الهند، وكان من جملتها: مكتبة (نواب عالمكير محمد خان) والي (بهوبال) ومكتبة السيد (حميد الدين) من (بتنا) وجزء من كتب مكتبة المولوي (محمد يحيى خاني) من (لكنو) وكتب السيد (أحسن شاه).
كذلك فإن عدداَ آخر من العلماء والشخصيات قاموا بوقف مكتباتهم الشخصية على هذه المكتبة، ومنهم: نواب صديق حسن خان، نواب نور الحسن خان، نواب نجم الحسن خان قنوجي، واجد علي صاحب، سيد عبد الجليل صاحب، شبلي النعماني، السيد عبد الحي الحسني الندوي مدير ندوة العلماء. فبلغ عدد الكتب المهداة إلى هذه المكتبة حتى عام (1973م) (62000) كتاب مخطوط ومطبوع. وفي عام (1974م) خصصت قاعة مدرسة ندوة العلماء للمكتبة، وبأمر من المولوي (سيد سليمان الندوي) نقلت المكتبة من (غولاغنج) إلى المدرسة. وبعد نقلها إلى المدرسة أضيفت إليها الكتب الدراسية للطلاب، وأضحت قاعة المدرسة داراً للمطالعة، وخصص الطابق الثاني وغرف أطراف الطابق الأول مخازن للكتب، وأعدّ فهرست جديد لجميع الكتب على الطريقة القديمة.
وفي عام (1906م) كتب (مولانا أبو الكلام أزاد) مقالة حول نوادر كتب مكتبة ندوة العلماء، تحدث فيها عن بعض تلك الكتب قائلاً:
(كان يعقوب الكندي أول من حمل لقب الفيلسوف الأكبر في الإسلام، ومجموعة رسائل هذا الحكيم الكبير موجودة في مكتبة ندوة العلماء. وفيها من الكتب المهمة أيضاً: مدينة العلوم للأرنيقي، وتذكرة الأقاليم السبعة للأمين الرازي. ويكفي في بيان أهمية كتاب مدينة العلوم أن كتاب كشف الظنون ـ الذي يعد من أفضل الفهارس الإسلامية ـ قد استفاد من هذا الكتاب في أكثر موارده. كما أن كتاب الأقاليم السبعة يعد من أفضل تذكرات الشعر الفارسي، وهناك نسخة منه في دار العلوم، لكنه حتى الآن لم يطبع) (طبع فيما بعد ثلاث طبعات).
ويزين هذه المكتبة عدد كبير من الكتب التي ترجمت في عهد (أكبر) ملك المغول الكبير، والتي لم تطبع حتى الآن. ومن الكتب المتبقية من عهد (شاه جهان) والتي ترجمت من اللغة السنسكريتية إلى الفارسية هناك كتاب في علم الموسيقى موجود في هذه المكتبة أيضاً.
ومن نوادر الكتب فيها: جواهر القرآن من تصنيفات الغزالي، ورغم أنه قد طبع حتى الآن عدة طبعات، لكنها كانت طبعات ناقصة، وتوجد النسخة الكاملة بخط حسن في هذه المكتبة. إضافة إلى قاموس اللغة الذي تقاطرت عليه أختام معظم ملوك المغول.
مقالة (مولانا أبو الكلام أزاد) جاءت بعد تأسيس المكتبة ببضع سنوات فقط، ولم تكن كتبها آنذاك تزيد عن (4000) كتاب، أما الآن فقد فاق عددها (110000) كتاب خطي ومطبوع.
في عام (1984م) شيد مبنى جديد في دار ندوة العلماء خاص بالمكتبة وبأسلوب جديد. المبنى الجديد يضم ثلاث قاعات كبيرة للمطالعة ولعقد المؤتمرات، وعند أطراف كل طابق توجد مخازن الكتب. فالطابقان الأول والثاني للكتب المطبوعة، والطابق الثالث مخزن خاص بالكتب الخطية التي بلغ عددها (4500) كتاب تقريباً، وهي في وضع جيد نسبياً. منها (2227) مخطوطة عربية، وأكثر من ألفي مخطوطة باللغتين الفارسية والأوردوية، مخطوطات الأوردو هي الأقل عدداً، لكنها الأكثر قيمة وقدماً. ومن دواوين الشعر باللغة الأوردوية في هذه المكتبة: ديوان المنتظر، وهو تلميذ الشاعر الكبير المصحفي شاعر اللغتين الفارسية والأوردوية، وهي النسخة الوحيدة من هذا الديوان، ولم تطبع حتى الآن.
وهناك دواوين شعر أخرى لشعراء مشهورين مثل: سودا، برهمن، صبا، مصحفي، شاهنامه أردو، ديوان شيدا التي تشكل زينة هذه المكتبة.
بدأت فهرسة الكتب الخطية العربية والفارسية في هذه المكتبة عام (1985م) من قبل مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند، واختتم ذلك العمل عام (1986م) وطبع الفهرست في مجلدين، مجلد للمخطوطات العربية في (885) صفحة، ومجلد للمخطوطات الفارسية في (900) صفحة، طبعا في نفس العام بدلهي.
مكتبة السيد محمد تقي ممتاز العلماء:
من المكتبات العامة الكبرى التي أسست في أواخر عهد حكام أود في لكنو مكتبتين لمجتهدي تلك المدينة وهما: السيد حامد حسين النيسابوري، وممتاز العلماء. السيد محمد تقي ابن السيد حسين سيد العلماء ولد عام (1234هـ) في لكنو، ودرس العلوم الإسلامية على والده وعمه السيد محمد سلطان العلماء، وبلغ مرتبة الاجتهاد في عامه الثامن والعشرين، فحصل على إجازة الاجتهاد من والده وعمه. أرسل السيد محمد تقي أحد مؤلفاته إلى الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب جواهر الكلام، وبعد أن اطلع صاحب الجواهر على ذلك الكتاب أرسل له إجازة اجتهاد مع دورة من موسوعة جواهر الكلام. وفي عام (1259هـ) دعي السيد محمد تقي ليدرس العلوم الإسلامية في مدرسة سلطان المدارس والجامعة السلطانية، وكان مدرسو تلك المدرسة آنذاك هم علماء كبار من أمثال: مولانا (أحمد علي محمد آبادي) من تلامذة (دلدار علي). وعند دخوله إلى المدرسة السلطانية منحه حاكم أود (أمجد علي شاه) لقب ممتاز العلماء فخر المدرسين.
وذكره المفتي (محمد عباس الشوشتري) في كتاب (أوراق الذهب): (أكبرهم في الهدى والسداد، وأبرعهم في الفقه والاجتهاد، وذو الفكر المتين والرأي الوزين فخر الفضلاء والمدرسين التقي المتقي السيد محمد تقي أعلى الله قدره، ونوّر بدره، أحدث منّي سنّاً، وأقدم الفضلاء منّا).
وبقي مدة ثلاثين عاماً يدرس في المدرسة السلطانية، وإلى جانب تدريس طلاب العلوم الدينية وتربيتهم كان منشغلاً بالتأليف والتصنيف، وفاقت مؤلفاته في المعارف الإسلامية الثلاثين عنواناً. وليؤمن مصادر إسلامية أكثر قام ممتاز العلماء بتأسيس مكتبة، واشترى المخطوطات النادرة من أنحاء الهند والدول الإسلامية.
تحدث مولانا السيد (آقا مهدي) في كتابه (تاريخ كاخونشغان ورق) عن مكتبة ممتاز العلماء فقال: (مكتبة ممتاز العلماء تشكل مجموعة من الكتب الإسلامية في مجالات مختلفة من التفسير والفقه والحديث والكلام والمناظرة، وأكثر مخطوطاتها من النوادر التي يصعب العثور عليها في الدول الأخرى. ومن جملة نوادر تلك المكتبة التفسير الكامل للثعلبي، الذي نسخ بعد مائة عام من وفاة مؤلفه، وقد قيّمت هذه النسخة عام (1919م) بقيمة مائة وخمسون ألف روبية. وكذلك الصحيفة السجادية بخط الشهيد الأول، وتفسير منبع عيون المعاني، والفقه الرضوي المنقول عن النسخة الأصلية، ومئات الكتب والمخطوطات الأخرى من نفائس هذه الخزانة الإسلامية الكبرى. وفي عام (1857م) خلال أيام الغدر حيث نهب الإنجليز الميراث الثقافي الإسلامي، هوجمت هذه المكتبة أيضاً، لكن المهاجمين لم يتمكنوا من أخذ أي كتاب منها. وكان عدد كتبها حتى عام (1350هـ) تعدّ (4241) نسخة).
وذكر الدكتور محمد سالم القدواني مكتبة ممتاز العلماء فقال: (كان يحمل شوقاً وافراً لجمع الكتب النفيسة والقيمة، وأسس مكتبة ليحافظ عليها، لكن بسبب إهمال متولي المكتبة تعرضت للانهيار). وعدد القدواني بعض الكتب النفيسة فيها: نخبة الدعوات، العياب، كتاب الإرشاد، حديقة الواعظين، نزهة الواعظين، لمعة الواعظين تفسير ينابيع الأنوار. وهذا التفسير من تأليف السيد محمد تقي ممتاز العلماء وهو في أربعة مجلدات.
لكن الآن اكتست تلك المكتبة حلة جديدة. ونقلت إلى حجرات حسينية السيد محمد تقي، ووضعت الكتب بشكل صحيح ومنظم في رفوف وهياكل معدنية. وأعد فهرست لمخطوطات هذه المكتبة من قبل مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند، وطبع.
المكتبة الناصرية:
وهي واحدة من عدد محدود من الخزائن العلمية والدينية في الشرق الأوسط. أسسها السيد (محمد قلي) الذي ألف كتباً متعددة في الثقافة والمعارف الإسلامية، وأسس هذه المكتبة الكبرى ليستفيد منها العلماء والمحققون والباحثون، ووقفها خلال حياته على أولاده. وبعد وفاته تابع ابنه الأكبر السيد حامد حسين طريقه، فألف وصنف وصحح ورتب كتب والده، ووسع المكتبة. وهمّ بتأليف دائرة المعارف الشيعية الكبرى (عبقات الأنوار) واحتاج إلى مصادر لها يصعب وجودها في الهند، فسافر إلى أكثر الدول الإسلامية برفقة أخيه (مولانا إعجاز حسين) صاحب كتاب (كشف الحجب والأستار) وذلك لتأمين الكتب التي يحتاجها، فاشترى مئات الكتب وأضافها إلى المكتبة. وإضافة إلى أسفاره تلك، طلب من أصدقائه تزويده بالكتب. إن مجموعة الرسائل التي بعثها السيد حامد حسين إلى علماء وشخصيات سائر البلاد يطلب فيها الكتب الإسلامية، تدل على مدى تعلقه بها. وسعى قدر الإمكان للحصول على النسخ الأصلية، وإذا لم يتمكن من ذلك كان يرسل أحداً إلى هناك لينسخ له تلك الكتب.
بعد وفاة السيد حامد حسين انتقلت إدارة المكتبة إلى ابنه (مولانا ناصر حسين) الملقب بناصر الملّة. فازدهرت المكتبة أكثر في عهده، وأوجد تغييرات أساسية فيها، ووقف أحد المؤمنين مبنى كبيراً للمكتبة، فنقلت الكتب إلى المبنى الذي ما يزال حتى الآن معروفاً بالمكتبة الناصرية، حيث اشتهرت المكتبة باسمه. تحوي هذه المكتبة أكثر من ثلاثين ألف كتاب، منها خمسة آلاف مخطوطة تقريباً، وأكثر تلك المخطوطات هي من النوادر. وقام مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند بوضع فهرست لمخطوطات هذه المكتبة، وطبع، ويضم الفهرست في مقدمته شرحاً وافياً عن المكتبة.
مكتبة مدرسة الواعظين:
مدرسة الواعظين هي إحدى أكبر مدارس العلوم الدينية للشيعة في الهند، حيث يدرس طلاب العلوم الدينية مراحل المقدمات في المدارس الإسلامية الأخرى، ثم ينتقلون إلى هذه المدرسة لدراسة دورة في الفقه والكلام والمناظرة لمدة ثلاث سنوات. وبعد إنهاء هذه الدورة يرسل الطلاب مدة سنتين للتبليغ في مناطق الهند المختلفة وباقي الدول الإسلامية. وبعد ذلك ينالون درجة (واعظ). أول مدير لهذه المدرسة كان الخطيب الكبير مولانا (سبط الحسن) وكان يمتلك مكتبة كبيرة، وبعد وفاته نقلت مكتبته إلى مكتبة (راجه محمود آباد).
أسست هذه المدرسة في (19/5/1919م) على يد (مهاراجه محمد علي خان) والي (محمود آباد) عن روح أخيه الشاب المرحوم (محمد علي أحمد خان). وسلمت نظارة هذه المدرسة لهيئة المتولين برئاسة (المتولي المنتظم) الذي عين من قبل أسرة (محمود آباد) مديراً لشؤون المدرسة والطلاب طوال عمره. أما المدير الحالي والمتولي المنتظم للمدرسة فهو (مهارا جكمار محمد أمير حيدر خان).
في المدرسة مكتبة كبيرة يستفيد منها الطلاب والمدرسون وتضم هذه المكتبة (25000) كتاب مخطوط ومطبوع. هذه المكتبة ومجموعة مكتبات (راجه محمود آباد) تحت إدارته وابن أخيه دانش بروشان محمد أمير محمد خان. ففي (محمود آباد هاوس لكنو) توجد مجموعة كتب خطية، وفي قلعة محمود آباد مجموعة كتب مطبوعة. أما عدد النسخ الخطية لهذه المكتبة فهي تبلغ (1500) كتاب، قام مركز دراسات اللغة الفارسية في الهند بإعداد فهرست لمخطوطاتها، وفي مقدمة الفهرست أدرج شرح مفصل حول مدرسة الواعظين ومكتبتها.
مكتبة راجه محمود آباد:
في عهد المعتصم العباسي (217 ـ 227هـ) هاجر جمع من علماء ومفكري بغداد إلى الهند، وحطوا رحالهم فيها. وكان من جملة أولئك أسرة قضاة بغداد، الذين قاموا بنشر وتبليغ المعارف الإسلامية في الهند، وكان منهم القاضي نصر الله الذي وجد طريقه داخل جهاز حكم السلطان شهاب الدين الغوري، فعينه السلطان (قاضي الملتين) وبقي هذا المنصب في أسرته من بعده. فتولت أسرته منصب القضاء، وقامت بنشر المعارف الإسلامية في الهند، وتشرف جمع كبير بالإسلام بواسطتهم، وكان من جملة من أسلم على يدهم: قبيلة كهكر من السند، فأصبح جميع أفرادها مسلمين. وبعد وفاة القاضي هاجر بعض أبنائه إلى مدينة أمروهة، وعينوا قضاة فيها أيضاً. لكن (داود خان) أحد أبناء هذه الأسرة التحق بالجيش في عهد حكومة (جلال الدين محمد أكبر) ملك الهند المقتدر. ولما أبدى لياقة في مهامه لقب بـ (خان بهادر) وعرف أبناؤه من بعده بـ (خان زاده). و(محمود خان) المذكور هو حفيد (داود خان) الذي كان من قادة جيش المغول، وقد سميت منطقة من ضواحي لكنو آباد باسمه (محمود آباد) وأقام أفراد أسرته فيها. ومن أولاده (بايزيد خان) الذي نال لقب (عمدة الموالي، غضنفر الدولة، نواب جنك) وخلال عهد سلطنة (جهانكير) قدم له الملك تحفاً وهدايا كثيرة، من جملتها: سيف ما زال موجوداً لدى تلك الأسرة. ومبنى مقبرة بايزيد خان يقع في (بلهرا) قرب (محمود آباد). ومن أولاد بايزيد خان ابنه (ميان مظهر علي خان) الذي كان على اتصال بعلماء ومجتهدين من الشيعة، حتى تشيّع، وقام ابنه (ميان أمير علي) من بعده بترويج مذهب التشيع، وجاء من بعده أبناءه (راجه عباد علي) حاكم (بلهرا) و(راجه نواب علي) حاكم (محمود آباد) وكانا يقيمان مراسم العزاء بشكل خاص ويروجان لها. وكان (راجه نواب علي خان) رجلاً عالماً ويمتلك قريحة شعرية، وما زال ديوان شعره (كليات سَحَرْ) موجوداً في مكتبة محمود آباد، ويضم قصائد وغزل. وقد نال لقب (مقيم الدولة، قيام جنك، راجه) من آخر حكام أود (واجد علي شاه). ونال ابنه (الأمير حسن خان) من بعده لقب (أمير الدولة، سعيد الملك، ممتاز جنك) من حكومة أود، وكان ينظم الشعر كأبيه، وكان يوجه شعره إلى الحبيب، وقد نظم أكثر من مائة قصيدة في رثاء الأئمة الأطهار، وما زالت قصائده تتلى في المجالس.
زار الأمير (حسن خان) العتبات العاليات للأئمة عليهم السلام والتقى هناك بالشيخ (زين العابدين المازندراني) مرجع الشيعة آنذاك، فكرمه الشيخ كثيراً، ومنحه لقب (نصير الملة والدين) وقدم له سجادة صلاة وعباءة وخاتم نقشه (محمد نبي الله، علي ولي الله) وما زال أصل حكم المرحوم الشيخ هذا موجوداً في حسينية قلعة محمود آباد.
(راجه أمير حسن خان) كان عالماً، وقد أسس مكتبة دلت على ذوقه العلمي. وتقع مكتبة أمير الدولة في (قيصر باغ لكنو) محل إقامة (واجد علي شاه) وتعد من المآثر العلمية، وهي باسمه، وتحتوي على عدة آلاف من الكتب الخطية والمطبوعة. وتدار حالياً من قبل الحكومة المحلية، وعدد كتبها بلغ (15000) كتاب، لكن للأسف لم يبق من مخطوطاتها سوى (72) مخطوطة.
وأسس أمير الدولة في لكنو عام (1895م) مدرسة باسم (أمير الدولة كولج) تدرس فيها العلوم الإسلامية والعلوم الجديدة، وما زالت هذه المدرسة قائمة في لكنو بنفس الاسم.
والمدرسة الإيمانية أيضاً هي من المآثر العلمية لأمير الدولة، التي أسست بطلب منه وبإدارة (مولانا أبو الحسن الرضوي الكشميري) لتدريس العلوم الدينية. وبعد وفاة (مولانا أبو الحسن) انتقلت إدارة المدرسة إلى (غلام حسين الكنتوري) لكنها أهملت، وأقفلت بعد مدة، ونقلت جميع موقوفاتها إلى مدرسة (أمير الدولة كولج).
بعد وفاة أمير الدولة، خلفه ابنه (راجه محمد علي خان) وكان قد تلقى العلوم الدينية إلى جانب العلوم العصرية، وهو من مؤسسي جامعة عليكر الإسلامية، وجامعة لكنو، وكلية الطب في لكنو، وأول رئيس لجامعة عليكر الإسلامية. وعندما كان العلم والمعرفة يسيران نحو الانحدار في مركز العلوم الإسلامية لكنو بعد تسلط الإنجليز، وكانت الثروة العلمية الإسلامية تتعرض للنهب، كان (راجه محمد علي خان) يقوم بشراء الكتب الكثيرة وينقلها إلى (مكتبة محمود آباد) ومن جملة المكتبات التي اشتراها: المكتبة الشخصية للحكيم ميرزا مهدي، مكتبة الميرزا محمد هادي عزيز صاحب تجليات العباس، مكتبة المفتي مير محمد عباس الشوشتري، مكتبة سبط الحسن أول مدراء مدرسة الواعظين.
وبعد (راجه محمد علي خان) قام أبناؤه (راجه محمد أمير محمد) و(مهارا جكمار محمد أمير حيدر خان) بتوسعة المكتبة، واشتروا بعض الذخائر النادرة التي كانت في معرض التلف من النواحي والأطراف، وضموها إلى المكتبة، وأطلقوا اسم (مكتبة سقراط) عليها بداية، ثم اسم (المكتبة الحسينية) وما زالت حتى الآن قائمة وتعرف باسم (مكتبة راجه محمود آباد).
وقد نقلت بعض كتبها في زمان (محمد أمير أحمد خان) إلى النجف الأشرف، وعدد آخر إلى الباكستان. ولا توجد معلومات دقيقة عن مصير الكتب التي نقلت إلى النجف، أما التي نقلت إلى الباكستان فما زالت موجودة في كراتشي. وعدد الكتب الموجودة حالياً في مكتبة (راجه محمود آباد) (80000) كتاب تقريباً، منها (2500) مخطوطة تقريباً محفوظة في محل إقامة أسرته في (قيصر باغ) بلكنو، أما الكتب المطبوعة فما زالت موجودة في مكتبته الكبرى في قلعة محمود آباد.
د. مهدي خواجه بيري
الليطاني (نهر)
ينبع نهر الليطاني من ينابيع عدة متفرقة (تدعى بمجملها نبع العليق) عند نقطة تقع على نحو 25 كلم شمالي بلدة رياق، غرب مدينة بعلبك، وعند تقاطع خط الطول 36,06 درجة شرق «غرينتش» وخط العرض 34,02 درجة شمالي خط الأستواء على علو ألف متر فوق سطح البحر. ويصب في البحر المتوسط شمالي مدينة صور حيث يسمى هناك نهر القاسمية عن تقاطع خط الطول 35,15 درجة شرق «غرينتش» وخط العرض 33,20 درجة شمال خط الاستواء.
وتبلغ مساحة حوض الليطاني 2170 كلم2 (أي ما يزيد على خُمس مساحة لبنان تقريباً) يقع معظمها على ارتفاع 800 متر، حيث إن ثمانين في المائة من مساحة الحوض ترتفع فوق هذا المستوى.
وتقدّر كمية الأمطار الهاطلة فوق حوض الليطاني في سنة متوسطة المطر بنحو 1660 مليون متر مكعب، أي بمتوسط 770 ملم في السنة. وهذا المتوسط يختلف من موقع إلى آخر في الحوض نفسه، فعند قمم السلسلة الغربية يفوق المعدل السنوي 1500 ملم، بينما يتدنى هذا المعدل في المنطقة الشمالية الشرقية للحوض إلى نحو 450 ملم، ويقترب من 700 ملم على الساحل حيث المصب.
ويمكن القول إن تصريف نهر الليطاني يتكون من مجموع الجريان السطحي مضافاً إليه تصريف الينابيع والروافد المستديمة والموسمية. وتساهم المياه الجوفية بنحو ثلث تصريف النهر، وهي العامل الأساسي في استمرار جريان نهر الليطاني عندما تنحبس الأمطار خلال ستة أشهر من السنة، إذ يتضح من الإحصاءات أن 70 في المائة من التصريف السنوي للنهر يجري خلال بضعة أشهر (كانون الثاني حتى نيسان)، وأن 17 في المائة فقط من هذا التصريف يجري خلال الأشهر التي تستغرقها الدورة الزراعية (من أيار حتى أيلول).
«ويقدر معدل تدفق الليطاني الطبيعي بنحو 920 مليون متر مكعب في السنة، في حين يراوح معدله الطويل الأمد (باحتساب عناصر التبخر الكلي والترشح) بين 750 و800 مليون متر مكعب. أما معدله الحالي فيميل، نوعاً ما، إلى الانخفاض، إذ يراوح بين 600 و700 مليون متر مكعب في السنة. ومياه الليطاني تتميز في شكل خاص بعذوبتها، إذ لا تزيد ملوحتها في المعدل على 320 جزءاً في المليون» وتختلف كمية المياه التي يصرفها نهر الليطاني في السنة الواحدة بين نقطة وأخرى على طول مجراه. كما يُختلف التصريف بين سنة وأخرى في الموقع نفسه. إلا أنه، بموجب الرصد المائي السنوي لمحطات القياس منذ ما يزيد على ربع قرن، أمكن تحديد المعدلات السنوية لتصريف الليطاني:
1 ـ في القرعون، يبلغ 411 متر مكعب.
2 ـ في الخردلة، يبلغ 641 مليون متر مكعب.
3 ـ في المصب (القاسمية فقط)، يبلغ 130 مليون متر مكعب.
ويقسم مجرى الليطاني من حيث الانحدار ثلاثة أجزاء:
1 ـ العلوي (من منبعه حتى منطقة القرعون في البقاع الغربي): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 2,5 بالألف (بين المنسوبين 1000م و800م على طول 74 كلم).
2 ـ الأوسط (من القرعون حتى منطقة الخردلة في جنوب لبنان): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 10 بالألف (بين المنسوبين 800م و250 على طول 46 كلم).
3 ـ السفلي (من الخردلي حتى مصبه في البحر الأبيض المتوسط): ويتميز بانحدار وسطي مقداره نحو 5 بالألف (بين المنسوبين 250م ومستوى سطح البحر على طول 50 كلم).
ولهذا فإن مواقع القرعون والخردلة على طول مجرى النهر تؤلف نقاطاً مهمة لمشاريع استثمار مياه الليطاني لأنها تتمتع بالشروط الهندسية والجيولوجية والجغرافية المناسبة لإنشاء السدود وتخزين المياه.
وينساب مجرى الليطاني من المنبع في اتجاه جنوبي غربي نحو 130 كلم، ثم ينعطف هذا المجرى إلى الغرب حتى مصبه في القاسمية بطول 40 كلم، بحيث يكون الطول الكلي لليطاني 170 كلم.
ويمكن تقسيم مساحة حوض الليطاني تبعاً للارتفاع عن مستوى سطح البحر على الشكل الآتي: أن المساحة بين المنسوبين 2000م و2628م، تبلغ 130 كلم مربع (6 في المائة من المساحة الإجمالية)، وبين المنسوبين 1500م و2000م، تبلغ 280 كلم مربع (13 في المئة)، وبين 800م و1500م، تبلغ 1330 كلم مربع (61 في المئة) وبين صفر و800م، تبلغ 430 كلم مربع (20 في المئة).
ويتلقى الليطاني مياه عدد قليل من الروافد تقع جميعها في مجراه الأعلى، فنجد على الضفة اليمنى أنهار البردوني وشتورا وقب الياس، وعلى الضفة اليسرى أنهار يحفوفا والغزيل. وهذه الروافد إجمالاً قليلة الطول متقلبة التصريف ما عدا الغزيّل الذي تغذيه مجموعة ينابيع رأس العين والفاعور وعنجر …
وذكر د. كمال خير، نقلاً عن آخرين، أن كمية المياه التي تجري في حوض الليطاني بين أسفل القرعون وجسر الخردلي تُقدّر بنحو 400 مليون متر مكعب في السنة، في حين أنها تبلغ 255 مليون متر مكعب بحسب دراسة عبد العال و230 مليون متر مكعب بحسب برنامج التنمية للأمم.
الخطة اللبنانية
لاستثمار نهر الليطاني
يعتبر الليطاني أكبر الأنهر اللبنانية، يبلغ طوله 170 كلم أي طول سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية ويغذيه حوض تبلغ مساحته 2168 كلم2 أي خُمس مساحة لبنان بكامله تقريباً بين خطي العرض 33,5 و34,5 في نصف الكرة الأرضية الشمالي وبين خطي الطول 35,13 و36,25 شرقي غرينتش ويتجه بشكل عام من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي.
يقع القسم الأكبر من حوض الليطاني في المناطق العالية إذ أن 12، 80 بالمائة من مساحته، أي 1735 كلم2 تقع فوق المنسوب 800م فوق سطح البحر وتحيط به الجبال العالية من مختلف الجهات فمن الجنوب: جبل صنين 2628 متراً فوق سطح البحر وجبل الكنيسة: 2091 متراً وجبل الباروك: 1980 متراً ومن الشرق جبل لبنان الشرقي: 2461 متراً ومن الجنوب جبل عامل: 943 متراً.
إن مناخ سهل البقاع (حيث يقع 80 بالمائة من حوض نهر الليطاني) متوسطي داخلي مع شتاء ممطر وصيف جاف وحار، ويتميز بالجفاف حيث بلغ معدل الرطوبة 58 بينما يبلغ المعدل في بيروت 67 بالإضافة ألى أن الأشهر الأكثر رطوبة في بيروت تقع في فصل الصيف وتبلغ 72 بالمائة بينما تتراوح درجة الرطوبة في البقاع بين 78 في شهر كانون الثاني و44 في شهر تموز.
يدوم فصل الصيف ستة أشهر تقريباً سماء صافية وشمس ساطعة مع رياح نهارية تساعد على تبخر المياه.
أما في الشتاء فالمطر غزير إجمالاً ويهطل خلال ثلاثة أو أربعة أشهر وبشكل زخّات شديدة، أما الكمية فتختلف كثيراً من سنة لأخرى، ففي سنة 1944 مثلاً هطل في كسارة 888 ملم من المطر بينما لم يهطل سوى 312 ملم سنة 1932 . أما فوق المنسوب من 1300 إلى 1400 متر فيهطل المطر بشكل ثلوج تذوب بسرعة خلال فصل الربيع ولا يبقى منها إلا كميات قليلة جداً فوق المنسوب 2500 خلال فصل الصيف وفي فجوات صغيرة محمية من حرارة الشمس.
إن قسماً كبيراً من المطر يتبخر مباشرة، كما أن قسماً مهماً يتسرب إلى جوف الأرض ليشكل الخزانات الممونة للينابيع في الطبقات الكلسية المشققة، وهي كثيرة في حوض نهر الليطاني. وكانت هذه الخزانات الجوفية موضوع دراسات وتجارب من قبل الإدارة لتقدير كميات المياه المخزونة والتي يمكن تفريغها والاستفادة منها خلال فصل الجفاف ثم تمتلئ خلال فصل الشتاء التالي، وقد أعطت هذه الدراسات نتائج لا بأس بها وسيصار إلى إدخالها ضمن خطة استثمار مشروع الليطاني للري باعتبارها تشكل جزءاً منه.
ويبلغ معدل تصريف نهر الليطاني في السنة المتوسطة حوالي 400 مليون متر مكعب عند بلدة القرعون منها حوالي 300 مليون متر مكعب خلال الستة أشهر من السنة خارج موسم الري (من أول تشرين الثاني إلى أول شهر أيار) وحوالي 100 مليون متر مكعب فقط خلال الستة أشهر الأخرى من السنة خلال موسم الري أي خلال فترة الحاجة إلى المياه، كما يبلغ تصريف النهر بكامله حوالي 700 مليون م3 في سنة متوسطة.
القسم المنفذ من مشروع الليطاني:
1 ـ سد ألبير نقاش:
بما أن تصريف نهر الليطاني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمطار وبما أن القسم الأكبر من تصريفه يسيل خلال أشهر السنة، خارج موسم الري كما رأينا.
ومهما كانت الغاية من تجهيز النهر سواء للري أو لتوليد الطاقة الكهربائية كان لا بد من العمل على تخزين المياه التي تسيل خلال فترة الشتاء لاستعمالها في فصل الجفاف، ولهذه الغاية أنشىء سد من الركام الصخري مع قميص مانع لتسرب المياه من الخرسان المسلح، قرب بلدة القرعون وسمي سد ألبير نقاش تخليداً للمهندس اللبناني الذي قام بدراسات حول تجهيز مختلف الأنهر اللبنانية ودعا للاستفادة من هذه الثروات الطبيعية. وقد واجه إنشاء هذا السد صعوبات كثيرة أهمهات نوع طبقات الأرض المشققة وخشية تسرب المياه من حوض السد في باطن الأرض جرى تنفيذ القسم الأول منه بارتفاع 42 متراً ومليء بالمياه للتأكد من عدم تسربها وجرت متابعة العمل في المرحلة الثانية إلى ارتفاع 62 متراً بعد النتيجة الإيجابية للقسم الأول.
أما مواصفات السد فهي التالية: منسوب قمة السد بالنسبة لسطح البحر: 862 متراً طول السد: 1000 متر. ارتفاعه فوق مستوى الأرض الطبيعية: 62 متراً. المنسوب للمياه: 858 متراً. سعة الحوض 220000000 متر مكعب.
مساحة البحيرة: 12300000 متر مكعب. حجم الركام الصخري المستعمل: 160000 متر مكعب مرصوفة و 18000000 متر مكعب مرمية. عرض قمة السد: 6 أمتار. عرض القاعدة: 162 متراً. مساحة القميص المانع لتسرب المياه: 50000 متر مربع.
2 ـ نفق مركبا ومعمل عبد العال:
تخرج المياه من سد ألبير نقاش إلى نفق مركبا على الضفة اليمنى لنهر الليطاني، طول النفق: 6400 متر. قطره: 3,1 متر مقطعه: 7,55 متراً مربعاً. تصريفه: 22 متراً مكعباً في الثانية. انحداره 2 بالمئة.
وتسقط المياه من ارتفاع 199 متراً فتدير عنفات معمل توليد الطاقة الكهربائية في مركبا وتبلغ قدرته 34000 كيلو وات ويتكون من عنفتين فرنسيس قوة كل منهما 24340 حصاناً وتدور بسرعة 600 دورة في الدقيقة وقد سمي معمل عبد العال تخليداً للمهندس إبراهيم عبد العال المدير العام الأسبق للإنشاءات المائية.
توليد الطاقة الكهربائية
يبلغ كامل الطاقة الكهربائية المجهزة في لبنان في الوقت الحاضر 374,10 كليو وات يضاف إليها معمل جون الذي سيوضع قيد الاستثمار في الصيف القادم كما ذكرنا فتصبح كامل الطاقة المجهزة في لبنان في نهاية عام 1968 الحالي 423,4 كيلو وات منها 176,5 كيلو وات حرارية هي التالية: بحصاص 4446 كيلو وات، حريش 37200 كيلو وات، شكا 6260 كيلو وات، أبو علي 1600 كيلو وات، ذوق مكايل 1090000 كيلو وات، زحلة 2460 كيلو وات، حراري بيروت 15000 كيلو وات، صيدا 500 كيلو وات.
ومنها 246,9 كيلو وات كهربائية هي التالية:
من الليطاني:
معمل عبد العال 34000 كيلو وات، معمل بولس أرقش 72000 كيلو وات، معمل جون 49300 كيلو وات.
ومن بقية مساقط المياه ـ البارد1: 13500 كيلو وات، البارد 2: 3690 كيلو وات، أبو علي 7400 كيلو وات، بلوزا (على نهر أبو علي) 8400 كيلو وات مارليشع (على نهر أبو علي) 3120 كيلو وات، بشري 1630 كيلو وات الجوز 5274 كيلو وات، نهر إبراهيم 3: 4980 كيلو وات، نهر إبراهيم 2: 12500 كيلو وات، نهر إبراهيم 1: 15000 كيلو وات، حراش 2912 كيلو وات وادي العرايش 1120 كيلو وات، الصفا 13120كيلو وات.
ويتبين من ذلك أن القوة الكهربائية المجهزة من نهر الليطاني تساوي 61 بالمائة من كامل القوة الكهربائية و41 بالمائة من كامل القوة الكهربائية الإجمالية المجهزة في لبنان.
أما من حيث كمية الكهرباء فقد بلغ مجموع الطاقة المولدة سنة 1967 في لبنان 407,3 ملايين كيلو وات ساعة منها 284,8 مليون كيلو وات ساعة من معامل الليطاني أي ما يعادل 30 بالمائة من مجموع توليد الطاقة في لبنان وأمنّت دخلاً للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني يقدر 14240000 ل.ل. مع التذكير أن معمل جون لم يدخل بالاستثمار بعد وأن بالاستطاعة توليد طاقة أكثر من إنتاجه عن سنة 1967 ولكن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لم تتمكن من بيعها بكاملها إذ أن إمكانيات التوليد الحالية تفوق قليلاً حاجة الاستهلاك ومن المنتظر أن تمتص مصلحة كهرباء لبنان كامل هذه الطاقة قبل سنة 1972.
وننشر هنا دراسة عن مطامع الصهاينة بمياه الليطاني بقلم الدكتور كمال حماد:
الصهيونية منذ البداية وبعدها إسرائيل، نظرت دائماً إلى الجنوب اللبناني، حيث نهر الليطاني ومنابع الوزاني والدردارة ونهر الحاصباني، كمنطقة حيوية واقتصادية لحياة إسرائيل. ومن هذا المنطلق، وضعت عدداً من المشاريع التي تصب في النهاية بسرقة تلك المياه ووضع اليد عليها، تحت حجج واهية وغير مشروعة، ومن بين تلك الحجج، أن المياه اللبنانية تهدر في البحر بينما نحن بحاجة إليها، مع الإشارة إلى أن إسرائيل وقفت دائماً ضد استغلال العرب لطاقاتهم ومواردهم المائية، وقامت في عام 1967 بالقضاء على المشروع العربي لاستغلال نهر الأردن وروافده واحتلال كل منشآته، كما حصل لاحقاً مع نهري الليطاني والحاصباني ومنابع الدردارة والوزاني وغيرها في عام 1982، عام الاحتلال الإسرائيلي لمعظم الأراضي اللبنانية، حيث أقامت بعد ذلك المنطقة الأمنية في الجنوب اللبناني حيث المياه.
أ ـ الصهيونية ومشاريعها المائية:
عكفت الحركة الصهيونية منذ نشوئها على تحقيق أحلام هرتزل التي تحدّث عنها في كتابه: «الأرض الجديدة ـ الأرض القديمة»، والتي تطالب بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض التي تطمع بالاستيلاء عليها لإنشاء الوطن اليهودي.
ولخّص (فرش فاسر رعنان) في كتابه: «حدود الأمة»، المخططات التوسعية الصهيونية على صعيد الموارد المائية المتوافرة في المناطق المتاخمة لفلسطين، فيقول: «لما كانت المنظمة الصهيونية تهدف إلى جمع أكبر عدد من الناس (اليهود) في أرض محدودة المساحة، فقد أصبح من الواجب وضع مخططات للري واسعة النطاق … ولما كانت الموارد المائية محدودة في فلسطين، فقد جرى توسيع تلك المخططات لتشمل الأراضي الواقعة إلى الشمال الشرقي من فلسطين، كما تصل إلى منابع الأردن ونهر الليطاني وثلوج حرمون واليرموك، فضلاً عن ذلك، فإن افتقار البلاد إلى الفحم والبترول، أوجب الاعتماد في المشاريع التصنيعية على إنتاج الطاقة الكهربائية التي يمكن تأمنيها من الليطاني واليرموك»([183]).
وفي الثالث من شباط عام 1919، تقدمت المنظمة الصهيونية العالمية بمذكرة إلى المجلس الأعلى في مؤتمر السلام بباريس، أوضحت فيها معالم الحدود التي تريدها لفلسطين، وتشمل إضافة إلى فلسطين كلاًّ من مصر والعراق والسعودية والأردن وسوريا ولبنان. وقد طالبت هذه المذكرة الدول المجتمعة في المؤتمر، بأن تقدم اعترافاً بما سمته: «الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين، وحق اليهود في أن يعيدوا إنشاء وطن قومي لهم فيها»([184]).
وأكدت المذكرة على أنه: «يجب أن يكون لفلسطين مخارجها الطبيعية على البحار، وسيطرتها على أنهارها ومنابع مياهها، كما أن الحياة الاقتصادية لفلسطين، شأنها في ذلك شأن أي بلد شبه جاف، تعتمد على الموفور من موارد المياه … ولذلك، فإنه من الأمور الحيوية ألاّ يكتفي بتأمين جميع موارد المياه التي تتغذى بها البلد حالياً، بل أنه يمكن خزنها والسيطرة عليها في منابعها … وجبل الشيخ هو «أبو المياه الحقيقي بالنسبة لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها من دون إنزال ضربة جذرية بحياتها. فيجب إذاً أن يبقى تحت سيطرة أولئك الذين هم أكثر رغبة فيه، وأقدر على إعادته إلى نفعه الأقصى … ويجب وضع ترتيبات دولية لحماية حقوق المياه للسكان الذين يعيشون إلى الجنوب من نهر الليطاني، وإذا ما لقيت هذه المنابع عناية كافية، فمن الممكن استخدامها لتنمية لبنان ولتنمية فلسطين أيضاً»([185]).
وتحدد الصهيونية العالمية الحدود الشمالية لدولتها في خط يصل ما بين نقطة تقع جنوبي صيدا وسفوح جبل الشيخ عند بيت جن، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يشمل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني في آذار 1978، معظم هذه المناطق الواردة في المذكرة الصهيونية.
وتجلى الاهتمام بالمصادر المائية اللبنانية، في الدراسة التي أجرتها إدارة مياه فلسطين في عام 1943، والتي دعت إلى استثمار حوالي 85 بالمائة من مياه الليطاني في فلسطين. وكانت الوكالة اليهودية قد انتدبت إلى فلسطين في عام 1938، أحد أكبر خبراء التربة الأميركية وهو «لاودرميلك»، وكلفته بتقديم تقرير عن أوضاعها المائية. وتتخلص التوصيات التي وضعها هذا الخبير في عام 1944، والتي لا تزال تعتبر أساساً لجميع المشروعات المائية في إسرائيل، في تحويل مياه نهر الأردن من حوضه الطبيعي إلى المنطقة الساحلية، ومنها إلى النقب، بعد الاستيلاء على مياه الحاصباني وبانياس.
ووجدت الصهيونية منذ أن قررت إنشاء دولتها في فلسطين، أن هذه الدولة ذات موارد مائية ضئيلة، لا تكفي لمشروعات التوسع السكاني والاستيطاني، لهذا، توجهت حتى قبل قيامها (كدولة) إلى البحث عن مصادر رديفة للمياه لدى البلدان العربية المتاخمة، حيث توجهت أطماعها خصوصاً نحو مياه الليطاني والحاصباني.
ب ـ مرحلة ما بعد قيام إسرائيل:
في أعقاب توصيات «لاودرميلك»، وصل إلى إسرائيل في عام 1948 خبيرا المياه الدوليان «هايز» و«سافيج»، لوضع تلك التوصيات موضع التنفيذ. وقد وضع هذان الخبيران مشروعاً لتحويل نهر الأردن، يتضمن تحويل نهر الليطاني ودمجه بالمشروع العام. ولم يقم هذا المشروع آنذاك أي اعتبار للأوضاع القانونية، التي انتهت إليها اتفاقات الهدنة العربية ـ الإسرائيلية.
وفي عام 1949، أثار المندوب الإسرائيلي أمام لجنة التوفيق الدولية مسألة مياه الليطاني، مما حدا باللجنة إلى أن توصي في تقريرها الصادر في كانون الأول 1949، بتأجير سبعة أثمان (7/8) مياه الليطاني لإسرائيل، وذلك بتحويل مياهه إلى وادي الأردن، بغية الاستفادة منها في الري وتوليد الطاقة الكهربائية.
وفي عام 1953، أوفد الرئيس الأميركي أيزنهاور مبعوثاً خاصاً وهو «أريك جونستون»، ليعرض على الأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل مشروعاً لاستثمار المصادر المائية القريبة من مناطق الحدود المشتركة. ويتلخص المشروع في إنشاء سد على نهر الحاصباني في لبنان لتخزين الفائض السنوي للنهر، وتحويله إلى ترعة لري أراضي حوض الحولة وتلال الجليل في الأراضي المحتلة، وكذلك إنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه هذا النهر تقام داخل إسرائيل … وقد رفض لبنان طبعاً هذا المشروع، لأنه لا يتيح له الانتفاع من الموارد المائية التي يملكها.
ووضعت السلطات الإسرائيلية في العام 1954 مشروعاً عرف باسم مشروع (كوتون)، تضمن خططاً مفصلة بالنسبة إلى نهر الليطاني. ففي هذا المشروع، أدخلت إسرائيل ما سمته فائض الليطاني (400 مليون متر مكعب /سنوي) إلى مشروع الري الإسرائيلي، بحيث تروي مصادر المياه المتوافرة لها نحو مليوني دونم، ولم يبق المشروع الإسرائيلي من مياه الليطاني للبنان إلاّ ما يكفي لري 350 ألف دونم من الأراضي.
وفي خلال العامين 1954 و1955، قام المبعوث الأميركي «جونستون» بعدة زيارات إلى المنطقة لإجراء مباحثات، تهدف إلى تحديد كمية المياه التي تتلقاها كل دولة من الدول المعنية بالمشروع. وكانت حصة لبنان من مياه الحاصباني (35 مليون متر مكعب/ سنوي) فقط.
وقد رفضت الدول العربية المعنية المشروع في قرار موحّد اتخذ في شباط 1955، كما رفضته إسرائيل، لأنه لا يشمل مياه الليطاني، ووضعت بدلاً منه مشروع (كوتون) كما أسلفنا، الذي يتضمن مياه الليطاني … وظهر بعد ذلك مشروع (فايتس)، الذي يقوم في الأساس على تقديم مقترحات لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
ويطرح «رعنان فايتس»، الذي كان يشغل منصب رئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، في مشروعه هذا الذي نشر في بداية السبعينات، فكرة تكشف عن المقاصد والأطماع الإسرائيلية تجاه مياه لبنان.
ويتضمن المشروع نقل فائض مياه الليطاني عن طريق الأنابيب ودمجها بمشروع المياه الإسرائيلي العام، من أجل تطوير الأراضي العربية المحتلة وإنشاء مشروعات زراعية وصناعية فيها، بشكل يجعل بالإمكان استيعاب اللاجئين وتوطينهم. ويعتقد «فايتس» أنه يمكن استيعاب مليون لاجئ، إذا ما تم تحويل (400 مليون متر مكعب/ سنوي) من مياه الليطاني، ونقلها لخدمة المشروع المقترح.
وفي بداية عام 1964، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها على وشك إنجاز المرحلة الأولى من مشروع (كوتون)، والتي تتضمن إيصال مياه نهر الأردن إلى النقب. وهذا الأمر حمل الرئيس جمال عبد الناصر إلى الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية في القاهرة في 17 كانون الثاني 1964، وقد خرج المؤتمر بقرار تشكيل هيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده، تتولى مهمة وضع التصاميم والإشراف على تنفيذ سلسلة عمليات هندسية وجيولوجية في كل من سوريا ولبنان والأردن، هدفها استثمار مياه نهر الأردن وروافده. وكان من المفترض حسب تقرير الهيئة، أن يستغل العرب من مواردهم المائية كمية تقدر بـ (300 مليون متر مكعب/ سنوي)، إلا أن تنفيذ هذا المشروع لم ير النور، بل اصطدم بنقص التمويل وغياب الحماية العسكرية الضرورية له، حتى كانت حرب 1967 التي أدت إلى احتلال إسرائيل لمواقع المشروع العربي كافة، وباتت كل مياه الأردن وروافده تحت الاحتلال الإسرائيلي باستثناء المياه اللبنانية.
وحول «المشاريع الإسرائيلية المفترضة»، يشير المهندس أديب الجدع في دراسته: «الإنماء المائي ـ الزراعي المتكامل لحوض نهر الحاصباني»، إلى أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، ستكون المشاريع المائية مرتبطة باتفاقات بين إسرائيل وكل من الدول المجاورة، وسيكون بعضها مرتبطاً بأكثر من كيان واحد منها:
1 ـ اتفاقات مع لبنان: استغلال كهربائي لمياه الحاصباني.
2 ـ اتفاقات مع الأردن: تخزين التدفق الشتوي لمياه اليرموك في طبريا.
ومن الفرضيات الإسرائيلية، على سبيل المثال فقط وليس للتحديد أو الحصر، للتعاون مع لبنان في شأن المياه يعرض كما يلي:
أ ـ توليد الكهرباء من المياه التي تتدفق إلى إسرائيل.
ب ـ نقل مياه لبنانية إلى إسرائيل لهدف مزدوج: إنتاج الطاقة وتزويد المستهلكين. وهذا موجز ببعض تفاصيل هاتين الفرضيتين:
1 ـ مشروع توليد الكهرباء من الحاصباني:
يتعلق بمياه الحاصباني بصورة أساسية، ومياه نهر العيون (نبع الدردارة في مرج مرجعيون) بصورة جزئية. وتكمن فائدته لإسرائيل، بإمكان إيجاد مشروع أكثر نجاعة في مجال الاستغلال الكهربائي لمياه الحاصباني، إذا ما امتد هذا المشروع في أراضي الدولتين. ومن الممكن إسرائيلياً، إقامة مشروع لاستغلال مياه الحاصباني كهربائياً، تكون عملية السيطرة على المياه وتخزينها فيه ضمن حدود لبنان، وتكون محطة الطاقة ضمن حدود إسرائيل، وذلك لاستغلال 100 مليون متر مكعب سنوي (نحو 80 بالمائة من طاقة الحاصباني المقدرة بـ 125 مليون متر مكعب/ سنوي)، وسيقوم على إنشاء سد ـ خزان بمحطة طاقة يحدد موقعها داخل إسرائيل في موقع قريب من مجرى الأردن، على المنسوب 120 متراً تحت سطح البحر، لإنتاج 40 مليون كيلو وات ساعة/ سنوي.
وثمة مجال، إسرائيلياً، للجمع بين هذا المشروع ومشروع تحويل مياه الليطاني، وذلك عن طريق تحويل الليطاني إلى الحاصباني شمال بحيرة طبريا، أو عن طريق تحويل الحاصباني إلى الليطاني، أو إلى العيون في مرج مرجعيون شمال منطقة الاستغلال، عوضاً عن إقامة الخزان ـ السد المذكور آنفاً([186]).
2 ـ مشروع تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبريا:
إنه مشروع كبير وأكثر أهمية لإسرائيل من النواحي الاقتصادية، ويستند إلى معطيات الخلفية التالية:
أ ـ إن نقل المياه اللبنانية إلى إسرائيل قابل للتحقيق إسرائيلياً، عن طريق تحويل مياه الليطاني بواسطة نفق إلى نهر الحاصباني، أو إلى نهر العيون من سد الخردلة على المنسوب 220 متراً.
ب ـ فيما يتعلق بتوليد الكهرباء، فإن تحويل مياه الليطاني إلى الحوض الصباب لبحيرة طبريا، أجدى إسرائيلياً من إبقاء هذه المياه في الحوض الصباب للبحر الأبيض المتوسط، وذلك لأن منسوب طبريا أدنى بـ 200 متر، ولذا، فإن كميات الكهرباء المولدة من كل متر مكعب ستكون أجدى بـ 0,5 كيلوات/ ساعة. وسيجري توليد معظم الكهرباء من المياه المحولة في محطة المغور الإسرائيلية، المخطط لإنشائها في أعلى طبريا قبالة نهر الأردن.
ومن وجهة نظر إسرائيلية، سينقل مشروع التحويل هذا 100 مليون متر مكعب/ سنوي، وسيشمل سد تحويل ونفق بطول 6 ـ 8 كلم، وخزان ومحطة للطاقة، وسيولد 20 مليون كيلو وات ساعة/ سنوي. وسيكون هناك خياران لتحويل الليطاني:
(1 ) تحويل الليطاني إلى الحاصباني.
(2 ) وتحويل الليطاني إلى العيون (مرج مرجعيون). وتكمن ميزة هذا الخيار الثاني، إسرائيلياً، في استغلال وظيفة الخزان المرتقب، في تخزين مياه فصل الشتاء لاستخدامها في فصل الشحائح، الأمر الذي يمنحه الأفضلية من وجهة النظر الإسرائيلية([187]).
ونشير في هذا الصدد إلى مشروع «قناة البحرين»، والتي باشرت إسرائيل بتنفيذها منذ تشرين الأول في عام 1991، وهذا المشروع يربط بين البحرين المتوسط والميت. أما أهداف هذا المشروع فهي:
(أ ) توليد الطاقة الكهربائية (600 ميغاواط) من الكهرباء.
(ب ) توفير المياه اللازمة لتبريد محطات القوة النووية في النقب، ولتبريد محطة القوة الكهربائية التي ستدار بأحواض الزيت الحجري في شرق النقب.
(ج ) إقامة محطات لتحلية مياه البحر الجارية في القناة للاستفادة منها في ري أراضي النقب الشمالي.
(د ) إقامة المستوطنات والمدن على طول القناة.
(هـ ) تغذية البحر الميت بالمياه لتعويضه عن مياه نهر الأردن، التي تنوي إسرائيل تحويل معظمها من وراء السد المزمع إنشاؤه شمال بحيرة طبريا، ونقلها إلى الجليل والسهل الساحلي والنقب([188]).
وفي رد على مشاريع إسرائيل ومطالبها في نهر الليطاني، قامت الحكومة اللبنانية بوضع مشروع الليطاني، الذي أثبت إمكانية الاستفادة من موارده المائية كلها في لبنان، ناهيك عن أن هذا النهر، ينبع ويسير خط مجراه ويصب ضمن الأراضي اللبنانية. ويشير الدكتور كمال خير في دراسته: «نهر الليطاني: دراسة جيولوجية وهيدرولوجية»، إلى أن نهر الليطاني لا يتجاوز ما يتلقاه من المياه الموسمية أثناء فصل الأمطار من خارج الأراضي اللبنانية (من وراء حدود الجمهورية العربية السورية) الواحد بالمائة. أما بالنسبة إلى المياه الجوفية في حوض نهر الليطاني، ليس هناك علاقة مع أي من المياه الجوفية في الأحواض المجاورة([189]). من هنا، فإن إسرائيل لا تملك أي أساس قانوني للمطالبة بأية حصة منه. وزيادة على ذلك، فإن كل الدراسات والأبحاث التي قامت بها الحكومة اللبنانية، أثبتت أن مياه نهر الليطاني ضرورية للتطور الطبيعي للزراعة ولمتطلبات وحاجات السكان. ويؤكد الدكتور خير على أن: «نهر الليطاني هو الأهم بالنسبة للبنان نظراً إلى كمية تصريفه واتساع حوضه وطوله والمناطق التي يخترقها والتي تشمل أراضي زراعية واسعة، لا تستلزم عملية استصلاح، بالإضافة إلى كونها خصبة، وخصوصاً في منطقة السهل الساحلي الذي يعتبر من أكثر المناطق اللبنانية إنتاجاً، نظراً لجودة التربة وللظروف المناخية الملائمة»([190]).
واستناداً إلى القانون الدولي العام، إذا كان حوض النهر يقع برمته في إقليم دولة واحدة، خضع النهر لسيادة هذه الدولة وحدها وسمي نهراً وطنياً. ولكل دولة الحق في أن تنظم استغلال موارد أنهرها الوطنية، وتقصر الملاحة فيها على مراكبها وحدها. أما إذا كان النهر دولياً يمر في عدة دول، أو يفصل بين دولتين، فإنه يخضع عند ذلك لوضع أو حكم مختلف بسبب وجود مصالح مختلفة([191]).
ونشير هنا إلى أنه: «رصد في لبنان 15 نهراً دائماً، منها ثلاثة أنهر داخلية واثنا عشر نهراً ساحلياً، كما وأن هناك ثلاثة أنهر مشتركة مع دول مجاورة وهي: النهر الكبير الشمالي ونهر العاصي (مع سوريا) ونهر الحاصباني (أحد روافد حوض الأردن)» ([192]).
واستناداً إلى تعريف قواعد هلسنكي لعام 1966 والخاصة باستعمال مياه الأنهار الدولية، فإن المادة الأولى الفقرة الثانية تنص على أن: «حوض النهر الدولي هو مساحة جغرافية تشمل دولتين أو أكثر والمحددة بحدود انتشار مياه النهر الدولي، والذي يتضمن المياه السطحية (فوق الأرض)، والمياه الجوفية (تحت الأرض)، والتي تصب في مصب عام». وتنص المادة الثانية الفقرة الرابعة من قواعد هلسنكي على أن: «كل دولة حوض تملك حق في حدود أراضيها في الاستفادة باستخدام عادل وعاقل لقسم من مياه حوض النهر الدولي». كما أن المادة الأولى الفقرة الثالثة تعرف دولة الحوض بأنها «الدولة التي يقع في أراضيها قسم من حوض النهر الدولي»([193]).
3 ـ المياه الجوفية المنسابة باتجاه الطبقات الجوفية في فلسطين المحتلة:
إن حجم المياه الجوفية المنسابة من مختلف الخزانات الجوفية التي هي على اتصال مباشر أو غير مباشر بالخزانات الجوفية الموجودة في فلسطين المحتلة، قد تم احتسابها في كل قطاع من القطاعات الأربعة، والتي تبدأ من منطقة الناقورة غرباً إلى بلدة شبعا (حرمون) شرقاً، والتي سنستعرضها بعد قليل، آخذين بعين الاعتبار ميل الطبقات الجوفية اللبنانية إلى الطبقات الجوفية في الأرض المحتلة، ومنها بصورة مباشرة إلى موقع بحيرة الحولة التي تقع على ارتفاع 70 متراً عن سطج البحر، في موقع منخفض نسبياً بالمقارنة مع الخزانات الجوفية الموجودة في الطرف الجنوبي من الحدود اللبنانية. وهذا ما أسهم، وبدرجة كبيرة، في استقطاب أكبر كمية من مياه الخزانات الجوفية اللبنانية والسورية الواقعة شمالها. أما القطاعات الأربعة فهي:
أ ـ قطاع الناقورة ـ عيترون ـ شقرا ـ دير سريان.
ب ـ قطاع دير ميماس ـ فالق اليمونة ـ سهل المرج.
ج ـ قطاع نبعي الحاصباني والوزاني.
د ـ قطاع حرمون ـ شبعا (نبع سريد).
وإضافة إلى مياه نبعي الحاصباني والوزاني وغيرهما من المصادر المائية السطحية التي تذهب هدراً إلى الأراضي المحتلة، فإن كميات ضخمة من المياه الجوفية تنساب أيضاً بذلك الاتجاه، مستفيدة من ميل الصخور المؤاتي، والفوالق التي هي عبارة عن قنوات جوفية تسرع عملية تفريغ الطبقات الجوفية اللبنانية باتجاه الجنوب. وأهم الفوالق في هذا الصدد:
ـ فالق اليمونة.
ـ فالق راشيا الوادي ـ شبعا.
وتقدر الكميات الإجمالية التقريبية الجوفية المغذية للطبقات الجوفية في الأرض المحتلة، مع الكميات المتكشفة في محيط بحيرة الحولة حوالي 194,8 مليون متر مكعب/ سنوي([194]).
4 ـ المصادر المائية في لبنان:
إن المصادر المائية في لبنان تتوزع كما يلي([195]):
مليون م 3 / سنوي.
أ ـ الهواطل من أمطار وثلوج وغيرها 8600.
ب ـ المياه التي تذهب بالنتبخة([196]) 4500.
ج ـ مياه الجريان السطحي التي تذهب باتجاه سوريا عن طريق: (1) نهر العاصي 415.
(2 ) النهر الكبير الشمالي 95.
د ـ مياه الجريان السطحي التي تذهب باتحاه فلسطين عن طريق الحاصباني والوزاني 160.
هـ ـ المياه الجوفية التي تذهب هدراً إلى البحر 700.
ويبقى بالتالي للبنان كمية 2730 مليون متر مكعب، على مدار السنة، منها 800 مليون متر مكعب فقط خلال أشهر الجفاف. فإذا احتسبنا الكمية التي يمكن الاستفادة منها من المياه الجوفية 500 مليون متر مكعب، إضافة إلى 700 مليون متر مكعب يمكن تخزينها واستغلالها في فترة الشحائح بواسطة السدود والبحيرات، وهو أمر كبير الكلفة نظراً لطبيعة الأرض اللبنانية المشققة، فإن كمية المياه القصوى المتاحة للبنان بكلفة معقولة خلال أشهر الجفاف تبلغ 2000 مليون متر مكعب/ سنوي.
علماً أن هذه الكميات قد تنخفض إلى 55 بالمائة كل عشر سنوات، وإلى الثلث أو أقل في حال حدوث ثلاث سنوات جافة متتالية، كما حصل في السنوات الثلاث (1988 ـ 1989) ـ (1989 ـ 1990) ـ (1990 ـ 1991).
وهكذا، أن المياه المتاحة أو التي يمكن السيطرة عليها لا تزيد عن 2000 مليون متر مكعب/ سنوي، وهي إذا ما قورنت بأرقام الحاجات التي تبلغ في الخمس والعشرين سنة المقبلة، أي في عام 2018 (2440 مليون متر مكعب/ سنوي) مفصلة كما يلي:
1 ـ للحاجات المنزلية والشرب
900 مليون متر مكعب/ سنوي
2 ـ للحاجات الصناعية
240 مليون متر مكعب / سنوي
3 ـ لحاجات الري والزراعة
1300 مليون متر مكعب/ سنوي
المجموع 2440 مليون متر مكعب/ سنوي
وإذا احتسبنا 20 بالمائة نسبة الهدر، تصبح الحاجات 2900 مليون متر مكعب/ سنوي، أي أن لبنان سيكون مضطراً للبحث عن مصادر مياه جديدة وربما غير تقليدية ليتمكن من سد حاجاته، إذ أن العجز يفوق 800 مليون متر مكعب/ سنوي([197]).
ويبقى أن نشير أخيراً إلى أن المنظمات الدولية العاملة في مجال المياه حددت ما يسمى «معدل الفقر المائي» في بلد ما. ويبلغ المعدل 2000 متر مكعب/ سنوي للفرد، وهو يشمل كل الاحتياجات من استعمال منزلي وري واحتياجات صناعية.
وهذا ما يجعل حاجة لبنان إلى المياه تبلغ، تقريباً، كل ما يتساقط على أرضه من أمطار([198]).
إن المخطط الإسرائيلي للاستيلاء على المياه اللبنانية يقوم على مرحلتين:
ـ المرحلة الأولى: ضم الأراضي التي تحتوي ينابيع والتي تصب في إسرائيل. وهو ما جرى تنفيذه فعلاً، لجهة تسييج المساحات المحيطة بنبع الوزاني والدردارة، مباشرة بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في حزيران 1982.
ـ المرحلة الثانية: تحويل مجرى نهر الليطاني من نقطة انعطافه قرب قرية دير ميماس عن طريق حفر نفق استناداً إلى دراسة «فايتس»، يصل تل النحاس بسد الخردلي ومنه إلى بحيرة طبريا، وقد أكد ذلك مقال الصحفي «جون كولي» في جريدة «هيرالد تريبيون» البريطانية في 10 حزيران 1983، والذي تحدث فيه عن أن إسرائيل تقيم نفقاً للوصول إلى مياه نهر الليطاني طوله عشرة كيلومترات من منخفض وادي البراغيث في إسرائيل إلى نقطة منحدرة تحت سد الخردلي ترتفع 215 متراً عن سطح البحر، وهذا النفق من شأنه أن يحول مياه نهر الليطاني إلى إسرائيل.
وقد اشتكت الحكومة اللبنانية من الأعمال الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة وطلبت منها التدخل. وقد منعت إسرائيل بعثة الأمم المتحدة من الوصول إلى المنطقة للاطلاع على ما يجري على الطبيعة، بحجة أنها منطقة عسكرية، وبذلك بقيت لجنة التحقيق الدولية عاجزة عن أداء المهمة التي أتت إليها من نيويورك.
وقد حذرت الحكومة اللبنانية من النتائج الخطيرة المترتبة من جراء استيلاء إسرائيل على مياه الليطاني ومنابع الوزاني والدردارة. وتتخلص هذه النتائج بما يلي:
ـ قطع المياه كلياً أو جزئياً عن السهل الساحلي الجنوبي، أي عن قناة القاسمية التي تروي نحو (50 ألف دونم) من الأراضي.
ـ قطع المياه كلياً أو جزئياً عن محطات الضخ العائدة إلى 60 قرية جنويبة.
ـ وقف تنفيذ مشروع ري الجنوب الذي كان يعتمد في جزء كبير من مصادره، على مياه سد الخردلي، إضافة إلى قطع الكهرباء.
إن أعمال إسرائيل تلك، تعتبر أعمالاً عدوانيةً استناداً إلى تعريف العدوان لعام 1974، وتعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية للبنان على أساس أن من أولويات السيادة لكل دولة هي حريتها بالتصرف بمصادرها الطبيعية، بما يتناسب مع إرادة شعبها ومن دون أي تدخل خارجي.
ما بعد الطبيعة
رسالة للفارابي
مقالة في أغراض ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس في كتاب ما بعد الطبيعة:
بحث الفارابي في رسالته هذه في غرض ارسطو في كتاب ما بعد الطبيعة، قسم فيه العلوم إلى مجملة وجزئية، وغرضه من العلم الجزئي هو العلم الذي موضوعه عن بعض الموجودات أو الموهومات. والعلم المجمل في الشيء الشامل لجميع الموضوعات مثل الوجود والوحدة وأنواعها ولواحقها، والأشياء التي ليست بعارض على الموجودات الخاصة، وتبحث مبدأ جميع الموجودات ثم بعد هذا شرح الفارابي غرض ارسطو في كل واحدة من المقالات الاثنتي عشرة.
طبعاته: ـ طبعة ليدن اهتم بها «ديتريشي» 1890 (في الثمرة المرضية …).
ـ طبعة القاهرة اهتم بها «عبد الرحمن مكوي» 1907م (في مجموعة فلسفة أبو نصر).
ـ طبعتان في حيدر آباد ضمن رسائل الفارابي الأخرى عامي 1930 و1931م.
ـ طبعة بومباي ضمن رسائل الفارابي الأخرى عام 1937م.
مازندران
هو الإقليم المعروف قديماً باسم (طبرستان). وتقع جنوبي بحر الخزر وشمالي جبال ألبرز، وهذا الإقليم اشتهر بخصب أرضه ووفرة مياهه وكثرة غاباته وأشجاره وطيب هوائه وجمال مناظره الطبيعية الرائعة، ومما يزيدها بهاءً وجمالاً ذاك الطريق الساحلي المعبّد الممتد على ساحل بحر الخزر مئات الأميال، حيث تكتنفه المروج الخضر والحدائق والغابات. ولابن اسفنديار في كتابه (تاريخ طبرستان) وصف رائع تناول فيه الحديث عن جمالها، وكثرة خيراتها ورخاء أهلها واستغنائها عن غيرها من الأقاليم بما فيها من ذلك الخير الوفير ويصف أيضاً مناخها بالاعتدال فشتاؤها خريف، وصيفها ربيع … ثم ينقل عن عبد الله بن قتيبة وصفاً مشابهاً لذلك.
ولقد كان رخاء هذا الأقليم من الأسباب التي جعلته منزلاً لكثير من أهل الفضل من العلماء والشعراء والمؤرخين، وإلى هذا يشير ياقوت الحموي في كتاب (معجم البلدان) بقوله:
طبرستان بلاد واسعة خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه.
ومقر الحاكم العام لمازندران بمدينة سالي. ومن مدنه الشهيرة بارفروش، وعلي آباد، وأشرف، وشالوس، وآمل التي نشأ بها ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ المعروف ـ وفي الشرق من مازندران يقع شهرستان (جرجان) الذي يعتبر من أهم مراكزه مدينة جرجان الكبيرة الواقعة على مقربة من حدود إيران وإليها ينسب عبد القادر الجرجاني إمام البلاغة (راجع: طبرستان).
ماسوله
بين مجموعة من الجبال وعلى سفح يرتفع عن سطح البحر (1050 متراً) تقع مدينة ماسوله التاريخية، الجميلة.
تقع (ماسوله) غربي قضاء فومن، وفي الجنوب الغربي من محافظة كيلان في إيران حيث تلتقي المحافظات الثلاث: كيلان وزنجان وآذربيجان الشرقية. يحدّ ماسوله من الشمال والشمال الشرقي ناحية (ماسال) وتوابعها، ومن الغرب قضاء خلخال وتوابعه، ومن الجنوب محافظة زنجان، ومن الشرق سهل فومنات.
ترتبط ماسوله بمدينة فومن، وهي أقرب مدينة لها في محافظة كيلان، بطريق معبدة طولها 35 كيلومتراً، تمتد عبر سهل فومنات الذي ينبسط في الجهة الشرقية منها، مشكّلاً المنفذ السهلي الوحيد لها، أما جهاتها الأخرى فمحاطة بالجبال المرتفعة. وهي تعدّ بمساحتها البالغة (160,000م2) أصغر مدينة في محافظة كيلان. ويبلغ امتداد منطقة ماسوله وتوابعها من الشمال إلى الجنوب 12 كلم، ومن الشرق إلى الغرب 30 كلم.
تنخفض درجات الحرارة فيها في فصل الشتاء إلى حد كبير بسبب موقعها المرتفع (1050 متراً فوق مستوى سطح البحر). وإحاطتها بالجبال المرتفعة من ثلاث جهات، ومن ثم يكون شتاؤها قارساً طويلاً يكثر فيه سقوط الثلج، حتى يبلغ ارتفاعها مترين أحياناً.
أما الصيف فمعتدل فيها كثيراً، فمن جهة يمر بها نسيم جبلي عذب، يساعد على تلطيف جوها، ومن جهة أخرى تكسوها، في أغلب الأحيان، طبقات من الضباب والغيوم، وتحيط بها الغابات من الشمال والجنوب.
ولعل أهم ما يميز هذه المدينة عن سواها هو نمط البناء الخاص فيها، إذ تنتظم بيوتها بشكل عمودي، مشكلة ما يشبه المدرجات. وليس لبيوتها ساحات خاصة بها، إنما يكون سطح الدار السفلي ساحة للدار التي تعلوها. ويتم دخول الناس وحيواناتهم إلى المدينة وخروجهم منها عن طريق سطوح المنزل، دون أن يعترض أصحابها على ذلك، فهو نظام اجتماعي متعارف عليه في ماسوله منذ القدم.
إلا أن عبور الحيوانات غير متيسّر إلاّ من خلال بعض الطرق الرئيسية في المدينة. أما المواد المستعملة في بناء البيوت، فهي: الصخور، اللِبْن، الخشب، التِبْن، بالإضافة إلى طين لزج أزرق اللون، وطين أصفر اللون يستعمل للطلاء بعد خلطه بالطين الأبيض أو بالجص في بعض الأحيان. وكل هذه المواد متوفرة بكثرة في ماسوله.
وتستخدم في الأبواب والشبابيك أنواع النقوش والزخارف، وأحياناً الآيات القرآنية والأشعار الفارسية المنقوشة على الخشب.
وفي السابق كانت مياه العيون تنقل إلى المنازل بواسطة أنابيب من الفخار لتصنع لها عيوناً خاصة بها، أما إذا نبعت فيها عين طبيعية فتخزّن ماءها في مستودع. وفي الوقت الحاضر هناك الكثير من هذه العيون في الطوابق السفلى، أو في الغرف التحتية من المنازل.
وتشكل «ماسوله» بتصميها الخاص منطقة سياحية، تجتذب السائحين إليها كل عام في فصل الصيف، وهي تشتمل على الكثير من المتنزهات الطبيعية والمناظر الخلابة والمناطق الجبلية الجميلة التي يُقبل إليها هواة تسلق الجبال كل عام، وهي تعدّ بالعشرات، ومنها مناطق الشلالات، مثل: شلال ماسوله، في الجانب الغربي منها وشلال (خِره بو) على بعد 2 كلم منها وشلال (كوه بن) إلى الجنوب الغربي منها وشلال (برده سر) على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشرق منها. أما المناطق الأثرية، فأهمها:
1 ـ مزار عون بن محمد بن علي عليه السلام، وهو يشتمل على بوابة أثرية، ويقع في محلة (مسجد بر) داخل المدينة.
2 ـ مسجد صاحب الزمان التاريخي في محلة (خانه بر).
3 ـ مزار عين علي وزين علي على بعد كيلو متر واحد إلى الشرق من ماسوله.
4 ـ مزار السيد إبراهيم في الشمال، ومزار السيد هاشم في الغرب.
5 ـ مسجدا (كشه سر) العليا والسفلى التاريخيان، مسجد (دُوخالِه)، مسجد (خانه بر) الجامع.
6 ـ عدد من الجسور القديمة التي اندثر أكثرها، ولم يبق منها إلا القليل.
7 ـ ماسوله القديمة: تقع في منطقة جبلية على بعد 4 كلم إلى الشمال الغربي من ماسوله، وفيها كان يسكن أهالي ماسوله قبل زمن بعيد.
وتعود حركة اكتشاف المناجم فيها إلى ماضٍ بعيد، فقد كان أهالي ماسوله يستخرجون الحديد بوسائلهم البدائية من الجبال المجاورة لهم، قبل أن يعرض الروس الحديد الحديث في الأسواق، ولا تزال آثار الأماكن المخصصة لصهر الحديد باقية إلى الآن في منطقة كوروبار. وفي الوقت الحاضر هناك عدة مناجم في المناطق المجاورة لماسوله.
وتنقسم الصناعات اليدوية في ماسوله إلى معدنية وغير معدنية، وقد ازدهرت الصناعات المعدنية بسبب كثرة المعادن، وخصوصاً الحديد بالقرب من المدينة، وينشط الحدّادون والنحّاسون في صناعة الأدوات المعدنية التي تستعمل في الحياة اليومية وفي الأعمال الزراعية، مستخدمين المنفاخ اليدوي والحطب في صهر المعادن، ومن هذه الأدوات: المنجل والمطرقة والفأس والمسامير والسلاسل والرّفش ونعل الحصان والملاعق والأقفال والمفاتيح والسكاكين والمديات والمقاص والسيوف وغيرها.
وإلى جانب ذلك، فقد عرفت ماسوله صناعة الأسلحة في عهد فتح علي شاه، إذ كانت تصنع قذائف المدافع وبعض أنواع البنادق التي كانت تتفنن في تزيينها بالنقوش والكتابة البارزة، بالإضافة إلى السيوف الجميلة المزينة بالنقوش والخناجر ذات القبضات الجلدية أو الخشبية، وهي مزينة أيضاً بالنقوش، ولا تزال هذه الأدوات تصنع في ماسوله ولكن بكمية أقل.
وتبرز الصناعات غير المعدنية بقوة أكبر على أيدي الماهرين من الرجال والنساء الذين يحوّلون المواد الأولية إلى أشياء جميلة قابلة للاستخدام، وأبرز هذه الصناعات: صناعة الصوف والجلد والأخشاب.
وليس لدينا اطلاع دقيق على الماضي البعيد لماسوله. فالمصدر الوحيد عن ذلك هو ما يتناقله الناس من روايات تحكي بطولة أجدادهم في تصديهم لقطّاع الطرق والحكام المستبدين.
أما في العصر الصفوي فيذكر أن الشاهسونيين([199]) هاجموا «ماسوله» عدة مرات، وكان الأهالي يتصدّون لهم ببسالة، ويردّونهم على أعقابهم دون أن يمكنوهم من دخول مدينتهم. وإذا ما دخلوها كانوا يضطرون للإنسحاب منها تحت وطأة مقاومة أهلها، وكانت «ماسوله» تُعرف وقتئذٍ بـ (قزل دره): أي وادي الذهب.
وفي الحرب العالمية الأولى كان القوزاق الروس يهاجمون ماسوله بين آونة وأخرى فيقتلون وينهبون، فلجأ الناس إلى إخفاء أموالهم في الغرف التحتية التي يطلق عليها اسم (زان) لتكون في مأمن من المعتدين. وذات يوم حاول إثنان من القوزاق الاعتداء على امرأة من «ماسوله»، فانتدب لهما نفر من الأهالي وقتلوهما ووضعوهما على ظهري جواديهما، ودفعوا بهما صوب معسكر الروس خارج المدينة، فثارت ثائرتهم ودخلوا المدينة وعاثوا فيها قتلاً ونهباً.
ومع ثورة رجال الغابات وقف «الماسوليون» مع الثوار يمدونهم بالرجال والسلاح، فقدّموا عدداً من الشهداء، من بينهم إمام جمعتهم وكثيراً ما كانت تقع في أطراف «ماسوله» معارك ضارية بين القوات الحكومية ورجال الغابات الذين كانوا يتمتعون بدعم الأهالي.
ويهتم «الماسوليون» ببعض العادات والتقاليد ويحافظون عليها، وهي كثيرة وأبرزها: مراسم ليلة السبت ومراسم ليلة الأربعاء (جهار شنبه سوري) ومراسم العرس.
مراسم ليلة السبت: يتفاءل بعض الناس ليلة السبت، فيخرجون من بيوتهم ويرددون بعض الأشعار، طالبين من الله أن يريهم من أمرهم خيراً، ثم يفسرون فألهم بأول شخص يلتقونه أو كلام يسمعونه.
مراسم ليلة الأربعاء: (جهار شنبه سوري): يحتفل أهل «ماسوله» في آخر أربعاء من كل عام، فيوقدون ناراً ويقفزون فوقها مرددين الكلمات التالية: صفرتي عليك حمرتك لي ـ ليذهب الشقاء وتأتي السعادة. ومع حلول الليل تخرج النساء ليشترين المرايا والبخور وبعض الحاجيات الأخرى. ولا بد أن يكون طعام ليلة الأربعاء من (الكوكو) و(الكبيس المخلل) لأنه علامة الفأل الحسن.
مراسم الزواج: يسعى الابن الراغب في الزواج للحصول على موافقة والديه على البنت التي يختارها، فإذا تم ذلك، توجهت امرأة صالحة من العائلة أو من الجيران لعائلة الفتاة لطلب يد ابنتهم، فتطلب العائلة أسبوعاً أو عشرة أيام للتشاور، فإذا جاء الرد إيجابياً بدأت مراسم تناول الحلوى، إذ تأتي عائلة الشاب ووجهاء الحي ومعهم أنواع الحلوى وبعض الأقمشة وقطعة من الذهب، ويتناول الكلام قيمة المهر وتحديد وقت العرس، ثم ترسل عائلة الفتاة إلى عائلة صهرها حلوى تصنع من الطحين والعسل والزيت بطريقة خاصة في صينية كبيرة تسمى (مجمع) ومعها الفستق والنقولات.
فإذا حلّ شهر رمضان قبل العرس، بعثت عائلة الفتاة ببعض الحلوى، لعائلة صهرها، وترد هذه بشيء من الذهب والحلوى وهكذا في عيد النوروز، فإذا حل عيد الأضحى بعث الشاب خروفاً وفي رقبته قطعة ذهب، فتذبحه عائلة الفتاة وتبعث ببعضه لصهرها.
وفي مراسم عقد الزواج توزع الحلوى على الحاضرين، ثم يتوجه المدعوون إلى بيت العروس برفقة الشاب والشيخ، وتجري مراسم العقد ثم يتناولون طعام العشاء ويسهرون حتى الصباح، ثم يمر العريس وعروسه تحت القرآن، ويشد أخوه الأكبر أو عمه شالاً حول خصر العروس ويمسك بيدها، ويأخذ بيدها الأخرى أخوها الأكبر، ويتوجهون نحو بيت العريس والناس خلفهم يزغردون. وبعد بضعة أيام يتوجه والدا العروس لتناول الغداء في دار صهرهما، فيرد الصهر وعروسه بزيارتهما بعد أيام، ثم ينقلان جهاز العرس إلى دارهما وتتم مراسم الزواج.
ويتكلم الماسوليون اللغة الطالشية مع تغيير بسيط فيها، وهي تشتمل على بعض الكلمات الروسية والتركية والعربية والفارسية. واللغة الطالشية إحدى فروع اللغة البهلوية القديمة.
ويغلب الظن أن الطالشيين ينحدرون من الأصل الكادوسي، وكانوا يسكنون جنوب غرب بحر قزوين، قبل دخول الآريين إلى إيران.
ويعتنق جميع أهل ماسوله الدين الإسلامي، ويتّبعون المذهب الشيعي الجعفري.
وفي منتصف ليلة الخميس 21/5/1990 اهتزت ماسوله بشدة إثر زلزال شديد أصاب مناطق واسعة من شمال إيران، بلغت درجته حسب مقياس ريختر 7,8 درجات، وهي الهزة الأرضية الأقوى التي تصيب ماسوله منذ 1400 عام.
ورغم فداحة الخسائر التي لحقت بها، فإنها بقيت تتمسك بجمالها وتستقبل بالترحيب الأعداد الكبيرة من السائحين الذي يتوافدون عليها باستمرار.
المؤسسة الدينية الشيعية
انطلق التشيّع رافضاً للمسار الذي اختاره التاريخ لنفسه، فقد بقي متمرداً محتجاً على ذلك التاريخ الذي ركب، باسم القرآن، أمواج جاهلية كسرى وقيصر.
الشيعي لم يركن لحتمية التاريخ، ونهض ثائراً على أولئلك الذي فرضوا هيمنتهم عليه وسلّطوا جام غضبهم على الشعوب رافعين شعار خلافة النبي وإمامة المسلمين. بلى، لقد أعرض الشيعي عن المساجد الفاخرة والقصور العامرة ووجد ضالّـته في بيت فاطمة، المشيّد من الطين!
وفي ذلك البيت المهجور وجد الشيعي، ممثل الطبقة المسحوقة والمنادي بتطبيق العدالة والمساواة، وجد ما يريد ومن يريد معاً!
فاطمة بالنسبة إليه كانت الوارثة للنبي ومظهر (الحق المهتضم) وهي في الوقت ذاته تجسيد حي لأول اعتراض علني وأولى المطالبات الصريحة بتطبيق مبدأ العدل والمساواة، شعار الشعوب المضطهدة والطبقات المسحوقة في ظل أنظمة الحكم الجائرة.
أما عليّ فهو مرآة (العدل المظلوم) والمجسد الواقعي للحقيقة التي تضافرت الحكومات على خنقها وحكم عليها الدين الرسمي للدولة بالطمس والكتمان!
وجاء الحسن ليمثل آخر خطوط المقاومة في جبهة إسلام الإمامة بإزاء الخط الأول في جبهة إسلام الحكومات.
ومن بعده كان الحسين شاهداً وما يزال لكل شهداء الظلم والجور على طول التاريخ ووارثاً لجميع أحرار العالم ومن ينادون بتحقيق العدالة والمساواة من عهد آدم إلى زمانه وإلى الأبد، رسولاً للشهادة ومظهراً لدم الثورة.
وأخيراً، زينب! الشاهدة على كل الأسرى العزّل في ظل سطوة الجلاّدين، رسول ما بعد الشهادة ومظهر نداء الثورة!
وفي خط عليّ يجد الشيعي شعاراته الرئيسية والتي ينطلق فيها في تجسيد آمال وآلام الطبقة المسحوقة، الواعية والمتمردة في نفس الوقت على طغيان الحاكم، فهو يهتدي إلى التخلص من ولاية الجور برفع شعار (ولاية علي)!
وإذا أراد أن يميط اللثام عن الوجه الحقيقي لنظام الخلافة القائم فإنه يعمد إلى رفع شعار (الإمامة)!
ولتفنيد أسس نظام التمييز العنصري والطبقي يرفع شعار (العدل).
وحيث يسعى السلاطين ووعاظهم وحاشيتهم للتمويه على حقيقة ما يدور ويصرفون أنظار الناس عن طريق الفتوحات وكسب الغنائم وبناء المساجد والمدراس وإقامة الفرائض وبذل الهدايا والنذور والأوقاف وتعظيم الشعائر والاهتمام بالمظاهر وكأن الأمور تجري على خير ما يرام وعلى النحو الذي يرضي الله وعباده الكرام، ينبري الشيعي لفضح هذا الزيف من خلال رفع شعار (الانتظار).
وبغية إيجاد تنسيق في العمل ومركزية في النهضة يلوذ الشيعي بشعار (المرجعية)، ويستثمر شعار (التقليد) من أجل تعبئة الطاقات باتجاه واحد وإيجاد منهجية موحدة في التحرك، وبقيادة شخص مسؤول هو (نائب الإمام)!
ولا شك أن كل حركة تحتاج إلى تأمين مصادر دعم مالي ليتاح لها النهوض بواجباتها في ميادين النضال الفكري والاجتماعي وإدارة التشكيلات والمؤسسات العلمية والتربوية، على الخصوص في ظل أنظمة تصادر باسم الدين، كل موارده المالية وتسخّرها لتحقيق مآربها وأهدافها، فكان لا بدّ من مصدر تمويل حر ومستقل فكان (سهم الإمام)!
أما (مجالس العزاء) فكانت هي الوسيلة للتذكير المستمر بكفاح الشيعة على طول التاريخ ضد من يحاولون تحريفه وتشويه مساراته، وبواسطتها كان يشار إلى حوادث الظلم والغضب والخيانة ومكامن الزور والخداع والكذب والانحطاط، مضافاً إلى استثمار تلك المجالس في إحياء ذكرى الشهداء!
ومن أجل فضح النظام الحاكم المتستر تحت عنوان وارث سنة الرسول وخليفته، وتعرية الوجه الحقيقي له وكونه الوارث لقتلة ذرية الرسول وجلاّديهم، وبغية التأشير على المنهج السليم وتقديم إجابات شافية على التساؤل القديم الجديد (ماذا ينبغي أن نفعل؟!) وتحديد أوجه تصعيد العمل المعارض لسلاطين الجور ورفض البيعة لهم والإيمان بترابط حلقات التاريخ وإعلان الحرب المستمرة بين ورثة آدم وورثة إبليس، وتوضيح حقيقة أن الإسلام الحكومي هو إسلام القتلة بينما الإسلام الحقيقي والواقعي ما زال غائباً يرتدي ثوبه المضرّج بالدماء! حقاً هل ثمة شعار يعبر عن كل هذه المفاهيم أفضل من نداء (عاشوراء)؟
بعد ذلك كله ، لا بد من غطاء يجري من خلاله التعتيم على كل هذه الأنشطة الثورية الرافضة والتستّر عليها حرصاً على إدامة المشروع النهضوي وحفظاً لعناصره وخططه من الضياع والاستئصال في ظل أنظمة حكم لا تتورع عن فعل أي شيء ترى فيه ضماناً لمصالحها، يعينها على ذلك ويسهّل لها تلك المهمة وجود (رجال دين) على أهبة الاستعداد دائماً لتنفيذ مطاليب السلطة بفتاوى جاهزه تصاغ على ضوء ما يشتهيه الحكم مع وجود أناس مغفلين بالإمكان تسخيرهم لتحقيق مآرب السلطة بأجر أو بدون أجر، والنتيجة أن تسحق النهضة وينكّل بقادتها المخلصين وتشتت قاعدتها قتلاً وحبساً ونفياً حتى تتلاشى ولا يعود بالإمكان مواصلة النهضة فضلاً عن تصعيدها. كل ذلك نتيجة عدم رعاية الضوابط الأمنية وعدم كتمان أسرار الثورة، الأمر الذي يتكفل بتحقيق معلم آخر من معالم الخط العلوي. وليس إلا (التقية)!
جاء التشيع مذهباً معتدلاً وغنياً بالمعارف ليمثل قمة التوجه الثوري التغييري الرافض للوضع السائد المدعوم من قبل السلطة، وقد ارتكز هذا المذهب في دعوته التربوية إلى ركيزتين، الإمامة والعدل، وكان شعاره الثوري هو عاشوراء حيث استطاع من خلاله تعبئة الجماهير المتذمّرة من الوضع السائد متمِّماً ذلك بالدعوة إلى انتظار الإمام المهدي وطرح قضايا من قبيل علامات الظهور وآخر الزمان، وإحياء الأمل والفرج بعد الشدة، والإيمان بانكسار الباطل والظلم في نهاية المطاف، وانبساط العدل بالسيف وإعداد جميع المظلومين والمنادين بالعدالة إلى لحظة الثورة …
علي شريعتي
امتد وجود المؤسسة الدينية الشيعية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام في عمق التاريخ الإسلامي الطويل، وبدأت الخيوط الأولى لنسيج هذا الكيان تتشكل منذ المقاطع الزمنية الأولى التي انبثق فيها فجر التشريع.
وقد دأبت (المؤسسة الدينية) خلال مسيرتها الطويلة هذه على حفظ الثروة العلمية الإسلامية المتدفقة، وصيانة المنابع الأساسية للتشريع، والاهتمام بالمظاهر والوقائع والمعطيات التي اكتنفت الرسالة الإسلامية في مختلف أدوارها، والاعتزاز بها والمحافظة عليها.
واحتل فكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام الطليعة الأولى في تغذية روافد هذه الثروة الغنية، من خلال السيل الفكري والتراث العلمي المتدفق الذي خلفه أهل البيت عليهم السلام للأمة الإسلامية.
وبهذا تمثل (المؤسسة الدينية) المنبع الحقيقي والمصدر الأساسي الذي تستقي منه حركة الشيعة اتباع أهل البيت عليهم السلام وقودها في الاستمرار ونظرتها إلى مختلف جوانب الحياة، فتقوم كل مجموعة من طلبة العلوم الدينية بتحمل جزء من هذه المسؤولية الجسيمة، إذ أن الإحاطة التفصيلية بكل خصوصيات الواقع وجزئياته لا يمكن تصورها بشأن أي فرد مهما كانت قدراته الذاتية ومؤهلاته العلمية باستثناء مصدر التشريع المتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.
ومن المفترض أن تحصل هذه الإحاطة في خطوطها العامة وبشكل إجمالي لدى (المرجع الديني) الذي يمثل قمة الهرم في هذا الوجود، باعتبار معالجة الفقه الذي هو مجال تخصصه لمختلف شؤون الحياة.
وهذا لا يعني الاستغناء عن المتخصصين في المجالات المتعددة الأخرى، وإلغاء دورهم بشكل كامل، بل يبقى (الفقه) يمثل الخط الخلفي العام الذي تستمد منه كل هذه المجالات شرعية حركتها وتحديد هويتها، فتبقى الطولية محفوظة بين كل هذه التخصصات والعلوم من جهة، وبين علم الفقه من جهة أخرى. و(علم الفقه) باعتبار توفر هذه الخصوصية الشمولية فيه، وكونه يمثل الشريان الأبهر لكيان الشريعة الإسلامية، فإنه أخذ موقعه المتقدم في هذه المؤسسة الدينية طيلة الحقب التاريخية المتطاولة، واقترن التاريخ له بالتأريخ للحالة العلمية المتنامية في هذا الكيان.
فدراسة تاريخ (المؤسسة الدينية) ومحاولة التعرف على بدايات نشوئها، وطبيعة حركتها، ومراحل نموها … يتطلب دراسة التاريخ الفقهي في حركة الإسلام، وملاحظة الفترات التي قطعتها هذه الحركة، والمواقع التي انطلقت منها، والظروف التي هيأت لها.
وسوف نقوم باستعراض عاجل لهذه المراحل منذ بداية نشوء هذه المؤسسة في تاريخ المسلمين الشيعة وحتى وصولها في رحلتها إلى مدينة (النجف الأشرف) حيث استمرت في هذا المركز الديني الكبير لما يناهز الألف عام.
كانت (المدينة المنورة) تمثل المهد الأول لمنطلق الرسالة الإسلامية، والعاصمة العلمية الأولى التي تربى فيها فقهاء المذهب من الرعيل الأول مثل سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن عباس حبر الأمة، وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين. وكانت مهمة هذه النخبة الرائدة تتمثل بحفظ مضامين القرآن الكريم وسنة أهل البيت عليهم السلام وصيانة الشريعة ونقلها إلى الأجيال اللاحقة بأمانة وحرص وإخلاص.
وقد دوّن الفقهاء في هذه المرحلة الأولية عدة مدونات حديثية مهمة([200]).
ولهذا ساهمت هذه الفترة بإرساء قواعد الفقه الإسلامكي الشيعي، وتأسيس دعائمه، وخصوصاً في عهد الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام.
فعلى الرغم من حدة الصراع بين التيارات السياسية المتكالبة على السلطة في عهد الإمام الباقر عليه السلام، وكثرة الفتن والاضطرابات التي مرت بها الأمة الإسلامية آنذاك، إلا أن إطلالة الإمام عليه السلام كانت قد فتحت أمام العلوم الإسلامية آفاقاً جديدة، وأعطت للحركة العلمية الشيعية زخماً فقهياً كبيراً، ومنحت الفكر الإسلامي أصالة وثراء، وأشبعت المطالب الكلامية والاعتقادية بحثاً وتدقيقاً.
فاتخذ الإمام عليه السلام من الجامع النبوي الشريف وبهو بيته مركزاً لنشر هذه الثروة العلمية الغنية، وأخذت الوفود العلمية تترى إليه، لتأخذ العلوم والمعارف منه، يقول الشيخ أبو زهرة: «وما قصد أحد مدينة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرّج عليه، ليأخذ عنه معالم الدين»، وقد أخذ عنه أهل الفقه ظاهر الحلال والحرام، وعموماً فإن الحياة الثقافية في هذه الفترة مدينة لهذا الإمام العظيم، وهو الباعث والقائد لها على امتداد التاريخ([201]).
وعندما جاء دور الإمام الصادق عليه السلام مرت الحركة العلمية بفترة من الازدهار العلمي المتميز، على الرغم من ظروف الإرهاب التي كانت سائدة آنذاك، فقد أحست السلطات العباسية أن الإمام عليه السلام بحركته هذه سوف يسحب البساط من تحت أقدامها، ويكسب رأي الأمة لصالحه، وينفذ في أعماق الجماهير، من خلال مختلف المعارف والآداب والعلوم التي كانت مدرسته تغذي المجتمع بها.
ولأجل هذا سعى أبو جعفر المنصور العباسي عندما تولى الخلافة عام (136هـ) إلى القضاء على هذه الحركة العلمية بمختلف الوسائل والأساليب، لما رأى من إقبال الناس على الإمام الصادق عليه السلام واجتماعهم حوله ولما كان يمتلكه عليه السلام من موقع مرموق في نفوس أبناء الأمة الإسلامية، ونفوذ في أعماق الرأي العام القائم آنذاك، وخصوصاً في أوساط أهل العلم والفضل.
فعمد (المنصور) في البداية إلى استمالة الإمام عليه السلام إليه، ظناً منه أنه عليه السلام سوف يستجيب له، ومن ذلك أنه كتب إليه: «لم لا تغشانا كما يغشانا الناس»، فكتب إليه عليه السلام: «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا تراها نقمة فنعزيك». فكتب إليه المنصور ثانياً: «تصحبنا لتنصحنا» فأجابه الإمام عليه السلام: «من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك»([202]).
لقد أصبح واضحاً لدى المنصور، أن الإمام الصادق عليه السلام ليس من النوع الذي ينجرف مع هذه العروض الدنيوية الزائلة، ويستجيب لهذه الإغراءات الزائفة، فقطع أمله في هذا النوع من المحاولات، وعمد إلى أسلوب آخر يتمثل بالقوة والمواجهة والإكراه.
فبدأ بملاحقة شيعة الإمام عليه السلام ورواد مجلسه، وجعل عليهم العيون، ففرضت عليه العزلة الكاملة، وأخذ الناس يمتنعون عن زيارته وينفضّون عنه.
وعلى الرغم من كل هذا الذي كان يبدو للمنصور من نفوذ لفكر الإمام الصادق عليه السلام واتساع نطاق تأثير مدرسته وكيانه العلمي، إلا أنه لم يجد ما يبرر له أن يفتك به، لأنه يخشى العاقبة من ذلك، لما كان يعلم به من تعلق الناس بشخصية الإمام عليه السلام وحبهم له.
فكان المنصور يرى سلطانه مهدداً، وملكه زائلاً إن طال الوقت واستمر الزمن، وأراد أن يقرب مما يرومه، وذلك في فرض الإقامة على الإمام عليه السلام في الكوفة، ليكون قريباً منه وعسى أن تصدر منه بادرة فينقض عليه([203]).
وبهذا يقع الفكر ضحية الاستبداد، ويلاحق العلم في كل موقع ينطلق منه، ويتعرض رواد مدرسة صادق أهل البيت عليهم السلام إلى شتى أنواع الاضطهاد والبطش والتنكيل في (المدينة المنورة)، فتنتقل الحركة العلمية إلى (الكوفة) وتصبح هذه المدينة المدرسة الدينية الثانية بعد (المدينة المنورة)، وتتأقلم هذه الحركة مع الوضع الجديد، وتبدأ مسيرة جديدة تشق طريقها وسط تيارات الإرهاب، وتتمخض عن عطائها الجم رغم محاولات الكبت والاحتواء.
وعلى الرغم من كل هذه الضغوط التي تعرضت لها مدرسة الإمام الصادق عليه السلام العلمية في (المدينة المنورة)، وفي (الكوفة) في أواخر أيامه عليه السلام، إلا أنها انحسرت عن نتائج ملأت الخافقين، وعن علم جم غفير أتحف التراث الإسلامي بعناصر البقاء، وروافد الاستمرار، ومفاصل التغيير.
وقد استثمر الإمام الصادق عليه السلام الفترة الانتقالية من (الحكم الأموي) إلى (الحكم العباسي) حيث سادت أجواء ملائمة نسبياً لبث الفكر والثقافة والوعي الأصيل، ووضع أصول الفقه وفروعه، فمثلت هذه الحقبة الزمنية بذلك فترة الازدهار العلمي من بين مراحل انتشار الشريعة على يد أهل البيت عليهم السلام.
فمن المصاديق البارزة لهذا الازدهار أن (أبان بن تغلب) قد روى عن الإمام الصادق عليه السلام 30,000 حديث وعد له ابن النديم في الفهرست ثلاثة كتب: كتاب في القراءات، وكتاب في معاني القرآن، وكتاب في أصول الحديث على مذهب الشيعة([204]).
وروى (محمد بن مسلم) 40,000 حديث، وقال الحسن الوشاء: «إني أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد»([205]).
وأملى الإمام عليه السلام كتاب توحيد المفضل، وكات الإهليلجة، ومجموعة الرسائل التي رواها عنه جابر بن حيان([206]).
وفي هذا الفترة صنف علماء الشيعة المعاصرون للأئمة عليهم السلام ما يزيد على (6,600) كتاب في الحديث، ومن بين هذا العدد تميز (400) كتاب اشتهر باسم «الأصول الأربعمائة»([207]).
والخلاصة أنه لم تزدهر المدرسة الحديثية في مذهب من المذاهب الإسلامية كما ازدهرت عند الشيعة في ذلك الوقت، وكانت لهذه المرحلة أهمية خاصة في حفظ التراث الإسلامي والأحاديث النبوية، فلهشام الكلبي أكثر من (300) كتاب، ولابن شاذان (280) كتاباً، ولابن دؤل (100) كتاب، ولابن أبي عمير (94) كتاباً، ولهذا قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «لو رُدّ حديث هؤلاء ـ أي الشيعة ـ لذهبت جملة الآثار النبوية»([208]).
ومما عزز هذا الموقع الهام الذي احتلته مدرسة (الكوفة) بالنسبة إلى الانطلاقة الفكرية الشيعية، أنها كانت عاصمة الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فمثلت الكوفة بذلك «أول مركز للتشيع طوال عهد الدولة الأموية»([209]).
وفي بداية عصر الغيبة الكبرى بدأت خصوصيات هذا الكيان العلمي ومعالم المدرسة الفقهية تتبلور بشكل أكثر وضوحاً من السابق، وأصبحت مدينتا (قم والري) في (إيران) المعهد الديني الذي ترعرعت فيه الحركة العلمية الجديدة التي اتّسمت بطابع الرشد والتطور عن المرحلة السابقة.
فقد كانت بلدة (الري) في هذا التاريخ عامرة بالمدراس والمكاتب، وحافلة بالعلماء والفقهاء والمحدثين، وكان في بلدة (قم) من المحدثين (200,000) رجل([210]). ولعل السبب في هذا الازدهار يعود ألى أن (قم والري) كانت خاضعتين لسلطان حكومة (آل بويه) المعروفين بولائهم وتشيعهم، مما أدى إلى أن يجد علماء الشيعة الأرضية الصالحة لنشر الفقه الإسلامي، وترويج دعائم الفكر الشيعي تحت ظل هذه الدولة الموالية.
فبرز في هذه الفترة علماء كبار أتحفوا العلم والفكر بآثارهم الفذّة من أمثال محمد بن يعقوب الكليني (329هـ) وأبو جعفر محمد بن علي القمي المعروف بالصدوق (381هـ)، فقد دوّن هذان العلمان موسوعتين حديثتين كبيرتين هما: الكافي في الأصول والفروع للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، إذ احتوت هاتان الموسوعتان بين دفتيهما على جملة الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، وبوبتها بشكل منهجي متناسق، وقد انتظم هذان الكتابان في جملة (الكتب الأربعة) ([211]) التي تمثل المنابع الأساسية لحديث أهل البيت عليهم السلام عند الشيعة.
ودوّنت كذلك كتب حديثية أخرى، فقد ذكر ابن النديم في الفهرست أن الشيخ الصدوق ذكر (200) كتاب لوالده (علي بن الحسين) وكان للصدوق نحو من (300) مؤلفاً، من جملتها موسوعته الحديثية الكبرى «عيون أخبار الرضا عليه السلام»([212]).
انتقلت (المؤسسة الدينية الشيعية) بعد هذه المرحلة إلى (بغداد) في القرن الخامس الهجري، وأخذت ملامح هذه الكيان تحمل طابع الاستقلالية والنضوج والكمال، لما تهيأت لها من أجواء فكرية وسياسية ملائمة، فأنجبت هذه المدرسة كتلة من النبوغ البشري، ومجموعة شامخة من العقول الشيعية الجبّارة، يقف في طليعتها الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد (413هـ)، والسيد المرتضى (436هـ)، وشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (460هـ)، (الذي كان يحضر درسه حوالي 300 مجتهد من الشيعة، ومن غير الشيعة ما لا يحصى) ([213]).
بدأ في هذه المرحلة (علم أصول الفقه) يضرب جذوره تدريجياً من خلال تنقيح المسائل الأصولية بصورة مستقلة عن الحديث، وإدخال فن الصناعة إلى (علم الفقه)، واستنتاج أحكام شرعية خارج نطاق ألفاظ الحديث، وعدم الجمود على ظاهر نصه والاكتفاء به.
وطفقت (المؤسسة الدينية الشيعية) في هذه المرحلة تمارس دوراً اجتماعياً وفكرياً متميزاً إلى جانب اهتماماتها الفقهية والعلمية التخصصية، ونشطت الحركة الثقافية بشكل ملحوظ، فدخل علماء الشيعة في غمار المباراة العلمية الصعبة التي كانت قائمة آنذاك، وخاضوا لججها الغامرة، فخرجوا منها بنظريات فكرية وإبداعات فقهية، وتصورات مفاهيمية في منتهى العمق والثراء والأصالة.
فإن من استعرض حياة الشيخ (المفيد) يستظهر أنه استطاع أن يغير الجو الفكري في (بغداد) حاضرة العالم الإسلامي يومذاك، وأن يكهرب ندوات الفقه والكلام، ويجذب إلى نفسه طلاّب العلم، حتى كاد أن يغطي المدارس الفقهية والكلامية الأخرى، والفقهاء والمتكلمين من أتباع سائر المذاهب، وقد كان الفقهاء والمتكلمون يقصدونه من أقطار بعيدة، وكان بيته ندوة عامرة بحديث الفقه والكلام والنقاش والأخذ والرد([214]).
وأما حركة التأليف والكتابة، فقد أخذت طابع الشمولية والمنهجية أكثر من المراحل السابقة، وامتلأت (المؤسسة الدينية الشيعية) بنفائس الكتب العلمية القيمة في مختلف المعارف والفنون الإسلامية والإنسانية.
فقد أحصى (السيد الأمين) في (أعيان الشيعة) للشيخ (المفيد) قريباً من (200) كتاب ورسالة في الفقه والكلام والحديث، وعدّ للسيد المرتضى ما يقرب من (90) مجلداً من مقروءاته ومصنفاته ومخطوطاته، وذكر (آقا بزرك الطهراني) اسم (47) مؤلفاً للشيخ الطوسي مما وصل إليه من أسماء مصنفاته([215]).
سياسياً أيضاً مارست (المؤسسة الدينية الشيعية) في ذلك الوقت دورها بكل جدارة، وكان لعلماء هذه الفترة مكانة اجتماعية وسياسية مرموقة، وامتد نفوذهم بشكل فاعل وقوي في الدولة وأجهزتها.
فقد اتصل الشيخ (المفيد) بالدولة فقدرت مكانته حق تقديرها، وأجروا الرواتب له ولتلاميذه، وخصصوا له جامع (براثا) في منطقة (الكرخ) لوعظه، وإقامة الصلاة جمعة وجماعة، وله معهم نوادر وقضايا منشورة ومشهورة([216]).
وبلغ الأمر بشيخ الطائفة (الطوسي) أن كان له كرسي الكلام والإفادة، وكان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يعط إلا لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه([217]).
أفلت الحركة العلمية في (بغداد) عند دخول (طغرل بيك) إليها بالجيوش السلجوقية وأحرقت حينها مكتبة الشيعة الضخمة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي، والتي كانت تضم أكثر من (10,000) كتاب من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وتوسعت الفتنة حتى اتّجهت إلى شيخ الطائفة (الطوسي) وأصحابه فنهبوا داره، وأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه([218]).
فبزعت مدرسة (الحلة) ومدرسة (النجف) خلفاً لمدرسة (بغداد).
وأخذت هذه الحركة طابعاً أعمق من السابق، وأكثر رشداً ونضوجاً، فقد نظمت أبواب الفقه، وعرضت بأسلوب منهجي وموضوعي، وتم تدوين (الفقه المقارن) وإبرازه في موضوعات ضخمة وشاملة، وتميز عرض الفقه الشيعي في هذه المرحلة بمزيد من التطور، وقد تمثل هذا العرض رائعاً في كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي (676هـ)، حيث بقي هذا الكتاب منهجاً ناضجاً وحيوياً يتعاطاه طلبة العلوم الدينية في (المؤسسة الدينية الشيعية) منذ زمن تأليفه في القرن السادس الهجري حتى الوقت الحاضر.
وبعد هذه الرحلة الطويلة رست حركة العلم في مدينة (النجف الأشرف) حيث مرقد باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، بعد أن انتقل إليها شيخ الطائفة (الطوسي)، واتّخذ منها منطلقاً لنشر الفكر الإسلامي وقاعدة للتحرك والتغيير، ومناراً لطلب العلم من جديد، وأخذ يستقطب طلبة العلوم الدينية من كل مكان، ويودعهم من أسرار علمه، وكنوز معارفه (فصيَّر مدينة النجف الأشرف مركزاً للعلم، وجامعة كبرى للإسلام، فشدّت إليها الرحال وتعلقت بها الآمال، وبان فضلها على ما سواها من البلدان، وتخرج من هذه الجامعة خلال هذه القرون المتطاولة ما يعدّون بالآلاف المؤلفة من أساطين الدين، وأعاظم الفقهاء، وكبار الفلاسفة، ونوابغ المتكلمين، وأفاضل المفسّرين، وأجلاّء اللغويين، وغيرهم ممن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها، وبرعوا فيها أيما براعة([219]).
واستمرت هذه الجامعة الدينية الكبرى تغذي الإسلام في مختلف أدوارها بالفكر والثقافة والأدب، ومختلف المعارف الإسلامية المتنوعة الأخرى طيلة ألف عام، وكانت تتحول عن هذا الموقع، وتنتقل عنه في بعض الأزمنة لفترات وجيزة مؤقتة، إلا أنها ما تلبث أن تعود إلى مهدها الأول ومقرها الأصيل، فبقيت محوراً لكل هذه المعاهد المنتشرة، وأساساً لكل انطلاقة إسلامية أخرى إلى هذا اليوم.
المؤسسة الدينية ـ المهام والغايات
حظيت (المؤسسة الدينية) في مختلف مراحلها بالدور التوجيهي المتميز الذي هيمن روحياً وفكرياً وسياسياً على كل حيثيات الوجود الإسلامي الشيعي، وكانت صاحبة القرار الفاصل في مختلف القضايا المصيرية الكبرى، التي تتعرض لها الأمة الإسلامية بشكل عام.
وليس غريباً أن تحتل (المؤسسة الدينية) مثل هذا الدور الخطير على مرّ القرون الطويلة، إذ كانت تضم النخبة الصالحة والطليعة الرائدة دائماً وأبداً.
إن من الأغراض البارزة التي تتصدر قائمة الأوليات في المنهج الحوزوي هو الاهتمام بالمنابع الأساسية للتشريع (الكتاب الكريم والسنة الشريفة)، وحفظها وصيانتها من عمليات المحو والتحريف والاحتواء، ونقل محتوى هذه المنابع بأمانة وتثبت إلى الناس لربطهم بالشريعة الإسلامية، وشدهم إلى قيم السماء.
وهذه الأهداف تتطلب مستوًى عالياً من تزكية النفس وتهذيبها، إذ أن مضامين الشريعة تركز على الجوانب المشرقة في الحياة الإنسانية، والتي تتمثل بالهدي المتّزن البعيد عن الأهواء والشهوات، وتلزم الإنسان المنتسب إليها بنمط من السير التكاملي والسلوك التربوي الناهض بروح الإنسان نحو المثل السامية والأخلاق الرفيعة.
فإذا ما انعكس هذا السيل من المفاهيم التربوية إلى سلوك عملي يتحرك في الواقع بصدق، ويضغط للتأثير فيه، من خلال الموعظة الحسنة والكلمة الهادفة والسلوك الملتزم، فلا شك في أن هذا الكيان سوف يكون القدوة الصالحة والأسوة الأمثل التي ينحدر عنها سيل الهداية لكافة أبناء المجتمع، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الإصرار العميق من قبل (المؤسسة الدينية) على ضرورة ممارسة الدارسين لدورهم الرسالي ومسؤوليتهم التعليمية في المجتمع في المواسم المختلفة، خلال ما يعادل أيام الدراسة والتحصيل، أو ينقص بقليل، وقد يتفرغ بعض الدارسين لأداء هذا الدور بعد أن ينال شطراً معتدًّا به من العلم، بحيث أصبح التبليغ والوعظ والإرشاد ضرورة يمارسها أغلب الدارسين كل على شاكلته.
وكان بسبب ذلك أن حققت (المؤسسة الدينية) إنجازات كبيرة وجبارة في مجال نشر وترويج الفكر الإسلامي، وتقوية دعائم الدين، لا على المستوى الفردي المحدود فحسب، بل على مستوى تغيير أو تصحيح معتقدات راسخة آمن بها قطاع كبير من الناس، ولعصور مختلفة.
فمن تلك المواقف مثلاً العلاقة الاجتماعية الهادفة التي أنشأها نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (673هـ)، مع (هولاكو) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الإسلامي المهدَّد بالزوال، وأن يحول دون اكتمال الكارثة النازلة بالمسلمين من وحشية وهمجية المغول، والحدّ من انتهاكاتهم، وقد نجح نصير الدين إلى حد كبير في بناء هذه العلاقة وتحصيل طاعة (هولاكو) لآرائه في كثير من الأمور، حتى فوّض إليه (هولاكو) أمر أوقاف البلاد، وقد بلغ من إحكام أمره وترسيخ منهجه، أن الدولة التي أقبلت بجيوشها الجرّارة لتهدم الإسلام، وتقضي على حضارته، انتهى أمرها بعد حين إلى أن تعتنق بنفسها الإسلام، ويصبح خلفاء (جنكيز) و(هولاكو) الملوك المسلمين([220]).
كما نجد أن هذا الدور يتجلّى في مناظرة الحسن بن يوسف المعروف بالعلامة الحلي (736هـ) في مجلس السلطان الجايتو محمد المغولي الملقَّب بـ (خدابنده) في (إيران) لأهل المذاهب الأخرى، حيث كان من بينهم الخواجة نظام الدين المراغي أفضل علماء الشافعية، وكان من جراء إحدى هذه المناظرات أن التحق السلطان مع أتباعه بمذهب أهل البيت عليهم السلام، وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده، وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد([221]).
ولا يخفى حجم الخدمات الدينية التي أسداها الشيخ علي الكركي العاملي الملقب بالمحقق الثاني (940هـ). في عهد الشاه (طهماسب) الصفوي، عندما استدعاه إلى (إيران)، وجعل أمور مملكته بيده، فقد أصبح المحقق الكركي الحاكم الفعلي للبلاد فيما يخص الشؤون الدينية، وسعى إلى إعلاء كلمة الإسلام. وأزال الفجور والمنكرات، وأجرى الحدود والتعزيزات، وأمر أن يقرر في كل بلد وقرية إمام يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين([222]).
وإذا ما تخطينا الأدوار الأولى للمؤسسة الدينية الشيعية في مواجهتها للتيارات الفكرية المنحرفة، وتصميمها على تقوية دعائم الدين، وإرساء قواعده في العصور السابقة، وانتهينا إلى القرن الأخير، لأدركنا مقدار المسؤولية التي تحمل أعباءها علماء الإسلام ومفكروه، وحجم الخدمة التي قدّمتها (المؤسسة الدينية) للمحافظة على بقاء الشريعة، واستمرار حركتها خلال المنازلة التي اتّسمت بسعة ساحة الصراع وشموليتها، وجدّية التحدي، ووفرة إمكانات الخصم، وتعدد وسائل التضليل والتمويه والانحراف، ولاحظنا مقدار النضوج الحاصل في عمق هذه المواجهة، وقوة الإرادات المبارزة لهذه الانحرافات، وخصوصاً عند انتشار الحملات التبشيرية المرافقة لاستعمار البلدان الإسلامية، والأفكار الاعتقادية المنحرفة كالوهابية والبهائية والبابية، وهجمة التيارات الغربية المظللة.
وكان في طليعة المواجهين لهذه التيارات السيد محسن الأمين (1371) والشيخ محمد جواد البلاغي (1378هـ)، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ) والشيخ الشهيد مرتضى المطهري (1399هـ)، وغيرهم كثيرون.
ولم يقتصر دور (المؤسسة الدينية) على هذا الأمر الحيوي الهام، بل مارست الحضور الدائم والفاعل في الفترات الحساسة التي مرّت بها الأمة الإسلامية بمنعطفات مصيرية فاصلة، انطلاقاً من موقعها الذي تأخذه في ساحة المواجهة، ومناهجها التي تستوعب كل خصوصيات الحياة، فإن (علم الفقه) الذي يمثل المحور الأساسي للمناهج الدراسية والعمود الفقري لكيان (المؤسسة الدينية) يتكفل بتلبية جميع مطاليب المجتمع، ويدخل في جميع شؤونه، ويعين التكاليف الإلهية، والمواقف العملية التي يحتاجها الفرد والمجتمع إزاء الوقائع والأحداث في مختلف الميادين.
والفقيه بحكم اطلاعه على الأدلة التفصيلية للأحكام الشرعية، وإحاطته بها، وقدرته على تطبيق تلك الأدلة على مفردات الواقع، وبالتالي استنباط الوظيفة الشرعية للمكلف، وهكذا المقومات الأساسية التي اشترطت الشريعة الإسلامية توفرها فيه، بأن يكون صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه([223]) … كل ذلك يؤهل الفقيه لأداء الدور القيادي ويمنحه شرعية البت والفصل في قضايا الأمة المصيرية، وتعيين الرؤية وصنع القرار.
وقد كانت (المؤسسة الدينية) وما زالت تشارك الأمة همومها وآلامها، وتسجل الحضور الدائم والقوي في ساحة المواجهة مع التحديات السياسية في نقاط مضيئة من تاريخها الحافل بالعطاء.
ومن تلك الشواهد المتميزة التي أدت فيها (المؤسسة الدينية) رسالتها بوعي وفاعلية في مقاطع هامة وحساسة من التاريخ الإسلامي، التقديرات المتزنة للأحداث السياسية من قبل المرجعية الدينية التي تمثل قمة الهرم في سلسلة المراتب العلمية في هذا الكيان، وتعيين الموقف تجاهها، وتشخيص الرؤية لمعالجة التعقيدات المرافقة لتلك التحديات، وخصوصاً في أواخر القرن السابق، وأثناء القرن الأخير.
فلا يمكن الإغضاء عن النشاط السياسي للميرزا محمد حسن الشيرازي المعروف بالميرزا الشيرازي الكبير (1312هـ)، الذي امتدت مرجعيته للشيعة لمدة (23) عاماً.
فمن ذلك رفضه لاستقبال ملك إيران ناصر الدين شاه عند مدخل مدينة (النجف)، ورفضه كذلك لزيارته وقبول هديته المالية، عندما وفد الأخير إلى (العراق) مقر المرجعية الدينية لزيارة العتبات المقدسة عام (1870م) ([224]). الأمر الذي حفظ للمؤسسة الدينية الشيعية استقلاليتها وتعففها عن مداهمة الملوك والسلاطين، وكان من أثر ذلك أن توطدت مكانة الميرزا في نفوس الناس، وازداد عدد مقلديه.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى (ثورة التنباك) المعروفة، حيث واجه الميرزا الشيرازي بشدة وعنف ناصر الدين شاه الذي أراد أن يربط اقتصاد (إيران) بعجلة الإنجليز، من خلال منحه الامتياز لشركة التنباك الإنجليزية، يسمح لها فيه باحتكار التنباك وبيعه في كافة أنحاء (إيران) لمدة (50) عاماً مما يؤدي إلى إحداث أضرار فادحة بالمزارعين والتجار وعامة الناس.
وقد تجسدت هذه المواجهة بفتوى الميرزا المشهورة سنة (1891م)، التي حرَّم فيها استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان، حيث أدت هذه الفتوى إلى مقاطعة شاملة من قبل الإيرانيين للتدخين، وأغلقت جميع محلات بيع التبغ، الأمر الذي اضطر إلى استرداد حق الامتياز([225]).
وقد كان لفتوى الشيخ الآخوند الخراساني (1329هـ) الأثر الكبير في إلزام السلطة في (إيران) بالنظام الدستوري، وتشكيل القانون الأساسي (المشروطة) ([226]). في بداية المطالبة السليمة وفي خطوطها العامة.
وفتواه أيضاً لمحاربة (الروس) في إيران التي استجابت لها العشائر العراقية ومدن النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وغيرها من مدن العراق الأخرى، وسارت مع الآخوند كتائب المجاهدين بالآلاف، في طريقهم إلى (إيران)، وخرج معه علماء الدين والمجتهدون، وكان من بينهم السيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ)، إلا أن الآخوند تلقى خبراً من (إيران) بسقوط محمد علي شاه، وانسحاب القوات الروسية من (إيران).
وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام (1914م)، وهجوم القوات البريطانية على مدينة (البصرة) في جنوب العراق أفتى السيد كاظم اليزدي بالجهاد، وأرسل ابنه (محمد) لينوب عنه في استنهاض العشائر.
وفي سامراء أفتى الميرزا محمد تقي الشيرازي (1338هـ) بوجوب محاربة الإنجليز، وأرسل ابنه الشيخ (محمد رضا) للالتحاق بالسيد مهدي الحيدري الذي خرج على رأس كتائب المجاهدين، وكان له من العمر ثمانين عاماً.
وتصدى لحركة الجهاد أيضاً الشيخ مهدي الخالصي (1343هـ) ومجموعة أخرى من علماء (المؤسسة الدينية الشيعية) ومجتهديها.
كما أفتى السيد محمد سعيد الحبوبي (1333هـ) بالجهاد، وكان له دور طليعي وبارز في هذا الخصوص، فقد تحرك إلى جنوب العراق لأداء فريضة الجهاد، وتحرك بعده شيخ الشريعة الأصفهاني (1373هـ)، ومجموعة أخرى من كبار العلماء([227]).
وبهذا سجلت (المؤسسة الدينية الشيعية) في هذا المقطع الحساس أروع صور الوعي واليقظة والمقاومة والاستعداد، مما ضم مواقف تاريخية خالدة يرددها تاريخ البطولات بفخر واعتزاز.
وفي ثورة العشرين على الإنكليز في العراق كانت القيادة الدينية والمؤسسة الشيعية تمثل العنصر الهام في إشعال وقود الثورة، وتعبئة الجماهير لها، وخصوصاً من خلال فتاوى ومواقف الميرزا الشيرازي الشجاعة، فقد كان يمثل القطب الذي حوله تدور جميع رجالات الثورة، وإليه تفزع عند الملمات([228]).
وقد نقل الثورة من مرحلة (العمل السياسي) البطيء والمتعرج والمحفوف بألف مؤامرة وخطر إلى مرحلة (العمل العسكري) الذي لا يقبل التزوير والخداع والتردد، وذلك أخطر قرار يمكن أن يتخذه قائد حكيم في الثمانين من عمره، فالاحتكام إلى السلاح هو آخر ما تفكر فيه القيادات الحكيمة والمسؤولة، وأشجع قرار يمكن أن يتخذه زعيم في حياته([229]).
وكان الشيخ فتح الله الأصفهاني (1339هـ) يمثل الركن الثاني للزعامة الدينية إبان الثورة العراقية الكبرى([230]).
وفي عام (1923م) دعا الحكم في (العراق) إلى انتخاب المجلس التأسيسي، ووضع القانون الأساسي، كخطوة أولى للانتداب، فأدركت (المؤسسة الدينية الشيعية) خطورة هذه الخطوة، وتصدرت من خلال ثلاثة من مجتهديها الكبار وهم السيد أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ) والميرزا حسن النائيني (1355هـ)، والشيخ مهدي الخالصي لمقاطعة الانتخابات وكان من جراء هذا الموقف أن نفي الشيخ الخالصي، والسيد أبو الحسن والميرزا النائيني إلى (إيران).
ولم يقف دور (المؤسسة الدينية الشيعية) عند الطابع المنحصر في اتباع أهل البيت عليهم السلام وحسب، وإنما وقفت تجسد الاهتمامات الكبرى ذات الطابع الإسلامي العام، فعندما تعرضت (طرابلس الغرب) إلى الغزو من قبل (إيطاليا)، أصدر علماء الشيعة وفي طليعتهم الآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي فتاوى الجهاد في الدفاع عن بلاد المسلمين، ضد هذا الغزو([231]).
ومن المصاديق البارزة التي وقفت فيها (المؤسسة الدينية الشيعية) في وجه التمددات القومية والإلحادية على حساب القيم والمبادئ الإسلامية صرخة السيد الشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ) في وجه حكومة البعث المستبدة في (العراق) وإعلانه عن مواجهتها على كافة الأصعدة وبمختلف الوسائل والأساليب، مما أدى إلى استشهاده محتسباً مع أخته المظلومة بنت الهدى.
ومن المواقف الحية التي ما زالت نابضة في ضمير الواقع وساخنة في سجلاته الشهقة البطولية الأخيرة التي أطلقها السيد أبو القاسم الخوئي (1413هـ) في انتفاضة الخامس عشر من شعبان عام 1411هـ.
ولعل أبرز هذه المواقف هو الانطلاقة الإسلامية العارمة في (إيران) على يد الإمام السيد روح الله الخميني (1410هـ)، حيث فجر ثورة إسلامية وأسس دولة تقوم على أساس الإسلام.
أسامة البصري
اقتصر الكاتب على دور المؤسسة الدينية في العراق وإيران، ولا يمكن إغفال دور السيد محسن الأمين في قيادة الحركة النضالية في مقاومة الفرنسيين في بلاد الشام، ففي بيته وباقتراح منه أعلن العصيان المدني الذي عرف في تاريخ سوريا باسم (الإضطراب الخمسيني) الذي انتصر فيه السوريون على طغيان الاستعمار الفرنسي بقيادة السيد محسن الأمين وتوجيهه([232]).
المال
عُرّف المال، لغوياً، وعُرّف علميًّا في الفقه والقانون والاقتصاد. ولأن تعريفه العلمي ينبثق من تعريف مقوِّمات المالية، نستعرض، أولاً التعريف اللغوي، ثم ننطلق إلى التعريف العلمي بعد تعريفنا لمقومات المالية.
قال ابن منظور في «لسان العرب»: «المال معروف، ما ملكته من جميع الأشياء، والجمع أموال».
قال ابن الأثير: «المال، في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال، عند العرب، على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم».
وفي «معجم ألفاظ القرآن الكريم»: «المال: ما يملك من الأعيان كالذهب والفضة والحيوان والدار والشجر. وأكثر ما كان يراد بالمال عند أهل البادية الإبل، يقول القائل منهم: خرجت إلى مالي، يريد إبله، وكان الحضري يقول: خرجت إلى مالٍ لي بالطائف، يريد ضيعته، وجمع المال أموال».
وفي «المغرّب»: «وعن محمد (ره): المال: كل ما يمتلكه الناس من دراهم أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك».
نستفيد من هذه التعريفات اللغوية ما يلي:
أ ـ إن كلمة المال ـ في البدء ـ كانت اسماً للنقد (الذهب والفضة) ثم صارت تطلق على النقد والعين.
ب ـ يغلب استعمال كلمة المال في الأعيان التي تعد ثروة ومورداً لتنمية المال، كالإبل عند أهل البوادي والضياع عند أهل الحواضر.
ج ـ اعتبار التملك أو قابلية أن يُملك عنصراً مقوماً لحقيقة المال.
ونخلص منه إلى أن المال ـ لغةً ـ هو ما يملك من النقود والأعيان.
أو قل: المال: «هو ما يملك من الأعيان»، على اعتبار أن مفهوم العين يشمل النقود أيضاً لأنها مادة ذات وجود خارجي، أو لأن من معاني كلمة «عين»: النقد ففي «مجمع البحرين»: «العين: ما ضرب من الدنانير، ويجمع على أعيان».
مقومات المالية
يراد بمقوِّمات المالية: العناصر الأساسية التي تعطي الشيء صفة المالية، أو قل: قيمة المالية، بحيث لا يكون مالاً إلا عند توافرها فيه وتوافره عليها.
والذي اطلعت عليه مما ذكر من مقومات مالية الشيء، هو:
ـ ما جاء في «مجلة الأحكام العدلية» من أن «المال: ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادّخاره إلى وقت الحاجة».
وهذا يعني أن مقومات المالية في رأي المجلة تقتصر على أمرين هما:
1 ـ ميل الطبع إلى الشيء.
2 ـ إمكانية ادخاره.
ـ وفي كتاب «الدر المختار» عرّف المال بـ «ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل والمنع».
فمقومات المالية في «الدر» هي:
1 ـ ميل الطبع إلى الشيء.
2 ـ جريان البذل فيه والمنع.
ويريد بالبذل ـ هنا ـ : البذل لصيانة الشيء المتمول وإصلاحه، وبالمنع: الحماية له والمحافظة عليه.
ـ وفي كتاب (المدخل الفقهي العام) يذهب مؤلفه الأستاذ الزرقاء إلى أن مالية الشيء تتقوم بعنصرين، هما:
1 ـ العيينية.
2 ـ العرف.
يقول: «إن المالية في نظر الفقهاء ترتكز على أساسين، وتقوم بعنصرين هامين، هما: العينية والعرف.
ـ والعينية يراد بها أن يكون المال شيئاً مادياً ذا وجود خارجي.
ـ والعرف أن يعتاد الناس كلهم، أو بعضهم، تموله وصيانته بحيث يجري فيه بذل ومنع.
فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالاً، ولو كان عيناً مادية كالإنسان الحر، وحبة القمح، وكسرة الخبز وحفنة التراب، والجيفة.
وكذلك ما يعتاد الناس تموله وصيانته، ويجري فيه البذل والمنع، لكنه ليس عيناً مادية، فإنه لا يعتبر في نظرهم مالاً، بل قد يكون ملكاً أو حقاً كالمنافع والحقوق المحضة والديون.
وغني عن البيان أن عنصر العرف يستلزم القيمة، إذ لا يعتاد الناس هذا الاعتبار والصيانة في شيء بحيث يحمى تارة، ويبذل أخرى، إلاّ لمنفعة مادية أو معنوية يقدرونها فيه، فتتوجه إليه الرغبات، وإنّ الرغبات يبذل في سبيل تحقيقها وتحصيلها أعراض مادية، وهذه هي القيمة المادية بالمعنى الاقتصادي العام».
ثم يستخلص تعريف المال في نظر الفقه الحنفي فيقول: «فمما تقدم نستطيع أن نعرّف المال في نظر فقهاء المذهب الحنفي بالتعريف التالي: المال: هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس».
ـ وبـ «العين» خرجت المنافع والحقوق المحضة مما عدّوه ملكاً لا مالاً.
ـ وبـ «القيمة المادية» خرجت الأعيان التي لا قيمة بها بين الناس ـ مما تقدم بيانه ـ كحبة القمح والجيفة والخ. على أن حبة القمح أو الأرزّ وأمثالها إنما لا تعتبر مالاً في حالتها الطبيعية.
أما إذا دخلتها صنعة ـ مثلاً ـ كما يكتبه مهرة الخطاطين على حبة قمح أو أرز من أبيات شعر أو حكم قرآنية تجعل لها قيمة فنية أو دينية، فإنها عندئذٍ قد تصبح من أنفس الأموال، وكمثل بعض الآثار التي قد يحرص الناس على اقتنائها للذكرى مما ليس له قيمة في ذاته، ولكنه أصبح ذا قيمة بنسبته، كفضلة قلم أحد العلماء المشاهير، أو توقيعه، أو مسودة بخط أحد العظماء، ونحو ذلك مما يدخل في زمرة الآثار.
وقد أطلنا بعض الشيء في تحقيق هذا الموضوع لأنه يكاد يكون مهملاً في كتب الفقه، والمذكور فيها وفي (المجلة) عن مفهوم المال مقتضب مشتت وغير محكم.
ـ وفي كتاب «المكاسب» للشيخ الأنصاري تتقوم مالية الشيء بعنصرين، هما:
1- أن يكون للشيء منفعة متوفرة على وصفين، هما:
أ ـ أن تكون مقصودة عند أبناء العرف، أي معتبرة عندهم، ومطلوبة من قبلهم.
ب ـ أن تكون محللة شرعاً، أي غير ملغى اعتبار ماليتها من قبل المشرّع الإسلامي.
قال: «إن مالية الشيء إنما هي باعتبار منافعه المحللة، المقصودة منه، لا باعتبار مطلق الفوائد غير الملحوظة في ماليته، ولا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرمة».
ـ وفي كتب «تحرير المجلة» للشيخ آل كاشف الغطاء: «إن مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً: الحبوب والأطعمة مال لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها، قد انتزع العقلاء منها معنى وصفياً عرضياً يعبر عنه بالمال».
ـ وفي كتاب «بحوث فقهية» للشيخ حسين الحلي بقلم تلميذه السيد عز الدين بحر العلوم: «مالية المال إنما تتقوم بتوفر جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه».
ثم ينوع المالية الاعتبارية على أساس من مصدر الاعتبار إلى: مالية متقومة باعتبار عام، وأخرى متقومة باعتبار خاص.
قال: واستناداً إلى هذا (أي تقويم المالية المذكور) فإنّا نتمكن من أن نتصور المال على نحوين:
النحو الأول: ما كانت ماليته ذاتية، وهو كل ما يحتاجه الإنسان بحسب فطرته الأولية من المأكول والمشروب والملبوس، وما شاكل هذا.
وهذا النوع من المال لا تتوقف ماليته على جعل جاعل لتنافس العقلاء عليه، وإن لم يكن في البين جعل (أي اعتبار) من أحد أو جهة.
ويلحق بما ذكرناه من المأكول والملبوس ما كان كالحديد والخشب، وما شابه.
النحو الثاني: ما كانت ماليته بالجعل (أي بالاعتبار).
وهذا لو لاحظناه لرأيناه على قسمين:
القسم الأول: ما كان فيه الجعل (الاعتبار) عاماً يشترك فيه جميع البشر باختلاف عصورهم وبيئاتهم بدافع من الشعور بالحاجة الجماعية (أي الاجتماعية) لمثله.
وهذا يتصور في الأحجار الكريمة النادرة كالذهب والفضة والماس، وغيرها.
القسم الثاني: ما كان اعتباره خاصاً.
وهذا تارة يكون اعتباره من قبل دولة أو بنك ليقوم مقام القسم الأول كالأوراق النقدية ـ مثلاً ـ ، وكثيراً ما حصلت لها تغطية مما له قيمة ذاتية أو مجعولة بالجعل العام ليعم اعتبارها، كما هو الشأن في الدينار العراقي.
وأخرى ما يكون اعتباره بالنظر لما يترتب عليه من الآثار الخاصة كطوابع البريد وتذاكر القطار، وبطاقات اليانصيب، وتذاكر مصالح نقل الركاب (أوتوبيسات النقل الجماعي)، وغير هذه مما كانت الورقة فيه فاقدة للاعتبار المالي لو تجردت عن الآثار الخاصة المترتبة عليها من قبل الدولة أو البنك.
فمثلاً ورقة الطابع لا قيمة لها لو لم تتعهد الحكومة، في قبالها، بأن توصل الرسالة أو الرزمة إلى أي محل شاء المرسل مقابل هذا الطابع.
وكذا الطوابع المالية فإن السند الذي يحمل هذه الورقة يعتبر ذا أهمية في نظر الدولة والعرف.
وهكذا الحال في بقية ما كان من هذا القبيل.
وهذه آثار معتبرة توجب أن يتنافس عليها العقلاء فيبذلون بإزائها الأموال.
وطبيعي أن قوام مالية الشيء ـ كما قلنا ـ أن يكون موضوعاً لغرض يبعث على تنافس العقلاء فيه.
وقد عرفت: أن هذا التنافس منوط بهذا الأثر الذي رتب عليها، وإلاّ فلا قيمة لتلك الأوراق لو خليت ونفسها مجردة عن تلك الآثار.
أما الفرق بين هذين النحوين من القسم الثاني فهو:
إن مالية ما كان على شاكلة طوابع البريد ـ مثلاً ـ إنما كانت بالاعتبار للأثر المترتب عليها، وهي، في الوقت نفسه غير معتبرة من جانب العقلاء مالاً، بل هي ورقة يترتب عليها أثر خاص في اعتبار جعلها.
وأما مالية النحو الأول كالدينار ـ مثلاً ـ فإن هذه الورقة قد أصبحت بالفعل مالاً بواسطة الجعل والاعتبار، فلا فرق بينها وبين المعادن والأحجار الكريمة، بل قد يرجّح العقلاء، في كثير من الموارد، الأوراق النقدية ويفضلونها على المعادن وما شاكلها، لأن الورق أخف للنقل، والتعامل به من الذهب والفضة وغيرها.
واقتصادياً تقوّم مالية الشيء بعنصرين، هما:
1 ـ ندرة الشيء.
2 ـ وصلاحيته لقضاء الحاجة أو تلبية الرغبة.
يقول الدكتور عزمي رجب، في كتابه «الاقتصاد السياسي»: وهم: [يعني الاقتصاديين] لا يعتبرون المال اقتصادياً إلا إذا اقترن بميزتين اثنتين:
الأولى ـ أن يكون نادراً.
أي أن تكون كميته محدودة بالنسبة إلى طلب الناس له.
ومن هنا كان لزاماً على طالبه أن يقدم ثمناً للحصول عليه.
ـ الثانية أن يكوزن صالحاً ـ ولو في نظر راغبه ـ لقضاء حاجة ما، أو تلبية رغبة لديه.
فالأموال الاقتصادية ـ إذن ـ أموال نادرة نسبياً، وهي تشمل الأشياء المادية من منتجات وأدوات وبضائع مختلفة ـ وهي المعبر عنها في اللغة الاقتصادية بلفظة (السلع)، والأشياء غير المادية ـ أو المعنوية المعروفة باصطلاح الخدمات ـ وهي الخدمات أو الأعمال التي يقدمها الأشخاص مباشرة كأصحاب المهن الحرة، أو المؤسسات الخاصة والعامة كالمصارف وشركات السفر والإدارات الحكومية.
أما الأشياء والأموال المتوفرة بغزارة في الطبيعة والتي لا يوجب الحصول عليها بذل أي ثمن كالهواء ونور الشمس والماء في منابعه أو في الأنهار وما شابه ذلك، فهي ليست من الأموال الاقتصادية في المفهوم المتقدم.
فيمكن تلخيص عبارة المال الاقتصادي ـ إذن ـ بأنه المال الذي يحقق رغبة أو يقضي حاجة، والذي يكون نادراً، بمعنى: «ألا يكون الحصول عليه إلاّ مقابل عمل أو ثمن معين».
ويعرّف الحاجة بأنها «شعور شخصي بالرغبة في الحصول على شيء معين».
والحاجة، في اللغة الاقتصادية، أوسع نطاقاً منها في اللغة الجارية، فهي لا تقتصر على الأشياء الضرورية أو الملحّة كالمأكل والمشرب والملبس أو ما شابه ذلك… ولكنها تتعداها إلى كل ما يطيب للإنسان أن يتمنى أو يطلب، سواء أكان الشيء المطلوب مادياً، نافعاً أم ضاراً.
ويعرف الرغبة بأنها «شعور شخصي بالميل للحصول على شيء من الأشياء يختلف حدة باختلاف مدة أهمية هذا الشيء في نظر صاحب الرغبة».
والمقارنة بين هذه المقومات المذكورة تقوم على أساس إدراج بعضها تحت عنوان بعضها الآخر، وفي إطار مبدأ الحلال والحرام الشرعيين وكالتالي:
كان المقوّم الأول من مقومات مالية الشيء في رأي (المجلة) و(الدر) ميل الإنسان بطبعه إلى الشيء.
والميل إلى الشيء: يعني حب ذلك الشيء والانحياز إليه.
والطبع: الجبلّة التي فطر الإنسان عليها.
وميل الطبع ـ إرادياً كان أو غير إرادي ـ لا يصدر من الإنسان كشعور أو سلوك إلاّ إذا واجه سبباً مثيراً أو عاملاً حافزاً، وهو هنا ليس إلا وجود ما يشبع حاجة الإنسان أو يلبي رغبته في ذلك الشيء.
وبهذا نستطيع أن نفسر سبب ميل الطبع بوجود الصلاحية في الشيء لإشباع الحاجة أو تلبية الرغبة.
وكذلك يمكننا أن نفسر العرف في تعريف الزرقاء، وتقدير وجود المنفعة في الشيء في نظر العرف في تعريف الأنصاري، ووجود جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه في تعريفي كاشف الغطاء والحلي، نفسرها بصلاحية الشيء لقضاء الحاجة وإجابة الرغبة.
ومن هنا: لنا أن نعبّر عن هذه المذكورات جميعاً بصلاحية الشيء لتلبية الرغبة أو إشباع الحاجة.
أما إمكانية الادخار في تعريف المجلة، وجريان البذل والمنع في تعريف الدر فترجع إلى ما يتوفر عليه الشيء المتمول من قيمة مالية، فالادخار إنما هو للاحتفاظ بسبب وجدان هذه القيمة المالية في الشيء، وكذلك البذل فيه لصيانته والمنع له أي حمايته إنما هو بسبب ما هو موجود فيه من قيمة مالية.
ويُحمل على هذا ـ أيضاً ـ اشتراط كون الشيء نادراً فإنما هو للاحتفاظ بقيمته المالية.
وفي ضوئه نستطيع أن نعبّر عن هذه جميعها بالاحتفاظ بالقيمة المالية للشّيء.
يبقى عندنا عنصر العينية في تعريف الأستاذ الزرقاء، وهذا يرجع إلى أن المال لا يقع إلا على الأعيان أشياء كانت أو نقوداً، وهو الرأي المشهور.
فذكره إنما هو لتخصيص المال بالأعيان، وهذه مسألة خلافية، سوف نأتي على تبيانها عند ذكرنا لمفردات المال.
وبعد هذه المقارنة المتواضعة، علينا أن نحدد مقومات المالية بالعنصرين التاليين:
1 ـ صلاحية الشيء لتلبية رغبة الإنسان أو إشباع حاجته.
2 ـ قابلية الشيء للاحتفاظ بقيمته المالية.
ولنا أن نعرّف المال ـ على أساس من توفر هذين العنصرين في الشيء ـ بأنه كل شيء فيه الصلاحية لتلبية رغبة الإنسان أو إشباع حاجته، والقابلية للاحتفاظ بقيمته المالية.
والذي يحدد توافر هذين العنصرين في الشيء ليكون مالاً هو العرف.
وهو ـ أعني العرف ـ يختلف باختلاف الأمصار والأعصار، واختلاف المجتمعات والبيئات.
وعليه نقول: إن ما يعتبره العرف مالاً فهو المال.
وألمح إلى هذا، الفيومي في «المصباح المنير» بقوله: «فقول الفقهاء: (ما يتمول) أي ما يعد مالاً في العرف».
ولأننا نعلم ـ بالضرورة ـ أن المشرع الإسلامي أهدر وألغى مالية بعض الأشياء كالخمر وأمثالها، يمكننا أن نختصر المقومين السابقين (الصلاحية والقابلية) بعبارة (اعتبار العرف)، ونضيف إليها تحليل الشرع مقوماً ثانياً، فنقول: مقومات المالية هي:
1 ـ اعتبار العرف.
2 ـ وتحليل الشرع.
وهذا يشمل كل ما يصلح لأن يُمتلك ويصح ـ شرعاً ـ تملكه، عيناً كان أو نقداً أو انتفاعاً أو ديناً أو حقاً، وهي التي أطلقتُ عليها عنوان مفردات المال.
ولا بد من الإشارة ـ هنا وقبل الانتقال إلى تعريف مفردات المال ـ إلى أن القانون المدني يختلف في تعريفه للمال عنه في علم الفقه.
فـ «المال (قانونياً) هو الحق ذو القيمة المالية»([233]).
ويقول الدكتور السنهوري في «الوسيط»: «والمال ـ في نظر القانون ـ يتكوّن من حقوق».
والحق في المعاملات (المالية) مصلحة ذات قيمة مالية يقرها القانون للفرد.
وهو إما حق عيني أو حق شخصي.
والحق العيني: هو سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين.
أما الحق الشخصي: «فهو رابطة ما بين شخصين دائن ومدين، يخوّل الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو بالامتناع عن عمل»([234]).
أما الشيء الذي يعتد مالاً في نظر الفقه فهو «محل ذلك الحق» أي هو ما يتعلق به ذلك الحق الذي هو المال.
والفرق بين الرأي الفقهي والرأي القانوني هو أن المالية في الرأي الفقهي صفة للشيء، أو قل: قيمة اعتبارية للشيء، سواء تعلق به حقٌّ لإنسان أم لم يتعلق به.
بينما هي ـ أعني المالية ـ في القانون تعني الحقَّ نفسه الذي يتعلق بذلك الشيء ذي القيمة المالية.
وبتعبير آخر: المالية ـ فقهياً ـ هي الشيء الذي به الحق وقانونياً هي الحق المتعلق بالشيء.
وقد يرجع هذا الفرق ـ وإن لم يُشَرْ إليه لغوياً في حدود اطّلاعي ـ إلى أصل كلمة (مال).
ـ فهل هي من الميل أي ميل الطبع إلى الشيء المرغوب فيه.
ـ أو هي (مالي) و(مالك) و(ماله) المؤلفة من (ما) الموصولة، واللام الجارة والضمير المجرور الذي حذف بسبب كثرة الاستعمال للتخفيف وأصبحت الجملة أو شبه الجملة بعد الحذف اسماً أي مفرداً.
فعلى الأول هو الشيء يصلح لتعلق الحق به.
وعلى الثاني هو الحق الذي يتعلق بالشيء.
ولأننا ندرس الموضوع ـ هنا ـ فقهياً يكون التعريف الفقهي هو الأساس للبناء عليه، والنقطة للانطلاق منها.
مفردات المال:
يراد بمفردات المال: الأشياء القابلة للتمول، في ضوء ما ذكرناه من مقومات المالية وتعريف المال.
وتتنوَّع هذه الأشياء القابلة للتمول، بحسب طبيعتها، إلى المفردات التالية:
1 ـ الأعيان.
2 ـ النقود.
3 ـ المنافع.
4 ـ القروض.
5 ـ الحقوق.
وسنتناول كل مفردة من هذه المفردات بإيضاج مفهومها وتوضيح المقصود منها في حدود ما يرتبط بدراستنا هذه.
1-الأعيان
يقصد بالأعيان ـ هنا ـ الأشياء المادية ذات الوجود الخارجي، وفي مقابلة النقود التي هي الأخرى أشياء مادية لها وجود خارجي، إلا أنها اتّصفت بصفة النقدية فتميزت بهذا عن الأشياء المادية الأخرى التي هي الأعيان.
وقد تطلق كلمة العين في الاستعمال الاجتماعي، وفي اللغة العلمية كلغة الفقه والقانون والاقتصاد على ما يعم الأشياء المادية مطلقاً نقدية وغير نقدية.
والأعيان ـ كمصطلح علمي في المجال المذكور ـ تشمل الماديات المنقولة، والأخرى غير المنقولة.
فهي ـ على هذا ـ تعم الأرض والمواد الخام والمواد المصنعة والحيوان والنبات وما شابه ما يقبل التمول.
2- النقود
يعرّف المعجم اللغوي العربي النقد بأنه «العملة من الذهب أو الفضة أو غيرهما مما يتعامل به».
ويبدو أن الوحدات النقدية ما كانت تعرف باسم «النقد» أو باسم «العملة»، وإنما كانت تعرف باسم (المال (Money ففي «معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وإدارة الأعمال»: «عملة مال (Money) تعني الكلمة في أصلها اللاتيني النقود المسكوكة في معبد «جونومونيتا» الذي كان داراً لضرب النقود في الأمبراطورية الرومانية».
ثم تطورت في استعمالها حتى أصبحت «تعني ـ الآن ـ أية وسيلة أو واسطة متداولة للتبادل، مقبولة على نطاق واسع كمعيار أو مقياس لقيمة الأشياء».
والكلمة تشمل ـ بمعناها الضيق ـ النقود المعدنية والورقيَّة التي تصدرها الحكومة.
وهي تشمل كذلك ـ بمعناها الواسع ـ الأشياء التي يمكن قبولها لتسديد أثمان البضائع والخدمات والديون كالشيكات والحوالات والكمبيالات.
كان هذا التطور الاستعمالي في غير لغتنا العربية، أما فيها فقد «ذكر جمع من المؤرخين: أن النقود التي كانت جارية في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام هي النقود التي كانت مسكوكة بسكة ملوك الروم والفرس، وكان أكثر ما ترد إليهم من الروم دنانير قيصرية، وأكثر ما ترد إليهم من الفرس دراهم كسروية، وكانوا يطلقون على النقود الذهبية (العين)، وعلى النقود الفضية (الورق) …» ([235]).
ثم استعملت كلمة «نقد» اسماً للعملة، أخذاً من مهنة الصيرفة التي تقوم بنقد الدنانير والدراهم لتبيان خلوصها من شائبة الغش.
ذلك أن عملية النقد تعني النقر، حيث ينقر الصَّيرفيّ العملة الذهبية أو الفضية لمعرفة سلامتها من الزيف، قال ابن منظور في «لسان العرب»: «النقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وأنشد سيبويه:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفيَ الدنانير تنقادُ الصَّياريفِ
ورواية سيبويه: «نفي الدراهيم»، وهو جمع درهم على غير قياس، أو درهام على القياس فيمن قاله».
وقال أيضاً: «ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف».
ثم استعملت الكلمة اسماً للذهب والفضة المسكوكين.
وبعد ذلك توسعوا في استعمالها فشملت جميع الوحدات النقدية ذهباً كانت أو فضّة أو غيرهما.
ولأنها يتعامل بها في التبادل سميت بـ (العملة)، وهي من المولد كما يرمز لهذا المعجم الوسيط.
وإذا ذهبنا ـ بعد هذا ـ إلى علم الاقتصاد نلتمس فيه تعريف النقود، فسنراه يقوم على أساس من تحديد وظائفها، ثم اعتماد تلكم الوظائف في التعريف.
وأهم الوظائف التي ذكرها الاقتصاديون للنقود، هي:
1 ـ اعتبار النقود مقياساً لتقدير قيمة السلعة مقارنة بالسلع الأخرى.
فمثلاً إذا أردنا أن نعرف قيمة لحم الغنم بالنسبة إلى قيمة الأرزّ، فإننا نتوصل إلى هذا عن طريق الوحدة النقدية، فإذا كان كيلو اللحم بعشرين ريالاً وكيلوا الأرز بعشرة ريالات يكون الفارق بينهما الضّعفين، وهذا يعني أن قيمة اللحم ضعفا قيمة الأرز.
2 ـ اعتبار النقود وسيطاً لتبادل السلع:
فقد كان التبادل قبل اختراع النقود يُعتمد فيه طريقة المقايضة (Barter)، التي تعني «مبادلة السلع بسلعه أخرى مباشرة، أو مبادلة سلع بخدمات».
أي يتم التبادل هكذا: س ـ س.
ولكن لما في المقايضات من صعوبات ذكرها علماء الاقتصاد ومن أهمها: صعوبة توافر الرغبات المشتركة أو المتوافقة بين الأطراف المتبادلة للسلع، اخترعت النقود وسيطاً لتبادل السلع، فصار التبادل يتم هكذا:
سلعة ـ نقد ـ سلعة.
س ـ ن ـ س.
3 ـ اعتبار النقود مستودعاً للقيمة:
وذلك بادخارها لوقت الحاجة إليها، ويعود هذا لما في النقود من قابلية لاختزان القيمة والمحافظة عليها.
وعلى أساس من هذه الوظائف قام تعرف النقود في علم الاقتصاد.
يقول الدكتور قريضة، في كتابه «النقود والبنوك»: «يمكن أن نعرّف النقود بالنسبة للوظائف التي تؤديها: فهي أي شيء يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل. ويستخدم، في نفس الوقت، مقياساً للقيم ومستودعاً لها»([236]).
ويقول الدكتور شامية، في كتابه «النقود والمصارف»: «تعرّف النقود بأنها أي شيء يحظى بالقبول العام في التداول، وله قوة شرائية عامة، يستخدم وسيطاً في التبادل، ومقياساً للقيم».
ثم يعلق على تعريفه بالتوضيح التالي: «ومن الواضح أن هذا التعريف يعكس تطور النقود خلال المراحل المختلفة التي مرت بها. ويثير هذا التعريف الملاحظات التالية:
1 ـ من الملاحظ أننا استخدمنا كلمة أي شيء، في تعريف النقود، وهو ما يعني تعدد الأشياء التي استخدمت نقوداً وتنوّعها خلال المراحل المختلفة لتطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي ترافقت مع التطور الحضاري للمجتمعات. ففي مرحلة أولى انتشر استخدام النقود السلعية، كالجلود والماشية والقواقع والإبل.
وفي مرحلة تالية اعتمدت الجماعات على النقود المعدنية، مثل الحديد والبرونز والفضة والذهب.
ثم استخدمت النقود الورقية.
ومن ثم النقود المصرفية في العصر الحاضر.
2 ـ أن استخدام جملة، يحظى بالقبول العام في التداول، يعني أن يقبل جميع أفراد المجتمع، استخدام هذا الشيء في التداول ويتفقوا عليه لإتمام المعاملات الاقتصادية في ما بينهم.
3 ـ يلاحظ استخدام عبارة له قوة شرائية عامة ما يعني أن يتخلى الأفراد عما يمتلكون من سلع في سبيل الحصول على هذا الشيء المستخدم كنقود، وبكميات غير محدودة، ومن ثم شراء ما يحتاجون إليه من سلع في الحال أو في وقت لاحق.
4 ـ يلاحظ أنه تمت الإشارة في التعريف إلى الوظائف الأساسية للنقود، وهي وسيط للتبادل ومقياس للقيمة، بمعنى أن الشيء الذي يستطيع أن يؤدي هاتين الوظيفتين، فإنه يستطيع بالتالي أن يقوم بالوظائف الأخرى للنقود. وهذا ما جعل بعض الاقتصاديين، عند تعريفهم للنقود، أنهم يذكرون جميع وظائف النقود، وهو ما يجعل التعريفات الشائعة للنقود هو (أن النقود هي كل ما تفعله النقود)» ([237]).
ويقول الدكتور الشمري، في كتابه: «النقود والمصارف»، «بعد أن ذكرنا بإيجاز كيفية تطور الحياة الاقتصادية الإنسانية، وتدرجها من مرحلة (المقايضة) (س 1، س 2) إلى مرحلة التبادل في ما بين السلع والخدمات، اعتماداً على عنصر وسيط في التبادل (س 1، ن، س 2)، وكان ما زال هذا العنصر الوسيط في التبادل يتمثل في النقود (Money) ([238]).
لهذا كان توصل البشرية إلى التعامل بالنقود وسيلة للمبادلة يعد من التحولات المهمة والحاسمة في تسهيل المبادلات وتسويتها في ما بين الأفراد والجماعات.
وأبسط صور هذا التحول يتضح في تغيير دائرة التبادل السلعي وتوسعها، فبدلاً من اقتصارها، في بداية الأمر على مقايضة سلعة بأخرى مباشرة ومن دون وسيط يفصل بين عمليتي البيع والشراء، أصبحت هذه الدائرة تتسع لتبادل سلعة بأخرى بصورة غير مباشرة عن طريق وسيط بينهما يساعد على تبادل السلع المختلفة بسهولة.
لذلك يمكن اعتبار أي وسيط للتبادل في ما بين سلعتين، أو خدمتين، أو أكثر بمثابة (نقود) بشرط أن يكون هذا الوسيط قابلاً لأداء وظائف أخرى تكميلية لمهمته الأساسية المذكورة وأن يكون مقبولاً قبولاً عاماً لدى الأطراف المتعاملة بهذا الوسيط.
وهذا المعنى ينطبق إلى حد كبير ويتفق مع التعريف السائد للنقود في أنها «كل شيء يلاقي قبولاً عاماً بين الناس وسيطاً للتبادل أو لإبراء الديون يسمى نقوداً». ويعني هذه التعريف المبسط للنقود أن قبول الناس أو الأفراد لأي شيء قبولاً عاماً وسيطاً للتبادل وأداة لتسوية الديون وإبراء الذمم يعطي لهذا الشيء صفة النقود.
لذا فإن (النقود هي أي شيء يؤدي وظيفة النقود … (Money is what money does.
فكل ما يتمتع بقبول عام في تسهيل التبادل وتسوية الديون يعد نقوداً، ولا اعتبار بعد ذلك لمادة هذا الشيء أو لخصائصه الذاتية أو للجهة التي أصدرته.
يمكن مما تقدم الاستنتاج بأن النقود لا تطلب لذاتها كسلعة يمكنها إشباع الحاجات الإنسانية والاستهلاكية والإنتاجية بصورة مباشرة، بل أنها تطلب لغرض استخدامها لتحقيق منفعة استهلاكية معينة، وتطلب أيضاً لتسهيل تبادل السلع والخدمات المختلفة في أثناء عمليات الإنتاج. أي أن النقود يمكنها أن تلبي الحاجة الإنسانية والاستهلاكية والإنتاجية بصورة غير مباشرة عن طريق استخدامها وسيلة للحصول على السلع والخدمات الاستهلاكية الإنتاجية، ويمكن التوصل إلى تعريف إجرائي للنقود في أنها:
(كل شيء يقبله الجميع قبولاً عاماً، بحكم العرف أو القانون أو قيمة الشيء نفسه، ويكون قادراً على أن يكون وسيطاً في عمليات التبادل المختلفة للسلع والخدمات، ويكون صالحاً لتوسية الديون وإبراء الذمم فهو عبارة عن نقود).
إن الأهمية الحقيقية للنقود لا تقتصر على تأديتها لوظيفتها الأساسية وسيطاً للتبادل فحسب وإنما تظهر أهميتها أيضاً من خلال الوظائف الأخرى الأساسية والثانوية التي يمكن أن تقوم بها النقود في الحياة الاقتصادية».
أنواعها
تقسم النقود ـ اقتصادياً ـ تقسيمات متعددة ومختلفة بتعدّد الاعتبارات التي اتخذت أساساً للقسمة واختلافها.
وأشهر تقسيم من هذه التقسيمات وألصقها بطبيعة النقود واستخداماتها، ذلك التقسيم الذي يرتبط بواقع نشأة النقود وتطورها، والذي يقسم النقود إلى قسمين:
1 ـ نقود سلعية Commodity money.
2 ـ نقود ائتمانية Credit curency.
ثم يقسّم النقود الائتمانية إلى قسمين أيضاً:
أ ـ نقود ورقية.
ب ـ نقود مصرفية (نقود ودائع).
النقود السلعية
سُميت بهذا الاسم نسبة إلى السلعة، والسلعة ـ كما يعرفها المعجم الوسيط ـ : «كل ما يتجر به من البضاعة». وتعد هذه النقود ـ تاريخياً ـ المرحلة الثانية للنقود التي استعملها الإنسان بعد أن انتقل من مرحلة المقايضة إلى مرحلة النقود.
ذلك أنه كان يستخدم، في المرحلة الأولى (مرحلة اختراع النقد)، الحجارة أو الخرز وأمثالها مما تعطيه الدولة أو العرف الاجتماعي الاعتبار والقيمة المالية.
ثم، في المرحلة الثانية، استعمل الإنسان السلع مقام الحجر وأمثاله نقوداً تعامل بها وتداولها، وهي مثل القمح والشاي والقماش والتبغ وغيرها.
واعتمد الإنسان في استخدامه لهذه السلع نقوداً، على قبول العرف لها واعتباره إياها، ويرجع هذا إلى أنها أيسر في تسهيل المبادلات، وأسهل في تيسير القدرة على الوفاء بالالتزامات.
وإلى جانب استعمال الإنسان لأمثال السلع المذكورة استعمل سلعاً أخرى معدنية كالذهب والفضة والحديد والزنك والقصدير وغيرها.
«ولا تختلف النقود المعدنية عن سابقتها من بقية أنواع النقود السلعية في تأدية نفس الوظائف الأساسية للنقود في كونها قادرة على أن تكون وسيطاً للتبادل، ومعياراً للقيمة، ومخزناً لها وأداة للدفع المؤجل، والادخار، فضلاً عن أنها تتميز عن النقود السلعية في أنها معادن نفيسة (كالذهب والفضة) مما يجعلها تتمتع بندرة نسبية، هذه الندرة تدعم قيمتها بالقياس إلى الأنواع الأخرى من النقود السلعية، كما أنها غير معرضة للتلف مما يساعد على استخدامها مخزناً للقيمة، وقابلة للتجزئة إلى وحدات أصغر مما يسهل التعامل بها، وإلى أنها سهلة النقل، ويمكن التعرف إليها بواسطة العين المجردة»([239]).
وأمام استعمال الإنسان للنقود المعدنية انحسر استعماله للنقود السلعية غير المعدنية إلا قليلاً.
ويرجع هذا لما في النقود المعدنية من يسر التعامل بها وسهولة تقدير قيمة كل سلعة بواسطتها، وإمكانية ادّخارها، مع المحافظة على قيمتها المالية.
النقود الائتمانية
ويقال لها، أيضاً، النقود الاعتمادية، والنقود المعتمدة نسبة إلى اعتمادها من قبل الحكومات التي تصدرها، وائتمان الناس للحكومة التي أصدرتها وثقتهم بها.
وعامل نشوء هذه النقود الائتمانية هو تراجع أهمية النقود المعدنية وانحسار دورها في الحياة الاقتصادية أثناء الحرب العالمية الأولى من سنة 1914 ـ إلى سنة 1918م([240]).
«إن النقود الائتمانية تكتسب أهميتها الفعلية من خلال قبولها العام المبني على أساس قدرتها في توفير عنصر الثقة في تحويلها إلى السلعة المرتبطة بها، وعادة ما كانت هذه السلعة هي (الذهب) مثل تحويل الجنيه الاسترليني أو الدولار الأمريكي إلى ما يساويه، أو ما يعادل قيمته من الذهب في حينه.
كما أن النقود الائتمانية تعد ديناً لحاملها على ذمة الجهة التي أصدرتها، وحقاً لصاحبها في الحصول على ما يساويها من السلع والخدمات»([241]).
النقود الورقيّة
وهي المعروفة بـ «العملة الورقية «Bank note التي تصدرها السلطة النقدية في الدولة المتمثلة بالبنوك المركزية أو مؤسسات النقد وأمثالها.
وهي عبارة عن وثائق متداولة تمثل ديناً معيناً في ذمة السلطة النقدية التي أصدرتها لحاملها.
ويرجع تاريخ التعامل بالنقود الورقية إلى الفترة التي انتشرت فيها عادة الاحتفاظ بالنقود المعدنية لدى التجار والصيارفة الذين كانوا يقبلون إيداع الأفراد لنقودهم والاحتفاظ بها لديهم مقابل منح المودعين إيصالات أو سندات تتضمن كمية الأموال المودعة مع تعهد بإعادتها ودفعها لحامل السند أو الإيصال عند الطلب وبدون تأخير.
وبعد فترة زمنية أصبح الأفراد المودعون والصيارفة أيضاً راغبين في استخدام هذه الإيصالات أو السندات أداة لتسوية المدفوعات وإبراء الديون في ما بين الأطراف الدائنة والمدينة، مقابل الحصول على فوائد نقدية محدودة.
فالمودع قادر على استخدام السند أو الوصل في تسوية مدفوعاته والصّيرفيّ والتاجر (ثم المصرف فيما بعد) يحصل على مكافأة نقدية تتمثل في دفع المودع لمبلغ الرسم المحدد والمتفق عليه مقابل الخدمة التي حصل عليها في إنجاز تسوية ديونه والمحافظة على أمواله من السرقة والضياع.
وقد لاحظ الصيارفة أن الأموال المودعة لديهم لا يتم سحبها كاملة في وقت واحد، ما دفعهم إلى إصدار إيصالات جديدة إلا أنها لا تستند إلى ودائع حقيقية مودعة لديهم، هذه الإيصالات أصبحت كسابقتها مقبولة لدى الآخرين، إذ أنها يمكن أن تؤدي وظيفة النقود الأساسية وسيطاً للتبادل، وبمعنى آخر أصبحت نقوداً ورقية مقبولة قبولاً عاماً، وإن كانت لا تساوي حجم الودائع المعدنية بل عادة ما كانت تزيد عنها وتفوقها حجماً، وهذا الحال دفع بالدولة إلى أن تضطلع بدورها في التدخل في تنظيم عملية الإصدار للنقود الورقية، ونشأت بموجب ذلك البنوك المركزية التي أخذت على عاتقها مهمة الإصدار النقدي كجهة وحيدة ومحتكرة لعملية الإصدار النقدي الورقي الإلزامي الذي نتعامل به حالياً. وصفة الإلزام في النقود الورقية على مستوى التعامل بها نابع من قوة القانون إذ لا يحق للأفراد أو الهيئات التي بحوزتها هذه النقود المطالبة بتحويلها إلى ما يعادلها أو ما يساوي قيمتها من المعدن المغطاة به (كالذهب في حينه) …» ([242]).
النقود المصرفية
والاسم المشهور لها هو «نقود ودائع».
«تعود تسمية هذا النوع من النقود بـ (النقود المصرفية) كنوع من مكونات وأنواع النقود الائتمانية إلى كونها نقود ودائع.
والمقصود بالودائع ـ هنا ـ الودائع الجارية (أو الودائع تحت الطلب).
وهي عبارة عن الأموال التي يودعها طرف معين لدى المصرف التجاري.
وتكون هذه الأموال المودعة قابلة للسحب من قبل المودع في أي وقت يشاء في سحبها بواسطة توجيه أمر من المودع (الدائن) إلى المصرف التجاري (المدين) عن طريق (الشيكات) التي تلزم الطرف المدين بدفع المبلغ المذكور في الشيك لمصلحة حامله أو لأمره أو لأي طرف آخر (المستفيد).
وهذه الأوامر بالدفع (الشيكات المصرفية) تعتبر أداة أو وسيلة لتسوية المبادلات والمدفوعات وإبراء الذمم.
بذلك فهي تقوم مقام النقود الاعتيادية لأنها تؤدي وظائف الأخيرة، ولأنها ديون في ذمة المصارف لصالح المودعين.
ولهذا سميت بالنقود المصرفية أو نقود الودائع»([243]).
«تشترك نقود الودائع مع النقود الورقية في كونها ديوناً لصالح مالكها، أو حاملها، في ذمة الجهة التي تلتزم بها، وهي البنوك التجارية في حالة نقود الودائع، أو البنك المركزي في حالة النقد الورقي، أو قِبل الدولة عموماً بعد تأميم البنك المركزي والبنوك التجارية كما هي الحال في النظام المصري المعاصر.
وتختلف الودائع، أو النقود المصرفية، عن النقود الورقية والسلعية، من حيث إن ليس لها كيان مادي ملموس.
كما أن «الشيك» الذي تُتداول هذه النقود بواسطته لا يتمتع بالقبول العام في التداول حيث لا يلزم القانون الدائنين والبائعين على قبوله، بمعنى أن المدينين لا يستطيعون إلزام الدائنين والبائعين على قبول «الشّيك» في إبرام الديون وتسديد أثمان المشتريات.
وبالرغم من هذا القصور نجد هذا النوع من النقود يمثل الجانب الغالب من العرض الكلي للنقود في البلاد المتقدمة اقتصادياً، ففي الولايات المتحدة ـ مثلاً ـ يبلغ حجم النقد المصرفي أو نقد الودائع حوالي 90 % من العرض الكلي للنقود.
ويجب أن نتذكر أن الوديعة ـ وليس الشيك ـ هي التي تعتبر نقوداً.
فالشيك لا يعد نقداً مثل ورقة البنكنوت، فهو مجرد وسيلة لنقل مديونية البنك من شخص إلى آخر، ولا تتوافر فيه شروط القبول العام لأنه يصدر من شخص غير معروف من الجميع، كما أنه متقيد بتاريخ معين، وينص على كمية محدودة من النقود، وينتهي عمله بعملية واحدة»([244]).
وأخيراً، من المفيد أن نلمح بعد أن عرضنا تعريف النقود ووظائفها وأنواعها إلى الوحدة النقدية، والقاعدة النقدية:
الوحدة النقدية (Monetary Unit):
يقصد بها الوحدة الأساسية لقياس نقد البلد، حيث تحدد بالنسبة إليها قيمة جميع القطع النقدية والورقية، أمثال:
الدولار في العملة الأميركية، والجنيه في العملة البريطانية والدينار في العملة العراقية والكويتية والريال في العملة القطرية والسعودية والدرهم في العملة الإماراتية … إلخ.
القاعدة النقدية (Monetary Standard):
وهي معيار أو مقياس خاص للأقيام يقرره القانون كأساس لعملة البلاد.
وفي الوقت الحاضر اتخذت معظم البلدان الذهب أو الفضة أو عملات البلدان الأخرى المبينة على أساس الذهب أو الفضة مقياساً لنقدها».
3- المنافع
المنافع جمع منفعة، والمنفعة مصطلح فقهي، وكذلك هي مصطلح اقتصادي، ويعبر عنها في القانون بـ (الانتفاع)، (حق الانتفاع).
والفرق بين المنفعة والانتفاع هو:
أن المنفعة هي ما يحصل عليه المنتفع من الشيء الذي ينتفع به.
والانتفاع هو الاستفادة باستغلال المنفعة.
وهذا مثل سكنى الدار، فإن السكنى منفعة الدار، والانتفاع بها ـ أعني السكنى كمنفعة للدار ـ هو ممارسة فعل السكن بالدار.
فالمنفعة هي الثمرة، والانتفاع هو الاستثمار، أي الاستفادة من تلك الثمرة.
أو قل: المنقعة هي الفائدة، والانتفاع هو الاستفادة.
وعرّفت المنفعة ـ لغوياً ـ بأنها «كل ما ينتفع به».
وعرّف الانتفاع بالحصول على المنفعة من الشيء ذي الفائدة.
وهو ما سلف تبيينه في أعلاه.
وعرّف الانتفاع في القانون، أو بالأصح حق الانتفاع بأنه «الحق الذي يخوّل الشخص استعمال واستغلال ملك غيره».
أما التصرف في الملك في غير مجال الانتفاع فهو للمالك.
وفي «الوسيط»: «الانتفاع حق عيني يخوّل صاحبه استعمال شيء مملوك للغير واستغلاله»([245]).
وعرّفت المنفعة ـ اقتصادياً ـ بما يلبي حاجة أو رغبة عند المرء، ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها.
يقول الدكتور عزمي رجب: «لهذا التعبير (يعني المنفعة) مفهوم خاص في اللغة الاقتصادية يختلف عن المعنى المعروف في اللغة الجارية فالشيء النافع، أو المال النافع في الاصطلاح الاقتصادي: هو كل ما يلبي حاجة أو رغبة عند المرء، ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها، بغض النظر عما إذا كان هذا الشيء نافعاً أو ضاراً في حد ذاته، فقد يكون المال المطلوب ضاراً من الوجهة الصحيّة، كالتبغ مثلاً، ولكنه يعتبر نافعاً من الناحية الاقتصادية عندما يقوم بقضاء حاجة لدى راغبه.
ومن هنا كان تقدير منفعة الأشياء، ومدى هذه المنفعة أمراً شخصياً يختلف باختلاف الأشخاص وميولهم وحاجاتهم»([246]).
وهذا يعني أن المنفعة أمر نسبي يختلف باختلاف الميول والرغبات.
وهي اقتصادياً أعم منها في الفقه والقانون لأنها تشمل حتى ما لا يعد منفعة عرفاً، وذلك مثل ما لو تملك شخص حشرة لا يعتبر العرف الاستيلاء عليها تملكاً من أجل أن يشبع رغبته في التملك ويلبي حاجة التملك التي تعتمل في نفسه.
ومفهوم المنفعة في الفقه قريب من هذه المذكورات؛ حيث يندرج تحت عنوانين أحدهما أخص من الآخر.
أما المعنى الخاص فهو: «خصوص المعاني التي لا عين لها في الخارج كسكنى الدار ولبس الثواب وعمل الخياطة».
والمعنى الآخر ـ وهو المعنى العام ـ فإنه يعم المعاني التي لا عين لها في الخارج، والأخرى التي لها أعيان خارجية كنماءات الحيوانات من أصواف وألبان وأسمان وأولاد … وإلخ، وثمار النباتات كالتمر في النخلة والعنب في الكرمة والنبق في السدرة … والخ، والنبت بذاته كالعشب في المرعى … وإلخ.
وعلى هذا فمنفعة كل شيء بحسبه.
ويقول الشيخ كاشف الغطاء، في «تحرير المجلة»: «ولا تزال السيرة جارية على إجارة الأرض لرعي الأغنام في نباتها وعشبها».
4- القروض
القروض جمع، مفرده قرض، وتستعمل هذه الكلمة مصدراً يدل على فعل دفع المال للغير، واسم مصدر يدل على المال المقترض.
فالقرض ـ بالمعنى الأول ـ هو دفع المال لمن ينتفع به على أن يرد بدله حين الأجل المحدد أو وقت الطلب إذا كان الدين غير مؤجل.
والقرض ـ بالمعنى الثاني ـ هو المال المدفوع نفسه.
وهناك ثلاثة مشتقات أخرى تحمل معاني ترتبط بالموضوع هي:
الاقتراض: وهو أخذ المال من قِبل من ينتفع به مع إلزامه برد بدله.
والمقترِض: وهو الآخذ للمال، ويقال له المستقرض أيضاً.
والمقرِض: وهو الدافع للمال.
وبدل القرض: وهو المال الذي يرده المقترض إلى المُقرِض عوضاً عن القرض.
والقرض هو الدَّين، ففي (المخصص): «دنتُ الرجل بمعنى أقرضتُه».
ويفرّق في (القاموس المحيط): «بين القرض والدين بأن الدين هو الذي له أجل، والقرض هو الذي لا أجل له».
واللغة العملية وكذلك الاستعمال الاجتماعي يرادفان بينهما، ولا يفرقان الفرق القاموسي المذكور.
ويقال للدافع: الدائن، والآخذ: المدين والمستدين.
ويعرّف القانون المدني المصري، في المادة 538، القرضَ بما نصه: «القرض: عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء آخر على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته».
وفي الفقه يعرّفه أستاذنا الشيخ زين الدين في «كلمة التقوى» بقوله: «الدين هو مال تشتغل به ذمة إنسان لإنسان آخر، لأحد الأسباب التي توجب ذلك، كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترض، وابتياع شيء يكون ثمنه في ذمة المشتري، وبيع شيء موصوف مؤجل إلى أجل في ذمة البائع كما في بيع السلف، وكالتزويج بإمرأة مؤجل صداقها في ذمة الزوج، واستئجار عين أو أجير يبقى بدل إجارته في ذمة المستأجر، وفدية خلع أو مباراة تبقى في ذمة المرأة المختلعة، وضمان مال بسبب إتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان، ونحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الإنسان بالمال، وهذا هو الدين الذي يبحث عنه وعن أحكامه في كتاب الدين.
ويطلق الدين أيضاً على ما تشتغل به ذمة الإنسان من الأموال والحقوق لجهة عامة أو لجهة خاصة، كالزكاة والخمس والكفارات والنذور، وأشباهها».
ويقول الشيخ كاشف الغطاء في «تحرير المجلة» لبيان معنى الدين: «إن مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تقوم بها معايشهم وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً الحبوب والأطعمة مال لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنى وصفياً عرضياً يعبر عنه بالمال، وهو من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم، ولما كانت مدنية الإنسان لا تتم إلا بالحياة المشتركة، وهي تحتاج إلى المقايضة والتبادل في الأعيان والمنافع وكان التقايض بتلك الأعيان وهي العروض مما لا ينضبط أرادوا جعل معيار يرجع إليه في المعاملات ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسية فاختاروا الذهب والفضة وضربت سكة السلطان عليهما لمزيد الاعتبار في أن يكون عليهما المدار فماليتهما أمر اعتباري محض لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرها من حيث الذات والحقيقة، ولذا في هذه العصور حاول بعض الدول قلب الاعتبار إلى الورق ولكن مع الاعتماد عليهما. ومهما يكن الأمر، فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالاً ولكن مع الالتزام والتعهد، فإذا التزم لك الثقة الأمين بمال في ذمته وثقت به وجعلته كمالٍ في يدك أو صندوقك وكذا العقلاء يعتبرون أن لك مالاً عنده. أمَّا من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير بل السفلة من الناس الذين لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب، ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف والتزامهم عند العقلاء هباء ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال: فالمال إذا نوعان خارجي عيني وهو النقود والعروض واعتباري فرضي، وهو ما في الذمم أعني الالتزام أو العهدة والالتزام».
وفي «المدخل الفقهي العام»: «فالديون في الذمم هي حقوق شخصية مملوكة لأصحابها، والتزامات على من هي في ذممهم.
يقول الفقهاء الحنفيون: «إن الدين هو: وصف في الذمة».
واختلفوا هل يعتبر ملكاً لصاحبه وهو في الذمة، أو لا يعتبر لأنه مجرد وصف شرعي؟
وقد رجحوا النظر الأول فقالوا: الحق إنه يُملك، ولذا جازت هبة الدين للمدين وهي تمليك، واعتبر الدين المشترك من قبيل شركة الملك، حتى لو أخذ أحد الشريكين فيه من المدين شيئاً عن حصته يشاركه فيه الآخر»([247]).
«على أن الفقهاء قد يصفون الدين بأنه مال حكمي، أي شيء اعتباري يملكه الدائن، وهو موجود في ثروة المدين، فيصح أن يقال: إن الدين عند الفقهاء مال من حيث المال».
«والدين في الفقه الإسلامي يعبر به في الأصل عن الناحية السالبة في الالتزام النقدي أو ما في حكمه، أي عن الالتزام الملتزم بدفع نقود وما في حكمها من الأموال المثلية التي تثبت في الذمة، كمن اقترض مثلياً أو أتلفه فإنه يكون ملتزماً بمثله ديناً في ذمته، وعليه وفاؤه من أي الأموال العينية المماثلة للثابت في الذمة».
ونخرج من هذه التعريفات المذكورة بالنتائج التالية:
1 ـ أن القرض، أو الدين كمصطلح فقهي، يطلق على المال الذي اشتغلت به ذمة المدين.
وهو المتعارف عليه في تعبيرات الفقهاء.
2 ـ ويطلق على ذمة المدين، ولكن بمعنى ما تتعهد به وتلتزم من رد البديل للدائن، ويعبر عن هذا بالوصف كما في التعريف الحنفي، أو الحق كما في تعريف القانون المدني المصري، أو بالمال الحكمي أي الاعتباري على رأي فقهي آخر.
وننتهي، من هاتين النتيجتين، إلى أن القرض هو المال الذي التزم المقترض بدفعه للمقرض أو هو الحق الثابت في ذمة المدين للدائن.
5- الحقوق
كلمة الحقوق جمع، مفرده حق.
وهو في اللغة: «النصيب الواجب للفرد والجماعة» كما في المعجم الوسيط.
وفي الفقه: له ـ داخل إطار موضوعنا هذا ـ معنيان:
1 ـ نحو من السلطنة في مقابلة الملك.
2 ـ مرتبة ضعيفة من الملك، أو أول مراتب الملك.
قال السيد الخميني، في كتاب «البيع»: «يظهر من الشيخ الأنصاري: أنه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك، ومن عدة من المحققين: أنه مرتبة ضعيفة من الملك ونوع منه.
وربما يقال: إنه نحو سلطنة وملك، فيكون الحق والملك والسلطنة معنى واحداً، وإن كان الحق أخص منهما»([248]).
وقال السيد محمد بحر العلوم في «بلغة الفقيه»: «وأما الحق فهو يطلق مرة مقابل الملك، وأخرى (في) ما يرادفه.
هو ـ بمعنييه ـ سلطنة مجعولة للإنسان، من حيث هو، على غيره، ولو بالاعتبار، من مال أو شخص، أو هما معاً كالعين المستأجرة، فإن للمستأجر سلطنة على المؤجّر في ماله الخاص.
وهو أضعف من مرتبة الملك، أو أول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدة والضعف».
ويقول السيد محمد تقي بحر العلوم في تعليقه على هذا المنقول من «البلغة»: «هو عبارة عن مرتبة ضعيفة من المُلك، وإضافة ناقصة مجعولة من المَلك الحقيقي ـ تبارك وتعالى ـ لذي الحق، أعم من وجود من عليه الحق أو عدمه.
وعبر عنها بعض المعاصرين بالملكية غير الناضجة، وهو تعبير حسن، فإن المرتهن للعين المجعولة من الراهن وثيقة لدينه الذي له عليه ـ وإن كان يألالالالاذا إضافة وسلطنة عليها ـ ومن هنا يمنع الراهن من التصرف في ما ملكه من العين المرهونة مطلقاً أو خصوص التصرف المنافي لحق المرتهن على الخلاف، ولكن ليس للمرتهن بالنسبة إلى الراهن من التصرف فيه، سوى استيفاء دينه منه ببيعه وأخذ مقدار حقه من ثمنه عند امتناع تحصيله من المديون، وكذا من له الخيار في عقد البيع ـ مثلاً ـ فإنه ـ وإن كان ذا حق متعلق بالعقد وسلطنة عليه من حيث القدرة على فسخه وإقراره أو متعلق بالعين التي خرجت عن ملكه إلى ملك طرفه بالتسلط على إعادتها إلى ملكه بفسخ العقد، ومن هنا يمنع طرفه من التصرفات المنافية لحقه في ما انتقل إليه وملكه بالعقد، لكن حقه المجعول له لا يتجاوز التسلط على فسخ العقد أو إقراره، أو التسلط على استرجاع العين التي نقلها إلى طرفه إليه، بناء على تعلق حقه بنفس العين المنقولة إلى طرفه».
ثم يفرق السيد محمد تقي بحر العلوم، في تعليقه، بين الحق والملك بقوله: «والحاصل: إن العلقة والإضافة الحاصلة بين المضاف والمضاف إليه إذا كانت تامة صالحة لأنحاء التقلبات تسمى ملكاً.
وإذا كانت ناقصة لا تصلح إلا لنحو من التقلب لقصور في نفسها أو متعلقها، تسمى حقاً كالإضافة الحاصلة للمرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة، والحاصلة للشَّفيع بالنسبة إلى حصة شريكه المبيعة في شركته، فإن المرتهن ليس له سوى استيفاء دينه من الرهن إذا لم يفه المديون، والشفيع ليس له من السلطنة إلا تملك ما اشتراه المشتري من الحصة بالثمن الذي اشتراه به».
وبعد، فهذه هي المفردات التي أمكنني لملمتها من هنا وهناك من كتب الفقه وكتب القانون لتكون داخل إطار واحد يعطينا فكرة واضحة عن المال وما يتمول.
والفقهاء ـ هنا ـ يتفقون على أن الأعيان والنقود مال، ويختلفون في ما سواهما، وكالتالي:
ـ ذهب بعضهم إلى إضافة المنافع مفردة ثالثة لمفردات المال، فتصبح المفردات المالية عنده: الأعيان والنقود والمنافع.
ـ آخر ربَّعَ المفردات بإضافة القروض.
ـ وغيرهما جعلها خمسة بإضافة الحقوق.
ولأننا قلنا: إن مالية الشيء تتقوم باعتبار العرف وتحليل الشرع، والعرف ـ كما هو معلوم ـ يختلف في مثل هذه الأمور من مجتمع لآخر، ومن عصر إلى سواه يكون هو المرجع، فما يعتبره عرف اجتماعي مالاً يعتد مالاً، ما لم يكن مما ألغى الشارع المقدس ماليته.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
ما وراء النهر
كان نهر جيحون القديم يعدّ الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية، أي إيران وتوران. فما كان في شماله، أي وراءه، من أقاليم، قد سماه العرب ما وراء النهر. (وهو نهر جيحون) وكذلك سموها الهيطل. على أن مصنفي القرون الوسطى من العرب، كانوا لا يتقيدون في استعمال اسم الهيطل فقد أطلقوا اعتباطاً على جميع الشعوب والبلاد التورانية في ما وراء جيحون وعلى ذلك جرى المقدسي في استعماله إياه.
ويمكن تقسيم هذه البلاد إلى خمسة أقاليم. أجلّها شأناً كان الصُغْد، مع قصبتيه بخارا وسمرقند. وفي غرب الصغد: خوارزم، وهو الإقليم المعروف اليوم بـ (خيوة). ويشتمل على دلتا جيحون. وفي الجنوب الشرقي: الصغانيان ومعه الختّل وغيرهما من الكور الكبيرة التي في أعالي نهر جيحون. وإليه أيضاً تعود بذخشان، وإن وقعت في ضفته اليسرى أي الجنوبية، فإن المنعطف الكبير للنهر فيما وراء طخارستان يكاد يطوقها. ثم إقليما نهر سيحون، وهما فرغانة في أعلى النهر وإقليم الشاش (وهو اليوم طشقند) مع النواحي التي في الشمال الغربي الممتدة حتى مصب سيحون في منافع بحر آرال.
وأطلق العرب في القرون الوسطى على نهر أوكسس Oxus ونهر جكزرتس Jaxartes اسمي: جيحون وسيحون.
وفي أواخر العصور الوسطى، في نحو من زمن الغارة المغولية، كاد يبطل استعمال اسمي جيحون وسيحون. فعرف نهر اكسس في الغالب بـ «أمويه» أو «أمودريا» أما جكزرتس فعرف بـ «سيردريا».
ويمكن القول إن إقليم الصغد، وهو صغديانا Sogdiana القديمة، كان يشمل الأراضي الخصبة في ما بين نهري جيحون وسيحون، التي كانت تسقيها مياه نهرين، هما زَرَفْشان أي نهر السُغْد، وعليه كانت تقوم سمرقند وبخارا، والنهر المنساب حيال مدينتي كش ونسف. وكان هذان النهران ينتهيان إلى منافع أو بحيرات ضحلة في المفازة الغربية من جهة خوارزم. مع ذلك، فإنه لمن الأوجه أن يعد الصغد اسماً للرساتيق المحيطة بسمرقند. فإن بخارا وكش ونسف كانت كل واحدة منها تعد كورة بذاتها.
وكان الصغد، يحسب إحدى جنان الدنيا الأربع، وقد بلغ أوج ازدهاره في النصف الأخير من المائة الثالثة (التاسعة) في أيام الأمراء السامانيين. ومع ذلك فقد ظل هذا الإقليم في المائة التالية لها، في خصب ويسار لا نظير لهما. وكانت أجل مدنه: سمرقند وبخارا، ويمكن القول إن الأولى كانت مركزه السياسي، بينما كانت بخارا عاصمته الدينية. إلا أن كلا من المدينتين كانتا في مرتبة واحدة وتعدان قصبتي الصغد.
وحافظت بخارى على مكانتها الرفيعة في أوائل العصور الوسطى، ولكن في سنة 616هـ (1219م) أدركها الغزو المغولي فنهبت المدينة ودمرت عن آخرها. ولم تنهض مما أحاق بها من دمار وخراب مدى قرن ويزيد. وفي أوائل المائة الثامنة (الرابعة عشرة) حين زار ابن بطوطة الموضع، نزل في ربض يقال له فتح أباد. وكان معظم الجوامع والمدارس والأسواق، على الحال المشعثة التي كانت عليها حين غادرها جنكيزخان. وفي الواقع أن بخارى لم تستعد شيئاً من ازدهارها السابق إلا في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) في عهد تيمور فقد اتّخذ سمرقند عاصمة له واستعادت بخارى أختها شيئاً من سابق بهائها.
أما سمرقند، فكانت في أعلى النهر، على نحو 150 ميلاً من شرق بخارا، تقوم على مسافة قصيرة من ضفة نهر السغد الجنوبية على نشز من الأرض. وكانت سمرقند فرضة تجارية عظيمة لبلاد ما وراء النهر. ومن جملة ما اشتهرت به الكاغد السمرقندي، فهو يحمل منها إلى سائر بلاد الشرق. وكانت صناعته قد دخلت إليها من الصين. وهواء سمرقند رطب، ولكل دار في المدينة وربضها بستان «حتى أنك إذا صعدت أعلى القلعة لم تبد المدينة للنظر لاستتارها بالبساتين والأشجار». وفي جنوبها جبل صغير يقال له كوهك يمتد طرفه إلى مرحلة يوم عن المدينة.
ويرجع سبب الخراب الوقتي الذي حلّ بسمرقند إلى المغول، على ما أوقعوه في سائر أنحاء ما وراء النهر. فقد خرّبوا معظم البلد في سنة 616هـ (1219م) حتى أن ابن بطوطة لما زارها في المائة التالية لذلك الزمن، قال فيها «لا سور لها ولا أبواب عليها»، وأكثر دورها خراب والقليل منها آهل. ومع ذلك فقد استعادت سمرقند مجدها السابق بعد ذلك بقليل، وذلك في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) حين اتخذها تيمور عاصمة له فجدّد البلد وشيّد المساجد وأقام الربط، وما زال بعض ذلك قائماً إلى يومنا. وذكر علي اليزدي أن مسجدها الجامع قد أنشأه تيمور عند عودته من فتح الهند فكان مردّ بهائه وجماله إلى ما وضعه فيه من غنائم تلك الحملة.
وإقليم أشروسنة ـ وكتب أيضاً: أسروشنة وسروشنة وستروشنة ـ يقع في شرق سمرقند، بين الرساتيق الممتدة في محاذاة يمين نهر السغد والرساتيق التي في يسار نهر سيحون، ولا يدخل هذان النهران ضمن إقليم أسروشنة.
أما إقليم فرغانة الذي كان إلى وقت قريب يعرف بخانيّة خوقند، وقد أعادت إليه الحكومة الروسية رسمياً اسمه القديم، فكانت قصبته في أوائل العصور الوسطى مدينة أخسيكث، وسماها ابن خرداذبه وغيره مدينة فرغانة. وهي تقوم على ضفة نهر سيحون الشمالية. وخرائب هذه المدينة شاخصة. وفي المائة العاشرة (السادسة عشرة) لما كان بابر حاكماً على فرغانة، كانت مدينة الإقليم الثانية، تعرف باسمها المختصر «اخسى». وانديجان كانت هي القصبة حينذاك.
قال ابن حوقل في مدينة اخسيكث: إنها مدينة واسعة، فيها مياه جارية وحياض كثيرة.
وما هو في جنوب نهر سيحون من إقليم فرغانة، يقال له كورة نسيا أو نسائية. وهي اثنتان: عليا وسفلى بالنظر إلى اختلاف مستوى سطحيهما. فالعليا في الجبل. أما خوقند التي صارت في الأزمنة الحديثة قصبة فرغانة ونسبت إليها خانيتها، فلم يرد ذكرها إلا عرضاً بين مدن نسائية العليا باسم خواكند أو خواقند.
أما خجندة، فإنها أول مدن فرغانة من الغرب، إذا جئت من سمرقند تقوم على ضفة سيحون اليسرى. قال فيها ابن حوقل «هي مدينة نزهة». وأهلها لهم سفن يسافرون فيها في سيحون. وكان يحف بالمدينة البساتين الملتفة مقدار فرسخين مما يلي أبواب ربضها. والظاهر أن اخسيكث قد استولى عليها الخراب كما استولى على مدن كثيرة في إقليم فرغانة أثناء حروب محمد خوارزمشاه في مطلع المائة السابعة (الثالثة عشرة). وما لم تنله هذه الحروب بسوء قد دمّرته غزوات المغول، فانتقلت بعدها قصبة الإقليم إلى انديجان. وفي زمن تيمور، ذكر علي اليزدي اسمها بصورة اخسيكنت على ما بيّنا إلى أخسى في أيام بابر، واخسيكت، فاختصر هذا الإسم.
أما أنديكان (انديجان الحالية)، فقد اتخذها، على ما ذكر المستوفي، كيدوخان حفيد أغتاي بن جنكيز قصبة لفرغانة في النصف الأخير من السابعة (الثالثة عشرة). وقد جاء الاسم أندِكان أو أندكان بين أسماء المدن التي سردها ابن حوقل في المائة الرابعة (العاشرة)، وكذلك ذكره ياقوت، ولكن دون أن نجد وصفاً لهذه المدينة في مرجع ما، وإن أشار إليها علي اليزدي غير مرة في كلامه على حروب تيمور.
وإلى غرب فرغانة ناحية الشاش ويسميها الفرس (ﭼاﭺ). كانت في العصور الوسطى أعظم المدن العربية في ما وراء سيحون. وكان يقال لمدينة الشاش أيضاً بنكث وذلك على غرار كثير من أسماء المدن في بلاد ما وراء النهر، فإن لها تسميتين إيرانية وتورانية.
وفي أوائل المائة السابعة (الثالثة عشرة)، لحق الدمار بعض الشاش في غضون فتوحات محمد خوارزمشاه، ثم كان للغزو المغولي الذي أعقبها ما أضاف إلى بؤس أهلها بؤساً على نحو ما حل بغيرها من البلدان. والظاهر، أن المدينة سرعان ما صلح حالها مما ألمّ بها من بلايا، فأصبحت موضعاً ذا شأن في المائة الثامنة.
وعلى ضفة سيحون الشرقية، أسفل انصباب نهر جمكنت فيه مباشرة، المدينة التي عند معبر سيحون، المعروفة قديماً بباراب أو فاراب وفي الأزمنة الحديثة باسم أترار، وفيها لقي تيمور حتفه في سنة 807هـ (1405م) وهو على أهبَّة السير لفتح الصين. وكان الاسم فاراب أو باراب يطلق على الناحية والمدينة. وقد حسبت فاراب أحياناً قصبة ناحية أسبيجاب. وينسب إليها أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 339هـ (950م) وهو أشهر فلاسفة المسلمين قبل ابن سينا. على أن ابن حوقل قد نسب مولد الفارابي إلى وسيج لا إلى فاراب. ووسيج بلدة صغيرة محصَّنة على فرسخين من فاراب. ثم بعد هذا الزمن، عرفت فاراب باسم أترار أو أطرار وقد نهبها المغول في أوائل المائة السابعة (الثالثة عشرة) ولكنها سرعان ما جدد بناؤها.
خوارزم
كان لإقليم خوارزم في صدر العصور الوسطى، قصبتان: أولاهما في الجانب الغربي، أي الفارسي من نهر جيحون، تسمى الجرجانية، أو أركنج. والأخرى في الجانب الشرقي، أي التركي من النهر. ويقال لها كاث. وقد كانت في المائة الرابعة (العاشرة)، في منزلة تفوق صاحبتها.
ومدينة كاث، ما زالت قائمة. إلا أن مدينة العصور الوسطى العظيمة ربما كانت تقوم على بضعة أميال من جنوب شرقي البلدة الحديثة.
أما قصبة خوارزم الثانية التي أصبحت بعد سقوط كاث أولى مدن الإقليم، فكانت كركانج وقد سماها العرب الجرجانية، ثم عرفت بعد هذا الزمن باركنج.
والجرجانية في المئة الرابعة (العاشرة) ـ وإن كانت حينذاك مدينة الإقليم الثانية ليس إلا، لكن كاث كانت ما زالت قصبته متجر البلاد وفيها مجتمع القوافل الآتية من بلاد الغز. ومنها تخرج إلى بلاد خراسان. والجرجانية على غلوة من غرب نهر كبير تجري فيه السفن، يأخذ من جيحون، ويجري محاذياً له. وقد احتالوا في رد خطر الماء بإقامة السدود من الخشب والحطب. وبانحطاط كاث أصبحت الجرجانية أولى مدن إقليم خوارزم، ومن ثم قصبته الوحيدة. وفي الأزمنة الأخيرة، كانت تعرف بوجه عام بمدينة خوارزم.
وفي سنة 616هـ (1219م) زار ياقوت الجرجانية، أو كركانج على ما سماها به، قبيل أن يكتسحها المغول بقيادة جنكيز خان، فقال فيها «لا أعلم أني رأيت أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالاً وأحسن أحوالاً» فاستحال ذلك كله بتخريب السرّ إياها في سنة 617هـ (1220م). ولما سارت عنها جحافل المغول قال ياقوت فيها «لم يبق في ما بلغني، إلا معالمها، وقتلوا جميع من كان بها» على أن قصبة خوارزم ما عتمت أن نهضت من كبوتها بعد بضع سنين، فابتنى الناس بلداً قريباً منها، وكان ذلك في سنة 628هـ (1231م) على ما جاء في تاريخ ابن الأثير المعاصر لتلك الأيام، قال: «وعمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم، عظيمة». وكان قبل الغزو المغولي لهذه الأرجاء، على ما ذكر ياقوت وغيره، مدينة تعرف بكركانج الصغرى. وسماها الفرس كركانجك على نحو من ثلاثة فراسخ من القصبة كاركانج الكبرى. ومن المحتمل، على ما يظهر، أن خوارزم الجديدة، قد اختير لها موضع كركانج الصغيرة.
وسرعان ما صارت خوارزم الجديدة قصبة الإقليم. وصفها المستوفي وابن بطوطة في المائة الثامنة (الرابعة عشرة). وذكر القزويني، وهو ممن كتب في النصف الأخير من المائة السابعة، أن أهل كركانج (الجديدة): «أهل الصناعات الدقيقة كالحداد والنجار وغيرهما. فإنهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم، والسكّاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس، لا يعمل في غير خوارزم إلا بقرية يقال لها طَرْق من أعمال أصفهان».
وقال المستوفي، وقد سمى هذه المدينة باسمها الشائع أركنج. وكذلك خوارزم الجديدة، إنها على عشرة فراسخ (ولعله وهم في ذلك، ويريد عشرة أميال) من أركنج العتيقة. ورأى ابن بطوطة، معاصره، خوارزم (على ما سمى البلدة) مدينة من أعظم المدن وأجملها، لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة «وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر». وما كادت المائة الثامنة (الرابعة عشرة) تأذن بالختام، إلا واجتاح تيمور مدينة خوارزم هذه وتركها قاعاً صفصفاً بعد حصار دام ثلاثة أشهر. إلا أن تيمور لنك أمر بتجديد بنائها فكمل ذلك في سنة 790هـ (1388م). وكان أبو الغازي أمير خوارزم، يعقد مجلسه في مطلع المائة الحادية عشرة (السابعة عشرة) في هذه البلدة، وهي التي يسميها أركنج. قال فيها إنها بلد حسن كثير البساتين. إلا أنه بعد هذا الزمن تربعت مدينة خيوه في مكانها ثم صارت قصبة الإقليم الجديدة. أما خرائب أركنج هذه، أي المدينة التي ابتنيت بعد الغزو المغولي، فهي المعروفة اليوم باركنج العتيقة (كهنه أركنج).
أما خيوه ـ وهي التي أخذت في عهد الرؤساء الأزبك بعد زمن تيمور تحجب بالتدريج مدينة أركنج وصارت قصبة خوارزم وشمل اسمها مع الأيام الإقليم كله ـ فقد ذكرها غير مرة بلدانيو المائة الرابعة (العاشرة) بأنها بلدة صغيرة. كانت تهجئة اسمها القديمة خيوق، وكان هذا الاسم هو الشائع حتى زمن ياقوت. قال فيها المقدسي «خيوه، على فم المفازة، رحبة، على شعبة من النهر (تأخذ من يسار جيحون)، بها جامع عامر» فكانت في المائة الرابعة (العاشرة) موضعاً ذا شأن. (راجع تركستان).
من أهم المدن التي عاشت في كنف جيحون أو نعمت بأحد روافده: بلخ وبخارى وترمذ([249])، سمرقمد وخوارزم. ولكل من هذه البقع دراسات مفصلة في دائرة المعارف في أماكنها. ونقول هنا عن بلخ إنها من أقدم المدن الكبرى في حوض نهر جيحون. فقد كانت عاصمة دولة كبرى هي بكتيريا القديمة التي ظهر فيها زرادشت بدينه الجديد بعد أن رفضه أهل موطنه آذربيجان، ومن هذا الإقليم ذي الألف مدينة على حد تعبير جوستين نفذت عبادة النار إلى الصغد وخوارزم، ومن معبد النوبهار المشهور، انتشر المذهب الجديد في فارس القديمة وميديا.
وتنقل رجال العلم والأدب في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه في ذلك الوقت للاتصال بحكّام الدول التي استقلّت عن الخلافة العباسية، فنشطت الحركة الفكرية، وراجت الثقافة. وأدى هذا كله إلى التأثير العظيم للأدب العربي في أدب ما وراء النهر، ويدل على ذلك كثرة استخدام شعرائها للألفاظ العربية، وكان لنهر جيحون أبعد الأثر في الشعر الفارسي.
وقد وجدنا الشعر الفارسي الذي ذكر فيه نهر جيحون يدور حول ثلاثة محاور رئيسية هي: شعر الوصف، وشعر الحرب، والشعر الصوفي.
وهذه المحاور تتفق في اتخاذ نهر جيحون المادة الشعرية، التي تدور حولها الأشعار ولكنها تختلف من حيث الشكل، فمنها المثنوي والرباعي.
1 ـ شعر الوصف
لقد كان نهر جيحون دائماً محركاً لأخيلة الشعراء مثيراً لعواطف الحكام والقادة.
2 ـ شعر الحرب:
هذا النوع من الشعر انقسم إلى نوعين:
(أ ) شعر الحرب بين إيران وتوران في شاهنامة الفردوسي (ت 411هـ) وكان مسرح هذه الحرب دائماَ نهر جيحون.
(ب ) شعر الحرب بين السلطان محمود الغزنوي وخانات التركستان ويمثل هذا النوع من الشعر:
«العنصري» (المتوفى عام 431هـ).
و«الفرخي» (المتوفى عام 429هـ).
وهما أبرز شعراء السلطان محمود الغزنوي([250]).
3 ـ الشعر الصوفي:
سطعت وتلألأت سماء الحياة الروحية في بلاد ما وراء النهر بأنوار كثيرة من الرجال الذين أحبّهم الله فأحبوه، ورادوا الطريق وعبدوه ووضعوا الأسس والدعائم، وهم كثرة كاثرة، عدّ منهم «السلمي» في الطبقة الأولى:
ـ الفضل بن عياض: وقد ولد في سمرقند.
ـ إبراهيم بن أدهم: وهو من بلخ.
ـ بشر الحافي: وهو من أهل مرو.
وفي الطبقة الثانية عدّ «السلمي» منهم:
ـ شاه الكرماني وهو من مرو.
ـ محمد بن علي الترمذي الشهير بالحكيم الترمذي.
ـ أبو بكر الوراق وهو من ترمذ.
ويذكر مؤرخو الأدب الفارسي أن الصوفية العظام الذين كتبوا المثنويات ثلاثة أولهم: سنائي وقد ولد في بلخ، وثانيهم: فريد العطار، أما ثالثهم فهو جلال الدين الرومي وقد ولد في بلخ.
ونخلص من هذا إلى أن التصوّف في بلاد ما وراء النهر عنصر أصيل في الحياة، فقد ساهم أهل هذه البلاد بنصيب وافر في إثرائه وإرساء دعائمهم، ولهذا لا نعجب أن يذكر اسم النهر في كثير من التراث الشعري الصوفي، خاصة وأن النهر يلعب دوراً رمزياً كبيراً في التعبير عن الحقيقة الصوفية، وعن أسرار الحب الإلهي والفيض الربّاني والمعرفة السرمدية.
ومجمل القول إن النهر والبيئة كانا إلهاماً لكثير من عيون الشعر، وفي الوقت نفسه أسهمت هذه البيئة في خلق شعراء كانوا رواداً لحركة الشعر الفارسي في جميع العصور وهم على سبيل المثال لا الحصر:
الرودكي السمرقندي: وهو من شعراء السامانيين في القرن الرابع الهجري، وأبو طاهر الخسرواني: وهو من شعراء القرن الرابع الهجري كذلك في بلاط السامانيين.
الدقيقي: المتوفى في عام 368هـ، وقد عاش في بلاط آل محتاج في صغانيان ببلاد ما وراء النهر.
منحيك الترمذي: وهو من شعراء أواسط القرن الرابع الهجري وقد عاش في بلاط صغانيان، الصغانياني.
لبيبي: وهو أحد الشعراء المشهورين في أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، وقد اتَّجه في البداية إلى مدح أمراء صغانيان.
عمعق البخاري: وهو من الشعراء المشهورين في بلاد ما وراء النهر وكان يعيش في بلاد أيلك خان «آل أفراسياب» وكانت وفاته بين عامي 542، 543هـ.
أديب صابر الترمذي: وقد عاش في بلاد سنجر السلجوقي ثم انتقل إلى بلاد أتز وقد أغرق في نهر جيحون عام 546هـ.
سوزني السمرقندي وكان مدَّاح الإيلخانيين في بلاد ما وراء النهر وكانت وفاته عام 562هـ.
ثم نظامي الكنجوي: وكانت وفاته 576هـ أو 606هـ.
وقد قامت على أكتاف هؤلاء الشعراء جميعاً نهضة الشعر الفارسي ووضع أسسه وقواعده.
وقد ظلوا أساتذة لمعاصريهم، وكذلك على طول العصور لمن جاء بعدهم، وسيظلون كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وإقليم نهري جيحون وسيحون يعتبر معبراً للتجارة بين الشرق والغرب، وقد سمى طريق القوافل بين الشرق والغرب باسم طريق الحرير، وكان يمر على كثير من مدن هذا الإقليم مثل: بخارى وسمرقند وخوارزم مما جعلها تعيش في يسار اقتصادي وانتعاش تجاري.
يضاف إلى النشاط التجاري النشاط الزراعي، فدلتا النهر والواحات والبحيرات والأنهار والمجاري المائية التي تعد بالآلاف قد أضفت الحياة على الأراضي التي تمر بها فأنتجت الحبوب والفاكهة والقطن كما ربيت الحيوانات.
أما في الصحراء وشبه الصحراء فقد وجدت المراعي المتنقلة التي قام أكثرها على تربية الأغنام والماعز وبعض الخيول والبغال والحمير والماشية. وقد أكرم الله المنطقة بالثروة المعدنية، ففيها: البترول والغاز والفحم والحديد والرصاص، والذهب والفضة والياقوت واللازورد.
ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم أو رسالة في فضيلة العلوم والصناعة للفارابي
ألّف الفارابي رسالته هذه بطلب من إبراهيم بن عبد الله البغدادي ـ من فضلاء القرن الرابع الهجري، والعالم الرياضي الذي تباحث مع الفارابي في باب صحة أحكام النجوم ـ وراوي هذه الرسالة هو إبراهيم بن عبد الله نفسه.
وضع الفارابي في هذه الرسالة ثلاثين أصلاً، وفي آخره استنسخ بطلان أحكام النجوم منها.
الطبعات:
ـ طبعة ليدن 1890م (ضمن الثمرة المرضية …).
ـ طبعة القاهرة 1907م (دار المجموع للمعلم الثاني).
ـ طبعة حيدر آباد 1931م.
ـ طبعة بومباي 1937م.
«ديتريشي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الألمانية وطبعاً عام 1892م.
«أولكان وبورسلان» ترجما هذه الرسالة إلى اللغة التركية وطبعاها عام 1941م.
«السيد علي أكبر الشهابي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الفارسية تحت عنوان: في فضيلة العلوم والصناعة، وطبعها في المجلد 13 من نشرة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة الفردوسي بمشهد.
مبادىء نظام الحكم الإسلامي
بين التطبيق والإلغاء
ليس الإسلام ديناً ناجماً عن التطور الطبيعي للفكر البشري في مجال الألوهية ومواقفها من البشر ومواقف البشر منها في الحضارات التي سبقته، ولا هو فقط مجموعة من العبادات التي تصل المخلوق الفرد بالخالق، بل هو نهاية فكر الرسالات السماوية التي نزلت على الإنسانية في جميع العصور السالفة، فشكّلت الثورة المستمرة ضد الممارسات التي كان يفرضها العقل البشري ابتكاراً أو تحويراً لما بعث إليه من شرائع بقصد تسويغ أنظمة حكم واجتماع تماشت مع مصالح القوى الغالبة في المجتمعات، وممارسات نابعة من غرائز الأفراد مستجيبة لمنافعهم الخاصة.
فالأديان السماوية كانت تقيَّد صلاحيات الحكّام على أساس أنهم مأمورون لإله أعلى ينظم طرائق تعيينهم ويحدد واجباتهم وحقوقهم، وتبين كذلك واجبات المواطنين وحقوقهم التي لا تمسّ، على أن تكون العبادات حافزاً ومذكراً للجميع فلا يتجاوزوا الحدود الخاصة بكل منهم ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [سورة طه، آية: 14]. ومن هنا كان الصراع التاريخي القائم بين الدين الصحيح وبين الحاكمين منذ وجود المجتمعات البشرية على الأرض حتى اليوم، والذي كتبت فيه الغلبة حتى هذه الساعة للحاكمين.
ونحن، هنا، إذ نركز بحثنا على الإسلام، فإننا لا نقصد الإسلام وحده، بل نستشهد به لما يطرحه من نموذج حكم غير متبلور بشكل كافٍ وواضح في الأديان الأخرى، لا سيما في مصادرها الأساسية.
وهكذا، فإننا من أجل إثبات المقدمة المطروحة أعلاه على ضوء أحكام الإسلام وغيره من الأديان في حدود معينة، فسوف نستعرض أولاً نظام الحكم الإسلامي الذي نزل به القرآن ومارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين أتوا بعده، ثم نقارن بينه وبين أنظمة الحكم التي تلت حتى الأمس القريب وإلى اليوم، لنبين لحظة أو لحظات حصول الاختلاف إذا كانت حصلت فعلاً.
النظام الذي ثارت عليه الأديان السماوية:
كان ذلك النظام يعتبر رئيسه إلهاً أو وكيلاً عن الإله. ففي مصر القديمة، كان الملوك يُعتبرون، إبّان حياتهم «آلهة»، فهم يتحدرون بالولادة المباشرة والشرعية من «الآلهة» القدماء الذين سادوا على مصر منذ عصر الأسر «الإلهية»، «فالملك بمجرد تكوُّنه في رحم أمه كان «إلهاً» وكانت تصحب ولادته احتفالات تتضمن التشريف الموجه لـ «إله» ويبقى «إلهاً» طوال حياته ويستمر بعد موته …» ([251]).
أما في بلاد الرافدين فإن الملك كان «يمثل الله في المدينة، وهو حبره أو وكيله ووسيطه لدى الناس، إنه الوسيط بين الإنسان والإله»([252]).
أما اختياره فكان اختياراً «إلهياً»، وكان عند تنصيبه يرتدي الثياب الكهنوتية ويطوف الشوارع في موكب مهيب ممسكاً بصورة لـ «الإله» مردوخ([253]).
وفي بلاد الصين، كان الأمبراطور يحكم وفقاً لما يسمونه «الحق الإلهي» بتفويض من «السماء»، وهو «ابن السماء» وهو الكاهن الأعلى، ولهذا فإن مملكته كانت تسمى «تيان شان» أي المملكة المحكومة من السماء.
على أن هذه الاعتقادات، وإن خفت حدتها في ما بعد أو جرى تحويرها، إلا أن صلاحيات الحكّام بقيت صلاحيات «الإله» الذي بيده الحياة والموت والإعطاء والحرمان ومصادرة الأرزاق والحريات كلما أراد ذلك.
فالناس يقتلون لأتفه الأسباب، بل وعلى الظن في معظم الأحيان، والأرزاق تصادر ويساق الناس إلى السخرة حيث يعملون دون شفقة في الأشغال العامة أو في بناء المعابد والقلاع والقصور. وما الآثار الجبارة التي لا تزال ماثلة حتى اليوم إلا الدليل على ذلك: من أهرام مصر ومعابدها وسدودها القديمة إلى المعابد الكلدانية والرومانية التي قضى في العمل فيها مئات آلاف الرجال، خضوعاً لحق الحاكم المطلق بالتصرف بهم.
إذا كانت «ألوهية» الحاكم تمنحه حقوقاً على الحياة وعلى الحرية وعلى الأرزاق غير محدودة، وقد جاءت الأديان السماوية لتواجه كل هذا بأنظمة تناقضه تمام المناقضة.
المبادىء للأساسية لنظم الأديان السماوية:
إن المبدأ الأول والأساس الذي تبنى عليه الأديان السماوية هو وحدانية الله تعالى، فلا إله أرضياً ولا سماوياً إلا الله الواحد الأحد الذي لا يشاركه شيء في ألوهيته، لا على قدره ولا أصغر. وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿قل هو الله أحد﴾ [سورة الإخلاص، آية: 1]. كما يكرر: ﴿إنما إلهكم إله واحد﴾ [سورة فصلت، آية: 6] و﴿إنما هو إله واحد﴾ [سورة إبراهيم، آية: 52] ﴿وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم﴾ [سورة المؤمنون، آية: 91] ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء، آية: 22].
ولما كان الله واحداً أحداً، كان هو خالق كل شيء، وهكذا فمن الواجب أن يكون رباً للسماوات والأرض، للكون بأجمعه، فلا شريك له من خلقه ولا ند له. القرآن: (2/22، 12/3، 41/9) فهو إذاً المستحق للعبودية وحده (35/13 و40/66) الأمر الذي يقضي باجتناب العبودية للمتنطحين للربوبية وللألوهية دون الله. ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [سورة النحل، آية: 36].
وقد جاء في التوراة أيضاً: «أنا الرب إلهك، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً لا منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض ولا تسجد لهن ولا تعبدهن»([254]). وهذه كانت أولى الوصايا العشر.
أما عبادة الله فهي تنفيذ ما أمر به والابتعاد عما نهى عنه.
وقد أمر الله فيما أمر بعدم الشرك، فهو إثم لا غفران له: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [سورة النساء، آية: 48 و116].
وعدم الشرك يقضي ليس فقط بعدم الإيمان بإله آخر من دون الله بل هو يقضي تبعاً لذلك أن لا يطاع أحد إذا كان عاصياً لأوامر الله فـ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([255]) ويكون عاصياً لله كل من يعمل برأيه الخاص، لأنه يكون مشاركاً لله في سلطته التي لم تترك شيئاً إلا نظمته كما يقول تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام، آية: 38] ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [سورة النحل، آية: 89].
وفي المجال السياسي، فإن الله أكّد أنه هو مصدر كل سلطة ولا يمكن أن تصدر السلطة من غيره إذ يقول: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾ [سورة آل عمران، آية: 26] ويقول: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [سورة الأنعام، آية: 57 وسورة يوسف، الآيات: 40 و67].
وهذا الملك أو السلطة التي لله والتي يؤتيها من يشاء، يرى بعض الباحثين أنه تعالى وضع شروطاً لتفويضها في حين لا يرى بعضهم الآخر مثل هذا الرأي. أما من رأى الرأي الاول فيقول إن هذه الشروط تتلخص بأن يكون مؤمناً ولا يكون من الظالمين أي المرتكبين للآثام والخطايا ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [سورة المائدة، آية: 55].
وإذا كان هذا هو الشرط الإيجابي فإن الشرط السلبي أبلغه الله تعالى إبراهيم عليه السلام الذي جعله للناس إماماً أي قائداً ومثالاً وهو أنه:﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [سورة البقرة، آية: 124]، ولكن الله على كل الأحوال لا يكتفي بالضمانات الذاتية التي قد تخفى على الناس، لذلك فهو يأمر الحاكم بأن يحكم بما أنزل الله. ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظلمون﴾ [سورة المائدة، آية: 45] و﴿الفاسقون﴾ [سورة المائدة، آية: 57] بل و﴿الكافرون﴾ [سورة المائدة، آية: 44].
فما هي المبادىء الأساسية لحكم الله؟
لقد تبلورت في الحكم الإسلامي، في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في عهد الخلفاء بعده، مبادئ تحدد صلاحيات الحاكم وواجباته في الداخل والخارج من نشر الدعوة والدفاع عن بلاد الإسلام وتحصيل الفيء وسائر الحقوق العامة وتوزيعها وإشاعة العدل وإقامة الشعائر.
وقد استمر الحكام المسلمون يمارسون حقوقهم، إلا أنه في مجال التزامهم بواجباتهم حصل اختلاف واضح وذو طابع تناقضي بين ممارسات الخلفاء الأوائل وممارسات الحكام الذين تلوا، إلا أنه مما لا يختلف عليه اثنان أننا لا بد أن نقتبس من سنة الخلفاء الأولين، إضافة إلى سنة الرسول، حتى نتبين المعايير الإسلامية الصحيحة، ثم نتابع ما تلا تلك المرحلة لنرى قرب الحاكم أو بعده عن الإسلام.
الواجبات الآساسية للحاكم: إن أهم ما يكشف عن طبيعة حكم ما هو علاقته بالشعب أولاً وقبل كل شيء، ذلك لأن علاقة الحاكم بالخارج لا بد أن تنبثق من ذلك. فالحاكم الذي يحمل رسالة للآخرين عليه أن يطبق نموذجها في بلاده ولا يمكن أن يكون الحاكم في الخارج غيره في الداخل.
أما أهم المبادئ التي كرّسها الحكم الإسلامي على هذا الصعيد فهي تلك المتعلّقة بحياة الناس وحرياتهم وحقوقهم كما سنوضحه فيما يلي:
علاقة الحاكم بالمحكوم: إن الواجب الأساس الواقع على الحاكم تجاه المحكوم هو الصدق والإخلاص والإرشاد وتوفير الفيء وإشاعة العدل والتمسك بالسنة على وجه عام، يقول علي عليه السلام في هذا المجال مخاطباً سائر الناس: «أما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا …» ([256]).
إن على الإمام «الإبلاغ في الموعظة والاجتهاد والنصيحة والإحياء للسنة وإقامة الحدود على مستحقيها وإصدار السهمان على أهلها»([257]).
فإذا لم يقم الحاكم بواجباته فإن على المسلمين أن يثوروا عليه. فقد قال أبو بكر في خطبته التدشينية: «… فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»([258]).
كما أن عليًّا يسوّغ الحركة ضد الحاكم إذا أحدث «حدثاً»، فقد كتب إلى عماله حول حركة طلحة والزبير أنهما قاما ضده دون حدث أحدثه»([259]).
الوفاء بالعهود: لقد عانت البشرية من الأساليب اللاإنسانية في التعامل بين القوى لا سيما في حالات الحروب والأزمات، حيث كان يباح كل أسلوب يخطر على البال إذا كان ممكناً. وقد ترتبت على ذلك مآسٍ وفظائع دفعت في العصور الحاضرة إلى التفكير بالحد من الويلات والظلم لأن المنتصر اليوم قد يكون منهزماً غداً. ومن جملة المبادئ التي كرّست، مبدأ الوفاء بالعهود الذي ما زال الالتزام به مرهوناً بالظروف، إذ يلتزم الكبار به فقط تجاه الكبار، ولا يلتزمون به تجاه الصغار.
أما الإسلام فقد ألزم الناس به بشكل مطلق، إذ فرضه القرآن الكريم في العديد من الآيات، كالآية 34 من سورة الإسراء التي تقول: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾. كما أن الرسول كان يأمر بالوفاء بالعهود وقد وصل الأمر إلى قرن الوفاء بالصلاة، إذ جاء في الحديث: «وآمركم بالصلاة والوفاء بالعهود»([260]).
وقد التزم الرسول بهذا المبدأ عملياً كما التزم به قادة الإسلام، وفي مقدمهم علي بن أبي طالب الذي أعطى موافقته في صفين على التحكيم تحت ضغط جيشه، ثم رفض التراجع بعدما أيقن بعض من كان موافقاً على التحكيم أنه كان خطأً ارتكبوه.
وقال علي حاثاً على الوفاء: «الوفاء توأم الصدق ولا أعلم جنة أوقى منه. ولا يغدر من علم كيف المرجع»([261]).
حق الإنسان بالحياة: لا يجوز في النظام الإسلامي اللجوء إلى القتل إلا عقوبة في حال ارتكاب المتهم جرم القتل أو الفساد في الأرض، وذلك على أساس الحكم القرآني القائل: ﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [سورة المائدة، آية: 32].
وهذا حكم لا ينطبق على سائر الناس فقط بل وعلى الحكام قبلهم. والدليل أن علي بن أبي طالب عليه السلام ينبه مالكاً الأشتر حين أرسله إلى حكم مصر بقوله: «إياك والدماء، وسفكها بغير حلها … فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام … ولا عذر لك عند الله وعندي في قتل العمد لأن فيه قول البدن (أي المعاقبة) بالقتل»([262]).
وهذا ما التزم به علي عليه السلام نفسه عندما كفره الخوارج وأخذوا يتجمعون في بعض الأماكن وطلب منه قتالهم فرفض على أساس أنه لا يحق له ذلك، فكان يخاطب الخوارج قائلاً: «لا نبدؤكم بقتال حتى تبدؤونا به»([263]) وقد تقيد الإمام بهذا الموقف حتى عمد الخوارج إلى قتل الناس فقاتلهم عند ذلك.
حق الملكية الخاصة: لقد حدّد الإسلام حقوق السلطة في أموال الناس ولم يجز للحكام تجاوزها. وهذا ما أكّد عليه علي عليه السلام في وصاياه لعماله بقوله: «لا تمسنّ مال أحد من الناس مصل أو معاهد»([264]).
وحتى حالة الحرب لم تكن لتبرر نقض هذا المبدأ ـ فقد كان علي عليه السلام يوصي قادته السائرين إلى القتال بالتقيد به في كل الظروف بقوله: «ولا تستأثرون على أهل المياه بمياههم ولا تشربن مياههم إلاّ بطيب أنفسهم ولا تظلم معاهداً ولا معاهدة ولا تسخرنّ بعيراً ولا حماراً وإن ترجلت وحبست»([265]).
على أن الحفاظ على أموال الناس لم يتوقف عند حرمة أخذ ما ليس بحق منهم، بل هو يصل إلى حدود أبعد، وذلك بتحريم تحصيل الحقوق العامة إذا كان الأمر سيفضي إلى استخدام الإكراه أو بيع الضروريات، فقد أوصى علي رجلاً من ثقيف استعمله على الخراج بقوله: «إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج أو تبيع دابة يحمل عليها في درهم»([266]).
وكان يوصي أيضاً: «ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة شتاء أو صيف»([267]).
على أن احترام الحقوق والمحافظة عليها لم يكن يقتصر على امتناع الحاكم من الاعتداء عليها وحسب بل هو يحرم عليه أن يفتئت عليها بنظمه حتى ولو كانت معاملات بين الأفراد. فقد حاول عمر بن الخطاب أن يحدد مهور النساء عندما رآهن يغالين فيها، فقامت امرأة في المسجد وقالت له: إن هذا ليس لك لأن الله تعالى يقول: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ [سورة النساء، آية: 20] فتراجع عمر وقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة([268]).
ويمكن أن يلحق باحترام حق الملكية منع السخرة، فقد حرَّمها الإسلام، ومن هنا فإن عهد الإسلام الأول لم يتميز بإقامة المنشآت الجبارة من المعابد والقصور، وربما كان هذا في أصل ملاحظة ابن خلدون: «أن العرب ما حلوا في أرض إلا سارع إليها الخراب» والتي بناها على عدم إقامة المسلمين لمثل هذه المنشآت([269]).
ولعل أهم النصوص في هذا المجال ما أوصى به علي عماله بقوله: «ألا لا تسخروا المسلمين»([270]).
على أن منع السخرة بهذه الصورة لم يكن ليبيح الإكراه على العمل حتى في سبيل المصلحة العامة أو الشخصية، على أساس مبدأ «لست أرى أن تجبر أحداً على عمل يكرهه»، فقد اقترح بعض الفلاحين على علي بن أبي طالب عليه السلام أن يعيدوا حفر نهر دارس ليستفيدوا منه، فأوصى عامله في ذلك بقوله: «… فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل والنهر لمن عمل دون من كرهه»([271]).
الجرائم والعقوبات يحددها القانون:
وهذا المبدأ يعني أن الجرائم يحددها القانون وكذلك العقوبات ولا يعتبر عمل ما جرماً إلا إذا كان سبقه قانون يعتبر مثله من الأعمال جرماً، وكذلك لا توقع عقوبة بشخص ما لم يكن قبلها قد وضع قانون يأمر بإيقاعها.
وفي الإسلام، حدّد الله الجرائم والعقوبات ولم يترك لأية سلطة أخرى أمر الإضافة والابتكار، بل سمح فقط بالاستنباط والتفريع، فإذا خالف أحد هذا المبدأ فإن ما يقوم به باطل.
لقد حدّد عمر بن الخطاب مهمة الخليفة بقوله: «… ألا إن أحق ما تعاهد به الراعي رعيته أن يتعاهدهم بالذي لله تعالى عليهم من وظائف دينهم الذين هداهم به: إنما علينا أن نأمركم بالذي أمركم الله من طاعته وننهاكم عما نهاكم الله عنه من معصية وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم»([272]).
ويوضح علي ابن أبي طالب مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات مركّزاً على أن الله قد حدّد ما يجب وما لا يجب كما حدد العقوبات وذلك بقوله: «الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله»([273]). وما عدا أحكام الله الملزمة فكل تصرف مباح على مبدأ. ﴿لا يكلف نفسا إلا ما آتاها﴾ [سورة الطلاق، آية: 7].
وهكذا فإن علي بن أبي طالب عليه السلام شتمه أحد الخوارج، فهب جماعته ليقتلوا الخارجي، فمنعهم علي على أساس أن الحكم الإلهي لا يسمح بذلك قائلاً لهم: «رويداً إنما هو سبٍّ بسب أو عفو عن ذنب».
على أن الذنب الذي يستحق العقوبة يجب أن يكون قد وقع وأن تكون السلطة المعنية قد تأكدت من وقوعه. أما إذا كانت المسألة ظنية فقط فلا تجوز العقوبة لأن ﴿الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ سورة النجم، آية: 28 وسورة يونس، آية: 36].
وقد أكد علي بن أبي طالب عليه السلام هذا المبدأ في حواره مع الخرّيت بن راشد الذي أتى يخبره أن بعضاً من الناس سيخرج عليه، مقترحاً عليه أن يضرب أعناقهم. فأجاب الإمام: «إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن»([274]) وكان يوصي قضاته بالقول: «إذا كان في الحد لعل وعسى فالحد باطل»([275]) ويقوله: «دع عنك أظن وأحسب وأرى»([276]) وأخيراً فإن حق الدفاع لا يجوز المساس به في الإسلام، فالمحاكمة يجب أن تكون مقابلة بين الخصمين (Contradictoire) وقد أكد هذا علي بن أبي طالب بقوله: «إن الحدود لا تستقيم إلا على المحاجة والمقاضاة وإحضار البينة»([277]).
الحريات البدنية: إن الإسلام يؤمّن الحرية للناس ويحرم الظلم والتعسف، وقد نطقت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وعلى ذلك سار الخلفاء الأول، فخارج إطار الحدود (العقوبات المحددة شرعاً) لا يجوز حجز الحرية ولا التعذيب لأنهما تعدٍ لحدود الله ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [سورة البقرة، آية: 229] وقد نهى الله عن الظلم في القرآن في عدد كبير من الآيات كقوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيرا﴾ [سورة الفرقان، آية: 19] و﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾ [سورة الشورى، آية: 42].
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذّر المسلمين من الظلم بقوله: «فلا تظلم الناس»([278]) وقوله: «ألا لا تظلموا لا تظلموا لا تظلموا» كما حثهم على مواجهة الظالمين بقوله: «إن الناس أذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب»([279]).
وقد تقيد الخلفاء وخاصة علي بن أبي طالب بأحكام الحفاظ على الحريات، فهو لم يقيد حرية الحركة والانتقال حتى لأولئك الذين كان يخشى أن يتحركوا ضده، فهو لم يمنع طلحة والزبير من ترك المدينة إلى مكة، رغم أنه كان يعرف أنهما لم يقصدا «العمرة» التي ادّعيا بل «الغدرة» كما قال.
وهو لم يقيد حركة الخوارج ولم يمنع الفارّين إلى معاوية.
كما أن علياً حرّم ممارسة العنف على الناس من دون وجه حق، فالمتهم لا يجوز تعذيبه مهما كانت تهمته. فحتى في تهمة القتل قضى علي بـ «التلطّف باستخراج الإقرار من الظنين»([280]).
ثم هو رفع العقوبة عن المقرّ إذا كان إقراره قد أتى نتيجة لعنف على شخصه أو ماله أو نتيجة لتهديده. فكان يقول: «من أقر عن تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه»([281]).
هذا وكان علي لا يقر السجن في مسائل الحقوق المالية إلا في حالات استثنائية، وهي تدخل اليوم في قوانين الجزاء، وذلك لأن الحرية أثمن من المال، فكان لا يسجن إلا المفاليس الاحتياليين ومن أكل مال اليتيم ظلماً ومن ائتمن على أمانة فذهب بها، كما كان يسجن الغالين من الأثرياء أو المبذرين بقصد حرمان دائنيهم من حقوقهم([282]).
وأخيراً فإن الدولة الأسلامية كانت تضمن أخطاء القضاة، فكانت تدفع التعويض للمظلوم أو لأوليائه عند حصول ذلك الخطأ([283]).
أما أخطاء عامة الموظفين فإن الدولة تضمنها بتوفير حق الناس والعودة على الموظفين المرتكبين. ويؤكد عمر هذا المبدأ بقوله: «أيما عامل من عمالي ظلم أحداً، ثم بلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا الذي ظلمت»([284]). ويضيف عمر: «والذي بعث محمداً بالحق لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب»([285]).
هذا وقد نبّه علي بن أبي طالب عثمان إلى هذا المبدأ الإسلامي فقال له: «والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينك وبينه»([286]).
المساواة: يشدّد الإسلام على المساواة بشكل غير عادي، فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى «أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» وأن المسلمين «سواسية كأسنان المشط»، وقد طبق هذا المبدأ في أيام الرسول وأيام الخلفاء.
فعلى صعيد العطاء للمسلمين، كجنود احتياطيين، كان الفيء، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوزع بالتساوي، وقد تبعه في ذلك أبو بكر ثم عمر في الفترة الأولى من خلافته. ولكن ما لبث أن وضع معياراً يقوم على التفاضل المبني على السابقة في الإسلام وعلى الجهاد وعلى القربى من الرسول. إلا أنه بعد التجربة اقتنع بأن العودة إلى المساواة هي الطريق الصحيح([287]).
فلما ولي علي بن أبي طالب عليه السلام أعاد المساواة، معتبراً أن الفيء «ليس لأحد فيه على أحد أثرة، فقد فرغ الله عز وجل من قسمه»([288]) ولما احتجّ القوم على هذه المساواة أجابهم علي: «لو كان المال مالي لسويت بينهم فكيف والمال مال الله»([289]).
أما ما خلا مسألة العطاء فإن المساواة لم يكن عليها خلاف بين قادة المسلمين، فهذا عمر يوصي خليفته المحتمل بقوله: «واجعل الناس عندك سواء، لا تبال على من وجب الحق، لا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله وأفاء الله على المسلمين فتجور وتظلم»([290]).
كما أنه يمزّق كتاباً كتبه أبو بكر لشخصين من متأخري الإسلام يقطعهما فيه أرضاً ثم يعاتبه بقوله: «أهي (الأرض) لك خاصة أم بين المسلمين عامة … فما حملك على أن تخص بها هذين من دون جماعة المسلمين؟» فأخبره أبو بكر أنه استشار في ذلك. فأجاب عمر: «أفكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضاً؟»([291]).
كما أن عمر كان يتشدد مع أهله ويطلب من ولاته التشدد معهم. فلما شرب ابنه عبد الرحمن الخمر في مصر وعلم أن عمرو بن العاصم أقام عليه الحد في مكان محصور، كتب إليه مهدداً لعدم مساواته في المعاملة بين ابنه وبين سائر الناس، الأمر الذي ينم عن المحاباة، وطلب إليه أن يرسله «في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع. ولما وصل عبد الرحمن إلى أبيه، أقام عليه الحد مجدداً»([292]).
هذا وسوّى علي عليه السلام بين خاصة أهله وعامة المسلمين، فلما طلب منه عقيل أخوه زيادة على عطائه من بيت المال، أحمى له حديدة وأمسكه إياها (وكان أعمى)، ولما طلب منه ابن أخيه عبد الله ابن الشهيد جعفر الطيار مساعدة من أموال المسلمين، أجابه: «لا والله لا أجد لك شيئاً إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك»([293]).
أما على صعيد المعاملات الأخرى، فإن النبي لم يكن يميّز نفسه عن المسلمين في شيء، إلا أنهم كانوا يعاملونه من تلقائهم باحترام غير محدود. وكان عمر يرفض أن يخص بشيء ما لم ينل منه جميع المسلمين، فقد رفض أنواعاً من الحلوى كانت تأتيه من عماله في بلاد فارس «لأن مسلمي تلك البلاد لم يشبعوا منها»([294]).
كما أن علياً عليه السلام كان يركز على المساواة الدقيقة فيوصي عماله بالقول: «واخفض للرعية جناحك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية» وذلك للغني وللفقير «كي لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك»([295]).
هذا ويغضب علي عليه السلام في مجلس عمر، وكان قاضياً، لأن عمر كنّاه بأبي الحسن بينما سمى خصمه باسمه مخلاً في ذلك بمبدأ المساواة.
حرمة الحياة الخاصة: لقد حمى الإسلام الحياة الخاصة، لا سيما في الجانب الحميمي الذي لا يريد الإنسان أن يظهره للناس، شرط أن لا يلحق الضرر بالآخرين، فالتجسس وكشف المستور محرّم حتى ولو كان هناك اعتداء على حقوق الله.
فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿ولا تجسسوا﴾ [سورة الحجرات، آية: 12] كما جاء ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾ [سورة النور، آية: 27] ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [سورة البقرة، آية: 189] وذلك لأن البيت هو المكان المخصص للراحة وللستر لقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا﴾ [سورة النحل، آية: 80].
وقد أوضحت السنة النبوية هذه الأحكام فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التجسس([296]). لأن في التجسس إفساداً للناس كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم»([297]).
وهذا المبدأ تمسك به علي عليه السلام وأعطاه أبعاده في السلم والحرب، فهو نهى قادته عن المسير بالجيش ليلاً وكذلك عن الهجوم ليلاً لأن الليل سكن فحيث يكون الإنسان فكأنما هو في بيته([298]).
كما نهى مقاتليه حتى عن دخول دور أعدائه في الحرب من تلقائهم بقوله: «ولا تدخلوا داراً إلا بإذني»([299]).
ومن جهة أخرى نهى علي(ع) عن تتبع العورات، إذ جاء في عهده إلى مالك الأشتر: «وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن على ما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك … فاستر العورة ما استطعت … وتغاب عن كل ما لا يصح لك ولا تعجلن على تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين»([300]).
كل هذا لأن المعصية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت لم تضر إلا بصاحبها، ولكن إذا ظهرت أضرت بالعامة». على أن الخليفة والحاكم عموماً إذا أخطأ في هذا المجال عليه أن يتراجع ويمتنع عن إنزال العقوبة إن كشف أن أمراً يستحقها. وهذا ما فعله عمر بن الخطاب الذي سمع، وهو يتعسس صوتاً مريباً منبعثاً من إحدى الدور، فتسلق الحائط ونزل في الداخل، ونظر وهو في الظلام إلى داخل البيت فوجد أناساً يعصون الله، فلما سألهم عن فعلتهم هذه قالوا: إنهم أخطؤوا بواحدة بينما أخطأ الخليفة بثلاث، فالله يقول: «ولا تأتوا البيوت إلا من أبوابها وأنت تسورت الحائط، ويقول: ولا تجسسوا وأنت تجسست. ويقول: ولا تدخلوا البيوت حتى تستأنسوا وتسلموا وأنت لم تستأذن ولم تسلم، فاعتذر عمر وعفا عنهم»([301]).
هذا وتبرز مسألة حرمة السرية والحياة الخاصة في الإثبات الواجب لعقوبة الزنى التي لا يعاقب عليها ما لم تصبح علنية بحيث يشهدها أربعة شهود أو أن يصرّ مرتكبها على طلب العقوبة لنفسه. وقد حاول الخلفاء كما حاول الرسول صلى الله عليه وسلم ثني الناس عن الاعتراف بالزنى. إذ يقول علي بن أبي طالب بمناسبة مجيء رجل إليه واعترافه بالزنى: «ما أقبح الرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا، أفلا تاب في بيته. فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد»([302]).
الحقوق السياسية: لقد حظر الإسلام على الحاكم أن يتعرض للحريات السياسية من طرح الرأي إلى التحزّب وما إليهما: فالرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيفة التي كتبها في المدينة سمح للقوى الدينية الموجودة اتخاذ المواقف، ولم يقاتل اليهود حتى قاتلوه. كما أن أبا بكر لم يكره القوى التي رفضت مبايعته كسعد بن عبادة وبني هاشم، على البيعة.
على أن التطبيق الواضح لمبدأ حرية اتخاذ الموقف السياسي برز في عهد علي بشكل واضح، إذ حرَّم الخليفة على نفسه التعرض للجماعات السياسية ما لم تبدأه بقتال، فبمناسبة بيعته، لم يعمد علي عليه السلام إلى إكراه أحد على مبايعته، وهكذا فقد رفض سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة الأنصاري، فتركهم الإمام بعد أن أكّدوا له أنهم لن يحدثوا أي حدث.
وفي حروبه لم يلزم علي أحداً بالانضمام إلى جيشه، لا يوم الجمل ولا في معركة صفين ولا في النهروان.
وكذلك هو لم يقاتل الجماعات التي انفصلت عن جيشه إلا بعد أن بدأته القتال. وهكذا فهو قد ترك الخوارج ولم يستخدم معهم إلا الحوار، على الرغم من تركهم الصلاة وراءه وتكفيرهم إياه. فكان المبدأ الذي سار عليه تجاههم «لا تمنعهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا ولا نحول بينهم وبين دخول مساجد الله ولا نهيجهم بحرب ما لم يسفكوا دماً وما لم ينالوا محرماً»([303]).
وهو لم يقاتلهم إلا بعد مباشرتهم قتل الناس وأعمال الفساد في الأرض على أثر مقتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: أقام الإسلام نظاماً للضمان الاجتماعي أرسيت أسسه أيام الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بأجلى صورة فيما بعد.
وهذا النظام يجد أصوله في كتاب الله، حيث تتعدد الآيات التي تتناوله، كتلك التي تتحدث عن الزكاة [سورة التوبة، آية: 60] أو التي تتحدث عن الخمس [سورة الأنفال، آية: 41] وغيرهما. وقد أقام الرسول نظام الضمان اعتماداً على الموارد المحدودة، أولاً، وعلى التطوع أيضاً، حيث تبرّع الأنصار بشطر أموالهم للمهاجرين، إلا أنه تحول بفضل موارد الدولة إلى ضمان كافٍ فيما بعد.
وفي المرحلة اللاحقة، وبعد اتساع رقعة الدولة قام نظام الضمان في جميع أرجائها، وكان المسؤولون يبحثون أحياناً عن الفقراء لمساعدتهم. فهذا عمر يتعسس حتى إذا وجد محتاجاً أعانه من مال الصدقات، فقد عثر ذات يوم على أسرة مكونة من امرأة وأطفال جياع تعللهم الأم بقدر على النار في ماء فقط. فذهب عمر إلى مخازن الصدقات وحمل لهم على ظهره كيساً من الطحين وشيئاً من السمن ولم يتركهم حتى أكلوا وناموا([304]).
على أن النظرة الاجتماعية الإسلامية نالت تقنينها الأوضح عند علي بن أبي طالب عليه السلام نظراً لشمول نظرته ونفاذ فكره.
لقد قامت فلسفة الإمام علي الاجتماعية على الإيمان بأن الحقوق المفروضة في أموال الأغنياء لصالح الفقراء كافية في النهاية لرفع الحاجة في المجتمع، فهو يقول: «إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير بما متّع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك»([305]).
على أن حق الفقير لا يقتصر على إقامة أوده فقط، بل هو يبلغ في حال الرخاء الاقتصادي حد الإغناء، وكان هذا الأمر قائماً في أيام علي الذي كان يوصي عماله بالقول: «فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فأقسمه فيمن قبلك حتى تغنيهم وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا والسلام»([306]).
هذه النظرية ليست نظرية الاشتراكية الماركسية لأنها تترك الحرية للفرد ضمن الشرائع ثم تأخذ منه الضريبة، كما أنها تتجاوز ما يحصل اليوم في البلدان التي تعتمد نظام التدخلية (Interventionnisme) التي تلبي الحاجات الضرورية لبعض الفئات الدنيا، كتأمين الطبابة وتغطية القسم الأكبر من تكاليفها للعاملين والموظفين، وبتوفير مدخول متواضع جداً لمن يفقدون عملهم، إضافة إلى بعض المساعدات البسيطة للفقراء، ممن يتقدمون لطلبها.
وما يميز الموقف الإسلامي، كما مارسه الإمام علي عليه السلام عن التدخلية الحديثة، هو أن جميع الناس يجب أن يوفر لهم ما يسد حاجاتهم الضرورية وحتى غير الضرورية إذا ما كانت الموارد كافية، على أن لا تقدم الضمانات للمطالبين بها فقط، بل وأيضاً إلى أولئك الذين لا يمدون أيديهم ويقنعون بأقل الأشياء، حتى يعاملوا على قدم المساواة مع سائر الفقراء، وحتى يتمكن الولي من ذلك، فعليه أن يكلف من يثق بهم للبحث عن هؤلاء الناس ورفع حوائجهم، وكذلك حوائج الأيتام والعجزة.
يقول الإمام علي بهذا الخصوص مخاطباً عامله المعين على مصر مالكاً الأشتر: «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه ولا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييع التافه لإحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك عنهم ولا تصغر خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقحمه العيون وتحقره الرجال. ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم. ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه»([307]).
هذا ويخص الإسلام المدينين الذين لم يبذّروا والمسافرين الذي تتقطع بهم السبل إلى جانب فئات الفقراء، بالمساعدة (الآية 60 من سورة التوبة والآية 41 من سورة الأنفال).
الحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم في الظروف الاستثنائية: لم يسمح الإسلام بالتعدي على الحقوق والحريات حتى في الحالات الاستثنائية، ذلك أن التشريعات التي ناقشناها فيما سبق طبّقت في جميع الحالات. فعهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المدينة عهد حروب، وكذلك عهد أبي بكر وعهد عمر. وإذا كانت هذه الحروب بعيدة أحياناً عن عاصمة الخلافة وحتى عن جزيرة العرب كما في عهد عمر، فإنها في عهد علي عليه السلام كانت حروباً داخلية، سواء معركة الجمل أم حرب صفين أم معركة النهروان.
وقد أوضح علي نظام الحريات والحقوق كما رأينا، ولكن ليس في السلم بطبيعة الحال فقط، بل هو اعتبر أحكام الإسلام في مجال الحقوق والحريات واحدة، ومن هنا كان عدم تضييقه على الخوارج على الرغم من تجهيزه للمسير إلى الشام، وهو لم يعامل معاوية بالمثل في مسألة الماء، فبعد أن كان جيش الشام قد منع جيش الإمام علي من الشرب عندما استولى على شريعة النهر، فإن علياً الذي أمر قادته بانتزاع شريعة الماء، أبلغ معاوية أن لجيشه الحق بورود الماء كما لجيش الإمام نفسه.
وهذه مسائل لا تستطيع حكومات اليوم تبنيها، بل هي تتعمد في حالة الحرب أو في حالة الكوارث إلى إعلان حالة الطوارئ وحالة الحصار، التي تسمح بمصادرة الأموال والأشخاص وتقييد الحريات وتحديد إقامة فئات من الناس. كل هذا لم يمارسه الإمام علي على أساس أن الله لم يسمح به.
انهيار النظام الإسلامي:
هذا النظام المتطور الذي لم تصل إليه الإنسانية اليوم، لم يعمّر طويلاً بل هو انهار ليقوم بدلاً منه نظام استبدادي، على غرار ما سمي «نظام الاستبداد الشرقي» استمر لقرون طويلة، فضرب بمكاسب الإسلام كلها عرض الحائط. فكيف انهار هذا النظام؟
لقد انهار النظام الإسلامي كله بوصول معاوية بن أبي سفيان إلى الحكم، حيث ارتد في موضوع تعيين الحاكم وفي صلاحياته وفي موضوع حقوق الإنسان وحرياته، فكيف مارس معاوية مهماته؟
الحق في السلطة: لقد كان المعين لمعاوية في وصوله إلى السلطة «قميص عثمان»؛ إذ أن العامل الأموي على الشام ترك عثمان يحاصر ويقتل رغم استنجاده به.
وبعد أن قتل تصدى للمطالبة بثأره، مقاتلاً الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب عليه السلام حتى إذا اغتيل علي توصل معاوية إلى ممارسة الحكم على المسلمين.
إذاً أقام معاوية سلطة على الأساس القبلي الذي أتى الإسلام لينسفه، معتمداً الاتهامات غير الصحيحة ومتوسلاً بالخداع وحجب المعلومات الحقيقية، حتى إذا وصل إلى ما يريد، كشف عن أغراضه بكل وضوح فكانت مبادئ حكمه هي التالية:
مهمة الحاكم: بعد أن كانت مهمة الخليفة، تعليم الرعية ووعظهم والنصح لهم إضافة إلى إشاعة العدل وتوفير الفيء وإقرار النظام، كما رأينا، تحولت في زمن معاوية إلى تأمّر وتسلّط مبني على الاستخفاف بالعهود التي قدسها الإسلام. فقد أعلن عندما وصل الكوفة أنه لن يلتزم بأي اتفاق وأنه لا يريد إلاّ التحكم وذلك في خطابه الذي جاء فيه: «يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وأليَ رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين»([308])!
أما خطابه لأهل المدينة، من أبناء المهاجرين والأنصار، فلم يكن أفضل، إذ يعلن أنه حكمهم بالقوة ويرفض السير على نهج أبي بكر وعمر فهو يقول: «أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي، ولكني جالدتكم عليها بسيفي هذا مجالدة … وقد رُضْتُ لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفاراً شديداً»([309]).
أما التعليم والتأديب والنصيحة التي التزم بها الخلفاء الأول، فقد تحولت في أيام معاوية إلى رشوة وتجهيل وإخافة، واستمرت في عهد خلفائه حتى «أن الشيوخ من أهل الشام (كانوا) يقسمون لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة»([310]).
هذا وكان معاوية أعلن بنفسه جهل أهل الشام بمن بنوا الإسلام يوم قال مخاطباً عمار بن ياسر: «إن بالشام مائة ألف فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم لا يعرفون علياً ولا قرابته ولا عماراً ولا سابقته ولا الزبير ولا صحابته ولا طلحة ولا هجرته ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ولا يتقون سعداً ولا دعوته»([311]).
حق الإنسان بالحياة: كان معاوية يستخف بهذا الحق استخفافاً ملفتاً، إذ فكّر بإبادة جزء من الموالي، وذلك لا لذنب سوى أنهم موالٍ، وقد ينتفضون على العرب وعلى الحكم يوماً ما. فهو يقول للأحنف بن قيس: «إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت … وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رأيت أن أقتل شطراً وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق …» ([312]).
وقد سار خلفاؤه على تزكية الحساسيات بين الموالي والعرب، فكان الحجاج يخاطب الموالي بالعلوج والأعاجم ويبقي الجزية على مسلميهم حفاظاً على مداخليه. وقد كتب إلى عماله: أن الخراج قد كسر وأن أهل الذمة قد دخلوا الإسلام ولحقوا بالأمصار فأمر بإرجاعهم وإبقاء الجزية والخراج عليهم. كما أن معاوية أمر بسم الحسن بن علي عليه السلام وقتل حجر بن عدي وأصحابه كما قتل عمرو بن الحمق الخزاعي، لا لسبب إلا لأنه كان يخاف قطع الأول الطريق على ورثائه من بعده، ولكي يسكت أي صوت يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. فقد كان السبب في قتل حجر بن عدي وصحبه أنهم استنكروا عدم إحقاق الحق على يدي عامله زياد في العراق، بعدم القود من مسلم عربي قتل ذمياً وكانت النتيجة أن أمر معاوية بقتله مع عدد من الرجال ممن رأوا رأيه»([313]).
وقد أصبح القتل من أسهل الأمور عند الأمويين فيما بعد حتى وصل الحال بخالد بن عبد الله القسري عامل الأمويين على العراق أن يذبح الجعد بن درهم في أسفل المنبر يوم عيد الأضحى معلناً أنه سيضحي به([314])، وذلك لأن الجعد يحمل رأياً لا يروق السلطة. إلى جانب إزهاق آلاف الأرواح بدون حق.
الحق بالملكية الخاصة: لم يصن معاوية هذا الحق، وكانت مسألة العطاء هي المسألة التي جرى خرق التعاليم الإسلامية بخصوصها، فلم يكتف معاوية بالرشاوي، بل عمد إلى المعاقبة بقطع العطاء عمن لا يؤيده حتى ولو كان مستعداً للجهاد، الأمر الذي أخل بمبدأ المساواة إخلالاً فظيعاً.
فعلى صعيد الرشاوي كان معاوية يمنح المال إلى المقربين منه، ولعل مساوماته مع عمرو بن العاص حول إعطائه مصر طعمة له، ما يبرز طبيعة تلك الرشاوي وحجمها.
أما الحرمان من العطاء فقد طال مؤيدي علي عليه السلام إلا من بقي يراوده الأمل في إسكاته أو تقريبه، ولكن الفئة التي يكرهها الأمويون والتي منيت بالحرمان بشكل ملفت هي، الأنصار باستثناء عدة أشخاص منهم، كالنعمان بن بشير بن سعد الذي كان أبوه عيناً لقريش بين الأنصار يوم السقيفة. وهكذا فقد أتى وفد الأنصار يطالب بحقوقهم.
وقدّموا على رأسهم النعمان بن بشير نفسه ليشفع لهم، وهم يشكون الفقر والفاقة، وقالوا لمعاوية لقد صدق رسول الله في قولنا لنا: «ستلقون بعدي أثرة فقد لقيناها».
فقال معاوية: فماذا قال لكم؟
قالوا: قال لنا: فاصبروا حتى تردوا علي الحوض.
قال معاوية: «فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقونه غداً عند الحوض كما أخبركم».
وحرمهم ولم يعطهم شيئاً([315]).
على أن تصرّف معاوية هذا فتح الباب فيما بعد ليزيد ابنه ليفتك بهم ويستبيح المدينة تقتيلاً لرجالها واغتصاباً لعذاراها في وقعة الحرة الشهيرة([316]).
أما سلوك معاوية الشخصي فكان على طرف نقيض مع الخلفاء، فقد كان يلبس الحرير ويشرب في آنية من الذهب والفضة، وهذا ما كان يستنكره كبار المسلمين حتى قال له أبو الدرداء يوماً: «إني سمعت رسول الله يقول: إن الشارب فيهما لتجرجر في جوفه نار جهنم. فأجاب معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأساً»([317]).
ولعل هذا ما فتح الباب واسعاً لخلفاء بني أمية حتى يتنعموا بأموال المسلمين، حتى أن هشام بن عبد الملك كان «لا يحمل ملابسه إلا سبعمائة جمل من أجلد ما تكون من الإبل وأعظم ما يحمل عليه من الجمال»([318]).
شرعية الجرائم والعقوبات: لقد وجه معاوية ضربة قاصمة إلى التشريع الإسلامي عندما عبث بأحد المصدرين الرئيسين له حسب إجماع المسلمين، فقد أمر عماله بالبراءة ممن يروي الأحاديث في فضل علي، كما أمر بوضع الأحاديث لصالح «الصحابة» وبأن يوضح في مقابل كل حديث في علي عليه السلام حديث في أحد الصحابة.
فقد روى المدائني في كتاب «الأحداث» أن معاوية كتب نسخة موحدة إلى عماله بعد استيلائه على الحكم «أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل «أبي تراب» و«أهل بيته»، كما كتب نسخة أخرى: «أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان وأهل ولايته من الذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم»، ففعلوا ثم كتب معاوية إلى عماله «إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقرّ لعيني وأدحض لحجة أبي تراب … فرويت أخبار كثيرة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى وما يذكر في ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى تعلموه إلى جانب القرآن وحتى علموه نساءهم وحشمهم».
وكانت النتيجة أن «ظهر حديث كثير موضوع وبهتان فشا ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء المراؤون المستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فتقبلوها ورووها على أنها صحيحة»([319]).
وإذا علمنا أن القرآن حمّال وجوه، وأن السنة هي المفسّرة الدقيقة له في الكثير من الأحكام، أدركنا أي انقلاب على الإسلام قام به معاوية بحيث نسف أسسه من الأعماق. أما على صعيد تطبيق المبادئ الشرعية فقد عرف التاريخ لمعاوية استهتاراً وتعسفاً شديدين. فقد نال مؤيدي الشرعية الإسلامية في شخص الخليفة المبايع علي بن أبي طالب، من التعذيب ما لم يعرفه التاريخ العربي ولا غير العربي في المنطقة حتى تلك الفترة، فقد ولي زياد بن أبيه، بعد أن ألحقه معاوية بأبي سفيان، على العراقيين فأخذ يلاحق أنصار علي، «تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النحل وطردهم وشردهم»([320]) من دون أي مسوغ شرعي.
ثم عين الخلفاء الأمويون من البيت المرواني، الحجاج بن يوسف الذي طبّقت شهرته الآفاق في القتل والصلب والتقطيع والتخليد في السجون.
هذا وقد رأينا قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وأصحابه والتآمر على الحسن بن علي عليه السلام وسمه وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي واغتيال مالك الأشتر من دون أي مسوغ شرعي. هذا وقد سن معاوية «سنّة» لعن علي بن أبي طالب عليه السلام على المنابر، فاستمرت طوال حكم الأمويين. وعلي عليه السلام يعرف المسلمون ما ورد فيه من أحاديث عن لسان الرسول، منها أن علياً مع الحق وأن الحق مع علي وما ورد عن لسان أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنهم كانوا يعرفون المنافقين أيام رسول بموقفهم من علي وقول الرسول له: يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر … على أن جرائم معاوية لم تطل فقط من لم يكن مؤيداً له، فهو كان لا يقيم وزناً حتى لذمة رسول الله، فكان يأمر بالإغارة على أطراف العراق وعلى سواده بقصد القتل، حتى لو طال القتل النصارى وهذا ما أنّبه علي عليه السلام من أجله حين قال له: «ويحك وما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان»([321]).
هذا وكان معاوية يحاول أحياناً كثيرة إهانة كبار المسلمين وقتلهم، من دون مراعاة لكتاب أو سنة. ولكنه كان يتراجع عندما يجد عندهم الحزم ويخاف قبائلهم.
أما سائر خلفاء الأمويين فقد تخلّوا عن المرونة الظاهرية بعد أن استتب لهم الحكم. فهذا عبد الملك بن مروان يرفض أي نقد أو توجيه ويصرّح في خطبة له: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقالي هذا إلا ضربت عنقه».
ويسير عمال بني أمية على النهج الجديد، فالحجاج بن يوسف الذي مات عن خمسين ألف سجين عدا المصلوبين والمقطعين يقول: «والله لا آمر أحداً أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه»([322]).
هذا وقد أعلن عدد من الخلفاء اللاحقين من بني أمية تعاليهم على الناس وعدم قبولهم حتى بما كان يتقبله أسلافهم. فقد ودّع عبد الملك بن مروان القرآن عندما بويع له بالخلافة وقال: «هذا آخر عهدنا بك». وخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر قريش، إنكم لا تحبوننا أبداً وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبداً ونحن نذكر يوم مقتل عثمان»([323]).
ويضيف «ألا إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم … ألا إن الجامعة، (القيد الذي يجمع اليدين إلى العنق) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعلة إلا جعلتها في عنقه»([324]).
أما ابنه الوليد فكان فعلاً ابن السلالة الأموية. فها هو يخطب في رعيته بقوله: «إنكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون: يا معاوية ويا يزيد، وإني أعاهد الله! لا يكلمني أحد بمثل ذلك إلاّ أتلفت نفسه». وهو الذي كان يستفسر مستنكراً: «أيمكن للخليفة أن يحاسب؟». وقد أتى أخوه يزيد بأربعين شيخاً فشهدوا له: «ما على الخليفة من حساب ولا عذاب»([325]).
أما الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقد كان يرمي القرآن بالنبل ويقول:
«أتوعد كل جبار عنيد
فها أنذا جبار عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشر
فقل يا رب مزقني الوليد»
وقد عزم على أن يحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة. ولما قتل خاطبه أخوه سليمان قائلاً: «أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً ولقد راودني عن نفسي»([326]).
هذا وقد تمادى خلفاء بني أمية وعمالهم في تجاهل الشرع، فاسترقّوا المسلمين وأبقوا الجزية على بعضهم. فقد سبى زياد ذراري قريب وزحاف الخارجيَّين. ثم سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني وأم يزيد بن عمرو بن هبيرة واسترقّوا، كما سبي رجال من المسلمين واسترقّوا أيضاً كواصل بن عمرو القنا وسعيد الحروري([327]).
كما كانوا يبيعون الرجل في الدين كمعز أبي عمير بن معن الكاتب الذي اشتراه أبو سعيد بن زيد ابن عمرو العنكي. وباع الحجاج علي بن بشير الماحوز لأنه قتل رسول المهلب إلى رجل من الأزد. كل ذلك إلى جانب أخذ البيعة ليزيد من أهل المدينة بعد وقعة الحرة على أنهم عبيد أرقّاء ليزيد بن معاوية. هذا وكان الأمويون كما رأينا يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة ويقولون: هؤلاء فرّوا من الجزية([328]).
وأخيراً، فإن الأمويين بعد معاوية وبعد ما سنّه لهم من استباحة الشرائع، أرسوا تقليد نبش القبور والتمثيل بالجثث، كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين الذي نبشوا قبره وأخرجوا جثته ورموا برأسه في أرض الدار يوطأ بالأقدام وينقره الدجاج([329]).
وكل هذه عقوبات مخالفة للقرآن والسنة وخاصة لمبدأ «شرعية الجرائم والعقوبات».
الحريات العامة: لم يكن معاوية يقيم أي وزن للحريات العامة إلا إذا كانت مجرد كلام هو أمي عابر. وقد سأله أحد أقربائه عن ذلك، فقال له: «أنحول بين الناس وألسنتهم. فما داموا لا يهددون ملكنا فليقولوا ما يشاؤون»([330]).
على هذا النهج سار معاوية ضارباً بالحريات، خصوصاً في المجال السياسي، عرض الحائط. ففي مجال اختيار خليفته عبث معاوية بمسألة البيعة إلى الدرجة التي اختار فيها ابنه يزيد خليفة له وهو لم يكن من المسلمين إلاّ في بعض المظاهر. فكان سكّيراً قاتلاً يلاعب القرود، وقد مات فيما كان يجري سباقاً مع قرد فوقع عن ظهر الحصان وعلقت رجله بالركاب وجرّه الحصان حتى مات، وهو الذي قتل الحسين عليه السلام وأصحابه في سنته الأولى واحتلت قواته المدينة وأباح رجالها ونساءها لجيشه بعد وقعة الحرة في السنة الثانية ودك الكعبة في السنة الثالثة.
أما عن كيفية أخذ البيعة من المسلمين ليزيد، فكانت صفعةً للإسلام وخاصة في فكره السياسي، فقد أجلس معاوية ابنه يزيد لأخذ البيعة، فتولى الأمر بين من تكلموا يزيد بن المقنع فقال مشيراً إلى معاوية: «أمير المؤمنين هذا فإن هلك (وأشار إلى يزيد) فهذا، فمن أبى (وضرب يده على السيف) فهذا»([331]).
ثم أن معاوية، بعد أخذ البيعة لإبنه في الشام، توجه إلى المدينة، فجمع أبناء المهاجرين والأنصار، ودعا إلى البيعة من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفاً حواليه كبار المسلمين، موكلاً حرسه بهم مع أموامره بضرب عنق من يحاول الكلام منهم، فيما يشهد هو على ألسنتهم بأنهم بايعوا يزيد.
وقد ذهبت هذه العادة سُنّة في بني أمية، فقد أوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد بقوله: «وادع الناس إذ مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا (أي رفض) فقل بسيفك هكذا (أي اضرب عنقه)» ([332]).
كما أن سليمان بن عبد الملك دعا بقرطاس وكتب فيه العهد لخليفته وختمه وأرسل من ينادي في الناس قائلاً: «إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب». ولما شعر بأن بعضهم يتساءل، رجع إلى سليمان، فأمره بأن ينطلق إلى صاحب الشرطة، ثم يجمع الناس ويأمرهم بالبيعة فمن أبى ضرب عنقه([333]).
أما في الجوانب الأخرى من الحريات التي أرساها الإسلام، فلم يكن الشرع يعرف طريقه إلى التطبيق، بعدما شجع معاوية من أتى بعده على الاستبداد والتحكم الكيفي، فكان انتهاك حرمات المنازل وقتل الأطفال أمراً مألوفاً، فبسر بن أرطأة الذي كلفه معاوية بالترويع والقتل في الحجاز واليمن دخل بيتاً فيه طفلان لعبيد الله بن العباس فضربهما بالأرض فقتلا.
واستهل خلفاء معاوية أمر انتهاك الحرمات فدخلوا دور بني هاشم أيام يزيد وسائر بيوت المدينة عنوة، فقتلوا واغتصبوا النساء وسبوهن، وما سبي بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل الحسين عليه السلام إلا القمة التي وصل إليها هؤلاء القوم في انتهاك حرمة الإسلام وليس حرمة البيوت وحسب([334]).
المساواة: لم يكن معاوية مؤمناً بالمساواة وكان يدّعي للناس أن قريشاً كان يحوطهم الله على كفرهم فكيف وهم مسلمون، فلم يكن يعطي بالسوية بل كان يؤتي بعض الناس إما رشوة وإما بسبب القرابة، وقد تحول بنو أمية إلى أرستقراطية نتيجة لهذه المعاملة.
وكان التبرير الذي يستخدمه معاوية هو أن المال مال الله وهو وكيل الله، فباستطاعته توزيع المال كما يشاء، وقد أجابه أبو ذر الغفاري على هذا الادّعاء بأن المال مال المسلمين، ولهم حقوق معلومة فيه ومحددة، الأمر الذي دفع به إلى التخلص من أبي ذر، وكان ذلك في زمن عثمان. وقد رأينا سابقاً إغداق معاوية الأموال على الرواة الذين يروق له حديثهم، وحجبه عن الآخرين الذين لا يؤيدون اغتصابه للحكم.
ومن هنا فإن معاوية أخلّ بمبدأ المساواة في الإسلام عن طريق التمييز في العطاء، كما أخلّ به عند تمييزه بين قبيلة وقبيلة وبين العرب والموالي. وقد كان هذا إسفيناً دُقّ في نعش السياسة الاجتماعية التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء.
الغدر ونقض العهود: لم يكن معاوية يقيم وزناً للعهود حتى الموثقة منها بالأيمان المغلظة، رغم تشديد القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وقادة الإسلام على الوفاء بالعهد، فقد نقض معاوية ما تعهد به للحسن بن علي، كما رأينا ولمّا يجفَّ حبره، وكذلك هو تعهد لجعدة بنت الأشعث بن قيس، إن هي سمّت الإمام الحسن، بتزويجها من يزيد وحنث، كما حنث مع عبد الله بن سلام الذي دفعه إلى طلاق زوجته أرينب بنت إسحاق ليزوّجها إلى يزيد، واعداً زوجها بأن يزوجه ابنته، فلما طلق عبد الله بن سلام أرينب، لم يف له معاوية بما وعده، كما تراجعت ابنة معاوية عن وعدها له([335]).
معاوية والظروف الاستثنائية: إذا كان معاوية يضرب عرض الحائط بكل مكاسب الإنسان في ظل الإسلام في الظروف العادية، فهو في الظروف الاستثنائية لا بدّ أن يكون أشدّ تنكراً لها. ولعل المثال الذي بقي لنا للتدليل على مدى استباحة معاوية لحقوق البشر ومن ورائها مبادئ الإسلام بعد أوامره لقادته بالقتل والسبي والنهب دون تمييز بين إمرأة أو شيخ أو طفل أو مقاتل كما رأينا فهو، قطع الماء عن المسلمين العراقيين عندما استولى على شريعة الفرات في صفين، ولكن الإمام علي عليه السلام لقّنه الدرس الإسلامي الصحيح، بإباحته الماء لجيش الشام عندما استولى عليه.
الخلاصة:
لقد نسف معاوية النظام الإسلامي من أساسه، وكان هذا النظام قد وجد تعبيراته المتكاملة في عهود الخلفاء فكان عهد علي بن أبي طالب من أكثر العهود الإسلامية وضوحاً، نظراً لكثرة المشاكل التي اعترضته والحلول التي وضعها لها. ولما أتى معاوية على الأثر لم يكن جاهلاً بكيفية ممارسة هذا النظام وأسسه، بل هو تعمد ألاّ يسير بسيرة أسلافه، متجاهلاً أن النظام الذي وضعه الخلفاء هو، بحسب الإسلام نظام إلهي، يحدّد للحاكم كيفية الحكم مبيناً حقوقه وواجباته.
ولما كان معاوية قد رفض تطبيق هذا النظام ومارس صلاحيات لم يفوضها الله إلى الحاكم، فهو قد انتزعها انتزاعاً. ولما كانت السلطة لله، فإن من ينتزعها، يحاول مشاركة الله في صلاحياته وبالتالي يكون متألهاً دون أن يعلن ذلك، لأن المتألهين السابقين، من غير المؤمنين بالأديان السماوية، إنما كانوا يمارسون صلاحياتهم على أساس أنهم آلهة أو وكلاء الآلهة، وإذا كانت العبرة بالممارسة لا بالخطاب، فإن معاوية ليس مختلفاً عنهم، وفي هذا ارتداد عن النظام الإسلامي وعن كل ما أنجزت الأديان السماوية من إلغاء الشرك بالله وتحريمه.
وإذا كان بعض الفقهاء يظن أن من يقوم بالعبادات يكون مسلماً، حتى ولو كان يمارس نظاماً شركياً، فإن هؤلاء يكونون كمن يحاسب مرتكب الصغيرة الفرد ويكافئ مرتكب الجرائم بحق الشعوب والأمم على فظاعتها. فإن كان معاوية يصوم ويصلي ويحج في الوقت نفسه الذي ارتد على صعيد الحكم إلى الوثنية، فإنه لم يرتكب جريمة بحق الإسلام والإنسانية التي أراد الإسلام أن يقيم فيها النظام الأمثل في القرن السابع الميلادي فحسب، بل هو ارتكب كل الجرائم التي تعرض لها الإنسان المسلم أولاً، والإنسان عموماً ثانياً، منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، ذلك لأنه سنّ تلك السنّة التي أدّت إلى مصادرة الحقوق والحريات وإباحة الذبح والقتل والسجن التي ما زال المسلمون حتى اليوم يعانون منها، كما تعاني منها شعوب العالم الثالث، وحتى سائر الشعوب إلى الأمس القريب.
وبعد كل هذا، نجد من يلتمس الأعذار لمعاوية. فهذا ابن خلدون يرى أنه «لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية على مقتضى العصبية، كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد، كما قد يتوهمه متوهم وينزع إليه ملحد، وإنما اختلفوا باجتهادهم في الحق وسفّه كل واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه، فإن كان المصيب علياً فلم يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل وإنما بقصد الحق وأخطأ»([336]).
وهكذا وبكل بساطة ورغم كل المراوغات، ورغم تراجع معاوية بعد تحكمه عن كل ما كان يطرحه ورغم كل جرائمه.
إن المنظار الذي يجب أن ينظر إلى الأمور من خلاله هو منظار اليوم، فالحكم الإسلامي أيام الخلفاء الراشدين كان حكماً يتجاوز في إنجازاته للإنسان ما أنجز اليوم، والحكم الذي مارسه معاوية كان في أسسه، منطلق الحكم الديكتاتوري الفردي الذي لا يقيم وزناً للقيم والأخلاق والدين. وكان هذا نتيجة لعدم إيمانه الفعلي بالدين الإسلامي كما يقول علي بن أبي طالب عندما رأى رايات أهل الشام: «والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر، فلما وجدوا عليه أنصاراً، رجعوا إلى عداوتهم لنا إلا أنهم لم يتركوا الصلاة»([337]).
وقد حرّض الإمام جيشه لهذا السبب بقوله: «سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكاً ويتخذهم المؤمنون أرباباً ويتخذون عباد الله خولاً»([338]).
وبالفعل فإن معاوية لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إيماناً حقيقياً، وهذا ما يؤكده المطرف بن المغيرة بن شعبة في ذكره لحادثة وقعت بين أبيه ومعاوية حيث نصح المغيرة معاوية بأن يقرب بني هاشم بعد أن اغتصب الحكم منهم وأصبحوا ضعافاً فقال معاوية:
«هيهات هيهات، أي ذكر أرجو بقاؤه، ملك أخو تيم (أبو بكر) فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: «أبو بكر».
وملك أخو عدي (عمر) فاجتهد وشمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، أو يقول قائل: «عمر».
وأن ابن أبي كبشة ي ى نزتلزتلخه (رسول الله صلى الله عليه وسلم) يصاح به كل يوم خمس مرات: «أشهد أن محمداً رسول الله». «فأي عمل يبقى وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك»([339]).
وهكذا فإن نظام الحكم الإسلامي قد انهار نهائياً على يدي معاوية، ولم تقم له قائمة منذ ذلك الحين حتى اليوم، وقد عاد نظام «الاستبداد الشرقي» ليكون هو النظام السائد في بلاد الإسلام بعد أن كان الإسلام، ومن قبله سائر الأديان السماوية الثورة الشاملة ضد هذا النظام.
د. محمد طي
مجمع البحرين
مؤلفه الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، النجفي، ولد في النجف الأشرف سنة 979 هجرية، عالم وفقيه ومحدث ولغوي، نشأ في أسرة عريقة بعلومها الدينية واللغوية والأدبية. توفي سنة 1085 هجرية/ 1674م.
هدف الكتاب: رفع الستار عن غريب الأحاديث، ورفع الغبار عن غير الجلي منها، ثم شفع المؤلف ذلك بالغرائب القرآنية، والعجائب البرهانية، ليتم الغرض من مجموعي الكتاب والسنة لمن رام الانتفاع بهما، ويتحصل المطلوب فيه من كل منهما.
نوعه: معجم في غريب القرآن الكريم والحديث الشريف.
مصادره: ذكر الملف في مقدمته العديد من الكتب اللغوية التي اعتمد عليها، «كصحاح الجوهري، والغريبين للهروي، والدر النثير، ونهاية ابن الأثير، وشمس العلوم لنشوان الحميري، والقاموس، ومجمع البحار المأنوس، وفائق اللغة، وأساسها، والمجمل من أجناسها، والمغرب الغريب، وشرح النهج العجيب، ونحوها من الكتب المرضية، والشروح المطّلعة على النكت الخفية».
منهجه: اختار المؤلف لترتيب مواده ترتيب كتاب الصحاح، أي اعتماد الحرف الأخير من الكلمة المجردة، باعتباره باباً، والحرف الأول باعتباره فصلاً، ويذكر المؤلف أنه جعل «بابي الهمزة باباً واحداً ليكون التناول أسهل والانتشار أقل».
ميزاته: يجمع هذا المعجم إلى جانب موضوعه الأساسي: تفسير لغات غريب الكتاب والسنة، اهتمامه الواسع بالشرح اللغوي للمفردات، وبسط الدلالة المجازية والشرعية وتفسيرهما بما يتلاءم والمذهب الشيعي.
أهمية الكتاب
قال صاحب رياض العلماء:
«ثم إن كتاب مجمع البحرين من أحسن الكتب، ولقد أبدع في ذلك حيث جمع فيه بين تفسير لغات غريب القرآن، ولغات الحديث الخاصة، كما أن العامة قد ألّفوا كثيراً في لغة حديثهم ـ ولم يسبقه إلى تأليفه أحد من الإمامية».
وقال في موضع آخر:
«وهو كتاب جيد يغني عن الصحاح والقاموس فيما يتعلق بلغات الكتاب والسنة، وقد بلغ في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار».
محافل المؤمنين
كتاب باللغة الفارسية تأليف السيد محمد شفيع ابن السيد بهاء الدين الحسيني الكركي العاملي القزويني المتوفى حدود سنة 1200هـ من كبار متكلمي الشيعة. كان شيخ الإسلام في قزوين. ألفه ذيلاً ومستدركاً على مجالس المؤمنين الفارسي أيضاً للقاضي نور الله التستري الشهيد في سنة 1019هـ وقد ذكر في مقدمته سبب التأليف ثم شرع بتدوين تاريخ الصفوية والقطبشاهية والعادل شاهية في الهند وبعض السلاطين التيموريين كذلك في الهند. وتراجم بعض علماء العصر الصفوي. وقد أخذ عنه الخوانساري في كتابه روضات الجنات تاريخ وفاة الشيخ لطف الله الميسي العاملي([340]).
كما أخذ عنه في بعض حواشي [أمل الآمل] في ترجمة الأغارضي القزويني الذي توفي 1096هـ. وكذلك بعض المجامع الذي نقل عنه ترجمة الشيخ علي العرب، وصرح هناك باسم المصنف ونسبه ووصفه بالعاملي ولكن الفاضل الميرزا محمد تقي الرضوي المدرس ذكر في مقدمة طبع [مجمل التواريخ] عند ذكر تأليف هذا المؤلف … أنه السيد محمد شفيع الحسيني القزويني … والمظنون أنه عاملي الأصل قزويني الموطن …
وأجاب عن ذلك شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك قائلاً: «ومن هؤلاء السادة في قزوين السيد جمال الدين العاملي القزويني المعاصر الذي توفي حدود سنة 1330 والمترجم في [النقباء] ص 314 …» ([341]).
يقول عبد الحسين الصالحي: أخطأ شيخنا الأستاذ الشيخ آغا برزك الطهراني وخلط بين أسرتين عامليتين قزوينيتين، هما أسرة المؤلف الحسينية وهم سادات حسينيون من ذرية محمد الديباج ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وهم شيوخ الإسلام في قزوين، هاجر جدهم السيد أبو تراب علي ابن السيد حسين الحسيني العاملي الكركي من جبل عامل إلى قزوين في عصر الشاه طهماسب الصفوي (المتوفى 984هـ) وولد نجله السيد حسين المتوفى سنة 1001هـ في قزوين وهو سبط المحقق الكركي الشيخ نور الدين علي (875 ـ 940هـ) وهو أول من عين شيخ الإسلام في قزوين العاصمة الصفوية آنذاك.
والأسرة الثانية العاملية القزوينية وهم من سلالة الإمام الرضا عليه السلام وأول من هاجر منهم من جبل عامل إلى قزوين هو السيد جعفر الرضوي العاملي في عصر نادر شاه (جلوس 1148 ـ المتوفى 1160هـ) ولقبه الشاه بصدر الصدور. ومنهم السيد جمال الدين العاملي القزويني. ومؤلف كتاب محافل المؤمنين هو من أسرة شيخ الإسلام العاملية القزوينية وهذا الكتاب من أهم وأجلّ ما كتب في مستدركات مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الذي هو من أهم المصادر في التاريخ الشيعي.
ومنه نسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور الذي فرغ من تأليفه في سنة 1190هـ ونسخة ثانية بخط نجل المؤلف السيد المير فضل الله شيخ الإسلام القزويني عند ناظم الشهابي من خدمة الروضة الرضوية في خراسان ونسخة ثالثة مسجلة تحت رقم 6578 في المكتبة المركزية للروضة الرضوية.
عبد الحسين الصالحي
محبوب القلوب (كتاب)
تأليف قطب الدين الأشكوري الديلمي اللاهيجي، تصحيح وتقديم: الدكتور إبراهيم الديباجي والدكتور حامد صدقي.
يُعدّ قطب الدين الأشكوري من كبار علماء الفقه والكلام والفلسفة والتفسير أيام الحكم الصفوي و«محبوب القلوب» من أهم مؤلفاته وهو موسوعة في التاريخ والفلسفة والكلام ويتضمن ثلاث مقالات:
ـ الأول: تناول ترجمة حياة الحكماء من أقدم الأزمنة حتى فجر الإسلام. الثاني: ترجمة حياة الفلاسفة في العصر الإسلامي منذ صدر الإسلام وحتى القرن الحادي عشر وكبار رجال التصوّف والعرفان وأحاديثهم. والمقال الثالث، دراسة تاريخ أئمة الشيعة وسيرتهم وحكمهم وأحاديثهم.
المحكم والمتشابه
رسالة صغيرة طبعت على الحجر في إيران ضمن جملة رسائل في (128) صحيفة بقطع الربع ـ ينسبها المفهرسون إلى «الشريف المرتضى»، ولكن في الصحيفة الأولى نص صريح على أنها منقولة جميعاً من تفسير «محمد بن إبراهيم بن حفص النعماني» السابق لعصر «المرتضى». وعليه فلا أفهم نسبتها للمرتضى إلا أن يكون ناسخاً لها. وبعد المقدمة تقرأ ما يدل على أنها من التفسير المأثور عن الامام «جعفر الصادق عليه السلام» فهي إلى أن تنسب إلى الإمام الصادق عليه السلام أولى من نسبتها إلى كل من «المرتضى» و«النعماني».
موضوعها: الحديث عن الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وما لفظه عام ومعناه خاص، وعن التحريف في القراءة، والفرق بين الرخصة والعزيمة، إلى غير ذلك.
هذا ولم ترد الرسالة ضمن فهرست كتب السيد، الذي رواه «البصروي»، كما أنها خالية من الإحالة على بعض مؤلفاته على غير جاري عادته، ولكن ذكرها صاحب البحار و«الشيخ الشهيد» في حواشي الخلاصة.
تجد في الرسالة نواة الدراسة الذاهبة إلى أن المفردة في القرآن تؤلف ونظيرتها معنى مستقلاً حين يَرِدان على هيئة مخصوصة يختلف عنها نفسها حين ترد بهيئة أُخرى في آيات أُخريات، منظراً لذلك بالكلمات: ضل، أهدى، الخير، الشر.
المحمدون الثلاثة
الأوائل
1 ـ الكليني (329هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الرازي؛ البغدادي؛ المعروف بالسلسلي؛ نسبة إلى درب السلسلة بباب الكوفة، في بغداد.
من بيت معرق الأصل في الحديث والرواية والفقه وعلوم الدين.
كان ثقة جليل القدر، عارفاً بالأخبار، من أئمة العلماء والفقهاء، والمصنِّفين. وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. حدّث في العراق والشام، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء في أيام الخليفة المقتدر. وكان شيخ الأصحاب ووجههم في وقته. وقد عُدّ من المجدّدين في رأس المائة الثالثة.
تُوفي ببغداد، في شعبان سنة 329هـ. وهي «سنة تناثر النجوم».
صنَّفَ عدَّة كتب منها:
1 ـ كتاب تفسير الرؤيا.
2 ـ كتاب الرجال.
3 ـ كتاب الرد على القرامطة.
4 ـ كتاب الرسائل؛ رسائل الأئمة.
5 ـ كتاب الكافي.
6 ـ كتاب ما قيل في الأئمة من الشعر.
2 ـ الصدوق (381هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن موسى؛ ابن بابويه، الصدوق، الفقيه؛ رئيس المحدّثين، نزيل الريّ وبغداد والكوفة. من بيت معرق في العلم والحديث والفقه والتأليف والتصنيف.
ولد في سنة 306هـ (ظ)، وتُوفي سنة 381هـ.
كان حافظاً للأحاديث، بصيراً بالفقه، ناقداً للأخبار والرجال. لم ير مثله في الحفظ وكثرة العلم، يتعجب الناس من حفظه.
صنَّف (300) مجلد في الأصول والفروع وفنون الحديث والعلم. ورحل إلى مشهد، ونيسابور، ومرو الروز، وهمذان، والكوفة، وبغداد، وما وراء النهر، وبلخ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وحجّ ومرّ بفَيْد([342]) بعد منصرفه من مكة. وكانت أسفاره في سنة 352 و354 و355 و367 و368هـ، وروى عن حملة العلم، وهم مئات حفظت أسانيد كتبه أسماء (252) رجلاً منهم. وسمع منه مشاهير الشيوخ، وهو حدَث السن.
ألَّف الصدوق في الحديث والفقه والرجال والكلام والاعتقادات والعقائد والتفسير والناسخ والمنسوخ والفضائل والزهد والعلل والمسائل والمواعظ والوصايا والنوادر والأخبار والتأريخ. وله أمالي ومجالس وجوامع وجوابات مسائل وردت عليه من واسط وقزوين والبصرة والكوفة ومصر ونيسابور والمدائن.
وقد اهتمَّ الصدوق بتصنيف الأخبار؛ فصنَّف (كتاب التوحيد) في التوحيد ونفي التشبيه والجبر والتفويض، وأن التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وهو في (67) باباً فيها (583) حديثاً؛ فصلت معنى الواحد والتوحيد والموحّد، وتفسير قل هو الله أحد، ومعنى التوحيد، والعدل، وأنَّه ـ عزّ وجل ـ ليس بجسم ولا صورة. وأنه تعالى ـ لن يُنال، ولا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولا تدركه الأوهام، ولا تقدر قدرته، ولا يقدر العباد على صفته.
وفي الكتاب أبواب في التفسير، ومعاني الأخبار والأسماء والألفاظ والحروف.
وصنّف كتاب (معاني الأخبار) في معاني الحديث، ومعاريضه، وتفسير ألفاظه؛ فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية. وهو كتاب لغة وحديث. يحتوي على (413) باباً فيها (821) حديثاً.
وصنَّف (الخصال)، ويشتمل على (26) باباً في الأعداد، والخصال المحمودة والمذمومة. وفيه (432) خبراً.
وصنّف (الأمالي) في الحديث. وفيه (97) مجلساً.
وصنَّف (علل الشرائع) في العلل التي من أجلها سمِّيت الأشياء كذا، وقيل للشيء كذا، ومن أجلها صار كذا، وخلق كذا، وجعل كذا، وقال كذا، وفعل كذا، وكان كذا، ونهي عن كذا، ووجب كذا، وسن كذا، ولا ينبغي كذا، ويجوز ولا يجوز، وأُحل كذا وحرم كذا، وهكذا سائر علل الأسماء والأشياء والأفعال والسنن والواجبات والتروك والفرائض والمستحبات والرخص. ويشتمل على (647) باباً.
وصنَّف (عيون أخبار الرضا)، وجعله (69) باباً؛ فيها مجالس الرضا (عليه السلام) عند المأمون مع أهل الأديان وأصحاب المقالات؛ في التوحيد وعصمة الأنبياء. ومع سليمان المروزي متكلم خراسان. وما جاء عن الرضا من الأخبار في التوحيد والإيمان، والمعرفة، وصفة النبي، وما كتبه الرضا للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين وغيرها من الأخبار المجموعة والمتفرقة والنادرة في فنون شتى.
وألَّف كتاب (مَنْ لا يحضره الفقيه) في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام.
3 ـ الشيخ الطوسي (460هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي؛ نزيل بغداد، ثم النجف.
شيخ العلماء ووجههم ورئيسهم وعينهم. كان فقيهاً عالماً مفسراً مقرئاً متكلماً ثقةً صدوقاً، جليل القدر عظيم المنزلة، عارفاً بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام.
ولد سنة 385هـ. وهبط بغداد في سنة 408هـ. وسكن الكرخ وهاجر إلى النجف سنة 448هـ وأسَّس مدرسته فيها على التقوى والدين والعلم والخير. وكانت مدارس الغري عامرة في أواخر القرن الرابع.
وتُوفي في المحرم سنة 460هـ.
صنَّف أكثر من (200) مجلد في فنون العلوم.
وهذَّب العقائد في الأُصول والفروع.
ومن تصانيفه المتداولة المشهورة:
1 ـ اختيار الرجال.
2 ـ الاستبصار.
3 ـ الاقتصاد.
4 ـ الأمالي؛ المجالس في «الحديث».
5 ـ الإيجاز.
6 ـ البيان في التفسير.
7 ـ تلخيص الشافي في الكلام.
8 ـ الجمل والعقود في الفقه.
9 ـ الخلاف.
10 ـ العُدَّة.
11 ـ الفهرست.
12 ـ المبسوط.
13 ـ مسائل.
14 ـ مصباح المتهجد.
15 ـ النهاية.
يشتمل (الاقتصاد) على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته ويلزم العمل به والمصير إليه مما لا يخلو منه مكلف في حال من الأحوال. وقد رتَّبه على فصول في معرفة الله، وإثبات صانع العالم، وبيان صفاته، وأنه واحد. وفي العدل والاستطاعة، والتكليف واللطف، والمعرفة والعلم، والآجال والأرزاق، والوعد والوعيد، والنبوة والمعجز، والعصمة والإمامة والعبادات.
أمَّا (الفهرست) فيشتمل على ذكر المصنَّفات والأصول. وقد رتَّبه على المصنِّفين، على حرف المعجم؛ مشيراً إلى ما قيل فيهم من التعديل والتجريح، وأسانيده إلى كتبهم، ومَنْ أخبره بها.
وأمَّا (الرجال) فيشتمل على أسماء الرجال والنساء الذين رووا عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعن الأئمة من بعده. ثم يذكر بعد ذلك مَنْ تأخَّر زمانه عنهم من رواة الحديث، أو مَنْ عاصرهم، ولم يروِ عنهم، ورتَّبه على حروف المعجم.
وأمَّا (المبسوط) فيشتمل على جميع كتب الفقه التي فصَّلها الفقهاء. يذكر كلَّ كتاب على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، ويقتصر على مجرد الفقه، دون الأدعية والآداب. وقد قسَّم فيه المسائل، وجمع بين النظائر واستوفاه غاية الاستيفاء، وذكر أكثر الفروع، وقال ما عنده على ما يقتضيه المذهب، وتوجبه الأصول. وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً قنع فيه بمجرد الفتيا. وإن كان غريباً أو مشكلاً أومأ إلى تعليله، ووجه دليله. وإذا كان مما فيه أقوال ذكرَها، وبيَّن عللها، والصحيح، والأقوى منها.
وأمَّا (النهاية) فقد ذكر فيه جميع ما رواه الأصحاب في مصنَّفاتهم، وأصَّلوهُ من المسائل، ورتَّبه ترتيب الفقه، ولم يتعرض للتفريغ. ويشتمل على كتب الفقه؛ الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وسيرة الإمام، والديون والكفالات والحوالات والوكالات، والشهادات والقضايا والأحكام، والمكاسب والمتاجر، والنكاح والطلاق، والعتق والتدبير والمكاتبة، والإيمان والنذور والكفارات، والصيد والذبائح والأطعمة والأشربة، والوقوف والصدقات، والوصايا والمواريث، والحدود والديات.
وسلك في (جمل العقود) في العبادات طريق الإيجاز والاختصار.
د. حسين علي محفوظ
المحمدون الثلاثة
الأواخر
1 ـ الفيض (1019هـ)
هو محمد محسن بن المرتضى بن محمد، المشتهر بالفيض.
توفي سنة 1091هـ عن 84 سنة.
له تصانيف ومؤلفات تقرب من (200) كتاب ورسالة؛ منها:
1 ـ الصافي في تفسير القرآن الكريم، ألَّفه سنة 1075هـ. 2 ـ الأصفى؛ منتخب من الصافي. 3 ـ الوافي، ألَّفه سنة 1068هـ. 4 ـ الشافي؛ منتخب من الوافي، ألَّفه سنة 1082هـ. 5 ـ النوادر. 6 ـ المعتصم في أحكام الشريعة، ألَّفه سنة 1042هـ. 7 ـ النخبة؛ خلاصة الفقه، في سنة 1075هـ. 8 ـ التطهير؛ نخبة النخبة. 9 ـ علم اليقين في أُصول الدين، في سنة 1042هـ. 10 ـ المعارف؛ ملخص علم اليقين، في سنة 1036هـ. 11 ـ أُصول المعارف؛ ملخص مهمات عين اليقين، صُنِّفَ في سنة 1089هـ. 12 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، «إحياء علوم الدين»، ألَّفه سنة 1046هـ. 13 ـ الحقائق في أسرار الدين؛ ملخص المحجة البيضاء. في سنة 1090هـ. 14 ـ قرة العيون، في سنة 1038هـ. 15 ـ الكلمات المكنونة في بيان التوحيد، صنَّفه في سنة 1090هـ. 16 ـ جلاء العيون؛ في أذكار القلب. 17 ـ تشريح العالم. 18 ـ أنوار الحكمة؛ مختصر كتاب علم اليقين، في سنة 1043هـ. 19 ـ اللباب؛ في الإشارة إلى كيفية علم الله ـ سبحانه ـ بالأشياء. 20 ـ اللب؛ في معنى حدوث العالم، في سنة 1073هـ. 21 ـ ميزان القيامة، في سنة 1044هـ. 22 ـ مرآة الآخرة، صُنِّف في سنة 1044هـ. 23 ـ ضياء القلب، في سنة 10576هـ. 24 ـ تنوير المذاهب؛ تعليقات على المواهب للكاشفي في التفسير. 25 ـ شرح الصحيفة، في الأدعية. 26 ـ سفينة النجاة؛ في أن مأخذ الأحكام الشرعية ليس إلاَّ محكمات الكتاب والسنة. صُنِّف في سنة 1058هـ. 27 ـ الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين. صُنِّف في سنة 1068هـ. 28 ـ الأُصول الأصلية، في سنة 1044هـ. 29 ـ تسهيل السبيل في الحجة في انتخاب كشف المحجة، في سنة 1040هـ. 30 ـ نقد الأُصول الفقهية؛ خلاصة علم أُصول الفقه. 31 ـ أُصول العقائد، في سنة 1036هـ. 32 ـ منهاج النجاة، صُنِّف في سنة 1042هـ. 33 ـ خلاصة الأذكار، صُنِّف في سنة 1033هـ. 34 ـ ذريعة الضراعة في أدعية المناجاة، صُنِّف في سنة + 1055هـ. 35 ـ مختصر الأوراد. صنَّفه في سنة 1067هـ. 36 ـ أهم ما يعمل. 37 ـ الخطب؛ نيف ومائة خطبة، لجمعات السنة والعيدين. جمعه في سنة 1067هـ. 38 ـ الشهاب الثاقب في تحقيق عينية وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة، صُنِّف في سنة 1057هـ. 39 ـ أبواب الجنان في بيان وجوب صلاة الجمعة وشرائطها وآدابها وأحكامها، في سنة 1055هـ. 40 ـ ترجمة الصلاة، صُنِّف في سنة 1043هـ. 41 ـ مفاتيح الخير؛ في فقه الصلاة. 42 ـ ترجمة الطهارة. 43 ـ أذكار الصلاة. 44 ـ ترجمة الزكاة. 45 ـ ترجمة الصيام. 46 ـ ترجمة العقائد. 47 ـ السائح الغيبي في تحقيق معنى الإيمان والكفر ومراتبهما. 48 ـ رسالة في طريق الصواب، صُنِّف في سنة (+ 1040هـ). 49 ـ شرائط الإيمان. 50 ـ ترجمة الشريعة. 51 ـ الأذكار المهمة؛ منتخب خلاصة الأذكار. 52 ـ الرفع والدفع. 53 ـ منتخب ضياء القلب، في سنة 1066هـ. 54 ـ وصف الخيل، صنف في سنة 1067هـ. 55 ـ زاد السالك. 56 ـ النخبة الصغرى. 57 ـ الضوابط الخمس. 58 ـ حرمان الأموات. 59 ـ رسالة في بيان أخذ الأجرة على العبادات. 60 ـ رسالة في تحقيق ثبوت الولاية على البكر في التزويج. 61 ـ غنية الأنام في معرفة الأيام والساعات. 62 ـ معيار الساعات. 63 ـ الأحجار الشداد والسيوف الحداد في إبطال الجواهر الأفراد. 64 ـ المحاكمة. 65 ـ رفع الفتنة؛ في بيان حقيقة العلم والعلماء. 66 ـ فهرست العلوم. 67 ـ رسالة في أجوبة مكتوبات وسؤالهنّ. 68 ـ شرح الصور؛ في مجمل سيرته، صُنِّف في سنة 1065هـ. 69 ـ أربعون حديثاً. 70 ـ الأمالي. 71 ـ رسالة الإنصاف. 72 ـ أُنموذج أشعار أهل العرفان. 73 ـ البشارة. 74 ـ كتاب التوحيد. 75 ـ ثناء المعصومين. 76 ـ الجبر والاختيار. 77 ـ الكلمات المخزونة؛ مختصر الكلمات المكنونة. 78 ـ حاشية الرواشح السماوية. 79 ـ حاشية الصحيفة. 80 ـ ديوان شعر. 81 ـ شوق العشق؛ منظومة. 82 ـ شوق الجمال؛ منظومة. 83 ـ شوق المهدي؛ منظومة. 84 ـ فهرست مصنفاته. 85 ـ مثنويات؛ تسنيم، وسلسبيل، وندبة العارف، وندبة المستغيث. 86 ـ مفاتيح الشرائع؛ في الفقه. 87 ـ عين اليقين.
2 ـ الحرّ العاملي (1104هـ)
هو، محمد بن الحسن بن علي؛ الحر|ّ العاملي، المشغري.
ولد في قرية مشغرى من ناحية البقاع، ليلة الجمعة 8 شهر رجب سنة 1033هـ، وتُوفي 21 شهر رمضان سنة 1104هـ.
قرأ في قرية جُبع، ثم سافر إلى العراق والمشرق، وحجّ مرات.
له كتب منها:
1 ـ الجواهر السنية في الأحاديث القدسية. 2 ـ الصحيفة الثانية من أدعية علي بن الحسين (عليه السلام). 3 ـ كتاب الوسائل إلى تحصيل مسائل الشريعة. 4 ـ هداية الأُمة إلى أحكام الأئمة؛ (منتخب من الوسائل).
5 ـ فهرست الوسائل. يشتمل على جميع ما روي من فتاوى الأئمة (عليهم السلام). وهو كتاب مَنْ لا يحضره الإمام.
6 ـ الفوائد الطوسية؛ يشتمل على (100) فائدة في مطالب متفرقة.
7 ـ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. يشتمل على أكثر من (20,000) حديث وقريب (70,000) سند. نقل فيه من (142) كتاباً من كتب الإمامية، ومن (24) كتاباً من كتب أهل السنة بغير واسطة ونقل بالواسطة من (223) كتاباً من كتب أهل السنة، و(50) كتاباً من كتب الإمامية. ومجموع مصادره (439) كتاباً.
8 ـ أمل الآمل في علماء جبل عامل. 9 ـ تذكرة المتبحرين في العلماء المتأخرين.
10 ـ الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة؛ في (12) باباً تشتمل على أكثر من (600) حديث، و(64) آية.
11 ـ رسالة في الرد على الصوفية. تشتمل على (12) باباً، و(12) فصلاً فيها نحو (1000) حديث.
12 ـ رسالة في خلق الكافر. 13 ـ كشف التعمية في حكم التسمية. 14 ـ رسالة الجمعة. 15 ـ نزهة الأسماع في حكم الإجماع. 16 ـ تواتر القرآن. 17 ـ رسالة الرجال. 18 ـ أحوال الصحابة. 19 ـ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان. 20 ـ بداية الهداية في الواجبات والمحرمات؛ فيها (1535) واجباً، و(1448) محرماً. 21 ـ الفصول المهمة في أصول الأئمة؛ أكثر من (1000) باب. 22 ـ العربية العلوية واللغة المروية. 23 ـ إجازات متعددة؛ مطولات ومختصرات. 24 ـ ديوان شعر، يقارب (20,000) بيت. 25 ـ منظومة في المواريث. 26 ـ منظومة في الزكاة. 27 ـ منظومة في الهندسة. 28 ـ منظومة في تاريخ النبي (صلى الله عليه وسلم)، والأئمة (عليهم السلام). 29 ـ شرح كتاب الوسائل، سمّاه «تحرير الوسائل». 30 ـ عشر رسائل طويلة. 31 ـ رسالة في أحواله. 32 ـ رسالة في الوصية لولده. 33 ـ الأخلاق. 34 ـ المزار. 35 ـ إبطال عموم مسألة المنزلة. 36 ـ الأبحاث في الميراث. 37 ـ منظومة في الأخلاق. 38 ـ منظومة في أصول الفقه. 39 ـ منظومة في علم الكلام. 40 ـ منظومة في النحو. 41 ـ تلخيص الشافية؛ منظومة. 42 ـ منظومة في الخط والكتابة. 43 ـ منظومة في الفقه. 44 ـ منظومة في صيغ العقود والإيقاعات. 45 ـ منظومة في الرضاع. 46 ـ ديوان زين العابدين علي بن الحسين السجاد (عليه السلام). 47 ـ مقتل الحسين. 48 ـ حاشية الكافي. 49 ـ حاشية مَنْ لا يحضره الفقيه. 50 ـ حاشية تهذيب الأحكام. 51 ـ حاشية الاستبصار. 52 ـ جدول كبير في المحرَّمات الرضاعية. 53 ـ جدول في مسائل الميراث. 54 ـ تفسر بعض الآيات. 55 ـ مناظرة. 56 ـ جواب الشيخ إبراهيم حسنا. 57 ـ تأويل حديث الترجيع.
يروي الحرّ العاملي عن أكثر معاصريه، ويروي عنه كثير، وبعضم يروون عنه، ويروي عنهم. وقد أحصى بعضهم (18) من أساتذته وشيوخه، و(27) من تلاميذه والرواة عنه.
3 ـ المجلسي (1110هـ)
هو، محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي المجلسي؛ سبط كمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي.
ولد سنة 1037هـ. وتُوفي ليلة 27 شهر رمضان سنة 1110هـ.
له مؤلفات وتصانيف كثيرة؛ منها:
1 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، في (26) مجلداً ضخماً كبيراً. وهو «البحار». 2 ـ مرآة العقول في شرح الكافي في (12) مجلداً. 3 ـ ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار. 4 ـ شرح الأربعين. 5 ـ الفوائد الطريفة في شرح الصحيفة. 6 ـ الوجيزة في الرجال. 7 ـ رسالة الاعتقادات. 8 ـ رسالة الأوزان. 9 ـ رسالة في الشكوك. 10 ـ المسائل الهندية. 11 ـ حواشي متفرقة على الكتب الأربعة «الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار»، وغيرها. 12 ـ رسالة في الأذان. 13 ـ رسالة في بعض الأدعية الساقطة عن الصحيفة الكاملة. 14 ـ عين الحياة. 15 ـ مشكاة الأنوار؛ مختصر عين الحياة. 16 ـ حق اليقين. 17 ـ حلية المتقين. 18 ـ حياة القلوب ـ (3 مجلدات). 19 ـ تحفة الزائر. 20 ـ جلاء العيون. 21 ـ مقباس المصابيح. 22 ـ ربيع الأسابيع. 23 ـ زاد المعاد. 24 ـ رسالة الديات. 25 ـ رسالة في الشكوك. 26 ـ رسالة في الأوقات. 27 ـ رسالة في الرجعة. 28 ـ ترجمة عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك. 29 ـ اختيارات الأيام. 30 ـ رسالة في الجنة والنار. 31 ـ مناسك الحج. 32 ـ رسالة أخرى في مناسك الحج. 33 ـ مفاتيح الغيب في الاستخارة. 34 ـ رسالة في مال الناصب. 35 ـ رسالة في الكفَّارات. 36 ـ رسالة في آداب الرمي. 37 ـ رسالة في آداب الصلاة. 38 ـ رسالة في الزكاة. 39 ـ رسالة في صلاة الليل. 40 ـ رسالة «السابقون السابقون». 41 ـ رسالة في الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية. 42 ـ رسالة مختصرة في التعقيب. 43 ـ رسالة في البداء. 44 ـ رسالة في الجبر والتفويض. 45 ـ رسالة في النكاح. 46 ـ ترجمة فرحة الغري. 47 ـ ترجمة توحيد المفضّل. 48 ـ ترجمة توحيد الرضا. 49 ـ ترجمة حديث رجال بن أبي الضحاك. 50 ترجمة الزيارة الجامعة. 51 ـ ترجمة دعاء كميل. 52 ـ ترجمة دعاء المباهلة. 53 ـ ترجمة دعاء السمات. 54 ـ ترجمة دعاء الجوشن الصغير. 55 ـ ترجمة حديث عبدالله بن جندب. 56 ـ ترجمة قصيدة دعبل. 57 ـ ترجمة حديث «ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع؛ المعرفة، والجهل، والرضا، والغضب، والنوم، واليقظة». 58 ـ إنشاءات. 59 ـ صواعق اليهود؛ في الجزية وأحكام الدية. 60 ـ مناجاة. 61 ـ مشكاة الأنوار في آداب قراءة القرآن وفضلها، وأداب الدعاء، وشروطه. 62 ـ أجوبة المسائل المتفرقة. 63 ـ رسالة في السهام. 64 ـ شرح دعاء الجوشن الكبير. 65 ـ رسالة في زيارة أهل القبور. 66 ـ رسالة في ترجمة الصلاة. 67 ـ وصية لأولاده وأقاربه وعشائره وأصدقائه وخلانه، وسائر المؤمنين.
وقد أحصيتُ من أساتذته ومشايخه (18) علماً، ومن تلاميذه والرواة عنه (46). وتكاد آثاره تبلغ السبعين غير الإجازات.
تذييل
النوري: صاحب مستدرك الوسائل (1320هـ)
هو، حسين بن محمد تقي النوري، الطبرسي، نزيل سامراء؛ خاتمة المُحدِّثين.
ولد سنة 1254هـ. وورد النجف، وتتلمذ على علماء العراق فيها، وفي الكاظمية، وسامراء. ورحل في طلاب العلم سنة 1273 و1278 و1280هـ، وحجَّ في سنة 1280 و1286هـ.
عُدَّةُ مؤلفاته فوق عشرين كتاباً؛ منها:
1 ـ نفس الرحمان. 2 ـ مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم؛ في سلسلة إجازات العلماء. 3 ـ دار السلام. 4 ـ فصل الخطاب. 5 ـ معالم العبر. 6 ـ جنة المأوى. 7 ـ الفيض القدسي. 8 ـ الصحيفة الثانية العلوية. 9 ـ الصحيفة الرابعة السجادية. 10 ـ النجم الثاقب. 11 ـ الكلمة الطيبة. 12 ـ ميزان السماء. 13 ـ ظلمات الهاوية. 14 ـ رسالة في ردّ بعض الشبهات على كتب فصل الخطاب. 15 ـ البدر المشعشع. 16 ـ مستدرك الوسائل؛ نحا فيه نحو الحرّ العاملي في كتاب (الوسائل)، واقتدى بهداه، وزاد عليه. 17 ـ كشف الأستار. 18 ـ سلامة المرصاد. 19 ـ رسالة مختصرة في مواليد الأئمة. 20 ـ مستدرك مزار البحار. 21 ـ حواشي على كتاب «منتهى المقال» لأبي علي الحائري؛ المعروف برجال أبي علي. 22 ـ ترجمة دار السلام.
إلى غير ذلك من الحواشي والرسائل.
د. حسين علي محفوظ
مخازن الأصول
تأليف: الشيخ ميرزا عبد الوهاب الملقب رضوان الدين والمتخلص في شعره بـ «رضوان» المتوفى سنة 1294 هجرية ابن الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري.
موسوعة كبيرة في عشرين مجلد ضخم في علم أصول الفقه المجلد الأول منها أوله بعد البسملة (الحمد لله رب العالمين كلما حمد الله شيء وكما يحب الله أن يحمد وكما هو أهله … فيقول الفقير إلى الله الغني المغني عبد الوهاب رضوان الدين بن محمد صالح القزويني …).
لم يقف عليه شيخنا الطهراني ولم يذكر في الذريعة كما لم أجد له ذكراً في فهارس المكتبات العامة والخاصة وهو من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي. وللمصنف أيضاً عدة دواوين في مختلف فنون الشعر من غزل ورباعيات ورثاء ومديح بالعربية والفارسية أشهرها الديوان المسمى بـ «سوزوكذار» فارسي.
المختصر الصغير في المنطق
على طريقة المتكلمين للفارابي
ورد إسم هذه الرسالة في برنامج وفهرسين للقفطي وابن أبي أصيبعة.
أراد الفارابي في رسالته هذه ـ في مقابل بعض الإشكالات التي جعلها الظاهريون من المنطق ـ أن يقرب ذلك بأسلوب استدلال المتكلمين الإسلاميين.
النسخ الخطية: توجد نسخة خطية في المكتبة المركزية لجامعة طهران رقم 25/ 241. وكذلك نسخة خطية عبرية تعود للقرون الوسطى موجودة في باريس.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة
كتاب للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، المعروف بالعلاّمة الحلي. ذكره في الخلاصة وقال: ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة وحجة كلّ شخص والترجيح لما يصير إليه.
وقال في مقدمته: إنّي لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان الله عليهم، ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمّى بـ «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فإنَّه مجمع بين مسائل الخلاف والوفاق.
ومن محاسن ذلك الكتاب أنّه إذا لم يجد للمخالف دليلاً يحاول أن يلتمس دليلاً له.
قال: ثمّ إن عثرنا في كل مسألة على دليل لصاحبها نقلناه وإلاّ حصَّلناه بالتفكّر وأثبتناه، ثم حكمنا بينهم على طريقة الإنصاف، متجنبي البغي والاعتساف ووسمنا كتابنا هذا بمختلف الشيعة.
والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه أنّه حفظ آثار علمائنا السابقين، أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الأوّل وغيرهم ولولاه لاندثرت آثارهم.
وقد شرّع في تأليفه قبل سنة 699هـ، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمانٍ وسبعمائة، أي قبل وفاته بثمانية عشر سنة.
ومن فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة، ولها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب.
المدائن
ـ 1 ـ
هو الاسم الذي أطلقه العرب على أطلال العاصمتين التوأمين: قطيسفون وسلوقية التي أسسها السلوقيون الأولون قبل الميلاد بثلاثة قرون. وسلوقية، وهي في الجانب الغربي، قد سميت باسم سلوقس نقطور. أما «قطيسفون»، وقد اختصر العرب اسمها فقالوا طيسفون، فلا يعرف أصل اشتقاقه. وهو وإن بدا إغريقياً، فقد يكون تصحيفاً لاسم المدينة الفارسي القديم، إذ لسنا نعلم ما كان يسمي به الساسانيون عاصمة دولتهم. هذه وفي سنة 540 للميلاد، استولى أنوشروان العادل على إنطاكية الشام وسلوقية نهر الكلب، وأجلى أهل سلوقية هذه إلى عاصمته طيسفون على عادة ملوك الفرس، فأنزلهم فيها في ربض جديد في جانب دجلة الشرقي، أي بإزاء موضع سلوقية العراق. وكان هذا الربض باقياً حين فتح العرب العراق بعد ذلك بقرن. وكان ما زال يعرف بـ «رومية» أي المدينة الرومية «اليونانية» وقد ذكر بعضهم أنها بنيت على غرار إنطاكية.
وكانت المدائن على ما ذكر المصنفون المسلمون تتألف من سبع مدن ذات أسماء معروفة على اختلاف في قراءتها. والظاهر أن خمساً من هذه المدن فقط كانت قائمة عامرة حينما كتب اليعقوبي في المائة الثالثة (التاسعة). وهي: المدينة العتيقة أي طيسفون. وعلى ميل من جنوبها اسبانبر. وبجوارها رومية وهذه المدن في الجانب الشرقي. وفي الجانب الآخر من دجلة كانت بهرسير وهي تصحيف «به ـ أردشير» ـ (أي بلدة الملك أردشير الطيبة) ـ وعلى فرسخ من أسفلها: ساباط، وكان الفرس على ما ذكر ياقوت يسمونها بلاس أباذ.
والقصر الساساني الفخم الذي ما زالت بقاياه قائمة في الجانب الشرقي من دجلة، سماه العرب: إيوان كسرى. وكان هذا الإيوان، على ما جاء في اليعقوبي يقوم في اسبانبر.
وهناك بناء فخم آخر يعرف بالقصر الأبيض، كان يرى في المدينة العتيقة على ميل من شمالها. إلا أن هذا الأخير قد اندرس وعفت آثاره منذ ابتداء المائة الرابعة (العاشرة). فإن جميع المصنفين المتأخرين، أطلقوا اسم «القصر الأبيض» و«إيوان كسرى» دون تفريق على البناء المعقود الكبير وهو الأثر الوحيد القائم حتى اليوم في هذا الموضع من أبنية الملوك الساسانيين. وقد كاد هذا البناء يمحق عن آخره في أواسط المائة الثانية (الثامنة) حين كان المنصور يبني بغداد. فإن هذا الخليفة أمر بنقض القصر الساساني واستعمال آجره في بناء مدينته الجديدة، وحاول خالد البرمكي، دون جدوى، إقناعه بالعدول عن نقضه، فقد أصر الخليفة على ذلك ولكن الوزير تحقق رأيه حين بدئ بالنقض وتبين أن ذلك يكلف أكثر من صنع الآجر الجديد للبناء. فترك إيوان كسرى على ما سماه به ياقوت، قائماً في مكانه. وبعد ذلك بزمن نقل شيء كثير من آجره لبناء أسواء «قصر التاج» الجديد في بغداد الشرقية. وقد فرغ الخليفة علي المكتفي من بنائه في سنة 290هـ (903م).
والمدائن، وقد عمّها الخراب اليوم. كانت في المائة الرابعة (العاشرة) بلدة صغيرة آهلة ذات مسجد جامع عامر بني في زمن الفتح الإسلامي. وبالقرب منه ضريح سلمان الفارسي وحوله اليوم بلدة صغيرة تسمى (سلمان باك). وكانت أسواق المدائن من الآجر، عامرة. وقد عقد المنصور مجلسه حيناً من الزمن في رومية المجاورة لها. كما أقام المأمون أيضاً في ساباط، وهي في الجانب الثاني من النهر. وكانت فخامة قصر الأكاسرة العتيق وروعته موضوعاً تحدث به البلدانيون العرب وأفاضوا في الكلام عليه. فقد ذكر اليعقوبي أن علو قمة الطاق عن الأرض ثمانون ذراعاً. وأشار ياقوت إلى عظم آجره: فطول كل آجرة نحو ذراع في عرض أقل من شبر يعد هذا الطاق، أعرض طاق في العالم معقود بالآجر دون استعمال السمنت في تقويته.
عرضه خمسة وعشرون متراً وبعض المتر، وعلوه عن مستوى التبليط سبعة وثلاثون متراً. وروى المستوفي، وقد سرد حديثاً خرافياً عن المدائن وقصرها، أن في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) صارت المدائن ورومية خراباً يباباً وإن بقيت القرى التي بإزائها في الجانب الغربي آهلة. وكان من أعمر تلك القرى على قوله بهرسير، سماها ياقوت حين زارها: الرومقان. وإلى جنوبها: زريران، وهي على مرحلة في طريق الحاج، وفي غربها صرصر، وهي على نهر صرصر وهو يصب في دجلة على شيء يسير فوق المدائن، والطسوج الذي حول المدائن الممتد شرقاً من دجلة إلى النهروان، كان يعرف بالراذان (الأعلى والأسفل). وقد سرد ياقوت أسماء قرى عديدة فيه، وأطرى المستوفي وفرة غلاته.
المدائن
ـ 2 ـ
يقع طاق كسرى على الضفة الشرقية من دجلة على 40 كيلومتراً من جنوب بغداد والطاق الذي يشاهده الزائر اليوم وهو يعتبر من أعظم الطوق في العالم القديم وأعلاها، من بقايا القصر الساساني العظيم الذي كان يعرف أيام العباسيين بالقصر الأبيض أو إيوان كسرى. وقد تهدمت جدرانه واندكت ولم يبق من معالمها إلا الطاق وبعض الأسس.
فالقسم القائم اليوم من الطاق معقود بالآجر والجص يبلغ ارتفاعه عن سطح الأرض حوالي 30 متراً والمسافة بين جداريه الأيمن والأيسر 25,5 متراً وامتداد الإيوان من فتحته حتى صدره نحو 48 متراً وثخانة جدرانه من أسفل سبعة أمتار. ويطل الإيوان على الشرق وله ثلاثة أبواب واحد على اليمين والآخر على اليسار وكلاهما قرب فتحة الإيوان والثالث في وسط الجدار الغربي وإلى يسار الإيوان حائط شاهق يعلو حتى قمة الطاق وثخانته من أسفل ستة أمتار وقد أسندته مديرية الأشغال العامة في بغداد سنة 1942 بمسند من الآجر والإسمنت لتقيه من الانهيار. هذا إلى الترميمات التي أجرتها الحكومة العراقية قبل ذلك بسنتين. وفي واجهة الحائط هذا رواشن وهي أشباه النوافذ في أربعة صفوف كانت محلات تنصب فيها التماثيل. أما الحائط الذي كان قائماً إلى الجانب الأيمن من الإيوان فقد تهدم في نيسان عام 1887 بفعل فيضان دجلة. وتنتشر الآن أكوام الردم والأنقاض فوق عدة كيلومترات مربعة مما حول الطاق. وينم ما تبقى من البناء عن عظمة القصر عندما كان شاخصاً في عهده الغابر في القرن الثالث للميلاد في عهد الدولة الساسانية الفارسية. وقد غالى كتاب العرب في وصفه وذكروه في كثير من كتبهم وأشعارهم أمثال الثعالبي في كتاب ثمار القلوب وابن قتيبة في كتاب المعارف وياقوت في معجم البلدان والإصطخري في مسالك الممالك والبلاذري في فتوح البلدان وغيرهم كثير كالقزويني والمسعودي وابن الأثير وابن المقفع.
فذكر كتاب العرب فسيفساء هذا القصر ونقوشه المطعمة بالذهب والأحجار الكريمة وستائره الحريرية وسجاده النفيس الذي يعجز المرء عن وصف جمال نقوشه وألوانها الزاهية وذكروا التماثيل التي كانت تزين واجهات القصر وردهاته والكتابات التي كانت مسطورة على جدران الإيوان بالأحرف السريانية باللغات الفهلوية والفارسية.
وقد زار طاق كسرى كثير من السياح الأجانب وذكروه في عدة تآليف وكان أقدمهم السائح الإيطالي (بياترو دلافالا) في القرن السابع عشر ثم أعقبه آخرون منهم «ديولافوا» عام 1885 الذي صور الجناح الأيمن قبل سقوطه ثم هيرتسفلد (1907/ 1908) الذي رسم مخطط القصر ثم نقبت بعثة ألمانية عام 28/ 1929 في أطلال المدينة على جهتي النهر. ثم استأنفت البعثة الألمانية التنقيب فيه سنة 31/ 1932 بالاشتراك مع متحف مترو بولتن في نيويورك وركزت أعمالها في القسم الشرقي من المدينة فسبرت غور عدة مواضع في المدينة التي تبلغ مساحتها نحو 30 كيلومتراً مربعاً وكشفت عن أبنية مختلفة وسور المدينة وتحرت في القصر الأبيض وما حوله فاستطاعت تعيين حدوده وكان القسم الواقع إلى الجنوب وإلى الغرب من الطاق واضح المعالم والأسس أما القسم الشمالي فقد زال تماماً والمعتقد أنه كان يناظر القسم الجنوبي ويتكون القصر من الإيوان الكبير في الوسط وهو قاعة العرش ثم يحيط به من الشمال والجنوب حجرات صغيرة ملاصقة لجدران الإيوان وأمامها ردهة طويلة وتنتهي بردهة واسعة جداً تقع على محور الإيوان والبناية كلها كانت معقودة بالآجر والجص ومصبوغة من الداخل بالجص والألوان الزاهية.
أما واجهة البناء نحو الشرق فإنها كانت مزينة بنقوش جصية وتماثيل رخامية كثيرة. وأسفرت الحفريات عن استخراج مجموعة مختلفة من الآثار الهيلينستية والفرثية والساسانية والإسلامية كان بينها جرار مزججة وقوارير زجاجية ونقوش جبسية وتماثيل رخامية وأدوات عظمية ونحاسية متنوعة ومقدار كبير من المسكوكات الفضية والنحاسية وغير ذلك من الآثار وقد حفظ قسم كبير منها في المتحف العراقي في بغداد.
ولمعرفة تاريخ بناء القصر لا بد لنا من ذكر لمحة تاريخية عاجلة على بلاد الشرق الأوسط. وإننا نعلم أن الفرس الأخمينيين فتحوا بقيادة ملكهم كورش بابل (عام 538) قبل الميلاد. ثم جاء إسكندر المقدوني بعد مائتي سنة وفتح بابل (عام 331 ق.م.) ثم بعد وفاته اقتسم أتباعه البلاد فكان من نصيب سلوقس القسم الشرقي الذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط حتى الهند، فبنى على نهر دجلة مدينة سلوقية عاصمة له حوالي سنة (280ق.م.) تعرف اليوم بتل عمر على الضفة الغربية من دجلة مقابل طاق كسرى. ثم بنى بعد ذلك عاصمة أخرى في سورية هي إنطاكية. وبعد مدة ضعف السلوقيون في الشرق وظهرت سلالة الفرثيين «الإرشاقيين» في جنوبي بلاد فارس واستولوا أخيراً على العراق (عام 141ق.م.) وبنوا لهم مدينة قبالة سلوقية عرفت باليونانية باسم طيسفون. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة بالشهرة والسعة. ثم ظهرت على مسرح السياسة الأمبراطورية الرومانية فكانت مناوشات وحروب طاحنة مستمرة بين الفرثيين والرومان من المركزين العسكريين في إنطاكية حيث جيوش القيصر وفي طيسفون حيث جيوش كسرى وبعد مرور ما يقرب من أربعة قرون قامت ثورة داخلية في بلاد فارس تمكن القائم بها أردشير الساساني من القضاء على أرطبان آخر ملوك الفرثيين (عام 224 للميلاد) ومنذ ذلك الحين حكمت الدولة الساسانية (الأشكانية) بلاد فارس والعراق حتى الفتح الإسلامي. فبعد انتصار سعد بن أبي وقاص في واقعة القادسية تقدم بجيوشه نحو المدائن «طيسفون» عاصمة الساسانيين وفتحها (عام 637 للميلاد) وهرب ملك الساسانيين يزدجرد الثالث إلى داخل بلاد فارس.
وكان الساسانيون قد اتخذوا طيسفون عاصمة لهم ووسعوها وبنوا أسوارها وانضم إليها عدة قرى ومدن مجاورة منها سلوقية فسميت عندئذٍ بالمدائن. وشيدوا فيها عدة قصور وأهمها القصر الأبيض والمعتقد أن بانيه هو سابور الأول (ذو الأكتاف) شيّده في منتصف القرن الثالث للميلاد ثم رممه كسرى أنوشروان بعد خرابه وأضاف إليه ما أضاف بحيث تغلب اسم هذا الملك على بانيه الأول فعرف بإيوان كسرى ويسمى اليوم طاق كسرى. وعلى شيء يسير من شمال الطاق مدينة سلمان باك وقد أقيم فيها مسجد للصحابي (سلمان الفارسي).
الدكتور فرج بصمه جي
مدن إدريسية
مرّ الكلام مفصلاً عن الأدارسة، وننشر هنا بحثاً عن بعض المدن التي اعتصموا فيها في عهودهم الأخيرة وإن كان قد ذكر بعضها مستقلاً في مواضع أخرى:
البصرة: مدينة أولية بنيت على عهد القرطاجنيين حيث عرفت بـ «تريمولي» وقد عرفت بعد الفتح الإسلامي ببصرة الكتان، لأنهم كانوا يتبايعون بها في أكثر تجارتهم بالكتان، وتعرف أيضاً بالحمراء لأنها حمراء التراب، وقد جددت على يد الأدارسة في أواسط القرن الثالث الهجري، وكان أول أمير إدريسي تولى عليها إبراهيم بن القاسم بن إدريس وقد بني سورها من الحجارة الطوب، وكان لها عشرة أبواب، وبها مسجد جامع به سبع بلاطات، وكان بها أيضاً حمامان كبيران، وتقع مقبرتها الكبرى في شرقيها بينما تقع الصغرى في غربيها وتعرف بمقبرة قضاعة، وماؤها زعاق، وكان السكان يعتمدون في شربهم على بئر عذبة كبيرة تقع قريباً من إحدى أبواب المدينة تعرف ببئر أبي دلفاء. وكانت نساء البصرة مخصوصات بالجمال الباهر، يقولون ليس بأرض المغرب اجمل منهن ويقول فيهن أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا الفتح الحسني:
ما حاز كل الحسن إلا قينة
بصرية في حمرة وبياض
الخمر في لحظاتها والورد في
وجناتها والكشح غير مفاض
في شكل مرجي ونسك مهاجر
وعفاف سني وسمت إباضي
تحديد مكانها: يقول صاحب البيان المغرب منها إلى كتامة مسيرة يوم واحد، وقيل إنها كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة، ثم إلى وادي ماسنة مرحلة، وهي مدية عيسى بن حسن المعروف بالحجام، ثم إلى مدينة بسداك، وهي قاعدة خلوف بن محمد المغيلي، ثم إلى فاس، وذلك سبع مراحل، أما ياقوت في معجمه فيكتفي بالقول بأنها في المغرب قرب السوس، وينقل عن البكري قوله: بينها وبين فاس أربعة مراحل، وأما ابن حوقل فيقول: بينها وبين المدينة المعروفة بالأقلام أقل من مرحلة، وبينها وبين مدينة تشمس أقل من مرحلة أيضاً، أما الزياني فيقول: إنها قرب القصر، ومحققا كتاب الاستقصا يقولان في أحد التعليقات: وموقعها بقبيلة الغرب بنواحي حد كورت في حدود المنطقة الإسبانية، وكلها تحديدات لا تعين على معرفة مكانها بالضبط، على ما بينها من تفاوت في القرب من الحقيقة أو البعد عنها، على أن هذه الحقيقة لا تزال حية لحسن الحظ على لسان السكان الذين يقطنون بعين المكان ببعض المداشر، حيث تعرف بـ «دوار جعاونة البصرة» وتقع في الطريق الذاهب إلى مدينة وزان على بعد 33 كيلومتراً منها وعلى بعد 31 كيلومتراً من حد كورت، وإلى الآن لا يزال جزء من سورها الغربي ماثلاً للعيان، كما لا تزال بقايا برجين، أما السور الشرقي فقد اندثر نهائياً، ويبدو أن الطريق الرابطة بين وزان والطريق الرئيسية لطنجة تخترق المدينة، بدليل ركام الحجارة الواقعة في الربوة الجنوبية، وقد حكمها إبراهيم بن إدريس نحو أربعين سنة، ثم وليها ابنه عيسى بن إبراهيم ثم أخوه أحمد بن إبراهيم، ثم برهون بن عيسى ثانية، ثم سعيد غلام المظفر من قبل مصالة بن حبوس، ثم حسن بن محمد الحجام ثم محمد بن القاسم الجوطي، ثم عيسى بن أحمد المعروف بأبي العيش وفي سنة 368 دخل أبو الفتح صاحب إفريقيا من قبل العزيز بالله الفاطمي بلاد المغرب، وهدم مدناً كثيرة من بينها مدينة البصرة التي محا آثارها بعد طول مدتها وكثرة عمارتها من الأندلسيين والبربر والأشراف، ونهب ما كان فيها من أمتعة وأموال، ويذكر صاحب البيان المغرب أن جبل صرصر يقع على ثمانية أميال منها ويصفه بأنه كثير المياه والثمار وتسكنه مصمودة.
قلعة حجر النسر: بنيت سنة 317 على يد إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس، وبها حوصر أدارسة الريف على عهد موسى بن أبي العافية، أما عن موقعها فيذكر الزياني أنها تقع قرب سبتة، بينما يذكر البعض أنها في الجنوب الشرقي من البصرة، مرجحاً أنها تقع بقبيلة سماتة الواقعة قرب العرائش، وهذا يعني أن البصرة هي التي تقع جنوب شرقي قلعة حجر النسر أو العكس، وقد كانت هذه القلعة هي عاصمة القاسم الملقب بكنون، وشقيقه إبراهيم، وهما أخوان للحسن الحجام. فاستمر هو وعقبه تحت نظر الشيعة أصحاب إفريقيا تارة، أو المروانيين أصحاب الأندلس تارة أخرى، ومن أشهر أبنائه أبو العيش أحمد بن القاسم بن كنون، غير أن هذا زهد في الإمارة، وذهب إلى الأندلس برسم الجهاد، وولى مكانه أخاه الحسن بن كنون، وقد قتل هذا الأخير على يد المنصور بن أبي عامر، وبموته تفرق الأدارسة في قبائل المغرب، واختفوا حتى أنهم خلعوا عنهم صفة النسب الشريف، واستحال الكثير منهم بدواً.
أصيلا: يقول البكري عنها: «ومدينة أصيلا أول مدينة العدوة مما يلي الغرب، وهي في سهلة من الأرض حولها رواب لطاف والبحر بغربيها وجنوبيها، وكان عليها سور، ولها خمسة أبواب فإذا ارتج الابحر بلغ الموج حائط الجامع، وسوقها حافلة يوم الجمعة، وماء آبار المدينة شروب، وبخارجها آبار عذبة ويقول عنها صاحب البيان المغرب: «كان سبب بنائها أن المجوس خربوا ساحلها وزعموا أن لهم بها أموالاً وكنوزاً تركها لهم الأوائل الذين كانوا يسكنون السواحل. وأخرجهم منها عامة القبائل ويقول في مكان آخر كانت مدينة للآل ثم تغلب عليها البحر، ثم بنيت بعد ذلك وسبب بنائها أن المجوس خرجوا بمرساها مرتين أما الأولى فإنهم قصدوها زاعمين أن لهم بها كنوزاً، وأما خروجهم الثاني فإن الريح قذفت بهم إليها وعطبت لها أجفان كثيرة عليها حتى كان يعرف ذلك الموضع بباب المجوس، وكان موضعها ملكاً لقبائل لواتة. فابتناهم قوم من كتامة، فأول ما ابتنوا بها مسجداً، ثم بنت لواتة مسجداً ثانياً، شاع أمرها فبنى الناس شيئاً بعد شيء فقصدها التجار من الأنصار بضروب المتاجر في أوقات معلومات، وقد ملكها الأدارسة، وكان أول من ملكها منهم القاسم بن إدريس، ثم ابنه إبراهيم كما حكمها الحسن الحجام، وقد خربت لمدة، ثم جددت بعد ذلك، وستعرف عجمات من لدن الإسبانيين والبرتغاليين على عهد السعديين وواضح أنها بنيت على يد القرطاجنيين أول مرة كما قدمنا حيث كانت تعرف بزليس.
طنجة: قال أبن حوقل: طنجة مدينة أزلية آثارها طاهرة بناؤها بالحجارة قائمة على البحر، والمدينة العامرة على ميل من البحر وليس لها سور، وهي على ظهر جبل وماؤها في قناة يجري إليها من موضع لا يعرفون مكانه على الحقيقة، وهي خصبة وبينها وبين سبتة مسيرة يوم واحد، وقد قيل إنها بنيت على يد الفينيقيين حيث كانت تعرف بتنجيس وقد لعبت دوراً هاماً في تاريخ المغرب، وخضعت لحملات متتالية من لدن الإسبان والإنجليز إلى أن خلصها من هؤلاء المولى إسماعيل.
سبتة: يقول عنها ابن عذاري المركشي تقع على بحر الزقاق من بر العدوة فهي نظام باب المغربين ومفتاح باب المشرقين، وهي على ما قيل: مجمع البحرين وقاعدة البحر والبر، وقد نسب إليها جماعة من أهل العلم منهم ابن مرانة السبتي، وكان من أعلام الناس في الحساب والفرائض والهندسة وكان المعتمد ابن عباد يقول: «اشتهيت أن يكون عندي من أهل سبتة ثلاثة نفر: ابن غازي الخطيب وابن عطاء الكاتب، وابن مرانة الفرضي، وإليها ينسب أبو العباس السبتي دفين مراكش، والقاضي عياض ومالك بن المرحل وغيرهم وقد احتلها البرتغال ضمن بعض الشواطئ المغربية في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وسلموها للإسبان سنة 1080 ولا تزال بحوزتهم إلى الآن، وقد حاول بنو النقسيس من تطوان افتكاكها مراراً، لكنهم لم يوفقوا، والأمر لله.
تطوان: بنيت قبل الإسلام على يد الأفارقة الأقدمين على ما يذكر ليون الإفريقي، وقد افتتحت في القرن الأول للهجرة عندما فتحت سبتة، وحسب المصادر العربية ذكرت تطوان في القرن الثالث الهجري من بين المدن التي كانت من نصيب القاسم بن إدريس بالإضافة إلى طنجة والبصرة وسبتة وقلعة حجر النسر، وفي القرن الرابع الهجري أجمع بنو محمد بن القاسم على هدم تطوان، ثم ندموا على ذلك، ثم حاولوا بناءها مرة أخرى، غير أن أهل سبتة حالوا بينهم وبين ذلك، لأنها كانت تضر مصالحهم، وقد خربت تطوان مراراً وجدد بناؤها وقبل أن يجددها أبو الحسن المنظري بقيت مخربة مدة تسعين سنة وقد امتلأت بالأندلسيين الذين عمروها وساهموا مساهمة فعالة فيما اتّسمت به فيما بعد من حيوية وازدهار وكانت بداية ذلك سنة 888 هجرية وقد تكاثر عدد المهاجرين الأندلسيين عليها بعد سقوط غرناطة سنة 898هـ وقد ألّف فيها الشيخ محمد داود كتاباً موسوعياً حافلاً يعرف بتاريخ تطوان، فليراجع هذا الكتاب الهام.
مدينة نكور: بناها سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور المعروف بالعبد الصالح، كان دخل المغرب في الافتتاح الأول زمن عبد الملك بن مروان فنزل في بني تمسمان، ومن نكور إلى زواغة، التي كانت للحسن بن أبي العافية مسيرة خمسة أيام، وكان لـ نكور أربعة أبواب منها باب سليمان، وباب بني ورياغل وباب المصلى، وباب اليهود، بها جامع كبير وأكثر خشبهم الأرز، وبها حمامات كثيرة، وأسواق عامرة ممتدة، وهي بين نهرين أحدهما اسمه نكور. وبه سميت المدينة، ودخلها المجوس سنة 244 وتغلبوا عليها وانتهبوا ما كان فيها، وقد اعتصم بها أدارسة الريف المعروفون بالحموديين، ولعل مكانها قريباً من الحسيمة التي كانت تحمل اسم المزمة في الحقيقة ….
مدينة جراوة: كانت لها حسب ابن عذاري المراكشي سور مبني بالطوب وبخارجها عيون مالحة، وداخلها آبار كثيرة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها وفيها قصبة مانعة وبها خمسة حمامات، وجامع له خمس بلاطات، أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة 257هـ. ووليها بعده ابنه الحسن سنة 291هـ وكان لها أربعة أبواب، وحولها مزارع ومراعي، وقريباً منها قرى مدغرة على البحر وفي الجبل بنو يزناسن ومن جهة الشرق بو يفرن من زناتة، ومن جهة الغرب قبائل زواغة، وإليها ينسب الشاعر المغربي الفحل أبو العباس الجراوي الذي كان منقطعاً لمدح الخلفاء الموحدين ولعلها تقع قرب بركان اليوم.
مدينة وزان: قدمنا أنها ربما كانت بنيت على أنقاض المدينة الرومانية المعروفة باب جولياكا مبيستديس وقد نقل الكثيري في «الروض المنيف» وهو تقييد لم يطبق بعد أن منار المسجد الأعظم بوزان من وضع الفاتح العربي موسى بن نصير عامل بني أمية على شمال إفريقيا كما أن الذين كتبوا عن حياة المولى عبد الله الشريف ذكروا أنه بعد انتقاله إلى وزان نزل بدار مولاي بوسلهام من قديم، وظلت مسكنه بقية حياته، ثم أن من جملة الحياء الموجودة الآن بوزان حياً يعرف بحي بني مرين، وإضافته إلى بني مرين يدل على أنهم كانوا يتخذون منه مساكنهم، وأنه بني على عهدهم ومعلوم أن الدولة المرينية قامت بين القرنين السابع والتاسع الهجري أي ما بين 1300 ـ 1500م وقد عرفت وزان ازدهاراً كبيراً منذ انتقل إليها المولى عبد الله الشريف ـ جد شرفاء وزان من الميقال بقبيلة مصمودة إلى أن توفي عام 1089هـ (1678م) واحتفظت بدورها كمقر لأقطاب الزاوية الوزانية المتعاقبين.
مدينة كرت: يقول ابن عذاري المراكشي وكانت مدينة يقال لها كرت في جبل تسمى به إلى وقتنا هذا، خربها بنو محمد، وكانت قاعدة أحمد بن القاسم، ولعلها تقع في المكان المعروف اليوم بحد كرت أو قريباً منه.
بعض الحصون
وهناك أيضاً حصن يعرف بسوق عكاشة قريب من ورغة كان عليه محمد بن حسن من بني إدريس، وهناك جنيارة، وهي حصن كبير في جبل يعرف بالجبل الأشهب، وهي لبني حصين، وفي ذلك الجبل قرى كثيرة وتقع بمقربة من فاس.
محمد الأمري المصمودي
المدينة المنورة
هي موقع حيوي وموضع خصيب تتوسط الكتلة المعمورة في المنطقة التي تتركز فيها الحياة البشرية في الحجاز، الذي يحجز سهل تهامة من مرتفعات نجد، ويرتفع فوق سطح البحر أكثر من ستمائة متر، وجوّها أقرب إلى الاعتدال، وموقعها موقع واحة استراتيجية، وهي مدينة قوافل تتصل ببادية نجد من الشرق ومنها إلى العراق، وتتصل بالبحر الأحمر من الغرب، وتقع على طريق القوافل بين اليمن والشام. وكانت بحق بوابة الجزيرة العربية ـ الشام، كما تقع في نهاية وادي القرى وبداية وادي العقيق.
وبالقياس إلى مكة فهي واحة كبيرة المساحة تطوقها الحدائق ومحصنة طبيعياً، واحة خصبة تحيطها الجبال على شكل «حدوة حصان» تتجه فتحتها إلى الجهة الجنوبية الشرقية، وتقع على هضبة أواسط الجزيرة العربية، جبل أُحُد عند شمالها الغربي، وإلى جانبه جبل عَيْر، ويحد السهل من الشرق والغرب «الحرات» أي البقع البركانية المغطاة بالبازلت الأسود والتي تبعد مسافة طويلة عن البلدة لتمتد البقعة الخضراء من الأرض الخصبة، وتتوفر فيها المياه المتجمعة من الجنوب وتغذي طبقة المياه الجوفية، وتكثر فيها الينابيع والعيون.
تبعد المدينة عن البحر الأحمر حوالي 175 ك.م. ويربطها بجدة طريق معبد، ويتفرع منه عند بدر طريق إلى مينائها ينبع، وكانت ترتبط بدمشق بخط حديدي عطل في الحرب العالمية الأولى.
وانبسطت المدينة وانقبضت بالنسبة لحجم سكانها فكانت في مطلع هذا القرن تفوق في حجم السكان أي مدينة عربية أخرى في شبه الجزيرة العربية، أيام عمل خط حديد الحجاز
وكان اسم المدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها يثرب.
يتوسط المدينة المنورة المسجد النبوي الشريف. وإلى الشرق من المسجد النبوي توجد مقبرة بقيع الغرقد، وتوجد شمال المسجد حديقة الصافية، وإلى الشمال منه يوجد مركز طيبة، ويصل إلى الطريق الدائري الثاني بعد اجتياز الطريق الدائري الأول من شمال إدارة مرور المدينة وإدارة التوجيه التربوي.
ويقابله شارع يتجه غرباً من عند المسجد النبوي هو شارع باب السلام الذي يجتاز الطريق الدائري الأول والدائري الثاني مروراً من جنوب كلية البنات، والجامعة الإسلامية، وإلى الجنوب من هذين الشارعين توجد الأحياء التالية من الغرب إلى الشرق: طيبة، الحرة الغربية، الأنصار، الخلفاء، الروضة، السلام، العوالي. وإلى الجنوب من هذه المناطق توجد: قباء، وقربان، ومدينة الحجاج، ويوجد جبل قريظة جنوب شرقي المدينة المنورة، وفي الجنوب الغربي جبل غُرابة الذي يرتفع 850م عن سطح البحر. وإلى الشمال منه يوجد جبل جمَّة ويفصل ما بين المدينة والجبلين وادي العقيق الذي يمتاد شمالاً ويعبر ما بين الرُف غرباً، وجبل أُحد شرقاً مروراً بالعيون.
إلى الشمال من شارع باب السلام يوجد شارع السيح، ومنطقة الخندق، وفيها المساجد السبعة وجبل سلع، وإلى الشمال الغربي من سلع توجد منطقة العقيق. وإلى الغرب منها بعد الطريق الدائري الثاني يوجد مسجد القبلتين. وإلى الشمال منه توجد منطقة النصر. ويلتقي عند المسجد النبوي بشارع سيد الشهداء حمزة الذي يصل ما بين المسجد النبوي جنوباً وجبل الرماة ومرقد حمزة وشهداء أُحد شمالاً.
ويوازيه شارع أبي ذر الغفاري، وما بين الشارعين تقع منطقة البيعة، وإلى الشرق منها تقع منطقة أُحد. وفي شمال المدينة المنورة يوجد جبل أُحُد الذي يرتفع أكثر من ألف متر عن سطح البحر.
يحد منطقة المدينة المنورة من الشمال منطقتا تبوك وحائل، والبحر الأحمر وجزء من منطقة تبوك غرباً ومنطقتا الرياض والقصيم شرقاً ومنطقة مكة المكرمة جنوباً وتبلغ مساحتها الإجمالية 153216 كيلومتراً مربعاً.
تضم المدينة المسجد النبوي الشريف وفيه مرقد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعدد كبير من الصحابة وآل البيت في مقابر البقيع على بعد خطوات قليلة من المسجد النبوي.
وتتخذ المدينة المنورة أهميتها من كون الرسول عليه الصلاة والسلام هاجر إليها من مدينته مكة المكرمة، قبل أكثر من 15 قرناً، وأس فيها أول دولة إسلامية في التاريخ، ومن هجرته إليها بدأ استخدام التاريخ الهجري.
وكان يطلق على المدينة قديماً اسم «يثرب» حتى قدم إليها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأطلق عليها اسم المدينة.
ويقع في المدينة المنورة أيضاً مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام عند وصول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليها مهاجراً من مكة، وهو الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه». وتضم المدينة المنورة مساجد عدة بنيت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تزال حتى يومنا هذا، ومن أهمها المساجد السبعة المعروفة وأعلاها مسجد الفتح، إضافة إلى مساجد الإجابة والقبلتين والجمعة والغمامة.
المسجد النبوي الشريف
وتشتهر المدينة المنورة إلى جانب كونها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يشكله ذلك من أهمية خاصة لدى المسلمين في كافة البلاد الإسلامية، بالتمور التي تختص بها مثل عنبر المدينة والصفري والروتانا والعجوة وغيرها من أنواع الرطب والتمور الأخرى.
كما تتميز بالنباتات العطرية التي تضاف إلى أنواع الشراب الساخن مثل الشاي فتكسبه نكهة خاصة، أهمها النعناع المديني والحساوي والدوش والعطرة والورد المديني بلونه الوردي الخالص.
النشاط الاقتصادي
يبرز دور المسجد النبوي الشريف في إعطاء المدينة أهمية اقتصادية كبرى، إذ يقدر حجم إنفاق الحجاج والزوار الذين يبلغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة سنوياً بأكثر من سبعة بلايين ريال (1,87 بليون دولار).
وتزخر المنطقة بثروات طبيعية عدة مثل الذهب والمعادن الثمينة وغيرها التي توجد في مدينة مهد الذهب.
الزراعة في المدينة
على رغم تراجع عدد مزارع النخيل وإنتاج التمور عن السابق بنسبة 2,6 و33,8 في المائة على التوالي، إلا أن الكمية المصدرة من تمور المنطقة سجلت زيادة قدرت بنحو 34,3 في المئة. ويبلغ عدد مزارع النخيل أكثر من سبعة آلاف تنتج نحو 37 ألف طن من التمور المتنوعة، ويصدر نحو 11 في المائة من الإنتاج إلى عدد من دول العالم من أهمها: السويد والدنمارك وبريطانيا وهولندا وماليزيا والهند وباكستان وجنوب إفريقيا إضافة إلى بعض الدول العربية.
الشوارع والحارات وتاريخ
المناخة والجرف والخندق
وسارت قريش وأحزابها إلى المدينة راجية أن تستأصل المسلمين المؤمنين، وكانت أطراف المدينة الجنوبية الشرقية، وبعض أطرافها الغربية مُغطى ببقايا ركام بركانية شكّلت مع مزارع النخل الكثيفة حماية طبيعية لأرض المدينة المنورة. الجهتان الغربية والشمالية مكشوفةً يسهل العبور منها إلى قلب المدينة المنورة، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق على امتداد المنطقة المكشوفة من أطراف المدينة المنورة كي يحول دون مرور غُزاة الأحزاب الطامعين، وخطّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق، ووزّع الصحابة كل عشرة يحفرون أربعين ذراعاً من الخندق، وشاركهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العمل فكان يحفر بيديه الشريفتين، ويُحطم الصخور التي يعجز الصحابة عن تحطيمها، واستمر العمل في الخندق ستة أيام، ونُصبت خيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أقيم في موقعها في ما بعد مسجد الفتح.
وسعى بعض الباحثين لتحديد موقع الخندق بدقة فلم يصلوا إلى نتيجة مرضية.
المناخة
تقع منطقة المناخة غرب المسجد النبوي من ثنيه الوداع الشامية شمالاً إلى بداية قُربان جنوباً. وكان القسم الشمالي من المناخة ميداناً للسباق والتدرب على ركوب الخيل والرماية. وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحضر بعض التدريبات ويحض المتدربين على أن يجودوا، ويسابق بينهم أحياناً، وقد بني في موقع السباق مسجد سمي مسجد السبق.
وفي قسمه الثاني اختط النبي محمد صلى الله عليه وسلم للمسلمين السوق في السنوات الأولى من الهجرة ليخلصهم من سيطرة المُرابين اليهود على الأسواق الأخرى، وقال صلى الله عليه وسلم : «هذا سوقكم فلا يضيق ولا يؤخذ منه خراج». وكانت السوق مكشوفة ليس فيها بناء. وكان يحضر التجار إليها صباحاً. ومن سبق إلى موقع وضع بضاعته فيه ويتاجر إلى نهاية اليوم ثم يحمل متاعه ليعود في اليوم الثاني.
منظر من المدينة المنورة، وتظهر الجبال الخلفية
الجُرف
تقع منقطة الجرف الآن في الشمال الغربي من المدينة المنورة، وتمتد إلى ما وراء جبل أُحد، وتمرّ فيها الطريق الخاصة بغير المسلمين والآتية من المطار شرقاً خارج حرم المدينة المنورة، وكانت منطقة الجرف من قبل أرضاً منبسطة فيها مجموعة من البساتين وفيها بعض الآبار.
واستثمر المسلمون أرض الجُرف وأقاموا فيها المزارع، وكان لعدد من الصحابة فيها بساتين. وفي أواخر أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر جيش أسامة بن زيد أن يُرابط في الجُرف.
وكانت تُضرب في الجُرف الخيام وتُعقد الرايات وتوجَّه منه الجيوش. وفي العهد العثماني شيّد العثمانيون قلعة على سفح جبل أُحد تُشرف على الجُرف لحماية المدينة المنورة. وما زالت القلعة شامخة. وفي الوقت الحاضر زحف العمران الإسمنتي على الجُرف، فتقلصت مساحات المزارع والبساتين حتى أوشكت أن تختفي نهائياً لولا حماية الدولة للبساتين التي فيها بئر رومة، والتي جعلتها مزرعة تجريبية. وحافظ بعض الخيرين على واحات النخيل في غرب وشمال جبل أُحُد.
قُـــبـــاء
تقع منطقة قُباء جنوب المدينة المنورة، ويجري فيها وادي رانوناء. كانت من قبل قرية مستقلة على طريق القوافل القادمة من مكة المكرمة، ثم امتد العمران إليها فاتصلت ببقية أنحاء المدينة المنورة.
تتميز قُباء بالمياه الجوفية القريبة من سطح الأرض. كما تتميز بخُصوبة تربتها. ولذلك تكثر فيها مزارع النخيل، والعنب، والبساتين المتنوعة الأشجار والثمار، وكانت قُباء إلى عهد قريب مجموعة من المزارع المتصلة التي تنتشر بينها البيوت، أو تتجمع على شكل أحياء صغيرة، وخصوصاً حول مسجدها التاريخي الذي خطّه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وصل إليها، وشارك الصحابة في بنائه، وهو أول مسجد بُني في الإسلام.
وانتشر العمران حالياً وامتد في جميع الاتجاهات وتقلصت المزارع والبساتين عمّا كانت عليه سابقاً. وبقيت في قُباء بعض بساتين النخيل التي تُضفي على المنطقة جمالاً وجلالاً.
الخندق
هو الذي أمر النبي بحفره بناء على رأي سلمان الفارسي، لصيانة المدينة من غزو أبي سفيان لها بالجموع التي جمعها من مختلف القبائل وذكر السمهودي في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى»، أن بقايا متفرقة من الخندق كانت موجودة في عصره أي في القرن التاسع الهجري، ولكنها انطمرت بمرور الزمن ولم يبق منها الآن شيء على الإطلاق، ولكن المكان معروف ولا سيما في منطقة المساجد السبعة.
وتضم المدينة المنورة مساجد عدة بنيت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تزال حتى يومنا هذا، ومن أهمها المساجد السبعة المعروفة وأعلاها مسجد الفتح، إضافة إلى مساجد الإجابة والقبلتين والجمعة والغمامة.
وتزخر المنطقة بثروات طبيعية عدة مثل الذهب والمعادن الثمينة وغيرها التي توجد في مدينة مهد الذهب.
ومن المشاريع التي تشهد اهتماماً خاصاً مشاريع المياه والصرف الصحي، إذ يبلغ طول شبكة المياه حالياً نحو 100 كيلومتر وهناك أربعة مشاريع لا تزال قيد التنفيذ وخمسة مشاريع أخرى جديدة إلى جانب دراسة 18 مشروعاً لتنفيذها مستقبلاً.
يؤم المدينة المنورة نحو أربعة ملايين حاج وزائر سنوياً بهدف زيارة المسجد النبوي الشريف لإتمام مناسك الحج أو العمرة، إلى جانب زيارة مساجد ومواقع أخرى ذات مكانة دينية مثل مسجد قباء وجبل أحد وغيرهما.
والمسجد النبوي الشريف هو المسجد الذي بناه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بعد وصوله إلى المدينة ببضعة أيام، فاشترى الأرض المحيطة بالمكان وكانت مملوكة ليتيمين هما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو، ومن ثم سويت الأرض ووضع أساس المسجد بالحجارة بارتفاع القامة تقريباً، واستخدم الجريد للسقف وجذوع النخل للسواري، وبلغت مساحة المسجد النبوي الشريف آنذاك نحو 1050 متراً مربعاً، وهي مساحة محدودة للغاية مقارنة بالمساحة الحالية البالغة 153216 كيلومتراً مربعاً.
ويأتي مسجد قباء في المرتبة الثانية لجهة الأهمية التي اكتسبتها مساجد المدينة المنورة كمواقع دينية، وهو أول مسجد أسس على التقوى وأول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة.
وهناك مساجد أخرى يهتم الزائرون بالصلاة فيها مثل مسجد القبلتين، ومسجد الميقات، وسمي كذلك لأنه ميقات أهل المدينة ومن أتى عليها من غير أهلها في حال رغبوا في الإحرام للحج أو العمرة، إضافة إلى المساجد السبعة، ومسجد الجمعة الذي شهد أول صلاة جمعة تؤدى في الإسلام. ومن المواقع الأخرى التي يقصدها الزوار جبل أحد حيث وقعت معركة أحد الشهيرة، ووادي العقيق غربي المدينة. وهناك بقيع الغرقد وهي مقبرة المدينة المنورة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وديان المدينة
وادي العقيق
والعقيق لغة الوادي، وكل مسيل شقه ماء السيل فأنهره ووسّعه، والعقيق بالمدينة فيه عيون ونخيل([343]) وقد قيل عن عقيق المدينة إنه عقيقان: الأكبر، وهو ما يلي الحرّة ما بين أرض عروة بن الزبير إلى قصر المراجل ومما يلي الحمى ما بين قصور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن عثمان إلى قصر المراجل ثم الذهاب بالعقيق صُعداً إلى منتهى البقيع.
والعقيق الأصغر ما سفل عن قصر المراجل إلى منتهى العَرْصَة، وفي عقيق المدينة يقول الشاعر:
إني مررتُ على العقيق وأهْلُهُ
يَشكُون من مطر الربيع نُزُورا
ما ضرّكم إن كان جعفرُ جارَكم
أن لا يكون عقيقكم ممطورا
وهناك عقيق آخر هو أكبر من ذينك العقيقين في المدينة([344]) وقد أقيمت على العقيق قصور ومبانٍ منذ القديم، وهو واقع في غربي (المدينة) ومصدر (حضير) على مسيرة يوم ونصف يوم منها على ما عينه عبد القدوس الأنصاري في (آثار المدينة المنورة)، وفي العقيق عدد كبير من الآبار.
وادي القرى
وهو أشهر أودية الحجاز وأوسعها يمتد بين المدينة والشام، وقد كان مشهوراً بغزارة مياهه، وكثرة عيونه، وقد روى الرواة أنه استخرجت ثمانون عيناً فيه بعد أن كان هذا الوادي قد أهمل لترك سكانه له، وقد استنتج بعض المؤرخين من تسميته بوادي القرى كثرة ما كان عليه من القرى بسبب غزارة مياهه.
وادي مذينيب
ويقع وادي مذينيب على نحو سبعة أميال من (المدينة)، وهو من أشهر وديان المدينة قامت عليه منازل بني النضير وهم أول من احتفر به، وبنى، وغرس، وقد نزل عليهم بعض قبائل العرب فشاركهم في ذلك، ومن هؤلاء الأشرف والد كعب صاحب الحصن المشهور باسمه([345]).
الشيعة في المدينة المنورة
تسكن المدينة اليوم أربع جماعات شيعية:
* النخاولة، ومفردها نخلي، وهم من القبائل العربية، وقد تداخل معهم عدد من أبناء القبائل الأخرى طلباً للحماية قبل نحو قرنين من الزمان مثل (العصارى) الذين ينتمون إلى عنزة (بني أعصر). والنخاولة هم أكثر الشيعة عدداً وانتشاراً، وقد تعرّضوا للاضطهاد والأذى بسبب التحامل الطائفي …
من زعماء الشيعة المشهورين في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم: الشيخ محمد العمري، وابنه الشيخ كاظم العمري.
* الأشراف، ويأتون بعد النخاولة في العدد، وهم سادة من بني هاشم. كما أنهم ينتشرون في مناطق أخرى غير المدينة المنورة مثل مكة المكرمة وجدة والطائف والمدن الجنوبية.
قال صاحب كنز الأنساب إن من بين من ينتمي إلى هذه القبيلة (الأشراف) في المنطقتين الغربية والجنوبية: الحيادرة، والنسبة إليهم حيدريّة، وهم بطن من بني جعفر الصادق يُعرفون ببني أيمن. وآل إبراهيم ويسكنون ينبع النخل، وآل حسين مع قبيلة الضفير سادة حسينيّون.
وقد حكم الأشراف المناطق المقدّسة سنوات طويلة في القرون الماضية وحتى وقت قريب أيضاً([346]).
* قبائل حرب وجهينة (الحروب)، حيث اعتنق بعض أفرعها المذهب الشيعي (فرع بني علي/ الفريد، وغيرهما). وقد اشار أحد الكتّاب إلى انتشار المذهب الشيعي بين قبائل حرب وجهينة.
* المشاهدة، وهم من أصول عربية ويتواجدون في مكة والمدينة المنورة، إلا أنهم أقلّ الفئات عدداً. ومن آل المشهدي الكاتب والروائي محمد بن عيسى المشهدي.
أما الأحياء التي يسكنها الشيعة في المدينة المنورة وما حولها فهي:
1 ـ وسط المدينة، جنوب الحرم المدني … حيث يوجد حيّ كان يسمى فيما مضى بزقاق النخاولة، أو محلّة النخاولة، ويسمى في الوقت الحالي الروضة … كما يوجد النخاولة شمال غربي المسجد النبوي (باب الكومة).
2 ـ قبا، كانت قرية تبعد ميلين عن المدينة المنورة، والآن أصبحت حياً من أحيائها الجنوبية، وتسكن الحي أكثرية من النخاولة.
3 ـ قربان، حي جنوبي المدينة المنورة، ويسكنه إضافة إلى النخاولة شيعة الحروب والمواليد.
4 ـ حي العوالي، جنوب شرقي المدينة المنورة، ويسكنه النخاولة والحروب بكثرة. على أن الشيعة منتشرون في معظم أحياء المدينة المنورة، ولكن بكثافة أقل، كما في الحارة الشرقية التي يتواجد بها عدد غير قليل من الأشراف وبشكل أقل من النخاولة. وكذلك يصدق القول على الحارة الغربية وحي العيون.
وبالطبع هناك أعداد غير قليلة من الشيعة الزيدية أقامت في السنوات الأخيرة في المدينة المنورة. ويوجد الشيعة في العديد من القرى المحيطة بالمدينة المنورة أو التي تدخل ضمن إطارها الإداري، من بين هذه القرى:
وادي الفرع، الواقع جنوب المدينة المنورة، وقد اشتهرت قرى الوادي ـ وبينها قرى شيعية عديدة ـ بكثرة مياهها ونخيلها وطبيعتها الخلاّبة، القرى الشيعية المعروفة قرية (أبو ضباع) ويسكنها لفيف من الحروب والأشراف.
السويرقية، وتقع جنوب شرقي المدينة، وغالبية سكان القرية من الشيعة الأشراف.
ينبع النخل، ويطلق هذا الاسم على جهة واسعة على شكل عقد من القرى ينتظم من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي. والمنطقة عامرة بالسكان والبساتين وتبعد عن المدينة المنورة حوالي 150 كيلومتراً. ويذكر البعض أن الاسم جاء من كثرة الينابيع واستمدت شهرتها من مرور طرق القوافل بها، ولقد أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من جهينة يدعى كشد بن مالك، ثم اشتراها عبد الرحمن بن أسعد، واشتراها منه الإمام علي بن أبي طالب، وتصدّق بعينين من عيونها.
وبمنطقة ينبع النخل 21 قرية قدّر عدد سكانها في إحصاء 1974 بنحو 19207 نسمة. ويشير أحد المؤلّفين إلى أن في ينبع ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً من الشيعة. ويبدو أن المقصود هنا ليس سكان ينبع النخل وإنما ينبع
البحر/ الميناء، حيث يقترب منها (جبل رضوى)، وهو ما أشار إليه ياقوت الحموي بقوله: «ورأيته من ينبع اخضر، وأخبرني من طاف في شعابه أن به مياهاً كثيرة وأشجاراً».
مهد الذهب، وهي القرية المعروفة بمناجم الذهب، ويتواجد فيها عدد غير قليل من الشيعة من قبائل عربية متفرّقة.
المسجد النبوي الشريف
ويقدّر مجموع الشيعة في المدينة المنورة والقرى الأخرى المحيطة بها، بنحو مائة ألف نسمة.
وعن البرزنجي في كتاب نزهة الناظرين أنه قال: وأما الخطابة على المنبر الشريف النبوي فكانت في (الإمامية الشيعة) حتى اتصلت بآل سنان. قال ابن فرحون الخطابة من آل سنان سنة 682 واستمروا حكاماً على حالهم.
وللطرافة والفائدة معاً ننقل هنا ما كتبه الوهابيون عن شيعة المدينة فيما أسموه: (الرافضة في بلاد التوحيد). وما ننقله هنا هو بعض ما كتبوه عن الشيعة فيما يسمى بالمملكة العربية السعودية:
إظهارهم البدع والشرك في المدينة النبوية:
وذلك أن الذاهب إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يرى مقدار علو شوكتهم وقوتهم في الجهر بمنكرهم، حيث يأتي الشيعة الرافضة من إيران والإحساء والقطيف إلى المدينة في شهر رجب زرافات ووحداناً، وذلك عن طريق الحملات المنظمة التي تفد إلى المدينة بشكل كبير، ويمكن إجمال الوضع في المدينة في النقاط التالية:
1 ـ يلاحظ التنظيم الدقيق للرافضة من حيث التنقلات من وإلى المسجد النبوي ومقبرة البقيع، وغيرها من الأماكن التي يزورونها.
2 ـ لكل طائفة منهم قائد يتصرفون بحسب ما يمليه عليهم، وهو الذي يقوم بقراءة الموالات والأدعية التي يقولونها.
3 ـ لا يصلي الرافضة في المسجد النبوي على السجاد المفروش، بل يصلون على الحصر التي لا تفارق أيديهم، فإن لم تكن معهم فإنهم يتقدمون أو يتأخرون عن الصفوف ليسجدوا على البلاط.
4 ـ تجتمع أعداد كبيرة منهم رجالاً ونساءً في الساحات الخارجية، وعند الأبواب خارج المسجد النبوي، حيث يعلو صياحهم ونياحهم وتسمع أصواتهم من بعيد.
5 ـ يخرج كثير من رافضة القطيف والأحساء في وقت صلاة الظهر والعصر بالذات من المسجد بعد الأذان، بلا إنكار من أحد، فالناس يدخلون وهم يخرجون.
6 ـ يصلي الرافضة الظهر والعصر جمعاً كما هو معتقدهم ودينهم، ويكون ذلك قرابة الساعة الثانية ظهراً، حيث يبدؤون في التوافد بكثرة على المسجد النبوي. ويراهم كل أحد، بشكل ملفت للنظر.
7 ـ يحمل غالبية الرافضة أثناء وجودهم في المسجد النبوي كتباً تتعلق بمذهبهم ويقرؤون فيها بل بلغ الحال بأحدهم أن وزّع نسخاً من كتاب (أكذوبة تحريف القرآن بين السنة والشيعة) في المسجد النبوي، وهذا الكتاب ينفي عن الشيعة قولهم بتحريف القرآن ويرمي به أهل السنة.
8 ـ تدخل جموع غفيرة منهم إلى مقبرة البقيع يومياً، وبخاصة بعد الإشراق ويجتمع ملاليهم وساداتهم، ثم يبدأ الدعاء والتوسل والبكاء عند قبور بعض أهل البيت عليهم السلام وإطلاق كلمات الشرك والغلو فيهم، وعدد أولئك الداخلين إلى المقبرة يعد بالمئات، بل أنهم يقومون كل مساء بالدخول إلى المقبرة ورش الطيب على قبر فاطمة، وتجتمع النساء الرافضيات عند جدران المقبرة ويقوم رجل في وسطهن ليقرأ عليهن من موالاتهم ثم يبدؤون بالبكاء والصياح. ويقوم بعض الرافضة هناك بتوزيع الحلوى على أطفال أهل السنة الذين ربما راقبوهم بدهشة.
9 ـ يسكن الرافضة غالباً في الفنادق القريبة من المسجد النبوي وتكون خاصة بهم تقريباً ولذا فإنه يوجد في هذه الفنادق وعند أبوابها بعض التهاني أو التعازي الرافضية، بل والدعوة إلى الاحتفال ببعض مناسباتهم في (المدينة النبوية)، مع تحديد الوقت والمكان، وهذه يلاحظها كل داخل إلى الفندق.
ملاحظة: المسجد النبوي مليء بالآيات المكتوبة على جدران المسجد وفي أروقته. والغريب أنه قد كتبت بعض الأئمة الاثني عشر على جدران إحدى الساحات المكشوفة في المسجد حيث كتب: (محمد المهدي رضي الله عنه)، (علي التقي رضوان الله عنه)، (موسى الكاظم رضي الله عنه)، (محمد الباقر رضي الله عنه)، (حسن العسكري رضي الله عنه).
وبشكل عام فالوضع في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام خطير، والأمر يزداد سوءاً في كل عام، والجهر بالمنكر يتضح لكل زائر، فالله المستعان.
نشأة مدرسة أهل البيت عليهم السلام في المدينة
المدينة هي الرحم الذي ولدت فيه بذرة التشيع، واحتضن الجيل الأول من شيعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وتواصل توطن أئمة أهل البيت عليهم السلام فيها إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ولم يغادرها أحد منهم إلاّ لضرورات سياسية أو عسكرية أو علمية أو أن يستقدمه السلطان الجائر فيسيّره إلى بغداد أو سامراء.
إن تراث أهل البيت عليهم السلام وعلوم الإمامة فاضت من المدينة إلى بقية الأمصار بعد انتشار التشيع في شتى أقاليم الدولة الإسلامية آنذاك، وكان المسجد النبوي هو المركز العلمي الأهم الذي عقدت تحت سقفه الحلقات الدراسية الأولى عند الشيعة، وشهد هذا المسجد منذ تأسيسه إلى عدة قرون تعاقب مجموعة كبيرة من التلامذة، الذين انخرطوا في حلقات الأئمة عليهم السلام وأصحابهم ثم العلماء الشيعة في فترات لاحقة. فبعد غياب الرسول صلى الله عليه وسلم عن المسرح مكث الإمام علي عليه السلام نحواً من ثلاثين سنة أمضى معظمها في المدينة ما خلا نحو خمس سنوات في الكوفة ـ عكف فيها على صيانة القرآن الكريم والسنة الشريفة وتعليمهما.
لقد كان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يمثل المرجعية العلمية في حياة المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالرغم من إقصائه عن المسرح السياسي في حياة الخلفاء الثلاثة، لكنه كان يسهر على حماية تجربة الإسلام الفتية من النكوص والتداعي، وهذا ما جعله يسجل حضوراً مشهوداً في مواقف متنوعة، منها ما يرتبط بالقضاء وحسم الخصومات بين الطرفين المتنازعين حين يتعذر على الخليفة اتخاذ موقف قضائي بذلك، ومنها ما يرتبط ببيان المواقف الاستراتيجية في المنعطفات السياسية والعسكرية في الحياة الإسلامية، عندما يتعرض المسلمون لأخطار وشيكة، إثر الصراع المحتدم مع الأمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وقوى الشرك الأخرى في الجزيرة العربية.
يضاف إلى ذلك الدور البارز الذي اضطلع به الإمام علي عليه السلام في حلّ المعضلات العقائدية والفكرية، التي كانت تتوالد كلّ يوم مع ازدياد عدد المسلمين واتساع رقعة الدولة الإسلامية. وهذا ما تحكيه بوضوح المراجع التاريخية، التي تحدثت عن تلك الحقبة، فحين تشير إلى طبيعة التحديات المختلفة، التي كانت تواجه المسلمين وقتئذٍ، تكشف عن الدور المتميز، الذي كان ينهض به الإمام علي عليه السلام، ففي التفسير وبيان ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه كان هو المرجع، وفي بيان الأحكام الشرعية هو المرجع، وفي حلّ المعضلات الفكرية المتنوعة هو المرجع، وفي المناظرات العقائدية هو المرجع، حتى شهد الخليفة الثاني بمرجعيته هذه غير مرة قائلاً: (لولا عليٍّ لهلك عمر)، (ولا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، و(لا يُفتين أحد في المسجد وعليّ حاضر) ([347]).
من هنا يتبين أنه كان المدرّس الأول في المدينة المنورة، وكان هو منهل العلم الذي استقى منه عدد وفير من الصحابة والتابعين المعارف الإسلامية، وإليه ينتهي تأسيس جملة من العلوم الإسلامية، يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: (ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أُخِذَ، ومنه فُرِّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأن أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حالَ ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنِسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. ومن العلوم علمُ الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشِّبْلي، والجُنَيد، وسَري، وأبو يزيد البِسْطامي، وأبو محفوظ معروف الكرخي، وغيرهم … ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه).
في ضوء ذلك يتضح أن الإمام علي عليه السلام مكث في المدينة المنورة بعد وفاة رسول الله مدة ناهزت عقدين ونصف العقد عكف فيها على غرس بذرة العلوم الإسلامية، وإعداد جيل من التلامذة كعبد الله بن عباس المعروف بحبر الأمة، أسهم هذا الجيل فيما بعد في الامتداد بمدرسة علي عليه السلام من المدينة إلى بقية الأمصار الإسلامية، وتنمية العلوم التي غرسها. ومثلما كان للإمام علي الريادة في إرساء أسس مدرسة المدينة المنورة، والسهر على تربية طائفة من التلامذة من ذوي البصائر، كذلك فعل الشيء نفسه لما بويع بالخلافة واتخذ من الكوفة عاصمة له.
مدرسة المدينة بعد غياب الإمام علي عليه السلام
لم تقفل مدرسة المدينة أبوابها بعد هجرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة عام 35 للهجرة، ثم استشهاده في مسجد الكوفة بعد خمس سنوات من هذا التاريخ، وإنما تعاقبت عليها عدة أجيال من تلامذة الإمام علي وتلامذتهم. إذ امتدت الحركة العلمية في المدينة بأبناء علي من الأئمة عليهم السلام، وبتلامذته الآخرين، الذين برز منهم عبد الله بن عباس، الذي باشر تعليم التفسير والحديث والفقه والأدب، وكان مجلسه يكتظ بالدارسين من مختلف الطبقات، قال عطاء: (ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر علماً وأعظم جَفْنة، وإن أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب النحو عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه، كلهم يصدرهم في واد واسع)([348]).
إلاّ أن ابن عباس عنى بتعليم التفسير وعلوم القرآن عناية فائقة فعرف به، ومُلِئت المصنفات المبكرة للتفسير بمروياته وآرائه الخاصة. وعمل الوضّاعون فيما بعد على وضع أشياء كثيرة ونسبتها إليه تزلفاً لأبنائه من الخلفاء في العصر العباسي([349]). وعلى هذا لا يمكن القول: إن تراث ابن عباس التفسيري يعبر عن روح مدرسة الإمام علي عليه السلام بصورة نقية أمينة، وإن كان ابن عباس نفسه أميناً فيما حكاه عن أستاذه، لكن التشويه والدس الذي ابتُليَت به آثاره في العصر العباسي نأى بها عن المنبع الذي استقت منه، على أن ابن عباس لم ينفرد في مدرسة المدينة، وإنما سطع فيها نجم الحسن والحسين عليهما السلام، اللذين ورثا ودائع النبوة والعلوم التي نهلها أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورث الحسين ذلك لولده علي السجاد وصار السلف منهم يوصلها لخلفه، (عن عمر بن يزيد قال أبو جعفر عليه السلام : إن علياً عالِم هذه الأمة، والعلم يتوارث، ولا يهلك أحد منّا إلاّ ترك من أهله مَنْ يعلم مثل علمه أو ما شاء الله)([350]).
وتؤكد المصادر التاريخية أن عبد الله بن عباس كان على بيّنة من هذا الأمر، ولذلك كان يبالغ في احترام الحسن والحسين، يقول مدرك بن عمارة: (رأيت ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين، فقيل له: أتأخذ بركابيهما وأنت أسنّ منهما؟ فقال: إن هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ليس من سعادتي أن آخذ بركابيهما)([351]).
لقد واصل الحسنان رعاية مدرسة أبيهم في المدينة، والتف حولهما نخبة من تلامذة أمير المؤمنين وغيرهم ينهلون من حلقات دروسهم في في المسجد النبوي الشريف، وذاع نبأ هذه الحلقات فرحل إليها طلاّب العلم من خارج المدينة، فكان الحسن (يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمع الناس حوله، فيتكلم بما يشفي غليل السائلين، ويقطع حجج القائلين)([352]). ونالت حلقة الإمام الحسن في المسجد النبوي اهتمام القادمين إلى المدينة، وتميزت على ما سواها من الحلقات الأخرى في المسجد.
أما حلقة الإمام الحسين عليه السلام في المسجد النبوي فقد اشتهرت وتفوقت على نظائرها من حلقات الدرس في المسجد، حتى اضطر معاوية للاعتراف بذلك عندما قال لرجل من قريش: (إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله، مؤتزراً على أنصاف ساقيه، ليس فيها من /الهُزِّيلي([353]) شيء)([354]).
وتمتع الإمام الحسين عليه السلام بمرجعية علمية في المدينة مثلما تسنم أمير المؤمنين عليه السلام قبل ذلك هذه المرجعية، فكان يدحض الشبهات العقائدية حين يعجز غيره عن تفنيدها.
وبعد الإمام الحسين عليه السلام انبرى ولده الإمام السجّاد عليه السلام لتبني مدرسة المدينة ورعايتها، وحظي السجاد عليه السلام بمقام المرجعية العلمية في هذه المدرسة مثلما حظي أبوه وجده عليهما السلام قبل ذلك، وهذا ما تدلل عليه مجموعة شهادات صدرت من علماء معروفين من معاصريه، (فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منّة)([355]).
ويضيف قائلاً: (ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين! وما رأيت أحداً كان أفقهَ منه، ولكنه كان قليل الحديث … لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين)([356]). و(قال رجل لسعيد بن المُسَيّب: ما رأيت أحداً أورع من فلان! قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه!)([357]).
وقال ابن خلكان في معرض الحديث عنه: (وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تُحصَر)([358]). وكان الإمام السجّاد عليه السلام منصرفاً إلى بثّ علوم النبوة، متَّخذاً من المسجد النبوي مدرسة له، ففي كلّ جمعة يستثمر توافد المسلمين على المسجد فينبري للإرشاد والوعظ، ويبدو أن الإمام السجّاد عليه السلام كان يمضي قسطاً وافراً من وقته يُعلِّم في المسجد النبوي، قال يزيد بن حازم: (رأيتُ علي بن حسين وسليمان بن يسار، يجلسان بين القبر والمنبر، يتحدثان إلى ارتفاع الضحى ويتذاكران) ([359]).
ولم يقتصر نشاطه العلمي على فترات وجوده في المسجد، وإنما كان أهل العلم يقصدونه حيث مضى ولا ينفكّون عن طلب الإفادة منه والارتشاف من معين علومه حتى في سفره، يقول سعيد بن المسيب (إن القراء كانوا لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب …) ([360]). إن خروج موكب يضم ألف رجل من القرّاء مع علي بن الحسين، يبرهن بدون شك على حاجتهم إليه، وأنه هو المرجع الأول في التفسير وعلوم القرآن يومئذٍ، ويمكن أن نستنتج من هذا الرقم الكبير «ألف راكب» وجود إجماع بين المسلمين على منزلته العلمية، ولا سيما إذا لاحظنا أن هذا الموكب لا يفارقه في رواحه ومجيئه، يقول سعيد بن المسيب: (كان القوم لا يخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد الساجدين …) ([361]).
إن التفاف الناس وطلاّب العلم خاصة حول الإمام السجّاد عليه السلام، ومرافقتهم له بنحو دائم في سفره وحضره، يعبر عن ظاهرة ملفتة للنظر، خصوصاً أن السجّاد عليه السلام كان يخضع لرقابة السلطة الأموية باستمرار، لكن ذلك لم يُثنِ أهل العلم من الارتباط بمجالسه والحرص على مرافقته أينما رحل. وقد كان الوضع الأمني الذي عاشه الإمام السجّاد عليه السلام في المدينة عقيب واقعة كربلاء مباشرة لا يسمح له بممارسة مهامه العلمية بحرية، إلاّ أنه لم يتخلَّ عن تلك المهام، فتكثف عمله على إعداد وتربية نخبة من الرجال الذين وعوا علومه ونشروها بين الناس، (قال الفضل بن شاذان: ولم يكن في زمن علي بن الحسين عليه السلام في أول أمره إلاّ خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر، سعيد بن المسيّب ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام، وكان حزن جدّ سعيد أوصى إلى أمير المؤمنين عليه السلام)([362]).
وكان لتلامذة الإمام السجّاد دورٌ هام في نشر العلوم الإسلامية، فمثلاً عُرِف سعيد بن جبير كأحد أبرز رجال التفسير والفقه في عصره، حتى (كان ابن عباس، إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أُم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير)([363]). واعترف ابن عمر عندما سأله رجال بأن سعيد أفقه منه، (عن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة، فقال: ائت سعيد بن جُبير فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يُفرِض منها ما أفرض) ([364]). وروى (عمرو بن ميمون عن أبيه، قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلاّ وهو محتاج إلى علمه)([365]).
أما سعيد بن المسيب فكان من أبرز علماء عصره مثلما وصفه الإمام السجّاد (عن أبي جعفر، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفهمهم في زمانه) ([366]).
ومضافاً إلى ما أنجبته مدرسة الإمام السجّاد عليه السلام من حملة العلوم الإسلامية، خلفت لنا هذه المدرسة أيضاً نصّين هامين، أحدهما عبارة عن مجموعة من الأدعية التي طفحت بالتعاليم والمفاهيم الربّانية، اشتهرت باسم «الصحيفة السجّادية»، والآخر وهو وثيقة حقوقية نصّت على طائفة من الحقوق الأساسية لله تعالى، وللنفس، وللأئمة، وللرعية، وللرحم، وللناس … وغير ذلك وعرفت باسم «رسالة الحقوق».
مدرسة المدينة في عصر الباقر والصادق عليهما السلام
وبعد وفاة الإمام علي بن الحسين عليه السلام نهض بمهمة إدارة مدرسته والتعليم فيها ولده الإمام محمد الباقر عليه السلام، الذي احتضن تلامذة أبيه، واقتفى أثره في تربية مجموعة من العلماء، (وشُهِرَ أبو جعفر بالباقر من: بقر العلم، أي شقَّهُ فعرفَ أصلَهُ وخفيّه) ([367]).
واعترف له بالتفوق العلمي وأهليته لإمامة المسلمين مَنْ ترجم له من المؤرخين، فمثلاً قال عنه الذهبي: (وكان أحد مَنْ جمع بين العلم والعَمَل والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وكان أهلاً للخلافة)([368])، وقال عنه أبو زرعة (ولعمري إنّ أبا جعفر عليه السلام لمن أكبر العلماء)([369]). ولم ينفرد الشيعة بتوقير مقامه والإفادة منه، وإنما ورد نميره طائفة من طلاّب العلم الآخرين، لما وجدوا لديه من غزارة في العلم وإحاطة شاملة بالعلوم الإسلامية، فكانوا إذا أرادوا معرفة السنة الشريفة جاؤوه، وإذا اضطربت الآراء وتزايدت الشبهات لم يجدوا الجواب النهائي عليها عند غيره، فقد (روى أبو جعفر عليه السلام، أخبار المبتدإ وأخبار الأنبياء، وكَتَبَ عنه الناس المغازي، وأثروا عنه السُّنَنْ، واعتمدوا عليه في مناسك الحج التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا عنه تفسير القرآن، وروت عنه الخاصة والعامة الأخبار، وناظرَ مَنْ كان يَرِدُ عليه من أهل الآراء، وحفِظَ عنه الناس كثيراً من علم الكلام … وروي عنه عليه السلام أنه سُئِل عن الحديث يُرسلُه ولا يُسندُه، فقال: «إذ حدّثتُ الحديث فلم أُسنِده، فسندي فيه أبي عن جدِّي عن أبيه عن جدِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم»)([370]).
وكان مجلسه عامراً بالعلماء، وهم في غاية التواضع والاحترام له، قال عبد الله بن عطاء المكي: (ما رأيتُ العلماء عند أحدٍ قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام، ولقد رأيتُ الحكم بن عُتَيْبة ـ مع جلالته في القوم ـ بين يديه كأنه صبيّ بين يديه مُعَلِّمه. وكان عليه السلام يفد عليه السائلون وطلاب العلم من شتى البلاد في ذلك العصر، ومجلسه يومئذٍ معروف في المسجد النبوي الشريف، ومزدحم بهؤلاء القادمين من تلك البلاد، كلٌّ منهم يسأل ويطلب المعرفة من أبي جعفر عليه السلام، يقول أبو حمزة الثمالي: (كنت جالساً في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجل فسلَّمَ، فقال: مَنْ أنت يا عبد الله؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام؟ فقلت: نعم، فما حاجتك إليه؟ قال: هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها) ([371]).
وقد كان أبو جعفر الباقر عليه السلام مثلما كان أبوه السجّاد عليه السلام، حيثما ذهب أو حلَّ يلحقه أهل العلم وينتهز أهل ذلك البلد أو القادمون إليه من بلدان أخرى فرصة وجوده عليه السلام فيرتشفون من منهله الغزير، (عن ثوير بن فاخته، قال: خرجت حاجًّا فصحبني عمر بن ذر القاضي، وقيس الماصر، والصلت بن بهرام، وكانوا إذا نزلوا منزلاً، قالوا: أنظر الآن، فقد حررنا أربعة آلاف مسألة تسأل أبا جعفر عليه السلام منها عن ثلاثين كل يوم …) ([372]). أما إذا بلغ الإمام الباقر عليه السلام بيت الله الحرام، فيتهافت على مجلسه المقيمون في مكة والقادمون من الأمصار، ويصبح مجلسه في البيت الحرام حديث الحاج في الموسم، لشدة ازدحام الناس عليه. (قال الأبرش الكلبي لهشام، مشيراً إلى الباقر عليه السلام: مَنْ هذا الذي احتوشه أهل العراق يسألونه؟)([373]).
ويؤكد موقف آخر تجمهر طلاب العلم حوله عليه السلام في الحرم، كما يقول أبو بصير: (كان أبو جعفر الباقر عليه السلام جالساً في الحرم، وحوله عصابة من أوليائه، إذ أقبل طاووس اليماني في جماعة، فقال: مَنْ صاحب الحلقة؟ قيل: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: إيّاه أردت، فوقف عليه، وسلَّم وجلس، ثم قال: أتأذن لي في السؤال؟ فقال الباقر عليه السلام: قد أذنّاك فسل …) ([374]).
وتخرج في مدرسة الباقر عليه السلام نخبة من العلماء الذين سهروا على حفظ ورواية أحاديث أهل البيت عليهم السلام ونشرها بين حفظة العلم، من أمثال أبان بن تغلب بن رباح، الذي كان من تلامذة علي بن الحسين، وأبي جعفر، وأبي عبد الله عليهم السلام، روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقَدَم …. وقال له أبو جعفر عليه السلام: «إجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإني أحِبّ أن يُرى في شيعتي مثلك» …. وكان أبان إذا قدم المدينة تَقَوّضَتْ إليه الحَلَق، وأُخليت له سارية النبي صلى الله عليه وسلم([375]). واعترف الجمهور باستيعاب تلامذة الإمام الباقر عليه السلام ودقَّتهم في رواية الحديث الشريف، فقد ورد في (مسند أبي حنيفة قال الراوي: ما سألت جابر الجعفي قطّ مسألة إلاّ أتاني فيها بحديث …)([376]).
وهكذا كان محمد بن مسلم الثقفي الذي يقول: (ما شجر في رأيي شيء قط إلاّ! سألت عنه أبا جعفر عليه السلام، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ستة عشر ألف حديث)([377]). وكان بعض الوافدين إلى مدرسة الإمام الباقر عليه السلام من الأمصار يمكثون عدّة سنوات فيها للتزود من معارف أهل البيت عليهم السلام منقطعين عن أوطانهم وأهليهم، كما فعل محمد بن مسلم الذي (أقام بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر عليه السلام يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد عليه السلام يسأله)([378]).
وقدم جابر الجعفي إلى المدينة لطلب العلم منه عليه السلام، يقول جابر: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا شاب، فقال من أنت؟ قلت من أهل الكوفة، قال: ممَّن؟ قلتُ: من جعفي، قال: ما أقدمك إلى ههنا؟ قلت: طلب العلم، قال: ممن؟ قلتُ: منك…) ([379]).
ولا يسعنا في هذا المقام أن نتحدث عن جميع مَنْ تخرّج في مدرسة الإمام الباقر، والذين تجاوز عدد المعروفين منهم أكثر من (450) أربعمائة وخمسين رجلاً([380]).
وبعد وفاة الإمام الباقر خلفه في مدرسته ولده الإمام جعفر بن محمد الصادق، الذي (نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الرُّكبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته ما نُقل عنه، ولا لقي أحدٌ منهم من أهل الآثار ونقَلَةِ الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل ….. وكان يقول: «حديثي حديث أبي، وحديثُ أبي حديث جدِّي، وحديث جدِّي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم([381]). واتسع نطاق مدرسته فاستوعبت عدداً غفيراً من طلاّب العلم، وامتدت جغرافياً لتتخذ من مدينة الكوفة مركزاً لها في ذروة نموها وتطورها. فإن انتقال الإمام وحلوله في أي مكان كان سبباً لأن يقصده أهل العلم ويلتفوا حوله للارتشاف من نمير علمه. وكان البعض يستفيد من وفود الإمام الصادق عليه السلام إلى بيت الله الحرام فيتلقى العلم منه، ويلجأ إليه في دحض الشبهات التي بدأت بالظهور في هذا العصر.
وعندما نراجع مواقف المعاصرين للإمام جعفر الصادق من الفقهاء، والرواة، والمفسرين، نجدهم يعترفون بأسرهم له بالفضل والمقام العلمي الشامخ.
وبمثل هذا يشهد الإمام أبو حنيفة، كما في (مسند أبي حنيفة، قال الحسن بن زياد: سمعتُ أبا حنيفة وقد سُئِلَ مَنْ أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمد. لما أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد فيهيّئ له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته، فدخلتُ عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمتُ عليه، فأومأ إليّ فجلستُ، ثم التفتَ إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفت إليّ، فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلتُ أُلقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلَّ منها بشيء. ثم قال أبو حنيفة: أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس)([382]).
وقد أمضى الإمام جعفر الصادق عليه السلام جُلَّ حياته في المدينة المنورة منصرفاً لإحياء السُّنة الشريفة ونشر معارف الوحي، كتب الشهرستاني يصف الإمام الصادق عليه السلام (وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة، يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق، وأقام بها مدة)([383]).
واشتهر مجلسه في المدينة؛ لأنه (كان يجلس للعامة والخاصة، ويأتيه الناس من الأقطار، يسألونه فلا يخرج أحد منهم إلاّ راضياً بالجواب)([384]). واستقطب مجلسه القادمين إلى المدينة، فكان أهل العلم لا يتركون الورود عليه عندما يأتونها، فقد دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم، فقال له: (يا أبا حنيفة، إن ههنا جعفر بن محمد، من علماء آل محمد، فاذهب بنا إليه، نقتبس منه علماً، فلما أتيا إذ هما بجماعة من علماء شيعته ينتظـرون خروجـه أو دخـولـهـم عـلـيه…)([385]). ولم ينقطع توافد أصحابه عليه على مدارس السنة، وكان يزدحم وفدهم وقت الحج، فمثلاً عُرِف عن زرارة بن أعين وإخوانه مجيئهم إليه من الكوفة باستمرار، حتى (قال ربيعة الرأي لأبي عبد الله عليه السلام: ما هؤلاء الأخوة الذين يأتونك من العراق، ولم أرَ في أصحابك خيراً منهم ولا أهيأ؟ قال: أولئك أصحاب أبي، يعني ولد أعين)([386]). وهكذا (عمر بن محمد بن يزيد أبو الأسود بياع السابري … أحد مَنْ كان يفد في كلّ سنة)([387])، إلى أبي عبد الله عليه السلام من الكوفة للارتشاف من المعارف لديه. وهاجر آخرون من أصحابه إلى المدينة عازفاً عن وطنه ملتحقاً به عليه السلام، مثلما فعل حماد بن عيسى الجهني البصري، الذي (لحق بأبي عبد الله عليه السلام، ومات بوادي قناة بالمدينة …. سنة تسع ومئتين)([388]).
وقد أسهم تزايد وفود أصحاب الصادق عليه السلام إلى المدينة في تنامي الحركة العلمية فيها، وازدهار حلقات الدراسة والمناظرة في أروقة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو خالد الكابلي: (رأيت أبا جعفر صاحب الطاق، وهو قاعد في الروضة، قد قطع أهل المدينة أزراره، وهو دائب يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه، فقلت: إن أبا عبد الله ينهانا عن الكلام، فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا والله، ولكن أمرني أن لا أكلم أحداً، قال: فاذهب فأطعه فيما أمرك، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فأخبرته بقصة صاحب الطاق، وما قلتُ له، وقوله لي اذهب وأطعه فيما أمرك، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام، وقال: يا أبا خالد، إن صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقضّ، وأنت إن قصوك لن تطير)([389]). وما كان لهذه الحركة العلمية أن تأخذ بالاتساع لو لم يكن الإمام مرشداً وهادياً لها.
وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام يغمر تلامذته بفيض من العطف والرعاية والمودة، ويتكفل شيئاً من نفقتهم، ويقوم بضيافتهم في منزله إذا وردوا المدينة، يقول زيد الشحّام: (رآني أبو عبد الله عليه السلام وأنا أصلي، فأرسل إليّ ودعاني، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من مواليك، قال: فأيّ مواليَّ؟ قلتُ: من الكوفة، فقال: مَن تعرف من الكوفة؟ قلت: بشير النبّال وشجرة، قال: وكيف صنيعتهما إليك؟ فقال: ما أحسن صنيعتهما إليّ! قال: خير المسلمين مَنْ وصل وأعانَ ونفعَ، ما بتُّ ليلة قط ولله في مالي حقّ يسألنيه، ثم قال: أي شيء معكم من النفقة؟ قلتُ: عندي مائتا درهم، قال: أرنيها، فأتيته بها فزادني فيها ثلاثين درهماً ودينارين، ثم قال: تعشَّ عندي، فجئت فتعشّيت عنده، قال: فلما كان من القابلة لم أذهب إليه، فأرسل إليّ فدعاني من عنده (من غده)، فقال: مالك لم تأتني البارحة، قد شفقت عليّ؟ فقلتُ: لم يجئني رسولك، قال: فأنا رسول نفسي إليك ما دمت مقيماً في هذه البلدة([390])، ويتكرر هذا الموثقف مع آخرين من أصحابه جاؤوا المدينة، فعن مفضل بن قيس بن رمّانة، الذي قال: (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فشكوتُ إليه بعض حالي، وسألته الدعاء … فقال: هذا كيس فيه أربعمائة دينار، فاستعن به، قال: قلتُ: لا والله، جُعِلتُ فداك ما أردتُ هذا، ولكن أردت الدعاء لي …)([391]). وفي حالات أخرى يبادر مَن يدخل عليه فيكرمه، كما يقول جابر المكفوف: (دخلت عليه، فقال: أما يصلونك؟ قلتُ: بلى، ربما فعلوا، قال: فوصلني بثلاثين ديناراً…)([392]). بهذا الأسلوب يتفقد أبو عبد الله عليه السلام تلامذته، ويتولى تأمين نفقاتهم، ويقيهم الحاجة إلى غيره، وهو أسلوب ينبئنا عن كيفية تمويل التعليم وتأمين نفقات المتعلم وقتئذٍ.
وطالما حثَّ الإمام عليه السلام أتباعه على طلب العلم، ولا سيما الشباب منهم، وتمنى لهم أن ينخرطوا في سلك العلماء والمتعلمين، روى (أبو قتادة عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: لستُ أُحبّ أن أرى الشباب منكم إلاّ غادياً في حالين: أما عالماً أو متعلِّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، وإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار، والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحقّ)([393]).
وأفصح الصادق عليه السلام عن معيار يحدد في ضوئه منزلة كلّ واحد من شيعته، فيما رواه عن أبيه الباقر عليه السلام حين قال له: (يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرِّواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان، إني نظرت في كتاب لعليّ فوجدتُ في الكتاب: أن قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، أن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا) ([394]).
مدرسة المدينة بعد الإمام الصادق عليه السلام
لم يدم عصر الازدهار الذي عاشته مدرسة المدينة بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام إثر ازدياد الاضطهاد، الذي كان يتعرض له تلامذة الأئمة في العصر العباسي، وقسوة الأحوال الأمنية التي عاشوها، وانتهت بإمامهم موسى الكاظم عليه السلام إلى السجن، وهيمنت حالة من الخوف والذعر على الشيعة بالمدينة، أدّت إلى حرصهم على التكتم، وإحاطة نشاطهم بالسرية، يقول هشام بن سالم: (كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام، أنا، ومؤمن الطاق، وأبو جعفر، …. فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومي إليّ بيده، فخفت أن يكون من عيون أبي جعفر (المنصور)، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على أن من اتّفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنحَّ فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّى غير بعيد. وتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلّص منه، فما زلت أتبعه حتى وردني على باب أبي الحسن موسى عليه السلام، ثم خلاّني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أدخل رحمك الله، قال: فدخلت فإذا أبو الحسن عليه السلام … قلت: جُعلتُ فداك، أسألك عما كان يسأل أبوك؟ قال: سل تُخبَر ولا تُذِع، فإن أذعت فهو الذبح، قال: فسألته فإذا هو بحر. قال: قلت: جُعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلاّل فألقي إليهم، وأدعوهم إليك فقد أخذت عليّ بالكتمان؟ قال: مَنْ آنست منهم رُشداً فألق إليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه …) ([395]).
إن هذه الظروف حالت بين الإمام الكاظم عليه السلام واتصال أصحابه به بنحو طبيعي، ذلك أن غياب الحرية ينتج ضمور الحركة العلمية وتراجعها، ومع ذلك فإن الإمام عليه السلام لم يتخلَّ عن مهمة بثّ المعارف ونشرها بين خاصة أصحابه، كما حرص تلامذته على الإفادة من أية فرصة تتاح لهم بلقائه، وتسجيل كلّ شيء يتفوّه به، روى أبو الوضاح أن أباه قال: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن عليه السلام من أهل البيت، والشيعة، يحضرون، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال، فإذا نطق أبو الحسن بكلمة أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك) ([396]).
وأصر الشيعة على مواصلة الاتصال بأبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام وهو في سجنه ببغداد، عبر مراسلات كانت تجري بطريقة سرية، ولم تمنعه الرقابة المشددة في السجن، وقسوة الأحوال التي كان يعيشها فيه من بيان معارف الوحي على خاصته، يقول علي بن سويد السائي: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام وهو في الحبس، أسأله عن حاله، وعن جواب مسائل كتبت بها إليه، فكتب إلي: بسم الله الرحمن الرحيم…)([397]).
وربما بادر في بعض المرات فبعث هو رسائل من سجنه إلى شيعته لتجلية وتوضيح أمور معينة؛ لئلا يلتبس الموقف فيها عليهم، يقول الحسين بن المختار: (خرجت إلينا ألواح من أبي إبراهيم موسى عليه السلام، وهو في الحبس)([398]). بيد أن ما تعرض له الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من رقابة مشددة، آلت في خاتمة المطاف إلى الحبس، لم تحجبه عن طلاّب العلم وتمنعهم من التتلمُذ على يديه، أحصى منهم الشيخ الطوسي في رجاله ما يربو على مائتين وخمسين([399]). ومع أن هذا العدد من التلاميذ يعدّ قليلاً بالمقارنة مع عدد تلامذة أبيه جعفر الصادق عليه السلام، الذي قُدِّر بأربعة آلاف، لكن هذا العدد يعتبر كبيراً بالنسبة إلى طبيعة الظروف السياسية، التي عاشها الإمام وأصحابه في ظل الحكم العباسي.
وبالرغم من أن هذه الظروف أعاقت الإمام الكاظم عليه السلام عن التصدّي للتدريس وإدارة الحلقات العلمية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما كان يفعل سلفه، إلاّ أنه عمد لتبني أساليب أخرى لا تثير حفيظة عيون السلطة، في تربية وتعليم تلامذته، ويمكن التعرف على شيء من ذلك في العدد الوفير من الصحف والنسخ الحديثية التي دوّنها هؤلاء التلاميذ عنه، فقد ذكر النجاشي طائفة من أسمائهم مع بيان لأسماء كتبهم التي تلقوها من الإمام الكاظم عليه السلام، ومن هؤلاء: محمد بن تميم النّهشلي التميمي البصري([400])، ومحمد بن صدقة العنبري البصري([401])، وعلي بن عبيد الله بن حسين([402])، والحسن بن علي بن يقطين([403])، وأخو الإمام الكاظم علي بن جعفر([404])، ومحمد بن الفرج الرُخَّجِيّ([405])، وعبد الله بن محمد الأهوازي([406])، وعلي بن يقطين([407])، وموسى بن إبراهيم المروزي([408])، وعلي بن حمزة بن الحسن([409])، ومحمد بن زُرْقان([410])، ومحمد بن ثابت([411])، ومحمد بن فُضيل بن كثير الصيرفي الأزدي([412]). وذكر الشيخ الطوسي في الفهرست «مسائل» ليونس بن عبد الرحمن([413])، ولصفوان بن يحيى([414])، روياها عن موسى بن جعفر عليه السلام.
ولم يقفل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحقبة أبوابه تماماً عن حلقات الدراسة، ومجالس العلم الشيعية، وإنما كان ينتخب موسى بن جعفر عليه السلام بعض أصحابه، ممن يتوفر على مزايا علمية متميزة، فيوجهه لعقد مجلس علم في المسجد؛ لئلا يغيب صوت الهدى عن هذا المكان الشريف، يقول حمّاد: (كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكلّمهم ويخاصمهم، حتى كلمهم في صاحب القبر، فكان إذا انصرف إليه، قال له: ما قلتَ لهم؟ وما قالوا لكَ؟ ويرضى بذلك منه) ([415]).
على أن قلة ظهور موسى بن جعفر عليه السلام وتكتمه على بعض نشاطه العلمي، لم يخف حقيقته عن المسلمين، فقد استأثر بمقام المرجعية العلمية خلفاً لسلفه من آبائه الأئمة عليهم السلام، واعترف له بذلك قطّاع كبير ممن عاصره أو جاء بعده، فمثلاً (كان أحمد بن حنبل، قال: حدثني موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال أحمد: وهذا إسناد لو قُرئ على مجنون لأفاق) ([416]). بل أن هارون الرشيد الذي حبس موسى بن جعفر عليه السلام فيما بعد، يعترف بمقامه العلمي لما دخل عليه الإمام في المدينة، فبالغ الرشيد في احترامه، سأله ولده المأمون عن دوافع هذا الاحترام بدهشة! (لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئاً ما رأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين، والأنصار، ولا بني هاشم، فمَن هذا الرجل؟ فقال: يا بني هذا وارث علم النبيين، هذا موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا. قال المأمون.: فحينئذٍ انغرس في قلبي محبتهم) ([417]).
وبعد وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تصدّى لرعاية مدرسة المدينة ولده الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، الذي نهج منهج سلفه في إشاعة المعارف لتلامذته الخاصين، حذراً من محاولات السلطة العباسية، وكثّفت جهودها لإجهاض مدرسته، ولذلك لم تعد حلقات مدرسة أهل البيت عليهم السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحقبة إلى عصر ازدهارها السابق في أيام جعفر الصادق عليه السلام وأبيه محمد الباقر عليه السلام فقد صوّر أحد تلامذة الإمام الرضا عليه السلام حالة الخوف التي كانوا يعيشونها عقيب وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، بقوله: (لما مضى أبو الحسن موسى عليه السلام، وتكلَّم الرضا خفنا عليه من ذلك، وقلنا له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغية، فقال: ليجهد جهده، ولا سبيل له عليّ. قال صفوان: فأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد، قال للطاغي: هذا عليّ ابنه قد قعد وادّعى الأمر لنفسه، فقال: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعاً) ([418]) من هنا اضطر علي بن موسى عليه السلام لاقتفاء أثر أبيه في التكتم على المهم من حركته العلمية في زمن هارون الرشيد، لكن هلاك الرشيد وجلوس المأمون الذي أظهر الولاء لأهل البيت على منصة الخلافة، أشاع مناخاً مناسباً من الحرية للإمام الرضا عليه السلام وتلامذته، وأتاح لهم ممارسة حياتهم الفكرية من دون خشية السلطات، وبرز الدور العلمي للإمام بالتدريج، بحيث أضحى مقامه العلمي في المدينة، هو المرجع الذي يتلقى جميع أهل العلم منه، ويرجع إليه طلاّب العلم دون غيره من علماء التابعين، الذين كان عددهم وفيراً في المدينة آنذاك، كما ينقل أبو الصلت الهروي، فقد ذكر الهروي أنه لم يرَ (أعلم من علي بن موسى الرضا عليه السلام، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادته، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلمين، فما بقي أحد منهم إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرعلى نفسه بالقصور..) ([419])
وأكّد إبراهيم بن العباس تفوق علي بن موسى الرضا عليه السلام العلمي على كافة علماء عصره، بقوله: (… وما رأيته نقل إلاّ علمه، ولا رأيت أعلم منه، بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه).
لقد ازدلف طلاّب العلم من شتى الأمصار ينهلون من المعارف عند علي بن موسى الرضا عليه السلام، وصار العلماء يقتفون أثره للتزوّد منه أينما حلّ، كما (حدَّث أبو الصلت، قال: كنت مع علي بن موسى الرضا عليه السلام، وقد دخل نيسابور، وهو راكب بغلة شهباء، فغدا في طلبه علماء البلد: أحمد بن حرب، وياسين بن النضر، ويحيى بن يحيى، وعدّة من أهل العلم، فتعلقوا بلجامه في المربعة، فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته من أبيك.
لقد منحت الحرية النسبية في عصر المأمون الإمام الرضا عليه السلام فرصة ثمينة لنشر السُّنة الشريفة بين رواة الحديث، ولذلك كان يحثّ أصحابه باستمرار على تعلم معارف أهل البيت عليهم السلام، وإذاعتها ونشرها بين الناس، كيما يتعرف الناس على معالم مدرسة الوحي عبر قنواتها الأصيلة.
يقول الهروي: (سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا، ويعلمها الناس …) ([420]) ووردت إشارات يستفاد منها أن الإمام الرضا عليه السلام كان يطلب من بعض تلامذته التصدي لمهمة التعليم في مواطنهم، وكان يحيل إليهم أصحابه من مواطنيهم، فقد ذكر عبد العزيز بن المهتدي، الذي كان من خاصة أصحاب الإمام عليه السلام أنه سأله قائلاً: (إني لا ألقاك في كلّ وقت، فعمَّن آخذ معالم ديني؟ قال: خُذ من يونس بن عبد الرحمن)([421]). وقال ابن المسيب الهمداني: (قلت للرضا عليه السلام شقتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلّ وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا)([422]). إن توجيه الإمام الرضا عليه السلام أصحابه لتعلم معالم دينهم من يونس بن عبد الرحمن، وزكريا بن آدم، يدلل على اهتمام الإمام عليه السلام بتنمية النبتة الفتية للحركة العلمية في الأمصار الشيعية، التي غُرست بذرتها من قبل آبائه الطاهرين عليهم السلام وتلامذتهم المخلصين. وتجدر الإشارة إلى أن العصر الذي عاش فيه الإمام الرضا عليه السلام اتّسم بازدهار الحياة العقلية وتأسيس مراكز علمية هامة لدى المسلمين، التي كان من أبرزها بيت الحكمة في بغداد، الذي باشر فيه جملة من المترجمين نقل العلوم اليونانية وغيرها من علوم الأوائل إلى العربية. وقد رافق هذه الحركة ولادة وانبعاث مجموعة تيارات فكرية، كانت تموج بها الحياة العقلية وقتئذٍ، وولدت في هذا الفضاء الثقافي أسئلة متنوعة، حار أهل العلم في تقديم إجابات شافية عنها، فتكفل علي بن موسى الرضا عليه السلام بيان إجابات دقيقة عن تلك الأسئلة الحائرة، فقد ذكر محمد بن عيسى اليقطيني في تقدير عدد الأسئلة، أنه: (لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام، جمعت من مسائله، مما سُئل عنه وأجاب عنه، خمس عشرة ألف مسألة) ([423]). وهو عدد كبير، ولا سيما إذا لاحظنا طبيعة العصر آنذاك وبدائية وسائل الاتصال فيه. بيد أن هذا العدد من المسائل يكشف عن مدى نمو الحياة العقلية في ذلك العصر، والموقع الذي كان يحتله الإمام في توجيهها.
وبعد وفاة علي بن موسى الرضا عليه السلام ورثه في الإشراف على مدرسة المدينة ولده أبو جعفر محمد الجواد عليه السلام. وقد تصدّى أبو جعفر عليه السلام للمهام، التي كان يضطلع بها أبوه من قبل في سن مبكرة، وبرهن للعامة والخاصة تقدمه على سواه، وحمله لمواريث النبوة، فكان إذا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هرع إليه أهل العلم للإفادة منه، وتؤكد بعض المواقف أنّ التبجيل والاحترام اللذين يعامله بهما هؤلاء يعبران عن اعترافهم بفضله وتقدمه على غيره، ويتجلّى هذا بوضوح في الموقف الذي نقله (محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنين أكتب عنه ما يسمع من أخيه ـ يعني أبا الحسن عليه السلام ـ إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا المسجد ـ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبّلَ يده وعظّمه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: يا عم اجلس رحمك الله، فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا، إذا كان الله عزّ وجل ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهل هذه الشيبة، وأهّل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، أُنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد) ([424]). مع العلم أن علي بن جعفر كان من العلماء المعروفين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام في ذلك الوقت، حتى أن بعض التلامذة كان يبقى عدة سنوات متلمذاً عليه، وهو في هذا المقام العلمي الشامخ نراه يبالغ في تعظيم الإمام الجواد عليه السلام، وهذا يكشف عن الإذعان لمرجعيته العلمية لمدرسة المدينة، والاعتراف بتفوقه على مَنْ عاصره من أهل العلم. وقد تجاوزت شهرة الإمام عليه السلام حدود المدينة، فعرفه أهل العلم في بقية الأمصار، خاصة في عاصمة الخلافة يومئذٍ بغداد، (وكان المأمون قد شُغِفَ بأبي جعفر عليه السلام، لمّا رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة، والأدب، وكمال العقل، ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفراً على إكرامه، وتعظيمه، وإجلال قدره)([425]). وكان المأمون قد واجه معارضة شديدة من البيت العباسي لما قرر تزويج ابنته لأبي جعفر الجواد عليه السلام، فاضطر أن يُفصِح لهم عن الأسباب التي دعته للإقدام على ذلك، بقوله: (وأما أبو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنِّه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أن الرأي ما رأيتُ فيه)([426]).
ومكث أبو جعفر مضطلعاً بالمرجعية العلمية في المدينة طيلة حياته، (فلم يزل بها حتى أشخصه المعتصم في أول سنة عشرين ومائتين إلى بغداد، فأقام بها إلى أن توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة)([427]). وكان مقامه في المدينة محط أنظار الفقهاء والمحدثين، فقد استقطب القادمين إلى الحج منهم، وكانوا بعد انصرافهم يردون المدينة للقاء أبي جعفر الجواد عليه السلام والتزود من علومه، والوقوف على الإجابات الصحيحة للأسئلة والإشكالات المختلفة، التي كانت تتوالد كل يوم، مع اتساع معرفة المسلمين بالثقافات المترجمة من اليونانية والسريانية وغيرها.
وخلَّفَ الإمام أبو جعفر الجواد عليه السلام بعد وفاته ولَده الإمام أبا الحسن علي الهادي عليه السلام، فقد مكث الإمام الهادي عليه السلام في المدينة نحو ثلاث وعشرين سنة بعد وفاة أبيه، ثم أشخصه المتوكل العباسي إلى العراق، (وكان مقامه بسُرّ مَن رأى إلى أن قُبِض عشر سنين وأشهراً)([428]). وكان أبو الحسن عليه السلام يتولى رعاية تلامذته، ويشرف على أنشطتهم، ويتابع أعمالهم، ويراقب سلوكهم وهو في المدينة، عبر مكاتباته معهم، هذه المكاتبات التي تضمّنت حلولاً لمشكلات عقائدية وفكرية كان يتعرض لها أتباع الإمام عليه السلام المنتشرون في شتى الأصقاع، ولعلّ من أبرز هذه المكاتبات رسالته عليه السلام في الرد على أهل الجبر والتفويض، وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، والتي جاء فيها: (من علي بن محمد، سلام عليكم، وعلى مَنْ اتّبع الهُدى، ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد عليّ كتابتكم، وفهمت ما ذكرتُم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القَدَر، ومقالة مَنْ يقول منكم بالجبر، ومَنْ يقول منكم بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه، وبيانه لكم، وفهمتُ ذلك كله. اعلموا رحمكم الله …) ([429]).
وكانت الحركة العلمية عند الشيعة تحظى برعاية الإمام بكافة مناشطها وفعالياتها، وحرص الشيعة في عصره على الرجوع إليه فيما التبس من مواقف وأفكار في حياتهم، واطّلاعه على التراث الذي بأيديهم، لمعرفة مدى أصالته ومطابقته لهدى أهل البيت عليهم السلام، فقد قال الجعفري: (أدخلتُ كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري عليه السلام، فنظر فيه، وتصفحه كلّه، ثم قال: هذا ديني ودين آبائي، وهو الحقّ كلّه)([430]).
ومع أن المصادر التاريخية تسكت عن الحديث حول النشاط التعليمي الخاص لأبي الحسن الهادي عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، إلاّ أن المصادر الرجالية ترجمت لأكثر من مائة وستين تلميذاً من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام([431])، من سائر بلدان التشيع وقتئذٍ. ويدل هذا العدد على كثافة الجهود التي كان يبذلها أبو الحسن عليه السلام في تربية وتعليم تلامذته المقيمين في المدينة، والذين يعيشون خارجها؛ في سائر البلدان.
مدرسة المدينة بعد الإمام الهادي عليه السلام
غادر الإمام الهادي عليه السلام موطنه وموطن آبائه عليهم السلام المدينة مضطراً، بعد أن أشخصه المتوكل إلى سامراء، وفُرِضت عليه وعلى ولده الإمام العسكري عليهما السلام الإقامة فيها إلى وفاة الإمام الهادي عليه السلام سنة 254هـ، ثم وفاة الإمام العسكري سنة 260هـ.
وبغياب أبي الحسن الهادي عليه السلام عن المدينة طويت صفحة نور متلألئة من تاريخ مدرسة الوحي بالمدينة، تعاقب على إدارتها سلسلة مطهرة من الهداة بدءاً بالنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وسلم بعد هجرته للمدينة حتى العقد الخامس من القرن الثالث الهجري، بعد أن غادر الامام العاشر عليه السلام من أئمة أهل البيت عليهم السلام المدينة إلى سامراء.
ربما يقال هل أقفلت هذه المدرسة أبوابها وانصرف طلاّبها، منذ منتصف القرن الثالث، أم واصلت رسالتها في نشر المعارف في القرون التالية؟ في الجواب عن هذا السؤال، يمكن القول: إنه نستطيع أن نجزم بعدم خلو المدينة من وجود أعلام معروفين من الشيعة في فترات مختلفة، وهذا ما يورده بصراحة المؤرخون وكتّاب التراجم، فمثلاً أحصينا ما ترجمهم السيد محسن الأمين في كتابه «أعيان الشيعة» من الأعلام الشيعة المنسوبين إلى المدينة منذ عصر الصحابة إلى القرن الرابع عشر الهجري، فوجدنا الرقم يقترب من الأربعمائة، بيد أن ذلك لا يمنعنا من القول: إن المدينة لم تعد حاضرة علمية أساسية للتشيع بعد عصر الأئمة عليهم السلام؛ انتقال المركز العلمي منها إلى الكوفة، وقم، والري، ثم بغداد. وبقاء الشيعة فيها أقلية إلى عصرنا هذا.
تلخيص واستنتاج
تأسيساً على ما سبق يمكن استخلاص النقاط التالية؛ لبيان معالم مدرسة المدينة:
1 ـ مؤسس مدرسة المدينة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة الشريفة، ثم ورثه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وورث الحسنان أبيهما عليهما السلام، ولم يزل أبناؤهم الأئمة يرث الخلف منهم السلف إلى أن هاجر الإمام العاشر أبو الحسن الهادي عليه السلام تاركاً المدينة إلى سامراء مكرهاً بأمر المتوكل العباسي.
2 ـ مركز الحركة العلمية في المدينة هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه كانت تُعقد حلقات الدروس، وفيه يتلقى الرواة الأحاديث الشريفة، ويتعلم أهل القرآن تلاوته، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه. وفيه أيضاً كانت تجري المناظرات العلمية، وإليه ترد البعثات من سائر الأمصار، ممن يرحلون في طلب العلم. وربما علَّمَ الأئمة عليهم السلام في منازلهم أحياناً خاصة شيعتهم، حذراً من أعين السلطان.
3 ـ لم تقتصر مهمة التعليم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأئمة عليهم السلام فقط، بل كانت تعقد حلقات لتلامذتهم البارزين أيضاً، مثل حلقة عبد الله بن عباس كما ذكرنا فيما سبق، وغيره. وبموازاة ذلك عُقِدت حلقات لرجال معروفين من الصحابة في هذا المسجد كعبد الله بن عمر، وآخرين من التابعين بعد ذلك. وتميز فيما بعد دور مالك بن أنس الذي انطلق مذهبه من أروقة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلميذه محمد بن إدريس الشافعي.
4 ـ كانت مدرسة المدينة هي الينبوع الذي تدفقت منه علوم أهل البيت عليهم السلام إلى المراكز العلمية الأخرى عند الشيعة، فمنها فاض العلم إلى الكوفة، ومنها فاض العلم إلى البصرة، ومنها فاض العلم إلى قم والري، ثم انتشرت العلوم من هذه المراكز فيما بعد إلى غيرها من البلدان.
5 ـ علوم مدرسة المدينة تمحورت بالسُّنة الشريفة، والتفسير وعلوم القرآن. بشكل أساسي، وظهرت فيها في فترة لاحقة بذور علم الكلام والفقه، واشتد عود العلمين الأخيرين في الدور الثاني من أدوار مدرسة المدينة.
6 ـ خلَّفت مدرسة أهل البيت عليهم السلام في المدينة ميراثاً علمياً هاماً، تجسَّدَ في مجموعة كُتُب توارثها أهل البيت عليهم السلام، هي: «صحيفة علي عليه السلام»، و«كتاب علي عليه السلام» أو «الجامعة»، و«مصحف فاطمة عليها السلام»، و«الصحيفة السجّادية»، و«رسالة الحقوق». هذا غير الكُتب والمصنفات العديدة المنسوبة للأئمة عليهم السلام، التي رواها تلامذتهم عنهم([432]).
7 ـ شهدت مدرسة المدينة أول تجارب للبعثات التعليمية في تاريخ التعليم عند المسلمين، إذ لاحظنا بعض تلامذة أهل البيت عليهم السلام يهاجر من موطنه في العراق، ويقيم في المدينة أربع سنوات لغرض الدراسة، بينما كان آخرون يمكثون فترات أقل، ويتكاثف وجود طلاّب العلم في موسم الحج.
8 ـ عرفت مدرسة المدينة بالمدرسة السيّارة المتنقّلة، كما لاحظنا ذلك في خروج عدد غفير من القرّاء بمعية علي بن الحسين عليه السلام إلى مكة ورجوعهم معه بعد الفراغ من الموسم، واهتمامهم بالتلقي منه طيلة الطريق، وهكذا فعل أهل العلم مع بقية أهل البيت عليهم السلام. حتى أضحت مدرسة المدينة تنتقل إلى مكة كل عام في موسم الحج مع قدوم إمام ذلك العصر إلى الحج، فيزدحم حوله المحدثون والفقهاء والمتكلمون للارتشاف من نمير علمه في حلقته بالمسجد الحرام طيلة مقامه بمكة.
9 ـ ظهرت في مدرسة المدينة التجارب الأولى لتمويل التعليم عند المسلمين، بإيواء التلميذ القادم من خارج المدينة، واستضافته، والإنفاق عليه.
أدوار مدرسة المدينة
مرت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالمدينة تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها التشيع بالأدوار التالية:
أ ـ الدور الأول
ويبدأ هذا الدور بتأسيس مدرسة المدينة، ويمتد إلى وفاة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام سنة 148هـ، ويمثل هذا الدور الذي استمر قرناً ونصف القرن تقريباً عصر نشأة هذه المدرسة ونموها وبلوغها ذروة تكاملها في حياة الإمام الصادق عليه السلام.
ب ـ الدور الثاني
ويبدأ هذا الدور مع الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام بعد وفاة أبيه جعفر الصادق عليه السلام، ويمتد إلى مغادرة الإمام علي بن محمد الهادي المدينة إلى سامراء نحو 234هـ، ويمثل هذا الدور الذي استمر نحو قرن من الزمان عصر انكماش هذه المدرسة، واختفاء بعض نشاطاتها، وانتقال بعض حلقاتها من المسجد النبوي، وغيابها في بيوت أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بالمدينة، وتحول بعض فعالياتها العلمية، مثل بعض الاتصالات والمكاتبات إلى الحالة السرية، حذراً من السلطان الغاشم وجواسيسه على نشاطات الأئمة وشيعتهم.
ج ـ الدور الثالث
ويبدأ هذا الدور في منتصف القرن الثالث الهجري، بعد هجرة الإمام الهادي عليه السلام من المدينة، وانتقال مركز علوم أهل البيت عليهم السلام قبل ذلك إلى الكوفة، وقم، والري، ثم بغداد. ويمثل هذا الدور عصر اضمحلال هذه المدرسة، وأفولها، وقلّة تعاطي دراسة علوم أهل البيت عليهم السلام فيها.
ملخص عما كتبه
الشيخ عبد الجبار الرفاعي
المرابطون
راجع: الثغور.
مراتب العلوم للفارابي
هذا الكتاب مرادف لكتاب أحصاء العلوم، المتن العربي لهذا الكتاب كان يعتقد أنه مفقود، لكنه اكتشف ضمن المجموعة MS. I. O. 3832 (ص 125 ـ 142) من مكتبة ديوان الهند (إنديا أوفس).
بدئ هذا الكتاب بهذه العبارة «بسم الله الرحمن الرحيم كتاب أبي نصر محمد الفارابي في مراتب العلوم، قال: قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علماً علماً، وتعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها، أجزاء وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ومنجملة في خمسة فصول:
الأول في علم اللسان وأجزائه، والثاني في علم المنطق، والثالث في علوم التعاليم وهي العدد والهندسة وعلم المناظر وعلم النجوم وعلم الموسيقى وعلم الأثقال وعلم الحيل، والرابع في العلم الطبيعي وأجزائه والعلم الإلهي وأجزائه، والخامس في العلم المدني وأجزائه وتعلم علم الفقه وعلم الكلام».
«دومي نيكوس جوند بسالوي» ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية في القرون الوسطى، وقد طبعت هذه الترجمة عام 1916.
شك بعض المحققين مثل «فارمر» في انتساب المتن اللاتيني من مراتب العلوم إلى الفارابي، وذلك قبل أن يكتشف المتن العربي.
«فارمر» طبع قسم الموسيقى من المتن اللاتيني مرفقاً بترجمة إنكليزية، وذلك عام 1934م.
مراغة
ـ 1 ـ
مدينة إيرانية أقام فيها نصير الدين الطوسي مرصداً عظيماً ومكتبة حافلة ومعاهد علمية.
قال ياقوت الحموي (626هـ/ 1228م):
(مراغة بالفتح والغين المعجمة، بلدة مشهورة عظيمة أعظم وأشهر بلاد أذربيجان طولها ثلاث وسبعون درجة وثلث وعرضها سبع وثلاثون درجة وثلث. قالوا: وكانت مراغة تدعى (أفراز هروذ) فعسكر مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو والي أرمينية وأذربيجان عند منصرفه من غزو موقان وجيلان بالقرب منها وكان فيها سرجين كثير فكانت دوابه ودواب أصحابه تتمرغ فيها فجعلوا يقولون:
«ابنوا قرية المراغة وهذه قرية المراغة فحذف الناس القرية وقالوا مراغة …. إلى أن يقول …. ولم تزل قصبتها وبها آثار وعمائر ومدارس وخانكاهات حسنة وقد كان فيها أدباء وشعراء».
وجاء في فرهنك جغرفيائي إيران ما تعريبه ملخصاً:
(مراغة: مدينة أثرية في أذربيجان تقع في (760) كيلومتراً من الشمال الغربي من طهران طولها 46 درجة و16 دقيقة ومن الشوارع الرئيسية وسط المدينة من الشمال إلى الجنوب شارع نصير الدين ومجموع سكانها في حدود (35300) وكلهم شيعة ما عدا الأقليات المسيحية والأرمنية واللغة الأم عندهم التركية).
وكان العامل الأول في إنشاء المرصد والمكتبة والمعاهد هو أن نصير الدين الطوسي استطاع أن يسيطر بعض الشيء على تصرفات هولاكو، وأن يروّض شارب الدماء ـ على حد تعبير أحد المؤرخين ـ فأقنعه بإقامة المرصد الذي أراد من ورائه إنقاذ العلماء وحفظ الكتب واستئناف مسيرة العالم الإسلامي العلمية والفكرية بعد أن كاد يقضى عليها بيد هولاكو. ولم يكن بإمكان الطوسي أن يقنع هولاكو بإنشاء المدارس وتأسيس المكتبات، ولكن كان من الممكن الدخول عليه عن طريق علم النجوم والفلك فاستجاب هولاكو لرغبة الطوسي، وكان ذلك إيذاناً بوقف التدمير العقلي في العالم الإسلامي وابتداء عصر جديد سيطر فيه الطوسي على زمام الامور فجمع شمل العلماء وأرسل الرسل يستحضرونهم من الخارج واستنقذ الكتب وضمها إلى المرصد. واستطاع بذلك أن يحول المخطط المغولي من تدمير العالم الإسلامي إلى إنقاذ هذا العالم دون أن يشعر بذلك الطاغية هولاكو مما أدّى في النتيجة إلى عكس الغاية التي أرادها هولاكو.
كل ذلك بفضل ما أعدَّه نصير الدين الطوسي من خطط مموهاً الأمر على المغول حتى استجابوا إلى طلباته كلها غير عالمين بأهدافه البعيدة.
وإليك نص ما قاله رشيد الدين الهمداني في تاريخه (جامع التواريخ) الذي كتبه معتمداً على تواريخ المغول أنفسهم:
«وفي التاريخ المذكور (18 شعبان سنة 656هـ/ 1258م) صدر الأمر بأن ينشئ مولانا الأعظم السعيد أستاذ البشر سلطان الحكماء الخواجة نصير الدين الطوسي ـ تغمده الله بغفرانه ـ مرصداً للكواكب في الموضع الذي يراه مناسباً، فاختار مدينة مراغة لهذا الغرض وشيَّد مرصداً مرتفعاً».
وقد تحول المرصد فيما بعد إلى مجمع علمي اشترك فيه الفلاسفة إلى جانب الفلكيين ويعتبر نصير الدين الطوسي العقل المدبر لهذا المجمع الذي جلب إليه فيما بعد ـ أكبر عدد من العلماء والطلاّب. وكان في مقدمة أولئك الذين شاركوا في بناء المرصد وهم في الواقع الأعضاء الدائمون وقد جاء حصرهم في أربعة أشخاص في كلام ابن الفوطي الذي عاش في الرصد. وألّف تاريخاً باسم «تذكرة من قصد الرصد».
فقد قال في ترجمة فخر الدين المراغي … إنه أحد الأربعة الذين انتخبهم الطوسي لبناء الرصد والثلاثة الآخرون هم:
2 ـ فخر الدين الأخلاطي.
3 ـ مؤيد الدين العرضي.
4 ـ نجم الدين القزويني([433]).
ويحدثنا حسن بن الحكم عن مشاهداته في الرصد بما نصه:
(سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد. ومتوليه صدر الدين علي ابن الخواجة نصير الدين الطوسي وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية. وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد العرضي وشمس الدين الشيرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي.
فرأيت فيه من آلات الرصد شيئاً كبيراً منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس الأول: دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض ودائرة معدل النهار، ودائرة منطقة البروج، ودائرة العرض، ودائرة الميل، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب واصطرلابات تكون سعة قطرها ذراعاً واصطرلابات كثيرة وكتب كثيرة([434]).
وقال الطوسي في مقدمة (الزيج الإيلخاني) عن كيفية إنشاء المجمع العلمي هذا ما تعريبه:
(إني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء، منهم المؤيد العرضي من دمشق والفخر المراغي الذي كان بالموصل، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس. والنجم دبيران القزويني. وابتدأنا ببنائه سنة (657هـ/ 1258م) في جمادى الأولى بمراغة (ثم تعرض للأرصاد التي بنيت من قبل) وصرح بذلك ابن الفوطي أيضاً([435]).
ونجد مؤيد الدين العرضي يقول في رسالته عن آلات الرصد واصفاً:
(… مولانا المعظم والإمام الأعظم العالم الفاضل المحقق الكامل قدوة العلماء ويد الحكماء ….. أفضل علماء الإسلاميين بل والمتقدمين وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرق في كافة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة وحسن السيرة وغزارة العلم وجزالة الرأي وجودة البداهة والإحاطة بسائر العلوم. فجمع العلماء إليه وضم شملهم بوافر عطائه. وكان بهم أرأف من الوالد على ولده. فكنا في ظلّه آمنين وبرؤيته فرحين كما قيل:
نميل على جوانبه كأنا
نميل إذا نميل على أبينا
ونغضبه لنخبر حالتيه
فنلقى منهما كرماً ولينا
وهو نصير الملّة والدين محمد بن محمد الطوسي ـ أدام الله أيامه ـ .
واستكبر الأخبار قبل لقائه
فلما التقينا صغر الخبر الخبر
فلله أيام جمعتنا بخدمته وأبهجتنا بفوائده، وإن كانت قد أبعدتنا عن الأوطان والعشيرة والولدان. فإن في وجوده عوضاً عن غيره. ومن وجده فما فاته شيء ومن فاته فقد عدم كل شيء. فلا أخذنا الله منه وأمتعنا بطول بقائه).
وإليك ترجمة مقتضبة للأعضاء الأربعة الذين قاموا ببناء الرصد برعاية نصير الدين الطوسي وهم:
الأول: الكاتبي القزويني (675هـ/ 1277م).
نجم الدين أبو الحسن علي بن عمر بن علي الشهير بـ «دبيراي» و«الكاتبي القزويني» قال ابن الفوطي:
إن قوام الدين أبا علي اليازري درس عليه سنة (667هـ/ 1268م) المنطق. ووصفه العلاّمة الحلي بقوله: (كان من فضلاء العصر وأعلمهم بالمنطق. وله تصانيف كثيرة. قرأت عليه شرح الكشف الاماشذ، وله خلق حسن، ومناظرات جيدة، وكان من أفضل علماء الشافعية).
الثاني: مؤيد الدين العرضي (664هـ/ 1266م).
برمك بن مبارك العرضي الشامي كان حكيماً فريداً ورياضياً عظيماً اشتغل في رصد «مراغة» مع الخواجة الطوسي. وذكر بين رجال الفلك المشاهير عند ذكر الرصد وبياناته هي المعول عليها في تاريخ هذا الرصد([436]).
وله رسالة في شرح آلات مرصد مراغة وأدواته. توجد نسخته في المكتبة الرضوية.
الثالث: فخر الدين المراغي (667هـ/ 1268م) قال ابن الفوطي:
(فخر الدين أبو الليث محمد بن عبد الملك بن أبي الحارث بن شحيم المراغي المهندس الرصدي أحد أركان الرصد الأربعة الذين ذكرهم مولانا نصير الدين أبو جعفر الطوسي في حضرة السلطان هولاكو لعمل الرصد وتقدم باستدعائهم وهم: فخر الدين العرضي ونجم الدين القزويني…).
وتوفي في صفر سنة 667هـ/ 1268م ومولده سنة 583هـ/ 1187م.
الرابع: «فخر الدين الخلاطي أيوب بن عين بن نصر الله الخلاّطي اشترك في رصد مراغة كما ذكره ابن الفوطي وغيره، له كتاب «إظهار ما كان في علم النجوم» ويوجد في المكتبة الخديوية. كما ورد في فهرستها (5/ 228)…» ([437]).
وأما الذين انتسبوا إلى الرصد فهم كثرة. ذكر العزاوي ـ عدا من تقدم ـ الأشخاص الآتية أسمائهم:
5 ـ ركن الدين الاسترآبادي.
6 ـ محيي الدين المغربي.
7 ـ قطب الدين الشيرازي.
8 ـ شمس الدين الشيرواني.
9 ـ كمال الدين الأيجي.
10 ـ حسام الدين الشامي.
11 ـ نجم الدين الاسطرلابي.
12 ـ صدر الدين علي بن الطوسي.
13 ـ نجم الدين علي بن محمود الحكيم والكاتب البغدادي المتوفى سنة (680هـ/ 1281م).
14 ـ قومنجي (تومه جي) الصيني الملقّب بـ (سينك سينك).
15 ـ ابن الفوطي كمال الدين عبد الرزاق الشيباني.
16 ـ شمس الدين بن محيي الدين بن عربي.
17 ـ أصيل الدين ابن الخواجة الطوسي.
ولم يتعد هذا العدد ولكنه قال:
(… وعلماء كثيرون من تلامذتهم عملوا في الرصد ولا شك أنهم جمهرة كثيرة). ونجد بعض الكتب الحديثة تصرح بأن من هؤلاء الذين انتسبوا إلى الرصد عالم صيني باسم (تومجي).
دار الكتب
كانت عناية الطوسي بالتراث بالغة للغاية. ويظهر ذلك بوضوح من المكتبة التي أسسها في «مراغة» فقد اتفقت التواريخ على أن عددها زاد على (400,000) أربعمائة ألف كتاب ـ وهذا العدد هائل جداً إذا تأملنا الحوادث والكوارث التي حلّت بالكتاب وكتبهم إبّان الحرب المغولية ـ العباسية ـ فإن نصيب الكتب لم يختلف عن الأرواح البشرية التي أزهقت والدماء البريئة التي سفكت في سبيل إقامة الحكم المغولي وقد احتفظ التاريخ بنصوص لا تخلو من مبالغة في تغريق المغول الكتب وتبديدها. إننا نشك في صحة هذه النصوص ونرى أن المبالغة فيها واضحة. ولكن رغم ذلك لا يمكن الاعتقاد باعتناء المغول بتراث الأعداء ـ وخاصة إبّان الحرب ـ وهذه المكتبة العظيمة التي أسسها الطوسي والتي بلغت كتبها الـ (400,000) كتاب تكشف عن كثرة التراث آنذاك.
يقول الدكتور مصطفى جواد:
(ولما أنشأ نصير الدين الطوسي دار العلم والحكمة والرصد بمراغة من مدن أذربيجان وهي أول مجمع علمي حقيقي (أكاديمية) في القرون الوسطى في البلاد الشرقية. فضلاً عن الأقطار العربية الجاهلة أيامئذٍ. أسند إليه (ابن الفوطي) الخزن في خزانة كتب الرصد. وقد كان النصير الطوسي جمع فيها أربعمائة ألف مجلد حملها إليها من مختلف الأصقاع).
ووصفها العزاوي بقوله:
(… كانت عظيمة لما جمعت من بغداد والموصل والجزيرة وربوع الشام. ذهب الطوسي مرتين إلى كتب نفيسة ومهمة … جلبت إليها من بغداد سنة (662هـ/ 1263م) لجمع الكتب، فتكوّنت منها خزانة مراغة).
وقال في تاريخ علم الفلك:
(… وبلغت نحو أربعمائة ألف كتاب. فذاع صيتها في الأقطار، وصارت تشد إليها الرحال. ولم تكن مقصورة على كتب الفلك وإنما حوت علوماً جمّة).
وفي الحقيقة كان موقف الطوسي موقفاً مشرفاً جداً. فلولا ترويضه لهمجية المغول وتوجيهه العناية في حفظ التراث لما وصلت هذه البقية الباقية من التراث إلى عصرنا … فقد سافر الطوسي بشخصه عام (664هـ/ 1265م) ـ كما يقول ابن الفوطي ـ إلى بغداد وواسط والبصرة وجمع من العراق كتباً كثيرة.
راجع: (الحوادث الجامعة/ 350).
ومجمل القول: إن شخصية الطوسي قد خلقت جيلاً مثقفاً بالعلم والمعرفة في أظلم العصور وأسوأ الظروف وأحيا العلم والعلماء. وهم على وشك الضياع. وأنقذ التراث الإسلامي، وهو في قبضة التلف وما أجدر بنا أن نخاطب الطوسي بمثل ما خاطبه معين الدين الشيرازي الذي زار رصد مراغة سنة (670هـ/ 1271م) حيث قال:
لكل زمان واحد يرتجى به
وهذا زمان أنت لا شك واحده
ونختم القول بما أنشأه قاضي القضاة نظام الدين الأصفهاني في مدح الطوسي ووصف رصد مراغة فقال:
صفا شرب عيشي في هوى في
مراغة فظلت كما شاء المنى أتفرج
بها الرصد العالي النصيري مقصدي
إلى الفلك الأعلى به أتدرج
فلله بانيه وطرق أبانها
إلى كشف اسرار الغوامض تنهج
أرى عصب التنجيم أحسن هيئة
به يستوي ما في التقاويم عوجوا
دقائق علم لا يجدن توانيا
حوى درجاً منه إلى الغيب يدرج
تسامي الهضاب الشم تبلغ جيدها
عساها بما يبنى عليها تتوج
فغالت لعمري الخط أرض مراغة
فمن كل إقليم عليها يعرج
فإن عيروا بابن المراغة شاعرا
مديحي على معنى الهجاء يخرج
بناء لعمري مثل بانيه معجز
تقربه الألحاظ والنفس تبهج
سيبلغ أسباب السماء بصرحه
يناغي عاب الزهر منها تبرج
أقول وقد شاد البناء بذكره
وشيد قصراً لم يشيده متوج
على الزهر أرصاد طلائع فكره
إلى الرصد المعهود من أين يحوج
ترصدت لقياه هناك وقربه
فكان مني من دونها الباب مرتج
ورمت سعود الجد في جنباته
فساعدني سعد بودي ملهج
وجدت اسمه فالاً علي مباركا
مقدمة منها الميامن تنسج
إلى السدة العلياء شمر ناهضا
لتقبيله منه البنان يهيج
فكلفته عرض الدعاء وخدمتي
وحملته ما في الصحائف يدرج
ورمت على حال وقوف وقوفه
فهمي أن أنهى إليه يفرج
وأحدرت عن تبرير ما أنا كاتب
وصحبي زموا العيس والخيل أسرجوا
لعضد جناب الصاحب الأعظم
ارتمت طلائح أسفار لما ناب تزعج
تكفل دفع الجر عنهم وأنه
مواعيد صدق صبحها يتبلج
ولولا عوادي الخطب جئت ملبيا
دواعي أشواق لظاها تأجج
محمد حسين الجلالي الحسيني
مراغة
ـ 2 ـ
مراغة، هي المركز القديم لإقليم أذربيجان. تقع جنوبي جبل «سهند» الذي يفصل بين مراغة وتبريز، وهو على ارتفاع 3547 متراً. ويبلغ ارتفاع أراضي مراغة عن مستوى سطح البحر 1400 متر، وتبعد عن تبريز بمسافة 76 كيلومتراً إذا ما قيست المسافة على شكل خط مستقيم، وأمّا على الطريق المعروف الكبير فتبعد عنها بمسافة 130 كيلومتراً.
إن وجود جبل «سهند» بين المدينتين؛ مراغة، وتبريز أدّى إلى اختلاف كبير في طبيعة مناخ ومياه كل منهما. فمناخ مراغة لطيف ورطب نسبياً، كما أن ماءها عذب ووفير، مما أدّى إلى تنامي الثروة النباتية فيها.
وتشتهر محاصيل الفاكهة المزروعة في مراغة في إيران، وتحمل مقادير كبيرة فائضة عن الحاجة منها إلى روسيا عن طريق أردبيل. وتسقى أراضي مراغة بواسطة قنوات وأنهر صغيرة تستمدّ مياهها من العيون في جبل «سهند»، وتدور هذه القنوات باتجاه الغرب، لتصبّ في بحيرة (أرومية) على مسافة 29 كيلومتراً عن مراغة التي بنيت على الضفة اليسرى لنهر صافي أو صوفي.
وعلى مسافة قليلة ـ باتجاه المشرق يجري نهر موازٍ لنهر صافي، يعرف بـ «باهيندور» أو «بايندور»، وكذلك هناك نهر آخر يقال له: «ليلان».
ويرى الجغرافيون أن مراغة مستقلة ومنفصلة نسبياً عن تبريز. وعادة ما ينقطع الطريق في غير فصل الصيف بين هاتين المدينتين بسبب الثلوج الهاطلة. وهناك طريقان مستقيمان من جنوبيّ مراغة وجنوبيّها الشرقي يربطانها بأردبيل وزنجان.
ويتكلم سكان مراغة اللغة التركية الآذرية، ولكنهم كانوا يتداولون اللهجة البهلوية التي كانت معروفة في شمال غرب إيران في القرن الرابع عشر الميلادي، طبقاً لما ذكره في (نزهة القلوب).
من أسماء محلات مراغة، أقابيك، وميدان، ودروازة، وسالار خانة، وأما أسماء أبوابها فهي: أحمدي، وكورة خانة، وآق داش، وجسر بناب (يل بناب)، وحاج ميرزا.
ويذكر البلاذري وابن الفقيه وياقوت الحموي أن اسمها القديم هو أفراروذ، الذي يقابل في اللغة الفارسية «رودافرا»، وهذا الأخير يشابه اسم «تافراغتة»، تلك المدينة التي حاصرها مارك أنطوان سنة ستة وثلاثين قبل الميلاد.
إن مراغة هي إحدى المدن التي فتحها المسلمون لدى فتح أذربيجان عام 22 هجري، كما ذكره البلاذري واليعقوبي، وفي عام 123 هجري (740 ميلادي) مرّ بها مروان بن محمد، وهو في مسيره إلى حرب مغان وجيلان، وبنى فيها بعض العمارات. وقد اتّخذها الأفشين مقراً صيفياً عند حرب بابك عام 221.
ويوجد في مراغة معسكر للجيش، ودار إمارة، وخزانة، وعدد من إدارات ودواوين الدولة، باقية من العهود الإسلامية.
مراكش
تتفق رواية ابن الخطيب هنا مع رواية القرطاس في أن تأسيس مدينة مراكش قد تم على يد يوسف بن تاشفين سنة 454هـ (1051م) وهناك رواية أخرى يرويها كل من ابن عذاري وصاحب الحلل الموشية تؤكد أن المؤسس الحقيقي لمراكش هو الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي شرع في بنائها سنة 462هـ (1070م) ثم جاء بعده ابن عمه يوسف بن تاشفين فأتم هذا البناء، ويبدو أن هذه الرواية الثانية هي الأصح.
ومدينة مراكش مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى تقع في سفح جبل الأطلس الكبير ويمر في شمالها نهر تانسيفت، وتمتاز هذه المدينة بخصوبة تربتها الحمراء وجودة مناخها وبمناظرها الخلاّبة حيث توجد فيها غابات النخيل الخضراء وبجانبها الثلوج البيضاء على قمم الأطلس.
وعلى الرغم من أن هذه المدينة قد أسست في أيام المرابطين إلا أن عظمتها لم تتحقق إلا في أيام الموحدين الذين اتخذوها أيضاً عاصمة لأمبراطوريتهم الواسعة وتركوا فيها مآثر جميلة نخص بالذكر منها مسجد الكتيبة ومئذنته المشهورة.
وفي أيام بني مرين تراجعت مكانة مراكش السياسية عندما صارت فاس عاصمة لدولتهم، ولكنها لم تلبث أن استعادت مكانتها كعاصمة للبلاد في أيام السعديين ولا تزال أطلال قصر البديع الذي شيّده أحمد المنصور الذهبي وقبور الأشراف السعديين، وقصر الباهية الذي بناه الوزير أبو حماد بن موسى خير شاهد على عظمة مراكش خلال هذا العصر السعدي.
هذا وتوجد في مدينة مراكش أضرحة بعض الشخصيات العلمية المغربية البارزة مثل أبي العباس السبتي، والقاضي عياض، والإمام السهيلي، كما يوجد فيها ضريح يوسف بن تاشفين الذي بنى عليه الملك محمد الخامس قبة جديدة.
مرجعية التقليد([438])
ـ 1 ـ
أولاً: مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية. هذان المصطلحان وما يرادفهما ويناسبهما غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان، وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيران يدلان على مؤسسة تقليد هي مؤسسة ومرجعية. هي مرجعية التقليد، يعني مؤسسة من حيث كونهما اثنين لمؤسسة، ليس لهما في الأخبار والآثار فضلاً عن الكتاب الكريم علماً ولا أثراً. كل ما هو موجود بالنسبة لمادة قلّد موجود في خبر ضعيف لا قيمة له من الناحية الاستنباطية إطلاقاً، وهو المرسل الشهير عن أبي الحسن، عن أبي محمد الحسن العسكري، ومتداول على ألسنة الناس: من كان من الفقهاء صائناً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه. مادة قلّد. موجودة فقط بهذا النص، ولكن لا نعتمد عليه إطلاقاً. هذا تقليد؛ ومُقلَّد ومُقلَّد لا أساس له. ومرجع لا أساس له. الموجود في الفكر الإسلامي وفي النص الإسلامي مصطلح الفقيه. الموجود في الكتاب والسنّة هو مصطلح الفقيه. في الكتاب ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، هذا في الكتاب. وفي السنة في جملة من النصوص أغلبها، أو كثير منها ضعيف أيضاً، أو ليس صحيحاً في الدرجة المطلوبة، ولكنه موجود، نطمئن بصدور هذا المصطلح عن المعصوم (سلام الله عليه).
هذا الفقيه، بعد ذلك لعله بالتأثر ببعض الأوساط الفكرية نشأ مفهوم التقليد، الموجود في الشرع ليس التقليد، الموجود هو الاتّباع. أو هو التعلّق، هو التفقّه. حتى الاتّباع، نحن نتحفّظ على هذا الكلام. الإنسان الجاهل أو العامي هو ليس متّبعاً للفقيه، هو متّبع للشريعة. نحن في الفكر الإسلامي ليس عندنا اتّباع للأشخاص. الفقيه لا يتمتّع بأي قداسة على الإطلاق، وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً على الإطلاق، ولذلك مفهوم التقليد هو مفهوم دخيل، أنا أعتبره مفهوماً دخيلاً. العامي ليس مقلداً في مفهومنا، العامي عامل بالشريعة. والتقليد بمعنى اتّباع الشخص، أصلاً ليس له عين ولا أثر، لا في الفكر ولا في الفقه الإسلامي على الإطلاق، وهذه مسألة جدية تتصل بتكوين العقل العملي، العقل الحركي، خاصة عند المسلمين الشيعة الملتزمين بالشرع الشريف. المصطلح الموجود في الكتاب والسنّة مادة أو هيئة هو مصطلح الفقيه. الفقيه هو من يعرف أحكام الدين، وهو مفهوم واسع، يمكن للجاهل بمعنى الاجتهاد أن يكون متعلماً في احكام الدين، ويمكن للفقيه العالم المستنبط أن يكون متلعماً في أحكام الدين.
الظاهر من الآيات والروايات أن الفقيه الذي يتعلم الأحكام الشرعية هو الذي اصطلح عليه بأنه القادر على الاستنباط، على اكتشاف الحكم الشرعي من أدلته المقدّرة وفقاً لمنهاج خاص معروف عند الفقهاء. هذا الفقيه هو معلم في الروايات، ويستفاد أيضاً من الكتاب الكريم. إن الموضوع موضوع التعليم والتعلّم والتبليغ والتبلّغ. نستفيد من آية النذر: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، الفعل لا يكون من جانب القول، وإنما الفعل يكون من جانب الفقيه. الفقيه هو الذي يأخذ زمام المبادرة: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم﴾ [سورة التوبة، آية: 122]، وإذ هؤلاء الفقهاء هم الذين يقودون حركة التفقه، وليسوا موضوعاً ساكناً. هم موضوع متحرك باتجاه المجتمع، لا أنهم موضوع ثابت يرجع إليهم الناس، أو الناس تتحرك باتجاههم. هذا المفهوم، مفهوم الناس تتحرك باتجاه الفقيه أيضاً فيه كلام كثير. أنا أعتبر أن إحدى انكسارات المسيرة الحضارية عند المسلمين أن الناس تبحث، ومركز المعرفة ساكن. يوجد في كلام الناس تعابير شعبية حول هذا المفهوم، أنه الذي يجعل من الفقيه مقاماً مقصوداً، يعني أن يقصده الناس، لأنه هو الذي يقصد الناس. نعتبر أن هذا مخالف لسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ومخالف لسيرة آل بيت العصمة عليهم السلام، ومخالف فيما نفهمه، ومخالف لمفاد الآية المباركة، الرسول كان يعرض نفسه على الناس. الأئمة كانوا يتصدّون للناس، والآية المباركة تقول: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾. إذاً مرجعية بهذا المعنى لا توجد لا في النصوص الشرعية ولا في نصوص السنة الشريفة بجميع طرقها ومدارسها، ولا في الكتاب الكريم. الموجود في الفكر الإسلامي هو مصطلح فقيه، واتّباع السنّة اتّباع الشريعة، ولكن لا نريد أن نثير مشكلة في المصطلحات، ولنبقى على مصطلح المرجعية.
هذه المرجعية، أولاً من الناحية التنظيمية هي تكوين طبيعي في كل مجتمع. كل مجتمع له مرجعيات، توجد مرجعيات في التنظيم السياسي، توجد مرجعيات في تنظيم الدولة ككل.
تنظيم السلطة القائدة للمجتمع، السلطة المدبّرة للمجتمع بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي الإدارة توجد مرجعيات، يعني مراكز قرار، مراكز توجيه، مراكز تنظيم. في الحياة الاجتماعية توجد مرجعيات، تبدأ من رب الأسرة، هو مرجع. زعيم الحي، هو مرجع. وجيه القرية، هو مرجع. رئيس القبيلة أو العشيرة، هو مرجع.
أحد مظاهر انتظام المجتمع، وهذا من الضرورات التنظيمية للمجتمع أن تكون هناك مرجعيات. بهذا المعيار، وفي الحقل الديني المحض، النبي صلى الله عليه وسلم مرجع. الإمام المعصوم مرجع. وكيل الإمام المعصوم عليه السلام مرجع. حقل المرجعية يختلف. ربما يكون وكيلاً للنبي أو الإمام المعصوم في شأن مالي أو تجاري هو مرجع في ذلك الشأن، وربما يكون وكيلاً أو ممثلاً في التبليغ، إذاً هو مرجع في الدين. هكذا نقول، هكذا نصطلح مرجعاً في الشريعة أو مرجعاً في الدين على اختلاف المستوى، قد يكون مرجعاً في الشريعة ولا يكون مرجعاً في الدين، قد يكون أهلاً لاستنباط الحكم، وليس أهلاً لبلورة المفهوم. المرجع في الدين أمر أكبر وأجلّ من أن يكون مرجعاً في الشريعة. المرجع في الشريعة مجتهد جامع للشرائط، وهذا يكفي.
أما المرجع في الدين فهو تجاوز مستوى الحكم الشرعي إلى المفهوم الشرعي، معرفة المفاهيم. والمرجعية في المفاهيم تحتاج إلى مستوى من الإحاطة والعمق والشمولية، تتجاوز كفاءات الفقيه، وهذه النقطة، نقطة غامضة. يجب أن نفرق بين المرجع في الشريعة، وبين المرجع في الدين. المرجع في الدين هو أوسع دائرة وأعم مسؤولية من المرجع في الشريعة. نأتي هنا إلى مصطلح تداول كثيراً وخلق وهناً مزعجاً في أذهان الناس، بأن هناك في التنظيم المرجعي الشيعي عند المسلمين الشيعة منصب أو مهمة مرجع أعلى. هذا المصطلح لا أساس له إطلاقاً بالشرع، ولا أساس له قبل الشرع في الفكر الإسلامي، أصلاً لا يوجد في الفكر الإسلامي، ولا الشرع الإسلامي خارج نطاق المعصومين، خارج نطاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا المعصومين الأئمة عليهم السلام، لا يوجد مرجع أعلى على الإطلاق.
بعد هذه المقدمات نقول: المرجعية تاريخياً كانت شخصاً، كانت نبياً أو إماماً معصوماً، وبعد ذلك كانت هذا الفقيه أو ذاك الفقيه. تعلّم أحكام الشريعة في الحد الأدنى، أو تعلّم الدين في الحد الأعلى. وما فرّقت فيه بين مرجع الدين ومرجع الشريعة. يبيّن للناس دينهم، مفاهيمه وأحكامه. هذا أمر لازم المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر بعده في عهد المعصومين عليهم السلام إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، وبعد ذلك انتقلت هذه المرجعية. في الغيبة الصغرى تمثلت بالإمام المعصوم، ولكن بصورة غير مباشرة، عن طريق وكلائه المشهورين نواب الحجة عليهم السلام، بحدوث الغيبة الكبرى وجد الفقيه. الفقيه لم يكن غائباً عن المرجعية، لا في زمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الأئمة عليهم السلام، الفقيه كان موجوداً في زمان الرسول، كان هناك فقهاء ومراجع. وفي زمان الأئمة عليهم السلام كان هناك فقهاء ومراجع خارج مركز النبوة، خارج مركز المدينة أو خارج المكان الذي يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو خارج محل إقامة المعصوم في المدينة أو في الكوفة أو في بغداد أو سامراء، كان يوجد فقهاء مراجع. غاية الأمر فقهاء مراجع موصولون بالمركز الذي هو النبي، أو الإمام في أطراف البلاد وانتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة، كان من يرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم الأكرم إلى القبائل ليعلم الناس القرآن والأحكام، كانوا يقومون بمهمة المرجع في الشريعة، وبعضهم مثّل أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث أرسله الرسول إلى اليمن، كان يقوم بمهمة المرجع في الدين، وليس فقط في الشريعة. بعد ذلك في عهد الأئمة المعصومين عليهم السلام في مرحلة الإمام. أصحاب الأئمة عليهم السلام وخواصهم أبواق المتفقّهين، أبواق الفقهاء، المحدثون الفقهاء، وليس مطلق نقلة الحديث، وحملة الحديث، وهم ليسوا كثيرين، ولكن هم موجودون. المحدثون الفقهاء الذين كانوا ينتشرون في معظم البلاد الإسلامية على مستوى خط آل البيت عليهم السلام، يعني أتباع خط آل البيت عليهم السلام، كانوا فقهاء، وكان الناس يرجعون إليهم، وكانوا يستغنون بالرجوع إليهم عن الاتصال بالإمام المعصوم عليه السلام، وكانوا يفتونهم الفكرة الشائعة بين بعض الأساتذة والزملاء من الفقهاء الذين كانوا يقولون إن هؤلاء نقلة فتاوى، نقلة حديث. نحن نخالفهم، كانوا فقهاء مجتهدين، وكانوا لا يفتون بالنص، وإنما يفتون بآرائهم كما يفهمونها من النصوص، كانوا ينقلون. نحن لا نتصور أن حياة المجتمع الإسلامي في ذلك الحين كانت تُدار بالنصوص. كانت تُدار بالفقه، وكان هؤلاء المحدثون من الفقهاء يفهمون من النصوص ويجيبون الناس بآحاد المسائل، وجزئيات المسائل بما يفهمونه، وحتى (أنا أقول) حينما ينقلون النص، يكون تطبيقهم للنص على مورده هو فهم لهم، اجتهاد أيضاً. كان هؤلاء وكان أتباع أهل البيت عليهم السلام موزعين عليها. من كان في خراسان مثلاً، أو في ما وراء النهر، لم يكن يسأل ماذا يقول الفقيه الفلاني في المدينة، أو في الكوفة، أو في الشام. من كان في حلب لا يسأل الفقيه الموجود في العراق، أو في الحجاز، كان هؤلاء الفقهاء هم مراجع محيطهم، ولو انتقل فقيه من محيطه إلى محيط آخر لكان فقيهاً في المحيط الآخر. أقول هذا لأصل إلى نقطة أبيّنها بعد استدراك فاتني يتصل بالمقدمات. الانطباع السائد عند المسلمين الشيعة. إن موضوع المرجعية، والرجوع المسمى تقليداً، إلى نقطة هو من خواص الشيعة مطلقاً، هذه الظاهرة غير موجودة في المسلمين. يعني المرجعية موجودة في كل المذاهب. على مستوى الأمة وعلى مستوى المذاهب كل المسلمين متّبعون ويوجد لهم فقهاء. المذاهب المسماة سنّية، سواء منها المذاهب الحية الموجودة الآن، أو المذاهب غير الموجودة المنقرضة، هي مذاهب مرجعيات بالمصطلح الشائع، مذاهب تقليد. يعني الأحناف هم يقلدون فقهاء الأحناف الأحياء الذين يتّبعون في منهجهم الاستنباطي المنهج الحنفي، الموالك أو الشوافع أو الحنابلة أو الظاهرية أو الأوزاعية أو الطبرية، هم كانوا يتّبعون، بالنسبة للبادئين، يتّبعون فقهاءهم الذين ينتهجون مذهبهم الاستنباطي نهج المدعو أمام المذهب تماماً وكمالاً. كما هو شأن الفقهاء الشيعة الذين يتبعهم الشيعة وهم يلتزمون بمنهجهم الاستنباطي المنهج الذي وضع أصوله الأئمة المعصومون عليهم السلام. الكل بالمصطلح المتداول هو مقلّد التقليد أو الاتباع هو ليس ظاهرة شيعية، وإن توهّم الشيعة ذلك في أنفسهم، نعم يوجد فارق على موضوع هذا التقليد، جعل هذه الشهرة في المرجعية الشيعية متمايزة عن المرجعيات الإسلامية الأخرى. إن المسلمين الشيعة اشتهر فيهم ولم يجمعوا. اشتهر فيهم في المتأخرين منهم أيضاً عدم صحة تقليد الميت أبداً. وفيهم قول قوي بمشروعية تقليد الميت ابتداء، وهو قول قوي، هو غير مشكور عند غيرنا من الفقهاء. نحن نميل إلى مشروعية تقليد الميت ابتداءً. عند السنّة يجيزون تقليد الميت ابتداءً، الشق الإخباري المسمى إخباريين. الشق المحدثين من الشيعة كانوا حتى الآن يلتزمون بهذا المنهج، الذين يقلدون الميت ابتداء مثل سائر أهل السنة، وهو كما قلت قول قوي، ولكنه غير مشكور، هذه خصوصية. الخصوصية الأخرى في المسألة التي سهوت عنها واستدركها هي حكاية الأعلم كمرجع أعلى. أحد الخلفيات التي نتغذّى منها الآن، القول المشهور باشتراط أعلمية الفقيه، فقيه التقليد. وهو قول مشهور عند متأخّري المتأخرين. أكاد أقول عند المعاصرين، وإلا ليس له فيما نرى نحن أساس على الإطلاق. يربط بين أعلى وبين مرجع أعلى، يعني المرجع الاعلى هو الاعلم، وهو قول موافق للاحتياط لمن استطاع. لا أقول هو قول لا قيمة له من الناحية العلمية، ولكنه قد يكون غير مستطاع، وهذا بحث آخر.
يوجد ارتباط غير واعٍ بين مصطلح مرجع أعلى، الذي اخترعناه نحن، وبين وجوب تقليد الأعلم. اشتراط وجوب الأعلمية في الفقيه الذي هو قول فقيه محترم ومشهور عند متأخّري المتأخّرين. أعود إلى طبيعة المرجع، المرجعية بحسب الفهم الأولي المتداول ـ ونتكلم عن الوظيفة ـ هي أنها مرجعية لمعرفة الححكم الشرعي في معرفة الأحكام الإلزامية تحديداً. يعني الحلال والحرام والصحيح والخطأ. الحرام ما هو؟ والحلال ما هو؟ أو أن الفعل الفلاني حلال أو حرام، أو أن الشيء الفلاني تحل مزاولته، أو لا تحل، وأن الفعل الفلاني، أو العمل الفلاني، أو الوضع الفلاني صحيح أو باطل. المفهوم العام الشائع هو أن المرجعية تُسأل فتبيّن الاحكام. وقد جرى الأمر على هذا من الناحية التطبيقية، منذ عهد الشيخ الطوسي، وهو يمثل نموذجاً مبكراً جداً للمرجعية بهذا المعنى. ولعله زامنه أو تقدّم عليه قليلاً فقهاء آخرون أقل شهرة مثل الشيخ المفيد، الشيخ الصدوق. فألّفوا كتباً تسمى كتب الفتاوى المجردة. المجرذدات في الفقه التي تتضمن بيان حرام وحلال وصحيح وخطأ وباطل في الأفعال المتداولة، فيما قُسّم وسُمّي فيما بعد العبادات والمعاملات وأحكام أو تقسيمات الفقه. أشهر الكتب المتداولة حتى الآن في ما يتصل بهذه الوظيفة للمرجعية هو كتاب: «النهاية في الفقه» للشيخ الطوسي (رض). هذا المفهوم الشرعي. الفقيه الإنسان يدرس، يجتهد، يبلغ درجة عالية من المعرفة بأدلة الشريعة، ومن ثم بالشريعة تتكوّن لديه قدرة على استنباط الأحكام، يسأله الناس فيفتيهم أو يبتدئهم بالفقه.
ولكن الفكرة الشائعة أنه يسأله الناس فيفتيهم، لا يبتدئهم بالفقه. هذا المستوى طبقه المسلمون الشيعة والمسلمون غير الشيعة، منذ تدوين الفقه عند الشيعة، تحديداً منذ الغيبة الكبرى. عند السنّة لعله في وقت أكثر حداثة. أمّا أهل البيت ـ خطّ الإمامية المعصومة ـ فكان أوسع من ذلك. أما المرجعية في الدين، فهذه في الواقع نحن نبحث عن نماذج قديمة لها مشروع سياسي، نحتاج إلى أن نبحث أكثر عن نماذج للمرجعية في الدين، فيما يتعلق ببلورة المفاهيم، وليس الأحكام، وفيما هو وراء ذلك، وهو ما يسمى قيادة. يعني تجاوز بيان الحكم الشرعي، وتجاوز بيان المفهوم في الدين، إلى انتهاج خط السير والسلك العملي في المجتمع. أبرز الفقهاء القدماء، ليس بالاصطلاح القدماء، بحسب التعبير العرفي، هو من المتأخرين، يعدّ (رض) أبرز الفقهاء المتقدمين فيما يمكن أن يطلق عليه أنه مرجع في الدين، أو يشكل مشروع قيادة، هو الفقيه الشهير محمد بن مكي الجزيني المعروف بالشهيد الأول، وهو الشهيد الأول.
هذا الرجل توصل إلى أن يكون مرجعاً في أكثر من الحكم الشرعي. تجاوز الحكم الشرعي في مرجعيته إلى بيان المفهوم. وبعض كتبه تبيّن هذا المعنى. وتجاوز هذا إلى مستوى تشكيل مشروع قيادة. يعني ما يسمى بمصطلح هذا الزمان مشروع سياسي. وضع مشروعاً سياسياً، أو وضع في ذهنه مشروعاً سياسياً، فلسفه أو شَرعَنَه من الناحية المفهومية، وجرى عليه ولعله من أجل ذلك استشهد (رض). هذا التصور لوظيفة المرجعية. الوظيفة الشائعة الآن والساذجة، هي أن يكون هناك شخص عام إذا سألته عن حليّة كذا، أو حرمة كذا «نحن حكمنا». كذا يفتينا وتنتهي مهمته عند هذا الأمر. وهذه القناعة هي القناعة السائدة حتى في أذهان الفقهاء. وغالباً أن الوظيفة المهمة هي بيان الأحكام لمن يسأل عنها، وليس من يرى له، أو من يرى لنفسه أنه يؤلف أو يستعين من غيره ما يسمى الرسالة العملية التي نعرفها نحن، وينشرها ويطبعها ويكون له مروّجون، ويدعون إلى تقليده، والناس قد تقلده كلياً، أو بعضاً كثيراً أو قليلاً من الناحية المضمونية.
أما من الناحية التنظيمية، فالمرجعية شخص، هذا الشخص يجمع في ذاته كل المهمات. هو يفتي، وهو يدير المسائل المالية. يعني هو أيضاً مرجع في قبض الأموال الشرعية، وهو ينفق بنفسه ويسحب ما يراه مناسباً أو بحسب ما يُرى له مناسباً من الناحية التنظيمية لا يوجد أكثر من هذا المقدار. طبعاً هو لا يعمل وحده. يكون له بعض الأعوان، بعض المروّجين. يكون عنده درس فقه غالباً أو درس أصول. من النادر أن يكون عنده درس تفسير. من أندر النادر أن يكون عنده درس مثلاً في مجال آخر، يكون مجال أخلاق أو فلسفة أو علم الكلام. من النادر جداً. منذ الغيبة الصغرى، صغرت المرجعية التي نعرفها. هو هذه. العنصر المالي قد يكون دخيلاً منها كما هو دخيل الآن. لعله لم يكن دخيلاً بهذه الدرجة، ولكن المرجعية من الناحية الوظيفية كانت إجابة على الاستفتاء، أو إفتاء مسبقاً، وكانت تنحصر في الشخص ويعينه أعوانه. أعوانه قد يكونون طلابه، وقد يكونون زملاءه. السؤال الآن هو هل هذه الصيغة التاريخية التي لا تزال قائمة حتى الآن للمرجعية، هل هي الصيغة الملائمة؟ هل ينبغي لها أن تتطور؟ نقول في الجواب: أولاً، هذه الصيغة هي صيغة مشروعة. بعض الكلام الذي قد يقال عن هذه الصيغة إنها صيغة غير شرعية وغير مشروعة. يقول البعض إنها غير إسلامية، هذا الكلام قد يكون لا ورع فيه. هذه الصيغة شائعة الآن، هي صيغة مشروعة، الصيغة التي جرى عليها الفقهاء الذين عاصرتهم (رحم الله من مات وحفظ الله من بقي نهم)، هذه الصيغة صيغة مشروعة. الفقيه فيها يقوم بهمته من ناحية الإفتاء، والمكلف يقوم فيها بواجبه من حيث الاستفتاء، والمفتي بشروطه تبرأ ذمته، والمستفتي بشروطه تبرأ ذمته. حينما نتحدث عن مرجعية رشيدة أو مرجعية ملائمة لمقتضى الأحوال ومقتضى الزمان، هذا لا يعني الطعن بالصيغة القائمة والسائدة فعلاً للمرجعية. وإنما يعني أن هذه المرجعية، هذه الصيغة للمرجعية التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت ملائمة لما كان عليه المسلمون في الماضي، أو كان هو المطلوب، لعلها لم تكن الملائمة أيضاً. لعله في زمن الشيخ الطوسي كان المسلمون يحتاجون إلى مرجعية أفضل من مرجعية الشيخ الطوسي، لا أقول افضل من الشيخ الطوسي، ولكن أفضل من مرجعيته. يعني الشيخ الطوسي كان ينبغي أن يكون مؤطراً بوضع غير الوضع الذي كان فيه. هذه المرجعية، هذه الصيغة القائمة فعلاً هي صيغة صحيحة وبراء للذمة قطعاً، لا ريب في ذلك مبرأ للفقيه ومبرأ لذمة المستفتي الذي يصطلح عليه بالمكلف، ولكنها صيغة في زماننا ناقصة، ولعلها كما أشرت كانت ناقصة منذ وجدت. ولكن تلك أمة قد خلت لا شأن لنا بها من حيث نقضها، حيث نترضى عليهم، نستنزل رضوان الله عليهم سبحانه وتعالى، وأسأله أن يرزقنا شفاعتهم وجوارهم عنده سبحانه وتعالى. نقول الكلام فيما نحن فيه الآن. ترى هل هذه الصيغة التي كانت سائدة، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن هي صيغة ملائمة الآن لحاجات الإنسان المسلم، ولظروف الإنسان المسلم ولحاجات الأمة الإسلامية وشعوبها؟ أو هذا الشعب منها أو ذاك، ولظروفها ومخاطرها أولاً. يبدو أن هذه الصيغة غير ملائمة، غير كافية. هي جزية من ناحية التكليف الشرعي، ولكنها غير كافية من ناحية الوضع العام. من هنا هذا الجيل، جيلنا بدأ يفكر بتطوير مؤسسة المرجعية إلى صيغة تلائم حاجات الإسلام والمسلمين، وحاجات الدعوة الإسلامية، وحاجات المسلمين في هذا الزمن. من هذه الجهة يوجد تصوران كبيران، لعل في داخل كل واحد منهما بعض التفاصيل، تصور يبقي على المرجعية، على الشخص، ولكنه يطور المؤسسة بأن يكون المرجع باختصار. أولاً مهمة المرجعية ليست فقط تبليغ الأحكام أو الإفتاء، وهذا أمر نتفق عليه. النظرتان تتفقان على أن المهمة هي ليست مهمة المرجعية في الشريعة، المهمة كما يبدو، والله أعلم، أنها ألمحت إليها الآية المباركة، أو لعل هناك آيات أخرى، ونصوص حديثية أخرى هي ليست مرجعية في الشريعة، وإنما هي مرجعية في الدين. ما يتجاوز الحكم الشرعي، في المضمون في المحتوى، ما يتجاوز الحكم الشرعي هو المفهوم الديني.
الآن توجد إشكاليات حول مفاهيم كثيرة، مفاهيم بشكل مطلق. الحريات النسبية، حرية المرأة، حرية الاقتصاد، حرية الإعلام، حرية التعبير، حرية الاعتقاد. هذه مفاهيم، وغير ذلك من مفاهيم ديمقراطية، شورى، حكم، علاقات خارجية، علاقات داخلية، وحدة، مفهوم الوحدة، الوحدة بالمطلق والوحدات النسبية. هذه أيضاً تحتاج لجهد لأجل أن أشرح لكم. أحدكم أو إحداكن تسأل الفقيه أو يسأل الفقيه. هل يجب هذا أو يحرم، هل يجب أو يباح هل يحرم أو يباح؟ هل هو صحيح أم خطأ، هو صحيح أو باطل؟ هكذا ويفتيه أو يفتينا. هذا الحكم غالباً مرتبط بمفهوم عام، الإنسان العادي، المسلم العادي، هو لا يعرف المفهوم. يطبق إذا شاء الفتوى بالحدود الجزائية في الطعام أو الشراب أو المعاشرة، أو الكلام أو القراءة، ولكن يبقى عنده عدم وضوح في المفهوم، فهو يبقى ضائعاً، هو متّبع في الشك تائه في الدين.
المحتوى الثاني للمرجعية، الذي يسد النقص المرجعي في الدين ليس الفقهاء، إنما الذي سد هذا النقص في الفصول الأخيرة من يُدْعَون مفكّرين إسلاميين ومنظرين إسلاميين. هذا بُعد نحن نتوافق في المدرستين لتطوير المرجعية، على أنه يجب أن تهتم المرجعية بالمفاهيم وليس فقط بالأحكام.
الأمر الثاني مجال الدعوة: كما قلنا النظرة السائدة هو إن المرجع يجلس، والناس تأتي. وإذا فعل شيئاً فهو يطبع رسالة. فإذا طبعها من الحقوق الشرعية يجوز أن يعطيها مجاناً، ويجوز أن تباع. وبكل أسف من نقدنا المسند للرسائل العملية هي أنه مكتوب في مقدمتها سطور صغيرة أن هذه الرسالة العملية، العمل بها مجزئ ومبرئ للذمة إن شاء الله، وأنها للعوام لغير المجتهدين، وبعضها معقد العبارة بحيث لا يفهمها الفضلاء. يعني هي أيضاً لا تعتبر تبليغاً. إذا بلّغ، فإنما يبلّغ رسالة عملية. هو في الآية المباركة مبلّغ، هي وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وظيفة الدعوة إنما أنت منذر مبلّغ لينذروا قومهم. يعني هؤلاء الذين يتفقهون في الدين، الذين نفروا وتفقهوا ورجعوا إلى قومهم لينذروهم. المرجع داعٍ، نحن نفهم أن المرجع شيخ الدعاة، هو منظم الدعاة. المرجعية إذاً تنذر قومها، يعني ليست في موقع الانفعال، وإنما بموقع الفعل: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾. ويمكن الاستئناس لهذا الفهم من هذه الآآية المباركة بكل ما ورد من توصيات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من قبيل الآية، إنما أنت منذر، من قبيل كل الآيات التي يرد في خواتيمها أو فيها معنى الإنذار، معنى التبليغ. هذا أيضاً بعد ثانٍ.
إذاً موضوع المفاهيم، وموضوع التبليغ، وموضوع الدعوة، هذان أمران، إضافة إلى موضوع الأحكام. نحن نفهم التراتبية هكذا. أولاً المفاهيم، وثانياً الأحكام، ثالثاً ومعهما معاً التبليغ، تبلغ المفاهيم، وتبليغ الأحكام. هناك بعد يتحدث عنه، يمكن أن يقال فيه شيء، لكن هذا الشيء أولاً يتّبع المعنى الفقهي، وثانياً يتّبع إمكانيات المجتمع. نعم قد يقال المرجع يقود، بمعنى أنه يتولى زمام إدارة المجتمع. هذه الإدارة الفعلية للمجتمع، هذه المسألة فيها كلام كثير، وخاصة في العشر السنوات أو الخمس عشرة سنة الأخيرة، حصل فيها كلام كثير، إن المرجع الفقيه يقود، أو ليس من مهماته المرجعية أن يقود، ربما في مهماته الشرعية أن يقود. إنسان تكليفه الشرعي أن يتولى قيادة هذا الشيء. أما من وظائفه كمرجع أن يكون قائداً فهذا شيء آخر. هذه المسألة من ناحية فقهية هي موضع جدل. يتبع المبنى في مدى ما للفقيه من ولاية، وأن له ولاية مطلقة، أو ولاية أضيق، أو له ولاية محدودة، ومن جهة ثانية درجة استعدادات المجتمع، ودرجة حاجة المجتمع، هذه مسألة نتركها للبحث. نحن نتكلم عن ما هو متفق، الفقيه، المرجع. الآن المرجعية التقليدية هي المرجعية في الحكم الشرعي، في الحلال والحرام، والصحة والبطلان، ونختصر على الحلال والحرام. كان أستاذنا السيد الخوئي (رض) يقول: الفقيه ليس واجباً عليه أن يبيّن المستحب والمكروه والمباح. ولذلك هم ـ «قدّس الله أرواحهم الشريفة» ـ يحصرون الناس في الاحتياط، وهو أمر لا نوافق عليه نحن. نحن نرى أنه ليس صحيحاً من الناحية الفقهية. الحرام والحلال والصحة والبطلان، يضاف إليها المرجعية في المفاهيم، يضاف إليها الدعوة. ونحن نعتبر أن المرجعية إذا أدّت هذه المهمات الثلاث فليس من المهم أن تقوم بالمعنى التقني للقيادة، لأنها قد تكون هيأت المناخ الملائم لإسلام المجتمع، لرُشد المجتمع. والقيادة تبقى بعد ذلك عملاً فنياً محضاً لا قيمة له من الناحية الجوهرية على الإطلاق. على كل حال هذا بعد آخر له مجال للبحث في وقت آخر.
بهذا المعنى نحن نتفق وكل التحديثيّين، وكل من يذهب إلى ضرورة تطوير المرجعية. ينبغي أن يتفقوا على أن مضمون المرجعية يكون هكذا، ولا يختصر فقط على الحكم الشرعي. الآن قد يقول قائل إن المرجع الان مبلّغ، يُرسل مشايخ أو وكلاء للمناطق وهم يبلّغون. أنا أعرف الآن مرجعاً غير مبلّغ، يرسل وكلاء لا يبلّغون، غالباً لا يقومون بمهمات التبليغ. هم وحدات كريمة مباركة إذا كانوا كراماً ومباركين، يعني إذا كان عندهم علم وتقوى وعقل، إذا سئلوا يبينون، وإذا لم يُسألوا هم غير مبلّغين، يعني ليسوا دعاة. هم لا يحملون صفة داعية، هم يتمثلون صفة مقام، هو مقام يحترم، يعظّم، يبجّل، يتبرك به فقط. المرجع الآن صيغة شائعة. يوجد بعض الاستثناءات. طبعاً هو لا يبلّغ، وغالباً وظيفة هؤلاء هي جباية الحقوق الشرعية. في المدة الأخيرة حصل تطور جزئي في هذا الحقل، حقل التبليغ. حدث تطور جزئي نتيجة لنمو الفكر الحركي، إذا صح التعبير، في أوساط الإسلاميين. يعني الحركة الإسلامية كان لها فضل في إيجاد مناخ تبليغ. فالبعض بدأ يهتم بالجانب التبليغي من هذه الجهة. وإلا فالصيغة التقليدية الرسمية هي كما ذكرت هذا من جانب الماضي. التحديثيون والتطويريون بشأن المرجعية يختلفون في الجانب التنظيمي. هناك اتجاه يقول: المرجع هو الشخص وهو الفقيه. وغالباً هؤلاء يعكسون مبنى اشتراط الأعلمية للفقيه. ولكن هذا الفقيه ينبغي أن يحيط نفسه بمكانة، بمجموعات من رجال الدين، من علماء الدين، ويكلّف قسماً بالحوزات الدينية، وقسماً بالنشر والتثقيف، وقسماً بالدعوة، وقسماً بالمال، وقسماً للاتصالات الخارجية. يعني بدل أن يكون هو وبعض المعاونين الموجودين بنتجية الصداقة والتلمذة، أو نتيجة للضرورة القصوى، كما جرت عليه المرجعية السائدة فعلاً، بدل أن يكون هكذا، هو يُحدّث المرجعية (يجعلها حديثة)، يجعل لها مكاتب ولجاناً، وهذه المكاتب أو اللجان، منها ما يهتم بالتبليغ، ومنها ما يهتم بالمال، ومنها ما يهتم بالدعوة، ومنها ما يهتم بالاتصال بالعالم الإسلامي ومناطق المسلمين وما إلى ذلك. ويشاورهم، ولكن يبقى هو الفقيه. يعني في المرجعية، بالشأن الفقهي، بالشأن الديني، يبقى هو الشخص.
هذه النظرة نقول أيضاً إنها نظرة صحيحة، كما قلنا عن الصيغة السائدة فعلاً. فقيه له مجموعات معاونين، كل مجموعة تمارس مهمة محددة، هذه الصيغة صيغة صحيحة. صيغة أفضل من الصيغة التقليدية بلا ريب. هناك رأي آخر لعلنا نفضله على هذا. نقول أولاً: لماذا يجب أن يكون هناك مرجع واحد في التقليد أساساً؟ من الثابت عندنا فقهياً مشروعية التبعيض في التقليد، وأن يقلد المكلف الواحد فقيهين، أو ثلاثة فقهاء، أو أربعة فقهاء، أو خمسة فقهاء. يقلد في العبادات فقيهاً، وفي البيوع والتجارات فقيهاً، وفي العلاقات الأسرية فقيهاً، وفي السياسات فقيهاً. لماذا الانحسار في فقيه واحد؟.
أنا أعتقد أن الفقه الشيعي إلى حد ما متأثر، والفقه السني متأثر، غالباً عند الشيعة بمفهوم الإمامة الواحدة، لأن الإمام في العصر الواحد لا يكون إلا معصوماً، وإلا لا يكون إماماً. في الفقه السني هو متأثر بالفكرة الفقهية السياسية عن وحدة الدولة ووحدة الخليفة، وأنه لا يكون للدولة الإسلامية إلا خليفة واحد. فإذا تصدى شخص آخر للخلافة يقتل الثاني. يعني أنه غير مشروع. أنا أعتقد وعندي بعض البينات الفقهية والفكرية على أن الخلفية الشيعية الإمامية في هذه الفتوى، أو في هذا السلوك هي خلفية كلامية. وإن الخلفية عند أهل السنة هي خلفية كلامية، وليست خلفية فقهية. يعني أنه ليس لها أساس فقهي. نقول لماذا تكون المرجعية الآحادية أساساً؟ المرجعية لماذا تدور حول شخص ويكون لهذا الشخص مكاتب أو لجان؟ لماذا تتحوّل المرجعية نفسها إلى مؤسسة؟ فيكون هناك تبعيض في التقليد، ليس تقليد المجموع في حكم بعينه. هذا أمر صعب التنفيذ لأن الاجتهاد في النهاية هو اجتهاد شخصي، والاتباع أيضاً هو اتباع شخصي، ولكن هذا الاتباع لا يكون شاملاً لجميع مساحة الفقه، يعني جميع مساحة الحياة. حينما نقول إني فقيه، يعني أني أبرمج حياة البشر وفقاً للشريعة. من يقلّدني هو يتبعني في مساحة حياته كلها، وحياة من يتصل معه أيضاً ممن لا يقلّدني. إذا كان هو مقلّداً لي، ومتزوج من امرأة غير مقلدة لي، أنا أبرمج حياته وحياتها هي أيضاً بحكم اتصالها معه. هذا لا يوجد له أساس في الآحادية الشاملة.
لا يوجد لها أساس فيما أرى في الفقه الإسلامي، وحتى في الفكر الإسلامي، وحتى في التطبيق التاريخي للمرجعية بصيغة آحادية أيضاً لم تكن صائنة وحادة ومركزية بالشكل الذي صارت عليه منذ قرن أو قرن ونصف. هذه الصيغة من الناحية التنظيمية تفترض ما يلي: أن يكون هناك مجمع فقهاء، كل واحد منهم مجتهد مطلق بكل معنى كلمة الاجتهاد المطلق في المبدأ، لأن هنا في حكاية الاجتهاد المطلق أيضاً يوجد التباس. لا يوجد مجتهدون مطلقون غالباً، لا عند الشيعة ولا عند السنة. يوجد مجتهدون مطلقون في المذهب. أما مجتهدون مطلقون في الإسلام فلا يوجد. الشيعة يقولون إن مذهبهم هو الإسلام، وهو المذهب الحق، والآخرون مسلمون. فيعتبرون أن اجتهادهم في المذهب هو اجتهاد مطلق، ولكن هل هم مجتهدون في فقه المذاهب الأخرى؟ كلا، فهم مجتهدو مذهب، كذلك الأحناف أو الحنابلة والشيعة الزيدية، أو الشوافع أو المالكية، هم مجتهدو مذهب، من النادر مثل الشيخ الطوسي (رض)، مثل العلامة الحلي (رض). بعض الآحاد الذين يحاولون في هذا الزمان ربما كانوا يتناولون يناوشون حافّات اجتهاد مطلق. أن يكون كل واحد من هؤلاء مجتهداً مطلقاً بالمعنى المذهبي على الأقل. إذا كان مجتهداً مطلقاً في جميع المذاهب يكون أفضل. ولكن بالمعنى المذهبي على مذهب الشيعة، ونحن نتحدث عنه الآن، وهي صيغة تصلح أن تكون نموذجاً لكل مرجعية في الإسلام. أن يكون كل واحد منكم مجتهداً مطلقاً في المذهب، وفي نفس الوقت يعطي اهتماماً كبيراً لحقل بعينه، فيكون متخصصاً في حقل بعينه. ويمكن الرجوع إلى الكل فيها. وأقول الآن في باب العبادات يمكن أن تقلدوا الموجودين، لأن العبادات عندنا مبنية على الاحتياط، والخلافات الموجودة، خلافات نادرة جداً بحيث لا تذكر (حتى بعض المستحبات أصبحت مثل الواجبات، وكل جلسة في الاستراحة بدأت الفتوى تشتهر بعدم وجوبها وخاصة الشيعة يعجز إذا ما جلس جلسة الاستراحة والناس كما تربّت على جلسات الاستراحة، وتربّت على ثلاث تسبيحات، وتربت على قراءة السورة الكاملة بعد الفاتحة وتربت على رفع اليدين في التكبير إلخ، الحج كذلك، الطهارة.
(الطهارة صارت احتياطاً) هذه هي العبادات لا مشكلة. لكن توجد حقول حرجة، حقل الأسرة، حقل المرأة، حقل الاقتصاد، حقل العلاقات مع الآخرين (مع الأجانب) حقل الأموال العامة، وهذا في الحقل الاقتصادي وأمور أخرى. هذه لم تعد مشاكل الناس فيها مشاكل شخصية. الآن في حياة الملايين من الناس قضايا القروض من البنوك، وحكاية الفائدة والبيوع والإيجارات والاقتراض، شراء السلع الصغيرة، وشراء السلع الكبيرة، هذه لم تعد مشكلات فردية، بل هي تنظيم المجتمع الحديث. جعل حياة الناس موصولة ببعضها بشكل كامل، قضايا عمل المرأة، عمل المرأة المنتج المأجور، المرأة في بيت أبيها أو زوجها، هذه مسألة جديدة، وقضايا أخرى كثيرة. قضايا الإنسان، قضايا تكوين الأسرة والاستيلاد، الحبل والولادة وعدد الأولاد. كثيرة هي القضايا التي لم تعد شأناً فردياً. الآن يقال ليس كل زوجين حرّين في إنجاب ما شاءا من الأطفال. يقال هكذا وله وجه، لأن أي إنجاب سيلزم المجتمع بمسؤوليات، سيلزمه بمقعد دراسي، سيلزمه بسرير في المستشفى، ويلزمه بمساحة معينة من الإسكان، ويلزمه بسيارة، بإنشاء هيئة مجلس. هذا المجلس يكوّن مجموعة، هو المرجعية. وهذا المجلس لا يستقل بنفسه، هنا فكرة المكاتب، أو اللجان لهذا المجلس. تكون هناك اختصاصات تتصل بكل شؤون الحياة التي لها علاقة بالشريعة وبحياة الناس، وهؤلاء الذين يساعدون على بلورة المفاهيم، والتي من الصعب أن يكون هناك دقة واتزان في الاستنباط الفقهي عند الفقيه من دون وضوح المفهوم عنده. نذكر الآن مثال: قضايا المخدرات. في النظرة الفقهية الحديثية، يجوز زرع الحشيش، ويجوز بيعها، ويجوز استهلاكها. لا يوجد أي نص رسمي فقهي يمنع هذا أبداً. يمكن لأي فقيه كبير، وهناك البعض من الكبار الكبار الذين وقعوا في هذا وأكثر. ولعلّ بعض الموجودين يعلمون بهذه الفتاوى، زرع وتجارة واستعمال أيضاً. هذه الفتوى صحيحة بالمعنى التقني، بالمعنى الميكانيكي، ولكنها فتوى غير صحيحة بالمعنى المفهومي. الآن في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي أماكن أخرى يُعدم الذي يروّج أو ينتج. بينما الفتوى أن الرجل الذي يعمل هذا، يعمل عملاً مشروعاً، عملاً مباحاً، كنشاط هو عمل مباح، كتبادل هي تجارة عن تراضٍ، وأحل الله البيع وحرّم الربا، وهذا بيع.
وهي تجارة عن تراضٍ، وتلغى الفتوى بالمعنى الفني المحض التقني، هذه الفتوى صحيحة، ولكن على قياس المفاهيم، هي فتوى غير صحيحة، غير شرعية. ربما قبل مائة سنة يمكن أن تكون هذه الفتوى غير مناقضة للمفهوم، ولكن الآن هي مناقضة للمفهوم، فهي غير مشروعة، يعني لا تمثل الشرعية. هذا الأمر قد لا يدركه الفقيه، والأمر لا يتصل بهذا. هذا الأمر يحتاج إلى خبرات أخرى، قد يوجد إنسان عبقري، علاّمة عظيم، يمكن نظرياً، ولكن عملياً صعب. فلا يمكن المغامرة بكينونة أمة وبكينونة مجتمع عند اعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد بعض محبيه فيه. لا يمكن تسليم مصير مجتمع، أو مصير أمة، لاعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد محبيه فيه. لا يمكن لأمة أن تبني أمورها على الاحتياط. الصيغة التنظيمية المطروحة للدرس، ولا يعني هذا خطأ صيغة تنظيمية مقابلة. ولا يعني هذا عدم مشروعية الصيغة السائدة بين الناس. هي أن تكون المرجعية، مرجعية غير شخصية، أن تتمثل في هيئة. الآن لا نملك تصوّراً تنظيمياً مفصلاً، ولكن المسألة هي في التداول. ويمكن أن يتعايش صنفان من المرجعية في وقت واحد. يمكن في حقل من الحقول أن تكون المرجعية شخصية، وفي المجالات الأخرى تكون هناك مرجعية مؤسسية، لا ترتكز على شخص، وإنما تقوم بها هيئة تعتمد على خبرات.
محمد مهدي شمس الدين
مرجعية التقليد
ـ 2 ـ
شهد القرن التاسع عشر الميلادي بإيران تثبيت مؤسسة اجتماعية دينية جديدة هي «مرجعية التقليد». وكانت إمامة الإمام الثاني عشر مع غيبته قد تحولت تدريجياً إلى رؤية ذات طابع نشوري، تركت المجال خالياً لتبلْوُر المؤسسة الدينية السالفة الذكر، التي لا تملك أساساً نظرياً في التشيع الكلاسيكي. وبذلك، فإن «مرجع التقليد» ظاهرة نجمت عن تطورات بلغت مداها في إيران في القرن التاسع عشر ضمن المذهب الشيعي. ويمكن ربط ظهور المؤسسة بثلاثة شروط نظرية ومؤسَّسية كانت قد سبقتها: انتصار الاتجاه الأصولي على الاتجاه الإخباري، والتأسيس الفقهي لفكرة الأعلمية، والتنظير لولاية الفقيه. لذا، فستتجه كلمتنا هنا لقراءة الظواهر الثلاثة أولاً، ثم للتأمل في أول مرجع للتقليد بإيران، لندرس في الخاتمة مكان ومكانة «مرجعية التقليد» في الحياة السياسية بإيران.
أ ـ انتصار المدرسة الأصولية
تعني الأصول هنا المبادئ والأدلة الفقهية المستخدمة في «علم أصول الفقه»، المعتبر في العادة علم الأدلة الذي تأسَّس عليه الأحكام الفقهية التفصيلية. والأصول أو أصول الأدلة في المذهب الشيعي هي: القرآن، وأحاديث الرسول والأئمة، والإجماع، والعقل. والإجماع عند الشيعة هو اتفاق الأئمة الشيعة المجتهدين على أمر أو فيه دون أن يخالف ذلك كلام الأئمة المعصومين. ولأن الإجماع مُظهرٌ لقول الإمام أو رأيه فهو معتبرٌ من الأدلة. أما العقل فيمكن القول إن معناه هنا هو المعروف لكنه في اصطلاح الأصوليين يتضمن أربعة حدود: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب. وهذه الحدود للعقل يمكن أن تتخذ دليلاً هادياً في استنباط الأحكام في حالة عدم توافر الأصول الأخرى لأنها في الحقيقة قائمة على الظن. وهذه المسألة بالضبط كانت منطلق مدرسة الإخباريين الذين وضعوا النصَّ فوق العقل وحدوده أو مبادئه. فبعكس الأصوليين يعتمدُ الإخباريون على الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة باعتبارها مصدراً للعلم والفقه في الدين. وكان هذان الاتجاهان المتضاربان موجودين في التشيع منذ البداية لكن المواجهة بينهما اتّضحت في سياق زمنيّ محدد وكان فقهاء الشيعة الأوائل من مثل الشيخ المفيد (413هـ/ 1021م)، والسيد المرتضى (436هـ/ 1044م) والشيخ الطوسي (460هـ/ 1067م) قد اهتموا بالأصول والأدلة وكتب السيد المرتضى كتابه الأول في أصول الفقه باسم الذريعة. ولقي العلم الجديد عندهم تفصيلاً واختياراً على يد الشيخ الطوسي في رسالته: عُدة الأصول.
ب ـ التأسيس الفقهي لفكرة الأعلمية
هذا التوجه الأصولي الذي سار فيه علماء الشيعة ببغداد، واجهه اتجاه آثريّ بين العلماء الشيعة في قُم والري. ومن علماء هذا الاتجاه الكليني (329هـ/ 940م)، وابن بابويه المعروف بالصدوق (381هـ/ 991م). ومع ذلك فلا يمكن القول إن الاتجاه الأصولي والآخر الإخباري تواجها بوعي في المرحلة الأولى فالشيخ الطوسي يسمي أصحاب الاتجاه الإخباري: أصحاب الجُمل؛ أي الحرفيين أو اللفظيين الذين يقفون عند الآثار والأخبار ولا يتجاوزونها. وأول ذكر للاتجاهين باعتبارهما مدرستين مختلفتين في التفكير في أصول الدين وفروعه نجده لدى عبد الجليل القزويني (565هـ/ 1170م) الذي يتهم أصحاب الأخبار بضيق الأفق([439]).
وكانت الموجة الثانية المرتفعة للاتجاه الإخباري في حقبة المغول الإيلخانيين بإيران. وكان النقاش وقتها حول الاجتهاد وشروطه. إذ يذكر الشيخ مرتضى المطهري أن ابن المطهر الحلي (726هـ/ 1325م) هو أول عالم شيعي تحدث عن المجتهد باعتباره ذلك الذي «يستنبط الحكم الشرعي» استناداً إلى الأدلة الشرعية المعتبرة([440])، ويمكن القول إنه في المرحلة الأولى أو الحقبة الأولى لم يكن الشيعة يهتمون بمسألتي القياس والاجتهاد. فالشيخ الطوسي يهاجم القياس والاجتهاد في كتابه المشهور عدة الأصول. وقد انصب جهده على التقعيد للأصول النصية حتى لا يضطر الفقيه للّجوء للقياس([441]). لكن هذا الجهد بالذات أدى إلى تجاوز الأصول الشرعية الأربعة([442]). وعندما نتأمل نص ابن المطهر الحلي بدقةٍ نجد أنه يفرق بين اجتهاد المكلفين واجتهاد المجتهدين. وهو يرفض اجتهاد المكلفين، ويحذر من وصول اجتهاد المجتهدين إلى التخمين والظن وليس إلى العلم([443]).
وفي الواقع فإن ابن المطهر يؤسِّسُ لاحتكار الفقهاء العلماء للاجتهاد. واكتملت صياغة شروط الاجتهاد على يد العاملي (1011هـ/ 1602م) الذي خصّص للاجتهاد فصلاً مستقلاً في كتابه([444]). وقد خسر الاتجاه الأصولي جولة في الصراع لصالح الإخباريين في القرن الثاني عشر الهجري الذي ظهر فيه الإخباريُّ الكبير الملاّ أمين الاسترابادي (1033هـ/ 1623م). بيد أن التطورات الاجتماعية والسياسية كانت تعمل لصالح اتجاه الأصوليين لاستمرار غيبة الإمام، واحتياج الجماعة الشيعية لاجتهادات وتجديدات تتوافق والظروف المتغيرة. وهكذا فقد كان ظهور آغا باقر البهبهاني (1118 ـ 1208هـ/ 1706 ـ 1793م) بكربلاء إيذاناً ببدء التغيُّر لصالح اتجاه الأصوليين. وقد حصل البهبهاني من جانب معاصريه على لقبي مؤسس ومجدد للفقه الجعفري مع أنه لم يكن لامعاً مثل ابن المطهر أو الشهيد الثاني. وهكذا، فإن أهميته تكمن لا في فقهه بل في عمله على إزاحة الإخباريين من مراكزهم بإيران والعراق. فقبل العصر القاجاري كان الاختلاف بين الأصوليين والإخباريين اختلافاً على الطرائق والأدلة، أما البهبهاني فقد عمل على إزاحتهم باعتبارهم من المبتدعة أو الزنادقة! وقد تركّز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام واستحالة استفتائه في قضايا الدين والفقه([445]) وهكذا، اتجه البهبهاني للقول بالعلم الإجمالي للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل عند الشيعة.
يقول البهبهاني([446]) إنَّ هناك رأياً سائداً يقول إن باب معرفة الاحكام أُقفل بعد غيبة الإمام؛ لكن ذلك غير معقول.إذ هناك أحكام كثيرة ظهرت وسادت بعد غيبة الامام ، صحيح أن تلك الأحكام الجديدة تفيد الظن لا العلم اليقيني؛ لكن لا بد من استمرار التأمل ولا يستطيع أحد إغلاق باب الاجتهاد رغم عدم تحقق العلم اليقيني. ثم أن هناك بديهيات لا يمكن إنكارها وإن لم تصدر عن الأئمة المعصومين. فلا بد في النهاية من اعتبار الاجتهاد المستند إلى الدليل مفيداً للعلم والبرهان وإلا صار التديُّن مستحيلاً. ولكي لا تصبح الأمور فوضى يقتصر الأمر على المجتهدين([447]). وهكذا. قاد البهبهاني القول ببلوغ قول المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه ثم جاء النراقي (1245هـ/ 1830م) فقال بذلك صراحةً مشدِّداً على أن المجتهدين الذين يبلغون هذه الرتبة قلة تتوافر لها الأعلمية.
إن الفقيه الذي يستحق لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين أو أعلمهم، وهو وحده الذي يستحق التقليد من جانب المكلفين. وكان هذا التطور في القرن التاسع عشر داخل المذهب الشيعي. إذ لا نجد قولاً واضحاً بذلك قبل القرن التاسع عشر وما حدث فيه من تطورات داخل المذهب. على أننا نجد إشارات أولية لذلك في مؤلفات السابقين. فالإمام هو الأعلم داخل الشيعة تبعاً لرؤية ترجيح الفاضل على المفضول. وقد ظهرت تلك الرؤية أولاً في علم الكلام. وعاد علماء الشيعة أيام المغول للتأكيد على الموقع الفريد للإمام استناداً إلى المبدأ السالف الذكر([448]). فقد قال القاضي نور الله العلم والورع والشجاعة([449]). وبعد قرنين؛ في العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطورات السالفة الذكر، والتي تقول بتقليد المجتهد الأعلم؛ لتأسيس «مرجعية التقليد» باعتبار «مرجع التقليد» عملياً متقدماً على الجماعة الشيعية في العلم، وفي جواز تفكيره بل ضرورته؛ مثل الإمام تماماً([450]).
وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى العاملي في معالم الأصول. لكن الأعلم عنده هو ذاك المتقدم في رواية الحديث وأقوال الأئمة([451]). لكن عندما استقر الشيخ الأنصاري (1281هـ/ 1864م) خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني (1266هـ/ 1849م) ([452]) باعتباره الأعلم؛ كانت أعلميته مفهومة في معناها الكامل الذي يجعله مرجعاً للتقليد في أصول الدين وأصول الفقه كما هو تقليد المدرسة الأصولية. بل أن الشيخ الأنصاري ادّعى الإجماع على أن المجتهد المعتبر هو الأعلم في الأصوليين([453]) وأوضح السيد الطباطبائي اليزدي (1338هـ/ 1920م) أواخر القرن التاسع عشر شروط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم في الوقت. أما المجتهد الأعلم فهو القادر استناداً إلى معرفته الوثيقة بالأصولين لاستنباط الاحكام في الزمان([454]). وبالإضافة لذلك أكّد اليزدي ضرورة التقليد من جانب المكلَّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين بدون التقليد([455]).
وينبغي القول هنا إن هذا التأكيد على ضرورة التقليد ظاهرةٌ خاصةٌ بالمذهب الشيعي في العصر القاجاري؛ إذ كان مجتهدو العصر المغولي مثل ابن المطهر والشهيد الثاني قد اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد؛ وبخاصة الشيخ حسن العاملي (1101هـ/ 1602م) ([456]).
ج ـ تطور رؤية ولاية الفقيه
تعاصر سقوط الصفويين مع صعود المدرسة الأصولية التي أكّدت على دور العلماء المجتهدين كشرّاح ومؤوّلين للشريعة. وقد دخلت فئة العلماء في سياسات الدولة بإقدام فتح علي شاه على استنان الرجوع إلى العلماء أو الحصول على موافقتهم لتولي السلطة (إذن السلطة). وربما كان ذلك من جانب الشاه احتيالاً على الرأي العام لأنه لم يكن أقل استبداديةً من أسلافه وأخلافه؛ بيد أن ذلك دعّم من مركز العلماء في المجتمع والسلطة فكان أن ظهر القول بولاية الفقيه على يد الملاَّ أحمد النراقي (1245هـ/ 1830م)؛ أفاد النراقي من تطورات تصنيفات الاتجاه الأصولي لاصطناع هذا اللقب الجديد، وهذه المرتبة الجديدة؛ وتطوير ذلك إلى نظرية جديدة فعلاً داخل المذهب. وحجته في ذلك أنه في غياب الإمام المعصوم، فإن المجتهد يحلُّ محله باعتباره خليفته في غيابه بما يعنيه ذلك من سلطة كاملة له. وأدلة النراقي في ذلك الأحاديث، والإجماع، والعقل([457]).
وقد أورد في الجانب الأثري تسعة عشر، أهمية رؤية النراقي، تكمنُ في تحويله «ولاية الفقيه» ـ بهذا المصطلح والتدليل عليه؛ من دعوى لبعض العلماء إلى جزءٍ من البنية الفقهية للمذهب. دعاوى الفقهاء كانت موزَّعة في بعض أبواب كتب الفقيه مثل القضاء، والجهاد، والخُمس، والاجتهاد. لكن التأكيد على عصمة الإمام، والنص عليه كان يُضعِفُ من الحديث عن موقع للفقيه؛ فكيف بالقول بنائب للإمام يتمتع بالسلطة نفسها رغم أنه غير منصوص عليه، وغير معصوم؛ مثلما حدث لابن المطهَّر الحلي([458]). صحيح أن الشهيد الثاني اعتبر الفقهاء خلفاء للإمام، لكن كان بعيداً عن الحديث عن الولاية العامة للفقهاء أو لفقيهٍ معين([459]).
كما أن آقا باقر البهبهاني دار حول فكرة الفقيه كخليفة للنبي لكنه لم يصل إلى القول بالولاية العامة([460]). لقد كان الأمر مقصوراً على محاولة إعطاء الفقيه سلطةً في حالات معينة لحل بعض الإشكالات الفقهية. ومن هنا، فإن عمل النراقي يكتسب أهمية من نقطتين اثنتين: معالجة موضوع «ولاية الفقيه» بشكل مستقل، والتدليل على ذلك بكل الوسائل الممكنة من ناحيتي العقل والنقل ـ وتقسيم الولاية إلى عامة وخاصة، وإعطاء الفقيه الولايتين تبعاً للحالات العارضة. قام النراقي بهذه المهمة ذات الوجهين في عمله المهم المسمى عوائد الأيام. وهو عملٌ ذو مقام عالٍ في قواعد الفقه الشيعي، يقول النراقي في القاعدة الثمانين أن هدف القاعدة هو شرح مهمة الفقيه الولي في غياب الإمام، والتدليل على أن ولايته عامةٌ مثلما هي ولاية الأئمة تماماً([461]).
ويعني هذا أن مهمة الفقيه أو ولايته هي مثل ولاية الأئمة في غياب الإمام المعصوم باستثناء الأمور التي فيها نص أو إجماع ولا تدخل في ولاية الفقيه. ثم أن كل ما يتعلق بأفعال المكلَّفين منحصرٌ إما بالشرع أو بالعقل([462]).
ولكي يدلّل النراقي على ذلك حشد مجموعة ضخمة من الروايات والآثار التي بلغت تسعة عشر جُلّها تتحدث عن ولاية النبي والأئمة، وتعود إلى الإمام جعفر الصادق. وذلك من مثل القول المنسوب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم ارحم وبارك خلفائي …. الذين يحفظون سنتي، ويعلّمونها الناس([463]). وهناك أثر آخر يعتبر الاحتكام إلى الأمراء والقضاة احتكاماً إلى الطاغوت؛ وقد ظهر للمرة الأولى مروياً بطريق ابن حنظلة عن جعفر الصادق عند الكُليني في الأصول من الكافي([464]). ثم هناك الأثر المشهور عن الإمام الثاني عشر الذي يطلب الرجوع في غيبته إلى رُواة آثار النبوة والإمامة([465]).
ولأن هذا الأثر مروي بطريق إسحاق بن يعقوب سفير الإمام؛ فإن النراقي يعتبره متصلاً. لكن النراقي لم يهتم بتلك التفرقة التي تُعطي الولاية لسفراء الإمام الغائب الأربعة فقط، وليس لسائر الفقهاء.
ثم ينتقل النراقي لتأييد مسألة الولاية بأدلة أخرى مثل الإجماع على ذلك بين مشاهير علماء المذهب([466]). على أن الشيخ الأنصاري ردَّ هذا الدليل بعد النراقي بقليل باعتباره قولاً مشهوراً فقط لا يبلغُ مرتبة الإجماع([467]). وللنراقي أدلته العقلية. فقد كان النبي في حال غيبته عن المدينة يستخلف عليها أمراء يتمتعون بنفس صلاحياته. لذا، فالمعقول أن يخلف الأئمة في حال الغيبة الأعلم بين الموجودين من الفقهاء([468]).
وهكذا، فإن النراقي يملك صورة مثالية للفقيه ودوره وولايته العامة، وخلافته للأئمة، لكن ليس واضحاً ما إذا كان الفقيه الولي عند النراقي يحلُّ محل السلطة السياسية القائمة أم لا؛ إذ أنه يُسمي ولاية الفقيه سلطنة الشريعة. وقد كانت للنراقي صداماته مع السلطة السياسية في عصره. لكنه بشكل عام كان له علاقة جيدة بفتح علي شاه القاجاري، وقد اعترف به شاهاً.
د ـ شروط المرجعية ومؤهلاتها
على الفقيه المجتهد أن يكون متقناً للعربية، والمنطق، وعلم الكلام والتفسير، والحديث، والفقه، أو بعبارة أخرى للفقه وأصول الفقه. ثم أن عليه أن يدلل على أعلميته بالحصول على شهادات وإجازات من كبار علماء عصره، وبتأليف كتب اجتهادية في المذهب. ثم لا بد أن تتوافر فيه صفات شخصية فُضلى مثل الذكورة، والذكاء، وأن يكون ولوداً من نكاح (لا من سفاح)، وأن يكون ورعاً. وهناك خصيصة يذكرها بعض المؤلفين وهي أن لا يكون مستهتراً بالثراء([469]).
هـ ـ مرجع التقليد في حياة إيران السياسية
لعب المراجع دوراً مهماً في الحياة السياسية لإيران الشيعية. فقد قاوموا التدخل السياسي والاقتصادي الأوروبي([470]). كما تعاونوا مع القوى الليبرالية بإيران من أجل العدالة والحياة الدستورية (المشروطة). وبذلك حدّوا من سيطرة الشاهات واستبداديتهم. وبسبب غياب مؤسسات أخرى غير المؤسسة الدينية، فإن الشعب كان يلجأ إليهم في الأزمات لتحدي الطغيان السلطاني. وقد ظهرت القدرة القمعية للمراجع المسيطرين في حملاتهم الشعواء على الصوفية والشيخية والبابية. إذ نشهد في إيران القاجارية عدة حركات دينية تدور كلها حول سلطة الإمام، ومن يخلفه فيها. ويبدو ذلك من مصطلحات وتعابير لدى «المبتدعين» من مثل الولاية الصوفية، والشيعي الكامل، والركن الرابع، والباب. وقد تصدى العلماء لكل هذه الدعاوى والحركات، وبذلك صارت الأعلمية الركن الإنساني للمرجعية. وقد استعان الشاهات بالمجتهدين أحياناً؛ إذ كانوا يجدون أن تهديد الصوفية والشيخية أقوى من خطورة المراجع المجتهدين على سلطتهم. وبالإضافة إلى دعم السلطة القائمة، حصل المجتهدون على دعم من التجار والأصناف (فئات الحرفيين). وهكذا، فإن تحالف المسجد والبازار أيام الصفويين والقاجاريين ساعد المجتهدين على التخلص من الصوفية والشيخية.
أحمد الكاظمي الموسوي
مرجعية التقليد
ـ 3 ـ
إن مرحلة تكامل الاجتهاد بدأت بالوحيد البهبهاني (م 1205هـ) وانتهت بزمان الشيخ مرتضى الأنصاري (م 1281هـ).
وقد شهدت الحوزات العلمية طوال تلك الفترة حركة وتكاملاً في الأبحاث الاجتهادية، ولما كان الأصوليون والمجتهدون قد وصلوا في هذه المرحلة إلى تحقيقات متكاملة، فقد وصل الفقه الاجتهادي إلى أوجه، وذلك بسبب كون استنباط الأحكام الشرعية للحوادث الواقعة من مصادرها الأصلية يعتمد على ما يلي:
1 ـ دراسة الأصول والقوانين العامة والكلية للاستنباط.
2 ـ دراسة فروع الأصول ومصاديق القوانين الكلية بصورة متكاملة.
3 ـ التركيز على أبعاد الأدلة الاجتهادية (الكتاب والسنة) في الموارد التي تتوفر فيها أدلة اجتهادية، وكذلك التركيز على أبعاد الأدلة الفقهية (مثل الأصول العملية) في الموارد التي تفتقر إلى الأدلة الاجتهادية.
4 ـ نقد ودراسة وتحليل آراء ونظريات العلماء السابقين لمصادر الاجتهاد.
وبعد تجاوز المجتهدين لهذه المراحل، يرجعون الفروع الجديدة إلى أصولها الأساسية، ويطبقون القوانين الكلية على مصاديقها الخارجية.
وقد كانت هذه المرحلة تحمل جميع مزايا المراحل السابقة من مراحل الاجتهاد، من هنا كان لها الأثر الأكبر في تطور الاجتهاد وتكامله، بحيث لا يزال الفقهاء وعلماء الأصول يستفيدون إلى الآن من تلك المرحلة، وتحقيقاتها القيمة. وفيما يلي نذكر باختصار علماء تلك المرحلة:
1 ـ الوحيد البهبهاني: وهو أبرز علمائها، ومجدد القرن الثالث عشر، وأستاذ الجميع (محمد باقر) الوحيد البهبهاني الذي أخذ على عاتقه مرجعية وزعامة الشيعة بين عام 1173 وعام 1205. وكان مقامه العلمي وحسن إدارته وتدبيره ومواهبه الخارقة وذوقه الخاص حديث الخاصة والعامة في ذلك العصر، بحيث يعتبر من نوادر العالم الإسلامي، ونقطة انعطاف في البحوث الأصولية والاجتهادية. فقد استطاع بسعيه المتواصل وطرحه لآرائه المميزة ونظراته الاجتهادية أن يؤدي دوراً مهماً ومميزاً في تطور ونمو المسائل الاجتهادية. تميز بقدرة عجيبة في التدريس، حيث كان يطرح دروسه في أصول الفقه بأسلوب بارع ويقحم هذه الأصول في مختلف الفروع وبذلك استطاع تخريج مئات المجتهدين البارزين من تحت منبره، وكان لهؤلاء المجتهدين بدورهم حصة كبيرة في نشر أصول البهبهاني في أكثر المدن الإسلامية. ومن بين أبرز طلابه كل من: السيد محمد مهدي بحر العلوم (م 1212). الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (المتوفى عام 1228 في النجف). السيد علي الطباطبائي (المتوفى عام 1231هـ في كربلاء). السيد محسن الأعرجي (المتوفى عام 1240هـ في الكاظمية). الميرزا القمي (المتوفى عام 1233هـ في مدينة قم). الميرزا مهدي الخراساني (المستشهد في مشهد عام 1218هـ). الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي (المتوفى في أصفهان عام 1245هـ). الملاّ مهدي النراقي الكاشاني (المتوفى في كاشان عام 1245هـ). الميرزا يوسف المجتهد (المتوفى في تبريز عام 1242هـ). السيد دلدار علي النصير آبادي (المتوفى في الهند عام 1235هـ). وللوحيد البهبهاني تلامذة آخرون، كان لهم مكانة اجتماعية بارزة.
كان البهبهاني يدرس متن معالم الأصول المعروفة، وإذا بدا له رأي يخالف المتن دوَّنه في الحاشية. وفي ذلك ينقل العلامة محمد حسين الكرهرودي (م 1314هـ) وهو من تلامذة الميرزا الشيرازي أن البهبهاني درّس متن المعالم عشرين مرة، وكان يدوّن حاشية جديدة في كل مرة. ثم يضيف قائلاً: شاهدت في مدينة بروجرد تسعة عشر نوعاً من هذه الحواشي.
وإضافة لهذه الحواشي، كان للبهبهاني تأليفات عديدة في الفقه والأصول والكلام والرجال والحديث وغيرها، منها: الاجتهاد والأخبار، تعليقات رجالية، شرح مفاتيح الفيض، فوائد الحائري ورسائل علمية.
ومن المناسب هنا أن نوجز النتائج المهمة لأعمال الأستاذ الكبير الوحيد البهبهاني القيمة.
1 ـ دراسة متكاملة لرواة الأخبار والأحاديث، نتج عنها تصحيح العديد من الأحاديث التي كانت أساساً لمسائل الفقه الاجتهادي وبالتالي حدث تحول واضح في مجال الاستنباط.
2 ـ حاكمية الاجتهاد وغلق باب الإخباريين والظاهريين الذين كانوا كثرة في ذلك العصر، وكانوا لا يأخذون بعين الاعتبار الخصائص الموضوعية للعصر، والتغيرات التي يمكن أن يحدثها مرور الزمن، بل يكتفون بظواهر الأحاديث والروايات. فانبرى الوحيد إلى تفنيد آرائهم التي كانت سائدة لفترات طويلة في الحوزات العلمية وزعزعة وجودهم ليخلي المكان للمجتهدين. فقد تغلب على الميرزا محمد الإخباري النيشابوري الذي كان من أبرز رجال المسلك الإخباري، وأخرج علماء هذا المسلك من كربلاء التي كانت المركز الأصلي لهم. ومن الطبيعي أن هذه التحولات لم تأت بصورة عفوية سهلة، إنما كانت ثمرة لجهود مضنية، تحمل معها الكثير من الإهانات.
3 ـ وضع الفقه الاجتهادي على سبيل التكامل، وخلق روح جديدة فيه. ولكن أغلب العلماء لا يدركون هذه الخدمات الاجتهادية الجليلة التي لا مثيل لها. والمجتهدون ذوو الرأي الثاقب والنظرة البعيدة هم وحدهم يدركون قيمتها، فلو لم يقف البهبهاني بوجه الإخباريين، ولم يسع لتجديد المشرب الاجتهادي، لما كان هناك اليوم أثر للاجتهاد والتقليد والفقه الاجتهادي.
والأمر الملفت للنظر أن الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني اعتزل المرجعية في أواخر عمره، وأناط مسألة التقليد بأبرز تلامذته. وقد نقل لي أحد كبار المراجع في النجف الأشرف أن الوحيد قلَّد الشيخ جعفر الكبير بعد إحساسه بضعفه في الاستنباط، وأخذ يدرس شرائع الإسلام للمحقق الحلي على سبيل الاستحباب.
وعلى أية حال فإن الوحيد البهبهاني يكون الشخص الأول الذي يستجيب للمصلحة الدينية ويتصرف خلافاً لمصلحته ومصلحة أولاده وحاشيته وأصحابه. وقد أظهر بذلك قوة تدينه وشدة التزامه.
2 ـ السيد مهدي بحر العلوم: كان السيد مهدي بحر العلوم متخصصاً في بحوث الأصول والمسائل الاجتهادية، ويعد في ذلك من الطلاب المميزين لدى الوحيد البهبهاني وأسباب نبوغه وتألق نجمه هي:
1 ـ اشتهاره بالفضل في المرحلة الدراسية.
2 ـ الاهتمام الخاص الذي خصّه الوحيد به.
3 ـ المكانة الاجتماعية والعائلية.
4 ـ الجدارة الفكرية والمعنوية التي تميز بها.
وكان الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني على قيد الحياة حين تصدى بحر العلوم لزعامة الشيعة، وأخذ على عاتقه مهمة التدريس فكان يجلس تحت منبره مئات من طلبة العلوم، وقد نبغ من هؤلاء أشخاص كان لهم دور كبير في تطوير أبحاث الاجتهاد، ومنهم:
الشيخ أحمد النراقي صاحب مستند الشيعة (1245هـ). الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي الأصفهاني، صاحب إشارة الأصول (المتوفى عام 1261هـ). السيد مير علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل (م 1231هـ) السيد محمد جواد العاملي، صاحب مفتاح الكرامة (م 1226هـ)، السيد محمد المجاهد، صاحب مفاتيح الأصول والمناهل (م 1242هـ) وللتوسع في هذا المجال، تُراجع مقدمة المجلد الأول من رجال بحر العلوم صفحة 67 ـ 70.
ولبحر العلوم أكثر من ثلاثين مؤلفاً في مختلف العلوم، ذكرت في مقدمة كتابه الرجالي، ومن بينها كتابان في الأصول: الأول الفوائد الأصولية، والثاني: الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية.
3 ـ الشيخ جعفر الكبير: الشيخ جعفر كاشف الغطاء (م 1228) صاحب كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء)، وهو أيضاً من تلامذة البهبهاني، وكان الأخير على قيد الحياة حين بدأ الحديث عن تحول أمر التقليد منه إلى الشيخ جعفر الكبير.
كانت قدرته في البحوث الأصولية والأبحاث الاجتهادية موضوعاً لحديث الخاصة والعامة. وكان له دور كبير في تكميل وتوسيع البحوث الأصولية والفقه الاجتهادي. وقد فاقت مصنفاته في هذا المجال مصنفات المتقدمين عليه من حيث الأهمية. إضافة إلى أنه طرح قواعد حديثة لم يسبقه إليها أحد. وأفضل دليل على ذلك هو كتابه كشف الغطاء الذي ما أن يطالعه المرء حتى يدرك صحة ما ذهبنا إليه، حيث احتوى هذا المصنف على قواعد وأسس الاجتهاد والاستنباط، لتكون أمانة لأجيال المستقبل.
وقد قال عنه الشيخ الأنصاري: في اعتقادي إن من يتقن قواعد الأصول التي أوردها الشيخ في أول كشف الغطاء يكون قد بلغ الاجتهاد. والأهمية الخاصة التي يتعامل بها الشيخ الأنصاري في كاسبه مع المباني الاجتهادية للشيخ جعفر لم يتعامل بها مع أي شخص آخر حتى أساتذته مثل صاحب الجواهر وغيره. ومن ثم نرى في المكاسب عبارة (بعض الأساطين) إشارة إلى الشيخ جعفر، وعبارة (بعض المعاصرين) إشارة إلى صاحب الجواهر. وهو (الشيخ الأنصاري) يتعامل مع آراء كاشف الغطاء بغاية الاحتياط، ويحاول أن يخلص إلى تأييدها، ولكنه خلاف ذلك في آراء وأقوال صاحب الجواهر.
وثمة علماء كبار غير الشيخ الأنصاري، يعطون قواعد الشيخ جعفر في الاجتهاد أهمية قصوى، لا يعطونها لأحد سواه. وكذلك نرى علماء الرجال ينظرون إليه نظرة خاصة لا ينظرونها إلى غيره، على غرار علماء الفقه والأصول.
وإلى جانب التبحر في استنباط الأحكام الإلهية وفقاً لقواعد الاستنباط تميز الشيخ جعفر الكبير بأسلوبه الخاص في التدريس وبيان الأحكام، ومن هنا نبغ من تحت منبره عظماء كان لهم دور كبير في توسيع وتطوير الفقه الاجتهادي مثل صاحب الجواهر والشفتي صاحب مطالع الأنوار والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي صاحب إشارة الأصول والسيد صدر الدين العاملي والشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب حاشية المعالم.
وكما ذكرنا آنفاً، فإن الأستاذ الأكبر البهبهاني اعتزل المرجعية في أواخر عمره، وأحال الناس إلى أبرز تلاميذه. ويعتقد بعض العلماء المعاصرين له أنه كان يريد السيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل وهو ابن أخته وصهره، ولكن البعض الآخر كان يرى أن المقصود هو الشيخ كاشف الغطاء، ويعود السبب في الرأي الأول إلى أنه حين يُسأل عن مسألة شرعية، يقول: ارجعوا فيها إلى السيد علي، إضافة إلى نبوغ السيد علي في التدريس والتأليف، حيث عدّه البعض من نوادر عصره في ذلك. وأما حجة الفريق الثاني فهي الخصائص والملكات التي تميز بها الشيخ جعفر، ومن المناسب هنا أن نذكر بعض خصائصه وميزاته:
أ ـ شهرته الكبيرة في الفضل والعلم، بحيث كان يشار إليه في النجف الأشرف بالبنان، ويعد مقدماً على جميع طلاب الوحيد البهبهاني، ولا تزال شهرته هذه على قوتها إلى الآن على الرغم من مرور قرنين على وفاته.
ب ـ شهادة البهبهاني له بتفوقه بالعلم والفقه في مناسبات مختلفة قبل أن يعتزل المرجعية.
ج ـ اعتقاد بحر العلوم بعلميته الكبيرة، حيث جاء في ص 41 من مقدمة رجال بحر العلوم: حدد بحر العلوم الشيخ جعفر الكبير مرجعاً للتقليد بعد وفاة البهبهاني، وكان يكثر من التأكيد على ذلك في مختلف المناسبات، ويوصي جميع المقربين منه بتقليد الشيخ جعفر، وفي ذلك دليل ساطع على مدى ثقته بعلمية الشيخ وتقواه.
د ـ قسَّم بحر العلوم الأعمال بعد وفاة الوحيد البهبهاني بين كبار العلماء في النجف الأشرف، فعين الشيخ جعفر الكبير مرجعاً للتقليد وبيان أحكام الشرع، والشيخ حسين نجف([471]) إماماً لصلاة الجماعة، والشيخ شريف محي الدين للقضاء، وخص نفسه بالتدريس وإدارة شؤون المسلمين.
ومن الميزات المهمة للشيخ جعفر أنه كان عالماً في غاية الشجاعة فقد ذكر أن أهالي النجف الأشرف كانوا يرجعون إليه في كل حادثة، ومنها حادثة محاصرة الفرقة الوهّابية للنجف، فكان أن لبس لأمة حربه واشترك في القتال في بعض المراحل، والمعروف أن بيته كان مركزاً للأسلحة والذخيرة وتجمع المقاتلين.
4 ـ السيد جواد العاملي: كان السيد جواد العاملي (م 1226هـ) أحد تلامذة الوحيد البهبهاني وبحر العلوم وكاشف الغطاء والشيخ حسين نجف، وقد بذل جهوداً كبيرة في تلك الفترة لتطوير البحوث الاجتهادية، وبالتالي سطع نجمه في الحوزات العلمية.
اتَّصف مجلس درسه بأهمية خاصة، ونبغ من تلامذته علماء كبار مثل صاحب الجواهر، والسيد صدر الدين العاملي والشيخ محمد علي هزار جريبي، وكل شخص من هؤلاء كان له دور مؤثر في تكامل المباني الفقهية والبحوث الاجتهادية لا سيما صاحب الجواهر الذي فاق أصحابه.
وفي كتابه الفقهي المهم (مفتاح الكرامة) شهادة حية على مدى تبحره في العلم وإحاطته بآراء وأقوال المجتهدين، وللسيد العاملي في الأصول شرح لوافية الأصول للفاضل التوني، وحاشية على تهذيب الأصول للعلامة الحلي، وتعليق على كتاب معالم الأصول.
ويمكن تلخيص خصائص السيد جواد العاملي بالنقاط التالية:
1 ـ ذاكرته القوية، فقد ورد في أعلام الشيعة، أنه في الوقت الذي كان في قم، كان الميرزا القمي يراجعه لمعرفة أقوال وآراء الفقهاء.
2 ـ شجاعته المميزة، فحينما كانت النجف الأشرف تحت حصار الوهابيين، بادر إلى الدفاع عن المدينة، وأصدر رسالة في ذلك.
3 ـ كان المقرر لدروس السيد علي الطباطبائي والشيخ حسين نجف وكاشف الغطاء، ويعرف الحوزيون أن هذا العنوان لا يتأتى إلا لمن كان يتمتع بذاكرة قوية واستعداد مميز، خصوصاً إذا كان مقرراً لعدة دروس.
5 ـ الشيخ أسد الله الدزفولي المعروف بالكاظمي، صاحب مقابس الأنوار (م 1234)، وهو من تلاميذ بحر العلوم وكاشف الغطاء والسيد علي الطباطبائي.
ويبدو أن هذا الأصولي الكبير لم يؤلف في الأصول كتاباً موسعاً رغم سعة علمه وحدة ذكائه، ولكن تخرج من مدرسته الفقهية والأصولية علماء بارزون، منهم الشيخ علي كاشف الغطاء وهو أستاذ الشيخ الأنصاري.
له في علم الأصول رسالة واحدة باسم كاشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، وهي رسالة قيمة جداً، تطرح جميع الطرق والمسالك والأمور التي يمكن طرحها بشأن الإجماع، وتحتوي على فروع ومسائل متنوعة في هذا المجال، ومن هنا صنفت هذه الرسالة كأفضل ما كتب بشأن الإجماع.
وعلى أية حال يعد الشيخ الكاظمي من نوابغ الحوزة العلمية في عصره، حتى عدَّه البعض في مرتبة العلامة الحلي.
6 ـ السيد محسن الأعرجي: السيد محسن الأعرجي (م 1240) أحد الطلبة البارزين في مدرسة الوحيد البهبهاني، يكتب عنه المحقق الخوانساري في روضات الجنات، أنه كان من أعاظم عصره، وكان محققاً في بحوث الأصول، وفي أداء البحوث الفقهية يعطيها حق أدائها.
تربى في مدرسة الأعرجي العديد من العظماء، مثل: السيد عبد الله شبر (م 1242هـ) والشيخ محمد تقي الأصفهاني (م 1322هـ 1248هـ) والشفتي (م 1260هـ).
صنف شرحين للوافية في علم الأصول للمولى عبد الله بن محمد البشروي الخراساني المعروف بالتوني، جاء أحدهما مختصراً باسم المحصول في شرح وافية الأصول، وكان الثاني مفصلاً باسم الوافي.
وقد أورد الميرزا القمي في كتاب قوانين الأصول ذكر كتاب المحصول، وله مصنف في الفقه اسمه وسائل الشيعة.
7 ـ الملا مهدي النراقي الكاشاني (م 1209هـ): كان النراقي أحد تلامذة الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق والحاج الملاّ إسماعيل الخواجوئي. صنّف العديد من المؤلفات، منها: تجريد الأصول، وهو كتاب صغير في حجمه، كبير في محتواه ومضمونه.
جمع هذا العالم النحرير إلى جانب الاجتهاد والمرجعية موهبة الشعر، فكان ينظم أشعاراً رائعة، جمعت في كتابين وتم طبعهما. وكان النراقي أول عالم كبير يتوفى بعد الوحيد البهبهاني.
8 ـ السيد علي الطباطبائي (م 1231هـ): وهو تلميذ وصهر وابن أخت الوحيد البهبهاني. له مؤلفات قيمة منها رسائل في الأصول، ولكن مصنَّفه المعروف كان كتاباً في الفقه اسمه رياض المسائل وهو شرح للمختصر النافع للمحقق الحلي. وقد جاء متميزاً من حيث التنظيم والترتيب، وهو أول كتاب متكامل يعرض في وقته لطلبة الحوزات، ومن ثم كان محلاً لإعجاب العلماء وإقبالهم، ولا يزال يحتفظ بأهميته رغم مرور زمن طويل عليه، إذ ينتفع به كبار المحققين والفقهاء.
ومن المناسب هنا أن ننقل كلام صاحب الجواهر بشأنه في مقدمة كتاب جواهر الكلام: «لم أكتب كتاب الجواهر ليكون مصدراً للآخرين، وإنما وضعته ليكون لي مرجعاً أستفيد منه في أسفاري الكثيرة حين أُسأل عن المسائل الشرعية، ولو كنت أنوي تأليف كتاب في الفقه لجاء على نمط كتاب رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي».
وجاء في وصايا الشيخ الأنصاري لطلابه: «ابحثوا في كتاب رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي وادرسوه، لأنه سيعينكم كثيراً على نيل الاجتهاد».
9 ـ الميرزا القمي: أبو القاسم الكيلاني الرشتي المعروف بالميرزا القمي (1231هـ) صاحب كتاب (قوانين الأصول) الشهير، الذي أعطى التكامل على مباني أصول الفقه، وأرسى دعائمها بصورة ملفتة للنظر، ويعد من حيث الشمولية والترتيب والتعبير، وحيداً في نوعه. من هنا كثر العلماء الذين أضافوا إليه الحواشي ودرّسوه لطلابهم. وله مصنفات أخرى أوردها علماء الرجال في كتبهم.
ونذكِّر بأن الميرزا القمي كان له رسالتان، الأولى تشتمل على قسم من مسائل العبادات والمعاملات، والأخرى تشتمل على جميع أبواب الفقه باسم (جامع الشتات) وهي عبارة عن أسئلة وأجوبة، وتعد الرسالة الأخيرة من أفضل الرسائل الفقهية لأنها جمعت جميع رسائل الاستفتاءات. وهي تفصح عن مدى إحاطته الكاملة بدقائق الفقه الاجتهادي. وقد حظيت باهتمام الفقهاء منذ زمن تأليفها إلى الآن.
10 ـ شريف العلماء المازندراني: وهو محمد شريف بن حسن علي المعروف بشريف العلماء المازندراني (الآملي) المتوفى عام (1245هـ) عرف كفقيه كبير وأصولي لامع ومدرس بارع في كربلاء. تتلمذ على السيد علي الطباطبائي والسيد محمد المجاهد. ولم يترك هذا الأصولي الكبير كتاباً له في الأصول وقواعد الاجتهاد رغم تخصصه وتبحره في هذه العلوم. كانت دروسه في مباحث الاجتهاد في الحوزة العلمية في كربلاء أبرز الدروس وأكثرها شعبية. وينقل صاحب تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمد حسن آل يس الذي كان أحد تلامذة شريف العلماء القول: «كان يشترك في درسه ألف طالب، بينهم مئات العلماء الأفاضل».
برز من تلامذته مجتهدون في الفقه والأصول مثل: الشيخ مرتضى الأنصاري، سعيد العلماء المازندراني (البابلي)، الفاضل الدربندي، السيد محمد شفيع الجابلقي، الشيخ محمد حسن آل يس، المولى محمد المشهدي صاحب أصول الفقه والسيد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الأصول الذي كان مقرراً لدرس الشريف، وكذلك إسماعيل اليزدي صاحب حقائق الأصول الذي يرجحه البعض على أستاذه شريف العلماء في الأصول، ولكنه لم يبق في الحياة بعد وفاة أستاذه أكثر من سنة واحدة.
على أية حال ترك شريف العلماء كتاباً موجزاً في علم الأصول اسمه (مبحث ألفاظ مسألة أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط) وهو موجود في مكتبة المدرسة القزوينية في النجف الأشرف.
وينقل البعض أنه سُئل: لماذا لا تؤلف كتاباً جامعاً في الأصول؟ فأجاب: قسمت وقتي ثلاثة أقسام: القسم الأول يتعلق بالتفكر والتحقيق في مباني الأصول والإشكالات الواردة عليها. والقسم الثاني يتعلق بالجواب على تلك الإشكالات، والقسم الثالث خصصته للتدريس، ولذا لا وقت عندي للتأليف.
الجدير بالذكر أن تدريس (الخارج) كان من إبداعه. فشريف العلماء المازندراني الآملي هو أول عالم شيعي بدأ تدريس بحوث الخارج، ولم يكن ذلك معروفاً قبله، والسبب في ذلك يعود إلى الشيخ الأنصاري صاحب المكاسب وسعيد العلماء البابلي([472])، فقد كان هذان العالمان يشتركان في مباحثة واحدة فيما بينهما، ولما كانا من أبرز طلبة شريف العلماء، فقد كانا يكثران من طرح الأسئلة والإشكالات، فكان الأستاذ يضطر في الإجابة على أسئلتهما وإشكالاتهما إلى ترك الكتاب، فما زال هذا الأمر يتكرر حتى ترك شريف العلماء كتاب المعالم الذي كان يدرسه لتلاميذه، وأخذ يلقي دروسه دون كتاب، ومنذ ذلك الحين أخذ العلماء يلقون دروسهم في الخارج دون كتاب.
ومنذ ذلك الحين أيضاً أطلق اصطلاح دروس الخارج على الدروس التي يتلقاها طلاب الحوزات العلمية الشيعية في المرحلة التي تعقب مراحل السطوح، وفي دروس الخارج يستفاد من آراء مختلف العلماء إضافة إلى المتون العلمية، ثم تدرس المواضيع وتحلل بصورة مستقلة خارجاً عن الكتب.
11 ـ الملا أحمد النراقي: هو الملا أحمد النراقي الكاشاني أستاذ الشيخ الأنصاري (م 1245هـ)، ألف في الأصول كتاباً اسمه مناهج الأصول في عبارات جميلة وأسلوب عذب، وقد ساهم هذا الكتاب في تكامل بحوث الأصول وتوسيعها.
شارك الملا أحمد في كربلاء في آخر دورة من دروس الوحيد البهبهاني ثم حضر عند الميرزا مهدي الشهرستاني والسيد محمد مهدي بحر العلوم، وبعد طيه لمراحل متقدمة في الدراسة عاد إلى نراق في كاشان، ثم أصبح مرجعاً للتقليد بعد وفاة أبيه الملا مهدي النراقي.
أهم كتبه، كتاب مستند الشيعة، لأنه أضفى على مسائل وبحوث الفقه الاجتهادي في كتابه هذا روحاً جديدة، وطرح آراء متكاملة، وهو شاهد على نمط تفكيره وذوقه وذكائه، لأنه ملئ بالآراء القيمة والمواضيع المفيدة، وقد طرح في كتابه هذا أسلوباً جديداً في استنباط الأحكام والمسائل الشرعية، وهو بحق مختص به، ولم يسبقه إليه أحد.
12 ـ السيد محمد المجاهد (م 1242هـ): صاحب كتاب مفاتيح الأصول وكتاب المناهل، ويعد كتاب مفاتيح الأصول من الكتب التي تحظى بأهمية بالغة وقيمة كبيرة، فهو يناقش فيه آراء العلماء وأدلتهم في مجال الأصول، ومن ثم فهو يحتوي مواضيع وبحوث أصولية رفيعة، ولا يزال يحظى باهتمام العلماء والباحثين، تتلمذ السيد محمد المجاهد على السيد بحر العلوم وشريف العلماء المازندراني وكان من أبرز تلامذتهما.
13 ـ المولى محمد المشهدي (م 1257هـ): وهو من تلاميذ السيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء وشريف العلماء المازندراني، وقد صنّف كتاباً قيّماً في علم الأصول أسماه (أصول الفقه)، رسخ فيه مباني الاصول، بحيث لا زال يحظى باهتمام العلماء والفقهاء.
14 ـ الكلباسي: محمد إبراهيم الكلباسي (م 1261هـ)، وهو أحد تلامذة الوحيد البهبهاني وبحر العلوم. وقد بذل جهوداً كبيرة في مجال دراسة قواعد الأصول والبحوث الاجتهادية. من مؤلفاته المعروفة في الأصول كتاب إشارت الأصول وهو في جزأين، الجزء الأول يحتوي على المبادئ اللغوية ومباحث الألفاظ والجزء الثاني يحتوي على المباحث العقلية والشرعية. ويذكر أصحاب الرجال في كتبهم أن تأليف الإشارات استغرق ثلاثين عاماً. وله رسالة في مبحث الصحيح والأعم.
15 ـ التبريزي: ساهم المولى أحمد التبريزي بدوره في تكامل مباحث الأصول، وصنَّف كتاباً قيماً في علم الأصول وهو في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يحتوي على البحوث الأصولية من أول مبحث الصحيح والأعم وحتى آخر المفاهيم، ويبدأ الجزء الثاني بأول العام والخاص وحتى آخر مسألة الإجماع، بينما يشتمل الجزء الثالث على أصل البراءة والاشتغال. وقد ألّف هذا الكتاب بين عام 1268 و1271هـ.
16 ـ الشيخ محمد تقي الأصفهاني (م 1248هـ): يعد من كبار الأصوليين في زمانه. وليس له مصنف مستقل في علم الأصول، إنما كتب شرحاً لمعالم الأصول أسماه (هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين) وفي شرحه دليل بيِّن على نبوغه في علم الأصول وتبحره في بحوث هذا العلم.
عرفت هذه الحاشية كأفضل حاشية كتبت على المعالم، وعرف صاحبها بصاحب الحاشية. وقد أسهم في ترسيخ علم الأصول وتوسيع بحوثه بكتابته هذه الحاشية. ويكفي في أهميتهما قول الشيخ الأنصاري حين سئل لماذا لا تؤلف كتاباً في مباحث الألفاظ؟ أجاب: تكفي مباحث الألفاظ في هداية المسترشدين للشيخ محمد تقي.
وعلى أية حال، كان الشيخ الأصفهاني قد استفاد فائدة جمّة من دروس السيد محسن الأعرجي والسيد علي الطباطبائي وبحر العلوم والشيخ جعفر الكبير. وقد كان مقرراً لدروس بحر العلوم، وفي ذلك شاخص على مدى أهميته.
عاد بعد إكماله مراحل الدراسة إلى أصفهان، واشتغل في التدريس فكان أستاذها الأوحد في عصره، حيث كان يحضر دروسه كبار الطلبة والعلماء، منهم أخوه الشيخ محمد حسين (م 1261هـ) صاحب كتاب الفصول والسيد حسن المدرس، والميرزا الشيرازي الكبير (م 1312هـ) وغيرهم.
كانت إحاطته بالأصول كبيرة، حتى أنه عندما عرض عليه كتاب أخيه الفصول، قال بعد مراجعة سريعة للكتاب: لا أرى في الكتاب نقصاً سوى نقطة فوق الصاد. ثم نقد أكثر بحوثه واعترض عليها، هذا في الوقت الذي يرجح العديد من كبار الأصوليين هذا الكتاب على قوانين الأصول للميرزا القمي. وفي اعتقادي أن عبارة الشيخ محمد تقي بشأن كتاب الفصول لأخيه إنما كانت على سبيل الدعابة لا أكثر.
وقد نال موقعاً خاصاً في نفوس أساتذته لذكائه وحسن استعداده وخصصه الشيخ جعفر الكبير بعلاقة خاصة، فزوجه ابنته.
17 ـ صاحب الجواهر: هو الشيخ محمد حسن النجفي (م 1266هـ) أحد تلامذة الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء والشيخ موسى كاشف الغطاء، والسيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة.
سلك صاحب الجواهر مسلك أستاذه الشيخ جعفر الكبير في تكملة مباحث الفقه الاجتهادي، ونجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وقد اعترف الفقهاء والأصوليون الذين جاؤوا بعده بهذه الحقيقة. وتميز درسه بعظمة خاصة، حيث كان يحضره مئات من طلاب العلم. وقد نبغ من هؤلاء شخصيات مهمة مثل: الشيخ الأنصاري، والشيخ محمد حسن آل يس، والسيد حسن المدرس الأصفهاني، والشيخ جعفر الشوشتري، والميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ حسن المامقاني عبد الحسين شيخ العراقين والفاضل الأبرواني وغيرهم، والميرزا حسين الخليلي والسيد حسن نجم الدين والشيخ وكان لكل من هؤلاء دور كبير في تطوير مباحث الفقه الاجتهادي.
صنف العديد من المؤلفات في مختلف العلوم، منها في علم الأصول، وينقل بعض كبار رجال النجف أن كتابه الأصولي تميز بصفات خاصة، إلا أنه ضاع في زمن حياته إثر حادثة مؤسفة.
وعلى أية حال فإن كتابه «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» دليل ساطع على مدى تضلعه في أبحاث الفقه والأصول. فقد كان هذا الكتاب دون نظير في قدرته الاستدلالية، وهو أول كتاب يعرض بهذا الشكل الشامل في الحوزات العلمية في شرح شرائع الإسلام.
احتل الشيخ محمد حسن النجفي مركز الصدارة في ركب المحققين بتأليفه كتاب الجواهر، لأن كل كتاب جاء بعد الجواهر في تحقيق كتاب شرائع الإسلام إنما كان مصدره الأساس هو جواهر الكلام. من هنا كان على الدوام موضعاً لاهتمام الباحثين والمحققين، وقد طبع عدة مرات لشدة الإقبال عليه.
وأهم خصائص كتاب الجواهر هي ما يلي:
1 ـ اشتماله على جميع أبواب الفقه.
2 ـ ذكر آراء جميع العلماء مع استدلالاتهم ونقده لآرائهم.
3 ـ طرح المسائل بأسلوب واحد في كل الكتاب.
4 ـ إغناء المجتهدين في مجال الاستنباط عن الاستعانة بكتب فقهية أخرى.
5 ـ اشتماله على فروع نادرة، لا توجد في كتب أخرى.
ولكن للأسف الشديد فإن هذا الكتاب على ميزاته وخصائصه المذكورة غير خالٍ من العديد من النقائص في التبويب وتنظيم المواضع، وعدم تمييز الفروع عن الأصول وغيرها … ومرد ذلك أن المؤلف لم يصنف كتابه للآخرين، إنما صنّفه لنفسه ليكون مصدراً يرجع إليه في موقع الحاجة.
وفي الختام نذكِّر بأن هناك غير هؤلاء العلماء لم نذكرهم لضيق المجال. ونذكر أيضاً أن علماء المرحلة التالية التي كانت مرحلة التكامل في الاجتهاد لم يألوا جهداً في ترسيخ قواعد الأصول ومباحث الاجتهاد، فأضفوا عليها روحاً كانت تفتقد إليها في المراحل السابقة.
محمد إبراهيم جناتي
مرجعية التقليد
ـ 4 ـ
المرجعية الدينية عند الشيعة كيان فقهي وسياسي كبير، يحتل من الحياة السياسية والدينية مساحة واسعة جداً يرتبط بها الجمهور بأوثق العلاقات وأمتنها، وتكتسب تعليمات المرجعية بالنسبة للفرد الشيعي صفة الحكم الشرعي الملزم دينياً.
وليس من شك أن كياناً دينياً سياسياً بمثل هذا الموقع الحساس والقيمة الكبيرة والنفوذ والتأثير في حياة الجماهير لا بد أن يكون من حيث التنظيم والإدارة والفعل بمستوى طموح الجماهير وثقتها، وليس من شك أنها لم تحقق هذا الطموح بعد، وأن النقد البنَّاء والموجه هو الأداة المفضلة لتقويم دور المرجعية وتسديدها وترشيدها وتصعيد دورها في حياة الأمة، وتمكينها من أداء رسالتها بصورة أفضل.
للشيعة طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني فلا يتم اختيار المرجع من قبل موقع مسؤول في النظام الحاكم كما هو الحال مثلاً في جملة من البلاد الإسلامية، حيث يتم تعيين الشخص الذي يعهد إليه برئاسة الشؤون الدينية بواسطة رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو وزير الأوقاف ولهذه الطريقة سلبيات واضحة تجعل منصب الفتوى تابعاً للنظام وخاضعاً له.
ولا يتم انتخاب المرجع بالطريقة الديمقراطية المعروفة في المؤسسات الديمقراطية، حيث تلعب الوسائل الإعلامية دوراً مؤثراً في تكوين الرأي العام وتوجيهه.
وإنما يتم انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن والسبب في ذلك أن ارتباط (المقلِّد) الفرد المسلم بالمرجع في شؤون دينية يتم بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفاءته الدينية والعلمية والإدارية واكتمال هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج إلى زمن غير قليل.
ولهذه الطريقة سلبية معروفة، نحن في غنى عن شرحها فإنها طريقة بطيئة ومعوقة للعمل، ولا تكمل لمرجع التقليد إمكانات العمل بصورة واسعة وقوية إلا في وقت متأخر وبعد تفويت فرص جيدة للعمل ويحدث أحياناً أن المرجعية تتوزع على عدد من المحاور بعد وفاة المرجع الذي كان يستوعب الساحة ويحتاج الأمر إلى زمن ليس بقليل حتى تجتمع المرجعية مرة أخرى حول محور واحد ويكتسب هذا المحور القوة والكفاءة اللازمة.
التقليد والحالة القومية
وإذا أردنا أن نسلط الأضواء على الجوانب المشرقة لفكرة التقليد والمرجعية عند الشيعة يجب أن نذكر قدرة المرجعية في تخطي الحالة القومية وتجاوزها على مستوى القمة والقاعدة معاً.
فإننا نلاحظ على مستوى القمة في الحوزات العلمية وفي الأوساط الفقهية ذات الخبرة بالمرجعية والمعنية بها طرح اسم فقيه أو آخر لقيادة المسلمين الدينية في العالم الشيعي دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار الحالة القومية والجذور القومية لهذا الشخص على الإطلاق.
وكما نلاحظ على مستوى القاعدة قبول مرجعية الفقيه المتصدي العادل والكفوء من قبل جماهير المسلمين الشيعة، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار انتماؤه وارتباطه القومي.
وهذا التخطي على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة يدل على درجة عالية من الوعي والالتزام بالحدود الشرعية والفهم الشامل والمستوعب لمفاهيم الإسلام ونظرته الإنسانية الواحدة يجب أن يذكر باعتزاز، ولنا على ذلك عشرات النماذج والمصاديق التاريخية والمعاصرة.
فقد ذاع اسم الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف الموسوعة الفقهية «جواهر الكلام» في الأوساط الفارسية والتركية في إيران والقفقاز وأذربيجان وإيروان كما ذاع اسمه في الهند وهو فقيه عربي عريق من العراق.
وتعاقب بعد ذلك فقهاء من العراق وإيران على مرجعية الشيعة، عم تقليدهم البلدين مثل مرجعية الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء من فقهاء العراق الكبار الذي شاع تقليده في إيران في العصر (القاجاري) وسافر إلى إيران واستقبلته إيران استقبالاً حافلاً، ومرجعية السيد ميرزا حسن الشيرازي الذي شاع تقليده في العراق بصورة واسعة.
وفي عصرنا الحاضر يمكن أن نذكر كشاهد على ما نقول مرجعية السيد محسن الحكيم من فقهاء العراق التي امتدت من العراق إلى إيران وبلاد الأفغان والهند وباكستان. ومرجعية السيد أبو القاسم الخوئي التي امتدت إلى البلاد العربية وغير العربية في العالم الشيعي بشكل واسع.
وهذه الشواهد تعبر بوضوح عن واقع مشرق في مرجعية الشيعة وهي أن الزعامة الشيعية تمكّنت من أن تتجاوز الحدود الإقليمية والقومية بكفاءة وجدارة عالية.
ومما لا يصح في أي نقد موضوعي لمرجعية الشيعة تجاوز هذا الواقع الموضوعي المشرق والحديث عن المرجعية بلغة العرب والعجم والقومية والإقليمية باللغة المألوفة في الأوساط السياسية … فقد استطاعت الزعامة الشيعية أن تتجاوز هذه الحالة منذ عهد بعيد([473]).
محمد مهدي الآصفي
المرداسيون ـ بنو مرداس
ـ 1 ـ
مؤسس الدولة المرداسية هو صالح بن مرداس سنة 414هـ ولقبه أسد الدولة. وهو من بني كلاب القبيلة العربية التي كانت تنزل ضفاف الفرات والجزيرة. وهي كلاب بن ربيعة، بطن عظيم من عامر بن صعصعة، من قيس عيلان من العدنانية.
كان الكلابيون مادة الدولة المرداسية وركيزتها، منهم تستمد القوة وعليهم تعول في الشدائد.
وكانت أبرز ميزات صالح الفروسية وما يستلزم تلك الفروسية من حب المغامرة واقتحام الصعاب والوصول إلى السلطة. ويبدو أن أول مغامرة لصالح كانت سنة 399هـ وأنه كان معروفاً بفروسيته ونجدته، إذ استعان به (ابن محكان) ليمكنه من السيطرة على الرحبة([474]).
وذلك فيما يروي ابن الأثير، أن الحاكم بأمر الله الفاطمي أمر نائبه بدمشق لؤلؤ البشاري بالمسير إلى «الرحبة» ليزيح عنها المستولي عليها بدران بن المقلد العقيلي، وأن لؤلؤاً نجح في تحقيق هدف الحاكم. غير أن رجلاً من أهل الرحبة يدعى (ابن محكان) استطاع السيطرة على الرحبة وملكها ولكن رأى أنه لا يستطيع الانفراد بالدفاع عنها فتطلع إلى فارس جدير بالمحالفة فوجد ذلك في صالح بن مرداس الكلابي فاستنصره فقدم عليه وأقام عنده مدة. ولكن الأمر فسد بينهما فتقاتلا ثم عادا فتصالحا وتزوح صالح ابنة محكان على أن هذا الزواج لم يسو الأمور بينهما وانتهى الحال إلى أن دبر صالح اغتيال ابن محكان وسيطر وحده على الرحبة وأحسن السيرة في الناس وحكمهم حكماً سليماً، إلا أن الدعوة كانت للفاطميين.
نسب بني مرداس([475])
حمد
نصر
إدريس
مرداس
1 ـ صالح
فلان([476]) 5 ـ أبو ذؤابة عطية 3 ـ معتز الدولة ثمال
شبل الدولة مقاتل(3) 2 ـ شبل الدولة نصر(4)
4 ـ رشيد الدولة محمود
7 ـ سابق وثّاب 6 ـ جلال الدولة نصر مشيب([477])
فلانة
وهنا تبدو لنا فجوة كبيرة في سير الأحداث التاريخية، فإننا لا نعلم كيف انتهى أمر صالح في الرحبة، بل نجد أنفسنا فجأة أمام حدث جديد يبدو فيه صالح بن مرداس مالكاً لمدينة حلب، يقول ابن الأثير وهو يتحدث عن السنة نفسها 399: «في هذه السنة قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي، وكان الحاكم بأمر الله صاحب مصر قد ولاّه الرحبة فسار إليها فخرج إليه عيسى بن خلاّط العقيلي فقتله وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب» ولا تنتهي الفجوات، بل نحن أمام فجوة أخرى يبدو فيها صالح بعيداً عن ملك حلب محاولاً الوصول إلى هذا الملك، إذ يقول ابن الأثير وقد وصل إلى… سنة 402 أي بعد ثلاث سنين من الحدث المار ذكره: «في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب وبين صالح بن مرداس». وهكذا بينما يتركنا ابن الأثير مع صالح وهو صاحب الرحبة، إذا به يفاجئنا به وقد صار صاحب حلب، ثم إذ إنه يفاجئنا مرة أخرى بأنه ينازع على ملك حلب!… فماذا حدث لصالح خلال هذه الفترات وكيف تطورت به الأمور؟ هذا ما يسكت عنه ابن الأثير، ويأخذ بالقفز بنا من حادث إلى حادث إلى حادث دون الربط بين تلك الحوادث! ….
وهذا عيب الأسلوب الذي سار عليه المؤرخان الكبيران الطبري وابن الأثير ومن تبعهما من جعل الأحداث متسلسلة حسب السنين لا حسب تتابع تلك الأحداث نفسها. فأنت حين يعنيك أمر قضية من القضايا التاريخية لا تستطيع أن تعثر عليها متتابعة تتابعاً يبدأ من أولها وينتهي بآخرها، بل عليك أن تفتش عنها موزعة بين السنين، وأن تقلب عشرات الصفحات لتربط الواقعتة بعضها ببعض وتضم أولها إلى آخرها، هذا عدا ما يمكن أن يفوتك من الأحداث المتصلة اتصالاً وثيقاً بتلك الواقعة، كما هو حادث في قصة صالح بن مرداس هذه.
ثم نجد بعد ذلك صالح بن مرداس يقاتل بقايا الحمدانيين على ملك حلب إذ كان أمر الحمدانيين قد انتهى إلى أبي الفضائل حفيد سيف الدولة، بعد أن أوصى إليه والده أبو المعالي وجعل مولاه لؤلؤاً مدبر أمره وذلك سنة 378 ثم توفي لؤلؤ سنة 399 فخلفه ولده مرتضى الدولة. وفي سنة 402 أغار صالح بن مرداس في 500 فارس على حلب وطالب مرتضى الدولة بجوائز الكلابيين مستضعفين إياه بسبب تسلط حكومة مصر عليه فاحتال مرتضى الدولة على الكلابيين وأدخلهم حلب وأغلق عليهم أبوابها وقتل منهم نحو 200 وأسر 120 بينهم صالح بن مرداس، ولكن صالحاً نقب حائط السجن وألقى نفسه من سور القلعة وهرب، واجتمعت عليه بنو كلاب ونزلوا على قرية حاصد فألف مرتضى الدولة جنداً من أهل حلب والتقى بصالح عند تل حاصد فانكسر جيش مرتضى الدولة وأسر، ثم افتدى نفسه بمال وعاد إلى حلب.
وتتوالى الأحداث بعد ذلك حدثاً بعد حدث حتى كانت سنة 414 وفيها تمّ قيام الدولة المرداسية إذ أنه في هذه السنة تحالف عرب البادية بالشام والجزيرة على اقتسامها فيما بينهم من الدولة الفاطمية.
على أن تكون حلب إلى عانة لصالح بن مرداس، والرملة إلى مصر لحسان بن مفرج الطائي، ودمشق وأعمالها إلى سنان بن عليان. فزحف صالح إلى حلب وقاتل عليها ابن ثعبان أو شعبان الكتامي والي حلب من قبل المصريين، فاستولى صالح على حلب، وبذلك قامت الدولة المرداسية.
وقد عاصر بنو مرداس ثلاثة خلفاء عباسيين هم القادر بالله والقائم بأمر الله والمقتدي بالله. وشملت دولتهم بعلبك وحمص وصيدا وحلب ومنبج وبالس والرقة والرحبة وامتدت إلى عانة فملكت جميع وادي الفرات الشامي([478]).
وصالح مؤسس الدولة هو الذي حاصر معرة النعمان سنة 418هـ وضايقها ورماها بالمنجنيق في مسيره من فلسطين إلى حلب، ولما رأت المدينة أن لا قبل لها بقتاله لجأت إلى أبي العلاء المعري فخرج إلى صالح شفيعاً للمعرة ودخل عليه فاحتفى صالح به وأعلى منزلته وشفعه بالمعرة، واستنشد صالح أبا العلاء الشعر فأنشده. ونظم أبياتاً منشورة في لزوميات المعري.
ومات صالح هذا قتلاً حين استنجد به حسان بن المفرج الطائي على أنوشتكين. وذلك أن الخليفة الفاطمي الظاهر جهز جيشاً لقتال صالح صاحب حلب، وحسان صاحب الرملة. فأنجد صالح حساناً ومضى إليه فاعتركوا في «الأقحوانة» قريباً من بحيرة طبريا، فقتل صالح وولداه في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة 420 ونجا ولده نصر فحضر إلى حلب فملكها ولقب شبل الدولة.
يقول صاحب (النجوم الزاهرة): «ولما انهزم شبل الدولة نصر بن صالح إلى حلب وملكها، طمع صاحب إنطاكية الرومي في حلب، وجمع الروم وسار إليها وأحاط بها وقاتل أهلها، فكبسه شبل الدولة نصر من داخلها ومعه أهل البلد فقتلوا معظم أصحابه وانهزم ملكهم صاحب إنطاكية إليها في نفر يسير من أصحابه، وغنم نصر أموالهم وعساكرهم» ويزيد صاحب النجوم الزاهرة قائلاً: «وسر الظاهر هذا بنصرة نصر لكون الإسلام يجمع بينهما».
وفي سنة 429 زحف الدزبري على حلب فتغلب عليها وقتل شبل الدولة. وفي سنة 433 مات الدزبري بحلب فأسرع إليها أبو علوان ثمال بن صالح المرداسي الملقب بمعز الدولة وملكها.
ثم كانت محاولتان للفاطميين للاستيلاء على حلب لم تنجحا حتى كانت سنة 449 وفيها تنازل ثمال عن حلب للفاطميين فسلموها إلى الحسن بن ملهم: فأساء هذا السيرة في أهل حلب فكتبوا محموداً بن صالح المرداسي فحضر وتسلم حلب فسيَّر الفاطميون إليه ناصر الدولة بن حمدان فجرح وأسر واستتب ملك حلب وقلعتها لمحمود.
وفي سنة 453 استولى ثمال على حلب مرة ثانية بمعاونة الفاطميين. ويبدو جلياً أن صلة ثمال بن صالح بالخليفة الفاطمي المستنصر صلة جعلت منه واحداً من رجال الدولة الفاطمية وليس أدل على ذلك مما جاء في ديوان ابن أبي حصينة المعري في مقدمة لإحدى قصائده التي مدح بها ثمالاً:
«قال يمدح … بهاء الدولة العلوية وزعيم جيوشها المستنصرية، علم الدين ذا الفخرين مصطفى أمير المؤمنين أبا العلوان ثمال. سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة».
وفي ثمال يقول ابن أبي حصينة:
لقد عز قوم شايعوك وحصنت
ثغور عليها من سيوفك أقفال
فلا يجزع الإسلام ما دمت سالما
فقد عز غيل فيه مثلك رئبال
ومن دون هذا الشام أنت وفتية
«مرداسة» شم العرانين أبطال
وقال محمد بن حيوس شاعر الدزبري([479]): معرضاً ببني مرداس:
فدع الألى مرقوا فإن بعادهم
عن ذا الجناب لهم عقاب مؤلم
أولاد مرداس لسيفك طعمة
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
فرد عليه ابن أبي حصينة شاعر ثمال من قصيدة مشيراً إلى الفرق بين الدزبري الذي بعثه الفاطميون إلى الشام أميراً فخانهم واستبد بالأمر وبين المرداسي الذي ما زال ناصحاً مخلصاً للفاطميين:
أين الذين تفوهت شعراؤهم
بالمين وافتخروا بما لم يعلموا
زعموا بأنا طعمة لسيوفهم
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
أن يصدقوا فسيوف من تركتهم
صرعى تهزهم النسور الحوم
بخراب حمص والجباب خبيثة
منهم كأن مياههن العندم
لا ينجحن الدزبري بما جرى
قدماً فقد وضح الطريق الأقوم
شتان بين الدزبري وبين من
نصح الإمام نصيحة لا تسقم
هذا يعق وقد أطاع وذا عصى
من بعد أن أضحى يعز ويكرم
أما العواصم والثغور فلم تزل
تحمي بنا دون الملوك وتعصم
وفي ثمال بن صالح يقول عبد الله بن سنان الخفاجي([480]):
تزور جياده أرض الأعادي
وأطراف الرماح لها دليل
وملك شاده طعن الهوادي
تزول الراسيات ولا يزول
حذار فإن في حلب ليوثاً
أنابيب الرماح لهن غيل
ومن بطن الشام إلى رجيل
مرابع نبتها الأسل الطويل
يشيد دونها لبني كلاب
بيوت ما يضام لها نزيل
تسيل شعابها بندى ثمال
فليس لها إلى كلأ رحيل
ويقول محمد أسعد طلس محقق ديوان (ابن أبي حصينة) في مقدمته للديوان «… حلب التي ازدهرت فيها الحركات العلمية ازدهاراً عظيماً في عهد بني حمدان، وقد استمر ذلك الازدهار في عهد بني مرداس الذين كانوا لا يقلون كثيراً عن الحمدانيين تشجيعاً للعلم وحدباً على أهله وبخاصة زعيمهم صالح بن مرداس وابنه ثمال بن صالح، فقد كانا محبين للعلم وأهله، كما كانا من أصحاب المواهب العربية الصافية التي تمجد الشعر وتكبر قدر اللغة». اهـ.
أما في الكفاح العسكري فقد صمدوا صمود الحمدانيين في عهد سيف الدولة فقارعوا الروم وصدوهم عن البلاد وانتصروا عليهم. قال ابن أبي حصينة([481]) في ثمال وفيها إشارة إلى معارك المرداسيين:
فلتدفعن عن البلاد وأهلها
نوباً يخاف وقوعها وكأن قد
ولتحمدن كما حمدت «بتبل»([482])
والخيل تعثر بالقنا المتقصد
والشرك منك ومن شقيقك هارب
هرب الشحاح من الغمام المرعد
لولا سيوفكم البواتر لالتقى
من بالثغور ومن ببرقة (منشد) ([483])
أسندتم الإسلام أن سيوفكم
لمعاقل الإسلام أفضل مسند
وفي هذه القصيدة يقول مشيراً إلى هدايا وصلت إلى ثمال من الخليفة المستنصر:
فيها نسيم أبي الأئمة حيدر
ونسيم خير الأنبياء محمد
وفي سنة 463 قطع محمود بن نصر خطبة المستنصر الفاطمي بمصر وخطب للقائم العباسي. وتوفي محمود سنة 467 فملك بعده ابنه نصر. ولم يحمد المؤرخون سيرة محمود. وانتهت حياة نصر قتلاً سنة 468 وذلك أنه خرج إلى التركمان في الحاضر وهم الذين كانوا ملّكوا أباه حلب فأراد نصر نهبهم وحمل عليهم فرماه تركي منهم في حلقه فقتله، وملك بعده حلب أخوه سابق.
وفي سنة 472 حصر حلب أبو المكارم شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران المقلد بن المسيب صاحب الموصل ودام حصاره لها إلى ابتداء سنة 473 وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحسيني مقدم الأحداث في حلب هو رئيس المدينة فتمكن وقويت يده وسلم المدينة إلى أبي المكارم المذكور فتسلمها وتسلم قلعتها واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود المرداسي. وبذلك انتهت الدولة المرداسية في حلب.
ويضيع ذكر بطولات المرداسيين في ثنايا التاريخ فلا يحفظ لنا منها الا نتفاً موجزة، هي صورة مجلوة لمآتيهم، فتمثلهم وقد تجردوا لرد الغارات وحفظ العواصم، واستبسلوا في الحفاظ على ما بأيديهم من الوطن العربي. ولا أدل على ذلك من هذه الوقعة الواحدة التي ترينا مدى الخطر الفادح الذي داهم بلاد الشام فكان المرداسيون أكفياء له أي أكفياء.
ففي العام 421 أي بعد مقتل صالح بعام واحد وصل ملك الروم «أرمانوس» إلى حلب ومعه ملوك الروس والبلغار والألمان والبلجيك والخزر والأرمن، كما نص المؤرخون الذين بالغوا في عدد جيش أرمانوس فقالوا إنه كان ستمائة ألف فتصدى لهم شبل الدولة نصر بن صالح، ووقف في وجه زحوفهم الكثيفة حتى هزمها وتبعهم إلى إعزاز وأسر جماعة من أولاد ملوكهم وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة.
وتعتبر هذه المعركة من المعارك الفاصلة في تاريخ العرب والمسلمين إذ قل أن تسنى للغزاة أن يحشدوا مثل هذا الحشد العظيم، ويؤلبوا مثل هذه القوى الرهيبة التي كانت شيئاً مخيفاً في تلك الأيام لا سيما أمام دولة ناشئة كالدولة المرداسية.
وإذا كان المرداسيون لم يحظوا كما حظي الحمدانيون بشاعر مثل المتنبي يغني في العصور صدى بطولاتهم، فإنهم لم يحرموا شعراء إذا كانوا دون المتنبي عبقرية فلم يكونوا دونه تحمساً وعاطفة، فرأينا شاعر المرداسيين الحسين بن أبي حصينة المعري يخلد هذه المعركة بشعره الجميل ويحملها أغنية على الشفاه العربية الشادية، وينظم هذه القصيدة وينشدها لبطل المعركة شبل الدولة نصر بن صالح بظاهر قنسرين، والتي نأخذ منها ما يلي:
إلى نصر وأي فتى كنصر
إذا حلت بمغناه الركاب
امنتهك الفرنج غداة ظلت
حطاماً فيهم السمر الصلاب
جنودك لا يحيط بهن وصف
وجودك لا يحصله حساب
«وأرمانوس» كان أشد بأساً
وحل به على يدك العذاب
أتاك يجر بحراً من حديد
له في كل ناحية عباب
إذا سارت كتائبه بأرض
تزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنه
كما سلبت من الميت الثياب
فما أدناه من خير مجيء
ولا أقصاه عن شر ذهاب
فلا تسمع بطنطنة الأعادي
فإنهم إذا طنوا ذباب
ولا ترفع لمن عاداك رأساً
فإن الليث تنبحه الكلاب
وما كان للدولة أن تعيش أكثر مما عاشت في عصر الفتن الصاخبة فزالت الدولة ولكن القبيلة لم تزل فظل بنو كلاب أبطالاً في الميدان العربي. وحسبك أن يقول عنهم القلقشندي في الجزء الرابع من (صبح الأعشى): «كانوا عرب أطراف حلب وكان لهم غزوات وغارات عظيمة على الروم وأنهم من أشد العرب بأساً».
وظل الكلابيون بقيادة بني مرداس فرساناً مناجيد حتى دهمت العالم الإسلامي الحروب الصليبية فتجندوا لها عام 491هـ بقيادة أميرهم وثاب بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس. وفي وثاب هذا ومعاركه يقول ابن الخياط من قصيدة:
عتادك أن تشن به مغاراً
فقدها شزباً قبا تبارى
كان أهلة قذفت نجوماً
إذا قدحت سنابكها شرارا
وقد هبّت سيوفك لامعات
تفرق في دجنته نهارا
أما والسابقات لقد أباحت
لك الشرف الممنع والفخارا
فزر حلباً بكل أقب نهد
فقد تدني لك الخيل المزارا
ويأبى الله إن أبت الأعادي
لناصر دينه إلا انتصارا
وفي محمود بن نصر بن صالح يقول عبد الله بن سنان الخفاجي:
لا يذكروا حلباً وبيضك دونها
مشهورة فهي الظبا وهم هم
كم وقفة لك دونها مشهورة
والنقع ليل والأسنة أنجم
المرداسيون
ـ 2 ـ
ينسب بنو مرداس إلى بني كلاب، وهم بطن من ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن خصفة بن قيس، أي أنهم من المضرية.
وعاش بنو كلاب قرابة قرن في بلاد الشام قبل إقامة إمارتهم، واستطاعوا بفضل كثرتهم العددية أن يفرضوا إرادتهم في منطقة حلب، كما خلقوا لأنفسهم المناخ المناسب لإقامة إمارتهم وسط القوى المتصارعة في ذلك الوقت، وهي الدولة البيزنطية والخلافة الفاطمية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي.
أما عن سياسة بني مرداس إزاء الدولة الفاطمية، فقد كانت في أول الأمر تميل إلى المسالمة وكسب الود والتأييد، في ذلك الوقت الذي اقتنع فيه خلفاء الدولة الفاطمية بفشل محاولاتهم في الاستيلاء على حلب، حتى أن الخليفة المستنصر بالله غضب على الوزير الجرجراني لمحاولته غزو حلب وأمر بنفيه إلى صور. ولعل هذا قد قرب وجهات النظر بين الطرفين فأصبحا أكثر رغبة في إحلال السلام، خاصة عندما أمر الأمير ثمال المرداسي بإطلاق سراح الأسرى الفاطميين وإرسالهم إلى مصر، ثم بعث بما هو مقرر عليه من أموال. كما بعث ببعض الهدايا والألطاف الفاخرة، فلم يسع المستنصر بالله إلاَّ أن يرسل إليه توقيعاً بحلب وسائر أعمالها.
إلا أن الأمير ثمال أدرك صعوبة الحفاظ على إمارته وسط أطماع القوى المجاورة، هذا فضلاً عن مضايقات بني كلاب له، لهذا آثر التنازل عن حلب طواعية للخلافة الفاطمية وذلك في أواخر سنة 448هـ (1052م) فمنحه الخليفة المستنصر مدينة بيروت وعكا وجبيل عوضاً عنها. وتسلم مكين الدولة بن ملهم إمارة حلب التي غدت لمدة أربع سنوات ولاية فاطمية، إلا أن أمراء بني مرداس لم يقفوا جامدين إزاء هذا التصرف من ثمال ومن الدولة الفاطمية، فشقوا عصا الطاعة وانتهى الأمر باسترداد بني مرداس لحلب من الفاطميين. وسارع الخليفة الفاطمي بإنفاذ ثمال المرداسي المقيم بمصر حينذاك وطلب إليه استعادة حلب من ابن أخيه محمود، وهكذا عادت حلب من جديد للحكم المرداسي في ظل الحماية الفاطمية.
وقد اضطرت الدولة الفاطمية بعد وفاة ثمال إلى تعضيد محمود بن نصر أقوى أمراء البيت المرداسي وقتذاك، فبادر الخليفة المستنصر بإنفاذ رسوله ظفر المستفادي برسالة ودية إليه ولقبه بعظيم أمراء العرب عضد الدولة وسيف الخلافة، إلا أن محموداً تحول إلى الولاء للسلاجقة والعباسيين.
الدكتور أحمد رمضان
نشوء الدولة المرداسية وازدهارها
أصل المرداسيين ونشأتهم
انتقلت قبيلة كلاب من المدينة «يثرب» في شبه الجزيرة العربية واتجهت شمالاً فسكنت في غرب الضفة العليا لنهر الفرات وذلك مع هجرات القبائل العربية منذ القرن السابع الميلادي، وقد لعبت هذه القبيلة دوراً هاماً في الحياة السياسية في سوريا عامة وفي شمالها بصورة خاصة وذلك منذ القرن السابع الميلادي وحتى الحادي عشر، وخلال حكم الأمويين وبخاصة في الصراع على الخلافة بعد موت يزيد بن معاوية 60 ـ 64هـ (680 ـ 683م) قاتل ظفر بن الحارث الكلابي مع رجال قبيلته في صف مروان بن الحكم في معركة مرج راهط 64هـ (683م) حيث هزم ظفر وفرّ باتجاه الشمال، فأسس حكماً قوياً في مدينة قرقزيا (في محافظة الجزيرة اليوم عند ملتقى رافد الخابور بنهر الفرات) ورفض إعلان الولاء لمروان الخليفة الجديد الذي لم يكن قادراً على إجباره ليفعل ذلك.
وعد رجال قبيلة بني كلاب منطقة شمالي سوريا دياراً لهم لذلك اعتبروا كل تحرك تجاه مناطقهم الشمالية هو عمل عدائي لهم وبخاصة في القرن الحادي عشر الميلادي.
وقبل الحديث المفصل عن المرداسيين لا بد لنا من تمهيد موجز نربط فيه بين الأحداث حتى الوصول إلى المرداسيين فنقول:
في العهد العربي، كانت حلب محاطة بقوتين كبيرتين هما الأمبراطورية البيزنطية من جهة والدولة الفاطمية من جهة ثانية وقد تأثرت بسياستهم لذلك من المفيد قبل الشروع بشرح الحكم العربي لحلب، أن نلقي نظرة خاطفة على الخلفاء الفاطميين والأمبراطورية البيزنطية من الناحية السياسية، وتصرفهم حيال حلب وطبيعة تركيبها كولاية.
أ – كانت تنبع سياسة الفاطميين واهتمامهم بحلب من مبدئين أساسيين نظري وعملي: فالنظري كان مبنياً على أساس عقيدة الفاطميين التي كانت ترمي للسيطرة على العالم الإسلامي بشكل عام والقضاء على الخلافة العباسية في بغداد بشكل خاص، وعلى موقع حلب الاستراتيجي وهو أنها تشكل الباب الرئيسي للوصول إلى العراق وكل من يسيطر عليها يستطيع أن يسيطر على المدن الموجودة خلفها.
وكانت هذه السياسة الفاطمية تؤكد على احتلال سوريا أو جزء منها، لأن أراضي مصر من الشمال سهلية خالية من الموانع الطبيعية، لذلك يسهل احتلالها من جهة الشمال أي من سوريا. لهذا تشكل الأخيرة حاجزاً بالنسبة إلى مصر.
ثم إن الغزاة لم يستطيعوا الوصول إلى مصر إلا بعد مقاومتهم من قبل القوات المصرية خارج حدود مصر. هذه السياسة تبنتها الدولة الفاطمية في مصر وبدأت بتنفيذها ونجحت في سوريا الشمالية ولكن نجاحها لم يكن مستمراً بسبب المصاعب التي انتصبت أمامها. من هذه المصاعب بعد القاهرة مركز الفاطميين عن حلب وسياسة الدولة البيزنطية التي تمثلت بمقاومة الوجود الفاطمي على الحدود البيزنطية ـ السورية. ثم إن قبائل البدو العربية كانت تعمد دائماً حسب طبيعة تركيبها القبلي إلى إثارة الاضطرابات، وإلى احتلال مناطق جديدة وإقامة دويلات خاصة بها كلما سنحت لها الفرصة كما حدث لقبيلة طيء في فلسطين وكلاب في حلب.
ب ـ الأباطرة البيزنطيون: ولقد صدَّ البيزنطيون عدة محاولات قامت بها الخلافة الفاطمية لضم حلب إلى الولايات الإسلامية لا سيما على عهد حكم الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني، ومن وجهة نظر السياسة البيزنطية أن سقوط حلب في يد الفاطميين يعني تقدماً باتجاه سقوط إنطاكية وأجزاء أخرى من آسيا الصغرى فيصبح الفاطميون إذا ما تحقق ذلك جيراناً متاخمين للدولة البيزنطية وهذا ما عملت الأخيرة على عدم تحقيقه. وذلك عندما كادت حلب أن تسقط في يد الفاطميين بعد حصار طويل في عام 384هـ (994م) بالرغم من مساعدة حاكم إنطاكية البيزنطي لها. نجد أن الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني يترك الحملة على البلغار ويعود مسرعاً مع جزء كبير من جيشه إلى حلب ليفاجئ الفاطميين. وقد شدد عليه أخوه قسطنطين بأخذها ليسهل عليه احتلال سوريا كلها، لكنه لم يستجب لقول أخيه.
بعد الحمدانيين
بوفاة أبي الفضائل سعيد الدولة الأمير الحمداني سنة 392هـ (1002م) انتهت السلالة الحمدانية الحاكمة لحلب. وخلال حياة هذا الأمير كان الحاكم الفعلي لحلب هو لؤلؤ غلام سيف الدولة الحمداني، وقد أصبح هذا الغلام حاكماً بالنيابة عن ولدي سعيد الدولة، أبو الحسن علي وأبو المعالي شريف وقد أرسلهما إلى مصر ليعلن نفسه حاكماً على حلب واشترك في الحكم مع ابنه منصور.
لقد توفي لؤلؤ في عام 399هـ (1008م) وانفرد ابنه بحكم حلب وكان على عكس أبيه يثق كثيراً بغيره، قصير النظر في السياسة ولقد كرهه أهل حلب كثيراً وهجاه شعراؤهم في أكثر قصائدهم.
لهذا نجد أن الحلبيين قد فتشوا عن طريقة تريحهم من هذا الحاكم منصور بن لؤلؤ. ولم تشر المصادر التاريخية إلى الأحزاب أو الأشخاص الذين حرّضوا الشعب للتخلص من حكمه. وقد وجدوا الحل في استعادة حكم الأسرة الحمدانية لأن منصوراً هو ابن أحد العبيد الذي خان سيده وأنكر حقوقه، ورأوا أن حاكم حلب يجب أن يكون إما أحد ولدي سعيد الدولة الحمداني اللذين هجَّرهما لؤلؤ إلى مصر وأما أبو الهيجاء الحمداني وهو أخو سعيد الدولة الحمداني الذي هرب إلى القسطنطينية. ولكن أحداً منهم لم يكن قادراً على ترك مصر أو بيزنطة من دون دعم الدولة التي حلَّ فيها. فالحلبيون لم يتوجهوا إلى مصر لأن الخلفاء الفاطميين ارتبط معهم منصور بعلاقات طيبة على حياة والده لؤلؤ فضلاً عن إرساله ولديه إلى القاهرة حيث وهبهما الخليفة الحاكم هبة كبيرة من المال مع سبع قرى في فلسطين ومنح والدهما لقب مرتضى الدولة. وقبل عدة سنوات كان الفاطميون يحاولون احتلال حلب ولكن كانوا يفشلون في محاولاتهم بسبب وجود حكام أقوياء، أما الآن وفي عهد منصور بن لؤلؤ فإن الوضع قد تغير تماماً فأصبحت قواعد حكم الأخير واهية وهذا ما يريده الفاطميون لاقتناص أية فرصة سانحة لينقضوا على حلب ويحتلوها.
أمام موقف الفاطميين المؤيد لحكم منصور، اتجه الحلبيون إلى حل آخر وهو إعادة أبي الهيجاء الحمداني من الأمبراطورية البيزنطية، وهكذا فعلوا بعد أن كسبوا قبيلة بني كلاب العربية التي كانت أعظم قوة في ولاية حلب في ذلك الوقت، واستنجدوا أيضاً بصهر أبي الهيجاء المسمى ممهد الدولة المرواني حاكم ديار بكر والذي كان على علاقة وطيدة مع البيزنطيين لكي يساعدهم على إعادة صهره إلى حلب. فقد أخبر ممهد الدولة الأمبراطور باسيل الثاني بالأمر، وأدرك الأخير أن إطلاق سراح أبي الهيجاء له فائدة كبيرة للأمبراطورية البيزنطية ليس من ناحية إنهاء حكم منصور الضعيف فقط بل القضاء على النفوذ الفاطمي وتقوية النفوذ البيزنطي في حلب. وهكذا فقد أعطى باسيل الثاني أبا الهيجاء حريته ليعود إلى حلب إذا أراد ولا توجد أية سجلات تشير إلى أنه أطلقه بشروط أو بغير شروط.
ففي عام 400هـ (1009م)، توجه أبو الهيجاء إلى ميافارقين حيث زوده ممهد الدولة المرواني بكمية كبيرة من النقود وبمائتي فارس، وبعد وصوله إلى هذه البلدة كتب إلى زعماء قبيلة بني كلاب طالباً دعمهم لقاء مكافآت كبيرة يقدمها لهم وفي طريقه إلى حلب التقى عدداً من قادة هذه القبيلة فرافقوه ووعدوه بالدعم حتى يتحقق هدفه. وفي وجه هذا الخطر تحرك منصور يائساً لمواجهته، فكتب بدوره إلى زعماء بني كلاب وعرض عليهم التخلي عن مساعدة أبي الهيجاء لقاء اقتسام المدخول معهم وكذلك السيطرة على المناطق المجاورة لحلب. وطلب في الوقت ذاته من الخليفة الفاطمي «الحاكم» المساعدة لقاء السماح بتعيين موظف فاطمي كبير في قلعة حلب، كرئيس، فأعطى الخليفة أمره إلى القاضي علي بن حيدرة والي طرابلس أن يقود الجيوش الفاطمية المعسكرة هناك باتجاه حلب لمساعدة منصور بن لؤلؤ.
عندما وصلت الجيوش إلى حلب، كان أبو الهيجاء وقبيلة بني كلاب قد وصلوا إلى ضواحي حلب. فنصبوا الخيام وأخذت قطعانهم ترعى في حدائق المدينة وفي بساتينها وحقولها، واستخدموا كل وسيلة لتعطيل المدينة وحاكمها.
أمام هذه الاضطرابات، وقف منصور عاجزاً عن مواجهة زعماء بني كلاب، فقد تظاهر بأنه سيحقق لهم وعوده السابقة بل أنه سيوقع معاهدة صداقة معهم وسينهي الخصام، وكدليل على حسن نواياه دعا زعماء القبيلة إلى مأدبة تقام داخل مدينة حلب فلبى الدعوة عدد كبير من زعماء وأفراد بني كلاب يذكر ابن العديم أنهم كانوا أكثر من ألف شخص في حين يذكر يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه أن هذا العدد كان حوالي 700 شخص.
دخل زعماء بني كلاب إلى مدينة حلب في سنة 402هـ (1012م) تلبية لدعوة حاكمها منصور بن لؤلؤ، وما أن دخلوا حتى استقبلهم منصور مع رجاله بالسيوف وكان قد أغلق جميع أبواب المدينة فقتل عدداً كبيراً منهم والباقون الذين نجوا من القصر فشلوا في الخروج من المدينة لأن أبوابها كلها كانت موصدة لذلك ألقي القبض عليهم وأودعوا زنزانات قلعة حلب.
وعندما سمعت قبيلة بني كلاب بما حلَّ بزعمائها، تحركت من ضواحي حلب بقيادة أحد أمرائها مقلّد بن زائدة باتجاه الجنوب، وحاولت الاستيلاء على مدينة كفر طاب وعندما سمع منصور بأنباء هذا التحرك نقل الأسرى من السجون إلى أماكن أخرى تتوفر فيها شروط أفضل وتجهيزات ومعاملة أكثر إنسانية. لكن ما أن سمع بعد فترة قصيرة بفشل بني كلاب في السيطرة على مدينة كفر طاب بقيادة ابن زائدة حتى أعاد السجناء إلى الزنزانات حيث بقوا فيها أكثر من سنتين، وقد قتل منصور عدداً كبيراً منهم لكن معظمهم مات بسبب الظروف السيئة في السجن والمعاملة القاسية التي تلقوها.
كان صالح بن مرداس الكلابي هو الرجل الشجاع من بين هؤلاء السجناء، وقد أجبره منصور على أن يطلّق زوجته التي كانت مشهورة بجمالها، وكانت أيضاً ابنة عمه. وبعد أن تم هذا الطلاق الإجباري تزوجها منصور بن لؤلؤ، والسؤال الذي يطرح في صدد هذه المسألة هو ماذا كان هدف منصور من هذا الزواج؟ هل كان يريد إذلال صالح بزواجه من زوجته الجميلة أم كان يرمي إلى التقرب بالمصاهرة من قبيلة بني كلاب، أو من جزء منها كوسيلة لحل مشاكله المتعددة مع القبيلة، وإزالة التهديد بالعداوة والتي بدونها لم يكن قادراً على استرجاع حكمه؟ لربما كان منصور يهدف إلى تحقيق كل هذه الفوائد دفعة واحدة، فالمصادر المتوفرة لا تعطي أي دليل مباشر على هذا الأمر. لكن الأنطاكي يقول بأن منصور بتهديده بالموت ووعده بالحرية لعدد من سجناء قبيلة بني كلاب استطاع أن يجعل عدداً منهم يقبلون به وبضريبته وبناءً على ذلك فقد أطلق منصور سنة 403هـ (1013م) عدداً من سجناء هذه القبيلة لكن لم يعرف عددهم أو أسماؤهم ولكنهم كانوا قليلي العدد. وجميع محاولات منصور في القضاء على صالح بن مرداس باءت بالفشل مما شجع صالح بن مرداس على الانتقام.
أما منصور فقد حاول من جهته وهو ثمل أن يتخلص من صالح بن مرداس لكنه فشل في تحقيق ذلك خاصة بعد أن تسلم صالح رسالة من صديق له لم يذكر اسمه يحذره فيها من قصد منصور واستطاع صالح أن يفتح فجوة في حائط بسجنه ويقطع أحد القيود التي تربط رجليه ولكنه لم يستطع قطع القيد الثاني، فلفه على رجله. وفي سنة 405هـ (1015م)، وخلال الليل هرب من السجن وتقول المصادر إن صالح فتح فجوة في حائط السجن وقفز من الحصن إلى تلة مجاورة واختبأ في قناة المياه طول الليل، وفي اليوم التالي وصل إلى مخيم قبيلته في مرج دابق. والأخذ بهذه القصة تشوبه عدة محاذير، أهمها ارتفاع الحصن ووجود قيد وسلسلة معلقة برجله تنتهي بكرة حديدية ثم يقظة حراس القلعة والمدينة فضلاً عن وجود الأبواب المقفلة فيها. ولكن الأقرب إلى الصحة والاقتناع هو أن يكون أحد أبواب المدينة مفتوحاً بواسطة أحد أصدقاء صالح أبو برشوة تلقاها أحد حراس هذه الأبواب والذي يجعلنا نميل إلى هذا القول هو اتهام منصور لحاكم القلعة بالتغاضي عن هرب صالح. والذي نؤكده هو هرب صالح وانضمامه إلى أفراد قبيلته التي تشجعت به فأعلنت الولاء له دون أي تأخير، وجمع جموعاً كبيرة وهاجم حلب، فحدثت عدة مناوشات بين الطرفين نهب فيها منصور قسماً كبيراً من مخيم صالح وأسر حوالي 50 رجلاً من المرداسيين.
هذا الانتصار شجع منصوراً على تجميع جنود حلب وسكانها بمن فيهم المسيحيون واليهود والتقى بهم صالح بن مرداس في صفر 405هـ (آب 1014م)، قرب حلب وانتصر صالح في هذه المعركة انتصاراً ساحقاً إذ قتل أكثر من 2000 حلبي ووقع منصور وعدداً من قواته في الأسر. وعندما توجه منصور إلى هذه المعركة ترك شقيقيه وأمه في حلب يتدبرون أمر المدينة حتى أن صالحاً لم يستطع احتلالها. وبعد انتهاء المعركة جرت محادثات الصلح بين الفريقين على أيدي رجال الدين في حلب، وقد اتفق الطرفان على أن يترك صالح منصوراً مقابل أن يطلق الأخير سراح السجناء المرداسيين ويعطي صالحاً 50 ألف دينار ذهبي و120 رطلاً فضياً و500 ثوب من مواد مختلفة. وأن يطلّق الامرأتين المرداسيتين اللتين تزوجهما وهما زوجة صالح وامرأة ثانية وأن يزوجه ابنته.
والأكثر أهمية هو أن صالحاً سيكون شريك منصور الذي سيخصص لنفسه نصف ولاية حلب بما في ذلك مدينة حلب ويعترف بصالح بأنه زعيم قبيلة بني كلاب المطلق. كما أن والدة منصور وزوجته وأولاده يجب أن يبقوا عند صالح رهائن. يتضح من هذا الاتفاق أن البندين الأخيرين هما أهم ما فيه، وبالرغم من أن منصوراً لم يف بكافة الوعود التي التزم بها، فإن صالحاً أكّد سلطته على قبيلة كلاب وعلى منبج وبالس. بهذا العمل يكون صالح قد وضع الأسس المتينة لقيام السلالة المرداسية الحاكمة.
منذ سنة 399هـ (1008م)، كان صالح يسيطر على الرحبة وبكسبه منبج وبالس صار على اتصال مباشر مع العراق والدولة البيزنطية والخلفاء الفاطميين. فضلاً عن أن هذه السيطرة جعلت له قاعدة رئيسية للسيطرة على حلب فيما بعد.
كما أفاد الأمراء المرداسيين في فترات حكمهم، لا سيما عندما يكونون مجبورين على ترك حلب فيلتجؤون إلى هذه المناطق التي بقيت تحت سيطرتهم الدائمة وكانوا يسترجعون منها حلب من حين إلى آخر.
لقد وفى منصور ببعض الوعود لصالح لكنه أنكر معظمها، كما كان يفعل في المناسبات السابقة فرفض أن يزوج صالحاً ابنته وكذلك مشاركته في دخل الولاية، فعمد صالح عند ذلك إلى الأخذ بالثأر فحاصر مدينة حلب ومنع التجار ومبعوثي المهمات من الدخول إلى المدينة فشلّ حياتها السياسية والاقتصادية، عندها طلب منصور من الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني مساعدته للقضاء على ما أسماه ثورة بدوية قام بها صالح والتي إذا لم يقض عليها فإنها ستهدد بالإضافة إلى حلب الأمبراطورية البيزنطية نفسها. فاستجاب باسيل الثاني لطلبه وأرسله له ألف جندي أرمني لمحاربة صالح. ثم بدا له شيئاً فأمر القوات الأرمنية بالانسحاب تاركاً منصور يلقى مصيره لوحده.
أما الضربة القاسية التي تلقاها منصور فكانت من غلامه «فتح» حاكم قلعة حلب فاتهمه بأنه كان مصدر كل متاعبه وبأنه تواطأ مع صالح عندما سهَّل للأخير فراره من سجن القلعة. لذلك أراد منصور أن يتخلص بأي وسيلة من «فتح»، وعندما عرف الأخير بنوايا سيده لم يرفض فقط الصعود إليه ومقابلته بل نجده يعمد إلى إغلاق باب القلعة ويعلن الثورة عليه ويعترف بسيادة صالح بن مرداس على القلعة، وكذلك بسلطة الخليفة الفاطمي «الحاكم» وذلك في سنة 406هـ (1016م) وفوجئ منصور بهذا العمل وظنَّ أن صالحاً احتل القلعة فهرب مع أبنائه وإخوته وبعض أعوانه إلى أنطاكية، وقد انتشرت أخبار هرب منصور فسادت الفوضى والاضطرابات في البلاد وهجم الشعب على قصر منصور وسرقوه وخاصة الاثاث الغالي الثمن والذي قدّر ثمنه بـ 80 ألف دينار.
يقول ابن العديم، إن أعظم مصيبة في هذه الفوضى هي خسارة 28 ألف مخطوطة كانت في مكتبة القصر.
الاحتلال الفاطمي لحلب
وفي اليوم الثاني من فراره وصل منصور إلى إنطاكية ملتجئاً إليها.
قال الإنطاكي وابن العديم إن «فتح» في اليوم الأول لثورته اتفق مع صالح بن مرداس على تقاسم الحكم في الولاية كما جاء تماماً في اتفاق صالح ـ منصور. أرسل «فتح» عائلة منصور إلى صالح فأرسل الأخير بدوره هذه العائلة إلى إنطاكية ما عدا ابنة منصور التي احتفظ بها وتزوجها. وفي نفس الوقت ولكي يضمن منصبه، كتب «فتح» إلى الحاكم الفاطمي في أفامية «علي بن أحمد» الذي كان يلقب بالضيف طالباً منه الدعم وداعياً إياه لزيارة حلب مع جيشه، قبل علي بن أحمد الدعوة وجاء إلى حلب مع جيشه ومن هناك كتب «فتح» إلى الخليفة الفاطمي «الحاكم» مقدماً له الطاعة والولاء فكافأه «الحاكم» بأن أطلق عليه لقب «مبارك الدولة وسعيدها» كما كتب أيضاً إلى صالح بن مرداس طالباً منه مساعدة «الضيف» و«فتح» وأطلق عليه لقب أسد الدولة.
وليكسب شعبية كبيرة في حلب عمد إلى تخفيف عدة ضرائب عن ولاية حلب وأعفى مدينة حلب من ضريبة سنوية.
إن تطور الأحداث هذه والعلاقات الطيبة بين فتح والخليفة الفاطمي أقضت مضاجع الأمبراطورية البيزنطية، لذلك رأينا الأمبراطور باسيل الثاني يعطي منصور ملجأ ويأمر له براتب وبأرض قرب حدود حلب لكي يراقب الأحداث من هناك عن كثب، ولهذا السبب سمح له بإنشاء جيش خاص بسبب منع الأمبراطورية أية تجارة أو سفر بين الامبراطورية وبين أي جزء من حلب أو سوريا.
دخل أول حاكم فاطمي إلى حلب في سنة 407هـ (1017م) وكان يدعى فاتكاً ولقبه «أمير الأمير عزيز الدولة» ولم تذكر المصادر أية معلومات عن تحركات لصالح بن مرداس خلال هذه المدة التي حكم فيها فاتك وقد كان صالح راضياً ومقتنعاً خلال مدة هذا الحاكم التي دامت أكثر من خمس سنوات.
ومن جهة أخرى نجد أن عزيز الدولة هذا كان قادراً على إرضاء الأمبراطور البيزنطي باسيل الثاني الذي أزال الحواجز التجارية وأعاد الاتصالات مع حلب. هذه الأعمال أزعجت الخليفة الفاطمي الذي اعتبرها خطوة نحو الاستقلال ولكنه لم يكن قادراً على القيام بأي عمل لأن القوات الفاطمية لم تكن في حلب. وخلال حكمه في حلب، استطاع عزيز الدولة أن يقنع قادة الجيش الفاطمي بأن مهمتهم قد أنجزت، وأنهم يجب أن ينسحبوا إلى قواعدهم الأساسية، فقد أنكر عزيز الدولة لوم «الحاكم» وأعلن استقلاله عن الخلافة الفاطمية، فصك عملة خاصة باسمه، وأصدر قراراً بذكر اسمه فقط على المنابر بدلاً من اسم الخليفة الفاطمي وقد يكون هذا الحدث قد حصل في سنة 411هـ (1020م) بسبب وجود مخطوطة باسم حاكم مدينة حلب عزيز الدولة وجدت في حلب، ولتأكيد ذلك قال المؤرخون: إن «الحاكم» الخليفة الفاطمي جهز في عام 411هـ (1020م) حملة عسكرية ضد عزيز الدولة وأن الأخير قد طلب من باسيل الثاني التدخل عارضاً عليه تقديم حلب له. أثناء توجه باسيل الثاني لنجدة عزيز الدولة وصلت أنباء اختفاء «الحاكم» الغامض في مصر إلى عزيز الدولة، فما كان من الأخير إلا أن أرسل مبعوثاً إلى باسيل الثاني يخبره بأن عرضه قد أصبح ملغى وهو لا يطلب مساعدته، وإذا حاول احتلال حلب فإن عزيز الدولة وقبيلة بني كلاب سيكونون أعداءه. عند ذلك غير باسيل الثاني وجهته نحو منطقة مناز كرد.
بعد الاختفاء الغامض للخليفة الفاطمي «الحاكم» ومجيء ابنه الظاهر حاول الأخير تألف عزيز الدولة فاتك. ولكن عزيز الدولة لم يثق كثيراً بذلك إذ سرعان ما أعاد بناء وتحصين القصر الذي يقع تحت قلعة حلب ليبقي العلاقة مع الفاطميين. وجند عدداً كبيراً من الخدم لحمايته بقيادة «بدر» وهو تركي الأصل تولى بالإضافة إلى ذلك حكم القلعة. ويبدو أن عزيز الدولة الذي وضع ثقته في قائد خدمه قد نسي بأنه هو نفسه كان عبداً وخان سيده وأن نفس المصير قد يواجهه هو مع «بدر» وهذا ما حصل فعلاً.
إن الحكم الفعلي في مصر لم يكن في يد الخليفة بل كان في يد عمته «السيدة» التي كانت داهية في التخطيط والتدبير، فقامت برشوة «بدر» قائد الخدم عند عزيز الدولة ودعته للإطاحة بسيده وكانت الاتصالات تتم بين بدر والسيدة عن طريق التجار أو المبعوثين الذين كانوا يجلبون الهدايا أيضاً لعزيز الدولة. وبعد تبوء الظاهر مركز الخلافة في مصر يبدو أن إرسال الهدايا كان سيفاً ذا حدين، بهذه الوسيلة كان من الممكن إظهار الولاء وإيجاد فرصة للغدر.
وكان عزيز الدولة يثق كثيراً بخادم آخر هندي الأصل اسمه توزون، عند ذلك فكر بدر، بمكيدة يستطيع بواسطتها التخلص من سيده فأخذ يسر لتوزون بأن عزيز الدولة يريد التخلص منه أي من توزون وفي كل مرة ينجيه من الموت وأنه أي «بدر» لا يتحمل موته. وعندما سمع توزون هذا الكلام خاف كثيراً وطلب من «بدر» الإرشاد والمساعدة، فقال بدر إن الأمر يتعلق بحياتنا نحن، فأما حياة عزيز الدولة وإما حياتنا، وأضاف فلنقتل عزيز الدولة ونتسلم الحكم معاً مكانه. اتفق الاثنان على تنفيذ هذه الخطة عندما تسمح الظروف بذلك. وقد سنحت الفرصة في سنة 413هـ (1022م)، عندما جاء عزيز الدولة من رحلة صيد طويلة وكانت الخطة تقضي بأن يسكر «بدر» عزيز الدولة وتوزون يقوم بقتله في سريره عندما يناديه كعادته كل ليلة. وبعد أن أكل وشرب واستسلم للنوم قام توزون فقتله بسيفه. أما بدر الذي كان ينتظر ويراقب فقد شاهد العمل ينجز ومن فرحه صاح وصرخ مما أيقظ الحراس فشاهدوا ما حدث فهجموا على توزون وقتلوه.
كان لهذا الاغتيال عدة نتائج، إذ أخبر بدر الخليفة الفاطمي بالحادث فأظهر الأخير أسفه في بادئ الأمر لكنه كان فرحاً في السر وكافأ «بدر» على خدماته وعينه وريثاً لعزيز الدولة وأطلق عليه لقب «وفيّ الدولة وأمينها» هذا اللقب يدل على أن الخليفة كان راضياً. والسؤال الذي يطرح هو هل أن «السيدة» شاركت في التخطيط للقتل أو أن القصة بكاملها كانت تماماً كما واجه «الحاكم مصيره». من المعروف أن المؤرخين العرب يقولون إن «السيدة» تواطأت في مقتل أخيها كما أنهم قالوا إنها شاركت في التخطيط لقتل عزيز الدولة.
في كلتا الحالتين فإن أسلوبي موت الاثنين متشابهان، فالمراجع المختصة غير قادرة على تأكيد أو نفي هذين الافتراضين والأمر سيبقى لغزاً غامضاً.
عيّن الخليفة الفاطمي بدراً حاكماً على حلب لملء الفراغ وليكسب الوقت، ويبدو أن «بدراً» كان عارفاً بهذا لأن الخليفة أرسل له رسالة كما يقول المقريزي يطمئنه فيها عن مستقبله وعن نيته الحسنة، وقد نقل هذه الرسالة (الضيف) وهو قائد فاطمي دخل حلب سابقاً لمساعدة «فتح» في ثورته ضد سيده منصور بن لؤلؤ، فقد التقى هذا القائد «بدراً» بالسر وأقنعه بالتخلي عن مركزه. وبعد أن ترك منصبه هذا بعد مدة لم تتجاوز الثلاثة الأشهر قبض عليه وتوفي بعد ذلك بقليل.
وفي سنة 413هـ (1022م)، عيّن الخليفة الفاطمي في حلب والقلعة حاكمين فاطميين خلفاً لـ «بدر» الأول هو محمد بن علي بن جعفر بن فلاح الكتامي الملقب بصفي الدولة وذلك على مدينة حلب وهو من قبيلة كتامة العسكرية البربرية في شمال فريقيا والتي ناصرت الحكم الفاطمي في مصر أما الثاني فهو السعدات الملقب بيمين الدولة، ولكن الخليفة الفاطمي لم يعين كلاًّ منهما لمدة طويلة فقد تعلم دروساً مهمة من الأخطاء السابقة. ولقصر ولاية هؤلاء الحكّام لا نعرف عن مآثر ولايتهم، لأنه في سنة 414هـ (1023م) طرد صفي الدولة وجاء محله كتامي آخر هو الحسن بن محمد بن ثعبان الملقب بسند الدولة وكان قبل توليه حلب والياً على أفاميا وقد انتهى حكمه خلال سنة واحدة أي في سنة 415هـ (1024م). وذلك نتيجة معاناته من مرض دائم. وعندما علم الخليفة الفاطمي بمرض سند الدولة أرسل أخاه من القاهرة إلى حلب ليحكم بالنيابة عنه، أخوه كان يدعى «ثعبان» ولقبه «سديد الملك»، وصل إلى حلب بعد وفة أخيه بـ 25 يوماً. وقد عينه الخليفة خلفاً لأخيه كما عيّن في الوقت ذاته «موصوف» والياً جديداً على قلعة حلب.
لم يدم حكم هذين الواليين الفاطميين طويلاً. ففي هذا الوقت أخذت قوة صالح بن مرداس تزداد على مسرح السياسة في شمالي سوريا حتى استطاع احتلال حلب وأسس السلالة الحاكمة المرداسية.
الحياة العلمية والثقافية
في عهد الدولة المرداسية
أبرز ما في الحياة العلمية والثقافية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) في حلب وشمالي سوريا، أنها عرفت عدداً كبيراً من الشعراء، نبغ منهم أبو العلاء المعري وابن حيوس وابن أبي حصينة وابن سنان الخفاجي، وقد عاش أكثرهم (ما عدا المعري) في قصور الأمراء المرداسيين وتلقى كل منهم معاشاً سنوياً بالإضافة إلى الجوائز السنية لقاء قصائده المدحية التي كان يقولها فيهم، وقد لقب كل من هؤلاء الشعراء الثلاثة بلقب أمير. ووصلت دواوينهم الشعرية الينا شبه كاملة وأفادتنا في المعلومات عن الحياة السياسية والعسكرية في حلب وشمالي سوريا وكذلك عن الحياة الثقافية والعمرانية في هذه المدينة لا سيما في قصر المرداسيين في قلعة حلب. نعرف من دراسة دواوين هؤلاء الشعراء أن مركز الأمير المرداسي كان في قلعة حلب، وأنه مؤلف من عدة قاعات، تعرف إحداها بدار الذهب وكانت أرضها مغطاة بالمرمر الأحمر وربما كانت جدرانها مغطاة بالذهب. وهناك قاعة أخرى كانت مزينة بصورة لشروق الشمس، وقد بنى الأمير محمود بن نصر منزلاً وزيّن غرفته وقاعاته بالذهب والفسيفساء والزجاج الملون وقد استعملت هذه المواد بطريقة فنية راقية أظهرت بعض مشاهد من المعارك، وكذلك عدة أنواع من الطيور وزرافتين وفيلاً وعدة جمال وبحراً تمخره السفن وتعيش فيه الأسماك وكذلك أشجار نخيل ومنظراً آخر يحكي قصة مجنون ليلى. وكانت الأرض مغطاة بألوان مختلفة من الرخام بأشكال جميلة وصور حدائق فتانة رسمت على السقوف. وفي ذلك يقول ابن حيوس:
وخُصِّصت في زمن الحياة بِجِنَّةٍ
حَسُنَ المصيف بها وطابَ المربع
دارٌ بها اكتست البسيطة زينةً
ويزينها منك الهُمامُ الأروعُ
* * *
وترى طيور الجوِّ في جنباتها
بعضٌ محلقة وبعض وقع
وسوابقاً ليست تفارق أرضها
وكأنها تحت الفوارس تمزع
بالمصلتين صواعقاً لا تعتدي
واللابسين يلامقاً لا تُنْزَعُ
رهط نضوا بين السيوف وآخر
قد جر قوساً ليس فيها منزع
وسهامه لا تستطيع فراقها
وحباله أبداً لطير مصرع
والأيم يؤخذ والحروب لدودة
طول الزمان وما أراه يجزع
بالجانب الغربي فيها نخلة
ناء جناها وهو آن مونع
* * *
وزرافتان أقيمتا كلتاهما
ران إليك بمقلة لا تهجع
والفيل يقرع جلده سوّاسه
من كل قطر وهو لا يتزعزع
وظعائن تخشى العيون وتتقي
نظر المريب فدهرها تتبرقع
والبحر عائمة به حيتانه
ومن الشباك لها سمام منقع
طام وما يخشى على ركابه
غرق ومركبه مقيم مقلع
وابن الملوح قائم وسقامه الـ
ـبادي طليعة ما تجن الأضلع
يشكوا إلى ليلى الغرام إشارة
شكوى لعمرك لم تعنها أدمع
ومواضع فيها كعرضك وضّح
ثلجية الألوان بل هي أنصع
ومن الرخام مقابل ومؤلف
ومفوف ومضلع ومجزّع
* * *
أطلعت من جدرانها وسقوفها
شمساً لها من كل أفق مطّلع
تعلو ضياء الشمس عند شروقها
ويعمها الأظلام وهي تشعشع
لكن الذي يدعو إلى الأسف، هو أن تلك المنازل التي بنيت على عهد الأمراء المرداسيين والتي وصفها الشاعر ابن حيوس لم تبق إلى يومنا هذا ولم تجر أية ترميمات في القلعة لتوسيع معرفتنا عن هذه الفترة التاريخية. فيصبح آنذاك عندنا المقدرة على الفصل بين الحقيقة والخيال.
أفادنا الشعراء بذكر أهم المعارك التي حدثت بين المرداسيين وخصومهم، وكانت بدورها عاملاً حاسماً في السيطرة السياسية على حلب وقلعتها، فقد وصف لنا الشاعران أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحلبي الفكيك وأبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني في بعض قصائدهما انتصار المرداسيين على ناصر الدولة الحمداني في وقعة الفنيدق سنة 452هـ (1059م)، بعد أن شلّت يده وتمّ أسره مع بقية مساعديه من الأمراء والقواد فيقول الأول:
على حلب به حلبت دماء
وحكم فيكم الرمح الأصمّ
وقد أرسلته إلى دمشق
يد شلاَّ وأمر لا يتم
أما الثاني فيقول ذاكراً مآثر بني كلاب في تلك الموقعة:
أليس هم ردوا ابن حمدان([484]) عنوة
على عقبه لا يتَّقون العواقبا
أليس ابنه يوم الفنيدق([485]) قاده
دنين أبي كلب([486]) وعرّاه سالبا
كانت العلاقة بين الأمراء المرداسيين والشعراء العرب قوية، وقد تداخلت القضايا الأدبية مع القضايا السياسية تداخلاً كبيراً إذ كثيراً ما كان الأمراء المرداسيون يرسلون شعراءهم رسلاً إلى القاهرة والقسطنطينية ليخطبوا ود الدولة الفاطمية حيناً والأمبراطورية البيزنطية حيناً آخر، بل كانوا يرسلونهم إلى كلا البلدين في الوقت ذاته وذلك محافظة منهم على استقرار حكمهم في حلب وقلعتها، وكان أشهر هؤلاء الشعراء أبو محمد عبد الله بن سنان الخفاجي الذي أرسله الأمير محمود بن نصر رسولاً إلى ملك الروم في القسطنطينية واستطاع الأمير ثمال بن صالح أن يسيطر على حلب خلال غياب الشاعر في بلاد الروم، لذلك بقي الأخير فيها وأرسل من هناك قصيدة مشهورة إلى حلب تضمنت أكثر من خمسين بيتاً قدّمها الشاعر بقوله:
هذا كتابي عن كمال سلامة
عندي وحال شرحها في الجملة
ولم يكتف الأمراء المرداسيون بإرسال الشعراء رسلاً إلى القاهرة والقسطنطينية، بل نجدهم يستعينون بقصائدهم أيضاً طلباً للمساعدة على أقربائهم في سبيل السيطرة على حكم حلب وقلعتها، فقد طلب الأمير محمود بن نصر من حسام الدولة منيع بن مقلد الذي ساعده على كسر الجيش المصري الذي كان بقيادة ناصر الدولة الحمداني في موقعة الفنيدق التي ذكرناها سابقاً أن يساعده على عمه ثمال بن صالح للسيطرة على حلب، لكن منيع رفض ذلك وقال: «إن العرب تأنف من معاضدة الولد على الوالد». فتركه والتحق بالأمير ثمال بن صالح. عند ذلك أمر محمود كاتبه الشاعر أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يكتب قصيدة ويرسلها اليه يذكره فيها بعهده ويعتب عليه في اطراح ودّه فكتب الشاعر يقول:
ألا أيّها السَّاري تخبّ برحله
قصيرة فضل النسعتين إذا تسري
تحمل ـ هداك الله ـ عني رسالة
إذا بلغت يوماً شفيت بها صدري
إلى معشر إنْ تنح نحوي سهامهم
فأخطأ منها ما توغل في صدري
وخصّ حسام الدولة بن مقلد
أخا الغارة الشعواء والكرم الدثر
* * *
وأنت من القوم الذين نفوسهم
ترى الغدر بالإخوان ضرباً من الكفر
سأصفيك ما صافيت يوماً بحفظه
وآمل إن ضيّعتني عاجل النصر
وإني إذا ما يدج ليل خطوبها
أصدّعه بالسيف عن فلق الفجر
* * *
أبى الله والأصل الذي طاب فرعه
إلى اليوم إعطاء القياد على قسر
وأخسر من تلقاه في الناس صفقة
فتى عند مجد لا يريش ولا يبري
فلا تحتقر ذنباً جنيت على الوفا
ولا تعتذر منه فما لك من عذر
عندما وصلت هذه القصيدة إلى الأمير ثمال بن صالح، قرأها منيع بن مقلد الذي انضم إليه ساعة طلب منه الأمير محمود بن نصر مساعدته ضد عمه ثمال وقال: «لقد ألبسني هذا النصراني من العار طوقاً لا يبلى ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلاً». ولقد غضب الأمير ثمال من هذا الشاعر غضباً شديداً لكتابته هذه القصيدة وحاول طعنه بالسكين عندما جاء الأخير ليسلم عليه عندما استولى على حلب وتملكها، لكنه أخطأه فهرب الشاعر إلى إنطاكية حيث صار بها أسقفاً إلى أن مات. نستنتج من ذلك أن الأمراء المرداسيين لم يتركوا أي وسيلة تخدمهم للسيطرة على حلب وتثبيت حكمهم فيها إلا واستخدموها بما في ذلك الشعر والشعراء.
كما أن بعض الأمراء المصريين الذين حكموا حلب، تركوا لنا قصائد مهمة من تبيان الحالة الاجتماعية والتقاليد والعادات في حلب وقلعتها وبخاصة التقاليد الدينية. فقد تولى حلب سنة 407هـ/ 1014م عزيز الدولة أبي شجاع فاتك من قبل الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي وكان محبًّا للأدب والشعر وصنّف له أبو العلاء المعري «رسالة الصاهل والشاحج» و«كتاب القائف».
أمر عزيز الدولة شاعره وقائده أبا الخير المفضل بن سعيد العزيزي أن ينظم قصيدة في وصف قلعة حلب ليلة عيد الميلاد، فوصف هذا الشاعر النار المشتعلة والمتصاعدة نحو السماء حتى كاد الغيم يستر النجوم وفي ذلك يقول:
ابق للمعروف والأدب
آمناً من صولة النوب
يا عزيز الدولة الملك الـ
ـمنتضى للمجد والحب
كيف يخشى الدين حادثة
وعزيز الدين في حلب
* * *
أضرم العنقاء قلعته
فبدت في منظر عجب
لزّت الأرض السماء بها
فثنت كشحاً على وصب
ورمتها بالشرار كما
رمت الغبراء بالشهب
أوقدت تحت الغمام فما
يلقها من مزنة يذب
طلعت شمس النهار بها
والدجى مسدولة الحجب
فلو أن النار لاحقة
بالنجوم الزُّهر من كثب
ضوؤها عمّن ألمّ على
نأي شهر غير محتجب
يأ أمير الآمرين ويا
مستجار القصد والطلب
قد نفيت الليل عن حلب
نفي مظلوم بلا سبب
وتركت الشمس حائرة
في دجى الظلماء لم تغب
وكم أصلح الشعراء في عهد المرداسيين الأمر بين الحكّام والرعية بقصائد يمدحون فيها الحاكم ويطلبون منه العفو عن السجناء المظلومين فيجسدون بأبياتهم الحكمة والتروي في معالجة الأمور السياسية والدينية، من هؤلاء الشعراء كان الشاعر أبو العلاء المعري الذي توسط بين سبعين سجيناً من ضمنهم أخواه المهذب وأبو المجد وكلهم من معرة النعمان وبين الأمير صالح بن مرداس صاحب حلب، وذلك إثر وشاية بهم عقب حادثة الماخور. وفي ذلك أنشد أبو العلاء عندما التقى بأسد الدولة صالح بن مرداس في ظاهر المعرّة شعراً:
تغيّبت في منزلي برهة
ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلا الأقل
وحم لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعاً إلى صالح
وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام
وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبني هذا النفاق
فكم نفقت محنة ما كسد
وقد قال صالح بن مرداس للشيخ أبي العلاء «قد وهبتهم لك أيها الشيخ».
وكان لقصائد شعراء المرداسيين قيمة تاريخية كبيرة في ذكر تحول القيادة السياسية في البلاد من المرداسيين إلى الفاطميين، أو العكس، وهذا ما تؤكده لنا القصائد التي أنشدها أصحابها ذاكرين فيها المعركة وحوادثها وأبطالها المنتصرين والمنهزمين ومن ذلك قصيدة الشاعر حيوس([487]) التي يذكر فيها قتل الأمير نصر بن صالح بن مرداس وتسلم (الدزبري) الحكم في حلب وقلعتها. يقول فيها:
ولما طغى (نصر) أتحت له الردى
ولم ينجه الجمع الكثير ولا الحشد
وله قصيدة أخرى يذكر فيها فتح حلب فيقول:
هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع
لله هذا العزم ماذا يصنع
وهكذا يكون الحكم قد انتقل من المرداسيين إلى الفاطميين ولكن إلى فترة قصيرة.
كما أن الشاعر الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة يذكر لنا انتصار الأمير ثمال بن صالح بن مرداس على القائد الفاطمي أبي الفضل رفق الخادم في موقعة مشهد الجف في قلعة حلب فيقول:
يا رفق رفقاً رب فحل غرّه
ذا المشرب الأهنى وهذا المطعم
حلب هي الدنيا تلذ وطعمها
طعمان شهد في المذاق وعلقم
قد راقها صيد الملوك فما انثنوا
إلا ونار في الحشا تتضرم
وهذه حقيقة تاريخية أخرى يسجلها الشاعر ابن أبي حصينة في تثبيت حكم المرداسيين المهدد من القائد الفاطمي رفق الخادم الذي أرسله الخليفة الفاطمي المستنصر من القاهرة ليستولي على حلب ويطرد منها الأمير ثمال بن صالح.
وبعد كل موقعة ينتصر فيها الأمراء المرداسيون كانوا يرسلون الهدايا والرسل إلى القاهرة يسترضون الخليفة الفاطمي ودلالة على قبول الرضى كان الخليفة يرسل الصلات والخلع والتشاريف إلى الأمير المرداسي وحاشيته وأقاربه، وفي ذلك يقول الشاعر أبو القاسم هبة الله ابن فارس المؤدّب في وصول الخلع والتشريف من مصر:
لا زال طوعاً لأمرك الأمم
ولا خَلت من ديارك النعم
وهذا ما يؤكد العلاقة القوية التي كانت تربط الخليفة الفاطمي المستنصر بثمّال بن صالح بخاصة بعد أن رجعت (البعثة الحلبية) ([488]) التي أرسلها ثمال إلى القاهرة بتوقيع من الخليفة بحلب وسائر أعمالها.
إن الشعراء المرداسيين ككل الشعراء هم مرآة زمانهم، يعكسون صورة العصر وحياة الحكّام في حلب وقلعتها لا سيما وأن أكثرهم لازموا الأمراء المرداسيين في بلاطهم وقصورهم، ومنهم من رافقهم في رحلات صيدهم وكان صديقاً حميماً لهم كالشاعر ابن أبي حصينة الذي وقف حياته الشعرية على مدح الأمير ثمال بن صالح وقد عايشه طيلة حياته، ولم يكن هناك أي ستار يحجب بينه وبين الأمير، ولم يكن هناك بروتوكولات ديبلوماسية تمنع على الشاعر اندماجه مع الأمراء المرداسيين بل كان اللقاء بينهما يأتي عفوياً دون تكلّف أو تصنع، وقد يصل الأمر بالشاعر أن يطلب من الأمير الحاكم أو الخليفة أن يمنحه لقب أمير أو أن يشكو له كثرة أولاده.
مدح الشاعر ابن أبي حصينة في سنة 450هـ (1057م) الخليفة الفاطمي المستنصر عندما أرسله الأمير ثمال رسولاً إليه وذلك بعدة قصائد أهمها:
ظهر الهدى وتجمل الإسلام
وابن الرسول خليفة وإمام
مستنصر بالله ليس يفوته
طلب ولا يعتاص عنه مرام
حاط البلاد وبات تسهر عينه
وعيون سكان البلاد نيام
ومدحه بقصيدة أخرى فوعده بالإمارة وأنجز الخليفة هذا الوعد في السنة التالية أي 451هـ (1058م) فتسلم الشاعر سجل الإمارة من الخليفة في ربيع الآخر وأنشده مادحاً:
أما الإمام فقد وفّى بمقاله
صلى الإله على الإمام وآله
لذنا بجانبه فعم بفضله
وببذله وبعفوه وبماله
* * *
فاقصد أمير المؤمنين فما ترى
بؤساً وأنت مظلّل بظلاله
زاد الإمام على البحور بفضله
وعلى البدور بحسنه وجماله
وعلا سرير الملك من آل الهدى
من لا تمر الفاحشات بباله
وفي مكان آخر، نجد أن الشاعر ابن أبي حصينة يشكو للأمير ثمال بن صالح كثرة أولاده وكان له أربعة عشر ولداً فيقول:
جنيت على نفسي بنفسي جناية
فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
عداد الثريا مثل نصف عدادهم
ومن نسله ضعف الثريا متى يثري
وأخشى الليالي الغادرات عليهم
لأن الليالي غير مأمونة الغدر
ولي منك قطاع قديم وحادث
تقلبت فيه تحت ظلك من عمري
وما أنا بالممنوع منه ولا الذي
أخاف عليه منك حادثة تجري
ولكنني أبغيه ملكاً مخلداً
خلود القوافي الباقيات على الدهر
إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الشاعر عرف بكرم وسخاء الأمير فسأله حاجته عله يجد فيه ضالته، وبالفعل أجابه الأمير وهو السخي الكبير إلى طلبه «فملّكه ضيعتين من أعمال حلب ومنبج فأثرى وحسنت حاله» وبنى داراً في حلب وكتب على شرفته:
دار بنيناها وعشنا بها
في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا
عليَّ للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا
فليفعل الناس مع الناس
وعندما سمع الأمير ثمال هذه الأبيات أمر له بدار ثانية مجاورة لهذه الدار، وهذا سخاء كبير يقوم به أمير مرداسي تكريماً للشعراء أياً كانت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية.
أبرز الشعراء الأحداث التاريخية المهمة على عهد المرداسيين، فقد ذكر لنا الشاعر ابن سنان الخفاجي كيف استرجع الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس حصن أسفونا من البيزنطيين بالرغم من كثرة أعدائه البيزنطيين الذين اجتمعوا على قتاله، وقد قتل حوالي ألفين وسبعمائة منهم كانوا داخل هذا الحصن وفي ذلك يقول الخفاجي:
أمّا ظباك فقد وفت بضمانها
فمتى تجود بها على أجفانها؟
* * *
إن أظهرت لعلاك إنطاكية
حزناً فقد ضحكت على قطبانها
* * *
بعث البريد مخبراً عن وثبة
ما كان أحوجه إلى كتمانها
لما أصل له لواؤك خافقاً
عرفت وجوه الذل في صلبانها
إن عاد نحوك جانب من كيده
قامت لك الخطباء في قميانها
وأنشده شاعر آخر هو ابن الفضل عبد الواحد بن محمد الحلبي الربعي مهنئاً إياه بانتصاره على الروم في إنطاكية قائلاً:
رددت على الإسلام شرخ شبابه
وكادت عليه أن تقام المآتم
وظن طغاة الروم منذ أغبّهم
نزالك أنا حين ذاك نسالم
وقد أعطى الأمير محمود بن نصر (ابن حيوس) «ألف دينار ذهباً في صينية فضة وجعلها له رسماً عليه في كل سنة». وذلك لقاء مدحه بقصيدة هي من عيون شعره، فقال:
قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمماً
ولا تقتفوا من جار لما تحكما
أرى كل معوّج المودة يصطفى
لديكم، ويلقى حتفه من تقوّما
وعرج في نفس القصيدة على شكر الأمير أبي الحسن علي بن منقذ الذي أشار عليه أن يذهب من طرابلس الشام إلى حلب فقال:
سأشكر رأياً منقذياً أحلّني
ذراك فقد أولى جميلاً وأنعما
وفي مكان آخر يمدح المنقذي أيضاً فيقول:
يا بن المقلد قد قلّدتني منناً
ما قارب الحمد أدناها ولا كربا
فيُمن جدك أفضى بي إلى ملك
ما اتبزه الشعر إلا هزّه طربا
* * *
أغنى وأقنى وأدنى ثم أغرب في
إنعامه فأفاد العقل والأدبا
فكل نوء بمصر جادني زمناً
فداء نوء سقاني الري في حلبا
لم يحصر الأمير محمود جوائزه في عدد معين من الشعراء الكبار المادحين، بل نجده يوزعها على أي شاعر أو مجموعة شعراء يطرقون بابه مادحين أو محتجّين، فقد اجتمعت جماعة من الشعراء على بابه، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة غير ابن حيوس فكتب إليه ابن الدويدة المعروف بالقاق:
على بابك الميمون منّا عصابة
مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك العصابة كلها
بعشر الذي أعطيته لابن حيّوس
وما بيننا هذا التفاوت كله
ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فقال محمود: «والله لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيتهم مثله».
ثم أمر لهم بالجائزة مائة دينار أو أكثر.
لقد كان الشاعر ابن حيوس صورة حية للمعارك التي خاضها الأمراء المرداسيون، بخاصة أولئك الذين عايشهم كالأمير محمود بن نصر وولده نصر ففي سنة 468هـ (1075م) جهّز الأمير نصر بن محمود جيشاً كبيراً وذهب بصحبة أحمد شاه التركي لاستعادة منبج التي كانت في ذلك الوقت بأيدي البيزنطيين، فحاصراها ثم استوليا عليها. فوصف ابن حيوس هذا الحصار وصفاً حياً بقصيدة طويلة بدأها بالبيت التالي:
وطريدة للدهر أنت رددتها
قسراً فكنت السيف يقطع مغمدا
كان شأن الأتراك يعلو يوماً بعد يوم. وذلك منذ حكم الأمير عطية بن صالح الذي هو أول من أدخلهم إلى حلب لمساعدته على ابن أخيه محمود بن نصر، وبعد وفاة الأمير نصر بن محمود الذي مات بسهم تركي نتيجة ثورة الأتراك عليه بسبب سجنه قائدهم أحمد شاه التركي، تسلم الحكم الأمير سابق ابن محمود وأطلق سراح أحمد شاه التركي. فساعده الأتراك وانضووا تحت لوائه، إلى أن اشتد ساعدهم فزحفوا بجحافل كبيرة على حلب واستولوا عليها. استطاع أحمد شاه التركي بعد إطلاق سراحه أن يقضي على الثائرة من الأتراك ويخمد فتنتهم فاستقرت البلاد على حكم “سابق” ووفد اليه الشعراء مادحين، كان أهمهم ابن حيوس الذي أنشده قصيدة قال فيها:
علي لها أن أحفظ العهد والودّا
وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا
فأطلق له الأمير سابق ألف دينار وجعل له في كل شهر ثلاثين ديناراً.
أما المنعطف السياسي الخطير الذي واجهه حكم سابق بن محمود فهو الزحف السلجوقي الكبير على إمارة حلب بقيادة السلطان ملكشاه وأخيه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وقد ساعدهما عدد من قادة بني كلاب أمثال وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب، عند ذلك ما كان من الأمير سابق إلا أن استعان بالأمير العربي أبي زائدة محمد بن زائدة، فأمر وزيره أبا نصر بن النحاس بأن يكتب قصيدة لهذا الأمير العربي يعرّفه فيها ما هو فيه من الضيق، ويسأله الإقبال عليه والقيام بمساعدته ويحذّره من التخلف عنه فيكون ذلك سبباً لزوال ملك العرب. والقصيدة هي:
دعوت لكشف الخطب والخطب
معضل فلبيتني لما دعوت مجاوبا
ووفيت بالعهد الذي كان بيننا
وفاء كريم لم يخن قط صاحبا
وما زلت فرّاجاً لكل ملمة
إذ المحراب الصنديد ضج هائبا
فشمر لها وانهض نهوض مشيّع
له غمرات تستقل النوائبا
وقال لـ «كلاب» بدّل الله شملكم
أويحكم ما تتّقون المعاتبا
* * *
وها أنا لا أنفك أبذل في حمى
حماكم مجداً مهتجتي والرغائبا
أأدخر مالي عنكم وذخائري
إذا بت عن طرق المكارم عازبا
شكرت صنيع «ابن المسيب» إذ أتى
يجر مغاويراً تسد السبابا
وأهد إلى «شبل» سلامي وقل له
لك الخير دع ما قد تقدم جانبا
فتلك حقود لو تكلم صامت
لجاء إليها الدهر منهن تائبا
وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها
عجالاً وإلا أعوز الدرَّ جالبا
فإني رأيت الموت أجمل بالفتى
وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا
أرسل الأمير سابق هذه القصيدة مع منصور بن كامل الكلابي ـ أحد أمراء بني كلاب ـ وبعض أصحابه ومعهم مال إلى الأمير أبي زائدة فما قرأ الأمير أبو زائدة هذه الأبيات وقبض المال، ثارت في نفسه النخوة العربية القبلية، فاتفق في الحال مع منصور ونائب سابق بن محمود على جمع ما يزيد عن ألف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير وقشير وكلاب وعقيل وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش ومشورته. وتصدى بعد ذلك بهذه القوة العسكرية للنجدة السلجوقية التي طلبها تتش بن ألب أرسلان والتي جاءت بقيادة تركمان التركي فانتصر على الأتراك السلاجقة انتصاراً كبيراً، وطاردهم من قرية إلى قرية حتى طلبوا النجدة من بلاد ما وراء نهر الفرات.
القصيدة التي أرسلها الأمير محمود بن زائدة جواباً على القصيدة التي تسلمها من نائب الأمير سابق بن محمود عكست لنا بوضوح أهم القرى والحصون التي استولى عليها الأمير بن زائدة، فكانت سجلاً تاريخياً واضحاً لكل باحث تاريخي إذ حوت هذه القصيدة بالإضافة إلى الانتصارات التي حققها على تركمان التركي إشارات بارزة إلى أهم الوقائع التي خاضها بنو كلاب بكبرياء وشرف. وهكذا فإن الشعر على عهد المرداسيين كان مرآة صافية تعكس بصدق وأمان جميع الحوادث التاريخية التي حدثت في عهدهم.
لهذا السبب نورد القصيدة التي أجاب بها الأمير ابن زائدة الأمير سابق بن محمود وقد جاء فيها:
دعوت مجيباً ناصحاً لك مخلصاً
يرى ذاك فرضاً لا محالة واجبا
فلبيت لا مستنكفاً جزعاً ولا
هدانا إذا خاض الكريهة هائبا
ولما دعاني المدركي ابن صالح
شققت ولم أرهب إليه الكرائبا
أسابق صرف الدهر في نصر «سابق»
إلى «تركمان» الترك أزجي النجائبا
فلما التقيناهم غدا البعض سالبا
لأنفسهم والبعض للمال ناهبا
وكان يرى في كفه الشام حاصلاً
ويوم «بزاعا» رد ما ظن خائبا
وليلة «كرمين» تركنا كرامهم
كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا
وفي يوم «خناقية» قد خنقتهم
بعثير ذلّ رد ذا الشرخ شائبا
* * *
فكم فارس منهن تركنا مجدلاً
يباشر ترب القاع منه الترائبا
وإذا أيقنوا أن ليس للكسر جابر
تولوا وعن «جيرين» حثّوا الركائبا
وخلوا بها كسباً حووه وأبصروا
سلامتهم منا أجل مكاسبا
كانت نفس الشاعر ابن حيوس كبيرة وطامحة ولطالما تمنى أن يعيش حتى يرى القائد العربي القوي الذي يفرض سطوته وسيطرته على إمارة حلب بخاصة وأن الأمير سابق بن محمود وإخوته كانوا ضعفاء لا سيما في أواخر حكمهم، وقد وجد ضالته بشرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش العقيلي الذي أتى من الموصل إلى حلب بناء على طلب من بعض الأمراء المرداسيين أنفسهم لا سيما الأمير سابق بن محمود لكن عندما وصل مسلم بن قريش إلى أبواب حلب أغلقوا الأبواب في وجهه بمن فيهم الأمير سابق نفسه، لكن سديد الملك أبو الحسن علي بن منقذ وكان صديقاً لمسلم بن قريش قوَّى نفسه صاحبه إلى أن تسلم حلب وتملكها وذلك في سنة 473هـ (1080م) ثم فتح القلعة بعد أربعة أشهر، وفي ذلك يقول ابن حصينة:
لقد أطاعك فيها كل ممتنع
خوف انتقامك حتى غارت القلب
ما أدرك الطلبات مثل متمم
إن أقدمت أعداؤه لم يحجب
أما ابن حيوس فأنشده قائلاً:
يا رحمة بعثت فأحييت أمة
قد طالما منيت بمن لم يرحم
جلَّيت ظلم النائبات كما جلا
ضوء الغزالة جنح ليل مظلم
* * *
أصفيت للعرب المشارب بعد أن
كانت كرمح لا يعان بلهذم
لا راعت الأيام من بفنائه
كنز الفقير وعصمة المستعصم
أنت الذي نفق الثناء بسوقه
وجرى الندى بعروقه قبل الدم
أجازه شرف الدولة على هذه القصيدة ألفي دينار وقربه، نستنتج من هذه القصيدة بأن الشاعر كان حاقداً على الأتراك السلاجقة الذين فرضوا سيطرتهم بالقوة على حلب وأماتوا الإرادة العربية فيها فذل العرب وخضعوا لهؤلاء السلاجقة الأغراب، لكن عندما جاء مسلم بن قريش منقذاً لحلب من حكم الأتراك رافعاً رأس العرب عالياً فرح واغتبط لهذا الحدث العظيم وأنشد القصيدة المنوّه عنها سابقاً إذ وصفه بأنه جاء رحمة لهذه الأمة العربية بعد طول ثبات وخضوع للأتراك الظالمين.
عكست هذه القصيدة منعطفاً تاريخياً مهماً في حياة حلب وقلعتها إذ أعادت لها الحياة العربية المجيدة، لكن للأسف ليس إلى وقت طويل إذ سرعان ما وصلت النجدات السلوقية الكبيرة من الشرق فيما وراء نهر الفرات وقضت على مسلم بن قريش، لتفرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة مدة خمسين سنة.
عكس الشعر أيضاً النقد والتجريح للحاكم الذي لا يحسن بنظرهم اختيار ولاته، ولتوضيح هذه الفكرة نورد القصيدة التالية وهي للشاعر أبي المعافي سالم بن المهذب المعري:
أمسلم لا سلمت من حادث الردى
وزرت وزيراً ما شددت به أزرا
ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ
من الله والناس المذمة والوزرا
فمت كمداً «فالجسر» لست بجاسر
عليه وعاين «شيزرا» أبداً شزرا
وعندما سمع مسلم بن قريش بهذه الأبيات، قال: اكتبوا إلى الوالي بالمعرة يكف عن هذا الشاعر ويحسن إليه فلعله جار عليه وأحوجه إلى أن قال ما قال.
لقد تابع الشعراء يسجلون في قصائدهم أهم الحركات السياسية والعسكرية التي حدثت في ايامهم، فها هو الشاعر ابن أبي حصينة يصف لنا بقصيدة طويلة المعركة التي دارت سنة 452هـ (1059م) بين المير محمود بن نصر وابن عمه منيع من جهة وبين أبي علي بن ملهم نائب الخليفة الفاطمي في حلب من جهة ثانية، وقد انتصر الأمير محمود على الأخير فيقول:
صبرت على الأهوال صبر ابن حرة
فأعطاك حسن الصبر حسن العواقب
وأتعبت نفساً يا بن نصر نفيسة
إلى أن أتاك النصر من كل جانب
وأنت امرؤ تبغي العلى غير عاجز
وتسعى إلى طرق الردى غير هائب
يطول محمود بن نصر وفعله
كلاباً كما طالت تميم بحاجب
وهكذا فإن العلاقات بين الحكّام المرداسيين والخلافة الفاطمية لم تكن دائماً ودّية وطيّبة، بل كان يتخللها سوء تفاهم في بعض الأحيان كما بيّنا سابقاً.
وقد وصف لنا الشاعر ابن أبي حصينة المعركة الأولى التي خاضها الأمراء المرداسيون ضد البيزنطيين وانتصروا فيها عليهم، فكانت هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين المرداسيين والبيزنطيين إذ حتى تلك السنة لم يقم الروم للمرداسيين أي حساب على اعتبار أنهم جماعة من البدو العرب لا حول لهم ولا طول، لكن بعد هزيمتهم النكراء أمامهم أخذوا يحسبون لهم حساباً كبيراً بخاصة بعد أن أسر الأمير نصر أمبراطورهم رومانوس والجدير بالذكر أن ابن أبي حصينة وقف شعره على مدح الأمراء المرداسيين لا سيما الأمير ثمال بن صالح وأخيه نصر لذلك سمي بشاعر الدولة المرداسية. وقد أنشد الشاعر ابن أبي حصينة الأمير نصر بن صالح بن مرداس في انتصاره في ظاهر قنسرين على الملك رومانوس البيزنطي قائلاً:
ديار الحيّ مقفرة يباب
كأن رسوم دمنتها كتاب
نأت عنها الرباب وبات يهمي
عليها بعد ساكنها الرباب
إلى نصر وأي فتى كنصر
إذا حلت بمعناه الركاب
امنتهك الصليب غداة ظلت
حطاماً فيهم السمر الصلاب
جنودك لا يحيط بهن وصف
وجودك لا يحصله حساب
وذكرك كله ذكر جميل
وفعلك كله فعل عجاب
و(أرمانوس) كان أشد بأساً
وحل به على يدك العذاب
* * *
إذا سارت كتائبه بأرض
تزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنه
كما سلبت عن الميت الثياب
إن العمر الطويل (أكثر من ثمانين سنة) الذي عاشه ابن حيوس قدم له مجالات لمعاصرة ومعايشة أهم الحوادث التاريخية والسياسية في بلاد الشام قاطبة، لذلك اغتنى شعره بهذه الأحداث الجسام.
وكان شاعراً مكتسباً يساير الحاكم القوي المسيطر، إذ سرعان ما يهجو من كان قد مدحه بالأمس أو يمدح من كان قد هجاه البارحة، وقصائده تشهد على ذلك، فتارة يمدح الفاطميين وولاتهم ووزراءهم بعشرات القصائد وطوراً يهجوهم، وكذلك بالنسبة إلى الأمراء المرداسيين فلقد أصابهم منه ما لم يصبهم من أي شاعر آخر من القدح والذم بأبشع الصور الشعرية بخاصة الأمير صالح بن مرداس وابنه نصر وفي ذلك يقول:
أولاد مرداس لسيفك طعمة
في كل أرض أنجدوا أو اتهموا
كل ذلك لأنه صرف كل مدحه للدزبري قائد الفاطميين الذي قضى على صالح بن مرداس في معركة الأقحوانة 420هـ (1029م) وعلى ابنه نصر في سنة 429هـ (1026م).
الدكتور حسين سبيتي
مرند
مدينة (مرند) هي إحدى المدن القديمة في مقاطعة آذربيجان، وتقع إلى الشمال الغربي من مدينة تبريز على مسافة اثنين وسبعين كيلومتراً. وتحدّها من الشمال حدود ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي ومن الجنوب مدينة تبريز، ومن المشرق ورزقان أهر، ومن المغرب مدينة خوي.
وقد ذكر هذه المدينة الجغرافي والمؤرخ اليوناني استرابون تحت اسم (موروندا). كما ذكرها المنجم والرياضي والجغرافي الإسكندري المعروف بطليموس. وكذلك فلاديمير مينورسكي، الذي عدّ القلعة الرملية الواقعة في جنوب شرق مرند من سلسلة القلاع الرملية التي شيّدها الملك الآشوري (سرجون) الثاني في نقاط مختلفة من آذربيجان، وذلك بناءً على ما قدّمه علماء الآثار في هذا الصدد، فيما يذهب ويليامز جاكسون إلى أن هذه القلعة هي إحدى معابد الزرادشت في العهد الساساني.
ويرى المؤرخون الرومان رأياً شاذاً في أنّ مرند يعود تاريخها إلى عهد نبي الله نوح، ويعتقد بعضهم أن اسمها مكوّن من كلمتين Mair وAnd «مير، أند»، على أساس أن زوجة نوح عليه السلام دفنت فيها.
كاري وآخرون غيره من دون نظر تاريخي وبلا تأمّل يكرّرون هذا الرأي، ولا يستغرب هذا الرأي الشاذ منهم لأنهم يذهبون نفس هذا المذهب في ما يخصّ تسمية مدينة تبريز. وعلى أية حال، فإن تاريخ مرند وأوضاعها تتّضح أكثر في العهد الإسلامي، حيث يربط البلاذري في (فتوح البلدان) نشوء مرند وعمرانها إلى حلبس، وولده بعيث، وولده محمد، فقد كانت قبلهما قرية صغيرة، وقد كان ذلك في عهد المتوكل العباسي.
ويعدّها أحمد بن يعقوب بن واضح، وأبو الفرج قدامة بن جعفر في عداد البلاد المعمورة في القرن الثالث الهجري، كما ذكر ابن خرداد مصنّف كتاب (المسالك والممالك) اتّخاذ محمد بن البعيث مرند مقراً لمعسكره.
وأشار ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى الحروب المتواصلة والغارات التي كانت تشن على مرند، وخراب المدينة على يد الكرجيين، كما أحصى أسماء عدد من فقهائها وعلمائها الكبار.
وأورد حمد الله المستوفي تعريفاً موجزاً لمرند، فقال: إنها مدينة كبيرة، محيطها ثمانية آلاف قدم، وتزرع فيها الغلال والحبوب والقطن وأنواع متعدّدة من الفاكهة كالعنب والمشمش والكمثري والسفرجل والخوخ، وهي تقع على أرض مرتفعة، وتتمتع بمناخ لطيف ونقي.
ولم يغفل الجغرافيون الغربيون والمستشرقون عن ذكر مرند في التاريخ، والتاريخ المعاصر. من هؤلاء: لسترنج، وبارتولد، وينوريسكي، ودونالدويلبر.
وفي المصنفات التاريخية الإسلامية والإيرانية ذكرت الحوادث المهمة في السنوات البارزة من تاريخ مرند منذ الفتح وحتى عصرنا الحاضر.
إن مدينة «مرند» اليوم هي إحدى المدن العامرة التي تتميَّز بنقاوة مناخها، وعذوبة مياهها، وتخترقها شوارع حديثة معبّدة بالإسفلت، وتكتظّ بالغابات والمزارع الخضراء الجميلة، وقد وصلتها أغلب التقنيات والخدمات الحديثة؛ كالمستشفى، ومستشفى الأطفال، والمدارس، وإسالة الماء، والإنارة الكهربائية ووسائل النقل الحديثة.
إن مرند هي مركز قضاء مرند، ومن توابعها خمس قرى، هي عبارة عن: حومة، ورودقات، وعلمدار، وهرزندات، ويكانات. وفي مرند والقرى التابعة لها توجد آثار تاريخية في غاية الأهمية، وللاعتناء بها قيمة كبيرة في الكشف أكثر عن تاريخ مرند، ومهارات أهلها. وفيما يلي تعداد لهذه الآثار التي ما يزال أغلبها مجهولاً:
أ ـ الآثار التاريخية في داخل مدينة مرند، وهي عبارة عن:
1 ـ المسجد الجامع الواقع في بداية شارع الموقف «ايستكاه» ويعود زمن إنشائه إلى العهد السلجوقي، ويتألف من مسجدين؛ كبير، وصغير. وللمسجد الكبير محراب غاية في الجمال يرجع تاريخه إلى عهد (أبو سعيد بهادرخان) الذي أمر عام 731 للهجرة بتصميمه على الطراز التبريزي. ويستفاد من الكتابات الظاهرة أن تولية المسجد كانت بيد حسين بن محمود بن تاج خواجة بتوجيه وأمر من السلطان أبو سعيد بهادرخان.
وبعد تسع سنوات، أي في عام 740 هجرية جدّد بناء وترميم المسجد الصغير (الشتائي)، وقد نقش تاريخ التعمير على الطاق الصخري الواقع في مدخل المسجد، باللغة العربية، وبالخطّ الثالث، وتنصّ العبارة: «أمر بتجديد هذه العمارة، الصدر الكبير، خواجة حسين بن سيف الدين محمود بن تاج خواجة، في أواخر شوّال سنة أربعين وسبعمائة».
2 ـ مسجد أم نوح، وقد زيّن هذا المسجد بأربع أسطوانات صخرية، وباثني عشر وجهاً وتسعة محاريب. ويقع في سوق مرند الرئيسي، ويعود تاريخ بنائه إلى العهد الصفوي، ومن المعتقد أن هذا المسجد قد كان من قبل معبداً على كيفية مغارة.
وقد عمّر بشكل أساسي عام 1268 هجري، وتوجد فيه قطعة من المرمر كتب عليها باللغة العربية: عُمّر هذا المسجد الشريف بناءً على ما اشتهر بين الناس من أن قبر أم نوح يقع فيه، بمباشرة من الشيخ علي المرندي، أحد التلامذة البارزين للمشايخ العظام؛ الشيخ محمد حسن صاحب جواهر الكلام، والشيخ محمد حسين صاحب الفصول، والشيخ الأزهر صاحب المفاخر، وخلاصة الأوائل والأواخر الشيخ مرتضى الأنصاري، بتاريخ 1268هـ.ق. وتحت هذه العبارة رباعية من الشعر الفارسي تتضمّن بيتاً في تاريخ التعمير من نظم علي بن هادي الحسيني.
3 ـ قلعة رملية تقع في الجنوب الشرقي من المدينة.
4 ـ مقبرة تاريخية معروفة بـ «باغ مزار» وقد كسيت سطوح مقابرها بالمرمر المزيّن بأنواع الخطوط والنقوش، وتعود تواريخها في الغالب إلى القرون؛ الثامن، والتاسع، والعاشر.
5 ـ قبر «همتلي بابا»، وقبر «بايرام قلي قراتاج» المتوفى عام 959 هجري ويقع على تل إلى جوار «ديزج عليا».
6 ـ المقبرة التاريخية «ديزج» التي تشمل على ألواح من الصخر تعود إلى عهد «آق قويونلو» و«قره قويونلو».
7 ـ ضريح الولي «إمام زاده» أحمد مرند، ويقع على تلٍ غربيّ المدينة.
8 ـ ضريح الولي «إمام زاده» إبراهيم، ويقع في محلّة بالدير.
ب ـ الآثار التاريخية الواقعة في خارج مدينة مرند، وهي عبارة عن:
1 ـ كنيسة «سان ريبسم»، تمّ بناؤها عام 1750 ميلادي.
2 ـ كنيسة «سهرل».
3 ـ مقبرة تاريخية، كسيت سطوح قبورها بالألواح الحجرية، تقع في قرية «منور».
4 ـ مقبرة تاريخية تقع في قرية «أمند»، وتوجد على صناديق القبور فيها نقوش كثيرة.
5 ـ جسر شيّد على نهر «برول». وتقع جميع هذه الآثار في قرى رودقات.
6 ـ تلّ أثري قديم يعرف بـ «باروق» أو «باروج»، يقع على مسافة عشرة كيلومترات شمالي «ماستري»، ويعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، وينتصب هذا التل على ساحل نهر «ذلبيد الكبير».
ـ كما ذكر ذلك الخواجة رشيد الدين فضل الله في وقفية الربع الرشيدي، ويعرف هذا النهر الآن باسم «زيلبير».
7 ـ قلعتا هرزند وجيلين ديز، وتقع كلّ منهما على تلٍ عالٍ.
8 ـ قلعة زنوزاق، وتقع على تلٍ شديد الارتفاع خلف منازل المدينة شمال زنوزاق.
9 ـ مقبرة زنوزاق التاريخية التي يعود تاريخها إلى القرون الهجرية الثامن والتاسع والعاشر.
10 ـ بعض القبور التاريخية العائدة إلى القرنين الثامن والتاسع، وجسر، وبعض المزارات في منطقة زنور.
11 ـ أطلال خرائب يعود تدميرها إلى زمن حملات هولاكو.
إن منطقة زنوزاق وعدداً من القرى الواقعة في أطرافها هي جزء من موقوفات الخواجة رشيد الدين فضل الله.
12 ـ كنيسة «سان استبانوس» التي تعتبر من أهم العمارات المنشأة في القرون العاشر إلى الثاني عشر وتعتبر قلعة «استبانوس» من القلاع التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام.
13 ـ أطلال وخرائب تعرف بـ «شاه عباسي». وتقع بين هذه الأطلال وكنيسة «سان استبانوس» مقبرة تاريخية، وبقايا جسر يعرف بجسر «ضياء الملك نخجواني»، أمر الشاه عباس بتخريبه.
14 ـ تلّ أثري يعرف بـ «كركر» يشابه تلال مرند وباروج، وقد قام بعض المزارعين بصفة غير رسمية بإجراء حفريات في جانب من التلّ وعثروا على أشياء أثرية كالأواني الخزفية، والجرار، والأساور، والسيوف، والحراب، والمسكوكات النقدية.
15 ـ ضريح لأحد الأولياء «إمام زاده» يقع في جانب من «كركر» على تلٍّ أخضر، والضريح مصنوع من الخشب، يعتقد أن نجاراً نخجوانياً فناناً قد صمّمه قبل حوالي مائة وعشرين سنة، ويقال: إن صاحب الضريح هو أحد أبناء الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام.
ويوجد إلى جوار هذا الضريح قبر يتعلق بأحد قادة الجيش العثماني قتل في العهد الصفوي ودفن في هذا الموضع.
عبد العلي كارنك
مرو
كانت تتبع ما سمي بالاتحاد السوفياتي، وقد كانت في وقت من الأوقات عاصمة القسم الشرقي من الدولة الإسلامية الكبرى، وذلك حين تولى (الأمين) الخلافة بعد والده (الرشيد) الذي جعل ولده (الأمين) ولياً لعهده، على أن يحكم (المأمون) القسم الشرقي الذي كانت قاعدته مدينة (مرو).
وبعد وفاة الرشيد وتولي الأمين الخلافة ظل المأمون في مرو، يحكم منها شطراً كبيراً من ذلك الملك المترامي الأطراف. ولما عزل الأمين أخاه المأمون من ولاية عهده وعهد بها إلى ولده، وتمرد المأمون على هذا العزل، وانهزمت جيوش (الأمين) وانتصر المأمون وصار هو الخليفة، ظل مستقراً في مرو.
وهكذا أصبحت (مرو) عاصمة الدولة كلها.
ولما جعل المأمون الإمام عليًّا الرضا عليه السلام ولياً لعهده استدعاه إلى (مرو)، فجمعت (مرو) بذلك بين كونها عاصمة الخلافة، وكونها عاصمة الإمامة.
قال الطبري: في هذه السنة (200هـ) وجّه المأمون رجاء بن أبي الضحاك ـ وهو عم الفضل بن سهل ـ وفرناس الخادم لإشخاص علي بن موسى بن جعفر بن محمد، ومحمد بن جعفر اهـ.
مظاهرة إمامية في مرو
في رمضان سنة 201 شهدت مرو مظاهرة إمامية فخمة، تجلت ببيعة الناس للرضا بولاية العهد. فقد جلس المأمون للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى الرضا عليهما السلام وأنه قد ولاه عهده وسماه (الرضا) وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا أرزاق سنة. فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة، وجلس المأمون، ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفراشه، وأجلس الرضا عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر ابنه (العباس بن المأمون) أن يبايع له أول الناس. فبايعه الناس، ووضعت البدر وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السلام.
المظاهرة الكبرى في مرو
أما المظاهرة الشعبية الكبرى التي شهدتها (مرو) فهي يوم خروج الرضا عليه السلام ليصلي بالناس صلاة العيد.
فقد بكّر القواد والحجاب والناس إلى باب الرضا عليه السلام وقعدت الجماهير في الطرقات والسطوح، واجتمعت النساء والصبيان ينتظرون خروجه.
فخرج متعمماً بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه، وأخذ بيده عكازاً، وقال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت، فخرجوا بين يديه، وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبَّر، وكبر مواليه معه، ثم مشى حتى وقف على الباب، فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة ترجلوا كلهم مسرعين.
وكبّر الرضا عليه السلام على الباب الأكبر، وكبر الناس معه. يقول الراويان المشاهدان ياسر الخادم والريان بن الصلت: فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن (الرضا) عليه السلام وسمعوا تكبيره.
مظاهرة أدبية عاطفية
وهناك مظاهرة إمامية أدبية عاطفية رائعة قامت في مرو إذ كان بطلها شخصاً واحداً، فقد كان هذا الشخص يمثل الجماهير العريضة التي كانت تغص بها مرو وغير مرو من أنحاء العالم الإسلامي والتي انطلق كبتها من عقاله بإسناد ولاية العهد إلى الإمام الرضا، فجاء هذا الرجل الواحد إلى مرو ناطقاً بلسانها، هاتفاً بشعارها، فكان صوته يومذاك، صوتاً جماهيرياً لا صوتاً فردياً، صوتاً جماهيرياً بما يمثل من عاطفة وعقيدة وفكرة.
هذا الرجل هو دعبل الخزاعي، الشاعر الثائر، الذي كان ينطق شعره بلسان الثوار الأحرار أينما كانوا.
جاء دعبل إلى مدينة مرو، وقد نظم قصيدته التائية، فدخل على الرضا عليه السلام، فقال يابن رسول الله، إني قلت فيكم قصيدة وأليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، وبدأ بإنشاد القصيدة التي مطلعها:
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ والنطقات
والتي يقول فيها مصوراً ما آل إليه حكم الإسلام في دول الجور والظلم والاستبداد التي سادته منذ قام بالانقلاب عليه معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين.
ألم تر للأيام ما جرّ جورها
على الناس من نقص وطول شتات
ومن دول المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى
وحكم بلا شورى بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجاً طعم كل فرات
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
وسبطي رسول الله وابني وصيه
ووارث علم الله والحسنات
منازل قوم يهتدي بهداهم
فتؤمن منهم زلة العثرات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف للأيام والسنوات
فيا وارثي علم النبي وآله
عليكم سلام دائم النفحات
لقد أمنت نفسي بكم في حياتها
وإني لأرجو الأمن بعد مماتي
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الأقطار مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير سادات وخير حماة
وما الناس إلا غاصب ومكذب
ومضطغن ذو أحنة وتراث
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر
ويوم حنين أسبلوا العبارات
فكيف يحبون النبي ورهطه
هم تركوا أحشاءهم وغرات
لقد لاينوه في المقال وأضمروا
قلوباً على الأحقاد منطويات
فلما بلغ إلى قوله:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
بكى الرضا وقال صدقت يا خزاعي.
فلما بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفاً عن الأوتار منقبضات
جعل الرضا يقلب كفيه ويقول: أجل والله منقبضات، واستمر دعبل بإلقاء القصيدة إلى آخرها.
واتصل خبر القصيدة بالمأمون فأحضر دعبلاً وأمره بإنشادها، فقال دعبل لا أعرفها.
فقال المأمون: لا بأس عليك، ولك الأمان من كل شيء فيها، فأنا أعرفها وقد رويتها إلا أني أحب أن أسمعها من فيك، فأنشده دعبل حتى صار إلى هذا الموضع:
بنات زياد في القصور مصونة
وبنت رسول الله في الفلوات
بكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره.
ولم يطل الأمر بعد ذلك فعزم المأمون على العودة إلى بغداد، فخرج وخرج معه الرضا عليه السلام.
وكان ما كان من وفاة الرضا عليه السلام في طوس مما ليس هنا مكان تفصيله ونعود الآن إلى الحديث عن مرو:
تفاصيل عن مرو
يمتد ربع مرو، على نهر مرغاب أي نهر مرو وينحدر هذا النهر من جبال الغور في شمال شرقي هرات، ثم يمر بمرو الصغرى ويدور منها شمالاً إلى مرو الكبرى، حيث تتشعب منه جملة أنهار، ثم يفنى ماؤه في رمال مفازة الغز.
وما خلا المدن المختلفة المنتشرة على نهر مرغاب، فن ربع مرو، يشتمل أيضاً على المواضع القائمة على طريق خراسان، مما يلي مرو إلى الشمال الشرقي من نهر جيحون عند آمل، حيث معبر الطريق إلى بخارى.
واسم مُرغاب، أو مَرغاب، أصله على ما ذكر ابن حوقل، مرو آب (أي ماء مرو) إلا أن الإصطخري قال إن مرغاب اسم موضع ينبع فيه هذا النهر، وسمى المقدسي نهر مرغاب نهر المروين، وقال هو: «يمتد إلى مرو العليا (أي الصغرى) ثم ينعطف إلى السفلى (أي مرو الكبرى) فإذا صار من مرو الكبرى على نحو من مرحلة سُدّ قاعه من الجانبين بالحطب فانحبس لذلك الماء وامتنع مجراه عن أن يتحول، وكان على هذا السد في المائة الرابعة (العاشرة) أمير لحمايته تحت يده عشرة آلاف رجل، وعليه حراس يحفظونه لئلا ينبثق «ولا ترى أحسن ولا أتقن من قسمته». وقد أقيم لوح على السد لقياس علو الماء وقت الفيضان. «وربما علا الماء فبلغ طوله في اللوح ستين شعيرة، ويستبشر الناس بذلك، وإذا كانت ست شعيرات، كانت سنة قحط».
وعلى فرسخ من جنوب مدينة مرو «الكبرى» أقيم في النهر سد شبه حوض عظيم مستدير، منه تخرج أربعة أنهار إلى محلات وأرباض المدينة المختلفة. وقد أقيم في الحوض أبواب ومقاسم تضبط علو الماء في الحوض. ويبتهج الناس حين يصل الفيضان حداً عالياً، فتفتح السدود المختلفة ويوزع الماء على الأنهار «قدر الحاجة».
وكانت مرو الكبرى تعرف في العصور الوسطى بمرو الشاهجان تمييزاً لها عن مرو الروذ وهي مرو الصغرى. ولعل الشاهجان ليس إلا الصيغة العربية لـ «شاهكان» الفارسية القديمة، ومعناها «السلطاني» أو «يخص السلطان». أما ياقوت الحموي وغيره فقالوا: «ن الشاهجان معناه نفس السلطان». ومرو، على ما وصفها الإصطخري وابن حوقل والمقدسي، تتألف من قلعة داخلة (قهندز)، والقهندز مرتفع «ومقداره مقدار مدينة» حوله المدينة الداخلة، ولها أربعة أبواب، ويليها أرباض واسعة تمتد على ضفاف الأنهر الكبيرة. وكان في مرو في المائة الرابعة (العاشرة) ثلاثة مساجد جامعة: أولها مسجد القلعة، ويقال لها مسجد بني ماهان. ثم المسجد العتيق، وكان على باب المدينة المفضي إلى سرخس. والمسجد الثالث هو المسجد الجديد جنب الأسواق الكبرى في مرو.
وفي الميدان المسجد الجديد ودار الإمارة والحبس، وهي من بناء أبي مسلم الخراساني. وفي دار الإمارة، قبة من الآجر سعتها خمسة وخمسون ذراعاً على ما ذكر الإصطخري، وعندها «صبغ أول سواد ولبسته المسوّدة» واتخذ السواد شعاراً للدولة العباسية.
وفي ظاهر باب (درمسكان) من أبواب مرو، قصر المأمون وفيه عاش أيام مقامه بمرو، وعلى ستة فراسخ من المدينة، كانت مدينة جيرنج (وهي كيرنك في المقدس) على ضفة النهر. وبجنبها الطاحونة التي اختفى فيها يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين وقتله الطحان طمعاً بكنوزه.
وفي النصف الثاني من المائة الرابعة (العاشرة)، زار المقدسي مدينة مرو، فرأى ثلث ربضها مهدماً، وقهندزها ليس بأحسن حالاً. على أن في المائة التالية اتسعت المدينة وعظم شأنها في أيام السلاجقة. وفيها دفن السلطان سنجر آخر السلاجقة العظام سنة 552هـ (1157م) وما زالت بقايا قبره فيها حتى اليوم. وصف ياقوت، وقد كان مر سنة 616هـ (1219م) بـ قبر السلطان سنجر، قائلاً: «قبره بها، في قبة عظيمة زرقاء تظهر من مسيرة يوم، لها شباك إلى الجامع. بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته». وفي قرية اندراية، على فرسخين من مرو، وهي من أملاك السلطان سنجر كانت ترى بقايا قصره في المائة السابعة (الثالثة عشرة). وكانت أسواره باقية إلا أن سائره قد استولى عليه الخراب وكذلك كان حال القرية المجاورة له، على ما ذكر ياقوت.
وقال ياقوت إنه كان في أيامه بمرو «جامعان للحنفية والشافعية، يجمعهما السور». وأقام ياقوت في مرو ثلاثة أعوام يجمع مادة لكتابه «معجم البلدان» لأن مرو كانت قبل ورود التتر اليها مشهورة بخزائن كتبها فنوه بذلك قائلاً: «لولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها، لما فارقتها إلى الممات» وذكر من بين خزائنها، خزانتين في الجامع، «إحداهما يقال لها العزيزية، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها. والأخرى يقال لها الكمالية، وبها خزانة شرف الملك في مدرسته. وخزانة نظام الملك في مدرسته، وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العُميدية»، وفيها أيضاً خزانة المدرسة الخاتونية وخزانة لمجد الملك، وبها خزانة الضميرية في خانقاه أي زاوية الدراويش وليس فيها إلا 200 مجلد، ولكن كل مجلد قيمته على ما ذكر ياقوت مائتا دينار ذهباً، لأن كل كتبها فريد لا يقدر بثمن([489]).
وبورود المغول الى مرو في سنة 617هـ (1220م)، هرب ياقوت إلى الموصل في إقليم الجزيرة، أما ما في خزائن مرو من نفائس الكتب فقد أضحت طعمة للنيران عقب نهب المغول لهذه المدينة العظيمة. وقال ابن الأثير: «ثم إنهم أحرقوا تربة السلطان سنجر». وأحرقوا أيضاً الجوامع والخزائن وغيرها. وزاد حافظ أبرو على ذلك، أن التتر كسروا السدود وخرّبوا المسنيات ومقاسم الماء في نهر مرغاب التي كثرت في أيام السلاجقة. وحين اجتاز ابن بطوطة بمرو في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) رآها فإذا هي جميعاً خربة عظيمة.
وتكلم معاصره المستوفي على ماضي مرو الزاهر ومجدها الغابر في المائة الثانية (الثامنة) حين كان يتولاها أبو مسلم، وحين كان يقيم بها المأمون قبل شخوصه إلى بغداد. ثم نقل بنو الصفار عاصمة خراسان إلى نيسابور، إلا أن السلاجقة جعلوا مرو أولى المدن مرة أخرى. وبنى السلطان ملكشاه سوراً عظيماً حول المدينة دوره 12300 خطوة، وكانت غلات واحة مرو مفرطة المحصول. فقد روى المستوفي أن قمحها كان يعطي الواحد في السنة الأولى مائة ضعف وما تخلف من حب يعطي الواحد في السنة الثانية ثلاثين. ويعطي الواحد في السنة الثالثة عشرة حتى وإن لم تزرع، على أن هواءها كان وخماً وبيئاً. وكانت الرمال المتحركة من المفاوز المجاورة لها قد طمرت في أيامه كثيراً من رساتيقها الخصبة، ولكن بطيخها الجيد بقي يزرع فيها ويحمل إلى سائر البلدان وكذلك كان فيها عنب وكمثري.
وقال المستوفي في سياق وصفه مرو، إن الخراب ما زال مستولياً على أكثرها، وإن استعادت في ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) شيئاً من بهائها الأول. فإن تيمور لنك كان كثيراً ما ينزل عندها حين يخفت دوي الحرب. واستعادت مرو عظمتها الأولى في أيام شاه رخ، حفيد تيمور. فقد جدد قسماً كبيراً من المدينة في سنة 812هـ (1409م)، حتى أن حافظ أبرو، حين كتب في سنة 821هـ (1418م)، قال إنها قد عادت ثانية إلى ما كانت عليه من عمران وازدهار.
وعلى نحو من 160 ميلاً فوق مرو العظمى، تقوم مرو العليا أو الصغرى، في موضع من نهر مرغاب حيث ينعطف شمالاً بعد خروجه من جبال الغور فيقطع البرية إلى مرو الكبرى. ومرو الصغرى أي مرو العليا على ما سماها المقدسي وغيره، هي الموضع المعروف لدى الفرس باسم بالا مرغاب أي «مرغاب الأعلى». وهي اليوم خراب وقد ظلت على خرابها منذ غزو تيمور لها. إلا أن مرو الروذ، أي مرو الشط، على ما كانت تسمى به في المائة الرابعة (العاشرة)، كانت حينذاك أكبر مدينة في هذا الرستاق العامر الآهل.
وجامعها في السوق، وهو على ما ذكر المقدسي، على سواري خشب. وذكر ياقوت أن اسم مرو الروذ في أيامه كان يلفظه الناس مروذ. والظاهر أنها لم يصبها من التدمير ما أصاب مرو الكبرى على أيدي المغول. ومهما يكن من أمر فإن المستوفي، في المائة الثامنة (الرابعة عشرة)، قال إنها موضع، عامر، عليه سور دوره خمس آلاف خطوة، بناه السلطان ملكشاه السلجوقي. وكانت رساتيقها في غاية الخصب، يكثر فيها العنب والبطيخ والمعيشة فيها رخيصة.
وعلى مسيرة يوم من مرو الروذ، على الضفة نفسها من ناحية مرو الكبرى، كان القصر المعروف بقصر الأحنف، نسبة إلى الأحنف بن قيس القائد الذي أخضع هذه البلاد للإسلام في سنة 31هـ (652م). وكانت بلدة قصر الأحنف كبيرة على ما ذكر ابن حوقل، لها بساتين وكروم حسنة. وهي طيبة الهواء والتربة.
تلك الأيام …
وهكذا من عاصمة خراسان وعاصمة القسم الشرقي من الدولة الإسلامية الكبرى، إلى عاصمة الدولة كلها، إلى ما شاء الله من أحداث، إلى بلدة مغمورة.
وفي مرو يقول مالك بن الريب:
ولما تراءت عند مرو منيتي
وخل بها جسمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي أرفعوني فإنه
يقر بعيني أن سهيل بداليا
وفيها يقول كعب الأشقري الدوسي:
بئس التبدل من مرو وساكنها
أرض عمان وسكنى تحت أطواد
يضحي السحاب مطيراً دون منصفها
كأن أجبالها علّت بفرصاد
وفيها يقول القائل:
أقمرية الوادي التي خان إلفها
من الدهر أحداث أتت وخطوب
تعالي أطارحك البكاء فإننا
كلانا بمرو الشاهجان غريب
وفيها يقول آخر:
أخلاي إن أصبحتم في دياركم
فإني بمرو الشاهجان غريب
أموت اشتياقاً ثم أحيا تذكراً
وبين التراقي والضلوع لهيب
فما عجب موت الغريب صبابة
ولكن بقاه في الحياة عجيب
وفيها يقول عراقي آذاه بردها:
وأرى بمرو الشاهجان تنكرت
أرض تتابع ثلجها المذرور
إذ لا ترى ذا بزّة مشهورة
إلا تخال بأنه مقرور
كلتا يديه لا تزايل ثوبه
كل الشتاء كأنه مأسور
أسفاً على بر العراق وبحره
إن الفؤاد بشجوه معذور
وفي الحنين إليها يقول الآخر:
ليال بمرو الشاهجان وشملنا
جميع سقاك الله صوب عهاد
سر قناك من ريب الزمان وصرفه
وعين النوى مكحولة برقاد
تنبه صرف الدهر فاستحدث النوى
وصيّرنا شتى بكل بلاد
وفي أهلها يقول الآخر:
مياسير (مرو) من يجود لضيفه
بكرش فقد أمسى نظيراً لحاتم
ومن رسّ باب الدار منكم بقرعة
فقد كملت فيه خصال المكارم
يسمون بطن الشاة طاووس عرسهم
وعند طبيخ اللحم بطن الجماجم
فلا رحم الرحمن أرضاً وبلدة
طواويسهم فيها بطون البهائم
مروج الذهب
كتاب لعلي بن الحسين المسعودي
ولد المسعودي العام 287هـ/ 900م في بغداد في أواخر حكم الخليفة المعتضد بالله (279هـ ـ 290هـ) وبعده حكم ابنه المكتفي (290هـ ـ 295هـ) ثم بويع المقتدر (295هـ ـ 320هـ) وهو ابن ثلاثة عشر عاماً، فاختل نظام الملك بسبب صغر سنه، وعين أحد أبناء عمومته المرتضى الذي لم يمكث سوى يوم وليلة.
عاصر المسعودي هؤلاء الخلفاء وما رافق حكمهم من فوضى واضطرابات بعد تدخل الأتراك في الشؤون الداخلية للبلاد ولا سيما أيام المقتدر التي ظهر خلالها الفاطميون في شمال إفريقيا، وعبد الرحمن الثالث الأموي في الأندلس.
لكن هذه الأحوال المتردية لم تؤثر في نشاط بغداد التي اشتهرت بمكانتها الثقافية والعلمية، فنشأ المسعودي في هذه الأجواء واهتمت أسرته بتثقيفه، فألمّ بالتاريخ والجغرافية، ودرس العلوم اللغوية والأدبية، وتعلم اللغات الفارسية والهندية واليونانية والسريانية، كما عاصر كثيراً من المشاهير كالبلاذري وابن قتيبة واليعقوبي والطبري والبحتري وابن حنبل والجنيد …. وعاشر في صباه الشاعر ابن الرومي. وفي سنة 309هـ، فيما بغداد مشتعلة بنيران الصراعات الداخلية والهجومات البيزنطية الخارجية، غادر المسعودي المدينة صوب الأطراف الشرقية من الدولة، فطاف ببلاد فارس وكرمان حتى استقر في اصطخر. وفي العام التالي قصد الهند ثم سيلان، ومن هناك ركب البحر إلى بلاد الصين وجاب البحر الهندي وجزائره خصوصاً زنجبار ومدغشقر، عاد بعدها إلى عُمان لينتقل العام 314هـ مرة أخرى إلى ما وراء آذربيجان ثم إلى بلاد الشام.
وفي سنة 320هـ ولي الحكم الخليفة القاهر وكان سفاكاً للدم، وبعده حكم الراضي العام 322هـ، وفي أيامه تقطعت أوصال الدولة: بلاد فارس مع بني بويه، ومصر والشام مع الإخشيديين، بينما المغرب وإفريقيا بيد المهدي الفاطمي. ولم يعد بيد الخليفة سوى بغداد وأعمالها، قبل دخول البويهيين بغداد. هذه كانت حال الحكم العباسي التي عاشها المسعودي ولو عن بعد. ومع ذلك لم ينثن عن متابعة ترحاله، فوصل العام 332هـ إلى إنطاكية والثغور الشامية واستقر فترة في دمشق، ومن ثم مضى إلى مصر الهادئة فاستقر في مدينة الفسطاط العام 345هـ وهي تحت حكم كافور الإخشيدي. وفي العام 346هـ توفي بعيداً عن موطنه.
وضع المسعودي ثقافته الشخصية وخبرته التي اكتسبها في اجتيازه المدن وتقصي أخبارها في مجلدات ضخمة، تضمنت اقتباسات من كتب كثيرة سابقة له، فكان مصنفاً للتواريخ ولأخبار الملوك كما كان إخبارياً صاحب غرائب وملح ونوادر حسب ابن شاكر في «وفاة الوفيات». وأكثر مؤلفاته لم يصلنا، بل اقتصرت معرفتنا بها على ما ذكره هو في كتابيه «مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف» ومن تلك الكتب: كتاب ذخائر العلوم، فنون المعارف، نظم الجواهر في تدبير الممالك والعساكر، الأخبار المسعوديات، تقلب الدول، المبادئ والتراكيب، طب النفوس، الرؤوس السبعة، القضايا والتجارب، كتاب مقاتل فرسان العجم، الزاهي …. أما ما اشتهر من مؤلفاته فثلاثة:
1 ـ «أخبار الزمان»: يقع في ثلاثين جزءاً لم يصلنا سوى الجزء الأول، وفيه ذكر الأرض ومدنها وجبالها ومعادنها، وتناول أخبار الملوك حتى العام 332هـ.
2 ـ «التنبيه والإشراف»: جمع فيه أصنافاً متعددة من الثقافات والعلوم، وتحدث عن الفلاسفة، كما ضمنه صوراً تاريخية وجغرافية ووصفاً لكثير من الأقاليم، وكلاماً عن النجوم وفصول السنة والرياح ومصاب الأنهار، إضافة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعدد غزواته، وسير الخلفاء من بعده والملوك وأخلاقهم وكتّابهم حتى العام 345هـ.
3 ـ «مروج الذهب ومعادن الجوهر»: بدأ بتأليفه سنة 332هـ، وانتهى منه العام 336هـ. ويعد من أشهر كتب المسعودي على الإطلاق، وهو عبارة عن دراسة تاريخية فريدة تضمنت أخبار البشر وما مضى من الزمان من أخبار الأنبياء والملوك والأمم ومساكنها، مع تعريف بها ودراسة لجغرافيتها. والكتاب ليس تاريخاً متعدد الحلقات، بل مجموعة من الأحداث والاخبار رتّبها بشكل موضوعي. ويمكن تقسيمه إلى جزأين كبيرين.
الأول: ويبدأ به بالكلام عن دوافعه لوضع هذا المؤلف والمصادر التي اعتمدها، خصوصاً ما ورد في «أخبار الزمان» و«الكتاب الأوسط». ثم ينتقل إلى باب هو بمثابة فهرست مفصل لمواضيع الكتاب (132 باباً). ويختم هذا الباب بالقول: «… فهذا ما حوى الكتاب من الابواب على أنه قد يأتي من كل باب مما ذكرناه من أنواع العلوم وفنون الأخبار والآثار ما لم تأت عليه تراجم الأبواب وهو مرتب على حسب ما قدمنا من أبوابه نفردها على سيرهم، مما كان في عصورهم وأخبار وزرائهم وما جرى من أنواع العلوم في مجالسهم ملوحين بذلك إلى ما سلف من تصنيفنا وتقدم من تأليفنا من هذه المعاني والفنون».
أما في الجزء الثاني: فكلام عن خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام فالخلفاء الأمويين والعباسيين مع ذكر حروبهم وأخبارهم حتى يصل إلى أيام الخليفة المطيع وما حدث فيها من أخبار وغزوات.
وعلاوة على هذه المؤلفات الثلاثة وضع المسعودي «الكتاب الأوسط في الأخبار على التاريخ» في الفترة بين «أخبار الزمان» و«التنبيه والإشراف»، ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسعودي كان ينوي إصدار كتاب يضم فنوناً من الاخبار والآثار اختار له اسم «وصل المجالس»، لكنه توفي قبل تأليفه.
ومن خلال كتاب «مروج الذهب» يمكن التعرف جيداً إلى شخصية المسعودي ومنهجه العلمي، وثقافته الموسوعية وأسلوبه. ولعل سبب استقراره في الفسطاط يكمن في استمرار اضطراب الحالة الداخلية في بغداد من جهة، والهدوء والاستقرار اللذين عرفتهما مصر في تلك الفترة من جهة أخرى. إلا أن ترحال المسعودي المستمر لم ينسه وطنه الأصلي العراق، فها هو يعبر عن حنينه وشوقه لرؤيته: «وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وولدت قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا وهو إقليم بابل».
كان المسعودي متأثراً بالمحيط الذي عاش فيه، فاضطراب الأمور دفعه إلى مغادرة موطنه في وقت كانت أعداد المسافرين والرحالة في ازدياد طلباً للعلم وللتجارة بعد اتساع أراضي الخلافة. واستمرت أسفاره خمسة وعشرين عاماً جاب خلالها البلاد وتعرف على أحوال الأمم وعاداتها. وكان ـ حسب ما يذكر هو نفسه ـ موضوعياً لا يتملق الملك أو يخاف من أمير ولم يتوان عن نقد بعض الخلفاء العباسيين ووصف نقاط ضعفهم وكيف أفلت زمام الأمور من أيديهم.
أنشأ المسعودي مدرسة جديدة في التاريخ لم يتبع فيها طريقة السرد القديمة، بل اهتم بالتحليل التاريخي والبحث عن الدوافع. وكان الذين قبله يعتمدون الرواية عن طريق السند «حدثنا فلان عن فلان …». إلا أن المسعودي تفرد بذكر الأخبار والحوادث من غير سند مكتفياً بتعداد من اعتمد عليهم من الرواة والمصادر، مسجلاً لنفسه السبق في وضع نظرية النقد المقارن. وهو في هذا المجال أشاد ببعض من أخذ عنهم وانتقد الآخر.
أما المسعودي الرحالة والجغرافي، فيظهر وصفه الدقيق للبحار والأنهار ومنابعها ومصابها، وكذلك في كلامه عن الأطوال والأعراض، وعن تقسيم الأرض من خلال رحلاته التي بلغت الصين ومدغشقر. وهو حين يتناول الرحلات يتبع طريقة موضوعية إقليمية، فيقسم الدراسات إلى مواضيع مستقلة من دون أن يهتم بتتابع أخبار رحلاته والربط بينها.
وصلت الثقة بالمسعودي إلى حد التصدي وتصحيح المعلومات الجغرافية، فانتقد الجاحظ الذي زعم أن نهر «مران» الذي هو نهر السند من النيل، واستدل بوجود التماسيح فيه، فرد عليه: إن الجاحظ لم يسلك البحار، ولا أكثر من الأسفار ولا يعرف المسالك والأمصار، إنما كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين. ويتابع مصححاً: إن هذا النهر يخرج من أعالي بلاد السند ثم ينتهي إلى بلاد المنصورة ويصب في بحر الهند.
ولم يكن ترحال المسعودي الذي استمر ربع قرن إلا لمشاهدة أحوال البلاد ومعالمها، وساعده في هذا معرفته باللغات المتعددة. وإضافة إلى المعلومات الهائلة في «مروج الذهب»، فقد نوّع المؤلف فيه وأتى بأخبار علمية وعادات غريبة دلّت على سعة ثقافته وفضوله. وفي تناوله بعض الأخبار المميزة، يشير إلى العلامات الدالة على وجود الماء عبر رؤية منابت القصب واللين من الحشيش في المواضع التي يُشتبه بوجود الماء فيها. كما يشير إلى طريقة ثانية «من أراد علم ذلك، فلينظر إلى النمل، فإن وجدها غلاظاً سوداء ثقيلة المشي، فعلى قدر مشيهن الماء قريب، وإذا وجد النمل سريع المشي، فالماء على أربعين ذراعاً»([490]).
المرينيون (بنو مرين)
سنة 646هـ (1248م) كانت إشبيلية([491]) الأندلسية تسقط بأيدي القشتاليين بعد أن كانت قد سقطت في أيديهم قبل سنوات بلنسية وقرطبة ….
والأمر في الأندلس كما قال شوقي:
إن الأولى فتحوا الفتوح جلائلاً
دخلوا على الأسد الغياض وناموا
لقد ناموا عن ذاك التجمع الإسباني الذي اكتمل أمره في الشمال واحتمى بالجبال، وأقام مملكة إذا كانت قد بدأت صغيرة، فإنها أخذت تنمو يوماً فيوماً مشكلة التحفز الأول لحركة (الاسترداد (La Reconquista.
ثم أخذت تتقدم نحو الجنوب بخطوات بطيئة، ولكن ثابتة بصيرة، وبقايا القوط الذين انهزموا لاذوا في ناحيتين: في الشرق في سهول نافار وبسكونية، هناك في روابي كانتبريه في الطرف الغربي من جبال البيرينه حيث أنشؤوا إمارة كانتبريه التي كانت تغاديها القوى الإسلامية وتراوحها في عبورها إلى جنوب فرنسا وإيابها، فتحد من نشاطها.
أما الخطر الحقيقي فقد كان منبعثاً في الغرب مما يطلق عليه إمارة (أشتوريس (Osturias في (جيليقية (Galicia، فهي تقع في جبال متشعبة صعبة المزالق، وهي بعيدة عن طريق الغزاة المسلمين المنطلقين إلى فرنسا، فهي تتنامى في قوتها دون أن يحد من هذا التنامي قتال جانبي دام.
وقد مكن للقوط منعتهم فيها وجود مغارة (كوفادونكا (Covadong الرحبة المستعصية الواقعة في أعلى قمم سلسلة جبال كانتبريه الوعرة، التي سماها الإسبان قمم أوروبا Picasde Eurapa، وسماها المسلمون الصخرة.
وقد تجمع هناك القوط الهاربون، فتزعمهم (بلاجيوس (Pelagus المتحدر من أصول قوطية على الأرجح([492]) كما انضم إليه بعض الإيبيريين والرومان النازلين هناك، فاستثار الجميع للتخلص من المسلمين.
وقد حاول بعض الولاة المسلمين القضاء عليه فلم يفلحوا، على أنه استطاع الانتصار سنة 104هـ (722م) على حملة أرسلها عليه الوالي عنبسة بن سحيم([493]) بقيادة علقمة اللخمي.
والأمر المهم هو أن المسلمين لم يعنوا بأمر (بلاي) كما تجب العناية، ولم يشغلهم تقدمه خطوة بعد خطوة في المناطق الإسلامية، ومهما كانت تلك الخطوات تتوالى في أرضهم، وأن عليهم إيقافها، ثم الخلاص من صاحبها خلاصاً نهائياً.
وفضلاً عن هذا الاستخفاف فقد كانوا في صراع بينهم وانقسامات متوالية لا تنقضي.
وهكذا أهمل أمر (بلاي) وقوته المتنامية ولم يُنظر إليها بعين الحذر وتوقع الشر، بل استصغر شأنها ولم يخش أمرها. وكان هذا من أعظم ما مني به المسلمون من بلاء.
وقد كان تَرْك بلاي وشأنه أدّى إلى تكاثر المنضمين إليه، ووصل الأمر إلى إعلانه ملكاً على مملكة (أشتوريس)، فنظم أموره ووطد سلطانه في تلك الجبال، وأخذ في الإغارة على المسلمين فيما جاوره من بلاد، إلى أن مات سنة 119هـ/ 737م. وكان موت الدوق بتروس دوق (كنتبريه) متزامناً مع موت (بلاي)، وانتهى حكم كنتبريه إلى حفيده (إذفونش) (ألفونسو الأول)، فكان أن تزوج ألفونسو من ابنة بلاي ما كان عاملاً على تمتين الأواصر بين مملكة أشتوريس وإمارة كنتبريه، ثم اختير ألفونسو ملكاً على (جليقية) ما وحد بين الحكمين وأدى إلى قيام مملكة ليون([494]).
وألفونسو هذا هو في الحقيقة واضع أساس المملكة الإسبانية التي استطاع النهوض بها في توسيع رقعتها وتقوية جيشها وإنجائها من الخطر الإسلامي، وقد حكم من سنة 121هـ ـ 140/ 739 ـ 757م وفي خلال ذلك تم له اجتياح الأراضي الفاصلة بين جليقية والمنطقة الإسلامية وإخراج من كان قد بقي من المسلمين في جليقية وأستورقة والمناطق الأخرى حتى نهر (دويرة (Duero ما أفقد المسلمين مواقع هامة مثل شلمنقة Salamanca وليون Leon وشقوبية Segovia وأبلة Avala وغيرها من المواقع وبذلك فقدت الأندلس الإسلامية ربع شبه جزيرة إيبيريا.
وهنا لا بد لنا من أن نقف قليلاً لنرى ما كان لدخول عبد الرحمن (الداخل) بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي إلى الأندلس من نتائج في هزائم المسلمين فيها وما أثاره فيها من الفتن وما كان لهذه الفتن من أثر في اندحار المسلمين أمام الإسبان.
ففي سنة 757م كانت وفاة ألفونسو الأول الذي وطّد أمر المملكة الإسبانية وأعدّها لاجتياح الأندلس، وفي خلال ذلك كان عبد الرحمن يصارع المسلمين في الأندلس ويشغل قواهم عن مدافعة ألفونسو حتى مكّن له في السيطرة على ما سيطر عليه، ووضع الأساس القوي للآتين بعده في إفناء الإسلام والمسلمين في الأندلس.
سنة 757م مات ألفونسو وفي سنة 756م كان عبد الرحمن قد حطم القوى الإسلامية في وصوله إلى قرطبة، وعلى جماجم المسلمين التي كان يجب أن تقف سداً أمام ألفونسو، دخل عبد الرحمن منتصراً إلى قرطبة، بعد أن قضى على يوسف الفهري، والصميل بن حاتم وغيرما من القادة قبلهما وبعدهما من أمثال العلاء بن مغيث الجذامي وسعيد اليحصبي المطري وابي الصباح بن يحيى اليحصبي وغيرم ممن كانت تعدهم الأندلس لدفع نوازلها فأفناهم عبد الرحمن وأفنى قبائلهم في نوازله فانشغلت الأندلس بنفسها ما مكّن منها ألفونسو ومن جاؤوا بعد ألفونسو. لقد ضرب عبد الرحمن القبائل العربية بعضها ببعض فحطم فيها القوة التي كان يمكن أن تصمد أمام الأعداء، فاستعان أولاً باليمنية على المضرية وبعد أن قضى على زعيم المضرية يوسف الفهري ثم على زعيمهم الثاني الصميل بن حاتم، عاد فأغرى البربر باليمنية فجرت ـ فيما جرت ـ موقعة كبرى سقط فيها آلاف دفنوا في قبر واحد.
وحطّم قوة طليطلة بأن أغرى أهلها بأن يعقدوا معه صلحاً وأن يبعثوا إليه برؤسائهم لتوقيع عقد الصلح. ولما وصل هؤلاء الرؤساء صلبهم جميعاً([495]) …
وعلى هذا النسق مضى خلفاؤه في تحطيم قوى الأندلس. ونذكر نموذجاً منهم (الحكم الأول) (180؟ ـ 206هـ/ 796 ـ 822م) الذي استفز أهالي قرطبة وأعيان فقهاء المالكية، فأباد من أباد سنة 202هـ/ 818م من أبناء قرطبة وأعيان المالكية، وشرّد ما يقرب من عشرين ألف أسرة إلى خارج الأندلس.
الجموع التي قتلها، والجموع التي شردها كان فيها السيوف التي تحمي الأندلس في أهوالها، ولكنه أفرغ منها الأندلس فأضعفها وأذلّها ثم انتهى الأمر بانتهاء الإسلام فيها. والحَكَم هذا ليس متفرداً في أسرته بما فعل، بل مثال لما كان يجري على أيدي أسلافه وأخلافه.
لقد كان يوسف الفهري واقفاً في وجه ألفونسو الأول ووجه أخيه (فرويلا) الذي كان قد عيّنه حاكماً على مقاطعة كانتبريه، وكان الفهري يردهما حتى شغله عنهما عبد الرحمن الأموي فقاتله حتى قتله عبد الرحمن.
وبعد ألفونسو الأول جاء ابنه فرويلا الأول فكان طريق الأندلس الإسلامية أمامه مفتوحاً بإشغال عبد الرحمن لحماة الأندلس بقتاله إياهم لا سيما العلاء بن مغيث، حتى استطاع خلفاء فرويلا لا سيما غرسيه بن ألفونسو الثالث (297 ـ 301هـ/ 910 ـ 914م) دفع المسلمين أمامهم دفعة بعد دفعة ووطد الأمر له لنقل العاصمة من مدينة أوفيدو Ovido إلى مدينة ليون المتوسطة بين جليقية واشتوريس، وبذلك تكون هذه المملكة قد ثبتت أقدامها فتخلت عن مواقعها في الجبال ونزلت إلى السهولة لتكون أمام المسلمين وجهاً لوجه لأنه قد صار لها من القوة ما تستطيع أن تجابه معه المسلمين في السهول المديدة، بعد أن كانت تحتمي منهم بقمم الجبال. ورأت عند ذلك أن تتخلى عن الاسم المثنى: مملكة استوريس وجليقية، وأن تسمى باسم مملكة (ليون).
ولسنا هنا في مجال الحديث عما جناه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الاموي في وصوله إلى الإندلس من تحطيم قواها وتمزيق أمرها، ثم فصلها عن الدولة الكبرى وقطع كل صلة لها بها، لتواجه وحدها لا إسبانيا المتحفزة لاسترجاعها فقط، بل لتواجه أوروبا كلها. وإنما ذكرنا من الأمر ما له ارتباط محدود بموضوعنا الأساس.
وليس عبد الرحمن وحده هو الذي جنى على الأندلس ما جنى، بل أن خلفاءه الذين جاؤوا بعده كان لهم ما كان له من جناية على الأندلس حتى كانوا السبب في ضياعها([496]). وكمثال على ما كان يجري على أيديهم من أفاعيل نأخذ هنا ما ذكره أحميدة النيفر في عدد 24/1/99 من جريدة الحياة، وهو ما أشرنا إليه من قبل، كما أنه واحد من عشرات أحداثهم:
«لا غرابة بعد كل هذا ـ إن وقفنا على ما آل إليه مسعى أحد أمراء البيت الأموي بالأندلس الرامي إلى الانقضاض على مكانة الفقهاء رموز الحياة الدينية بالأندلس متجاوزاً بذلك الاتفاق الضمني القائم بين القصر والمسجد الجامع. لقد واجه الحكم الأول (180 ـ 206هـ/ 796 ـ 822م) تمرداً شعبياً كاسحاً سنة 202هـ/ 818م. قاد هذا التمرد الذي عرف في التاريخ الأندلسي باسم «هيجة الربض» وجهاء قرطبة وأعيان من فقهاء المالكية وانتهى بإبادة زعماء التمرد وسفك دماء المئات منهم وتشريد ما يقارب عشرين ألف عائلة خارج الأندلس».
ولم يكتف أمويو الأندلس بذلك، بل راحوا يتحالفون مع البيزنطيين (الروم)، متسابقين في ذلك مع معاصريهم من العباسيين. ونورد هنا ما ذكره المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي في مجلة دعوة الحق: «ومن هذا القبيل بعث الخليفة هارون الرشيد سنة 184هـ (801م) بسفارة هامة إلى أيكس لا شابيل كان هدفها الاستعانة بالأمبراطور شارلمان على خصوم الخليفة الذين يوجدون على حوض البحر المتوسط: الأمويين (في الأندلس) والرستميين والإدريسيين (في شمال إفريقيا). وباسم الأمويين راحت سفارة عام 255هـ (839 ـ 840م) باسم عبد الرحمن الناصر (الثالث) إلى أمبراطور بيزنطية (Theophclus) لإثارته ضد الخلافة، وذلك كرد فعل لما قام به هارون الرشيد من مساع مع الأمبراطور شارلمان». «انتهى».
ويذكر محمد عبد الله عنان في العدد 88 من مجلة الرسالة المصرية هذه المحالفات المتضادة قائلاً: «ومن ثم كانت هذه العلاقات والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج. ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على الدولة الأموية الجديدة في الأندلس. وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوأتها في المشرق على عقد التفاهم والصلات الودية، فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة».
ثم يشير عنان إلى الوفد الذي بعثه الأمبراطور «تيوفيلوس» سنة 225هـ (839م) إلى عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس يدعوه فيه إلى التحالف. وردّ عبد الرحمن بإرسال سفيره يحيى بن الغزال «فأحكم بينهما الصلة والتحالف». «انتهى».
لم تكن مملكة ليون هي المملكة الوحيدة التي انتظم أمرها في مواجهة الأندلس ا|لإسلامية، بل قامت مملكة أخرى هي مملكة (نافار) في الجنوب الغربي من جبال البيرنه Pyrenees في بلاد الباسك الجبلية. وقامت مملكة ثالثة في شمال إسبانيا بين مملكة ليون في الغرب، ومملكة نافار في الشرق عرفت باسم قشتالة([497]).
يقول أحد الشعراء عن الأمويين:
كانوا ملوكاً سرير الشرق تحتهم
فهل سألت سرير الغرب ما كانوا
أما سرير الشرق فليس هنا مكان الحديث عما كان أمرهم فيه، وأما سرير الغرب فهذا بعض ما كانوا فيه.
وهكذا فإن الدولة الأموية في قرطبة وقفت عاجزة أمام هذه التجمعات الإسبانية التي كانت هي السبب في انتصاراتها وامتداداتها، ولم يكن يخلو الأمر من اشتباكات بين الفريقين، فمن ذلك ما كان حين تقاتل عبد الرحمن الأموي مع العلاء بن المغيث فاغتنم فرويلا الأول هذا التقاتل فأغار على المنطقة الإسلامية وعبر نهر دويرة وغزا شلمنقة وشقوبية وأبلة وسمورة وغيرها. ومع أن عبد الرحمن استطاع رد هذا الغزو ولكنه لم يكن مستطيعاً التقدم إلى الأمام.
ومن ذلك ما حدث في عهد هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم وحفيده عبد الرحمن. وكان كل ذلك وبما يحققه أحياناً من انتصارات لا يعدو كونه محاولة تأخير للآتي الرهيب.
ولعل من أفضل ما قيل في وصف حال الأندلس بعد وصول عبد الرحمن الأموي إليها، وما كانت عليه الحال أيام كانت الأندلس في حكم الولاة التابعين للدولة الكبرى، وما آلت إليه بعد سيطرة الأمويين عليها وفصلها عن الدولة الأم ـ لعل من أفضل ما قيل في ذلك، هذا القول الموجز للدكتور إحسان عباس([498]): «إذا كان عهد الولاة قد مضى في توسيع الحدود، فإن عهد الدولة الأموية شُغل كثيراً بتثبيت الحدود».
هذا الكلام على إيجازه يريك ما انتهى إليه أمر الأندلس على يد عبد الرحمن (الداخل) وخلفائه. فبعد أن كان الإسلام يتوسع في حدوده مكتسحاً أوروبا خطوة وراء خطوة، عاد بعد أن أفنى الأمويون، حماة الأندلس قتلاً وتشريداً، وشغلوا الأندلسيين بالفتن الداخلية، وحركوا الفتن بين المولدين والعرب، وبين البربر والعرب ـ عاد الإسلام يحاول الاحتفاظ بحدوده فلا يستطيع حتى انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه في عهد الأمير عبد الله من توقع تفكك الأندلس إلى دويلات([499]) فثار من المولدين عبد الرحمن بن الجليقي، واتخذ بطليوس دار مملكته وكان يدعو لعصبية المولدين على العرب، واقتعد بكر بن يحيى بن بكر مدينة شنت مرية بكورة أكشونبة يدعو بمثل دعوة ابن الجليقي، وكان جده ردلف عجمياً، وثار محمد من بني قسّي المولدين أمراء الثغر وبلغ به الحال أن تملك طليطلة.

وثار كذلك السرنباقي صاحب ابن الجليقي ونظيره في التمرّد؛ وكان أشد الثوار شوكة عمر بن حفصون وهو أيضاً من المسالمة، هذا إلى ثوار آخرين من بيوتات البربر والعرب.
واشتعلت الفتنة بين العرب والمولدين بكورة البيرة واجتمع العرب إلى زعامة سوار بن حمدون القيسي ثم إلى سعيد بن جودي من بعده، وترأس المولدين رجل يدعى «نابل» ونشبت بين العرب والمولدين ثورة أخرى بإشبيلية، وهكذا، حتى كان كل شيء ينذر بتصدع أمر الأندلس([500]).
ويقول الدكتور إحسان عباس فيما يقول([501]): «كان هناك مظهر أخذ بالتقلص ذلك هو الروح العسكرية العربية» إلى أن يقول: «فلما جاء عبد الرحمن الداخل وقاومته اليمنية وأوقع بها استوحش من العرب قاطبة، وعلم أنهم على دغل وحقد، فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك، وأخذ يشتري الموالي من كل ناحية واستعان بالبربر، واستجلبهم من بر العدو واستكثر منهم ومن العبيد حتى كوّن جيشاً كبيراً. ثم كان الحكم الربضي، فاستكثر أيضاً من الخدم والحشم حتى بلغ مماليكه خمسة آلاف، ثلاثة آلاف منهم فرسان يسمون «الخرس» لعجمتهم.
وفي عهد الناصر والحكم كثر الصقالبة، وأصبحوا الحرس الخاص للخليفة، حتى إذا جاء المنصور نكبهم وقضى على نفوذهم. ولكنه من ناحية أخرى أراد أن يضعف العصبية العربية فجزأ القبائل وجعل في الجند الواحد فرقاً من كل قبيلة. وأسقط المنصور زعماء العرب لئلا ينازعوه السلطة وجنَّد البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد وأسرى الحرب واستدعى البربر ورتّب من هؤلاء جميعاً جنده.
غير أن حكّام الأندلس في محاولتهم القضاء على العصبية العربية أوجدوا عيوباً جديدة تسببت في القضاء على السيادة العامة في الأندلس وفي إشعال الفتنة بين أجناس متنافرة من البرابرة والمولدين وبقايا العرب والإفريقيين السود والصقالبة، وعلى يد البربر خربت قرطبة في الفتنة».
وإذا كان الناس قد توقعوا في عهد الأمير عبد الله تفكك الأندلس ـ كما تقدم ـ فإن هذا التفكك قد وقع بسبب السياسة الأموية …
يقول الدكتور إحسان عباس فيما يقول([502]): «حقيقة يمكن الحدس بوقوعها، لدى من كان يرى ببصيرته عوامل الانفصال والتجزؤ كامنة تحت سطح الظاهر الموحّد الذي سعى المنصور ابن أبي عامر ليحتفظ به حين ذهب يستكثر من الجنسيات المختلفة في الجيش. وكان انقسام تلك الجنسيات، واستقلال الزعماء البارزين في كل منها مرهوناً بزوال الحاكم القدير، ولذلك ما كادت شؤون الدولة بعد المنصور تقع في حوزة حجاب ضعفاء وخليفة مسلوب الإرادة حتى اشرأبت الأعناق إلى الفتنة، وتباينت أهواء العناصر التي لم يدركها التمازج والانصهار، وعمت الفوضى بلاد الأندلس، وأخفقت كل المحاولات التي بذلها المخلصون الحادبون على وحدة البلاد ورسم الخلافة ـ أخفقت في إعادة الأموية، وانقسم الثغر الذي كان في حاجة شديدة إلى رابطة جامعة، في ولايات، وكان أصحاب تلك الولايات يمثلون العناصر القوية في الجيش أعني الموالي العامريين والبرابرة وبعض الظاهرين من أبناء العرب.
ولما انقلبت الوحدة إلى تكثر أصبحت الأندلس دولاً متعددة، لكل دولة حاكم وإدارة وجيش وحياة أدبية وفكرية شبه مستقلة، وأصبحت العلاقات بين الحكام قائمة على التحرز والحذر وإنفاق الأموال في بناء الحصون والاستكثار من المرتزقة في حال الدفاع، إذ غدت مشكلة الحدود الداخلية أهم مشكلة وأبرزها بين أولئك الأمراء؛ أو أصبحت قائمة على طلب التوسع والغلبة وانقضاض القوي منهم على الضعيف في حال الهجوم. وفيما بين ذلك محالفات توجهها المآرب العابرة، ثم لا تلبث من بعد ذلك أن تنفصم.
وفي هذا فقد الأمراء القدرة حتى على التوحد المؤقت أمام الخطر المشترك، ذلك لأنهم رضوا أول الأمر ـ متفرقين ـ أن يدفعوا الجزية للروم، ثم عجزوا عن جمع الكلمة حين أصبحت الجزية مكسباً لا يكفي القوي الغالب، وأصبح اقتصاص الحدود واقتصاص الفرص المؤاتية للغزو هو المبدأ السائد. بل لعلهم ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك حين كانوا يحتكمون إلى صاحب الروم في خلافاتهم الداخلية، أو حين يستعين به المضعوف منهم ليأخذ له بحقه. وبذلك تفتتت الصخرة الصلبة المخوفة إلى أجزاء صغيرة واهنة». ثم انتهى أمر هذه الأجزاء الصغيرة الواهنة إلى الضياع، والقضاء على الأندلس العربية المسلمة.
هكذا جنى عبد الرحمن (الداخل) والأمويون على العروبة والإسلام في هذا الجزء من العالم فيما جنوه عليه في كل أجزاء العالم.
وقد عرف المسلمون الذين فضلوا البقاء في المناطق التي استردها الإسبان عُرفوا في التاريخ الأندلسي باسم: المدجنين. والمدجنون مأخوذ من دجن وتدجن أي أقام، ومصدره الدجن والتدجن ومنه دواجن البيوت وهي طيور وحيوانات أليفة مقيمة.
وفي منتصف القرن الثامن الميلادي مشت حركة الاسترداد تدفع حدودها جنوباً، فكان أول ما سقط في أيديها (لُك) في أقصى الشمال الغربي، ثم توالى السقوط فشمل (أسترقة) شمال نهر (دويرة) و(شلمنقة) و(شقوبية) و(سمورة) و(آيلة) على الجانب الآخر من دويرة.
ثم إذا بها تجتاز نهر (التاجة) في هجمات عنيفة ولم تلبث طليطلة([503]) ثالثة المدن الكبرى في الأندلس بعد قرطبة وإشبيلية ـ لم تلبث أن وقعت فريسة الغزو المتدفق.
على أن وقعة الزلاّقة التي انتصر فيها المرابطون أوقفت إلى حين التقدم في وسط الأندلس وشرقها.
ولكن بدأت مع بداية القرن السادس الهجري اندفاعات إسبانية غطت شمال شرقي الأندلس، فسقطت (سرقسطة) سنة 512هـ/ 1118م وتطيلة سنة 524هـ ثم (لاردة) و(إفراغة) و(طرطوشة) سنة 542هـ/ 1148م.
هذا في القسم الإسباني، أما في القسم البرتغالي فقد سقطت (أشبونة) و(شنترة) و(شنترين) سنة 542هـ/ 1147م. وسقطت باجة سنة 556هـ/ 1161م ثم تلتها (يابرة) سنة 561هـ/ 1165م.
على أن قيام دولة الموحدين في شمال إفريقيا ووصولهم بقوتهم إلى الأندلس في أواخر القرن السادس الهجري أوقف التقدم الإسباني لا سيما بعد معركة الأرك([504]) التي كان النصر الموحدي فيها نصراً مؤزراً. إلا أن هزيمة العقاب الموحدية بعد ذلك سنة 609هـ/ 1212م أعادت الوهج الإسباني إلى تألفه والتقدم إلى تحفزه. وفي ذلك يقول أبو إسحاق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي:
وقائلة آراك تطيل تفكراً
كأنك قد وقفت على الحساب
فقلت لها أفكر في عقاب
غدا سبباً لمعركة العقاب
فما في أرض أندلس مقام
وقد دخل البلا من كل باب
وقد كان الشاعر صادقاً في نبوأته فمنذ أوائل القرن السابع الهجري، بدأ البلاء يدخل كل باب في الأندلس في فورة غزو إسباني مجتاح من شرق الأندلس ومن غربها فتوالى سقوط كل من جزيرة ميورقة سنة 627هـ/ 1229م، وأبّدة سنة 631هـ/ 1233م ثم قرطبة سنة 633هـ/ 1236م وبياسة وإستجة والمدور سنة 634هـ/ 1233م وبلنسية سنة 636هـ/ 1238م وشاطبة ودانية سنة 638هـ/ 1240م ولقنت وأوريولة وقرطاجنة سنة 640هـ/ 1242م ومرسية سنة 641هـ/ 1243م وجيان سنة 644هـ/ 1246م ثم إشبيلية سنة 646هـ/ 1248م.
وفي الغرب سقطت بطليوس سنة 626هـ/ 1228م وماردة سنة 628هـ/ 1230م وشلب سنة 640هـ/ 1242م وسنتمرية الغرب سنة 647هـ/ 1249م وولبة سنة 655هـ/ 1257م. ثم سقطت قادس سنة 1262م وتلتها شريش سنة 1264م.
وهكذا فلم يكد القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي) ينتصف حتى كان لم يبق من ذلك الكيان الأندلسي الرحب سوى ولايات صغيرة في الطرف الجنوبي من إسبانيا.
واستطاع هذا الطرف أن يتجمع متماسكاً فيؤلف مملكة (غرناطة) المحصورة فيما بين نهر الوادي الكبير والبحر المتوسط وبين نهر المنصورة ونهر وادي لكه، وأن تعمر هذه المملكة مائتين وخمسين عاماً.
ومما أتاح لها البقاء أن الخلاف دبّ في أعدائها المتربصين بها، فشغلوا عنها بهذا الخلاف وتغنى الشعراء بغرناطة فقال ابن الخطيب:
بلد تحف به الرياض كأنه
وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة
ومن الجسور المحكمات سواره
وقال أبو الحجاج يوسف بن سعيد:
أغرناطة العلياء بالله خبري
أللهائم الباكي إليك طريق
وما شاقني إلا نضارة منظر
وبهجة واد للعيون تروق
تأمل إذا أملت «حوز مؤمل»
ومد من الحمرا عليك شقيق
وأعلامه نجد والسبيكة قد علت
وللشفق الأعلى تلوح بروق
وقال آخر:
غرناطة ما لها نظير
ما مصر ما الشام ما العراق
ما هي إلا العروس تجلى
والأرض من جملة الصداق
ومن عوامل بقاء مملكة غرناطة بعدها عن مركزية (الاسترداد) الإسباني وقربها من مواقع القوى الإسلامية في الضفة الثانية من البحر المتوسط في شمال إفريقيا، بحيث تستطيع الاستنجاد السريع بأخوتها فيهبون لإنجادها.
وقد سبق للأندلس أيام ملوك الطوائف أن استنجدت بالدولة الحفصية في عهد أبي زكريا بن أبي حفص الذي بلغت الدولة الحفصية في عهده درجة من القوة يحسب حسابها. ففي سنة 633هـ (1226م) استولى فرناندو ملك قشتالة على قرطبة، وكان خايمي الأول ملك أراغون يهزم سنة 634هـ قوى زيان أمير بلنسية في شهر رمضان سنة 635 (نيسان 1238م) فوجه الأمير زيان وزيره وكاتبه ابن الأبّار القضاعي([505]) إلى أبي زكريا الحفصي في تونس يستنجده لإنقاذ الأندلس([506]) . فألقى ابن الأبّار قصيدته السينية الرائعة بين يدي أبي زكريا في حفل مشهود، وهي القصيدة التي يقول فيها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
أن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
فلم يزل منك عزّ النصر ملتمسا
حاش مما تعانيه حشاشتها
فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا
للنائبات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقة
يعود مأتمها عند العدى عرسا
وكل غاربة إجحاف نائبة
نثني الأمان حذاراً والسرور أسا
وفي بلنسية منها وقرطبة
ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسماً
جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادي العائثات بها
يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
ما للمساجد عادت للعدى بيعاً
وللنداء يرى أثناءها جرسا
لهفاً عليها إلى استرجاع فائتها
مدارساً للمثاني أصبحت درسا
وأربعاً غنمت أيدي العدو بها
ما شئت من خلع موشية وكسا
كانت حدائق للأحداث مونقة
فصوح النضر من أدواحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجب
يستوقف الركب أو يستركب الجلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا
عيث الدبا في مغانيها التي كبسا
وابتز بزتها مما تحيفها
تحيف الأسد الضاري لما افترسا
فأين عيش جنيناه بها خضرا
وأين غصن جنيناه بها سلسلا
محا محاسنها طاغ أتيح لها
ما نام عن هضمها حيناً وما نعسا
ورج أرجاءها لما أحاط بها
فغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو وامتدت يداه إلى
إدراك ما لم تنل رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفردا
ولو رأى راية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فما
أبقى المراس لها حبلاً ولا مرسا

وأحي ما طمست منها العداة كما
أحييت من دعوة المهدي ما طُمسا
أيام سرت لنصر الحق مستبقاً
وبت من نور ذلك الهدي مقتبسا
وقمت فيها لأمر الله منتصراً
كالصارم اهتزّ أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم
والصبح ماحية أنواره الغلسا
هذي رسائلها تدعوك من كثب
وأنت أفضل مرجو لمن يئسا
وافتك جارية بالنجح راجية
منك الأمير الرضى والسيد الندسا
خاضت خضارة يعلوها ويخفضها
عبابه فتعاني اللين والشرسا
وربما سبحت والريح عاتية
كما طلبت بأقصى الشدة الفرسا
تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي
حفص مقبلة من تربه القدسا
ملك تقلدت الأملاك طاعته
ديناً ودنيا فغشاها الرضى لبسا
من كل غاد على يمناه مستلماً
وكل صاد إلى نعماه ملتمسا
مؤيد لو رمى نجماً لأثبته
ولو دعا أفقاً لبى وما احتبسا
أمارة تحمل المقدار رايتها
ودولة عزها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من ضوئه شنباً
ويطلع الليل من ظلمائه لعسا
كأنه البدر والعلياء هالته
تحف من حوله شهب القنا حرسا
له الثرى والثريا خطتان فلا
أعز من خطتيه ما سما ورسا
يا أيها الملك المنصور أنت لها
علياء توسع أعداء الهدى تعسا
وقد تواترت الأنباء أنك من
يحيي بقتل ملوك الصفر أندلسا
طهر بلادك منهم إنهم نجس
ولا طهارة ما لم تغسل النجسا
وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم
حتى يطأطئ رأساً كل من رأسا
وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت
عيونهم أدمعاً تهمي زكا وخسا
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت
داء متى لم تباشر حسمه انتكسا
أملأ هنيئاً لك التمكين ساحتها
جرداً سلاهب أو خطية دعسا
واضرب لها موعداً بالفتح ترقبه
لعل يوم الأعادي قد أتى وعسى
وبعد أن سقطت القواعد الأندلسية الكبرى في النصف الأول من القرن السابع الهجري كما ذكرنا من قبل، ولاذ المسلمون بمملكة غرناطة، وتنازل السلطان محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة أواخر سنة 665هـ/ 1267م عن عشرات البلاد والحصون الإسلامية لصاحب قشتالة منها شَريش والمدينة والقلعة وغيرها اتقاء لشره وحرصاً على مملكته الفتية وحمايتها من المصير الذي انتهت إليه حواضر الأندلس. ويقول محمد عبد الله عنان في كتابه (نهاية الأندلس) ط 2، ص 42 ما يلي: «سبق أن أشرنا إلى تنازل ابن الأحمر لملك قشتالة عن أرض الفرنتيزة، وفيها تقع شريش وقادس وغيرهما، ولكن هذا التنازل كان اسمياً، واضطر النصارى إلى افتتاح هذه المدن بصورة فعلية وكان سقوط شريش وقادس في يد ألفونسو العاشر سنة 1262م. والظاهر أن المقصود هنا هو مصادقة ابن الأحمر على استيلاء النصارى على هذه القواعد».
بعد هذا نظم صالح أبو البقاء الرندي قصيدته النونية واصفاً ما صار إليه حال الأندلس ومستنجداً بالمسلمين عامة لا سيما بالشمال الإفريقي، وخاصة ببني مرين. هذه القصيدة التي يقول فيها([507]):
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد
ولا يدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتماً كل سابغة
إذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضي كل سيف للفناء ولو
كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن
وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شداد في إرم
وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهب
وأين عباد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له
حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملك
كما حكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على داراً وقاتله
وأم كسرى فما آواه أيوان
كأنما الصعب لم يسهل له سبب
يوماً ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللزمان مسرات وأحزان
وللحوادث سلوان يهونها
وما لما حلّ بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له
هوى له أحد وأنهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزئت
حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص ما تحويه من نزه
ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كنّ أركان البلاد فما
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف
كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية
قد أُسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدهر موعظة
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه
أبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
وما لهام، طوال الدهر نسيان
يا أيها الملك البيضاء رايته
أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفة
كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراء البحر في دعة
لهم بأوطانهم عزّ وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس
فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنوها بنو المستضعفون
وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم
وأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها هم
أما على الخير أنصار وأعوان
يا لذلة قوم بعد عزهم
أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما
كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة ما رأتها الشمس إذ برزت
كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه صاغرة
والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في القلب إسلام وإيمان
بنو مرين بعد الموحدين
عندما ساد (الموحدون) في الأندلس كان حكم غرناطة حكم غيرها من المدن والمقاطعات الأندلسية في الانضواء تحت سلطانهم. ولما بدا الضعف عليهم ثار في وجههم محمد بن يوسف بن هود سليل بني هود أمراء سرقسطة السابقين، واستطاع أن يزلزلهم في الكثير من قواعد الأندلس ويستخلصها منهم.
بهو الأسود في قصر الحمراء بغرناطة
ففي سنة 620هـ توفي يوسف المستنصر بالله أبو يعقوب أمير الموحدين دون أن يترك ولداً يرث ملكه، فتصدى للأمر ابن أخيه محمد بن يعقوب المنصور وساد في بلنسية، وتلقب بالعادل بالله، كما تصدى أخوه إدريس للسيادة في إشبيلية وتلقب بالمأمون، ومد سيادته في الأندلس.
ولكن العادل لم يلبث أن قتل سن 624هـ بأيدي الثائرين بعد أربع سنوات في حكم إشبيلية، فضم المأمون إشبيلية إلى ملكه مولياً عليها أخاه. ثم انصرف إلى العناية بأمر المغرب وتثبيت أمره فيه، مستعملاً الشدة ومجاهراً بالنقمة على خط المؤسس الأول للموحدين: (المهدي) معلناً أنه خط بال لا يستقيم مع الخط الإسلامي الصحيح.
فكانت شدته وكان تجاهره بما تجاهر به عاملين في إثارة النقمة عليه في أوساط القبائل، وراح المتربصون ينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه الوثوب على الأمير الجائر المتعسف، وبينما هو مشغول بإخماد ما اضطرم في وجهه من ثوران، كان حكم الموحدين في الأندلس يتهاوى يوماً بعد يوم.
في هذا المعمعان برز أندلسي طامح للسلطة بتوجه أندلسي بحت، يرى في الموحدين عنصراً طارئاً على الأندلس، يجب التخلص منه بنفس وجوب دفع الإسبان عن الأندلس.
هذا الطامح هو ابن هود الذي أشرنا إليه في مفتتح الكلام. والذي زاد في انضواء الناس إليه أن المأمون بعد أن رأى الشدائد تحيط به من كل جانب مال إلى التحالف مع ملك (قشتالة)، ولم يتورع عن أن يتخلى له عن بعض ما في يديه من حصون ومواقع.
وجاهر ابن هود أنه يعمل على التخلص من المتحالفين معاً، فلقي تجاوباً من الأندلسيين وأقبلوا عليه. وفي سنة 625هـ (1228م) برز ابن هود في محاجر مرسية، ثم اندفع إلى مرسية نفسها فاحتلها. وتركيزاً لأمره أعلن ولاءه للخلافة العباسية في بغداد، وكان ذلك أيام المستنصر الذي بعث إليه بالخلع والمراسيم، ولم يلبث أن انضوت تحت حكمه: قرطبة وجيان وماردة وبطليموس، ثم وصل إلى غرناطة سنة 628هـ (1231م) طارداً منها المأمون.
والمأمون هذا الذي رأى أن يعود إلى قواعده في مراكش للاحتفاظ بها، توفي قبل أن يصل إليها. وإذا كان هذا حال الموحدين في الأندلس، فلم يكن حالهم في المغرب بأحسن كثيراً من ذلك. ولم يزل أمرهم إلى بوار حتى انتهى حكمهم في المغرب بعد أربعين سنة من هذه الأحداث أي سنة 667هـ/ 1269م. ليرتفع على أنقاض حكمهم حكم بني مرين
وبنو مرين من قبائل البربر المخيمة جنوب المغرب حيث سجلماسة وهم ينتمون إلى زناته، قام بدعوتهم عبد الحق بن محيو المريني عند ضعف دولة الموحدين أوائل القرن السابع للهجرة. وقد دخلوا تاريخ المغرب سنة 612هـ (1215م) وقد كانوا إلى ذلك الوقت لا يعدون أن يكونوا قبيلة بربرية مثل غيرهم، كانت تنتقل بين فقيق ومولوية. على أن بني مرين لا يرون ذلك، بل هم يعدون لأنفسهم نسباً عربياً يوصلهم إلى مضر، فهم بنو بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار. ولما أحسوا أن دولة الموحدين بدا عليها بعض العجز غامروا في شمال المغرب وانتصروا على جيوش الموحدين الذين كانوا يحاولون صدهم وتسلطوا على جزء من البلاد باستثناء المدن التي ظلت على ولائها للدولة. ولم يتمكنوا من احتلال فاس وإقامة دولتهم هناك إلا سنة 646هـ (1248م). إذ أفادوا من انكسار كبير أصاب الموحدين في منطقة تلمسان. وعلى كل فقد ظل الموحدون أصحاب السطوة في الجنوب حول مراكش، كما أن أسرة بربرية منافسة أقامت لها ملكاً في تلمسان.
ثم تمكن أبو يوسف المريني (656هـ/ 1258م ـ 685هـ/ 1286م) من القضاء على الموحدين والاستيلاء على مراكش سنة (667هـ/ 1269م) وإلقاء الرعب في قلب حاكم تلمسان.
وما كاد المرينيون يثبتون سلطانهم على أسس راسخة حتى اتخذوا مدينة فاس عاصمة لهم وكان ذلك في أواسط القرن السابع (الثالث عشر)، ولم تصبح فاس عاصمة مملكة المرينيين المستقرة فحسب بل كانت مركزاً مهماً للتجارة تربطها المصالح التجارية بالأقطار الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق العربي وبلاد السودان فيما وراء الصحراء الكبرى.
وقد حفظ لنا (ابن حبيب) في كتاب (تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه) ج 1، ص 263 خبراً عن امتداد علاقة المرينيين إلى مصر أيام المماليك في عهد الناصر محمد بن المنصور سيف الدين قلاوون سنة 704هـ/ 1304م فقد قال:
«فيها وصل إلى الديار المصرية رسول الملك يوسف بن يعقوب المريني صاحب المغرب، وصحبته هدية عظيمة من الخيل والبغال المسرجة بالسروج المذهبة واللجم والركب المكفتة بالذهب، وغير ذلك من التحف والطرف، فتقبلها السلطان بقبول حسن، جبراً لمهديها، والبحر الزخار على ما له من الإدرار يقبل ما يأتي إليه من الجداول الأنهار».
ولقد أحسن الشيخ صفي الدين عبد العزيز الحلي حيث يقول:
«بالله إلا ما قبلت هديتي
وجعلت لي فضلاً على الأقران
فالبحر تصدر عنه كل سحابة
نشأت ويقبل فاضل الغُدران»
نزعة شيعية في المرينية
وعن التشيع في المرينيين ولا سيما منهم أبو منصور أورد ما يلي وهو ما قرأته في العدد الرابع والخامس المزدوج للسنة الثانية الصادر في يناير غشت 1965م من مجلة (البحث العلمي) التي يصدرها المركز الجامعي للبحث العلمي في الرباط (المغرب) في الصفحة 97 من بحث طويل في القسم الثاني منه بعنوان (كتاب ذكر مشاهير أعيان فاس في القديم) لمؤلف مجهول حققه وعلق عليه عبد القادر زمامة.
قرأت في هذا البحث ما ذكره عن بيت بني أبي مدين إلى أن وصل إلى ذكر (ابن العربي) فقال:
وابن العربي المذكور هو الشيخ الإمام الفقيه العلامة المدرس أبو بكر محمد بن العربي المعافري الإشبيلي. والمعافر قبيلة من العرب وهم من شيعة بني أمية، ولما كانوا بالشام كانوا يظاهرون بني أمية ويقاتلون عليهم بني العباس، فلما غلبت بنو العباس على بني أمية فروا منهم إلى الأندلس إذ لا ملجأ منهم إلا فيها، أما المعافر فكان منهم أبو بكر المذكور استخدمه من كان من الموحدين بالأندلس فولوه قضاء إشبيلية عن كره من أهلها.
إلى أن يقول:
ثم إن بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه (العواصم من القواصم) في جانب أمير المؤمنين مولانا الحسين السبط ابن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو أن أمر يزيد لعنة الله بقتله إنما قتله بسيف جده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن الفقيه المذكور نادى بالعوام وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، قال لهم: ظاهر كلامه إنه استباح قتل الحسين وأحلّ دمه، فثار العامة بإشبيلية وقالوا يجب علينا تأديب هذا المبتدع وقصدوه وهو في داره، فلما بلغه الخبر هرب فوراً وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش واشتكى إلى أميرها، فوجد الخبر قد وصله فأمره بالمسير إلى مدينة فاس فسار إليها ليستوطنها فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لما وصله ما فعلوه بداره وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان فيه على فاس.
وأما أهل إشبيلية فلما بلغوا إلى داره ووجدوه قد فرَّ منها، قالوا نهدم هذه الدار ونحرق هذه الكتب لأنها كلها كتب فاسدة مثل هذا لئلا يضل المسلمين بها فهدموا داره وأحرقوا كتبه. ثم يتمم المؤلف كلامه قائلاً:
ولما وقف أبو عنان (المريني) على كلامه في الكتاب المذكور أراد تحريق قبره، وكان آن ذاك حينئذٍ حاضراً ابن الخطيب السلماني([508])، وجهه رسولاً صاحب الأندلس ابن نصر إلى أبي عنان المريني المذكور (752 ـ 760هـ/ 1351 ـ 1358م)، فكلمه فيه، وقال له: لا تفعل فإنه مضى إلى ما قدمت يده، فتركه حينئذٍ ولم يحرق قبره وزعم بعضهم أن ما أصاب ابن الخطيب من الحرق جزاء على منع أبي عنان من ذلك. (انتهى).
وفي هذا الموقف الذي يقفه أبو عنان المريني من صاحب (العواصم من القواصم)، وغضب الغضب الشديد لما أورد في كتابه عن الحسين عليه السلام، وعزمه على تحريق قبره انتقاماً منه لتجرئه على مقام سيد الشهداء دليل على تشيع عارم يملأ قلب هذا الملك المريني. وإذا كان قد عزم على تحريق قبره وهو ميت، فلا شك أن ما كان سيناله من العقاب لو ظفر به حياً عقاباً عظيماً.
وليس من المعقول أن يكون أبو عنان وحده من بين قومه ذا نزعة شيعية، لا سيما وأن هذه النزعة تبلغ هذا الحد من التأجج والاندفاع.
وأنه ليلفت النظر أيضاً قول الراوي: «وزعم بعضهم أن ما أصاب ابن الخطيب من الحرق، جزاء على منع أبي عنان من ذلك».
وطبيعي أن هذا الاعتقاد بسبب ما جرى على ابن الخطيب هو اعتقاد شعبي وهو ما يدل على تغلغل النزعة الشيعية في الأوساط الشعبية المرينية.
ومن مظاهر النزعة الشيعية عند المرينيين ما نقشوه على نقودهم. فمن النقوش المرينيية المحفوظة في باريس قطعة مستديرة وبداخلها مربع، وقد نقش على أحد الوجهين منها بين المربع ومحيط القطعة:
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
وهي في عهد السلطان عثمان بن عبد الحق (614 ـ 638هـ). وهناك قطع أخرى منها ما هو في عهد أبي سعيد عثمان (710 ـ 731هـ) منقوش عليها العبارة نفسها.
والكاتب المغربي علي الغزيوي يؤكد تشيع المرينيين، فهو في مقال له في مجلة (النور) في عددها 114 من السنة العاشرة الصادر في شهر تشرين الأول السنة 2000 ـ إنه في هذا المقال يقول وهو يعرض لقصة ابن العربي ولمن أبلغوا أبا عنان المريني ما قاله عن الحسين عليه السلام ـ يقول ما نصه: «… مستغلين الظروف النفسية لأبي عنان المريني وما كان عليه من التشيع في حب آل البيت …» اهـ.
ولتشيع المرينيين كان يلجأ إليهم الشيعة المضطهدون، فيقابلهم المرينيون بالإعزاز والإكرام، لا سيما حينما يكونون من السادة الأشراف. وقد كانوا يلجؤون إليهم حتى من العراق. فقد جاء في الصفحة 142 من الجزء 54 من مجلة المناهل التي تصدرها وزارة الشؤون الثقافية في المملكة المغربية أن الحاج محمد الهادي العراقي بن أبي القاسم بن نفيس الشريف الكربلائي العراقي الحسيني جد الشرفاء العراقيين بفاس وأول قادم منهم عليها من البلاد العراقية كانت له منزلة عظمى لدى الخاص والعام وكان حياً أيام السلطان أبي سالم المريني. وقد خرج السلطان أبو سعيد المريني لاستقباله.
ثم يذكر سلسلة نسب العراقي وصولاً إلى الإمام موسى الكاظم.
قيام مملكة غرناطة([509])
في الصراع بين ابن هود والموحدين وقيام الفتن الأهلية، كان ممن برز خلال تلك الفتن محمد بن يوسف النصري([510]) المعروف بابن الأحمر سليل بني نصر. وبنو نصر يربطون بسعد بن عبادة الصحابي الشهير سيد الخزرج، فهم ـ إن صح ذلك ـ عرب أقحاح حجازيو الجذور.
وكان محمد هذا مقاتلاً شجاعاً حازماً ذا عصبية قبلية تلتف حوله، وقد انعقدت له زعامة قومه، لذلك من الطبيعي أن تكون له مطامحه بين أصحاب المطامح في ذاك الصراع الأندلسي المتشعب. فلما ظهر ابن هود منتصراً على الموحدين وتكالب الإسبان على الأندلس، وتناثرت الاضطرابات، برز ابن الأحمر. ورأى الكثيرون في بروزه أملاً من آمال الإنقاذ لبقايا الأندلس، فعضدته عدة جماعات، واجتمع عليه الناس في أرغونة أولاً، أرغونة مقر عشيرته وما يقاربها من نواح متدانية، ثم انضمت إليه (بياسة)، و(وادي آش) وما إليهما من حصون وبلاد.
ولكن هذا لم يرق لابن هود الذي كن يوطد سلطانه في شرق الأندلس وجنوبها، على أن ذلك لم يثن ابن الأحمر الذي والى الانطلاق، فبعد أن كان يعمل في الوسط اتجه إلى الجنوب.
ولم تلبث قرمونة وقرطبة وإشبيلية أن أطاعته أواسط سنة 629هـ ولكن قرطبة وإشبيلية عادتا إلى ابن هود.
ثم أطاعته جيان وشريش ومالقة وعدد من الحصون والمواقع سنة 630هـ ورأى فيه المشردون من المدن التي احتلها الإسبان ملاذاً لاذوا به، فتألف له من كل ذلك جيش كبير.
على أنه وهو يرى تنامي قوى ابن هود، وامتداده إلى الغرب والجنوب، واستيلاءه على غرناطة، وإقرار الخليفة العباسي له على ما في يديه وتعضيده المعنوي له.
إن ابن الأحمر وهو يرى ذلك آثر مصانعة ابن هود والانقياد إليه، ولكن هذا لم يلبث أن مات أوائل سنة 635هـ وهوت دولته.
وكان يحكم غرناطة باسم ابن هود وآلٍ يجاهر بالعداء لابن الأحمر، وكان من شر الولاة ظلماً وعدواناً على الرعية، فثاروا به واقتحموا عليه قصره وقتلوه وأعلنوا ولاءهم لابن الأحمر، وراسلوه داعين إياه إلى غرناطة، فأسرع إليها ودخلها في شهر رمضان من سنة 635هـ (نيسان 1238م)، فكان ذلك بدء حكمه في غرناطة وقيام دولة بني الأحمر. وبعد قليل هاجم (المرية) وحاصرها وتم له فتحها، وبذلك استحوذ على جميع الشاطئ الجنوبي.
كان من الممكن أن تكون هذه المملكة الصغيرة نقطة انطلاق لاسترداد ما تساقط بيد الإسبان من مدن الأندلس، ومركز تجمع للقوى المبعثرة التي كانت الأندلس بأمس الحاجة لتجمعها، وكان يمكن أن يكون ابن الاحمر القائد الناجح لتلك القوى فيستعيد بها ما ضاع. ولكن المطامع الشخصية والأنانيات وحب التسلط الفردي، وتأصل الشقاق حالا دون ذلك.
فكان الأندلسيون يؤثرون الاستظلال بالحكم الإسباني الذي يرون فيه حماية لما تحت أيديهم ـ يؤثرون ذلك على الانضمام إلى المملكة الناشئة المؤهلة لقيادتهم إلى وحدتهم الكبرى.
وهكذا رأينا حكّام (مرسية) و(لقنت) و(أريولة) و(قرطاجنة) يصالحون ملك قشتالة ويؤدون له الجزية ويعترفون بطاعته فيظلون حاكمين برعايته في مدنهم.
وقد أدّى ذلك إلى أن يدخل (ألفونسو) بن (فرديناند) الثالث ملك قشتالة مدينة مرسية في احتفال ضخم سنة 641هـ/ 1243م بعد أن سُلّمت له.
وبعد موت ابن هود كان فرديناند الثالث يرى في ابن الأحمر زعيم الأندلس الوحيد القادر على المقاومة والصمود، وأن في إنهائه إنهاءً لما يرجى إنهاؤه من أمر الأندلس. كما أن ابن الأحمر كان يعي حقيقة الحمل الذي شاء القدر تحميله إياه في صيانة ما بقي من الأندلس، بل حتى الرجاء في استرجاع ما ذهب منها.
ولم يتوان عن التعرض للإسبان عندما روعوا أرباض جيان نهباً وتخريباً، بل لقد أقدم على حصار قلعة (مرتش) سنة 636هـ ولكن الإسبان أسرعوا لإنجازها فاشتبك معهم وهزمهم هزيمة قتل فيها قائد مرتش وعدد من مبرزي الفرسان والأحبار.
وتوالى الصراع مداً وجزراً حتى لقد حوصرت غرناطة نفسها سنة 642هـ/ 1244م ثم رد المحاصرون عنها.
وهنا تبدأ مصانعة ابن الأحمر لملك قشتالة، حتى لقد التقيا وأعلن ابن الأحمر أنه يحكم مملكته باسم ملك قشتالة وفي رعايته، ثم كان يؤدي له جزية سنوية ويتعهد بمعاونته في حروب أعدائه، إلى غير ذلك من الأمور المذلة.ولم يلبث أن تنازل له عن جيان وأرغونة وبركونة وبيغ والحجار وقلعة جابر. هذا فضلاً عما آل إليه الأمراء الصغار من التنازع والتحارب والتقرب من ملك قشتالة والتنازل له عن المدن والحصون.
ومن الشعر الذي قيل في تلك العهود قول إبراهيم بن سهيل الإشبيلي من قصيدة عندما حوصرت إشبيلية:
ورداً فمضمون نجاح المصدر
هي عزة الدنيا وفوز المحشر
نادى الجهاد بكم بنصر مضمر
يبدو لكم بين القنا والضُّمر
خلوا الديار لدار عز واركبوا
عبر العجاج إلى النعيم الأخضر
وتسوغوا كدر المناهل في السرى
ترووا بما الحوض غير مكدر
يا معشر العرب الذين توارثوا
شيم الحمية كابراً عن أكبر
إن الإله قد اشترى أرواحكم
بيعوا ويهنئكم وفاء المشتري
أنتم أحق بنصر دين نبيكم
ولكم تمهد في قديم الأعصر
أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا
ذاك البناء بكل لدن أسمر
وقد بلغت مصانعة ابن الأحمر لملك قشتالة إلى حد إعانته على محاربيه من المسلمين، وإذا كنا لا نعذر ابن الأحمر على ما كان منه، فإننا لنقر بأن ما بدا منه بعد ذلك إنما يدل على أن مصانعته كانت إلى حين([511]).
ويموت محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة سنة 671هـ/ 1271م بعد أن بلغ الثمانين من عمره ويتولى بعده أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف، ويمكن اعتبار محمد بن محمد هذا ـ يمكن اعتباره محول مملكة غرناطة إلى النظم التي يقتضيها قيام مملكة من تنظيم الدواوين وترتيب الجباية وغير ذلك من شؤون الملك الذي يراد له الدوام.
ويوصف محمد هذا بأوصاف جميلة: فهو فقيه عالم أديب شاعر، وإذا كانت هذه الصفات لا تعني شيئاً في تدبير الملك إذا كان الموصوف بها لا يتحلى بغيرها، أما إذا اجتمعت مع بعد الهمة وقوة الحزم وبعد النظر وحسن التدبير، فإنها تزيد صاحبها تفوقاً وتألقاً.
وكذلك كان محمد الثاني على ما تخبرنا مدونات المؤرخين. ولم يدعه ملك قشتالة ألفونسو العاشر الذي تولى أبيه فرديناند الثالث ـ لم يدعه يستقر، بل راح يعد العدة للقضاء على البقية الباقية من الأندلس الإسلامية.
وكما كان ألفونسو متربصاً، كان محمد حذراً متنبهاً، وعملاً بوصية أبيه تطلع ببصره إلى العدوة الإفريقية التي كان قد قام فيها على أنقاض الموحدين دولة فتية قوية هي دولة بني مرين([512]).
فلم يلبث أبو عبد الله محمد بن محمد بن الأحمر بعد توليه أن أرسل إلى السلطان المريني([513]) ابن يوسف بن عبد الحق الملقب بالمنصور وفداً من كبار الرجال مستصرخاً مستنجداً للغوث والجهاد. ومما جاء في رسالة ابن الأحمر:
مرين جنود الله أكبر عصبة
فهم في بني أعصارهم كالمواسم
مشنفة أسماعهم لمدائح
مسورة إيمانهم بالصوارم
فأنجدهم أبو يوسف وسار بنفسه إلى الأندلس في جيش كثيف من البربر انتصر به على الإسبانيين. ثم عاد إلى المغرب.
وعندما كان أبو يوسف لا يزال مقيماً في الجزيرة بعد إجازته الثانية إلى الأندلس ساورت ابن الأحمر الشكوك وتذكر ما كان من يوسف بن تاشفين والمرابطين من ابن عبّاد، فانقبض ابن الأحمر عن لقائه وأرسل إليه قصيدة نظمها له كاتبه أبو عمر بن المرابط معاتباً مستنجداً يقول له:
أتعز من أرض العدو مدائن
والله في أقطارها لم يعبد
وتذل أرض المسلمين وتُبتلى
بمثلثين سطوا بكل موحد
كم جامع فيها أعيد كنيسة
فأهلك عليه أسى ولا تتجلد
القس والناقوس فوق منارة
والخمر والخنزير وسط المسجد
كم من أسير عندهم وأسيرة
فكلاهما يبغي الفداء فما فدي
كم من عقيلة معشر معقولة
فيهم تود لو أنها في ملحد
كم من تقي في السلاسل موثق
يبكي لآخر في الكبول مقيد
أفلا تذوب قلوبكم إخواننا
مما دهانا من ردى أو من ردي
أفلا تراعون إلاَّ وذمة بيننا
من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم في إخوانكم
وسيوفكم للثأر لم تتقلد
أبني (مرين) أنتم جيراننا
وأحق من في صرخة بهم أبتدي
هذي الثغور بكم إليكم تشتكي
شكوى العديم إلى الغنى الأوجد
أنتم جنود الله ملء فضائه
تأسون للدين الغريب المفرد
فرد أبو يوسف بقصيدة من نظم شاعره مالك بن المرحل([514]):
شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي
أنّا أجبنا صرخة المستنجد
لما دعا الداعي وردد معلناً
قمنا لنصرته ولم نتردد
نسري له بأسنة قد جرّدت
من عضبها والصبح لم يتجرّد
لولا الأسنّة والسنابك ما جرى
أحد بسير خيولنا في الفرقد
والخيل تشكونا ولا ذنب سوى
أنّا نروح بها وأنّا نغتدي
لو أنها علمت بنا في قصدنا
كانت تطير بنا ولم تتردد
الله يعلم أننا لم نعتقد
إلا الجهاد ونصر دين محمد
ثم اعترضنا البحر وهو كأنه
ملك تقدم في الجيوش لمرصد
فترامت الخيل العطاش أورده
هيهات ما الماء الأجّاج بمورد
يا خيل إن وراءنا ماء روى
ومشارب ومزارع لم تحصد
وأحبّة بين الفواقد أصبحوا
يتوقعون الموت إن لم ننجد
من مطلق العبرات إلا أنه
تجري دموع جفونه لمقيد
ومفجع لا يستلذ بمطعم
ومروع لا يستقر بمرقد
إخواننا في ديننا وودادنا
ولهم مزيد تحبب وتودد
نسري بأجنحة البزاة إلى العدا
مثل الحمام الحائمات الورد
واستقبلت بحر الزقاق بعصبة
نفذت عزائمها ولم تتعدد
فاستبشروا في أفقهم بطلوعنا
كالشمس يوم طلوعها للأسعد
حتى بغتنا القوم في أوطانهم
أن الحوادث لا تجيء بموعد
ثم التقينا بالذين استصرخوا
منا بكل مؤيد ومسدد
حتى إذا جئنا وجاؤوا نحونا
ودنا المزار وقيل للبعد أبعد
أزور جانبهم وأشهد بعدما
بسطوا لنا الآمال بسط ممهد
أوما رأونا قد تركنا أرضنا
ولنا بها ملك رصين المحتد
وأطاعنا قوم كثير أسرعوا
فمزود منهم وغير مزود
أترون إن عادوا إلى أوطانهم
يبقى لكم في الأرض موضع مسجد
أم تحسبون بوارقاً نشأت لكم
أمثالنا في جوكم لم تعهد
برماحكم نفحت وعنها أمطرت
بل كان ذا منا وإن لم نشهد
إنّا أردنا أن رعبنا قومنا
فيكم فيرجع من مضى بتزيد
حتى ترون بلادكم معمورة
ويكون يومكم يقصر عن غد
فاليوم قد أوحشتمونا وحشة
إن لم تمد حبالها فكان قد
يا ليت شعري ما بدا منا لكم
حتى ابتديتم بالمكان الأبعد
تالله لولا ودنا فيكم وما
أدراك من ود قديم متلد
ومخافنا إن يستطيل عدوكم
ويثور بعد تذلل وتعبد
لخرجت من هذي البلاد بمن معي
وتركتها لكم ولم أتعهد
أوما علمتم أننا أيد لكم
دون العدا والله خير مؤيد
لولا رجال من مرين رفعوا
منكم لكنتم بالحضيض الأوهد
لولا رجال من مرين قاتلوا
عنكم لكنتم كالنساء الخرد
عهدي بجندكم الذين إذا رأوا
علجاً تولوا كالنعام الشرد
يتشبهون بكل أغلب كافر
في زيهم وكلامهم في المشهد
وطعامهم وخلالهم وشرابهم
ومناكر يأتونها وسط الندي
وتنقص العلماء والفضلاء والا
عيان من أهل التقى والسؤدد
كيف الهدى لهم ومن لا يقتدي
بنبيه وإمامه لم يهتد
فاتوا بعزكم إلى ما عندنا
في حقكم ولتسمعوا من مرشد
ثم السلام عليكم من والد
يدعو ابنه دعوى محب مسعد
كانت اللغة العربية هي لغة الدواوين والتأليف والتعليم والقضاء في جميع الدول التي كونتها القبائل البربرية مثل المرابطين والموحدين والمرينيين ومن تلاهم ولم تعرف تلك الدول في دواوينها وفي ترسلها غير العربية، ولم يكتب بغيرها حملة الأقلام. وها نحن نراها هنا لغة الشعر.
ولنا أن نقول: إن أعلاماً من البربر الأقحاح بزّوا غيرهم في خدمة العربية وعلومها، وحسبنا منهم ابن آجرّوم الصنهاجي من أهل فاس صاحب المقدمة الآجرومية. والجزولي مؤلف (الجزولية) و(الأمالي) وغيرها في النحو، وكتب أخرى في الأدب العربي.
وصف السيوطي ابن آجرّوم بالصلاح والبركة والإحاطة بعلم النحو قائلاً: ومما يدل على صلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته التي صنّفها وهو مجاور بمكة. ومعنى آجروم بلغة البربر (الصوفي الفقير). ويستنتج السيوطي من دراسة هذه المقدمة المشهورة أن صاحبها على مذهب أهل الكوفة في علم النحو كما يظهر ذلك من مصطلحاته التي استعملها في المقدمة. وكانت وفاته بفاس سنة 723هـ.
هذا وهناك من يرى أن كتاب (الجمل) للزجاج هو أصل الآجرومية الصنهاجية.
أما الجزولي عيسى بن عبد العزيز بن يلل بخت ـ ومعناه المحظوظ بالبربرية ـ وفي نسبه أسماء بربرية ترجمها المعنيون بكتابة سيرته، ومنهم السيوطي في البغية، فتوفي سنة 607هـ.
وفي أخذ البربر بالعربية وعلومها وآدابها وغير ذلك. يقول عبد العزيز الملزوزي([515]) في ملحمته:
فجادت زنانة البرابرا
فصيروا كلامهم كما ترى
ما بدل الدهر سوى أقوالهم
ولم يبدل منتهى أحوالهم
بل فعلهم أربى على فعل العرب
في الحال والإيثار ثم في الأدب
كذلك كانت قبلهم مرين
كلامهم كالدر إذ يبين
على أنه قد جاء في الكتب التي عنيت بسيرة يوسف بن تاشفين ملك المرابطين أنه كان يجهل العربية. قالوا: ولكنه كان ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف العربية والبربرية ويترجم له من لغة إلى خرى. ولما وصلت رسائل الاستغاثة من ملوك الطوائف بالأندلس إلى ابن تاشفين، وكانت مكتوبة باللغة العربية لم يفهم ما ورد فيها إلا بعد الترجمة، وإذا صح ذلك فيه فإنه لا بد من القول إن بعض ملوك الدول البربرية كانوا يُمدحون بالشعر العربي كما كانوا يراسلون بهذا الشعر فيأمرون شعراءهم بالإجابة كما رأينا فيما تقدم في الحديث عن دولة بني مرين وهذا يدل على إجادتهم اللغة العربية وتذوقهم آدابها وتأصل شعرها في أوساطهم.
وإذا كان الشعر الذي مرّ ليس على المستوى العالي فإن ذلك يعود إلى عدم وجود الشعراء المبدعين لا إلى عيب في استعراب ملوك البربر في تفهم الشعر العربي، وإذا رجعنا إلى القصيدة التي بعث شاعر ابن الأحمر الغرناطي العربي الصميم نراها دون القصيدة التي أجاب بها شاعر أبي يوسف المريني البربري الصميم.
ومما مُدح به بنو مرين قصيدة لشاعر تونسي كان يعتبر من ناشئة أهل الأدب هو أبو القاسم الرحوي الذي كان من بين شعراء تونس الذين رفعوا إلى أبي الحسن المريني قصائدهم يهنئونه على استيلائه على تونس والمهدية، وهو الذي اتسعت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من العدوة الافريقية إلى رُندة من عدوة الأندلس. ونرى في قصيدة الرحوي شعراً عربياً أصيلاً لا ينحدر إلى ما رأيناه من قبل من الشعر المتقدم ذكره. ولولا أن هذا الشاعر وغيره من الشعراء يرون أن لشعرهم وقعاً حسناً وتفهماً وتذوقاً واستحساناً عند الملك المريني البربري لما عنوا بالنظم، ورفعوا إليه الشعر([516]):
قال الرحوي في قصيدته الطويلة:
أجابك شرق إذ دعوت ومغرب
فمكة هشّت للقاء ويثرب
وناداك مصر والعراق وشامه
بداراً، فصدع الدين عندك يشعب
وحيتك أو كادت تحيي منابر
عليها دعاة الحق باسمك تخطب
وتاقت لك الأرواح حباً ورغبة
وأنت على الآمال تنأى وتقرب
ولما أقدم ثائرون في الأندلس على خلع ابن الاحمر أبي عبد الله وبايعوا غيره واضطر هو إلى الفرار إلى وادي آش وأرسل الملك المريني أبو سالم من أحضر ابن الاحمر من وادي آش إلى المغرب وعمل على إطلاق وزيره ابن الخطيب من معتقله وإحضاره هو الآخر إلى المغرب. أنشد ابن الخطيب في حفل استقبال حاشد أقامه أبو سالم لابن الأحمر ووزيره قصيدة استصراخ واستعطاف واسترحام يقول فيها:
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى
بأكنافها والعيش فينان مخضر
فمن لي بنيل القرب منها ودونها
مدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله عيناً من رآنا وللأسى
ضرام له في كل جانحة جمر
قصدناك يا مولى الملوك على النوى
لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
وأنت الذي تدّعي إذا دهم الردى
وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان بحكمه
لك النقض والإبرام والنهي والأمر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا
بآل (مرين) جاءه العز والنصر
همُ القوم إن هبّوا لكشف ملمة
فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا وإن نوزعوا سطوا
وإن وعدوا أوفوا وإن عاهدوا بروا
ومما يذكر للعهد المريني ازدهار علوم اللغة العربية فيه، ازدهاراً ينتج عنه انتشار هذه العلوم في طبقات الشعب. ومن أشهر الكتب التي ألّفت في ذلك العهد: شرح كتاب سيبويه لابن رشيد، وشرح مقصورة أبي حازم الغرناطي لمحمد الحسني السبتي، وشرح المكودي على الألفية، والأجرومية لأبي عبد الله بن آجروم المتوفى سنة 623هـ، وشرح تسهيل ابن مالك لابن هاني السبتي المتوفى سنة 733هـ، والمنزع البديع في تجنيس أساليب البديع لأبي محمد السجلماسي، والبسط والتعريف في علم التصريف لابن المرحل.
وقال الأستاذ أوراس مخلوف عن تشييد المرينيين للمدارس:
انتشرت المدارس خلال مرحلة السلالة المرينية التي شيّدت دولتها على أنقاض دولة الموحدين. وكان بنو مرين قبيلة شبه بدوية من أصول بربرية ومتفرعة عن الزناتة، وقد تمكنت منذ العام 1248 من الاستيلاء على فاس والرباط وسلا مستفيدة من انحلال الموحدين. وسعى قادتهم إلى إعادة تشكيل أمبراطورية الموحدين، فقاموا بحملات عسكرية عدة في إسبانيا، لكنهم لم يتمكنوا من بسط نفوذهم والوقوف في وجه القوى الكاثوليكية التي استعادت قرطبة وإشبيلية وفي شمال إفريقيا استولى المرينيون على تلمسان العام 1336 ثم على تونس لكنهم لم يتمكنوا من هزيمة الحفصيين.
جعل المرينيون من مدينة فاس عاصمة لهم، فعاشت في زمانهم عصرها الذهبي عند مطلع القرن الرابع عشر بعدما شيّدوا فيها عاصمة إدارية جديدة تعرف بـ «فاس الجديدة» وأبدوا اهتماماً واضحاً ببناء المدارس التي كان الهدف منها دعم الإسلام في المغرب العربي والتأكيد على وحدة شمال إفريقيا. وتعد هذه المدارس اليوم من روائع العمارة المغربية وتعكس الازدهار الاقتصادي والثقافي الذي عرفته فاس في المرحلة المرينية.
تعد مدرسة العطارين الواقعة شمال جامع القرويين في فاس من أجمل المدارس المغربية على رغم صغر مساحتها، بسبب زخارفها البديعة التي تجعل منها تحفة عمرانية نادرة. أمر بتشييدها السلطان المريني أبو سعيد عثمان ما بين 1323 و1325، ويقال إنه أشرف شخصياً على تأسيسها في البداية. وتتألف هذه المدرسة من صحن مكشوف فيه حوض ماء، تحيط به قاعة للصلاة مربعة وصالات معدّة لاستقبال الطلاب والأساتذة. وتختصر زخرفة الجدران التي تحف بالصحن المكشوف جميع التقنيات التي اعتمدها فنانو المغرب في تزيين صروحها، وهم أظهروا براعة كبيرة في التعاطي مع المواد المختلفة وأهمها الخشب والحجر والفسيفساء الخزفية المعروفة بالزليج والجفصين …
وتعادل مدرسة العطارين من حيث القيمة الفنية مدرسة شهيرة أخرى شيّدت في فاس خلال المرحلة المرينية وهي مدرسة بنو عنانيا نسبة إلى مؤسسها السلطان أبو عنان الذي شيدها ما بين 1350 و1355. وتتميز بمخططها المعقد وضخامتها وقدرتها على استقبال مصلى يوم الجمعة. وكان من المفترض أن تسمى هذه المدرسة بالمتوكلية لأن السلطان أبو عنان اتّخذ لنفسه ألقاباً عدّة منها أمير المؤمنين والمتوكل بالله، وهو شاء أن تفوق بروعتها الصروح التي شيّدها أسلافه. ومن المعروف أنه أشرف شخصياً على أعمال البناء، وبعد الانتهاء منها كان يحضر أحياناً الدروس التي يلقيها الأساتذة على التلامذة. ويروي المقري أنه وجه انتقادات إلى معلم اسمه علي الصرصاري بعد الاستماع إلى درسه، لأنه كان يكتفي بإلقاء المعلومات كما حفظها غيباً، ولا يسمح للطلاب بطرح أسئلتهم.
من مدينة فاس إلى مدينة مكناس التي نتعرف فيها على مدرسة تاريخية أخرى تحمل اسم بو عنانيا، وتقع بالقرب من الجامع الكبير. وكان السلطان أبو الحسن باشر ببنائها العام 1345 ثم أكملها ابنه السلطان أبو عنان. وكما درجت العادة، تحيط القاعات بصحن مكشوف يتوسطه حوض ماء. وقد ركّز الفنانون بالأخص على زخرفة الجدران الخارجية المحيطة بالصحن، وقد وصلت هنا إلى درجة عالية من الكمال والروعة والانسجام ما بين العناصر المختلفة.
سعى بعض المؤرخين إلى دراسة الأسباب التي دفعت بالمرينيين إلى التركيز على بناء المدارس وأهمهم الفرنسي لوسيان غولفان، المتخصص في تاريخ فنون الغرب العربي. وقد تناول بالتفصيل في أحد كتبه جميع المدارس التي شيّدها هؤلاء، وكانت أولاها مدرسة الصفارين في فاس العام 1276. ويرى أن الهدف الأساسي منها كان إعداد نخبة من المدرسين والموظفين والدعاة القادرين على حماية مصالح الدولة والوقوف في وجه دعاة التطرف. وتوطيد حكمهم للمغرب.
أما من الناحية الفنية، فمن المتفق عليه اليوم، أن المدارس التي شيّدها المرينيون هي من روائع الفن الإسلامي المغربي لأنها تعكس بصورة باهرة المستوى الفريد الذي حققه الإبداع المغربي في تلك المرحلة، بعد أن عرف كيف ينهل من مؤثرات عدة أهمها أندلسية ومشرقية، ويصوغها في بوتقته الخاصة. وتظهر الخصوصية المغربية في أمور متنوعة، من أهمها فن الزليج الذي يقضي بتغطية الجدران والأرض بالبلاطات المكعبات الفسيفسائية. إلى ذلك، تبين هذه المدارس الدور الذي لعبه المرينيون في تاريخ المغرب ورعايتهم للفنون.
إن المصادر التي بين أيدينا لا تلقي كثيراً من الضوء على الأنظمة المرينية في ميادين التجارة والصناعة والزراعة، ونذكر ـ أولاً ـ أن معلوماتنا عن تنظيم التجارة الخارجية لا تتعدى عصري أبي الحسن وأبي عنان. فقد عقد الأول ـ سنة 739هـ/ 1339م ـ معاهدة سياسية تجارية في تلمسان مع وفد مملكة ميورقة، وقد سمح هذا الاتفاق لرعايا ميورقة بالتجارة في المغرب، ولكن منع عليهم أن يصدروا منه القمح والسلاح والخيل والجلود المملحة والمدبوغة.
كذلك عقد أبو عنان معاهدات صلحية مع دول البرتغال وقشتالة وأرغون وميورقة وصقلية وجنوة، وقد كان من أثر المعاهدة مع جنوة بالخصوص، أن تدفقت تجارتها على المغرب، وامتلأت بتجارهم دواوين أقطاره.
وبدون شك فإن اتفاقات تجارية مرينية انعقدت في فترات أخرى من هذا العهد مع دول إسلامية ومسيحية بدون أن يتسنى الوقوف عليها، فإن ابن خلدون يتحدث عن تجار الأمم النصرانية الواردين على المغرب، وغير ابن خلدون يتحدث عن غراب توجه أخريات أيام أبي عنان من المغرب إلى الإسكندرية بتجارة مغربية، ثم عاد ـ بعد ذلك، بما جدله شراؤه من متاع الشرق وطيبه وطرفه، وقد كان المغرب يستورد الذهب من السودان والفضة من مدينة سردانية والأندلس.
وفي صدد منتوجات أخرى عربية وغربية راجت بالمغرب المريني ـ توجد إشارات عابرة في هذا الصدد، وبخصوص أيام أبي الحسن وأبي عنان، فقد كان ضمن إحسانات وعطايا الأول: ثياب من صنع الإسكندرية وتونس وتلمسان والجزيرة الخضراء، مع حنابل ونشريشية، وفي عهد أبي عنان تذكر عدة منتوجات يستخدمها الجيش وأخرى تستعملها النساء، وهي القسي العربية المجلوبة من البلاد المشرقية والمحكم عملها في البلاد المغربية، والأثواب البديعة المستوردة من الشام والعراق، مع أثواب عراقية أخرى وأندلسية ورومية.
وقد انتظمت في هذا العهد عدة مراسي للإصدار والإيراد، وكان أكبرها ميناء سبتة محشر أنواع الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، قال في ممالك الأبصار عن سبتة: (وهي من فرص البحر العظيمة، لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كل جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجودة فيها).
وقد كان بهذه المدينة دار الإشراف على عمالة الديوان أمام فنادق تجار النصارى حيث الرحبة العظمى، وفنادقهم سبعة: أربعة على صف واحد، وثلاثة مفترقة.
أما باقي المراسي المرينية فهي: مرسى آنفا «الدار البيضاء» التي يقول عنها في معيار الاختيار: جون الحط والإقلاع، ومجلب السلاع، تهوي إليها السفن شارعة، وتبتدرها مسارعة، تصارف برها الذهبي بالذهب الإبريز، وتراوح برها وتغاديه بالتبريز.
ومرسى أصيلا ذات السفن المترددة وفيها الملف والأبازير، ومرسى طنجة محط السفن اللطاف، ومرسى غساسة وهي ـ حسب معيار الاختيار ـ مرسى مطروق، بكل ما يروق. ومرفأ جارية تجرية، ومحط جباية مجرية.
ويلحق بهذه المراسي مدينة سجلماسة التي يدخل منها التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والردع، ويعودون بالذهب.
وهكذا تكشف هذه الفقرة الأخيرة عن أسماء بعض المصدرات المغربية لبلاد السودان كما تشير لنشاط القوافل التجارية المتنقلة بين البلدين، وقد كان سفر ابن بطوطة للسودان في رفقة تضم تجار سجلماسة وغيرها، والسودان المعني بالأمر هنا هو مملكة ملك مالي «مقدمة ابن خلدون» ص 46.
أما مصدرات المغرب إلى أوروبا ـ خلال القرن الثالث عشر ـ فمنها الصوف والخرفان والخيل والجلود والزرابي والأحزمة المزخرفة والقطن والشمع.
اهتم المرينيون بتنظيم الري بالنواعير التي تكاثرت أيام أبي عنان، وقد وقعت تجربتها في المغترسات المرينية الخاصة.
كذلك اهتم بعض ملوكهم بإسعاف طبقات من الفلاحين، فقد وزّع أبو الحسن على الأيتام في سائر القبائل قطعاً أرضية: مقدار حرث زوجين لكل فرد، مع إعفاء الأرض الممنوحة من اللوازم الجبائية (وحرث زوجين يقدر بنحو 16 هكتاراً).
كما وزّع أبو عنان أزواج الحرث على الزمنى والضعفاء ليقيموا بها أودهم.
ومن مظاهر التنظيم الفلاحي في هذا العهد ما لاحظه ابن خلدون من كثرة الفلح وعمومه بالمغرب المريني، كما لاحظ ابن قنفد القسمطيني عن دكالة بالخصوص: (أن مساحة الأرض المحروثة بها تبلغ عشرة آلاف زوج) أي معدل نحو 80000 هكتار.
هذا إلى أن هذا العصر حافظ على امتداد زراعة عدة مزدرعات اقتصادية هامة، فقد كان يزرع الكتان بأحواز فاس وسلا، وبأحواز سلا ـ أيضاً ـ كان يزرع القطن وتمتد زراعته إلى تادلا والهبط.
وكان قصب السكر يزدرع في عدة جهات: في ناحية سبتة، وهو بها ثلاثة أنواع كما يزرع بسوس ونواحي سلا ومراكش بوادي نفيس. وفي مراكش كان يوجد أربعون معملاً وأكثر زيادة على ما بسوس، وهي تنتج سكراً في غاية البياض والصلابة ولطافة الذوق، يقارب سكر مصر إن لم يكن مثله على حد تعبير مسالك الأبصار.
كانت فترة حكم بني مرين من أزهى فترات الحضارة المغربية، أعادت فيها للدولة المغربية بهاءها ورونقها، وجددت معالمها ومصانعها، وكان البناء والتشييد أكبر ظاهرة، وأصدق شاهد على حضارة المرينيين ورقي ذوقهم. فقد شيدوا معالم عمرانية متنوعة كالحصون والقلاع والأسوار والمساجد والمدارس والمستشفيات ودور الضيافة وغير ذلك.
وكانت المدارس المرينية القناة الطبيعية لازدهار الحياة الفكرية والأدبية، إذ حملت شعلة العلوم على تنوعها، وأذكت فتيل العناية بالكتابة والتأليف، وغدت هذه المدارس باتساعها وانتشارها ملتقى العلماء والفقهاء، ومجمع الأدباء والشعراء، ومركز إشعاع علمي استقطب اهتمام الباحثين والدارسين القدامى والمحدثين.
وتكفي الإشارة إلى مؤلفات ابن البناء العددي وابن عبد الملك المراكشي والعبدري وابن خلدون وغيرهم من الأعلام لإعطاء صورة واضحة الملامح عن ازدهار حركة الكتابة والتأليف، وعن تشجيع الملوك المرينيين لها في ميادين عديدة: في الرحلة والتاريخ والتراجم، وفي الفقه والحديث والتفسير والأدب …
كما شهدت الساحة الأدبية تألق عدد كبير من الشعراء كابن المرحل والمزوزي والقباب والخزرجي وابن الخطيب، مما يؤكد عناية بني مرين بالأدب وفنونه، وتشجيعهم للشعر ورجاله.
وكانت اللغة العربية هي وحدها التي تستعملها الدولة في سائر مرافقها، ومن توابع هذا المبدأ ما قرره أحد مشرعي هذا العصر في شأن الأرقام الحسابية الرومانية المعروفة بالفلم الفاسي، والتي كانت مستعملة في ديوان الأشغال، فقد سجل قاضي فاس أبو سالم إبراهيم اليزناسني: أن الرشم الروماني قد استفاض بين المسلمين حتى صار كسائر رشوم المسلمين، كأشكال الغبار وغيرها من المصطلحات.
وامتاز المرينيون باستعمال البياض، فهو كان لون العلم، ولباس الحفلات الرسمية، ولون أخبية الجيش بما فيها الخباء السلطاني العظيم (أفراك)، وهو ـ أيضاً ـ اسم ومظهر المدينة المرينية بفاس.
وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه أفراد من الشعراء والكتاب، وأولهم صالح بن شريف الرندي صاحب المرئية الشهيرة في الأندلس، فقد خاطب فيها الملك المريني بهذا البيت حسب أزهار الرياض:
يا أيها الملك البيضاء رايته
أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
ولما مر خالد اللوي بتلمسان في رحلته للشرق ـ وجد محلة أبي الحسن بضاحية هذه المدينة سنة 736هـ ـ 1335م ومما قال في وصفها: (وجلنا في المحلة وهي روض يثمر خيلاً وأعنّة، وبحر يزخر قنى وأسنّة … والأحوال قد استقامت، والأجنية على القاعدين فيها قد قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج….).
وجاء أثناء قصيدة لابن الخطيب يخاطب فيها أبا سالم، ويذكر أخبية الجيش وأفراك:
مضارب في البطحاء بيض قبابها
كما قلبت للعين أزهار سوسان
وما أن رأى الراؤون في الدهر قبلها
قرارة عز في مدينة كتان
وقال ابن الخطيب ـ أيضاً ـ في (معيار الاختيار 167) عن فاس الجديدة: وأما مدينة الملك فبيضاء كالصباح، أفق الغرر الصباح).
ويبدو أن من بين الأسباب التي حدت بالمرينيين لاختيار البياض ـ مخالفة جيرانهم المسيحيين الذين كانوا يؤثرون السواد، فقد كان هذا اللون هو لباس القشتاليين وملكهم سانشو. لما قدموا إلى معسكر يعقوب المريني بالأندلس لعقد الصلح، وقد ورد في روض القرطاس وصف لباس الطرفين في العبارات التالية:
وأمر (يعقوب) جميع جيوشه بلباس الأبيض والعدّة الكاملة، فابيضّت الأرض ببياض المسلمين، وأقبل شانجة (سانشو) في عدّة من المشركين مسودة، فكان ذلك عبرة للمعتبرين.
كان شعار الدولة المرينية لواء أبيض يسمى (العلم المنصور) وهو قطعة كبيرة منسوجة من الحرير مكتوب فيها بالذهب آيات قرآنية بدائر طرتها.
وقد اهتمّ المرينيون ـ مثل الموحدين قبلهم ـ بشأن العلم الرسمي، فجعلوا له موكباً خاصاً يتّبع إثر السلطان في مسيره يسمى (الساقة)، وفيها يكون العلم المنصور تحيط به أعلام دونه مختلفة الألوان، وفي أول الدولة كان عدد أعلام هذا الموكب بين العشرة والعشرين، ولما تضخّم ملك أبي الحسن بلغ عددها مائة بند بين كبير وصغير، ملونة بالحرير، منسوجة بالذهب.
على أننا نرى أن استعمال المرينيين للبياض على الشكل الذي مرّ ذكره هو من مظاهر النزعة الشيعية عند المرينيين، فالبياض كان شعار الثوار العلويين في العهد العباسي الذين كان يطلق عليهم لقب (المبيضة) وإن عُم أحياناً على غيرهم كأصحاب المقنع.
قال المسعودي في مروج الذهب: لقد أتينا على خبر أبي محمد الحسن بن القاسم الحسين الداعي واستيلائه على طبرستان ومقتله وما كان من الجيل والديلم في أمره في كتابنا أخبار الزمان. وقال في موضع آخر منه: والحسن بن القاسم الحسيني الداعي وافى الري وذلك في سنة 310 في جيوش كثيرة من الجيل والديلم ووجوههما فأخرج عساكر أحمد بن إسماعيل بن أحمد وصاحبه عنها واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وقم وأبهر وغير ذلك مما اتصل بالري فكتب المقتدر إلى نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان ينكر عليه ذلك ويقول: إنك أهملت أمر الرعية وأضعفت البلد حتى دخلته (المبيضة) وألزمه إخراجهم عنه.
مزار ﭙشاه
ﭙشاه PASHAH اسم قريتين صغيرتين تبعد كل واحدة منهما عن الأخرى حوالي كيلومتر واحد وتقعان في الشمال الشرقي من مدينة طبس. وتسمى إحداهما ﭙَشاه الكبيرة والأخرى ﭙَشاه الصغيرة. مناخ القريتين حارٌ وأهم محاصيلها الزراعية هي التمور ولكنها ليست من النوع الجيد بحيث إن أكثرها يذهب علفاً للماشية التي ترعى قطعانها من الغنم والماعز بالقرب من مدينة طبس حوالي قريتي ﭙَشاه.
الجدير بالذكر أنه نظراً لقيام بعض المسؤولين الزراعيين بتحسين تمور طبس فإنه من المؤمل أن يصبح هذا المحصول مورداً للملاّكين. أما المحاصيل الأخرى فهي الشعير والدُخن … ومياه ﭙَشاه مالحة غير صالحة للشرب. أما مياه الشرب فإنها تخزن في مخازن يُعرف الواحد منها بالحوض من مياه الأمطار في الشتاء وأن المسافرين القادمين إلى ﭙَشاه يحملون مياه الشرب معهم من مدينة طبس.
المستندات والوثائق المتبادلة بين الأهالي في بيع وشراء الأراضي والنخيل تبدل كلمة ﭙَشاه بالكلمة العربية قشاه وأن المصادر التاريخية القليلة التي أشارت إلى اسم هاتين القريتين ذكرتها باسمها العربي قشاه. والمعلومات الموجودة في المصادر المكتوبة عن ﭙَشاه هي:
1 ـ المجلد التاسع من معجم جغرافية إيران (القرى والأرياف) نقرأ: « ﭙَشاه العُليا، قرية صغيرة من قرى طبس قضاء فردوس على مسافة 18 كيلومتراً شمال شرق طبس، جبلية، حارة سكانها 11 شخصاً».
وفي نفس المصدر جاء عن ﭙَشاه الصغرى: «ﭙَشاه السفلى قرية صغيرة من قرى طبس قضاء فردوس على مسافة 17 كيلومتراً شمال شرقي طبس، جبلية، فيها سكان».
2 ـ في الدراسات التي قامت بها في السنوات الأخيرة المجموعة الجغرافية التابعة لمركز الدراسات الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة، جاء ذكرٌ عن ﭙَشاه الكبيرة وﭙَشاه الصغيرة ما يلي: «فشاه العُليا: السكان 33 نسمة، الأُسر سبعة، ويوجد مزار، الطول الجغرافي 59 ـ 56 العرض الجغرافي 42 ـ 23، الارتفاع عن سطح البحر 860 متراً، لا يوجد فيها كهرباء، محل لغسل الموتى، حمام، مدرسة ابتدائية، متوسطى، ثانوية، مسجد، حسينية، طبيب، مستوصف، بيطري، صندوق بريد، هاتف، درك، بنك، طاحونة، مجزرة (ملحمة)، خبّاز، شركة تعاونية».
وفي نفس المصدر جاء عن ﭙَشاه الصغرى: فشاه السفلى، السكان 24 نسمة، الأُسر 4. إن الأهالي هناك لا يستعملون كلمتي العليا والسفلى التي يستعملها مركز الدراسات الإسلامية ومعجم جغرافية إيران، بل أن الأهالي يطلقون عليهما اسمي ﭙَشاه الكبيرة وﭙَشاه الصغيرة.
3 ـ وثيقة مخطوطة أخرى: الأشعار الموجودة على حجر المزار الواقع في ﭙَشاه الكبيرة وتاريخها سنة 1081 هجرية نتحدث عنها فيما بعد.
إن سبب اهتمام الناس وسفرهم إلى ﭙَشاه الكبيرة هو وجود هذا المزار ولما كان طريق القوافل بين طبس ومدينة مشهد قديماً يمر بالقرب من ﭙَشاه فإن الذين كانوا يسافرون لزيارة مشهد المقدسة على ظهر الإبل والحمير كانوا يتوقفون في ﭙَشاه ويودعون أُسرهم في ﭙَشاه. وخلال عودتهم من زيارة مشهد المقدسة كانوا يقفون في ﭙَشاه أيضاً حيث كانت أسرهم تستقبلهم فيها. وفي فصل الصيف وخاصة في موسم التمور فإن أعداداً كبيرة من الناس كانوا يقدمون إلى ﭙَشاه ليالي الجمعة لزيارة مزارها وكانوا يقضون يوم الجمعة في ظلال النخيل بسبب عدم وجود بناية مناسبة للإقامة فيها. وقبل سنوات أسست مديرية التربية والتعليم في طبس مدرسة ابتدائية في ﭙَشاه الكبيرة ولكن هل أن هذه المدرسة موجودة الآن بسبب قلة عدد أفراد الأُسر هناك؟. وأما عن الإضاءة في مزار ﭙَشاه فإن الناس يستخدمون السراج ولما جاء دور النفط كانوا يستعملون النفط لإضاءة المزار وكانوا ينذرون النفط لهذا المزار وبعد الزلزال الذي وقع هناك ودمّر المزار تم إنشاء مبنى جديد للمزار وتم شراء محول كهربائي صغير للمزار كانوا يستعملونه لإضاءة المزار في ليالي الجمعة فقط حيث يأتي الزوار إلى هناك وما زال هذا المحول الكهربائي موجوداً.
أما المدفون في ﭙَشاه، فعدا الحجر الموجود على القبر والأشعار المنقوشة على هذا الحجر وتاريخ البناء فلا يوجد شيء آخر، وأن صاحب القبر حسب ما يُذكر في القصيدة هو السيد حسين جعفر من سلالة الإمام الباقر عليه السلام. وتوجد هذه العبارة على قطعة القماش الموضوعة فوق صندوق القبر: «السيد حسين بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب». ويبدو أنه قام بهذا التحقيق السيد رضا مدني زاده الشريعتي، أستاذ مدارس طبس.
ويبدو من الأشعار المنقوشة على حجر القبر أنه كان فوق المزار قبّة جيدة دُمرت تماماً وهي الآن غير موجودة وحسب ما أتذكر: أن القبر كان في غرفة صغيرة مرتفعة عن الأرض بعدة درجات وبعد وقوع الزلزال دُمرت الغرفة تماماً، وأن بعض الأخيار أعادوا بناء غرفة كبيرة واسعة ونصبوا صندوقاً على القبر وبنوا جداراً حول ساحة القبر كما بنوا غرفاً لإقامة الزائرين. ولكن هذه البناية دُمّرت في زلزال سنة 1357 الذي وقع في طبس. فأعادوا إنشاء بناية أخرى ما زالت قائمة يزورها الزوار. وكما أشرنا فإن البناية الأولى قد أنشئت حسب التاريخ الموجود في الأشعار المنقوشة على حجر القبر في سنة 1080 هجرية وأن مؤسسها حسب العبارة المنقوشة في نهاية الأشعار هو «… سلطان حَسَني ولد محمد داروغه سنة 1081».
محمد رضا الأظهري
المزولة
ربما كان المسلمون أكثر الملل احتياجاً إلى ضوابط الوقت، كانت تُحوجهم إليها كثرة طقوسهم وشعائرهم المتصلة بالصلاة والصوم والحج، وكانت لهم منها ضوابط ورثوها عن عرب ما قبل الإسلام، وأخرى ابتدعوها تلبية لمقتضيات جديدة، وضوابط أخذوها عن أمم احتكوا بها وتفاعلوا معها، فلم يأنفوا أخذ ما يوافقهم ويخدم عقيدتهم. وقد استعان المسلمون بـ «المزولة» لتعيين مواقيت الأذان والصلاة. فما هي «المزولة»؟
ـ ضبط العرب أوقاتهم ـ منذ ما قبل الإسلام، مستعينين بحركة الشمس والقمر والنجوم، وانتقال الظل، أكان ظل عنصر في الطبيعة أم ظل إنسان أو رمح، وكانت لهم اصطلاحاتهم على الأشهر والأيام والساعات والدقائق والثواني.
والموضوع ـ على الجملة ـ جدير ببحث قائم بذاته، يعنينا منه في هذه العجالة استعانة المسلمين بـ «المزولة» على تعيين مواقيت الأذان والصلاة في النهار، في تدبيرٍ نظن أنّ الباعث عليه حاجتهم إلى الأذان والصلاة في وقت واحد في المدن التي كثرت مساجدها؛ الأمر الذي يحملنا ـ ابتداء ـ على استنتاج أن المزاول لم تكن في المساجد كلها، وأنَّ المعول في هذا الأمر كان على مسجد إمامٍ في المدينة الواحدة، ينطلق فيه صوت مؤذنة، فيتبعه في اللحظة نفسها مؤذنو سائر المساجد.
ولم يكن على المسلمين حرج في أن يأخذوا هذه «المزولة» عن أمم سابقة، وفي أن يطوروها، شأنهم في كل ما أخذوه من عناصر الحضارة المادية ثم تمثلوه وأخرجوه في صورة أعلى فصار جزءاً من عناصر جضارية إسلامية شاملة.
والمزولة لوحة حجرية عليها خطوط محسوبة وشاخص معدني أو خشبي يتوسطها ويكون ظلُّه الناتج عن سقوط ضوء الشمس عليه وسيلة معرفة الوقت، لا سيما وقت أذان الظهر ووقت آذان العصر؛ إذ كانت لهم في تعيين مواقيت أذان الفجر والمغرب والعشاء ضوابط أخرى.
واسم المزولة من الزوال؛ «والزوال: زوال الشمس. وزالت الشمس زوالاً وزوولاً، بغير همز وزيالاً وزولاناً: زلَّتْ عن كبد السماء. وزال النهار: ارتفع وزال الظل زوالاً كزوال الشمس. وزال زائل الظل إذا قام قائم الظهيرة وعقل» (لسان العرب لابن منظور: مادة زوال). وفي «المساعد» للأب أنسطاس الكرملي (ص 242) أن المزولة سمّيت «البسيطة»، فقد «جاءت هذه اللفظة عند بعض العرب المخالطين للترك بمعنى المزولة أو الساعة الشمسية: «Cadran.
مزولة الجامع المنصوري
ومنشأ المزولة بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كما يستفاد من بعض المصادر، وأقدم مزولة معروفة في مصر الفرعونية يرجع إلى العام 1500 قبل الميلاد كما يذكر الدكتور عاصم محمد رزق في كتابه «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية»، وكانت عبارة عن «حجر منبسط عليه قضيب منكسر على هيئة ضلعي زاوية قائمة كان طول الظل عليها يقاس بواسطة تدريجات على جزئية الأكبر» (ص 280). ثم تطورت صناعة المزاول بتقدم علم الرياضيات وعلم الفلك «فصنع أحد الكهنة الكلدانيين مزولة نصف كروية بأعلاها عمود رأسي، ثم ازداد تصميم المزاول دقة في القرن الأول الميلادي وأصبح وضع القضيب أو الشاخص فيها موازياً لمحور دوران الأرض فازدادت الصلة بين حركة الشمس واتجاه الظل»، وهكذا …
إذاً، فالراجح أن العرب أخذوا المزولة من هذين المصدرين قبل ظهور مساجدهم، حتى إذا بنوا المساجد واحتاجوا فيها إلى تعيين مواقيت الأذان اعتمدوا المزاول، خصوصاً في المساجد الكبرى كجامع ابن طولون في القاهرة، إذ كانت فيه مزولة كما يذكر المقريزي كما ينقل الدكتور عاصم رزق عن مصادره أنّ الجامع الأزهر وحده كانت فيه سبع مزاول اندثرت ولم يبق منها غير مزولتين إحداهما مهملة على السطح والأخرى على يمين الداخل من باب المزينين.
وفي لبنان بقيت إلى أيامنا مزولتان، هما المزولتان الموجودتان في الجامع المنصوري في طرابلس، وهما في حال جيدة.
والطريف أن ينقل الباحث عبد الرحمن حجازي في كتابه «دليل معالم صيدا الإسلامية» (ص 27) عن «كبار السن» في مدينة صيدا أن جامع الكتخدا قد اشتهر «بساعته الشمسية التي كانت تزين مدخله من الداخل، ولم يبق لها أثر الآن نتيجة الهدم الذي تعرض له المسجد». فالباحث ينقل عن «كبار السن»، ولذلك يتعذر الاطمئنان إلى أنَّ ما كان في مدخل جامع الكتخدا كانت مزولة. والراجح أنه كان تحليلة زخرفية هي هذه التي أعادها المرممون إلى موقعها الذي يذكره حجازي.
والخلاصة أن المزولة كانت جزءاً من عمارة المساجد الجامعة في المدن.
المزيديون
بنو مزيد
ـ 1 ـ
قامت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر) دولة بني مزيد في الحلة بالعراق على يد مؤسسها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي.
وعن صدقة هذا يقول ابن الأثير: «كان جواداً حليماً صدوقاً كثير البرّ والإحسان، ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من قصده في أمن ودعة، وكان عفيفاً عادلاً لم يتزوج على امرأته ولا تسرّى عليها، ولم يصادر أحداً من نوابه ولم يأخذهم بإساءة قديمة، وكان أصحاب يودعون أموالهم في خزانته ويدلّون عليه إدلال الولد على ابيه. ولم يرد رعية أحبت أميرها كحبها له. وكان متواضعاً يبادر إلى النادر. وكان حافظاً للأشعار، وكانت له مكتبة تحوي ألوف المجلدات وكانت منسوبة الخط».
والواقع أن الإمارة المزيدية قامت قبل صدقة، وكان أول أمرائها أبو الحسن علي بن مزيد المتوفى سنة 408هـ وجاء بعده ولده دبيس الذي كان عند وفاة أبيه علي في الرابعة عشرة من عمره. فأقره بهاء الدولة البويهي على ملك أبيه، واستمر في الحكم سبعاً وستين سنة وتوفي سنة 474هـ. فقام بعده ولده منصور أبو كامل وكانت الدولة البويهية قد زالت وحل محلها السلاجقة. ودام حكم منصور خمس سنين وتوفي سنة 479هـ فتولى بعده ولده سيف الدولة صدقة. وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة.
وقد خضعت له القبائل الفراتية وامتدت إمارته إلى البصرة وواسط والبطيحة والكوفة وهيت وعنه والحديثة، وسيطر على أقوى القبائل العراقية لذلك العهد مثل خفاجة وعقيل وعبادة وقبيلة جاوان الكردية.
وقد اهتمّ بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية. ورأى أفضل ما يعينه على ذلك هو العدل في الحكم. هذا عدا عما كان يلقاه العلماء والأدباء في كنفه من الرعاية فأقبلوا عليه من كل ناحية.
وانتهت حياة صدقة سنة 501هـ قتلاً في حربه من السلاجقة. وبعد وفاة السلطان محمد السلجوقي أطلق ولده محمود، دبيساً بن صدقة الذي كان في أسر أبيه وأعاده إلى الحلة سنة 512هـ فأنشأ الدولة من جديد. وقال فيه ابن خلكان في وفيات الأعيان: «ملك العرب صاحب الحلة المزيدية، كان جواداً كريماً، عنده معرفة بالأدب والشعر وتمكّن في خلافة المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير. ودبيس هو الذي ذكره الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: والأسدي دبيس، لأنه كان معاصراً له فرام التقرب إليه في مقاماته ولجلالة قدره وله نظم حسن ….».
وقال فيه ابن الطقطقي في الآداب السلطانية: «كان صاحب الدار والجار والحمى والذمار، وكانت أيامه أعياداً، وكانت الحلة في زمانه محط الرحال وملجأ بني الآمال ومأوى الطريد ومعتصم الخائف الشريد …».
وقد تمكّنت سلطته في البلاد واجتمعت عليه القبائل العربية والكردية. وأغضبه الخليفة المسترشد فجمع جيوشه ودخل بغداد وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وهدد المسترشد، فاسترضاه فرجع إلى الحلة.
وقام صراع بينه وبين السلاجقة فانتصر عليهم عند نهر بشير شرقي الفرات سنة 516هـ.
وامتد الصراع إلى أن اضطر دبيس للجلاء عن الحلة، ثم عاد إليها وتكرر الجلاء والعودة. إلى أن دعاه إليه السلطان مسعود السلجوقي وبعد أن أكرمه عاد فغدر به وقتله سنة 529هـ. وقد استمرت الإمارة المزيدية بعده حتى سنة 545هـ إذ انتهت بموت علي بن دبيس.
وفي رجال هذه الدولة يقول العماد الأصبهاني: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات: كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجين وموئل المعتفين وكنف المستضعفين تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال، وأثرهم في الخيرات أثير، والحديث عن كرمهم كثير. وكان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الاعتزاز ويخص الشاعر من جوده بالاختصاص والامتياز ويؤمنه مدة عمره من طارق الأعواز يقبل على الشعراء ويمدهم، جميل الإصغاء وجزيل العطاء».
وكانت الحلة قد شيّدت في أواخر القرن الخامس للهجرة، شيدها سيف الدولة صدقة نفسه وكانت منازل آبائه في بعض أصقاع نهر النيل، في إقليم بابل أيضاً. فلما قوي أمره واشتد أزره، وكثرت أمواله ورجاله، انتقل إلى الجامعين موضع في غربي عمود الفرات، ليبعد عن الطالب إذا هرب. وكان ذلك في المحرم من سنة 495هـ على عهد السلطان بركيارق بن ملكشاه السلجوقي وفي خلافة المستظهر بالله العباسي، وكانت أجمّة تأوي إليها السباع، فنزل فيها بأهله وعسكره وحلفائه، وبنى بها مساكن جليلة ودوراً فاخرة، وتأنّق أصحابه في ذلك، وقصدها التجار، فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها.
وعن المزيديين والشعر يتحدث الدكتور علي جواد الطاهر:
كانت مكانة بني مزيد في الشعر بارزة بروزها في التاريخ([517])، ولقد مدح الشعراء نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد، فلما توفي في سنة 474 رثوه فأكثروا([518]).
ولقد رثوه بعد وفاته بأكثر مما مدحوه في حياته([519]) وظل ذكره يتردد عند مدح أعقابه ولما أفضت الإمارة بعد وفاته إلى ولده بهاء الدولة منصور، هنأه البندنيجي ودعا للسلطان ملكشاه. وكان بين منصور وشرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي مكاتبات ومعاتبات، وقد استنجد العقيلي مرة بهاء الدولة فلما لم ينجده عزم واعتمد على نفسه وانتصر، فأجابه بها الدولة معتذراً:
ولو أني جريت على اختياري
قددت إليكم الفلوات قدا
لتعلم أن بيت بني علي
لكم وبكم يعد إذا استعدا
ولا بد من تصديق عذر منصور لأنه معروف بالشجاعة والنجدة ولأنه يقول والتاريخ يؤيده:
فإن أنا لم أحمل عظيماً ولم أقد
لهاماً ولم أصبر على فعل معظم
ولم أجر الجاني وأمنع حوزة
غداة أنادي للفخار وأنتمي
فلا نهضت لي همة عربية
إلى المجد ترقى بي ذرا كل مخرم
وفي عام 476 لما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب في ديار بكر وغنموا أموالهم وسلبوا حريمهم بذل صدقة بن منصور الأموال وأفتك أسرى عقيل ونساءهم وأولادهم وجهّزهم جميعهم وردهم إلى بلادهم ففعل أمراً عظيماً وأسدى مكرمة شريفة([520]) فشكره الناس على ذلك([521]) وامتدحه الشعراء فأكثروا([522]).
وقد وصف السنبسي هذه الحادثة وصفاً يتفق هو والتاريخ في قصيدة منها:
كما أحرزت شكر بني عقيل
بآمد يوم كظهم الحرار
غداة رمتهم الأتراك طرا
بشهب من حوافلها أزورار
فما جبنوا ولكن فاض بحر
عظيم لا تقاومه البحار
فحين تنازلوا تحت المنايا
وفيهن الرزية والدمار
مننت عليهم وفككت عنهم
وفي أثناء حبلهم انتشار
ولولا أنت لم ينفك منهم
أسير حين أعقله الأسار
وأجود من أبيات السنبسي أبيات البندنيجي:
ويمسى له في جيد كل متوج
صنائع لم تخطر ببال حسابها
كيوم عقيل والرماح شواجر
وبيض الظبي يوري الكماة ضرابها
غداة غدت للترك في الحي وقعة
أباحت حمى دار عزيز جنابها
فأقسم لولا نخوة مزيدية
لباتت على حكم السبايا كعابها
ولكن سيف الدولة بن بهائها
حمى عرضها والترك يحرق نابها
تناشده الأرحام والنفع ثائر
ولا يحفظ الأرحام إلا لبابها
وكم ذاد عنها المزيديون بالقنا
سيوف العدى من حيث غص شرابها
عشية لاذت بالفرار من الظبي
وعاثت باسلات الأسود ذئابها
ولولا عوالي (نور دولة) خندف
لما انجاب عن تلك الشمس ضبابها
إذا نابها خطب فأنتم ملاذها
وإن رابها جدب فأنتم ربابها
ولما مات بهاء الدولة عام 479 أحزن موته نظام الملك والسلطان والخليفة وكثيراً من الشعراء.
وولي الإمارة بعده ولده سيف الدولة صدقة. وصدقة أخطر رجال بني مزيد ومن أعاظم رجال زمانه وقد مدحه غير السنبسي والبندنيجي شعراء كثيرون مثل المطاميري وابن أبي الصقر الواسطي وابن واثق الأنباري ومحمد بن حيدر وشبيب البروجردي ويحيى بن التلميذ والأبيوردي وابن الهبارية.
وإياه خاطب جحوش الكلبي الخفاجي بقوله:
فإن ترض عنا فالعراق نحله
وإلا نزلنا عنه أزورا
ومن عرف خفاجة وأذاها وعرف وقعات صدقة بها أدرك معنى هذا البيت.
ويقول ابن الهبارية في كتابه (الصادح والباغم) الذي أهداه صدقة بعد حديثه عن أجداد الممدوح:
ولم تزل (حلته) ملاذاً
لكل من يهرب من بغداد
يقصدها الملوك والخلائف
وجائع ذو فاقة وخائف
فيشبع الجائع في ذراها
ويأمن الخائف في حماها
يا ليتني سكنت الحلة
بين شموس المجد والأهلة
في خير دار ضيف خير مرتجى
ملك يعز عنده أهل الحجى
ومن قصيدة القاضي شبيب البروجردي في سيف الدولة:
قطعت الفيافي لا ضنينا بمهجتي
ولا كارهاً وعر الجبال وسهلها
إلى «حلة» ما حلها اللؤم والخنا
بل المجد والعلاء والجود حلها
وكانت مملكة صدقة في اتّساع وقد قال مهذب الدولة بن أبي الجبر يخاطبه:
كشفت عن قناعها لك بغدا(د)
وأعطتك واسط ما تشاء
وعصت جيدها إليك من الشو
ق حنانيك البصرة الفيحاء
وقد سار صدق نحو البصرة وملكها فهنأه الشعراء بهذا النصر وهم يرثون ابن خاله أبا النجم بن أبي القاسم الورامي الذي قتل في المعركة. ومن ذلك قول بعضهم:
تهن يا خير من يحمي حريم حمى
فتحاً أغثت به الدنيا مع الدين
ركبت للبصرة الغراء في نخب
غر كجيش علي يوم صفّين
هوى أبو النجم كالنجم المنير بها
لكنه كان رجماً للشياطين
أما الأبيوردي فإنه مدح صدقة منذ وصوله إلى العراق، فتحدث عن نسبه وذكر أيام أجداده ووصف أحدها، ثم قصد الحلة فاستقبل أحسن استقبال وقد أعدّ رائية مدح فيها أسداً وقال:
وما زال منصور ينيف على الورى
به الشرف الوضّاح والحسب الغمر
ومن أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المضيئة والبدر
فسرت على آثاره متمهلاً
ولم يختلف في السعي بينكما النجر
وقد أساء الشاعر فهم بعض الأحوال وفسرها بالإهمال وحاول ترك الحلة وهو يردد أبياتاً هجائية:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرها
وكل مكان خيّمت فيه بابل
وهذه الأبيات جزء من قصيدة طويلة كان الشاعر قد وجهها لمؤيد الملك بن نظام الملك مستعيناً به على عميد الدولة بن جهير، والأبيات في ذم بابل ويراد ببابل العراق كله ذلك أن حلّة صدقة لم تكن قد شيّدت يوم نظمت القصيدة ومن المحتمل أن يكون إنشاده لها من قبيل الاستشهاد. وإذا كان هناك شاعر غير مرتاح من الحلّة فهو الغزي، فقد قصدها مرة فقال:
أنا في الحلة الغداة كأني
علوي في قبضة الحجاج
بين عرب لا يعرفون كلاماً
طبعهم خارج عن المنهاج
وصدور لا يشرحون صدوراً
شغلتهم عنها صدور الدجاج
والمليك الذي يخاطبه النا
س بسيف ماض وفخر وتاج
ما له ناصح ولا يعلم الغيب
وقد طال في مقامي لجاجي
وواضح أن يكون بين أسباب هذا الهجاء إعراض لقيه من الأمراء وخيبة أصابته في آماله بالكسب، وفيما عدا ذلك لم يقل قوله إنسان وعندما قتل صدقة عام 501هـ فرح الغزي فرحاً شديداً كأنه انتقم لنفسه وثار، ثم دبج قصيدة يهنئ بها غياث الدين السلطان محمداً ووزيره ضياء الملك أبا نصر أحمد بن نظام الملك:
جلا لك وجهه الفتح المبين
ومد بضبعك السبب المتين
وكان الخطب في التقدير صعباً
فهان وأي خطب لا يهون
وما اللجب اللهام بذي امتناع
غداة يقوده الفرع المهين
رمى (أسداً) مقدمها سفيهاً
بمعضلة يضيب لها الجنين
وأوردها الردى والهام تهوي
كما يتهافت الخيط الدرين
وغرته السرية يوم فلت
سجالاً كانت الحرب الزبون
وظن الترك قد تركته خوفاً
وعند السر تنتقض الظنون
أقام بأرض بابل مستبداً
يراسله الأمير فما يدين
ويوسعه غياث الدين حلماً
وغير مثقف من لا يلين
يتيه بثروة وطنين صيت
وأجنحة البعوض لها طنين
ولما لم يعظه من الليالي
قرائن بعدما خلت القرون
سرى ورمى الفرات وراء ظهر
فنوناً جمّة كان الجنون
فأقبل وهو لاسم أبيه ضد
وأدبر والبوار له قرين
حمى الليث العرين وآل عوف
ليوث كان يحميها العرين
فلما أصحروا صاروا نقاداً
ومن شر الحمية ما يهون
كان الأعوجية حين فروا
مقيدة القوائم أو صفون
توالوا والسيوف من التراقي
مخضبة وباللمات جون
رجا أن يدخل الزوراء قهراً
وينصر باطل ليذل دين
فجيء بنصف رأس منه ترنو
إلى مكروه منظره العيون
وما اجتمع الغنى والبخل إلا
والآفات بينهما كمين
وغرض الشاعر الشخصي واضح وأهواؤه الشامتة بينة ولهجته العدائية مفضوحة. وما رمى أحد صدقة بسفاهة أو بخل أو كفر ولا آل مزيد بجبن وما يشبه الجبن، ولا مدح أحد ضياء الملك هذا المدح. ونحن نعرف ضعفه وبعده عن المقارنة بأبيه ونعرف غاية الغزي الاستجدائية من مديحه.
ولكن القصيدة على ذلك تجلو نقاطاً تاريخية مهمة، فهي ترينا أن السبب المباشر للمعركة هو قوة صدقة واتّساع نفوذه وآماله وقلّة اكتراثه لأوامر السلطان، ثم أنها تدلنا على أن جيش السلطان كان يستصعب حرب صدقة وأنه أرسل سرية فلها جيش صدقة.
وليلاحظ أن الغزي قد نصّ على أن صدقة كان يريد أن يملك بغداد وأن غايته من ذلك أن ينصر الباطل ويذل الدين. وقد يكون في الشطر الأول من هذا النص شيء من الصحة، إلا أن صدقة لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال من أنصار الباطل، فلم يعرف عن الرجل غير نصرة الحق والتقوى ولعل الغزي قصد الإشارة إلى تشيع صدقة، وقد كان تشيع صدقة ذنباً برأي بعض المؤرخين. أما إذا أراد نسبته إلى الباطنية فذلك مزعم غير صحيح وقد فنّده ابن الأثير، وطالما اتّخذ ذريعة رخيصة للتنكيل بكل ماجد يخشى سلطانه وتحسد منزلته.
ولما قتل صدقة أقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية.
وقد أنشأ البطانجي قصيدة يستهجن هذه الأفعال ويسخر على طريقته الخاصة:
لقد سن للسلطان ثابت سنة
فلا يأمن السلطان زيد ولا عمرو
موافقة النظار والكشف عنهم
ولو كان ممن لا يصح له العشر
وقد كثر القطاع حتى أظنه
سيقطع كلب في الجزيرة أو هر
ثلاثون ألف للبشيري وحده
فدع عنك ممن لا يجوز له ذكر
وعشرون ألفاً أقطعت نرجسية
كثير له ألف ولو أنها بعر
ولولا سفاه الرأي كان عليهم
من الغنم الأعشار والصوف والشعر
وما كان (اسياكيل) يركب خلفهم
جياد البراذين البشيرية الحمر
ويركب (سلار) أخوه بزهوه
ومن خلفه فهد وقدالمة صخر
سلام على مال العراق فإنه
مضى حيث لا نفع لذلك أو ضر
فشطر لأتراك ومن دونها النهر
وشطر لأكراد من شأنها الغدر
وشطر لكتاب وما فيهم صدر
وشطر لحجاب وما فيهم فخر
وفي هيت والأنبار للناس عبرة إذا
أبصروا (يمناً) كما انكشف البدر([523])
كان غراباً فوق أعواد سرجه
لك الخير إن لاقيته وله الشر
فورام ما ورام خير سجية
وليس سواء بأفراس وبانصر([524])
وإذا استبعدنا اللهجة الساخرة في هذه القصيدة بقيت لدينا معلومات قابلة التصديق وتفصيلات لا نجدها في أي كتاب من كتب التاريخ.
وفي مطلع قصيدة للسنبسي نظمها بعد قتل صدقة:
قالوا هجرات بلاد النيل([525]) وانقطعت
حبال وصلك عنها بعد أعلاق
فقلت إني وقد أقوت منازلها
بعد ابن مزيد من وفد وطراق
فمن يكن تائقاً بهوى زيارتها
على العباد فإني غير مشتاق
وكيف أشتاق أرضاً لا صديق بها
إلا رسوم عظام تحت أطباق
واستطاع دبيس بن صدقة أن يستعيد إمارة أبيه. وقد مدحه الشعراء وحدث المجحف القشيري عن فترة الانتقال التي مرّت بين الأميرين فقال وهو يطري دبيساً:
وقد حكمت كل الملاحم أنه
على الجانب السعدي قابلك السعد
وقلنا بأرض (الجامعين) وبابل
وقد أفسدت فيها الأعاريب والكرد
ألا فتنحوا عن دبيس وداره
فلا بد ما أن يظهر الملك الجعد
وقال فيه حيص بيص:
توالت عليه الفادحات ولم يحد
عن الصبر حتى أدرك المجد أجمعا
وما زال يرخي للنوى من قياده
إلى أن أفاد الحي شملاً مجمعا
وله أيضاً:
طليق الوجه أغلب مزيدي
مضيء النار مرفوع العماد
إلى أن يقول:
وباعثها إلى الغارات تهفو
سراعاً مثل مبثوث الجراد
فيوماً في المشارق في مغار
ويوماً بالمغارب في جلاد
أجلت الخيل في الآفاق حتى
تخوّفت السماء من الطراد
وباراك الملوك فكنت منهم
مكان الشامخات من الوهاد
وقتل دبيس سنة 529 فرثاه حيص بيص واثنى على شجاعته وكرمه ولطفه:
فلتبكه البيض الصوارم والقنا
والسابقات لواحق الأمطاء
وليبكه اليوم العصيب من الوغى
ينزو بكل كتيبة حمساء
وليبكه راد الصباح أعاده
بطراده كالليلة الليلاء
وليبكه اللطف الذي لم تؤته
خمر ولم يرزقه صفو الماء
وتألف القلب اللطيف بمنطق
أغنى مؤمله عن الإعطاء
ونلاحظ أن بني مزيد كانوا يتذوقون الشعر وربما قالوه، وكثيراً ما أجازوا الشعراء عطايا لا تخطر بالحسبان وأكرموهم إكراماً منقطع النظير.
والواقع أن لبني مزيد في الشعر اسم مذكور، وما كانوا يعتمدون قول الشعر إلا لحادثة على سبيل الندر([526]) فمنصور يفخر فيقول عن قومه وزعامته:
وجدت أبي فيهم وخالي كلاهما
يطاع ويؤتى أمره وهو محتبي
فلم أتعمل للسيادة فيهم
غداة أنادي للفخار وأنتمي
ودبيس بن منصور شاعر طالما طارح بني عقيل وكذلك صدقة وولده دبيس.
وكان بدران بن صدقة طامحاً ولعله حسب مجده في الهجرة:
لأقلقن العيس دامية إلا
خفاف من بلد إلى بلد
أما يقال سعى فأبرزها
أو أن يقال مضى ولم يعد
وكان من ذلك أن قصد مصر وأقام بها فاستشعر الغربة فكتب من هناك:
ألا قل لمنصور وقل لمسيب
وقل لدبيس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه
إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فأجابه دبيس:
ألا قل لبدران الذي حنّ نازحاً
إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما
عذار الأماني بالهموم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة
وللأرض من كأس الكرام نصيب
ومن المزيديين الأمير مزيد بن صفوان بن الحسن بن منصور (بهاء الدولة) ولد في الحلة سنة 538 ثم هاجر إلى الشام وتوفي هناك عام 584 ودفن في بلدة مصياف.
والمهم في أمره أنه كان شاعراً منصرفاً إلى الشعر وقد خلف ديواناً مخطوطاً فيه حنين إلى بلده وزوجته.
ومن شعره قوله:
فيا دهر هل بعد التفرق رجعة
فيهتف بي للوصل يا دهر هاتف
وتسعدني بالقرب بين أحبّتي
وتجمعني «بالجامعين» معارف
وقوله:
أتعود أيامي بزورة بابل
هيهات أيام مضت أتعود
والحلة الفيحاء منها طينتي
دار بها أهل الندى والجود
وقوله:
ليس موتي بعد الفراق عجيباً
عجب كيف لي عليه بقاء
من بشط الفرات هل يسعد الدهـ
ـر على البين أو يعين القضاء
ويعود الشمل الشتيت كما كا
ن وتنأى الهموم والبرحاء
ليت لي نظرة إليكم على القر
ب وهيهات أن ترى العنقاء
وإلى شامخ النخيل فيطفي
نار قلبي بالسيسبانة ماء
ومن شعر دبيس بن صدقة قوله:
حب علي بن أبي طالب
للناس مقياس ومعيار
يخرج ما في أصلهم مثلما
تخرج غش الذهب النار
المزيديون
ـ 2 ـ
منشأ الإمارة المزيدية
كانت مجالات بعض بطون أسد بن خزيمة من أجيال مضر في القرن الرابع الهجري بين البصرة وواسط والأهواز، وبالضبط في ميسان([527])، وكانت الزعامة لبني ناشرة بن نصر، وهم بطن من بني أسد، وكان يتنافس على الزعامة بنو مزيد([528]) الناشري، وبنو عفيف الناشري، وقد انشقّت بطون بني أسد إلى شطرين.
علا شأن بني مزيد باتّساع نفوذهم لكثرة أتباعهم من بني قومهم وغيرهم من حلفائهم من الأكراد: الشاذنجان والجاوان، فصار الخلفاء والسلاطين من آل بويه يخطبون ودهم، فأعرفوا بهم أمراء حاكمين، وبذلك انتقلوا من المشيخة إلى الإمارة وقد لعبوا دوراً مهماً في تاريخ الدولة العباسية دام نحو قرن ونصف قرن. وكان أمراء الأسرة المزيدية ثمانية أولهم الأمير أبو الحسن علي بن مزيد.
وكان رجلاً باسلاً جواداً قوي الشكيمة عالي الهمة، كبير النفس، له منزلة في نفوس كبراء الدولة العباسية والبويهية وهو أول من حاز لقب الإمارة من الأسرة المزيدية.
دبّت عقارب الحسد في قلوب منافسيهم من بني عمهم بني عفيف الناشري لما رأوا نفوذهم، ومكانتهم عند آل بويه، وكانت الحالة تنذر بشوب حرب بين الطرفين لهذا السبب من جهة، ومن جهة أخرى أن المكان الذي كانوا يقطنون فيه لا يكفيهم، ولا يسد حاجتهم المعاشية بسبب ازدياد نفوس القبيلة، فكان هذا عاملاً اقتصادياً يقرب نشوب الحرب بين الطرفين.
وقعت الحرب بينهما سنة 410، وكان السبب المباشر لنشوب الحرب هو أن أبا الغنائم أخا علي بن مزيد كان يقيم مع بني عفيف في جزيرتهم فقتل أحد زعمائهم وهرب إلى أخيه أبي الحسن، فقامت الحرب بين الطرفين وقتل فيها أبو الغنائم.
ثم تجددت الحرب سنة 415هـ فقد ألّف أبو الحسن علي بن مزيد جيشاً لجباً من العرب والشاذنجان والجوّانية وغيرهم، ولما علم بنو دبيس بذلك استعدوا لملاقته فلما تقارب الفريقان نشب القتال بينهما، وظفر الأمير أبو الحسن علي بن مزيد وقتل في هذه المعركة حسان وبنهان ولدا دبيس بن عفيف، واستولى أبو الحسن علي بن مزيد على بيوتهم وأموالهم وفرَّ من سلم منهم إلى الحويزة وضم الجزيرة الدبيسية إلى إيالته، وبقي هناك خمسة أشهر ثم أن مضر بن دبيس بن عفيف جمع جموعاً كثيرة وكبس أبا الحسن المزيدي وهو لا يعلم، فأخلى الجزيرة الدبيسية، ثم قرر أبو الحسن أن يرتحل بعشائره وسائر أتباعه إلى مكان أكثر خصباً يضمن حاجة القبيلة من جهة، ومن جهة أخرى يتفادى التصادم بين أفراد القبيلة الواحدة الذي يجلب لها الدمار.
ارتحل الأمير أبو الحسن بعشائره في نفس السنة إلى ريف النيل ذي الخصب الوفير، وانتشرت عشائره في أرياف الفرات في أرض بابل.
قيام الإمارة المزيدية في النيل
لما ارتحل الأمير أبو الحسن المزيدي من أرض ميسان نزل في بلد النيل واتّخذها مركزاً لإمارته وأخذ يسعى لنشر الأمن في إمارته، فعاش الناس في طمأنينة.
ثم جاء سلطان بن ثمال الخفاجي إلى الأمير أبي الحسن المزيدي طالباً وساطته لدى فخر الملك نائب بهاء الدولة البويهي لأنه كان متمرداً على فخر الملك، ثم خاف سوء العاقبة. فقبل الأمير أبو الحسن المزيدي القيام بهذه الوساطة لأنها تدعم الأمن في ولايته وتحقن الدماء، فطلب إلى فخر الملك العفو عن سلطان بن ثمال الخفاجي فقبل فخر الملك وساطته، وأخذ منه العهد بلزوم الطاعة.
ثم أن سلطان بن ثمال الخفاجي نكث العهد، ورفع راية العصيان، ونهب سواد الكوفة، فأرسل فخر الملك لحربه جيشاً، فكتب إلى أبي الحسن المزيدي بالخروج إليه، فخرج إليه أبو الحسن، وتعقب الثائرين، ونكل بهم وأسر جماعة منهم محمد بن ثمال الخفاجي.
بقي الأمير أبو الحسن في إمارته حتى توفي سنة 408هـ وخلفه على الإمارة ولده دبيس.
لما توفي الأمير أبو الحسن بن علي خلع سلطان الدولة البويهي على ولده دبيس وأقره في أعمال أبيه، ولقبه (بنور الدولة) فقام الأمير دبيس بشؤون الإمارة وعمره أربع عشرة سنة، وكانت مدة إمارته سبعاً وستين سنة. قال فيه ابن الأثير: «ما زال ممدحاً في كل زمان، مذكوراً بالتفضل والإحسان».
وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر الشهير كاتباً بين يديه في شبيبته.
اهتم الأمير دبيس بالأمن في ولايته، فقوى جيشه، وكان جيشه مؤلفاً من عرب وأكراد جاوانيين، وجعله على أهبّة الاستعداد لمجابهة الطوارئ.
وقد قصده الشعراء، ومدحوه، فأجزل عطاءهم، ومن هؤلاء الشاعر الشهير مهيار الديلمي. كان يفد إلى النيل، ويقدم مدائحه في آل مزيد ومن مدائحه في الأمير دبيس قصيدة منها:
وإن ببابل منكم لبحراً
لو أن البحر جاد كما يجود
إذا الوادي جرى ملحاً أجاجاً
ترقرق ماؤه العذب البرود
فتيّ السن مكتمل حجاه
طريف الملك سؤدده تليد
ويأبى الله إلا مزيدياً
على أسد يؤمر أو يسود
إذا اشتبهت كواكبكم طلوعاً
فنور الدولة القمر الوحيد
تراه الخيل أفرس من تمطّت
به والجيش أشجع من يقود
إن المقلد أخا الأمير دبيس كان يطمع بالإمارة، فذهب إلى بغداد، وبذل للأتراك أموالاً على أن يساعدوه على حرب أخيه دبيس، فأجابوه إلى ذلك وسار معه خلق كثير، كبسوا دبيساً، ونهبوا أمواله، وكاد يتلاشى أمره ولكنه لم ييأس فجمع جموعه وساعده أحد القواد وهو الأثير الخادم، وحارب دبيس أخاه ومن انضم إليه حتى أجلاهم عن أعماله، فهرب المقلد إلى بني عقيل، وأقام عندهم، ثم طلب المقلد من جلال الدولة البويهي مساعدته على حرب أخيه دبيس، فأمده بجيش لمحاربته فرأى دبيس الأقبل له بمحاربة جيش أخيه لكثرته واستعداده، فلحق بالشريد أحد الأمراء.
سار دبيس بصحبة الشريد إلى مجد الدولة، وطلب منه إرجاع دبيس إلى ولايته وضمن الشريد لمجد الدولة المال المقرر في ولاية دبيس، فأجاب إلى ذلك، وخلع على دبيس، وأرجعه إلى ولايته، واستقام حاله حيناً.
ثم أن المقلد أخا دبيس اتفق مع جماعة خفاجة على حرب أخيه دبيس، فقاموا ونهبوا مطيرباد والنيل وعاثوا فيهما، وخربوا المنازل، فتصدى لهم دبيس، وحاربهم فردهم، ثم قام أحد الأمراء المعروف بأبي الشوك وأصلح بين الأخوين، فعادا إلى الصفاء.
وما كاد الأمير دبيس ينتهي من أمر أخيه المقلد حتى ثار عليه أخوه الآخر ثابت، فاستعان هذا على حرب أخيه بالبساسيري أحد أمراء الأتراك في بغداد فأمده بجيش، ولما علم دبيس حقيقة الحال نزح عن أعماله، وملكها ثابت، ثم أن دبيساً سار بجمع من بني أسد وخفاجة، وقصد ثابتاً، ولما قاربوه جرت بين الفريقين معارك، وأخيراً تم وقوع الصلح بين الأخوين على أن يعود دبيس إلى أعماله ويقطع أخاه ثابتاً بعض الأعمال.
ومن ذلك الحين قوي نفوذ دبيس في أعماله واستتب فيها الأمن، وصار الملك البويهي يعتمد عليه في مهام الأمور، ففي سنة 441هـ أقطعه الملك الرحيم حماية نهر الصلة([529]) ونهر الفضل([530]) وكانا قبل من أقطاع عسكر واسط، فغضبوا من أجل ذلك، وزحفوا لحرب دبيس، فاستعدّ لهم وكمن لهم، فهزمهم، ورجعوا مدحورين.
في سنة 446هـ رفعت خفاجة راية العصيان، وقصدت الجامعين من أعماله تنهب، فراجع دبيس البساسيري في أمرها، فجاءه بعسكر وأجلى خفاجة من الجامعين، ونكل ببعض زعمائهم.
وكان دعاة الدولة الفاطمية بمصر قد انبثوا في العراق، وأخذوا يشجعون الأمراء على الانفصال عن الخلافة العباسية والاعتراف بالخلافة الفاطمية بمصر فتأثر بعضهم بدعايتهم، وكان منهم الأمير دبيس، فاتفق مع البساسيري أحد أمراء الأتراك على قطع خطبة العباسيين، وإعلان الخطبة للفاطميين، وأخذا يرقبان الفرص للقيام بعملهما ولما ذهب السلطان طغرل بك إلى همدان لمحاربة أخيه (نيال) اتّخذ دبيس انشغال السلطان بحرب أخيه فرصة سانحة، فقطع الخطبة للعباسيين، وخطب للخلفاء الفاطميين في أعماله سنة كاملة، وكان ذلك سنة 450هـ، وكذلك فعل البساسيري في بغداد، فاستنجد الخليفة العباسي بالسلطان طغرل فجاء السلطان طغرل إلى بغداد وقطع خطبة الفاطميين، وأعاد خطبة العباسيين، وقتل البساسيري.
وأما دبيس فقد رأى السلطان أن يلاينه لأنه وجده ذا شوكة بعشائره فمقابلته بالشدّة ربما تحدث أموراً لا تحمد عقباها، فتردد الرسل بينهما، وأقره على أعماله وخلع عليه، وبقي دبيس في أعماله إلى أن توفي سنة 474هـ.
لما توفي الأمير نور الدولة دبيس قام بالإمارة بعده ولده منصور أبو كامل كانت ولايته خمس سنين. بعد وفاة والده ذهب إلى السلطان ملك شاه السلجوقي، فأقره السلطان في عمل أبيه.
كان الأمير بهاء الدولة منصور أبو كامل يتحلى بصفات سامية من شجاعة وكرم وعطف إنساني وذكاء فريد. درس الأدب فاستفاد من دراسته وعانى نظم الشعر حتى برع فيه. قال ابن الأثير في الكامل: «وكان حسن السيرة مكرماً فاضلاً، وبرع بذكائه في الذي استفاده، وكان قد قرأ على ابن برهان، وله شعر جيد في منتهى الحسن كقوله:
فإن أنا لم أحمل عظيماً ولم أقد
لهاماً ولم أصبر لفعل معظم
ولم أجر الجاني وأمنع حوزة
فلست أنادي للفخار وأنتمي»
كان الأمن مستتباً في أعماله، ولم يخالف عليه أحد لا من قومه، ولا من غيرهم.
في سنة 477هـ استولى عسكر السلطان السلجوقي على منازل العرب من بني عقيل وأخذوا أموالهم، وسبوا نساءهم، فتألم الأمير بهاء الدولة أبو كامل لهذا الحادث فأرسل ولده صدقة للسعي في قضية هؤلاء المنكوبين من بني عقيل لفك أسراهم.
وبذل للأتراك أموالاً طائلة وأفتك الأسرى من بني عقيل ونساءهم وجهزهم وردهم إلى وطنهم بكل مظاهر العز ومن أجل هذا مدحه الشعراء وأشادوا بهذه المكرمة الجليلة منهم محمد السنبسي الذي قال من قصيدة:
ولولا أنت لم ينفك منهم
أسير حين أعقله الأسار
كما أحرزت شكر بني عقيل
بآمد يوم كظهم الحرار
غداة رمتهم الأتراك طرًّا
بشهب من حوالفها ازورار
فحين تنازلوا تحت المنايا
وفيهن الرزية والدمار
مننت عليهم وفككت عنهم
وفي أثناء حبلهم انتشار
في سنة 479هـ توفي الأمير بهاء الدولة أبو كامل ولما علم بوفاته الوزير نظام الملك قال مؤبناً له: «مات أجل صاحب عمامة» وقد أكثر الشعراء في رثاءه.
تولى الإمارة المزيدية بعد وفاة بهاء الدولة ولده سيف الدولة صدقة وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة (479 ـ 501هـ) بعد وفاة أبيه أرسل إليه السلطان ملك شاه السلجوقي نقيب العلويين أبا الغنائم يعزيه بوفاة والده ثم سار الأمير صدقة إلى السلطان ولما حضر عنده خلع عليه وأقره مكان أبيه.
كان الأمير سيف الدولة صدقة من أعاظم الرجال قلَّ أن تجود الدنيا بمثله وقد ترجم له المؤرخون فأثنوا عليه ثناء عاطراً. قال فيه ابن الأثير: «كان جواداً حليماً صدوقاً كثير البر والإحسان ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من قصده في أمن ودعة وكان عفيفاً عادلاً ولم يتزوج على امرأته ولا تسرى عليها ولم يصادر أحداً من نوابه ولم يأخذهم بإساءة قديمة وكان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته ويدلّون عليه إدلال الولد على أبيه ولم ير رعية أحبت أميرها كحبها له وكان متواضعاً يبادر إلى النادرة وكان حافظاً للأشعار وكانت له مكتبة تحوي ألوف المجلدات وكانت منسوبة الخط»([531]).
وقال فيه ابن الجوزي: «كان كريماً ذا ذمام عفيفاً عن الزنى والفواحش كأن عليه رقيباً من الصيانة ولم يتزوج على زوجته ولا تسرى وقيل إنه لم يشرب الخمر ولا سمع غناء ولا قصد التسوق في طعام ولا صادر أحداً من أصحابه وكان تاريخ العرب والأماجد كرماً ووفاءً وكانت داره ببغداد حرم الخائفين»([532]).
في سنة 489هـ أغارت خفاجة على بعض أعمال سيف الدولة فأرسل في أثرهم عسكراً بقيادة ابن عمه قريش بن بدران بن دبيس فأسرته خفاجة ثم أطلقته وقصدت مشهد الحسين عليه السلام فتظاهرت فيه بالفساد والمنكر فاهتاج سيف الدولة لذلك فوجه إليهم جيشاً فكبسهم وقتل منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتى في الضريح.
وفي سنة 493هـ توفي أبو المكارم عز الدولة بن سيف الدولة وكان ذكياً شجاعاً فجلس الوزير عميد الدولة في داره للعزاء ثلاثة أيام للصهر الذي بينهما ثم خرج قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني إلى حلة سيف الدولة برسالة من دار الخلافة تتضمن التعزية له.
في سنة 494هـ أرسل الوزير الأغر أبو المحاسن وزير السلطان بركيارق السلجوقي إلى سيف الدولة يقول له: «قد تخلف عندك لخزينة الدولة ألف ألف دينار فإن سلمتها فذاك وإلا سيرنا إليك العساكر وأخذنا منك بلادك» فلما وصلت هذه الرسالة إليه قطع خطبة السلطان بركيارق وخطب لأخيه محمد وكان السلطان بركيارق مشغولاً إذ ذاك بقتال أخويه محمد وسنجر، ولما رجع بركيارق إلى بغداد منهزماً أمام أخويه طلب إلى صدقة أن يحضر إليه في بغداد فرفض صدقة الحضور ثم أرسل الأمير صدقة جيشاً استولى على الكوفة، وطرد عنها نائب السلطان.
الإمارة المزيدية في الحلة
إن الأمير سيف الدولة صدقة مصرّ الحلة، واتخذها عاصمة إمارته، وكان سبب تمصيرها أمراً سياسياً، وهو أن الأمير سيف الدولة كان يرقب الفرص للانفصال عن جسم الدولة السلجوقية تحقيقاً لأمنية جده دبيس، فلما قوي أمره واشتد إزره وكثرت أمواله وانشغل السلاجقة بالانشقاقات التي وقعت بينهم، رأى الظروف ملائمة لتحقيق أمنيته، فمصّر الحلة واتخذها عاصمته سنة 495هـ. قال ياقوت الحموي:
«كان أول من عمرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وكانت منازل آبائه الدور من النيل، فلما قوي أمره واشتد إزره وكثرت أمواله لانشغال الملوك السلجوقية: بركيارق ومحمد وسنجر أولاد ملك شاه بن ألب أرسلان بما تواتر بينهم من الحروب، انتقل إلى الجامعين موضع في غرب الفرات ليبعد عن الطالب، وذلك في المحرم سنة 495هـ وكانت أجمة قصب تأوى إليها السباع، فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة، وتأنق أصحابه بمثل ذلك وصارت ملجأ، وقد قصدها التجار وصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدة حياة سيف الدولة، فلما قتل بقيت على عمارتها، فهي اليوم قصبة تلك الكورة، وللشعراء فيها أشعار كثيرة …» ([533]).
وأعطانا إيضاحاً عن تمصير الحلة رضي الدين علي بن المطهر الحلي؛ فقال: «في سنة 493هـ عمر سيف الدولة أرض الحلة، وهي آجام ووضع أساس الدور والأبواب ونزلها سنة 495هـ وحفر الخندق حولها سنة 498هـ وقد كان وضع سور الحلة في 21 رمضان سنة 500هـ …»([534]).
جاء في دائرة المعارف الإسلامية: «وقد أحسن هذا الأمير العربي (صدقة) المقتدر اختيار موقعها، فأقامها في موضع مدينة بابل المشهورة … وكان في موقع قبل تأسيسها مدينة زاهرة تسمى «الجمعين» على الضفة اليسرى للنهر، وقد بنى صدقة مدينة الحلة على الجانب المقابل للنهر وسرعان ما أصبح جسر القوارب الذي تجري عليه أسباب الاتصال بين الضفتين الممر الرئيسي على النهر في الطريق من بغداد إلى الكوفة، وكان هذا الطريق يمر قبل ذلك بقصر ابن هبيرة؛ ومن ثم أخذت الحلة بالازدهار وبسرعة»([535]).
حينما انتقل سيف الدولة إلى عاصمته الجديدة (الحلة) وخضعت له القبائل الفراتية أخذ يسعى لتوسيع إمارته، واتخذ جيشاً منظماً على أحدث الأساليب التي كانت متبعة في عصره، وكان قائد جيشه سعيد بن حميد العمري، وهو من رجالات خفاجة وكان بارعاً في الأمور الحربية.
كانت إيالته تشمل البصرة وواسط والبطيحة والكوفة وهيت وعانة وحديثة وخضعت له أقوى القبائل العراقية لذلك العهد مثل خفاجة وعقيل وعبادة وقبيلة الجاوان الكردية.
اهتم الأمير سيف الدولة بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية ورأى أحسن شيء لانتعاش هذه الأمور هو نشر العدل بين رعيته. وكان يحترم العلماء والأدباء ويجزل لهم العطاء لذا تقاطر إلى الحلة العلماء والأدباء والشعراء من كل حدب وصوب فنمت فيها الروح العلمية والأدبية.
رأى الأمير سيف الدولة صدقة أن السلاجقة قد قسموا العراق إلى إقطاعات بين قوادهم ومحسوبيهم من الأتراك، وقد أخذ هؤلاء يعيشون فساداً فالأمن مفقود، والعدل معدوم، والناس في بلاء أزل: الحرية الشخصية ممتهنة والكرامة الإنسانية مهدورة لذا أخذ سيف الدولة ينتهز الفرص لتطهير البلاد العراقية من هؤلاء الظلمة الجائرين، وإحقاق الحق ونشر راية العدل. عزم على توسيع إمارته. وهاك أشهر أعماله:
كان السلطان بركيارق قد أقطع (هيت) بهاء الدولة ثروان بن وهب فأناب بها عنه محمد بن رافع، وأقام ثروان بالحلة هو وجماعة من عقيل، فقد كان مصافياً لسيف الدولة؛ وكان سيف الدولة يزوره كثيراً ثم تنافرا بسبب أن ثروان خطب بنت سيف الدولة فلم يزوجها إياه وزوَّجها من ابن عمه؛ فتحالفت عقيل وهم في الحلة على أن يكونوا يداً واحدة عليه، فأنكر سيف الدولة ذلك. ثم حج ثروان وعاد مريضاً فألزمه سيف الدولة بالتنازل عن هيت له، فأرسل ثروان حاجبه وكتب بخطه يأمر نائبه بتسليم البلد إليه وسار دبيس بن سيف الدولة مع الحاجب، ولما وصلوا إلى هيت لم تسلم إليهما، ثم خرج إليها الأمير صدقة واستولى عليها سنة 496هـ واستخلف عليها ابن عمه ثابت بن كامل.
في سنة 497هـ استولى بهرام بن أرتق على (عنه) وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاّط، فقصد بنو يعيش سيف الدولة، ومعهم مشايخهم فسألوه الإصعاد إليها، وأن يتسلمها منهم، فأصعد معهم؛ ولما وصلها رحل عنها التركمان وبهرام؛ وأخذ سيف الدولة رهائنهم ثم عاد إلى الحلة.
في شوال من السنة نفسها انحدر سيف الدولة إلى واسط في عسكر كثير فأخلاها الأتراك، وبعضهم انضم إلى جيش سيف الدولة، وضمن البلاد لمدة آخرها آخر السنة بخمسين ألف دينار إلى مهذب الدولة بن أبي الجبر صاحب البطيحة.
في سنة 499 سار سيف الدولة بجيش إلى البصرة لأخذها من عاملها إسماعيل بن أرسلانجق، وكان قد استبدّ بها، وبعد أن حاصر سيف الدولة طلب عاملها الأمان فأجابه سيف الدولة إلى ذلك، وتسلّم البصرة منه واستناب عنه فيها (التونتاش) وكان مملوكاً لجده دبيس وقد فرح العرب بهذا الفتح([536]) وامتدحه الشعراء منهم محمد بن خليفة السنبسي فنظم قصيدة يمدح بها سيف الدولة، ويرثي ابن خاله أبا النجم بن أبي القاسم الورامي، وقد قتل في أثناء حصار البصرة منها:
تهن يا خير من يحمي حريم حمى
فتحاً أغثت به الدنيا مع الدين
ركبت للبصرة الغراء في نجب
غر كجيش علي يوم صفين
هوى أبو النجم كالنجم المنير بها
لكنه كان رجماً للشياطين([537])
في هذه السنة أخذت جماعة من خفاجة جملين من رجل من عبادة كان بالموقف في الحلة، فأحضر العبادي جماعة من عبادة وأخذوا من خفاجة غارة أحد عشر جملاً فلحقتهم خفاجة، وقتلوا رجلاً من عبادة، وقطعوا يد آخر. وكان ذلك بالموقف بالحلة ففرق بينهم أهل الحلة فاستعدت عبادة لمقاتلة خفاجة فساروا إليهم وجرت معركة بين الطرفين، ثم تغلبت خفاجة على عبادة.
في سنة 500هـ أجلى سيف الدولة قبيلة خفاجة عن ديارهم مما يلي البطيحة بسبب إقلاقهم راحة الناس إذ هم على الدوام ممتطون صهوات جيادهم، يغيرون على من جاورهم من أعماله، فشكاهم ولده بدران وكان عامل أبيه في تلك الجهات فحرض سيف الدولة قبيلة عبادة على قتالهم، فصادف تحريضه هوى في نفوسهم، فلبوا طلبه وكبسوهم ليلاً، وهم لا يعلمون، فقابلتهم خفاجة، وبينما هم في حومة القتال إذ سمعوا صوت طبل الجيش فعلمت خفاجة أن جيش سيف الدولة أطلّ عليهم، فهربوا وتركوا حرمهم فأمر سيف الدولة بحراستهن، وبإيثار عبادة بما غنموا، ونزحت خفاجة إلى نواحي البصرة، وأقامت عبادة مقامهم. تقدمت امرأة من خفاجة إلى سيف الدولة، وقالت: «إنك سبيتنا، وسلبتنا قوتنا وأضعت حرمتنا. قابلك الله في نفسك، وجعل صورة أهلك كصورتنا» يعفى عنها وكظم غيظه، وأعطاها أربعين جملاً.
في هذه السنة تسلم الأمير سيف الدولة قلعة تكريت من صاحبها «كيقباذ بن هزارسب الديلمي» ثم أقطعها السلطان محمد للأمير آق سنقر البرسقي، فحاصرها ولما ضاق الحصار راسل كيقباذ سيف الدولة ليسلمها إليه، فسار سيف الدولة إليها وتسلمها منه، وانحدر البرسقي، واستناب سيف الدولة بها ورام بن أبي فراس ابن ورام الجاواني.
المجتمع الحلي
في عهد سيف الدولة
إن المجتمع الحلي كان يتكون من عناصر مختلفة: عرب وأكراد ونبط سكان البلاد الأصليين. أما العرب فكان أكثرهم من بني أسد، ولهم السيادة، ويوجد طوائف من عرب خفاجة، وعبادة، وعقيل، وغيرهم من عرب العراق، وأما الأكراد فهم قبيلة الجاوان. قال الفيروزآبادي: «وجاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة المزيدية بالعراق، منهم الفقيه محمد بن علي الجاواني»([538]) وزاد علي السيد مرتضى الزبيدي في شرح القاموس: «… الحلي الشافعي».
وذكره السبكي في الطبقات، وبين أن مولده سنة 468هـ.
كان الجاوانيون ـ قبل نزوحهم إلى الحلة ـ يسكنون الجانب الشرقي لدجلة حيال طريق خراسان، والظاهر أنهم امتدوا في السكنى على النهروان في شرقي بغداد إلى جرجرايا قرب الكوت([539]).
وهذه القبيلة حالفت بني مزيد الأسديين، وشاركتهم في السراء والضراء قبل نزوحهم إلى النيل، وعلى ما يظهر أن اتصالها بالمزيديين يمتد من عهد الأمير علي بن مزيد حينما كان في ميسان، وكانت السيادة لبني مزيد عليهم وعلى بني أسد ومن انضمّ إليهم، وكانت قبيلة الجاوان شافعية المذهب، والمزيديون شيعة ولكن على مر الأيام اندمجوا ببني أسد، فصاروا شيعة كما استعربوا ولا تزال محلتهم في الحلة تعرف بـ (الكراد الجواني) وفي عهد الأمير ورام (الثاني) ابن أبي فراس انتقل الجاوانيون إلى أرض الجامعين ليؤسسوا الحلة مع أمير بني أسد صدقة([540]) ومن بطون الجاوانيين البشرية ونرجس([541]).
من الجاوانيين الأسرة الورامية، نسبة إلى ورام بن محمد الجاواني الذي كان عائشاً في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري الذي كان له تحالف مع الأمير أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي، ومما زاد في قوة التحالف حصول المصاهرة بينهم وبين الأسرة المزيدية، فقد كانت أم الأمير صدقة من الوراميين. إن ورام بن أبي فراس خال الأمير صدقة وابن خاله أبو النجم بن ورام الذي قتل في حرب البصرة.
كان الأمير صدقة يعتمد على الجاوانيين، وأقطعهم بلاداً في الأعمال الواسطية وغيرها، منهم أبو النجم الكردي الجاواني مؤسس قرية أبي النجم المنسوبة إليهم. ومنهم الأمير أبو شجاع عاصم بن أبي النجم المذكور، وكان هذا بطلاً، كان يقصد الأسد في عرينه، ويطعنه بحربة، كان مسعر حرب، ومع شجاعته الفائقة يتحلى بروح أدبية، كتب إلى سيف الدولة صدقة في شخص نازعه في بعض الأملاك وقد حلف زوراً بالقرآن:
مولاي خصمي فاسق ومن ادعى
زوراً ولم يخش العواقب يحلف
ولأخذ مال المسلمين وغصبه
بالزور أعظم من يمين المصحف
ومن أعلام الجاوانيين الأمير قسيم الدولة الجاواني، جاء في تلخيص معجم الألقاب «قرأت في ثبت الوزير مؤيد الدين أبي طالب محمد بن أحمد العلقمي عن هبة الله بن نما عن السيد التقي شمس الدين أبي طالب بن أسامة العلوي: أنه قرأ عليه في دار الأمير قسيم الدولة الجاواني».
مقتل الأمير صدقة
تكاد الأسباب التي أدّت إلى مقتل الأمير صدقة تنحصر في أمرين:
الأول: أنه لما عظم شأنه، واتّسع جاهه، كثر حساده، وأخذوا يرقبون الفرص للإيقاع به وكان منهم العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي، فإنه قال للسلطان محمد السلجوقي في جملة ما قاله عن الأمير صدقة: «إنه يتبسط في الدولة، ويحمي كل من يفر إليه من أعداء السلطان، وهذا لا تحتمله الملوك لأولادها، فلو أرسلت إليه بعض أصحابك لأخذ بلاده وأمواله» حتى تعدى ذلك وطعنه في اعتقاده ونسبه هو وأهل بلده إلى الباطنية.
قال ابن الأثير: كذب، وإنما كان مذهبه التشيع لا غير. ووافقه على كلامه أرغون السعدي، وبلغ ذلك صدقة وكانت زوجة أرغون السعدي وأهله بالحلة فلم يؤاخذهم بشيء مما كان له من بقايا خراج ببلده فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه، ويسلمه إلى زوجته([542]).
الثاني: وهو السبب المباشر للحرب وقتله، وهو أن السلطان محمداً غضب على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب (ساوة) و(آبة) ([543]) لأنه اتّهم بمذهب الباطنية، فأراد السلطان القبض عليه فهرب إلى الحلة مستجيراً بسيف الدولة، فأجاره فأرسل السلطان إلى سيف الدولة أن يسلّمه إليه فأبى ذلك وقال للرسول: «لا أسلمه بل أحامي عنه».
فتوجه السلطان محمد إلى العراق، فلما سمع صدقة استشار أصحابه فيما يفعله فأشار عليه ولده دبيس بأن ينفذه إلى السلطان، ومعه الأموال والخيل والتحف ليزيل ما في نفسه من التصورات التي أوجدتها السعايا المغرضة، وأشار سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة بالمحاربة وجمع الجند وتفريق المال فيهم، وأطال في القول فمال صدقة إلى قوله، فجمع العساكر، واجتمع إليه عشرون ألف فارس وثلاثون ألف راجل، فأرسل إليه الخليفة العباسي المستظهر نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي يحذره الخروج عن طاعة السلطان فأجاب صدقة: إني على طاعة السلطان، ولكن لا لآمن على نفسي في الاجتماع به، ثم أرسل السلطان قاضي القضاة أبا سعيد الهروي رسولاً إلى الأمير صدقة يطيب قلبه ويزيل خوفه ويأمره بالانبساط على عادته فأجاب: إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه علي وغيروا حاله معه، وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام. ثم قال سعيد بن حميد العمري: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع وامتنع الأمير صدقة من الاجتماع بالسلطان، ثم وصل السلطان إلى بغداد، ثم أرسل الخليفة كتاب صدقة إلى السلطان، فقال السلطان: أنا ممتثل ما يأمر به الخليفة، فأرسل الخليفة إلى صدقة يطلب إجابة السلطان إلى ما طلب منه، وأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق عليه. فأجاب صدقة: إذا رحل السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال، وما يحتاج إليه في الجهاد، وأما الآن وهو ببغداد وعسكره بنهر الملك فما عندي مال ولا غيره.
أنفذ السلطان إلى واسط جيشاً أخرج منها عامل صدقة، وأنفذ خيله إلى قوسان، وهي من أعمال الأمير صدقة، فنهب أقبح نهب، فأرسل إليهم ثابت بن سلطان، وهو ابن عم الأمير صدقة ومعه جيش فلما وصل إليها خرج منها الأتراك ثم وصلت عساكر السلطان إلى مطير آباد فقابلهم عسكر الأمير صدقة ودمرهم قتلاً وأسراً وغرقاً.
سار السلطان إلى الزعفرانية([544]) وسار الأمير صدقة إلى قرية مطر([545]) وأمر جنده بلبس السلاح. ثم أن الأمير صدقة عبأ جيشه، فجعل ولده دبيساً في الميمنة ومعه سعيد بن حميد العمري الخفاجي، وجماعة من الأكراد، وفي ميسرته ابنه بدران، ومعه عبادة بأسرها، وكان الأمير صدقة في قلب العسكر ومعه سرخاب الديلمي وأبو المكارم حماد بن أبي الجبر أمير البطيحة.
وتقابل الجيشان بالقرب من النعمانية، فلما نشب القتال بينهما تقاعدت خفاجة وعبادة عن نصرة صدقة ووقعت خيل صدقة في الوحل وقد شق السوق في موضع يقال له (يغانيا).
فلما حمي وطيس الحرب كشف سيف الدولة رأسه وصاح يا آل خزيمة يا آل عوف يا آل ناشر. أنا تاج الملوك. أنا ملك العرب. النار ولا العار. وقاتل قتالاً شديداً ووعد الأكراد بكل جميل لأنهم أبلوا معه بلاءً حسناً، وكان راكباً فرسه (المهلوب) الذي لم يكن لأحد مثله وكان له فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة فلما رأى الناس قد تكاثروا عليه هرب.
حمل سيف الدولة على الأتراك فرشقه الأتراك رشقة واحدة، خرج منها عشرة آلاف نشابة فوقع سهم في ظهره وتعلق به غلام وضربه بالسيف وقتله وأخذ رأسه إلى البرسقي قائد جيش السلاجقة وأسر ولده دبيس، وسرخاب الديلمي وسعيد بن حميد العمري. وكان القتلى من الطرفين ثلاثة آلاف فارس، ثم حمل رأس سيف الدولة إلى السلطان فدفنه رجل من المدائن.
أما بدران بن صدقة فقد ذهب إلى الحلة وأخذ من الأموال وغيرها ما أمكنه وسار بأمه ونسائه إلى البطيحة لمهذب الدولة صاحب البطيحة وكان مصاهراً له على ابنته. ولم يصل السلطان إلى الحلة. وكان قتل صدقة سنة 501هـ.
ثم تغرب بدران، فدخل الشام، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى مصر وتوفي هناك سنة 530هـ وبقي بها أولاده من بعده مدة ثم رجعوا إلى العراق.
خان ثابت بن سلطان بن دبيس بن علي بن مزيد ابن عمه سيف الدولة فقد كان يحسده فاستأمن إلى السلطان، فأكرمه وأحسن إليه ووعده بالإقطاع.
إن السلطان أرسل إلى زوجة سيف الدولة أماناً، فذهبت إلى بغداد وأطلق السلطان ولدها دبيساً وأنفذ معه جماعة من الأمراء لاستقبالها، ولما حضرت عند السلطان اعتذر عن قتل زوجها، وقال: وددت أنه حمل إليَّ حياً حتى كنت أصنع به ما يعجب الناس من الجميل والإحسان، لكن الأقدار غلبتني.
في سنة 502 عاد منصور بن صدقة إلى السلطان، فأكرمه وكان قد هرب بعد قتل والده.
ولاية سعيد بن حميد العمري على الحلة
في سنة 502هـ خلع السلطان على سعيد بن حميد العمري الخفاجي قائد جيش صدقة، وولاّه الحلة، قال فيه ابن الأثير: «كان صارماً، حازماً، ذا رأي وجلد»([546]).
كنا قد ذكرنا سابقاً أن سعيد بن حميد العمري كان قد أشار على سيف الدولة بحرب السلطان. فكيف ولاّه السلطان ولاية الحلّة، مع ما كان عليه من المقاومة للسلطان. أقول: إن السلطان عمل ذلك سياسة ومداراة لأنه يعلم أن ولاية الحلة لا تخضع ولا تستكين إذا عيّن لها أمير لا يريده أهلها، وتحدث عندئذٍ أمور لا تحمد عقباها، ومن جهة أخرى يستفيد من ولاء خفاجة له، فكان بعمله هذا قد ضمن الاستقرار في الحلة لم يعط سعيد بن حميد كل ولاية الحلة، بل أعطى الحلة وأطرافها، وأقطعت الأعمال الأخرى إلى جماعات من الكراد. أقطع السلطان بعض أعمال الحلة إلى البشيرية والنرجسية، وهما بطنان من أكراد الحلة، ومن زعماء البشيرية أسياكيل وفي ذلك يقول الأمير أبو شجاع عاصم بن أبي النجم الجاواني:
فقلت لها كفى جعلت لك الفدا
ألم تعلمي أن الزمان قد انقلب
قرى النيل قد أضحى سياكيل آمراً
بها، ونفي بدران منها إلى حلب
يقول الدكتور مصطفى جواد: (ويظهر أن السلطان محمداً ضرب الأكراد بعضهم ببعض، وذلك بأن أقطع بعضهم أكثر البلاد التي يحكمها سيف الدولة وحلفاؤه الجاوانيون …) ([547]).
قال العماد الأصبهاني: «لما قتل سيف الدولة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم البشيرية، وجماعة نرجسية أنشأ مرجا قصيدة منها:
لقد سن للسلطان ثابت سنة
فلا يأمن السلطان زيد ولا عمرو
مواقفة([548]) النظار والكشف عنهم
ولو كان ممن لا يصح له العشر
وقد كثر الإقطاع حتى أظنه
سيقطع كلب بالجزيرة أو هر
ثلاثون ألفاً للبشيري وحده
فدع عنك من لا يجوز له ذكر
وعشرون ألفاً أقطعت نرجسية
كثير لها ألف، ولو أنها بعر
وما كان أسياكيل يركب خلفه
جياد البراذين البشيرية الحمر
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيته
أقد جن أسياكيل أم خرف الدهر
سلام على مال العراق فإنه
مضى حيث لا نفع لذاك ولا ضر
إذا ما عبرت النهر يوماً وأصبحت
تخب بي الجرد المحجلة الغر
فأدنى بلاد الله منها وإن نأت
وأكثرها عدلاً وآمنها مصر
هنالك لا أخشى عظيماً هجوته
وتكتم أشعاري كما يكتم الشر
فيقنعني ألا أرى من أخافه
بمصر على نفسي وإن ظهر الشعر
الأمير دبيس بن صدقة
لما أطلق دبيس من الأسر سنة 501هـ بقي عند السلطان محمد السلجوقي إلى أن توفي السلطان وقام الملك ولده محمود، فأعاد دبيساً إلى الحلة في سنة 512هـ.
ولما رجع دبيس إلى الحلة التف حوله خلق كثير من الأعراب والأكراد. وكانت مدة ولايته سبع عشرة سنة.
كان الأمير دبيس رجلاً حربياً؛ وقائداً محنكاً، بصيراً بفنون الحرب خبيراً بشؤون السياسة في عصره. وكان على جانب عظيم من الشجاعة والفروسية، وقوة الاعتماد على النفس يخوض غمرات الحروب غير هياب ولا وجل قوي العارضة.
قال فيه ابن خلكان: «ملك العرب، صاحب الحلة المزيدية، كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر وتمكن من خلافة الإمام المسترشد؛ واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير. ودبيس المذكور هو الذي عناه الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: «والأسدي دبيس» لأنه كان معاصراً له. فرام التقرب إليه في مقاماته لجلالة قدره، وله نظم حسن …» ([549]).
وقال فيه ابن الطقطقي: «كان صاحب الدار والجار والحمى والذمار؛ وكانت أيامه أعياداً وكانت الحلة في زمانه محط الرحال؛ وملجأ بني الآمال، ومأوى الطريد ومعتصم الخائف الشريد…» ([550]).
وفي السنة التي ولي فيها دبيس أمر الحلة هرب الأمير أبو الحسن أخو الخليفة المسترشد وأخفى نفسه ومضى إلى الحلة مستجيراً بدبيس بن صدقة صاحب الحلة فأكرمه إكراماً فائقاً وأفرد له داراً، ومكث عنده مدة على أحسن حال. فلما علم المسترشد أنه عند دبيس قلق لذلك وخاف من أمر يحدث من ناحيته، فبعث نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي إلى الحلة بخاتمه وأمانه، وأمر أن يأخذ البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن؛ فقال دبيس: «أما البيعة فالسمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع، وأما تسليم جاري فلا؛ والله لا أسلمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه إلا أن اختار»([551]).
أبى الأمير أبو الحسن التوجه بصحبة النقيب إلى أخيه فمضى النقيب وحده ثم بعد ذلك خرج أبو الحسن عن الحلة ـ فظفر به أخوه المسترشد فسجنه في بعض دوره في حالة جميلة.
كان الأمير دبيس يرى أن الخلافة العباسية ـ في عصره ـ صارت اسماً بلا مسمى لذهاب المنعة والشوكة والعصبية التي هي الأساس في قيام الدولة وبقائها وقد خرج الأمر من يدها إلى السلاجقة. فكان يرى أنه أحق بالكل من العباسيين لوجود المنعة والشوكة والعصبية، فكان لذا محط آمال العراقيين؛ فالتفت حوله القبائل العراقية من عربية وكردية لأنه الوحيد الذي يمكن أن يناضل السلاجقة ويقارعهم.
كان يعجبه اختلاف السلاطين. ويعتقد أنه ما دام الخلاف قائماً بينهم فأمره منتظم كما استقام أمر والده صدقة عند اختلاف السلاطين([552]).
ساء حكومة بغداد نفوذ دبيس في الفرات الأوسط، والتفاف القبائل العربية والكردية حوله. فصدرت الأوامر إلى البرسقي؛ وهو أحد الأمراء في بغداد بالتوجه إلى الحلة لمحاربة دبيس وإخراجه منها فبرز البرسقي، ونزل بأسفل الرقة (موضع ببغداد) فلما علم دبيس بذلك جمع جيشاً عظيماً بالحلة مؤلفاً من العرب والأكراد. وفرق فيهم السلاح، ولما علم البرسقي بقوة دبيس الحربية عدل عن قصد الحلة.
بعد هذا أخذ الأمير دبيس يراسل الملوك والأمراء، ويعقد معهم الاتفاقيات والمعاهدات ليقوي مركزه السياسي والحربي. ورام الملك سنجر السلجوقي التقرب إليه فزوجه ابنته.
لما رأى الأمير دبيس أن الأمور قد تمّت له. وأن نفوذه قد قوي أخذ يوقع بمن حارب أباه، فلما علم الخليفة المسترشد بذلك أخذ ينهاه فلم يفلح فاستنجد الخليفة بالسلطان محمود السلجوقي. وكان يومئذٍ بهمذان، ولما علم الأمير دبيس بذلك أعطى لنفسه الحق بإعلان الحرب على المسترشد العباسي لأنه استعان بالأجنبي فسار بجيش عظيم إلى بغداد ودخلها وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وهدد المسترشد، فأرسل المسترشد إليه شيخ الشيوخ يستعطفه. ووعده أنه سيسعى في إصلاح الحال بينه وبين السلطان عند مجيئه إلى العراق فرجع إلى الحلة.
في سنة 514هـ في رجب دخل السلطان بغداد، فأرسل دبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن جهير إلى السلطان؛ ومعها مال كثير، وهدية نفيسة لتقوم بدور السفارة بين زوجها وبين السلطان لإحلال الصفاء بينهما، فأجاب السلطان إلى ذلك على قاعدة امتنع عنها دبيس فرجع إلى ما كان عليه ونهب جشيراً([553]) للسلطان فسار السلطان في شوال إلى الحلة لمحاربة دبيس، واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها، فلما علم دبيس بذلك أرسل نساءه إلى البطيحة، وأخذ أمواله وخرج عن الحلة إلى إيلغازي بن أرتق في جعير، ثم أرسل أخاه منصوراً فاستولى على الحلة والكوفة، فأرسل إلى أخيه دبيس يعلمه باستيلائه على الحلة، وطلب إليه التوجه إلى الحلة، فجاء دبيس إلى الحلة، ودخلها سنة 515، وملكها ثم أرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر ـ ويعد من نفسه الطاعة فلم يقبل منه ذلك وسيرت إليه العساكر، ولما قاربوها فارق الحلة ودخل الأزير، ثم دخلها العسكر، وهي فارغة قد أجلى عنها أهلها فكانت الميرة تنقل من بغداد، وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي، فترك بالحلة خمسمائة فارس، وبالكوفة جماعة أخرى تحفظ الطريق على دبيس وأرسل إلى عسكر واسط بحفظ الطريق على دبيس ثم راسل دبيس مقدم الجيش في أمر الصلح، وأخيراً تم الاتفاق بينهما على أن يرسل دبيس أخاه منصوراً رهينة، ويلازم الطاعة، فعاد العسكر إلى بغداد سنة 516هـ.
لم يرق الخليفة المسترشد ما تم من الصلح مع دبيس، وطلب من السلطان محمود إبعاد دبيس عن الحلة، وكرر المسترشد الطلب من السلطان فأجابه السلطان إلى طلبه فأرسل البرسقي إلى الحلة لمحاربة دبيس، فخرج دبيس لمحاربته فالتقى الجيشان عند نهر بشير شرقي الفرات، فدارت الحرب بينهما فانكسر عسكر البرسقي، ومزق شر ممزق، ولم يتعرض دبيس لنهب قرى نهر الملك ولا غيرها([554]).
رأى المسترشد ملاينة دبيس اعترافاً منه بصلابة عوده ومهارته الحربية وجدارته السياسية، هذا بالإضافة إلى مكانته السامية في نفوس العراقيين. ترددت الرسائل بين المسترشد ودبيس لإقرار الصلح بينهما، فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة، فقبض على الوزير، ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين إليه، وسمح دبيس أن يخرج ناظر المسترشد إلى القرى التي تعود للمسترشد لقبض دخلها([555]).
لم يرق السلاجقة ما تم من الصفاء بين المسترشد ودبيس، فأخذوا يعملون الدسائس حول دبيس ويؤلبون عليه ويثيرون الأحقاد القديمة عليه، وبذلك تمكّنوا من إحلال الجفاء محل الصفاء بينه وبين المسترشد، فعاد التوتر بينهما من جديد وشيء فعله السلطان محمود السلجوقي ضد دبيس أن كحل أخاه منصوراً (سمل عينيه) فلما علم دبيس بذلك جز شعره ولبس السواد ونهب البلاد وأخذ كل ما للخليفة بنهر الملك، فأجلى الناس إلى بغداد([556]).
أرسل المسترشد إلى دبيس عفيفاً الخادم يقبح ما فعل بنهر الملك وغيره فلما أدى هذه الرسالة قال له دبيس أنتم ضمنتم لي هلاك ابن صدقة عدوي، واستوزرتم ابن نظام الملك ولم تشاوروني فيه، وسألتكم إبعاد البرسقي عن بغداد وإطلاق أخي منصور وما أجبتموني، وقد أجلتكم خمسة أيام فإن أجبتم فذاك وإلاَّ جئتكم محارباً وتوعد وأبرق. عاد عفيف، وقص للمسترشد ما سمع وما رأى.
وحينئذٍ استعملت حكومة المسترشد سلاح الدعاية المسموم والافتراءات الخبيثة على دبيس لينفروا الناس منه ويؤلبوهم عليه، فأشاعوا أن أصحابه نهبوا نهر الملك وافترشوا النساء في شهر رمضان وشربوا الخمر وأنه يسب الصحابة ويترك الصلوات وليس في بلاده مؤذن ولا جمعة وأنه يشرب الخمر في نهار رمضان وأنه يسفك الدماء، فاستفتى المسترشد الفقهاء فأفتوا بقتاله. وبطل الحج في هذه السنة([557]).
وفي سنة 517هـ في المحرم توجه المسترشد لحرب دبيس، وقد تأثر أهل بغداد بالدعاية ضد دبيس، فذهبوا إلى المساجد وقرؤوا الختمات وابتهلوا إلى الله في الأدعية([558]).
وصلت جيوش المسترشد إلى النيل ونزلت في قرية المباركة، فتقدم دبيس بعسكره لمحاربة جيش المسترشد وقد رتب عسكره صفاً واحداً. وأشيع في عسكر المسترشد أن دبيساً منّى عسكره ووعدهم بنهب بغداد دار الخلافة، وأن بين يديه البغايا والمخانيث بالدفوف والملاهي والزمور والخمور([559]).
ولما نشبت المعركة بين الطرفين تأخر قائد عسكره عنتر بن أبي العسكر الجاواني ويقال إنه خامر عليه، وحمل زنكي بن آق سنقر واسر عنتر، وحمل إلى البرسقي ووقع القتال في أصحاب دبيس وأسر بعضهم فانسحب دبيس وألقى نفسه في الفرات بعد أن رمى سلاحه وأدركته الخيل ولم تقدر عليه.
أما أصحابه الذين وقعوا في الأسر فقد قتلوا صبراً بأمر المسترشد([560]) وكان كل واحد منهم عندما يقدم للقتل يقول: فداك يا دبيس.
إن دبيساً نزل على غزية وسألهم أن يحالفوه، فقالوا: نحن بطريق ولا يمكننا معاداة الملوك وأنت بعيد النسب عنا، وبنو المنتفق أقرب نسباً إليك منا، فمضى إليهم فحالفوه وقصد البصرة، فصالحه أهلها على مال، فأخذه ورحل.
أما الحلة فقد عينت حكومة المسترشد (بهروز) عاملاً عليها. وبعد أن تألّبت القوى على دبيس عزم على رحلات خارج العراق، وفي آخر المطاف اتصل بالسلطان سنجر لدى ابن أخيه السلطان محمود أن يهتم بأمر دبيس ويعيده إلى ولاية الحلة. وبناء على هذه التوصية رجع إلى الحلة، وأرسل إلى المسترشد يسترضيه، وضمن له أن يرد جميع ما أخذ منه، فترددت الرسل بذلك، وكان بالوقت نفسه يجمع الأموال والرجال فاجتمع عنده عشرة آلاف فارس.
بلغ السلطان محمود أن دبيساً يجمع الأموال والرجال فقصد العراق لمحاربته ولما وصل إلى بغداد خرج دبيس من الحلة، فسلمت إلى إقبال المسترشدي ثم أن دبيساً جمع جموعاً واستولى على الحلة ونواحيها وأخرج منها إقبالاً، وكان ذلك سنة 526هـ فطلب إقبال الإمداد من بغداد لمحاربة دبيس، فأرسل إليه عسكر كثيف فتخلى دبيس عن الحلة لكثافة العسكر الذي أرسل لمحاربته.
وتنقلت الأسفار بدبيس خارج العراق ودخل سورية، فقبض عليه عامل دمشق وفادى به أسراه عند صاحب الموصل، وكان صاحب الموصل عدواً لدبيس وطلب المسترشد دبيساً منه فلم يسلمه إليه بل أبقاه مكرماً محترماً.
إن السلطان مسعود السلجوقي دعا دبيساً إليه وكان في مراغة في آذربيجان فسار إليه، وأظهر السلطان له التجلة والاحترام وأضمر له الغدر.
ولما وقع المسترشد العباسي أسيراً في جيش السلطان مسعود قتله غدراً وأراد أن يقتل دبيساً متهماً إياه أنه قتل المسترشد، وبذلك يتخلص منهما، وقد أحسّ دبيس بتغير نية السلطان فيه وحاول الهرب مراراً ولكن حالت أمور دون ذلك.
وذات يوم وهم نازلون على باب مراغة جاء دبيس وجلس في باب خيمة السلطان فسير إليه بعض غلمانه فجاء من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه وكان ذلك في رابع عشر ذي الحجة سنة 529هـ وقيل إن قتله كان على باب خوي، وقيل إنه كان على باب تبريز. ولما قتل حمل إلى زوجته كهارخاتون في ماردين، فدفن بالمشهد عند نجم الدين الغازي والد كهارخاتون([561]).
كان دبيس كثيراً ما ينشد هذين البيتين قبيل قتله:
إن الليالي للأنام مناهل
تطوي وتبسط بينها الأعمار
فقصارهن من الهموم طويلة
وطوالهن مع السرور قصار
في الحلة الآن قبر في محلة الطاق بجوار قبر يحيى بن سعيد يعرف بقبر دبيس وهو مشهور لدى الحليين ولكنه لا ينطبق على الحقيقة التاريخية إذ أن دبيساً الأول مات بالنيل قبل تمصير الحلة، ودبيس الثاني قتل خارج العراق كما أسلفت ولكن يمكن أن يكون هذا قبراً لزعيم من زعماء الحلة قديماً اسمه دبيس أو أن دبيساً نقل رفاته ـ بعد تمصير الحلة ـ إليها، وهذا احتمال لا تؤيده النصوص التاريخية.
الأمير صدقة الثاني ابن دبيس
لما وصل إلى الحلة نبأ قتل السلطان مسعود دبيساً كان ابنه صدقة بالحلة فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه وكثر جمعه. كان عمره صدقة ـ إذ ذاك ـ أربع عشرة سنة وانضم إليه عنترة بن أبي العسكر الكردي الجاواني الذي كان قائد جيش أبيه دبيس يدبر أمر صدقة ويتم نقص صباه وكان في الحلة الأمير (قغلغ تكين) من قبل السلطان مسعود فاستأمن إلى الأمير صدقة.
ولما علم السلطان مسعود بقيام صدقة بالحلة واجتماع العساكر إليه أمر مسعود بك آبه أن يأخذ الحلة. فأرسل بعض عساكره إلى المدائن وأقاموا مدة ينتظرون لحاق (بك آبه) ولم يسر إليهم جبناً وعجزاً عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع الأمير صدقة.
وأراد الأمير صدقة أن يقوي مركزه فتحالف مع الملك داود بن السلطان محمود وبعض أمراء الأطراف على محاربة السلطان مسعود، ومن جهة أخرى أراد عطف الخليفة الراشد فذهب إلى بغداد في 12 صفر سنة 530هـ ووصل إلى قصر التاج ودخل على الخليفة مسلماً عليه. وفي بغداد في هذا التاريخ التقى مع الملك داود وأمراء الأطراف وقد عزموا على مناوأة السلطان مسعود وإخراج عماله من بغداد وكان الخليفة يناصرهم.
وعلم السلطان مسعود بما تم من الاتفاق بين الأمراء لمناوأته فقصد بغداد وسار بعساكره نحوها ولما وصل بغداد اختلفت كلمة أمراء الأطراف فرجع الأمير صدقة إلى الحلة.
وترددت الرسل بين السلطان مسعود والأمير صدقة لإيجاد الصفاء بينهما، ولما تم وثوق الأمير صدقة من السلطان ذهب إلى بغداد وأصلح حاله معه ثم أن السلطان مسعود زوج الأمير صدقة بابنته تمسكاً به.
لما عزل السلطان مسعود الراشد عن الخلافة ونصب مكانه المقتفي اتفق بعض الأمراء مع الملك داود على محاربة السلطان مسعود وإرجاع الراشد إلى الخلافة فخرج إليهم السلطان مسعود من بغداد وانضم إليه الأمير صدقة وعنتر بن أبي العسكر معهما عسكر الحلة فالتقوا مع عسكر الملك داود بـ «بتجن كشت»([562]) فهزمهم السلطان مسعود وقتل الأمير منكر برس أسيراً وهو من أصحاب الملك داود ثم تفرق عسكر السلطان مسعود في النهب، وقف بعض الأمراء من جماعة الملك داود على نشز من الأرض فرأوا السلطان في قلة من أصحابه فهجموا عليه فانهزم السلطان ووقع الأمير صدقة وعنتر بن أبي العسكر أسيرين فقتلا قصاصاً بمنكر برس وكان ذلك سنة 532هـ.
عنتر بن أبي العسكر
هو الأمير فخر الدين أبو محمد عنتر بن أبي العسكر كان من أكراد الجاوانيين كان جواداً وفارساً مغواراً بصيراً بفنون الحرب والإدارة وكان مخلصاً للإمارة المزيدية لذا كان قائد جيش الأمير صدقة ولما قتل دبيس انضم إلى ولده الأمير صدقة يدبر أمره ويتم نقص صباه بما كسبه من تجارب وحنكة وقد أقرّه زعماء عسكر الحلة ورضوا به زعيماً يقود حركتهم. وللحيص بيص الشاعر الشهير مدائح فيه منها قوله:
إذا قلقت بيض السيوف ظماءة
سقاها فرواها من الهام عنتر
ولم أرد العبسي لكن سميه
ومن هو أولى بالثناء وأجدر
فإن فخرت عبس بفارس رعبها
فإن بني الجاوان أعلى وأفخر
فتى هو للعافي من الجور مورد
وللخائف الجاني من الخوف مصدر
الأمير محمد بن دبيس
لما قتل الأمير صدقة جعل السلطان مسعود إمارة الحلة لأخيه محمد بن دبيس وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر يدبره وحكم الأمير محمد الحلة من سنة 532هـ إلى سنة 540هـ وكانت أكثر أيامه سلمية لم يحدث فيها ما يعكر صفو الأمن في إمارته.
في سنة 535هـ قصد الأمير إسماعيل والبقش بمن معهما من العساكر الحلة فذهبا إلى واسط ونهبوها، ثم استشفع الأمير إسماعيل إلى السلطان مسعود فعفا عنهما.
وكان الأمير علي أخو الأمير محمد بن دبيس يطمح في الاستيلاء على ولاية الحلة وكانت سياسته مقاومة السلاجقة فكان يتحين الفرص للوصول إلى هدفه هذا. في سنة 540هـ كان في بغداد ولما أراد السلطان مسعود الرحيل عن بغداد في هذه السنة أشار عليه مهلهل بن أبي العسكر أن يحبس عليًّا هذا بقلعة تكريت حذراً من حدوث أمور لا تحمد عقباها لأن مهلهلاً كان يتوسم فيه الطموح إلى ولاية الحلة فلما علم علي بهذه المؤامرة هرب إلى الأزيز([563]) وجمع جمعاً من بني أسد وغيرهم وسار إلى الحلة واستولى عليها وكان بها أخوه محمد فقاتله ثم تخلّى محمد عن الحلّة وملكها علي.
الأمير علي بن دبيس
كان الأمير علي رجلاً باسلاً عالي الهمة بصيراً بالأمور طموحاً إلى المجد. ولخصال الخير المتوفرة فيه كان أهل الحلة يحبونه ويتعصبون له ويخوضون غمرات الحروب معه. قال فيه سبط ابن الجوزي: كان شيخاً جواداً وكان وزيره كمال الدين أبو العباس أحمد بن رضي الدين محمد بن علي بن أبي الفضل يحيى الأسدي العلقمي([564]).
استهان السلطان محمود في شأنه في أول الأمر، ثم استفحل أمره فقد انضم إليه جمع من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم وكثر جمعهم.
سار إليه مهلهل بن أبي العسكر الجاواني من بغداد ومعه أمير الحاج نظر ومعهم عساكر فقابلهم علي برباطة جأش وعزيمة صادقة فهزمهم أقبح هزيمة وعادوا مغلوبين إلى بغداد فأسمعهم العامة في بغداد أقوالاً قبيحة وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس. كانوا يصيحون إذا رأوا مهلهلاً وبعض أصحابه: (يا علي كله) وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب([565]).
كان لأمراء بغداد أقطاع بولاية الحلة، فلما توترت الحالة بين الأمير علي وحكومة بغداد مد الأمير علي يده إلى أقطاع الأمراء وتصرف فيها.
وصار شحنة بغداد ومن فيها على وجل منه. وجمع الخليفة جماعة وجعلهم على السور لحفظه من جيش علي بن دبيس وراسل الخليفة علياً وأعاد الجواب: بأني العبد المطيع مهما رسم لي فعلت، فسكن الناس([566]).
في سنة 542هـ أقطع السلطان مسعود الحلة سلار كرد، فسار إليها من همذان ومعه عسكر وانضم إليه جماعة من عسكر بغداد وقصدوا الحلة فجمع الأمير علي عسكره والتقى العسكران في مطيرباد فاقتتلوا فاندفع علي إلى ناحية واسط وملك سلاركرد الحلة واحتاط على أهل علي ثم عاد علي ملك الحلة.
اتفق الأمير علي مع الملك محمد ابن السلطان محمود على محاربة الخليفة المقتفي لميله إلى السلطان مسعود فجمع الأمير علي جموعاً كثيرة من رجالة البلاد في عدة كثيرة وسفن يزيد عددها على خمسمائة، وكان مع الأمير علي رجل من بني عمه يقال له حسن المطرب ومعه منجم، وكانوا يتحاورون في أمر القتال ويتشاورون بكيفية المقاومة والنزال فقال المنجم للأمير حسن المطرب: (إنني أرى في نجمك أنك متى قاتلت في غد تدخل بغداد، فإن كان لك هم في القتال ورغبة في الجلاد والنزال فعليك به في غد).
نهض الأمير حسن إلى تهيئة رجاله وتعبئة أبطاله في الليل، وأصبح من بكرة ونزل في السفن جماعة من الأعيان المعتبرين وكانت المعركة بالسفن على دجلة ثم انجلت المعركة عن قتل جماعة كبيرة من أهل الحلة والأجناد السلطانية وأسر حسن المطرب وأخوه ماضي وعدة افرة من أعيان بني أسد وأحضر حسن المطرب بين يدي الوزير فراجع فيه الخليفة فأمر بصلبه بعد أن مثل به([567]).
في سنة 545هـ توفي الأمير علي بن دبيس، وكانت وفاته بالحلة.
قيل توفي بالسكتة وقيل: مات مسموماً، وقيل: مات بعلة القولنج واتّهم طبيبه محمد بن صالح. فإنه قصر في أمره ومات طبيبه بعد قليل وقال ابن الأثير توفي في أسدباد.
وبوفاته انقرضت الإمارة المزيدية في الحلة وصارت الحلة تابعة للعباسيين مباشرة يرسلون إليها العمال من قبلهم.
النهضة العلمية والأدبية
في الحلة في عهد المزيديين
بدأت النهضة العلمية والأدبية في الحلة منذ مصرها الأمير سيف الدولة صدقة المزيدي وبلغت هذه النهضة أوج عظمتها طيلة القرن السابع الهجري فصارت دار هجرة لطلاب العلوم والمعارف والآداب فقصدها عشاق الفضيلة ليدرسوا العلوم على علمائها الأعلام فنبغ فيها العلماء والحكماء والأدباء، وذاع صيتهم مدى الآفاق.
ولا تزال مصنفاتهم متداولة بين أيدي أرباب العلم والأدب عدا ما تلف، وهو الكثير الذي لعبت به أيدي العبث والفساد ونوائب الزمن الشداد.
كانت الحلة في ذلك العهد من أرقى المدن الإسلامية بالنسبة لرقيها العلمي والأدبي، وكانت تعتبر ـ في ذلك العهد ـ مدرستها أكبر جامعة إسلامية، فقد صار فيها لبضائع الأدب سوق، وأضحت ميداناً لكل ذي فضل سبوق. إن الذي ساعد على نشوء هذه النهضة أمران:
الأول: أن أمراء هذه المدينة ومؤسسيها المزيديين كانوا على جانب عظيم من الفضل والكمال وسمو الأخلاق وكرم السجايا يسعون جهدهم وراء ترقية المعارف والعلوم وكان للأمير سيف الدولة مكتبة تحوي ألوف المجلدات، وكانت منسوبة الخط. ولغرام أولئك الأمراء الكرام بالعلوم والآداب كانوا يدنون منهم مجالس رباب العلم والأدب وينتشلونهم من مهاوي البؤس والفاقة، ويحمونهم من نوائب الزمن وطوارق الحدثان، لذلك تقاطر إليها العلماء والأدباء والشعراء ليتمتعوا بحرية تامة وعيشة راضية، فرسخت فيها الروح العلمية والأدبية حتى أينعت وأثمرت وجادت بما يستطاب.
تأمل ما كتبه العماد الأصبهاني في الخريدة: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات، كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجين وموئل المعتفين وكنف المستضعفين، تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال …. وأثرهم في الخيرات أثير والحديث عن كرمهم كثير …».
الثاني: أن للبيئة أثراً كبيراً على الأخلاق والفطن وحدة الذهن التي من ثمراتها العلوم والمعارف. ولا أريد أن أصف لك تلك البيئة الفيحاء والجنة الغناء من دماثة التربة واعتدال الجو وجمال المناخ وبهجة الطبيعة إذ هي أرض بابل ذات الحضارة والمدنية العريقتين.
قد يسأل سائل: إن العلم دخل الحلة من أي مدينة؟ وما علاقة تلك المدينة بالحلة؟ أقول لما كان أمراء هذه المدينة على ما أسلفت في الأمر الأول أمّها الناس من كل حدب وصوب، ولكن كانت النجف أكثر علاقة لها من غيرها. وكان فيها يومئذٍ تلامذة الشيخ الطوسي الذي غادر بغداد سنة 448هـ بعد أن أحرق «طغرل بك» السلجوقي مكتبه وكرسي تدريسه واستوطن النجف وبقي فيها يدرس إلى أن توفي سنة 460 فقام تلامذته مقامه فلما مصر الأمير سيف الدولة الحلة واتخذها مركزاً لأعماله قويت الرابطة بين البلدتين وامتدت أعناق النجفيين إليه وعلقوا عليه الآمال ليحيوا ما اندثر من نفوذهم وما كان لهم في عهد آل بويه من الحرية التامة في التعبير عن آرائهم.
صارت الحلة في عهد سيف الدولة كعبة الأدباء والشعراء والعلماء لما يلقونه من رعاية وتشجيع من قبله. فقد كان يجزل لهم العطاء والبذل حتى أن بعض من وفد إليها اتخذها موطناً له بدل موطنه الأصلي مثل أبي المعالي الهيتي المعروف بالفارسي ومثل أبي عبد الله محمد بن خليفة السنبسي وغيرهما الكثير.
لقد كان الأمير سيف الدولة صدقة كما قال فيه العماد الأصبهاني في الخريدة: «… كان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الإعزاز، ويخص الشاعر من جوده بالاختصاص والامتياز، ويؤمنه مدة عمره من طارق الأعواز. يقبل على الشعراء ويمدهم بجميل الإصغاء وجزيل الإعطاء. لا يخيب قصد قاصده من ذوي القصائد ويبلغ آمليه إلى أغراضهم والمقاصد».
وهكذا كثر الوافدون على الحلة أيام الأمير سيف الدولة فاكتظت برجال العلم والأدب. ومن جملة الوافدين إليها أبو الفوارس المعروف بحيص بيص ومرجا بن بتاه شاعر البطائح وابن واثق الأنباري ومحمد بن حيدر ويحيى بن التلميذ وشبيب البروجردي وهو القائل من قصيدة في مدح سيف الدولة:
قطعت الفيافي لا ضنيناً بمهجتي
ولا كارهاً وعر الجبال وسهلها
إلى حلة ما حلها اللؤم والخنا
بل المجد والعلاء والجود حلها
فكل الذين وفدوا على الحلة مدحوها وأشادوا بأميرها سيف الدولة إلا المغربي فإنه ذمها إذ قال:
أنا في الحلة الغداة كأني
علوي في قبضة الحجاج
بين عرب لا يعرفون كلاماً
طبعهم خارج عن المنهاج
وصدور لا يشرحون صدوراً
شغلتهم عنها صدور الدجاج
والمليك الذي يخاطبه النا
س بسيف ماض وفخر وتاج
ماله ناصح ولا يعلم الغيب
وقد طال في مقامي لجاجي
يقول الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه (الشعر العربي في العصر السلجوقي):
«وواضح أن يكون بين أسباب هذا الهجاء إعراض لقيه من الأمراء وخيبه أصابته في آماله بالكسب وفيما عدا ذلك لم يقل قوله إنسان».
وإليك على سبيل المثال حديث وفادة الأبيوردي الشاعر الشهير على سيف الدولة بالحلة لتعرف مبلغ حفاوة سيف الدولة بالأدباء:
حدث القاضي أبو سعيد محمد بن عبد الملك بن الحسن النديم: إن أفضل الدولة الأبيوردي لما قدم الحلة على سيف الدولة صدقة ممتدحاً له ولم يكن قبلها اجتمع به قط، خرج سيف الدولة لتلقيه. وكنت فيمن خرج، فشاهدت الأبيوردي راكباً في جماعة كثيرة من أتباعه منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاماً، ووراءه سيف مرفوع وبين يديه ثماني جنائب بالمراكب والسرفسادات الذهب.
وعددنا ثقله فكان على واحد وثلاثين بغلاً، وكان مهيباً محترماً جليلاً معظماً لا يخاطب إلا بمولانا. فرحب به سيف الدولة وأظهر له من البر والإكرام ما لم يعهد مثله في تلقي أحد ممن تلقاه وأمر بإنزاله وإكرامه والتوقر على القيام بمهامه وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد.
وكان الأبيوردي قد عزم على إنشاء سيف الدولة قصيدة منها:
وفي أي عطفيك التفت تعطفت
عليك به الشمس المنيرة والبدر
وفي يوم عينه. ولم يكن سيف الدولة أعد له بحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شعره، واعتذر إليه ووعده يوماً غير ذلك اليوم ليعد ما يليق بمثله إجازته مما يحسن به بين الناس ذكره ويبقى على ممر الأيام أثره. فاعتقد أفضل الدولة أن سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استنكاراً لما يريد أن يصله به ثانياً فأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقاً في دفعات، وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب بن حبش فإنه سمعه ينشد على شاطئ الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعم
لراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة
وحسبك عاراً إنني عنك راحل
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة
فعندي من السحر الحلال دلائل
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة، فقال له: رأيت على شاطئ الفرات فارساً يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات. فقال سيف الدولة: وأبيك ما هو إلا الأبيوردي فركب في قل من عسكره فلحقه فاعتذر إليه وسأله الرجوع إلى داره معه وحمل إليه ألف دينار، ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
ولجلالة قدره وتقديره للأدب أهدى إليه أبو يعلى ابن الهبارية الأديب المعدود والشاعر المجيد كتاب (الصادح والباغم) نظمه على أسلوب كليلة ودمنة، وهو أراجيز، وعدد أبياته ألفا بيت نظمها في عشر سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة وسير الكتاب على يد ولده وختمه بهذه الأبيات:
هذا كتاب حسن
تحار فيه الفطن
أنفقت فيه مدة
عشر سنين عدة
بيوته ألفان
جميعها معان
لو ظل كل شاعر
وناظم وناثر
كعمر نوح التالد
في نظم بيت واحد
من مثله لما قدر
ما كل من قال شعر
أنفذته مع ولدي
بل مهجتي وكبدي
وأنت عند ظني
أهل لكل من
وقد طوى إليكا
توكلاً عليكا
مشقة شديدة
وشقة بعيدة
ولو تركت جيت
سعياً وما ونيت
إن الفخار والعلا
إرثك من دون الملا
فأجزل عطيته وأسنى جائزته.
ويقول ابن الهبارية في كتاب (الصادح والباغم) الذي أهداه لصدقة سيف الدولة:
ولم تزل حلته ملاذاً
لكل من يهرب من بغدادا
يقصدها الملوك والخلائف
وجائع ذو فاقة وخائف
فيشبع الجائع في ذراها
ويأمن الخائف في حماها
* * *
يا ليتني سكنت تلك الحلة
بين شموس المجد والأهلة
* * *
في خير ضيف خير مرتجى
ملك يعز عنده أهل الحجا
كان سيف الدولة يتذوق الشعر ويميز بين غثه وسمينه إذ كانت له حاسة شعرية مرهفة. وإليك الحادثة التالية لتعرف مبلغ تذوقه للشعر الجيد:
اتفق حضور الشاعر السنبسي ومقدار المطاميري([568]) عند سيف الدولة بالحلة فأنشد السنبسي هذه الأبيات:
فوالله ما أنسى عشية ودعوا
ونحن عجال بين ساع وراجع
وقد سلمت بالطرف منها فلم يكن
من الرد إلا رجعنا بالأصابع
وعندنا وقد روى السلام قلوبنا
ولم يجر منا في خروق المسامع
ولم يعلم الواشون ما دار بيننا
من السر إلا عبرة في المدامع
فطرب لها سيف الدولة، ولم يرضها المطاميري، فقال له سيف الدولة: ويلك يا مقيدير ما عندك في هذه الأبيات؟ فقال: أقول في هذه الساعة بديعاً أجود منها، قال سيف الدولة: إن خرجت من عهدة دعواك، وإلا ضربت عنقك فأنشد مقدار ارتجالاً:
ولما تناجوا بالفراق غدية
رموا كل قلب مطمئن برائع
وقفنا فمبد أنة إثر أنة
تقوّم بالأنفاس عوج الأضالع
مواقف تدمي كل عشواء ثرة
صدوق الكرى إنسانها غير هاجع
أمنا بها الواشين أن يلهجوا بنا
فلم نتهم إلا وشاة المدامع
فازداد سيف الدولة استحساناً لهذه واستدناه منه وأكرمه وجعله من ندمائه.
والمزيديون أمراء الحلة ومؤسسوها، كما نبغ فيهم جماعة في قيادة الجيوش وسياسة الملك نبغ فيهم كذلك جماعة في الآداب والعلوم وبقي اسم هذه الأسرة لامعاً حتى أواخر القرن التاسع الهجري ثم اختفى ذكرهم ودخلوا في غمار الناس.
قد ترجمت لجماعة منهم فيما تقدم وسأترجم في هذا القسم لجماعة آخرين منهم ممن أبدى نشاطاً فكرياً في الأدب والعلم.
1 ـ بدران بن سيف الدولة:
قال فيه العماد الأصبهاني في الخريدة: شمس الدولة بدران بن صدقة بن منصور الأسدي أبو النجم شمس العلى وبدر الندى، فبدران لحسن منظره وطيب مخبره بدران، ولعلمه وجوده بحران، تغرب بعد أن نكب والده وتفرقت في البلاد مقاصده، فكان برهة بالشام يشيم بارقة السعادة من الأيام وآونة ورد بلاد مصر فأولاده كانوا بها لهذا العهد، وعادوا بأجمعهم إلى مدينة السلام وظهر عليهم أثر الإعدام، وتوفي بمصر سنة ثلاثين وخمسمائة وله شعر ما له من جودته سعر، وقيمة ما لها من قيمة.
له:
لا والذي قصد الحجيج على
بزل وما يقطعن من جدد
لا كنت بالراضي بمنقصة
يوماً وإلا لست من أسد
لاقلقلن العين دامية إلا
خفاف من بلد إلى بلد
إما يقال سعى فأحرزها
أو أن يقال مضى ولم يعد
وله:
وغريرة ونحن على منى
والليل أنجمه الشوابك ميل
زعم العواذل إن مللت وصالنا
والصبر منك على الجفاء دليل
فأجبتها ومدامعي منهلة
والقلب في أسر الهوى مكبول
كذب الوشاة عليَّ فيما شنعوا
غيري يمل وغيرك المملول
وله وهو بمصر وقد ذكر المغني المعروف بالكميت:
اشرب اليوم من عقار كميت
واسقنيها على غناء الكميت
ثم اسق النديم حتى تراه
وهو حي من الكميت كميت
جاء في وفيات الأعيان: (إن بدران أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه:
ألا قل لمنصور وقل لمسيب
وقل لدبيس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه
إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فكتب دبيس إليه:
ألا قل لبدران الذي حن نازحاً
إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما
عذار الأماني بالهجوم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة
وللأرض من كأس الكرام نصيب
2 ـ الأمير مزيد الحلي المزيدي:
هو الأمير مزيد بن صفوان بن الحسن بن منصور بهاء الدولة. نشأ في بيت أثيل، كانت له الإمارة والكلمة النافذة في العراق. كان الأمير مزيد شاعراً مجيداً مكثراً من الوصف والغزل والنسيب والتغني بالخمرة ووصف مجالس الشراب والاشتياق للندمان ووصف الطلول والمناجاة، ومن استعراض قصائده تلاحظ أنها تمتاز بالقوة والجزالة والرقة والسلامة كما تدل على أنه شاعر مطبوع مرهف الحس رقيق الشعور وأنه شاعر صادق العاطفة يعبر عن ألم دفين وحزن كمين سببه فراقه بلده الجامعين وذكرى ما كان له فيها من مجالس أنس وطرب وحب جامع.
من شعره قوله:
ومرابع بالجامعين عهدتها
تزهو بغيلان لها وجآذر
أيام كنت أجر في روض الصبا
ردفي بين رفارف وعباقر
من كل فاتنة اللحاظ إذا رنت
يا للرجال من اللحاظ الفاتر
بيضاء كاملة المحاسن كاعب
تختال بين خلاخل وأساور
أخذت من الضدين ما عرفا به
من فاحم جثل وأبيض زاهر
فمن الصباح لها ابيضاض معاصم
ومن الظلام لها اسوداد غدائر
ومن شعره قصيدة جاء بها على ذكر الأحباب والحنين للديار والبكاء على ذكر الأصحاب منها:
إلى كم ألوم النفس عند أذكارهم
وحتام أخفي ما ألاقي وأكتم
وفي كبدي للبنين نات ومخلب
وحولي ذئاب للحوادث حوم
وكم ليلة قضيت فيها مآربي
أعانق رباب الخدور وألثم
له ستون قصيدة جمعها الأديب السوري عادل ناصر من مصادر إسماعيلية مخطوطة متفرقة([569]).
3 ـ الشيخ جمال الدين أحمد المزيدي:
هو الشيخ جمال الدين أحمد بن يحيى المزيدي، كان فقيهاً يروي عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ويروي عنه والده الشيخ رضي الدين علي المزيدي.
4 ـ رضي الدين علي المزيدي:
هو الشيخ رضي الدين علي أبو الحسن بن جمال الدين أحمد بن يحيى المزيدي كان أديباً فاضلاً فقيهاً محققاً مذكوراً في إجازات العلماء كان من أكابر تلامذة العلاّمة الحلي ومن في طبقته وله الرواية عنه وعن تقي الدين الحسين بن داود الحلي والسيد الإمام العلاّمة صفي الدين محمد بن معد الموسوي، ويروي عنه الشهيد الأول، وقد اختص بالرواية عن والده الشيخ جمال الدين أحمد عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلي وعن الفقيه جمال الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القبيني عن نجيب الدين بن نما الحلي عن أبيه هبة الله بن نما عن الحسين بن محمد طمان عن أبي علي بن الشيخ الطوسي عن أبيه. توفي غروب يوم عرفة سنة 757هـ ودفن في النجف الأشرف.
5 ـ الشيخ علي بن منصور بن الحسين المزيدي:
كان فاضلاً فقيهاً معاصراً للشيخ أحمد بن فهد الحلي. ذكر صاحب الرياض: أنه كان حياً في سنة 877 لأنه وجد كتباً كانت بخطه في هذا التاريخ.
يوسف كركوش
المسائل الرسية الأولى
للشريف المرتضى
رسالة مخطوطة تشتمل على ثمانٍ وعشرين مسألة. عدد صفحاتها 24 صحيفة، كل صحيفة تحتوي على 21 سطراً.
سأله عنها «أبو الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي». والسائل فيما وصفه «ابن إدريس»، وفيما تنطق به أسئلته، عالم مدقق، فقيه حاذق، ملزم لخصمه، محتج عليه، بما لا يكاد ينقصي منه إلا من كان في مثل درجة السيد، وهو كذلك فيما يبدو من تقدير «الشريف المرتضى» له، وثنائه عليه. ألَّفها سنة 428.
وهي تشتمل على مسائل فقهية وكلامية، أحال فيها السيد على كتابه «مسائل في أُصول الفقه» وعلى كتابه «المسائل والمطلبيّات».
وترجع أهميتها إلى أنها تؤرّخ آخر فتاوى الشريف في الفقه وآرائه في الكلام.
المسائل الرسية الثانية:
وردت بعد الأولى من «أبي الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي»، فألحقها الشريف بها. وهي خمس مسائل في أربع صحائف، كل صحيفة 22 سطراً كل سطراً 28 كلمة. الأُوّل منها فقهية، والأخريات، مزيج من الفقه والكلام.
وتعود أهميتها إلى أنها صور من التقاء الفقه والكلام على ألسنة المتفقهين المتكلمين، وإلى أنها من أواخر ما ألّف السيد، فهي تمثل أواخر آرائه.
المسائل الطرابلسية الثانية
للشريف المرتضى
لم نجد نسخة للمسائل الطرابلسية الأولى، ولكن الشريف أحال عليها في المسائل الطرابلسية الثانية مما يدل على أن هناك مسائل طرابلسية أولى. وهي رسالة صغيرة، ألّفها «المرتضى» إجابة عن أسئلة وردت عليه من الشيخ «أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني».
والرسالة تتناول أصول المذهب الشيعي وما يؤخذ عليه من مآخذ ردّ عليها الشريف.
وقد أحال فيها على كتابيه «المقنع في الغيبة» و«الشافي في الإمامة».
المسائل الفلسفية والأجوبة عنها
كتاب للفارابي يشتمل على اثنين وأربعين مسألة سئل عنها الفارابي وأجاب باختصار عنها. ويظهر أن مدوّن هذا الكتاب كان أحد تلاميذ الفارابي.
طبعاته:
ـ طبعة ليدن 1890م (في الثمرة المرضية).
ـ طبعة القاهرة 1907م (في المجموع للمعلم الثاني).
ـ طبعة حيدر آباد 1931م.
ـ طبعة بومباي 1937م.
«ديتريشي» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الألمانية، وطبعها عام 1892م.
«حلمي ضياء أولكن وقوام الدين بورسلان» ترجما المتن الكامل لهذه الرسالة إلى اللغة التركية.
المسائل الطرابلسية الثالثة
رسالة مخطوطة تشتمل على ثلاث وعشرين مسألة وردت من الشيخ أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأبّاني عام 427. فأجاب عنها الشريف، ويبدو من روح الأسئلة أن سائلها شيعي، يودّ إيضاح ما في نفسه من مشاكل كلامية، تتعلق بالمذهب، مثل معنى كون الله مدركاً للأشياء، ومعنى كون القرآن نزل جملةً واحدة، ومعنى حياة الشهداء بعد الموت، وأخبار الكهان ومدى صحتها.
وأهمية الرسالة تعود إلى تصوير التطلّع والتوثب الذهني الذي لازم الشيعة في القرن الرابع، وإلى تنصيص شريف على وجوب الحذر من قبول أحاديث «كتاب الكافي» للكليني، في حين أنه من الأصول الأربعة للحديث عند الشيعة. وقد أحال السيد فيها على ما يأتي من كتبه: «الملخص»، «الذخيرة»، «تنزيه الأنبياء».
المسؤولية
المسؤولية مصطلح علمي حديث يعني الالتزام الفردي والالتزام الاجتماعي.
وتنقسم إلى:
1 ـ المسؤولية الفردية، وقد تسمى المسؤولية الخلفية، وتُبحث ـ عادة ـ في علم الأخلاق، وبخاصة الحديث منه.
ويراد بها من جانب: التزامُ الفرد بما فرضه عليه الشرع، أو ألزمه به القانون.
ومن جانبٍ آخر: التزام الفرد بما يصدر عنه من قول أو فعل.
2 ـ المسؤولية الاجتماعية، وتُبحث ـ عادة ـ في علم الاجتماع.
ويراد بها: الالتزام المتبادل بين الأفراد بعضهم البعض، وبين الفرد والمجتمع بأداء الحق والقيام بالواجب.
وبإمكاننا أن نضيف إلى هذين القسمين قسماً آخر، هو ـ في الواقع ـ وجه آخر من وجوه المسؤولية الفردية، وأن نطلق عليها اسم المسؤولية الشرعية الأُخروية.
ونعني بذلك أن الإنسان المكلف شرعاً، عليه أن يقوم يوم الحساب في الآخرة بالإجابة عن كل سؤال يوجه إليه، عن مدى قيامه بالتزاماته الشرعية في الدنيا.
وهو ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.
وهذه المسؤولية ـ في واقعها ـ هي تقديم كشف حسابي بمدى خروج الإنسان المكلف من عهدة مسؤوليته الفردية، وعهده مسؤوليته الاجتماعية، فهي تغطية حسابية شاملة لكل مسؤوليات الإنسان المكلف الشرعية.
من هذا المنطلق علينا أن نعلم أننا مسؤولون أمام الله تعالى عن تكوين شخصياتنا تكويناً إسلامياً وفق تعليمات التربية الشرعية، وتطبيق الأحكام الشرعية تجاه أنفسنا كأفراد وتجاه مجتمعاتنا.
والمسؤولية الاجتماعية تعني ولاية المؤمن للمؤمن (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنتكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله وأولئك سيرحمهم الله أن الله عزيز حكيم).
وكذلك تعني رعاية الفرد للفرد الآخر، وللمجتمع ككل (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
ومن هنا:
فليس التدين هو القيام بالواجبات العبادية المعروفة كالصلاة والصوم والحج ودفع الزكاة والخمس فقط.
لأن شريحة كبيرة من هذه تدخل ضمن المسؤولية الفردية.
والمسؤولية الفردية هي إحدى عناصر الالتزام الشرعي الذي تضفي على المكلف صفة التدين، ومن ثم صفة العدالة.
وعندما لا يتم الالتزام الشرعي بتوفر المكلف على كل عناصره لا يمكننا أن نعد ـ من ناحية شرعية ـ ذلك المكلف الذي التزم بجانب وأهمل الآخر متديناً، وعادلاً.
إذاً، لا بد من الالتزام بالجانب الآخر، وهو المسؤولية الاجتماعية، يستكمل المكلف عناصر الالتزام الشرعي، فيدخل في قائمة المؤمنين العدول.
وفي هدي هذا : يكون إعداد الوسائل الكفيلة بالنهوض بالأفراد والمجتمعات واجبة علينا، وهي أمثال:
ـ التعليم.
ـ التربية.
ـ الصحة.
ـ التعاون.
ـ التكافل.
ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكل هذه هي من الإلزامات الشرعية التي أوجبها القرآن الكريم:
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾.
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين﴾.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
المستمسك بحبل آل الرسول
لابن أبي عقيل
إِبْنُ أبي عَقيل هو أبو محمد الحسن بن علي الحذاء العماني، أو العمَّاني، المحدّث والفقيه والمتكلم في القرن 4هـ/ 10م. لا تتوفّر معلومات على تاريخ ولادته ووفاته ونظراً لكون ابن قولويه قد روى عنه، فلا بد من القول بأنّه كان في طبقة الكليني (260 ـ 329هـ/ 874 ـ 941م).
وقد حظي كتابه بالشهرة وكان الخراسانيون يبحثون عنه ويشترونه عندما كانوا يجتازون العراق في طريقهم إلى الحج.
وله كتاب الكرّ والفرّ في الإمامة.
ويرى بعضهم أنه أول فقيه شيعي هذّب الفقه واستخدم النظرة الاجتهادية وفصل بحث الأصول عن الفروع. وقد لفتت آراء ابن أبي عقيل الفقهية انتباه معظم الفقهاء الشيعة مثل: ابن إدريس الحلي في السرائر، والمحقق الحلي في المعتبر، والعلامة الحلي في المختلف.
مستند الشيعة في أحكام الشريعة
تأليف: الشيخ أحمد النراقي (1185 ـ 1245هـ).
من أهمّ الكتب المصنّفة في الفقه الاستدلالي، يشتمل على جلّ المسائل الفقهية، والأحكام الفرعية المتعلّقة بها، يذكر أدلّة كلّ مسألة ثم إيراد الإشكال والردّ على المخالف منه، مع بيان تعارض الآراء والأقوال المختلفة للعلماء فيها.
مسجد دامغان
يعتبر مسجد (تاريخانه) في «دامغان» بإيران أقدم بناء إسلامي يحافظ على بنائه الأصلي. وهو مشيّد على الطراز الساساني، ويبدو أنه نجا من زلازل القرنين الثالث والرابع للهجرة، وبقي محافظاً على تصميمه باستثناء بعض التغيرات الطفيفة التي أُجريت على باحته الداخلية.
وليس ثمة كتابة جدارية في مسجد «تاريخانه» (الذي يسمى أيضاً مسجد جهل ستون وخانه خدا) تبيّن تاريخ بنائه، ولكن الظاهر من طرازه أنه بُني قبل عام 200 للهجرة، فآرثور بوب يرى أنّ بناءه يعود إلى القرن الثامن الميلادي، بينما يرى مهدي فرشاد عام 760م، الموافق لعام 143هـ تاريخاً للانتهاء من تشييد هذا المسجد.
أما المؤرّخ الدكتور الموسوي فيجعل تاريخه يتراوح بين عامي 136 و158 للهجرة، ويقفز اعتماد السلطنة بهذا التاريخ إلى زمن خلافة الإمام علي عليه السلام في القرن الأول للهجرة.
ومما يضفي أهمية على هذا البناء التاريخي المهم اقتران طراز البناء العربي بالطراز الساساني، ولعل من أهم مظاهر البناء الإيراني التقليدي تتجلى بالطيقان القائمة على الأعمدة التي تنتظم بمحاذاة الباحة الخارجية للمسجد مشكلة ما يشبه الإيوانات الساسانية. وأعمدة المسجد تشبه بقطرها وحجمها أعمدة القصر الأثري في تلة «دامغان»، مما يؤكد استمرار طراز البناء الساساني في عهد ما بعد الإسلام. وفي الوقت ذاته ثمة مؤشرات على أن هذا المسجد كان زمن فتح المسلمين لإيران معبداً مجوسياً، ثم تحول إلى مسجد، وأجريت عليه تعديلات في القرن الثاني الهجري.
وإذا صدقت هذه المؤشرات يكون معبد النار في «دامغان» الذي ذكره المسعودي في معرض ذكره لمعابد النار المعروفة في إيران، وأبرزها معبد (قومس) المعروف باسم (جريش) الذي كان موجوداً في عهد الاسكندر، هو مسجد (تاريخانه) ذاته، ولكن الخبراء يرون أن هذا المسجد هو أول بناء شُيِّد في إيران على أساس أن يكون مسجداً دون أن تكون له علاقة بمعابد المجوس.
يتكوّن المسجد، بصورة أساسية، من باحة داخلية مربعة الأضلاع تقريباً، بطول 27 متراً وعرض 26 متراً، تحيط به طيقان من الآجر، تقوم على أعمدة بارتفاع 3 أمتار، وقطر يتراوح بين 1,5 ومترين، وثمة طاق كبير أوسع وأعلى من الطبقات الأخرى، ينتصب باتجاه القبلة ويقع المحراب خلفه، وإلى جوار المحراب يوجد منبر الوعظ.
ورغم بساطة البناء واقتصاره على ما يلزم من الاعمال العبادية، فإنه يمثّل نموذجاً لجمال البناء القديم، مجسّداً في بناء إسلامي، مشيَّداً بمواد البناء التي كانت تستخدم في العهد الساساني. ويشكل اللبن الجزء الأكبر من مواد البناء، ويلاحظ أيضاً قليل من الآجر والخشب، من هنا يعتبر المبنى مظهراً للبساطة، ومظهراً في الوقت ذاته للمهارة في استخدام مواد البناء وترتيبها في نظام أبقى المسجد شامخاً على تعاقب العصور.
مسجد الضرار
﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ [سورة التوبة، آية: 107].
بعد أن جاء نصر الله والفتح، ودخل المسلمون مكة ظافرين في السنة الثامنة للهجرة، أصبح الإسلام قوة كبرى في المنطقة، ولقد أزعجت الانتصارات الإسلامية المتلاحقة الدولتين العظميين ـ آنذاك ـ الرومية والفارسية، ولهذا أخذتا تخططان للقضاء على القوة الإسلامية الثالثة المنافسة التي ظهرت على المسرح السياسي العالمي.
من هذا المنطق شرع ملك الروم «هرقل» يهيئ جيشاً جراراً لغزو المسلمين والقضاء على قوتهم المتنامية يوماً بعد يوم، واستطاع الروم أن يوجدوا لهم قوة في أحضان الدولة الإسلامية تُخذَّل المسلمين وتمزقهم من الداخل.
وبدأ هؤلاء المنافقون يبثون الإشاعات التي تصف قوة الروم الأسطورية من أجل تثبيط العزائم والهمم كجزء من الحرب النفسية، وراحوا يثيرون البلبلة في صفوف المجاهدين، وانطلقت أراجيفهم تملأ البيوت والشوارع والساحات في المدينة:
﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ [سورة التوبة، آية: 81].
«إن بني الأصفر قادمون».
ولم تفل كل تلك الإشاعات في عزم المؤمنين المجاهدين الذين لبوا داعي الحرب والجهاد والقتال، وهم يرون القيادة الإسلامية تجهز وتعبئ، لخوض المعركة.
لقد عقد المنافقون الآمال الكبيرة والأماني العريضة على المعركة القادمة، التي تصوروا أنها ستكون حاسمة، يسقط فيها المسلمون، ولن تقوم لهم بعد اليوم قائمة.
ولهذا فإنهم أسرعوا للاتصال سراً بملك الروم ليقوموا بدورهم التخريبي في الداخل خير قيام.
كان رجل الاتصال بينهم وبين الروم أبا عامر الراهب، ذلك الذي ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فصار له شرف وسيادة في الخزرج، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة واجتمع حول قيادته المسلمون وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شرق أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فاراً إلى مكة مؤلباً المشركين على حرب المسلمين، ولما استيأس منهم، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده ومنّاه، وأقام عنده.
ومن هناك كتب إلى المنافقين في المدينة يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه! وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
وجاء الأسلوب النفاقي هذه المرة ماكراً، لتحقيق أهدافهم في تمزيق الساحة الإسلامية وضرب الإسلام باسم الإسلام:
أن يبنوا مسجداً مقابل مسجد قُباء الذي خطّه وأسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل إلى قرية قباء، الواقعة على بعد ميلين من المدينة وبقي فيها أياماً ينتظر مقدم علي عليه السلام. «وقد أقام علي عليه السلام، بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس».
ولقد عاشت قباء أيامها التاريخية وهي ترى مسجدها المبارك الذي صار مركزاً للمؤمنين ومدرسة لتعليم القرآن الكريم وقاعدة للوحدة وجمع شمل المخلصين، ولهذا فقد أصر أهلها على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقيم عندهم، وقالوا: «أقم عندنا يا رسول الله فإنّا أهل الجد والجلد والحلقة (السلاح) والمنعة».
وكان مسجد قباء هو المسجد الأول الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته، وقبل وصوله إلى المدينة.
ولهذا فقد كان اختيار المنافقين للموقع دقيقاً ومدروساً قُبالة مسجد قباء، ليكون مركزاً لإقامة التكتلات، وإثارة الفرقة والاختلافات.
وبعث أبو عامر الفاسق ـ كما كان يلقبه الرسول صلى الله عليه وسلم. برسائله إليهم يحثهم على الإسراع في إتمام البناء وبذل أقصى الجهود من أجل إقامته بأروع صورة وأحسن بنيان! ليكون لهم معقلاً ومرصداً، وأكّد وعوده بالذهاب إلى قيصر الروم ليحرضه على إرسال جيش جرار إلى المدينة.
وقبل أن ينطلق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فرغ المنافقون من بناء مسجدهم، فجاؤوا إليه بخمسة رجال، منهم مُعتِّب بن قشير، وثعلبة بن حاطب … مظهرين حرصهم على الإسلام والمسلمين، واهتمامهم الكبير في توعية الساحة على نهج القرآن، جاؤوا وشفاههم تهمهم بالدعاء والتسبيح، ووقفوا أمامه في خشوع وخضوع ليقولوا له بكل رفق وحرص ولين:
«يا رسول الله، إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، وإنا نحب ـ يا رسول الله ـ أن تأتينا فتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة»!!.
ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم يتفكر في كلام هؤلاء الذين لا تخفى عليه أساليبهم وتحركاتهم، ولكنه وقف يستمع إلى حديثهم رغم انشغاله بتجهيز الجيش الإسلامي للخروج إلى تبوك فقال لهم: «إنا على جناح سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله».
وفرح المنافقون بوعد الرسول لهم بالصلاة في مسجدهم، وراحوا ينتظرون قدومه على أحر من الجمر.
وانطلق المجاهدون بقيادة الرسول لمواجهة أكبر قوة في العالم آنذاك، يغذّون السير رغم بُعد الشقة، وحرارة الجو اللاهبة، وقلّة الزاد والماء، حتى سمى القرآن الكريم ذلك بـ «ساعة العُسرة» وعُرف ذلك الجيش الإسلامي الزاحف بـ «جيش العسرة».
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [سورة التوبة، آية: 117].
ولما بلغ الروم مسيرة الركب الإسلامي القادم إليهم، وما هو عليه من القوة والبأس والعزم والتصميم لخوض المعركة مهما كانت النتائج والعواقب، آثروا الانسحاب إلى الداخل حيث استقر قائدهم هِرَقل وجيشه في حمص.
وقفل الرسول صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة، وقبل أن يصلها بساعات، نزل عليه الوحي الأمين بقوله تعالى:
﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ وحذّره من أن يصلي فيه: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾.
ثم بيَّن الفارق بين المسجدين، ومصير كل منهما:
﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم﴾ [سورة التوبة، الآيتان: 109 ـ 110].
على الفور، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين من الصحابة وأمرهما بهدم ذلك المسجد وحرقه قائلاً لهما: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه».
وانطلق الصحابيان مسرعين فأضرما النار في نباته، فهوى مهدماً، وأمكن لمن كانوا فيه من جماعة النفاق أن يفروا خائبين خاسرين.
ونلتقي مع الدروس الكبيرة والدلالات العميقة للآيات المباركة وقصتها، ولعل من أهمها:
لماذا يتخذ المنافقون المساجد منطلقاً لمؤامراتهم ومكائدهم؟.
والجواب على ذلك يتصل بطبيعة النفاق وحركته التي تريد أن تضرب الإسلام باسم الإسلام، وتمزق الصف الإيماني تحت شعارات الوحدة والاتحاد، وتمرر المؤامرات من خلال اعتماد المؤسسات الإسلامية.
وليس هناك أكثر قدسية في قلوب المسلمين من المساجد التي هي بيوت الله عز وجل، والتي يعتبرها المسلمون المخلصون مركزاً لوحدتهم ومنطلقاً لجهادهم ومدرسة لوعيهم وفهمهم، وساحة لجمع صفوفهم وتألف قلوبهم.
وبذلك يستطيع المنافقون أن يكسبوا الثقة الكبيرة بأعمالهم ومكائدهم، ويجعلوا الكثيرين من الذين لا يملكون الوعي جنوداً أوفياء لتنفيذ مخططاتهم.
ولقد أراد هؤلاء أن يكسبوا الشرعية بصورة أكبر من خلال مباركة الرسول صلى الله عليه وسلم لمسجدهم وصلاته فيه حتى لا يبقى مجال للشك في نواياهم. ولذا جاؤوا إليه ملحّين على أن يصلي فيه بقولهم:
«وإنا نحب ـ يا رسول الله ـ أن تأتينا فتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة» أو «ونحن نحب أن تأتينا فتصلي بنا فيه».
ولكن الرسول رفض لأن إجابة الرسول طلبهم يضفي الشرعية على تحركهم، ويتخذون من إقامته فيه غطاءً لتمرير مخططاتهم وألاعيبهم.
إن مسجد الضرار يذكرنا بمكيدة رفع المصاحف في صفين وشعار (لا حكم إلاّ الله) …. وانطلت تلك اللعبة على أولئك السذّج من المتدينين الذين لا يملكون الوعي في تمييز كلمات الحق التي يُراد بها باطل من كلمات الحق التي يراد بها حق، فوقفوا بوجه علي عليه السلام معلنين رفضهم لاستمرار الحرب في الوقت الذي أشرف فيه جيش علي عليه السلام بقيادة مالك الأشتر على النصر النهائي، ولم تنفع كل صرخات أمير المؤمنين بقوله:
«إنها كلمة حق يراد بها باطل وما رفعوها إلا خدعة ومكيدة». لقد استغل أولئك قدسية المسجد بينما استغل معاوية قدسية القرآن فرفعوه على رؤوس الرماح.
قيل للصحابي عاصم بن عدي: لِمَ أراد المنافقون بناء مسجدهم؟ قال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم فشقَّ ذلك عليهم وأرادوا مسجداً يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلاَّ من يريدون ممن هو على مثل رأيهم.
ونلتقي مع مساجد الضرار في كل مسجد أو مؤسسة تتخذ من الإسلام شعارها من أجل تحقيق الأهداف الخبيثة.
وقد قال الشهيد سيد قطب في تفسيره (في ظلال القرآن):
«هذا المسجد ما زال يُتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين تتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترّس وراءها وهي ترمي هذا الدين! وتُتّخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام بصورة مشوهة».
مالك الموسوي
مسرقان (نهر)
يبدو أن أول مرة ورد فيها اسم (مسرقان) كان في بندهشن النهلوي حيث عدّه من أنهار إيران، ثم ورد ذكره في كتاب (حدود العالم) مرتين الأولى حينما تحدث عن أنهار ولاية خوزستان، والثانية حينما تحدث عن خوزستان ووصفها بأنها خضراء وفيها اشجار نخيل تنتج تموراً جيدة.
كما ورد ذكره في كتب الإصطخري وابن حوقل وغيرهما من الجغرافيين المسلمين ووصفوها بمثل الوصف السابق. كما أن ياقوت الحموي تحدث عن نهر (مسرقان) في كتابه معجم البلدان.
كما ورد ذكره في مؤلفات الرحالة والمستشرقين الأوروبيين ويبدو أن هذا النهر كان عامراً إلى نهايات القرن الخامس وبدايات القرن السادس الهجري، وقد تحدث عنه المستشرق الروسي الشهير (بارتولد) مفصلاً. وكان النهر يبدأ من مدينة (تستر) ويصل إلى مدينة الأهواز وكان يمرّ بمدينة (عسكر مكرم) وبالقرب من هذه المدينة كان يصب في نهر كارون. وكان الالتقاء مع كارون في قرية خصبة تسمى (مسروقان)، وهذا النهر برغم التغييرات التي حصلت في مجراه فإنه لا زال جارياً في الجانب الشرقي من نهر كارون ويسمى بـ (كركر) أو (دودانكه) ويلتقي مع نهر كارون في منطقة (بندرقير) الواقعة على مسافة 45 كلم شمال شرق مدينة الأهواز.
ولم يشر الجغرافيون والمستشرقون إلى إدامة سير هذا النهر حتى البحر والخليج حيث ليس لدينا شواهد جغرافية وتاريخية على أن النهر كان يستمر من مبدأه حتى التقائه مع نهر كارون ثم إدامته بموازاة نهر كارون مروراً بمدينة الأهواز ورامهرمز حتى الخليج خاصة إذا لاحظنا كثرة الأنهار في هذه المنطقة حيث يتعذر معرفة مسير هذا النهر في القرون السابقة.
المهندس محمد علي مخبر
مسند الإمام علي عليه السلام
تأليف السيد حسن بن علي بن حسن القبانجي.
موسوعة حديثية كبيرة، تشتمل على ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام من نصوص وروايات وأحاديث نبوية شريفة وأقوال وآراء، وما أُثر من علمه وفقهه وفتاويه وأقضيته عليه السلام، وما سُجّل عنه من ألوان العطاء المشع والحكمة الهادية في مختلف مجالات الحياة … استغرق العمل فيها نحو 23 سنة، من سنة 1387هـ، ولغاية 1409هـ.
تمّ جمع هذه المرويات ـ دون تمييز الصحيح والحسن والضعيف منها ـ بعد التتبّع والاستقراء والتنقيب، واعتماداً على أوثق مصادر العامّة والخاصّة، ثمّ ترتيبها بشكل مباحث مقسّمة إلى أبواب والابواب تشتمل على عناوين شتّى تبعاً لاختلاف مضامينها، إذ فيها الأحكام والاحتجاجات والقضاء والنصائح والحكم، وغيرها من المفاهيم.
ضمّت الأجزاء الخمسة 42 مبحثاً هي: العقل والجهل، العلم والعلماء، الحديث وفضله، البدع والأهواء والقياس، التوحيد، الإيمان والكفر، القرآن وفضله، وفضائل بعض السور والآيات، ثمّ تفسير الآيات وتأويلها، الدعاء، والأحراز والعوذ، ثمّ الطهارة، الصلاة، المساجد، الصوم، والحجّ، ثمّ الخُمس، الزكاة، الصدقة، المرض وعيادة المريض، الوصيّة، الميت وأحواله، الميراث، الجهاد في سبيل الله، التقيّة، جهاد النفس، فعل المعروف، المر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناهي، ثمّ النكاح، حقوق الأولاد والآباء، الطلاق، العدّة وأحكامها، الإيلاء، الخلع والمبارات، اللعان، الظهار، العتق، الصيد، الذباحة، الأطعمة والأشربة، وأخيراً مبحث اللباس والتجمل.
المشعشعون
كان السيد محمد الموسوي بن فلاح الذي يرجع نسبه إلى محمد ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام يعد من فضلاء زمانه، ويذكر أنه سافر بإذن من أبيه من واسط في سن السابعة عشرة، ليحط رحاله في مدينة الحلة ويباشر بالدراسة في مدرسة ابن فهد (ت 841) وهو من كبار العلماء في عصره.
طفق السيد محمد يدرس ليلاً ونهاراً حتى بلغ المراتب العلمية ولفت انتباه أستاذه في فترة قصيرة، وكان أستاذه يأذن له بإلقاء الدرس في حال غيبته، ويكن له الحب ويعده من المقربين له.
بعد وفاة والد السيد محمد، تزوج أستاذه بوالدته وزوجّه ابنته، ثم سعى جاهداً في تربية صهره وتعليمه، وعندما اطمئن السيد محمد إلى قدرته على طي طريقه لوحده أعلن دعوته في الناس.
بداية الدعوة
ثمة آراء عديدة للمؤرخين حول دعوة السيد محمد، ويذهب بعض هؤلاء إلى المبالغة في أعماله العجيبة، وزعم البعض أنه ادّعى المهدوية وقال: سأظهر قريباً باسم إمام الزمان. وأكثر المؤرخين لا يذكرونه بالخير، لا سيما المؤرخين الإيرانيين والعثمانيين([570]).
وفي كتاب «تاريخ المشعشعين» ينقل السيد شبر في كتاب «تاريخ الغياثي»([571]) قوله:
«كان لابن فهد كتاب في العلوم الغريبة، وعندما حضرته الوفاة سلمه لغلامه وأمره بإلقائه في الماء، ولكن السيد خدعه وأخذ منه الكتاب، فكان يعمل بعض الأعمال الغريبة مستفيداً من القوانين الكيميائية والفيزيائية فجمع حوله العديد من أهالي خوزستان، وكان الناس يصدقون بكل شعوذة يقوم بها، وكان يلقن طلابه وأتباعه أذكاراً تقترن بذكر علي عليه السلام.
ويذكر أن أتباعه كانوا يقومون بأعمال غريبة، فمثلاً يدخلون السيوف في بطونهم ويخرجونها دون أن يحسوا بألم (وهو نفس العمل الذي يقوم به الدراويش في كردستان إيران)، أو يلقون بشيء ثقيل في نهر عميق حتى إذا بلغ العمق ورسى في القعر أخذوا يقرؤون أذكارهم فيعود هذا الشيء الثقيل ليطفو على سطح الماء، ثم أخذت هذه الشعوذة تزداد باستمرار، حتى أعلن ظهوره باسم (المهدي) في عام 828هـ([572]).
وعمت دعوته جميع أنحاء خوزستان ومدنها المهمة مثل شوشتر والحويزة ودزفول.
وينقل عباس العزاوي في كتابه «العراق بين احتلالين»([573]) أن تاريخ الغياثي ذكر تفاصيل هذه الدعوة من بدايتها وحدد عام 820 تاريخاً لانطلاقها.
وكان السيد محمد يقول بأنه سيظهر باسم المهدي، فبلغ قول هذا مسامع أستاذه، فأنكر عليه ذلك وعنفه ووعظه. ويُنقل أن السيد محمد كان جامعاً للعلوم المعقولة والمنقولة ومن أهل الرياضة. ومن رياضاته: بقاؤه في مسجد الكوفة لعام كامل وكان خلاله يكتفي بالنزر القليل من طحين الشعير.
ثم بدأت دعوته في عام 840، وفي ذلك الوقت أصدر ابن فهد أمره بقتله، وبعث برسالتين إلى الأمير منصور بن قبان بن إدريس العبادي، أمير واسط، يبيح فيهما دمه ويحث الوالي على قتله، وعندما بلغت هاتان الرسالتان الوالي، أصدر أوامره بإلقاء القبض عليه وكان عازماً على قتله، فصار يدافع عن نفسه ويقول: إنا سني وصوفي وهم شيعة وأعدائي ويريدون قتلي، ثم أخرج القرآن وأقسم للأمير حتى يطمئن وما زال في أقواله هذه حتى فك الأمير المنصور عنه قيوده وأطلق سراحه.
وعندما نجا من الموت، أسرع إلى ديار «المعادي» حيث كان أهلها أول أتباعه، وكان لذلك وقع حسن في نفسه، ثم أخذت العشائر تلتحق به باستمرار ومنها قبيلة (الرزان السودان) ([574]).
عندما بلغت هذه الأخبار حكومة المنطقة، باشرت بقتل العديد منهم وأسرت آخرين. وقعت هذه الحادثة في أوائل عام 844هـ، «فاضطر السيد محمد إلى العودة إلى موطنه الأصلي في الثبق ثم ذهب إلى الدوب حيث كانت طائفة المعادي تسكن هناك ما بين دجلة والحويزة واستقر في هذا المكان.
كانت هذه خلاصة مما نقله عباس الغزاوي عن كتاب مجموعة الأنوار([575]) وتاريخ الغياثي.
ثمة مواضيع وردت في كتاب تحفة الأزهار بخصوص السيد محمد وهي تختلف عن التواريخ التي نقلناها. وفي «شجرة شب» ورد الحديث عن السيد وبعض حالاته، ومنها ما يلي: عندما توفي والده فلاح، تزوج الشيخ أحمد بن فهد من والدته وسعى في تربيته، ثم زوجه من إحدى بناته، وعندما حضرت الشيخ أحمد الوفاة وأحس بدنو أجله، أعطى لإحدى جواريه كتاباً لتلقي به في نهر الفرات، وكان هذا الكتاب مجموعة من الأسرار الغريبة والتعاليم المدهشة. فحال السيد محمد دون رمي الكتاب، وأخذه ثم أسرع إلى قبيلة خفاجة.
وارتاب الشيخ بالأمر لفراسته، فسأل عن الكتاب، فقالت له الجارية بأنها ألقت به في النهر. فقال لها الشيخ: ولكني لم أر شيئاً، لأن الكتاب إذا ما ألقي به في الماء فسينبعث دخان كثيف من النهر إلى السماء. فصدقت الجارية هذا القول واعترفت بالحقيقة، بأنها أعطت الكتاب لمحمد بن فلاح، فبعث الشيخ إليه أحدهم، وعثر عليه هذا في عشيرة خفاجة، فطلب منه الكتاب، فأنكر محمد ذلك وقال بأن الشيخ قد استولى عليه مرضه فأخذ يهجر([576]).
وعندما خيم الليل، هرب السيد محمد إلى عشيرة المزيرعة، وطفق يقرأ الكتاب بكل شغف ورغبة، ثم ذهب من هناك إلى أصفهان ومن أصفهان إلى الحويزة، وأجرى هناك بعض الأعمال الغريبة، فصار الناس يسألونه عن اسمه، فيقول لهم إن اسمه هو محمد المهدي ثم يحث الناس أن يذهبوا ويخبروا غيرهم، فأخذ الناس يلتفون حوله شيئاً فشيئاً ويقبلون بدعوته وينفذون أوامره، وكانت بيوت الحويزة آنذاك من القصب وأهلها من المزارعين. وكان يأتي موظف في موسم الحصاد ليأخذ الحصة السنوية ويقفل راجعاً. فما كان من محمد بن فلاح إلا أن تصدى لذلك فأمر بصناعة السيوف من عظام الجاموس والاستعداد للحرب، ثم نشبت الحرب بين هاتين القبيلتين وانتهت بهزيمة عشيرة العبادي وانتصار أهل الحويزة ولاذ رئيس عشيرة العبادي بالفرار، فخضعت هذه المنطقة لسيطرة السيد محمد.
كان للسيد محمد خمسة أولاد هم: كرم الله، معتوق، علي، محسن، إبراهيم.
في بادئ الأمر عاد محمد إلى (الدوب) وترك ابنه علي وأصحابه في (ثبق ـ نازور) ومكث في هذا المكان إلى حين جاءه أمر أبيه بالسير إليه مع سائر الطوائف التي معه، وفي أثناء الطريق اصطدموا ببعض أفراد عشيرة المعادي، فنهبوا أموالاً كثيرة منهم وأسروا جماعة، فسر الأب لتقدم ابنه ثم أمر ببيع أملاك قبيلة المعادي من بقر وجاموس وشراء أسلحة بثمنها، فبيع كل رأس بقر بسيف وعشرة دراهم. حتى إذا أتم شراء السلاح تحرك نحو ناحية أبي شوال من قرى الحويزة، فوصلها في يوم الجمعة، السابع من رمضان عام 844 وصمد أهلها فلم يستسلموا فقُتل من أهل الحويزة والجزائر جمع كثير.
كان حاكم الجزائر في ذلك الوقت هو الأمير الفضل بن عليان النبعي الطائي وقد اختلف مع إخوانه فترك الجزائر ورحل إلى الحويزة، فاستقر في قرية أبي شوال واجتمع له عدد كبير من أهالي الجزائر وأجمعوا على نصرته فلم ير محمد الاستمرار في حربه ومن ثم عاد إلى الدوب، ولكنه لم يمض عليه وقت طويل حتى أصابهم القحط، فتوجه نحو كحسلا من أراضي واسط وكان في هذه المنطقة بعض عرب عبادة فصمدوا له؛ إذ نهض حاكم واسط الأمير محمد بن شاء الله بمن معه من أهالي المنطقة للدفاع ولكن لم يدم الدفاع طويلاً، حيث تمكّن السيد محمد من قتل ما يقارب الأربعين شخصاً ثم أغار على المنازل فسلب ما فيها ونهب كل ما وقعت يده عليه من مال، وهكذا أنقذ نفسه وأصحابه من الجوع والهلاك.
وقعت هذه الحادثة في الثالث عشر من شوال عام 844هـ، وبعد فترة قصيرة من هذا التاريخ تحرك السيد محمد صوب الجزائر، فوقع الخلاف بين أهلها، ثم توجه رئيسهم واسمه شمل إلى السيد محمد ودخل في طاعته فعينه هذا بدوره حاكماً على الجزائر ونتيجة لذلك ازداد الخلاف تأججاً. ثم هزم أهل واسط المشعشعين وقتلوا من أصحاب السيد محمد ثمانية أشخاص غير من قتل منهم هارباً.
عندما أدرك السيد محمد وأصحابه عجزهم وحاق بهم الجوع والقحط قرروا ترك الجزائر والرجوع إلى الحويزة، وكان تاريخ هذه الحادثة هو الأول من رمضان عام 845هـ، وحاكم الحويزة آنذاك هو الشيخ جلال الدين المعين من قبل حاكم شيراز وخوزستان السلطان عبد الله ابن ميرزا إبراهيم بن شاهرخ.
أحاط الشيخ جلال الدين أباه في شيراز بما يجري في منطقته، فبادر هذا بدوره إلى إخبار السلطان عبد الله، فما كان من الأخير إلا أن أرسل الأمير خداقلي برلاس إلى الحويزة ثم أرسل الشيخ أبو الخير لنصرته. ثم تهيأ جيش كبير من شوشتر ودزفول والدورق ومكث هذا الجيش في الحويزة شهراً، وكان السيد محمد آنذاك مستقراً في قرية أبي شوال وكان هو وأصحابه يصنعون ـ لشدة قحطهم ـ من جذوع النخل خبزاً ليأكلوا، وفي أثناء إقامة الشيخ أبي الخير في الحويزة قتل حاكم القيصرية السيد شهاب الدين ظلماً.
إثر ذلك ازداد ظن الناس تجاه الحكم المغولي سوءاً، وعندما بلغ الخبر السيد محمد، عد ذلك فرصة اغتنمها وسار بجيش قليل بعد أن أمر بدفع قطعان الجاموس خلفهم، ثم شنّ حملته على الشيخ أبي الخير، فلما رأى الأخير مقدمة الجيش حسبه جيش كبير فلاذ وأصحابه بالفرار دون حرب، فأعمل المشعشعون سيفهم في أهل الحويزة، وأحدثوا المجازر على ضفة نهر الحويزة واستولوا على قلعة المغول.
عندما بلغ هذا الأمر مسامع اسبند اسبان بن قرا يوسف التركماني حاكم بغداد، جمع جيشه وبعث به إلى الحويزة فاصطدم هذا الجيش بمقدمة جيش السيد محمد وهُزم المشعشعون.
اضطر السيد محمد بعد ذلك إلى ترك أرض الحويزة والانتقال إلى منطقة تدعى الطويلة. ثم دخل الأمير إسبند مدينة الحويزة ودخل معه جيشه، فصادروا جميع الأموال التي عثروا عليها ثم توجهوا صوب الطويلة وقتلوا العديد من المشعشعين، فاضطر السيد محمد إلى إرسال ممثل عنه إلى الأمير إسبند وحمله بالهدايا وكتب إلى الأمير رسالة يتمنى عليه قبول هذه الهدايا، فقبلها الأمير إسبند ميرزا وقبل اعتذاره ثم أرسل إليه بسفن محملة بالرز، وغادر بعدها المنطقة.
انتهز السيد محمد فرصة عودة الأمير إسبند، وأسرع إلى الحويزة، فنهب كل ما كان مع أصحاب إسبند ميرزا، ولم يكتف بذلك بل أغار على السفن المتوجهة من البصرة إلى واسط، والتي كانت محملة بأنواع الأطعمة والأمتعة فنهبها وقتل من فيها. وعندما بلغ الخبر الأمير إسبند ميرزا، أسرع من البصرة إلى بغداد.
جمع السيد محمد في أثناء ذلك جيشاً وحاصر قلعة بندوان لثلاثة أيام وهي قلعة تابعة للأمير إسبند ميرزا ومع أن السيد محمد لم يفلح في فتحها فإن العديد من العشائر أخذوا بالالتحاق به والانضمام إلى صفوف جيشه، ومن ثم أصبح يمتلك جيشاً كبيراً، خصوصاً بعد أن انضم إليه الوند ابن الأمير اسكندر في أوائل عام 853هـ حتى إذا اكتملت عدة جيشه وعدده، توجه صوب البصرة لاحتلالها ولكن الحرب استمرت فترة طويلة فلم يوفق في احتلالها، ثم طلب أهالي الدورق ودزفول من المشعشعين الاستيلاء على مدينتيهما ففعلوا وعندما توفي السلطان أحمد، عزم بيربوداق بن جهانشاه على احتلال هذه المدن، فاستولى على شوشتر أولاً. ولما خاف أهل دزفول من حكومة (التركمان) سلموا مدينتهم إلى المشعشعين ورحلوا هم إلى أطرافها، وخاف البعض الآخر من المشعشعين فهربوا إلى بغداد وعندما رحل بيربوداق([577]) إلى شيراز، فحاصر السلطان المولى علي بن محمد واسط وفتحها، ثم عين ابن الدارج حاكماً لها، وكانت هذه الحادثة في عام 857هـ([578]).
ورد في كتاب (العرب والعراق)، تأليف علي الشرقي في حوادث عام 858هـ أن المولى علي عزم على انتزاع العراق من سيطرة المغول، فقام في بادئ الأمر بالهجوم على مدينة واسط، فثبت أهلها بوجهه وراح حاكمها المغولي أمير أفندي يدافع عن مدينته جنباً إلى جنب مع سكان المدينة. واشتد الضغط وراحت المجانيق تدك المدينة، حتى قتل الكثير من سكانها، فاضطر الأهالي ومعهم الحاكم إلى مغادرة المدينة والرحيل إلى البصرة، فاستولى المولى علي على مدينتهم.
وفي عام 860هـ شن المولى علي حملته على «مهروذ» وطريق خراسان «التي تمتد من بغداد» وباشر هناك بقتل وسلب نساء ورجال وشيوخ سلمان باك وأسر عدة منهم، فلما وصل الخبر جهانشاه، بعث بجيش من بغداد للقضاء على المولى علي، فلم يستطع هذا الصمود وكر راجعاً إلى الحويزة، وكان وصول جيش بغداد إلى مقصده في يوم الأربعاء 16 محرم، عام 816هـ([579]).
وذكر العديد من المؤرخين أن المولى علي أصيب بسهم وقتل بعد أن ذهب إلى كوه كيلويه وحاصر قلعة بهبهان في عام 861هـ([580]). ولكن لم يذكر اي منهم تفصيل هذه الحادثة، إلا الغياثي الذي يقول بأن المولى علي قتل في عام 861هـ بعد هزيمته من بيربوداق([581]) سنة 861هـ.
وبعد مقتل السيد علي عزم الأمير ناصر بن فرج الله العبادي وهو أحد أمراء العراق على قتال المشعشعين، فذهب إلى بغداد واجتمع العديد من الناس لنصرته ثم التقى الطرفان في واسط، فاستطاع السيد محمد أن يهزمهم ويشتت قواهم ولاذ الآخرون بالفرار. وقد وقعت هذه المعركة في أواخر عام 861هـ.
وتوفي السيد محمد في يوم الأربعاء 7 شعبان، من عام 866هـ([582]) وآلت خلافته إلى ابنه المولى محسن.
استمرت فترة زعامة المولى محسن بن محمد من عام 866هـ حتى عام 914هـ([583]) وضرب النقد باسم ابنه المهي، ولقب بالملك محسن، وقد اتسعت رقعة حكمه حتى شملت الأرض الممتدة من جهات بغداد الأربع حتى عبادان والحسا والقطيف وبندر عباس وجميع الموانئ الجنوبية حتى حدود فارس وكذلك كوه كيلويه ودهدشت ورامهرمز وشوشتر وجبال بختيار ولرستان وبيات ودزفول وبشت كوه وكرمانشاه وبهبهان.
حاول السيد محسن عدة مرات احتلال الحلة وبغداد فكان يفلح حيناً ويُهزم حيناً آخر، وتفصيل ذلك مدون في تاريخ حوادث العراق، ونحن نقتصر هنا على ذكر الحوادث التي تتعلق بتاريخ إيران. وفيما يلي نلقي نظرة مقتضبة على الأوضاع الاجتماعية في زمن المولى محسن:
كان المولى محسن رجلاً فاضلاً حسن السيرة، محباً للعلماء والفضلاء، وهو من أهل الأدب والكمال، وكان يبعث بأموال طائلة إلى العتبات المقدسة (في الكاظمية وسامراء وكربلاء والنجف) ويقدم الهدايا لخدم هذه العتبات، وعمد بعض العلماء لكتابة مقدمة مؤلفاتهم باسمه ثم يبعثون بها إليه ومن هؤلاء المولى شمس الدين محمد الاسترأبادي، حيث كتب حاشية على رسالة إثبات الواجب في الكلام «ثم كتب مقدمة لحاشيته باسمه ووصفه فيها بالعظمة. وشمس الدين هذا معاصر للملا صدرا والملا جلال الدين الدواني، فبعث السيد محسن إليه بجائزة لقاء ما فعل».
كان المولى محسن أول شخص يبني في الحويزة بيوتاً من الآجر والطوب بعد أن كانت أبنيتها من القصب، وقد بنى هناك قلعة وأسكن في أطرافها أربعين ألفاً وأقام حولها سوراُ ثم بنى قلاع أخرى جمع فيها الذخائر الحربية وحشود الجيش، وبلغ جيشه آنذاك اثني عشر ألف مقاتل. وبنى إضافة إلى ذلك قلعة المحسنية لتكون مقراً لعائلته وأحاطها بسور([584]).
الصفوية والمشعشعون
بعد وفاة المولى محسن عام 914هـ، تولى الزعامة ابناه علي وأيوب اللذان تميزا بالشجاعة والكفاءة، وكان القاضي نور الله الشوشتري يرشدهم ويوجههم في بعض الأمور السياسية والدينية.
سعى البعض للإيقاع بين الملك الصفوي والمشعشعين وأوحوا إلى الملك بأن هؤلاء أعداء له وأنهم ليسوا من أتباع المذهب الجعفري وبعد أن فرغ الملك الصفوي من الاستيلاء على بغداد حثه الأمير الحاج محمد والشيخ محمد رعناش وهما من أبناء معلم أولاد السيد محمد المشعشعي على التوجه إلى الحويزة، وعندما بلغ المشعشعين خبر قدوم الملك بجيشه صوبهم، هبّوا جميعاً لاستقباله استقبالاً لائقاً، وكتبوا إلى الملك الصفوي كتاباً بينوا فيه أن كل ما يقوله المغرضون والحاقدون إن هو إلا كذب محض وأرفقوا كتابهم هذا بالهدايا فقبلها الملك قبولاً حسناً وبعث بالمقابل بهدايا لهم([585])، ولكن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن هذين الأخوين قد تم قتلهما بأمر من حاكم شوشتر في عام 914هـ([586]).
وقد ورد في مصادر أخرى، أن الملك إسماعيل بعد فراغه من فتح بغداد توجه نحو الحويزة، وانتزع هذه الناحية من يد السيد علي والسيد أيوب ابني السلطان محسن، ثم أمر بقتل هذين الأخوين ومعهما كبار رجال الطائفة وكان ذلك في عام 914هـ ثم ألحق الملك الصفوي الحويزة وشوشتر وسائر نقاط خوزستان الأخرى بالدولة الصفوية.
وبعد مقتل هذين الأخوين، انتفض أهالي الحويزة وأطرافها واستولوا على البصرة والإحساء، واستولى على الحكم في هذه المناطق السيد فلاح المشعشعي أخو علي وأيوب، واقترن حكمه بحسن التدبير، ولم يذكر تاريخ حوادث ذلك الزمان كيفية استيلاء السيد فلاح على السلطة، إلا (كسروي) في تاريخه «تاريخ بانصد ساله خوزستان» حيث يقول «غير معروف كيف هرب إلى الجزائر، ولكن يبدو أنه اعتبر من مصير أخويه فبعث بالهدايا إلى الملك وطلب منه حكومة الحويزة ونواحيها، فاستجاب الملك لرغبته ونصبه حاكماً على الحويزة والقسم الغربي من خوزستان».
«تجدر الإشارة إلى أن فلاح استطاع استعادة حكومة عائلته التي سلبت، حيث أصبحت الحكومة التي منحه إياها الملك إسماعيل الصفوي ملكاً تتوارثه عائلته، حيث استمر حكم أولاده وأولاد إخوانه في هذه النواحي حتى مائتين وستين عاماً»([587]).
يمكننا أن نستنبط، بأن الملك إسماعيل حين غادر الحويزة عين أميراً فيها، وظل هذا الأمير في حكمه حتى تم عزله، وكان عزله نتيجة للاضطرابات التي حدثت عقب مقتل علي وأيوب والانتفاضات الداخلية التي حصلت في هذه المنطقة([588])، فاضطر الملك إلى تنصيب أحد المشعشعين في الحكم لتهدئة الأوضاع في المنطقة، وهكذا اختار السيد فلاح لهذا المنصب.
يرى المؤرخ العراقي أن خطوة الملك إسماعيل الصفوي هذه دليل على حسن تدبيره، حيث استطاع بتنصيب أحد المشعشعين إخماد الانتفاضات في خوزستان، وهذا عكس رأي كسروي الذي يأخذ على الملك إسماعيل خطوته هذه التي أرجع المشعشعين فيها إلى سدة الحكم مرة أخرى. وقد استمرت حكومة فلاح حتى عام وفاته في 920 ثم انتقلت بعده إلى ابنه.
- المولى بدران بن فلاح من عام 920 إلى 948هـ:
كان المولى بدران رجلاً مهيباً كريماً، وهو أول أمير من المشعشعين يستعمل البغال في أسفاره. أخذ يدير مناطق حكمه في بادئ الأمر بحكمة وحسن تدبير، لقوة نفسه وشجاعته، ولكنه ضعف في آخر الأمر حتى خرجت بعض المناطق عن يده. ويمكن أن يعزى السبب في ضعفه هذا إلى نمو قدرة الدولة الصفوية.
استمرت فترة حكمه مدة ثمانية وعشرين عاماً، عشرة أعوام منها خلال حكم الملك إسماعيل الصفوي وثمانية عشر عاماً في زمن الملك طهماسب.
- حكومة السيد سجاد (من 948 إلى 992هـ):
آلَ الحكم إلى السيد سجاد بعد وفاة أبيه، وكان رجلاً عالماً صبوراً، ولكن حدثت في عهده انتفاضات أدّت إلى انتزاع السلطة من أيدي المشعشعين، وانتهز العثمانيون الفرصة فتغلبوا عليهم. ثم قامت عشيرة بني لام التي كانت تسكن آنذاك في غرب الحويزة بالاصطدام مع السيد سجاد، بتحريض من أعدائه، فألحقت الهزيمة به ونهبت مدينة شوشتر. وهكذا أخذ السيد سجاد يواجه مشاكل وحوادث صعبة ولكنه كان طوال ذلك رجلاً صبوراً قوي الشكيمة، حتى استطاع سعد بن بركة وهو أحد الأمراء العرب إلحاق الهزيمة به في كمال آباد. ثم تمردت قبيلة نيس وتوابعها في الحويزة([589]).
وهكذا أخذت قواعد حكم السيد سجاد تتزلزل وبدأ يفقد بعض مناطق حكمه. وفي سبيل الاستيلاء على المحسنية حرك الأمير سعد بن بركة عشيرة كربلاء، فطلب السيد سجاد العون من إخوانه الذين كانوا آنذاك في خدمة الأمير الميرزا علي بن عبد الملك.
وقف الميرزا علي الذي كان في مدينة الدورق من نواحي خوزستان إلى جانب عشيرة بركة بالقرب من المحسنية، وتمكّن أمراء النيس من التغلب على السيد سجاد مرة أخرى. وقطع الأخير طريقه في أربعين يوماً، فوصل الميرزا علي إلى بركة وأمده بقوة جديدة.
وبعد ثلاثة أيام وصل المطلب وإخوان سجاد الآخرون، ثم بعد ثلاثة أيام من الحرب انتصر جيش بركة، وفي اليوم الرابع اشترك المطلب وإخوانه في الحرب فجرح الميرزا علي ثم قتل بيد السيد سجاد.
وهكذا هزم بنو تميم وأصحاب بركه ولاذوا بالفرار إلى الدورق، وكان النصر حليف السيد سجاد، ومنذ ذلك الحين نشب الخلاف بين قبيلة بني تميم والمشعشعين.
«نفذت عشيرة بني تميم حيلة، فادّعت أن مواشيها نهبت في خارج المدينة، فخرج المشعشعون من المدينة لرؤية الأمر، فأسرع بنو تميم وغلّقوا الأبواب ثم أخرجوا النساء والأطفال، ورداً على هذه الحيلة عمد السيد سجاد إلى حيلة أخرى، فحينما خرج بنو تميم من المدينة، أرسل أفراده إلى داخلها وأخرجوا عوائل بني تميم منها، ثم حالوا دون دخول الجميع، فتشتتوا في القرى والمدن الأخرى»([590]).
ولما حل عام 961هـ (1553م) عزم العثمانيون على احتلال الحويزة، فبعثوا السيد علي الرئيس على رأس جيش من المصريين ولكنه انهزم بعد أن خلف وراءه مائة قتيل([591]).
ثم بعث العثمانيون بخمس سفن للقضاء على أعدائهم، ولكنهم لم يفلحوا في هذه المرة أيضاً([592])، وظل السيد سجاد في الحكم حتى وفاته عام 992هـ. وكانت الحويزة مركزاً لحكمه طوال هذه السنين ثم خلفه في الحكم بعد وفاته ابنه السيد زنبور (من عام 992هـ حتى عام 998هـ).
حينما بلغ السيد زنبور الحكم في عام 992هـ، كانت قبيلتا نيس وكربلاء عازمتين على انتزاع السلطة منه، ثم نشب خلاف بين هاتين القبيلتين فتفرقتا عن بعضهما البعض وذهبت قبيلة نيس إلى السيد زنبور.
في عام 994 استولى السيد فلاح أخو السيد زنبور على الحويزة، ولكن الأخير عاد وانتزعها بجيش قوي في عام 997هـ. ثم ثار السيد مبارك وانتزع الحويزة من السيد زنبور فهرب هذا إلى دزفول وتحصن فيها ثم أخذ يعد عدته.
في غضون ذلك سمع السيد زنبور بأن مبارك عازم على القضاء عليه بقبيلة آل غزي، فمكث يتربص، حتى علم أن قبيلة آل غزي لم تصاحب مبارك، ومن ثم عزم على انتهاز الفرصة والقضاء على هذه القبيلة. إلا أن شخصين من رؤساء هذه القبيلة وهما خمين وعبادة، عزما على الانضمام إلى مبارك ليحولا دون تمكين السيد زنبور من القضاء على قبيلة آل غزي، ومن ثم بعثا بوفد يمثلهما إلى السيد مبارك، هذا الوفد اصطدم في الطريق بجيش زنبور ووقعت الحرب بين الطرفين، وفي أثناء ذلك التحقت قبيلة آل غزي بالحرب فهُزم زنبور وعبر نهر الكرخة ثم دخل دزفول ليخرج من جانبها الآخر، فتعقبه جنود مبارك وأمسكوا به فقتلوه (في عام 998) وقيل في عام 999هـ.
- السيد مبارك: «وفترة حكمه من 998هـ إلى 1025هـ»:
أُرسل مبارك، الملقب بذي العيون الزرقاء من قبل والده إلى خارج الدورق، حيث كان يقوم برفقة رؤساء العشائر بأعمال السلب والنهب، وعندما ساءت علاقة عشيرة آل غزي بالمشعشعين، وعدوه بالوقوف معه في سبيل الاستيلاء على الحويزة وأطراف شوشتر ودزفول، وكانت دزفول تحت حكم السيد زنبور.
استعد مبارك بجيشه لدخول الحرب، ثم دخلها فانتصر، ولاذ السيد زنبور بالفرار إلى دزفول. وبسط مبارك يده على الحويزة وأطراف شوشتر، ثم بعث بالبشرى إلى أبيه أنه استولى على رامهرمز وقتل حاكمها([593]).
عندما عرف المطلب والد مبارك الجدارة والكفاءة في ابنه، عزم على إحاطة الملك عباس بالأمر، ولكنه قبل أن يصل إلى أصفهان وقع أسيراً بأيدي جنود زنبور، فأخذه هذا وأقسم ليقتلنه إن لم يترك ابنه هذه البلاد.
في هذه الأثناء، وصلت قوات مبارك إلى دزفول، فهب زنبور للدفاع، وهرب المطلب من قبضة زنبور ولجأ إلى ابنه فقال له: إن من يفتح مدينة فهو قادر على فتح أخرى، وطلب منه أن يترك الحرب مع زنبور، وذكر له قسمه لدى هذا الأخير. ومن ثم ذهب مبارك إلى شوشتر وذهب أبوه إلى الدورق.
عاد مبارك بثلاثين شخصاً من أصحابه إلى خير آباد وذهب من هناك إلى العراق ليطلب العون من قبيلة آل غزي، ولكن هؤلاء لم يعنوا بطلبه كثيراً. إذ كانت هذه القبيلة قد اتفقت مع والد مبارك أن يكتفوا بهذه الفتوحات بعد فتحهم النهائي ولكنه استمر في حروبه. ثم ذهب مبارك إلى عشائر أخرى فجمعها حوله وهاجم زنبور وانتزع منه دزفول ثم قتله، وبعد ذلك خرج من المدينة ليدخلها بصورة رسمية، واستقبله أهلها (كان ذلك في عام 998هـ.ق.).
- دور الشيخ البهائي:
بعد الانتصارات التي أحرزها مبارك، عزم أبوه على الاستعانة بالشيخ البهائي ـ الذي كان عزيزاً ومقرباً من الملك ـ ليطلب من ملك إيران تنصيب ولده مبارك والياً على إمارة خوزستان، على أن يؤدي له سنوياً مبلغاً من المال وعدداً من الخيل.
توسط الشيخ في الأمر، فعيّن مبارك حاكماً على خوزستان واتخذ من رامهرمز مركزاً لهذه الإمارة. ثم باشر بتقريب عشائر آل غزي، وقرر لهم مبلغاً معيناً من المال، وعين مائة شخص من الأكابر وأوكل زعامة القبائل إلى هؤلاء الأشخاص، بحيث لا يسمح لأفراد القبيلة بالانتقال من مكان إلى آخر إلا بإذن منهم.
- الحرب مع فرهادخان:
سار الملك عباس لقتال مبارك حتى بلغ خرم آباد وأقام فيها معسكراً باسم «شاه آباد».
عُين فرهادخان قائداً للجيش وتحرك إلى شوشتر لقتال مبارك فيها، ووقعت الحرب بين الطرفين، واستمر مبارك في أربعين ألف محارب صامداً لأربعة أيام حتى قدم الشيخ البهائي ومعه كتاب صلح فقبله مبارك وأرسل ابنه ومعه خمسة عشر رأساً من الخيل إلى الملك. ثم رجع القادة الإيرانيون ورحل مبارك إلى الحويزة.
وبينما كان الملك في طريق عودته من خوزستان، استولى عبد المؤمن خان الأوزبك على خراسان وهرات، وأعمل السيف في الأهالي، ولاذ العلماء بحرم الامام الرضا عليه السلام، ولكن الملك تمكّن من استعادة هرات وخراسان مرة أخرى. فبعث بكتاب إلى مبارك ينبئه بخبر انتصاره، وكان ذلك في صفر عام 1000هـ.
- حوادث البصرة والجزائر:
استولى أفراسياب([594]) على البصرة، في عام 1005هـ، وكان حاكمها آنذاك رجلاً ضعيفاً يدعى بكتاش آغا، وإذ كانت الدورق تحت سلطة (المولى بدر) والحويزة عند السيد مبارك، ثم استولى أفراسياب على أطراف الجزائر، ويتحدث العزاوي في كتابه([595]) قائلاً: انطلق مبارك في عام 1006هـ بسلب المدن والأرياف ونهبها، ومن جانب آخر قامت الدولة العثمانية في هذا العام بتنصيب حسن باشا والياً على بغداد وأمرته بالقضاء على الفتنة، فتحرك هذا صوب البصرة.
ويذكر الكاتب الحلبي في كتاب الفذلكة أن الباشا الوزير الذي كان آنذاك رئيس الأمراء والجيش نهض للوقوف بوجه المجازر التي كان مبارك يرتكبها. ويُذكر بأن الناس استغاثوا في بادئ الأمر بملك إيران، إلا أنهم حسبوا فيما بعد أن تدخل إيران سيكون ضد مصلحتهم، فلجؤوا إلى الدولة العثمانية، فقامت هذه بدورها إلى مراسلة ملك إيران والطلب منه قطع دابر الفتنة. وهنا يتحدث صاحب الفذلكة عن هذه الأمور بالتفصيل ويقرنها بذكر التواريخ التي وقعت الحوادث فيها:
«نصب حسن باشا في هذه السنة وزيراً على بغداد، وأمر بقطع دابر الفتنة، حيث كان مبارك يرتكب المجازر العظيمة ويقوم بأعمال السلب والنهب في إطراف البصرة. فمثلاً قتل زعماء الجزائر في 7 شوال 1022هـ، ثم قتل رئيس قبيلة أبي بركة. ثم أعمل سيفه في عشيرة كربلاء. وكان حاكم البصرة آغا حسين باشا يخشى جانب المشعشعين ويحاول استمالتهم، فكان يؤدي لهم مبلغاً قدره (عشرة شاهى) يومياً»، وعن هذه الأحداث، يكتب أستيفن في كتابه([596]) قائلاً:
«كان مبارك يشن حملاته المتتالية على البصرة والجزائر، ولم تكن الدولة العثمانية قادر على دفعه، ومن ثم عقدت مع إيران صلحاً للوقوف بوجه المشعشعين، وإرغام مبارك على تسليم البصرة إلى علي باشا» وتؤكد موسوعة «أعيان الشيعة» رأي أستيفن هذا.
استعد علي باشا لخوض الحرب مع مبارك، فدارت رحاها بين الطرفين لثلاثة أيام متوالية، حتى إذا كان اليوم الرابع، هُزم الجيش العثماني وانكفأ راجعاً إلى بغداد، ثم بعث مبارك بممثل عنه وحمله بالهدايا، وقال: هذه هدايا البصرة التي تسلم إليك، ثم أعطاه الأمان، فكان أول حاكم عثماني في البصرة([597]).
وفي عام 1022هـ/ 1613م عقد صلح بين إيران وبغداد، بواسطة الملك عباس ووالي بغداد، وكان ينص على ما يلي:
يُسمح لسكان البلدين بحرية التجول بين إيران والعراق، ويُحث المسلمون على نبذ العداوة والبغضاء القائمة فيما بينهم.
تبقى الحدود كما هي عليه في زمن السلطان سليمان، ولا يتعرض أحد للقلاع والأبنية العسكرية، ولا تدعم إيران مباركاً، ويكون هو تابعاً لحكومة بغداد، وتبقى الأراضي الخاضعة لسيطرة مبارك كما هي عليه ودون تغيير.
يسلك الحجاج الإيرانيون طريق حلب والشام في سفرهم إلى مكة المكرمة، إذ لا أمان لهم في طريق بغداد والبصرة. وقد ورد في هذا الاتفاق اسم والي بغداد «حافظ محمود باشا» وأمير الأمراء محمد باشا.
- مقتل القائد العثماني:
انتفض بوجه مبارك بعض أقاربه ومعارضيه، فراح هذا يدافع لمدة عشرين يوماً، حتى كاد اليأس يخيم على جيشه ثم قُتل قائد جيش العثمانيين وفرق جيشهم ونهب كل من كان معهم.
- الأمان ووفرة النعم:
كان الناس يعيشون في أمن ونعمة وافرة إثر مساعي والد مبارك والشيخ عبد اللطيف الجامعي العاملي. وقد اتّصف هذا الحاكم بالعدل والإنصاف وتوفي في عام 1025هـ.
- المولى ناصر:
استمرت حكومته من 1025 إلى 1026هـ حيث توفي مسموماً بعد سنة من الحكم في عام 1026 وخلفه ابن عمه سيد راشد.
- طبيعة حكم ناصر وموته:
لا يفصح التاريخ بصورة كاملة عن شخصية ناصر وحكومته، وثمة آراء متضاربة بهذا الشأن. وقد ورد في تحفة الأزهار: أن مبارك أرسل ناصر إلى الملك، ثم رجع إلى أبيه حينما كان طريحاً في سرير الموت، وحكم سبعة أيام ثم دس له السم فمات. بينما يقول صاحب جامع الإنسان: إن ناصراً تزوج من ابنة الملك وأصبح من المقربين إليه، ثم عاد إلى الحويزة قبل وفاة أبيه، وتصدر للحكم بعد وفاته، ثم دسّ له السم فمات، فنصب الملك راشداً بدلاً عنه.
ويذكر المحقق العراقي يعقوب سركيس: أن ناصر بلغ الحكم بعد وفاة أبيه، إلا أن راشداً دسَّ له السم واستولى على الحكم، ثم تخلى هذا الأخير عن الحكم لمنصور، أخي مبارك. ويذكر مؤلف تاريخ المشعشعين أن الحوادث التاريخية تؤيد بأن بعض القبائل كانت مخالفة لراشد، واتهمته بدس السم لناصر.
وفيما يلي نقتبس بعض الأحداث المتعلقة براشد من كتاب أعيان الشيعة:
-المولى راشد بن سالم بن المطلب: تاريخ حكمه 1026 ـ 1029هـ استولى على الحكم بعد مولى ناصر في يوم الاثنين 13 ذي القعدة 1026هـ وفي جمادى الآخرة عام 1027هـ، اتهمه المشعشعون بدس السم لناصر، ولكنه لم يعبأ بقولهم. ثم وقع الخلاف بين المشعشعين ومخالفيهم، فازدادت قوته وقتل عبديس وجماعة من رؤساء قبائل شوشتر وابي بركة وكربلاء. وقتل بالإضافة إلى هؤلاء جماعة كثيرة من أفراد آل معاوية([598])، ثم دعا في إحدى الليالي ستمائة شخص فقتلهم جميعاً ولم ينج منهم إلا شخص واحد([599]).
وجاء في أعيان الشيعة نقلاً عن تاريخ المشعشعين أن راشداً وصل السلطة بعد وفاة ناصر دون سعي منه، وبعد فترة (عام 1026هـ) ألقى أمراء النيس وقبائل كربلاء عليه القبض وحبسوه، ثم أطلق أفراد عشيرة النيس سراحه.
وعندما قويت شوكة راشد، قتل من رؤساء قبيلة كربلاء ثلاثمائة شخص في مادبة أقامها لهم، ولاذ الباقون بالفرار إلى القيصرية ثم قتل خمسمائة شخص آخر منهم، وقتل من المشعشعين شخصين هما السيد طالب من قبيلة (أبي بركه) والسيد صالح. ولم يكتف بهذا القتل، فعندما امتنع بعض القبائل عن الدخول في طاعته، سار إليهم في جيش سفاك فقضى عليهم، وفرت عشيرة آل غزي إلى البصرة فتعقبهم راشد بجيشه، فلجؤوا إلى الأمير أفراسياب، وكان هذا الأمير من المقربين لعلي باشا، الذي فتح البصرة من قبل الدولة العثمانية وكان أول باشا ينتزع حكومة البصرة من المشعشعين.
- اتفاق الأمير أفراسياب وراشد:
بعث الأمير أفراسياب برسول إلى راشد، في سبيل إعادة عشيرة آل غزي إلى ديارهم، واستصدار العفو عنهم. وذكره بالقسم الذي تم بينه وبين أمير البصرة على ألا يقع الخلاف والعداء بينهما، ولكن راشداً لم يُعر اهتماماً لذلك واستمر في حربه فطلب أفراسياب من والي البصرة أن يمده بالجيش، ليستعد للحرب إلى جانب قبيلة آل غزي، فاستجيب طلبه. وحينئذٍ رأى راشد أنه لا طاقة له بالحرب، فذكر بالقسم، ولكن أفراسياب لم يعبأ بتذكيره، حتى انتهت الحرب لصالح الأمير أفراسياب، حيث قتل راشد وحمل رأسه إلى البصرة، في عام (1029هـ).
- المولى محمد بن مبارك: (تاريخ حكومته من 1029 ـ 1044هـ):
حينما وصل المولى محمد إلى سدة الحكم، وقف عمه السيد منصور بوجهه فطلب العون من ملك إيران، فقدم جيش إيران إلى المحسنية لنصرته فاضطر منصور للاستسلام.
وحاولت قبيلة آل غزي استغلال الخلاف القائم بين المولى محمد وعمه لأخذ الحويزة بعد أن خيل إليهم أنهم تمكّنوا من إلحاق الهزيمة براشد فبادر محمد إلى إلقاء الفتنة بين العشائر، حتى إذا انفردت قبيلة آل غزي، هجم عليها وقتل منها جماعة كثيرة حتى أرغمهم على الاستسلام.
- أمر ملك إيران:
بعد فترة من استسلام هذه القبيلة، قدم السيد منصور بجيشه ومعه قبيلة آل غزي وأمر من ملك إيران بتنصيبه حاكماً على الحويزة، فهجم عليها في عام 1044 وألقى القبض على ابن أخيه محمد وأعلن نفسه حاكماً على الحويزة([600]).
- المولى منصور بن المطلب: (تاريخ حكمه من عام 1044 وحتى عام 1053):
بعد أن استولى منصور على الحكم تحت إشراف حكومة إيران، ذهب إلى الملك صفي، فاصطحبه هذا إلى سفره إلى قزوين ومازندران وحين عودته أمره بالبقاء في مازندران، وظل تحت إشراف حكومة إيران لمدة أربع سنوات، وكان الملك مقرراً له عطاء في هذه الفترة.
خلال هذه السنين، ازدادت قوة العرب وضعفت قوة المشعشعين فطلب منصور من الملك أن يأذن له بتعمير قلعة المحسنية التي كانت مقراً لحاكم الحويزة([601])، وتعهد بدفع ستمائة تومان سنوياً إلى الجيش الإيراني بعنوان خراج بحيث يكون نصف هذا المبلغ نقداً والنصف الآخر متاعاً أو تسعة من الخدم والعبيد([602]).
- موافقة ملك إيران:
نصب منصور حاكماً على الحويزة بموافقة ملك إيران، فقدم في جيش إلى القلعة التي تم تعميرها، فأحكم قبضته على السلطة وباشر بتصفية أعدائه وخصوصاً آل غزي منهم، حيث كان هؤلاء قد تمكّنوا من انتزاع السلطة من المشعشعين في حربهم معهم وقتلوا راشداً، ولذلك قتل منصور منهم الكثير، وهرب الباقون إلى العراق حيث سكنوا العمارة والمنتفك.
واجه منصور في أواخر عهده اعتراضاً من الناس وأصيبت حكومته من جراء ذلك بالضعف والوهن بسبب سوء سلوكه وفرضه عليهم ضرائب مالية باهظة، ويُنقل أنه أرغم رجلاً إيرانياً كان يعتزم عبور كارون للذهاب إلى الحج على دفع مائة تومان وهكذا الحال مع الآخرين حيث كان يفرض عليهم ضرائب كبيرة ويأخذ الخراج منهم.
- عدم ترحيب ملك إيران بمنصور:
عندما كان ملك إيران في طريقه إلى بغداد، عزم منصور على لقائه ولكن الملك رغب عن هذا اللقاء وكان ذلك ومعه الأزمة الاقتصادية قد ساهما في تهيئة الظروف لعزله، ثم اتفقت بعض العشائر مع ابنه وجمعوا جيشً قوياً وتهيئوا للحرب في الرملة، من نواحي كمال آباد وقدم منصور في سبعة مقاتلين فقط، فقالوا ليس ثمة مبرر للحرب وسنقتل جميعاً.
اتفق ذلك الطرفان على اطلاع الملك على جلية الأمور واستيضاح أمره في هذا المجال، (وكان ذلك في عام 1053هـ) وعندما اطّلع الملك على الأمر استدعى منصور وبركة إلى أصفهان ثم نفى الأول إلى خراسان، حيث سجن فيها حتى آخر عمره، واستجاب لطلب الناس فعين بركة حاكماً على الحويزة.
- من أعمال منصور في البلاط الصفوي:
ينقل أن سفير الهند جلب إلى ملك إيران فيلاً، هدية من بلاده وكان منصور حاضراً في المجلس، فقال السفير: يعدل هذا الفيل ثلاثة آلاف مقاتل، فسأل الملك منصور عن رأيه في هذا القول، فرد منصور: لا بد أن يكونوا ثلاثة آلاف مقاتل من الهنود، فثار السفير وقال: إنه يعدل خمسة آلاف مقاتل من العرب، فاستأذن منصور الملك كي يمتحن الفيل، ثم استل سيفه واستعد للفيل الذي هجم عليه، فضربه بضع ضربات فأرداه قتيلاً([603]).
ولشهاب الدين الموسوي، الأديب الشاعر العديد من القصائد في ديوانه يمدح فيها منصوراً([604]).
- مولى بركة بن سيد منصور (فترة حكمه من 1053 إلى 1060هـ):
وصل مولى بركة إلى سدة الحكم بعد أبيه بمباركة الملك ورضى جميع العشائر والأهالي. وساد الهدوء طيلة فترة الست سنوات من حكمه. كان رجلاً أديباً ومحباً للعمل، ومن الشعراء المعاصرين له السيد شهاب الدين الموسوي الذي مدحه بقصائد عدة.
قسمت الأراضي بين العشائر، ورضيت كل منها بنصيبها، حتى نشب خلاف بين عشيرة بني لام وقبيلة بني ربيعة، فجمع بركة القبائل من حوله، وطرد قبيلة بني لام إلى ما وراء محافظة الكوت في العراق وكانت هذه القبيلة تستولي ـ قبل الحرب ـ على الأراضي الممتدة بين الحويزة وحدود العراق.
- حبس السيد بركة وأمر الملك عباس الثاني:
عيّن سياوش خان حاكماً على رامهرمز، فكتب إلى بركة أنه يرغب بالزواج من ابنته، فصدق بركة وسار إلى رامهرمز طمعاً في الوصال، ولكنه ألقى القبض عليه هناك وعين السيد علي خان ـ بأمر من الملك ـ حاكماً على الحويزة.
- المولى السيد علي خان بن خلف (فترة حكمه من عام 1060 إلى 1088هـ):
وصل هذا السيد إلى سدة الحكم بعد السيد بركة، وكان رجلاً عالماً عادلاً، وقد انتفض عليه أخوه جود الله مع جماعة آخرين للاستيلاء على الحكم في الحويزة.
عندما بلغ الخبر والد علي خان، طمأن ولده بأن جود الله لن ينتصر وأنه سيكون الرابح في الحرب، ثم وقف علي خان وأبوه للدفاع، فأصاب سهم جود الله وقتل. وإذ ذاك ثارت ثائرة السيد خلف لمقتل ابنه جود الله، إذ كان الأخير رجلاً شهماً، وعنف السيد خلف ابنه السيد علي ثم رحل إلى خلف آباد([605]) حتى توفي هناك([606]).
- الشخصية العلمية للسيد خلف:
يذكر المولى الميرزا محمد علي الكشميري في كتابه نجوم السماء أن حاكم بلدة الحويزة سيد جليل القدر هو (خليفة) بن المطلب بن حيدر الموسوي المشعشعي الحويزي، وهو رجل فاضل، عالم، شاعر، أديب وله العديد من المصنفات مثل: سيف الشيعة (كذا) في علم الكلام، رسالة في علم النحو، منظومة في النحو، شرح لدعاء عرفة، ديوان في الشعر العربي، ديوان في الشعر الفارسي، وغير ذلك، وهو معاصر للشيخ بهاء الدين العاملي([607]).
- منو جهر خان حاكم لرستان:
ورد في كتاب جامع الأنساب أنه حدثت فتنة في زمن السيد علي خان، فبعث منوجهر خان حاكم لرستان بالسيد علي خان إلى أصفهان، وأصبح حاكماً على الحويزة، ثم أعيد علي خان إلى الحكم في الحويزة بأمر من الملك عباس الثاني وظل فيها حتى وافته المنية في عام 1088هـ([608]).
- المولى حيدر (من 1089 إلى 1092هـ):
ذهب حيدر بعد وفاة أبيه إلى ملك إيران واستصدر منه أمراً بحكومة الحويزة في عام 1089هـ.
ونشب منذ البداية خلاف بين السيد حيدر وأخيه السيد عبد الله حول الحكم، فاستدعى الملك سليمان السيد عبد الله إلى أصفهان ثم كتب الملك إلى حيدر بأنه أمر بسجن أخيه، وبالفعل فقد سجن في بيت فضل الله بك، ولكن السيد حيدر لم يكن ليهدأ دون قتل أخيه.
وكان الملك عازماً على قتل السيد عبد الله، ولكن فتح علي خان اعتماد الدولة كان حائلاً دون تنفيذ هذا العزم، إذ قال للملك بأنه ضيف وقتل السيد بعيد عن رسوم الضيافة عند الملوك الصفويين فأمر الملك بحبسه في خراسان.
وغضب السيد لتحريض أخيه فكتب إلى أخيه فرج الله وذكره بالرحم، فقرأ فرج الله الرسالة ثم ذهب إلى أخيه الآخر راشد وتهيأ لخوض الحرب بمن معهما من حملة البنادق مع السيد حيدر، وصدف أن التقى هذان السيدان بقافلة للسيد حيدر، فأخذا منها خمسة آلاف تومان، فوقف السيد حيدر مدافعاً واستمرت الحرب بين الطرفين، ثم بعث السيد حيدر إلى والي بغداد يستمده العون، فبعث له الأخير بجيش وتمكن الاثنان من إلحاق الهزيمة بمقاتلي فرج الله، ولكن حكومة السيد حيدر لم تستمر طويلاً حيث وافاه الأجل، ثم نصب الملك سليمان الصفوي، بعد حين السيد عبد الله حاكماً على المنطقة.
- المولى السيد عبد الله (وفترة حكمه من عام 1097 ـ 1097هـ):
يذكر بأن السيد عبد الله كان رجلاً عالماً فاضلاً متديناً، وقد تصدى للحكم بأمر من الملك سليمان ولكن فترة حكمه لم تستغرق أكثر من سبعة أشهر وعشرين يوماً، وكان يعيش في أصفهان وخراسان لمدة ثلاث سنوات وبضعة أشهر بأمر من الملك، حتى كان ذو الحجة من عام 1095هـ حيث ذهب رسول الملك إلى خراسان وأبلغ السيد عبد الله بأمر الملك بتعيينه حاكماً على الحويزة.
ويصفه في أعيان الشيعة بأنه رجل شجاع ويضيف بأنه دخل في حرب مع ابن صبيح، أحد رجال العرب بجيشه المؤلف من اثني عشر ألف مقاتل.
تصدى السيد عبد الله في عام 1095 بأمر من الشاه سليمان للنقد المزور وفي رجب من عام 1096 حبس السيد مطلب ومشايخ عشيرة آل كثير، وفي عام 1097هـ وافته المنية، فخلفه في الحكم أخوه السيد فرج الله بأمر من الشاه.
- المولى فرج الله (امتدت فترة حكمه من عام 1097 إلى عام 1111هـ):
يعد فرج الله من أكثر الحكّام السياسيين شهرة في هذه المنطقة. وكانت الدولة الصفوية تعمد إلى عزل أحدهم وتنصيب الآخر كلما اقتضت مصلحة البلاد ذلك، وتقوم في بعض الأحيان بإلقاء الخلافات بين الأطراف المختلفة.
- فتح البصرة:
قام إياس باشا في عام 903 بالاستيلاء على البصرة وطرد راشد منها، ثم أعاد مرتضى باشا في عام 1078 فرض السيطرة العثمانية على هذه المدينة، ولم يرض الناس بالوضع، فأنهى العثمانيون بقيادة يحيى آغا حكومة آل أفراسياب وأصبح خليل باشا والياً على البصرة، وفي عام 1106 طلب الأهالي من الشيخ مانع أن يتصدى للحكم في البصرة، فلبى طلبهم.
- معاهدة فاتح البصرة مع والي الحويزة:
وقعت الحرب بين فرج الله والشيخ مانع وكانت الغلبة للأول وطرد الثاني من المدينة. ويتحدث عباس الغزاوي في كتاب عشائر العراق فيقول: استولى الشيخ مانع على البصرة في عام 1106 بمساعدة أمير الحويزة، وتعهد للأخير بدفع الضرائب له، ولكن ملك إيران لم يوافق ثم سلمت البصرة إلى العثمانيين في عام 1112هـ وتوفي الشيخ في عام 1115هـ، ويذكر الغزاوي في تاريخ العراق بين احتلالين أن فرج الله أطلع الملك على أمر احتلال البصرة.
- المندوب السامي الإيراني في البلاط العثماني:
لم يرغب ملك إيران في تجديد العداوة بين إيران والدولة العثمانية، ومن ثم بعث برستم خان إلى السلطان العثماني ومعه مفتاح البصرة وحمله بالهدايا.
- احتلال البصرة:
يُنقل أن السلطان العثماني بادر بعد اطّلاعه على احتلال فرج الله للبصرة بإرسال علي باشا لاستردادها، فانتصر الأخير في عام 1111هـ دون حرب، وبلغ القرنة بخمسين ألف مقاتل من ديار بكر والموصل وبغداد، ثم أفلح في إعادة البصرة إلى السلطة العثمانية([609]).
وقد ورد في كتاب «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» أن الباشا حاول أن يحل مسألة المشعشعين بسلام. وبعث فرج الله خان بممثل عنه لاستمهال الباشا حتى يخرج الشيخ بمفتاح البصرة إلى ملك إيران، وكما ذكرنا آنفاً فقد قام ملك إيران بدوره بإرسال المفتاح إلى الدولة العثمانية.
- اختلاف المشعشعين:
وقع الخلاف بين زعماء الحويزة، فبادر العثمانيون إلى دعوة فرج الله إليهم، وكان ذلك الوقت نهاية حكم الملك سلطان حسين الصفوي.
- المولى هيبة بن خلف (يبدأ حكمه في عام 1111هـ):
اطّلع علي بن عبد الله خان على هذا الاختلاف، فأخذ يتقرب من البلاط الصفوي ويسعى لنقل الحكم إلى هيبة الله وكان يعرف أن رغبة الملك تنسجم مع هذا الانتقال، إذ كانت سياسة الدولة تتطلب إحداث الفتنة في صفوف المشعشعين.
- المولى فرج الله: (حكومته الثانية من 1111هـ إلى 1112هـ.ق):
استطاع فرج الله الذي أطيح به سابقاً أن يعود ويهزم بجيشه هيبة الله ثم يستولي على الحكم فقام الملك سلطان حسين بعزل الاثنين وتنصيب علي بن عبد الله.
- المولى علي بن عبد الله (1112هـ):
رافق المولى علي أبناء عمومته ونال رضا الملك بحسن سلوكه، ولكنه لم يستمر في الحكم أكثر من ثمانية أشهر، إذ عفى الملك سلطان حسين عن فرج الله فنصبه في الحكم مرة أخرى وعزل علي خان.
- المولى فرج الله (الدورة الثالثة لحكومته من 1112 إلى 1114هـ):
يذكر السيد شبر([610]) أن المولى علي اعتزل الحكم، وأخذ فرج الله يفكر بجمع قواته ثم سار إلى الشيخ مانع الذي كان قد اتفق معه سابقاً. وفي أثناء ذلك طلب المولى علي من الملك أن يعفو عن فرج الله لئلا يشكل في العراق تهديداً لإيران، فوافق الملك وعفا عنه وقرر له عطاء وعينه حاكماً.
- نهاية حكومة المولى هيبة الله:
وصل المولى هيبة الله إلى الحكم بعد عزل فرج الله، ولكن خلافاً وقع بينهما، فرحل المولى هيبة الله إلى بهبهان بينما باشر فرج الله بأعمال السلب والنهب في الدورق. ثم فعل مثل ذلك ببهبهان، فرحل هيبة الله إلى شوشتر والتحق بعشيرة آل كثير، إلا أن جنود فرج الله خرقوا صفوف هؤلاء، ولم يصمد هيبة الله لبلوغه من الكبر عتياً، فما كان من فرج الله إلا أن نهب كل شيء.
- عبد الله خان بن فرج الله خان (من 1114 إلى 1115هـ):
بعث فرج الله بابنه إلى الملك لاستصدار أمر بحكومة الحويزة. فوافق الملك وعين عبد الله خان في هذا المنصب عام 1114هـ، فعزم عبد الله خان على انتزاع الحكم من أبيه، وندم الأخير على فعلته ثم وقعت الحرب بين الابن والأب وكان النصر حليف عبد الله.
- العفو الملكي:
في عام 1120 سخط الملك على علي بن عبد الله بعد بضعة أشهر من الحكم، ثم التمس العفو من الملك، فعفا عنه وبعث به من الحويزة إلى خراسان.
- المولى علي بن عبد الله:
أحدث السيد علي بين عامي 1124 و1125هـ شغباً وفتنة في خوزستان واضطر عبد الله والزعماء الآخرون إلى التخلي عن حكمهم له. ثم ارسلت حكومة إيران جيشاً بقيادة عوض خان إلى خوزستان وأعادت بذلك عبد الله إلى الحكم. ولكن عليًّا لم يهدأ، فثار مرة أخرى، ولم يستطع عبد الله أن يفعل شيئاً، فاستولى المولى علي في عام 1125 على ولاية خوزستان للمرة الثانية([611]).
- الملك سلطان حسين والحاكم المشعشعي:
ورد في كتاب أعيان الشيعة نقلاً عن تاريخ المشعشعين أن الملك سلطان حسين أصدر في عام 1112هـ أمراً بتعيين السيد علي والياً على خوزستان، ولكنه عاد فعزله ثم حبسه في قلعة ثم نفاه إلى مشهد. وفي عام 1120 استأذن للحج وذهب في طريق عودته إلى البصرة، فاستدعاه ابن عمه المولى عبد الله إلى إيران وعين حاكماً على خوزستان من رجب عام 1125 وحتى عام 1128.
قامت عشيرة بني لام في عام 1123هـ بالإغارة على أطراف نهر خريسان والثورة على العثمانيين بدعم من المولى عبد الله. فبعث حسن باشا بجيشين لتأديب العصاة، فلجأت هذه العشيرة إلى الحويزة ولاذت بعبد الله. حتى إذا وصل الوزير حدود الحويزة بعث برسله إلى عبد الله وطلب منه تسليم القبيلة، فأبى هذا تسليمهم وقال إنهم ضيوف لديَّ ومستعدون لإعادة كل ما نهبوه، ولكن المفاوضات لم تثمر وأصر الوزير على طلبه، فكتب حاكم الحويزة إلى ملك إيران يطلعه على الأمر، فأمر الملك بعزله وظل السيد عبد الله قلقاً مضطرباً حتى عفا عنه الملك.
- الحرب مع عشيرة بني لام:
جمع المولى عبد الله جيشاً كبيراً في عام 1127هـ وسار لقتال عشيرة بني لام، فلجأت هذه إلى جزيرة الجوارنده وتحصنت فيها خوفاً من الحرب، ثم أخبروا الوزير حسين باشا بالأمر وطلبوا منه الدفاع عنهم، فبعث الوزير بجيش لهذا الأمر، إذ كانت هذه القبيلة وفية للعثمانيين على الدوام.
وقعت الحرب بين جيش عبد الله وجيش الوزير حسن باشا وانتهت بهزيمة عبد الله وأصحابه ونهب ما كان معهم.
- لجوء أمير المشعشعين إلى بغداد:
يُنقل أن عبد الله خان لجأ إلى بغداد في عام 1131هـ بزوجه وابنه ونزل عند حسن باشا، فوعده الأخير أن يسعى له عند ملك إيران كي يعيده إلى الحكومة.
- رئيس قبيلة بني لام في حماية المشعشعين:
نشب خلاف بين حسن باشا وقبيلة بني لام في عام 1718م، فسجنه شيخ القبيلة، إلا أن الأخير أفلت من سجنه ولجأ إلى السيد عبد الله. فوصل جيش حسن باشا مشارف الحويزة وندم عبد الله لقبوله الشيخ، ثم طلب من حسن باشا أن يسمح ببقاء الشيخ في الحويزة وفي المقابل يؤدي مبلغاً معيناً للمسؤولين العثمانيين حسب رتبتهم، ويسمح كذلك بتردد الناس على الشيخ.
- شفاعة عبد الله خان:
ذهب عبد الله إلى بغداد في عام 1719م وتشفع لدى الوزير، وفي هذه السنة وقع وباء فأهلك خلقاً كثيراً.
- المنزلة العلمية للسيد عبد الله:
يعتبر السيد عبد الله، أديباً، عالماً للمعقول والمنقول وحافظاً لأشعار العرب القديمة.
- السيد علي:
وصل السيد علي إلى سدة الحكم مرة ثانية، ولكنه لم يستطع إخماد الثورة القائمة بوجهه، فاضطر للاستنجاد بملك إيران، ولكن الدولة كانت منشغلة بالقتال في منطقة بختياري، فلم تستطع تلبية الطلب، فلم يجد السيد بداً من مد يده إلى الدولة العثمانية، وهنا يغفل التاريخ ذكر النتيجة، فليس معروفاً ما إذا كان السيد قد تلقى مساعدة من الدولة العثمانية أم لا.
- حكومة محمد خان:
انتقل الحكم في الحويزة إلى محمد خان من قبيلة الواختشويين في عام 1132([612]).
- الثورة المضادة للدولة العثمانية:
ورد في تاريخ العراق أن أهالي الحويزة انتفضوا بوجه الدولة العثمانية، فتحرك أحمد باشا لإخماد انتفاضتهم، والأمر العجيب هو أن الأفاعي قضت على العديد من أفراد جيشه، وعلى أي حال فعندما وصل إلى الحويزة، خاف أهلها وقدموا له هداياهم، فأعيد ملا محمد إلى الحكم بمساعدة العثمانيين.
- العثمانيون والأفغان:
يذكر الغزاوي بأن أشرف الأفغاني كان مطيعاً للعثمانيين، وعقد معهم في عام 1139 معاهدة من 12 مادة وإحدى هذه المواد هي: تبقى المدن والقرى التي استولت عليها الدولة العثمانية تابعة لها فتلحق نهاوند وخرم آباد من لرستان والحويزة بأرض العراق([613]).
- المولى المطلب بن محمد بن فرج الله (فترة حكمه ما بين 1160 و1176هـ):
يسكت التاريخ في هذه السنين، حيث كانت الدولة الصفوية ضعيفة آنذاك وكان نادر قوة كبيرة، إلا أنه أخذ يعامل الناس في آخر الأمر بقساوة، فانتهز المطلب الفرصة واستولى على الحويزة في عام 1160، وعندما ثار الناس على نادر لم يستطع إخماد ثورتهم.
- اقتراح الصلح:
اتفق حاكم لرستان إبراهيم خان وحاكم شوشتر محمد رضا فيما بينهما وشنَّا هجوماً على حكومة المطلب، ولكنهما لم يفلحا في الوصول إلى هدفهما، فهزما وحاصر السيد المطلب مدينة شوشتر حتى بلغه خبر وفاة نادر.
انتهى حصار شوشتر بعقد الصلح بين المطلب وحاكم المدينة وأصبحت شوشتر تابعة لحكومة المشعشعين.
- اختلاف العشائر:
ثارت قبيلة آل كثير في عام 1161هـ واستولت على شوشتر وأطرافها ثم ازداد نفوذهم فاستولوا على مدينة دزفول وفي عام 1165 عزم المطلب بالاتفاق مع قبيلة بو سلطان على القضاء على قبيلة آل كثير، فباشر بمحاصرة شوشتر، واستمر الحصار أربعة أشهر ولكن أياً من الطرفين لم يحرز نصراً مبيناً، فاضطر كل من عباس قلي خان حاكم شوشتر والمطلب إلى ترك الحرب، وفي عام 1776 قتل المولى المطلب بيد علي محمد خان زند([614]).
ينقل السيد شبر في كتابه تاريخ المشعشعين أن التاريخ لا يتطرق لذكر الأحداث والوقائع التي أعقبت مقتل المولى المطلب، ولم يرد إلا الحديث عن نهاية حكم المشعشعين الذي ورد في بعض الكتب الفارسية الخطية وأن نزاعاً نشب بعد ذلك بين أفراد عائلة المشعشعين، ولم يبق بأيديهم من خوزستان إلا الحويزة التي استمروا بزعامتها([615]).
مرتضى المدرسي
مشغرة
قال الشيخ جعفر المهاجر في بعض ما كتب:
بلدة تقع على سفوح «جبل لبنان»، المطلّة على «سهل البقاع». على الممر الموصل بين السهل و«جبل عامل». وقد كان لهذا الوصل أثر حميد على التاريخ الثقافي، وكم لمثل هذا الموقع من أثر على حظوظ البلدان. حيث الممرّات، بما تنقل من حركة البشر تحمل معها أشياء كثيرة. ليس أقلّها الأفكار والأنماط السلوكية.
ولقد أعطتنا «مشغرة»، في ماضي أيامها، أحد الروّاد الأوائل لنهضة «جبل عامل» المجيدة. ذلك هو جمال الدين، يوسف بن حاتم المشغري. الذي كان حياً سنة 664هـ/ 1265م. ودرس في «الحلّة»، يوم كانت حاضرة الشيعة الأولى، على رضي الدين بن طاوس وجعفر بن سعيد. إذن، فهو من أوائل من عبّدوا الطريق بين «جبل عامل» الثقافي و«العراق» موضعه في هذا إلى جنب إسماعيل بن الحسين العودي الجزّيني، وطومان بن أحمد المناري، وصالح بن مشرف الطلّوسي. الذي يعود إليهم الفضل في أنهم هيّؤوا ومهّدوا للنهضة الكبرى. التي قادها بعد قليل، بكامل الأهليّة والجدارة، الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني. بطل النهضة، وصانع واحدة من أكبر التحوّلات الإيجابية في تاريخنا. مما لا نزال ننعم ببركته العميمة حتى يومنا هذا.
مشهد
الأماكن التي يطلق عليها
اسم مشهد في إيران
التحقيق في مختلف أسماء الأماكن الجغرافية القديمة يحتاج إلى العودة إلى تاريخ هذه الأماكن. على أن كثيراً من هذه الأماكن قد تبدلت أسماؤها بمرور الزمان.
ويمكننا تقسيم أسماء الأماكن الجغرافية إلى عدة أقسام دون أن نهدف إلى برمجة الأسماء الجغرافية، كما هو الحال بالنسبة للأسماء التي لها معاني ومفاهيم جغرافية فقط أو الأسماء التي تنطبق على ري الماء: الينابيع، والوديان والسهول والمزارع والبساتين وغيرها أو الأسماء التي لها معاني ومفاهيم شخصية أو معاني ومفاهيم أمنية وعسكرية خاصة.
جدول بأسماء الأماكن المعروفة بـ (مشهد) في إيران:
| اسم المكان الجغرافي | العرض الجغرافي | الطول الجغرافي | الارتفاع عن سطح البحر بالأمتار |
| مشهد إيلام | 51′ 33◦ | 50′ 46◦ | – |
| مشهد بهبهان | 49′ 30◦ | 11′ 50◦ | 460 |
| مشهد تفرش | 47′ 34◦ | 55′ 49◦ | 1520 |
| مشهد دماوند | 36′ 35◦ | 30′ 52◦ | – |
| مشهد قزوين | 48′ 35◦ | 55′ 48◦ | 1930 |
| مشهد (مزرعه) مردوشت | 19′ 30◦ | 12′ 52◦ | 1750 |
| مشهد مشهد | 17′ 36◦ | 35′ 59◦ | 970 |
| مشهد أردهال كاشان | 02′ 34◦ | 52′ 51 ◦ | 1825 |
| مشهد الكوبه أراك | 21′ 34◦ | 36′ 49◦ | 1687 |
| مشهد بازرنجان أراك | 48′ 34◦ | 55′ 49◦ | – |
| مشهد خيبر مسجد سليمان | 13′ 32◦ | 04′ 49◦ | – |
| مشهد ريزه باخرز | 47′ 34◦ | 30′ 60◦ | 1120 |
| مشهد زلف آباد تفرش | 30′ 34◦ | 38′ 49◦ | 1770 |
| مشهد سر تنكاين | 42′ 36◦ | 06′ 51◦ | 2- |
| مشهد سرا بابُل | 23′ 36◦ | 38′ 52◦ | 60 |
| مشهد طرقى بالا شيروان | 18′ 37◦ | 48′ 57◦ | 1320 |
| مشهد طرقى بايين شيروان | 19′ 37◦ | 48′ 57◦ | 1280 |
| مشهد فيروزكوه دماوند | 36′ 35◦ | 28′ 52◦ | 1670 |
| مشهد كاوه فريدن | 43′ 32◦ | 31′ 50◦ | 2125 |
| مشهد كندي ماكو | 04′ 39◦ | 39′ 44◦ | – |
| مشهد كوبه أراك | 21′ 43◦ | 37′ 49◦ | – |
| مشهد كرمه أراك | 16′ 34◦ | 32′ 49◦ | 2030 |
| مشهد لو مُغان | 58′ 38◦ | 14′ 48◦ | 1270 |
| مشهد لو مُغان | 04′ 39◦ | 07′ 48◦ | 700 |
| مشهد محمد إيرانشهر | 51′ 27◦ | 04′ 59◦ | 660 |
| مشهد ميقان أراك | 12′ 34◦ | 41′ 49◦ | 1678 |
وهناك الكثير من الأماكن التي تغيّرت وكسبت دوراً جديداً بعد ظهور الإسلام وازدهاره، وإن وجود ألقاب وعبارات خاصة في الثقافة الإسلامية أطلقت على بعض الأماكن كالمزارات، ومقامات سلالات الأئمة (إمام زاده) أبناء الأئمة، وألقاب الشهيد والبير والقدمكاه وغير ذلك، كلها تشير إلى أثر الإسلام في تسمية الأماكن. وتوجد أماكن في إيران تسمى (مشهد) وبالرغم من ابتعاد بعضها عن بعض، إلاّ أنها كلها تشير إلى مفهوم خاص، وهو الإشارة إلى محل استشهاد أو مرقد لشهيد. ففي كتاب (قاموس الأماكن الدينية) يوجد أسماء ستة وعشرين مكاناً جغرافياً باسم (مشهد) على رأسها مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام المسمى بمشهد الرضا وتحتل المحافظة المركزية (أراك) المرتبة الأولى في عدد الأماكن المسماة فيها بـ (مشهد) وهي سبعة أماكن.
يذكر (دهخدا) في موسوعته في ذكر الأماكن الجغرافية المعروفة بـ (مشهد) ثمانية عشر مكاناً وهي: مشهد المقدسة ومشهد دماوند ومشهد قزوين ومشهد أردهال، ومشهد ريزه، ومشهد زلف آباد ومشهد سبز (بابُل) ومشهد (بابلسر) ومشهد سرا (بابُل)، ومشهد طرقي، ومشهد كافي، ومشهد الكوبه، ومشهد كرمه، ومشهد كنج أفروز، ومشهد لو، ومشهد أم سليمان (مراب) ومشهد مير بزرك، ومشهد ميقان. كما يذكر مكانين جغرافيين باسم مشهد خارج إيران وهما مشهد باب الطيب وهو ضمن أحد عشر مشهداً في مدينة البصرة سميت باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالقرب من المسجد الجامع وكذلك مشهد الإمام الحسين عليه السلام أي كربلاء. ويُشير الأستاذ محمد معين إلى تسعة أماكن تحمل اسم مشهد من بينها مشهد كاوه (فريدن) ولا يوجد هذا الاسم في موسوعة دهخدا. ويبدو أن كلمة مشهد تعني مكان الشهادة، وكانت في الماضي تطلق على أماكن كثيرة وعلى مرّ الزمان حظي بعضها بأولوية خاصة مثل مشهد عبد العظيم داخل مدينة الري ولا يطلق عليه اليوم كلمة مشهد.
إنّ القاسم المشترك في جميع الأماكن الموسومة بمشهد في إيران هو وجود مدفن لأحد أبناء الأئمة أو بقاع متبرك بها سموها (بمشهد). وإنّ تاريخ الكثير من هذه الأماكن غامض وغير واضح وإن المآخذ والمصادر الوثيقة التي تعبر عن أسباب تسمية هذه الأماكن قليلة جداً. وفيما يلي نشير إلى الاماكن التي لم تخف تسميتها على المحققين والباحثين.
مشهد الرضا عليه السلام
هو ما يأتي الحديث عنه مفصلاً في الدراسات القادمة ويكون هو المقصود عند إطلاق كلمة (مشهد).
مشهد أردهال
يقع مشهد أردهال في محافظة أصفهان على مسافة 40 كيلومتراً غرب مدينة كاشان و60 كيلومتراً من مدينة قمصر. ويتداول الناس هناك أقاصيص عن استشهاد علي ابن الإمام الباقر عليه السلام في هذا المكان على أيدي الكفّار بعد أن جاء من المدينة إلى إيران وأنه دفن في هذا المحل. إنّ الآثار الأولية في هذا المكان حسب قول الراوندي (المتوفى سنة 588هـ) تعود إلى القرن السادس ومنها مقبرة مجد الدين عبيد الله الكاشاني شقيق معين الدين أبو نصر، وزير السلطان سنجر. وفي هذا ما يؤكد أن المذهب الشيعي كان موجوداً في كاشان منذ القرن السادس وقت ذروة قوة غير الشيعة وتوسعت وازدهرت هذه البقعة منذ عهد الصفويين. وتقام في كل عام وفي أحد أيام الجمعة من الشهر الأول من فصل الخريف إحدى المراسم المذهبية النادرة حيث يتوجه أهالي مدينة (فين) بالقرب من كاشان إلى هذه البقعة وهم يحملون أعواداً طويلة وينقلون السجاد الموجود في البقعة إلى النهر الواقع خارجها ويغسلونه في ذكرى استشهاد من يقولون إنه السلطان علي ابن الإمام محمد الباقر عليه السلام. ويسمى هذا اليوم في منطقة كاشان بيوم غسل السجاد أو (قالي شوبان).
مشهد الإمام زاده محمد ـ مشهد تفرش
يقع مشهد تفرش. شرق مدينة تفرش في المحافظة المركزية (أراك) عند باب الدخول لطريق دستكرد بوكرد. ويقولون هناك إن هذا المكان سمي (مشهد) بسبب وجود مرقد الإمام زاده محمد بن موسى بن جعفر. وكانت هذه البقعة تسمى في الماضي محلة التكية ويبدو أنه قبل تاسيس التكايا في محلات مدينة تفرش كان أهالي المدينة يقيمون مراسم عاشوراء في محلة التكية بجوار مزار الإمام زاده محمد. يقول عباس فيض «إن المدفون في هذه البقعة هو الجدّ الكبير للسادة الأفطسيين في تفرش. وبهذا تكون شجرة نسبه كما يلي: أبو محمد حسن بن أبي عبد الله حسين بن علي بن عمر بن حسن الأفطسي بن علي الأصغر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، وجاء في تاريخ قم أن أبا محمد حسن أقام في قرية ترخوران وتوفي فيها ودُفن هناك. إن مبنى مشهد الإمام زاده محمد هو من بنايات العهد الصفوي وزُيّن بالقاشاني والنقوش والتجصيص الخاص في ذلك العهد. إنّ مزار الإمام زاده محمد فيه بقعة ومرقد وصندوق وقبة وصحن وإيوان.
مشهد سر ـ بابلسر
كانت مدينة بابلسر الواقعة في محافظة مازندران تسمى في الماضي مشهد سر. سُميت بهذا الاسم لأنهم يقولون إن رأس الإمام زاده إبراهيم الملقب بالأطهر شقيق الإمام الرضا عليه السلام دُفن في هذا المكان.
تقع بقعة الإمام زاده إبراهيم جنوب شرقي مدينة بابلسر والمعروف أن هذا الإمام زاده (إبراهيم أبو جواب) هو من أبناء الإمام زاده محمد عابد وكان يُشرف على سفر أفراد أسرة الإمام الرضا عليه السلام وأقربائه من المدينة إلى خراسان وبعد أن وصلت أنباء وفاة الإمام عليه السلام تفرق أقرباؤه وكان إبراهيم ممن مضى إلى مازندران واستشهد فيها. إنّ بناية المزار على شكل برج دائري مع سطح مخروطي الشكل وارتفاعه عشرون متراً.
مشهد كاوه (مشهد آهنكران)
تقع قرية مشهد كاوه في محافظة أصفهان، بلرة فريدن، ناحية جادكان على الضفة الشرقية من نهر زاينده رود وعلى مسافة ثلاثين كيلومتراً من مدينة داران. والمعروف أن مشهد كاوه هو مكان مولد كاوه الحداد (البطل الوطني الإيراني في الشاهنامه) يقول مؤلف نصف جهان في تعريف أصفهان إن كاوه هي ناحية تسمى اليوم فريدن ولا يعرف إن كانت هذه الانتفاضة أو الثورة وقعت في نفس القرية أو أن (كاوه) جاء إلى هذه المدينة ليعمل فيها واختار لنفسه مهنة الحدادة. ويقول في أحوال راية الكاوياني إن مبدع هذا في قديم الزمان كان رجلاً من قرية «كودليّه» اسمه (كابي) طغى على الملك بيوراسب ولم يعرف أحد قبله اسماً للراية والعلم ويقول نقلاً عن محاسن أصفهان: وتلك القرية أي (كودليّه) سميت فيما بعد بمشهد آهنكران واشتهرت بهذا الاسم وأن مرقد كاوه وقارن موجودان هناك وأنه بعد وفاتهما نقل جثمانهما إلى هذا المكان ودفنا فيه.
وكما قلنا سابقاً إن كلمة مشهد معناها محل الشهادة وهي مصطلح إسلامي وكانت هذه الناحية تسمى كودليّه أو كواليّه قبل الإسلام وبعد أن اعتنق الإيرانيون الدين الإسلامي تغير اسمها وسميت مشهد وتوجد وسط القرية مقبرة تُنسب إلى كاوه الحداد ويقول المير سيد جناب في «أصفهان» إن كوه الحداد كان رئيساً لمصنع الأسلحة في الجيش وهو من أهالي مدينة فريدن وإن مرقده في مشهد فريدن.
مشهد مرغاب (مشهد أم النبي)
مشهد أم النبي أو والدة سليمان هو نفس مشهد مرغاب يقع في محافظة فارس ناحية مرودشت. يقع مشهد مرغاب في هضبة مرغاب في محل باساركاد القديمة عاصمة كوروش الكبير ومحل قبره ويسميه عامة الناس بقبر والدة سليمان ولهذا سمي هذا المكان بمشهد أم النبيّ أو والدة سليمان. وذكر الدكتور معين أسماء القرى المهمة في الناحية وهي مرغاب، والدة سليمان، قبر كوروش، باساركاد.
مشهد الكوبه ـ أراك
يقع مشهد الكوبة في المحافظة المركزية أراك على مسافة 45 كيلومتراً شمال مدينة أراك.
يشير مؤلف كتاب صورة مدينة أراك في بيانه للمزارات والآثار التاريخية في أراك إلى بناية باسم الأمير إبراهيم وهي من بنايات العهد الصفوي ولها قبة مضلعة وضريح من الخشب الثمين.
مشهد مير بزرك (المرعشي) ـ آمل
يقع مشهد مير بزرك في آمل من مدن محافظة مازندران وهو من الأماكن التاريخية في إيران ويُنسب إلى المير قوام الدين المرعشي. وكان الأمير قوام الدين مسعود الذي يصل نسبه إلى الإمام حسن العسكري عليه السلام ناسكاً متقشفاً يعيش في ضواحي آمل. التحق به بعض الناس كما أن الأمير أفراسياب الجلاوي الذي كان حاكماً على مازندران آنذاك انضمّ إلى أنصاره.
طمع هذا باحتلال مازندران ولما جاء أفراسياب ليزوره رصد عليه عدداً من أنصار الأمير قوام وقتلوه وبذلك أصبحت مازندران من شنوران إلى رستمدار في قبضة الأمير قوام الدين.
استولى السيد قوام الدين على طبرستان سنة 760 وأصبح ملكاً عليها. إن البقعة الحالية لمير بزرك المرعشي تعود إلى القرن الحادي عشر الهجري.
مشهد ميقان ـ أراك
توجد في قرية مشهد ميقان الواقعة في المحافظة المركزية- منطقة أراك. ناحية فرمهن بناية الإمام زاده المعروف بمحمد العابد وكذلك خان خرب قديم يعود إلى عهد الشاه عباس.
يقول مؤلف كتاب صورة أراك عند ذكره الإمام زاده محمد العابد إن الإمام زاده بناية دينية هامة في المنطقة تقع على مسافة 12 كيلومتراً شمال المدينة وهي من بنايات العصر السلجوقي قبتها رومية والجدران من الآجر أُعيد إصلاحها في عهد القاجارية. وربما بسبب وجود الإمام زاده محمد العابد سمي هذا المكان بمشهد.
حميد رضا مير محمدي
مشهد([616])
ـ 1 ـ
يقول المهندس السيد محمد علي الشهرستاني:
على السفوح الشرقية من جبال نيسابور بمنطقة خراسان الواقعة في الشمال الشرقي من إيران تقع مدينة كبيرة عريقة في التاريخ يناهز عمرها ألف سنة هي مدينة مشهد، التي تجمع بين دقة الفن المعماري الإسلامي القديم من المساجد الفخمة والقباب المذهبة والمزينة بالقاشاني الثمين وبراعة الهندسة الحديثة من الشوارع المنسقة والمباني الشاهقة ومعالم المدينة الحاضرة. تعد مدينة مشهد في الحال الحاضر ثاني مدن إيران بعد العاصمة طهران، وهي مركز مقاطعة خراسان الغنية بالمحاصيل والمنتجات الزراعية والمعادن والثروات الطبيعية، والمهمة من الناحية الجغرافية والاستراتيجية لمحاددتها روسيا من الشمال وأفغانستان من الشرق.
ومن الناحية الثقافية فإن جامعة مشهد تضم حالياً ما يقارب الف طالب يتابعون دراساتهم في كليات الطب والعلوم وطب الأسنان والآداب والعلوم الإلهية وإلى جانب هؤلاء هنالك عشرات المدارس الدينية الفخمة التي يقطن فيها ما يزيد عن ألفي طالب يكرسون حياتهم في مدارج العلوم الدينية من اللغة والمنطق والفقه والحديث، وختاماً أصول استنباط الأحكام على أيدي فحول علماء الفقه والأصول بحيث تنتشر اليوم بعثات هذه المدارس في جميع المدن والقصبات الإيرانية من أدناها إلى أقصاها.
يفد على مدينة مشهد كل عام ما يربو عن مليون نسمة من «الزائرين» من جميع الأقطار الإسلامية والمدن الإيرانية. وأن أول ما يجلب التفاتة زائر هذه المدينة المقدسة قبة ذهبية هي قبة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ثامن الأئمة من آل محمد.
ولنا الآن أن نقلب صفحات التاريخ إلى الوراء ونبتدئ من أول يوم سجل التاريخ عن هذه الديار حبراً على ورق.
قال الحموي بمعجم البلدان([617]): «سناباد قرية بطوس فيها قبر الإمام علي بن موسى الرضا وقبر أمير المؤمنين هارون الرشيد بينها وبين مدينة طوس نحو ميل». كانت طوس حتى القرن الثالث الهجري منطقة تحتوي على قصبتين كبيرتين نسبياً هما قصبة «طابران» التي تقع اليوم على نحو عشرين ميلاً من مدينة مشهد وفيها قبر الشاعر أبو القاسم الفردوسي محيي تراث إيران القديم وقصبة «نوغان» وهي اليوم جزء من مدينة مشهدن وهذا الجزء يبعد عن قبر الإمام عليه السلام ما يقارب الميل، وأمّا سناباد فكانت ضيعة وبستاناً، فيها بقعة مقدسة سماها بعض المؤرخين بالبقعة الإسكندرية. وكانت هذه الضيعة لحميد بن قحطبة الذي كان والياً لمنطقة خراسان في أوائل الخلافة العباسية.
في سنة 192 هجرية كان رافع بن ليث بن نصر بن سيار قد شق عصا الطاعة في مرو وما وراء النهر. فتحرك الخليفة العباسي هارون الرشيد بنفسه إلى خراسان لإخماد الثورة وكان برفقته ولده عبد الله المأمون، فاعتراه المرض في الطريق ولما وصل طوس اشتد عليه مرضه وتوفي فيها سنة 193 هجرية ودفن في دار حميد بن قحطبة بسناباد (في البقعة الآنفة الذكر).
وعندما أمر المأمون ببناء بقعة ومقبرة على قبر أبيه هارون وهذه البقعة عبارة عن دار مربعة الشكل محاطة بأربعة جدران ضخمة يبلغ سمك كل واحد منها ما يقرب الثلاثة أمتار وعليها قبة على النمط العباسي الذي كان آنذاك. وقبر هارون الرشيد في وسط هذه الدار، ومنذ ذلك الحين سميت هذه البقعة الهارونية.
بعد وفاة الخليفة العباسي هارون الرشيد استقر ولده عبد الله المأمون في مرو وبعد انتصاره على أخيه الأمين أراد جعل ولي عهده الإمام علي الرضا عليه السلام واستدعاه إلى خراسان.
ولما وصل إلى خراسان أعلن المأمون البيعة بولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وأمر بالدعاء له في المساجد والمنابر. وما أن استقر الأمر له حتى شد الرحال قادماً إلى بغداد. وعندما وصل طوس توفي علي الرضا، وكانت وفاته يوم التاسع والعشرين من شهر صفر 203 هجرية.
فشيع المأمون الجثمان ودفنه في الجهة الغربية من قبر أبيه هارون داخل البقعة الآنفة الذكر. فسميت هذه البقعة منذ ذلك التاريخ بمشهد الرضا وأصبحت مزاراً للمسلمين يفدون إليها من كل صوب ومكان.
وكان في الروضة صندوقان أحدهما على قبر الإمام علي بن موسى الرضا والآخر على قبر الخليفة العباسي هارون الرشيد حتى العهد الصفوي. وقد ذكر عنهما القاضي شمس الدين ابن بطوطة الطنجي الذي زار هذه البقعة سنة 724 هجرية إذ قال:
«والمشهد المكرم عليه قبة عظيمة في داخل زاوية ويجاورها مدرسة ومسجد وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني، وعلى القبر دكة خشب ملبسة بصفائح من الفضة، وعليه قناديل فضة معلقة وعتبة باب القبة فضة وعلى بابها ستر حرير مذهب وهي مبسوطة بأنواع البسط وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد».
كانت البقعة الرضوية منذ مدفن الإمام علي بن موسى على بساطة البناء بدون زركشة أو نقوش حتى عهد آل بويه حيث بيضوا الجدران والسقف بالجص ونقشوا عليها بعض النقوش البسيطة، وكانت كذلك حتى عهد سبكتكين والد السلطان محمود الغزنوي الذي هدم القبة بسبب التعصب الأعمى الذي كان ينفرد به وذلك سنة 390 هجرية.
وبقيت هذه الروضة على هذه الحالة حتى زمن ابنه السلطان محمود الذي ذكر عنه ابن الأثير في كامله هكذا (وجدد السلطان محمود عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا والرشيد وأحسن عمارته وكان أبوه سبكتكين خربه وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم من ذلك وكان سبب ذلك أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام وهو يقول إلى متى هذا فعلم أنه عليه السلام يريد عمار المشهد فأمر بعمارته. وبقيت على هذه الصورة حتى غزو التتر حيث غزوا هذه المدينة وهدموا مبانيها وأحلوا بها البوار، ولكن السلطان سنجر السلجوقي في العهد نفسه أوعز إلى وزيره شرف الدين أبي طاهر بن سعد بن علي القمي بإعادة البناء وترميم البقعة.
فقام هذا بالأمر وبنى القبة من جديد وزين الجدران بالقاشاني الثمين الذي هو باقٍ حتى الآن في القسم الأرضي من الروضة المباركة وكذا زين القبة بالقاشاني النفيس حتى العهد الصفوي.
وفي عهد الأمير شاهرخ بن تيمور كوركان قامت زوجته الملكة كوهرشاد ببناء مسجد فخم للغاية في القسم الجنوبي من المرقد المقدس وهذا المسجد الجامع من روائع الفن المعماري الإسلامي حتى الآن، وقام زوجها ببناء مدرسة في القسم الغربي من المرقد المبارك تسمى اليوم بمدرسة (بالاسر) أي فوق الرأس، وكان بين الجامع والمدرسة والبقعة الرضوية بيوت صغيرة مفصولة عن بعض غير أن الملكة كوهرشاد اشترت هذه الدور وبنت أروقة بين هذه الأبنية وأوصلت الواحدة بالأخرى، هذه الأروقة تسمى اليوم بدار السيادة ودار الحفاظ.
وفي العهد الصفوي وضع ضريح نفيس على قبر الإمام عليه السلام فقد شيد في عهد السلطان طهماسب الصفوي في القسم الشمالي من الروضة أروقة تسمى اليوم: صفة شاه طهماسب ودار التوحيد. كما قام هذا بنفسه سنة 932 هجرية بتبديل قاشاني القبة بصفائح الذهب، ولكن الأزبك عندما غزوا خراسان هدموا هذه الصفائح الذهبية وأخذوها مع غنائمهم.
ومرت الأيام والليالي والحالة هذه حتى زمن السلطان الصفوي القدير الشاه عباس الكبير الذي تحرك من عاصمته أصفهان وقدم مشهد الرضا ماشياً على قدميه لترميم هذه الروضة المباركة وتوسعتها ففي سنة 1010 هجرية أعاد تغليف القبة الرضوية بصفائح الذهب وباشر ببناء القسم الأعظم من الصحن العتيق وزين داخل الروضة بالنقوش والكتابة البارزة من الجص المطلي بالأصباغ الذهبية النفيسة.
ولعل أبرز كتابة موجودة في هذه الروضة هي سورة الجمعة مكتوبة بخط علي رضا العباسي أبرز الخطاطين في خط الثلث وذلك سنة 1014 هجرية وكذا شيدت في العهد الصفوي أروقة عديدة لا مجال للتفصيل عنها.
وفي سنة 1084 هجرية حدثت زلزلة عنيفة أدت إلى حدوث شق كبير في القبة الذهبية، وانفصل من جراء هذه الزلزلة دار السيادة عن المرقد الشريف فباشر السلطان سليمان الصفوي بترميم الروضة وأكمل هذا الترميم سنة 1086 هجرية. ومرّ زمن ليس بقليل على هذا المنوال حتى عهد السلطان القاجاري «فتح علي شاه» الذي شيد الصحن الجديد، وهو واقع في القسم الشرقي من الروضة المباركة.
وفي سنة 1275 هجرية على عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري أُعيد تزيين المرقد المقدس وغُلّفت الجدران بالزجاج المزركش والمرايا المنقوشة بقطعات صغيرة من المقرنص، ومنذ ذلك الحين لم يحدث أي تغيير أو تبديل أو إضافة تذكر في مباني هذه البقعة المقدسة حتى قبل عامين.
إن الذي رأى مشهد الرضا من يوم دفن الإمام عليه السلام حتى السنة الماضية كان يلاحظ أن بين الضريح أو دكة القبر والجدار الغربي فسحة ضيقة للغاية يبلغ عرضها حوالي 80 سنتيمتراً وذلك على أثر دفن الإمام في الجهة الغربية من قبر هارون الرشيد الذي دفن في وسط البقعة الهارونية التي بناها المأمون، وهذا الممر الضيق كان سبباً للزحام الشديد والأعياء الكثير الذي كان يعانيه الزائر حين طوافه بالقبر خاصة في السنوات الأخيرة التي بلغ فيها عدد الزائرين لقبر الإمام ما لا يقل عن خمسين ألف نسمة في الأيام المباركة وأغلب أيام الصيف.
مما حدا بالمسؤولين إلى التشبث بالمهندسين الاستشاريين الأوروبيين لتوسعة هذا الممر، غير أن النتائج كانت سلبية بعد إجراء الكشف على البناء. ولكن شاء الله أن يمن على عبد ضعيف وينجز هذه المهمة العظيمة بيد مسلم مؤمن بعظمة صاحب البقعة مستمداً قواه من قدرة غير بشرية.
ففي سنة 1383 هجرية قدمت طلباً إلى نائب تولية الروضة المقدسة لمنحي إجازة توسعة البقعة المباركة وتقبلت فيه تبعات هذا العمل الخطير ومسؤوليته. وبعد اللتيا والتي منحت لي هذه الإجازة وباشرت بالعمل رغم الصعوبات والعقبات العديدة حتى رفع الجدار الغربي من الروضة المباركة بعد ألف ومائة واثنتين وتسعين سنة، وبقيت قبة وزنها يقارب ألفاً وثلاثمائة طن معلقة في الهواء بإعجاز هندسي معماري من غير أن يغلق الممر الآنف الذكر حتى ساعة واحدة، والزائرون الطائفون بالمرقد الشريف لم يعلموا بما كان يحدث حتى ليلة التاسع من شعبان سنة 1384 حينما شاهدوا أن الممر الضيق الذي كانوا يمرون منه قد بدل من 80 سنتيمتراً بما يقارب الثمانية أمتار.
وبما أن البسط والتفصيل عن هذا العمل خارج عن غاية المقال فإني أكتفي بهذا القليل. كما وأحدثت أروقة جديدة من بين الجدران الضخمة التي كانت تحيط هذه البقعة والتي كانت زائدة من دون جدوى. وأهم هذه الأروقة الجديدة في القسم الغربي من الروضة استبدل من الطابوق بالخرسانة المسلحة وزين من جديد بأنفس الأنواع من القاشاني، وقسم منها بالقاشاني المطعم بالحروف الذهبية البارزة من الآيات القرآنية المناسبة بالمقام.
أمّا مدينة مشهد فبعد مدفن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فقد أصبحت مزاراً للمسلمين يفدون إليها ويقطنونها ويستوطنون فيها. وأول من بنى سوراً لهذه المدينة هو سوري بن معتز بأمر من السلطان محمود الغزنوي وكان قطر المدينة آنذاك لا يزيد عن ميل واحد، ولكن هذا السور هدم في الغزوات العديدة التي شنها التتر في العصور المختلفة على هذه المدينة في عهد السلطان سنجر السلجوقي الذي أعاد ترميم الروضة وبنى للمدينة سوراً أوسع من ذي قبل.
وعلى ما وصفه المؤرخون كانت سعة المدينة في ذلك الحين حوالي أربعة أميال مربعة ولكن هذا السور هدم أيضاً على أثر غزوات الأزبك حتى زمن السلطان طهماسب الصفوي الذي بنى سوراً واسعاً حول المدينة كان يضم بالإضافة إلى المساكن الموجودة فيها مقداراً واسعاً من الأراضي الزراعية وذلك للاستفادة منها عند محاصرة المدينة ومنذ ذلك الزمن بدأت مدينة مشهد بالتوسع والنمو إلى أن أصبحت مساحتها المأهولة بالسكان اليوم ما لا يقل عن خمسة وعشرين ميلاً مربعاً يقطنها أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة معظمهم من أصحاب المهن والصناعات وفيها حالياً مصانع مهمة كمصنعين للسمنت ومعامل لتعقيم الألبان وتعليب الفواكه وما إلى ذلك من الصناعات الخفيفة والثقيلة أهمها صناعة السجاد.
كما وأن موقع مدينة مشهد من الناحية الجغرافية كان سبباً لبناء أكبر محطة عالمية فيه وكذا إنشاء أوسع مطار في الشرق، ذلك بالإضافة إلى مرور الطريق الرئيسي الآسيوي في هذه المدينة.
أمّا من الناحية الثقافية والعلمية فإن مشهد الرضا على وجه التخصيص وطوس بالوجه الأعم كانت مهد العلوم العقلية والفقهية، والأرض الخصبة لنمو عظماء الرجال وكبار الفلاسفة والمفكرين منذ البداية حتى الحاضر.
وكانت محط أنظار المتعلمين في أنحاء المعمورة، فنبغ فيها فحول العلماء من المهاجرين إليها والمتولدين بها ولنا أن نذكر على وجه الإجمال بعض هؤلاء الذين ذاع صيتهم في شرق العالم وغربه وعرفهم الصغير والكبير.
من بين هؤلاء أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي صاحب كتاب احياء العلوم ومدرس النظامية ببغداد وحسن بن فضل بن حسن الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان الذي يعد من مراجع كتب التفسير. وكذا محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي المعروف بالشيخ البهائي أو بهاء الدين العاملي. ومنهم الشيخ محمد بن حسن بن علي الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة والجواهر السنية … من مراجع كتب الحديث، وأبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الملقب بالزمخشري صاحب تفسير الكشاف وأبو جعفر محمد بن حسن الطوسي صاحب التهذيب والاستبصار وتفسير التبيان وغيرها والفيلسوف العالم نصير الملة والدين محمد بن حسن الطوسي الحكيم والفلكي المعروف، والمحدث الفقيه أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي صاحب الخصائص والسنن وكذا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الفقيه الشافعي وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل، والعالم اللغوي الشهير عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي صاحب كتاب فقه اللغة ويتيمة الدهر وسحر البلاغة.
ثم العالم المنطقي المعروف سعد بن عمر بن عبد الله التفتازاني مصنف كتاب التهذيب في المنطق والمطول في المعاني والبيان، وأبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي المعلم الثاني، والعالم الرياضي الحكيم عمر الخيام.
هؤلاء هم بعض الذين نبغوا في أرض طوس وتركوا للعالم آثاراً أبدية وذكرى خالدة يمجدهم الدهر في كل عصر من عصور التاريخ.
وأمّا مراكز العلم والتدريس فقد كانت في الصدر الأول المساجد الكبيرة التي كانت معهد التعليم في ساعات الصلاة، إلى أن دعت الحاجة لتأسيس المدارس حيث يمكن لطلاب العلوم السكن فيها ومواصلة البحث والدراسة في ساعات الفراغ فأسست وشيدت مدارس دينية عديدة في هذه المدينة ومعظمها اليوم مأهولة بالطلاب. وأهم هذه المدارس ما يلي:
1 ـ مدرسة بالاسر (فوق الرأس) وهي أقدم مدرسة شيدت في مدينة مشهد الرضا وعلى ما ذكرناه آنفاً شيدها الأمير شاهرخ بن تيمور سنة 810 هجرية.
2 ـ مدرسة بربزاد ـ بنتها سيدة جليلة تسمى بربزاد وهي من أقارب الملكة التيمورية كوهرشاد التي بنت المسجد الجامع المعروف في هذه المدينة وكانت سنة تأسيسها 823 هجرية.
3 ـ مدرسة دو در التي بناها غياث الدين أمير يوسف خواجة بهاء أحد قادة شاهرخ التيموري وذلك سنة 843.
4 ـ مدرسة خيرات خان التي أسسها رجل خير يدعى خيرات خان سنة 1057 هجرية.
5 ـ المدرسة الباقرية التي أسسها الملا محمد باقر السبزواري وهو من مشاهير علماء العهد الصفوي وصاحب كتاب الكفاية في الفقه وذلك سنة 1086 هجرية.
6 ـ مدرسة النواب وهي أهم مدارس مشهد حالياً شيدها النواب أبو صالح النقيب الرضوي سنة 1086 هجرية.
7 ـ مدرسة عباس قلي خان التي أسست سنة 1077 هجرية.
8 ـ مدرسة حاج حسن التي شيدت في العهد الصفوي سنة 1090 هجرية.
9 ـ مدرسة ميرزا جعفر وهي أكبر مدارس مشهد من حيث السعة والمساحة بناها ميرزا جعفر بن حاج محمد التقي من تجار مشهد المعروفين آنذاك وكانت سنة تأسيسها 1091 هجرية.
10 ـ مدرسة رضوان التي أسست سنة 1091 هجرية.
11 ـ مدرسة سليمان خان التي شيدها اعتضاد الدولة سليمان خان قاجار سنة 1210 هجرية.
12 ـ مدرسة إبدال خان التي أسست سنة 1273 هجرية. وبالإضافة إلى المدارس الآنفة الذكر هناك مدارس قديمة متروكة أهمها مدرسة المستشاري وعلي تقي ميرزا وسعد الدين ومدرسة حاجي أتاجان.
يسكن هذه المدارس اليوم ما يقرب ألفين ومائة طالب يتابعون فيها دراساتهم، كما أن هناك عدداً كبيراً من الطلاب يسكنون خارج هذه المدارس والجميع مقسمون إلى حوزات علمية متعددة في كل موضوع من المواضيع الفقهية واللغوية والفلسفية وغيرها.
ومما يجدر ذكره أيضاً هي المكتبات العامة المهمة في هذا البلد والتي يرجع إليها الطلاب والمحققون في أبحاثهم وإعداد رسالتهم وأهمها المكتبة الرضوية وهي مكتبة واسعة النطاق مهمة للغاية، تابعة لإدارة الأوقاف الرضوية.
تحتوي هذه المكتبة ما لا يقل عن سبعة وأربعين ألف مجلد، فيها حوالي تسعة آلاف وخمسمائة مجلد مخطوط من بينها كتب نفيسة جداً كالقرآن المكتوب بخط الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وكذا القرآن المكتوب بخط الإمام الحسن بن علي عليه السلام وهكذا بخط الإمام علي بن الحسين والقرآن الذي بخط الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. وما إلى ذلك من نفائس عديدة لا مجال لعدها في هذا المقال.
يحضر هذه المكتبة سنوياً حوالي 200 ألف شخص للقراءة والمطالعة والمكتبة تعير الأشخاص حوالي أربعة آلاف كتاب سنوياً للاستفادة منها خارج المكتبة.
ويبدو من تاريخ وقف بعض المصاحف أن نشوء المكتبة كان في العصر الديلمي. وفي عام 681 كانت حافلة بالكتب كما يدل عليه ما ذكر على ظهر كتاب روض الجنان الموقوف على المكتبة.
ولما هاجم الأوزبكيون المشهد ودخلوه كانت المكتبة حافلة بمجموعة من المصاحف بخطوط الأئمة وخطوط الكتّاب المبدعين المعروفين فضلاً عن الكتب العلمية باللغة العربية واللغة الفارسية مما لا يحصى. فنهب الأوزبكيون تلك الكتب فتلف بعضها وبيع بعضها وذهبت المكتبة.
ولما قضى الصفويون على الفتنة الأزبكية وأعادوا إنشاء المكتبة صار العلماء يوقفون عليها كتبهم وفي طليعتهم بهاء الدين العاملي.
وفي عهد نادر شاه الأفشاري نقل إليها المكتبة الملكية الصفوية التي كانت في أصفهان وتوالت العناية بها حتى العصر الحاضر حيث شيدت بنايتها الضخمة المكونة من ثلاث طبقات.
وبالإضافة إلى هذه المكتبة الفخمة هنالك مكتبات أخرى كمكتبة جامع كوهرشاد ومكتبة مدرسة النواب ومكتبة مدرسة ميرزا جعفر ومكتبة جامعة مشهد ومكتبة المعارف العامة وما شاكلها مما له الأثر النافع في تثقيف الجيل الحاضر.
أمّا من حيث العلوم الجديدة فإن لمشهد مكانة مرموقة بين الأوساط العلمية والثقافية، ففيها جامعة تضم خمس كليات: كلية الطب، كلية طب الأسنان، كلية العلوم، كلية الآداب، وكلية الإلهيات والعلوم الإسلامية، وتعدّ العدة الآن لتأسيس كلية الزراعة وعدد طلاب هذه الكليات في الحال الحاضر حوالي ألف طالب وطالبة. وبالإضافة إلى هذه الجامعة هنالك معهد مهني زراعي ومعهد للتربية والتعليم كل ذلك على أثر حاجة هذه المدينة لتوسعها السريع وتقدمها المتواصل.
المهندس محمد علي الشهرستاني
مشهد
ـ 2 ـ
لم تزدهر هذه المدينة كما يجب، حتى القرن السابع الهجري. أضف إلى ذلك ما أصابها من هجمة المغول عليها وعلى سائر المدن الكبيرة الأخرى كطوس ونيسابور، مما لم يبق منها إلاّ الدمار الشامل والخراب.
وبعد انقضاء هذه الفترة أصبحت الظروف فيها مؤاتية للعمران والتوسعة.
وعند مجيء الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل سرعان ما ظهر فيها أثر العمران والاتساع، وكان من ذلك إقامة السور وشق الشوارع المعروفة فيها بـ (بالا خيابان) و(بائين خيابان) التي هي من صنع هذا العهد.
وازدادت أهميتها بعد تصدي نادر شاه الأفشاري لزمام السلطة واختياره لها عاصمة له حيث بلغ سكانها حينئذٍ، (250,000 نسمة) ولكن بعد زوال الأفشاريين أخذت بالتراجع وبعد استيلاء رضا بهلوي على السلطة ابتداءً من سنة 1920م وحدوث تطورات على البلاد، كانت مشهد فيما شملته تلك التطورات، فهدم سورها سنة 1931م وبتحديث الشوارع وتوسيعها تمزقت أحياؤها المعروفة القديمة مثل: نوقان، وسراب، وبالاخيابان، وبائين خيابان، وعيدكاه، وسناباد، وسرشور.
ورافق ذلك ازدياد عدد سكانها حيث ارتفع العدد من خمسين ألف نسمة في سنة 1896م إلى (176471) نسمة في سنة 1941 ثم وصل سنة 1976 إلى ما يقارب الـ (667777) نسمة كما اتسعت رقعتها إلى 78 كلم2.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية ازداد هذا العدد سنة 1996 إلى ما يقارب (1,870,000) نسمة وتوسعت مساحتها إلى ما يقارب الـ (200 كلم2) . وتزامناً مع تطورات كانت أكثرها سكانية احتفظت هذه المدينة بمعطياتها الهيكلية فالحيز المركزي لها لا سيما الأحياء السكنية فيها لم تتأثر كثيراً بهذه التطورات بل بقيت محتفظة ببنيتها التقليدية.
إنّ نسج المدينة القديم يتضمن مساحة تقارب (11689 هكتاراً) وعلى عدد سكان يقارب الـ (165087) نسمة حتى سنة 1991.
وبالرغم من استقرار النواة المقدسة، وهي وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام التي تبلغ مساحتها ما يقارب الـ (70 هكتاراً) مضافاً إلى وجود النواة التجارية الأصيلة نجد أنّ في هذا الحيز وفي نطاق الأسواق التجارية العامة عناصر أخرى لها دورها كالاحياء السكنية ومئات المساجد والحسينيات ومراقد الأعلام ومنازل القوافل القديمة.
وتجري توسعة حرم المرقد الرضوي بمباشرة هيئة الآستانة الرضوية بسعة 57 هكتاراً وقد بدئ بذلك سنة 1981م.
ويجري تحديد المسجد القديم بأطراف الحرم المطهر الذي بدئ به سنة 1992 في مساحة سعتها 337 هكتاراً حيث 57 هكتاراً منها مساحة الحرم الرضوي ويعترض ذلك عدة أمور منها: أنّ إنجاز مثل هذا المشروع الضخم الذي يشمل تجديد المدينة بهذا الحجم الكبير يتطلب تحديث المنطقة بكاملها وهذه سوف تواجه مشاكلها عويصة كالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية للسكان ومحو الهوية التقليدية التاريخية كلياً وبالنتيجة انقراض القسم التراثي منها وهذا يعني انعدام المظاهر الأثرية التي تتمتع بها المدينة.
إنّ من أبرز المباني التي تتمتع بالتراث الثقافي والتي تعتبر من النوادر الثقافية في نوعيتها وما تتمتع به من شتى آيات الجمال التي تفوق التصور البشري هي مجموعة الحرم الطاهر للإمام الرضا عليه السلام وهي في مساحة تقدر بـ (57) هكتاراً مع ما تحتويه من عشرات العناصر المتفاوتة والمترابطة مع بعضها البعض: المساجد والمدرسة والمكتبة والمتحف والجامعة.
فمسجد كوهر شاد الذي تمتد عراقته إلى ستة قرون في مساحة مقدارها عشرة آلاف متر مربع هو من الكنوز العظيمة للفن المعماري التيموري.
أما الأثر التاريخي الآخر فهو المدينة نفسها مع مجموعة الحرم الطاهر وكذلك مسجد (هفتاد ودوتان)، وتعني الاثنان والسبعون والذي كان يعرف بـ (مسجد شاه)؛ ثم مدرسة بريزاد، ومدرسة دودر (ذات بابين) هي كلها من مخلفات العهد التيموري النادرة في نوعها تاريخياً.
أمّا المباني التراثية الأخرى التي هي كذلك ذات قيمة تاريخية أمثال مقبرة نادر شاه، كنبت خشتي، وكنبت سبز، وقبر سبز، ومقبرة بيربالان دوز، وعشرات المباني القديمة الأخرى الأثرية التي هي من ذكريات ومخلفات العهد الماضي ذات القيم المعمارية والاجتماعية والدينية المُزدَانه بقيمها التاريخية لمدينة مشهد فهناك (21 مدرسة علمية، دينية، و140 مسجداً و150 حسينية و70 منزلاً لنزول القوافل و20 مخزناً لخزن المياه. هذه كلها موجودة في الحيز القديم للمدينة.
إنّ المسيرة الزمانية والمكانية لتشكل النسيج الهيكلي للمدينة بدأت من سنة (202هـ) وامتدت إلى سنة 1996م وهذا يظهر لنا كيفية هذا السير التكاملي التاريخي والحضاري لها.
فالفترة الزمنية المحددة والممتدة إلى 1200 سنة هي المظهر العيني للمصادر المادية والثروة الثقافية لسائر العهود الماضية وتتجلى كل هذه المظاهر في خلال التدقيقات في النسيج المشوه فيها كأمثال المعابر الملتوية الشديدة الالتواء، وصولاً إلى النسيج المنتظم بالشكل الشطرنجي المعاصر.
إنّ الحدود التاريخية للنسيج القديم لمدينة مشهد هي الصورة المعبرة للتغيرات الهيكلية لشكل المدينة نفسها من بداية نشوئها وإلى ما يقارب 1921م وهي في مساحة تبلغ سعتها (11689) هكتاراً وهي تعتبر من الكنوز الغنية لما تحمله من ذكريات قلّ نظيرها في الجمال تاريخياً.
وقد مرّت الإجراءات التخريبية المتزايدة على هذه الآثار التاريخية التي تحتويها هذه المنطقة بالذات على طول الفترة الزمنية الطويلة أضف إلى ذلك طروء بعض التداخلات غير المدروسة فيها التي سببت تخريب وهدم المئات من الأبواب والأبراج والسور والمقرات الحكومية والمساجد والحسينيات والمدارس ومخازن المياه الطبيعية ومنازل القوافل القديمة والأسواق وعدد كثير من المباني الحكومية. إنه يمكن كشف هذه المسيرة التكاملية للمدينة، وحضارتها البشرية من خلال زوايا أزقتها الملتوية التي هي ظاهرة في الأحياء القديمة للمدينة.
فعظمة حي نوقان مستوحاة من فكرة وجود المسجد الأول الذي صلى فيه الإمام عليه السلام. ثم ورود بعض التلميحات في التاريخ في خصوص نساء هذا الحي اللواتي بذلن مهورهن لأزواجهن بغية سماحهم لهن بالخروج من المنزل للمشاركة في تشييع جنازة الإمام عليه السلام. وكذلك حي تب محلة مع سوقه الصغير، وبجانبه المقهى التقليدي الموجود فيه وهو النادر في أمثاله. ثم وجود الكثير من المساجد والمخازن للمياه التي هي نماذج حية تظهر قيمة المدينة وسلوكها ضمن الآثار القديمة لمدينة مشهد نفسها.
وما يؤسف له أن هذه المعالم التاريخية الجليلة، الاجتماعية منها والتاريخية والتراثية، أي كل هذا النسيج القديم وقع فريسة لغضب نار التجارة والإتجار الغاصب، لوقوعه ضمن الخارطة الجديدة، لتحديث النسيج الجديد في أطراف الحرم الرضوي الذي تبنته شركة مسكن سازاي.
ومن المميزات الأخرى التي يمكن أن تتشخص المدينة التاريخية في الجملة هي معرفة التركيب السكاني فيها لا سيما نسبة الأفراد غير المقيمين فيها مقارنة مع القاطنين.
فعلى أساس الإحصائيات والمعلومات فإن نسبة عدد زوار المدينة ومقارنة بالعدد السكاني العام لها هو بين 68/98 % على أن هذه النسبة تصاعدت فجأة سنة 1991 فبلغت 9/88 % فكان النمو السكاني المتوسط للمدينة في في فترة 63 سنة بين 18/6 % وأما العدد التصاعدي للزوار فبلغت نسبته 1/8 % وهذا يدل على النمو النسبي لزوار هذه المدينة مع المقارنة بنسبة القاطنين فيها؛ وإجمالاً فإن فترة 63 سنة تراوحت فيها النسبة بين عدد الزوار وعدد السكان بشكل عام فكانت 4/77 % وهذا العدد مرتفع جداً مما ينبئ بأن يصل هذا العدد في عهد غير بعيد إلى 5/4 ملايين نسمة ويصل عدد الزوار إلى ما يقارب(26,312,000) نسمة وبالنتيجة فان ازدياد نسبة عدد الزوار الى عدد السكان تكون 97/82 %.
وبعد التحقق من تركيبة العدد السكاني يظهر لنا غلبة عدد الزوار على عدد السكان وبنتيجة هذه الإحصائيات نصل إلى أن مدينة مشهد تعتبر مدينة سياحية على ضوء ما بيّنا بالنِسب العددية المتفاوتة بين الزوار وبين غيرهم والسير المتحرك لعدد السكان القاطنين وغير القاطنين (الزائر والمسافر) فمدينة مشهد كما يلي:
| سنة الإحصاء | عدد الزوار | العدد الثابت لسكان المدينة | المجموع العام لسكان المدينة | النسبة المئوية لعدد الزوار |
| 1928 | 100000 | 45000 | 45000 | 96/68 |
| 1930 | 100000 | 45000 | 45000 | 96/68 |
| 1949 | 350000 | 198618 | 548618 | 8/63 |
| 1951 | 420000 | 219183 | 639183 | 7/65 |
| 1953 | 740000 | 232530 | 972530 | 1/76 |
| 1967 | 1500000 | 433497 | 1933497 | 6/77 |
| 1976 | 6277203 | 667770 | 6944973 | 4/90 |
| 1981 | 6440141 | 953331 | 7393472 | 91/87 |
| 1986 | 9730000 | 1463508 | 11198508 | 9/86 |
| 1991 | 14000000 | 1743000 | 14743000 | 9/88 |
| التنبؤ 2016 | 26312000 | 5400000 | 31713000 | 97/82 |
ومن أبرز المميزات التي يمكن بها معرفة خصوصيات المدينة التاريخية إجمالاً هي معرفة التركيبة المهنية في أقسامها الاقتصادية المتنوعة باعتبارها السبب الرئيسي لمظهر من مظاهر المدينة، لأن المنجزات والمظاهر التاريخية القديمة هي التي تخلق أمثال هذه الفرص العملية والمهنية وتهيئ الأرضية للنشاطات المختلفة الأخرى كعمليات البيوع بصورة مفرقة وإدارة الفنادق والصناعات اليدوية وتنظيم أسطول النقل والانتقال وما يتطلب من ترتيب كعملية التخزين وغيرها من الأمور الاخرى التي هي بالنهاية نتيجة لكل هذه المسائل المذكورة. فالدراسة التي أجريت في هذا المضمار خلال فترة (20 سنة) لكلٍ من أصحاب هذه الحرف وفي مختلف المجالات الاقتصادية في مدينة مشهد خاصة أظهرت نتائجها مختلف هذه التطورات وأفادت بتراجع النسبة المئوية للأقسام الزراعية فيها كما تشير الأرقام التالية إليها ـ 2/6 % في سنة 1956 إلى ما يقارب ـ 7/2 % ـ في سنة 1986 وأما النسب المئوية لأصحاب الحرف خاصة الخدماتية منها فنرى أنها في حالة الارتفاع حيث بلغت 2/54 % إلى 6/63 % فيدل هذا التحليل في مختلف مجالات الإحصاء بأن للخدمات دور أكبر من غيرها في هذا المضمار حيث إن الجانب السياحي (الزيارة) لمدينة مشهد باعتباره يجلب الملايين من الزوار من مختلف أنحاء إيران والعالم فإن لهذا الجانب أهميته البالغة في ازدياد هذه النسب المئوية خاصة في حقل النشاطات الخدماتية فيها لما يحتاجه الزوار والمسافرين القاصدين لهذه المدينة المقدسة وهذه تتلخص في الجدول التالي:
| الترتيب | السنة
الإحصائية |
النسبة المئوية لأصحاب المهن المختلفة من الناحية الاقتصادية | ||
| الزرعة | الصناعة | الخدمات | ||
| 1 | 1956 | 2/6 | 5/39 | 3/54 |
| 2 | 1966 | 2/4 | 8/40 | 55 |
| 3 | 1976 | 8/2 | 39 | 2/59 |
| 4 | 1986 | 7/6 | 7/22 | 6/63 |
وكذلك فإن النسبة المئوية لوجود كثير من المعامل المستقرة في الحيز القديم للمدينة تظهر الدور النوعي الذي تلعبه هذه المعامل وما تنتجه من المنتوجات المختلفة.
فمثلاً النسبة المئوية في الحي المسمى بـ «سر شور» للمعامل وأنواعها التي لها طابع تجاري كالمقاهي والفنادق هي 2/59 % وهي من جملة المصاديق الخدماتية المخصصة للشريحة غير القاطنة والزوار فيها.
ومن المميزات المهمة لمعرفة خصوصية المدينة التاريخية هي معرفة نوعية دخلها الاقتصادي لأن المدينة التاريخية هي المدينة التي يؤمن جلّ اقتصادها من واردات الأنشطة السياحية وظهر من الدراسات التي أجريت بأن نسبة تواجد الزوار والمسافرين في مدينة مشهد تتراوح ما بين (8/3) أيام من أيام سنة 1986 وكان الدخل الاقتصادي لها من تردد عدد المسافرين الذين بلغ عددهم ما يقارب 735/9 مليون نسمة والذين بلغ معدل مصروف الفرد الواحد منهم 7/13092 ريالاً ويعني ذلك بأن بلغ مجموع الدخل الوارد 127 مليار ريال.
إن من الأمور الأخرى التي لها الأهمية البالغة في جلب الناس إليها هي وجود الآثار التاريخية الكثيرة في أطراف المدينة ونواحيها أضف إلى ذلك وجود المناخ الملائم للإقليم ووجود المناظر الطبيعية فيها وما تحتويه من الحيوانات الوحشية المنتشرة في أنحائها.
إنّ مدينة مشهد من المدن التي تحتوي على كثير من هذه الأمور فالآثار التي فيها أمثال مقبرة خواجه ربيع ومقبرة خواجه أبو الصلت ومقبرة خواجه مراد ثم وجود العين المسماة (كيلاس) وبندكلستان وسد كارده وشلال أخلامد ومصايف وكيل آباد ووجود الأودية الجميلة الخلابة في منطقة قرطبة وشام ديز وزشك ووجود البيئة المناسبة والمرغوبة جداً في فصل الصيف أضف إلى ذلك وجود الحرف اليدوية المحلية. كل هذه العوامل تساعد على جلب الزوار والمسافرين غير القاطنين فيها إليها([618]).
كتاب تاريخ مشهد
صنيع الدولة محمد حسن خان من مشاهير أدباء الفرس تولى منذ أكثر من خمس وثمانين سنة النظر في ديوان الطباعة الفارسية وله آثار أهمها كتاب تاريخ مشهد خُراسان في مجلدين كبيرين بين يدي منهما المجلد الثاني وهو أهم من الأول يقع في 500 صفحة كبيرة والكتاب نفيس في بابه نادر الوجوه طبعت منه نسخ قليلة سنة 1303 في طهران وتفرّقت فأوشك أن يعود الكتاب أثراً بعد عين.
وبدأ المؤلف بذكر ما لمشهد خُراسان من الخطر والمنزلة وأن مدينة طوس من المدن المقدسة ثم ذكر اعتدال هوائها وتوفر مائها وكثرة جنانها وأشجارها وثمارها وغير ذلك من مزاياها الطبيعية والاعتبارية وأوضح فائدة البحث عن تخطيط المشهد وتعريف البقاع والأماكن والبنايات والآثار الباقية فيه وإيراد الحوادث التاريخية التي طرأت على مدينة مشهد خُراسان وترجمة الرجال الذين نبغوا أو جاوروا فيها إلى هذا ونحوه. وقال إن هذا الموضوع لم يستوفِ أحد البحث فيه على ما يجب أو بعض ما يجب من متقدم أو متأخر وذلك أن استفحال عمران مشهد خُراسان أو مدينة طوس كان بعد سقوط همم الباحثين والمخططين وأهل الرحلات من العرب الأولين الذين جابوا بلاد الفرس وما وراء النهر. وأما المتأخرون من الإفرنج فإنهم وإن طلبوا ذلك طلباً حثيثاً ووقفوا على ما يمكن الوقوف عليه لهم إلاَّ أنه كان ممتنعاً على مثلهم غالباً التغلغل داخل العمارات والمشاهد المهمة. ثم استشهد على عظيم اهتمام هؤلاء القوم بموضوع هذا الكتاب بما جاء في الصفحة 269 من المجلد الثاني من كتاب (تذكرة السياحة) أو (توردومند) المطبوع سنة 1861 في باريس عن الرحالة الروسي (نيكولا خانيكوف) الذي جاب بلاد خُراسان وأفغانستان ففيه أن الموسيو ـ يون سنت مارتن ـ قرأ في نادي «جمعية الجغرافيا» الباريسية في جلسة مارس سنة 1861 تقريراً عن أعمال (خانيكوف) الكبيرة واكتشافاته الجديدة في أصقاع خُراسان التي أماط النقاب عنها سنة 1859 وورد في هذا التقرير أيضاً أنه لم يكن قبل ظهور خانيكوف في اليد شيء عن حالة (المشهد) المقدس والأبنية التي فيه إلاَّ بعض ما ينقل عن المسافرين وبعض المتجولين وهو من النقص والاختصار بمكان فيجب أن تقدر أعمال هذا الرحالة وأن يوضع حيث أنزلته همته العالية وقد نبّه ذكر خانيكوف بأبحاثه عن تركستان والقوقاس وبسطه الكلام في خططها وأديان أهلها ومذاهبهم المختلفة وسلائلهم وقبائلهم وغير ذلك ولكن أجدر أعماله بالذكر بحوثه المفيدة في شمال إيران وخاصة بلاد خُراسان فقد جبر بها وهنا للعلم وسد فراغاً كان ظاهراً فيه.
ثم ذكر المؤلف أن رسالة خانيكوف عن خُراسان التي استحقت كل هذا الثناء ليست إلاَّ 19 قائمة أكثر ما فيها صور مختلفة ونقد بعض الأوضاع ونقل بعض الخرافات التي لا أصل لها ونحو ذلك مما لا فائدة فيه.
وقال: إني آسف جداً على أن أعضاء الجمعية الجغرافية لم يعلموا بعد وضع كتابنا هذا أن الثلمة التي زعموا أن خانيكوف سدها ببضع قوائم من كتابه أنّا قد توفقنا إلى سدها بأضعاف أضعاف ذلك. ثم شرع بإيراد أقوال السائحين والمجتالين والمؤلفين في الخطط من أهل المشرق في مشهد خُراسان.
أقوال الشرقيين في مشهد
أغفل ذكر المشهد جماعة من علماء العرب منهم ابن خرداذبة والمقدسي وأبو الفداء وذكرها الإصطخري وابن حوقل وزكريا بن محمد بن محمود القزويني في كتاب آثار البلاد وياقوت الحموي وابن بطوطة، أما كتّاب الفرس فقد ذكرها صاحب كتاب (نزهة القلوب) وذكرها الأمير زين الدين محمد في كتاب (زينة المجالس) والقاضي نور الله التستري الحسيني في (مجالس المؤمنين) وأحمد الرازي في (هفت إقليم) وميرزا حسن الزنوزي في (رياض الجنة) وفرهاد ميرزا في كتاب (جام جم) وميرزا رضا قلي خان من مشاهير حملة السيف والقلم في العهد القاجاري وقد أثبت المؤلف نصوص أقوال هؤلاء واجتزأت أنا بالإشارة إذ ليس القصد تعريب كل ما في الكتاب ثم أنه عاد إلى إثبات أقوال الغربيين في هذا السبيل.
أقوال الغربيين
ذكر المشهد من الإفرنج (فورشاير) الرحالة الإنكليزي في المجلد الثاني من رحلته وقد اجتاز بها سنة 1783 والسرجون مَلكُلمْ سفير إنكلترا على عهد فتح علي شاه ذكرها صاحبه (ماكدونال كينير) في كتابه (جغرافية إيران) والرحالة الإنكليزي (فيروزور) قد مرّ بها في منتصف القرن التاسع عشر وعاشر طائفة من خاصة أهلها وتظاهر بالإسلام توصلاً إلى مقاصده فنجح والمتجول (هانوي) في رحلته إلى بلاد الروس وإيران سنة 1743 وقد تمكن من الدخول إلى نفس المشهد وأفاض في تاريخه القديم والحديث وأورد فصولاً شائقة عن البلدة وأحصى مدارسها وعدد طلابها وذكر أوقافها وأجناسها إلى غير ذلك.
وذكرها أيضاً الدكتور (ريتر) الألماني من أساتذة جامعة برلين وأعضاء المجمع العلمي في كتابه (خطط إيران) بالألمانية وكثيراً ما يعتمد على كلام فيروزور المتقدم ذكره والمسيو (كنولي) وقد مرّ عليها مجتازاً إلى الهند سنة 1823 وقال إن مدينة طوس أوسع محيطاً من هراة إلاَّ أنها أقل منها سكاناً وبحث عن التجارة وأحوالها هناك والمسيو (فريه) الرحالة الفرنسي ماراً بها سنة 1854 في المجلد الأول من رحلته وصف منظر البلاد الطبيعي وأورد نبذة من تاريخها وغير ذلك. وتعددت له أغلاط أشار إليها مؤلف الكتاب غير أن أغلاط (خانيكوف) الرحالة الروسي المتقدم أكثر وقد نبّه عليها المؤلف فمنها قوله: إن مشهد وطوس واقعة في أقصى خُراسان مع أن أقصى ديار خُراسان بلخ.
وقوله: إن الكتابات في أثر المشهد لا يرتقي تاريخها إلى أبعد من عصور الصفويين والحالة أن قسماً منها يرتقي تاريخه إلى زمان السلاجقة والمغول كما سيجيء إلى غير ذلك من أوهامه. ثم أن المؤلف أورد لنفسه فصلاً من تاريخ ظهور المشهد وعمران المدينة.
ظهور المشهد وعمران المدينة
حاصل ما أورد المؤلف هنا أن مدينة مشهد خُراسان قائمة على أنقاض (ساناباد) البلدة الفارسية القديمة التي وليها حميد بن قحطبة من قبل الرشيد وكانت له فيها دار وبستان ولما مات الرشيد في خُراسان دفن في دار حميد هذه وأمر المؤمنون فأقيمت ثمة قبة دعيت (القبة الهارونية) ثم دفن إلى جنبه الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام سنة 203 فغلب اسمه على القبر. وقيل إن الديالمة تقدموا بعد ذلك بعمارة مشهد ثم أخربه الأمير سبكتكين.
وبالجملة بقي المشهد خراباً لا يجرؤ الشيعة على عمارته خوفاً من غيرهم إلى أن تقدم بها السلطان محمود ابن السلطان ناصر الدين سبكتكين فجدد العمارة كما ذكره ابن الأثير ثم عمره شرف الدين القسي على عهد السلطان سنجر السلجوقي ولم تزل عمارته قائمة إلى أن أخربها التاتار ثم تقدم بتجديدها السلطان محمد خدابنده حفيد هولاكو وقد وصف عمارته هذه ابن بطوطة ماراً بمدينة طوس سنة 734.
وتقدم بعد ذلك غير واحد من الملوك والصدور بتعمير المشهد والإنفاق على زينته وقد رافق عمرانه عمران المدينة إلى أن استفحل شأنها على عهد السلطان ميرزا شاه رخ الكوركاني سنة 808 وتقدّمت بعد ذلك.
وصف المشهد
موقع بناء المشهد وسط المدينة وهو مربع ومساحة موضع الضريح عشرة أذرع في عشرة وارتفاع القبة عليه عشرون ذراعاً وللسور المحيط به اثنا عشر باباً غشي بعضها بالذهب وبعض بالفضة أثبت فيها نصوص آيات وأحاديث كثيرة ومقاطيع شعر عربية وفارسية وعلى موضع الضريح عدة مشبكات أولها من الفولاذ ولا تاريخ له وبينه وبين المشبك الثاني عدة مشبكات من النحاس طليت بالذهب لحفظ المجوهرات التي داخله وهي كثيرة. أما القبة فهي مغشاة بالذهب الوهاج وفي دائرها كتابة عربية واضحة محصلها أنه أمر بتزيين هذه القبة الشاه عباس الكبير حين شد الرحال إلى زيارة الإمام من قاعدة مملكته أصفهان أمر بذلك سنة 1010 وتمّ سنة 1016 (عمل كمال الدين محمود اليزدي سنة 1015 كتبه علي رضا العباسي) … وهناك أيضاً كتابة عربية أخرى يظهر منها أن الشاه سليمان الصفوي أمر مرة أخرى بتذهيب القبة بعد سقوطها بزلزلة سنة 1084 وكان تذهيبها سنة 1086.
الكتابات في المشهد
الكتابات داخل المشهد كثيرة مختلفة يرتقي أقدمها إلى سنة نيف وخمسمائة جلها عربي الأسلوب واللفظ وبعضها بالخط الكوفي يذكر في أواخرها اسم الكاتب والمتقدم بالعمل غالباً وفي جملة المكتوب أبيات أبي نواس المشهورة التي أولها:
مطهرون نقيات جيوبهم
تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
وكتب تحتها (تقرب بهذه العمارة الضعيف الذليل المحتاج إلى رحمة ربه تعالى مولى آل محمد عبد العزيز بن آدم أبي نصر القمي). ومن الكتابات الكوفية في أطر بعض المحاريب ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) إلى قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) وعند هذا المحراب مكتوب (كن في صلوتك خاشعاً) وكتب بهذا الخهط أيضاً نص الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم اغفر لمن استغفر لأبي زيد محمد بن أبي زيد النقاش). وكتبت أيضاً سورة التوحيد بخط دقيق تاريخه سنة 612.
ويوجد داخل المشهد غير ما ذكرنا رسم آيات وأحاديث وكلم جامعة وعظات كلها عربية تقرأ واضحة جاء فيها ما نصه: (من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) قال إبراهيم بن العباس الصولي: لو وزنت هذه الكلمة بأحسن كلام الناس لرجحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا علم كالتفكر … لكل قلب شغل. من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه. قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه. رسول الموت الولادة. وعلى المحراب الذي يلي الراس رسوم آيات وأحاديث كثيرة وهي عمل (علي بن محمد بن أبي طاهر غفر الله ذنوبه) وغير ذلك الكثير.
الآثار والعمارات ـ دار الحفاظ
الآثار الماثلة إزاء المشهد كثيرة من أهمها (دار الحفاظ) وهو بناء عالٍ مستطيل طوله 18 ذراعاً في عرض سبعة أذرع ونصف وأرضه مبلطة بالقاشاني أحدثته كوهر شاد زوج الأمير شاه رخ ابن الأمير تيمور الكوركاني أمير هراة وخُراسان وفي هذه الدار خمسة أشرحة لبعض ملوك الفرس وصدورهم وفيه كتابات فارسية وغير ذلك.
دار السيادة
أيضاً من آثار كوهرشاد وهي بناية مستطيلة طولها 33 ذراعاً وعرضها مختلف وفيها ماء عذب وبعض الأضرحة وقد ضعضعتها الزلزلة على عهد الشاه سليمان الصفوي فتقدم بترميمها وفي بعض جدارها كتابات متأخرة أكثرها شعر فارسي غير أن في بعض دروبها كتابات قديمة سابقة على وجود هذه الدار إذ أن تاريخها يرتقي الى القرن السادس والثامن.
قبة الله يارخان
وهي من الأبنية المشهورة المعظمة هناك محكمة البناء عالية مثمنة الشكل وداخلها ثماني صفف كتب على قاشانيها المعرق مواليد الأئمة الاثني عشر ووفايتهم وأحاديث مأثورة عنهم وأبيات فارسية ورسمت في دائرها الأعلى سورة الجمعة وغير ذلك.
سائر الآثار
منها الصحن العتيق في شمال المشهد طوله 86 ذراعاً في عرض 20 وهو من آثار الصفويين كما تشهد بذلك الكتابات الظاهرة إلى الآن ومنها الصحن الجديد وهو من آثار السلطان فتح علي شاه طوله 72 ذراعاً في عرض 49 ومغشى الجدار بالقاشاني البديع الصنع وما يلي الأرض منه بالرخام وفيه كتابات عربية كثيرة.
ومن أهم آثار المشهد مسجد كوهر شاد وهو آية في إحكامه وجمال هندامه زين بالقاشاني المعرق وغيره طوله نحو 53 ذراعاً في عرض 48 وفيه قبة رفيعة ومآذن عالية لم تتضعضع بعد مع أن بناءها يرتقي إلى أوائل القرن التاسع ولهذا المسجد أربعة أبواب وقد عمر فيه على عهد الصفويين والقاجاريين وفيه كتابة منحوتة على الرخام أو محفورة في القاشاني جاء في بعضها بعد ذكر المتقدمة بالعمارة كوهر شاد وتمجيدها كثيراً بالعربية ما نصه: (اتفق تحريرها في أوائل شهر الله المبارك رجب المرجب سنة 821 عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان).
ومن آثار المشهد مقبرة البهائي ومقبرة الشاه طهماسب الصفوي وقد نشر المؤلف أثراً مهماً من آثار طهماسب وهو تذكرته التي كتبها بنفسه لنفسه وهي أثر نفيس نادر عثر عليه في بعض دور الكتب الكبيرة ومقبرة عباس ميرزا بن فتح علي شاه المتوفى سنة 1249 ومقبرة ربيع بن ختيم من مشاهير التابعين والزهاد وغير ذلك من مدافن الملوك والصدور.
مدينة المشهد
على عهد المؤلف سنة 1300
يكتنف المدينة سور عظيم غير تام الاستدارة من آثار الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل محيطه نحو فرسخ وفيه 141 برجاً بين كل برج وآخر مرسى بندقية قديمة وستة أبواب ويقطع البلدة شارع طويل جداً عرضه 22 ذراعاً وفي المدينة ستة أحياء كبيرة وعشرة صغيرة وأكثر من ثلاثين حماماً و11 فندقاً ومشهد طوس من أكثر مدن إيران عدد مدارس ففيه نحو 20 مدرسة كبيرة تشبه مدارس أصفهان من حيث العمارة وطلابها ذوو طبع جيد في الآداب والمعقولات وتخترق البلدة عدة أقنية جارية تحت الأرض وأقدم مدارسها (مدرسة البابين) أقيمت على عهد الشاه رخ الكوركاني سنة 843 وبعدها المدارس التي شيدت أيام الصفويين في القرن الحادي عشر وفي أكثر هذه المدارس كتابات كوفية ونسخية عربية الألفاظ هذا وقد أورد المؤلف في هذا الفصل أعمال المشهد وقراها وجبالها وغير ذلك بتفصيل عجيب.
حوادث المشهد التاريخية
هذا أكبر فصول الكتاب وفيه دوّنت أهم الحوادث التي طرأت على المشهد خلال تسعة قرون تنطوي في جملتها الأحداث الحربية والسياسية والعمرانية والطبيعية منذ عهد الدولة الغزنوية والدولة السلجوقية وغزوات قبائل الغز وغلب التاتار والمغول وتنازع القوم في تلك الديار ومهاجمات عشائر التركمان والاوزبك والأفشار ثم ظهور الصفويين ومناوشتهم ملوك تلك الأرجاء وقبائلها مدة طويلة ولهم فيها آثار خطيرة ثم حملة الأوزبك عليها سنة 951 وقتلهم أهلها قتلاً عاماً واسترداد الشاه عباس لها سنة 981 ثم انتزاء الذعار عليها بعد اختلال حال الصفويين سنة 1135 وتغلبهم واستردادها منهم ثم قيام نادر شاه وتغلبه عليها وعلى سائر البلاد وقد استولى عليها ابن أخيه علي قلي خان بعد قتل نادر سنة 1160 ثم محاصرات أمراء الأفغان لها ورد جنود الزندية لهم ثم استبداد بعض أوباشها فيها إلى أن قام القاجاريون في مستهل القرن الثالث عشر فامتلكوا هذه البلاد.
وفي خاتمة الكتاب أكثر من 200 ترجمة لرجال العلم والحديث والشعر والعرفان والخط من المشهديين أو المجاورين وغير ذلك.
محمد رضا الشبيبي
مشهد
ـ 3 ـ
وجود مدينة مشهد
يرجع وجود مدينة مشهد إلى جذور دينية تتعلق بمرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حيث كان هذا المرقد سبباً في توسعها وازدهارها.
في الأصل كان اسم مشهد (سناباد)، وسناباد هذه إحدى توابع القصبة أو المدينة الصغيرة المسماة بـ (نوقان) حتى عام 202هـ (أو 303 أو 304هـ) حيث دفن الإمام الرضا عليه السلام فيها في هذه السنة وتحول اسمها إلى مشهد، وحظيت باهتمام الناس خلال فترة غير طويلة.
ليس ثمة شك في أن ازدهار هذه المدينة ازداد في عهد الصفويين الذين اهتموا كثيراً في الترويج لمذهب التشيع، ولكن قبل وصول هذه السلالة إلى السلطة وحتى في القرون الأولى التي تلت وفاة الإمام الرضا عليه السلام كان الناس حتى الملوك السنة يهتمون بهذا المرقد وساهموا بترددهم ومجاورتهم وتعميرهم له وإنفاقهم عليه في أحيان أخرى في توسع المدينة وزيادة أهميتها وعدد سكانها.
يذكر بعض المؤرخين([619]) أن السلطان محمود الغزنوي وعلى رغم تعصبه على الشيعة، أمر عامله على نيسابور في عام 400هـ بتعمير (مشهد) إثر رؤيا رآها في المنام. وبعد هذا التاريخ بحوالي قرن ونصف أي في زمن السلطان سنجر ووزارة الخواجه نظام الملك قام عامل السلاجقة على مرو شرف الدين أبو طاهر القمي بتجديد بناء مشهد([620]).
وفي عام 809هـ قدم شاهرخ الكوركاني إلى مشهد فكرم سادات وخدام البقعة المباركة([621]). وبعد ذلك بفترة قامت زوجته كوهر شاد آغا ببناء مسجد جامع في جوار المزار المبارك سمي باسمها (مسجد كوهر شاد) وهو مشهور في مشهد، ثم بادر شاهرخ في غضون ذلك إلى تزيين الحرم الرضوي([622]).
وهكذا تضافرت العوامل الدينية والمعنوية وربما بعض العوامل الاخرى مثل كثرة الخيرات فيها وخصوبة أراضيها على توسع مشهد باستمرار بحيث وصفها ابن بطوطة الذي زارها في عام 734هـ بأنها مدينة كبيرة وكثيرة السكان. وذلك على الرغم من مجاورتها لمدينة طوس المشهورة والكبيرة التي وصفها ابن بطوطة أنها من أكبر مراكز خُراسان.
وبناءً على هذا، يبدو أن قول ياقوت الحموي (المتوفى عام 625) في معجم البلدان إن سناباد قرية من قُرى طوى وعدم ذكره لمشهد يبدو أن ذلك لم يكن يشتمل على نوع من الدقة، وأغلب الظن أنه اقتبس حديث من الكتب الجغرافية المصنفة في القرنين الثالث والرابع مثل المسالك والممالك تأليف الإصطخري وغيره.
ومن الطبيعي أننا لا يمكن أن نتغافل عن دول حملة تيمور على مدينة طوس وتدميره لها في أواخر القرن الثامن في إعمار مدينة مشهد وازدهارها.
مذهب أهالي مشهد إلى ما قبل الصفويين
كان المذهب الغالب على سكان إيران في العصور التي سبقت الصفويين هو المذهب السني، ولم تكن مشهد خارجة على هذا الوضع رغم وجود مرقد أحد أئمة الشيعة فيها.
من الطبيعي أن وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مشهد جذب إليها العديد من الشيعة إلاَّ أنهم كانوا يشكلون أقلية بالنسبة إلى الأغلبية السنية، وكانوا في بعض الأحيان يتعرضون لضغوط دينية من قبل الحُكام السنة.
وعلى الرغم من هذه المعاملة كان وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام في هذه المدينة حافزاً كبيراً لجذب الشيعة إليها فكانت مركزاً لتجمعاتهم.
ويقارن ابن بطوطة أهل طوس بأهل النجف وكربلاء والبحرين وقُم وغيرها ويقول هم من الشيعة الغلاة.
يظهر من ذلك أن مشهد كانت في الفترة التي سبقت الحكم الصفوي مركزاً لتجمع الشيعة.
الأوضاع العلمية في مدينة مشهد
قبل العهد الصفوي
لا يتوفر لدينا شرح وافٍ عن الأوضاع العلمية لهذه المدينة في فترة ما قبل العهد الصفوي. ولكنا نعرف أن عالماً كبيراً مثل الشيخ أبي علي الطبرسي (المتوفى عام 548هـ) الذي يعتبر من أكبر علماء الشيعة وصاحب تفسير كبير في عشرة مجلدات، كان ساكناً في هذه المدينة وأنهى فيها مراحل دراسته، وفي هذا قرينة على أن الأوضاع العلمية في هذه المدينة كانت تزدهر تزامناً مع ازدهار أوضاع المدينة وتطور عمرانها، بحيث كانت تخرج علماء وفضلاء مشاهير.
وخلال وصفه لحرم الإمام علي بن موسى عليه السلام يتحدث ابن بطوطة عن مدرسة ومسجد مجاورين لهذا الحرم الشريف، وبناءً على هذا فإن (مشهد) كانت تشتمل على مدرسة خلال زيارة ابن بطوطة لخُراسان في عام 734هـ ووجود المدرسة قرينة على وجود حوزة علمية في هذه المدينة.
ومن القرائن الأخرى التي تؤكد وجود حوزة علمية قبل القرن العاشر الهجري وجود مدرستين هما: مدرستا بربزاد ودودر، حيث بنيت الأولى تزامناً مع بناء مسجد كوهر شاد الجامع (في حدود عام 821هـ) بينما بنيت الثانية في عام 843هـ.
وينبغي هنا أن نتذكر أن المحيط العلمي في مشهد كان يخضع للمحيط الاجتماعي والديني السائد فيها آنذاك حيث كان المذهب السني هو الشائع فيها، ومن ثم كان أسلوب العلماء في تدريسهم للمسائل الفقهية والأصول وعلم الكلام والتفسير يختلف عن أسلوب علماء الشيعة في تدريسهم لهذه العلوم. ولعل في تفسير مجمع البيان، أي نقله لأقوال المفسرين السنة في ذيل أغلب الآيات خير شاهد على استيلاء الفكر السني على الحوزة العلمية في مشهد.
تأسيس الحوزة العلمية في مشهد
الحوزة العلمية منذ زمن الصفويين
حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري
ذكرنا آنفاً أن الاتجاهات الدينية للحكومات الصفوية ساهمت إلى حد بعيد في إعمار بعض المدن مثل مشهد، التي كان أصل وجودها وتكوينها مرتبطاً بعامل ديني شيعي وهو وجود مرقد ثامن أئمة الشيعة. بحيث يذكر صاحب كتاب زينة المجالس([623]) أن مشهد في غاية العمران والازدهار في زمن الملك طهماسب الأول أي في بدايات الحكومة الصفوية.
وعلى نفس مسار التطور والازدهار هذا، أخذت الحوزة العلمية فيها تزدهر بالتدريج حتى أضحت في عداد كبريات الحوزات الشيعة المعروفة في عالم التشيع.
في الحقيقة لا يمكننا تحديد بداية دقيقة لتأسيس الحوزة العلمية في مشهد، ولكن من خلال ملاحظة الفصل السابق حيث وردت الإشارة إلى هيمنة المذهب السني على المحيط العلمي في مشهد حتى ما قبل القرن العاشر الهجري، أقول يمكننا أن نعرف من ذلك أن بداية الحوزة كانت متزامنة مع ظهور الدولة الصفوية أي مع بداية القرن العاشر.
يبدو أنه مع وجود الاهتمام الكبير الذي حظيت به (مشهد) في القرن العاشر لموقعها الديني المتميّز، إلاَّ أن حوزتها العلمية لم تزدهر كثيراً ولم يشتغل في التدريس فيها علماء معروفون وربما كان ذلك سبباً في اقتصار مدارسها العلمية على مدرستين أو ثلاثة مدارس قديمة ولم تبنى فيها مدرسة جديدة.
من علماء مشهد المعروفين في ذلك القرن، الملا عبد الله الشوشتري (المتوفى عام 997هـ) الذي قتل في هرات بيد الأوزبك. والعالم الآخر هو مولانا محمد رستمداري (المتوفى في بداية القرن الحادي عشر الهجري) وقد وردت رسالته إلى علماء الإزبك بالتفصيل في مجالس المؤمنين ومطلع الشمس وهي دليل على مدى علمه وقدرته العلمية.
تغيّرت أوضاع الحوزة في القرن الحادي عشر حيث اشتغل بالتدريس فيها العديد من مشاهير العلماء والمدرسين وبنيت فيها عدة مدارس، وأخذ الطلاب يتجمعون فيها من كل حدب وصوب.
ويمكن أن نعتبر القرن الحادي عشر الهجري بداية أهمية وعظمة الحوزة العلمية في مشهد، خصوصاً في النصف الثاني من هذا القرن، حيث أصبحت حوزة مشهد من حيث كثرة العلماء والمدرسين في عداد حوزات الشيعة المهمة الأخرى، فراح الطلاب يقبلون عليها من المدن الأخرى، وانتقل إليها بعض مشاهير العلماء مثل مولانا محمد باقر المعروف بالمحقق السبزواري (مؤلف كتابي: الذخيرة والكفاية في الفقه) الذي كان يشغل في أصفهان مقام الرئاسة العلمية ويلقب بشيخ الإسلام وكانت هجرته إلى مشهد في أواخر القرن الحادي عشر، وبادر فيها إلى تجديد مدرسة (السميعية) القديمة التي عرفت بعد قدومه بالباقرية ولا تزال إلى الآن تحمل نفس هذا الاسم([624]) ـ وباشر بنفسه بالتدريس فيها، وتربية الطلاب.
يرجع تاريخ بناء أغلب المدارس المعروفة والمهمة في مشهد الى النصف الثاني من هذا القرن (القرن الحادي عشر)، حيث بنيت سبع من أشهر مدارس مشهد خلال فترة قصيرة بين عام 1057هـ وعام 1091هـ وفي نفس هذه الفترة جدد بناء ثلاث مدارس قديمة هي: بيريزاد ودودر وبالاسر (والمدارس السبعة هي: خيرات خان، عباس قليخان ميرزا جعفر، نواب، حاج حسن، فاضل خان وبائين با والمدرستان الأخيرتان تم هدمهما في شق الطرق المحاذية للحرم والتعميرات الداخلية للحرم في عام 1310هـ.
إذن فقد بلغت حوزة مشهد أوجها وذروتها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، ومن أشهر علماء مشهد في هذا القرن هو الملا محمد باقر المعروف بالمحقق السبزواري (المتوفى عام 1090هـ) والعالم الآخر هو الشيخ محمد الحر العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة) المعروف (توفي عام 1104هـ) وكلا هذين العالمين أتما دراستهما في مدن أخرى ثم أقاما في مشهد للاشتغال بالتدريس في مدارسها العلمية.
وليس لدينا اطلاع كامل ودقيق عن أوضاع الحوزة العلمية في مشهد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ولكن يبدو أن هذه الحوزة بعد ازدهارها السريع في القرن الحادي عشر وخصوصاً في النصف الثاني منه، لم تستطع أن تحافظ على مسيرتها التصاعدية وتكاملها واحتلالها مكانة مرموقة بين حوزات الشيعة المهمة، ولعل ظهور الحوزات العلمية في أصفهان بمدارسها المهمة وأساتذتها الكبار وشهرتها الواسعة في المجتمع الشيعي كانت السبب في هذا التوقف الذي اعترى حوزة مشهد.
وأغلب الظن أن حوزة مشهد كانت خلال هذين القرنين تمثل حوزة للمقدمات أي أن الطلاب بعد أن يتخطوا بعض المراحل العلمية يرحلون إلى أصفهان أو النجف الأشرف لإكمال دراستهم في حوزاتها.
يتحدث صاحب كتاب «تاريخ علماء خراسان» في معرض حديثه عن أحوال مولانا محمد صالح الترشيزي (المتوفى عام 1160هـ) والذي يصفه بأنه من علماء خراسان الكبار في عهده وله مكانة شامخة في المعقول والمنقول، عن هذا العالم يقول: «أتقن المبادئ في خراسان ثم رحل إلى أصفهان وأمضى فيها فترة طويلة في التلمذة على أيدي كبار الأساتذة وفي تحصيل الأخبار ودراية الآثار وسائر الفنون الأخرى …» ويتحدث بمثل هذه العبارات عن علماء آخرين من مشهد مثل الميرزا فضل الله الطبسي (المتوفى عام 1240هـ) ومولانا محمد جعفر الترشيزي (المتوفى عام 1244هـ) ومولانا محمد صالح التربتي (المتوفى عام 1246هـ) ومولانا محمد السبزواري (المتوفى عام 1248هـ) وعن عدد آخر.
وإذن فليس هناك شك في أن كبار علماء مشهد كانوا يدرسون مقدمات العلوم في مشهد ثم يرحلون إلى النجف الأشرف أو أصفهان لإكمال دراستهم في حوزاتها العلمية حتى إذا فرغوا من دراستهم عادوا إلى موطنهم الأصلي.
وحتى لو فرضنا أن المقصود بخراسان في العبارة السابقة لا يقتصر على مشهد وحوزتها، بمعنى أن كل شخص من الأشخاص المذكورين أتم دراسة المقدمات في الحوزة العلمية لمدينته، فإن ذلك يؤيد كون الحوزة العلمية في مشهد مقتصرة في ذلك الوقت على تدريس المقدمات، حيث إن وجود طلاب من مدن خراسان الصغيرة مثل ترشيز وطبس وتربت وسبزوار في أماكن قريبة من مشهد، ثم ذهابهم إلى الحوزات العلمية البعيدة مثل حوزة النجف وأصفهان لإكمال دراستهم فيها لدليل كبير على أن حوزة مشهد آنذاك كانت مقتصرة على تدريس المقدمات وليس لها شهرة ومكانة تلك الحوزتين.
ورد في كتاب «تاريخ علماء خراسان» ـ الذي يتضمن شرح أحوال العديد من علماء خراسان في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ـ الحديث عن العديد من الأشخاص الذين كانوا يسكنون في مدن صغيرة في خراسان وأتموا دراستهم في هذه المدن مثل تون (فردوس) وتشيز (كاشمر) وسبزوار دون أن يرحلوا إلى مشهد. وإذا ما عرفنا أن في ذلك الوقت كانت أكثر المدن تحتوي على حوزات تتناسب مع حجمها ووضعها وكان العديد من العلماء وكبار الفقهاء يعيشون في أكثر المدن، إذا عرفنا ذلك يتبين لنا أن الحوزة العلمية في مشهد لم تكن تحتل مكانة مرموقة تجعل من الهجرة إليها أمراً لا بد منه، وتمكنها من تخريج علماء بلاد خراسان.
أشهر علماء مشهد في القرن الثاني عشر هم: الشيخ حسين المدرس (إمام الجمعة المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الهجري) والشيخ محمد، مدرس الحضرة الرضوية، والسيد محمد السبزواري، (إمام الجمعة المتوفى عام 1198هـ).
ازداد عدد العلماء الكبار في القرن الثالث عشر، وفاق ما كان عليه في القرن الثاني عشر، ولكن ذلك لا يعتبر دليلاً على ازدهار الحوزة العلمية في مشهد خلال هذا القرن، لأن أغلب هؤلاء العلماء الكبار كانوا قد أنهوا دراساتهم العليا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف التي بلغت في ذلك الوقت أوج عظمتها وازدهارها أو في الحوزة العلمية في أصفهان، ولم يدرسوا في مشهد إلاّ مبادئ العلوم ومقدماتها. وحتى عندما عاد هؤلاء العلماء إلى بلادهم في مشهد، اشتغل أكثرهم في الأمور الشرعية وأداء الوظائف الاجتماعية بسبب توسع المدينة المضطرد وازدياد عدد سكانها، ولم يشتغل منهم بالتدريس إلاّ عدد محدود.
ويبدو لنا من وصف السائح الإنجليزي فريزر الذي كانت زيارته في أواسط القرن الثالث عشر الهجري بين عامي 1826م و1828م وصفه للحوزة العلمية في مشهد ووضع المدارس فيها([625])، أن هذه الحوزة لم تكن آنذاك في مكانة مرموقة، وعدد طلابها قليل بالنسبة إلى عدد العلماء فيها، حيث يذكر فريزر أن عدد الطلاب الذين كانوا يشغلون أربع عشرة مدرسة لم يكن يتجاوز الخمسمائة طالب، بينما يذكر مسيو كنولي الذي زار مشهد في نفس هذا الوقت تقريباً أن عدد العلماء فيها يقارب المائة شخص([626]).
أشهر علماء مشهد في أوائل القرن الثالث عشر هو الميرزا مهدي، المعروف في خراسان باسم الشهيد الثالث، حيث كان يحتل مكانة علمية مرموقة في جميع المدن الإيرانية ويعدّ من كبار علماء الشيعة، إضافة إلى مقامه الديني وزعامته ونفوذه في مشهد ذاتها.
درس في محضر كبار علماء النجف الأشرف حتى قطع شوطاً بعيداً في دراسته، ثم عاد إلى مشهد واشتغل فيها بأداء الوظائف الدينية وإمامة صلاة الجمعة ثم استشهد على يد نادر ميرزا الأفشاري في عام 1218هـ.
ومن العلماء المعروفين في هذا القرن:
الحاج الميرزا هدايت الله الشهيدي المتوفى عام 1248هـ، ومولانا محمد علي فديشه أي. والحاج الميرزا المعصوم الرضوي (المتوفى عام 1232هـ) السيد محمد القصير، صاحب العديد من الكتب الفقهية (المتوفى عام 1255هـ).
والحاج الميرزا حسن الرضوي (المتوفى عام 1278هـ). والحاج الميرزا عناية الله الأبرسجي (المتوفى عام 1281هـ). والميرزا نصر الله المدرس الشيرازي (المتوفى عام 1291هـ). والحاج الميرزا نصر الله التربتي (المتوفى عام 1298هـ).
وفي القرن الرابع عشر لم يختلف وضع الحوزة العلمية في مشهد كثيراً عما كان عليه في القرنين السابقين، وبقيت الأوضاع العلمية فيها على نفس المستوى.
زار محمد حسن خان صنيع الدولة مشهد في عام 1302هـ وخصص لها المجلد الثاني من كتاب مطلع الشمس، وهو يذكر في كتابه هذا وجود ثماني عشرة مدرسة ويعدد أسماءها إلاّ أنه لا أثر لبعض هذه المدارس في أيامنا هذه، ثم يضيف قائلاً: ليس هناك مدينة من مدن البلاد المحروسة ـ عدا أصفهان ـ تحتوي على مدارس بمثل بناء وازدهار مدارس مشهد.
ومن العلماء المعروفين في هذا القرن:
الشيخ محمد رحيم البروجردي صاحب كتاب جوامع الكلم في شرح قواعد العلامة (المتوفى عام 1309هـ).
والشيخ محمد تقي البجنوردي المعروف بزهده وتقواه (المتوفى عام 1314هـ).
الشيخ إسماعيل الكوهسرخي، الذي كان زعيماً مطلقاً للحوزة العلمية في حينه (المتوفى عام 1323هـ).
والشيخ حسن علي الطهراني (المتوفى عام 1325هـ) والذي كان أحد تلامذة الميرزا الشيرازي الكبير.
الوضع العلمي للحوزة من القرن الحادي عشر
حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري
تظهر القرائن الموجودة أن الحوزة العلمية في مشهد لم تكن تتميز بتدريس فرع خاص من فروع العلوم الإسلامية، وإنما كانت تدرس جميع فروع الفقه والحكمة والأدب بصورة متساوية تقريباً سواء في القرن الحادي عشر، حينما كانت في ذروة ازدهارها أو في القرون التالية. حيث كان أكثر علماء مشهد الكبار يدرسون الحكمة والأدب وحتى الرياضيات في بعض الأحيان ويدرسون الكتب الدراسية الموضوعة لهذه المواضيع إضافة إلى دراستهم الفقه، وكان الطلاب يدرسون العلوم العقلية والنقلية بصورة متوازية تقريباً([627]).
وينبغي أن نعرف أن المادة الأساسية التي كانت تدرس في الحوزة العلمية في مشهد هي مادة الفقه، مثلها في ذلك مثل سائر الحوزات العلمية الأخرى، حيث كان يتركز أغلب اهتمام الأساتذة والطلاب على هذه المادة، ولذلك نرى في كتاب «تاريخ علماء خراسان» أسماء بعض الأشخاص ممن لم يكن لهم اطلاع في فروع العلوم الأخرى أو على الأقل لم يكونوا معروفين في هذه الفروع.
ولكن أغلب الظن أن هذه الحوزة خرجت على القاعدة المألوفة، وذلك في أوائل القرن الرابع عشر الهجري وأواخر القرن الثالث عشر، حيث اهتمت بالأدب والعلوم العقلية أكثر من الفقه والعلوم النقلية كما سنرى فيما بعد وجود أساتذة من كبار الأدباء وعدد من أساتذة الحكمة يشتغلون بالتدريس في هذه الحوزة، ومن الطبيعي أن وجودهم يستلزم نصف قرن من وجود هذه العلوم في الحوزة العلمية في مشهد.
وقد زار كاتب مطلع الشمس مشهد في عام 1302هـ وشاهد أوضاع حوزتها عن كثب، فكتب عن هذا الأمر قائلاً: «يغلب على طلابها ذوق العلوم المعقولة والأدب»([628]).
الحوزة العلمية في مشهد
خلال الفترة السابقة
ذكرنا آنفاً أن الوضع العام والمستوى العلمي للحوزة العلمية في مشهد لم يشهدا تغيراً ملحوظاً في السنين الأولى من القرن الرابع عشر الهجري عما كان عليه الحال في القرون الماضية ولكن مع تعاقب السنين أخذت أوضاع الحوزة تخطو نحو الازدهار وتزداد أهميتها بالتدريج، بحيث أصبحت هذه الحوزة في أواخر النصف الأول من هذا القرن في عداد الحوزات المهمة المتكاملة.
وإذا أمعنا النظر في هذا التحول، نرى أن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتباطئ عجلة الحوزة العلمية المعروفة في أصفهان وأفول مركز العلوم الإسلامية فيها، الذي بدأ يخبو وهجه يوماً بعد آخر بعد زوال العهد الصفوي، كما كان الارتباط وثيقاً بين ازدهار هذه الحوزة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وضعف الحوزة العلمية في مشهد في نفس الفترة.
وكما أسلفنا سابقاً، فإن الحوزة العلمية في مشهد أضحت في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر، حوزة متكاملة، حيث كان طلاب العلوم الدينية يهاجرون إليها من مدن أخرى، وكانت أغلب مدارسها عامرة ومليئة بالطلاب، وينقل البعض أن عدد طلابها بلغوا ألفي طالب وكان فيها العديد من كبار الأساتذة، وخصص لكل فرع من فروع الآداب والفقه والأصول والحكمة حوزات دراسية كبرى وبعبارة موجزة، خرجت هذه الحوزة من حالة الركود وبدأت تخطو نحو التكامل.
في الحقيقة أنّ حوزة مشهد لم تصل في الفقه والأصول إلى مستوى حوزة النجف، فقد كان طلابها يهاجرون إلى النجف الأشرف لإكمال دراسة الفقه في حوزاتها وإرواء غليلهم في حلقات كبار أساتذتها. ولذلك فإن حوزة مشهد ظلت خاضعة لنفوذ حوزة النجف، وعندما أسست الحوزة العلمية الكبرى في قم عام 1340هـ أخضعت حوزة مشهد لنفوذها، ولكن ثمة شك في أن حوزة مشهد ظلت تحتل المرتبة الأولى في الآداب والعلوم المعقولة بين سائر الحوزات الشيعية الأخرى، ولم يكن هناك أحد ينافس أساتذة هذين الاختصاصين في حوزة مشهد في مجال تخصصهم.
كان كرسي الأدب هذه الفترة مخصصاً للشيخ عبد الجواد الأديب النيسابوري (المتوفى عام 1344هـ) وهو شاعر حر كريم، أعطى دروساً مهمة في مدرسة نواب، ودرس الكتب الأدبية لتلامذته، بأسلوب رائع، وتخرج على يده العديد منهم، ويوجد الآن بعض هؤلاء التلاميذ ممن يفتخرون بدراستهم على يده. وحوزة مشهد العلمية مُدِّينة لهذا الأستاذ الكبير في شهرتها وتفوّقها في فرع الأدب، ولا يزال هذا التفوق وهذه الشهرة محفوظين إلى الآن.
ومن أساتذة هذه الحوزة المعروفين بتدريس الحكمة والفلسفة، ثلاثة أشخاص بارزون هم:
أولاً: ملا محمد المعروف بالحاج الفاضل وهو من طلاب الميرزا الشيرازي وكان معروفاً في الفقه والفلسفة، ويشغل زعامة الحوزة العلمية في مشهد، وقضاءها الشرعي، وقد كان يدرس كتب الفلسفة المتداولة، بالإضافة إلى تدريس الفقه والأصول، وكانت وفاته في عام 1342هـ.
ثانياً: الميرزا العسكري الشهيدي المعروف بآقا بزرك وهو فيلسوف معروف وأستاذ فطحل للفلسفة في مشهد، حيث أمضى ثلاثاً وعشرين سنة في تدريس الحكمة في حوزة مشهد، وكان أكثر طلاب الفلسفة يحضرون درسه، وقد توفي في عام 1355هـ.
ثالثاً: الشيخ أسد الله اليزدي وهو حكيم كبير، لم يتزوج طوال حياته، وكان يتخذ من المدرسة مسكناً له، ويربي الطلاب في محضر درسه، وقد توفي في عام 1342هـ.
إثر وجود هؤلاء الأساتذة الثلاثة الكبار، أصبحت الحوزة العلمية في مشهد، مهداً للحكمة الإلهية ومركزاً لتدريس الفلسفة، واحتلت بذلك مركزاً مرموقاً بين الحوزات العلمية الشيعية المعروفة.
ولكن كما ذكرنا فإن المنزلة الفقهية في حوزة مشهد كانت أقل منها في حوزة النجف، ولذلك كان العديد من الطلاب المتعطشين لطي مراحل علمية عليا يرحلون إلى حوزة النجف التي كانت مركزاً لاجتماع العلماء والأساطين. ولذلك اكتفى بعض كبار أساتذة حوزة مشهد بتدريس دروس السطوح رغم تخطيهم لمراحل علمية عالية، فمثلاً كان السيد علي السيستاني (المتوفى عام 1340هـ) وهو من كبار علماء مشهد يدرس السطوح العالية وكان السيد عباس الشاهرودي (المتوفى عام 1341هـ) المعروف بإتقانه الكتب الفلسفية ومباني الحكمة، يدرس شرح اللمعة، وحتى الحاج فاضل المذكور كان يدرس بعض دروس السطوح رغم تصدره للزعامة العلمية والاجتماعية.
لعل دخول دروس البحث الخارج بالمعنى المتعارف عليه الحوزات الشيعية المعروفة إلى الحوزة العلمية في مشهد، كان لأول مرة في حدود عام 1335هـ، حيث باشر بإعطاء البحث الخارج اثنان من الأساتذة الكبار اللذين أنهيا دراستهما في حوزة النجف وحضرا دروس أشهر الأساتذة المعروفين فيها آنذاك وهما:
1 ـ السيد حسين القمي الذي قدم إلى خراسان في عام 1331هـ، واستقر في مشهد ليشتغل فيها بتدريس الفقه والأصول، وكان يعدّ من كبار زعماء وأساتذة الحوزة العلمية في مشهد حتى عام 1354هـ، حين أبعدته الحكومة المركزية إلى العراق. ثم أصبح مرجعاً عاماً للتقليد بعد بضع سنوات من رحيله إلى العراق، وكانت وفاته في عام 1366هـ.
2 ـ الحاج الميرزا محمد الكفائي الخراساني المعروف بآقازاده (وهو ابن الملا محمد كاظم الخراساني المتوفى عام 1329هـ)، وقد كان له دروس مهمة في حوزة مشهد تخرّج منها العديد من الفضلاء، وكان يعدّ من كبار زعماء وعلماء هذه الحوزة حتى أبعدته الحكومة المركزية إلى يزد في عام 1354، وكانت وفاته في عام 1356هـ.
ويأتي بعد هذين العالمين، مدرس البحث الخارج المعروف في حوزة مشهد وهو الشيخ مرتضى الآشتياني (المتوفى عام 1365هـ) وهو من علماء الطراز الأول في هذه الحوزة.
ومن أشهر أساتذة السطوح في تلك الفترة: الشيح حسن البرسي (المتوفى عام 1353هـ) والشيخ حسن الكاشي، والشيخ حسن بايين الخياباني (المتوفى عام 1366).
وفي حدود عام 1340هـ قدم إلى مشهد أحد الطلاب المتميزين للميرزا النائيني (المتوفى عام 1355) فباشر في بداية الأمر بتدريس السطوح العالية ثم اشتغل في تدريس البحث الخارج في الفقه والأصول، ولما كان متمكناً من أصول الميرزا النائيني التي كانت جديدة آنذاك فقد لفت انتباه فضلاء وطلاب مشهد. ثم أقام بعد فترة درساً آخر بعنوان درس المعارف الذي كان في حقيقته درساً في علم الكلام والرد على البحوث والمسائل الفلسفية والعرفانية، وبذلك أصبح مؤسس خط علمي مضاد للفلسفة والعرفان في مشهد، وفي غضون عشرين سنة تخرّج على يديه عدد من الطلاب، الذين لا يزال بعضهم إلى الآن يروج لهذه الأفكار ويطرحها في دروسه.
وإثر إشاعة هذه الأفكار، انقرض تدريس الفلسفة في حوزة مشهد، وحلت أفكاره الخليطة من الكلام والعرفان التي تعتمد على ظواهر الاحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام محل الأفكار الفلسفية والعرفانية في الحوزة العلمية في مشهد.
زمن الفترة والركود
في الحوزة العلمية في مشهد
بين عامي (1935م و1941م)
تعرضت الحوزة العلمية في مشهد أسوة بالحوزات العلمية الأخرى في سائر البلاد وفي بعض الأحيان أكثر منها جميعاً لهجمات السلطة الحاكمة، إثر المواجهات التي نشبت بين علماء مشهد من جهة والحكومة المركزية من جهة أخرى وظهور تطورات خطيرة أثرها في عام 1354هـ انتهت بنفي شخصين من كبار علماء مشهد، كانا يتصدران لإدارة الحوزة العلمية فيها وهما السيد حسين القمي والميرزا محمد آقازاده الكفائي، وألقي القبض على عدد من علماء هذه المدينة المعروفين وألقي بهم في غياهب السجون.
إثر هذه الأحداث وكذلك المعاملة القاسية التي تعامل بها الدولة رجال الدين، انتابت الحوزة العلمية في مشهد حالة من الركود والفتور، ثم عطلت تماماً بعد الحادثة الدموية في مسجد كوهر شاد في عام 1935م.
وأمّا مدارس مشهد الكبرى المعروفة آنذاك مثل: مدرسة نواب، ومدرسة الميرزا جعفر والمدرسة الباقرية فقد وقعت تحت سيطرة الإدارات الحكومية مثل المعارف والأوقاف لم يستثنَ من هذا الوضع إلاّ مدرسة سليمان خان، التي بقيت مدرسة دينية بصورة رسمية ويسكن فيها عدد من الطلاب.
لجأ بعض الأساتذة المعروفين إلى إقامة دروس محدودة في منازلهم، واضطر الطلاب والمدرسون وعموم العلماء ـ إلاّ القليل منهم ـ إلى خلع الزي الديني وارتداء الزي الموحد.
وخلاصة الأمر أنه لم يبق في مشهد بين أعوام 1935م و1941م أثر للحوزة ومدارسها ولا للعادات والأزياء الدينية.
وعندما حدثت تغييرات رئيسية في الجهاز الحاكم في عام 1360 هجرية (1941م) ارتفع الضغط عن المظاهر الدينية وعن رجال الدين، فتصدر الحوزة في هذه المدينة المقدسة شخصان من كبار العلماء هما الشيخ مرتضى الآشتياني والآقا ميرزا مهدي الأصفهاني، وباشرا بإعادة المؤسسات الروحانية فيها، واجتذبت دروسهما في الفقه والأصول عدداً كبيراً من الطلاب، فأخذت هذه الحوزة تزدهر بزعامتها مرة ثانية.
إلاّ أن هذين العالمين البارزين فارقا الحياة في عام 1365 هجري، ففقدت الحوزة العلمية في مشهد بوفاتهما آخر مدرسيها الكبار، مما تسبب في جمود درس الخارج في هذه الحوزة مرة أخرى.
من الطبيعي أنه كانت هناك بعض دروس الخارج، ولكن أساتذتها لم يكونوا على مستوى عالٍ من الكفاءة العلمية، ومن ثم لم تكن دروسهم كفيلة بإرضاء حاجات طلاب حوزة بمستوى حوزة مشهد، ولذلك بعد الازدهار النسبي الذي وصلت إلي في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري اعتراها نوع من الركود مرة أخرى في أوائل النصف الثاني من نفس هذا القرن، فاضطر العديد من طلاب العلم للهجرة إلى قم والنجف.
واستمرت دروس السطح خلال هذه الفترة في حوزة مشهد وأهم هذه الدروس قاطبة ما كان يلقيه الشيخ هاشم المدرس القزويني (المتوفى عام 1381هـ) حيث كان يلقي السطوح العالية وهي الرسائل، والمكاسب والكفاية في مدرسة نواب ولم يكن له ند في حلقات درسه.
لم تستمر فترة الركود طويلاً، فقد قدم إلى مشهد بعد بضع سنين منها، في عام 1373هـ السيد محمد هادي الميلاني، الذي كان مقيماً في كربلاء آنذاك، فطلب إليه جماعة من علماء الدين أن يقيم في مشهد فنزل عند رغبتهم، وباشر بالتدريس فيها، فأخذت حوزة مشهد منذ ذلك الوقت تستعيد بعض نشاطها، حتى أضحت في عداد حوزات الشيعة المعروفة.
الموقع الجغرافي للحوزة العلمية في مشهد
سبب استقرار الحوزة العلمية في مشهد
ليس بإمكاننا أن نجد سبباً خاصاً لظهور هذه الحوزة في مشهد، يختلف عن الأسباب التي تتسبب عادةً في إيجاد الحوزات العلمية الأخرى.
ففي العصور السابقة كان التنقل بين الأقطار والبلدان أمراً صعباً، ولم يكن الذهاب إلى المدن الكبرى والحضور في مجامعها العلمية أمراً متيسراً لكل من أراد، ومن جانب آخر كان النظام التدريسي واحداً في جميع الحوزات، ولذلك أقيمت في أغلب المدن والقرى، مدارس تتناسب مع عدد السكان وطبيعة إقبالهم، لتدريس العلوم والفنون المختلفة مثل الفقه والحديث والتفسير والطب والهيئة والفلسفة والأدب والرياضيات وغيرها من الفروع العلمية الأخرى، وكان أساتذة هذه المدارس يربون تلاميذهم قدر استطاعتهم.
ومن الطبيعي أن بعض المدن كانت تتميز بمواقع سياسية أو اجتماعية أو دينية أو تتوافر فيها أسباب أخرى تبعث على تجمع عدد أكبر من الأساتذة فيها، مما يضفي على حوزتها نشاطاً وحيوية أكبر من غيرها. ولذلك نرى آثار الحوزات في جميع المدن القديمة أو في أكثرها، ومن الطبيعي أن وجود الحوزة العلمية في مشهد يرجع إلى نفس هذه الأسباب.
وكما أشرنا آنفاً، فإن وجود وازدهار هذه المدينة يتعلق بصورة مباشرة بوجود مرقد الإمام علي بن موسى عليه السلام بين جنباتها. ويمكننا القول دون تردد إن ازدهار حوزة هذه المدينة وتوسعها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر يرجعان إلى نفس هذا العامل الديني.
ولهذا السبب نرى أن هذه الحوزة كانت متأرجحة في مسيرتها ومتذبذبة بين نشاط وركود؛ فقد كان المذهب السني هو الشائع آنذاك ويحظى بدعم السلطات وتأييدها، ورغم كون الشيعة يشكلون الأغلبية في طوس وفي مشهد على وجه الخصوص إلاّ أن هذه الأكثرية كانت مضطهدة، ومن الطبيعي حينئذٍ أن لا يكون لمشهد دورها الديني الذي أصبحت تتميز به في العصر الصفوي، ومن الطبيعي أيضاً أن لا تتأثر حوزتها العلمية كثيراً بهذا الطابع الديني، ولذلك لا نجد لحوزة مشهد قبل العصر الصفوي، أثراً إلا في مدارس ثلاث هي: دودر وبزيزاد وبالاسر، والمدرستان الأوليان تم بناؤهما في فترتين متقاربتين (بين عام 821 و843هـ) بينما تأخر عنهما بناء الثالثة.
إلاّ أن هذا الوضع تغير بعد وصول الصفويين للسلطة واعتبارهم المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد، ثم اهتمامهم بالمراقد والعتبات المقدسة لا سيما مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وكثرة زيارتهم لمشهد، مما كان له أبلغ الأثر في تطور وازدهار حوزتها، فأصبحت تجتذب إليها الطلاب من كافة المدن والنواحي الأخرى فضلاً عن اجتذابها لعدد من كبار العلماء من مدن أخرى، مثل: الشيخ الحر العاملي (المتوفى عام 1104هـ) والملا محمد باقر السبزواري (المتوفى عام 1090هـ)، فتمخض هذا الوضع عن ظهور حوزة علمية متكاملة تنافس حوزات الشيعة الأخرى ذات الطراز الأول.
والغرض أن وجود الحوزة العلمية في مشهد لم يكن معتمداً في الأساس على عامل خاص، وإنما شأنه في ذلك شأن الحوزات العلمية في سائر المدن الأخرى، وهو حاجة الناس إلى طلب العلم، إلاّ أن ازدهار هذه الحوزة في القرون الأخيرة يرجع ودون ريب إلى العامل الديني، وهو وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فيها.
والجدير بالدراسة والتحليل هنا، هو أن هذه الحوزة لم تبلغ درجة الحوزات الشيعية ذات الطراز الأول في جميع مراحلها التي تبتدئ في بداية العصر الصفوي وحتى في أوج ازدهارها وتطورها، أي في القرن الحادي عشر والنصف الأول من القرن الثاني عشر، ولم يتسن لها أن تضاهي حوزة النجف طوال قرونها السابقة ولا حوزة أصفهان في القرن العاشر والحادي عشر ولا حوزة قم في السنين الأربعين ونيف الاخيرة، ولذلك نرى أن هناك عدداً كبيراً من أساتذة وعلماء مشهد كانوا قد تخرجوا من الحوزات الكبرى في المدن الأخرى مثل الحوزة العلمية في أصفهان والحوزة العلمية في النجف الأشرف([629]).
نعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك يتكون من شقين؛ الشق الأول هو إقامة حكومات إيران آنذاك للمحافل العلمية وسائر وسائل التحضر والتطور الأخرى بالقرب من مراكز حكمهم، وفي الحقيقة فقد كان ذلك يعدّ من مظاهر القوة ومستلزمات الحكم، حيث كان الحكام الأقوياء يهتمون بجمع العلماء من حولهم اهتمامهم بفتح المدن والبلدان، لأنهم يرون في ذلك قوة معنوية لحكوماتهم، وربما نشب صراع بين ملكين حول عالم أو حكيم أو أديب، لا يقل شأناً وخطراً عن الصراعات السياسية والعسكرية.
وهكذا كانت مراكز العلم والأدب غالباً ما تتشكل في عواصم الملوك والحكام المحبين للعلم، وفي زمن الحكومات الصفوية، التي تمثل البداية الحقيقية للحوزة العلمية في مشهد، كان بُعد هذه المدينة عن مركز الحكم بمسافات شاسعة يشكل حائلاً دون إقبال الفضلاء والعلماء عليها ودون تشكيل حوزات على مستوى كبير من الأهمية، إلاّ أن الملوك الصفويين أخذوا يهتمون بالتدريج بهذه المدينة ويقيمون فيها العديد من المدارس، فبدأت حوزتها العلمية تزدهر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، حتى أصبحت في عداد الحوزات الشيعية المعروفة. ولكنها على الرغم من ذلك لم تستطع أن تصل إلى مستوى الحوزة العلمية في أصفهان التي كانت محطاً للعلماء والأساتذة والفضلاء، وقبلة لآمال الطلاب والمدرسين بسبب مركزيتها السياسية في بداية القرن الحادي عشر ولم تستطع حوزة مشهد أن ترتقي كثيراً في الفترة الأخيرة (أواسط وأواخر القرن الرابع عشر الهجري) بسبب عدم اهتمام الحكومات بالحوزات العلمية كما كان سابقاً في زمن الحكومات الماضية، بالإضافة إلى ظهور الحوزة العلمية في قم بمميزاتها الخاصة مثل التاريخ العلمي والديني لها الذي يرجع إلى القرون الأولى للإسلام وكونها مركزاً للمحدثين الشيعة وهجرة الشيخ عبد الكريم الحائري ثم السيد حسين البروجردي إليها ثم ارتباطها الوثيق بالمركز.
والشق الآخر الذي لم يسمح بتشكيل حوزة علمية من الطراز الأول في مشهد خلال العهد الصفوي وحتى آخر هذا العهد، هو عدم توفر الأمن اللازم فيها بسبب مجاورتها لقبائل الأوزبك والأفغان.
والشواهد التاريخية، تشير إلى كون حملات الأوزبك تستهدف غايات دينية ومذهبية بالإضافة إلى غاياتها الأصلية وهي أعمال السلب والنهب. حيث استمر هؤلاء الأوزبك لفترات طويلة بعد تأسيس الحكومة الصفوية وبسبب من تعصبهم الشديد ضد الشيعة بالقيام بحملاتهم المتكررة على مشهد وتعريض أهلها وأعراضهم وأموالهم للإغارة والسلب والانتهاك.
بدأ صاحب كتاب زينة المجالس([630]) تأليف كتابه هذا في عام 1004هـ أي في أوائل سلطنة الملك عباس الكبير وفي عصر تطور وازدهار الحكومة الصفوية، وهو يذكر (الخاقان المغفور) أي الملك طهماسب الأول وازدهار مشهد في عصره ثم يقول: «ولكنها الآن أصبحت خراباً بعد أن استولى عليها الأوزبك …» ([631]).
ومن الطبيعي أن إقامة الحوزات العلمية في مدينة هي عرضة لتهديدات الأعداء وأهلها يعيشون الخوف باستمرار من هجمات المغيرين، ستكون أمراً صعباً وغير معقول.
وبالإضافة إلى هذين السببين، ثمة سبب آخر كان يحول دون تجمع الطلاب في الحوزة العلمية في مشهد، وهو وجود حوزات علمية في المدن المجاورة لمشهد، مثل: سبزوار ونيسابور وكاشمر وتون (فردوس) وطبس وغيرها.
آثار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
والحوزة العلمية في مشهد
التأثير في مظهر المدينة
بعد أن كان وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مشهد سبباً في إعمارها وتوسعها، أصبح هذا المرقد مركزاً للمدينة وانتشرت المحلات والأبنية والأسواق في أطرافه. وظل هذا المرقد يشكل مركز المدينة حتى قبل أربعين سنة، حيث كان في أطرافه شارعان رئيسيان هما الشارع الغربي للمرقد والشارع الشرقي له، وفي أطرافه أيضاً أسواق مسقوفة ومراكز عامة من المساجد والمدارس الدينية والفنادق الكبيرة والمحلات القديمة مثل محلة نوقان ومحلة عيدكاه ومحلة جهارباغ ومحلة سرشور.
وفي عام 1310هـ استحدث شارع دائري يحيط بمؤسسات الروضة المقدسة ومقدار من الأبنية المجاورة لها وعدد من الأسواق واستحدث إلى جانب ذلك العديد من الشوارع الأخرى في أطرافها، بحيث اكتسب مركز المدينة وأصلها شكلاً جديداً، وهدمت الأزقة القديمة المجاورة.
ثم أخذت مشهد تخطو نحو التوسع والعمران بخطوات واسعة نسبة إلى أكثر المدن الإيرانية الأخرى بسبب تردد الزوار عليها، فأصبح الموقع الجغرافي للحضرة الرضوية مختلفاً عما كان عليه في السابق، حيث أصبحت مؤسسات هذه الروضة وهي الحرم والصحنان ومسجد كوهر شاد تقع في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة.
وفي العشرين سنة الأخيرة توسعت مشهد بسرعة كبيرة، بحيث أصبحت أكبر من حجمها السابق لهذه الفترة بعدة مرات، حتى بدأت تتقسم بالتدريج إلى منطقتين: المنطقة القديمة والمنطقة الجديدة. والمنطقة الأخيرة تتكون من الأجزاء الشمالية والغربية والجنوب غربية وهي محلات: عشرت آباد، سعد آباد، أحمد آباد، كوهنسكي وغيرها، وكل واحدة من هذه المحلات تحتوي على عدة شوارع إضافة إلى الشوارع الأخرى التي تتصل بها، ولا يبدو الوضع الديني للمدينة واضحاً في هذه المناطق وهي تعتمد في أبنيتها أسلوباً حديثاً اعتيادياً.
وأمّا في الجزء القديم من المدينة فأبرز شيء فيه هو تأثير مرقد الإمام الرضا عليه السلام في شق الشوارع، حيث توجد هناك أربعة شوارع من أكبر شوارع المدينة وأكثرها ازدحاماً بالسكان وهي: الشارع العلوي (شارع نادري) والشارع السفلي (شارع صفوي) وشارع طهران وشارع الطبرسي، وهذه الشوارع الأربعة تربط مختلف نقاط ومناطق المدينة بمرقد الإمام الرضا، وبديهي أن وجود هذه الشوارع يرتبط ارتباطاً مباشراً بمرقد الإمام الرضا عليه السلام.
ويبدو الطابع الديني للمدينة مؤثراً في كيفية بناء هذا الجزء وطبيعة أبنيته السكنية، حيث تكون منازل المحلات المجاورة للمرقد الشريف وخصوصاً في المحلات الشرقية والشمال شرقية والجنوب شرقية ذات جدران عالية وسواتر كاملة ولا يشاهد فيها الطراز الحديث للبناء.
المؤسسات التابعة
مكتبات الحوزة العلمية في مشهد
تشكل مكتبات الحوزة العلمية في مشهد أهم مؤسسات هذه الحوزة، ولكن هذه المكتبات ليست غنية بالكتب وليست متكاملة بسبب الظروف غير المساعدة والأحداث التي وقعت قبل شهيرور([632]) من عام 1320هـ.
وفي الوقت الحاضر تحتوي أغلب مدارس الحوزة العلمية في مشهد على مكتبات خاصة بها، مما يبعث على الظن أن مؤسسي هذه المدارس كانوا يبنون تزامناً مع بنائهم المدارس مكتبات ينتفع بها الطلاب أو عموم الناس. إلاّ أن هذه المكتبات أخذت تضمحل بالتدريج في الفترات التالية إثر عدم اهتمام المشرفين عليها وكذلك عدم إقبال عموم الإيرانيين على الكتب والمكتبات فأصبحت كتبها عرضة للنمل ولأشباه النمل من الناس.
ازداد وضع الحوزات بعد عام 1314هـ سوءاً إثر الأحداث الاجتماعية الخطيرة التي جرت آنذاك، واقتربت من الاضمحلال نهائياً، وأصبحت مدارسها تابعة للمؤسسات الحكومية مثل الأوقاف والثقافة، وتبعاً لذلك أصبحت مكتبات هذه المدارس في وضع مزر جداً، فقد نقلت بعض هذه المكتبات من مدارسها إلى مدارس أخرى ومكتبات ترتبط بمؤسسة الثقافة، ففقد الكثير من الكتب القيمة خلال عمليات النقل.
ثم أعيدت مدارس الحوزة العلمية في مشهد إلى طلابها بعد شهريور من عام 1320هـ واستأنفت الحوزة نشاطها من جديد إلاّ أن عملاً جدياً لم يتخذ في سبيل إرجاع المكتبات إليها، وكان في العمل الدؤوب لإعادة تشكيل الحوزة شاغل لزعماء الحوزة والمشرفين عليها عن متابعة أمور المكتبات أو التفكير فيها، ولكن هذا الانشغال لم يدم طويلاً، فبعد أن بدأت الحوزة تخطو نحو الأمام بالتدريج، سعى بعض المتصدين لها في إعادة المكتبات المنقولة إلى مواضعها، وبذلك تكونت بعض المكتبات في هذه المدارس.
ومع هذه الجهود بقيت بعض الكتب في المؤسسات التابعة لإدارة الثقافة، وطبعاً لم تعد الكتب المفقودة إلى المكتبات التي أخذت منها.
وإثر الجهود التي بذلها بعض الأشخاص ممن يعرفون قدر الكتاب والمكتبات في سبيل توسيع مكتبات مدارس مشهد، أصبحت أكثر هذه المدارس تمتلك مكتبات لا بأس بها وبعضها في مستوى جيد ونأمل أن توسع هذه المكتبات ويهتم بها أكثر في المستقبل.
أهم مكتبات الحوزة العلمية في مشهد
1 ـ مكتبة مدرسة نواب
مؤسس هذه المكتبة هو باني مدرسة نواب الميرزا أبو صالح نقيب الرضوي، حيث أسسها بعد بنائه للمدرسة عام 1086 واشترى لها أعداداً كبيرة من الكتب، وبعد وفاته استمر وقف الكتب لهذه المكتبة، ومن بينها نسخ خطية نفيسة.
وعندما هدمت مدرسة فاضل خان المعروفة إثر شق الطرق المحيطة بالمرقد الرضوي في عام 1310هـ نقلت مكتبتها وهي من أفخر المكتبات في مشهد إلى مكتبة مدرسة نواب فازدادت أهميتها.
وفي عام 1312هـ أصبحت مدرسة نواب ثانوية للدراسات المعقولة والمنقولة وأخضعت لوزارة المعارف والأوقاف، وعندئذٍ أهدى الناشرون ومؤسسات الطبع والنشر أعداداً كبيرة من مختلف الكتب إلى مكتبتها.
وحين حُلَّت كلية المعقول والمنقول التي كانت تتخذ من مدرسة الميرزا جعفر مقراً لها نقلت كتبها ومعها كتب مدارس مشهد الأخرى إليها، وفي بعض الفترات وضعت كتب مكتبة مؤسسة الثقافة تحت اختيار هذه المكتبة، فأضحت مكتبة نواب مكتبة مهمة وحاوية لكتب عديدة ومتنوعة. إلاّ أن هذا الوضع لم يدم طويلاً، حيث أعيدت الكتب التي أتى بها من أماكن أخرى إلى أماكنها ولم يترك منها إلا كتب مكتبة فاضل خان.
تركت هذه المكتبة في فترة الركود التي انتابت الحوزة العلمية في مشهد (بين عامي 1314هـ وعام 1320هـ)، وفقد العديد من كتبها على يد مختلف الأشخاص والمؤسسات، إلاّ أنها استعادت مكانتها وازدهارها، إثر سعي واهتمام المشرفين عليها، بعد أن استأنفت حوزة مشهد نشاطها، وجرى تصليح كتبها القديمة والمتآكلة، ووضع فهرست لكتبها في مجلدين، ويزداد حجم هذا الفهرست يوماً بعد آخر.
تُعدّ هذه المكتبة في الوقت الراهن أهم المكتبات في مدارس الحوزة العلمية في مشهد، فهي بالإضافة إلى احتوائها على عدد من الكتب يفوق ما هو موجود في المكتبات الأخرى، تحتوي أيضاً على عدد من الكتب الخطية النفيسة، التي لم يطبع بعضها إلى الآن، ويحتوي بعضها على خط كبار علماء الشيعة.
وإلى ذلك كله فهي تتميز بتنوع كتبها، فترى كتب الفلسفة والطب والأدب إلى جانب كتب الفقه والأحاديث ومجموعها 3626 كتاباً بينها 813 نسخة خطية و1992 كتاباً مطبوعاً والباقي من المجلات والنشرات المختلفة.
ودخول هذه المكتبة مباح للجميع، ويستطيع طلاب مدرسة نواب استعارة الكتب منها.
2 ـ مكتبة مدرسة ميرزا جعفر
كانت هذه المكتبة تحتوي على كتب قيمة في السابق، وقد نقلت إليها كتب مكتبة مدرسة فاضل خان بعد تخريبها وقبل نقل كتبها إلى مدرسة نواب، إلاّ أن بعضاً من كتبها تعرض للتلف إثر إهمال المشرفين عليها ونقل بعضها إلى مكتبة الحضرة الرضوية ومكتبة مدرسة النواب.
نقلت إليها أعداد من الكتب في عام 1330 وجعلت وقفاً لمكتبتها، وأُعيد إليها ما نقل منها إلى مدرسىة نواب، وأصبحت هذه المكتبة تحتوي على 3000 كتاب منها ثلاثمائة كتاب خطي والبقية من الكتب المطبوعة والمجلات.
والمطالعة والاستعارة مسموح بهما للجميع.
3 ـ مكتبة مدرسة خيرات خان
لا يعرف على وجه الدقة تاريخ تأسيس هذه المكتبة، ولكن البعض يعتقد أنه عام 1277هـ.
في عام 1303هـ وقف لها نصرت الملك علي مراد خان التيموري مائتي كتاب بين خطي ومطبوع.
وقد تعرضت هذه المكتبة بدورها إلى الإهمال فكان بعض كتبها طعمة للآفات، وضاع بعض آخر على يد عديمي الضمير من الناس.
تحتوي هذه المكتبة في الوقت الراهن على 400 كتاب (بين خطي ومطبوع) ولكنها لا تحتوي على فهرست لكتبها وليس لها وضع منظم يعين الطلاب على الاستفادة منها.
وتوجد بعض المكتبات في مدارس مشهد الأخرى مثل مدرسة دودر ومدرسة سليمان خان ومدرسة الحاج حسن ولكن أغلب هذه المكتبات تفتقد إلى المشرف المخلص وإلى الفهارس التي تعرف بكتبها ولذلك فهي تتجه نحو التلف يوماً بعد آخر.
4 ـ مكتبة مدرسة عباس قلي خان
ليس لهذه المكتبة سابقة تاريخية، فقد تأسست في عام 1334هـ بمائتي كتاب بين خطي ومطبوع ثم بدأت تخطو نحو الأمام بسعي وهمة طلاب المدرسة، فاستحدثت غرفة للمطالعة وأقيمت رفوف خاصة بالكتب وبلغ عدد كبتها 1500 كتاب.
وأبواب هذه المكتبة مفتوحة لطلاب المدرسة وعامة الناس، والاستعارة فيها خاصة بطلاب العلم.
الحرم الرضوي
ـ 1 ـ
ننشر عنه دراستين تكمل إحداهما الأخرى، وقد يتكرر أمر فيهما مما لا بد منه لاستكمال الدراسة واتساقها:
تاريخ الحرم
يقع المرقد الطاهر لثامن أئمة الشيعة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام (148 أو 151 ـ 203هـ/ 765 أو 768 ـ 818م) في مدينة مشهد مركز محافظة خراسان، وقد دفن بجوار قبر هارون الرشيد (148 ـ 193هـ/ 765 ـ 808م) في دار حميد بن قَحْطبَة (ت 159هـ/ 775م) في قرية تسمى سناباد بالقرب من محلة نوغان من توابع طوس.
بناء الحرم والتغييرات التي طرأت عليه
من المشهور أن القبة التي دفن تحتها الجثمان الطاهر للإمام الرضا عليه السلام كانت قد شيدها المأمون العباسي (ت 218هـ/ 833م) فوق قبر هارون الرشيد قبل وفاة الإمام الرضا عليه السلام، ولذلك يمكن اعتبار القبة الهارونية أول أبنية الحرم الرضوي المطهر، ولا يزال الجدار الذي ينسب بناؤه للمأمون قائماً ويبلغ ارتفاعه مترين وقد شيّد البناء الجديد عليه.
ومنذ ذلك الحين وحتى عصر الديالمة لا يوجد ما يشير إلى إعادة بناء الحرم أو ترميمه، ولكنه من المؤكد أن زيارة الحرم كانت شائعة عند الشيعة، وأن هذا المكان المعظم كان مزاراً معروفاً، ذكره السياح والجغرافيون أمثال: ابن حوقل والأصطخري والمقدسي. وقيل إن المقدسي كان أول من ذكر الحرم المطهر للإمام الرضا بعبارة «مشهد» في كتبه (أحسن التقاسيم، 2/515)، وعلى هذا فإن ما ذكره اعتماد السلطنة في كتابه مطلع الشمس أن «المقدسي لم يورد اسم مشهد» (2/8) لا أساس له.
وقد زيّن الديالمة البقعة المباركة ببعض الزخارف، كما راجت في عهدهم زيارة الروضة الرضوية، وفي القرن 4هـ/ 10م، هدم سبكتكين الغزنوي الحرم الطاهر ومنع الناس من زيارته، إلاّ أن ابنه يمين الدولة محمود رمم الحرم وجعل منه روضة زاهية ثم جاء عميد الدولة فائق، الذي اسماه البيهقي «خادم خاصة» [الخادم الخاص] فأكمل بناء الحرم وعمر مدينة مشهد. ثم عين السلطان محمود سوري بن المعتز أو المعرّ المشهور بـ «صاحب الديوان» والياً على خراسان، ورغم ظلمه كان كثير الصلاة والصدقة، وله في طوس آثار بديعة (البيهقي 413)، وقد أضاف إلى الحرم أشياء أخرى وبنى مئذنة «واشترى قرية عامرة أوقفها له» (ن.م) وبنى أول سور للمدينة، ولكن هذا البناء تعرض للضرر أثناء هجوم الغز في 548هـ/ 1153م، إبّان عهد سنجر السلجوقي (511 ـ 552هـ/ 1117 ـ 1157م): إلاّ أن شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي رمّم البناء فيما بعد وشيد فوقه قبة.
حرم الإمام الرضا عليه السلام
كما زيّن الجدران بالقاشاني النفيس الثمانيّ الأضلاع والمعروف بـ «القاشاني السنجري» وتغلفه الآن صفائح زجاجية كبيرة للمحافظة عليه، وهو من آثار «تركان زمرد ملك» بنت السلطان محمود السلجوقي، وقد نصب بعد سنة 557/ 1161. ويشاهد على هذا القاشاني أعداد واسماء مبعثرة مثل «خمسمائة» و«اثني عشر» و«تركان زمرد ملك» و«شهيد» المنقوشة على القاشاني، تدل على أن زخارف جدران الحرم قد نصبت بعد ذلك التاريخ، وكذلك يمكن الحدس بأن الأمير علاء الدين محمد خوارزمشاه قد رمّم هذا القاشاني في 612هـ/ 1215م، وأن العدد «اثني عشر» الموجود على القاشاني هو بقية كلمة «سنة 612» بعد أن سقط الرقم «ستمائة» وامحى أثره.
وفي عهد الخوارزمشاهيين كانت الروضة الرضوية موضع اهتمام، حيث زينت بنقوش حديثة وأضيف إليها محرابان مزينان بالقاشاني الصيني، كما زينت واجهة البوابة المقابلة للضريح المقدس بالفسيفساء النفيسة الناتئة والتي هي من تزيينات علي بن محمد المُقري.
وقد كتب على جدار الحرم المطهر بيتان من الشعر الفارسي لعبد الله بن محمود بن عبد الله «سنة 612هـ»، وقد اعتبرت هذه من آثار تلك الفترة. وفي 618هـ/ 1221م هدمت الروضة الرضوية إثر هجوم تولي بن جنيكز عليها، ولكنها لم تدمّر بالكامل، إذ كما اشرنا سابقاً، فإن جدران الحرم المطهر لا زالت مزيّنة بالقاشاني السنجري الذي نصب سنة 557هـ/ 1162م ولا يوجد من الوثائق ما يشير إلى ترميم الحرم منذ ذلك الحين وإلى ما بعده بقرن.
وقد أشار ابن بطوطة الذي زار مدينة طوس (مشهد) بعد خرابها بقرن في 734هـ/ 1333م إلى أنه قد شاهد البناء الرائع والتزيين بالقاشاني والضريح الفضي للمرقد المقدس. ومن المحتمل أن تكون تلك العمارة والتزيينات من عمل السلطان محمد خدابنده، وأن القبة قد شيّدت بأمره، خاصة وأنه كان شيعي المذهب.
ويوجد خلف الزاوية الشمالية للحرم إطار نقش عليه سنة 735هـ، ويشاهد في نفس الحرم قاشاني يعود تاريخه إلى سنة 760هـ، ولكن اسم صانعه مجهول. وفي عهد شاهرخ التيموري (حكم 807 ـ 850هـ/ 1404 ـ 1446م)، أقامت زوجته كوهر شاد آغا آثاراً قيمة في الحرم المطهر وأطرافه، منها، بناء رواقي «دار الحفاظ» و«دار السيادة» والمسجد الجامع المعروف باسمها في 821هـ/ 1418م، وذلك بإشراف المعمار الكبير قوام الدين الشيرازي: كما بنى شاهرخ السور الثاني لمدينة مشهد.
وقد أشار سفير إسبانيا روي كونزالس دوكلاويخو إلى عظمة وروعة الحرم والقبة الفضية، وذلك عند زيارته لمشهد آنذاك. وقد بنى السلطان حسين بايْقَرا (حكم 875 ـ 912هـ/ 1470 ـ 1506م) نصف الصحن القديم الحالي بتشجيع من وزيره أمير علي شير نوايي، ثم وسّعه الشاه عباس الصفوي، كما ورد اسم السلطان حسين فوق واجهة الإيوان المذهب في الصحن القديم. وكان الإيوان المعروف بإيوان أمير علي شير قد شيّد في عهده أيضاً، كما ترك الصفويون بتوسعتهم الروضة المقدسة وإكمالها آثاراً قيمة أيضاً، ثم تذهيب القبة التي شيدها السلطان محمد خدابنده، وترميم وتذهيب المنارة التي بنيت في عهد الغزنويين، وذلك في أيام شاه طهماسب الأول (حكم 930 ـ 984هـ/ 1523 ـ 1576م) كما شُيّد في عهده آخر أسوار المدينة.
وقام الشاه عباس الأول (حكم: 996 ـ 1038هـ/ 1587 ـ 1628م) بتجديد تذهيب القبة التي كانت بحاجة إلى الترميم في السنوات (1010 ـ 1016/ 1601 ـ 1607م) كما تشير الكتابة الموجودة على القبة بخط علي رضا عباسي، وأهدى الشاه عباس إلى المرقد المقدس عدداً من المصاحف التي تنسب كتابتها للأئمة الأطهار عليهم السلام. وباع بفتوى من العلماء الألماسة الكبيرة التي استعادها من الأوزبك الذين سرقوها من الروضة المقدسة أثناء غارتهم عليها. واشترى بثمنها أملاكاً كثيرة وأوقفها للروضة المقدسة.
أما الشاه عباس الثاني (حكم 1052 ـ 1077هـ/ 1642 ـ 1666م)، فقد رمم الصحن القديم وزيّنه بالقاشاني. كما أن الشاه سليمان (حكم 1077 ـ 1105هـ/ 1666-1694م) رأب التصدّع الذي أحدثه زلزال عام (1084هـ/ 1673م) بالقبة الطاهرة، حسبما تشير الكتابة التي نصبت عليها، كما بنى عدداً من المدارس. ثم بنى أميران كبيران من أمراء الدولة الصفوية هما: الله وردي خان وحاتم بيكا الأردوبادي بناءين مهمين في الروضة المقدسة: أحدهما رواق الله وردي خان، والآخر رواق حاتم خاني. كما أن الإيوان الواقع في الضلع الغربي لـ «دار الضيافة» هو أحد الأبنية التي شيّدها الله وردي خان أيضاً.
وفي عهد الأفشاريين قام نادر شاه (1100 ـ 1160هـ/ 1688 ـ 1747م) بتذهيب المنارة التي شيّدت في عهد الغزنويين وإيوان أمير علي شير، وشيّد منارة أخرى في الصحن القديم في عامي (1145هـ/ 1732م و1146هـ/ 1733م). كما تشير إلى ذلك قصيدة نديم الفارسية والكتابات المنقوشة في الإيوان الذهبي للصحن القديم، وما أورده محمد كاظم المروي وزير مرو، وأهدى نادر شاه أشياء ذهبية ومجوهرات للروضة المقدسة. ومن أبنيته أيضاً المسقاة الواقعة وسط الصحن القديم، ويتكون حوضها من قطعة صخرية واحدة أمر بجلبها من هراة. وقد شيّد إسماعيل خان الصائغ سقفاً مذهباً على الأعمدة الرخامية للمسقاة، في ما أمر نادر شاه بإمرار نهر من تحت حوض المسقاة ليبقى مملوءاً بالماء دائماً، ولا تزال هذه المسقاة موجودة ، وإن أجريت عليها بعض التغييرات، كما قام إبراهيم خان أخو نادر «بطلي بابي الصحن بالفضة» (مروي 1/ 203).
وفي عهد فتح علي شاه القاجار (حكم 1212 ـ 1250هـ/ 1797 ـ 1834م) بوشر ببناء «الصحن الجديد»، واستمر البناء في عهد محمد شاه (حكم 1264 ـ 1313هـ/ 1848م) وذُهب إيوانه. وفي عهد محمد شاه رمم الإيوان والبوابة الشمالية للصحن القديم والمعروف بـ «إيوان شاه عباسي»، كما تشير إلى ذلك الكتابات الموجودة عليه.
وفي عهد عضد الدولة نائب السادن رممت دار التوحيد المباركة (1276/1859)، كما أمر في 1275/1858 بتزيين النقوش والقاشاني النفيس في الحرم بالمرايا، وأمر ناصر الدين شاه بطلاء الجدران من الإزارة وحتى أعلى الإيوان الناصري وسقفه المقرنص بالذهب، ولهذا سمي بـ «الإيوان الناصري».
وفي أيام مظفر الدين شاه (حكم 1313 ـ 1324هـ/ 1895 ـ 1906م) تمّ ترميم الصحنين: القديم والجديد. كما جاء في الكتابة الموجودة على يمين الجدار الداخلي للإيوان وأعلى الباب الغربي للصحن القديم والتي كتبت بخط النستعليق.
وفي (1330هـ/ 1912م) أطلق الجيش الروسي الرصاص على القبة المطهرة، وألحق بها الدمار بذريعة حفظ أرواح الرعايا وتوفير الأمن والهدوء في مشهد، وتفريق القوات الموالية للملك المخلوع محمد شاه والمتحصنة في الروضة الرضوية المقدسة (خُراساني 633 ـ 635). إلاَّ أنه وبعد مدة قليلة قام والي خُراسان حسين ميرزا نير الدولة بتعميرها بمساعدة المحسنين.
وفي أعقاب العصر القاجاري رُمّم الضريح الطاهر وبعض أبنية الروضة المقدسة، كما شيّدت بعض العمارات الجديدة.
وفي الاعوام (1963 ـ 1965م) وسع فناء الحرم من جهة الرأس المبارك واستبدل سقف المسجد البالي من تلك الجهة بسقف كونكريتي زيّن ثانية بالقاشاني.
كما وسع الجناح الشمالي للحرم ليتصل برواق «دار الشكر»، ونقل المحراب القديم للمسجد الواقع في الجهة الجنوبية من الحرم إلى المتحف إثر توسعته والتعميرات التي أجريت عليه. ويجدر بالذكر أنه تمّت إجراءات أخرى أنجزت في هذه الفترة، كإنشاء عمارة المتحف الكبرى، والمكتبة، وبناية الإدارة، وتوسيع الشوارع المحيطة بالحرم، وإنشاء الحدائق حوله.
وبعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، طرأت تغييرات على أبنية الروضة المقدسة، كما أنشئت بنايات جديدة، ففي سنة 1979م تمَّ توسيع الرواق الواقع خلف الرأس المبارك (بُشْتِ سَرِ مُبارك) بمقدار 18 متراً. وفي السنة الثانية وسع الجناحان المواجهان «للوجه الشريف» (بيش روُي مبارك) و«القدم المباركة» (بايين با) بما مجموعه 36م2، وزيد في العرض من جهة القدمين بمقدار 70/1م.
ومن إنجازات هذه الفترة تجديد بناء المداخل وإحداث مدخل الطبرسي (بَسْتِ طبرسي)، وبناية جامعة العلوم الإسلامية، وبناء صحني «الجمهورية الإسلامية» و«القدس». ومما يذكر أيضاً المباشرة ببناء المكتبة والمتحف والرواق بـ «دار الولاية».
أبنية الحضرة
ويقصد بأبنية الحضرة، الحرم والعمارات المحيطة به والتابعة لمؤسسة إدارية واحدة، وهذه الأبنية هي عبارة عن الحرم والقبة والمآذن والصحون والإيوانات والأروقة والمداخل والمتحف والمكتبة.
1 ـ الحرم: بناء مستطيل الشكل (يقرب من المربع) بطول 90/10 وعرض 40/10م، فيه أربع صفف تقع كل واحدة منها في طرف من أطراف الحرم الأربعة، ويتم الدخول والخروج منها إلى الحرم: ويبلغ طول بوابة (مدخل) كل واحدة منها 3م، فوق هذه الصفف أربع صفف صغيرة، وقد أزّر الحرم بارتفاع 20 سم، يعلوه القاشاني الرباعي والسداسي والثماني الأضلاع والكواكبي الشكل بارتفاع 92 سم، أغلبه آيات قرآنية وأحاديث شريفة، فيما يشاهد على بعضه الآخر نقوش إسلامية ناتئة على صفائح صينية نفسية احتوت على آيات من سورة الفتح، وفوقها لوحة أخرى من الرخام بعرض 22 سم، كتبت عليها بخط النستقليق قصيدة: «دبير الملك الفراهاني». ويبلغ ارتفاع جدران الحرم من الأرض إلى السقف المقرنص 80/18م.
وعلى ارتفاع 85/6م من أرضية الحرم، وفي القسم العلوي لجدران الحرم الأربعة تحت القبة، وبعرض 80 سم كتبت سورة الجمعة بخط الثلث للخطاط علي رضا عباسي. ويوجد داخل الحرم ثلاثة محاريب: أحدها في الجدار الجنوبي الغربي من الحرم بعرض 15/2 وارتفاع 60/2م، والثاني في افلدجدار الحجنوبي الشرقي من الحرم بعرض 75/1/ وارتفاع 40/2/م. والثالث باتجاه أعلى الرأس المبارك تحت الطاق والصُّفة الموصلة بين الحرم ومسجد «بالاسر» [أعلى الرأس المبارك]، وهو بعرض 25/1 وارتفاع 90/1م.
أما مواضع الحرم الأربعة فهي كالتالي:
أ ـ الصُّفة الشمالية، خلف الرأس المبارك.
ب ـ الصفة الجنوبية أمام الوجه المبارك.
ج ـ الصفة الشرقية، أسفل القدم المبارك.
د ـ الصفة الغربية باتجاه أعلى الرأس المبارك.
وفي أيام عضد الملك كان قد نصب باب ذهبي بين الصفة الجنوبية والحرم، عرف باسمه، ثم استبدل بباب ذهبي جديد في 1974م، وكتبت على هذا الباب آيات وأحاديث وأشعار. وفي بوابة الصفة الشرقية أيضاً نقوش وخطوط ذهبية ناتئة على أرضية فضية.
البقعة والضريح: تعود أقدم المصادر التي تتحدث عن البقعة والضريح الرضوي إلى الخوارزمشاهيين. ينقل الخوانساري في روضات الجنات عن ثاقب المناقب أنه كانت لأنوشيروان المجوسي الأصفهاني مكانة لدى قطب الدين محمد خوارزمشاه (حكم: 490 ـ 521هـ/ 1097 ـ 1127م)، وقد عيّنه سفيراً لدى السلطان سنجر، إلاّ أن إصابته بمرض البرص المنفّر جعلته يخشى الذهاب إلى السلطان سنجر، وقد نُصح بطلب الشفاء عند الإمام الرضا عليه السلام فشفي وحسن إسلامه، فوضع صندوقاً من الفضة على الضريح، كما أهدى أموالاً طائلة للروضة في ما بعد.
ويذكر ابن بطوطة وجود ضريح خشبي مغطى بصفائح فضية ولعله يقصد بذلك «الضريح»، الصندوق الخشبي الذي كان فوق المرقد المبارك. ولذلك لا يمكن إبداء رأي حاسم عن صنع صندوق وضريح الإمام عليه السلام، بسبب الخطأ الناشئ من نقل هذا الرأي في الكتب المتأخرة عنه، ولكن يمكن التخمين الصائب ـ كما أشرنا سابقاً وملاحظة تاريخ زيارة ابن بطوطة لمشهد ـ بأن الصندوق المذكور كان من صنع السلطان محمد خدابنده، وهو نفس الصندوق الذي ظل حتى 1932م. وفي عهد الملك طهماسب الأول رُصّع الصندوق بصفائح ذهبية نقشت عليها آيات من القرآن الكريم بخط علي رضا عباسي، ولهذا عرف هذا الصندوق بـ «صندوق شاه عباسي» الذي استبدل في 1932م بسبب تآكله بصندوق آخر من الرخام بطول 10/2 وعرض 06/1م، وأودع ما كان على الصندوق الخشبي من الصفائح الذهبية في متحف الروضة الرضوية. وللبقعة الرضوية الآن ضريحان: ضريح داخلي من الفولاذ المرصع بالجواهر، والذي صنع في العهد النادري وأوقفه للحرم شاهرخ أفشار في 1160/1747، وضريح خارجي صنع من الذهب والفضة نصب في 1959م بدلاً من ضريح فتح علي شاه الفولاذي.
وفي القسم الداخلي للبقعة ضريح آخر أيضاً صنع في عصر الشاه عباس أو الشاه طهماسب وهو من الخشب والحديد وصفائح الذهب والفضة، وقد استبدل لتآكله آنذاك بضريح جديد وأودع ما كان عليه من الذهب والفضة في خزانة الروضة المقدسة. وكان طول الضريح الجديد 05/4 وعرضه 06/3 وارتفاعه 90/3م.
ولكل من ضلعيه الطويلين أربع فتحات ولكل من الضلعين القصيرين ثلاث فتحات، وبذلك يكون مجموع الفتحات 14 فتحة. وقد نصب في وسط وأعلى الفتحات 18 صفيحة ذهبية إهليلجية الشكل محدّبة، نقشت عليها أحاديث شريفة بخط الثلث. كما نصبت فوق أطراف الضريح صفائح ذهبية مضرّسة نُقشت عليها بخط الثلث أسماء المعصومين الأربعة عشر، وعلى حواف الضريح وفوق تلك الصفائح صفائح ذهبية أخرى أيضاً يبلغ مجموعها 92 صفيحة، كتب على كل منها لفظ الجلالة «الله».
2 ـ القبة: وتتألف من جدارين: الأول مقرنص ويرى من الأسفل (من داخل الحرم): والثاني العُلوي مغطى بصفائح ذهبية ويرى من الخارج. وقد ذُهّبت هذه القبة لأول مرة في عهد الشاه طهماسب الأول، ثم جدّد الشاه عباس تذهيبها. وارتفاع الحرم من قاعدته حتى السقف المقعّر (الجدار الداخلي) 8/18م، ومنها إلى أعلى القبة من الخارج 20/31م. أما محيط القبة فيبلغ 10/42م وارتفاع رأس طوقها 5/3م وارتفاع السطح المذهّب من قاعدتها حتى القمة 40/16م. وعلى السطح الخارجي للقبة المغطى بصفائح نحاسية مطليّة بالذهب نقوش وخطوط وكتابات بديعة.
3 ـ المآذن: وفي الحرم مئذنتان: واحدة قريبة من القبة وفوق الإيوان النادري المذهب جنوب الصحن القديم، والأخرى شمال هذا الصحن وفوق الايوان العباسي. والمئذنة الأولى القريبة من القبة من آثار سوري بن المعتز. وقد رممها وذهّبها الشاه طهماسب الأول مرة ونادر شاه مرة أخرى. ويبلغ ارتفاعها من القاعدة إلى القمة 50/40م ومحيطها الخارجي 13م، وارتفاع المئذنة الأخرى كسابقتها، بناها وذهّبها نادر شاه.
4 ـ الصحون: في الروضة الرضوية ثلاثة صحون: الصحن القديم (صحن الثورة)، والصحن الجديد (صحن الحرية)، وصحن المتحف (صحن الإمام): وهناك صحنان لا زالا في طور الإنشاء: أحدهما باسم الجمهورية الإسلامية، والثاني باسم القدس.
الصحن القديم (الثورة): ويقع شمال الحرم، وطوله 38/104م وعرضه 52/64م، ويحيط بالصحن عدد من الغرف بنيت على شكل طابقين، وفيه أربعة أواوين في جهات الصحن الأربع تفصل بين الغرف.
أ ـ الإيوان الجنوبي أو الإيوان الذهبي، وهو من أبنية أمير علي شير في القرن 9/15، وقد عرف بالإيوان النادري لأن نادرشاه كان قد ذهّبه. ويبلغ طوله 70/14م وعرضه 80/7م وارتفاعه 4/26، وقد أزر بارتفاع مترين بالرخام الملون وكتبت فوق الإزارة أحاديث بخط النستعليق في فضل زيارة الحرم. كما زين ما فوق الإزار حتى السقف بصفائح مطلية بالذهب. ويوجد في هذا الإيوان أربعة أبواب ذهبية: باب الضلع الشرقي والمؤدي إلى دار التوحيد، وباب الضلع الغربي ويؤدي إلى منزع الأحذية الكبير، والثالث باب الزاوية الجنوبية الغربية ويؤدّي إلى ممر المسقاة القديمة ومنها إلى دار السيادة، والرابع باب الزاوية الجنوبية الشرقية والمؤدي إلى مكان كان سابقاً موضعاً لقراءة القرآن. ويوجد في الضلع الجنوبي للإيوان طاق يشبه المحراب، كتبت على لبناته المطليّة بالذهب قصيدة بالفارسية لـ «نديم»، وذلك بخط النستعليق لمحمد علي بن سليمان الرضوي. وتشير هذه القصيدة إلى أن نادر شاه أمر بترميم وتذهيب الإيوان، وقد ورد في ختامها تاريخ إتمام ذلك (1145/1732)، وكتب في أعلى الغرف العلوية من الإيوان حديث في فضل زيارة حرم الإمام الرضا عليه السلام بخط النستعليق المذهب على أرضية لازوردية، كما نقش على القاشاني. وفي حاشية الباب الخارجي للإيوان سورة «مريم» بخط كوفي وباللون الأصفر.
ب ـ الإيوان الشمالي أو الإيوان العباسي: وطوله 80/14م وعرضه 20/8م وارتفعه 50/22م. وقد بناه الشاه عباس الأول ورُمم في عهد الشاه عباس الثاني، ولعل هذا كان سبب في التباس الأمر على بوب (نامه آستان قدس، 89) [رسالة الروضة الرضوية] حينما نسب البناء خطأ إلى الشاه عباس الثاني. وقد فرشت أرض الإيوان بحجر الخَلج، وأزرت جدرانه بالأحجار القاتمة اللون، وغلّف ما فوقها حتى السقف بالقاشاني المعرّق. وتقع خلف هذا الإيوان من جهة الشمال صفة كبيرة تشبه المحراب مزينة بالقاشاني المعرّق، كما زيّنت أربع غرف علوية من الإيوان بالقاشاني، وكتبت «البسملة والصلوات» بخط الثلث لمحمد رضا إمامي حول الصفة الكبيرة في 1059هـ/ 1649م. كما كتب على واجهة هذا الإيوان اسم الشاه عباس الثاني الذي أمر بترميمه آنذاك، بخط الثلث وباللون الأصفر لمحمد رضا إمامي.
ج ـ الإيوان الغربي: بناه الشاه عباس الأول، كما بنى الإيوان الشرقي. وطول هذا الإيوان 10/24م وعرضه 9/6م. وقد رمّم في أيام الشاه عباس الثاني مرة، وفي عهد ناصر الدين شاه مرة أخرى. وأرضية الإيوان من حجر الخلج وإزارته من الحجر القاتم اللون. وغلف بالقاشاني المعرّق في أعلى الإزارة حتى السقف. وقد زيّنت الواجهات الداخلية الثلاث للإيوان بكتابة عدد من الأحاديث بخط الثلث وباللون الأبيض للخطاط علي رضا عباسي. كما كتبت على الواجهة العلوية أيضاً آية الكرسي بخط الثلث الأصفر فوق أرضية لازوردية.
د ـ الإيوان الشرقي: وتعلوه مقصورة التطبيل «نقّاره خانه»، يبلغ طوله 20/18م. وعرضه 80/7م، وارتفعه 26م وأرضيته من حجر الخلج. وإزارته من الحجر القاتم اللون، زيّن ما فوق الإزارة حتى السقف بالقاشاني. وتوجد في داخل الإيوان وفوق المدخل المؤدي للحرم غرفة زيّنت جدرانها الداخلية بالقاشاني المعرّق، وكتب على جدرانها بخط الثلث وباللون الأبيض حديث للإمام الصادق عليه السلام، كما كتبت سورة المزمّل بخط الثلث وباللون الأبيض على حاشية المدخل الخارجي للإيوان، في ما كتبت آية النور بخط الثلث الأصفر في أعلى المدخل.
ويحيط بالصحن القديم 12 صُفَّة:
1 ـ الصفة الجنوبية للإيوان الغربي: كتب عليها بعض الآيات القرآنية بخط الثلث فوق القاشاني المعرّق وبخط علي رضا عباسي.
2 ـ الصفة الواقعة في شمال الإيوان الغربي: كتب عليها بعض الآيات القرآنية بخط علي رضا عباسي.
3 ـ الصفة الشمالية للصحن، لم يكتب عليها شيء.
4 ـ الصفة المجاورة للصفة الشمالية.
5 ـ الصفة الشمالية للإيوان العباسي، كتب عليها بخط الثلث آية «مثل الذين ينفقون أموالهم…».
6 ـ الصفة الواقعة شرق الإيوان العباسي كتب عليها حديث نبوي شريف بخط الثلث.
7 ـ الصفة الشمالية للإيوان الشرقي كتب عليها حديث للإمام علي عليه السلام بخط الثلث لمحمد رضا إمامي.
8 ـ صفة في جنوب الإيوان الشرقي كتب عليها حديث للإمام علي عليه السلام بخط الثلث لمحمد رضا إمامي.
9 ـ صفة منزع الأحذية لإيوان الله وردي خان، كتب عليها حديث لأمير المؤمنين علي عليه السلام بخط محمد رضا إمامي.
10 ـ الصفة الشرقية لإيوان نادري الذهبي وتحتوي على شباك برونزي، يُعرف بالشباك الفولاذي ويرى من خلاله داخل الحرم.
11 ـ صفة في غرب الإيوان الناصري الذهبي المؤدية إلى الحرم كتب عليها حديث للإمام الرضا عليه السلام بخط محمد رضا إمامي.
12 ـ الصفة الجنوبية للصحن، لم يكتب عليها شيء.
الصحن الجديد (صحن الحرية): يقع شرقي الحرم طوله 50/81م وعرضه 51م وتحيط به 56 غرفة في الطابق الأسفل، وبعددها في الطابق العلوي، وتقع خلف أكثر الغرف غرف صغيرة وكبيرة، وتشير الكتابة ـ التي تعلو مدخل الإيوان الشرقي والإيوان الجنوبي في هذا الصحن ـ إلى أن بناءه قد أنجز في أيام فتح علي شاه وتمّ تزيينه بالقاشاني في عهد محمد شاه. وارتفاع إزارة الصحن المرمرية القاتمة اللون 44/1م، وتمّ تزيين الجدران والأعمدة والأبواب مما فوق الإزارة بالقاشاني اللون.
وفي وسط الصحن وفي مكان المسقاة التي أزيلت فيما بعد يوجد حوض كبير يمكن أن ترى فيه المسقاة المذكورة المتكونة من قطعة حجرية واحدة. وفي الصحن أربعة أواوين كبيرة تقع في جهات الصحن الأربع:
1 ـ الإيوان الغربي: ومدخل الباب الذهبي الناصري، طوله 30/15م وعرضه 25/7م وارتفاعه 10/20م، ويتصل هذا الإيوان بدار السعادة عبر باب ذهبي وممر صغير وباب ذهبي آخر و منها إلى داخل الحرم. وقد غطيت أرضية الإيوان وإزارته إلى ارتفاع مترين بالرخام.
وتوجد فوق هذا الإيوان أربع غرف غلفت جدرانها الداخلية بصفائح ذهبية. ويشاهد داخل الإيوان كتابة بخط النستعليق البارز لسرخوش تحمل تاريخ ترميم وتذهيب الإيوان وأسماء القائمين بذلك، وقد كتبت سورة «النبأ» حول واجهة المدخل بخط الثلث وباللون البيض على القاشاني اللازوردي، في ما تضم الكتابة التي تعلو المدخل اسم آصف الدولة والي خُراسان باني الإيوان والرواق بخط الثلث الأصفر اللون وعلى القاشاني اللازوردي.
2 ـ الإيوان الشرقي: وطوله 80/15م وعرضه 10/7م وارتفاعه 10/20م، وقد فرشت أرضيته بحجر الخلج وإزارته بالرخام القاتم اللون. وزين ما فوق الإزارة حتى السقف المقرنص بالقاشاني. وقد كتبت حول الإيوان سورة «القيامة» و«العصر» بخط الثلث وباللون الأبيض على القاشاني اللازوردي، كما كتب على واجهة الإيوان وبخط الثلث الأصفر اللون تاريخ تزيين محمد شاه للصحن والإيوان في (1263/ 1847).
3 ـ الإيوان الجنوبي: طوله 30/18م، وعرضه 30/7م وارتفاعه 20م، وكان خلف هذا الإيوان سابقاً مطبخ لخدمة الروضة هدم وألحق في ما بعد بصحن الإمام الخميني (المتحف سابقاً). ويؤدي الصحن الجديد حالياً إلى صحن الإمام عن طريق هذا الإيوان. وأرضية الإيوان من حجر الخلج وإزارته من الرخام القاتم اللون، وقد زين ما فوق الإزارة وحتى السقف بالقاشاني. وتوجد في هذا الإيوان أربع غرف كتب تحت كل منها وعلى التوالي سور «الكافرون والتوحيد والفلق والناس»، وتتوسط الإيوان كتابة تحمل رواية عن الإمام الرضا عليه السلام، وأخرى عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بخط الثلث. كما كتبت سورة «المنافقون» حول الإيوان بخط الثلث وعلى القاشاني الأبيض وأرضية لازوردية. ويعود تاريخ كتابتها إلى (1262هـ/ 1846م)، وتعلو واجهة الإيوان وبخط الثلث وعلى القاشاني الأصفر وبأرضية لازوردية كتابة تشير إلى سنة تزيين وترميم الإيوان والتي كانت في عهد محمد شاه.
4 ـ الإيوان الشمالي: وطوله 20/17م وعرضه 9/7م وارتفاعه 20م. وأرضيته من حجر الخلج وإزارته من الرخام القاتم اللون، وقد زينت الجدران مما يعلو الإزارة وحتى السقف المقرنص بالقاشاني. وتوجد على واجهة هذا الإيوان من داخل الصحن وفوق بوابته كتابة بخط الثلث الأًصفر على القاشاني اللازوردي اللون، ورد فيها تاريخ تزيين مؤتمن الملك للإيوان ووقفه في عهد ناصر الدين شاه. كما تحيط بالإيوان كتابة تحمل آيات من القرآن الكريم بخط الثلث وباللون الأبيض وأرضية لازوردية.
صحن الإمام الخميني (المتحف سابقاً): يقع جنوب الصحن الجديد وجنوب غربي الحرم المطهر. وهناك عدد من الحوانيت القديمة الخربة ومدرسة نصف خربة تدعى مدرسة بايين با «أسفل القدم» أو مدرسة سعد الدين. كانت قد ابتاعتها مديرية سدانة الحرم في 1937م ومعها بعض البيوت والبنايات القديمة الأخرى، ثم أزالتها لتبني مكانها صحناً آخر وعمارات للمتحف والمكتبة، وقد افتتحت هذه المباني في 1945م، بعد أن استمر العمل ببنائها ثماني سنوات. وفي 1974م هدمت كل هذه المباني (المتحف والخزانة والمكتبة) وأضيفت أرضها البالغة 1000 م2 إلى الصحن بغية توسيعه بحيث صارت مساحة صحن المتحف 10,000 م2.
وقد رُصفت أرضية الصحن بالكونكريت وبارتفاع 15 سم، ثم فرشت بالأحجار. كما أنشئ حوض رخامي كبير أبعاده 10/44 × 40/13م في وسط الصحن. ويرتبط هذا الصحن من جهة الشمال بالصحن الجديد عبر بوابة مرتفعة ورائعة تعلوها مقرنصات بديعة. وفي الجهة الشرقية للصحن توجد بنايات جديدة وفخمة كالمتحف والمكتبة والخزانة، وقد بنيت على الطراز الإسلامي التقليدي. ويتصل هذا الصحن من الغرب بالإيوان الشرقي لمسجد كوهر شاد عبر مدخل عالٍ رائع آخر. وعلى طول الضلعين الشمالي والغربي للصحن توجد أطواق مزينة بالقاشاني على شكل طابقين. أما الضلع الجنوبي فيتصل عبر الحواجز المعدنية والأبواب بالشارع الدائري العريض الذي يحيط بكل أبنية الروضة المقدسة.
صحن الجمهورية الإسلامية: بوشر ببناء هذا الصحن في 1981م على أرض مساحتها 25000 م2، تتوسط المدخل الأعلى ومسجد كوهر شاد، حيث كانت منطقة فسيحة ومشهداً مائياً ولا زال العمل ببنائه مستمراً حتى الآن. وسيصل هذا الصحن من خلال المدرسة التي تلي الراس المبارك برواق دار السيادة ومنها بالحرم المطهر
صحن القدس: وتشكل الساحة الأمامية لصحن الإمام ومسجد كوهر شاد والأبنية الدائرية الخارجية والداخلية بمجموعها صحن القدس.
5 ـ الأروقة: وعددها 15 رواقاً، وهي تشكل جزءاً من أبنية الروضة المقدسة وفيما يلي شرحها:
دار الحفاظ: وتقع جنوب الحرم وهي من أبنية كوهر شاد. يبلغ طولها 18م، وعرضها 65/8م، وارتفاعها حتى السقف 8/12م وإلى ما وراء السقف 46/14م، ويوجد في دار الحفاظ 7 صفف. لأربع منها أبواب تؤدي إلى الحرم المطهر ورواق أبك كيرزا أو (أبكه ميرزا) ودار السيادة، وممر منزع الأحذية لمسجد كوهر شاد. ويزين جدران دار الحفاظ إزارة أحجار مطعمة رائعة جداً وبارتفاع 70/1م، ثم يليها لوح حجري عليه أبيات للقاآني.
دار السيادة: وتقع غرب المسجد المواجه للرأس المبارك وهي من أبنية كوهر شاد، وتعد من أكبر أروقة الحرم حيث يبلغ طولها 86/31م وبعرض متفاوت الأبعاد يشتمل على ثلاثة أقسام: عرض القسم الأوسط والأكبر 30/19م، وعرض القسمين الآخرين 76/7م، ويرتفع الرواق من الأرضية حتى الطاق 87/20م، ولدار السيادة عدد من الأبواب المؤدية إلى كل من الإيوان الشمالي لمسجد كوهر شاد والممر المعروف بالمسقاة، والذي يتصل بالإيوان الذهبي النادري ودار الحفاظ. وقد تعرضت دار السيادة والقبة لبعض الدمار أيام الصفويين إثر الزلزال الذي اصاب مدينة مشهد. ولكن الشاه طهماسب أصدر أمراً بترميمها. كما كتبت في أعلى الباب الذي يوصل إلى دار الحفاظ أبيات بخط النستعليق تشير إلى تاريخ ترميم الرواق، ولدار السيادة إزار بالقاشاني المعرق بارتفاع 80/1م.
دار السعادة: وتقع شرق أروقة الروضة المقدسة بين الإيوان الذهبي للصحن الجديد ورواق حاتم خاني، طولها 90/14م وعرضها 80/13م وارتفاعها 80/14م، وقد بناها اللهيار خان آصف الدولة القاجاري وزينها بالمرايا علي أصغر خان أتابك. وترتفع إزارتها الرخامية 40/1م تعلوها صخرة رخامية بعرض 40 سم، كتبت عليها قصيدة لصبوري بخط النستعليق يليها تزيين بالمرايا حتى السقف.
دار الضيافة: رواق يتوسط بين الصحن الجديد ورواق (قبة) الله وردي خان طوله 5/15م، وعرضه 25/9م، وارتفاعه 5/15م، وأرضيته من الرخام، وإزارته من الحجر المطعم بارتفاع 50/1م، ويشاهد فوقه كتابة بخط الثلث بعرض 40 سم تضمنت سورة «الإنسان» وآية «الكرسي» تعلوها المرايا.
دار الذكر: وتقع في الموضع الذي كان سابقاً مدرسة علي نقي ميرزا التي سقفت وجدد بناؤها في 1963 ـ 1965م، وعرفت في ما بعد بدار الذكر. ويبلغ طولها 72/15م وعرضها 29/12م وارتفاعها 9م. وأرضيتها من الرخام الأخضر وإزارتها من الرخام الأبيض وبارتفاع 50/1م وزين ما فوق الإزارة بالمعرقات والسقف بالجص والمقرنصات.
دار السرور: ويقع هذا الرواق جنوب دار السعادة وشمال دار الذكر. وقد كان غرفة لإعداد الشاي سابقاً، ثم مكتباً للإدارة الدالخلية للروضة المقدسة، ولكنه تحول في 1955 ـ 1959م إلى رواق كبير أطلق عليه اسم دار السرور. وطول الرواق 80/24م وعرضه 82/4م وارتفاعه 75/4م وقد أزّر إلى ارتفاع 46/1م بالرخام بينما زيّن ما فوق الإزارة وحتى السقف بالمرايا.
دار العزّة: وكان هذا الرواق سابقاً محلاً خاصاً بخدمة الروضة المقدسة، إلاّ أنه وبعد تعميره وتزيينه تحول إلى رواق، وذلك في 1963 ـ 1965م. وطوله 6/11م وعرضه 12/3م وارتفاعه 35/4م. وقد زينت أرضية دار العزة وإزارتها إلى ارتفاع 48/1م بالرخام ومنها إلى السقف بالقاشاني، في ما زين السقف كله بالمرايا. ويتصل هذا الرواق من الشمال بدار السرور ومن الشرق بدار الذكر عبر ثلاثة أبواب ومن الغرب بدار السلام.
دار السلام: وهذا البناء في الأصل عمارة من طابقين، وكان من أبنية كوهر شاد، ثم صار بيتاً يحمل نفس الاسم، ولكنه استخدم مستودعاً للسجاد وداراً للاستراحة، وقد اتصل هذا المكان بعد تعميره وتزيينه في 1955 ـ 1959م برواق (قبة) إبك ميرزا ليكوّن رواق دار السلام. وفي 1967م اتصل بممر محل الخدمة السابق ليصبح رواقاً كبيراً يبلغ طوله 20م وعرضه 10م وارتفاعه 5/9م. ولدار السلام ثلاثة أبواب تطل على باحة مسجد كوهر شاد ودار الحفّاظ ودار العزّة.
دار الشكر: وكانت تحفظ في هذا البناء المصاحف (المكتبة القديمة)، وبعد اتصاله بقسم من مر المسجد بدار التوحيد تحول إلى روّاق مربع عرف بدار الشكر، طول ضلعه 50/6م وارتفاعه 5/9م. وقد زيّنت أرضيته وإزارته لارتفاع 70/1م بالرخام، ومنها إلى الاعلى بالمرايا، وكذلك سطح السقف الذي استبدلت مراياه بالقاشاني أخيراً.
دار الفيض: ويتكون هذا الرواق من مجموعة أروقة مسجد الرياض وصفة الشاه طهماسب، والذي استبدل اسمه بدار الفيض بعد تعميره في 1968م. ويبلغ طوله 85/15م وعرضه 90/5م وارتفاعه 5/9م. وقد زينت أرضيته والإزارة لارتفاع 67/1م بالرخام، تعلوه كتابة على الرخام بعرض 33 سم، تضمنت أشعاراً للقاآني بخط النستعليق. وقد زيّنت الجدران مما يلي هذه الكتابة وحتى السقف المقرنص بالقاشاني المعرق.
دار التوحيد: [توحيد خانه] رواق يقع شمال الحرم بين الرواق الذي يلي الرأس المبارك والصحن القديم. وطوله 60/8م وعرضه 35/7م وارتفاعه 15م. وأرضيته والإزارة لارتفاع 60/1م من الرخام. يليها كتابة بعرض 50 سم تضم اسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام بخط الثلث، فيما زين ما فوقها وحتى السقف بالمرايا. وترتبط من الشرق بباب يؤدي إلى رواق الله وردي خان، فيما يربطها من الغرب باب آخر بالإيوان الذهبي للصحن الجديد.
رواق (قبة) حاتم خاني: بناه حاتم بيك الأردوبادي أحد الأمراء الصفويين حوالي 1010هـ/ 1601م. ويقع هذا الرواق شرق الحرم ويرتبط به عبر باب ذهبي مما يلي أسفل القدم المباركة. ويتصل هذا الرواق بدار السعادة من جهة الشرق عبر صفة كبيرة ومرتفعة. كما يتصل من الشمال برواق الله وردي خان من خلال صفة أيضاً، فيما يتصل جنوباً بموضع خفارة الخدم. يبلغ طول الرواق 50/13م وعرضه 30/7م وارتفاعه 60/11م وأرضية الرواق وإزارته إلى ارتفاع 50/1 من حجر الخلج المطعّم، ونقشت فوق الإزارة قصيدة على الحجر عرضها 40 سم، وقد غلّفت الجدران مما يلي الكتابة وحتى السقف بالقاشاني المعرق. وفي 1967م افتتح ممر آخر يربط الضلع الجنوبي لهذا الرواق بدار السعادة.
رواق (قبة الله وردي خان): لهذا الرواق ثمانية أضلاع وقد بناه الله وردي أحد أمراء الدولة الصفوية، ويقع شرق دار التوحيد وشمال شرقي قبة حاتم خاني. ويبلغ ارتفاع الرواق من الأرضية حتى سقف القبة 19/16م، وقد غطّيت أرضيته والإزارة إلى ارتفاع 90/1م بالرخام منها إلى الأعلى بما في ذلك السقف نفسه زين بالقاشاني المعرّق. وتوجد صفة في كل ضلع من أضلاعه الثمانية، وفوق كل صفةٍ صفةُ أخرى أصغر منها، وتصل الصفف السفلى بكل من الصحن القديم ودار التوحيد ورواق حاتم خاني ودار السعادة.
رواق دار الولاية: وهذا الرواق من أبنية عهد الجمهورية الإسلامية والذي سيشيّد على أرض مساحتها 2305 م2، وسيرتبط من الشرق بمدرسة دودر(ب) ومدرسة بريزاد، ومن الجنوب بالصحن القديم (الثورة)، ومن الشمال بالحرم المطهر، ومن الغرب بصحن الجمهورية الإسلامية.
المسجد الذي يلي الرأس المبارك [بالاسر]: ويتصل هذا المسجد بالحرم ويقع بينه وبين دار السعادة. بناه أبو الحسن العراقي (ت 429هـ/ 1038م) الكاتب في الديوان الغزنوي. فرشت أرضية المسجد وزينت إزارته لارتفاع 90/0م بالرخام، ما فوق الإزارة بالقاشاني المعرق السدسي والثماني الأضلاع. وكانت جدران المسجد وسقفه مزيّنة بالمرايا في العهد الناصري، وفي سنة 1965م زيّنت بالقاشاني المعرّق.
وقد كتبت على أطراف جدران المسجد آيات من القرآن المجيد بخط الثلث. كما كتبت في المحراب الواقع جوار الصفة المتصلة بالحرم والباب الشرقي للمسجد بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
6 ـ المداخل: المدخل هو بناء يقع خارج الصحن المقدس ويعد بداية لأبنية الروضة المقدسة. وكان هذا البناء سابقاً جداراً حجرياً بسيطاً له ثلاث فتحات متساوية لتردّد الزائرين، ويعلّق عليها غالباً علامة السلسلة دليلاً على الأمان لمن يلجأ للروضة المقدسة. وتوجد حالياً ثلاثة مداخل واحد في الشرق، والآخر في الغرب، والثالث شمال الصحن القديم.
المدخل العُلوي: ويطلق على القسم العلوي من الشارع عند تقاطع الدوار وحتى الإيوان الغربي للصحن القديم. وقد قام نائب السدانة السيد جواد ظهير الإسلام (ت 1965م) في عهد أحمد شاه باستبدال الجدار الحجري البسيط الذي يقع غرب المدخل ببناء أوسع، ولكنه أزيل هو الآخر أيضاً في 1962م، وشيّد مكانه في 1963 ـ 1965م بناء أكبر طوله 30م وعرضه 25/1م وارتفاعه 70/8م، ويحتوي على خمسة معابر، وقد طرأت بعض التعديلات على هذا البناء إثر تجديد بناء الحرم وتوسيع مساحته وذلك في 1974م، ولكنها أزيلت فيما بعد؛ ثم جدّد بناء المدخل على طراز حديث في عهد الجمهورية الإسلامية ولا زال قائماً.
المدخل السفلي: وهو القسم الأسفل من الشارع المحيط بالحرم، ابتداءً من محل تقاطع الدوار وحتى الإيوان والبوابة الشرقية للصحن والذي أطلقوا عليه اسم المدخل السفلي. والجهة الشرقية لهذا المدخل قديمة البناء كالمدخل العلوي، حيث أزيلت واستبدلت في 1963 ـ 1965م ببناء جديد كالمدخل العلوي. كما جرت على هذا البناء بعض التعديلات في 1974م، ولكنه سرعان ما أزيل ليجدد بناؤه مع المدخل العلوي ولا زال بناؤهما قائماً.
مدخل الطبرسي: ويقع في شمال الحرم المطهر ويفصل بين شارع الطبرسي والإيوان العباسي، وقد بني بعد انتصار الثورة الإسلامية بجوار الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية.
المدخل القبلي: في الفترة الأخيرة طرح مشروع إنشاء مدخل مقابل صحن الجمهورية الإسلامية، وقد أُنجزت بعض التمهيدات والأعمال الأولية لهذا المشروع. وأطلق عليه اسم المدخل القبلي لكونه سيواجه القبلة.
7 ـ المؤسسات الثقافية:
تعدّ المكتبة، والمتحف، وجامعة العلوم الإسلامية، ومؤسسة البحوث الإسلامية، والمؤسسة الثقافية الرضوية، ومؤسسة الطباعة والنشر من المؤسسات الثقافية للروضة المقدسة.
المكتبة: لا توجد معلومات دقيقة حول تاريخ تأسيس مكتبة الروضة الرضوية المقدسة، ولكن الشواهد التاريخية تفيد بأنه كان هناك محل لحفظ المصاحف والكتب الموقوفة للروضة المقدسة. يدل على ذلك أسماء بعض الواقفين للكتب التي كانت تحملها المصاحف والكتب الموقوفة وتواريخها، حيث يعود أقدم قرآن موقوف إلى عام 393هـ/ 1003م، كما أن هناك بعض أجزاء القرآن التي أوقفها أبو البركات علي بن الحسين في 421هـ/ 1030م. ومما يذكر في هذا المجال وجود قرآن يعود إلى القرن 5هـ/ 11م، أوقفته شَهْرِسِتّي بنت الأمير ابي العباس خسرو ابن ركن الدولة الديلمي.
وقد خصص لها مكان مع مرور الأيام وتتابع وقف المصاحف والكتب. فكان في الزاوية الجنوبية لإيوان أمير علي شير موضع لحفظ المصاحف المخطوطة، وأطلق عليه اسم دار القرآن. ويشاهد في وقفية كتاب غاية الوصول (825هـ/ 1422م) جملة (خزانة الكتب)، وهذا ما يؤكد وجود المكتبة في الروضة المقدسة في القرن 9هـ/ 15م. وقد تعرضت المكتبة أثناء هجوم الأوزبك على مشهد في 998هـ/ 1590م إلى الضياع، حينما امتدت إليها يد النهب والسلب وضاع العديد من المصاحف والكتب النفيسة، وقد صرح بهذا إسكندر بيك منشي حينما ذكر «مكتبة سركار فيض» في كتابه عالم آراي عباسي. ثم جمع الشاه عباس ما تبقّى من الكتب وأسس منها ومما أوقفه والشيخ البهائي مكتبة جديدة وعين لها مديراً. وكان يستفاد منها في عهد الأفشاريين. كما أوقف لها نادر شاه كتباً أيضاً.
وقد ورد في طومار علي شاه (ط: القسم الرابع من هذه المقالة). أسماء العاملين في المكتبة آنذاك مع ذكر أعمالهم ورواتبهم. وكان يستفاد منها في عصر القاجاريين أيضاً. وفي 1963 ـ 1965م أزيلت الأبنية القديمة الواقعة في الضلع الشرقي للمتحف، وأقيم مكانها قاعة له مكوّنة من ثلاثة طوابق. وتتصل هذه العمارة من الجنوب بصحن المتحف ومن الغرب بالمكتبة ويقع ضلعها الشمالي خلف أبنية الصحن الجديد حيث فتح منه طريق يؤدي إلى هذا الصحن، وقد أزيل هذا البناء فيما بعد، وأضيفت أرضه إلى فناء صحن الإمام.
وفي 1974م بنيت عمارة ذات خمسة طوابق للمكتبة وللخزانة والمتحف على أرض تزيد مساحتهاعن 10,000 م2، وذلك في الضلع الشرقي لصحن الإمام، حيث يقع طابقان من هذا البناء تحت سطح الأرض، فيما توجد الطوابق الثلاثة الأخرى فوقها. وتبلغ مساحة كل طابق حوالي 2000 م2. وقد خصص أحد الطوابق السفلى لخزانة الروضة والثاني للمخطوطات وصالة للعرض. وجدران هذين الطابقين من الكونكريت وأبوابهما محكمة. ويقع المتحف في الطابق الأرضي.
أما الطبقة الأولى فتحتوي على قاعتين للمطالعة إحداهما للرجال والأخرى للنساء، كما يوجد في هذا القسم مصعد خاص للكتب والخدمات اللازمة. ويقع مخزن الكتب في الطابق الثاني ويضم إدارة المكتبة أيضاً، وقد توفرت في هذه العمارة كافة المستلزمات الخاصة بحفظ الكتب والأشياء الثمينة كالتأسيسات الأمنية والرصد التلفزيوني ووسائل الإطفاء وأجهزة التكييف المركزي وجهاز تنظيم حرارة الجو المناسبة للمكتبة والمتحف؛ كما اتخذت التدابير الخاصة لعرض المصاحف والمخطوطات النفيسة، حيث وضعت داخل صناديق زجاجية مختلفة ليتسنى مشاهدتها. وتعتبر مكتبة الروضة المقدسة كنزاً عظيماً وثميناً بما حوته من مصاحف ومخطوطات نادرة جمعت خلال عدة قرون. هذا بالإضافة إلى اللوحات الثمينة وبخطوط أساتذة الخطب الكبار. ويوجد في هذه المكتبة 2290 نسخة من المصاحف النفيسة بالخط الكوفي والنسخ والثلث، حفظ أندرها وأكثرها نفاسة في خزانة خاصة. والكثير من هذه المصاحف مذهّب، فيما يوجد عدد منها كتبت كل آياته بماء الذهب.
وقد أوقفت كل من مكتبة ملك في طهران، ومكتبة وزيري في يزد لمكتبة الروضة المقدسة، وذلك من قبل مؤسّسَيْها الحاج حسين آقا ملك والحاج سيد علي محمد وزيري، وتداران بإشراف المكتبة المركزية، للروضة المقدسة. كما توجد عدة شعب تابعة للمكتبة المركزية منها شعبتان باسم مكتبة مسجد الرضا رقم 1 و2، بالإضافة إلى مكتبة مروج يزد ومكتبة نايين. وقد بلغ عدد الكتب في مكتبة الروضة المقدسة حسب إحصاء 1985 كما يلي:
المطبوعة 149,000 مجلد، والمخطوطات 15070 مجلداً، والمصاحف المخطوطة النفيسة 2290 مصحفاً، والأجزاء القرآنية المخطوطة 8750؛ وعدد الكتب في المكتبات التابعة لها 15,000 مجلد، ومجموع كل الكتب 190110 مجلدات.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية تقرر بناء عمارة جديدة للمكتبة تتلاءم ونموها المطرد. وعلى هذا الأساس بوشر ببناء المكتبة على أرض مساحتها 12,000 م2 وبثلاثة طوابق لتضم مليون كتاب. ويقع هذا البناء مقابل ملتقى شارعي الطبرسي وبالا خيابان الواقع في الضلع الشمالي لدوّار الروضة.
كنز المصاحف: في 1961م جُمعت المصاحف النادرة والتي تمتاز بجودة الخط والتذهيب والترصيع والتجليد وغيرها من المزايا، ووضعت في مكان أطلق عليه اسم كنز المصاحف، ووضع لكل مصحف بطاقة خاصة به تحتوي على كل مواصفاته. وأقدم مصحف مخطوط في هذا الكنز أوقفه للحرم الرضوي أبو القاسم منصور بن محمد بن كثير وزير السلطان محمود الغزنوي وصاحب ديوانه، وذلك في ربيع الأول 393هـ/ حزيران 1003م، وأن أحدث وقف لقرآن مخطوط هو مصحف بخط النسخ من القرن 9هـ/ 15م يعود لـ «بايسُنْقُر بن شاهرخ بن تيمور كوركان»، وقد أوقف في 1968م، وهو غاية في النفاسة من حيث الخط والتذهيب والترصيع. ويبلغ عدد المصاحف في هذا الكنز 200 نسخة.
المتحف: حفظت في متحف الروضة المقدسة تحف أثرية نفيسة جداً لا نظيراً لها، حيث جمعت في الخزانة الرضوية خلال عدة قرون. ويحتوي المتحف على مسكوكات نفيسة تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وكذلك مجوهرات ثمينة وفرش وسيوف وخناجر مرصعة تعود إلى أمراء وحكام العصور المختلفة، كما يحتوي على أشياء أثرية أخرى كالمنبر ومسقاة حجرية وشمعدان وثريات وهي الآن مرتبة ومعروضة للعموم. وتصرف عوائد المتحف لشراء الكتب. وبالإضافة إلى متحف الروضة المقدسة المركزي توجد متاحف أخرى تابعة لها وتحت إشرافها الإداري منها: متحف ملك آباد في قصر الشاه السابق والمتحف الشعبي الذي لم يفتتح بعد.
جامعة العلوم الإسلامية: تأسست هذه الجامعة بعد انتصار الثورة الإسلامية وتقع بجوار مدخل الطبرسي وقرب الإيوان العباسي. وقد أقيمت في موضع مدرسة ميرزا جعفر القديمة بعد أن أضيف إليها مدرسة خيرات خان وعدد من الأبنية المحيطة بها. وفي هذه الجامعة 22 غرفة درس و250 سريراً، ومسجد ومغسل للملابس وغرفة لإعداد الشاي، كما يوجد حانوت ومطعم وقاعة اجتماعات. وتبلغ مساحة هذه الجامعة 22,000 م2.
مؤسسة البحوث الإسلامية: تأسست في 1985م وتمارس هذه المؤسسة نشاطاتها بمساعدة أساتذة الجامعة والحوزة العلمية في ميادين العلوم الإسلامية والدراسات الاجتماعية واللغات الأجنبية والنشرات الدورية وإصدار الكتب. وتقع هذه المؤسسة في شارع الشهيد منتظري قرب محطة التلفزيون بمشهد المقدسة.
المؤسسة الرضوية الثقافية: وهي مؤسسة تعليم وتحقيق تشمل كل مراحل الدراسة من الابتدائية حتى الجامعة، حيث يدخلها طلبة العلوم تمهيداً للالتحاق بالدراسات العليا.
مؤسسة الطباعة والنشر: تأسست في 1983م، والهدف من تأسيسها هو التأليف والترجمة والتصحيح وإصدار الكتب والاطلاع على الآثار الإسلامية والبحوث الحديثة في مختلف العلوم والفنون، وتقع هذه المؤسسة في شارع كوه سنكي [الجبل الصخري] في مشهد المقدسة.
الموقوفات
ويقصد بموقوفات الروضة المقدسة، الأموال والأملاك التي أوقفت أعيانها على الروضة، وتصرف أرباحها وعوائدها عليها. ولا تزال سندات وقف الكثير من الأموال المنقولة وغير المنقولة والتي أوقفت خلال العصور للحرم الرضوي باقية، وهي ذات قيمة تاريخية كبيرة، وكان الكثير من موقوفات الأثرياء والأمراء، والحكّام مخصص للزوّار والمحتاجين المجاورين للحرم والمعتكفين فيه. كما أن الزوّار أنفسهم كانوا يوقفون ما باستطاعتهم عن طيب خاطر. وقد ضاع عدد من وثائق الوقف خلال غارات المغول والأوزبك والأفغان المتعددة على مشهد.
وأما الباقي منها فيعود إلى أوقاف العصر الصفوي. كما أن أسماء ومواصفات الأملاك الموقوفة التي استملكت ثم ضاعت لا تزال باقية. وفي عهد نادر شاه حجز ديوانه أملاك الروضة لفترة، ولكن ابن أخيه عادل شاه (علي شاه) أعاد تلك الموقوفات المحجوزة بعد أن أضاف عليها 100 قطعة أرض زراعية من ممتلكاته الخاصة وأملاك الدولة، ونظّم صورة وقفية لتلك الموقوفات والمزارع والأملاك على طومار سمي (طومار علي شاه)، يحفظ في مكتبة الروضة.
وفي عهد ناصر الدين شاه نظّم عضد الدولة نائب سادن الروضة آنذاك فهرساً بالأملاك والعقارات الموقوفة للروضة المقدسة. وقد وقّع على هذا الطومار أمناء سدانة الروضة وعلماء ذلك العصر بأمر من السلطان ناصر الدين شاه، وحفظ في مكتبة الروضة المقدسة. وقد تتعرض الأملاك الموقوفة وعوائدها لسوء التصرف، أو يقل الانتفاع بها حينما تضطرب الأوضاع السياسية، أو عندما يتصدى لسدانة الروضة الضعفاء والمصلحيون، وقد صرح بهذا المعنى طومار علي شاه وطومار عضد الملك. ولهذا فإن الهدف من تسجيل الموقوفات هو السعي للحيلولة دون وقوع مثل هذه الحوادث: وقد سجلت في العقود الأخيرة موقوفات الروضة المقدسة بشكل تدريجي وصدرت لها سندات ملكية باسمها.
وتشتمل موقوفات الروضة غير المنقولة، إضافة إلى الممتلكات الزراعية والأسواق الكبيرة منها والصغيرة، الأراضي والمعامل والمستشفيات والحمامات والحدائق والقنوات والحوانيت والمنازل. ويقع قسم كبير من هذه الموقوفات في مشهد ومدن خراسان، والبقية في طهران وقزوين ورشت ومازندران وآذربيجان وكرمان وأصفهان وشيراز. وقد حدد الواقفون وجوه الصرف والاستفادة لأغلب موقوفاتهم. بينما أطلق وقف البعض ولم يحدد وترك أمر التصرف بها للسادن. أما الأملاك التي فقدت سندات وقفيتها فتعد من النوع الثاني. وهناك نوع من الموقوفات حدد الواقفون التصرف بقسم منها وترك القسم الآخر تحت تصرف سدانة الروضة المقدسة.
السدانة والمؤسسات الإدارية
لا توجد معلومات دقيقة عن كيفية سدانة الروضة المقدسة ومؤسساتها الإدارية ما قبل طهماسب الأول الصفوي (920 ـ 984هـ/ 1514 ـ 1576م). ولكن القرائن والآثار تشير إلى وجود خدم ومباشرين منذ القدم، كما يذكر الإربلي (ت 683هـ/ 1284م) في كتابه كشف الغمة، أن امرأة كانت تتولى خدمة البقعة المباركة في أيام السامانيين. ثم تولى النقباء والذين كان أكثرهم من السادات والعلماء إدارة البقعة الرضوية قبل عهد الصفويين. وتحدث خواند مير عن «السادات العظام والنقباء الكرام للروضة الرضوية المقدسة».
وأورد عدداً من أسماء أولئك النقباء. وأول من حمل لقب (نقيب المشهد الرضوي) هو ميرزا بدر الدين النقيب (القرن 8هـ/ 14م)، وكان معاصراً للسلطان محمد خدابنده (ألجايتو) الذي حفظ مدينة مشهد من غارة «يسارو» ونهبه، وفي أيام شاهرخ التيموري كان نقيب المشهد الرضوي علاء الدولة علي حميدي العلوي المشهدي الرضوي، والذي أُوكلت إليه كوهر شاد في وقفيتها تولية «البقاع المباركة والأوقاف المذكورة» لمسجد كوهرشاد. وقد ظلت إدارة الروضة المقدسة بأيدي النقباء حتى عهد طهماسب الصفوي الذي أوقف بعض الممتلكات لها وعين سادناً من غير النقباء. وكان أول السدنة في عهده الأمير أبو الوالي ابن مير شاه محمود الأنجوي الشيرازي الذي كان «سيداً فاضلاً فقيهاً شديد الالتزام بالتشيع» (إسكندر بيك 1/ 149)، وفي عهد الصفويين كان يعين شخصان للسدانة أحياناً.
وأمّا العاملون في الجهاز الإداري للروضة المقدسة فهم عدد من الخدمة والفراشين والمقرئين والذين هم تحت إشراف رئيس الخدم، فرئيس الحراس، ثم رئيس الحفاظ على التوالي. وهناك عدد من الموظفين الإداريين والمشرفين على الأملاك. وللخدم والعمال في الروضة مرتبات مخصّصة تدفع لهم كل عام على شكل نقد وغلات من عوائد الموقوفات.
وفي عهد نادر شاه رتبت موقوفات الروضة إلى حد ما وصارت رواتب الخدم، تعطي مما يرميه الزائرون داخل الضريح من نقود ونذور، وتقلص عدد الخدم من 5 إلى 3 أشخاص. وقد ورد في طومار علي شاه ذكر لمرتبات وواجبات السادن والعمال بما في ذلك المشرف ورئيس الحرس والبواب وصاحب الختم والمدرّس ورئيس الخدم وقارئ الزيارة ورئيس الحفاظ والإمام والخطيب والواعظ وآخرون.
كما أن هناك أيضاً قراراً مفصلاً بصرف بعض عوائد الموقوفات على الخدمات العامة كالإنارة وإطعام الفقراء وعلاج المرضى وصيانة الأبنية ورواتب العاملين. وكانت الشؤون المالية للروضة المقدسة تدار على طريقة الحسابات الديوانية القديمة، وقد ظلت على هذا المنوال حتى أواسط العهد القاجاري، حيث كانت تحصى الإيرادات والمصروفات في نهاية كل عام، ويسجلها المحاسبون بالتفصيل على قوائم يوقع عليها السادن ويختمها. ولكن إدارة الروضة المقدسة اضطربت في منتصف العصر القاجاري بسبب بيع وشراء منصب السدانة وفساد المتصدّين، بحيث تصرف البعض بعدد من الممتلكات الزراعية والعقارات أو استملكوها. وفي 1926م وضع قانون لإدارة الروضة المقدسة وظل ساري المفعول حتى 1949م. وفي هذا العام شرع قانون جديد يتضمن 9 بنود و76 مادة، ثم ألحقت به مادتان في 1961م، وفي عام 1975م وضع مشروع لتصنيف الموظفين في الروضة المقدسة مبني على أساس ضوابط ومقررات، حددت لكل منهم درجته ومرتبه وترفيعه وطريقة نقله واستخدامه، وقد دوّن نظام جديد للشؤون الإدارية والمالية في الروضة المقدسة لإدارتها.
الحرم الرضوي
ـ 2 ـ
هو عبارة عن المرقد العظيم الواسع للإمام علي الرضا عليه السلام ثامن أئمة الشيعة، الذي يعتبر أعظم وأوسع المزارات في إيران، وترجع نواته الأولى إلى القرن الثاني الهجري، حيث دفن الإمام الرضا عليه السلام([633]) في موضع مجاور لقبر هارون الرشيد. ويقع هذا الموضع في بستان حاكم طوس في قرية (سناباد) ثم عرف بعد وفاة الإمام الرضا باسم (مشهد) وتوسع هذا الاسم ليصبح مدينة مشهد ويلغي بذلك اسم طوس.
وقد ورد اسم مشهد لأول مرة في كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي، وكذلك ذكر ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك هذا المكان باسم (مشهد الرضا).
وفي زمن الديالمة، كان هذا المرقد يزيّن ويعتنى به، حتى كان الملك الغزنوي المتعصب سبكتكين (366 ـ 387هـ) فأمر بهدم سقف المرقد وبعض جدرانه.
ثم يذكر البيهقي أن أبا بكر شهمرد عمد في عام 400هـ إلى إعادة بناء المرقد فأقام بقية جدرانه الطينية والآجرية وإضاف إليه منارة وذلك بأمر من السلطان محمود الغزنوي وكان هذا البناء النواة الأصلية لحرم الإمام الرضا عليه السلام وهو بناء ذو أربع زوايا.
وإذا كان تاريخ هذا البناء مزامناً لبناء (سنك بست) القريب من طريق فريمان والذي يُعد البناء الوحيد الباقي من العهد الغزنوي، فإننا يمكن أن نتعرف على الوضع الأصلي لمرقد الامام الرضا عليه السلام قبل إجراء التزيينات والإضافات التالية عليه من خلال المقارنة بين المكانين.
ومن بين الآثار المهمة الموجودة في متحف الحضرة الرضوية، قطعة صخرية بمقياس 6 × 30 × 40 سم يرجع تاريخها إلى عام 516هـ ويذكر أنها أول صخرة وضعت لمزار الامام الرضا عليه السلام، وقد كتبت عليها العبارة التالية: «أمر بعمارة مشهد علي بن موسى عليه السلام العبد المذنب الفقير إلى رحمته أبو القاسم أحمد بن علي بن أحمد العلوي الحسيني تقبل الله منه». وتشير هذه العبارة إلى وجود بناء للمرقد وليس وجود القبر وتثبيت الصخرة عليه وحسب.
وخلال حملة الغزيين في عام 548هـ تعرض هذا المرقد لبعض الأضرار، وبعد سنوات رممه شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي في عهد السلطان سنجر (511 ـ 557هـ).
ووفقاً لما هو مكتوب على بعض قطع (الكاشي) فإن زمرد ملك ابنة أخت السلطان سنجر، عمدت بعد عام 557هـ إلى تزيين الحرم الشريف بأنواع من الكاشي السداسي والثماني والنجمي، وقد ورد اسم هذه السيدة على إحدى قطع الكاشي كما يلي: «تركان زمرد ملك بنت السلطان الشهيد محمود». وكانت هذه السيدة قد كتبت القرآن في أجزاء بخط جميل ووقفته للمرقد الشريف، وهو الآن موجود في مكتبة الحضرة الرضوية.
وفي عام 612هـ (أي في زمن الخوارزمشاهيين) نصبت مخطوطات على جانبي بوابة الدخول في الحرم الشريف وهي مكتوبة بخط الثلث البارز على قطع جميلة من الكاشي، وهي تذكر نسب الإمام الرضا عليه السلام حتى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وفي نهايتها ما يلي: «من عمل العبد المذنب الراجي رحمة ربه مولى الإمام عليه الصلاة والسلام علي بن محمد المقري غفر الله له»، و«أضعف عباد الله محمد بن أبي طاهر بن أبي الحسن بعد ما عمله وصنعه في تاريخ غرة جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وتسعمائة [912هـ] غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمد وعترته الطاهرين».
ويوجد في حاشية هذه الكتابة بيتان من الشعر في مدح الإمام الرضا عليه السلام للشاعر أبي نواس. وثمة كتابات أخرى ترجع إلى نفس هذا التاريخ في داخل الحرم على الجانب الشمالي المسمى بجانب الملك طهماسب، وفيها بيتان من الشعر الفارسي ثم تليها العبارة التالية: «قائله عبد الله بن محمود بن عبد الله في شهور سنة اثنتي عشرة وتسعمائة» وتوجد ثلاثة محاريب في الحرم الشريف ترجع إلى نفس التاريخ كما هو مثبت «في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة». وتعتبر آثار الحرم المؤرخة هذه من النماذج التزيينية النادرة التي وصلت إلينا من العهد الخوارزمي.
وقد تعرض المرقد الشريف إلى أضرار كبيرة في حملات المغول. ثم أجريت عليه إصلاحات أساسية في زمن الإيلخانيين ففي بادئ الأمر باشر غازان بهذه الإصلاحات، ثم تابعها الملك الإيلخاني الشيعي الجايتو (703 ـ 716هـ) وأضاف بعض العمران إليه. ويرجع البناء الكامل للقبة الموجودة إلى عهد الجايتو.
كانت الحضرة الرضوية في القرن الثامن الهجري تشتمل على الحرم ومسجد بالاسر الذي يرجع بناؤه إلى أبي الحسن العراقي أحد كتّاب العهد الغزنوي وبعض الأبنية الصغيرة المتصلة بالضلع الشمالي للمرقد ومدرسة.
وقد تحدث ابن بطوطة عن الحضرة الرضوية الشريفة بعد زيارته لطوس في عام 734هـ قادماً إليها من جام قائلاً: «يحتوي المشهد الشريف على قبة عظيمة وتوجد إلى جانبه مدرسة ومسجد وبناؤهما محكم ومتين. وقد زينت جدران هذه الأبنية بالطوب الكاشاني، وثمة صندوق خشبي منصوب على قبر الإمام الرضا عليه السلام وهو مطرز بالفضة، وتتدلى فوق هذا الصندوق قناديل فضية، ويُشاهد على بوابة الحرم ستار من الحرير المذهب، وتحت القبة أنواع الفرش، ويوجد بإزاء قبر الإمام الرضا عليه السلام قبر هارون الرشيد، وعليه ايضاً صندوق تتدلى فوقه القناديل».
ظل الحرم الشريف على هذه الحال حتى الربع الأول من القرن التاسع الهجري، حتى جاء الملك شاهرخ التيموري فساهم وزوجته كوهرشاد في توسيعه إلى حد كبير، فقد أقيم في عهدهما في عام 821هـ أول مسجد جامع لمدينة مشهد في قبلة الحرم وهو الجامع المعروف باسم (جامع كوهر شاد) ([634])، ثم أقيمت (دار الحفاظ) بين الحرم وجامع كوهر شاد ثم (دار السيادة) إلى الغرب من (دار الحفاظ) وهو أكبر رواق في أطراف الحرم، وأخيراً (الخزانة) إلى الشرق من دار الحفاظ.
وإضافة إلى ذلك فقد شيدت ثلاث مدارس في عهد شاهرخ هي: مدرسة (بالاسر) ومدرسة (دودر) ومدرسة بريزاد.
وفي أواخر العهد التيموري استحدث الأمير علي شير نوابي وزير السلطان حسين بايقرا (878 ـ 912هـ) الصحن القديم وأساس (إيوان طلا)، ثم وسع الصحن المذكور في زمن الملك عباس الأول، وطلي الإيوان بالذهب في زمن الملك نادر شاه.
وقد ازدادت عظمة المرقد الرضوي في زمن الصفويين، فقد أمر الملك طهماسب الصفوي بترميم وطلاء المنارة القريبة من قبة الحرم والتي يرجع بناؤها إلى حاكم نيشابور في زمن الغزنويين سوري بن المعتز في عام 932هـ بقطع الكاشي الثمين المثبتة على القبة وقطع من الذهب ولكن عبد المؤمن خان الأوزبكي أغار على المرقد الشريف فنهب قطع الذهب وجميع الأشياء الثمينة الأخرى، وحين وصل الشاه عباس الأول (مشهد) في عام 1010هـ قادماً إليها من أصفهان مشياً على الأقدام أمر بطلاء القبة بالذهب مرة أخرى، وقد دوّن ذلك على القبة بخط علي رضا العباسي. وكان الشاه عباس مهتماً بمرقد الإمام الرضا عليه السلام غاية الاهتمام ومن ثم أجاز لكل من يوفق لزيارة هذا المرقد الشريف أن يتلقب بـ (المشهدي) فراج هذا اللقب منذ ذلك الحين.
وفي زمن الشاه عباس الأول أجريت عدة إصلاحات على الحضرة الرضوية، ومنها: توسيع الصحن القديم وإحداث الإيوان الشمالي وغرفه وبواباته وإيوانات على شرقه وغربه.
ويعدّ رواق (توحيد خانه) من الآثار المنسوبة إلى الملا محسن فيض الكاشاني. ويُوجد إلى جهة الشرق من التوحيد خانة رواق قبة اللهوردي خان وهي تحتوي على قبر اللهوردي خان أحد قواد الشاه عباس الأول. وقد هدمت هذه القبة في عام 1084هـ إثر زلزلة، فأمر الشاه سليمان الصفوي بإعادة بنائها في نفس العام.
ويرجع تعمير وطلاء (إيوان طلا أو إيوان الذهب) الموجود في الصحن القديم إلى نادر شاه أفشاد، ويرجع طلاء المنارة التي تعتلي هذا الإيوان إلى عام 1142هـ أي إلى زمن نادر شاه أيضاً. ومما ينسب إلى عهد نادر شاه أيضاً بناء منارة الإيوان الشمالي وتذهيبها ونصب الرخام على (سقاخانه إسماعيل) الموجودة في الصحن القديم.
وفي زمن القاجاريين أضيفت عدة بنايات واستحدثت عدة تغييرات في هذا المرقد، ومن الأبنية التي أضيفت إليه؛ صحن جديد في الجانب الشرقي من الحرم وهو يعود إلى زمن فتح علي شاه ورواق (دار السعادة) وهو من آثار اللهيار خان آصف الدولة وقد بني في عام 1251هـ وبناء رواق (دار الضيافة) في عام 1330هـ.
وقد تعرضت الحضرة الرضوية إلى حملة الروس خلال اعتدائهم على خراسان، حيث دكت القبة بالمدفعية الروسية وثقبت عدة أماكن منها، ثم دخل الجنود القوزاق أروقتها فاحتلوها وقتلوا الكثير من الناس فيها … فكانت مأساة لا تنسى على مرّ الزمن.
وفي عام 1331هـ عمد والي خراسان سلطان حسين إلى ترميم وتعمير ما خربه الروس.
وفي عام 1307 أجريت تغييرات أساسية في الأماكن المحيطة بالحرم، فقد استحدث (دوّار) يحيط بالحرم بقطر 180م من رأس القبة وعرض 30م. ثم استحدث متحف ومكتبة وقاعة لمراسم التشريفات.
ومن أهم التغييرات التي أجريت على الحضرة الرضوية وأماكنها التاريخية، التغيير الذي حدث في عام 1971م، حيث هدمت عدة أماكن تاريخية واستحدثت بدلاً عنها منطقة خضراء.
والأماكن الرئيسية الموجودة حالياً في الحضرة الرضوية هي كما يلي: الحرم المطهر ودار الحفاظ ودار السيادة ومسجد بالاسر ودار الإخلاص ودار الشكر والتوحيد خانه ودار الفيض وقبة اللهوردي خان والقبة والحاتم خاني ودار الضيافة ودار السعادة ودار السرور ودار الذكر ودار الزهد ودار العزة ودار السلام.
الحرم المطهر: ـ كما ذكرنا فإن نواته الأصلية تعود إلى عام 400هـ، حيث بنيت على الأساس الموجود في القرن الثاني الهجري وهي بمساحة 10,40م في 10,90م.
عندما بني هذا المكان كان مخصصاً لقبر هارون الرشيد، ولذلك عندما أضيف إليه قبر الإمام الرضا عليه السلام لم يكن يفصل هذا القبر عن الحائط الغربي أكثر من 85 سم، ولذلك كان الطائفون بالقبر يجدون صعوبة في طوافهم ومن ثم أجريت عملية تغييرات دقيقة جداً، حيث أبقيت على القبة دون تغيير وأزالت هذا الجدار مُستعينة بعمودين فأصبحت الفاصلة المذكورة 3,05م وكان أسفل الحرم مزيناً حتى ارتفاع 20 سم بالرخام ثم يعتليه (كاشي) ثمين يعرف بالسنجري حتى ارتفاع مترين وهو على أشكال عدة منها: السداسي والثماني والنجمي والكوكبي. وتوجد على الكاشي السنجري الأصيل كتابة بتاريخ 515هـ. ويوجد على الكاشي المذكور تاريخ 612هـ أي العام الذي عزم فيه السلطان محمود الخوارزمي على فتح بغداد إلاّ أنه تعرض إلى هجوم المغول. وتوجد في أعلى هذه الكتابة، كتابة أخرى على كاش نفيس قبالة وجه الإمام وهي مكتوبة بخط بارز، وأمّا تاريخها فهو (اثنين من جمادى الآخرة ستين وسبعمائة هجرية) (760هـ).
وقد زينت جميع أجزاء الحرم التي تعلو هذه الكتابات بالمرايا في عام 1275هـ أي في زمن ناصر الدين شاه. وقد ظهر خلال عملية إزالة الحائط الغربي المشار إليها، أن ثمة أربع طبقات تزيينية كانت موجودة قبل إجراء التزيين بالمرايا وهذه الطبقات هي كما يلي: الطبقة الأولى وهي من الجص المزين تزييناً بسيطاً، ويحتمل أنها تعود إلى القرن الثاني الهجري. ثم تأتي الطبقة الثانية وعليها مجموعة من الرسوم ويبدو أنها تعود إلى عهد البويهيين في القرن الرابع الهجري، وتأتي بعدها الطبقة الثالثة وتعود إلى العهد الصفوي وتزييناتها من الذهب واللاجورد والزنْجفر وتظهر الكتابة المنصوبة إزاء وجه الإمام في عام 1155هـ أن أعمال الطلاء والرسوم في الحرم تمت بأمر من نادر شاه، ثم أصدر ناصر الدين شاه أوامره إلى الميرزا صادق قائم مقام النوري بتغطية جميع التزيينات والرسوم والطلاء بتزيينات من المرايا، وهكذا بدأ استخدام المرايا في تزيين بقية أجزاء الحرم، وقد زين سقف القبة كله بهذا النوع من الزينة.
وأمّا قبة الحرم الخارجية التي تضفي على الحضرة جمالاً خاصاً فهي تنتصب على أعمدة ويبلغ قطرها 13,44م، ويبلغ سمك جدارها 65 سم عند العمود بينما يبلغ هذا السمك في أعلاها 45 سم، ويقع قسط من وزن القبة على خشخاش محصور بين جدارين. ويبلغ محيط القبة 42م وارتفاعها بدءاً من الطلاء وحتى قمتها 16,5م وارتفاعها عن سطح الأرض 31م. وتوجد في هذه القبة كتابة عربية بعرض 1,90م بخط الخطاط علي رضا العباسي وهي تفيد أن أعمال الزينة نفذت بعد وصول الشاه عباس الصفوي إلى مشهد مشياً على الأقدام في عام 1010 وأن الفراغ منها كان في عام 1016هـ.
وتوجد كتابة أخرى بخط محمد رضا الإمامي تعود إلى عام 1086 أي في زمن الملك سليمان يتحدث فيها عن حدوث شرخ في القبة إثر وقوع زلزلة ثم إجراء الترميمات والتزيينات اللازمة.
ومن الآثار الجميلة الموجودة في داخل الحرم؛ ثلاثة محاريب قيمة جداً، توجد فوق اثنين منها كتابات بالخط الكوفي، وأمّا المحراب الثالث فتوجد فوقه خطوط كوفية وخط ثلث مكتوبة على بياض باللون اللاجوردي وهي تشتمل على أحاديث وآيات شريفة.
ومن الآثار القيمة الأخرى؛ أبواب الدخول الثلاثة فالباب الذي يقع بين الحرم ودار الحفاظ يعود تاريخه إلى عام 1272هـ، وكان هناك قبل هذا الباب باب من الذهب المرصع أهداه فتح علي شاه القاجاري إلى الحرم، إلاّ أن هذا الذهب نهب على يد محمد حسين خان سالار الذي ثار في خراسان، حيث اقتلع الذهب من هذا الباب ومن سائر أماكن الحرم الأخرى وضرب به في مشهد نقداً باسمه. وثمة باب مذهب آخر يعود تاريخه إلى عام 1284هـ وهو موجود عند رجلي الإمام بين الحرم وقبة حاتم خاني.
الصندوق والضريح الشريف: تظهر بعض الكتابات التاريخية أن وضع الصندوق على الضريح كان لأول مرة في عام 500هـ. ثم وضع صندوق آخر في زمن الشاه محمد الخوارزمي في عام 600هـ.
ومن المؤكد أن الملك طهماسب الأول وضع صندوقاً من الذهب على المرقد الشريف، وقد كتب على الصندوق ما يلي: «بعد التوفيق الإلهي وتأييد حضرة ملاذ الرسالة والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وُفّق طهماسب بن إسماعيل الصفوي لنصب هذا المحجر الذهبي في موضع العرش العالي في سنة 957». ومع مرّ السنين تآكل الصندوق فانفصلت عنه القطع الذهبية.
وفي زمن الشاه عباس نصب صندوق جديد مطلي بالذهب وعليه مخطوطات لآية الكرسي وصلوات على المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام وأشعار فارسية وهي بخط الثلث والنستعليق ثم (قام) أحفاد نادر شاه نادر ميرزا ونصرت الله ميرزا بسرقة صفائح الصندوق الذهبية ومعها قنديل ذهبي كبير وقفل مرصع كان نادر شاه قد صنعهما نذراً لفتح الهند وتركستان، وضربا ببعضهما النقد باسمها. ولم يكن الناس يرغبون في إنفاق هذه النقود فكانوا يجمعونها ويسلمونها خلسة إلى المجتهد ميرزا مهدي ليقوم بنصبها في مكانها الأصلي.
بعد استعادة القطع، نقل الصندوق إلى المتحف في عام 1932م ثم نقلت إلى طهران مخطوطات علي رضا العباسي الذهبية ومعها الصفائح الذهبية ووزنها 36 ألف مثقال ومقادير من الفضة يبلغ وزنها 60 ألف مثقال لتكون رصيداً للنقد وفي المقابل اشتريت أملاك القشقائيين في وادي (دره كز) ووقفت للحضرة الرضوية. ثم أعيدت المخطوطات الذهبية المذكورة إلى المرقد الشريف في عام 1942م.
وفي عام 1932م استعيض عن الصندوق المذكور بصندوق مركب من إحدى عشرة قطعة من الرخام الليموني اللون وهو بمقياس 2,10 × 1,60 × 0,95م وقد نصب هذا الصندوق الجديد على المرقد وعليه مخطوطات باللغة العربية ومادته التاريخية: «الرضا قبره جددا» (1351هـ).
الأبنية التابعة للحرم: تتألف هذه البنايات من بناية المتحف الواقعة بين مسجد كوهر شاد والصحن الجديد، ويعود تاريخ بنائها إلى عام 1937م. ويحتوي هذا المتحف على آثار قيمة جداً.
المكتبة: وهي متصلة ببناء المتحف وتعد من المكتبات المهمة خصوصاً وهي تحتوي على نسخ خطية قيمة.
قاعة التشريفات: وتقع في غرب مقبرة الشيخ البهائي.
تحتوي أبنية الحرم ومجموعة الأبنية التابعة لها على 22 باباً قديماً ذات أهمية كبيرة وقد أشرنا إلى بعضها وأقدم هذه الأبواب جميعاً هو الباب الذي يربط ممر السقاخانه بدار السيادة، وقد حفرت على جبهته هذه العبارة: «أمر بتجديد الباب من خاص ماله العبد المذنب الراجي ناصر الدولة والدين شمس الدين السحياني تقبل الله منه في تاريخ سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (735) بعمل الأستاذ علي النجار النيشابوري».
ومما يجدر التذكير به أن أبنية الحرم في حالة تغيير مستمر فبالإضافة إلى إجراء عمليات التزيين في هذه الأبنية باستمرار وتغيير أنواع الزينة من حين لآخر فإن نفس الأبنية تتعرض لتغيير مستمر أيضاً. والتغييرات التي حصلت خلال عشرين السنة الأخيرة وحدها جديرة بمقال مفصل وقد ألحقت هذه التغييرات أضراراً كبيرة بالأبنية القديمة وآثارها الفنية القيمة، حيث يعمد المتصدون للمراقد المقدسة إلى إحداث أبنية جديدة وهدم الأبنية القديمة دون الأخذ بنظر الاعتبار أهميتها وقيمتها الفنية ودون استشارة ذوي الرأي من علماء الآثار، وإنما يبادرون إلى ذلك بحسن نية ولكثرة المبالغ التي يمتلكونها.ولكن على الرغم من كل ما لحق بأبنية الحضرة الرضوية من تغييرات وأضرار، إلاّ أنها تعد متحفاً فنياً قيماً بجموعة الآثار المعمارية التي تحتويها وخصوصاً تزيينات الكاشي وزينة المرايا وزخارف الجص والفلزات وأمثال ذلك. وبعبارة أخرى يمكن أن تعتبر الحضرة الرضوية الشريفة أعظم وأكبر المراقد والمزارات في العالم الإسلامي.
وهكذا أضحت هذه الحضرة الشريفة بفنونها الجميلة محلاً يجتذب الملايين من الزوار الذين يقدمون إليها بكل شوق من قرى ومدن إيران وأنحاء العالم.
وقد تميزت هذه الحضرة بمراسم خاصة مثل فتح الحرم وغلقه وغسله ورش ماء الورد فيه، وإضاءة السراج وتنقله من يد إلى أخرى قبل استخدام المصابيح الكهربائية، والمراسيم الخاصة التي تجري في الأعياد والمناسبات الأخرى ونفض الغبار عن الضريح واستقبال مئات من الضيوف يومياً في مضيف الإمام وكذلك وجود الموظفين والمسؤولين بملابسهم الخاصة وعصيهم المفضفضة، وكان لكل هذه المراسيم والمظاهر المنظمة وقع خاص وهيبة خاصة على مرّ الزمن.
ويوجد في الحضرة عمال وموظفون كثيرون يحافظون على نظافة الحرم والأبنية الأخرى ويشرفون على إدارة الأمور وسير النظام في هذه الأماكن وهم ينقسمون إلى مناصب مختلفة فمنهم الخدم والحراس والفراشين والبوابين ومنهم الشرطة. فالخدم يتكفلون برعاية الحرم ونفض الغبار عنه ويتعهد الحراس بالحفاظ على النظام داخل الحرم ويقوم الفراشون بهذا الدور في الأروقة بينما تقوم الشرطة بالحفاظ على النظام في الصحون وبالإضافة إلى ذلك فهناك حفاظ القرآن والخطباء وجامعو الأحذية ولكل منهم وظيفته الخاصة به. مسجد كوهر شاد
مسجد كوهر شاد
ـ 1 ـ
هو القائم خلف حرم الإمام الرضا عليه السلام ننشر عنه دراستين وقد يتكرر بعض ما فيهما:
يعدّ أحد أجمل مساجد العالم وقد عدّه البروفسور بوب المستشرق الفرنسي ثامن بناية جميلة في العالم، ولكن عدّه البروفسور كريستي ويلسن في الرتبة الثانية عشرة. وفي كل الأحوال فإن المستشرقين لم يبالغا في وصف هذا البناء الجميل الخالد.
أمرت ببناء هذا المسجد الجامع السيدة كوهر شاد بنت خواجه غياث الدين من أحفاد جنكيز خان عام 807 أيام حكم الملك شاهرخ في هرات واستمر العمل في بنائه حتى عام 821 وحينما تمّ البناء طلبت كوهر شاد من الملك التيموري افتتاحه فأتى من هرات إلى مشهد وافتتح الجامع وأهدى إليه واحدة من أضخم وأثمن الهدايا ألا وهي ثريا ذهبية فيها المئات من الشموع لإضاءة المسجد الجامع يبلغ وزنها 3000 مثقال، أشرف على بناء الجامع المعمار الإيراني المشهور قوام الدين الشيرازي وقد ورد اسمه في أحد أجزاء المسجد: «عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان».
وقد جاء تاريخ إتمام البناء في ثلاثة مواضع من جدران المسجد الجامع، أحدها في واجهة الكتيبة للإيوان المقصورة الواقعة في الجانب القبلي.
«كتبه بايسنقر بن شاهرخ بن تيمور كوركاني في 821»، والثاني: «اتفق تحريرها في أوائل شهر الله المبارك رجب المرجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة». والثالث في جدران داخل المقصورة: «المنافق في المسجد كالطير في القفص، في شهور سنة إحدى وعشرين وثمانمائة» كما ورد اسم كوهر شاد في الإيوان الشمالي للجامع: «أمرت بعمارة هذا المسجد صاحبة الرشد والرشاد المعظمة كوهر شاد».
تبلغ مساحة المسجد 2600م2 وفيه أربعة أواوين في الجهات الأربع وفي جوانب الجامع يوجد أروقة عديدة تستعمل لإقامة الصلوات، الإيوان الجنوبي المسمى المقصورة، والإيوان الشمالي المسمى بـ (دار السيادة)، والإيوان الشرقي المسمى بـ (إيوان آب) والإيوان الغربي المسمى بـ (إيوان حاج حسن). وأعظم هذه الأواوين الأربعة هو الإيوان الجنوبي حيث يبلغ ارتفاع الإيوان 27 متراً وعرضه 12 ذراعاً ويعلوه قبة عظيمة يبلغ ارتفاعها عن الأرض 43 متراً وبأطرافها من الداخل كتبت آيات من القرآن الكريم بخط محمد رضا أمامي الخطاط الشهير في العصر الصفوي. وفي جوانب هذه المقصورة عملت مقرنصات جميلة بالقاشاني الأزرق وكتبت عليها سورة الجمعة بخط محمد حسن الشهيد المشهدي أحد أشهر الخطاطين.
أمّا أشهر الخطوط المكتوبة في المسجد فهو ما كتبه بايسنقر بن شاهرخ ابن كوهر شاد جاء في آخرها: «طلباً لمرضاته وشكراً على الآئه وحمداً على نعمائه فتقبلها ربها بقبول حسن وبأحسن أجر المحسنين، كتبه راجياً إلى الله بايسنقر بن شاهرخ بن تيمور كوركاني سنة 821». وعلى جانبي الإيوان المقصورة مئذنتان جميلتان كُتِبَ على جدرانها «الملكُ لله» و«الله الباقي» بالخط الكوفي، كما كتبت على قواعدهما أشعار بالفارسية. تعرض هذا المسجد الجامع إلى أضرار بالغة نتيجة للزلزال والهزات الأرضية التي تحدث كثيراً في خراسان وقد عمر مرات عديدة آخرها بعد الخراب الذي لحق بأجزاء من القبة والمآذن وجدران الجامع نتيجة لقصف الجيش الروسي حيث اصاب المسجد 30 قذيفة مدفع.
وهذا المسجد يظل عامراً بالمصلين والزوار ويؤمه آلاف المصلين يومياً ولا تغلق أبوابه طوال السنة وله موقوفات عظيمة يصرف ريعهما على الخدم. وتجديد ما ينبغي تجديده.
حبيب الله حمدي
مسجد كوهر شاد
ـ 2 ـ
تبلغ مساحة مسجد كوهر شاد 2750 متراً مربعاً ويحتوي على أربعة إيوانات وبعض القاعات الكبيرة لأداء فريضة الصلاة. وأحد تلك الإيوانات الإيوان الصغير الذي يدعى بالفارسية «إيوان مقصورة» وهو الإيوان الجنوبي للمسجد ويعدّ أكبر إيوان في هذا المسجد وقد سمي بالإيوان الصغير مجازاً.
ولهذا الإيوان قبتان جميلتان ومئذنتان وعلى وجه البوابة الخارجية للإيوان كتابة بخط «بايسنقر بن شاهرخ» الذي يعدّ من كبار الخطاطين في الثلث وذلك في عصره ويبلغ ارتفاع الإيوان 25,5 متراً وبوابته 12 متراً وطوله 34 متراً وارتفاع المنارتين 43 متراً وارتفاع القبة 43 متراً أيضاً، أمّا الخطوط الأخرى فهي للخطاط محمد رضا امامي الأصفهاني الذي اشتهر في عصر السلالة الصفوية (1087هـ).
ولسنوات عديدة كان في وسط الصحن مسجد آخر تطلق عليه العامة اسم «بيره زن» «المرأة العجوز» وهو مربع الشكل يبلغ طول ضلعه 12 متراً ويوجد على أطرافه الأربعة، أربعة أحواض يمر منها ماء نهر، أمّا سبب وجود هذا المسجد داخل مسجد آخر فهو أن هذا المكان كان عبارة عن بيت امرأة عجوز أبت أن تبيعه لكوهر شاد، ثم أوقفته للحرم قبل موتها ولذلك جاء بشكل مسجد مستقل ويوجد داخل الإيوان محراب كتبت عليه آية الكرسي بالقاشاني المعرق والخط الكوفي باللون الأصفر كما نشاهد قصيدة شعرية مؤلفة من ثمانية عشر بيتاً مكتوبة تحت نقوش وزخارف جميلة على شكل باقات من الورود.
مدخل مسجد كوهر شاد
ومن الإيوانات الأخرى إيوان دار السيادة وهو الإيوان الشمالي للمسجد وقد جاء في كتابة بالقاشاني المعرق والخط الأصغر فوق أعلى باب أنيس الدولة الفضي قوله: «بني هذا المسجد الجامع في أيام دولة الخاقان الأعظم شاه عباس الصفوي الحسيني من عين مال المغفور المبرور خواجه صفر الجيلاني بسعي الفاضل الصالح المتقي مولانا حسن الخادم الجيلاني طلباً لنيل ثواب الآخرة …. كتبه محمد حسين الشريف «كما كتب على الطرف الأيمن لهذه الكتابة» الآمرة بعمارة هذا المسجد صاحبة الرشد والرشاد العظيمة كوهر شاد «وعلى الطرف الأيسر» بني هذا المسجد الجامع في أيام دولة الخاقان شاه عباس من عين مال المغفور له خواجه صفر جيلاني ويبدو من الكتابة وواجهة الإيوان أن البيت والمقام بنيا في زمن الشاه سليمان الصفوي (1087هـ) والكتابة أيضاً بخط محمد رضا امامي الأصفهاني الخطاط المعروف في ذلك العصر.
والإيوان الآخر هو الإيوان الغربي الذي يقع في كلا الطرفين المتجهة منهما نحو القبلة والمخالف لها، وبه ثلاث طاقات كتبت عليها الأسماء الحسنى، كما كتبت عليها (سورة الأعلى)، بالقاشاني المعرق.
والإيوان الأخير هو الإيوان الشرقي وجميع خطوط هذا الإيوان من القاشاني المعرق النفيس والذي يعد آية في الجمال وفي الإيوان عدد من الغرف، كتبت على واجهة كل منها آيات قرآنية وتوجد حول الإيوان كتابة تنتهي بما يلي: «كتبه إبراهيم في سنة ألف ومائتين وستة وثلاثين» وعلى طرفي الإيوان كتبت كلمة «علي» بخط هندسي مربع الشكل وقد كتب على أعمدة المسجد حتى أعلاها «الله الباقي» بالقاشاني المعرق الذي يبدو غاية في الجمال.
ومن نفائس هذا المسجد منبر صاحب الزمان الذي يقع داخل إيوان مسجد كوهر شاد الصغير وقد شاده الأستاذ محمد الخراساني، الذي يعدّ من أكبر فناني الحفر على الخشب، وذلك سنة 1242 في زمن فتح علي شاه القاجاري.
قضاء مشهد وولاية طوس([635])
قضاء مشهد في الشمال الشرقي من محافظة خراسان قاعدته مدينة مشهد ومساحته 13130 كيلومتراً مربعاً ونفوسه 3,310,538 نسمة حسب إحصاء سنة 1991م وكثافته السكنية تقدر بـ 161 شخصاً في الكيلومتر المربع وفيه 2071 ضيعة. هذا القضاء طوله الجغرافي بين 59,1 إلى 60,43 شرقية وعرضه الجغرافي بين 35,4 إلى 37,13 شمالية.
يحده من الشمال والشمال الشرقي: تركمانستان. ومن الشمال الغربي: دركز. ومن الغرب: جناران ونيشابور. ومن الجنوب الغربي: تربت حيدرية. ومن الجنوب: فريمان. ومن الجنوب الشرقي: تربت جام. ومن الشرق: قضاء سرخس.
قضاء مشهد فيه خمس مقاطعات هي:
1 ـ المقاطعة المركزية وقاعدتها مدينة مشهد والقرى التابعة لها هي: تبادكان، طوس، كارده، ميان ولايت وكنويست.
2 ـ مقاطعة أحمد آباد وقاعدتها ملك آباد والقرى التابعة لها هي: بيوه جن وسرجام وميامي.
3 ـ مقاطعة طرقبة وقاعدتها طرقبة والقرى التابعة لها هي: شانديز وطرقبة.
4 ـ مقاطعة رضويّة وقاعدتها بلدة رضوي والقرى التابعة لها هي: آبروان وبائين ولايت وميامي.
5 ـ مقاطعة كلات وقاعدتها كلات والقرى التابعة لها هي: بساكوه زاوين وكبودكنبد. وتوجد في قضاء مشهد سلسلتان من الجبال هما هزار مسجد في الشمال الشرقي والشرق وأجدركوه على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مشهد، والثانية سلسلة جبال ببنالود الواقعة في الغرب والجنوب الغربي من القضاءء.
لمزيد من المعلومات ومعرفة هذه المنطقة بصورة كاملة يجب أن نعود إلى ما قبل ظهور أو ازدهار مشهد التي كانت تُعرف بولاية طوس.
طوس ـ ذُكر في أفستا الأسماء السابقة لولاية طوس([636]) وهي «أورو» و«أوروا» وحسب قول الدكتور مشكور في كتابه تاريخ إيران باشان كان يطلق على طوس اسم «سوزيا» فترة من الزمن. وكانت قاعدتها «طابران» التي توجد أنقاضها حالياً باسم «مدينة طوس القديمة» التي تقع على مسافة 25 كيلومتراً شمال مدينة مشهد وإلى جانبها مراقد أبو القاسم الفردوسي الشاعر الإيراني ومحمد الغزالي الفيلسوف الإسلامي المعروف.
كانت طوس في العصور الماضية وحتى القرن السادس الهجري مدينة عامرة مزدهرة ولكن على أثر هجوم الأتراك الغُز سنة 548 هجرية دمّرت وقُتل سكانها ولم يبق منها شيء بعد هجوم التيموريين عليها.
أول من أسس هذه المدينة التي تُعرف بـ «طوس» جمشيد الملك الأسطوري الإيراني في بلاد خراسان ولما أخذت المدينة بالخراب أو دُمّرت تماماً، أسس طوس بن نوذر الذي كان يحتل منصب الإسبهبد في بلاط ملوك إيران مثل كيكاوس وكيقباد وكيخسرو، مدينة على أنقاضها أسماها طوس حسب اسمه.
أمّا المؤرخون وعلماء الجغرافية فقد وصفوا هذه المدينة وموقعها بصورة موجزة في كتبهم وأكثر هذه الأوصاف متشابهة ويستنتج من هذه المعلومات أن منطقة طوس في القرون الهجرية الأولى كانت فيها أربع مدن هامة وهي: رادكان وطابران وبزدغور (طرقبة حالياً) ونوقان وفي بداية القرن الثالث كانت نوقان أكبر مدن ناحية طوس. وأن مدينة طابران التي كانت تقع على مسافة ستة فراسخ كانت تنافس نوقان.
خريطة قضاء مشهد
طوس في كتب المؤرخين
أقدم مؤرخ وعالم جغرافي إسلامي أشار إلى طوس في كتابه هو أحمد بن أبي يعقوب واضح اليعقوبي المعروف باليعقوبي الأصفهاني (المتوفى سنة 284 هجرية) في كتابه البلدان. حيث يقول ما مضمونه: من مدن محافظة نيشابور وملحقاتها القريبة إلى بحر الديلم نذكر مدينة طوس وهي على مسافة موقفين إلى نيشابور ويعيش في طوس قومٌ من العرب من قبيلة «طي» وغيرهم أن أغلبية أهاليهم من العجم وفيها قبر الرشيد وأن الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام توفي هناك. وأن أكبر مدن طوس تسمى نوقان وأن خراجها وضرائبها تعود إلى خراج وضرائب نيشابور.
يقول الإصطخري في النصف الأول من القرن الرابع ما مضمونه: إذا اعتبرنا طوس ضمن أو تابعة لنيشابور فإن مدن طوس هي: رادكان وطابران وبزدغور ونوقان وأن ضريح علي بن موسى الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد هناك.
خريطة ولاية طوس
ويقول ابن حوقل في النصف الثاني من هذا القرن: «إذا كانت طوس ضمن مجموعة نيشابور فإن مدنها هي: رادكان وطبران ونوقان وتروغوز وأن ضريح علي بن موسى الرضا عليه السلام يقع خارج مدينة نوقان».
ويقول صاحب حدود العالم ما مضمونه: «إن طوس ناحية فيها مدن وهي: طوران ونوقان وبروغون ورايكان ونبوازه وفي جبالها توجد معادن الفيروز والنحاس والرصاص والكحل والزاج وفيها يصنعون القدور الصخرية. وفي نوقان يوجد المرقد المبارك لعلي بن موسى الرضا ويزوره الناس وفيها أيضاً قبر هارون الرشيد».
ويقول صاحب وفيات الأعيان ما مضمونه: «طوس ناحية في خراسان تشتمل على مدينتين هما طابران ونوقان وفيها ألف قرية.
ويصف المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، يصف طوس كما يلي: «طوس خزينة إيرانشهر وقصباتها هي طابران ونوقان ورادكان وجنابذ وأستورقان وتروغبذ».
وفي مكان آخر يقول ما مضمونه: «إن طوس مخزن كبير وقديم وهو ضمن قرى نيشابور وفيها أراضي فيها مزارع وفواكه ومعادن. وظهر فيها شخصيات عرفانية ولكن جبالها موطن اللصوص والمتمردين. وطابران أكبر مدن طوس لها سور وإني شبهتها بيثرب من بعيد، فيها سوق وشخصيات عرفانية كبيرة وتجار ومواردها كثيرة. الجامع يقع في السوق. فيها قنوات وآبار كثيرة. الأسعار رخيصة، الحطب كثير، فواكهها جيدة ولكنها غير نظيفة، أطرافها خرائب ومناطق باردة. حماماتها ليست جيدة وأهاليها غوغائيون».
جناوذ (كناواذ) أصغر من نوقان وفيها سبعون قرية وبقية مدنها هي: أستورقان وجرموكان وتروغبذ وسركو وبرنوخكان.
سمعت من بعض الشيوخ والمعمرين أن ظريف بن أحمد الكاتب في نسا قال في مجلس: إن أهالي طوس متقدمون في العالمَين. في الدنيا لأنهم سبقوا بقية سكان خراسان في قبول الإسلام وفي الآخرة حيث يقول الله عزَّ وجلَّ: «يوم ندعو كل أناس بإمامهم، وأن علي بن موسى الرضا هو أفضل الأئمة وهو عندهم».
ويقول ياقوت الحموي في النصف الأول من القرن السابع الهجري عن طوس، ما يلي: «طوس مدينة في خراسان والمسافة بينها وبين نيشابور عشرة فراسخ وتشتمل على مدينتين (طابران ونوقان). ونوقان هي دار المُلك في طوس ولهاتين المدينتين أكثر من ألف قرية وأن طوس فتحت في عهد عثمان بن عفان وفي هذه المدينة قبر علي بن موسى الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد».
ويقول صاحب نزهة القلوب في النصف الأول من القرن الثامن: «طوس من الإقليم الرابع، طولها من جزر الخالدات صب لب وعرضها من خط الاستواء لز. بناها جمشيد الملك الأسطوري وبعد خرابها جدد بناءها طوس نوذر وأسماها باسمه ومن مزارات العظماء فيها قبر الإمام المعصوم علي بن موسى الرضا رضي الله عنهما ابن جعفر في قرية سناباد التي تبعد أربعة فراسخ عن طوس.
وفي الجانب الشرقي قبر محمد الغزالي وأحمد الغزالي والفردوسي والمعشوق الطوسي. أهالي طوس حسنو السيرة وعقيدتهم طاهرة ويحبون الغرباء ومن فواكهها العنب والتين. وحوالي طوس أراضي خصبة يسمونها منجع رايكان (حالياً رادكان) طولها اثني عشر فرسخاً وعرضها خمسة فراسخ، معروفة في العالم».
وفي مكان آخر يصف مدينة طوس بأنها تساوي وتشبه المدن الكبيرة مثل كنجه وأصفهان ومرو. يقول شهاب الدين عبد الله بن لطف بن عبد الرشيد الخوافي المعروف بـ «حافظ أبرو» الجغرافي المؤرخ في كتابه زبدة التواريخ في سنة 820 هجرية أي في سنوات بعد هجوم الغز والمغول والتيموريين في شرح مبسوط حول طوس: «طوس من المدن القديمة في خراسان ولها توابع كثيرة، الرياح فيها شديدة، فيها أنواع الفواكه وتُزرع فيها الغلال وأن معدن الفيروز في جبل طوس ونيشابور ويصنعون القدور الصخرية من صخور جبل طوس ويرسلونها إلى أنحاء العالم. كانت مدينة كبيرة ومن رجالها وشخصياتها المعروفين الحكيم أبو القاسم الفردوسي والخواجه نظام الملك الطوسي ومن عماراتها المسجد الجامع».
من مجموع هذه المعلومات نستنتج أن جميع علماء الجغرافية كتبوا عن طوس بصورة مختصرة ولم يعطونا معلومات كثيرة عدا الإشارة إلى مدنها وقراها وأنواع الفواكه الحامضة والحلوة فيها. وعلى أي حال فإن بإمكاننا أن نقول إن طوس في جميع العصور كانت مدينة عامرة زاهرة وقاعدة الحكم ولما كانت مدينة نيشابور قريبة منها وكانت أكثر ازدهاراً منها من النواحي السياسية والاجتماعية والمحاصيل الزراعية فإن أصحاب السلطة ورجال الحكومة كانوا يفضلون نيشابور عليها.
لم تكن طوس مصونة من الحوادث التي أصابت نيشابور حيث أنه في سنة 548 أو 549 هجرية عندما دمّر الأتراك الغُز مدينة نيشابور هجموا على طوس ودمروها أيضاً وذبحوا أهاليها. ثم في سنة 618 هجرية زحف عليها تولي خان بن جنكيز خان على رأس جيوش المغول ودمرها كبقية مدن إيران إلاّ أن أوغدي خلف جنكيز خان أعاد بناءها وأصبحت منذ ذلك التاريخ قاعدة حكام المغول.
ولكن بعد سقوط مغول إيران، أصبحت ولايات طوس وقوجان وكلات وأبيورد ونسا وواحة مرو ضمن حكومة الأمير أرغون شاه رئيس طائفة جون قرباني وبعد أرغون شاه خلفه في الحكم ولداه محمد بيك وعلي بيك.
واضطر علي بيك في سنة 784 هجرية أن يطيع تيمور وأن تيموراً أرسله فيما بعد إلى فرغانة وبعد سنة أمر بقتله. وكان حاجي بيك أحد قادة علي بيك حيث التحق بعد مقتل علي بيك بقوات تيمور وحصل على غنائم كثيرة في حرب أصفهان وعاد إلى طوس وكان ينوي التمرد على تيمور.
وفي سنة 791 هجرية توجّه أقبوتا أحد قادة تيمور وبأمر منه من هرات للقضاء على حاجي بيك حيث حاصر مدينة طوس ولكن حاجي بيك كان يدافع عن المدينة ببسالة وكان يقاتل أقبوتا في النهار ويهجم على جيوشه في غارات ليلية ونتيجة هذه المعارك الدامية أصيب أقبوتا بجروح وطلب المساعدة من ميرانشاه ابن تيمور الذي كان حاكماً على خراسان من قبل والده.
وعجز حاجي بيك عن المقاومة والصمود أمام قوات ميرانشاه وهرب من المدينة ليلاً ودخل ميرانشاه المدينة مغيراً عليها جزاءً لتمرد حاجي بيك كما أمر بقتل عشرة آلاف طوسي وحسب العادة المتبعة آنذاك وعبرة للآخرين صنع منارة من رؤوس القتلى. وهرب من سلم من أهالي طوس إلى سناباد ولجؤوا إلى مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وسكنوا إلى جوار قبره.
وفي سنة 808 هجرية تولّى الخواجة السيد ميرزا بأمر من شاهرخ التيموري ابن تيمورلنك إعمار مدينة طوس وإعادة أهاليها إليها، فرفض اللاجئون العودة إلى طوس ومنذ ذلك التاريخ بدأ ازدهار مشهد الرضا بسرعة وباتت مدينة طوس خربة ولم يعد الإعمار والعمران إليها وحلّت مدينة مشهد المقدسة محل مدينة طوس من الناحية السياسية والاجتماعية والمذهبية.
وطوس اليوم قرية صغيرة تابعة لقاعدة قضاء مشهد وأن آثار مدينة طوس السابقة في القسم الشمالي الغربي ومقبرة الشاعر أبو القاسم الفردوسي في وسط حديقة كبيرة إلى الشرق منها. الأول يتحدث عن تاريخ طوس وماضيه اللامع والثاني عن العلماء مثل جابر بن حيّان أبي الكيمياء والفردوسي الطوسي الشاعر الكبير وصاحب الملحمة والخواجه نظام الملك الطوسي مؤلف كتاب سياستنامه ورجل السياسة الفريد في العهد السلجوقي ومحمد بن اسلم الطوسي العارف المعروف والغزالي المشهور والخواجه نصير الدين الطوسي الفيلسوف والفلكي في القرن السابع الهجري.
«المخطط أعلاه يبين موقع مدينة مشهد مع المدن المجاورة مع تعيين المسافة مع كل واحدة منها».
ظهور مدينة مشهد: قبل أن تتأسس مدينة مشهد الحالية قاعدة لمحافظة خراسان التي تبلغ مساحتها (سنة 1991م) حوالي 220 كيلومتراً مربعاً وعدد نفوسها 1,759,155 نسمة كان يوجد هناك مكانان، أحدهما نوقان وكانت مدينة والآخر سناباد وكانت قرية وكانت المسافة بين هذين المكانين قليلة بحيث إذا صرخ صارخ من أحد المكانين بصوت عالٍ فإن أهالي المكان الثاني يسمعون صوته.
تحدثنا كثيراً عن مدينة نوقان نقلاً عن كتب المؤرخين، أمّا سناباد فإن جميع المؤرخين بمن فيهم مؤلف صورة الأرض ومعجم البلدان ومطلع الشمس وآثار البلاد ومجالس المؤمنين يعتبرونها قرية أو ريفاً فيه بساتين وحقول زراعية كثيرة، وأن حميد بن قحطبة الطائي حاكم خراسان بنى قصراً فخماً وسط أحد البساتين الكبيرة ولما توفي هارون الرشيد الخليفة العباسي في سنة 193 هجرية دفنوه في هذا البستان.
ثم في سنة 203 هجرية دفن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بأمر من المأمون بن هارون إلى جانب قبر هارون. ومنذ هذا التاريخ فإن الهارونية (مكان قبر هارون)، بفضل وجود ضريح الإمام الرضا عليه السلام كسبت قداسة وصيتاً واشتهرت باسم مشهد الرضا وأن المسلمين وخاصة شيعة أهل البيت عليهم السلام يسافرون من جميع البلاد لزيارة ضريح الإمام الرضا عليه السلام وبعضهم يستوطن هذه المدينة وفي الحقيقة اصبح مزار الإمام الرضا عليه السلام القاعدة أو النواة المركزية لمدينة مشهد حيث أصبحت اليوم ثاني كبرى مدن إيران بعد طهران من ناحية عدد السكان.
ولم يكن هناك بناء يليق بقبر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عدا البناء الصغير الذي كان قد بناه حميد بن قحطبة حاكم خراسان على قبر هارون. وكانت تأتي امرأة من نوقان يومياً لزيارة قبر الإمام الرضا عليه السلام وتفتح باب هذه المقبرة ثم تغلقه في المساء وتعود إلى بيتها. وحوالي منتصف القرن الثالث بدأ محبو آل علي عليه السلام ومجاورو الضريح الطاهر ببناء بيوت في أطراف الضريح. وبالتدريج وحتى نهاية القرن الثالث اتصل المزار الطاهر من جهة بقرية سناباد ومن الجهة الثانية بمدينة نوقان وسمي بـ «مشهد الرضا».
وما زالت نوقان تعتبر محلة أو ضاحية في الشمال وسناباد اسم أحد الشوارع في غرب مدينة مشهد القديمة. وفي سنة 415 هجرية جدّد السلطان محمود الغزنوي بناء قبة الضريح. وفي سنة 499 هجرية بنى السوري حاكم نيشابور سور المدينة وفي سنة 531 هجرية جددوا بناء سور المدينة تحسباً لهجوم الأتراك الغُزاة إلاّ أن السور بعد ثماني سنوات من بنائه فقد مقاومته أمام هذا الهجوم ونتيجة ذلك دُمّرت المدينة ولكن الحرم والضريح الرضوي بقيا سالمين.
يقول مؤلف فردوس التواريخ إن السلطان سنجر السلجوقي أعاد تخطيط مدينة مشهد وبناءها وبنى البناية الموجودة فوق ضريح الإمام ولكن في سنة 618 هجرية دمرها تولي خان بن جنكيز المغولي ونهبوا النفائس والقناديل الموجودة في الروضة المنوّرة.
ثم وحسب قول مؤلف مطلع الشمس عين المغول شرطياً على طوس ولكن شاع بعد سنة واحدة في طوس أن السلطان محمد خوارزمشاه تغلّب على المغول وسيرتاح سكان إيران قريباً من أيدي المهاجمين المغول وعلى هذا الأساس فإن رجلاً يدعى سراج الدين اتفق مع بعض المغفلين وقتلوا الشرطي المغولي وبعثوا برأسه إلى بحير الملك الزوزني حاكم نيشابور ولكن رجلاً آخر اسمه «السيد أبو تراب» الذي كان مسؤولاً عن «خيل طوس» ذهب إلى مدينة أستو (قوجان حالياً) متخفياً وأخبر من يسمى تيمور الذي كان متعاوناً مع المغول وأخبره عن مقتل الشرطي وأن تيمور أخبر المغول بذلك وتوجه هو ومعه ثلاثمائة فارس وهجم على طوس واقتحموا دار الإمارة التي كان قد جعلها سراج الدين قاعدة لحكومته مع ثلاثة آلاف مقاتل وقتلوا أكثر الذين كانوا هناك ودمروا قلعة طوس وتحصيناتها.
وفي سنة 700 هجرية باشر غازان خان الإيلخان المغولي بتوجيه من العلامة الحلي المرجع الديني آنذاك بتعمير الخرائب وبنى أول قبة مرتفعة على جدران الحرم والضريح وبعده اهتم السلطان محمد خدابنده المعروف بـ الجاتيو بإكمال البناء …
ثم في عهد السربداريين([637]) عُمرت مدينة مشهد وأعيد بناء الكثير من العمارات والبنايات التابعة للروضة الرضوية المقدسة وأضيفت عمارات كثيرة إلى الروضة. وبعد هذه التعميرات يقول ابن بطوطة في رحلته إلى خراسان إن مدينة مشهد مدينة عامرة وفيها سكان كثيرون.
سبق أن قلنا إن حاجي بيك جاني قرباني أحد أقرباء الأمير علي بيك أرغون شاه جمع أهالي طوس حوله ورفع راية التمرد والعصيان. أرسل الأمير تيمور (لنك) ابنه ميرانشاه مع جيش كبير لفتح طوس وبعد صراع وقتال طويلين فتحت جيوش تيمور مدينة طوس. وحسب رواية صاحب مطلع الشمس: إن ميرانشاه بحجة أن أهالي المدينة كانوا قد ساعدوا وتعاونوا مع حاجي بيك أمر بالقتل العام فقُتل اكثر من عشرة آلاف من السكان ولجأ بقية أهالي المدينة إلى مشهد الرضا واستوطنوا هناك بصورة دائمة فزادوا في ازدهار مدينة مشهد وعمرانها وبدأت مدينة طوس بالدمار والخراب.
يبدو من هذه الأحداث التاريخية أن مدينة مشهد كانت حتى القرن الثامن الهجري تابعة لولاية طوس ومنذ سنة 791 هجرية بدأ ازدهار المدينة بسرعة وأصبحت قاعدة لحكومة مقاطعة مشهد. وبعد وفاة تيمورلنك تولى السلطة ابنه شاهرخ ميرزا واهتم في بداية حكمه في إعادة بناء المدن التي كانت قد دُمّرت في عهد والده. وفي سنة 808 هجرية تولى الخواجه السيد ميرزا إعمار مدينة طوس وإعادة سكانها المشردين إلا أن الأهالي رفضوا العودة. ونتيجة ذلك رأى شاهرخ أنه لا جدوى من إعمار مدينة طوس وأمر ببناء سور حول مدينة مشهد (ويحتمل أن يكون هذا السور يمر من زقاق القوافل حوالى: جهار باغ) ومنذ هذا التاريخ ازداد ازدهار مدينة مشهد وعمرانها وأخذ سكانها يزدادون وأبدى شاهرخ اهتماماً خاصاً بها بحيث كان يأتي من هرات لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ويقدم النذورات والصدقات إلى المستحقين ومن هذه النذروات قنديل وزنه ألف مثقال من الذهب عُلِّق تحت قبّة ضريح الإمام الرضا عليه السلام.
إن زوجته كوهر شاد ابنة الخواجة غياث الذين من الأمراء الجغتائيين كانت تهتم بمدينة مشهد كثيراً فشيّدت مسجداً سُمّي باسمها يعتبر اليوم لا مثيل له.
… بدأ بناء مسجد كوهر شاد في بداية سنة 807 هجرية عندما كان شاهرخ حاكماً على مدينة هرات وانتهى بناءه العظيم سنة 821 هجرية. وافتتحه شاهرخ بنفسه وأهدى ثريا ذهبية إلى الروضة الرضوية المقدسة كانت تزن حسب قول صاحب تاريخ أُلفي حوالي ثلاثة آلاف مثقال. والذي تولى البناء هو فنان إيراني اسمه قوام الدين الشيرازي وقد سُجل اسمه على الركن الأيسر من إيوان المقصورة في لوحة مستطيلة في سطرين بهذا الشكل: «عمل العبد الضعيف الفقير المحتاج لعناية الملك الرحمن قوام الدين بن زين الدين الشيرازي الطيان».
والجدير بالذكر أن البروفيسور أوبهام بوب المستشرق المعروف وصف هذا البناء الإسلامي العظيم بأنه «ثامن بناء جميل في العالم» وكان كريستي ويلسن مؤلف تاريخ القناعة في إيران وصفه قبل بوب بأنه «البناية الثانية عشرة في العالم».
مشهد والأوزبك في العصر الصفوي: عندما تأسست الدولة الصفوية كان السلطان حسين بايقرا آخر السلاطين الكوركانيين المقتدرين حاكماً على خراسان وراعى السلطان الصفوي شاه إسماعيل صداقته فتركه في ممتلكاته.
ولكن بعد وفاة السلطان حسين سنة 911 هجرية بدأ الصراع بين الأمراء التيموريين حول السلطة وأدى الخلاف بينهم إلى هجوم شيبك خان الأوزبكي على مشهد سنة 913 هجرية وانقرضت حكومة أسرة الكوركانيين في خراسان وقُتل الأمراء. ولما احتل الأوزبك مدينة مشهد سنة 913 هجرية دمروا أبراج المدينة وسورها وقتلوا الكثير من سكانها.
وفي سنة 932 هجرية وفي بداية حكومة الشاه طهماسب الصفوي حاصرت قوات الأوزبك المدينة ثم احتلتها قوات عبيد الله خان الأوزبكي حيث دمروا المدينة وعذّبوا أهاليها إلاّ أنه بعد ثلاث سنوات أي سنة 935هـ احتل الشاه طهماسب المدينة وهرب عبيد الله.
وفي سنة 951 هجرية هاجم محمد سلطان الأوزبكي مدينة مشهد مرة أخرى وبعد احتلالها قتل الكثير من أهاليها ودمّر تحصيناتها ولكنه انكسر بعد فترة قصيرة وعاد الشاه طهماسب ثانية إلى مشهد. وفي عهد الشاه عباس الأول الصفوي سنة 998 هجرية هاجم عبد المؤمن خان الأوزبكي حاكم بلخ مدينة مشهد وحاصرها أربعة أشهر وبعد أن احتلها نهب جميع ما كان في الروضة المنورة وسرق القناديل والشمعدانات والأواني والسجاد فيها ودمّر المدينة وقتل أهاليها كما أسر الكثير منهم وأرسلهم مكبلين إلى تركستان.
ويقول إسكندر بيك المنشي صاحب كتاب عالم آراي العباسي: «بدأ الأوزبك بقتل الاهالي ونهب المحلات في الأزقة والأسواق وأسروا الكثير منهم أيضاً ونهبوا الروضة المقدسة واستولوا على القناديل المرصعة والذهب والفضة والشمعدانات التي كانت لا تعد ولا تحصى كما سرقوا المفروشات والأواني الخزفية الكثيرة والمكتبة العامة التي كانت مليئة بالمخطوطات والمصاحف بخط الأئمة المعصومين والأساتذة المتقدمين مثل ياقوت المستعصمي والأساتذة الستة، والكتب العلمية الفارسية ومزقوا هذه النفائس الثمينة.
وعين عبد المؤمن حاكماً على المدينة قبل أن يغادرها وسرق العمود الذهبي الذي كان قد أمر به الشاه طهماسب الصفوي الموجود فوق القبة. إن المذبحة التي أعقبت سقوط المدينة شملت علماء الدين والسادات وكانت المذبحة شديدة مريعة فيها ويمكن مطالعة مُفصّل الواقعة في مجالس المؤمنين وفي فردوس التواريخ.
بعد تسع سنوات من هذه الأحداث المؤلمة استولى الشاه عباس على المدينة ثانية وأعاد بناء الروضة الطاهرة. وأن الأبواب الماسية المعروفة التي كان قد أهداها قطب شاه الدكني والتي كانت قد سُرقت أعيدت ثانية بواسطة أحد أمراء الأوزبك.
لكن بعد فترة من الزمن وقع خلاف بين الأمراء والقادة الأوزبك حول السلطة وبلغ الصراع العداء حداً بحيث وقع عبد المؤمن خان الأوزبكي في ايدي بقية الأوزبك الجلادين فمزقوه إرباً إرباً([638]). وفي عهد الشاه عباس الأول ازداد ازدهار مدينة مشهد وتم إحداث شارعين رئيسيين وخانات كثيرة وخزانات كبيرة للمياه. وتمّ توسيع الساحة والصحن العتيق وبُني الإيوان العباسي مقابل الإيوان الذهبي كما تمّ إنشاء طريق بين أصفهان ومشهد وهرات وأن الشاه عباس سمح بأن تطلق كلمة المشهدي على كل من يزور مدينة مشهد المقدسة.
وفي عهد الشاه عباس الثاني تمّ تعمير بعض اللوحات والقاشاني الموجود في الصحن العتيق. وفي هذا العصر تمّ إنشاء عشرة مدارس في مدينة مشهد يُنفق عليها من الموقوفات فالأراضي الزراعية التي كانت ضمن أوقاف مدرسة عباس قلي خان كانت تمتد من بوابة مشهد الشرقية إلى بوابة مدينة هرات.
الحادث الطبيعي الوحيد الذي وقع في مشهد في العصر الصفوي هو الزلزال الذي وقع في سنة 1084 هجرية في عهد الشاه سليمان الصفوي وتضررت إثر هذه الكارثة الكثير من البيوت وأروقة العتبة المقدسة وأعمدة القبة الطاهرة فأمر الشاه سليمان بتعميرها وقد انتهت عمليات التعمير والإصلاح سنة 1086 هجرية.
مشهد في العصر الأفشاري([639]): في أواخر حياة السلالة الصفوية تعرضت إيران لهجوم الأفاغنة وعمّت الفوضى والاضطراب جميع أنحاء إيران وكان كل قائد أو حاكم يطلب الحكم والسلطة لنفسه ومن بين هؤلاء المدعو ملك محمود السيستاني الذي احتل مدينة مشهد بالقوة والتهديد. وفي هذه الأحوال كان نادر قلي أفشار يعيش مع والد زوجته بابا علي بيك حاكم أبيورد وأن حسن علي مير الممالك الذي كان من ألدّ أعداء الملك محمود عرّف نادر قلي إلى الشاه طهماسب الثاني آخر سلاطين الصفوية. ولما شاهد الشاه طهماسب الثاني آخر سلاطين الصفوية.
ولما شاهد الشاه طهماسب الكفاءة والجدارة في نادر قلي أعطاه منصب «قورجي باشي» [رئيس مخزن العتاد والسلاح] ثم أعطاه لقب «طهماسب قلي» أي [عبد طهماسب] وأمره بالذهاب لسحق الملك محمود السيستاني وإنقاذ مدينة مشهد. فقام نادر مع قواته بمحاصرة مدينة مشهد وهجم عدة مرات على المدينة ولكنه لم يفلح في فتحها مما اضطر الشاه طهماسب أن يتوجه مع قواته القزلباش لمساعدة نادر وأخيراً وفي السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1139 هجرية فتح نادر مدينة مشهد المقدسة وانكسر الملك محمود السيستاني وسلم نفسه بعد أن قُتل الكثير من جماعته ولجأ إلى أحد الغرف الموجودة في العتبة المقدسة وقام أهالي المدينة بالهتاف والتهليل لدى دخول قوات نادر المظفرة إلى المدينة. وكان نادر قد أقسم اليمين بأن يدخل المدينة ظافراً ويُزين إيوان الصحن الجديد للإمام الرضا عليه السلام بالذهب وأن يبني منارة أخرى مطلية بالذهب مقابل المنارة السابقة. وفي عيد النوروز من تلك السنة استقبل الشاه طهماسب خلال وصوله إلى مشهد استقبالاً فخماً باهراً وأقام الحفلات ابتهاجاً بورود الملك.
بعد أن قضى نادر على الأفاغنة وقضى أيضاً على القوات الطاغية في الداخل وبعد أن تسلّم السلطة جعل من مدينة مشهد عاصمة له وأعطى أهمية بالغة وخاصة لهذه المدينة. أمّا الغنائم التي كان قد جاء بها من الهند فقد أهداها إلى العتبة الرضوية المقدسة واستعاد العمود الذهبي الذي كان قد سرقه عبد المؤمن خان الأوزبكي وأعطى حكومة ولاية خراسان إلى ابنه الأكبر رضا قلي ميرزا.
بعد أعوام من الهدوء والاستقرار، وبعد أن توفي نادر وقامت الخلافات بين خلفائه عمّت الفوضى والاضطراب مدينة مشهد ثانية ففي سنة 1163 هجرية اختطف الميرزا السيد محمد متولي باشي سادن الروضة الرضوية، اختطف شاهرخ ميرزا وسمل عينيه وأعلن نفسه سلطاناً وأسمى نفسه الشاه سليمان ولكن هو أيضاً سملت عيناه انتقاماً لما فعله مع شاهرخ.
فتح أحمد شاه الأبدالي حاكم مدينة هرات مدينة مشهد وأبقى شاهرخ في منصبه حاكماً على المدينة إلى أن جاء آغا محمد خان القاجاري، فنزع شاهرخ عن السلطة سنة 1211 هجرية وخلال هذه الفترة كانت الفوضى والاضطرابات قد عمّت مدينة مشهد، ففقدت هذه المدينة ازدهارها ونتيجة حملات التركمان المتتالية فقد انخفض عدد سكانها من 60 ألف نسمة إلى 20 ألف نسمة.
وفي سنة 1217 هجرية صمد نادر ميرزا أمام هجمات الطوائف القاجارية على مدينة مشهد وأراد أن ينهب الحرم الشريف ثانية بغية إعداد المعدات الحربية ولكنه فشل وأخيراً اعتُقل وأُرسل الى طهران حيث أمر فتح علي شاه بقتله.
الأحداث الهامة في مشهد في العصر القاجاري: بعد انقراض السلالة الأفشارية جاء دور السلالة القاجارية وكانت مدينة مشهد في هذه الأيام تتعرض لهجوم القبائل والعشائر المختلفة.
هجوم حاكم خيوة: في الفترة بين سنة 1241 إلى 1244 هجرية تعرضت مدينة مشهد وملحقاتها لهجمات حاكم خيوة غير أن القوات الإيرانية بقيادة عباس ميرزا ولي عهد فتح علي شاه تمكنت من إعادة الأمن والاستقرار الى المدينة.
ثورة السالار: في عهد حكومة محمد شاه القاجاري وفي سنة 1250 هجرية كان اللهيار خان آصف الدولة قاجار الدولّو صدر أعظم فتح علي شاه السابق وخال محمد شاه عُين حاكماً على ولاية خراسان. وكان آصف الدولة يحلم دائماً بأن يتولى الصدارة ثانية ولكن لما كان الميرزا آقاسي الصدر الأعظم مخالفاً له كان يسعى دائماً أن يُبعد آصف الدولة وأولاده عن البلاط. وفي سنة 1262 هجرية وبسبب مرض محمد شاه وتدهور أوضاع البلاط، فقد رفض حسن خان سالار ابن آصف الدولة الذي كان يحكم خراسان بالنيابة عن والده بسبب شيخوخته رفض قبول أوامر الميرزا آقاسي فحصل خلاف بينه وبين البلاط في طهران. غير أن آصف الدولة قرر السفر إلى طهران أولاً للإصلاح والمصالحة وثانياً بهدف تثبيت منصبه ومنصب ابنه وأخيراً لمقابلة الشاه. ورغم أنه حصل على منصب سدانة الروضة الرضوية إلى ابنه سالار وحكومة خراسان لابنه الآخر إلاّ أنه بسبب نفوذ الحاجي ميرزا آقاسي رفض الشاه مقابلته مما اضطره إلى السفر إلى مكة المكرمة ومنها إلى العتبات المقدسة في العراق والإقامة الجبرية فيها.
غير أن ابنه سالار وبمساعدة الأكراد في قوجان احتل في البداية قلعة كلات ثم جمع قواته وتوجّه نحو طهران وتقدم حتى وصل إلى مدينة سبزوار، فعيّن محمد شاه أخاه حمزة ميرزا حشمت الدولة حاكماً على خراسان، لصدّ سالار. هزم حشمت الدولة، سالار في منتصف طريق سبزوار وشاهرود وهرب سالار إلى قبائل التركمان. وعزم حشمت الدولة أن يلاحق سالار الا أنه اضطر إلى الذهاب إلى مشهد بسبب الاضطرابات التي حصلت هناك.
بعد هرب حسن خان سالار إلى التركمان، لم يتمكن حمزة ميرزا حشمت الدولة وأعوانه أن يقوم بواجبه في خراسان وبدأ الاعتداء على الأهالي وقام بأعمال وأفعال شنيعة. وفي هذه الأحوال أي في سنة 1264 هجرية كان محمد خان شقيق سالار لا يزال متحصناً في الروضة الرضوية وكان يحرّض الأهالي ضد حشمت الدولة وأخيراً أعلن أغلبية أهالي مشهد ولاءهم لسالار وثاروا على الحاكم.
أمّا سالار فقد توجّه نحو مشهد بمساعدة التركمان وكسر قوات حشمت الدولة وحاصر حشمت الدولة في مدينة مشهد بعد أن وصلت الأنباء عن وفاة محمد شاه وجلوس ناصر الدين شاه على العرش. في هذه الأحوال توجّه يار محمد خان الأفغاني الوزير السابق لكامران ميرزا حاكم هرات بعد أن قتل مخدومه سنة 1256 هجرية وأعلن استقلاله، وتوجّه بجيشه نحو جام وأبدى لكل من الجانبين المتنازعين أنه جاء ليدافع عنه ولكن عندما وصل إلى مشهد التحق بحشمت الدولة وأنقذه من المحاصرة ولكن ولما لم يتمكن من الصمود أمام سالار عاد إلى هرات ولحقه سالار إلى مدينة جام وعمّت الفوضى والاضطراب منطقة خراسان.
أرسل الأمير الكبير سلطان مراد ميرزا شقيق حشمت الدولة إلى خراسان مع سبعة آلاف من الجنود المشاة والمدفعية لتهدئة الأوضاع في خراسان والقضاء على فتنة سالار، فكسر سلطان مراد ميرزا قوات سالار بالقرب من جُوين وبعد أن استولى على سبزوار وترشيز ونيشابور، استدعى حشمت الدولة الذي كان قد لجأ إلى يار محمد خانت بالقرب من هرات، استدعاه إلى مشهد ثم أرسله إلى طهران بأمر من الأمير الكبير وأصبح هو حاكماً على خراسان.
وطوال سنة 1265 هجرية كان سلطان مراد ميرزا في قتال مع أتباع سالار ومحاصِرة مدينة مشهد وكان الأمير كبير يُمدّه بالمساعدة إلى أن اشتد الحصار على سالار وتمكن سلطان مراد ميرزا من أن يدخل مدينة مشهد في بداية سنة 1266 هجرية، فلجأ سالار مع شقيقه وولديه إلى العتبة الرضوية وطلب العفو من سلطان مراد ميرزا ولكن هذا الأمير الذي كان معروفاً بقساوته قتل سالار وأتباعه في ليلة الاثنين السادس عشر من شهر جمادي الثانية سنة 1266 هجرية وبهذا أخمد فتنة خراسان ولُقب سلطان مراد ميرزا بلقب حسام السلطنة.
الروس يضربون الروضة الرضوية بالمدفعية: لمعرفة سبب وكيفية ضرب الروضة الرضوية بالمدفعية الروسية يجب أن نبحث عن ذلك في سياسة الروس والإنجليز في إيران، ولهذا فإننا نعتمد على الوثائق السرية لضابط إنجليزي كان يعمل في القيادة الإنجليزية في الهند.
حسب معاهدة 1907 ميلادية بين روسيا وإنجلترا فإن أكثر منطقة خراسان ومدينة مشهد بالذات كانت منطقة نفوذ الروس ومنذ ذلك التاريخ كانت روسيا تسعى أكثر فأكثر لتثبيت موقعها وتعزيزه هناك، وثورة الدستور 1326 و1327 هجرية والنتائج الناجمة عنها أعطت الذريعة للروس لأن يرسلوا الكثير من قواتهم إلى خراسان لسحق الوطنيين.
ولما كانت مدينة مشهد إحدى مراكز الوطنيين فإن عدد القوات المحافظة على القنصلية الروسية في مشهد في شهر نيسان سنة 1909 ميلادية زاد على 75 جندياً وفي حزيران من السنة نفسها وبحجة استمرار الفوضى والاضطراب ارسلت روسيا مائة جندي إلى مشهد زيادة عما هناك من جنود. في تموز سنة 1911م واجهت مدينة مشهد مسـألة عودة محمد علي شاه القاجاري الذي كان قد خلع ونُفي إلى روسيا. فطلب البرنس (دبي جا) القنصل العام الروسي في خراسان إرسال المزيد من القوات في كانون الثاني سنة 1912 فأرسلت روسيا كتيبتين من حملة البنادق من تركستان وأربعة أفواج من الجنود ووحدات من المدفعية إلى قوجان ومشهد.
إن الاضطرابات التي كانت مستمرة في مدينة مشهد قد تكون بتحريض من بعض الوكالات الأجنبية القوية. وفي 30 آذار 1912 قصفت القوات الروسية جامع كوهر شاد والروضة الطاهرة وبلغت الاضطرابات عندئذٍ ذروتها وقتل عدد من الزوّار بفعل هذا القصف وأن خسائر وأضراراً جسيمة لحقت بالحرم الرضوي بسبب احتلال القوات الروسية للحرم لمدة يومين. وتحطمت القبة الطاهرة بقذائف المدفعية وتعرضت مدينة مشهد للفوضى والاضطرابات العجيبة.
مشهد وتحصيناتها: كان عدد سكان مدينة مشهد آنذاك ستين ألف نسمة وكان للمدينة ستة أبواب هي: نوغان والشارع السفلي والشارع العُلوي وسراب وارك وبوابة عيدكاه. وكان لكل باب حراس. والسور المحيط بالمدينة هو من ذكريات عهد الشاه طهماسب الصفوي وطوله حوالي 9 كيلو مترات والقاعدة 2,75 متراً والقسم العلوي 1,25 متراً. وكان حول السور 141 برجاً دفاعياً على مسافات وفواصل معينة فكانت تساعد كثيراً على حفظ الأمن في المدينة خلال هجمات التركمان والأوزبك.
مشهد في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري: في بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت لمدينة مشهد كالكثير من المدن الإيرانية أسوار قديمة وكان لها أبواب وحولها خنادق. وما زال السور القديم والخندق المجاور لهذا السور موجودين.
وقصر حاكم المدينة الذي كان قد بُني في عهد عباس ميرزا وبواسطة الأمير قهران ميرزا كان يقع في القسم الجنوبي من المدينة وفي الساحة الموجودة أمام هذا القصر كانت تجري التدريبات العسكرية للجيش. وفي هذا العصر كان الشارع الوحيد في المدينة اسمه الشارع الصفوي وكان في وسطه نهر بمياه قذرة جداً.
وكانت في المدينة أزقة كثيرة وأسواق طويلة مسقوفة وكانت داخل المدينة مزارع وبساتين كثيرة وعدا وسط المدينة وأطراف حرم الإمام الرضا عليه السلام والقسم الأكبر من شرق وشمال شرق المدينة حيث البيوت والمنازل والمرافق العامة. فإن بقية مناطق المدينة داخل السور كانت بساتين الفواكه والخضروات وكروم العنب وكانت تسمى «الحيطة» وكانت مساحة هذه الأراضي غير السكنية تعادل 50 بالمائة من مساحة المدينة. إن الازدحام السكني كان في أطراف الحرم وأطراف بوابة عيدكاه ونوقان.
وكانت المدينة حتى سنة 1310 هجرية قد حافظت على نسجها القديم الأصيل التاريخي ولكن في السنوات العشر الثانية من القرن الرابع عشر الهجري كانت خطوات مهمة لتجديد المدينة وتحديثها ومن أجل فتح شوارع طويلة وساحات وميادين تمّ تخريب سور المدينة كما أن بناية البنك الملي أسست في مكان القصر الحكومي وتغيرت واجهة المدينة بصورة عامة.
واقعة مسجد كوهر شاد: خلال هذه السنوات وقع حادث مؤلم وهو واقعة مسجد كوهر شاد بأمر من رضا البهلوي فعم الحزن والمصيبة مدينة مشهد بل محافظة خراسان بأجمعها. فعندما تمّ تنفيذ قانون تبديل الملابس واستعمال القبعة بالعنف وشاع على الألسن الإجبار على كشف الحجاب.
بدأ زعماء الدين بمعارضة هذا القانون وألقوا محاضرات على الأهالي طلبوا فيها القيام على هذه الاعتداءات. واجتمع علماء الدين في بيت السيد يونس الأردبيلي وقرروا تعيين ممثل عن الحوزة العلمية في مشهد وإيفاده إلى طهران للتفاوض مع رضا البهلوي، واختير الحاج آقا حسين القمي ليقوم بهذه المهمة، وقبل مغادرته المدينة قال: «أنا ذاهب لأتحدث مع هذا الشاه فربما أتمكن من تعديل قراره وعليكم أن توقظوا الأهالي وتقولوا لهم إن مؤامرة عظيمة على وشك الوقوع».
ولكنه اعتُقل في مدينة الري في بستان سراج الملك الذي كان قد نزل فيه ووضع في الإقامة الجبرية دون أن يتمكن من مقابلة أي أحد. وعند وصول هذا النبأ إلى مشهد اجتمع الأهالي في مسجد كوهر شاد وأخذوا يهتفون بشعارات مناقضة للشاه رضا ولقانون كشف الحجاب مطالبين الإفراج عن السيد القمي. وفي هذه الأحوال ألقى الشيخ بهلول خطابات ومحاضرات مثيرة مما دفع الأهالي إلى الثورة وهم يهتفون بإسقاط قرارات الشاه رضا. وفي منتصف ليلة السبت 21 شهر تير 1314 هجرية شمسية دخل رجال رضا بهلوي العسكريون إلى المسجد وفتحوا النار على الأهالي المجتمعين هناك وقتلوا وجرحوا الكثيرين منهم.
وفي اليوم التالي بدأ اعتقال علماء الدين والأهالي كما اعتُقل السيد محمد آقازاده في الليلة الثانية بواسطة العقيد نواتي رئيس الشرطة وباكروان محافظ خراسان ونُفي إلى مدينة يزد.
منذ سنة 1330 هجرية شمية وبعد توقف نسبي اتسمر أكثر من عشر سنوات بدأت مدينة مشهد ازدهارها وتطورها بصورة هادئة، وبدأ سكان القرى والأرياف والمدن الصغيرة يزحفون على مدينة مشهد وبدأ عدد سكانها يزداد شيئاً فشيئاً. وبسبب وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام وموقع مدينة مشهد الخاص بين المدن الإيرانية الأخرى وخاصة بين مدن شرق البلاد فقد بدأ سكان بقية المدن التوجه إلى مشهد والاستيطان فيها.
وعدا الموقع الديني للمدينة فإن مناخها المعتدل وأرضها الخصبة وكثرة المحاصيل كل هذه الأمور كانت السبب في توافد الناس لسكناها. وعلى هذا فإن المدينة التي كانت يوماً ما تحاصرها الأسوار والقلاع والأبراج وكانت أبوابها تفتح بواسطة الحراس في الصباح وتغلق في المساء أصبحت اليوم تضم أكثر من مائة قرية ومدينة صغيرة وصارت ثاني أكبر مدن البلاد وقد بلغ عدد سكانها اليوم أكثر من مليوني نسمة وتستضيف سنوياً أكثر من اثني عشر مليوناً من سكان المدن الإيرانية.
إبراهيم زنكنه
الحرم الرضوي المطهر وحوادثه الهامة([640])
لقد كتب الكثير عن الإمام الرضا عليه السلام. ولكن لم يكتب مثل ذلك عما توالى من الأحداث على مرقده المقدس، إذ أن المؤرخين مروا بذلك مروراً سريعاً. لهذا فإن الأمر يستحق بحثاً مستقلاً.
وإذا كان جميع مسلمي العالم يعربون عن حبّهم وتقديرهم للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، ويبذلون أموالهم من أجل زيارته، فإن المؤسف أن بعض الطغاة المتسلطين لم يتورعوا عن توجيه الإهانات لمرقده الشريف خلاف عصور مختلفة، وقد جاءت أخبار تلك الاعتداءات الآثمة بشكل مبعثر، لهذا قمنا بجمعها في هذه المقالة بشكل موجز.
مدفن الإمام
أمر المأمون بدفن الإمام في البقعة الهارونية إلى جانب قبر والده هارون الرشيد في بستان حميد بن قحطبة الطائي والي خُراسان. ومنذ ذلك التاريخ عرفت البقعة الهارونية بالقبر المطهر للإمام الرضا عليه السلام، حتى بلغت أوجها في أيامنا هذه تحت اسم الآستانة الرضوية المقدسة أو مشهد الرضا عليه السلام. وقد استخدمت عبارة (مشهد الرضا) لأول مرة في كتاب (عيون أخبار الرضا) ثم في كتاب (أحسن التقاسيم) الذي ألف في القرن الرابع الهجري.
القبة ومرقد الإمام الرضا عليه السَّلام:
تعددت أقوال المؤرخين والكُتّاب حول تاريخ إنشاء الحرم المطهر. فاعتقد بعضهم أن البقعة المباركة للإمام الرضا عليه السلام قد تعرضت لتحولات كثيرة خلال الوقائع والأحداث الهامة لخُراسان طوال القرون المتمادية، وقد تعرض للهدم الكامل وإعادة البناء عدة مرّات بسبب المواجهات بين القوميات والشعوب المختلفة، والجيوش التي هاجمت خُراسان مثل هجوم سبكتكين والغزيين التركمان والمغول.
فيما يعتقد كُتّاب آخرون أن البقعة تعرضت للخراب، لكن التخريب خلال الحملات المتعددة لم يبلغ حد هدمها بالكامل، بل أن بعض الهجمات أدت إلى تخريب في القسم العلوي فقط، دون أن تصل الأضرار إلى القسم السفلي للجدران، وأن أساسات البقعة ما تزال على البناء الأول لها، حيث بنيت بداية بالأحجار الطينية، ثم رممت وزينت عدة مرات.
إن القرائن تشير إلى أن الرأي الثاني أكثر صحة، وأن الخراب الكامل هو أمر بعيد عن الواقع، ذلك لأن المؤرخين والجغرافيين والرحالة قاموا خلال العصور المختلفة بزيارة المرقد المبارك للإمام عليه السلام، وتمعنوا فيه وكتبوا أوصافه.
ثم أن الآثار المختلفة والفنون المعمارية واستخدام الكاشي خلال القرون المتعددة كالآثار المعمارية للغزنويين والسلاجقة والتيموريين كلها موجودة داخل الحرم، وقد ورد في ختام العبارات المحفورة على الكاشي النفيس اسم المرمم أو تاريخ الترميم مثل (512 و612 و761هـ).
كما أنه لو كانت البقعة المنورة قد هدمت بالكامل، لما بقي أثر لقبر هارون، ولكان لمجددي البناء من محبي الإمام عليه السلام أن يقوموا ببناء جدران القبر المطهر للإمام عليه السلام بحيث يقع القبر وسط البناء الجديد، في حين أن الأمر حالياً ليس كذلك، بل أنه على الوضع الذي حدده المأمون لقبر والده عام (193هـ)، وعندما توفي الإمام بعد عشرة أعوام نقل جثمانه المقدس إلى داخل البقعة ليدفن جهة رأس هارون، لذلك فإن مكان دفنه ضيق، والممر جهة رأسه المبارك ما زال حتى الآن ضيقاً، سوى بعض التوسيع الذي حصل مؤخراً، وقد أشارت الأدلة القاطعة أن البقعة المباركة هي أقدم نقطة مبنية في الحرم. أما القبة المطهرة فقد هدمت عدة مرات بسبب الحوادث الطبيعية والحملات الوحشية.
عصر الديالمة:
بعد بناء البقعة الهارونية، ثم دفن الإمام الرضا عليه السلام فيها، قام السلاطين الشيعة من ديالمة وبويهيين ببناء هذه البقعة بشكل أساسي لتكون مشهداً للرضا، وكانت زيارة ذلك المرقد عامرة، تزداد يوماً بعد يوم.
عصر الغزنويين:
بعد الترميم والتزيين الأساسي الذي حصل في عهد الديلميين، أمر سبكتكين (366 ـ 387هـ) ملك الغزنويين في القرن الرابع بهدم سقف المرقد وقسم من جدرانه، ومنع الناس من زيارته. لكن الشيعة استمروا بزيارة قبر الإمام عليه السلام سراً، وبقي المرقد نصف مهدم، وعندما تسلّم الحكم السلطان محمود الغزنوي قِيل إنه رأى في منامه النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأنه خاطبه، وأشار إلى القبة الخربة، وقال له إلى متى ستبقى هكذا؟ فعندما أصبح السلطان محمود استدعى المعمار، وأرسله إلى طوس. وقد نقل تاريخ البيهقي أنه عام (400هـ) قام أبو بكر الشهمرد ببناء البقعة مرة ثانية على بقايا الجدران الطينية، وكساها بالآجر، وأضاف لها مئذنة، وهو ما شكّل فيما بعد النواة الأساسية للحرم المطهر.
السلاجقة:
خلال هذه الفترة وضع أول حجر رخام في مزار الإمام عليه السلام وذلك عام (516هـ) بقياس (6 × 30 × 40) سم، وضع على القبر المطهر، وكتب عليه (أمر بعمارة المشهد الرضوي علي بن موسى عليه السلام العبد المذنب الفقير إلى رحمته أبو القاسم أحمد بن علي بن أحمد العلوي الحسيني تقبل الله منه) وهذه الرخامة ما زالت محفوظة إلى اليوم في متحف الآستانة الرضوية المقدسة إلى جانب سائر الآثار التاريخية الأخرى.
أهم حادثة وقعت خلال هذه الفترة كانت اعتداء الغزيين الأتراك على الحرم الرضوي المطهر.
اعتداء الغزيين على الحرم المطهر:
قام الأتراك الغزيون عام (548هـ) بمهاجمة مشهد وناحية طوس، فأحرقوا المدينة كلها، وقتلوا عدداً كبيراً من الناس، ومنهم العلماء وكبار الرجال. وقد أصيب بناء الحرم الرضوي خلال هذه الحادثة. وبعد عدة سنوات قام شرف الدين أبو طاهر بن سعد بن علي القمي ـ حاكم مرو ـ بترميم الحرم في عهد السلطان سنجر (511 ـ 557هـ).
بعد عام (557هـ) أمرت السيدة زمرد بنت أخ السلطان سنجر بتزيين أزارة الحرم وتغطية الجدران العلوية بالكاشي النفيس بالأضلاع السداسية والثمانية والنجوم، وذلك حسب ما ورد على الكاشي الموجود. وأمرت أيضاً بكتابة القرآن الكريم بخط حسن في أجزاء، ووقفتها على الحرم الرضوي، وما زالت تلك المصاحف موجودة في المكتبة المركزية للآستانة الرضوية المقدسة.
الخوارزميون:
خلال عهد الخوارزمشاهيين جرى ايضاً ترميم الحضرة المقدسة، ومنها الكتابة الجميلة جداً التي كتبت عام (612هـ) بخط الثلث البارز على جدار وطرف مدخل الحرم من جانب رواق دار الحفّاظ. وقد كتب فيها نسب الإمام الرضا عليه السلام حتى أمير المؤمنين علي عليه السلام، وكتب في حاشيتها بخط صغير بيتين من الشعر في مدح الإمام الرضا عليه السلام من أشعار أبي نواس.
المغول والحرم المطهر:
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن (المغول هاجموا ابتداءً طوس عام (618هـ) فنهبوا المدينة، وقتلوا أهلها. ثم دخلوا مشهد الرضا وخربوه). ورغم أن بعض المصادر نقلت أن الحضرة الرضوية المقدسة قد خرّبت على يد المغول، لكن مؤلف تاريخ الآستانة الرضوية المقدسة نقل عن ابن أبي الحديد أن المغول رغم أنهم قتلوا أهالي مشهد، لكنهم لم يخربوا الحضرة الرضوية أبداً، ولعلهم اكتفوا بنهب أموالها وأثاثها. كذلك فإن (عطا ملك الجويني) مؤلف (جهانكشا) لم يذكر تخريب الحرم المطهر على يد المغول. وكذلك فإن (منظومة الفضل بن روزبهان الخنجي) لم تذكر في (مهمانخانه بخارى) ما يدل على تخريب الحرم المطهر رغم حديثها عن حملة المغول على طوس ومشهد. حيث إن كتابات عام (612هـ) أي قبل حملة المغول ما زالت موجودة.
عهد الإيلخانيين:
خلال هذا العهد تمَّ ترميم الخراب الذي حلّ بالحرم الرضوي المطهر. حيث أمر (غازان خان 694 ـ 703هـ) بترميم الحرم، ثم في عهد السلطان (محمد خدابنده الجايتو 703 ـ 716هـ) الملك الإيلخاني الشيعي المذهب تم ترميم الحرم أيضاً، وزيد في المباني التابعة للمرقد، كما أن البناء الكامل للقبة جرى في ذلك العهد. وعليه فإن القبة بنيت لتكون مثل القبب التي بنيت في العهد المغولي من طبقتين، وغطاء بألواح نحاسية، مع تغليف من الذهب. وخلال ذلك العهد مرّ الرحالة المعروف (ابن بطوطة) في عام (734هـ) من طريق جم إلى طبس، وكتب في مذكراته ما رآه من الحرم المطهر للإمام الرضا عليه السلام ومتعلقاته فقال: (في مشهد المكرمة قبة عظيمة، وتحتها زاوية، وجنبها مدرسة ومسجد، وكل هذه الأبنية العالية تابعة للحرم، أما جدران هذه الأبنية فهي مزيّنة بالكاشي، وقد وضع فوق قبر الإمام الرضا عليه السلام صندوق من الخشب).
مما كتبه ابن بطوطة وغيره يتبيّن أن المباني المذكورة التابعة للآستانة الرضوية المقدسة كانت موجودة في القرن الثامن الهجري، أي: الحرم، المسجد لجهة الرأس، المدرسة وعدة مباني صغيرة تتصل بالضلع الشمالي.
عهد التيموريين:
في القرن التاسع الهجري، وتحديداً في عام (821هـ) قام (شاهرخ التيموري) بإعمار مدينة مشهد، وأمرت زوجته (كوهر شاد آغا) ببناء أول مسجد جامع في المدينة، فبني باسمها في جهة القبلة أي في الصحن الجنوبي للآستانة المباركة، ثم بنيت دار الحفاظ بين الحرم ومسجد كوهر شاد، إضافة إلى التحويلخانة أو الخزانة في مشرق دار الحفاظ. وتزامناً مع إقامة هذه المباني داخل الحرم أقيمت مبانٍ أخرى حول الحرم، منها: مدرسة بربزاد ومدرسة جهة الرأس “بالاسر” (ما زالتا قائمتين حتى اليوم) وبائين با.
كما بني في العهد التيموري الصحن التيموري العتيق، واساس الإيوان المذهب بأمر من الأمير (علي شير النوائي) وزير السلطان (حسين بايقرا) وقد وسع فيما بعد خلال عهد الشاه (عباس الأول الصفوي) ثم قام (نادر شاه) بتذهيب الإيوان المذكور.
العهد الصفوي:
خلال العهد الصفوي ازداد الحرم المطهر عظمة وجلالاً، فالمئذنة القريبة من القبة التي كانت قد بنيت خلال عهد الغزنويين بأمر (ابن المعتز) حاكم نيسابور، رممت وذهبت بأمر من الشاه (طهماسب) وفي عام (932هـ) تم استبدال قطع الكاشي النفيسة التي كانت تغطي أجزاء من القبة، لتحل محلها قطع ملبّسة بالذهب. لكن خلال اضطرابات (عبد المؤمن خان الأوزبكي) نهبت هذه القطع الذهبية وغيرها من نفائس الحرم المطهر.
اعتداء الأوزبك على الحرم:
في العام الثاني من عهد الشاه (عباس الأول) أي عام (997هـ) حوصرت مدينة مشهد على يد (عبد الله خان الأوزبكي) وعندما أطلق الناس عليه النار، غضب وأمر بإبادة أهالي مشهد، بحيث جرى الدم في الروضة المنورة للإمام الرضا عليه السلام.
وفي العام التالي هاجم مشهد (عبد المؤمن خان الأوزبكي) فلجأ عامة الناس وخاصة السادات والعلماء وخدم الآستانة ومدرسوها لجؤوا إلى الآستانة الرضوية المباركة، وأخذوا يدعون الله. فدخل عليهم (عبد المؤمن خان) و(دين محمد سلطان) مع عدد من جنودهم، وارتكبوا مجرزة داخل الحرم. وكان غضبهم وحقدهم لا ينطفئان إلاَّ بسفك دم السادة من سلالة الرسول والصلحاء والعلماء، فأخرجوا الزائرين من داخل الحرم وقتلوهم بوحشية.
ومن ذلك ما فعلوه مع (مير محمد حسين) المعروف بـ (مير بالاي سر) وهو من السادة المتقين في مشهد، وكان ينشغل عند جهة الرأس بتلاوة القرآن المجيد، فأخذه اثنان من الأوزبك وقطعوه بسيوفهم قرب المرقد. في تلك الأثناء لجأ عدد من النسوة والأطفال إلى مسجد كوهر شاد، ومن هناك كانوا يرون المجازر ترتكب بحق أهلهم وأهل مدينتهم.
ثم أمر (عبد المؤمن) بنهب القناديل المرصعة بالذهب والفضة والشمعدانات، وذهب حافة القبة، وكثير من الأواني والسجاد وكتب مكتبة الآستانة، وأخذ النساء والأطفال أسرى، فأرسلهم إلى ما وراء النهر. ثم نال جزاءه عندما قتل بأبشع الأشكال على يد أتباعه.
بعد هذا العدوان الآثم توجه الشاه (عباس الصفوي) عام (1010هـ) مشياً على الأقدام لزيارة مرقد الإمام الرضا عليه السلام، وأمر مجدداً بترميم القبة وتذهيبها، ووضع حزام حول قاعدة القبة من الكاشي بعرض مترين، وكتب عليه بخط الثلث ما ترجمته: (إن من العنايات الكبرى لله سبحانه وتعالى أن وفق ـ سيد ملوك العرب والعجم، وصاحب النسب النبوي الطاهر، والحسب العلوي النير، وتراب هذه الروضة الملكوتية المنورة، ومروّج آثار أجداده المعصومين، السلطان أبو المظفر الشاه عباس الحسيني الموسوي الصفوي بهادر خان ـ بزيارة هذا الحرم الأشرف ماشياً من دار السلطنة أصفهان، ويفخر بتزيين هذه البقعة من ماله الخاص، وقد بدأ العمل عام 1010هـ وانتهى عام 1016هـ).
وبعد ذلك جرت تحولات أخرى في الحرم المطهر، كان منها توسيع الصحن العتيق، وإيجاد الإيوان الشمالي، والغرف، وحافات الأبواب، والإيوانين الشرقي والغربي، ورواق التوحيدخانة، وقبة (الله ورد خان). وتأكيداً منه على اهتمامه بالآستانة الرضوية أمر الشاه عباس أن يطلق على زائر الإمام الرضا عليه السلام لقب (المشهدي) مثل لقب (الحاج) و(الكربلائي)، ومنذ ذلك الحين راج هذا اللقب.
الهزة الأرضية والحرم الرضوي المطهر:
وقعت في مدينة مشهد هزات أرضية كثيرة منها (14) مرة ذكرت في كتب التاريخ خلال الأعوام: (108/ 1052/ 1053/ 1059/ 1077/ 1084/ 1087/ 1118/ 1119/ 1214/ 1232/ 1236/ 1254/ 1274هـ) تضرر بسببها مسجد كوهر شاد، ولعل جدران صحن الحرم المقدس وزينته تضررت قليلاً أيضاً.
لكن في الخامس عشر من ربيع الثاني عام 1084هـ خلال عهد الشاه سليمان الصفوي وقعت في مشهد هزّة مدمرة ألحقت الضرر بثلثي مدينة مشهد، وتضرر خلالها كل من: (قبة المرقد المطهر للإمام الرضا عليه السلام، وسقف قبة مسجد كوهر شاد، ومدرسة بريزاد، ومدرسة دودر، ومدرسة بالاسر، ومدرسة باتين با) ضرراً شديداً، وقضى حوالي أربعة آلاف شخص من أهالي مشهد تحت الأنقاض.
بعد هذه الفاجعة أرسل الشاه سليمان مندوبين عنه من أصفهان لدراسة الخسائر الحاصلة وإجراء الإصلاحات اللازمة. فقاموا بترميم القبة المطهرة ودار السيادة عام (1086هـ) ومسجد كوهر شاد في عام (1089هـ) ومدرسة بريزاد في عام (1091هـ) ومدرسة دودر في عام (1088هـ) ومدرسة بالاسر عام (1091هـ) ومدرسة باتين با عام (1087هـ).
الأفشاريون:
خلال هذا العهد، وخاصة في عهد (نادر شاه أفشار) تمَّ تذهيب الإيوان العتيق (انقلاب) والمئذنة التي فوقه، وتذهيب مئذنة الإيوان الشمالي، وسقاية إسماعيل المذهبة في الصحن العتيق. لكن قام أحفاده من بعده بارتكاب الإهانات بحق ذلك المرقد المطهر.
نهب مجهورات الحرم من قبل:
نصر الله الميرزا ونادر ميرزا أفشار
في عام (1183هـ) كان حاكم خُراسان (شاهرخ بن رضا قلي ميرزا بن نادر شاه أفشار) فشن (أحمد شاه الدرّاني) هجوماً على مدينة مشهد، فواجهه ببسالة (نصر الله ميرزا بن شاهرخ) الذي كان ولي عهده، فهزمه، وأجبره على عقد صلح. هذا النصر حرك غروره فأصابته نوبة من جنون العظمة.
وفي عام (1190هـ) خوت خزانة أبيه، ولم يبقَ معه ما يدفعه لجنده، فوسوس له بعض الأخسّاء فقام بإزالة الذهب والفضة والمجوهرات عن قناديل الحرم والأبواب، وبيع بعضها، وضرب الباقي مسكوكات، ودفع أجور الجنود.
ثم خلعه أبوه (رضا قلي ميرزا) العهد (وأصبح) أخوه (نادر ميرزا) ولياً للعهد فقام هذا بالاعتداء على الأموال الموقوفة وغير الموقوفة في الحرم، حتى بلغ الأمر به إلى أن قلع الكاشي الملبس بالذهب عن القبة المطهرة، وضرب الذهب مسكوكات باسمه، وباع مجوهرات الحرم، وحتى سارية العلم التي كانت فوق القبة اقتلعها، وكذلك السجادة المذهبة التي كانت تساوي حينها سبعة آلاف تومان فقد أحرقها. ولم تردعه عن أعماله القبيحة الشنيعة نصائح الميرزا مهدي المجتهد متولي الآستانة الرضوية آنذاك. لكن الناس اعترضوا عليه، وجمعوا المسكوكات الجديدة من السوق وأعادوها للميرزا مهدي المجتهد ـ جد السادة الشهيديين في مشهد ـ ثم ثار الناس عليه، فاعتبر (نادر ميرزا) أن محرك الثورة هو الميرزا مهدي، فقلته عام (1218هـ).
عصر القاجاريين:
الإصلاحات والتغييرات التي حصلت في الآستانة المقدسة طوال عهود القاجاريين كانت:
بناء الصحن الجديد (أزادي) في جهة الشرق من الحرم بأمر (فتح علي شاه) وبمباشرة من ابنه (علي التقي ميرزا) والمعمار (الحاج آقاجان) صاحب السوق المعروف في مشهد.
بناء دار السعادة عام (1251هـ) بأمر (الله يارخان آصف الدولة).
تركيب رواق دار الضيافة عام (1320هـ).
لكن المؤسف أن الحرم المطهر تعرّض خلال هذه العهود إلى اعتداءات وهتك حرمات وإهانات من قبل المعتدين، وكان منها:
1 ـ غارة سالار: وهو (محمد حسن خان سالار بن الله يارخان أصف الدولة) في عام (1263هـ) أي قبل عام من انتهاء حكومة (محمد شاه القاجاري). استغل انتفاضة هرات، ورفع راية المعارضة في خُراسان، واحتل قلعة (كلات) بسرعة. وحكم خُراسان بشكل مستقل لعامين. وفي السنة الأخرى أمر بإذابة جميع القناديل والقطع والآثاث الذهبي الموجود في حرم الإمام الرضا عليه السلام، وضرب المسكوكات باسمه. ونهب الذهب والمجوهرات الموجودة على الباب المرصع بالذهب والجواهر التي قدمها (فتح علي شاه القاجاري) إلى الآستانة المقدسة شكراً لله على استيلائه على خُراسان.
وبعد انتهاء تلك الفتنة قام (حسام السلطنة) عم (ناصر الدين شاه) بإعادة تلبيس ذلك الباب بالذهب السميك، وزينه بحبات من الياقوت والزمرّد واللؤلؤ، وأعاده إلى مكانه. وعندما تغلب حسام السلطنة على (سالار) عام (1266هـ) لجأ سالار إلى الحرم المطهر، فدخل عليه الحرم الميرزا العسكري إمام جمعة مشهد ومن أقرباء الميرزا مهدي الشهيد، ومعه جماعة من العلماء ومتولي الروضة الرضوية، فوبخوه على ما ارتكبه من جسارة على الآستانة المقدسة، وطردوه من الروضة المنورة، فبقي وحيداً، فأمر به حسام السلطنة فأخذ مع أخيه محمد علي خان وابنه أصلان خان ) وقتلوا جزاءً لأفعالهم الشنيعة.
2 ـ قصف الحرم: وفي شهر محرم من العالم (1330هـ) وأثناء تولي (مرتضى قلي خان النائيني) قام (يوسف الهراتي) بإعلان معارضته للحركة الدستورية (المشروطة) وتلقى الدعم من الأجانب فجمع عدداً من الأراذل والأوباش حوله، وزرع الفوضى في المدينة.
وانتشر في خُراسان ـ وخاصة في مشهد ـ العديد من الجنود الروس مع كامل أسلحتهم، واتخذوا من القصر الحكومي مركزاً لهم. وكان تواجد الجنود الروس لدعم أي معارض لدعاة المشروطة وحكومتها. وقام كل من (السيد محمد طالب الحق يزدي) ابن عم (السيد ضياء الدين) رئيس وزراء انقلاب رضا خان. و(نائب علي أكبر) بمؤازرة (يوسف الهراتي) وشرعوا بالدعاية لحركتهم المضادة للمشروطة في الشوارع والأزقة، وبلغ بهم الأمر إلى إيذاء وتهديد المارة.
وكان يوسف الهراتي يطلق على نفسه لقب القائد، وبلغ قمة التهتك والانحلال. وكان (طالب الحق) بدوره يعتلي المنبر كل يوم، ويحذر أن (محمد علي شاه) قد دخل إيران، وأنه موجود في (جرجان) وأننا نرفض ابنه (أحمد شاه). وكان هدف الجنود الروس الأساسي هو التدخل المباشر بشؤون المدينة، ولهذا قدموا دعمهم للأشرار، فاتخذوا من المواجهة التي وقعت بين جنود الحكومة والأشرار ذريعة لهم للتدخل، ووضعوا عدة جنود روس أمام متجر أحد المواطنين الروس من أهالي (بادكوبه) بذريعة حمايته باعتباره روسياً. ولما رأى التجار والباعة ذلك أغلقوا الأسواق وأضربوا عن العمل.
وفي يوم السبت العاشر من شهر ربيع الثاني (1330هـ) أصدرت القنصلية الروسية في مشهد بياناً هددت فيه بقصف الناس وتفريقهم بالمدافع واستخدام القوات المسلحة إذا لم يخرج الأشرار والمتجاسرون من الصحن والحرم قبل المغرب بساعتين، ويعود التجار والباعة إلى أعمالهم.
ولم يمضِ وقت طويل حتى نظم الجنود المسلحون صفوفهم أمام المسجد الجامع والفندق، وفي المقابل قام الأشرار والمشاغبون بالتمركز بأسلحتهم فوق سطح المسجد والمآذن، ووقف زعيم الأشرار (طالب الحق) أمام الحرم المطهر. وكان الجنود الروس قد تجهزوا بمدافعهم للقصف من عدة جهات. وجاءت ساعة الصفر فارتفعت أصوات المدافع من كل جانب لترمي بقذائفها نحو القبة المطهرة وصحن الإمام الثامن عليه السلام، وكان هدفهم المعلن هو تفريق الأوباش، أما هدفهم الحقيقي فكان هدم القبة المباركة ونهب نفائس الحرم.
وتقدم بعضهم بالرشاشات والمدافع الخفيفة نحو الحرم، وقصفوا الحرم المطهر ومرقد الإمام. وامتلأت أجواء مدينة مشهد بأصوات المدافع والرصاص الذي يطلقه الجنود الروس، وارتفعت الأصوات المذعورة من البيوت. وقد أصابت القبة ثماني عشرة قذيفة تركت فجوات في القبة واخترقتها إلى داخل الحرم. وبعد ساعتين من القصف وإطلاق النار شن العسكريون الخيالة والمشاة الروس هجومهم على الحرم عند الغروب، فلجأ الزائرون والناس إلى داخل الحرم المطهر، وأغلقوا أبواب الحرم، فصعد بعض العسكريين الروس إلى سطح الحرم، وأخذوا يطلقون النار على الناس من الشرفات وشبابيك القبة والأروقة.
بينما دخل آخرون إلى دار السيادة، وأخذوا بإطلاق الرصاص من فتحات النافذة الفضية، وقام آخرون بإطلاق النار إلى داخل الحرم من فتحات النافذة الفولاذية للصحن العتيق (انقلاب). فاستشهد عدد كبير من الناس داخل الحرم المطهر، وجرح آخرون. فرفع متولي الآستانة الرضوية المقدسة (مرتضى قلي خان) قطعة قماش بيضاء علقها على خشبة، وطلب الأمان من القوات الروسية. ولما رأى القائد الروسي ذلك أمر بوقف إطلاق النار، وقام متولي الحرم وخدم الحرم والناس بجمع القتلى والجرحى، وبقي الحرم مدة أربعة أيام في احتلال القوات الروسية، فنهبوا منه أشياء ثمينة نادرة كثيرة، بينما قتل (يوسف الهراتي) و(طالب الحق) على يد الجنود الروس، ليلقوا جزاء جرائمهم.
بعد هذا الخراب الكبير في الحرم، عين السلطان حسين ميرزا نيّر الدولة محافظاً على خُراسان، وبدأ عام (1331هـ) بترميم ما تهدّم، وقدرت كلفة إعادة بناء القبة المطهرة حسب الوحدة النقدية الرائجة آنذاك أي القران الفضي، ثلاثون ألف تومان، دفع منها نيّر الدولة 10,000 تومان ودفع الميرزا محمد علي متولي الحرم الرضوي 20,000 تومان. وما زالت آثار عدة رصاصات موجودة في الإيوان الذهبي للصحن العتيق.
وقد نظم بهذه المناسبة ملك الشعراء بهار قصيدة بعنوان (مدفع الروس) أدرجت في ديوانه.
العهد البهلوي:
في عام 1928م جرت تغييرات أساسية في محيط ساحة الحرم الخارجية، فأوجدت ساحة حول الحرم نصف قطرها 180 متراً عن مركز القبة، وبعرض 30 متراً، ثم أضيف إليها مباني المتحف والمكتبة العامة وقاعة الاستقبالات. لكن لم يدم الأمر طويلاً حتى ارتكب اعتداء جديد بأمر من (رضا البهلوي) طال مسجد كوهر شاد.
حادثة مسجد كوهر شاد:
عام (1935م) قرر رضا بهلوي تغيير الزي ومنع النساء من الحجاب والستر. فاعترض عليه العلماء ومنهم علماء مشهد، ودعوا الناس إلى التجمع والتظاهر، وقام العلماء المعروفون من أمثال: الشيخ مهدي واعظ خُراسان، والشيخ عباس علي المحقق، والشيخ محمد تقي البهلول بإلقاء الكلمات من منابر مسجد كوهر شاد والصحن المطهر، وخاصة الشيخ بهلول بطل المعركة الذي كان يلقي الخطب المطولة الحماسية. وفي صباح يوم الجمعة العاشر من ربيع الثاني (1354هـ) (11/7/1935م) تدخل أفراد شرطة مشهد لتفريق الناس، وقاموا دون تردد بإطلاق النار على الناس داخل الصحن الجديد، فقتل العديد وجرح آخرون).
بعد هذا الاعتداء أقبل الناس من نواحي مشهد وهم يحملون أدواتهم الزراعية متوجهين نحو الحرم المطهر، وتجمعوا داخل الصحن ومسجد كوهر شاد. واستمر العلماء بخطبهم الاحتجاجية وخاصة الشيخ بهلول. وفي اليوم التالي السبت (12/7) كان الحرم كله ملتهباً بالناس وخاصة مسجد كوهر شاد. فقام محافظ خُراسان (باك روان) ورئيس الشرطة (العقيد نوائي) وقائد الفرقة (مطبوعي) بإصدار الأمر إلى القوات المسلحة بمحاصرة الحرم الرضوي ومسجد كوهر شاد بحجة المحافظة على المصارف (البنوك).
وخلال ذلك كان نائب التولية (الأسدي) قد دعا السيدين المجتهدين إلى مركز خفر الحرم ودار التولية بحجة أن جواب برقيتهم إلى رضا شاه قد وصل. وبعد منتصف الليل مباشرة لعلع رصاص بنادق العساكر، ووجه جلاوزة النظام البهلوي رصاصهم نحو الناس، وارتفعت أصوات استغاثة الناس (وامحمداه واعلياه) وكانت النتيجة المفجعة هي مقتل عدة ألوف من الناس، واعتقال (1500) شخص. ثم قام العسكر بنقل القتلى والجرحى بشاحنات ليلاً، ليدفنوهم في مقبرة جماعية في حفرة خارج المدينة. ثم تم غسل المسجد ليطلع صبح اليوم التالي دون أن يبقى من أثر للمجزرة.
توسيع الحرم:
في السابق كان هناك ممر ضيق بعرض 85 سم بين الضريح المطهر والضلع الغربي للحرم (صُفة جهة الرأس) وكان يسبب ازدحاماً وصعوبة لمرور الزائرين، وقد أعد مشروع عظيم لتوسيع الممر وذلك عام (1963م) حيث قرر مهندسو الآستانة الرضوية أن المشكلة لا تحل إلاّ بإلغاء جدار الضلع الغربي للحرم، وكانت سماكة الجدار المذكور 2,90 متراً، ويحمل قسماً من ثقل القبة.
ولإجراء هذا الأمر الهام كان لا بدّ من إيجاد دعامات فنية مطمئنة، لذا بدأت أعمال الحفر وصب الأسمنت ووضع القواعد والجسور المثبتة والتدعيم، وبعد إيجاد جسر إسمنتي فوق الضلع الغربي، تمّ هدم الجدار من تحت القبة، كل ذلك دون وقف زيارة الناس للحرم. وهكذا تمّ توسيع الممر جهة الرأس المبارك، وأضيف إليه مترين، وانتهى العمل منه عام (1965م).
اعتداء زبانية الشاه:
بتاريخ 20/11/1978م ـ (19/12/1398هـ) وخلال انطلاق الثورة الإسلامية بزعامة الإمام الخميني، تعرض الحرم الرضوي المطهر إلى حادثة مؤلمة. في تلك الأيام كان رجال (السافاك) ينفذون انتشاراً بين الناس والزائرين، ويرفعون التقارير عن تحركاتهم، وقد تعرف الناس عليهم وحاصروهم، وأدت محاصرتهم إلى مواجهة معهم، ثم اعتقالهم، لكن واحداً منهم تمكن من الهرب وكان مسلحاً بمسدس، فأخبر مسؤوليه بالأمر، فتوجه رجال السافاك المسلّحون إلى الصحن ليحاولوا إطلاق سراح زملائهم، فواجههم الناس، ولجأ بعض المجاهدين المطلوبين إلى داخل الحرم، فلاحقهم رجال السافاك، وبدؤوا بإطلاق الرصاص، فأصابت عدة رصاصات التوحيد خانة المباركة، ثم بدئ إطلاق الرصاص من جهة (خزانة أحذية) قبة (الله وردي خان) فتضرر بذلك عدة نقاط من أبواب الحرم وجدرانه، وأطلقت عدة قنابل مسيلة للدموع مما أدى إلى خوف الزائرين وإغماء بعضهم، وجرح أحدهم في ساقه.
وإثر تزاحم الزائرين وصراخهم واعتراضهم، فرّ رجال السافاك. وبعد قليل وجه محافظ خُراسان اعتذاراً للناس عما حصل عبر إذاعة مشهد، خشية تفاعل الأمر. وبالفعل كان لهذا العدوان ردود فعل بين أهالي مشهد.
وفي يوم (26/11/1978م) وبمناسبة ذكرى مرور أسبوع على ذلك الاعتداء الآثم أعلن علماء مشهد ذلك اليوم يوم حزن وحداد عام، وأغلقت المحال وعطلت الأعمال في مشهد، وسارت تظاهرات كبيرة في مشهد وفي سائر المدن.
عصر الجمهورية الإسلامية:
يمكننا أن نسمي هذا العصر بالعصر الذهبي للآستانة الرضوية المقدسة، ذلك لأنه خلال عقدين من عصر الجمهورية الإسلامية حفلت بالنشاطات الهامة، وما حصل خلالهما يفوق ما حصل خلال الاثني عشر قرناً الماضية، ولا يمكن إدراج كل ما حصل خلال هذه المقالة، بل أنه يحتاج إلى دراسة مستقلة، لذلك أكتفي بذكر بعض تلك الأعمال:
توسيع الحرم: من أوائل الأعمال التي انطلقت بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة كان توسيع الأقسام الأخرى من الحرم مثل: جهة (خلف الرأس)، جهة (مقابل الوجه)، جهة (الأقدام). وبعد إجراء هذا التوسيع تم تزيين الجدران بالكاشي والمرايا، وافتتحت التوسعة يوم (15/3/1981م) بحضور العلماء الأعلام، وتمّ خلال هذه التغييرات استبدال البوابة عند جهة الأقدام، وزيادة (1,70) متر في عرضه ليصبح العرض (3,70) متراً بدل مترين في السابق، فتح ثلاثة مداخل جهة الرأس المبارك وتوسيع المكان لتسهيل تشرف الزائرين، وليتمكنوا من رؤية المرقد الطاهر من دار الحفّاظ. والمهم في هذه العمليات هو تدعيم القبة الحالية لتصبح أكثر تحملاً للهزات الأرضية.
إعادة تذهيب الحرم المطهر: التلبيس الذهبي للقبة كان قد تآكل الذهب لقلّة سماكته، ومرور الزمان عليه، وتأثره بالعوامل الجوية، فتم استبدال الكاشي ولبّس بالذهب من جديد، ووضعت طبقة نحاسية حافظت تحت التلبيس الذهبي بسماكة تعادل أربعة أضعاف ما كانت عليه في السابق، واعتمدت طريقة (الإلكتروليت) في التلبيس، وثبتت فوق طبقة إسمنتية. فغطت مساحة 700 متر مربع من الكاشي المذهب. وفي وسط الكتابة التي تلف قاعدة القبة، وعند الجهة الشمالية تم تثبيت لوحة تاريخ تجديد التذهيب بعد انتصار الثورة الإسلامية. جاء فيها: (مع بدء القرن الخامس عشر للبعثة النبوية، ومع ذكرى انتصار الثورة الإسلامية العظيمة في إيران بقيادة القائد الأعظم الإمام الخميني تم تجديد تذهيب القبة المطهرة وترميمها في صفر المظفر عام 1400 هجري قمري).
وكما ذكرنا من قبل فإن النواة الأساسية للآستانة المباركة تعود إلى آخر القرن الهجري الثاني، وقد تعرضت خلال (13) قرناً إلى تخريب بسبب الحروب والاعتداءات، وتم توسيعها بشكل ملحوظ، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية. ومنها: رواق دار الولاية وصحن القدس بمساحة (2500) متر مربع، وإيوان تابع له بمساحة (150) متراً مربعاً، وسقاية صحية. صحن الجمهورية الإسلامية بمساحة (10,000) متر مربع، ومئذنتين عند البابين الشمالي والجنوبي كل واحدة بارتفاع (30) متراً، ومرقد الشيخ البهائي، والمكتبة الجديدة العامة، وجامعة العلوم الرضوية. كل هذه الأمور تمّ إضافتها للحرم، هذا إضافة إلى مشروع توسيع الميدان المحيط بالحرم والمعابر والأنفاق التحتية الذي ما زال جارياً.
انفجار قنبلة داخل الحرم الرضوي:
في العاشر من شهر محرم الحرام عام (1415هـ/ 1994م) وخلال عطلة دامت أربعة أيام هي: يوم الجمعة واليوم الثامن ويوم تاسوعاء ويوم عاشوراء. أتيحت الفرصة للزائرين بالتجمع لزيارة الإمام الرضا عليه السلام. ومع فجر يوم الاثنين، يوم العاشر من محرم المصادف (20/6/1994م) تقاطر الناس إلى الحرم المطهر في مسيرات عزاء ورثاء، إحياء لذكرى استشهاد سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الامام الحسين بن علي وأصحابه الأوفياء، فدخلوا زرافات إلى داخل الحرم، وقدموا آيات العزاء للإمام الرضا، واستمر سيل الناس والمراسم الحزينة حتى ملأت الساحات الست حول الحرم.
وخلال تلك العواطف الجياشة والازدحام الشديد دوى صوت انفجار رهيب عند الساعة 2,26 من بعد الظهر لمتفجرة كانت موضوعة عند جهة الرأس الشريف إلى جانب العمود، وقد أدى الانفجار إلى تحطيم زجاج الحرم وإطفاء المصابيح، فتزاحم الناس وارتفعت الآهات والنداءات (يا الله، يا محمداه، يا علياه، يا حسيناه) وعندما تكشفت الأمور تبيّن استشهاد (27) زائراً وجرح (290) آخرين، واستمرت حالة الهلع والدهشة داخل المدينة كلها حتى تم نقل أجساد الشهداء إلى البرادات، والجرحى إلى المستشفيات، ورفع الأنقاض والزجاج المحطم، وتطهير الحرم من الدماء والأشلاء. وتصاعدت اللعنات على هاتكي حرمة الإمام الرضا عليه السلام، وأعلن الحداد الرسمي في خُراسان ثلاثة أيام، وفي إيران كلها يوم واحد.
مجموعة الحرم الرضوي:
بعد استعراض تاريخ الحرم الرضوي وحوادثه المهمة بشكل مختصر، من المناسب جداً استعراض تاريخ مجموعة آثار وأبنية الحرم أيضاً:
الصندوق والضريح المطهر: استناداً إلى المصادر التاريخية يبدو أن أول صندوق وضع فوق المرقد المطهر عام (500هـ) ثم جدد خلال عهد السلطان محمد خوارزمشاه عام (600هـ). ولكن الأمر الأكيد هو أن الشاه طهماسب قد وضع صندوقاً سميكاً من الذهب فوق المرقد. وأن الصفائح المشبكة الذهبية للصندوق كانت تحوي سورة الدهر (الإنسان) وتتكون من (166) قطعة صغيرة وكبيرة، من الخط الثلث قد ثبتت على الصندوق. أما نص الكتابة المدرجة على لوح ذهبي كبير على الصندوق فهو: (بتوفيق من الله، وتأييد من الرسول والأئمة المعصومين عليهم السلام وفق طهماسب الصفوي بوضع هذا المحجر من الذهب في هذا الموضع السامي، وذلك سنة 957هـ).
وبعد عدة أعوام تآكل الصندوق، وتساقطت عنه القطع الذهبية، فوضع الصندوق الجديد المذهب في عهد الشاه عباس الصفوي، مع كتابات بالخط الثلث أو النستعليق شملت آية الكرسي والصلوات على المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، وأشعار فارسية. وقام (نادر شاه) بإهداء قطع ذهبية للصندوق وقنديل ذهبي كبير وقفل مرصع بالجواهر عن نذره لفتح الهند وتركستان، لكنها نهبت من قبل أحفاده (نادر ميرزا) و(نصر الله ميرزا) وضربوا بها مسكوكات باسميهما، ولما لم يرغب الناس التعامل بتلك المسكوكات، فقد جمعوها وسلموها للميرزا مهدي المجتهد سراً، ليعيدها إلى مكانها المناسب، كما مر.
وبعد إعادة تلك القطع إلى مكانها ثم نقل الصندوق إلى المتحف عام (1932م) ثم تم نقل الكتابات الذهبية التي خطها (علي رضا العباسي) مع القطع الذهبية بوزن (36000) مثقال، وفضة الآستانة الرضوية للضريح الثالث، تمّ نقلها كلها إلى طهران لتشكل دعماً للعملة الورقية. وبقيمتها تم شراء أملاك في (دركز) وقفت للآستانة الرضوية. بعد شهر آب (1941م) أعيدت الكتابات المذكورة إلى الآستانة.
ثم صنع صندوق بديل عن الصندوق الذي أخذ عام (1932م) وكان مركباً من إحدى عشرة قطعة من المرمر الليموني اللون من (شانديز) ووضع فوق رخام القبر، وأدرجت فوقه كتابات هي أشعار عربية، وأرخ بجملة (الرضا قبره جددا) أي عام (1972م). فأصبح الضريح متشكلاً من ثلاثة أضرحة متداخلة، فالضريح الصغير الداخلي من الخشب المنحوت والمرصع بأحجار الزبرجد والياقوت، وأعده أحد أحفاد (نادر شاه أفشار) عام (1160هـ). والضريح الأوسط من الفضة، والضريح الثالث وهو الأكثر قيمة والأدق هو الحالي الذي وضع عام 1959م وأعد تحت إشراف الأستاذ الفنان الحاج محمد تقي ذو فن الأصفهاني، وقد استغرق صنعه ثلاثين شهراً. وقد استعمل في صنعه (338488) مثقالاً من الفضة من عيار (90) وكمية (7052) مثقالاً من الذهب من عيار (18) وطنين من خشب الجوز الجاف، وطنين من الحديد. ارتفاعه 3,60 متراً، وطوله 4,50 متراً، وعرضه 3,06 متراً، وعليه (14) لوحة تحمل كل واحدة اسم أحد المعصومين بخط الثلث على لوح ذهبي مرصع بالفيروز، ووضع على كل واحدة من زواياه الأربع عنقود من الذهب، إضافة إلى أشغال ذهبية وزينة بالمنياء اللازوردية والوردية الملونة. وأرض الضريح من الرخام وسجاده يعود إلى عام (1238هـ).
رواق دار السيادة: بني بعد عام (821هـ) بأمر من السيدة (كوهر شاد آغا) بطول 32,86 متراً، وعرض متفاوت، وارتفاع 20,75 متراً.
رواق دار الحفاظ: بني بعد عام (821هـ) بأمر من السيدة (كوهر شاد آغا) بطول 18 متر، وعرض 8,65 متر.
رواق حاتم الخاني: بناه (حاتم بيك الأردوبادي) من سلالة نصير الطوسي، ومن وزراء الشاه عباس، وذلك عام (1010هـ) بطول 13,5 متراً، وعرض 7,30 متراً، وارتفاع 11,60 متراً.
قبة الله وردي خان: بنيت بأمر من الله وردي خان) أحد أمراء الشاه عباس، وذلك عام (1022هـ) بقياس 16,19 × 8,75 متراً، وارتفاع 11,20 متر. يدخل إليها من دار الضيافة، وكان عليها كتابة وتاريخ بنائها، لكنها أتلفت خلال تولي (باقر بير نيا) وصورها موجودة في الآستانة الرضوية.
رواق الفيض: وهو مسجد الرياض أو مسجد النساء، يحتمل أن بانيه هو الفيض الكاشاني المجتهد الذي عاصر الصفويين. وطول الرواق 15,59 متراً، وعرضه 5,9 متر، وارتفاعه 9,5 متراً.
رواق التوحيد خانه: يحتمل ان بانيه الفيض الكاشاني، ومساحته هي: 7,35 × 8,60 متراً، وارتفاعه 15 متراً.
دار الضيافة: بناها الميرزا شفيع اعتماد الدولة القزويني، وزير الآستانة الرضوية، وذلك عام (1031هـ) ومساحتها 10 × 15 متراً، وارتفاعها 15 متراً.
دار السرور: بنيت عام (1334هـ).
دار الشكر: بنيت عام (1965م) بمساحة 6,5 × 6,5 متر، وارتفاع 9,5 متراً.
دار العزّة: بنيت عام (1964م) بمساحة 3,12 × 11 متراً، وارتفاع 4,35 متراً.
دار الذكر: بنيت عام (1964م) بمساحة 6,5 × 12,82، وارتفاع 9 متر.
دار السلام: بنيت عام (1967م) بناها الدكتور السيد فخر الدين شادمان نائب التولية للآستانة آنذاك، بمساحة 22 × 10 متراً، وارتفاع 9,5 متراً.
دار السعادة: بناها الله يارخان أصف الدولة عام (1251هـ) بمساحة 14,90 × 12,80 متراً، وارتفاع 14,80 متر.
دار الشرف: بنيت عام (1386هـ).
دار الزهد: بنيت عام (1971 ـ 1973م) بمساحة 17,5 × 16 متراً، وارتفاع 5,90 متر.
دار العبادة: بنيت عام (1974م) بمساحة 12 × 16 متراً، وارتفاع 5,90 متر.
دار الإخلاص: تقع غرب الحرم المطهر، مقابل مسجد جهة الرأس، بين أروقة: دار السيادة ودار الشرق ودار الولاية.
دار الولاية: مساحتها (2305) متراً مربعاً، وهي أكبر دار ورواق في الحرم المطهر، وقد بنيت بعد انتصار الثورة الإسلامية.
رواق الشيخ البهائي: ويضم مرقد الشيخ البهائي العاملي.
دار الهداية: وتقع بين مدرسة البابين(البائين با؟) وصحن الجمهورية، بمساحة 837 متراً مربعاً، وقد بنيت بعد انتصار الثورة الإسلامية.
دار الرحمة: وهي الحادية والعشرين وآخر الأروقة، مساحتها 520 متراً مربعاً، تقع جنوب رواق دار الهداية، بين مركز الشيخ البهائي وصحن الجمهورية.
النقارخانه:
كان متعارفاً في الماضي أن يعلن من قصور السلاطين عن حادثة معينة أو خبر مهم بدق الطبول. وفي عام (860هـ) مرض ابن بايسنقر بن شاهرخ التيموري في هرات، فتوجه إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام طلباً للشفاء، واعتكف في الحرم المطهر. وقد أعلن خبر مجيئه بقرع الطبول، ومنذ ذلك الحين تقرع الطبول في الحرم قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، عدا أيام الحداد.
سقاية إسماعيل الذهبية:
وهي حوض للشرب والوضوء في وسط صحن الثورة أو الصحن العتيق، عليها كتابات ذهبية، منذ عهد (نادر شاه أفشار) لذلك يطلق عليها أحياناً اسم (السقاية النادرية) وحولها رخام مسدس الأضلاع أمر به (نادر شاه) ليحضر من مقاطعة هرات بأفغانستان، أما الأحجار الملبسة بالذهب والكتابة فقد أعدها فنان اسمه إسماعيل، اشتهرت السقاية باسمه.
صحون الحرم:
وهي ساحات مكشوفة كبيرة تستوعب الزائرين قبل وبعد تشرفهم بالزيارة، وتقام فيها صلوات الجماعة كل يوم، ومراسم العزاء خلال أيام الحداد. وهي ست ساحات أو صحون (مع مسجد كوهر شاد) وأربعة مراكز، ومساحتها مجتمعة 225553 متراً مربعاً، وهي كما يلي:
1 ـ الصحن العتيق أو صحن انقلاب (الثورة):
أسس في عهد السلطان حسين بايقرا، بأمر من وزيره العالم الأمير علي شير نوائي، وتمّ توسعته بأمر من الشاه عباس الصفوي. مساحته 104,5 × 44 متراً، يضم أربعة إيوانات، و48 غرفة أرضية وطابق أول. وإيواناته هي:
ـ الإيوان الذهبي: ويقع عند الجهة الجنوبية للصحن العتيق، بني عام (875 ـ 885هـ) بأمر من الأمير علي شيرنوائي، طوله 14,70 متر، وعرضه 7,80 متر وارتفاعه 21,5 متراً.
ـ الإيوان الغربي: ويسمى إيوان الساعة، ويقع في الجهة الغربية للصحن العتيق، وشرق مركز الشيخ الطوسي، ويتصل به. وفوق بابه ساعة كبيرة تشير إلى الوقت من جهاتها الأربع.
ـ الإيوان العباسي: ويقع في الجهة الشمالية للصحن العتيق، وبني بأمر من الشاه عباس، لذلك يسمى الإيوان العباسي أيضاً.
ـ إيوان النقارخانه: ويقع في الجهة الشرقية للصحن العتيق، وقد تشكل من إيوانين، مثله في ذلك مثل الإيوان الغربي. مدخله الخارجي مقابل مركز الشيخ الحرّ العاملي.
2 ـ الصحن الجديد أو صحن آزادي (الحرية)
وهو بناء جميل جداً، طوله 58 متراً وعرضه 54 متراً. بني في عهد (فتح علي شاه) ويضم 56 غرفة في طابقين أرضي وأول.
3 ـ صحن الإمام الخميني
يقع جنوب شرق الحرم المطهر بين مسجد كوهر شاد والمكتبة العامة القديمة والمتحف، ومساحته هي (7798) متراً مربعاً، وبدأ مشروع توسيعه لعدة أضعاف.
4 ـ مسجد كوهر شاد
وهو من أجل وأجمل مساجد إيران، بني عام (807 ـ 821هـ) بأمر من السيدة كوهر شاد زوجة السلطان شاهرخ التيموري.
5 ـ صحن القدس
مساحته (4472) متراً مربعاً، بني بعد انتصار الثورة الإسلامية، يقع جنوب مسجد كوهر شاد، ويتصل بمركز الشيخ البهائي وفي وسطه سقاية القدس الحديثة على شكل مسجد الصخرة في القدس.
6 ـ صحن الجمهورية الإسلامية
وقد أسس بعد انتصار الثورة الإسلامية في غرب الحرم المطهر بمساحة (17500) مترمربع، ويوجد في كل جهة من جهاته الأربع، إيوان كبير، بني على طريقة العمارة الإسلامية، وفي وسطه سقاية حديثة ذات ثمانية الأضلاع. وفيه ساعة شمسية مع شاخص تبين وقت الظهر الشرعي لجميع فصول السنة، تعلوه مئذنتان ارتفاع كل واحدة (30) متراً فوق الإيوان الشمالي والإيوان الجنوبي للصحن، تمّ تزيينهما وتذهيبهما.
إبراهيم زنكنه
مشهد منطلق لطريق الحرير الجديد
نقطة تحول حاسمة حدثت في 13 أيار (مايو) 1996 عندما اجتمع رؤساء 12 دولة و1500 مندوب عن 50 بلداً قرب الحدود بين إيران وتركمانستان للاحتفال بافتتاح خط سكك حديد مشهد ـ سرخس ـ تيجن (تيجان). يملأ هذا الخط الذي يبلغ طوله نحو 300 كيلومتر الحلقة المفقودة في الخط القاري الذي يمتد من الصين عبر الجمهوريات المستقلة الآن كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان إلى إيران وتركيا، ومن هناك عبر اسطنبول إلى جنوب أوروبا.
هذا الخط من الصين إلى أوروبا يمر بالضبط في الطريق الذي كان يسلكه طريق الحرير القديم. إكمال هذا الخط القصير حاسم لأنه حوّل إيران نفسها إلى مركز رئيسي في شبكة سكك الحديد النامية عبر قارتي آسيا وأوروبا.
طريق الحرير الذي يجسد المصالح المشتركة للأمم في التنمية كان الموضوع الثابت في احتفالات افتتاح خط «مشهد ـ تيجان» إذ أعلن في الاحتفال الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رافسنجاني: «اليوم نفتتح بالتعاون مع أصدقائنا في تركمانستان خط السكك الحديد الذي يجد طريق الحرير القديم المشهور كرمز لعلاقات الشرق والغرب … فهو يختصر المسافة الطويلة بين الموانئ الصينية والخليج الفارسي، وهو جسر بين المنطقة والعالم».
وقال الرئيس التركي سليمان ديميريل «إنها أسطورة تاريخية عادت إلى الحياة طريق الحرير لم يكن مجرد طريق بل يعني تجمع أمم عدة». وتحدث رئيس الوزراء الصيني لي بنغ الذي كان حاضراً أيضاً الاحتفال عن إنشاء «طريق الحرير للقرن 21».
هذا الافتتاح التاريخي لنقطة ارتباط «مشهد ـ تيجان» رافقه في فترة بضعة شهور طوفان من اتفاقات جديدة حول مشاريع تنمية وهياكل ارتكازية واتفاقات تجارية ثنائية ومتعددة الأطراف وتعاون اقتصادي عبر المنطقة كلها. وكانت زيارة رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان إلى إيران في آب (أغسطس) 1996، ذات أهمية استراتيجية عظمى، إذ أنها أول زيارة دولية لأربكان بعد توليه المسؤولية ووقع رئيس الوزراء التركي الذي رافقه وفد يضم 102 رجل اعمال سلسلة اتفاقات ثنائية فتحت وفق تعبيره «عصراً جديداً للعلاقات الإيرانية ـ التركية».
واتفقت أيضاً إيران وتركيا على بناء خط سكك حديد جديد من تبريز في إيران إلى المدينة التركية «فان» في الجانب الشرقي من بحيرة فان، من هناك يمر خط نقل رئيسي للمراكب يعبر البحيرة ويتصل بخط السكك الحديد التركي عبر أنقره واسطنبول ويقدم بذلك خطاً محسناً من إيران إلى أوروبا. وفي الوقت نفسه أعلن وزير الطرق والمواصلات الإيراني أكبر توركان أن خطوط كهرباء عالية القوة ستبنى لربط شبكات الطاقة الكهربائية لإيران وتركيا، ما يسمح بنقل الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية في إيران إلى تركيا. وأخيراً توصلت تركيا وإيران إلى اتفاق لتقديم خدمات خاصة للصادرات الإيرانية عبر الميناء البحري التركي طرابزون على البحر الأسود.
وتشير اتفاقات تطوير السكك الحديد والتفاهم المشترك بين إيران وتركيا بتشجيع من الصين وبعض الدول الأخرى إلى تحول بعيد المدى تماماً من المنافسة العدائية السابقة على النفوذ في وسط آسيا ومناطق أخرى باتجاه الاتفاق لصالح تعاون بعيد المدى. مشاريع كثيرة للنقل والطاقة مطروحة على الطاولة أو بدأ العمل فيها فعلاً، تمتد من إيران شرقاً إلى باكستان والهند وشمالاً عبر القفقاس وآسيا الوسطى إلى روسيا. المفهوم التالي المثير الذي قدمه وزير الخارجية الإيراني يوضح سياسة حكومته: «لا يمكن أن تكون لدينا بلاد آمنة في منطقة موبوءة بالاضطرابات ولا يمكن أن يكون لدينا بلد غني في منطقة يسودها الفقر».
والصين التي حذر نابليون بونابرت الغرب من استيقاظها استيقظت، وهي تمدّ الآن أولى خطواتها العملاقة عبر الكتلة البرية الآسيوية الأوروبية المترامية الأطراف ما بين المحيطات العالمية الثلاثة الهادي والهندي والأطلسي. سكك الحديد التي شرعت في بنائها تربط هونغ كونغ على بحر الصين بعبادان على الخليج الفارسي وشانغهاي على البحر الأصفر بروتردام على بحر الشمال. هذه السكك أجزاء من مشاريع قارية يطلق الصينيون عليها اسم «الجسر القاري الأوروآسيوي». جسر يتكون من أروقة ارتكازية سعة كل منها نحو 100 كلم تضم خطوط مواصلات واتصالات وأنابيب نقل الغاز وشبكات الطاقة الكهربائية عالية القوة ومنظومات الري وتجهيزات الماء.
تفاصيل المشروع الصيني العملاق الذي عقد حوله مؤتمر دولي في بكين العام الماضي تنشر لأول مرة في كتاب صدر بالإنكليزية في واشنطن عنوانه «الجسر البري الأور آسيوي».
طريق الحرير
يحمل الكتاب الذي شارك فيه باحثون أميركيون وصينيون وأوروبيون وعرب العنوان الفرعي: «طريق الحرير الجديد ـ قاطرة التطور الاقتصادي العالمي». ويستعيد الباحثون فيه تاريخ طريق الحرير القديم الذي كان يمتد من الصين عبر سيبيريا شمالاً، وباتجاه جنوب شرق آسيا وأندونيسيا والهند، وإلى الجنوب نحو آسيا الوسطى وفارس وبحر الخزر والمنطقة العربية والسواحل الشرقية لإفريقيا، وذكر محرر الكتاب الباحث الأميركي الدكتور جوناثان تننباوم» أن المدن التجارية التي نشأت في الماضي على امتداد طريق الحرير تشكل عقداً يضم جواهر حضارية بينها أسماء خالدة لمدن عصر النهضة الإسلامية، مثل بخارى وسمرقند. يرتبط في اعتقاد مؤلفي الكتاب مصير ثلاثة أرباع سكان العالم الذين يعيشون في الكتلة القارية الأوروآسيوية الجبارة بطريق الحرير.
أروقة ارتكازية
وذكر الباحث العراقي حسين النديم الذي ساهم في تأليف الكتاب أن إحياء طريق الحرير القديم يمثل حالياً رؤية استراتيجية للسياسة الخارجية في الصين. وهو بالنسبة للصينيين وللأمم التي تشاركهم فيه ليس مجرد أحلام وخطط على الورق، بل مشاريع أنفقت عليها الصين ودول أخرى بلايين الدولارات.
وخلال السنوات الأخيرة أكمل بناء «الحلقات المفقودة» التي تربط طريق الحرير الجديد الذي يمتد من بكين إلى روتردام.
وفي العام الحالي ينتهي العمل في أطول خط بري للألياف الضوئية يمتد عبر قارتي أوروبا وآسيا: جادة معلومات فائقة تربط الصين وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى والقفقاس وإيران وتركيا وأوكرانيا وبيلاروس وبولنده وهنغاريا وأقطار أوروبا الغربية. ويدعم الصينيون مالياً وتكنولوجياً مشاريع ربط آسيا وأوروبا عبر «أروقة ارتكازية» تبلغ سعتها نحو 100 كلم. تتكون هذه الأروقة الارتكازية من خطوط مواصلات واتصالات وأنابيب نقل الغاز وشبكات الطاقة الكهربائية عالية القوة ومنظومات الري وتجهيزات الماء. وتيسر في الأروقة الظروف الملائمة لكل أنواع الصناعة والتعدين والزراعة والإنشاءات المدنية. ولا تبعد أي منطقة أكثر من 50 كلم عن «العروق» الارتكازية الرئيسية لطريق الحرير الجديد الذي تتفرع منه فروع وشرايين في كل الاتجاهات.
نقل التكنولوجيا
إنشاء الأروقة يدشن في رأي مؤلفي الكتاب أعظم الفترات في بناء الهياكل الارتكازية وتوظيف الاستثمارات في التاريخ العالمي فتجربة نشر الهياكل الارتكازية التكنولوجية الحديثة على امتداد طريق الحرير الجديد وتشغيلها وصيانتها تدشن أضخم عملية نقل تكنولوجي شهده العالم. وتعمل هذه الأروقة الارتكازية حال تشغيلها كأحزمة لنشر التقدم العلمي والتكنولوجي عبر الكتلة القارية الأوروآسيوية.
بناء مئات المدن والمناطق الزراعية والصناعية على هذه المساحة التي تبلغ 6 ملايين كيلومتر مربع يقدم حقل تجارب وتنمية لكل أنواع التكنولوجيات الجديدة من القطارات التي تسير على مخدات كهرومغناطيسية إلى الطاقة النووية لتحلية مياه البحر.
ويسخر مؤلفو الكتاب من تجاهل الصحافة الغربية «طريق الحرير الجديد» الذي يبرهن على أن بلدان العالم الثالث تستطيع بالاعتماد على نفسها الانطلاق في القرن الحادي والعشرين. ويعوض طريق الحرير الجديد المنطقة الأوروآسيوية عن الدمار الذي ألحقتها بها الحرب الباردة طيلة 40 عاماً دمرت اقتصادات أقطار بكاملها في وسط وشرق أوروبا وبلدان آسيا الوسطى وأولدت كوارث دموية، مثل الحروب الكورية والفيتنامية والأفغانية وحروب الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وطريق الحرير الجديد، وفق اعتقاد الباحث الأميركي تننباوم هو الأمل الوحيد لتجنب انهيار الاقتصاد المالي العالمي الذي تمزقه المضاربات.
طريق الحرير الجديد يرتبط بالسكك الحديدية المنطقة العربية وأسيا وأوروبا
ما هو طريق الحرير؟
مرت دراسة مفصلة عنه في بحث (تركستان) ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
ليس طريق الحرير تسمية مجازية وإنما هي واقعية أطلقت على خط تجاري أنشئ قبل ألفي عام، ونقل عبره التجار النفائس بين الشرق والغرب. والطريق نفسه سار عليه غزاة وفاتحون، من الإسكندر الأكبر والفرس والرومان إلى جيوش الفتح الإسلامي وجحافل جنكيز خان وهولاكو وتيمور لنك، كما حمل دعاة ومبشرين يهود ومسيحيين ومسلمين وبوذيين وغيرهم، وعليه سار ابن بطوطة وماركو بولو. وكان طريق الحرير سبباً في ظهور مدن وانتعاش ممالك، وكان أيضاً سبباً في اختفاء أخرى، كما حدث لتدمر والبتراء اللتين ازدهرتا بمرور تجارة طريق الحرير فيهما، ثم طواهما النسيان بتغيير مساره بعيداً عنهما.
وهناك أشكال شتى للتجارة شهدها الطريق، كان أغربها ذلك النمط الذي عرف باسم «التجارة الصامتة»، إذ كان أحد الطرفين يترك بضاعته في مكان متفق عليه، ثم يأتي الطرف الآخر بما يريد مقايضته بتلك البضاعة ويغادر المكان، فإذا عاد الطرف الأول ورضي بما تركه الطرف الثاني مقابل بضاعته أخذه وانصرف، وإن لم يعجبه غادر المكان من دون أن يأخذ شيئاً، وهنا يعود الطرف الآخر ويزيد المقابل ويغادر المكان، فإن قبل الطرف الأول أخذ بضاعة الآخر وانصرف، وتستمر هذه العملية إلى أن تتم الصفقة، من دون أن يرى أحد الطرفين الآخر.
أمّا سر التسمية فيعود إلى أن الحرير كان يوماً أهم سلعة تنقل على هذا الطريق، خصوصاً أن الصين ظلت زمناً طويلاً تحتفظ بأسرار تربية دودة القز وصناعة الحرير، ما أشاع قدراً من الأساطير حول الحرير الذي تصور بعضهم أنه نبات، وقال بعضهم إن ثمة نوعاً من الحملان يزرع في الأرض ويؤخذ منه الحرير. وكان الغرب يعرف الصين باسم «سيريس»، وهو مشتق من الكلمة التي تعني الحرير بلغة آسيا الوسطى.
وإلى جانب آلاف البضائع التي نقلت عبر طريق الحرير، ربما كان الورق أهم ما نقل من الصين إلى دول أوروبية عدة، ما أحدث ثورة في عالم الثقافة والمعرفة. كما أن الصين نقلت عبر هذا الطريق أيضاً طرقاً للطباعة الخشبية قد تكون هي التي أوحت إلى غوتنبرغ فيما بعد اختراع الطباعة بالحروف المتحركة.
وكان ظهور الطرق البحرية سبباً رئيسياً في أفول نجم «طريق الحرير» وتضاؤل أهميته. ويرجح المؤلفان أن تكون مدينة «تشانج آن» الصينية هي المدينة الأولى التي انطلق منها المسافرون على طريق الحرير، إذ مثلت رأس جسر للطريق، وكانت المدينة الرئيسية للتجارة الغربية، كما ظلت لفترة طويلة المنفذ الذي تدخل منه الأفكار الجديدة والديانات.
ولم يكن الماء والطعام والعواصف الرملية المصاعب الوحيدة التي تواجه كل المسافرين على طريق الحرير، فما أن يعبروا سور الصين العظيم حتى يتعرضوا لخطر آخر وهو قطاع الطرق. وكانت جماعات اللصوص تغير على القوافل وتستولي على كل ما هو ثمين. وكانت الدواب تستخدم فقط لحمل المؤن، أمّا المسافرون فكانوا يقطعون الطريق سيراً على الأقدام. وكتب ماركو بولو عن الصعاب التي تواجه العابرين قائلاً: «تتكون هذه الصحراء كلها من تلال وأودية رملية ليس بها ما يؤكل، وبعد مسيرة يوم وليلة تجد ماءً عذباً قد يكفي لخمسين أو مائة شخص مع دوابهم. وعلى امتداد الصحراء قاطبة ستجد الماء بهذه الكيفية، ففي ما يقرب من ثمانية وعشرين موضوعاً ستجد ماء صالحاً للشرب وإنما بكميات ليست كبيرة.
كما أنك ستجد في أربعة مواضع أخرى ماء صالحاً بعض الشيء والحيوانات البرية لا وجود لها هناك، إذ لا يوجد ما تقتات عليه، وهذه الصحراء يرتبط بها شيء مثير للدهشة، وهو أنه إذا شدّ المسافرون الرحال ليلاً وتصادف أن تخلف أحدهم أو غلبه النعاس، فإنه عندما يحاول اللحاق برفاقه يسمع أرواحاً تتحدث فيتصور أنها أصحابه. وفي بعض الأحيان تناديه الأرواح باسمه، ولذلك فإنه غالباً ما يضل هذا المسافر ولا يهتدي إلى صحبه أبداً، وهناك العديد ممن هلكوا بهذه الكيفية (…)، ومن ثم اعتاد المسافرون أن يكونوا قريبين من بعض في مثل هذه الرحلة، وكل الدواب هي الاخرى معلق في رقابها أجراس كي لا تضل بسهولة، وعندما يحين موعد النوم توضع علامة تدل على اتجاه السير في المرحلة التالية، وهكذا يتم عبور الصحراء».
هذا الوصف الذي قدمه ماركو بولو، يعني أن استخدام هذا الطريق لم يكن أمراً هيناً، كما أنه من غير المحتمل أن يسلكه من لم يتعوده. لذا كان المسافرون على طريق الحرير حريصين على استئجار قادة القوافل والمرشدين ذوي الخبرة بالطريق.
وبطبيعة الحال، وهذا ما نجده في النص الذي كتبه ماركو بولو نفسه، فإن خيطاً من واقع وآخر من خيال، لا بد أن ينسجا ما روي من حكايات عن هذا الطريق، فهو يمر ببلاد عشقت الأسطورة والميتافيزيقيا، وتفننت في الحكايا والأساطير، وقد غذى هذا الميل، اللقاء المباشر عبر التجارة وتبادل السلع والبضائع. ومن الحكايات التي تختلط فيها الأسطورة بالواقع «رحلات الأمبراطور مو» التي تضمنتها مجموعة تسمى «حوليات البامبو» كُتبت في القرن الثالث قبل الميلاد. وتقول الحكاية إن الإمبراطور «مو» بدأ رحلته من ممر «يو» وهو بوابة اليشب التي تميزت بها حدود الصين الغربية لآلاف السنين، ووجد الأمبراطور على السهول الواقعة خلف الحدود أناساً مثله من نسل «هوتسوغ» إله نهر هوانج، ولقي «مو» ترحيباً من الملوك المحليين الذين قدموا له جلود عشرة فهود و26 جواداً كهدية، ثم لقي آخرين من نسله أثناء تقدمه غرباً قدموا له المزيد من الهدايا ومنها «باتي» وهي حلة مستديرة من اليشب يتوسطها ثقب، كانت تستخدم رمزاً للمناصب الحكومية «…».
وتمضي الحكاية الأسطورية تروي مغامرات الأمبراطور في اتجاه «الغرب الموحش» حيث يلتقي هناك الأم الملكية الغربية التي يرى باحثون أنها بلقيس ملكة سبا، ويدور بينهما مُغنّى أثناء تناولهما الطعام على بركة الزمرد، تغني بلقيس:
تبدو الجبال والتلال
كأنها سحب تصعد للسماء
وعلى امتداد الأرض تتناثر بلادنا
تفصلها البحار وسلاسل الجبال
إذا قدر لك طول العمر
فلتأت مرة أخرى
ويرد عليها الأمبراطور «مو»:
عندما أعود إلى الشرق
حاملاً للملايين النظام والسلام
وعندما يتمتعون بالرفاهية وسعة العيش
سأعود إليك
أحسبي ثلاث سنوات من الآن
أعود بعدها إلى هذه البلاد
وعندما عاد الأمبراطور إلى بلاده نظم في المملكة الغربية قصيدة أخرى يقول فيها:
في ذلك الغرب الأقصى
تبسط حكمها على السهل
شديد الاتساع
تصاحبها النمور والفهود
وتنام مع الغربان.
وفي ما يتعلق بالحرير، وهو الاكتشاف الذي وصم الطريق به، فلم تحرمه الأسطورة حقه، إذ عُرف أن الفضل في اكتشاف الحرير يعود إلى «ليه تزو» كبرى زوجات الأمبراطور، التي كرمها الصينيون بمنحها لقب «سيدة دودة القز». وتقول الأسطورة إن «ليه» كانت تسير تحت شجرة توت في بستانها، وتصادف أنها التقطت شرنقة بيضاء من الأوراق، وبينما هي تلهو بها سقطت في كوب الشاي أمامها، ووجدت «ليه» أن بإمكانها سحب خيط أبيض طويل منها، وهكذا أمكن اكتشاف الحرير من دودة القز. ويمضي الكتاب سارداً سيرة طريق الحرير الذي تحول من طريق للتجارة والاكتشاف إلى ميدان للحروب والغزوات، سلكته كل الجيوش من الفرس والرومان والتتار والمقدونيين وغيرهم. ويروي المؤلفان قصة صراعات عدة شهدها الطريق، أثرت في حركة التجارة وتبادل السلع. لكن طريق الحرير شهد فترة من الازدهار الحقيقي في عهد السيطرة المغولية. ولم يأت هذا السلام المغولي بسهولة، بل اضطر المغول لانتخاب خان أعظم جديد. ولم يكن الأمر هيناً، إذ أدت التوترات العائلية التي ازدادت في كثير من الأحيان بسبب الانتماءات الدينية المتعارضة، إلى اقتتال الورثة الخصوم لمدة أربع سنوات، وفي النهاية فاز قوبلاي حاكم الصين المغولية، وفي عهده كثر تردد الأوروبيين على طريق الحرير حيث أصبح السفر روتينياً، واستمر السلام المغولي قرناً من 1260 إلى 1368، ما شجع التجار الغربيين على الذهاب إلى آسيا الوسطى.
ومنذ الحملة الصليبية الأولى في أواخر القرن الحادي عشر، أقامت المدن الواقعة على البحر المتوسط مثل البندقية وجنوى وبيزا تجارة مزدهرة في البضائع الشرقية. وما أن قامت الإمارات الصليبية، حتى تولت تلك الدول نقل الحجاج والفرسان إلى الأراضي المقدسة. وتكوّن لدى هؤلاء الحجاج والفرسان تذوق للسلع الشرقية من خلال التجارة، لكن الحروب المستمرة بين المسلمين والمسيحيين، جعلت ذلك الطريق غير مضمون، الأمر الذي دفع تجار البحر المتوسط إلى فتح طرق إلى الشرق عبر البحر الأسود، فأقاموا عليه محطات تجارية.
أما نهاية «طريق الحرير» العظيم، فقد بدأت مع سقوط القسطنطينية في يد الأتراك العام 1453. وهكذا تلاشى الطريق الذي بلغ طوله خمسة آلاف ميل.
وبسبب الرسوم الباهظة التي فرضت على الأوروبيين لقاء ما يحصلون عليه من نفائس، ومع المهارة التي اكتسبها الأوروبيون في الأبحار والمحيطات، تراجع أي أمل في إعاة الحياة إلى «طريق الحرير» … وغابت القرون التي كان فيها طريق الاتصال الرئيسي بين الصين وعالم البحر المتوسط، أي بين الشرق والغرب.
في دراسة طريق الحرير
في إطار البرنامج الذي تنظمه الأونسكو لدراسة طرق الحرير، قامت بعثة فرنسية ـ منغولية برحلة ذات طابع علمي لاكتشاف بلاد منغوليا في جوانبها المختلفة، خصوصاً أنها كانت من المناطق الأساسية التي تمر بها هذه الطرق.
وثمة أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذا المجال، ومنها: ما الذي حل اليوم بأحفاد جنكيز خان الذي أسس قديماً واحدة من أكبر إمبراطوريات التاريخ؟ كيف يعيش اليوم هؤلاء؟ ما هي علاقتهم بماضيهم وما هو مدى ارتباطهم بالحاضر؟ هنا لقاء مع الفرنسي بيار لوتونغ أحد أعضاء البعثة التي أتينا على ذكرها، وهو يقدم لنا شهادة حية تكشف عن تجربة ميدانية عاشها بنفسه:
ـ غيوم دو روبروك هو راهب فرنسيسكاني عاش في مرحلة الغزوات الصليبية والمغولية للشرق الإسلامي وألف كتاباً مهماً عن رحلته إلى منغوليا. وكان انتصار المغول في حملاتهم العسكرية وسيطرتهم على جزء مهم من العالم الإسلامي قد جعل عدد من الأوروبيين يفكرون بضرورة عقد محالفات بين الصليبيين والمغول، وبإرسال عدد من المبعوثين إلى الأمراء المغول لإقناعهم باعتناق الدين المسيحي. في هذا الإطار يمكن فهم رحلة الراهب غيوم دو روبروك إلى منغوليا. وهو رغم لقائه بالقديس لويس، ملك فرنسا وأحد قادة الحملات الصليبية، لم تكن له أي صفة رسمية. من هنا رفض الأمراء المغول النقاش معه عند لقائهم به.
وتعود أهمية هذا الراهب إلى النص الذي كتبه باللاتينية عن رحلته التي استمرت من العام 1253 إلى العام 1255 وقد صدر مترجماً إلى الفرنسية عام 1985 تحت عنوان «رحلة في الأمبراطورية المغولية». ودفعتني قراءة هذا النص وأهميته التاريخية إلى التفكير بتأليف بعثة تقتفي أثره، وأدركت أعمال هذه البعثة في إطار الدراسات التي تقوم بها الأونسكو لدراسة طرق الحرير.
ـ ثمة مزايا عديدة لهذا النص أولها الوصف الموضوعي والدقيق الذي يقدمه للحياة المغولية والذي ما زال حياً ويتطابق في خطوطه العريضة مع العادات والتقاليد التي ما زال يتبناها المغول حتى اليوم. وبعكس معظم الغربيين الذين زاروا منغوليا ووصفوا أهلها بالوحوش والبرابرة، فإن غيوم دو روبروك لم يوجه انتقادات قاسية لهؤلاء بل تعاطف معهم.
وهناك أيضاً جوانب تاريخية في نصه، منها مثلاً وصفه لمدينة فرافوروم التي أسسها ابن جنكيز خان وجعلها عاصمة الأمبراطورية المغولية، وبالإمكان القول إن هذا الوصف هو الشهادة التاريخية الوحيدة التي وصلت إلينا حولها. انطلاقاً من ذلك انطلقت فكرة تأسيس البعثة العلمية وإعادة اكتشاف منغوليا.
ـ بالنسبة للفريق الفرنسي، ضم 12 شخصاً منهم مترجم نص «رحلة في الأمبراطورية المغولية» والمصور رولون ميشو الذي يتمتع بشهرة عالمية، إضافة إلى مجموعة من المتخصصين بالحضارة الصينية والآسيوية وخبير بالأحصنة لأننا قمنا بالجزء الأكبر من الرحلة ونحن نمتطي الأحصنة.
وكنا في البداية قد اتصلنا بالسفارة المغولية في باريس التي وافقت على المشروع، وعرضناه بعد ذلك على الأونسكو التي أدرجته في إطار الدراسات التي تجريها عن أسس طرق الحرير، وقد وصلت البعثة إلى منغوليا في شهر آب (أغسطس) عام 1990، وعقدنا في العاصمة «أولون باطور» مؤتمراً صحافياً، ثم ذهبنا إلى قرية تدعى بولغان وكانت تنتظرنا الأحصنة ومجموعة من الخيم المصنوعة وفق التصاميم القديمة للخيم المغولية. انطلقنا إلى فرافوروم التي كانت عاصمة الأمبراطورية المغولية، وكان علينا أن نعبر سلسلة جبال الآلتاي وهي جبال مرتفعة تقع في آسيا الوسطى.
ـ تمتد جمهورية منغوليا على مساحات شاسعة (ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا) غير أن سكانها لا يتجاوزون المليوني نسمة، بينهم 600 ألف يقيمون في العاصمة والباقون موزعون في الأرياف يتألفون من البدو الرحل الذين لا زالوا يعيشون كما في زمن جنكيز خان.
ـ يعيشون من الرعي وتربية المواشي والخيول. يتنقلون من مكان إلى آخر ويسكنون في خيام مستديرة تدعى «يورث» وكنا نلتقي بهؤلاء البدو خلال عبورنا للسهوب والجبال المغولية. كانوا يسرعون إلينا مندهشين بوجود غرباء في مثل هذه الأماكن.
يتميز هؤلاء البدو بطيبتهم الكبيرة، وببساطتهم التي تصل أحياناً إلى حدود السذاجة لكن الأعضاء المغول في البعثة لم يشجعونا على الاتصال بهم حتى لا ندرك حال الفقر التي يعيشون بها، وهم بذلك عبّروا عن عدم استيعابهم لأهداف البعثة وعن جهل بطبيعة مهمتنا. وفي الواقع، يتسم فقر هؤلاء بالنبل وبالتقشف. على كل حال تلك كانت أحد العوامل التي جعلت التعامل معهم أمراً صعباً.
ـ لقد أعدنا من خلالها اكتشاف التاريخ المغولي وأدركنا، بالتالي، أن نمط الحياة المغولية في السهوب لم يتغير، وهو ما زال تقريباً كما كان عليه أيام رحلة الراهب غيوم دور روبروك في القرن الثالث عشر. صحيح أننا اليوم نشاهد بعض الأجهزة الحديثة مثل الراديو والتلفزيون داخل الخيم، لكن أسلوب الحياة ما زال هو نفسه، وهذا ما ينطبق ايضاً على الأزياء والطعام وطريقة صناعة الخيم.
ـ بعد إلغاء النظام الشيوعي، يقوم المغول بقراءة جديدة لماضيهم ويعيدون إلى الواجهة مظاهر من ثقافتهم كانت تعتبر منذ أمد قصير رجعية ومعيقة لتقدمهم. نراهم يرجعون إلى كتابتهم القديمة وأزيائهم التقليدية، كما يعودون إلى الديانة البوذية ويتعاملون مع شخصية جنكيز خان كبطل قومي.
طريق الحرير الجديد
السعر المنصف للنفط، في تقدير وزير نفط عربي سابق هو ما يمكن أن نحصل عليه زائداً عشرة في المائة. هذا قليل بالمقارنة مع قيمة النفط في أكبر مشروع اقتصادي لإعمار العالم. يهدف المشروع إلى إحياء طريق الحرير الذي كان يربط القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا ويشكل شريان التجارة الدولية في العالم القديم. وعلى غرار مدن القوافل والمراكز التجارية تنتشر مشاريع طريق الحرير الجديد على امتداد الكتلة البرية بين المحيطات الثلاثة الهادي والهندي والأطلسي: شبكات سكك حديد عائمة على مخدات مغناطيسية وحوّامات برمائية وأنفاق تحت البحار وغير الجبال وخطوط الألياف الضوئية للاتصالات، وجادة المعلومات السريعة والهياكل الارتكازية للمجمعات التجارية والزراعية والصناعية.
ويمثل الجزء الذي يربط العالم العربي وبلدان شرق آسيا قلب الطاقة المحرّكة لطريق الحرير الجديد. ذكر ذلك روي هينغوين رئيس «لجنة تطوير الجسر القاري الأوروآسيوي الجديد». وأوضح المسؤول الصيني في كتاب صادر بالإنكليزية، عنوانه «الجسر البري الأوروآسيوي» أن سد نهر اليانغتسي الذي يعتبر أكبر سد في العالم هو واحد من مشاريع طريق الحرير الجديد.
حملة الانتقادات التي تشنها حركات البيئة والصحافة الغربية على السد الذي احتفلت الصين بانتهاء المرحلة الأولى منه تعكس ردود أفعال سطحية. على الضد من ذلك ردود الأفعال «العميقة» التي تبدو في توظيف ترليونات الدولارات في مشاريع تجتذب نجوم جماعة الضغط البترولية الأميركية.
وفي الحديث عن مشاريع طريق الحرير التي ستعيد إعمار العالم يصعب تمييز الحقائق عن الأوهام المقصورة. يظهر ذلك بالأخص في المشاريع المتصلة بإنتاج الطاقة. تقدر الصحافة البريطانية حجم الأموال التي تصب في مشاريع النفط في جمهورية أذربيجان وحدها بأربعة ترليونات دولار. رقم ترليون يمثل العدد الواحد وإلى جانبه 12 صفراً. ويمكن التعرف على حجم هذا الرقم «الخيالي» في الزحف المتجه إلى هذه الجمهورية الإسلامية على بحر الخزر.
قائمة جماعات الضغط الأميركية وحدها تضم ألمع نجوم السياسة، مثل جيمس بيكر، سكرتير الدولة السابق في الولايات المتحدة، وجون سنونو رئيس موظفي البيت الأبيض السابق واثنين من مستشاري الأمن السابقين، هما برنت سكور كوفت وزبيغني بريجنسكي، وسكرتير الخزانة السابق للرئيس كلنتون لويد بنتستاين.
ويعتقد السياسي والمفكر الاقتصادي الأميركي ليندون لاروش أن مشاريع إحياء طريق الحرير يمكن أن تنقذ الاقتصاد العالمي الذي يواجه في رأيه الانهيار. ويقدم طريق الحرير الجديد في رأيه فرصاً لا مثيل لها للاستثمارات الصناعية في أوروبا، خاصة في ميدان صناعة الآلات شبه الميتة. فهذا الطريق يربط أكبر تجمعات سكانية وصناعية وزراعية تمتد بين المحيطات الثلاثة: من سواحل المحيط الهادي في الصين إلى شمال إفريقيا على الأطلسي، ومن جنوب شرقي آسيا إلى شبه الجزيرة العربية على المحيط الهندي. مناطق بكر تتعطش للاستثمارات والتكنولوجيات على امتداد هذا الطريق الذي كان يشكل عصب أعظم حضارات العالم القديم.
ويمكن أن يطور الجسر القاري البري أعماق البلدان العربية والآسيوية التي أهملت خلال عصور الأنهار والبحار. ويعتقد المفكر الأميركي الراديكالي المشهور بآرائه المعادية لبريطانيا أنها دمرت كل محاولات إحياء طريق الحرير، وذلك للحفاظ على سيادتها البحرية على العالم. ويرى لندون لاروش الذي نشر كتاباً حافلاً عن السد أن جميع مشاكل القرن العشرين سببها الصراع على بناء طريق الحرير، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وألمانيا التي كانت شرعت آنذاك في بناء سكك حديد تربط أوروبا والمنطقة العربية من برلين إلى بغداد والحجاز. وأفلحت بريطانيا في القضاء كلية على المشاريع الكبرى لإقامة شبكات سكك حديد واتصالات تربط القارات الثلاث. وبعد مرور نحو ثلاثة أرباع قرن على الحرب العالمية الأولى ونصف قرن على الحرب الثانية أعلنت صحيفة «تايمز» البريطانية ابتهاجها لتدمير آخر خطوط سكك حديد برلين بغداد خلال حرب الخليج عام 1991!
يطلق الصينيون على طريق الحرير الجديد اسم «الجسر القاري الأوروآسيوي الجديد». ويذكر روي هينغوين أن السد الذي أقامته الصين على نهر اليانغتسي يقدم صورة عن حجم مشاريع الجسر القاري، ويعادل السد الذي احتفلت الصين بانتهاء المرحلة الأولى من بنائه مرتين سد «إيتايبو» البرازيلي، الذي كان يعتبر أكبر سد في العالم. ويقطع السد نهر اليانغتسي، وهو ثالث أكبر نهر في العالم بعد النيل والأمازون. يبلغ طول السد أكثر من كيلومترين وارتفعه 610 أقدام وتبلغ كلفته 15 بليون دولار، وسيقيم عند الانتهاء منه عام 2009 كتلة برية تعادل أربع مرات جزيرة هونغ كونغ، ويولد طاقة كهربائية تعادل 18 محطة نووية.
يحقق سد اليانغتسي الذي طرح مشروعه الزعيم الصيني صن يات سن عام 1911 الحلم القومي للبلاد. وفي عام 1956 كتب الزعيم ماو تسي تونغ، وهو يسبح في نهر اليانغتسي قصيدة عن السد الذي «سيوقف الغيوم ويجمّع الأمطار»! وخضع مشروع سد يانغتسي طوال العقد الماضي لنقاشات ساهم فيها أكبر عدد من المثقفين منذ الثورة الثقافية. لكن بناءه يواجه الآن حملة قوية تشنها الصحافة وحركات البيئة الغربية. صحيفة «غادريان» اعتبرته «خطأً فادحاً ومقامرة خطيرة». وقالت الصحيفة البريطانية إنه سيؤدي إلى تهجير أكثر من مليون شخص ستغمر مياه السد أراضيهم. إلا أن الباحث الألماني الدكتور جوناثان تننباوم اعتبر الانتقادات الموجهة ضد سد اليانغتسي قمة النفاق الغربي الصادر عمن يسميهم «جماعات البيئة للبنك الدولي» و«غرين بيس» (السلام الأخضر).
وأورد تننباوم، الذي أشرف على تحرير كتاب «الجسر البري الأوروآسيوي» معلومات تبين أن السد يضع حداً لفيضانات نهر اليانغتسي المدمرة، آخر فيضان للنهر قبل سنتين أتلف 33 مليون هكتار من الأراضي الزراعية وقتل 1000 شخص ودمر 800 ألف منزل وشرّد نحو 3 ملايين شخص.
**( اعادة طبع لما ورد على الشكل-الصورة اعلاه). يربط الجسر القاري العربي الإسلامي أكبر تجمع سكاني وصناعي وزراعي في العالم، يمتد بين المحيطات الثلاثة: من سواحل المحيط الهادي في الصين إلى موانئ شمال أوروبا وشمال أفريقيا على الأطلسي، ومن جنوب شرق آسيا إلى شبه الجزيرة العربية على المحيط الهندي.
ويستعيد الجسر القاري طريق الحرير التاريخي الذي أهمل خلال عصور الأنهار والبحار ويقيم شبكات سكك حديد عائمة على مخدات مغناطيسية وحوّامات برمائية وأنفاقاً تحت البحار وعبر الجبال وخطوط الألياف الضوئية. وتمثل شبكات الاتصالات هياكل ارتكازية لمجمعات إنتاجية زراعية وصناعية عملاقة على امتداد طريق الحرير الجديد.
ويعيد الجسر القاري إحياء الطريق التجارية البرية في المنطقة العربية عبر خطوط قائمة أو قيد الإنشاء والتخطيط، مثل:
1 ـ اسطنبول ـ الموصل ـ بغداد ـ البصرة ـ الكويت.
2 ـ طهران ـ بغداد ـ عمان ـ غزة ـ الاسكندرية.
3 ـ بغداد ـ الكوفة ـ المدينة المنورة (طريق زبيدة).
4 ـ الاسكندرونة ـ حلب ـ دمشق ـ عمان ـ جدة ـ مكة ـ صنعاء.
5 ـ الاسكندرية ـ القاهرة ـ أسوان ـ الخرطوم.
6 ـ الاسكندرية ـ طرابلس ـ صفاقس ـ تونس ـ الجزائر ـ تطون ـ طنجة ـ الرباط ـ الدار البيضاء.
الجسر الإسلامي
ويقدم طريق الحرير الجديد فرصة «تاريخية» لاستعادة البلدان العربية امتدادها الثمين إلى الشرق، حيث يعيش أكبر تجمع سكاني إسلامي في العالم. ذكر ذلك الباحث العراقي حسين نديم الذي ساهم في تحرير كتاب «الجسر البري الأوروآسيوي». وقال السيد نديم إن إيران تعتبر أنشط الدول الإسلامية في الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية، حيث سارعت إلى بناء شبكات سكك حديد تربط أوروبا وشبه القارة الهندية وجنوب شرقي آسيا. ومدت إيران خط سكك حديد ما بين مدينة مشهد في الشمال الشرقي من إيران إلى سرخس وتاجان في تركمانستان. وفتح هذا الخط لإيران بوابة نحو أكبر شبكة حديد عابرة للقارات أقامتها الدولة السوفياتية السابقة.
عبر هذه الشبكة التي تربط آسيا وأوروبا أقامت إيران جسراً برياً يمتد من عبادان على الخليج حتى شنغهاي على المحيط الهادي، وروتردام على بحر الشمال والأطلسي. تساهم في الشبكة نفسها إيران وتركيا، اللتان (تعملان) لتحديث خط تبريز و«وان» جنوب شرقي الأناضول، الذي يمتد عبر اسطنبول وأنقره إلى برلين وفيينا وباريس ومدريد. وفي الاتجاه الجنوبي تبني إيران حالياً خط سكة حديد يربط الشبكة الإيرانية وباكستان. يمتد هذا الخط المزمع إنشاؤه من مدينة كرمان إلى زاهدان في الجنوب الشرقي عند الحدود مع باكستان.
وقال الباحث العراقي الذي يعمل في «معهد شيلر» في ألمانيا إن أكبر مشكلة تواجهها الدول النامية في مجال التجارة الداخلية والخارجية هي ضعف الهياكل الارتكازية التي تنقل منتجاتها إلى السوق الإقليمية أو العالمية. وتكشف نظرة فاحصة أن معظم خطوط السكك الحديد والطرق العامة في البلدان العربية يتركز حول الموانئ أو المنافذ الخارجية، دون التغلغل في أعماق البلد نفسه، أو المرور بدولة جارة. ويعتقد نديم أن هذا هو إرث الاستعمار الغربي الذي ركز اهتمامه على شفط ثروات البلدان العربية إلى الخارج. واستمر مفعول هذا الإرث الاستعماري لحد الآن في عزل المناطق الساحلية عن عمق البلدان والحيلولة دون أي اندماج للمواصلات على الصعيد الإقليمي بين الدول العربية.
صورة مخالفة تماماً يمكن أن تكتشفها نظرة خاطفة لخريطة شبكات المواصلات في أوروبا الغربية. هذه الشبكة الكثيفة للطرق وسكك الحديد وخطط الاتصالات هي الهياكل الارتكازية للتقدم الاقتصادي والصناعي للغرب. ويتساءل الباحث العراقي: كيف يمكن للبلدان العربية والإسلامية أن تطور علاقاتها الاقتصادية وتقيم المشاريع المشتركة من دون شبكات طرق وسكك حديد تربط بينها والعالم الخارجي؟ وكيف يحقق العرب نهضتهم الحضارية وهم يفتقرون إلى هياكل ارتكازية مشتركة؟
مشهد الحسين (عليه السلام) بحلب
عند مدخل مدينة حلب إلى اليمين، وعلى السفح الشرقي المطل على المدينة من الغرب يطالعك جبل الجوشن، وهو يحتضن مشهد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليه السلام. وهو يشرف على المدينة.
وقد شيّد هذا البناء في المكان الذي وضع عليه رأسه الشريف في إحدى مراحل نقله إلى يزيد بن معاوية بدمشق.
ولقد تعرَّض كثير من المؤرخين في حديثهم إلى بناء مشهد الإمام الحسين عليه السلام في أثناء حديثهم عن شيعة حلب أو عن الأمير سيف الدولة فأطنب بعضهم واختصر آخرون في وصف المكان وأهميته الدينية والاجتماعية، وفي الاحتفالات التي كانت تقام فيه. ولعل الشيخ كامل الغزي صاحب كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» ـ أكثر المؤرخين دقة وتفصيلاً في تاريخ البناء ووصفه، وفي كل ما له علاقة به وهو يروي ذلك عن يحيى بن أبي طي في تاريخه وعن بنائه يقول:
«وتولى عمارته الحاج أبو النصر بن الطباخ، وكان ذلك في أيام الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين. وكان الأمير محمود بن الختلو شحنة حلب فساعدهم في بنائه. ولما شرعوا في البناء جاء الحائط قصيراً فلم يرض بذلك الشيخ إبراهيم بن شداد، وعلاّه من ماله الخاص. وتعاضد الناس في البناء، فكان أهل كل حرفة يفرض على نفسه عمل يوم. وفرض أهل الأسواق عليهم دراهم تُصرف في المؤونة والكلف.
وبنى الإيوان الذي في صدره الحاج أبو غانم بن سويق من ماله، فجاء قصيراً فهدمه الرئيس صفي الدين طارو ابن علي النابلسي، ورفع بناءه وانتهت عمارته سنة 585هـ».
ويستطرد الغزي في عرضه لتاريخ البناء فيقول: «أنفق عليه صلاح الدين الأيوبي عشرة آلاف درهم، وأوقف له الملك الظاهر غازي عقارات بلغت وارداتها ستة آلاف درهم. وفوَّض تصريف أموره وإدارة أوقافه إلى نقيب الأشراف الإمام شمس الدين ابن أبي علي الحسين والقاضي شمس الدين ابن أبي علي الحسين والقاضي بهاء الدين ابن أبي محمد الحسن بن إبراهيم ابن الخشاب. وفي عهد الملك العزيز محمد (613 ـ 634هـ) استأذن القاضي بهاء الدين ابن الخشاب في بناء حرم إلى جانبه، وبيوت يأوي إليها طلبة العلم والمنقطعون للعبادة. وقبل إتمام هذا المشروع دخلت جيوش التتار مدينة حلب سنة 658هـ، ونهبوا جميع محتويات المشهد من سجاد وتحف وقناديل من الذهب والفضة، وحطَّموا كذلك أبوابه ونوافذه. وتوقف المشروع بعد ذلك إلى حين.
ولما ملك الظاهر بيبرس سنة 660هـ ـ كان يحب حلب ـ جدده ورمَّمه، وأعاد إليه نشاطه الديني والثقافي والاجتماعي. واستمر في أداء رسالته حتى سنة 1302هـ ـ 1885م. حيث أبدى السلطان عبد الحميد العثماني اهتماماً خاصاً به فجدَّد الجهة الشمالية من القبلية، وأهدى محرابه ستاراً حريرياً مزركشاً بآيات قرآنية. وجدَّد ترخيم أرض صحن المشهد، وفرش القبلية بالطنافس، ورتب له إماماً ومؤذناً وخادماً وموظفين يقرؤون كل يوم أجزاء شريفة من القرآن، والنفقة على ذلك كله من حساب أملاك السلطان بحلب. ولكن الإهمال اعترى المكان إثر الانقلاب الدستوري العثماني.
وفي 1312هـ ـ 1894م عاد الاهتمام به ثانية، فوضع فيه منبر خشبي جميل، وجرت فيه خطبة الجمعة والعيدين. واستمرت إقامة الشعائر فيه حتى الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918، حيث أبطلت فيه جميع الشعائر الدينية والاحتفالات بسبب تحويله إلى مستودع للذخيرة من قبل الأتراك الاتحاديين، مما سبَّب له الدمار الشامل عند انسحابهم من حلب يوم الجمعة 20 محرم 1337هـ ـ 12 تشرين الأول 1918 ويحدثنا الغزي كذلك عن هذا اليوم فيقول:
«هجم عليه جماعة من رعاع الناس وغوغائهم ونهبوا ما فيه من الذخائر والسلاح. وبينما كان بعض أولئك الغوغاء يعالج قنبلة لاستخراج ما فيها من البارود انفجرت وأتت على البارود المتجمع أمامه، وسرت فيه النار بأسرع من لمح البصر إلى غيرها من الأعتدة النارية، فانفجرت جميعها انفجار بركان عظيم، أحدث دوياً هائلاً كهزيم الرعد القاصف اهتزت له المدينة، وتحطم زجاج النوافذ فيها، وتطايرت أحجار البناء الضخمة في الهواء إلى مسافات بعيدة، وسقط بعضها على من فيه من الذعَّار والشطار فهلكوا عن آخرهم، ويقدر عددهم بثلاثين إنساناً تقريباً بات المكان بعدها مِزقاً محطمة وأطلالاً خاوية».
لم يكن وجود مشهد الإمام الحسين بحلب مقتصراً على الاحتفالات الدينية والمناسبات التاريخية، بل كان إلى جانب ذلك مركز إشعاع للعلم والمعرفة، يقصده الناس لينهلوا من موارد العلم الصافية ما يطفئ تعطشهم إلى العلم والمعرفة وكان يتردد عليه ويلتقي فيه أكثر من عالم لكل مقره ومحرابه، يتعبد فيه ويلقي دروسه على رواد العلم.
أمّا الاحتفالات التي كانت تقام فيه فأهمها احتفال يوم عاشوراء … وكان الناس يخرجون في هذا اليوم إلى المشهد حيث تقام وليمة حافلة يحضرها الوالي ومن دونه، فيتلى شيء من القرآن الكريم وصحيح البخاري وقصة المولد النبوي وتنشد مرثية ابن معتوق في سيدنا الحسين التي أولها:
هلّ المحرم فاستهل مكبرا
وانثر به درر الدموع على الثرى
ثم يأكل الجميع وينصرفون …. وفي اليوم السابع والعشرين من شهر رجب يخرج الناس إلى المشهد المتقدم ذكره، ويخرج الوالي ومن دونه، وتعطل الحكومة. فيسمعون فيه قصة الإسراء والمعراج ويُسقون الشراب ويطعمون الحلوى وينصرفون. وكانت النفقة في ذلك تُصرف بواسطة الخزينة السلطانية الخاصة التي تجبي غلات القرى الموقوفة عليه، وهي: أبو إلرويل وكفر هرارة ودلامة، ولما صارت هذه القرى مضبوطة للخزينة المالية كانت النفقة المذكورة تنفق من بيت المال.
وقد أحيط المشهد بأبنية وبساتين مشهورة كبستان الشريطي تجاه بابه، وفيه دولاب وغرَّاف وناعورة وعدَّان. وفي الجهة الجنوبية منه بستان الدبس، وشرقاً نهر قويق والجزيرة بالإضافة إلى الأبنية التي كانت على رأس جبل الجوشن أهمها عمارة عبد القادر بن طه بن عباس (الحلبي) أحد أعلام حلب المتوفى سنة 1338هـ ـ 1919م.
وكثيرون هم الذين كانوا يقدمون الهدايا والهبات للمشهد بدءاً من السلطان، وحتى عامة الناس. ويذكر الطباخ في الجزء الخامس من تاريخه أن نور الدين الصابوني المتوفى سنة 945هـ ـ 1538م كان يرسل إلى المشهد القناديل الفضية وغيرها. وهناك العديد من الأوقاف من قبل الملك الظاهر غازي ونور الدين محمود، ولأحمد بهاء الدين الزهراوي أوقاف للجامع الكبير ومشهد كربلاء ومشهد الحسين مؤرخ عام 1066هـ ـ 1655م.
وإلى الجنوب من المشهد يوجد مقبرة صغيرة مربعة الشكل هي مقبرة بني زهرة حيث دفن فيها أبو المكارم حمزة الإسحاقي الحسيني نقيب السادة الأشراف وأحفاده من بعده، وكذلك دفن جانب المشهد محمد بن علي المازندراني المعروف بابن شهر آشوب، وكذلك يحيى بن حميدة وأحمد بن منير الطرابلسي الشاعر.
إلى جانب آخرين منهم: عمر بن إبراهيم الرهاوي خطيب الجامع الأموي، ونصر الله الخلخالي الشافعي مدرس المدرسة العصرونية … الخ.
الكتابات
أول ما يطالعك من الكتابات كتابة المدخل وهي بالقلم الثلث ونصُّها:
1 ـ بسم الله الرحمن الرحيم عمّر مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب
2 ـ عليهما السلام في أيام دولة مولانا الملك الظاهر العالم العادل سلطان الإسلام
3 ـ والمسلمين سيد الملوك والسلاطين أبي المظفر الغازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب
4 ـ ناصر أمير المؤمنين في شهور سنة ست وتسعين
5- وخمسماية.
وفوق هذه الكتابة ثلاثة مقرنصات كتب عليها:
1 ـ اللهم صلَّ على سيدنا محمد وسلم
2 ـ ورضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
3 ـ ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
وعلى جانب المدخل من اليمين والشمال كتب بالخط الثلث ما يلي:
على اليمين: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صلِّ على محمد النبي وعلي الوصي والحسن المسموم والحسين الشهيد المظلوم وعلى زين العابدين ومحمد الباقر علم الدين وجعفر الصادق الأمين.
وعلى اليسار: وموسى الكاظم الوفي وعلي الطاهر الرضي ومحمد البر التقي وعلي الهادي النقي والحسن العسكري وصاحب الزمان الحجة المهدي. واغفر لمن سعى بهذا المشهد بنفسه ورأيه وماله.
وفي أعلى إيوان المشهد كتب بالخط الثلث في سطرين ما يلي:
1 ـ بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى والحسين الشهيد وعلي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق
2 ـ وموسى الكاظم وعلي الرضى وولده الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ومولانا محمد بن الحسن القائم بأمر الله تعالى.
وفوق المحراب:
صنعة أبي عبد الله وأبي الرجاء ابني يحيى الكتابي رحمهما الله.
هذا وقد ذكر المؤرخون وجود كتابة في صدر الإيوان لم نعثر عليها، وتنص على ذكر اسم المتبرع ببناء الإيوان واسمه أبو الفضل عيسى البزاز. إلاّ أننا وجدنا مؤخراً حجرة صغيرة كتب عليها بعد البسملة: «تبرع بعمل هذه العبد الفقير إلى الله تعالى أبو الحسن البزاز بن معالي التباري رحمه الله».
وقد يكون هو حجر الإيوان وأن الاسم الذي ذكره المؤرخون خطأ.
تجديد بناء المشهد
وفي أيامنا هذه يعاد بناء المشهد بإشراف الشيخ إبراهيم نصر الله أحد أفاضل رجال العلم العاملين الذي يرعى عدة أعمال خيرية هناك، ويقوم بالإرشاد والتوجيه الإسلامي.
المشهد الزينبي في ضاحية دمشق
مقام السيدة زينب في ضاحية دمشق
تقوم الروضة الزينبية في أرض منبسطة فيحاء في خراج قرية (راوية) جنوب شرقي مدينة دمشق وهي تعرف اليوم بقرية (قبر الست) وتبعد نحو سبعة كيلومترات عن مدخل دمشق.
إنَّ المشهد كائن في الجهة الغربية من القرية، وهو مؤلف من صحن واسع وحرم. وللصحن مدخلان غربي وشمالي فالغربي أمام سوق القرية وإليه تصل السيارات. والمدخلان يوصلان إلى الصحن ومنه إلى الحرم الذي يحتوي على الضريح، وأبعاد البناء الخارجية 90 × 90 متر وعلى يمين المدخل الغربي ويساره غرف للإدارة ـ والاستقبال وبعد اجتياز المدخل إلى الصحن الذي عرضه 18 متر في طرفه الغربي والشمالي غرف لمبيت الزائرين وهذه الغرف مبنية بتبرعات المحسنين الذي تقرأ أسماؤهم فوق أبوابها ويتقدم الغرف من الداخل رواق عرضه (4,5) متر مسقوف بالإسمنت المسلح المرتكز على أعمدة من الحجر البازلتي الأسود. وفي وسط الصحن الحرم وله باب ذو رتاج مصفح بالنحاس الأصفر المنقوش، وأمام الباب مصطبة بطول الجدار الغربي يعلوها رواق محمول على دعائم من الحجر البازلتي أيضاً وفي طرق الحرم من الناحية الغربية مأذنة متوسطة العلو مدورة ذات حجارة بيض جميلة حديثة التجديد. أمّا الحرم فمبني بالحجر والإسمنت المسلح والأرض مفروشة بالرخام الإيطالي الأبيض وفوقه قبة راكبة على ثمان دعائم ضخمة، ويحوي أيضاً 26 نافذة وله أربعة أبواب من جميع الجهات وزيّن داخل الحرم بثريات ذات الأنوار الساطعة.
والضريح تحت القبة يحيط به قفص جديد أبعاده 3,5 ـ 4,5 متراً وهو من طراز الدرابزون ذي الحلقات الصغيرة مصنوع من الفضة الخالصة بمنتهى الإتقان أهدته أسرة حبيب الباكستانية سنة 1954 وفي الداخل الصندوق الخشبي الموضوع كغطاء فوق قبر السيدة زينب وهو من خشب الأبنوس المقطع كالفسيفساء والمطعم بالعاج وأسلاك الذهب وهو من أروع التحف الفنية وأجملها، صنعه أكبر فنان في طهران وأهداه بعض وجهاء إيران. وقد جلب ووضع في مكانه سنة 1955 باحتفال كبير وقد أحيط بقفص من ألواح البلور.
وفي الطرف الغربي من المشهد مسجد حديث بني سنة 1955 بالحجر والإسمنت وهو مربع الشكل وأبعاده 20 × 20 متر ذو سقف حجري منور ومغطى بألواح البلور.
وقد كان العامل على قيام البناء في المشهد على ما هو عليه الآن من الفخامة بعد أن ظل قروناً عديدة على بساطته، هو أن السيد محسن الأمين خلال إقامته في دمشق وجّه رسائل إلى أشخاص معينين في مختلف المدن الإيرانية دعاهم فيها إلى التعاون لتشييد مقام يليق بالسيدة زينب عليها السلام، فلم تلبث أن وردت عليه مبالغ على عدة دفعات، فلما رأى هذه الاستجابة ألف لجنة خاصة تتلقى هي هذه التبرعات وتنظم أمورها وتباشر أعمال تجديد البناء. وهكذا استمر العمل واتسع بتوجيهه وإشرافه.
ضريح السيدة زينب في القاهرة
وقد كان قيام ما قام به مشجعاً على الاستمرار بعد وفاته. وهكذا وصل المقام إلى ما وصل إليه اليوم.
المشهد الزينبي في القاهرة
كان ضريح السيدة زينب يقع في الجهة البحرية من دار مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر من قبل يزيد بن معاوية، وكانت هذه الدار تشرف على الخليج وجماميز السعدية.
وبمرور السنين والعهود على هذه الدار، اندثر جزء كبير منها إلاّ ما كان من الضريح الطاهر، فإنه كان معظماً مقصوداً بالزيارة، وموضع تبجيل واحترام الخاصة والعامة من الناس، الذين كانوا يتعاهدونه بالتعمير والإصلاح وبناء كل ما يتصدع من جدرانه. وكان هذا المقام الكريم، من جملة المشاهد المعدودة التي يتناوب خدمتها أناس انقطعوا لهذا العمل الطيب الجليل، وكان يصرف عليهم من وجوه الخير ومن ريع الأعيان والممتلكات التي أوقفت على هذا الضريح الطاهر.
وفي زمن دولة أحمد بن طولون (254 ـ 293 هجرية أي 868 ـ 905 ميلادية) أجرى على هذا المشهد الطاهر، ما أجرى على المشاهد الأخرى من عمارة وترميم.
فلما جاءت الدولة الفاطمية (358 ـ 567 هجرية أي 969 ـ 1171 ميلادية)، كان أول من بنى عمارة جليلة عظيمة على هذا المشهد الطاهر من خلفاء الفاطميين، أبو تميم معد نزار بن المعز وذلك في سنة 369 هجرية.
وقد ذكر الرحالة الأديب، أبو عبد الله محمد الكوهيني الفارسي الأندلسي، أنه دخل القاهرة في 14 من المحرم سنة 396، وأنه دخل مشهد السيدة زينب بنت علي، فوجده داخل دار كبيرة وهو في طرفها البحري، يشرف على الخليج، قال: فنزلنا إليه مدردج، وعاينا الضريح، وشممنا منه رائحة طيبة، ورأينا بأعلاه قبة من الجص، وفي صدر الحجرة ثلاثة محاريب، وعلى كل ذلك نقوش في غاية الإتقان، ويعلو باب الحجرة زليخة قرأنا فيها بعد البسملة: «وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً»، هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين، أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت البتول، زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، صلوات الله تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين».
وفي أيام الحاكم بأمر الله، أمر بإثبات المساجد والمشاهد التي لا غلة لها ولا ريع، وأوقف عليها عدة ضياع وقيساريات([641]). وقد خص المشهد الزينبي بنصيب وافر من هذه الأوقاف، وما برح كذلك إلى أن زالت الدولة الفاطمية وزالت دولتها.
وظل هذا المقام الطاهر الذي يضم هذه البضعة الطاهرة، موضع عناية جميع الدول التي تعاقبت الحكم في مصر، كما قام عديد من أهل الفضل والعلم والولاية، يتناوبون خدمة هذا المسجد. ومن أجلّ هؤلاء قدراً وأعظمهم ذكراً، السيد العارف بالله محمد بن أبي المجد القرشي المعروف بسيدي محمد العتريسي المتوفى في أواخر القرن السابع الهجري، وهو شقيق القطب الكبير العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، صاحب المقام الكبير المشهور بمدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، وكذلك السيد العارف بالله سيدي محمد العيدروس المتوفى ليلة الثلاثاء ثاني عشر من المحرم سنة 1192 هجرية، وقد دفن كلاهما أمام المقام الزينبي الطاهر من الجهة البحرية.
وفي القرن السادس الهجري أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، أجرى الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري، أمير القاهرة ونقيب الإشراف الزينبيين بها وصاحب البساتين التي عرفت بمنشأة ابن ثعلب ومنشئ المدرسة الشريفية التي تعرف الآن بجامع العربي الجودرية بالقاهرة، عمارة وإصلاحاً على هذا المشهد الكبير.
وظلت تلك العمارة قائمة على هذا المشهد المبارك، إلى أن كان القرن العاشر الهجري، فاهتم الأمير علي باشا الوزير والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم الفاتح، بتعمير المشهد وتشييده، وجعل له مسجداً يتصل به، وكان ذلك في سنة 1956 هجرية.
وفي سنة 1174 هجرية، أعاد الأمير عبد الرحمن كتخدا القازدوغلي، بناء المسجد وتشييد أركانه، وأنشأ به ساقية وحوضاً للطهارة والوضوء، وبنى كذلك مقام سيدي محمد العتريس.
وفي سنة 1210 هجرية، جددت المقصورة الشريفة التي تحيط بالتابوت الطاهر المقام فوق القبر، وصنعت من النحاس الأصفر، ووضع فوق بابها لوحة نحاسية كتب عليها: «يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء مددك 1210»، وما زالت اللوحة على الضريح الشريف حتى اليوم.
وحدث في سنة 1212 هجرية أن تصدعت جدران المسجد، فانتدبت حكومة المماليك، عثمان بن المرادي لتجديده وإعادة بنائه، فابتدأ في هدمه وشرع في بنائه وارتفع بجدرانه وأقام أعمدته، إلاّ أن العمل ما لبث أن توقف بسبب الحملة الفرنسية على مصر. وبعد خروج الفرنسيين من البلاد، استؤنف العمل، إلا أنه لم يتم، فأكمل بعد ذلك يوسف باشا الوزير سنة 1216 هجرية وأرخ ذلك بأبيات من الشعر خطت على لوح من الرخام نصها:
نور بنت النبي زينب يعلو
مسجداً فيه قبرها والمزار
قد بناه الوزير صدر المعالي
يوسف وهو للعلى مختار
زاد إجلاله كما قلت وأرخ
مسجد مشرق به أنوار
(1216)
وبعد ذلك أصبح هذا المسجد محل رعاية حكام مصر من أسرة محمد علي، فظل التعمير والتجديد يدخلان عليه. ففي سنة 1270 هجرية، شرع الخديوي عباس باشا الأول في إصلاحه ووضع حجر الأساس، ولكن الموت عاجله. فقام الخديوي محمد سعيد باشا في سنة 1276 هجرية بإتمام ما بدأه سلفه، وأنشأ مقام العتريس والعيدروس، وكتب على باب المقام الزينبي هذا البيت من الشعر:
يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا
بنت الرسول لهذا القطر مصباح
كما كتب على باب الطهارة الأبيات التالية:
في ظل أيام السعيد محمد
رب الفخار مليك مصر الأفخم
من فائض الأوقاف أتحف زينبا
عون الورى بنت النبي الأكرم
من يأت ينوي للوضوء مؤرخاً
يسعد فإن وضوءه من زمزم
(1276)
وفي سنة 1291 هجرية أمر الخديوي إسماعيل بتجديد الباب المقابل لباب القبة وجعله من الرخام. وفي هذه المناسبة قال السيد علي أبو النصر مؤرخاً بتجديد هذا الباب:
مقام به بنت الإمام كأنما
هو الروضة الفيحاء باليمن مونقه
على بابها لاح القبول لزائر
ونور الهدى أهدي سناه ورونقه
بأمر الخديوي جددته يد العلا
فكانت بأسباب الرضا متوثقه
وفي حلية التجديد قلت مؤرخاً
شموس الحلى في باب زينب مشرقه
(1294)
وفي نفس العام أي سنة 1294 هجرية جدّد الباب المقابل لباب الضريح على الهيئة الموجودة الآن.
أما المسجد القائم حالياً فقد تمّ بناؤه على مراحل ثلاث، فبني الجزء الأول منه وهو المطل على الميدان المعروف باسم ميدان السيدة زينب في عهد الخديوي توفيق، فتم ذلك في سنة 1302 هجرية أي (1884/ 85 ميلادية)، وكتب على أبواب القبة الشريفة التي تضم الضريح الطاهر للعقيلة زينب رضي الله عنها، أبياتاً من الشعر، فعلى الباب المواجه للميدان وهو الباب المخصص حالياً لدخول السيدات لزيارة الضريح كتب ما يأتي:
قف توسل بباب بنت علي
بخضوع وسل إله السماء
تحظ بالعز والقبول وأرخ
باب أخت الحسين باب العلاء
(1302)
وكتب على أعلى الباب المطل على المسجد، وهو الباب الذي يغلق نهاراً بباب حديدي أثناء زيارة السيدات، ما يأتي:
رفعوا لزينب بنت طه قبة
علياء محكمة البناء مشيدة
نور القبول يقول في تاريخها
باب الرضى والعدل باب السيدة
أمّا الباب المعروف باسم باب الفرج ويؤدي إلى الضريح من الناحية القبلية للمسجد، فقد كتب في أعلاه ما يأتي:
باب لبنت المصطفى صفوته
يدخل من يشاء في رحمته
كماله بزينب أرخه
توفيق باني العز في دولته
وظل المسجد على تلك الحال حتى أدخلت عليه إضافات جديدة وذلك بتوسعته من الجهة القبلية تبلغ مساحتها حوالي 1500 متر مربع تقريباً، وقد تمّ ذلك في عهد الملك فاروق وافتتح للصلاة في يوم الجمعة 19 من ذي الحجة 1360 هجرية (1942 ميلادية).
ولما رأت حكومة الثورة بعد ذلك زيادة إقبال الناس على هذا المسجد حتى ضاق عن أن يتسع للآلاف منهم خاصة في أيام الجمع والأعياد، أمرت بإجراء توسعة عظيمة على هذا المسجد من الجهة القبلية أيضاً، وضمت إليه مساحة تقدر بحوالي ألفين وخمسمائة متر مربع. وبذلك اتصل المسجد الزينبي بمسجد الزعفراني المجاور له من الناحية القبلية من ناحية شارع السد، كما أقيمت به دورة مياه كبيرة للطهارة والوضوء، بها تسعون صنبوراً للمياه. وأعدت كذلك مكتبة كبيرة تضم عشرات الآلاف من المجلدات، من بينها العديد من المخطوطات النادرة، وألحق بها قاعة فسيحة للمطالعة.
وصف المسجد
على حالته الراهنة
يقع المسجد الزينبي في ميدان السيدة زينب وكان هذا الحي يعرف سابقاً باسم قنطرة السباع نسبة إلى نقش السباع على قنطرة كانت موجودة وقتئذٍ على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج وينتهي عند السويس. وكانت السباع شارة الظاهر بيبرس الذي أقام تلك القنطرة.
وفي عام 1215 هجرية، تمّ ردم الجزء الأوسط من الخليج وبردمه اختفت القناطر، ومع الردم تمّ توسيع الميدان.
وتبلغ مساحة المسجد وملحقاته حالياً حوالي سبعة آلاف من الأمتار المربعة، وتشرف واجهته الرئيسية على ميدان السيدة زينب، وبهذه الواجهة ثلاثة أبواب تؤدي إلى داخل المسجد مباشرة. وقد زينت تلك الأبواب من كلا جانبيها وفي مستوى قامة الإنسان ونظره بآيات من القرآن الكريم منقوشة على الحجر بخط الثلث الجميل، كما زيّن أعلى الابواب بأبيات من الشعر.
فخص جانبا الباب الشرقي للمسجد والمواجهة للميدان وأقرب الأبواب إلى المحراب، بالآية الشريفة:
﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾. ﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾.
مسجد السيدة زينب في القاهرة
كما كتب في أعلى هذا الباب ما يأتي:
لزينب الحرم المصري جدده
خديوي مصر بترتيب وتنسيق
نور الكريمة يحكى حين أرخه
لي بيت سعد عليه باب توفيق
(1302)
وخصّ جانبا الباب الأوسط المواجهة للميدان كذلك بالآيات الشريفة:
﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ صدق الله العظيم.
كما كتب في أعلى هذا الباب:
بتوفيق العزيز بناء بيت
وقبة من بها ترجي المنافع
فزر واقرأ وصل وسل وأرخ
به سر لكل الخير جامع
(1302)
ومن دقة صنع هذا الباب عند بنائه الحجر، أن كتب عليه لفظ الجلالة (الله) ضمن البناء في الجزء الأعلى المقعر منه، فظهر بوضوح الحجر الذي يمثل لونه إلى الاحمرار قليلاً، ذلك أن الحجارة التي استعملت في بناء جدران المسجد كانت من لونين مختلفين.
أما الباب الغربي ويعرف بباب الطرقة، وهو أقرب الأبواب المؤدية إلى الضريح، فقد كتب على جانبي مدخله الآية الشريفة:
﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين* واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ صدق الله العظيم.
كما كتب في أعلاه:
يا مسجدا قد شاده
توفيق لابنه خير شافع
قد قيل في تاريخه
باب القربى لخير جامع
(1302)
ثم ترتد إلى الوراء هذه الواجهة المطلة على الميدان عند طرفها الغربي، وفي هذا الارتداد باب آخر مخصص لدخول السيدات ويؤدي إلى الضريح، وتقوم المئذنة على يسار هذا الباب الذي يعرف بباب العتريس. وقد خص هذا الباب من على جانبيه بالآية الكريمة:
﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
كما كتب في أعلاه:
رب بالشفاعة عند قبة زينب
يلقاه غاد للمقام ورائح
من يمن توفيق العزيز مؤرخ
نور على باب الشفاعة لائح
(1302)
وقد تميز جدار هذا الجزء من المسجد بإضافات من الشعر ليست على باقي الجدران. فكتب في أعلى وسطه ما يأتي:
نحن آل البيت بيت الهدى
نسل طه المصطفى المرتضى
(1302)
بيتنا سامي الذرى أرخوا
بابنا المقبول باب الرضا
(1302)
وكتب على الجزء الأيمن من هذا الجدار وهو الذي تليه المئذنة ما يأتي:
بنى المسجد العالي العزيز لزينب
وفيه لنا نور العناية برزخ
بناؤه بانية في الله مخلص
بتكميل توفيق ببر يؤرخ
(1307)
وفي هذا دليل على أن المئذنة استمر العمل فيها بعد افتتاح المسجد في سنة 1302 هجرية حتى تمّ تشييدها كاملة في سنة 1307 هجرية.
كما كتب على الجزء الأيسر منه ما يأتي:
لمسجد ذات الخدر والستر زينب
بها قد علا نور البدور تطاولا
فقل للذي يرنو إليه مؤرخ
بتوفيق مولانا البناء تكاملا
أما المئذنة التي تعتبر فريدة في نوعها لما تتحلى به من نقوش وزخارف عربية جميلة، فإنها ترتفع عن سطح الأرض بما يقرب من خمسة وأربعين متراً وبها ثلاث شرفات تحيط بها، وأحيطت جدرانها بآيات من القرآن الكريم. فجاء في الجزء الأعلى ما يأتي:
﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما* يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا* وسبحوه بكرة وأصيلا* هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما* تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما* يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا* وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا* وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾.
وجاء في الجزء الأسفل ما يأتي:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون* وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾.
ويحيط بالركن الغربي البحري للمسجد سور من الحديد يقع بداخله قبتان صغيرتان ملتصقتان ومحمولتان على ستة أعمدة رخامية بواسطة سبعة عقود. وقد أقسمت هاتان القبتان على قبري العتريس والعيدروس رضي الله عنهما، وكتب عليهما:
أولاً: من الناحية المواجهة للميدان:
شاد سيد العصر في مصره
خير مقام قد زها كالعروس
من نور آل البيت تاريخه
به سنا العتريس والعيدروس
ثانياً: من ناحية باب العتريس أي الباب المؤدي للضريح:
بسر ابن أبي المجد الدسوقي وصنوه
محمد العتريس كن متوسلا
وتقع الواجهة الغربية للمسجد على شارع السد، وبها مدخلان أحدهما يتوسط الجديد والتوسيع الأول الذي تمّ في سنة 1360 هجرية (1942 ميلادية). ويوجد في أعلى جدار هذه الواجهة ساعة كبيرة دقاقة.
وللمسجد واجهتان أخريان، أحدهما على شارع العتريس وهي الواجهة الشرقية وبها مدخل يؤدي إلى المكتبة وقاعة الاطلاع وباقي ملحقات المسجد، والأخرى تطل على الفناء الواقع بين دورة مياه المسجد والجدار البحري لمسجد الزعفراني المجاور.
وقد أنشئت واجهات المسجد ومنارته وقبة الضريح على الطراز المملوكي، وهي حافلة بالزخارف العربية والمقرنصات والكتابات.
والمسجد من الداخل مسقوف جميعه، وحمل سقفه المنقوش كله بزخارف عربية على عقود مرتكزة على أعمدة بعضها من الرخام الأبيض وذلك في القسم الذي أنشئ في سنة 1302 هجرية، والبعض الآخر مرتكز على أعمدة من الموازيكو، وذلك في الإضافات التي تمّ بها توسيع المسجد. ويبلغ عدد الأعمدة التي تحمل السقف 124 عموداً بالإضافة إلى 30 قاعدة حجرية وهي التي يعبر عنها بالأكتاف، أي أن السقف كله محمول على 154 عموداً وقاعدة. ويوجد بالمسجد محرابان، أحدهما أقيم عند إنشاء المسجد الحالي في سنة 1302 هجرية، أي قبل الإضافتين اللتين ضمتا إليه، وهو المحراب المواجه للضريح الشريف. ويعلو هذا المحراب لوحة تذكارية نقشت فوق الجدار بحروف مذهبة تبين تاريخ إنشاء المسجد نصها:
«أمر بإنشاء هذا الجامع الشريف والمقام الزينبي المنيف خديوي مصر المفخم محمد توفيق».
«وقد باشر العمل وأتمه حسب الأمر محمد زكي باشا مدير الأوقاف في سنة 1302».
ويعلو الجزء الواقع أمام هذا المحراب، منور (شخشيخة) بها نوافذ زجاجية. وقد زينت جدرانها الداخلية الأربعة بالنقوش العربية الملونة، وكتبت حولها آيات شريفة من القرآن الكريم، وكذلك بعض أبيات شعر من قصيدة بردة المديح للإمام أبي عبد الله محمد البوصيري رضي الله عنه، وكل ذلك داخل عشرين إطاراً، بكل جدار خمسة إطارات على الوجه الآتي وفقاً لما اتسع له كل إطار:
الجدار الشرقي فوق المحراب
«إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس»
«أهل البيت ويطهركم تطهيراً»
« نبينا الآمر الناهي فلا أحد»
«أبر في قول لا منه ولا نعم»
«هو الحبيب الذي ترجى شفاعته»
الجدار البحري
«لكل هول من الأهوال مقتحم»
«دعا إلى الله فالمستمسكون به»
«مستمسكون بحبل غير منفصم»
«ولن يضيق رسول الله جاهك بي»
«إذ الكريم تحلى باسم منتقم»
الجدار الغربي
«فإن من وجودك الدنيا وضرتها»
«ومن علومك علم اللوح والقلم»
«يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت»
«إن الكبائر في الغفران كاللمم»
«لعل رحمة ربي حين يقسمها»
الجدار القبلي
«تأتي على حسب العصيان في القسم»
«يا رب واجعل رجائي غير منعكس»
«لديك واجعل حسابي غير منخرم»
«والطف بعبدك في الدارين إن له»
«صبراً متى تدعه الأهوال ينهزم»
وكذلك يعلو الجزء الأوسط من المسجد والمواجه للمحراب السابق الإشارة إليه، شخشيخة كبيرة جداً وهي الشخشيخة الثانية، وبها نوافذ زجاجية، وتتوسط قبة صغيرة فتح بدائرها نوافذ من الجص المفرغ المحلى بالزجاج الملون ومعلق في مركزها ثريا (نجفة) عظيمة.
وقد زينت جدران هذه الشخشيخة بآيات كريمة من النور، بدأت هكذا:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض﴾ إلى ﴿يقلب الله الليل والنهار إن ذلك لعبرة لأولى البصار﴾.
وجاءت بعد ذلك العبارة التالية:
«كتبه عبد الكريم فايق تحت نظر سعادة محمد زكي باشا مدير عموم الأوقاف المصرية حالاً في عهد العزيز خديوي مصر الأفخم محمد توفيق الأول سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة خير خلق الله وعلى أكمل وصف وعليه أفضل الصلاة وأزكى التحية».
أما الشخشيخة الثالثة المواجهة لنفس المحراب، وهي الواقعة أمام الضريح الشريف، فقد كتب على جدرانها الأربعة الآيات الشريفة الآتية داخل عشرين إطاراً موزعة بالتساوي بينها كالشخشيخة الأولى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾.
﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾.
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم* دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾.
﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين* ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
ويقع الضريح الطاهر بالجهة البحرية الغربية من المسجد، وبه مثوى الطاهرة البتول السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، تحيط به مقصورة من النحاس الأصفر وتعلو المقصورة قبة من الخشب زينت كذلك من الداخل بالنقوش العربية الملونة وبإطارات تضم آيات من الداخل بالنقوش العربية الملونة وبإطارات تضم آيات من القرآن الكريم ونبذة عن تاريخ صاحبة المقام الطاهر. ويحيط برقبة هذه القبة نوافذ من الخشب الخرط المعروف باسم الخرط الميموني الدقيق الصنع.
ويعلو الضريح قبة مرتفعة ترتكز في منطقة الانتقال من المربع إلى الاستدارة على أربعة جدران من المقرنص المتعدد الحطات، ويحيط برقبتها نوافذ جصية مفرغة بزجاج ملون. ونقشت جدران هذه القبة بالنقوش العربية الملونة، وكتب عليها في خطين متوازيين أحدهما يعلو الآخر، آيات من القرآن الكريم، فضلاً عن نبذة عن تاريخ إنشاء المسجد، فجاء في الجزء الأعلى منهما ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بل كان الله بما تعملون خبيرا﴾.
«كتبه عبد الكريم فايق المولوي في عهد خديوي مصر».
أما الجزء الأسفل وهو أكبر مساحة من الأعلى، فقد كتب فيه:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى …﴾. إلى آخر السورة. ثم:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم …..﴾ إلى آخر آية الكرسي. ثم:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. ثم نبذة أخرى عن تاريخ إنشاء المسجد جاء فيها:
«كتب عبد الكريم فايق المولوي تحت نظر محمد زكي باشا مدير عموم الأوقاف المصرية حالاً في عهد صاحب الدولة خديوي مصر الأفخم محمد توفيق وذلك في سنة 1302 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام».
هذا فيما يتعلق بالقسم القديم من المسجد وهو الذي تم بناؤه في سنة 1302 هجرية، أما التوسعة التي تمت في سنة 1360 هجرية (1942 ميلادية)، وهي التوسعة التي أقيم فيها المحراب الجديد الذي وضع المنبر بجواره، فيوجد في وسطها شخشيخة ذات نوافذ زجاجية ومعلق بوسطها ثريا من البلور الثمين القيمة، وكتب على جدرانها الأربعة ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور﴾.
ويلي هذه الشخشيخة من الناحية الغربية، شخشيخة أخرى تقع أمام أول مدخل للمسجد من ناحية شارع السد وهو الذي يطلق عليه باب القبول كذلك، فقد كتب عليها ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. صدق الله العظيم.
ثم إذا انتقلنا إلى التوسعة الأخيرة الكبيرة التي تمت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر (1389 هجرية ـ 1969 ميلادية)، وهي التي بدئ فيها في سنة 1384 هجرية (1964 ميلادية) كما يتبين من اللوحة التذكارية الرخامية التي أزيح عنها الستار بمناسبة بدء العمل في المشروع والتي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
في عهد السيد الرئيس
جمال عبد الناصر،
رئيس الجمهورية العربية المتحدة،
تفضل السيد المهندس
أحمد عبده الشرباصي،
نائب رئيس الوزراء للأوقاف وشؤون الازهر ووزير الأوقاف،
بوضع اللوحة التذكارية لتوسعة
مسجد السيدة زينب رضي الله عنها،
وذلك في يوم الجمعة 24 من جمادة الآخرة سنة 1384
الموافق 30 من أكتوبر سنة 1964.
إذا انتقلنا إلى هذه التوسعة، نجد أنها تحوي أربع (شخشيخات) زينت جدرانها كلها بالآيات الشريفة والنقوش العربية على الوجه الآتي:
أولاً: الشخشيخة الكبيرة في وسط التوسعة، ويعلوها قبة صغيرة ويحيط برقبتها نوافذ جصية مفرغة بزجاج ملون، وقد كتب عليها:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ….﴾ إلى آخر سورة الفرقان. صدق الله العظيم.
«تمّ بعون الله تعالى في سنة 1387 هجرية».
ثانياً: الشخشيخة التي تلي السابقة من الناحية الغربية وتقع أمام المدخل الثاني للمسجد من ناحية شارع السد، وتعلوها قبة من الحجر الصناعي، فقد كتب عليها نفس ما كتب على القبة السابقة.
ثالثاً: ويلي ذلك قبتان تقعان في آخر المسجد من الناحية القبلية منه، وهما أصغر مساحة من سابقاتهما، فقد نقشتا كذلك بالنقوش العربية الملونة، وزينتا بالآيات الشريفة الآتية من القرآن الكريم على الوجه الآتي على التوالي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾.
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السماوات والأرض ….﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾.
وقد توجت جدران المسجد من الخارج من النواحي الشرقية والقبلية والبحرية بآيات شريفة من القرآن الكريم نقشت فوق الحجر داخل إطارات منقوشة كذلك وكتبت بالخط الثلث الجميل الذي يدل على دقة الصنع وحسن الذوق.
فكتب على الواجهة الشرقية المطلة على شارع العتريس الآيات الكريمة الآتية:
﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون* وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾.
﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين* أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
أمّا الجهة القبلية المطلة على الفناء الذي يفصل بين المسجد الزينبي ومسجد الزعفراني المجاور، فقد كتب على جدارها ما يأتي:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ صدق الله العظيم.
أمّا الواجهة البحرية المطلة على الميدان فقد كتب عليها فوق الباب الأوسط ما يأتي:
﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما* تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما﴾.
﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ صدق الله العظيم.
﴿يا أيها النبي إنا أرسلنا شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾.
﴿وكان الله غفورا رحيما﴾.
علي أحمد شلبي
مضاعفة مساحة جامع
السيدة زينب سنة 2000
اكتملت عملية ترميم شاملة لمسجد السيدة زينب في القاهرة، اقترنت بمضاعفة مساحته الأصلية تقريباً بكلفة بلغت 25 مليون جنيه، وأصبح المسجد يتسع لنحو 15 ألف مصلٍّ، علماً أنه من أكثر المساجد التي يقصدها المصلون في القاهرة، خصوصاً في شهر رمضان ولياليه.
وقبل تنفيذ مشروع التوسعة كانت مساحة المسجد الزينبي تبلغ 4500 متر مربع، وبعد اكتماله صارت 7800 متر مربع، منها دار للمناسبات ومصلى للسيدات ومكتبة إسلامية.
ونفذت مشروع تجديد المسجد وتوسعته وزارة الإسكان والمرافق المصرية بالتعاون مع محافظة القاهرة، واشتمل أيضاً على تطوير الساحة الخارجية للمسجد التي تبلغ مساحتها 1500 متر مربع.
وتمّ تزويد المسجد والتوسعة بـ 80 ألف ثرية (نجفة) جديدة بأشكال وأحجام مختلفة، أكبرها واحدة يبلغ قطرها أربعة أمتار وارتفاعها ثلاثة أمتار، كذلك تمّ تركيب 450 مشكاة مذهبة بأسماء الله الحسنى، علقت في أرجاء المسجد بمحطة كهرباء حديثة تُغذى من مصدرين، وميكروفونات لاسلكية تتيح لإمام المسجد التحرك أثناء حملها.
وصُنعت أبدان الأعمدة الرخامية في إيطاليا، أمّا قواعدها وتيجانها فصنعت في القاهرة للتناسب مع طراز أعمدة المسجد القديم.
ويقع جامع السيدة زينب في الميدان الذي يُعرف باسمها، وكان يُعرف قبل ذلك باسم «قنطرة السباع» نسبة إلى نقش السباع الموجودة على القنطرة التي كانت مقامة على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج، وينتهي عند السويس وكانت السباع شارة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس الذي أقام القنطرة. وفي العام 1315هـ ـ 1898م تمّ ردم الجزء الأوسط من الخليج، وبردمه اختفت القناطر ومع الردم تمّ توسيع الميدان، وعند عملية التوسيع اكتشفت واجهة جامع السيدة زينب، الذي كان الوالي العثماني علي باشا جدده سنة 951هـ (1547م)، ثم أعاد الأمير عبد الرحمن كتخدا تجديده سنة 1170هـ (1768م) ومنذ اكتشاف واجهة الجامع في القرن التاسع عشر أصبح يطلق على الميدان، بل والحي كله اسم «السيدة زينب».
وأقامت وزارة الأوقاف المصرية المسجد الجامع الموجود حالياً، فوق أنقاض الجامع القديم سنة 1940، ويتكون من سبعة أروقة موازية للقبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة.
وتقابل القبلة قبة ضريح السيدة زينب وتتقدم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان يوجد بهما مدخلان رئيسيان، وفي الطرف الشمالي الغربي يوجد ضريح لمتصوف يدعى «سيدي العتريس». وفي 1969 ضوعفت مساحة الجامع، وتجاور مسجد السيدة زينب آثار إسلامية مثل سبيل وكتاب السلطان مصطفى الذي يعدّ تحفة فنية، وبيت السناري الذي شهد الكثير من لقاءات نابليون بونابرت مع علماء الأزهر وأعيان القاهرة أثناء الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801م).
ويحتفل المصريون بذكرى مولد السيدة زينب، التي يلقبونها بـ «أم هاشم» و«طبيبة الجراح»، طوال النصف الأول من شهر رجب من كل عام.
مشهد السيدة زينب
في سنجار (شمال العراق)
سنجار مدينة معروفة من مدن العراق الشمالي تقع في جنوبي نصيبين عن يمين الطريق الى الموصل، على اتصال بمعظم مدن الجزيرة، اشتهرت بكونها مدينة الطرق والقوافل منذ القديم لأنها سيطرت على الطريق بين العراق وسورية، وتقع فيها جبال سنجار التي يبلغ ارتفاعها نحو 4800 قدم وتعدّ من أعظم الجبال الشرقية في بلاد الجزيرة، واشتهر في سنجار الكثير من المراقد والأضرحة المنسوبة لآل البيت وقد أقيمت منذ القرون الهجرية الأولى أي منذ خضوع سنجار للدول الشيعية كالفاطميين والبويهيين والحمدانيين والعقيليين فقد شجع ملوك تلك الدول بناء هذه الأضرحة واستخدموا من أجلها أمهر البنائين والصناع فجاءت أبنيتها آية في الروعة والمتانة، وتخضع هذه الأضرحة الآن لنفوذ اليزيديين وهؤلاء لهم ديانة معروفة خاصة بهم وقد حافظوا على احترامهم لهذه المقامات ومن تلك المشاهد المرقد المنسوب للسيدة زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي ابتدأ أمره بمرور سبايا واقعة ألطف في هذه المنطقة، وهذه تفصيلات كتبها الدكتور حسن كامل شميساني وهو من المتخصصين في تأريخ سنجار وتراثها:
أ ـ موقعه: يقوم هذا الضريح على ربوة عالية في مدخل المدينة. وينسب إلى السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (سلام الله عليهما)([642]).
ب ـ أوصافه ومحتويات بنائه: استناداً إلى المشاهدات والنصوص الحديثة نقول: إن هذا الضريح يتكون من فناء واسع. يدخل إليه من باب صغير. وهذا الفناء اتخذ بأكمله مقبرة، ينزل إلى البناء من مدخل يقع إلى اليمين بدرجتين تؤديان إلى غرفة مربعة الشكل تقريباً، أبعادها ـ كما حددها المهتمون بالآثار ـ 3,40 × 3,62م. والمسافة بين المدخل والغرفة هي عبارة عن ممر يبلغ طوله: 4,30م × 3,30م. على جانبيه غرف مربعة مداخلها من الرخام.
في جدار الغرفة المربعة الجنوبية محراب مصنوع من الحجر والجص ـ سيأتي الكلام عنه ـ وغطيت هذه الغرفة بقبة مظهرها الخارجي نصف كروية، تقوم فوقها قبة أخرى محارية الشكل. يتوسط الجدارين الشرقي والغربي مدخلان شيدا من الحجر. يؤدي المدخل الذي إلى يمين الداخل (المدخل الأيمن) إلى غرفة صغيرة مربعة الشكل أبعادها: 3,40م × 3,30م وهي خالية من النقوش.
على عقادة الباب يوجد عبارة: «راجي رحمة ربه المعروف بالرشيد». أما المدخل الذي يوجد إلى يسار الداخل (المدخل الأيسر) فيعلوه عقد مزخرف بنقوش نباتية محفورة في الحجر، وهو يؤدي إلى غرفة الضريح. وهذه الغرفة هي مستطيلة الشكل ابعادها: 5,40م × 3.73م. وفي وسطها القبر المشيد من الحجر والجص. ويويجد على بعض قطعه كتابات من آية الكرسي وضاعت بقية الكلمات، وفي هذه الغرفة أيضاً محراب صغير مصلح خالٍ من النقوش، وتغطيها قبة مظهرها الخارجي مضلع مخروطي الشكل.
ج ـ تاريخ بنائه: إن الكلمات المنقوشة على مدخل الرواق ـ إلى يسار غرفة الضريح ـ تدل على أن هذا البناء هو من قبل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ أيام ملكه لبلاد سنجار 637 ـ 657هـ/ 1239 ـ 1259م. وهذه الكلمات هي: «عز مولانا السلطان الملك الرحيم بدر …». وبدر الدين هذا كان قد أكثر من إقامة المنشآت العمرانية في أطراف مملكته من قصور ودور وحمامات وخانات ومشاهد وسعى إلى إعادة تجديد أو ترميم الأسوار والقلاع والجسور والمساجد والأضرحة. وخصوصاً الشيعية منها. فالمعلومات كانت قد أفادت أنه كان قد تقرب من هذه الطائفة وأعلن موالاته لأئمتها وأخذ ينشر مذهبها ويدعو إليه. وعمل على رعاية شؤونها وصيانة مؤسساتها والعناية بها. فقيل إنه لقب بولي آل محمد. وقيل ايضاً إنه ـ رغبة منه في إظهار موالاته لهذه الطائفة وأئمتها ـ كان يرسل في كل سنة إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف قنديلاً مذهباً زنته ألف دينار.
إن ما ذكرناه من أقسام لهذا البناء يمثل في الواقع الأجزاء الأصلية منه، والتي ينحصر تاريخها بين سنة استيلاء بدر الدين لؤلؤ على سنجار سنة 637هـ/ 1239م وأخذها من صاحبها الملك الأيوبي الجواد يونس بن مودود، وبين سنة تشييده للأقسام الأخرى المضافة وهي سنة 644هـ/ 1246م. كما هو مثبت على إحدى مداخل غرف الضريح.
والأقسام الأخرى المضافة هذه فهي تقع إلى يسار وخلف غرفة الضريح. وتتكون من ممر يؤدي إلى غرفة مربعة تقريباً، صغيرة مقببة، تؤدي بدورها إلى غرفة مستطيلة غير منتظمة وبصيانات جديدة. طليت الغرفة المربعة المذكورة وجدران الممر بالإسمنت بحيث أمحت غالبية الزخارف الرخامية الموجودة.
أمّا باطن القبة فلم يعد يبدو منها شيء. والغرفة المربعة الموجودة في نهاية الممر فعقد الباب من داخلها يحتوي على ألواح رخامية معشقة، عليها كتابة بخط اليد تذكر اسم المؤسس ـ بدر الدين لؤلؤ ـ وتاريخ إضافة هذا القسم. أو لعله ـ كما ورد في كتاب القباب المخروطية ـ تأريخ البناء الأصلي وهو سنة أربع وأربعين وستمائة هـ.
ولعل الألواح هذه كانت قد قلعت من الأجزاء الرئيسية من البناء وأضيفت إلى هذا القسم. كما أن الزخارف الموجودة في الممر قلعت هي أيضاً من البناء الأصلي واستخدمت في تجميل هذه الغرفة حيث لا يوجد تناسق في الزخارف، ولم تعد تبدو بعد أن طليت بالإسمنت.
ويبدو أن هذا الضريح كان قد أصابه الهدم والتخريب مرات ومرات، وكان في كل مرة يعاد تجديده أو ترميمه، وإذا سلمنا جوازاً بما أفاد به ابن شداد من كون هذا الضريح أو المشهد هو للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وليس لابنته السيدة زينب، فإنه قد خرّب مع جملة المباني على أيدي التتار الذين استولوا على سنجار في سنة 660هـ/ 1262م كما قال ابن شداد نفسه. ويظهر أنه قد جدد فيما بعد ومن قبل نائب التتر وهو من العجم ويقال له قوام الدين محمد اليزدي، ورجع إلى سابق عهده ومجده حيث عادت تقام فيه صلاة الجمعة من كل أسبوع([643]).
وذكر أيضاً أن التجديد عاد ولحقه مرة أخرى كما يتضح ذلك من نص مكتوب على لوحة رخامية موجودة على جدار غرفة الضريح من خارج البناء يقول: «… جدد مزار الست زينب بنت علي، العبد الفقير سيدي باشا بن خداد … ثمان عشر شهر ربيع الآخر سنة 1105هـ. ومن بين القباب التي لا تزال تشاهد في سنجار وينظر إليها بإعجاب:
د ـ قبتا ضريح الست زينب: إحداهما نصف كروية، تغطي غرفة من غرف الضريح المتعددة وهي الغرفة المربعة الشكل. تقوم على ثلاثة صفوف من المقرنصات. وتقوم فوقها القبة المحارية الشكل. وتحت قاعدتها (أي قاعدة القبة نصف الكروية) يدور شريط كتابي هو تتمة الآية التي تعلو المحراب. أي تتمة الآية التالية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ ثم اسم المتولي على البناء. وترتفع المقرنصات التي تقوم عليها القبة مقدار 4,5م عن الأرض. ويبلغ ارتفاع القبة الكلي حوالي سبعة أمتار. ومن الخارج تكون هذه القبة بل وتظهر بشكل نصف كروية.
والقبة الثانية مخروطية. وهي قبة غرفة الضريح. لم يبق من مقرنصات الزوايا فيها سوى أربع دخلات مستطيلة في الجدار الشمالي. وواحدة في الجدار الغربي. كما توجد أيضاً أربع زوايا رممت بالجص بحيث محت المقرنصات التي كانت فيها. أمّا القبة من الأعلى فقد طليت بالجص بحيث فقدت ايضاً كامل معالمها تقريباً. أما من الخارج فالقبة تبدو مضلعة مخروطية الشكل.
هـ ـ محاريب مرقد السيدة زينب: يوجد في مرقد السيدة زينب عليها السلام محاريب عدة أشهرها المحراب الموجود في جدار القبلة من المصلى الصغير الذي يقع بين غرفة الضريح والغرفة المقابلة لها.
شيد هذا المحراب من الحجارة والجص. وغطيت واجهته بطبقة من الجص أيضاً. هو مستطيل الشكل. في داخله مستطيلان. الخارجي منهما ارتفاعه 3,76م وعرضه 2,28م، ويضم في داخله أعمدة ارتفاعها 1,69م، وارتفاع عقده 1,18م، وسعة فتحته 1,28م وعمقه 0,37م. أما المستطيل الداخلي فارتفاعه 1,28م وعرضه 0,83م. ومن الملاحظ أن هذا المحراب يحتل ما يقارب جدار القبلة بكامله.
إذن تألف المحراب من مستطيلين متداخلين، يمتد في أعلى المستطيل الخارجي شريط كتابي عرضه 0,60 م مسجل عليه (بخط الثلث) على أرضية مزهرة يقرأ عليها الآية القرآنية التالية: «بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله …» وتساقطت بقية الحروف. والشريط يحيط بجدران الغرفة من جهاتها الأرلابع.
وفي هذا الشريط إطار زخرفي عرضه 8,5 سم يحيط بالمحراب من جهاته الثلاث وقد حفر عليه أشكال وريقات صغيرة وأنصاف الأوراق النخيلية وأزهار مغلقة. وتربط هذه الأوراق فروع نباتية. وهذه الزخارف بارزة عن مستوى المحراب قليلاً. ويلي هذا شريط كتابي عرضه 0,30 م يحيط بالمحراب من جهاته الثلاث مسجل عليه بالخط النسخي الآية القرآنية التالية وتبدأ من أسفل الجهة اليمنى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض﴾.
وعلى القسم العلوي من المحراب تستمر تكملة الآية: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ….﴾.
وعلى الجهة اليسرى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا …﴾. أمّا تكملة الآية فقد زالت.
ويلاحظ على جانبي تجويف المحراب شكل عمودين يعلو كلاً منهما تاج ناقوسي. وليس له قاعدة، وإنما يرتكز على الأرض مباشرة. والعمودان خاليان من الزخرفة. ويستقر عليهما عقد مدبب مطول شبيه بالعقد المنفرج. وقد حفرت زخارف متعددة منها ما يشبه العقد المفصص. وحفرت أشكال خطوط متقاطعة.
وفي قمة العقد ورقة من ثلاث شحمات وأنصاف الأوراق النخيلية وأزهار مغلقة. ويتراوح بروز هذه الزخارف بين 2 و6 سم. ويحيط بالعقد من خارجه أشكال نباتية تشبه ما هو موجود بداخله. ويدنو من العقد شريط كتابي عرضه 0,25 م من الصعب قراءته لأن أكثر حروف كلماته زائلة. وتخطيط أرضية المحراب بشكل مستدير عمقه الكلي 0,37 م.
والمحراب هذا ليس مؤرخاً، وأغلب الظن أن تاريخه يرجع إلى زمن الملك بدر الدين لؤلؤ (637 ـ 644هـ/ 1239 م ـ 1246م) أي إلى زمن تشييد بناء الضريح بكامله لأن الزخارف النباتية والقنديل والتيجان (تيجان الأعمدة) شبيهة كما يقول صاحب كتاب المحاريب العراقية ـ بالتي على محرابي يحيى بن القاسم والإمام عون الدين في الموصل، وهما من مخلفات بدر الدين نفسه، وإن كان هناك اختلاف من حيث مادة البناء. فمحراب السيدة زينب عليها السلام بني بالحجارة والجص، وغطيت واجهته بطبقة سميكة من الجص، بينما المحرابان السابقان بنيا من الرخام الأزرق.
الدكتور حسن كامل شميساني
المصالح المرسلة
لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولاً ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص.
يقول الغزالي: المصلحة هي: «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة»، قال: «ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع».
«ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»([644]).
وعرّفها الطوفي بقوله: «هي السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة»([645]) وأراد بالعبادة «ما يقصده الشارع لحقه»([646]) والعادة «ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم»([647]).
أمّا تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه عدم الاعتماد على أي نص شرعي، وإنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص وإنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، واستناداً إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة.
فابن برهان يعرفها بقوله هي: «ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي»([648]) وربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض الأصوليين المحدثين من «أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه»([649]).
بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول ـ وهو يتحدث عن الاستصلاح ـ : «الاستصلاح في حقيقته هو نزعه من الحكم بالرأي المبني على المصلحة وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء»، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»([650]).
وقد رادف بعضهم بينها وبين الاستصلاح([651])، كما رادف آخر بينها وبين الاستدلال([652]).
وهو ما لم يتضح له وجه لبعده عما لهذه الألفاظ من مداليل لديهم، فالاستصلاح، كما هو صريح كلامهم، هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا أنه عينها، كما أن الاستدلال إنما يكون بها لا إنها عين الاستدلال.
وبما أن هذه التعاريف التي نقلنا نموذجين منها لا تحكي عن واقع واحد ليلتمس تعريفه الجامع من بينها، وربما اختلف الحكم فيها لديهم باختلاف مفاهيمها فلا جدوى بمحاكمتها.
والأنسب أن تعرض أحكامها وتحاكم على أساس ما ينتظمها من الأدلة نفياً أو إثباتاً على أسس من تعدد المفاهيم.
تقسيم الأحكام المترتبة على المصلحة
وقد قسموا أحكامها المترتبة عليها بلحاظ ما لمصالحها من رتب إلى أقسام ثلاثة:
1 ـ الضروري: «وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها»([653]).
يقول الغزالي: «وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها»([654])، ثم يقول: «وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليها ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر»([655]).
2 ـ الحاجي: وأرادوا به: «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة([656]) كتشريع أحكام البيع، والإجازة، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلفين.
3 ـ التحسيني: وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية كالمنع عن أكل الحشرات، واستعمال النجس فيما يجب التطهير فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، وقد عرفه الغزالي بقوله هو: «ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد»([657]).
ولهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم فهي مرتبة من حيث الأهمية فالأول منها مقدم على الأخيرين، والثاني على الثالث، ولعل قسماً من الأقوال القادمة يبتني في حجيته على الأخذ ببعض هذه الأقسام دون بعض.
الاختلاف في حجيتها
ذهب مالك وأحمد ومن تابعهما «إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، وأن المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها ولا على إلغائها مصلحة صالحة لأن يبني عليها الاستنباط»([658]).
وغالى فيها الطوفي، وهو من علماء الحنابلة([659])، فاعتبرها الدليل الشرعي الأساس في السياسات الدنيوية والمعاملات، وقدمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذر الجميع بينها([660]).
بينما ذهب الشافعي ومن تابعه: «إلى أنه لا استنباط بالاستصلاح، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى»([661]).
وللغزالي وهو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى أن «الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلاّ أنه يجري مجرى وضع الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضاً، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتاً إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين»([662]).
وخلاصة ما انتهى إليه في ذلك اعتبار أمور ثلاثة إن توفرت في شيء ما كشفت عن وجود الحكم فيه:
1 ـ كون المصلحة ضرورية.
2 ـ كونها قطعية.
3 ـ كونها كلية([663]).
هذا كله إذا وقعت في مرتبة الضروري «إن وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في المستصفى ردها وفي شفاء الغليل قبولها»([664]).
أمّا الأحناف فالمنسوب إليهم أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، ولا يعتبرونها دليلاً، وقد تنظر الأستاذ خلاف في هذه النسبة، واستظهر من عدة وجوه خلاف ذلك([665]).
وقد نسب الأستاذ الخفيف إلى الشيعة وأهل الظاهر «العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس»([666])، وسيتضح الحال فيها.
ولعل الفصل في هذه الأقوال نفياً أو إثباتاً يتضح مما عرضوه للحجية من أدلة، وقد آثرنا تحريرها على ترتيب ما ذكروه في التقديم والتأخير.
أدلة الحجية من العقل
وخلاصة ما استدل به للاستصلاح منها بعد إكمال نواقص بعضها ببعض هو:
1 ـ أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وأن هذه المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها «وبنى المجتهد حكمه فيها على ما ادركه عقله من نفع او ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلا في المعاملات ونحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالاستصلاح»([667]).
وهذا الاستدلال لا يتمّ إلاّ على مبنى من يؤمن بالتحسين والتقبيح العقليين، والدليل كما ترون قائم على الاعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك.
وقد سبق أن قلنا: إن العقل قابل للإدراك، ولو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعاً لكشفه عن حكم الشارع، ولكن الإشكال، كل الإشكال، في جزمه بذلك لما مرّ من أن أكثر الأفعال الصادرة عن المكلفين، إما أن يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الاقتضاء، وما كان منها من قبيل الحسن والقبح الذاتيين فهو نادر جداً، وأمثلته قد لا تتجاوز العدل والظلم وقليلاً من نظائرهما.
ومن فيه الاقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه وانعدام موانعه أي إحراز تأثير المقتضى وهو لا يحصل به الجزم غالباً لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، وربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مرّ عرض ذلك مفصلاً.
2 ـ قولهم: «إن الوقائع تحدث والحوادث تتجدد، فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والامكنة والبيئات والأحوال مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس وخاتمة الشرائع السماوية كلها»([668]).
وقد أجبنا على نظير هذا الاستدلال في مبحث القياس، وبيّنا أن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقتصر عن حاجاتهم، وهي بذلك مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال وبخاصة إذا لوحظت مختلف المفاهيم بعناوينها الأولية والاستفادة منها.
والحقيقة أن تأثير الزمان والمكان والأحوال إنما هو في تبدل مصاديق هذه المفاهيم.
فالآية الآمرة بالاستعداد بما يستطيعون له من قوة لإرهاب أعداء الله قد لا نجد لها مصداقاً في ذلك الزمن إلاّ بإعداد السيوف والرماح والتروس والخيول وأمثالها، لأن القوة السائدة هي من هذا النوع، ولكن تبدل الزمان وتغير وسائل الحرب حول الاستعداد الى اعداد مختلف الوسائل السائدة في الأمم المتحضرة للحروب كالقنابل النووية وغيرها، فالمفهوم هو وجوب الاستعداد بما يستطاع لهم من قوة لم يتغير في الآية، وإنما تغيرت مصاديقه وهكذا …
فالتبدل في الحقيقة، لم يقع في المفاهيم الكلية، وإنما وقع في أفرادها ومصاديقها، فما كان مصادقاً لمفهوم ما ربما تحول إلى مصداق لمفهوم آخر.
ولقد وسع لنا الشارع المقدس بما شرحه لنا من العناوين الثانوية من جهة، وبفتحه لنا أبواب الاجتهاد سواء في التعرف على أحكامه الكلية أو التماس مصاديقها بما سد حاجاتنا الأساسية إلى تطوير أنفسنا ومسايرة عصورنا ضمن إطار ما جاء به من أحكام، ولكن لا على أن نفسح المجال أمام أوهامنا وظنوننا لنتحكم في مصائر العباد كيفما نشاء، وما دام مقياس الحجية بأيدينا ـ وهو ما سبق أن عرضناه ـ فلا مجال لاعتماد ما يخالف هذا المقياس والأساس فيه هو تحصيل العلم بالحكم أو العلمي ولا أقل من تحصيل الوظيفة التي يأمن معها الإنسان من غائلة العقاب.
الاستدلال بسيرة الصحابة
وكما استدلوا بالعقل فقد استدلوا عليها بسيرة الصحابة، مما جاء في دليلهم: «إن أصحاب رسول الله لما طرأت لهم بعد وفاته حوادث وجدت لهم طوارئ شرعوا لها ما رأوا فيه تحقيق المصلحة، وما وقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة، واعتبروه كافياً لأن يبنوا عليه التشريع والأحكام، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، وحارب مانعي الزكاة، ودرأ القصاص عن خالد بن الوليد وعمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ووقف تنفيذ حدّ السرقة في عام المجاعة، وقتل الجماعة في الواحد، وعثمان جدد أذانا ثانياً لصلاة الجمعة([669]) … الخ».
والغريب أن تنزل هذه التصرفات وأمثالها على القياس تارة والاستحسان أخرى والمصالح ثالثة، وتعتبر على ألسنة البعض أدلة عليها، وما أدري هل تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الأدلة مع تباينها مفهوماً أم ماذا؟ّ!
ومهما يكن فإن النقاش في هذا النوع من الاستدلال واقع صغرى وكبرى.
أما الصغرى فلعدم إمكان تكوين سيرة لهم من مجرد نقل أحداث عن أفراد منهم يمكن أن تنزل على هذا الدليل أو ذاك، ومن شرائط السيرة أن يصدر المجموع عنها في سلوكهم الخاص، وكذلك لو أريد من هذا الدليل إجماعهم السكوتي على ذلك بالتقريب الذي ذكروه بالقياس، والذي عرفت ـ فيما سبق ـ مناقشته.
أما إذا أريد الاستدلال بتصرفاتهم الفردية فهي لا تصلح للدليلية على أي حال لعدم الإيمان بعصمتهم أولاً، واجتهادهم لا يتجاوز في حجيته أنفسهم ومن يرجع إليهم بالتقليد.
وأمّا المناقشة في الكبرى فلعدم حجية مثل هذه السيرة أو الإجماع على أمثال هذه الأدلة، لأن هذه التصرفات غير معللة على ألسنتها وما يدرينا أن الباعث على صدورهم هو إدراك المصالح من قبلهم، والسيرة مجملة لا لسان لها لنتمسك به، وغاية ما يمكن أن تدل عليه هو حجية نفس ما قامت عليه من أفعال لو كانت مثل هذه السير من الحجج التي يركن إليها لا حجية مصادرها المتخيلة، على أن هذه التصرفات ـ كما سبقت الإشارة إليها ـ جار أكثرها على مخالفة النصوص لأمور اجتهادية لا نعرف اليوم عواملها وبواعثها الحقيقية، وفيما سبق عرضه في مبحث القياس ما يغني عن إطالة الحديث.
الاستدلال بحديث لا ضرر
وقد تبناه الطوفي وقرب دلالته ـ بعد أن أطال الحديث في سنده ـ بقوله: «وأمّا معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعاً، وهو نفي عام إلاّ ما خصصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لأنا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمن ضرراً، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين، وإن لم ننفه به كان تعطيلاً لأحدهما وهو الحديث، ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها([670])، ويقول: «ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما»([671]).
والذي يرد على هذا الاستدلال:
1 ـ اعتقاده أن نسبة هذا الحديث إلى الأدلة الأولية هي نسبة المخصص مع أن من شرائط المخصص أن يكون أخص مطلقاً من العام ليصح تقديمه عليه، وقد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد وغيرها.
والنسبة هنا بين حديث لا ضرر وأي دليل من الأدلة الأولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلاً، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرورياً وغير ضروري وأدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري مجمع للحكمين معاً، ومقتضى القاعدة التعارض بينهما والتساقط، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامين إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة.
والظاهر أن الطوفي ـ بحاسته الفقهية ـ أدرك تقديم هذا الدليل على الأدلة الأولية وإن لم يدرك السر في ذلك.
والسر هو ما سبق أن ذكرناه من حكومة هذا النوع من الأدلة على الأدلة الأولية لما فيه من شرح وبيان لها، فكأنه يقول بلسانه إن ما شرع لكم من الأحكام هو مرفوع عنكم إذا كان ضرورياً، فهو ناظر إليها ومضيق لها.
وما دام لسانه لسان شرح وبيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه وبين غيره من الأدلة.
2 ـ اعتقاده أن بين الضرر والمصلحة نسبة التناقض، ولذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين مع أن الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن وبينه وبين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته ولم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر ولا منفعة فهما إذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، ومتى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، وعلى هذا المعنى يبتني ثبوت المباح، وهو الذي لا ضرر ولا مصلحة فيه.
وإذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، ومن هنا قلنا: إن حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الأحكام الضررية عن موضوعاتها، أمّا إثبات أحكام أخر فلا يتعرض لها، وإنما المرجع فيها إلى أدلتها الأخرى.
وإذا اتضح هذا لم يبق أمام الطوفي ما يصلح للاستدلال به على المصالح المرسلة فضلاً عن الغلو فيها.
غلو الطوفي في المصالح المرسلة: وكان من مظاهر غلو الطوفي فيها تقديمه رعاية المصلحة على النصوص والإجماع، واستدل على ذلك بوجوه:
«أحدهما أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذن محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه»([672]).
ويرد على هذا الاستدلال عدم التفرقة بين رعاية المصلحة وبين الاستصلاح كدليل، فالأمة، وإن اتفقت على أحكام الشريعة مما تراعي فيها المصالح، ولكن دليل الاستصلاح موضع خلاف كبير لعدم إيمان الكثير منهم بإمكان إدراك هذه المصالح مجتمعة من غير طريق الشرع، وقد سبق إيضاح ذلك في مبحث العقل.
فدليل الاستصلاح إذن ليس موضع وفاق ليقدم على الإجماع.
«الوجه الثاني: إن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرطاً فكان اتباعه أولى وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾([673])، ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾([674])، وقال عليه السلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، وقد قال عزَّ وجلَّ في مدح الاجتماع: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾([675])، وقال عليه السلام: «كونوا عباد الله إخوانا».
ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقلوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقارب أحد المذهبين أحداً من غيره في بلاده إلاّ على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ماله فيئاً حكمهم في الكفار، وحتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنيفة، كان فيه مسجد واحد للشافعية وكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يزل كذلك، حتى أصبح يوماً وقد سد باب ذلك المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك».
«ثم أن كلاً من أتباع الأئمة يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم حتى رأيت حنفياً صنف مناقب أبي حنيفة، فافتخر فيها بأتباعه، كأبي يوسف ومحمد ابن المبارك ونحوهم، ثم قال: يعرض بباقي المذاهب:
أولئك أبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية وغيره كثير، وحتى أن المالكية يقولون: الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل.
«وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع محمد».
«والحنفية يقولون: إن الشافعي غلام أبي حنيفة لأنه غلام محمد بن الحسن، ومحمد غلام أبي حنيفة»، قالوا لولا إن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف وحتى أن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالي، وأنه ليس من أئمة الحديث، وأحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي وأنه ليس قرشياً بل من موالي قريش ولا إماماً في الحديث لأن البخاري ومسلماً أدركاه ولم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماماً إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي في تصنيفهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميته حتى جعل كل فريق يروي السُنّة، في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا: «الأئمة من قريش، تعلموا من قريش ولا تعالموها»، أو «عالم قريش ملأ الأرض علماً»، قالوا: ولم يظهر من قريش بهذه الصفة إلاّ الشافعي.
والحنفية، رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، ويكون فيهم رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس». والحنابلة رووا: «ويكون في أمتي رجل يقال له أحمد بن حنبل يسير على سنتي سير الأنبياء» أو كما قال فقد ذهب عني لفظه».
«وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج: واعلم أن هذه الأحاديث منا بين صحيح لا يدل، ودال لا يصح. أما الرواية في مالك والشافعي فجيدة ولكن لا تدل على مقصودهم لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير ولا اختصاص لمالك دونهم، وإن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم وكانوا حينئذٍ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك وإنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه وانتشار مذهبه في الأقطار وذلك إمارة على ما قالوا، وكذلك الأئمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك وقد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، وكذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لأحد به».
«إما قوله: «عالم قريش يملأ الأرض علماً» فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه وصحبته ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» فكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر».
«وأما الرواية في أبي حنيفة وأحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها، أمّا حديث «هو سراج أمتي» فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي وأحمد بن عبد الله الخوشاري وكانا كذابين وضاعين، فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة وذم الشافعي، ويأبى الله إلا أن يتم نوره».
«وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعاً لأنا قدمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر تأليف ألف حديث وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله عزَّ وجلَّ، فما لم تجدوه فيه فليس بشيء».
«ثم أن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ليس في مسنده، فلو كان صحيحاً لكان هو أولى الناس بإخراجه والاحتجاج به في محنته التي طبق الأرض ذكرها».
«فانظر بالله أمراً يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما مبعثه إلاّ تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها الساطع برهانها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شيء مما ذكرنا عنهم».
«واعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السُنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك وقال: (لا أكتب مع القرآن غيره) مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» وقال: «قيدوا العلم بالكتابة» قالوا: فلو ترك الصحابة يدوّن كل واحد منهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد من الأمة وبين النبي صلى الله عليه وسلم، في كل حديث إلاّ الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما»([676]).
ثم أورد بعد ذلك على نفسه بقوله: «فإن قيل خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة وسعة، فلا يحويه حصرهم من جهة واحدة لئلا يضيق مجال الاتساع، قلنا هذا الكلام ليس منصوصاً عليه من جهة الشرع حتى يمتثل، ولو كان لكان مصلحة الوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم».
«ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين معارض بمفسدة تعرض منه، وهو أن الآراء إذا اختلفت وتعددت أتبع بعض رخص بعض المذاهب فأفضى إلى الانحلال والفجور».
«وأيضاً فإن بعض أهل الذمة ربما أراد الإسلام فيمنعه كثرة الخلاف وتعدد الآراء ظناً منه أنهم يخطئون، لأن الخلاف مبعود عنه بالطبع، ولهذا قال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾([677]) أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، لا يختلف إلاّ بما فيه من المتشابهات وهي ترجع إلى المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» على ما تقرر، لاتحد طريق الحكم وانتهى الخلاف فلم يكن ذلك شبهة في امتناع من أراد الإسلام من أهل الذمة وغيرهم»([678]).
ومع الغض عما في نصه من خطابية وتطويل قد لا تكون له حاجة أن الاختلاف ضرورة لا يمكن دفعها عن البشر، وهو لا يستدعي الصراع والخصام المذهبي ما دام أصحابه يسيرون ضمن نطاق الاجتهاد بموضوعية تامة، وما دامت الأهواء السياسية وغيرها بعيدة عنه. وهذا النوع من الصراع بين أتباع المذاهب كانت من ورائه دائماً عوامل لا ترتبط بالدين.
وكانت السياسة من وراء أكثرها وكثير من هؤلاء المصطرعين لم يكونوا من العلماء المجتهدين، وإنما كانوا مرتزقة باسم الدين لانسداد أبواب الاجتهاد في هذه الفترات التي أرخ لها، وحيث يوجد الغرض والهوى والجهل، ومحاولات الاستغلال من تجار الضمائر والمبادئ توجد التفرقة والصراع، وأمثال هؤلاء المفرقين من العلماء إنما هم دمى بيد السلطة تحركها كيفما تشاء.
وإلاّ فإن العالم الصحيح لا يضره الاختلاف معه في مجالات استنباطه وربما سر لعلمه بقيمة ما يأتي به الصراع من تلاقح فكري، وإنماء وتطور للأفكار التي يؤمن بها.
والعلماء في مختلف المجالات العلمية يختلفون، وما سمعنا خلافاً أوجب الصراع فيما بينهم باسم العلم فضلاً عن أن يدب الصراع إلى أبناء شعوبهم فيقتتلون، اللهم إلاّ إذا كانت السلطات من ورائه كما هو الشأن في موقف سلطة الكنيسة من بعض العلماء المكتشفين أمثال غاليلو.
والشيعة أنفسهم رأوا طوائف من علمائهم وهم بحكم فتح أبواب الاجتهاد على أنفسهم كانوا يختلفون وينقد بعضهم آراء البعض الآخر، ومع ذلك نرى تقديسهم لعلمائهم يكاد يكون منقطع النظير.
وما استشهد به من الآيات والروايات على المنع من الاختلاف أجنبي عن هذا النوع من الاختلاف الذي يقتضيه البحث الموضوعي، لأن المنع عن هذا النوع منه تعبير آخر عن الدعوة إلى الجمود وإماتة الفكر والنظر في شؤون الدين، وهو ما ينافي الدعوة إلى تدبر ما في القرآن والنظر إلى آياته، بل ينافي الدعوة إلى تدبر ما في الكون والحث على استعمال العقل، وما طفحت به كثير من الآيات والأحاديث، لأن طبيعة التدبر واستعمال الفكر تدعو إلى اختلاف الرأي.
فالاختلاف المهني عنه هو الاختلاف الذي يدعو إلى التفرقة وتشتيت كلمة الأمة، أي الاختلاف الذي يستغل عاطفياً لتفرقة الشعوب لا الاختلاف الذي يدعو إليه البحث الموضوعي وهو من أسباب الألفة والتعاطف بين أربابه، ففي الاستدلال خلط بين نوعي الاختلاف.
ومع التغافل عن هذه الناحية فإن دعواه بأن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه، لا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق ـ لا أعرف لها وجهاً، لأن المصالح الحقيقية التي يتطابق عليها العقلاء محدودة جداً، وما عداها كلها موضوع خلاف بل هي نفسها موضوع لخلاف كبير في مواقع تطبيقها كما سبق بيانه في مبحث العقل فكيف يكون النظر فيها موضعاً لاتفاق الكلمة وبخاصة إذا وسعنا الأمر إلى عوالم الظنون بها والأوهام وهل تكفي مواضع الاتفاق منها لإقامة شريعة إذا تجردنا عن النصوص.
وبهذا يتضح الجواب على ما أورده على نفسه من إشكال وأجاب عليه، فكون الاختلاف رحمة وسعة مما لا إشكال فيه أصلاً إذا كان في حدود البحث الموضوعي، والذي يدل عليه كل ما يدل على وجوب المعرفة المستلزمة حتماً للاختلاف من آيات وأحاديث، ومعارضتها بمفسدة الأخذ بالرخص لا تعتمد على أساس.
فالآخذون بالرخص إما أن يكونوا معتمدين على حجة كأن يكون هناك مرجع مستوف لشرائط التقليد يسيغ لهم ذلك، فالأخذ بها لا يشكل مفسدة وأصحابها معذورون وإمّا أن لا يكونوا على حجة، وهؤلاء لا حساب لنا معهم لتمردهم على أصل الشريعة في عدم الركون في تصرفاتهم على أساس، وكونهم يستغلون الرخص لتبرير أعمالهم أمام الرأي العام فإنما هو من قبيل الخداع والتمويه، ولو لم تكن هناك رخص لارتكبوا هذه الأعمال والتمسوا لها مبررات غير هذه.
وكون الاختلاف مانعاً من دخول أهل الذمة إلى الإسلام هو الآخر لا يخلو من غرابة، فإن هؤلاء كانوا على درجة من الثقافة عرفوا أن هذا المقدار من الاختلاف مبرر في جميع الشرائع، بل هو مما تقتضيه الطبيعة البشرية لاستحالة اتفاق الناس في فهم جميع ما يتصل بشؤون شرائعهم، بل جميع ما يتصل بشؤونهم الحياتية وغيرها، ومتى منع الاختلاف أحداً من الدخول في الإسلام؟!
وهناك أدلة أخرى له لا تستحق أن تعرض ويطال فيها الحديث وأجوبتها تعرف مما سبق أن عرضناه في مبحث القياس.
فغلو الطوفي في استعمال المصالح المرسلة وتقديمها على النصوص والإجماع لا يستقيم أمره بحال.
نفاة الاستصلاح وأدلتهم
أمّا نفاة الاستصلاح وفي مقدمتهم الشافعي فأهم ما استدلوا به:
1 ـ إيمانهم بكمال الشريعة واستيفائها لحاجات الناس «ولو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر مما شرعه ومما أرشد إلى الاهتداء به لبينه ولم يتركه لأنه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: «أيحسب الإنسان أن يترك سدى»([679]).
والجواب على هذا الاستدلال أن مثبتي الاستصلاح لا ينكرون وفاء الشريعة بحاجات الناس وإن أنكروا وفاء النصوص بها، فهم يعتبرون العقول من وسائل إدراكها كالنصوص على حد سواء، واهتداء العقول إليها إنما هو بهداية من الله عزَّ وجلَّ لها، فالعقول إذن كاشفة وليست بمشرعة.
2 ـ ما يستفاد من قول الغزالي وهو يرد على من يريد اعتبار الاستصلاح أصلاً خامساً «من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسُنّة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسُنَّة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطروحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسُنّة والإجماع فليس خارجاً من هذه الصول، لكنه لا يسمى قياساً بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسُنّة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في أتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة»([680]).
والجواب الذي يصلح ـ لمثبتي الاستصلاح ـ التمسك به. إن حصر معرفة المصلحة التي تحفظ مقاصد الشرع بالكتاب والسُنة والإجماع لا دليل عليه لما سبق من إثبات كاشفية العقل وإدراكه للمصالح والمفاسد المستلزم لإدراك حكم الشارع بها.
ومع إمكان الإدراك فليس هناك ما يمنع من وقوعه أحياناً، وعلى أي حال فالمسألة مبنائية.
3 ـ ما ذكره الآمدي في كتابه الأحكام من أن «المصالح على ما بينا، منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها، والمرسلة مترددة بين ذينك القسمين، وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الاحتجاج بالمرسل دون شاهد بالاعتبار يبين أنه من قبيل المعتبر دون الملغى»([681]).
وموضع الفجوة في هذا الاستدلال اعتبار المصلحة مترددة بين القسمين إذا أريد من ترددها،ـ ترددها بين ما دل على الاعتبار من النصوص، وما دل على الالغاء لافتراض القائلين بالاستصلاح إن النصوص غير متعرضة لها اعتباراً أو إلغاء، وإنما اكتشفوا اعتبارها من قبل الشارع بدليل العقل، فهي إذن معتبرة من الشارع ولكن من غير ما عهد منه، فهي قسم ثالث في عرض ذينك القسمين وإن شئت أن تقول: إن الاعتبار على قسمين: معهود من الشرع بطريق النصوص، ومعهود منه بطريق العقل، وهذه من القسم الثاني وليست بأحد القسمين اللذين ذكرهما الآمدي ليقال: «وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر».
تلخيص وتعقيب
وخلاصة ما انتهينا إليه من تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، كما هو مقتضى استفادة الدواليبي والطوفي.
ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها ـ أعني الصغرى ـ بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات إذ يكفي في إلحاقها بالسُنة دخولها تحت مفاهيمها العامة، ومتى اشترطنا في السُنة أن تكون خاصة لتكون مصدراً من مصادر التشريع، فعدها ـ بناء على هذه التعاريف ـ في مقابل السُنة لا يعرف له وجه.
وأمّا على تعاريفها الأُخر فينحصر إدراكها بالعقل. والذي ينبغي ان يقال عنها إنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان ذلك الإدراك كاملاً ـ أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها، في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع ـ فهي حجة، إذ ليس وراء القطع، كما سبق تكراره، مجال لتساؤل أو استفهام، يقول المحقق القمي: «والمصالح إمّا معتبرة في الشرع وبالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي إلى إفسادها([682]) … الخ».
ولكن القول بحجيتها هنا لا يجعلها دليلاً مستقلاً في مقابل العقل بل هي نفس ما عرضناه سابقاً في مبحث حجيته.
وإن لم يكن إدراكه لها كاملاً بأن كان قد أدرك المصلحة، واحتمل وجود زاحم لها يمنع من جعل الحكم، أو احتمل أنها فاقدة لبعض شرائط الجعل كما هو الغالب فيها، بل لا يتوفر الإدراك الكامل إلاّ في حالات نادرة وهي التي تكون المصلحة ذاتية ـ كما سبق ـ فإن القول بحجيتها ـ أعني هذا النوع من المصالح المرسلة ـ مما يحتاج إلى دليل، وليس لدينا من الأدلة ما يصلح لإثبات ذلك، لما قلناه من إن الإدراك الناقص ـ وهو الذي لا يشكل الرؤية الكاملة ـ ليست حجيته ذاتية، بل هي محتاجة إلى الجعل والأدلة غير وافية بإثباته.
والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها لتقوِّمها بالعلم، وقد مرّ إيضاح ذلك كله.
وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلاّ ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم كما هو مقتضى مبناهم الذي عرضناه في دليل العقل وما عداه فهو ليس بحجة، فنسبة الأستاذ الخفيف القول بها إلى الشيعة ليس بصحيح على إطلاقه.
محمد تقي الحكيم
المصطلح الشرعي
بين ألفاظ العبادات وألفاظ المعاملات
يشكل المصطلح الإسلامي أحد الرموز الثقافية المهمة الدالة على خصوصية الأمة الإسلامية وهو أحد المكونات الأساسية لهويتها الحضارية، بل أن بعض الباحثين يعتبر المصطلح جزء من النظرية السياسية في الإسلام. وجرى التعامل مع المصطلح الإسلامي بأسلوبين متناقضين، أحدهما التفريط والآخر الإفراط.
ويدعو التفريط إلى التخلي عن المصطلح الإسلامي لصالح المصطلحات الأجنبية بحجة الحداثة ومواكبة روح العصر والأخذ بمنتجات الحضارة الغربية المعاصرة، ويقابله أسلوب الإفراط الذي يتجمد عند الموروث من المصطلحات الإسلامية بلا تمييز بين ما هو شرعي منها وما هو بشري يحمل الصفة التاريخية من جهة، وبلا استعداد للأخذ بما يصح الأخذ به من المصطلحات المعاصرة بعد تبيئتها في المجال الثقافي الإسلامي من جهة ثانية.
وإذا كان الموقف الأول ينتصر للحداثة والمعاصرة على حساب الأصالة والخصوصية، فإن الموقف الثاني ينتصر للأصالة والخصوصية متجاهلاً التطور المستمر في حركة الحياة. وبهذا يحمل كلا الموقفين في داخله بذور الحكم عليه بالخطأ.
فما هو المصطلح؟ وهل يوجد مصطلح إسلامي؟ وما هو الموقف من المصطلحات الآتية من خارج المجال الفكري الإسلامي؟
من دلالة اللفظ إلى مضمون المصطلح
تحمل الألفاظ دلالات معينة هي عبارة عن الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى الذي يدل عليه وانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر. وهذا الاقتران هو ما يطلق عليه اسم «الدلالة» في حين يسمى اللفظ «دالاً» والمعنى «مدلولاً». والسؤال الذي يتصدى علماء أصول الفقه الإسلامي للإجابة عنه هو: من أين أتى هذا الاقتران؟
لا تحمل الألفاظ معانٍ ذاتية، لأن افتراض الدلالة الذاتية يعني أن اللفظ يحمل دلالته في ذاته من دون أن يكتسبها من الخارج. ويعجز هذا القول عن تفسير حقيقة إن أهل لسان ما من الناس لا تنتقل أذهانهم إلى معاني كلمات اللغات الأخرى التي لا يعرفونها. بل أنهم بحاجة إلى تعلّم هذه اللغات قبل أن يكون من الممكن أن تنتقل أذهانهم إلى معاني كلماتهم عند سماعهم أو قراءتهم لها. وهذا بحدّ ذاته دليل على أن دلالة اللفظ ليست نابعة من طبيعته بل هي من سبب آخر.
يقول البعض إن العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الأول أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة أو تكلّموا بها، حين قام هؤلاء بتخصيص ألفاظ معينة لمعانٍ خاصة، فاكتسبت الألفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني وأصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص. ويسمي علماء الأصول ذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل ونتجت عنه الدلالة «الوضع» فيما يسمى الممارس له «واضعاً» واللفظ «موضوعاً» والمعنى «موضوعاً له».
وإن كان هذا التفسير على حق في إنكار الدلالة الذاتية إلاّ أنه لم يتقدم إلاّ خطوة قصيرة في حل مشكلة الوضع، كما يقول السيد محمد باقر الصدر في بحثه القيّم عن هذه المسألة، إذ يذكر أن الصحيح أن علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقاً لقانون عام من قوانين الذهن البشري. وهذا القانون هو أن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مراراً عديدة ولو على سبيل المصادقة قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سبباً لانتقال الذهن إلى تصور الآخر.
وعلى هذا الأساس نستطيع تفسير اقتران اللفظ بمعناه بوصفه نتيجة لاقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكررة أو في ظرف مؤثر، الأمر الذي أدى إلى قيام علاقة بينهما. واقترنت بعض الألفاظ بمعانٍ معينة بصور تلقائية فنشأت بينهما العلاقة اللغوية، وليس ببعيد عن الاحتمال أن الإنسان أدرك هذا الاقتران العفوي فأخذ ينشئ على منواله علاقات جديدة بين الألفاظ والمعاني، وبعض الالفاظ اقترنت بمعانيها في عملية مقصودة لكي تقوم بينهما علاقة سببية مثل الأسماء الشخصية. وبتكرار استخدام اللفظ المعني لإرادة المقصود ترسخ الاقتران بينهما. وهذا الاستخدام هو ما يسمى بـ «الاستعمال»، واللفظ «مستعملاً» والمعنى «مستعملاً فيه».
وتؤثر اتجاهات الاستعمال في المجتمعات المختلفة على معاني كلمات لغاتهم. لهذا نجد أن بعض اللغات تتغير وتتطور تبعاً لاستعمالات المتكلمين بها. وهذا ما يسبغ على الألفاظ والمصطلحات الصفة التاريخية. فمعنى أي لفظ ومصطلح ليس هو المعنى الموجود في القاموس إنما هو المعنى المقصود في استعمالات أصحابها الذي يتبادر إلى ذهن السامع منهم.
ونحن هنا لا نتحدث عن اللفظ ومعناه عموماً، إنما نتحدث عن اللفظ الذي صار مصطلحاً. لكن فهم طبيعة اللفظ وصلته بمعناه تساعدنا على فهم طبيعة المصطلح وعلاقته بحمولته الفكرية والمفهومية. والمصطلح هو اللفظ الذي يضعه أهل عرف أو اختصاص معين ليدل على نحو معين يتبادر إلى الذهن عند إطلاق ذلك اللفظ. ويغلب هذا في الأمور الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية وليس في الكلام اليومي لبني البشر.
ولغرض الإجابة عن الأسئلة التي أثرناها في بداية هذا المقال، يتعين علينا التمييز بين المصطلح الشرعي الذي نصت عليه الشريعة في نصوصها التأسيسية، أي القرآن والحديث، أولاً، وبين المصطلح الذي تواضع على وضعه وصياغته المسلمون في سياق تطور الفكر الإسلامي عبر حركة التاريخ، ثانياً، وبين المصطلح الجديد الوافد، ثالثاً، وهذه هي الحالات الثلاث التي سنتناولها كالآتي:
المصطلحات الشرعية: وضعت الشريعة الإسلامية في نصوصها التاسيسية، مصطلحاتها ومسمياتها الخاصة بها التي تحمل فكرها وتعبّر عن محتواها وأهدافها في مجال العقيدة والأخلاق والتشريع والفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام والثقافي العام.
من هذه المصطلحات: التوحيد والرب والوحي والقيامة والصوم والوضوء والزكاة والصلاة والحج والإمامة والمستضعفين والمستكبرين والطاغوت والشيطان والنفاق والارتداد والكفر والولاية والأمة والملة والجهاد والشهادة والخلافة وحزب الله وحزب الشيطان والحرام والحلال والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستبدال والمفسد والمحارب والمعاهد والخاشع والمتقي والمؤمن والفاسق والشريعة والإسلام والغيب والدين والشورى. غير ذلك.
وهذه كلها ما يطلق عليه السيد مرتضى العسكري اسم «المصطلح الشرعي» أو «المصطلح الإسلامي»، الذي عرفه بأنه ما استعمله الشارع في معنى خاص وبلغ الرسول ذلك. وعليه فهو اللفظ الوارد في معناه في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، ومن دون هذا لا يوجد المصطلح الشرعي.
واستعملت الشريعة الإسلامية بعض الألفاظ العربية في غير معانيها الشائعة لدى العرب، مثل كلمة «الصلاة» التي كانت تستعمل في مطلق «الدعاء» لكن الإسلام استعملها للدلالة على عبادة خاصة لها قراءات خاصة مقارنة بأفعال خاصة من قيام وركوع وسجود مما لم يكن معروفاً عند العرب. وهذا هو المصطلح الشرعي سواء كان عبارة عن لفظة مستعملة ولكن تمّ تغيير معناها أم جاء في لفظ جديد بمعنى جديد مثل كلمة «الرحمن» كصفة لله.
ويعبّر هذا النوع من المصطلح عن ما يسميه علماء الأصول بالحقيقة الشرعية، وهي اللفظ الذي استخدمته الشريعة الإسلامية استعمالاً خاصاً للدلالة على معنى خاص بحقيقة محدودة مقصودة له فصار يدل على ذلك المعنى الشرعي الخاص مثل ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والحج والكفر والنفاق والفسوق وغير ذلك. وهذا يختلف عن الحقيقة اللغوية، هي اللفظ الموضوع لمعنى من المعاني كلفظ القتل والكذب وهي دوال على معانيها الحقيقية بالوضع اللغوي.
وهذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربية قبل الإسلام وإنما نقلت تلك الألفاظ من معانيها إلى هذه المعاني الشرعية.
ويظهر من كلام الأصوليين ثمة تمييز بين أنواع معاني هذه الألفاظ ـ المصطلحات. فنلاحظ أن معاني بعضها تنصرف إلى أمور خاصة بالعقيدة والأفكار والمفاهيم والقيم العامة في الحياة، فيما تنصرف معاني القسم الآخر منها إلى العبادات. وهذه يغلب عليها الوصف بأنها مصطلحات شرعية بمعنى أنها وردت استعمالياً في النصوص التأسيسية. لكن ليس في ألفاظ المعاملات خصوصيات شرعية، لأن معاني ألفاظ المعاملات غير مستحدثة، والشارع بالنسبة إليها كواحد من أهل العرف، فإذا استعمل أحد ألفاظها فيحمل على معناه الظاهر فيه عندهم إلاّ إذ نصب قرينة على خلافه.
قال الشيخ محمد جواد مغنية: أما قضايا المعاملات وما إليها فهي شرعية توقيفية في حكمها فقط. والموضوع يحدده الناس بلغة مصطلحاتهم وحوارهم إذ لا اختراع واصطلاح للشارع فيها، إنما موقفه منها موقف التقرير أو الإلغاء أو التقليم والتطعيم في حين أن ألفاظ العبادات بكاملها كالصوم والصلاة والحج والزكاة قد أعطاها الإسلام مدلولاً جديداً وأن هذه الألفاظ قد أصبحت أسماء حقيقية للمعنى الجديد تستعمل فيه بلا قرينة.
والبحث في التزام استخدام هذه الألفاظ لا يدخل في نطاق الحكم الشرعي من حيث الوجوب والتحريم كما يقول بعضهم، إذ ليس لدينا هنا ما يقتضي الوجوب والتحريم شرعاً، بل يدخل في نطاق الحديث عن مصلحة العمل الإسلامي، والمصلحة في هذا المورد هي الحفاظ على شخصية الدين أو المبدأ انطلاقاً من الشعور بالحاجة إلى أن تكون لكل دعوة شخصية مستقلة في حركتها في الحياة وفي سلوك أتباعها لتحافظ على وجودها من الذوبان والضياع وتحمي حركتها من الاهتزاز والانهيار.
بل يخطو خطوة أبعد حين يقرر أن الالتزام بهذه المصطلحات ليس حرفياً جامداً إنما هو خاضع لما تمر به الكلمة من حالات التطور والتغيّر، فكأنه يخضع حتى هذا النوع من المصطلحات لمنهج التاريخية الآتي ذكره بعد قليل، ويقول: إن قيمة الكلمة تتمثل في عطائها الفكري وفي تجسيدها للمعنى الذي يراد التعبير عنه بها، ولا تحمل أية قيمة ذاتية. والكلمات تموت كما يموت الأشخاص وقد تصاب بالتشويه كما يصاب بالتشويه كثير من الناس، وقد تحيا بعض الكلمات، فتبعث من بعد موت.
وعليه، فإن احتضان الدين لأية كلمة في نصوصه الدينية أو في تصريحات قادته لا يعني قداسة الكلمة أو اعتبارها جزءاً من شخصية الدين، فقد يكون التعبير بها منطلقاً من حياتها في ذلك الوقت، وعلى ضوء ذلك فإن الموقف هو أن تلاحق تلك الكلمات في نموها وتطورها، وحياتها وموتها، وشبابها وهرمها، لنتبنى منها الكلمات التي تحمل الحياة في حروفها وتجسد الفكر والتاريخ في مدلولها، ونرفض الكلمات التي فقدت مدلولها الأصلي وتحولت إلى مدلول مضاد.
هذا في المصطلح الشرعي، أما المصطلح الآخر من المصطلحات الإسلامية، وهو مصطلح المتشرعة.
فيقصد بمصطلح المتشرعة أو «تسمية المسلمين» الألفاظ التي شاع استخدامها بين المسلمين بمعانٍ خاصة على رغم أنها لم ترد في القرآن والحديث النبوي الشريف مثل «الاجتهاد» و«المجتهد» للدلالة على الفقه والفقيه. وكان اللفظان مستعملين في لغة العرب بمعنى بذل الجهد في طلب الأمر، وباذل الجهد، واستعملا بالمعنى نفسه كما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قال فيه: «فضل العالم على المجتهد مائة درجة» (مقدمة سنن الدارمي) و«كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (صحيح مسلم). لكن لم يرد «الاجتهاد» والمجتهد بمعنى الفقه والفقيه في القرآن الكريم ولا في الحديث النبوي الشريف. وسمى السيد العسكري هذا النوع من المصطلحات بـ «عرف المتشرعة» و«تسمية المسلمين» تمييزاً لها عن تلك الواردة في المصدرين النصيين التأسيسيين في الإسلام وهما القرآن والحديث.
ويعبّر هذا النوع من المصطلحات عن الحقيقة العرفية، بتعبير الأصوليين، وهو ما استخدمه الناس من ألفاظ في معانٍ خاصة. وهذه الحقيقة على أنواع عديدة بحكم تنوع مشارب الناس وما يدخل ضمن المصطلح الإسلامي هو ما كان مستخدماً من قبل المسلمين، كما تقدم.
ويتسم هذا النوع من المصطلحات بالتاريخية. والتاريخية حسب آلان تورين هي المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به ووسطه التاريخي الخاص به أيضاً. إنها قدرة المجتمع على التحرك على ذاته. وعليه فولادة أي مصطلح جديد في مرحلة تاريخية معينة هي تعبير عن قدرة ذلك المجتمع على بناء حقله الرمزي والدلالي والثقافي الخاص. والمصطلح المولود هو ابن ذلك الظرف التاريخي المحدد بمواصفاته الثقافية واحتياجاته الفكرية.
ولهذا يجب دراسة هذا المصطلح ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي وإذا كانت الوقائع متجددة والحاجات متغيرة ، فلا يمكن التوقف عند المصطلحات التي ابتدعها مفكرو المجتمعات الإسلامية السابقة، لأن ذلك يؤدي إلى تجميد حركة الفكر بعد أن فقد حرية إنتاج مصطلحاته التي يستطيع بها مواكبة تطوره الداخلي وتفاعله مع حركة الفكر على المستوى العالي. فالباب يبقى مفتوحاً للإبداع وصياغة المصطلحات الجديدة ما دامت الحاجات الفعلية تتطلب ذلك، إذ نبقى على المصطلحات القديمة إذا كانت تفي بالحاجة، ويتم تجاوزها وصياغة غيرها إذا لم تستطع مواكبة تطور مجتمعاتنا. ونلجأ إلى ابتداع مصطلحات جديدة استجابة لحاجات جديدة لم تكن موجودة في عصور المجتمعات الإسلامية السابقة، فإن «لكل زمان شؤونه وأفكاره ولا لوم على من ساير الزمان وأهله وإنما اللوم على من عاش بجسمه في عصر الفضاء وبعقله في القرون الوسطى».
تعامل أولئك المفكرون مع قضية المصطلح وفق هذه القواعد. وكانوا يلجؤون إلى صك مصطلحاتهم الجديدة أو الاستفادة من المصطلحات في الثقافات الأخرى على قدر ما تتطلب الحاجة الفكرية وتقتضيه المصلحة الإسلامية. وقد يحصل بينهم خلاف في وجهات النظر على هذا المصطلح أو ذاك، لكن الخلاف ما يلبث أن ينحل لصالح التطور الفعلي في حركة الفكر والمصطلح على حد سواء.
وبقيت أجيال من العلماء والمفكرين في بعض المدارس الفكرية والفقهية الإسلامية ترفض استخدام مصطلح الاجتهاد، على سبيل المثال، على رغم أن غيرها أخذ يستخدمه. وكان السبب في رفض هؤلاء وقبول أولئك اختلافاً في فهم مدلولات الكلمة لدى كل فريق. وأغفل النزاع الذي نشب بين الفريقين، كما لاحظ السيد محمد باقر الصدر، التطور الذي مرت به كلمة الاجتهاد.
تتبع السيد الصدر هذا التطور لكي يبرهن على أن هذا النزاع والضجة التي أثيرت حول عملية الاستنباط لم يكن سوى نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي. وعلى هذا، فإن رجال العلم ومنتجي الأفكار في المجال الثقافي الإسلامي معنيون بمتابعة حركة الأفكار وتطورات الحياة من أجل مواكبتها والاستجابة لمتطلباتها بإنتاج أفكار جديدة يتمّ التعبير عنها من خلال مصطلحات جديدة.
المصطلحات الوافدة: لعل أكثر موارد النزاع هي ما كان حول المصطلحات الوافدة، أي تلك التي تفد إلى المجال الثقافي الإسلامي ـ العربي من خلال الترجمة والاحتكاك بالثقافات الأخرى، إذ يرفض البعض الأخذ بالمصطلح الجديد، بحجة المحافظة على أصالة الثقافة الإسلامية، والرغبة في عدم إحداث البلبلة في الوسط الثقافي الإسلامي.
والواقع أن المسألة لا تحل على أساس الموقف المسبق، وإنما على أساس التحليل الموضوعي والعلمي والتاريخي للمصطلح الجديد ولطبيعته من حيث الصياغة أو من حيث الأفكار.
توجد مصطلحات تحمل فكراً ومضموناً مخالفاً للإسلام واستعملها أصحابها للدلالة على أفكارهم وفلسفاتهم، مثل مصطلح الرأسمالية ومصطلح الاشتراكية، إذا أريد بها المعنى المذهبي. والرأي في هذه المصطلحات أن لا تستخدم في التعبير عن الأفكار الإسلامية، كما لا يصح وصف الإسلام بها بحجة التشابه بين بعض حمولاتها الفكرية وما في الإسلام من أفكار ومفاهيم في المجال نفسه. مع جواز ذلك في حال الحديث عنها وعن اتجاهات الفكر الآخر.
لهذا فمن الخطأ أن نصف الاقتصاد الإسلامي بأنه اشتراكي، لأنه يأخذ بمبدأ الملكية العامة، كما من الخطأ وصفه بأنه رأسمالي، وأنه يأخذ بمبدأ الملكية الفردية. وأكثر خطأ من ذلك أن نتحدث عن الاشتراكية الإسلامية، أو الرأسمالية أو الاشتراكية في الإسلام.
إلى هذا يشير الباحث النمساوي المسلم محمد أسد حين تحدث عن الخطأ في استخدام المصطلحات الغربية وأثره في اضطراب الصورة التي تسود اليوم الأذهان عن الدولة الإسلامية، وعزى ذلك في كتابه «منهاج الإسلام في الحكم» الذي نشرت أفكاره للمرة الأولى في عام 1948 إلا أن المنادين بهذه الدولة يخطئون في استعمال المصطلحات السياسية الغربية للدلالة على فكرة تختلف في حقيقتها عن فكرة الدولة الإسلامية.
وقال إنه من باب التضليل المؤذي إلى أبعد الحدود أن يحاول الناس تطبيق المصطلحات التي لا صلة لها بالإسلام على الأفكار والأنظمة الإسلامية، إذ أن للفكرة الإسلامية نظاماً اجتماعياً متميزاً خاصاً بها وحدها يختلف من عدة وجوه عن الأنظمة السائدة في الغرب ولا يمكن لهذا النظام أن يدرس ويفهم إلاّ في حدود مفاهيمه ومصطلحاته الخاصة وأن أي شذوذ عن هذا المبدأ سوف يؤدي حتماً إلى الغموض والالتباس بدلاً من البوح والجلاء حول موقف الشرع الإسلامي من القضايا السياسية والاجتماعية التي تشغل الأذهان في الوقت الحاضر.
لكن يجب ملاحظة الطبيعة التاريخية لهذه المصطلحات، حين يتغير معناها ومضمونها في ضوء الإرادة الاستعمالية لأصحابها والمتحدثين بها. وفي مثل هذه الحال ينبغي إعادة النظر بالموقف الإسلامي منها، وتطبيق القواعد الفكرية والأصولية والفقهية عليها كما هو متبع في غير هذا من الحالات المشابهة. ويمكن تطبيق مفهوم الاستحالة (أي تبدل حقيقة الشيء وصورته النوعية إلى صورة أخرى) هنا على اعتبار أن المصطلح تغير من حال إلى آخر بحكم الاستعمال. والمعروف أن الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية على تفصيل والحنابلة على تقييد والظاهرية والزيدية والإمامية والإباضية) يحكمون بطهارة النجس إذا تبدلت صورته.
وهناك مصطلحات يقع فيها الاشتراك اللفظي من دون الاشتراك في المعنى، مثل مصطلح الإقطاع الذي ذكرناه. وهنا لا مناص من التمسك بالمصطلح الإسلامي، على أساس ما تمليه المصلحة إلاّ إذا كانت تلك المصلحة تقتضي خلاف ذلك، مع ضرورة التوضيح المستمر لما بين المصطلحين من فروق في المضمون.
وهناك مصطلحات محايدة مثل مصطلح الجمهورية إذا قصد بها الآليات الديموقراطية. فهذه مصطلحات تشير إلى معانٍ بعضها مستجد وبعضها لا يحمل أية شحنة فكرية أو مذهبية مخالفة للإسلام. وفي هذا المجال فليس هناك مانع شرعي من استخدامها على أن يتمّ تثبيتها (تكييفها) في المجال الثقافي الإسلامي، أي أسلمتها لكي يتاح لها الاندماج في المنظومة الدلالية الإسلامية. وأني أستعير مفهوم التبيئة هنا من الباحث محمد عابد الجابري الذي عرفه بأنه ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطاً عضوياً، وذلك ببناء مرجعية له فيه تمنحه المشروعية والسلطة.
وعملية بناء المرجعية للمفهوم في الحقل المنقول إليه تتطلب الاطلاع على مرجعيته الأصلية وظروف تشكلها ومراحل تطورها، أي استحضار تاريخيتها، وذلك لكي يتمّ التعامل مع المعطيات التي وضع المفهوم للتعبير عنها تعاملاً من نوع قياس الأشباه والنظائر مع الاحتفاظ دوماً بالفارق. وهذه العملية ليست ترفاً فكرياً، إنما هي عملية إجرائية تمليها الحاجة إلى ذلك المفهوم في الحقل الذي ينتمي إليه، بهدف تحقيق نتائج يصعب الحصول عليها من دونه.
وتواجه مسألة تبيئة هذه المصطلحات في المجال الفكري الإسلامي مشكلة خاصة تتمثل في كون هذه المصطلحات كغيرها تمتاز بالتاريخية. أي أنها تكون تبلورت عبر مسيرة طويلة اقتضت أن يتغير مضمونها. بل أن معظم المصطلحات السياسية والاجتماعية المعاصرة تدل على معانٍ تختلف عن المعاني التي اكتسبتها عندما تكونت في الأصل.
محمد عبد الجبار
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () التعريفات: 81. ↑
- () شرح الكافية: 2/ 139. ↑
- () لاحظ: النحو الوافي 1/ 277. ↑
- () المرصّع: 2 ـ 43. ↑
- () شرح الكافية: 2/ 139. ↑
- () المرصّع: 43. ↑
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () المرصّع: 1 ـ 42. ↑
- () الألفية، لابن مالك، المطبوعة مع النحو الوافي 1/ 284هـ 5. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () الكلّيات، لأبي البقاء 3/ 192 ـ 193. ↑
- () نصرة الثائر: 2 ـ 73. ↑
- () النحو الوافي 1/ 284هـ 5. ↑
- () شرح ابن عقيل على الألفية ـ الطبعة الأولى ـ : 19. ↑
- () شرح ابن عقيل على الألفية ـ الطبعة الأولى ـ : 19. ↑
- () الكليات، لأبي البقاء 3/ 192 ـ 193. ↑
- () النحو الوافي 1/ 384هـ 5. ↑
- () الكليات، لأبي البقاء: 3/ 192 ـ 193. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/ 33 ـ 35. ↑
- () لاحظ الكواكب الدريّة، للأهدل 1/ 53. ↑
- () شرح الكافية للرضي 2/ 139. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة ( ك ن ى). ↑
- () المرصّع: 44. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 511. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 263 و512، وعلوم الحديث، له: 152. ↑
- () تهذيب التهذيب 1/ 118. ↑
- () تقريب التهذيب 2/ 7 ـ 568. ↑
- () كلّيات أبي البقاء 3/ 192، وانظر: وسائل الشيعة 15/ 132ب 30 ح 1. ↑
- () شرح الكافية، للرضي 2/ 139، وانظر: النحو الكافي 1/ 276هـ 2. ↑
- () الكواكب الدرّية، للأهدل 1/ 52. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 256. ↑
- () الفخريّ: 245. ↑
- () الفخريّ: 247. ↑
- () الفخريّ: 248. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 256. ↑
- () المرصّع: 41. ↑
- () المرصّع: 41. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () المرصّع: 42. ↑
- () الإرشاد للمفيد: 8 ـ 339. ↑
- () مجمع الرجال 7/ 2 هامش. ↑
- () جامع أحاديث الشيعة 8/ 551 رقم 1640. ↑
- () تاريخ بغداد. ↑
- () الأنساب، للبلاذري، كما في مغازي رسول الله، لعروة: 3. ↑
- () رجال النجاشي: 58 رقم 136. ↑
- () معجم رجال الحديث 4/ 357. ↑
- () تفسير الحيريّ: 22 ـ 23. ↑
- () الباعث الحثيث، لشاكر: 209. ↑
- () الكنى والأسماء للدولابي 1/ 77، والمجدي في النسب: 8. ↑
- () المرصّع: 44. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة (كنى). ↑
- () سير أعلام النبلاء 15/ 576. ↑
- () الفصول المختارة: 240 ـ 241. ↑
- () جامع الأصول 1/ 280، الكنى، للدولابي 1/ 5. ↑
- () تاريخ أهل البيت عليهم السلام. ↑
- () المرصّع، لابن الأثير: 44. ↑
- () الكنى والأسماء، للدولابي 1/ 8 ـ 9، أنظر: تاريخ دمشق، ترجمة الإمام علي (عليه السلام) 3/ 350 ح 1400، وانظر: السيرة النبوية، لابن هشام 2/ 249 ـ 250. ↑
- () تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام علي عليه السلام ـ 1/ 32 ح 31. ↑
- () صحيح مسلم 4/ 1874 وهو الحديث الأخير من باب فضائل الإمام علي عليه السلام، وصحيح البخاري 5/ 23، والحاكم في معرفة الحديث: 261 النوع 45، وابن عساكر في تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام علي عليه السلام ـ 1/ 31 ح 30.وانظر: الغدير، للأميني 6/ 333 ـ 335. ↑
- () تاريخ أهل البيت عليهم السلام (الفصل الخامس). ↑
- () مجمع الرجال 7/ 3 ـ 194. ↑
- () عيون أخبار الرضا عليه السلام 1/ 21 ح 2 ب 4. ↑
- () ذيل تاريخ بغداد، لابن النجّار 4/ 109. ↑
- () أدب الإملاء والاستملاء: 137. ↑
- () الإتقان في علوم القرآن 4/ 9. ↑
- () أنظر: تأويل مشكل القرآن: 6 ـ 257. ↑
- () مجمع البيان 5/ 559 ومجمع البحرين: 133 مادة (لهب). ↑
- () الإتقان 4/ 9. ↑
- () الحدائق الناضرة 25/ 41. ↑
- () اللمعة الدمشقية وشرحها الروضة البهية 5/ 444، وانظر: الأذكار النواوية مع الفتوحات الربّانية 6/ 160. ↑
- () الكافي 6/ 19 ح 11، وفي المطبوع «خثيم» وهو تصحيف. ↑
- () الكافي 2/ 162، ح 16، وأورده في وسائل الشيعة 15/ 129 باب استحباب وضع الكنية والجعفريات: 189، وجامع الأحاديث، للرازي: 13. أنظر: بحار الأنوار 104/ 131. ↑
- () قواعد الأحكام ـ المطبوع مع إيضاح الفوائد ـ 3/ 258. ↑
- () كشف اللئام: الجزء الأول، القسم الثاني، ص 97. ↑
- () اللمعة الدمشقية وشرحها الروضة البهية 5/ 444، ومسالك الأفهام 1/ 461. ↑
- () الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 315. ↑
- () كشف اللئام 1 ق 2/ 97. ↑
- () الجَعْر: النجو. ↑
- () الوسائل 15/ 129 ب 27 ح 1، الكافي 2/ 87 وتهذيب الأحكام 2/ 236، ورواه الدولابي في الكنى 2/ 119 عن معمر بن خيثم، وليس فيه ذكر حديث علي عليه السلام، وفيه «مخافة اللقب» بدل «مخافة النبز»، وأضاف: أنا أكنّيك، أنت أبو محمد. ↑
- () الوسائل 15/ 129 ب 27 ح 2، عن الكافي.ورواه القمّي في جامع الأحاديث: 13 وفيه: «يتكنّى» بدل «يكنّى» وقد مرّ من مصادر أخرى. ↑
- () وسائل الشيعة 15/ 131، عن الكافي 4/ 87. ↑
- () بحار الأنوار: 1/ 225 ح 17. ↑
- () الوسائل 15/ 131، عن الكافي 4/ 87. ↑
- () المرصّع: 302، وقد مرّ في فصل «التفسير» أيضاً. ↑
- () الوسائل 15/ 131 والخصال للصدوق: 250، وقد مضى بحث حول التكنية بأبي القاسم. ↑
- () الوسائل 5/ 319 كتاب الصلاة، أبواب المساكن، الباب 14 ح 6664. ↑
- () الكنى والأسماء، للدولابي 1/ 74. ↑
- () قرب الإسناد، للحميري: 74. ↑
- () مسند الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: (ص 46) ح (20). ↑
- () بحار الأنوار 1/ 107. ↑
- () مقدّمة ابن الصلاح: 8 ـ 509. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 509. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 510. ↑
- () تأويل مشكل القرآن: 6 ـ 257، والرسالة للشافعي ـ تحقيق شاكر ـ : 89هـ 3. ↑
- () المجدي في الأنساب: 7، وانظر: الكشّاف للزمخشري 4/ 814. ↑
- () المقدمة، لابن الصلاح: 10 ـ 511. ↑
- () المرصع: 2 ـ 43، والمقدمة، لابن الصلاح: 513. ↑
- () المرصع: 48. ↑
- () الأربعون حديثاً، للبكري: 119. ↑
- () الأربعون حديثاً، للبكري: 119. ↑
- () المقدمة لابن الصلاح: 516. ↑
- () المقدمة لابن الصلاح: 518. ↑
- () الباعث الحثيث: 3 ـ 204. ↑
- () أدب الإملاء والاستملاء: 137. ↑
- () القواميس ـ قسم الدراية: الورقة 21 و22. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 4/ 108. ↑
- () مجمع الرجال 7/ 2 الهامش. ↑
- () من لا يحضره الفقيه 4 المشيخة 83. ↑
- () وسائل الشيعة 6/ 343 كتاب الخمس ـ أبواب ما يجب فيه الخمس ـ باب 3 حديث 5. ↑
- () مستند العروة الوثقى ـ كتاب الخمس ـ : 43. ↑
- () معجم رجال الحديث ـ الطبعة الأولى ـ 16/ 343. ↑
- () سرّ السلسلة العلوية: 8 ـ 49. ↑
- () عمدة الطالب: 1 ـ 242. ↑
- () تهذيب التهذيب 7/ 593. ↑
- () منتقلة الطالبية: 224. ↑
- () عمدة الطالب: 4 ـ 245، ومنتقلة الطالبية 311. ↑
- () رجال الطوسي: 386 و387 و390. ↑
- () رجال الطوسي: 387. ↑
- () هي نسخة المتحف البريطاني، ومصوّرتها عند السيّد الطباطبائي ـ بقم. ↑
- () معجم الرجال 5/ 268. ↑
- () معجم رجال الحديث 16/ 352. ↑
- () وله رواية في الكافي 6/ 503 ح 38 وقد روى هو عن الرضا عليه السلام وروى عنه موسى بن عبد الله. ↑
- () لاحظ ما كتبناه في ترجمة علي العريضي بعنوان «أبو الحسن العريضي» وقد طبع في مقدمة كتابه «المسائل». ↑
- () لسان الميزان 1/ 404. ↑
- () تقريب التهذيب 1/ 520 رقم 1324. ↑
- () تقريب التهذيب 2/ 499 رقم 7. ↑
- () رجال الطوسي: 233 رقم 162. ↑
- () تاريخ دمشق ـ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ـ 20 رقم 4، و26. ↑
- () معجم رجال الحديث 11/ 21 رقم 7291. ↑
- () معجم رجال الحديث 22/ 202 رقم 1505. ↑
- () معجم رجال الحديث 11/ 23. ↑
- () أسد الغابة: 3/ 70. ↑
- () جامع التحصيل: 203 رقم 316. ↑
- () المرصع: 40. ↑
- () شرح الكافية 2/ 139. ↑
- () لم تُضبط هذه الكلمة في المصدر، وقد ضبطتُها باعتبار أن تكرار الفعل يائيًّا لا معنى له إلا أن يكون الثاني بالتضعيف، ويُقرّبُه قوله: أكنيته، وهم إنما يذكرون المزيد بالألف بعد المزيد بالتضعيف، فلاحظ. ↑
- () لسان العرب 20/ 8 ـ 99 مادة (كنى). ↑
- () خزانة الأدب، للبغدادي 11/ 228. ↑
- () النحو الوافي 1/ 104هـ 1. ↑
- () شرح ابن عقيل 1/ 48 ـ 52 باختصار. ↑
- () لسان العرب 20/ 98 مادة (كنى). ↑
- () الأوائل، لابن قتيبة: 52. ↑
- () كذا في المصدر، وأظن أن المراد بها مدينة الحلّة، والغريب أن المحقق لم يورد اللفظة في فهرس البلدان والمواضع. ↑
- () علق المحقق للمصدر على هذه الكلمة: «كذا، ولم نهتد إلى تصويبها» أقول: أظن أنها مصحفة عن «خَرْمُحَنّى» أي حمار مخضّب بالحناء، فلاحظ. ↑
- () الهفوات النادرة: 45 ـ 47 الرقم 41. ↑
- () وفيات الأعيان 7/ 54 ط.. عباس. ↑
- () تاريخ بغداد: 14/ 194 ـ 195. ↑
- () تاريخ بغداد: 14/ 196، وانظر سفينة البحار 1/ 367. ↑
- () الديارات، للشابشتي: 85. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 367. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 368. ↑
- () شرح نهج البلاغة 19/ 371. ↑
- () تاريخ المدينة المسوّرة ـ أخبار المدينة، لابن شبّة ـ 2/ 752. وانظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 19/ 368. ↑
- () المرصع: 36. ↑
- () مقدمة ابن الصلاح: 508. ↑
- () الباعث الحثيث: 3 ـ 204. ↑
- () منطقة (سلمان باك) هي منطقة (المدائن) القديمة، ولا تزال قائمة فيها بقايا من إيوان كسرى وتبعد عن بغداد جنوباً عشرين ميلاً، وفيها دفن سلمان الفارسي وإليه ينسب اسمها. ↑
- () هو القائد الألماني الذي عهد إليه بالقيادة العامة للجيوش التركية في العراق. ↑
- () يذكر الإصطخري في المسالك والممالك: أن «الحيرة …. على طرف البادية مما يلي الغرب ويحيط بها مما يلي المشرق النخيل والأنهار والزروع … بينها وبين الكوفة نحو فرسخ». ↑
- () الطبري: حوادث سنة 14هـ. ↑
- () اليعقوبي: البلدان ص 322. ↑
- () ياقوت: معجم البلدان ج 7، ص 297. ↑
- () الطبري: المجلد الأول ص 2679. ↑
- () ياقوت: معجم البلدان ج 7، ص 279. ↑
- () ابن الفقيه: البلدان ص 173. ↑
- () الطبري: حوادث سنة 14هـ. ↑
- () ماسينيون: خطط الكوفة ص 12 فما بعدها. ↑
- () أنباء الرواة: 4، ص 4. ↑
- () معجم الأدباء: ج 14، ص 42. ↑
- () أبو حيان التوحيدي، البصائر والزخائر: ج 1، ص 175 (بغداد 1954). ↑
- () الأماني: ج 1، ص 148. ↑
- () الطبقات الكبرى: ج 2، ص 266. ↑
- () رجال النجاشي: ص 39 ـ 40. ↑
- () ماسينيون، خطط الكوفة: ص 13. ↑
- () يقول حسن الأمين: من الظلم ما يوجه إلى أهل الكوفة من (اللوم). وإذا كان الكاتب قد تلطف فاقتصر على (اللوم) فإن غيره يقذعون في أوصافهم للكوفيين. والحقيقة أن الأقدار كانت أقوى من الكوفيين، والأقدار لا تغالب. وليس المجال هنا مجال تفصيل. ↑
- () إن أول المجتمعات العلمية وأول جماعة من العلماء الشيعة ظهرت في مدينة الكوفة. إن هذه الظاهرة بدأت عندما كانت الكوفة أول مدينة أقام فيها الشيعة بصورة واسعة. إن كبار المتكلمين الشيعة في القرن الثاني الهجري أمثال أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان البجلي المعروف بـ مؤمن الطاق وأبو محمد هشام بن الحكم الشيباني وأبو الحكم هشام بن سالم الجواليقي وأبو الحسن علي بن ميثم التمار قد ترعرعوا في مدينة الكوفة وفي القرن نفسه نهض من هذه المدينة أو عاش فيها فقهاء ومحدثون من الطراز الأول أمثال زرارة بن أعين وأيوب بن نوح بن درّاج النخعي وحسن بن علي الوشا وحسن بن محبوب السرذاد البجلي وإبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي وأحمد بن محمد بن خالد البرقي وأحمد بن محمد المعروف بـ ابن عُقدة.وقد اشتهر في قراءة القرآن والتفسير في هذا العهد في هذه المدينة كلّ من أبان بن تغلب الجريري وزرارة بن أعين وسليمان بن خالد وعبد الله بن أبي يعفور.
وفي التاريخ والسيرة والأنساب اشتهر كل من إبان بن عثمان البجلي ولوط بن يحيى المعروف بـ (أبو مِخنف) ونصر بن مزاحم المِنقري وإبراهيم بن محمد الثقفي وهشام بن محمد بن السائب الكلبي وهم من أشهر علماء التاريخ والأنساب في العصر الأول وقد نهضوا من الكوفة أما أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف العربي الكبير الذي يعتبر أول فيلسوف إسلامي وجابر بن حيان من أكبر علماء الكيمياء في جميع العصور الإسلامية فقد نهضا من هذه المدينة أو عاشوا فيها.
وبهذا فإن أول مراحل نمو التشيّع والعلوم والثقافة والمعارف الشيعية كان في مدينة الكوفة ومن المحتمل جداً أن أول مدينة تأثرت بنفوذ الشيعة الناهضة من الكوفة هي مدينة قم وأن العلماء والمجتمعات العلمية التي ازدادت وازدهرت فيما بعد في مدينة قم مدينة لمدينة الكوفة.
إن المدن التي تأثرت بالشيعة فيما بعد هي أولا مدينة الري وبعدها مدينة بغداد ومن بين العلماء الذين جاءت أسماؤهم في أمهات كتب الرجال القدماء فإن أكثر الأعداد خاصة بعلماء مدينة الكوفة، أمّا البصريون فهم أقل من 1/6 من الكوفيين وعلماء مدينة قم حوالي 1/ 4 وأخيراً العلماء الشيعة في بغداد 1/ 12 من الكوفيين. ففي مثل هذه المصادر والمآخذ نواجه مثل هذه العبارات «أصله الكوفة وسكن بغداد» و«كوفي نشأ ببغداد» و«كوفي الأصل» و«سكن بغداد» و«كوفي صيرفي انتقل إلى قم وسكنها» و«إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم» و«كوفي مات بقم» و«الكوفي ساكن الري» وأمثال ذلك. إذاً فإن بغداد والكرخ مدينتان في تكوين المحيط العلمي في المرحلة الأولى إلى الكوفة وفي المراحل التالية يأتي دور قم والري، فالصدوق وابن قولويه من مدينة قم والكليني من مدينة الري وهشام بن الحكم والكندي ويحتمل جابر بن حيان توجهوا من الكوفة إلى بغداد. ↑
- () كلمة فارسية، مفردها سرافسار، ومعناها اللجام. ↑
- () كانت منطقة الشيعة تشمل ناحية الهرمل الواسعة بكاملها، وقسماً من أعالي جبال كسروان وبعض قُرى الساحل المعروفة اليوم بالضاحية الجنوبية. ↑
- () يقول كاتب في عدد 8/9/1995 من «النهار»: إن الجنرال غورو عندما وقف في قصر الصنوبر وأعلن إنشاء دولة لبنان الكبير، كان البطريرك إلياس الحويك يقف إلى يمينه والمفتي الشيخ مصطفى نجا إلى شماله. ويروي الكاتب أن وقوف البطريرك والمفتي إلى يمين الجنرال غورو وشماله كان يعني يومئذٍ قيام لبنان الكبير على ركيزتين قويتين هما: المسيحية والإسلام على حد سواء (انتهى).ونقول: إن الثلاثة لم يكونوا واقفين، بل كانوا جالسين: الجنرال غورو جالس في الوسط، والبطريرك جالس عن يمينه، والمفتي جالس عن شماله.
وتأكيدنا على هذا لنشير إلى أنهم لو كانوا واقفين لما ظل ثابتاً موقع كل من البطريرك والمفتي، هذا إلى اليمين وهذا إلى الشمال، فالواقفون يتحركون فتتبدل مواقعهم، والجنرال غورو لا يريد هذا التبدل، بل يريد أن يظل الوضع كما فرضه.
ونحن نرى عكس ما رأى الكاتب من أن هذا الذي فعله الجنرال غورو كان يُراد به الخير للبنان.
نحن نرى أن هذا كان مفتاح البلاء اللبناني، وهو الذي أرسى الانقسام الطائفي الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم. إنه لم يقرر أن في لبنان شعباً واحداً، ينقسم إذا انقسم سياسياً، كما تنقسم كل الشعوب، بل قرر أن في لبنان فريقين لا يلتقيان وطنياً، بل يفترقان دينياً، وأن وجهي هذين الفريقين اللذين يتمثلان بهما هما رجل هذا الدين، ورجل ذاك الدين.
وعلى أساس هذا التقسيم الديني أقام الجنرال غورو لبنان، فكانت المحنة الدائمة.
ثم زاد في البلاء أن أجلس البطريرك عن يمينه والمفتي عن شماله، فاستشعر فريق الغبن واستشعر فريق التفوق، فكان ذلك علة العلل.
إن إعلان لبنان الكبير على أساس انقسام ديني، لا على أساس امتزاج وطني، وإبراز رجلي الدين ممثلين لهذا الانقسام، هو الذي فتح الباب لرجال الدين للدخول في السياسة واستغلالها والانغماس فيها أسوأ انغماس، ما رسخ الانقسام الديني والتمزق الطائفي. ↑
- () لغت نامه: كتاب اللغة، ودهخدا: اسم مؤلفه. ↑
- () في أَوَدْ قام حكم شيعي عاصمته (لكنو). راجع: أَوَدْ. ↑
- () كمال حدّاد، المياه اللبنانية والخطر الإسرائيلي، جريدة الاتحاد، عدد 6254. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () أديب الجدع، الإنماء المائي ـ الزراعي المتكامل لحوض نهر الحاصباني، دراسة قدمت في ندوة عن المياه في جمعية خريجي الجامعة الأميركية في 11/12/1993. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () كمال حمّاد، مشروع «قناة البحرين» الإسرائيلية والقانون الدولي، جريدة البيان، عدد 4254. ↑
- () كمال خير، نهر الليطاني: دراسة جيولوجية وهيدرولوجية دراسة قدّمت في ندوة عن المياه في جمعية خريجي الجامعة الأميركية في 11/12/1993. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () Principles of Public International Law-J. Brownlie. (Oxford – 1073), P. 394. ↑
- () محمد المجذوب، محاضرات في القانون الدولي العام، بيروت، 1978، ص 148. ↑
- () بسام جابر، المياه المتاحة في لبنان، دراسة قدمت في ندوة عن المياه. ↑
- () النتبخة (Evapotranspiration) كلمة مركبة من النتح أو التبخر الفيزيولوجي من خلال النباتات والكائنات الحية، إضافة إلى التبخر الفيزيائي المتأثر بالحرارة والرياح ودرجة رطوبة الجو. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () زياد الحجار، حاجات لبنان من المياه، ري شفة، صناعة. دراسة قدمت في ندوة عن المياه …. ↑
- () الشاهسون: اسم القوات التي أسسها الشاه عباس الكبير وهي خاصة بشخص الشاه. ويطلق هذا الاسم في الوقت الحاضر على إحدى القبائل الإيرانية الكبرى التي تقطن حدود تبريز وأردبيل وقزوين. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، مقدمة الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، النجف 1398هـ، ص 27. ↑
- () باقر شريف القرشي، حياة الإمام الباقر عليه السلام، دراسة وتحليل، النجف 1977م، ص 139. ↑
- () الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 2، ص 427. ↑
- () أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، بيروت، 1971م، ج 5، ص 49. ↑
- () علي الفاضل النائيني، علم الأصول تاريخاً وتطوراً، قم 1405هـ، ص 78. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 33. ↑
- () محمد طراد، مجلة نور الإسلام، العددان: 31، و32، ص 41. ↑
- () آغا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت 1983، ج 2، ص 70 ـ 125. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 35. ↑
- () د. عبد الله فياض، تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، بيروت، 1975، ص 59. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق نفسه، ص 45. ↑
- () الكتب الأربعة هي: الكتابان المذكوران في المتن، و«تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» للشيخ الطوسي. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 49 ـ 50. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 55. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 55. ↑
- () محمد مهدي الآصفي، المصدر السابق، ص 57 و60. ↑
- () علي الفاضل النائيني، المصدر السابق، ص 98 ـ 99. ↑
- () أعيان الشيعة، بيروت 1983م، ج 90، ص 159. ↑
- () محمد صادق بحر العلوم ـ مقدمة رجال الطوسي، النجف 1961م، ص 160. ↑
- () المصدر السابق، ص 160. ↑
- () المصدر السابق، ج 90، ص 416. ↑
- () المصدر السابق، ج 5، ص 399. ↑
- () د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الأول، ص 60 ـ 61. ↑
- () الطبرسي، الاحتجاج، بيروت 1981م، ج 2، ص 458. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () محسن الأمين، المصدر السابق، ج 4، ص 215. ↑
- () علي الفاضل النائيني، علم الأصول تاريخاً وتطوراً، ص 192. ↑
- () عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، بيروت 1973م، ص 86. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، بيروت 1978م، ص 149. ↑
- () عباس محمد كاظم، ثورة الخامس عشر من شعبان (ثورة العشرين)، بيروت 1984م، ص 105. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص 286. ↑
- () مجلة النجف العدد 9، ص 129. ↑
- () إننا لنأخذ هنا ما كتبه المفكر العربي منح الصلح في مجلة الديار البيروتية عن بعض ما كان في بلاد الشام:«والنموذج الثاني بين رجال الدين على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام: هو المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذين كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى. فهو على الصعيد الديني لم يقل أثراً وسعة أفق عن محمد عبده، وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين، وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سورية سنة 1936 الإضراب الخمسيني الشهير».
هذا الإضراب كان عصياناً مدنياً على الإفرنسيين. ↑
- () المبادئ القانونية العامة، 254. ↑
- () د. السنهوري، الوسيط 1/ 103. ↑
- () السيد المازندراني، تاريخ النقود الإسلامية، د، ص 33. ↑
- () د. قريضة، والبنوك، 1404هـ، ص 20 ـ 21. ↑
- () د. شامية، النقود والمصارف ط 18، و19. ↑
- () د. الشمري النقود والمصارف 1408هـ ص 32 ـ 34. ↑
- () الشمري، النقود والمصارف ص 22. ↑
- () ن. م 42. ↑
- () ن. م 43. ↑
- () م. ن 43 ـ 44. ↑
- () ن. م 44 ـ 45. ↑
- () قريضة، النقود والبنوك، ص 28 ـ 29. ↑
- () الوسيط ج 6، ق 1، ص 46. ↑
- () د. عزمي رجب، ص 23. ↑
- () المدخل الفقهي العام 3/ 168 و169 و171. ↑
- () الإمام الخميني، كتاب البيع 1/ 21. ↑
- () صابر الترمذي المنسوب إلى مدينة ترمذ على الضفة الشمالية لنهر جيحون الشاعر الكبير في القرن السادس الهجري، له قصائد كثيرة يمدح فيها الصدر الأجل تاج المعالي السيد مجد الدين أبو القاسم علي بن جعفر الموسوي العلوي النسب رئيس خراسان موجودة في ديوانه. إن القصائد الموجودة في ديوان أديب صابر الترمذي في مدح هذا السيد العلوي النسب هي أكثر من القصائد التي أنشدها في مدح السلطان سنجر. ونستنتج من قصائد أديب صابر أن شخصية رئيس العلويين في خراسان كانت تساوي شخصية سنجر وربما تفوق شخصية سنجر في بعض الحالات. ومن الشعراء الآخرين في تلك الأيام وهم أنوري ومعزّي ومسعود سعد أنشدوا آنذاك قصائد في مدح هذه الأسرة وأن هذه القصائد خير دليل على مكانة العلويين وأنصار الشيعة ودرجة احترام الناس لهم وتكريمهم. ↑
- () د. عفاف زيدان. ↑
- () Histoire Generale des Religions, Librarie Aristide Quiller, Paris 1984, T. 1, P. 256. ↑
- () Ibid. P. 401. ↑
- () ول ديورانت ـ قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، مجلد 4، ص 280 و281. ↑
- () الكتاب المقدس ط. جمعية الكتاب المقدس، بيروت 1962، الخروج 20/ 2 ـ 5. ↑
- () صحيح البخاري: آحاد، صحيح مسلم: إمارة 39. ↑
- () علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، دار الرشاد الحديثة م 1، ج 2، ص 178. ↑
- () المرجع نفسه، م 2، ج 7، ص 217 و218. ↑
- () السيوطي تاريخ الخلفاء، المكتبة الإسلامية، بيروت ص 69. ↑
- () راجع ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، دار الأضواء، 1990، ص 111. ↑
- () صحيح البخاري، جهاد 103، مسند أحمد، 2/ 261، 263. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 1، ج 2، ص 216. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 17، ص 159، راجع كذلك الكامل للمبرّد، ج 2، ص 156. ↑
- () نهج السعادة، مؤسسة التضامن الفكري ط 1، 1968، م 2، ص 342 و343. ↑
- () أبو يوسف الخراج، طبعة مؤسسة النصر، بيروت ص 16. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 370 و371. ↑
- () الكليني، فروع الكافي، دار الأضواء، بيروت 33، ص 540. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 4، ج 17، ص 115. ↑
- () راجع حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، مكتبة النهضة، القاهرة، ط 13، 1991م، ج 1، ص 378. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ ص 118. ↑
- () وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي، ط 5، 1983م، م 6، ج 3، ص 216. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 359. ↑
- () المرجع نفسه، م 2، ج 10، ص 514. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 514. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 485. ↑
- () مستدرك وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط 2، ص 1980، م 18، ص 25. ↑
- () المرجع نفسه، م 17، ص 347. ↑
- () الدينوري، الأخبار الطوال، دار الفكر الحديث، بيروت 1988، ص 130. ↑
- () صحيح البخاري، ديات 22. ↑
- () سنن أبي داود، ملاحم 17، سنن الترمذي، فتن 8. ↑
- () مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 18، ص 273. ↑
- () الوسائل، مصدر سابق، م 16، ص 111. ↑
- () المرجع نفسه، م 13، ص 431. ↑
- () المرجع نفسه، م 18، ص 165. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ح 12، ص 109. ↑
- () نفس المرجع. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 1، ص 176. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 12، ص 109. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، ص 215. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، ح 2، ج 8، ص 315. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 12، ص 96. ↑
- () المرجع نفسه، ص 118 و119. ↑
- () المرجع نفسه، ص 123 و124. ↑
- () المرجع نفسه، م 1، ج 2، ص 181. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 12، ص 101 و102. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 17، ص 110. ↑
- () سنن أبي داود، الحدود 4890. ↑
- () المرجع نفسه، ح 4889. ↑
- () راجع، نهج البلاغة، مذكور أعلاه م 3، ج 15، ص 413. ↑
- () مستدرك الوسائل، مصدر سابق، م 11، ص 4. ↑
- () نهج البلاغة، مصدر سابق، م 4، ج 17، ص 122. ↑
- () المرجع نفسه، م 3، ج 2، ص 96. ↑
- () الكليني، فروع الكافي، مصدر سابق، م 7، كتاب الحرص 188. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 339. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 12، ص 96. ↑
- () المرجع نفسه، م 4، ج 19، ص 393. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5. ↑
- () نهج البلاغة، م 4، ج 17، ص 140 و141. ↑
- () اليعقوبي، التاريخ، دار صادر بيروت، ج 2، ص 19، وشرح النهج، مصدر سابق، م 4، ج 6، ص 16. ↑
- () ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3، 1987، م 4، ص 171. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، المكتبة الإسلامية، م 3، ص 43. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، المكتبة الإسلامية، م 3، ص 43. ↑
- () ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مصدر سابق، ص 46. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 2، ص 260 و261. ↑
- () الطبري، التاريخ، مؤسسة الأعلمي، بيروت، بدون تاريخ، م 2، ص 188، وما بعدها. ↑
- () ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، ج 9، ص 364 و365. ↑
- () صحيح البخاري، مناقب الأنصار، وصحيح مسلم إمارة 45 و48. ↑
- () صحيح البخاري، شربة 28، صحيح مسلم لباس 1. ↑
- () د. حسن عدوان، الوليد بن يزيد، دار الجيل، بيروت، 1981، ص 168. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 11، ص 15 و16. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 5، ص 308. ↑
- () محمد ماهر حمادي، الوثائق السياسية الإدارية للعصر الأموي. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 4 و178، والسيوطي، تاريخ الخلفاء، مذكور أعلاه ص 215. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، م 3، ص 166، والسيوطي، مصدر سابق، ص 523. ↑
- () السيوطي، مصدر سابق، ص 250 و251. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج 15، ص 470. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () الطبري، مصدر سابق، م 4، ص 249. ↑
- () ابن عبد ربه، مصدر سابق، م 5، ص 119. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، م 3، ص 170، والسيوطي مصدر سابق، ص 220. ↑
- () المسعودي، مصدر سابق، ص 226 و227. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 3، ج 15، ص 468. ↑
- () ابن قتيبة، مصدر سابق، ص 217 ـ 223. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 162. ↑
- () نهج السعادة، مصدر سابق، م 2، ص 148. ↑
- () المرجع نفسه، ص 143. ↑
- () شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، م 1، ج 5، ص 463، نقلاً عن «الموفقيات» للزبير بن بكار وهو غير متهم بالعدوان لمعاوية بل بالانحراف عن علي عليه السلام. ↑
- () الخوانساري: روضات الجنات، ج 5، ص 381، قم طبعة إسماعيليان 392هـ. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: الذريعة، ج 30، ص 130، بيروت، دار الأضواء. ↑
- () كانت تقع يومذاك منتصف طريق الكوفة ـ مكة. ↑
- () تاج العروس ـ مادة عق مط الخيرية. ↑
- () معجم البلدان مادة (العقيق) ـ مط صادر ودار بيروت. ↑
- () آثار المدينة المنورة لعبد القدوس الأنصاري، ص 170. ↑
- () كانت إمارة المدينة المنورة للحسينيين كما كانت إمارة مكة للحسنيين، لكن أمراء مكة تظاهروا بالتسنن فدام ملكهم إلى زماننا هذا فكان آخرهم الملك حسين وابنه علي، وأمراء المدينة المنورة تظاهروا بالتشيع فزال ملكهم للعصبية. ولم يذكر المؤرخون من أحوال أمراء المدينة إلا نتفاً يسيرة وربما كان للعصبية مدخل في ذلك. ولم يذكرهم صاحب مجالس المؤمنين مع ذكره لكثير ممن هم دونهم.وفي صبح الأعشى: وأمرتها ـ أي المدينة ـ الان سنة 799 متداولة بين بني عطية وبين بني جماز وهم جميعاً على مذهب الإمامية. ويفهم من صبح الأعشى أن أول من ولي إمرة المدينة مستقلاً بها طاهر أبو الحسين بن محمد الملقب بمسلم بن طاهر بن الحسن بن أبي القاسم طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر حجة الله ابن أبي جعفر عبد الله بن الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين ابن الحسين السبط ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 18. ↑
- () الخطيب البغدادي. تاريخ بغداد أو مدينة الإسلام منذ تأسيسها حتى سنة 463هـ، بيروت: دار الكتب العلمية، ج 1: ص 174 ـ 175. ↑
- () أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، 1975م، ص 173 ـ 174، 202 ـ 203. ↑
- () بصائر الدرجات، ص 118. ↑
- () ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق.تحقيق: محمد باقر المحمودي. قم: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، 1414هـ، ص 210 ـ 211. ↑
- () علي بن عيسى الإربلي. كشف الغمة في معرفة الأئمة. تعليق: هاشم الرسولي. بيروت، دار الكتاب الإسلامي، ج 2، ص 169. ↑
- () الهزيلي: نسبة إلى الهزل مقابل الجد. وهي إشارة إلى أن حلقة الإمام الحسين ليس فيها عبث وشعوذة وإنما كل ما فيها حق وصواب. ↑
- () ترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق، ص 12. ↑
- () ابن سعد، الطبقات الكبرى. بيروت، دار صادر، ج 5، ص 214. ↑
- () المَزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال تحقيق: د. بشار عوّاد معروف. بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413هـ، ج 20، ص 386. ↑
- () المصدر السابق، ص 389. ↑
- () ابن خلكان. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق: د. إحسان عباس. قم، منشورات الرضي، مج 3، ص 269. ↑
- () الطبقات الكبرى، ج 5، ص 217. ↑
- () اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي. تصحيح: حسن المصطفوي. مشهد، جامعة مشهد، 1348ش، ص 117. ↑
- () المصدر السابق، ص 117. ↑
- () المصدر السابق، ص 115. ↑
- () تهذيب الكمال، ج 10، ص 364. ↑
- () الطبقات الكبرى، ج 6، ص 258. ↑
- () تهذيب الكمال، ج 10، ص 364. ↑
- () رجال الكشي، ص 119. ↑
- () شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مأمون الصاغرجي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1412هـ، ص 4، ص 402. ↑
- () المصدر السابق، ص 402. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد. تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1413هـ، ج 2، ص 163. ↑
- () المصدر السابق، ص 163، 167. ↑
- () فروع الكافي، ج 6، ص 256. ↑
- () رجال الكشي، ص 219. ↑
- () محمد باقر المجلسي: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ، ج 46، ص 355. ↑
- () المصدر السابق، ص 354 ـ 355. ↑
- () رجال النجاشي، ص 10 ـ 12. ↑
- () بحار الأنوار. ج 46، ص 289. ↑
- () رجال الكشي، ص 163. ↑
- () المصدر السابق، ص 167. ↑
- () المصدر السابق، ص 192 ـ 193. ↑
- () الشيخ محمد بن الحسن الطوسي. رجال الطوسي. قم، منشورات الرضي، ص 102 ـ 142. ↑
- () الشيخ المفيد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ص 179، 186. ↑
- () ابن شهر آشوب. مناقب آل أبي طالب. تصحيح: هاشم الرسولي المحلاتي. قم، انتشارات علامة، ج 4، ص 255. ↑
- () الشهرستاني. كتاب الملل والنحل. تخريج: محمد بن فتح الله بدران. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ج 1، ص 147. ↑
- () المسعودي، علي بن الحسين. إثبات الوصية، بيروت، دار الأضواء، 1409هـ، ص 196. ↑
- () الطبرسي. الاحتجاج، ص 210. ↑
- () رجال الكشي، ص 161. ↑
- () العلامة الحلي، رجال العلامة الحلي. تحقيق: السيد محمد صادق بحر العلوم. النجف: المطبعة الحيدرية، 1961م، ص 119. ↑
- () الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 205. ↑
- () رجال الكشي، ص 185 ـ 186. ↑
- () رجال الكشي، ص 369. ↑
- () رجال الكشي، ص 184. ↑
- () المصدر السابق، ص 335. ↑
- () الشيخ الطوسي، الأمالي. تحقيق: مؤسسة البعثة. قم، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1414هـ، ص 303. ↑
- () الشيخ الصدوق، معاني الأخبار. تصحيح: علي أكبر الغفاري. قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، 1361هـ، ص 1 ـ 2. ↑
- () السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث. (د. م): ط 5، 1413هـ، ج 20، ص 326 ـ 327. ↑
- () بحار الأنوار، ج 12، ص 278، (طبعة الكمباني). ↑
- () رجال الكشي، ص 454. ↑
- () الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا. تصحيح: السيد مهدي الحسيني اللاجوردي. قم، 1363ش، ص 30. ↑
- () رجال الطوسي، ص 342 ـ 366. ↑
- () رجال النجاشي، ص 365. ↑
- () المصدر السابق، ص 364. ↑
- () المصدر السابق، ص 256. ↑
- () المصدر السابق، ص 45. ↑
- () المصدر السابق، ص 252. ↑
- () المصدر السابق، ص 371. ↑
- () المصدر السابق، ص 227. ↑
- () المصدر السابق، ص 273. ↑
- () المصدر السابق، ص 408. ↑
- () المصدر السابق، ص 272 ـ 273. ↑
- () المصدر السابق، ص 370. ↑
- () المصدر السابق، ص 369. ↑
- () المصدر السابق، ص 367. ↑
- () الشيخ الطوسي، الفهرست، ص 181. ↑
- () المصدر السابق، ص 83. ↑
- () رجال الكشي، ص 449. ↑
- () ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب. ج 4، ص 316 ـ 317. ↑
- () الصدوق، عيون أخبار الرضا. ج 1، ص 93. ↑
- () الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى. تصحيح: علي أكبر الغفاري، بيروت، دار المعرفة، 1979، ص 313. ↑
- () المصدر السابق، ص 315. ↑
- () الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 307. ↑
- () رجال الكشي، ص 483. ↑
- () رجال العلامة الحلي، ص 75. ↑
- () الشيخ الطوسي، كتاب الغيبة. تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح. قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1411هـ، ص 73. ↑
- () أصول الكافي، ج 1، ص 322. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد. ج 2، ص 281. ↑
- () المصدر السابق، ج 2، ص 282. ↑
- () المصدر السابق، ص 289. ↑
- () الشيخ المفيد، الإرشاد. ج 2، ص 312. ↑
- () الحسن بن علي بن شعبة الحراني، تُحف العقول عن آل الرسول. تصحيح: علي أكبر الغفاري. قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، 1404هـ، ص 458 ـ 475. ↑
- () رجال الكشي، ص 484 ـ 485. ↑
- () رجال الطوسي، ص 409 ـ 427. ↑
- () حول هذه الكتب، والمؤلفات المنسوبة للأئمة عليهم السلام، راجع كتاب: تدوين السُّنة الشريفة، ص 52 ـ 78، وص 134 ـ 187، للمحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي. ↑
- () معجم الألقاب. ↑
- () الوافي بالوفيات. ↑
- () معجم الألقاب. ↑
- () تاريخ علم الفلك/ 156. ↑
- () أحوال وآثار/ 132. ↑
- () المرجعية تُنسب إلى المرجع الديني، و«هو الإنسان الذي اكتسب، من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد استيعاباً حياً وشاملاً ومتحركاً للإسلام ومصادره وورعاً معمقاً يروض نفسه عليه ويصبح قوة تتحكم في كل وجوده وسلوكه، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات ليكون شهيداً عليه».بهذا التعريف الموجز الشامل يظهر لنا بأن المرجع الديني هو شخص معين تعييناً نوعياً لا شخصياً، أي بمعنى أن كل من توافر فيه الصفات المتقدمة في التعريف المار ذكره فمن حق الأمة أن تتخذه مرجعاً لها، أما كيف يمكن تعيين ذلك المرجع، فأمر متروك إلى وعي الأمة وأهل العلم والخبرة والمعرفة. تصبح المرجعية «مقاماً يمكن اكتسابه بالعمل الجاد والمخلص لله سبحانه …».
أما مصطلح التقليد فمعناه أخذ الأحكام الشرعية من المجتهد للعمل بموجبها، وسمي تقليداً لأنه «يجب على كل مكلّف لم يبلغ رتبة الاجتهاد، أن يكون في جميع عباداته ومعاملاته وسائر أفعاله وتروكه، مقلداً أو محتاطاً، إلاَّ أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، وكثير من المستحبات والمباحات».
ويتم التقليد في الفروع فقط حيث لا يجوز التقليد في أصول الدين كما لا يجوز التقليد في الضروريات من الأحكام، كوجوب الصلاة والحج، لأنها ثابتة في الشرع ولا تحتاج إلى اجتهاد.
ويضع الفكر الشيعي أهمية فائقة للعلماء المجتهدين ويعطيهم دوراً أساسياً في قيادة المجتمع. ويعود ذلك إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الذي أولى العلم والعلماء تلك الأهمية الفائقة التي ظهرت في فتح باب الإجتهاد الذي جعل عملية الإبداع عملية حيوية ومستمرة. لذلك يصبح الاجتهاد من الناحية السوسيولوجية عاملاً من أهم العوامل التي لعبت دوراً ريادياً في التطور الفكري والفلسفي، والذي هيأ أرضية خصبة ومجالاً حيوياً لحركة الفكر والإبداع وتطور الدراسات والبحوث الفلسفية والكلامية والفقهية.
وبحسب الشيخ أبو زهرة فإن الشيعة هم أول من فتح باب الاجتهاد لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والفقهية المستجدة دوماً، وكذلك اتساع صدور مجتهدي الشيعة للمسائل الفقهية، ما دام كل مجتهد منهم يلتزم بمنهج معين ويهدف إلى غاية لا هوى فيها، إلى جانب تحرّر مجتهديهم من أي ارتباط بالدولة ومؤسساتها، والذي يعود، إلى أن جامعة النجف وجميع المدارس الفقهية الأخرى، تعتمد في مصاريفها على الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة التي يدفعها المسلمون إلى المرجعية الدينية وكذلك التبرعات والهبات وإيجارات الأوقاف الإسلامية. وليس لجامعة النجف والمدارس الفقهية الأخرى أي مورد مالي من الحكومة العراقية ولا من وزارة الأوقاف العراقية، وهذا ما يوفر لها حرية الفكر والعمل واستقلالية القرار العلمي. ↑
- () محمد بن أيوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963) 1/ 12 ـ 14. وانظر أيضاً: Abdulaziz Sachedina, Islamic Missionism (1981), PP. 30 – 35. ↑
- () عبد الجليل قزوين: كتاب النقض (طهران، 1952) ص 12، 256، 304، 492. ↑
- () مطهري: «اجتهاد در إسلام» مرجعيت وروحانيت (طهران، 1962) ص 42. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تهذيب الوصول إلى علم الأصول (طهران، 1890). ↑
- () أبو القاسم كُرجي «نكاهي بي تحولات علم أصول»، مجلة دانشكاده أدبيات (طهران، 1973)، ص 39. ↑
- () ابن المطهر الحلي: الألفين (النجف، 1969) ص 9، 40، 82، 285، 290. ↑
- () الشيخ حسن العاملي: معالم الأصول (طهران، 1959) ص 416. ↑
- () آغا باقر بهبهاني: رسالة الاجتهاد والأخبار (1895) ص 1 ـ 20. ↑
- () المصدر نفسه، ص 16. ↑
- () قارن ابن المطهر الحلي: كشف المراد (دون تاريخ للطبع) ص 240، ونصير الدين الطوسي: تلخيص المحصل (طهران، 1980) ص 206، وفاضل مقداد سيوري: كتاب النافي في شرح الباب الحادي عشر (طهران 7/ 1979) ص 66. ↑
- () نور الله شوشتري: إحقاق الحق (بدون تاريخ للطبع) 21/ 319. ↑
- () النراقي: مناهج الأحكام 1891، ص 275 ـ 277. ↑
- () حسن العاملي: معالم الأصول (نهران، 1959)، ص 435. ↑
- () مرتضى الأنصاري: زندكي شيخ أنصاري (الأهواز، 1960) ص (72 ـ 75). ↑
- () الشيخ مرتضى الأنصاري: الاجتهاد والتقليد (مصر) ص 35. ↑
- () محمد كاظم الطبطبائي اليزدي: العروة الوثقى (طهران، بدون تاريخ) ص 4. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () العاملي: معالم الأصول، ص 425 ـ 443. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام (قم، 1903) ص 185 ـ 205. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تذكرة الفقهاء (طهران، 1955) 1/ 255 ـ 453. ↑
- () الشهيد الثاني: شرح اللمعة (طهران، 1929) 1/ 255 ـ 453. ↑
- () محمد باقر البهبهاني: رسالة الاخبار والاجتهاد، ص 9. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام، ص 185. ↑
- () المصدر نفسه، ص 187، 188. ↑
- () المصدر نفسه، ص 186. ↑
- () محمد بن يعقوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963) 1/ 113. ↑
- () ابن بابويه الصدوق: إكمال الدين وإتمام النعمة (طهران، 1960) 2/ 160 ـ 161. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام: ص 188. ↑
- () الشيخ مرتضى الأنصاري: المكاسب (تبريز، 1955) ص 153ـ 155. ↑
- () النراقي، عوائد الأيام: ص 188. ↑
- () الطباطبائي اليزدي: العروة الوثقى؛ ص 5. ↑
- () من الأمثلة على ذلك فتوى الميرزا حسن الشيرازي (1312هـ/ 1894م) في تحريم التبلغ، وميرزا حسن تقي الشيرازي (1338هـ/ 1919م) في الجهاد ضد الانتداب البريطاني على العراق، قارن بعلي دواني: نهضة روحانيون إيران (طهران، 1979) 1، 2. ↑
- () كان اعتقاد بحر العلوم في الشيخ حسين نجف كبيراً إلى أبعد الحدود، ومن ثم كان يصلي خلفه في صلاة الجماعة التي يؤمّها في المسجد الهندي، ويأتمّ به أيضاً الشيخ جعفر الكبير والشريف محيي الدين وأكثر علماء النجف، وكان بحر العلوم يتمنى أن يصلي الشيخ حسين نجف على جنازته. ↑
- () كذلك ينقل أن أول من استخدم المنبر في التدريس كما يفعل الخطباء في خطبهم هو شريف العلماء. وقد اشترى له المنبر الشيخ الأنصاري. ↑
- () كان الشيخ المفيد موضع احترام وثقة الدولة (البويهية) الإيرانية المعروفة والشيخ كما نعرفه من أسرة عربية عراقية معروفة من (عكبرا)، كما أن الشهيد الأول محمد بن مكي كان موضع ثقة واعتماد الدولة (السربدارية) الفارسية السبزوارية، وهو فقيه عربي من لبنان (جبل عامل). ↑
- () الرحبة: جمعها رحاب، والرحاب في الأصل: مواضع في الأودية متواطئة ليستنقع الماء فيها وما حولها مشرف عليها، وهي أسرع الأرض نباتاً، تكون عند منتهى الوادي في وسطه وتكون في المكان المشرف ليستنقع الماء فيها، وإذا كانت في الأرض المستوية نزلها الناس، وإذا كانت في بطن المسيل لم ينزلها الناس وإذا كانت في بطن الوادي فهي حفرة غير عميقة تمسك الماء ونزل الناس من ناحية منها.وقد غلب اسم الرحبة على أكثر من بلدة. والمقصود هنا رحبة مالك بن طوق، وبينها وبين دمشق ثمانية أيام ومن حلب خمسة أيام وإلى بغداد مائة فرسخ وإلى الرقة نيف وعشرون فرسخاً ـ على ما يقول ياقوت الحموي ـ وهي بين الرقة وبغداد.
وينسب إلى الرحبة هذه جماعة. وكان أسد الدين شيركوه ولّى الرحبة يوسف بن الملاح الحلبي وآخر معه من بعض القرى فكتب إليه يحيى بن النقاش الرحبي:
كم لك في الرحبة من لائم
يا أسد الدين ومن لاح
دمرتها من حيث دبرتها
برأي فلاح وملاح
وله فيه:
يا أسد الدين اغتنم أجرنا
وخلص الرحبة من يوسف
تغزو إلى الكفر وتغزو به
الإسلام ما ذاك بهذا يفي
↑ - () زامباور، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ص205. ↑
- () قتل هو وأبوه بموقعة الاقحوانة سنة 420 هـ. ↑
- () ابن الأثير، ج 9، ص165. ↑
- () قال ابن شداد في الأعلاق الخطيرة: إن صالح بن مرداس ملك حصن ابن عكار سنة 416، كما قال ابن العديم في زبدة الحلب: أنه سنة 416 ملك صالح حمص وبعلبك وصيدا وحصن ابن عكار بناحية طرابلس. وبعد قتل صالح استولى على عكار متولي طرابلس من قبل الظاهر ابن الحاكم صاحب مصر. وقال أبو الفداء: واستقر صالح مالكاً لحلب وملك معها من بعلبك إلى عانة. وأقام صالح بن مرداس بحلب مالكاً لما ذكرت سنين. ↑
- () هو الشاعر الدمشقي محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الغنوي. ↑
- () أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري وغيره، وسمع الحديث وبرع فيه. توفي بقلعة أعزاز من أعمال حلب مسموماً سنة 466هـ (1089م) وقد كان والياً عليها. وهو شاعر مجيد متفنن في ضروب الشعر وقد مدح الأمراء من بني مرداس وبني منقذ وبني ملهم والمتأخرين من بني حمدان. ترك ديوان شعره وكتاب سر الفصاحة الذي أراد بتأليفه أن يوضح حقيقة الفصاحة ويكشف عن سرها لأنه يؤمن بأن لكل جمال في الكلام سبباً يمكن الاهتداء إليه، فأراد أن يضع كتاباً يستطيع به دارسه أن يعلل ويستدل ويعرف الوجوه والأسباب. ↑
- () أبو الفتح الحسن وقيل: (الحسين) بن عبد الله من معاصري أبي العلاء المعري في معرة النعمان. ولد ونشأ فيها، اتصل بالدولة المرداسية في حلب فكان من شعرائها المنقطعين إليها، وقد أرسله تاج الدولة بن مرداس إلى الخليفة الفاطمي المستنصر في القاهرة فمدحه بعدة قصائد ومن شعره وهو في مصر:أقول وقد أشرفت ذات عشية
على النيل من إحدى الهضاب الشواهق
ومن دونها فسطاط مصر وزاخر
كان بشطيه مسوك الخرانق
خليلي شيما بارق الشام إنني
نظرت إلى إيماض تلك البوارق
كما ذهب إلى دمشق واتصل بعلمائها وزار مشاهدها ووصف أماكنها المقصودة واتصل بالبادية وأهلها عن كثب فاطلع على كثير من أهلها وسجل وقائعهم وكثيراًمن أحداثهم.
وقد وصف شعره بأنه السهل الممتنع، عذب الألفاظ حسن السبك. وكان مكثراً طويل النفس، وكان يطمح للقب الإمارة، وفي مدائحه للمستنصر الفاطمي كان يلمح إلى ذلك فأناله المستنصر بغيته فأصبح يلقب بالأمير، ثم نال اللقب نفسه من محمود بن نصر بن صالح المرداسي، وبعد الإمارة الفخرية توصل إلى الإمارة الفعلية حيث ولي بعض البقاع.
وعدا شعره في المرداسيين فله مدائح ومراثٍ في أمراء عصره وكبار رجاله. ولما مات أبو العلاء رثاه بقصيدة مطلعها:
العلم بعد أبي العلاء مضيع
والأرض خالية الجوانب بلقع
توفي ابن أبي حصينة في سروج سنة 457هـ (1065م) وله ديوان شعر مطبوع في دمشق سنة 1956م في جزأين. ↑
- () تبّل: من قرى حلب من جهة إعزاز. ↑
- () برقة منشد ماء لبني تميم وبني أسد. ↑
- () هو ناصر الدولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن حمدان ابن العديم: زبدة ج 1، ص 277. ↑
- () في معجم البلدان ج 3، ص 92: الفنيدق: من أعمال حلب كانت به عدة وقعات وهو الذي يعرف اليوم بتل السلطان: بينه وبين حلب خمسة فراسخ وبه كانت وقعات الفنيدق بين ناصر الدولة بن حمدان وبني كلاب من بني مرداس سنة 452 فأسره بنو كلاب. ابن الأثير: الكامل، ج 7/ 62. ↑
- () هو الذنيني بن أبي كلب الجهبلي الكلابي. ↑
- () هو أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس، الشاعر المشهور، كان يدعى بالأمير لأن أباه كان من أمراء العرب، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين. له ديوان شعر كبير، لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم وكان منقطعاً إلى بني مرداس، أصحاب حلب، ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بحلب. ↑
- () كانت هذه البعثة مؤلفة من شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر وزير ثمال بن صالح وولده وثاب وزوجته علوية بنت وثاب المعروفة بالسيدة. ↑
- () أو قد قال في هذا الصدد ما نصه (4: 509 ـ 510):«والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول، لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن، تكون قيمتها مائتي دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها … وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته من تلك الخزائن». ↑
- () مرت دراسة موسعة عن المسعودي. ↑
- () سقطت إشبيلية بعد حصار دام سنة وخمسة أشهر براً وبحراً عانت فيه إشبيلية أشد الأهوال. وقد نظم الشاعر أبو موسى هارون بن هارون يصف ما نالها من الكرب الشداد ويستنجد بمن وراء البحر في قصيدة طويلة:يا جنة زحزحتنا عن زخارفها
ذنوبنا فلزمنا البث والندما
يا سائلي عن مصاب المسلمين بها
اصخ لتسمع أمراً يورث الصمما
فالبحر بالمنشآت ارتج من ذعر
والبر بالمرهفات ارتاع فاكتتما
واستوطنوا القبر في الوادي وقام لهم
جسر من الفلك لا تشكو به السأما
فكم أسارى غدت في القيد موثقة
تشكو من الذل أقداماً لها حطما
وكم صريع رضيع ظل مختطفاً
عن أمه فهو بالأمواج قد فطما
يدعو الوليد أباه وهو في شغل
عن الجواب بدمع سال وانسجما
فكم ترى والهاً فيهم ووالهة
لا يرجع الطرف إن حاورته الكلما
وقد أحاطت بنا الأعداء فاغرة
أفواهها تبتغي أرواحنا طعما
عادت سواراً على سور المدينة قد
أفناه عضّاً وكم من معصم قصما
أين القباب التي كانت محجبة
فيها الملوك تفيض الجود والكرما
تمضي العزائم والأقدار تسعدها
فلا ترد لها الأيام معتزما
يا حسنها غرفاً للحسن جامعة
ما طاب قط لها إلا النعيم حمى
كانت معاهد للذات نعمرها
فلا نراع إذا ما هاجم هجما
عيش تقضى وابقى بعده أسفاً
كأن ما كان منه في الكرى حلما
يا أهل وادي الحما بالعدوة انتعشوا
هذا الذماء فقد أشفى به سقما
ماذا يبطئكم عنا وحق لكم
إن تبصروا دار قوم أصبحت رمما
وقد دعونا فأسمعنا على كثب
بما قد استنفد القرطاس والقلما
فتح الجزيرة مما سن أولكم
فلتنسبوا للهدى في أرضنا قدما
كونوا لها خلفاً منهم وإن نفُذُوا
ولا تبالوا أطال العهد أم قدما
هل من مجيب لداعينا فيركبنا
فلك النجاة فبحر الحادثات طما
لم يبق فينا سوى الأنفاس خافتة
فكلنا في وجود يشبه العدما
كم نستغيث ولا إنسان يصرخنا
ونستطب لداء طال، ما حسما
↑ - () المؤرخون العرب يمسونه (بلاي). ↑
- () هناك من يرى أن الحملة كانت في عهد عقبة بن الحجاج السلولي. ↑
- () والمسلمون يسمونها مملكة جليقية. ↑
- () قال كاتب في مجلة (نهج الإسلام) عن عبد الرحمن (الداخل) هذا:كان أول أمير للأندلس يقوم بفصل هذه الولاية عن جسم الدولة الإسلامية فصلاً سياسياً كاملاً، ويسعى إلى تأسيس حكم أسرة وراثية مستقلة فيها. فابتدأ بذلك عهداً جديداً في تاريخ الأندلس، وخط سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام ووحدة أراضيه السياسية.
لقد فصلت الأندلس عن بقية أجزاء الدولة الإسلامية، وكان عليها أن تعتمد في مواجهة أوروبا الغربية على طاقاتها وحدها لا على طاقات المسلمين ودولتهم العظمى، ففي هذا اليوم يمكن القول إن تيار المدّ العربي في أوروبا أخذ يتحول إلى جزر، ولا غرابة أن نقرأ أنه مع استيلاء عبد الرحمن على الأندلس فقد المسلمون ممتلكاتهم في فرنسا، وقام الملك الفرنجي شارلمان بغزو الأندلس مفتتحاً عهد حرب الاستغلاب الذي انتهى بسقوط الأندلس. (انتهى).
وكان أحمد شلبي قد كتب سلسلة مقالات عن عبد الرحمن (الداخل) فجاء في بعض ما رددت عليه ما يلي:
لا أريد الدخول في نقاش طويل مع الأستاذ أحمد شلبي فيما كتبه في مقالاته الست عن عبد الرحمن الداخل، هذه المقالات التي انتهت في العدد 10373 من (الحياة). إذ لو فعلت ذلك لكان عَليّ أن أُشغل (الحياة) بست مقالات أخرى، وهذا فوق ما يحتمله قرّاء (الحياة).
لذلك سأكتفي بالتعليق على آخر مقال له، وهو المقال السادس الذي خصصه لذكر انتقادات المؤرخين ومدائحهم لعبد الرحمن هذا.
إن جميع ما ذكره من انتقادات المؤرخين ليهون أمام ما لم يذكره مما أحدثه هذا الرجل من شرخ في جسم الدولة الإسلامية الكبرى حيث فصل شطرها الغربي عن قاعدته في الشرق، وتركه يلاقي مصيره وحده في مواجهة الخطر المتربص له. فكان بذلك «أكبر انفصالي في التاريخ الإسلامي، وأول من فتح باب الانشقاق والتمزّق في وطن الإسلام الكبير».
وحين نتجاوز ذلك نرى أن الأستاذ الشلبي يهوّن ما استطاع التهوين من أمر المجازر التي ارتكبها عبد الرحمن حتى في أقرب الناس إليه، حتى في ابني أخيه أبان حيث قتلهما فيمن قتل، وكان قد قتل قبلهما ابن عمه عبد السلام بن يزيد بن هشام.
والأستاذ الشلبي حين ذكر ذلك لا يرى فيه شيئاً من المؤاخذة، بل يقول: «والدارس لتاريخ عبد الرحمن قد يلومه لقسوته، وقد يعتذر عنه بسبب الظروف التي دعت لذلك».
فأقسى ما عند الأستاذ الشلبي لمن يسفك حتى دماء ابني أخيه وابن عمه، فضلاً عن الآلاف من اليمنية الذين اعترف الأستاذ الشلبي بقتلهم ودفنهم في قبر واحد. وعن الغدر برؤساء أهل طليطلة الذين أغراهم بعقد الصلح معهم حتى إذا وصلوا إليه صلبهم جميعاً.
إن أقسى ما عند الأستاذ الشلبي لمن يرتكب ذلك هو أنه (قد يلام)، اللوم فقط، ولكن الأستاذ الشلبي لم يقرر حتى هذا اللوم، فقرن فعله المضارع (يلام) بكلمة (قد). وكلمة (قد) هنا محت حتى (اللوم)، وفقاً للقواعد النحوية التي يعرفها الأستاذ الشلبي حق المعرفة!.
والأستاذ الشلبي يقر من حيث لا يقصد الإقرار، بأن حركة عبد الرحمن الانفصالية قد أدّت إلى استيلاء الإسبان على الأندلس، فهو حين يتحدث عن مناقبه يذكر من تلك المناقب إنشاءه أسطولاً ضخماً، ثم يقول بلا فاصل: «ومما يذكر عن هذا الأسطول أنه كان الدعامة التي اعتمد عليها الإسبان بعد تحول السلطة من العرب إليهم فاستطاعوا أن يتسلطوا على البحر المتوسط …».
أمن المناقب أن ينشئ عبد الرحمن أسطولاً ضخماً تؤدي تصرفاته إلى أن يصل هذا الأسطول إلى الإسبان فيتسلطوا به على العرب والمسلمين في البحر المتوسط؟!
ويتحدث الأستاذ الشلبي عن المسجد الذي أنشأه عبد الرحمن في قرطبة، ولا أدري لماذا لم يذكر أن انفصالية عبد الرحمن قد أدّت إلى أن يتحول هذا المسجد على أيدي الإسبان إلى كنيسة، كما ذكر استيلاء الإسبان على الأسطول؟! ↑
- () قال ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص 102 ـ 105، الذي زار الأندلس في عهد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر (300 ـ 350هـ/ 912 ـ 961م) واصفاً الحال العسكرية في عهده، قائلاً عن الناس يومذاك: «… وبعدهم عن البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ولقاء الرجال ومراس الأنجاد والأبطال». ويقول في مكان آخر: «وليس لجيوشهم حلاوة في العين لسقوطهم عن أسباب الفروسية وقوانينها». ويتحدث عن قلة عدد الفرسان قائلاً إن عدد الفرسان المسجلين في قوائم الدولة وسجلاتها في عهد عبد الرحمن الناصر ومن سبقه من آبائه الأمراء الأمويين لم يزد على خمسة آلاف فارس ممن يقبض أرزاقه من ديوان الدولة.ويقول في نفح الطيب ج 1، ص 295: إن أكثر سكان الشرف غربي إشبيلية كان من حضرموت قد برز من قادتهم حيوة بن ملامس الحضرمي. ويشير إلى أن هذا القائد كان ممن قتلهم عبد الرحمن الداخل. ↑
- () كتب كاتب عن عوامل سقوط الأندلس فعلقت على ما كتب بما يلي: لا شك أن معركة بواتييه بين شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي وانهزام المسلمين فيها أخّرت التقدم الإسلامي في فرنسا، ولكن إلى حين فمعركة بواتييه كانت مجرد معركة، فالقوى الإسلامية ممتدة حتى أقاصي المشرق، والدولة قائمة بكل مقوماتها، وبكل عددها وعتادها وهي مستطيعة إعادة الكرة أكثر من مرة.إن سبب النكبة في الأندلس، وسبب التراجع النهائي بعد الامتداد المتواصل في فرنسا هو انفصال الأندلس عن جسم الدولة، وقيامها كياناً مستقلاً لا تربطه بالقاعدة أية رابطة. وعندما نرجع إلى وقائع التاريخ نرى أن المد الإسلامي في فرنسا الذي كان مرشحاً لأن يتجاوزها إلى أوروبا كلها، توقف أولاً ثم أخذ بالانحسار في الوقت الذي وصل فيه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس فقامت الفتن، ثم تمّ الانفصال النهائي ووقفت الأندلس وحدها في مواجهة أوروبا الغربية كلها، ولم تعد الدولة الأم مسؤولة عنها، وصار عليها أن تواجه مصيرها بنفسها.
وكان من الطبيعي أن يقوم في هذا الكيان الانفصالي بعض التوهجات، ولكنها توهجات آنية ما كان لها أن تدوم ـ وهي فعلاً لم تدم ـ وكانت النتيجة أن تدرّجت النهاية تدرجاً، مرحلة بعد أخرى ففقد المسلمون أولاً ما كانوا يملكون في فرنسا، ثم تجرأ شارلمان فهاجم الأندلس نفسها، وإذا كان لم يفز منها بطائل، فقد كان مجرد هجومه عليها إيذاناً بأن عهد الامتداد انتهى، وأن على الأندلس أن تفكر بعد اليوم بما يحميها.
كان هذا في الوقت الذي لا تطمح بالنجدات من وراء البحر، لأنها هي نفسها قطعت صلتها بما وراء البحر، وبما في هذا (الوراء) من قوى!
كان هجوم شارلمان الخطوة الأولى بما عرف بعد ذلك بحرب الاسترداد ولم يكن من المحتوم أن تكون الخطوة الأولى ناجحة. وإذا لم تنجح فقد مهدت لنجاح الخطوات التي تلتها، وتتابعت الخطوات الناجحة خطوة بعد أخرى وأخذت المدن الأندلسية تتساقط مدينة بعد أخرى، وكان هذا طبيعياً في بلد محدود السكان، محدود المكان، محدود الإمكان. ولن ندخل في التفاصيل، فالتفاصيل معروفة.
إن لنا أن نعيد النظر في دراسة تاريخنا وأن نواجه الحقائق كما هي فلا نتعامى عنها، وأن نأخذ من كل ذلك العبرة، وما أكثر ما يمكن أن نأخذ من العبر. ↑
- () تاريخ الأدب في الأندلس ـ عصر سيادة قرطبة ص 16. ↑
- () كتاب المقتبس لابن حبان نشر بعضه بتحقيق أنطونية (باريس 1937). ↑
- () تاريخ الأدب في الأندلس ص 16. ↑
- () ن. م. ص 19 ـ 20. ↑
- () تاريخ الأدب الأندلسي ـ عصر الطوائف ص 7 ـ 8. ↑
- () لما سقطت طليطلة قال شاعر أندلسي:يا أهل أندلس شدوا رحالكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينقض من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
↑ - () كان لا بد للموحدين أن يتدخلوا في الأندلس، لتوحيد الجبهة الإسلامية على مملكة البرتغال غرباً، ومملكة قشتالة وليون شمالاً، ومملكتي أرغون وقطلونية في الشمال الشرقي ولم يلبث الموحدون أن عبروا المجاز وفرضوا طاعتهم على قادس وإشبيلية وقرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء في سنة 546هـ (1151م)، ثم تغلبوا على غرناطة في سنة 549هـ (1154م)، واستتب نفوذهم في جنوب الأندلس. وفي سنة 552هـ (1157م) نجح الموحدون في استرجاع المرية من القشتاليين بعد حصار دام سبعة أشهر.وفي عهد أبي يوسف يعقوب (580 ـ 595هـ/ 1184 ـ 1198م). اشتد خطر الولايات الإسبانية في شمال شبه الجزيرة، فلم يجد أبو يوسف بداً من العبور إلى الأندلس بجيوشه لينقذ ما تبقى من الأندلس في أيدي المسلمين.
ويذكر عبد الواحد المراكشي أن ألفونسو جمع جموعاً لم يجتمع له مثلها قط، كانت تتجاوز خمسة وعشرين ألف فارس ومائة ألف من المشاة، وتم الصدام في 3 شعبان 591هـ (10 تموز سنة 1195م)، والتحم الجيشان في قتال عنيف انتهى بانتصار الموحدين انتصاراً كبيراً على جيوش الإسبان وحلفائهم.
وقد أدّى هذا الانتصار إلى تغيير الأوضاع في إسبانيا فترة من الزمن، وكسر شوكة قشتالة بعض الوقت، ولقد أعطى المؤرخون العرب لهذا الانتصار أهمية كبرى باعتباره آخر انتصار للإسلام في الأندلس، فلم تمض 17 سنة على هذا الانتصار حتى هزمت إسبانيا المسلمين سنة 609هـ (1212م) في موقعة العقاب التي أدّت إلى انهيار دولة الموحدين وتصدّع دعائم الإسلام في الأندلس.
والأرك الذي نسبت الوقعة إليه موضع بنواحي بطليوس من غرب الأندلس. ↑
- () هو محمد بن عبد الله القضاعي من كبار رجال الشيعة في الأندلس (راجع عن تشيع ابن الأبار: أعيان الشيعة، ومستدركات أعيان الشيعة)، ولد في بلنسية سنة 595هـ وتوفي سنة 658 أصله من أنْده أرض بني قضاعة بالأندلس، كان بمثابة (سكرتير) لزيان بن مردنيش حاكم بلنسية. ولما حاصر ملك أرغونة دون جايم مدينة بلنسية أرسله إلى تونس مستنجداً.وقبل سقوط بلنسية أو بعده بأيام غادر بلنسية مع أسرته إلى تونس فحظي عند سلطان تونس ثم فسد ما بينهما ثم عادا إلى التصافي، ولما مات السلطان الحفصي أبو زكريا وخلفه ابنه المستنصر قرب ابن الأبار، ثم غضب عليه فأمر أن يقتل طعناً بالحراب، ثم أحرق جسده ومصنفاته وأشعاره وإجازاته العلمية في محرقة واحدة.
كان ابن الآبار مؤرخاً محدثاً أديباً شاعراً، عربي النسب، مؤلفاً. ↑
- () لما أفضت الخلافة للناصر الموحدي وعاود يحيى الميورقي ثورته على الموحدين وجاء الناصر إلى تونس وعهد إلى عبد الواحد بن أبي حفص بإخماد الثورة فثار بجيش لقتال الثائر فلقيه بناحية قابس وأوقع به وشرد عصابته سنة 602هـ (1206م) ولما عاد الناصر إلى بلاده استخلف على أفريقيا ثقته ووزيره أبا محمد عبد الواحد جد الأمراء الحفصيين سنة 603هـ (1207م) فكانت بداية الدولة الحفصية.واستتب أمر البلاد التونسية من ذلك الحين بيد الولاة الحفصيين إلى أن أعلنوا استقلالهم بها وانفصلوا عن المملكة الموحدية.
وقد اتسعت رقعة الإمارة الحفصية حتى شملت طرابلس والجزائر وما يعرف اليوم بالمغرب، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658هـ. وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة فكان من أمره ما كان. ولم تلبث هذه الدولة الفتية أن تمزقت فاستقل بنو يملول في توزر، وبنو خلف في نفطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
ثم عادت الحياة والقوة إلى الدولة الحفصية في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الهجريين بفضل الخليفة أبي العباس وأبي فارس فامتد نفوذ الحفصيين إلى المغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس، ثم عادت الدولة إلى التدهور مرة ثانية حتى لم يبق تابعاً لها في أواخر القرن التاسع الهجري إلا مدينة تونس. ↑
- () صالح بن شريف النفزي الرندي المعروف بأبي البقاء. هو الآخر من كبار من أنجبتهم الأندلس من الشيعة (راجع عن تشيعه: مستدركات أعيان الشيعة). ولد سنة 661 601هـ وتوفي سنة 680 684هـ ينتسب إلى قبيلة نفزة وهي من قبائل البربر، وينتمي إلى مدينة رُندة. كان أديباً فقيهاً، وامتدت اهتماماته لتشمل معظم جوانب الثقافة الأدبية والدينية لعصره. فكان شاعراً ومؤلفاً وناقداً، مقدماً في رجال القرن السابع المعدودين وقد نظم في مختلف فنون الشعر من المديح والغزل والوصف والرثاء والحكمة. ↑
- () هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني، الغرناطي الأندلسي الشهير بلسان الدين ابن الخطيب: وزير مؤرخ أديب. انتهت حياته خنقاً في السجن وبعد دفنه يوماً أخرج شلوه فأحرق.ومما قاله وهو في السجن متوقعاً الموت، من قصيدة:
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات فمن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت
بلغت مؤلفاته ستين كتاباً منها: الإحاطة في تاريخ غرناطة. وكان مقتله سنة 776هـ (1374م). ↑
- () نستطيع تعيين مملكة غرناطة تعييناً جغرافياً بأنها المحدودة من الشمال بولايات جيّان وقرطبة وإشبيلية، ومن الشرق بولاية مرسية والبحر المتوسط الممتد منها إلى الجنوب، ومن الغرب ولاية قادس وأرض الفرنتيرة. ممتدة فيما وراء نهر الوادي الكبير إلى الجنوب حتى شواطئ البحر المتوسط ومضيق جبل طارق. ويخترقها عدة أنهار. ↑
- () ولد محمد بن يوسف في أرغونة سنة 595هـ/ 1198م. ↑
- () من ذلك استنجاده ببني مرين وتوصية خليفته بالاستنجاد بهم إذا اشتد الأمر. ↑
- () عاشت دولة بني مرين أكثر قليلاً من قرنين إذا اعتبرنا بدايتها منذ يعقوب المنصور. وفي حين كان الإقطاع يسود أوروبا كان المغرب في عهد بني مرين تسوده حكومة موحدة ونعمة حضارة مزدهرة. كانت مملكة غرناطة، آخر الممالك الأندلسية، بالرغم من العمر الطويل الذي قدر لها. تستشعر الخطر الداهم دائماً، وترقب نمو جارتها، المملكة الإسبانية في جزع وخوف وقد لقيت في إخوانها وراء البحر، وهم بنو مرين، العون والإنجاد باستمرار وعقد التحالف المستمر بين المملكتين، وترك ملوك غرناطة لبني مرين ثلاث قواعد أندلسية، لتكون مراكز للدفاع وتدفق القوى المنجدة، هي جبل طارق (جبل الفتح) ورندة والجزيرة الخضراء. وأبدى بنو مرين في هذه المهمة الدفاعية، اهتماماً وإخلاصاً ومقدرة، واستعادوا جبل طارق من يد الإسبان، وكانوا قد استولوا عليه مدى حين. غير أن مملكة بني مرين ما لبثت منذ أواخر القرن الثامن الهجري، أن أصابها الضعف، وكثرت بها الانقلابات، ولم يبق في وسعها أن تهرع إلى إنجاد شقيقتها فيما وراء البحر. ↑
- () اكتفى المرينيون في دولتهم بلقب (الأمير) ثم استعاضوا عنه بلقب (أمير المسلمين) الذي اتخذه لأول مرة عثمان بن عبد الحق. وأطلق على الملوك المرينيين لقب السلطان الذي اشتهر منذ عهد يعقوب بن منصور. ↑
- () كان ابن المرحل أديب زمانه بالمغرب وإمام وقته، تحرف بصناعة التوثيق، وولي القضاء بجهات غرناطة، وسكن بسبتة طويلاً، وتنقل بينها وبين فاس. وجمع بين الفقه والأدب واللغة والشاعرية. وتذكر المصادر أنه كان يكتب الرسائل للأمير عبد الواحد ابن أمير المسلمين يعقوب المريني.وأنه مدح سلطان المغرب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق وكان من شعراء السلطان يوسف بن يعقوب المريني. وكان يجري عليه المرتبات والإحسان. وأنه كتب له أيضاً:
ولقد عمر ابن المرحل طويلاً فلما بلغ الثمانين قال:
يا أيها الشيخ الذي عمره
قد زاد عشراً بعد سبعينا
سكرت من أكواس خمر الصبا
فحدك الدهر ثمانينا
وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة عن خمس وتسعين سنة، ورغم ذلك لم يختل علمه ولا نظمه.
وكانت وفاته في السابع عشر من رجب عام 699هـ بمدينة فاس.
ألّف ابن المرحل في كثير من فنون المعرفة، غير أن أكثر مصنفاته ضائعة اليوم، وأثره الوحيد المطبوع ـ فيما نعلم ـ «نظم الفصيح» وهي أرجوزة نظم فيها فصيح ثعلب وشرحه سماها الموطأة، طبعت في المغرب بالمطبعة الفاسية ضمن مجموع المتون العلمية. ومنه نسخة مخطوطة في دار الكتب الظاهرية بدمشق رقمها 7625 أولها:
حمد الإله واجب لذاته
وشكره على علا هباته
صلاته بأدباء عصره:
شأن العباقرة في كل العصور، كثر حاسدو ابن المرحل وخصومه ونقاده.
ومن خصوماته ما كان بينه وبين الحسين بن رشيق المرسي السبتي وكان قد برز بمدينة سبتة وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين مالك بن المرحل من الملاحاة والمهاترات أشد ما يجري بين متناقضين، آلت إلى الحكاية الشهيرة، ذلك أن ابن رشيق نظم قصيدة منها:
لكلاب سبتة في النباح مدارك
وأشدها دركاً لذلك مالك
شيخ تفانى في البطالة عمره
وأحال فكيه الكلام الآفك
أحلى شمائله السباب المفتري
واعف سيرته الهجاء الماعك
وألذ شيء عنده في محفل
لمز لأستار المحافل هاتك
يفشي مخاطره اللئيم تفكهاً
ويعاف رؤيته الحليم الناسك
فكأنه التمساح بقذف جوفه
من فيه ما فيه ولا يتماسك
في شعره من جاهلية طبعه
أثقال أرض لم ينلها فاتك
أن سام مكرمة جثا متثاقلا
يرغو كما يرغو البعير البارك
ويدب في جنح الظلام إلى الخنا
عدواً كما يعدو الظليم الراتك
نبذ الوقار لصبية يهجونه
فسباله فرش لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهم
بمسالك لا يرتضيها سالك
والدهر باك لانقلاب صروفه
ظهراً لبطن وهو لاهٍ ضاحك
واللسن تنصحه بأفصح منطق
لو كان ينجو بالنصيحة هالك
تب يا ابن تسعين فقد جزت المدى
وارتاح للقيا بسنك مالك
يا ابن المرحَّل لو شهدت مُرَحلاً
وقد انحنى بالرحل منه الحارك
وطريد لؤم لا يحل بمعشر
إلا أمال قفاه صفع دالك
لرأيت للعين اللئيمة لمحة
وعلا بصفع عرك أذنك عارك
وشغلت عن ذم الأنام بشاغل
وثناك خصم من أبيك مماحك
لا قول للمغرور منك بشيبة
بيضاء طي الصحف منها حالك
لا تأمنن للذئب دفع مضرة
فالذئب أن أعفيته بك فاتك … الخ
واتخذ للقصيدة كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: «رقاص مُعَجَّل، إلى مالك بن المرحَّل» وعمد إلى كلب وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطاً حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقر، وطرده بالزقاق متكتماً بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمة، وقرئ مكتوب الكنانة، اشتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب ودفعت إليه … حتى قال: ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق … وفي أجوبته عن ذلك يقول:
كلاب المزابل آذينني
بابوا لهن على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا
ولكن عوت من وراء الجدار
على الصعيد المقابل نظفر بصلة صداقة طيّبة بالشاعرة سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبية، التي قدمت على سبتة في أواخر المئة السابعة، وخاطبت رؤساءها وخاطبت كتابها وشعراءها بعد زورتها الأندلس.
فمما خاطبت به ابن المرحل:
يا ذا العلا يا مالكي
أنعم عليَّ بمالك
العالم المتفنن البحـ
ـر المحيط السالك
يا نفس إن جاد الزما
ن به بلغت منالك
ولطاما قد نلت ما
أملت من آمالك
فأجابها ابن المرحل:
يا ندرة الدنيا لقد
حزت العلا بكمالك
جمعت لك الآداب
حتى أنهن كمالك
وملكت أفئدة الورى
فالناس فيك كمالك
إن فايسوك بمالك
ألفوك أملك مالك
فأجابته:
ورد الخطاب فسرني مضمونه
ووددت أني في الفؤاد أصونه
واشتقت كاتبه كما أشتاق الكرى
من لا تنام من الغرام جفونه
وكتب إليها مالك:
قلت للتي سارت برائق شـ
ـعرها تحكي «ابن ساره»
الآن إذ سارت ركابك في
البلاد دعيت ساره
بل أنت هاجر إذ هجر
ت بتونس دار الإمارة
↑ - () هو عبد العزيز الملزوزي المكناسي المتوفى سنة 697هـ. وهو شاعر الدولة المرينية على عهد يعقوب المنصور وولي عهده، وفي بني مرين يقول:هنيئاً يا مرين لقد علوتم
بني الأملاك بأساً وانتجابا
وقد كان في المرينيين شاعرات منهن صفية العزفية، وقد مدحتها الشاعرة سارة الفاسية بقصيدة قالت فيها:
ومن مثل ذات العلم والحلم والنهى
لقد سار مسرى الشمس معجزها الأرقى
لقد سار مسرى الشمس فخر صفية
ونوَّر إكباراً لها الغرب والشرقا
↑ - () كان في الملوك المرينيين من ينظم الشعر العربي كهذا الذي نظمه أبو العباس أحمد بن أبي سالم (776 ـ 786هـ/ 1374 ـ 1384م) وهو من أم عربية تدعى نزهة:الهوى يا صاحبي فألفته
وعهدته من عهد أيام الصبا
قوت النفوس وحليها
فتخذته دنيا إلي ومذهبا
رأيت له الفراق منغصا
لا مرحباً بتفرق لا مرحبا
↑ - () ومن أكثر من مدحهم في العصر البويهي مهيار الديلمي. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن خلدون. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () يمن هو أمير الحبش، اقطع هيت والأنبار وكان خادما حبشياً. ↑
- () هما كرديان أحدهما ورام بن بافراس والآخر ورام بن بانصر. ↑
- () النيل بلدة كانت على الفرت بين بغداد والكوفة، والأصل فيه نهر حفر في هذا المكان آخذ من الفرات وسمي باسم نيل مصر. والنهر اليوم خراب، أما البلدة فهي اليوم قرب بابل على بعد حوالي خمسة أميال من مدينة الحلة. ↑
- () الخريدة. ↑
- () ميسان: بالفتح ثم السكون ثم سين مهملة. وآخره نون: كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط، قصبتها ميسان. ↑
- () مزيد: بفتح الميم وسكون الزاء وفتح الياء وآخره دال. ↑
- () هو بواسط أمر بحفره المهدي، وأحيا ما عليه من الأراضي، وجعل غلته في صلات أهل الحرمين. ↑
- () نهر من نواحي واسط. عليه قرى. ↑
- () الكامل حوادث 501. ↑
- () المنتظم ج 9، ص 159. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () العدد القوية (مخطوط). ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية، ج 8، ص 56. ↑
- () كامل ابن الأثير حوادث 499. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () القاموس المحيط. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 94. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 96. ↑
- () المرجع السابق ص 98. ↑
- () الكامل حوادث 501هـ. ↑
- () ساوه بعد الألف واو مفتوحة بعدها هاء ساكنة: مدينة حسنة بين الري وهمدان، وبقربها مدينة يقال لها آبه (آوه) ساوه سنية شافعية وآبه شيعية وبينهما نحو فرسخين ـ المرصد. ↑
- () قرية من قرى نهر عيسى على شاطئه. ↑
- () أظنها خطأ مطبعي والصحيح مذار، وهي قصبة ميسان، وهي بين واسط والبصرة. وتبعد عنها البصرة مسيرة أربعة أيام. وبها قبر عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ↑
- () الكامل حوادث سنة 502هـ. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي م 7، ج 1، ص 98. ↑
- () هذا خطأ من النساخ ويمكن أن يكون الصحيح: مؤاخذة. ↑
- () وفيات الأعيان، ج 2، ص 31. ↑
- () الآداب السلطانية ص 218. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المنتظم ج 9، ص 218. ↑
- () وعاء لحفظ الأشياء النفيسة. ↑
- () الكامل حوادث 516. ↑
- () الكامل حوادث 516. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () مرآة الزمان، ج 8، ص 100 و102. ↑
- () المرجع السابق، ج 8، ص 109. ↑
- () المرجع السابق، ج 8، ص 110. ↑
- () الكامل في حوادث سنة 517. ↑
- () الوفيات، ج 7، ص 33. ↑
- () موضع بخوزستان. ↑
- () منازل لأياد أسفل سواد الكوفة. وكان عليه قصر تحج إليه العرب. ↑
- () تلخيص مجمع الألقاب في معجم الألقاب طبع بمباي ص 130 ـ 131. ↑
- () الكامل حوادث 540هـ. ↑
- () كامل ابن الأثير حوادث 541هـ. ↑
- () أخبار الدولة السلجوقية ص 136 ـ 137. ↑
- () هو مقدار بن مختار المطاميري نسبة إلى مطامير قرية بحلوان العراق. كان من الشعراء الفحول. ↑
- () مجلة الحكمة التي تصدر في بيروت ـ السنة الرابعة ـ عدد 3. ↑
- () للاطلاع حول المشعشعين يراجع (أعيان الشيعة) و(تاريخ بانصدساله خوزستان) وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم. ↑
- () تاريخ الغياثي، تأليف عبد الله بن فتح الله البغدادي. نسخة خطية. ↑
- () كان ظهور السيد محمد فلاح في عام 840 أو 844هـ. تاريخ المشعشعين. ↑
- () المجلد الثالث ص 108 وص 109 طبع بغداد. ↑
- () تسكن هذه العشائر في الوقت الحاضر في أطراف محافظة العمارة في العراق. ↑
- () وهي مجموعة خطية تشتمل على تاريخ المشعشعين، ينقل عنها عباس العزاوي في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين) ولكنه لا يذكر اسم مؤلفه، وهذا الكتاب موجود في مكتبته. ↑
- () يبدو جلياً أن الأساطير بالغت بشأن الكتاب وممارسات محمد بن فلاح. وأن الأمر لا يعدو بعض التفاعلات الكيميائية التي لم تكن معروفة في أوساط العامة فبدت وكأنها أعاجيب، ثم تزايد الناس في أخبارها وبالغوا. ↑
- () بعد وفاة شاهرخ بن تيمور، نشب خلاف بين أولاده، فتحرك بيربوداق صوب شيراز، وفرغت بغداد من الجيش، فاغتنم السيد علي ابن السيد محمد الفرصة وهاجم واسط. ↑
- () رسالة في شرح أحوال السيد شبر الموسوي (خطية)، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، تأليف السيد قاسم شبر، طبع النجف، ص 50، مع العلم أن بعض المصادر ذكرت هذا التاريخ في 858هـ، وتاريخ العراق بين احتلالين، تأليف عباس العزاوي، المجلد الثالث، ص 142 طبع بغداد. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، المجلد الثالث، ص 149. ↑
- () روضات الجنات، أعيان الشيعة، رياض العلماء، مجالس المؤمنين المجلس الثامن. ↑
- () ورد في كتاب الضوء اللامع بأن علي بن محمد بن فلاح الخارجي الشعاع «كذا» توفي في عام 863 وليس ذلك صحيحاً «تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم» ص 62. ↑
- () تاريخ الغياثي والضوء اللامع ص 280: «ذكر هذان المصدران بأنه دفن في موضع غير الحويزة بينما ورد في تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم أنه دفن في الحويزة وقبره معروف لدى المشعشعين في الحويزة». ↑
- () عندما سيطر الملك إسماعيل الصفوي على بغداد عام 914هـ بلغه خبر وفاة السيد محسن. ↑
- () المجلد الثالث من تحفة الأزهار، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 84، طبع النجف. ↑
- () أعيان الشيعة، المجلد 42، ص 46 طبع بيروت. ↑
- () تجدر الإشارة إلى أن قتل هذين الأميرين المشعشعين قد تمّ بإيعاز من الملك إسماعيل الصفوي، إذ ما كان حاكم شوشتر بمقدوره أن يقدم على عمل كهذا ما لم يكن هناك إذن من الملك الصفوي. ↑
- () «تاريخ بانصدساله خوزستان» ص 52، الطبعة الثالثة. ↑
- () (جهان آراء) للغفاري، وتاريخ العراق بين احتلالين المجلد الثالث ص 345، طبع بغداد، ومجالس المؤمنين طبع طهران، وتاريخ المشعشعين، طبع النجف، ص 89. ↑
- () نيس بالكسر والفتح هو اسم إحدى العشائر التي كانت تسكن على ضفاف أحد فروع نهر كارون وهي ذات عدد كبير وتعد مركزاً للسادات الموالي، «عشائر الفرات ـ تأليف الساعدي» نسخة خطية، وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 92. ↑
- () أعيان الشيعة ـ مجالس المؤمنين ـ (تاريخ بانصدساله) وتاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين تأليف عباس العزاوي، نقلاً عن كتاب مراه (كذا) الممالك، في المجلد الخامس ص 315 نقلاً عن كشف الظنون حيث يقول: وقعت الحرب في عام 962 بين علي باشا الوالي والسيد سجاد المشعشعي، وقد كتب الشاعر نيازي قصائد أسماها «هنرنامه علي باشا». ↑
- () راجع كتاب: «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» تأليف جعفر الخياط، طبع بغداد. ↑
- () نقل صاحب (تاريخ المشعشعين) كيفية قتل الميرزا علي خان. ↑
- () يذكر عبد العلي الحويزي في كتاب قطر الغمام ما يلي: ينتمي أفراسياب إلى السلاجقة الروم، والسلاجقة على ثلاث طبقات: 1 ـ السلاجقة الروم، 2 ـ سلاجقة عراق العجم، 3 ـ سلاجقة كرمان، تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، ص 105. ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين، ج 4، ص 141، طبع بغداد. ↑
- () «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» طبع بغداد. ↑
- () ورد في أعيان الشيعة: «علي باشا هو الشخص الذي باع البصرة إلى افراسياب، وتم شنقه في القسطنطينية» (تاريخ المشعشعين) ص 110. ↑
- () توجد هذه القبيلة في الأهواز، في الضفة الشرقية لنهر الكارون باسم (معاوية). ↑
- () مجلة الغري، السنة الثالثة (صفحة من تاريخ المشعشعين) بقلم عمار سميسم. ↑
- () (تاريخ بانصدساله خوزستان) ص 83. وجامع الأنساب للروضاني وتاريخ المشعشعين. ↑
- () كان أول والٍ ينزل في المحسنية ويبني المساكن فيها، حيث بنى بيوتاً للقادة، ومسجداً وحماماً وسوقاً. ↑
- () المجلد 48 من أعيان الشيعة، ص 118 طبع دمشق. ↑
- () المجلد 48 من أعيان الشيعة، ص 118، نقلاً عن تاريخ المشعشعين. ↑
- () السيد شهاب الدين الجوزوي (المتوفى في 14 شوال عام 1087هـ): وصف هذا الشاعر بقصائده زعماء ورجال المشعشعين المعاصرين له، وقد جمع ديوانه بأمر من ابنه السيد علي خان الموسوي الحويزي، حيث ورد في مقدمة الديوان، أنه تم جمعه بأمر من هذا السيد، وقد طبع في مصر طباعة حجرية، ثم أعيد طبعه بالحروف في بيروت عام 1271هـ وفي الإسكندرية عام 1307هـ. ↑
- () خلف آباد: مركز للجراحة، أسماها سيد خلف من آل المشعشع باسمه. ↑
- () أعيان الشيعة، مجلد 41، ص 438. ↑
- () نجوم السماء، ص 40 ـ 41، وقد تمّ طبع هذا الكتاب مرتين في الهند وفي إيران. ↑
- () ذكر الجزائري، صاحب كتاب الفوائد الرضوية في كتابه الأنوار النعمانية خطأ أن تاريخ وفاة السيد هو 1052هـ أو 1058، بينما صنّف السيد كتابه نكت البيان في عام 1084هـ وكتب تفسيراً لسورة الرحمن في عام 1081هـ، حسب ما ذكر الميرزا عبد الله الأفندي في كتاب رياض العلماء ص 503، (النسخة الخطية) ونقل عنه في أعيان الشيعة. (تاريخ المشعشعين)، ص 135. ↑
- () زاد المسافر ص 140 ـ البصرة بقلم عبد المجيد عرب العراق بقلم علي الشرقي، ص 160 وتاريخ المشعشعين ص 161 بقلم شبر. ↑
- () تاريخ المشعشعين، ص 163. ↑
- () (تاريخ بانصدساله) ص 115. ↑
- () تاريخ بانصدساله. ↑
- () العراق بين احتلالين، المجلد الخامس، طبع بغداد. ↑
- () تاريخ باصند ساله، ص 177. ↑
- () تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، تأليف السيد قاسم شبّر، ص 182، طبع النجف الأشرف. ↑
- () قال السيد هاشم الأمين عند زيارته قبر الإمام علي الرضا عليه السلام: من قصيدة:هذا أبو الحسن الرضا
وجلاله ملء الربوع
والمهرجان ومجده
دفق الجموع على الجموع
السابحات على العطور
الساطعات على الشموع
من مهجة حرى ومن
دمع ومن خد ضروع
أو مشرق متهلل
نضر التشوف والنزوع
أو هانئ قسماته
صفو الوداعة في الوديع
وضجيج أفراح
وأحزان وتحنان ورع
والصوت ترجيع
الملائك بالصفاء وبالنصوع
والذكريات تمور
بالدامي وتجأر بالوجيع
ضربت رواق محامد
كالشمس قدسي السطوع
يزهو بآل محمد
لا بالذليل ولا الخنوع
أيام ثاروا للكرامة
واستطالوا عن خضوع
ومضوا على سنن الكرامة
من شريد أو صريع
فسل القطيع أكان غير
الذل جزار القطيع
بمذلة الجوعان هان
الحق لا جور المجيع
ما ساد رب العبد
لولا خسة العبد المطيع
ومنها:
أمحمد ولك العزا
بالبيت والشمل الجميع
ما كان عهدك من
(خراسان) كعهدك في (البقيع)
ترعاكم ساسان لا نسب
سوى الشرف الطبيع
وتعقكم عدنان بين
الوحي والرحم الضليع
يخلو حماك لغاصب هو
منه في الرحب الوسيع
وعلى بنيك مضيق
ما بين عان أو مروع
لم يقصروا عن عاجزين
ولم يعفوا عن رضيع
بالسيف بالتشريد
بالترويع بالسم النقيع
↑ - () معجم البلدان صفحة 140. ↑
- () ملخص عن دراسة للدكتور محمد رحيم رهنما. ↑
- () (في مطلع الشمس) تأليف محمد حسن خان صنيع الدولة، الجزء الثاني صفحة 7 وصفحة 282. ↑
- () مطلع الشمس، الجزء الثاني، صفحة 51. ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثاني، صفحة 284. ↑
- () نفس المصدر، الجزء الثاني، صفحة 15. ↑
- () هو من تأليف مير مجد الدين محمد، يرجع تأليفه إلى عام 1004هـ، وتفتقد هذه النسخة المطبوعة إلى ترقيم صفحاتها، وقد اختص الفصل الثاني من الجزء التاسع في بيان بعض خصوصيات المدن، والموضوع المذكور أعلاه موجود في هذا الفصل تحت موضوع (طوس). ↑
- () ورد الحديث عن المدرسة الباقرية في مطلع الشمس الجزء الثاني، صفحة 390، وفي فردوس التواريخ ضمن الحديث عن أحوال الملا محمد باقر المحقق السبزواري، ولكن يبدو من الكتابة المثبتة على بوابة المدرسة، أن بناء هذه المدرسة كان بإذن من المحقق السبزواري وعلى نفقة الملا محمد سميع. ↑
- () مطلع الشمس، المجلد الثاني، صفحة 25 ـ 29. ↑
- () مطلع الشمس، المجلد الثاني، ص 38. ↑
- () راجع كتاب «تاريخ علماء خراسان» تأليف الملا عبد الرحمن المدرس الشيرازي، صفحات 46، 50، 51، 54، 55، 63، 72، في شرحه حسب الترتيب للأشخاص التالية أسماؤهم: ميرشاه قاسم السبزواري المتوفى في أواسط القرن الثاني عشر الهجري، والشيخ حسين المدرس المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر أيضاً، وأبو محمد المدرس المتوفى عام 1240هـ ومولانا محمد رضا الترشيزي المتوفى عام 1200هـ، والميرزا أبو طالب المتولي باشي المتوفى عام 1216هـ، والميرزا الشهيد مهدي المتوفى عام 1218هـ، ومولانا إسحاق التربتي المتوفى عام 1237 ومولانا محمد علي الفديشه أي وغيرهم. ↑
- () مطلع الشمس، ص 242. ↑
- () راجع كتاب «تاريخ علماء خراسان» وما مرّ من هذا المقال. ↑
- () مير مجد الدين محمد. ↑
- () الفصل الثاني من الجزء التاسع، تحت كلمة طوس. ↑
- () هو الشهر السادس في السنة الإيرانية. ↑
- () تذكر بعض الروايات أن وفاته كانت في 21 رمضان سنة 202هـ وتذكر روايات أخرى أنها كانت في 30 صفر سنة 203. ↑
- () سـتأتي عنه دراستان مستقلتان. ↑
- () كلمة (قضاء) هنا تعني الوحدة الإدارية التي تلي مباشرة (المحافظة). ↑
- () راجع عن طوس بحثاً مستقلاً. ↑
- () راجع: السربداريون. ↑
- () تذكر تفاصيل عن هذه الأحداث وغيرها في موضع آخر، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ↑
- () توجد تفاصيل أخرى عن هذا الموضوع وغيره في بحث آخر. ↑
- () يتكرر ذكر بعض الأحداث في بحوث أخرى مما لا بد منه ليطرد سير الأحداث. ↑
- () أسواق ومحال تجارية. ↑
- () ذكر الهروي المتوفى سنة 611هـ (1214م) عند وصوله إلى سنجار ما يلي: (… وبها مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الجبل). ولم يذكر أنه مزار السيدة زينب (الإشارات إلى معرفة الزيارات ص 66). وكرر ابن شداد المتوفى سنة 684 ما قاله الهروي: (… وبسنجار مشهد كان ملاصقاً للسور يعرف بمشهد علي عليه السلام) (الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 1 ص 155).ويقع الضريح في مكان على جانب كبير من الجمال والروعة. ويروي سكان المدينة المسيحيون أن أصل هذه العمارة كان ديراً للنصارى، وقد كان فيها صلبان منقوشة أزالها المسلمون عندما أثروا عليهم. وأخذ بعض السكان المسلمين هذه الرواية عن المسيحيين، وهذا الاعتقاد الشائع، مرده إلى ظاهرة أوسع من هذه وهي أن جميع المنشآت الدينية كانت تنتقل من دين إلى دين آخر حسب هوية المسيطرين. إلاَّ أنه في هذه القضية بالذات ليس هناك دليل عمراني يثبت صحة هذا الاعتقاد، وقد يجوز في غيره. هذا وينفي الدملوجي وجود أية علامة للصليب المعكوف الذي قِيل إنه على أحد جدران العمارة حين زار المكان واطلع على محتوياته في زمن سابق. (اليزيدية، ص 188). وتجدر الملاحظة أن بعض عشائر اليزيديين الذين يعرفون بالبابوات (بابوات الست زينب) تجل هذا الضريح وتعظمه. ↑
- () ابن شداد الأعلاق الخطيرة، ج 3، ص 155. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 242. ↑
- () سلم الوصول، ص 309. ↑
- () المدخل إلى أصول الفقه، ص 284. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص 302. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 242. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 216. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () المصتصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 216. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 140. ↑
- () مصادر التشريع، ص 73. ↑
- () مصادر التشريع، ص 80. ↑
- () مصادر التشريع، ص 81 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص 74. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 141. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 141. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف للخفيف، ص 244. ↑
- () مصادر التشريع، ص 74. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف، ص 244. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () مصادر التشريع، ص 75. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 90. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 91. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 109. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 103. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 63. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 159. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 109 إلى ص 113. ↑
- () سورة الزمر، الآية: 23. ↑
- () رسالة الطوفي، ص 116. ↑
- () مصادر التشريع، ص 78. ↑
- () المستصفى، ج 1، ص 243 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص 79 نقد عنه. ↑
- () القوانين المحكمة، ج 2، ص 92. ↑