لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثامن عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
القرنة
تقع مدينة القرنة شمال محافظة البصرة وتبعد عنها مسافة 70كم. استُحدِثت قضاء بموجب فرمان عثماني سنة 1869م. تبلغ مساحتها (1112كم2) نشأت في بداية القرن الثامن الميلادي كحصن واقٍ ضد هجمات الدولة الفارسية، ولذا فإنها أحيطت بسور مزدوج وترابط فيها باستمرار حامية وهكذا كان الموقع الاستراتيجي للقرنة موضوع اهتمام منذ ذلك الوقت، وذلك لأنها تسيطر على وادي دجلة والفرات فتكون بذلك خطاً دفاعياً جديدً يضاف إلى دلتا شط العرب وإلى جانب الموقع الاستراتيجي الجيد فإن لها أهمية تجارية كبيرة ويؤكد البعض أن القرنة كانت موجودة قبل هذا التاريخ إذ أن البرتغاليين أقامو فيها محطة تجارية في القرن السابع عشر.
لقد دمرّ فيضان الفرات عام 1831م غير المعتاد كل المنطقة الواقعة بين البصرة وبغداد فتعرضت القرنة للخراب التام بحيث لم يكن فيها عام 1836م إلاّ أكواخ من القصب لا يزيد عددها على (30 ـ 40) كوخاً يسكنها بعض الناس هم بالدرجة الأولى من الموظفين العثمانيين ومنذ ذلك الوقت أخذت القرنة تعود بعض الشيء إلى حالتها الأولى كما قامت فيها إلى جانب أكواخ القصب والصرائف بنايات حديثة لمكتب القائمقامية ومحطة التلغراف ودائرة الجمارك وغيرها من المؤسسات العامة.
هكذا نشأت هذه المدينة قرية صغيرة تعرف بالقلعة وقد نزح إليها السكان من المناطق المجاورة لها فأصبحت بمرور الزمن قرية كبيرة لخصوبة أرضها ولالتقاء النهرين فيها.
ويبدو أن اسمها جاء من اقتران دجلة والفرات.
تهدمت في أيام آل أفراسياب ثم وسع بناؤها وجدد حتى أصبحت قلعة كبيرة عرفت ب(العليّة) نسبة إلى علي باشا ابن أفراسياب.
وظل اسمها كذلك حتى زال حكم آل أفراسياب في سنة 1078هـ 1667 م فعاد الناس إلى تسميتها بالقرنة ويشاهد فيها اليوم شجرة قديمة مشهورة تعرف محلياً باسم شجرة آدم عليه السلام.
وقد زار القرنة عدد من الرحالة الأوروبيين وأشاروا إليها ومنهم الرحالة الفرنسي شيراز فردريك سنة 1563 م إذ نوَّه في كلامه عن انحدار النهر بقلعة القرنة.
كما ذكرها أيضاً جون الدرد سنة 1583 م وذكر كيف أنه قبل بلوغه البصرة بنحو مسير يوم، يلتقي نهر دجلة والفرات وتقوم هناك قلعة يقال لها القرنة
عباس السلطاني
قره أولوس
هذه القبيلة من القبائل التركية المغولية إلا أنها معدودة الآن من الكرد، قد فقدت لغتها من جراء طول مساكنتها للأكراد في أنحاء مندلي (بالعراق) فعادت لا تعرف من لغتها السابقة شيئاً ذلك ما دعا المؤرخ العزاوي لأن يذكرها ضمن العشائر الكردية مع أنها من عشائر التركمان.
ومن أقدم الوثائق التي ورد فيه ذكر هذه القبيلة الفرمان الذي صدر في مقدار الضرائب التي تجبى منهم مع قبيلتي كلهور ذلك سنة 1120هـ. وكان رئيسهم أثناء تحديد الحدود عزيز بك ابن فتاح بك. وقبله كان والده خانه بك ابن سياد بك.
والملحوظ أنها ضيعت لغتها الأصلية من أمد بعيد ولا يُعرف بالتحقيق تأريخ نسيانهم لغتهم التركية، على أن العزاوي يقول: وقد رأيت بعض رجالها لا يعرفون غير التركية، ويعلمون إجمالاً أنهم ترك وهم شيعة.
وفروعها:
1 ـ قابتول أو قابتولي.
2 ـ كجيني (كجينه يي) وأصل كج الجص، والنسبة إليه كجيينه يي.
3 ـ نفتجي.
4 ـ جرموند وأصلها جرم بمعنى جلد، والنسبة إليه (جَرَمونَدْ).
5 ـ كاوسواري وتعني ركّابة البقر.
6 ـ كاكه وند.
وهؤلاء لم يكونو من اللر، ولا من الكرد، وكان رئيسهم حيدر باشا برتبة ملكية وله ابن اسمه بكر بك كان رئيس كتاب محكمة مندلي في العهد العثماني، وأما أنهم من الترك فهذا لا شبهة فيه أصلاً([1]).
قره باغ
مقاطعة جبلية في جمهورية آذربيجان ذات حكم ذاتي وهي تقع إلى الجنوب الشرقي من جبال القفقاس الصغرى وتبلع مساحتها 4400 كم2. وقد بلغ عدد سكانها حتى الأول من كانون الثاني 1976 م حوالي 156000 نسمة. وأكثر أهالي هذه المقاطعة من الأرمن، والباقون من الشيعة أما كثافة السكان فيها فبلغت حوالي 4/35 نسمة / 1 كم2. عاصمة هذه المقاطعة مدينة استباناكرت. وكان يوجد فيها 18 مؤسسة زراعية حكومية و64 مؤسسة زراعية جماعية في عام 1975م. أما مساحة اراضيها الزراعية فكانت تبلغ حتى عام 1975م، 100.63 هكتار. وأهم محاصيلها الزراعية: القطن والتبغ والحبوب والكروم، كما تطورت في هذه المقاطعة مهنة تربية الحيوانات. وتعتبر صناعة السجاد إحدى المهن التقليدية في المقاطعة.
ومدينة استباناكرت فيها دار المعلمين العالية، يدرس فيها حوالي 1600 طالب. وتحتوي المقاطعة على مسرح واحد و3 متاحف و222 نادياَ و188 داراَ للسينما.
قره داغ (جبال)
أو
قره جه داغ ـ أرسباران
من سلاسل جبال آذربيجان، تقع في الشمال وتبدأ من حوالي جبل آرارات المخروطي الشكل في الزاوية الشمالية الغربية لهضبة إيران وتمتد على شكل قوس بمحاذات نهر أرس حيث تتصل بجبال طالش في القسم الشرقي من آذربيجان. ويتراواح طول هذه السلسلة بين 220 ـ 320 كم وعرضها بين 30 ـ 50 كم. وترتفع قممها من 3440 ـ 3660 م حيث تفصل حوضي أرمية وبحر الخزر كل منهما عن الآخر. ولسلاسل قره داغ ـ أرسباران الرئيسة عدد من المرتفعات المتصلة بها، تمتد غالباَ باتجاه الجنوب ويطلق عليها أسماء مختلفة منها: جبال آق داغ وبيرسقّا في قضاء آهر، وخُروسلو في قضاء أردبيل، وصوفيان في قضاء تبريز، حيث تتمتع جميعها بأهمية بالغة لكثافة سكانها ولاعتبارها مصايف للرحّل في المنطقة.
قره قويونلو (البارانية)
ـ 1ـ
القره قويونلو، وتسمى: البارانيَّة. هي من القبائل التركمانية الأغزيَّة. ماضيها القبلي غامض، والمعرفة بها قليلة.
وتعني القره قويونلو الشياه السود. ولفظ قويون لا يُطلق على الخروف كما ذهب البعض فأطلقوا عليهم الخروف الأسود وإنما يُراد به الغنم.
كانت هذه القبيلة مهملة مثل عشائر متعدّدة. وقد استقلًّت أيام رئيسها بيرام خواجه، فاتصل بالسلطان أويس الجلايري وانتسب إليه. واستولى إثرَ وفاة السلطان على الموصل وسنجار عام 1376 م 778 هـ، وبقي يترقَب الفرص بعد أن كانت قد استولت على بحيرة وان. وبعد أن اتّحدوا مع حسين جلاير أسًّسوا سلسلة إماراتهم، ثم هجموا على أرمينيا وآذربيجان واستولو على جميع أراضيه وكان قره يوسف ثاني أمراء هذه السلسلة محارباَ سياسياَ قاسياَ عاصر تيمور وانهزم أمامه عاد بعد وفاته واسترجع ما غُصبَ منه وسيطر على العراقين وتوفي عام 1420 م ـ 823 هـ. وخلفه الأمير اسكندر الذي قتله ابنه قباد عام 1437 مـ 841 هـ.
خلف جهان شاه الأمير اسكندر. وكان سفَّاحاً لا دين له، على كثير من الحنكة والسياسية فقد أقام علاقات جيَّدة مع التيموريين. وفي العام 1446 م ـ 855 هـ كان إيران تعيش حالة اضطراب وزاد الطين بلَّلة أن قُتل السلطان محمد بن بايسنقر على يد أخيه بابر أثناء الحرب معه. وبعد أن سيطر بابر راسل علي ماماش تُستر التي كان والياً عليها من قبل السلطان محمد كلاّ من الوند وابن جهانشاه بير بوداق بامر من والده جهان شاه مع علي ماماش وفتح أصفهان، وبعدها أخذ كاشان، وتوجَّه لإلي شيراز، بها من الجقتاي الأمير سنجر الذي هرب.
وتقدَّم جهان شاه فدمَّر أصفهان بعد أن عصَت عليه، ودخلها قهراً، ثم منحها إلى ابنه محمد ميرزا. كما أنه جعل شيراز في قبضة ابنه بير بوداق، زأعطى كرمان لابنه الآخر يوسف ميرزا وأعطى يزد لزوجته. وهكذا وقعت إيران في قبضته. ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن الدواني الفيلسوف المعروف كان وزيراً عند السلطان يوسف ميرزا، وبقي فترة من الزمن قبل أن يستعفي من ذلك المنصب.
وبعد أن استَتبّ الأمر على هذه الصورة حدثت منافرةٌ بين جهان شاه وابنه بير بوداق بسبب ساتلمش الشيرجين فسيطر حهان شاه على شيراز وسلَّمها إلى انبه يوسف ميرزا. وانتهت الحرب بمقتل بير بوداق، بعد أن جرَّت اوضاعاً اجتماعيةً سيئةً وصلت إلى درجة الجوع عام 1465 م ـ 870 هـ وهكذا تربَّع جهان شاه على امبراطوية تفوق الخيال، وإذ سيطر على عراق العجم وعراق العرب وفارس وكرمان وسواحل البرّ وآذربيجان إلى حدود الروم والشام.
ولم يدم الامرُ طويلاً لينتهي هذا المجدُ بصورة لم تكن واردة في الحُسبان. فقد فرح حسن الطويل الذي كان حاكم ديار بكر بقتل جهان شاه لابنه بير بوداق، فعضب جهان شاه وجهّز جيشاً من خمسين ألف مقاتل، وهاجم حسن الطويل الذي ولى هارباً. وعند ذلك سرَّح جهان شاه جيشه وأبقى خمسة آلاف مضى للاستراحة. ولمي كن حسن الطويل غافلاً عن ذلك فاتنهز هذه الفرصة، وقضى على جهاتن شاه عام 1467 مـ 873 هــ، وقبض على ابنيه محمَّدي ميرزا وأبي يوسقف ميرزا. فانتهى أثره وخلفته وحكومة آق قويونلو، رغم محاولات حسن علي الذي خلف والده جهان شاه استمداد العون من الأمير أبي سعيد الحاكم التيموري ليتهي كلياً عهام 876 هـ، بعد أن لاحقه حسن بيك في آذربيجان، فولَّى هارباً.
الحالة الاجتماعية والثقافية في الدّوَلة البارانية
من الصعب أن نرصد حالةً ثقافيةً في وضع سياسي عاصف كالوضع الذي كانت تعيشه الدولةُ البارانيَّة وما يمكان أن نقوله هو ا نايَّ وضعية ثقافية أو عقلية كانت سائدةً إنما هي امتدادٌ للنتاج العام للدولة التيموريَّة، وأن هذه الوضعيات كانت تصل إلى مسارها الطبيعي من البقاء على حدَّها أو من التلاشي وسط حاجات ضاغطة جديدة. فقد كان الوضعُ الاجتماعي يتخلخلُ تحت وطأة الحروب. وكانت الحصارات المفؤروضةُ تزيد الوضعَ بؤساً، كما حصل عند محاصرة جهان شاه لابنه بير بوداق في شيراز، إذ غلت الأسعار، وأكلت الناسُ لحومَ البغال والحمير الأهلية. وتحوَّل إقليمُ فارس إلى مقاطعة مُهملة.
ويمكن رصد الحالة الثقافية من بعض الظواهر. فقد وَرَدَ أن جهان شاه كان رجلاً فاسقاً لا دين له، ومع ذلك يُنسب إليه فضلٌ في العقليَّات. ولا شكَّ بأن علاقة ما مكانت قائمة مع رجال العلم من فلاسفة وفقهاء، بمعنى أن هذا العصرَ لم يسهد حداً من هذه الاتجاهات، والدلي الأهم ـ كما رأينا سابقاًـ هو استيزارُ فيلسوف وعالم دين كالدَواني للسلطان يوسف ميرزا. ويبدو أن حالةَ الاضطراب السياسيّ وما رافقها من حروب لم تدفع حركة العلم إلى الأمام. ولذلك فقد عمَّ الشعورُ بالضَّعف وبنوع من اليأس. وتفشَّت في الناس الاعتقادات الثابتة بالطلاسم والأدعية كوسيلة من وسائل المعرفة. فثقد نُسبَ انتصارُ شاهرخ على قره يوسف إلى تلاوة القرَّاء لسورة الفتح اثني عسر ألف مرّة وجرى تعليل مقتل بير بوداق على يد أبيه جهان شاه بكونه من تأثير القران الثاني بالسرطان. كما جرى تعليل قتل جهانشاه قاتل ابنه بير بوداق كتحقُّق لنبوءة القرآن في قوله: (غلبت الرُّوُم) باعتبار هذه السنة تقابل قيمة (بضع سنين) القرآنية الواردة في هذه السورة كما عُلّلت هزيمةُ جهانشاه على يد حسن بك بقول عبد الرحمان البسطامي: إذا زاد الجيم في الطغيان قمعه ميم بن عثمان.
لقد أصبح السلاح وسيلةً لتحقيق القدر، باعتباره القوة المُسَيرة للأحداث، مع أنه بحدّ ذاته لا قيمة له. ومن هنا يمكنُ أن نفسّر عمليات القمع التي قام بها جهانشاه ببرودة متاهية للمولى علي من ولد السيد محمد المشعشع وأحد زعماء المشعشين، والذي قام بثورات لاقت نجاحاً في شيراز وكردستان وبهبهان، وانتهت بمقتله وإرسال رأسه إلى جهان شاه في بغداد. وفي نفس الإطار يمكن أن نفهم كيف أن حالة شعبيةً كبيرةً كان يرأسها جُنيد الصفوي تلاقي وقعاً سيئاً على جهان شاه. وكانت الإشاعات تُطيَّرُ بأن دولة العلويين الموعودة التي ستظهر في آخر الزمان وشيكةُ القيام بقيادة جُنيد الصفوي وأنه سيحارب في ركاب المهدي. وكان المُنجّمون يؤيدون ذلك فأصرَّ جهان شاه على جلاء جُنيد عن اردَبيل إلى موضع يختاره، وإلا فإنه سيُخرّبها. واضطرَّ جُنيد إلى الرّحيل تحت وطأة هذا التهديد إلى ديار بكر حسين كانت ولاية حسن الطويل.
صادق فضل الله
قره قويونلو
ـ2ـ
ترجع هذه السلسلة التركمانية (قره قويونلو) إلى سبكتكين المعروف بالباراني وتعني كلمة قره قويونلو باللغة التركية (الخروف الأسود) الذي كان شعارهم وفي هذه التسمية دلالة على ارتباط الحياة التركمانية بتربية الأغنام حتى أنهم كانوا ينحتون صورة الخروف على شواهد قبورهم وكانت صورة الخروف الأسود ترسم على راياتهم، في حسين كانت ترسم صور الخروف الأبيض على رايات القبائل التركمانية الأخرى التي عرفت باسم آق قويونلو (راجع: آق قويونلو). وعرفت قره قويونلو باسم آخر هو البارانية نسبة إلى زعيمهم سبكتكين الباراني كما عرفت آق قويونلو بالبايندرية نسبة إلى رؤساء قبيلة بايندر لأنهم كانوا يتزعمون اتحاد القبائل التركمانية آق قويونلو ويقول السمرقندي في تذكرته إن أصل قبيلة قر ة قويونلو من جبال غازقرد في ضواحي تركستان ثم هاجروا على آذربيجان وبدليس وخراسان وسواحل بحر قزوين وبدأ أمر هذه الطائفة أيام رئيها بيرام خواجة الذي اتصل بالسطان أويس الجلايري([2]) وفي سنة 775 هـ فاتخذهم السلطان لاجلايري رعاة لمواشيه ثم قوي أمرهم وتعاظم نفوذهم وعلى أثر وفاة السلطان أويس في سنة 778 هجرية استولت على الموصل وسنجار وأرمينيا ونواحي جنوب بحيرة وان ومارست الحروب وقامت بتدبير الملك وكانت تصافي الجلايرية مرة وتقارعهم أخرى وفي عام 779 هجرية أتحد زعيمهم مع السلطان حسين ان السلطان أويس الجلايري وبعد وفاة السلطان حسين سنة 874 هـ تربعوا على سلطة الحكم وفي أيام صولة تيمورلنك الذي استولى على شمال إيران وأرمينيا في عام 786 هـ إلى سنة 788 وعلى ديار بكر ووان سنة 796 هـ فأزيحوا عن الحكم كيلاً وراحوا يترقبون الفرص. وتزوج السلطان أحمد بن أويس الجلايري([3]) أبنة قره ممحمد بين بيرام خواجه قره قويونلو وساعد الساطان أحمد في حروبه لأخيه الشيه علي الجلايري فهزم الشيخ علي وقتله ثم أزاح تيمورلنك السلطان أحمد عن تبريز. وملك تبريز ره محمد وعاد تيمور ففر قره محم منها حتى توفي في الضشام سنة 792 هـ وخلف ثلاثة أولاد هم قره يوسف ويار علي وبير علي وفرّ قره يوسف إلى مصر وكان قد وصل إليها السلطان أحمد الجلايري وقد أجمع المؤرخون على لجوء قره يوسف والسلطان احمد إلى مصر.\ويروي لنا ـ جماعة من امؤرخين القريبين من عصر دولة قره قوينلو منهم بوداق منشي القزويني في كتابه جواهر الأخبار خروجه من مصر بما تعريبه وتلخيصه (… لما وصلت جيوش تيمورلنك إلى بعداد هرب قه يوسف والسلطان أحمد إلى مصر وسجنا معاً في سجن واحد وكلما طلب تيمورلنك المتوفى سنة 807 هـ تسليمهما لم يُجب طلبه وفي يوم أراد ملك مصر أن يلعب لعبة جوگان([4]) فأطلق سراح السلطان أحمد وقهر يوسف ليشاركاه اللعبة، فانتهزا الفرصة وفرا من الملعب ولم يتمكن الحرس من القبض عليهما فاجتمع مع قره يوسف ألف فارس من التركما كانوا قد جؤوا معه إلى مصر فخرج بهم من مصر ونشبت بينه وبين حرس الحدود المعارك الكثيرة فانتصر في جميعها حتى وصل إلى ديار بكر، وانضمت إليه قبيلته وأقرباؤه، فتوجهوا جميعاً إلى نخجوان واستولى على قلعة أوينك وفي غرة جمادى الأولى سنة 809 هـ التقى قرب نخجوان مع ميرزا أبي بكر بن ميرانشاه بن تيمورلنك فهزمه قره يوسف وجاء إلى تبريز. وفي 24 ذي القعدة سنة 810 جاء ميرزا أبو بكر ثانياً لحرب قره يوسف والتقى معه في شواحي تبريز فكسره قره يوسف واستولى على آذربيجان وبعد ذلك توجه إلى ديار بكر فانهزم حاكمها قره عثمان آق قويونلو وفي نسة 813 جرت حروب دامية بينه وبين السلكان أحمد الجلايري في تبريز وقبض على السلطان أحمد وقتله في 20 ربيع الثاني من السنة المذكورة واستولى على أكر المدن العراقية والإيرانية…)([5]).
وبعد أن قبض قره يوسف على زمام الحكم وقتل صهره على أخته السلطان أحمد الجلايري في أواخر ربيع الثاني سنة 813 هـ استولى على بغداد في الخامس من المحرم سنة 814 هـ دخلها الشاه محمد بن قره يوسف فكان والياً عليها بالنيابة عن والده ثم استولى على جميع الأراضي العراقية ومدنها واختار تبريز عاصمة لملكه ثم هاجم قره عثمان وحاصره في قلعة أرعين فطلب قره عثمان الصلح فلم يُقبل منه وقتله قره يوسف وي عام 815هـ وقعت حروب بينه وبين الأمير الشيخ إبراهيم الشيرواني فقبض على الضشيخ إبراهيم وحمله إلى العاصمة تبريز وقتله وفي سنة 1818 توجه قره يوسف إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة ثم فتح قزوين وطارم وساوه واتسع ملكه. ويعتبر عصر قره يوسف العصر الذهبي لدولة قره قوينلو الذين كانت بداية حكومتهم سنة 778 هـ بعد وفاة السلطان أويس الجلايري على يد باني صرحها بيرام خواجة في بعض الأنحاء العراقية كالموصل وسنجار وأرمينيا وانتقرضت عام 874 هـ على يد أوزن حسن المعروف بـ حسن الطويل أمير آق قويونلو بعد حروب دامية مع آخر ملوكهم حسن علي قره قويونلو الذي ظفر به حسن وقتله سنة 874 هـ واسعتولى على جميع ملكهم.
أمراء قره قويونلو
1 ـ بيرام خواجه بن تورمش المقتول حدود سنة 783 هـ والمدفون عند آبائه وأجداده في مقبرتهم في أرجيش قرب أرمينيا وهو مؤسس سلالة التركمان من قره قويونلو وباني كيان هذه الطائفة، منه تكونت دولة قره قويونلو وكان اتصل سنة 775 هـ بالسلطان أويس الجلايري المتوفى سنة 778 هـ وترعرع في بلاط الجلايريين فاتخذه السلطان أويس في رعي مواشيه ثم قوي أمره وازدادت شوكته وأصبح أميرأ في الجيش الجلايري، وعل أثر وفاة السلطان أويس سنة 778 هـ استقل الحكم واستولى على الموصل وسنجار وأرمينيا ونواحي جنوب بحيرة وان، ثم عقد معاهدة صلح مع السلطان حسين ابن السلطان أويس الجلايري وبعد وفاة السلطان حسين سنة 784 هجيرية استقل على الحكم وحارب تيمورلنك ووقعت حروب دامية بينه وبين منافسي عشيرته آق قويونلو وقتل في إحدى المعارك ونقل جثمانه إلى مدينة أرجيش قرب أرمينيا وفيها دفن وخلفه في الزعامة والحكم نجله قره محمد.
2 ـ نصر خواجة بن تورمش المقتول سنة 787 هـ خلف أخاه بيرام خواجه سنة 785 هـ كان رئيس القبيلة فأذهن لسلطان مصر وشوش على ابن أخيه قره محمد واستولى بهذه الوسيلة على ماردين ونواحي الموصل وقرأ الخطبة بأسم سلطان مصر فقوي أمره وقتله ابن أخيه قره محمد.
3 ـ قره محمد بن بيرام خواجة المقتول سنة 792 هجرية ثائر شجاع خلف ألاه على الحكم وهو مجدد كيان هذه الطائفة وقال بعض المؤرخين إنه هو مؤسس سلالة قره قويونلو ومنهم المستشرق استانلي لين بول في كتابه طبقات سلاطين الإسلام([6]) سعى للحكم بعد مقتل أبيه وحارب عمه نصر خوادجة وقتله عام 787 هـ. وقره محمد هذا تزوج السلطان أحمد الجلايري ابنته وتحالف معه ثم ساعد السلطان في حروبه لأخيه الشيخ علي حينما أعلن سلطنته ببغداد فكسر الشيخ علي وقتله وعندم انهزم السلطان أحمد أمام تيمورلنك في تبريز استولى قره محمد علي تبريز وأقم فيها ولده مصر خواجه والياً عليها بالنيابة عنه ثم عاد تيمور إلى تبريز ففر منه قره محمد وقتل ابنه مصر خواجه في معركة طاحنة وذلك عام 789 هـ وتوفي قره محمد وخلف ثلاثة أولاد وهم قره يوسف ويا علي وبير علي ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ضمن ترجمعة حفيده اسفند وقال: (كان السلطان أحمد الأيلكاني متزوجاً ابنته وكانت رئاسة جيش القره قونولية متعلقة به..)([7]). وذكره الأستاذ عباس العزاوي في كتابه تاريخ العراق قائلا (…. وكان قره محمد أيام إمارته قد نازعه عمه نصر خواجه… ولما قتل قره محمد خلفه ابنه قره يوسف في إمارته وهذا في الحقيقة مؤسس دولة البارانية وكانوا آنئذ مشتاهم العراق ومصيفهم آذربيجان…)([8]).
4 ـ قره يوسف بن قره محمد بين بيرام خواجه توفي يوم الخميس 7 ذي القعدة سنة 823 هـ في وجان وحمد إلى أرجيش ودفن في مقبرتهم كان يعيش مع يمورلنك عيشة الثوار المتمردين فلما كان تيمون في بلاد الروم استولى قره يوسف على العراق فأرسل تيمور حفيده ميرزا عمر إلى بغداد لمحاربته وأمر حفيده الآخر ميرزا رستم الذي كان في همدان بإمداده مع أبي بكر بن ميرانشاه وزير الحلة فإلتقوا مع قره يوسف ووقعت حروب دامية بينهم حتى قتل يار علي شقيق قره يوسف وانهزم قره يوسف إلى مصر مع ألف فارس من أنصاره وكان قد وصل إليها السلطان أحمد الجلايري وقد مرّ ذكر كيفية فرارهم من مصر وقد فصّل ترجمته في أعيان الشيعة([9]) ننقل بعض الوقائع هنا، فعند رجوع قره يوسف من مصر استولى مع أعوانه وأنصاره على قلعة أوينك وفي غرة جمادي الأولى سنة 809 هـ التقى قرب نخجوان مع ميرزا أبقي بكر بن ميرانشاه بن تيمورلنك فهزمه قره يوسف وجاء إلى تبريز وفي 24 ذي القعدة سنة 810 هـ جاء ميرزا أبو بكر ثانياً لحرب قره يوسف والتقى معه في حدود تبريز فكسره قره يوسف واستولى على آذربيجان وبعد ذلك توجه إلى ديار بكر فانهزم حاكمها قره عثمان آق قويونلو وفي سنة 813 هـ جرت حرب بينه وبين السلطان أحمد الجلايري صهره على أخته في تبريز فقبض على السلطان. احملد وقتله واحتل العراق وأعطاه لولده الشاه محمد ثم اتبع قره عثمان وحاصره في قلعة ارعني فقتله وفي سنة 815 هـ جرت حرب بينه وبين الأمير الشيخ إبراهيم اليرواني وجاء به إلى تبريز وتوفي سنة 820 هـ.
وفي سنة 818 هـ توجه إلى العراق واستولى عليها وعلى أكثر المدن الإيرانية والعراقية وفي سنة 823 هـ توجه شاهرخ بن تيمورلنك من خراسان لحرب قره يوسف فتلقاه قره يوسف فاتفق أن قره يوسف مات في أوجان موتاً طبيعياً وذلك يوم الخميس 7 ذي القعدة سنة 823 هـ ولم يمكن أحد من أولاده حاضراً عنهده فتفرق عسكهر ونهبت خزائنه ومضاربه وسلبت حتى ثياب بدنه وكان في أذنه حلقة ذهب فقطعوا أذنه طمعا في الحلقة وترك عريانا على وجه الأرض يومين وليلتين حتى حمل إلى أرجيش من بلاد أرمينية فدفن في مقبرتهم وذكره القاشي نور الله الشوشتري في كتابه مجالس المؤمنين ووصفه بأنه شجاع فارس ثائر. استولى على العراق وإيران([10]) وقد خلف ستة اولا وهو 1 ـ بيير بوداق خان 2 ـ اسكند 3 ـ ميرزا جهان شاه 4 ـ شاه حمد 5 ـ سافند 6 ـ أبو سعيد.
5 ـ يارعلي بن قره محمد بن بيرام خواده قتل في حدود سنة 802 هـ هو شقيق قره يوسف حارب تيمورلنك واتسولى على العراق وكان حاكماً في الموصل وفي سنة 798 هـ حارب تيمورلنك واستولى على العراق فأرسل تيمور حفيده ميرزا عمر إلى بغداد وحفيده الآخر ميرزا رستم الذي كان في همدان بغمداده مع ميرزا أبي بكر بن ميرانشاه بن تيمورلنك وزير الحلة وجرت حروب طاحنة بين الفريقين حتى قتل يارعلي وانهزم قره يوسف إلى مصر. ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة في ترجمة شقيقه قره يوسف وقال (…. فلما كان تيمور في بلاد الروم استولى قره يوسف على العراق فأرسل تيمور حقيده ميرزا عمر إلى بغداد لف عقره يوسف… فالتقوا مع قره يوسف ووقعت الحرب بينهم فقتل يارعلي وانهزم قره يوسف…)([11]).
6 ـ مصر خواجه بن قره محمد بن بيروام خواجه المقتول في سنة 789 هـ سعى للحكم بمساعدة أبيه وثار وحارب تيمورلنك وتملّك تبريز بعد فرار السلطان أحمد الجلايري عن تبريز وأصبح حاكم تبريز بالنيابة عن والده ثم عاد تيمور وحاصر تبريز ففر منه أبوه وقره محمد وقام مصر خواجه حتى قتل في معارك طاحنة مع تيمور.
7 ـ ساكندر بن قره يوسف بن قره محمد بن ببيرام خواجه المقتول في سنة 841 هـ استلم الحكم بعد وفاة أبيه واختار مدينة تبريز عاصمة له وتوج بها واستولى على جميع مقاطعة آذريجغان وفي يوم الاثنين 27 رجب سنة 824 هـ قصده شاهرخ بن تيمورلنك والتقى الفريقان في موضع يقال له يخشي واستمر القتال بينهما يومين وفي اليوم الثالث انهزم اسكندر إلى حدود الفرات ثم رجع شاهرخ إلى خراسان ثم عاد اسكندر مع رجاله إلى تبريز وساتولى على جميع آذربيجان وفي سنة 828 هـ قتل في أردبيل عز الدين شير ملك كردستان وقتل أيضاً الامير شمس الدين ملك أخلاط وفي سنة 830 هـ توجه نحو شيروان وضمها إلى ملكه وفي سنة 832هـ فتح مدينة السلطانية وأخرج منها جميع رجال شاهرخ بين تيمورلنك فتوجه شاهرخ إلى آذربيجان لقلع اسكندر وفي يوم الثلاثاء 17 ذي الحجة من هذا العام وقعت معارك ضارية بين شاهرخ وبين اسكندر وأخيه جهانشاه في ضواحي سلماس وأظهر اسكندر وأخيه جهانشاه في ضواحي سلماس وأظهر اسكندر شجاعة فائقة وقتل جمع غفير من زعماء ورجال القوات المغولية.
ثم استقر اسكندر مع جيوشه في أرض الروم ورجع شاهرخ إلى خراسان وفي سنة 834 هـ عاد اسكندر إلى آذربيجان وملكها وقتل أخاه أبا سعيد الذي نصبه شاهرخ والياً على آذربيجان وتوجه إلى شي ران ونهبها وضمها إلى ملكه وامتد سلكانه إلى بغداد وفي 2 ربيع الثاني سنة 838 هـ ذهب شاهرخ إلى العراق لدفع اسكندر فلما وصل إلى الري وانضم إلى الجيش المغولي جماعة من قوات قره قويونلو منهم ميرزاجهانشاه أخو اسكندر والأمير شاه علي ابن شاه محمد بن قره يوسف والأمير بايزيد أينلو من عظماء قره قويونلو فلما رأي اسكندر أنه لا قدرة له على المقاومة ترك آذربيجان منهزماً إلى أرض الروم بعدما قتل قره عثمان آق قويونلو الذي كان فيب أسره. ثم عقد ضشاهرخ معاهدة صلح مع قره قويونلو وفوضّ سلكنة تلك البلاد إلى حدود الروم والشام إلى جهانشاه شقيق اسكندر فهرب اسكندر إلى الروم وبعد مدة رجع اسكندر من بلاد الروم والتقى مع أخيه جهانشاه في صوفيان في ضواحي تبريز ووقعت بينهما حروب دامية وهرب اسكندر إلى قلعة النجق فحوصر فيها وقتله ابنه شاه قباد ذكره الأمير دولتشاه (842 ـ 900 هـجرية) في تذكرته صفحة 290 و294 ـ 295 وبوداق منشي القزويني في كتابه جواهر الأخبار ص 65 واسيد محسن الأمين في أ‘يان الشيعة المجلد الثالث صفحة 302 والقاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين ج2 ص 368.
8 ـ أبو سعيد ويقال سعيد بن قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه المقتول سنة 834 هـ أمير من أمراء قره قويونلو حظي باهتمام شاهرخ بن تيمورلنك فآزره في اعتلاء عرش السلطنة وملك آذربيجان تنازع مع أخيه اسكندر ووقعت بينهما حروب طاحنة فقتل أبو سعيد في تبريز سنة 834 هجرية.
9 ـ اسفند ويقال اسبند بن قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه توفي في بغداد يوم الثلاثاء آخر شهر صفر وقيل 28 ذي القعدة سنة 848 هـ بمرض القولنج ودفن في ضريح بناه لنفسه في حياته على شاطىء دجله في بستان عيسى آباد داخل بغداد. استقل بالحكم بعد قتل أخيه اسكندر المار الذكر. عاش أيام شاهرخ بن تيمورلنك عيشة الثوار وحمل عدة حملات على جيش شاهرخ وقتل كثيراً من أكابر أمراء الجيش المغولي كان شيعياً صلباً متجاهراً بالتشيع قضى على جميع معارضه وامتد ملكه من آذربيجان إلى العراق واختار بغداد عاصمة لحكومته وأعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في العراق وإيران وأمر بأن تكون الخطبة والسكة بأسماء الأئمة الاثني عشر. ذكره القاضي نور الله الشوشتري في كتابه مجالس المؤمنين قال (… كان اسبند شقيق اسكندر لأبيه وأمه وبعد وفاة أخيه استقل بالحكم في العراق وإيران وكان على خلاف أسلافة في غاية العفة والقناعة اكتفى في طول حياته بزوجة واحدة وكان قليل الأكل وفي أيام إمارته وقعت حروب كثيرة بينه وبين إخوته وأولاد إخوته وكذلك أمراء آق قويونلو وفي جميعها كان النصر له حتى أن أخاه جهانشاه الذي كان في آذربيجان مع ما كان له من قوة لم يستطع مقاومته وكان خائفاً منه وقد طلب اسفند علماء الفريقين من الشيعة والسنة للمناظرة وكان في ذلك عصر مرجعية للشيخ أحمد بن فهد في كربلاء فاستدعاه اسفند من كربلاء إلى بغداد ووقعت المناظرة بين الفريقين فأمر اسفند بإعلان المذهب الشيعي مذهبا رسمياً للدولة وضرب السكة وقرأ الخطبة باسم الأئمة الاثني عشر…)([12]).
كما استدل القاضي نور الله الشوشتري على تشيعهم بما كان منقوشا على خاتمي آرايش بيكم وأورق سلطان ابنتي اسكندر بن قره يوسف فقد كان على خاتم آرايش بيكم منقوشا هذا البين من الشعر:
در مشغله دنيا در معركة محشر
أزآل علي كويدآرايش اسكندر
وعلى خاتم أورق سلكان منقوشاً هذا البيت:
بود أزجان محمد آل حيدر
أورق سلطان بنت شه اسكندر
وعلى خاتم ميرزا بوداغ بن ميرزا جهانشاه بن قره يوسف منقوشا هذا البيت:
نامم بداغ بنده باداغ حيدرم
هر جاشهي است درهمه عالم غلام است
10 ـ جهانشاه بن قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه قتل سنة 872 هـ كان حاكم آذربيجان في حياة أخيه اسفند واستقل في الحكم بعد وفاة اسفند وساتولى على العراق وغالب بلاد إيران وحارب السلطان حسين بهادر وغلب على ملكه وقتل كثيراً من أمرائه وتمرد عليه ولده بوداق الذي كان والياً على بغداد وحاصره فيها ثمانية عشر شهراً فاشتد القحط في بغداد فاصطلح مع أبيه وفي سنة 871 هـ فتح جهانشاه ديار بكر وعند رجوعه منها اغتاله الأمير حسن بيك آق قويونلو بعد أن حاصره بين جبلين. وقتل أكثر قواده وأكابر أمرائه في سنة 872 هـ وعمره سبعون سنة وفصّل ترجمته دولة شاه (842 – 900 هجرية) في كتابه تذكره الشعراء، من ذلك قوله: (… كان شديد البطش إذا غضب على أحد أمرائه حكم عليه بالسجن الى الأبد وبعد وفاة أخيه وشاهرخ بن تيمورلنك استقل بالحكم وضمّ أكثر بلا د إيران والعراق إلى ملكه وحارب أولا شاهرخ واستولى على جميع ملكهم وامتد ملكه إلى خراسان وفتح هرات وقتل أكثر عظماء أمراء الجغتائية…)([13]).
11- بوداق ويقال بير بوداق بن جهانشاه بن قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه المقتول في سنة 871 هـ كان والياً في شيراز بالنيابة عن والده ثم دخل بغداد وتمرد على والده جهانشاه واستقل في بغداد وسائر المدن العراقية فزحف والده على رأس جيش إلى العراق وحاصر بغداد ثمانية عشر شهراً فاشتد القحط على بوداق وأصحابه وعسكره فاصطلح مع أبيه وجرى بين الولد والوالد في أيام الحصار مطارحات شعرية وذكر أرباب السير والمؤرخون في كتبهم هذه المطارحات الشعرية التاريخية التي جرت بين الولد وأبيه اللذين كانا من الشعراء والأدباء في عصرهما فاصطلح بوداق مع أبيه جهانشاه واستقل في العراق نيابة عن والده حتى قتله أخوه صلح محمدي سنة 871 هـ وقد ذكر الحوادث والمطارحات الشعرية دولة شاه (842 ـ 900 هجرية) في تذكرته وأضاف قائلاً: بعد ما الصلح تمّ الصلح بين جهانشاه وابنه بيربوداق للخلاص منه لأنه مشاغب فربما يقوم ثانية بما يقلل من شوكة الدولة ويضعف بنية الجيش، فقبل والده رأيه ودبر مؤامرة بترتيب صلح محمدي وفي يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة سنة 871 هجرية دخل جهانشاه مع حاشيته وجماعة من أمرائه وكبار رجال قره قويونلو إلى بغداد في حين كان بيربوداق جالساً في بهو قصره فحمل عليه أخوه صلح محمد وقتله…)([14]).
12 ـ شاه قباد بن اسكندر بن قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه قتل سنة 842 هجرية. كان أميراً على حدود الروم وشارك في الحروب مع آق قويونلو وعندما كان جهانشاه يقضي أيامه في معسكره الصيفي في قزل آغاج بطالش استطاع اسكندر أن يسيطر على تبريز بعد عودته سراً من الروم وتصدى له جهانشاه ووقعت معارك بين الفريقين في موقع يقال له صوفي آباد وساند شاه قباد عمه جهانشاه ضد أبيه اسكندر فهرب اسكندر والتجأ إلى قلعة أنجور ويقال قلعة النجق فحوصر فيها وتصدى له ابنه شاه قباد فقتل أباه غدراً واستقل شاه قباد بالحكم لفترة قصيرة واستولى عليه عمه جهانشاه وألقى القبض عليه وقتله قصاصاً.
13 ـ حسن علي بن جهانشاه بن قرة يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه المتوفى سنة 874 هجرية. خلف أباه على الحكم وهو آخر ملوك قره قويونلو اجتمع على عسكر أبيه وكان مسجوناً في حياة أبيه خمس وعشرين سنة في قلعة قهقهة في ضواحي آذربيجان وحين قتل أبوه جهانشاه جاء بعض أمراء أبيه منهم شاه علي وإبراهيم شاه إلى حسن علي وأخرجوه من القلعة المذكورة وكان في القلعة قسم من الخزائن فأخذه معه ودخل تبريز وتولى آذربيجان جميعها وقسم أموالاً عظيمة وجهز جيشاً من مائتي ألف فارس وصرف جميع أموال الخزائن على أمرائه ومقربيه إلا أن الفتن بين الأمراء والاغتيالات وصلت ذروتها، وسلبت راحة الناس وطمأنتها وأصبحت دولته متزلزلة. وفي هذه الأيام بالذات قويت شوكة أوزون حسن وازداد نفوذه فسيطر على الأقاليم المجاورة وفي 20 رجب سنة 872 هجرة زحف أوزون حسن نحو بغداد وحاصرها وكان حاكمها آنذاك بير محمد الطواشي والياً عليها من قبل حسن علي وفي هذه الأثناء كتبت إليه زوجة جهانشاه من قلعة النجق أو قلعة أنجور رسالة دعته فيها إلى تبريز عاصمة قره قويونلو لتسليمه القلعة والخزائن الموجودة فيها فترك محاصرة بغداد واتجه إلى تبريز وكان حسن علي بن جهانشاه قد حاصر قلعة النجق قبل وصول أوزون حسن إلى تبريز واستطاع حسن علي فتحها والسيطرة عليها فهاجمه أوزون حسن وهزمه واستلم الخزائن فهرب حسن علي وأخوته صلح محمدي ويوسف وبعض أمرائه نحو همذان بسبب خيانة بعض أمرائه الذين كانوا قد انضموا إلى عدوه ودخل أوزون حسن تبريز فاتحاً وسقطت عاصمة قره قويونلو في رجب 873 هجرية واستطاع جماعة من العسكريين الذين كانوا يطاردون حسن علي واخوته ورفاقه إلقاء القبض عليه في جبال الوند في ضواحي همذان وأرادوا تسليمه الى أوزون حسن حياً أن حسن علي انتحر خشية التعذيب فقطعو رأسه وأرسلوه إلى أوزون حسن وقطعو جسده إلى أربعة أقسام وعلقوها على بوابات همذان الأربع وأُحضر ابنا جهانشاه الآخران صلح محمدي ويوسف إلى أوزون حسن حيث سمل صلح محمدي وفر يوسف إلى شيراز وقتل هناك وانقرضت بذلك دولة قره قويونلو وانضم جميع أمراء وزعماء القبائل البارانية إلى أوزون حسن وبعد هذه الانتصارات سيطر أوزون حسن على جميع أنحاء ديار بكر حتى حدود الشام والعراق وفارس وحدود خراسان واستطاع أن يشكل أكبر امبراطورية بعد سقوط الدولة الساسانية.
سقوط دولة قره قويونلو
بدأ انقراض هذه الدولة التي أسسها بيرام خواجه بعد وفاة السلطان أويس الجلايري في سنة 778 هجرية مع بعض الانقطاع لفترات قصيرة، ودعمت أركانها وتجددت أسسها على يد ابنه قره محمد وحفيده قره يوسف حتى ضعفت أركانها لسوء تدبير حسن علي بن جهانشاه وانهارت في سنة 874 هجرية وذلك لأسباب كثيرة أهمها الحروب الطاحنة مع خصومهم من جهة والاغتيالات والتمرد بين أفراد الأسرة المالكة من جهة ثانية. وفي هذه الأثناء قويت شوكة أوزون حسن وتألق نجمه وازداد نفوذه فسيطر على الأقاليم المجاورة وحاصر بغداد ودخلها نجله الأمير مقصود في يوم الاثنين 14 جمادى الثاني سنة 874 هجرية ودخل أوزون حسن نفسه تبريز في رجب سنة 873 هجرية ظافراً واستدعى جميع القبائل من الآق قويونلو التي كانت تسكن شرقي الأناضول إلى إيران وأخذ أمراء وزعماء قبائل قره قويونلو يبايعون أوزون حسن ويعلنون له ولاءهم وكانت التطورات المتتابعة من أهم الأسباب في سقوط هذه الدولة كما لم تكن تقوم على أنظمة سياسية سليمة تضمن استمرارها، ولا تشكيلات إدارية دقيقة تسير بها الأمور لذلك انقرضت بأسرع مما كان يتوقع لها وتمكن أوزون حسن من توحيد الدولتين التركمانيتين التي انضم إلى صفوفها أكثر أمراء ورؤساء وزعماء قبائل قره قويونلو واستقبلهم أوزون حسن بحفاوة حارة بالغة.
الحياة والأوضاع الثقافية
عصر قره قويونلو هو أحد الفترات القصيرة في التاريخ الشيعي، إلا أنها كانت مزدهرة ثقافياً ومرت بأحسن الأدوار التي برزت فيها بعض المواهب العلمية والكفاءات وظهرت الحركات الفكرية والمدارس الفلسفية.
ونهضت كوكبة من أرباب الاجتهاد وأصحاب الآراء الحرة والحكماء والرياضيين منهم الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم المولود في 767 والمتوفي 811 هجرية وهو حكيم متله من مؤلفاته شرح مشكلات الفتوحات، والكمالات الإلهية، والناموس الأعظم وقاب قوسين، والسفر القريب. ترجمه إقبال اللاهوري في كتابه (سير الفلسفة بإيران) وقد أشاد به.
ومنهم محمد بن محمد نوربخش (795 – 869 هجرية). ذكره القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين المجلد الثاني صفحة 143. ومنهم شمس الدين محمد بن يحيى اللاهيجي تلميذ محمد نوربخش له كتاب شرح كلشن راز الذي الفه في سنة 877 هجرية. ذكره أيضاً القاضي نور الله التستري، في المجالس المجلد الثاني صفحة 180 ومنهم السيد المير علي الجرجاني (740 ـ 816 هجرية) الذي نصبه الشاه شجاع للتدريس بدار الشفاء بشيراز سنة 779 هجرية ولما سقطت شيراز بقيادة تيمورلنك أجبره على الإقامة بسمرقند ولما مات تيمور رجع إلى شيراز ومما ألفه بعد رجوعه من منفاه (شرح تذكرة الهيئة) لنصير الدين الطوسي وقد خلف تراثاً ضخماً ذكر مؤلفاته شيخنا الأستاذ في الذريعة والقاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين ج2 ص 217 ثم انتهت رئاسة تدريس الفلسفة العالية بعد وفاته إلى نجله السيد المير شمس الدين محمد المتوفى سنة 838 هجرية صاحب شرح هداية الحكمة وشرح الفوائد الغياثية وحاشية الطوالع، والغرة والدرة في تعريب الصغرى والكبرى لوالده. ذكره القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين ج2 ص 220 ومنهم الشيخ نجم الدين خضر ابن الشيخ شمس الدين محمد الحائري الحبلة رودي كان حياً سنة 885 هجرية من أكابر الفلاسفة وشيوخ الاجتهاد تخرج في شيراز على السيد شمس الدين محمد المار الذكر ثم انتقل الى العتاب المقدسة في العراق وجلس للتدريس في الحلة واستقر في كربلاء وانتهت إليه المرجعية، خلف تراثاً فكرياً ضخماً، ذكره شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك في الذريعة من مؤلفاته جامع الأصول في شرح رسالة الفصول وهو شرح مزجي لرسالة الفصول للشيخ الطوسي في الكلام، شرع بتألفه في كربلاء وانتهى منه في الرضوية من المحرم 834 هجرية، عندنا منه نسخة، ومنهم شاه نعمة الله (730 ـ 832 هجرية) المعروف بـ ولي من أقطاب العرفاء والحكماء طبعت مجموعة من رسائله عام 1311 ش. ذكره القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين ج2 ص 47 وصاحب جامع مفيدي في المجلد الثالث ومنهم الشيخ الخواجة صائن الدين علي تركة المتوفى سنة 830 هجرية الحكيم المتأله ذكره عبد الله الأفندي في رياض العلماء ج4 ص 240 ووصفه قائلاً: (كان من أكابر علماء الصوفية والحكماء المتألهين. وآل تركة فضلاء، أهل بيت معروف بالتشيع وقد كانوا في أصفهان وغيرها…).
ومنهم أحمد الصوفي توفي قبل سنة 892 هجرية من مؤلفاته مفتاح كنوز الأسماء والذخائر ومنهم حسن المعلم، من أكابر الفلاسفة كان حياً في سنة 848 هجرية صاحب رسالة في الحكمة بالفارسية سماها غذاء العارفين. ذكره الميرزا عبد الله الأفندي في رياض العلماء ج1 ص329 قائلا: (فاضل عالم حكيم المذهب صوفي المشرب…). ومنهم الميرزا غياث الدين جمشيد بن مسعود بن محمود الكاشاني المتوفى سنة 840 هجرية مهندس من علماء النجوم ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ج4 ص219 وقال عنه (… كان عالماً رياضياً فقيهاً) ثم ذكر أحد عشر عنواناً من مؤلفاته. ومنهم السيد الحسين بن محمد الحسيني كان حياً سنة 891 هجرية وهو الذي ألف كتابه دستور المنجمين ونسخته بخط المؤلف والنسخة من مخطوطات مكتبة ملك رضى طهران وعندنا منها نسخة من القرن التاسع عصر المؤلف، ذكره شيخنا الأستاذ الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة 8 ص168. ومنهم شمس المعالي محمد كيا كان حياً في سنة 817 هجيرية رياضياً مهندساً عالماً بالنجوم من أكابر علماء عصره له (مفتاح بيست باب) ألفه سنة 817 هجرية، عندنا نسخة بخط المؤلف ومنها نسخة رقم 5408 في مكتبة الروضة الرضوية في خراسان، وله رسالة في (دفع شبهة مماسة زحل لكرة الثوابت).
ومنهم السيد محمد الحسيني المعروف بالسيد منجم كان حياً سنة 803 هجرية كما في كشف الظنون. كان من أكابر العلماء الرياضيين، حكيم متأله. له مؤلفات في الهيئة والنجوم، منها (لطائف الكرام)، فارسي منه نسخة في جامعة طهران وأربع نسخ رم 5378 و5611 في مكتبة الروضة الرضوية في خراسان ذكره شيخنا الأستاذ آغا بزرك الطهراني في الذريعة ج18 ص320 ومنهم السيد كمال الدين حسن بن علي الاخلاطي الحسيني من علماء أوائل حكومة قره قويونلو ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ج6 ص94 قال (..عالم فاضل له كتاب ذخائر الأسماء كبير بالفارسية..) ثم ذكر سائر مؤلفاته. وكانت هناك جامعة فلسفية كبيرة باسم الإخوان الإلهيون نشأت في أواسط دولة قره قويونلو في شيراز (راجع: الإخوان الإلهيون) ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نحصي عدد الفلاسفة والعلماء والمهندسين والرياضيين في هذه الفترة وما تركوا من آثار والمراكز العلمية والمدارس الشيعية وما انتظم فيها من حلقات الدرس وهذا مما يرشدنا إلى أن الازدهار الفكري قد بلغ ذروته في هذا العصر. وأما الحياة الأدبية في عصر قره قويونلو فعلى رغم أن لغة التركمان هي اللغة التركية الآذرية فقد كانت اللغة الرسمية والمكاتبات الحكومية وسائر المراسلات كلها باللغة الفارسية وكما كان للشعر أهميته فنرى بعض ملوكهم ينظمون الشعر بالفارسية وانسجموا مع البيئة الإيرانية التي كانوا يعيشون فيها وأصبحوا في عداد الملوك الإيرانيين، وقد، انتقلت هذه النهضة العلمية إلى الصفويين فلم تنقطع الصلة بين الماضي والحاضر.
تشيع قره قويونلو
أجمع المؤرخون على أن إحدى هاتين الدولتين قره قويونلو (البارانية) وآق قويونلو (البايندرية) هم من الشيعة ولكن اختلفوا في تعيين ذلك وقد ذهب أكثر المحققين ومنهم القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين (ج2 صفحة 367 – 370) إلى أن قره قويونلوهم من الشيعة كما نص في (أعيان الشيعة) على تشيع قره قويونلو وأبدى تحفظه في آق قويونلو حيث قال (…وهناك طائفة أخرى من التركمان تعرف بآق قويونلو استولت على ديار بكر ولواحقها من سنة 870 إلى سنة 908 ملك منها تسعة أمراء وهذه لم يوقف لها على آثار في التشيع. نعم يقال إن رأسهم أبو النصر حسن بك ابن أمير علي بن عثمان كان شديد المحبة والإخلاص للشيخ صفي جد الملوك الصفوية وقد زوج السلطان جنيد أخته والسلطان حيدر بن جنيد ابنته وأما الطائفة الأولى فقد قال صاحب مجالس المؤمنين إنهم كانوا شيعة)([15]).
يقول عبد الحسين الصالحي: بعد التحقيق والتفحص الدقيق في المصادر المخطوطة والمطبوعة ونقود الدولتين وألواح قبور أمرائهم وسلاطينهم وما هو مكتوب على المساجد والتكايا تأكد لي أن الدولتين قره قويونلو (البارانية) وآق قويونلو (البايندرية) هم من الشيعة وكان أمراؤهم يتجاهرون بالتشيع ويتعصبون للشيعة ويقيمون مجالس العزاء لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام في أيام المحرم وصفر والاحتفالات في مواليد الأئمة الأطهار عليهم السلام وعيد الغدير وغيرها من مراسم ومواسم شيعية وأثبتنا في بحث آق قويونلو في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية تشيع آق قويونلو الذي كان محل تردد وخلاف عند بعض المؤرخين ثم وعدنا هناك بتحقيق ذلك في دراسة دولة قره قويونلو وسنذكر في هذه الدراسة تشيع قره قويونلو بإيجاز:
1 ـ إن الجلايريين كانو شيعة ومتجاهرين بالتشيع حين اتصل بيرام خواجة رئيس طائفة قره قويونلو بالسلطان أويس الجلايري كان يحمل عواطف شيعية وترعرع في بلاط شيعي مع أمراء شيعة فاتخذ السلطان الجلايري أصحابه رعاة لمواشيه وأمراءهم وسائر رجالهم فريقاً في جيشه لمحاربة التيموريين.
2 ـ ظهر في عصر قره قويونلو كبار علماء الشيعة المتجاهرين بتشيعهم كالشيخ علي العراقي المؤلف بالتجاهر المتطرف، والسيد علي القائني صاحب القصائد الشعرية بالفارسية في مديح أهل البيت والدفاع عن إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ذكره القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين وأورد كثيراً من شعره([16]) وفي هذه الفترة نرى أن أمر التقية قد انعكس حيث صار يعمل بها أحياناً غير الشيعة كما جرى لأبي بكر الطهراني([17]) وانتشرت في هذا العصر الأشعار الحماسية في مدائح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام التي كان يستظهرها المنشدون المتجولون بزي الدراويش ويتنقلون في المدن والقرى بإنشادهم الشعري بصوت جلي ونغمة موسيقية مما يثير الحماسة ويبث التشيع في نفوس الناس.
3 ـ كان سلاطين وأمراء قره قويونلو من الشيعة المتجاهرين بالتشيع والغريقين في بحار محبة العترة الطاهرة والمؤمنين بعقيدتهم والمتواصلين في حبهم لأهل البيت عليهم السلام وتبدو هذه الظاهرة في تواقيع سلاطين وأمراء هذه الطائفة منها ما كان على خاتم بيربوداق بن جهانشاه بن قره يوسف منقوشاً عليه هذا البيت من الشعر باللغة الفارسية.
نامم بوداق بندء باداغ حيدرم
هرجا شهي است درهمه عالم غلام ماست
يعني: اسمي بوداق وأنا ملتهب بحرارة الإيمان بما أنا من أخلص عبيد حيدر. وكان على خاتم آرايش بيكم بنت اسكندر بن قره يوسف منقوشاً هذا البيت من الشعر باللغة الفارسية:
در مشغله دنيا در معركة محشر
از آل علي كويد آرايش اسكندر
في مشاغل الدنيا وفي معركة المحشر
تهتف آرايش اسكندر بذريه علي
وكان منقوشاً على خاتم الأميرة أوراق سلطان بيكم بنت السلطان اسكندر هذا البيت من الشعر الفارسي:
بود أزجان محب آل حيدر
أوراق سلطان بنت الملك اسكندر
ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نستقصي أسماء سلاطين وأمراء وأميرات هذه الطائفة الذي كان منقوشاً على خواتمهم عبارات وجمل تثبت ولاءهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ومحبتهم للعترة الطاهرة.
4 ـ جزم القاضي نور الله التستري في كتابه مجالس المؤمنين بتشيع هذه السلسلة مستدلاً على ذلك بما كان منقوشاً على خواتيم سلاطين وأمراء وأميرات هذه الحكومة كما مرّ ذكرها وأثبتناه وبمؤتمر بغداد الآتي ذكره والذي انعقد في أيام حكومة اسفند الذي دعا إليه الشيخ أحمد بن فهد المرجع الأعلى للشيعة من كربلاء([18]).
5- ذهب السيد محسن الامين في موسوعته أعيان الشيعة الى تشيع هذه الدولة وقد ترجم لبعض امرائهم وسلاطينهم في تراجم مستقلة وبعض الآخرين ضمن ترجمة ابيه أو أخيه وممن ترجم له ترجمة مستقلة في أعيان الشيعة وجزم في تشيعه:
1 ـ الأميرة آرايش بيكم بنت اسكندر بن قره يوسف في المجلد الثاني ص 86.
2 ـ السلطان اسفند بن قره يوسف المتوفى سنة 848 هجرية في المجلد الثالث ص300.
3 ـ السلطان اسكندر بن قره يوسف المقتول سنة 841 هجرية في المجلد الثالث ص302.
4 ـ الأميرة أوراق سلطان بنت اسكندر بن قره يوسف في المجلد الثالث ص516.
5 ـ قره يوسف بن قره محمد بن بيرام خواجه المتوفى سنة 823 هجرية في المجلد العاشر ص 322 وغيرهم.
6 ـ من أهم الأحداث الشيعية في عصر حكومة قره قويونلو مؤتمر بغداد الذي دعا إليه السلطان اسفند ويقال اسبند بن قره يوسف المتوفى سنة 848 هجرية وطلب حضور الشيخ أحمد بن فهد الحلي (المولود 756 والمتوفى 841هجرية) للمشاركة فيه فيمن طلب حضورهم من علماء الشيعة والشيخ أحمد يومذاك كان المرجع الأعلى للشيعة، ودعا جماعة من كبار علماء المذاهب السنية في بغداد فاجتمعوا في قصره بحضوره وجرى النقاش والمناظرة بين علماء الفريقين وبدا تفوق ابن فهد فأمر السلطان اسفند بأن تكون الخطبة والسكة بأسماء الأئمة الاثني عشر، يقول عبد الحسين الصالحي: كان السلطان اسفند متجاهراً بالتشيع موالياً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عريقاً في عقيدته المنحازة إلى أهل البيت عليهم السلام.
7 ـ شاهدنا في مدينة قزوين وغيرها شواهد قبور الأمراء وزعماء وسلاطين من سلسلة قره قويونلو منقوشاً عليها صورة خروف ثم لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وعلى بعضها بعد لا إله إلا الله أسماء أصحاب الكساء الخمسة عليهم السلام وفي حواشيها أسماء المعصومين الأربعة عشر، هناك ثلاث قطع من شواهد القبور هذه من الرخام الأبيض بأحجام مختلفة بين متر إلى نصف متر نقلت إلى متحف قزوين وقد رآها كاتب هذه السطور منذ عهد قريب.
8 ـ ولعل أعظم حدث في عهد قره قويونلو الذي يثبت عواطفهم الشيعية وولاءهم للتشيع هو رفع الضغط وإعطاء الحريات للمدارس الفلسفية الشيعية في قبال المتزمتين المتكئين على الحكم غير الشيعي، والجهر بالأفكار الفلسفية التي كانت تدرس قبلاً في الخبايا الشيعية ومن أهم هذه المدارس التي نشأت في منتصف القرن التاسع مدرسة (الإخوان الإلهيون) وفي شيراز ثاني مدن قره قويونلو بعد آذربيجان والتي امتد صداها حتى القرن العاشر الهجري (راجع: الإخوان الإلهيون) ثم انشقت إلى شطرين المدرسة الفلسفية الدوانية والمدرسة الفلسفية الدشتكية ونرى مشاحنات علمية حادة منطقية وفلسفية وكلامية وعرفانية لمتخرجي المدرستين الشيرازيتين الدوانية والدشتكية وأخذ كل من الفريقين يدافع عن أستاذه ومدرسته حتى ظهور الدولة الصفوية في سنة 907 هجرية واختيار قزوين عاصمة للدولة وظلت قزوين من أهم قواعد المدارس الفلسفية الشيعية في الحضارة الصفوية وتراثها الضخم. وهذا لم يكن وليد ليلة وضحاها.
9ـ شاهدنا بعض أحكام ومراسيم صدرت من جانب السلطان اسفند والسلطان اسكندر وغيره من أمراء وأميرات قره قويونلو وكذلك صكوك وقفية تصرف وارداتها على إنارة الروضة الحسينية والروضة العباسية وعلى مجالس التعزية الحسينية وسائر الأئمة عليهم السلام.
عبد الحسين الصالحي
أمراء قره قويونلو في العراق
ولاية حسن علي بن زينل
أثر موت الطواشي اتفق الأمراء وبوصية منه أجلسوا حسين علي بن زينل يوم الاثنين 2 رجب سنة 873 هـ بعد الزوال بساعة، وذلك بوصية من الطواشي وكان هذا رجلاً عدلاً، حسن السيرة، رقيق القلب، ذا شفقة وإحسان على رعيته. وكان صهر بير محمد، تزوج بنته([19]).
ومن الجملة كان شكا عنده الرعية أن في البلدة جماعة يستوجبون القتل فأمر بقتلهم فقتلوهم. منهم فضيل وناصر مصطفى وخواجه شيخي الدزفولي ويوسف الأسكافي وغيرهم.
الحلة
ثم أعطى الحلة إلى شاه علي بن قره موسى فعصى عليه وجاء بشخص يقال له شاه علي بن اسكندر وكان لابساً كينك (لبداً) دايراً في البلاد وهو درويش فأقامه في الحلة وسلطنه واقاما جميعاً مدة على هذه الحال فأرسل إليهما حسن علي المذكور أخاه شاه منصور وجماعة معه فوصلو إلى قلعة بابل فرأوا قره ول (قره غول، حراس) شاه علي بن قره موسى فتلاقوا معهم واصطلحوا وعاب القراول على أميرهم وقالوا لهم الجسر منصوب نمضي على غفلة. فما شعر أولئك إلا والعسكر عابر على الجسر والناس يظنون أنه القره ول الذي أرسله…
ومضوا إلى أن وصلوا إلى دار السلطان فأحاطوا بها. وكان ابن اسكندر وابن قره موسى في القلعة وهم عرايا فأخذوهم وقتلو ابن قره موسى. وأما ان اسكندر فألقى بنفسه إلى صاحب الزمان وقال كنت درويشا وهذا جاء بي قهراً وطلب الأمان فلم يفد قوله هذا وضربوا رقبته وحزّوا رأسه وأرسلوه إلى بغداد فأعطى حسن علي الحلة لأخيه شاه منصورة.
ثم مرض حسن علي فأرسل خلف أخيه وجاء به من الحلة وكان في بغداد خمس أخوة من أكابر الباوت قد تحالفوا على قتل حسن علي. فلما وصل أخوه شاه منصور حكى له صورة الحال فقام شاه منصورة وسيدي أحمد جمال وجمعوا الخمسة بالحيلة وقتلوهم ورموهم في الميدان.
ثم بعد ذلك مات حسن علي يوم الأحد 2 ربيع الآخر سنة 874 هـ وكانت مدة حكمه تسعة أشهر.
شاه منصور بن زينل
لما أن توفي أخوه تولى، وكان ظلوماً غشوماً جاهلاً على خلاف ما كان أخوه متصفاً به. وقتل أناساً كثيرين من أكابر العسكر من جملتهم مظفر بك وشاهسوار وولي بك وأولاد الأمير عبد الله وجماعة كثيرة من غير جريرة ولا ذنب. وجمع نساء كثيرة وبقي طول نهاره وجملة ليله يشرب الشراب ويأكل الحشيش بغير قاعدة على طريقة الإسراف، ويفسق بالنساء. ويركب أكثر نهاره فيضرب له بالطبل والزمر.
بقي على هذا العمل مدة شهرين. وكان كور خليل ومقصود بن حسن بك بالموصل فتوجها الى كركوك ودقوقا وآلتون كبري وحطوا هناك.
وأرسلو قاصداً إلى شاه منصور يقول له:
ما تقول؟ جئناك!
ـ قال: إن البلد بلد حسن بك تعالو استلموه، توجهوا!
فلما وصلوا إلى قرب دوخلة خرج شاه منصور من البلد فالتقى بهم فوصلوا وقت العصر إلى برية بين دوخلة والجديدة فحط بعسكره وحط خليل بك بعسكره فقال شاه منصور قد طبخنا طعاماً كلوا منه وغداً باكراً توجهوا.
وفي تلك الليلة عاب عليه جميع عسكره وانضموا إلى خليل فلم يبق سواه في الخيمة. فلما انتبه من نومه لم ير عنده أحداً ولا (ركابداراً) فاستولوا على خيله ومعداته وجميع ما كان معه فلم يبق له شيء وأخذوا الفرس التي تحته. وحينئذ أعطوه كديشاً (اكديشاً) لا يتحرك من موضعه فاركبوه وجاؤوا به إلى بغداد فخاف أهل بغداد ولكن لم ينهبوا أحداً ولا أهاجوا امرءاً.
وتوجه شاه منصور إلى داره. وكان قد أخلى لهم دار السلطنة، وبقي مقدار سبعة أيام أو ثمانية يروح ويجيء إلى الديوان فاشتكى عليه النساء اللاتي قتل أزواجهن فقال خليل أحضروا القضاة لننظر القضية طبق الأحكام الشرعية فكان حكم القضاة أن النفس بالنفس فحكوا عليه بالقتل فقتلوه وقتلو أخاه بيرام بك وطرحوه في الميدان فأكلته الكلاب ودفنوا عظامه بمقبرة مجاورة قنبر علي وذلك يوم الاثنين 14 جمادى الآخرة سنة 874 وقتلوا في ذلك اليوم ذا النون الدرويش وكان رجلاً كريماً. قيل أنه كان في تكية بكردستان يذيع بأن حسن بيك مات وقتل عبد الله الأسود وكان أيضاً رجلاً درويشاً وكان قد أحبه شاه منصور وألبسه الثياب النفيسة وجعله جليسه. فقالو لخليل إن هذا كان يعلم شاه منصور الأفعال الخبيثة فقتله([20]).
وكانت مدة حكمه شهرين و12 يوما وهذا آخر من حكم من دولة قره قويونلو… ومن ثم ابتدأ حكم آق قويونلو….
سلاطين قره قويونلو في العراق
1 ـ قره يوسف (سلخ ربيع الآخر سنة 813: 7 ذي القعدة سنة 823).
2 ـ الأمير إسكندر (24 رجب سنة 824: 25 شوال سنة 841).
3 ـ الأمير جهان شاه (25 شموال سنة 841: 5 ربيع الأول سنة 872)
4 ـ حسن علي ميرزا (شوال سنة 872: شوال سنة 873).
ولاة بغداد وأمراؤها
1 ـ الأمير شاه محمد بن قره يوسف (5 المحرم سنة 814: 18 شعبان سنة 836 هـ).
2 ـ الأمير أسبان (18 شعبان سنة 436: 28 ذي القعدة سنة 848 هـ).
3 ـ فولاذ ابن الأمير أسبان (28 ذي القعدة سنة 848: 14 ربيع الأول سنة 850 هـ).
4 ـ محمدي بير بوداق بن جهان شاه (11 رمضان سنة 852: 2 ذي القعدة سنة 870 هـ).
5- الأمير بير بوداق بن جهان شاه (11 رمضان سنة 852: 2 ذي القعدة سنة 870 هـ).
6- بير محمد الطواشي بن زينل (2 ذي القعدة سنة 870: 2 رجب سنة 873).
7- حسن علي بن زينل (2 ربيع الآخر سنة 874: 14 جمادى الآخرة سنة 874 هـ).
8- شاه منصور بن زينل( 2 ربيع الأخر سنة 14:874 جمادى الأخرة سنة 874هـ)
بقايا قبيلة قره قويونلو (البارانية)
هؤلاء لم يبق منهم بعد انقراض حكومتهم إلا القليل، وتكاد تكون مائتة بموت حكومتها، وبقاياها اليوم لا تتناسب أوضاعها مع تلك السطوة والقسوة.. وإنما تنحصر في قرى ضئيلة في مكانتها، ضعيفة في قدرتها، هادئة وديعة… وغالبها ذاب في قبائل التركمان، أو تفرق في المدن الكبيرة، أو تبع مراكز القوة..
وهذه أشهر قراهم الموجودة اليوم:
- قره قويونلو العليا.
- قره قويونلو السفلى.
- جمالية.
- رشيدية.
- قاضية.
- بعويزة.
- ديرج.
- جنجي.
- باريمه.
- فاضلية.
- أورته خراب.
- تلاره (تل ياره).
- عمر قابجي.
وهي تابعة ناحية تلكيف، ولا نقطع في أنها كلها من قره قويونلو سوى القريتين الأوليين، وسائرها مختلط، أو هم تركمان، بينهم قره قويونلو، عاشوا معاً بعامل الألفة.. وفي بعض هذه القرى عرب وكرد([21]).
أثر من آثار (قره قويونلو) موقوفات النصرية[22](*)
قال السيد حسن القاضي الطباطبائي:
بعد تجزئة امبراطورية تيمورلنك وبداية حكم ملوك الطوائف في البلدان التي فتحها نشأت أقوى دولة في القسم الغربي والشمال الغربي لإيران واستمرت لمدة 42([23]) عاماً باسم دولة (قره قويونلو) أو (البارانية) حيث تمكنت من القضاء على بقية الدويلات وحكمت آذربيجان وديار بكر والعراقين والقفقاس وكانت نهايتها عام 907 على يد الشاه إسماعيل الصفوي. ولا شك بأن أمير كبير أبو النصر أوزون حسن كان أقوى شخص في سلسلة ملوك قره قويونلو إذ أنه كان إضافة الى تدبيره لأمور الدولة من الناحية السياسية مثل سن القوانين المفيدة في سبيل الحصول على الضرائب وكذلك قيامه بفتوحات كبيرة فإنه كان مشجعاً للثقافة والمعرفة ومحباً للعلماء والمشايخ والقضاة والأشراف من أبناء علي وفاطمة عليهم السلام وكانت تبحث في مجلسه القضايا العلمية والفقهية والحديث. كما عرف عهده بإنشاء المدارس والمساجد مما أدى إلى الاستقرار وراحة البال بالنسبة للمجتمع والعلماء.
وكتب يحيى بن عبد اللطيف الحسيني القزويني مؤلف كتاب (لب التواريخ) الذي عاصر (أوزون حسن)، شرحاً وافراً مفيداً بحق هذا الأمير حيث يمكن من خلال قراءة تلك السطور استنتاج مدى رغبة الأمير في مجالسة الفقهاء والعلماء ولمزيد من الاطلاع ننقل عبارات المؤرخ التالية: «كان ملكاً عارفاً قاهراً صاحب الشوكة ومربي الرعية وكان يتمتع بالعدل والرأفة والهيبة وصولة في الكلام. وكان بمثابة القانون في استيفاء الأموال والحقوق ويصل إلى أغوار المهمات والقضايا ويحكم بالحق والعدل. والشرع الشريف أخذ في زمانه رواجاً عظيماً وكان للقضاة الإسلاميين مكانة عالية وكان يجالس العلماء والفضلاء حيث تتم في تلك المجالس بحوث التفسير والحديث والققه. كما أنه كرّم السادة (من أبناء فاطمة وعلي عليهم السلام) والمشايخ وكان يهب لهم الأراضي والمعاشات وشيد المساجد والمدارس والخانات»([24]).
وتوفي أوزون حسن عام 882 في تبريز بعد أن حكم البلاد أحد عشر عاماً ونيّف ودفن في بستان (النصرية) الذي كان قد شيده بنفسه في العاصمة تبريز([25]).
وكتب حافظ الحسيني الكربلائي أيضاً في كتابه النفيس (روضات الجنان) شرحاً حول أمراء آق قويونلو([26]) وكرر تقريباً نفس الموضوعات الواردة في كتاب(لب التواريخ) حيث لا حاجة لنا بنقل ما كتب. والمزية الوحيدة لهذا الكتاب هي نقله لأقوال جلال الدين محمد الدّواني العالم المشهور والتي يمكن الاستنتاج منه مدى رعاية (البايندريون) للعلماء وتواضعهم أمام الدراويش الحقيقيين. وخلاصة القول كما يقول الدواني فإن حكام هذه السلالة كانوا مثالاً للمناقب الحميدة والمكارم المجيدة([27]) ولم يكن لهم هدف ـ مع ما لديهم من العظمة والاقتدارـ سوى تعظيم شعائر الدين وتشجيع العلماء والمفكرين وأصحاب القلم وأرباب المعرفة والعلم.
ومن بين العلماء الأعلام والسادات الكرام في ذلك العصر والأكثر شهرة ومقاماً لدى الأمير نامدار آق قويونلو كان السيد الأمير عبد الغفار الطباطبائي الذي كان موضع رعاية الأمير واحترامه ولم يكن له نظير بين علماء زمانه حيث عاش على الزهد والكفاف والبعد عن مسرات الحياة. والتقى بالأمير أوزون حسن قبل أن يصل إلى مقام السلطنة، التقاه في بغداد قبل سفره لأداء فريضة الحج والبشارة وقد وصل الأمير عبد الصفار الطباطبائي في عهد ذلك الأمير إلى منصب شيخ الإسلام الجليل وبعد ذلك أصبح نجله الأمير عبد الوهاب الطباطبائي (الجد الأعلى للطباطبائيين في تبريز) صهر ذلك الأمير مما حضي بالكمال والجلال من جميع الجوانب. وذكر شاهد صادق([28]) بأن الأمير عبد الوهاب الطباطبائي توفي في عام 922 في سجن السلطان سليم وأرسل وصيته من معتقله إلى أولاده وأحفاده([29]). ونظراً لقربه ومكانته المحترمة لدى ذلك الأمير فقد تسلم سدانة وإدارة الموقوفات التابعة لذلك الأمير والمعروفة بإسم (النصرية) ومن المؤسف أننا لم نحصل على أسماء الأملاك والموقوفات في النصرية لكي نتمكن من تعيين اسم ومكان كل منها بصورة دقيقة ولكن استناداً إلى نص الشهادة المدرجة في تلك المبادرة فإنه يكون واضحا ً بأن سدانة النصرية أيام عهد الملوك الصفويين كانت بيد أحفاد الأمير عبد الوهاب بدون منازع ولا معارض وقد التزموا وعلى أساس الوصية بأن ينفقوا من عائدات هذه السدانة على تأمين حاجاتهم اليومية وينفقون الباقي في مجالات البر وتعمير الموقوفات. وكان وضع إدارة الموقوفات بنفس الشكل الذي كان عليه سابقاً وأشرنا إليه، حتى عهد نادر شاه حيث لم تصبح شروط الوقف عملية وذلك بعد التدخل غير المناسب وغير المدروس من قبل موظفي نادر شاه وعماله في شؤون الأوقاف حتى في أمور معيشة القائمين على السدانة مما أوجد الخلل في أعمالهم وعرّض الموقوفات إلى التلف والضياع. وبعد مقتل نادر، تصدى لأمر الموقوفات أحد أحفاد الأمير عبد الوهاب واسمه الميرزا محمد تقي القاضي وهو من مشاهير عهد الزندية وأوائل عهد القاجارية، واستطاع الميرزا محمد تقي الحصول من علماء تبريز على الشهادات والإثباتات لتلك الموقوفات ووجوه صرف المبالغ وكيفية الحصول على العائدات، وبذلك استطاع أن يثبت جدارته في السدانة والإشراف الحقيقي على الوقف فاسترد السيطرة من قبل رجال الدولة.
وقبل أن ننقل نص شهادة الشهود علينا أن نبدأ بالتعرف على الميرزا محمد تقي القاضي ثم نعمد إلى ذكر تلك الشهادة التي هي وثيقة تاريخية هامة.
ذكر عبد الرزاق دينلي في كتاب (تجربة الأحرار وتسلية الأبرار) أن الميرزا تقي القاضي هو أحد تلاميذ الوحيد البهبهاني وتوفي عام 1222 هـ إضافة إلى اطلاعه التام على فنون اللغة العربية والفقه والتفسير وعلم الكلام وقيامه بمنصب القضاء، كان ماهراً في شؤون الوعظ والخطابة. والشرح الذي كتبه على دعاء الصباح يعكس مدى تمكنه من الفنون الأدبية والعلوم الإسلامية.
وكتب الميرزا حسن الزنوزي صاحب كتاب (رياض الجنة) شرحاً حول الميرزا تقي قبل الدينلي ولكن لأن الكتاب المذكور لم يطبع إلى الآن فإن من الأفضل أن نذكر عبارات المؤلف لكي يتضح للقراء مدى اطلاعه ومستوى معلوماته.
«نص الشهادة”
إن هذه الوثيقة التأريخية التي نحن بصدد نشرها تعود إلى مكتبة السيد الميرزا لطف علي خان الطباطبائي التي وصلته إرثاً من آبائه وأجداده وقد تفضل وسمح له بنشرها مع المقدمة لكي يتضح الأمر في أذهان القراء إضافة إلى كونها خدمة للتأريخ وأضاف بأن نص هذه الوثيقة يجب أن يحفظ في مكان أمين كما يجب أن يكون في مكان يسمح لعامة الناس بالإطلاع عليها.
شهادة الوقف
بعد مقدمة موجزة تقول:
إن أي شخص لديه الإلمام الكامل والعلم الشامل عليه أن يعرف بأن الملك حسن ملك التركمان المرحوم والمغفور له قد خصص بقعة رفيعة ومسجداً عالياً ومدرسة مرموقة في دار السلطنة تبريز وقدم المبالغ اللازمة للموقوفات في دار السلطنة ونواحيها وتوابعها مؤكداً أن صرف خراج المسجد والمدرسة من تلك الموقوفات، وتعود إلى جميع المسؤولين والموظفين فيها ليأخذوا منها رواتبهم، وسدانة تلك الموقوفات المذكورة والمسماة بموقوفات نصرية تعود إلى ابنتي وإلى داعي دوام الدولة القاهرة السيد محمد تقي الحسني قاضي تبريز من أولاد ابنتي. وكانت سدانة هذه الموقوفات من عهد سلاطين الصفوية ساكني الجنة إن شاء الله وخاصة الملك طهماسب المعظم بيد آبائي وأجدادي رحمة الله عليهم وهم:
جدي ميرزا محمد علي([30]) وعمي ميرزا صدر الدين محمد([31]) ووالدي الميرزا محمد من سلالة السادات العظام([32]) ، وكانوا يضبطون ويدققون سنوياً مدخولات وعوائد السدانة فيأخذون لمعيشتهم حق السدانة والتي تتماشى مع شرط الواقف الجد الأكبر والباقي يصرف في الأوجه المذكورة في شروط الواقف.
ومنذ عهد الملك المرحوم نادر شاه طاب ثراه كانت عائدات الموقوفات بيد القائمين عليها ولا يعود لي منها شيء لكي أؤمن معيشتي منها.
وأنني سأوقع على كلمتي الشهادة في هذه الصفحة وحواشيها راجياً تزيينها بالتوقيع الشريف لكي تتضح لأصحاب الاختيار والاقتدار وتكون حجة عند الحاجة مستوفية مضمون الآية الشريفة {إنَّ الّله لا يُضيعُ أَجرَ المُحسنِينَ}([33]) ولن نضيع الله. والسلام على من اتبع الهدى.
بسم الله خير الأسماء
إن البقعة الرفيعة لحسن بادشاهي الواقعة في ميدان صاحب عمران تبريز([34]) والموجودة حالياً هناك بسبب انقطاع الأوقاف عنها قد اندرست، وموقوفات (نصرية) عبارةً موقوفات الملك حسن والتي تتضمن شروط الواقف في البقعة الرفيعة المذكورة وعُهد بواجبات أرباب الاستحقاق والسدانة الشرعية للموقوفات إلى أبناء بنت الملك حسن وفخامة السيد ميرزا محمد تقي وهو من جملة أولاد بنت الملك حسن الذين تولوا سدانة موقوفات نصرية حسن بادشاهي منذ قديم الأيام وفي إطار الشرع والدين المطاعين وحسب التسلسل الرقمي للسلاطين الصفويين ساكني الجنة مع آباء وأجداد المومى إليه وفي أيام الشاه طهماسب رحمة الله عليه وغفر له كانت سدانة الموقوفات المذكورة بيد المرحوم ميرزا محمد علي جد المذكور وميرزا صدر الدين محمد عمه وميرزا سيد محمد والده. وفي كل عام تصله عائدات الموقوفات كحق للسدانة بمبلغ يكفيه لمعيشته السنوية والآن فإن الموقوفات بيد ولاة تبريز ولا يصل إلى الميرزا محمد تقي أي دينار منها.
حرر هذه الشهادة الداعي لدوام الدولة القاهرة. المتوكل على الله الغني عبده أسد الله الحسني([35]).
بسم الله خير الأسماء
كان المرحوم الملك حسن أيام سلطنته قد بنى البقعة الرفيعة والمسجد العالي والمدرسة العلية في وسط تبريز المعمورة ووضع مبلغاً كلياً من موقوفات وخراج المسجد والبقعة المذكورة وجعل سدانتها والقيام بالواجبات لهذه الموقوفات بيد أولاد ابنته وبيد أحد أبناء بنت حسن بادشاه وكانت سدانة موقوفات (النصرية) وهي عبارة عن تلك الموقوفات المذكورة على أساس الشرع والدين المكين بيد آباء وأجداد المشار إليه أيام سلاطين الصفوية من قديم الزمان. وفي أيام الشاه طهماسب كانت السدانة الشرعية بيد المرحوم ميرزا محمد علي جد المومى إليه ثم الميرزا صدرا عمه وفخامة سلالة السادات ميرزا السيد محمد والده وفي كل عام يأخذ مبلغاً تحت عنوان حق السدانة يصرفه على إدارة شؤونه ومعيشته ومنذ أيام نادر شاه، انقطعت الموقوفات وهي الآن بيد ولاة تبريز ولا يعود دينار واحد إليه.
حرره الداعي ابن شرف الدين محمد، عبد النبي الشريف العبد المذنب عبد المطلب([36]).
القرويين (جامع)
تروي مصادر التاريخ أن هذا الجامع أسس سنة 245 هـ (859) في عدوة القرويين غربي فاس على عهد يحيى بن محمد بن إدريس بعد أن ضاق جامع الأشياخ بوارديه، وأن بانيته هي السيدة فاطمة أم البنين وهي من أسرة عربية فهرية قيروانية هاجرت الى المغرب واستقرت في العدوة القروية من مدينة فاس([37]).
وكان المسجد في ذلك الوقت على شكل مربع تقريباً ومساحته 1248 متراً مربعاً. وبعد مدة تقرب من قرن استدعت الحاجة إلى توسيعه، وقد تحقق ذلك في سنة 322 (934 م) على يد حاكم فاس أحمد بن أبي بكر الزناتي على عهد عبد الرحمن الناصر الذي كان مسيطراً بنفوذه على المغرب في ذلك الوقت. وكانت هذه الزيادة الجديدة في جهات المسجد الثلاث: الشرق والغرب والجنوب. وكان مقدارها 2748 متراً مربعاً، فصارت مساحة المسجد حينئذٍ 3996 متراً مربعاً.
ولقد حدثت زيادة أخرى مقدارها 1850 متراً مربعاً على يد سلطان المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين سنة 531 (1137م) فصارت مساحة المسجد 5846 متراً مربعاً. وكانت الزيادة هذه المرة من الجهة الشمالية أي من ناحية المحراب. وامتازت بزخرفة فنية رائعة دفعت ببعض الناس الى طمسها بطبقة من الجير عندما استولى الموحدون على الحكم خوفاً من تأنيبهم ولومهم. ولقد اكتشفت أخيراً هذه القبة الرائعة بمحض الصدفة.
وفي السنوات الأخيرة عثر الأستاذ عبد الهادي التازي في مساحة المسجد الأولى على لوحة أثرية هامة ترجع إلى عهد الأدارسة، وقد نقشت عليها العبارة التالية: «هذا مما أمر به الإمام أعزه الله داود بن إدريس أبقاه الله ونصره».
ولقد استنتج الأستاذ التازي من هذا النص أن القرويين بنيت سنة 293 وليست سنة 245. وأن بناءها تمّ على عهد داود بن إدريس وليس على عهد يحيى بن محمد بن إدريس.
وكيف كان الأمر فالمهم هنا أن جامع القرويين قد اتخذ صبغة دراسية جامعية إلى جوار صبغته الدينية الأساسية، فصار بعد ذلك في العصور الإسلامية المختلفة مركز إشعاع ثقافي وروحي ووطني من إفريقيا كلها. وكان منبر القرويين وما زال الى اليوم منبراً برلمانياً تذاع من عليه الأنباء الهامة كبيعة الملوك وإعلان الحرب والرسائل السلطانية المختلفة. وكان شيخ الجماعة وهو من أكبر علماء القرويين سناً وعلماً هو الذي يقرأ الظهائر السلطانية.
قزل أوزن (نهر)
حوض قزل أوزن: يصب قسم من مياه آذربيجان الموجودة إلى الجنوب من قمم جبال بزقوش وسهند (خط تقسيم مياه قزل أوزن وآجي جاي) وإلى الشرق من قمم جبال خواجه وشاه مردي (خط تقسيم مياه قزل أوزن وزرينه رود) وإلى الغرب من قمم جبال طالش، في عدة أنهار صغيرة وكبيرة لتصب بالتالي في نهر قزل أوزن ومنه في سفيد رود ثم بحر الخزر. وتبلغ مساحة قسم من حوض سفيدرود الذي يقع في آذربيجان حوالي 10000 كم 2 ويشتمل على أقضية هشترود وميانه وخلخال. ويمكن أن نذكر من الأنهار المهمة التي توجد في هذا الحوض وتجري جميعها نحو ميانه وتصب عندها في قزل أوزن: شهر جاي (وتبلغ مساحته 2130 كلم 2 وكمية المياه السنوية من 70-80 مليون م3) وقرنقوجاي (بمساحة 1600 كم2 وكمية المياه السنوية تقدر بـ 63 مليون م3) وقزل أوزن (بمساحة 2620 كم2 وكمية المياه السنوية تقدر 1674 مليون م3).
القزلباش
-1-
أطلق اسم القزلباش على المؤيدين المخلصين والمضحين في الدولة الصفوية في فترة حكم الشاه إسماعيل، وقد خضع هذا الاصطلاح لعدة تفاسير من قبل الباحثين والمحققين. ولما كانت هذه التفاسير تعتمد في أغلبها على الخيال والظنون أو على أخطاء المحققين الأجانب، فقد حاولت في هذه السطور أن أبحث كل رأي من هذه الآراء على حدة وأترك الحكم للقارئ:
في المجلد الأول من كتاب «زندكاني شاه عباس أول» يكتب نصرالله الفلسفي حول القزلباش معتمداً على كتاب (جهان آرا)، حيث يقول: «القبعة الحمراء أو تاج القزلباش كان السلطان حيدر قد اعطاها لأول مرة إلى الصوفيين والمريدين الذين كانوا آنذاك يرتدون (طاقية) تركمانية على رؤوسهم، وقد كتب حول هذا لاأمر بأن (.. السطان حيدر رأى في المنام كأن أمير المؤمنين عليه السلام ظهر له في الرؤيا وخاطبه قائلاً: أي بني حان الوقت ليظهر من صلبك ابننا ويحطم رايات الكفر من العالم. ولكن ينبغي لك أن تصنع للصوفيين والمريدين تيجاناً، ثم أخذ حضرته قطعة من السقرلاط الأحمر وكان بيده مقص فصنع تاجاً وأحدث فيه اثنتا عشرة فتحة. وعندما أفاق السلطان حيدر من نومه استحضر الرؤيا التي رآها وصنع تيجاناً بنفس الكيفية ثم وزعها على الصوفيين وأسمى هذه التيجان (بالتاج الحيدري). ولما كانت كلمة الأحمر في اللغة التركية تعني (قزل) فقد اشتهر هؤلاء بإسم القزلباش. ثم يتبع حديثه في هذا الشأن بعبارة:
«كانوا يسمون هذه القبعة الحمراء ذات الفتحات الاثنتي عشرة بالتاج»([38]).
وحول نفس هذا الموضوع كتب أبو القاسم الطاهري في كتاب (تاريخ سياسي واجتماعي إيران)… (من موت تيمور إلى موت الملك عباس) في معرض حديثه عن ذوي القبعات الحمراء يقول:
يعمد أحياناً مثل هؤلاء المؤلفين المتعصبين إلى الكذب والتلفيق في سبيل كسب مودة الملك أو نيل الجاه والمال لديه ومن ثم يعرضون حادثة معينة بأسلوب ومضمون مختلفين من موضع لآخر بحيث يصاب الباحث المتعمق بالدهشة والاستغراب، وعلى سبيل المثال نرى صاحب (تاريخ جهان آرا) يتعرض لذكر رؤيا الشيخ حيدر في موضع معين بكل إسهاب وإطناب، ولكنه يغفل ذكرها في موضع آخر حتى يخيل إلى المرء أنه قد (نسيها وفي نفس الوقت ينسب هذه الرؤيا إلى سيد مقيم في تبريز في عصر الملك إسماعيل الأول)([39]).
إضافة إلى كون (جهان آرا) يعتمد في كتاباته الظن والخيال، وفقدانها بذلك الوثائقية التاريخية فهي أيضا لا تتطابق مع تقاليد وأعراف الحياة في زمن الحادثة.
كان التاج أحد الألبسة العامة للإيرانيين في زمن التيموريين وكانت مثل هذه التيجان وغيرها موجودة حتى قبل الشيخ حيدر.
ورد في كتاب الملابس الإسلامية، تأليف الدزي ضمن الحديث عن التاج وانتسابه إلى الشيخ حيدر، في معرض حديثه عن مضر بن أياس الحديث التالي: «نزل هو وأتباعه عن القلعة، وقد ربطوا مناديلهم في أعناقهم طالبين الأمان من تيمورلنك، وعندما وصلوا إزاءه، خلع تيمور عليهم أقبية حمر وتوجهم بتيجان مطرزة بالذهب»([40]).
وفي كتاب (بوشاك إيرانيان) يتحدث جليل ضياء بور في معرض تعريفه بأنواع القبعات السائدة في عصر التيموريين فيقول:
«يظهر رجال يضعون العمائم على رؤوسهم وهؤلاء قد لفوا عمائمهم حول قبعة ذات شق نصف كروية (وهي قبعة عالية ورفيعة) وبتعبير آخر يشدون المناديل حول القبعات أو التيجان ولدينا في ذلك شواهد أخرى من الماضي وثمة صورة تبرز شدَّ المنديل حول القبعة»([41]).
وقد ورد ذكر القبعة في أشعار عارف الأردبيلي، و«عارف الأردبيلي هو من خطباء القرن الثامن وفي عهد السلطان أويس جلاير سافر إلى شيروان بناء على دعوة شيروانشاه الأعظم كيكاوس بن قباد (774-745) لتعيينه في تعليم إبنه ثم كتب منظومة بعنوان (فرهاد نامه) باسم ذلك الملك. وتوجد نسخة واحدة منها في مكتبة آيا صوفيا…».
ويبدو أن التباساً حصل بعد التيموريين في زمن الدولة الصفوية بين كلمة الترك بمعناها المعروف وبين كلمة الترك (فارسية) والتي تعني الشق فأسموا التاج ذا الاثني عشر (ترك) بالقبعة ذات الفتحات أو الشقوق وهي القبعة التي انتخبها الشيخ حيدر لمريديه إشارة إلى الأئمة الإثني عشر، والحال أن تاج ترك أو تاج (دوازده ترك) ليس قبعة بل لا وجود خارجي له وإنما هو صفة تطلق على الأشخاص الدراويش الذين يختارون العزلة على ما سواها وهي مثل قبعة الفقر أو قبعة الفخر. وإذا ما قيل إن الشخص الفلاني قد ارتدى تاج (دوازده ترك) فمعنى ذلك أنه أصبح درويشاً بكل معنى الكلمة، وقد طوى كل مراحل السلوك.
وفيما يلي نذكر معنى ومفهوم كلمة تاج في اللغة والاصطلاحات والتعبيرات العرفانية، تأليف السيد جعفر السجادي في سبيل إطلاع القراء عليها ثم نورد شواهد من تاريخ (عالم آراي) للأميني:
«التاج: يشير التاج إلى اثني عشر تركاً واثني عشر طلباً، وعلى الدرويش أن يتخذ من كل ترك أمرين، تركاً لقبيح وطلباً لعمل حسن ليكون لائقاً بهذا التاج.
وقد استعمل فضل الله بن روزبهان الخنجي في (تاريخ عالم آراي أميني) هذه الكلمة عدة مرات، ويظهر من كتاباته أنه ليس قبعة وإنما المقصود به (التاج) هو ترك الحرص والطمع الدنيوي وترك لذات الدنيا والركون إلى القناعة والاعتزال. ثم يكتب حول أبيه «كان المرحوم أبي جمال الحق والحقيقة، أعلى الله درجته في الجنان قد ترك الزعامة بعد نهوضه بها لسنين طوال وأبدلها بتاج الترك، ومن ثم أعرض عن مناصب أجداده إعراضاً تاماً، واكتفى بكنز التفرغ وقال أبياته في زاوية من بستان واصفاً حاله…»([42]).
وفيما ورد أعلاه، نرى أن كلمة التاج مصرح بمعناها أتم تصريح. ثم يتعرض مؤلف (تاريخ عالم آراي) لشرح حال الشيخ صفي الدين، وقصة رفض دعوة السلطان في السطلانية وهو ضمن انتقاده لجمع الأموال والتلاعب السياسي، يعتب على الصفويين لأنهم بدلاً عن اختيارهم وترجيعهم لترك التاج والعرش واقتناعهم بتارج الترك، أصاب قلوبهم هوس الحكم الخسروي.
وفي كتابه (تشكيل دولة ملي در إيران) يقول الكاتب والمحقق الألماني والتر هينتس:
«ثمة خلاف طويل حول ماضي وقصة هذه القبعة، إلا أنها كانت قد اندثر رواجها بعد وفاة حيدر ولكنها عادت بكل قوة في زمن الشاه اسماعيل». ثم يضيف في حاشية هذا الموضوع قائلاً: «يزعم ترسي يه Tercier في صفحة 765 إن رواج هذه القبعة كان بعد الانتصار على الوند ومراد أي في الفترة التي أعقبت عام 1503 م (908 هـ) ونحن نعتقد أن قبول مثل هذا الكلام أمر لا يخلو من صعوبة([43]).
يبدو أن لما كتبه (ترسي يه) واقع تاريخي، إذ كان استعمال كلمة (قزلباش) و(سرخ سر) و(كلاه سرخ) أصبح متداولاً بعد الشاه إسماعيل ولم يكن متداولاً قبل ذلك، إذ يذكر فضل الله بن روزبهان الخنجي الذي تعتبر كتاباته من أوثق المصادر التاريخية المكتوبة عن الصفويين – في كتابه «مهمان نامه بخارا»، أن الشاه إسماعيل هو الذي استعمل أسماء القزل باش وسرخ كلاه وقزل برك، بينما نرى (تاريخ عالم آراي أميني) يتحدث عن الصفوية بإطناب وخصوصاً حرب الشيخ حيدر والسنتين اللتين تلتا الشيخ حيدر ثم ينهي الموضوع بأنواع التهم والسب والشتم الموجه إلى الصفويين دون ذكر كلمة واحدة عن (القزلباش) و(القزل برك) أو (كلاه سرخ) باعتبارهم مريدي الشيخ حيدر.
لقد أوردنا في الصفحات السابقة الآراء حول كتابات جهان آرا وتاج (دوازده ترك) الذي يعتمده فلسفي مصدراً له. ولكن هذا الأستاذ يورد في كتابه مصدراً آخر حول لفظة القزلباش وهو جدير بالدراسة والملاحظة. ففي حاشية ص 168 يتحدث عن الرسائل المتبادلة بين السطان بايزيد الثاني والشاه إسماعيل ثم يقول:
«كان هذا السلطان (بايزيد) نفسه، قد ردّ في جوابه على الرسالة التي بعث بها السطان يعقوب آق قويونلو بن أوزون حسن يبشره فيها بمقتل الشيخ حيدر والد الشاه إسماعيل، فيعرب عن سروره بهذه البشرى ويذكر الصوفيين بكل سوء ومما كتبه بيتان يتحدث فيهما عن الصوفيين ويصفهم بذوي القبعات الحمراء».
يعتبر نصر الله الفلسفي وبعض المؤلفين هذين البيتين سنداً تاريخياً حول كون مريدي الشيخ حيدر يرتدون القبعات الحمراء. وقد وردت رسالة السلطان يعقوب ابن السلطان بايزيد الثاني ومعها الألقاب والعناوين في الصفحات 616 إلى 619 من كتاب «أسناد ومكاتبات تاريخي إيران» وهو من جمع وتأليف عبد الحسين نوائي. ويختتم السلطان رسالته المفعمة بالألقاب والعناوين المحيرة والتي تستغرق ثلاث صفحات بهذه العبارات:
«لقد فرح أهل الأرض باستيلاء وغلبة الفرقة البايندرية الناجية أيدهم الله على الفرقة الحيدرية الضالة لعنهم الله ودمرهم، وعمّ نور شمعة هذا الفتح والانتصار أرض الشام والروم».
أولاً: يذكر السلطان يعقوب في رسالته جزئيات وتطورات الحرب ويورد خبر موت الشيخ حيدر في صدر أخباره وبشرياته وهو لا يمتنع عن ذكر أي شتم أو كلام بذيء، وقد كتبت هذه الرسالة بيد كاتب البلاط فضل الله بن روزبهان([44]). ونحن لا نرى فيها أي إشارة إلى التاج أو القبعة وإلى الحمرة أو البياض لكي يتمنى السلطان بايزيد في جواب أن يغرق ذوو القبعات الحمراء بدمائهم.
ثانيا ً: يكتب السيد الفلسفي بصراحة: «أعرب السطان بايزيد عن سروره بهذا الخبر وذكر الصوفيين القزلباش بالسوء وكان هذان البيتان من ضمن ما قاله…» وهنا بيت القصيد، فهو يشبه الصوفي في هذين البيتين بشقائق النعمان، وعيب شقائق النعمان يكمن في قلبها الأسود (وهو يقول في الشعر «قلبها مثل القير”) وليس في حمرتها ومثل هذه الأبيات نرى الكثير من القصائد المنظومة في تلك العصور.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار هدف السلطان بايزيد في ذم الفرقة الحيدرية الضالة لعنهم الله هو إرضاء السلطان يعقوب، ومن ثم فهو يذكرهم في المصراع الرابع بتشبيههم بشقائق النعمان ويستفيد من ذلك للإشارة الى الصفة الذميمة.
الأمر الآخر هو احتمال كون هذه الكلمة (القبعة الحمراء) الواردة في الأبيات لا تختص بالقزلباش (الإسم الذي حمله مريدو الشيخ حيدر فيما بعد) وإنما تطلق على عموم الصوفيين الذين يرتدون على رؤوسهم (طاقيات). إذ كانت (الطاقية) الحمراء في ذلك الوقت لباساً شعبياً عاما ً، وحتى الشيخ حيدر كان يضع (طاقية) على رأسه.
يذكر فضل الله بن روزبهان في شرح حال الشيخ حيدر الذي أحضر إلى تبريز بأمر من السلطان يعقوب، فيقول: «اقتضت الأوامر العالية بإحضاره إلى دار السلطنة، فجاء إلى تبريز في لباس أهل المسكنة والفقر، في خرقة بالية واضعاً على رأسه طاقية خرقة»([45]).
وبما أن كتابات فلسفي تحظى بثقة وقبول عامة الناس، فلذلك نرى أن من المناسب الاهتمام بها أكثر.
يتعرض الأستاذ في الصفحة 162 من «زندكاني شاه عباس أول – المجلد الأول» إلى وصف القزلباش وشرح تاجهم ثم يعرض صورة، كتب تحتها (صورة لتاج القزلباش من قماش الحرير في القرن العاشر الهجري)، وكذلك فإن والتر هينتس يتعرض في كتابه (تشكيل دولة ملي در إيران) إلى وصف قبعة حيدر وتاج (دوازده ترك) الأحمر لأتباع حيدر ثم يتبع ذلك بصورة هي عين هذه الصورة لإظهار هذا التاج.
وإذا كانت هذه الصورة وهذه القبعات المذكورة في الصور هي دليل على تاج القزلباش فينبغي القول بأن تاج القزلباش كان موجوداً في أواخر القرن التاسع حتى في خارج العائلة الصفوية وخارج مناطق نفوذها.
كتبت مجلة (يادكار) في عددها السابع في سنتها الثانية بحثاً حول حياة سلطان علي المشهدي الخطاط المعروف في بلاط حسين ميرزا، وأوردت في صفحتها السادسة عشرة صفحة من ديوان السلطان حسين ميرزا بخط السلطان علي وتصوير للكاتب وتلامذته منسوب إلى بهزاد. وفي هذه الصورة يظهر الكاتب وتلامذته بقبعات تشبه تماماً تاج القزلباش، وقد تمت كتابة هذا الكتاب في ربيع الثاني من عام (899 هـ) في هرات.
بالإضافة إلى ذلك فإن ديوان نظام الدين علي شير نوائي (844-906) الوزير العالم والفنان للسلطان حسين ميرزا قد كتب أيضاً بخط سلمان علي مشهدي، وقد نشرت له صورة في عام 1964 م قبل نشرة الفن في موسكو. وفي هذا الديوان ثمة أربع صور تحتوي جميعها على قبعات هي نفس قبعات أو تيجان القزلباش الموجودة في الصور التي يعتمد عليها فلسفي ووالتر هينتس.
النظرية الأُخرى
للدكتور البارتيزي نظرية خاصة بشأن القزلباش يكتبها في أكثر تحقيقاته التاريخية وهي كما يلي:
«ورد في الروايات الصوفية أن الأمير تيمور شاهد على ضفاف جيحون سيداً يمشي على ظهر الماء دون أن يغرق فيه وكان الأمير تيمور آنذاك هارباً من الأمير حسين، فأصبح من مريدي الشيخ صدر الدين (الصفوي) ويعده الشيخ صدر الدين هنا بالسطان والاستيلاء على العالم وإحداث المجازر وإهلاك الحرث والنسل وإضعاف الإسلام وكل ذلك يتم على يده… وفي نفس هذا اللقاء قدم صدر الدين منديلاً أحمر إلى تيمور ووعده بالسلطان. وعلى أي حال عمد تيمور في طريق عودته من أنقرة إلى زيارة الخواجه علي إعراباً عن شكره وإرادته للصوفية، وفي أثناء اللقاء أشار الشيخ إلى كثرة الأسرى الذين لا مأوى لهم وطلب منه إطلاق سراحهم. ويروى أن الشيخ قال لتيمور: هؤلاء الأسرى هم من خاصة مريديّ وهم مثلك في هذه الإرادة، فإذا استمروا في ذلتهم هذه فإن ذلك لا يرضي الله وستطرد أنت، فقال تيمور: كيف يتسنى لي معرفة مريديك من غيرهم من بين كل هؤلاء الأسرى؟ فأخرج الشيخ من تحت الجلد الدرويشي نفس الخرقة الحمراء التي أراها الرجل الأول للأمير تيمور ووعده فيها بالحكم والسلطان والسيطرة على العالم ثم رماها أمام تيمور وقال:
«إن مريدي هو كل شخص شدّ إلى رأسه قطعة من هذه الخرقة فقل لجندك أن يخرجوا هؤلاء من بين الأسرى ويسلموهم لي» فأسمى هؤلاء الأسرى أنفسهم بالقزلباش([46]).
أولاً: يذكر صاحب (تاريخ عالم آراي عباسي) ما نصه: «على الرغم من عدم اطلاعي على هذه الرواية في كتب التاريخ أو في نثر ونظم هذه السلالة فإنها في غاية الشهرة والتواتر في تداولها على ألسنة الناس». ومن هذا نفهم أنه هذه الرواية شفهية وليست حادثة تاريخية مدونة.
ثانياً: إذا كان الأمير تيمور التقى أثناء فراره من الأمير حسين بصدر الدين على ضفاف جيحون وتحدث معه فإن ذلك يعود تقريباً إلى عام 770هـ. بينما تمّ لقاء تيمور بالخواجه علي (بن صدر الدين) في عام 805هـ بعد وقوع أيلدرم بايزيد في الأسر أي بعد 11 عاماً من بعد وفاة الشيخ صدر الدين و35 عاماً من (لقاء رجل الدين الأول على ضفاف نهر جيحون)، وكان لقاء رجل الدين الأول وإراءته لتيمور منديلاً أحمر (هذا إذا كان صحيحاً) قد تمّ بين الأخير (تيمور) وصدر الدين في عام 770 وليس مع الخواجه علي حتى يتذكر القصة ويطالب بإطلاق سراح الأسرى.
ينقل نصر الله الفلسفي في حاشية ص162 من كتاب (زندكاني شاه عباس أول- المجلد الأول) عن مؤلف (عالم آراي عباسي): «من المشهور بين الجمهور أن تيمور التقى بحضرة السلطان صدر الدين وظهرت منه المقدمات المذكورة، ولكن الأصح هو أن اللقاء قد تمّ مع السلطان الخواجه علي» وفي نظر الكاتب فإن الخواجه علي ليس هو الأصح لأن كل الكتب الصوفية والتواريخ تصرح بأن الخواجه علي كان بعد وفاة أبيه المعظم (794 هـ.) مشغولا بزعامة وإرشاد المريدين وإدارة الخانقاه.
كتب رحلات رجال النبدقية
تتعلق كتب رحلات باربارو وكنتاريني بعصر أوزون حسن والسلطان يعقوب وهي خالية تماماً من أي إشارة إلى القزلباش. وفي الجزء الثاني من كتاب رحلة (كاترينوزنو)، الذي يحوي أخطاء جمة ورد شرح خيالي عن حرب الشيخ حيدر مع الجركسيين ولكنه لا يذكر اسم القزلباش ولا يتحدث عن قبعة الصوفيين. وقد كتب الدكتور منوجهر أميري، مترجم الكتاب في حاشية صفحة 309: «لا يستعمل المؤلف الإيطالي مصطلح «القزلباش» وإنما هو يستعمل بدلاً عن قره الفارسية، استعملت مصطلح القزلباش لهذه الكلمة في بعض الأحيان». وفي نهاية صفحة 317 ينقل المترجم عن (كاترينوزنو) وآنجوللو اللذين كتبا عن محمد خان الشيباني اليشلباش (الرأس الأخضر) بدلاً عن القزلباش (الرأس الأحمر)، ينقل عنها هذا الاسم وفي بعض الأحيان يسمي شيبك خان وأتباعه (بالرداسبزان) والقزلباش (الرداسرخان). ولم يحدث لي أن شاهدت حديثاً عن الأوزبكيين ذوي الملابس الخضراء في المراجع الفارسية والمصادر التاريخية. وكان الأوزبك يضعون على رؤوسهم عمائم بيضاء في زمن الشاه إسماعيل الصفوي.
وإذا كان ثمة كتب أجنبية تتحدث عن القزلباش، فمن المناسب أن نذكر هنا أن البروفسور (والتر هينتس)، صاحب كتاب (تشكيل دولت ملي در ايران) قد ارتكب أخطاء غريبة بشأن (ذوي القبعات الحمراء) في الدولة الصفوية.
قصة أخرى حول المنشأ
التاريخي للقزلباش
ثمة رأي يقول: «تشتمل كل قصة على بعض الحقيقة» ورأي آخر يقول: «إذا لم تستطع الحقيقة أن تبدي نفسها فإنها تتلبس بزي الأسطورة»، ومن هذا المنطلق نحاول أن نحكي الحقيقة الكامنة في القصص المتداولة على ألسنة الناس وتصل إلى حد التواتر.
وفيما يلي نعرض إلى القراء الكرام رأياً آخر رأيناه مقترناً بالأدلة العقلية والشواهد التاريخية. ومن الطبيعي أنه لا يمكننا القطع بواقعيته ولكنه مقبول أكثر من سائر الآراء أو على الأقل بعيد عن الكرامات والروايات الصوفية والتعصب، وحتى الآن لم يطرح في الكتب الفارسية.
وهذا الكتاب هو من تحقيقات ضياء شاكر الكاتب والمؤرخ التركي المعاصر، حيث ألف كتاباً بإسم (شاه إسماعيل) في مجلدين، مستعيناً في ذلك بالكتب القديمة والتواريخ الموجودة في مكتبات إسطنبول.
وفيما يلي نعرض باختصار لترجمة (تاريخ شاه إسماعيل) للأستاذ ضياء شاكر، في بحثه حول القزلباش:
«لماذا ربط الشيخ حيدر منديلاً أحمر على رأسه؟ لاستجلاء هذا الأمر ينبغي علينا الرجوع إلى زمن رسول الإسلام (وهنا يورد الكاتب تفاصيل عن معركة أحد يهمنا منها قوله إن أبا دجانة عصب رأسه يومذاك بعصابة حمراء).
(ثم يورد الكاتب قصة فتح خيبر وأن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يومذاك يشد رأسه بمنديل أحمر).
ثم يقول الكاتب:
«ومن ثم حذا الشيخ حيدر حذو أبي دجانة وعلي، فربط على رأسه منديلاً أحمر (فإما أن ينتقم لأبيه أو يقتل)، وفي سبيل بعث روح الشجاعة والإيمان والتنسيق في مريديه أمرهم جميعاً بربط مناديل حمر على رؤوسهم أثناء القتال».
كانت هذه نظرية ضياء شاكر حول منشأ وبداية ظهور اصطلاح «القزلباش».
وكلنا يعرف أنه على امتداد التاريخ كانت الأساليب والظواهر الجديدة التي تتسبب في انتصار المقاتلين وتقدمهم، كانت تعود مرة أخرى على يد الأجيال الأخرى، مثل: حفر الخنادق ورفع الرايات وتغيير لون الثياب وقرع الطبول ونفخ الأبواق وترديد الأشعار الحماسية وغيرها، وكلها تساهم في تقوية روحية المقاتلين وإحداث الخوف والهلع في قلوب الأعداء. ومن هذا نستنتج أن الشيخ حيدر قد استعمل تكتيكاً جديداً حين حشد مريديه وعزم بالصوفيين الشجعان على الانتقام لأبيه. وهكذا وفي سبيل دعم قوة الإيمان في قلوب أصحابه وتجسيد تضحية وفداء وشجاعة كبار قادة الإسلام الأبطال، عمد الشيخ حيدر إلى الاقتداء بهؤلاء العظماء فشد مناديل حمراً على رؤوس مريديه، لتتجدد بذلك ذكريات غزوات الرسول الأعظم (ص)، وتضحيات رجال الحق في نفوس مريديه، ولكي لا يكتفي المريدون الأبطال الشجعان بالاقتداء بتعاليم علي الأخلاقية والإنسانية وإنما يقتدون بالإضافة إلى ذلك بالخطط والأساليب العسكرية التي كان يستعملها.
قزلباش تركيا
يبدو جلياً أن الغلو قد تسرب إلى عقائد قزلباش تركيا مما أدى بها إلى الانحراف الديني. وفيهم من يتكلم الكردية ومن يتكلم التركية، ولرجال الدين فيهم سلسلة من المراتب على رأسها مرشدان.
وأهم معابدهم هي تكية خوبيار، وتكية سون جي، وبير سلطان علي، وياليز جاك، وحاجي بكتاش.
أما الأكراد منهم فهم في: سم، وملاطبة، وترجان، وأرزنجان، وبعض نواحي سيواس وبتليس.
وأما الأتراك فهم في ولاية معمورة العزيز، وسيواس، وأنقرة.
فيروز المنصوري
القزلباش
-2-
تطلق هذه الكلمة على الطوائف التركية ذوي القبعات الحمراء، التي أعانت السلطان حيدر الصفوي للوصول إلى السلطة، وكما قيل فإن السلطان حيدر أمر أتباعه وأعوانه بلبس التاج القزلباشي بناء على الرؤيا التي رآها في منامه لأمير المؤمنين عليه السلام، وفيها أمره بلبس التاج الذي سنصفه، وسمي بالتاج الحيدري، ويتكون هذا التاج من قطعة حمراء من اللباد تتصل بحافة طويلة، سميكة، فيها اثنتا عشرة ثنية بعدد الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ويحاط بمنديل أبيض أو أخضر من القطن أو الحرير فيصبح كالعمامة مما سنلم به مرة ثانية.
الطوائف القزلباشية الكبيرة: إن وصول الشاه إسماعيل الأول إلى الحكم كان بمساعدة أتباعه ومشايعيه من القبائل التركية التسع وهي: روملو، وشاملو، وأستاجلو وتكه لو، وذو القدر، وأخستار، وقاجار، وورساق، وصوفية قره باغ، وذلك بانضمام مجموعة من قواد هذه القبائل إلى جيوشه وربما يعود ذلك إلى زمن الشيخ صفي الدين، الجد الأعلى للصفويين أما بالنسبة إلى الشيخين جنيد وحيدر الجد والأب للشاه إسماعيل فقد اعتمد على إخلاص وتضحية هؤلاء القوم الذين غزوا البلدان وسيطروا على الحكم، وأبدلوا كلمة الشيخ الاسم القديم المتوارث والذي يدل على المعنى الروحي والمعنوي بكلمة السلطان التي تدل على النفوذ السياسي والعسكري، إن أقدم القبائل مشايعة للصوفية هي قبيلة روملو التي كانت في عهد الخواجه علي جد الشيخ جنيد.
طائفة شاملو: وهي أيضاً من الطوائف القزلباشية المشهورة في ذلك الوقت كطائفة روملو، وتعتبر من الأعوان القدامى للدولة الصفوية، فقد كتب المؤلف العالم عباسي عنها، بأنها تشكل الغالبية العظمى للطوائف القزلباشية وقد اشتهرت بقدمها وتضحياتها أكثر من القبائل الأخرى، وفي عهد خاقان جهان ستان (يعني الشاه إسماعيل) ظهرت طبقة من الأمراء الكبار ذوي المناصب العليا في الدولة من هذه الطائفة.
طائفة أستاجلو: وهي أيضاً من الطوائف القزلباشية الكبيرة، كانت في بداية الدولة الصفوية، وقد كان قوادها اليد اليمنى للشاه إسماعيل الأول، حيث إن لهم الدور الكبير في الفتوحات ووصول الشاه إلى الحكم.
وكان أحدهم خان محمد أستاجلو، قد عيّن حاكماً بأمر الشاه إسماعيل لديار بكر في عام 913 هـ، وانتصر في عدة معارك على علاء الدولة ذو القدر، فقوي نفوذه وأرسل رسائل تهديد إلى السلطان العثماني سليم خان، ويمكن القول إن نفوذ هاتين الطائفتين يلي نفوذ الشاه إسماعيل.
طائفة تكلو أو تكه لو: وهي من بلاد شكه أو تكه إيلي نزحت من بلدان جنوب آسيا الصغرى القريبة من البحر الأبيض المتوسط إلى إيران، أحد قواد هذه الطائفة ويدعى حسن خليفة انظم إلى حلقة الشيخ حيدر والد الشاه إسماعيل وأصبح من خاصّته المقربّين، فأمره الشيخ حيدر بالرجوع إلى بلاده ليجمع أتباعاً له ويروج مذهب الشيعة وفي سنة 917 عزم ابنه ويدعى شاه قلي بايا تكلو- على الرحيل إلى إيران مع خمسة عشر ألفاً من أتباعه من ولاياشر تكه وقره مان ومتتشاد في آسيا الصغرى وهاجم في طريقه كثيراً من الولايات العثمانية وانتصر في إحدى معاركه على علي بابا الوزير الأعظم العثماني الذي كُلّف بمقاومته، إلا أنه قتل، وبعد ذلك الانتصار وصل متصوفو تكلو إلى إيران في مكان يدعى شهريار بالقرب من طهران، لينضموا إلى الشاه إسماعيل، إلا أن الشاه إسماعيل قتل مجموعة من قواد هذه الطائفة، وضم الباقي إلى قوانه، وكان سبب قتله لبعضهم، أنهم قتلوا بعض الإيرانيين حينما كانت قافلة تغادر إيران إلى الأراضي العثمانية.
طائفة ذو القدر: مسكنها ديار بكر، وعند مجيء الشيخ جنيد وأتباعه إلى ديار بكر لزيارة (أوزون حسن)، تزوج أخته خديجة بيكم ومكث فترة من الوقت هناك وحين الرجوع رجعت معه مجموعة من تلك الطائفة إلى أردبيل، وبعد مقتل الشيخ جيند- آزرت تلك المجموعة الشيخ حيدر وحفيده الشاه إسماعيل، وعند مجيء الشاه إسماعيل مع قواته إلى ديار بكر، انتصر على علاء الدولة «ذو القدر»، وانضمت إليه مجموعة أُخرى من هذه الطائفة.
طائفة أفشار: وهي أيضاً من الطوائف التركمانية وفي زمن استيلاء المغول على تركستان هاجرت تلك الطائفة إلى آذربيجان واتخذتها مسكناً لها، التحقت مجموعة منها بالشيخ صفي الدين وأحفاده وهي التي أوصلت الشاه إسماعيل إلى الحكم، انقسمت هذه الطائفة إلى فرقتين: الأولى تدعى قاسملو، والأُخرى أرخلو أو قرقلو وكان الشاه نادر من القسم الثاني، وحينما تسلم الشاه إسماعيل الأول السلطة رحّل طائفة قرقلو من آذربيجان إلى خراسان وأسكنهم النواحي الشمالية في أبيورد، وباخرز إلى حدود مرو ليكونوا سداً منيعاً بوجه الأزبك والتركمان المهاجمين، وفي عهد الدولة الصفوية تفرقت طوائف أفشار إلى آذربيجان، وخمسه، وقزوين، وأطراف طهران، وخراسان، وفارس، وكرمان، ومازندران، وخوزستان، ولا يفوتنا القول بأن أفشار من أوشار أو وشار الابن الكبير لبلدوز، وهو الابن الثالث لأوقوز، ابن آباقا خان الذي هو ابن هولاكو خان حفيد جنكيز خان.
طائفة قاجار: يرجع نسبها إلى قاجار نوبان وهو احد قواد المغول في عهد غازان خان (694-703هـ)، وبعد انقراض الدولة الأيلخانية، سكنت فرق مختلفة من هذه الطائفة في أرمنستان والشام، وهذه كانت كباقي الفرق التركية في الغزو والسلب والنهب، وعند رجوع الأمير تيمور كوركان إلى إيران بعد هجمومه على الأتراك (في آسيا الصغر) وعلى الشام عام 803 جلب معه مجموعة من الطوائف التركمانية التي كانت تقيم في الشام وأرمنستان، وآسيا الصغرى وهي طوائف روملو، وشاملو، وقاجار، إلا أن مجموعة من الطائفة الأخيرة مضت إلى تركستان، وسكنت مجموعة أُخرى منها في نواحي مدن كنجه، وأيروان، وحدود قره باغ، وعند مجيء الشاه إسماعيل الأول في بداية تسلمه للسلطة من لاهيجان إلى آذربيجان وقيامه بجمع أتباع والده، انضمت إليه مجموعة من قواد طائفة القاجار، ودخلت في حلقة متصوفي القزلباشية، ووصلوا إلى مناصب عالية في الدولة، أما في زمن الشاه عباس فقد قسم هذه الطائفة إلى ثلاثة أقسام، أرسل القسم الأول منهم إلى نواحي مرو وشمال خراسان ليصدوا هجوم الأوزبك والتركمان وأما القسم الثاني فأرسلهم إلى حدود قره باغ وشمال نهر الأرس ليقف مقابل طوائف (اللزك)، وأسكن القسم الثالث في كركان (أسترآباد).
طائفة ورساق: وهي من القيال التركية أيضاً، عاشت في ناحية ورساق في ولاية قره مان وهي من ولايات آسيا الصغرى وقد جاءت من هناك لنصرة الشاه إسماعيل.
الشاه سيوتي وتضحية الطائفة القزلباشية
تعني هذه االكلمة (الشاه سيوتي) اتجاد الطوائف المتعددة من القزلباش وانضمام بعضها إلى بعض وتكوينها قوة واحدة في حب الشاه والتضحية في سبيل الأهداف المقدسة للمرشد الكامل (أي الشاه) والجهاد ضد غير المؤمنين، وترويج مذهب الشيعة الاثني عشرية، وتقوية وتثبيت السلطة الصفوية الجديدة وقد كان عمر الشاه إسماعيل الأول لا يتجاوز الثلاثة عشر عاماً عند استلامه السلطة، إلا أن متصوفي القزلباشية كانو يعتبرونه المرشد الكامل كأبيه وأجداده، فمن الواجب إطاعة أوامره، وقد كتب أحد الإيطاليين الذي كان في إيران في بداية عهد الشاه حول تضحية وتقديس الطوائف القزلباشية وإيمانهم به، إيماناً عميقاً وخاصة جيشه، فحينما يذهب بعضهم إلى الحرب يستغني عن السلاح معتقداً بأن المرشد الكامل يحفظه من الموت في ساحة القتال، علماً بأن الشاه عند خروجه من لاهيجان إلى أردبيل مطالباً بالسلطة في سنة 905 – لم يكن معه سوى سبعة أشخاص، ولكنه كان كلما اقترب من أردبيل تزداد أتباعه إلى أن أصبح عددهم في طارم 1500 شخص، وعندما عزم على الحرب ضد يار شروانشاه، أنضم إليه 700 شخص من القزلباشيين، وبذلك احتل هو وأتباعه شروان إلى ميناء باكو وقسماً من أرمنستان في مدة وجيزة، وأخذ آذربيجان من ألوند بيك وجلس على العرش في تبريز.
رؤساء قبائل القزلباش يحكمون إيران
كانت انتصارات الشاه إسماعيل وتوطيد حكمه في إيران، نتيجة لبطولات قوات القزلباش وتضحياتهم في سبيل (المرشد الكامل)، لذلك استقر كل واحد من رؤسائهم في حكم منطقة من مناطق إيران متلقبين بهذه الألقاب: أمير الأمراء، وخان، وسلطان، بيك وأصبحت لديهم أراض وأملاك شاسعة نتيجة تقسيم الشاه الغنائم والأسرى والأملاك بينهم وبهذا حكمت الطوائف التركية الاصل واللغة إيران، واحتلت المناصب العالية في الحكم، طبقة مميزة ذات نفوذ وقدر عال، وحكمت حكماً مستبداً داخل الدولة الصفوية، وإذا كان الشاهنشاه يطلق على الملك إلا أن الحقيقة أن إيران كانت محكومة من القزلباش وكان القزلباش الترك يعتبرون أنفسهم أفضل من الشعب الإيراني ويتلفظون بكلمات مهينة لهذا الشعبِ. وبعد موت الشاه اسماعيل تولى الحكم ولي عهده طهماسب وهو صغير السن، وفي عهده ازداد الأمراء القزلباش نفوذاً وقوة، كان كل واحد من هؤلاء الأمراء يحكم ضمن منطقته حكماً مستقلاً بذاته، وبذلك نشأت في إيران حكومة شبيهة بحكومة ملوك الطوائف خلال العهد الأشكاني وهكذا أصبحت العظمة الشاهنشاهية تهيمن على المقام والنفوذ المعنوي (يير مرشد) أي الشيخ المرشد، وتحولت القبعة الحمراء الصوفية القزلباشية، التي كانت في زمن الشيخ حيدر والشاه إسماعيل رمزاً للتصوف والإخلاص والتضحية والطاعة المحضة للمرشد الكامل- تحولت هذه القبعة بعد أن زينت بالمنديل الحريري المذهب ورصّعت بالجواهر إلى رمز للقوة والقيادة العسكرية. هذا كله قد حدث في حكم الشاه طهماسب، انقرض الإيمان والإخلاص الروحي القديم وحلّ محله الجشع والطمع وحب المناصب، ودليلاً على ذلك الحروب التي شهدها الشاه في عصره، وكانت حروباً بين قواد الطوائف من أجل االحصول على نيابة السلطة، أو على المناصب الرفيعة، فكما قال العالم التاريخي العباسي: -أن الشاه طهماسب أجبر على التغافل، فأحيناناً كان يأخذ دور المتفرج على حوادث القدر، وتارة أُخرى يعود إلى فطرته السامية التي تعود إلى شريعة والده التي تقوم على جوهر الإخلاص والوفاء، فيصون نفسه من شر طالبي المناصب، حتى إنه في السنة السابعة لحكمه قام أحد قواد طائفة تكلو باسم الأمة وهو أمير الأمراء لآذربيجان بحرب المرشد الكامل، ولكنه لم يوفق وحينئذ التجأ إلى السلطان العثماني سليمان وأبدل هذا الأمير التاج القزلباشي بالعمامة الروحية وهي عمامة كبيرة جداً يضعها كبار الترك على رؤوسهم، كما حرض السلطان العثماني سليمان على احتلال إيران وبذلك هجم السلطان على إيران واحتل آذربيجان ووصل إلى حدود مدينة السلطانية، وقد أدّت فتوحات السلطان إلى ترك الكثير من قواد القزلباش الشاه طهماسب، والتحاقهم بعدوهم السني وهو السلطان العثماني، ولكن سقوط الثلج الكثيف أمام قوات السلطان أولاً والخيانات بين قواد القزلباش ثانياً أجبرته على الانسحاب، وخاب أمله في احتلال إيران وسقوط الدولة الصفوية الفتية وحينما توفي الشاه طهماسب سنة 984 هـ. ازداد الاختلاف بين قواد القزلباش، ففي قزوين قطعت مجموعة بكل قساوة ووقاحة رأس حيدر ميرزا ابن المرشد الكامل (طهماسب)، وولي عهده وقامت هذه المجموعة- بأمر الشاه إسماعيل الثاني- بقلع عيون جميع أمراء البلاط الصفوي عدا السلطان محمد خدابنده (عبد الله) وأبنائه الثلاثة، وقامت مجموعة أُخرى في خراسان باتخاذ عباس ميرزا ملكاً لهم، وبذلك جزئت دولة القزلباش ومما يقال إن الذن انتخبوا الشاه إسماعيل الثاني وعينوه سلطاناً للدولة الصفوية، هم أنفسهم خانوه وسمّوه، كما أن هؤلاء أنفسهم خنقوا أم الشاه أي زوجة المرشد الكامل بسبب معارضتها لهم في آرائهم الوقحة، واتهموها بالخيانة، كذلك فإنهم قتلوا حمزة ميرزا ولي عهد الشاه إسماعيل الثاني وهو صبي وكان قتله بيد (مدلّك الحمام)، وقد وصل أمرهم إلى حدّ تحريضهم أعداء إيران الأجانب على الهجوم على الولايات الحدودية الإيرانية وفي عهد الشاه محمد خدابنده استولت الدولة العثمانية على آذربيجان، وشروان وأرمنستان، كما أن خراسان وهي داخل إيران انفصلت عن الدولة وأصبحت تحت سيطرة الطائفتين شاملو وأستاجلو.
معاملة الشاه عباس لقواد طوائف القزلباش
لقد كان الشاه عباس شاباً ذا إرادة قوية وحزم، كما كان جسوراً وقوياً، عرف منذ تسلمه السلطة بأن الحكم لا يستمر مع عناد وقوة ونفوذ قواد القزلباش الكبيرة في الأمور الإدارية والعسكرية، لذلك فإنه التجأ إلى الذرائع والحجج كي يقضي بكل قسوة على رؤساء القزلباش الذين يتمتعون بقوة ونفوذ كبيرين، كما أنه حدّ من صلاحياتهم التي كان لا حدّ لها، وكان يتحين الفرص للانقضاض عليهم، لأنهم قتلوا أخاه الشاه إسماعيل الثاني وأمه كما ذكرنا، وفي بداية توليه السلطة قتل مجموعة من قتلة أمه وأخيه بمساعدة المرشد قلي خان، وقتل أيضاً مجموعة من أمراء القزلباش الذين يدّعون قيادة البلاد ويتدخلون في أُمور السلطة، ثم قضى علي المرشد قلي خان، وتم القضاء على مجموعة أُخرى تضم كبار رؤساء القبائل القزلباشية بجرم أو غير جرم، وبهذا حط من شأنهم وحقرهم خلافاً لما اعتادوا عليه في السابق، وبهذا أجبرهم على إطاعة أوامره وخدمته الدائمة وبالإضافة إلى ذلك أوجد الشاه فرقتين منظمتين من الجيش كي يكون في غنى عن القدرة العسكرية لقبائل القزلباش.
والفرقة الأولى كانت تشمل الغلمان الشركس والكرج والأرمن وأتباعه من غير المسلمين، والفرقة الثانية تشمل رعاياه من التاجيك والإيرانيين المحرومين من الجيش، وجهزت الفرقتان بالأسلحة الحديثة من المدافع والبنادق وهذا ما يجعلهما يحفظان الدولة الصفوية من خطر عصيان القبائل القزلباشية، ومن هجوم الأعداء الأجانب وصارت قوات هذا الجيش أقوى بكثير من القوات القزلباشية. إن قواد القزلباش في عهد الشاه إسماعيل الأول كانت تضحيتهم من أجله بسبب الإخلاص المعنوي والمذهبي، أما في زمن الشاه عباس فإن تضحيتهم كانت نابعة من خوفهم منه لحسن تدبيره وقوته.
قبائل القزلباش في عهد الشاه عباس
في زمن الشاه عباس كانت تعيش 32 طائفة (أويماق) مختلفة من القزلباش، 16 منها تعتبر من (أويماقات أو طوائف اليمين) كانت في الجانب الأيمن في الديوان الملكي، وفي الحروب، والسفر، ومجالس الشورى وأمثالها. و16 الاُخرى في الجانب الأيسر للشاه تسمى (أويماقات اليسار) وكا قلنا سابقاً فقد كانت قبائل القزلباش متفرقة في كافة أنحاء البلاد، وتمتلك الأراضي الواسعة، وتعتبر نفسها أفضل وأكثر أصالة من الآخرين في حين أن أصلها ونسبها يعودان إلى زمن الشاه إسماعيل ألاول، لا أقدم من ذلك، وقد لقبت بالقزلباشية منذ ذلك الحين فقط، كان عدد أفراد قبائل القزلباش في زمن عباس الكبير حوالي 70 ألفاً، خمسون ألفاً منهم، يحتلون مناصب في الجيش كجنود أو وظائف أُخرى ومعيشة هؤلاء تؤمن من الخزانة الملكية أو من جانب الأمراء والحمام القزلباشيين، وأما العشرون ألفاً الآخرون فهم يشتغلون بأعمال حرة كالتجارة والزرعة وأمثالها، وهؤلاء لا يعتبرون من نجباء القزلباش. إن أفراد الأويماق في أغلب الأحيان لا يرتبطون من حيث نسب العائلة ببعضهم الآخر، أما الشيء الذي يربطهم ببعض فهو الاسم المشترك لقبيلتهم، وهم مختلفون من حيث المقام أو المنصب فبعضهم يصل إلى منصب عال مثل أمير الأمراء أو بيكلر بيكي أو خان، أي أنهم يصلون إلى رئاسة الولايات أو قيادة الجيش، أما البقية الباقية من أفراد نفس الطائفة فتعيش الفقر والفاقة والحرمان وتحت أيدي رؤسائهم – وكان أفراد القزلباش أحراراً، بمقدورهم وقتما شاؤوا أن يتركوا الخدمة في الجيش أو ينتقلوا من خدمة أحد الخانات القزلباشية إلى خدمة خان آخر، هذا من جهة ومن جهة أُخرى فإن عدد أفراد الطوائف مختلف وغير متساوٍ، فعدد بعض القبائل يصل إلى عشرة آلاف أو 12 ألفاً في حين أن عدد البعض الآخر 50 شخصاً. أن حكام الولايات الكبيرة والمدن إلى زمن الشاه عباس كانوا من القزلباش، منها آذربيجان وفارس، وخراسان، ويطلق على هؤلاء الحكام لقب بيكلر بيك وكان حكمهم مستقلاً عن حكم الشاه، إلا أثناء الحروب فإنهم يناصرونه ويرسلون بعضاً من جيشهم، وفي كل عام يرسل هؤلاء الحكام للشاه مقداراً من المال وأشياء أُخرى بعنوان هدية لا غير. اما حكام الولايات الصغيرة فهم من الرؤساء الذين يحملون لقب (خان) وفي أغلب الأحيان كان البيكلر بيك يحكم عدة خانات، أما بالنسبة إلى حكام النواحي والأجزاء الصغيرة فإنهم يلقبون بلقب (السلطان) وهم يتبعون حكومة الخان. إن جميع أفراد القزلباش يدعون (بالبيك) إلا أن هذه الامتيازات قد رفعت من البيكلر بيك والخان في زمن الشاه عباس، فجعل الجميع تحت أمره، ونصب غلمانه الإيرانيين وطوائف اللر والكرد والجفت لحكم الولايات ولم يجمعلها تنحصر بالقزلباش، كما كانت في السابق، وأعطى هؤلاء ألقاب (الخان والسلطان) وكل الامتيازات الخاصة بالقزلباش، وجعل الحكومة المركزية حكومة الشاه تحكم كافة إيران، وتسيطر عليها.
أسلحة جيش القزلباش
كان القزلباش في الحروب يمتطون الجياد دائماً، لأن الملوك الصفويين لا يرغبون بالمشاة، أما سلاحهم إلى حين زمن الشاه عباس فكان أغلبه القوس والسهم، والسيف، والرمح، والخنجر، والدرع. إنهم يعتبرون الاستفادة من البندقية التي كانت شائعة في الجيش العثماني خلافاً للرجولة والشجاعة وفي زمن الشاه عباس جهّز جيشه بالبندقية وأضاف هذا السلاح الجديد إلى الأسلحة القديمة، إلا أن القواد الكبار امتنعوا عن حملها لثقل وزنها، لكنهم تذرعوا بأنها ليست ملائمة لشأنهم.
القزلباش الجديد
وكما قلنا سابقاً إن الشاه عباس جهز جيشاً جديداً كي يقلل من خطر قوة القزلباش وهمتهم. قسم من الجيش الجديد هم غلمان الشاه أو القوللر وهم غالباً من الأمراء المطيعين من كرجستان أو داغستان أو من حكام القفقاز الذين أُرسلوا إلى الشاه وكانوا منذ الصغر يُرسلون إلى البلاط ليكونوا تحت إشراف الوزراء والأعيان والرؤساء العسكريين ويتربون على أيديهم ويعتنقون الإسلام وكذلك ينضم أبناؤهم إلى سلك غلمان الشاه.
وقد عمل الشاه عباس على أن يجعل من هؤلاء الغلمان عسكريين منظمين وجهزهم بالسلاح القديم والجديد أي القوس والسهم والسيف والخنجر والدرع إلى جانب البندقية بدلاً من الرمح. بلغ عدد غلمان الشاه عباس حوالي 30 ألفاً. وكان 15 ألفاً من هؤلاء وهم الأقوياء، كانوا في السلك العسكري، والباقون بحسب استعدادهم وقابلية عملهم الذي تعلموه منذ الصغر توزعوا في سلك الدولة.
كان عنوان (غلام الشاه) من الألقاب التي تبعث على الافتخار والشهرة خلافاً لما يتبادر للذهن من أنه لقب وضيع. خصوصاً أن الشاه عباس كان يُبرز حباً كبيراً لغلمانه وكان يودع إليهم المناصب العسكرية والإدارية العالية على رغم أنوف القزلباش. كذلك، فإنه كان يسمح لهم بوضع تاج القزلباش على رؤسهم وكان يساويهم بالرؤساء والقواد العظام من القزلباش. كان يُقال لرئيس غلمان الملك: قوللر آقاسي. وكان هذا المقام في عهد الشاه عباس من المناصب الكبيرة في إيران، إن هذا الملك (الشاه عباس) في أيام حكمه نصب الكثيرين من غلمانه بالمناصب الكبيرة وجعلهم يحكمون على طوائف القزلباش، منهم: الله وردي خان قوللر آقاسي الذي كان أصله أرمنياً. وقد نُصب هذا الشخص في سنة 1004 هـ بمقام أمير الأمراء لولاية فارس وسبهسالار إيران (أي قائد جيش إيران) وبقي في مقامه هذا إلى أن مات سنة 1022. وخلفه من بعده ابنه إمام خان ونُصب أبنه الآخر داود خان أميراً لأمراء قره باغ ورئيساً لطائفة أويماق القاجار.
كذلك: قرجقاي خان قوللر آقاسي وكان أيضاً في الأصل من الغلمان الأرمن.. وقد وصل بسبب إخلاصه وشجاعته وذكائه إلى مقام سبهسالار إيران (قائد جيش إيران) وكذلك نصب أميراً لأمراء آذربيجان وخراسان. وقد كان الشاه عباس يضمر حباً كبيراً لهذا القائد ويخاطبه دائماً بـ (آقا). وقد خلف هذا القائد بعد موته ابنه (منوجهر خان). وقد وصل في أيام حكم هذا الملك الكثير من غلمانه إلى المناصب الكبيرة كأمير للأمراء وخان وسلطان.
إن الشاه عباس لكي يقلل من اقتدار القزلباش نظم جيشاً يحمل البنادق ويتشكل من القرويين الأقوياء الماهرين والرعايا المحليين لولايات إيران المختلفة، وكذلك من عرب خوزستان وغيرهم. وكان هؤلاء مثل الغلمان يأخذون رواتبهم من القزلباش الترك الذين يشعرون بأنهم أفضل وأنجب من الآخرين- لم يكن أحد منهم في هذا الجيش.
نصر الله فلسفي
قزوين
-1-
بالفتح ثم السكون وكسر الواو وباء مثناة من تحت ساكنة ونون: اسم كجوين وكشوين وكسبين التي عرفت بقزوين بعد الفتح الإسلامي وهي من أشهر مدن إيران، تبعد عن العاصمة طهران 140 كيلو متراً وتقع في غربها ويحدها من جهة الشمال الغربي والغرب محافظة زنجان ومن جهة الشرق والجنوب مقاطعات العاصمة طهران ومن جهة الشمال الشرقي محافظة كيلان ومازندران ومن جهة الجنوب الغربي محافظة همذان وتقع قزوين على الخط الجغرافي على 45 درجة و35 دقيقة طولاً و34 درجة و31 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 1298 متراً وحسب إحصائية عام 1987 بلغ عدد نفوس قزوين 397.000 نسمة. ازدادت أهمية قزوين قديماً وحديثاً بسبب موقعها حيث تربط طريق تبريز وتركية وأوروبا والاتحاد السوفياتي وطريق همذان وكرمانشاه ثم العراق واتصالها بالعاصمة طهران وهي تقع في حاشية سلسلة جبال (ألبرز) وجنوب مناطق طالقان وألموت والديلم وأهم وأشهر قلاع جبال البرز في هذه الناحية هي (ألموت) وغيرها من قلاع الإسماعيلية وقلعة (سيالان) حيث ترتفع عن سطح البحر .4400 متر.
يعود بناء مدينة قزوين، إلى العصر الساساني أسسها (شابور ذو الأكتاف) تاسع ملوك الساسانيين ويقال شابور الأول ثاني ملوك الساسانيين، كمعسكر لموقعها الخطير، وفتحت على يد البراء بن عازب في سنة اثنتين وعشرين للهجرة ويقال سنة 24، قال ابن الأثير في حوادث سنة 22 (.. ثم غزا قزوين فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل لا يمدون يداً فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر) وقال بعض المسلمين:
قد علم الديلم إذ تحارب
حين أتى في جيشه ابن عازب
بان ظنّ المشركين كاذب
فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعرِ ومن سباسب
وغز البراء الديلم حتى أدّوا إليه الإتاوة..)([47]) أقول لم تُفتح بلاد الديلم التي تقع شمال غرب مدينة قزوين، وهي منطقة جبلية امتدادًا لجبال البرز الوعرة وأخفقت جميع المحاولات العسكرية التي بذلتها الجيوش الإسلامية حتى العصر العباسي غير أن الإسلام استطاع أن يدخل بلاد الديلم بصورة سلمية بدعوة أحفاد علي بن أبي طالب عليه السلام الذين أموها وسادوا فيها وكانت هذه النواحي إحدى حصون الشيعة في إيران من أوائل الأمر وظل رجالها من أقطاب المعارضة وناهضوا الحكم الأموي والعباسي حتى النهاية وأن قسماً من فرسان الديلم الذين اعتنقوا الإسلام هاجروا إلى الكوفة والمدينة وكلهم كانوا موالين لأهل البيت عليهم السلام ويعرفون ببني الحمراء ونبغ منهم علماء ومحدثون لهم آثار باقية حتى اليوم في الكوفة وسنتحدث عنهم.
وكانت قزوين آخر مكان للجيوش الإسلامية كما ذكره صاحب فتوح البلدان، وأول قبيلة عربية سكنت قزوين هي بنو تغلب وكان عدد رجالها خمسمائة رجل، وبينهم طليحة بن خويلد الأسدي وميسرة العائدي وأخذوا يعملون في الحقل الزراعي وهناك أقوال يقال إنها (أحاديث) في مدح قزوين وحثّ المسلمين على الهجرة إليها والإقامة بها وذلك خوفاً من جيوش الديلم التي كان تهديدها مستمراً لقزوين. ومن تلك الأحاديث المتداولة حديث مشهور رواه غير الشيعة كما رواه المجلسي في البحار مسنداً قال (… وجدت في أصل عتيق من أصول أصحابنا أظن أنه لوالد الصدوق أو ممن عاصره عن عبد العزيز بن جعفر مسنداً عن الإمام الكاظم عليه السلام عن أبيه عن آبائه قال رسول الله (ص): قزوين باب من أبواب الجنة)([48]) وروي عن أبو هريرة أنه قال: (قال رسول الله (ص): اللهم ارحم إخواني بقزوين. قلنا: ومن إخوانك هؤلاء؟ قال: قزوين باب من أبواب الجنة يقاتلون الديلم، الشهداء فيهم كشهداء بدر)([49]).
بنو الحمراء
أجمع المؤرخون أن قبيلة بني الحمراء من القبائل الإيرانية كانت تحمل عاطفة شيعية منذ أن دخلوا في الإسلام وذلك أنهم تحالفوا بعد معركة القادسية مع بني عبد القيس سنة 16 للهجرة وبما أن عبد القيس كانوا من الشيعة فصار حلفاؤهم مثلهم وهم أربعة آلاف فار س من القزاونة ومعظمهم من الديالمة وقد لعبوا دوراً ثقافياً أساسياً في الكوفة([50]).
كان بنو الحمراء من القزاونة وأكثرهم من بلاد الديلم ونواحيها وأشار إليهم الخليفة عمر بن الخطاب في كتاب إلى أمراء الأمصار، قال: (ومن اعتقتم من الحمراء فأسلموا فألحقوهم بمواليهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وإن احبوا أن يكونوا قبيلة وحدهم فاجعلوهم أسوة في العطاء) وازداد عدد رجال بني الحمراء في عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بشكل ملحوظ وكانوا من المقربين إلى الإمام عليه السلام حتى أن الأشعت بن قيس اعترض على الإمام عليه السلام فقال: (يا أمير المؤمنين لقد غلبتنا هذه الحمراء على قربك).
ومن آثار بني الحمراء في الكوفة مسجد الحمراء الذي لا يزال قائماً حتى الآن وذكره المستشرق ماسينيون في كتابه خطط الكوفة قال: (مسجد الحمراء الذي كان فيه بستان وهذه القبيلة الإيرانية كانت تحمل شعوراً وعاطفة شيعية منذ ان دخلوا في الإسلام..)([51]).
ويقع هذا المسجد جنوب الفرات على ضفة شط الكوفة واندثر بناؤه على أثر الفيضانات وعمرته المياه وجدد بناؤه على انقاض بنائه القديم في سنة 1312 هجرية وقد أرخ تجديد بنائه السيد جعفر الحلي بأبيات من الشعر ونقش هذا التاريخ على القاشاني المثبت في أعلى باب المسجد(من الجهة) الشمالية الوحيدة بقوله:
الحمد لله الذي من فضله
أحياجميل مآثر القدماء
قد جددت آثار مسجد يونس
بأجل تأسيس وخير بناء
يا طالب الأعمال قد أرخته
(اعمل فهذا مسجد الحمراء)
وفي سنة 1342 هجرية شيدت للمسجد منارة وأرخ الانتهاء منها الحاج مجيد الحلي العطار بأبيات كتبت على القاشاني المثبت على الطرف الغربي من المنارة منها:
رفعوا لللأذان في مسجد الحمراء
مناراً على سهى يستطيل
وعليه النداء أن أرخوه
(فالنداء التكبير والتهليل)
أشهر الأسر العلمية
في قزوين
1) آل الجعفري: من أقدم الأسر العلمية العريقة وقد لجؤوا إلى قزوين من بطش بني أمية ثم انتهت إليهم إمارة قزوين وضواحيها وهم من سلالة جعفر بن أبي طالب ومنهم أبو الحسن محمد القزويني بن أحمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وشقيقه أبو القاسم علي. أنتهت إليهم إمارة قزوين، ذكرهم الرافعي المتوفى سنة 623 هجرية في كتابه (التدوين في ذكر أخبار أهل العلم بقزوين) واستدرك عليه آقا رضي القزويني بجمع من أمراء وأعلام هذا البيت الجليل في (ضيافة الإخوان). ومن زعماء هذا البيت أبو علي فخر المعالي شرفشاه المتوفى سنة 484 هجرية وبوفاته خرجت حكومة قزوين من أيديهم ومنهم عبدالله بن أحمد بن حمزة القزويني آل الجعفري شيخ الطالبية في عصره ومن أكابر علماء الشيعة.
2) آل الزينبي: من مشاهير الأسر العلمية في قزوين نبغ منها زعماء وأمراء وعلماء أعلام وهم فرع من آل الجعفري المار الذكر اشتهروا بنسبتهم إلى زينب الكبرى عليها السلام وهم من ذرية عبدالله بن جعفر بن أبي طالب من زوجته زينب الكبرى عليها السلام ومنهم الشريف أبو المعالي محمد الزينبي القزويني انتهت النقابة إليه بعد أبيه: ذكرهم آقا رضي القزويني في ضيافة الإخوان ص 258 و259.
3) آل حاتم القزويني: من أقدم الأسر العلمية القزوينية، بزغ بدرها في أفق قزوين في أواخر القرن الثاني للهجرة. نبغ منها أكابر المحدثين وجمع من الأصحاب منهم أبو الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه القزويني من ثقات المحدثين، وسعيد بن حاتم بن ماهويه القزويني من أصحاب الرضا عليه السلام، وفارس بن حاتم القزويني من أصحاب الإمام علي الهادي عليه السلام وغيرهم. وذكرهم شيخنا آغا بزرك الطهراني في الذريعة ج 4 ص 355 وج (6 ص 396) والأردبيلي الحائري في جامع الرواة.
4) آل أبي غانم: من أقدم الأسر العلمية الشيعية في قزوين ثم نزحوا إلى سامراء وبغداد وانتشروا هناك وطار صيتهم وهم من ذرية أبي غانم القزويني المتوفى بعد سنة 260 للهجرة، خادم الإمام أبي محمد الحسن بن علي الهادي العسكري عليه السلام وهو والد عبدالله بن أبي غانم من أعلام أوائل عصر الغيبة الصغرى وجدّ محمد بن عبدالله بن أبي غانم القزويني من مشايخ الصدوق ذكرهم آقا رضي القزويني المتوفى سنة 1096 هجرية في ضيافة الإخوان ص 66 و234 و308.
5) آل بويه: من أشهر الأسر الحاكمة الشيعية في العالم الإسلامي، شاع ضوء هذه الأسرة وطار صيتها منذ عماد الدولة علي بن بويه الديلمي وهم من بلاد الديلم من ضواحي قزوين.
6) آل الحمداني: من أعرق الأسر العلمية الشيعية الشهيرة، بزغ نجمها في أفق قزوين منذ القرن الثالث للهجرة. نبغ فيها جمع من سلاطين الدين ومشاهير المحدثين ترجع بنسبتها إلى حمدان القزويني المتوفى بعد سنة 342 هجرية من ثقاة المحدثين، ذكره الأردبيلي – الحائري في جامع الرواة ج 1 ص 49 ومنهم مظفر بن علي بن حسين بن علي بن أبو حمدان القزويني، ومنهم محيي الدين ابو عبدالله حسين المتوفى سنة 498 صاحب هتك الاسرار الباطنية ومنهم ناصر الدين أبو إسماعيل محمد بن حمدان بن محمد القزويني المتوفى سنة 500 هجرية صاحب كتاب الفصول في ذم الأعداء في الأصول ومنهم برهان الدين أبو الحرث محمد بن أبي الخير علي بن أبي سليمان ظفر بن علي القزويني صاحب مفتاح التفسير ودلائل القرآن وغيرهم.
7) آل صاحب النقض: من مشاهير الأسر العلمية القزوينية العريقة اشتهرت بعنوان (كتاب النقض) الذي صار علماً لها وشعّ ضوء هذا البيت الجليل في قزوين منذ القرن السادس للهجرة وهم من ذرية أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني. نبغ علماء أعلام من هذه الأسرة منهم أوحد الدين حسين بن أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني شيخ متكلمي الشيعة في عصره وهو شقيق صاحب كتاب النقض ومنهم أبو الرشيد نصير الدين عبد الجليل بن أبي الحسين القزويني متكلم الشيعة في القرن السادس للهجرة له مؤلفات كثيرة أشهرها: (بعض مثالب النواصب في نقض فضايح الروافض) المعروف بـ (النقض) ومنهم الشيخ قطب الدين محمد بن حسين أبي الحسين القزويني من أكابر العلماء. ذكرهم آقا رضي القزويني في ضيافة الإخوان 150 و152 و225.
8) آل العجلي: من أشهر البيوت العلمية الشيعية في قزوين، نبغ منها علماء وأدباء كبار وزعماء مشاهير. ونزحوا إلى الكوفة والحلة وتفرعوا إلى فروع وبطون عديدة انتهت إليهم الزعامة الروحية في قزوين قروناً عديدة. ذكرهم منتجب الدين في الفهرست والرافعي المتوفى سنة 623 في التدوين. منهم أبو الخير عاصم بن حسين بن محمد بن أحمد بن أبي حجر القزويني من شعراء أهل البيت عليهم السلام وصفه الرافعي بأنه من زعماء الأسرة. له كتاب شجون الحكايات ومنهم ابن إدريس المتوفى سنة 598 صاحب كتاب السرائر في الحلة.
9) آل أبي اللجيم: فرع من آل العجلي وهم من ذرية أبي اللجيم ابن الِأمير القزويني المصدري العجلي من الاسر العلمية القزوينية كانوا من البيوت المناهضة للإسماعيلية النزارية ولهم مناظرات معهم. من أعلام هذا البيت الشيخ خليفة بن أبي اللجيم، اغتيل على يد الإسماعيلية في قزوين، ومنهم الشيخ زين الدين محمد ابن الشيخ معين الدين «أبو جعفر» اغتيل على يد الإسماعيلية حدود سنة 600 للهجرة في قزوين له كتاب المجالس.
10) آل الطالقاني: من أقدم الأسر العلمية في قزوين وهم بقايا آل بويه من ذرية عضد الدولة أبي شجاع فنا خسرو ابن ركن الدولة أبى علي حسن بن بويه الديلمي.
ومن أشهر رجال هذه الأسرة في القرن الحادي عشر في قزوين الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى سنة 1094 زعيم الحوزة العلمية في قزوين ومؤسس مدرسة النواب بها، ذكره الحر العاملي في أمل الآمل ج 2 ص 295 ومن أولاده أرشدهم الخواجه نواب وهو أبو أسرة آل النحوي في النجف الأشرف والحلة وثاني أولاده الشيخ محمد مؤمن أبو أسرة آل النحوي في قزوين وثالثهم الشيخ محمد جعفر الطالقاني أبو أسرة آل البرغاني في كربلاء وقزوين، نبغ من هذه الفروع الثلاثة أدباء وشعراء وعلماء يطول علينا ذكرهم.
11) آل البرغاني: من أقدم الأسر الشيعية العريقة ساهموا في الحياة الفكرية ورفدوا نهضة قزوين العلمية وخدموا العلم والدين وهم فرع من آل الطالقاني ولهم آثار ومآثر في قزوين ومواقف تاريخية، ومن أشهر رجال هذه الاسرة الإخوان الثلاثة: الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد المستشهد في سنة 1263، والشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271، والشيخ ملا علي البرغاني القزويني المتوفى سنة 1269. وتتفرغ هذه الاسرة اليوم إلى ثلاثة فروع وهم آل الصالحي وآل الشهيدي وآل العلوي ونبغ منها علماء أعلام في كل من كربلاء وقزوين.
12) آل القزويني: من أشهر الأسر العلمية الشيعية وهم من السادات الحسينيين من ذرية أمير الحاج السيد مير قاسم ابن السيد مير محمد باقر القزويني الحسيني الذي خلف أربعة ذكور وهم السيد مير محمد القزويني جد سادات آل القزويني في النجف الأشرف، والسيد مير حسين القزويني جد سادات آل القزويني في الحلة والهندية، والسيد مير مصطفى جد سادات آل القزويني في المشهد بخراسان، والسيد مير محمد رضا جد سادات القزاونة في قزوين الذين يعرفون بآل التقوي. ونبغ من هذه الفروع الأربعة في كل من ايران والعراق علماء وشعراء وأدباء ولا يزالون يعرفون باسم موطنهم الأصلي قزوين.
المزارات في قزوين
كانت مدينة قزوين والجبال الواقعة شمال المدينة إحدى حصون الشيعة في العصر الأموي والعباسي مما سهل للعلويين النزوح إلى هذه المناطق الآمنة وبقيت قبورهم حتى اليوم إحدى مراكز تجمع الشيعة في مناسبات دينية مختلفة، وسنذكر بإيجاز بعض هذه المزارات في قزوين:
1) روضة الشاه زاده حسين: هذه الروضة نم أهم المزارات في قزوين وهي محل دفن جثمان الحسين ابن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال المؤرخون: إن الإمام الرضا عليه السلام حينما جاء من الحجاز متوجهاً إلى خراسان سنة 201 للهجرة نزل في قزوين بدار داود بن سليمان الغازي فتوفي ولده الحسين البالغ من العمر سنتين في قزوين ودفن في موقعه المعروف حالياً وبنيت عليه قبة وأحيط القبر بحرم وأروقة.
العمارة الثانية
ذكر والدي في الجزء الثاني من كتابه العزر والدرر المخطوط ما يلي: (شيد إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة البويهي في سنة 373 هجرية قبة ذات حرم ويحيط بها أروقة عند إقامته في قزوين..) أقول: أقدم مصدر يبحث عن هذه الروضة هو كتاب (تاريخ قزوين وفضائلها) تأليف الحافظ أبو يعلى خليل بن عبدالله بن أحمد القزويني المتوفى سنة 446 ولم نجد لهذا الكتاب أثر في المكتبات العامة والخاصة التي فحصنا عنه فيها إلا أنه نقل عن هذا الكتاب الرافعي المتوفى سنة 623 في كتابه التدوين وأشار إلى هذه الروضة أيضاً الشيخ عبد الجليل الرازي القزويني في كتابه النقض الذي ألّفه في سنة 560 كما وذكر هذه الروضة أكثر المؤرخين.
العمارة الثالثة
جرت تعميرات وإصلاحات مستمرة وأهديت هدايا إلى الروضة في قزوين خلال القرون الماضية يطول علينا شرحها ومن الإصلاحات في أوائل القرن التاسع تشييد قسم من الصحن بواسطة حسن بن عماد بن جوانمرد المعروف بفخر الزرندي وإهداء صندوق نفيس وضع على القبر.
كما تمت تعميرات واسعة من قبل أمراء وملوك الديلم منهم كيا ملك ابن كيا إسماعيل ابن كيا إيران شاه الديلمي. وفي سنة 898 هجرية زار الروضة الميرزا علي كيا من أمراء الديلم وقام ببعض الاصلاحات وأهم الاصلاحات تمت في العصر الصفوي وذلك في سنة 1040 هجرية حيث شيدت زينب بيكم بنت الشاه طهماسب معظم العمارة القائمة حالياً وهذه العمارة هي عبارة عن الضريح وما أحاط به من الحرم ثم رواقين في الضلع الشرقي والضلع الغربي وإيوان كبير في شمال الحرم الملاصق للروضة وإيوان صغير في الجنوب وقبة ضخمة مطلية بالقاشاني المعرق النفيس وكذلك الجدران داخل الحرم في الأسفل إلى حدود متر ونصف هي من القاشاني ثم يليه المرايا على الأشكال الهندسية البديعة الصنع، وفي وسط الحرم القبر وعليه صندوق قديم وأجريت عليه تعميرات وتزيينات سنة 967 على يد علاء الدين محمد النجار الرازي وكتب في الصندوق بخط نسخ جميل: (هذا المشهد المنور والمرقد المطهر لثمرة شجرة الإمامة عبد الله الحسين ابن الإمام حجة المرتضى علي الرضا ابن الإمام أمين العالم والإمام الكاظم موسى ابن السيد الناطق والإمام الصادق جعفر العارف العالم الزاهر والإمام الباقر ابن الإمام زين العابدين وقرة عين الزاهدين علي ابن الإمام سيد الشهداء أول فصل الأصفياء الحسين ابن الإمام أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام وقد قضى نحبه بقزوين في شعبان سنة إحدى ومئتين 201 من تاريخ هجرة جده سيد الثقلين صلوات الله عليه وعلى آله الطبين الطاهرين).
العمارة الرابعة
شيدت عمارة الروضة الحالية بعدما أصابها الخراب والدمار وتضعضعت جدران الحرم على يد الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271. فقام بتجديد وتوسيع الحرم وأضاف إليه رواقين إلى الشرق وإلى الغرب وصحناً كبيراً تحيط به حجرات مزينة بالقاشاني البديع الصنع وهي اليوم من آيات الفن المعماري للعصر القاجاري.
2) روضة آمنة خاتون: محل دفن جثمان آمنة بنت الإمام موسى الكاظم عليه السلام يقع في وسط محلة بنبه ريسه له حرم كبير وقبة مخروطية الشكل فوق القبر.
3) روضة إمام زاده إسماعيل: محل دفن إسماعيل الذي ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام والبناء من آثار العصر الصفوي ويحيط بالضريح حرم وله صحن كبير وقبة مزينة بالقاشاني البديع الصنع.
4) روضة إمام زاده علي: محل دفن علي الذي ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقع في محلة بنبه ريسه والعمارة من آثار عصر الشاه حسين الصفوي ولها قبة وحرم.
5) روضة إمام زاده السيد محمد ويقال سلطان السيد محمد وهو الأشهر: محل دفن السيد محمد من أحفاد الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقع في محلة الِأخوند ويحيط به حرم وله صحن وقبة كبيرة مزينة بالقاشاني وأجري عليه تعميرات واسعة أخيراً من قبل الشيخ ميرزا عبد الله الشيهدي ودفن بها الشيخ عبد الحسين إمام الجمعة الشهيدي.
6) روضة حليمة خاتون: محل دفن حليمة خاتون التي ينتهي نسبها إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يقع في محلة زركره كوجه ويحيط بالضريح حرم والبناء من العصر الصفوي وقد أجري عليه تعميرات واسعة أخيراً.
7) روضة شهر بانو: محل دفن شهر بانو التي ينتهي نسبها إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يقع في زقاق (جمن آباد) جنوب شرق مدينة قزوين.
8) روضة إمام زاده قاسم: يقع في محلة تنور سازان.
9) روضة بيغمبرية: محل دفن أربعة من أنبياء بني إسرائيل الذين أنقذهم كورش من البابليين وسكنوا قزوين وتوفوا بها ودفنوا في هذه الروضة التي تقع في شارع بيغمبرية وسط مدينة قزوين المجاورة لقصور الصفوية.
10) روضة الشهيد البرغاني: مدفن الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث المستشهد سنة 1263 هجرية يقع شمال روضة شاه زاده حسين له قبة صغيرة وحرم وفي الضلع الغربي منه جامع كبير يفتح بابه داخل الحرم ومطلي الجدران بالقاشاني وهو من آثار العصر القاجاري.
المدارس العلمية في قزوين
هناك مدارس علمية كثيرة جاءت أسماؤها في كتب التاريخ ليس لها اليوم أثر، لا نذكرها وإنما نذكر المدارس الدينية المعمورة والقائمة أو لها أثر في الوقت الحاضر.
- مدرسة الصاحب بن عباد وزير فخر الدولة الديلمي: أسسها في سنة 373 أثناء إقامته في قزوين وهي واقعة جنب المسجد الجامع الكبير عند مدخل الباب الشرقي المطل على شارع سبه، وباق منها بعض الحجرات.
- مدرسة خليفة سلطان: أسسها السيد علاء الدين حسين صهر الشاه عباس الصفوي وكان من كبار رجال البلاط الصوفي توفي سنة 1064 وكانت هذه المدرسة من أهم المدارس في العصر الصفوي بقزوين.
- مدرسة النواب: أسسها الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى سنة 1094 من أعاظم علماء الشيعة، ذكره الحر العاملي في أمل الآمل ج2 ص295 تقع هذه المدرسة حالياً في شارع بيغمبرية وقام بتجديدها في العصر الجمهوري جمع من أهل الخير وسميت بمدرسة الإمام الصادق وهي اليوم من أحدث المدارس الدينية بقزوين ومؤسسها المولى محمد كاظم الطالقاني أبو أسرة آل البرغني.
- مدرسة التفاتية: أسسها آغا التفات القزويني من أعلام القرن الحادي عشر تم بناؤها حدود سنة 1050 هجرية وتقع في الشارع الرئيسي قرب ساحة سعادت.
- مدرسة بيغمبرية: أسسها سارو تقي وزير الشاه عباس الثاني الصفوي سنة 1054 هجرية وتقع شرق شارع بيغمبرية وشمال روضة بيغمبرية متصلة بالقصور الملكية الصفوية.
- مدرسة مولا ويردي خان: أسسها مولا ويردي خان من أمراء طائفة «ذو القدر» سنة 1177 هجرية تقع في شارع مولوي.
- مدرسة الأخوند: أسسها الأخوند ملا خليلا القزويني المتوفى سنة 1089 هجرية الإخباري المتطرف وكانت إحدى مراكز الإخبارية في قزوين وتقع في محلة الأخوند نسبة إلى اسمه، وبعد انقراض الإخبارية في قزوين خربت هذه المدرسة وفيها قبر الأخوند ملا خليلا مؤسس المدرسة.
- المدرسة الحيدرية: من أقدم مدارس قزوين تعود إلى القرن الخامس للهجرة وحولت اليوم إلى مدرسة إعدادية للبنين وتقع في محلة البلاغي.
المدرسة الصالحية: أسسها الشيخ محمدج صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية. أجمع المؤرخون أنها كانت أكبر مدرسة في إيران وتتشكل من ثلاث مدارس: المدرسة الصغرى والمدرسة الوسطى والمدرسة الكبرى، وتتصل كل واحدة بالأخرى في ثلاثة طوابق ضخمة وقد تم إنجاز المدرسة الصغرى والوسطى قبل سنة 1228 هجرية وكان بناء آخر قسم من المدرسة الكبرى والمكتبة ومخزن للمياه في سنة 1248 هجرية كما ذكره والدي في كتابه الغرر والدرر وما كتب في أعلى المدرسة. من أشهر تلاميذ هذه المدرسة السيد جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني وميرزا كوجك خان الجنكلي ونسيم الشمال وقرة العين ممن كان لهم دور خطير في النهضة الفكرية في القرن الأخير وتقع المدرسة حالياً في شارع المولوي.
حسن الأمين على يسار القارئ مع الأستاذ عبد الحسين الصالحي
أمام المدرسة الصالحية في قزوين
- مدرسة الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث ويقال لها مدرسة الشهيد الثالث: أسسها الشهيد الثالث المستشهد على يد البابية في سنة 1263 هجرية تقع شرق شارع المولوي.
- مدرسة سردار: أسسها الأخوان حسين خان وحسن خان السردار من أمراء الجيش في العصر القاجاري تم إنجاز بنائها سنة 1231 وجميع جدران المدرسة مطلية بالقاشاني الفاخر.
- المدرسة المسعودية ويقال مدرسة شيخ الإسلام: أسسها ميرزا مسعود ابن ميرزا مفيد شيخ الإسلام وساهمت في إنجاز مشروعها أم ميرزا مسعود العالمة الفاضلة خديجة سلطان بنت الشيخ محمد صالح البرغاني من مالها الخاص وتم إنجازها في آخر القرن الثالث عشر.
- مدرسة آغا: أسسها المولى السيد تقي ابن السيد مير مؤمن ابن السيد مير رضا القزويني الحسيني المتوفى سنة 1270 هجرية أحد أعلام قزوين ووالد أسرة آل التقوي من أبناء عم آل القزويني في النجف والحلة.
- المدرسة الإبراهيمية ويقال المدرسة الجديدة: أسسها الميرزا الحاج محمد إبراهيم القزويني وتقع في محلة الأخوند وكانت إحدى المراكز الإخبارية.
- مدرسة دار الشفاء ويقال المدرسة المحسنية: أسسها الشيخ الميرزا عبد الوهاب القزويني المتوفى حدود سنة 1270 من أكابر علماء الشيعة خال قرة العين، تقع في محلة دار الشفاء وجُدد بناؤها أخيراً.
- مدرسة التنكابني: أسسها السيد إبراهيم التنكابني المتوفى سنة 1324 من العلماء المشاهير في قزوين تقع حالياً في شارع سعدي.
مساجد قزوين
يزيد عدد مساجد قزوين عن أكثر من سبعين مسجداً ومعظمها من آثار العصر الصفوي والقاجاري وسأذكر أهمها:
- المسجد الجامع: وهو من أقدم مساجد قزوين له قبة ضخمة في الضلع الجنوبي ومنارتان في الضلع الشمالي وإيوان في الجانب الشرقي وإيوان في الجانب الجنوبي وإيوان في شمال المسجد وفي الضلع الشرقي والغربي من الإيوان منارة مطلية بالقاشاني وأقدم جناح في المسجد هو الطاق الهاروني الذي شيده هارون الرشيد عندما حل في مدينة قزوين وهو في طريقه إلى خراسان وذلك سنة 192 هجرية وأوقف عليه موقوفات تعرف بالرشيديات وفي أواخر القرن الرابع شيد فخر الدولة البويهي جناحاً في الجنوب الشرقي من المسجد.
حسن الأمين إلى يمين القارئ مع الأستاذ عبد الحسين الصالحي
أمام أحد أبواب قزوين
وفي سنة 411 قام بتعميرات واسعة الأمير إبراهيم ابن المرزبان الديلمي خال مجد الدولة ابن فخر الدولة وأضاف جناحاً الأمير خمارتاشي في عصر السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي شرع به سنة 500 وأتمه سنة 509 وفي سنة 617 احترق قسم من المسجد في حملة المغول وفي العصر الصفوي توسعوا في التعمير فيه.
- مسجد سوخته جنار: من المساجد القديمة في قزوين كان دار داود بن سليمان الغازي من أصحاب الرضا عليه السلام وذكر حمد الله المستوفي والرافعي في التدوين أن الإمام الرضا عليه السلام حين كان في طريقه إلى خراسان نزل في قزوين بدار داود بن سليمان الغازي وبعد وفاة داود بن سليمان دفن في داره وجعلها مسجداً ولا يزال قبره في ضلع غرب المسجد ظاهراً يزار.
- مسجد الحيدرية: يقع هذا المسجد في محلة البلاغي في وسط المدرسة الحيدرية ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس والسادس للهجرة ولم يعرف مؤسسه وكان عامراً في العصر الصفوي ثم استبدل به آثار.
- مسجد بنجه علي: أسسه الشاه إسماعيل الصفوي في غرب قصره الخاص وكان من المساجد الخاصة بنساء البلاط الصفوي.
- مسجد سنجيده: الواقع في محلة (راه ري) من المساجد القديمة في قزوين ويحتمل أن يكون مسجد الثور الذي أسسه محمد الثقفي وقد زرته من عهد قريب مع جماعة من علماء الآثار والمهندس السيد مهدي المجابي مدير الآثار في محافظة زنجان وقزوين وعلى أثر الحفريات الأخيرة التي شاهدناها أجمع المتخصصون في الآثار أن هذا المسجد كان أحد المعابد الزردشتية فحول إلى مسجد.
كما وجدنا في عمق خمسة أمتار مقابر قديمة وفي وسط المسجد تقريباً دهليز طوله حدود ثلاثة أمتار وعرضه متر ونصف وارتفاعه متر وسبعين سنتمتر وفيه مقابر قديمة وذكر والدي في كتابه الغرر والدرر عن مجامع خطية قديمة أن رفات حسن الصباح زعيم الإسماعيلية الشهير نقلت إلى هذا المسجد ودفنت فيه أقول: وكان هذا المسجد، أحد مراكز الإسماعيلية في قزوين وسمعت ما ذكره والدي رحمه الله وعن غير واحد من المحققين والمعمرين القزاونة يتردد ذكر نقل الإسماعيلية رفات حسن الصباح سراً إلى هذا المسجد وقد شُيدت في العصر التيموري قبة كبيرة فوق الدهليز المذكور ولا تزال باقية حتى العصر الحاضر.
- مسجد الاحمدية: من مساجد العصر الصفوي أسسته الفاضلة العارفة زينب بيكم بنت الشاه طهماسب الصفوي في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة وفي الطابق الأرضي مرقد الشيخ أحمد الغزالي شقيق الإمام محمد الغزالي وعلى القبر لوحة من الرخام الأبيض كتب عليها اسم الإمام محمد الغزالي مع الألقاب وسمي مسجد الأحمدية نسبة إلى الشيخ أحمد الغزالي ويقع غرب شارع سبه وهو أحد مراكز تجمع الصوفية بقزوين.
- مسجد الشاه: من أكبر مساجد قزين أسسه الشاه إسماعيل الصفوي وانتهى البناء والتزيين في عصر الشاه طهماسب الصفوي وبعد مرور الزمان وفي العصر القاجاري تضعضعت جدرانه فأمر السلطان فتح علي شاه القاجاري بتجديد بنائه، وتحيط بهذا المسجد أسواق قزوين القديمة وله قبة كبيرة ضحمة مزينة بالقاشاني ويقع في كل من الجهة الشرقية والشمالية والجنوبية إيوان كبير تقام فيه الصلاة في فصل الصيف وله ثلاثة أبواب من جهة الشرق والغرب والشمال.
- مسجد حرم الشهيد الثالث: من مساجد القرن السادس في قزوين. وعندما دفن في الساحة الشرقية من المسجد الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث المستشهد في سنة 1263 وبني على قبره قبة وحرم اشتهر هذا المسجد باسم مسجد حرم الشهيد الثالث، وله باب من داخل الحرم وباب في الساحة الامامية ويقع في شارع سلام كاه شمال روضة شاه زاده حسين ابن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. مسجد الشهيد الثالث من أكبر مساجد قزوين أسسه الشهيد الشيخ محمد تقي البرغاني في طابقين واستشهد في محراب هذا المسجد عند صلاة الصبح في اليوم الخامس عشر من شهر ذي القعدة الحرام ورثاه جمهور من الشعراء في الأقطار الإسلامية بمختلف اللغات منهم الشاعر العراقي الشيخ درويش علي البغدادي الحائري بقصيدة طويلة يقول فيها:
له أسوة بالطهر حيدرة الرضا
وقاتله ضاهي (ابن ملجم) بالفعل
- مسجد الصالحية: من أكبر مساجد قزوين أسسه الشيخ محمد صالح البرغاني المتوفى سنة 1271 شمال مدرسته المعروفة باسم المدرسة الصالحية وانتهى من بنائه حدود سنة 1225 هجرية وله شبابيك في منتهى الأناقة وعلى أشكال هندسية من الزجاج الملون على طول الجانب الجنوبي وهو مطل على المدرسة ويقع في محلة ديمج غرب شارع مولوي.
- مسجد المسعودية ويقال مسجد شيخ الإسلام: هو مسجد فخم شيده ميرزا مسعود ابن ميرزا مفيد شيخ الإسلام وساهمت في إنجازه أمه العالمة الفاضلة خديجة سلطان بنت الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري من مالها الخاص وتم إنجازه في القرن الرابع عشر ويقع في تشارع سبه.
- مسجد الحاج أحمد الصالحي وكان يقال له سابقاً مدخان بيك(محمد خان بيك) شيده الحاج أحمد نجل الشيخ حسن الصالحي شقيق كاتب هذه السطور على قطعة أرض اشتراها من بلدية قزوين سنة 1390 ويقع في شارع النواب ملاصق لمسجد مدخان بيك وهو مسجد ضخم مزينة جدرانه بالقاشاني المعرق وسقفه مزين بالورود الكلسية والمرايا على أشكال هندسية بالألوان الزاهية وفي جانب الجنوب الغربي من المسجد منارة بارتفاع ثلاثين متراً مزينة بالقاشاني البديع الصنع ويجمع هذا المسجد بين الفنين المعماريين القديم والحديث.
المكتبات العامة في قزوين
نذكر في هذا الفصل المكتبات التي تحتوي مخطوطات يزيد عددها على أكثر من خمسمائة كتاب، وكانت موقوفة على طلاب العلوم الدينية والمحققين سواء كان في المدارس الدينية أو في البيوت.
- المكتبة الإسماعيلية ويقال مكتبة سيدنا التي كانت في (ألموت) من ضواحي قزوين البعيدة أسسها في سنة 483 حسن الصباح المتوفي سنة 518 زعيم الإسماعيلية النزارية وكانت من أنفس المكتبات وجلب كتبها من جميع أنحاء العالم حيث كان الإسماعيلية منتشرين في الأقطار الإسلامية فإذا وجدوا كتاباً نفيساً يبتاعونه ويرسلونه إلى مكتبة (سيدنا) في ألموت وكانت تحتوي على كتب في مختلف العلوم والفنون. وفي أيام حملة المغول على قلاع الإسماعيلية ووصولهم إلى الموت في سنة 654 كان عدد كتب هذا المكتبة يزيد على أكثر من نصف مليون كتاب ويقال أربعمائة ألف كتاب 400.000 ولما أراد المغول إحراقها تدخل عطاء الملك الجويني ونصير الدين الطوسي وتمكّنا من نقل قسم من هذه المكتبة إلى مراغة ثم أحرق الباقي.
- مكتبة الغازي: أسسها ملا خليلا الغازي القزويني المتوفى سنة 1089 الإخباري المتطرف وعندنا بعض كتب هذه المكتبة المدونة عليها الوقفية.
- مكتبة محمد كاظم الطالقاني: أسسها الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى سنة 1094 كان من علماء- الأصوليين ومدرساً في مدرسته المعروفة بمدرسة النواب.
- مكتبة فرشته: أسسها الشيخ محمد جعفر ابن الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى في حدود سنة 1160 في داره خلف مسجد بنجة علي.
- مكتبة ملا محمد الملائكة: أسسها الشيخ محمد المعروف بالملائكة المتوفى سنة 1200 كانت من أضخم مكتبات قزوين وزاد عدد كتبها على أكثر من مائة ألف كتاب واحترقت حدود سنة 1165 على يد الإخبارية وكانت تقع في داره خلف مدرسة النواب والشيخ محمد الملائكة هو والد الأسرة البرغانية.
- مكتبة مير معزي: أسسها السيد مير معز الدين محمد في قزوين حدود سنة 1149.
- مكتبة الالتفاتية: أسسها آغا التفات في مدرسته المعروفة بالمدرسة الالتفاتية حدود سنة 1050 هجرية ولا تزال موجودة حتى هذا العصر وتحتوي على مجموعة من المخطوطات.
- مكتبة آغا رضي القزويني: أسسها محمد بن الحسن الشهير بآغا رضي القزويني التوفى سنة 1096 صاحب كتاب ضيافة الإخوان.
- مكتبة النحوي: أسسها الشيخ محسن بن محمد طاهر القزويني المعروف بالنحوي أبو أسرة النحويين في قزوين.
- مكتبة المولى علي أصغر القزويني: أسسها علي أصغر بن محمد يوسف القزويني المتوفى سنة 1117 ثم انتقلت إلى ولديه الشيخ محمد مهدي القزويني والشيخ محمد مؤمن القزويني وعندنا بعض كتبها الموقوفة.
- مكتبة شيخ الإسلام: أسسها ميرزا مفيد شيخ الإسلام وجعل لها موقوفات كثيرة وازدهرت في عصر نجله ميرزا مسعود شيخ الإسلام سبط الشيخ محمد صالح البرغاني.
- مكتبة التقوى: أسسها السيد محمد تقي ابن السيد المير المؤمن القزويني المتوفى سنة 1270.
- مكتبة نوروز علي القزويني: أسسها نوروز علي التبريزي القزويني، ذكره عبد الله أفندي في رياض العلماء.
- مكتبة حاج سيد جوادي: أسسها المولى المير محمد معصوم ابن الميرمحمد فصيح الحسيني القزوين المتوفى سنة 1091 ووصلت هذه المكتبة إلى ذروتها في عصر السيد عبد الجواد القزويني المتوفى سنة 1278 وهو أبو الأسرة آل الحاج السيد جوادي في قزوين وتعرف المكتبة باسمه ورأيتها منذ عهد قريب وهي تحتوي على أكثر من ألفي كتاب مخطوط (2000).
- مكتبة قوى ميداني: أسسها السيد محمد باقر القزويني القوى ميداني المتوفى سنة 1286 في محلة قوى ميدان.
- مكتبة المدرسة الصالحية: من أشهر مكتبات قزوين أسسها الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271 في مدرسته بمحلة ديمج.
- مكتبة الشهيد الثالث: أسسها الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث المستشهد في سنة 1263 ولا تزال موجودة حتى العصر الحاضر.
- مكتبة البرغاني: أسسها الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271 في داره وهي من أشهر مكتبات قزوين ولا تزال موجودة حتى اليوم.
- مكتبة ملا علي البرغاني: أسسها الملا علي البرغاني المتوفى سنة 1269 في داره ولا تزال موجودة حتى اليوم.
- مكتبة قرة العين: أسستها زرين التاج الشهيرة بقرّة العين في دارها وعندنا بعض كتبها.
- مكتبة فحول القزويني: أسسها السيد رضي الدين الموسوي القزويني في سنة 1267.
- مكتبة الفشندي: أسسها الشيخ محمد تقي الفشندي القزويني المتوفى سنة 1328 هجرية وتفرقت هذه المكتبة في عام 1391 هجرية وقد ظفرت ببعض من مخطوطانها منها موسوعة ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين في احد وعشرين مجلداً ضخماً بخط المؤلف.
- مكتبة الرفيعي: أسسها السيد ميرزا رفيع المتوفى سنة 1272 وزاد عليها الحكيم الفيلسوف السيد أبو الحسن الرفيعي المتوفى سنة 1396 واليوم هي عند نجله السيد محسن الرفيعي القزويني من أئمة الجماعة في مسجد السيد عزيز الله بطهران.
- مكتبة عبد الحسين الصالحي: كاتب هذه السطور تحتوي على أكثر من 2000 مخطوط وعشرة آلاف مطبوع ومن مخطوطاتها قرآن بخط ياقوت المستعصمي مؤرخ سنة 630 هجرية وكتاب الزيج لكوشيار الجيلاني لم يذكر في مؤلفاته وعليه تملك سنة 670 هجرية وزيج بخط عيسى بن النعمان، مؤلفه كان معاصراً لكوشيار وجعل كتابه هذا مستدركاً على كتاب زيج كوشيار. ومؤلفات أُخرى بخطوط أكابر علماء الشيعة.
- مكتبة عبد الوهاب القزويني: أسسها الشيخ الميرزا عبد الوهاب القزويني المتوفى حدود سنة 1270 وزاد عليها الدكتور شفائي المعاصر.
بعض نقباء الطالبيين وأمراء
العلويين في قزوين
منهم السيد المؤيد بالله ابو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون الأقطع ولد سنة 333 وتوفي سنة 421 هجرية. كان كثير العلم له مصنفات في الفقه والكلام، بويع له في قزوين وبلاد الديلم. ومنهم أبو طالب يحيى بن الحسين ولد سنة 339 وتوفي سنة 423 عالم فاضل وهو شقيق السيد المؤيد بالله أحمد المار الذكر، بويع له بالديلم وقزوين بعد وفاة أخيه المذكور ولقب بالسيد الناطق بالحق. ومنهم أبو الفضل محمد بن علي المرتضى ملك النقباء بقزوين في القرن السابع. ومنهم أبو الشرف عبد العظيم بن الحسين بن علي الحسني الحائري الأردبيلي في جامع الرواة ج1 ص460 نقيب السادة بقزوين وادعى فيه أهل جيلان الإمامة وكان فاضل فقيه. ومنهم السيد شريف محمد المتوفى قبل سنة 445 من بيت آل الزينبي كان نقيب الهاشميين بقزوين وولده وسميه الشريف أبو المعالي محمد الزينبي القزويني تولى النقابة بعد أبيه في قزوين، ومنهم أبو علي فخر المعالي شرفشاه بن محمد بن أحمد الجعفري القزويني المتوفى سنة 484 من أمراء قزوين وبوفاته انتهت إمارة آل الجعفري في قزوين ومنهم عبدالله بن أحمد بن حمزة القزويني الجعفري شيخ الطالبية في قزوين.
بعض مشاهير العلماء في قزوين
نبغ من قزوين جمهور من علماء الفريقين ودفن بعضهم في قزوين منهم ابن ماجه القزويني المولود في سنة 207 والمتوفى في سنة 275 هجرية صاحب كتاب السنن من علماء السنة.
والإمام زكريا القزويني المتوفى سنة 682 صاحب كتاب عجائب المخلوقات وآثار البلاد ومنهم حمد الله المستوفي المتوفى حدود سنة 750.
وآل المستوفي ويقال آل فخر الدولة من الاسر العلمية العريقة في قزوين يرجع نسبها إلى بني رياح بطن من بني تميم وهي من الطوائف الشيعية في قزوين وقد أنجبت كثيراً من العلماء والزعماء والأمراء الذين قبضوا على زمام الزعامة والرياسة في البلد وقد برزوا في قزوين في أوائل القرن الثالث للهجرة منذ عهد جدهم فخر الدولة أبو منصور الكوفي الذي عين قائداً للجيش ووالياً في قزوين عام 223 وعندما خرج الداعي إلى الحق حسن بن زيد العلوي في سنة 251 التحق به وأيده في ثورته ومنهم فخر الدولة أبو علي الذي كانت حكومته في قزوين أوائل سنة 294 ومنهم فخر الدولة أبو منصور المتوفى حدود سنة 420 المعاصر لمحمود الغزنوي، ومنهم زين الدين أبو نصر ابن فخر الدولة أبو منصور الذي عينه السلطان محمود مستوفياً على قزوين فاشتهرت هذه الأسرة بآل المستوفي ومن أشهر علماء هذه البيوت الجليل المؤرخ الشهير الشاعر حمد الله المستوفي المتقدم ذكره وذكر في كتابه (نزهة القلوب) أنه من أحفاد الحر الرياحي بثماني عشرة واسطة وغيرهم من الأعلام والمشاهير.
أمام مقام الشاه زاده حسين في قزوين
وقبر حمد الله في قزوين في محلة بنبه ريسة على مرقده قبة مخروطية الشكل من آثار أواخر العصر المغولي.
ومن علماء قزوين أبو المعالي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني المتوفى سنة 739 هجرية كان خطيباً بجامع دمشق وهو المعروف بالخطيب الدمشقي من أئمة الشافعية وقاضي القضاة. ومنهم أبو القاسم عبد الكريم الرافعي المتوفى سنة 623 من أئمة الشافعية وصاحب كتاب التدوين في ذكر أخبار قزوين ويقال: التدوين في ذكر أهل العلم بقزوين ومنهم حكيم شاه محمد القزويني من مشاهير علماء الطب المتوفى سنة 966.
من أحداث قزوين
قال المسعودي في مروج الذهب ج4 ص 69: ظهر في قزوين سنة 250 الحسن بن إسماعيل بن محمد بن عبدالله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وفتح قزوين الديلم وبويع له. وفتحت قزوين الديلم من قبل الحسن بن القاسم المعروف بالداعي الصغير الحسني المقتول في سنة 316 هجرية وبويع له بقزوين والديلم([52]).
ومن أهم حوادث قزوين ظهور الإسماعيلية النزاريين في ألموت من ضواحي قزوين البعيدة وذلك في رجب سنة 483 حيث استقر حسن الصباح في ألموت إحدى قمم جبال البرز في ناحية قزوين وقيامه في قلعته المشهورة الباقية آثارها حتى اليوم وفتح رودبار وألموت وامتدت إمارته إلى الطالقان وقسم من الديلم، وبقيت هذه الإمارة حتى سنة 654 حيث سقطت ألموت على يد المغول وانتهت إمارة الإسماعيليين ومما يجدر ذكره هنا أنه كان للإسماعيليين النزاريين نفوذ داخل قزوين وكان مركزهم في محلة راه ري وتجمعهم في مسجد سنجيده المار الذكر في قزوين وكان هذا المسجد أحد مراكزهم حتى العصر القاجاري.
وفي سنة 944 هجرية صارت قزوين عاصمة الدولة الصفوية أيام الشاه طهماسب الأول الصفوي المتوفى سنة 984 ومن أهم قصور الصفوية في قزوين قصر سعادت آباد ويحتوي على 250 قاعة لاستقبال ضيوف البلاط من الإيرانيين والأجانب.
الإخباريون في قزوين
النزعة الإخبارية التي أقام دعائمها محمد أمين الأسترآبادي المتوفى سنة 1033، ثم انزوت بوفاة الشيخ يوسف البحراني الحائري صاحب الحدائق المتوفى سنة 1184 بانتصار الأصوليين بزعامة الوحيد آغا باقر البهبهاني الحائري المتوفى سنة 1205 وكان قد تزعم الحركة الإخبارية في قزوين الأخوند ملا خليلا القزويني الإخباري المتطرف المتوفى سنة 1089.
وتخرج عليه جماعة من العلماء والفضلاء وكان له أنصار وأعوان متطرفون في قزوين فانقسمت قزوين الى شطرين والفاصل بينهما هو نهر السوق (رودخانه بازار).
فالضفة الشرقية من النهر كان يسكنها الأصوليون والضفة الغربية يسكنها الإخباريون وهم من تلامذة وأنصار ملا خليلا القزويني وكانت داره ومدرسته الباقية حتى اليوم في تلك الضفة كما عرفت محلته حتى العصر الحاضر باسم محلة الأخوند، أي الأخوند ملا خليلا وقد سيطر هذا الصراع على التفكير الدراسي حتى أن الطالب الديني الإخباري أصبح يجاهر بتطرفه ويغالي فلا يحمل مؤلفات وكتب علماء الأصوليين إلا بمنديل خوفاً من أن تتنجس يده من ملامسة جلد الكتاب الجاف.
وكان مجتمع الإخبارية يتألف من طبقتين وهم الإقطاعيون والفلاحون وكان الجهل والاعتقاد بالخرافات والمغيبات سائداً بين العوام والطب كان عندهم عن طريق الأدعية فإن مرض أحدهم كان يعالج نفسه عن طريق الأدعية ولا يستعملون الأدوية ولا يعتقدون بالعلاج عن طريق العقاقير الطبية([53]).
وكان لهم سوق خاص واقع في محلة ديمج في الضفة الغربية من النهر وهو موجود حتى اليوم ويعرف باسم (بازارجه آمعصوم)([54]).
وكان الإخباريون يحرمون التعامل مع الأصوليين مهما كلف الأمر وإذا اضطرأحد المسيحيين أو اليهود للذهاب إلى قزوين الغربية وخاصة في يوم ممطر كان دمه هدر ويقتل، كما كانوا يلقبون علماء الأصوليين بـ (علماء ما وراء النهر) وهذا الاسم بمعنى كافر ملحد مهدور الدم.
أما الجانب الشرقي من قزوين فكان سكانه من الأصوليين وأكثرهم من التجار والعمال وأصحاب المعامل وفيه ثلاث كنائس موجودة حتى العصر الحاضر لطوائف مختلفة من المسيحيين وكان اليهود والنصارى والزردشتيون يمارسون أعمالهم وعباداتهم بكل حرية، والأسواق مزدهرة بالمارة من مختلف المذاهب. وكانت قزوين آنذاك من أهم المدن التجارية في إيران وذكر صاحب مينودر قائمة بأسماء الأسواق التجارية في قزوين الشرقية([55]) وكان فيها مستشفى كبير يعرف بـ (دار الشفاء).
ومدينة قزوين بسبب موقعها كان فيها فنادق كثيرة لأن جميع مسافري أوروبا وروسيا لا بد لهم أن يمروا بقزوين فكانوا موضع استقبال وحفاوة الأصوليين دون تزمت. فعلى أثر هذا الاختلاف بين أبناء البلد الواحد كانت تقع بينهم نزاعات مذهبية وحروب دامية وأشهر هذه المعارك هي المعركة المعروفة بـ (حيدر نعمتي) وكانت الحكومة تتدخل في كثير من الأحيان فتنصر الإخبارية على الأصولية.
وفي حدود سنة 1165 غادر إيران للاستيطان في كربلاء زعيم الإخباريين آنذاك الشيخ يوسف البحراني صاحب (الحدائق) المتوفى سنة 1184 فنزل في قزوين واستقبل استقبالاً حافلاً منقطع النظير من قبل أهالي قزوين وحلّ ضيفاً في الضفة الغربية من مدينة قزوين واهتم الإخباريون به.
وحضر الاستقبال آل الطالقاني أكبر الأسر العلمية في قزوين آنذاك وفي طليعتهم زعيم الأسرة الشيخ محمد تقي ابن الشيخ محمد جعفر الطالقاني القزويني وأولاده الشيخ الملا نعيما الطالقاني والشيخ ملا محمد الملائكة والشيخ محمد جعفر الطالقاني القزويني وهم من كبار علماء الأصوليين في قزوين آنذاك.
فردّ الزيارة لهم الشيخ يوسف البحراني زعيم الإخبارية ثم جرت بينهم مناقشات ومناظرات وتكررت الزيارات وكان آخرها في دار الشيخ ملا محمد الملائكة المتوفى سنة 1200 وهو جد البرغانيين في كربلاء وقزوين.
فجرى بين الزعيمين العلمين نقاش ومناظرة في اجتماع كبير بمحضر علماء الفريقين وأخذ كل واحد منهم يدافع عن طريقته وأدى هذا النقاش إلى عدم إمكان إقامة حجة واضحة من الشيخ يوسف البحراني فأفحم ملا محمد الملائكة زعيم الإخبارية في هذه المناظرة وحكي أن هذا الاجتماع كان السبب الوحيد لعدول صاحب (الحدائق) عن رأيه وأصبح من علماء الإخباريين المعتدلين بعدما كان من الإخباريين المتطرفين ولكن هذا النقاش والمناظرة أحدثتا بلبلة عظيمة في قزوين وأخذت تتوسع هذه البلبلة وتتصاعد حتى عمت سواد الناس من الطائفتين وانتهت إلى هجوم الإخباريين على دار الشيخ ملا محمد الملائكة لاغتياله فلم يظفروا به فأحرقت داره ومكتبته النفيسة ثم تدخل رجال الحكومة يناصرون الإخباريين وانتهى الأمر إلى تسفير الشيخ ملا محمد الملائكة من مدينة قزوين إلى برغان وفرض الإقامة الإجبارية عليه هناك ولم تقف الاصطدامات والمعارك ولا يزال يتناقل المعمرون القصاصون القزاونة تلك المعارك المعروفة بـ (حيدر نعمتي).
الشيخية والمتشرعة
في قزوين
لم يمر زمن طويل على نزاعات الإخبارية والأصولية في قزوين حتى ظهر على مسرح النزاع الشيخ أحمد الإحسائي المتوفى سنة 1241 وهو مؤسس الفرقة الشيخية فانقسمت قزوين إلى فريقين متنازعين الشيخية وخصومهم المتشرعة ويقال أيضاً (بشت سري) و(بالاسري).
وقد جاهر الإحسائي في مؤلفاته بجملة من العبارات المعميات والخرافة وأمور تلحق بالسخافات وتكلم بكلمات مبهمة وكان يفسر الباطن بحسب شهوة نفسه ويجعل ذلك حجة على غيره ويقول هذا من الباطن الذي لا تفهمه([56]).
وكان قد ادعى الكشف والإلهام وما يشبه شطحات بعض الصوفية وقد غالى في عقائده من التفويض إلى الأئمة الأطهار والأخذ بالباطن مما يؤدي إلى الخروج عن الدين.
واهتم السطان فتح علي شاه القاجاراي بالموضوع لبذر الخلاف بين العلماء فوجه دعوة إلى الإحسائي فتم اللقاء بينهما في قصر كلستان بطهران واتفق الطرفان على إقامة الإحسائي في كرمانشاه عند ولي العهد الأمير محمد علي ميرزا نجل السلطان فتح علي شاه([57]).
فحل الإحسائي في مدينة كرمانشاه حتى سنة 1237 الذي توفي فيها ولي العهد الإيراني وأدى ذلك إلى هجرة الإحسائي من كرمانشاه إلى قزوين واستوطن في مقره الجديد وجلس للتدريس وقام بالإمامة في مسجد الشاه وتقاطر عليه طلاب الشيخية وفضلاؤها وأنصارهم من كل حدب وصوب إلى قزوين والتفوا حول صاحب الدعوة وكان المجتمع القزويني منقسماً إلى فريقين كسائر المدن الشيعية بين مؤيد ومعارض ولما كانت الزعامة الدينية في قزوين لأسرة البرغانيين بل كان نفوذهم يمتد من العاصمة طهران إلى مازندران وحتى قسم من المدن الإسلامية التي يحتلها الاتحاد السوفياتي اليوم فتعالت الأصوات وانهالت الشكاوى من مختلف المدن الإيرانية والعراقية خاصة من كربلاء والنجف الأشرف على البرغانيين يستنجدون بهم لوضع حد لمظالم الشيخية وعلى الرغم من قلة عدد هؤلاء فقد كانت لهم صولات وجولات في المدن ومحلاتهم.
وشهدت إيران والعراق في ذلك العصر نزاعاً مذهبياً حاداً.
ومن أهم الحوادث التي وقعت بتحريض من الشيخية هي مجزرة نجيب باشا المعروفة بمواقعة نجيب باشا وقد فصلت البحث عن هذه الواقعة المشؤومة في كتابي (كربلاء في حاضرها وماضيها) وقد أدت هذه النزاعات إلى اجتماع عام كبير في ديوان الشهيد الثالث البرغاني بقزوين وحضره جمهور من علماء الفريقين وكان يمثل علماء المتشرعة الشهيد البرغاني ويمثل الشيخيين صاحب الدعوة الشيخ أحمد الإحسائي كما حضر الاجتماع جمهور من العلماء المتخصصين المتبحرين في الفنون والعلوم الإسلامية منهم الأخوند ملا آغا الحكمي والأخوند ملا يوسف الحكمي القزوينيين أساتذة الفلسفة والعرفان في المدرسة الصالحية بقزوين وبدأ النقاش وتكررت الجلسات لأكثر من ثلاثة أشهر متوالية وكان آخرها في شهر ذي الحجة الحرام من سنة 1239 الذي أفحم فيها صاحب الدعوة الإحسائي في مسائل عديدة وأثبت إفلاسه الفلسفي وجزموا أن بعض آرائه هي الخروج عن الدين وعرضوا عليه التوبة والعدول عن بعض آرائه فلم يقبل وأصر على رأيه.
فثار الشهيد ضد المعاندين وأصدر تلك الفتوى الخطيرة وحكم بكفر الشيخ أحمد الإحسائي وخروجه عن الدين وإثبات عقيدته الضالة المضلة.
وكان لهذا التكفير صدى عظيم في الحوزات العلمية الشيعية.
فصغر الشيخية في عيون الناس وكسرت شوكتهم وأوعز السلطان فتح علي شاه القاجاري إلى والي قزوين الأمير ركن الدولة علي تقي ميرزا بتدارك الأزمة واستنجد الامير ركن الدولة بعلماء قزوين وطلب منهم أن يساعدوه على تسوية الأمر فوجه دعوة إلى الفريقين وأقام مأدبة عشاء ضخمة ليجمع بين الإحسائي والإمام البرغاني على مائدة واحدة ولكن الشهيد امتنع أن يكون شريكاً مع الإحسائي على مائدة واحدة([58]).
وبعد كلمة قصيرة ألقاها الوالي الأمير ركن الدولة طلب فيها من الإمام البرغاني دفع الخلاف فأجابه الشهيد لا صلح بين الكفر والإسلام([59]) وباءت محاولته بالفشل وازداد الخلاف وأصرت المتشرعة على النضال ضد الشيخية بعد أن أخذتهم الحماسة.
واتسعتت رقعة الخلاف إلى حد أنه حينما دخل صاحب الدعوة الإحسائي على زوجته اليزدية تحجبت منه وقالت: حكم الإمام البرغاني بخروجك عن الدين وإنك حرام علي فعند ذلك طلقها الإحسائي واختلف مع الإحسائي ولده الشيخ محمد تقي اختلافاً شديداً وكان ينكر على أبيه طريقته أشد الإنكار ويقول عند ذكر آرائه كذا فهم عفا الله تعالى عنه([60]).
وأنكر على الشيخ أحمد الِإحسائي طريقته أيضاً شقيقه الشيخ صالح الإحسائي الذي كان من أكابر علماء عصره وغيرهم من مرافقيه ومصاحبيه وتلامذته يطول علينا ذكرهم.
ولم يتمكن الإحسائي بعد الفتوى من البقاء في قزوين بعدما مكث بها أكثر من سنتين فتوجه في سنة 1240 هجرية إلى خراسان لزيارة الإمام الرضا عليه السلام ثم انتقل الى يزد وسكنها ثلاثة أشهر وكان خصومه يشنون عليه الحملات الشعواء.
ثم هاجر إلى أصفهان ومنها انتقل إلى كرمانشاه ثم توجه إلى كربلاء ولم يتمكن من الإقامة في أية مدينة من المدن المذكورة بسبب تكفيره حيث كان الخطباء والعلماء حتى أنصاره وتلامذته السابقون يوجهون إليه الانتقادات الحادة وأخذوا يحاربونه.
فسافر إلى مكة المكرمة حاجاً وعندما أراد العودة إلى موطنه الإحساء وقبل وصوله إلى المدينة توفي في 21 ذي القعدة الحرام سنة 1241 ودفن في البقيع.
ثورة البابية في قزوين
ومن أهم حوادث قزوين في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ثورة البابية فأول من حكم بكفرهم الشهيد البرغاني قال شيخنا الأستاذ آغا بزرك الطهراني (… وقد ثارت الفرقة البابية في أيامه وطغت وأفسدت وأراقت الدماء فوقف المترجم له قبالها موقف الباسل المناضل ونشر فتواه بتكفيرهم ونجاستهم وأعلن ضلالهم على المجتمع حتى كسرت شوكتهم وضعفت عزائمهم وصغروا في العيون…)([61]).
شهادة الشهيد البرغاني
في قزوين
خرج الشيخ محمد تقي البرغاني من داره إلى مسجده القريب من بيته لأداء صلاة الصبح، وعندما استقر في محراب المسجد حمل عليه جماعة من البابية في المحراب في حالة صلاة الصبح يوم الخامس عشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1263 فطعنوه ثماني طعنات فأسرع إلى خارج الجامع ثم سقط على وجهه مغشياً عليه عند باب المسجد فحمل إلى داره وقضى نحبه بعد يومين أي في اليوم السابع عشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1263 هجرية.
ومرقده مزار معروف في قزوين له ضريح وحرم وبجانبه مسجد كبير مرّ ذكره.
قرة العين في قزوين
من أهم حوادث القرن الثالث عشر للهجرة قضية قرة العين التي اهتم بها المحققون وأرباب الفضيلة من الشيعة وغيرهم والمستشرقون قال الدكتور علي الوردي: (شغل المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من ولاية نجيب باشا بحديث امراة عجيبة تدعى (قرة العين) إذ هي أسفرت عن وجهها وارتقت المنبر وخطبت وجادلت فكان ذلك أول حدث من نوعه في تاريخ العراق وربما في تاريخ الشرق كله طيلة قرون عديدة..)([62]) أقول وهي من أشهر نساء العالم، قتلت في سنة 1268 هجرية، ولدت على فطرة التشيع في بيت علم وفضل وترعرعت في أحضان الزهد والتقوى وأجمع المسلمون على استقامتها واختلفوا في أواخر عمرها.
نشأت قرة العين في قزوين وحفظت القرآن في أوائل عمرها وأخذت الفقه والأصول والحديث والتفسير من والدها وأعمامها وأخويها الميرزا عبد الوهاب والشيخ حسن وتخرجت في الحكمة والفلسفة والعرفان على الأخوند ملا آغا الحكمي والأخوند يوسف الحكمي القزوينيين وأخذت الأدب والشعر عن أمها آمنه بنت الشيخ محمد علي القزويني وغيرهم من أساتذة عصرها.
ويروي لنا الدكتور علي الوردي عن قرة العين ويقول (… وذاع صيتها في بغداد فأخذ الكثير من سكانها من الشيعة وغيرهم يفدون إلى الكاظمية لسماع دروسها ومحاضراتها. روى لي أحد المسنين من أهل الكاظمية نقلاً عمن شهد قرة العين أثناء مكوثها في الكاظمية فقال: إن الكثير من الناس حضروا حلقات درسها وصلّوا وراءها وكانوا إذا استمعوا إليها وهي تتكلم يكادوا يذهلون عن أنفسهم من شدة تأثرهم بها.
يبدو أن قرة العين لم تكن متزمته في حجابها على النمط الشديد الذي اعتادت عليه نساء عصرها وهي ربما كانت تلتزم بالسفور الذي تبيحه الشريعة الإسلامية وهو إظهار صفحة الوجه والكفين من غير زينة فكانت تجالس الذين تثق بهم من أصحابها وتحادثهم وهي مكشوفة الوجه غير أن هذا النوع من السفور لم يكن يستسيغه الناس في تلك الأيام فأثار ضجة لدى العامة ورجال الدين وأخذوا يتقولون عليها ويلصقون بها التهم الشنعاء.
كان الناس في تلك الأيام قد اعتادوا ان يربطو بين عفة المرأة وشدة حجابها، فكلما كانت المرأة أشد حجاباً كانت في نظرهم أعظم عفة وأكمل خلقاً ولهذا أخذ خصوم قرة العين يتهمونها بالتحلل الخلقي ولا تزال هذه التهمة لاصقة بها حتى اليوم..)([63]).
قال شيخنا الأستاذ آغا بزرك الطهراني في الذريعة (طاهرة بنت المولى صالح البرغاني القزويني ولدت على فطرة التشيع وكان والدها وأعمامها وولدهم كلهم من الققهاء على مذهب الأصحاب…)([64]).
يوكد لنا نجل قرة العين الأكبر الثقة الشيخ إبراهيم البرغاني القزويني الذي اجتمع أكثر من مرة بها في آخر أيام حياتها وهي مسجونة في دار الكلانتر بطهران، أن أمه قرة العين كانت صائمة وتقضي أكثر أوقاتها بقراءة القرآن والدعاء والصلاة وقتلت على مذهب التشيع كما يروي لنا نفس الرواية المستشرق الفرنسي نيكلا في كتابه (المذاهب) عن لسان نساء ورجال بيت كلانتر الذي كانت قرة العين مسجونة فيه واجتمع المستشرق الفرنسي بـ هؤلاء بعد قتل قرة العين بقليل فأجمعو أن قرة العين كانت تتوضأ وتصلي وتقرأ الدعاء..([65]).
ويصفها الدكتور علي الوردي قائلا (إني أعتقد على أي حال أن قرة العين امرأة لا تخلو من عبقرية وهي قد ظهرت في غير زمانها أو هي سبقت زمانها بمائة سنة على أقل تقدير فهي لو كانت قد نشأت في عصرنا هذا وفي مجتمع متقدم حضارياً لكان لها شأن آخر وربما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين([66]) وقال محمود شكري الآلوسي:
(إنني رأيت لديها من الفضل ما لم أره في كثير من الرجال وهي ذات عقل وأدب وفريدة حياء وصيانة وقد لقبها السيد كاظم الرشتي بـ (قرة العين) ولم أرها ترفع التكاليف- أي الفرائض الدينية كما يتهما أعداؤها- مع أنها بقيت في بيتي نحو شهرين) (جريدة المنار اليومية بتاريخ 21/4/1967 الصفحة 6).
ويقول أيضا في بعض كتاباته (فقيل إنها كانت تقول بحل الفروج ورفع التكاليف بالكلية وأنا لم أحس منها بشيء من ذلك مع أنها حبست في بيتي شهرين وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين…) (مختصر التحفة الاثني عشرية ص24).
قزوين في الشعر العربي
مما قيل في قزوين من الشعر العربي ما قاله الطرماح بن حكيم:
خليلي مُد طرفك هل ترى
ظعائن باللوى من عَوْكلان
ألم تر أن عرفان الثُّريَّا
يهيج لي بقزوين احتزاني
وأنشد بعض شعراء قزوين يذكرها ويفضلها على أبهر:
نَدَاماي من قزوين طوعاً لأمركم
فإني فيكم قد عصيت نُهاتي
فأحيو أخاكم من ثراكم بشربة
تندّي عظامي أو تبلّ لَهاتي
أساقيتي من صفو أبهر هاكه
وإن يك رفق من هناك فهاتي
وغزا قزوين الحولي بن الجون فقال:
وبكرسوانا عراقية
بمنحازها أو بذي قارها
وتغلب حي بشط الفرات
جزائرها حول ثرثارها
وأنت بقزوين في عصبة
فهيهات دارك من دارها
وقال الصاحب بن عباد في رسالة يعتاب بها صديقه ابن أبي زرعة القزوين: وقديماً قيل:
يا أهل قزوين السلام عليكم
فليس لكم ودّ ولا عندكم عهد([67])
وقال الشيخ عبد الله بن راشد البحراني وهو من شعراء القرون الأخيرة:
بلد بنشر نسيمها يهدي إلى
جناتها ولنورها لألاء
بلد عليه لمحة من طيبة
خضعت لها العلماء والفضلاء
ما أنت يا قزوين إلا روضة
بأريجها تتأرج الأرجاء
والبحر يقصر دون بحرك مده
فلذاك نقصان وذا استيلاء
ما الجوهر المكنون مثل الجوهر
المبذول وهو بما به حصباء
قزوين اليوم
قزوين اليوم هي أحد أكبر القطاعات الزراعية والصناعية في إيران وتحيط بالمدينة بساتين ومزارع شاسعة، عمدة محصولاتها الفستق واللوز والتفاح والكمثرى، وهي مركز هام من مراكز إنتاج اللحوم والبيض ويصدر منها في كل يوم 45 طن حليب.
وأسس في قزوين في عهد البهلوي الثاني مدينة صناعية باسم مدينة ألبرز الصناعية تحتوي على 360 معملاً، فيها أكثر من 30,000 عامل.
وفي قزوين جامعة باسم (جامعة دهخدا) كما أن فيها داراً للمعلمين، وقام فريق من المواطنين القزاونة بجمع تبرعات لتأسيس كلية طبية، وتتشكل اليوم من عدة عمارات ضخمة. وفي هذا العهد الجمهوري تقرر إنشاء جامعة إسلامية عالمية باسم (جامعة القدس الدولية) خصص لها أرض مساحتها 3.000.000 متر مربع في شمال مدينة قزوين.
عبد الحسين الصالحي
قزوين
-2-
عمد شابور الساساني إلى إحداث قلعة في موضع قزوين الحالية من أجل صدّ هجمات طوائف الديلم، واتخذ من هذه القلعة معسكراً للجيش، ثم أخذت تتوسع شيئاً فشيئاً بعد أن أصبحت محلاً للسكن، حتى تحولت إلى مدينة في زمن العهود الإسلامية، وظل أهلها قائمين بمهمة صدّ هجمات الديلم، وساهم موقعها ودورها العسكري في جذب اهتمام الخلفاء المسلمين والحكام والسلاطين الإيرانيين إليها مما حدا بهم إلى توسيعها وتقويتها أكثر فأكثر.
ثم خضعت قلاع قزوين مثل قلاغ ألموت وميمون دز ولمبسر وسائر القلاع الشمالية الأُخرى لسلطة فدائيي الإسماعيليين.
وقد أجريت بعض الحفريات في التلال الواقعة في أطراف قزوين ومن هذه التلال، تلال أطراف قرية (دهستان زهرا)، وعثر على آثار من حضارات الألف الثاني قبل الميلاد في (قرة تبه) في قرية سكز آباد.
واكتشفت آثار بعض الآنية الخزفية ذات الرسوم الملونة في أسفل تل واقع في قرية اقبال بالقرب من قرية قديم آباد ويرجع تاريخ هذه الآثار إلى ما قبل التاريخ.
واكتشفت آثار أُخرى مثل الآنية الخزفية المزخرفة في تل واقع في شرق قرية نركة التابعة لناحية تاكستان، ويرجع تاريخ هذه الآثار إلى ما قبل التاريخ أيضاً.
وتشاهد بعض آثار العهد الساساني في الطبقات السفلى لأكثر التلال الموجودة بالقرب من قزوين، بينما تشاهد آثار العهد الإسلامي والسلجوقي في الطبقات العليا لهذه التلال([68]).
وفي عام 1333 هـ. شمسي قام (لوئي قاند نبرك) عالم الآثار البلجيكي بإجراء بعض الحفريات في (كنج تيه) الواقع على بعد 1 كم إلى الشرق من قصبة خوروين التابعة لبرغان، وحصل على آثار وأوانٍ تثبت وجود أقوام في هذه المناطق كانوا يعيشون هناك في الألف الثاني قبل الميلاد، ويعود هؤلاء إلى نفس الأصول التي ينحدر منها سكان أطراف قزوين، ويبدو أن مساكنهم كانت تصل إلى أطراف مدينة الري وحسب بعض الأقوال فإنها كانت تمتد من الأطراف الشرقية لخراسان وكذلك بلاد ما وراء النهر.
وفي عام 1909 م قام السيد دموركان رئيس الهيئة العلمية للحفريات في فرنسا بإجراء الحفريات في العديد من التلال الواقعة جنوب حضرة عبد العظيم (مدينة الري الحالية)، وكذلك قام الدكتور أريك شميدت بالوكالة عن متحف الفنون الجميلة في مدينة (بوستن) ومتحف جامعة هذه المدينة بإجراء الحفريات في أطراف مدينة الري في أعوام 1312-1313 هجري شمسي، وحصل على بعض الأواني المزخرفة التي يعود تاريخها إلى ما قبل ستة آلاف سنة. وكذلك اكتشفت بعض الآثار القديمة التي ترجع إلى ما قبل التاريخ في إيوان كي وفشند وأطراف كرج.
وفي عام 1942 اكتشفت آنية غامقة اللون وخالية من النقوش في (دروس شميران) وهي دليل على حضارة الأقوام الذين عاشوا في هذه المناطق في الألف الثاني قبل الميلاد([69]).
وكان هؤلاء الأقوام يسلكون في تجارتهم أو ذهابهم إلى مراكز القوة عدة طرق، مثل الطريق الذي يوصل بين قزوين وآذربيجان ويمر عبر أبهر وزنجان وكذلك طريق قزوين – الري، وامتداداته نحو شرق إيران وهو الذي كان باستمرار مسلكاً للغزاة، وكذلك طريق قزوين همذان وكرمانشاه وحتى سهول ما بين النهرين، والذي كان منذ بداية التاريخ ولا يزال ممراً للذهاب والإياب.
وتوجد عدة طرق تربط بين قزوين وكيلان ومازندران عبر وديان الجبال الشمالية ولا يزال بعض هذه الطرق موجوداً إلى الآن، وهو كالآتي:
- الطريق المعروف الذي يربط قزوين برشت ويمر عبر منجيل ووادي (سفيد رود) ويوجد في هذا الطريق عدة مضائق جبلية بارتفاع 1590م ويمر بملا علي.
- طريق مال رو الذي يربط قزوين بمنجيل ويمر عبر ناحية خرزان ومضيق([70]) سياه خانه وقرية رودبار.
- الطريق الذي يربط قزوين بلنكرود ويمر عبر مضيق (دندان) وأحمد خاني ونهر شاهرود، وكذلك يمر بقرية رودبار.
- الطريق الذي يربط قزوين بلاهيجان ويمر بمضيق (إمام زاده إبراهيم).
- الطريق الذي يمر بمضيق سلمبار (بارتفاع 3378م) ومضيق آلوجشمة (بارتفاع 2440م) ويمتد في وادي (سه هزار) حتى يصل خرم آباد تنكاين وشهسوار (من قرى ألموت).
- الطريق الذي يربط قزوين بخرم آباد تنكاين ويمر عبر مضيق كدوك وسيلان.
وتتميز قزوين بندرة الماء فيها، وقد أشار المؤرخون والجغرافيون إلى ذلك ومنهم ابن حوقل حيث قال: لا يجري في قزوين من الماء إلا ما يكفي للشرب([71]).
ويقول صاحب كتاب حدود العالم: «يشرب القزوينيون من ساقية تمر بالمسجد الجامع»([72]) وكذلك قال الإصطخري في المسالك والممالك([73]).
ويذك الحكيم ناصر خسرو العلوي-الذي مر بقزوين عام 438- ندرة مياه المدينة، بقوله:-“لا يوجد في المدينة إلا القليل من الماء، ويقتصر وجوده على ما يستخرج من باطن الأرض»([74])-.
وثمة عدد من الأنهار في أطراف قزوين، مثل نهر (أبهر) ونهر (خر) وأرنزك وديزج، وتتكون هذه الأنهار من ذوبان ثلوج جبال ألبرز ومن مياه العيون الموجودة في أسفل هذه الجبال، وغالباً ما تجري فيها المياه في أواخر فصل الشتاء وأوائل فصل الربيع ولكنها تجف في فصل الصيف، ويتحدث حمد الله المستوفي عن ذلك بقوله([75]): تجري المياه في أنهار قزوين خلال الربيع، وهي تكفي لبساتين المدينة إذا ما كانت كثيرة وإلا فإن بعض البساتين تجف في فصل الصيف. ويلجأ الأهالي إلى الاستفادة من مياه القنوات بسبب عدم سد مياه الأنهار لحاجة الأراضي الزراعية، وقد كان أهالي مدينة قزوين يعتمدون على الآبار حتى بداية القرن الخامس الهجري. وينسب إحداث أول قناة في قزوين إلى حمزة بن اليسع وهو أحد أشاعرة قم، وقد قدم المدينة حاكماً عليها من قبل السلطان محمود الغزنوي، وأصبحت القنوات بعده أمراً متعارفاً عليه..
ويذكر الرافعي صاحب كتاب التدوين، أسماء القنوات التي كانت موجودة حتى أوائل القرن السابع الهجري، وهي عبارة عن: قنوات طيغورية، طرخانية، مكابادية، خمارتاشية، زرارية، سيدية، خاتونية، صاحب حسن..
ويذكر حمد الله المستوفي في (تاريخ كزيده)([76]) أسماء 8 قنوات لمدينة قزوين وهي في أغلبها نفس القنوات التي ذكرها صاحب التدوين. وينقل أحمد أمين الرازي في كتابه (هفت إقليم) أن الملك عباس الكبير قام بإحداث قناة في قزوين، وكانت لا تزال موجودة في زمن المؤلف.
ولما كانت مياه القنوات لا تكفي حاجة الناس في فصل الصيف، فقد أحدث بعض الأثرياء والأخيار مخازن للمياه في هذه المدينة. حيث تمتلئ بالمياه أثناء فصل الشتاء، وتكفي لفترة ستة أشهر، ولا يزال بعض هذه المخازن موجوداً إلى الآن في قزوين.
وعل الرغم من شحة المياه في قزوين، فقد كانت منذ القدم تحتوي على العديد من بستاتين الفاكهة والأراضي الزراعية، حيث يقول الإصطخري([77]): يوجد في هذه المدينة الكثير من الأشجار وبساتين العنب والأراضي الزراعية، وتعتمد جميعها على الديم، وتصدر المحصولات إلى أطراف المدينة، ويكتب أبن حوقل عن هذا الأمر:([78]) «…ويزرعون الأشجار وبساتين العنب وينقلون المحصولات إلى الأماكن المجاورة» وفي موضع يضيف: «وهي (قزوين) خصبة على الرغم من شحة مياهها».
وقد ورد في كتاب المسالك والممالك الفارسي وهو مجهول المؤلف – بأن الزراعة في قزوين تعتمد على الأمطار، وعلى الرغم من شحة الماء فإن هذه المدينة ذات نعم وافرة، ويكثر فيها العنب واللوز والزبيب بحيث يصدر إلى غيرها من المدن. وكذلك يتحدث الرافعي في (كتاب التدوين) عن خصوبة أراضي قزوين وكثرة الغلة فيها.
ويذكر زكريا القزويني في كتابه (آثار البلاد)، بأن البساتين تحيط بالمدينة من كل صوب، وتحيط بالبساتين عدة مزارع. ويبدي أحمد أمين الرازي في كتابه (هفت إقليم)، استغرابه بسبب عدم ري بساتين العنب اكثر من مرة واحدة في السنة. وكذلك يذكر شاردن في مذكراته، أن المدينة تنعم بالخيرات ووفرة المواد الغذائية فيها على الرغم من شحة مياهها. وقد ورد في كتاب (بستان السياحة) للحاج زين العابدين الشيرواني ما يلي: – يوجد في أطراف قزوين وجوانبها العديد من البساتينن ومن عجائب الزمان أن هذه البساتين لا تروى في السنة أكثر من مرة واحدة.
والجدير بالذكر أنه لم يكن ثمة مدينة مهمة في مثل هذه السهول- التي تعرضنا للحديث عن تاريخها، مناخها وزراعتها بشيء من الاختصار- حتى زمن الساسانيين، وإنما اقتصر البناء في هذه السهول على مدينة الري التاريخية الواقعة في الجنوب الشرقي منها وعلى همذان في جنوبها، اللتان كانتا منذ القدم مركزين للحضارة ومقرين للحكام والسلاطين وكبار الأمراء.
وللحديث عن كيفية ظهور مدينة قزوين وتاريخ بنائها، ينبغي أن نعرف أنه كانت هناك قبيلة تسمى الديلم في الأزمنة الغابرة في الجبال الشمالية لقزوين التي تشكل الجزء الجنوبي من كيلان. وكانت هذه القبيلة تتمتع بنفوذ كبير في زمن الساسانيين بحيث سميت جميع نواحي كيلان باسم (ديلمستان) أو مناطق الديلم. وقد امتاز هؤلاء الديلم بشجاعتهم وقوتهم في الحروب، واتخاذهم من الجبال والغابات مأوى وملجأ لهم، وكانوا يعيشون في هذه المناطق بصورة حرة دون أن يخضعوا لسطان أو حاكم في إيران.
وفي بعض الأحيان كان الديلم يخرجون من معاقلهم للإغارة على المدن والقرى المجاورة ونهب ما فيها، فحدا هذا الأمر ببعض السلاطين الساسانيين وهو شابور الأول (242-271 م) حسب قول بعض المؤرخين([79])، أو شابور ذو الأكتاف حسب قول البعض الآخر([80]) ، إلى اصدار أمر ببناء قلعة
لصد هجمات الديلم وأسماها قلعة (شاد شابور)([81]).
ويذكر البلازري بأن قزوين كانت قبل الإسلام قلعة، يقطنها جيش من الإيرانيين للوقوف بوجه الديلم وقتالهم حين يغيرون، وللوقوف – في غير ذلك الوقت – بوجه اللصوص وقطاع الطرق([82]).
وهكذا كانت هذه القلعة، في بادئ الأمر مقراً للجنود، ثم أخذ بعض الناس يسكنون بالقرب منها وبعد ذلك أقاموا لأنفسهم حصناً، وكانت قلعة قزوين في وسط هذا الحصن.
ويعتقد بعض الجغرافيين المسلمين مثل ابن الفقيه وابن خرداذبه والبلاذري وياقوت الحموي بأن اسم قزوين في الأصل هو (كشوين) ثم عرّب ليصبح قزوين، وينقل حمد الله المستوفي عن أبي عبدالله البرقي في كتابه (كتاب التبيان)، أن سبب تسمية هذا الموضع بهذا الاسم هو ما يلي: أرسل أحد السلاطين القدامى جيشاً إلى الديلم واصطف هذا الجيش في صحراء قزوين، فلاحظ قائده خللاً في الصفوف فقال لأحد أتباعه: (أين كش وين) أي انظر إلى هذا الخلل وأصلحه فسمي هذا الموضع باسم كشوين، ثم حملت المدينة التي أقيمت في هذا الموضع نفس الاسم، ثم عرّبها العرب فأصبحت قزوين.
ويعتقد بعض المستشرقين أن اسم قزوين قد أخذ من (كاسبي) وهو اسم لإحدى القبائل التي كانت تسكن في غرب بحر الخزر، وكذلك كان الأوروبيون يسمون بحر الخزر باسم (بحر كاسبي).
ولا يوجد أي أثر في المدينة لحياة ما قبل الإسلام، ولكن بعض المؤرخين يذكرون بأنه كانت هناك بعض معابد النار، وظلت هذه المعابد إلى ما بعد الاسلام ثم حولت إلى مساجد.
ويذكر الرافعي ما يلي: – قرأت بخط أبي عبدالله النساج رواية عن أحدهم، تفيد بأن أهالي قزوين والري كانوا يدفعون الجزية، لأن هاتين المدينتين تم فتحهما بالمصالحة، ومن ثم فقد ظلت معابد النار على ما كانت عليه. وفي الحقيقة فإن هذه المعابد تركت أو حولت إلى مساجد، بعد تغلغل الإسلام في أوساط الأهالي وتحولهم بالتدريج عن دينهم. وينقل حمد الله المستوفي بأن محمد بن الحجاج أحدث مسجداً في قزوين كان في بادئ الأمر معبداً للنار، وكذلك كان مسجد مهرهيره- وهو من المساجد القديمة – معبداً للنار أيضاً.
ويذكر الرافعي في كتاب التدوين، أن هناك موضعاً محاذياً للمقبرة يسمى (كهنبر) ويعرف أيضا بالقرية، ويعتبر هذا الموضع من أقدم أبنية قزوين ولا يعرف تاريخ بنائه لتماديه في القدم.
وورد في تقرير دائرة الثقافة والفن في قزوين المرقم 3 والمؤرخ 27/4/47 ذكر لآثار (جهار طاق) التي ترجع إلى العصر الساساني وهي موجودة في قلعة (سنك رود) من توابع رزكرد أو رزجرد وتقع هذه القلعة على تل هناك.
قزوين في العصور الإسلامية
وقعت آخر الحروب الكبيرة بين العرب وجيوش الساسانيين في عام 21 هـ في نهاوند، وانتهت هذه الحرب بهزيمة الساسانيين، وفقدت جيوش يزد كرد الثالث – حينذاك – قدرتها على مقابلة المسلمين، ولاذ ملكهم يزد كرد الثالث بالهرب إلى أصفهان ومنها إلى يزد ثم توجه إلى خراسان عن طريق فارس وكرمان، وعلى الرغم من هذه الأحداث لم يستطع المسلمون فتح قزوين إلا بعد ثلاث سنوات أي في عام 24 هـ.
وليس ثمة سبب لإبطاء المسلمين في فتحهم لقزوين إلا لقاؤهم بعدو قوي، شرس وهو الديلم.
وكما ذكرنا آنفاً، فإن قبائل الديلم التي كانت تتخذ آنذاك من الجبال الجنوبية لجيلان موطناً لها، لم تكن لتخضع للدولة الساسانية إلا نادراً، وأن سبب إقامة قزوين هو الوقوف بوجه حملات وغارات هؤلاء الديالمة على الأراضي والمدن المجاورة لهم، ولذلك فإن هذه القبائل استغلت عدم وجود القوة الساسانية أثناء الفتوحات الإسلامية، وبادرت بشن غاراتها المتتالية على أطراف قزوين والري وكذلك أطراف قم وكاشان وحتى نهاوند([83]). ولذلك بادر المسلمون إلى جعل قزوين –بعد فتحها– قاعدة لمواجهة الديلم كما كانت عليه في زمن الساسانيين.
وتعتبر أكبر معركة دارت بين المسلمين وقبائل الديلم هي معركة واجرود التي حدثت سنة 22 هـ بين قزوين وهمذان. ورغم أن هذه المعركة انتهت بهزيمة الديلم، إلا أنها ألقت الذعر في نفوس العرب لما وجدوه في خصمهم من شدة في الحرب ومهارة في رمي النبال. واستمرت المعارك بين العرب والديلم منذ ذلك الحين، وسنشير إلى كل منها في حينها.
وقد تمّ فتح قزوين عام 24 هـ على يد البراء بن عازب الذي بعثه والي الكوفة لفتح قزوين وزنجان وأبهر. وكان قد أرسل البراء – في بادئ الأمر- مع زيد الخيل الطائي لمقاتلة الديلم في أبهر، وبعد عدة أيام من الحرب طلب أهالي أبهر الأمان فأمنهم وتوجه إلى قزوين، فطلب أهلها الأمان بدورهم، فصالحهم على نفس الشروط التي تصالح بها مع أهالي أبهر عليها، وصار أهل قزوين يدفعون الجزية([84]).
ويروي حمد الله المستوفي أن اهالي قزوين ارتدوا عن الأسلام بعد عودة البراء بن عازب، فقدم إليهم عبد الرحمن الحارثي على رأس جيش إسلامي ففتحها مرة أخرى، ودخل أهلها في الاسلام صادقين هذه المرة([85]).
وبعد أن تمّ فتح قزوين على يد البراء، تخلف فيها العديد من أفراد جيشه، واختاروا الاستطيان فيها، وتناسل هؤلاء فكان بين ذريتهم العديد من كبار العلماء ورواة الأحاديث. ويقول حمد الله المستوفي إن طليحة بن خويلد الأسدي كان مرافقاً للبراء بن عازب في فتح إيران، وبرفقته أولاده، ففضل السكن في ناحية (دشتبي)، وبعض خطباء الولاية الأسديون هم من ذريته([86]).
ويتحدث ابن الفقيه عن هذا الأمر فيقول بأن البراء أقطع خمسمائة نفر من أصحابه بعض الأراضي والإقطاعات التي لم تكن عائدة لأحد ومن ضمن هؤلاء طليحة بن خويلد الأسدي وميسرة العايذي وجماعة من بني تغلب، فعمد هؤلاء إلى استصلاح الأرض وشق الأنهار وحفر الآبار واتخذوها موطناً لهم.
ويذكر مؤلف فتوح البلدان أن قزوين كانت آخر حد بلغه جيش الكوفة([87]). ولذلك كان بعض الجغرافيين المسلمين يعتبرون هذه المدينة إحدى الثغور، حيث يذكر ابن الفقيه ما يلي: أمر والي الكوفة بقتال الديلم، ففتح قزوين وجعلها ثغراً للكوفة.
وقد أشار أغلب الجغرافيين المسلمين إلى كون قزوين أحد الثغور، ويستنتج من هذا أن الجيوش الإسلامية لم تتجاوز قزوين إلى جيلان.
ويذكر حمد الله المستوفي في كتاب نزهة القلوب ما نصه:… كانوا (المسملون) يعتبرونها (قزوين) إحدى الثغور، لأنهم في حرب مستمرة مع الديالمة والملاحدة هناك([88]). وهكذا كانت قزوين إحدى الثغور لمجاورتها للديلم غير المسلمين، وكان همّ حكام الري وقزوين صدّ هجماتهم.
وكان أهل قزوين في خوف مستمر من هجمات الديلم، ولذلك لم يكونوا يرغبون في الإقامة في هذه المدينة، ومن أجل ترغيبهم وتشجيعهم على السكن فيها، اختلقت بعض الأحاديث عن الرسول الأكرم ص في فضيلة قزوين، ومن هذه الأحاديث ما هو مذكور في كتاب التدوين للرافعي وكتاب (تاريخ كزيده) لحمد الله المستوفي، ولذلك كانت تسمى هذه المدينة بباب الجنة([89]).
والمدينة التي فتحها البراء بن عازب هي مدينة شابور التي يسميها الرافعي في كتاب التدوين باسم (المدينة القديمة)، ويذكر السائح الفرنسي شاردن المعروف خلال العهد الصفوي بأن موقع هذه المدينة هو أحد الأماكن التي تحولت فيما بعد إلى (ميدان شاه) أي ساحة الملك.
وكان حكام قزوين يعينون من قبل مركز الخلافة في العصر الإسلامي، فمثلاً عين الخليفة الثاني عمر أبا دجانة السماك بن خرشة الأنصاري حاكماً على هذه المدينة، ثم كثير بن شهاب الحارثي خلفاً له. وفي زمن خلافة عثمان، تولى سعيد بن العاص الأموي الحكم في قزوين من قبل والي العراق الوليد بن عقبة أخي عثمان لأمه، وفي زمنه أضحت قزوين مدينة وجعل منها موطناً لأهالي الكوفة1. وفي زمن خلافة الإمام علي عليه السلام تعاقب على حكمها كل من ربيع بن خثيم الكوفي وأبي العريف الأرجهي ومرة بن شراحيل الهمداني وعبيدة بن عمرو السلماني وقرظة بن أرطأة. وفي زمن الدولة الأموية وحين تولى الحجاج بن يوسف الثقفي الحكم في العراقين (75-95 هـ) عين ابنه محمد حاكماً على تبريز، ثم خلفه يزيد بن المهلب. وحين تعاقب قتيبة بن مسلم ونصر بن سيار على حكومة العراق وخراسان في زمن الدولة العباسية، قاما بتعيين بعض رجالهم حكاماً على قزوين.
وفي زمن البرامكة، اختص هؤلاء لأنفسهم بحكم عراق العجم وخراسان، وتولى الحكم في قزوين من قبلهم الفضل بن يحيى البرمكي، الذي ألقى القبض على عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام،- وهو زاهد زمانه وقد اتخذه أكثر علماء عصره إماماً لهم، وكان قد هرب إلى ولاية الديلم خوفاً من هارون الرشيد، وقد أعيد إلى بغداد بعد إلقاء القبض عليه2.
وحينما كان علي بن عيسى بن ماهان حاكماً على العراق وخراسان، كان تعيين حكام قزوين يتم على يده حتى شكل الطاهريون حكومتهم المستقلة في خراسان عام 205 هـ، وصاروا يعينون الحكام بأنفسهم في مدن العراق ومنها قزوين3.
وينقل أكثر المؤرخين ومنهم حمد الله المستوفي، بأن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام نزل في قزوين في رحلته إلى خراسان، وأقام في بيت داود بن عيسى بن سليمان الغازي وتوفي هناك ابنه وهو في الثانية من عمره، وقبره مشهور في تلك النواحي1.
وظلت هذه المدينة التي شيدها شابور الأول أو الثاني أهم مركز سكني حتى أواسط القرن الثاني الهجري، حيث قدم الخليفة العباسي موسى الهادي (169-170هـ) إلى قزوين حين كان في سفره الى الري، ولما شاهد جدية أهلها في قتال الديلم، امر ببناء مدينة قريبة منها، وكانت تعرف هذه المدينة في زمن مؤلف فتوح البلدان بمدينة موسى(2). وقد أقطع الهادي رجالاته تلك المدينة ووقف لها قريتي أراد نرسه ورستم آباد، على حد قول الرافعي، وعين عمر الرومي ثم ابنه محمد بن عمرو من بعده حاكمين لهذه المنطقة. ويذكر حمد الله المتسوفي: بأنها كانت تعرف في وقته باسم مدينة ستانك3.
وفي عام 176 هـ قام مبارك التركي – وهو غلام الخليفة موسى الهادي بإحداث مدينة أُخرى وأسماها بـ (مدينة المبارك) أو المباركية4.
وقد أسكن غلمانه فيها5، وكانت هذه المدينة عامرة حتى زمن الرافعي وتحمل نفس الاسم، ولكنها في زمن حمد الله المستوفي كانت قد تحولت إلى بستان، يعرف باسم (مبارك آباد).
وحين عزم هارون الرشيد (170-193هـ) على السفر إلى خراسان لإخماد فتنة رافع بن الليث،نزل في همذان، فالتقى به أهل قزوين هناك، وأطلعوه على حالهم مع الديلم، وينقل حمد الله المستوفي بأنه زار قزوين بعد أن زارها مع أبيه سابقاً. وينقل حمد الله بأنه كان يوماً مشرفاً على سوق المدينة من قبة عالية فسمع، صوت بوق يدعو الناس، ثم شاهد أهل السوق يعطلون أسواقهم ويسرعون بسيوفهم لمواجهة الديلم فاستحسن هذا العمل كثيراً وأحسن إليهم وقلل من خراجهم فحدده بصورة ثابتة بمبلغ عشرة آلاف درهم، ثم أمر بإقامة سور حول المدن الثلاث (شابوري ومدينة موسى والمباركية)، ولكن لم يكتمل العمل بهذا السور بسبب وفاة هارون الرشيد في (193 هـ) وظل العمل متوقفاً حتى أمر المعتز بالله موسى بن بوقا (عام 254) بالسير إلى قتال الحسن بن زيد العلوي([90])، فأكمل هذا السور وبلغ طوله عشرة آلاف وثلاثمائة باع وكان فيه ما يقارب 206 أبراج وسبع بوابات([91]).
وقد أمر هارون الرشيد في سفره هذا، الذي كان في عام 192هـ. ببناء مسجد أيضاً، ويذكر الرافعي بأن هذا المسجد يشكل جزءاً من المسجد الكبير، وقد عرف هذا القسم بـ (طاق هارون). ويروي ابن الفقيه بأن اسم هارون كان موجوداً على لوح حجري على باب هذا المسجد، حتى زمانه هو. وينقل الرافعي بأن هارون اشترى أراض وجعل غلاتها وقفاً على المسجد والقلعة وحاجيات المدينة.
وتولى الحكم في قزوين وجرجان وطبرستان قاسم بن هارون في زمن خلافة هارون الرشيد. وفي ذلك الوقت أخذ الناس يودعون أموالهم لديه لتكون في مأمن من حيف عمال الرشيد، وقبلوا بدفع عشر آخر غير عشر بيت المال، وفي الواقع فإنهم جعلوا أموالهم جزءًا من أملاك الخليفة([92]).
وفي زمن خلافة المأمون (198-218هـ)، أمر هذا الخليفة محمد بن حميد الطائي بالمسير لقتال (بابك) في شرقي آذربيجان، وكلفه بالإضافة إلى ذلك بدفع زريق علي بن صدقة الذي تمرد في جبال عراق العجم، فامتثل محمد الطائي للأمر ونجح في القضاء على زريق، فكافأه الخليفة بتعيينه حاكماً على قزوين وآذربيجان، ولكنه قتل في حربه مع بابك. فارسل المأمون القاسم بن عيسى العجلي لقتال الديلم، وكان العجليون يرغبون في أرض قزوين ولهم أملاك فيها، وينقل البلاذري ما مفاده: تمرد الأكراد وأفسدوا في أيام خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعت، فأرسل الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراقين، عمرو بن هاني العبسي وهو من أهل دمشق لقتالهم، ثم أمره بالسير لقتال الديلم وكان بين جيش عمرو ثمانون رجلاً من بني عجل بمواليهم، ومنهم محمد بن سنان العجلي، حيث نزل هذا في إحدى قرى دشتبي ثم توجه إلى قزوين وبنى لنفسه عدة بيوت في ضواحي المدينة([93]).
وأظهر القاسم بن عيسى في حربه مع الديلم شجاعة فائقة، وتمكن من فتح العديد من القلاع، وأكمل بناء مدينة كرج- التي كان أبوه قد باشر ببنائها من قبل – وأقام فيها، ثم توفي في بغداد عام 225 هـ. وخلفه ابنه عبد العزيز، فحكم كرج لبعض الوقت.
وفي زمن الخليفة المعتصم (218-227هـ)، سيطر الديلم على قزوين، وكان الخليفة يرى دفعهم من الأولويات، فعمد إلى فصل هذه المدينة، عن حكومة العراق وخراسان، ثم عين فخر الدولة أبا منصور الكوفي (وهو جد حمد الله المستوفي صاحب كتاب «تاريخ كزيده”) حاكماً على هذه الميدنة. ويذكر حمد الله المستوفي بأن أبا منصور الكوفي وأولاده كانوا يتلقبون جميعهم بفخر الدولة، وظلوا يتعاقبون على الحكم في قزوين لمدة مائتي سنة، وكانوا يحكمون في الثماني وعشرين سنة الأولى من حكمهم بأمر من الخلفاء([94]).
وحينما سيطر العلويون على جرجان وطبرستان، أخذوا يفكرون بالسيطرة على بعض مدن العراق، حيث قام الحسن بن زيد الملقب بالداعي الكبير (250-270 هـ) [[يلزم ادخال غير المطبوع هنا من ص 63 من الكتاب]]على قزوين بعد أن عينه الخليفة العباسي المعتمد حاكماً على خراسان وفارس وأصفهان وسيستان([95]).
وظلت الحكومة في قزوين وسائر مدن ناحية الجبال التي سميت بعد ذلك (عراق العجم) خاضعة للخلافة أو مراكز الحكومة مثل الكوفة حتى أواسط القرن الثاني الهجري، وكانت في بعض الأحيان تابعة للحكومة الإسلامية في خراسان. وحين أقام العلويون دولتهم في الولايات الساحلية لبحر الخرز، ووقفوا بوجه الدولة العباسية واستعانوا بزعماء الديلم في حربهم مع العباسيين، كانوا يبسطون نفوذهم آنذاك- على المدن الواقعة في السهول الجنوبية لجبال ألبرز مثل الري وقزوين وأبهر وزنجان ويسيطرون عليها أحياناً، حتى أقام السامانيون دولتهم في ما وراء النهر وخراسان، وأنيطت بهم حكومة الجبال (عراق العجم) من قبل الخلفاء العباسيين، فمثلاً عين المكتفي بالله (289-295 هـ) الأمير إسماعيل الساماني (279-295 هـ) حاكماً على الري وقزوين وزنجان وكذلك خراسان.
وحين تمرد محمد بن هارون على الأمير إسماعيل الذي كان قد عينه حاكماً على كركان وطبرستان، قدم الأخير إلى الري وقزوين لأن محمد بن هارون هرب إلى الري، وأقام جيش الأمير إسماعيل في البساتين المحيطة بقزوين ولم يمس أحد أفراد الجيش غصن شجرة في هذه البساتين لشدة عدالة أميرهم([96]).
وينقل حمد الله المستوفي بأن الأمير إسماعيل عين أخاه – حينئذٍ حاكماً على قزوين وظل فيها سنتين، أي من عام 291 إلى عام 293 هـ([97]).
وعلى الرغم من بسط السامانيين نفوذهم آنذاك على قزوين والري، إلا أن العلويين وبعض زعماء الديلم كانوا يسيطرون أحياناً على قزوين وخصوصاً أثناء النزاعات التي تقع في بعض الأوقات بين قادة جيش السامانيين.
ويذكر ابن الأثير بأن علي بن وهسودان الذي كان حاكماً على أصفهان من قبل المقتدر بالله، قد كلف عام 307 هـ بإلقاء القبض على يوسف بن أبي سراج حاكم آذربيجان، وأصبح عامل الحرب في الري ودماوند وقزوين وأبهر وزنجان([98])، وظل علي في هذا المنصب فترة قليلة، حيث قتله محمد بن مسافر الكنكري في فراشه في عامه ذاك.
وفي عام 310 هـ، أنيط الحكم في آذربيجان وأران وأرمنستان بيوسف بن أبي سراج بعد أن دخل ثانية في طاعة الخليفة، وأضيفت إلى مناطق حكمه كل من الري وقزوين وأبهر وزنجان.
وفي زمن حكومة الداعي الصغير الحسن بن القاسم أحد العلويين في مازندران، اتحد عليه زعماء الديالمة مثل ماكان بن كاكي وعلي بن خورشيد وأسفار بن شيرويه، وانتخبوا أبا القاسم بن الناصر الكبير بدلاً عنه، ولكن حدث اختلاف بينهم بعد فترة، فعادوا وانتخبوا الداعي الصغير، واستولى ماكان بن كاكبي على الري، ولكنه هزم على يد مرداويج بن زيار بعد اتحاده مع أسفار بن شيرويه، وتوجه الأخير إلى قزوين بعد قتل عامله فيها، فأمسك بالقتلة وقتلهم، ولاذ بقية الناس بالهرب في أطراف المدينة، وأضرم أسفارا النار في أسواق القزوينيين وبيوتهم، فاستغل مرداويج بن زيار الوضع لمعاناته من شخص أسفار، فتوجه إلى زنجان التابعة له، وأعد فيها جيشاً ثم سار إلى قزوين. فهرب أسفار إلى الري ومنها إلى خراسان في عام (319هـ)([99]). واستتبت الأمور لمرداويج حينذاك وبسط نفوذه على رستمدار ومازندران والري وقزوين وأبهر وزنجان([100]).
وحين تمكن آل بويه من تشكيل دولتهم في إيران، تصدى منهم الأخ الأوسط حسن ركن الدولة للحكم في عراق العجم (الري وأصفهان وهمذان) وينقل حمد اله المستوفي أن قزوين ظلت خاضعة لحكومة آل بويه مائة عام، وكان أجداد حمد الله المستوفي الذين كانوا يلقبون جميعاً بفخر الدولة، يتعاقبون على الحكم فيها كما تقدم([101]).
وفي عام 358 قدم وزير السلطان ركن الدولة ابن العميد أبو الفتح علي بن محمد بن حسين إلى قزوين لإخماد الفتنة فيها، وأخذ من أهلها مبلغاً من المال لتأديبهم.
ومن شخصيات الديلم، الصاحب بن عباد وزير فخر الدولة الديلمي، وقد كان في أصله من طالقان ثم قدم إلى قزوين عام 373هـ، واتخذ منها موطناً له، وتعلق بها وأحبها، وسعى في إعمارها كثيراً طوال سني إقامته وأحدث فيها عدة بنايات وخصوصاً في محلة الجوسق([102]) (التي تعرف في الوقت الحاضر باسم «درب كوشك”)، وبنى كذلك مدرسة في جوار المسجد الجامع الكبير، وأعاد بناء حصن المدينة، وأقام له سبع بوابات و206 أبراج وقسم أهلها إلى 9 محلات، ويذكر حمد الله المستوفي أسماء البوابات كالآتي: أبهر – أرداق- الري- صامغان- دسترجرد –دزج – جوسق([103]).
ومن السلاطين الديلم، كان فخر الدولة الذي باشر بإقامة جدار حول المسجد الجامع الكبير، ولكنه لم يكتمل وكذلك تعرض المسجد للأضرار فأعيد بناؤه وتجديده عام 393 بمساعدة أبي أحمد الكسائي وساوه المنادي.
وفي عام 410 هـ احتل قزوين ابراهيم بن المرزبان بن إسماعيل بن وهسودان الديلمي وهو خال مجد الدولة ابن فخرالدولة بعد ستة أشهر من القتال المستمر مع أهلها([104]).
وينقل صاحب تاريخ البيهقي وابن الأثير بأن السلطان محمود سيّر المرزبان حسن في عام 420 هـ لقتال سالار إبراهيم المرزبان، فاستطاع الاستيلاء على قزوين، ولكن سالار إبراهيم عاد واستولى عليها بعد عودة السلطان محمود إلى غزنة، ثم دخل في حرب مع السلطان مسعود في قلعة سرجهان (قلعة صائين الحالية) على بعد ستة كيلومترات من أبهر، فهزمه السلطان مسعود وأسره([105]).
وكان سالار إبراهيم المرزبان، قد أمر أثناء حكمه في قزوين بإعادة بناء حصن المدينة الذي كان الصاحب بن عباد قد بناه ثم تهدم في نزاع سالار إبراهيم مع أهل قزوين، ويذكر الرافعي بأنه قام في عام 413 بإعادة بناء طبقات الصحن الكبير في المسجد الجامع الكبير، وأنفق في ذلك مالاً كثيراً، وكذلك جعل قرية زرارة وقفاً لمسجد وقناة زرارة([106]).
وفي زمن سلطنة مجد الدولة الديلمي، شن السلطان محمود الغزنوي هجومه على عراق العجم واستولى على الري وقزوين، ويذكر حمد الله المستوفي بأنه عيّن في عام 421 شخصاً يدعى كاراستي نديم حاكماً على قزوين، ثم عيّن بعده حمزة بن اليسع بن سعد الأشعري، أحد أشاعرة قم، وقد كان حاكماً عليها. وقام هذا بشق قناة وسط المدينة عرفت بإسمه، ولم يكن ثمة ماء يجري في قزوين عداها، وكانت أول قناة في هذه المدينة، وأوقف حمزة عليها بعض الأوقاف، وتعرف هذه الأوقاف بأوقاف حمزة، واستغرقت فترة حكمه في قزوين سنتين وبضعة أشهر([107]).
ويذكر ابن الأثير، أن بعض (غز) آذربيجان أغاروا على مدن عراق العجم ومنها قزوين وأحدثوا فيها خراباً ودماراً، وكان هجومهم عقيب عودة السلطان مسعود إلى هرات([108]).
وعلى الرغم من إشراف آل بويه في زمن حكمهم والسلاجقة في بداية عهدهم على تعيين حكام قزوين، إلا أن إدراة أمور المدينة كانت في أغلب الأحيان بيد رجال المدينة، ومن هؤلاء العائلة الجعفرية وهم من ذرية جعفر الطيار، حيث تعاقبوا على إدارة المدينة لمدة ستين عاماً، وكان آخرهم هو أبو علي شرفشاه بن محمد بن أحمد بن محمد الجعفري الذي كان صاحب ثروة وجاه، وقد توفي عام 484.
وكانت حكومة العائلة الجعفرية قد بدأت أثناء نزاع السلاجقة والغزنويين في خراسان على السلطة، حتى استطاع طغرل الأول السلجوقي التغلب على السطان مسعود في عام 429 هـ، وجلس على العرش في خراسان، وأخذ يبسط نفوذه بالتدريج على عراق العجم وغرب إيران، ثم تمكن آخر المطاف بعد انتهاء أمر البويهيين من السيطرة على جميع أنحاء إيران، وهكذا وقعت قزوين بيد السلجوقيين أثناء حكم طغرل الأول([109]).
وهكذا يتبين لنا أن قزوين كانت تدار بيد حكام يعينون من قبل مراكز الخلافة، منذ انقراض الدولة الساسانية على أيدي المسلمين وحتى بداية القرن الثالث الهجري، ثم صارت تخضع منذ بداية هذا القرن لسلطة سلالات مستقلة مثل الطاهريين والصفاريين والسامانيين وآل زيار وآل بويه والغزنويين والسلالات المحلية الأخرى.
وحينما استولى العلويون على مازندران وكركان وجستانيان رودبار وساجيان آذربيجان، تأثرت قزوين بذلك لأنها كانت في طريق حملاتهم أو مجاورة لها، ومن ثم فقد تعرضت للكثير من الخراب والدمار، ورغم ذلك كان الجغرافيون المسلمون يصفونها بالمتانة والمِنعَة والجمال، ويذكرون بأنها محاطة بسور حصين، فمثلاً يذكر الإصطخري ما نصه: قزوين مدينة كبيرة ويحيط بها سور وفيها مسجد جامع وتبلغ مساحتها ميل في ميل([110]).
ويتفق ابن حوقل مع الإصطخري فيما ذكره، ثم يضيف: وكانت في زمن بني العباس أحد الثغور، لأن الخلفاء كانوا في حرب مستمرة مع الديلم، ويضيف أيضاً بأن هناك مدينة صغيرة في داخلها تحتوي على قلعة ومسجد جامع.
وكذلك يكتب المقدسي ما نصه: قزوين كبيرة ونفيسة، ويحيط بها سور، وفي داخلها مدينة تحتوي على مسجد([111]) ، ويصفها ناصر خسرو الذي زارها عام 438 هـ بما يلي: رأيت قزوين مدينة جميلة ذات سور منيع تعلوه مسننات حجرية([112]).
وفي العهد السلجوقي، كان سبب اهتمام سلاطين هذا العهد بقزوين وبالتالي شهرتها وأهميتها، هو ظهور حسن الصباح ومذهبه الجديد، وانتخاب قلعة ألموت مركزاً للحكم، وفي الواقع فإن قزوين أصبحت في زمن الإسماعيليين مرة أخرى قاعدة عسكرية كما كانت عليه في زمن الديلم، حين كان الخلفاء والسلاطين يتخذون منها قاعدة لصد هجمات الديلم، حيث استفاد السلاطين السلاجقة والخوارزميون من هذه المدينة لدفع الإسماعيليين، وهكذا استعادت قزوين دورها العسكري مرة أخرى.
ويذكر سراج الجوزجاني، أن أهل قزوين كانوا يحملون السلاح باستمرار، وحتى أهل السوق كانوا يحضرون أسلحتهم معهم إلى دكاكينهم وغالباً ما كانت تقع المعارك بين أهل قزوين وملاحدة ألموت، ثم يضيف قائلاً: يعتنق أهل قزوين المذهب الطاهر للسنة والجماعة، ولذلك فهم في حرب مستمرة مع الباطنيين والملاحدة بسبب ضلالهم([113]).
ويتضح لنا من هذا الكلام، أن أهل قزوين كانوا يقومون بمهمة دفع الإسماعيليين والحفاظ على مدينتهم من خطرهم كما كانوا يفعلون في السابق بوجه الديلم.
ولا نرى ثمة حاجة إلى ذكر أمر حسن الصباح وظهور المذهب الإسماعيلي وكيفية الإستيلاء على قلعة ألموت، لأن كل ذلك معروفاً ومشهوراً([114])، ولكن ما ينبغي ذكره هنا هو أن وجود الإسماعيليين في القلاع الواقعة في الجبال الشمالية لقزوين، وخلافهم المستمر مع السلاطين السلاجقة، كان يحدث رعباً في القلوب وقلقاً في النفوس، ولذلك لم يكن السلاجقة ليغفلون عن قزوين، بل كانوا يرون فيها درعاً لصد الإسماعيليين ومن ثم كانوا، ينتخبون حكامها بأنفسهم، من الأشخاص الذين تتوفر فيهم الكفاءة والقدرة على صدّ هجمات الإسماعيليين.
وفي عام 485 أرسل ملكشاه، أحد أمرائه ويدعى إرسلان تاش لقمع حسن الصباح الذي كان قد سيطر على قلعة ألموت قبل ذلك بسنتين. فضرب إرسلان الحصار حول القلعة، فبادر حسن إلى طلب المعونة من أبي علي الدهدار وهو من أهل زوارة واردستان، ويقيم في قزوين، وكان أتباع الصباح حينئذٍ قليلين، فأرسل له الدهدار([115]) ثلاثمائة نفر من أتباع الصباح الذين يقيمون في قزوين وطالقان وقاوم أتباع الصباح مقاومة بطولية، فيئس إرسلان تاش من فتح قلعتهم، وانكفأ راجعاً.
وكانت مناطق أبهر وزنجان ورودبار وقزوين وألموت وطارم في زمن سلطنة ملكشاه، خاضعة لحكم الأمير قماج حاجب هذا السلطان([116]).
وحينما شاهد ملكشاه، تعاظم خطر الإسماعيليين، أوكل الحكم في قزوين إلى أحد غلمانه ويدعى عماد الدولة، وأمره بالسكن فيها مع عائلته والمواظبة في حفظها وحراستها([117]). ثم خلفه ابنه أيل قفشت الملقب أيضاً بعماد الدولة، واستمرت فترة حكم الأب والابن في قزوين ما يقارب الإحدى وخمسين سنة([118]).
وفي عام 500 هـ بعث السلطان محمد السلجوقي (498-511 هـ) قارن بن شهريار ملك طبرستان في جيش من أهالي الجيل والديلم للاستيلاء على قلعة ألموت، فسار هذا مع الأمير قفشت في اثني عشر ألف مقاتل ووصلا رودبار، ولكنهم هزموا في معركتهم مع الإسماعيليين وهربوا إلى طالقان.
وحين علم السلطان محمد، بهزيمة جيشه، بادر إلى إرسال الأتابك شيركير، وأمره باحتلال قلعة ألموت، فدخل هذا قزوين عام 503 هـ وجمع شتات الجيش وقدم إلى قلعة (لمبسر)،ولكنه لم يفلح في شيء فعاد أدراجه إلى قزوين.
وفي شهر صفر من نفس تلك السنة عاد الأتابك شيركير إلى رودبار ومعه ابنه عمر والأمير أيل قفشت حاكم قزوين وأحمد يل مراغي وغيرهم من أمراء السطان محمد، في جيشه من كيلان والديلم، فهاجم ليلاً الإسماعيليين المقيمين في قلعة(وجه بيرة) حين كانت حراستها بعهدة الأمير إسحاق. وكان الأمير إسحاق على علاقة طيبة مع الأمير أحمد يل، فخدعه أحمد يل واستدرجه، ثم قتل في قزوين بأمر من السلطان الأمير أيل قفشت([119]).
ولما كان عماد الدولة أيل قفشت قد أمضى حياته ملازماً للسلاطين السلاجقة فقد عيّن غلامه خمار تاش بن عبدالله حاكماً على قزوين، فباشر هذا بتشييد الأبنية الخيرية في المدينة، ومنها مقصورة غرب الطاق الهاروني، وتعرف بالمقصورة الخمار تاشية. وهي مربعة الأضلاع، وكل ضلع بطول 14 ذراع، وفي وسط حائطها الجنوبي ثمة محراب من حجر المرمر المصقول، وقد زينت أطراف المحراب بالفسيفساء الملونة. وتوجد في هذه المقصورة التي تسمى أيضاً بـ (الطاق الجعفري) العديد من الخطوط الجميلة التي كتبت بالجص بمنتهى الروعة والدقة.
وثمة قبة عظيمة في أعلى المقصورة الخمار تاشية، يصفها زكريا القزويني بأنها على شكل البطيخ وفي غاية الارتفاع.
وقد بدأ الأمير خمار تاش ببناء مقصورته عام 500 هـ وفرغ منها عام 506 هـ([120]).
وأقام خمار تاش في الجهة الغربية من مقصورته فندقاً ويُعرف الآن بإسم (آتشكده)، وبادر في عام 513 هـ إلى تعمير جامع أصحاب أبي حنيفة (والذي يُعرف حالياً بالمدرسة الحيدرية) بعد أن تعرض للتخريب أثر هزة أرضية([121]).
توفي حسن الصباح عام 518 هـ وخلفه كيا بزرك أميد، وخلال ذلك أرسل السلطان السلجوقي محمود (511-525) جيشاً لقتال الإسماعيليين فهزمهم في رمضان عام 520، ولاذوا بالفرار.
وفي عام 523 قدم إلى أصفهان أحد الأشخاص المعتمدين لدى كيا برزك أميد، لغرض المصلاحة مع السلطان السلجوقي محمود، ولكنه قتل هناك، فاعتذر السلطان لقتله لدى كيا بزرك ولكن الأخير لم يقبل العذر بل طالب السلطان بالاقتصاص من القتلة، فلم يهتم السلطان بهذه المطالبة، فما كان من الإسماعيليين إلا أن قدموا إلى قزوين في أول رمضان من نفس ذلك العام وقتلوا فيها 400 شخص ونهبوا الكثير من الأملاك([122]).
ومنذ ذلك الحين استمر الاسماعيليون بالإغارة على قزوين، وقد دارت عدة معارك بين الإسماعيليين وحكام قزوين، كما حدث في أعوام 535و 537 و538 و539 و550 و552 و553.
وكن السلاطين السلاجقة- الذين يحكمون العراق آنذاك – يتصدون لقتال الإسماعيليين بأنفسهم أو يأمرون حكام قزوين بالدفاع عن مدينتهم، فمثلاً قدم السلطان طغرل الثاني (526-527) والسلطان مسعود (527-547) إلى قزوين وساعدا أهلها في الدفاع عن مدينتهم وكذلك فقد أمر السطان مسعود في عام 538 قتلغ آية والي قزوين بالوقوف بوجه الإسماعيليين في حربهم التي شنوها في ذلك العام.
وقد السطان أرسلان (556-573) إلى قزوين، وهو أحد السلاطين السلاجقة في العراق، واحتل إحدى قلاع الإسماعيليين التي تبعد ثلاثة فراسخ عن قزوين،وسميت هذه القلعة منذ ذلك الحين بإسم (أرسلان كشا)([123]).
وكذلك قدم إلى قزوين طغرل الثالث(573- 590) ابن السلطان أرسلان، خلال الحرب مع قتلغ أينانج وقزل أرسلان([124]).
ويذكر السائح الفرنسي شاردن، بأنه حدثت هزة أرضية في قزوين عام 460 هـ، أتت على ثلث المدينة، وخربت سورها، ثم أعاد حاكم قزوين السلجوقي بناء السور الجديد بعد ثلاث سنوات، وكذلك أعاد بناء ما خرب منها، وفي عام 562 هـ أتت هزة أرضية أخرى على سور المدينة، وحدث ذلك في زمن السلطان أرسلان السلجوقي، فأعاد بناءه الوزير صدر الدين محمد بن عبدالله بن عبد الرحيم بن مالك المراغي في عام 572، وكان المتصدي لهذا الأمر هو الإمام جمال الدين بابويه الرافعي الذي كان على علاقة قديمة مع الوزير خلال دراسته في بغداد ونيشابور([125]).
ويذكر المستوفي أن هذا الحصن خرب في زمن المغول، ولم يبق منه- في زمنه- إلا الأطلال([126]).
ويذكر المستوفي في نزهة القلوب أن طول هذا السور هو عشرة آلاف قامة، ويذكر في تاريخ كزيده عبارة الباع بدلاً عن القامة([127]).
وكان منشأ الخلاف والنزاع بين الاسماعيليين وأهل قزوين هو الاختلاف المذهبي بين الطرفين، فقد كان أهل قزوين على مذهب أهل السنة، ويرون الحاد الإسماعيليين وكفرهم.
وعندما قتل نور الدين محمد الإسماعيلي عام 607 هـ، خلفه ابنه حسن المعروف بإسم نومسلمان، فباشر ببناء المساجد والمعابد وإعزاز العلماء والفقهاء وإكرامهم، فكان أهل قزوين ينظرون في البلدية إلى أعمال جلال الدين حسن نومسلمان بعين الريبة والشك لكثرة ما عانوه من الإسماعيليين من آلام وحروب. فحاول نومسلمان استرضاءهم، بدعوته لبعض الشخصيات إلى قلعة ألموت وإحراقه الكتب المخالفة للإسلام أمام ناظرهم. وهكذا نشأ بين الطرفين في زمن جلال الدين حسن نوع من الصلح والمهادنة، واصبح أهل قزوين في مأمن من هجمات الفدائيين([128]).
وفي زمن سلطنة السلطان السلجوقي أرسلان، بدأ السلطان تكش الخوارزمشاهي (568-596 هـ) بتوسيع سلطته من خوارزم وخراسان إلى العراق، حتى أحكم قبضته على العراق في زمن حكم السلطان السلجوقي طغرل الثالث. ومن جانب آخر كان قتلغ أينانج يتفاوض مع السلطان طغرل الثالث. وكانت قزوين في أغلب هذه الاضطرابات عرضة لاعتداءات الجيوش التي تمر بها.
وفي 15 جمادى الآخرة عام 588 دارت معركة بين السلطان طغرل الثالث وقتلغ أينانج بالقرب من قزوين، وهزم الأخير فيها، ثم جمع قواته في آذربيجان مرة أخرى ودخل قزوين، وفي هذه المرة عزم على احتلال الري بالاتفاق مع مظفر الدين بازدار حاكم قزوين([129]).
وبعد أن تغلب السلطان تكش على السلطان طغرل الثالث، نصب مياجق نامي حاكماً على الري، ولكنه تمرد عليه بعد حين وتحصن في قلعة فيروزكوه في مازندران، فألقي القبض عليه وأتي به إلى السطان في قزوين، فوهبه هذا إلى أخيه آقجة الذي كان قد أسدى للسلطان تكش خدمات جليلة (عام 594)([130]).
وفي عام 595 هـ استولى الاسماعيليون على قلعة أرسلان كشا، وقطعوا الطريق على أهل قزوين، فلجأ هؤلاء إلى الشيخ علي بوياني وهو من أفاضل المدينة، الذي قام بدوره بالتماس السطان تكش خوارزمشاه لاستخلاص القلعة من قبضة الإسماعيليين، فبادر هذا السلطان إلى ذلك وانتزعها منهم وسلمها إلى أهل قزوين.
وبعد عودة خوارزمشاه، استعاد الإسماعيليون سيطرتهم على القلعة، فكرر الشيخ علي بوياني استغاثته بالسلطان، فبادر السلطان على اعادة السيطرة عليها ولكنه ضربها في هذه المرة([131]).
ومن الأحداث المعاصرة لسلطنة السلطان محمد خوارزمشاه والتي يذكرها حمد الله المستوفي، كانت الحرب التي دارت بين سعد بن الزنكي زعيم فارس وبين السلطان محمد خوارزمشاه في عراق العجم، حيث هزم الأول فيها، وألقي القبض عليه، ثم أفرج عنه بعد أخذ ضمانات منه، فعاد إلى شيراز وعرج في طريقه إليها على قزوين، وحلّ ضيفاً فيها على عماد الدين أحمد زاكاني في محلة ارداق، ولم يكن عماد الدين يعرف ضيفه ولا الضيف يعرّف نفسه، ولكنه أجلّه وأكرمه رغم القحط الشديد الذي كانت قزوين تعيشه آنذاك، فاستحيى ابن الزنكي (رئيس فارس) لما رآه من كرم وحسن ضيافة، فلما عاد الى فارس وجلس على كرسي حكمه، دعى عماد الدين إلى شيراز وأغدق عليه النعم والهدايا([132]).
وفي عام 618 هـ، انهزم السلطان محمد خوارزمشاه إزاء الجيوش المغولية ودخل قزوين وحل فيها ضيفاً على أحد أعيانها عز الدين كريمان، ثم خرج إلى كيلان ومازندران، بمساعدة أهل قزوين وهرب من هناك إلى جزيرة آبسكون.
وأرسل جنكيز خان اثنين من قادته هما (جبة) و(سبتاي) لتعقب السطان محمد خوارزمشاه إلى خراسان، فوصل هذان القائدان حتى الري ثم استمر جبة في تعقّب السطان حتى همذان وسبتاي حتى قزوين، حيث دخلها وقتل فيها خمسين ألف شخص، ثم تركها والتحق بجبة في الري، كما نقل صاحب كتاب (حبيب السير) ذلك([133]).
ويذكر حمد الله المستوفي في كتابه (ظفرنامه) الذي كتبه شعراً، أن سبتاي حاصر قزوين لثلاثة أيام ثم دخلها في السابع من شعبان عام 617 هـ وقتل فيها جماعة من أهلها. وتحصن بعضهم في أعالي المقصورة الخمارتاشية في المسجد الجامع الكبير، خوفاً من بطش المغول، فأضرم سبتاي النار في المسجد لإرغامهم عل النزول([134]).
وحين سيطر المغول على خراسان والعراق، أصبحت قزوين تابعة لحكمهم، فكانت تتعرض باستمرار لأنواع المصاعب والمآسي وأحياناً إلى الخراب والنهب والقتل، لكونها على الطريق الذي يربط بين خراسان وآذربيجان، وبالتالي كانت محلاً لتردد السلاطين والأمراء المغول.
وفي زمن حكومة (أرغون) في خراسان والعراق، تولى الحكم في قزوين شخص يدعى تكش وهو من ذرية تايانك خان ملك أقوام النايمان، ثم خلفه في ذلك الأمير يولا تيمور الذي يرجع التيموريون إليه([135]).
وفي عام 651 هـ عين الملك افتخار الدين محمد بن أبي نصر حاكماً على قزوين بأمر من منكوقا آن. وكان هذا الرجل عاقلاً حكيماً مدبراً، مجيداً لخط ولغة الأتراك والمغول، وقام بترجمة كليلة ودمنة إلى اللغة المغولية، وكتاب سندباد إلى اللغة التركية، وكان محترماً عند المغول وقوله موضعاً لثقتهم، وقد درس على يده منكوقا آن وإخوانه وأبناء عمومته وأقاربه، وحين توفي الملك افتخار الدين في عام 678، خلفه أخوه إمام الدين يحيى حاكماً على قزوين في بادئ الأمر، ثم حاكماً على سائر أنحاء عراق العجم، ومن تبريز حتى يزد. وحكم عراق العرب في السنين العشرة الأخيرة من عمره. ومن إنجازات إمام الدين يحيى في قزوين حفره لقناة تسمى القناة الملكية، وكانت تروي هذه القناة محلات أبهر وأرداق وراه ري([136]).
وفي عام 677 تولى حسام الدين الشيرازي والخواجه فخر الدين المستوفي الحكم في قزوين، حيث استمر حكمهما عشر سنوات بتعيين من آباقا خان. ثم خلفهم إمام الدين يحيى وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً([137]).
وفي بداية حكومة السلطان أبي سعيد (716-736) أصبحت قزوين جزءاً من إقطاعات أم هذا السلطان كنجشكاب خاتون لتأمين نفقات مخيماتها([138]).
وعلى الرغم من كون قزوين-آنذاك- كانت خاضعة لسلطة الحكام المغول، إلا أنها لم تكن في منأى عن حيف وظلم العمال المغول، فمثلاً حدث في زمن حكومة أرغون أن كلف شريف الدين الخوارزمي بجمع الضرائب، فقدم من تبريز إلى قزوين في رمضان، عام 642، وأذاق أهلها من العذاب ما لا يطيقون حتى بلغ بهم الأمر أن كانوا يرهنون أبناءهم أحياناً أو يبيعون أنفسهم لتسديد الضرائب المستحقة للمغول، وينقل صاحب (جهان كشا) أنه كان ثمة رجل معدم انتزع الجباة ما عنده من مال ففارق الحياة، وبينما كان الناس يجهزون جنازته عاد الجباة مرة أخرى فلم يجدوا شيئاً، فانتزعوا الكفن وتركوا الميت ممداً على الأرض([139]).
وحين قدم هولاكو بجيوشه إلى إيران، كان من ضمن أهدافه القضاء على الإسماعيليين والاستيلاء على قلاعهم، فبادر القاضي شمس الدين القزويني-وهو من العلماء المعتمدين في قزوين – بالاتصال بالمغول وطلب منهم القضاء على الإسماعيليين فسافر عدة مرات من قزوين إلى الخطا، ثم عاود الكرة في زمن حكومة منكوقا آن، فأرسل هذا إليهم أخاه هولاكو وأمره بالاستيلاء على قلاع قهستان وألموت([140]).
وتزامن هجوم هولاكو مع وصول ركن الدين خورشاه إلى زعامة الإسماعيليين، وقد سلك هولاكو في عام 654 هـ طريق الري وطالقان حتى وصل قلعة (ميمون دز)، مقر ركن الدين خورشاه، فاضطر الأخير إلى النزول من قلعته وإظهار الطاعة والولاء، ولكن سكان قلعة ألموت أبوا إلا التمرد والعصيان، فاستعان هولاكو بركن الدين خورشاه على إقناعهم بالاستسلام، وأفلح في ذلك، وبقي أهل قلعة لمبسر على رفضهم الخضوع والإستسلام، فأبقى هولاكو أحد قادته ويدعى طاهر بوقا لمحاصرة هذه القلعة، ثم أرسل ركن الدين خورشاه مع سائر أهله وذويه إلى قزوين بينما سار هو إلى معسكره القريب من هذه المدينة.
وحين قتل ركن الدين خورشاه بأمر من منكوقا آن، صدرت الأوامر بالقضاء على الإسماعيليين حيثما كانوا، فقدم قره قاي بيتكجي إلى قزوين لتنفيذ هذه الأوامر، وعمد إلى قتل جميع أبناء وأقارب ركن الدين الذين كانوا في المدينة آنذاك([141]).
وقدم زعماء المغول إلى قزوين عدة مرات وأقام بعضهم فيها، فمثلاً أقام أبقا خان وابنه أرغون خان في هذه المدينة، في بيت الملك افتخار الدين لمدة 18 يوماً، ومر بالمدينة كل من أحمد تكودار وكيخا سر وغازان خان([142]) ، حيث تقع هذه المدينة على الطريق المؤدية من آذربيجان إلى خراسان وبالعكس.
وعندما بنى السلطان محمد أولجايتو مدينة السلطانية بين أبهر وزنجان واتخذ منها مركزاً لحكمه، أصبحت قزوين والسلطانية مقاطعة واحدة. وينقل حمدالله المستوفي بأن قزوين كانت مركز هذه المقاطعة في بادئ الأمر، إلا أن السلطانية انتزعت هذه المركزية منها بعد أن أصبحت هي مركزاً للحكم، ويذكر المستوفي بأن الفاصلة بين قزوين والسلطانية هي 19 فرسخاً.
ولم تكن مجاورة السلطانية لقزوين عديمة التأثير على الأخيرة، بل كانت الحوادث التي تجري في السلطانية تؤثر على قزوين، فمثلاً حين عزم السلطان أولجايتو عام 703 على احتلال كيلان، فإنه سيّر جيشاً بقيادة الأمير طغان والأمير مؤمن إلى كيلان وسلك هذا الجيش طريق قزوين، وقاموا في بادئ الأمر بإخضاع حاكم هذه النواحي المعروف بهندوشاه لسلطة الحكم المغولي ثم أتوا به إلى السلطان أولجايتو([143]). وكذلك حين تمرد الأمير جوبان على السلطان أبي سعيد، قدم الجيش المغولي للقضاء على التمرد فعكسر في البداية قرب قزوين ثم سار إلى الحرب في خراسان.
وحين قتل السلطان أبو سعيد، غياث الدين محمد، وعين دمشق خواجة ابن الأمير جوبان وزيراً له، اجتمع نفر في قزوين لمجاورتها السلطانية واتخذوا منها مقراً للوقوف بوجه السلطان أبي سعيد إلا أنه تمّ القبض عليهم عام 727 هـ ولم يوفقوا في إنجاز ما كانوا قد عزموا عليه([144]).
وبعد وفاة السلطان أبي سعيد (736هـ)، أخذ الأمراء يفكرون بالاستقلال، كل بمقاطعته، وفي غضون ذلك سعى الشيخ حسن الصغير لتنصيب ساتي بيك ابنة السلطان أولجايتو ملكة في عام 739 ثم سار لقتال الشيخ حسن الكبير، الذي كان آنذاك قد استولى على آذربيجان.
وفي أثناء ذلك كان الشيخ حسن الكبير في السلطانية، فانسحب إلى قزوين، واستولى الشيخ حسن الصغير على السلطانية وآذربيجان ثم سار إلى قزوين، ولكن انتهى الأمر بعقد صلح بين الطرفين.
وحينما كانت الأوضاع في آذربيجان وعراق العجم لا تزال غير واضحة بعد، كانت الحكومة في قزوين تنتقل من أمير مغولي إلى آخر، حتى شكل الشيخ حسن الصغير حكومته في آذربيجان واستمر حكمه هو وأخوه الملك الأشرف على آذربيجان وقسم من عراق العجم حتى عام 758 هـ.
وكان حكام مازندران آنذاك يتمتعون ببعض الإستقلالية في زمن الحكومات المغولية، مستفيدين من المواقع الجبلية والغابات الكثيفة، مستفيدين من المواقع الجبلية والغابات الكثيفة، فيتطاولون على بعض الولايات المجاورة لهم. فمثلاً قام جلال الدولة الإسكندر734-761 هـ) حاكم رويان ورستمدار في عام 746 هـ بالاستيلاء على جميع الأراضي الواقعة بين قزوين وسمنان والتي كانت خاضعة لعدة أمراء من الأتراك والطاجيك، وينقل ظهير الدين المرعشي بأن جميع نواحي الري وقزوين كانت تبعث بالأموال إلى خزينته([145]).
وخلف الجوبانيين في آذربيجان وبعض نواحي عراق العجم آل جلاير أو الأيلكانيون، ويعني ذلك أن ابن الشيخ حسن الكبير أي السلطان أويس- الذي كان لبعض الوقت حاكماً على عراق العرب- قد استولى على الحكم في آذربيجان والأجزاء الشمالية من عراق العجم أي مدن همذان والري وقزوين وقم وكاشان.
وخلال حكومة السلطان حسين والسلطان أحمد الجلايري، كانت حكومة عراق العجم بيد شخص يدعى عادل آقا، ويتخذ هذا من السلطانية مقراً لحكمه، وكذلك كانت قزوين تابعة له. وكانت هذه المدينة تخرج عن سلطته أحياناً وتخضع له أحياناً أخرى، وتتعرض في بعض الأحيان لهجمات الجيوش التي تمر بالقرب منها، فعلى سبيل المثال مر الملك شجاع الملك آل المظفر بقزوين عام 777 هـ في طريقه من شيراز إلى آذربيجان، وعندما رفض أهل قزوين الدخول في طاعته، أصدر أوامره بالإغارة عليها وسلبها ونهب أموالها وإحداث المجازر فيها. وعندما سيطر على تبريز، أوكل الحكم في السلطانية والري وقزوين إلى ابنه السلطان شبلي([146]).
وفي عام 782 هـ، آلَ الحكم في رستمدار إلى السيد فخر الدين ابن السيد قوام الدين المرعشي، وفي ذلك الحين كانت قزوين عرضة لاعتداءات ملوك القبائل وتجاوزاتهم، ولذلك طلب أهلها المساعدة من السادات المرعشيين، فبادر فخر الدين إلى إرسال جيش لمساعدتهم، ثم سار إليهم بجيش آخر بعد فراغه من عزاء أبيه الذي توفي عام 781 هـ، وأعاد المياه إلى مجاريها ثم سار إلى طالقان بعد بضعة أيام من الإقامة في قزوين، وانتزع ألموت من سلطة الكيلانيين، ثم عاد إلى مقر حكمه في رستمدار([147]).
وفي عام 786 هـ، بسط الأمير تيمور سيطرته على السلطانية والري بعد استيلائه على خراسان، ولكنه اضطر للعودة الى سمرقند لإخماد ثورة توقتمش خان، وحينئذ نشب الصراع بين ملوك الطوائف على الحكم في عراق العجم، ولم يكن في قزوين آنذاك حاكم بعينه، وبعد أن كان السيد علي حاكم كيلان قد استولى على قزوين في عام 781 هـ، فإنه أعاد الكرة وأمر الخواجه أحمد حاكم أشكور ورودبار باحتلال قزوين، فدخلها دون حرب. وعيّن الخواجه أحمد أحد أبناء عمومته وهو كيا خواجه علي بإشارة من السيد علي حاكماً على قزوين، ثم عاد هو أدراجه إلى أشكور.
وظلت قزوين لسبع سنين خاضعة لحكم آل كيا([148]) ، حتى سيَّر السطان أحمد الجلايري عادل آقا في عام 788 هـ إلى قزوين، واستطاع هذا انتزاعها وإرجاعها إلى سلطة آل جلاير([149]).
وفي هذه السنة أرسل الأمير تيمور – ضمن هجماته التي استمرت ثلاث سنوات على إيران – ابنيه محمد سلطان وبير محمد من حدود الري إلى قزوين والسلطانية لاحتلالهما، فتمكنا من دخول قزوين وأسر حاكمها شهسوار خان([150]).
وفي عام 790 هـ، بلغت الأمير تيمور في شيراز أخبار حملات توقتمش خان في ما وراء النهر، ولذلك أسرع إلى سمرقند وأوكل الحكم في همذان وقم وكاشان وقزوين إلى شخص يدعى بير محمد سادة([151]).
وفي يوم الثلاثاء في الثالث من شباط عام 1405 م (808 هـ) دخل قزوين سفير الملك كاستيل المدعو (كلا فيخو Clavijo) خلال عودته إلى إسبانيا بعد أن أنهى زيارته إلى الأمير تيمور، وعلى الرغم من كون الوقت الذي دخل فيه المدينة شتاءً والثلوج تغطي جميع أنحائها، إلا أنه وصفها قائلاً: – «في السابق رأيت هذه المدينة أوسع وأكثر بيوتاً من جميع المدن التي شاهدتها، عدا سمرقند وتبريز، ولكن أغلب بيوتها الآن قد استحالت إلى خرائب»([152]).
وبعد وفاة الأمير تيمور عام 807 هـ نشب اختلاف بين أبنائه وأحفاده على وراثة العرش، حتى استولى شاهرخ على خراسان وبعض أجزاء مركز وجنوب إيران، بينما تولى الحكم في آذربيجان الابن الآخر لتيمور، ميرانشاه ثم خلفه من بعده ابنه الميرزا أبو بكر.
وفي غرب إيران كان التركمان القره قويونلو يتربصون، فاغتنموا الفرصة، وعزموا على احتلال آذربيجان وسائر إيران، ودارت بين الطرفين معركة بالقرب من تبريز في 24/ذي القعدة عام 809، انتهت باستيلاء قره يوسف زعيم التركمان القره قويونلو على قزوين والسلطانية وآذربيجان. فعزم شاهرخ على استعادة ملكه المغصوب ومن ثم وعد قره يوسف بمنحه حكومة آذربيجان وعراق العرب حتى حدود الروم والشام، إن هو دخل في طاعته وأعاد السلطانية وقزوين إليه، ولكن قره يوسف رفض هذا الوعد، فما كان من شاهرخ إلا أن أرسل جيشاً لقتاله، فهرب حاكم قزوين من جانب قره يوسف المدعو قاسم إلى السلطانية، وعزم جهانشاه بن قره يوسف الذي كان آنذاك في السلطانية، على صدّ جيوش شاهرخ ولكن بلغه في تلك الأثناء خبر وفاة أبيه فلاذ بالفرار، واتجه شاهرخ من السلطانية إلى آذربيجان ثم عاد منها إلى خراسان عن طريق قزوين([153]).
وفي عام 845 تمرد حاكم رستمدار الملك كيومرث (807-857) على السلطان شاهرخ، واستولى على الأراضي الممتدة حتى حدود الري ولكنه هزم فيما بعد، واعتذر عما بدر منه، فعمد شاهرخ بعد ذلك إلى إيكال الحكومة في ولايات السلطانية وقزوين وري وقم إلى السلطان محمد ابن ميرزا بايسنقر، وعيّنه حاكماً على عراق العجم([154]).
وفي زمن هذا السلطان، هجم جهان شاه قره قويونلو على عراق العجم واستولى على السلطانية وقزوين([155]).
وحينما قتل جهانشاه قره قويونلو في عام 872 هـ على يد حسن بيك آق قويونلو، استنجد ابن جهانشاه بالسلطان أبي سعيد وطلب منه قتال حسن بيك، وكان هذا عازماً على احتلال عراق العجم وآذربيجان، فرأى الفرصة سانحة لذلك، ومن ثم تحرك نحو العراق وآذربيجان في أوائل شعبان من نفس ذلك العام، وباشر في بداية حركته بإرسال أمراء للإستيلاء على الولايات ومن هؤلاء الأمير السيد محمد الذي أرسله حاكماً على قزوين والسلطانية([156]).
وحدث اضطراب في قزوين أثر مقتل جهانشاه، فطلب زعماء المدينة المعونة من السلطان السيد محمد حاكم كيلان، للمساعدة في الحفاظ على أمن المدينة، فأرسل جيشاً بقيادة السيد ظهير الدين المرعشي مؤلف تاريخ كيلان وتاريخ مازندران وطبرستان. وفي أثناء ذلك كان الميرزا حسن علي ابن جهان شاه قره قويونلو قد خلف أباه في تبريز، ثم أرسل جيشاً لاحتلال قزوين، ولما لم يكن لدى ظهير الدين المرعشي الإذن بقتال جيوش الميرزا حسنعلي، فإنه ترك قزوين وانحنى جانباً، وعندما بلغه أن التركمان غادروها بعدما نهبوها، عاد إليها مرة أخرى. ثم بلغه خبر آخر مفاده، أن جيش السلطان أبي سعيد التيموري في طريقه من خراسان إلى قزوين، فترك قزوين هذه المرة أيضاً، بإذن من السلطان السيد محمد كيا، وأوكل الأمور في هذه المدينة لحاكم يمثل السلطان أبي سعيد.
وفي أثناء ذلك، قدم جيش الميرزا حسن علي من السلطانية إلى قزوين واحتلها وقتل جماعة من أهلها. فأمر السلطان السيد محمد كيا السيد ظهير الدين المرعشي بالسير إلى قزوين، فقدم إليها وطرد التركمان منها، فانسحبوا إلى السلطانية، وهكذا رجعت قزوين مرة أخرى إلى جيش كيلان. وكان قائد جيش السلطان أبي سعيد التيموري في الري، ولما لم يشأ السلطان محمد كيا الدخول في نزاع معه ومن ثم فقد غادرها ظهير الدين المرعشي متجهاً إلى كيلان، وحينئذ أرسل السلطان السيد محمد كيا رسولاً إليه محملاً بالهدايا، وأظهر له الطاعة.
وبعد أن زار السلطان أبو سعيد عتبات باب الجنة في قزوين توجه إلى السلطانية ومنها إلى آذربيجان، ثم قتل في حرب مع حسن بيك آق قويونلو عام 873 هـ([157]).
وكان السيد ظهير الدين المرعشي مقيماً-آنذاك- في قلعة لمبسر فطلب أهالي قزوين إليه أن يقدم إليهم ويحافظ على مدينتهم، فدخل قزوين امتثالاً لرغبتهم، ثم أوكل الأمور فيها إلى كيا نام آور الديلمي، بأمر من السلطان السيد محمد كيا، وغادر هو إلى الطالقان، وأرسل السلطان السيد محمد كيا شخصاً لجباية المال من قزوين يدعى السيد عضد الحسيني.
وبعد حين أرسل حسن بيك آق قويونلو ممثلاً عنه للحكم في قزوين، يدعى حسن جلبي، فتخلى كيا نام آور له عن زمام الأمور في المدينة. ثم بلغ أهل قزوين خبر وفاة حسن بيك، فطلبوا مساعدة السلطان السيد محمد، فقدم إليهم الأمير نام آور، وهرب حسن جلبي، إلا أن الكيلانيين تعقبوه، فعاد إليهم ووقعت معركة بين الطرفين، هزم فيها حسن جلبي، ورجعت قزوين إلى كيا نام آور مرة أخرى.
وفي هذه المرة كان أهل قزوين غير راضين لتصرفات السيد عضد الحسيني في جبايته للضرائب، فثاروا على الكيلانيين وقتلوا جماعة منهم، وكان من بين القتلى ابن كيانام آور، ولكن السيد عضد لاذ بالفرار، ثم علم فيما بعد أن خبر وفاة حسن بيك غير صحيح، ومن ثم ألقى السلطان محمد كيا القبض على السيد عضد الحسيني وأودعه السجن في قلعة لمبسر، ثم أرسل كتاباً إلى حسن بيك، اعتذر إليه فيه عن وقوع حادثة قزوين([158]).
وفي عام 896 هـ انتهز السلطان السيد محمد كيا حاكم كيلان فرصة الاضطرابات التي حدثت في إيران عامئذ، وأرسل شخصاً يدعى مير عبد الملك لاحتلال قزوين، فاستعاد سيطرته عليها، وفي أثناء ذلك أرسل السلطان بايسنقر آق قويونلو (896-897) جيشاً بقيادة يوسف بيك وابنه تايطوش، لإحتلال قزوين، فهزمهم مير عبد الملك وقتل يوسف في المعركة.
ثم قدم جيش آخر من خراسان إلى قزوين، بقيادة بداق بيك، فهزم هذا الجيش أيضاً وقتل بداق بيك، وحدثت معركة أخرى بين مير عبد الملك وساطلميش بيك الذي قدم من السلطانية للهجوم على قزوين، وانتهت هذه المعركة أيضاً لصالح مير عبد الملك.
وحينما تولى السلطنة رستم بيك آق قويونلو(897-902)، أرسل شخصاً يدعى أيبه سلطان لاحتلال عراق العجم، فقتل أيبه سلطان ولجأ ابنه إلى مير عبد الملك في قزوين.
وفي عام 897 وسع مير عبد الملك دولة السلطان السيد محمد كيا، حتى بلغ ساوه وزنجان والسلطانية، وبعد أن فرغ من فتوحاته أوكل الحكم في قزوين إلى أخيه الأمير غياث الدين وعاد هو إلى كيلان.
وحينما نشب الخلاف بين السلطان مراد (903-905) والوند بيك (905-906)، واستمر النزاع بينهما على العرش، توسط في الأمر درويش صالح يدعى بابا خيرالله، فأقر بينهما الصلح، وتشاطرا إيران بينهما، فأصبحت ولايات ديار بكر وأران وآذربيجان تابعة للميرزا الوند، بينما خضعت لحكم السلطان مراد كل من عراق العجم وفارس وكرمان. وبعد هذا الاتفاق قدم السلطان مراد إلى قزوين، وأمضى الشتاء فيها.
وعندما نشب الخلاف بين ألوند بيك آق قويونلو والميرزا محمد آق قويونلو (906-907)، قدم الأخير من فيروزكوه إلى قزوين وطلب المساعدة من السيد محمد كيا، ثم التقت القوات المتخاصمة بالقرب من قزوين، وتعرضت هذه المدينة مرة أخرى لهجوم السلطان مراد (907-908). ولم يستطع حاكم المدينة الصمود بوجه الهجوم وكان حاكمها آنذاك هو مير غياث الدين أخو مير عبد الملك فهرب ووقعت المدينة بقبضة السلطان مراد، ولكن مير غياث الدين عاد وانتزعها ثانية من السلطان مراد آق قويونلو.
وفي عام 907 هـ، تمكن الملك إسماعيل الصفوي من تشكيل حكومة مركزية، فبدأت حكومات ملوك الطوائف بالزوال، وأصبحت جميع ولايات إيران خاضعة لحكم مركزي. وقد اتخذ الملك إسماعيل من أردبيل- بادئ الأمر- مقراً لحكمه ثم انتقل إلى تبريز، وأوكل الحكم في قزوين والري إلى إبدال بيك، ثم عزله عام 916 هـ، وعين زينل بيك حاكماً على قزوين.
وكانت إيران منذ بداية حكم الملك إسماعيل وخليفته الملك طهماسب عرضة لهجمات الأتراك العثمانيين من الغرب وهجمات الأوزبكيين من الشرق، وكان هذان الملكان يسلكان طريق الري وقزوين في تحركاتهما من آذربيجان إلى خراسان لقتال الأوزبك ونالت قزوين اهتمام الملك طهماسب لما تتمتع به من موقع خاص، خصوصاً بعد أن استولى الأتراك العثمانيون على أغلب أراضي آذربيجان ومن ثم فقد عزم على نقل مركز حكمه إلى هذه المدينة، وهكذا أضحت قزوين عاصمة الدولة الصفوية في عام 955 هـ.
وفيما يتعلق بشأن انتخاب قزوين عاصمة للصفويين، يذكر السائح الفرنسي شاردن Chardin ما يلي: – عندما يئس الملك طهماسب من الدفاع عن تبريز بوجه حملات السلطان سليمان، قدم إلى قزوين واتخذ منها عاصمة له، لأنه رأى فيها مدينة مناسبة من مختلف النواحي ولجميع الفصول. ويكتب اللورد كرزن: انتخب الملك طهماسب قزوين مركزاً لحكمه، لعله يكون في مأمن من الأتراك.
وظلت قزوين عاصمة لإيران لمدة 51 عاماً، أي طول فترة حكم طهماسب والملك إسماعيل الثاني والسلطان محمد خدابنده والملك عباس الأول، حتى نقل الأخير عاصمة ملكه إلى أصفهان عام 1006 هـ.
ويذكر صاحب كتاب(عالم آرا) سبب نقل العاصمة إلى أصفهان فيقول: كانت قزوين عاصمة للدولة حتى عام 1006 هـ، وكان الملك عباس الأول يخرج أحياناً إلى أصفهان للتسلية والترفيه واسترداد الحيوية والنشاط، فيشتغل بالصيد هناك، وشاهد خلال ذلك خصائص هذه المنطقة وما لها من قابليات وإمكانيات، ولاحظ مياه نهر زاينده رود التي تجري خلالها، وكثرة الجداول التي تتفرع عن هذا النهر وتجري في كل مكان، فأحبها وتعلق بها، وعزم على الإقامة فيها، وقرر تعميرها وتنظيمها، ومن ثم انتقل إليها في 1006 هـ([159]).
ويتحدث أروج بيك عن سبب نقل العاصمة من قزوين إلى أصفهان بقوله: تعتبر أصفهان المدينة الرئيسية في عراق العجم، وهي من حيث الموقع أجدر من غيرها لأن تكون المركز والعاصمة، إذ تقع في سهول فسيحة خصبة، ولها القابلية على تغذية الجماعات الكثيرة التي تهاجر إليها من الأطراف والأكناف، وكانت هذه الجماعات تحس في المحل الجديد بالراحة من وطأة الحروب([160]).
ويرى شاردن أن الأمر الأقرب للواقع هو كون الملك عباس عازماً آنذاك على فتح البلدان المجاورة، ولذلك فقد اختار أصفهان لكونها أقرب إلى البلدان التي كان عازماً على فتحها.
وعلى أي حال فإن قزوين فقدت مكانتها بعد انتقال العاصمة إلى أصفهان، وآلت إلى الخراب على الرغم من إقامة الملوك الصفويين وخلفاء الملك عباس فيها في بعض الأحيان.
وعندما انتخبت قزوين عاصمة، سميت (دارالسلطنة) ويكتب عن ذلك أروج بيك في كتابه (دون زون إيراني) ما يلي: «يسكن في هذه المدينة مائة ألف عائلة أو 350 ألف شخص، ولأجل تصوير سعة المدينة، أحصيت مساجدها فألفيتها 500 مسجد.
ويتحدث عن سكان قزوين بقوله: يتشكل سكان قزوين من أهالي أماكن مختلفة على غرار ما هو موجود في سكان جميع عواصم العالم»([161]).
وعندما انتقلت العاصمة إلى أصفهان، أخذ عدد السكان يتناقص في قزوين باضطراد، بحيث يذكر السير توماس هربدت والسير دود مركاتن أثناء سفرهما في عام (1037 هـ / 1628 م) عدد سكان قزوين بأنه مائتا ألف عائلة. بينما يذكر شاردن عدد سكان هذه المدينة، بأنه 12 الف عائلة أو 100 ألف شخص.
وقد استحدث العديد من الأبنية في قزوين أثناء سلطنة الملك طهماسب، ومنها:-
1- القصر الملكي، الذي يذكر شاردن بأنه بني وفق خريطة معمار تركي، على نمط شطرنجي، وهو قصر صغير جداً. وقام الملك عباس بتوسيعه وتغيير جزئياته، وللقصر الملكي سبعة أبواب، وتسمى إحدى هذه الأبواب بـ (عالي قابو). ويصف شاردن حدائق هذا القصر بأنها غاية في الجمال والنظافة. ولم يبق من أبواب هذا القصر في الوقت الحاضر إلا (عالي قابو) ومن حدائق القصر إلا قسم صغير خلف باب (علي قابو)، ويرجع بناء هذا الباب والنقوش المثبتة عليه إلى الملك عباس الكبير، وقد كتبت هذه النقوش بخط الخطاط المعروف علي رضا العباسي. ويذكر مؤلف (عالم آراي عباسي) بأن الملك عباس بنى بوابة قصر الحكم (والتي يبدو أنها نفس بوابة عالي قابو)([162]).
2) ميدان السعادة: ويقع إلى الجنوب من القصر الملكي، وقد استحدث في زمن سلطنة الملك طهماسب الأول، وكان اسمه حديقة (سعادت آباد)([163]). ويذكر بيترو دلا فاله Pietro Della Valle بأن موقع هذا الميدان يبعد قليلاً عن القصر الملكي، ويقع بالقرب من محلة (بازار) ويذكر أيضاً بأن مساحة هذا الميدان تقل قليلاً عن الميدان الكبير في آصفهان، ولكنه ليس أقل منه جمالاً، ويبلغ طوله ثلاثة أضعاف عرضه، على غرار ميدان أصفهان، وقد أقيم بطوله هذا وعرضه لأجل لعبة الصولجان، حيث أقيمت على طرفيه أعمدة حجرية، متباعدة عن بعضها بفواصل محددة، ويذكر في موضع آخر بأن الملك كان يسمح أحياناً بإجراء لعبة الصولجان في حضوره، وكذلك كان يشترك في هذه الألعاب في بعض الأحيان.
ويذكر صاحب (عالم آراي) بأن الملك عباس أمر بتزيين ميدان السعادة، وتعليق المصابيح فيه، بعد فراغه من فتنة كيلان ورجوعه إلى قزوين عام 1003هـ، وكان الملك عباس يقوم بلعبة الصولجان والقبق[164](*)([165]). ويضيف أيضاً، بأنه أمر بإقامة الإحتفال في ميدان السعادة، بعد ولادة ابنه السلطان محمد عام 1006، ويقول في موضع آخر، بأن الملك عباس كان يقوم بلعبة الصولجان ولعبة القبق يومياً في هذا الميدان([166]).
ويذكر شاردن بأن طول هذا الميدان يبلغ 700 قدم وعرضه 200 قدم ويسميه بميدان الملك، ويذكر بأنه أقيم لأجل مسابقات الخيل، ويشبه في بنائه ميدان الملك في أصفهان.
وفي زمن الملك طهماسب الأول كان سفراء وممثلو الدول الأجنبية يتوافدون على قزوين ويلتقون فيها بالملك، فمثلاً قدم أنطوني جن كينسون Anthony Jenkinson إلى قزوين في عام 969هـ (1562م) ممثلاً عن الملكة إليزابيت، وكان الهدف من زيارته هو إيجاد العلاقات التجارية بين البلدين، ولكنه أخرج من البلاد بأمر من الملك طهماسب لكونه يعتنق الديانة المسيحية، ولكن يذكر أروج بيك بأنه استقبل في قزوين باحترام على الرغم من ذلك([167]) ، وكذلك قدم إلى قزوين فين جنتيوا. آ. دالساندري Vincentio.A.D’Alessandri ممثلاً عن بلاط البندقية، لأجل تحريض الملك طهماسب على الأتراك الذين كانوا بصدد احتلال جزيرة قبرص، وعادت هذه الهيئة دون نتيجة أيضاً.
وكان الملك طهماسب يستقبل سفراء الدول الإسلامية في حديقة السعادة، فمثلاً استقبل سنان بيك في هذه الحديقة، حينما أوفده السلطان سليمان القانوني عام 966 إلى إيران([168]). وكذلك استقبل السلطان بايزيد ابن السلطان سليمان فارس القانوني الذي فرّ من أبيه، ولجأ إلى إيران في عشرة آلاف فارس وراجل، وأقيمت الحفلات والولائم على شرفه في هذه الحديقة.
وكان هذا الميدان محلاً لاستقبال السفراء وممثلي الدول الأجنبية في زمن الملك عباس أيضاً، فمثلاً استقبل فيه ممثلي الدولة العثمانية، الذين قدموا للصلح، وكذلك استقبل في هذا الميدان كل من السفير الإسباني والهندي وسفراء موسكو، وكان هؤلاء السفراء يقدّمون إلى الملك عباس ما يحملونه من هدايا إليه في نفس هذا الميدان.
وفي عام 1005 قدم الميرزا ضياء الدين الكاشي وأبو نصر الخوافي إلى قزوين، من قبل ملك الهند جلال الدين محمد أكبروالتقيا فيها بالملك عباس، فأمر بتعليق المصابيح في ميدان السعادة وتزيين الأسواق، وأقام الملك عباس الولائم أيضا ولعدة أيام وبادر هؤلاء إلى عرض تحفهم التي حملوها معهم إلى الملك عباس في ميدان السعادة على ظهور الإبل([169]).
وكان الملك عباس يستقبل في قزوين بعض السفراء حتى بعد نقل العاصمة إلى أصفهان، فمثلاً حين قدم دون كارسيا دو سيلفا فيكوروآ Don Gracias de Silva Figueroa إلى إيران عام 1027 وطلب مقابلة الملك الذي كان آنذاك في فرح آباد من بلاد مازندران، أمر الملك عباس بأخذه إلى قزوين لينتظر قدومه إليها، ثم دخل الملك مدينة قزوين واستقبله فيها.
وكذلك أقام الملك عباس الثاني حفلاً في حديقة (سعادت آباد) في عام 1052 هـ، واستقبل فيها رسول السلطان العثماني الملك إبراهيم([170]).
وكان الملك عباس، بالإضافة إلى استقباله للسفراء الأجانب في ميدان السعادة، يتردد بالحضور إلى هذا الميدان، ويحضر معه كبار رجال الدولة، ليحظوا بمقابلته، وكان الميدان مزداناً بالمصابيح على الدوام لأجل الملك، وكان هذا الميدان محلاً لتنزه الأهالي قبل مجيء الملك.
وقد أقام الملك عباس بعض الأبينة في طرفي كل من الميدان الشرقي والميدان الغربي، وتعرف هذه الأبنية باسم (جهان نما)، ويتحدث بيتر دلافاله عن ذلك، قائلاً: يوجد في طرفي الميدان قصران في غاية الجمال، واحدهما ذو شبابيك سداسية، وهو للحريم، والثاني لراحة الملك ومقابلاته، وقد أقيمت خلف كل من هذه الأبينة حدائق كبيرة، ويذكر صاحب (عالم آراي) بأن هناك العديد من الدكاكين على أطراف الميدان، تزين بالمصابيح في أوقات الاحتفالات والافراح([171]).
(3) بناية (جهل ستون)([172]): يبدو أن هذه البناية جزء من القصر الملكي حيث تقع في شماله، وقد أقيمت في زمن الملك طهماسب الأول، ولها طابقان ولكل طابق إيوان. وكانت هذه البناية في زمن طهماسب الأول محلاً لاستقبال الضيوف والسفراء والأجانب، فمثلاً يذكر صاحب (عالم آراي) بأن سنان بيك الوزير الِأعظم للسلطان سليمان القانوني، استقبل في هذه البناية، وقدم تحفه وهداياه للملك فيها([173]) وكذلك قدم الملك عباس إلى هذه البناية في أول يوم من حكمه واستقبل فيها جميع أمراء وأركان الدولة([174]).
وكانت هذه البناية موضعاً لتتويج السلاطين الصفويين، فمثلاً قدم إليها الميرزا حيدر بعد يوم من وفاة الملك طهماسب في يوم 16 صفر عام 984 وتتوج فيها([175]). وكذلك جلس الملك إسماعيل الثاني على عرشه وتتوج فيها في يوم الأربعاء 27/جمادى الأولى عام 984 ([176]).
وكانت تقام في بناية (جهل ستون) أعياد رأس السنة، ويذكر صاحب (عالم آراي عباسي) بأن أعياد نوروز لأعوام 1004 و1005 و1006 أقيمت في (جهل ستون) كالمعتاد، وحضرها سلاطين وأمراء الأطراف والسفراء الذين كانوا في خدمة الملك عباس([177]).
(4) ميدان أسب([178]): ومن ضمن الميادين التي كانت موجودة في أطراف القصر الملكي، ميدان (أسب)، ويذكر مؤلف (عالم آراي عباسي) بأن هذا الميدان يتصل بحديقة الحريم، التي تعد جزء من القصر الملكي، ولذلك يبدو أن موقع هذا الميدان هو الجانب الغربي من القصر. ويضيف صاحب (عالم آراي) قائلاً: «…وعندما توفي الملك إسماعيل الثاني، أمر البوابون بإغلاق ميدان (أسب)، للحيلولة دون أنتشار الخبر بسرعة([179]).
(5) حديقة الجنة: وهي حديقة كبيرة، ذات شوارع عريضة، وتحيط بها وتظللها أشجار عالية كثيفة من السرو. وفي وسط هذه الحديقة ثمة بناء صغير، يحتوي على عدة غرف، ولكن لم يكن يتسع للضيوف، لذلك كان الملك عباس يأمر ببسط الفرش في أطراف حوض الحديقة، واستقبل دون كارسيا دوسيلفا فيكوروآ سفير ملك إسبانيا فيليب الثالث في نفس هذه الحديقة عام 1027 من قبل الملك عباس الأول([180]). وحين قدم الملك عباس الثاني إلى قزوين عام 1052، أمر باستحداث شارع في تلك الحديقة ونصب القبق فيه ثم باشر بلعبة القبق ولعبة الصولجان في ذلك الشارع.
وينقل تافرنيه، بان ثمة سبع أو ثمان بنايات كانت موجودة في الحديقة الملكية، ومنها بناية (جهل ستون) التي أقامها الملك طهماسب الأول، وعمارة دار الخلوة التي أقامها الملك عباس الأول، وكانت توجد بين مقرالحكم وميدان أسب عدة بنايات، استحدثت قبل الملك عباس([181])، وبالإضافة إلى ذلك، استحدث الملك عباس بناية أسماها البناية الجديدة (عمارت نو) وكذلك شيد فندقاً في قزوين([182]).
وبعد انتقال العاصمة إلى أصفهان، لم ينقطع السلاطين الصفويون عن التردد على قزوين والمكث فيها لبعض الوقت، فمثلاً توقف فيها الملك عباس الكبير في عام 1015 لبضعة أيام، بعد عودته من فتح آذربيجان وشيروان وطرد جيوش العثمانيين من تلك النواحي، ورجوعه بعد ذلك إلى عراق العجم. وعند دخوله المدينة استقبله أعيانها وأشرافها، وزين ميدان السعادة([183]).
وفي عام 1052 دخل عباس الثاني قزوين، وهو أول عام من توليه الحكم، ونزل في بستان صفي آباد، الذي يبدو أنه كان خارج المدينة، ثم دخل القصر الملكي، وخلال إقامته في هذه المدينة استقبل إمام قلي خان الأوزبك حاكم تركستان الذي كان في طريقه إلى زيارة مكة المكرمة، وتم الاستقبال في بناية (هشت بهشت)([184]) التي يبدو انها جزء من بنايات القصر الملكي. وعاد الملك عباس الثاني إلى قزوين مرة أُخرى في 1064 ومكث فيها لبعض الوقت([185]).
وعندما بدأ بعض الأفغان في هرات وقندهار بتمردهم وعصيانهم، وفشلت القوات الإيرانية في ردعهم، عزم الملك السلطان حسين الصفوي في عام 1130 هـ على السير بنفسه لقتالهم ولكن وزيره الأعظم فتح عليخان نصحه بالسفر إلى قزوين للابتعاد عن أصفهان التي ربما كانت عرضة لهجمات الأفغان، وبالاضافة الى ذلك، ليقوم في قزوين بجمع قواته من آذربيجان وخراسان. ولم يكن قواده يحبذون قتال الأفغان فأيدوا رأي الوزير الأعظم، ومن ثم قدم الملك السلطان حسين في نفس ذلك العام إلى قزوين ومكث فيها ثلاث سنين. وعندما استولى الأفغان على أصفهان عام 1135 هـ، هرب طهماسب ميرزا ابن الملك السلطان حسين إلى قزوين، لعله يستطيع جمع قواته فيها، واعتلى العرش فيها في الثلاثين من محرم من نفس تلك السنة، وضرب النقود باسمه([186]).
وأرسل محمود الأفغاني شخصاً باسم أمان الله في ثلاثة ألاف مقاتل من الغلجائيين وألف مقاتل من القزل باش إلى قزوين لقتال الملك طهماسب الثاني فيها، وكان هذا الملك مشغولاً حينئذٍ باللهو واللعب، لظنه أن الشتاء سيحول دون هجوم الأفغان على قزوين ومن ثم صرف قسماً من جنوده، ففوجئ بقدوم الأفغان ولاذ بالهرب إلى تبريز، فاضطر أهل قزوين إلى الإستسلام دون قتال. وكان أمان الله رجلاً طماعاً، فحاول الإستيلاء على أموال الناس، ولم يتوان في ذلك عن تعذيب وإيذاء الأثرياء وأرباب الأموال، فلم يطق الأهالي صبراً وهجموا على الأفغان وقتل عدد منهم، وجرح أمان الله في تلك الحوادث ثم هرب إلى أصفهان، وقد بلغ عدد القتلى 1200 شخص([187]).
لقد بلغت قزوين أوج جمالها وازدهارها في زمن السلاطين الصفويين، وبلغ عمرانها شأناً كبيراً، حتى كان عدد سكانها في حدود 350 ألف نسمة. وأضفى الملك طهماسب والملك عباس عليها جمالاً إلى جمالها، باستحداثهم العديد من الأبنية الجميلة، وكذلك كان كبار الصفويين وأمراؤهم يقتدون بالملوك، فيقيمون العديد من الأبنية الجميلة الفخمة، ومن جانب آخر كان ازدهارها التجاري سبباً في إقامة الفنادق، ويرى بأن أجمل أبنية المدينة هي المدارس ويضيف بأن أفضل هذه المدارس هي مدرسة (الخليفة سلطان)، ويضيف كذلك بأن ثمة أبنية جميلة في المدينة، يتخذ منها فنادق عمومية، وأكبرها الفندق الملكي الذي يحوي 250 غرفة.
وعلى الرغم من ازدهار قزوين في زمن سلطنة الملك طهماسب. إلا أنها تعرضت بعد وفاته إلى التخريب، بسبب نزاع الأمراء الصفويين على خلافته في العرش. حيث جلس الميرزا حيدر على العرش بعد وفاة الملك طهماسب، فثار مؤيدو أخيه الميرزا إسماعيل الذي كان سجيناً في قلعة قهقهة في آذربيجان بأمر من أبيه، وعمد هؤلاء إلى قتل كل من كان لهم عداوة معه، حتى قدم إسماعيل بنفسه إلى قزوين وتولى الحكم فيها في الخامس والعشرين من صفر عام 984، وفي الحقيقة لم تستغرق الفترة ما بين وفاة الملك طهماسب الأول وتولي الملك إسماعيل الثاني الحكم أكثر من عشرة أيام([188]).
ويذكر أروج بيك بأن التركمان دخلوا قزوين أثناء سلطنة الملك محمد خدابنده، فاستولوا عليها وباشروا بأعمال القتل والنهب والسلب، وعينوا الميرزا طهماسب ابن السلطان محمد خدابنده ملكاً، ومكثوا في قزوين طوال فصل الشتاء، وعزلوا جميع عمال دولة السلطان محمد وعينوا أشخاصاً آخرين بدلاً عنهم، حتى قدم الميرزا حمزة – الابن الآخر للسلطان محمد- إلى قزوين في فصل الربيع وطرد التركمان منها، واعتقل الميرزا طهماسب في قلعة ألموت([189]).
وكان وصول الملك عباس الأول إلى العرش في عام 996 هـ نهاية للفوضى والخلافات، واستعادت قزوين رونقها وازدهارها.
وقد تعرضت قزوين لأضرار فادحة بسبب الزلازل، وقد أشرنا إلى بعضها سابقاً، وقد حدثت في هذه المدينة زلزلة شديدة وأحدثت فيها خسائر فادحة وخراباً كبيراً في زمن الملك عباس الثاني (وربما كان ذلك في عام 1065هـ)([190]).
وأما الزلازل الأخرى التي حدثت في قزوين فهي:
1) حدثت زلزلة في عام 249 هـ، ولم يشر إلى الخسائر الناتجة عنها.
2) حدثت في عام 360 هـ زلزلة، أتت على ثلث المدينة، وينقل شاردن، بأن الأمير السلجوقي كهنون، أعاد بناء الخرائب بعد ثلاث سنوات([191]) ، ولكن صاحب التدوين لم يشر إلى هذه الزلزلة.
3) ينقل الرافعي، حدوث زلزلة أخرى حدثت في قزوين عام 513 هـ، وأنها قضت على الكثير من أهالي المدينة، وأتت على القسم الأكبر من أبنيتها.
4) يذكر شاردن، أن زلزلة أخرى حدثت في قزوين عام 562 أي عام 1166 م، ولكنها لم تحدث أضراراً كبيرة.
5) وفي يوم السبت المصادف للثالث من شعبان عام 889 هـ، حدثت زلزلة شديدة في ديلمان وأشكور ورودبار([192]).
6) وفي شهر المحرم عام 956، حدثت زلزلة رهيبة في خمس قرى من ناحية رودبار وأودت بحياة ثلاثة آلاف شخص([193]).
7) وفي عام 1049 أي في زمن سلطنة الملك صفي، حدثت زلزلة أخرى في قزوين، وأودت بحياة 12 ألف شخص([194]).
السيول
حدث سيل عظيم في المدينة في ليلة الاثنين الموافق للثالث والعشرين من جمادى الأولى عام 965 هـ، وجرفت ألفي دار من محلة (درب أبهر).
وفي 8 جمادى الثانية عام 1267، حدث سيل رهيب آخر في قزوين، وأتى على ثلاثة آلاف دار من محلة (جهارمحلة).
وكان السلاطين الصفويين قد أعلنوا المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في إيران، ولما كانوا من ذرية المتصوف المعروف الشيخ صفي الدين الأردبيلي، فإنهم كانوا يرون أنفسهم حماة للمسلمين وخصوصاً الشيعة منهم، ومن ثم باشروا بإقامة الأبنية الدينية وتشييد وتوسيع أضرحة السادات والمساجد.
وينقل المؤرخون بأن أكثر أهل قزوين كانوا على المذهب الشافعي، وكانوا يتعصبون كثيراً لمذهبهم هذا([195]) ، وأكثر النزاعات بينهم وبين الفدائيين الإسماعيليين تعود إلى هذا التعصب بالذات. وقد بلغ تعصبهم حداً كبيراً بحيث ينقل حافظ أبرو، أن مذهب التشيع انتشر في جميع إيران بأمر من أولجايتو الذي اختار مذهب التشيع، ولم يستثن من ذلك إلا قزوين([196]).
وحينما أضحت قزوين مركزاً للحكومة الصفوية ذات المذهب الشيعي، أخذ الناس في هذه المدينة يتحولون بالتدريج إلى هذا المذهب وراجت في المدينة أبنية وأضرحة السادات(من نسل الأئمة)، وكان السلاطين الصفويون يعتنون عناية خاصة بهذه الأضرحة، انسجاماً مع سياستهم التي ساروا عليها، فكانوا يقيمون بجانبها المقابر، ويوقفون عليها الأملاك والأراضي، ويعينون لها خدماً يتولون العناية بها والحفاظ عليها، وهكذا ظهرت أضرحة بعض السادات في هذه الفترة وعين بعض المنتفعين أنفسهم مشرفين عليها.
وكانت الأبنية والآثار الدينية التي بنيت في قزوين أثناء فترة السلاطين الصفويين، أو عمرت ورممت في زمانهم هي:
- تشييد الإيوان الشمالي للمسجد الجامع الكبير، ومعه منارتان في طرفيه، وقد تمّ ذلك في زمن الملك طهماسب الصفوي، وفي عام 1069 أي في زمن سلطنة الملك عباس الثاني شيد الإيوان الجنوبي للمسجد، وهو من أجمل إيوانات المسجد، ويقع في المقصورة الخمارتاشية. وفي عام 1081 هـ أمر الملك سليمان الصفوي ببناء الإيوان الغربي، ونصب في نفس ذلك العام حجزاً من المرمر على مدخل ذلك الإيوان، وقد كتب عليه الأوامر القاضية بإعفاء المكان من الضرائب ومنع البدع الذميمة.
- مسجد الشاه: – يذكر شاردن بأنه من أبنية العهد الصفوي وقد باشر ببنائة الملك إسماعيل ثم أكمل بناءه الملك طهماسب الأول، ولكنه ترك فيما بعد، ثم ينقل اللورد كرزن بأن فتح علي شاه القاجاري أمر ببناء المسجد ثانية([197]).
- مسجد بنجه علي الواقع في الجانب الغربي لشارع (بيغمبرية) ويعتقد أنه من بناء الملك إسماعيل الأول، ويبدو أن هذا المسجد كان في زمن الملك طهماسب الأول خاصاً بحريم القصر الملكي.
- المدرسة البيغمبرية: – ويقع في الجانب الغربي من حديقة (جهل ستون) وفي الجانب الشرقي لشارع (بيغمبرية) وهو متصل بها، وقد شيد بأمر سارو تقي وزير الملك عباس الثاني في عام 1054 هـ.
- مدرسة الخليفة سلطان وتقع في الجانب الشرقي لميدان الملك ومقابل المسجد الجامع الكبير، وقد شيدت بأمر الخليفة سلطان الصدر الأعظم للملك عباس الثاني، عام 1064 هـ، ويذكر شاردن اسم هذه المدرسة، ولكنها اختفت فيما بعد وزالت آثارها.
- مقبرة الأمير حسين ابن الإمام الرضا عليه السلام، الذي توفي في قزوين في السنة الثانية من عمره ودفن في مقبرة كهنبر([198]) ، وتعتبر هذه المقبرة من أكثر مقابر السادات شهرة في قزوين.
وينقل المؤرخون بأن الإمام الرضا عرج على قزوين في سفره إلى خراسان عام 201 ونزل في دار داود بن سليمان الغازي، وتوفي ابنه في نفس تلك الدار.
وفي عام 1040 هـ، جدد بناء مقبرة الأمير حسين (ابن الإمام الرضا عليه السلام) التي كانت عالية نسبياً، على يد زينت بيكم ابنة الملك الصفوي طهماسب، واستحدثت لها بوابة كبيرة. ويوجد في مقبرة الأمير حسين عمل فني رائع يعود إلى زمن الملك الصفوي طهماسب ومؤرخ في عام 967 هـ، ولا يزال هذا الأثر موجوداً إلى الآن وقد صنع بأمر من هذا الملك نفسه. ويوجد بالإضافة الى ذلك ضريح خشبي للمزار يعود تاريخه إلى عام 1035 هـ.
ويوجد قبر أحد السلاطين الصفويين في هذه المقبرة، وهو قبر الملك إسماعيل الثاني.
وكما ذكرنا آنفاً فإن قزوين كانت شحيحة المياه، ولا يكاد يكفي ماؤها لسد حاجة الناس، خصوصاً بعد أن أصبحت عاصمة الدولة الصفوية وازداد عدد سكانها وبالتالي ازدادت حاجة الناس إلى المياه، ولذلك بادر السلاطين الصفويون والأشخاص الخيرون إلى إستحداث القنوات، إضافة إلى القنوات التي كانت موجودة في المدينة سابقاً. ومن هذه القنوات كانت القناة التي استحدثها الملك عباس الكبير، وكذلك قناة (خيابان) ألتي شقها الملك عباس الثاني. وكذلك بادر هؤلاء إلى إحداث المستودعات الضخمة لخزن المياه في فصل الشتاء ومياه الأمطار لغرض صرفها في الفصول الأُخرى، ومنها المستودع الذي أقيم في جانب المسجد الجامع الكبير أثناء سلطنة الملك الصفوي سليمان أي في عام 1093 هـ، وقد قام بإحداثة أحد شخصيات عصره ويدعى علي خان.
وكانت قزوين في زمن حكومة نادر (1148 -1160) وكريم خان زند (1163-1193هـ) تخضع لحكام يعينهم هؤلاء شخصياً، ومن الطبيعي لم تكن قزوين تعيش في هذه الفترة رونقها وازدارها السابقين لأنها كانت لا تزال تعيش تحت وطأة وتأثير انتقال العاصمة منها إلى أصفهان. ولم يكن الملك نادر شاه مهتماً بإعمار البلاد بسبب انشغاله بالحروب الداخلية والخارجية المستمرة. وكذلك كان كريم خان زند الذي اتخذ من شيراز مقرّاً لحكومته، حيث لم يهتم إلا بإعمار وبناء شيراز وحدها، ومن ثم لم تلق قزوين شيئاً من العناية في تلك الفترة، بل أخذت بناياتها وآثارها تتآكل وتتهدم لعدم وجود العناية بها، اللهم إلا في عام 1177 هـ حيث أقام المولى وردي خان مدرسة بجوار أحد المساجد الذي أنشأه بعض أجداده وهو الحاج سارو خان في عام 1065 وعرفت هذه المدرسة باسم مدرسة المولى وردي خان.
وعندما قضى محمد خان القاجاري على الدولة الزندية وقتل آخر أفراد العائلة الأفشارية في خراسان، واخذ العصاة والمتمردون يدخلون في طاعته بالتدريج، انتخب طهران عاصمة له، وحظت قزوين باهتمام خاص لموقعها المتميز، وكونها تقع على الطرق المؤدية إلى كيلان وآذربيجان وغرب إيران وكذلك للموقع التجاري الذي تتميز به، خصوصاً بعد إقامة العلاقات التجارية مع روسيا. وآية هذا الاهتمام تعيين الأمراء والمقربين من السلاطين حكاماً على هذه المدينة.
وتعزو مدام (ديولافوا) التي زارت المدية في شهر مارس من عام 1881 م (1299هـ)-ازهار وتطور قزوين إلى موقعها الجغرافي وتقول بأنها تقع في موضع يمر عبره العديد من القوافل الآتية من غرب وشمال البلاد، وكذلك كان الأوروبيون يسلكون طريق قزوين لكونه مناسباً للسفر في جميع الفصول، ولأجل إيجاد موضع لاستراحة السفراء الأجانب في سفرهم إلى طهران، أقام الملك فندقاً في قزوين لهذا الغرض.
ويذكر اللورد بأن قزوين تعتبر من المدن الكبيرة في إيران، ويقول بأنها أول مدينة إيرانية يدخلها الأجانب في حال قدومهم من روسيا وتأتي بعد رشت.
وكان الحكام القاجاريون يقيمون في قصور الصفويين، التي ظلت قائمة في عصرهم، وإذا ما احتاجت هذه القصور إلى ترميم وتعمير فإنهم كانوا يبادرون إلى القيام بذلك فمثلاً عمر سعد السلطنة حاكم قزوين بناية (جهل ستون) في عام 1312 هـ، بعد أن تآكلت (كما ينقل الميرزا فرهاد معتمد الدولة في كتاب هداية السبيل وكفاية الدليل)، وقد اختفت النقوش الجميلة لهذه البناية تحت طبقة من الجص، بعد هذه التعميرات وتستخدم اليوم كمتحف لقزوين.
وثمة بناية ذات طابق واحد، تعود إلى العصر القاجاري، وهي في مقابل بوابة (عالي قابو، ويُمر من خلالها للوصول إلى الساحة النادرية، وهي بستان كبير، يحتوي على بناية كبيرة وعالية في وسطه، ولا يعرف على وجه الدقة سبب انتسابها إلى نادر شاه، في حين يُعتقد أنها تعود إلى العصر الصفوي، وقد عمرت في العصر القاجاري ثم آلت إلى الخراب مرة ثانية حتى زالت تماماً، وثمة ساحة في شرق الساحة النادرية تسمى الساحة الركنية، ويبدو أنها من أبنية الأمير علي نقي الميرزا ركن الدولة، الذي كان آنذاك حاكماً لقزوين، وتوجد ساحة أُخرى في غرب الساحة النادرية، تسمى (حياط خورشيد)([199]).
وسار السلاطين القاجاريون على خطى أسلافهم الصفويين في إقامة الأبنية الدينية من المساجد والمدارس وأضرحة السادات والأولياء في قزوين، أو تعمير وترميم الأبينة الدينية الموجودة فيها. وعلى سبيل المثال نصب لوح من حجر المرمر على أحد اعمدة ممر الإيوان الجنوبي الذي يؤدي إلى المقصورة الخمارتاشية للمسجد الجامع الكبير، في عام 1238 هـ، وكتب عليها أمر فتح علي شاه بإعفاء المكان من الضرائب.
وفي عام 1251 أي في زمن سلطنة الملك محمد شاه القاجاري، عمد الميرزا ركن الدولة إلى ترميم البوابة الشرقية للمسجد الجامع الذي بني عام 1074 هـ.
وفي عامي 1312 و1313 قام باقر خان سعد السلطنة حاكم قزوين بإعادة بناء الإيوان الشمالي للمسجد الجامع الكبير وإحداث تغييرات فيه، وكان ذلك بأمر من الصدر الأعظم للملك ناصر الدين شاه الميرزا علي أصغر خان.
وفي زمن القاجاريين، بني العديد من الحجرات السكنية لطلاب العلوم الدينية في صحن مسجد الحيدرية، ولكنها آلت إلى الخراب بعد تركها، واقيم في مكانها أخيراً مدرسة ثانوية جديدة.
ومن أهم المساجد التي بنيت في قزوين خلال العصر القاجاري (مسجد شاه)، وينسب بناؤه على الملك إسماعيل والملك طهماسب الصفويين، ولكنه آلَ إلى خَرِبة بعد تركه، فأمر فتح علي شاه القاجاري بإعادة بنائه.
وثمة ثلاث بوابات لمسجد الشاه هي: –
- البوابة الشمالية، وهي بوابة جميلة ومزينة بالنقوش الجميلة وخطوط النستعليق، وقد كتبت بأمر فتح علي شاه القاجاري، ويشاهد رقم 2221 في آخر الكتابة ويظهر أن المقصود هو 1221.
- البوابة الغربية التي تنفتح على السوق النسائي، وهذه البوابة جميلة أيضاً وتحتوي عل نقوش وزخارف جميلة ويوجد رقم 1220 في أعلاها، يظهر أنه عام نصبها.
- البوابة الشرقية وهي صغيرة وتنفتح على زقاق، ويتصل هذا الزقاق بسوق سعد الدولة من الشمال وبسوق الوزير من الجنوب، وعلى واجهة هذه البوابة توجد نقوش وخطوط، ومعها رقم 221، ويبدو أنه 1221.
وساحة المسجد مربعة الشكل، وفي كل جانب منها ثمة إيوان عال. ويتصل الإيوان الجنوبي بمقصورة عالية ذات قبة عظيمة في أعلاها، وهي مغطاة بالفسيفساء ومبطنة بالخطوط والزخارف، ومنها الأحاديث والآيات التي كتبت بخط النسخ، وفي آخراها رقم 1220.
ومن المدارس التي بنيت في قزوين أثناء العصر القاجاري، مدرسة سردار الواقعة في محلة قملاق وهي من المدارس الجميلة في المدينة، وقد شيدها في عام 1231 هـ الأخوان حسن خان وحسين خان، وهما من قواد فتح علي شاه القاجاري. وتتكون المدرسة من طابقين للدراسة وسكن طلاب العلوم الدينية. ويتصل بها من الجنوب مسجد ذو قبة مخروطية مزينة بالكاشي الفيروزي اللون، وتعتليها قطعة ذهبية يبلغ طولها المتر لتحديد جهة القبلة.
وكما ذكرنا آنفاً، فإن السلاطين القاجاريين كانوا يجارون الملوك الصفويين في إحداث المباني الدينية، ومنها اضرحة أبناء الأئمة. ويسعون لتعميرها وترميمها، فمثلاً أعاد سعد السلطنة في عام 1306 هـ بناء بوابة الأمير حسين، التي بنتها زينت بيكم أخت الملك طهماسب الأول الصفوي. وفي عام 1293 هـ قام الحاج محمد باقر الأميني بتزيين إيوان المقبرة الكبير المقابل للبوابة بألواح الزجاج.
وقد بنيت في قزوين أثناء العصر القاجاري عدة قاعات وإيونات، على يد بعض الناس، وغالباً ما كانت تزين بالزجاج والزخارف، وتزود بالأبواب والأطر الجميلة، ومنها حسينية الأمينيين التي بناها المرحوم الحاج محمد رضا الأميني في حدود عام 1275 هـ، وتقع بالقرب من شارع مولوي، وتعد اليوم من الآثار التاريخية لقزوين وكذلك بيت السيد التقوي الواقع في شارع (سبه) حيث يحتوي على الأبواب العالية والزخارف الجميلة والأطر النفيسة، وثمة آثار أُخرى في قزوين من هذا القبيل، ولكنها في طريقها إلى الخراب بسبب عدم وجود من يعتني بها.
واستمر العمل بمخازن المياه في زمن القاجاريين كما كان عليه الأمر من قبل، حيث كان الخيرون يبادرون إلى إقامة هذه المخازن والمستودعات لسد حاجات أهالي محلات المدينة، واكثر هذه المخازن شهرة هو مخزن سردار الواقع في محلة (ره ري)، وهو من بناء نفس الأخوين الآنف ذكرهما وهما حسن خان وحسين خان من قواد فتح علي شاه، وقد تمّ بناؤه في عام 1227هـ، ويحتوي على سلم ذي 48 درجة وتعتليه قبة كبيرة. وأقام هذان الأخوان مخزناً آخر للمياه في محلة قملاق مقابل مدرسة سردار في عام 1229 ويحتوي على سلم ذي 37 درجة. وفي عام 1244 هـ أقام الحاج الميرزا حكيم مخزناً للمياه في محلة (راه جمان) ويحتوي على سلم ذي 36 درجة، وفي سنة 1256 هـ، أنشاء الحاج كاظم كوزة كر مستودعاً للمياه ذا 40 درجة، وهو من أكبر مستودعات المياه في قزوين.
وأما المخازن الأُخرى التي أقيمت في قزوين آنذاك فهي مخزن مياه بنجه علي الذي يتصل بمسجد ومدرسة بنجة علي، وقد بناه الحاج رمضان في عام 1224- مخزن جاج بابا في محلة قملاق وقد بناه الحاج بابا شيشه كر في عام 1235- مخزن الحاج ملا آقا في محلة (كو سفند ميدان)، وقد بناه الحاج حسين قي عام 1206 هـ- مخزن مياه (زركر كوجه)، وقد تمّ بناؤه من أموال الحاج فتح علي بعد وفاته عام 1245 هـ.
سور المدينة وبواباتها
أحيطت قزوين بسور منذ بداية وجودها، في سبيل صدّ هجمات الديلم، وكان هذا السور يعمر على ايدي السلاطين والأمراء والشخصيات كلما دب به الخراب أو انهدم، وقد ذكرنا آنفاً أن هارون الرشيد أمر ببناء سور حول المدينة، خلال زيارته لها، ولكن هذا السور لم يكتمل بسبب وفاته في عام 193 هـ، ثم أكمله موسى بن بوقا في عام 254 هـ. وعندما أقام وزير فخر الدولة الديلمي الصاحب بن عباد في قزوين عام 373 هـ، باشر بتعمير سورها، ثم تعرض هذا السور للخراب في عام 410 أثر الخلافات التي نشبت بين سالار إبراهيم الديلمي وأهالي قزوين، فعمره الشريف أبو علي الجعفري بعد عام من خرابه، وفي عام 572هـ رمم مرة أُخرى على يد إمام الدين بابويه الرافعي، بناء على رغبة وزير السلطان إرسلان السلجوقي صدر الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المراغي.
وفي زمن المغول خرب هذا السور تماما، وظل على خرابه حتى زمن الصفويين، بحيث يذكر تافرنيه Tavernier الذي مرّ بقزوين عام 1042 هـ وشاردن Chardin الذي مرّ بها عام 1084،أن ليس ثمة سور يحيط بهذه المدينة، وفي زمن فتح علي شاه، بُدئ بتعمير السور ولكنه لم يكن ذا أساس متين، فما لبث أن انهدم مرة أُخرى، ولم يبق منه اليوم إلا بعض الآثار البسيطة في جنوب وشرق المدينة.
ومن البوابات الثماني التي تحيط بالمدينة، ثمة خمس منها جميلة ومزينة بالكاشي الملون، ويشير اللورد كرزن إلى ذلك في كتابه (إيران ومسألة إيران) ولم يبق في هذا الوقت الراهن من هذا البوابات إلا اثنتان، إحداهما بوابة كوشك التي تقع في شمال المدينة وقد تمّ تزيينها في عام 1296 هـ من قبل الأمير عضد الدولة حاكم قزوينن والأُخرى بوابة (راه ري)، وقد أعيد تزيينها بالكاشي في عام 1347 هجري شمسي بواسطة إدارة الثقافة والفن في قزوين.
وقد تربى في قزوين العديد من العلماء مثل ابن ماجه والخواجه الإمام أبن القاسم الرافعي صاحب كتاب التدوين في أخبار قزوين، ونجم الدين دبيران (علي بن عمر بن علي أبي الحسن الكاتبي القزويني) وعبيد الزاكاني والإمام زكريا القزويني وحمد الله المستوفي وغيرهم، والقبر الوحيد الذي أقيمت فوقه قبة هو قبر حمد الله المستوفي الموجود في محلة (بنبه ريسه) وتعرف القبة باسم (قبة دراز)، وهي على شكل مخروط تنتصب على شكل إسطواني، مكعب في أسفله.
وتنقسم قزوين في السابق إلى 18 محلة، وهي كالآتي([200]).
- محلة آخوندا وبندرخت
- محلة بائين
- محلة درب كوشك
- محلة ديمة أو ديمج
- محلة بلاغي
- محلة تنور سازان
- محلة خيابان
- محلة راه ري
- محلة قملاق
- محلة سلة شريحان أو زقاق شريحان
- محلة شيخ آباد أو ساولان
- محلة كوسفند ميدان أو قويميدان
- محلة مغلاول أو مغلاوك
- محلة بنيه ريسه
- محلة خندق بار
- محلة دباغان
- محلة راه جمان
ومن هذه المحلات، تقع محلة (راه جمان) التي كانت تعرف سابقاً بصامغان في شرق المدينة ومحلة (بنبه ريسه) في الشمال الشرقي ومحلة (درب كوشك) في الشمال وشيخ آباد في الشمال الغربي و(كوسفند ميدان) و(ديمج) و(قملاق) في الغرب و(مغلاوك) في الجنوب الغربي و(خندق بار) في الجنوب و(راه ري) في الجنوب والجنوب الشرقي وتقع بقية المحلات فيما بين ذلك.
وتبعد مدينة قزوين عن طهران 140 كم، وعن رشت 187 كم وعن زنجان 174 كم وعن همذان 299كم.
قضاء قزوين
ونواحيها وقراها
كما ذكرنا آنفاً، فإن قزوين تقع في سهل سفوح جبال ألبرز من الشمال ورامند من الجنوب، وتفصلها هذه الجبال عن زنجان ويتصل سهل قزوين من الشرق بسهل الري.
وعندما أصبحت قزوين مركزاً للحكام المسلمين أخذت تتوسع باضطراد. وضم هارون الرشيد إليها قرى بشارياق وقسم من دشتبي التي كانت تابعة لهمدان وكذلك ناحية أبهر رود من قرى كوهباية وقسم من قاقزان الذي كان تابعاً لأبهرز وحينما باشر موسى بن بوقا في زمن المعتز بالله العباسي بإنشاء سور للمدينة جلب إليها الناس من أطرافها وأسكنهم في محلاتها، فأضحت مدينة كبيرة، وعمد كذلك إلى فصل ناحية زهرا وكوهباية من الري وخرقانين وخر رود السفلى من همذان وطالقان وناحية سفح وقصر البراذين ووادي فشكل من الديلم وألحقها جميعاً بقزوين، وعندما اختلف حكام هذه الولايات على تقسيم هذه النواحي، قام أبو مالك بن حنظلة بن خالد التميمي الذي كان ساكناً في قزوين آنذاك ويحظى باحترام الخلفاء بالوساطة من أجل رد قهباية (كوهباية) إلى الري وخرقانين إلى همذان وإبقاء النواحي الأُخرى تابعة لقزوين.
وفي زمن حكومة الجعفريين دخلت أبهر وزنجان وطارمين ورودبار الديلم وخركام ورحمت آباد وفستجان وسجاس وسهر رود ودر آباد وكاغد كنان ومزدقان ضمن الأراضي التابعة لقزوين، فتوسعت بذلك كثيراً. وعندما آل الحكم إلى الافتخاريين في زمن المغول، أضيفت ساوه وآواه وزراره وجهرود إلى قزوين وأصبحت تدعى مقاطعة([201]).
وقد حدثت تغييرات في حدود قزوين في الفترة التي تلت العصر المغولي حتى العهد الصفوي، وحين أصبحت أكثر المناطق الجبلية الواقعة في شمال قزوين، مثل طالقان وألموت ورودبار وديلمان وطارم خاضعة لحكام كيلان ومازندران. ثم استعادت دورها وأهميتها خلال العصر الصفوي، حينما أضحت عاصمة لإيران ومدينة رئيسية من مدنها، حتى كان العصر القاجاري وزمن المشروطة، فتشاطرت المدن المجاورة لقزوين أجزاء منها، فمثلاً ألحقت طالقان بطهران وأبهر وسجاس وقسم من خرقان بخمسة وزنجان وقسمت طارم إلى جزأين، طارم السفلى وطارم العليا، وألحقت الأولى بقزوين بينما ألحقت الثانية بزنجان.
ويوجد الآن ما يقارب الأربع عشرة ناحية وهي كالآتي:
- ناحية اقبال: وتتوزع قراها في ضواحي قزوين وحتى مسافة عشرة كيلو مترات عنها، وليس فيها أثر تاريخي يستحق الذكر، إلا مقام السيد دربارجين الذي يعتقد أنه من أبناء الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وكذلك مرقد السيد يعقوب في شفيع آباد.
- ناحية قاقزان([202]): وهي من النواحي القديمة في قزوين، وقد ورد ذكرها مراراً في التاريخ، وتقع في غرب قزوين، وتقع بعض قراها في سفح الجبل، وتقع بعض المضائق الجبيلة مثل كوهين وخيزران في هذه الناحية. وتعتبر كوهين مركزاً لها وهي تبعد عن قزوين 32كم، في الجهة الغربية منها، وبالتحديد على الطريق الممتد بين رشت وقزوين. وتشكل ناحية قاقزان وناحية دودانكة مركز خياء آباد.
ومن الأبنية التاريخية لهذه الناحية، مرقدان في قرى مهين وحيدرية، ومرقد آخر باسم كوران في داغلان ومرقد إسماعيل بن موسى بن جعفر في طرزكش ومرقد نحيب الدين في دودهة. وبالإضافة إلى ذلك ثمة جسر آجري على نهر أبهر وهو من أبنية الملك عباس الكبير ويقع عى جانب قرية حيدرية ولا يزال موجوداً إلى الآن.
وتوجد في هذه الناحية آثار لتلال تاريخية، وقد عثر فيها على بعض الآثار التاريخية، وربما أمكن الحصول على آثار أثمن من ذلك لو أجريت بعض الحفريات العلمية فيها.
- طارم السفلى- كانت طارم في الماضي ناحية مهمة وتحكمها آنذاك سلالة من الديلم، تسمى آل مسافر، واستمر حكمهم فيها حتى أواسط القرن الرابع الهجري، ثم قسمت طارم إلى قسمين، وألحقت طارم السفلى بقزوين ومركزها سيروان، وهي مركز آل مسافر وكانت تعرف أنذاك باسم شميران. ويقع مضيق ملا علي الجبلي- الواقع على الطريق الممتدة بين قزوين ورشت- في هذه الناحية.
ومن الآثار القديمة لهذه الناحية، ثمة أطلال لأبنية تعرف باسم (شاه باغي) وهي بالقرب من قرية (اليتن كش)، وبالإضافة إلى ذلك توجد آثار خربة، تقع في أطراف مزرعة قوشجي وهي من توابع كورخانه.
- خرقان: وتقع في جنوب غرب قزوين، على الطريق الممتدة بينها وبين همذان.
وخرقان ناحية جبلية، تتألف من شطرين خرقان الشرقية وخرقان الغريبة، ويقع مضيق آوه الجبلي المعروف في هذه الناحية. ومركز ناحية خرقان وكذلك مركز خرقان الغربية هو قصبة آوه التي تبعد عن قزوين 110 كم إلى الجنوب منها، وبالتحديد على الطريق الترابية لقزوين- همذان. وكانت في آوه خلال فترة حكم الملك عباس الكبير، العديد من الفنادق. وأما مركز خرقان الشرقية فهو كلنجين.
وتوجد في خرقان مقبرتان على شكل برجين، وترجعان إلى العهد السلجوقي، والمقبرة الأولى ثمانية الأضلاع من الآجر الملون والمزخرف وتعتليها قبة آجرية ذات طبقتين، وتحتوي في داخلها على زخارف جميلة من الجص، ويبلغ ارتفاع هذه المقبرة حوالي 15م وقطرها 11م ووفقاً للخط الكوفي الذي ثبت في داخلها، فإن الفراغ من بنائها كان في عام 460هـ، وأما المقبرة الثانية، فتبعد عن الأولى بثلاثين متراً وتشبهها بطراز بنائها وزخارفها، ويعود تاريخ بنائها إلى 486هـ وفقاً لما ثبت على جدرانها بالخط الكوفي. وتحتوي هذه المقبرة على زخارف وخطوط جصية أيضاً، وتحتوي على سلم لولبي حيث يرتبط سطح المقبرة بالأرض الخالية الواقعة بين المقبرتين.
- دودانكه: وتقع هذه الناحية في جنوب غرب قزوين أيضاً، ومن قصباتها المعروفة، قصبة ضياء آباد التي تعتبر مركز هذه الناحية وجزء منها ومن قاقزان. ويوجد في هذه القصبة مرقدان، هما مرقد السيد كمال بن موسى بن جعفر ومرقد السيد ولي. ويوجد مرقد لسيد يدعى عبد الله وآخر لفضل الله في قرية فارسجين التي تعتبر من القرى المهمة في هذه الناحية، ويتخذ الناس من هذه المراقد مزارت. وتمر عبر هذه الناحية الطرق الموصلة إلى قزوين- همدان، وقزوين- زنجان، وكذلك تمر بمحاذاتها السكك الحديد بين طهران وتبريز.
- ناحية أفشارية: وتقع في جنوب غرب قزوين. ويوجد في قرية حصار، إحدى قرى هذه الناحية، فندق يعود إلى زمن الملك عباس الكبير، ولا يزال إلى الآن يستفاد منه. ومن المراقد المعروفة الموجودة فيها، مرقد العلوية صفية والسيد إبراهيم في قرية تبريزك ومرقد السيد بيغمبر في قرية شنستق العليا ومرقد السيد علي الأكبر والعلوية حليمة خاتون في جعفر آباد فتح علي خاني. ويمر طريق قزوين – همدان عبر هذه الناحية.
- ناحية رامند – وتقع في جنوب قزوين، وتشكل هذه الناحية ومعها نواحي زهراء ودشتبي، ناحية أكبر، ومركزها قصبة بوئين وهي إحداء قصبات ناحية زهراء. وتفصل سلسلة جبال رامند بين هذه الناحية وبين ناحية خرقان الشرقية، ومركز رامند هو قصبة تاكستان التي كانت تسمى سابقاً (سياه دهن)، وتقع على بعد 34كم إلى الجنوب الغربي من قزوين ويمر عبرها الطريق الموصلة لقزوين – زنجان وقزوين همذان وتمر بجوارها السكك الحديد الممتدة بين طهران وتبريز، ويوجد في ناحية رامند العديد من التلال التاريخية التي لم تجر فيها لحد الآن حفريات علمية. ولأكثر قرى هذه الناحية سابقة تاريخية، وقد ورد ذكرها في الكتب التاريخية.
- ناحية دشتبي، ودشتبي مخفف عن اسم (دشت آبي)([203])، وقد أسماها العرب دستبي.
ودشتبي هي من النواحي القديمة لقزوين، ويبدو أنها كانت مركزاً للسكن والحكم قبل ان تصبح قزوين مدينة، حيث يقول ابن الفقيه: «…وعندما سار البراء بن عازب لقتال الديلم (عام 24هـ) كانت معركته التي سبقت ذلك في دشتبي.
ويذكر الرافعي في التدوين بأن دشتبي وقاقزان، فتحتا في زمن عمر على يد عروة بن زيد الخيل الطائي. وصار أهل دشتبي يدفعون الخراج لعدم قبولهم الإسلام، بينما دفع أهل قاقزان العشر لقبولهم الإسلام. ثم قسمت دشتبي بين الري وهمذان وألحق قسم منها بقزوين، حتى جاء موسى بن بوقا، فألحق دشتبي بالري وهمذان بقزوين([204]). ومركز دشبتي هو قصبة أرداق على بعد 25كم إلى الجنوب الغربي من قزوين.
- ناحية زهراء: تقع هذه الناحية في جنوب قزوين وتشكل مع رامند ودشتبي ناحية أكبر. ومركز هذه الناحية الأخيرة وناحية زهراء هو قصبة بوئين. وليس هناك أبنية تاريخية تستحق الذكر في هذه الناحية.
- ناحية بشاريات: وتقع في الجنوب الشرقي من قزوين وهي من النواحي القديمة لقزوين، وينقل حمد الله المتسوفي، بأن هارون الرشيد عندما زار قزوين وعزم على جعلها مدينة، ضم اليها بشاريات وقسم من دشتبي وناحية أبهر وبعض من قاقزان التي كانت تابعة إلى أبهر([205]). وتوجد في هذه الناحية بعض الآثار التاريخية التي ترجع إلى العهد الصفوي والعهد القاجاري، وتقع هذه الناحية على الطريق بين قزوين والري.
- ناحية بشكل دره: وتقع في شمال شرق قزوين، وتشكل الجبال جزءاً منها، ويقع مضيق زياران الجبلي المعروف ضمنها ومركز هذه الناحية هو (آبيك) الذي يقع على الطريق المؤدية إلى الطالقان وعلى بعد 45كم إلى الشرق من قزوين و98كم غرب طهران، ويتألف من ثلاثة أقسام آبيك السفلى وآبيك الوسطى وآبيك العليا، وتقع آبيك السفلى على الطريق الموصلة لقزوين – طهران.
وفشكل هي معربة عن بشكل، وقد وردت في كتب التاريخ بعدة صور مثل: بشكله وبسكله وبسكله دز وفسيكر وبسكر([206]). ويذكر حمد الله المستوفي أن بشكل دره هي أحد الأوقاف الخاصة بالمسجد الجامع في قزوين ويذكر بأن المغول استولوا عليها([207]).
- ناحية كوه بايه: وتقع كوه بايه أو قهباية في الشمال الشرقي لقزوين ومركزها هو آش نستان. وتقع أكثر قرى هذه الناحية في سفح الجبل، ومن الجبال المعروفة في هذا الناحية، جبل (أله تر). وثمة مراقد لبعض السادة في هذه الناحية، ومنها مرقد أويس الذي يتعرض حمد الله المستوفي لذكره في كتابه نزهت القلوب)، ويقع في قرية (الولك) ويسمى بالسلطان أويس أو السلطان ويس أو السلطان قيس.
- ناحية ألموت: كان اسم ألموت يتعلق بقلعة معروفة سابقاً، وهو اليوم يطلق على هذه الناحية، ويتركب اسم ألموت من جزأين أله وآموت، وأله يعني العقاب وآموت مخففة عن (أموخت)([208]) ، ويذكر أبن الأثير بأن كلمة آلموت تعني بلسان الديلم: تعليم العقاب([209]). ويذكر زكريا القزويني في آثار البلاد ان سبب تسمية هذا المكان بألموت هو: أطلق أحد الملوك خلال صيده عقاباً فلجأ إلى جبل مشرف على الأرض المحيطة به، فتبعه الملك وأتى إلى الجبل، فرأى عظمته وشموخه، فبنى فيه قلعة وأسماها ألموت، لان العقاب هو الذي علمه، وينقل صاحب (مرآت البلدان ناصري) عين هذا الرأي في كتابه هذا.
ويذكر حمد الله المستوفي([210]) أن هذه القلعة بنيت على يد الداعي الحسن بن زيد العلوي عام 252هـ في زمن خلافة الخليفة العباسي المتوكل، ولكن عطا ملك الجويني ينسب بناءها لأحد ملوك آل جستان في عام 246هـ([211]). وكان أسفار بن شيرويه الديلمي يحتفظ بخزائنه في هذه القلعة لفترة من الزمن([212]). وبعد مقتل أسفار آلت القلعة في عام 321 إلى مرداويج وظلت تحت سيطرته إلى حين، حتى استولى حسن ركن الدولة على الحكم في العراق، فأوكل الحكم في الري وهمذان وقزوين وأبهر وزنجان وساوه وآوه وقسم من كردستان إلى فخر الدولة، ومن ثم خضعت قلعة ألموت لحكمه.
وعندما استولى السلاجقة على عراق العجم، أصبحت قلعة ألموت خاضعة لحكامهم، وكان العلوي المهدي حاكماً عليها من قبل ملكشاه قبل أن يستولي عليها حسن الصباح ويطرده منها، ثم يسلم قيمتها التي بلغت ثلاثة آلاف دينار من الذهب إلى الرئيس المظفر المستوفي حاكم كردكوه في دامغان([213]). وقد سيطر حسن الصباح على هذه القلعة في ليلة الأربعاء، السادس من رجب عام 483 وظل خلفاؤه يتوارثون الحكم فيها حتى عام 654هـ، حيث استولى هولاكوخان عليها في تلك السنة. وقد فشلت جميع محاولات السلاطين السلاجقة والخوارزمشاهيين في السيطرة عليها وعلى القلاع الأخرى قبل ذلك.
وتقع قلعة ألموت على الحاشية الجنوبية لجبل هودكان وعلى قاعدة صخرية، ذات منحدرات عميقة وعظيمة وليس للقلعة أي منفذ إلا من الجانب الشمال-الشرقي.
وقد وصل هولاكوخان في أواسط شوال عام 654هـ إلى ميمون دز عن طريق دره وطالقان، وكانت ميمون دز مقر ركن الدين خورشاه آخر زعماء الإسماعيليين، وحاصرها رغم كون الفصل شتاء فاضظر ركن الدين خورشاه الى الاستسلام ونزل من قلعته، إلاّ أن سكان القلعة رفضوا الاستسلام حتى أقنعهم ركن الدين خورشاه بذلك، وفي أثناء ذلك طلب عطا ملك الجويني الإذن من هولاكو بالدخول إلى مكتبة الإسماعيليين، فطالع كتبهم التي جمعوها خلال فترات متمادية من الزمن ثم جمع المصاحف ونفائس الكتب وأحرق الباقي([214])، ويتحدث مؤلف (جهان كشا) عن بناء ميمون دز فيقول: عندما بلغ شأن الإسماعيليين أوجه، أمر علاء الدين – أبو ركن الدين خورشاه – أركان دولته بالسعي لاختيار موضع مناسب لبناء قلعة، فاستغرق بحثهم مدة 12سنة حتى وقع اختيارهم على ذلك الجبل، حيث تنبع في قمته المياه وتنبع عينان أو ثلاثة في نواح أُخرى منه، فبنى عليه قلعة ميمون دز، وأقام جدرانها من الحجر والجص واستحدث خندقاً حولها بطول فرسخ وأجرى فيه الماء([215]).
ثم آلت قلعة ألموت بعد انقراض المغول إلى حكام مازندران وكيلان، حتى جاءت الدولة الصفوية واتخذت من قزوين عاصمة لها، وأصبحت هذه القلعة حينئذ سجناً للمجرمين والمذنبين، وبعد أن انتقلت العاصمة إلى أصفهان، تركت هذه القلعة حتى آلت إلى الخراب بالتدريج.
وتقع ناحية ألموت في منطقة جبلية وواد عميق ضيق، وهي في وسط سلسلتين جبليتين يمتدان من الشرق إلى الجنوب الغربي، حتى تصل بالتدريج إلى وادي شاهرود. وتشكل قمة ألبرز في شرق ألموت الحد الفاصل بين طالقان وتنكابن وألموت، وتقع في هذه الناحية مضائق سلمبار على ارتفاع 3387م وآلوجشمه على ارتفاع 2440م وهما على الطريق بين قزوين وتنكابن، ويستمر هذا الطريق بعد المضائق حتى يصل وادي (سه هزار) ثم حرم آباد وشهسوار.
وتنقسم ناحية ألموت على أربع مناطق: –
(1) ناحية آتان (2) ناحية أندج رود (3) ناحية بالارود، (4) ناحية فيشان.
وتعبتر كازرخان مركز ناحية ألموت وهي جزء من منطقة أتان ومن القرى المعروفة في ألموت قرية شهرك وهي جزء من منطقة أندج رود، وتقع على بعد 12كم من ملتقى نهر ألموت بنهر طالقان، وبالتحديد إلى الشمال من نهر ألموت. وكانت قرية شهرك هذه – وهي غير قرية شهرك الواقعة في طالقان- قبل الإسلام وبعده مركزاً لأمراء وحكام الديلم، ثم وقعت بيد الإسماعيليين، وأقام علاء الدين محمد إسماعيل فيها بستاناً وقصراً، وحينما قدم هولاكو لاحتلال قلاع الإسماعيليين، ومكث في (شهرك) 9 أيام وأقام فيها الاحتفالات والأفراح ثم تحرك صوب قلعة ألموت([216]).
- ناحية رودبار: وتقع هذه الناحية في شمال قزوين ايضاً، وكانت في السابق تشكل مع ألموت ناحية واحدة، وتشكل الاثنتان في الوقت الحاضر ناحية أكبر، مركزها قصبة معلم كلايه التي تقع في رودبار، وتُميَّز رودبار هذه عن رودبار كيلان باسم رودبار شاهرود.
وعندما يلتقي فرعا نهر شاهرود، نهر ألموت وطالقان، فإنهما يجريان وسط هذه الناحية، ثم عبر (بلوك عمارلو) حتى يصبان في بحيرة واقعة خلف سد (سفيد رود) بالقرب من منجيل.
وتتكون رودبار شاهرود من خمس مناطق، وهي:
(1) منطقة رشكين بره (2) منطقة كاتوبر (3) منطقة لأله بشم العليا (4) منطقة لأله بشم السفلى (5) منطقة نينه رود.
وتقع قلعة لمبسر – وهي إحدى القلاع المهمة للإسماعيليين – في هذه الناحية بالقرب من قرية رازميان، وتعتبر هذه القلعة أهم قلاع الإسماعيليين بعد قلعة ألموت، وقد استولى عليها كيا بزرك أميد – الذي أصبح فيما بعد خليفة لحسن الصباح – في ليلة الأربعاء، العشرين من ذي القعدة عام 495هـ([217]). وسعى هذا الشخص في تقويتها واختار الإقامة فيها، حتى استدعاه حسن الصباح بعد عشرين سنة وعينه خليفة له([218]). وقد حاول السلاجقة الاستيلاء على هذه القلعة مراراً، ولكن دون جدوى، وفي هذه القلعة قتل من يطلق عليه الإسماعيليون (حسن على ذكره السلام)، خليفة كيا محمد بن بزرك أميد (557 – 561هـ) على يد اخي زوجته حسن بن نام آور.
وعندما أخضع هولاكوخان ركن الدين خورشاه لطاعته وهدم ميمون دز، عزم على احتلال هذه القلعة (لمبسر)، طلب من ركن الدين خورشاه الذي كان أسيره أن يخضع أهل القلعة لطاعته ولكن هؤلاء رفضوا، فارسل هولاكو أحد قادته – ويدعى طاير بوقا– لمحاصرتها وذهب هو إلى قزوين في 16 ذي الحجة عام 654هـ، ثم خضعت هذه القلعة لسيطرة المغول بعد عام بسبب بروز الخلافات بين سكانها.
وأصبحت رودبار وألموت واحياناً قزوين خاضعة لحكم آل كيا وحكام كيلان بعد انقراض دولة الأيلخانيين، وكان يستفاد من قلاع هذه المناطق ومنها قلغة لمبسر في الحروب التي تحدث آنذاك.
وفي عام 955هـ أصبحت قزوين عاصمة للصفويين على يد الملك طهماسب، ووقعت كيلان بيد الصفويين أيضاً، وانتهى الحكم في هذه النواحي وأصبحت جميع الجبال الواقعة في شمال قزوين خاضعة لسيطرة الصفويين.
وفي عام 955هـ أصبحت قزوين عاصمة للصفويين على يد الملك طهماسب، ووقعت كيلان بيد الصفويين أيضاً، وانتهى الحكم في هذه النواحي وأصبحت جميع الجبال الواقعة في شمال قزوين خاضعة لسيطرة الصفويين.
وأما رودبار فهي منطقة جبلية، ويقع جبل تحت سليمان المعروف في شمار رودبار وجنوب ديلمان ويبلغ ارتفاعه 4400م، وتقع في رودبار عدة مضائق جبلية مهمة، ومنها مضيق دندانه ومضيق أحمد خاني الواقعان على الطريق الممتدة بين قزوين ولنكرود، ويقع مضيق خرزان الجبلي على الطريق القديمة الممتدة بين قزوين ورشت.
وفي رودبار العديد من المراقد والأضرحة التي يتخذ منها الناس أماكن لزياراتهم.
ويذكر حمد الله المتسوفي ان في رودبار وألموت ما يقارب الخمسين قلعة. ويذكر صاحب كتاب (جهان كشا): عندما نزل ركن الدين خورشاه من قلعته، صدرت الأوامر بتخريب أربعين قلعة ولم يستثن إلا قلعة ألموت ولمبسر([219]).
ومركز ناحية رودبار هو (مُعلم كلايه) الذي هو في نفس الوقت مركز لناحية أُخرى أكبر منها
د.حسين قلي سته
من قزوين انطلق رضا بهلوي إلى العرش
من أهم الأحداث في تاريخ قزوين أن منها انطلق رضا بهلوي من ضابط وصولاً إلى عرش إيران، ما نجمله فيما يلي:
رضا شاه بهلوي بن عباس قلي خان سوادكوهي المشهور بداداش بيك([220]).
ولد سنة 1256 هـ ش في قصبة «آلاشت» من توابع «سوادكوه» مازندران.
بدأ أمره جندياً في فوج «سوادكوه». وفي الثانية والعشرين من عمره دخل في كتيبة «القوزاق»([221]) وظل يترقى في مناصبها مؤدياً بعض المهام في بعض المدن إلى أن أصبح في سنة 1294 هـ. ش رئيساً لفوج قوازق همذان.
وفي الثالث من شهر إسفند([222]) سنة 1299 هـ.ش قام هو والصحفي السيد «ضياء الدين الطباطبائي» بانقلاب عسكري تاريخي زحفا فيه من قزوين إلى طهران، أصبح بعده قائداً للجيش ورئيساً لكل كتيبة القوزاق.
ثم صار وزيراً للحربية في أول وزارة تشكلت بعد الإنقلاب. وظل في هذا المنصب ثلاث وزارات جاءت بعدها، إلى 26 خرداد([223]) سنة 1302 هـ.ش.
وفي 16 آبان([224]) سنة 1302 هـ.ش. أصبح رئيساً للوزراء وظلت بيده وزارة الحربية. وبقي في هذا المنصب إلى 17 مرداد([225]) سنة 1304 هـ.ش.
وفي 5 آذر([226]) من تلك السنة استطاع أن يحمل الجمعية التأسيسية على اختياره ملكاً على إيران وخلع «أحمد شاه قاجار». وبذلك انتهى عهد الأسرة القاجارية الملكي، وبدأ عهد الأسرة البهلوية. وفي 25 آذر سنة 1304هـ.ش. تولى مهام العرش وفي 4 أرديبهشت([227]) سنة 1305 هـ.ش. تُوج ملكاً.
وفي أوائل الحرب الكونية الثانية اتفقت إنكلترا وروسيا على احتلال إيران نظراً لأهميتها الاستراتيجية. فدخلت إليها روسيا من الشمال وإنكلترا من الجنوب في الثالث من شهر يور([228]) سنة 1320 هـ.ش. وأقالوا «رضا شاه» من منصبه، إذ كان هواه مع أعدائهم النازيين الألمان. وذلك في 25 أرديبهشت سنة 1320. وأحلوا ابنه ولي عهده «محمد رضا» في محله. وغادر طهران في ذلك اليوم نفسه.
وفي الخامس من شهر مهر([229]) سنة 1320 هـ.ش. أبحر من مرفأ «بندر عباس» على باخرة إنكليزية مع أبنائه وزوجته إلى منفاه في جزيرة موريشس. ثم نقل منها إلى مدينة «يوهانسبورغ» في إفريقيا الجنوبية. وفيها توفي في الرابع من شهر مرداد سنة 1323 هـ.ش. (1944م). ونقل جثمانه منها إلى القاهرة فدفن في مسجد الرفاعي. ثم نقل من القاهرة إلى طهران فوصلها في 17 أرديبهشت سنة 1332 هـ.ش. سنة (1950م) ودفن عند مقام عبد العظيم الحسني في ضاحية طهران. وكانت مدة ملكه ستة عشر عاماً.
كان الإنقلاب الذي قام به الضابط القوزاقي «رضا خان» الذي أصبح في ما بعد ملكاً على إيران باسم «رضا شاه بهلوي» حدثاً على جانب عظيم من الأهمية في تاريخ إيران. وهذا ملخص عن ملابساته ووقائعه:
في سنة 1919 كان كل ما لدى ايران من قوى عسكرية: ثمانية آلاف جندي من القوزاق([230]) وثمانية آلاف وأربعمائة جندي من الدرك.
وقد أراد الإنكليز سنة 1920 انتزاع قيادة القوزاق من يد الروس الذين ظلوا على قيادتها بالرغم من انقطاع صلتها بروسيا بعد الانقلاب البلشفي، وإنشاء قوة عسكرية محلية موحدة تسند قيادتها إلى الإنكليز وتكون دعامة حكومة إيرانية قوية موالية لهم تبسط سيطرتها على جميع نواحي البلاد وتقف سداً في وجه المد البلشفي. وبعد الاطمئنان إلى تمكن هذه التدابير تجلو العساكر البريطانية عن إيران. وكان عدد الجيش الإنكليزي المقيم في إيران ستة آلاف جندي منتشرين فرقاً في الشمال.
ذهب «الجنرال آيرن سايد» في الثاني من تشرين الثاني سنة 1920م إلى «آق بابا» حيث يعسكر القوزاق، وأحاط معسكرهم بقسم من جنوده مسلحين بالرشاشات. فعل ذلك لا بقصد المحاربة بل من باب الاحتياط خوفاً من وقوع حوادث ليست في الحسبان. ثم دخل المعسكر ومعه «الكولونيل كاظم خان» أحد ضباط الدرك. وطلب مقابلة كبار ضباط القوزاق لمباحثتهم في أمور مهمة.
فلما حضروا عرض عليهم على شكل اقتراح في الظاهر ما كان أمراً مقرراً في الواقع. وكان «كاظم خان» يترجم كلامه إلى الفارسية. قال «جئت أبلغكم أننا ننوي مساعدتكم بعزل الضباط الروس المستخدمين عند الدولة وإحلال ضباط إنكليز في محلهم يقومون بإنشاء تشكيلات عسكرية منظمة، وتوفير كل وسائل الراحة والقوة اللازمة لكم. ومن أجل ذلك لا بد من نزع سلاح القوزاق الإيراني مؤقتاً ريثما يصل المدربون الإنكليز ويتسلمون مهمتهم ويعاد تشكيل القوزاق على نحو جديد.
فسكت الضابط القوزاقيون ولم يجيبوا بشيء إلا أن العقيد «رضا خان» قطع هذا السكوت وأجاب بجرأة متناهية ونبرة جهورية قائلاً: نحن قوزاق صاحب الجلالة الشاهانية وخدام دولة إيران. وفي كل الأمور لا نطيع غير الأوامر التي تصدر إلينا من الحكومة المركزية. ولذلك لا نستطيع الرد على اقتراحكم بالِإيجاب. فإن يكن عندكم اقتراح أو مطلب فاعرضوه على الحكومة المركزية فإن وافقت عليه أمرتنا به فأطعناه. أما الآن فلا نستطيع قبول شيء من أوامركم وهي تعرض علينا بهذه الكيفية.
وعندئذ اتخذ الجنرال «آيرن سايد» مظهراً ودياً بشوشاً، وأجاب باللغة الفارسية-وكان ملماً بها- وهو يبتسم متودداً: المعذرة! فإن المترجم لم يحسن إفهامكم مرادي. فأنا لم أكن أقصد ما افاده كلامه. وكل مرادي هو أن نتعاون، يداً بيد، لإنقاذ وطنكم من الفتن.
ثم ودعهم متودداً إليهم، وصافحهم واحداً واحداً، وانصرف بلا نتيجة. ولكنه أعجب بجرأة «رضا خان» وثبات جأشه وقرر أن يستفيد منه في تحقيق خطته. وكانت هذه المقابلة مبدأ إنطلاق «رضا خان» في ما بعد إلى عرش إيران!
وبعد بضعة أيام من هذه الواقعة أرسلت السفارة الإنكليزية إلى الحكومة الإيرانية هذه المقترحات التي عرضها «آيرن سايد» على الضباط القوزاق في معسكرهم بقرية «آق بابا». أرسلتها على شكل اقتراح أو مذكرة وطلبت المبادرة فوراً إلى عزل الضباط الروس عن قيادة القوزاق. فرفضتها الحكومة وكان رفضها السبب في مضايقة الإنكليز لها حتى اضطروها إلى الاستقالة.
وكان القوزاق على وضع مادي ونفسي سيء جداً. فقد انقطعت عنهم رواتبهم حين قطع الإنكليز مساعدتهم المالية عن إيران وكانت رواتب القوزاق تعطى من هذه المساعدة، وكان «آيرن سايد» يسعى إلى كسبهم بوعدهم بتلافي هذه النقائص، ومن ثم تكرر اجتماعه بالرؤساء العسكريين الإيرانيين في معسكر القوزاق في «آق بابا».
رضا خان قائد الانقلاب
بدأ تحضير الإنكليز للانقلاب في إيران. وكانت قزوين مركز نشاطهم الأول. ففيها المقر الأصلي لجيشهم. وقد بلغت سيطرتهم عليها إلى أن سموا شوارعها وأزقتها بأسماء إنكليزية. وبعد أن قلّب المخططون، من إنكليز وإيرانيين، النظر كثيراً في اختيار الأداة العسكرية للإنقلاب استقر رأيهم على ترشيح كتيبة القوزاق لهذه المهمة واختيار رئيس فوج همذان القوزاق «رضا خان» لقيادتها. وكان هذا يقيم مع فوجه في نواحي قزوين. وفيها أيضاً عمدة الكتيبة القوزاقية من ضباط وجنود. ولذلك كان مدبرو الإنقلاب، ومنهم السيد «ضياء الدين الطباطبائي»، يترددون إلى قزوين لتهيئة وسائل الإنقلاب ثم كانت هذه المدينة نقطة انطلاقه.
وكان المدبر الأول للانقلاب الجنرال «آيرن سايد». وفي هذه المدة أصبح هذا قائد القوزاق الأعلى بصورة مؤقتة ريثما تحضر من إنكلترا هيئة دائمة لقيادتهم. وكان يعاونه ضابط إنكليزي اسمه «الكولونيل اسمايس». وأصبحت شؤون القوزاق المهمة جميعها في يد الإنكليز.
واجتمع «آيرن سايد» غير مرة بالضابط القوزاقي «رضا خان» وصادقه واستماله إليه. وكان شديد الإعجاب به، ومثله «الكولونيل إسمايس». وأبعد هذان «السردار همايون» رئيس الكتيبة القوزاقية عن قزوين، وفوضا أمور هذه الكتيبة إلى «رضا خان».
وذكر «آيرن سايد» في مذكراته ان آخر اجتماع حصل بينه وبين «رضا خان» كان في يوم 12 شباط سنة 1921 م الموافق 23 دي سنة 1299 هـ.ش. في (كراند أوتيل) في قزوين. وذكر أنه لم ير أحداً من ضباط إيران له صراحة رضا خان واستقامته وأنه أبلغه أنه ينوي إطلاق يده في العمل بلا سيطرة منه عليه. وأنه أخذ عليه تعهداً بأن لا يستعمل ما يضعه الإنكليز في تصرفه من أسلحة وعدد لطعنهم بها غدراً من وراء ظهورهم. وتعهداً بأن لا يقدم بعد حضوره إلى طهران على خلع الشاه بوجه من الوجوه([231]). وفي ختام الجلسة أمر «آيرن سايد» الكولونيل «إسمايس» بأن لا يمنع «رضا خان» من الإقدام على كل عمل يريد أن يقوم به.
وقال «آيرن سايد» أيضاً في مذكراته:
«الحق أن ديكتاتوراً عسكرياً يحكم في إيران يحل كل مشاكلنا الحاضرة، ويفسح المجال للجيش الإنكليزي أن يغادر أرض إيران بلا مشقة ولا مخاطرة».
وبعد يومين من اجتماع «آيرن سايد» و«رضا خان» في «كراند أوتيل» استدعت الحكومة الإنكليزية «آيرن سايد» إلى مهمة في بغداد. فذهب قبل سفره إلى طهران ليستأذن الشاه ويودعه. وحسّن للشاه إحضاره العقيد «رضا خان» إلى طهران. وقال له: خسارة أن يبقى مثل هذا الضابط الكفء في قزوين متعطلاً لا يستفاد من كفاءاته ومواهبه في محل مثمر.
وذهب «آيرن سايد» إلى السفارة الإنكليزية ليودع السفير. وهناك روى للسفير تفاصيل الخطة التي اختطها للقيام بالانقلاب. يقول”آيرن سايد» في مذكراته: «لما رويت للسفير ما اتفقنا عليه أنا ورضا خان ذعر السفير وقال:إذا حضر هذا الرجل إلى طهران فلا بد من أن يسقط الشاه عن عرش السلطنة».
وهكذا رأى الإنكليز، بعد سلسلة من المداولات والاختبارات والمباحثات السرية، أن «رضا خان» أليق المرشحين لقيادة الإنقلاب العسكري، لما امتاز به في نظرهم من جرأة ورباطة جأش وذكاء، ومن مهابة في مظهره العسكري، فتقرر إسناد هذه المهمة إليه. وتقرر أيضاً أن يكون «السيد ضياء الدين الطباطبائي» القائد المدني للإنقلاب، يتولى رئاسة الوزارة بعد القيام به. وعلى هذا حصل الاتفاق بين العسكريين الإنكليز ورضا خان مع ما كان يكتم هذا من احتقار للطباطبائي.
ولما تمّ الاتفاق على ذلك أصدرت السفارة البريطانية بياناً كذبت فيه الإشاعة التي سبق أن نشرتها هي نفسها، وهي أنها أشارت على الرعايا الإنكليز والأوروبيين بمغادرة إيران، وكانت هذه الإشاعة قد زيد فيها أيضاً أن السفارة نفسها عازمة على الانتقال من العاصمة لاحتمال وصول البلاشفة إليها واحتلالهم لها. فكذبت السفارة ذلك كله وطمأنت الطهرانيين وكل الإيرانيين إلى أن ليس في النية شيء من ذلك.
وأصبح القوزاق يعطون رواتبهم بانتظام، وتحسنت أحوال معيشتهم من لبس وطعام وأمثال ذلك.
وتعاهد السيد «ضياء الدين الطباطبائي» والعقيد «رضا خان» وثلاثة من الضباط الإيرانيين على الاتحاد في القيام بالانقلاب وأقسموا يميناً على ذلك ومهروا بأختامهم على ظهر القرآن.
التمهيد للعمل العسكري
وأراد الانقلابيون أن لا يتعرضوا لمقاومة حين ورودهم طهران. وكان ورودهم بغير إذن من الحكومة المركزية يعد غير شرعي، ومن ثم لا بد من أن تتصدى الحكومة لمنعهم من دخول العاصمة. فإن رفضوا قاومهم جند طهران من الدرك والشرطة والقوزاق. وهم يريدون تجنب القتال وسفك الدماء.
ومن أجل ذلك ارتأوا أن يوهموا «أحمد شاه» أن جماعة من السياسيين قد واطؤوا جماعة من ضباط الدرك في العاصمة على القيام بانقلاب. ومن الخير له أن يستقدم خمسمائة جندي من القوزاق المقيمين في قزوين إلى طهران ليكونوا بالمرصاد لمن تحدثه نفسه بالسوء. فإن قبل الشاه كلامهم استطاعوا أن يجعلوا الخمسمائة من القوزاق المطلوبين الفين وخمسمائة، وهم القوة المهيأة للقيام بالانقلاب.
وصدق «أحمد شاه» كلامهم وبادر فوراً إلى إرسال أمر إلى قزوين يأذن فيه لخمسمائة قوزاقي بالحضور إلى طهران متظاهرين بأنهم يرودون زيارة عائلاتهم وقبض رواتبهم.
وحملوا الشاه أيضاً على أن يأمر بعض ضباط الدرك في العاصمة –وكانوا من السويديين- بأن لا يتعرضوا للقوزاق إذا قدموا إلى طهران. أمرهم بذلك في السر. كما أن الانقلابيين واطؤوا فريقاً آخر من ضباط الدرك السويديين والإيرانيين على السماح للقوازق بدخول طهران. واستطاعوا أن ينزعوا زناد المدافع المستقرة في مركز مدفعية الدرك.
وأرسلوا فرقة من العسكر الإنكليزي المقيم في قزوين إلى مدينة كرج بالقرب من طهران لتكون عوناً للقوزاق المهاجمين إذا اقتضى الأمر ذلك.
وقد تم تحضير كل هذا بمنتهى الاحتياط والكتمان. وما حل يوم 25 بهمن([232]) سنة 1299 هـ.ش. إلا وكان كل شيء جاهزاً. وفي هذا اليوم سافر السيد «ضياء الدين الطباطبائي» من طهران إلى قزوين لتهيئة مقدمات العمل.
في ذلك الحين كان توقع حدوث انقلاب عاماً. انقلاب يفرض نوعاً من الحكم بالقوة والسلاح. وفي ذلك الحين نشطت السفارة الإنكليزية إلى حث الرعايا الإنكليز على مغادرة إيران. وبدت مظاهر تهيئتهم للرحيل واضحة، ورأى غير الإنكليز من الأوروبيين المقيمين في إيران أن ما ينطبق على الإنكليز ينطبق عليهم فعليهم أن يرحلوا أيضاً. وراجعوا سفارتهم بهذا الشأن، فكان رأي بعض السفارات بأن لا خوف عليهم، وأن للسفارة الإنكليزية غاية أخرى من هذا غير وقاية رعاياها من خطر محتمل الوقوع([233]).
الزحف إلى طهران
في منتصف الساعة السادسة من مساء اليوم التاسع والعشرين من شهر بهمن سنة 1299 هـ.ش. الموافق 22 شباط سنة 1921 م (ثاني يوم تشكيل وزارة «السبهدار») تحركت وحدات القوزاق المقيمة في قزوين، وعدتها بين 2500 وثلاثة آلاف، بقيادة العقيد «رضا خان» من قزوين قاصدة إلى طهران، ومعها أربع عربات مدافع وتجهيزات حربية أخرى. وساروا حتى وصلوا إلى محلة تعرف باسم «ينجي إمام» فعسكروا فيها.
ويجدر بالذكر أن القيادة العسكرية الإنكليزية كانت قد استقدمت إلى قزوين، قبل تحرك القوزاق منها ببضعة أيام، ثلاثة آلاف جندي من عسكرها ليشغلوا المراكز التي ستخلوا من القوزاق حين زحفهم إلى طهران.
وفي اليوم الأول من شهر إسفند سنة 1299 هـ.ش. تركوا «ينجي إمام» وساروا متوجهين إلى العاصمة. وقبل مسيرهم قطعوا جميع الأسلاك البرقية والتلفونية الممتدة بين طهران وقزوين.
وفي ذلك اليوم نفسه تلقت الحكومة خبر هذا الزحف. فبادرت فوراً إلى إرسال رئيس الكتيبة القوزاقية «السردار همايون» في طريق قزوين ليمنع القوزاق القادمين من دخول طهران. فلما وصل إليهم اعتقلوه وأهانوه ثم أطلقوا سراحه.
وفي اليوم الثاني من شهر إسفند سنة 1299 هـ.ش. عقدت الوزارة اجتماعاً طويلاً. وبعد المذاكرة وانفضاض الجلسة أصدر وزير الحربية التعليمات اللازمة إلى موظفيه وأمر باتخاذ التدابير التي يقتضيها هذا الظرف.
وأمر رئيس الوزراء بمراعاة قوانين الحكم العسكري في المدينة وتطبيقها تطبيقاً كاملاً، وسير دوريات من الحرس الفرسان والمشاة تحفظ النظام فيها.
وأصدر رئيس الوزراء في ذلك اليوم أيضاً بياناً أعلن فيه أنه اقال، بناء على أمر ملكي، «السردار همايون» من رئاسة كتيبة القوزاق. وأعلن فيه أيضاً أن سبب ذلك هو أن جماعة من كبار الضباط القوزاق كانوا قد استقالوا من مناصبهم على أثر اختلاف في الرأي بينهم وبين رئيسهم. وأن رئيسهم «السردار همايون» قبل استقالتهم من غير أن يرجع إلى من فوقه من الرؤساء. ولهذا سيعادون إلى مناصبهم التي كانوا فيها. وكان القصد هذا البيان استرضاء القوزاق واستمالتهم.
أما الشاه فقد ظل يجهل كل شيء عن هذه المؤامرة إلى أن بلغه خبر وصول القوزاق إلى «ينجي إمام» وأن عددهم حوالي 2500 جندي، فارتاب في الأمر. وكانت قد بلغته أشياء عرف منها أن ما زعموه من تآمر ضباط من الدرك وبعض السياسيين عليه كان كذبة أريد بها خداعه لإفساح طريق القوزاق الى طهران، واراد ان يكلم رئيس معسكر القوزاق الذين في «ينجي إمام» ليأمره بالعودة إلى قزوين. فأخذ سماعة التلفون بنفسه وطلبه فقيل له إن الرئيس غائب. وأراد أن يكلم غيره من الضباط فتجاهلوه ولم يصغوا إليه.
ولم يكن رئيس الوزارة «السبهدار الأعظم» يتصور أن حركة القوزاق على هذه الدرجة من الأهمية، إذ كان ظاهر أمره أنهم قادمون لزيارة أرحامهم بعد طول الغياب، وليرفعوا شكواهم إلى المراجع المسؤولة من طول إهمالهم، وليطالبوا بتحسين أحوالهم وإنصافهم. وفي غروب اليوم الثالث من إسفند سنة 1299 هـ.ش عقدت وزارة «السبهدار» جلسة استثنائية عرف فيها «السبهدار» أن مجيء القوزاق ليس على هذا النحو من البساطة، وأن وراءه أمراً أعظم. وشاع في المدينة أن القوزاق القادمين قد حالفوا الثوار الشيوعيين، وأنهم قادمون لاحتلال طهران ونهبها والتنكيل بأهلها. فدب الرعب في أنحاء المدينة.
وأهمّ قدوم القوزاق «السبهدار» وأخافه. فارتأى بعد انقضاء بضع ساعات من الليل، إرسال وفد من قبله إليهم لمفاوضتهم وإقناعهم بالرجوع عن طهران.
في تلك الساعة من ذلك اليوم (3 إسفند سنة 1299 هـ.ش) كان جيش القوزاق بقيادة «رضا خان» قد حط رحاله وعسكر في محلة «مهرآباد» قريباً من طهران.وكان السيد «ضياء الدين الطباطبائي» قد أعلن هناك أيضاً أن الضابط «رضا خان» هو من الآن فصاعداً رئيس كتيبة القوزاق وهو قائدها العسكري. فتلقى ضباط القوزاق وجنودهم هذا الإعلام بالحماسة والهتاف.
وشكل «السبهدار» وفده من ضابطين إنكليزيين ومعاون في هيئة الوزارة، انطلقوا إلى «مهر آباد». وهناك تلقاهم حرس القوزاق القائم على مداخل المعسكر. وجرى حوار بين الطرفين لم يحصل منه الوفد على نتيجة ولا تمكن من مقابلة المسؤولين عن الجيش، فعاد الى طهران وأطلع رئيس الوزارة على ماجرى. ووجد هذا نفسه في مازق لا مخرج منه، وأهمته نفسه حتى أنه فكر في الفرار، وقيل أنه التجأ إلى السفارة الإنكليزية.
وفي منتصف الساعة الثامنة من تلك الليلة جاءت إلى معسكر القوزاق في «مهر آباد» أيضاً سيارتان تحمل إحداهما مندوبين، مندوب من قبل الشاه ومندوب من قبل رئيس الوزراء، والأخرى تحمل مندوبين من قبل السفارة الإنكليزية جاؤوا يحاولون ثني قيادة القوزاق عن عزمها على دخول طهران. وطلبوا مقابلة القائد العام([234]).
ولكن السيد «ضياء الدين الطباطبائي» جعلهم ينتظرون ساعة كاملة. فقد كان المقرر أن يتحرك القوزاق إلى طهران في تمام الساعة التاسعة. فأراد الطباطبائي تاخير المقابلة إلى ما قبيل الساعة فلا يتسع الوقت الفاصل بين بدء المذاكرة وموعد الحركة لاستكمال الحوار بين الوفدين و«رضا خان»، إذ يحل الموعد ويتحرك الجيش قبل انتهاء المذاكرة والوصول إلى نتيجة، فيضع الوفدين في الأمر الواقع. بل يضع «رضا خان» نفسه ايضاًفي الامر الواقع إذا حدثته نفسه بأن يلين لهم. وكان قد لقن «رضا خان» ما عليه أن يقوله جواباً على خطاب الوفدين. فلما حانت الساعة التاسعة، والمذاكرة لا تزال جارية، أمر السيد «ضياء الدين الطباطبائي» حامل البوق بأن يؤذن الجيش بالتحرك، ففعل. وتحرك الجيش والمذاكرة لا تزال دائرة لم تنته بعد، وسبق السيف العذل. وسار الجيش القوزاقي إلى طهران.
تحرك الجيش قاصداً طهران وبقي السيد «ضياء الدين الطباطبائي» في «مهر آباد» يحتجز رجال الوفدين لا يسمح لهم بالعودة إلى طهران زاعماً أنه لا يأمن عليهم الطريق إذ هي مشغولة بالجنود ويخشى ان يتعرض لهم أحد بسوء. وأصر وفد السفارة الإنكليزية، وهو يتألف من ضابطين كبيرين، على طلب السماح له بالعودة ليحول دون إراقة الدماء إذا اقدمت حامية طهران على المقاومة، ولكن الطباطبائي رفض السماح له.
وفيما هم في ذلك إذا برضا خان يعود إلى «مهر آباد» ويخبر الطباطبائي بأن رجالاً من حامية طهران تلقوهم عند مدخل المدينة وأبلغوهم أنهم مامورون بمنعهم من دخول العاصمة. وأنه عاد ليسأل ما هو تكليفه. فلم يتردد الطباطبائي وأمره فوراً بالمقاومة ومقابلة القوة بالقوة.
وظل الطباطبائي يحتجز مندوبي الشاه ورئيس الوزراء ومندوبي السفارة الإنكليزية إلى الساعة الحادية عشرة من الليل. وحينئذ أذن للإنكليزيين بالعودة بعد أن أخبره رسل «رضا خان» أن جيش القوزاق احتل طهران بلا مقاومة. واستبقى لديه مندوب الشاه ومندوب رئيس الوزراء.
احتلال طهران
تم احتلال القوزاق لطهران حوالي منتصف الليل بلا مقاومة مع أن حامية طهران من الدرك والشرطة كانت كافية يومئذ لصدهم عن العاصمة. بل كانت قادرة على حصارهم واخذهم أسرى، إذ كانوا قد واطؤوا المهاجمين على التسليم. وكان فريق من فرسان الدرك مع القوزاق الذين زحفوا من قزوين إلى طهران.
وعند منتصف الليل ترك السيد «ضياء الدين الطبابطابئي» محلة «مهر آباد» قاصداً ليلحق بالجيش الفاتح. فركب سيارة وركب إلى جانبه أحد ضباط القوزاق. وأركب المندوبين المحتجزين، مندوب الشاه ومندوب رئيس الوزرارء، في سيارتهما وجعل وراء سيارته ووراءهم مائة جندي من القوزاق ومائة جندي من الدرك وساروا الهوينا إلى طهران.
ونحو طهران ترجل السيد «ضياء الدين الطباطبائي» من السيارة وركب حصاناً وسار بموكبه إلى ثكنة القوزاق. وهناك أطلق سراح المندوبين المحتجزين بعد أن احتجزهم مدة في الثكنة. ثم اختلى بـ «رضا خان» واحد كبار ضباط القوزاق.
وكان الشاه ساعتئذ يقيم في قصر محلة «فرح آباد» خارج المدينة. وسد المحتلون مداخل المدينة جميعها، واقاموا عليها جنداً امروا بأن لا يسمحوا لأحد بالخروج منها. ثم أرادوا إيذان الطهرانيين باحتلالهم العاصمة فأطلقوا القنابل من المدافع. وارتجت المدينة بأصواتها. وهب الناس من مضاجعهم مذعورين.
وبادر رؤساء القوزاق إلى إرسال فرق من جندهم إلى مخافر الشرطة وأمروهم باحتلالها واعتقال رجالها. فاستسلمت المخافر جميعها أليهم بلا مقاومة. إلا أن دائرة الشرطة المركزية قاومت قليلاً. وقاوم أحد المخافر ايضاً مدة ساعة تقريباً. وانجلت هذه المقاومة عن عشرة قتلى من رجال الشرطة وثلاثة قتلى وجريح واحد من القوزاق.
ولما احتل القوزاق إدارة الشرطة فتحوا باب السجن واطلقوا المحابيس. وتوهم أحد المحابيس أن القادمين هم الثوار الشيوعيون قد احتلوا المدينة فصاح يتملقهم «زنده بادبلشفيك» (عاش البلاشفة). وكان ردهم عىل تحيته رصاصة أطلقوها عليه فأردته قتيلا!
واجتمع مدير الشرطة العام ورؤساء المهاجمين من القوزاق فطلبوا أن يأمر رجال الشرطة بموافقة القوزاق ومعاونتهم، فعلق إجابتهم إلى طلبهم، بأن لا يتدخل في مجرى الوقائع الجديدة. وفي الصباح بكر مدير الشرطة إلى قصر الشاه وأطلعه على ما دار بينه وبين رؤساء القوزاق من حديث. فأذن الشاه بأن يتعاون رجال الشرطة والقوزاق في حفظ الأمن والنظام.
مطالب الانقلابيين من الشاه
وعند غروب ذلك اليوم (4 إسفند سنة 1299هـ. ش.)، كان ضابط قوزاقي يستأذن على الشاه، في قصر «فرح آباد» خارج طهران، مندوباً عن السيد «ضياء الدين الطباطبائي» «ورضا خان» ليقوم بأول اتصال بين الشاه والانقلابيين، وليعرض على الشاه مطالب الانقلابيين.
وكانت مطالبهم:
– تعيين السيد «ضياء الدين الطباطبائي» صاحب جريدة «رعد» رئيساً للوزارة.
– منح الضابط «رضا خان» رتبة قائد الجيش.
– تعيين يوم يستعرض فيه الشاه جنود القوزاق جميعهم.
وقد قبل الشاه هذه المطالب جميعها على مضض، ولا سيما تعيين الطباطبائي لرئاسة الوزارة.
تدابير الانقلابيين
أعلن الانقلابيون الأحكام العرفية ساعة تمّ استيلاؤهم على طهران. وفي الصباح 04 إسفند سنة 1299 هـ.ش) (1920) بدؤوا حملة اعتقالات، فاعتقلوا جماعة والقوا بهم في السجون. وفي عصر ذلك اليوم عمّموا على الولايات جميعها إعلاناً بقيادة الحكم العسكري فيها، فأرسلوا إلى كل ولاية حاكماً عسكرياً من طهران.
وصدر المرسوم الشاهنشاهي بتعيين السيد ضياء الدين الطباطبائي لرئاسة الوزراء.
كان للانقلاب رأسان طموحان متنافسان، والضرورة وحدها هي التي جمعتهما في انقلابهما، لذلك كان من المتوقع اختلافهما.
وأخذ رئيس الوزراء يعامل الشاه بفجاجة وغلظة، وبالرغم من أن الشاه كان يدرك أن كلا الاثنين خطران عليه، ولكنه أمام فجاجة الطباطبائي استعان عليه برضا خان. فأصدر أمراً بعزل الطباطبائي من رئاسة الوزراء. ثم ذهب رضا خان ومعه بضعة ضباط وبعض الجنود من القوزاق إلى بيت السيد «ضياء الدين الطباطبائي» وسيق مع بضعة رجال من رفاقه مخفورين إلى قزوين. واعتقل فريق آخر منهم في طهران. وختم باب مكتب الطباطبائي في دار الحكومة ومكاتب سائر الوزراء بالشمع الأحمر.
ومن قزوين سيق الطباطبائي إلى الحدود. ومن هناك تابع سفره إلى بغداد ومنها إلى البصرة فالمحمرة فأوروبا. وتولى الإنكليز تهيئة وسائل سفره إلى أوروبا فأرسلوا من مرفأ «بوشهر» الإيراني إلى المحمرة سفينة حربية كانت لقنصليتهم في «بوشهر» نقلته إلى أوروبا. وفي المحمرة نزل ضيفاً على القنصل الإنكليزي وانتهى بالطباطبائي إلى النفي بعد أن ظل في الرئاسة ثلاثة أشهر.
وتألفت وزارة عهد فيها بوزارة الحربية إلى رضا خان.
ولم يلبث أن وقع الخلاف بين رئيس الوزراء ووزير الحربية، كما كان متوقعاً. والسبب الأول هو استنكاف رئيس الوزراء عن الرضوخ لمحاولات رضا خان فرض سيطرته المتزايدة على الوزارة وإصرار هذا على أن يكون المهيمن على جميع الأمور. وكان كل منهما عنيداً صعب المراس.
وثابر «رضا خان» على تقوية جيشه وزيادته حتى أصبحت عدة القوزاق حوالي ثلاثين ألف جندي يأتمرون بأمره. وسعى إلى السيطرة على كتيبة الشرطة فنقل بعض ضباط القوزاق إلى سلك الشرطة ونقل بعض ضباط الشرطة إلى سلك القوزاق. فكان هذا العمل مقدمة للسيطرة التي يسعى إليها. وقد افاده بعد ذلك فائدة كبيرة. ثم قام على غير ما يهوى رئيس الوزراء والشاه، بعمل حاسم لتحقيق أمنيته القديمة في توحيد الدرك والقوزاق في كتيبة عسكرية واحدة تكون في إمرته. فصرف قائد الدرك السويدي الكولونيل «غلروب» من الخدمة وتولى هو رئاسة هذه الكتيبة مع رئاسة القوزاق.
ثم أقدم على إنفاذ قراره بتوحيد الكتيبتين مستبداً برأيه لا يبالي بمعارضة رئيس الوزراء. وعلى هذا النحو كانت قدرة «رضا خان» تتعاظم يوماً فيوماً حتى عاد قوة تصعب معارضتها.
ولم يلبث أن قفز إلى رئاسة الوزراء ثم إلى دعوة جمعية تأسيسية قررت خلع الأسرة القاجارية وإعلان ملكيته وجعلها إرثاً في أعقابه.
حكم رضا شاه بهلوي
دام ملك «رضا شاه بهلوي» على إيران حوالي ستة عشر عاماً، من 5 آذار سنة 1304 هـ.ش. إلى 25 شهر يور سنة 1320 هـ.ش، وكان ملكه استبدادياً، فردياً مطلقاً ارتكب فيه فظائع من الإرهاب والغدر والنهب وقمع الحريات والتنكيل بالأبرياء بالسجن والتعذيب والاغتيال.
وأعجبته خطة «مصطفى كمال» فقلده في إكراه الناس على التلبس بمظاهر الحياة الغربية الأوروبية. فأجبر النساء على خلع الحجاب وأجبر الرجال على ارتداء الملابس الفرنجية. وأذل رجال الدين والمتدينين وحاربهم واستهان بالمقدسات الدينية. وحجته في ذلك أنه يريد تمدين إيران وتحضيرها على طراز الحضارة الأوروبية.
ولكنه جهل أو تجاهل أن الأساس الذي قامت عليه الحضارة في أوروبا إنما هو الديمقراطية والحياة النيابية الدستورية الصحيحة، الحياة التي حفظت للأوروبيين حرية القول والفكر والمعتقد. وأنه، من هذه الجهة، قد سلك في بلاده طريقاً مناقضة لتلك الحضارة وتلك المدنيّة. فقد أوقف إيران عن متابعة خطواتها الأولى التي بدأت بها سيرها إلى الحياة النيابية الدستورية، وانعطف بها إلى الخضوع لحكم دكتاتوري مطلق. بل إن وصول «رضا شاه بهلوي»، داعية الحضارة الغربية، الى العرش كان نقضاً لمفاهيم الحضارة الغربية. فقد توصل إليه بتجاوز الدستور ومخالفة نظام المجلس النيابي الداخلي وبتزوير الانتخابات النيابية. وهي أمور تعدها الحضارة الأوروبية والمدنية الغربية من المنكرات في بلادها.
وقد استطاع «موتسوهيتو» قبله أن يسمو باليابان من حضيض حياة القرون الوسطى إلى ذروة المدنية الغربية المعاصرة، وأصبحت بلاده، بين عشية وضحاها، تنافس وتضاهي أرقى الدول الأوروبية، بل قد تتفوق عليها، في الصناعة والثقافة والعلم والفنون العسكرية، من غير حاجة إلى إكراه الناس على لباس معين ومظهر فردي معين وعقيدة دينية معينة، بل تركهم أحراراً يلبسون ما يعجبهم ويعتقدون بما يروق لهم. وقضى على النظام الإقطاعي ليفسح المجال للنظام الديمقراطي ومستلزماته من رقي علمي وصناعي وحربي، لا ليحل دكتاتورية في محل النظام الإقطاعي، ويصبح خليفة للإقطاعيين يستأثر وحده من دونهم، بالتحكم في مقدرات الناس، كما فعل «رضا شاه بهلوي».
وقبل ذلك استطاع «غاريبالدي» أن يوحد إيطاليا ويقضي على نظام ملوك الطوائف، ويخلق دولة مركزية موحدة على قانون واحد وحكومة واحدة، من غير حاجة إلى الغدر والاغتيال والتعذيب والإرهاب.
حكم «رضا بهلوي» ستة عشر عاماً، وحكم ابنه «محمد رضا بهلوي» بعده سبعة وثلاثين عاماً، ظل الريف الإيراني- وهو ريف واسع مترامي الأطراف- فيها محروماً من الماء والكهرباء والطرق المعبدة والخدمات الطبية. وعمت الرشوة والفساد البلاط والدوائر الحكومية. واستحكم الحكم البوليسي ينغص على الناس حياتهم بالإرهاب والسجن والتعذيب والخوف. وأوذي الناس في مشاعرهم الدينية والخلقية. وأصبحت الثروة الضخمة التي تحصل عليها إيران من دخل النفط وسيلة إلى تعطيل الإنتاج المحلي- وهو انتاج بدائي بسيط- ووقف تقدمه بدلاً من أن تكون وسيلة إلى تحسينه وتطويره. وذلك بسبب قوانين الاستيراد والمتاجرة، القوانين التي حرمت الإنتاج المحلي من كل حماية وإباحته للمزاحمة الأجنبية تعطله وتمحقه. وبذلك تحوّلت الثروة النفطية إلى ثروة استهلاكية عقيمة تؤخذ اليوم من الأجانب ثمناً للنفط لتعاد إليهم غداً ثمناً للبضائع الاستهلاكية الكمالية، فأين هذا من مقومات الحضارة الغربية؟!
واستحوذ على الأب والابن كليهما، ولا سيما الابن، هوس «التماثيل» فأقاما لنفسيهما من التماثيل ما لم يقم لجورج واشنطن و«بوليفار» و«سان مارتين» و«وغاريبالدي» أنفسهم. فأينما توجهت طالعك تمثال لأحدهما. وكل تمثال أقيم على شكل ووضع خاصّين. وعند كل تمثال حارس يحرسه من غضب الناس. إذ لو ترك بلا حراسة لما استقر في مكانه لحظة ولنسفه الناس نسفاً. ولو أن نفقة تمثال واحد من هذه التماثيل خصصت لقرية من القرى لكفت لكهربتها وإنشاء مستوصف طبي يسعفها. فهل كان هذا اقتداء بالتمدن الأوروبي؟!
إن المقررات الحضارية التي فرضها «رضا شاه بهلوي» وابنه من بعده على إيران لم تمنح إيران شيئاً من الحضارة الغربية الأوروبية سوى مفاسدها من إباحية جنسية وانحلال خلقي، وحجبت عنها جميع مقومات تلك الحضارة الجدية من تقوية الإنتاج الاقتصادي الوطني وحمايته من المضاربة الأجنبية ورعاية للقانون والديمقراطية والحريات العامة والفردية. وقد عوض «رضا شاه بهلوي» الإيرانيين عن هذا كله بإدخال بدعة «الكرنفال» إلى إيران!
ومما ناقض به «رضا شاه بهلوي» مفاهيم الحضارة الأوروبية الغربية. وهو يعده تطبيقاً لتلك المفاهيم ويمن به على إيران والإيرانيين، ما أسماه «تجميل طهران». ولم يكن لهذا التجميل عنده من معنى سوى شق الشوارع العريضة المستقيمة وهدم كل ما يعترضها من أبنية ولو كانت آثاراً تاريخية ومنشآت فنية جميلة. ومن أجل ذلك هدم أكثر من عشر بوابات كانت لا تزال قائمة من سور طهران القديم وكانت مبنية بناء فنياً جميلاً مزخرفة بالكاشي. وهدم بعض المدارس القديمة وبعض قصور القاجاريين أيضاً، وقد فاته أن الإبقاء على أمثال هذه الآثار مقدم عند أهل الحضارة الغربية الأوروبية على شق الشوارع العريضة المستقيمة. بل هم، إذا اضطر أحدهم إلى هدم بناء قديم له يخشى من سقوطه بسبب القدم، وكان ذلك البناء قائماً في محلة يراد لها أن تبقى على وضعها القديم، أجبروا صاحب البناء على إعادة بنائه كما كان وحيث كان. وقد يضطرون إلى شق شارع يعترض امتداده بناءً أثرياً أو بناء سبق أن وقعت فيه حادثة مهمة من حوادث تاريخهم، فإذا وصلوا في شق الشارع إلى ذلك البناء انحرفوا به عنه ولا يبالون بأن يحدث ذلك اعوجاجاً في بعض الشوارع. وهم يقيمون المنشآت الحديثة من أبنية وشوارع عريضة مستقيمة حيث لا تقتضي إقامتها إزالة معلم من معالم القديم.
ظل «رضا شاه بهلوي» يتملق العامة ورجال الدين بالتظاهر بالتدين وإقامة الشعائر المذهبية إلى أن استتبّ له الأمر وجمع في يده زمام السلطة المطلقة. وعندئذ تنكر للدين وكل ما يتصل به، فبعد أن كان يجلل ثكنة القوزاق بالسواد أيام المحرم ويواظب على إقامة العزاء الحسيني ويقف بنفسه يستقبل الوافدين إلى المجلس وينعم على الخطباء بالهدايا، أمر بإبطال ذلك كله. وأمر بمنع الناس من إقامة مجالس العزاء الحسيني إلا بإذن من الشرطة. وبعد أن كان يشكل موكباً من القوزاق يشارك في يوم عاشوراء المواكب الحسينية التي يسيرها الأهالي في أنحاء المدينة، ويسير هو في مقدمته حاسر الرأس معفراً بالتراب علامة الحزن أمر بمنع الناس من تسيير هذه المواكب، وحرّض على تسيير مواكب «الكرنفال». بل اتفق في إحدى السنين من أيام ملكه أن سارت مواكب «الكرنفال» في شوارع طهران في ليلة عاشوراء نفسها. وكانت عدة من الشاحنات جهزت على النحو المعروف في تجهيزات الكرنفال، وفيها الراقصون والموسيقى ومظاهر الابتهاج والهزل والتهريج. وبعد أن كان يسير حافياً إظهاراً للأسى والأسف والخشوع في مقدمة موكب القوزاق ليلة الحادي عشر من المحرم المعروفة عند الإيرانيين باسم «شام غريبان» (أمسية المغرّبين)، لم يتورع عن أن يدخل بحذائه إلى المقامات المقدسة غير مراع حرمتها متعمداً إهانتها وتحدي شعور الناس الديني، كدخوله يوماً مع جلاوزته إلى مقام السيدة «معصومة» في قم ودخوله إلى مقام الإمام الرضا عليه السلام في مشهد لتعقب بعض المعارضين من رجال الدين ومعاقبتهم.
سجن القصر
تتابعت أعمال الاعتقال والقتل في عهد «رضا شاه بهلوي» حتى بلغ عدد المقتولين والمفقودين من المحابيس في وقت من الأوقات أكثر من أربعة وعشرين ألفاً حسب إحصائية رسمية. وأقيمت السجون والزنزانات في جميع أنحاء إيران. وكان أفظعها السجن الذي أقامه في طهران وعرف باسم «سجن القصر». وكانت له في إيران سمعة كسمعة «الباستيل» في فرنسا.
كان هذا السجن في الأصل قصراً أثرياً تاريخياً من قصور القاجاريين القديمة يعرف باسم «قصر قاجار». فأمر «رضا شاه بهلوي» بهدمه وبناء سجن في مكانه. ولذلك عرف باسم «سجن القصر». وجهز بكل ما يلزم للتعذيب من زنزانات وسراديب مظلمة وأغلال. وجعل سجناً للمعتقلين السياسيين. كتب عنه «جان كونتر». وهو أمريكي أقام في طهران في تلك الحقبة وألّف عنها كتابًا. قال:
«بالقرب من طهران قلعة بنيت في مكان قصر كان يسكنه القاجاريون. وهو اليوم سجن السياسيين. والسجناء السياسيون لا يحاكمون في إيران. ولا لزوم لخلق تهمة يتهمون بها من أجل الحكم عليهم بالعقاب، فإذا تقرر وجوب موتهم فلا حاجة إلى رميهم بالرصاص أو شنقهم. بل يكفي السم بوسيلة خاصة يسميها السجناء السياسيون «اللقاح البهلوي»، أو إلقاء حبة من السم في فنجان القهوة صباح يوم بهيج مشرق تحمل المتهم إلى جوف الأرض فلا يرى بعدها مثل هذا اليوم البهيج المشرق مرة أُخرى».
ثروة رضا شاه بهلوي
بدأ «رضا شاه بهلوي» أمره جندياً فقيراً معدماً لا يجد أحياناً قوت يومه. ولكنه يوم خلع عن العرش قد أصبح في مقدمة أثرياء العالم. وفي محاضر المجلس النيابي أن رصيده يومئذ كان 58 مليون ليرة إنكليزية في بنوك إنكلترا و68 مليون تومان في بنك الإصدار الإيراني المسمى «بنك ملي». ويملك 44 ألف سند تمليك لعقارات مختلفة من حقول وضياع وقرى ووحدات زراعية كبيرة. هذا غير ما كان يملكه من فيلات وفنادق ومصانع، وغير ما صادره من كنوز «مرتضى قلي خان إقبال السلطنة» الماكويي و«السردار» البجنوردي و«الشيخ خزعل» بعد أن غدر بهم وقتلهم. وغير ما كان يملكه أولاده من بنين وبنات من عقارات وأموال واسعة ضخمة. وقد بلغت عائدات أملاكه في أواخر سنوات ملكه ستين مليون تومان في السنة.
قال «مؤيد أحمدي» نائب كرمان في جلسة عقدها المجلس النيابي بعد خلع «رضا شاه بهلوي» وإبعاده:
«ملك الشاه السابق سبعة عشر عاماً. وهي مدة تتألف من ستة آلاف يوم تقريبا، حصل فيها على أربعة وأربعين ألف سند تملك. فلو قسمناها على عدد تلك الأيام لكانت النتيجة سبعة سندات في كل يوم!».
وقد حصل على ذلك كله بالإكراه والغصب والاستيلاء على أملاك الدولة والتصرف بالأوقاف. وارتكاب طغاته في هذا السبيل فجائع تدمي القلوب من تشريد وتسخير وإذلال وسجن وضرب وقتل. وأجبر البلدية على الإنفاق من خزانتها على بناء كثير من العمارات والفيلات له ولأولاده.
زار إيران في تلك الحقبة النائب الإنكليزي «فوت». وبعد عودته إلى إنكلترا نشر سلسلة من المقالات عن مشاهداته جاء في إحداها عن «رضا شاه»:
«رضا شاه قطع دابر اللصوص وقطاع الطرق من مسالك إيران، وأمِنَهم شعبه. إنه لا يجوز من الآن فصاعداً أن يكون في إيران كلها غير قاطع طريق واحد، قاطع طريق كبير لا غير». ويتمم كلامه قائلاً:
«شاه إيران السابق غليظ القلب ظالم بعيد الآمال حريص طماع. وهو مع هذه الصفات ماضي العزيمة. لا يحبه أحد. ولكن لا يستطيع تحديه أحد. يلقي بمنافسيه ومخالفيه في السجن أو يقتلهم لا تأخذه عليهم شفقة ولا رحمة. وما في إيران اليوم من فتنة وهرج ومرج هي نتيجة سياسة ذلك الشاه الخاطئة.
«يطلب أهل إيران من ملكهم خبزاً فيلقمهم حجارة. لم يصنع شاه إيران السابق لشعبه شيئاً. وقلما خدم أمته. أو بالأحرى أن نقول إنه لم ينفع الإيرانيين بشيء على الإطلاق.
«لم يكن رضا شاه يعير أهمية لبناء مجتمع متراص متماسك. وجهاز حكومته عبارة عن بضعة آلاف من الملاكين والتجار وأصحاب الأسهم وكبار الموظفين الحكوميين، تكاتفوا وملؤوا جيوبهم من حاصل كدح فئة من الفلاحين والعمال الإيرانيين التعساء وثمرة كدهم.
«انطلق رضا شاه إلى جزيرة موريش مخفوراً بحرس مسلح وخلف ملك إيران المقتدر وراءه وطناً ذا ثروات لم تمس يسكنه شعب فقير».
خلع «رضا شاه بهلوي»
كان «رضا شاه بهلوي» على درجة عالية من الذكاء ومضاء العزيمة والأناة والصبر على المشقة. ولكن أفسد عليه ذلك كله ما كان في طبعه من طمع وحرص وأثرة وغرور وفظاظة واستضعاف للناس.
وقد جعلته هذه الأخلاق يهمل ما تجب مراعاته ويستهين بما لا يستهان به ويستبد برأيه غير مفكر في العواقب، غروراً وإعجاباً بالنفس.
من ذلك استهانته بالإرادة الشعبية، حتى حسب أنها إرادة عاجزة عن أن تصده عن نوال شيء يريده. ولذلك أقدم الحلفاء في أوائل الحرب الكونية الثانية على خلعه بلا تردد، ولم يحسبوا حساباً لردة فعل سلبية في نفوس الإيرانيين من خلعه، لأنهم كانوا يعلمون أن ملكه لا يستند إلى قاعدة شعبية وإنما يستند إلى الطغيان والجبروت. بل كان الحلفاء على يقين من أنهم يحسنون صنعاً إلى الإيرانيين بخلعه. وقد حدث بالفعل أن كان يوم خلعه عيداً في إيران.
ومن ذلك غفلته عن مراعاة الخطة الحكيمة التي سبق أن اختطها رئيس الوزارة الأسبق «مشير الدولة» بإقامة توازن بين تطلعات السياسات الأجنبية في إيران، ولا سيما سياسة الإنكليز وسياسة الروس.
وحين علا نجم النازي في العالم وترددت أصداء تحديات هتلر في كل ناحية من نواحيه اتجه «رضا شاه بهلوي» إلى الألمان وأخذ يستقدم منهم خبراء إلى بلاده، وتبع ذلك وفود من السياح ورجال الأعمال الألمان تتردد إلى إيران.
وفي أثناء الحرب الكونية الثانية اقتضت مصالح الإنكليز والاتحاد السوفياتي العسكرية احتلال ايران. وكانت الحجة التي تذرعوا بها هي أن إيران أصبحت وكراً من أوكار «الطابور الخامس» الألماني. وفي 25 آب سنة 1941 م غزا الاتحاد السوفياتي إيران من الشمال وغزاها الإنكليز من الجنوب واحتلوها.
وفي 16 أيلول سنة 1941م خلعوا «رضا شاه بهلوي» عن العرش ونصبوا مكانه ابنه ولي عهده «محمد رضا بهلوي».
قصر مقاتل
ويقال قصر بني مقاتل: قرية في ضواحي كربلاء. قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان (… كانت بين عين التمر والشام. وقال السكوني: هي قرب القطقطانة وسلام ثم القريات وهي منسوبة إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب بن مجروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، قال ابن الكلبي لا أعرف في العرب الجاهلية من اسمه إبراهيم بن أيوب غيرهما وإنما سُميا بذلك للنصرانية وخربها عيسى بن علي بن عبدالله ثم جدد عمارتها فهي له..)([235]).
يقول عبد الحسين الصالحي: وهي من أراضي كربلاء يحدها من الجنوب الغربي عين التمر ومن الجنوب الشرقي قطقطانة ومن الشمال الشرقي نينوى. وهي سلسلة قرى قريبة ومتصلة بعضها ببعض منها قصر مقاتل ونينوى والغاضرية وشفية والطف وكربلاء.
وقد اندثر القصر ولم يبق من أثره إلا بعض التلال وفي الموقع مسجد وأبنية قديمة وعين نابعة. نزل فيها الحسين عليه السلام في يوم الأربعاء غرة شهر المحرم الحرام سنة 61 هجرية والحر ورجاله يراقبونه. قال الدينوري المتوفي سنة 282 هجرية في الأخبار الطوال والطبري في تاريخه (..ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب، قال الحسين عليه السلام لمن هذا الفسطاط فأخبر أنه لعبيدالله بن الحر الجعفي وكان من أشراف أهل الكوفة وفرسانهم فأرسل الحسين عليه السلام إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه فأتاه الرسول فقال هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه. فقال عبيد الله بن الحر: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين عليه السلام وأنا بها والله ما أريد أن أراه ولا يراني. فأتاه الرسول فأخبره فأخذ الحسين عليه السلام نعليه فانتعل ثم قام فجاءه حتى دخل عليه فسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه. فقال عبيدالله والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة ولكن ما عسى أن أغني عنك ولم أخلف لك بالكوفة ناصراً فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطّة فإن نفسي لم تسمح بعد الموت، ولكن فرسي هذه الملحفة والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني وأنا عليها أحد قط إلا سبقته فخذها فهي لك. قال الحسين عليه السلام أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا إلى فرسك).
ثم ندم عبيدالله على خذلانه الحسين عليه السلام فتوجه إلى كربلاء بعيد الواقعة لقرب موضعه منها فوقف على أجداث الشهداء ونظر إلى مصارع القوم فاستعبر باكياً وعبر عن ندمه بهذه الأبيات، قاصداً بقوله ابن زياد:
يقول أمير غادر وابن غادر
ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه
ونفسي على خذلانه واعتزاله
وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
فيا ندمي أن لا أكون نصرته
الا كل نفس لا تسدد نادمه
وإني لأني لم أكن من حماته
لذو حسرة ما إن تفارق لازمه
سقى الله أرواح الذين تبادروا
إلى نصره سقياً من الغيث دائمه
وقفت على أجداثهم ومحالهم
فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى
سراعاً إلى الهيجا حماة خضارمه
تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم
بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
فإن يقتلوا في كل نفس بقية
على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما إن رأى الراؤون أفضل منهم
لدى الموت سادات وزهر قماقمه
يقتّلهم ظلماً ويرجو ودادنا
فدع خطة ليست لنا بملائمه
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم
فكم ناقم منا عليكم وناقمه
أهم مراراً أن أسير بجحفلٍ
إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه
فكفوا وإلا زرتكم في كتائب
أشد عليكم من زحوف الديالمه
وفي قصر مقاتل يقول عبيدالله: :
بالقصر ما جرَّبتموني فلم أخم
ولم أكُ وَقافاً ولا طائشاً فشل
وبارزتُ أقواماً بقصر مقاتل
وضاربت أبطالاً ونازلت من نزل
فلا بَصرةٌ أمّي ولا كوفة أبي
ولا أنا يثنيني عن الرحلة الكسل
فلا تحسبني ابن الزبير كناعس
إذا حل أغفى أو يقال له ارتحل
فإن لم أزرك الخيل تردي عوابسا
بفُرسانها حولي فما أنا بالبطل
وقال إبن طخماء الأسدي:
كأن لم يكن بالقصر قصر مقاتل
وزُورةَ ظلٌّ ناعم وصديق
ومن الحوادث في قصر مقاتل ملاقاة عمرو بن قيس المشرقي وابن عمه مع الحسين عليه السلام. ذكر الكشي بسنده في رجاله عن عمرو بن قيس المشرقي قال (دخلت على الحسين بن علي عليه السلام أنا وابن عم لي وهو في قصر بني مقاتل فسلمت عليه فقال له ابن عمي يا أبا عبدالله هذا الذي أرى خضاب أو شعر فقال الخضاب والشيب إلينا بني هاشم أسرع عجل ثم أقبل علينا فقال جئتما لنصرتي، فقلت له أنا رجل كبير السن كثير العيال وفي يدي بضائع للناس ولا أدري ما يكون وأكره أن تضيع أمانتي. فقال له ابن عمي مثل ذلك، فقال لي عليه السلام: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي سواداً فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجب واعيتنا كان حقاً على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم..)([236]). وقد ترك الحسين عليه السلام قصر بني مقاتل متوجهاً إلى نينوى والحر ورجاله يراقبونه.
عبد الحسين الصالحي
القضاء الشيعي الجعفري
يكتسب البحث في فقه القضاء أهميتة وضرورته من أهمية وضرورة تطبيق القضاء في حياة المسلمين، ذلك أن القضاء يقوم بدور فصل الخصومات وحلّ المنازعات التي تقع بين الناس فتشوب العلاقات العائلية والاجتماعية بشيء من الوهن، وهو بهذا يسهم في رأب الصدوع التي تقع في المجتمع، لكي تعود العلاقات بين أبناء المجتمع إلى طبيعتها السوية والسليمة، وذلك عن طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ويتميز القضاء الجعفري عن سواه من الأقضية في المذاهب الإسلامية الأخرى، بذهاب الفقهاء الجعفريين إلى أن ولاية القاضي هي امتداد لولاية الإمام التي هي بدورها امتداد لولاية النبي ص، وهو السبب لاختيار هذا الموضوع (القضاء الجعفري) والتركيز على بيان مفهومه وتعريف منطلقاته.
وبغية أن نتفهم مفهوم القضاء في الفقه الجعفري بوضوح علينا أن ننطلق إلى هذا من محاولة معرفة دلالة كلمة (قضاء) في لغتنا العربية، تلك الدلالة التي أفادتها المعجمات العربية من واقع الاستخدامات اللغوية في مجتمعات العرب قبل الإسلام، فقد عرف العرب في العصر الجاهلي القضاء واستعملوه في حلِّ خصوماتهم التي تقع بين الأفراد، وفصل منازعاتهم التي تقوم بين القبائل، واشتهر في أوساطهم قضاة رجعوا إليهم وحكّموهم في دعاواهم ومرافعاتهم.
وقد اعتد المؤرخ العربي اليعقوبي (الأفعى الجرهمي) أقدم حاكم حكم بين العرب وقضى في قضاياهم، قال: «وكان أول من استقضي إليه فحكم الأفعى بن الأفعى الجرهمي، وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم»([237]).
ومن قضاة العرب الجاهليين المشهورين أيضاً: عامر بن الظرب العدواني وأكتم بن صيفي وقس بن ساعدة الإيادي والوليد بن المغيرة المخزومي.
وكان القضاة العرب الجاهليون يستندون في قضائهم وإصدار أحكامهم إلى المصادر التالية:
– الأعراف.
– التجارب.
– فراسة القاضي.
– قياس القضايا بأمثالها.
وفي ضوئه: فإن التعريفات اللغوية الاجتماعية لكلمة (قضاء) ليست مما استفاده المعجم العربي من المفاهيم الإسلامية، وإنما نقله عن الاستعمال العربي الجاهلي.
قال الزبيدي في (تاج العروس)([238]): «القضاء- بالمد ويقصر-الحكم، قضى عليه وكذا بين الخصمين، يقضي قضياً- بالفتح- وقضاء- بالمد- وقضية كغنية: مصدر، وهي الاسم أيضاً، أي حكم عليه، وبينهما فهو قاضٍ، وذاك مقضي عليه.
ويقال: «القضاء: الفصل في الحكم، ومنه قوله تعالى: (إلى أجل مسمى لقضى بينهم)([239]) أي لفصل الحكم بينهم، ومنه: قضى القاضي بين الخصوم أي قطع بينهم في الحكم».
ونستفيد من تعريف الزبيدي المذكور في أعلاه أن كلمة (قضاء) تطلق عند العرب على معنيين، هما:
1-المصدر، وهو ممارسة القاضي لعملية الفصل بين الخصوم، وتكون هذه بالجلوس لذلك واستقبال المتداعيين واستماع دعواهم والنظر في الإثباتات من البينة واليمين ثم إصدار الحكم.
2- اسم المصدر، وهو الحكم الذي يصدره القاضي في حسم الدعوى المرفوعة إليه.
ومن هنا عرّفه (المعجم الوسيط) بالمعنيين المذكورين، فقد جاء فيه:
«القضاء: الحكم.
والقضاء: عمل القاضي»([240]).
ونلمس صدى هذين المعنيين اللغويين في تعريفات فقهائنا للقضاء ففي كتاب (تكملة المنهاج)([241]) للسيد الخوئي: «القضاء: هو فصل الخصومة بين المتخاصمين، والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على المدعى عليه»، وفي (كلمة التقوى)([242]) للشيخ زين الدين: «القضاء: هو الحكم الشرعي بين المتخاصمين من الناس لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وفصل الخصام والنزاع الذي يقع ما بينهم».
وفي أكثر من كتاب من كتب فقهائنا المتقدمين والمتأخرين عُرِّف القضاء بأنه ولاية شرعية مجعولة من قبل المعصوم لمن يتمتع بأهلية الإفتاء من الفقهاء، ففي (التنقيح الرائع)([243]) للفاضل المقداد السيوري: «القضاء- لغةً- الحكم واصطلاحاً: ولاية الحكم شرعاً لمن له الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينة بشرية متعلقة بإثبات الحقوق واستيفاء ما للآدميين منها»، وفي كتاب (القضاء والشهادات)([244]) للشيخ الأنصاري: «وشرعاً (أي تعريف القضاء في المصطلح الفقهي) – كما في (المسالك) و(الكشف) وغيرهما-: ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينين من البرية بإثبات الحقوق واستيفائها للمستحق»، وفي (مستند الشيعة)([245]) للمحقق النراقي: «القضاء: وهو ولاية حكم خاص في واقعة مخصوصة وعلى شخص مخصوص بإثبات ما يوجب عقوبة دنيوية شرعاً أو حق من حقوق الناس بعد التنازع فيه بنفي واحد منهما».
ويواصل هذا التعريف مسيرته في مدونات فقهائنا حتى عصرنا هذا حيث نقرؤه في الكتب التالية:
مصطلحات الفقه للشيخ المشكيني([246]) ففيه: «وهو في اصطلاح الشرع والمتشرعة: ولاية على الحكم، ومنصب مجعول من ناحية الله تعالى أو من ناحية المعصوم لمن كان واجداً لشرائط الإفتاء عارفاً بمسائل القضاء».
وجمع الشيخ زين الدين في رسالته (كلمة التقوى)([247]) بين التعريفين، التعريف المستفاد من المعجم العربي والتعريف الآخر الذي يذهب إلى أن القضاء ولاية الحكم، فقد عرّفه – بعد تعريفه الذي نقلناه في أعلاه- بما يلي: «والقضاء: ولاية شرعية مجعولة لمن كانت له أهلية ذلك، وليست مجرد واجب شرعي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يراه بعض الفقهاء».
وقد أشار إلى هذا الشيخ الأنصاري في كتابه (القضاء والشهادات)([248]) بقوله: «القضاء – لغة- يستعمل في معان كثيرة، منها: الحكم، وفي عرف الفقهاء استعمل تارة في الحكم بين الناس على الوجه المخصوص، وأخرى في الولاية الشرعية على الحكم المذكور، ولذا عُرِّف في كلام بعض كالروضة بالأول، وفي كلام آخرين بالثاني».
ويبدو لي أن الذين عرّفوا القضاء بأنه ولاية حكم أو ولاية على الحكم قصدوا التفريق بينه وبين القضاء في المذاهب الإسلامية من حيث إنه في الفقه الشيعي الجعفري لا يصح إلاّ بالجعل الشرعي من قبل المعصوم، وإلاّ فالولاية من لوازم القضاء الشرعي لأنها سلطة أو صلاحية يمنحها الشرع للقاضي ليوظفها في محالها المنصوص عليها، وليصح بها قضاؤه.
وإلى هذا يرمي الشيخ النجفي حيث يقول في كتابه (جواهر الكلام)([249]): «ولعل المراد بذكرهم الولاية بعد العلم بعدم كون القضاء عبارة عنها- بيان أن القضاء الصحيح من المراتب والمناصب كالإمارة، وهو غصن من شجرة الرياسة العامة للنبي ص وخلفائه عليهم السلام»([250]).
فالأقرب إلى طبيعة القضاء أن يعرَّف بالتعريف اللغوي لأنه مستمد من واقع طبيعة القضاء كمحاكمة وحكم، ولأجل أن يختص التعريف بالقضاء الإسلامي يقيد بقيد الشرعية. والمراد بالولاية-هنا- هو ما يعرّف في العرف القانوني والسياسي الحديث بـ (السلطة) والتي هي إحدى السلطات الثلاث.
ولهذا عرّفه (معجم المصطلحات الفقهية والقانونية)([251]) بأنه: «سلطة مستقلة تجاه السلطات الأخرى في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، لا يحدّ من استقلالها أيّ قيد لا ينص عليه الدستور».
ونلمس مما ذهب إليه فقهاؤنا من أن منصب أو وظيفة القضاء لا يكون إلا بالجعل الخاص أو الجعل العام من الإمام، في بحثهم عن الأدلة الدالة على مشروعية وشرعية القضاء بين الناس.
وفي البدء لا بد من التعرض لأصل مشروعية القضاء ثم التعرض لذلك:
استدل فقهاؤنا لذلك بالكتاب والسنة والإجماع، ففي (التنقيح الرائع)([252]) يقول مؤلفه المقداد السيوري: «القضاء مما به يتم نظام النوع الإنساني، والأصل فيه (يعني الدليل الدال على مشروعيته)»:
- الكتاب: في قوله تعالى: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)([253]) ، إلى غير ذلك من الآيات.
- والسنة: فإنه صلى الله عليه وآله بعث علياً قاضياً إلى اليمن، وبعث علي عليه السلام عبدالله بن العباس قاضياً إلى البصرة.
- والإجماع: «وهو ظاهر-هنا- فإنه لم يختلف فيه أحد من العلماء».
ومما يستفاد من الآية الكريمة:
- أن الخلافة التي كانت للنبي داود عليه السلام وهي تعني الإمامة والرئاسة العامة- لا تعتبر شرعية إلا إذا كانت بجعل من الله تعالى (إنا جعلناك).
- أن الحكم بين الناس الذي يعني القضاء هو فرع الرئاسة العامة، وحق من حقوق الرئيس نبياً كان أو إماماً.
ويؤيد هذا ما جاء في غير حديث من مرويات أصحابنا الإمامية في موضوع القضاء، أمثال:
- صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادق (ع): اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي»([254]).
- «والمروي في (مصباح الشريعة)المنجبر بعمل الكل: الحكم لا يصح إلاّ بإذن الله»([255]).
«قال الفقيه اليزدي: القضاء منصب جليل ومرتبة عظمى، وغصن من دوحة الرياسة العامة التي ثبتت للنبي ص والأئمة عليهم السلام ولمن يخلفونهم في هذه الرياسة العامة»([256]).
ويرجع هذا إلى أن من لوازم القضاء ولاية القاضي على من تترتب عليه الولاية، أي أن للقاضي السلطة على من يفرض القضاء سلطته عليه.
وفرض سلطة الإنسان على الإنسان خلاف الأصل، وهو – أعني الأصل- المبدأ الإنساني الذي أقرته الأديان الإلهية، وهو حرية تصرف الإنسان في مختلف شؤونه بما لا يضر بالآخرين بغير وجه حق.
ومن هنا نصَّ القرآن الكريم على أن الحاكمية التي تعني الولاية والسلطة هي لله تعالى: فقد جاء فيه:
- (إن الحكم إلا لله)([257]).
- (ألا له الحكم)([258]).
- (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون)([259]).
- (كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون)([260]).
ويترتب على هذا: أنه إذا كانت الحاكمية حق الله تعالى لا تكون لغيره إلا بإذنه.
وقد أذن سبحانه لأنبيائه بذلك، كما مرَّ بنا في الآية الكريمة (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق)، وكما في الآيات التالية التي فيها أذِن الله تعالى لنبينا محمد ص بالحكم، وهي:
- (إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس)([261]).
- (فاحكم بينهم بما أنزل الله)([262]).
- (وأن احكم بينهم بما أنزل الله)([263]).
- (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)([264]).
وقد تسلسل هذا الإذن من الله تعالى إلى النبي (ص)، ومن النبي (ص) إلى أوصيائه.
وقد استفدنا هذا من الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(ع) مثل: «فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي».
«قال المحقق النراقي: القضاء منصب عال عظيم، وشرفه جسيم، ولعلو مرتبته وسمو شأنه خص الله سبحانه تولية ذلك إلى الأنبياء والأوصياء من بعدهم- صلوات الله عليهم- ثم إلى من يحذو حذوهم ويقتدي بهديهم ويسير بسيرتهم من العلماء الآخذين علومهم منهم، المأذونين من قبلهم، بالحكم بين الناس بقضائهم»([265]).
ففي زمن حضورالإمام يتم نصب وتعيين القضاة من قبله، ويسمى هذا في عرف الفقه الشيعي الجعفري بالجعل الخاص والإذن الخاص والنصب الخاص لأنه يتحقق في حق شخص معيّن معروف بذاته، ويمكننا أن نطلق عليه عنوان (التعيين المباشر).
وفي زمن غيبة الإمام يكون تعيين القاضي من جهة الإمام تعييناً غير مباشر، وذلك بذكر مواصفات معينة متى توافرت في شخص كان له حق القضاء.
ويعبر عن هذا بالإذن العام والنصب العام والجعل العام، ويمكننا أن نسميه (التعيين غير المباشر).
وأهم ما استدل به الفقهاء على هذا الإذن العام هو:
– مشهورة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال: قال أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق ع: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»([266]).
– مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبدالله ع عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟
«قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً»([267]).
وهما واضحتان في الدلالة على نصب وتعيين الإمام للقاضي، وذلك بقوله ع: «فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» في الأولى، وقوله في الثانية: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً».
وأشارتا إلى أهم صفة يلزم توفرها في القاضي وهي العلم بالأحكام الشرعية المأخوذة من روايات وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، واستفادة الحكم منها عن طريق الإجتهاد، وهو ظاهر قوله عليه السلام: «من قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا».
وينسق على هذا أن نشير إلى أن القاضي الشرعي ملزم بأن يحكم بين المترافعين إليه والمتداعين عنده بالأحكام الشرعية التي يتوصل إليها عن طريق إعمال اجتهاده في استنباطها من مصادرها الشرعية.
والنصوص الشرعية على هذا كثيرة، منها الآيات التالية:
- (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاؤلئك هم الكافرون)([268]).
- (ومن لم يحكم بما أنزل لله فاؤلئك هم الظالمون)([269]).
- (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاؤلئك هم الفاسقون)([270]).
- (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)([271]).
- (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)([272]).
- (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك)([273]).
- (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)([274]).
وكلمة (الطاغوت) معرّبة عن الحبشية، ويراد بها كل معبود من دون الله، وبعد تعريبها توسع العرب في استعمالها إلى أن تشمل كل مرجع غير الله تعالى.
وهذا هو الفارق بين القضاء الشرعي حيث الالتزام بالأحكام الشرعية والقضاء المدني حيث يتمثل في «مجموع المحاكم التي تنظر في النزاعات بين الأفراد ويسوسها القانون المدني»([275]).
أما وسائل الإثبات في الدعاوى فهي:
1-الإقرار.
2- البينة.
3- اليمين.
4- علم القاضي.
وقد تسالمت كلمة الفقهاء المسلمين على الثلاثة الأولى، واختلفت في الرابع.
قال السيوري في (التنقيح الرائع)([276]): «ظاهر المذهب والدليل يقضيان بجواز حكم الإمام بعلمه مطلقاً، أي في سائر الأحكام، لمكان عصمته المانعة من الخطأ والدافعة لسوء الظن به، ولم نسمع في ذلك خلافاً لأصحابنا، أما غيره من الحكام ففيه أقوال:
الأول: قول ابن الجنيد إنه ليس له ذلك في شيء من الحقوق ولا الحدود، لأنه إذا حكم بعلمه فقد عرض نفسه للتهمة وسوء الظن.
الثاني: قول الشيخ في (الخلاف) و(المبسوط) أن له الحكم بعلمه في جميع الأحكام، سواء كانت من حقوق الله أو من حقوق الناس، وسواء حصل له العلم في حال ولايته أو قبلها، في موضع ولايته أو في غيرها وهو قول المرتضى.
الثالث: قول ابن حمزة بالفرق فيجوز في حقوق الناس، أما حقوق الله فلا يجوز، لابتنائها على التحقيق وشدة الضبط لشروطها، ولهذا لا يكتفي فيها بمجرد الإقرار مرة بل مع التكرار.
والمختار القول الثاني، لوجوه:
الأول: أن القضاء بالعلم رجوع إلى اليقين، وبالشهادة رجوع إلى الظن، ويستحيل في الحكم جواز الثاني دون الأول.
الثاني: لو لم يجز ذلك لزم إيقاف الأحكام أو فسق الحكام، واللازم باطل فكذا الملزوم.
بيان الملازمة إذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً بحضرته ثم جحد الطلاق كان القول قوله مع اليمين، فإن حكم بغير علمه وهو استحلال الرجل وتسليمها إليه لزم فسقه وإلاّ لزم إيقاف الحكم لا لموجب، ونظائره كثيرة.
الثالث: أحد الأمرين لازم، وهو إما عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب إظهار الحق مع إمكانه أو الحكم بعلمه، والأول باطل فيتعين الثاني.
بيان الملازمة: أنه إذا علم بطلان قول أحد الخصمين فإن لم يجب عليه منعه من الكذب والمنكر لزم الأمر بالأول أو يجب وهو الأمر الثاني أعني الحكم بعلمه وهو المطلوب».
وعلله السيد الخوئي بأنه”من الحكم بالعدل المأمور به في غير واحد من الآيات والروايات»([277]).
د. عبد الهادي الفضلي
القضاء والقدر
إن موضوع «القضاء والقدر» ومسألة «المصير» من المسائل العلمية والفلسفية التي طالما استلفتت إلى نفسها، أفكار كبار المفكرين في الإسلام، وقد ألف وصنف فيها علماء العقائد والمذاهب، وهكذا عظماء الفلاسفة في العالم، إلى اليوم.
وقد كانت صيغة السؤال الذي يطرح نفسه على أفكار السابقين في مسألة المصير، كما يلي: هل أن «القضاء والقدر» يسلبان الإنسان حريته؟! أم هل للعقيدة بالقدر من منتوج سوى «الجبر» وسلب”الاختيار»؟!.
في حين أن بين مسألة «القضاء والقدر» و«مشكلة الجبر» مئات الفواصل! فإن القدر لا يسلب الإنسان حريته بل هو مؤكد لحريته واختياره في أعماله وأفعاله وأقواله.
نعم: لم يلتبس الأمر على أحد من مفكري الإسلام إلا لجماعة من المتكلمين الأشاعرة فإنهم بعد أن طرحوا على أنفسهم هذا السؤال، لم يصلوا في محاولة الإجابة عليه إلا إلى تلك النتيجة المشؤومة! والتبس الأمر عليهم أشد الإلتباس، حتى أنهم قاسوا مسألة «القدر» بموضوع «الجبر» ولم يخرجوا من هذه العملية الحسابية إلا بنتيجة: التساوي!! في حين أن الكبار من الفلاسفة المسلمين الذين بقوا بمعزل عن النزعات الكلامية للأشاعرة والمعتزلة، وكانوا يفكرون في حلول أعلى من أفق هؤلاء الجدليين! أن هؤلاء ليس لأنهم لم يحسبوا «القضاء والقدر» ممّا ينافي حرية الإنسان فحسب، بل على العكس من أؤلئك تماماً: جعلوا «التقدير» من أدلة «التحرير”!.
وليس خفياً أن التفكير في أمثال المسائل، لأولئك الذين شوهت أفكارهم الشبهات، أو لم يحصلوا على التفكير الفلسفي إلا الضعيف منه… لا يخلو من إشكال وغموض، أو تعقيد فكري عنيف… إن هؤلاء يجب عليهم أن لا يطمعوا في قطع هذه المراحل العلمية العقائدية، اللهم إلا مع دليل محقق، وخبير بصير:
ومن أجل هذا أجاب الإمام علي عليه السلام حينما سئل عن القضاء والقدر فقال:
«طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه».
ولكن، لا كلام في أن هذا النهي الشديد، إنما يقصد به أؤلئك الذين لا يستطيعون الغوص في هذا البحر، وإلا، فإن الإمام عليه السلام هو الذي تحمل المسؤولية في فتح هذا الطريق، بتكفله للإجابة على نفس هذه المسألة لذلك الرجل الشامي، ولو كان ذلك ممنوعاً مطلقاً، لما كان الإمام يتقدم للإجابة على مثل هذا السؤال المحرم.
مضاعفات المسألة في العصور
هذا، وإن المسألة قد غيرت من لونها في هذا العصر، وأخذت تتلون بألوان وواجهات أخرى: فإن بعض الخبراء في شؤون الاجتماع، والمؤرخين من الغربيين – من دون أن يحملوا أنفسهم عناء البحث والمطالعة والتنقيب – تسالموا على نظرية «الجبريين» واتخذوها أصلاً مسلماً بين المسلمين وبنوا عليها أحكامهم الجائرة في كثير من المواضيع الإسلامية، اجتماعياً وتاريخياً. وإليك فيما يلي نموذجاً من أحكامهم هذه:
جعل بعضهم عقيدة المسلمين بالقضاء والقدر: السر في تقدم الإسلام السريع في فتوحاته، حتى أنه حسب اتباعهم لعقيدة «التقدير» سبباً للتطورات الاجتماعية العظيمة بين المسلمين، ابان شروق شمس الإسلام.
بينما قابله البعض الآخر بالعكس تماماً، قائلاً:
إن السبب الوحيد في تأخير المسلمين وانحطاطهم: إنما هو اعتقادهم بالقضاء والقدر:
يكفينا ما نرى بين هاتين النظرتين من التناقض، للاستدلال على سطحيتها، وعدم عمقها في الفهم.
ولو كانت الآراء الفاسدة في هذا المجال تقف عند هذا الحد، لكان لنا في ذلك شيء من الصبر والسلوان! ولكان الخطب مما يهون! فإن أخطاء هؤلاء المستشرقين في محاولاتهم للتحليل العقلي للمواضيع العلمية الإسلامية، لا تعد ولا تحصى! خصوصاً إذا لاحظنا أن مصادرهم العلمية العقائدية، في تحليلاتهم الفكرية والعقلية: إنما هي كتب الاشاعرة.
إلا أن المشكلة الكبرى في عدوى هذه الأفكار إلى عقول ثلة من شبابنا المسلمين، نرى هؤلاء: يرفعون عن أنفسهم مسؤولية ما هم فيه من البؤس والشقاء الفردي والجماعي، ويلقونها على عاتق «القضاء والقدر”! وبهذه الروح الانهزامية يبررون موقفهم، ويبرئون أنفسهم ومجتمعهم من كل قصور أو تقصير!.
إن في تفشي مثل هذه العقيدة الفاسدة في العناصر التي يجب عليها أن تكون هي الصانعة لمجتمعنا- كما هو المأمول- من الأضرار والمفاسد، ما لا تسع لشرحه هذه المقدمة الموجزة.
إن الهدف الوحيد الذي يشكل الحجر الأساس لهذا البحث، بين موضوعاته المختلفة ومطالبه المتنوعة: هو أن ينفي – بالأدلة والبراهين العلمية- ما ادعي من التساوي والترابط بين «القدر» و«الجبر» وأن يثبت أن القول بـ «القدر» لا يسبب «الجبر» أبداً، بل إن الإنسان هو الذي يصنع مصيره بنفسه، وأن ليس هناك أي عامل مستقل آخر يصنع للإنسان إرادته واختياره في مسيرته في هذه الحياة.
عقدة باسم المصير
تمتاز مسألة التقدير، والمصير، بين المسائل الفلسفية الأخرى، بميزتين أساسيتين، ميزاها عن سائر المسائل الفلسفية الأخرى:
الميزة الأولى: إن لهذه المسألة واجهة عامة، فإن لأكثر الناس – حتى الذين هم ضعفاء في التفكير الفلسفي- علاقة خاصة بهذه المسألة، فكل يفكر فيها بشكل من الاشكال ويود أن يعرف: من يصنع مصائر البشر؟! هل أن الإنسان هو الذي يصنع مصيره بنفسه؟. أم أن هناك عاملاً خفياً آخر يصنع له مصيره، وإنما هو كهشيم تذروه الرياح كما تشاء! أو كورقة على خضم الأمواج العاصفة الهوجاء! تقذف به كيفما تشاء!.
الميزة الثانية: إن لهذه المسألة أثراً كاملاً في تكييف الحياة، وروحيات الإنسان وأفكاره. إذ أن من البين: أن بين من يرى نفسه حراً مختاراً في حياته وعمله، وأنه هو الذي يصنع مصيره بنفسه.. ومن يعتقد أن هناك عاملاً آخر هو الذي يعيّن له مسيرته في الحياة، وأنه إنما هو «مجبور» على أن يسير في خطاه… تفاوتاً بعيداً.
إن من الطبيعي المحتم أن هذه النظرة الثانية لا تسبب إلا النظرة المتشائمة، والجمود، والانقباض. وإنما الإنسان على هذه النظرة القاتمة السوداء كحجر ألقي من السماء، فليس له إلا حظ واحد، وهو: أن يسقط إلى الأرض!.
إن هاتين الميزتين لهذه المشكلة، توجب علينا أن نفتح العيون ونعمق نظرتنا في التفكير في هذه المسألة، لعلنا نستطيع أن نبقى بمعزل عن هذه الآثار السيئة، المترتبة على النظرية الجبرية.
إن مسألة المصير و«التقدير» وإن كانت هي من المعارف القرآنية العالية، والمفاهيم الإسلامية القيمة.. فإنها من الدقة بمكان لو غفلنا عن التعمّق فيها لأودت بنا إلى إحدى الهوتين السحيقتين: إما «الجبر» وإما «التفويض».
إن المستشرقين الذين عرفوا الإسلام بأنه: دين جبري! إنما وقعوا في هذا الخطأ على أثر التباس معنى «التقدير» عليهم، وعدم معرفتهم بالمفهوم الصحيح لكلمتي”القضاء والقدر»، حتى أنهم فسروهما بما لا ينتج سوى «الجبر». هذا بالإضافة إلى أنهم لم يطالعوا من كتب الكلام في الإسلام سوى كتب جماعة من السنة، هم الأشاعرة ومن الواضح أن هؤلاء خالفوا في آرائهم المعتزلة والشيعة فلم يقولوا للإنسان بحرية مطلقاً! وإنما جعلوا البشر بالنسبة إلى أفعالهم كمثل المنشار بيد النجار، يقطع به ما شاء من الخشب، غير حر ولا مختار!.
اعتذارات واهية
كتب «آلبر ماله» في تاريخه يقول: لم يكن الإسلام في أيامه الأولى سوى الدعوة إلى العقيدة بتوحيد الله الخالق، ورسالة «محمد بن عبدالله». ثم أضاف علماء الكلام في الإسلام إلى هذه الأصول مسائل أخرى، منها: أن الله هو الذي يقدر مصائر الأمور، بما لا تغيير فيه ولا تبديل. وأسموه «الجبر».
إن «آلبر ماله» في كلامه هذا.. حيث كان يرى أن هناك تلازماً بين القول بـ «التقدير» و«الجبر» فلذلك حاول أن يخرج القول بالقدر من تعاليم الإسلام، وأن يصف هذه العقيدة: بأنها وليدة أفكار المتكلمين في الإسلام.
في حين أن اعتذاراً كهذا، عن وجود القول بالقدر في الإسلام، اعتذار في غير محله. فإن من له أقل اطلاع على المصادر في التشريع الإسلامي، يعلم أن «القضاء والقدر» من متن هذا التشريع. إلا أنه يجب عليه أن يحترز في تفسير القدر عن الإنحياز إلى أفكار الأشعرية المرتعشة!.
وكذلك «غوستاف لوبون» في كتابه «تاريخ التمدن العربي والإسلامي».. فإنه بعد أن تكلم حول القضاء والقدر في الإسلام، وأنهاه إلى القول بالجبر! أخذ يعتذر بقلة المصادر في ذلك، فقال: إن الآيات القرآنية النازلة بشأن القضاء والقدر، ليست بأكثر مما ورد بهذا الشأن في كتابنا المقدس.
وكان «السيد جمال الدين الحسيني» الشهير بالأفغاني يعيش انتشار هذه الأهواء المغرضة، أيام إقامته في باريس، فكتب للرد عليها «رسالة في القضاء والقدر» ونشرها في صحيفته الأسبوعية «العروة الوثقى» يقول:
واعتقد أولئك الإفرنج: أنه لا فرق بين الاعتقاد «بالقضاء والقدر» وبين الاعتقاد بمذهب «الجبرية» القائلين: بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله!. وتوهموا أن المسلمين بعقيدة «القضاء» يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء، تقلبها الرياح كيفما تميل… ومتى رسخ في نفوس قوم: أنه لا خيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون، وإنما جميع ذلك بقوة جابرة وقدرة قاسرة.. فلا ريب تتعطل قواهم، ويقفدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب، وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحولوا من عالم الوجود إلى عالم العدم.
ومع قطع النظر عن المجادلات الكلامية للمخالفين، فإن هذه العقيدة أصبحت عقدة حتى على بعض المتدينين والملتزمين. ولا سيما حين يرون في بعض النصوص الشرعية نسبة بعض الحوادث إلى التقديرات الإلهية. حتى إن كثيراً من الناس ينسبون كثيراً من الحوادث التي هم صنعوها بأيديهم، إلى الحظ والتقدير، كأن لم يكن هناك مؤثر في وجودها وتحققها، ولا يتحمل مسؤوليتها، سوى الحظ والتقدير، وأن الإنسان أمام القدر ليس إلا عبداً قناً، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
آراء متناقضة
والعجيب أن المخالفين قد فسروا القدر بتفسيرين متضادين، بل متناقضين، فأحدهم يرى أن الاعتقاد بالقدر عامل ركود وجمود. والآخر يراه عامل تقدم سريع للمسلمين الأوائل في صدر تاريخ الإسلام. وإليك الآن هذين التفسيرين المتناقضين:
1 – عامل ركود وجمود
زعم بعض من لا خبرة له بالأمور، أن الاعتقاد بالقدر عامل ركود وجمود!. وأن هذا الأساس الديني الذي لا بد من الاعتقاد به لكل مؤمن متدين، يمنع الإنسان المعتقد به عن كل أنواع السعي والعمل. ولذلك فهم يزعمون، أن أي دين أو مذهب أو مبدأ يؤمن بهذه العقيدة مبدئياً.. لا يستطيع أن يهب لأتباعه أي حركة أو نشاط أو حرية.. بل إنه يمنع المعتقدين به عن أي نوع من السعي والعمل لكسر القيود وتجاوز الحدود، فإنه يضع مسؤولية جميع الحوادث الفردية والإجتماعية على عاتق القضاء والقدر، ويسلب بذلك المسؤولية عن الأعناق، ويلقي بها إلى هوة الأعماق.
إن هؤلاء الذين لا خبرة لهم بأصول الفلسفة الإسلامية ولا معرفة لهم بحقيقة التقدير والقضاء والإلهي.. تصوروا، أن الذين يؤمنون بالتقدير الإلهي في نظام العالم، لا يعتقدون بغيره في سلسلة العلل العامة في هذه الحياة أبداً، ولا يحسبون لأي شيء آخر حتى لإرادة الإنسان في الحوادث الفردية والاجتماعية أي حساب.. إن القضاء والقدر بهذا المعنى الذي يلازم غض النظر عن نظام سلسلة العلل والمعلولات في هذه الحياة لا معنى له سوى الجبر الذي يبعد بدوره عن القدر بفواصل شاسعة..
وليست نتيجته سوى ما قالوه من الجمود والركود، والتأخر والتقهقر، وتعليل جميع الحوادث في الحياة بالقضاء والقدر.. ولكن هكذا قضاء، وهكذا قدر، مما لا تقبله أصول الفلسفة الإسلامية، ولا تؤيده الأصول المقبولة.
في حين، أن المعنى الصحيح للقضاء والقدر ليس إلا أن جميع الحوادث في العالم سواء كان من فعل الإنسان، أو عمل الحوادث الكونية الأخرى ليست إلا معلولة لسلسلة من العلل والمعلولات العديدة التي تنتهي إلى العلم والإرادة..وأن من تلك العلل إرادة الإنسان وتدابيره.. وأن مثل هذه العقيدة بالقضاء والقدر، والتي ترجع لسلسلة العلل والمعلولات إلى العلم والإرادة الفاعلية ليست عامل جمود وركود وتأخر! بل إنها باعثة للإنسان إلى النشاط والعمل الجاد، سعياً وراء السعادة.
2 – الباعث الوحيد لجنود الإسلام إلى
التفاني في سبيله
وهناك تفسير آخر للقضاء والقدر في الإسلام، يقابل التفسير الأول مقابلة الضد للضد، أو النقيض للنقيض، فإن النظرية الأولى فسرت القدر بأنه عامل تأخر! وهذه الثانية تقول فيه: إنه الباعث الوحيد للحركة والنشاط في النهضة الإسلامية، لتوسيع نطاقها في العالم!.
وتلك هي نظرية الكاتب الأمريكي الشهير «واشنطن أورنج» في كتاب له في التعريف بالإسلام والرسول محمد ص نقلها الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه، حياة محمد ص يقول:
القاعدة السادسة والأخيرة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية. وقد أقام محمّد ص جل اعتماده على هذه القاعدة لنجاح شؤونه الحربية، فقد قرر أن كل حادث يقع في الحياة قد سبق في علم الله تقديره، فكتب في لوح الخلد قبل أن يبرأ الله العالم، وأن مصير الإنسان وساعة أجله قد عينت تعييناً لا مرد له، فلا يمكن أن تتقدم وتتأخر بأي مجهود من مجهودات الحكمة الإنسانية أو بعد النظر. وبهذا الاقتناع كان المسلمون يخوضون غمار المعارك دون أن ينال منهم الخوف، فما دام الموت في هذه المعارك هو عدل الاستشهاد الذي يسرع بصاحبه إلى الجنة فقد كانت لهم الثقة بالفوز في حالي الاستشهاد والإنتصار».
إن مثل هذا التفسير للقدر إنما يتلخص في جبرية محضة، وذلك مما لا يطابق أي أصل من الأصول الإسلامية، فضلاً عن أن يكون مثل هذه العقيدة سبباً لتقدم المجاهدين في الإسلام. بل إن مثل هذا المعنى للقضاء لا يطابق حتى معتقد أولئك المسلمين الأوائل في صدر تاريخ الإسلام. ومن باب المثال نقول: إن أهم حروب الإسلام مع المشركين هي غزوات: بدر وأحد والأحزاب وحنين وإنما كان السبب في انتصار قوى الإسلام على قوى الشرك إيمان المسلمين، وصبرهم وثباتهم واستقامتهم فيها. والقرآن الكريم أيضاً يؤكد على هذا فيقول:
﴿يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾.
ففي الآية الكريمة، نرى أن اعتماد القرآن الكريم في انتصار المسلمين على المشركين إنما هو على الإيمان والصبر، لا على عقيدة القدر وأن مصائر الأمور كلها معينة قبل ذلك في اللوح المحفوظ، وأنها لا تغيّر ولا تبدل.
إن في واقعة بدر الكبرى التي كانت من أحسم الموافق الصارمة في تاريخ الإسلام، غلب فيها عدد يسير من دون أي عدة ولا عدد، وبدون أقل سلاح كافٍ، على عدد كان يقابله عدة مرات- ثلاث بل أكثر- شاك في السلاح الكثير، ولم يكن لذلك، أي سبب ظاهر سوى إيمان أصحابه (ص)، بالهدف الذي كان يدعوهم إليه، وباستطاعتنا أن نسمع هذا البيان على لسان اثنين من قواد تلك المعركة الحاسمة.
إن المقداد حينlا استشار النبي ص أصحابه للحرب أو الرجوع؟ قام إليه وقال: يار سول الله.. امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون.
وقام سعد بن معاذ فقال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.
إن هذه الكلمات وأمثالها في المقامات الأخرى، تدلنا على عامل النصر والظفر في هذه الحروب.. ولم يكن فيها أي أثر لعقيدة القدر.
نعم، إن العقيدة الجنة في الحالين: الشهادة والنصر – كما يقول «أورنج»- لمن العوامل الهامة في انتصارهم على أعدائهم، قطعاً، ولكن أين هذا القضاء، على أي تفسير أو تقدير؟!
إن غلطة «أورنج» هي أنه فسر التقدير في المصير بصورة جبرية، ثم زعم أن المتدين بالقدر يؤمن بأنه آلة لا إرادية بيد الألواح التقديرية المحفوظة عند الله تعالى وأنه ليس بالحر في ذلك ولا المختار! في حين أن لا ربط بين التقدير والجبر، وأن الذين ربطوا بينهما في علم الكلام، إنما أساؤوا الفهم في هذه العقيدة في الإسلام، وإلا فلا ربط بينهما أبداً. وسيتضح ذلك، بما نوافي به القراء في الأبحاث التالية:
– إن الجبريين يقولون: إن الله هو الفاعل الحقيقي الواقعي على الإطلاق، ولا أثر لنفس الإنسان فيما يفعله ويريده.
– بينما يقول التقديريون: إن الله تعالى حينما خلق الخلق، جعل للكون نواميس عامة، ثم أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها الطبيعية، وشاء بالإرادة الأزلية أن لا تحدث الحوادث في هذا العالم-ومنها أفعال الإنسان- إلا ضمن سلسلة عامة من العلل والمعلومات، منها إرادة الإنسان وإختياره.
وعلى هذا، فإن الإنسان، على عقيدة التقدير: حرّ مطلق اليدين في تقرير مصيره، وهو المخطط للخطوط العريضة العامة لحياته، لسعادته أو شقائه، في حاضره أو مستقبله، وهو المسؤول عن ذلك كله، وليس قضاء الله وقدره في خلقه بأكثر من تحرير الإنسان في إرادته واختياره في حياته ومصيره. وسيتّضح فيما يلي افتراق هذين المذهبين بالأدّلة والبراهين.
التقدير والمادّية الديالكتيكية
وقد أساء أصحاب الفلسفة الديالكتيكية أيضاً – في عصرنا الحاضر- الفهم من مسألة التقدير، وقالوا: إنّ هذه العقيدة أصبحت وسيلة من وسائل سلطة الطبقة الجائرة على الطبقة المحرومة! وإنما أشاعت الأديان والمذاهب هذه العقيدة بين الجماهير العمالية الكادحة، حماية لمصالح الطبقة المالكة، وذلك ليجعلوا الطبقة العاملة والفلاحين راضين بما هم فيه من الوضع المهين، ولا يفكروا في أي نهضة عمالية أو فلاحية.
ولقد فسّر هؤلاء مسألة القضاء والقدر بتفاسير عديدة، لا نحصل منها إلا على ما يلي: إنّ المتدينين يعتقدون أن جميع الحوادث الفردية والإجتماعية مخلوقة للخالق العظيم، ولا أثر لإرادة الأفراد والجماعات فيها، بل إنها مقدرة قبل ذلك مسبقاً في علم الله تعالى، فلا تغيير لها ولا تبديل!.
إن هكذا تفسير للقضاء والقدر، هو التفسير الجبري مئة بالمئة، والذي يخالف الأصول الإسلامية حسب الأدلة القطعية، ويبعد عن المعنى الصحيح للتقدير حسب نصوص الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، مئات الأميال والفراسخ!
وإني لأظن أن باستطاعتنا أن نعذر هؤلاء فيما فهموه من معنى التقدير، فإني أراهم في قصور لا تقصير، إذ ليس لنا أن ننتظر من أمثال هؤلاء الماديين، الذين لا يقيمون لروحانية الإنسان أيّ وزن أبداً، ولا يرون أي هدف من نظام العالم، أحسن من هذا المعنى، «وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح».
فإنّ للعقائد القلبية سلطاناً على الأعمال البدنية، فما يكون في الأعمال من صلاح أو فساد، فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها، وربّ عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى، ثم تظهر على النفس بأعمال تلائم أثرها في النفس، ورب أصل من أصول الخير وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم، أو تبليغ شرع، يقع فيها الاشتباه على السامع فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها.. فيتغير وجهها ويختلف أثرها.
ومن ذلك عقيدة القضاء والقدر، التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية الحقة.. فقد كثر فيها لغط المغفلين من الغربيين، وظنوا بها الظنون، وزعموا: أنها ما تمكّنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة، وحكّمت فيهم الضعف والضعة! ورموا المسلمين بصفات وأطوار حصروا علتها في العقيدة بالقضاء والقدر».
نعم! هذا ما يحمل بعض من لا خبرة له، على الطعن في دين من الأديان، أو عقيدة من العقائد الحقة، استناداً إلى بعض السذج المنتسبين إلى ذلك الدين أو تلك العقيدة فإن المغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل وتلك القاعدة سواء كانت العقائد الدينية، التي يضعها واضعوها للسير بالمجتمع قدماً إلى الأمام.. ولكنها بسبب الأمزجة السقيمة، والأوضاع غير المساعدة، تنتج نتائج غير مطلوبة ولا مرغوب فيها، بل معاكسة للأهداف تماماً، فكم من القوانين الوضعية التي وضعت في أمة ذات وضع مساعد فأفادت إفادة تامة وأصبحت من عوامل سعادتها ورقيها وتقدمها إلى الأمام إلى حياة افضل.. ولكنها بنفسها طبقت على أمة أخرى فأوجبت لها الانحطاط والشقاء.. وإنما ذلك لسوء الأوضاع فيها.
وعلى أي حال.. فإن الحقيقة هي ما قاله السيد جمال الدين فيما سبق، فإن الشرط الأساسي في الدرجة الأولى لفهم أي حقيقة دينية أو علمية أو فلسفية، هو النية الصادقة، والقلب الطاهر، والضمير الصافي، ليفهم في ظلها تلك الحقيقة كما هي، ولا يلونها بلونه المتكدر، وإلا فإنه سوف لا يفهم تلك الحقيقة، بل يقلبها كما تشاء له أهواؤه وآراؤه.
وعلى هذا، فلا عجب ولا استغراب، أن نرى الماديين في القرن العشرين يفسّرون التقدير بصورة انتجت: أن أرباب الذهب والقوة، أشاعوا هذه العقيدة بين طبقات المحرومين الكادحين، ليلقوا بذلك مسؤولية حرمانهم على عاتق التقدير الذي لا يقبل التبديل والتغيير! فيخمدوا بذلك مشعل ثورة الجماهير الكادحة!.
ليس الغرض من هذه العقيدة «القضاء والقدر» إلا إخماد ثورة العمال والفلاحين، والعبيد الكادحين، بوجه الأشراف والبرجوازيين والأرستقراطيين!
إذ أن هذه الفكرة إنما حملت من قبل تلك الطبقة الجائرة، على المجتمع البشري، لتكون صبراً وسلوى للطبقات الفقيرة، فإن مجاري الأُمور- على هذه العقيدة- ترتبط كلها، خيرها وشرها، زينها وشينها، بقضاء الله وقدره، الذي لا محيص عنه، ولا مفر منه إلا إليه، ولا تغيير لها ولا تبديل، ولا صرف عنها ولا تحويل، فلا ثورة عليها ولا نهضة، ولا تمرد عليها ولا لحظة.
إن أجحف التفاسير للتقدير، هو هذا التفسير الذي يقدمه الماديون في القرن العشرين وذلك، لأن هذا المادي إذا كان يفسر التقدير بأنه مخدر الجماهير! فعليه أن يعلم أن نفس هذا المعنى موجود في نظريته المادية بصورة أخرى، وذلك، لأنه بناء على أصل العلية المادية، المقبولة لدى النظرية المادية، لا بد لكل معلول من علة خارجية، ولا يوجد المعلول لولا وجود علته. وهذا هو بعينه «القضاء التكويني» الذي نحن نقول به، بالإضافة إلى علم وإدراك به من قبل الخالق الحكيم. وكذلك المعلول – في النظرية المادية- لا يجد حدودها الخارجية، إلا على مدى ضوء علته الوجودية، وهذا هو أيضاً نفس «التقدير التكويني» الذي نحن نقول به. فما الفرق؟.
إن هذا الأصل المادي، وهو أنه لا يوجد المعلول إلا بوجود العلة، وكذلك، لا يجد المعلول حدوده الوجودية إلا من قبل العلة، ليشابه ما يقول به الإلهيون من القضاء والقدر تماماً،. غاية ما هنالك، أن المادي يقف عند العلة المادية ولا يتجاوزها إلى ما وراءها، ولكن الإلهي يقول بوجود علة عامة فيما وراء جميع هذه العلل، وهو يعلم بكميتها وكيفيتها وحدودها جميعاً، علماً أبدياً أزلياً سرمدياً، ويعبر عن هذا بالقضاء والقدر. فلو كان هذا العلم الأزلي من الخالق الحكيم بمقادير مخلوقاته محذوراً لكانت العلل المادية التي تحدد وجود المعلول وتوجب تحققه هي بنفسها أيضاً موجبة لذلك فكيف تنتقدون نظرية «التقدير الإلهي» ولا تقولون بمثل ذلك في نفس النظرية المادية على قولها بنظام «جبر العلية»؟!
إن هذا بعيد عن الإنصاف، وقول بالاعتساف، أن ينتقد المادي عقيدة المؤمن بالتقدير الإلهي، ويحسبها تسلية للمحرومين، ومخدرة لثورة الجماهير الكادحين. في حين أن الاعتقاد بالقضاء والقدر، الذي لا يعني إلا بوجوب وجود المعلول بعد علته، وتحدده من قبله، لا يخالف الأصول الفلسفية للنظرية المادية أيضاً. بل لا فرق بينها سوى أن الإلهي يقول بوجود علة عامة فوق سلسلة هذه العلل الطبيعية، وهو يعلم بضرورتها ومقاديرها، والمادي لا يقول بهذا وإنما يقول بنفس العلل التي توجد معلولاتها وتحددها بحدودها الوجودية.
ولكن على هؤلاء الماديين الذين يرون التفكير في ما وراء الطبيعة من سيئات آثار الانحطاط الاقتصادي وتدهور الأمم والشعوب، أو يحسبونه عامل التأخر والجمود ولهم في القضاء والقدر أيضاً مثل هذا النظر. أقول: على هؤلاء أن يعلموا أننا حينما نبحث في الاعتقاد بالقضاء والقدر، فالحوادث الكونية التي لا تدخل تحت إرادة الإنسان واختياره، خارجة عن موضوع بحثنا بما لها من الأثر، من خير أو شر- إن كان-.
فإن الإنسان سواء كان يعتقد بالتقدير- في مثل هذه الحوادث الكونية- أم لا، لا مفر له منها إلا إليها، فإن الإنسان اليوم لا يمكنه بعد أن يتنبأ بها أو أن يغيرها، وليس لعقيدته بالتقدير في إيجادها أو دفعها أي تأثير، وإنما المحسن والمسيء فيها سيان المعتقد والمنكر متماثلان، وقد قال الله تعالى من قبل:
﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
وإنما الذي نقوله نحن فيما عدا هذه الحوادث الكونية: إن الإنسان هو الذي يصنع مصيره بنفسه، وبأعماله وأفعاله وأقواله، وإن مسيرته في حياته اليوم تشهد بما يلاقيه في غد أو بعد غد.
وعلى هذا، فإننا إذا كنا في حالة اقتصادية مزرية، أو كانت تحكمنا أنظمة دكتاتورية ظالمة مستبدة فإنما كل ذلك من سيئات آثار سكوت المجتمع عنها، وإلا فإن بيده التقدير إن أراد التغيير!.
فليس قضاء الله –القضاء العلمي الذي سوف تقفون على شرحه- في تصور الأمم، سوى أن أي أمة اختارت أي طريقة في الحياة، بكامل حرّيتها واختيارها، فإنه سوف يقضى بها عليها! فإنه لم تدع الأديان الناس إلى الاعتقاد بالقضاء والقدر، إلا وقرآنها ينادي برفيع صوته:
﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
وبعد هذا فكيف لنا أن نقول: إن الهدف من عقيدة التقدير هو تخدير الجماهير، وإخماد الثورات العمالية، وخنق صيحات العبيد على الموالي! في حين أن الذين بنوا أساس هذه العقيدة، ووجهوا الجماهير إليها، هم الأنبياء والمرسلون، والقادة الإلهيون. الذين هم بأنفسهم كانوا من أوساط الأمم الفقيرة وكانوا يدعون الى حماية حقوق المظلومين. بل لم يكن لهم أي هدف سوى أن يكسروا قيود الظالمين، ويحرروا المستعبدين. وكان أول من يؤمن بهم من الطبقات الكادحة وسكنة الأكواخ لا القصور.
صحيح أن كل ما يجري في هذه الحياة، إنما يجري بسابق علم الله تعالى، ولكن علم الله ورضاه لم يتعلق بعبودية جماعة من بني الإنسان لجماعة منهم آخرين وإحباط أية محاولة لتحريرهم من أيدي المستعبدين. وإنما تعلق علم الله وإرادته الأزلية بتحقق كل معلول على أثر وجود علته، ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فإن العلة غير شاعرة بنفسها، كالنار غير شاعرة بحرارتها، فقد قدر الله لها أن تحرق كل ما أتت عليه حتى لا تبقي ولا تذر غير شاعرة ولا مختارة. ولكن إن كانت هذه العلة شاعرة مريدة مختارة كالإنسان، فقد قدر الله تعالى له أن لا تبدو منه أية بادرة، إلا شعوره وإرادته واختياره. وإن كانت هذه العلة هي المجتمع بصفتها الاجتماعية، فقد قدر الله أن ليس لها من السعادة إلا ما سعت في سبيله. وإن هكذا قضاء ليبعد عما فهمه الماديون مئات الأميال.
مثلاً: قدر الله تعالى مصير الأمة التي تعتاد الراحة والدعة والاطمئنان، وليس لها من همها إلا مطعمها ومشربها أن تصبح أسيرة بأيدي المستعمرين، وتقع فريسة لظلم الأقوياء الطامعين.
ولكن تقديره تعالى، في أمة يقظة رشيدة، وعاملة نشيطة أن تصبح قرينة السعادة والسيادة.
نعم، مضت سنة الله في خلقه، أن أي أمة اعتادت الشهوات، أن تذوق في نهايتها الهلاك:
(وإذا أرادنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا).
أفهل تفيد هذه الأيات البينات سوى أن الأمم يجب عليها أن تؤمن بسنن الله التكوينية في عوالم هذه الطبيعة، وأنها هي التي تصنع مصيرها بنفسها، وتخطط لمستقبلها بيدها، وتحظى بالسعادة أو الشقاء بإرادتها.
فهل معنى «التقدير» بعد هذا، سوى أن إرادة البشر واختياره –بالإضافة إلى ما في ضمنها من عوامل الوراثة والبيئة والمحيط – هي التي تؤثر في مصيره ومستقبله.
القضاء والقدر
في المصادر الإسلامية
يواجه الكثير منا في حياته سلسلة من الحوادث الفجائية غير المتوقعة، والتي لم تخطر على باله قبل أن تقع. وكم غيرت هذه الحوادث الفجائية أوضاعاً وأحولاً، فردية واجتماعية وسياسية، وكم خيبت من الظنون والآمال، وكم سفهت من أحلام، وكم حيرت بذلك المفكرين من ذوي العقول النيرة.
في هذه الظروف يفكر الإنسان في نفسه ويتساءل: من أين هذه الحوادث؟! وبيد من تكون خيوط هذه الحياة؟! إن كان الإنسان هو المخطط لحياته هذه، من دون أن يكون من ورائه يد عاملة لا ترى، فلماذا يخيب في ظنونه وأماله؟! ولماذا تخطئ تقاديره وفروضه وحساباته؟! وإن كان هناك عامل آخر من ورائه لا يُرى فمن هو يا ترى هذا الذي يفند أتعاب هذا الإنسان ويقذفها أدراج الرياح؟! ويخنثها عند وصولها إلى نتائجها ومحاصيلها؟!
وهكذا، وفي غضون هذه الأفكار المتضاربة، تتشكل عند الإنسان- أي إنسان- فكرة فلسفية. وتنمو وتنشأ مع سير الزمن وتكرر الحوادث ونضوج الأفكار شيئاً فشيئاً. وهكذا يتأسس عند الإنسان أساس مسائل «القضاء والقدر، والجبر والاختيار» وكل يحاول أن يجد حلاً لعقدة هذه المشكلة.
وعلى هذا، فلا يمكننا أن نقف على تاريخ معين لبدء ظهور هذه المسألة على مسرح الأفكار في الحياة. لأنها كانت تطرح نفسها على فكرة الإنسان منذ أن تعرف على ألف باء الحياة. وهكذا كانت تطرح نفسها عليه في مختلف الأزمان والعصور، بمختلف الأشكال والصور، ويقول فيها الكثير أو القليل. وهكذا أسس أساس الفلسفة في المسائل العامة في الحياة.
وأما المسلمون، فإنهم بالإضافة إلى ما قلناه من أنها كانت فكرة إنسانية، تطرح نفسها على الإنسان أينما وجد، فقد كانت لهم دوافع أُخرى وسعت فيهم دائرة البحث والتنقيب حول هذه المسألة- بصفتها الإسلامية- حتى ألّفوا فيها الكتب والرسائل الكثيرة.
والدافع الأول الذي دفع بالمسلمين إلى البحث حول هذه المسألة، هي الوجهة الخاصة التي اتجهها القرآن الكريم في عرض المسائل الإيجابية، والتوجيه إلى تفهم المعارف العقلية العامة، فالقرآن هو الرصيد الكبير، والدافع الأول الذي دفع بالمسلمين إلى أن يلتهموا في قليل من الزمان، الفلسفة اليونانية الموروثة في مائتي مادة، فيؤسسوا بها، وبرصيد القرآن، وأحاديث النبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، فلسفة إسلامية جامعة ومتقدمة ومستقلة وبناءة، تشتمل على «خمسمائة مادة”!
ولذلك، فأنت ترى أنه لم يمض على تاريخ الإسلام أكثر من نصف قرن بل اقل، حتى أصبحت مسألة «القضاء والقدر» مثار الأبحاث في الأوساط العلمية.
ومن ذلك في نهج البلاغة:
- لما انصرف أمير المؤمنين من صفين إ أقبل شيخ فجثا بين يديه ثم قاله له:
- يا أمير المؤمنين. أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدر؟!.
- أجل يا شيخ… ما علوتم من تلعة ولا هبطتم من وادٍ إلا بقضاء من الله وقدر.
- عند الله أحتسب عنائي، يا أمير المؤمنين.
- مه! يا شيخ، فوالله لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون. ولم تكونوا في شيئ من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين.
- كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين، وكان «بالقضاء والقدر» مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟!
- أوتظن أنه كان قضاء حتما، وقدراً لازماً؟! إنه لو كان كذلك لبطل «الثواب والعقاب» والأمر والنهي والزجر من الله، وسقط معنى «الوعد والوعيد» ولم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب!! تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان، و«قدرية» هذه الأمة ومجوسها. إن الله كلف «تخييراً» ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يعص مغلوباً. ولم يطع «مكرهاً» ولم يملك «مفوضاً» ولم يخلق السوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين منذرين عبثاً!! ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار.
القضاء والقدر في القرآن والحديث
جاء ذكر القضاء والقدر في كثير من آيات القرآن الكريم، وأحاديث عن النبي وأهل بيته الطاهرين. ولعل أوضح آية في ذلك هذه الآية.
﴿ومآ أصاب من مُّصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلَّا فِى كتابٍ مِّن قبل أن نَّبرأها إنَّ ذلك على الله يسيرٌ﴾.
فإن هذه الآية تصرح بتسجيل الحوادث كلها قبل حدوثها في كتاب، اما ما هو هذا الكتاب؟ أهو القلم؟ أم اللحوح المحفوظ؟ أم غير ذلك فسنبحث عنه.
وأما أحاديث النبي والأئمة عليهم السلام فهي اكثر من ان نحصيها في هذا المقال إلا أنّا نذكر هنا نموذجاً منها:
فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«من زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله».
ومن طرق غير الشيعة عنه صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن الله أمر القلم فقال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة».
«لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره».
إن وجود مثل هذه الآيات والرويات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الطاهرين عليهم السلام من الشيعة وطرق غيرهم، والمروية لنا في أصول كتبنا وكتبهم، خير دليل على أن المسلمين إنما بحثوا موضوع «القضاء والقدر» وكذلك «الجبر والاختيار» وما يترتب عليهما على ضوء آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم، في حياة الرسول أو بعده بقليل. ولا معنى- مع وجود جميع هذه الآيات والأحاديث التي يصلح كل منها أن يكون الدافع لبحث الموضوع- أن يكون المؤسس لهذه المباحث «معبد الجهمي» مقتبساً ذلك من شخص فارسي مجهول يدعى «سنبويه» وذلك في أواخر القرن السابع الميلادي، في دمشق.
ذكر هذه النظرية، المستشرق «أدوار بروان» في كتابه «تاريخ الأدب الفارسي» ثم أضاف ينقل عن صاحبه المستشرق «فن كرمز» أنه يقول: إن محل تكوين هذه المعتقدات المعقدة، وتكاملها، كان في دمشق، وبإشراف المتألهين «بيزانس» وبالأخص «يحيى الدمشقي» وصاحبه «ثيودور أبو قرة».
ونحن لا نشك أن الباعث لهؤلاء المستشرقين على نظريتهم هذه، ليس إلا لأنهم يريدون أن يردوا الفضل في إلقاء هذه المباحث العقلية الفلسفية بين المسلمين، إلى المتألهين الأرباب المسيحيين في دمشق في حين أن هذا يناقض الحقائق التاريخية المسلمة، وذلك لأن «معبد» كان من التابعين ومن تلامذة الحسن البصري. وقد رأينا فيما سبق آنفاً أن بعض أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كانوا قد بحثوا في ذلك معه وكان ذلك في عام 38هـ. هذا بالإضافة إلى أن في آيات القرآن الكريم في «القدر» ما يكفي لأن يكون باعثاً للمسلمين إلى البحث في هذا الموضوع.
ما هو معنى كلمتي القضاء والقدر:
وقبل أن نبين حقيقة «القضاء والقدر» في نظر القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية، وعلى مقتضى أصول الفلسفة الإسلامية، ينبغي لنا ان نستوضح معنى هاتين الكلمتين في نظر العرف واللغة العربية.
أما كلمة القضاء: فقد استعملت في القرآن الكريم في معانٍ مختلفة، حتى ادعى الشيخ المفيد شيخ الكلام في الإسلام: ان لفظة القضاء استعملت في القرآن في جميع تلك المعاني، واستدل لكل معنى بآية، وعد من المعاني، الأمر، والإيجاب، والاخبار، والأعلام، والفراغ والإتمام، والحكم والقضاء. ومن أراد الوقوف على ذلك فليراجع شرح عقائد الصدوق ص19.
وقد حدّد بعضهم لهذه الكلمة عشرة معان، واستدل لكل معنى بآية.
وحدّد العلامة الحلي لهذه الكلمة ثلاث معان في كتابه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد».
ونحن لا يهمنا الآن أن نعدد معاني هاتين الكلمتين، وإنما يهمنا أن نعرف الحقيقة الواحدة لجميع هذه المعاني المتعددة، وإنما جميعها إنما تحكي عن روح واحد يجري في الجميع، وعن حقيقة واحدة سارية في الجميع.
وأول من تنبه لهذه الحقيقة، وهو أول مَن صنف في أصول الألفاظ المختلفة المعاني، في كتابه «المقاييس» وهو اللغوي المعروف «أحمد بن فارس بن زكريا» فهو يقول:
ليس لجميع هذه المعاني المتعددة «للقضاء» سوى أصل وأحد، هو: إنجاز عمل بإتقان واستحكام تام.
فمثلاً: حيث إن الله تعالى قد بنى السموات بحكمة تامة، عبر عن ذلك بـ «قضى» حيث قال تعالى:
﴿فقضاهنَّ سبع سماوت﴾.
وبما أن الحكم الشرعي لا يكون إلان عن إتقان، والحاكم به لا يحكم إلا بإتقان، يعبر عنه بـ «القاضي» وعن حكمه «بالقضاء» ومنه قوله تعالى:
﴿وقضى ربُّك ألَّا تعبدوا إلَّا إيَّاه وبالوالدين إحسانا﴾.
وبما أن الموت إذا أتى لا يكون إلا حتماً مقضياً، يعبر عنه بـ «قضى» فيقال: قضى نحبه، وقال تعالى: ﴿فيمسك الَّتي قضى عليها الموت﴾.
أما «الراغب الأصبهاني» في «المفردات» فإنه يصور لنا أصلاً آخر لهذه الكلمة، ويقول:
«إن حقيقة «القضاء» في العرف واللغة: هو القول الفصل، أو العمل الصارم».
ثم طبق كثيرأ من الآيات السابقة على هذا المعنى.
ونحن بإمكاننا ان نقول: إن أصل كلا المعنيين يرجع إلى معنى واحد، فإن القول الفصل والعمل الصارم، لا يكون إلا إذا كان عن إتقان واستحكام تام.
إذن فالنتيجة واحدة، وهي: إن أي قول أو عمل، إذا كان متقناً محكماً، وجاداً قاطعاً، وفاصلاً صارماً، لا تغيير فيه ولا تبديل، فذلك هو القضاء.
أم القدر: فإن موارد استعماله تدل على معنى: الحد والمقدار. وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن بمعان متعددة:
﴿أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها﴾.
﴿قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾.
﴿والله يقدِّر الَّيل والنَّهار﴾.
﴿ومن قُدر عليه رزقه﴾.
﴿وما ننزِّله إلِّا بقدر مَّعلوم﴾.
يقول ابن فارس:
«القدر، بفتح الدال وسكونه، لحد كل شيء ومقداره، وقيمته وثمنه. ومنه قوله تعالى: ﴿ومَن قُدر عليه رزقه﴾ أي: قدر بمقدار قليل.
ويقول «الراغب الأصبهاني» في كتابه «المفردات»:
«التقدير في الأمور بمعنى: إن الله بمقتضى حكمته البالغة، خلق الأشياء مقدرة بمقادير معيّنة خاصة. إذ أن المخلوقات على نوعين: نوع خلق بمقدار معين دفعة واحدة، من دون تدرج في ذلك، وهي الموجودات المجردة، كالجماد مثلاً، دون الحيوان والنبات.
ونوع خلق أو يخلق وفق مراحل زمنية تدريجية معيّنة خاصة، حتى يبلغ إلى هدفه المنشود له، كنواة النخيل مثلاً، فإنها موجودة بالفعل، ولكنها لا تكون نخلة إلى بعد مقدار طويل من الزمن، وكنطفة الحيوان والإنسان مثلاً، فإنها أيضاً تحتاج إلى اجتياح مراحل معينة من الزمان حتى تصبح حيواناً أو إنساناً. فنقول: إن الله تعالى قد قدر لتلك النواة أو لهذه النطفة، هذه المراحل الزمنية المعينة لتسير بها حتى تصل إلى الغاية من خلقتها».
ولعل في قوله تعالى: ﴿ والَّذي قدَّر فهدى﴾ إشارة إلى هذه الحقيقة، ومعناه أن الله تعالى قدر المخلوقات بمقادير معيّنة، ثم خلقها وهداها إلى غاياتها.
وقد جاء هذا المعنى بوضوح فيما رواه يونس بن عبد الرحمن عن الإمام الرضا عليه السلام قال: «أتعلم ما القدر»؟ قلت: لا، فقال عليه السلام:
«هي الهندسة ووضع الحدود، في البقاء، والفناء» ثم قال عليه السلام: «والقضاء هو الإبرام، وإقامة العين».
ولتوضيح الحديث نقول: إن العاقل إذا أراد أن يفعل فعلاً أو يعمل عملاً، فلا بد له من أن يقدر في نفسه حدود ذلك الفعل أو ذلك العمل.
فالخياط مثلاً، لا يمد يده الى القماش لتفصيله، حتى يقدر في ذهنه القماش على صاحبه، ثم يفصله على ذلك المقدار.
وكذلك النجار، لا يمد يده إلى المنشار، حتى يقدر في ذهنه الخشب، ومقدار الحاجة إليه للباب أو الشباك.
وهذا هو معنى «التقدير».
و«القضاء»: هو القطع والإبرام في إيجاد الشيء على مقداره في الوجود الخارجي.
وقد صرح الإمام الرضا عليه السلام في هذه الرواية بكلا المعنيين، ففسر «القدر» بـ «وضع الحدود» و«القضاء» بـ «الإبرام».
المعنى الأول للمصير
المصير: هي السنن الكونية.
أثبتت الأبحاث السابقة: أنه لا يعني كلمة «القدر» في لغة العرب سوى «التحديد»، و«القضاء» سوى «الإبرام».
وبقي علينا الآن أن نعرف ما هو المقصود من هذا «التقدير» وهذا «الإبرام»؟
لكبار العلماء المسلمين وجهات نظر مختلفة في تفسير التقدير وتوجيه المعنى الصحييح للمصير.
وسنعرض نحن هذه المعاني المختلفة في فصول متتالية نقارنها بالأصول الفلسفية، ونثبت بالتالي بالأدلة العلمية القاطعة، أن أي واحد من هذه المعاني المختلفة لا يستلزم الجبر، بل بينها وبين الجبر فواصل بعيدة.
وأول هذه المعاني أن «التقدير» هي السنن الكونية.
وتوضيحه:
من المؤسف، ان أكثر الناس لا يحملون لكلمة «القدر» في أذهانهم وتصورانهم معنى طيباً، بل ربما ترتعد فرائص بعضهم عند سماعه لهذه الكلمة، إذ يظنه عاملاً خفياً خارجاً عن سنن الحياة، يؤثر على إرادة الإنسان واختياره تأثيراً مباشراً. فقد يؤثر تأثيراً إيجابياً يضطر الإنسان به إلى القيام بفعل خاص، وقد يؤثر تأثيراً سلبياً يوقف الإنسان عن عمله قهراً.
إن «التقدير» في أفعال العباد الاختيارية بهذا المعنى ليس إلا أسطورة خيالية فقط، فإنه ليس لنا ان نبحث عن معناه إلا في إطار حياتنا التي نعيشها، وليس لنا أن نتصور له أي معنى فيما وراء إرادة الإنسان واختياره.
ولكن هذا من الصعب جداً على أولئك الذين قد شِيبَت أفكارهم بتلك التفاسير الخاطئة عن «القدر» ويكون له التأثير على إرادة الإنسان، بالسلب أو الإيجاب. وذلك، لأن هؤلاء اعتادوا أن يلقوا المسؤولية عن أكثر أخطائهم وحرمانهم في الحياة على عامل آخر، يكون بزعمهم خارجاً عن إطار الحياة الطبيعية، يدعى القدر ليخففوا بذلك عن كواهلهم أعباء المسؤوليات كلها.
ومن الجدير بالذكر، أن هذا لا يخص الشرقيين فقط، فحتى الغربيون والمتغربون من أبنائنا اعتادوا هذا الأمر الخاطئ. إلا أنهم أنكروا اسم «التقدير» وأقروا بمكانه عاملاً آخر- يغاير القدر بزعمهم- أسموه «الحتمية التاريخية» وأخذوا يلقون على عاتقه المسؤولية عن قصورهم أو حتى عن تقصيرهم في الحياة!
في حين ان من الواضح على ذوي البصائر وطالبي الحقيقة، أن ليس «للقدر» أو «حتمية التاريخ» أي اثر على إرادة الإنسان واختياره مطلقاً، وأنه ما لم يبد من نفس الإرادة والاختيار فلا تصدر عنه أية صادرة أو بادرة وسيتضح هذا جلياً إذا نحن استعرضنا السنن الإلهية العامة في الحياة، والتي هي في الواقع، حقيقة «القضاء والقدر».
مقدرات الخالق العظيم في الكون
نستفيد من كثير من الأحاديث الإسلامية، أن حقيقة «القضاء والقدر» إنما هي السنن الإلهية في هذا الكون الرحيب، بما فيه حياة هذا الكائن الحي «الإنسان» على ظهر هذا الكوكب «الأرض» التي تحكمنا جميعاً والكون في آن واحد على السواء. وأن لا «قضاء» لله ولا «قدر» سوى هذه السنن الكونية. وأن الغرض من قولنا «مقدرات الله» إنما هي هذه السنن والأنظمة العامة الشاملة للكون بما فيه الإنسان. وأن تأثير هذه القوانين في حصول السعادة أو الشقاء للإنسان قاطع لا يتخلف مما لا مفر منه لأي إنسان. إلا أننا مع ذلك أحرار فيما نريد ونختار من مجاري هذه السنن والنواميس الصارمة. ولمزيد التوضيح أمعن النظر في هذه الأمثلة التالية:
1- من «التقدير الإلهي» على أمة يعيش أكثر أفرادها في الفقر والحرمان، ليس لهم من وسائل العيش والرفاه حتى القليل. وإنما يعيش الرفاه أناس معدودون، بالظلم والتجاوز على حقوق الآخرين، وامتصاص دماء المضظرين، وإهدار حقوقهم وكرامتهم. أقول: من التقدير الإلهي على هؤلاء، أن لا يروا الراحة ولا الهناء، بل ولا يعيشوا إلا حياة القلق والإضطراب. خوفاً من ثورة الكادحين، وحذراً من بطشة المحرومين، وبالتالي لا يكون إلا ما يجذرون!
بينما «تقديره» تعالى، على أمة تعيش آلام المحرومين، وآمال الكادحين، وتهيئ لهم الحياة اللائقة بهم وتقلل من غلواء الطبقات المرفهة عليهم، وتأخذ منها لهم حقوقهم التي جعلها الله لهم: ﴿والَّذين في أموالهم حق معلوم، للسآئل والمحروم﴾ تقديره تعالى في هؤلاء، ان يعيشوا عيشة الثبات والاستقرار، والرقي والتقدم، والتحرك والبناء.
وهذان التقديران واضحان محسوسان، مما لا شك فيهما لأحد أبداً. ويستوي أمامهما جميع أمم العالم أجمع. في حين أن ليس هناك خارج إطار إرادة الأمة واختيارها، أي عامل آخر يجبرها على اختيار أحد التقديرين. فنحن باتباعنا، أما العقل والحكمة، أو الغرور والشهوة، نختار أحد التقديرين، وعلى كلا الحالين، فالنتيجة التي تعود إلينا من اختيارنا هنا، تكون بقضاء الله تعالى، فإنه سبحانه هو الذي أودع في الكون هذه السنن والمقدرات وهو الذي قضى بها بعد، على سالكيها. ولكنه تعالى جعلهم أحراراً في اختيار سلوك أحد الطريقين.
2- إن الشاب الذي يبدأ حياته بإمكاناته الحرة، وأعصابه المتماسكة، وذكائه المعتدل. لا بد له من أحد تقديرين يفضيان إلى أحد مصيرين مختلفين، كلاهما من قضاء الله وقدره، ولا بد له من اختيار أحدهما.
فإن اختار أن يصرف إمكاناته المادية المعنوية في سبيل تحصيل العلوم والفنون، أو الكسب والتجارة فله تقدير حياة سعيدة رغيدة هانئة.
ولكنه إن اساء الإستفادة من رصيده المادي والمعنوي وصرف جميع إمكاناته في الشهوات والملذات الزائلة، التي لا تنتج إلا ضياع العمر والحياة معاً، فعله من «التقدير» أن يهمل في الحياة، فلا يخرج منها إلا بشق الأنفس.
والتقديران أيضاً كلاهما من الله تعالى. ولكن الشاب كان حراً في اختيار أحد السلوكين. والنتيجة التي ألزم بها من جراء عمله، بقضاء الله وقدره. كما أن له أن يرجع من أثناء الطريق، فيختار لنفسه تقديراً آخرا، ويغيّر مصيره. وهذا أيضاً يكون من تقدير الله عزَّ وجلّ، فإنه هو الذي خلقنا وخيرنا، وأذن لنا في التوبة وأن نغير بذلك تقديرنا في «المصير».
3-إن المريض الذي يقع صريع المرض، طريح الفراش، أيضاً أمامه طريقان:
إما أن يعالج نفسه بالأدوية والعقاقير المقررة، ويستشير في ذلك الأطباء والحكماء والدكاترة والخبراء، ويرجو من الله الشفاء. فعسى الله أن يشفيه. أو يهمل نفسه، ولا يراجع أي طبيب، ولا يتناول أي دواء. فإما أن يموت –إن شاء الله- أو يبقى يعالج سكرات السقم والألم.
والتقديران كلاهما من الله تعالى، وهو حر في اختيار سلوك أي من الطريقين شاء.
وأنت باستطاعتك بإمعان النظر في مجاري السنن الإلهية في الكون الرحيب، أن تستخرج مئات الشواهد والأمثلة للقضاء والقدر، وتستنتج منها – على هذا الغرار- معنى التقدير في أفعال العباد.
كلمات من الأئمة (ع)
إن ما ذكرناه من الأمثلة، إنما هو في الواقع أمثلة توضيحية لما وصلنا من أحاديث أئمتنا )ع(، في هذا المقام.
يقول رسول الله (ص):
«خمسة لا يستجاب دعاؤهم،… ورجل جالس تحت حائط يريد أن ينقض فلم يقم، فانقض عليه الحائط».
والسر في عدم استجابة دعائه واضح، ذلك لأنه أراد هذا باختياره، وإلا لكان له أن يفر منه إلى غيره.
فقد روي:
أن أمير المؤمنين) ع( عدل من عند حائط مائل مشرف على السقوط إلى حائط آخر. فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ فقال (ع): «أفر من قضاء الله إلى قدر الله».
يعني، أن ذلك باختياري. فإن شئت بقيت في هذا القضاء، وإن شئت مضيت إلى قدر آخر، فإن بقيت فسوف أموت بقضاء الله، وإن عدلت فسوف أبقى بقدر الله، فكلاهما من قضاء الله وقدره، ولكل تقدير مصير، فأيهما فعلت فقد اخترت ذلك المصير وحينئذٍ فلا يجوز لي اختيار الموت، ولا لوم علي إن اخترت أحد المصيرين.
وسئل الإمام الرضا ع عن قضاء الله وقدره في أفعال العباد؟ فقال:
«الحكم فيهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب، في الدنيا والآخرة».
إن هذه الأحاديث توضح لنا صدق ما قلنا في حقيقة القضاء والقدر، وأنهما ليسا عاملين خفيين مستقلين، خارجين عن إرادة الإنسان في مسيرة حياته. بل إنما هما نفس السنن الإلهية الكونية، الحاكمة على صفحات الحياة. والإنسان حر في اختيار أحد تلك المقدرات. والنتيجة الحاصلة من إحدى هذه الطرق إنما هي بقضاء الله وقدره، وكلاهما من الله، وليس شيء منهما خارجاً عن حكم الله.
وقد جمعنا في تفسيرنا هذا للقضاء والقدر حقيقة «التقدير» الذي هو«التحديد» إلى حقيقة «القضاء» الذي هو «الإبرام» والإلزام.
إذ بما أن لكل من القوانين الطبيعية آثاره ونتائجه وحدوده الخاصة به، فهو «التقدير» وبما أن هذه الآثار والنتائج محتومة في ترتيبها على طرقها المختلفة، فهو «القضاء». ونحن نصطلح على تسمية المجموع بإسم «المصير».
والذي يهمّنا في هذا التفسير أن نقول: ليس هناك خارج إطار إرادتنا اختيارنا أي عامل آخر يدعى القضاء والقدر. وإنما حقيقة القضاء هي نفس السنن الطبيعية الكونية. وإنا نحن مخيرون في اختيار أيها شئنا وأردنا، فنحن، نحن الذين نقرر مصيرنا بأيدينا. وإنما تقع المسؤولية على من يسيء الإستفادة من حريته وإرادته واختياره، وبدل أن يختار الأحسن، يختار الطريق الذي يفضي به إلى الهلاك والدمار.
المعنى الثاني للمصير
هل أن الإنسان فقط محط لمسألة «تقدير المصير» و«المقدرات» المكنونة؟ أم أن جميع الموجودات في هذا العالم –أعم من ذوي الحياة وغيرها- محاطة بتأثير العوامل في «تقدير المصير»؟ الا أن الفرق، أن الإنسان يطلع على ذلك بإدراكه، وأما غيره فلا يتلفت إلى سلطان «التقدير» عليه.
للإجابة الصحيحة على هذه المسألة لا بد لنا أن نضع جميع التفاسير العديدة المختلفة للقضاء والقدر في القرآن الكريم، وروايات الأئمة (ع ) وكلمات العلماء، على طاولة التشريح:
يفسر جماعة من علماء الشيعة «القضاء والقدر» على ضوء كلام الإمام أمير المؤمنين (ع)، هكذا:
لا حقيقة لتقدير المصير بالنسبة إلى الإنسان، سوى أن الله خلقه، فقدره على أعماله، ولكنه أمره بخيرها ونهاه عن شرها.
إن تفسير تقدير المصير بهذا المعنى الذي يرجع إلى تشريع الأحكام والأمر بخيرها والنهي عن شرها، هو ما بينَّه الإمام أمير المؤمنين (ع) للشيخ السائل في منصرفه من صفين فإنه (ع)، بعد كلام طويل في جواب السؤال عن معنى القضاء والقدر؟ قال:
«هو الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين في فعل الحسنة وترك السيئة. كل ذلك، قضاء في أفعالنا، وقدرة لأعمالنا».
إن القضاء والقدر بهذا المعنى مما يتفق عليه جميع الملل والنحل في الإسلام، إذ لا كلام لأحد من المسلمين في أن الله تعالى قد أمر عباده بالطاعة، ونهاهم عن المعصية. فالاعتقاد بهكذا معنى «للقضاء والقدر» لا يوجب أي عقدة، ولا يترتب عليه أي إشكال من «جبر» أو غيره غير أن من المسلم به أن معنى «القدر» لا ينحصر في هذا فقط. وأما أمير المؤمنين (ع)، فإنه إنما اكتفى به في جواب الشيخ، لملاحظة حال السائل، إذ لو كان ممن يتحمل من حقيقة المعارف الإلهية أكثر من هذا، لما كان الإمام (ع) يبخل عليه بالإجابة التامة.
ولهذه الملاحظة أيضاً كان (ع) يجيب بعض من يسأله عن القضاء والقدر هكذا:
«طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه».
فإن من المسلم به، أن الإمام (ع) في كلامه هذا إنما ينهى عن سلوك هذا الطريق، أولئك الذين يريدون أن يسلكوا هذا الطريق المظلم بغير مصباح منير. وأولئك الذين يريدون أن يلجوا أمواج هذا البحرالمائج الهائج، من دون مهارة في السباحة. وأولئك الذين يريدون أن يستمعوا إلى الأسرار الربوبية، من دون لياقة لتحمل هذه الأسرار الإلهية. وأما أولئك الذين يريدون أن يسلكوا هذا الطريق بأنوار الفطرة والعقل والقرآن، وكلمات الأئمة (ع)، ويغوصوا في بحار أنوار المعارف الإلهية كأحسن غواص ماهر، ويريدون أن يصغوا إلى الأسرار الربانية بلياقة لذلك، فإنهم بمنأى عن هذا النهي والتحذير بل قل يجب على بعضهم. ولهذا كان أئمتنا (ع) هم الذين يبدؤون بإلقاء هذه الأبحاث إلى من يعرفون فيه اللياقة والطاقة والقابلية والظرفية والإستعداد. وقد اهتم الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع) بهذا الموضوع حتى قالوا بكل صراحة: خلق الله الخلق في سبعة أشياء.. وعدّ منها القضاء.
إن هذا الخبر عن الإمام الكاظم (ع)، بالإضافة إلى أنه يرخص لنا بالغور في هذا الموضوع، يدفعنا إلى أن نحاول التعرف عليه بمعناه الواسع الشامل لجميع الموجودات والحوادث. وهو صريح في أن «للقدر» معنى واسعاً شاملاً لجميع الموجودات العلوية والسفلية، فإنه لا يدع شيئاً منها خارجاً عن إطاره العام قط.
إذن فلا اختصاص للقدر بإفعال العباد فضلاً عن تخصيصه -على هذا المعنى السالف- بتشريعات الأوامر والنواهي التكليفية.
المعنى الثالث للمصير
القضاء والقدر: كلمتان يتداولهما الناس بمعنى واحد هو «التقدير» ولكن الأبحاث السابقة أوضحت لنا أن لهاتين الكلمتين معنيين مختلفين، فالقضاء: هو «الإبرام» والقدر: هو تعيين حدود الموجود.
ولمزيد التوضيح نقول: لا يتحقق وجود أي شيء في الخارج حتى يكون وجوده ضرورياً مقطوعاً به من ناحية الوجودية. وهكذا لا يوجد أي معلول في الخارج حتى تتحدد خصائص وجوده، بل لا يكون المعلول معلولاً لعلته حتى تتحدد كميته وكيفيته.
وبعبارة أخرى، لا يوجد أي شيء في الخارج حتى يكون وجوده واجباً، وعدمه ممتنعاً، وتخلفه محالاً، وهكذا، لا يوجد أي شيء حتى تتحدد جميع خصائصه الزمانية والمكانية، والكيفية والكمية، الداخلية والخارجية.
تطبيق على مثال: تصوروا أن حجراً أصاب زجاجة بشدة، فإن الزجاجة حينئذٍ لا بد أن تنكسر. وأيضاً لا بد أن يكون هذا الإنكسار بكيفية خاصة.
فبما أن الزجاجة لا تقاوم الحجر، يكون حينئذٍ انكسارها ضرورياً لا يتوقف. وهذا هو «القضاء» العيني الخارجي.
وبماء ان هذا الإنكسار لا بد أن يكون بكيفية خاصة تميزه عن سائر الكيفيات الأخرى، فهذا هو «القدر» المعين لهذه الزجاجة.
وبالنتيجة، فقد تحقق انكسار الزجاجة «بضرورة» و«خصوصية».
والآن يجب علينا أن نتعرف على مصدر هذه الضرورات، والخصوصيات.
إن وجهة النظر هذه لا تقبل أن يكون «للقدر» أي واقعية سوى هذا العالم بوضعه الحاضر والغابر.
وتقول:
لا حقيقة للقضاء والقدر سوى ما نرى من تحقق نظام «العلة والمعلول» في هذا الوجود الخارجي وأن مصير أي موجود -أعم من القضاء والإبرام والتقدير والتحديد- لا يتحقق إلا ضمن سلسلة العلل والمعلولات في عالمنا هذا الخارجي.
يعني: أن سلسلة علل الشيء المترابطة حتى تصل إلى العلة الأولى، هي التي تعطي ضرورته الوجودية، وأيضاً هي التي تحدد خصائصه في الوجود. وأن جميع الموجودات، إنما تجد ضرورتها الوجودية، وخصائصها الوجودية، من مقتضيات سلسلة عللها السابقة.
ولا فرق في هذا القول بين المادي والإلهي، فإن الاصول المقبولة لدى كل من المذهبين، ترشدنا إلى هذا «المصير» لا محالة.
لا فرق، سوى أن الإلهي يقول بانتهاء سلسلة العلل والمعلومات إلى «علة أولى» عالمة بما تخلق. والمادي لا يعترف بهكذا علة مطلعة على معلولاتها، في نهاية الشوط من حلقات سلسلة العلل والمعلومات، ويدعي: أن «المادة الأولى» قديمة أزلية أبدية سرمدية، وليست حادثة مخلوقة لعلة عالمة مطلعة.
ولكن هذا الافتراق في المدعى، لا يوجد أي افتراق في الموضوع، لأنّا سواء اعترفنا في نهاية السلسلة بعلة مطلقة، أم لم نعترف، فنحن وهم معترفون بأصول مسلم بها بيننا وبينهم، وهذه الأصول هي التي تفرض علينا وعليهم الاعتراف «بالقضاء العيني الخارجي» وبناءً على هذه الأصول -التي سنبينها فيما يلي- لا مفر لنا ولا لهم من الإذعان بهكذا قضاء وقدر. ويجب علينا جميعاً أن نعتقد، أن المعلول إنما يجد وجوب وجوده من علته، وهكذا يأخذ منها خصائصه الزمانية والمكانية، وكيفيات وجوده.
وتتضح هذه الحقيقة المتكاملة، التي تبناها الفلاسفة المسلمون، من هذه الأصول المسلم بها – التالية.
- لا بد لكل معلول من علة، فلا معلول بدون علة.
لا كلام في أن «قانون العلة» قانون عالمي عام، ولا حاجة للعقل في حكمه هذا إلى تجربة أو اختبار، بل إنه بأدنى محاسبة قصيرة يقطع بأن الموجود الذي لا وجود له من نفسه، ولا ينبع وجوده من كنهه، لا يستطيع أن يخرج من العدم إلى الوجود. ولا فرق في حكمه هذا بين الموجودات التي كشف الستار عن عللها، والتي لم يكشف عن عللها بعد. وإذا كانت الفيزياء العالية تقول: إن حركة بعض الذرات لا علة لها. فمعناه: أنهم لم يكشفوا لها عللاً معروفة لحد الآن، وليس معناه أنه لا علة لها في الواقع أيضاً، فإن «قانون العلة» من الوضوح بمكان إذا سرى إليه التشكيك أوجب سقوط جميع القواعد والأصول العلمية، وانهارت جميع النظريات والفرضيات العلمية والإنسانية.
2- إن كل معلول، ما لم يصل في وجوده من ناحية علته إلى درجة القطع والضرورة والوجوب، لا يمكنه أن يتقمص الوجود. إذ أن جميع المعلولات والموجودات والحوادث في الحياة، إذا نحن قطعنا النظر عن عللها التي توجب وجودها أو عدمها، فهي متساوية النسبة إلى كل من الوجود والعدم في نظر العقل، ولكنا إذا نسبناها إلى عللها، ترجح أحد الجانبين إلى الوجوب، فإن كانت العلة علة وجودية، تبدل إمكان وجود المعلول إلى ضرورة تحققه في الخارج.
إن ظهور أية حادثة سماوية أو ارضية أو اجتماعية رهين بعلتها الوجودية، فهي التي تلبسها قميص الوجود، ومتى تحققت العلة كاملة غير منقوصة الأجزاء والشرائط، وتحقق معها كل ما له دخل في تأثير العلة، بحيث لم يبق لتأثير العلة أقل نقص ممكن، حينئذٍ أصبح لزوم وجود تلك الحادثة قطعياً ضرورياً وجوبياً، ولا يصح حينئذٍ أن نقول: إنا نحتمل وجود هذه الحادثة وعدمها. بل يجب علينا آنذاك أن نقطع بتحققها مئة بالمئة، من دون أي شك أو تردد.
ولا فرق في هذا بين العلة البسيطة والمركبة، سوى أن ضرورة وجود المعلول لهذه الثانية رهينة بتكامل جميع أجزائها وشرائطها، فما لم تتم أجزاء العلة المركبة وشرائطها، يبقى معلولها في بقعة الإمكان، ولا تتصف بالضرورة.
اتضح من هذا البيان، أن منبع وجود تحقق المعلول هي العلل التي تهب لها الضرورة والقطعية والوجوب.
- إن الحياة عالم مترابط الأجزاء، والحوادث فيها مترابطة الحلقات، ولبعضها في البعض تأثير بشكل أو آخر،حتى أن هبوب نسيم في الشرق الأقصى، يرتبط بهبوب الرياح في الغرب بنوع من الإرتباط.
وبعبارة أخرى، إن الحياة قطعة متراكمة مترابطة من حلقات سلسلة الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات، كارتباط حلقات سلسلة واحدة. فالحوادث اليوم لا تنفك عن حوادث الأمس الدابر، وحوادث الأمس لا تنفك عن حوادث الغد المقبل. وهكذا.
وبتعبير أوضح، إن عالمنا هذا كسيل يسيل في مجرى نهر عظيم، ويشمل في طيات أمواجه الغاضبة والهادئة حوادث مرتبطة بعضها ببعض، وكلها ضرورية قطعية واجبة الوجود. ونحن حسب أوضاعنا وشرائطنا الزمنية والمكانية نواجه كثيراً منها في حياتنا الجارية، ولكنا نتخيلها متقطعاً بعضها عن بعض، في حين أن نفس هذه الحوادث الجزئية، قطرات من الأمطار. ونبات بدأ ينمو. ووليد بدأ الحياة. كلها مرتبطة بحوادث أخرى وكلها كسلسلة واحدة، محكومة بوجوب الوجود على سائر حلقاتها في أماكنها.
فالذين يعرفون منابع المياه في هذا النهر العظيم، يعرفون أن وجود أية حادثة من حوادثه نتيجة قطعية لسلسلة من العلل والعوامل المختلفة، هي التي أوجبت وجود هذه الحادثة الخاصة في هذا المكان وهذا الزمان بالذات، وجعلتها ضرورية «قضائية» واجبة.
وعلى هذا، فعالم الحياة سلسلة من «القضاء التكويني الخارجي» بحيث إن تمني عدم إحدى هذه الحوادث إنما يكون خيالاً باطلاً، إذ أنها مترابطة بعضها ببعض، بحيث إنك إذا رأيت أن تقدم أو تؤخر صفحة من صفحات هذا الكتاب الكبير تلاشى جميع الكتاب واستلزم أن تتحطم جميع تلك الأوضاع والحوادث السابقة التي قضت على هذه الحادثة بالوجود.
هذا هو بيان «القضاء التكويني الخارجي» الذي يتساوى في القول به «الإلهي» و«المادي».
فما هو التقدير التكويني الخارجي؟
قلنا: إن التقدير إنما هو تلك الخصائص الوجودية للموجودات الخارجية، وأن من المسلم به، أن كل معلول إنما يتحدد في جميع مشخصاته وكيفياته الظاهرية والباطنية، وشرائطه الزمانية قبل علته الوجودية.
فمثلاً، إذا كانت العلة الوجودية للمعلول زمانية ومكانية، فلا بد أن يكون معلولها أيضاً كذلك. وإذا كانت هذه العلة محدودة في وجودها بزمان ومكان خاص، فلا بد أن يتحدد معلولها أيضاً بين حدي الزمان والمكان.
بالإضافة إلى أن أصل لزوم السنخية بين المعلول والعلة أيضاً يوضح لنا ما نحن الآن بصدده من التقدير التكويني الخارجي، إذ أنه بناء على هذا الأصل يكون بين النار والحرارة، والماء والبرودة، سنخية خاصة لا توجب إلا أثرها الخاص فقط. وعلى هذا، فكل معلول إنما يكسب سلسلة صفاته الخاصة به، التي يحدد بها حقيقة وجوده ومقداره من قبل علته الوجودية فقط.
ويحكم هذا الأصل في أفعال الإنسان الاختيارية، بشكل واضح، فإن جميع أفعاله معلولة لاختياره وإرادته الخاصة به، فتؤثر فيها صفاته الروحية والأخلاقية، الوراثية منها والاكتسابية، وكذلك مختلف شرائط محيطه وبيئته، وحتى حالته الاقتصادية، وإنما تتشكل أفعاله بصورها وأشكالها الخاصة من قبل كل هاتيك العوامل المختلفة العديدة، والتي لا تخلو جميعها عن إرادته واختياره فإفعالنا نحن إنما تتناسب مع روحياتنا بإرادتنا. ويكون هذا التحديد في ذلك القالب المعين لكل صادرة وبادرة من قبل علتها، هو ما نحن بصدده من التقدير العيني الخارجي.
ونستطيع أن ندعي تصريح بعض الروايات عن الأئمة (ع) بهذا المعنى للقضاء والقدر الذي يتلخّص في أن أية حادثة إنما تجد ضرورتها. وهكذا تتحدد بشكلها الخاص، من قبل علتها الوجودية. وإليك الآن جملة من هذه الروايات:
يقول الإمام الصادق (ع):
«إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء».
وإنما يكون القضاء والقدر مخلوقين لله تعالى حيث إن وجود أية ظاهرة يكون متلازماً مع القضاء الذي هو ضرورة وجودها من قبل علتها، وكذلك مع القدر الذي هو تعينها بشكلها الخاص من قبل علتها أيضاً. فخالقها يكون خالقاً لقضائها وقدرها أيضاً فالذي يهب هذه الظاهرة والحياة يكون قد وهبها ضرورة الوجود أيضاً، وكذلك يكون قد حددها بحدودها.
ويقول الإمام الرضا (ع):
«القدر هي الهندسة، ووضع الحدود من البقاء والفناء. والقضاء هو الإبرام وإقامة العين».
وفي رواية أخرى عنه (ع):
«التقدير هو الهندسة من الطول والعرض، والبقاء والفناء».
وعلى رواية أخرى عنه (ع):
«التقدير وضع الحدود من الآجال والأرزاق، والبقاء والفناء».
هذه الرواية وإن اختلفت صورها، ولكنها كلها تدل على معنى واحد، فالمقصود من هذا التحديد، هو ما قلناه من التشكل بالشكل الخاص من قبل العلة.
التقدير، مقدم على القضاء:
نجد في بعض أحاديث أهل البيت (ع) إصراراً على تقديم التقدير على القضاء حتى أن يونس بن عبد الرحمن الذي كان من كبار أصحاب الإمام الرضا (ع)، ذكر عنده القضاء والقدر، فقال: قضى وقدر. فقال الإمام ع: «بل قدر وقضى».
والدليل على هذا واضح، وذلك حيث إن علة الحوادث غالباً ما تكون علة مركبة من أجزاء متعددة، وبعد تكامل أجزاء العلة، تصبح العلة علة تامة ويصبح وجود الموجود أمراً لا يتخلف قط. ولكنها قبل أن يتكامل أجزاؤها يقال لكل جزء من أجزاء العلة – حسب الاصطلاح العلمي- علة ناقصة.
ولكن وجوب وجود الموجود إنما يترتب على العلة التامة، فما لم تتكامل أجزاء العلة حتى تصبح علة تامة، لا يتحقق للموجود وجوب الوجود.
في حين أن التقدير والتحديد والتشكل بالشكل الخاص للموجود، لا يتوقف على العلة التامة بل إنما يرتبط ذلك بكل جزء من أجزاء العلة. فإن كل واحد من أجزاء العلة يؤثر أثرها في المعلول على حدها. فحيث إن أجزاء العلة تتحقق قبل تمام العلة، وكل منها يؤثر أثرها في محيطها، وإنما يكون أثرها تحديد الموجود، لهذا يجب أن نقول: إن التقدير مقدم على القضاء.
مثلاً، إذا أردنا أن نصنع طائرة تحتم علينا أن نهيئ لتركيبها أجزاءً صناعية مختلفة، كل منها من صنع مصنع، ثم نركب هذه الاجزاء بعضها مع بعض، حتى نحصل بذلك على ما نريد.
ففي هذا المثال، كل مصنع من هذه المصانع المتعددة علة ناقصة لها تأثيرها المباشر على أجزاء الطائرة، في حين أن الطائرة بعد لم تكتمل، ولم تحصل لها العلة التامة.
وهكذا الثوب المخيط، ظاهرة أثر في ظهورها عوامل متعددة، وهبتها ضرورة الوجود، ووهبتها حدودها وخصائصها. فمجموع هذه العوامل هي التي تكاملت حتى أعطتنا صورة واحدة، ولكن من الواضح، أن كل واحد من هذه العوامل، مثل الكيفية الخاصة لتفصيل القميص، والخياطة الخاصة مقدمة على تجمعها وتكاملها بصورة علة تامة، وكل واحد من هذه الأجزاء قد وجدت خصائصها قبل تجمع العلل.
وحيث لا مناقشة في الأمثال، فلك أن تختار مثالاً آخر، ولكن النتيجة، أن الإمام (ع) إنما يصر على تقدم التقدير على القضاء حيث إن الموجود يجد تحديده بأجزاء العلة، قبل تكامل العلل بصورة العلة التامة التي تحكم على الوجود بوجوب وجوده.
ولكن اتضح من هذا البيان – في الضمن – أن تقدم التقدير على القضاء إنما هو فيما كانت علته علة مركبة مادية، ففي هذه الصورة فقط يكون تأثير الجزء مقدماً على تأثير الكل. كما تقرر ذلك في أبحاث الفلسفة.
أما في الموجودات المجردة التي تكون عللها علة بسيطة يتحقق التقدير والقضاء في آن واحد. فحينما يخلق الروح أو الملك يخلق بحدوده وخصائصه، فالخلق حينئذٍ تحديدٍ وضرورة، في لحظة واحدة.
وهناك معنى، يتقدم القضاء فيه على القدر، فما هو؟
إذا فرضنا القضاء والقدر بالنسبة للموجودات المادية المركبة، فلا بد لنا من أن نقول: إن التقدير مقدم على القضاء، إذ أن تأثير كل جزء من أجزاء العلة، مقدم على تأثير الجميع المتكامل.
ولكنا إذا فرضنا التقدير والقضاء على مرحلتين مختلفتين، إحداهما مجردة، والأخرى مادية مركبة، فلا بد لنا أن نقول: إن القضاء هنا في مرحلة التحقق، مقدم على التقدير في مرحلة التكوين.
وللتوضيح نقول: بناءً على البراهين الفلسفية التي تؤيدها آيات من القرآن الكريم، يجب أن نقول: إن مجموع العالم المادي وجود تفصيلي محدد لعالم إجمالي سابق، وأن جميع هذه الموجودات في هذا العالم كانت موجودة بصورة إجمالية في ذلك العالم السابق.
وللتقريب نضرب هذا المثال: نحضر عشر مسائل فيزياوية، نقدمها إلى عالم الفيزياء العامة، وهو يجيب عليها بصورة مفصلة ومبسوطة. فيكون لهذه الأجوبة نوعان من الوجود:
إجمالي، وذلك قبل أن نطرح عليه تلك الأسئلة، فقد كانت تلك الأجوبة موجودة في ذهنه العملاق بصورة إجمالية غير مفصلة، هي التي تسمى في المصطلح العلمي «ملكة العلم».
وتفصيلي، وذلك بعد أن عرضنا عليه أسئلتنا العشرة فقد ظهرت منه تلك الأجوبة من عالم الإجمال إلى صورة تفصيلية محددة المعالم والخصائص.
ونقول بنفس هذا المعنى –تقريبا- في هذا العالم فإن هذه الموجودات الآن موجودة بالوجود التفصيلي معلولة في النهاية لعلل بسيطة خارجة عن عالم المادة والطاقة. وعلى هذا:
فبما أن العلة لا بد من أن تكون مشتملة على جميع الكمالات الأصلية في معلولها، وأصل وجود المعلول يجب أن يكون موجوداً في علته، بحكم قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه.
وعلى هذا، يجب أن نقول: إنّ القضاء بمعنى واحد وجود أصل المعلول في العلة من دون أي حد ورسم، مقدم على التقدير بمعنى وجود المعلول محدوداً مقيداً بخصائصه الوجودية في عالم المادة.
ومن وجهة النظر هذه، يكون بإمكاننا أن ندعي أن القرآن الكريم أيضاً قد أشار إلى هذا المعنى إشارة دقيقة حيث يقول:
﴿وإن من شيءٍ إلا عندنا خزآئنه وما ننزّله إلّا بقدرٍ معلوم﴾.
فقد عبر عن الوجود الإجمالي للأشياء بـ «الخزائن» كما عبر عن الوجود التفصيلي لها بـ «القدر المعلوم».
وعلى وجهة النظر هذه يتخذ القضاء والقدر معنى آخر، يتقدم به القضاء بمعنى الوجود الإجمالي على القدر بمعنى الوجود التفصيلي، ويكون القضاء حينئذٍ مصدراً لوجود القدر!.
ولكن هذا اصطلاح خاص بالفلسفة الإسلامية، التي رتب فيها الفلاسفة المسلمون مراتب متعددة ومختلفة للقضاء والقدر والعلم الإلهي. ولمزيد التوضيح يراجع كتب الحكيم السبزواري وصدر المتألهين.
استعادة لنقاط البحث الهامة:
وفي ختام هذا البحث لا بد لنا من أن نلم بنقاط البحث الهامة، فنقول: بناءً على ما بينّاه في هذا الفصل، تبين أن القضاء والقدر مفهومان منتزعان من مقام وجود الموجود، وتحققه في الخارج. وأن لا فرق في هذا الموضوع بين المادي والإلهي، سوى في موردين.
- تنتهي العلل الطبيعية -عند الإلهي- إلى علة هي علة العلل مطلعة على ما تفعل وتعمل. بينما المادي لا يقر بمثل هذه العلة العالمة، وإنما تنتهي العلل عنده إلى المادة والطاقة العمياوين.
- يستطيع – الإلهي- أن يفرض القضاء والقدر في عالم المادة، كما يستطيع أن يفرضهما في عالم المجردات بينما – المادي- الذي لا يقر بغير المادة العمياء إنما يقول بالشكل الأول.
ولكن هذا الاختلاف، لا يولد اختلافاً في جوهر البحث وحقيقته فإن كان الاعتقاد بهما موجباً لسعادة الإنسان ففيهما، وإنما كان موجباً للشقاء ففيهما أيضاً، ولا يمكن الفصل بينهما من هذه الناحية.
التفسير الرابع لمعنى المصير
بناءً على هذا المعنى تكون حقيقة القضاء والقدر أن جميع الموجودات في العالم، بجميع أفعالها وتصرفاتها، إنما تتقمص لباس الوجود بإرادة الله تعالى، فلا يوجد موجود من دون إرادته ومشيئته، ولا يستطيع أن يفعل فعلاً من دون إذنه. وهذا جار في جميع الوجود، إذ لا شيء من الموجودات من دون إذنه.
إن الإعتقاد بالتقدير على هذا المعنى، وهو أن الموجودات لا توجد إلا بإذن الله، إنما هو من صميم الآيات القرآنية، وروايات أئمة الإسلام (ع)، وهو أيضاً مقتضى الأدلة الفلسفية.
ونكتفي هنا من الأدلة الفلسفية ببيان شاهد واحد فقط، وهو أن جميع الموجودات – ما عدا خالقها- حسب التقسيم الفلسفي ممكنة الوجود، وكل ممكن الوجود فاقد للحياة، وعارٍ عن كل كمال، وعلى هذا فهو في تقمصه لباس الحياة يحتاج إلى الاعتماد على سند غني بالذات يكون وجوده من نفسه.
وبعبارة أُخرى، إن كل موجود – ما عدا الله- ليس له وجود من نفسه، وإنما يكون له الوجود من الله تعالى.
وعلى هذا، فكل موجود – بجميع آثاره وتجلياته- بما أنه ممكن فهو فاقد – من حيث ذاته- للوجود والكمال، وإذا وجد فوجوده ليس من نفسه، ويجب أن يكون من يعطيه الوجود غنياً بالذات.
وحينئذٍ، فمن المسلم به أنّه لم يأت إلى الوجود من دون إرادته تعالى ومشيئته، فإنه سبحانه فاعل مريد، ولا يتحقق شيء من دون إرادته.
ومن بين الآيات القرآنية التي تدل صريحاً على أن الموجودات لا يوجد شيء منها من دون إذنه، نوجه أنظار القراء إلى هذه الآيات:
﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله﴾.
اللينة: النخلة الناشئة. وإنما ذكرها الله تعالى هنا مثلاً. وإلا، فالآية عامة شاملة لجميع الموجودات، وكل تصرف فيها. وعلى الإنسان أن يعلم، أنه لا يتحقق شيء منها من دون إرادته وإذنه.
﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾.
﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾.
ففي الآيتين: الثانية والثالثة: أناط الغلبة على العدو وتأثير العوامل الطبيعية بإذنه تعالى: فالبلد إن طابت تربته فخرج نباته طيباً، أو خبثت طينته فخرج نباته نكداً.. فلا يكون ذلك إلا بإذنه وعلمه.
ومن الروايات في الموضوع عقد الشيخ الكليني في أصول الكافي باباً خاصاً لأحاديث الإمامين الصادق والكاظم (ع).
المصير وإرادة الله الأزلية:
إن تفسير المصير بهذا المعنى – أن جميع الموجودات في هذا العالم إنما تجد وجودها وحدودها بإذن الله ومشيئته- قد يولد عنه بعض الناس مشكلة هكذا يطرحونها:
إنا نعلم أن إرادة الله نافذة في خلقه، فما تعلقت به إرادته لا بد أن يوجد، ومنها أفعال العباد، إذن فليس العبد حراً في الفعل والترك، إذ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإن الإنسان يرى نفسه حراً في ذلك ظاهراً، فإن هذا ليس إلا مجرد تصور أجوف، إذ لا يكون شيء من دون إرادته تعالى قط.
وهنا يتخذ القضاء والقدر عند البسطاء معنى الجبر ويولد عقدة بإسم التقدير أو المصير.
وحقاً أن فهم هذه العقدة والتوصل إلى حلها الحل النهائي، بحاجة إلى بحث أوسع، ودقة أكثر. فإن حل هذه العقدة لا يصعب على غير المثقفين فحسب، بل قد اعترف بالعجز عن حلها حتى كثير من العلماء والمفكرين، وطلبوا من الله الهداية والتوفيق لحلها.
وسنكرر نحن الآن تقرير هذه العقدة بوجه أوضح، وبعد أن ننقل عن بعض المفكرين المعاصرين إجابته عليها، نوضح أمتن إجابة في هذا المجال.
توضيح لعقدة الإرادة الأزلية:
إذا كانت الحوادث في الحياة لا تتحقق من دون إرادة الله تعالى، وإذا كانت أفعال الإنسان التي هي بدورها من حوادث الحياة، أيضاً لا توجد من دون مشيئة الله الأزلية، وإذا كانت إرادة الله سبحانه نافذة في خلقه لا يتخلف عنها تحقق الشيء المراد قطعاً. إذن فكيف نستطيع أن نعد أفعال الإنسان اختيارية وأن نحسبه حراً في فعلها وتركها على السواء؟ في حين ينبغي لنا، مع ملاحظة إرادة الله الأزلية النافذة في خلقه، أن نحسب الإنسان آلة طيعة بيد أستاذ ماهر من كبار رجال الأعمال، يقطع به الحديد والخشب، ويكون الإنسان –على هذا- مجبوراً يتظاهر بالاختيار.
هذا أعظم ما استمسك به المعاندون لموضوع القضاء والقدر، وهي حجة إرادة الله الأزلية التي لا يبقى معها أي عمل اختياري لأي إنسان مطلقاً، وهي مسألة قد أكل عليها الدهر وشرب، فقد كانت مطروحة بين الفلاسفة والمتكلمين، وقد تكلموا حولها الكثير من الكلام وحلها محققو المتكلمين المسلمين، حسب الأدلة العقلية، والإرشادات البينة التي وردت في القرآن الكريم وأحاديث النبي (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) بأوضح حلّ ممكن، سنأتي به باختصار بعد قليل.
ولكن قبل أن نأتي على الإجابة الصحيحة، نتعرض فيما يلي لما اختاره جماعة للإجابة على هذه الشبهة، مما يتحد في النهاية مع نظرية المعتزلة في أفعال الإنسان، وهو ما يلي:
إن أفعال الإنسان خارجة عن إرادة الله التكوينية:
إن أفعال البشر الإرادية، خارجة عن إطار إرادة الله التكوينية، وأن أفعال الإنسان لا تكون متعلقة للإرادة التكوينية لله سبحانه. ويحاول هؤلاء توضيح كلامهم بما يلي:
إن إرادة الله التكوينية لا تتعلق بأفعالنا الاختيارية، وإن كان سبحانه – حسب إرادته التشريعية – قد جعلنا نحن المسؤولين عنها وعن كل حركة وسكون فيها. والغرض من الإرادة التكوينية هي نفس مشيئة الله التي إن تعلقت بشيء فلا يمكنه أن يتخلف عن الوجود كما أن المقصود من الإرادة التشريعية، هو ما بلغه إلينا سبحانه على أيدي أنبيائه المرسلين.
وأضاف بعضهم يقول: إنا لا نستطيع أن نجد في القرآن الكريم حتى آية واحدة تدل على ارتباط إرادة الله التكوينية بأفعال العباد.
ما يرد على هذا الجواب:
1- ليست هذه النظرية إلا نفس عقيدة المعتزلة في أفعال البشر، والتي عبرت عنها روايات أهل البيت (ع) بالتفويض فإنهم يقولون: إن وجود الإنسان، ومقدمات أفعاله من الحياة والقدرة من الله تعالى، ولكن لا ربط لهذه الأفعال بالله سبحانه. وبتعبير آخر يقولون: إن وجود الإنسان بما فيه من القوى العاملة مخلوقة لله تعالى، ولكن أفعاله مخلوقة له فقط، فإنه بعد تلقيه الحياة والقدرة من الله تعالى، لا حاجة له في إيجاد أفعاله إلى الله، بل إنه يفعل ما يشاء بإرادته المستقلة. أليس أن الله تعالى خلق الخلق، وهيأ له مقدمات الأمور، ثم ألقى حبله على غاربه في أفعاله (فوضه)!.
إن أوضح إشكال يرد على هذه النظرية، هو إفضاؤها إلى القول بوجود إلهين اثنين خالقين مستقلين، أحدهما الله، والآخر الإنسان، وأن لكل واحد من هذين تأثيراً مستقلاً في الوجود. وهذا نوع من الشرك يأباه العقل والقرآن الكريم، والأحاديث الإسلامية.
فالقرآن ينادي بأعلى صوته مصرحاً بنفي الشريك له في الوجود ﴿قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ إلى آيات عديدة أخرى.
وقد أساء الفهم في معنى هذه الآيات جماعة استدلوا بها على الجبر فإن هذه الآيات مع ملاحظة سياقها لا علاقة لها بـ «الجبر» بل إنها إن تدل على شيء بهذه الصراحة الواضحة، فهي إنما تدل على نفي تعدد الخالق في الوجود. وأما أنّا كيف نوفق بين حرية الإنسان والتوحيد الحقيقي؟ فقد أجاب عليه علماء الكلام ببحوث شاملة.
والعجب، أن بعض أصحاب هذه النظرية يرى أن جميع هذه الآيات الكريمة إنما تقصد بالنفي والتفنيد الأصنام والأوثان التي كانت آلهة العرب في العبادة والحياة ويقول: إن هذه الآيات إنما تهدف أن تقول: إن هذه الأصنام مخلوقة لله تعالى، فلا ينبغي عبادتها من دونه سبحانه. وأما عن أفعال الإنسان، فهي ساكتة صامتة.
إن توجيه آيات القرآن الكريم بهذه الصورة غير صحيح، إذ على فرض أن يكون سياق ما قبل هذه الآيات في أصنام العرب وأوثانها، ولكن مورد الآية لا يخصص معناها أبداً، فإن أكثر الآيات التي تضمنت سلسلة من القواعد والقوانين العامة، إنما وردت في موارد خاصة كانت هي شأن نزولها في تلك الموارد، فهل من الصحيح أن نقول: إن موارد تلك الآيات تخصص معانيها؟ أم أي مفسر يمكنه أن يقول بهذا؟ فهل ليس من التكلف والاعتساف، بعيداً عن الذوق السليم والإنصاف أن نقول: إن كلاماً بهذه الصراحة والعظمة ﴿قل الله خالق كل شيء﴾ يخص أوثان العرب فقط؟
وأغرب من هذا، أن نخصص عموم هذه الآيات الدالة على أن الله خالق كل شيء حتى أصول أفعال العباد، بالآيات والأدلة العقلية والحسية التي تدل على عكس هذا، ونقول: أليس لنا أن يخصص آية واحدة بمئة آية.
ليت شعري، ما هذه الآيات المائة التي يريد أن يخصص بها هذه الآية؟
ولكني أدري، أننا إذا جمعنا الآيات التي وردت بشأن التوحيد والمعارف العقلية بعضها مع بعض، فسوف لا ترشدنا إلا إلى هدف واحد فقط، فأين هذا الاختلاف حتى نرفعه بالتخصيص؟
هذا بالإضافة إلى أن التخصيص والتقييد إنما هي طريقة أصولية يرفع بها التعارض بين الأدلة الفقهية للأحكام الشرعية فقط، وليس لها أية علاقات بآيات التوحيد والمعارف العقلية، فإن الحاجة إلى التخصيص إنما هي في التشريعات، حيث إن أي مشرع في العالم لا يستطيع أن يضع أحكامه كلها مرة واحدة، وإنما يضعها تدريجياً. ولذلك احتيج هنا إلى تقديم الخاص على العام، والمقيد على المطلق. وآيات التوحيد والمعارف العقلية ليست من هذا القبيل، ولم يقل فيها أي مفسر بسلوك هذا السبيل.
2- وهنا إشكال آخر على هذه الإجابة الفاسدة للمعتزلة وهو أنّا إذا قلنا بأن إرادة الله التكوينية، هي علمه بالنظام الأصلح، استلزم القول بخروج أفعال الإنسان الاختيارية عن إرادة الله التكوينية خروج هذه الأفعال عن علم الله تعالى أيضاً.
وإذا قلنا بأن صفة الإرادة في الله تعالى، هي غير صفة العلم، كما يدل على ذلك كثير من الروايات والأدلة العقلية فحيث إن إرادة الله عين ذاته وليست زائدة على ذاته تعالى، استلزم القول بخروج أفعال الإنسان عن إرادته التكوينية، خروجها عن ذاته أي عن قدرته سبحانه، ويكون لها خالق آخر. وهذا هو الشرك مرة أخرى.
من أين أتت هذه الفكرة؟
ليس لهذه الفكرة أي باعث، سوى أن أصحابها تصوروا، أنا إذا قلنا بشمول إرادة الله التكوينية لأفعالنا الإرادية الإختيارية، استلزم ذلك الجبر والقول بخروجها عن إرادة الإنسان واختياره، ولا يلائم القول بالعدل الإلهي أن يعذب الإنسان على عمل خارج عن إرادته واختياره، فهم في هذا أرادوا الدفاع عن عدالة الله سبحانه.
ولكن دفاعاً كهذا عن العدل الإلهي يكون كالاعتذار عن الذنب بأقبح منه! إذ لو فرضنا أنّا استطعنا بذلك أن ندفع التهمة عن العدل الإلهي، ولكن ذلك يستلزم ما هو أقبح من إنكار العدل أصلاً، مما مر في الإشكالات السابقة.
ولا تخلو أحاديث أئمتنا (ع) من الإشارة إلى مفاسد وأضرار هذه الفكرة.
ففي «البحار» عن الإمام موسى بن جعفر (ع) أنه كان يقول:
«… القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه».
شواهد من القرآن والأحاديث:
إن آيات القرآن الكريم، وروايات الأئمة تدل دلالة واضحة على عدم خروج أي موجود أو حادث عن إطار إرادة الله وإذنه ومشيئته.
فالقرآن الحكيم يضرب مثالاً على ذلك فيقول:
﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾.
وواضح أن اللينة هو مثال لأفعال الإنسان وجوداً وعدماً، والمعنى: أن جميع أفعال الإنسان صغيرها وكبيرها لا بد أن تكون مسبوقة بإذن الله تعالى وإرادته.
وللتدليل على فساد ما قالوه، من أنه ليس في القرآن ولا آية تدل على تعلق إرادة الله التكوينية بأفعال الإنسان الاختيارية. ولتعلم مدى بعد هذا القول عن الواقع، أمعن النظر في الآية التالية:
﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة﴾.
فليس استخراجهما للكنز من عملهما الاختياري؟ أم أليس الآية تصرح بتعلق إرادة الله تعالى بذلك؟ وبتعبير آخر، أن إرادة الله تعالى في هذه الآية لم تتعلق بغير استخراجهما للكنز، وهو عمل اختياري قطعاً.
ولكن ليس معنى تعلق إرادة الله بشيء، أن يتحقق من دون أي سبب إلى علة ظاهرة أو واسطة في الوجود، بل إن ذلك تابع لنوعية إرادة الله تعالى، فإن أراد أن يكون بلا سبب كان، وإلا، فقد أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها.
من كلمات أئمتنا (ع):
وقد أجاب أئمتنا (ع) على هذه الفكرة بالرد القاطع، مصرحين بعدم خروج أي شيء عن إطار إرادة الله التكوينية وإليكم الحديث التالي:
«إن الله أكرم من أن يكلف الناس بما لا يستطيعون (الجبر) والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد (التفويض)».
أليست هذه الرواية صريحة في شمول مشيئة الله تعالى لجميع الأمور.
ولكن نكرر فنقول: ليس معنى تعلق إرادة الله بأفعال الإنسان بمعنى الجبر، بل إنما ذلك بما لا يسلب معه من الإنسان حريته. وسنأتي على بيان هذا المعنى في الأبحاث التالية.
ما نختاره للإجابة على الإشكال بالإرادة:
لقد أثبتنا في البحوث السابقة أن ما يحدث في هذا العالم ليس خارجاً عن إرادة الله الأزلية، وأن أي موجود في هذا العالم لا يمكن أن يتقمص لباس الوجود من دون إذن الله ومشيئته.
وبناء على ذلك، تصور أناس أن أفعال العباد التي هي بدورها من حوادث الحياة، لا تكون إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وإرادة الله نافذة في خلقه، فإذا تعلقت إرادته تعالى بشيء من أفعال العباد، كان تحققه في الخارج مما لا محيص عنه أبداً إذ لا يمكن أن يكون الشيء مورداً لإرادة الله، ثم لا يتحقق.
وهنا يتجّه سؤال يطرح نفسه بشدة، إذن فكيف يمكن أن يكون الإنسان حراً مختاراً في مسيره ومصيره؟ وأن يكون تقرير تقدير مصيره بيده؟ في حين أنه بجميع أفعاله –كسائر حوادث العالم- مورد لتعلق إرادة الله الأزلية به في كل فعل، خير أم شر، فهو – مع وجود هذه الإرادة الأزلية النافذة فيه والحاكمة عليه – لا اختيار له ولا إرادة! بل لا بد له من أن يفعل ما تعلقت به إرادة الله الأزلية السابقة.
وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن موضوع إرادة الله الأزلية إحدى أدلة «الجبريين» على أهوائهم ومزاعمهم الباطلة، ليس لها أي ارتباط بمسألة «القضاء والقدر» فإننا – سواء اعتقدنا بالقدر أم لم نعتقد به – لا بد لنا من أن نجيب على هذا الإشكال، حيث إننا مسلمون ونعتقد بأن لهذا العالم خالقاً قادراً، عالماً مريداً، وأن ليس هناك شيء أو حادثة تخرج عن إطار إرادة الله تعالى.. ومع ذلك نعتقد بأن الإنسان حر وفاعل مختار وأن البشر مخيرون لا مسيرون فلا بد لنا إذن من أن نحل هذا الإشكال.
وحقاً –إنه ليصعب القول بادئ الرأي- بوجود إله خالق قادر مريد عالم، وبالأخص الاعتراف بإرادة الله الأزلية، مع افتراض اختيار الإنسان وحريته في أعماله ولكن سيرينا التحقيق في الأمر، يسر الجمع بين هاتين المقالتين، وأن استنتاج «الجبر» من الإرادة الأزلية إنما هو غلط فاضح.
وقبل أن نصل إلى صلب الجواب، علينا أن نرى هل في الوجود علة أو سبب سوى الله تعالى؟ أم أنه سبحانه خلق الخلق مباشرة ومن دون أية واسطة سببيّة أو سلسلة طبيعية من العلل؟
اختار جماعة من متكلمي الأشاعرة الشق الثاني، وهم يقصدون أن يعظموا الله في سلطانه، غافلين عما يترتب عليه من التوالي الفاسدة! فهم يقولون: ليس لما يوجد في هذا العالم سوى علة واحدة، هي العلة الفاعلة الأولى، أو قل «علة العلل» وأن جميع الحوادث والظواهر – ومنها أفعال الإنسان- إنما خلقت بمباشرة هذا الصانع القديم، وأنه ليس لوجود الإنسان وقواه وخياره أي علاقة بأفعاله، وأن خيار الإنسان في أفعاله ليس سوى ظاهرة خيالية فحسب.
إن أصحاب هذه النظرية لا يحسبون أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى فحسب، بل هم لا يرون أي تأثير فيها للعلل والعوامل الطبيعية. نعم، إنهم لا يرون أشعة الشمس الساطعة، وأنوار البدر الطالع، وحرارة النار المحرقة، ورطوبة المياه، و… سوى أنها من الأفعال المباشرة للخالق العظيم، وأنه ليس لنفس الشمس والقمر والنار والماء أي تأثير مباشر في هذه الآثار، اللهم إلا أنها مظاهر لحدوث هذه الأمور.
إن تصور الحياة على هذه الفكرة لما يخالف العقل والفطرة، والوجدان والقرآن الكريم والأحاديث الإسلامية، إن الفلسفة حينما تقول بنظام العلل والمعلولات والأسباب والمسببات، لتعترف بنوع من التأثير الدخيل لله تعالى في جميع الموجودات الطبيعية. والقرآن الكريم أيضاً يعترف بنظام العلة والمعلول في هذا العالم الطبيعي بما منه أفعال البشر.
إن هكذا تصور مزعوم في أفعال الإنسان كما يفضي إلى التجاسر إلى ساحة قدسه سبحانه، فإنه يستلزم القول بأنه هو الذي خلق هذه الأفعال القبيحة، وأنه هو المسؤول عن كل ظلم وتجاوز. وبالتالي ليس على أحد مسؤولية عن أي فعل من أفعاله، وليس هناك أي معنى للثواب والعقاب.
النظرة الصائبة في العلل:
إن النظرة الصائبة في حوادث الحياة، ‘هو أن لكل حادثة من حوادث هذه الحياة علة طبيعية هي السبب في حدوثها، وأن عالم الطبيعة إنما هو سلسلة من الأسباب والمسببات التي إنما تنشأ بأسبابها، وأنه إذا لم يكن هناك أي سبب من الأسباب الطبيعية لم يوجد أي حادث ممكن وبتعبير أوضح، إن للشمس والقمر تأثيراً مباشراً في إيجاد النور والحرارة، وإن للبحر والرياح تأثيراً في هطول الأمطار والثلوج، وإن للإنسان وروحياته وصفاته الذاتية، وأخلاقه الإكتسابية، وإرادته واختياره تأثيراً في ظهور كثير من أفعال الخير والشر منه على ساحة الحياة. وإن كانت سلسلة هذه العلل تنتهي في وجودها إلى الله مبدأ الوجود الذي لولاه لما كانت هذه السلسلة، ولما كان هذا النظام. ولكن هذا لا يمنع من أن يكون لكل من هذه الأسباب والعلل تأثيره المباشر على معلوله ومسببه وهذا الأمر بمثابة من الوضوح لا نرى معها حاجة إلى تفصيل فيه أكثر من هذا.
في النظام الطبيعي نوعان من العلل:
إن الموضوع الذي يهمنا لحل هذه المشكلة، هو أن نعرف أن لهذا النظام الطبيعي في العالم أنواعاً من العلل. ويهمنا هنا أن نعرف نوعين منها، هما «العلة المختارة» و«العلة المضطرة».
فأما النوع الأول، فهي علة شاعرة مريدة مختارة، وهي في عملها حرة مطلقة، كالإنسان. ويسمى هذا النوع من العلل في مصطلح الفلاسفة «بالفاعل المختار». والمؤثر في هذه العلة على المعلول ليس وجود الإنسان وحياته فقط، بل وجوده وإرادته واختياره. فالعلة المختارة هي التي إذا وقفت على مفترق طريقين أو طرق، رجحت طريقاً وأرادته فاختارته على غيره.
أما النوع الثاني، فهي علة غير مختارة، سواء كانت غير شاعرة أيضاً، أم كانت غير مختارة ولكنها شاعرة. وتسمى هذه العلة بالعلة المضطرة ومثالها: شروق الشمس وغروبها، ونمو النباتات وذبولها. فإنها من تلك العلل التي لا علم لها بعملها، فهي مضطرة على أعمالها. وأما الحيوان بأنواعه وأقسامه، حتى النحل والنمل، فإنها وإن كانت تشعر بما تفعل، ولكنها إنما تفعله بحكم غريزتها، لا أنها تختاره باختيار الشعور، فهي مع ذلك غير مختارة.
والآن نحل مشكلة الإرادة الأزلية:
إذا التفتنا إلى هذا التقسيم الأساسي بين القسمين الرئيسيين للعلل «العلل المختارة والمضطرة» حلت علينا مشكلة الإرادة الأزلية بنفسها، فإنه صحيح أن كل موجود في الحياة لا بد من أن يكون مورداً لإرادة الله الأزلية، وأن إرادة الله الأزلية قد تعلقت بوجود هذه الحوادث في الحياة ولكن علينا أن ننظر إرادة الله الأزلية كيف تعلقت بهذه الأمور؟ فإن من المسلم به أن الله قد أراد أن يكون لكل معلول علة، ولكل سبب مسبباً، فأراد للشمس أن تشرق غير شاعرة ولا مختارة، وأراد للنحل والنمل أن تمتص أوراق الأزهار شاعرة بذلك ولكنها أيضاً غير مختارة، وأراد للإنسان أن يقوم هو بأفعاله بإرادته واختياره وحريته المطلقة.
وبعبارة أكثر وضوحاً نقول: كما أن الإنسان مورد لإرادة الله تعالى الأزلية في أصل وجوده وجميع أفعاله فهو كذلك مورد لإرادته تعالى بجميع صفاته وقيوده، ومنها إرادته واختياره وحريته الكاملة.
إن هكذا إرادة أزلية ليس أنها لا تناقض حرية الإنسان فحسب، بل إنها تؤيدها وتؤكدها في الإنسان.
وذلك، حيث إن السائل فرض في سؤاله، أن إرادة الله نافذة في خلقه لا محيص عنها، فإن أراد تعالى شيئاً كان كما أراد وكيفما. فحيث فرضنا أن الله تعالى قد أراد أن يصدر كل فعل من فاعله. وحيث إن الإنسان فاعل مختار حر فيما يفعل ويريد، إذن فلا بد أن الله قد أراد أن يقوم الإنسان بعمله باختياره. فإذا كان الإنسان حراً في اختياره، وكان لا يقوم بأي عمل إلا باختياره، كان هذا تحقيقاً لإرادة الله الأزلية. ولكنا إذا فرضنا أنه لا يقوم بعمله إلا مجبوراً، كان هذا على خلاف إرادة الله الأزلية، وكان هذا تخلفاً للموجود الممكن عن إرادة الواجب القاهرة، بينما نحن فرضنا أنه لا يتخلف شيء من الممكنات عن نفوذ إرادته فيه.
صحيح أن جميع الموجودات في العالم من موارد إرادة الله الأزلية، وفرضنا أن إرادة الله تعلقت بصدور فعل من إنسان معين. ولكن علينا أن نرى بأي شيء تعلقت إرادة الله؟ فهل تعلقت إرادة الله بصدور هذا العفل من هذا العبد كيفما كان، سواء كان عن جبر أو اختيار؟ أم إنما تعلقت إرادته بصدور كل معلول عن علته الخاصة؟
والإجابة الصحيحة، أنه تعالى إنّما تعلقت إرادته بصدور هذه الأفعال من العباد مع ملاحظة اختيارهم في ذلك وحريتهم المطلقة، أو هكذا إرادة أزلية ليس أنها لا توجب الجبر وسلب الحرية فحسب، بل هي تؤيدها وتؤكدها إذ أن إرادة الله نافذة في خلقه غير مختلفة، فإذا أراد شيئاً بشكل خاص وعلى نحو معين تحقق كا أراد، فحيث تعلقت إرادته في الإنسان المختار أن يكون هو باختياره السبب بصدور فعله، امتنع أن يصدر الفعل من الإنسان إلا على ما أراده الله.. وبين هكذا إرادة لصدور الفعل عن الاختيار وبين الجبر من الفواصل مئات الأميال.
والخلاصة، أن هذه الإرادة الأزلية لا توجب الجبر ولا ترفع الحرية، بل لا يجوز لنا أن نجوز في حكمنا على هذه الإرادة باستلزامها الجبر، إلا بعد أن نرى بدقيق النظر، كيف تعلقت هذه الإرادة بالمراد؟ فنقول: صحيح أن جميع الموجودات في الحياة ومنها أفعال البشر لا تخرج عن إطار إرادة لله سبحانه، وأنه لا يتحقق شيء في سلطانه من دون إرادته وإذنه، وأن إرادته بالموجودات قد تعلقت من الأزل.
ولكن الذي أراده الله من الأزل، هو أن الإنسان يقوم بعمله باختيار وحرية، لا بجبر وإكراه. وأن الذي تعلقت إرادته به من الأزل، هو أن يصدر كل فعل من مبادئ علله الخاصة به، فإذا كان الفاعل مضطراً، فقد أراد من الأزل أن يقوم هذا بعمله مضطراً، أما إن كان الفاعل مختاراً فقد أراد من الأزل أن يكون هذا هو السبب في افعاله، ولكن بكل حرية واختيار. إن هكذا إرادة أزلية لا توجب الجبر، بل هي نقطة نقيض أمام الجبر.
إن إرادة الله الأزلية تستلزم الجبر في صورة وفي صورة أُخرى تؤيد وتؤكد الحرية والاختيار فإن قلنا بأن إرادة الله تعالى قد تعلقت بصدور كل موجود من مبدئه بدون إرادة واختيار. كانت هذه الإرادة الأزلية موجبة للجبر لا محالة. ولكن إن قلنا بأن العالم عالم العلل والمعلولات والأسباب والمسببات، وقدرنا لكل ظاهرة وحادثة علة خاصة، وحسبنا الإنسان فاعلاً مختاراً، وقلنا بأن إرادة الله الأزلية قد تعلقت بصدور كل معلول من علته الخاصة، بقيام الإنسان بأفعاله بكامل حريته واختياره كانت بين هكذا إرادة أزلية وبين الجبر من الفواصل مئات الفراسخ والأميال.
التقدير في المصير
علم الله من الأزل
لقد ذكرنا لحد الآن أربعة تفاسير «لتقدير المصير» هي كما يلي:
- إن التقدير هو السنن والنواميس الطبيعية في العالم.
- إن التقدير هو الأحكام الشرعية والواجبات الإلهية.
- إن التقدير هو التحديد للموجود، ثم وجوب وجوده في الخارج.
- إن التقدير يعني صدور جميع الحوادث في الحياة عن إرادة الله الأزلية.
ولقد أثبتنا في الأبحاث السابقة، أن «التقدير والقضاء» الإلهي، على كل هذه المعاني والتفاسير، لا يستوجب «الجبر» ولا يسلب الإنسان حريته واختياره. ولكن أياً من هذه المعاني المختلفة لا تتفق والذي يفهمه الناس من القدر، فإن أكثر الناس لا يفهمون «القضاء والقدر» إلا على معنى: أن الله سبحانه كان يعلم منذ الأزل بجميع الحوادث في الحياة، وبأعمال كل فرد منا، ومصير كل موجود في العالم، و«كان ذلك في كتاب من قبل أن نبرأها» وبعبارة بسيطة، أنه كان قد كتب مصير كل إنسان على جبينه. وبما أن علم الله بالواقع، يطابق الحقيقة مئة بالمائة، إذن فلا محيص عن يوم خط بالقلم. وهذا هو «التقدير» على تفسيره بعلم الله الأزلي، بعد تفسيره بالتحديد العيني والضرورة الخارجية، الذي أتينا على شرحه آنفاً.
إن صلب الإشكال وكذلك الجواب في هذا الإشكال والإشكال السابق”الإرادة الأزلية شيء واحد، فالذين أمعنوا النظر في الفصل السابق في غنى عن دراسة هذا الفصل، فإنهم قادرون على حل هذا الإشكال بنفس الإجابة الآنفة، ولذلك كان من اللازم علينا للإختصار أن ندمج هذين الفصلين في فصل واحد، ولكن بما أننا نكتب هذا المقال إلى أولئك الذين لم يصلوا في تفكيرهم الفلسفي إلى الحد الكافي، فيوجب لهم إدماج الفصلين بعض العسر في الفهم، فلذلك فتحنا لكل من الإشكالين فصلاً مستقلاً.
تقرير هذا الإشكال:
إن الله كان من الأزل مطلعاً على حركات هذه النجوم والكواكب والمجرات في هذا الفضاء غير المتناهي، وعلى حركات الإلكترونيات في بطون الذرات، وعلى رفيف أوراق الأشجار في الحدائق والغابات، وعلى حركات الأسماك العظيمة في أعماق أمواج البحر.
إن الله كان قبل أن يخلق عالماً بأفعال المجرمين، وسكر الخمارين، وقسوة السفاكين، بل إنه كان يعلم أنه في أي لحظة يقوم بالجرم أو الخيانة.
وأن علمه تعالى بالأمور علم بالواقع والحقيقة، وهو مما لا يتخلف عن الواقع في الخارج، ولا يتغير ولا يتبدل.
فعلى هذا يجب أن تتحقق الحوادث في الحياة بنفس الكيفية التي تعلق بها علم الله تعالى، وأن لا تتخلف عن علم الله قيد شعرة قط. إذ أن العلم القطعي غير المتخلف عن الواقع الخارجي لا يترتب عليه سوى أن تتحقق الأمور في العالم على طبق ذلك العلم الأزلي الإلهي. وعلى هذه المقدمات يجب أن يكون الإنسان في أفعاله التي نحن نحسبه فيها حراً مختاراً، مجبوراً مضطراً متظاهراً بالحرية والاختيار، إذ أن الله كان يعلم من الأزل أن هذا الشخص سيرتكب الذنب الفلاني في الساعة المعينة، فبما أن العلم الإلهي لا يتخلف عن معلومه يجب أن يوجد هذا الذنب، ولا يستطيع هذا المذنب أن لا يفعل هذا الذنب بأي قوة أو قدرة، بل ولا يستطيع أن يغير من كميته أو كيفيته، إذ أنه بناء على هذا يتخلف علم الله عن الواقع الخارجي، وبالتالي يصبح علمه جهلاً،إذ أنه لا يطابق الواقع!.
فلذا أضفنا إلى هذا البيان سلسلة من الآيات والروايات التي تدل على أن الحوادث في الحياة قد كتبت قبل وقوعها في كتاب مكنون هو «اللوح المحفوظ» الذي لا يأتيه التخلف أو عدم الوقوع من بين يديه ولا من خلفه تعقّد الإشكال وتجلّى بأجلى مظاهره. فالقرآن يقول:
﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾
ويقول سبحانه:
﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾.
ويقول تعالى:
﴿ قد أحاط بكل شيء علما﴾.
إجابتنا عن هذا الإشكال:
إن هذا التصور للعلم الأزلي الإلهي، والذي أراد هذا الخصم أن يجعله سنداً يستنتج من نتيجته «الجبرية» خاطئ باطل. فإنه تصور أن العلم الأزلي الإلهي قد تعلق بوقوع سلسلة من الظواهر والحوادث من دون توسط أي سبب أو علة أو نظام! ومحاولة منه لصيانة هذا العلم المقدس عن الجهل والخطأ افترض وجوب هذه الحوادث من دون أي زيادة أو نقصان. بينما الأمر في الواقع ليس هكذا، بل إنه لم يتعلق علم الله بوقوع أية حادثة إلا عن طريق عللها الخاصة بها.
وقد كان البحث حول هذا الإشكال مما يخص مباحث العلم الإلهي في العقائد والفلسفة الإسلامية. ولكن تطرق هذا الإشكال إلى أذهان كثير من العوام عن طريق شيوع الأبيات الشعرية المتفلسفة المنسوبة إلى الشيخ المتفلسف عمر الخيام! حتى جعلها بعضهم مستمسكاً يعتذرون بها عما يرتكبوه من الذنوب!.
فهم مع علمهم بأن الإشكال بالعلم الأزلي والإشكال بالإرادة الإلهية في الحقيقة إشكال واحد، يقررون الإشكال هذا بصورتين مختلفتين، يجعلون عامل الجبر في إحداهما الإرادة الأزلية، وفي الأخرى علم الله الأزلي الذي لا يتخلف عن الوقوع الخارجي، والذي يتصوره المستشكل أنه يوجب حدوث جميع الحوادث في العالم طبق العلم الأزلي الإلهي، لئلا ينقلب علم الله إلى جهل لا يطابق الواقع.
ولهذا يجب أن نبحث هذا الموضوع بصورة مفصلة، وإن كان ما قلناه في الفصل السابق يصلح للإجابة على هذا الإشكال أيضاً.
ولأجل أن تتضح حقيقة الإجابة الصحيحة على هذا الإشكال لا بد من بيان أمرين:
1- إن حرية الإنسان في اختياره في كل عمل يريد أن يقوم به مما يسلّم به عقلاء العالم أجمع، حتى أولئك الذين يقولون بـ «الجبر» وأن الإنسان ليس إلا مجبوراً يتظاهر بالاختيار يعترفون باختيارهم في بعض أعمالهم، ولذلك تراهم إذا تجاسر عليهم متجاسر يتناسون ما يقولون به من «الجبر» ويقومون بالدفاع عن أنفسهم، وإذا تخلف أحد أبنائهم عن عمل كان المفروض أن يقوم به لا يعذرونه بـ «الجبر» بل يرتبون على تخلفه ما كانوا يقررونه عليه من العقوبة.
وعلى هذا، فهم لا يجدون بدّاً من الاعتراف بأن المجرم الذي يجرؤ على قتل إنسان بريء والخمار الذي يتناول كؤوس الخمرة واحدة بعد أُخرى، إنما يقدم على جرمه هذا بحريته واختياره من دون أي جبر أو إكراه من الخارج أو من دخيلة نفسه. وأن أي ذي مسكة لا يستطيع أن يقول بأن القتل وشرب الخمرة لهؤلاء كالتنفس والهضم أمر غير اختياري مضطر إليه. وكما ذكر آنفاً، حتى أولئك الذين ينكرون اصل حرية الإرادة في الإنسان، حينما يعتدى عليهم من قبل الآخرين يغيّرون رأيهم ويقدمون الشكوى إلى الجهات المختصة القضائية، لتقضي على الظالم بالعقوبة المناسبة.
2- إن علم الله تعالى تعبير عن الواقع الخارجي بما لا يتخلف عنه قيد شعرة. ولكن يجب أن نعلم أن علم الله هذا إنما يتعلق بالشيء على القيد الذي هو عليه والصفة التي هو عليها والخصائص التي هو فيها.
ولمزيد التوضيح نقول: لقد قلنا سابقاً: إن للإنسان نوعين من العمل، فمن أعماله ما يصدر عنه من دون إرادته واختياره، كأعمال الجهاز الدموي، والجهاز المعوي، وجهاز القلب والأحشاء والعروق و.. التي تتميز في أفعال الإنسان بعنوان الأعمال الاضطرارية غير الاختيارية.
وهناك من أعماله ما يصدر عن إرادته واختياره والتي تتميز في أفعال الإنسان بعنوان الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية.
وعلى ما سبق من أن علم الله تعالى عن الواقع الخارجي بما لا يتخلف عنه قيد شعرة، إنما تقع أعمالنا هذه مورداً لتعلق علم الله بها على ما هي عليه من الخصائص والألوان. بمعنى أن الله كان يعلم من الأزل بصدور فعل معين في لحظة معينة من إنسان معين بكامل اختياره وحريته، وهكذا كان يعلم بصدور النوع الثاني من أفعالنا عنا بالاضطرار والإكراه.
ففي الموضوع الأول، أثبتنا أن قسماً من أفعالنا -على الأقل- يقع بإرادتنا واختيارنا، ونحن أحرار في فعله وتركه.
وفي الموضوع الثاني، أثبتنا أن الله تعالى كما أنه مطلع على أصول أعمالنا كذلك مطلع على خصائصها والوانها، وأنها من القسم الاختياري أو الاضطراري وبتعبير آخر، أن المعلوم له من أفعالنا كان معلوماً له بما فيه من الخصائص والمميزات بما فيها الاختيار والاضطرار.
وبعد الالتفات إلى هذين الموضوعين الأساسيين أمعن النظر في ما نبنيه عليهما من الإجابة الصحيحة.
نستنتج نحن من هذين الأصلين السابقين، أن الله تعالى كان يعلم من الأزل، أن فلاناً الجاني سيقتل فلاناً البريء في الساعة المعينة في اليوم المعين مع كمال حريته واختياره، وتعمده بيده.
وإن هكذا علم أزلي من الله تعالى لا يوجب الجبر للانسان، ولا يحق للمجرم أن يحتج بعلم الله الأزلي معتذراً عما جنت يداه، فيزعم أنه كان مجبوراً على عمله ومضطراً إليه. إذ أنه صحيح أن الله تعالى كان يعلم من الأزل بصدور الجرم من الجاني المجرم، ولكنه لم يطلع على أصل العمل فحسب، بل كان مطلعاً أيضاً على أنه يعمل هذا بإرادته واختياره.
وبتعبير آخر، أن علم الله الأزلي عن ضرورة وجود الحادث بالإضافة إلى عمله بخصائصه لا يوجب الجبر إذ أن علمه تعالى من الأزل إنما تعلق بصدور كل معلول من علته الخاصة به، وهذا العلم في الإنسان لا يؤدي إلا إلى أنه سيصدر منه الفعل الاختياري باختياره، والفعل الاضطراري من دون اختياره، كما تعلق علمه بأن الشمس ستشرق من دون إرادتها للإشراق.
إن هكذا تقدير مسبق بالعلم الأزلي والذي نجد الإشارة إليه في القرآن والحديث، ليس أنه لا يوجب الجبر فقط، بل إنه مؤكد لإرادة الإنسان واختياره وحريته. بل لو كان هذا الفعل الذي سبق من الله العلم بصدوره من الإنسان باختياره، يصدر عنه باضطراره، لاستلزم انقلاب علم الله إلى الجهل بالواقع الخارجي! فإذن علم الله إنما يطابق الواقع الخارجي فيما إذا صدرت هذه الأفعال من الإنسان باختياره.
إن هكذا علم من الله تعالى ليس أنه لا يوجب الجبر في الإنسان فقط، بل إنه مؤيد لحرية الإنسان، فإن علم الله تعالى بما أنه يطابق الواقع الخارجي بما لا يتخلف عنه قيد شعرة، لذلك لا بد للإنسان من ان يقوم بعمله هذا باختياره وحريته. فإذا نحن فرضنا أن يكون الإنسان مجبوراً على عمله غير مختار فيه، لزم أن ينقلب علم الله إلى الجهل، لعدم مطابقته للواقع الخارجي!
وبتعبير آخر، إنما يطابق علم الله والواقع الخارجي فيما إذا قمنا نحن بأعمالنا باخيتارنا، أمّا إذا أصبحنا مجبورين عليها انقلب علمه إلى ما يخالف الواقع!
وببيان أوضح:
لعله يصعب على البعض ثقل هذا البيان الفلسفي. ولذلك نستمد العون الآن لحل هذه العقدة المشكلة، من هذا المثال:
– أفهل يقبل من يجعل «العلم الأزلي» مستمسكاً لجرائمه وجناياته، أن يحكم في مثل هذا المثال الآتي أيضاً بمثل هذا الحكم «الجبري»؟
– إن باستطاعة كثير من الأساتذه والمعلمين ان يتكهنوا بمستقبل تلامذتهم، فإن المعلم الذي يعرف حدود السعي والعمل والاستعداد في تلميذه المعين للامتحانات النهائية، يستطيع أن يتكهن (النجاح) أو (الرسوب) للتلميذ، بصورة قاطعة.
افترضوا أستاذاً يكون مطلعاً على كسل تلميذه المعين وتسامحه في تهيئة دروسه، وعالماً بأنه يصرف جل أوقاته العزيزة في الأعمال غير المفيدة بل المضرة ويرى أنه لا ينفع فيه نصحه ومواعظه وإرشاداته إلا انهماكاً في إتلاف العمر العزيز في مراكز الفساد والشهوات. إن أستاذا كهذا مطلعاً على أوضاع تلميذه الكسول، ليستطيع أن يتهكن بمستقبل هذا التلميذ بنظر صائب مطابق للواقع الخارجي مئة بالمئة.
والآن نريد أن نعرف ما هو السبب في رسوب هذا التليمذ في الامتحان؟
أفهل نستطيع أن نقول: إن علم المعلم بوضع التلميذ هذا هو السبب لعدم توفيقه في الامتحان:؟ بحيث إذا كان المعلم يتكهن بعكس هذا- مع هذا الوصف- لكان بإمكان التلميذ أن ينجح في الإمتحان؟
ام ان السبب في فشله في الامتحان، هو تكاسله في أيام الدراسة، بحيث لم يفتح الكتاب طول السنة لينظر فيه، بل بحيث لم يصرف وقته إلا على الشهوات؟.
إنه ليس بإمكان أي إنسان أن يقول: إن السبب في فشله هو علم الأستاذ وتكهنه برسوبه. بل إنما يوجه اللوم إلى التلميذ، ويعد عليه تكاسله سبباً في فشله.
وليس على هذا الاستاذ العالم بمصير تلميذه، أي لوم أو عذر أو عتاب بالتقصير أو القصور. فإن الحقيقة أن التلميذ هو الذي صنع هذا المصير الأسود لنفسه بنفسه مع كمال الإرادة والاختيار، وأنه هو الذي هيأ أسباب رسوبه وفشله، وإن كان أستاذه أيضا مطلعاً على مصيره هذا الأسود الأليم.
والآن نقول: إنا لا ننكر أن هناك تفاوتاً بعيداً بين علم الله الأزلي بمصير عبده، وبين علم هذا الأستاذ بنتائج امتحانات تلميذه، وأن علم الله غير المحدود ليس مما يقبل القياس مع علم الإنسان المحدود، وأن هناك فروقاً في الفلسفة بين علم الله وعلم الإنسان، ولكن ليس أي فرق من هذه الفروق مما يؤثر على ما نريده من هذا المثال للجواب على هذا الإشكال، حيث إننا إنما نقول: إن علم المعلم ليس مما يوجب سلب الاختيار من التلميذ بما يؤدي به إلى الرسوب.
وخلاصة القول: إن الله تعالى وهب الإنسان حين خلقه سلسلة من المواهب الطبيعية، وجعل له العقل والإرادة والاختيار والحرية، وهداه طريق السعادة والشقاء، وجعله حراً في اختيار مصيره. وإننا نحن نعين مصيرنا بأيدينا، وأن ليس لنا من يعين مصيرنا، وأن علم الله سبحانه بمستقبلنا لا يضر اختيارنا ولا يضاد حريتنا.
وأما ما تصوره البعض من أن علم الله الأزلي دليل معذر للجبر، كما في الأبيات الشعرية المنسوبة إلى الشيخ المتفلسف عمر الخيام، فليس سوى مغالطة فاضحة، حيث يقول:
أنا أشرب الخمرة، والذين هم مثلي من أهل الفضل والكمال يعلمون أن شربي للخمر أمر يسير فإن الله كان يعلم من الأزل بأني سأشرب الخمر، فلو لم أشربه أصبح علم الله جهلاً!!
وقد أجابه فيلسوف الشرق المرحوم الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي في «رباعي» على وزنه وقافيته، يقول:
إن كان الذي يتساهل في المعاصي من أهل الفضل والكمال، لم تخف عليه هذه الإجابة: إن حسبان علم الله الأزلي علة للمعاصي، لمن غاية الجهل والغباوة.
التقدير المحتوم
وغير المحتوم
إذا راجعنا الآيات القرآنية، والأحاديث والأدعية الإسلامية، اتضح أن لنا نوعين من (القضاء والقدر) محتوم، وغير محتوم. وبتعبير آخر، أن للإنسان وهكذا غيره من أحياء هذا العالم، نوعين من التقدير في المصير تقدير محتوم مقطوع، وتقدير غير ضروري وغير لازم.
وقد فسر بعض الكتاب المعاصرين هذين النوعين من تقدير المصير، بتفاسير مختلفة، ليس لها أي سند من الواقع والحقيقة، ولعلها ابديت من قبل أصحابها من دون مراجعة دقيقة للمصادر الإسلامية.
إنه يجب علينا قبل كل شيء، أن نفتش عن أصول هذا التقسيم للتقدير في القرآن الكريم، ثم نراجع الروايات والأحاديث. وهنا نلاحظ أن القرآن الكريم قد عبر عن «الأجل» الذي هو في الواقع الحد الأخير من التقدير للمصير، بتعبيرين مختلفين، يبدو أنهما يختلفان في المعنى أيضاً فمرة عبّر عنه «بالأجل» من دون أي قيد إضافي، وأخرى عبر عنه «بالأجل المسمى» أي الأجل المعين، حيث يقول سبحانه:
﴿هو الذّي خلقكم مِّن طين ثمّ قضى أجلاً وأجلٌ مُّسمىًّ عنده ثمَّ أنتم تمترون﴾.
وعند مراجعة الأحاديث والروايات بهذا الصدد، فـ «الأجل المسمى» هنا، هو الأجل المعين المقطوع به، الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله، ولا يقبل التغيير والتبديل وأن هذا المعنى يجري في جميع آيات القرآن الكريم التي ترد فيها هذا الجملة، كما في قوله تعالى:
﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مُّسمىًّ فاكتبوه﴾.
وعلى هذا تكون الآية الأولى دليلاً من القرآن على تقسيم التقدير إلى معين مقطوع، وأخرى معين أيضاً ولكن بصورة غير مقطوعة. والآن علينا أن نرى، كيف يكون للإنسان نوعان من الأجل؟ وما هو المقصود من هذين النوعين؟
يتضح لنا حقيقة معنى هذين الأجلين في المثال التالي:
– يهب الله لأحدنا ولداً، تُجرى عليه مختلف الفحوص الطبية، على قلبه وأعصابه وأعضائه وجميع جوارحه، فيطمئننا خبراء الأطباء، أن باستطاعة هذا الوليد أن يحمل أعباء الحياة إلى مائة سنة.
ومن الواضح أن معنى هذا، أن هذا الطفل يصلح للبقاء في هذه المدة، وليس معنى هذا أكثر من «الإمكان، أو الاقتضاء» على مصطلح الحكماء. فليس معنى ذلك أن هذا الطفل يستطيع أن يعيش هذه المدة كيفما كان، وفي أي وضع كان- قطعاً- بل إن ذلك مشروط بشروط عديدة، منها استمرار صحته، ومنها عدم عروض مانع لاستمرار بقائه، حتى تصل هذه القابلية بالقوة إلى مرحلة الفعلية الخارجية، وإلا فقد يمكن ان يقضى عليه فيموت!
وبناء على هذا يكون لهذا الطفل من يومه الأول أجلان:
1-أجل مطلق، وهو إمكانه واقتضاؤه للبقاء وقابليته الجسمية لمدة مئة سنة من العمر. وحيث إن لاستمرار البقاء في هذه الحياة سلسلة من الشرائط والمقتضيات، ولا يعلم بالجزم واليقين انه هل سوف تتحقق له جميع هذه الشرائط؟ أم سيعرض له مانع عن البقاء؟ ولهذا يكون أجله هذا أجلاً مبهماً، لا محتماً مبرماً.
2-الأجل المحتوم، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنه – وحده- هو الذي تكون له الخبرة التامة، بتحقق شرائط البقاء والاستمرار لموجود ما، أو عدم تحققها له، وهو الذي يعلم هل ستتحقق لهذا الوليد شرائط البقاء والاستمرار؟ أم أنه سيعرض له مانع فيقضى عليه بالموت؟ إذن فهو الذي يعلم – بعلمه بتحقق الشرائط له وعدمه- بمقدار عمره ومصيره المحتوم، وأن التقدير العلمي هذا – بعلمه بتحقق شرائط وعدمه- تقدير معين مقطوع به، بعيد عن إبهام او ترديد.
والأحاديث التي وردت في تفسير هذه الآية، وإن كانت مختلفة، ولكن بعضها تفسر الآية كما ذكرنا، فالإمام الباقر عليه السلام يقول: «أجل محتوم وأجل موقوف» أي موقوف على وجود المقتضي وعدم المانع، على الاصطلاح العلمي. وعن الإمام الصادق عليه السلام:
«أجل مسمى، وهو قوله تعالى:
﴿فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ وأجل غير مسمى يتقدم ويتأخر».
إن الأجل من موارد القدر، فإذا اتضح انقسامه إلى معلق وغير معلق، أتضح أيضاً أن «القدر» في جميع موارده ينقسم إلى نفس هذين النوعين، فما كان منه معلولاً لعلل ستحدث في ظروفها الخاصة بها من الزمان، فإن وجود ذلك المقدر مع ملاحظة وجود علله يكون حتمياً وقطعياً. بينما تكون تلك المقدرات التي ستفقد بعض شرائطها، أو سيعرض لها بعض ما يمانعها، في خط الزمان غير حتمية ولا قطعية. وأن أي تكهن يقوم به الإنسان غير المطلع على اوضاع الموانع والمتقتضيات، يكون تكهناً بقضاء مشروط له صلاحية كل واحد من الطرفين، الوجود والعدم.
والمثال على تقدير غير محتوم لأجل غير محتوم، لا بأس أن نتمثل بعذاب «قوم يونس النبي» فقد قدر الله عليهم –كما أخبر به نبيهم- ان يعذبهم. ولكنه كان في الواقع قضاءً مشروطاً بشرط لم يتحقق، وهو استمرارهم في غيهم وعدم توبتهم. فلما لم يتحقق هذا الشرط، تبين أنه كان قضاء غير مبرم وقدراً غير محتم قابلاً للتغيير والتبديل.
إن القدر المحتوم لا يتغير، ولكن القدر غير المحتوم قد يغيّره الدعاء بمعنى أن شخصاً يستحق بفسقه وفجوره، من الله العقاب المعجل، ولكنه يتنبه عن نومته، ويستيقظ من رقدته، ويلتفت من غفلته، فيتوجه إلى ربه بالدعاء والتضرع والابتهال، والخضوع والخشوع، فيصرف الله عنه السوء، بل يردّ عنه البلاء الذي قد أبرم إبراماً، حيث إن القضاء عليه من أول يوم كان مشروطاً باستمرار غفلته، فلما ارتفع الشرط ارتفع المشروط، ولهذا يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«يرد الدعاء القضاء. وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء».
ويقول عليه السلام:
«من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممن يعيش بالأعمار».
وأنت إذا راجعت آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم، وروايات الأئمة عليهم السلام، اتضح لك أن المقصود من «التقدير المحتوم، وغير المحتوم» هو ما وضحناه في هذا الفصل، وقد اختاره أيضاً بعض علمائنا المحقيقين.
بناءً على ما مضى، توضح أن «القضاء والقدر» حقيقتان مختلفتا النسبة، مستنزعتان مما يفعله الله تعالى في خلقه، فإذا لاحظنا المعلول بقياسه إلى كل واحد من أجزاء علله قلنا: إن الله هكذا قدره.
أما إذا لاحظنا بجميع أجزاء علته أي «العلة التامة» وجب وجوده، وتحقق حدوثه، وكان حينئذٍ مظهراً من مظاهر قضاء الله سبحانه.
والنتيجة المترتبة على هذه المقدمة، هو أن «القضاء والقدر» كسائر أفعال الله تعالى، من الخلق والرزق والإماته والإحياء، من صفات الفعل لله سبحانه.
وقد مثل السيد الطباطبائي في تفسيره الكبير (الميزان ج7 ص7) لتقريب معنى «القضاء والقدر المحتوم، وغيره» إلى أذهاننا، بهذا المثال التالي:
«حينما يخيم علينا ظلام الليل، يتيقن كل منا بأن الليل سينجلي، وستطلع الشمس المشرقة مرة أخرى فتشرق الأرض بنورها. ولكننا نحتمل أيضا أن تكون السماء بكرة غير ضاحية، فتحجب السحب عنا نور الشمس. فعلى هذا، لا يكون انتهاء الليل وطلوع الشمس «العلة التامة لوصول ضوء الشمس إلينا، وإذن لا يكون قضاؤنا بوصول نورها إلينا قضاء محتوماً، بل إنما يصبح هذا القضاء محتوماً، فيما إذا أشرقت الشمس ولم يحل بيننا وبينها شيء، حينئذٍ يصبح وصول نورها إلينا قطعياً حتمياً».
ثم استشهد على ما قاله بروايات نقلها عن كتاب «تفسير العياشي» أبي النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، من علمائنا في المئة الثالثة.
وقد بحث هذا الموضوع في بعض أجزاء تفسيره الكبير بصورة مستوعبة، فمن أراد فليراجع.
ولنضرب نحن هنا مثلاً آخر، فنقول:
قام الخبراء الأخصائيون، والمهندسون المعماريون ببناء «السدّ العالي» في مصر أو سد «دز» في إيران وهم يتكهنون لاستقامته على المحاسبات العلمية مدة معينة فقد يمكن أن يعرض للسد من الأمور ما يزيد في قدرته ودوامه –ولكنه قد ينهدم بين عشية وضحاها بقنبلة من القنابل في حرب من الحروب- افتراضاً- فيكون هذا الأجل الذي عينوه لهذا السد أجلاً معلقاً غير مقطوع به في الواقع.
وحينئذٍ – بعد أن انقسم بوضوح «القضاء الإلهي» إلى نوعين، قطعي وغير قطعي يصبح من اللازم أن يكون بعد القضاء إمضاء أيضاً، حتى يصل بالقضاء من توقفه وتعلقه، إلى القطعية والضرورية.
يقول الإمام الرضا (ع)، وهو يملي على بعض كبار أصحابه:
«إذا قضى إمضاه، فذلك الذي لا مرد له».
إشكال على هذا التقسيم:
استبعد بعضهم هذا التقسيم في «القضاء والقدر» إلى «لازم محتوم» و«غير محتوم» وقال:
ليس بإمكاننا أن نحمل ما ورد في الروايات والأحاديث من التعبير بالقضاء المبرم، وغير المبرم، على هذا المعنى. بل لا بد من معنى آخر، إذ يرد على هذا التقسيم أحد الإشكالين كما يلي:
1-إذا كان «التقدير» – كما سبق في أحد معانيه- يعني نفس هذه السنن الطبيعية الحاكمة على العالم، فإن هذه السنن نواميس طبيعية قطعية لا تقبل التغيير والتبديل أبداً قط، إذ أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها الطبيعية. وبناءً على هذا، لا يكون لها أي تقدير متغير بل تكون التقادير كلها حتمية وقطعية. مثلاً، إذا كان الشخص يراعي أصول الصحة العامة تمكن من إكمال العمر الطبيعي للإنسان أي مائة وخمسين سنة. أما إذا لم يراع هذه الأصول تقلل عمره إلى نصف العمر الطبيعي الكامل أي خمس وسبعين سنة. هذان قانونان من القوانين الطبيعية العامة فإذا عمل الشخص بأحدهما ترتبت عليه النتيجة قطعاً، فليس لنا إذن تقدير متغير إذ لا تغيير في القواعد الطبيعية العامة.
2- وإذا كان «التقدير» –على إحدى معانيه الأخرى- يعني نفس سلسلة العلل والمعلولات والأسباب والمسببات، فلا يكون لنا إذن قضاء وقدر قطعي، حيث إنه يمكن التغيير والتبديل بين العلة والمعلول حتى بعد حصول كثير من أجزاء العلة الناقصة قبل أن تكون العلة تامة، فحتى في الموارد التي فرض أن يكون القدر فيها محتوماً يمكن أن يتغير فيصبح غير محتوم.
جواب الإشكال الأول:
صحيح أنّا إذا فرضنا معنى التقدير في هذا التقسيم إلى «المحتوم وغير المحتوم»، (النواميس الكونية) انقلبت المقدرات كلها إلى ضرورات. ولكن الملاك هنا في هذا التقسيم ليس ذلك المعنى، بل الملاك في هذا التقسيم إنما هي المصاديق الخارجية، فإن شروط تحقق تلك السنن الإلهية، (العمر الطبيعي مثلاً) قد تكون متوفرة في رجل وغير متوفرة في آخر، فالذي تتوفر فيه الشروط يكون هذا القضاء بالعمر الطبيعي بالنسبة إليه قضاء قطعياً بينما الرجل الذي لا تتوفر فيه الشروط وإن كان بالنسبة إلى الله المطلع على السرائر والضمائر، كذلك بالنسبة إلى كل من يكون مطلعاً على عدم توفره على الشروط مقضياً عليه بعكس ذلك القضاء الأول قضاء حتمياً أيضاً ولكنه بالنسبة إلينا ونحن غير مطلعين على مصيره ومستقبله، يكون هذا القضاء وذاك بالنسبة إليه غير محتوم.
وبشكل عام، حينما نتكلم نحن في تقسيم التقدير إلى المحتوم وغيره، لا نقصد به السنن الكونية التي هي قطعية وحتمية دائماً. بل المراد هي المصاديق الخارجية التي تخفى علينا كثير من خصائصها ومصيرها، وفي الواقع لا نعلم بتطبيق أي سنة من هذه السنن الكونية المحتومة عليه، فمن هذه الناحية يكون مصير هذا الشخص مثلاً بالنسبة إلينا قدراً متغيراً.
جواب الإشكال الثاني:
لا يمكن أن نفهم، من الأحاديث والروايات – كما يتصور هذا الناقد- للقضاء المحتوم حتمية قاطعة من كل ناحية بحيث يرتفع إمكان تحقق الطرف المخالف، بل لا نفهم من الأحاديث والروايات أكثر من أن القدر قد يكون بلحاظ تحقق علله وشرائطه حتمياً، مع بقاء إمكان تحقق الطرف المخالف. بل الأصل في كل «وجوب» فيما عدا واجب الوجود بالذات إنما هو الوجوب العارض على الممكن، فالمقصود من الضرورة هنا هي الضرورة العارضة التي لا تنافي إمكان وقوع ما يخالفها.
نظرية خاصة في هذا التقسيم:
وقد أبدى الكاتب الإسلامي الكبيرالشهيد مطهري صاحب كتاب «الإنسان والقدر» نظرية خاصة حول هذا التقسيم للتقدير القطعي والمتغير، نختصرها هنا للقارئ الكريم، ثم نأتي عليها بما فيه من النقد. وتتلخّص هذه النظرية في تقسيم الموجودات في الحياة إلى قسمين:
1- المجردات: وهي التي لا يمكن أن يكون لها أكثر من نوع واحد خاص من الوجود، ولا تتأثر بالعوامل المختلفة.
ففي هذا النوع الأول من الموجودات – المجردات- يكون القضاء والقدر حتميين، بمعنى أن مصيرها بيد علتها الوحيدة، التي لا يمكن أن تتبدل، وبما أن مصير المعلول بيد المعلول، فلذلك لا يكون للمعلول أيضاً إلا مصير واحد. فيكون القدر فيها قدراً حتميّاً.
2- الماديات: وهي ما يمكن فيه أكثر من نوع واحد خاص من الوجود، بل تقبل التأثيرات المختلفة، فيها استعداد التكامل، فتؤثر فيها بعض العوامل طاقة وقوة، بينما تؤثر فيها بعض العوامل الأخرى نقصاناً وزوالاً، فهي مستعدة لمواجهة مختلف العوامل، كما ويكون تأثرها بأحد العوامل غيره بالآخر.
ففي هذه الماديات التي تقبل التغييرات والألوان، وتنطوي تحت قانون الحركة، لا يكون القضاء والقدر حتميين، بمعنى أن نوع القضاء لا يعين مصيرها بل مصير أي معلول يكون تابعاً لنوعية العلل، وبما أنها مختلفة يكون لها أنواع مختلفة من المصير فيمكن لأية علة أن تحل محل الأخرى، وكلما كانت الإحتمالات أكثر كان أنواع المصير أكثر.
فالبذرة إن صادفت الجو الملائم، ولم تصبها آفة من آفات النباتات، نمت ووصلت إلى كمالها. ولكنها مع فقدان أحد العوامل الملائمة، ومع إصابتها بآفة متلفة، فلن تستطيع النمو والكمال. وهكذا… فللمادة الطبيعية آلاف الشروط، وهي تتشكل بأشكال مختلفة، وفقاً لاختلاف هذه الشرائط.
فلعلة خاصة يتمرض شخص فيجد في نفسه الألم والضعف والهزل، وإنما نشأ هذا القضاء من تلك العلة الخاصة.فإذا تناول هذا المريض الدواء الناجح الناجع، فمع شربه للأدوية والعقاقير علة ولها معلول «مصير» آخر، فيتغير «مصير» هذا المريض.
ولو راجع هذا المريض طبيبين، فأعطاه كل واحد منهما نسخة تخالف نسخة الآخر، فنسخة مهلكة، ونسخة منجية. ففي انتظار المريض حالتان مختلفتان وله اختيار أيهما شاء. فيكون له هنا أنواع متعددة من القضاء والقدر، ولكل منها أن يحل محل الآخر، لو تغيرت العوامل وجاءت موافقة له، فعندما يشرب هذا المريض الدواء الناجح، فنجاته بقضاء وقدر. ولو لم يشرب فمات، فموته بقضاء وقدر. وهكذا كل سلوك يصدر منه هو في إطار القضاء والقدر، لكن بشكل يرتبط بسلسلة العلل والمعلولات بصورة لا تسلبه اختياره. إذن فليس في نظر المريض أي واحد من هذين المصيرين حتمياً، وإن كان هو لا محالة يختار إحدى النسختين، فإنه مع اختياره لإحداهما يبقى اختيار النسخة المخالفة موجوداً محفوظاً.
فهنا أنواع متعددة من القضاء، لكل منها أن يحل محل الآخر، لو تغيرت العوامل وجاءت موافقة له، ونفس هذا التغيير والتبدل يكون من قضاء الله أيضاً.
ميزة الإنسان
والأفعال الإنسانية من تلك الحوادث التي تمتلك مصيراً حتمياً، لأنها أيضاً ترتبط بآلاف العلل التي منها هذه الأنواع المختلفة من الإرادة الصادرة من الشخص الواحد. إذ إن جميع الاحتمالات والإمكانات الموجودة لنمو النبات، والسلوك الغريزي للحيوان، موجودة في الإنسان أيضاً، بالإضافة إلى وجود العلل والإرادة الخلقية وقوة الترجيح عند الإنسان.
ثم يقول: ولنا في الكون أيضاً قضاء وقدر محتوم وغير محتوم، فمثلاً أن الخلية الواحدة من «الحويمن» الذي لا يشكل بنفسه أكثر من خلية واحدة، تشكل للطفل طينة معينة وتوجد فيه صفات موروثة خاصة، ستؤثر في مستقبله فيما بعد. ولو كانت هذه الخلية من الحويمن من هذا الرجل تتلاقح مع بويضة امرأة أُخرى، لكان يتكون من هذه البويضة والحويمن طينة أخُرى لطفل آخر غير هذا الطفل، وبالطبع كان له مصير آخر مغاير للمصير الحاضر لهذا الطفل.. ولكن بعد تكون طينة بما لها من مصير، لا يمكن تبديلها بطينة أُخرى لها مصير آخر، أي يكون لهذا الطفل بعد تكوّن طينته مصير واحد محتوم إلى كثير من مراحل تكامله في رحم أمه، ولذلك نرى أن ّ الرحم عبّر عنه في بعض ألسنة الروايات بأنه «لوح من ألواح القضاء».
نقد هذه النظرية
إن هذا التقسيم، وإن كان تقسيماً صحيحاً وحكيماً، ولكنا لا نستطيع أن نطبق عليه ما ورد في الروايات والأدعية من الإشارة إلى تقسيم القضاء إلى محتوم وغير محتوم.
من ذلك ما في (أصول الكافي ج1 ص147) عن زرارة،عن حمران قال: قال أبو جعفر (ع): سألته عن قول الله عز وجلّ: ﴿قضى أجلاً وأجلٌ مسمَّى عنده﴾ قال:
«هما أجلان: أجل محتوم وأجل موقوف».
فإن تحليل هذه الرواية على نظريتنا التي بيناها أولاً واضح وحكيم، ولكنه على هذه النظرية الثانية لا يخلو من تكلف أو تعسف.
وهكذا جواب الإمام أمير المؤمنين (ع) لذلك الشيخ الذي سأله في منصرفه من صفين عن القدر فقال له: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدر؟ فقال الإمام(ع): «أجل».
فقال الرجل: عند الله أحتسب عنائي. فقال الإمام (ع): «وتظن أنه كان قضاءً حتماً، وقدراً لازماً؟».
فإن هذه الرواية أيضاً تؤيد أن المقصود من القضاء المحتوم وغير المحتوم، هو ما بيّناه في أول البحث.
وهكذا أدعية شهر رمضان المبارك وليالي القدر العظيمة:
«اللهمّ إني أسألك أن تجعل فيما تقضي وتقدر، من الأمر المحتوم، في الأمر الحكيم في القضاء الذي لا يرد ولا يبدل أن تجعلني من حجاج بيتك الحرام».
فإن تفسير مثل هذه الأدعية على ما بينّاه في النظرية الأولى واضح جداً، ولكنه على هذه النظرية الثانية معقد متكلف متعسف!
وهكذا أمر الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل. وهكذا قصة أصحاب يونس. وهكذا ما سنورده في البحث التالي حول تأثير الدعاء وصلة الأرحام في تغيير المصير. كل ذلك يؤيد ما قلناه.
نظرية ثالثة:
وقد صور بعضهم القضاء والقدر إلى المحتوم وغير المحتوم، من وجهة نظر الإنسان إلى الكون والحياة، وجعلها مقياساً لتقسيم القدر إليهما، فقال: إن القضاء المحتوم، هي الظواهر التي لا يستطيع البشر تغييرها، كالجنون الوراثي، وكثير من الصفات والخصائص البشرية التي لا يستطيع الإنسان تغييرها. وأما القضاء غير المبرم، فهو ما يتمكن الإنسان أن يفقده أثره فيه من ظواهر الحياة، كما إذا كان الأب دنيئاً مذنباً، فستنتقل صفاته الوراثية بما فيها من الدناءة والخسة والمهانة والمعاصي إلى ولده، ولكنها ليست غير متغيرة.
نقد هذه النظرية الثالثة:
إن هذه النظرية، نظرت إلى القضاء والقدر من وجهة نظر الإنسان إلى الكون والحياة فقط، في حين أن الروايات عامة في هذا المورد.
كيف يغير الدعاء القضاء
على الرغم مما كان يعتقد اليهود في القضاء والقدر، أعلن الإسلام أن التقدير الإلهي يقبل التغيير والتبديل، فعسى أن يكون الدعاء أو الصدقة أو الإحسان سبباً في تغيير قسم كبير من مقدراتنا، وأن هذا التغيير أيضاً يكون من قضاء الله تعالى أيضاً، فإنه هو الذي قدر لنا أنا إذا أقبلنا إليه ودعوناه، أو تقدمنا إليه بعمل صالح، غيّر لنا مقدراتنا، وبدَّل لنا مصائرنا.
وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾: إن اليهود كانوا يعتقدون أنه لا يتطرق أي تغيير أو تبديل في القضاء والقدر، لأنه حينما خلق الخلق قدر الأمور ثم استراح فلا يغير ولا يبدل على أنّه إنّما قضى بذلك قضاء قاطعاً، ومقتضى ذلك خروج أمرها من يده!.
وهكذا يردد نفس هذه الخرافة اليهودية الآن جماعة من شبابنا المغتربين، فيقولون، ما عسى أن يفعل الدعاء لنزول الأمطار وشفاء المرضى؟! فإنه إذا كانت الأنواء الجوية مساعدة لهطول الأمطار فستهطل، وإذا لم تكن الأوضاع مساعدة فلا تهطل، سواء كان هناك دعاء أم لا يكون. وهكذا الدعاء لشفاء المريض فإنه إذا كان المريض قابلاً للشفاء فسيشفى بتناول الأدوية والعقاقير، وإذا كان الأمر على خلاف هذا فسوف لا ينفعه الدواء ولا الدعاء!
وبناءً على هذه العقيدة، فإن كثيراً من أعمال البر والخير التي – بناءً على عقيدتنا- يمكن أن ترد عنا السوء والبلاء من القضاء، وتمحو عنا ما شاء الله من الشر، وتثبت بدله من يشاء الله لنا من الخير. هذه الأعمال تصبح – على هذه العقيدة اليهودية- مما لا أثر له في تغيير مسير القدر والمصير،فإن القدر لا يتغير، وما ثبت من أول يوم لا بد أن يتحقق في يومه بالضرورة القاطعة إذن فما الحاجة إلى التضرع والدعاء والابتهال إلى الله تعالى؟ وماذا يكون الداعي إليه؟ وما الدافع إلى صلة الأرحام والتصدق على الفقراء والمساكين؟ فماذا يمكن أن تغير هذه من القدر، ولكن هلم إلى حب المال حباً جماً، وحب الذات حباً أعمى، ولذلك فيد الله مغلولة، وهو فقير ونحن أغنياء، ولكنا ونحن أبناء الله وأحباؤه وأولياؤه،وبالتالي: فنحن شعب الله المختار!
ويرد القرآن الكريم على هذه المزاعم الباطلة فيقول:
﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ و﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾.
ويرد على أنّهم أبناء الله وأحباؤه وأولياؤه فيقول:
﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير﴾ ﴿ قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾.
ما يتغير من القدر، وما لا يتغير:
وعلينا الآن أن نعرف ما يتغير من القدر وما لا يتغير؟ فنقول:
سبق أن قلنا: إن المقدرات في سابق علم الله الأزلي، على نوعين:
القدر الذي لا يتغير قط، بل هو قطعي ضروري لا محيص عنه ولا تغيير فيه ولا تبديل، فإن مشيئة الله الأزلية قد تعلقت به أن يكون قطعياً، فمثلاً:
أ: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ وكذلك قدر لكل شيء عمراً، وهكذا الإنسان فإن له عمراً معيناً محدوداً لا مفر له من الموت أبداً، فإن ﴿ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيّدة﴾.
ب: وكذلك قدر الله لكل شيء في هذه الحياة موتاً، وحتى هذه المنظومة الشمسية، فإنها سيأتي عليها يوم لا يكون فيه لها عين ولا أثر: ﴿كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ ﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت ﴾ ﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت﴾ ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت﴾.
ج: وكذلك قدر لكل من المؤمنين والكافرين يوم القيامة حساباً: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾.
فهذه المقدرات مما لا يتغير بأي عمل او دعاء، ولذلك ورد في شروط استجابة الدعاء في الروايات والأحاديث، أن لا يكون الدعاء دعاء بالمحال، أو على خلاف فطرة الأشياء، أو على العكس من السنن الكونية، أو خلاف مشيئة الله في خلقه.
2- المقدرات التي يحتمل فيها أن تتغير أو تتبدل بإذن الله، فمثلاً:
يقدر الله سبحانه لعبد – بتقدير قابل للتغيير- أن يكون سفيهاً أو مريضاً إلى أن يموت. ولكنه – كما أسلفنا- من التقدير المتغير المشروط باستمرار حالته العادية التي هو عليها من دون إنابة أو توبة، أو تضرع وابتهال أو خشوع وخضوع، أو حتى دعاء شخص آخر في حقه بالشفاء. فهذا الشخص إن بقي على ما هو عليه فلا بد من القضاء الأول. ولكنه إن أناب إلى ربه وتاب، أو دعا في شفائه مؤمن صادق النية طاهر الضمير، فحينئذٍ قد يقضي الله بتغيير قدره أو ردّ قضائه. فهو أما يكون قد وجد هذا بعمله الصالح من دعاء أو صدقة أو صلة رحم، أو بدعاء غيره في حقه.
نعم، إن الله كان يعلم من الأزل أي مصير سيحكم على هذا الرجل، فهل إنه ينوب ويتوب، أو يدعو له مؤمن بالخير؟ أم لا. ولكن لا يمنع هذا العلم من إمكان تبديله مصيراً بمصير على أثر دعاء مؤمن، أو إحسان إلى مؤمن.
وكيف يغير الدعاء القضاء؟
كان اليهود كما ذكرنا آنفاً، لا يعتقدون بإمكان تغيير القدر، ويجهلون ما للدعاء، أو الصدقة، أو صلة الرحم، أو الإحسان إلى مؤمن، أو دعاء مؤمن في حقه، إلى غير ذلك من أعمال البر والخير، من الأثر المغير للقدر ولذلك فإنهم ينتقدون الذين يقولون بذلك، بهذه السفسطة:
«لا يخلو مصير المريض الذي يراجع الطبيب، ويتناول الدواء، ثم نحن ندعو في حقه، من إحدى حالتين:
فأما أن يكون مكتوباً له الشفاء والصحة في سابق علم الله الأزلي. وحينئذٍ فلا فائدة في دعائنا هذا له بالشفاء والصحة!
وأما أن يكون قد كتب عليه الموت والفناء.
وحينئذٍ فلا أثر للدعاء في تغيير مصيره، فإنه محكوم عليه بالحتف القاضي».
فإنا نختار في جوابه الشق الأول من كلامه ونقول:
لنفترض أن المريض مكتوب له بالشفاء. ولكن ليس هذا مطلقاً منجزاً، بل هو معلق مشروط بسلسلة من العلل ومنها الدعاء! وعلينا أن نحصل على هذه العلل ومنها الدعاء.
ويأتي هذا الكلام أيضاً في مراجعة المريض للطبيب وتناوله الدواء:
فإما أن يكون هذا المريض قد كتب له الشفاء، فما حاجته في مراجعة الطبيب؟
وإما أن يكون قد كتب عليه الموت، فما فائدة مراجعته للطبيب وتناوله للدواء؟
وجوابنا في الموردين واحد فإنّا نفترض أنه كتب للمريض بالشفاء ولكن مشروطاً بعلله وأسبابه، فمن أسبابه الطبيب والدواء، ومن علله أيضاً الدعاء.
وفي الأحاديث كلمات جميلة في إبطال هذه الشبهة الواهية، يستفاد من خلالها أن اليهود كانوا قد نشروا هذه الشبهة بين المسلمين، حينما سألوا رسول الله (ص) عن أثر الدعاء، قال: «إنها من قدر الله».
إذن فالدعاء هو في حد نفسه جزء من أسباب الشفاء مثلاً. فهو داخل في ضمن إطار التقدير أيضاً، فالمريض قد يكون مكتوباً عليه المرض، ومكتوباً عليه أيضاً أنه إذا دعا لنفسه أو دعا في حقه مؤمن بالشفاء، استجاب الله دعاءه وشفاه.
وقد أشار الإمام الصادق (ع) إلى تأثير الدعاء في تغيير القضاء، فقال (ع):
«إن الدعاء يرد القضاء، وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء».
يقول: إن الله هو الذي جعل في الدعاء أثر تغيير القضاء، فهو الذي قدر أول مرة ما قدر، قدر معه أن هذا العبد إذا أناب وتاب، وطهر ضميره بالتوجه إلى ربه، استحق رحمته ونعمه تفضلاً وكرماً، وبذلك يتغير ما عليه من القدر الأول إلى قدر ثانٍ. ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾.
وخلاصة القول: إن اليهود ومن لفّ لفهم يقولون: إن الدعاء ليس بأكثر من توسل إلى الله قد يوجب طهارة الضمير على الأكثر! أما أن يكون هو في حد ذاته سبباً من الأسباب في وجوب وجود الحوادث في الحياة فلا!
في حين أن الإسلام أصر بآياته وأحاديثه ورواياته على أن الدعاء أيضاً من أسباب وجوب وجود الحوادث في الحياة. وأن له أثراً خاصاً من حصول المعلول، وأن على العبد أن يتوسل به كسبب من الأسباب لحصول المطلوب.
وسر الأمر في أثر الدعاء:
والسبب في تغيير الدعاء للقضاء، هو أن الفيض الإلهي منوط بلياقة المحل، وأن الشخص كلما تقرب إلى الله تعالى أكثر، استحق رحمة ولطفاً أكبر. فبما أن الدعاء وكل نوع من أنواع العمل الصالح إنما ينبع من روح معنوية متأثرة، فلا بد أن يجد صاحبه على أثره قرباً خاصاً إلى الله تعالى، ومن هنا يستجاب دعاؤه، فيغير لصالحه قضاؤه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى فقال: ﴿ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله﴾ فإن معناه أن الله سبحانه إنما يستجيب لمن آمن وعمل الصالحات، وأن هذا من أثر الإيمان والعمل الصالح، الذي يهب صاحبه صلاحية خاصة يستجاب بها دعاؤه، ويغير بها قضاؤه.
ماذا يقول المتغربون؟
ويتقدم إلينا – حينئذٍ- بعض شبابنا المثقفين المتغربين، بنفس «هذه الشبهة اليهودية» ولكن بصورة مغرية، فإنه يدخل النقد من باب كيف يكون التوفيق في الأدعية والعلل الطبيعية؟! وإن كانت مساعدة فما الحاجة إليه؟ ولذلك فنحن نبحث الموضوع هنا بصورة مشروحة فنقول:
الجواب على الشبهة:
إن نزول الفيض الإلهي المادي منه والمعنوي على أحد من عباده مشروط بشروط بعضها مبين معلوم، وبعضها مبهم غير معلوم. فإن لهذا العالم بالإضافة إلى الأنظمة المادية أنظمة أُخرى.
ويتضح هذا جلياً مما ورد في آداب الدعاء من الروايات أيضاً، فمن المندوب للداعي قبل الدعاء، أن يبدأ ببسم الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله، ثم يشكر الله تعالى ما أنعم عليه من نعمه ظاهرة وباطنة، ثم يتذكر معاصيه فيستغفر الله سبحانه منها، ثم يبدأ بدعائه، وهذه كلها مقدمات لإحراز الصلاحية المطلوبة لنزول الفيض عليه منه سبحانه.. فقد ورد في بعض الروايات: «إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب لاه» لأنّ اللاهي لا يستطيع أن يتقرب بهذا القلب إلى قرب الرب. ولا يؤهل لنزول الفيض عليه منه سبحانه.
إلى هنا ونحن نحاول الإجابة الواضحة على الشبهة اليهودية الواهية. ولكن الأمر سيتفاقم إذا تمثلت هذه الشبهة في أذهان شبابنا المتغربين. خارجة عن إدراكنا وشعورنا، ولكل هذه الأنظمة سهم وافر من الـتأثير على هذا العالم الأثيري، وأن القرآن الكريم لخير شاهد على أن في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا! فالقرآن يقول مثلاً:
﴿والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا﴾.
فيا ترى ما هذه ﴿فالمدبرات أمراً﴾ وما هذه الأمور؟ إنه موضوع يجب الإيمان به، والإذعان بأن هناك بالإضافة إلى هذا النظام المادي نظاماً آخر، له دور هام في إدارة أمور هذا العالم.
وعلى هذا فقد يكون الدعاء من هذه الأمور التي لها أثر في توجيه تلك «المدبرات»؟ وما هي حقيقتهن؟ إن ذلك مستور عنا، ولكنا يجب أن نذعن أن هناك بالإضافة إلى هذا النظام المادي، نظاماً آخر يدبر أمور هذه العالم.
ولكن المادي الذي لا يرى بعينيه سوى المادة العمياء والذي يقول: ليس هناك نظام آخر ما عدا هذا النظام، لا ينظر إلى «الدعاء» إلا بعين المستهزئ الساخر. فإنه لا يعتقد بأي تأثير له في تغيير أوضاع العالم، بل حتى المجتمع، إنه يقول في نفسه، إذا كانت العلل الطبيعية متوفرة لأية ظاهرة كنزول الأمطار، وشفاء المريض، فلا محالة تتحقق تلك الظاهرة أو الحادثة، سواء دعونا أم لم ندع. وإذا كانت غير متوفرة فلا تتحقق في الحالين سواء دعونا أم لم ندع! ويكون الدعاء حينئذٍ لغواً بلا أثر!!
ولكن الإلهي بنفس الوقت الذي يعتقد فيه بالنظام الطبيعي للعالم، يعتقد معه أن الله لا يباشر خلق الحوادث في العالم، بل إنه إنما يوجد الحوادث عن طريق أسبابها وإيجاد عللها المادية والمعنوية. فهو – إذن- يعتقد بعدّة من العلل غير الظاهرة، والتي عبر عنها القرآن «بالمدبرات» والتي ورد التعبير عنها في لسان الأحاديث والروايات «بالملائكة». فهو – حينئذٍ- يرى هذا الحصر العقلي ناقصاً على معتقده، إذ لا يقتصر في العلل على تلك العلل المادية فقط، بل يرى من ورائها نظماً معنوية أُخرى غير ظاهرة، لا بد أن تساعد تلك النظم هذه العلل المادية الظاهرة، حتى تصل بسببها الألطاف الإلهية إلى العباد.
وعلى هذا فنقول: بما أن هذه القوى غير ظاهرة علينا، لذلك لا نستبعد أن يكون دعاء الإنسان وابتهاله وتضرعه مؤثراً في توجيه تلك القوى إلى صالح الإنسان.
وبتعبير آخر نقول: إن الدعاء جزء من سلسلة نظام العلة والمعلول، كما أنّا نعلم كيفية تأثير العلل غير الظاهرة، ولكنا مع ذلك نعلم بتأثيرها في الحوادث، كذلك لا نعلم بكيفية تأثير الدعاء في مجموع نظام العلة، ولكننا نعلم الإجمال أن الدعاء في كثير من الأحيان يكون جزءاً مكملاً لعلة الحادثة المعيّنة.
سئل النبي (ص) عن الأحراز التي يتداولها سواد الناس يقصدون بها الاستشفاء، وهل أنها تستطيع أن تغير القدر؟ فقالوا: (رقى يستشفى بها فهل ترد)؟ فأجاب (ص) يقول: «إنها من قدر الله» فأخبر بهذا أن الدعاء أيضاً جزء من القدر الإلهي، فإن الله كما قدر أن يشفى المريض بسبب شربه الدواء، كذلك قدّر أن يشفيه بالدعاء.
جعفر سبحاني
القطب شاهية (المملكة)
لما كانت هذه المملكة قد قامت على أجزاء واسعة من هضبة الدكن – جنوب الهند يحسن بنا أن نقف قليلاً عند هذه الهضبة ونستعرض بعض جغرافيتها وتأريخها.
وأصل كلمة (الدكن) من اللفظة السنسكريتية (دكشتة) وتعني الجنوب، وما تزال إلى الآن تدل على القسم الجنوبي في الهند، وبشكل أدق على الهضبة الكبرى المسماة بهضبة الدكن المثلثة الشكل، جنوب منطقة السهول الشمالية (سهول الغانج-السند) وتتكون الحافة الغربية والجنوبية الغربية للهضبة من مرتفعات تمتد من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، وتعرف باسم مرتفعات الغات الغربية، تاركة وراءها سهل مليبار، أما الحافة الشرقية، فتعرف باسم مرتفعات الغات الشرقية، التي تمتد بموازاة الساحل من دلتا الغانج حتى الجنوب، وبين هذه المرتفعات، وبين خليج البنغال سهل كرومندل، وهناك مجموعة سلاسل جبلية في شمال الهضبة، هي سلسلة جبال (ساتبورا) التي تعتبر الحدود الطبيعية بين شمال الهند وجنوبها، ويتراوح وسطي ارتفاع الهضبة بين 600-1300 م فوق سطح البحر، وتخترق الهضبة الأنهار الكثيرة، منها ما يجري نحو الغرب، مثل نهر ناربادا، ومنها ما يجري نحو الشرق مثل نهر كريشنا، وتنعت البلاد التي إلى الجنوب من هذا النهر بشبه الجزيرة.
في عام 1294م قام علاء الدين ابن أخي فيروز الخلجي الدهلوي وزوج ابنته بغزو مملكة دفاكري، وأجبر الراماجندار على أداء الجزية لدهلي، وكانت المملكتان الجنوبيتان الرئيسيتان في ذلك العهد هما:
مملكة دفاكري أو مهاراشترا، وتحكمها أسرة اليادفا، ومملكة تلنكانه وهذه الأخيرة كانت من أعظم ممالك الدكن، عاصمتها (ورنكل) وتحكمها أسرة كاكتيا، وتحدها (كرناتك) من الشرق و(بونا) من الغرب، و(ميسور) من الجنوب، و(ناكبور) و(خانديس) من الشمال.
وبعد ربع قرن من غزوة علاء الدين الخلجي اضمحلّت المملكة الأولى سنة 1318م، وضمنت أراضيها إلى دهلي، أما في الجنوب فقد اتسعت الفتوحات الإسلامية بقيادة محمد بن تغلق، وفي عام 1347م انتفض عليه قواده، وتمكنوا بقيادة حسن خان الذي أسس السلطنة البهمنية من توطيد استقلال الدكن.
ثم خضعت مملكة تلنكانه إلى حكم أحمد الأول أحد أفراد هذه الأسرة عام 1424-1425، وفي عام -1490 أدى ضعف سلالة بهمن شاه إلى تفكك عرى مملكتهم، فانقسمت الدكن فيما بين عام 1490 و1525 إلى عدة ممالك مستقلة هي:
1- المملكة العماد شاهية في برار (1490-1527م).
2- المملكة النظام شاهية في أحمد نكر (1490-1663م).
3- المملكة العادل شاهية في بيجابور (1490-1686م).
4- المملكة البريد شاهية في بدر (1492-1659م).
5- المملكة القطب شاهية في كولكنده (1518-1687م).
1- سلطان قلي قطب شاه –الأول (860 هـ/1454م – 950 هـ / 1543م).
2- جمشيد بن سلطان قطب شاه –الثاني (توفي 957 هـ/ 1550م).
3- إبراهيم بن سلطان قلي قطب شاه –الثالث (توفي 989هـ/1580م).
4- محمد قلي شاه – الرابع (توفي 1021 هـ/ 1612م).
5- محمد قطب شاه – الخامس (توفي 1035 هـ / 1626م).
6- عبدالله قطب شاه –السادس (توفي 1083 هـ / 1672م).
7- أبو الحسن تانا شاه-السابع (توفي 1098 هـ / 1686م).
السلالة القطب شاهية
1 ـ سلطان قلي (قطب الملك) توفي 899 هـ
2 ـ جمشيد
قطب الدين
حيدر توفي956
3 ـ إبراهيم ولد 938 هـ
عبد الكريم تزوج بيبي
جمال بنت حسين
دولت
سبحان قلي
نظام شاه
أبو الفتح
عبد القادر
خدابنده
4 ـ محمد قلي
محمد أمين توفي 1000 هـ ولد 975 هـ
حسين
فلانة (تزوجت إبراهيم نظام شاه)
6 ـ عبد الله
فرنة (تزوجت محمد أكبر بن أورنك زيب).
5 ـ محمد قطب شاه
7 ـ أبو الحسين
(1)
السلطان قلي قطب شاه
هو السلطان قلي ابن أمير زاده أويس قلي ابن أمير زاده بيرقلي ابن أمير زاده الوند ابن أمير زاده إسكندر ابن الأمير قره يوسف ابن المعروف بأمير قره محمد – من أصل تركي- وهو مؤسس المملكة القطب شاهية، وأول ملوكها.
ولد في قرية (سعد آباد) التابعة لمدينة همذان غرب إيران سنة (860هـ/1454م)، ونزح إلى الهند أيام تسلّط أمير يعقوب آق قوينلو، وكان قد تربص قتله، ثم رافق عمه الله قلي إلى مدينة (بدر) وتسمى أيضاً (محمد آباد) وكانت من المدن المعمورة في الدكن آنذاك، وذلك سنة (880هـ/1475م)، واشتغل فيها مع عمه المذكور في بيع وشراء الخيول العربية الأصيلة التي كانت تجلب من العراق، وتعرّف على السلطان محمود شاه البهمني، فأعجبت الملك مهارته ومواهبه، فجعله من أمرائه، ولقّبه بقطب الملك.
وفي سنة (924 هـ / 1518م) عيّنه الملك البهمني قائداً عاماً للجيش في منطقة (ملك تلنك) أو (تلنكانه)، وبعد وفاة الملك المذكور استقل بحكم منطقته، وسيطر على أراضٍ إضافية كثيرة امتدت إلى كرناتك، وشملت كل من:
«راج كنده، ديوكنده، بانكل، كهن بور، كومل كنده، نل كنده».
وفرض الخراج على كل هذه المواضع:
«راج مندري، كهمم مينه، ويلورا كوندا، ويركوهير، كونده ملي، مجلي بن».
بالإضافة إلى سيطرته على سبعين قلعة، ثم جعل «كولكنده» دار ملكه، ومركز خلافته، وبنى حول القلعة السور العظيم الفخم، وأضاف للقلعة مسجداً، وحسينية باسم «بادشاهي عاشور خانة»، وأسس تالاب ورك، واشتبك مع ملك تلنكانه المسمى (كجتبي) في حروب عديدة كان النصر فيها حليفه.
وإلى هذا السلطان يعزى نشر المذهب الشيعي في الدكن وضواحيها، وكان معظماً للشاه إسماعيل الصفوي أليفاً له، وسوّل الشيطان لولده الثالث جمشيد قلي الذي كان يبلغ من العمر 60 سنة أن يقتل والده السلطان، وبعث غلامه التركي (محمود الهمذاني)، وكان في صلاة العصر، وبحال السجدة، وذلك في جمادى الثانية سنة (950 هـ/1543م)، وكان يناهز التسعين سنة ومدة حكمه ستون سنة قضى فيها ست عشرة سنة في نيابة السلطان محمود البهمني، ودفن السلطان في مقبرة القطب شاهية وهناك على الدكة العريضة الخارجية واحد وعشرون قبراً لأفراد من العائلة القطب شاهية، وأرخوا وفاته بقولهم (فياض هند).
(2)
السلطان جمشيد قطب شاه ابن السلطان قطب شاه
جلس مكان أبيه، وسرعان ما أطاعه الأمراء وأركان المملكة، غير أن الخوف كان يتربص به من إخوته، فعمد إلى أخيه قطب الدين أحمد وأدخل السفود المسمومة في عينيه، وخرج عليه أخوه إبراهيم فطلبه جمشيد فالتجأ إبراهيم إلى مملكة البريد شاهية، واستغل ملكها ذلك فتوجه بجيش جرار إلى قلعة كولكنده وحاصرها، فتدخل برهان نظم شاه، ورفع الحصار عنه، ثم توطدت أمور المملكة، وضمّ إليها أمكنة هامة مثل (نارائن كهيرا) و(حسن آباد). وبنى قلعة (كولاس) ومات سنة (957هـ/ 1550م) ومدة ملكه سبع سنين، ودفن عند قبر والده، وكان يتعاطى الأدب والشعر.
(3)
إبراهيم ابن السلطان قلي قطب شاه
وبعد وفاة جمشيد قلي، عمد بعض أفراد الحاشية إلى تنصيب سبحان قلي ابن جمشيد قلي وكان طفلاً يبلغ من العمر سبع سنين، وفي نفس الوقت عمل أحد قواد الجيش المسمى (جكديو راو) على تنصيب الأخ الخامس للسلطان السابق واسمه (دولت قلي) ملكاً في قلعة (بهو نكير)، وحسبما تذكر الروايات أن (دولت قلي) هذا كان مصاباً بلوثة عقلية، ربما أصيب بها من جراء تصرفات شقيقه جمشيد الذي بخسه حقّه، وسجنه طيلة فترة حكمه، وعلى كل حال لم يكن لـ (دولت قلي) من أمر التنصيب أيّ نصيب، لأن الأمور كلها كانت تحت تصرف الرجل القوي (جكديو راو)، وجرت بعد ذلك منازعات بين طرفي المملكة، أولهما أفراد الحاشية وعلى رأسهم (عين الملك) والذين نصبوا الطفل (سبحان قلي) ملكاً، وثانيهما (جكديو راو) الذي نصب (دولت قلي) ملكاً. وقد آلت هذه النزاعات إلى سيطرة الفئة الأولى التي استمرت تحكم بإسم (سبحان قلي) مدة تزيد على ستة أشهر، وفي عام 957 هـ أي نفس العام الذي توفي فيه جمشيد قلي قام إبراهيم قلي قطب شاه بانقلاب على هذه الفئة، وانتصر عليها وأعلن موت ابن أخيه ونصب نفسه ملكاً، وعمد إلى إطلاق سراح (جكديو راو) الذي كان مرمياً في السجن لتآمر سابق، وقرّبه – لأمرٍ كان في نفسه وصيره وزيراً له، ولم تطل أيام وزارته، فقد اتهمه بالخيانة وأبعده ونصّب مكانه (مصطفى خان مي جمله) وهذا الأخير هو الذي أشار عليه بإضافة الأبراج القوية إلى قلعة (كولكنده) وعلى عهده عمّرت المحلات والبيوت والأسواق عند السور الخارجي للقلعة، واستوزر بعده نظام شاه الأصفهاني.
وكان هذا السلطان محبوباً لدى الرعيّة، عادلاً، مفضالاً، عرف بكياسته وعدله بين الناس، وقصده أهل الفضل والكمال من بلاد الله الواسعة، وله ولع بالعمران وتطوير الزراعة في البلاد، ومرّ قبل قليل أنه أضاف إلى قلعة كولكنده بعض المنشآت، وينسب له بناء الكثير من المدارس والمساجد والجسور، ومن أعماله العمرانية التي اشتهر بها، ويذكرها فيشكرها أبناء حيدر آباد- إلى الآن- بحيرة كبيرة اسمها (تالاب حسين ساكر) وقد رأيتها واطلعت على روعة المكان من حولها، ومما يدلل على تكريم هذا السلطان لعلماء عصره أنه سمّى هذه البحيرة بإسم أحد المجتهدين في عصره العالم الشيعي (السيد حسين شاه ولي)، وكان صهراً للسلطان وهو الذي أشار عليه بتعمير البحيرة وذلك سنة (973 هـ/1565م)، وصرف من أجل ذلك (ثلاثة لكوك) أي ثلاثمائة ألف روبية هندية، وبلغ طول البحيرة ميل ونصف أم مساحتها الكلية فقد بلغت ثمانية أميال، وتقع بين حيدر آباد وإسكندر آباد، ومنها تزود المدينة بالماء للشرب والزارعة إذ أننا رأينا النهر المسمى (موسى)، وهو يخترق مدينة حيدر آباد جافاً لا ماء فيه، بل عمد بعض الفقراء إلى تشييد مساكنهم الصغيرة فيه، فلولا بحيرة (حسين ساكر) لهلكوا من العطش.
وعلى هذه البحيرة جسر طويل ما زال إلى الآن بحالة جيدة.
وللجسر 23 برجاً طول كل برج 200 ياردة، وعرضه 11 ياردة والارتفاع 15 ياردة، وعُرف الجسر أيضاً باسم «براني بُل» وفرغ من عمله بعد عام واحد من العمل المتواصل، وأرّخ بناء الجسر بلفظتي «صراط المستقيم» وسُرّ الملك من مبتدع هذا التأريخ، فأهداه خمسمائة أشرفية –والأشرفية عملة هندية كانت متداولة في عصر القطب شاهية.
توفي هذا السلطان سنة 989 هـ / 1580م، عن 51 سنة بعد أن قضى في السلطنة 30 عاماً وتسعة أشهر ورفع على قبره قبة كبيرة بلغت عشرة آلاف شبر مربع، وتقع في الطرف الجنوبي الشرقي للمقبرة القطب شاهية، وأرخ وفاته بعض الشعراء بقوله «فياض زمان» وكتب على قبره أن وفاته سنة 988 وهو وهم مردّه هذا التأريخ الشعري، والصحيح من أمر وفاته ما ذكرناه آنفاً.
(4)
محمد قلي قطب شاه
هو ابن السلطان السابق، وبعد توليته استوزر شقيقه الميرزا محمد أمين، وقد فاقت أعمال هذا السلطان أعمال والده في مجال العمارة، ويكفيه فخراً أنه بنى مدينة تعتبر – حتى الآن- من أكبر مدائن الهند وأشهرها وهي مدينة (حيدر آباد) وكان قد سماها أول الأمر (بهاك نكر) على اسم زوجته، ثم غيّر الاسم إلى حيدر آباد أي مدينة حيدر تيمّناً بإسم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) لأن حيدر من ألقاب علي (999هـ/1590م) وبنى بها جامعة كبرى، ومستشفى كبيراً، وقصوراً شامخة وحدائق مونقة، وجعلها قصبة ولايته سنة (1000هـ/1591م) وظل هذا شأنها حتى نهاية أيام المملكة القطب شاهية([278]).
ومن عماراته الرائعة في حيدر آباد:
(جهار منار) أي المنارات الأربع، وهو بناء تأريخي شامخ أُسس ليكون جامعة عربية إسلامية عالية، وهو مرتفع البناء جداً، ويقع في وسط المدينة، ويعد اليوم من أشهر الآثار الإسلامية في الهند. وفي أعلاه مسجد عجيب العمارة، جميل الهيئة، بديع الزخرفة آية في الفن والإبداع، وصرف الملك محمد قلي في سبيل تشييد هذا البناء (سبعة لكوك) أي ما يوازي سبعمائة ألف روبية هندية،وأرخ بعض الشعراء الانتهاء من عمارته بقوله: « يا حافظ» الموافق لعام (1000هـ/ 1591م).
ومن أعماله العمرانية الأُخرى:
(باد شاهي عاشور خانه) الحسينية الملكية، أسسها سنة (1003هـ/1594م) لإقامة المآتم والمجالس الحسينية، وقراءة وقائع معركة الطف الدامية، ومن أعماله أيضاً هذه المباني المعروفة إلى الآن في المدينة القديمة:
«نيني باغ – رنكين محل – دار محل – محمدي محل- جندن محل – حسيني محل – جعفري محل – جار كمان- كلزار منار- كلزار حوض – جامع مسجد موني مسجد – دار الشفاء».
والمحل الأخير – دار الشفاء- من الأمكنة المعروفة الآن في حيدر آباد، وفيها بعض المعالم التأريخية، وهي محلة فخمة لأهلها مشاركة مشهودة في المناسبات الدينية، وخاصة أيام عاشوراء من كل عام.
وكان لهذا السلطان ولع في نظم الشعر.
بقي أن نشير إلى الروابط الوثيقة التي كانت تربط هذا السلطان بالشاه عباس الصفوي الذي بعث إليه هدايا جميلة منها التاج المرصع بالجواهر، وبقيت علاقته بالصفويين جيدة حتى وفاته سنة (1021هـ/1612م) عن 49 سنة، ومدة ملكه 31 سنة وثمانية أشهر، وعُرف من أولاده ابنته الأميرة (حياة بخش بيكم) التي تزوجت ابن عمها السلطان محمد قطب شاه ابن الميرزا محمد أمين، ولها مسجد شهير يُعرف باسمها قرب (كولكنده)، وقبر هذا السلطان في المقبرة القطب شاهية مشيد معمر عليه تأريخ وفاته بأبجد «قطب فضل» و«فضل عام» الموافق لسنة 1020 هـ، والصحيح 1021هـ.
وعلى عهد هذا السلطان جاء العالم العاملي جمال الدين بن علي الحسيني الجبعي، إلى حيدر آباد، فأكرمه سلطانها، وكان مرجع فضلائها حتى توفي في حيدر آباد سنة (1008هـ /1599م).
(5)
السلطان محمد قطب شاه
بعد وفاة محمد قلي قطب شاه تولى الملك بعده صهره وابن أخيه السلطان محمد قطب شاه، وذلك سنة (1021هـ/1612م) وكان من أهل البر والصلاح والتقوى، محباً للعمران، ومن آثاره: بناء مسجد مكة الكبير (مكة مسجد) في وسط حيدر آباد أسسه سنة 1023هـ، ولما أراد وضع حجر أساسه جمع العلماء والصلحاء وآلى عليهم أن يضع أول حجر منه مَن لم تفته صلاة التهجد مدّة عمره، فلم يتقدم منهم أحد، فتقدم بنفسه، ووضع الحجر الأول منه، وأُرّخ هذا الحدث يومها بعبارة «البيت العتيق» التي يطابق حسابها الأبجدي تأريخ البدء بتأسيس المسجد، وأوعز الملك لمهندسين مسلمين هما:
(زنكياد) و(فضل الله) بالإشراف على البناء، ولم يتم بناء المسجد على عهده بل امتد ذلك إلى عهد خلفائه: عبدالله قطب شاه، وأبو الحسن تانا شاه، وتمّ في زمن عالمكير شاه الملك المغولي سنة (1040هـ/ 1631م) أي بعد سقوط المملكة القطب شاهية، وهكذا فقد استغرق بناء (مكة مسجد) ما يزيد على ثمانين سنة-والفضل للمتقدم كما يقولون.
وكنت قد زرت هذا المسجد عدة مرّات وهو يجاور البناء المعروف (جهار منار) بينهما مسافة قليلة، والواقع أن عمارته من العمارات الإسلامية البارزة في الهند بل تحفة رائعة في التصميم وحسن التناسق بين عناصره الغنية، وكان يشتغل في بنائه- على ما قيل- يومياً خمسة آلاف عامل، واستعمل المرمر في بناء هذا المسجد وخاصة للأعمدة الكثيرة التي تحلق في المسجد إلى طول شاهق، وكذلك للتخوت المخصصة لاستراحة المصلين والزائرين، وفي الطرف الشرقي هناك حوض للماء مساحته 120 متراً مربعاً، وفي الطرف الجنوبي تقع مقبرة (آصف جاهي).
ومن أعمال هذا السلطان الأُخرى: تعمير قلعة في (سلطان نكر) شرقي حيدر آباد، أنفق عليها تسعة لكوك (ما يعادل 900 ألف روبية هندية).
كما شيّد القبة المعروفة باسم (كنبدان شاهي) وتوفي قبل إكمال تشييدها، إذ وافته المنية في حيدر آباد سنة (1035هـ/ 1626م) ودفن في مقبرة الأسرة القطب شاهية في الجانب الغربي من (كولكنده)، وبجانب قبره، قبر لابن عمه (شاه آخندكار) وكان من الأتقياء الورعين الصالحين، قربة السلطان محمد قطب شاه وأشركه في إدارة شؤون المملكة وخصص له راتباً سنوياً قدره سبعة آلاف هن (والهن عملة هندية تساوي ثلاث روبيات ونصف) كان ينفقها على إقامة المآتم الحسينية وفي وجوه الخير، توفي (شاه آخندكار) سنة (1045هـ/ 1635م).
وفي أيام السلطان محمد قصد الهند الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي فقربه واستوزره([279]). بقي أن نذكر من آثار هذا السلطان، ندوته الأدبية التي كان يحضرها مجموعة من العلماء والأدباء من كل مكان، مما يعني ميله للأدب وحبه للعلم والفضيلة، وينسب له بعض المنظوم.
(6)
السلطان عبدالله قطب شاه
ولي الملك سنة (1035هـ/1626م) وعمره حوالي عشر سنوات ورعته أمّه الأميرة (حياة بيكم) وكان لها الأثر الكبير في تثبيت سلطنته، وكان محتاجاً لرعايتها في هذا السن، وربما قادته فتوته إلى حب المغامرة، إذ تعود الخروج إلى الغابة والإبتعاد كثيراً عن خدمه وحشمه وهنا تحكى قصة طريفة من قصص صباه إذ ابتعد يوماً إلى وسط الغابة وضاع خبره، فنذرت أمه إن عاد ولدها سالماً أن تنفق السلسلة الذهبية المحيطة بالفيل الذي يحمله، في سبيل الله، وبعد أيام عاد السلطان ووفت أمه بنذرها.
واستمرت رعاية أمه له وتدبير المملكة بمعاونة وزيره (منصور خان الحبشي) ومساعدة بعض الشخصيات في عصره مثل (ملك الماس) و(ملك يوسف) و(قاسم بيك). ولما مات وزيره (منصور)، كان ساعد الملك قد اشتد، فاستوزر (محمد سعيد مير جمله) وكان شخصية ممتازة في التدبير وإدارة دفّة الحكم، واحتل منزلة كبيرة لدى الملك فحسدته الحاشية ودبّرت وشاية ضده فأفسدوا علاقته بالملك، وطرده الملك، وعيّن مكانه (نكنام خان) ثم سجن (محمد سعيد مير جمله) مع امرأته وولده (محمد أمين)، غير أنه فرّ من السجن لوحده والتحق بالأمير المغولي أورنك زيب في دهلي وأهداه مجموعة من الجواهر النفيسة التي كان قد حصل عليها من (كوه نور هير)([280]).
واستطاع (مير جمله) بما أوتي من خبرة وحنكة سياسية أن يغري أورنك زيب بالاستيلاء على (المملكة القطب شاهية)، وهو بهذا أول من جلب أنظار المغول لاحتلالها والقضاء عليه، فأقنع أورنك زيب بالأمر، وفاتح أورنك زيب والده السلطان (شاه جهان) فتريث أولاً ثم دعاه إلى الكتابة إلى السلطان عبدالله قطب شاه بإطلاق سراح عائلة (مير جمله)، ولما وصلت الرسالة إلى (كولكنده) ثار ملكها وأخذته العزّة واعتبرها إهانة له فامتنع من اطلاق سراحها، وبلغ ذلك شاه جهان فأرسل ولده الأمير (أورنك زيب) إلى حيدر آباد، ثم التحق به فيما بعد وذلك سنة (1067هـ/1656م)، واحتل المغول حيدر آباد، وتحصن السلطان عبدالله في قلعة كولكنده، وبقي جيشه يقاتل المغول نهائياً على المملكة، فقرر التنازل للشروط التي وضعها المغول، وهي:
1- إطلاق سراح امرأة الوزير السابق (مير جمله) وولده.
2- يدفع السلطان عبدالله الخراج ويحسب من أول يوم سلطنته، ولاحق أيامه.
3- يدفع للمغول دفعة مالية فورية قدرها كرور واحد (عشرة ملايين روبية).
4- يزوج ابنته إلى الشاه زاده محمد سلطان بن أورنك زيب.
وهذا تنازل مذل جداً.. وهل يكون حكم القوي على الضعيف إلاّ كذلك.
أما أهم ما يتميز به عهد هذا السلطان فهو أن بلاطه كان يزدان بجمهرة من الأدباء والمفكرين والفنانين من بلاد مختلفة، مما يدل على اهتمامه بالعلم والفن إلى أبعد الحدود، وكان للشعراء في أيامه سوق رائجة فاشتهروا في البلاد، وكان شعراء الدكن الأوائل من الشيعة، ومن أقدم ما بقي لنا من منظومات هؤلاء الشعراء الدكنيين: «قصة سيف الملوك»، وترجمة للنسخة الفارسية المختصرة من «طوطينامه» أي حكايات الببغاء التي وضعها محمد قادري، وقد أنشأ هاتين المنظومتين غوّاثي، وكان شاعراً ببلاط السلطان عبدالله قطب شاه وتأريخ المنظومة الأولى هو (1027هـ /1618م)، وتأريخ الثانية (1049هـ /1639م)، وفي عهد هذا السلطان ألّف ابن نشاطي سنة (1066هـ/ 1655م) حكاية بعنوان (بهلبن) نقلها من قصة (بساتين) الفارسية، ويظهر أن الأدب الدكني عموماً، كان يشهد نهضة في عهد هذا السلطان وقد امتدت تلك النهضة إلى الممالك المجاورة، ويبدو أن هناك نوعاً من التنافس في المجالات الأدبية، فقد كان شعراء المملكة العادل شاهية الشيعية المجاورة ينظمون الدواوين في مدح مليكهم علي عادل شاه الثاني (1071هـ/1660م) ومنهم نصرتي شاعر بلاط بيجابور، الذي ألّف ديوان (علي نامه) في مدح مليكه بيجابور، الذي ألّف ديوان (علي نامه) في مدح مليكه المذكور، ولنفس الشاعر ديوان(كلشن عشق) كتبه سنة 1068هـ وهو عبارة عن حكاية الأمير منوهر ومدهمالتي.
وكان للسلطان عبدالله خزانة كتب عامرة بالمخطوطات النفيسة، ويظهر أن هناك أمكنة مخصصة داخل (كولكنده) للأدباء والمؤلفين والنساخ، وفي مكتبة المسجد الأعظم في قم نسخة من كتاب تقاسم العلل لمحمد بن زكريا الرازي برقم 500 ورد بآخره أن ناسخه «محمد صفي بن عنايت الله الحكيم في القلعة المباركةكولكنده المشهورة بـ (محمد نكر) من قلاع البلدة الطيبة حيدر آباد»([281]).
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكثيرين من الأدباء وردوا على المملكة من خارج الهند وخاصة من إيران والعراق ولبنان والحجاز واليمن، ومنهم جماعة من فضلاء فارس وقد ألّفوا عدة كتب منها (البرهان القاطع) باللغة الفارسية، واستدعى السلطان نفسه، الأمير أحمد نظام الدين بن محمد معصوم المدني من المدينة المنورة فجاء إليه وزوجه ابنته وأسند إليه تدبير أمور المملكة.
وفي 6 شعبان 1066 هـ التحق به ابنه السيد علي صدر الدين صاحب (سلافة العصر) مع جميع عائلته، ورافقته في رحلته هذه بعثة شرف أرسلها أبوه برئاسة وزير من وزراء حيدر آباد، وقضى السيد علي خان في حيدر آباد ثماني عشرة سنة تولى خلالها مناصب هامة في الدولة.
وفي 3 محرم الحرام (1083 هـ/1672م) توفي السلطان عبدالله قطب شاه عن عمر يناهز 60 سنة وقد امتد حكمه قرابة نصف قرن، ودفن في موضع «لنكر فيض»، وبعد موت السلطان، نزع السيد أحمد نظام الدين، صهر السلطان ووالد السيد علي خان إلى السلطنة في نفس الوقت الذي نزع إليها وطمع فيها صهر السلطان الآخر وهو: أبو الحسن تانا شاه، وانتهت الخصومة بسيطرة أبو الحسن تانا شاه، وجلوسه على عرش المملكة في 5 محرم (1083هـ/1672م) بعد يومين من النزاع المرير ففرض الإقامة الجبرية على السيد أحمد نظام الدين، وولده السيد علي خان، ثم توفي أبوه وهو محجوز سنة 1086 هـ وبقي هو يكابد الهوان، وله في ذلك قصائد نبوية عامرة يستغيث فيها ويطلب خلاصه من الأسر، ومن ذلك قوله:
أضحى أسيراً بأرض الهند مغترباً
لم يرجُ مخلّصه إلاّ إذا شيتا
فنجني يا فدتك النفسُ من بلدٍ
أضحت لِقاحُ العُلى فيه مقاليتا
واستطاع السيد علي خان الهرب إلى السلطان محمد أورنك زيب في (برهان بور) فجدّوا في طلبه، ولكنهم لم يلحقوا به، فرحب به السلطان، وقلده قيادة فرقة من الجيش، وهو الذي لقبه بالسيد علي خان، واصطحبه إلى (أورنك آباد) وعينّه في عدة مناصب آخرها رئاسة الديوان في (برهان بور) وبقي فيها حتى سنة 1114 هـ، وهي السنة التي هجر فيها الهند إلى غير رجعة، وطاف بعد ذلك في العراق وبلاد فارس حتى وافاه الأجل في شيراز – على الأرجح – سنة 1120. وللسيد علي خان رحلة إلى الهند سماها «سلوة الغريب وأسوة الأديب» ضمنها سفره إلى الهند وما لاقاه فيها مع بحث بعض المواضيع الأدبية والفوائد اللغوية وانتهى من تأليفها سنة 1075 هـ، رأيت منها عدة نسخ في مكتبات فارس، منها نسخة في مكتبة مشهد خراسان على صاحبه التحية والسلام.
(7)
السلطان أبو الحسن تانا شاه
مرّ عليك فيما سبق كيفية توليه السلطنة، وكان أول أعماله تعيين (مير ظفر) وزيراً له ثم عزله بعد وقت قصير، وعيّن بدله (مادفا ينتلو) وزيراً و(أكنا) كاتباً له، وقام بإصلاحات واسعة وأعمال عمرانية كثيرة ومن ذلك:
1- بناء قصر جار محل، على ضفاف نهر موسى.
2- مسجد ميان مشك الواقع عند الجسر القديم.
3- كوشه محل ويعرف باسم باره دري.
4- حوض كوشه محل، ويسمى الآن (بهوئي كوره) شيده سنة (1096هـ/1684م) وفقاً للتأريخ الشعري الذي يقول: آب أين باعث حيات همه» أي «هذا الماء باعث الحياة للجميع»، وهذا الحوض عبارة عن بحيرة صغيرة لتخزين المياه قياسها ط14×ع 13 مع عمق 3 م، ويجلب الماء له بواسطة أنابيب من الفخار صنعت خصيصاً لهذا الغرض.
5- حوض (طوم) وهو خزان ضخم لتخزين المياه والاستفادة منها للأغراض الزارعية.
6- قصر مويتى محل في قلعة كولكنده، ومن المرافق التي اشتمل عليها هذا القصر: « نو محل، خلوت خانه، ديوان خانه، خواص بورة» وغيرها وقد دُعي القصر فيما بعد (دولت خانه) وتمّ سنة 1096 هـ.
7- تأمين الإسالة المائية لقلعة كولكنده بواسطة الأنابيب الفخارية التي كانت تنقل الماء من مسافة خمسة أميال من أحد الجداول المائية القريبة.
وبلغت البلاد في أيامه أوج اتساعها فقد كانت تشتمل على بلاد كرناتك، وكانت سركارتها:
1- محمد نكر 2- ميدك 3- كولاس 4- ملنكور 5- أيلكندل 6- ورنكل 7- كهمم – متب 8- ديور كنتده 9- بالكنتده 10- مصطفى نكر 11- بهو نكير 12- أكن كرا 13- كوئل كنتده 14- كهن بوره 15- مرتضى نكر 16- مجهلي بتى 17- نظام بتبن 18- راح مندري 19- ويلور 20- سريكاكول 21- معدن الألماس 22- آركابت.
وكانت مجابيها في عهد تانا شاه (8795196) هن و(الهن كما تقدم يعادل ثلاث روبيات ونصف إلاّ فلساً)، وبحسب الروبية (24785529) روبية وسبع آنات كما في (خورشيد جاهي).
أما الوضع السياسي فقد ساء أخيراً بعدما ازداد طمع المغول بضم هذه المملكة إلى سلطتهم المباشرة، فكثرت تحرشاتهم وغاراتهم، مما أضعف من شأن المملكة، ويظهر أن تانا شاه كان يقابلهم بعدم الاكتراث، وبلغ به الأمر بعض الأيام أن تآمر عليهم مع عدو المغول التقليدي في تلك الأنحاء (سيواجي) رئيس طائفة (الماراتها) المتوفى سنة (1090هـ/1679م)، ولهذا وغيره من الأسباب اشتد حقد المغول، وآلوا على أنفسهم احتلال البلاد، والقضاء على سلطنتها، وقدمت جيوشهم صوب حيدر آباد، يقدمها شاه زاده عالم شاه، والتحق به فيما بعد السلطان اورنك زيب نفسه، ولم يتوان السلطان القطب شاهي في الدفاع عن مملكته، ولم ترهبه قوة المغول، ولا كثرتهم فاندفع يحارب بنفسه على رأس جيشه، وجرت أولى الوقائع في موضع (سيترا وملكهيترا) وجرت غيرها من الفتكات التي أرهقت جيش حيدر آباد، وطرح المغول شروطاً لوقف القتال، رفضها السلطان القطب شاهي أول الأمر، غير أن الأمر الواقع فرض عليه قبولها، وخلاصتها:
1- أن يدفع السلطان القطب شاهي كرور واحد و20 ألف روبية (عشرة ملايين وعشرون ألف روبية).
2- أن يعزل وزيره (مادنا) وكاتبه (أكنا) وأن يُؤخذ رأي (أورنك زيب) عند تعيين غيرهم.
وبقبوله ذلك رجع (تانا شاه) إلى قلعة كولكنده وتحصّن بها وأعلن العصيان، وساد التوتر بين الدولتين كثيراً وساءت العلاقات مرة أُخرى، وبث (أورنك زيب) الجواسيس والعيون للتحايل على (تانا شاه).
وفي 28 كانون الثاني 1687 هـ/ 1099 هـ حاصر المغول (كولكنده) وطفق سلطانهم يبحث في كيفية اختراق قلعتها الحصينة، وصمد السلطان (تانا شاه) ثمانية أشهر، وكان من الممكن الصمود أكثر، لولا خيانة أحد قواده المسمى (عبدالله خان) فقد عقد مع المغول صفقة سرية يفتح في مقابلها أحد أبواب القلعة التي كانت تحت حمايته، وهي الباب الشرقية، ودُعيت فيما بعد (فتح دروازه باب الفتح) حيث أسفر صباح 30 أيلول 1687 عن الجيش المغولي وهو يجوب داخل القلعة، بقيادة الشاه زاده نجل أورنك زيب، وصحّ المثل القائل «من مأمنه يُؤتى الحذر»، وبعث الشاه زاده على (تانا شاه)، ولما علم السلطان القطب شاهي بما آل إليه أمره مع المغول، دخل إلى ديوانه الخاص، وأبلغ أهله بذلك، وأمرهم بالصبر والصلاة، وترخّص منهم وقصد عرشه، فأُخذ من قاعة العرش، وأركبه الجند المغولي على فرسه، وجاؤوا به إلى باب القلعة حيث كان الشاه زاده محمد بانتظاره، فاستقبله وأجلّه واحترمه، وخلع (تانا شاه) قلادة من الدرر الثمينة – كان يتقلدها ويعتز بها كثيراً – وأعطاها لخصمه، معبراً بذلك عن شكره لحسن تصرّف الشاه زاده، ثم فرض الشاه زاده الإقامة الجبرية على (تانا شاه) في معسكره، وبعد أيام أُرسل هو وزوجته إلى (جيني محل) في قلعة دولت آباد بحماية (جانبدار خان بهادر)، وهناك قضى السلطان أيامه الأخيرة.
وتوجد رواية أُخرى بشأن نهاية آخر السلاطين القطب شاهية، تقول هذه الرواية:
حين بلغ مسامع السلطان تانا شاه نبأ سقوط قلعة كولكنده انتحر مع نسائه غرقاً في بركة الماء بقصره.
وأحسب هذه الرواية من نسج خيال العامة المولع بوضع دراما لنهاية الأبطال والملوك، ثم إني أستبعد هذا الخبر لتناقضه مع الثوابت التأريخية التي تؤكد بقاء الملك تانا شاه عدة سنين بعد هذه الوقعة، حتى وفاته سنة (1098 هـ 1687م) ودفن بجوار (السيد راجوا فتال) بطرف مقابر القطب شاهية، وبوفاته أسدل الستار على مملكة آل قطب شاه، وخضعت مقاماتهم للمغول الذين وطّدوا حكمهم فيما بعد، وعيّنوا نائباً (صوبيدار) يحكم البلاد نيابة عنهم، وخلفه أبو المنصور خان، وفي عهد الملك المغولي فرّخ شير شاه، استولى نظام الدين آصف شاه على ضواحي حيدر آباد الدكن، ثم استطاع أن يسيطر عليها تماماً، وأسس السلالة النظامية المعروفة التي بقيت حتى استقلال الهند سنة 1948، وكان آخرهم (مير عثمان علي خان بهادر) نظام حيدر آباد الذي انتهت بوفاته السلطنة النظامية.
وفي عام 1956 أصبحت حيدر آباد عاصمة لولاية آندرا بردش التي تُعتبر من الولايات الهندية الهامة في الوقت الحاضر.
قلعة كولكنده
كولكنده: بضم الكاف الفارسية وسكون اللام وضم الكاف وسكون النون وفتح الدال الهندية، حصن حصين يقع على بعد عدة كيلو مترات من مدينة حيدر آباد الدكن في منطقة جبلية تدعى (ورنكل) ضمن مقاطعة تعرف بإسم «كاكينه راجا» وتعتبر قلعتها من أهم القلاع التأريخية في شبه القارة الهندية، وقد شهد مسرحها الكثير من الأحداث والوقائع التي كانت تهزّ الهند وتؤثر في مقدراته السياسية، وتوالى على عرشها ملوك أقوياء ازدهرت في ظلهم العلوم والمعارف والفنون، ونعم رعيّتهم في محيط لم يشهد له مثيل من الأمن والطمأنينة والعدل والسلام.
حتى إذا تداولت الأيام، وثارت ضغائن الأحقاد المغولية بهدف التوسع والنفوذ، قصدها (أورنك زيب) بأطماعه، وبعث بجيش جرّار لغزوها والقضاء عليها وأحال سالف مجدها إلى تراب، فخلّف خرابها حرقة في القلب لن تهدأ، ودمعة في العين لن ترقأ.
تأسيس (كولكنده) وأصل التسمية
بنيت القلعة بأمر الملك الهندوسي (برتاب رودرا ديواول) بعدما أشار عليه بذلك منجمه المسمى (كولا)، ولما تمّ بناء القلعة سمّاها الملك باسم منجمه تخليداً لذكراه فقال (كولا كونتدا) يعني (جبل كولا) بمرور الزمن صُحّف الاسم إلى (كولكنده) وبقيت هذه التسمية إلى عصرنا هذا.
ونقل سلسلة ملوك (كاكينه راجا) مركز سلطنتهم إلى هذه القلعة، ولما ضعفت سيطرتهم في أيام الملك المسمى (كرشنارو درايو) سلمت القلعة إلى ملك آخر أقوى منه هو الملك بادشاه محمد شاه الأول المسمى (محمد شاه البهمني) من ملوك السلالة البهمنية الشهيرة في الدكن، فأسمى القلعة باسم (محمد نكر) وما زال هذا الاسم يدل على أحد المواضع قرب كولكنده، ولما ضعفت الدولة البهمنية في عهد (محمود شاه البهمني)، وآل الأمر إلى تفكك عرى السلطنة البهمنية وانقسمت البلاد إلى ممالك مستقلة – كما مرّ ذكره- كانت القلعة من نصيب أسرة آل قطب شاه وبهذا أصبحت كولكنده ضمن المملكة القطب شاهية، واهتم ملوك هذه السلسلة بأمر القلعة اهتماماً كبيراً وصرفوا في سبيلها مبالغ طائلة وأكملوا تشييدها وأضافوا لها الكثير من المباني والعمارات وأظهروا ذوقاً فنياً رفيعاً في تعميرها الذي أكمل خلال (61) عاماً من حكم ملوكها الثلاثة الأوائل.
منشآت القلعة
تبلغ مساحة القلعة خمسة أميال، ولها تسعة أبواب و48 برجاً متيناً مشيداً من الأحجار الجبلية، وعلى كل برج مدفع قديم، حول السور خندق عميق، وفي كل مرفق من هذه المرافق مجموعة من الجنود الممتازين المدرّبين، هذا في الداخل، اما في خارج القلعة فهناك فرقة خاصة من الخيالة تجوب خلف السور وعند الخندق وفي الشوارع والأزقة المؤدية إلى القلعة، وذلك دأبهم في الليل والنهار ويقدّم رؤوسائهم التقارير المنتظمة للملك حول الشؤون الأمنية داخل القلعة وخارجها.
أبواب القلعة
1- باب الفتح (فتح دروازه): بوابتان تقعان في الجناب الشرقي للقلعة، وعن طريقها دخل (أورنك زيب والجيش المغولي) إلى القلعة بعد خيانة عبد الله خان المكلّف بحراسة هذا الباب.
2- باب الجواهر (موتي دروازه): نسبة إلى خزانة (موتي محل) التي تقع قربها، وكانت تحتوي على نفائس الجواهر المكلية.
3- الباب الجديد للقلعة (دروازه قلعة نو)، شيدت في إحدى الترميمات للقلعة.
4- باب الجّمالي (جمالي دروازه) نسبة إلى بي بي جمال بيكم ابنة حسن نظام شاه وزوجة إبراهيم قلي.
5- باب الرعاة (بنجاره دي تاندي دروازه) أي باب رعاة أو باعة المواشي وكانت المحلة الخاصة بهم قريبة لهذا الباب، فعرفت باسمهم وتقع في شمال القلعة.
6- باب بتن جورو: تقع في الشمال الغربي، (بتن جورو) قوم من الهنود سُميت بهم، وقد أُغلقت فيما بعد واستعملت سجناً.
7- باب مكة: (مكي دروازه) عُرفت بذلك لوقوعها على جهة القبلة.
8- باب بودي: (بودي دروازه) عُرفت بذلك لوقوعها أمام مقبرة بودي شاه وكان هذا من العلماء المعروفين في زمن تانا شاه، وهي من الأبواب الرئيسية.
9- باب البهمني: (بهمني دروازه) من الأبواب القديمة للقلعة، سُميت بهذا الاسم نسبة إلى محمد شاه الأول البهمني بعد دخوله إلى القلعة بجيشه، وتوقيعه الصلح مع ملوك (ورنكل)، واستعملها الملوك البهمنيون فيما بعد، وجددت في أيام المملكة القطب شاهية.
كتوره حوض
ويعني ذلك (حوض الكأس) وهو بحيرة اصطناعية صغيرة قرب السور الشمالي، كان الملوك يسبحون بها أو يتنزهون فيها بواسطة الزوارق الصغيرة.
درخت هتيان
وهو (شجرة هتيان)، من الأشجار القديمة المعمّرة شاهقة الطول، واسعة العرض تمتد عروقها كلأحجار الصلبة تحت وفوق سطح الأرض، وهي مجوّفة الداخل من أسفلها، ودائمة الخضرة ولها ثمار ووضع عليها فانوس لإضاءتها ليلاً.
السور الشمالي
يقع في اعلى المرتفع الذي تفترشه القلعة وطوله ميل ونصف وفيه الكثير من العمارات والمنشآت ومن ذلك:
(قطب شاهي دربار عام) أي (الديوان الملكي العام) و(قطب شاهي دربار خاص) أي (الديوان الملكي الخاص). ومن الأمور الفنية الجديرة بالذكر أنني رأيت عند الباب التي تقع في غرب (كتوره حوض) السابق ذكره، أن من يصفّق بيده يُسمع صوت التصفيق في الديوان العام والخاص مع أن هناك أكثر من كيلو متر بينهما، وهذا أشبه شيء بما نسميه اليوم بجهاز اللاسلكي، فبهذه الطريقة كان رئيس الحرس أو أولي الأمر الذين عند باب القلعة الملكية (يسمعون) مباشرة من الملك وهو جالس في ديوانه، ورأيت مثل ذلك في مكان آخر من القلعة فاتني تسجيل موضعه.
بندي خانه رام داس
وهو موضع سجن القلعة، وإنما سُمي باسم (كوبْتَا رام داس) لأن الشخص الذي يحمل هذا الاسم كان مسجوناً فيه، وكان هذا محافظاً لبعض ولايات المملكة وارتكب مخالفة للملك بصرفه مبلغ ستمائة ألف أشرفي (وهي العملة السائدة يومذاك) من بيت المال من أجل بناء معبد في موضع (بهدار جلم) دون إطلاع واستشارة ملك عصره أبو الحسن تانا شاه فسجن اثني عشر عاماً ونحت خلالها عدة تماثيل لآلهة الهندوس – وهو في السجن- ومن ذلك تماثيل للآلهة: هنومان جي، رام لكشمي جي كره، وغيرهم، وشاهدت غير واحد من السواح الهنادكة يقف أمام تلك التماثيل ويحييهم بتحية الهندوس ويتبرك بها، وأرى أن هذه التماثيل مُحْدَثة ولا أساس إلى أن (كوبتا رام داس) قد نحتها، وقد وضعها عوّام الهنادكة للتدليل -عبثاً- على هندوكية القلعة، وهناك مواضع أُخرى من القلعة نفسها اتخذوها معابد لهم أو كما يسمونه (مندر) وذلك للغرض نفسه.
ومن الأمكنة الجديرة بالذكر أيضاً عند السور الشمالي:
1- خزانه آب (خزان الماء).
2- جلوه خانه (محل الوضوء).
3- حمام كرم (الحمام الحار).
4- باغ نكينه (حديقة نكينه) ونكينه اسم لأحد الأحجار الكريمة.
5- جسن بالائي سقف حوض (حديقة الورد المعتلية لسقف الحوض).
6- أسلحة خانه (بيت الأسلحة – مشجب السلاح).
7- شتر خانه (الإسطبل).
8- لنكر خانه (المطبخ).
9- دهوبي كهات (مغسل الألبسة).
10- فوجي بيركس (من المنشآت العسكرية) وفوجي من (فوج) العربية.
11- وابتر فال (دوائر الوزراء) وقريب منها عند السور طريق إلى اليمين يُؤدي إلى الديوان الخاص.
12- ديوار برده (الحائط الساتر) ويجلس عنده العسكريون فوق باب السور لمراقبة الوضع الأمني خارج القلعة، وهو حاجز أولي للقلعة.
13- بالا حصار (السور العالي): يقف العسكريون عند باب السور العالي فإذا ما دخل العدو وتجاوز الموضع السابق (ديوار برده) يصده الجنود من (بالا حصار) وفيه مواضع تتسع لخمسمائة جندي و(بالاحصار) من المواقع الاستراتيجية الهامة في القلعة، ويجلس قائد الجيش في ظل قبّة مصممة للاتصال اللاسلكي بالملك على الطريقة التي وصفتها سابقاً وربما كانوا يستعملون الرموز والإشارات العسكرية الخاصة، ويضاف إلى ذلك فإن بإمكان الجالس تحت القبة ان يسمع صوت الطلاب في مدارسهم وأصوات الجنود في مراكزهم المعدّة لهم، وذلك من أعاجيب التصاميم المعمارية لهذه القلعة الشامخة والحصن الفريد من نوعه ويطلق الهنود على تلك الأصداء لفظة تهراتي آواز أو – Vibration.
كرم تيل ياشيش دتالنى كامقام وهو محل عسكري آخر يقع في أعمدة باب السور.
14- أنبار خانه: (بيت المال) ويقع في جوانب السور عند بيت البارود.
15- كونهى بارود: (بيت البارود، مخزن العتاد) وأمامه حجر أسود ضخم كتب عليه باللغة الفارسية ما تعريبه «في زمن السلطان عبد الله قطب شاه وفي زمن خيرات خان صوبيدار (صاحب اللواء) سنة 1052» وهناك عند (أنبار خانه) قبّان معلق لأجل كيل البارود للفرق العسكرية.
16- عاشور خانه: هناك أكثر من موضع يحمل هذا المصطلح في القلعة وهو مصطلح يستعمله الشيعة الهنود للمكان الذي يقيمون فيه مآتم العزاء بمناسبة ذكرى عاشوراء (العاشر من محرم) من كل عام بمناسبة ذكرى استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، ويقابل هذا المصطلح في البلدان الأخرى: الحسينية، وكان ملوك السلالة القطب شاهية من المهتمين بإقامة هذه الشعائر الدينية والمواظبين على حضورها وتشجيعها.
محمد سعيد الطريحي
مراسم العزاء عند السلاطين القطب شاهية
كان بين سلاطين القطب شاهية من هم شعراء، منهم السلطان جمشيد القطب شاهي، (950-957هـ) وكان يتخلص في شعره بـ (جمشيد) وله قصائد في مدح الإمام علي (ع)، والسلطان محمد علي القطب شاه (988-1020هـ) وكان يتخلص بـ (قطبشه)، وله أشعار في مرائي الحسين (ع) ومناقب الأئمة (ع) والسلطان محمد القطب شاه (1020-1035هـ) وكان يتخلص بـ (ظل الله) وعدا عن شعره في مراثي الحسين (ع)، فإن له شعراً غزلياً جميلاً.
وكان السلاطين القطب شاهية يقيمون مجالس عزاء الحسين (ع) من أول المحرم إلى يوم العاشر منه، ويبذلون كل اهتمام في إقامتها وكان جميع أركان الدولة يشتركون في تلك المجالس.
جاء في كتاب حديقة السلاطين لنظام الدين أحمد الصاعدي الشيرازي وهي تشتمل على ذكر أحوال الملك السابع لسلسلة القطب شاهي (السلطان عبدالله القطب شاه) من أيام الولادة (1023 هـ) حتى تسع عشرة سنة من سلطنته (1053 هـ)، فكتب مراسم التعزية والمجالس الكبيرة للعزاء التي يحضرها. وقد جاء فيما كتب:
ذكر مآتم التعزية لشهادة سيد الشهداء عليه التحية والثناء في أيام الحزن –عاشوراء، وبيان الرسوم وإجراءات التعزية المفصلة المخصوصة بالسلسلة العلية القطب شاهية.
من الرسوم القديمة من ابتداء حكم سلطنة الأسرة القطب شاهية لا سيما في أيام محمد علي القطب شاه طاب ثراه وإلى الأيام الميمونة للسلطان يوسف جمال اسكندر عندما يهل هلال المحرم. ترى الوضع يتغير، وترى محبة حيدر الكرار والمعتقدين بالأئمة الأطهار يبدؤون برسوم خاصة تدل على العزاء وترك محافل الأنس وتصدر الأوامر إلى جميع البلاد بمنع جميع محافل الطرب والأنس وما شابه ذلك، وتغيير الملابس إلى ملابس الحداد وعدم ضرب النقارة والطبل وجمع آلات الطرب في الصناديق، وإلى جميع المطابخ والمقاهي أن تتمنع عن إدخال اللحوم ومنع فتح المتاجر التي فيها الحلال والحرام، وعلى القصابين أن يتركوا الأسواق، ومنع بيع الطبول وآلات اللهو، وعلى الحجامين في الحمامات أن لا يحلقوا رؤوس الناس. وكانت تصدر الأوامر بأن على جميع الناس من مسلمين وغير مسلمين من جميع طبقات الشعب أن يلبسوا السواد، ويتركوا الملابس الملونة والجميلة إلى ما بعد المحرم، وأن يأخذوا بأيديهم العصي الخضراء أو السوداء، وأن يكون على رؤوس الوزراء والمقربين قطع قماش سوداء أو خضراء. وكان المداحون يتوزعون في المجالس الرسمية والغير الرسمية لقراءة العزاء. وهناك عمارة ضخمة للحكومة داخل السراي وبناءٌ آخر داخل السوق، يفرشونهما بالسجاد الأخضروالأسود ويغطون سقفهما بالمخمل الأسود وجدرانها بالقماش الأسود. ويبنون جدران الدواوين بالكاشي الملّون مكتوباً عليها أسماء الأئمة الاثني عشر والأدعية. ولكل عمارة أربعة عشر باباً بأسماء أربعة عشر معصوماً وعلى الأبواب الزركشة الجميلة وأطواق من الذهب يصنعها أساتذة الفن. وينسجون أقمشة عليها أسماء المعصومين وأدعية من الذهب والمجوهرات، وعلى الجدار في كل عمارة يصنعون قواعد يضعون عليها الفوانيس، وفي كل ليلة يزيدون في عدد الفوانيس بحيث تصبح الفوانيس في الليلة الأخيرة عشرة آلاف فانوس، كلها مُنارة وفي زوايا العمارة يصنعون أواني فيها عشرات الشموع المضاءة وحجم كل شمعة أكبر من حجم الإنسان مصنوعة بشكل أشجار. والمداحون بأصواتهم الشجية ينشدون الأشعار في رثاء الحسين (ع)، وعصراً يأتي الشاه يوسف جمال اسكندر إقبال، لابساً لباساً مخملياً خاصاً لأيام عاشوراء والمقربون والوزراء والأمراء الخاصة كلهم بملابس سوداء يمشون في ركاب الشاه ويأتون معه إلى المجلس، ومداحان على طرفي الركوبة يقرؤون الأبيات من المراثي. وعند الوصول إلى قرب العمارة يترجّل السلطان ويمشي حافياً إلى الديوان الخاص المهيأ له، وبيده مسبحة من تراب فإذا جاء الليل يشعل الشموع بيده. وفي هذا الوقت يعكف الشعراء المداحون على قراءة المراثي وبعد انتهاء إنارة الشموع، يصعد الخطيب المنبر ويتحدّث ببلاغة عن سيد الشهداء (ع) ويدعو للسلطان ويقرأ الفاتحة، ثم يسجد السلطان شكراً لله لهذا التوفيق ويعود إلى القصر. ويجلس المسؤولون مكان السلطان ويستمعون إلى تلاوة المقتل وذكر المصائب ثم يتعشون بطعام لا لحم فيه. وفي منتصف الليل ينتهي المجلس، ويجري في العمارة الثانية مثل ما يجري في العمارة الأولى وتقام مجالس العزاء في كثيرٍمن أنحاء البلاد. ومن ليلة السادس من المحرم، يكثرون الأنوار في الشوارع وترى الناس يأخذون بأيديهم الشموع، والقراء يقرؤون المراثي والمدائح، وتمشي الناس في الشوارع حتى تصل إلى ميدان داد محل فيجتمعون هناك مستمعين إلى قراءة العزاء وفي نهاية المجلس يرسل لهم السلطان الخبز ثم يعودون إلى (الآلاوه) وهي العمارة التي تحدثنا عنها، وهكذا حتى آخر أيام عاشوراء، يأتون من الآلاوه إلى ميدان داد محل، والدكاكين والمحلات تضع الشموع وأنواع الأنوار وبعد استماعهم مجالس العزاء يرجعون إلى الآلاوه.ويوم العاشر يلبس الملك كسوةً سوداء ويمشي أمام الجماهير حافياً، وهكذا الوزراء والحاشية والمسؤولون يمشون حفاة لابسين السواد وأمامهم المداحون ينشدون. ومن الآلاوه يذهبون إلى المسجد وفيه يصعد الخطيب المنبر ويقرأ المقتل والجماهير تبكي وتصرخ وتضرب على صدورها. ثم يقرؤون الفاتحة على أرواح الشهداء ويهدى ثواب المجلس إلى أرواح الشهداء، ويدعون للملك. ثم يعود الملك إلى السراي فتتلى زيارة سيد الشهداء ويصلي صلاة الزيارة، ثم يأكلون الطعام الخاص (كندوري). ثم تصدر الأوامر من الملك، لإعطاء الملابس الثمينة وبعض الذهب والنقود إلى مائتي يتيم من أبناء السادة. وتكون الأوامر قد صدرت إلى جميع المدن والقرى والموانئ أن يهتموا بمجالس العزاء.
كل جين معاني
قطــر
تقع شبه جزيرة قطر بين الإحساء وإمارة أبو ظبي على بعد نحو 27 كم عن البحرين وتمتد شمالاً إلى داخل البحر، بين الخليج المسمى «دوحة سلوة» إلى الغرب والامتداد الجنوبي إلى الشرق. ويتألف سطح الأرض في شبه الجزيرة من قوس كبير من حجر الكلس، وتهيئ مياه الأمطار التي تسقط في جيوبه وشقوقه الممتلئة بالرمال أماكن تصلح للكلأ في الشتاء وفي الربيع. وتقع عاصمتها (الدوحة) على البحر.
وترتفع أرض قطر إلى الشمال من خط السباخ ويقوم حولها من الجهة الغربية عدد كبير من المرتفعات والهضبات. وكلما اتجهنا شرقاً نجد سطح أرض الإمارة يتخذ شكلا سهلاً من حجر الكلس أقل وعورة. وينحدر انحداراً خفيفاً إلى الخليج. أما الشاطئ المنخفض إلى الشمال من (خور العديد) فمغطى بنقيات على شكل هلال. ولم تبرز شبه جزيرة قطر كوحدة سياسية منفصلة إلا في أواخر القرن التاسع عشر.
وحكام قطر الحاليون من بلدة (أشنيقر) في الوشم (نجد) وهاجروا قبل قرنين ونصف قرن فسكنوا بادئ ذي بدء واحة يبرين (جبرين) ثم انتقلا إلى الزبارة في قطر.
وقد ذكر قطر جغرافيو اليونان ووصفها بطليموس بأنها تقع غربي مدينة (Gerra) – أي مدينة الجرعاء أو في شمال غربها. وعلى مبعدة نصف درجة منها تقع مدينة تسمى (Katara) وهي مدينة قطر الواقعة في شبه جزيرة قطر. وقد عرفها بلينوس بإسم – (Cataraei) وذكر فورستر أن (Attene) هي شبه جزيرة قطر. كما ذكر أن (Cataraei) هي قطر يطلق على شبه جزيرة تكون الطرف الشرقي لخليج البحرين ومن مدنها الدوحة ووكرة أي وقرة والشقيق.
وقد جاء في معجم البلدان أن شبه جزيرة قطر من أقسام العروض التي تمتد من عمان إلى حدود الإحساء. يشتغل سكانها بصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ والظاهر أنها هي (Cataraei) الذي ذكرها بلينوس ومعظم أراضيها صحارى، وتوجد فيها واحات قليلة. ويزرع السكان في بعض الأماكن على مياه الآبار وقد عرفت قطر قديماً بأنواع من الثياب والمنسوجات القطرية كانت تصدرها إلى الخارج. واستمرت شهرة أثواب قطر إلى ما بعد ظهور الإسلام. كما عرفت بتصدير النجائب والنعام. والظاهر أن شهرتها هذه ورثتها من الجاهلية وأن سوقها كانت من الأسواق المعروفة.
وكان جغرافيو العرب القدامى يطلقون على البلاد المعروفة اليوم بقطر والإحساء والكويت والجزائر المقابلة لها: (البحرين وهجر) وقال أبو منصور في معجم البلدان في أعراض البحرين على سيف الخط بين عمان والعقير قرية يقال لها قطر وإليها تنسب الثياب القطرية، وهي حمر لها أعلام، وكانت تنسج فيها، وإليها تنسب النجائب القطريات وكان لها فيها سوق. وفي تاريخ نجد للألوسي في الجهة الشرقية من العقير قطر.وهي منزل اهل الشفائن من العرب الذين يغوصون في البحر لاستخراج اللؤلؤ. وهم قبائل منهم من قحطان ومنهم من وائل. وقال البكري في معجمه: «وقطر هذه اكثر بلاد البحرين خمراً». وقال جرير:
ألا طرقت أسماء لا حين مطرق
أحم عمانيا وأشعث ماضيا
لدي قطريات إذا ما تغولت
بنا البيد غاولن الحزوم الفيافيا
ويقول عبدة بن الطيب في ذكر قطر:
تذكر ساداتنا أهلهم
وخافوا عمان وخافوا قطر
ومنذ سنة 1956م قامت بعثات دانماركية متخصصة بالآثار بإجراء دراساتها في منطقة الخليج وتوجهت إحدى هذه البعثات لزيارة قطر. حيث أمضت فيها حوالي ثلاثة أشهر في التنقيب.
ومن أدق العينات التي اكتشفت أشغال يدوية فنية تساوي قيمتها ما عثر عليه في العصر الحجري. مما يثبت وجود سكان قدماء أصحاب مهارة يدوية ورقي.
وقد قدرت البعثة ان أحدث ما صنع من تلك الأدوات كرؤوس السهام يرجع إلى حوالي (6000 سنة).
وبالإضافة إلى أدوات الصوان المكتشفة عثرت البعثة على مئات من القبور المرتفعة ترجع إلى ما قبل الإسلام. وقد نهبت أغلب تلك القبور. ونتج عن ذلك عدم إمكان تقدير عمرها في الوقت الحاضر.
تأثرت شبه جزيرة قطر بمدنيات الأمم القديمة التي ظهرت في العراق وفارس من سومرية وأكادية وبابلية وأشورية وفارسية وكان من دلائل اندماج قطر وتأثرها بتلك المدنيات الكتابة المسمارية التي ظهرت على النقوش التي يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
وقد دخلت قطر وسائر مناطق البحرين في حوزة اللخميين أحلاف الفرس الذين هجروا بلاد اليمن ونزلوا العراق الجنوبي في أوائل القرن الثالث للميلاد. ولما انهت الدولة الفارسية حكم اللخميين حوالي عام 602م ولت من قبلها حكاماً على البحرين من سكانها العرب فكان آخرهم المنذر بن ساوي التميمي الذي أعلن إسلامه عام 628م.
وكان سكان البحرين قبل الدعوة الإسلامية يدينون باليهودية والزرادشتية والنصراينة ولكن الكثرة الغالبة كانت وثنية.
وقد دانت قطر بالنصرانية التي دخلتها عن طريق الدولة الحبشية والتجار القادمين من الإمبراطورية الرومانية. وقد ورد ذكر أسقفية (بين قطر) عام (225م) في كتاب العمل الإنجيلي في الشرق العربي كما ورد في الصفحات (88- 89) اسم قطر صراحة كبلاد اعتنقت النصرانية.. وفي المجمع الذي عقد عام (410) للميلاد وحضره أساقفه من بلاد فارس وقطر ذكر اسمها كما يلي:
«وهذه بلاد قطر الكائنة في جنوب شرقي بلاد العرب».
وفي القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي – استولى بنو نبهان على قطر وكان هؤلاء ملوك عمان آنذاك. وآلَ إليهم حكم عمان سنة (549هـ – 1154م) واستمر حكمهم (500) سنة. وبلغت الفترة الأولى منهم (260) سنة أي حتى (839هـ – 1429م) ومن بعدهم تناوب الحكم عليها وعلى غيرها من أقطار البحرين كثيرون من أهالي البلاد.
وفي نهاية القرن الخامس عشر دخلت أساطيل البرتغال المحيط الهندي بقيادة البحار البرتغالي المشهور فاسكو دي كاما Vasco de-Guma وبذلك سجلت البحرية البرتغالية فتحاً جديداً في استكشافاتها. ومهدت الطريق للدول الغربية بتوجيه عنايتها لغزو هذا الجزء من العالم. وفي عام (922هـ – 1517م) استولى البرتغاليون على جزيرة المنامة (البحرين) وقطر والقطيف وفي عام (634هـ – 1536م) بعث السلطان سليمان القانوني أسطولاً بحرياً مؤلفاً من سبعين سفينة تحمل أكثر من (20) ألف محارب لقتال البرتغال في منطقة الخليج. وقد أحرزت هذه القوات فوزاً موضعياً في منطقة البحرين فاستولت على المنامة وقطر والقطيف. وبذلك تركز نفوذ العثمانيين في هذا القاطع من الساحل الجنوبي الشرقي لجزيرة العرب. وبذلك دخلت الإحساء والقطيف وقطر في حوزة العثمانيين عام (963هـ -1555م) وقد نزحت في هذه الفترة إلى الإحساء من بادية الشام فصيلة من بني خالد فكانت عوناً للعثمانيين وقيل إن العثمانيين هم الذي أتوا بهم فأنزلوهم (الرجراجة) تعزيزاً لجيشهم. وكان هذا أول قدوم بني خالد إلى الإحساء.. وفي سنة (1080هـ) استولى بنو خالد على الإحساء والقطيف وقطر وامتد نفوذهم إلى جنوب العراق عند كاظمة. فكان آل عريعر يبسطون نفوهم من كاظمة حتى حدود الإحساء وآل مسلم من القطيف على قطر. وهكذا احتفظ أمراء العرب وشيوخهم باستقلالهم ضمن هذا الإطار. وآل مسلم ينتسبون إلى الجبور أحد بطون ابن خالد المعروفة. وبنو خالد بطن من عامر بن صعصعة العدنانية.
وفي هذه الفترة قصدت أرهاط من العتوب وهم آل خليفة وآل الصباح جاؤوها من موطنهم في (الهدار) الواقع في منطقة الأفلاج، وتقع في الجنوب الغربي من العارض – فحلوا بالزبارة فكانت الرياسة في قطر إلى آل مسلم كما أسلفنا. واختلفت العتوب وآل مسلم. وترك العتوب الزبارة وحلوا بكوت آل عريعر (الكويت الحالية).
وفي النصف الأول من القرن الثاني عشر للهجرة (أوائل القرن 18 م) ظهرت الدولة السعودية في نجد. وقد تمكن السعوديون من الإستيلاء على معظم بلاد نجد ومن ثم الرياض والقصيم والإحساء وبذلك فرضوا سيطرتهم على قبيلة بني خالد. أما قطر التي كانت تحت نفوذ آل مسلم بن خالد فقد ظلت معتصمة بشبه جزيرتها.
وفي عام (1202 هـ – 1788م) وجه السعوديون حملة بقيادة سليمان بن عفيصان فتصدت لها قبيلة آل مسلم تشاركها قبيلة آل ابن رميح وهي بطن من الخزاعلة تنتمي في أصولها إلى طي القحطانية. وكان القتال بينهما سجالاً. وفي (1208 هـ 1793م) أعاد السعوديون غارتهم وحملوا على قرية (الحويلة) مقر قيادة بني خالد بقطر، بقيادة إبراهيم بن عفيصان فكان النصر في المعركة حليفهم، واستولوا على قطر، كما تمت سيطرتهم على الإحساء. وخضعت قطر لحكم السعوديين. استفز هذا الفتح وتوسع النفوذ السعودي في قاطع الإحساء والقطيف وقطر الدولة العثمانية، فأوعزت إلى سليمان باشا والي بغداد بأن يقضي على هذه الحركة، ففي عام (1213 هـ 1798م) أرسل سليمان باشا حملة للتعرض على قاطع الإحساء إلا أن جهوده باءت بالفشل. ثم أنهى محمد علي باشا أمر السعوديين.
وتوسع نفوذ آل خليفة في الزبارة. وقويت شوكتهم وامتدت سلطانهم إلى القرى المجاورة حتى كادت شبه جزيرة قطر جميعها تدين لحكمهم، وفي سنة (1197 هـ – 1783 م) استطاع الشيخ أحمد آل خليفة الملقب بالفاتح أن ينتزع البحرين من الحكم الفارسي. وبذلك أصبحت البحرين بحوزة آل خليفة فأقام الشيخ أحمد عاملاً من قبله عليها وعاد إلى عاصمته في قطر.
وفي عام (1209هـ 1794م) توفي الشيخ أحمد وتولى الحكم بعده ابنه الشيخ سلمان فنقل عاصمته من الزبارة إلى جزيرة المنامة. وفي عهد الشيخ محمد بن خليفة عام (1258هـ 1843م) عيّن عيسى بن طريف رئيس قبيلة آل ابن علي والياً على قطر.
وقد أغرى الحكم عيسى فأثار القبائل ضد شيخ البحرين إلا أنه لم يفلح بمحاولاته حيث أرسلت البحرين حملة تأديبية في 9 ذي الحجة من عام (1264 هـ 1847 م) قضت على تمرده ووقع في المعركة قتيلاً.
وفي عام (1267هـ 1850م) توجهت أطماع السعوديين ثانية نحو قطر: فتوجه فيصل بن تركي بن عبدالله على رأس حملة قاصداً قطر ونزل في (القارة) وهي عين معروفة على سيف البحر ثم تحرك إلى منطقة المياه المعروفة (بعريق سلوى) وقد اكتفت القوات السعودية بفرض الحصار على منطقة البدع ولما اشتد الحصار وتأخر وصول النجدة من البحرين ونفذ الماء عند المحاصرين قر الرأي على ترك الدفاع عن قصر البدع والانسحاب بالسفن الراسية على ساحله إلى البحرين.
وعادت قطر ثانية إلى الحكم السعودي. فسالم سكانها الحاكم الجديد، وفي عام 1282هـ توفي فيصل وخلفه بالحكم إبنه عبدالله. وكان للسعوديين في هذه الفترة عامل على قطر يدعى (السيد ساعد الظفيري) على رأس حامية سعودية يدير شؤونها.
وفي جمادى الآخرة سنة 1288 هـ نفسها أرسلت الدولة العثمانية حامية من الجنود النظاميين إلى قطر حلت في معسكر الدوحة. وبذلك أصبحت قطر قائمقامية عثمانية تابعة لمتصرفية الإحساء ضمن ولاية البصرة.
وكانت الغارة التي شنها شيخ البحرين بالتعاون مع شيخ أبو ظبي عام 1868م على شبه جزيرة قطر بسبب امتناع واليها من دفع الجزية السنوية المقررة سبباً مبرراً لتدخل القوات البحرية البريطانية المرابطة بالخليج للقضاء على الحركات العدائية التي قام بها الشيخان ضد قطر والتي تعتبر خرقاً لاتفاقية السلام بالمنطقة. فما كان من المستر بيلي (Belly) المقيم البريطاني في الخليج والذي كان على رأس الحملة إلا أن يفرض عقوبات قاسية على الشيخين ويعلن الحماية البريطانية على قطر. ويوقع شيخها على اتفاقية السلام.
وفي عام 1871 م قام مدحت باشا والي بغداد بزيارة منطقة الخليج. بعد أن عاد النفوذ التركي على الإحساء والقطيف وقطر. للوقوف على مدى إمكان تطبيق خطة ضم الإحساء ونجد إلى الدولة العثمانية.
وزار مدحت باشا قطر وتفقد حاميتها في الدوحة وأمر بإلحاق باخرة حربية بالحامية لحماية الساحل. كما قام بتنسيق خطة الدفاع في شبه الجزيرة وتعزيز موقع الزبارة وإقامة القلاع عليها.
فحفز هذا الحادث حكومة الهند وأخذت تنظر بعين الريبة للإجراءات التي قام بها الباشا. وأوعزت إلى حاكم البحرين بأن يحتج على عمل الدولة العثمانية في قطر التي تعد جزءاً من ممتلكاته.
وكان مدحت باشا يدرك أن بريطانيا لن تسكت على الإجراءات التي اتخذها في هذا القاطع. لذلك بادر بإرسال تقرير مسهب إلى حكومة الهند يبرر العوامل التي استهدفها من تنفيذ إجراءاته، إلا أن حكومة الهند، لم تقتنع بما ذهب إليه الباشا وأعلنت بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التحدي التركي هذا. وقد أيدت حكومة بريطانيا حكومة الهند. ففي 4 نيسان 1874م أرسلت إنذاراً إلى الباب العالي تؤيد فيه وجهة نظر الحكومة الهندية. وعلى أثر هذا الإجراء العنيف أوقفت الحكومة العثمانية العمل في ميناء الزبارة وفي عام (1295هـ-1878م) توفي الشيخ محمد بن ثاني والي قطر وخلفه في الرئاسة ابنه الشيخ قاسم بن محمد الذي كان يدين بالولاء والطاعة للدولة العثمانية بخلاف والده الذي وقع على معاهدة السلام البريطانية وأنعمت عليه الدولة العثمانية بتعيينه قائمقاماً على قطر تابعاً للواء الإحساء ولم يرق هذا الإجراء بريطانيا، لذلك أخذت تخلق المشاكل أمام قاسم بن ثاني. في عام 1882م اتهمته بإتلاف بضائع يمتلكها رعايا هنود وألزمته بدفع غرامة قدرها خمسة آلاف روبية، وفي عام 1887م ألزم الشيخ قاسم بدفع غرامة أكبر بحجة اشتراكه في عمل من أعمال القرصنة الموجهة ضد سفن البحرين.
وفي خضم الأحداث كان النفوذ الوهابي يجتاح الحاميات التركية على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية الواحدة تلو الأُخرى حيث استولى عبد العزيز بن سعود على الإحساء وطرد حاميتها في وقت كانت فيه تركيا تعاني المتاعب في حربها في البلقان، وقد رأت من الأجدى تسوية مشاكلها الثانوية في منطقة الخليج مع بريطانيا لكي تظفر بتأييدها في مشكلتها في البلقان.
ففي عام 1912م سويت هذه المشاكل لصالح بريطانيا بموجب اتفاقية بين الطرفين. وكانت أهم بنود الاتفاقية هي:
المادة (3) – اعتراف تركيا بإجراءات بريطانيا لتحمل مسؤولية أمن الملاحة في الخليج: أي (حق تفتيش السفن).
المادة (4) – تنازل الدولة العثمانية عن حق السيادة في قطر التي يحكمها أمير عربي مستقل يتوارث خلفاؤه الحكم. على أن تتعهد الحكومة البريطانية بمنع البحرين من الاستيلاء على قطر.
وبذلك حققت قطر وحدتها السياسية تحت إشراف وحماية الحكومة البريطانية وفي الواقع تعاقدت قطر مع بريطانيا منذ عام 1882 م كما ذكرنا وجددت للمعاهدة بنودها عام 1916 م ثم عام 1934 م وأصبحت بذلك محمية([282]).
ثم جاء عهد الاستقلال في 3 أيلول سنة 1971 فعادت قطر دولة عربية مستقلة.
وتعتمد قطر في اقتصادها على البترول وكانت قبل ذلك تعتمد على اللؤلؤ والملاحة والتجارة والرعي وقد بدأ البحث عن البترول سنة 1935م وتفجر النفط سنة 1940 م وقلب حياتها المعيشية رأساً على عقب، وحصل التقدم والعمران في البلاد. وأشهر مدن البترول في قطر (دخان) مركز آبار البترول و(أم سعيد) ميناء شركة البترول وتقع قريبة من بلدة (الوكرة) وهي ثاني بلدة بعد العاصمة وبعدها مدينة (الخور)، وجو قطر حار صيفاً حرارة شديدة في أكثر الأحيان. وشتاؤها قصير دافئ وهي قليلة الأمطار.
ويكثر عدد الشيعة في قطر ونصفهم من أبناء البلاد والنصف الآخر من أصل إيراني أو باكستاني، ولهم فيها العديد من المساجد والحسينيات.
القُطقُطانة
قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان (….موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف به كان سجن النعمان بن المنذر… وقال أبو عبيد الله السكوني القطقطانة بالطف بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف عشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام ومنه إلى قصر مقاتل ثم القُريات ثم السماوة ومن أراد خرج من القطقطانة إلى عين التمر ثم ينحط حتى يقرب من الغيوم إلى هيت([283]) يقول عبدالحسين الصالحي: يقع هذا الموقع على مفترق الطرق وله أهمية استراتيجية، كانت خلف الخندق الذي حفره شابور حاجزاً بينه وبين العرب. وكان أحد مراكز المراقبة في عصر الامبراطورية الساسانية.
نزل فيه الحسين (ع) في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من ذي الحجة الحرام ومعه الحر وأصحابه يسايرونه. وروي عن الصادق (ع) في كتاب أمالي الصدوق:.. أن الحسين (ع) لما نزل القطقطانة نظر إلى فسطاط مضروب قال: لمن هذا الفسطاط؟ قيل: لعبيدالله بن الجعفي([284]) والمشهور أنه لاقاه في قصر مقاتل المار الذكر. وجاء أيضاً: القطقطانة أحد المنازل من القادسية إلى الشام كان به سجن النعمان.
عبد الحسين الصالحي
القطيف [285](*)
إذا نظرت ملياً إلى خارطة شبه الجزيرة العربية الطبيعية بدا لك لأول وهلة بقعة كبيرة من اللون الأحمر تتربع في وسطها، هي عبارة عن فراغ صحراوي رملي يقع في اتجاه الجنوب إلى الشرق، ويمتد لسانه إلى الشمال حيث يكوّن فواصل طبيعية بين إقليمي نجد والبحرين، أما تلك المساحة فقد أطلقوا عليها اسم «الربع الخالي» التي يؤلف لسانها الضارب إلى الشمال كلاً من صحراء الدهناء والصمان، وهما عبارة عن نفوذ رملية تتخللها الهضبات والتلال، يقطعها المسافر في اتجاه نجد سابقاً في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فكان يدخر الماء ويقتصد في استعماله، وكأنه بعمله هذا يغالب الطبيعة التي قست على هذه البقعة فحرمتها من نعمة الحياة والأحياء.
تنحدر مرتفعات لسان هذا التيه من الربع الخالي، وتتلاشى هضباتها عند الشاطئ الزمردي حيث تغتسل رمالها الصفراء بمياه الخليج الخضراء الدافئة، وعلى طول هذا الساحل الأجرد الذي يمتد مسافة 350 ميلاً حتى حدود الكويت تستقر في زاوية منه واحة القطيف الخضراء على بعد 50 درجة من خطوط الطول تستقبل المصحر المكدود الذي تصادى نداء الطبيعة في أذنيه قائلاً: إن تيه الصحراء وراءك، وغمر البحر أمامك، وقد أمدّتك العناية الإلهية بقطعة من الفردوس لتتفيأ ظلها الظليل، وتأكل من ثمرها الجني، وتشرب من ينابيعها الثرّة، لتشكر رباً أنزلها عليك من السماء تلك الرقعة الخضراء الرابضة على الساحل الغربي من الخليج بنخيلها الباسق، والتي تتحدى الطبيعة منذ آلاف السنين… هي واحة القطيف، تحتضن المدينة التاريخية التي شهدت أمماً كثيرة، ووعت أحداثاً جمة، وانبثقت على صعيدها حضارات شتى.
أسماؤها
القطيف بفتح أوّله وكسر ثانيه «فعيل» مشتق من القطف، وهو القطع من العنب ونحوه، كما يضبطها ياقوت الحموي في معجمه، ولعل اسمها في الأصل محرف كيتوس Cateus الاسم القديم الذي ذكره مؤرخو اليونان لهذه المنطقة، والذي يشير بكل وضوح إلى اسمها الحالي.
ويطلق على هذه المنطقة([286]) التي تمتد من البصرة إلى عمان أسماء كثيرة، وتشمل هذه الأسماء كلاً من الإحساء وجزيرة الخط، لاشتراكهما معا في تاريخ سياسي واحد، وتختص الإحساء الآن باسم هجر، ويطلق اسم الخط على القطيف.
ويرجع بعضهم اشتقاق كلمة «الخط» إلى لفظة كتني Chateni وهو اسم جماعة كانت تسكن هذه المنطقة في قديم الزمان([287]) ، وقد عرفت أيضاً مدينة بهذا الإسم بناها أردشير بن بابك (241-226 ق م) في هذه المنطقة واشتهرت به حتى بعد ظهور الإسلام، على أن كلمة الخط اسم يشمل الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية الذي يبتدئ من البصرة وينتهي إلى عُمان، فهو اسم يطلق على هذه المنطقة كلها تقريباً([288]).
ويذكر الدكتور عبد الوهاب عزام أن هذا الساحل كان يسمى القطيف قبل أن يغلب عليه اسم الخط، ويذكر صاحب التعريفات الشافية أن الخليج كان يسمى بحر القطيف، أما شبرنكر فينص على أنه كان يسمى خليج القطيف قبل أن يعرف بأي اسم آخر([289])، وعلى هذا التحديد يمكننا أن نقول بأن هذه البقاع الواقعة على الضفة الغربية من الخليج كانت كلها من مناطق هذه المدينة.
أحوالها الطبيعية
تلتقي على صعيد هذه المنطقة المظاهر الطبيعية الثلاثة: البحر والجبل والصحراء، فمن الشرق والجنوب تكتنفها مياه الخليج، ومن الغرب والشمال تحتضنها رمال الصحراء بهضباتها الرملية، ومن الجنوب على مقربة من خليج قطر أو خليج جرّا – كما يسمى قديماً- تنتثر قمم جبل الظهران على بعد 36 كلم وعلى ارتفاع ما يقرب من 298 قدماً عن سطح البحر.
وتتكون صحاريها في الأغلب من تلال رملية صفراء، يبلغ ارتفاعها في بعض الأحيان عشرات الأمتار وتتخذ اشكالها في الاكثر شكل حذاء الفرس، وهي غير ثابتة مستقرة، إذ نراها تنتقل من محل إلى آخر متجهة نحو الجنوب بتأثير الرياح الشمالية العاتية، وأحياناً تزحف بالقرب من الواحة فتغطي مساحة كبيرة من بساتينها، حتى لا يُرى منها إلا كرانيف النخل، ولكنها ما تلبث أن تنحسر في سنوات قليلة لتنتقل إلى جهات أُخرى ميمّمة شطر الجنوب، وإذا هطل الغيث اكتست سهولها بحلل خضر، فتنتجعها البداة لرعي إبلهم ومواشيهم، غير أنها سرعان ما تجف حين تهب الرياح الموسمية الحارّة، فتحيلها إلى قاع صفصف.
أما جبل الظهران فهو يتكون من هضبات تتألف في الأغلب من صخور متفتتة بتأثير العوامل الجيولوجية، الأمر الذي استدل به على وجود البترول، وهناك هضبتان أُطلق على الأولى اسم جبل المذرى الشمالي والأُخرى جبل المذرى الجنوبي، وتوحي أشكالهما المخروطية المستديرة بأنهما من صنع الإنسان كما دلت عليه المكتشفات حديثاً إذ وجد فيها مقابر قديمة يرجع بناؤها إلى عهود سحيقة.
ويبلغ طول سواحلها التي تمتد من قطر إلى رأس مشعاب 350 ميلاً تقريباً، تتألف أغلب هذه السواحل من شواطئ رملية متعرجة، تكثر فيها الشعاب المرجانية، وتخترقها بعض الخلجان، وفيها ثلاثة أخوار صالحة للملاحة، ففي مبتدأ خط الشاطئ من الجنوب عند حدود قطر يقع جرّا وهو كبير تقع في مدخله جزائر البحرين، وفيه مرفأ عقير، وهو قليل العمق، تكثر فيه الصخور والشعاب المرجانية، ثم يليه خليج كيبوس المحاذي لمدينة القطيف، والذي تقع فيه جزيرة تاروت، وهو الذي تردد ذكره في كتب المؤرخين اليونانيين، وهو غير صالح لرسو السفن الكبيرة، ثم بعده إلى الشمال يقع خليج المسلمية بالقرب من الجبيل، وهو مسدود من جهة البحر تقريباً بجزيرة أبي علي، وفي وسطه تقع جزيرة جنة وعلى مقربة منها تقع جزيرة المسلمية، وفي الشمال أيضاً يقع خليج صغير بين منيفه ورأس التناقيب.
ويشذ عن امتداد الساحل رؤوس، لها أهمية تكثر أو تقل بالنسبة لموقعها.. أهمها رأس تنورة الواقع في الطرف الشمالي من خليج كيبوس، وهو ممتد في داخل البحر إلى مسافة تستطيع السفن التجارية الضخمة وناقلات البترول أن تقترب منه، ثم رأس السفانية ورأس مشعاب، ثم رأس الزّور ويليه رأس القليعة عند حدود الكويت وكلاهما يقعان في المنطقة المحايدة.
موقعها الجغرافي
تقع مدينة القطيف على الساحل الشرقي من شبه جزيرة العرب على بعد50 (درجة) من خطوط الطول شرقاً، و26 (درجة) و32 (دقيقة) من خطوط العرض شمالاً، وكان يطلق على هذه المدينة اسم الخط أيضاً، وإليها نسب الشاعر جعفر الخطي كما ورد تحديدها في شعر علي بن المقرب الإحسائي المتوفى سنة 629 هـ.
والخط من صفواء حازوها فما
أبقى بها شبراً إلى الظهران
وكانت مدينة القطيف القديمة تبعد عن الساحل مسافة ميل كما يذكر المسعودي، وقد ذكرها ياقوت في معجمه فوصفها بأنها مدينة بالبحرين.. هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها، ووصفها ابن بطوطة في رحلته.. بأنها مدينة حسنة ذات نخل كثير، وقد كانت عاصمة إقليم البحرين في أدوار مختلفة، ففي القرن الأول والثالث والتاسع الهجري كانت عاصمته وأزهى مدنه، وإليها كانت تنسب الرماح الخطية الشهيرة، وقد تردد اسمها كثيراً في الشعر العربي. قال عمر بن أسوي:
وتركن عنترة يقاتل بعدها
أهل القطيف قتل خيل ينقع
وقال حمل بن المعنى العبدي:
نصحت لعبد القيس يوم قطيفها
وما خير نصح بعد لم يتقبل
فقد كان في أهل القطيف فوارس
حماة إذا ما الحرب شدّت بيدبل
مناخها
وتتراوح درجة الحرارة فيها ما بين 40 (درجة) إلى 110 (درجة) ف أي ما بين 5 إلى 44 سنتغراد تقريباً، وتبدأ الحرارة في الارتفاع ابتداءً من أبريل «نيسان» حتى تصل نهايتها في شهر يوليو واغسطس «تموز وآب» وتهبط ابتداءً من سبتمبر «أيلول»، وموسم البرد فيها ما بين نوفمبر ومارس «تشرين الثاني- آذار».
وترتفع أرضها على سطح البحر بضعة أقدام، ويتراوح الجزر والمد على سواحلها مرتين في اليوم، فإذا كان الجزر انحسر الماء عن شواطئها لمسافة بعيدة، واستعملت المواصلات البرية بينها وبين جزيرة تاروت، ويبلغ المدُّ مداه مرتين في الشهر في أوّله وفي منتصفه حتى يحاذي أراضيها الساحلية.
لذلك كان هواؤها في الغالب مشبعاً بالرطوبة.
أما إذا كان مجرى الهواء من الغرب أو الشمال فالطقس فيها يصبح جافاً، لوفوده من الصحراء، والغريب من أمر هذه المنطقة.. أن الحرارة ترتفع في فصل الشتاء بعض الأحيان بواسطة الرطوبة حتى تضطر إلى استعمال الملابس الصيفية، وذلك حين تكثر الرطوبة ويهب الهواء البحري، وهو ما اصطلحوا على تسميته «بالكوس».
واحتها
تحيط قصبتها واحة عظيمة من أشجار النخيل وأنواع الفاكهة تبلغ مساحتها من الشمال إلى الجنوب تقريباً 18 ميلاً ومن الشرق إلى الغرب 3 أميال، ويظهر أنها كانت فيما مضى من الزمن أكثر سعة وامتداد، فقد روى أبو الفداء المتوفى 732 هـ في كتابه تقويم البلدان نقلاً عن بعضهم بأنها أكبر من الإحساء، ويرجع السبب – كما يظهر- في تقلّص مساحتها إلى زحف رمال الصحراء على بساتينها ومزروعاتها من جهة، وإلى اضطراب حبل الأمن وارتباك الأوضاع السياسية في الأيام الغابرة من جهة أُخرى.
ويحدثني المرحوم والدي أنهم كانوا في أيام شبابهم يقفون قرب النزهة([290]) ويرون البر. ويدل على تقلص مساحتها أيضاً ما نجده من أطلال وبقايا أحجار في تلك الصحارى مما يدل على أنها بقايا قرى كانت عامرة، وكذلك وجود العيون البرية على مسافات شاسعة من الواحة، ويقال إن تلك الصحارى التي تفصل الإحساء عن القطيف كانت كلها آهلة بالسكان وبالقرى والواحات، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون إن الماشية السائبة كانت تنتقل من مدينة القطيف بين القرى والواحات حتى تصل إلى مدينة الإحساء.
وهذا القول إذا حملناه على المبالغة فمما لا شك فيه أنه يدل إجمالاً على أن هذه المساحة كانت آهلة بالسكان والمزروعات في الزمن الغابر، وأن جفاف الينابيع التي تسقي سيحاً بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرناها آنفاً يرجع إليها السبب في تسرب الخراب والدمار إلى هذه المناطق.
ومما ينهض دليلاً على صحة هذا القول أن رجال شركة الزيت العربية الأميركية عثروا أخيراً على صهاريج متصلة بعضها ببعض بأنفاق عليها فتحات في مواضع متعدة لاستقاء الماء منها.. عثروا عليها في القطيف والإحساء والفلج وأواسط نجد وأماكن أُخرى تعد اليوم من المناطق الصحراوية، كما وجدت على مقربة منها آثار قرى كانت عامرة ومزارع واسعة، مما يدل على أنها كانت غير ما كانت عليه الآن، وأنها كانت عامرة آهلة بالسكان.
وقد عُثر على آثار مدفونة خلال الحفريات أثناء مد خطوط أنابيب البترول فكلما حفروا بقعة في هذه المنطقة وجدوا خرائب مدفونة تحت الرمال، وأحياناً تكون بارزة على سطح الأرض، كما يشاهد قطع نقود وبقايات أوان فخارية قديمة منتثرة هناك، يجدها المتجول دون عناء. وإن هذه المساحات الواقعة جنوبي الخبر وبين الدمام والخبر، وكذلك الأراضي الصحراوية الواقعة غربي واحة القطيف وشماليها حتى مدينة الجبيل.. تكاد تمتلئ بالآثار التاريخية.
وقد دلت الآثار التي اكتشفت حديثاً في سواحل هذه المنطقة في ثاج وجاوان وتاروت ونواحي القطيف على أنها كانت مهداً لشعوب عريقة في الحضارة، وحين تتاح لهذه المنطقة بعثة أثرية تقوم بأعمال التنقيب سيزاح الستار من الناحية العلمية عن الوجه التاريخي القديم لهذه البلاد.
مدنها التاريخية
كانت هذه المنطقة الساحلية قبل اكتشاف الزيت ليس فيها من المدن المهمة غير القطيف وضواحيها، وبعض القرى الصغيرة المنتثرة شمالاً وجنوباً. أما المدن القديمة التي يذكرها المؤرخون فقد اندثرت تماماً، ولم يبق لها أثر سوى خرائب وأطلال، وإلا ذكر عابر يمر عرضاً في كتب التاريخ، وقد ذهب الباحثون إلى أن هذه المنطقة ذات تاريخ قديم، يرجع إلى آخر عهد من عهود العصر النحاسي([291]).
فمن هذه المدن القديمة التاريخية مدينة بلبانا أو بلعانا إحدى مدن الجرهائيين الشهيرة، وإلى الجنوب منها بالقرب من العقير كانت تقع مدينة الجرهاء أو الجرعاء الشهيرة على بعد مائتي أستاذة([292]) من الساحل.
ويصفها المؤرخون اليونانيون بأنها كانت في أرض سبخة، وأن سورها وأبراجها كانت مبنية من صخور الملح، وأن محيطها يبلغ خمسة أميال، ويذكرون أن هذه المدينة كانت مركزاً من المراكز التجارية الخطيرة، وسوقاً من الأسواق المهمة في بلاد العرب، إذ كانت بحكم موقعها الاستراتيجي أيام ازدهارها همزة وصل بين تجارة الشرق والغرب.
ويضفي هؤلاء المؤرخون صورة رائعة على هذه المدينة، والحضارة ولعلها كانت أبان ازدهارها عاصمة من اجمل عواصم هذا الإقليم، ويذكر استرابون([293]) أن أهلها يعتبرون من أغنى العرب يقتنون الرياش الفاخر، ويتمتعون بكل أسباب الرخاء والترف، ويكثرون من آنية الذهب والفضة والحجارة الكريمة ويجملون سقوف أبنيتهم وأبواب غرفهم بالذهب والأحجار النفيسة الغالية.
ويذكر الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب أنه كان لبني تميم سوق على كثب تسمى الجرعاء يتبايع عليها العرب، وكما قلنا إن هذه المدينة كانت مركزاً تجارياً، وأنها سوق من الأسواق المهمة في بلاد العرب، فمن المحتمل أن تكون هذه السوق من بقايا أمجاد تلك المدينة التاريخية، كما يؤكد المستشرقون هذا الرأي إذ ذهبوا إلى أنها هي نفسها التي تردد ذكرها كثيراً في الشعر العربي.
وهناك مدينة مشهورة كانت عاصمة لهذه المنطقة تسمى الزارة، وقد نالت شهرة واسعة في التاريخ الإسلامي منذ العصر الجاهلي، غير أنها في الوقت الحاضر اندرست ولم يبق لها أثر سوى اسم يطلق الآن على موضع بالقرب من قرية العوامية أقيم عليه بضعة أكواخ، ويسمى فريق الزارة، ولعلها اندرست منذ أن أحرقها أبو سعيد الجنابي القرمطي في سنة 283 هـ في بداية حركته حينما استعصت عليه، وكأننا لم نجد لها ذكراً بعد ذلك في كتب التاريخ.
مدنها الحديثة
أما بعد اكتشاف الزيت في هذه المنطقة فقد نشأت فيها بعض الأحياء تبعاً لبعض المراكز المهمة، ثم ما لبثت أن تحولت هذه الأحياء إلى مدن حديثة عامرة تزخر بالنشاط والحركة، واكتملت فيها جميع مقومات التمدين، وأصبحت من أهم المدن في هذه المنطقة.
فمنها:
1- مدينة الدمام: وتقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة «القطيف» على بعد 17 كلم، وتقوم على منعطف الساحل من خليج كيبوس، لذلك ترى البحر يكتنفها من الشرق ومن الشمال، وقد كان لهذه المدينة تأريخ سياسي في أوائل القرن التاسع عشر، فقد كانت من الموانئ المهمة، ولكنها خربت خلال ذلك القرن، وأصبحت أثراً بعد عين.
وحتى ذلك الوقت فقد كانت بلدة تابعة لمدينة القطيف، ثم تضاءلت أهميتها فيما بعد، وطواها عالم النسيان. ولم تكن هذه المدينة شيئاً مذكوراً قبل لجوء قبيلة الدواسر إليها سنة 1341 هـ (1922م). فقد رحل هؤلاء من جزيرة البحرين على أثر وقوع أزمة حادة بينهم وبين الحكومة المحلية هناك اضطروا بسببها إلى الجلاء، وقدموا لاجئين إلى هذه المنطقة، فقسم منهم قطنوا الدمام وابتنوا بعض الأكواخ بمساعدة إخوانهم من أهالي القطيف، فكونوا قرية صغيرة، حيث أصبحت تابعة لمدينة القطيف.
ولكنها بعد فترة وجيزة حين اتسعت أعمال شركة الزيت أنشئت فيها السكة الحديد والميناء واتسع فيها العمران.. اتخذت مقراً رئيسيا لإمارة المنطقة الشرقية لموقعها بما فيها الإحساء، بدلاً من مدينة الهفوف سابقاً.
وقد قامت بجانبها إلى الجنوب مدينة حديثة منظمة تابعة لها.
2- الخُبَر: بضم أوله وفتح ثانيه، مدينة تقع على الساحل على بعد 10 كلم إلى الجنوب بإتجاه الشرق من الظهران وتبعد عن الدمام بـ 25 كلم، وشأن هذه المدينة شأن مدينة الدمام في تكوينها، فقد لجأ إليها قسم من قبيلة الدواسر حين نزوحهم عن البحرين عام 1341 هـ وابتنوا بعض الأكواخ شأنهم شأن القسم الآخر الذي قطن الدمام، ثم ما لبثت أن اتسعت شيئاً فشيئاً بحكم موقعها حتى أصبحت مرفأ مهماً ونقطة اتصال بين تجارة البحرين وتجارة هذه المنطقة.
وتعتبر هذه المدينة اليوم من أحدث المدن في المنطقة الشرقية من حيث التنظيم واتساق الشوارع.
3- مدينة الظهران: يقع جبل الظهران إلى الغرب من مدينة الخبر على مسافة 10 كلم، وهو جبل أجرد لا نبت فيه، تكتنفه رمال الصحراء من جميع جهاته.
وتؤكد لنا المصادر التاريخية بأنه كان فيما مضى آهلاً بالسكان، عامراً بالقرى وحضارياً، وقد أشار إليه ياقوت في معجمه.. فوصفه بأنه بلدة لبني عامر بن عبد القيس، وتطرق إليه الفيروز آبادي في قاموسه.. فذكر أنه بلدة بالبحرين، وتحدث عنه الأصمعي.. فزعم أن فيه عيوناً ونخيلاً كثيرة، ويظهر أن هذه البقعة تسرب إليها الدمار بسبب الجفاف الذي طرأ على ينابيعها، فهلك فيها الزرع فاقطرت، وهجرت وطمرت آثارها الرمال.
أما جبل الظهران في الوقت الحاضر فهو مزرعة تنبت الذهب الأسود حيث تجري في حقولها أنهار البترول.
وتعد مدينة الظهران الآن من أحدث المدن وأجملها في هذه المنطقة.
4- رأس تنورة: وتبعد عن مدينة القطيف 33 كلم وعن الظهران 70 كلم، وهذا المرفأ يعتبر الميناء الرئيسي لأعمال الشركة حيث يجري فيه تفريغ البضائع وجميع مستلزمات أعمالها، كما تعب منه ناقلات البترول ملايين البراميل التي تزوّد شرايين الصناعة في أمريكا وأوروبا وآسيا.
5- بقيق: موضع يقع في قلب الصحراء، يبعد عن الظهران إلى الغرب بـ 70 كلم، ولم تكن له أهمية إلا منذ عام 1940 حين اكتشف فيه حقل الزيت الذين يعتبر ثاني حقل في منطقة الامتياز إذ يبلغ طوله 56 كيلومتراً وعرضه 8 كيلو مترات، وقد تركزت فيه حركة إنتاج الزيت لا سيما حين اكتشف حقل الغوّار سنة 1948 الذي يعتبر من أكبر حقول الزيت في العالم، والذي يبلغ طوله 240 كيلومتراً وعرضه ما بين 20 و24 كلم، ويقع الطرف الشمالي لهذا الحقل على بعد 48 كلم إلى الغرب من بقيق.
مدنها القديمة
هذه أهم المواقع التي قامت فيها منشآت حديثة العمران، أما إذا رجعنا قليلاً إلى الوراء، أي إلى قبل ربع قرن تقريباً، فلسنا نجد في هذه المنطقة شيئاً ذا أهمية غير القطيف وضيعها وضواحيها، فهي كانت شامخة بجلال القدم وروعة الماضي، تتحدى تيه الصحراء من جانب وغمر البحر من جانب آخر، وتبسط سلطانها على مناطق هذه السواحل كلها متبوئة عرش المجد والسؤدد، فليس هناك من ينافسها في استراتيجيتها، فكانت مقر السلطة المحلية، وفيها مراكز الدوائر الحكومية، ومن إنتاجها الزراعي وإيراداتها الأُخرى تجود بالخير والعطاء، وليس ثمة سواها، تنتجعها البوادي في طلب المؤونة، وترتادها السفن من أجل الزاد والماء، وتتركز فيها حركة الاستيراد والتصدير.
وهذه المدينة قديمة جداً، ويستدل من الخرائب العادية التي تشاهد عندها على أن هذه المنطقة ذات تأريخ قديم يرجع إلى آخر عهد من عهود العصر النحاسي، أي في حدود 3500 قبل الميلاد.
ومدينة القطيف لا تختلف في حاضرها كثيراً عن ماضيها، فهي ما تزال محتفظة بطابعها القديم، فحاضرتها –وتسمى «القلعة”- تقع على ساحل البحر بأبنيتها المتلاصقة، وطرقها الضيقة، شأنها شأن البلدان القديمة الأُخرى.
وحاضرتها «القلعة» تقع على منتصف الخط الساحلي الموازي للواحة، وكانت قديماً تسمى «جبرو» حيث كانت فيما مضي مخزناً للتوابل والعطور الواردة من جزيرة تاروت، بينما كانت الحاضرة حتى بعد ظهور الإسلام مدينة تسمى «الزارة» كما تذكر ذلك كتب التاريخ، تقع في نفس الموضع الذي يسمى الآن بفريق الزارة بالقرب من قرية العوامية.
ولعل موضع مدينة الخط التي بناها أردشير بن بابك (241 – 226 ق.م) هو نفس هذا المكان الذي تستقر عليه أبنية القلعة وتوابعها في الوقت الحاضر، كما يوحي لفظ الدروازه الفارسي الذي يطلق على كل بوابة منها بتلك الصلة بينها وبين مؤسسها، ومن المحتمل أن مركز الثقل انتقل إليها بعد خراب الزارة سنة 283 هـ حينما أحرقها أبو سعيد الجنابي القرمطي فغدت حاضرة لهذه المنطقة بعد أن كانت بلدة صغيرة يسكنها صيادو الأسماك.
والقلعة في ماضيها القريب أي منذ سنوات خلت، كم رأيناها يحيطها سور قديم يبلغ سمكه 7 أقدام، وارتفاعه 30 قدماً تقريباً، وتبرز بين جوانبه وزواياه أبراج عالية مستديرة الشكل، وكانت توصل هذه الأبراج التي يبلغ عددها أحد عشر برجاً جسور ممتدة في أعلى السور لتتصل الحاميات بعضها ببعض أثناء قيامها بمهامها، وكان لها أربعة أبواب منها باب في الشرق تجاه المرفأ ويسمى دروازه البحر، وباب في الغرب يصلها بالواحة ويسمى دروازه باب الشمال، وباب الجنوب عند مدخل السوق ويسمى دروازه السوق، وباب في الشمال يصلها بالكوت الذي يقع بجانبها إلى الشمال، وهو حصن صغير كان مقراً لجهاز الحكم في الأيام الماضية، وهذه الأبواب كانت تفتح نهاراً وتغلق ليلاً.
وكان هذا السور حصيناً يصد عنها غزو البدو ويصونها من كيد الأعداء أما الآن فقد أهمل شأنه فأخذ في التداعي، فأزيلت أبوابه وأبراجه إذ فقد أهميته لاستتباب الأمن في ربوع هذه المنطقة، وتدلنا كتابة اللوحات المنقوشة الحديثة على أن هذا السور بُني في عهد السلطان سليم الثاني العثماني في القرن العاشر الهجري، بينما يبدو أنه أسس قبل هذا التاريخ بزمن بعيد كما تحدثنا به رواية أبي الفداء.
ويحدثنا السير أرنولد ولسن «بأن الترك بعد تغلبهم على البرتغاليين واستيلائهم على القطيف بمعونة أهاليها في منتصف القرن السادس عشر أعاد البرتغاليون الكرة من جديد، فتغلبوا على الترك، واستولوا على القطيف ودكوا قلاعها حتى ساووا بها الأرض، ثم ساروا إلى البصرة بأساطيلهم، غير أن الترك استأنفوا الكرة حيث دبروا لهم مكيدة، فأوقعوا بهم واستولوا على القطيف كرة أُخرى بعد قليل» ويظهر أن الأتراك قاموا بإعادة بناء السور من جديد كما هو عليه الآن إذ يصادف ذلك التاريخ عهد السلطان سليم الثاني.
وفي القلعة من الآثار التاريخية جامع قديم يرجع بناؤه إلى القرن الثامن الهجري، وقد كتب تاريخ بنائه على لوحة حجرية موجودة بداخله، وقد هجر هذا الجامع وأُهمل فتداعى بنيانه، ولم يبق منه بصورة سليمة إلا مئذنته العالية التي تطل على الحاضرة وضواحيها.
أما واحة القطيف فتتكون من غابة كثيفة من النخيل متصلة بعضها ببعض، ولا ينفصل عنها إلا بعض الضيع والقرى القريبة منها، كجزيرة تاروت وقرية الآجام وصفوى وأم الساهك والجبيل وبعض القرى الصغيرة التي تسكنها قبائل البادية كأبي معن ودريدي وشعاب والنابية والعباء، والرويحة، وهذه القرى تقع في قلب الصحراء وهي قليلة السكان ويغلب على أهلها طابع البداوة.
وتنتثر القرى وسط هذه الغابة الكثيفة المتصلة بعضها ببعض من الجنوب إلى الشمال، ويبلغ مجموعها 13 قرية، هي على الترتيب من الجنوب إلى الشمال..
كما يلي:
1- سيهات: قرية كبيرة تقع في أقصى الواحة من الجنوب وهي التي أشار إليها الشاعر جعفر الخطي في قوله:
هلاّ سألت الربع من سيهات
عن تلكم الفتيان والفتيات
ومجرى أرسان الجياد كأنها
فوق الصعيد مسارب الحيات
حيث المسامع لا تكاد تفيق من
ترجيع نوتيّ وزجر حداة
وإلى القرب منها موضع بينها وبين قرية الجش يسمى «الجعبة» قيل إنه المكان الذي أقام عليه أبو طاهر القرمطي بناية ووضع عليها الحجر الأسود سنة 317 هـ.
2- عنك: قرية صغيرة تقع على الساحل إلى الشمال من سيهات، وكانت لها شهرة تاريخية، فقد تحدث عنها المسعودي في كتابه التنبيه والاشراف فوصفها بأنها من مدن القطيف، وهي التي عناها الراجز في قوله:
طعن غلام لم يجئك بالسمك
ولم يعلّل بخياشيم عنك
وأهلها يعتمدون في معيشتهم على صيد الأسماك، يسكن إلى جوارهم قبيلة بني خالد الذين سيطروا على القطيف فترة من الزمن، وكانوا يفدون إليها في الصيف هرباً من حرّ الصحراء، ويرحلون عنها في الخريف، وقد بدأ قسم منهم يتحضرون الآن ويستقرون.
وفيها من الآثار التاريخية برج قديم يرجع بناؤه إلى عهد البرتغاليين.
3- الجش: قرية تقع إلى الشمال الغربي من سيهات وقد دبت فيها حركة العمران في الوقت الحاضر.
4- الملاحة: قرية صغيرة تقع إلى ناحية الشرق من الجش.
5- أم خمام: تقع إلى الشمال من قرية الجش.
6- الجارودية: تقع هذه القرية إلى الشمال الغربي من أم خمام قريباً من بر لبدراني الذي كان منطلقاً للحجاج أيام كانت الجمال وسائط للنقل عبر الصحراء، وتستقر على مرتفع من الجبل الصلد.
7- الخويلدية: تقع إلى الشمال من الجارودية.
8- حلة محيش: تقع في وسط الواحة إلى الشرق من الجارودية والمشهور عن هذه القرية أن حشرة العقرب لا تعيش فيها، ويرجح بعضهم هذه الظاهرة إلى أسطورة.. خلاصتها أن أحد رجالاتها الدينيين دفن في أرضها رقية ضد هذه الحشرة، فانعدمت منها منذ ذلك التاريخ.
9- الشويكة: تقع بالقرب من الحاضرة من ناحية الجنوب.
10- التوبي: تقع في منتصف الواحة بمحاذاة الحاضرة من الغرب، هي مسقط رأس الشاعر المشهور جعفر الخطي.
11- البحاري: قرية تقع بالقرب من الحاضرة من ناحية الشمال.
12-القديح: قرية كبيرة تقع إلى الغرب من البحاري، تخطى أسوارها العمران فملأ الموضع الذي يسمونه «الوادي» وهو متسع من الأرض كان يستعمل لتجفيف التمور فازدحم بالأبنية على غير انتظام.
13-العوامية: تقع في نهاية الواحة من ناحية الشمال، وكان أول من عمرها العوام بن محمد بن يوسف الزجاج في أوائل القرن الخامس الهجري، فنسبت إليه، ولعلها نسبت في الأصل إلى أبي الحسن بن العوام زعيم الأزد وأمير الزارة. أما الأجزاء التي تنفصل عن هذه الغابة الكثيفة فهي كما يلي:
1- جزيرة تاروت: تقع هذه الجزيرة في قلب خليج كيبوس، على بعد 6 كلم إلى الجهة الشرقية من الحاضرة، واسمها الأصلي تيروس Tarrus الذي هو قريب من اسمها الحالي، أما اليونانيون فأطلقوا عليها اسم «تارو» Taro كما جاء في جغرافية بطليموس.
وكانت هذه الجزيرة موطناً قديماً للفينيقيين قبل نزوحهم إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فقد جاء في تاريخ لبنان، نقلاً عن بعض مؤرخي اليونان.. بأن أهل هذه الجزيرة كانوا يباهون بأنهم هم الذين أسسوا صور وأرواد، ولا تخلو هذه الجزيرة من بعض آثارهم، فقد عثر منذ سنوات في أحد بساتينها على تمثال من الذهب الخالص للبعلة عشتروت، وفي هذه الجزيرة من الآثار التاريخية قلعة متداعية من آثار البرتغاليين.
وتقع في شرقي هذه الجزيرة قرية تسمى السنابس، وأُخرى تسمى الزور، وفي طرفها الجنوبي تقع بلدة دارين الشهيرة التي كانت سوقاً من أسواقها التجارية والأدبية، ومرفأ مهمَّاً، وقد تردد ذكرها كثيراً في الشعر العربي والتاريخ الإسلامي، فهي التي قال فيها الأعشى:
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم
ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم
فندلاً زريق المال ندل الثعالب
والتي عناها الفرزدق في شعره:
كأن تريكة من ماء مزن
وداري الذكيّ من المدام
وقد وصفها ياقوت.. بأنها فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند.
وإلى جانب هذه البلدة مرتفع على شكل هضبة، يقال إنه من بقايا تلك المدينة التاريخية، وترجع أهميتها في ذلك الوقت إلى كون أغلب سواحل هذه المنطقة ضحلة قليلة العمق لا تصلح للملاحة، أما حين أنشئت الموانئ في المدن الساحلية، فقد فقدت دارين أهميتها، لانعزالها في جزيرة ليس لها طريق بري يصلها ببقية المدن.
2- صفوى: قرية كبيرة تنفصل عن الواحة بمسافة 4 كلم تقريباً، وتبعد عن الحاضرة بـ 12 كلم، واسمها التاريخي – كما يذكره المسعودي – صفوان، كان يسكنها بنو حفص بن عبد القيس، ولعل اسمها في الأصل مقتبس من نهر الصفا الذي يتخلج من عين محلّم – كما أشار إليه ياقوت – وقد ذكرها لبيد في شعره:
فرحن كأن الناديات على الصفا
مذارعها والكارعات الحواملا
بذي شطب أحداجهم أن تحملوا
وحث الحداة الناجيات الدواملا
وإلى القرب منها يقع مقلع جاوان الشهير، وهو من المواضع التي تزخر بالآثار التاريخية، وقد اكتسبت هذه القرية أهمية خاصة لوقوعها مباشرة على خط الشارع الرئيسي الذي يصل الظهران بمنطقة رأس تنورة. ولقربها أيضاً من هذه المنطقة التي تتركز فيها أعمال مصافي البترول والميناء، والتي تبعد عنها مسافة 24كلم.
3- الجبيل: بلدة قديمة تبعد عن الحاضرة بـ 35 كلم وتبعد عن صفوى إلى الشمال بـ 23 كلم، وتقع على الساحل بالقرب من خليج المسلمية، وأغلب الظن أن تأريخها يرجع إلى عهود الفينيقيين – كما يدل على ذلك اسمها، ويبدو أنهم نقلوا هذا الإسم ذاته حين هاجروا إلى لبنان، وأطلقوه على بلدة أسسوها هناك تقع شمالي بيروت والتي هي من أقدم مدنهم في السواحل اللبنانية.
ويذهب بعضهم إلى أنها بلدة أم عينين الشهيرة التي تردد ذكرها في التاريخ العربي، وهي في حاضرها بلدة صغيرة قليلة السكان، وقد هاجر كثير من أهلها إلى أنحاء هذه المنطقة.
4- الآجام: ضيعة تقع في قلب الصحراء إلى الجهة الغربية من الواحة على بعد 5 كلم، وفيها مسجد أثري لأحد الأولياء.
ولعل لاسم هذه القرية صلة بالآجاميين الذين رحلوا مع سليمان القرمطي عند رجوعه من هيت سنة 317 هـ. وقد انتظموا في جيشه، فعرفوا بالآجاميين.
5- أم الساهك: ضيعة تقع بالقرب من صفوى إلى جهة الغرب، وهناك بعض القرى الصغيرة الشبيهة بها والتي يغلب عليها طابع البداوة، منتثرة في الصحارى المجاورة، كأبي معن، ودريدي، وشعاب والرويحة، والنابية، والعباء، وهي ضئيلة الأهمية قليلة السكان.
ومن الملاحظ أن جميع قرى القطيف كانت محاطة بأسوار ذات أبراج على شاكلة القلعة، تقي سكانها من سطو البدو وغاراتهم المتتالية في الأيام السالفة، أمّا الآن فقد أهمل شأنها، فتداعى بناؤها، لاستتباب الأمن في ربوع هذه المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الغالبية العظمى من سكان القرى الفلاحين يسكنون البساتين، بعضهم بصورة دائمة، والبعض الآخر يتخذها مصيفاً حيث يرحل عنها في الشتاء إلى القرية.
إن أغلبية سكان القطيف الساحقة من الشيعة الذين يؤلفون 96 %، وإذا استثنينا أهالي قرية دارين والجبيل وام الساهك وقرى البادية المنتثرة في صحاريها والقبائل الرحل فإن جميع أهالي القطيف وقراها كلهم من الشيعة، وليس بينهم من ينتمي إلى مذهب آخر.
محمد سعيد المسلم
القطيف
-2-
القَطِيف (بفتح أوله وكسر ثانيه، على وزن فعيل)([294]) ، من القطف وهو القطع للعنب ونحوه، كل شيء تقطفه عن شيء فقد قطعته، والقطف الخدش([295]). وعند ابن بطوطة تصغير (قطف) فهي «قُطيِّف»([296]). والصحيح هو الأول، وهو الشائع على لسان المنطقة منذ عصور سحيقة حتى الآن، ورد به في المدونات القديمة شعراً ونثراً.
وفي اشتقاق اسمها قديماً، يرى (شبرنكر) أن (Sinuo Gariebaus) أي (خليج كيبوس) الوارد في الدراسات القديمة هو (خليج القطيف)([297]) ويرى الدكتور جواد علي أنّ «كيبوس» الذي سمّي الخليج به هو تحريف (Cateus) الذي يشير بكل وضوح إلى اسم (القطيف)([298]).
ويرى حافظ وهبة أن القطيف هي (Gibbarrai) المدينة القديمة([299]).
وأقدم نص حتى الآن عثر عليه، فيه اسم القطيف، هو النص المعروف لدى العلماء باسم (شرف الدين 42)، والذي عثر عليه غير بعيد، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني للميلاد جاء فيه: (أن الملك (شمريهرمش) أمر قواته بغزو أرض (ملك) (مالك) ملك (أسد) (ملك أسد) فتقدمت نحوها واتجهت منها نحو أرض قطوف أي القطيف)([300]).
وتحديد المنطقة التي يشملها اسم (القطيف) منذ القدم أمر شاق. على أن إشارات وردت لدى المؤرخين، ألقيت أضواء وإن كانت باهتة لا تغني الباحث، إلا أنها تعطينا صورة ما.
تحدث الدكتور جواد علي عن مدينة (الجرهاء) القديمة، وأشار إلى إختلاف المؤرخين المحدثين في تحديدها، بين قائل إنها (القطيف) الحالية وبين قائل إنها (العُقير) المعروفة الآن([301]). على أن هذا لا يبعد أن تكون المنطقة الممتدة جنوباً من القطي حتى العُقير، هي منطقة واحدة تخضع لنظام حكم واحد وتجمعها روابط سياسية واجتماعية واحدة. يقول جواد علي: «وفي هذه يجب أن يكون موقع مدينة (بلبانا) (Bilana) (Bilpana) (Bilaena) إحدى مدن الجرهائيين، ومواطن قبيلتي (Gaulopeus) (Chateni) على سواحل خليج سمّاه (بلينوس) (Sinuo Gaulopeus) أي (خليج كيبوس).
«ويرى (شبرنكر) أنه (خليج القطيف) ويذكرنا اسم (Chateni) (خطيني) باسم (الخط) ويطلق في العربية على سيف البحرين كله»([302]) وفي موضع آخر يقول في صدد حديثه عن (الجرهاء) واعتزام (انطيوخس الثالث) على احتلالها في قصة يسردها: «وعند عودته، تقول الرواية اليونانية: اتجه نحو الغرب إلى السواحل الشرقية لجزيرة العرب ساحل العروض، فنزل في أرض دعتها الرواية حطينه (Heitteniei) وهي أرض من جرهاء «([303]).
من هذا نفهم أن المنطقة الممتدة من العُقير إلى الشمال حيث القطيف والخَط. كما سيأتي الحديث عنها تخضع إلى حكم الجرهائيين. ولعل هذه المنطقة كلها ما يعنيه اسم (القطيف) ولقد أشار إلى ذلك الأستاذ عبدالله الجشي في أرجوزته عن تاريخ المنطقة بقوله:
موطن أملاكهم الجرعاءُ
وهي القطيف الآن والصفاءُ*
وعلى هذا فمفهوم (القطيف) يتسع ليشمل منطقة تبعد عن موضعها الحالي بما لا يقل عن ستين (كيلو مترا) جنوباً حيث موضع (العُقير) حالياً..
وإذا راجعنا مدونات البلدان والتاريخ والأدب العام، فإننا سنجد وصفاً حياً للقطيف ممثلاً في الحديث عن قاعدتها وقراها ومدنها وعيونها وحصونها وجزرها وبعض مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يدلنا هذا الوصف على مكانة القطيف في التراث العربي.
فالقطيف في الشعر العربي جاهليُّه وإسلاميه جانب ثرٍّ يستوقف الباحث المتأمل ليرى ما أحرزته هذه المنطقة من مكانة سامقة.
وأشهر ما بين أيدينا من مناطق زخرت بها مدونات الأدباء هو القطيف ودارين وجزيرة تاروت والخَطّ والزارة وجؤاثى وجنان وصفوان وعَسلج والسرى وأسبد وعنك والظهران ومتالع البيضاء وخرشاف وقراح ولعباء وآقاز وبدي…وغيرها.
فعن (القطيف) يقول ياقوت: «هي مدينة بالبحرين، هي اليوم أعظم مدنها. وكان قديماً أسماً لكورة هناك غلب عليها الآن اسم هذه المدينة. وقال الحفصي: القطيف قرية لجذيمة عبد القيس»([304]).
وقال أبو الفداء: «والقطيف بلدة بناحية الأحساء وهي على شط بحر فارس وبها مغاص، وهي في شرقي الأحساء بشمالها على نحو مرحلتين منها وبها نخيل دون نخيل الأحساء، وعن بعض أهلها قال: وللقطيف سور وخندق وبها أربعة أبواب والبحر إذا مدّ يصل إلى سور القطيف وإذا جزر ينكشف بعض الأرض. وللقطيف خور من البحر تدخل فيه المراكب الكبار الموسّقة في حالة المدّ والجزر. وبين القطيف والأحساء مسيرة يومين وبينهما وبين البَصرة مسيرة ستة أيام. وبينهما وبين كاظمة أربعة أيام وبينهما وبين عُمان مسيرة شهر. والقطيف قريبة من سليمة في القدر وهي أكبر من الأحساء([305]).
ويقول ابن بطوطة: «ثمّ سافرنا إلى مدينة القطيف – كأنها تصغير قطف – وهي مدينة كبيرة ذات نخل كثير يسكنها طوائف من العرب»([306]).
والتي يعنيها هؤلاء هي (واحة القطيف) أو حاضرتها(القلعة) وما يتصل بها، والسور الذي عناه أبو الفداء لا تزال بعض آثاره إلى الآن، وقبل عقود خمسة كان ماء البحر يصله إذا مدّ.
وورد ذكر (القطيف) في قول عمرو بن أسوى العبدي:
وتركنْ عنتر لا يقاتل بعدها
أهل القطيف قتال خيل تنفعُ
وقال حمل بن المعنى العبدي:
نصحت لعبد القيس يوم قطيفها
فما خير نصح قيلَ لم يتقبلِ
وقد كان في أهل القطيف فوارس
حماة إذا ما الحرب ألقت بكلكلِ([307])
وذكرها ابن المقرّب العيوني في بعض شعره، منه:
فَتَكَنَّفَتْ أهل القطيف نخيلها
ورماحها وقسّيها وَرُمانها
وقوله:
ومن مروزيِّ بالقطيف ولا لس
عباءٌ بوادي طيئٍ ونطوعُها
وقوله:
لمّا أتت أهلُ القطيف بجحفلٍ
متوقدٍ كتوقّد النيرانِ([308])
ويرد اسم (الخَطّ)، وهو إما أن يرادف القطيف في دلالتها أو هي منطقة أخرى تقع ضمن إطار القطيف الواسع، وإن بدى من بعضهم تعميم مدلولها ليشمل منطقة ساحل الخليج كله. قال ياقوت: «الخطّ – في كتاب العين -: الخط أرض تنسب إليها الرماح الخطية، فإذا جعلت النسبة اسماً لازماً قلت: خطّية، وهو خط عمان، قال أبو منصور: وذلك السّيف كلّه يسمى الخط. ومن قرى الخط القطيف والعقير وقطر، قلت أنا وجميع هذا في سيف البحرين وعُمان، وهي مواضع كانت تجلب إليها الرماح والقنا من الهند وتقوّم فيها وتباع على العرب…».
ويقول أيضاً: «الخطّ خطّ عبد القيس بالبحرين وهو كثير النخل، وقيل: الخطّ إحدى مدينتي البحرين والأُخرى هجر، وقيل الخطّ سيف البحرين وعُمان، وقيل جزيرة يرفأ إليها السفن التي فيها الرماح الهندية وتثقف فيها»([309]).
وفي شروح سقط الزند: «قال البطليوسي: الخطّ قرية بالبحرين، وقال الخوارزمي: الخطّ فرضة بالبحرين يرفأ إليها السفن التي تجيء من الهند وليس ينبت القنا بالخطّ. وقال ابن دريد: الخطّ: سيف البحرين وعمان، وقيل: كل سيف يقال له خطّ([310]).
وقال ابن الأنباري: الخطّ: المشرف من البحرين على البحر ترفأ إليه السفن وإليه تنسب الرماح([311]).
ويرجع ابن الأثير بناء (الخطّ) إلى أردشير ضمن المدن الثمان التي بناها قبل الإسلام([312]). فيسمّيها الطبري (فنياذ أردشير)([313]) ، وعند حمزة الأصفهاني (فتن أردشير)([314]).
من هذه النصوص وغيرها يتبين أن (الخطّ) تطلق ويراد بها ساحل الخليج من البصرة حتى عُمان، أو المنطقة التي يشملها عنوان (القطيف) أو هي منطقة خاصة ضمن إطارها هذا وهي مشهورة في الشعر ولا سيما رماحها.
قال الراجز:
هوجاء جاءت من بلاد يأجوج
من عَن يمين الخطّ أو سماهيجْ([315])
وقال عنترة العبسي:
بأسمرَ من رماح الخطّ لدنٍ
وأبيضِ صارم ذكرٍ يمانِ([316])
وقال بعض شعراء حمير:
وما برح التّيم يعتزون وزُرْ
ق الخطّ تشفي السقيم من سقمهِ([317])
وقال سلامة بن جندل:
حتى تركنا وما تنثني ظعائناً
يأخذن بين سواد الخطّ فاللّوب([318])
وقال أبو العلاء المعرّي:
لمن جيرة سيموا النوال فلم ينطوا
يظللّهم ما ظّلّ ينبته الخطُّ([319])
وقال أيضاً:
أخالتني ظماءَ الخطّ نجّاً
فألقت ركن شابة في اللّجاج([320])
وقد ذكر ابن المقرب العيوني (… 631هـ) الخطّ في كثير من شعره([321]) ويريد بها كما يبدو – القطيف من ذلك قوله يصف بعض القبائل التي تسكنها وفيها وصف للقلعة حاضرة القطيف وبعض أبوابها المشهورة.
أقم صدرها قصداً إلى الخطّ واحتقب
رسالة ودِّ أنت عندي كتابُها
فحين ترى حصن المعلّى مقابلاً
ويبدو من الدّرب الشماليِّ بابُها
فِلجْ لسلامٍ آمناً تلقَ بلدةً
مقدّسة الأكناف رحباً جنابُها
بها كلّ قوم من ربيعة ينتمي
إلى ذروةٍ تعلو الرواسي هضابُها
إذا ثوّب الداعي بها: يالَ عامرٍ
أتت مثل أسد الغاب غلب رقابُها
مقدّمها من صلب عوف بن عامرٍ
إلى الموت فتيان شديد غلابُها
من الحارثين الأولى في أكفهم
بحار الندى مسجورة لا ثغابُها
ومن مالك الفخار بن عامرٍ
فوارس أرواح الأعادي نهابُها
وكلّ همام ديسمي إذا سطا
على الخيل يوماً قيل وافى عذابُها
ومن نسل عبدٍ فتية أي فتية
يجلّ المعادي بأسها فيهابُها
وإن صاح داعي حيّها في محارب
أتت تتلظّى للمنايا حرابُها
وإن قال: أيها يال شيبان أرقلت
إلى الموت عدوا شيبُها وشبابُها
حمت دارها بالسيف ضرباً فلم يرُمْ
حماها وَجَلى القوم عنها ضرابُها
ولم تعط من ناوى عُلاها مقادةً
وذا دأب قيس منذ كانت ودابُها
ومن مناطق القطيف (الزارة). قال ياقوت: «الزارة: عين الزارة بالبحرين مفتوحة، والزارة قرية كبيرة بها، ومنها مرزبان الزارة، وله ذكر في الفتوح: قال أبو أحمد العسكري: الخطّ والزارة والقطيف قرى بالبحرين وهجر…»([322]).
ويحدد المسعودي موقعها، فيقول: «وفي ذلك الساحل (بحر فارس) مدينة الزارة والعقل والقطيف من ساحل هجر([323])». وفي القاموس: «الزاره بالبحرين وبها عين معروفة»([324]).
والزارة هذه أحرقها القرامطة، فاشتغلت في الزراعة بعد أن بقيت خراباً ردحاً من الزمان، وهي الآن تتبع (العوامية) التي بنيت لتحل محلّها على يد أبي البهلول العوّام بن محمد بن يوسف الزجاج أحد بني عبد القيس([325]).والعوامية شمال حاضرة القطيف وضمن إطارها.
ذكر الزارة أوس بن حجر في بيت له:
وكأن ظعن الحيّ مدبرةً
نخيلٌ بزارةَ حمله السعدُ([326])
وجزيرة (تاروت) من مناطق القطيف، معروفة منذ القدم، حيث كانت تعرف (Tahr) أو (Tara) أو (Gthier) في جغرافية بطليموس ويظن بعضهم أنها كانت معبداً للإله (عشتروت) إله الجمال عند الفينيقيين، اشتهرت به فحذف المقطع الأول من اسم الإله اختصاراً وصارت تعرف بالمقطعين الأخيرين([327]) ، وهناك إشارة إلى سكنى الكنعانيين هذه الجزيرة أوّل وفودهم هذه المنطقة في عهود سحيقة([328]). وقد اكتشف قبل سنين تمثال للإله (عشتروت) في هذه الجزيرة وهو من الذهب الخالص([329]).
وقد وصف أبو الفداء (تاروت)، فقال: «تاروت بفتح التاء المثناة من فوقها ثم ألف وضمّ الراء المهملة وواو ساكنة وفي آخرها تاء ثانية- قال: وتاروت بليدة في الشرق من القطيف، وإذا مدّ البحر أحاط بها وبأراضيها فتصير جزيرة، وإذا جزر البحر انكشف فيصل الناس من البرّ. وهي على نصف مرحلة، ولتاروت الكروم الكثيرة والعنب المفضلة»([330]).
وفي جنوب جزيرة (تاروت) تقع (دارين) الشهيرة بسوقها ومسكها ومرفئها منذ القدم، قال ياقوت:
«دارين فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند([331]) ، جاء ذكرها كثيراً في الشعر العربي:
قال الأعشى في الشاهد النحوي المشهور:
يمرون بالدهنا خفافاً عيابُهم
ويخرجن من دارين بجر الحقائب
وقال النابغة الجعدي:
شجّت به قرقفٌ من الزاحِ إسـ
فَنطُ عُقار قليلهُ النّدمِ
ألقى فيها فلجانُ: من مسك دا
رين وفلجٌ من فُلفُل ضَرِمِ([332])
وقال عبدالله بن الزّبعَرى:
حَبّذا الشرب بدارين إذا
بتُ أسقاها وقد غاب القمرْ([333])
مسائح فودي رأسه مُسْبَغلّة
جرى مسك دارين الأَحمُّ خلالها([334])
وقال جرير:
فتؤخذ من عند البعيث ضريبة
ويترك نسّاحاً بدارين مسلما([335])
وقال الفرزدق:
وإني لمن قوم يكون عسولهم
قرى فأرة الداريّ تَضرب في العسلِ([336])
وقال أيضاً:
كأن تريكة من ماء مزن
وداريِّ الذكيِّ من المُدامِ([337])
و(جُوَاثا أو جؤاثا أو جؤاثى) من المنطقة التي يشملها عنوان القطيف، كما يذكر أنها هي (الخطّ) قال ياقوت: «جُواثا بالضم وبين الألفين تاء مثلثَة يمدّ ويقصر- وهو علم مرتحل: حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء بن الحضرميّ في أيام الخليفة الأول سنة 12هـ عُنوة، قال ابن الأعرابي: جُوَاثا -بالهمزة- فيكون أصله من (جأث الرجل) إذا فزع فهو مجؤوث أي مذعور، فكأنهم لما كانوا يرجعون إليه عند الفزع سَمّوه بذلك، قالوا: وجؤاثا أول موضع جُمعت فيه الجمعة بعد المدينة، قال عياض: وبالبحرين أيضاً موضع يقال له قصر جُواثا، ويقال ارتدت العرب كلها بعدالنبي (ص) إلا أهل جُواثا»([338]).
وفي القاموس: «وجؤاثى ككسالى. مدينة الخطّ أو حصن بالبحرين»([339]).
ويقول الطبري: «جؤاثا بالبحرين قتل بها المنذر بن النعمان بن المنذر المعروف بالمغرور..([340]) وفيها قتل أيضاً عبدالله بن عبدالله بن أبي.([341]) وفيها قتل الحطمّ في قصة مشهورة تذكر ضمن أحاديث ردة أهل البحرين»([342]).
وجؤاثا بهذا التحديد (هي الخطّ) التي رأيناها يعني أنها الخط بمعناها الخاص كجزء من القطيف أو مدينة تتبعها، وليس لها في الوقت الحاضر ما يشير إليها.
بيد أن خرائب عادية كثيرة غرب القطيف من المحتمل أن تكون هي موضع الخط وجُؤاثا.
وفي سيهات منطقة تسمى (أبو جوافا) يقول مشاهدوها إن فيها ما يدل على قدمها.
وجُؤاثا هذه غير ما يذكر عن وجود جامع (جواثا) في الأحساء لاحتمال أن يكون الجامع في موضع الحصن المذكور في التعريفات السابقة.
ورد جؤاثا في الشعر العربي، منه قول عبدالله بن حذيف العامري:
ألا أبلغ أبا بكر رسولاً
وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام
قعودٌ في جواثا محصرينا
كأن دماءهم في كل فجّ
شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنّا
وجدنا النصر للمُتوكلينا([343])
وقال امرؤ القيس:
ورحنا كأنّا من جؤاثى عشيّة
نُعالى النّعاج بين عدلٍ ومُحْقَبِ([344])
ويروى بقافية غير هذه كما يروى إلى علقمة الفحل.
وقال قيس بن عاصم:
ويوم جواثا والنباح وثيتل
منعنا ربيعاً أن تباح ثُغورُها([345])
وقال سوار بن حيان المنقري:
حمالك من أيام صدق نعدّها
كيوم جؤاثا والنباح وثيتلا([346])
وقال أبو تمام:
زالت بعينيك الحمول كأنها
نخلٌ موافر من نخيل جواثا([347])
وفي هذه المنطقة أيضاً (جونان) و(صفوان).
فـ (جونان) هي قرية من نواحي البحرين قرب عين محلِّم دونها الكثيب الأحمر، ومن أيام العرب يوم ظاهرة الجونين، قال خراشة بن عمرو العبسي:
أبى الرسم من جونين أن يتحوّلا
وقد زاد حولاً بعد حول مكمّلا([348])
وجونان هذه تقع الآن في موضع صفوى الحالية، أضاف إليها المسعودي (صفوان) وذكر أنّ بها بني حفص وهم من عبدالقيس([349]). وتقع هذه الآن شمال مقلع جاوان. و(جونان) هي مقلع جاوان الحالي.
وأبرز هذه الآثار القبر الذي عثر عليه مؤخراً والذي يشبه القبور الفينيقية القديمة([350]).
ولابن المقرّب بيت يشير فيه إلى حصون وآطام رآها أو وقف على آثارها أو سمع بها على أقل تقدير:
فما أناخت إلى أن غال عثيرَها
ما شِيد بالخطّ من حصن ومن أطم([351])
ذكرت هذه المناطق في الشعر العربي كثيراً. والذي يقرب للذهن أن (صفوان) الواردة في السابق تحرفت إلى (صفوى) البلدة الحالية، وقد ذكرها ابن المقرّب العيوني بقوله:
نزلوا على صفواء صبحاً وابتنوا
فيها القباب وأيقنوا بأمانٍ
وأيضاً في تحديد القطيف قال:
والخطّ من صفواء حازوها فما
ابقوا بها شبراً إلى الظهران([352])
وفي قرى القطيف القديمة (عَنَك)، في القاموس «عنك». كزفر بالبحرين([353]). وقال ياقوت: «علم مرتجل لاسم قرية بالبحرين»([354]). وهي لا تزال قائمة حتى وقتنا الحاضر.
قال الراجز:
طفل غلام لم يجئك بالسمك
ولم يعَلّل بخياشيم عنك
ومن قرى القطيف (الظهران)، ترتبط معها (متالع). قال ياقوت: «الظهران قرية بالبحرين لبني عامر بن عبد القيس. وفي أطراف القنان جبل يقال له الظهران، ومن ناحيته مشرِّقاً ماء يقال له متالع. قال الأصمعي: وبين أكمة الخيمة وبين الشمال جبل يقال له الظهران، وقرية يقال لها الفوّارة بجنب الظهران بها نخل كثير وعيون..»([355]) ومتالع هي «جبل بناحية البحرين بين السودة والأحساء، وفي سفح هذا الجبل عين يسبح ماؤها وهي عين متالع، ولذلك يقول ذو الرمة:
غاها لثأَج نجوة ثمّ أنه
توخى بها العينين عيني متالع
وقال السكوني أبو عبدالله: متالع ماء شرقي الظهران عند الفوّارة في جبل القنان.
وقال كثير:
بكى سائب لما رأى رمل عالج
أتى دونه والهضبُ هضب متالع
بكى إنه سهوُ الدموع كما بكى
عشية جاوزنا نجاء البدائع([356])
ولعل (البدائع) المذكورة هي (البدايع) التي في العوامية.
وقال لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان
وتعادمت بالحيس فالسوبان([357])
ومن المناطق التي ترتبط بالقطيف وتقع ضمن إطارها التاريخي (البيضاء) وهي: «أرض ذات نخل ومياه دون ثأج والبحرين، وأيضاً قريّات بالرملة في القطيف فيها نخل»([358]). يقول ابن المقرّب:
ويفاخرون بمعشر درجوا ولم
تدرج جبال الرمل بالبيضاء([359])
و(خرشاف)، وهي: «موضع بالبيضاء من بلاد بني جذيمة بسيف البحرين في رمال وعثة تحتها أحساء عذبة الماء عليها نحل بعل»([360]). ومن المرجح أنها (الخترشية) في شمال غرب القطيف واستقر فيها بعض البدو الرحّل في الوقت الحاضر.
و«قراح» قال أبو عبيدة: القراح سيف القطيف وأنشد للنابغة:
قراحية الموت بليف كأنها
عقاء قلوص طار عنها ثواجرُ
قال جرير:
ظعائن لم يدُنّ مع النصارى
ولا يدرين ما سمك القراحي
وقال أبو عمر في قول الشاعر:
وأنت قراحيّ بسيف الكواظِم
قراح قرية على شاطئ البحر، وقراحيّة نسبة إليها، قال أبو عبيدة في بيت النابغة: قراحيّة نسبها إلى قراح سيف هجر والزارة سيف القطيف([361]).
ومن الجدير بالملاحظة أن لفظ (قراح) يطلق في عرف أهل القطيف على جزر البحر، لا سيما وهو يرتبط بانحسار الماء في ساحل القطيف.
و(لعباء)، وهي: «اسم لسبخة معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف على سيف البحر فيه حجارة ملس، سميت بذلك لأنها لعب بها كل وادٍ أي سال، والنسبة إليها لعباني، وتنسب إليها الكلاب، قال مزرد:
وعالا وعاما حين باعا بأعنزٍ
وكلبين لعبانية كالجلامدِ([362])
ولعل «لعباء» هذه هي «العبا» الحالية وتقع بين صفوى والجبيل.
و(الفرضة)، وهي: «قرية بالبحرين لبني عامر بن الحارث بن عبدالقيس يكثر فيها التعضوض نوع من التمر..»([363]). والفرضة اسم لدى أهل القطيف لمينائها.
و(آقاز)، وهي: «قرية بالبحرين بينها وبين القطيف أربعة فراسخ، في البرية، وهي لقوم من كلب بن جذيمة بن عبد القيس ولهم بأس وعدد»([364]).
و(بدي)، وهي: «قرية من قرى هجر بين الزرائب والحومني: قال لبيد:
غلب تشذر بالذّخول كأنها
حين البديّ رواسياً أقدمها
وقال أيضاً:
أصاب قطاتين فسال لواهما
فوادي البديّ فانتحى لأريض»([365])
ولعلّ (بدي) هذه هو موضع القرية المعروفة حالياً بالأوجام حيث إن بها عيناً تحمل نفس الإسم ويقول عنها سكانها إنها قديمة. ويرجح الأستاذ محمد سعيد المسلم أن (الأوجام)، سميت بإسم (الأجاميين) الذين وفدوا القطيف مع أبي سعيد الجنابي القرمطي([366]).
وهناك غير هذه المناطق التابعة للقطيف قديماً لم أستطع تحديدها مبثوثة في (معجم البلدان) لعل المستقبل يكشف لنا كثيراً منها إذا ما اهتم المعنيون بالقطيف بالمسح الجغرافي والأثري لهذه المنطقة.
والمناطق السابقة الذكر هي التي تقع ضمن إطار القطيف التي حددها ابن المقرّب العيوني بقوله:
والخطّ من صفواء حازوها فما
أبقو بها شبراً إلى الظهران([367])
فالقطيف حالياً واحة تقع على الضفة الغربية من الخليج ويحدّها شمالاً وغرباً صحراء بياض، وجنوباً برّ الظهران، وشرقاً الخليج العربي ويبلغ طول هذه الواحة ثمانية عشر ميلاً ومتوسط عرضها ثلاثة أميال غير الأجزاء المنفصلة عنها.
وتشتمل القطيف على حاضرتها (القلعة) والأجزاء المجاورة لها: المدارس، ميّاس، الدبابية، الكويكب، باب الشمال، الجراري، والشريعة.
وفي هذه الواحة تنتظم القرى والمناطق التابعة لمركز القطيف وهي: سيهات، عنك، الجش، الملّاحة، أم الحمام، الجارودية، الخويلدية، حلة امحيشي، الشويكة، التوبي، البحاري، القديح، العواميّة.
وهناك أجزاء منفصلة عن هذه الواحة تتبع القطيف وترتبط بها إدارياً، وهي جزيرة تاروت، صفوى، الجبيل، الأوجام، أم الساهك، وقرى صغيرة مثل: أبو معن، دريدي، شعاب، النابية، العبا، والرويحة… إلى آخره.
والجدير بالذكر أنه يدخل في تحديدها القديم المدن الجديدة كالدمام والخبر ورأس تنوره والظهران والثقبة والصليبيخة وغيرها.
حياة القطيف السياسية
للقطيف تاريخ طويل استمرّ عبر قرون موغلة في القدم سبقت الميلاد بكثير، فقد كانت مسرحاً لحضارات عدة ممثلة في شعوب استوطنتها كالكنعانيين والفينيقيين والجرهائيين.. والكلدانيين.. وغيرهم([368]) ممّا حدا ببعض المستشرقين لأن يروها،- ومنطقة شرق الجزيرة العربية- الموطن الأول للساميين ويستدلُّ على رأيه بهجرة الأقوام السامية منها كالفينيقيين([369]).
ويذهب بعض الباحثين إلى أن المنطقة الواقعة بين الدوادمي وشمال القطيف، كانت مأهولة بالسكان في العصر البرونزي (حوالي 3000-500ق.م)([370]). وقد تم العثور على جماجم بشرية في الظهران، تبين من دراستها وفحصها أنها من هذه العصور البرونزية([371]).
وحكام العراق كانوا قد استولوا على العروض في الألف الثالث قبل الميلاد، وأنهم نزلوا البحرين([372]) وفي جزر أخرى من جزر الخليج. وأن الفينيقيين هم من البحرين في رأي كثير من العلماء([373]). يدل على ذلك اكتشاف تمثال آلهة الجمال (عشتروت) في جزيرة تاروت([374]) ، التي يرجح أن تكون موضع معبد هذه الآلهة.
يقول الأستاذ عبد الله الجشي:
قد كانت البحرين مذ كان الزمنْ
وقبل أن تأهل نجد وعدن
كذا ذووا الآثار طرّاً قررّوا
من بعد ما قد نقّبوا وفكّروا
وأوردوا من بعد ذاك أنّها
أصل الحضارات فكلٌّ دونها
ففي شواطيها الحياة ازدهرت
وفي شواطيها القلاع نشرت
وشَرّعتْ كنعان فيها للأمم
قانون سعى في الحياة ونظمْ
وسيطرت على البحار وامتطت
غاربها وبالتجارة احتظت
وهي طويلة.
والذي تدلّ عليه المكتشفات الأثرية، أن القطيف كانت مرتعاً خصباً لحضارة عميقة الجذور، ومن أهم هذه المكتشفات القبر الأثري الذي عثر عليه في مقلع جاوان شمال صفوى. وقد نَشر عنه مكتشفه الغربي بحثاً وافياً نشره في مجلة (المنهل)([375]). كما اكتشفت صخرة أثرية في القطيف عليها خطوط ترجمها أحد منتسبي شركة الزيت (أرامكو) نشرت عنها (قافلة الزيت)([376]) في وقتها.
والذي يبدو أنّ القطيف ومنطقة شرق الجزيرة خضعت لنفوذ الفرس. فالتاريخ يحدثنا عن أرْدَشير أنه بنى مدينة الخطّ([377]) ، أسماها بعضهم (فنياز أرْدَشَير)([378]). والبعض الآخر(فتن أرْدشير)([379]).
وما أن أطلّت أولى قرون الميلاد على العالم حتى سكنت هذه المنطقة قبائل عربية، اجتمعت تحت حلف وَحّدَ بينها (التنوخ) أي الإقامة([380]). وفي ضمن هذه كانت (أياد) القبيلة العربية، التي نشطت وأصبحت تهدد فارس بغزواتها الأجزاء الجنوبية من الأمبراطورية الفارسية([381]) في عهد ضعفت فيه الحكومة المركزية الكسروية، فانتهبها ملوك وأمراء وكونوا لهم مقاطعات يحكمونها في معزل عن سلطة الدولة الأم.
ويشب سابور (ذو الأكتاف) ويتسلم مقاليد الأمور، فيكرّس جهوده وطاقاته لإعادة الهيبة للدولة المركزية. وكان ضمن مخططه تأديب (أياد) فسار بجيوشه إلى المنطقة فأفنى أياداً وتبع فلولها وبسط نفوذه على المنطقة، وأسكن بعض القبائل مناطق معينة كان يهدف من ورائه تفتيت الوحدة القبلية فأسكن بعض بني تغلب دارين والخطّ([382]) ، ليضعف بذلك قوى أياد. وهكذا تستغل الفرصة عبدالقيس للتربع على المنطقة كلها، حتى قال قائلهم:
شحطنا أياداً عن وقاع وقلّعت
وبكراً منعنا عن حياض المشقرِ([383])
ويستمر نفوذ الفرس على هذه المنطقة حتى مجيء الإسلام، حيث كان فيها المنذر بن ساوى وهو والٍ عن ملك الحيرة وبالإضافة إليه كان هناك فارسي عبر عنه ياقوت بمرزبان هجر واسمه سيبخت([384]).
ويشرق الإسلام على الجزيرة العربية، وعبدالقيس هي سيدة منطقة شرق الجزيرة، وما أن تصلهم أنباء الرسالة الجديدة حتى تشرق نفوسهم بنور الإيمان، فيفد وفدهم على النبي (ص) مسلمين([385]) ، ويعزّز صاحب الرسالة (ص) دعوته لهداية هذه المنطقة فيرسل العلاء بن الحضرمي سنة (8 هـ) فتستجيب للدعوة الجديدة ويبسط الإسلام نفوذه على المنطقة بإسلام من أسلم وذميّة من لم يسلم([386]).
وتَفْتَرّ السنون والقطيف وشرق الجزيرة مسرحاً لأحداث تاريخية مهمة، كحركة الرّدة([387]) ، وتعرضها لهجمات الخوارج بقيادة قائدهم نجدة الحروري([388]). وحركة القرامطة التي انطلقت منها الحركة التي أقلقت الدولة العباسية وأقضّت مضجعها لتصاعد نفوذهم وقوتهم حتى أنهم استطاعوا نقل الحجر الأسود من مكة المكرمة إلى القطيف([389]). قريباً من سيهات حتى تمضي عقود من القرن الرابع حيث تمكن عبدالله بن العيوني من القضاء عليهم.
وقد وصف ابن المقرّب طرفاً من ذلك في مقطع من قصيدة له يقول فيه:
سَل القرامط من شظيَ جماجمهم
فلقاً وغادرهم بعد العلا خَدمَا
من بعد أن جلّ بالبحرين شأنهمُ
وأرجفوا الشام بالغارات والحرَمَا
ولم تزل خيلهم تغشى سنايكها
أرض العراق وتغشى تارة أدما
وحرّقوا عبد قيس في منازلها
وصيّروا الغُرّ مِن ساداتها حمَمَا
وأبطلوا الصلوات الخمس وانتهكوا
شهر الصيام ونصّبوا منهم صَنّما
وما بنوا مسجِداً لله نعرفه
بل كلّ ما أدركوه قائماً هُدِما
حتى حمينا على الإسلام وانتدبت
منا فوارس تجلو الكَرْب والظلمَا([390])
ويستولي بنو ثعلب وبنو عقيل على المنطقة حتى ينازعهم السلطان يحيى بن العيّاش ويستولي على القطيف. ويأتي بعده عبدالله العيوني لتبدأ القطيف صفحة جديدة تحت ظلّ حكم العيونيين الذي طال مائة وستة وسبعين عاماً حتى يسدل الستار عليها عام 636 هـ. حيث احتلّ المنطقة بنو ثعلب، ويتركوها لحكم بني جبر من بعدهم.واستمر حكم هاتين الأسرتين حتى عام 921 هـ. حينما احتل المنطقة البرتغاليون وأسسوا لهم مراكز دفاعية في القطيف بقي منها إلى الآن قلعة في جزيرة تاروت وأخرى بالقرب من عنك وسيهات. وفي عام 958 هـ دخل العثمانيون أول مرة القطيف وضمّت وشقيقتها الاحساء إلى الدولة العثمانية([391]).
وفي القرون المظلمة من الدولة التركية كانت القطيف بين مدّ نفوذ الأتراك وجزره. فقد خرجت من نفوذهم عام 1081 هـ حينما أعلن (برّاك بن غرير) زعيم بني خالد نفسه زعيماً على القطيف والأحساء([392]).
ومنذ 1206 هـ تدخل دوراً آخر بدخول سعود بن عبدالعزيز آل سعود بلدة سيهات ومصالحة أهل المنطقة له على خمسمائة ليرة من الذهب. وبهذا تدخل القطيف تحت نفوذ السعوديين لأول مرة، وإنْ كان أحد بني خالد سيّد البلاد عن ابن سعود([393]).
وخلال هذه المدّة حاول الأتراك استعادة نفوذهم على المنطقة. إلا أن حملتين (1211هـ، 1212هـ) منيتا بالفشل الذريع. وتلتهما حملة أحمد طوسون بن محمد علي باشا الكبير والي مصر عن الأتراك([394]).
ولقد نجحت حملة إبراهيم باشا بعد أعوام من فشل أخيه أحمد طوسون، في احتلال المنطقة وإعادتها لحظيرة العثمانيين وولّى عليها أحد بني خالد. بيد أن نفوذهم قد تقلص على يد الأمير تركي بن عبدالله بن سعود الكبير في عام 1245 هـ([395]).
وفي عام 1249 هـ طمع آل خليفة حكام جزيرة البحرين في احتلال القطيف، فوجهوا حملة بحرية مكنتهم من افتتاح دارين وتوغلهم في جزيرة تاروت واجتياحها. وحاول أهل سيهات أن يسلّموا لآل خليفة وكاتبوهم في ذلك. وفي هذه السنة فشل الأمير فيصل بن تركي في احتلال سيهات وإعادتها إلى الدولة السعوديّة وطرد الخليفيين منها. ورجع آل خليفة إلى البحرين بعد أنْ نصّبوا والياً عنهم يحكم المنطقة، حتى عادت إلى الدولة السعودية بعد أن ضعف عبدالله آل خليفة وانشغل بإخماد ثورة قام بها أبناؤه ضدّه([396]).
وفي عام 1253 هـ احتل المصريون منطقة الخليج بقيادة خورشيد باشا حتى استعادها منهم السعوديون بعد ذلك ليستمروا في الحكم حتى عام 1288 هـ حينما احتلها محمد باشا نافذ الفريق وأعاد بذلك نفوذ الدولة العثمانية حتى خروجها بدون رجعة عام 1331 هـ([397]).
فما أنْ أطل العقد الثاني من القرن الرابع عشر الهجري حتّى نخر في جسم الدولة العثمانية المرض وقارب نجمها الأفول، فلم تعد تستطيع توفير الأمن والنظام في ربوع القطيف.
إذ في عام 1326 هـ وقعت حادثة مهمة جلبت معها الدمار في الأموال والأنفس، بين أهالي القطيف وبين قبيلتين من البدو تسكنان في المناطق المحيطة بالقطيف، وهما (بني خالد) و(الجره) وذلك في (وقعت الشربة).
يحدثنا عنها مهدي السويدان إجابة لطلب مجلة (المنهل) نشرت على صفحاتها:
«قالوا كنا في السوق والوقت صيف والنهار خميس ونحن نبتاع ونبيع، وليس عندنا للشيطان أي طريق حتى جاء رجل يبيع غنماً له، فاستقى من رجل يلقب بالدبّوس كان يتسبب بسقاية الناس، فشرب منه ماءً بارداً بحدج([398]) وبعد ما شرب طالبه بقيمة ما شرب فامتنع، فحصل من جراء ذلك التشاتم بينهما وأخذ الضرب طريقه بينهما، ولما رأى كل فريق منهما صاحبه مضروباً تدخل، لا ليدفع قيمة (الشربة) أو يسكت هياج الفتنة، وإنما ليضاعف من وقودها، ومن ثم استعمل السلاح بطلقة أطلقها الحضري عندما رأى يد أخيه مجروحة بسكين، وبهذا بدأ القتال الحقيقي وتدرج في التوسع حتى صار حرباً أهلية.
«كان البدو قد جاؤوا بعد بضعة أيام من نشوب الفتنة لأوّل أيامها، وجاؤوا بجمع كثير، وعسكروا في الجهة الغربية وفي النخيل المجاورة للدبّابية التي اعتبرها مصدر الفتنة بإطلاق أحد رجالها النار، فكانت هدفهم الأول، ثمّ بعدها واصلوا الزحف إلى مدينة القطيف للانتقام، وكانت هذه المدينة يومئذٍ تتكون من الشويكة والدبّابية والكويكب والشريعة وميّاس والمدارس وباب الشمال والجراري والقلعة. وكانت القلعة أكثر تحصناً ومنعة لما فيها من البروج والسور المشيّد من قبل الأتراك. ولذلك أدخلت فيها –أي القلعة- النساء والأطفال والعجزة والشيوخ، وعاش الرجال في البلد في حذر، وكان ضمن الحاضرين الشيخ محمد بن نمر الذي اتخذ له بيتاً ثانياً في الدبابية، ففي يوم يقيم فيه وآخر يقيم بالعوامية مسقط رأسه.
«وقد رأى أهل القطيف إنْ لم يهزموا البداة في هجومهم، فإنهم سيظلوا عاجزين عن مقاومتهم – فقال لهم- أي الشيخ محمد بن نمر- اجعلوا الرجال على طول محيط السور وفي البرج. وكان سورها يومئذ حائطاً بالبيوت إلا البروج. وقال للمواطنين: فإذا رموكم فلا ترموهم وانتظروا حتى ينفذ بعض ما عندهم ثمّ ابتدئوا بالرمي وليكن بصورة متقطعة، وقبل كل شيء ضعوا «قِلال» التمر على امتداد الجدار الأمامي من الداخل، وبقدر الإمكان اجمعوا التراب والرماد فإذا اشتّدت الرماية من قبلهم عليكم فألقوا به من أعلى من جهتي الغرب والشمال وعندئذٍ يظنون أن الحاجز الأمامي قد انهار، فيتقدمون إليكم بجمعهم يريدون دخول البلدة من هذا المكان، وهم لا يبصرونكم من شدّة الغبار وكثافة التراب، وأنتم لهم مبصرون بإطلالكم عليهم، حتى إذا اقتربوا منكم فعندئذٍ ارموهم رمية رجل واحد، وبهذه الخطة سينهزمون إن شاء الله تعالى.
«وبالفعل نفّذ أهل القطيف هذا التخطيط البارع الذي اختطّه لهم الشيخ محمد بن نمر وبالفعل كانت نتيجتها المباشرة انهزام البادية عن القطيف([399]).
وفَتحت (وقعة الشربة) أعين بريطانيا فحاولت احتلال القطيف، ففي عام 1327 هـ وجهت سفينة حربية رست في ميناء رأس تنوره، ورفعت العلم البريطاني، وعرضت على أهل القطيف حمايتها من البدو، على أن أهل القطيف ممثلين في الزعيم الروحي الشيخ علي أبي عبد الكريم الخنيزي والحاج منصور باشا آل جمعة أبوا ذلك([400]).
وفي عام 1331 هـ احتل عبد العزيز آل سعود الأحساء، وأرسل سرية بقيادة الأمير عبد الرحمن بن سويلم لاحتلال القطيف.
ويحدثنا الحاج عبدالله بن اخوان عن دخول السويلم، في ترجمته للشيخ الخنيزي فيقول:
«ففي سنة 1330 هـ عندما جمع اليوزباشي([401]) أهالي القطيف وأعيانها عند إشاعة الأخبار بتوجه عبد العزيز آل سعود إلى القطيف بعد أن احتلّ الأحساء، أراد اليوزباشي من أهالي القطيف أن يكونوا معه في دفع عبد العزيز بن السعود عن احتلاله القطيف، وجمع الجند ليفتك بالأهالي عند أدنى تردد منهم. فسأله اليوزباشي، فأجابه فضيلته بما معناه: إن الواجب الشرعي يقضي بالمحافظة على الأرواح والأموال مع توفر الشروط الدفاعية، بما أن شروط الدفاع أي القوة الكافية مفقودة لتشعب قرى القطيف وبعدها عن بعضها البعض، وقلة عدد المدافعين في القرى عن أنفسهم واحتياجهم لضعفهم إلى قوات أخرى دفاعية، ولفقد القوات الأخرى وعجز الحكومة عن المساعدة حتى عن (القلعة) العاصمة نفسها، فالدفاع على هذا التقرير يوجب تعريض النفوس إلى الهلاك، لهذا يفضل التسليم إذا لم يمكن غيره، وإذا كانت الحكومة قادرة ولها القوة الكافية تستطيع بعد استعدادها إعادة الكرّة، فقنع اليوزباشي بكلام فضيلته، وأخذ تقريراً من أهالي القطيف على موجب ما تقدم ليكون له عذر لدى حكومته، واستمر الحال على هذا في الحصار وسدّ الأبواب حتى افتتحها الأمير عبدالرحمن بن سويلم في ضحى يوم الخميس التاسع من شهر جمادى الثانية سنة 1331هـ([402]).
وبدخول القطيف تحت الحكم الجديد طويت لها صفحة من التاريخ لتبدأ صفحة جديدة. وجاء في مجلة (الرابطة العربية) السنة الثانية/ العدد79 / ص18.
«في أواخر شهر نوفمبر سنة 1915م وصل إلى دارين (السير برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في خليج البصرة، فوافاه إليها الأمير عبد العزيز السعود فوقّعا في 2 ديسمبر سنة 1915 م على اتفاق، اعترفت فيه الحكومة البريطانية بأن نجد والأحساء والقطيف وجبيل وملحقاتها والمرافئ التابعة لها على سواحل الخليج تابعة للأمير عبد العزيز، وأنها تعترف به حاكماً مستقلاً على هذه الأراضي ورئيساً مطلقاً»([403]).
والقطيف كانت في أوّل هذا العهد إمارة مستقلة عن الأحساء تتبعها إدارياً المنطقة الممتدة من الكويت شمالاً حتى قطر جنوباً. وكان ارتباطها بالحكومة المركزية في نجد حفاظاً على مكانتها.
استمر ذلك حتى تمّ استحداث مدينة الدمام ونقلت إليها إمارة المنطقة الشرقية والدوائر الحكومية الأخرى.واعتبرت الدمام عاصمة المنطقة الشرقية.
حياة القطيف الثقافية
العلم والعلماء
القطيف تشدّها بالعراق وشائج الروح والعقيدة منذ أقدم العصور، فكانت مركز ثقل علمي ولا سيما فترة القرون الثلاثة الأخيرة، جعلها تتوّج بلقب (النجف الصغرى)، وما ذلك إلا لكثرة علمائها وسعة الحركة العلمية في ربوعها.
ولو ألقينا نظرة واحدة على مدونات التراجم والرجال، لطالعنا عدد ضخم من العلماء، الأعلام، حملوا مشعل الهداية والنور ضمّتهم القطيف وغذّتهم بلبان العلم والتقوى والإيمان.
ففي القطيف وقف علماء أعلام أنفسهم لتدريس ما تعارف علماء المسلمين على درسه في مدارسهم الدينية، من مقدمات للعلوم الدينية، الفقه والأصول، ومن دراسات أدبية ممثلة في علوم النحو والصرف والبلاغة والعروض، ودراسات فلسفية كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام، ودراسات قرآنية كالتفسير وآيات الأحكام، ودراسات في علم الحديث كالدراية، وغيرها مما يقع طريقاً لتحصيل ملكة الاجتهاد.
وهؤلاء بدورهم تتلمذوا على آخرين استفادوا من هجرتهم إلى قاعدة العلم وحاضرته الكبرى النجف الأشرف، مما نمّى ملكاتهم العلمية والفكرية لأن يتصدروا التدريس والإفادة.
ولقد وجد في القطيف ما يمكن تسميته بالمدارس الدينية، لها مراكز معينة يقصدها طلاب العلم من كل حدب وصوب، ويتولى فيها أصحابها التدريس، ومن أشهر هذه المدارس:
مدارس الشيخ محمد بن نمر (1277-1348هـ) في العواميّة مسقط رأسه والقديح والدبّابية، حبّس لها بعض الوقوف من ماله الخاص ومن مال المخلصين المقربين منه. تخرج من هذه المدارس كثير من علماء القطيف وفضلائها، أشهرهم: الشيخ حسين القديحي (1302-1387هـ) والشيخ طاهر البدر (1324هـ…) والشيخ منصور المرهون (….-1362هـ)، والشيخ رضوان بن عجيان، والشيخ جعفر ابن الشيخ محمد صالح من أهالي القديح، والشيخ علي السويكت، والشيخ محمد حسين آل عبد الجبار (1300هـ-….) والشيخ محسن العرب، والشيخ محمد بن أحمد بن محسن الفرج، والشيخ حسن بن نمر،… وغيرهم.
ولصاحب (أنوار البدرين) الشيخ علي البلادي البحراني(1274-1340هـ) مدرسة في القديح تتلمذ فيها جل علماء القطيف، وأشهرهم: السيد حسين العوامي(….-1358هـ)، والشيخ عبدالله المعتوق (1274-1362هـ)،والسيد ماجد العوامي (1275-1367هـ) والشيخ محمد بن نمر (1277-1348هـ)، وغيرهم من الفضلاء([404]).
وللشيخ عبد الله المعتوق مدرسة في جزيرة تاروت، تتلمذ على يديه السيد باقر العوامي (1303-…. هـ) حيث كان يقيم أيام الدراسة في جزيرة تاروت من السبت حتى الأربعاء، والشيخ عيسى السني (1305-1355 هـ)، والشيخ منصور بن غنام (…-…) والشيخ علي بن يحيى، وآخرون غيرهم.
والعلماء الآخرون كانوا يتولون التدريس وإنْ لم يكن لهم موضع خاص يمكن اعتباره مدرسة أشهرهم الشيخ أبو الحسن الخنيزي رائد الحركة العلمية ومغذّيها وباعث نهضتها وقد اختص دون سواه بتدريس الأصول والفقه بالبحث الخارج، تتلمذ على يديه جل علماء القطيف وفضلائهم.
يضاف إلى كلّ تلكم الجهود التي بذلها هؤلاء وغيرهم في التعليم، الهجرة إلى العراق وغيرها من مراكز العلم وحواضره في العالم الإسلامي، حيث هاجر كثير من علماء القطيف إليها لينهلوا العلم من منابعه هناك، آب بعضهم يحملون معهم شهادات من مراجع العصر تضعهم في مصاف العلماء العظام يتصدرون الفُتيا والقضاء ويرجع لهم العامة في أمور دينهم ودنياهم، ومن هؤلاء:
الشيخ محمد بن نمر (1277-1348هـ)([405]).
الشيخ حسن علي البدر (1278-1334هـ)([406]).
الشيخ أبو الحسن الخنيزي (1291هـ-1363هـ)([407]).
الشيخ أبو عبد الكريم الخنيزي (1285-1362هـ)([408]).
السيد ماجد العوامي (1279-1367هـ)([409]).
الشيخ عبد الله المعتوق (1274-1362هـ)([410]).
الشيخ علي الجشي (1276-1376هـ)([411]).
والفضلاء غير هؤلاء كثيرون ذكرنا بعضهم، ويراجع في الباقي مدونتا (أنوار البدرين) و(الأزهار الأرجية).
عاشت القطيف مع هذا العدد الضخم من العلماء والأعلام والمجتهدين العظام وغيرهم من الفضلاء أمداً غير قصير، حتى اخترمتهم يد المنون واحداً بعد واحد، فأظلمت دنيا القطيف ووجدت نفسها تندب ذلك العهد الزاهر، كان ذلك منذ عقدين من الزمان، بقي في القطيف بقية أخذ الله بأيديهم ليكملوا ما بدأه أولئك من هداية وتوجيه.
التعليم
التعليم في القطيف حتى العقد السابع من هذا القرن غير نظامي، يعتمد عما عرفته البلاد العربية منذ الأجيال القديمة (الكُتّاب)، يتصدره المعلم للذكور والمعلمة للإناث فيقومان بجميع فعاليات التدريس.
والتعليم في (الكُتّاب) يمكن تصوره على مرحلتين دراسيتين:
1- في الأولى يدرس الطالب والطالبة كتاب الله العزيز، مبتدئاً فيه بتعلُّم الحروف الهجائية وأسمائها، وهي الطريقة المعروفة منذ القدم ويسميها علماء التربية طريقة الابتداء بالحرف أو طريقة تعليم الألفباء بأسمائها وهي نوع من الطريقة التركيبية. ومن ثم يبدأ بدراسة قصار السور بتهجي حروف الكلمة ثم نطقها، تستمر هذه الطريقة حتى منتصف الجزء الأول «الثلاثين» من القرآن الكريم، ثمّ يبدأ المعلم أو المعلمة بقراءة السور آية آية أمام الطالب والطالبة وهو يرددها وراءه حتى يتقن السورة، لينتقل منها إلى غيرها حتى نهاية القرآن، وتسمى هذه عند القطيفيين بالسّرد أو (السّريد) وهكذا حتى يكمل إتقان القرآن الكريم.
2- وفي المرحلة الثانية يختلف تعليم الذكور عن الإناث:
(أ) فالذكور يتعلمون الكتابة ويسمّى (النَّظَر)، حيث يخط المعلم لطلّابه بيتاً من الشعر أوّل ما يبدأ تعليمهم الكتابة، وهم بدورهم يقومون بتقليد ذلك الخطّ بعد معرفتهم بأنواع الحروف في مرحلتهم السابقة من الدراسة، ومن ثم يتّطور إلى كتابة قصيدة بكاملها يقرؤها أو يمليها أو يخطّها لهم المعلم. وفي هذه المرحلة أيضاً يتعلم الطلاب مبادئ الحساب من جمع وطرح وقسمة وكسور وغير ذلك مما يدخل في بابه.
(ب) أمّا الإناث ففي هذه المرحلة يدرسن كتاب (المنتخب) للشيخ فخر الدين الطريحي ويسمونه (النَّسْخة)، وفيه سيرة الرسول الأعظم (ص) والأخلاق الإسلامية.
وهذه الدراسة تعتمد البساطة في التنظيم، من غير أن تكون فيها تلك الدقة المتناهية المعروفة في المدارس النظامية فـ (الكتاب) لا يعتمد السنين الدراسية، فقد ينهي الطالب أو الطالبة تعليمه في سنة وبعض السنة وقد يبقى سنين طويلة تطول وتقصر حسب قدراته ومواهبه.
وتمتاز الدراسة في (الكتاب) بالتعاون بين من يصدر التعليم فيه وبين الطلاب ذُكراناً وإناثاً، حيث إن المتقدم في تعليمه يتولى تعليم المبتدئ، والأكثر تقدماً يعلم الأقل منه وهكذا في نظام هرمي بديع حتى نصل إلى طلاب المعلم والمعلمة مباشرة وهم الأكثر تفوقاً من البقية.
واللطيف في هذه الدراسة هو بساطتها كما قلت والتعاون بين الطلاب وصاحب (الكُتّاب) إلى جانب الثقة المتبادلة بينهم جميعاً.
يتقاضى صاحب (الكتّاب) أجوراً زهيدة هي عبارة عن مبلغ رمزي (مربعانية) سميت بإسم اليوم الذي تدفع فيه (الأربعاء). يدفع إلى صاحب (الكتّاب)، ويضاف إليه (الرفعات). والرفعة هي مبلغ يدفع لصاحب (الكتّاب) عند اجتياز الطالب مرحلة من القرآن الكريم، وهذه المراحل كالتالي: سورة الحمد، سورة البيّنة، سورة الجنّ، سورة الرحمن، سورة يس، سورة كهيعص، سورة براءة (التوبة)، سورة المائدة، وأخيراً نهاية القرآن بسورة البقرة ويسمى (الختمة). في كل مرحلة من هذه يدفع الطالب مبلغاً لصاحب (الكتّاب) وفي سورة (المائدة) يضاف إليه إطعام بقية الطلاب بالخبز واللّبن خاصة لمناسبة السورة. ويضاف إلى هذا مبلغ آخر عند إتمام الطالب القرآن الكريم. أما تعليم (الفخري أو المنتخب) للإناث فالأُجور يدفعها أهل الطالبة عند إتمامه وإتقانه. وتعليم الكتابة والحساب أجوره شهرية.
وفي هذه الكتاتيب تخرّج جلّ علماء القطيف وأدبائها وشعرائها إلا بعض الشباب ممن أدركوا التعليم النظامي.
ولا يزال هذا الأسلوب في التعليم باقياً حتى الآن، ولا سيما لتعليم الإناث مع توفر المدارس النظامية وكثرتها في القطيف.
وكان دخول أول مدرسة نظامية عام 1367هـ وهي مدرسة القطيف الأولى في حاضرتها (القلعة)، وتوالى افتتاح المدارس بعدها فكانت الثانية في دارين عام 1368هـ والثالثة في تاروت عام 1373هـ، وهكذا حتى أصبح عدد المدارس الإبتدائية في حاضرة القطيف وبقية أجزائها في وقتنا الحاضر ينوف على العشرين، ويضاف إليها خمس مدارس متوسطة وثانويتان الأولى في حاضرة القطيف والثانية في صفوى.
وتعليم المرأة دخل القطيف متأخراً، حينما قام أهل القطيف بافتتاح مدرسة أهلية عام (1379هـ) لشعورهم بالحاجة الملحة لتعليم بناتهم، سلّموا هذه المدرسة لرئاسة تعليم البنات في القطيف، وتوالى افتتاح الابتدائية في نواحي القطيف حتى بلغ عددها عشراً أو يزيد، وإلى جانبها افتتحت أربع مدارس متوسطة.
أمّا التعليم في المعاهد فمركزه مدينة الدمّام، والدراسات العليا في الخارج يُبعث الطلاب لإكمال دراساتهم كل ذلك قبل افتتاح جامعة الرياض، أمّا بعد افتتاحها فإليها وإلى المعاهد المتخصصّة التابعة لها.
الثقافة العامة
البيئة العلمية غالباً ما يصاحبها وعي لدى الشعب يرفع البعض عن مستوى العامة، كان هذا بالضبط ما حدث في القطيف عبر عقود هذا القرن الستة الأولى منه.
فالعلماء يشكلون في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة مراكز إشعاع ثقافي وفكري، يغذّون العقول ويبذرون في نفوسهم حبّ العلم والمعرفة. وما الحركة الفكرية والشعرية منها على الخصوص – مجال حديثنا الثاني- إلاّ نتيجة لهذا الوسط العلمي الذي عرفته القطيف منذ أقدم العصور.
وإلى جانب العلماء هناك شخصيات مهمة لعبت دوراً في نشر الثقافة في ربوع القطيف هم الخطباء ولا سيما من أخذوا من العلم والفكر والثقافة القديمة والحديثة قسطها الوافر أمثال الشيخ ميرزا حسين البريكي شيخ خطباء القطيف بلا منازع.
والكتب التي عرفت طريقها إلى القطيف مع العائدين من مهجرهم من مراكز العلم في العالم الإسلامي حيث كانوا يتلقون تعليمهم هناك، ومع المهتمين بإدخالها وبيعها، ولا سيما تلكم الكتب التي تمخضت عن حركة الانبعاث والتجديد الثقافي والأدبي في العالم العربي في نهضته الفكرية الميمونة التي عرفها العالم في هذا القرن.
وكان شعور أدباء القطيف بحاجة النشء لغذاء الفكر وسلاح المعرفة، حافزاً لتأسيس أول مكتبة عامة في القطيف هي (المكتبة الأهلية) عام 1372هـ، حتى عام 1388هـ حين قامت الحكومة بافتتاح مكتبة مركز الشؤون الاجتماعية بالقطيف يضاف إليها المكتبات التي تم افتتاحها في بعض المدارس الحكومية.
والمكتبات الخاصة الكثيرة التي حفلت بها بيوت العلماء والخطباء وبعض الشخصيات، كان لها أبلغ الأثر في النهضة الثقافية الرائدة التي شهدتها القطيف.
والمجلات الأدبية كانت تفد القطيف وتغذي الحركة الثقافية وتدفعها إلى الأمام، بما تحويه من دراسات وبحوث ونتاج عباقرة العرب من القدامى والمحدثين وعمالقة الشعر والنثر، كان فيها إلى جانب ذلك إفساح المجال للنتاج القطيفيّ الخيّر ليرى النور ويسمعه إخوانهم في كل مكان من العالم العربي.
ولقد عرفت القطيف فترة خصيبة من حياتها الثقافية، تمثلت في المهرجانات الأدبية التي كانت تقام في بعض المناسبات الأدبية والاجتماعية، فكان لتلكم المهرجانات الأثر الكبير في تنمية المواهب الأدبية والنهوض بها.
هذه العوامل كلها وغيرها، جعلت من القطيف بيئة ثقافية ممتازة، جعلتها في محل الصدارة بين إخواتها مدن وحواضر الجزيرة العربية.
النشر والتأليف
كان النشر والتأليف نتيجة طبيعية لتلكم الحركة العلمية والنهضة الثقافية.
فالعلماء كتبوا في مجالات اختصاصاتهم المختلفة. والمجتهدون منهم كتبوا في الفقه الاستدلالي، وأشهر مدونة فيه (دلائل الأحكام) للشيخ أبو الحسن الخنيزي، كان إلى جانبها الكثير مما أبدعته عقول العلماء ينتظر له رؤية النور ليسهم في إحياء القطيف وإبرازها كما تستحق.
كما كتبوا في الأصول والحديث والنحو والمنطق وعلم الكلام والأخلاق والتاريخ والسير وغير ذلك من العلوم المختلفة التي ظهرت بنات أفكار حيّة لعلماء القطيف وفضلائها.
والأدباء كانت لهم يدّ طولى في النشر، حيث كانت الصحف والمجلات في العراق مثل (الغرَيّ) و(الهاتف) وغيرها، ولبنان مثل (العرفان) و(المعارف) و(الأديب) وغيرها ومصر والسعودية والكويت والبحرين… تحمل بين طيّاتها نتاج أدباء القطيف شعراً ونثراً. وأشهر من نشر فيها الشيخ عبد الحميد الخطيّ والسيد حسن العوامي وأخوه السيد علي ومحمد سعيد الخنيزي ومحمد سعيد المسلم ومحمد سعيد الجشي وعبد الواحد الخنيزي وغيرهم، ومن الشباب عبد الوهاب حسن المهدي والسيد عدنان العوامي والسيد حسن السيد وغيرهم.
كما عرفت حروف المطابع بعض نتاجهم فلفظتها دراسات حيّة أدبية وتاريخية ومجموعات شعرية ممتازة. فأشهر من نشر: محمد سعيد المسلم، نشر (ساحل الذهب الأسود) ضمّته تاريخ منطقة شرق الجزيرة عموماً والقطيف خصوصاً. والشيخ عبد الله الخنيزي نشر عن والده دراسة حيّة عرض فيها ترجمة وافية له وما قيل في تأبينه أسماها (ذكرى الإمام الخنيزي). ومثل ذلك في ابن عمه الشيخ أبي عبد الكريم الخنيزي. وللسيد حسن العوامي (ذكرى السيد ماجد العوامي). ومن الدواوين (شفق الأحلام) للأستاذ محمد سعيد المسلم، و(النغم الجريح) للأستاذ محمد سعيد الخنيزي، و(رسمت قلبي) للأستاذ عبد الواحد الخنيزي، وغيرهم.
ولا يزال كثير من تراث القطيف القديم منه الجديد لدى أصحابه وفي المكتبات الخاصة، ينتظر الفرصة ليرى النور وليحدث الأجيال عن مكانة القطيف العلمية والأدبية الزاهرة.
حياة القطيف الاقتصادية
حتى أواسط هذا القرن كان عماد الاقتصاد في القطيف: الزراعة، والغوص، والتجارة، وصيد الأسماك، وبعض الصناعات البسيطة. ومنذ انتهاء الحرب العظمى الثانية احتل البترول واستخراجه والتنقيب عنه الصدارة، حيث قام عليه اقتصاد المملكة كلها.
الزراعة
فواحة القطيف تقع في سهل ساحلي خصب، جعلها تعرف الزراعة منذ أقدم العصور كمورد اقتصادي رئيسي، ولقد مضى معنا وصف ياقوت وأبي الفداء لبعض مناطق القطيف الزراعية، وطبيعة العيون الموجودة منذ أقدم العصور، والمجاري ونظام الري والتوزيع الممتاز لهذه المجاري المائية الذي يدل على اعتماد الزراعة منذ عصور سحيقة.
ويزرع في القطيف: الخضار بأنواعها، ومن الفواكه: الرمان والتين والعنب والحوامض والتكي واللوز والموز والنبق، وتمر الهند، ومن الحبوب: الحنطة والأرز الهندي والذرة والدخن والسمسم واللوبيا وغيرها على أن أشهر محصول زراعي في القطيف هو التمر وأغلب هذه المحاصيل يستغل للاستهلاك المحلي إلا التمور فكثير منها يصدر إلى أجزاء كثيرة من الجزيرة العربية ومناطق الخليج والهند ولا سيما (السلوق) وهو التمر المطبوخ والمجفف.
إلاّ ان الزراعة أصابتها في الآونة الأخيرة هزة، بسب ترك الفلاحين مزارعهم والالتحاق بشركات الزيت وغيرها من الشركات العاملة في المنطقة، مع اهتمام الحكومة بالزراعة وإنشائها المصرف الزراعي، ومشاريع الصرف واستقدامها الخبراء الزراعيين، وطلب المعونة من هيئة الأمم المتحدة التي أنشأت مركزاً للتجارب الزراعية في القطيف، كان الغرض منه تحسين المحاصيل الزراعية وإضافة محاصيل جديدة إلى المعروفة في القطيف.
الغوص
والغوص لاستخراج اللؤلؤ الطبيعي من مياه الخليج قديم في القطيف، أشار إليه المؤرّخون القدامى، يقول ابن بطوطة: «ومغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الوادي العظيم، فإذا كان شهر إبريل وشهر مايو، تأتي إليه القوارب الكثيرة فيها الغواصون وتجار فارس والبحرين والقطيف…… ([412]) وذكر أبو الفداء أن بها مغاصاً للؤلؤ([413]). وجاء في (التعريفات الشافية) «ومن هذا الإقليم مدينة القطيف وجميع أهلها غواصون يستخرجون الدّر من البحر فمنهم من يستخرجه لنفسه ومنهم من لا قدرة له على المصرف فيستخرجه لغيره من التجار بالأجرة»([414]). وقال عن تجارة اللؤلؤ: «وكان أهل إفريقية يصلون بتجارتهم إلى القطيف ويخرجون منها وسفنهم مشحونة بلؤلؤ الخليج»([415]).
ومن أخصب فترات الغوص في القطيف في هذا القرن هي المدة بين عامي (1330-1340هـ)، حيث كانت تخرج في الموسم أكثر من أربعمائة سفينة، في كل سفينة بين ثلاثين وستين نسمة بين (غيص) و(سيب) و(نوحذة)([416]) وخدم، تحتاج السفينة في تموينها إلى ما لا يقل عن عشرة آلاف روبية (عملة هندية). فكان الحظّ يلعب دوره في هذه المغامرات فإمّا أنْ تعود السفينة باللؤلؤ الذي يثري من ورائه هؤلاء كلهم أو تعود بخفيّ حنين – كما يقولون- على أنّ دخلاً عالياً في كلّ موسم تنعم به القطيف من جراء الاتجار ببيع اللؤلؤ في البحرين والهند وغيرها، أمر مسلّم به..
على أن الغوص مُنِيَ بهزيمة منكرة أمام اللؤلؤ الصناعي الذي ظهر في ربوع اليابان، والذي كان يضاهي اللؤلؤ الطبيعي وبسعر رخيص جداً، كان ذلك ابتداءً من عام 1350 هـ، يضاف إليه مجيء شركات الزيت للتنقيب عن الزيت واستخراجه وتصنيعه ودخول الأعداد الكبيرة من الأيدي العاملة فيها، وبهذا انتهى الغوص كواحد من أهم الموارد الاقتصادية في القطيف.
التجارة
والقطيف كما أسلفنا القول قاعدة عريضة لمنطقة شرقي الجزيرة حتى منتصف هذا القرن الهجري، فكانت مركز التجارة الأول حيث يعتمد على ما يعرض في أسواقها من بضائع عشرات الآلاف بدواً وحضراً ويكفي أن دخل موانئ القطيف الثلاثة (ميناء القطيف وميناء العقد وميناء الجبيل) يزيد على مائة ألف روبية هندية شهرياً حتى دخول الملك عبد العزيز القطيف عام 1331هـ، حيث استمر ضمانها مائة ألف روبية في أوائل الحكم السعودي إلى أن جرى تنظيم الموانئ والجمارك بعد ذلك.
فالقطيف تستورد البضائع من مختلف الأقطار، وتصدرها هي بدورها إلى مختلف مناطق شرق الجزيرة المختلفة، وتصدر اللؤلؤ و(السلوق) والتمور المختلفة إليها وإلى الهند والبحرين وبقية مناطق الخليج.
بقيت القطيف المنطقة التجارية الأولى في شرق الجزيرة، حتى نافستها على هذه المكانة مدينة الدمام ولا سيما بعد تأسيس مينائها الجديد الذي هُيِّئ لاستقبال البواخر الضخمة وعابرة القارات.
موارد ثانوية
وهناك موارد ثانوية غير السابقة كانت تحتلّ مكانة في الحياة الاقتصادية في القطيف حتى تفجّر الذهب الأسود في رُبوعها.
منها صيد الأسماك، وهو قديم في القطيف، وكان إلى عهد قريب يستعمل في الصيد الطرق البدائية كالشباك و(السنارة) والحضرة([417])… وغيرها، حتى دخلت مكننة الصيد وحوّلته إلى مصدر اقتصادي ممتاز، تمون القطيف بحاصله كثيراً من أجزاء المملكة السعودية القريبة منها. ولقد قام أخيراً (مشروع الأسماك)- لصاحبه القصيبي أحد الأثرياء في المملكة – فجعل صيد الأسماك صناعة متطورة تدرّ على المملكة دخلاً لا يستهان به، حيث يصدر (الوبيان) أو (الجمبري في بعض البلاد العربية) المعلب إلى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، استعمل لأجل ذلك سفن الصيد الضخمة ومصنعاً للتعليب، يستوعب في موسم الصيف حيث يكثر (الوبيان) أكثر من ثلاثة آلاف من الأيدي العاملة.
ومنها: بعض الصناعات البسيطة حتى وقت قريب، أبرزها صناعة الجص، وبعض الصناعات التي تَعْتمد الحاصلات الزراعية كمادة أوّلية لها، وصناعة القوارب الصغيرة وبعض السفن وشباك الصيد، والمشالح (العبي الرجالية) والأردية وبخاصة المسماة (بأبي صيبع) وهي للنساء خاصة… وغيرها.
ومنذ العقد الخامس دخلت شركات الزيت دنيا المنطقة فقلبت اقتصاد شرقي الجزيرة رأساً على عقب، حيث الخير الوفير الذي تفجّر مع تفجّر الذهب الأسود، وسجلت هذه المنطقة تقدماً ملحوظاً خلال المدة التي تلت اكتشاف البترول بكميات تجارية.
تراثها الشعري عبر أجيال
العصر الجاهلي
يصعب على الباحث أنْ يحدد مسقط رأس الشاعر الجاهلي، وموضع ترعْرعه ونشوئه إلاً القليل. وما ذاك إلاّ لارتباط الشاعر بقبيلته في حلّها وترحالها، والقبيلة بمجموعها أو أفخاذ منها لا تقطن مكاناً معيّناً يمكن أنْ ترتبط به كوطن.
هذه المشكلة نفسها تفرض نفسها علينا ونحن نحاول التعرف على شعراء القطيف في العصر الجاهلي، لصعوبة تحديد موطن معين لشاعرٍ ما: أفي القطيف نشأ وترعرع أم في غيرها من مناطق شرق الجزيرة (البحرين)!.
على أنّ قبائل رئيسية ثلاث ارتبطت بهذه المنطقة: تميم، وبكر بن وائل، وعبد القيس. مع توافر أعداد من غيرها يشاركها سكنى هذه المنطقة.
فتميم فيما يبدو لي تحتل جنوب هذه المنطقة حيث الأحساء حالياً حتى عُمان وأجزاء من اليمامة([418]).
وبكر بن وائل فالذي يبدو أنها تسكن اليمامة في اجزاء متفرقة منها، والجزء الشمالي على ساحل الخليج حيث (كاظمة) و(أعذرة السيدان) وغيرها([419]).
أمّا عبد القيس فهي أكثر من أختيها توافراً في هذه المنطقة منذ القدم([420]) ، فشاعرهم القائل:
شطحنا أياداً عن وقاع وقلّعت
وبكراً منعنا عن حياض المشقّرِ([421])
وهي تقطن المناطق الثلاث: جزر البحرين الحالية، ومنطقة الأحساء، والقطيف.
ولنتعرف على مناطق سكنى عبد القيس في هذه الأجزاء، علّنا نستطيع تحديد شعراء القطيف من هذا التحديد يقول الدكتور جواد علي:
«ومن نسل عبد القيس بن أفصى: شنّ ولكيز. ومن ولد لكيز: وديعة وهو جد بطن، وصباح وهم بطن كذلك، ولكزة. ومن بطون وديعة: عمرو وغنم ودهن ومن عمرو بن وديعة: البراجم، وهم عبد شمس، وعمرو وحيّي بني معاوية بن ثعلبة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة. وهؤلاء البراجم غير براجم تميم، والجارود وقد كانت له صحبة بالرسول وولي أولاده منازل رفيعة في الإسلام.
«ومن نسل عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز، ذهل وذاهل، ومن بني ذهل ليث وثعلبة، وهما ابنا حدّاد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو. ومن ليث بن حدّاد، بنو ذهل بن ليث، ومنهم جيفر بن عبد عمرو بن خوّلي بن همام بن الفاتك، ومن نسل عمرو بن وديعة بنو محارب، ومنهم الحطم بن محارب، وإليه تنسب الدروع الحطميّة، وبنو الدّيل بن عمرو بن وديعة، ومن نسل وديعة بن لكيز بنو دهن وبنو غنم، ومنهم الدّيل ومازن».
«واشتهر من ولد نكرة بن لكيز، الشاعر المثقب، والشاعر الآخر الممزّق وهو شاس، والمفضل بن معشر بن أسجم وهو شاعر كذلك.
«أما شنّ بن أفصى – فكان من نسله يزيد بن شنّ، يذكر أهل الأخبار أنه أول من ثقف القنا بالخط، وعدي والديل، ومنهم عمرو بن الجعيد بن صبرة بن الديل بن شن بن أفصى بن عبد القيس وهو الذي ساق عبد القيس من تهامة إلى البحرين وعرف بالأفكل وكان سيد ربيعة في الجاهلية…
«ومواطن عبد القيس بتهامة في الأصل، ثم ارتحلت عنها بسبب الحروب التي وقعت بين أبناء ربيعة، فذهبت إلى البحرين، فتغلبت على من كان قد سكن قبلهم بها من إياد وبكر بن وائل وتميم. واقتسمتها بينهم، فنزلت جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز الخطّ وأفناءَها ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وما حوله والشفار والظهران إلى الرمل…([422]).
ومن كلامه هذا نفهم أنّ: نكرة بن لكيز وجذيمة بن عوف كانا يسكنان القطيف وما جاورها. فإذا أضَفْنا إليه ما نجده لدى ياقوت الحموي، من أن بني عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز العبقسيين يقطنون الجبيلة([423]) والظهران([424]) والفرضة([425]) وأن بني جذيمة بن عبد القيس يسكنون خرشاف([426]) ومنهم (كلب) يقطنون آقاز([427]) وهي مناطق من القطيف كما سبقت الإشارة إليها، ويضاف إليه تحديد المسعودي سكان القطيف وأنهم بنو حفص بن عبد القيس([428]).
من هذا كله نستطيع تحديد شعراء عبد القيس الجاهليين.
وبهذا أيضاً نحدد إن كان ما ذكره الاستاذ المسلم من أن: الممزق والمثقب والجمال وتوبة بن مضرّس ومالك بن عروة وحريث بن الزبرقان والمفضّل والمخضع والحصين وجدل بن أشمط وسامة بن ربيعة وثعلبة بن حزن وربيعة بن توبة ومنقذ بن هلال الشنّي وهرم بن حيّان وعمرو بن هبيرَة وأنس بن مساحق ومعارك بن مرة ويزيد بن خذاق ومسعود بن سلامة ومويلك بن قابس ونشبة بن عمرو والنعمان بن حنظلة وعمرو بن مرة وعطارد بن حاجب وعمرو بن أوس بن عصيّة ومقاتل بن مسعود وسلمة بن حبابة([429])…. وغيرهم العبديين من شعراء القطيف أمْ لا؟
على أنّ المسلّم به أنّ القطيف في العصر الجاهلي كانت تتمتع بشعراء كثيرين، نذكر منهم:
المثقّب العبدي([430])، واسمه محصن بن ثعلبة سمي المثقّب لقوله:
رَدَدْنَ تحيّةً وكَنَنْ أخرى
وثقّبْن الوَصاوص للعيونِ
ومن مختارات شعره:
أفاطم قبل بَيْنِك مَتّعيني
ومَنْعك ما سألتك أنْ تَبيني
ولا تَعِدي مَواعِد كاذبات
تمرّ بها رياح الصيف دوني
فإني لَو تعاندُني شمالي
عِنادُكِ ما وصلتُ بها يميني
إذاً لقطعتُها ولقلت بيني
كذلك أجتوي من يجَتوني
فإمّا أنْ تكون أخي بحق
فأعرف منك غَثّي من سميني
وإلاّ فاطّرحني واتْخذني
عدوّاً اتَّقيكَ وتَتقيني
فما أدري إذا يممْت أرضاً
أريد الخيرَ أيهما يليني
ألخير الذي أنا ابتغيه
أم الشر الذي هو يَبتغيني([431])
والممزّق العبدي([432]) واسمه شاس بن نهار لقب بالممزّق لقوله:
فإن كنت مأكولاً فكنْ خير آكل
وإلاّ فأدركني ولمّا أمزّقِ
ومن شعره قوله:
صَحا من تصابيه الفؤاد المشوّقُ
وحان من الحيّ الجميع تفرُّقُ
وأصبح لا يشفى له من فؤاده
قطار السحاب والرحيق المروّقُ
فمن بلّغ النعمان أنّ ابن أخته
على العين يعتاد الصفا ويمرّقُ
وإنّ لكيزاً لمْ تكن ربّ عكة
لدن صرحت حجاجهم فتفرّقُ
قضى لجميع الناس إذ جاء أمرهم
بأن يجنبوا أفراسهم ثم يلحقوا
يؤمّ بهنّ الحزم حرق سميدعٌ
أحذّ كصدر الهندواني يخفقُ
وقال جميع الناس: أين مصيرنا
فأضمر منها خُبت نفسٍ ممزقُ
فلما أتى من دونها الرّمث والفضا
ولاحت لها نار الفريقين تبرقُ
ووجّهها غربية عن بلادنا
وودّ الذين حولنا لو تشرّقُ([433])
وثعلبة بن عمرو العبدي([434]) وينتسب إلى عمرو بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس.
ومن شعره:
أأسماء لم تسألي عن أبيـ
ـكِ والقوم قد كان فيهم خطوبْ
إنّ عريباً وإنْ ساءني
أحبّ حبيب وأدنى قريبْ
سأجعل نفسي له جنّة
بشاكي السلاح نهيك أريبْ
وأهلك مهر أبيك الدوا
ءُ ليس له من طعام نصيبْ
خلا أنهم كلما أوردوا
يضّيع قعباً عليه ذنوبْ
فيصبح حاجلة عينه
لحنو استه وصلاه غيوبْ
فأعددت عجلى لحسن الدواء
ءِ لم يتلمس حشاها طبيبْ
أخي وأخوك ببطن النّسيـ
رِ ليس به من معّدٍ غريبْ
فأقسم بالله لا يأتلي
وأقسمتَ إنْ نلته لا يؤوبْ
فأقبل نحوي على قدرة
فلما دنا صدقته الكذوبْ
أحال بها كفّه مدبراً
وهل ينجينّك شدّ وعيبْ
فتبّعته طعنه ثرّة
يسيل على الوجه منها صبيبْ
فإن قتلته فلم آله
وإن ينج منها فجرح رغيبْ
وإنْ يلْقني بعدها يلْقني
عليه من الذلّ ثوب قشيبْ([435])
والذي يبدو أن شرق الجزيرة شهدت في العصر الجاهلي نهضة شعرية ممتازة، تحدث عنها أديب الضاد الكبير الجاحظ فقال:
«وشأن عبد القيس عجيب، وذلك أنهم بعد محاربة أياد تفرقوا فرقتين: ففرقة وقعت بعمان وشقّ عمان وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشقّ البحرين وهم من أشعر قبيل في العرب، ولم يكونوا كذلك حينكانوا في سرّة البادية ومعدن الفصاحة وهذا عجيب…»([436]).
في صدر الإسلام
ما قلته عن شعراء العصر الجاهلي ونسبتهم إلى القطيف، يأتي هنا لنفس السبب.غير أن الأستاذ المسلم ذكر من شعراء القطيف في هذه الفترة ستة أو يزيدون([437]). ولقد قلت إن عبد القيس ليست في القطيف وحدها، بل في مناطق شرق الجزيرة الثلاث (القطيف، والأحساء، والبحرين)، بالإضافة إلى أن أفخاذاً منها نزحت إلى الكوفة والبصرة عند تمصيرهما كما نزحت إلى غيرها تبعاً للفتوحات الإسلامية، هاجروا مع الجيوش الفاتحة واستوطنوا هناك، ورابطوا لحفظ الثغور الإسلامية الواسعة.
ومع أني أؤمن بما قدمت ولا أتفق مع المسلم نسبة كل شاعر عبديّ للقطيف فسأورد نماذج مما أورد لعل هؤلاء عاشوا في القطيف أو في المناطق المجاورة لها، فمنهم:
الصلتان العبدي([438]) واسمه قثم بن خبيئة من بني محارب بن عبد القيس. ومن شعره ما قاله عند تحكيمه بين جرير والفرزدق:
أنا الصلتان الذي قد علمتمُ
متى ما يحكم فهو بالحقِّ صادعُ
أتتني تميمٌ حين هابت قضاتها
وإنّي لبالفصل المبيّن قاطعُ
كما أنفذ الأعشى قضية عامرٍ
وما لتميم في قضائي رواجعُ
ولم يرجع الأعشى قضية جعفر
وليس لحكمي آخر الدهرِ راجعُ
سأقضي قضاءً بينهم غير جائرٍ
فهل أنت للحكم المبيّن سامعُ
قضاء امرئٍ لا يتقي الشتم بينهم
وليس له في المدح منهم منافعُ
فإن كنتما حكمتماني فأنصتا
ولا تجزعا وليَرض بالحق قانعُ
فإن ترضيا أو تجزعا لا أقلكما
وللحق بين الناس راض وجازع
فأقسم لا ألو عن الحق بينهم
فإن أنا لم اعدل فقل أنت ضائعُ
فإن يك بحر الحنظليين واحداً
فما تستوي حيتانه والضفادعُ
وما يستوي صدر القناة وزجّها
وما يستوي شمّ الذرى والأكارعُ
والأعور الشنّي([439]) واسمه بشر بن منقذ بن عبد القيس، له ابنان شاعران يقال لهما جهم وجهيم. ومن مختارات شعره قوله:
لقد علمت عميرة أن جاري
إذا ضنّ المثمرّ من عيالي
وإني لا أضنّ على ابن عمي
بنصري في الخطوب ولا نوالي
ولست بقائل قولاً لأحظى
بأمر لا يصدّقه فعالي
وما التقصير قد علمت معدٌّ
وأخلاق الدنيّة من خلالي
وأكرم ما تكون عليّ نفسي
إذا ما قل في اللزبات مالي
فتحسن نصرتي وأصون عرضي
وتجمل عند أهل الرأي حالي
وإنْ نلْتَ الغنى لم أغل فيه
ولم أخصص بجفوتي الموالي
ولم أقطع أخاً لأخ طريفٍ
ولم يذمم لطرفته وصالي
وقد أصبحت لا أحتاج فيما
بلوت من الأمور إلى سؤالي
وذلك أنني أدبت نفسي
وما حلْت الرجال ذوي المحالِ
إذا ما المرء قصّر ثم مرّت
عليه الأربعون من الرجالِ
فلم يلحق بصالحهم فَدعْهُ
فليس بلاحق أخرى الليالي
العصران الأموي والعباسي
من أشهر شعراء القطيف في هذين العصرين:
عيسى بن فاتك الخطي([440]): وقيل «عاتك» وهي أمه، وهو عيسى بن حُدير أحد بني وديعة بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. له قوله:
لقد زاد الحياة إلي حباً
بناتي أنهن من الضعافِ
أخاف بأن ينلنَ الفقر بعدي
وأنْ يشربن زنْقاً بعد صافي
وأنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجواري
فتنبو العين من عرٍّ عجافِ
فلولاهن قد سوّمْتُ مُهري
وفي الرحمان للضعفاء كافي
وله:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه
إذا فخروا ببكر أو تميْم
كلا الحيّين بنصر مدّعيه
ليلحقه بذي الحسب العميْمِ
وما حسب ولو كرمت عروق
ولكنّ التقيّ هو الكريْمِ
ومهذب الدين القطيفي([441]) وهو زاكي بن كامل بن عكي، أبو الفضائل المعروف بالمهذب القطيفي، الملقب بأسير الهوى، كان أديباً فاضلاً شاعراً رقيق الشعر توفي سنة 446هـ.
ومن شعره قوله:
عينانك لحظهما أمضى من القدر
ومهجتي منها أضحت على خطرِ
يا أحسن الناس لولا أنت أبخلهم
ماذا يضرك لو مُتّعت بالنظرِ
جدْ بالخيال وإن ضنت يداك به
فقد حذرت وما وفّيت من حذرِ
يا من تمكن من قلبي الغرام به
لا تبتلي مقلتي بالدمع والسهرِ
زوّد بتوديعة أو وقفة فعسى
تجبي بها نضو أشواق على سفرِ
وأحمد بن منصور بن علي القطيفي القطان البغدادي، كان أديباً شاعراً دخل بغداد ومدح الأمراء بها وسكن بها حتى مات في حدود 480هـ ودفن بمقابر قريش([442]).
ومن شعره قوله في مطلع قصيدة حسينية:
يا أيها المنزل المحيلُ
غالك مثعنجر هطولُ
أودى عليك الزمان لمّا
شجاك من أهلك الرحيلُ
لا تغتررْ بالزمان واعلمّ
أنّ يد الدهر تستطيلُ
فإن آجالنا قصار
وفيه آمالنا تطولُ
تفنى الليالي وليس يفنى
شوقي ولا حسرتي تزولُ
وهناك شاعران مغموران من القطيف ذكرهما العماد الأصفهاني في (جريدة العصر وجريدة أهل العصر([443]) ، وهما:
السكوني العبدي من القطيف:
هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن يوسف العبدي الجذمي، من بني عبد القيس بن ربيعة، من شعراء القرن السادس.
ومن شعره:
ألا إن دنيانا لدار ذميمة
قبيحة فعل غير مأمونة الغدرِ
يحاذر فيها ذو الحجى ويخافها
وآفاتها تأتيه من حيث لا يدري
وله:
تفكّر في أمور الناس وانظر
الى أحوالهم في كل حالِ
فإنك لن ترى إلا ظلوماً
شديد الحرص في طلب المحالِ
رأوا أمداً بعيداً فاستناموا
إلى الأيام جهلاً والليالي
عجبت من اجتراحهم المعاصي
أما يخشون نقمة ذي الجلالِ
والحسن بن ثابت بن الحسن العبدي الجذمي، من عبد القيس، من القطيف من شعراء القرن السادس ايضاً.
له قوله:
وقال لهم إنّ ريب الدهر أورثني
منه هواناً وأولى صرفه حرَبا
يا ليتنى لم أكن منهم فيعرفني العدا
فتضحك من تهوينهم عجبا
أتغفلون عن ابن العمّ إنْ غدرت
به الليالي وحال الدهر وانقلبا
والله ما أحد في الناس يعذركم
وأنتم تفخرون العجم والعرَبا
العزّ عزكم والمجد مجدكم
والملك فيكم فقد أعطى وقد وهبا
لم لا تجيرون مغلوباً يصيح بكم
القت عليه ليالي دهره نوَبا
ما تقرعون عباد الناس حيث أنا
في سجنكم وبناتي تملأ الكتبا
الفترة المظلمة
وهي عند المؤرخين الفترة التي ابتدأت بانتهاء الحكم العباسي، وحلّ محله الحكم العثماني حتى أوائل العصر الحديث، ولعل قلة المعلومات وعدم اتضاح تأريخ هذه الفترة لدى المؤرخين، أضفى عليها اسم (الفترة المظلمة)، يضاف إليه الركود الذي ساد العالم العربي بأسره والجمود الثقافي إلاّ قِلاعاً بقيت على سالف عهدها مناراً للفكر والثقافة وهي المدارس الدينية المبثوثة في العالم العربي والإسلامي.
والقطيف كغيرها غامضة في هذه الفترة ولا سيما ما قبل القرن الحادي عشر الهجري، على أنه يبدو أنها استمرت مرتعاً خصباً للفكر والأدب طيلة هذه الفترة، لوجود الحركة العلمية فيها، والعدد الكبير من العلماء والأدباء والشعراء وجدوا في القرن الحادي عشر وما بعده، وهذا يدل على وجود حركة علمية وثقافية وأدبية نشأ فيها هؤلاء حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ففي القرن الحادي عشر الهجري غرد أبو البحر الشيخ جعفر الخطّي([444]) بأنغامه العذبة في سماء القطيف وغيرها من البلاد التي هاجر إليها وهو يعد من أشهر شعراء القطيف في هذا القرن.
وفي القرن الثاني عشر الهجري عرفت القطيف شعراء كثيرين، أشهرهم:
1- الشيخ أحمد بن محمد الخطي (….- 1102هـ) ([445]).
2- والشيخ فرج الخطيّ (….- 1135هـ)([446]).
3- والشيخ يوسف أبو ذيب التاروتي (….-1160هـ)([447]).
4- والشيخ ناصر أبو ذيب([448]).
5- والشيخ عبد الحسين أبو ذيب (….- 1151هـ)([449]).
6- والشيخ محسن الفرج (….-1152 هـ) تقريباً([450]).
7- الشيخ عبد الله العوى الخطي المتوفى (1201 هـ) تقريباً([451]).
8- الشيخ حسن بن مجلي المتوفى (1202هـ) تقريباً([452]).
9- الشيخ حسن التاروتي (….-1150هـ)([453]) وفي القرن الثالث عشر الهجري شعراء كثيرون، أشهرهم:
1-السيد مال الله ابن السيد محمد الخطّي (….-1122هـ)([454]).
2-السيد محمد أبو الفلفل (….-1261هـ)([455]).
3-الشيخ عبد الله الذهبة (….-1266هـ)([456]).
4-الشيخ مرزوق الشويكي([457]).
5-الشيخ عبد الله بن محمد الشويكي([458]).
6-الشيخ محمد الشويكي([459]).
7-الشيخ عبد الله بن سلطان الخطّي([460]).
8-الشيخ علي بن حسن التاروتي (….-1250هـ) تقريباً([461]).
9-الشيخ عبد العزيز الجشي (….-1207هـ)([462]).
10-الشيخ عبد الله المشهدي (….-1255هـ).
11-الشيخ عبد المحسن الملهوف (….-1260هـ).
12-الشيخ حسن الصفواني (….-1271هـ).
13-الشيخ علي بن عبد الجبار (….-1287هـ).
14-الشيخ ناصر بن نصر الله (…-1295هـ)
15-الشيخ لطف الله الحكيم (….-1300هـ).
16-الحاج يوشع الخطي (….-….)([463]).
واشتهر في أوائل هذا القرن غير المعاصرين كثيرون أشهرهم:
1-الشيخ حبيب شعبان (….-1310هـ)([464]).
2-الشيخ محمد العوامي (….-1318هـ)([465]).
3-أحمد بن مهدي بن نصر الله (….-1306هـ)([466]).
4-الحاج يوشع الخطي (….-1302هـ)([467]).
5-الشيخ محمد الزهيري (….-1329هـ)([468]).
6-الشيخ حسن علي البدر (1278-1334هـ)([469]).
7-الشيخ محمد صالح القديحي (….-1333هـ).
8-الحاج محمد إبراهيم (….-1335هـ).
9-الشيخ محسن بن خميس (….-1335هـ).
10-الشيخ عبد علي الماحوزي (….-1327هـ).
11-الشيخ جعفر العوامي (….-1342هـ).
12-عبد الله المادح (….-1345هـ).
13-السيد محمود العوامي (….-1346هـ).
14-محمد العبيدي (….-1345هـ).
15-سعود الأجامي (….-1345هـ).
16-عبد الله التاروتي (….-1346هـ).
17-الشيخ رضى الحروس (….-1352هـ).
18-علي الزاهر العوامي (….-1355هـ).
19-منصور الجشي (….-1360هـ).
20-الشيخ منصور المرهون (….-1362هـ).
21-عبد الله الخباز (….-1362هـ).
22-حسن الربيع (….-1362هـ).
23-الشيخ علي العوامي (….-1364هـ).
24-حسن الفرج العوامي (….-1364هـ).
25-محمد آل انتيف (….-1372هـ).
26-عبد الكريم الفرج (1319-1373هـ)([470]).
27-الشيخ محمد بن نمر (1277-1348هـ)([471]).
28-الشيخ بدر بن سنبل (1291-1336هـ)([472]).
29-الشيخ محمد آل عمران (….-1303هـ)([473]).
30-الشيخ محمد آل طعان (….-….)([474]).
31-أحمد الشيخ صالح القطيفي (….-1346هـ)([475]).
32-الشيخ عبد الله المعتوق (1274-1362هـ)([476]).
33-الشيخ علي البلادي البحريني (1274-1340هـ)([477]).
34ـحسين الشبيب (….-1369هـ)([478]).
35-الشيخ سليمان آل عبد الجبار (….-1366هـ)([479]).
ويمكن أن نلحق بهم:
الشيخ علي الجشي (….-….)([480]).
الشيخ حسين القديحي (1302هـ -1387هـ)([481]).
الشعر المعاصر
نريد بالشعر المعاصر، هو شعر الشعراء المعاصرين من كلاسيكيين ومجددين وشبان، وإن أردنا تحديده الزمني فهو لا يبتعد عن العقود الاولى من هذا القرن الرابع عشر الهجري بالنسبة للشعراء الكلاسيكيين واواسط هذا القرن بالنسبة إلى حركة التجديد الشعري التي وجدت في العالم العربي، وانتقلت إلى القطيف فمسّت شعراءه فنظموا الشعر الجديد في معانية ومبانيه.
والشعر المعاصر بهذا التحديد – كما سنرى عند الحديث عن الشعراء كثير ومتشعب.
وفي رأيي أن هذا الشعر كانت له دوافعه التي نهضت به، وفهمه يتوقف على اتضاح هذه الدوافع التي غذته ونمت به حتى اشتد ساعده وقوي عوده شعراً حياً رصيناً.
فالقطيف بلد عريق في عروبته منذ الجاهلية الأولى، حيث تواجدت فيها القبائل العربية وأشهرها عبد القيس، فنمت فيها مواهب وملكات كثير من أفرادها الأدبية والشعرية، ومنهم من كان له في الفكر العربي أبلغ الأثر، فترك هؤلاء، وغيرهم ممن جاء بعدهم تركة من التراث الثرّ الحيّ والأدب الرصين، ورثته الأجيال المتعاقبة في القطيف.
والقطيف في شرق الجزيرة العربية، في القرون الخوالي، كانت حاضرتها الكبرى، ومركزها الاقتصادي والثقافي، ترسل إشعاعها على غيرها فتنيرها فكراً وثقافة ويستمد منها الغير بلغة العيش وغذاء الفكر، ومنذ بزغ نور الاسلام وإلى عصرنا الحاضر، أضيف إليها ثقل آخر، هو الجانب/الروح الذي تَسنّمت ذروته، فغدت بذلك مركزاً من مراكز العقيدة والايمان، يستنير بها غيرها ويلجأ إليها فيما يصله بربه تعالى.
وهي إلى جانب كلّ ذلك ملتقى الأقوام غير المتجانسة قومية وثقافة وفكراً وعقيدة، تضاف إلى تلكم المنازل الاقتصادية والثقافية والعقدية، كعامل له وزنه في إيجاد بيئة حضارية ممتازة.
ويكفي القول أن سكان حاضرة القطيف (القلعة) وبعضاً من غيرها قبل عقود أدركها بعض المعمّرين، كانوا على مستوى من الثقافة واللغة العربية رفيع، حتى أنك قلّما تجد من يلحن في كلامه، وعلى معرفة بالدين وتعاليمه مكنته أن يعرف منه حتى أحكامه الخاصة التي لا يلمّ بها إلا المتخصصون في علم الفقه. والأدب يتذوقونه ويحسنون فهمه ونقده، وهذا كلّه انما تأتّي للقطيف بفضل وعيها وبيئتها الحضارية الممتازة.
والأسر الكبيرة التي عاشت في تلكم الفترة والتي يعرفها أهل القطيف الآن – كان من بينها العالم والأديب والشاعر، وقليل هم الآخرون مع سليقة عربية سليمة وذوق رفيع، ومن هنا توّجت بلقب (النجف الصغرى) لما حفلت به من عدد كبير من العلماء الأعلام والأدباء العظام والشعراء المبدعين، ولما تميزت به من رقيّ في الفكر والثقافة والعلم والأدب، هيّأها كلّ ذلك لأن تحتضن الحركة العلمية والأدبية، ولعلّ أجلى مظاهر الحركة العلمية هو البحث الخارج في الاصول والفقه الذي يسبق درجة الاجتهاد في الفقه لمن يحالفه الحظ ليصل إلى هذه الدرجة السامقة من العلم حيث يحصل على ملكة استنباط الأحكام من أصولها الأساسية.
ولكلّ هذا كانت القطيف بيئة حضارية ممتازة، تمثلت في هذا التراث الثرّ والفكر الرصين على مرّ الأجيال، احتضنت الشعر المعاصر، وغذته العوامل الاخرى فحلقت به في سماء الخلود أدباً حياً يملأ الآذان ويستهوي القلوب.
ولقد لقي الشعر المعاصر هذه العوامل متمثلة في الحركة العلمية والعامل الذهني وعامل الانفتاح على العالم الخارجي إلى غيرها من العوامل الأخرى التي أخذت بيد الشعر القطيفي المعاصر، لأن يحلق في سماء الشعر العربي ويأخذ مكانه اللائق به بين إخوته شعر حواضر العرب الأخرى.
الحركة العلمية كما أسلفت الِإيماءة إليها إنما هي إشعاع في حواضر العلم الكبرى في العالم الإسلامي، لما بين القطيف وبينها من اتصال روحي قوي العرى، كان من أبرز نتائجه أن شد الرحال كثير من أهالي القطيف إليها ليأخذوا العلم من منبعه الغضّ الفيّاض. وما أن عاد هؤلاء حتى حملوا على عاتقهم مهمة النهوض بالقطيف فكريّاً، كان من نتاجه هذه النهضة الشعرية.
وأثر الحركة العلمية على هذه النهضة، يتمثل في العلماء الأعلام الذين وضعوا أنفسهم موضع الأب الرؤوف، يحدب على أهالي القطيف ويرعاهم ويتفقد شؤونهم، ويحمل لهم مشعل الهداية والنور.
وحركتهم هذه في مجالسهم العامة والخاصة، والمنتديات الأخرى، عملت على بلورة الأذهان وتهيئتها لقبول العلم والمعرفة، ممّا دفعهم للاستزادة منه أينما وجدوه في مجلس عام، أو منتدى ادبي أو في بطون الكتب والمجلات، وغير ذلك من وسائل التثقيف الذاتي.
ويجب أنْ لا ننسى الرعاية الخاصة التي لقيها شعراء هذه الفترة من أرباب الحركة العلمية، الرعاية التي أخرجتهم عن مصاف الأخرين لما يتوسمّه فيهم أرباب هذه الحركة من خير ثرّ ومستقبل زاهر.
وأرباب الحركة العلمية كثير، منهم من بلغ من العلم ذروته فتصدر الفُتيا ورجعت له العامة في أمور دينهم ودنياهم، ومنهم من جمع بين الفُتيا والقضاء في أرفع درجاته.
ومن أثّر من هؤلاء في النهضة الشعرية كثيرون حفلت بهم القطيف في العقود الأولى من هذا القرن، سأقصر الحديث على واحد منهم، وهو الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي الرائد الأول للحركة الفكرية المعاصرة في القطيف.
كان لا يبخل بوقته في التدريس والإفادة، والحدب على من وجد لديه استعداداً للعلم والمعرفة ينهل منهما ما شاءت له طاقاته ومواهبه ان ينهل. فقد قام بتوجيه الكثير لطلب العلم والاستزادة منه، وكان هذا التوجيه وهذه الرعاية الهادفة، بلغت مبلغاً عظيماً من الاهتمام إلى درجة زيارة هذه الفئة الشابة الفتية في منازلهم، وتفقدهم حدباً عليهم وأخذاً بأيديهم إلى الرقي الفكري والأدبي، لكي يخلدوا بأدبهم وفكرهم على مر العصور والأجيال، ويخلدوا القطيف النغمة الخيرة على فم الخلود.
يقول الأستاذ محمد سعيد المسلم في ترجمته للشيخ ميرزا البريكي:
«نشأ مترجمنا في وقت ازدهرت فيه الحياة العلمية في القطيف، وأخذت الحركة العلمية تدبّ فيها بنطاق واسع، وكان على رأس هذه النهضة المباركة الشيخ أبو الحسن الخنيزي، فقد كان قطب رحاها الذي تدور عليه، ومبعث النشاط والحركة فيها، وكان بفضل الجهود التي بذلها في هذا السبيل، ألقحت وأنتجت وآتت بالثمر الطيب، فتخرّج على يده فئة ممتازة لا تزال مظهر البلاد في حاضرها العلمي والأدبي اليوم، ومن بين تلك الفئة مترجمنا الفاضل.
ومن أرباب الحركة العلمية من لم يصب الاجتهاد أمنية كل عالم، ولكنه أخذ من العلم قسطه الوافر، أسهم في هذه النهضة أيما إسهام وسأقف عند اثنين منهم: أولهما الأستاذ البريكي وثانيهما الأستاذ الخطيّ.
فالشيخ ميرزا حسين البريكي يعد بحق من رواد النهضة الأدبية الأوائل، الذين أسهموا في إيجادها وبلورتها والنهوض بها.
وأشهر من تتلمذ على يديه من أدباء وشعراء القطيف: الشاعر محمد سعيد الجشي والأستاذ عبد الله الجشي والأستاذ محمد سعيد المسلم والشاعر أحمد الكوفي والأستاذ حسن العوامي وأخوه السيد علي العوامي وغيرهم. ومن الشباب ابنه الشاعر سعيد البريكي والشاعر الشاب محمد الشماسي وغيرهم.
والشيخ عبد الحميد الخطّي، تفتحت مواهبه في حاضرة العلم الكبرى النجف الأشرف وكان أن نبغ شاعراً مجدداً.
وما إنْ عاد إلى القطيف بعد وفاة والده، في العقد السابع من هذا القرن، حتى تولى الحركة الأدبية يغذيها ويدفعها إلى الأمام بتوجيهاته القيمة، لا سيما وشعره يعدّ مدرسة جديدة بالنسبة للقطيف.
وقد تبنى عدداً من الأدباء والشعراء، فوجههم الوجهة الصحيحة، أخص منهم الأستاذ عبد الله الجشي تتلمذ على يديه مذ كان في النجف الأشرف والأستاذ محمد سعيد الخنيزي، والأستاذ عبد الواحد الخنيزي، والأستاذ عبد الله الخنيزي، والأستاذ محمد سعيد الجشي وغيرهم، كان يوجه هؤلاء ويصحح للبعض شعراه أول قوله الشعر، وينقد شعرهم في معانية وألفاظه، وهو أوّل من نبّه الى ضرورة ضبط المفردات والتجديد في الكلمة الشعرية.
وغير البريكي والخطي كثير ممن أسهم في هذه الحركة ونهض بها، ولا تسع طبيعة البحث استقصائهم.
والحركة العلمية بالإضافة إلى تبنّي أربابها تنشئة الشباب وتثقيفهم والنهوض بهم، فهي من شأنها أن توجد البيئة الثقافية الملائمة، فيما يكون بين هؤلاء العلماء من مذاكرات هي في أغلب الأحوال تدعم تنشئة الجيل الجديد على حب العلم والمعرفة والتّطلع للثقافة والأدب أينما وجد، وفيما يصحبها عادة من توافر كتب التراث العربي والإسلامي، وهي في متناول هؤلاء الشباب، يفيدون منها ويكوّنون ملكاتهم الفكرية والأدبية، فالمكتبات الخاصة كثيرة ومتوفرة، وأصحابها لا يبخلون على هؤلاء الشباب بالاطلاع، بل يفسحون المجال الرحب أمام هذه الطاقات البكر للتفتح، وهذا ما ينسجم تماماً مع طبيعة مهمتهم العلمية وغايتهم النبيلة وأهدافهم السامية في إنارة الطريق أمام السالكين وهداية المسترشدين.
فالحركة العلمية ممثلة في روادها، وهذه البيئة الثقافية التي تواجدت في القطيف بسبب وجودهم، كان لها كبير الأثر في النهوض بشعر القطيف المعاصر. ولا بدع أن يخلد شعراء القطيف هؤلاء العلماء، ويبكونهم بالدمع الغزير، بعد أن وجدوا أنفسهم وقد اخترمت يد المنون أولئكم العلماء الرائدين والتقاة الورعين والفقهاء المجتهدين.
يقول الأستاذ محمد سعيد الجشي:
مال الخريف على الربيع فصوّحت
تلك الأزاهر في الربيع الأخضر
وطغت رياح الخطب تعصف بالربى
تلقي بكل مزمجر ومدمِّرِ
حتّى اكفهر الأفق وانقطع الرجا
من نور فجر للهداية مسفرِ
أين الجهابذة العباقرة الأُلى
طلعوا شموساً في دياجي الأعصر
سحبوا على قمم الخلود مطارفاً
والطهر ملء ردائهم والمئزر
يا ليتهم يلقون ضوءاً ساطعاً
يمحو ظلام عماية وتحيّرِ
ويقول في قصيدة أخرى:
يا أيّها البلد الذي
سلب الحمام مفاخرَهْ
أين المجالس زاهيات
بالفوائد عامرَهْ
بالأمس كانت للقطيف
نجوم فضل سائرَهْ
واليوم أضحت في دياج
دامسات عاكرَهْ
والعامل الذهني كان له كبير أثر على هذه النهضة الشعرية.
وأعني بالعامل الذهني الذكاء الوقّاد الذي كان يتحلّى به كثير من أهل القطيف. والذكاء كما أثبته علماء النفس إنّما هو من تفاعل البيئة والوراثة.
فالبيئة الحضارية متواجدة في القطيف منذ أقدم العصور، وليس أدلّ على ذلك من هذا العدد الكبير من العماء الأعلام والشعراء المبدعين والأدباء الكبار الذين عرفتهم القطيف في تاريخها الطويل والبيئة هذه متى كانت حضارية وفي مستوياتها العليا، لا بدّ وأن يكون سكان هذه البيئة على مستويات من الوعي عالية، يعيشه الكبير ويشبّ عليه الشاب وينشأ عليه الصغير.
ومن نظر إلى سكان القطيف، ولا سيما الأسر التي تقطن حاضرتها (القلعة)، وجدهم على مستويات من الوعي عالية، ومن هذه الأسر وجد هذا العدد الكبير من أدبائنا وشعرائنا المعاصرين: فآل الخنيزي وآل العوامي وآل الشماسي وآل الزاير وآل عمران وآل أبي السعود وآل الجشي وآل المسلم… وغيرهم، يجد الباحث بين ظهرانيهم الباحث والأديب والشاعر والعالم، ومن لم يكن كذلك فهو في مستوى من الوعي الفكري ليس بقليل.
ومن هنا نفهم العامل الذهني أو الذكاء الذي تميّزت به القطيف. فالبيئة الحضارية موجودة والعامل الوراثي متوافر، في التراث الجيّد الوافر الذي ينقله السلف للخلف، يزوّد به الأدباء أبناءهم. وللقارئ الباحث أنْ يتلمّس هذه الظاهرة في نثر القطيف المعاصر وشعره.
والمدونات الحديثة التي عرفت طريقها إلى القطيف، بعد أن تطوّرت الطباعة وتوفّرت أسباب النشر ووسائلها الممتازة، فوفدت إلى القطيف على شكل تراث تمّ تحقيقه ونشره، أو نشر ديوان شاعر مجدد أو من عباقرة الشعر العربي القديم، أو دراسة أدبية مستقلة أو بحث في مجلة أدبية، ممّا أسفرت عنه حركة التجديد والانبعاث في العالم العربي بقيادة مصر وسوريا ولبنان والعراق وغيرها من البلدان العربية، التي تأثّرت بالتطوّر الفكري في العالم، فأفاقت بعد سبات دام قروناً عديدة منذ عصر العرب الذهبي وحتّى نهاية القرن الماضي.
كلّ مظاهر الاتصال هذه أدّت إلى انفتاح القطيف على العالم الخارجي. فكان له أثره الكبير في نهضة شعر القطيف المعاصر وتطوّره.
فبعض من شعراء القطيف المعاصرين تلقّى تعليمه خارجها، وآب إليها وهو شاعر مجيد مطبوع مثل الأستاذ الخطيّ والأستاذ عبدالله الجشي وهناك من أثّرت فيه الحركة العلمية التي استمدّت إشعاعها من مراكز العلم والعالم الإسلامي، فخرج شاعراً مجيداً أمثال الشيخ فرج العمران وأحمد الكوفي.
وقام هؤلاء وأولئك بنشر الوعي الأدبي على صعيده العام، حتّى أدرك التجديد شعر القطيف المعاصر والحفاظ على قوته ورونقه.
وكانت الكتب والمجلات التي دخلت القطيف رافداً حيّاً، مدّ الفكر القطيفي بما أبدعته عقول العرب، منذ أقدم العصور حتّى وقتنا الحاضر، ولا سيّما الأدب المهجري الذي أخرج الأدب العربي إلى مستوى الآداب العالمية الحيّة والهادفة تعنى بالإنسان ومشاكله وتصوير أحاسيسه والإفصاح عن آلامه وآماله وبعث البقية الباقية من تراثنا الفكري القديم، الذي أسهم فيه المفكرون العرب بفضل حركة الانبعاث الجبّارة. التي انطلقت خلال هذين القرنين، فخرجت بنات أفكارهم دراسات حيّة في تراثنا القديم نقداً وتقييماً وإيضاحاً وتعليقاً، أشرقت على العالم العربي بعد طول فترة جمدت فيه الحركة أيّما جمود.
وما أن وصل هذا التراث حتّى انكبّ عليه أهل القطيف درساً واستيعاباً، نقحوا به معلوماتهم وأضافوا إليها ما فيه من كلّ طريف وتليد، ووسّعوا أفقهم، فكانت منه هذه الانطلاقة الخيرة، التي تمثّلت أوّل ما تمثّلت في هذا النتاج الشعري الجيّد والثرّ.
ولقد كانت المجلات الأدبية ذات أثر آخر يمكن ملاحظته جيّداً، وهو المجال الرّحب الذي أفسحته للأدب القطيفي، يتنفّس الصعداء على صفحاتها ولا سيما مجلة (العرفان) اللبنانية لصاحبها الشيخ عارف الزين. ويكفي أنْ نقرأ معاً أبيات من قصيدة الأستاذ محمد سعيد الجشي في رثائه لنرى كم أسدت هذه المجلة من فضل على الأدب القطيفي نثره وشعره.
يا إمام اليراع في صحف الشرق
تبوّأ مع الهداة مقاما
إنّنا في القطيف نجري دموعاً
كي نوفّيَ الإكبار والإعظاما
إنْ أذبنا فيك المشاعر دمعاً
قد أخذنا من قبل منك الوساما
قد جعلت العرفان للأدب الخطّي
حقلاً حتّى نما واستقاما([482])
هذه العوامل وغيرها الكثير أسهم في إيجاد النهضة الشعرية المعاصرة، كانت عوامل بقاء بعد وجود هذه التربة الخصبة لهذه النهضة وهي البيئة الفكرية والحضارية الملائمة، احتضنت الشعر المعاصر وغذّته ونمت به.
عبد العلي يوسف آل سيف
الشعر في القطيف
في أربعين عاماً 1370 ـ 1410هـ
يخيّل إليّ، وأنا في معرض هذا الحديث، أنّ الشعر في القطيف قديم قِدَمَ طبيعة هذه الواحة المترفة بأشجار النخيل الباسقة والمياه العذبة المتدفقة، لتقابل كثبان الدهناء الظامئة غرباً، وأمواج الخليج شرقاً…
تهدي لها الصحراء في السحر الصبا
فتمر كالحلم اللذيذ وتخطر
والبحر يهديها اللآلئ زينة
وتجارة فيها الغنى يتوفّر
دنيا بها من كلّ فن ساحرٍ
ولكلّ ما تصبو النفوس مصور([483])
فلا عجب إذا كانت هذه الطبيعة الرائعة مصدر شاعرية صافية، يفتن بها الشعراء وتتلاقى أرواحهم على ضفافها الساحرة فتصوغ من مفاتها العذراء قلائد شعر تعلّقها على جيد الزمان، يزهو بها مفتناً أبد الدهر. وإذا كان سياق العمل الموضوعي لا يعنى بهذه التخيّلات، فإنّنا لا نعدم، في المصادر الأدبية والتاريخية، ما يعيننا على إيراد النماذج الواحد تلو الآخر، تدليلاً على مكانة القطيف أدبياً، عبر عصور الأدب المتلاحقة.
هذا أبو عثمان الجاحظ يقول: «وشأن عبد القيس عجيب، وذلك لأنّهم بعد محاربة إياد تفرّقوا فرقتين: … وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيل في العرب. ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية ومعدن الفصاحة، وهذا عجيب»([484]).
وإذا دلّ قول الجاحظ على شيء، فإنّما يدل على النهضة الأدبية التي كانت تتمتع بها هذه المنطقة الخصبة في تلك المرحلة التاريخية المجهولة ـ نوعاً ما ـ في تاريخ القطيف.
فضلاً عن أنّ البيئة الطبيعية، التي وصفناها سلفاً، هي التي أذكت روح الشعر في عبد القيس وهذبتها فانطلقت صافية رقرا قة، وهو ما فات صاحبنا، أعني أبا عثمان الجاحظ.
ولعلّ في قول المثقب العبدي (وهو أحد شعراء المنطقة الجاهليين) ما يشير إلى ما تعارف عليه النقّاد في شعر البدو الحاضرة… إنّه يقول:
فإمّا أن تكون أخي يصدق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلاّ فاطّرحني واتخذني
عدواً أتقيك وتتقيني
فما أدري إذا يممت أرضاً
أريد الخير أيّهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه
أم الشر الذي هو يبتغيني
والمثقب العبدي ليس إلاّ واحداً من شعراء كثيرين مثلوا واقعاً أدبياً ناهضاً بكلّ مقومات الأدب في ذلك الزمان، كما نفهم من كلام الجاحظ.
أمّا في العصر الإسلامي: فلم يكن شوط الشعر متوقفاً عن مواصلة مسيرته التاريخية، فلقد حفلت هاتان الحقبتان بشعراء كثيرين، ننتقي منهم:
الصلتان العبدي: الذي احتكم عنده شاعرا العصر الأموي (جرير والفرزدق) فحكم بأنّ جريراً أشعر من الفرزدق، وهو الذي يقول في ذلك:
أنا الصلتان الذي علمتم قضاءه
متى ما يحكم، فهو بالحق صادع
أتتني تميمٌ حين هابت قضاتها
وإنّي لبالفضل المبين قاطع
سأقضي قضاءً بينهم غير جائر
فهل أنت للحكم المبين سامع
قضاء امرئ لا يتقي الشتم بينهم
وليس له في المدح منهم منافع
وزياد الأعجم العبدي: وهو أحد موالي عبد القيس. ويروى أنّ الفرزدق همّ بهجاء بني عبد القيس، فبعث إليه زياد «لا تعجل حتّى أهدي لك هدية»، فانتظر الفرزدق، فبعث إليه هذه الأبيات:
وما ترك الهاجون لي أن هجوته
مصحاً أراه في أديم الفرزدق
وما تركوا عظماً يرى تحت لحمه
لكاسره أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوه لي من عظامه
وأنكث مخ الساق منه ولأنتقي
وإنّا وما تهدي لنا إن هجوتنا
لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق
فلمّا وصلته قال: «ليس إلى هجاء هؤلاء من سبيل ما عاش هذا العبد».
والأعور الشني العبدي: وهو أحد فحول شعراء العصر الإسلامي، ويُقال إنّ المهلب بن أبي صفرة أمره في إحدى المعارك بالنزول إلى ميدان القتال ليبارز، فامتنع وقال:
يقول لي الأمير بغير حزم
تقدّم، حين بنا بنا المراس
فما لي إن أطعتك من حياة
وما لي غير هذا الرأس راس
وعمر بن أسوى العبدي: ومن شعره في الفخر:
وما أنا بالناسي الخليل ولا الذي
تغيّر إن طال الزمان خلائقه
ولست بمنان على من أورده
ببر ولا مستخدم من أرافقه
وهناك غير هذه الأسماء ممّن بخلت بذكرهم المصادر أو ارتبنا في تحديد مسقط رأسهم.
أمّا في العصر العبّاسي: فإنّ بعض المصادر تحدّثنا عن: عيسى بن فاتك الخطي: الذي يقول:
لقد زاد الحياة إليّ حبّاً
بناتي، إنّهن من الضعاف
أخاف بأن ينلن الفقر بعدي
وأن يشربن رنقاً بعد صافي
وأن يعرين إن كسي الجواري
فتبنو العين من عرٌّ عجاف
فلولا هن قد سومت مهري
وفي الرحمن للضعفاء كافي
ومهذب الدين القطيفي: الملقب بأسير الهوى، ومن شعره:
عيناك لحظهما أمضى من القدر
ومهجتي منهما أضحت على خطر
يا أحسن الناس لولا أنت أبخلهم
ماذا يضرّك لو متّعت بالنظر
جد بالخيال وإن ضنت يداك به
فقد حذرت وما وفيت من حذر
وأحمد بن منصور القطّان القطيفي البغدادي: وقد كان أديباً وشاعراً رحل إلى بغداد ومدح الأمراء، وتوفي فيها سنة 480هـ، ومن شعره:
يا قاتلي بالصدود رفقاً
بمهجة شفها غليل
انحل جسمي هواك حتّى
كأنّه خصرك النحيل
غصن من البان حيث مالت
ريح الخزامى به يميل
يسطو علينا بغنج لحظ
كأنّه مرهف صقيل
كما سطت بالحسين قوم
أراذل ما لها أصول
والسكوني العبدي: وهو من شعراء القرن السادس، ومن شعره:
تفكر في أمور الناس وانظر
إلى أحوالهم في كلّ حال
فإنّك لن ترى إلاّ ظلوماً
شديد الحرص في طلب المحال
رأوا أمداً بعيدا فاستناموا
إلى الأيام، جهلاً، والليالي
عجبت من اجتراحهم المعاصي
أما يخشون نقمة ذي الجلال
والحسن بن ثابت الجذمي العبدي، وهو من شعراء القرن السادس أيضاً، ومن شعره:
العز عزكم والمجد مجدكم
والملك فيكم، فقد أعطى وقد وهبا
لم لا تجبرون مغلوباً يصيح بكم
ألقت عليه الليالي دهره نوبا
ما تقرعون عباد الناس حيث أنا
في سجنكم وبناتي تملأ الكتبا
أمّا عصر الانحطاط، فشأن القطيف هو شأن سواها من البلاد العربية والإسلامية، يكاد لا يعرف أحد من الباحثين عن هذه الفترة شيئاً، إلاّ ما نذر وندر.
ما بعد القرن العاشر
ولم يتوصّل أحد من الباحثين حتّى الآن ـ حسب اطلاعنا ـ على شاعر قطيفي جاء بعد الحسن الجذمي المذكور، غير أبي البحر جعفر الخطي (980 ـ1028هـ) الذي غرّد بأنغامه العذبة في سماء القطيف وغيرها من البلاد التي هاجر إليها وهو من أشهر شعراء القرن الحادي عشر الهجري في البلاد العربية، لا أشهر شعراء القطيف فحسب، ومن شعره متشوقاً إلى وطنه:
كفى حزناً أنّي بشيراز مفردٌ
أباكر ما يضني الحشا وأرواخه
وفر هموم لو يضيفن يذبلا
تضاءل واستعلت عليه أباطحه
وشوقاً لن استجلى سناه أخو الدجى
لأغناه عن ضوء المصابيح قادحه
أحن فلا ألفي سوى هاتف الضحى
يصارحني شكوى النوى وأطارحه
يقطع آناء النهار بنوحه
إلى أن يرى وجه الظلام يصافحه
وإن له بعد الهدوء لجولة
وأخرى، وأشجى النوح ما لجّ نائحه
هل الله مستبق ذمائي بعودة
إليه يريني الدمع قد هشّ كالحه
وبعد أبي البحر هذا، تتكدّس لدى الباحثين أسماء لا حصر لها من الشعراء، معظمهم من العلماء ورجال الدين الأجلاء. رحمهم الله جميعاً.
على أنّنا نرى أنّ أبرز هؤلاء العلماء الشعراء هم:
الشيخ يوسف أبو ذيب (ت: 1200هـ) ومن شعره في رثاء الحسين (عليه السلام) من قصيدة طويلة:
لهفي له وحريمه
من حول مصرعه نوادب
يندبنه بمدامع
من حر أجفان سواكب
أحسين بعدك لا هنا
عيش ولا لذّت مشارب
ومنها:
يا راكباً تعدو به
حرف من القود النجائب
عج بالغري وقف على
عتبات أحمى الناس جانب
واحبس على أعتابه
واندب وقل والمدمع ساكب
فجعتك حرب بالحسين
وبالعشيرة والأقارب
تركوه مطعون الحشا
تحت المضمرة السلاهب
يعلو بأطراف الأسنّة
رأسه بدل المناكب
واشرح لنا ما راعنا
بالطف من فعل النواصب
والشيخ حسن التاروتي (ت: 1250هـ) صاحب العينية المشهورة التي مطلعها:
اللراعبية بالأجرع
صبابة وجد فلم تهجع
ومنها:
فيا راكباً ظهر مجدولة
شأت أربع الريح في أربع
تجافي الأباطح حزم الحزوم
وجرعها حزم الأجرع
إذا لمعت نار طور الغري
فأنت بواد طوى فاخلع
وصلّ وسلم وصل واستلم
لقدس أبي الحسن الأنزع
وناد وقل يا زعيم الصفوف
ومركز دائرة الأجمع
قعدت وفي الطف أم الخطوب
تقعقع في ضنك الموقع
جثت فجثى بإزاها بنوك
على ركب قط لم ترفع
أبيدوا فغصت بهم بقعة
بها غص منهم فم الأبقع
والزعيم أحمد بن مهدي بن نصر الله (ت: 1306هـ) الذي ورث عن أبيه الزعامة، وملئت حياته إثارة وإباء وقد خلف ديواناً ضخماً في أربعة مجلدات. ومن شعره:
ولأقذفن بكل حزق واسع
عيسا تجد ألده وتزعزع
ولأحملن على الدجنة فتية
يجبى لهم من كلّ فضل مرتع
فهم نجاد المجد أين تنجدوا
وهم طلاع المجد أين تطلعوا
والشيخ حسن علي البدر (1334هـ)، ومن شعره:
ومن ينظر الدنيا بعين بصيرة
يجدها أغاليطا وأضغاث حالم
ويوقظه نسيان ما قبل يومه
إلى أنّها مهما تكن طيف حالم
ولكنّها سحارة تظهر الفنا
بصورة موجود بقالب دائم
ولا فرق في التحقيق بين مريرها
وما يدعي حلواً سوى وهم واهم
فكيف بنعماها يغرّ أخو حجى
فيقرع إن فاتت لها سن نادم
والشيخ محمد بن نمر (1348هـ) ومن شعره:
قوموا السمر هاشم والكعابا
وامتطوا للنزال جرداً صعابا
وانسجوا من طرادها الترب سحبا
تملأ الجو ظلة وعذابا
عارضاً يحمل الحمام ويسقيه
بني حربٍ، شيبها والشبابا
فلكم من أكفها جرعتكم
كأس ذل ذاقته ذلاً وصابا
والشيخ علي (أبو المكارم) العوامي (1364هـ)، ومن شعره:
ألا بأبي وبي أفدي حسْيناً
إمام الدين والدنيا جميعا
فظلماً أبعدوه ولم يبالوا
بما فيه أتوا أمراً فظيعا
وعن دار النبي غدا طريداً
ولما يرقبوا فيه الشفيعا
مليك أسمته يد البلايا
وفي أرض البلا أمسى صريعا
وغير هؤلاء العلماء الشعراء؛ كانت هناك أسماء لم نتعرّض لها اختصاراً، وقد ذكرتها كثير من المصادر.
ولا نظن، بعد هذه الجولة السريعة، أنّنا بحاجة إلى التدليل على أنّ القطيف بيئة شعرية ممتازة، فتراثها الشعري يشهد لها بذلك، ويعزّز هذا الرأي قاعها الأدبي الحديث، الذي يعتبر امتداداً طبيعياً لهذا التراث المشرّف عبر تاريخها العريق.
الأربعون عاماً
أهمية هذه الحقبة، وأثرها في الشعر القطيفي
إنّ اهتمامنا بدراسة شعر هذه الحقبة بالذات، كان له أكثر من علّة، دفعتنا إلى تركيز الحديث حولها.
ولعلّ أهم هذه العلل والأسباب هو الأهمية التي تمّيزت بها هذه الحقبة في تاريخ القطيف على جميع الأصعدة الحياتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الأمر الذي انعكس على الشعر القطيفي بصورة ملموسة، وترتب على ذلك وضع الشعر القطيفي في مرحلة انتقالية جديدة؛ يقف الدارس أمامها محاذراً، نظراً لما تزخر به من ملابسات فنية وتاريخية.
فعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي
تقلّص دور المنطقة، واختلف شكلها، إذ أصبحت مجرد إمارة صغيرة تابعة للدولة السعودية الكبيرة، التي ضمتها إليها منذ عام 1331هـ. وكانت قبل ذلك إحدى توابع الدولة التركية.
وكان لتعمير مدينة الدمّام الذي نشأ سريعاً؛ وانتقال إمارة المنطقة الشرقية من الإحساء إليها عام 1370هـ، وكذلك تعمير مدينة الخبر والجبيل والظهران ورأس تنورة وإنشاء الموانئ الاستراتيجية فيها، كان لكلّ ذلك السبب الرئيسي في إبعاد المنطقة ـ منطقة القطيف ـ عن الواجهة الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها قبل اكتشاف البترول.
أضف إلى أنّ اكتشاف البترول وانتعاش المنطقة الاقتصادي؛ عملا على التأثير المباشر في الحياة الاجتماعية القطيفية، ووضعا لها نظماً جديدة، وأورثا عدّة إيجابيات وسلبيات معقدة.
وأمّا على الصعيد الثقافي
فقد كان التعليم النظامي الذي بدأ دوره الحقيقي سنة 1367هـ هو الطريق الذي اتّصف بسعة الرفعة من حيث إيصال الثقافات الأوليّة إلى أغلب أفراد الشعب القطيفي. وبذلك امتزج دوره بالدور الريادي الذي تؤدّيه دور الكتاتيب المعمول بها سلفاً في حقل التعليم.
كما أنّ الثقافات الحيّة المنوّعة والتي كانت تبثّها الكتب وسائر وسائل الإعلام الحديثة المختلفة من صحف ومجلات محلية وعربية، وإذاعات وغيرها، كانت تمثّل حلقة الوصل التي جمعت بين العالم ومتغيّراته من جهة، والمثقف القطيفي من جهة أخرى في وعي شامل لجميع نواحي الحياة العامّة.
وبذلك خلص المجتمع القطيفي إلى شخصية جديدة وأسلوب حياة جديد، جديد في تفكيره وتعامله مع الأمور وتقييمه المواقف العامّة، وتحديد مرتكزاته.
ونتيجة لكلّ هذه المقدّمات: مثل الشعر القطيفي الحديث (شعر الحقبة المذكورة) شكلاً من أشكال التطوّر والتغيُّر الحياتي الذي تشهده المنطقة وتعيشه، ولم يعد مجرد ترديد أنغام مكررة وتركيب تعابير جاهزة أكل الدهر عليها وشرب، بل أصبح طريقة عصرية للتعبير الفنّي عن مكنونات نفسية ومرتكزات فكرية، جديرة بالاهتمام والدراسة الموضوعية.
وسوف يرى القارئ الحصيف أموراً تمتد إلى أعمق من هذه الحقبة، ولكنّه سيعرف، أيضاً، أنّ تحديدنا لم يكن شكلاً هلامياً اتكأنا عليه جزافاً… فإلى ذلك الملتقى.
البيئة الشعرية القطيفية الحديثة
ونقصد بذلك مظاهر النشاطات الشعرية البارزة في الشعر القطيفي الحديث، ودور هذه النشاطات في خلق بيئة أدبية لنشر الوعي الأدبي من جهة، وإظهار الأعمال الأدبية إلى حيّز التناول المحلّي أو الخارجي من جهة أخرى. ويمكننا اختصار ذلك في عدّة نقاط أهمها:
1 ـ النشر
الدوريات والدواوين:
على الرغم من أنّ بعض شعراء القطيف قام بنشر بعض أعماله الأدبية عبر بعض الدوريات العربية والمحلية أو قام بطبع بعض دواوينه، إلاّ أنّ فرصة الانتشار الفعلي للشعر القطيفي، أو لنقل الأدب القطيفي، لم تبلغ مستوى مقبولاً بعد!.
صحيح أنّ بعض الشعراء قد حقّق شهرة لا بأس بها كعبّاس خزام ومحمد سعيد الخنيزي والشيخ الخطي وعبد الرسول الجشي والسيد حسن السيد ولا ننسى محمد سعيد المسلم الشاعر والأديب والمؤرخ، أضف إلى هؤلاء حسن السبع ومحمد أحمد المعتوق وغيرهم الذي يكادون لا يغيبون عن الساحة، إلاّ أنّ ذلك كلّه لم يعطِ الصورة الحقيقية للأدب القطيفي الحديث بصورة خاصّة. إذ لا يزال جلّ أعمال هؤلاء الشعراء رهين المحابس، اللهم إلاّ في أحايين قليلة يجود فيها شاعر بإظهار بعض شعره لبعض أصدقائه المقرّبين أو يشارك ببعضه في مناسبة اجتماعية أو دينية، وهذا ـ فوق كونه أقلّ تقدير ـ لا يعطي الانطباع الحقيقي لواقع الأدب تحت أي ظرف من الظروف في أي مكان من الدنيا.
2 ـ الاحتفالات الأدبية (الشعرية):
أ ـ شعر المناسبات:
وأهم هذه المناسبات؛ الدينية والاجتماعية، أمّا الأولى فتتعلّق بأهل البيت (عليهم السلام). إذ يقام في كلّ مناسبة سعيدة لها ارتباط بأهل بيت النبوة (عليهم السلام) احتفال يشارك فيه بعض الأدباء والعلماء والشعراء والمثقفين ببعض إنتاجهم الأدبي أو الفكري إحياءً لهذه المناسبة من جهة ونشراً للتوعية الدينية والأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى.
وعادة ما تشكّل لجنة خاصّة لمراجعة النصوص المقرّر إدراجها ضمن برنامج الحفل، وتنظيم سيره حتّى نهايته.
وامّا المناسبات الاجتماعية فتقام في بعض مناسبات الزواج أو حفلات تأبين بعض رجال المجتمع البارزين. وهذه المناسبات، كالمناسبات الدينية، يقف فيها الشاعر عند حدّ طبيعة المناسبة وشكلها وظروفها.
ومع ذلك، كان لشعر المناسبات دور لا ينكر في تهيئة الأجواء الأدبية في المنطقة وإظهار بعض المواهب الشعرية المدفونة
وجدير بالذكر أنّ أكثر المناسبات المعاصرة أهمية ـ من الناحية الأدبية ـ هي تلك المناسبات التي يقيمها أهالي سيهات والقطيف وتاروت والقديح كلّ في بلدته، على أنّ مناسبات القديح الأدبية ـ بالذات ـ هي التي لا تزال تعطي الكثير الكثير من الإنتاج الشعري الممتاز في بعض أحاينه، بحيث لا تمر مناسبة دينية إلاّ وأُقيم بها احتفال يضمّ جمهوراً غفيراً من مناطق عديدة.
ب ـ الأمسيات الشعرية الرسمية:
وهذه تقام عن طريق بعض الأندية أو بعض المؤسسات الرسمية وتشرف عليها جهات رسمية من قبل الدولة.
وهذه النشاطات مع تعدّد مواضيعها وأغراضها، إلاّ أنّها لم تنل من الانتشار قدراً يكفل خلق جو أدبي كشعر المناسبات سابق الذكر، نظراً لقلّتها وتباعد أزمنتها والتزامها الرسمي.
أهم أندية المنطقة المهتمة بتنظيم مثل هذه الأمسيات هي: نادي الخليج بسيهات، نادي الترجي بالقطيف، نادي الهدى بتاروت، نادي السلام بالعوامية.
وهناك نشاطات مماثلة تنظّمها جمعية الثقافة والفنون يدعى فيها بعض شعراء المنطقة وكذلك النادي الأدبي الذي تأسّس حديثاً في المنطقة الشرقية.
3 ـ التكتلات الأدبية
ونعني بها الاجتماعات الأدبية أو صالونات الأدب ـ كما يسمّيها بعض الدارسين ـ وهذه كانت في الخمسينات والستينات الميلادية ذات آثار واتجاهات فكرية منوّعة، إلاّ أنّها انقطعت وأغلقت مكتبها وتفرّق أعضاؤها فيما بعد لعدّة ظروف.
أمّا في مثل هذه الايام فإنّها لا تكاد تذكر اللهم إلاّ وجود علاقات شخصية بين بعض الأدباء والشعراء الكبار، وهذه العلاقات لا تترتّب عليها متابعات أدبية بشكل يمكن ملاحظتها أو ذكر أهميتها، وهو ما يدعو إلى الأسف.
وهناك بعض الشعراء الشباب من يحاول لمَّ شمل الشعراء الشباب وربط علاقات أدبية تتخللها اجتماعات وندوات صغيرة وزيارات لبعض الشعراء والأدباء الكبار للاستفادة منهم ومن توجيهاتهم واستشفاف آراءهم. ومع ذلك لا تزال هذه المجموعة الشبابية في دائرة ضيّقة من النشاط الأدبي الفعلي.
الاتجاهات الفنية في الشعر القطيفي
تأثّر القصيدة القطيفية، على مدى العصور باعتبارها جزءاً من القصيدة العربية، بكلّ أطر ومتناولات القصيدة العربية فكانت القصيدة الجاهلية «الخطية» تمثّل ذات الملامح التي تتميّز بها القصيدة العربية الجاهلية، وكذلك القصيدة الإسلامية والعبّاسية، وقصيدة الفترة المظلمة أيضاً.
إذن: ليس من البدع قولنا: إنّ القصيدة القطيفية الحديثة تمثّل جميع التباينات الفنيّة الموجودة في القصيدة العربية الحديثة. بمعنى أنّ الاتجاهات الفنية المعروفة في عصرنا هذا؛ من كلاسيكية ورومانسية وبرناسية ورمزية وأخيراً السريالية، كلّها اتجاهات تأثّرت القصيدة القطيفية بها، ممّا يدلّل على مواكبة الشعر القطيفي ـ بل الأدب القطيفي ككل ـ لمستجدات العصر ومتغيراته مواكبة فعلية ومباشرة.
وسوف نذكر ـ هنا ـ الاتجاهات الفنية في الشعر القطيفي، ولكنّنا سننحو منحى تاريخياً مقتصرين على الإشارة السريعة، طمعاً في الاختصار وابتعاداً عن الإسهاب والإطناب.
وهنا تجدر بنا الإشارة إلى حقيقة مهمة في هذا المضمار، وهي أنّ كثيراً من الشعراء القطيفيين لم يلتزم مذهباً فنياً بعينه، بل إنّ منهم من أخذ من كلّ مذهب بطرف، فظهرت في شعره عدّة اتجاهات. ولعلّ الشيخ عبد الحميد الخطي أقرب مثال على ذلك، إذ نجد في شعره الكلاسيكية والرومانسية والبرناسية والرمزية أيضاً!.
كما نجد من شعراء الشعر الحديث من يعاود كتابة الشعر العمودي في المناسبات كعمر الشيخ وحسن السبع وغيرهما أو من يكتب اللونين بمناسبة أو بدون مناسبة كحسين آل رقية.
وعلى ذلك… كانت لنا هذه الوقفة السريعة لتفهّم بعض المتغيّرات الفنيّة أخذاً بعدّة محاذير نقدية وخوفاً من إهمال ما يهمّنا إيراده.
ونرى في حديثنا هذا أن نقسّم الموضوع إلى قسمين:
أوّلاً: الاتجاه التقليدي (الكلاسيكي)
وأهمّ ما يميز هذا الاتجاه في الشعر القطيفي هو عدم اقتصاره على الشعراء كبار السن، بل تعدّاهم ليصل إلى بعض الشعراء الشباب أيضاً، مثل عبد الكريم آل زرع وجاسم عبد الشهيد ومحمد مكي الناصر والسيد زكي الشاعر وعدنان أبو المكارم وغيرهم.
والواقع أنّ بعض الشعراء الكلاسيكيين يمتلك موهبة شعرية ممتازة وحسّ أدبي رفيع مثل الشيخ علي الجشي ـ رحمه الله ـ وملا علي الرمضان وملا عبد الكريم الحمود ومحمد علي الناصر والشيخ سعيد أبو المكارم، والشيخ ميرزا البريكي وأحمد الكوفي وغيرهم.
والواقع ـ أيضاً ـ أنّ القصيدة القطيفية التقليدية الحديثة نادراً ما يعتورها من الألفاظ ما يحوج قارئها أو سامعها إلى مراجعة المعاجم اللغوية، إذ أنّ مبناها العام يتّصف بطابع سلس، كما تتّصف معانيها وأخيلتها بسهولة التناول وعدم التعقيد.
ويلاحظ على هؤلاء الشعراء ـ الذين يغلب على شعرهم الاتجاه الكلاسيكي ـ اقتصار أغراضهم الشعرية على نواح معينة فقط كمدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) والإخوانيات وبعض الأغراض التقليدية الأخرى، اللهم إلاّ النزر اليسير منهم.
ثانياً: الاتجاه التجديدي
وهو في رأينا ـ قسمان:
أ ـ الشعر العمودي:
ولعلّ هناك من النقّاد من يعتبر هذا الشعر كلاسيكياً، إلاّ أنّ هذه الكلاسيكية لا تكاد تلمس إلاّ في الشكل الخارجي للقصيدة، وهو التزام عمود الشعر، أمّا المحتوى الحقيقي للقصيدة (من تجديد في استعمال اللفظة الشعرية وتطوير في المعاني وتركيب في الأخيلة والصور) فهو تجديدي كما هو قائم وملموس.
ولقد كان للنهضة الأدبية الحديثة التي قامت بها المدارس الشعرية الحديثة كمدرسة الديوان ومدرسة المهجر ومدرسة أبولو الدور الحقيقي في تحديث الشعر القطيفي وتطوير أساليبه ليساير ـ بذلك ـ الواقع الذي يعيشه العصر. إذ كان شعراء القطيف يتابعون المستجدات الأدبية عن طريق الكتب والدوريات والدواوين التي تلفظها المطابع بين الفنية والأخرى.
ويتّفق كلّ من محمد سعيد المسلم وعبد العلي آل سيف ومحمد سعيد الخنيزي والشيخ عبدالله الخنيزي على أنّ الشيخ عبد الحميد الخطي هو رائد الحداثة من شعراء القطيف.
أمّا شعراء هذا الاتجاه فإنّ إحصاءهم ليس مكانه هنا، نظراً لكثرتهم.
ب ـ الشعر الحديث:
وقد ظهر ـ فيما يبدو ـ في بداية الستينات الميلادية، على يد محمد سعيد المسلم، فهو رائده القطيفي، إلاّ أنّ إنتاج الأستاذ المسلم لا يزال يمثّل سطحية فنية إذا ما قارنته بالدكتور أحمد الشويخات الذي أغرق شعره بالسريالية.
وعلى كل؛ فرض الشعر الحديث بألوانه المتعدّدة شخصيته الأدبية على الساحة القطيفية ليشكّل جزءاً غير يسير من الشعر القطيفي الحديث، وقد كثر عدد الشعراء الذين يعالجون هذا اللون من الشعر وخاصّة في الآونة الأخيرة من النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ولعلّ أهم هؤلاء الشعراء ظهوراً على الساحة هم: المسلم والدكتور الشويخات ومحمد أحمد المعتوق وعمر الشيخ ونهاد الجشي وحسن السبع وحسين آل رقية وعادل خزام والسيد محسن الشبركة وفاضل العماني وفاضل الصويمل ومحمد رضي أبو عبدالله وغيرهم.
هذه هي أهم الاتجاهات الفنية في الشعر القطيفي الحديث، ولعل هناك بعض التقصير في العرض، وهو عدم التعرّض للاتجاهات بشكل دقيق، وكذلك عدم إيراد بعض النماذج الشعرية للتدليل.
ولم أتعمد ذلك إلاّ لأنّني قد فعلت ذلك في ثنايا هذه الدراسة ـ كما سيرى القارئ ـ وأنّني أشرت إلى أهم نقاط الموضوع، وخير الكلام، ما قلّ ودلّ!!.
من أنواع الشعر القطيفي
أ ـ المنظومات «الشعر التعليمي»:
وهذه المنظومات عادة ما تكون ذات طابع سردي أو تجميعي يشوبه الجفاف والبُعد عن الوجدانيات الإنسانية كما هو الحال في الشعر التعليمي بصورة عامّة.
ولقد كان للقضايا الفقهية والعقدية وما يتصل بهما، الظاهرة الملحوظة التي اتّصف بها العلماء في المنطقة، ومن ثمّ اتّصف الشعر القطيفي. فقد كانوا يقومون بتدوين بعض هذه القضايا في قالب أدبي منظوم، ومن هؤلاء العلماء العلاّمة الشيخ علي الجشي والشيخ فرج العمران وغيرهما.
هذا جانب علمي. وجانب آخر اتّصف بمنحى تاريخي حاول تأريخ المنطقة وما حولها وما تمخض عنها من متباينات مختلفة، لعلّ أشهر ما دخل ضمن هذا النوع هو:
1 ـ منظومة «ماضي القطيف وحاضرها» للملا علي الرمضان، وهي على وزن الكامل. وهي معروفة ومشهورة، وقد نحى فيها منحى سردياً قدم لها تقديماً جميلاً بقوله:
يا خط يا وطن الكرام ألا اسمعي
ماذا يقول فتاك ذات الألمعي
يا خط أرضك تربة محبوبة
وهواك ملء حشاشتي والأضلع
يا أرض سكنى الغابرين ومن مضى
من أهل ودي أنت أكرم موضع
بلد قضيت به الشبيبة والصبا
ومرحت في أكنافها والأربع
بلد يعز عليّ حقاً هجرها
هل كيف أهجرها وفيها مربعي
ثم انتقل بعد ذلك إلى الإشارة إلى بعض رجالات المنطقة من العلماء والأدباء ماضين ومعاصرين قدر ما استطاع إحصاء ونظماً. والواقع أن قيمة هذه المنظومة الحقيقية هي مادتها التاريخية.
2- منظومة في تاريخ الخليج على بحر الرجز لعبد الرسول الجشي إلاّ أنه لم يتمّها. ولا أظن أنّه فعل ذلك إلاّ لأن هذا اللون من الشعر ينقص من قيمة شاعر مبدع مثله، صحيح أن الشعر التعليمي بعيد كل البعد عن الشعر الآخر من حيث المادة والموضوع، إلا أنه يؤثّر في استقلال الشاعر ويعيده إلى الوراء دون أن يشعر. وقد أدرك عبد الرسول الجشي ذلك فلم يتم منظومته:
اقرأ هذه الشريحة اليسيرة من هذه المنظومة ثم قارنها بشعره الآخر:
يقول في تاريخ بلاد البحرين:
قد كانت البحرين مذ كان الزمن
وقبل أن تأهل نجد وعدن
كذا دونوا الآثار طرا قرروا
من بعدما قد نقبوا وفكروا
وأوردوا من بعد ذاك أنّها
أصل الحضارات فكلّ دونها
ففي شواطيها الحياة ازدهرت
وفي شواطيها القلاع نشرت
3- منظومة (مضر) في تاريخ القديح، للملا محمد علي الناصر.
4- منظومة (قصة القديح شعراً) للملا محمد علي الناصر عرض فيها للقديح متعرضاً لبعض من ملامحها الطبيعية والتاريخية والفكرية والتراثية والحياتية بأسلوب سردي تقريري لا يخلو من فكاهة. وهي على بحر (الرجز) ومنها هذه المقطوعة وقد تعرّض فيها لبعض عادات البلدة في موضوع الزواج:
سبعت أيّام بها العروس
يجلس ثم ينتهي الجلوس
يبارك الأنساب والأصحاب
له ويحلو منهم الخطاب
وليلة الثالث من بعد العشا
يزور بيت عمه منتعشا
ويحضر الطعام والمشروب
والورد والبخور نعم الطيب
وسابع الأيّام من قرانه
يذهب زوج البنت مع إخوانه
لبيت عمه ليأكل الغدا
مزعفراً مهيلاً مزوداً
بأكثر الفواكه الفريدة
أكرم بها من عادة حميده
5- منظومة في القطيف أيضاً، للسيد منير الخبّاز، تشتمل على عدّة نواح تاريخية وجغرافية وفكرية تخص المنطقة، وقد بلغت أبياتها ما يقارب الخمسمائة من الأبيات الرجزية. ومنها هذه الشريحة:
كان لنا حصن يسمى القلعه
العز في رحابه والرفعه
أسسه الصيد الكرام البرره
وأرخوا تأسيسه في حجره
حتّى سُمي ذاك البناء الأرفع
تزهو الدراري حوله وتسطع
بناه أرباب النهى والفكر
مشابهاً لسرطان البحر
تفاؤلاً بالخير والسلامه
كما أفاد جدنا العلاًمه
وهناك من المنظومات الشعرية ما لم يتسع لنا المجال للحديث عنها أو الإشارة إليها، نأمل أن يتحقق لنا ذلك مستقبلاً.
ب- الملحمة:
ولا أعلم أن أحداً خاض هذا الفن من الشعراء القطيفيين عدا عبد الرسول الجشي، وأظن – ولعله الصواب- أنّه حينما أدرك أن تجربة المنظومة سوف يدركها الفشل الذريع قطعها واتجه نحو الملحمة متعرضاً لذات الموضوع بأسلوب يتواءم والنهضة الأدبية التي يميل إليها ومن ثم أحرز القيمتين –الفنية والموضوعية- فكان بذلك رائداً للملحمة القطيفية، إن لم أقل: رائداً للملحمة الخليجية!!
ومعروف أنّ هذه الملحمة نشر بعضها في بعض الدوريات، وشارك صاحبها ببعض منها في بعض المهرجانات الأدبية في العراق. وهي غنية عن العرض والتعريف.
ج- القصة:
وهي كما وصفها السيف،إمّا أن تكون كلاسيكية السمة، وهي في ذلك تفتقر إلى مزيد من الخصائص الفنية، أو متجددة، والأخيرة اهتمت- في غالبيتها- بالقضايا الاجتماعية، كقص حسن اليوسف ومحمد رضي أبو عبدالله وغيرهما. كما اهتمت بالقضايا العاطفية كذلك، مثل قصص الشيخ الخطي ومحمد سعيد الخنيزي وعبد الواحد الخنيزي وغيرهم.
والواقع أن القصة الشعرية القطيفية تختلف من حيث المعالجة والنتيجة عند الشعراء تبعاً لنوازعهم النفسية والفكرية. فهي قاتمة عند محمد سعيد الخنيزي والشيخ الخطي، بينما نجدها باسمة النهاية عند عبد الواحد الخنيزي ومحمد رضي وحسن اليوسف، وربّما بدت جادة في صورة هزل ضاحك كقصة «ديك الجن» لمحمد رضي أبو عبدالله.
والقصّة الشعرية القطيفية متوفرة من حيث الكم والكيف، ولا ينقصها إلاّ فرصة الانتشار وهو ما ينقص الأدب القطيفي كله، كما نعيد ذلك مراراًوتكراراً!!!؟
أغراض الشعر القطيفي الحديث ودوافعه
دوافع الفن بصورة عامّة- والشعر على وجه الخصوص- كثيرة، وهذه الدوافع لا تتأتّى من فراغ أو تصدرمن لا شيء بطبيعة الأحوال، بل هي تبرز لتخلق من الشكليات المتعددة ملامح تترجم الواقع أو تحوم حول إمكاناته الفنية فتظهر في صورة مختلفة مثلما يتفق لها في أغلب الظروف والأماكن.
وأقصد من وراء ذلك أن الشعر القطيفي الحديث- باعتباره مجال حديثنا- ترجم ولا يزال يترجم من الشكليات المتعددة كثيراً من مكنوناته النفسية والفكرية، وقدم لنا –عامّة القرّاء- نماذج حيّة تدل على واقع أدبي ممتاز، وإنّ لم يكتب له الظهور الحقيقي، أو تغافلت عنه أقلام الآخرين.
وكانت لهذه المكنونات-الفكرية والنفسية- جذورها وأبعادها، فهي بذلك عملت على ترسيخ الشخصية الفنية المتميزة وتوضيح الملامح الخاصّة بها ذاتاً، لا انقياداً للمستهلكات من الإفرازات الفنية الأخرى.
وأخذاً بهذه الاعتبارات وغيرها وتجذيراً لمتطلبات الفن ونوازعه، برز الشاعر القطيفي- ككل- معبراً عن مشاعره وأفكاره في كثير من فرص التعبير الممكنة حسبما تجيش به عاطفته الناتجة عن تجربته المتأثرة بواقعه وحياته. سواء على الصعيدين المباشر وغير المباشر. واستطاع من خلال ذلك إثبات وجوده الفعلي بين رفاقه من أصحاب هذا الفن.
وليس لدينا دليل على ذلك أقرب من دراستنا لأغراض الشعر القطيفي ومواضيعه، والتي كانت- رغم ضيق الوقت والمجال- حافزاً حقيقياً لأن يخوص الدارس غمار هذا الكمّ الهائل من النصوص المتفاوتة ضعفاً وقوة المتباينة شكلاً ومضموناً، ناتجة عن عدد كبير من الشعراء، بكل ما يحملون من اتجاهات فكرية وفنية تتفق أو تختلف وفق مداركهم ومشاربهم.
وبما أن ضرورة العمل المنهجي تتطلب من الباحث تصنيف مادة بحثه تمشياً مع طبيعتها، وإنّ وقتي الذي أملكه لإنهاء الموضوع لا يسمح لي بأن أطلق عنان القلم،إذا كان للقلم عنان!!!
بين هذا وذاك، أخلص إلى نتيجة الاقتصار على الإشارة السريعة كحد أقصى، ثم استعراض نماذج مختلفة، تدلل على ما قرّرناه سلفاً.
وعلى ذلك أستطيع أن أقّرر وأقول إن أهم أغراض الشعر القطيفي الحديث هي:
أ- أغراض دوافعها دينية:
وقد برزت – أكثر ما برزت – في أغراض جزئية أهمها:
- مدح ورثاء أهل البيت (ع) والمنافثة عنهم فكرياً.
- وصف مصائبهم وتعديدها وتهويلها.
- الإصلاح الديني والأخلاقي والفكري والدعوة إلى الدين القيّم.
- هموم الأمة الإسلامية وواقعها المؤلم.
ب- أغراض دوافعها قومية أو وطنية:
وهذه برزت على شكلين:
- الوطنية الإنسانية (وهي ارتباط الإنسان بالأرض).
- الوطنية السياسية: وقد كانت القضية الفلسطينية على رأس قائمة موضوعات الشعر الوطني القطيفي، فيما يبدو.
ج- أغراض دوافعها اجتماعية:
وأهم مواضيعها:
- النقد الاجتماعي وهو في غالبيته مرتبط بالإصلاح الديني المشار إليه سلفاً
- الإخوانيات الشعرية.
- التهاني: وأغلبها في مناسبات الأعراس والمواليد وخلاف ذلك.
- التعازي: وقد كان لرثاء بعض الشخصيات البارزة في المجتمع النصيب الأوفر من شعر التعازي القطيفي، فيما يبدو.
د- أغراض دوافعها ذاتية:
يدخل ضمنها:
- الشكوى: وهذا الغرض من مميزات شعر القطيف وسمة من سماته.
- شعر الحب (الغزل).
- الهجاء الشخصي!
- الفخر.
هـ- أغراض دوافعها فكرية:
ومنها:
- الفكر العقدي، وهو ذو ارتباط بالأغراض الدينية.
- فلسفة الحياة والناس.
- التأمّل في الظواهر الكونية المختلفة.
ولا يخفى على القارئ الكريم أن هناك أغراضاً جزئية أخرى، تتحد في مضمونها مع هذه الدوافع الكلية، وهي مرتبطة ببعضها غاية الارتباط.
ومن هنا نستطيع الانتقال إلى موضوع تكميلي يطلعنا، من خلال النماذج، على القوالب الفنية والجوانب الفكرية والنفسية في شعر القطيف.
… فإلى الملتقى… مع جولة في الشعر القطيفي…
جولة في الشعر القطيفي الحديث
أهل البيت في الشعر القطيفي
جاء كتاب الشيخ علي المرهون «شعراء القطيف» وهو يضم بين دفتيه عدداً وافراً من الشعراء يفوق العشرات بمختلف مستوياتهم..! على أنّه لم يشتمل إلاّ على الشعراء الذين قالوا الشعر في أهل البيت (ع) حسبما توصلت إليه نتيجة بحثه في ذلك الوقت.
وإنّني- في هذا المقال السريع – لا أهدف إلى موضوع نقد هذا الكتاب وما يحمله من ضيق البحث والدراسة واقتصاره على جانب واحد من الأغراض الشعرية التي تناولها الشعراء الذين ترجم لهم الشيخ وأورد نماذج شعرية لهم.
وإنّما أردت أن أخلص إلى نتيجة قائمة تدل على ذاتها بذاتها، وهي أنّ الشعر القطيفي أفرز من النصوص التي تعنى بأهل البيت ما يجعل من دراسته أمراً يفتقر إلى التأنّي والتفرّغ. هذا إذا علمنا أن هناك من الشعراء من يكاد لا ينبس ببيت من الشعر إلا وكان ذلك البيت يردد بين إيقاعاته وتفاعيله أنشودة من أناشيد الولاء أو ترنيمة من مراثي البكاء… الولاء لأهل البيت… والبكاء من أجل ما أصاب أهل البيت (ع)، ومن هؤلاء الشعراء العلاّمة الشيخ علي الجشي-على سبيل المثال- الذي يشهد له ديوانه المطبوع بذلك.
وإذا كان أغلب الشعراء الكلاسيكيين عمل على ترديد النغمات المكرورة في موضوع أهل البيت كقول ملا على الرمضان في مأساة الطف:
أبا حسن تدري برهطك جزروا
كجزر الأضاحي، كيف عينك ترقد
وتلك مصونات الرسالة أصحبت
تهادى على الأكوار يحدو بها العدو
يطاف بها في كل واد وبلدة
ويتهم فيها ركب حرب وينجد
فليتك منها في السباء بمشهد
ومرأى، لكي يشجيك مرأى ومشهد
فإنّ هناك من ابتعد عن هذه التعابير الجاهزة والأفكار المستهلكة، إذ رأى أنّ مأساة الطف لم تكن إلاّ ثورة من أجل المبدأ.. مبدأ الحق والدين. قال سعيد البريكي:
جددت للوجدان عهدا
وبعثت للإسلام مجدا
سطرت في التاريخ أروع
صفحة للحق تبدى
وهتفت فانتفضت لك الدنيا،
بها، سهلاً ونجدا
وصرخت في الأجيال تبعث
في الورى هدياً ورشدا
أمّا محمد سعيد الخنيزي فقد رآها مجداً من الدم الأبي.. قال مخاطباً الإمام الحسين (ع):
يا منقذ الدين الحنيف من الأذى
ومعيد زهرته إلى الريعان
أيقظت أفكاراً بظل غباوة
أطلقتها من ذلة وهوان
ورفعت للأحرار أعظم راية
خفّاقة كالنجم في اللمعان
فخططت يوم الطف يا بن محمد
مجداً من الدم الأبي القاني
أما عبد الرسول الجشي فإنّه كان يراها بمنظار آخر نلمسه في قوله:
أهي الحقيقة أم خيال الساري
أم تلك ومضة كوكب سيّار
قطعت دياجير القرون تنيرها
فإذا حواشي الدهر زند واري
في النفس من أضوائها قبس له
لطف النسائم واتقاد النار
لم يدرك العقل المهيمن سرّها
وهي التي بزغت كشمس نهار
حاولت حلّ رموزها فتعقدت
وتحجبت عنّي بألف ستار
لكنّ نور الشمس مهما غامت
الأجزاء منتشر على الأقطار
آمنت بالله العظيم وسرّه
وعرفت فيه غوامض الأسرار
وعرفت أن الفتح فوز الفكرة
العصماء عند تزاحم الأفكار
ولست أدري اما زال يراها بهذا المنظار أم تغيّر منظاره؟!!
ويقول محمد سعيد الجشي في السيدة زينب(ع):
شهر الباغون سيفاً ظالماً
وشهرت الحق في القول الجلي
أنت من نبع بطولات سمت
وأشادت- في الدنى- دين العلي
أيها التاريخ قف واخشع لها
إنّها بنت النبي المرسل
إنّها الزهراء في تبيانها
ترفع الحق بأعلى منزل
سائلوا الكوفة عنها حرة
ذات خدر لم ترع في المحفل
واسألوا عن يومها الشام ضحى
حين وافتها بخطب معضل
أشعلت للحق فيها قبساً
في بيان مفحم مرتجل
أيقظت فيها الملا صارخة
وأزاحت حجب ليل مسدل
هزّت العرش الذي شيدّ على
أُسُسِ البغي بأمضى مقول
فارتمى البغي على أعتابها
يتهادى تحت عار الخجل
هكذا الأسر لها حرية
رفعت للحق أسمى معقل
ولم يكن موضوع أهل البيت في الشعر القطيفي موضوع بكاء يعبّر عنه الشاعر القطيفي برثائه إيّأهم، ولا موضوع إعجاب بما يملكون من عظمة وكبرياء برز في قصائد المديح، لم يكن كذلك فحسب، وإنّما كان أعمق من ذلك وأبعد. كان أهل البيت (ع) – باعتبارهم الامتداد الطبيعي للرسول (ص) – المثل الأعلى والقدوة الحقيقة التي يجدر بكل مسلم أن يتخذهم مثلاً وقدوة، قال الشيخ مهدي المصلي في مديح فاطمة الزهراء (ع):
أفاطم قلدت جيد الزمان
بأفضالك الجمة العاطره
خلقت ملاكاً جيد الزمان
بأفضالك أمتنا الجائرة
خلقت مناراً يدل النساء
على سبل العيشة الفاخره
فلا يحسب العز جري الفتاة
على مدرج الفتنة الداعره
ولكن من كنت نبراسها
وشمس هدايتها، ظافره
كما كان موضوع أهل البيت موضوعاً جدلياً تبعاً لكثير من الجدليات الصاخبة التي ما زالت قائمة بين الفرقتين (الخاصّة والعامّة).
قال السيد عدنان العوامي من قصيدة متعرضاً ليوم الغدير… ذلك اليوم التاريخي العظيم:
فيه الحياة بدت تلألأ بهجة
أنس الحجيج لها فكاد يصفق
وتبسمت آفاقها مزهوة
وأجل آهلها الصفاء المشرق
وغدا يضوؤها جلال أشعة
علوية بسنا الهدى تتألق
فيما الخلائق تشرئب وكلّها
أذن تصيخ ومهجة تتشوق
وإذا بصوت محمد يعلو بها
وإذا القلوب بصوته تتعلق
هذا خليفتكم وسيد أمركم
وإمامكم بعدي فلا تتفرّقوا
فاقفوا خطاه على الطريق فإنّه
من غير حكمة ربه لا ينطق
الله أية دعوة لما تزل
قبساً يشع على الوجود ويشرق
سيظل والتاريخ يشهد أنّه
روح الحياة وإن أبى متزندق
ومن ذلك ما قاله بعضهم معالجاً قضية صلح الإمام الحسن (ع):
فيا بن ثقل الهدى، يا نجل فاطمة
وأعلم الناس في بذل وإمساك
كشفت عنها نقاب الغش فاتضحت
سرائر القوم من حقد وإشراك
ولم تصالح على خوف ولا ضعة
ولا هدى لسقيم الرأي أفّاك
بل صنت أعراضها من هول ضارية
نكراء يعصف فيها سيف سفّاك
فصغت للدهر والتاريخ ملحمة
عذراء طاهرة من ريب هتّاك
لم يثنك الناس عنها وهي كاشفة
عن ساقها إذ تبدت بين أشراك
وبعد، نرى فيما قدّمناه من نماذج منوّعة دليلاً واضحاً على أنّ للشعر القطيفي نظرات منوعة لأهل البيت، وهي – في صراحتها – تنم عن العقيدة الصادقة والإيمان التام بأنّهم هم أحق الناس وأولاهم بالاتباع.
ولئن كانت النماذج قليلة فلقد كان ذلك لضيق المقام، فجاءت الشرائح وكأنّها تلميحات عامة، وحسبنا بذلك عذراً.
رجال الدين
كان رجال الدين في القطيف يملكون من النفوذ الشعبية، ما لا يملكه غيرهم، بل كانت بعض حيثيات هذا النفوذ تتوغل في نفوس أفراد الشعب القطيفي، وتؤثر في نفسياتهم وأفكارهم وقضاياهم اليومية، وتعمل في توجهاتهم المتنوعة إعمال المؤثر الموجه. حتى كان بعض أصحاب الذهنية العامية يعد من قول «الشيخ» حجة دامغة لا يقبل فيها الجدل أبداً حتى وإن كان قول «الشيخ» مما ليس من تخصصه ولا علمه في شيء!!
أمّا الطبقات المثقفة المتدينة من أفراد الشعب- ومنهم أغلب الشعراء- فقد كانوا يدركون بوعي ونظرة سليمة ما يشغله رجل الدين من مكانة علمية واجتماعية فضلاً عمّا يتمتع به من تقى وورع وصلاح، فعظموه وبجلوه، وتفاعلوا معه أشد التفاعل وتأثّروا به أغلب الأثر.
وبالتالي كان الشعراء في طليعة من عبّر عن هذا التفاعل الحاصل بين رجل الدين وبين الشعب وأفرزوا بذلك أعمالاً شعرية ظهرت في مناسبات شتّى وما يزال مطموراً في الأدراج معظمها. والواقع أن تعبيرهم عن ذلك لم يكن رغبة في نوال أو طمعاً في عطاء، بل كان تقرّباً إلى الله تعالى من جهة، وخدمة للحقيقة من جهة أخرى. فوقف الشيخ ميرزا البريكي أمام السيد ماجد العوامي- رحمهما الله- مغتنماً فرصة مناسبة عيد الفطر المبارك ليهنئه بالمناسبة ويمدحه ويقول:
جاء الهلال بالعيد بالبشرى
يا حبّذا طلعته الغرّا
فيا نديمي قم بنا نحتسي
ما لذّ من قهوتنا الحمرا
وشنف الأسماع في مدح من
آيات علياه غدت تترى
أعني به «ماجد» بيت الهدى
من شاد عزّاً وعلا قدرا
يا سائلي عن غر أوصافه
أما ترى الشمس بدت ظهرا
ثغر بسيم بل محيّاه لا
تراه إلاّ يقطر البشرا
يا أيّها الماجد يا سيدي
يا من به نال العلا فخرا
يا شعلة من قبس المصطفى
ومن لنا قد جدّد الذكرى
هنيت بالعيد وإنّي أرى
تهنئة العيد بكم أحرى
هنيت بالفطر ولولاكم
لم نعرف الصوم ولا الفطرا
فقد سعدتم وسعدنا بكم
لذلك استوجبتم الشكرا
فأنت من أكرم جرثومة
من معشر سادوا الورى طرا
كما وقف عبد الرسول الجشي أمام الجماهير ليؤبن الشيخ أبا الحسن الخنيزي ويقول:
جددت عهداً للمعارف ذاهباً
ونجدت شعباً للتحرر واثبا
ودأبت جهدك للشباب موجهاً
فخلقت فيه كفاءة ومواهبا
ثم يسترسل في تعديد مآثر الشيخ بأسلوبه الخطابي المتجدد، ثم يقول:
فلو أن للأيام عيناً لاهتدت
بخطاك وانتهجت سبيلك لاحبا
ولمّا تعامت عن هداك وهذه
آثارك الحسنى تشع كواكبا
إيه أبا الحسن استمع لمقالتي
واحلم علي فما عهدتك غاضبا
هذي بلادي قد أضاعت رشدها
وتمزقت-بعد الوئام- مذاهبا
نفضت جناحيها ولو تركتهما
لرأت لها بين النجوم مساربا
ولمحمد سعيد الجشي في رثاء الشيخ علي أبي عبد الكريم الخنيزي، رحمهما الله:
ما كافؤوك على النبوغ تفوقاً
وعلى البنا إذ شدت مجداً هدما
كتموا لك الحسد البغيض بصدرهم
ما كان أجهلهم بذلك وألأما
إن يحسدوك فإنّما حسدوا السنى
من نور شمس في العوالم قد سما
والمجد مجد العاملين إذا ونى
وآنٍ فلم يصعد ذرى أو سلّما
ألف الحضيض فلم يزل بوهاده
والعبقري الفذ يفترع السما
والصخرة الصمّاء تأبى عزة
من أن تكسرها الوعول وتهشما
ويفهم من مقطوعة الجشي أن هناك من أساء إلى الشيخ إساءة دست في إحسانه.
أمّا السيد حسن السيد فإنه يقول في رثاء الشيخ حسين البلادي «القديحي»:
لا تسلني! إنّني في حيرة
أنا لا أرجو لذا الجرح التئاما
ليس من يندب أيامّاً مضت
مثل من يندب للدين دعاما
كانت الآمال في محرابه
تتخطى قمم المجد جساما
فذوت كالورد في أكمامه
ليتها لم تعتنق – بعد – الرغاما
وهو في ذلك يقوم بعمل موازنة بين ذاته كقيمة معنوية قبل أن تكون فنية وبين مكانة رجل الدين، ويرجح مكانة رجل الدين! وهي فكرة لم يسبق لها.
كما أنّ أحمد الكوفي يقول:
يا خط تلك رجال الدين من لهم
كانت تشد لك الأكوار والحدج
قوم قضوا للمعالي حقها وعلوا
أعلى مدارج أجواء العلى درجوا
هم زينة الخط أحياء وبهجتها
في ذكرهم تزهر الدنيا وتبتهج
وإذا ما حاولنا تتبع ما عالجه الشعر القطيفي من أغراض تتعلق برجال الدين من مدائح وتهانٍ ومراثٍ وغيرها فإنّنا لن ننتهي من إنجازه لوفرته وتشعبه.
على أنّ هناك شاعراً قطيفياً واحداً، لا تزال تُذكر له قصيدته التي قالها في رجال الدين، والتي تبنّى فيها موقفاً معاكساً تماماً لمواقف غيره من شعراء القطيف!! إذ رأى أن بعض رجال الدين – في نظره – لصوص استغلاليون!! والعياذ بالله..
يقول تحت عنوان «بعض رجال الدين»:
ضعت يا شعب بين كل معمم
جشع فاتح اللهى فاغر الفم
بين قوم تبدو عليهم سمات الز
هد في شكلهم وعفة مريم
فإذا ما خبرتهم ملؤوا قلبك رعـ
ـباً وسادك الهم والغم
أسرفوا في الريا واستعبدوا العا
لم واستخدموا من الدين سلم
فتراهم مثل اللصوص وصو
ليين لا يفقهون شيئاً محرم
كم تمادوا على حقوقك باسم
الدين حتى غدوت نهباً مقسم
كيف تنفك من عقالك يا
شعبي فيرجى إليك أن تتقدم؟!
ويقول:
رجال الدين – جلهم –
على استغلالك اتفقوا
وقد فسدت ضمائرهم
فيا وطني بمن تثق
ولأنّه كان يحمل – في نظر المتدينين – فكراً خاطئاً فقد وقف ضده الكثيرون منهم من اتخذ من العصبية الصريحة رد فعل لهذا التصريح، ومنهم من رأى أن الموقف الفكري المحتفظ بالود أجدى أن يتبع، وأنّ أي اختلاف في الفكر – أيضاً – لا يفسد في الود قضّية! ومن هؤلاء المختلفين معه فكراً المتفقين معه وداً، صديقه محمد علي الناصر الخطيب المعروف، الذي قال مشيراً إلى قصيدته راداً على فكرتها:
كم ضربة في الخط قاست جرحها
بلدي وكم كأس الأسى تتجرع
أكذا نهايتنا حياة كلها
ألم ألا متحفظ متوجع؟
وأخيرها «يا شعب ضعت» قصيدة
أسفاً يفوه بها أديب مصقع!!
ما ضاع شعبي بين كل معمم
إن العمائم للمنار الأرفع
بل ضاع بين الحاقدين عليهم
لا إنّ أصحاب العمائم ضيعوا
وقد قال محمد علي الناصر هذه الأبيات ضمن قصيدة رثى بها الشيخ فرج العمران – رحمه الله وألقاها في تأبينه. ومعروف عند أهالي القطيف أن الشيخ فرجاً رحمه الله، توفي ولم يخلف من المال إلاّ سبعة من الريالات السعودية وحسب. وهو ما لا يساوي – في هذه الأيّام – الدولارين!!
والواقع أن محمد سعيد المسلم لم يكن الشاعر الوحيد الذي قال مثل هذا الشعر في رجال الدين، فإنّ وجدي المحروس طرق هذا الغرض متبنياً فيه فكرة المسلم ذاتها. إلّا أن ثمة فروقاً واضحة بين الشاعرين في معالجتها الموضوع، وأهم هذه الفروق، هو ظهور النظرة المنطلقة من الموضوعية أولاً، وعدم التعميم ثانياً، بمعنى أنّ المسلم يكاد يقذف باتهاماته المساقة كل رجال الدين، بل هناك ما يشعر بأنّه يعارض بعض الأمور التشريعية معارضة صريحة، لا رجال الدين فحسب، وذلك في قوله:
عرقوا بالمدى عظامك واستصفوك
ما بينهم كأنّك مغنم
وضعوا نصب عينهم رزقك
المقدور واستأثروا بعائدك الجم
حالة تشمئز منها المروءات
ويشجي لها الضمير ويألم
كيف تنفك من عقالك يا
شعبي فيرجى إليك أن تتقدم؟!
إنّنا لا نجد مثل هذه الجرأة عند وجدي المحروس إذ يقول:
أصحرت ساحة النخيل من الفكر
فعادت جدباء يا للغرابه
واغتدت بعد كونها منبت الفكر
مكاناً تموت فيه النجابة
وبأحضانها تعيش التفاهات
وأربابها فتشقي رحابه
وسوام الرجال فيه يحلون
بوسمِ التقى وتاج المهابه
نصبت للعوام باسمك يا دين
شراكاً سحقاً لها من عصابه
ليس ترعى في الله إلاّ ولا
ذمة حق ولا تخاف عقابه
وهم – لو يعي بنوها المساكين-
سقام تحار فيه الطبابه
أدعياء الدين الحنيف عليه
كم تجنوا وما رعوا آدابه
سلبوا الشعب قوته واستباحوا
ريع أتعابه بكل صلابه
ثم قالوا نحن الوصاة على الخلق
بدعوى فقاهة ونيابه!!
ومضوا يرفلون في رغد العيش
وأبناء قومنا في كآبه
كيف تغدو مباءة لذوي النهبة
أرض النخيل دون رقابة؟
إننا لا نلمس عند وجدي ما نلمسه عند المسلم من اندفاع وتعميم، وإن كان نتيجة مشاهدة حقيقية عاشها الشاعر!
وعلى كل هذا وذاك، نفهم أن للشعر القطيفي من رجال الدين في القطيف موقفاً (مزدوجاً) بطبيعة الأمر، وأنّ الطابع الراضي- فيما يبدو – يشكل السواد الأعظم من هذا الغرض.
على أن هناك تجارب شعرية أخرى تعرّضت لرجال الدين من زاوية هجائية شخصية نرفع أنفسنا عن ذكرها هنا.
وجدير بالذكر أن هذا الغرض لم يعرفه الشعر القطيفي إلا في الآونة الأخيرة من الزمان، وكان لذلك عوامله وأسبابه المختلفة التي لا مجال لاستعراضها ومناقشتها في هذه الدراسة السريعة.
الوطن
إذا كانت الوطنية تعني تلك العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان بالأرض، فإن الشاعر القطيفي عبّر عن هذه العلاقة المقدّسة بصدق. فكان يتغنّى بمفاتن وطنه تارة، أو يشكو فراقه وبعده، متعرّضاً لذكرياته وآماله وآلامه فيه تارة أُخرى.
قال الشيخ عبد الحميد الخطي:
قالوا: القطيف، فقلت غاية قصدنا
ألق المراسي أيها الربّان
وافيته والبدر يبسط ظله
فوق الضفاف وترقص الشطآن
وعليه من نسج المساء ملاءة
صفراء باهتة بها الألوان
والسفن أسراب تروح وتغتدي
نوعان: ذا وانٍ وذا عجلان
والشرع خافتة الشعاع كأنّما
نفضت جناحا- في الفضا- العقبان
وزغارد الملاح ينشرها الدجى
والبحر مصْغٍ كله آذان
ليل الشواطئ إن صدقت فإنّه
كالغيب ليس تحده الأذهان
يا شعر! حق للشواطئ وفه
لا تمطلن كما تدين تدان
إن ضاق عن جري القوافي موطن
فالبحر –لا عذر لها- ميدان
عفواً فكم معنى بذهني رائع
ضاقت به الألفاظ والأوزان
يا بحر! قد أودعت صدرك سرنا
إذ ليس سر في الأنام يصان
على أنّنا مهما حاولنا التركيز على النماذج التي لم تتعرّض لها الأقلام من قبل فإنّنا لانستطيع إغفال رائعة عبد الرسول الجشي الرائية، التي قالها بمناسبة الاحتفال الذي أُقيم على شرف الدكتورة بنت الشاطئ وزملائها، إذ يقول فيها:
هذي بلادي وهي ماض حاضر
جداً وآت بالمشيئة أعمر
ألقى عصاه على فسيح جنانها
وعلى الجزائر عالم متحضر
وأقام فيها نهضة علمية
بالعلم تسندها العقول وتنصر
وأذلت التيار تحت شراعها
فلها عليه تحكم وتأمر
وشواطئ اليونان لم يبرح بها
من ذكريات سفينها ما يسكر
ولها على وادي الفرات ودجلة
فضل المعلم، وهو فضل يشكر
وطوى الزمان سجلها وتعاقبت
من بعدها أمم طوتها الأعصر
وأتت ربيعة وهي غرة يعرب
وأذبها يوم الكفاح وأصبر
وأعزها جاراً وأكثرها حمى
إذ يمحل البلد الخصيب ويقفر
فرأت بها الوطن الخصيبة أرضه
للماء فيه تدفع وتفجر
والنخل وارفة الظلال كأنّها
جيش كثيف بالخليج معسكر
تهدي لها الصحراء في السحر الصبا
فتمر كالحلم اللذيذ وتخطر
والبحر يهديها اللالئ زينة
وتجارة فيها الغنى يتوفر
وكصفحة المرآة جو مشرق
وكلوحة الفنّان ريف مزهر
دنيا بها من كل فن ساحر
ولكل ما تصبو النفوس مصور
ورأت بها لغة العروبة بيئة
شعرية توحي وجواً يسحر
فإذا الضفاف نشائد مسحورة
وكأنّها في كل حلق (مزهر)
الملهمون المبدعون تسابقوا
فيها بمدرجة الخلود وشمروا
هذي بلادي في قديم عهودها
علم وفن خالد لا يدثر
واليوم يدفعها الطموح لنهضة
بشبيبها تسمو الشعور وتكبر
أمّا شفيق العبادي فيقول:
وطني! ويا ألق الربيع إذا انثنى
يهب البطاح نسائم الريحان
يا مرفأ للحسن يا «شمس الضحى”
إن عانقت جسد الثرى بحنان
وكست أديم الأرض ثوباً دافئاً
يغشى العيون بحسنه الفتان
يا من ملكت بما ملكت مشاعري
وعواطفي وهواجسي وكياني
وطني! ويا مهد الحضارات التي
سجد الزمان حيالها متفاني
غمرت بلاد الشرق من آلائها
ومضت تشع بسائر الأوطان
لتحيل جدب الفكر من أعماقه
خضلاً يصب نداه في الأذهان
وتعيد نهج الأوّلين ودربهم
للسائرين على هدى القرآن
وطني! ويا «معنى الشموخ”بكل ما
حملت ثناياه خفي معاني
فلك الجلال من الخورنق كيـ
ـف ظلّ مسايراً لحضارة الإنسان
تفنى الدهور بجانبيه ولم يزد
إلا «الشموخ» على مدى الأزمان
ونجد مثل هذا الإعجاب الوفي بالوطن- بمعناه الواسع أو الضيق – عند بعض الكلاسيكيين التقليديين أيضاً، يقول محمد مكي الناصر واصفاً وطنه «القديح»:
هي القديح فطف في الروض جذلانا
وروِّ من مائها السلسال ظمآنا
وروح النفس في أطراف ساحتها
وسرح الطرف بالأرجاء هيمانا
وانظر إلى الدوح في أبهى غلائله
محملاً عنباً غضاً ورمّانا
واخلع ثياب العنا والبس بها حللاً
رضوان قد صاغها للناس رضوانا
تعانق بالنخل يزهو في محاسنه
كخرد لبست دراً ومرجانا
وربوة عتمت بالزهر يانعة
الغيث دبجها بالسيل هتانا
والشمس قد ألبستها من أشعتها
مطارفاً قد بدت في الحسن ألوانا
أمّا عبدالله الشيخ فقد عرف الوطن، كما عرف فراقه، وعايشه معايشة عميقة، برزت في هذه المقاطع الرائعة، إذ هو الشاعر الذي أجبرته متطلبات الحياة وهمومها على العيش خارج وطنه «القطيف» فقال فيها:
تعشقتها طفلاً، وقد شاب مفرقي
وما انفك عشقي ذلك الفارس الأقوى
عشقت مغانيها، تعشقت ناسها
فتنت بها شكلاً، وهمت بها فحوى
تعشقتها أرضاً، تنشقتها هوى
ترشفتها ماء، تخيّرتها مأوى
تزوجتها خمسين زيجة ما خبا
جمال جميل، ما رأيت لها صنوا
وأحببت منها ألف ألف جميلة
فعلمتهن الطهر والفخر والزهوا
وطالعت ماضيها قصيدة شاعر
وغنيت من أبياتها نغماً حلوا
على السيف كم أنشدتها من قصائدي
وفي الصيف كم أعطيتها المزن والصحوا
ففي الحر أزجيها نسيماً معطرا
وفي المر ما يحلو من المن والسلوى
فمن عشقها بيت ومحراب والدي
ومن عشقها «ليلي”.. ومن عشقها «أروى”
وحاجاتي الصغرى وفانوس غرفتي
ووجه أبي والفضل والنبل والتقوى
وحبي أمي أي أم وجدتها
فلا خالق أعطى ولا بارئ سوّى
فأين كتاتيبي؟ وأين دفاتري؟
وأين طباشيري؟ وفاتنتي «سلوى»؟
على عجل مرت مروراً مؤرقاً
فلا ناظر أغفى ولا خاطر روا
لتترك فوق الدرب ناعم طيبها
يوزع من نعمائها الدفء والصفوا
سلام عليها كلّما ضاع عطرها
وشوق إليها لا يزول ولا يضوى
وللسيد حسن السيد:
مغنى الأحبة في ربوع بلادي
لك ما ذكرتك مهجتي وفؤادي
وإذا بكيتك لا ألام على البكى
حب البلاد يحز في الأكباد
اشتاق مرآك الجميل كأنّه
الماء النمير لظامئ ولصادي
وإذا الدجى في الأفق مد رواقه
والبدر طاف بنوره الوقاد
أرسلت نحوك مقلة مكدودة
لم تكتحل بعد النوى برقاد
أهوى منازلك الوديعة مثلما
يهوى مرابعك الحمام الشادي
لو كان يجديني الخيال لهمت في
تلك الشعاب وجبت ذاك الوادي
وأعرت كل مغرد أنشودة
يشدو بها من أعذب الإنشاد
وشرحت حتى للنسائم قصتي
وشكوت حتى للنجوم سهادي
وللسيد محسن الشبركة:
سلام يا هوى وطني
فحكم الهجر من قدري
رحلت وكان في قلبي
بقايا الماء والشجر
رحلت – أنا- وكان معي
رحيل المجد في سفري!!
فيا أهلي! ويا نخلي
ويا درب الهوى الخطر!
دعاني الشوق للأحباب
والأفنان والزهر
فبلت دمعتي عينيَّ
في رفق وفي خدر
وهزتني من الأعماق
رعشة عاشق فكر
فرفقاً- يا هوى- بالصب
والزم جانب الحذر
الشعر الفكري
ونعني به الشعر الذي تصدّى لمعالجة الأغراض الفكرية والتأمّلات الفلسفية بجميع متبايناته. ويجدر بنا في هذا المقام أن نشير إلى أن من المعروف أن الفكر الديني كان له إسهام وافر في هذا المجال. فكان بعض العلماء يقومون بوضع منظومات في قضايا فكرية شتّى.
كقول الشيخ سعيد أبو المكارم:
ماهية الأشياء شيء حادث
والقول فيها بالأصالة منكرُ
قل بالأصالة في الوجود وإن
ماهياته فيه اعتبار يبصر
كل اعتبارات البرية صرفة
في الذهن تنتزع الحدود وتنظر
أما وجود الحق لا ماهية
فيه سوى الذات التي لا تنكر
ومعروف أن هذه الرباعية تعالج قضية عقدية طالما طال الجدل حولها بين العلماء. وقديماً قال أحد علمائنا الأعلام هو الشيخ عبد الهادي السبزواري:
إن الوجود عندنا أصيل
دليل من خالفنا عليل
ولكنّنا لا نعنى – في هذه المقالة – بأمر هذا الشعر المجرّد رغم أهميته وضرورة الإشارة إليه.. فإنّ دراسته تقتضي التعرّض إلى نواح عقدية فكرية متشعبة، فضلاً عن ابتعاده – في الغالب- عن الروح الشعرية بمفاهيمها الفنية الصحيحة. الأمر الذي يخرج بنا عن نطاق الدراسة المخطط لها سلفاً. والواقع أن هذا الشعر إنّما يوضع للمهتمين بعلم الكلام ودارسيه، لا لمتذوقي الأدب والمعنيين به.
والشعر الفكري الذي نريده – في هذا الفصل – هو الشعر المتأمّل في هذا الكون الشاسع الواسع، المتفلسف في أشيائه وقضاياه كل ذلك – أو بعضه – دون أن يخرج هذا الشعر عن ماهيته الفنية ولا قالبه الأدبي الحي.
ومن ذلك ما قاله الشيخ سعيد أبو المكارم أيضاً:
ساهر حلق فكري في مجالات الفضاء
وإذا الكون متاهات.. غموض متناء
نحن لا نقبض منه ذرة بين السماء
فلماذا قد ورثنا منه برد الكبرياء
أو من يلبس برد الكبر يبقى؟ لست أفنى
كلّما أصنع من أسطر أعمالي عجيب
وأنا في مسرح الأيّام أسعى كالغريب
في وجودي كل شيء من معانيّ غريب
وإذا صنعي يلقاني، كما الشخص، حريب
وإذا الدنيا ومن فيها ينادي: لست أفنى
أنا أدري ما حياتي، وحسابي في حسابي
كيف موتي، كيف إشراقة روحي في غيابي
أنظر الشمعة في الظلمة من فوق الروابي
تنضوي في مطلع الشمس على روس الهضاب
غير أني الضوء لو كنت حقيراً: لست أفنى
تذكّرنا هذه المقاطع، التي تمثل شريحة من قصيدة طويلة تحت عنوان «لست أفنى»، بطلاسم «أبي ماضي». ولعلّها ردّ عليها، أو إجابات على التساؤلات الطافية في فكر الإنسان منذ أزمنة تاريخية سحيقة. وبالطبع كانت العقيدة الإسلامية وراء كل هذه الإجابات.
وقد عُرفَ محمد سعيد الخنيزي بتأمّلاته الفلسفية التي أضفت على كثير من شعره مسحة صوفية متميزة. يقول من قصيدة «من أنت»:
من أنت يا نفسي ملاك طاهر؟
أم أنت شيطان شقيٌّ قاهر
إنّي أراك مع الظلام ضحوكة
فكأنّك الصبح الطروب الزاهر
وأراك في الصبح الجميل حزينة
فكأنّك الليل الدجّي الكافر
وأراك- أحياناً- نبياً ملهماً
توحي الشعور فتستفز خواطر
صورٌ تحرك قلب شعب جامدٍ
فتصيخ آذان لها ومشاعر
وأراك في أفق اضطراب ثائر
فكأنّك البحر الخضم الهادر
إنّي أراك من التناقض صورة
حار اللبيب بها، وضلّ الشاعر
أما محمد سعيد المسلم، الذي طالما أرهق فكره وروحه بمثل هذه التأمّلات، فإنّه يقول:
فتح الفجر جفنه فإذا آدم يعدو في لجة الديجور تائهاً في العراء يسعى على الأرض… يناجي السما بطرف حسير
جاء من عالم البداية يسعى
ليس يدري في سعيه بالمصير
علقت روحه الحياة فأمسى
هائماً في جمالها المسحور
جشع في الحياة يوقظ جفنيه وما فيه من هوًى وغرور ونزوع إلى البقاء… ولا يعلم ما خبّأت يد المقدور
جاء من عالم البداية يسعى
مكرهاً ضائعاً بتلك البدايه
هبط الأرض… ليس يعلم سر البعث فيها ولا لأية غايه
وسيخطو في سيره عقبات
صعبت مرتقى وساءت نكايه
سددت نحوه يدالقدر الساخر سهماً.. فكان أصمى رمايه
وسعت في ضلالة حيث أمست
تنثر الشوك في طريق الهدايه
يا ترى! أي غاية تجتلي فيه وماذا؟ حتى استحق العناية أتراه… أتى على مسرح الكون فأمسى ختام تلك الروايه
صاح: ربّي! ماذا جنيت فأشقى
أفكان الشقا لمثلي محتم
فبعقلي أشقيتني؟ أم بقلبي
أم لأنّي بعثت في الأرض ملهم؟
أي ذنب جنيته؟ ووجودي
أنت قدرته بما لست أعلم
جئت لم أدرِ ما يراد بذاتي
ومصيري غداً كبدئي مطلسم
أنت أغريتني بما اقترفت نفسي
فماذا جنت يداي؟ فآيم؟
وقد نجد بين الشعراء من يفلسف حياة الناس وعلاقاتهم فلسفة قائمة على نظرة شخصية مبنية على التجارب الحياتية الخاصة. قال السيد حسن السيد:
لا يحب الفقير غير فقير
مثله في قداسة التفكير
إنما المال آفة تفسد العقل
وتقضي على حياة الضمير
وتميت الشعور في المرء حتى
لا يرى، غير نفسه، من كبير
يتغنّى بكل مجد عظيم
وهو خلو من كل خلق نضير
فإذا شذّ في الحياة غني
خلقاً واستقامة في الشعور
فهو في هذه الحياة ملاك
جاء من عالم السماء الطهور
أو غريب أتى بليل وعند الصبح يزجي رحاله للمسير
إنّ عيش الحر الكريم قصير العمر مثل الزهر أو كالطيور
شعر الحب
إذا كان القدماء قد اصطلحوا على تسمية اللون الشعري الذي يعالج غرض التغنّي بمفاتن الجمال الإنساني واتفقوا على تسميته غزلاً، فإنّ من المحدثين من رأى أنّ هذا المصطلح يشكو من الجمود والركود أكثر من إتقانه للفن، ووصفه بأنّه وصف حسي أكثر مما هو فنّي وجداني، بمعنى أن الحب بمفهومه الشامل أرفع من أن يتصف بطابع حسيّ مجرّد يركز على جوانب مباشرة بقدر ما يركز على ملامسة الشغاف الوجدانية الإنسانية للارتفاع بها إلى مستوى عاطفي أروع.
ويشبه هذا الجدل القائم بين المفهومين – الوصف والوجدان – ذلك الاختلاف الأخلاقي بين عشّاق البادية وعشّاق الحاضرة في البيئة العربية القديمة، فإنّ الفرقة الأولى كانت ترى أن العشق تأمّل ونظر وعفّة وطهارة، بينما ترى الفرقة الثانية أنه عناق ولثام وتفريق بين يدين وقدمين!!
وهو ما يدلل على أن اختلاف الأوائل مع الأواخر في الاصطلاح إنّما هو فكرة فنيّة مؤطرة امتداداً لمفاهيم لها أصولها الجذرية في تراثنا الأدبي العريق.
ومهما يكن فإنّ شعر الحب القطيفي- الحديث- له من الملامح الفنيّة والأخلاقية ما يضعنا أمام مجال عريض للغوص في غماره والإيغال في أسراره، والحديث عنه بلغ أكثر شمولاً وأعمق مضموناً. فهو يتصف أحياناً بالغزلية الكلاسيكية التي تذكرنا بغزل القدامى من الشعراء، كما يتصف بالعذرية المتجددة كالتي عند الشعراء الرومانسيين في هذا الزمان، وربّما تداخل هذان الاتجاهات الأخلاقي والفنّي أو شاركهما لون آخر سنراه في سياق عرضنا النماذج والحديث عنها..
لاحظ هذه القطعة الكلاسيكية الوصفية عند أحمد الكوفي، وهي مقدمة تقليدية في مدح السيدة فاطمة الزهراء (ع):
تهتز معاطفها طرباً
لنسيم الروض إذا مرّا
وتردد ألحاناً تحكي
نغمات العود إذ جرّا
فتمايلت الأغصان لها
متثنية يمنى يسرا
نزه حفت برياحين
معلول الجسم بها يبرا
وفتاة الحي لعاشقها
سمحت بالوصل له جهرا
فاهت بالوصل علانية
لم تأخذ من أحد حذرا
فدنت متذللة شغفا
متضرعة تبدي العذرا
رفعت أطراف نقاب الحسن
فبان محياها بدرا
جرحت أحشائي حين رنت
فكأن بمقلتها سحرا
في الخد الورد وفي فيها
شهد يروي الكبد الحرى
فشممت الورد وذقت الشهد
بترشيفي ذاك الثغرا
وتجد مثل ذلك عند محمد مكي إذ يقول:
أسفرت تختال غرّاء الجبين
فأزيح الشك عنّي باليقين
عطفت مائلة عطف الصبا
وانثنت مائسة في بردتين
ظبية منزلها في خاطري
ليس في وادي النقى والرقمتين
خدّها الفتّان يزهو راقصاً
في مياه الحسن لا في وجنتي
كلّما حاولت أسلو وصلها
هزّني قلبي ونادى: أين أين؟
ما لقلبي كلّما لاحت له
برقة ذاب كما ذاب اللجين
كيف أنسى وصلها إن هجرت
ونهود الحسن كالرمّانتين
يا خليلي إذا جئتما
لرباها، فاقصداها مسرعين
بلغا عنّي تحياتي لها
واسألا عن ودنا في الحالتين
وإذا كان هذا اللون من الشعر لم يخرج عن كونه غزلاً تقليدياً، بحيث انسلخ عن ذوق العصر وتخلّف عن روحه، فإنّنا لا نعدم بصمات العصر في غزل السيد عدنان العوامي في قوله:
نهداك بين تمائم العقد
تنهيدتان ولوعتا وجد
ما زال يرسب طعم لونهما
بدمي وأنسجتي وفي جلدي
لما رأيتك لحظة انتهكا
حرم العباءة دونما قصد
فمددت كفك تسترينهما
تخفين ضوءهما عن الرصد
ونشرت من زنديك فوقهما
شغفين من ترف ومن ورد
وأنا أمامهما ضجيج دم
وعويل أوردة بلا ورد
هتكت رياح العشق أوردتي
أودت بكل عزيمة عندي
ماذا لديك أموجتا فرح
تتقاسمان أريكتي مهد
أم صبوتان هما تبرجتا
في مقلتيَّ بغير ما وعد
فأقامتا بيني وبينهما
جسرين من لهب ومن برد
قسماً بلونهما. بضوئهما
بمقالع النسرين، بالند
إني نسيت، نسيت عندهما
أن القيود تغور في زندي!!
ونلمس مثل هذه الأفكار الغزلية الجميلة عند عبد الواحد الخنيزي – إذ يقول:
دنا منّي وفي فمه
تلفت قبلة نشوى
وفي جفنيه! إيماء
شهي البوح والنجوى
وأرسل نظرة حمراء
سمرها على ثغري
وأدنى صدره الشامخ
– في زهو- إلى صدري
وطوّقني بزنديه
وأدنى من فمي ثغره
وأمعن ثغره النشوان
يسكب في فمي خمره
فبتنا في رحاب الشوق
ليلاً حالم النجوى
وغادرني وفي فمه
بقايا قبلة نشوى
وإذا كان الحب عند هؤلاء الشعراء خداً ونهداً، فإنّه عند غيرهم ألم في أمل. قال بعضهم:
أنت- يا ليلى – بعينيَّ.
صباح ضاحك عذب جميل…
ومنى خضراء تستاف من الصبح ارتعاشات الأصيل!
وغرام جارف رتل في الظلماء آيات اشتياق وحنين..
وأهازيج تداعت
بين أنقاض السنين…
… ومضى يرسل في الليل الطويل..
أنَّه بلهاء
– كالليل-
تنادي المستحيل!!
- ولمحمد رضي أبو عبد الله:
بعينية الوصل عين
تدس عليها العيون العيون
قوام يفتش في القلب عن زلّة للهوى
بعذر وجيه
وتمشين في الدرب هوناً
بوجه يؤجح في جميع الخطايا.. بفيه
وكانت عيوني على الدرب درباً إليه
لقلب يؤلفه الرشد من دون رشد
يعانق من لا أعانق دوماً
وقبل العناق.. حديث طويل … يليه …
حديث … طويل يليه …
وما دار فيه
ما زال قلبي يعاني من التيه.. فيك وفيه.
وكيف تمشين بالدرب هوناً
وما زال قلبي يعاني الشكوك…
وعيني من الغمز دلّت عليه
وأثنيه… أثنيه
كي لا يقال صبئت إليه
وأغلظ في القول. لكنّ قلبي عنيد!
وفيه فؤاد
فيه عيون… وفيه وفيه
وصعب انتزاع فؤاد الفؤاد
وصعب انتزاع الهوى من فؤاد الفؤاد
ستلقين يوماً بمفترق الدرب دربا
عليه دم…
فيه تحبو النجوم.. وفيه..
قبر يطل.. يدل عليه!!
وكان عليه:
لقد مات صبراً ولم ترحميه!
هناك سينبت قلب جديد
كطفل..
وندب على وجنتيه..
يذكر يوماً بماضي أبيه..
فإن لم يمت فيك حب الدماء الطليقة بالأرض…
وقتل القلوب…
ولم تنم ثمة عقدة ذنب..
دعيه… يرى كيف تمشين بالدرب هوناً
دعيه…
على أن هذا اللون من الغزل الرومانسي هو الطابع الذي يكاد يطفو على الغزل الحديث في الشعر القطيفي… قال السيد حسن السيد:
ذكرتك والليل يزجي الرؤى
وعيني تأبى عليَّ المنام
وطيفك يجتاح جنح الدجى
يؤرقني في حنايا الظلام
ذكرتك عند طلوع القمر
على غفوة الأس والنرجس
وقلبي يصارع عبء الضجر
ويسأل عن طيفك المؤنس
ذكرتك في بسمات الربيع
على ضفة الشاطئ الأزرق
وللموج لحن يهز الضلوع
ويسهد هذا الفؤاد الشقي
وعطرك في كل أفق يضوع
فيطفئ وهج الجوى المحرق
ذكرتك في عزلتي الدامية
وعبر دروب الحياة الرهيبه
وفي أنّة الناي والساقية
وتحت ظلال النخيل الحبيبه
وللطير رفرفة حانية
على همسات الغصون الرطيبه
فأيقظت في مهجتي الباكيه
بقايا شجون الزمان التريبه
وقال محمد سعيد المسلم:
كنت… إذ كنت صورة في خيالي
أجتليها في صبوتي وغرامي
زخرت بالرؤى الوضاء وماجت
بالأحاسيس والأماني الهوامي
اجتليها… في مقلة الليل طيفاً
سابحاً في الخيال والأحلام
وعلى مبسم الضحى أتملاها
سماء علوية الإلهام
كنت.. إذ كنت لحن حب أغنية
بشعري في سالف الأيّام
وقال محمد سعيد الخنيزي:
في مساء مبطن بالغمام
جئت أسعى- في حيرتي- كالظلام
جئت أسعى حتى مررت ببيتٍ
فيه دنيا «صبابتي وغرامي”
هتفوا باسمك المضمخ بالحبّ
فهبت- من الكرى- أحلامي
فتلفت يمنة ويساراً
لصداك الموقع الأنغام
آملاً أن تفوز نفسي بلقياك
وأروي غليل قلبي الظامي
نفحات الخلود في صوتك العذب
ولطف الصبا وشدو اليمام
يا لصوت أرق من نسمة الفجر
وأندى من ورقة الأنسام
فتراجعت للزمان الذي ولّى
أناجيك غارقاً في هيامي
ونشرت الذكرى فصافح عيني
اسم «مي» عنوانها المتسامي
قد تولت- يا مي- إلاّ خيالا
وادكاراً يسري دماً في العظام
ولمحمد عبد الشهيد آل قاسم:
ريم العيون، فأين ألقى مهربي
واضيعتي! فالقلب قلب الثعلب
أصبحت أفتقد العدالة في الهوى
بئس الهوى إنْ لم يحقق مأربي
مهلاً! فقيدك حطمته عزيمتي
حريتي أقوى فلا تتعجبي
إنّي نسيتك منذ أوّل قبلة
قالت بأنّي ليست أوّل معجب
ودعت حبك والحرائق في دمي
تكوي فؤادي، وهو ليس بمذنب
ولعلي الفرج:
تعالي واسكبي الأحلام أنهاراً ورويني
فإنّي قد مللت العيش ما بين الدواوين
أرى في وجهك الوضّاح أعواد الرياحين
أرى فيه عروش الزهر في باقات تشرين
وألواناً من الرمّان والزيتون والتين
الشعر الذاتي
… والشعر الذاتي القطيفي غرض متعدد الألوان متشعب الدوافع لدرجة تجعل من استيعابه – في هذه العجالة – أمراً يجشمنا شططاً!! إلاّ أنّنا نتحسس بعض بصماته ودوافعه من خلال قراءة بعض النماذج اليسيرة.
إذ كان الشيخ عبد الحميد الخطي يرى أنّ مصدر قلقه وعذابه هو المحيط الذي يعايشه، فقد وجده مجتمعاً من الأفاعي البشرية تدب بدربه أنّى اتّجه…
فقال مصوراً هذا الحال:
أمامي وخلفي أفاعي البشر
تدب بدربي، فأين المفر؟!
ثلاثون شهراً خلت لم أكن
بأكثر حسّاً بها من حجر!
شغلت- بها- بالجدال العقيم
وبالشكل عمّا وراء الصور
حطمت اليراع وجف المداد
وأخلد للصمت هذا الوتر
وقد بلغ هذا الشعور بالشيخ إلى أن يقول:
لا تطلبوا وتري فليس بواتري
فرد ولكن كل أهل زماني
أفردت في كل الحوادث أمّتي
خصمي وذو رحمي بها سيّان
وكان محمد سعيد المسلم يعيش المعاناة نفسها ويكابد الألم ذاته، فدعاه ذلك إلى أن يعتزل الناس ويعيش بآلامه وآماله بعيداً عنهم، أليس هو القائل:
هبطت لمخدعي سحرا
أناجي فيه أحلامي
وقد حطمت قيثاري
فماتت فيه أنغامي
وأدّت عليه عاطفتي
وآمالي وآلامي
وطاب لي اعتزال
الناس، إذ كذبت أوهامي
لأني قد درستهم
وبانت لي خفاياهم
فكيف أحلهم ثقتي
وقد ساءت طواياهم
بينما كان محمد سعيد الخنيزي يرى في ظلام عينيه ظلاماً في كل شيء، حتى غلبت على شعره هذه النغمات الحزينة:
أرى من زوايا حياتي غدي
فأبصره روضة ذاويه
توقف عنها معين الحياة
وغارت جداولها الشاديه
ومدّ الخريف بها كفّه
فقصف أفنانها الزاهيه
تساقط منها رجا ضاحكاً
كحلم الربيع على الرابيه
أراهُ كباحثةٍ في الثرى
تفتش عن عالم داثر
وتنشد بين طلول السنين
قبوراً عفتها يد القاهر
كشيخ ينقب عن حلمه
ويبكي لعصر الصبا الزاهر
أراك غدي! قاتماً باكياً
ذبيح المنى، حائر الناظر
أريد النجاة، وأين النجاة؟
وقد أسدل الليل أستاره
وغامت على دربي الحالكات
فلا تلمح العين أنواره
حياتي مبطنة بالظلام
يبث بها الدهر أخطاره
وأرست على شاطئ الحادثات
فأذبلت الريح أزهاره
أمّا السيد حسن السيد، فقد وجد في العذاب لذّة لا تضاهى… فقال:
كلي يا نار أوراقي
وخليني وأشواقي
يذيع الليل أسراري
ويبري الوجد أعماقي
كلي يا نار ألحانا
طربت بهن أزمانا
وكان الفجر في عيني
يشيع الحب ألوانا
كلي يا نار ما أبقيت
من عذب الأناشيد
فقد ودعت ما أمليت
من حلو المواعيد
ولم يكن هذا الشعور الصارخ بلذة العذاب إلاّ نتيجة للحب العاثر والغربة النفسية الرهيبة التي يعيشها..قال:
لمن أشكو جراحاتي
وأحزاني وآلامي
وما في الناس من يأسو
جراح الواله الدامي!
دموع العين أخفيها
ونار الشوق تبديها
وأيّام سعدت بها
رياح الحزن ترويها
وقد دفعه ذلك كله إلى أن يدفن حبه في قلبه، رغم ظمأه إلى معين الحب الصافي… لاحظ إتقانه السلس المتفرد في قوله:
دفنت الحب في قلبي
وبي ظمأ إلى الحب
إلى خلٍ يبادلني
حديث القلب للقلب
إلاّ أنّ الوجد المسرف يبلغ ذروته عند عبّاس خزام الذي يقول:
يا خيول الظلام ها أنا ميدان فدوسي على جناجن صدري وامسحي جبهة الوجود بأشلائي، وخطي بفحمة الليل قبري أطفئي مشعل الأماني في قلبي، ونادي الظلام يحجب فجري والنشيد الذي يذوب بقلبي اقتليه واهرقي كأس خمري فأنا لست للحياة ولا للفجر إلاّ كظامئ وسط قفر ينشد الصبح والربيع أناشيدي وتعودي الرياح في روض صدري.
أمّا عبد الخالق الجنبي، ذلك الشاعر المنكوب، فإنه يقول:
وإنّي في يقين أنّ حظّي
من الدنيا، سراب في سراب
وإنّي ما خلقت لرغد عيش
كأنّ الهم والأحزان دأبي
ولو أنّ القضاء أراد شخصاً
يفجره، لأقبل نحو بابي
كأنّي ما ارتويت من البلايا
كأنّي ما شبعت من العذاب
حياتي كلّها قهر وعيشي
شقاء… وابتسامي كانتحابي
وإذا كان عبد الخالق الجنبي ينظر إلى الحياة بكل هذه السوداوية ويراها بكل هذا اليأس، فإنّ شفيق العبادي يشترك معه في هذه النظرة إلى الحياة وإن كان يختلف معه في شكل إفصاحه وتعبيره… يقول:
وران على دنياي ليل مجنحٍ
يرف فيذري في دمي جمرة الخوف
مشيت به في غمرة الركب سابراً
خضم دياجيه على همة الكف
ودربي وعر والطريق طويلة
وعمري ثوب قد تهرى من الخصف
وملء فؤادي من يد الدهر حسرة
على عمر ولي إيماضة الطيف
تداعى بأحضان الشقاء ولم يكن
به ما يريح النفس غير ضنى العسف
وأعثر ظماناً وما لي موئل
ألوذ سوى طيف من الأمل الصرف
سقاني كؤوس الأمنيات سخية
ولما نشدت الوعد ألوى ولم يفِ
النقد الإجتماعي
حظي النقد الاجتماعي من اهتمام الشاعر القطيفي – ولا سيما المعاصر- بنصيب وافر، فقد كان للمتغيرات الاجتماعية وملابساتها الفكرية والأخلاقية والدينية أثر اجتماعي طفا على الساحة وبخاصة في السنين الأخيرة.
وكان معظم ذلك من جرّاء الحضارة الإنسانية التي يشهدها العالم بأسره واتصال أطرافه اتصالاً مباشراً وتأثّر المجتمعات الإسلامية بالتيارات الغربية والشرقية تأثّراً يوشك أن يسلبها شخصيتها وأصالتها الحقيقية، إضافة إلى الانشقاقات الإسلامية الفكرية وسلبياتها على المجتمعات الإسلامية وما يخلفه من تبعات بغيضة.
كل ذلك أو جله عولج من قبل كثير من الشعراء معالجة إصلاحية أفرزت لنا أدباً اجتماعياً قطيفياً لا يستهان به كمّاً ونوعاً.
قال السيد حسن السيد:
أي معنى لهذه الترهات
يا شباباً ينوء بالشهوات
يا شباباً ضلّ الطريق إلى المجد
فأمسى مضيع الخطوات
يا شباباً ينام عن صالح الأعمال
في لاهب من المنكرات
وسم الواجبات باسم التقاليد
وظن النجاح في المحدثات
ولعمري ما أحدثوه على الدين
نظام مزيف النظرات
فالزم الدين- يا شباب – تعش
حراً سعيداً في هذه الكائنات
وهناك بعض الشعراء من يستغل المناسبات الدينية أو الاجتماعية ليعالج مثل هذه الأغراض، ولا سيما الشعراء الشباب مثل حسين الجامع وجاسم عبد الشهيد آل قاسم ومحمد مكي الناصر وغيرهم.
قال حسين الجامع في مناسبة دينية، هي مناسبة عيد الغدير الأغر يخاطب الإمام (ع) متعرضاً لبعض المشكلات الاجتماعية:
أبا حسين هب لنا نفحة
فقد عصفت بالحياة الشرور
زعمنا بأنّا لكم شيعة
موالون مهما توالى الدهور
ونحن لأنفسنا لا لكم
نشايعها في جميع الأمور
فكم ذا نهيم بذاتنا
وكم ذا نتوب لرب غفور!!
مجالسنا زهوها غيبة
وقد تتعدى لمين وزور
وجهراً ننال من الآخرين
فلسنا نخاف السميع البصير
أليس فلان على ماله
يشحَّ فيحرم منه الفقير؟!
وذاك يجور بأحكامه
وذاك طويل وهذا قصير
وفتيتنا همهم لهوهم
وآفة بنت البلاد السفور
فضاع العفاف وذاب الحياء
ونحن بذاك فقدنا الكثير
ويحزن سمعك يا سيدي
أخو شيبة شارب للخمور!
يسافر من أجل لذاته
وينفق أمواله في الفجور
سلام على شيبة مرغب
بوحل البغايا ولعق الخمور
فيا رب رحماك هيئ لنا
سبيلاً نفوز به يا قدير
إنّه يعرض الواقع عرضاً مباشراً ليصل إلى أكبر قدر من الناس، وما ذاك إلاً محاولة منه في الإصلاح الديني والأخلاقي.
ومثل ذلك ما قاله أحمد عبد الله العوي موجهاً توجيهاته إلى الفتاة القطيفية:
الزمي- يا ابنة القطيف – الحجابا
واستري الوجه وأسدلي الجلبابا
أنت در مع العفاف فصوني
حسنك الغض لا تريه الكلابا
أنت ماء تحيا به الأرض لكن
بعد رفع الحجاب صرت يبابا
أنت للناظرين نجم ولكن
باختلاط الرجال صرت ضبابا
وللشيخ مهدي المصلي تحت عنوان «صوت الحق»:
هي السعادة والإسلام منبعها
فاز الذي من نداها العذب قد شربا
فلا تغرنّك ألفاظ منمقة
قد زيّنوها وهاموا حولها طربا
قالوا: الموسيقى تغذي العقل قلت لهم:
بجعله للظى في حشره حطبا
حرية المرء تعني ترك عفته
وجعله حيواناً للفجور هبا
والمرأة اليوم لا يعني تحرّرها
إلاّ الدعارة إذ نالت بها القصبا
أمست تصارع أمواج الشقاء فلا
حمى يدافع إن أغروا بها النوبا
ضاعت كرامتها إذ أصبحت سلعاً
في السوق تعرض إن شارٍ بها رغبا
وطالبوا بحقوق الغيد ليتهم
قد أنصفوها وراعوا جسمها التعبا
أين العدالة إن لم يرع جانبها
جنس لطيف نداه الغض قد سلبا
قد كلفوها بأعمال الرجال وأعمال
النساء فما حر لذاك أبى
الله يعلم ما يجري بمعملها
حبائل الشر تغزو الدين والأدبا
الحل في شرعة الإسلام قد كتبا
فاسعوا إليه فما ساع إليه كبا
حمى كرامتها أعلى مكانتها
أعاد نضرتها، من أجلها غضبا
سما بها عن ذيول الجنس تحسبها
أجرى الطهارة في أعطافها خطبا
هذا التقدم فامشوا في مناكبه
واستلهموا الحق نوراً يكشف الحجبا
أما التفرقة المرجعية- إذا جاز القول – فقد لعبت دوراً خطيراً في المنطقة وعاثت به عيثاً لم يعهد له مثيل في العصر الحديث.
قال بعضهم تحت عنوان «يا بني الخط»:
لا تطيحن بكم تفرقة
تجعل العالي بين السافلين
حطموها! صيروها طللاً
واتركوا الأعداء فيها واقفين!!
اشهد الرحمن إنّي لأرى
نارها تضرم بين الناظرين
بيد أنّي لا أرى بادرة
منهم… تطفئ نار الحاقدين
يا بني الخط أفيقوا وانظروا
أينكم من مجد قوم راح أين!؟!
ونماذج الشعر القطيفي الاجتماعي كثيرة، أعرضنا عن استعراضها لسببين:
أولهما: أنّ هذا النوع من الشعر كثيراً ما يتنازل فيه الشاعر عن قيم فنية عديدة، وهو في ذلك يتوخّى السهولة لإمكان إيصال أفكاره إلى الجماهير المتفاوتة التفكير.
ثانيهما: خوفاً من الإطالة والإطناب فيما يمكن تحقيقه بذكر اليسير منه.
شعر المناسبات
إنّني أضم صوتي إلى أصوات الذي يقفون من شعر المناسبات موقف الحذر، لكنّني لا أعتبر هذا الموقف من المسلمات النقدية تحت أي ظرف من الظروف، بمعنى أنّني أؤمن أنّ من شعر المناسبات ما يبيّن مدى تفاعل الشاعر مع المناسبة! وهذا ما أردت الوصول إليه سريعاً، وهو أنّ شعرالمناسبات القطيفي لا يزال يعطي فنّاً ويدل على مؤشرات كثيرة.
وإذا كنت قدعرضت لبعض القصائد التي قيلت في المناسبات في مواضع سابقة دون أن أشير إليها فإنني- في هذا الموضع- أفرد مقالة خاصة تتعرّض لهذا النوع من الشعر تعرّضاً مستقلاً يبرز بعض الملامح العريضة في شعر المناسبات القطيفي. وقد قلنا في حديثنا عن البيئة الشعرية القطيفية: أنّ شعر المناسبات القطيفي يلعب دوراً خطيراً في إثراء الحركة الأدبية وتهيئة الأجواء الأدبية في المنطقة، وان له- أيضاً- الفضل في إظهار بعض الشعراء المغمورين إلى الساحة المحلية على الأقل.
أمّا هنا فسوف نضيف إلى قولنا ذلك نماذج شعرية تدلل على مدى اهتمام الشعراء بالمناسبات وإعطائها حقها، ولم يكن ذلك إلاّ نتيجة للاهتمام الحقيقي بصاحب المناسبة أولاً، لا الاهتمام المجرّد بالشعر كفن..
أنتم اليوم في رحاب علي
وعلي في غبطة وسرور
سجلوا حبكم بكل سرور
وامزجوه بنافحات العطور
نفحة من شذى الوصي أنارت
لي دروباً حفظتها في ضميري
كم غرفنا من نبعه وارتشفنا
وارتوينا بعلمه المنثور
إنه الحب يا صحاب فغنوا
متعة النفس تحفة للصدور
هذه المقطوعة القصيرة قالها محمد بن الحاج ملا علي توفيق ضمن قصيدة طويلة في مناسبة عيد الغدير الأغرّ وهي- بلا شك- تنم عن إيمانه العميق بهذه المناسبة الإسلامية العظيمة.
أمّا مناسبة ذكرى ميلاد الإمام المنتظر فقد قال فيها شاعر آخر هو شفيق العبادي يخاطب الإمام:
يا باعث الأمل الذبيح تحية
لعلاك من فم شاعر متجدد
لولاك لم ينبس لريشته فم
ولهاته، مما بها، لم تنشد
أثريت بالنغم الشدي مشاعري
وأسلت آيات البيان على يدي
وعرجت بي أفق الخيال أصوغه
شعراً يمجد في علاك الأوحد
يا من طلعت على الحياة حقيقة
بالمجد تزخر والمكارم ترتدي
أخذت بناصية الزمان كأنّها
قطب يروح بها الزمان ويغتدي
ما ارتاب فيها عاقل ومفكر
إلاّ حثالة معشر لم ترشد
تاهت عن الحق الصراح وأرجفت
بمقالة جوفاء من فم حسد
هرأت على وهج الحقيقة واغتدت
شلواً يطاوح في الحضيض الأوهد
فمتى ستلجم كل بوم ناعق
ومتى ستطلع للورى كالفرقد؟
ومتى سيشرق للرجاء وليله
فجر ليعصف بالأسى المتلبد
أمّا المناسبات الاجتماعية، مناسبات الأفراح أو مناسبات الأتراح، فنختار من الأولى مقاطع من قصيدة عبدالله البيك في تهنئة شفيق العبادي المذكور بمناسبة زواجه الميمون…
أيّها السابح في بحر الخيال
تصطفي منه نفيس الأدب
قم وناجِ الحسن واستجد الجمال
يفعلا في الشعر فعلا لعجب
إيه يا تاروت يا نبع الوفا
وانصهار الحب في كأس الحنان
وانبلاج النور في عين الصفا
وانبعاث الأنس في دفء الأمان
ومنى الجود بفيض السحب
فتقي تاروت أنوار الجنان
وانثري الأزهار في كل الجهات
فربيع الحسن في هذا الزمان
بين أقدامك يستعطي الحياة
فهبيه اليوم بعض الرتب
قد أتينا الحفل بالشوق العميق
وشربنا قدح الحب الزلال
ساقنا للحفل حب لشفيق
طيب العنصر محمود الخلال
وهو بين الشعرا كالكوكب
أمّا مناسبات الأتراح، فللسيد عدنان العوامي هذه الأبيات في حفل تأبين الشاعرالراحل محمد سعيد الجشي:
قل لمن يندب الرجال جسوماً
عمرك الله كم تظل جهولا
إنّما تندب الرجال نفوساً
عاطرات الشذى وتبكي عقولا
فإذا مضنا الأسى وجرعنا
علقماً من شجى الفراق وبيلا
فلأن الردى أبته علينا
شاعراً يحمل الهوى إزميلا
عاش للوجد والهيام وإن لم
يبغ من نثره الفخار بديلا
لم يحد خطوة عن الدرب لما
أن تردت خطى وعادت نكولا
خر في موحل الهوان رجال
حسبوا غاية الحياة وحولا
فتردوا على الطريق صغاراً
وأبى الطود شامخاً أن يزولا
ويح أم الردى طوته حبيبا
وتقاضته من علاه ذحولا
علها استكثرت على الخط فحلا
ما لها تكره الرجال فحولا
ويحها ما يضيرها من سمانا
لو رأت في رحابها قنديلا
ويح ذي معتب أشف وأزكى
من حباب الندى على مهيلا
لامني أن كتبت فيك رثاء
ومن الحرف والرنين هزيلا
رحمة أيّها المعنف عتبا
لم يزل معتب النبيل نبيلا
لا تلمني إذا تبعثر حرفي
أو نبا مرقمي فهان مثيلا
أين لي متقن الرثاء ويغلي
في دمي مرجل يضج عويلا
إن من يحسن القصيدة فنا
غير من يلمس الضلوع غليلا
ومن ذلك هذه الأبيات التي ألقاها عبد الله الشيخ في تأبين صديقه علي الشيخ حسين القديحي:
درب مشيناه أزهاراً وريحانا
ملاعباً وأهازيجاً وأفنانا
وياسميناً رويناه محاجرنا
خوخاً وتيناً وأعناباً ورمّانا
وباسقات رأت من عشقنا قصصاً
أنهراً كم زرعناها، وشطآنا
ومهمهاً ما وعى في الصبح غدوتنا
إلاّ رعى في ظلام الليل نجوانا
وحنظلاً كم سقانا راح غصّته
وكم أذاق من الأرزاء ألوانا
وزمهريراً قطعناه يداً بيد
عواصفاً وأعاصيرا وطوفانا
أبا محمد! ما جنبت مكرمة
ولا خنت غداة الحب نادانا
عمر من العاصفات الهوج ما فتئت
وأنت توسعني عزماً وإيمانا
كم بت والخطب يطويني وينشرني
فكنت لي من بني الإنسان إنسانا
ضربت أروع ما في الحب من مثل
وكنت أكرم من وفى ومن صانا
طريقنا عزّ في الأحباب مسلكه
سرنا، فما أدرك الأحباب مسرانا
فيه من الصخر ما تشكوه رحلتنا
فيه من الفخر ما يرضي مزايانا
ليل سهرناه لا كأس ولا وترٍ
شعر تلوناه منهاجاً وقرآنا
كل الدروب رسمنا فوقها صوراً
ملاحنا وأناشيداً وأشجانا
حتى الغدير أعرناه صبابتنا
متى رأيت غديراً بات هيمانا
ومنها:
غدا إذا انتظم الأحباب مجلسنا
وهدهد الأنس شيبانا وشبانا
وأبصروا عجباً ألا تكون معي
وطالبوني إيضاحاً وتبيانا
ماذا أقول؟ سكاكين تجرحني
ماذا أقول؟ وما أرداك أردانا
أقول غدراً؟ وما ألفيت منك قلى
أقول هجراً؟ وما أزمعت هجرانا
أقول غاب؟ وأنت الضوء في نظري
أقول بان؟ ومنك الطيب ما بانا
أقول فات؟ لساني لا يطاوعني
أقول مات؟ وقد جلّت رزايانا
يا من تعيش هواه كل جارحة
مني وتحياه أشواقاً وتحنانا
أبا محمد! عهداً جئت أقطعه
للمكرمات أحيي فيه ذكرانا
غداً إذا عدت لي درباً فضواه
وأنبت الدرب أزهاراً وريحانا
وطالعتني من الفيحا عواطفها
ومن بساتينها يممت بستانا
لأقطفن سلالاً من أزاهرها
توزع العطر أزماناً وأزمانا
حتى إذا فتن العشّاق رونقها
صيرتها لكتاب الشوق عنوانا
ولا أظنّ أنّ هناك تعليقاً يمكن أن يليق بهذه القصيدة الرائعة، فهي بلا شك تمثل نموذجاً مشرفاً لشعر المناسبات القطيفي الحديث.
الشعر الفكاهي
قد يرى البعض أنّ هذا الشعر، لا شعر فيه ولا فن، وأنّه لا يعدو كونه نظماً للتسلية، والمرح. إلاّ أن الواقع، الذي لا ريب فيه، هو أن هذا الرأي لا يمكن انطبقاه على كل الشعر الفكاهي بصورة عامّة.
فإنّنا قد نلمس في الشعر الفكاهي جدية وصدقاً، قد لا نلمسه في شعر آخر!! ويعني ذلك أن الشعر القطيفي الفكاهي فيه من الجدية والصدق الشيء الكثير. قال أحمد الكوفي الذي عُرِفَ بالدعابات الشعرية الكثيرة:
ولقد قلت لنفسي
وأنا فوق العريش
أيها أحسن أكل العيش
أم أكل الجريش
فأجابتني وللضرس
صرير ووشيش
كل من الموجود إنّي
عن سواه لست أدري
لقد كانت حياة أحمد الكوفي، حياة فقر وكفاح في سبيل لقمة العيش، وهذه الأبيات تعبّر عن ذلك بصدق وجلاء، وإن كانت على حساب «أبي ماضي».
وقد نجد نقداً اجتماعياً في كثير من الشعر الفكاهي القطيفي أيضاً. ومن ذلك قول حسن اليوسف في «العقارية»:
سل العقاري كم يجني من الترب
فـ«الشيك» أصدق أنباء من الكتب!!
مبارك السعي لا تمشي له قدم
إلاّ لتذرع «أمتاراً» من الذهب
وفي «الصكوك» له أطروحة كتبت
وفي «المخطط» ما يغني عن الأدب
إنّ در في منتدى الأصحاب شاربه
ولوحت «سبحة» منظومة الحبب
وأصبح «البلك» جزءاً من مزايدة
وردد السعر شخص لا تُعرّفه
إمّا سألت، سوى «الدلال» ذي الشنب
هناك تنكشف الساحات عن رجل
جم التجارب في التثمين لم يخب
ومن الشعر الفكاهي الهادف: قصة «ديك الجن» التي عالج فيها محمد رضي أبو عبد الله، معتقداً اجتماعياً غريباً وما زال راسباً في أذهان الكثيرين من أفراد المجتمع ولا سيما كبار السن، يقول فيها:
الليل يعربد بين الدور
والناس تمزقه بالنور
ويلف الكون بمئزره
بخشوع الراهب عند الدير
وهناك على مرأى منا
شبح يتهادى كالمغرور
وهدى الأصوات بمسمعنا
تهليل يعقبه تكبير…
شمطاء حاملة ديكاً
والديك يصارع كالمسعور
وبريق الموت بعينيه
يتطاير كالشرر المذعور
ومشينا نتبع خطوتها
والخطو حثيث في تيسير
حتى وقفت فتوقفنا
وتخيفنا عجلاً بالسور
وهنالك صارت جارتنا
بالأمن، وبالحي المهجور
لم تلمح إنساً أو جاناً
أو حتى كلباً أو سنور
أخذت تختار له لحداً
وأتته تسعى بالتشمير
وصديقي يسألني حلاً
يا رب الحيلة والتدبير:
ما تفعل تلك بمأسور
قد غلّ؟ فيبخل بالتفسير
فصلت ما بين حديثينا
فصلت جزأيه (بالساطور)
جلست لتشق حفيرتها
إذ تبطئ حبّاً في التكبير
دسته على وجل منها
وأهيل الترب بلا تعسير
ولسان الحال لخالتنا:
قد نفذ نذري بالمنذور
ما كانت تفعل لو تدري
من كان يراقب خلف السور؟!
وحينما انصرفت جارة شاعرنا الشمطاء إلى شأنها بعد أن وفقها الله لتنفيذ نذرها!! قام شاعرنا وصاحبه، الذي يرافقه، باستخراج «ديك الجن» من الحفيرة بل وطبخه وأكله! ولم يكتفيا بذلك، وإنما دعيا إلى مأدبتهما جارهما «أبا زيد» الذي سألهما عن قصة هذا الديك السمين فيخبرانه- بعد لأي- بحديث الديك الملآن، ليبينا له أنهما أولى بالدين من الجان…
فأسر القول لصاحبنا
بحديث الدين الملآن
إنّا وجميع الناس هنا
أولى بالديك من الجان
ثم سألاه:
قل لي ما تفعل يا هذا
إن قال الجن: من الجاني؟!
فتلعثم منا في عجب
وأجاب بصوت أشجاني:
لا تسأل- حسبك – عن فعلي
يا ربي! ماذا أغواني؟!
قد صارت ترجف أوصالي
والرعب بقلبي ولساني
بل أذهب عقلي قولكما
بل طار الخوف بألواني
إبليس أغواني يوماً
والديك تسبب في الثاني
ومضى يدعو: ربي ربي
من أنت؟ تتوب على الجاني!!
وهناك من الشعر الفكاهي ما يقال لمجرد الفكاهة، منه ما فعله حبيب رضي محمود حينما رثى «عين البانية» إذ قام بذكر أسماء روّادها بل ذكر بعضهم بألقابهم التي يتنابزون بها.. قال منها:
ففقدنا- بفقدها- منتدانا
وفقدنا- بفقدها- أصدقاءا
وندامى ساروا بنهج هوانا
ورعوا ودنا وصانوا الوفاءا
أين «ابن الغراب» ذاك المسمّى
«شادياً» بل أين المسمّى «ضياءا»
و«أبو ضرب» المهذب و«السـ
ـاحر» والعائمون فيها عياءا
و«عليان» والخبيصة فيها
وهوى «الباعشين» كيف تنائى
وابن عمّي «النادي» إذا غرق السـ
ـبح في موجها وصاح:الوحاء
ومن ذلك ما قاله «بعضهم» معاتباً صديقاً له:
أهنت النفس من أجل التلاقي
فما أعطيتني إلاّ احتقارا
وحينما أراد تصوير هذا المعنى لم يجد في الصور البيانية والمعاني الراقية إلا قوله:
جعلتك راكبي فأنا حمار
وما يوماً رأيتك لي حمارا
حبيب محمود
بعض التفاصيل([485])
شاع على ألسنة المثقفين والأدباء وحتى العلماء- فضلاً عن العامة- في منطقة القطيف أنها (النجف الصغرى).
ودوّن بعض الباحثين في تاريخ المنطقة الفكري والأدبي تلك المقولة في أبحاثهم ومؤلفاتهم بدون أدنى تحقيق في صحة المقولة وواقعيتها.
وليس غرضي في هذه المقالة المقارنة بين النجف الأشرف الحاضرة العلمية للشيعة منذ ألف سنة والتي تخرج فيها آلاف العلماء على مرّ القرون وأنتجت عشرات الآلاف من الكتب والأبحاث والرسائل في الفقه وأصوله وعلم الكلام والفلسفة والحديث الشريف وعلومه وتفسير القرآن الحكيم وعلومه فضلاً عن الشعراء الذين حلقوا في سماء الشعر العربي وهم عشرات الشعراء المفلقين.
ولن نتحدث عن معاهد النجف الأشرف العلمية ومدارسه ودراسته العليا ومدرسيه، ولن نعدد مكاتب النجف الأشرف الخاصة والعامة.
لكن حديثنا سيكون عن الحياة الفكرية والأدبية في القطيف، وهي ثمرة من ثمرات النجف الأشرف قطفها أفراد من هذه المنطقة وحاولوا زرعها في باب ساحتنا العلمية والأدبية لعلها تنتج شيئاً تتلاقى مع بقية ثمرات النجف الأشرف في مختلف بقاع العالم الإسلامي.
وحتى لا نبخس القطيف حقها حاولنا أن نلم إلمامة سريعة ومركزة على تاريخ المنطقة العلمي والأدبي عبر القرون، مؤرخين لحياتها العلمية، ملقين الضوء على بعض حلقاتها المضيئة عبر القرون. وليس هدفنا التأريخ بما هو تأريخي، بل نحاول اكتشاف النجوم العلمية والأدبية وتسليط الضوء على أسباب إشعاعها وتجاذبها مع محيطها العلمي والأدبي.
ومن نافلة القول بل مفروضه أن لا ننسى ونحن نسير عبر التاريخ أن جغرافية المنطقة السياسية قبل مائة سنة كان لها الأثر كل الأثر في روافدنا العلمية والأدبية، إذ كانت منطقة القطيف جزءاً من ثلاثة أجزاء مما كان يسمى بالبحرين والنسبة إليها بحراني لا بحريني كما شاع وذاع. وكان العلماء والأدباء يتنقلون بحرية كاملة من الخط وعاصمتها القطيف إلى ما يعرف الآن باسم البحرين، ومن البحرين إلى القطيف ويتعلمون ويعلمون ويقيمون هنا وهناك والكل عشيرة واحدة ووطن واحد، بالإضافة إلى هجر وقاعدتها ما يعرف الآن بالأحساء.
العلماء والشعراء
كثيرة- نسبياً- أسماء العلماء والشعراء الذين نسبوا إلى منطقة الخط أو عاصمتها القطيف.
فقد حرص بعض من أرخ للمنطقة أن يحشد ما وقع تحت يده من أسماء ويتسامح في ضم هذا الاسم أو ذاك إلى قائمة العلماء أو الشعراء، بل إن البعض أعطى ألقاباً علمية لا تتناسب مع المستوى العلمي للمترجم إفراطاً أو تفريطاً متناسياً أن الأمانة العلمية تحتم على كل باحث ومؤلف أن يرصد كل شيء كما هو، وأن يبعد عنه أثناء الكتابة ميوله الشخصية ورغباته الذاتية.
وبنظرة سريعة على تراجم المنتسبين للقطيف على مر العصور- مع إسقاط العصر الجاهلي وصدر الإسلام وعصور الأمويين والعباسيين حتى القرن السابع الهجري- من علماء وشعراء وحسب بعض القوائم نجد أن عددهم قارب المائتين.
وليس لنا اعتراض على هذا الكم الهائل من الشعراء والعلماء بل نتمنى أنهم كانوا ألوفاً مؤلفة نباهي بهم الزمان ونرصدهم للتاريخ السياسي- قبل التاريخ العلمي والأدبي- منائر تهدي المبحرين إلى بحر القطيف رغباً أو رهباً. فلنلق نظرة سريعة على ما حفلت به القرون السبعة المتأخرة من العلماء ونرى ما أنجبت القطيف من تراث علمي خلال هذه القرون ثم نقول كلمتنا.
القرن الثامن
أثبت المؤرخون خمس أسماء منها أربعة من علماء الدين والخامس من الشعراء والعلماء، وهم- مع حفظ الألقاب العلمية-: الشيخ حسين بن راشد، والشيخ عبدالله بن شبيب، والشيخ علي بن حسن بن جعفر بن عثمان، والشيخ يوسف بن حسين بن أبي، وخامسهم الشيخ حسن بن علي النح.
وقد أثبت صاحب أدب الطف ما وجده أو بعضه من أشعار النح وبذلك حفظ أثراً من آثار القطيف كان ضائعاً.
وأما الأربعة الآخرون فمنهم من وقع في سلسلة الإجازات كابن راشد وابن أبي، ومنهم من عرف بأنه تلميذ لابن المتوج البحراني.
القرن التاسع
الشيخ حرز بن الحسين كان معاصراً للشيخ مفلح بن حسن الصيمري.
القرن العاشر
في هذا القرن سطع نجم قطيفي في سماء العلم والعلماء، وهو بحق مفخرة القطيف، والمنوه به من خلال علمه ومؤلفاته التي ما زالت معتمدة في المحافل العلمية وأراؤه محل درس بين الفقهاء.
وهو الشيخ إبراهيم القطيفي.
ولم تذكر كتب التاريخ أو الإجازات غير هذا العلم من العلماء أو الشعراء في هذا القرن ويكفي القطيف عالمها هذا.
القرن الحادي عشر
حلق في هذا القرن أبو البحر الخطي بشعره فملأ دنيا الشعر والأدب في المحافل الأدبية في البحرين الكبرى وبلاد فارس.
ولا يستطيع الباحث وهو يرصد تاريخ الحركة الأدبية في منطقة الخليج والجزيرة العربية أن يتجاهل هذا الشاعر العبقري الذي رفع بشاعريته المفلقة اسم القطيف أدبياً.
كما سطر المؤرخون أسماء لبعض العلماء من أسرة آل عمران أشهرهم الشيخ حسين العمران الذي أثبت له الشيخ علي المرهون قصيدة في كتابه شعراء القطيف.
ومنهم الشيخ عبد علي القطيفي الذي ترجم له الحر العاملي في آمل الأمل وينقل عن كتابه مطالع الأنوار في الهداية وترجم له صاحب الرياض والذريعة.
القرن الثاني عشر
كان هذا القرن كريماً على منطقة القطيف فقد جاد عليها برجال سبحوا في بحور العلم والأدب وأناروا طروس تاريخ المنطقة بعلمهم وشعرهم.
أبرزهم الشيخ احمد المقابي، والشيخ عبد الله الشويكي، والشيخ علي بن حبيب، وشاعر الخط في هذا القرن الشيخ فرج المادح، والشيخ محمد المقابي، والشيخ ناصر الجارودي، والشيخ يوسف أبو ذيب الشاعر العالم.
وهذا القرن هو في نظري البداية الحقيقية للمدرسة العلمية التي تناثرت شظاياها في ربوع القطيف بعد أن مهد لها علماء القرن السابق وحفروا أساسها.
القرن الثالث عشر
جاد الدهر بنوابغ ازدهرت بهم حاضرة القطيف في القرن الثالث عشر الذي تواصل مع القرن السابق وأوصل الشعلة إلى القرن الرابع عشر.
وكان من حسنات هذا القرن ثلة من الأعلام مثل الشيخ إبراهيم بن عرب آل عرفات، والشيخ أحمد بن طوق، والشيخ أحمد بن منصور العمران، والشيخ حسن بن مرهون التاروتي الشاعر الشهير، والشيخ حسن الصفواني، والشيخ سليمان العبد الجبار المسقطي، وابنه الشيخ سليمان العبد الجبار المينائي، والشيخ ضيف الله بن طوق، والشاعر الشيخ عبد العزيز الجشي، والشيخ عبد علي العبد الجبار، وعبد علي القاروني، وشيخ شعراء القطيف في هذا العصر عبد الله الذهبة، وشيخ علماء عصره في القطيف الشيخ محمد بن علي العبد الجبار، والشيخ يحيى العوامي، والشيخ مرزوق الشويكي، والسيد محمد بن مال الله بن معصوم، والسيد محمد بن مال الله الفلفل.
القرن الرابع عشر
تميز هذا القرن بميزة لم تكن ملحوظة في القرون السابقة إذ كان في أوائله زاخراً بالعلماء خاصة المجتهدين وذوي الفقاهة، وكان أغلب هؤلاء ممن قضى شطراً من عمره في القرن السابق الذي هو بحق والذي قبله قرنا الازدهار العلمي والأدبي في المنطقة.
أما بعد منتصف هذا القرن وخاصة بعد العقد السابع منه فقد انطفأ بريق القطيف العلمي، ولم يبق بها ممن يشار إليه بالبنان إلا فرد أو فردان لا يبلان شفة لصادي ولا يخلقان ربيعاً.
وكان الشيخ أحمد آل طعان هو أستاذ علماء القطيف في هذا القرن ونافخ الروح العلمية فيها. وقد تتلمذ على يديه ابنه الشيخ محمد صالح، والشيخ جعفر العوامي الستري، والشيخ عبد الله المعتوق، والشيخ علي البلادي، والشيخ محمد النمر.
ومن علماء هذا العصر المبرزين- أيضاً- الشيخ حسن علي البدر، والشيخان العليان الخنيزيان العم وابن أخيه، والشيخ محمد حسين العبد الجبار، والشيخ علي الجشي، والسيد ماجد العوامي، والشيخ محمد صالح المبارك، والشيخ حسين البلادي القديحي.
تحليل للمسيرة العلمية في المنطقة
بعد أن تصفحنا وجوه المنطقة العلمية خلال سبعة قرون ونشاطها العلمي والأدبي لا يستطيع الباحث إلا أن يخرج بملاحظات لا تخفى على المتتبع وهي كالتالي:
أولاً: أن العلم- مع أن الواجب الشرعي يقضي بنشره على أوسع رقعة ممكنة- صار علامة مسجلة يتوارثها الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل وصار لدى أبناء المنطقة عرفاً أن من يريد أن يطلب العلوم الدينية لا بد أن يكون من أسرة علمية دينية.
فقد كان همّ العلماء تنشئة أولادهم ليأخذوا محلهم في المجتمع بعد رحيلهم من هذه الدنيا ولذلك لا نجد عالماً من أسرة ليس لها امتداد علمي طويل، اللهم إلا أن يكون والده من الوجهاء الأثرياء ويستخدم دالته الوجاهية لدى هذا العالم أو ذاك ليتلقى ابنه العلم على يديه.
وكان أبناء الطبقة الاجتماعية المتوسطة لا يحلمون بأكثر من أن يكون ابنهم خطيباً أو معلماً في (كتاب)، أو كاتباً لدى أحد التجار أو العلماء.
وكان محظوراً على هؤلاء تجاوز دراسة أو قراءة كتب بعينها.
لهذا وذلك نلاحظ أن أغلب علماء منطقة القطيف من أسر علمية وراثية احتكرت الدراسة العلمية والدينية، ووظائف رجال الدين في المجتمع من إفتاء وإمامة صلاة، وقضاء وخطابة ووعظ وإرشاد وتوثيق عقود الخ.
ولقد خسر أولئك العلماء وخسرت مهم المنطقة جراء هذا الاحتكار، حيث ظل العلم والأدب محصوراً في تلك الأسر وضمن أسوارها لا يخرج إلى ساحة المجتمع وطرقاته، ليخلق مجتمعاً أديباً ومحيطاً يتداول المسائل العلمية والقضايا الأدبية، وهو يكسب معاش يومه كما هو الحال في الحواضر العلمية.
ثانياً: تبعاً لما سبق فإن الكتب والمكتبات ظل يتوارثها الخلف عن السلف بما فيها من مؤلفات علماء تلك الأسر، وظل أكثر تلك المؤلفات حبيس الأدراج تتلفها عوامل الطبيعة وتقتات عليها العثة، وتغلفها العنكبوت بأنسجتها حتى الموت، خاصة بعد انتهاء التسلسل العلمائي في تلك الأسر، وزهداً في العلم والأدب، وخوفاً من وجود آثار العلم بين أيدي غير مستحقيها.
وما نجا من هذه المعركة تلاقفته أيدي الباعة في التركات ووصل بعضها إلى شرق الأرض وغربها في غفلة ونسيان من أبناء منطقة القطيف، أو انتهبته أيادي لصوص الليل ظلماً وعدواناً.
ويرى المتابع لإصدارات المطابع في العشر سنوات الأخيرة أن توجهاً محموداً أخذ على عاتقه نشر ما يصل إلى أيدي أصحاب ذلك التوجه ـ كثر اللَّه أمثالهم ووفقهم ـ من مؤلفات علماء المنطقة بعد تحقيقها، ونشر مؤلفات المعاصرين.
والبعض راح يرصد مؤلفات أبناء المنطقة في المكتبات العامة في الحواضر الإسلامية، أو ما تضمنه فهرسات المكاتب والتراجم والكتب الخاصة بتعداد المؤلفات كالذريعة.
وتبقى أمنية في نفوس المهتمين بتراث المنطقة العلمي والأدبي أن يفتح أصحاب المكتبات الخاصة من أبناء (البيوتات) العلمية أبواب تلك المكتبات للباحثين والمحققين، وأن يؤدوا إلى الأجيال الأمانة التي تحت أيديهم حتى تتكئ عظاميتهم على ما هو موجود بين أيدي الناس.
وليبعد حراس التراث توهمهم أن تراث سلفهم ملك لهم وأنه أفضل ما ألف، وليدعوا بعد نشره الأيام تقول كلمتها في جودته وفضله.
ثالثاً: يلاحظ الباحث أن بعض العلماء تبنى ـ كما تقول التراجم ـ التدريس وفتح مدارس، وكان البعض يلقي بحوث الخارج في علمي الفقه والأصول.
ولا يعنينا البحث عن تدريس المقدمات أو حتى علوم السطوح لأن وجود ذلك من المسلمات في السيرة العلمية للعلماء والفضلاء والمجتهدين.
ولكن ما يعنينا هو التحقق من وجود درس بحث الخارج في المنطقة ـ ومع عدم الإشارة إلى أسماء بعينها ـ فهل خرجت تلك المحاضرات ـ إن وجدت ـ مجتهدين استغنوا عن الرحلة إلى حواضر العلم الأخرى؟ وهل شهد أحد علماء المنطقة لأحدهم أو لأي أحد بالاجتهاد؟
ليس بأيدنا ما يؤيد ذلك سوى بعض جمل كتبت في سيرة هذا العالم أو ذاك أو ذكراه. وبالبحث في تراجم بعض علماء المنطقة لم نجد لها مصاديق في الخارج ـ حسب تعبير أهل المنطق ـ وإن وجدت تلك المصاديق فكان جلُّ ما وصلت إليه إنهاء دراسة السطوح على يد أصحاب تلك (الدراسات العليا).
بل إن كتب التراجم تثبت عكس ذلك. فإن أغلب علماء المنطقة منذ بداية دراستهم للمقدمات حتى البحث الخارج كانوا عالة على علماء ومدارس البحرين والنجف وكربلاء وشيراز إلا القلة ممن درس في المنطقة ـ على يد علماء المنطقة ـ المقدمات.
وما برز من برز منهم إلا بعد أن رحل إلى طلب العلم في تلك الحواضر ثم عاد منها متوجاً بالعلم والفضيلة والشهادات والإجازات.
هذا بالإضافة إلى أن قلة من العلماء من تصدى للتدريس بالشكل المذكور آنفاً، كان منهم الشيخ حسين الماحوزي في القرن الثاني عشر، ومعاصره الشيخ ناصر الجارودي. وفي القرن الثالث عشر الشيخ أحمد بن طوق، وأستاذه الشيخ أحمد العمران، والشيخ سليمان بن أحمد العبد الجبار، وابنه الشيخ سليمان، والشيخ عبد علي القاروني، والشيخ مبارك جد الأسرة العلمية المعروفة، والشيخ يحي العوامي.
وفي القرن الرابع عشر تصدى للتدريس الشيخ أحمد آل طعان، والشيخ حسين البلادي، ووالده، والشيخ علي أبو حسن الخنيزي، والشيخ عبد اللَّه المعتوق، والشيخ محمد النمر.
ومع وجود أولئك العلماء في المنطقة وتلك المدارس إلا أن الجهل والأمية كانت تضرب بجرانها في القطيف وضواحيها وقراها؛ إذ أن تلك المدارس ـ كما سبق وأشرت ـ كانت حكراً على طبقة مخصوصة من الناس لا تتعدى إلى غيرهم إلا ما خرج بدليل الثروة والوجاهة.
ولا نبالغ في القول إذا قررنا أنه لولا وجود المنبر الحسيني والمناسبات الدينية التي كانت سوقاً مربحة لتلك الطبقة لما كان لأحد من (عوام الناس) علم أو معرفة أو دراية بشيء من أمور دينه العقائدية والتاريخية. وكانت المعرفة الضئيلة جداً جداً وغير الدقيقة أيضاً تلقيناً لا يقيناً.
وتلك المعلومات مستقاة في مجملها من مجموعة الوفيات ومنتخب الطريحي وما شاكله من كتب في النوعية والمنهج. أما المسائل الفقهية التي يحتم الشرع وجوب تعلمها على المكلفين فإن تعليمها كان خارجاً عن اختصاص الخطباء. والعلماء لا يرون غضاضة في أنفسهم إذا ما بقي الناس العوام بغير تفقيه.
رابعاً: إن من يحقق في تراجم العلماء والشعراء المنسوبين إلى القطيف يستوقفه أن كثيراً منهم أو على الأقل بعضهم تم نسبته إلى علماء القطيف تجوزاً، وهؤلاء يتم تصنيفهم إلى مجموعات ثلاث:
المجموعة الأولى: علماء من أهالي البحرين اضطرتهم ظروفهم إلى الرحيل إلى القطيف أو بطلب من أهاليها مثل: الشيخ أحمد المقابي وأخويه، والشيخ محمد أبي مجلي المكي، والشيخ عبد علي القاروني، والشيخ عبداللَّه الستري العوامي، والشيخ أحمد آل طعان، والشيخ علي البلادي.
المجموعة الثانية: علماء كانوا أصلاً من القطيف لكنهم نزحوا إلى مناطق أخرى وعاشوا وأبدعوا وأنتجوا فيها كالشيخ جعفر الخطي، والشيخ عبداللَّه الذهبة، والشيخين سليمان العبد الجبار المسقطي وابنه سليمان المينائي، والشيخ ضيف اللَّه بن طوق الحائري.
المجموعة الثالثة: علماء نسبوا إلى القطيف لا لأنهم ولدوا فيها ثم نزحوا منها وإنما لأن أهلهم وعشيرتهم من أهالي القطيف وعاشوا كل حياتهم أو جلها خارجها، منهم الشاعر أحمد بن منصور القطان القطيفي البغدادي، والشيخ إبراهيم القطيفي والشيخ حسن علي البدر.
خامساً: يلاحظ المتتبع لتراجم علماء القطيف وشعرائها أن جلهم بل كلهم إلا ما شذ وندر ـ يستكينون إلى الدعة ومن ينشط منهم فينشط في التأليف الذي تحتويه خزانات كتبه ولا يطلع عليه عالم آخر سوى أبنائه الذين يمجدونه ويرفعون من شأنه وهو حق واجب عليهم.
وكان البعض منهم يزيد نشاطه فيلقي دروساً على طلاب العلم والمعرفة من أبناء أسرته وأبناء الأسر العلمية الأخرى وربما راسل بعضهم بعض معارفه من العلماء في البحرين أو غيرها مراسلات علمية ملؤها المدح والثناء، وإن احتوت على مادة علمية فهي إلى الزبد أقرب منها إلى ما ينفع الناس، وقصد بعضها الحصول على ألقاب علمية من المرسل إليه في طي جوابه له، أو طلب إجازة بالرواية، أو بقصد ما يعرف بالاستعراض العلمي، أو للتأييد العلمي في الصراع مع الغير.
سادساً: ويلاحظ المتتبع أيضاً أن بعد الشيخ إبراهيم القطيفي وأبو البحر الخطي لم يطر صيت أحد من علماء أو شعراء القطيف إلى غيرها، وإن هذين العلمين حلقا في سماء غير قطيفية.
والذي أعتقده أن القطيف بطبيعتها الجغرافية ومناخها الحار الرطب في أغلب أيام السنة والبرد القارس المشبع بالرطوبة أيام الشتاء، وانغلاقها على نفسها أخذاً وعطاءً بالإضافة إلى العوامل المحيطة الأمنية والسياسية: أن تلك الظروف الطبيعية والاجتماعية جعلت القطيفي مربوطاً إلى أرضه، متمسكاً بترابها، يخاف أن يأخذه أحد منها أو يأخذها منه. وتولد من ذلك حبه للدعة وخوفه من المغامرة، وشاع بينهم المثل القائل: «ما لك بالبحر وأهواله ورزق اللَّه على السيف».
هذا بينما النبوغ العلمي والأدبي لا يتولد إلا في محيط ملؤه العلم والأدب، يتنافس فيه الأقران، ويبذل كل واحد منهم كل جهده وجده للتحصيل والرقي والكمال خوفاً من العجز والفشل وغلبة الرجال، ورغبة في المجد والخلود. هذا بالإضافة إلى العامل الأساسي في الإبداع وهو الحرية التي تفقدها المنطقة.
ولذا نرى أن القطيف كانت وما زالت تستورد إنتاج الآخرين العلمي والأدبي والفكري ولم يكن لها مشاركة في خلق موجة جديدة أو إبداع في رأي أو استقلال في نظرية.
فمعظم ما لدينا من مدارس فقهية هو إنتاج علماء البحرين أو النجف وكربلاء.
ومعظم ما لدينا من نظريات كلامية مستوردة من البحرين والأحساء أو النجف وكربلاء.
فالأحساء مثلاً تفتخر بالشيح أحمد الأحسائي، وأما البحرين فحدث ولا حرج عن رموزها العلمية على مر العصور أمثال: الشيخ ميثم، والسيد ماجد، والسيد هاشم، والشيخ سلمان الماحوزي، والشيخ يوسف العصفوري، ممن أثروا الفكر الشيعي فقهاً وحديثاً وتفسيراً ومعقولاً.
والتجربة الحاضرة لأبناء القطيف في القرية العلمية أصدق شاهد على صحة ما ندعيه.
سابعاً: وكانت تجربة الشيخ علي أبو حسن الخنيزي وابنه الشيخ الخطي عندما اجتمع حولهما ثلة من الأدباء يتبادلون العلم والمعرفة، ويتسابقون في نقد نتاج بعضهم البعض الآخر وأساتذتهم لبلوغ الأفضل وإنتاج الأجود؛ خير تجربة فرضت – على الأساتذة قبل الطلاب ـ التحدي والاستجابة فأبدعوا.
فظهر منهم مؤرخ القطيف الأستاذ محمد سعيد المسلم، والشاعر المبدع الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، والمؤلف القدير الشيخ عبداللَّه الخنيزي، والأستاذ الشاعر محمد سعيد الجشي.
وقد سبقهم شاعرا القطيف ورائدا التجديد الأدبي الشيخ عبد الحميد الخطي، الذي يأبى نشر شعره الذي يعد من الطبقة الأولى الرفيعة، تطبيقاً لقول القائل: «إن الشعر بالعلماء يزري». وفي رأينا أن الذي سيخلده على مر الأيام هو الخطي الشاعر إن ذاع شعره وخرج من أخبيته، وأما الخطي رجل الدين والقاضي فسينسج عنكبوت الزمن عليه خيوطه حتى يغيبهما عن الوجدان الشعبي.
والشاعر الآخر الأستاذ عبد اللَّه الجشي الذي أصدر حتى الآن مجموعتين واحدة شعرية وأخرى نثرية سيبقيه الزمن بهما وسيوشحه برداء الخلود.
إن هذه التجربة ـ أي تجربة المنتدى العلمي والأدبي الذي أرسى قواعده الشيخ الخنيزي كما ينص من أرخ له ويصدقه ممن تخرج على يديه أمثال البريكيين والشيخ فرج وابنه الشيخ الخطي وغيرهم ثم سار على الدرب ابنه الشيخ عبد الحميد الخطي ـ لهي بحق تجربة رائدة فرضت على جميع روادها النبوغ والعطاء والتحليق عالياً ـ بفعل التحدي وحب الظهور ـ ولا ضير في ذلك إن أعطى نتائج مشرفة تعرض نفسها على المجتمع العلمي والأدبي في محيطها ولدى المحيطات الأخرى، وقد فعلت ذلك فأصدر عبد الواحد الخنيزي ديواناً، وحلق محمد سعيد الجشي شعراً وغيرهما في الشعر والأدب.
وتبقى لنا ملاحظة على هذا المنتدى ـ كما سميناه ـ وهي أن رواده كان اهتمامهم منصباً على الشعر والأدب وأغفلوا الأبحاث العلمية الأخرى إلا إلمامة بالتاريخ السردي. وملاحظة أخرى أن هذا المنتدى لم يخرج عن نطاق مسوّرة القلعة فلم يمتد إلى قرى علمية وضواحي القطيف ويلملم شتات الأدباء والشعراء والعلماء ـ وليته فعل لكان أعطى وأنضج وفاحت روائح الشعر والأدب في جنبات القطيف ولم تقتصر على أفراد قلائل تربطهم في الأغلب وشائج القربى والجوار ـ وصارت تلك المنتديات أشبه بالديوانيات الخاصة تجمع الأصدقاء وذوي القربى في شللية منسجمة لا يعنيها من الشأن العام العلمي إلا ما رجع صداه عليها ولامس أعطافها المزهوة بالترف الأدبي في مجتمع يتحرق إلى العلم والأدب بطبيعته واستجابته لتحدي محيطه.
ثامناً: نلاحظ في تراجم بعض العلماء أنهم عرفوا بغيرهم فقط ـ إما لوقوعهم في سلسلة الإجازات أو لمعاصرتهم لهذا العالم أو ذاك أو تتلمذهم على هذا الشهير أو ذاك ـ والمحصلة أن هؤلاء البعض لم يكن لهم شخصية علمية ذات استقلال واضح تعنيها بنفسها. ومرد ذلك ـ في نظرنا ـ إلى أن أولئك العلماء كانوا مجرد طلبة علوم دينية لا تحصيل لديهم يعمق شخصيتهم العلمية ككثير ممن طلب العلم وعاش ومات وهو بين دراسة وتدريس أو مهمات حوزية إدارية ولم يعد في عرف الحوزات (محصلاً).
تاسعاً: نسبة لا بأس بها من العلماء (المحصلين) ممن ولدوا في القطيف وبعد تحصيلهم العلمي غادروا المنطقة إلى مناطق أخرى.
والسؤال المطروح هنا: لماذا هذه الظاهرة وقد كانت المنطقة في حاجة ماسة إلى وجودهم؟
هل كان ذلك بسبب ضيق المعيشة في المنطقة ورغدها في مواطن هجرتهم؟
لا نعتقد ذلك وتغنينا الأوقاف التي ما زالت موجودة بيد أولاد العلماء عن النبش في ماضي المنطقة الاقتصادي.
إذن هل كانت الهجرة لعدم استتباب الوضع الأمني والسياسي؟
هجرة علماء البحرين إلى منطقة القطيف بسبب (الفتن) ـ حسب ما كان مصطلحاً عليه قديماً ـ تنفي هذا السبب أيضاً.
هل كان (صراع المتعاصرين) السبب في انسحاب البعض من المواجهة والرحيل إلى مناطق يلقى فيها التقدير والاحترام؟
ربما كان سبب هجرة البعض، ذلك مع ما في النفس من عدم الاطمئنان لذلك؛ لعدم وجود ما يدعم هذا السبب بأيدينا، ولكنه يبقى احتمالاً قائماً.
والذي نعتقده أن هذه الهجرات كانت لأسباب علمية بحتة، فإما تم الاستدعاء من قبل أهالي تلك المناطق لهؤلاء العلماء (ليهدوا الضال ويرشدوا الناس) وإن كان لا يوجد لدينا ما يقوي هذا الاحتمال إلا مقارنة مع ما كان سائداً في المنطقة من طلبة الشيخ عبداللَّه الستري وغيره.
وإما لوجود مناخ علمي يتناسب مع طموحات المهاجر في محل هجرته ويفتقد هذا المناخ في منطقتنا التي كانت وما زالت موطناً غير خصب للعلم والعلماء. وهذا ما يقوى في النفس ونميل إليه كل الميل نظراً للسطوع العلمي لأولئك النفر المهاجرين وجودة إنتاجهم وغزارته المفيدة.
عاشراً: لم نحاول التطرق كثيراً إلى الحياة الأدبية في المنطقة وتقييمها؛ لعدم وجود ما يكفي لذلك من الدواوين والمجموعات الشعرية بين أيدينا، وافتقارنا إلى مكتبة تضم بين أيدينا كل أشعار شعراء المنطقة، وليس الشعر الديني رثاءً ومدحاً الذي يتواجد بعضه في بعض المجموعات والدواوين المطبوعة والمخطوطة. هذا بالإضافة إلى أن كل علماء المنطقة تقريباً قرضوا الشعر، وتعاطى بعضهم الأدب، وكثير من خطباء المنبر الحسيني نظموا في النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته. وتختلف طبقات هؤلاء وأولئك شعرياً.
خاتمة
في الختام أتمنى ويتمنى معي كل قطيفي أن ترتفع الأنانية عن نفوسنا، وأن نفتح خزانات ما بقي من مكتبات الأسلاف للباحثين والمحققين.
ونتمنى أن نخلع وشاح الشح المالي والأدبي، وتتكاتف الأيدي على إخراج مؤلفات علماء المنطقة أو من انتسب إليها من زوايا الخمول والنسيان ونشرها ليس في المنطقة وحسب، بل علينا نشرها في أصقاع الأرض لتحيا القطيف بدلاً من خنقها بالجهل والتنكير؛ لعدم وجود الإنتاج العلمي والأدبي بين أيدي الباحثين ورواد العلم والمعرفة.
ولا بد أن يكون ذلك عمل لجان لا أفراد، فإن العمل المؤسساتي إنتاجه أقوى من إنتاج الأشخاص وأسرع انتشاراً، خاصة مع وجود الدعاية والإعلان اللازمين لكل إنتاج وعمل.
وإن الظروف الخارجية كانت وما زالت هي الرافد الحقيقي لبنيان القطيف العلمي والأدبي، والغربة كانت وما زالت من أقوى الأسباب في التحصيل العلمي ونشر الإنتاج الفكري والأدبي وبلورته.
وما المجلات التي يصدرها أبناء المنطقة في الخارج حالياً، ومؤسسات النشر والتحقيق والمدارس العلمية (الحوزات) الخارجية؛ إلا منائر العلم والمعرفة لإقامة فرائض العلم والأدب ونوافل الفكر والشعر زرافات ووحداناً.
نتمنى لها الاستمرار ودعمها دعماً أدبياً بالأبحاث والمقالات والمخطوطات والكتب والدواوين الشعرية والدراسات العلمية والأدبية.
بل نتمنى دعمها بالاشتراكات والتبرعات والهبات وبعض من الحقوق الشرعية التي تستفيد منها البنوك المحلية والغير، مع أن صرفها في تنشيط الحالة العلمية في المنطقة من أوجب الواجبات بل مما هو متعين شرعاً.
لعل وعسى بعد هذا وذاك أن يأتي اليوم الذي يقول فيه أبناء القطيف: (إن القطيف النجف الصغرى) ولو تجوزاً، ويجدون ما يدعم مقولتهم من العلماء الجهابذة في كل مجال والشعراء العباقرة والمحققين والصحفيين وحسن أولئك رفيقاً.
محمد علي الشيخ علي
السومريون وبلاد الخط…
من الشعوب التي ذكرها المؤرخون والتي أقامت بمنطقة الخليج في عصورها الغابرة، الشعب (السومري)… إلا أنهم اختلفوا في أصله([486]) فأبعده بعضهم عن العرق السامي([487])، ونسبة بعضهم الآخر إلى عنصر آخر([488]) وقالوا أنه أصلاً ليس من سكان المنطقة الخليجية بل من الوافدين عليها([489])… إلا أنهم لم يحددوا موطنه الذي هاجر منه واستقر بعده في منطقة الخليج، ومن ثم استولى على حضارة (دلمون) إلى أن هاجر بعدها إلى جنوب العراق وأقام حضارته التي تميز بها عن حضارات ما قبل التاريخ([490]) .
ومع أن موطن السومريين الأصلي الذي جاءوا منه لا يهمنا في بحثنا هذا. إلا أن هناك من يقول أنهم وفدوا على منطقة الخليج ككل من إقليم الأندلس([491]) ومجيئهم للمنطقة لا يعرف له زمن جلي، وكل ما يقال عنه مجرد تخمين، ويعتقد أنهم وفدوا على منطقة الخليج وأقاموا في واحة القطيف وبلدانها قبل نهاية الألف الخامس قبل الميلاد، وذلك أثناء فترة ازدهار حضارة دلمون الفينيقية فيها.
فقد جاء السومريون مهاجرين وأقاموا فيها فترة من الزمن، حتى علا شأنهم فيها، وأخذوا بقوتهم من بعد ذلك يهددون السلطة المحلية، وتم لهم إخضاعها والسيطرة عليها، كما تمكنوا من إخضاع (الفينيقيين) وسيطروا على كامل المنطقة الخليجية وورثوا الحضارة التي بناها أهلها (الفينيقيون) ووصلت في عهدهم تلك الحضارة إلى أعلى مراتب التقدم والرقي، وغطت بأخبارها شتى بقاع العالم القديم، مثلما غطت سيطرتهم وسيادتهم ذلك العالم، وورثوا حضاراته وبينها حضارة (الفينيقيين) التي كانت سائدة في واحة القطيف والتي يرجح أن (عنك) و(تاروت) و(دارين) و(توبي) كانت إلى جانب مدن وقرى ومستعمرات منطقة الخليج الأخرى التي كانت معروفة في عهد (الفينيقيين).
لقد خضعت هذه المناطق كلها للسومريين فعاشوا فيها، وامتزجوا بسكانها، وتعلموا مما لديهم، وأخذوا عنهم كثيراً من مقوماتهم الحضارية التي تميزوا بها، وتأثروا بمعتقداتهم الدينية، فعبدوا آلهتهم وقدسوها وجعلوا منها معبوداً لهم، وعرفوا الإله (أنكي) والإله (أنزك) أشهر إلهين فينيقيين عبدهما أهالي المنطقة.
وقد وجدت آثار السومريين مبعثرة في منطقة الخليج وعثر على بعض منها في واحة القطيف فقد وجد عالم آثار اسمه (شكسبير) لوحة عليها كتابة مسمارية بالقطيف([492]) وذلك في إحدى المزارع القريبة من بلدة عنك.
بقي السومريون في منطقة الخليج حقبة من الزمن، حتى تأثرت أواسط الجزيرة العربية بعوامل جفاف وغيرها دفعت الكثير من سكانها للهجرة باتجاه الخليج، وما إن وصل الفارون من أعماق الجزيرة إلى الشاطئ، حتى فقد السومريون سيطرتهم على الأوضاع، نظراً للتغير الديمغرافي الذي حدث، مما دفعهم إلى الهجرة باتجاه وادي الرافدين، تاركين المنطقة وحضارتها نهباً للقبائل الوافدة مما أدى إلى نهاية دلمون كحضارة في العام ألفين قبل الميلاد، بعد حروب وغارات وتخريب يشابه ما قامت به قبائل الأندو أوربية المعروفة بالأريان في حروب مماثلة فيما يعرف اليوم بالباكستان، الأمر الذي أدى تدمير وادي السند([493]) .
بنزوح السومريين عن منطقة الخليج، وقدوم قبائل شرسة من أوساط الجزيرة العربية، عم الخراب غالبية مدن وقرى الواحات الخليجية، إلا أن اسم حضارة دلمون بقي علماً تعرف به غالبية منطقة الخليج وشعوبها قبال الشعوب المجاورة وغير المجاورة لفترة من الزمن حتى غار أمام مسميات أخرى طمسته. ويسود الاعتقاد أن منطقة الخليج بعد اندثار حضارة دلمون قد انبثقت منها حضارات أخرى بمسميات مختلفة، وحفلت بألوان عديدة من السكان وأفواج من بقايا الجيوش الغازية استطابت الإقامة فيها، امتدت إلى العهد الذي تعرف فيه اليونانيون على المنطقة([494])… وقيل أن بعض بقاياهم لا تزال واضحة في قبائل (الصلب).
ولا بد أن هناك شعوباً حفلت بها منطقة الخليج، وعاشت في ربوعها، وقامت في مختلف بلدانها وأقاليمها… وما واحة القطيف إلا إقليم من أقاليم منطقة الخليج عرفت بلدانه الاستيطان منذ القدم، وتعاقب على الإقامة فيها ألوان عديدة من السكان من أكاديين وآشوريين وبابليين وكلدانيين وفرس وغيرهم، هاجر من هاجر، وتأقلم من بقي في المنطقة، ومع مرور الزمن انصهر في بوتقة العناصر العربية عندما تغلبت قبائلها على منطقة الخليج وما فيها.
واحة القطيف تستقبل قبائل الداخل
ما إن أقامت قبائل أواسط الجزيرة العربية في منطقة الخليج، حتى غلبت عناصرها على من بقي فيها من السكان الأوائل، وأصبح القادمون الجدد سادة المنطقة بعد أن ألفوا حياة الاستقرار، وعاشوا في مدن المنطقة وقراها وتحضروا وتطورت قدراتهم، وأنشؤوا في المنطقة حكومات، وتوسعوا فيها بمحطات أخرى ما لبث أن أصبحت بجهودهم مدناً كبيرة تزخر بمختلف أمور الحياة ومقوماتها، مع أن المنطقة ومنذ الألف الخامس قبل الميلاد، كانت محطة لحضارات متعاقبة يعود بناؤها إلى شعوب مختلفة استقرت في المنطقة لفترات، وخرجت منها على شكل هجرات بشرية متتالية… إلا أن قبائل أواسط الجزيرة العربية، وعندما غلبت عناصرها على منطقة الخليج أنشأت فيها ممالك، وبنت حضارات ولكن ضاعت مواقعها وانطمرت تحت الرمال وضاعت معالمها، وأصبحت طي النسيان.
ولو لم تحفظ لنا المصادر القديمة التي كشفت ألواحها في مواقع جنوب العراق القديمة إشارات إلى بعض منها، إذن لأصبحت في عداد المفقود، كغيرها من كثير أخبار منطقة الخليج الضائعة وغير المعروفة([495]). فقد أشارت اللوحات الأثرية المكتشفة في بلاد وادي الرافدين بالعراق والتي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد إلى منطقة الخليج العربي، وجاءت بشيء من أخبارها في نصوص يمكن الاعتماد عليها والأخذ منها عن ماضي المنطقة في تلك الحقبة، إلى حين الكشف عن نصوص مكتوبة يتم العثور عليها في مواقع المنطقة الأثرية تكون أكثر وضوحاً وتغاير ذلك مع فك رموز كتابات وادي السند التي أشارت في نصوصها دون شك إلى منطقة الخليج العربي وعلاقتها بحضارة وادي السند القديمة([496]).
وأشارت البعثات الأثرية في البحرين عن وجود ما يؤيد الاتصال بين الحضارتين([497]) ويتضح من إشارات اللوحات الأثرية التي اكتشفت في جنوب العراق ومؤلفات المؤرخين الأوائل من إغريق وغيرهم من العرب، أن منطقة الخليج أثناء الألف الثالث قبل الميلاد، استقبلت هجرات قبلية من أواسط الجزيرة العربية، فقامت ممالك وازدهرت مدن وبنيت قرى وأنشئت مستعمرات، وتعرضت لغزوات، ومن أوائل المصادر التي أشارت إلى منطقة الخليج: لوحة تبين أعمال (سرجون العظيم) حيث قال أنه وصل إلى (البحر المنخفض) أو الخليج العربي وبلاد الرؤوس السوداء، حيث تم إخضاع (ندوكي) وميناء آخر بعد ما هزم السومريين وقضي على مدنهم في منطقة الخليج العربي، وبلاد الرافدين وأنشئ على أنقاض ذلك إمبراطورية شاسعة الأطراف تمتد من شاطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى شواطئ الخليج العربي جنوباً([498]) وجعل عاصمتها مدينة (أكاد) الواقعة جنوب العراق.
كما نذكر لوحة أخرى تفيد بأن الملك (ماتشسيتو سو) (2306ـ2291ق. م) أرسل حملة عسكرية فعبرت الخليج والبحر الأسفل، ولما وصلت سفنه إلى الساحل الشرقي لجزيرة العرب، تجمع لمقاومته اثنان وثلاثون ملكاً من حكام المدن والتي لا يستبعد أن تكون مدن واحة القطيف القديمة في عدادها. حينها قرر الملوك محاربته، ولكنه انتصر عليهم وأدخلهم في طاعته، وفرض عليهم القيود التي ارتضاها([499]) غير أنه عجز عن إدخال مملكة (مجان) الخليجية التي يحكمها ملك يدعى (مانودانو) ومملكة (أبراك) تحت سلطة إمبراطوريته فعاد إلى مقر إقامته([500]).
ولكن خليفته الملك (نرام سين) (2291 ـ2255ق. م) حقق له رغبته، حيث قام في أوائل سنين حكمه بغارات ناجحة على منطقة الخليج العربي واحتل (مجان) وقضى على ملكها (مانودانو) وأخذه أسيراً إلى عاصمته، كما وتغلب على حليفه ملك (أبراك) وفرض سيطرته عليه… وبهذه الغارات تمكن (نرام سين) من فرض السيطرة الأكدية على كامل منطقة الخليج([501]) وأطاعه من في مدنها وقراها وواحاتها من السومريين وغيرهم.
القطيف تحت السيطرة الأكدية
ينتمي الأكديون إلى الأقوام العربية القديمة التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى السهل الرسوبي منذ فجر عصر السلالات، وعاشت جنباً إلى جنب مع الأقوام السومرية والمحلية الأخرى وامتزجت معاً([502]) إلى أن سنحت الفرصة لأحد زعمائها والمنتمي لأرومتها والذي يسمى (سرجون الأكدي) ليستلم زمام الحكم ويقضي على آمال حاكم مدينة (أوما) المدعو (لوكال زاكيري) الذي كان يتطلع إلى توحيد دويلات المدن السومرية تحت سلطته([503]) ويقضي على السومريين ويؤسس أول إمبراطورية عربية عرفها التاريخ القديم ويجعل من مدينة (أكاد) عاصمة لها ـ وذلك في حدود عام 2371 ق. م ولتمتد سلطة الدولة العربية في عهد سرجون المؤسس لتشمل جميع أنحاء العراق وبعضاً من سوريا وآسيا الصغرى([504]) .
وقد تعاقب على حكم الدولة الأكدية بعد سرجون بعض الملوك من سلالته، كان أشهرهم حفيده (نرام سين) والذي تميزت فترة حكمه بالفتوحات العسكرية التي امتدت إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالاً وسواحل الخليج العربي جنوباً، كما توغلت إلى آسيا الصغرى([505]) وقد دخلت غالبية منطقة الخليج بما فيها واحة القطيف بمدنها وقراها الموجودة تحت نفوذ السلطة الأكدية في عهد نرام سين الذي تمكن من السيطرة على منطقة الخليج بمساعدة من القبائل العربية الموجودة فيها والتي من المؤكد أنها اشتركت مع جيوشه حتى تم له بمساعدتها القضاء على السومريين بعد أن احتل (مجان) آخر معقل سومري في منطقة الخليج وقضى على ملكها السومري (مانو دانو) وباحتلال (مجان) والقضاء على ملكها تم للأكديين السيطرة الكاملة على منطقة الخليج.
إلا أن قوة الدولة الأكدية بدأت بالتقهقر بعد فترة نرام سين، مما أعطى الفرصة لبعض الأقوام الجبلية فاستغلت ضعف خلفاء نرام سين وهجمت على البلاد وأنهت الحكم الأكدي الذي دام حتى حدود (2230ق. م)([506]) .
وما أن غارت الدولة الأكدية حتى عمت الفوضى منطقة الخليج العربية، وانتشرت فيها الاضطرابات، وعادت إلى سلطة السلالات العربية والمحلية، وتعددت فيها الدويلات الصغيرة، ونشأت فيها أكثر من دويلة كانت كل منها تعمل للسيطرة على ما جاورها من أراضي وموارد مائية، وتحاول ضمان طرق مواصلاتها التجارية مع البلدان المجاورة… فقامت الحروب والمنازعات بينها وكانت تبرز بين الحين والآخر دويلة أقوى من غيرها فتبسط نفوذها على أراضي الدويلة المجاورة وهكذا، إلى أن تم للسلالة الثالثة في (أور) جعل منطقة الخليج العربي إحدى مقاطعاتها.
السومريون ثانية في منطقة الخليج
لم ينس السومريون منطقة الخليج العربي رغم هجرتهم عنها إلى جنوب العراق، فقد بقيت ذكرى إقامتهم فيها خالدة في أساطيرهم، وما أن قوي شأنهم في جنوب العراق وعادوا إلى الساحة السياسية مرة ثانية بعد فترة الاضطرابات التي شهدتها بلاد الرافدين في عهد (الكوتيين)… حينها تمكنوا من الحكم في موقعهم القديم من جديد، بعد أن قضى الأكديين على جميع دويلاتهم. قام أوتوهيجال أنزي أروك في (2130ق. م) على رأس جيش يدعمه أمراء (سومر الآخرون) بحملة عسكرية هزم فيها الكوتيين([507]) فأصبح زعيم السومريين، إلا أن حكمه لم يدم طويلاً، إذ قضى عليه حاكم (أور) السومري المسمى (أورنمو) الذي بدأت به سلالة (أور الثالثة) (2113ـ2006ق. م) واستطاع أن يعيد للسومريين مجدهم الذي فقدوه، فانتعشت في عهد (أورنمو) المقومات الحضارية السومرية، ووحد البلاد في مدة وجيزة، واتخذ لنفسه لقب (ملك أور= ملك سومر وأكاد).
ثم كرس الملك الجديد بقية حكمه (2113ـ2069ق. م) للبناء الداخلي، فأعاد النظام، وأرسى قواعد الرخاء، وحث على الاهتمام بالدين، وحمى البلاد من اللصوص وقطاع الطرق والخارجين على القانون([508]) .
وإلى (أورنمو) يعود أقدم تشريع في التاريخ بعد وثيقة (أرووكاجينا)([509])… وفي عهده عادت العواصم والمدن السومرية القديمة إلى الحياة من جديد، وزاولت نشاطها بعدما رمم ما تهدم منها، وبنيت فيها الزيقورات والمعابد. ومن أشهر آثاره الموجودة حتى يومنا هذا (زيقورة أور) في العراق. كما اهتم أورنمو بالزراعة فحفر شبكة من الأقنية.
وأخيراً وفي إحدى المعارك قتل (أورنمو)([510]) تاركاً الحكم لابنه (شولغي) الذي دام حكمه منذ قتل والده وإلى أن مات (47 عاماً) تمكن خلالها من القيام بأعمال متعددة لتجعل من شخصيته (ملكاً من أعظم ملوك العالم القديم)([511]) .
وفي عهد إمبراطورية (أور الثالثة) امتد نفوذ السومريين إلى جميع أنحاء العراق والبلدان المتاخمة ولا سيما منطقة الخليج العربي التي أصبحت مستعمرة سومرية للمرة الثانية في عهد الملك (شولغي) الذي من المؤكد أنه لم ينس الأساطير التي نقلها أجداده عن حضارة (دلمون) التي نقلوا عنها مقومات حضارية وثقافية ودينية ونسبوها إلى أنفسهم. لقد بقيت ذاكرة السومريين حية فيما يتعلق بدلمون وكأنها جنة قديمة أو فردوس مفقودة، لم يجدوا في هجرتهم عنها إلى بلاد الرافدين، والتي كانت نتيجة ظروف لم يستطيعوا مقاومتها ما ينسيهم منطقة الخليج العربي أو يعوضهم عنها. وهكذا عادوا إليها مرة ثانية وذلك عندما قام الملك (شولغي) في السنة الرابعة والعشرين من حكمه بحملات عسكرية ضم من خلالها منطقة الخليج وربط سلطاتها بالإدارة المركزية لإمبراطوريته في (أور).
ولا بد أن واحة القطيف وبلدانها القديمة وبلدان أخرى بالمنطقة وكذلك جزرها كتاروت في واحة القطيف وأرخبيل البحرين قد تأثرت بنتائج حملات الملك (شولغي) والذي بموته حوالى عام (2048ق.م)([512]) بدأ حكم السومريين ينهار أمام زحف القبائل العربية الوافدة من الجزيرة العربية وبادية الشام، والتي تمكنت بدورها من إنهاء حكم سلالة (أور الثالثة) في جنوب العراق وطرد السومريين من منطقة الخليج العربي بحدود العام (2000ق. م) تقريباً([513]) .
وما أن طردت القبائل العربية بقايا السومريين عن منطقة الخليج العربي، حتى أخذ الجنس العربي يبرز فيها بشكله الواضح ليصبغ عليها الصبغة العربية المعروفة والتي تشكل امتداداً لجذور سكانها اليوم. ومع أن التاريخ العربي بدأت أحداثه واضحة بعض الشيء منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد في بعض أوطان العرب المختلفة… إلا أن أسرار منطقة الخليج العربي لا تزال مجهولة، ولعل الأيام تكشف لنا في المستقبل بعضاً من خفاياها.
سعود الزيتون الخالدي
قفقاسيا
ـ 1 ـ
قال بطرس الكبير في الفقرة التاسعة من وصيته السياسية:
«ينبغي الاقتراب من القسطنطينية وممالك الهند وبذل أقصى ما يمكن في سبيل ذلك، لأنّ حاكم هذه المناطق سيكون حاكماً للعالم برمته، ولذلك ينبغي أن تظل الحرب قائمة مع الأتراك حيناً ومع الإيرانيين حيناً آخر. ولا بدّ أن تقام معامل صناعة السفن على سواحل البحر الأسود لكي يتم الاستيلاء على هذا البحر بالتدريج. وعلينا أن لا ننسى بحر البلطيق لأنّ في هذين الأمرين سبب نجاحنا، فيجب الاستيلاء على إيران في أسرع وقت من أقصاها إلى أقصاها حتّى الوصول إلى الخليج الفارسي. ويجب أيضاً إعادة الطريق التجاري القديم بين الشام والهند إذا كان ذلك ممكناً وفي سبيل الهجوم على الهند لأنّ فيها خزائن الدنيا وإذا ما وصلنا إلى هناك فحينئذ سنكون في غنى عن الذهب الإنلكيزي» (انتهى).
قفقاسيا محدودة من الشمال بروسيا حيث تبدأ حدودها معها من أطراف بحيرة (المانيتش) (Manitch). ومن الشرق ببحر الخزر. ومن الغرب بالبحر الأسود. ويفصل بعض أجزائها الجنوبية عن إيران نهر (أرس)، والبعض الآخر عن أرمينيا التركية جبل (آرارات).
تتكوّن الأجزاء الشمالية من قفقاسيا من أراضٍ منبسطة، وفي بعضها وديان ذات مراتع وخضرة. ويطلق الإيرانيون على هذه الأجزاء اسم (ما وراء القفقاس). وهي في الحقيقة أجزاء من أوروبا.
أمّا الأجزاء الجنوبية منها فتتشكل في أغلبها من صحارى مرتفعة ووديان عميقة، وهي تقع في قارة آسيا ويطلق عليها الإيرانيون اسم القفقاس دون قيد.
تفصل هاتين المنطقتين (الأجزاء الشمالية والأجزاء الجنوبية) سلسلة جبال القفقاس المرتفعة التي تمتد من بحر الخزر حتّى البحر الأسود لتشكل سداً يفصل المنطقتين كلاً عن الأخرى.
واسم القفقاس اسم قديم، يرى بعض المؤرخين أنّه مشتق من اسم جبل (قاف) الذي كان يطلق في الأزمنة الغابرة على الجبال المحيطة بإيران، وتطلقه أساطير آسيا الغربية على جبال تحيط ـ بزعمها ـ بالعالم بأسره.
وربّما كان جبل (قاف) هو سلسلة جبال القفقاس التي تتصل بجبال دماوند أي إلى الشمال من إيران وهندوكوش (Paropamisus)، ويرتبط تاريخ القفقاسيين وظروف حياتهم إلى حد بعيد بالوضع الطبيعي لهذه الجبال وسلسلة جبال القفقاس. ويبدو هذا الارتباط واضحاً ـ بصورة خاصّة ـ أيام فتح الروس للقفقاس.
يسكن القفقاس خليط من الأقوام والأجناس، والسبب في ذلك كون القفقاس في العصور الغابرة طريقاً لحركة القبائل الآرية من آسيا الوسطى إلى شمال أوروبا وأقصى غربها، وطريقاً لحملات التتر والتركمان من أقصى الشرق إلى شواطئ الدانوب.
وخلال هذه الرحلات فضلت بعض القبائل أن تحط رحالها في أعالي الجبال أو في الوديان ذات المراتع الخضراء أو في سباسب ما وراء القفقاس، لرغبتهم في هذه الأماكن أو اضطرارهم إليها. وكان من الطبيعة أن منحتهم قلاعاً طبيعية حصينة بين صخور جبال القفقاس، فكانوا في قلاعهم هذه آمنين على مرّ الزمن من شر الأعداء وحب التسلّط لدى الأمم الأُخرى.
وينبغي في التحقيق في أصول القبائل القفقاسية المختلفة، أن نرجع إلى ما قبل قرن فنلاحظ الأوضاع الاجتماعية لهذه القبائل قبل الاحتلال الروسي، حيث لم تكن الحرب والمدافع الروسية قد فرّقت بعد القبائل الأصيلة في هذه الأرض، ولم تكن قد طردت أكثريتهم من جبالهم الخضراء.
ظلّت أغلب القبائل الساكنة في السفوح الشمالية لجبال القفقاس في منأى عن الأضواء بسبب حياتهم الجبلية، فلم يُعرف عنهم إلاّ القليل، وقد غادرت هذه القبائل أوطانها بعد الاحتلال الروسي لتنتشر في وديان القفقاس أو في سفوح جبالها أو أعاليها.
وإذا ما حاول محقق ـ في أيامنا هذه ـ الحصول على معلومات حول هذه القبائل، فإنّه يجدر به أن يبحث عن هذه المعلومات في أرمينيا التركية وآسيا الصغرى أو في إيران بين الأكراد والمهاجرين، ولكن هيهات: فقد مزّق الروسي وجودهم شر ممزق، وبعث بهم شتاتاً في أنحاء الأرض بحيث لم يعد بالإمكان الحصول على معلومات حولهم.
كانت هناك ثلاث قبائل رئيسية تسكن في هذه المناطق (أي في السفوح الشمالية لجبال القفقاس) وهي:
1 ـ (الچراكسة) في الجانب الغربي، وهم يتألفون من ثلاث طوائف:
أ ـ الآديگسيون (Adighés) وكانوا يتخذون من أعالي الجبال الواقعة بين بحر الخزر وقمة ألبرز([514]) سكناً لهم.
ب ـ الإبخازيون: كانت تمتد مساكنهم على طول سواحل البحر الأسود.
ج ـ الكابارديون (Kabardiens): كانوا يتخذون مساكنهم في الأجزاء السهلة العبور من شعب ألبرز الشمالية وقمم الجبال المتصلة بجبل كازبك (Kasbek).
2 ـ (التشيشينون) (أو الكيستيون) في وسط السفوح الشمالية ومن طوائفها المهمة؛ الأينقوش. الذين يقيمون في المنطقة الواقعة بين نهر ترك وكوي سو (Koi-sou).
3 ـ عدد من القبائل في الجانب الشرقي، يطلق على مجموعها قبائل اللزگي، وهم مشتتون في أنحاء جبال داغستان، وأهم قبائل اللزگي، قبيلة الآواريون.
وأمّا في الأجزاء الجنوبية لسلسلة جبال القفقاس فقد كانت حملات وفتوحات الأقوام المختلفة في هذه الأماكن التي كانت مسرحاً للأحداث سبباً في اختلاط السكان الأصليين من أصل الـ (كارتول ـ Kartveliens) بأقوام أُخرى، وإذ لم يندثر هذا الأصل فإنّه لم يحتفظ بوجوده نقياً، مثل سائر الأصول الأُخرى، وينقسم عنصر الكارتول إلى شعب مختلفة أهمها:
أ ـ الگرجيون الذين يسكنون الأراضي الواقعة بين قمة القفقاس ونهر كر.
ب ـ قبائل الأيمر (Iméres) التي تسكن في شرق گرجستان ويسمّون أيضاً بالگرجيين القدامى.
ج ـ المينگرليون (Mingrelieons) الذين يسكنون في الأجزاء السفلى من نهر ريون (Rion).
د ـ الغوريون (Gouriens) الذين يسكنون في صحراء آجارا المرتفعة.
هـ ـ اللازيون (Hazes) الذين ينتشرون على امتداد ساحل البحر الأسود، بين طرابزون وپوتي.
وعدا هذه القبائل التي تسكن في السفوح الشمالية والجنوبية هناك قبائل أُخرى من جنس الكارتول تعيش في الوديان الواقعة بين قمم القفقاس المرتفعة، ولم يحدث أن خضعت هذه القبائل لسيطرة أي أقوام أُخرى. وأهمها قبائل سوڤان (Souvanes أو Svanes) التي تدير شؤونها كجمهورية صغيرة، ولم تستطع الحكومة الروسية أن تنفذ إليها نفاذاً كاملاً.
وأخيراً فهناك ثلاث قبائل مهمة تسكن في السفوح الجنوبية لجبل باربالو (Barbalo) بالقرب من عين آراگڤا (Aragva) تتميز بغرابة عاداتها وتقاليدها، وهي قبائل البشاڤ (Pchaves) والتوش (Touches) والخڤرزور (Khevrsours).
وفي غرب دربند ثمة قبيلة ذات أصل مستقل، وهي قبيلة الكوبيچي (Koubitchi)، التي يشتغل أغلب أهلها في الصناعة وفي الحدادة وصناعة الفلزات على وجه الخصوص.
ومن القبائل التي يختلف أصلها عن القبائل الأُخرى؛ الأوستيون (Ossettes) أو الآستيون، الذين يهتم المحققون الأوروبيون كثيراً بدراسة أصولهم، ويرجع هؤلاء، المحققون أصولهم إلى الأصل الإيراني من خلال ملاحظة لغتهم الخاصّة وتقاسيم وجوههم وبشرتهم، ويتخذ هؤلاء من أطراف قمة كازبك التي تكسوها الثلوج على مدار السنة، سكناً لهم.
وهناك بعض التتر المنتشرين في شمال وجنوب سلسلة جبال القفقاس وهم يتكلمون اللغة التركية، وهؤلاء التتر هم بقايا دولة الخزر التي عرفت من قبل في جنوب روسيا وبعضهم من بقايا مغول صحراء (قپچاق) والبعض الآخر من سلالات الأتراك السلاجقة. ويتوزع أغلب هؤلاء في أطراف أنهار تَرَك وكر وأَرَس وأهمهم النوغاي والكوميك.
يسمّى إيرانيو الأصل الذين سكنوا القفقاس منذ العصور القديمة بالطاجيك (وفي الوقت الحاضر بالتات) وهم يقيمون في أطراف لنكران وباكو وعلى حدود داغستان الجنوبية.
بينما يتوزّع العديد من الأرامنة في المراكز المهمّة من گرجستان وولايات إيروان وقارص وقره باغ وگنجه ويزداد تمركزهم في تفليس وأطرافها وفي الأراضي الواقعة ما بين نهري أَرَس وكر، وهؤلاء الأرامنة يتميزون عن بقية أهالي القفقاس باشتغال أكثرهم في الصناعة.
ويبقى الأكراد، حيث هاجروا خلال حقب طويلة من الزمن إلى الدولة العثمانية، ويوجد منهم اليوم عدد كبير في ولاية إيروان.
وثمّة عدد قليل من الأوروبيين موزّعين في عدّة أماكن، وهم لا يختلطون مع أي من الأقوام الأخرى. هذا عدا عن الروس الذين مثلوا الطبقة الحاكمة. وإلى جانب هؤلاء الروس يوجد (الكرور) الذين دأب الروس على ترحيلهم عن وديانهم القاحلة في روسيا وإسكانهم في القفقاس بدلاً من سكانها الأصليين المسلمين، حتّى يأتي يوم لا يبقى من السكان الأصليين إلاّ ذكرهم في صفحات التاريخ حيث أخذ الروس منذ زمن طويل يزرعون في أرضهم ويبنون الكنائس على أنقاض المساجد والمعابد الأُخرى.
نظرة تاريخية
لكي لا نبتعد عن موضوعنا، ولا ينأى بنا السرد التاريخي وحكايات الأزمنة الغابرة بعيداً عن هدفنا، في هذا البحث نحاول الاقتصار على ذكر بعض النقاط التاريخية المهمة.
يعتقد اليونانيون أنّ الآرگنوتيين (Argnoutes)، وهم من أبطال اليونان القدامى، نزلوا من سفنهم على سواحل البحر الأسود في كولشيد (Colchide) التي هي اليوم (مِنگِرِلي)، فأحالوها بالتدريج إلى أراضٍ يونانية وأقاموا فيها.
وخلال فترة عظمة واقتدار الإمبراطورية الرومية التي سبقت ميلاد المسيح بما يقرب من قرن، هاجم قائداها المعروفان سيلا (Sylla) وپومپه (Pompée) ملكي أرمينيا وگرجستان اللذين كانا آنذاك متحدين مع إمبراطور إيران. فخرجت القفقاس منذ ذلك الحين من تاريخها المظلم إلى النور.
وورد في أساطير جنوب القفقاس بعض القصص التي تتحدّث عن بلاد واقعة في سفوح (آرارات) وقمة القفقاس ويفهم من القرا ئن المتوفرة أنّ هذه البلاد كان يتقاسمها شعبان من الشعوب القديمة، الذين كانت حوادث الزمان تتحكّم بهما فتارة يتصالحان وتارة يتخاصمان. حتّى أتى عليهما حين من الدهر أزال دولتيهما من الوجود. وهاتان الدولتان هما: گرجستان وأرمينيا.
كانت المناطق الجنوبية من القفقاس عرضة لحملات مختلف الأقوام والشعوب، فقد ضمّها عظماء الملوك الإيرانيين إلى إمبراطورياتهم لفترة من الزمن، ثمّ دخلتها جيوش الإسكندر المكدوني، ثمّ ألحق الساسانيون في إيران أغلب أجزائها الشرقية بإمبراطورياتهم، وأعقب ذلك عزم أباطرة القسطنطينية على الاستيلاء عليها.
وفي العصور الإسلامية بلغت فتوحات المسلمين أرض القفقاس ففي عام 41هـ سار ربيعة الباهلي في أربعين ألف مقاتل إلى القفقاس، فتصدّت له قوات الخزر مجتمعة وأهالي كولشيد، وهزموه وشتتوا قواته. وفي عهد الوليد بن عبد الملك في عام 64هـ سير أخاه مَسْلَمة بن عبد الملك على رأس ثلاثين ألف مقاتل لفتح القفقاس. فتمكّن مسلمة من فتح دربند ثمّ شيروان ثمّ أعقبهما فتح أغلب أرض داغستان حتّى فتح تفليس.
وفي زمن خلفاء الوليد، خرجت قبائل (آلان) وخزريو الجبال (سكان المناطق الجبلية من الخزر) على المسلمين، فأخرجوهم من دربند حتّى بلغوا بهم حدود أرمينيا.
في عام 104 استعاد الجراح بن عبدالله الحكمي تلك الولايات واضطر قبائلها المعارضة إلى التقهقر حتّى شمال القفقاس، ثمّ انتهت هذه الحرب في عام 114.
وحين دخل المسلمون داغستان أقبل أهلها على الإسلام، واستقرّت فيها جماعات عربية فكان ذلك من أسباب ترسيخ الإسلام فيها وإرساء دعائمه.
وعندما استولى السلاجقة على إيران، أخضعوا لحكمهم الأراضي الممتدة بين كاشغر والشام، وفرضوا على ملوك الگرج (جورجيا) دفع الخراج لهم.
ومن الأحداث المهمة في تاريخ القفقاس؛ الفتوحات التي قام بها السلطان جلال الدين، آخر الملوك الخوارزميين في هذه البلاد وفتحه لگرجستان (جورجيا)، ثمّ تبعه مغول صحراء قپچان في السيطرة على القفقاس لفترة طويلة، وهؤلاء المغول هم أحفاد باتو بن توشي بن جنگيزخان. وعندما استولى الأمير تيمور على جنوب القفقاس أحالها إلى خرائب، ثمّ آل الأمر فيها بعده إلى ملوك القبائل، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه البلاد عرضة لمنافسات الحكومات الإيرانية والعثمانية.
ففي زمن الملوك الصفويين، كان أغلب ملوك القفقاس وخوانينها يخضعون لهم ويدفعون لهم الخراج، ثمّ عادت أطماع العثمانيين في القفقاس تنبعث من جديد بعد انحطاط السلالة الصفوية.
ظهور روسيا
خلال تلك الأحداث التي كانت تدور رحاها في السفوح الجنوبية للقفقاس، كانت جبال القفقاس الشمالية وسفوحها المترامية على الجانب الآخر من صحراء مزدوك (Mozodok) واستاوروپول (Stawropol) تحمل في أحشائها جنين دولة صغيرة ثمّ تمخضت عن شعب أخذ بالتدريج يصحو من غفلته، ليأخذ في يوم ما على عاتقه قيادة هذه البلاد وزعامتها. هذه الدولة هي روسيا. ومن الأسباب التي أدّت إلى استقرار هذه الدولة وتقويتها وجود نظام ملوك القبائل في القفقاس والممالك الواقعة في شمال القفقاس وبحر الخزر والبحر الأسود التي كانت تتشكل من إمارات مختلفة لا تلبث أن تزول، مثل دولة قازان ودولة الحاج ترخان (هشترخان) وغيرها، وقد ظهرت هذه الدويلات للوجود بعد جنگيزخان. وكان الروس في أغلب الأحيان في صراع مستمر مع هذه الدويلات، ثمّ أعقبت ذلك فترة من الزمن استمرّت حتّى القرن السادس عشر، انقطع فهيا الروس عن الاختلاط والتعامل مع سكان شمال القفقاس مثل اللزگيين والآواريين التابعين آنذاك للإيرانيين والچركس والإبخازيين التابعين للعثمانيين، وغير هؤلاء من سائر السكان الآخرين.
قبل أربعة قرون، أي في زمن السلالة الصفوية كان لإيران، دور كبير في الأحداث التاريخية للقفقاس، فقد فتح الشاه إسماعيل الصفوي گرجستان (جورجيا) في عام 929هـ (1522م). ثمّ احتل العثمانيون هذه البلاد لبعض الوقت. ولكن حملات العثمانيين التي كانوا يشنونها في زمن عظمة واقتدار الشاه عباس الكبير منيت بالهزيمة في عام 1027هـ (1617م)، فاستعاد الإيرانيون فرض سيطرتهم على ولايات آذربيجان وگرجستان (جورجيا) وسائر بلاد القفقاس، حتّى كردستان وبغداد، حيث دخل مقاتلو القزلباش هذه المناطق فاتحين.
بدأ الروس من علاقاتهم مع بعض ولايات القفقاس في أواخر القرن الخامس عشر. وكان خوانين القرم يتعرّضون في أغلب الأحيان لقبائل الچرجس، فدخل بعضهم في العام 1555 تحت حماية الروس، خوفاً من هؤلاء الخوانين.
ثمّ ارتبط الگرجيون بالرومس بعد عام 998هـ (1589م) ارتباطاً سرياً، فانفتحت أمام الروس أبواب التدخلات في القفقاس.
وفي أواخر القرن السادس عشر أخضع الملك أيمره سي حكمه للوصاية الروسية، فأثار عمله هذا سخط البلاطين الإيراني والعثماني، وساهم في إثارة بعض أمراء القفقاس، وبذلك أصبحت الساحة مهيأة لدخول الروس.
وفي أواخر العهد الصفوي، بينما كان آخر ملوك هذه السلالة يقضي وقته باللهو والغفلة واقتداء به كان زعماء الدولة يسلكون نفس مسلكه ـ خلال ذلك كان جيران إيران من شرقها وغربها يتحيّنون الفرصة للانقضاض على أشلائها وفي شمال البلاد كانت الأقوام الروسية تخرج من وحشيتها وغفلتها إلى حال حضارية جعلتها بمصاف الدول الأوروبية المهمة، كان ذلك بفضل الظهور المفاجئ؛ لبطرس الكبير، الذي لفت بقوّته أنظار الشرق والغرب وفتح أمام الأقوام الروسية أبواب الفتوحات، ثمّ خطا أوّل خطوة فبدأ الإيرانيون منذ ذلك الحين يدركون خطر اللسعات الروسية المسمومة.
وكان المسار الذي حدّدته الوصية السياسية لبطرس الكبير التي وردت في مقدمة هذا المقال([515]) يطبق بحذافيره خطوة خطوة. ولا أحسب أنّ أحداً لا يعجب حين يرى المسؤولين الإيرانيين خلال مائتي عام ـ باستثناء العهد النادري ـ لم يلتفتوا إلى الخطر الروسي.
أدرك بطرس الكبير بحدّة ذكائه مدى السعادة والعظمة التي يمكن أن ينالهما الروس باحتلال القفقاس، لذلك سعى بفكره الثاقب إلى التقرّب من مركز الحضارة المتمثل بأوروبا والبلدان الغربية وفي نفس الوقت عزم على فتح آسيا واحتلال مفتاحها؛ (القفقاس)، إذ يسهل احتلالها الدخول إلى آسيا الصغرى وآسيا الوسطى أي من إيران حتّى الخليج الفارسي ويسهل في نفس الوقت ايضاً احتلال كنوز الذهب في الهند.
ذكرنا آنفاً أنّ بطرس الكبير كان يأخذ بيد روسيا إلى التطوّر يوماً بعد آخر، وهو يدرك أنّ أهم عوامل الرقي والازدهار هي العوامل الاقتصادية، لذلك كان عازماً على أن تواكب التجارة الروسية السبل الحديثة.
كانت بلدان أوروبا الوسطى والغربية ترتبط مع الهند بطريق بحري في القرن الثامن عشر، فحاول بطرس أن يفتح طريقاً تجارياً مباشراً إلى الهند، ولم يكن مثل هذا الطريق ممكناً إلاً عن طريق إيران في عام 1716 على أمل الوصول إلى تجارة مباشرة مع الهند.
كانت الأحداث آنذاك ترسخ أفكاره وتزيده عزماً على تحقيق مآربه، حيث كانت إيران آنذاك مسرحاً لحروب أهلية مضطرمة بنار الفتنة الأفغانية، وحتّى القفقاس ذاتها كانت تضطرب بالصراعات الداخلية بين الخوانين والأمراء الگرجيين وسائر قبائل القفقاس الأُخرى.
كلّ هذه الظروف كانت تبعث الأمل في نفس بطرس الكبير، لذلك كان عازماً على أن لا يقنع بمعاهدته مع الإيرانيين بل صمّم على الانتفاع بأقصى ما يمكن من الظروف السائدة في إيران.
في مثل هذه الأوضاع وقعت حادثة ساعدته على تحقيق طموحاته، حيث باغت داود بيك، أحد الأمراء اللزكيين مدينة شيروان بهجوم، واحتل مدينتي قوبا وشماخي وألحق بالتجار هناك أضراراً كبيرة، وقتل ثلاثمائة شخص من الروس ما بين تاجر وغير تاجر، ولحقت بالروس من جرّاء ذلك خسارة مقدارها أربعة ملايين منات([516]). فاحتج بطرس على ذلك لدى البلاط الإيراني وكان إذ ذاك محاصراً بالقوات الأفغانية. فانتهز الشاه سلطان حسين الصفوي هذه الفرصة وطلب العون من روسيا. إلاّ أنّ بطرس الكبير لم يكن مستعداً للتخلي عن أحلامه وطموحاته وعزمه على رفع شأن آل رومانوف، ولذلك سار على رأس جيش مؤلف من ثلاثين ألف مقاتل فهاجم إقليم داغستان واحتل دربند، متذرعاً في ذلك بحفظ حقوق وأرواح رعاياه، ولكنّه في الحقيقة كان يهدف إلى توسيع بلاده وفتح أراض جديدة.
كان الشاه طهماسب من استطاع الإفلات في ذلك الحين من حصار الأفغانيين فهرب من أصفهان، وراح يسعى لاستعادة عرش أبيه المخلوع. وإذ ذاك قدم بطرس في مائة ألف مقاتل فاحتل الولايات الشمالية من إيران، ثمّ عقد معاهدة في السنة التالية مع سفير إيران، اضطرّت فيها إيران لأن تتخلّى لروسيا عن ولايات داغستان وشيروان وباكو وگيلان ومازندران وأسترآباد. وبعد أن أصبحت كلّ هذه الولايات من نصيب بطرس الكبير دون حرب، تخلّى مؤقتاً عن التفكير في السير إلى الهند، وعاد إلى بلاده.
ومع ظهور نادر شاه حدث انقلاب عجيب في أوضاع إيران، فقد كانت تجزئة إيران في زمن انحطاط الصفويين وأطماع الروس والعثمانيين فيها أمراً لا بدّ منه، وتبدو آثار اضمحلال إيران وتمزيقها واضحة في كلّ مكان، ولكن لحسن الحظ لم يأفل نجم إيران وظلّ ساطعاً. فبعد أن تمكّن نادر شاه الأفشاري من إخماد فتنة الأفغانيين في عام 1142هـ (1729م) وأظهر كفاءة في إصلاح الأمور الإدارية وقدرة على قمع الأعداء في الخارج والداخل، عزم على استرجاع الولايات الشمالية المغتصبة في إيران فأرسل رسوله إلى روسيا، ولكن روسيا لم ترد على طلبه إلا بالممطالة والتسويف، بسبب ما رأته من انشغاله بالمشاكل الداخلية ومواجهته بالاضطرابات الموجودة في سائر أنحاء إيران.
وأخيراً أرسل نادر شاه إلى روسيا سفيره لإتمام الحجة عليها وذلك في عام 1144هـ (1731م). وكانت روسيا آنذاك مدركة لقوّته وصلابة شوكته، فاضطرّت للانسحاب عن إيران دون قيد أو شرط، وهكذا عادت الولايات الشمالية إلى إيران مرّة أُخرى.
وبعد أن أخمذ نادر شاه فتنة شيراز في عام 1147هـ (1734م) قدم إلى شيروان فاحتلها ثمّ احتل معها داغستان، وعقد بعد ذلك صلحاً تجارياً وسياسياً مع الروس، وضعت بموجبه دربندو باكو تحت تصرّفه. حتّى إذا فرغ من ذلك سار إلى قلاع گنجه وتفليس وكذلك إيروان وقارص فانتزعها من العثمانيين وضمّها إلى إيران مرّة أُخرى.
وهكذا عادت أغلب مناطق القفقاس إلى إيران وقطعت يد روسيا والدول الأُخرى عنها، وأخذ نجم إيران وعظمتها يسطع مرّة أُخرى بوجود نادر شاه الأفشاري. ولكن لم يدم الأمر طويلاً، وعاد النجم فخبا.
توفي بطرس الكبير عام 1138هـ (1725م) ونادر شاه عام 1160هـ (1746م)، وكان خلفاء بطرس يتبعون خطاه خطوة خطوة، فكانوا لا يغفلون لحظة عن زرع بذور الفتنة بين رؤساء مختلف قبائل القفقاس. ولأجل السيطرة عليهم كانوا يثيرون الخلافات الدينية بين المسيحيين والمسلمين ثمّ يشجعون الطرفين على الثأر من بعضهما البعض. بينما كان رجال البلاط العثماني لا يفكرون إلاّ بأسر أو امتلاك الجواري الحسان والصبيان الظرفاء من أرض القفقاس وإلحاقهم بقصورهم ودور حريمهم.
كان التعصّب الديني بين الگرجيين وسائر الأقوام المسيحية من جهة وبين طوائف المسلمين من السنة والشيعة من جهة أُخرى سبباً لإراقة الدماء ونشوب الصراع، ولذلك كان المسيحيون يعتقدون بأنّهم سيخلدون إلى الراحة والاطمئنان بدخولهم تحت وصاية الروس.
باشرت كاترين الثانية (Catherine II) فور اعتلائها العرش بالسير على مخطط بطرس الكبير، فكان الروس يتخذون من الأموال والرشوة والحيل والتزييف سبلاً لبلوغ مقاصدهم. ثمّ سعت روسيا للمصالحة بين حاكمي أيمرّه سي وگرجستان، أي سليمان الأوّل وهراكليوس الثاني (Heraclius II) واتحادهما ثمّ حرضتهما على مهاجمة إيران والدولة العثمانية وأمدتهما بثلاثين ألف مقاتل، فاستطاعت هذه القوات احتلال كوتاييس ولكنّها انكفأت راجعة أمام قلعة پوتي.
استولت روسيا عام 1782 في عهد كاترين الثانية على القرم والولايات الواقعة إلى اليمين من كوبان وبحر آزوف، وبذلك استطاع الروس توسيع بلادهم حتّى حدود السفوح الشمالية من القفقاس.
وفي سفوح القفقاس الجنوبية كان هراكليوس يمتنع عن طاعة الإيرانيين خلفاء كريم زندخان الضعفاء، معتمداً في ذلك على حماية الروس، ثمّ دخل تحت وصايتهم سنة 1782م، ولم يمض وقت طويل حتّى سيّر الروس قواتهم إلى گرجستان (جورجيا) فدخلوها بذريعة الدفاع عنها وحمايتها. وكانت إيران آنذاك تعيش فترة تغيير السلالة الحاكمة، لذلك لم يقف بوجه الروس أحد، رغم خطورة ما يفعلون ولكن ما إن استولى محمد خان القاجاري على السلطة في إيران حتّى أخمد الاضطرابات فيها ثمّ جعل تأديب الأمير الگرجي في طليعة مهامه ولذلك توجّه بجيشه إلى گرجستان عام 1795م، فأخضع قره باغ في بادئ الأمر ثمّ هاجم تفليس عاصمة الحكم في گرجستان. فاستغاث هراكليوس بملكة روسيا فأمرت الملكة الجنرال ڤاليرين زوبوف (Valerien Zoubof) ـ الذي عرف في إيران باسم (قزل باغ) لأنّ إحدى رجليه كانت مصنوعة من الذهب ـ بالحملة على إيران، وفي هذه الأثناء قتل محمد خان وتوفيت كاترين الثانية ملكة روسيا. وبسبب الأحداث السياسية القائمة آنذاك في روسيا، اضطر وريث كاترين پول الأوّل (Paul I) إلى سحب قواته من گرجستان وبذلك انتهت الخلافات بين إيران وروسيا إلى حين.
وفي عام 1799 صوّرت الخدع الروسية لگرگين خان بن هراكليوس، آخر ولاة گرجستان (جورجيا)، أنّ وجود المسلمين اللزكيين والدولتين العثمانية والإيرانية خطر ماحق، فقام هذا ـ اقتناعاً بكلام الروس حسب الظاهر، ورضوخاً لضغط الروس وتهديداتهم في واقع الأمر ـ بتسليم گرجستان لروسيا مقابل إعطائه وأقاربه مناصب في الجيش الروسي، وهكذا أصدر قرا ر إمبراطوري في عام 1801 بضم گرجستان إلى روسيا.
بعد فراغ الروس من الاستيلاء على گرجستان، اعتبرت حكومتهم في بطرسبورغ هذا الأمر غير مجدٍ ما لم تلحق بها جميع أراضي القفقاس، ولذلك باشرت بوضع الخطط لتوسيع أراضيها. فابتدأت بالدولة العثمانية وأعلنت الحرب عليها في عام 1811 وانتهت الحرب بخسارة العثمانيين لجميع القلاع والأراضي التابعة لهم في غرب القفقاس عدا آناپا (Anapa) وپوتي، ثمّ توجّه الروس فور فراغهم من هذه الحرب إلى إيران، فشنوا حملتهم على أراضيها الواقعة فيما وراء نهر أرس في عام 1812.
لقد خلقت حرب روسيا وإيران ذكريات مرّة في قلب كلّ إيراني، ففي ذلك الوقت، عندما لم يكن يقف بوجه بريطانيا بلد قوي من البلدان الأوروبية سوى روسيا، كان السياسيون الإنكليز يرون أنّ مصلحتهم تقضي ببقاء إيران دولة مستقلة قويّة، لذلك بادروا إلى الوساطة بين البلدين وانتهت حربهما بعقد معاهدة تخلّت بها إيران عن داغستان وقوبا وشيروان وشماخي وباكو وساليان وطوالش وقره باغ وشوشه وگنجه وگرجستان (جورجيا) وعاصمتها تفليس، ودخلت هذه المدن والأقاليم تحت السيطرة الروسية. وإضافة إلى ذلك سلبت مناطق أُخرى كانت خاضعة لسلطانها في عهد عباس الكبير ونادر شاه والملوك الذين سبقوهما وهي مناطق أيمره سي وغوري ومينگرلي (في ساحل البحر الأسود) وإبخاز وشوراگلي وكاختي وغيرها.
لقد كانت روسيا آنذاك تقتفي في تطوّرها وازدهارها خطا بطرس الكبير وتسير على منهجه الذي وضعه للوصول بروسيا إلى الرقي والكمال. بينما لم يكن هناك أحد في إيران يحمل روح نادر شاه أو يحاول الاحتفاظ بفتوحاته وانتصاراته، بل أضاع الإيرانيون هذه الفتوحات هباء منثوراً، ولم يكونوا يدركون الهوّة السحيقة التي تفصل إيران بأساليبها القديمة عن أوروبا بأساليبها الحديثة وحضارتها المتطورة. ولهذا نرى ولي عهد إيران عباس ميرزا عندما شنّ حملة على الروس عام 1824م لم يجن إلاّ الخيبة والخسران، فعلى الرغم من تفوّق الجيوش الإيرانية في بادئ الأمر إلاّ أنّ ثلاث سنوات مع الأخذ والرد والكر والفر، انتهت بتوقيع معاهدة (تركمن چاي) المعروفة في عام 1243هـ (1827م) فتخلّت إيران بموجب هذه المعاهدة المشينة لجارتها الشمالية عن إيروان ونخجوان وجميع الأراضي الممتدة خلف نهر (أرَس).
الروس أسياد القفقاس
خلال الفترة الممتدة بين 1800 و1829 أحدث نفوذ الروس تغييرات مهمة في الأوضاع العامة في القفقاس. فعندما تمكّنت روسيا من قطع أي شكل من أشكال نفوذ الإيرانيين والعثمانيين في القفقاس، وألفت نفسها صاحبة السيادة المطلقة في هذه البلاد صرفت جلّ اهتمامها لإخضاع السكان لطاعتها. فخضعت أغلب قبائل القفقاس المسيحية وبعض قبائل المسلمين بسهولة لتهديد الروس وترغيبهم، وأوّل الخاضعين هم أمراء هذه القبائل وزعماؤها.
سلكت روسيا طريق اللين معهم في بادئ الأمر وأدخلت الأمراء والزعماء في جيوشها، حتّى إذا استحكمت قبضتها وقويت شوكتها نهضت فأسامت هذه القبائل وأمراءها وزعماءها الخسف وأرغمت أنوفهم فرداً فرداً.
كان وضع القفقاس خلال الثلاثين السنة الأولى من احتلال الروس وقبل أن يبدأ اللزكيون والتشيشنيون مقاومتهم كالآتي: كان في منگرلي أمير يدعى برنس داديان، يتمتع ظاهرياً بحكومة مستقلة، وله في الجيوش الروسية رتبة جنرال، وتخضع القوات الروسية المتمركزة في ولايته اسمياً لقيادته.
وفي غوري كان الحكم بيد أمير من أهلها، ولكن القوات الروسية كانت تقيم في قلعتها. وهكذا الأمر في طوالش حيث كان الحاكم فيها أحد خوانينها الذي يتمتع بالحماية الروسية، ولكن القوات الروسية كانت منتشرة في أغلب نقاط ولايته حتّى في نفس قلعة لنكران التي كان يتخذ منها مقراً له.
وكذا الحال بالنسبة لأغلب الإمارات التي يحكمها الخوانين مثل بوتا وچاري وبلاد الآواريين والكرميكيين وتارخي وكايداك ومحال قبه شاه، حيث كانت تؤدّي الخراج سنوياً إلى الحكومة الروسية وتتعهد بتأمين نفقات بعض قطعات الجيش الروسي.
من الطبيعي أنّ هذا الوضع لا يمكن أن يعدّ استقلالاً داخلياً وقد أخذت هذه القبائل تدخل بالتدريج تحت الإشراف المباشر للروس. وأضحت أيمره سي مثل گرجستان، وباع أميرها سلميان نفسه إلى الروس. أمّا المناطق التي لم ترغب في الاستسلام ولم تقو على المقاومة فأمّا أن يكون زعماؤها قد قتلوا أو غادروا بلادهم ولجؤوا إلى إيران. ومن هؤلاء جواد خان والي (شورا گل) التي كانت في السابق تابعة لحكومة إيران، فقد استشهد بكلّ بطولة في محاصرة گنه عام 1804هـ (1219هـ) وخان شيروان وقره باغ الذي هرب في آخر أمره إلى إيران في عام 1237هـ (1821م). وفي آخر المطاف استولت ثلة من أجلاف الروس على شيروان وشكّي وآپشرون (Apcheron) التي كان يسمّيها الإيرانيون باسم بهشت گل (جنة الورد) وأشرفوا على إدارتها.
وهكذا تيسّر للروس فتح القفقاس الذي يمثّل مفتاحاً لاحتلال إيران والعراق ومصب شط العرب والوصول إلى الخليج الفارسي وطريق الهند.
مقاومة القفقاسيين للاحتلال
إذا كانت روسيا قد استطاعت بترهيبها وترغيبها أن تسحق استقلال الأمراء والزعماء في گرجستان وقبائل الصحراء على وجه الخصوص، واستطاعت أيضاً أن تحول دون تدخّل الإيرانيين والعثمانيين في هذه القبائل والمناطق، فإنّها لم تستطع أن تخضع لسلطتها قبائل القفقاس الجبلية بمثل السهولة التي أخضعت بها القبائل الأُخرى. حيث استمرّت هذه القبائل تقاوم لفترات طويلة حتّى عام 1292هـ (1874م) وقد استغرق إخضاع هذه القبائل من الوقت أكثر ممّا استغرقته الفتوحات وتكبّدت جيوش الروس خسائر فاقت ما تكبّدته في الفتوحات ذاتها.
كانت الروح الجبلية، تضطرم صموداً وتحدياً في الصدور، فلم يكونوا مستعدين للقبول ـ مهما كانت الظروف ـ بعدو قوميتهم ودينهم، ودارت رحى الحرب بين السكان والمحتلين في عدّة مناطق، فكانت قبائل القفقاس تتحمّل الجوع والعطش ونقص المؤمن وتعاني عدم التجهيز بسلاح كافٍ إلاّ أنّها لم تتخل عن قتال القوات الروسية في المضائق الجبلية وعلى القمم. دفاعاً عن كلّ شبر من أرضهم.
ولم تكن قبائل الإبخاز وسكان قوبان العليا الذين يتخذون من رؤوس الجبال وأعاليها مساكن لهم مستعدين للتخلي عن حريتهم وكرامتهم ما دام السلاح في أيديهم وما داموا يمتلكون المال الكافي للقتال. وفي سواحل البحر الأسود كان التعلّق بالحرية والإحساس بحب الوطن محفزين لإثارة الچراكسة والإبخازيين، فأدركوا لفورهم العواقب الوخيمة التي يسببها احتلال دولة عسكرية ظالمة وتوقّعوا مدى الأضرار التي ستلحق بهم فيما بعد، لذلك عمدوا إلى المقاومة بكلّ جرأة وإقدام واستمرّوا بالدفاع عن أرضهم بكلّ ما طالته أيديهم من سلاح.
برزت هذه المقاومة بأجلى صورها في شرق جبال القفقاس عند أهالي داغستان من اللزگيين والششنيين المسلمين، حيث صمدوا أربعين سنة دون أن يخضعوا للاحتلال الروسي، واستطاعوا لأكثر من ثلاثين سنة تشتيت القوات الروسية التي كانت تشن حملاتها على القفقاس دون انقطاع تحت قيادة أبرز قادة الجيش الروسي.
استعملت روسيا مختلف سياسات الترغيب والترهيب لإخضاع مرتفعات القفقاس، ولكن زعماء اللزكيين والششنيين لم يأبهوا بهذه السياسات، فلم يكونوا على استعداد للتخلي عن شجاعتهم وكرامتهم إزاء تهديد الروس ووعيدهم كما فعل أمراء القفقاس وخوانينها من قبل.
كانت قبائل القفقاس تضمّ في تكوينها مختلف الأديان والمذاهب، فهم بين مسلم ومسيحي، والمسلمون بين شيعة وسنّة، وكذلك المسيحيون ينقسمون إلى كاثوليك وأورثوذكس وغيرهما، فكان الروس يبذلون كلّ ما بوسعهم لدس الدسائس بين هذه القبائل مستعينين بالتعصّب الديني والمذهبي في سبيل الوصول إلى أغراضهم ومنافعهم.
في بادئ الأمر سعى قائد القوات الروسية يرمالوف للإفادة من هذا الأمر، ويرمالوف هذا كان على درجة عالية من الحنكة وحسن التدبير، والخبرة في وضع الأحابيل والحيل للإيقاع بأعدائه، فكان يحرض مختلف القبائل على بعضها، مستعيناً في ذلك بالمال تارة والتهديد تارة أُخرى، وكان القفقاسيون يسمّونه (الشيطان الروسي)، خصوصاً وهو يسعى في الدرجة الأساس لزرع بذور الخلاف بين الشيعة والسنّة ليشغلهم بأنفسهم ويأخذهم بعد ذلك على حين غرّة، صيداً سهلاً لا يقوى على المقاومة.
ظهور القاضي الملا محمد
وإزاء هذه الدسائس التي كان يزرعها يرمالوف والأحابيل التي كان يخطط لها، ظهر شخص جريء، غيور، متعصب للحق، عالم كبير من علماء القفقاس، شاهد أوضاع القبائل عن كثب وأدرك الخطر الروسي المحدق بمواطنيه، ذاك هو القاضي الملا محمد.
كانت أولى الخطوات التي خطاها الملا محمد دعوته لمواطنيه، بلسان ذرب بليغ، للاتحاد ونبذ الخلافات وتحذيره إياهم من خطر أساليب يرمالوف الشيطانية.
كان هذا الرجل يدرك أنّ الإيمان الصحيح والعقيدة الراسخة هما الكفيلان بتأليف القلوب، وسوق الناس إلى سوح القتال، ليخوضوا معاركهم فيها صامدين لا خائفين ولا وجلين.
لذلك عمد القاضي الملا محمد إلى بلورة الإحساس الديني في قلوب أهالي داغستان والقبائل المجاورة، بحيث لم يتوان شخص قادر على حمل السلاح، عن نصرته، لم يمض وقت طويل حتّى انتشر خبره بين القبائل وذاع صيته ثمّ أخذ الناس يلتفون حوله من كلّ صوب زرافات ووحداناً.
كان نائب الملا محمد وعضده الأيمن هو الشيخ شامل، والشيخ شامل هذا، كصاحبه رجل مؤمن، محيط بتعاليم الدين، تعرفه القفقاس بشجاعته وجلادته.
اجتمع القاضي بأتباعه في أماكن نائية في الجبال، وفي اجتماعاتهم السرية تعاهدوا جميعاً وأقسموا ليطهرن بلادهم من رجس الروس، وليطردن أعداء دينهم ودين أجدادهم حتّى يوصلوهم تخوم بلادهم.
دخل القاضي ميدان الحرب للمرّة الأولى في عام 1236هـ (1820م) ولكن وقوف أمير الآواريين بوجهه وأعماله العدائية المقصودة لمعاكسته جعلته يعتزل الأمر إلى حين، ولكنّه لم يتوان لحظة عن تحريض الناس وإثارتهم على أعدائهم، وكان يدرك أنّ الوحدة في مثل هذه المواقع هي الكفيلة بإزالة الصعاب، ولذلك جعلها محور أحاديثه ومواعظه وخطبه وراح يحثّ الناس على النهوض للجهاد في سبيل دينهم ووطنهم. وكان بحديثه يلهب المشاعر ويؤجّج الحماس في النفوس، ويتحيّن الفرص للاجتماع بزعماء القبائل ووعظهم.
أحيط يرمالوف علماً بتحرّكات القاضي، فخشي عواقبها وامتلأ قلبه منها رعباً. فاستدعى أحد خوانين الولاية، وهو إرسلان خان، وكان هذا قد ارتبط بالروس وحصل منهم على رتبة عميد في جيوشهم، فأبلغه الأمر ثمّ بعث به إلى تجمّع القاضي والناس في قاسم كند. فاشترك هذا في إحدى اجتماعاتهم، وخلال ذلك عنّفه القاضي تعنيفاً شديداً، ووصفه بخادم الروس، فلم يطق إرسلان خان صبراً، فأساء الأدب مع القاضي ثمّ عاد فندم على تجروئه، فاعتذر له عن سوء أدبه ووعده بالسعي لتغيير موقف يرمالوف منهم.
وقد تزامنت هذه الأحداث مع الحرب بين إيران وروسيا، فانصرف الروس مؤقتاً عنهم، ولذلك استحكم أمرهم في داغستان وكانت غاية آمال القاضي أن يحصل على دعم إيران، ليتمكن بمساعدتها ودعمها من طرد المحتل وإخراجه من ولايته. وفي هذا الخط سعى جاهداً لإزالة الخلافات بين السنّة والشيعة في داغستان. وكما أسلفنا فإنّ عباس ميرزا هُزم في حربه مع الروس، وانتهى به الأمر إلى توقيع معاهدة تركمن چاي المشؤومة إلاّ أنّ القاضي الذي كان عاقداً آماله على عباس ميرزا هذا لم ييأس، وهو الرجل المؤمن الغيور، واستمرّ في محاولاته لتوحيد فرق المسلمين، فكان يلهب مشاعر الناس بخطبه الحماسية ومواعظه الصادقة، فأيدته أغلب القبائل والتفت حوله.
اصطدم القاضي الملا محمد عدّة مرّات بجيوش الروس، فكان يهزمها حيناً فتنكفئ راجعة ويبيدها حيناً آخر، وحاصر مرّة بعض القطعات الروسية في تارخوا (Tarkhou)، ولولا وصول المدد إليها بخيانة بعض التتر لأبادها عن آخرها.
واستمرّ القاضي في جهاده دون كلل ولا ملل، حتّى بادرت قبيلة الأينقوش المشايعة للروس والتي شكلت بعد ذلك الجزء الأكبر من حرس الإمبراطور الروسي الخاص ـ إلى فتح الطرق الرئيسية أمام الروس، فانتهى الأمر بمحاصرة القاضي في قصبة هيمير (Himir) التي تقع على قمة جبل، كوكر عقاب.
في جمادى الآخرة عام 1248هـ (1832م) شنّ الجنرال ڤليا مينوف من جهة والجنرال بارون روزن من جهة أُخرى حملة شديدة على مقر القاضي الملا محمد، وكانوا يستهدفون في هذه المرّة القبض عليه حياً، فأبى القاضي أن يستسلم لهم واستمرّ يدافع بكلّ جرأة وبطولة. واستمرّ الحصار أياماً، وراحت مدافع الروس تدك مواقعه حتّى أتت عليها جميعاً، ولم يبق معه في اليوم الأخير إلاّ ستون شخصاً. وفي آخر الأمر خرج بقية المدافعين الأشاوس من زوايا مواضعهم الخربة وهجموا على أعدائهم، وصلّى القاضي ركعتين لآخر مرّة، وفي أثناء ذلك كان يرفع يديه نحو إيران كأنّما ينتظر معجزة، وبينما هو على هذه الحال، أصابته رصاصة في جبهته فخر صريعاً وأسلم روحه.
وعندما دخلت طليعة القوات الروسية إلى القلعة المحترقة، وجدوا جسد القاضي ممدداً بين الأجساد.
ثمّ صدرت أوامر القيادة الروسية بسحب جسد القاضي في القرى والقصبات لإخافة الأهالي وإلقاء الهلع في قلوبهم من مخاطر التعرّض للروس ومقاومتهم. إلاّ أنّ آثار هذا المنظر المؤلم وهذا السلوك الوحشي، كانت على عكس ما توقّع الروس، إذ ثارت حمية الأهالي وزادت نفرتهم من أعدائهم.
وكان الشيخ شامل أثناء الحصار بين أنصار القاضي، وأدرك حينها أنّه إذا لم يخرج نفسه من الحصار، فستذهب جميع الجهود التي بذلها سكان الجبال وأهالي داغستان هباءً منثوراً، ولن يكون هناك من يكمل المسيرة ويواصل الجهاد، ولذلك عزم على الإفلات من الحصار، فجمع بعض المقاتلين حوله ثمّ شنّ بهم هجوماً على الروس، بحيث تقهقر الجنود عن وجهه لبعض الوقت، فاغتنم الفرصة واستطاع الإفلات بأعجوبة، ولكن بعد أن أصيب بالجروح ما أقعده عليلاً فترة من الزمن.
آلت القيادة بعد القاضي الملا محمد إلى أحد مساعديه حمزة بك، ولكن هذا لم يكن جديراً بالقيادة فما لبث أن قتل على يد أهالي خونزاخ (Khounzakh).
وعلى الرغم من ظروف القفقاسيين هذه، أخذ عدد كبير من قادة القوات الروسية وجنودها يتركون مواقعهم بسبب ما يعانونه من ظلم زعمائهم وقادتهم، ويلجؤون إلى صفوف القفقاسيين فيقاتلون في صفوفهم أبناء وطنهم.
أشهر هؤلاء اللاجئين، اثنان: أحدهما برانوفسكي (Branowski) وهو قائد عسكري قدم للثوار خدمات جليلة، ولكنّه وقع في قبضة الروس فحكم عليه بالأشغال الشاقة ونفي إلى سيبريا. والآخر هو كوسنتزوف (Kussnetsoff) وكان مدفعياً في الجيش الروسي.
وأغلب اللاجئين هم من البولونيين الذين أخذت روسيا تبعث بهم ـ بعد ثورة بولونيا عام 1246هـ (1830م) ـ لقتال المظلومين مثلهم من قبائل الچچن وسكان جبال القفقاس.
ظهور الشيخ شامل
ومقاومته خمساً وعشرين سنة
كان الشيخ شامل هو الوحيد الجدير بخلافة القاضي الملا محمد وتحمّل أعبائها، وكان خلال سنتين من قيادة حمزة بك جندياً مضحياً يقاتل إلى جنب إخوانه الآخرين، ولكنّه كان في واقع الأمر قائداً لهم وأخذ يصحّح الكثير من الأخطاء السياسية والعسكرية التي كان حمزة بك يرتكبها.
وبعد إزالة حمزة بك دعا الشيخ شامل جميع رؤساء القبائل والقضاة الكبار والشخصيات البارزة في المناطق المجاورة، الذين كانوا جميعاً على مستوى كبير من العلم والاستعداد العسكري، للحضور في قتلقتل (Gotlokatl)، وهي منطقة بعيدة تقع في وسط الجبال ـ دعاهم إلى الحضور للتشاور.
أجمع المجتمعون، بعد مباحثات طويلة على انتخاب الشيخ شامل قائداً عاماً وزعيماً أوحد. وما أن تمّ انتخاب الشيخ شامل لهذا المنصب في الثامن والعشرين من جمادى الأولى عام 1250هـ (1834م) حتّى دبّت روح جديدة في نفوس الداغستانيين وأهالي القفقاس وارتفعت معنوياتهم.
كانت أهمية دور شامل أكثر من دور القاضي الملا محمد وحمزة بك، فقد كانت قبائل جبال شرق القفقاس حتّى ذلك الوقت تعيش منفصلة عن بعضها، وتجتمع كلّ قبيلة على حدة لا تربط بينها وبين القبائل الأُخرى إلاّ وحدة الدين ولذلك كان مقاومة هذه القبائل للمحتل الأجنبي ضعيفة تفتقد إلى النظام والترتيب.
وحين أخذ الشيخ شامل على عاتقه مقاومة الروس، بادر منذ اليوم الأوّل إلى وضع القوانين والقواعد اللازمة للارتقاء بمستوى المقاومة، سعى إلى تحويل القبائل إلى شعب واحد وجعل القبائل التي تعيش حياة مستقلة بعضها عن البعض الآخر قوّة متّحدة تعيش الحياة الاجتماعية والوطنية في سبيل تحقيق الهدف الذي تنشده هذه القبائل جميعاً.
برزت حنكة شامل العسكرية واضحة منذ الوهلة الأولى ومرّ بمواقف صعبة أثبت فيها كفاءته وجدارته وأظهر خلالها شجاعة فائقة، فكان ذلك يبعث الأمل في النفوس.
لقد عمد شامل في الخطوة الأولى إلى تشكيل قطعات عسكرية منظمة ومطيعة على غرار القطعات العسكرية الروسية، ولم يتوان لحظة عن تنفيذ مخططاته، ثمّ انتقل في الخطوة الثانية إلى تأسيس حكومة وطنية قائمة على أساس الشريعة الإسلامية، وفي هذا المضمار شكّل ديواناً أعلى للقضاء، يضمّ القضاة وزعماء القبائل، حيث كانوا يجتمعون فيه ويبثون في القضايا المهمة بعد مناقشتها وتداول الآراء فيها.
وكان مقر الديوان العالي في سنة 1256هـ (1839م) في (دارقو) من بلاد الچچن ثمّ نقل في عام 1261هـ (1844م) إلى ڤدن (Veden).
ومن بين رجال شامل كان هناك شخص يدعى الحاج مراد، يشغل منصب رئيس الخيالة، وقد خدعه الروس فالتحق بجيشهم، إلاّ أنّه لم يمض عليه وقت طويل حتّى أدرك دناءتهم فنفر منهم وعزم على الفرار من معسكرهم.
كان الحاج مراد يتنزّه ذات يوم مع أربعة من أصحابه وعدد من الحراس القوزاق، فوصل في نزهته إلى قبر مكسو بالطين، فسأل عن صاحب القبر، فأجابوه: إنّه أحد الأبطال، من زعماء سكان الجبال، كان يرى في الاستسلام للروس عاراً، فأبى إلاّ الصمود والمقاومة، فقتل ودفن في هذا الموضع.
عندما سمع الحاج مراد هذه القصة انفعل كلّ الانفعال، فنزل عن ظهر جواده فقرأ الفاتحة لصاحب القبر، ثمّ عاد إلى صهوة جواده وخاطب أصحابه باللغة التركية قائلاً: «لقد ابتعدنا عن المعسكر فيجب أن نرحل» ثمّ أفرغ غدارته في الحراس القوزاق وباشر بالهجوم، إلاّ أنّ مدداً من القوزاق وصلوا مسرعين، فصمد الحاج مراد وأصحابه، وقاتلوا الروس حتّى آخر طلقة في غداراتهم، ثمّ سقط ـ صريعاً في أرض المعركة، فنزل إليه رجل يدّعي الإسلام يُدْعى الحاج آقا فاحتزّ رأسه، وطاف به الروس في جميع أنحاء القفقاس.
ذكر قصة الحاج مراد هذه الكاتب والفيلسوف الروسي المعروف تولستوي (Tolstoi) في أحد كتبه، فقد كان تولستوي في الجيوش الروسية في القفقاس إلاّ أنّه بإنسانيته كان يرفض كلّ ما هو روسي هناك.
قسم شامل مناطق نفوذه إلى عدّة أقسام، وبلغت هذه الأقسام في أوج قوّته واقتداره خمسة وعشرين قسماً. ثمّ وضع لكلّ قسم نائباً لحكومته، يأخذ على عاتقه الأمور الشرعية والعرفية والعسكرية وأخذ الضرائب وتعبئة الجند وتنفيذ قوانين الشريعة وحلّ الخلافات وما إلى ذلك.
وكان من واجبات نائب الحكومة هذا جمع الفرسان والرجالة أثناء الحرب، حيث كانت كلّ عشر أسر تبعث بمقاتل واحد وتتعهد بتحمّل نفقته، وبصورة عامّة كان يجب على جميع الرجال بين سن الخامسة عشرة وسن الستين أن يتعلّموا طريقة استعمال السلاح وفنون الفروسية.
وللأهمية القصوى التي يتميز بها إيصال الأحكام والأخبار السريعة آنذاك فقد شكّل شامل جماعات خاصّة لإبلاغ أحكامه وأوامره بأسرع ما يمكن إلى نوابه في مختلف الأماكن.
ثمّ شكّل جماعات سريعة خفيفة تستطيع عبور المضائق الجبلية والشعاب الوعرة بأقصى سرعة ثمّ تنقض كالصاعقة على القطعات الروسية.
بلغ عدد خيالته في عام 1259هـ (1842م) خمسة إلى عشرة آلاف فارس ويخمن هذا العدد حين بلغ غايته بخمسين ألف فارس.
ووجد شامل نفسه أمام الروس محتاجاً لاستعمال المدافع، فاستعمل في بادئ الأمر ما غنمه منها من القطعات الروسية، ثمّ أقام معملاً لصناعة المدافع والبارود في ڤدن (Veden) في عام 1261هـ (1844م) ثمّ انتشرت صناعة البارود في أغلب قرى داغستان.
وفرض في عام 1258هـ (1843م) على مقاتليه الطاعة العسكرية ووضع لهم رتباً ومناصب عسكرية.
وقد كان يؤمن نفقاته العسكرية من عدّة موارد أهمها: أوّلاً: أخذ الزكاة، ثانياً: الضرائب المفروضة على كلّ أسرة، ثالثاً: خمس غنائم الحرب، رابعاً: الغرامات ومصادرة أموال المتعاونين مع العدو. وكانت هذه الأموال بمجموعها تحفظ في بيت المال، وتنفق لتأمين مؤونة المجاهدين ونفقات الحرب وترميم المساجد ومساعدة الأيتام وأسر الشهداء.
ولم يكن يتوانى في تطبيق العدالة فلا تأخذه لومة لائم في معاقبة المجرمين، وكان يعاقب أقرب الناس إليه إذا ما أذنبوا.
وقد كانت الجبال المرتفعة ومزالقها الوعرة وصخورها المنيعة أكبر ناصر للقفقاسيين، فاستطاعوا بذلك وبقابلية شامل العسكرية وجدارته بالقيادة أن يصمدوا بوجه العدو خمساً وعشرين سنة متواصلة.
وإذا كان شامل رجل دين مسلم، فهو يحترم الأديان الأُخرى، لذلك كان يساعد القبائل المسيحية المطيعة له ويطلق لها كامل الحرية في تأدية طقوسها الدينية، ويحترم معابدها وكنائسها كلّ الاحترام.
اتّخذ الشيخ شامل في بداية أمره من قلعة (آخولقة) التي تتحصن بموانع طبيعية من صخور الجبال مقراً له، وكان ينطلق من هناك لقتال الروس.
وفي عام 1255هـ (1838م) شنّ الجنرال گراب (Grabbe) حملته على شامل، محاولاً الإمساك به حياً أو ميتاً. فبذلت القوات الروسية جهوداً كبيرة للوصول إلى مشارف القلعة، فلم يبلغوها إلاّ بشق الأنفس، وكان أشد شيء تخشاه هذه القوات هو مباغتة رجال الجبال لها من مضائق الجبال وسبلها الوعرة، حيث كان هؤلاء أدرى من الروس بهذه المضائق وهذه السبل، وكثيراً ما حصلت مثل هذه الهجمات المباغتة فكان يذهب ضحيتها كثير من الروس.
وقد كان الشيخ شامل يهدف إلى الإيقاع بقوات الجنرال گراب والإطباق عليها، حتّى إذا آن الأوان أطبق الفرسان على هذه القوات واستطاعوا أن يبددوا جهود أشهر في ساعة واحدة وغنموا الكثير من المعدات والذخائر الحربية ومقداراً كبيراً من المؤمن وقتلوا جنوداً وأسروا آخرين.
تقع آخولقة في منطقة حصينة، بحيث لو تهيأت سبل الدفاع فيها بصورة صحيحة، لتعذّر على الأعداء الوصول إليها. ولكن مهما كان فإنّ جيشاً عرمرماً لا بدّ أن يتقدّم ذات يوم إزاء بضعة آلاف من المقاتلين الجبليين.
وهكذا وبعد أشهر من الكر والفر استطاع القائد الروسي أن يسدّ طرق الهرب على رجال الجبال في قلعتهم الحصينة، ليتسنّى له الغلبة عليهم إذا اشتدّ بهم الجوع والظمأ. وكان الروس مستعدين للتضحية بعدد كبير من جنودهم في سبيل وصولهم إلى هذا الهدف، فمثالاً على ذلك نذكر أنّهم وضعوا ثمانية أفواج من قواتهم لقطع ومراقبة الطرق المؤدية إلى القلعة وحدها. وفي آخر المطاف دكّت مدافعهم المواضع الأولى لهذه القلعة في الخامس من جمادى الآخرة عام 1255هـ (1838م) فأتت عليها. ولم ين لشامل آنذاك مدفعية بعد. وعلى الرغم من ذلك فقد أبدى القفقاسيون من الشجاعة والبطولة والصمود في هذه الحرب ما يُحير العقل.
وقد كان أهل القفقاس يتوجّهون بكلّ آمالهم إلى هذه القلعة حتّى إذا تمكّن الروس من رفع علم إمبراطوريتهم على مشارف القلعة، حسبوا أنّ الشيخ شامل قد وقع في قبضتهم حياً أو ميتاً، ولكن كان شامل قبل ليلة من الهجوم قد صنع من أزمة الخيول وأعنتها حبلاً تدلى به من الجانب الآخر لقمة الجبل المطلة على نهر جارٍ، وألقى بنفسه في الماء حيث كان زورق بانتظاره، فنقله إلى الضفة الأُخرى من النهر، وهكذا تمكّن من الإفلات من قبضة الروس.
في حين اطمأن الروس إلى أنّ شاملاً سيسلم عسكره وقلعته وعندما تأخّر استسلام شامل، شنّ الروس حملتهم الأخيرة على القلعة فكان الشيء الوحيد الذي لم يجدوه فيها هو الشيخ شامل.
لم يكن لتلك الحرب مثيل، وقد بلغت خسائر الطرفين غايتها، وحسب زعم الروس ـ وهو أمر مشكوك في صحته ـ أنّ خسائرهم بلغت أربعة آلاف قتيل فقط.
عندما شنّ الروس حملتهم، كان المنظر قد بلغ من الإثارة أقصاها، إذ لم يسبق أن شوهدت النساء وهنّ يشتركن في حرب ضروس، فقد كان هؤلاء النسوة القفقاسيات واقفات على الصخور بكلّ شموخ، وهنّ يمسكن ببنادقهن، ويتصدين ببسالة للعدو.
كان بين المحاصرين في قلعة آخولقة فاطمة أخت شامل مع عدد من أهل بيتها، فحضرت وحضروا هم معها لدى أخيها قبل ليلة من فراره، فسألهم هذا الرجل الغيور؛ أي الأمرين أهون عليكم؟ الموت أم الوقوع بيد العدو؟ وكان جواب الجميع: الموت! فكلّ يحمل خنجراً لغده، فإذا لم يفلح بإلقاء نفسه في نهر (كوي صو) فسيهلك نفسه بخنجره قبل أن يقع أسيراً بيد الأعداء.
وقد وفت فاطمة، أخت شامل بوعدها، فعندما هجم الروس في المواقع الأخيرة من استيلائهم على القلعة، وأوشكوا أن يظفروا بها، ألقت بنفسها، من عَلٍ، وكان موتها مفجعاً.
شاهد أحد الضباط الروس ـ ممّن حضر وقائع الحرب ـ هذه الحادثة الأليمة فكتب عنها: «عندما صدرت إلينا أوامر قائد فوجنا باجتياز آخر قمة تفضي إلى القلعة؛ باشرنا بتنفيذ الأوامر فتحركنا، وفجأة رأيت مجموعة من النساء يعتلين صخرة مشرفة علينا مباشرة، وكنَّ في وضع مؤلم، فهؤلاء النسوة رأين أنّ آخر الطرق أمامهن قد سدّت، ودنا هجوم العدو عليهن فأوشك أن يطالهن، فرأين أن يلذن بهذه الصخرة، عسى أن تعصمهن ولو لحين، واتخذن منها متراساً يقاومن العدو منه. ولم تكن علائم الاستسلام بادية على وجوههن، بل على العكس من ذلك، كانت عيونهن تتقد غضباً، وترتعش شفاههن لذلك وتحمر وجناتهم. وعليهن ثياب ممزقة شر تمزيق، وقد تدلّت شعورهن على أكتافهن العاجية العارية، ووقفن جميعاً عجائز وفتيات وصبايا كامنات لعدوهن كي يقطعنه إرباً. وإذ ذاك شاهدن طلائع قوتي، فشرعن يلقين الصخور الكبيرة علينا، وأردين عدداً من جنودي فتهاووا إلى قعر الوادي السحيق، حتّى إذا رأين الجنود يقتربون، أمسكن ببنادقهن ورحن يطلقن النار فأهلكن عدداً آخر منّا، وكنّ جميعاً يحملن حراباً أو خناجر. ثمّ أدركن في آخر الأمر أنّ لا طاقة لهن بالصمود أمام القوات الزاحفة إليهن دون توقّف. وقصرت المسافة بيننا حتّى أضحت ثلاثين قدماً.
في هذه الأثناء وقعت عيني على امرأة شابة جميلة، أخذت تطلق النار ببندقيتها علينا حتّى صرعت جنديين ثمّ أشارت إلى رفيقاتها فهرعن يلقين بأنفسهن من قمة الجبل لئلا يقعن بأيدينا… وحينئذ دخلنا القلعة، فلم نر فيها إلاّ ما رأيناه الساعة من منظر مفزع، وأنشأ كثيرون من جنودي يبكون لهول ما رأوه.
ذهبت كلّ جهود الروس التي بذلوها، هباء، فشامل أفلح في الإفلات من قبضتهم مرّة أُخرى، وكانت هذه المرّة هي الثالثة التي يفلت فيها الشيخ شامل بأعجوبة من بين مخالب الروس.
انتقل الشيخ شامل بمقرّه بعد معركة قلعة آخولقة إلى (دارقو) في ولاية الچچنيين، واستمرّ في مقاومته من هناك لسنين طوال، وكانت كفته هي الراجحة طوال هذه السنين. وكان في الحقيقة هو الروح الثورية المحركة للچچنيين والآواريين حتّى في عهد القاضي الملاّ محمد، وقد نجح في مساعيه ونشاطاته في أن يخرج اللزكيين من جمودهم ويلحقهم بصفوفه ثمّ عزم في عام 1262هـ (1845م) أن يوسع نطاق عمله ويلحق طوائف أُخرى بصفوفه، لا سيما أهالي (قبارطاي) منهم، وهم جزء من الچركس، كانوا في صراع مع الروس في حقبة من الزمن. إلاّ أنّهم دخلوا في طاعة الروس قبل نصف قرن، فكان خوفهم من الروس حاجزاً منيعاً، ووقراً ثقيلاً يصم آذانهم فلا يسمعون إلى خطب الشيخ شامل الحماسية المؤثّرة. وخلافاً لذلك، فإنّ بعض قبائل الچركس الأُخرى مثل الإبخازيين والأرديكسيين، انضمّت إلى صفوفه، وراحوا يصدّون حملات الروس بكلّ بسالة وإقدام في الوقت الذي كان فيه الروس يحسبونهم مطيعين لهم طاعة كاملة.
على أنّ أكبر انتصار أحرزه مقاتلو الجبال وأجّج نار الغضب في قلب القيصر نيقولا الأوّل هو انتصارهم في (دارقو).
فقد أخلى شامل هذه القلعة من أغلب أهلها وسلمها إلى الروس ولكنّه عمد من جانب آخر وضع قوّة كبيرة من رجاله في كمين خلف القوات الروسية، وفي أثناء عودة هذه القوات أطبق عليها رجال شامل بالقرب من غابة (أيمپكري) فمزقوها شر ممزق، وقتلوا منها أربع آلاف من بينهم أربعة عمداء، وغنموا كلّ ما كان بحوزة هذه القوات من مدفعية وأسلحة وذخيرة.
كانت هذه الواقعة إهانة كبرى للقوات الروسية، ولكن على الرغم من ذلك فقد صوّرها بعض كبار الضباط الروس للقيصر على أنّها خطوة جريئة قامت بها قواتهم، إلاّ أنّ هذه التغطية لم تستمر طويلاً، فقد أطلع رجال بلاط بطرسبورغ قيصرهم على جلية الأمر وأثاروا نار الحقد والضغينة على القفقاسيين في قلبه فعزم عزماً قاطعاً على الانتقام منهم.
تغيير خطة فتح القفقاس
عمدوا في بطرسبورغ إلى تغيير خطة فتح القفقاس بعد هذه الحادثة. فعيّنوا في بادئ الأمر في عام 1260هـ (1843م) شخصاً يأخذ على عاتقه حكم جميع أراضي القفقاس والقيادة العامة للقوات العسكرية فيها. وكان هذا الشخص هو الأمير مخائيل وورونتزف (Mikhail Worontzoff)، ألدّ أعداء شامل.
كان جميع القادة الروس الذين عملوا في قيادة القوات الروسية في القفقاس يطمحون إلى نيل شرف إنهاء قضية القفقاس، وعندما تصدر (وورونتزوف) القيادة كان يحمل نفس هذا الطموح ولكنّه استمرّ في قتال الشيخ شامل ستّ عشرة سنة متواصلة مستعملاً خلالها جميع الإمكانات الحربية، وكان عدد القوات الخاضعة لإمرته مائة وخمسين ألف مقاتل، وكلّما نقص عددهم سُدَّ هذا النقص بقوات جديدة.
كان بعد القوات عن مركز القيادة وخضوع القادة للأوامر الصادرة مباشرة من وزارة الحرب في بطرسبورغ سبباً في تأخير العمل وإعاقة العمليات العسكرية. ولذلك طلب وورونزوف من الإمبراطور صلاحيات تامة وقوّة كافية، فأعطي ما أراده، ومنحه الإمبراطور صلاحية مطلقة في قتل من أراد والإبقاء على من أراد، وأوكل إليه أمور الثواب والعقاب والعزل والنصب في أفراد قواته، فاتخذ هذا القائد من تفليس مقراً له وحكم فيها كما يحكم السلاطين، ونصب المشانق لمجازاة من يقع بيده من الوطنيين.
كان تفوّق الروس على القفقاس واضحاً في العدّة والعدد فقد كان رجال الجبال قلّة، ولكنّهم رغم قلتهم يقاتلون في سبيل الحفاظ على استقلال وطنهم ووطن أجدادهم وآبائهم. ولذلك كان الإحساس بضرورة الحرب يمثّل قوّة خارقة بالنسبة لهم وحياة أُخرى. ولم يكونوا يملكون مساعدة خارجية في حربهم مع جيوش الإمبراطور الروسي اللهم إلاّ من الصخور وقمم الجبال وقيعان الوديان وكثافة الغابات وظلماتها، حيث كانوا يستفيدوا من هذه الأمور لمعرفتهم بأسلوب الاستفادة منها.
فمثلاً عندما كانت القوات الروسية تعود من حملة موفقة، فإنّها تخسر كلّ ما جنته في هذا الحملة خلال الانسحاب، حيث كان الداغستانيون يكمنون لهذ القوات المنسحبة في مضيق بين جبلين فيقطعون عليها الطريق ثمّ يذيقونها الأمرين، ويزهقون أرواح أغلب جنودها فلا ينجو بجلده منهم إلاّ النفر القليل.
لقد كان رجال الجبال يتّصفون بقابليتهم الكبيرة على تحمّل المشاق، ولمّا كانوا يعرفون جميع الممرات والمضائق الجبلية فإنّهم كانوا يبادرون إلى نصب الكمائن للعدو خلف الصخور أو في الغابات أو بين الأشجار حالما يسمعون بتحرّكه، فيقبعون في هذه الأماكن منتظرين عودة القوات من حملتها، ويكتفون بخمير الطحين طعاماً لهم حتّى يحين موعد اللقاء بالعدو.
ولقد كانوا في شجاعتهم وإقدامهم مثاراً للإعجاب والدهشة، فمثلاً حين يتعقب بعض القوزاق أحدهم، فإنّه لا يتوانى عن إلقاء نفسه في لجة السيل أو في نهر عميق أو في أي موضع خطر آخر فينجح في الإفلات من قبضتهم.
وكانوا في أثناء الحرب يقتصرون في لباسهم على ثوب واحد، ويأخذ احدهم خنجراً بين أسنانه ويمسك بإحدى يديه سيفاً وفي الأُخرى بندقية ليستعمل أياً من هذه الأسلحة الثلاثة حسب الحاجة، فلا يكاد يبدو الجندي الروسي حتّى يبادر إليه فيرديه قتيلاً.
وإذا كانت قوات الشيخ شامل محصورة بالقفقاسيين وحدهم فمن الطبيعي أن يتضاءل عددها بمرور الوقت، على عكس القوات الروسية التي تجمع من أرجاء روسيا المترامية فهي في تزايد مستمر. فكان القفقاسيون يلجؤون إلى الحملات السريعة المفاجئة فيفرقون بها شمل العدو.
كانت حكومة موسكو تسيّر من القوات حشوداً لا حد لها ولا حصر ولكن كان الداغستانيون يفرقونها في وقت قصير ويبيدون عدداً كبيراً منها، وفي كلّ عام كانت الآلاف المؤلفة من الشباب الروسي تذهب طعاماً للوحوش والطيور الكاسرة في قعور الوديان وقمم الجبال.
وبين عام 1249هـ (1833م) وعام 1259هـ (1842م) لم يكن الإمبراطور الروسي راضياً عن البولونيين، فكان يعمد لتقليل قواتهم الحربية الشابة بإرغام شبانهم على القتال في القفقاس بوجه الچچنين. ولكن كثيراً ما كان هؤلاء الشبان يفلحون بالهرب من القوات الروسية ويلحقون بقوات الشيخ شامل ويقاتلون إلى جانبها عدوهم الروسي المشترك.
كان الأسلوب الذي يعتمده شامل في المقاومة يتعب العسكريين وخبراء الحرب الروس ويغضبهم، إلاّ أنّ قادة الروس أخذوا بمرور الوقت يتعرّفون على أساليب شامل وخططه الحربية. ومن جانب آخر برزت مسألة سياسية في هذه الأثناء وهي رغبة نيقولا الأوّل في إظهار نفسه ـ بعد أخيه الكساندر الأوّل ـ كأكبر ملك في أوروبا، وعلى حد تعبير تولستوي: فقد أصيب بهذا الهوس وأخذ يكرر القول مخاطباً نفسه: «تُرى لو لم أكن موجوداً فما الذي سيصيب أوروبا». ولو لم يفلح الروس في تقدّمهم في القفقاس ومواصلة هذا التقدّم لافتضح إمبراطورهم وتضاءلت أهميته السياسية.
جعلت هذه الأمور وورونتزوف يقتنع بالخطة الجديدة التي وضعها بعض الضباط، فابتدأ بتطبيق بعض فصولها من الصفر، وهي تقضي بترحيل عدد من الأسر القوزاقية من صحارى روسيا الجرداء وإسكانها بالقوّة في القرى والقصبات التي تستولي عليها القوات الروسية، وتعطى لهذه الأسر أراضي القفقاسيين المصادرة، ثمّ ترغمهم على الزراعة فيها وتربية المواشي. ولمّا كان هؤلاء القوزاق يحتفظون بالطبيعة العسكرية فإنّهم سيضطرون إلى استحداث المواضع القتالية والاستحكامات في أطراف كلّ قرية وقصبة ويستعدون لهجمات القفقاسيين وغاراتهم.
وإذا كان الجنود الروس قد ملّوا الحرب وسئموا القتال فقد كانوا في كثير من الأحيان يهربون أو يستسلمون لعدوهم وإذا لم يتمكنوا من أحد الأمرين فقد يلجؤون إلى الانتحار، إلاّ أنّ الأمر يختلف هنا، فالقوزاق مرتبطون بأسرهم ويبذلون الجهود في سبيل زراعة الأرض، فلا يمكن أن يغروا أو يستسلموا إلى العدو ولا محيص لهم من أن يقتلوا أو يُقتلوا.
وعلى هذا الأساس أخذ القوزاق يتعرّفون بالتدريج على عادات رجال الجبال وحيلهم وأساليبهم وإذ كانوا يقاتلون دفاعاً عن أنفسهم، فإنّما كانوا يحققون بقتالهم الأهداف الروسية في المنطقة.
والوسيلة الأُخرى التي اعتمدها وورونتزوف كانت من اقتراح يرمولوف وڤيليامينوف، وهي تقضي بأنّ تحرق القوات الروسية جميع الغابات والمزارع التي تستولي عليها وتهدم كلّ أبنية تقع بيدها ثمّ تعمد هذه القوات إلى قطع أشجار الغابات لمسافة عدّة فراسخ وتستحدث في مكانها شوارع عريضة، ثمّ تشقّ طرقاً أُخرى في شعاب الجبال ذي المسالك الوعرة لتسهيل حركة ترسانات الأسلحة ومجاميع المدفعية ونقل المؤن، وتقيم ـ جسوراً على الأنهار والمعابر الوعرة.
وتقضي هذه الوسيلة أيضاً بوضع عدد كبير من القوزاق والدرك والشرطة العسكرية في كلّ مكان تتم السيطرة عليه، حتّى إذا سوّلت لأحد السكان نفسه بالتمرّد أو المشاغبة انقضّ عليه هؤلاء كالأجل المحتوم.
وأمّا الوسيلة الثالثة التي اعتمدها وورونتزوف في قتاله لرجال الجبال فكانت كما يلي:
عندما لاحظ الروس أنّ هجومهم على داغستان من جهة واحدة لم يثمر في أي من الأوقات، أدركوا أنّ رجال الجبال بإمكانهم توفير مؤنهم وذخيرتهم من جهةً أُخرى، ولذلك اجتمع قادة القوات وكبار الضباط لدى وورونتزوف وقرروا أن يكون هجوم قواتهم شاملاً ومطبقاً على الداغستانيين من جميع النواحي والجهات ليسدّوا بذلك الطرق عليهم ويحولوا دون وصول المؤمن والذخيرة إليهم، وكانت هذه أخطر الوسائل، فبعد سبعين سنة من الصراع الدموي الذي خاضه الداغستانيون دفاعاً عن كرامتهم واستقلال وطنهم، أصبحوا الآن يقتربون من نهاية هذا الصراع، وأخذت صفحة جهادهم المرير تطوى شيئاً فشيئاً.
عندما وقعت حرب (القِرِم) في عام 1271هـ (1854م) دفعت إنكلترا إمبراطور فرنسا نابليون الثالث إلى مساعدة العثمانيين، وبادر الأمير پيمونت (Piemont) ـ الذي أصبح بعد بضع سنوات ملكاً لإيطاليا ـ إلى إرسال عشرين ألف مقاتل، فاستطاعت قوات الحلفاء أن توجّه ضربة قاسية إلى القوات الروسية وتلحق بها هزيمة نكراء في شبه جزيرة القِرِم في عام 1272هـ (1855م) فقطعت بذلك طريق الدردنيل على الروس.
خلال هذه الحرب كان الإنكليز يتعاملون مع الچركس وينسقون معهم، وكانت الدولة العثمانية تطرح على الشيخ شامل مساعدته، ولكن الشيخ شامل لم يدخل في معاهدة مع أي من هاتين الدولتين فلا مفاوضات مندوب الشيخ شامل مع الباشا العثماني وصلت إلى نتيجة إيجابية ولا الإنكليز أناس يطمأن إلى جانبهم، ولكن على أيّة حال كانت تلك الحرب متنفساً للشيخ شامل وأصحابه.
وإذا كان الشيخ شامل وأصحابه تنفّسوا الصعداء خلال حرب الروس مع الحلفاء في القرم، فإنّ هذا التنفّس لم يدم طويلاً، فما كادت الحرب تضع أوزارها حتّى جمع الروس قواتهم المدحورة ودفعوا بها نحو القفقاس، وحينما يلقي المرء نظرة على خريطة روسيا ثمّ ينتقل بنظرته إلى القفقاس ثمّ يقتصر بها على داغستان، فإنّه يدرك حينئذٍ مدى التفاوت الهائل بين القوتين المتحاربتين في هذه المناطق.
لقد نفد العنصر الشاب في القفقاس خلال سبعين سنة من المقاومة، وخصوصاً في الخمس والعشرين السنة الأخيرة التي تصدر فيها الشيخ شامل الزعامة المقاوِمة. وأخذت قوات الشيخ شامل المؤلفة من خمسين ألف مقاتل تتضاءل بالتدريج خلال هذه الفترة الطويلة، واستشهد العديد من الشبان اليافعين في سوح القتال. ومن جانب آخر كان القحط وندرة المؤمن يشكلان بالنسبة لأهالي القفقاس خطراً أعظم من خطر القوات الروسية، حيث راحت المؤمن تتضاءل بالتدريج حتّى أضحى الناس يقتاتون من بعض ما تنتجه الجبال ولا يجدون سبيلاً إلى طعام غيرها. وأطبق الحصار على ولاية داغستان من جهاتها الأربع، ويوماً بعد آخر كانت حلقة الحصار الروسي تضيق وتشتد ضيقاً.
وفي غرب القفقاس ألفت قبائل الچركس نفسها عاجزة عن المقاومة فسلمت بالأمر الواقع، ومع وجود الوعود الإنكليزية سلّمت نفسها إلى الروس. وكانت معاملة الروس لهذه القبائل بعيدة كلّ البُعد عن الإنسانية، حيث انتزعت ثلاثمائة ألف شخص من شبان الچركس ورجالهم الأشداء من ديارهم وأرضهم وهجّرتهم إلى المناطق النائية من روسيا وأقاصي سيبريا([517]). وفي هذه الظروف الحرجة، برزت عوامل الاضطراب في داغستان فما كاد والي اليسوري (Elissorie) دانيال بك ـ وهو الحليف الرئيس للشيخ شامل ومن نوابه ذوي المقام الأوّل ـ يدرك العاقبة الوخيمة للحصار حتّى انسحب واعتزل الأمر وترك الشيخ شامل وحده في الصراع.
وقوع الشيخ شامل في الأسر
لم ييأس الشيخ شامل لكلّ ما رآه من قلّة وفاء وانعدام العون وندرة المؤن، لا سيما أنّه ظلّ إلى جنبه بعض الأوفياء.
وإذا كان الشيخ شامل عازماً على الاستمرار في المقاومة التي أراد بها منذ الوهلة الأولى الحفاظ على استقلال البلاد وتطهيرها من رجس الاحتلال الأجنبي وصيانة الشريعة الإسلامية في هذه الأرض، إذا كان كذلك فإنّه لم يبق معه في شهر صفر من عام 1276هـ (1859م) من أصحابه الأوفياء إلاّ أربعمائة شخص ليقف بهم بوجه مائة وخمسين ألف مقاتل من الروس، فاضطر إلى أن يصطحب هذه الثلة من أتباعه وعياله وأولاده إلى آخر معقل له في قرية گونيب (Gounib) الواقعة على مرتفع وسط داغستان، فتحصّن هناك وأحكم مواقعه القتالية، وراح ينتظر قدوم العدو. وجمع الروس كلّ عدّتهم الحربية حول هذه النقطة وأحكموا حصارها، ونشبت بين الطرفين مناوشات أبدى أصحاب شامل الأربعمائة فيها صموداً وبطولة، وما زال هذا حالهم حتّى باغتهم الروس ذات ليلة بحملة مفاجئة استخدموا فيها مدافعهم وكلّ عدتهم الحربية، فاعتصم الشيخ شامل ورفاقه في بيت محفور في صخرة، يشبه الغار، وثبتوا فيه حتّى آخر طلقة في بنادقم، ثمّ التفت شامل إلى أصحابه فأدرك أنّه لم يبق له من الأربعمائة إلاّ سبعة وأربعون بينما كانت أمواج القوات الروسية تتلاطم أمامه لا يفصلها عنه أكثر من عشرين قدماً.
في تلك الساعة أصدر القائد العام للقوات الروسية المهاجمة الجنرال پرنس بارياتينسكي (Bariatinski) أوامره بالتوقّف عن إطلاق النار وإذ ذاك بدا المشهد محزناً، حيث خرج الشيخ شامل من موضعه حزيناً ولكنّه مفعم بالصلابة وراح يتقدّم بكلّ شموخ بخطوات وقورة نحو الجنرال فأبدى له هذا كلّ احترام ثمّ سأله: هل أنت الشيخ شامل؟ فأومأ الشيخ برأسه. فقرأ عليه الجنرال حكم الإمبراطور الكساندر الثاني القاضي بإرسال شامل إليه في حال القبض عليه حياً. ولكن أي أهمية لذلك وهو الآن أسير بين أيديهم! ومهما يكن الأمر فقد تلقّى ثائر القفقاس مصيبته بكلّ شجاعة.
خاتمة أمر القفقاس
وهكذا انتهى أمر المقاومة البطولية التي خاضعها الشيخ شامل خمساً وعشرين سنة متواصلة. ولم تتجلَ عظمته وشموخه وجهاده كما تجلّت في المواقع الأخيرة من كفاحه.
كان الحراس الروس الذين يرافقونه في طريقه إلى إمبراطور روسيا يطأطئون رؤوسهم ـ طوال الطريق ـ تعظيماً له وإجلالاً وقد استقبله الإمبراطور الروسي دون أن يجرّده من سلاحه، ثمّ حبسه وأولاده وعياله في مدينة (كالوڤا) من مدن وسط روسيا وعومل هناك باحترام، على عكس الأسلوب الذي عاملوا به أبطال اللزكيين والششنيين الذين كافحوا طويلاً في سبيل حفظ دينهم واستقلال بلادهم، إذ نفوهم من أرضهم وحكموا عليهم بالأشغال الشاقة.
أصبحت القوات الروسية مطلقة العنان في القفقاس بعد فاجعة استئصال الشيخ شامل منها في عام 1276هـ (1859م) إذ خلا لها الجو من كلّ مقاومة، وخضعت لها جميع أراضي القفقاس حتّى استطاع الروس بالتدريج الفراغ من إخضاع جميع القبائل في جميع ولايات القفقاس في عام 1292هـ (1874م).
وما دام الروس لم يحكموا قبضتهم على جميع الأراضي بعد ويتوقعون حدوث تمرّد أو معارضة هنا أو هناك، فإنّهم كانوا يتعاملون مع الناس بالحسنى ويرعون حرماتهم، ولكن ما أن فرضوا سيطرتهم وأقاموا تحصيانتهم في كلّ مكان وأصبحت فوهات المدافع تطل على الناس حيثما ولّوا وجوههم، حتّى غيّروا سلوكهم ومعاملتهم ففرضوا الأحكام العرفية في كلّ المناطق، وصاروا يعاملون الأهالي كما تعامل الوحوش، وينظرون إليهم بكل استصغار واحتقار. وأخذ الأهالي المغلوبون على أمرهم يعتادون على هذه المعاملة بالتدريج فساءت أخلاقهم، وظلّت هذه المعاملة مستمرة طيلة الاحتلال الروسي. وبدلاً من أن يحاول الروس محو آثار غلطتهم وقساوتهم مع الأهالي زادوا هذه المعاملة غلظة وقساوة، واتخذوا من أرض القفقاس محلاً لنفي الضباط وأصحاب المناصب المغضوب عليهم. وفي سبيل معاقبة موظفي الدولة الذي يقصّرون بواجباتهم أو يسرقون سرقة كبيرة، فإنّهم يعمدون إلى إرسالهم إلى القفقاس، فكان هؤلاء «الچينونيك»([518]) الوحوش يجدون في إيذاء القفقاسيين وإرهاقهم تسلية يعوضون بها عمّا أصابهم.
أسلوب سياسة الروس في القفقاس
كان الروس يستقدمون جميع آلات وعوامل الإفساد الأخلاقي إلى أرض القفقاس بدلاً من استقدام الحضارة التي دخلوا القفقاس تحت ستارها وقد سلكوا نفس هذا النهج في جميع البلدان الإسلامية مثل تركستان وبخارى وغيرهما ثمّ سلكوا نفس الاسلوب أيضاً في تبريز ورشت حينما سيطروا عليهما.
وكان الروس في مثل هذه المواقف يستفيدون بادئ الأمر من جهل الناس وبساطتهم، فيظهرون لهم عظمتهم وجبروتهم ويخيفونهم ثمّ يحركونهم مثل الدمى لتنفيذ رغباتهم ومخططاتهم.
وأبشع أساليب الروس في هذه الأقاليم وأقبحها قاطبة، هو إذلالهم للناس ومعاملتهم بالتحقير والإهانة. وبدلاً من فتح المدارس والجامعات التي تدعو إليها الحضارة التي دخلوا تحت ستارها، ويدعون إليها، فإنّهم يعمدون إلى فتح الملاهي ودور الفساد والبغاء والخمارات، فهم يدركون ما تنشره هذه الأماكن من أمراض جنسية خطرة تضعف النسل وتوهن القوى، وما تؤدّي إليه من انحلال أخلاقي وفساد اجتماعي، وهذه الأساليب هي التي يسلكها الروس في سبيل فرض هيمنتهم وإحكام قبضتهم.
عمد الروس إلى أساليبهم هذه باسم الحضارة، ولكن هذه الحضارة لم تبن للدراسات العليا ولو مدرسة واحدة في أرض مثل أرض القفقاس، لا سيما بين المسلمين الذين يعيشون في جهل مطبق ولا يعرفون من تربية الروس لهم إلاّ حراب القوات الروسية وسياط الجلادين والوكلاء الروس.
في فترة من الزمن حاول الأرمن ـ وهم من أذكى أهالي القفقاس على الرغم من صيرورتهم فيها آلات بيد الروس لإثارة الشغب في أرمينيا في الدولة العثمانية ـ إيجاد مدارس لنشر ثقافتهم في أوساطهم الأرمنية، وترتيب أوضاعهم القومية وإصلاح شؤونهم الدينية وكنائسهم. ومن جانب آخر أخذ الكرجيون يفكرون في الحصول على استقلال ذاتي ويخففون بذلك شيئاً من أساليب الموظفين الروس الخشنة.
كان ذلك في حدود عام 1323هـ (1904م) وقبله بقليل. وما كادت الحكومة الروسية تطلع على نوايا الأرمن والكرجيين حتّى عزمت على الحيلولة دون سريان هذه الأفكار إلى القوميات الأُخرى في القفقاس، فعمدت ـ بمساعدة حكومة القفقاس والمسؤولين فيها ـ إلى إثارة الخلافات بين المسلمين والمسيحيين، وإطلاق شرارة الحرب الأهلية بينهم، وكان المنفذون لهذه الخطط حفنة من الأشرار أطلقت الحكومة لهم العنان وسهلت لهم الوصول إلى ترسانات الأسلحة والحصول منها على ما يريدون من وسائل لإدامة نار الحرب الأهلية. فكان المسلمون والمسيحيون يمزقون بعضهم البعض على مرأى ومسمع من المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين.
وقعت هذه المجازر في عام 1323هـ (1904م) وتقع جريرتها جميعاً على عاتق الحكومة الروسية، التي كانت تحاول الصيد في المياه العكرة، فأعقبت روسيا هذه الحوادث بالقبض على آلاف من العناصر الواعية في القفقاس سواء من الأرمن أو المسلمين الذين كانوا بوعيهم وإدراكهم يشكلون خطراً على الروس، فنفت بعضهم إلى أقاصي سيبيريا ورمت البعض الآخر في غياهب سجون روسيا المظلمة.
وفي حرب الروس واليابان في عام 1323هـ (1904م) ومقارنة مع هذه الأحداث، كانت روسيا ترتكب الجرائم الوحشية وتتعامل بظلم فاحش مع سكان البلدان المقهورة مثل بولندا والقفقاس وفنلندا.
وفي القفقاس كان أهلها على اختلاف قومياتهم يعيشون بكلّ مذلة وحقارة وفقر مدقع، وفي غاية الجهل والتخلف وهم مشرفون على الانحلال والضياع، لا سيما وأنّ روسيا كانت تحاول جاهدة إذابتهم في البوتقة الروسية بأساليب لا يرتضيها الوجدان الإنساني، فهي تجلب إلى أرضهم سنوياً آلاف الروس وتفرضهم على الأهالي قسراً، وتهجر آلافاً من هؤلاء الأهالي من ديارهم وأراضيهم.
الجمهورية الشيشانية
وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي واستقلال الجمهوريات الإسلامية، ظلّت بلاد الشيشان معتبرة جزءاً من روسيا إلى أن قامت فيها الثورة على روسيا، وانتهى الأمر بإعلان الشيشانيين قيام جمهوريتهم المستقلة دون أن تعترف روسيا بهذا الاستقلال، وانتخبوا أصيلان مسخادوف رئيساً للجمهورية وجعلوا عاصمة الجمهورية. (غروزني) وفي البحث التالي حديث عن تطوّر بلاد الشيشان:
إثر الفتح العربي لدربند في جنوب داغستان أصبحت هذه المدينة مركزاً انتشر منه الدين الإسلامي في شمال القوقاز. ورغم أنّ بلاد الشيشان مجاورة لهذه المنطقة فإنّ الإسلام لم يصبح الدين السائد فيها إلاّ في أواخر القرن الثامن عشر حيث قاد الشيخ منصور دعوة ضد الوثنية والعادات المنافية للشريعة، إلى جانب تبشيره بعناصر مستوحاة من الطرق الصوفية.
وفي النصف الأوّل من القرن التاسع عشر أسّس الشيخ شامل «دولة الإمامة» في الشيشان وداغستان وأقام نظاماً للحكم وصفه الباحثون بأنّه «ثيوقراطية عسكرية ـ قبائلية»، معتمداً على تعاليم الطريقة النقشبندية الواسعة الانتشار آنئذ. وبعد انكسار شامل وأسره في الحرب القوقازية الأولى تزايد عدد أنصار الطريقة القادرية، فيما انتقل نفوذ النقشبندية من الشمال الجبلي إلى الجنوب الشيشاني السهلي حيث يسكن الشيشانيون والمسيحيون الروس. ومنذ ذلك الحين ساد اعتقاد بأنّ النقشبنديين «موالون لروسيا» فيما ظلّ القادريون «خارج القانون» في عهد الإمبراطورية والحكم السوفياتي.
وفي مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر بشرّ الشيخ القادري الحاج كونتا كيشييف بأفكار ترفض العنف والحرب، ووجدت تلك الأفكار تربة صالحة بعد الحرب القوقازية. ودعا الشيخ إلى مساعد الفقراء وشجب الترف والانصراف إلى التعبّد، وكان عملياً أوّل من أدخل حلقات الذكر.
ولكن تعاظم نفوذه حدا بروسيا إلى اعتقاله عام 1864 وترحيله عن المنطقة، وفي ما بعد أضفى مريدوه على دعوته طابعاً سياسياً ونادوا بالجهاد ضد روسيا القيصرية وقاموا بانتفاضة عام 1865 بقيادة الإمام قازا أكميرزايف ولكنّها قمعت بقسوة وبسرعة من القوات الروسية. وشهدت الشيشان انتفاضة أُخرى عام 1877 بقيادة الحاج علي بك الذي أسر مع الكثيرين من مريديه ورداً على سؤال المحققين عمّا إذا كان يعترف بذنبه حيال روسيا قال: «نحن مذنبون أمام الله والشعب الشيشاني لأنّنا لم نفلح في إقامة قوانين الشريعة والحرية الأهلية».
وبفعل القمع الذي مارسته السلطات القيصرية لم يتكوّن مركز ديني موحّد بل تعدّدت حلقات المريدين التي كانت تلتقي في ظروف شبه سرية.
وقد يكون من أسباب شيوع التصوّف في الشيشان كونه يتلاءم مع التقاليد الأثنية للجبليين الذين ينتمي كلّ منهم إلى «تيب» وهو رابطة تعتمد التقسيم الجغرافي أكثر من العائلي.
وبعد وصول البلاشفة إلى السلطة عام 1917 طرأت تحوّلات جذرية على «الخارطة» الدينية في شمال القوقاز. فقد ألحقت سياسة «الإلحاد الاقتحامي» التي اتبعها الشيوعي ضرراً هائلاً بالثقافة الروسية للشيشانيين، وما زالت آثار هذا الضرر محسوسة حتّى اليوم.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا عام 1921 وقمع حركة سكان شمال القوقاز اتبع البلاشفة سياسة ملاحقة وقمع رجال الدين المسلمين وأتباعهم. وفي 1923 ألغيت المحاكم الشرعية، وجرت خلال السنتين التاليتين حملة لتجريد السكان من السلاح. وتحت ذريعة تصفية «أوكار العصابات» في الجبال جرى اعتقال آلاف من رجال الدين وقتل ونفي الكثيرون منهم. وتكرّرت حملة «التطهير» في الشيشان عام 1928 ولكن تحت حجة محاربة «التخريب الاقتصادي». وفي سنة 1930 انتفض الشيشانيون ولكن قيادتهم توصّلت إلى هدنة مع السلطات التي أعلنت العفو العام، بيد أنّها أغلقت المدارس الدينية وهدمت الكثير من المساجد، وزاد في الطين بلّة الانتقال إلى السيريليتسا (الأبجدية السلافية) ما حرم المؤمنين إمكان قراءة القرآن والكتب الدينية المدونة بالحروف العربية.
وأدّت هذه العوامل مجتمعة إلى «انزواء» الدين وإقصاره على مظاهر طقوسية فردية، وما برح الفراغ الفقهي في الجمهورية قائماً حتّى اليوم، حيث إنّ السلطات الرسمية والدينية أخذت في السنوات الأخيرة تعتمد أساساً على نشاط المؤسسات الخيرية ومنظمات الدعوة الأجنبية.
ولكن الشيشانيين، منذ الانفتاح الغورباتشوفي، حصلوا على حرية المعتقد الفعلية وبدؤوا عملياً إحياء الدين. واتخذ ذلك مظاهر جماهيرية «شارعية» ما حدا بوسائل الإعلام الروسية إلى الحديث عن تصاعد الأصولية الإسلامية. بيد أنّ الأصولية، بمعناها المتطرف والمغالي والدموي ليس لها وجود في الشيشان، رغم أنّ عمليات إحياء الدين والتطهّر الأخلاقي في المجتمع لا مناص منها.
وفي الوقت الراهن يجمع قادة الجمهورية على المناداة بتطبيق أحكام الشريعة بل تجري محاولات لتسيير الحياة المدنية عبر محاكم شرعية. ولكن لم تتكوّن بعد في جمهورية الشيشان التربة اللازمة لذلك، وتجدر الإشارة إلى وجود زهاء 200 ألف مواطن غير مسلم يشكلون نسبة تصل إلى 15ـ20 في المئة من مجموع السكان. لذا فإنّ السلطات الشيشانية ستلجأ إلى «التوازي» أي اعتماد المحاكم المدنية والشرعية، وإن كان ذلك يقتضي عملاً تمهيدياً طويلاً والاستناد إلى واحد من المذاهب الاساسية والأرجح أن يكون المذهب الشافعي.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المجتمع الشيشاني قام، تقليدياً، على أساسين تنظيميين: «التيب» و«الورد». والتيب رابطة تقوم على القرابة والوحدة الجغرافية ولكن الهجرات الداخلية ألغت عملياً العامل الجغرافي وأصبح أفراد التيب الواحد موزعين في مختلف اتحاد الجمهورية.
أمّا الطرق الصوفية فإنّها في وعي الشيشانيين تذكر بالتيب ولكن على أساس ديني وليس اجتماعياً، إذ أنّ الانتماء إلى طريقة لا تحدّده علاقات القرابة. ولذا فإنّ أفراد تيب واحد بل حتّى عائلة واحدة قد ينتمون إلى أوراد مختلفة، ورغم ذلك فإنّهم في حياتهم اليومية يضعون مصالح التيب في المقدمة. ولا تشارك التيبات والأوراد في الحياة السياسية، إلاّ أنّ هناك قضايا محورية اجتمعت حولها الغالبية مثل فكرة الاستقلال.
وخلال السنوات الأخيرة، منذ إعلان استقلال الشيشان من جانب واحد وخاصّة بعد بدء الحرب، ظهرت بوادر نشوء جيل جديد من الشبان الذين لم يتلقوا تعليمهم في المدارس السوفياتية بل انتسب الكثيرون منهم إلى مدارس دينية ثمّ تعلّموا في الجامعة الإسلامية أصول الفقه والشريعة واللغة العربية، وأوفد أكثر من 300 شيشاني للدراسة في مصر وتونس وليبيا والسعودية والباكستان وتركيا وسوريا والأردن.
وتفتح في مختلف أنحاء الجمهورية دورات كثيرة لقراءة القرآن وتعلّم اللغة العربية. وبدأت بالصدور صحيفة «فجر الإسلام» باللغة الشيشانية ويبث التلفزيون المحلي مواعظ دينية لمدّة ساعة كلّ يوم جمعة. ونجد في كلّ صحيفة ركن «الإسلام» كما صدرت كراسات لتعليم المواطنين أصول الدين والفرائض. ولم تكن هذه العمليات خاضعة لسيطرة السلطة أو الهيئات الدينية الرسمية، ما أدّى إلى دخول أفكار جديدة وبدء محاولات للتأثير في وعي الناس وهذا ينطوي على خطر مجابهات على أساس ديني.
إنّ اعتماد نظام جديد للتنظيم الاجتماعي في الجمهورية له جانب سياسي أيضاً. فمن المستبعد أن توافق موسكو على سريان قوانين مخالفة للتشريعات الفيديرالية في الجمهورية التي ما زال الكرملين يعتبرها جزءاً من روسيا. ولذا لا نستبعد أن تحاول موسكو تصوير المستجدات في الحياة الشيشانية على أنّها «ظاهرة خطرة» تخل بالتوازن المسيحي الإسلامي. وفي حال استجابة الدول الأُخرى للضغوط والإيحاءات الروسية، فإنّ جمهورية الشيشان سيكون مكتوباً عليها أن تمر بمرحلة شبيهة بتلك التي عاشتها زمن الحرب: أي أنّ الهياكل الرسمية للدول تلتزم الصمت فيما يقتصر الدعم على المنظمات الاجتماعية.
وفي التاسع والعشرين من نيسان سنة 1997 جهر الرئيس الشيشاني بالمطالب الشيشانية:
طالب بعقد معاهد سلام بين موسكو وغروزني والاعتراف باستقلال الجمهورية الشيشانية والتعويض عن خسائر الحرب. وأعلن الديوان الرئاسي أنّ مسخادوف سيقوم بزيارة رسمية إلى بلد شرق أوسطي على رغم تهديد وزارة الخارجية الروسية بـ «إجراءات جوابية» ضد البلدان التي تقيم علاقات مع غروزني.
وفي أوّل تصريح أدلى به أثر عودته من المملكة العربية السعودية بعد أداء مناسك الحج قال مسخادوف إنّ الحرب الروسية ـ الشيشانية «لم تستمر سنتين بل 400 عام» وقال إنّها لا يمكن أن تعتبر منتهية ما لم توقع معاهدة سلام بين الطرفين. وتابع في حديثه إلى وكالة «أنترفاكس» أنّ الشيشانيين بدؤوا فعلاً في «بناء دولة مستقلة» وسيكافحون للحصول على اعتراف بها.
وفي إشارة إلى العلاقات التاريخية المعقّدة مع روسيا أكد مسخادوف أنّ الشيشانيين لم يعد بوسعهم أن «يعيشوا في خوف من تكرار الحرب والإبادة والتهجير مرّة كلّ 50 عاماً» وطالب موسكو بالتعويض عن خسائر الحرب وكانت غروزني قدرتها بـ 150 بليون دولار.
وأشار الرئيس الشيشاني إلى أنّ «الحرب مستمرة بأساليب أُخرى» منها الحصار الاقتصادي وارتكاب جرائم وعمليات اختطاف «يتهم فيها شيشانيون وتقف وراءها جهات أخرى». وحذر من أنّ خاطفي الرهائن سوف يعدمون «على مرأى من الناس» وقال إنّ هذا «مطلب الشعب وسوف أنفذه». وفي اتهام غير مباشر إلى جهات روسية قال إنّ دفع دية للخاطفين يجري وفق سيناريو وهدفه الإساءة إلى القيادة الشيشانية.
ويجمع المراقبون على أنّ هذه أعنف تصريحات تصدر عن الرئيس مسخادوف وتؤكد تعثّر المسيرة التفاوضية بين موسكو وغروزني. وكان مساعد مسخادوف للمهمات الخاصّة رسلان كوتايف أجرى لقاءات في موسكو وأعرب أثرها عن قلق غروزني من «وقفة طالت» في الحوار بين الجانبين. ولكن مجلس الأمن القومي في روسيا أكد أنّ «أي توقف لم يحصل» وذكر أنّ الاتصالات بين الطرفين استمرّت أثناء غياب مسخادوف.
وأعلن في غروزني أنّ الرئيس الشيشاني سيقوم بزيارة رسمية إلى «بلد شرق أوسطي». وذكر الديوان الرئاسي أنّ مسخادوف تلقى دعوات من قادة عدد من الدول أثناء لقاءات عقدها معهم خلال مكوثه في السعودية.
وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية غينادي تاراسوف حذر من «إجراءات جوابية مكافئة» تتخذها موسكو في حال إقامة دول أجنبية علاقات مع غروزني.
وفي 12 أيار سنة 1997 وقعت في موسكو معاهدة سلام بين روسيا الاتحادية والجمهورية الشيشانية ووصفها الرئيس الروسي بوريس يلتسن بأنّها «وثيقة تاريخية تنهي مجابهة استمرّت 400 سنة» وتمهد لإقامة نمط جديد من العلاقات بين الطرفين، فيما شدّد الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف على أنّ إبرام المعاهدة يعني «هزيمة حزب الحرب» الذي حاول تعطيل المفاوضات ونسف السلام.
وعلى رغم أنّ المعاهدة لم تتضمن نصاً صريحاً باستقلال الشيشان فإنّ عنوانها «معاهدة السلام ومبادئ العلاقات بين روسيا الاتحادية وجمهورية اتشكيريا الشيشانية»، يوحي بأنّ موسكو اعترفت عملياً بتكافؤ الطرفين ووافقت على اعتماد مفهوم «اتشكيريا» الذي يعتبره الشيشانيون تسمية لدولتهم المستقلة.
وكان الجانبان أعلنا نيتهما توقيع المعاهدة لكن مخاوف ظهرت من تعثّر المفاوضات بعد تزايد حوادث اختطاف الرهائن في الأراضي الشيشانية وآخرها اختطاف الصحافية المعروفة يلينا ماسيوك من تلفزيون «ن.تي.في» الروسي.
إلاّ أنّ مسخادوف وصل في صورة مفاجئة إلى موسكو صباح الإثنين وعقد لقاءين مع الرئيس الروسي الذي أكد نية الطرفين «التخلي إلى الأبد عن استخدام القوّة أو التهديد بها».
وإثر المفاوضات وقع الرئيسان نص المعاهدة المؤلف من خمس مواد لا توجد بينها مادة تتحدّث عن «الوضع النهائي» للعلاقات إلاّ أنّ يلتسن شدّد على أنّ «أهم بند (…) كوننا وقّعنا معاهدة سلام».
وأشار مسخادوف إلى أنّ الطرفين «أقدما على الخطوة الأكثر حكمة والتي ينتظرها الشعبان الشيشاني والروسي التواقان إلى الأمن والاستقرار».
وذكر أنّ «حزب الحرب» أراد تعطيل المعاهدة ومواصلة العمليات الحربية إلاّ أنّ الوثيقة المبرمة «تضع النقطة النهائية في مجابهة عسكرية استمرّت 400 سنة».
ويعني تأكيد الرئيسين على أنّ المدّة الزمنية للمجابهة هي 400 سنة اعتراف يلتسن بأنّ الشيشانيين لم يكونوا في أي فترة من تاريخهم جزءاً من روسيا الإمبراطورية أو السوفياتية، وهذا بند أساسي كانت غروزني تطالب به لتثبيت حقّها التاريخي في الاستقلال، إذ أنّ الشيشانيين خلافاً لكثير من شعوب شمال القوقاز لم يوقعوا أي وثيقة تنص على انضمامهم إلى روسيا وخاضوا ضدها حروباً متواصلة كان آخرها بدأ في أواخر عام 1994 وتوقف صيف 1996. وأدّت الحرب الأخيرة إلى مصرع 100ـ120 ألف شخص وتدمير الاقتصاد والبنى الأساسية للجمهورية الشيشانية، ولكن الجيش الروسي لم يتمكن من تحقيق الانتصار رغم أنّه زجّ بوحدات بلغ تعدادها 320 ألفاً واستخدم الطيران والصواريخ ضد مجموعات من المقاتلين يراوح عددهم بين 15 و30 ألفاً.
وبتوقيع معاهدة السلام فإنّ يلتسن اعترف ضمناً بمسؤولية روسيا عن تعويض الخسائر المادية التي قدرها الشيشانيون بـ 150 بليون دولار ومن المقرر توقيع سلسلة من الاتفاقات الاقتصادية تتعهد موسكو وفقها بالمساهمة في إعمار الجمهورية الشيشانية وإعادة بناء اقتصادها.
وأشار الرئيس الروسي إلى أنّ المعاهدة ترسي أساساً لتطوير «التعاون السلمي» وخاصّة في الميادين الاقتصادية. ولكنّه طالب في المقابل بإنهاء أعمال العنف واختطاف الرهائن ودعا إلى الإفراج عن أسرى الحرب المتبقين في الأراضي الشيشانية.
ومن جانبه تعهّد مسخادوف بأنّه سيثبت «قدرة سلطات الشيشان على إحكام سيطرتها على الجمهورية». وذكر أنّه «لن يكون على أرضنا مكان للإرهابيين ومختطفي الرهائن». وزاد أنّ توقيع المعاهدة «يعني بدء عصر السلام» واعتبر الوثيقة «بداية حقبة جديدة لروسيا وشمال القوقاز والعالم الإسلامي كلّه».
وستكون وثيقة السلام أساساً لمفاوضات لاحقة هدفها توقيع معاهدة سياسة شاملة لتحديد العلاقات بين الطرفين في وقت لاحق. وأشار ممثل الحكومة الروسية لدى الجمهورية الشيشانية غيورغي كورين إلى أنّ الموقف الرسمي لموسكو «ما زال يتمثّل في أنّ الشيشان جزء من روسيا الاتحادية». إلاّ أنّ المراقبين لاحظوا أنّ مثل هذا التصريح لم يصدر عن الرئيس يلتسن أو أي من كبار المسؤولين الآخرين في السلطة الفيديرالية.
قفقاسيا
ـ 2 ـ
عرف العرب المسلمون بلاد القفقاس منذ صدر الإسلام، وقد أطلقوا على جبالها اسم جبال (القبق)، كما كانت تعرف باسم القبج، والقبجق، والقفجاق، وبلاد القفقاس تنحصر بين نهري ترك وكوان شمالاً ونهري كورا وريفون جنوباً أي تشمل فقط جبال القوقاز وسفوحها الشمالية والجنوبية. وإن أصبح هذا الاسم يطلق اليوم على مناطق أوسع بكثير شمالاً وجنوباً. وجبالها عظيمة الامتداد، كثيرة الارتفاع، صعبة الاجتياز، قليلة الممرات، تمتد على طول 1200 كلم لتصل بين البحرين الأسود والخرز([519]). وتعتبر أعلى جبال أوروبا فيصل ارتفاعها إلى 5630، وتتشكّل فيها الثلاجات الدائمة كثلاجة ماروخ وهي بارتفاعها الشاهق، وامتدادها الواسع تسدّ ما بين البحرين تماماً وتعتبر الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا، والممر الوحيد في وسطها هو ممر دريال الذي يمرّ منه نهر ترك، كما أنّ هناك منطقتين يمكن اجتيازهما من خلالهما وهما على سيف البحر من الشرق والغرب، وبواسطة هذه الممرات تسيطر هذه البقعة على التجارة بين أوروبا وآسيا.
إنّ جميع الشعوب التي دخلت أوروبا عن طريق قفقاسيا، واجتازت إحدى هذه الممرات قد استقرّ بعضها بقصد الغلبة على المنطقة، وتترس فيها جماعات رغبة في التجارة، وتحصن آخرون، والتجأت أقوام فراراً من جيرانها أو غزاتها. وكان أن ضمّت مزيجاً من الشعوب انصهرت فيما بينها وعرفت بالقفقاسيين إلاّ أنّها ترجع إلى أصول مختلفة وشعوب متباينة والجماعات الحربية التي التجأت إليها وتحصّنت فيها وانعزلت عن غيرها احتفظت بلغتها وحافظت على جنسها فنشأت مجموعات عديدة وقليلة ولغات كثيرة، وعرفت كلّها بالشجاعة والإقدام، والقوّة وشدّة البأس، وتعشق الحرية وعدم الصبر على الضيم.
وجرّ عليها موقعها صعاباً كثيرة فطمعت فيها كلّ الدول المجاورة التي تريد السيطرة، وحاولت احتلالها كلّ الحكومات العسكرية الناشئة، فغزاها الآشوريون والكلدانيون والمصريون القدماء. وخضعت لنفوذ بيزنطة في القرن الثالث الميلادي بعد أن انتشرت المسيحية في جنوبها في القرن الأوّل الميلادي ثمّ استولت على جنوبها الصين في القرن الرابع الميلادي، وكانت دولتا الفرس والرومان كفرسي رهان على امتلاك أرمينيا وجنوب القفقاس. وإضافة إلى الغزاة فقد قامت فيها حكومات محلية، فأقام القوشحة في وسط المرتفعات حكومة عرفت في كتب الفتوح العربية باسم حكومة أللان، وأسّس الداغستان دولة في السفوح الشرقية للجبال أسماها الفاتحون المسلمون حكومة السرير.
وفي القرن السابع الميلادي 644م والأوّل الهجري 22هـ وصل المسلمون إلى بلاد القفقاس وذلك في عهد عمر بن الخطاب.
ودخل في الإسلام جميع بلاد شروان وجزء من بلاد الداغستان، ويعتبر القوموق([520]) في بلاد الداغستان أوّل من قبل الإسلام وبذل الكثير في سبيل نشره، وقد تأسّست في بلادهم إمارة طارقي الشامية وكان مركز الإمارة مدينة طارقي التي يطلق عليها اليوم اسم بتروفسك.
ثمّ توجّهت فصائل عربية إلى الجبال المحيطة بأرمينية موقان وتفليس وجبال أللان، فاستولت على بلاد الأرمن والكرج ودخلوا مدينة تفليس، وكان من أوّل من دان بالإسلام الكرج (جورجيا) ثمّ الداغستان ثمّ امتدّ الإسلام إلى غرب قبرطاي ثمّ إلى كوبان، وكان أمراء الأرمن قد دخلوا في الإسلام وتبعهم الشعب ولكنّهم ارتدوا عندما ضعفت الحكومة الإسلامية هناك.
وفي عام 32هـ توغّل المسلمون في بلا الخزر حتّى وصلوا إلى مدينة بلنجر وهي أكبر مدنهم خلف باب الأبواب، فانهزم المسلمون. ثمّ وصل المسلمون بعد ذلك إلى مدينة تفليس، وظلّوا بين انتصارات وهزائم حتّى دخلوا مدينة باب الأبواب ووصلوا مدينة تفليس.
وفي أيام يزيد بن عبد الملك دخل جيش المسلمين بلاد الخزر عن طريق ارمينية فاجتمعت عليه الخزر وساعدهم القفجاق والترك فانهزم المسلمون شر هزيمة.
ثمّ استقرّ المسلمون في قفقاسيا بعد أن انتفض سكانها مرّات ومرّات يساعدهم في ذلك أوضاع المسلمين، وطبيعة بلادهم الجبلية ووعورتها، وعدم رسوخ الإيمان الصحيح في نفوسهم.
وبقي الحكم العربي الإسلامي في قفقاسيا مدّة عصر القوّة في الدولة العباسية ولكنّه بدأ يضعف بضعفها، حتّى حلّت الفوضى وضعفت الحكومة فانقسمت معها قفقاسيا إلى قسمين شمل الأوّل بلاد الكرج (كرجستان) (جورجيا) وضمّ الآخر بلاد الإبخاز.
واستغل الكرج الحروب الصليبية فأعلنوا الاستقلال، ودخلوا مدينة تفليس وذلك عام 1026م. ولكن لم يطل حكم الكرج لبلادهم. فلم يلبث السلاجقة أن احتلوا البلاد بعد أن استولوا على تركستان وخوارزم وإيران، وإن وقفت كرجستان في وجوههم قليلاً. ثمّ عاد زعيم السلاجقة ألب أرسلان فاحتل كرجستان من جديد عام 1072. ثمّ خلف السلاجقة المغول في عهد جنكيزخان، وأكثَرَ المغول في الجراكسة القتل والأسر.
وفي عام 1388م جاء تيمورلنك وقام بنفس الأعمال التي قام بها في غرب آسيا.
وبعد المغول ضعفت الحكومات التي قامت في قفقاسيا، وبدأ الصراع بين العثمانيين والفرس للاستيلاء على هذه المناطق.
وأخيراً في القرن الخامس عشر خضع الجراكسة لنفوذ العثمانيين الاسمي، واحتل العثمانيون بعض المواضع على سواحل البحر الأسود وخصوصاً قلاع أنابا وازاق([521]). ثمّ دخلت روسيا في هذا الصراع على القفقاس وذلك منذ القرن الثامن عشر، ووضع بطرس الأكبر نصب عينيه خطة للسيطرة عليها، وفي عام 1722م وسع نادر شاه ملك إيران مملكته فحكم أفغانستان وجورجيا، ولكن استقلت هذه الأخيرة من بعده، وبموجب معاهدة بلغراد 1739م استقلت بلاد القبرداي عن الدولة العثمانية، هكذا بدأ الضعف يتسرّب إلى هذه المنطقة بسبب وجود دولة صغيرة شكّلت فراغاً في تلك المنطقة ممّا أطمع الدول المجاورة فيها.
ومنذ عام 1765م بدأت روسيا تتوغل في بلاد الجراكسة، فأقامت القلاع في بلاد القبرداي وأسكنت قوازق الفولغا في بعض المناطق ثمّ استولت على شبه جزيرة القرم وبعد ستة أعوام من احتلالها ضمتها إليها نهائياً وذلك في عام 1777م.
وفي عام 1783م أخذت روسيا على عاتقها حماية بلاد الكرج وفي 3 تشرين الثاني أدخلت عساكرها مدينة تفليس، وقد ترتب على ذلك نزول الداغستان بقوّة عظيمة ودخلوا بلاد الكرج ولكن الروس أخرجوهم، ثمّ زحف العثمانيون من الجنوب والداغستان من الشمال بقيادة عمر خان، ولم تستطع روسيا حماية الكرج بسبب انشغالها في الشمال بالحرب ضد الشيخ منصور- الشاشان والقبرداي وإن كانت قد خرجت من بلاد الكرج إلاّ أنّها ضمّت ولاية أستراخان إليها في شمال القفقاس.
وقد عقدت روسيا معاهدة سرية مع النمسا لاقتسام الدولة العثمانية وذلك في عام 1787م وبناء عليها فقد أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وتقدّمت في منطقة كوبان الجنوبية التي تخضع اسمياً للدولة العثمانية، ولم تجدِ مقاومة الجراكسة والعثمانيين لهذا التقدّم، فقد احتل الروس المنطقة وأسروا القائد العثماني بطال باشا، ولكن بعد عامين دارت الدائرة على الروس فتركوا المنطقة، وأجبروا على الخروج من بلاد الكرج، ونقلوا عساكرهم إلى شمال القفقاس ثمّ وقعت معاهدة بين العثمانيين والروس أيام السلطان سليم الثالث اعترفت فيها الدولة العثمانية بتبعية شبه جزيرة القرم إلى روسيا، وتوقفت الحرب بين الدولتين.
واستغلت إيران ضعف الكرج وتخلّي الروسي عنهم، فدخلت بلادهم ورفضت روسيا إنجادهم ولكنّها عادت فيما بعد فأنجدتهم وأخرجت الإيرانيين من بلاد الكرج وذلك في عام 1796م.
وتوفيت إمبراطورة روسيا كاترين الثانية وخلفها القيصر بول فخالف أسلافه، وسحب القوّة من بلاد الكرج، ولكنّه عاد فضمّ كرجستان إلى روسيا ممّا أجبر عمر خان قائد الداغستان عام 1800م أن يهاجم الكرج ولكنّه فشل، وكان أنّ روسيا ضمّت الكرج إليها نهائياً عام 1801م.
وفي عام 1810م ضمّت روسيا إليها حكومة إيمارتي التي يحكمها الإبخاز (الأباظة) وحكومة غوريا في منطقة باطوم. وفي عام 1821م عقدت معاهدة أدرنة التي قضت بأن تضع روسيا يدها على جزء من الشمال الغربي لبلاد الجراكسة وهي جهة كوبان بدلاً من العثمانيين وبعد هذه الفترة وقفت الدولة العثمانية مكتوفة الأيدي أمام الأحداث التي تجري بين الجراكسة والروس فتمكّن الروس من ضم بلاد الجراكسة جزءاً بعد جزء إلى بلادهم.
وعندما وجد الجراكسة أنفسهم في الميدان وحيدين، كان لا بدّ من الاعتماد على النفس.
فألفوا حكومة قومية في بلاد الداغستان كان على رأسها مشايخ الطرق وعلى رأسهم الشيخ شامل الذي أرسل رسله إلى بلاد الجراكسة، وكان من الذين أرسهلم إلى جراكسة كوبان الشيخ محمد أمين وذلك للدعاية ضد روسيا، وشحذ الهمم والتعريف بالجهاد في سبيل الله، وقد استطاع الشيخ محمد أمين أن يضمّ المجاهدين إليه، فقاموا بزعامة كراندوق بك واستولوا على جملة قلاع روسية.
وقد بدأت الحرب بين الشيخ شامل وبين روسيا. وفي عام 1840م بدأ الشيخ شامل خطة الهجوم التي استمرّت أكثر من عشرة أعوام، وبقيت رحى الحرب حتّى عام 1853 حيث بدأت حرب القرم بين روسيا من جهة وبين تركيا وفرنسا وإنكلترا والبيه مونت من جهة أُخرى توقّفت أثناءها الحرب بين الشيخ شامل الذي بدأ يجمع الشمل ويزيد الاستعداد، وروسيا التي شغلت في حرب القرم.
وفي عام 1859م بعد انتهاء حرب القرم، حشدت روسيا حشوداً عظيمة بلغت أكثر من 300 ألف جندي في قفقاسيا وهاجمت الشيخ شامل، فاستطاعت أن تأسره وذلك في عام 1863م، ومنذ ذلك العام بدأت هجرات الجراكسة الفوج تلو الفوج من وجه الاضطهاد الروسي.
وفي مناطق قفقاسيا المختلفة أعداد كثيرة من الشيعة.
قفقاسيا
ـ 3 ـ
ننشر فيما يلي بحثاً كتبه سليمان الشيخ بعد أن زار تلك المناطق وشاهدها بنفسه ولقي بعض أهلها وحادثهم قبل تفكك الاتحاد السوفياتي:
إنّ الحكم بالنفي على فرد لأسباب ودواع معينة أمر يمكن فهمه وتبرير دواعيه. لكن الحكم بالنفي على شعب بكامله أمر يدخل في نفق الأسئلة، وربّما يدخل في دوائر عدم الفهم.
شعب الشاشان في الشمال القفقاسي نفي جميعه عن أرضه الوطنية أثناء الحرب العالمية الثانية، فما هي الدواعي؟ وما هي الأسباب؟ وكيف يعيش الآن؟
يختصر القفقاسي جوابه عندما تسأله عن بلاده، فيجيبك:
«إنّها بلاد الجبال العالية، ويضيف قائلاً: هي البلاد التي كتب عنها تولستوي، وبوشكين، وليرمنتوف».
* فلماذا يكتب هؤلاء الأدباء البارزون في الأدب الروسي والأدب العالمي عن هذه البلاد التي أغرقتها القيصرية الروسية بالجهل واستنزفت خيراتها؟
القفقاسيون الشاشانيون والأنغوش يقولون ذلك، ويضيفون قائلين: إنّ القمم العالية، وشواطئ نهر «تيرك» قد تركت بصماتها على أدب هؤلاء الكتّاب، فجاءت طبيعتنا وطبيعة شعبنا مسجلة أدق تسجيل في أدب هؤلاء الكتّاب الكبار.
والداغستانيون يقولون ذلك أيضاً، وكذلك البلكار والكباردين والأوسيت والشركس وهم شعوب قفقاسية، فما الذي دفع بهؤلاء المشهورين إلى العيش في تلك البلاد، في مرحلة شهدت فيها ثورات وتمرّدات عديدة (بداية القرن التاسع عشر)؟
لقد كانت منطقة جبال القفقاس تعتبر من جنوب روسيا القيصرية، بعد أن انتزعتها من الأتراك العثمانيين، ومن ملوك الفرس، وبعد أن قضت على بعض الإمارات المحلية التي كانت قائمة آنذاك. وفي منتصف القرن التاسع عشر وصل الزحف الروسي إلى ذروته في السيطرة على المناطق الجنوبية، ومن ثمّ سيطر الروس سيطرة كاملة على تلك المناطق وتمّ انتزاعها من أيدي الدول الأُخرى أو الإمارات المحلية.
إنّ تخليد تلك المنطقة في نتاج الكتّاب المشار إليهم يعود إلى سبب قهري، تمثّل في نفي بوشكين سنة 1820م إلى تلك المنطقة، ثمّ نفيَ ليرمنتوف سنة 1838م إليها أيضاً، ويذكر أنّه عاش سنوات قليلة من صباه فيها أيضاً، ويعتبر هذا النفي هيناً إذا ما قيس بالنفي إلى سيبريا.
وقد جاء هذا النفي بسبب انتقاد الشاعرين المذكورين للأوضاع التي كانت قائمة آنذاك، والتحريض على مساوئ النظام القيصري ومباذله وظلمه الذي وزّعه على الشعوب التي خضعت له.
أمّا تولستوي فإنّه كان من النبلاء الإقطاعيين، جذبه الجيش فعيّن فيه ملازماً، واشترك في الحرب التي كانت دائرة في القفقاس، وأمضى هناك من سنة 1851 إلى سنة 1855.
شعبنا نحن
يكتسب كلام سكان الجبال مصداقية عند من يقرأ بعض أعمال هؤلاء الكتّاب، كروايات الحاج مراد، والقوقاز، ونهاية حب، وغيرها، لتولستوي، ومن يقرأ بعض أشعار بوشكين التي تحمل أسماء بعض المناطق في القفقاس، ومن يقرأ رواية «بطل من هذا الزمان» لليرمنتوف.
يقول: أحمد ملساجوف في كتابه «شعب جبال القفقاس» المنشور بالإنكليزية والصادر عن وكالة نوفوستي السوفياتية سنة 1984: «من يقرأ تولستوي فإنّه يقرأ عنّا» ويضيف قائلاً: «هذا النهر القوقازي الشهير «تيرك» نال حظاً أكثر من أي نهر آخر في بلادنا، فقد تغنّى به تولستوي، وبوشكين، وليرمنتوف، وأثنوا عليه».
ثمّ يقول: «إنّنا نفضل في بلادنا ـ الشاشان والأنغوش ـ استعمال كلمة (وييناخ)، وهذه الكلمة مؤلفة من مقطعين، معناهما «شعبنا نحن» أو «قومنا نحن»، وتطلق على شعبي الجمهورية «الشاشان والأنغوش» من أجل اختصار ثنائية هذا التكوين.
يقول الكاتب: «انظروا، إنّهم يشبهوننا ـ هكذا يقول الشاشان والأنغوش عن بعضهم بدهشة منذ زمن طويل ـ نعم مثلنا، فنحن نتكلم نفس اللغة، ولنا نفس العادات».
على السفوح الشمالية لجبال القوقاز تقع جمهورية الشاشان والأنغوش، مساحتها 19,300كم2، يسكنها حوالي مليون وربع المليون نسمة، لغتهم من عائلة اللغات القفقاسية أو القوقازية، ويقطع بلادهم نهر «تيرك» الذي ينبع من جبال القفقاس في جمهورية جورجيا، ويسير في عدّة جمهوريات قفقاسية سوفياتية، طوله حوالي 500 كيلومتر، ويمرّ فرع منه في العاصمة غروزني، (يسمّى فيها نهر سيلج) ويصبّ في بحر قزوين أي الخزر كما كان يسمّى من قبل.
يقول السيّد موسى حسين دوشو كييف مدير مصنع الملابس التقليدية في العاصمة غروزني: «أعتقد بأنّ اسم «الشركس» كان يطلق على كثير من مناطق القفقاس من قبل، لأنّ الحدود السياسية بين القبائل والشعوب القفقاسية حديثة العهد، لا يتعدّى عمرها مائة سنة تقريباً.
ويمكن الإشارة إلى أنّ الزي كان موحداً من قبل، أو فيه كثير من التشابه، وهو أقرب إلى الزي الشركسي الحالي».
وقد أكد نفس الكلام السيّد أصحب مكييف السكرتير الأوّل لمنظمة الحزب الشيوعي في منطقة نزاران «نظاران»، فقال: «نحن جزء من العائلة الأثنية القفقاسية، ويبدو أنّ (الشركس) كان هو الاسم الغالب على كثير من المناطق والأنحاء في الزمان القديم».
في مؤلفات الأدباء
يبدو الكلام السابق أقرب إلى الحقيقة عندما نقرأ أدب تولستوي وبوشكين وليرمنتوف، إذ أنّهم كثيراً ما كانوا يخلطون في أسماء الشعوب التي تسكن منطقة القفقاس، فهم تارة يطلقون عليها اسم (الشركس)، بل كثيراً ما كانوا يستعملون أسماء قبائل تنتسب إلى هذا الشعب أو ذاك من شعوب القفقاس، وهذا يدل على أنّ المنطقة لم تكن بعد قد عرفت الحدود السياسية الثابتة المتعارف عليها حتّى منتصف القرن التاسع عشر، كما أنّ القبائل لم تكن قد استقرّت تماماً في مناطق سكناها، لذلك فإنّ الخلط في إطلاق الأسماء والأماكن كان شائعاً، ويبدو أنّ الأمر ما زال كذلك.
في رواية «نهاية حب» يذكر تولستوي أنّ الجيش الروسي نزل في قرية (نوفوميلينسكايا) في بلاد القفقاس، ويستمرّ الكلام في الرواية عن القفقاس والقفقاسين، ولا يحدّد شعباً بعينه، وتكرّر في الرواية أسماء مثل نهر «تيرك»، و«ابريك وابركة» و«سكان الجبال» وغيرها، وإذا ما بحثنا عن تفسير لمعنى هذه الكلمات، فإنّنا سنجد أنّ كلمة «الأبركة» ما هي إلاّ تعبير كان يطلقه الروس على سكان الجبال الذين حملوا السلاح وقاوموا الجيش الروسي.
وهذا يعني أنّ بعض سكان السهول قد خضعوا للجيش الروسي، وتعاونوا معه، في حين أنّ بعض سكان الجبال قد تمرّدوا عليه وثاروا. ولو نظرنا إلى المرحلة التي كتب عنها تولستوي لأدركنا أنّها هي نفس المرحلة التي ثار فيها الشيخ شامل، وشاركه كثير من شعوب القفقاس في ثورته، وقد كان مركز تلك الثورة في داغستان، إلاّ أنها كانت منتشرة في كثير من أنحاء القفقاس.
ومن الملاحظات الجديرة بالتسجيل في تلك الرواية أن تولستوي يذكر أنّ المنطقة غنية بالعسل، وبنبات دوار الشمس، كما أنّه ينهي روايته بإيراد اسم أماكن من خلاله الاستدلال على المنطقة التي كانت مسرحاً لأحداث تلك الرواية، فقد جاء في صحفة (136) من الرواية ما ما يلي:
«أَيُشفَى لوكاشكا؟
ـ الله أعلم، ليس في القرية طبيب، وهم يلتمسون ذلك.
ـ وأين يمكن أن يلتمسوا ذلك؟ في غروزنايا؟».
وهنا ينكشف سر مسرح الأحداث ويصبح اضحاً، فإنّ غروزني هي عاصمة جمهورية الشاشان والأنغوش الآن، والقرية المشار إليها في الرواية قريبة منها.
والغريب أنّ هذه الجمهورية ما زالت مشهورة إلى الآن بعسلها الجبلي الصافي الذي يعرض كثير منه على الطرقات للبيع كما يمكن رؤية حقول واسعة كثيرة مزروعة بنبات دوار الشمس.
ويبدو أنّ هذه المنطقة لم يكن قد انتشر فيها الإسلام، لأنّ سكان القرية ـ حسب الرواية ـ كانوا من المسيحيين، لكن هناك إشارات بأنّ بعضهم وبعض جيرانهم كانوا من المسلمين.
وهذا الكلام الوارد في الرواية يتفق مع الكلام الذي سمعناه في غروزني، عاصمة الشاشان والأنغوش، فقد قالوا بأنّ الإسلام لم ينتشر بينهم إلاّ منذ قرنين تقريباً على يد الداغستانيين الأتراك.
لمحة تاريخية
تذكر بعض المصادر التاريخية أنّ مجموعة من الشاشان قد نزحوا عن بلادهم إلى الشام سنة 1905 تقريباً، وتذكر بعض الإحصاءات الرسمية أنّ عددهم في الأردن الآن يقترب من الخمسة آلاف نسمة، كما يوجد بعضهم في منطقة الجولان السورية المحتلة أيضاً.
وهذا النزوح الأوّل في حياة هذا الشعب والشعوب القفقاسية الأُخرى، لقد كان شعب الشاشان شريكاً للشراكسة في هجراتهم ونزوحهم زمن الدولة العباسية التي نازلت دولة اليهود الخزر التي كانت قائمة في منطقة القفقاس، واستولت على أجزاء منها، وقد استطاع بعض الشراكسة ومن بينهم الشاشان كما ذكر لنا السيّد واحة، مسؤول العلاقات الخارجية في نقابات مدينة غروزني، أن يصبحوا حكاماً لمنطقة الشرق العربي في جزء من الفترة التي أطلق عليها «فترة حكم المماليك»، جاء في دائرة المعارف الإسلامية، المجلد السادس ما نصّه:
وچيچن (أو الشاشان) من فروع الشركس كما في قاموس الأعلام لشمس الدين سامي سنة (1872م).
ويضيف السيّد واحة قائلاً: كما أنّنا ـ الشاشان والأنغوش ـ قد شاركنا في الثورات التي قامت في منطقة القفقاس ضد القوى التي تتابعت في احتلال بلادنا، كالفرس والأتراك والروس وغيرهم.
وبسبب هذه الثورات فإنّ كثيراً منّا قد تشتّت ونزح، أو قُضي عليه، وقد أصبحنا جزءاً من الإمبراطورية الروسية بعد القضاء على ثورة الشيخ شامل في منتصف القرن الماضي، وقد تلت ذلك تمرّدات كثيرة، منها تمرّدات وقعت في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ومنها في بداية هذا القرن (سنة 1905م). إلاّ أنّ الأوضاع استقرّت فأصبحنا جزءاً من الإمبراطورية الروسية حتّى قامت الثورة سنة 1917، فأصبحنا جمهورية.
مع رئيس الوزراء
قال لنا رئيس وزراء الجمهورية الشاشانية الأنغوشية السيّد موسى عبد الرحمن كريم عندما قابلناه في العاصمة غروزني: «لقد تأسّست جمهوريتنا ـ أي الجمهورية السوفياتية الاشتراكية الشاشانية الأنغوشية، ذات الاستقلال الذاتي ـ سنة 1922م، وقد احتفلنا بالذكرى الستين لإعلانها سنة 1982م.
ويضيف السيّد رئيس الوزراء قائلاً: إنّ شعبنا ـ في الأساس ـ يتكوّن من فرعين هما الشاشان والأنغوش، أضيف إليهما فرع ثالث، والفرع الأوّل ـ الشاشان ـ هو الأكثر عدداً، إذ يصل عدده إلى ما يزيد على نصف عدد السكان، في حين أنّ الفرع الثاني ـ الأنغوش ـ يصل عدده إلى ربع عدد السكان، أمّا الفرع الثالث فهم مواطنون سوفيات من قوميات أُخرى سوفياتية، ينتمون إلى حوالي 40 قومية، ويمثّلون ربع عدد السكان تقريباً.
بماذا يتفق الشاشان مع الأنغوش وبماذا يختلفون عنهم؟
ـ إنّ لغتنا واحدة، وكذلك عاداتنا وتقاليدنا تقريباً، والاختلاف الوحيد هو في اللهجة، فهناك بعض الاختلافات البسيطة في تقديم بعض الحروف أو تأخيرها في بعض الكلمات.
وعلّقت قائلاً: إنّ الأمر يشبه حالنا ـ نحن العرب ـ من ناحية اللغة، فلغتنا واحدة، لكن لهجاتنا مختلفة.
فقال: أعتقد أنّ الأمر كذلك.
فقلت: ليسمح لي السيّد رئيس الوزراء بذكر بعض المعلومات المتداولة والشائعة التي يقول بعضها بأنّ إعلاناً ثانياً للجمهورية قد تمّ سنة 1957، بعد صدور قرار من الحكومة المركزية السوفياتية بإعادة شعبكم من المنفى الذي كان فيه.
قال رئيس الوزراء باختصار: «إنّ الأمر من أخطاء الماضي، ونحن الآن بصدد تطوير مجمل الخدمات لشعبنا، وتوجهنا وخططنا تركز على خدمات الرفاهية للناس، والإسراع في إنجازها».
وقد ذكر لنا السيّد أصحب الذي أشرنا إليه سابقاً أنّ هناك أخطاء قد حصلت في الفترة الماضية، وبخاصّة زمن ستالين. فسألناه:
ـ ما هي هذه الأخطاء؟
لكن السيّد أصحب لم يشأ الإجابة بإضافة على هذا السؤال، فبقي سؤالنا دون جواب شاف، بيد أنّ رئيس الوزراء مضى يتحدّث عن أمور الحاضر، كالأمية التي تمّ القضاء عليها، والمهارات العديدة التي أصبح يجيدها الناس (فبين كلّ ألف شخص هناك 900 يحملون شهادات متخصصة)، والجامعة وكلياتها العديدة، والمعاهد التقنية التي وصل عدد الطلبة فيها مع طلبة الجامعة إلى 28 ألف طالب، والمطبوعات الكثيرة، والمدارس التي وصل عددها إلى 591 مدرسة متوسطة وثانوية، بالإضافة إلى المعاهد المتخصصة، وواصل حديثه فتكلم عن العلاقات بين العرب والسوفيات، ومشاكل منطقتنا، والحروب القائمة فيها، ثمّ أبدى تمنياته بالوحدة والتقدّم لبلادنا.
لكن جواب السؤال المتعلق بنفي شعب الشاشان والأنغوش بقي معلقاً…
المنفى
قلت للسيّد واحة ـ مرافقنا الأنغوشي ـ بعد انتهاء مقابلتنا مع رئيس الوزراء: ـ «يا واحة»، إنّ المعلومات المتوفرة تفيد بأنّه نتيجة «لتمسّك شعبكم بدينه عمدت السلطات الحاكمة إلى إقصائه إلى مجاهل سيبيريا (هكذا جاء نص المعلومات في كتاب «البلدان الإسلامية والأقليات المسلمة في العالم المعاصر»)، وجاء في الموسوعة الميسرة ما نصّه: «حل الاتحاد السوفياتي جمهورية الشيشان والأنغوش بسبب تعاونها مع الألمان في الحرب العالمية الثانية».
ـ فقال: إنّ ذلك ليس صحيحاً كلّه!.
* فسألت: ما هي الحقيقة إذن كما تعرفها؟
ـ قال: إنّ واقعة النفي صحيحة، لكن ليس إلى سيبيريا فقط، فبعض شعبنا قد نفي إلى جمهورية كازاخستان، وهذا الإجراء اتّخذه ستالين مع بعض الشعوب السوفياتية الأُخرى التي تعاون بعض رجالاتها مع الألمان. لقد احتلّ الألمان كثيراً من أراضينا في الحرب العالمية الثانية، بل لقد وصلوا إلى مشارف غروزني العاصمة، وقصفوها بطائراتهم، فتخاذل بعض الناس، ومنهم بعض رجال الدين، فتعاونوا مع الألمان، فجاء ردّ فعل ستالين بنفي كلّ الشعب، مع أنّ كثيرين منّا كانوا ضمن الجيش السوفياتي، وفي فيالق الأنصار. وكما قال لك السيّد رئيس الوزراء، فإنّ ما تمّ هو خطأ من ضمن أخطاء أُخرى تمّت في الماضي.
* قلت: وما هي الفترة الزمنية التي بقيتم فيها في «منفاكم»؟
ـ فأجاب واحة: إنّ هذه المعلومات صحيحة، لكن المقصود منها كان الدعاية الإعلامية، وإظهار حسن النوايا لكسب الناس، وكلّ ما كان يريده هتلر هو تأمين البترول من بلادنا، لذلك فإنّه أمر بإيقاف قصف آبار بترولنا، على أمل أن يحتلها، لكن هجومه أوقف على بُعد حوالي 100 كيلومتر من غروزني.
* وبعد ذلك ما الذي تمّ… يا واحة؟
ـ انكسر الألمان، وضاعت الدعايات الإعلامية المضلّلة سدى، وعاد شعبنا إلى بلاده، وتمّ الإعلان عن قيام الجمهورية السوفياتية ثانية سنة 1957م.
* لقد دفعتم ثمناً غالياً؟
ـ لقد سقط على مذبح الحرب العالمية الثانية 20 مليون إنسان من جمهوريات الاتحاد السوفياتي، ونالنا نحن نصيبنا من الضحايا والظلم الذي وقع، بيد أنّ المهم هو الحاضر والمستقبل، ووقف الحروب، والبحث عن كلّ ما من شأنه توطيد السلام، ودفع عجلة التقدّم.
النفط الناضب
التقارير العالمية المنشورة عن النفط تشير إلى نقص واضح في الإنتاج من المكامن التقليدية في الاتحاد السوفياتي، ومن بينها مكامنه في جمهورية الشاشان والأنغوش، ولنمتحن هذه المعلومات طرحنا الأمر على خاتشادروف مينا سوفيتش المدير العام لشركة النفط في العاصمة غروزني، فقال: ـ
ـ إنّ شركة النفط في غروزني ومنطقتها من أقدم الشركات في الاتحاد السوفياتي، فقد تأسّست زمن القياصرة سنة 1893م، ومنذ ذلك الزمان البترول هو من أهم الثروات فيها، وبعضه نوع من النفط الخفيف الخاص بالطيران. وقد وصل عدد العاملين في الشركة إلى حوالي 24 ألف عامل وموظف، وكثير من الفنيين العاملين في الشركة استعانت بهم شركات أُخرى في الاتحاد السوفياتي، وساهموا بجهودهم لتطوير الإنتاج في الأماكن الجديدة، كما حصل في جمهورية جورجيا، وفي سيبيريا، وغيرهما، وشركتنا تقدّم كثيراً من الخدمات، من بيوت ودور استجمام ومميزات أُخرى تتعلق بتسهيل الحياة على العاملين فيها.
* هل ما زال الإنتاج كما كان من قبل؟
ـ لقد قلّ الإنتاج عمّا كان عليه من قبل، لأنّنا خلال 90 سنة كنّا نستخرج النفط من عمق يصل إلى 4 آلاف متر ونصف تقريباً. في حين أنّنا بدأنا بالحفر للوصول إلى أعماق تزيد على العمق السابق بألفي متر، لذلك قلّ الإنتاج في منطقتنا. إنّ النفط ثروة ناضبة، يجب أن نعترف بذلك ونعلنه، وكلّما زدنا الضغط في الآبار أمكن أن يتحوّل النفط إلى غاز، ونحن ننتج منه الآن حوالي مليار ونصف مليار متر، في حين أنّ إنتاجنا كان أكثر من ذلك بكثير.
* المعلومات تقول إنّ إنتاجكم وصل في بداية السبعينات إلى 20 مليون طن من النفط سنوياً فما مقدار إنتاجكم في هذه الفترة؟
ـ إنّ إنتاجنا الآن حوالي 5 ملايين طن نفط سنوياً.
* ما الذي تمّ بالنسبة للعاملين في الشركة؟
ـ ما زالوا في أعمالهم، وبعضهم التحق بالشركات العاملة في سيبيريا.
* إذن فنقص الإنتاج في المناطق التقليدية السوفياتية حقيقة صحيحة، فمن أين يعوض الاتحاد السوفياتي هذا النقص؟
ـ من سيبيريا، إنّها بلاد واسعة كبيرة، وعظيمة الإمكانات، فمنطقة واحدة منها هي (سيبيريا الشرقية) ينتج فيها ما يزيد على 360 مليون طن من النفط، وسيبيريا مرحلة طويلة، تحتاج إلى وقت، وإمكانات، ليتم استغلال كلّ الثروات فيها.
* هل يمكن القول إنّه لا توجد أزمة نفط في الاتحاد السوفياتي؟
ـ يمكنك أن تقول ذلك بكلّ ثقة، إنّنا ما زلنا نصدر نفطنا إلى الأسواق الأوروبية الغربية، إضافة إلى أسواق دول أوروبا الشرقية الشقيقة.
الزراعة والمزارع
* تشتهر الجمهورية الشاشانية الأنغوشية بالزراعة، وبخاصّة القمح والذرة والكرمة ونبات دوار الشمس والتفاح وأنواع من الخضار والفواكه الأُخرى، وبما أنّ الأرض ـ كلّ الأرض ـ في الاتحاد السوفياتي ملك للدولة فإنّك ترى مساحات كبيرة وواسعة متخصصة بزراعة نوع واحد من أنواع الحبوب أو الخضار أو الفواكه، بشبكة من المزارع الجماعية التي أقيمت في كلّ البلاد (الكولخوزات والسوفخوزات).
زرنا إحدى المزارع المخصّصة لتربية الحيوانات، وقد صحبنا فيها السيّد أصحب، وقابلنا فيها مدير المزرعة السيّد مراد، وغيره من مسؤولين وإداريين.
قال السيّد مراد: مساحة المزرعة حوالي 22 ألف هكتار، متخصّصة في إنتاج اللحوم والحليب، يعمل فيها 750 عاملاً، وفيها حوالي 5 آلاف من الحيوانات اللبونة، من بينها 1300 بقرة، والعمال لهم بيوتهم في المزرعة، وكلّ الخدمات متوفّرة في المنطقة.
يوجد داخل المزرعة قريتان، فيهما أربع مدارس، ثلاث منها ابتدائية، وواحدة ثانوية، تتّسع لحوالي 750 طالباً، والمدرسة الابتدائية الواحدة تتّسع لحوالي 400 طالب وطالبة، وهناك عدّة روضات للأطفال، تابعة للمزرعة تتّسع الواحدة منها لحوالي 200 طفل وطفلة.
ويصل عدد السكان في المنطقة إلى حوالي عشرة آلاف نسمة، ويتراوح عدد الأطفال في الأسرة ما بين 5 و6 أطفال، وقد تأسّست المزرعة سنة 1957، ونحن نزرع فيها حبوباً وخضاراً وفواكه أيضاً. تبعد المزرعة بضع كيلومترات عن مدينة نزاران، وفي المنطقة مستشفى، وفي كلّ قرية عيادة مع فريق طبي.
* لقد رأينا بعض الظواهر التي نأمل أن نجد تعليقاً عليها لديكم «هكذا علقت».
فقال السيّد مراد: على الرحب والسعة.
* قلت: لقد وجدنا على الطرق، وفي مداخل المدن والقرى بعض الباعة، خاصّة من النسوة الكبار في السن والأولاد والبنات، وهم يبيعون بعض الغلال، كالبندورة والتفاح والإجاص والبطيخ والعسل وغير ذلك، فهل الباعة يبيعون هذه الغلال لحسابهم؟ وكيف تجمّعت لهم هذه الغلال؟
ـ كما تعرف فإنّ الأرض تملكها الدولة، والناس أجراء فيها، لكن هناك استثناءات معينة، إذ يتم منح قطع من الأراضي صغيرة المساحة في خارج المدن لكثير من الناس، لاستغلالها لحسابهم، فيبني الناس فيها بيوتاً، يقصدونها أيام العطل والإجازات، وفي أوقات فراغهم، ويزرعونها بمزروعات مختلفة، نتاج هذه المزروعات يبيعونه لحسابهم الخاص طبعاً. وهناك مساحات صغيرة من الأرض ضمن مساحة البيت في المدن والقرى تتمّ زراعتها، نتاجها يبيعه الناس أيضاً لحسابهم الخاص، كما أنّه يتمّ صرف جزء من أجر العامل من محصول الأرض التي يعمل فيها في بعض الأحيان.
ويمكن القول بأنّ نظام المحاصصة مطبق جزئياً عندنا، أي أنّ العامل الذي يجمع عشرة أكياس من البطاطا يومياً ـ على سبيل المثال ـ يحصل على كيس واحد منها، إضافة إلى راتبه الشهري طبعاً.
كما أنّ العائلات الكثيرة الأطفال تحصل على مساعدات من الدولة، ومنها مساعدات عينية، تلجأ إلى بيع بعضها للحصول على مقابل مادي.
* وكم هو المعدل الوسطي لأجر العامل والفلاح؟
ـ المعاش الشهري للعامل أو الفلاح يصل إلى حوالي 250 روبلاً في الحالات العادية، ويمكن أن يزيد على ذلك، أمّا هذا العميد ـ عميد العمال أي أمهرهم ـ بهاء الدين قدزوييف فهو يحصل على حوالي 400 روبل، بسبب مهارته، ومبادراته التي تأتي في كثير من الأحيان لصالح العمل. وتوجد في المزرعة مدرسة مهنية لزيادة مستوى أداء العاملين، وهي تتبع نظام الدورات، ويدرس فيها بعض عمّال المنطقة وفلاحوها، إضافة إلى غيرهم من مناطق أخرى.
حروف اللغة
قبل الثورة سنة 1917، كان قليل من السكان يقرؤون بالعربية ويكتبون بها، وكانت منتشرة في الأوساط الدينية، وما كان يتم تدريسه لهم لم يتعد بعض الدروس في اللغة والشريعة فقط، لذلك كانت الأمية منتشرة انتشاراً كبيراً في بلادنا. هذا ما قاله لنا السيّد أصحب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في منطقة نزاران.
وأضاف: إنّ لغتنا الخاصّة كانت تكتب بحروف عربية من قبل، لكن الأمر اختلف بعد الثورة، فكتبناها بالحروف اللاتينية في البداية، ثمّ تحوّلنا إلى الروسية.
زائر المرّة الأولى
زائر المرّة الأولى لأي بلد يحاول قدر الإمكان الإلمام بالصورة العامة للبلد الذي يزوره، وبما أنّ زيارتنا لجمهورية (شيشانيا أنغوشيا) كانت الأولى، فإنّنا نسجل بعض الانطباعات العامّة حول بعض ما رأته العيون وسمعته الآذان:
ـ كأي بلد شرقي آخر ضمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي، كان معتنقو الإسلام فيه هم الأكثر بالنسبة للديانات الأُخرى وما زالوا كذلك، فإنّ بعض المظاهر التي لها دلالاتها ما زالت حاضرة، ومنها على سبيل المثال:
ـ تكوينات فنية ذات طابع شرقي وإسلامية على شرفات البيوت والنوافذ، كالتكوينات الهندسية وشكل الهلال، وتكرار هذه التكوينات في عدّة أشكال وعدّة أوضاع.
ـ كتابة الأسماء والآيات القرآنية بالعربية، أو باللغة المحلية ذات الحروف العربية على المقابر ورسم الهلال.
ـ استمرار ارتداء المرأة الشاشانية الأنغوشية غطاء رأسي يغطي رأسها، وبخاصّة النساء الكبيرات في السن، أمّا الصبايا فإنّ معظمهن يضعن منديلاً أو شريطاً على جزء من شعرهن.
وتعرف أنّ هذه الفتاة (شاشانية أنغوشية) في معظم الأحيان ـ من المنديل أو الشريط المتداخل بخصلات شعرها.
ـ بالرغم من أنّ عدد سكان العاصمة غروزني لا يتجاوز ربع مليون نسمة، وأنّ الأغلبية فيها من الشاشان، فإنّك لا تجد فيها مسجداً، بل تجد فيها كنيسة. وعندما سألنا مرافقنا (واحة) أن يفسّر لنا هذا الأمر قال: ـ
ـ إنّ القانون عندنا ـ كما في جميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي ـ([522]) يبيح لعشرين فرداً فأكثر أن يتقدّموا بطلب لبناء مكان عبادة، والصرف ورعاية كلّ شؤونه، فإذا ما وجدت السلطات الرسمية أنّ الطلب جدّي، وأنّ مقدميه يملكون الأهلية المناسبة منحتهم الإذن بذلك، وعلى ما يبدو أنّ هذا الأمر لم يتم في مدينتنا من قبل المؤمنين المسلمين.
علقت قائلاً: لكنّنا رأينا مساجد خارج المدينة في بعض القرى المحاذية للطريق، فهل يمكن إرجاع الأمر إلى أنّ الريفيين ما زالوا متمسكين أكثر من سكان المدينة بالأمور الدينية؟
ـ أجاب واحة: لا أعتقد أنّ الأمر كذلك، وكلّ ما أعرفه أنّه يوجد من يصلي في المدينة أيضاً، لكنّهم يصلّون في بيوتهم.
لم تشف الإجابة غليل الأسئلة في نفسي، فما كان منّي إلاّ أن بحثت عن إجابات مقنعة في الكتب فوجدت أنّ بعض المصادر تقول بأنّ مدينة غروزني (وتعني بالروسية المخيف أو الرهيب) قد بناها الروس عندما احتلوا كلّ منطقة القفقاس، منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، بالقرب من مكامن النفط والغاز، بل وكان الروس فيها أغلبية حتّى سنوات قليلة، ومن الطبيعي إذن وجود الكنائس فيها، وبخاصّة أنّ الدولة القيصرية كانت تتبنّى الديانة المسيحية الأرثوذكسية. وأمّا المسلمون الذين كانوا يدينون بدين يلاقي رعاية أقل إن لم يكن محارباً في زمن القيصيرية فإنّ أغلبيتهم كانت تتمركز في الجبال، وبخاصّة أولئك الذين حملوا السلاح منهم وقاوموا السلطة، وحين قامت السلطة السوفياتية سنة 1917 أبقت على حرية الاعتقاد الديني، لذلك تمّ بناء بعض المساجد في غروزني وغيرها.
إلاّ أنّ ما حصل أثناء الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لمواقف بعض قطاعات الشعب الشاشاني الأنغوشي المؤيد لهتلر، (لا سيما مواقف بعض رجال الدين) دفعت القيادة التي كان على رأسها ستالين لاتخاذ رد فعل عنيف، فأصدرت الأوامر بنفي الشعب كلّه إلى المنافي، فتمّ إهمال المساجد. وهناك محاولات جارية الآن لترميم بعضها وبخاصّة في العاصمة غروزني.
ـ عندما زرنا المستشفى المركزي في مدينة (نازاران) قدم لنا الدكتور كتييف متيم محمد مدير المستشفى معلومات تفصيلية عن دور المستشفى، والأقسام العاملة فيه (28 قسماً)، وعدد العاملين، واختصاصاتهم، ونسبة الأطباء للمرضى (طبيب لكلّ ألف مريض وهي ـ حسب رأيه ـ من أفضل النسب عالمياً)، وذكر ملاحظة أثارت الاهتمام، إذ أنّه نفى وجود مدمنين على المشروبات الكحولية أو المخدرات، وأنّه لا يوجد أي قسم في المستشفى يعالج هذه الحالات، بل أضاف بأنّه لا يوجد مثل ذلك في كلّ مستشفيات الجمهورية. وسألت عن أسباب ذلك، وهل الأمر يتعلق بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطة السوفياتية في كلّ الجمهوريات للحدّ من الإقبال على المشروب فجاء الجواب: «إنّ الأمر في بلادنا يعود إلى ما قبل ذلك بكثير، إذ أنّ المسكرات غير مقبولة، وغير مستساغة حسب التقاليد التي ورثناها عن آبائنا، وأنّ قلّة نادرة من الناس عندنا تحتسي المشروب، إلاّ أنّها تحاول أن تتستر على نفسها، ولا تمارس ذلك علناً».
فعلقت قائلاً: إنّ الأمر لا يخرج عن نطاق الموروث الديني الذي ينهى عن المسكر.
وسمعت تعليقاً يقول: لقد أصبح ذلك جزءاً من تقاليدنا وعاداتنا.
وأردنا أن نمتحن مصداقية معلومات عدم الإقبال على المشروب، فجلسنا في المقهى الرصيفي التابع للفندق الذي كنّا ننزل فيه في مدينة غروزني، وهناك تابعنا الرواد والرائحين والغادين، وكانت حصيلة ما لاحظناه التالي: ـ
من النادر جدّاً أن ترى امرأة تدخن، ومعظم من يدخنون من الرجال (قلّة قليلة جدّاً) وهم من الشبان، وأقل القليل منهم هو الذي يحتسب الخمر، ومن النادر مصادفة السكارى التقليديين بترنحاتهم وأصواتهم العالية وضجيجهم في الطرق الرئيسية.
مسجد غودرمس
تقع مدينة (غودرمس) على بُعد حوالي 50 كيلومتراً من مدينة (غروزني)، وهي مدينة تتربّع في سهل زراعي تجد عند مدخلها عشرات النساء والأولاد والبنات، يبيعون العسل والفواكه والخضار، عدد سكانها حوالي 60 ألف نسمة غالبتيهم من الشاشان، وقصدنا مسجدها الذي تملأ جوانب حيطانه الآيات القرآنية الكريمة المكتوبة بلغة عربية سليمة.
قال إمام المسجد الشيخ أبو بكر عبد الرشيد الذي يتجاوز عمره 75 سنة: إنّ طول المسجد 38 متراً، وعرضه 12 متراً، ومبناه عبارة عن طابق أرضي واحد، يتّسع لحوالي ألف مصل، وقد بني قبل سنة 1917، وكانت فيه مدرسة دينية، أغلقت، وأصبح على من يودّ دراسة علوم الدين أن يلتحق بمدرسة (مير عرب) في مدينة بخارى، ونحن نقوم بتجديد البناء وترميمه بين فترة وأُخرى. وحول صلاة النساء في المسجد قال الشيخ أبو بكر: «إنّ المذهب الشافعي لا يبيح صلاة النساء في المسجد، لذلك فإنّهن يصلين في بيوتهن، وأضاف بأنّ من بين المصلين تجد الشيخ والكهل والشاب».
القلاع والحصون والأبراج
رددت المراجع التاريخية، القديمة منها والحديثة، أسماء عن الاستحكامات الحربية من دون تفرقة بينها، سواء من الناحية اللغوية أو المعمارية أو الحربية، فكثيراً ما نجد المراجع العربية تطلق على عمارة بعينها مرّة اسم (قلعة) ثمّ تعود في فقرة ثانية فتسميها (حصناً) وفي ثالثة تطلق عليها اسم (برج).
وحذت المراجع الأجنبية حذو المصادر العربية فأطلقت على معظم العمائر الحربية لفظ (Fortress) أو (Fort) يندر أن تذكر كلمة (Citadel) على القلعة و(Tower)على البرج أو (Curtain Walls) أو (Walls) على الأسوار الحربية.
وناقشت الدكتورة سعاد ماهر هذه المسميات وخلصت إلى نتائج يمكن من خلالها أن نفرّق بين هذه المسميات والمقصود بها، وذلك على النحو التالي:
ـ الحصن: هو أكبر عمائر الاستحكامات الحربية، وهو كلّ بناء يحيط بمساحة من الأرض ليحميها ويحصنها ضد أي اعتداء من داخل البلاد أو خارجها. ومن ثمّ فإنّ أسوار المدن كانت تعرف في العصور الوسطى باسم الحصون. مثال ذلك أسوار بغداد والقيروان وفاس والمهدية وقرطبة والمدينة المنورة والقاهرة وصنعاء وزبيد والدرعية وغيرها كثير.
وتطوّر استخدام الحصون في العصور الوسطى حتّى بداية العصر الحديث تبعاً لتطوّر النظم العسكرية السياسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، إذ لم يعد الحصن معقلاً فحسب بل أضحى المقر الطبيعي لإقامة الأمير أو الملك أو السلطان وأتباعه، كبغداد عند تأسيسها على يد أبي جعفر المصنور، والقاهرة عند تأسيسها على يد جوهر الصقلي، وقد يكون الحصن المدينة بكاملها كما نرى في مدينة خيوة التي تضم حصنين: أحدهما داخلي والآخر خارجي وظلّت معظم حصون العصور الوسطى. تستخدم كذلك مقار للأمراء والسلاطين حتّى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كما حدث في القاهرة عندما نقل الخديوي إسماعيل مقر الحكم من قلعة الجبل إلى قصر عابدين عام 1874م وهي كانت جزءاً من حصن القاهرة.
* القلعة: القلعة استحكام حربي يبنى في منطقة استراتيجية كالجبل أو التل أو الروابي الصخرية أو على سواحل البحار، ومهمة هذه المباني مقصورة على المراقبة والدفاع ضد أي اعتداء خارجي، ومن ثمّ فهي بالضرورة لا بد وأن تتكوّن من مجموعة من الأبراج والمراقب وما إلى ذلك من المباني الحربية، كما تمتاز القلعة بأنّ ساكنيها من الجند فقط، ولا مجال لإقامة المدنيين فيها.
وعلى ذلك يشتمل الحصن على قلعة أو أكثر، ضمن مبانيه كقلعة دمشق ضمن سور مدينتها وقلعة الجبل ضمن سور القاهرة الذي بناه صلاح الدين الأيوبي، وقلعة بخارى والأخيرة من روائع المنشآت العسكرية القديمة التي شيّدت ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهذه القلعة جدّدت مرّات عدّة آخرها في التاريخ السابق ذكره. ويطلق عليها قلعة (آدك) وكانت مقرّاً رسمياً لأمراء بخارى وخربت مبانيها أثناء حوادث 1920م، ولم يبق الآن منها إلاّ ثلثها تقريباً. وتوجد لها صورة فريدة من القرن الماضي صورها مصوّر مجهول، وهي محفوظة في موسكو في معهد الاستشراق.
أمّا البرج (Towers) فهو عبارة عن بناء حربي مستطيل أو مستدير الشكل يبرز عن الجدار أو الأسوار، ويحتوي البرج على مساقط (Machicoullis) ومراقب (Glacis) ومزاغل (Arrowslits) لرمي السهام، ولذلك فإنّه يتحتّم أن تزوّد أسوار الحصون والقلاع بعدد مناسب من الأبراج ومن ثمّ فإنّ حجمها عادة يكون صغيراً لتعدّدها.
وقد يحدث أن تكتفي بعض القرى أو الثغور الصغيرة بإقامة برج للمراقبة والدفاع المبدئي، وفي هذه الحال فإنّ البرج لا بدّ أن يكن كبيراً حتّى يتّسع لإقامة حامية كبيرة يمكنها صدّ هجمات الأعداء، أو على الأقل تعطيل تقدّمهم حتّى تستعد القلاع والحصون القريبة منها، ولذا كان ابن إياس دقيقاً حينما سمّى التحصين الذي شيّده السلطان قايتباي برشيد بالبرج نظراً إلى صغر حجمه وإلى وجود قلعة في تل أبي مندور إلى الجنوب منه تتولّى حماية المدينة.
ـ الاستحكامات المبكرة: لم يحاول أحد من المؤرخين إلى الآن أن يتتبع تاريخ الاستحكامات الحربية في القرون الأولى للهجرة. لسبب واضح هو أنّ الأكثرية العظمى لهذه الاستحكامات قد بادت، وكانت النتيجة إهمال هذا الجانب الحضاري لتاريخ الحضارة الإسلامية، وقد ركز معظم الباحثين على المدن التي أسّسها المسلمون كمعسكرات لجيوشهم مثل الفسطاط والكوفة والبصرة وغيرها كثير.
وتركّز المصادر التاريخية المبكرة على جهود المسلمين في تحصين بلاد الشام أمام خطر البيزنطيين في القرنين الأوّل والثاني الهجريين، ونستطيع أن نقول إنّ فن التحصين ازدهر على يد العرب، واستطاع الأب بوادبار عن طريق التصوير بالطائرات أن يكشف عن أساسات مطمورة لا يراها الإنسان وهو يمشي فوقها، وكشفت حفائر الرقة عن كثير من المعلومات المهمة في هذا المجال، ولا يزال البحث عن العمارة الحربية الأولى مهملاً إلى الآن إهمالاً تاماً، وأجريت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات الجادة أسفرت عن نتائج توضح صورة لا بأس بها لهذه الاستحكامات، فعندما انتصر المسلمون على الروم في البر انتصاراً ساحقاً حاسماً قدروا خطر نزول العدو الرومي إلى السواحل الشامية تقديراً سليماً، اتخذوا لذلك إجراءات دفاعية كثيرة، منها بناء المناظر ومنها تحصين المدن الساحلية إلى جانب الرباطات الدائمة الجند الغازي وجمع الساحل كله تحت إدارة عسكرية واحدة.
وأقدم الاستحكامات التي أقامها المسلمون على الساحل الشامي هي المناظر، ولفظ المناظر لفظ اصطلاحي حلّ محله اصطلاح جديد في العصر المملوكي وارد في المصادر التاريخية المملوكية وهو لفظ المرقب. ويبدو أنّ أهل الأندلس استعملوا اصطلاحاً ثالثاً هو لفظ «الطلائع».
أمّا من حيث الوظيفة، فيدل سياق الروايات التاريخية الواردة خصوصاً عند البلاذري على أنّ المناظر الحربية عبارة عن أبراج حراسة مبنية في الأماكن العالية المشرفة على البحر ابتغاء رؤية المراكب المعادية، قبل اقترابها من الساحل. والمناظر في الوقت نفسه وسيلة اتصال عن طريق إيقاد النيران بالمناظر الأخرى إيذاناً بقدوم العدو وحلول الخطر. وبسبب هذه الوظيفة نفترض أنّ النيران كانت توقد أعلى الأبراج شأنها في ذلك شأن المنارات بالنسبة إلى الملاحة البحرية، قديماً وحديثاً، وبنيت المناظر الإسلامية على طول الساحل الشامي بأمر صادر من الخليفة عمر بن الخطاب، يحدّد البلاذري عام 18هـ تاريخاً لبنائها، ومن المرجح أنّ المسلمين بنوا مناظر أيضاً على طول الساحل المصري لكثرة تعرّضه لهجمات البيزنطيين من البحر على نحو ما حدث من هجمات على الإسكندرية ونستراوة.
واهتم المسلمون كذلك بالمدن الساحلية، وكان تحصين مدن الساحل ضرورة استراتيجية تقتضيها الظروف السياسية والبشرية واستجاب العرب في هذه الظروف لتلك التحديات الحربية، وتصرّفوا على ثلاثة أوجه:
1 ـ الاحتفاظ بالحصون البيزنطية القائمة والاستفادة بها، مثل تحصينات إنطاكية واللاذقية وطرابلس.
2 ـ إعادة بناء المتهدم من الحصون، وعلى هذا الأساس أعادوا بناء التحصينات في ثماني مدن وهي: (بلدة طرطوس ومرقية، وبانياس، وصيدا وعرقة، وجبيل، وبيروت)*.[*: ذكر8 مدن، لكنه لم يدرج سوى7]
3 ـ بناء حصون جديدة من أوّلها إلى آخرها ومن أبرزها حصن سفيان الذي بنى بين عامي 23 و25هـ، واستمرّ الاهتمام بالاستحكامات في عصر بني أمية، خصوصاً في بلاد الشام التي أصبحت قاعدة لحكمهم، واستمرّت السياسة نفسها في العصر العباسي، ووصلنا من هذا العصر رباط المنستير وكان بناؤه على يد هرثمة بن أعين وبقي من هذا العصر أيضاً قصر الأخيضر وهو يبعد خمسة وعشرين ميلاً غرب كربلاء، وهو عبارة عن سور مستطيل يحيط بالقصر ويحصنه ثمانية وأربعون برجاً، طول أضلاعه 554 قدماً، وارتفاعه 69 قدماً وسمك حائطه تسعة أقدام، وفي كلّ ركن من أركان الحصن الأربعة برج فيه درج، ويتوسط كلّ جدار من جدرانه الأربعة باب كبير، ويرجع بناء الأخيضر إلى ما بين عامي 720/ 800م، ومشيده هو عيسى بن موسى ابن أخي الخليفة السفاح، وخلال العصر الفاطمي شيّد الفاطميون حصوناً عدّة أبرزها مدينة المهدية ثمّ مدينة القاهرة، وجدّدت أسوار القاهرة على يد بدر الجمالي وبقي من أعمال بدر الجمالي لتلك الأسوار قطاعات كبيرة من السور الذي شيّده بالحجر، كما بقيت ثلاثة أبواب لها قيمتها التاريخية والمعمارية وتعدّ من أجمل الأعمال التي أنجزت في تاريخ العمارة الحربية الإسلامية، وهي باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة المعروف عند العامّة باسم «بوابة المتولي» وتمّ بناء تلك الأسوار والأبواب بين عامي 480 و485هـ.
وتتميز تلك الأسوار والأبواب بابتكارات وبدع معمارية غاية في الروعة، منها على سبيل المثال ذلك السلم الحلزوني الضخم الذي يوصل بين أرضية الحصن من الداخل وبين سطح الكتلة البنائية التي تضمّ باب النصر، إذ يلتف ذلك السلم حول عمود قد شيّد بالحجر المتقن النحت والبناء ممّا تتجلّى روعة حقيقية في بناء قبو نصف دائري يعلو قلبات السلم الدائرية. ويصعد مائلاً معها، أي أنّه يتقوّس في اتجاهين ممّا ينتج أسطحاً كروية ممّا يزيد من صعوبة التنفيذ والبناء، ويدل على براعة فائقة ودراية بالهندسة الوصفية.
وهناك بدعة معمارية أخرى تتمثّل في قبو النفق في جوف السور فوق زاوية الانكسار عند تقابله مع مئذنة جامع الحاكم، وهناك بدع معمارية أخرى تبرهن بغير ما شك على دراية المسلمين بعلم الهندسة الوصفية الذي يعدّ من العلوم الصعبة في أيامنا هذه.
ـ الحروب الصليبية وأثرها: لا بدّ عند تناول موضوع القلاع والحصون التي تمّ بناؤها خلال العصور الوسطى من البحث في الأحداث التاريخية التي رافقت هذه المباني ذات الطابع العسكري، إذ انطلقت أربعة جيوش من القوات الصليبية عام 1906م استجابة للنداء الذي أطلقه البابا أربان في مجمع كليرمونت، وتمّ لهذه الجيوش احتلال عدد من المدن الإسلامية المهمّة منها القدس، وبعد استيلائها على مدن الشام الساحلية أصبحت هذه القوات معرّضة لخطر الهجمات التي كانت تقوم بها الجيوش الإسلامية لذلك تحتم عليها اتخاذ مواقع دفاعية، وإنشاء حصون ليتمكنوا من الصمود أمام هجوم المسلمين بالإضافة إلى محاولاتهم عرقلة التجارة عبر الطريق البري بين الشام ومصر، وكذلك عرقلة قوافل الحجاج، وهكذا قام بلدوين الأوّل خلال الأعوام ما بين 1115ـ1116م، بإنشاء قلاع الشوبك (مونتريال) في معان، وأيلة على جزيرة جراي في خليج العقبة، وقلعتي الوعيرة والحبيس في وادي موسى، ثمّ بنيت قلعة الكرك عام 1142م.
عندها كان لا بدّ للمسلمين من القيام بحركة مماثلة للردّ على هذه السلسلة من الحصون والقلاع، فقام عزّ الدين أسامة أحد أمراء صلاح الدين الأيوبي ببناء قلعة الربض (عجلون)، وكان غرض السلطان من تشييد الربض حرمان الأمير أرناط الصليبي من وضع يده على إقليم شرق الأردن الشمالي، وجعله تحت إشراف جند دمشق، وفي الوقت نفسه لاجتناب قلاقل بني عوف سكان الإقليم ضده وكان عز الدين أسامة سجن مشايخهم في الربض بعد انتهائه منها وبنيت كذلك قلعة جزيرة فرعون.
كانت هناك أربعة متطلبات أساسية لا بدّ من وجود أحدها أو وجودها مجتمعة في أي بناء صليبي ذي طبيعة عسكرية وهي:
1 ـ حصن منيع يسهل الدفاع عنه نظراً لنقص القوى البشرية.
2 ـ أن يمتاز الحصن بموقع يمكن رؤيته من بقية الحصون لتسهيل عملية إيصال وتبادل الرسائل.
3 ـ أن يمتاز بجدران مرتفعة وسميكة لتصمد في وجه أي هجوم مباشر مع العلم بأنّ إمكانية القيام بإصلاحات دورية دائمة كانت غير واردة لنقص القوى البشرية كما ذكر سابقاً.
4 ـ توفّر مساحة كبيرة نسبياً داخل البناء خلف الأسوار يمكن اللجوء إليها من قبل الصليبيين القريبين من التحصين مع إمكانية حمايتها أو الدفاع عنها بسهولة.
ويمكننا تمييز ثلاث مدارس رئيسة ظهرت في العمائر ذات الطابع العسكري خلال الحروب الصليبية:
1 ـ المدرسة الفرنسية التي نشأت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر كقلعتي حصن الفرسان وطرطوس وتتميز بقلاعها المقامة على المرتفعات في مواقع منعزلة تحيط بها أسوار تتبع التضاريس الطبيعية للموقع، أمّا الجانب الأقل تحصيناً من القلعة فكانت تتركّز فيه قوى الدفاع الرئيسة، وقد استخدمت الأبراج المستديرة في هذه المدن.
2 ـ المدرسة أو الطراز المتأثّر بالأسلوب البيزنطي وتظهر فيها الملامح الخاصّة بالقلاع الكلاسيكية التي تأثّر العرب بدورهم فيها، يتميز هذا الطراز بالجدران ذات القطع الحاد أو الملساء، الأمر الذي يغني عن تدعيم الجدران بالإضافة إلى استعمال الأبراج المربعة قد تميزت القلاع ذات الطراز البيزنطي بأنّها تتبع المخطط التالي: وجود فناء داخلي محاط بجدار تقوم في جوانبه الأربعة أبراج ويليه حائط أمامي داخلي أقل ارتفاعاً من السور الخارجي يحيط بهذا البناء كلّه خندق عميق كان يملأ أحياناً بالماء ويتمثّل هذا الطراز في قلعتي الوعيرةو الحبيس.
3 ـ الطراز الذي يجمع بين مزايا المدرسة الفرنسية والمظاهر المعمارية الشرقية السابق ذكرها، أي الاسلوب المزدوج، ويتمثّل في قلاع الكرك والشوبك ومونتريال، وممّا يجدر ذكره أنّ الاستراتيجية العسكرية الصليبية كانت تحتم بناء مواقع ثانوية للحراسة أو للسيطرة على الأماكن ذات المواقع المهمة التي لا يمكن السيطرة عليها أو إدارتها مباشرة من مركز المقاطعة الرئيسي، ولهذا الغرض استخدموا قمم الجبال ومخاضات الأنهار وكلّ ما توافر لهم من وسائل الاتصال ليضمنوا السيطرة على الأرض التي استولوا عليها، ومن هذه القلاع أو المراكز الثانوية قلعة الحبيس التي كانت بمثابة خط دفاع أولي عن قلعة الوعيرة القريبة منها.
وهكذا وبعد انتهاء الحروب الصليبية كانت الحصيلة التي خرج بها الصليبيون فيما يتعلق بالعمارة العسكرية تتضمن النقاط التالية:
1 ـ وجوب إقامة خط دفاع ثان ضمن الساحة أو الباحة الرئيسية الداخلية للقلعة.
2 ـ وجوب بناء برج محصن أو خزنة تكون هي خط الدفاع والملجأ الأخير في حالة الهجوم.
3 ـ وجوب وجود أبراج بارزة مستديرة أو مربعة الشكل تتخلل الأسوار الخارجية ومن هنا يتضح أنّ الصليبيين جاؤوا إلى هذه البلاد حاملين معهم مفاهيم خاصّة معينة بيزنطية ونورماندية وفرنسية ـ في ما يتعلق بالعمارة العسكرية. ومن ثمّ خرجوا متأثّرين بما في هذه البلاد من مفاهيم معمارية حربية، ولعل أكثر المفاهيم التي تأثّرت بها العمارة الحربية في أوروبا، بعد الحروب الصليبية أيضاً، المدخل المنكسر أو عنصر الباشورة الذي رأيناه للمرّة الأولى في تحصينات مدينة بغداد، وما زال يوجد له مثل قائم في أسوار صلاح الدين في القاهرة سجلته الحملة الفرنسية باسم الباب الجديد وكان يوصل إلى الباب قنطرة متحرّكة فوق الخندق المحيط بالقاهرة وله أمثلة في الغرب الإسلامي.
ومن أجلّ أمثلة الباشورة المدخل الذي زودت به قلعة حلب، وذلك لما يمتاز به في كثرة عدد المنعطفات فيه إذ تبلغ نحو ستة منعطفات وهي كثرة تزيد من مناعة التعويق عن المرور بسهولة من خلالها بما تجعل المهاجمين يتعرّضون له من ضرب بالسهام والحراب في أثناء مرورهم بتلك المنعطفات، فضلاً عن المنحدر القاسي الذي يتقدّم المدخل والذي تحمله القناطر المشيدة فوق الخندق المحيط بالقلعة.
ومن هذه المفاهيم أيضاً السقاطات (Machicolation) وهي عبارة عن قوائم يتقارب بعضها من بعض وتحمل فوقها حواجز بارزة وبين كلّ دعامتين فتحة مقفولة بباب مستور يمكن أن تصوب السهام منه إلى رؤوس المحاربين الذين يحاولون أن يحفروا تحت الجدران، كما يمكن أن يصب على رؤوسهم الزيت أو ماء الغليان أو غير ذلك من المواد المؤذية.
خالد عزب
القلاع والحصون
في شرق الجزيرة العربية
يسود وهم كبير حول نشأة القلاع والحصون في منطقة الخليج، حاصله أن البرتغاليين هم أول من أشاد القلاع في الخليج، حتى رأينا باحثاً من أجَلِّ بحاثتنا، وهو علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله يأخذ به عند كلامه على قلعة تاروت، حيث قال: (وتعتبر جزيرة تاروت من أهم الثغور البحرية لبلاد القطيف، فكانت في العهود القديمة ذات ميناء ترسو فيه السفن من موانئ الخليج، ومن بحر العرب، ومن موانئ الهند، وقيد شيد فيها البرتغاليون قلعة عظيمة).
وقولي بأنه أخذ بهذا التصور الشائع يستند إلى عدم الإشارة لمرجعه خلافا لما عهد منه، ويحسن قبل أن نوغل في الحديث عن القلاع التنبيه إلى أن إنشاء قلعة تاروت سبق مجيء البرتغاليين إلى الخليج بما يقرب من ثلاثة قرون، فالبرتغاليون لم يظهروا في الخليج في سنة 913هـ 1507م في حين يرد ذكر قلعة تاروت منذ استيلاء ملك قيس الأتابك أبي بكر السلغري علبها في سنة 641هـ، وقتل أكبر شيوخ بني عامر فيها وهو أبو عاصم بن سرحان.
وما يبين لنا، بوضوح، سيطرة هذا الوهم على أذهان الناس حتى النخبة المثقفة منهم؛ أن ينتهز أديب كبير هو الأستاذ تقي البحارنة فرصة زيارته عاصمة البرتغال لشبونة كي يبادر للبحث عن الخرائط الأصلية لقلعة البحرين المعروفة باسم (القلعة البرتغالية)، معتقداً أنه ما دام البرتغاليون هم الذين شيدوا تلك القلعة فمن المؤكد أنهم أعدوا لها خريطة.
ولكي نتحقق من رسوخ هذا الإعتقاد عنده ننقل ما قاله بهذا الصدد حرفياً: (وتساءلت، فيما بيني وبين نفسي، لو أن (مكرم) هذا نجح في صد الغزاة البرتغاليين لكان قد حال بينهم وبين احتلال البحرين وبناء القلعة، وبالتالي قد حال بينهم وبين انتهاب الثروات واختزانها بين جدران القلعة. ولكن البحرين كانت ستفتقد ـ مع ذلك ـ أحد المعالم التاريخية المهمة التي تجتذب إليها السائحين، وتثير فضول العلماء والمنقبين….)، وفي مكان آخر يقول: (ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت المدير العام للدار ينهي إليَّ بنبرات من الأسف أنه لم يوفق ـ رغم ما بذله من جهد ـ للعثور على الملف الذي يحتوي على المخطط الأصلي لقلعة البرتغال في البحرين…).
قلاع الخليج أقدم من قلاع أوروبا
قد يكون غريباً أن نعلم بأن أوروبا لم تعرف هذا النوع من التحصينات الحربية إلا في القرن العاشر الميلادي، أواخر القرن الرابع الهجري، على يد القائد النورماندي وليم الفاتح، على الرغم مما يقال عن القلاع الرومانية التي ظهرت بين القرن الثاني والخامس الميلادي، فتلك المسماة قلاعاً لم تكن في الحقيقة سوى أبراج خشبية تقام على الروابي والمرتفعات لرمي السهام والحراسة، ولم يجرِ الأوربيون أيَّ تغيير عليها إلا بعد الحروب الصليبية، مما يشير بوضوح إلى مدى استفادة الأوربيين من خبرات العرب في مجال الدفاعات الحربية، في حين عُرفت القلاع في الشرق منذ إنشاء سور الصين العظيم في القرن الثالث للميلاد ولست هنا بصدد التأريخ لنشأة القلاع، لكن ثمة إشارات لا بدَّ من الإلمام بها عند الحديث عن القلاع الحربية في شرق الجزيرة العربية، فمن المعروف أن مدينة خيبر، حين غزاها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) في السنة السابعة للهجرة (629م)، كان بها حصون عدة، وقصة اقتحام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأكبر حصونها واقتلاع بوابته هي من أشهر قصص الفتوحات الإسلامية.
ولربما عدّ هذا أول ذكر للقلاع في العصر الإسلامي، ثم يتوالى ذكرها بعد ذلك، فتذكر قلعة الحدث شمال الشام حيث فتحت على يد حبيب بن مسلمة الفهري في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعدها تذكر جملة من القلاع والحصون ذكر منها المقدسي البشاري (ت 375هـ) في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ثمانية عشر حصناً في جزيرة العرب غير ما أغفل ذكره منها كحصون البحرين، ومنها جواثا، ويرد ذكره في حرب ما سمي برِدَّة أهل البحرين ومنها ما أجمله إجمالاً كحصون اليمامة، إذ أجمل حصونها بعبارة: (اليمامة ناحية قصبتها الحجر، بلد كبير جيد التمور، يحيط به حصون ومدن منها الفلَج).
ثم يأتي ناصر خسرو، وهو معاصر للمقدسي، فينبئنا بأنه شاهد سنة 443هـ/1051م في فلج وحدها: (أربع عشرة قلعة للصوص والمفسدين والجهلة)… تحتل رقعة من الأرض لا تزيد على: (نصف فرسخ في ميل عرضاً…) كما شاهد باليمامة (حصناً كبيراً قديماً…) أما قلعة الأحساء وأسوارها الأربعة فهي من الشهرة والأهمية بحيث أنه بدأ بها عند وصفه للأحساء وهذا ما قاله بالنص: (إن الحسا مدينة تحاط هي و توابعها بسور، و لها أربعة بروج مشيدة، و ما بين كل سور وآخر مسافة فرسخ).
وإذا راجعنا القلاع والحصون في عهد ياقوت الحموي (ت 626هـ/ 1228م) فسنجد أن كثيراً منها كان قائماً في البلاد العربية، ومنها شرق وجنوب الجزيرة العربية، وإن شئنا الدقة فسنجد أن بعض القلاع كان موجوداً في الخليج قبل ياقوت بزمن ليس بالقصير، كقلعة القطيف، والزارة؛ فقد كانتا موجودتين منذ القرن الثالث الهجري.
هذا هو حال القلاع في بعض البلاد الإسلامية، غير أن ما يهمنا هنا القلاع التي كانت قائمة في الخليج عند وصول البرتغاليين إليه، من هنا يصبح من المفيد أن نلم بإيجاز بما ذكره الغربيون عن القلاع في الخليج قبل وصول البرتغاليين إليه:
ـ أرنولد ويلسون عن الطبري: (كان في أيام أردشير ـ أوائل القرن الثالث الميلادي ـ في البحرين ملك يدعى ساتيرون Satiron أحاط نفسه بقلعة حصينة، وقد أرسل أردشير ـ جرياً على عادته في فتح البلاد المحيطة بفارس ـ جيشاً إلى البحرين، وبعد حصار دام سنة؛ استولى الملك الفارسي على القلعة، وقبض على الكنز، وعاد إلى فارس بعد أن ترك ابنه سابور الأول نائباً عنه. ص: 159).
ـ أرنولد ويلسون يصف الأحساء نقلاً عن ناصر خسرو سنة 1051م: (وكانت في الأصل قلعة في البحرين ليست بعيدة عن هجر العاصمة القديمة للمقاطعة…. واسم الأحساء ينطبق على المدينة والضواحي والمنطقة حولها والقلعة، ويحيط بها أربعة أسوار متحدة المركز بنيت بإحكام من الطين، والواحد منها مفصول عن الآخر بمسافة فرسخ. ص: 162). وينبغي التنبيه هنا إلى أن ترجمة ويلسون والخشاب لعبارات خسرو توحيان بأن لقلعة الحسا أربعة أسوار مفصولة عن بعضها البعض، لكن الأمر ليس كذلك على ما يبدو. ففي الأصل الفارسي الذي أسلفناه أن: (الحسا مدينة تحاط هي و توابعها بسور و لها أربعة بروج مشيدة، و ما بين كل سور وآخر مسافة فرسخ…)، وهذا هو الأقرب إلى التصور.
ـ أرنولد ويلسون عن أبي الفداء: (وفي القطيف على الساحل توجد أشجار نخيل، ولكنها أقلُّ عدداً من الأحساء، كما أن هناك أماكن يغوص فيها الرجال على اللؤلؤ، وقد أخبره أحد أبناء القطيف بأن للمدينة سوراً وبوابات أربع، وخندقاً، وفي حالة المد العالي يلامس البحر السور. ص: 167).
ـ أرنولد ويلسون نقلاً عن الإدريسي: (قيس مربعة الشكل، ولها مدينة يقال لها قيس أيضاً احتلها أحد حكام اليمن، وقد حصنها وملأها بالسكان، وزودها بالأسطول. ص: 182).
ـ أرنولد ويلسون عن القزويني ـ توفي 1275 م ـ (إن المدينة قيس كانت ذات مظهر مفرح، وكان فيها قلعة وعدة بوابات وبساتين. ص: 185).
ـ أرنولد ويلسون ينقل وصف هرمز عن الأب أودريك Friar Odoric 1330 م: (كانت مدينة محصنة تحصيناً قوياً، وتشمل مخازن ثمينة. تبعد خمسة أميال عن البر الأصلي. ص: 191).
ـ أرنولد ويلسون: (وبعد تدمير مسقط أقلع البرتغاليون نحو صحار التي كانت لها آنذاك قلعة كبيرة تحتاج إلى أكثر من ألف شخص للدفاع عنها. ص: 207).
أما س. ب. مايلز Samuel Perret,Miles فيشير إلى وجود القلاع في الخليج قبل وصول البرتغاليين بزمن بعيد. ففي حديثه عن هجوم القائد البرتغالي داكونها على سوقطرة في أول ظهور للبرتغاليين في الخليج سنة 1507م يقول: (ولهذا عمد القائد البرتغالي إلى قصف حامية البلدة، وتمكن في النهاية من احتلالها رغم المقاومة العنيفة التي أبداها المهرة، وقد قام البرتغاليون بإعادة بناء القلعة، وأطلقوا عليها إسم السنت ـ القديس ـ توماس، وعين دوترونا قائداً على الحامية). ص: 169.
وعن وصول القائد الأعلى للبرتغاليين إلى عدن يقول: (غير أن البوكيرك كان لا يجهل بأن الأسطول الذي تحت تصرفه لا يسمح له بالإستيلاء على قلعة عدن الحصينة، ولهذا آثر أن يخرج على الأوامر التي صدرت إليه. ص: 170).
ولعله ليس من الإنصاف أن لا نتيح الفرصة للبرتغاليين في ختام هذه الفقرة للإدلاء بشهادتهم في هذه القضية، فلنقتبس من أحد قادتهم برنالدين دو سوزا من رسالة بعثها إلى ملك البرتغال سنة 1545 م جاء فيها: (أخبرني لوبوش فلكاو أنه منذ ست سنوات انتزع ملك الأحساء الشيخ (Mana) من مملكة هرمز قلعة ومدينة القطيف، وأنه منذ ذلك التاريخ وملك هرمز ووزيره يطلبان من القباطنة السابقين، وكذا منه، أن يمدوه بالعون اللازم لاسترجاعها، وذلك طبقاً لما نحن ملزمون به بشأن كل الحصون التابعة لمملكة هرمز، وليس فقط هذا الحصن الذي استولينا له عليه في عهدنا هذا). وفي نفس الرسالة يصف الكيفية التي استولى بها على قلعة القطيف فيقول: (وبما أن اليابسة أضحت آمنة فإننا أنزلنا المدفعية التي شرعت فور ذلك في قذف الأسوار في قسم لم يكن يتوفر على خندق، وهكذا قصَفنا خلال أربعة أيام، أي أكثر ما يمكن للمدفعية أن تتحمله، وبما أننا لم نتمكن إلا من إسقاط قسم منه على علو يسمح باستعمال السلالم؛ فإنني قررت اقتحام المدينة قبل إسقاط قسم أكبر لمناعة تلك الأسوار).
هذه حقيقة القلاع في المنطقة، فأين هو دور البرتغاليين في بنائها؟ صحيح أنهم بنو بعضها في المواقع التي احتلوها أو رمموها، لكنهم ليسوا أول من ابتكر بناءها.
عدنان العوامي
القلاع والحصون
في جبل عامل
قلعة أبي الحسن
في معجم البلدان: «قلعة عظيمة ساحليّة قرب صيدا بالشّام فتحها يوسف بن أيوب وأقطعها ميموناً القصري مدّة ولغيره» (انتهى).
ويظنّ أنّهما المسمّاة اليوم قلعة ميس. وفي القاموس:
«قلعة أبي الحسن قرب صيداء».
وفي تاج العروس:
«بساحل الشام وهي المعروفة بقلعة ألْمُوت واسمها تاريخ عمارتها وهي سنة 577 عمّرها أبو حسن محمّد بن الحسين بن نزار بن الحاكم بأمر الله العبيدي صاحب الدّعوة الإسماعيليّة وله بها عقب منتشر» (انتهى).
وفيه:
أوّلاً: إنّ قلعة ألْمُوت بفتح الهمزة وسكون اللام وضمّ الميم هي غيرها وليست ببلاد الشّام. ثانياً: إنّ قلعة ألْمُوت تبلغ حروفها بحساب الجمل 682 و(ألْمُوت) وحدها تبلغ حروفها 477 ولعلّه هو الصّواب ووقع اشتباه بإبدال أربعمائة بخمسمائة والله أعلم.
قلعة مارون
بضمّ الرّاء، في ساحل صور قلعة قديمة هي اليوم خراب وفيها بيوت مسكونة وحواصل مياه كثيرة. فيها شيء كثير من أبنية أمراء جبل عامل. جدّد بناءها الشّيخ عبّاس العلي وكان على عتبة بابها هذا التّاريخ:
عوّذوها إن فيها
للعدى داء مغيظا
جنّة والنّار فيها
تحرق الفظّ الغليظا
شادها عبّاس حصناً
للعدى زادت حظوظا
فهي دار الخلد أرّخ
وكفى الله حفيظا
قلعة مَيْس
بفتح الميم في ناحية الشّقيف: خراب رايتها مرّة وهي مزرب للماعز وهي قلعة أبي الحسن فيما يُظنّ.
قلعة هونين
مشرفة على الحولة، لها ذكر في الحروب الصّليبيّة ولها خندق عميق محفور في الصّخر ولها أخبار كثيرة ويأتي حديث عنها. وقد رأيتها وهي مزرب للماعز ودور الأمراء العامليّين قِبْليُّها خراب دارسة. وقال شيخ الرّبوة:
«وقلعة هونين وهي على حجر واحد ولها أعمال».
قلعة هونين بهاء مضمومة وواو ساكنة ونون مكسورة ومثنّاة تحتيّة ونون، قرية على أواخر جبل عامل من جهة الشّرق على جبل وفوقها جبل ينسب إليها ويقابلها من الشّرق جبل بانياس ذكرها ابن جبير في رحلته وكانت إحدى قواعد الحكم في جبل عامل، وأُلحقت بعد الحرب العالمية الأولى بفلسطين، فيها قلعة قديمة كان بها بعض ملوك الصّليبيّين، لها ذكر في الفتوح والحروب الصّليبيّة وحولها خندق جلّه منحوت في الصّخر. ومرّ عن صبح الأعشى أنّها بنيت بعد الخمسمائة.
ويظهر أنّه لم يكن فيها سابقاً غير الحصن وأنّ القرية حادثة. وجدّد تعمير قلعة هونين حكّام تلك البلاد من أمراء الشّيعة ولا يعرف لها ربض. سكنها من آل عليّ الصّغير قبلان الحسن وذلك في عهد ناصيف النّصّار، وله فيها آثار وعمارات محكمة منها الجامع وقد كتب عليه هذا التاريخ:
ومسجد فاز ببنيانه
ذو الفضل قبلان حليف النّدى
كيف وقد قال لنا جعفر
والقول حق من بنى مسجدا
مذ أمّه النّاس وصلّوا به
أرّخت خرّوا ركّعاً سجّدا
قلعة تبنين
تبنين بالمثنّاة الفوقيّة المكسورة والباء الموحّدة السّاكنة والنّون المكسورة والمثنّاة التحتية الساكنة والنون. في صبح الأعشى عند ذكر أعمال صفد:
«الرابع عمل تبنين وهونين في مسالك الأبصار: هما حصنان بنيا بعد الخمسمائة بين صور وبانياس بجبل عاملة وأهل هذا العمل شيعة رافضة» (انتهى).
ولها ربض في غربيّها يسمّى الحصن، وفيها قلعة كبيرة على رأس جبل عال تشرف من الجهات الأربع على بلاد جبل عامل السّاحليّة والجبليّة وأعمال صفد ولبنان والجولان ووادي التّيم، ويصعد إليها بدرج عريض يصعده الفارس والراجل. ولها ربض على جبل يقابلها من الغرب يسمّى الحصن وخندق يحيط بها، ولها ذكر في الفتوح الإسلاميّة والحروب الصليبيّة وغيرها. يُقال إنّ الذي بناها هيوسنت أو هوك سن أومر سنة 501هـ ـ 1107م وسمّاها طورون واتّخذها معقلاً لغزو صور وما يليها فإن صحّ هذا فهي من بناء الصّليبيين. وفيها آبار كثيرة عادية تكفي لشرب أهلها وقت الحصار مهما طال ولشربهم في غير وقت الحصار حتّى أنّ فيها بئراً في ضمن بئر. وتحتها في السّهل من جهة الشّرق خان قديم كان محلاًّ لتعشير البضائع في زمن الصّليبيّين، وقال ابن جبير في رحلته التي ابتدأت سنة 578 وانتهت سنة 581:
«وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الإفرنج يعرف بتبنين وهو موضع تمكيس القوافل وصاحبته تعرف بالملكة هي أم الملك صاحب عكّا فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن وذلك سنة 581 (انتهى).
وتعاقبت عليها أيدي التعمير والتدمير، وأصبحت خراباً في عهد الشّيخ ناصيف بن نصّار شيخ مشايخ جبل عامل في المائة الحادية عشرة فعمّرها كما كانت عليه. كما عمّر غيره من مشايخ جبل عامل سائر القلاع. وسكنها ناصيف هو وأخوه محمود المعروف بأبي حمد.
وفيها برج من جهة الغرب ينسب إلى أبي حمد إلى اليوم لأنّه هو الذي عمّره، وهو البناء الغربي الذي في جانبيه الشمالي والجنوبي تدوير أقلّ من باقي الأبراج. ثمّ زاد في تعميرها حمد البيك ابن أبي حمد هذا، ثمّ زاد في بنائها علي بك الأسعد لمّا ولي بعد حمد البيك فبنى علي بيك في أعاليها من جهة الغرب دوراً شاهقة وأواوين لطيفة بديعة. وقد رأيت تلك الدّور وصعدت إلى أعلاها فكان لها منظر رائع ثمّ آل أمرها إلى الخراب ولم يبق لها أثر. ونقل مصطفى بك القنواتي الدمشقي قائمقام صور جملة من أعمدة الرّخام التي فيها إلى سراي الحكومة في صور حتّى أنّه نقل بعض أحجار الجامع وذلك في عصرنا. وبنى علي بك فيها حمّاماً رأيته عامراً وتوفّي عند تمامه فلم يدخله. وكان فيها جامع معظّم لا أدري أهو من بناء ناصيف أو غيره. وبنى علي بك فيها دوراً جميلة من جهة الشمال لحسين بك ابن سلمان بك حين جاءه مغاضباً لأخيه تامر بك حاكم بنت جبيل، دخلتها ورأيتها في زمن الصّبا وكان على سقوفها أشعار وتواريخ بخطوط جميلة وقد غابت عن حفظي وأسفت على عدم كتابتها. وعلى جدرانها وسقوفها نقوش بديعة وقد هدمت بعد الاحتلال الإفرنسي وأخذت أنقاضها. ورأيت في القلعة مكان مطبخ علي بك، ولا يشبهه إلاّ مطابخ الملوك، وأماكن مواقده تسع قدورٍ تكفي جيشاً عرمرماً. بقي علي بك في هذه القلعة إلى سنة 1282هـ ثمّ قبض عليه وأرسل إلى دمشق فتوفّي فيها ثمّ عيّنت فيها الحكومة العثمانيّة مديراً واستمرّت كذلك إلى أوّل الاحتلال بعد الحرب العظمى الأولى فخرب ما فيها من البناء ولم يبق فيها سوى العقود والأبراج التي لا يمكن تخريبها وأخذت النّاس أنقاضها من حجارة وغيرها وعادت إلى شبه حالتها الأولى من الخراب وهجرت.
قلعة الشقيف([523]*)
الشقيف في عرف العامليين اليوم الجبل الصغير من الحجارة الصلدة أو الحجر العظيم. والشّقيف اسم لجبل عال عليه قلعة من أعظم القلاع التي في جبل عامل ولعلوّها تبدو للرّائي من أمكنة بعيدة ولها ربض من غربيّها وإليه تنسب، فيقال قلعة الشّقيف، وقد تسمّى نفس القلعة بالشّقيف. ويُقال إنّها مبنيّة على صخر في الجبل وضع أساسها عليه بعدما حفر فيه أمكنة كثيرة وبنيت حيطانها فوق حيطان تلك الأمكنة فمكان القلعة محفور كلّه في الصخر. وقد حفر في غربيّها خارجاً عنها آبار لجمع ماء المطر فيها وسترت من خارج القلعة وجعل لها أبواب من داخل القلعة ينزل منها على درج إلى الماء ليُستسقى منها وقت الحصاد. وكانت مقرّ الأمراء الصعبيّة العامليين ولها خندق عميق يجري من شرقيّها نهر الليطاني على مهوى سحيق يسمّى المزحلق. والقول بأنّ لها طريقاً إلى النّهر من شرقيّها في نفق تحت الأرض ليس بصحيح. نعم كان لها باب صغير من تلك الجهة يسمّى باب السرّ، والعامليّون يسمّون الباب الصغير الذي يكون للبيت غير بابه الكبير باب السرّ بكسر السّين. ولها ذكر في الحروب الصليبية وأخبار كثيرة. ولمّا هاجم الجزّار جبل عامل كان فيها الشّيخ حيدر الفارس من الأمراء الصعبيّة فحاصره عسكر الجزّار شهرين ثمّ دخلها بالأمان، فقتل جميع من فيها غدراً. وتحت الجبل الذي عليه القلعة من الشمال قرية أرنون وإليها ينسب فيقال شقيف أرنون.
وفي كتاب مجمع المسرات:
«قلعة أرنون أو قلعة الشّقيف، هذه القلعة اسمها الشّقيف وبها سمّي كلّ الإقليم وتسميتها بقلعة أرنون آتية من اسم قرية بجانبها. وهي موجودة على ارتفاع عمودي غربي نهر الليطاني بحيث لا يمكن الصعود إليها من تلك الجهة وارتفاعها عن النهر نحو ثلاثمائة متر كحائط واحد وتنظر من مسافات بعيدة وهي مبنيّة بحجارة ضخمة جدّاً وفيها منازل للسّكنى وآبار للمياه وتعلو عن النبطية قدر مائتي متر ولا يمكن الوصول إلهيا إلاّ من الجهة الغربية بصعود عظيم عسير المسلك بناها الصليبيون وفيها بناء فينيقيّ قديم. وفيها توفي الشيخ جنبلاط جدّ العائلة الجنبلاطيّة في لبنان الذي أرسله الأمير فخر الدين المعني للمحافظة عليها مع أربعين من الفرسان وقد استولى عليها شيخ الجبل رئيس الإسماعيليّة مدّة من الزمن» (انتهى).
وقال الشاعر العاملي إبراهيم الحاريصي المتوفى سنة 1185هـ مادحاً الأمير علي الفارس الصعبي وواصفاً مقرّه (قلعة الشقيف) مشيراً إلى بعض معاركه من قصيدة:
اربط الفرسان جاشا إن سطا
ما ابن قيس عنده ما ذو الخمار
كم تلقى لليالي حادثا
أنسيتم يوم من (تبنين) غار
فوق طرف ذي نشاط أمّه
من بنات الريح مأمون العثار
وبيمناه صقيل مرهف
في طلى أقرانه ماضي الغرار
أخذته هزة صعبية
غيرة منه على تلك الديار
ابصر «الدولاب» منه وقفة
يومه في جنح ليل من غبار
والمذاكي بالرواسي أقبلت
شزباً تعدو وللأقوام ثار
والقضا ألقى مجانيق الردى
للفريقين وما نادى حذار
والعلا بالنفس في سوق الوغى
سلعة ليس لشاريها خيار
إلى أن قال في وصف قلعة الشقيف:
ما الشقيف الصلد إلاّ جنة
ولنا قصر بأعلاه استنار
ليس يدنو منه في عظم البنا
قصر غمدان ولا عظم الجدار
تنظر المرآة فيه فترى
فوقك النهر تراءى بانحدار
ما رأينا قيل هذا جدولاً
فوق قصر شامخ في الجو طار
لا ولا قصر كهذا أنّه
فلك يزهو ولكن لا يدار
زينة الدنيا على أرجائه
تزدهي في كلّ نحو كالفنار
نقشها مؤتلف مختلف
في ابيضاض واحمرار واخضرار
شامخ يأوي إليه أسد
ذو افتراس واقتناص وابتدار
قلعة دوبيه
دوبيه بدال مهملة مضمومة وواو ساكنة وباء موحّدة مفتوحة ومثنّاة تحتيّة ساكنة وهاء، قلعة قديمة لها خندق وفيها لوازم الحصار يحيط بها واد من جهاتها الثلاث عدا الجنوبيّة، لها ربض من غربها يسمّى الزّنار. جدّدها آل علي الصغير في عهد ناصيف بن نصّار وسكنوها، وبناؤهم فيها ظاهر مفترق عن بنائها الأصلي. ومن أرضها قطعة تسمّى مرج السّت إلى اليوم، كانت مزدرعاً لإحدى نسائهم. وممّن جدّد بناءها الشيخ ظاهر بن نصّار النضّار ابن أخي ناصيف من آل علي الصغير، ولمّا أتمّ بناءها وصعد إلى أعلاها ليشرف على مناظرها سقط إلى الأرض فمات وذلك سنة 1163. وقيل إنّها كانت مقرّ مراد النصّار على عهد أخيه ناصيف النصّار وبعده كانت مقرّ ولده قاسم المراد. وفيها اختبأ الأمير يونس المعني بولديه ملحم وحمدان من وجه الكجك أحمد باشا والي صيدا لمّا زحف بعساكره لمحاربة أخيه فخر الدين وذلك سنة 1044هـ. وبعض عقودها يظهر أنّه كان هدم عمداً لأنّها هدمت قمّة العقد وبقيت جوانبه مع عدم ظهورهنّ فيه فدلّ على أنّه هدم عمداً كما كانوا يفعلون بالقلاع والحصون والمعاقل عند الخوف من استيلاء العدو وتحصّنه بها. يبلغ طولها 125 متراً وعرضها 80 متراً فيها ثلاث طبقات والثالثة متهدّمة وفي الطبقتين الباقيتين 32 حجرة وغرفة وفي داخلها وخارجها آبار وصهاريج كثيرة وفي داخلها بئر في الطبقة الثانية وفي خارجها صهريج كبير منقور في الصخر الأصمّ. وفي معجم قرى جبل عامل:
«يلوح لي أن بنيانها من صليبيّي الإفرنسّيين وأنّ اسمها محرّف قليلاً من دوبو أو دوبي من أسماء الإعلام الشخصية في اللغة الإفرنسيّة وأنّ بناءها صليبي قائم على أنقاض بناء رومانيّ بدليل ما يوجد حواليها من المدافن الشبيهة بالمدافن الرومانية وأنّ بناءها متأخّر عن رحلة ابن جبير وإلاّ لم يهمل ذكرها وقد مرّ وهو ذاهب من هونين إلى تبنين بقربها في وادي الإصطبل وهي في مكان عال» (انتهى).
والموجود عندها من المدافن مدفن واحد منقور في الصخر، ويجوز أن لا يكون ابن جبير نظر إليها لأنّ الوادي الذي مرّ فيه بعيد عنها وهو الظاهر. وللدكتور عبدالله سليمان رأي في دوبيه يقول فيه:
اسمح لي كتابة هذا الرأي حول تسمية سهل (دوبيه). حيث يلفظها بعض العامّة دوبين وبعضهم دابي وخلاف ذلك. كما ينسبها بعض المشتغلين بتاريخ جبل عامل ولبنان إلى أصل (صليبي ـ غربي)، تيمّناً بعائلات صليبية مثل؛ Du Beien أو Du Bain أو Du paion. وذلك بالاعتماد على المماثلة اللفظة لاسم العَلَمْ.
وفي رأيي أنّ هذه التسمية عائدة إلى لفظ آرامي من كلمتين: (دو/بَيَّه) وتعني بيت الخوابي أو مستودع خوابي الزيت. ويُستدلْ على قرب هذه التسمية من المواقع ما يلي:
1 ـ إنّ قلعة (دوبيه) بناها الصليبيون على أنقاض قلعة قديمة.
2 ـ وجود معاصر أثرية في (دوبيه) والمناطق المجاورة في حولا وميس الجبل فكانت في الماضي تستعمل لاستخراج الزيت من أشجار البُطمْ بشكل خاص.
3 ـ لا يزال شجر البُطم موجود في دوبيه وكذلك في وادي ميس الجبل الذي هو امتداد لسهل(دوبيه) حيث لا تزال أشجار البُطم العملاقة، وكذلك معاصر استخراجه حتّى الآن معروفة في ميس الجبل.
وأخيراً نستطيع القول إنّ المحلة المشار إليها ببحثنا كانت في زمن الآراميين ومن خلفهم منطقة واسعة لاستخراج زيت البطم وتخزينه.
وكانت قلعة دوبيه بموقعها الجميل مقصداً للمتنزهين أيام الربيع، ولقربها من بلدة شقره كان علماء شقره ينصبون فيها خياماً يقضون فيها أياماً مستمتعين بربيعها النضر.
وفي ذلك يقول الشاعر هاشم عباس المتوفى سنة 1335هـ عندما زار السيد علي محمود الأمين في مرتبعه في القلعة من قصيدة:
يا قلعة شمخت حسناً وبنياناً
على القلاع سقاك المزن هتانا
هذي ربوعك قد حال الربيع لها
مطارفاً طرزتها السحب ألوانا
زهت رياضاً غدت بالزهر ناضرة
ومنظراً رائقاً للعين فتانا
كأنّها جنة الفردوس مونقة
لو كان خازنها يا سعد رضوانا
كأنّ روضتها الغناء قد نسجت
من خلق من شخمت في مجده شانا
أعني علياً علي القدر من سطعت
آيات محتده في الناس برهانا
زهت به القلعة الشماء وابتهجت
وطاولت بسنا علياه كيوانا
علت بأبراجها فوق البروج كما
عزت بعلياه أمثالاً وأقرانا
ورب يوم أتيناها لخدمته
وفود أنس زرافات ووحدانا
حيث الربيع على غلو شبيبته
زاه وإذ كان طرف الزهر يقظانا
وللرياض أريج بيننا عبق
به النسيم عليلاً كان يغشانا
قلعة حمص والحمدانيون
وأسامة بن منقذ
ترتفع قلعة حمص في الجنوب الغربي من المدينة القديمة فوق تل ترابي تجميعي يصل إلى 32 متراً، فوق مساحة تصل إلى 5000م2 بأبراجها وأسوارها المتعددة، عاكسة طراز بنائها الإسلامي، التي تعتبر واحدة من الدرر الخمس الأيوبية: قلاع حمص ـ حماه ـ حلب ـ دمشق ـ القاهرة.
تنكشف التربة عن جسم التل من الجهة الشرقية لتبرز ترميمات متلاحقة لسور القلعة الشرقي الذي يصل إلى أكثر من عشرة أمتار. أمّا في الجهة الغربية فيبرز من التل سور بازلتي يعود لفترة زمنية أسبق. أمّا في الجهة الشمالية ترتفع الأسوار والأبراج فوق أطراف التل بارتفاعات مختلفة.
وكشفت بعثة التنقيب عن أقبية في الجهة الجنوبية تعود للعهد المملوكي وعن بعض الأقبية الإسلامية في موازة السور الشمالي لم يطرأ عليها أي تعديل، أمّا في في منتصف التل فقد كشفت البعثة عن درج (في منتصف التل) يصل إلى 32 متراً في نهايته بئر ماء. يحيط بالتل خندق كان يملأ بالماء وتلتحم البيوت السكنية في الجهتين الشرقية والشمالية لتصبح مهددة بسقوط حجارة القلعة نتيجة السيول والأمطار.
وقال الأستاذ فريد جبور «يشكل مرافق لهذه الأعمال تمّ وضع دراسة لأعمال ترميم وتدعيم جسم التل وأسوار وأبراج القلعة بالتنسيق مع جامعة البعث».
ويشير الباحث محمد ماجد موصلي «أنّ تل حمص هو أقدم موقع نشأ فيه سكن الإنسان في هذه المنطقة. نظراً لوجود قرائن أثرية مكتشفة (أوانٍ فخارية تعود إلى 2500ق.م.)». ويضيف: «إنّ بين طيات ومغائر هذا التل أسرار هائلة تعود لعهد الحثيين».
وتذكر المصادر التاريخية أنّ إعادة تخطيط وبناء القلعة تمّ عام 86ق.م. ضمن مشروع إعادة تخطيط بناء مدينة حمص (اليميسا) في عهد سلوقس نيكتور الروماني، وهذا ما يفسّر وجود السور البازلتي العائد لهذه الفترة.
ولعبت القلعة دوراً بارزاً في المد الإسلامي في المنطقة عندما تحوّلت كقاعدة للجيش الإسلامي بعد دخول العرب إليها عام 637م.
وخضعت القلعة لسلطة الحمدانيين لمدّة أكثر من نصف قرن منذ العام 944م. ونسبت إلى أسامة بن منقذ الذي قام أبوه نصر بن علي بن المنقذ بإعادة بنائها وأخذها من بعده خلف بن ملاعب عام 1104م.
وأثناء حملات الفرنجة لم تستطع إخضاع المدينة نظراً لقوّة ومناعة قلعتها إلاّ بالطرق الديبلوماسية على رغم حصارها الذي دام 8 سنوات من عام 1129ـ1137.
وفي العام 1261 أصبح الظاهر بيبرس سلطاناً للمماليك فأمر بترميم القلعة وخصّها برعايته واهتمامه لتصبح قاعدة أساسية للحشد في مواجهة التهديد المغولي أو الصليبي.
أحمد سليمان
قلعة سِكَر
قلعة سِكَر مدينة تقع على الشاطئ الأيسر لنهر الغراف، من توابع محافظة ذي قار (الناصرية سابقاً) الواقعة جنوب العراق وهي ضمن قضاء قلعة سِكَر الذي أبدل اسمه في عقد الثمانينات إلى قضاء الرفاعي. وتبعد (قلعة سِكَر) عن مركز المحافظة (مدينة الناصرية) مسافة (78) كم شمالاً وعن العاصمة بغداد مسافة (282) كم جنوباً، وترتبط بهما بطريق برية معبدة. وعن تأسيسها يقول المؤرخون:كانت قلعة سكر في بداية أمرها قلعة من طين شيّدها (سكر بن مشلب) رئيس عشيرة الطوقية سنة 1290 للهجرة الموافق 1872 للميلاد، واسمها ينسب إلى هذا الرجل (سِكَر) الذي شيّد (القلعة) في بادئ الأمر فأصبح الاسم (قلعة سكر).
معظم أهالي المدينة من أبناء العشائر العربية مثل عشائر آل جابر، وخفاجة وآل أزيرج والبو سعيد، ويمتهن معظمهم الزراعة في البساتين والحقول التي ترويها مياه دجلة عبر نهر الغراف الذي يتفرّع عن دجلة في منطقة الكوت شمال قلعة سِكَر، كما يعمل قسم منهم في سوق المدينة التي يقصدها أبناء القرى والأرياف القريبة.
ويمكننا التعرّف على المدينة وتاريخ جماهيرها من خلال بعض الأحداث المهمة كثورة العشرين التي قادتها المرجعية الدينية ضد المحتل البريطاني حيث يقول الاستاذ (عبد الرزاق الحسني) عن ذلك في كتابه (الثورة العراقية الكبرى): بعد أن عاد (السيد عبد المهدي)([524]) من زيارته لمدينة النجف وكربلاء وبغداد في أوّل شعبان 1338 للهجرة واتصاله بأهالي هذه المدن التي كانت تغلي بالثورة على المحتل بدأ اتصالاته في الرابع والعشرين من رمضان بالرؤساء والشيوخ البارزين في مدن سوق الشيوخ والناصرية والشطرة وقلعة سكر كالشيخ (قاصد آل ناهي) رئيس العبودة و(الشيخ موحان الخير الله) رئيس آل حميد و(محمد الحاج شلال) و(مزعل الحميدة) من رؤساء عشيرة بني ركاب وغيرهم فتعاقدوا بأغلظ الأيمان وأعظم المواثيق على أن يشدّ بعضهم أزر بعض وأن يعملوا يداً واحدة في السيطرة على مشاعر الأهلين وتوجيههم وجهة الثورة على الاحتلال. وبعد هذا العهد اندلع لهيب الثورة في اللواء لتواكب أحداثها ما يجري في الرميثة وأبي صخير وغيرهما من مدن الفرات الأوسط.
وقد حاول الكابتن (كرافورد) حاكم قلعة سِكَر السياسي أن يخفف من نشاط الثوّار في المدينة فصمد له بعض المتحمسين وأطلق النار عليه، لكنّه نجا بأعجوبة، بعدها طلب النجدة وهرب في منتصف ذي الحجة عام (1338)، فعمد الأهلون إلى دار الحكومة وسيطروا عليها وجردوا جنود الدار من سلاحهم وأنزلوا العلم البريطاني. وتطوّرت أحداث الثورة في هذه المنطقة، كما تراجعت مع تراجعها في مدن العراق الأخرى.
قلعة طهران
بنيت النواة الأولى لقلعة طهران في عهد الشاه عباس الأوّل، حيث أمر بإحداث أربعة بساتين داخل سور الشاه طهماسب. ثمّ أضيف إليها قصر ودار للديوان في زمن الشاه سليمان الصفوي، وفي عام 1172هـ أمر كريم خان زند ببناء دار للحكومة وآخر للحريم وثالث للخلوة. وفي نفس ذلك الوقت أُمر المعمار المعروف غلام رضا التبريزي ببناء سور حول القلعة وإحداث خندق يحيط بهذا السور. ويبدو أنّ الأفغان هدموا هذا السور في أواخر العهد الصفوي أثناء فرارهم من طهران.
وفي عام 1267هـ أمر أمير كبير بتغيير شبكة الطرق والأزقة الداخلية لهذه القلعة، وبرصف الشوارع لحركة العربات.
ثمّ أضيف بناء آخر إلى الأبنية الملكية الموجودة داخل القلعة في عام 1267هـ ووسع ديوان (گلستان) باتجاه الشرق. وقبل إيجاد ميدان المدفعية (توپخانه)، كان هناك خندق خلف الحائط الشمالي للقلعة، وثمّة جسر خشبي يربط البوابة الحكومية بالجهة الثانية من الخندق.
وظلّ الخندق محيطاً بالقلعة إلى ما قبل إحداث شوارع الناصرية وجبه خانه (بوذرجمهري) وجليل آباد (خيّام).
وكان ارتباط القلعة بالطرف الثاني من الخندق من الجهة الجنوبية يؤمن بواسطة جسر خشبي.
كانت قلعة طهران في عام 1275هـ ـ أي ما قبل توسيعها في عام 1280هـ ـ تحتوي على الأبنية التالية: البنايات الملكية المتعددة ومنها: الخزانة والأبنية الحكومية ودار الفنون وميدان أرك وإدارة المدفعية ومستودعها واصطبلها، والاصطبل الملكي والمحطة الملكية للعربات وديوان العدالة ومستودعات الغلال الحاصلة ومدرسة المهد العليا ومجمع الصنائع ومقر السفارة الروسية ومنزل السفير الروسي وبيوت بعض رجال الدولة.
وثمّة أمر لطيف يتعلّق بقلعة طهران، فمكانها مجهول المالك، ولذلك ـ تخلصاً من هذه المشكلة الشرعية، ورفعاً لإحراج المصلين ـ استؤجرت جميع أراضيها من (مجتهد الوقت الشيخ عبد الحسين) في عام 1272هـ.
قلعة علي شاه
هي بقايا آثار المسجد الجامع الذي بناه وزير غازان والجايتو وأبي سعيد المعروف بالخواجة تاج الدين علي شاه الگيلاني في محلة نارميان من تبريز بين عام 710 وعام 720هـ.
تبلغ مساحة الصحن الرئيسي في المسجد مائتي ذراع طولاً في خمسين ذراعاً عرضاً، والبناء الرئيسي في هذا المسجد هو الإيوان الذي يبلغ طوله 30م وعرضه 28م وارتفاعه 25م.
سمك جدران الإيوان ما بين 8 و10 أمتار ويعتقد البعض أنّ إيوان هذا المسجد يفوق بضخامته ومساحته إيوان كسرى في المدائن. ولكن الاستعجال في بنائه والفراغ منه أدّى إلى عدم بقائه فترة طويلة، حيث انهدم بعد حين.
ومن المميزات البارزة في هذا المسجد، العدول في بنائه عن الأسلوب التقليدي المتعارف عليه في بناء المساجد الإيرانية ذات الإيوانات الأربعة التي تقام على جوانب الصحن المركزي الأربعة.
وقد عرف هذا المسجد بقلعة علي شاه لكون جداره كان في فترة من الزمن جزء من بناء القلعة، ثمّ أقيمت المتاريس والمواضع القتالية خلفه أثناء بعض المعارك.
القلعة الكريمخانية
هي قلعة من الآجر في مدينة شيراز يبلغ طول كلّ ضلع منها 120م وارتفاع حائطها 12م. وثمة أربعة أبراج من الآجر مزينة بأنواع الزينة الآجرية موزعة على زوايا القلعة الأربعة.
وثمّة رسوم لحروب رستم والشيطان الأبيض (ديوسفيد) على بوابة الدخول الشرقية للقلعة، مثبتة على (كاشي) ذي سبعة ألوان.
وتحتوي القلعة في داخلها على عدّة أبنية تتعلق بالجهاز الحكومي لشهريار زند، إلاّ أنّ الرسوم التي كانت موجودة فيها وأبوابها الأرسية ذات الزجاج الملوّن قد زالت تماماً إلاّ في بعض الأماكن بسبب كثرة الأعمال التي طرأت عليها.
وثمّة رسوم لخدم الدورة الزندية بملابس تلك الدورة مثبة على الـ (كاشي) الذي يزيّن أعلى الجبهة الداخلية للبوابة، وقد تحوّلت هذه القلعة في العهد البهلوي إلى سجن فلحقت بها أضرار فادحة.
قلعة النسر
أو حجر النسر أو مدينة الحجر، هي الحصن والملجأ الأخير الذي اعتصم به الأدارسة في شمال المغرب بعد أن تكالبت على ملكهم أطماع الأمويين بالأندلس والفاطميين بإفريقيا.
بناه إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس. وقد وصف الإدريسي هذا الحصن بقوله: وكانت مدينة محدثة لآل إدريس، وهي على جبل شامخ الذرى حصينة منيعة لا يُوصل إليها إلاّ من طريق واحد، والطريق صعب المجاز يسلكه الرجل بعد الرجل، وهي خصبة كثيرة الخيرات وماؤها فيها، ولها بساتين وعمارات.
وهذه المدينة قد اندثرت الآن. ويجمع المؤرخون على أنّها في شمال المغرب وإن كانوا قد اختلفوا في تحديد مكانها: فالبعض يجعلها في أحواز سبتة، والبعض الآخر يجعلها في نواحي المزمة (الحسيمة) بالريف والبعض الثالث يجعلها في الطريق بين تطوان وشقشاون بالقرب من زاوية عبد السلام بن مشيش.
قلم الحبر[525](*)
اختراع شيعي فاطمي
تطوّرت المواد التي استعملها الإنسان قديماً للكتابة فقد كتب تارة على الألواح الطينية وطوراً على البردي وحيناً على الرقوق من الجلود وآونة على الخزف وأخرى على الورق. أمّا الأدوات المختلفة التي استعملها للخط منذ القدم حتّى أواخر القرون الوسطى فأهمها الأقلام.
كانت الأقلام في العصور الحجرية والخزفية تؤخذ من الحديد والعظام والعاج يحدّدون أحد طرفيها للكتابة، أمّا الطرف الآخر فكان يرقق ويستعمل للحك أو الكشط. وعرف هذا النوع من الأقلام باللغة الفرنسية (Stylet) ومن هذا اللفظ اشتق المعنى المجازي المعبر عنه بكلمة إنشاء أو طريقة أو أسلوب فقد قال بوفون: «الإنشاء هو الرجل» (Le Style C’est, l’homme).
كانت الأقلام في مصر تستعمل قديماً من نبات الأسل (Janc) الذي تعمل منه الحصر، وليس من الغاب، كما يقال عادة، وذلك بتجزئة الساق قطعاً صغيرة متناسبة الطول، ثمّ تفصل خيوط أحد الطرفين كي يشبه الفرشة الصغيرة. ولما أتى العهد اليوناني استعيضت هذه الفرشة بالبوص أو الغاب الذي كان يقطع بطول الأقلام الحديثة ثمّ (يبرى أحد الطرفين مثل أقلام البسط تماماً). ونبات الأسل لا يزال موجوداً بمصر بكثرة في المستنقعات أو البحيرات المالحة، أمّا كيفية صناعة الأقلام منه فبقطعه قطعاً يرفع أحد طرفيه بالمدية ميلاً ثمّ يعالج بالأسنان تدريجياً حتّى تفصل خيوطه بعضها عن بعض، وتتكوّن من فرشة رفيعة، ويبلغ متوسط قطرها 5 مليمتراً، ومنه يتّضح أنّ أقلام هؤلاء القوم لم تكن في بعض عهود مصر التاريخية، أقلاماً بالمعنى المعروف، بل فرشاً دقيقة لا غير. أمّا القلم الحقيقي، فاستعمل في مصر قديماً أثناء العهد اليوناني، أي حوالي القرن الثالث ق.م.، وهو أغلظ كثيراً من القلم القديم، ومصنوع كما أسلفنا من البوص أو الغاب، فكانوا يبرونه ثمّ يُقَطّ رأسه على كيفية خاصّة. والقصب أنواع، أجودها للأقلام القصب المصري أو القصب النامي حول ضفاف بعض البحيرات في بلاد أرمينيا. فكان الكاتب يبري عدّة أقلام ويربطها معاً ويضعها في علبة خاصّة تشبه المقلمة عندنا، ومن ذلك صور عديدة لا تزال محفوظة في الرسوم القديمة وجد بعضها في آثار هركولا نوم أو في نواويس رومة. وهذا النوع من الأقلام موافق جدّاً لكتابة الخط اليوناني وكثيراً ما كان يعاد بري القلم كلّما تطلبت الحالة فيقصر تدريجياً حتّى يبلغ ستّة سنتيمترات تقريباً طولاً، وقد بيّن الأستاذ وينلوك أنّ أحد هذه الأقلام الكثيرة الاستعمال أوصل بقطعة خشبية لإبلاغه الطول المعتاد، ولا تزال هذه الأقلام تستعمل في بعض الأقطار الشرقية إلى يومنا هذا([526]).
ولمّا كان القلم المتّخذ من القصب سريع العطب عمد الإنسان منذ القديم إلى صنع الأقلام من المعادن التي تعلم معالجتها. كذلك استمدّ قلمه أحياناً من قوادم بعض الطيور الجارحة وهي كبار ريش الأجنحة عند النسور وريش الأوز والبط وشوك بعض النياص، فكان يبريها قلماً ويقطها حسب حاجته([527]).
واستعمل العبرانيون القلم للكتابة واقتبسوا استعماله من المصريين وليس من البابليين أو الآشوريين الذين كانوا يستعملون لكتابتهم المسمارية مراقم معدنية يكتبون بها على الآجر والطوب الليّن. ونرى في بعض الرسوم المصرية القديمة الكتبة والنساخ وهم قابضون بأيديهم على الريشة والطلاء أمّا القلم فوراء أذنهم ما بين شحمتها والصدغ.
وقد اقتبس الكلدانيون أنفسهم عادة استعمال القلم القصبي من جيرانهم سواء في مصر أم في الأصقاع الشرقية الأخرى المجاورة لهم، فكانوا يكتبون بالقلم كلّما تعذّر عليهم استعمال المرقم المعدني. كما يستدل من رسم آشوري يظهر فيه أحد الكتبة وبيده القلم.
أمّا عند اليونان والرومان فإنّنا نرى كتبتهم يتغنّون بصنع الأقلام وإجادة بريها وتنويع مادتها حتّى أنّ بعضها من الفضة من ذلك أنّ الشاعر كرناغور يرسل لأحد أصحابه في عيد مولده التذكاري قلماً من الفضة([528]).
وقد كان القلم عند العرب إبان استبحار مدينتهم الزاهرة بالعلوم والفنون أشرف آلات الكتابة وأعلاها رتبة. ومن مسمياته عندهم «المزبر» أخذاً من قولهم: زبرت الكتاب إذ كتبته ومنه سميت الكتب «زبراً» كما في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ ومن أسمائه أيضاً المرقم.
وكتب كثيرون من أفاضل كتاب العرب قديماً في إبانة فضله وعلو شأنه([529]) فوصفه إبراهيم بن العباس لغلام بين يديه يعلمه الخط: «ليكن قلمك صلباً» بين الدقة والغلظ، ولا تبرِه عند عقدة فإنّ فيه تعقيد الأمور، ولا تكتب بقلم ملتوٍ ولا ذي شق غير مستوٍ. وقال إبراهيم بن محمد الشيباني: ينبغي للكاتب أن يتخير من أنابيب القصب أقلّه عقداً، وأكتفه لحماً وأصلبه قشراً وأعدله استواء. كذلك حدّدوا مساحة الأقلام في طولها وغلظها ووصفوا بري القلم والحثّ على معرفة البراية ومحلها من القلم، وكيفية إمساك السكين حال البري وصنعة البراية وصفاتها المثلى والمعاني التي يشتمل عليها البري في صفته ومقداره في الطول والتقصير، والنحت وأنواعه كنحت الحواشي ونحت البطن ومدى كلّ واحد منها، والشق وأصوله وصفاته وقدره. ومحله من الجلفة، والقط وأجناسه التي تختلف بحسب مقاصد الكتاب أنواعها بين محرف ومستو وكذلك صفات القلم بالبراية وما لكلّ من سنيّ القلم من الحروف ومساحة رأس القلم ومقداره من حيث موضع القطة وتفرعها عن قلم الطومار ونسبتها من مساحته على اختلاف مقاديرها في الدقة والغلظ والتوسط، والمدية أو السكين وصفتها.
أمّا الريش المعدنية المستعملة في العهد الحديث فقد اختلف الرواة والمؤرخون في تاريخ اختراعها ومن الذي اخترعها. فمنهم من قال إنّها قديمة العهد ترجع إلى الأجيال الوسطى وذهب غيرهم إلى القول إنّها من اكتشافات القرن السادس عشر وزعم سانت بوف Ste Beuve أنّ رهبان بور رويال Port Royal هم الذين اخترعوا هذه الأداة. أمّا صاحب معجم لاروس Larousse فيجزم أنّ الريشة هي من اختراعات المهندس الميكانيكي جان رو Jean Roux في أواسط القرن الثامن عشر([530]) وذهب آخرون غير مذاهب، فمن أحب الوقوف عليها فليراجعها في كتاب البرت سيم Alb. Cim المعنون Le Livre.
ومن الاكتشافات التي يزعمون أنّها حديثة العهد قلم الحبر أو القلم السيّال المعروف لدى العامة الخاصّة بـ Stylo وهي مختصر Stylographe ويعرفه البعض بالقلم الأميركي.
واعتقد الناس هذا كلّه ولم يخطر ببالهم أنّ هذا النوع من الأقلام إنّما عرف قبل ذلك بقرون عديدة، إذ جاء في نصوص إحدى المخطوطات التي عني بالبحث عنها ودراستها قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأوّل ما يجب أن يغيّر هذا الاعتقاد. وهذه المخطوطة هي كتاب «المجالس والمسامرات» الذي وضعه القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي، من أكبر علماء مصر في القرن الرابع هجري (العاشر للميلاد) وهو غير أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب السنّي المعروف، وقد كان له أثر محمود في الدولة الفاطمية منذ ابتداء أمرها ببلاد المغرب، حتّى ولاّه المعز لدين الله مرتبة قاضي القضاة، ثمّ قرّبه إليه أكثر إذ ولاّه مرتبة «داعي الدعاة» وهي أسمى مرتبة من مراتب الدعوة الفاطمية.
والقاضي النعمان هذا هو مؤلف كتاب «المجالس والمسايرات» وهو مجموعة ثمينة من الأحاديث نقلها عن المعز لدين الله ووصف حوادث أتاها المعز جمعها النعمان عنه أثناء جلوسه أو سيره معه. فهو لذلك يعدّ أوثق المصادر التاريخية والأدبية لناحية من حياة المعز السياسية والتعليمية.
وقد جاء في الصفحة 135 من المخطوطة المذكورة ما نصّه: «قال القاضي نعمان بن محمد: ذكر الإمام المعز لدين الله القلم، فوصف فضله ورمز فيه بباطن القلم، ثمّ قال نريد أن نعمل قلماً يكتب به بلا استمداد من دواة، يكون مداده من داخله، فمتى شاء الإنسان كتب به فأمدّه وكتب بذلك ما شاء، ومتى شاء تركه، فارتفع المداد وكان القلم ناشفاً منه، يجعله الكاتب في كمّه أو حيث شاء فلا يؤثر فيه، ولا يرشح شيء من المداد عنه، ولا يكون ذلك إلاّ عندما يبتغي منه ويراد الكتابة به، فيكون آلة عجيبة لم نعلم أنّا سبقنا إليها، ودليلاً على حكمة بالغة لمن تأملها وعرف وجه المعنى فيها. فقلت ويكون هذا يا مولانا عليكم سلام الله؟ قال يكون إن شاء الله. فما مرّ بعد ذلك إلاّ أيام قلائل حتّى جاء الصانع الذي وصف له الصنعة به معمولاً من ذهب فأودعه المداد وكتب به فكتب وزاد شيئاً من المداد على مقدار الحاجة فأمر بإصلاح شيء منه فأصلحه وجاء به، فإذا هو قلم يقلب في اليد ويميل إلى كلّ ناحية فلا يبدو منه شيء من المداد، فإذا أخذه الكاتب وكتب به كتب أحسن كاتب ما شاء أن يكتب به، ثمّ إذا دفعه عن الكتاب أمسك المداد، فرأيت صنعة عجيبة لم أكن أظن أنّي أرى مثلها، ولا يجود لغير مبتغ، ولا يخرج منه ما يضر فيلطخ يد من يمسكه أو ثوبه أو ما لصق به، فهو نفع لا ضرر، وجواد لمن سأل ممسك عمّن لم يسأل.
فأنت ترى أنّ المعز لدين الله وضع وصفاً دقيقاً لاقلام الحبر التي نستعملها اليوم، وأمر بصنعها على النحو الذي رسمه، ونفهم من كلام المعز والنعمان أنّ هذا النوع من الأقلام لم يكن معروفاً قبل المعز، وإذاً فالمعز لدين الله الفاطمي الذي أنشأ القاهرة هو أوّل رجل بلغنا أنّه فكر في صنع قلم الحبر على هذا النحو، وأنّه نفذ فكرته وأخرجها إلى حيز الوجود بل صنع قلم الحبر من ذهب([531]).
ترى ممّا تقدّم أنّ العرب هم أوّل من اخترع القلم السيال الذي يمدّ الكاتب بالحبر في حلّه وترحاله. وقد تفنّنت الصناعة الحديثة صنعاً بهذه الأقلام وتنويعاً بأشكالها تجعل منها في أوقات الفراغ حلية تزدان بها الصدور. ومن غريب ما قرأنا في إحدى جرائد بيروت([532]) بصدد الأقلام أنّ عدداً كبيراً من أحد أنواع أقلام الحبر الجديدة يصنع الآن في إنكلترا ليصير إرسالها إلى الأسواق الخارجية في أقرب وقت ممكن. ولا يحتاج صاحب هذا القلم إلى مثله حبراً إلاّ مرّة في السنة، وهو لا ريشة له، غير أنّ ثمّة قطعة صغيرة من السلك المعدني في رأسه تقوم مقام الريشة، إذ بمجرد الضغط الخفيف عليها يسيل الحبر من داخل القلم إلى رأسه للكتابة. ولا يتعدّى حجم هذا القلم حجم قلم الحبر العادي، ومع ذلك فهو يتّسع لما يوازي إثني عشر ميلاً بالطول من الحبر.
والجدير بالذكر أنّ شركة طائرات مايلز اخترعته أبان هذه الحرب ليستعمله الطيارون في طبقات الجو العليا حيث لا يمكن استعمال أقلام الحبر العادية مطلقاً، لأنّها تنفجر حالاً من جرّاء ضغط الهواء القليل. وستصدر الكميات الأولى من هذا النوع الجديد إلى الأسواق الخارجية على حدّ ما كتبته جريدة الدايلي مايل. غير أنّ واحداً بالمائة من هذه الأقلام ستعرض للبيع في الأسواق الداخلية، وينتظر أن نرى هذا الاختراع الجديد في أسواق الشرق الأدنى عمّا قريب معروضاً بأسعار لا تزاحم([533]).
يوسف أسعد داغر
قــــــم
ـ 1 ـ
مدينة (قم) الواقعة جنوبي طهران على بُعد (147) كيلومتراً بالسيّارة و(180) كيلومتراً بالقطار تعتبر من المدن التاريخية ذات القدسية في إيران وفي العالم الإسلامي. وكانت تعرف قبل الفتح الإسلامي للبلاد الفارسية بـ (كم) بفتح الكاف لأنّها كانت قرية صغيرة تقع في محل قم الحالية. ومعنى (كم) باللغة الفارسية (القليل) ولما استولى العرب عليها استبدلوا الكاف بالقاف المضمومة فأصبحت (قم) وهي الآن مركز قضاء كبير يعرف بهذا الاسم. وهناك من المؤرخين من يعتقد بأنّه كانت تقع في محل مدينة (قم) الحالية سبع قرى متجاورة تسمّى إحداها (كمندان) بضم الكاف. وحينما حطّ العرب رحالهم فيها واستوطنوها وازداد العمران فيها اتصلت هذه القرى ببعضها وزالت الفاصلة فيما بينها وأصبحت القرى تؤلف أحياء سبعاً تغلب عليها اسم (كمندان) ثمّ استبدل العرب بعض حروف هذه الكلمة وعربوها بكلمة (قم) بضم القاف.
أمّا متى استوطن العرب هذه القرى واتخذوها نزلاً لهم فقد كان ذلك في أواخر القرن الأوّل الهجري. وقصّة ذلك أنّه بعد أن قتل الحجّاج بن يوسف الثقفي في العراق، محمد بن سائب الأشعري، وكان عميداً لقبيلة الأشعريين، أخذت النكبات تنزل تترى على هذه القبيلة من قبل الحجّاج وسائر عمّال الدولة الأموية، فاعتزم رؤساؤها ورجال الفكر فيها على ترك أرض العراق بأفراد قبيلتهم قاصدين ناحية أصفهان من إيران. ولمّا كان من أكبر رؤساء هذه القبيلة الشقيقان عبد الله والأحوص ابنا سعد بن مالك الأشعري، وكانا في سجن الحجّاج الذي اضطر إلى إطلاق سراحهما تحت ظروف سياسة قاهرة، ملزماً إيّاهما البقاء في الكوفة. ولمّا كان هذان الشقيقان يشعران بأنّ مصيرهما سيكون مصير بقيّة رجال الشيعة، فقد تركا الكوفة تحت جنح الظلام متنكرين، واتّجها نحو أصفهان يرافقهما شطر كبير من رجال قبيلتهما الأشاعرة، ونزلوا على ضفاف نهر قم. وفي اليوم الثاني من نزولهما هذه الأرض شاهد بعض رجال قبيلة الأشاعرة أنّ سكان هذه المنطقة الأصليين يدخلون مواشيهم في قلاع عالية الجدران ويغلقون عليها أبواب القلاع ومنافذها. ولما سألوهم عن سبب ذلك أجابوهم خوفاً من غزو عشائر الدّيلم التي تغزوهم كلّ سنة في مثل هذا الموسم فتنهب وتقتل، وقد وصلت هذه العشائر في غزوها الآن إلى بضعة فراسخ من هذه القرية. وحينما سمع الأحوص ذلك نادى في رجال قبيلته بردّ غزو عشائر الديلم، وأنّ على رجال القبيلة الدفاع عن مواشيهم ونسائهم وأطفالهم الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ولا قلعة لهم يصونون بها أعراضهم وأموالهم، وحينما اقتربت عشائر الديلم من الأحوص وقبيلته بادرها الأشعريون بهجوم عنيف قضى على تلك العشائر وردّها على أعقابها بعد أن تركت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، واستطاع الأحوص بذلك إنقاذ قبيلته وردّ العادية عن المتحصّنين في القلعة من السكّان الأصليين. أمّا عشائر الديلم فنكصوا على أعقابهم ولم يعودوا بعد ذلك إلى غزو هذه الناحية وقراها.
وقد اتصل رؤساء السكان الأصليين بكلّ من الشقيقين عبد الله والأحوص شاكرين لهما ولأفراد قبيلتهما صنيعهم، ومقدّمين لهم الهدايا، وملتمسين منهم عدم النزوح عن هذه الأرض والاستيطان فيها كمزارعين مستغلّين لها، مستفيدين من مراتعها، فتقبّل الشقيقان هذا الاقتراح واستوطنت قبيلتهما هذه الناحية التي عرفت فيما بعد بـ (قم).
وبمرور الزمان التحق بقية رجال قبيلة الأشاعرة بهؤلاء، مهاجرين من العراق ومستوطنين هذه الناحية.
وهكذا تمّ سكن قبيلة الأشاعرة ضفاف نهر (قم)، وأخذوا ينشرون فيها التشيع. وقد تمّ ذلك كلّه خلال عشر سنوات بدأت سنة 73هـ وانتهت سنة 83هـ. ثم تفرّق بعض أفخاذ هذه القبيلة في المناطق المتاخمة لقم ككاشان، وآوه، وساوه، والقرى الممتدة بين قم وأصفهان. وقد دلّت الروايات على أنه كان لطلحة بن الأحوص دور هام في تمصير مدينة (قم) بعد أن استوطنها رجال قبيلته، وإنّه أول من شرع ببناء العمارة فيها بالآجر بعد الإسلام.
إن مدينة (قم) التي يعود الفضل لتأسيسها على شكل مدينة شيعية عامرة بمكان قصبة صغيرة لبني سعد الأشعري وخاصّة لابن عبد الله بن سعد الأشعري ابن عم طلحة المذكور، الذي كان من أجلّة فضلاء الشيعة في الكوفة ثم انتقل إليها مع أبيه. إن هذه المدينة أخذت بعد سنة 83هـ تتسع، وينتشر فيها العمران، وتشاد على أرضها المساجد، والمدارس الدينيّة، والمعاهد العلميّة، وقبور الأولياء والملوك والعظماء والأمراء والعلماء، وأصبحت تدريجاً من المدن الإسلامية الشيعية المقدّسة، وخاصة بعد دفن فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) المعروفة بـ (معصومة قم) فيها.
أمّا تفصيل دفنها فيها فهو أنّه لمّا استقدم المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى (مرو) لإسناد ولاية العهد إليه سنة 200هـ خرجت بعده أخته فاطمة من المدينة تفتقده في سنة 201 فلمّا وصلت إلى (ساوه) البعيدة عن (قم) 72 كيلومتراً، في طريقها إلى (مرو) مرضت فسألت كم بينها وبين (قم) أجيبت عشرة فراسخ فقالت احملوني إليها فحملوها إلى (قم) وأنزلوها في جار موسى بن الخزرج بن سعد الأشعري الذي استقبلها على رأس من استقبلها من العلماء والأشراف ورؤساء القبائل فأخذ بزمام ناقتها وجرّها مع حاشيتها إلى منزله وكانت في دياره (17) يوماً ثمّ توفيت فأمر موسى بتغسيلها وتكفينها وصلّى عليها ودفنها في أرض كانت له، هي الآن روضتها. وكان موسى قد بنى على قبرها سقيفة من البواري إلى أنّ بَنَت زينب بنت الإمام محمد الجواد (عليه السلام) عليها قبّة من الآجر. وقد توفيت فاطمة سنة 201 ومرقدها الآن يتوسّط المدينة وهو مؤلّف من حرم وصحن. ويتألّف الحرم من قسم داخلي فيه الضريح الطاهر وداخله القبر المطهر ويحيط بهذا القسم الرواق، وعلى الحرم من الخارج قبّة تناطح السماء مطلاة بالذهب وعدّة منائر عالية ومنخفضة يقام فيها الأذان في أوقاته المعينة. وفي الرواق قبور عدد كبير من الملوك والعظماء والعلماء والوزراء كالشاه عباس الكبير الصفوي وغيره وكذلك شأن الصحن. وهندسة هذه الأبنية أشبه بهندسة أبنية العتبات المقدسة في العراق وعلى غرارها. وأغلب جدرانها مزدانة بآيات القرآن الكريم المنقوشة على قطع من الذهب أو الحجر القاشاني الثمين وبالخطوط العربية الممتازة. كما أنّ سقوفها قد تدلّت منها القناديل الذهبية والفضية الثمينة التي يرتقي تاريخ بعضها إلى (800) سنة. ولهذه البقعة المباركة أوقاف كثيرة من مختلف أنحاء إيران يصرف ريعها على إدارة المرقد المطهر وتوابعه وتدار هذه الأوقاف من قبل منظمة خاصّة وبدقّة حصيفة.
هذا وقد أمّ هذه المدينة بمرور الزمن كثير من العلويين وأولاد أئمة آل البيت (عليهم السلام) وأحفادهم هاربين من ظلم الأمويين ومطاردة العباسيين حيث رحب بهم شيعتهم واستقبلوهم أجمل استقبال وأكرموا وفادتهم وعظّموهم وأقاموا لهم المحاريب لإقامة الصلوات فيها واتبعوهم في أحكام دينهم ودروا عليهم الخيرات.
وقد أصبحت المدينة تدريجياً جامعة علمية تدرس في حلقاتها العلوم الدينية والإسلامية وفق أحكام المذهب الشيعي على يد أساطين العلم وفحول المجتهدين وعلماء الدين. كما أنّها لا زالت مركزاً عظيماً للعلم والعلماء وقد أصبحت في القرن الأخير مرّتين مرجعاً عاماً للمذهب الشيعي ومقرّاً لكبير مجتهديهم لاستيطانها من قبل اثنين من أكبر مجتهدي هذا المذهب هما الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي الذي هو المؤسس الفعلي للتدريس في قم ومنشئ حوزتها العلمية([534]) والسيد حسين الطباطبائي البروجردي([535]) مستوطنين إياها بدل النجف الأشرف كما يقيم الآن فيها لفيف من كبار رجال العلم والدين القائمين بإدارة شؤون هذه الجامعة الدينية بمختلف فروعها والتي تضم بين صفوف معاهدها الألوف من طلبة العلوم الدينية، كما أنّ كثيراً من أكابر العلماء وفحول المجتهدين قد تخرّجوا بمرور الزمن من جامعة (قم).
وفي المدينة وضواحيها يعثر المرء على عديد من البنايات القديمة والعمارات المتداعية التي يرتقي تاريخ إنشاء بعضها إلى القرنين الأوّل والثاني للهجرة. وهي عبارة عن مساجد أو قبب أقيمت على قبور المشاهير وأولاد الأئمة والأولياء وطابعها أثري إسلامي وعلى جدران بعضها تقرأ تواريخ إنشائها بكلّ وضوح.
وقد أحصى بعض المؤرخين في أواخر القرن العاشر الهجري قبور عظماء المسلمين وأوليائهم وأولاد الأئمة (عليهم السلام) المدفونين في قم وضواحيها والقباب المقامة على قبرهم فبلغت (444) قبة. وذلك عدا قبور الملوك والعلماء والوزراء والأمراء خلال الأربعة القرون الأخيرة. ومن أهم المقابر القديمة التي لا زالت تواريخها واضحة بيّنة للعيان قبر الأمير جلال الدين وقبّته الشامخة المتوفى سنة 792هـ وقبر علي بن أبي المعالي المشاد سنة 761 وقبر علي بن جعفر والأمير إبراهيم اللذين تمّ بناء القبّة عليهما في القرنين السابع والثامن الهجريين.
أمّا سكان قم الأصليين الذين يرتقي نسبهم في غالبيتهم إلى قبيلة الأشعريين أو بعض أفخاذ قبائل بني هاشم والعلويين الذين التجؤوا إليها في القرون الإسلامية الأولى هرباً من مطاردة الأمويين والعباسيين لهم في البلاد العربية فقد ظلموا على قوّة العزيمة والموالاة لآل البيت (عليهم السلم)، ويحدّثنا تاريخهم أنّهم طالما قاوموا الحكام الظالمين الذين كان الخلفاء يشخصونهم إلى (قم) ممّا كان يضطر الخلفاء على تبديلهم بحكام غيرهم.
ولمّا كان سكان (قم) من الشيعة المتشددين فقد كانت كثيراً ما تقع بينهم وبين جيرانهم من سكان (ساوه) و(آوه) و(زرند) وغيرها الذين كانوا على مذهب أهل السنّة (قبل أن يصبح الشعب الإيراني كلّه شيعي المذهب زمن الأسرة الصفوية)، نزاعات وثورات تؤدّي في الغالب إلى نهب المدينة وغزوها وهدم ما يجده خصوم سكان المدينة من أبنية وعمارات فيها.
قــم اليوم
أمّا مدينة (قم) في هذا اليوم فتعدّ من كبريات المدن الإيرانية ذات المركز التجاري الهام فضلاً عن قدسيتها. وهي تقع جنوبي طهران وشرقي جبال تنحدر نحو بحيرة (قم) الملحية الواقعة شرقي المدينة كما تصبّ مياه تلك الجبال في النهر الذي يحيط بقسم كبير من المدينة المسمّى نهر (قم) ويطغى بمياهه في معظم السنوات في فصل الربيع فيهدّد المدينة بالغرق ويجفّ هذا النهر في فصل الصيف.
وقضاء (قم) وحاضرته مدينة قم تابع للواء طهران العاصمة ومدينة قم تقع على الطريق الممتد من طهران إلى أصفهان وتبعد عن الأولى (147) كيلومتراً وعن الثانية (273) كلم. وللقضاء نواح كثيرة أهمها (دستجرد) و(قهستان) و(وخلجستان) و(جاسب) و(اردهال) و(أراخي) و(كهك) ولكلّ من هذه النواحي عشرات القصبات. كما أنّها تقع في عرض 34 درجة و38 دقيقة على مفترق الطرق الرئيسية التي تربط شمال إيران بجنوبها. كما يمرّ بها الخط الحديدي الرئيسي الذي يربط العاصمة (طهران) بالخليج جنوباً عبر (قم) وببحيرة خزر شمالاً عبر سلسلة جبال ألبرز.
وكان لهذه المدينة ـ كما لها اليوم ـ منذ القديم موقع تجاري اقتصادي هام لأنّها كانت تربط مدينة (الري) التي كانت عاصمة في صدر الإسلام (وتقع الآن في نواحي طهران الجنوبية) بمدينة أصفهان وسائر مدن إيران الجنوبية والوسطى.
هذه المدينة الآن ـ كما كانت من قبل ـ شأنها شأن المدن الإسلامية المقدسة مطمح أنظار المسلمين من الشيعة في إيران وفي سائر أقطار العالم الإسلامي فيؤمونها طوال السنة لأداء الزيارة لضريح فاطمة أخت الإمام الرضا (عليه السلام) وللتبرّك بقبور بعض أولاد الأئمة الأطهار وكثير من الأولياء والزوار يؤمونها أمّا في السيارات على اختلاف أنواعها أو بالقطار. والطرق الموصلة إليها معبدة وتقطع السيارة المسافة بين طهران وبينها عادة ساعتين ونصف الساعة وثلاث ساعات مارة بأرض قاحلة وتلال قليلة الارتفاع.
أمّا الجو في (قم) فحار جاف في الصيف وبارد في الشتاء الذي تسقط فيه الثلوج وتملأ شوارعها وأزقتها لمدّة تنوف على الشهرين. أمّا في سائر فصول السنة فجوّها معتدل.
ومن أهم حاصلات (قم) الزراعية القطن والرمان والبطيخ والتين والفستق والكمثرى والحبوب وبعض الفواكه الأخرى ومن صناعاتها الهامّة السجاجيد الثمينة وفيها عشرات من معاملها والأواني الخزفية والرخامية الاصطناعية وبعض الحلويات الخاصّة بها.
أمّا أراضيها فتسقى من النهر الذي يمر بالمدينة والذي ينبع في أصوله من جبال البختيارية بأواسط إيران.
والمدينة الآن مقسمة إلى قسمين شأنها شأن كثير من المدن القديمة:
القسم القديم ذو الطرق الملتوية والازقة الضيقة والأسواق المظلمة. وفي هذا القسم توجد المقابر والمساجد والمعابد الأثرية؛
والقسم الجديد ذو الشوارع العريضة والبنايات العصرية والأزقة المستقيمة.
هذا وقد عثر خلال السنوات الأخيرة في القسم الشمالي من المدينة على بُعد كيلومترات تقريباً وفي التلال الواقعة هناك آبار للنفط غزيرة.
صالح الشهرستاني
(راجع: الأشعريون)
قـــم
ـ 2 ـ
يُقال: إنّ مدينة قم لم تكن موجودة قبل الإسلام، ولكن وثائق تاريخية قوية تثبت خلاف هذه الدعوى. إنّ القصص التي تتحدّث عن تأسيس هذه المدينة لا تمتلك أيّة قيمة أو اعتبار تاريخي، ولذلك لا يصحّ الركون إليها في الاستناد إلى عدم وجود قم قبل الإسلام.
بعض هذه الروايات تذهب إلى أنّ طهمورث هو الذي بناها، وفي ملحمة (الشاهنامه) ذكر الفردوسي أنّ كيكاوس أحد السلاطين البيشداديين في قم، وكان يعرف كبطل وطني إيراني في الريّ وأصفهان وإقليم خراسان.
ولكن الدلائل القاطعة تشير إلى أنّ قم تتمتع بتاريخ ضارب في القدم،
الأول: أنّ «قميندان»، وهي قم القديمة، وتقع في أطراف مدينة قم تدلّ آثارها على وجودها في فترة ما قبل الإسلام.
الثاني: بعد الفتوحات الإسلامية عُثر على قلعة إيرانية قديمة وجسر صخري قديم في الساحل الشمالي لنهر «أنار بار» في قم القديمة.
والدليل الثالث: وهو أقوى الأدلة؛ أنّ البلاذري (في القرن التاسع الهجري) ذكر: أنّ العرب المسلمين قدموا إلى مدينة قم عام ثلاثة وعشرين هجري (644ميلادي). ومن جانب آخر يذهب مصنّف كتاب (قم نامه) إلى أنّ ظهور قم يعود إلى أواخر العهد الأوّل الهجري، ويقول: إنّ عرباً من الأشاعرة كانوا من شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، تعرّضوا لظلم وجور واضطهاد بني أمية، فهربوا من العراق إلى إيران وسكنوا قميندان. وبعد مدّة طويلة من الحصار أنشؤوا سبع قرى صغيرة تعرف كبراها بـ «قميندان»، فكانت أساساً للمدينة.
إنّه من الصحيح الاعتقاد القائل بأنّ العرب اختاروا السكن في أطراف قم في حدود العهد الهجري الأوّل، ولكنّنا نعتقد بأنّ قميندان كانت قائمة كمدينة صغيرة في ذلك العهد، فضمّ إليها هؤلاء العرب المهاجرون بسكنى أطرافها قرى صغيرة أُخرى أدّت إلى توسّع المدينة.
وبعد هجرة العرب الأشاعرة إلى قم، هاجر إليها شيعة آخرون من بينهم أحفاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقدموا إلى هذه المدينة من العراق والحجاز، فكانت منذ ذلك الوقت مركزاً من مراكز الشيعة. وشيئاً فشيئاً خفّف اسم «قميندان» وأطلق عليها العرب اسم «قم».
وفي اسم «قم» واشتقاقاته آراء متعددة.
وفي أواسط القرن الثامن الميلادي استولى أبو مسلم الخراساني على قم لصالح خلفاء بني العباس. إلاّ أنّ أهل قم لم يكونوا يقبلون العباسيين، حتّى أنّهم امتنعوا عن قبول الوالي المعيّن من قبل الخليفة، وكذلك امتنعوا عن أداء الخراج والضرائب المالية الأُخرى. ولذلك أقدم هارون الرشيد على اتخاذ إجراءات شديدة في عام 800 ميلادي، ولكن أهل قم مع ذلك لم يدفعوا الضرائب والخراج إلاّ بعد أربع سنين، وكان يقتلون الجباة الذين يقدمون إليهم من قبل الخليفة العباسي، ممّا اضطره إلى تعزيز قواته العسكرية في المدينة، وعلى الرغم من ذلك فقد قتل الكثير من الجند، ففرض عليهم الخليفة مبالغ إضافية كغرامات إلى جانب الضرائب العادية.
وفي عام 816 ميلادي مرّت السيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام) بمدينة قم عازمة على لقاء أخيها الإمام علي الرضا (عليه السلام) الذي كان في مدينة طوس، وكانت لدى مرورها بساوه قد مرضت، فلمّا وصلت إلى قم اشتدّ عليها مرضها وانتقلت روحها الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، فدفنت (رض) في قم.
إنّه من المحيّر حقاً أنّ أحداً من المؤرخين القدامى لم يشر إلى مرقد السيد فاطمة، وأبرز من ذكره هو حمدالله المستوفي الذي ألّف كتابه (تاريخ گزيدة) بعد وفاة السيدة بحوالي خمسمائة عام.
إنّ مدفن السيدة لم يلبث طويلاً حتّى أصبح مهوى قلوب المؤمنين، وأصبح الزوار القادمون إلى زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) في طوس «مشهد المقدس» يقصدونه، وقد بنى عليه ضريح وقبة وبناء فخم، وتؤدّى فيه مراسم خاصّة للزيارة.
إنّ أهل قم من الشيعة المخلصين والمحبين لأهل البيت (عليهم السلام)، وبهذا احتدم الصراع وقامت الحرب بينهم وبين الأصفهانيين عام 965 ميلادي.
لقد كانت قم مدينة عامرة نسبياً، وتزخر بأشجار البندق، والفستق، وبساتين الفاكهة في أطرافها، أمّا دورها فكانت تشبه بنايات كاشان من حيث صنعها من اللَّبن الخام.
وفي مدينة قم كانت ولادة حسن بن الصباح رئيس الفرقة الإسماعيلية النزارية في عام 430 هـ (1037م)، وفيها أسّس فرقته الفدائية من خلّص الذين انتخبهم من أهل قم.
في القرن الثاني عشر الميلادي لم تقع حادثة ذات أهمية في قم، ولكن القرن الثالث عشر شهد محنة عصيبة، حيث هجم المغول على المدينة عام 1221 ميلادي فأثخنوا فيها القتل العام وإحراق الدور والدكاكين.
وعن عام 1340 ميلادي يقول حمدالله المستوفي واصفاً قم: «كانت الأقسام الرئيسة منها ما تزال أطلالاً وخرائب، على أنّ محيطها كان عشرة آلاف قدم. وماؤها شديد الملوحة، وآبارها عميقة، ومن محاصيلها الأساسية؛ الغلال، والقطن، وبعض أنواع الفاكهة، كالرمان والبطيخ. وعموم الناس فيها من الشيعة.
وبعد حوالي نصف القرن، شنّ تيمورلنك على قم حملة شديدة، وبعد مدّة من الحصار أعمل في أهلها القتل العام، ودمّر العديد من مناطقها، فسوّاها مع الأرض، بسبب المقاومة الباسلة التي أبداها أهلها أمام جنده.
في عهد الشاه إسماعيل الصفوي مؤسس السلالة الصفوية قدم إلى قم في أوائل حكمه، فخرج الناس لاستقباله بكلّ شغف وحفاوة وترحيب. وفي عهد الشاه عباس الصفوي أصبحت قم ثاني أهم محلّ للزيارة بعد مشهد الرضا (عليه السلام).
ومن المفيد أن نشير إلى أنّ قم تشتمل ـ فيما نقله أحمد الرازي أحد كتّاب ذلك العهد ـ على أكثر من 444 مزاراً للأولياء (يطلق على الواحد منهم إمام زاده). كما دفن فيها عدد من السلاطين الصفويين؛ كالشاه صفي، والشاه عباس الثاني، والشاه سليمان.
إنّ قم تحظى بأهمية تجارية عالية، بالإضافة إلى أهميتها الدينية في كونها إحدى المزارات المهمة.
ومن الأماكن ذات الأهمية في قم:
1 ـ مسجد فاطمة (عليها السلام)، بناه الشاه عباس الكبير.
2 ـ مسجد الإمام الحسن (عليه السلام)، يعود تاريخه إلى القرن الخامس الهجري.
3 ـ مزار شاهزاده إبراهيم، يعود تاريخه إلى القرن الثامن الهجري.
4 ـ مزار شاهزاده أحمد، يعود تاريخه إلى القرن الثامن أو التاسع الهجري.
5 ـ مزار علي بن عفر.
6 ـ مزار أحمد بن قاسم.
7 ـ مسجد حاجي ملاّ صادق.
8 ـ مزار محمد بن موسى.
9 ـ مدرسة شاه خراسان.
10 ـ مدرسة فتح علي شاه.
المكتبة المرعشية في قم
ونترك الكلام هنا للكاتب زهير سليمان:
في شارع «إرم» على مسافة قليلة من الحرم وعلى الجهة اليسرى تقع بناية المكتبة المرعشية. وهي بناية ضخمة ومثيرة بهندستها وطوابقها الأربعة حيث الطابوق الكربلائي والقاشاني واللوحة الخارجية للمكتبة التي أسّست عام 1351 هجرية وبدأت أعمالها رسمياً في هذا التاريخ، وقد عمد المؤسّس إلى جعلها وقفاً عاماً مؤبداً، فقد جاء في سند الوقف الذي اطلعت عليه، بأنّه بالتاريخ المذكور «أوقف حضرت آية الله العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي ابن شمس الدين محمود النجفي المرعشي المكتبة وقفاً مؤبداً صحيحاً شرعياً بحيث لا يباع ولا يُورث ولا يرهن… فمن بدّله بعدما سمعه فإنّما إثمه على الذين يبدلونه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين…».
البناء والوصف العام
تحتل بناية المكتبة مساحة من الأرض تبلغ (1500) متر مربع وهي مستقلة كلياً في البناء دون وجود حدائق أو ساحات لها. وهناك مشروع لتوسيع المكتبة وإضافة بعض المباني المجاورة إليها.
بعد الدخول من الباب الرئيس إلى ممر عريض نسبياً، تصل إلى غرفة «البدالة» ثمّ إلى «بهو» واسع يقع فيه مكتب الاستعلامات ويتفرّع عنده إلى ثلاثة أقسام، على اليمين قاعة كبيرة للمطالعة، وكذلك على اليسار أيضاً قاعة ثانية كالقاعة الأولى، وهاتان القاعتان تتوفّر فيهما وسائل المطالعة كالكراسي والمناضد، وهما تتصلان عند نهايتيهما بقاعة عرضية كبيرة، فرشت بالسجاد الإيراني الجيد، خصّصت للذين يرغبون بالجلوس على الأرض للمطالعة.
أمّا الوسط فيفضي منه باب إلى حيث يوجد مخزن كبير للكتب، ثمّ يفضي منه باب آخر إلى فسحة مربعة الشكل تحيطها جدران زجاجية تطل على القاعات الثلاث، وقد كتبت على جدرانها من الأعلى عبارات جميلة أحدها: «قال الجاحظ: الكتب توجد في كلّ زمان وتقرأ بكلّ مكان على تفاوت بين الأعصار وتباعد ما بين الأمصار»، وعبارة أُخرى تقول: «ليس من فعل أهل الورع، وليس من فعال الحكماء، أن تأخذ سماع رجل فتحبسه عليه، فمن فعل هذا فقد ظلم نفسه» وعلى الجانب الثالث أيضاً كتبت العبارة التالية: «قوام أمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم، ولولا القلم ما قام دين ولا صلح عيش». وفي الفسحة الكبيرة حيث مكتب الاستعلامات يقع سُلّمان، أحدهما كهربائي «مصعد» والآخر سُلّم عادي.
جولة في أقسام المكتبة
قمنا مع مسؤول قسم المخطوطات، بجولة في أقسام المكتبة مبتدئين بالقبو الذي يقع تحت الأرض ويشمل هذا الطابق قسم التصحيف التجليد، يعمل فيه ثلاثة من المتخصصين في أعمال تجليد الكتب والعناية بها، حيث يجلدون الكتب الخاصّة بالمكتبة وفق الطريقة القديمة بخياطة الكتاب وقصّه وتجليده وفق الطريقة القديمة بخياطة الكتاب وقصّه وتجليده بالجلد السميك. وهناك يجلدون كلّ (1000) كتاب دفعة واحدة. ويضم هذا الطابق أيضاً قسم المكاين والكهرباء «القسم الفني» يديره متخصصان في الكهرباء والمكاين يتناوبان العمل فيه خلال 24 ساعة.
بعد ذلك صعدنا إلى الطابق الأرضي حيث قسم إعارة الكتب. هنا يقوم موظف بتسلّم ورقة الاستعارة التي سجل فيها المستعير المعلومات المطلوبة للكتاب فيرسلها إلى الطابق الثالث عن طريق مصعد. وهناك يقوم موظفان بإخراج الكتاب من موضعه وإرساله إلى الطابق الأرضي عن طريق المصعد نفسه فيسلّم إلى طالبه.
هناك ثلاثة أنواع للفهارس
1 ـ فهرس وفق أسماء المؤلفين. حيث يمكن معرفة الكتاب ورقمه من خلال اسم مؤلفه.
2 ـ فهرس حسب أسماء الكتب. إذ يمكن إيجاد الكتاب المطلوب وفق عنوانه.
3 ـ الفهرس «الأم» وهو فهرس عام لجميع الكتب يجد فيه المستعير الكتاب الذي يريده بمجرد أن يعرف اسم الكتاب أو اسم مؤلفه فقط.
وهناك فهارس خاصّة بالمجلات والصحف المعروفة والمشهورة. وإذا صعدنا إلى الطابق الثاني لاحظنا أنّه خصّص لخزن الكتب الخطية، ولأقسام الإدارة.
الكتب الخطية
حقاً إنّ المكتبة تحتوي على كنوز وتحف رائعة وهي رصيد رائع لاحتياطي ضخم من الكتب الخطية المختلفة في مختلف اللغات، والقسم الأكبر فيها باللغة العربية. وقد قيل لي إنّ عدد الكتب الخطية الموجودة يبلغ مائة وخمسة وثلاثين ألف كتاب، منها كتب خطية نفيسة ونادرة. والمخزن الخاص بهذه الكتب له باب حديد كأبواب «الصناديق الحديد الخاصّة بالنقود» وله قفل يفتح برموز سرية خاصّة. وهناك باب آخر اضطراري مقفول دائماً. ومن أهم المخطوطات المكتوبة بأيدي مؤلفيها هي بعض مؤلفات الشيخ الأنصاري والعلاّمة الحلي، والشيخ الطوسي، وغيرهم. ومن ذلك نسخة خطية لكتاب «تفسير التبيان» وهي أقدم نسخة خطية بخط الشيخ الطوسي. ومن الكتب الأُخرى:
ـ «الإشارات في تفسير الآيات»: لنجم الدين عبدالله بن محمد الأسدي المشهور بـ (داية) في العام 654هـ.ق.
ـ نسخة من القرآن الكريم: بخط كوفي مكتوبة على جلد الغزال.
ـ نهج البلاغة: مكتوب في عام 529هـ. كما أنّ هناك نسخاً أُخرى لنهج البلاغة مكتوبة بتواريخ مختلفة في 649هـ وفي أوائل القرن السادس الهجري.
ـ نسخة للصحيفة السجادية: مكتوبة في القرن السابع الهجري.
ـ كتاب «إعراب القرآن»: مكتوب في 446هـ.
ـ «الوسيط في تفسير القرآن»: للواحدي النيشابوري، هي نسخة جيدة كتبت عام 574هـ.
ـ «معاني القرآن»: لأبي جعفر النحاس وقد كتبت في القرن الخامس الهجري.
ـ «غرر الفوائد ودرر القلائد»: المعروف بـ (أمالي المرتضى) للشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى الموسوي المتوفى عام 436هـ، وهي في الأدب ومكتوبة بالعربية.
«حدائق الحقائق في تفسير دقائق أحسن الخلائق»: شرح (نهج البلاغة) لقطب الدين محمد بن حسين البيهقي الكيدري في القرن السادس، وهو كتاب رائع في الأدب واللغة والكلام والتاريخ، مكتوب بالعربية.
ـ «بحار الأنوار»: للملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي عام(1111هـ)، وهو موسوعة في الحديث والتاريخ، كتب بالخط العربي، وقد استنسخ في عام 1235هـ.
ـ «مجمع البحرين ومطلع النيرين»: للشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي عام 1087هـ وقد استنسخ في 28 صفر 1233، وهو كتاب في اللغة، عربي اللسان.
ـ «ذخيرة خوارزمشاهي» تأليف أمير زين الدين إسماعيل بن حسين حسيني گورگاني في عام 531 أو 535هـ، وهي نسخة رائعة في علم الطب، كتبت باللغة الفارسية، كتبها شريف الدين محمد هروي عام 968هـ.
ـ «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار»: وهو كتاب في الحديث للعلاّمة الشيخ محمد بن حسين الطوسي عام (460هـ). وقد استنسخ عام 1076هـ، باللغة العربية.
ـ «رياض السالكين في صحيفة سيد العابدين»: للسيد صدر الدين علي بن أحمد المدني الشيرازي عام (1120هـ). وهو كتاب بالدعاء والمناجاة من أدعية الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) والمعروف بالصحيفة السجادية وقد كتبت عام (1135هـ).
ـ «مجمع البيان لعلوم القرآن»: للعالم الفاضل أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي عام 548هـ. وهو كتاب في التفسير كتب بالعربية عام 1308هـ.
ـ «تهذيب الأحكام»: للشيخ الطوسي، (رحمه الله تعالى) عام (460هـ)، في الحديث، مكتوب باللغة العربية.
ـ «خلاصة منهج الصادقين»: للملا فتح الدين شكر الله الكاشاني، في التفسير، وقد ألّف باللغة الفارسية وكتب عام 1055هـ.
ـ «من لا يحضره الفقيه»: للشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق في عام 381هـ، وقد استنسخت هذه النسخة في جمادى الأولى عام 976هـ، والكتاب باللغة العربية ويبحث في الحديث.
ـ «أشجار وأثمار»: لعلاء المنجم علي شاه بن محمد بن قاسم الخوارزمي البخاري، في القرن السابع الهجري، وهو يبحث في النجوم والفلك. والنسخة الموجودة مستنسخة في جمادى الآخرة عام 1222هـ.
– «رجال ابن داود»: لتقي الدين حسن بن علي بن داود الحلي في القرن السابع الهجري، وهو كتاب يبحث في الرجال وقد كتب باللغة العربية بخط النستعليق. كتب الجزء الاول منه سراج الدين بن أحمد الشوشتري عام 1021هـ، والجزء الثاني استنسخه نظام الدين علي بن غياث الدين بن نظام الدين علي الشوشتري عام 1024هـ.
ـ «تلخيص المرام في معرفة الأحكام»: (فقه ـ عربي) للعلاّمة حسن بن يوسف بن المطهر في عام 726هـ.
ـ «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال»: للعلاّمة حسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلي، ويعود إلى القرن الثامن الهجري، وهو مستنسخ بخط جميل كتبه محمد بن محمد تقي القمي عام (1300هـ) يبحث في الرجال، ومكتوب باللغة العربية.
ـ «صحاح الغة»: لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، عام 393هـ، في اللغة، ومكتوب بالعربية.
ـ «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»: تأليف جار الله محمود بن عمر الزمخشري، في عام 538هـ، وهو من التفاسير المشهورة للقرآن الكريم، باللغة العربية وهو غير كامل إذ يبأ من الآية﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من سورة الأعراف.
ـ «ضيافة الإخوان وهدية الخلان»: لرضي الدين محمد بن الحسن القزويني عام 1096هـ، وهو كتاب يبحث في التراجم، مدوّن باللغة العربية.
ـ نسخة لكتاب «الكشكول»: لمؤلفه الشيخ علي تقي بن أحمد بن زين الدين الإحسائي. وهو كتاب ماتع في الأدب والتفسير والفقه والألغاز والأشعار، مكتوب بالعربية، يعود تاريخه لمؤلفه عام 1271هـ.
ـ «تنقيح المرام في علم الكلام»: للمولى علي بن محمد يوسف القزويني، يبحث في علم الكلام، مكتوب باللغة العربية، يعود إلى القرن الثاني عشر الهجري.
ـ «لوامع الإشراق في مكارم الأخلاق»: لجلال الدين محمد بن أسعد ـ عام 908، وهو كتاب باللغة الفارسية يبحث في الأخلاق.
ـ «الجعفرية»: للمحقق علي بن عبد العالي العاملي المعروف بـ (الكركي) في الفقه عام 940هـ.
ـ «النافع يوم المحشر في شرح الباب الحادي عشر»: للمقداد السيوري ـ عام 826هـ في علم الكلام.
ـ «لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين»: للشخي يوسف البحريني عام 1180هـ.
ـ «صنعة الإسطرلاب»: لمؤلفه شيخ زاده أبي إسحاق بن عبدالله الكويتاني في القرن التاسع، يبحث في الإسطرلاب.
ـ «الكافية»: لابن الحاجب، في النحو، عربي كتب عام 646هـ.
ـ «مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة»: منسوب للإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وهو في الحديث، مستنسخ عام 1136هـ.
ـ «أساس البلاغة»: للزمخشري، عام 538هـ.
ـ «المقنع»: لابن قدامة الحنبلي، فقه، عام 620هـ.
ـ «زاد المسير في علاج البواسير»: لمحمد بن محمد قيصوني الطبيب.
ـ «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»: للقاضي ناصر الدين عبدالله البيضاوي في التفسير، عربي.
ـ «جوامع الجوامع»: للشيخ الطبرسي ـ في التفسير ـ عام 548هـ.
ـ «شرح الألفية»: لبدر الدين محمد بن محمد بن مالك عام 686 هجري وهو في النحو في اللغة العربية.
ـ «شرائع الإسلام»: للمحقق الحلي جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد عام 676هـ. وهو كتاب كبير في الفقه، مستنسخ بخط عماد الدين بن مساعد الحسيني الحائري عام 916هـ، وقد كتب في اللغة العربية.
ـ «الكافي»: لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني عام328هـ وهو كتاب في الحديث ألف باللغة العربية، والنسخة الموجودة مستنسخة من قبل محمد بن علي بن حاجي فتحي في جمادى الثانية 1067هـ.
ـ «حاشية شرح التجريد الجديد»: يبحث في علم الكلام لشمس الدين محمد الأسترآبادي، مؤلف باللغة العربية في القرن العاشر الهجري. بدأ الكتاب بالقول: (ربنا وفقنا لتجريد الكلام في شرح كبرياء ذاتك ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا في عدّ آلائك) وهو بخط النستعليق.
ـ «مختصر بصائر الدرجات»: للشيخ حسن بن سليمان بن خالد الحلي في القرن الثامن الهجري في الحديث.
ـ «منال الطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)»: وقد كتب في عام 620هـ.
ـ «كامل التعبير»: وهي نسخة خطية قديمة جداً.
ـ «المِلل في الكلام»: كتبت عام 595 هجرية.
ـ «أصول علم الحساب»: للميرزا علي خان ناظم العلوم، باللغة الفارسية يبحث في الحساب (عام 1327هـ).
ـ «المختصر النافع»: للمحقق الحلي سنة 676هـ في الفقه.
ـ «اختيارات بديعي»: لمؤلفه علي بن حسين الأنصاري المعروف بـ (حاجي زين العطار) عام 806هـ، وهو في الطب باللغة الفارسية.
ـ «مروج الذهب ومعادن الجوهر»: لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي عام 346هـ في التاريخ.
ـ «لب التواريخ»: لأمير يحيى بن عبد اللطيف الحسيني القزويني، في القرن العاشر، يبحث في التاريخ، ومكتوب بالفارسية.
وغير ذلك من الآلاف المؤلفة من الكتب الخطية النادرة، والكثير منها لم ير النور ولم يطبع، وهي كنوز مخفية يحتاجها المحقق والمؤلف والمصنف.
صعدنا إلى الطابق الثالث، وهو طابق واسع تحتله مخازن الكتب المطبوعة وهي مرتبة بشكل رائع وجذاب. ويبلغ تعدادها أكثر من نصف مليون كتاب في شتى فنون المعرفة الإنسانية وفروعها، وهي موجودة بمختلف اللغات الحية في العالم كالعربية، والإنكليزية، والفارسية، والهندية، والأردوية، والألمانية، والفرنسية، والروسية، والتركية، والصينية وغيرها. ويعمل في هذا القسم موظفان يقومان بإحضار الكتاب للمستعير عن طريق ـ الاستمارة الخاصّة بالاستعارة والتي تصل إليهما من الطابق الأرضي بواسطة المصعد. والجدير ذكره أنّ الكتب قد صنّفت حسب الحجم: الوزيري، الجيبي، الرحلي ـ والكتب في تنام مستمر.
أقسام المكتبة وملاكها الوظيفي
يتألف الجهاز الإداري والفني للمكتبة من مدير عام ومعاون، وستة أقسام موزعة كالآتي:
1 ـ قسم المخطوطات وتراث السلف: ويديره مسؤول مع مساعدين ويقوم بالأعمال الخاصّة بالقسم والتصنيف الفهرسي.
وقد بلغت الفهارس لحدّ الآن (14) مجلداً وهي مستمرة في تصنيف وفهرسة الكتب الخطية، علماً بأنّ فهارس الكتب المطبوعة بلغت (100) مجلد ولا تزال مستمرة.
2 ـ قسم المطبوعات: ويختص بأعمال الطباعة النشر.
3 ـ قسم التجليد والتصحيف: وهو قسم يقع في القبو تكلمنا عليه سابقاً.
4 ـ قسم المحققين والمؤلفين: ويقوم هذا القسم بتحضير الكتب التي يحتاجها المحقق أو الباحث سواء كانت خطية أو مطبوعة.
5 ـ قسم التصوير والمايكروفلم: ويختص هذا القسم بأعمال إعداد فيلم الكتاب وتلبية الطلبات التي ترده من الداخل والخارج.
6 ـ قسم الإدارة والحسابات: وهذا القسم يعنى بالأعمال الإدارية والخدمات والحسابات والمصاريف وإعداد التقارير والميزانيات وغيرها.
ميزانية المكتبة في تنامٍ مستمر، ففي الوقت الذي كانت في عام (1976) قد بلغت نحو (110667) توماناً سنوياً. وصلت في هذا العام (1988) (300000) تومان، أي ما يعادل (30000) دولار وأنّ 25% من هذا المبلغ يؤمن عن طريق الموقوفات التي أوقفت خصيصاً للمكتبة ومصروفها، وتشمل الدور والبساتين وغيرها ـ أمّا المبلغ المتبقي فيؤمنه السيد المرعشي حفظه الله.
الدوام وأوقات العمل
تفتح المكتبة أبوابها يومياً من الساعة (30/7) صباحاً حتّى الساعة (30/11) قبل الظهر ومن الساعة (00/4) مساءً حتّى الساعة (30/8) مساءً والاستعارة في المكتبة في الوقت الحاضر داخلية، ويرتاد المكتبة يومياً المئات من طلاب العلم والمعرفة وطلاب الدراسات العليا والباحثين وطلاب وأساتذة الجامعات الدينية والحوزة العلمية. وفي إحصاءات المكتبة، إنّ عدد الذين يزورن المكتبة ويطالعون فيها يتراوح بين (1200ـ2500) شخص يومياً من مختلف الطبقات والشخصيات.
العناية بالكتب وعلاجها
من أهم أعمال المسؤولين عن المكتبة وكتبها هي العناية بهذه الكنوز والنفائس من الخراب والدمار والتمزق والضياع… وصيانة ومعالجة الكتب أصبحت علماً قائماً بذاته يهدف إلى المحافظة على الكتب من التلف وتكسر الورق ومكافحة الحشرات التي تصيب الكتب فتقضمها قضماً تحيلها كالتراب… ومن خلال زيارتنا لمخازن الكتب لاحظنا أنّ واقع الكتب ينبئ عن وجود جو مَرَضي وسيئ، إذ أنّ المكتبة بحاجة إلى تدقيق وفحص من قبل خبراء في هذا المجال، والعمل على تعقيم البناية والكتب ومخازنها واستعمال المبيدات لهذا الغرض… إنّ التلف لا يتبيّن مباشرة، كالأمور الأُخرى، فهو مرض لا يتبيّن إلاّ بعد أن يستفحل.
وإذ تهم بالخروج من المكتبة، وأنت في الفسحة التي في الطابق الثالث، تطالعك العبارات التالية:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث، ولدٌ صالح يستغفر له، صدقة جارية، وورقة ينتفع بها الناس» الحديث.
«التصانيف والتآليف هي خزائن عامرة، ومدارس سيّارة، ورياض زاهرة تلقي الدروس على الحاضر في نادي العلم والغائب».
«الكتاب جليسك الذي لا يطريك، وصيقك الذي لا يملّك، والناصح الذي لا يسترئيك».
زهير سليمان
المرقد الشريف
المرقد بناء يتجلى فيه الفن المعماري الإسلامي، وتزينه النقوش الرائعة الجميلة مما يجعله في غاية العظمة والجلال.
ومساحة البناء بما في ذلك الحرم والأروقة والأواوين والصحن القديم والصحن الجديد وصحن النساء المعروف الآن بمسجد الطباطبائي أو «موزه» والمكان المعروف بمسجد فوق الرأس ومقابر ملوك الصفوية وغيرها – مساحته – (13527) متراً مربعاً، منها (1914) م مربعاً مساحة الأرض التي تحت البناء والبقعة عبارة عن صحني الحرم.
قبة الحرم هرمية الشكل قاعدتها ثمانية أضلاع بين كل ضلع وآخر (70/2) متر. طول كل ضلع منها (3/8) متراً، وقد اثبت في كل ضلع شباك من الذهب أو الفضة أو غيرها.
ارتفاع القبة عن سطح البناء (16) متراً… محيطها من الداخل (66/28) متراً ومن الخارج (35/60) متراً وهي من الخارج مكسوة بصفائح الذهب، عليها كتابات وأشعار جميلة باللغة الفارسية، ومن الداخل زينت ايضاً بالنقوش البارزة الجميلة وبالمرايا، وتحت القبة ضريح من الفضة، مزين أعلاه بالذهب بمقدار متر من جميع الجهات، كما أنه قد زين بكتابات ونقوش في غاية الروعة والجمال.
وارتفاع هذا الضريح (4) أمتار وطوله (25/5 أمتار)، وعرضه (73/4 أمتار)، وهناك الإيوان الواقع في الجهة الشمالية من الحرم والمتصل بالصحن القديم والذي يبلغ ارتفاعه (80/14) متراً، وعرضه (70/8) أمتار، وطوله (9) أمتار.
وهو مذهب من الداخل وفيه نقوش بارزة محلاة بالذهب وفوقه مئذنتان مستديرتا الشكل، ارتفاع كل منهما من وجه الأرض (20/32) متراً، وقطر كل منها (5/1) متر، أعلاهما مذهب ويعرف هذا الإيوان بـ (إيوان الذهب).
وفي الجهة الشرقية إيوان آخر متصل بالحرم بواسطة رواق مزين بالمرايا كما أنه متصل بالصحن الجديد وارتفاعه (80/7) م، وعرضه (87/7) م، وطوله (9) م، وله أربعة أعمدة من الحجر ارتفاع كل منها (11) م، وشكله نصف هرمي مزين بالمرايا والنقوش البارزة من الداخل.
وفوق هذا الإيوان مئذنتان ارتفاع كل منهما عن سطح الأيوان (28) م، ومحيطها (30/3) م، وهما أعلى ما في الحرم ولهما أهميتهما من حيث الفن المعماري ومن حيث النقوش الجميلة والكتابات التي تزينها.
ويقع الصحن القديم في الجهة الشمالية من الحرم المطهر وطوله (70/35) م، في عرض (70/34) م، تحيط به الغرف من ثلاثة جوانب، وفي الجهة الرابعة منه يقع الحرم وإيوان الذهب.
وله بابان: الشرقي منهما يتصل بالصحن والغربي يفتح على المسجد الأعظم وباب ثالث يفتح على المدرسة الفيضية أما الصحن الجديد ويعرف بالصحن الأتابكي، فيقع في الجهة الشرقية للحرم وهو أوسع من القديم وله ثمانية أضلاع فالشرقي والغربي طول كل واحد منهما (6/78) م، وطول كل من الشمالي والجنوبي (8/46) متراً، والأربعة أضلاع الأخرى طول كل واحد منها (7/3) أمتار.
ومن مدخل هذا الصحن من جهة شارع (أرم) يوجد خمسة أضلاع طول الشمالي والجنوبي (10) أمتار، وضلعان مربعان طول كل منهما (8/5) متراً.
وفي هذا الصحن أربعة أواوين: شرقي وغربي وجنوبي وشمالي، أما الغربي فقد تقدم الحديث عنه، وأما الشرقي وهو المدخل المتصل بشارع (أرم) فطوله (8/7) م، وعرضه (30/7) م، وارتفاعه (6/13) متراً، وفيه نقوش جميلة بارزة فوقه بناء فيه ساعة كبيرة ومئذنتان صغيرتان ارتفاعهما عن وجه الأرض (5/13) متراً.
مقام السيدة فاطمة المعصومة
وأما الشمالي وهو المدخل المواجه لشارع (الآستانة) فارتفاعه (80/12) م، وطوله (7) وعرضه (40/4) متراً، ويماثله الجنوبي في جميع ذلك وعلى كل واحد من هذه الأواوين مآذن جميلة صغيرة الحجم.
وفي وسط هذا الصحن حوض بيضوي الشكل طوله (5/19) م، وعرضه (60/12) م، وتحيط الصحن (31) غرفة، لكل إيوان خاص بها طوله (3) امتار بعرض (2) م، إلا ثمانية أواوين فإن طول كل واحد منهما (60/6) م، بعرض (20/3) م، له عمودان من الحجر وكل ما ذكرناه من الأبنية مزين بالنقوش الجميلة والقاشاني كأروع وأحسن ما يكون.
وهناك صحن النساء ويقع في الجهة الجنوبية من الحرم وفي الضلع الغربي من الصحن الجديد «الأتابكي» وهو ما يعرف الآن بصحن موزة (المتحف) أو مسجد الطباطبائي طوله 24 متراً وعرضه (60/19) متراً.
فوق هذا الصحن قبة فضائها (17) متراً، وارتفاعها (17) متراً أيضاً، وقد استمر البناء في هذه القبة من سنة 1360ﻫ إلى سنة 1370ﻫ، ويحمل القبة عدة أعمدة مزينة بالرخام وفي أعلاها النقوش الجميلة. وقد زينت جميع أطراف المسجد بالنقوش البارزة المطعمة بالمرايا. وهذا الصحن متصل بالحرم برواق طوله (8/7) أمتار وهو من أحسن مباني الحرم المطهر وأجملها.
ومسجد فوق الرأس بناء جميل كان في الأصل مقبرة طوله (48) متراً بعرض (14) وارتفاعه (12) متراً، ليس فيه أي عمود، وهو أيضاً مزين بالنقوش الجميلة والكتابات بالكاشي.
وهناك متحف الحرم، ويدخل إليه من نفس صحن النساء، وله طريق آخر من الخارج من شارع «موزة»، أي المتحف، وهو يتألف من قسمين: الأول طوله (60/70) متراً، وعرضه (90/4) متراً، والثاني طوله (20/15) بعرض (50/5) متراً، وهو يضم الهدايا والنفائس التي أهديت للحرم المطهر على مر الزمن من قبل الملوك والأعيان وغيرهم.
تجديد عمارة الحرم والصحن
عندما توفيت السيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) دفنت في أرض لموسى بن خزرج تسمى بابلان.
وأقام أبناء سعد الأشعري على قبرها خيمة من الحصر المصنوعة من القصب إلى أن جاءت زينب بنت الإمام الجواد (عليه السلام)، وبَنَت على القبر قبة هي أول قبة تقام على ذلك القبر، وكان للبناء باب صغير إلى جهة النهر الذي يفصل بين شطري قم الآن، واستمر الحال على هذا إلى سنة (350ﻫ) حيث جاء زيد بن أحمد بن بحر الأصفهاني وبدل ذلك الباب الصغير بباب أكبر منه. وفي عهد طغرل السلجوقي (429 ـ 465هـ)، هدمت القبة الصغيرة، وبني بدلاً عنها قبة أخرى أكبر منها وأعلى وافخم، وكان الذي قام بهذا العمل الأمير أبو الفضل العراقي، من أمراء طغرل واستمر الحال على هذا فكان يتجدد بناء المرافق والملاحق للمزار من دون أن يتجدد بناء القبة إلى زمان الصفوية حيث بدأت التغييرات والتجديدات في عهدهم بصورة أوسع فهدمت القبة السلجوقية في سنة (925هـ) وبني مكانها قبة أعلى وأفخم وأحسن منها تقوم على ثمانية أضلاع وكانت مزينة من الخارج بالكاشي واما من الداخل فقد كانت منقوشة بالذهب واللازورد، وهذه القبة باقية حتى الآن على المرقد الشريف بتغييرات في داخل القبة وخارجها، ولم يكن هناك إيوان ولا صحن ولا وضع ضريح من الداخل، واستمر الحال على هذا إلى زمن الصفويين حيث بدأت التغييرات والتجديدات.
وفي سنة (925هـ) بنى شاه إسماعيل الإيوان الشمالي المتصل بالصحن القديم وزينه بالكاشي (المعرق)، وجعله المدخل الوحيد للحرم، كما أن الشاه إسماعيل وضع الأساس للصحن القديم، وفي سنة (950هـ)، بنى الشاه طهماسب ضريحاً على المرقد المطهر وكان من الكاشي، وفي سنة (1077هـ) بنى الشاه سليمان الصفوي صحن النساء في الجهة الجنوبية من الحرم، وأصبح هذا الصحن طريقاً خاصاً لمقبرة الشاه سليمان والشاه عباس والشاه سلطان حسين، إذ من المعلوم أن مدخل هذه المقبرة كان من هذا الصحن فقط.
هذا وقد وضع الشاه عباس على ذلك المرقد المطهر ذلك الذي كان قد زين بالكاشي، قفصاً من الفولاذ الأبيض، وكان لإتقان الصنع بحيث أوجب أن يظن الرحالة المشهور (تاورينة) أنه من الفضة.
كما أن مرتضى قلي خان أحد رجال الدولة الصفوية قد جدد بناء إيوان الحرم، وبعد عهد الصفوية وبالتحديد في سنة (1218هـ) رفع الكاشي عن القبة، ووضع بدلاً عنه لبنات من الذهب، وفي سنة (1236هـ) بني مسجد فوق الرأس، وفي سنة (1266هـ) جدد بناء أيوان الشاه إسماعيل، وفي ذلك الوقت أيضاً وسع الصحن العتيق وبني من الجهة الشمالية منه مئذنة.
وفي سنة (1221هـ) فرشت أرض الحرم وجدرانه بالرخام كما زين الضريح بالذهب ووضع أول باب ذهبي في الضلع الشمالي للرواق المتصل بإيوان الذهب الشمالي، وفي سنة (1215هـ) زين داخل القبة بالنقوش البارزة والمرايا والكتابات الجميلة، وفي سنة (1376هـ) زين إيوان الشاه إسماعيل بلبنات الذهب، وفي سنة (1375هـ) لبّس الضريح الفولاذي بالفضة وزين بالنقوش والكتابة.
وبنى شهاب الملك مآذن الإيوان الشمالي وزينها بالكاشي ووضع (كامران ميرزا) قضبان الذهب في أعلاهما، وشرع أمين السلطان ببناء الصحن الجديد المعروف بالصحن الأتابكي ووضع أسسه لكن الأجل عاجله فأكمل العمل بعده ولده أمين السلطان والوزير الأعظم أتابك وجعل في الجهة الغربية من الصحن إيواناً زينه بالمرايا من الداخل والكاشي من الخارج وبنى حول الصحن غرفاً متعددة أصبحت فيما بعد مقابر للأعيان والأشراف، كل ذلك مزين بالكتابة والنقوش الجميلة، وقد انتهى من ذلك كله سنة (1303هـ).
وفي سنة (1346هـ) جرت بعض التعميرات في صحن النساء وبني إيوان فيه.
وفي سنة (1346هـ)، وضع (نظام السلطنة) بابين من الفضة في الضلع الغربي من الحرم، وفي سنة (1354هـ) أحدث متحف للإستانة في الطرف الغربي من صحن النساء، ووضع فيه جميع الهدايا والنفائس التاريخية.
أهم الشخصيات المدفونة في قـم
من الشخصيات المدفونة في قم علماء وفقهاء وملوك ووزراء وغير ذلك من الطبقات ونذكر من العلماء والمحدثين:
1 ـ أبا الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق.
2 ـ أبا القاسم جعفر بن محمد بن موسى بن قولويه أستاذ الشيخ المفيد.
3 ـ علي بن إبراهيم المنسوب إليه تفسير القرآن.
4 ـ زكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري من كبار أصحاب الرضا (عليه السلام).
5 ـ زكريا بن إدريس.
6 ـ آدم بن إسحق بن آدم.
7 ـ الميرزا أبو القاسم بن محمد حسن كيلاني المعروف بالميرزا القمي صاحب كتاب «قوانين الأصول».
8 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم مؤخراً.
9 ـ السيد حسين البروجردي.
10 ـ السيد صدر الدين الصدر.
وعدد من أعلام العلماء المتأخرين.
ومن ملوك القاجارية والصفوية ستة هم:
1 ـ الشاه عباس الثاني الصفوي.
2 ـ الشاه سلطان حسين الصفوي.
3 ـ الشاه صفي الصفوي.
4 ـ الشاه سليمان الصفوي.
5 ـ فتح علي شاه قاجار.
6 ـ محمد شاه قاجار.
أهم مساجدها التاريخية ومزاراتها
يُقال إن في قم وأطرافها ما يقارب الثلاثمائة مزار، لكلّ منها قبّة وحرم وصحن.
ومن أهم مزارتها
1 ـ مزار الحمزة بن موسى بن جعفر (عليه السلام).
2 ـ علي بن جعفر الصادق (عليه السلام).
3 ـ إبراهيم بن أحمد بن موسى بن جعفر (عليه السلام).
4 ـ أحمد بن القاسم بن علي بن جعفر بن الصادق (عليه السلام).
5 ـ چهل اختران: وفيه قبر موسى المبرقع ابن الإمام محمد التقي (عليه السلام)، وهو جدّ السادة الرضويين والمبرقعين.
6 ـ خاكفرج: وفيه قبر أحد أبناء الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ويحتمل صاحب (تاريخ قم) أن يكون اسمه أحمد.
ومن أهمّ مساجدها
في قم كثير من المساجد قد تزيد بمجموعها على مئة مسجد أهمها:
1 ـ مسجد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بناه أحمد بن إسحاق الأشعري بأمر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) على ما هو معروف، أضيف إليه كثير من الأبنية والتعميرات، ويدل على ذلك أنّه قد كتب على محراب الإيوان أنّ تاريخ بنائه سنة (1129هـ) في عهد الشاه سلطان حسين الصفوي، ولكن الأبنية الفعلية، ما عدا السرداب، هي من زمن السلطان ناصر الدين شاه، ومن الطبيعي أن يكون هذا المسجد الذي بني بأمر الإمام (عليه السلام) موضع عناية خاصّة من جميع الطبقات.
2 ـ مسجد الجمعة وهو من الأبنية القديمة التي لا يعرف زمان بنائها، ولكن لا شك أنّه بني في العهد السلجوقي قبل سنة (529هـ)، كما تدل عليه كتابة ذكر أنّها موجودة فوق الإيوان الكبير، وقد زاد فيه فتح علي شاه سنة (1246هـ و1248هـ). وفي الطرف الغربي منه رواق على 18 عموداً.
3 ـ مسجد (عشق علي) وهو يشتمل على جناحين، أحدهما قديم لا يعرف تاريخ بنائه، تقوم فوقه قبّة بالآجر، والآخر أضيف إليه في زمن ناصر الدين شاه.
4 ـ مسجد فوق الرأس.
5 ـ مسجد الطباطبائي ـ أو مسجد المتحف، وقد مرّ الحديث عنهما.
6 ـ مسجد السيد البروجردي، ويسمّى بالمسجد الأعظم ـ وهو من أعظم المساجد في إيران، أسّسه السيّد حسين البروجردي سنة 1373هـ، أنفق على بنائه أكثر من سبعة ملايين تومان، مساحته 11 ألف متر مربع، قسم منها واقع تحت البناء والقسم الآخر يشكل صحن «دار» المسجد وسائر مرافقه، تقوم فوقه قبّة عظيمة مزينة بالكاشي من الداخل والخارج، لعلها أعظم قبّة في إيران، وله مئذنتان عظيمتان هما أعلى مئذنتين في قم، ومئذنتان صغيرتان وبناء لساعة كبيرة كلّها مزينة بالكاشي ذي النقوش الجميلة.
7 ـ مسجد جمكران على مقربة من قم، ويعرف بمسجد الإمام صاحب الزمان.
أهم مدارسها الدينية
في هذه المدينة عدد من المدارس الدينية التي هي بمثابة الأقسام الداخلية للطلاب المهاجرين. بعض هذه المدارس قديم العهد، وبعضها الآخر حديث، تخرّج منها العديد من العلماء الأفذاذ، نذكر من تلك المدارس:
1 ـ المدرسة الفيضية: كانت مدرسة صغيرة ثم وسعت سنة 1223ﻫـ، ويبلغ طولها الآن (60/70) وعرضها (50) م، وفي الجهة الجنوبية منها إيوان يصل المدرسة بحرم المعصومة، طوله (20/11) وعرضه (4) أمتار بارتفاع (5/12)، بني في سنة (939هـ)، وقد بنى هذا الإيوان الشاه طهماسب، وفي كل من الضلع الشمالي والشرقي والغربي إيوان ارتفاعه (5/12) متراً، وطوله (9) أمتار، وعرضه (6) أمتار.
ويقع خلف الإيوان الغربي مسجد طوله (9) أمتار بعرض (6) فوق مكتبه سيأتي الكلام عنها.
وهي مؤلفة من طابقين، أحدهما قديم البناء وفيه (48) غرفة، والآخر حديث البناء، وفيه (48) غرفة، وهي مبنية من زمان الصفوية ويُقال إن بناءها كان من أجل طهماسب.
2 ـ المدرسة الحجتية: بناها السيد محمد الحجة سنة 1364ﻫـ، تتألف من ست بنايات منفصلة، كل منها تتألف من طبقتين، فيها أكثر من (140) غرفة وفيها مسجد.
قـم والتشيع
يمكن القول بشكل قطعي إنّ مدينة قم كانت أوّل مركز للتشيع في إيران، لأنّ تاريخ التشيع فيها يعود إلى الربع الأخير من القرن الأوّل الهجري. وكانت إيران حينها ما زالت تعيش التجاذبات بين قبول الإسلام والبقاء على دين آبائها وأجدادها. في حين اختارت مدينة قم طريقها الديني.
لكن هل كانت قم مدينة إسلامية، أم أنّها كانت موجودة قبل الإسلام ثمّ أسلمت؟ هناك أقوال كثيرة في هذا المجال. فالحموي اعتبرها مدينة إسلامية كما جاء في معجم البلدان، بينما اعتبرها آخرون مدينة قديمة، وقدموا أدلة على ذلك. فيما ناقش آخرون تلك الأدلة، ولن نبحث هنا سجالاتهم.
ويستفاد من مجموع الحوادث التي رواها مؤلف تاريخ قم عن نفوذ العرب الأشعريين في هذه المنطقة، يستفاد أنّ جماعات من غير العرب كانوا يقطنون في قم، ثمّ أخرجهم العرب منها بعد مدّة وقضوا عليهم.
وكان العرب الذين أتوا إلى هذه المنطقة من الأشعريين، وأصلهم من مناطق تقع جنوبي الحجاز.
ونقل اليعوقبي في (البلدان) أنّ أكثر العرب الذين سكنوا قم كانوا من قبيلة (مذحج) ويليهم الأشعريون.
وتوجد في هذا المجال روايات تحكي عن وجود العرب في قم حتّى قبل الأشعريين فهناك رواية تقول إنّ جمعاً من موالي (ابن عباس) أتوا إلى قم في النصف الأوّل من القرن الأوّل الهجري، وسكنوا فيها. ورواية أخرى تقول إنّه بعد ثورة المختار عام (67هـ) هاجر جمع من بني أسد إلى قم واستوطنوا فيها. وهناك رواية تقول بمجيء بني مذحج وقيس إلى هذه المنطقة قبل الأشعريين.
أحد أوائل أجداد الأشعريين الذين أتوا إلى قم هو السائب بن مالك الأشعري. وينقل الكلبي أنّه كان شيخ الشيعة في الكوفة. لذلك فقد طلب من (عبدالله بن مطيع) والي (عبدالله بن الزبير) أن يجري فيهم بسيرة علي (عليه السلام). وبعد ثورة (المختار) الذي خرج يطلب بدم الحسين (عليه السلام)، التحق (السائب) به، وبقي إلى جانبه حتّى آخر لحظة، حتّى نال الشهادة.
هذه المقدمات تدل على وجود التشيع بين الأشعريين، وكان حسّ معارضة الأمويين قوياً عندهم. وعندما قام (عبد الرحمن بن الأشعث) على الحجاج، كان (الأحوص بن مالك بن سائب) ممّن ثار معه.
ولمّا كان هو وأخوه عبدالله يخشيان الحجاج، قررا أن يبتعدا عن العراق، وأن يذهبا إلى نقطة لا تطالها يده.
ويستفاد من الأخبار التاريخية أنّهما كانا يريدان بلوغ (أصفهان) لكنّهما سكنا في قم، وفي البداية اتفقا مع أهالي هذه المنطقة، لكن بعد مدّة وقع بينهم نزاع كانت فيه الغلبة للأشعريين، وبذلك تأسّست مدينة قم على يد مجموعة من العرب الأشعريين الشيعة وكان إلى جانبهم بالطبع بعض الإيرانيين، أو أتوا إلى قم فيما بعد. بحيث تحوّلت لغتهم بعد مدّة إلى اللغة الفارسية كما نقل (ابن حوقل).
كتب (الحموي): إنّ أوّل عربي أتى إلى قم كان (عبدالله بن سعد) وكان معه ابن له رباه في الكوفة، واصطحبه معه إلى قم، وكان شيعي المذهب، وهو الذي جاء بالتشيع إلى تلك الناحية بحيث لم يبق فيها غير شيعي.
ونقل مؤلف تاريخ قم في هذا المجال أنّهم كانوا أوّل من أظهر التشيع في قم بشكل علني، في حين لم يكن ظهوره علنياً بهذا الشكل في باقي المناطق حتّى ذلك الحين. ونقل في مكان آخر أنّ من المفاخر الأخرى للأشعريين أنّ (موسى بن عبدالله بن سعد الأشعري) بدأ بإظهار المذهب الشيعي في قم، ثمّ اقتدى به أهل قم وأظهروا تشيعهم. حتّى أصبح التشيع امراً مسلّماً به في أسرتهم، بحيث نقل (المامقاني) أنّ المنسوبين إلى عبدالله كانوا كثيرين جداً، وكان أكثرهم من العلماء ومن المرتبطين بالأئمة (عليهم السلام).
ونقل (الكشي) عدّة روايات عن لقاء كلّ من: عمران بن عبدالله بن سعد وعيسى بن عبدالله للإمام الصادق (عليه السلام).
نوع التشيع في قم
تفيد عبارات الحموي أنّ أوّل شيعي في قم كان إمامياً، وهذا المصطلح يعني قبول التشيع الإثني عشري. حيث اعتقد أولئك بالتبعية للأئمة الطاهرين، وكانوا مرتبطين بسفراء الإمام الحجة (عليه السلام) خلال غيبته الصغرى بشكل منظّم.
لتوضيح هذا النوع من التشيع في قم نستفيد من دراسة هذين القسمين:
أ ـ علاقتهم بالأئمة:
الأشعريون الذين عرفوا فيما بعد بالقميين، يكفي في بيان ارتباطهم بالأئمة أنّ كثيراً منهم اعتبروا في كتب رجال الشيعة بصحابة الأئمة، منهم (يونس بن عبدالرحمن) حيث ينقل (ابن شاذان) عن (ابن المهتدي) أنّه كان أفضل قمي رآه، وأنّه كان وكيلاً للإمام الرضا (عليه السلام)، وأنّ ابن المهتدي سأل الإمام عمّن يسألونه إذا لم يروه شخصياً، فأمره بسؤال (يونس).
إضافة إلى ذلك هناك روايات كثيرة تتحدّث عن فضائل مدينة قم وأهلها، ورويت في كتب الحديث. وحجم هذه الروايات بلغ حدّاً يصعب معه إنكارها جميعاً. من تلك الروايات ما نقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) اعتباره قم ملجأ للشيعة. ويبدو أنّ ذلك أمراً طبيعياً لبُعد قم عن مركز الخلافة، ورواج التشيع فيها ممّا جعلها ملجأً للشيعة ومدح الإمام الصادق (عليه السلام) لشيعة قم يدل على تأييد عقيدتهم.
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال «قم بلدنا وبلد شيعتنا» وفي غيرها «وإنَّ لنا حرماً هو بلدة قم» وأيضاً «أهل قم أنصارنا» كما طُلب من الشيعة أن يتوجهوا إلى الكوفة وقم ونواحيهما عند شيوع فتن بني العباس لأنّ «في قم شيعتنا وموالينا» واعتبرت رواية أخرى قم «كوفة صغيرة».
ويستفاد من روايات أخرى أنّ علاقة أهل قم بالأئمة (عليهم السلام) كانت تزداد مع مرور الزمان. فقد نقل أنّ الإمام العسكري (عليه السلام) كتب رسالة إلى أهل مدينتي قم وآبة، ودعا لهم بالهداية الإلهية.
وفي جواب الإمام الجواد (عليه السلام) على رسالة (علي بن مهزيار) يذكر فيها اطلاعه على محنة أهل قم، ويدعو لهم بالخلاص من المحنة.
ونقل أنّ (الحسين بن روح) نائب الإمام الحجة (عليه السلام) كتب رسالة إلى جمع من فقهاء قم ذكر فيها عدّة أمور، وطلب منهم أن يقارنوا آراءهم بها، فردّوا عليه أنّهم لا يخالفونها إلاّ في مسألة جزئية. ويدل ذلك بوضوح على تنسيقهم مع الأئمة بشكل كامل.
ويستفاد من روايات أخرى أنّ أهالي قم كانوا يتردّدون للقاء الإمام الرضا (عليه السلام)، وجاء أيضاً أنّهم أوّل من بعث بالخمس إلى الأئمة (عليهم السلام). جاء في رواية أخرى «لولا القميون لضاع الدين». قد نقل الكشي عدّة روايات حول مجيء أبناء عبدالله القمي (عمران وعيسى) للقاء الإمام الصادق (عليه السلام).
ب ـ كلام المؤرخين والجغرافيين:
الشاهد الآخر على تشيع القميين هو كلام الجغرافيين حول عقائد أهل قم، فقد كتب (القزويني) حول عقيدة أهل قم الدينية (أهلها شيعة غالية جداً) وكان هذا التعبير يستعمل للتشيع العقائدي. وينقل قصة تفيد عدم وجود أي شخص من غير الشيعة فيها.
و(المقدسي) أيضاً وصف أهل قم بالشيعة الغلاة.
و(البلخي) أيضاً كتب أنّ جميع أهالي قم هم من الشيعة، وأغلبهم من العرب.
و(ابن حوقل) كتب بدوره أنّ المذهب الغالب على قم هو التشيع، وأنّ جميع أهل قم هم من الشيعة، وأنّهم لا يخدعون بأحد، ولغتهم الفارسية.
والمستوفي (720هـ) كتب أنّ أهل قم من الشيعة الإثني عشرية وهم بغاية التعصّب.
وقد ذكرت رواية تاريخية أخرى أنّ مذهب أهل قم هو (الرفض).
وكتب (أبو الفداء) أنّ عبدالله بن سعدان، والأحوص، وإسحاق، ونعيم وآخرين قد بنوا مدينة قم عام 83هـ، وأنّ موسى بن عبدالله بن سعدان هو الذي أظهر التشيع في تلك الديار. وأشار مؤلف (حدود العالم) إلى تشيع أهالي قم. وكتب (القاضي نور الله) أيضاً أنّ بلدة قم مدينة عظيمة وبلدة كريمة ومن جملة البلاد التي كانت دوماً داراً للمؤمنين، تخرج منها كثير من أكابر الشيعة الإمامية وأفاضلهم ومجتهديهم.
وذكر (آدم ميتز) أيضاً أنّ مدينة قم هي إحدى المدن الشيعية المهمة. وورد في آثار المتأخرين أيضاً مثل ذلك.
إنّ العبارات الواردة آنفاً تفيد أنّ مذهب أهالي هذه المدينة هو التشيع، وتفيد أيضاً أنّ مذهب أهلها لم يتغير طوال القرون المختلفة، وهذا ما أيّده الكتّاب والمؤرخون على مرّ القرون المتمادية.
فكلّ من يسمع اسم قم، يتداعى إلى ذهنه مباشرة الشيعة، وكانت أصفهان النقطة المقابلة لقم، ووقعت بينهما مواجهات، وكان اسم قم مؤلم لأهالي أصفهان. ينقل أنّ رجلاً أصفهانياً سأل آخر: من أي مدينة أنت؟ فأجابه الرجل: أنا من المدينة التي تقلع الأسنان. فتعجب الأصفهاني وسأله عن معنى ذلك. فأجابه الرجل: معنى ذلك أنّي متى قلتُ إنّي من قم قلتَ آه، ولم يعد من حاجة لذكر مذهبي، فليس من قمي إلاّ شيعي، ولا يسمّى القمي إلاّ رافضي.
قم والخلفاء
لمّا كانت مدينة قم شيعية المذهب بالكامل، لذلك لم تخضع للخلفاء، ولمّا كانت تضطر إلى ذلك كانت تظهر مقاومتها لهم بأي شكل من الأشكال.
وكان أهل قم لا يؤدّون الخراج كاملاً، وتعرّضوا بسبب ذلك عدّة مرّات إلى الأذية والضغوط. وكتب مؤلف (تاريخ قم) في هذا المجال إنّ أهل قم من الدراويش، يحصدون غلاتهم، ويتقاعسون في دفع الخراج ويتهاونون فيه. ويضيف إنّ همّة القوم وغرضهم دوماً في كسر الخراج، ما أدّى عدّة مرّات إلى هلاك بعضهم.
ونقل أيضاً أنّ الولاة الذين كان الخلفاء يرسلونهم، لم يكونوا يسكنون في مدينة قم، ولعل ذلك بسبب خوفهم من القتل، ويبدو أنّ أحداثاً قد وقعت بالفعل. فينقل أحد الولاة أنّه طوال أعوام ولايته على قم لم يجرؤ أن ينظر إلى امرأة من أهلها.
وجاء في خبر تاريخي أنّ أهل قم واجهوا الجيش الأموي، وهزموا على يده في فترة تحول الحكم إلى العباسيين، لأنّهم لم يكونوا مطمئنين من نتيجة المواجهة، وهل سيؤول الأمر إلى العلويين أم إلى العباسيين.
وذكر خبر آخر أنّهم كانوا يختلفون عن غيرهم في مسألة (طاعة السلطان) وكانوا يقصرون فيها.
وكان الخلفاء يختارون ولاة معادين لأهل البيت (عليهم السلام)، فيولونهم أمر قم عناداً لأهل البيت. وكان أهل قم يظهرون ردّة فعل تجاه ذلك. فنقل أنّ أهل قم امتنعوا عن طاعة الحاكم خلال عهود بعض الخلفاء العباسيين، وكانوا يواجهون كلّ من يرسل ليحكمهم. حتّى أُرسل الأمير ناصر الدولة بن حمدان والياً عليهم، وكان شيعياً فلمّا وصل إلى نواحي قم، خرج أعيانها لاستقباله محملين بالهدايا والتحف.
الطالبيون وقم
إنّ الضغط الذي مارسه الخلفاء الأمويون وأشد منه العباسيون على الطالبيين أجبرهم على اللجوء نحو المشرق، فأووا إلى مدن إيرانية مختلفة من الشمال إلى الجنوب، وكان من بين تلك المدن مدناً لجأ إليها عدد أكبر لخصوصية فيها، وكان من بين تلك المدن مدينة قم. ومن الطبيعي أن تستقبل قم بعقيدتها الشيعية الطالبيين برحابة صدر.
ونقل (الخونساري) أنّ مدينتين كانتا تضمّان أكبر عدد من مدافن أبناء الأئمة وأحفادهم، وهما: مدينة الري ومدينة قم، وذلك رغم وجود مقابر لهم في مدن أخرى مثل: شيراز وأصفهان وكاشان.
وكانت أهمية قم إلى درجة أنّ السيدة (فاطمة بنت موسى بن جعفر) (عليها السلام) عندما كانت متوجهة إلى خراسان، مرضت في (ساوه) فسألت عن المسافة التي تفصلها عن مدينة قم، فأجابوها أنّها تبعد عنها عشرة فراسخ، فطلبت أن ينقلوها إلى قم، وحلّت في قم في دار (موسى بن خزرج بن سعد الأشعري).
وكان حلول شخصية علوية في مدينة قم عنوان مسرّة لأهاليها الشيعة الذين كانوا يحبون العلويين كثيراً، بل يحبون كلّ من ينتمي إليهم بعلاقة. فعندما حصل (دعبل الخزاعي) على جبة الإمام الرضا (عليه السلام) منحة له على أشعاره، وقدم إلى قم ومعه الجبة، لم يدعه أهل قم حتّى أخذوها منه.
وحتّى عام (385هـ)عندما دوّن مؤلف تاريخ قم كتابه لم يكن عند مقبرة فاطمة بن موسى بن جعفر من قبور سوى عشرين قبراً للعلوييين. وينقل الرازي أنّ الخاصّة والعامّة كانوا يزورون قبر فاطمة بنت موسى الكاظم، وكان الملوك والأمراء الحنفيون والشافعيون يزورون تربتها، ويتقربون إلى الله بها.
قم والعلماء الشيعة
إنّ التحام هذه المدينة بالأئمة (عليهم السلام) أدّى إلى انتشار علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وكان بعض كبار أصحاب الأئمة من القميين مثل: يونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم. وعندما انحسر نفوذ مدينة الكوفة كأوّل مركزي شيعي، انتقلت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) إلى قم، وأضحت هذه المدينة محفلاً للمحدثين الشيعة. لذلك نجد أن (الحسين بن سعيد الأهوازي) وأخاه قد توجهوا إلى الأهواز، ومنها إلى قم وهناك نماذج كثيرة من أمثالهم.
وأهل قم بدورهم كانوا بحاجة لتلك العلوم، لذلك فقد توجهوا نحو علماء الشيعة، وطلبوا منهم المجيء إلى مدينة قم، ومن جملة أولئك (أبو إسحاق) مؤلف كتاب (الغارات) المشهور، وكان قد توجّه إلى أصفهان، فطلبوا منه المجيء إلى قم، لكنّه كان يميل إلى البقاء في أصفهان لاشتهارها بغير التشيع، ليروّج أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فيها.
وكثير من علماء الشيعة المشهورين كانوا من مدينة قم، أو نشؤوا وتعلّموا فيها، ومنهم (ابن بابويه القمي) الذي اعتبره النجاشي (شيخ القميين في عصره، ومتقدمهم وفقيههم).
الشيخ الصدوق أيضاً هو من جملة علماء الشيعة المعروفين من قم. وقد حاول أحد الكتّاب اعتبار الكليني والشيخ الطوسي قميين من خلال بعض التأويلات واستفاد من تعابير لابن شهراشوب ليثبت أن الشيخ المفيد أيضاً قمي، لكن أقواله تلك لا تثبت شيئاً سوى ما قاله المؤلف نفسه من أنّ كلّ واحد حاول نسبتهم إلى مدينته. وقد اتبع الرجل هذه السنة، ولم يحاول إعطاء دراسته صبغة استدلالية.
على أي حال إنّه من المسلم به أنّ مدينة قم كانت محفلاً للمحدثين الشيعة. وكان الآخرون يتوقعون العثور على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فيها. فالمأمون يطلب من (الريان بن صلت القمي) في مجلس عام أن يروي أحاديث في فضل علي (عليه السلام)، فيفعل ذلك، لكنّه لا ينقل أحاديث أفضل ممّا سمعه المأمون في هذا المجال. ويقول المأمون: (لقد هممت أن أجعل أهل قم شعاري ودثاري).
وتفيد بعض الروايات التاريخية أنّ علماء قم كانوا يرفضون العقائد المغالية، وكانوا يتشددون في ذلك، ويصرّون عليه أكثر من الحدّ المتعارف أحياناً. ففي عام (225هـ) قام (أحمد بن محمد بن عيسى) الذي كان من محدّثي قم المعروفين، قام بنفي عدد من الرواة من قم بجرم نقلهم لروايات مغالية. لكنّه بعد مدّة غيّر رأيه في بعضهم. ومن أولئك المبعدين: عبد الرحمن بن حماد وأبو القاسم الكوفي الصيرفي، الذي عاد أحمد فاعتذر إليه، وشارك في تشييع جنازته. وكان (محمد بن أرومة أبو جعفر القمي) متهماً بالغلو أيضاً. ومن جملة أولئك (محمد بن موسى) و(أحمد بن محمد بن خالد البرقي) أحد المحدثين المشهورين الشيعة ممّن أبعدوا عن قم، ثمّ عاد إليها فيما بعد. وقد اتّهم (محمد بن عيسى الهمذاني) بالغلو وضعّف، وكان (الحسين بن عبدالله المحرر) من بين المبعدين عن قم أيضاً. وكذلك (سهل بن زياد) أبعد عن قم، ثمّ انتقل إلى الري. لكن هذه التضاعيف لم يؤخذ بها إلاّ بالنسبة لمن صدر تضعيف بشأنهم من طرق أخرى أيضاً.
فمثلاً (الخوارزمي) اتهم بعض القميين بالتشبيه معتمداً في حكمه هذا على نقلهم بعض روايات المشبهة، كما ورد عن (كاشان) أنّ (الغالب عليه الحشو) استناداً إلى اعتمادهم على تلك الأحاديث وظواهرها. هذان الاتهامات متشابهان. لكن إذا نظرنا إلى تشدّد القميين تجاه الغلاة، يتضح أنّ الادعاء بوجود فرقة (الغرابية) في قم هو ادعاء كاذب.
تأثير تشيع قم على سائر المناطق
إذا نظرنا إلى العقائد الدينية لسائر المدن المحيطة بقم، يبدو بوضوح أنّ التشيع قد سرى من قم إلى تلك المدن، ويؤازر هذا الحدث قوّة علماء مدينة قم.
فمدينة (آوه). أو (آبه) من المدن التي تحمل ميلاً شيعياً شديداً، لذلك كانوا في مواجهة دائمة مع أهالي (ساوه) الذين كانوا من المتعصبين غير الشيعة.
وكتب (المستوفي) أنّ أهل (ساوه) هم من غير الشيعة، لكن أهالي جميع القرى المحيطة بها هم من الشيعة.
ونقل الشيخ الطوسي أنّ امرأة من أهالي (آبه) طلبت أن تسلّم ثلاثمائة دينار من مالها إلى (أبو القاسم ابن روح) شخصياً ومباشرة، لذا أتت إليه وسلمته المال. والإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بدوره كان يهتم بأهل (آبه).
ومن تلك المدن أيضاً مدينة كاشان، حيث نقل القزويني أنّ (أهلها شيعة إمامية غاليةجداً). وكتب (الحموي) أنّ (أهلها كلّهم شيعة إمامية). والمستوفي أيضاً كتب أنّ (أهلها من الشيعة، وأكثرهم من الحكماء ولطفاء الطبع، ويندر وجود الجهلاء بينهم).
و(مهاباد) هي قرية كبيرة في نواحي كاشان، وأهلها من الشيعة.
(فراهان) أيضاً من المناطق المحيطة بقم، وكان أهلها من الشيعة حيث كتب المستوفي عنهم (… وأهلها من الشيعة الإثني عشرية، ومتعصبون جداً).
(تفرش) التي تسمّى أحياناً (طبرس) هي من المناطق المحيطة بقم، وسكانها من الشيعة، كتب المستوفي عنهم (أهلها شيعة إثنا عشريون، وهم على مذهبهم ذاك منذ قديم الأيام) ونقل عن (مرآة البلدان) أنّ (معظم سكان تفرش من السادة الحسينيين) ويُقال إنّ هؤلاء السادة كانوا قد هاجروا إليها قادمين من الحجاز ويعتقد أنّ التشيع الذي انتشر في الجبال المحيطة بأطراف قم إلى همدان كان تأثّراً بتشيع قم.
رسول جعفريان
قندهار
لا يوجد لقندهار ذكر في كتب التاريخ القديمة، ويبدو أنّه اسم جديد اشتهر في الفترات الأخيرة. وكذا لم يرد في الوثائق التاريخية ما قبل الإسلام أيضاً. وفي العصور الإسلامية حيث العدد الكبير من المؤرخين والجغرافيين، لم يرد ذكر عن مدينة أو قصبة أو حتّى ناحية بهذا الاسم، في هذه المنطقة من العالم. وعندما يرد في كتابات بعض الجغرافيين العرب كالمسعودي والبلاذري واليعقوبي فإنّهم يقصدون بها مدينة أُخرى في مصبّ بحر كابل.
ويقول البلاذري ـ مثلاً ـ إنّ عباد بن زياد جاء من سجستان إلى قندهار وأنّ الأهالي صدّوه وهزموه.
وفي تاريخ سيستان أيضاً، وردت إشارة إلى قندهار عند ذكر قدوم عباد بن زياد إلى سيستان.
وفي كتاب «حدود العالم من المشرق إلى المغرب» المكتوب في عام 372هـ، يذكر مؤلفه اسم قندهار ضمن حديثه عن ناحية الهند ومدنها. ويقول: «قندهار مدينة عظيمة موفورة النعم». أمّا عند حديثه عن خراسان، ومع أنّه يتحدّث عن (رخد) لكنّه لا يذكر مدينة باسم «قندهار».
الإصطخري وآخرون، عندما يتحدّثون عن منطقة (الرخج) فإنّهم يذكرون المدينة الرئيسية فيها. وهي المدينة الموسومة اليوم بـ «قندهار» وكانت تسمّى في السابق (كوزية). وذكرها هيروديت باسم هراوتي (Harauati). وكان اليونانيون يسمّونها (آراخز).
أمّا ولسون في كتابه (آريانا أنتيكواي) فيتحدّث عنها بهذا النحو:
لو أخذنا بآراء (بطليموس) فإنّه يقول: إنّ أراكوزيه تحدّها من الشمال جبال (پاروپا ميزن)، ومن الشرق بلاد الهند، ومن الغرب إقليم (درانجيانا)، ومن الجنوب «گدروشيا» التي تفصلها عن جبال بوتيان (Boetian).
ويضيف ولسون أيضاً: إنّه بين المدن التي يذكرها بطليموس في هذه الولاية: الكزارزرية، التي يقترن ذكرها عادة بـ «قندهار» الحالية. ووقوع المدينة على طريق مقدونيا أمر لا يتطرق إليه الشك. لكن هذا الاسم، أي (قندهار)، أو (گندهار) يبدو إلى الكزندرية أكثر قرباً وشبهاً. وعاصمتها ـ كما يقول (رونل) ـ في الروخج (Alrokhaj) أو في روه كاج (Rohkaj) كما يذكر ذلك ولفورد.
يقول جگريت إنّ الاسم العربي الروخج (Alrokhaj) مشتق من اليونانية. وفي آثار ابن حوقل لم ترد هذه الكلمة؛ لكنّه يشير إلى وجود مدينة على مسافة 13 منزلاً من غزنة دعاها (روحه) أو (روحج) (Rohakohaj)؛ ولعلها كانت رخج ـ والحق أنّه لا وجود لمدينة لا باسم الروخج ولا رخج. أمّا الرخج أو (رخذ) فناحية مستقلة بالقرب من قصبة رخذ، كما يكتب صاحب حدود العالم من المشرق إلى المغرب. كما يلاحظ أنّ اسم ولاية الرخج أو الرخذ أو رخذ ورد في سائر الكتب التاريخية، كثيراً.
لنر الآن من أين جاء هذا الاسم:
بعض المؤرخين يعتقد أنّ اسم قندهار مشتق من اسم الإسكندر، ويقولون إنّه عندما وصل الإسكندر المقدومي إلى باراكوزية في عام 329ق.م.، بنى ـ كعادته ـ قلعة عسكرية وحامية لجيشه سمّاها: (الكزندرية أراكهوزي). وهذه الطائفة من المؤرخين يؤكدون على أنّ قندهار هي الإسكندرية نفسها وتدرج اسمها على النحو التالي:
ـ إسكندرية ـ كندرية ـ كهندار ـ قندهار.
وبالطبع فإنّ هذا ينسجم مع الأساطير الشعبية أكثر ممّا يتفق مع النظرة التحقيقية حول مدينة قندهار التي ينسبون بناءها إلى الإسكندر المقدوني.
ولو أردنا أن نجري هذا المجرى من التحليل اللفظي للإسكندرية، أمكننا الوصول إلى نتيجة أُخرى أيضاً وتتفق مع حكاية شعبية رائجة أيضاً بهذا الشأن مفادها:
إنّ قندهار تتكوّن من كلمتين (قند) وأصلها (كند) التي تعني ماء العبد، و(هار) وأصلها (أره) وتعني الزراعة. فيكون معنى قندهار زراعة ماء العبد. أي بحر أرغنداب.
وفيما يتعلق ببحر أرغنداب تقول العامّة في قندهار إنّه كان يجري في السابق إلى الجنوب الشرقي من جبل پنجواثي ومدينة بهلوي القديمة وكان يتّحد مع (ترنك) في آخر پنجواثي في منطقة تلوكان.
وقد أشرنا إلى أنّ البروفسور ويلسون يميل إلى الشبه بين قندهار وگندهارا، كما أن بيللو (Ballow) أيضاً يستخرج اسم قندهار من كندهارا ويقول: إنّها تحوّلت إلى الراكوزية بواسطة المهاجرين؛ لأنّ الزائر الصيني سانغ يان (Sung-yun) وصل كندهار في 520م. واستناداً إلى مذكراته: فإنّ هجوم اليفتاليين على كندهار كان في ذلك العصر، ممّا أدّى إلى أن يرحل بعض الكندهاريين إلى أراكوزية من أجل المحافظة على نفوسهم وعلى كشكول بوذا من هجمات اليفتاليين. وكانت العادة آنذاك أن ينقل المهاجرون ضمن ما يملكون اسم ملكهم ويوسمون به تلك المنطقة التي ينزلون فيها. وهكذا كان مع أراكوزية التي رحل إليها الكندهاريون؛ فسمّوها كندهار التي تحوّلت شيئاً فشيئاً بعد ذلك إلى «قندهار». لكن شهرتها لم تظهر لوجود مدن أُخرى قربها أكثر منها أهمية، غطّت عليها. ولهذا لا نرى ذكراً لها في كتب المؤرخين والجغرافيين العرب القدماء.
قندهار قبل أكثر من قرن ونصف
قندهار مركز ولاية في افغانستان بهذا الاسم. تقع على خط العرض الشمالي 36 درجة و11 دقيقة، وخط الطول الشرقي 66 درجة و38 دقيقة. كانت عاصمة البلاد وكان لها قلعتان حصينتان. والمدينة صيفها حار وشتاؤها معتدل باستثناء شهرَيْ كانون الاول والثاني حيث يتجمد فيها الماء. وهي مشهورة بكثرة الزهور والفواكه.
وتفيد بعض الروايات ان (لهراسب) هو الذي بناها. ولكن طبقاً لرواية أخرى فإن مؤسسها هو الاسكندر الاكبر. وعلى اية حال، فإن النظرية الاخيرة تتفق مع ما ذهب اليه الجغرافيون الاوروبيون القائلون بوجود مدينة في المنطقة باسم الاسكندرية.
وقندهار القديمة ظلّت حتّى مجيء الغلجائيين، أي حتّى الزمن الذي بنى فيه الملك حسين هوتكي المدينة الجديدة التي تحمل اسمه «حسين آباد».
أمّا قندهار الجديدة فمؤسّسها هو الملك الأفغاني أحمد شاه بابا، الذي وضع أساسها عام 1753 أو 1754 وسمّاها باسمه ونعتها بأشرف البلدان. وهذان الاسمان كانا مثبتان في الوثائق والمستندات العامّة وكان يستعمله رجال القصر دون غيره من الأسماء.
أمّا الاسم الذي أطلقه عليها الشعراء من كونها دار القرار فقد زال ولم يعرف الأهالي اسماً غير «قندهار».
وقلعة المدينة من تخطيط الملك أحمد شاه نفسه. كما وسوّر المدينة كلّها بجدار يحيطها من كلّ الجهات. وكان ينوي حفر خندق أيضاً حولها، غير أنّ ذلك لم يتحقق.
وكانت قندهار عاصمة أحمد شاه حتّى نقل ابنه تيمور شاه العاصمة إلى كابل من بعده.
وقندهار مدينة مستطيلة الشكل عجيبة النظام والترتيب والبناء. فيها أربعة أسواق طويلة جداً، عرض كلّ منها 50 متراً… تتقاطع جميعها في ساحة مدورة مسقوفة بقبة تنتهي ـ عند الأرض ـ بمحلات جميلة تسمّى (چهار سوق) لأنّها ملتقى الأسواق الأربعة. وفي نهاية كلّ سوق دروازة [بوابة] تنتهي إلى خارج المدينة، ما عدا الجانب الشمالي الذي يقابل (چهار سوق) فعمارة السلطنة التي تشمل قصوراً وبساتين خاصّة.
يُقال إنّ هذه الأسواق، باستثناء السوق الأخير المنتهي إلى عمارة السلطنة، كانت ـ في السابق ـ ذات شوارع مشجرة وقناة غير عريضة توصل الماء إلى وسط السوق.
أزقّة قندهار المتشعبة من الأسواق الاربعة أو چهار سوق ليست عريضة وهي مرصوفة على شكل خط مستقيم يقطع أحدها الآخر على شكل زاوية قائمة. وتوجد في قندهار مساجد وفنادق كثيرة أجملها المسجد القريب من عمارة السلطنة، ورغم أنّه ليس كبيراً ولا جميلاً جداً لكنّه يمتاز بقبة جديرة بالوصف من حيث الذهب والنقوش المصروف عليها وعلى تزيينها.
وأزقّة قندهار مكتظة من الصباح حتّى المساء بنفس المهنيّين والصنّاع الذين تجدهم في (پشاور) ما عدا السقائين الذين استعيض عنهم بخزانات كبيرة عديدة في كلّ محلة توفّر الراحة للناس.
وفي ضواحي قندهار بساتين فواكه كثيرة أوقفها أصحابها لعامّة الناس. والشيعة اليوم في قندهار أقلية.
قواعد العقائد
نصَّ أصحاب الفهارس والمترجمون لنصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي أنَّ له قواعد العقائد مع اختلاف في التسمية «كتاب قواعد العقائد» أو «رسالة في قواعد العقائد»، أو كونه كتاباً أو رسالة.
يوجد منها في إيران وتركية نسخ خطية متعددة أهمها:
1 ـ نسخة مكتبة مقام الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، تاريخ الفراغ منها 19 محرَّم سنة 687هـ وتعتبر من أقدم النسخ وأقربها إلى حياة المؤلف.
2 ـ نسختان أخريان في نفس المكتبة.
3 ـ ثلاث نسخ في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ طهران.
4 ـ نسخة في مكتبة مسجد سپهسالار.
5 ـ نسخة المكتبة المركزية لجامعة طهران تاريخ الفراغ من نسخها سن 1050هـ.
6 ـ نسخة في مكتبة السلطان محمد الفاتح ـ تركية.
7 ـ نسخة في مكتبة سراي همايون إسلامبول ـ تركية.
أمّا طباعةً، فقد ظهرت بالطباعة الحجرية مع كتاب إلزام النواصب مرّة، ومرّة أخرى بواسطة الأستاذ عبدالله نوراني مع مجموعة من رسائل النصير إضافة إلى تلخيص المحصل.
ورغم صغر حجمها، فإنَّ الرسالة تعتبر خلاصة مركزة لأهم آراء الفرق الإسلامية والفلاسفة والمتكلمين، حيث نجد النصير يشير إلى مبحث خلافي عميق بكلمة واحدة أو اثنتين أو ينسب رأياً ما إلى مذهب دونما إحالة إلى مصدر أو مرجع شأن القدامى في مؤلفاتهم، ممّا دعا إلى شرحه وحل إشاراته ورموزه ومن الشروح المعروفة:
1 ـ شرح القواعد تأليف السيد ركن الدين أبي محمد حسن بن شرفشاه المتوفى 717 ألّفه تلبية لرغبة أحد أبناء الخواجه.
2 ـ كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد للعلاّمة الحلي ألّفه تلبية لرغبة ولده فخر المحققين وقد طبع بالطباعة الحجرية سنة 1312هـ باهتمام وتصحيح السيد محمد الحسيني. وأعادت مكتبة آية الله المرعشي النجفي (قده) طباعته بالأوفست كما هو.
3 ـ كشف المعاقد في شرح قواعد العقائد تأليف محمود بن علي بن علي بن محمود الحمصي الرازي.
4 ـ تحرير القواعد الكلامية في شرح الرسالة الاعتقادية لعبد الرزاق بن ملامير كيلاني رانكوئي وهناك شروح أخرى ذكرها محمد تقي مدرّس في أحوال وآثار خواجه نصير الدين الطوسي.
وقد حقّق الرسالة الشيخ علي خازم وطبعها محققة سنة 1992 في بيروت.
القوما
اخترع هذا الفن البغداديون، وقيل إنّ أوّل من اخترعه (ابن نقطة) برسم الخليفة الناصر العباسي لكنّه ـ في الحقيقة ـ وجد قبل ابن نقطة.
وكان الناصر يعجب به فيطلب من ابن نقطة أن يتغنّى به كثيراً، ولهذا اشتهر باسمه.
ولهذا الفن صورتان، الأولى ما يتركب بيته من أربعة أقفال، ثلاثة منها متساوية في الوزن والقافية، والآخر ـ وهو القفل الثالث ـ أطول منه ويكون مهمل القافية، مثل:
لا زال سعدك جديد
دايم وجدك سعيد
ولا برحت مهنا
بكل صوم وعيد
في الدهر أنت الفريد
وفي صفاتك وحيد
فالخلق شعر منقح
وأنت بيت القصيد
نجد أنّ القافية في البيت الأوّل في الأجزاء الثلاثة، الأوّل والثاني والرابع هي (جديد، سعيد، عيد) متساوية مع ما يناظرها من قوافي البيت الثاني وهي (الفريد، وحيد القصيد) بينما تختلف عنها قافية الجزء الثالث في كلّ من هذين البيتين، وهي (مهنا) في البيت الأوّل و(منقح) في البيت الثاني.
وأمّا الصورة فهي مركبة من ثلاثة أقفال مختلفة الوزن متفقة القافية القفل الأوّل أقصر من الثاني، والقفل الثاني أقصر من الثلاث، من ذلك قول صفي الدين:
صرتم حكيه شرحها ينقل إليَّ
أنتم هتكتم عرضكم فأنا اش عليَّ
أنا اش عليَّ صونكم ما هو إليَّ
موروا اعلموا يش ردتم خرجتم من يديَّ
فنرى في هذين البيتين أنّ القفل الأوّل ـ وهو صرتم حكيه ـ أقصر من القفل الثاني ـ وهو شرحها ينقل إليّ ـ وهو بدوره أقصر من القفل الثالث وهو ـ أنتم هتكتم عرضكم فأنا ايش عليّ ـ ونرى كذلك أنّ القوافي في الأقفال الثلاثة متساوية وهي في البيت الأوّل (حكَّيه، إليَّه، عليَّ) وهي متفقة أيضاً مع قوافي البيت الثاني وهي (عليّ، إليّ، يديّ).
وقد سمّي هذا الفن باسم (القوما) لأنّه كان يرتل في شهر رمضان عند السحور فيقول المتغني به في نهاية كلّ بيت: «قوما للسحور» ينبّه رب المنزل، فبقي هذا الاسم.
وكانت معانيه: المدح والدعاء ومقاضاة الإنعام، ثمّ بعد أن شاع وكثر نظموا به في الغزل والزهد والعتاب وسائر أغراض الشعر الأُخرى.
وكلّ بيت من أبيات القصيدة، في هذا الفن، قائم بذاته ولذا يجوز تكرير القوافي في بيتين من القصيدة الواحدة دون أن يكون في ذلك أي عيب.
وقد نظم صفي الدين الحلي خمس قصائد في هذا الفن، إثنان من الصورة الأولى، ذات الأقفال الأربعة المتساوية الوزن. يقول في واحدة:
لا زال سعدك جديك
دايم وجدك سعيد
ولا برحت مهنا
بكل صوم وعيد
في الدهر أنت الفريد
وفي صفاتك وحيد
فالخلق شعر منقح
وأنت بيت القصيد
يا من جنانو شديد
ولطف رايو سديد
ومن يلاقي الشدائد
بقلب مثل الحديد
وثلاثة من هذه القصائد في الصورة الثانية ذات الأقفال الثلاثة غير المستاوية، منها هذه القصيدة:
كنا مآلك دون إخوانك وآلك
سلبتنا الله يجعلو أوّل سؤالك
راموا قتالك والأذى منهم أتى لك
وما نفع عنّا انحرافك وانفتالك
واثنتان من هذه القصائد في المدح ونظمهما للسحور في شهر رمضان، هذا هو الغرض الذي اخترع من أجله هذا الفن ـ القوما ـ والثلاثة الباقية في الغزل.
ونلاحظ أنّ الصفي اتبع كلّ شروط هذا الفن الذي وضعه المتقدمون من الشعراء ومخترعو القوما. حتّى تكرار القافية الواحدة في بيتين من القصيدة، كقوله:
لا زال قدرك مجيد
وظل جودك مديد
ولا برحت موقى
كما توقى الوليد
لا زلت في كلّ عيد
تحظى بمجد سعيد
عمرك طويل وقدرك
وافر وظلك مديد
فقد كرّر في هذين البيتين كلمة مديد، وليس بينهما إلاّ بيت واحد.
وكان يستعمل القوما في إيقاظ الصائمين للصحور وقد استوى في مكانه كفن مستقل في خلافة الناصر أحمد بن المستضيء المتوفى سنة 622هـ، وكان الناصر يطرب له وجعل لابن نقطة جراية في كلّ سنة وما يفضل عليه من الإنعام، فلمّا توفي ابن نقطة، وكان له ولد صغير ماهر في نظم القوما والغناء بها وأراد أن يعرف الخليفة بموت والده ليجزيه على مفروضه، فتعذر ذلك عليه فصبر إلى دخول شهر رمضان، ثمّ أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف أوّل ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى النوب بصوت رقيق فأصغى إليه الخليفة وطرب له، فلمّا وصل إلى القوما قال:
يا سيد السادات
لك بالكرم عادات
أنا ابن أبي نقطة
وأبي تعيش أنت مات
فأعجب الخليفة منه هذا الاختصار، واستحضره، وخلع عليه، وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.
ولكن جذور هذا الفن التاريخية أقدم ممّا قيل عنه فممّا روي عن بشار بن برد هو من هذا الفن.
قيل إنّ الخليفة العباسي المهدي أمر بضرب بشار سبعين سوطاً، فألقي في سفينة حتّى مات، وكان يقول في حالة ضرب الجلاد له: ليت عيني أبي الشمقمق تراني حيث يقول:
هللينه هللينه
طعن قثاة لتينه
إن بشار بن برد
تيس أعمى في سفينة
إنّ هذا النص من فن القوما.
القياس
الحديث حول القياس كثر بين الفقهاء كثرة غير متعارفة، وكتبت عنه المجلدات، وكان موضع خلاف كثير، ونظراً لما يترتب عليه من ثمرات فقهية واسعة، اقتضانا أن نطيل الحديث فيه، عارضين مختلف وجهات النظر وأدلتها على أساس من المقارنة.
وأول ما يواجهنا منها اختلافهم في تعريفه.
القياس في اللغة «التقدير»، ومنه قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، قال الشاعر يصف جراحة أو شجّة:
إذا قاسها الآسي النطاسيّ أدبرت غثيتها أو زاد وهياً هزومها([536]).
وقد عرف في اصطلاحهم بالاجتهاد تارة، كما ورد ذلك عن الشافعي، وببذل الجهد لاستخراج الحق([537]) أخرى.
ويرد على هذين التعريفين أنهما غير جامعين ولا مانعين؛ أما كونهما غير جامعين فلخروج القياس الجليّ عنهما، إذ لا جهد ولا اجتهاد فيه في استخراج الحكم؛ وأما كونهما غير مانعين فلدخول النظر في بقية الأدلة كالكتاب، والسنة، وغيرهما من مصادر التشريع ضمن هذا التعريف، مع أنها ليست من القياس المصطلح بشيء.
ولهذين التعريفين نظائر لا تستحق إطالة الكلام فيها لبعدها عن فنية التعريف، وهي أقرب إلى الشروح اللفظية منها إلى الحد المنطقي.
والذي يقرب من الفن ما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني من أنه:
«حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة»([538]) يقول في المحصول: «واختاره جمهور المحققين منا»([539]) وقريب منه ما عرفه به الغزالي([540]).
وقد سجّلت على هذا التعريف عدة مفارقات، لعل أهمها ما أورده الآمدي عليه من لزوم الدور «لان الحكم في الفرع نفياً وإثباتاً متفرع على القياس إجماعاً، وليس هو ركناً في القياس، لأن نتيجة الدليل لا تكون في الدليل لما فيه من الدور الممتنع»([541]).
وتقريب الدور، هو أن إثبات الحكم للفرع موقوف على ثبوت القياس، وثبوت القياس موقوف على تمام كل ما اعتبر فيه، ومنه إثبات الحكم للفرع؛ فهو إذن موقوف على إثبات الحكم للفرع، ومع إسقاط المتكرر تكون النتيجة هي أن إثبات الحكم للفرع موقوف على إثبات الحكم للفرع؛ على أن هذا التعريف مشعر بأن إثبات حكم الأصل إنما هو من نتائج القياس مع أن القياس لا يتكفل أكثر من إثبات حكم الفرع، والمفروض فيه هو المفروغية عن معرفة حكم الأصل، إذ هي من متممات الدليل إلى إثبات الحكم في الفرع كما هو واضح.
ولهذا السبب وغيره، عدل كلّ من الآمدي وابن الهمام عن ذلك التعريف إلى تعاريف أبعد عن المؤأخذات؛ فقد عرفه الآمدي بأنه عبارة «عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل»([542])، وتعريف ابن الهمام له: «هو مساواة محل لاخر في علة حكم له شرعي لا تدرك بمجرد فهم اللغة»([543]).
وقد سلم هذان التعريفان من مؤأخذة عامة وردت على أكثر التعاريف التي أخذت في مفهومه، أمثال هذه الكلمة (تسوية فرع لأصله)، أو حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به على الأصل، أو حملك الفرع على أصله، وما شابه ذلك من الألفاظ التي تبعد القياس عن كونه دليلاً للمجتهد، لبداهة أن حمل المجتهد الفرع على أصله وإثبات الحكم له إنما هو وليد إجراء القياس، فهو متأخر رتبة عن أصل القياس، فكيف يؤخذ في تعريفه، ولزوم الخلف أو الدور فيه واضح؟ هذا، بالإضافة إلى سلامتهما من الاشكالات السابقة. لكن أخذهما كلمة «المستنبطة» أو «لا تفهم من مجرد اللغة» في التعريفين لا يتضح له وجه لاخراجه القياس الجلي أو منصوص العلة عن تعريف القياس، مع أنهما داخلان في التعريف اصطلاحاً؛ والآمدي نفسه يأتي بعد ذلك فيقسم القياس إلى جلي وخفي، أي منصوص العلة ومستنبطها([544]).
والذي يبدو لنا أن أسلم التعاريف من الاشكالات ما ورد من أنه «مساواة فرع لأصله في علة حكمه الشرعي» لسلامته من المؤأخذات السابقة، وصلوحه بعد إقامة الأدلة على حجيته لاستنباط الأحكام الشرعية منه.
والغريب أن يعتبر الأستاذ خلاف هذا التعريف من أبعد التعريفات، معلّلاً ذلك بأن «التعريف إنما هو للعملية التي يجريها القائس؛ وتساوي الأصل والفرع في العلة ليس من عمله، وكذلك القياس المقصود به الوصول إلى حكم الفرع لا إلى مجرد تساوي الأصل والفرع في العلة»([545]).
وما أدري كيف تكون عملية الاستنباط من الدليل هي الدليل نفسه مع أنها متأخرة في الرتبة عنه؟ والظاهر أن منشأ ما ذهب اليه اختلاط مفهوم الدليل عليه بكيفية الاستفادة منه وعدم التفرقة بينهما، فاستكشاف حكم الفرع إنما يكون من مساواتهما واقعاً في العلة لا من تسويتنا لهما فيها.
هذا كله في القياس الذي يدخل ضمن ما يصلح للدليلية، وهو الذي يدار عليه الحديث لدى المتأخرين.
وهناك اصطلاح آخر للقياس، شاع استعماله على ألسنة أهل الرأي قديماً، وفحواه: التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل، وجعلها مقياساً لصحة النصوص التشريعية، فما وافقها فهو حكم الله الذي يؤخذ به، وما خالفها كان موضعاً للرفض أو التشكيك.
وعلى هذا النوع من الاصطلاح، تنزل التعبيرات الشائعة: أن هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له…
وقد كان القياس بهذا المعنى مثار معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادق (عليه السلام) وأبي حنيفة، وستأتي الإشارة إليها في موضعها من هذه الأحاديث، وعلى أساس من هذا المصطلح ألفت كتب للدفاع عن الشرعية وبيان أنّ أحكامها موافقة للقياس أي موافقة للعلل المنطقية، وفي رسالة (القياس في الشرع الإسلامي) لابن القيم، وابن تيمية مثل على ذلك، ولكن هذا المصطلح تضاءل استعماله على ألسنة المتأخرين، وأصبحت لفظة القياس لا تطلق غالباً إلاّ على ما عرضناه من المعنى الأول له، وكاد أن يهجر المعنى الثاني على ألسنتهم، وإنّما أشرنا إليه لما يترتب على تأريخ هذه الكلمة (القياس) ومعناها، عبر الأزمان، من ثمرات في مجالات المناقشة في حجيته ستأتي الإشارة إليها في موضعها.
وللقياس بمعناه الأول أركان أربعة، يمكن انتزاعها من نفس التعريف:
1 ـ الأصل أو المقيس عليه: وهو المحل الذي ثبت حكمه في الشريعة، ونص على علته، أو استنبطت بإحدى المسالك الآتية.
2 ـ الفرع أو المقيس: وهو الموضوع الذي يراد معرفة حكمه من طريق مشاركته للأصل في علة الحكم.
3 ـ الحكم: ويراد به الاعتبار الشرعي الذي جعله الشارع على الأصل، والذي يطلب إثبات نظيره للفرع.
4 ـ العلة: وهي على نحو الاجمال الجهة المشتركة بينهما التي بنى الشارع حكمه عليها في الأصل.
فإذا قال الشارع ـ مثلاً ـ: حرّمت الخمر لإسكارها، فالخمر أصل، والحرمة حكمه، والإسكار علتها، فإذا وجد الإسكار في النبيذ (وهو الفرع) فقد ثبتت الحرمة له بالقياس.
وقد ذكروا لهذه الاركان شرائط، وأطالوا في التحدث عنها وأكثرها انما ذكر للوقاية عن الوقوع فيما أسموه بالقياسات الفاسدة، وليس من المهم عرضها الان عدا ما يتصل منها بالعلة وملابساتها، لانها هي المنطلق للتحدث عن حجية القياس وعدمها، فالأنسب قصر الكلام عليها.
وقبل أن نبدأ الحديث فيها لا بدّ من التعرض إلى المراد من لفظ العلة وما يرجع إليها على نحو التفصيل.
عرف كل من المقدسي والغزالي العلة بمناط الحكم([546])، وفسر الغزالي مناط الحكم بقوله: «ما أضاف الشرع الحكم اليه وناطه به ونصبه علامة عليه»([547]). ومن هذا التعريف؛ يعلم أن غرضهم من العلة ليس مدلولها الفلسفي، أعني ما أوجبت معلولها لذاتها ولم يتخلف عنها، وهي المؤلفة من المقتضى والشرط وعدم المانع، بل غرضهم منها ما جعله الشارع علامة على الحكم؛ وبهذا صرّح الغزالي بقوله: «لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها، إنما معنى كونها علة نصب الشارع إياها علامة، وذلك وضع من الشارع»([548])، وأضاف بعضهم إلى كونها أمارة وعلامة، اعتبار المناسبة بينها وبين الحكم.
وأرادوا بالمناسبة أن تكون مظنّة لتحقيق حكمة الحكم «أي أن ربط الحكم بها وجوداً وعدماً من شأنه أن يحقق ما قصده الشارع بتشريع الحكم من جلب نفع أو دفع ضرر»([549]).
وقد فضل بعض الأصوليين أن يعرف العلة بقوله: هي «الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم مع مناسبته له»([550]).
وقد انتزعوا من هذا التعريف أموراً أسماها خلاف بالشرائط المتفق عليها، والأنسب تسميتها بالاركان لانها جماع ما أخذ في تعريف العلة وتحديدها، هي:
1 ـ أن تكون وصفاً ظاهراً، أي مدركاً بحاسة من الحواس الظاهرة ليمكن اكتشافه في الفرع.
2 ـ أن يكون وصفاً منضبطاً، أي محدداً بحدود معينة يمكن التحقق من وجودها في الفرع.
3 ـ أن يكون وصفاً مناسباً، ومعنى مناسبته أن يكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم.
وأضافوا إلى ذلك أمراً رابعاً، وهو:
4 ـ أن لا يكون الوصف قاصراً على الأصل، وهذا الأخير كان موضعاً لخلاف بينهم؛ ومن رأي خلاف ـ والحق معه ـ أنه لا ينبغي أن يكون موضعاً لخلاف «لانه لا تكون العلة أساساً للقياس إلا إذا كانت متعدية»([551]).
وبهذه الشروط المنتزعة من التعريف، حاولوا إقصاء العبادات عن كونها مجرى للقياس، لانها مما لا تدرك عللها بالعقل كعدد ركعات كل صلاة، وعدد أيام الصيام، وغيرهما من العبادات، كما ألحقوا بها العقوبات المقدرة كعدد الجلد في الزنى، وقذف المحصنات([552])، وهكذا… وسيتضح فيما بعد أن قسماً من هذه القيود إنما اتخذ على ألسنة المتأخرين منعاً عن الوقوع في مفارقات السابقين عندما توسعوا في التماس العلل حتى في العبادات وغيرها.
ولزيادة تحديد المراد من العلة، نعرض لما عرضوا لذكره من التفرقة بينها وبين السبب والحكمة والشرط، وهي ألفاظ شائعة الاستعمال على ألسنة الأصوليين، ويتضح الفرق بينها إذا عرضنا لكلّ منها بشيء من التحديد.
و«هو معنى ظاهر منضبط، جعله الشارع أمارة للحكم»([553]) وهو بهذا المعنى أعم من العلة لعدم أخذ المناسبة في تعريفه، وقيد بعضهم السبب بما ليس بينه وبين المسبب مناسبة ظاهرة، فيكون مبايناً للعلة، وقيل: انهما مترادفان؛ يقول خلاف: «وبعض الأصوليين فرقوا بين علة الحكم وسببه بأن الأمر الظاهر ـ الذي ربط الحكم به لأن من شأن ربطه به تحقيق حكمة الحكم ـ إن كان يعقل وجه كونه مظنة لتحقيق الحكمة يسمى علة الحكم؛ وإن كان لا يعقل وجه هذا الارتباط يسمى سبب الحكم؛ فشهود شهر رمضان سبب لايجاب صومه لا علة له، لأن العقل لا يدرك وجه كون هذا الشهر دون سواه مظنة لتحقيق الحكمة لايجاب الصوم؛ ودلوك الشمس أي زوالها أو غروبها، سبب لايجاب إقامة الصلاة لا علة له، لأن العقل لا يدرك وجه كون هذا الوقت دون غيره مظنّة لتحقيق الحكمة من إيجاب إقامة الصلاة؛ فكل علة سبب وليس كل سبب علة؛ وبعض الأصوليين لم يفرقوا بين لفظي العلة والسبب»([554])، وهذه التفرقة التي ذكرها بين السبب والعلة تنتهي إلى التباين بينهما، فتفريعه بعد ذلك عليها بقوله: «فكل علة سبب، وليس كل سبب علة» أي بكون النسبة بينهما هي العموم المطلق لا يتضح له وجه.
و«هي المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم»([555]) أي «ما قصد اليه الشارع من جلب نفع ودفع ضرر»([556]) والفارق بينها وبين العلة أن العلة أخذ فيها قيد الانضباط، والحكمة لم يؤخذ فيها ذلك القيد، ولذا لم يجعلها الشارع أمارة على حكمه، ولم يدر الحكم معها وجوداً وعدماً بخلاف العلة والسبب في حدود تعريفيهما السابقين.
أما الشرط فقد أخذ في تعريفه ـ بالإضافة إلى ما اعتبر في السبب ـ عدم الافضاء إلى المشروط، أي عرفوه بأنه «الوصف الظاهر المنضبط الذي يتوقف عليه وجود الشيء من غير إفضاء اليه»([557]) أي من غير اقتضاء لوجود المشروط عند وجوده، وإن استلزم انعدام المشروط عند عدمه فيكون الفارق بينه وبينهما أنّ الحكم يدور معهما وجوداً وعدماً بخلاف الشرط، فإنّ وجوده لا يستلزم وجود المشروط، فلا يدور مداره وجوداً وإن استلزم انعدامه انعدام ما أخذ فيه ذلك الشرط.
1 ـ تقسيمها باعتبار المناسبة:
وقد قسموا العلة من حيث اعتبار الشارع لمناسبتها وعدمه ونوعية ذلك الاعتبار إلى أربعة أقسام:
أ ـ ما أسموه بالمناسب المؤثر، وهو الذي اعتبره الشارع علة بأتم وجوه الاعتبار، ودلل صراحة أو إشارة على ذلك و «ما دام الشارع دل على أن هذا المناسب هو علة الحكم فكأنه دل على أن الحكم نشأ عنه وأنه أثر من آثاره، ولهذا سماه الأصوليون المناسب المؤثر وهو العلة المنصوص عليها»([558])؛ يقول خلاف: «ولا خلاف بين العلماء في بناء القياس على المناسب المؤثر، ويسمون القياس بناء عليه قياساً في معنى الأصل»([559])، ولكن دعوى عدم الخلاف سينقضها ما يرد عن ابن حزم وغيره من عدم الأخذ به أصلاً، اللهم إلا أن يريد من عدم الخلاف هو عدم الخلاف بين خصوص الأخذين بالقياس كدليل من الأدلة الشرعية، وهو خلاف ظاهر كلامه.
ب ـ المناسب الملائم: وهو الذي لم يعتبره الشارع بعينه علة لحكمه في المقيس عليه وإن كان قد اعتبره علة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثلوا له بالحديث القائل: «لا يزوّج البكر الصغيرة إلا وليّها» ففي رأي أصحاب القياس أن الحديث اشتمل على وصفين كل منهما صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنه علل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية ﴾وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إليهم أَمْوَالَهُمْ﴿([560]) «وما دام الشارع قد اعتبر الصغر علة للولاية على المال، والولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، ولهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل وهي المجنونة أو المعتوهة وتقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة»([561]) وبذا أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع امكان أن تكون جزءاً من التعليل كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير، وستأتي المناقشة في المسألة كبروياً، فلا تهم المناقشة في الصغرى.
ج ـ المناسب الملغى: وهو الذي ألغى الشارع اعتباره مع أنه مظنّة تحقيق المصلحة «أي أن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقق مصلحة، ولكن دل دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب ومنع بناء الحكم الشرعي عليه»([562])، ومثلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأن كفّارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنه وجد أن المناسب من تشريع الكفارات ردع أصحابها عن التهاون في الافطار العمدي، ومثل هذا الملك لا تهمه بقية خصال الكفارة لتوفّر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع. ولكن هذا الاستنتاج ينافي إطلاق التخيير، فكأن الشارع المقدس ألغى بإطلاقه التخيير وعدم تقييده بالأخذ بالاشق هذا المناسب، ولذلك لم يصوّبوا هذا المفتي بفتياه.
د ـ المناسب المرسل: وهو الذي يظهر للمجتهد أن بناء الحكم عليه لا بدّ أن يحقق مصلحة ما مع أن الشارع لم يقم على اعتباره أو إلغائه أيما دليل.
ذكروا للاجتهاد في العلة أقساماً ثلاثة:
أ ـ تحقيق المناط:
وقد قسّمه المقدسي إلى نوعين:
أولاهما: «أن تكون القاعدة الكلية متفقاً عليها أو منصوصاً عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع»([563])، ومثل له بالاجتهاد في القبلة وهو معلوم بالنص، والاجتهاد إنما يكون في تشخيص القبلة من بين الجهات، وكذلك تعيين الإمام، والعدل، ومقدار الكفايات في النفقات ونحوها.
ثانيهما: «ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده، مثل قول النبي (صلّى الله عليه وآله) في الهرة انها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات جعل الطواف علة، فيبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفأرة وغيرها ليلحقها بالهرة في الطهارة، فهذا قياس جلي قد أقرّ به جماعة ممن ينكر القياس»([564]).
والأول من النوعين موضع اتفاق المسلمين على الأخذ به، إلا أن اعتباره من قبيل تحقيق المناط مما لا يعرف له وجه، لأنه لا يزيد على كونه اجتهاداً في مقام تشخيص صغريات موضوع الحكم الكبروي، وليس هو اجتهاداً في تشخيص علة الأصل في الفرع لينتظم في هذا القسم، فعده قسماً من تحقيق المناط لا يبدو له وجه، ولقد استدرك بعد ذلك فنفى هذا القسم من تحقيق المناط عن القياس لأن «هذا متفق عليه، والقياس مختلف فيه»([565]) والأنسب تعليله بعدم انطباق مفهوم القياس عليه، لأن الاتفاق والاختلاف لا يغيّر من واقع الاشياء إذا كان مفهومها متسعاً له، ثم علل سر الاتفاق عليه ـ فيما يبدو ـ بأن «هذا من ضرورة كل شريعة، لأن التنصيص على عدالة كل شخص وقدر كفاية الاشخاص لا يوجد»([566])، وكأن مراده أن جميع القضايا الشرعية إنما وردت على سبيل القضايا الحقيقية لا القضايا الخارجية، فلا تتكفل تشخيص وتعيين موضوعاتها خارجاً، وإنما يترك تشخيص الموضوعات إلى المكلفين أنفسهم بالطرق والقواعد المجعولة من قبل الشارع لذلك؛ ومن هنا قيل: إن القضية لا تعين موضوعها خارجاً إذا كانت قضية حقيقية، فالدليل الذي يأمرك بالصلاة خلف العادل لا يعين لك أن فلاناً مثلاً عادل أو غير عادل وهذا من الواضحات.
ب ـ تنقيح المناط:
«وهو أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم»([567]) ومثلوا له بقصة الاعرابي الذي قال للنبي (صلّى الله عليه وآله): «هلكت يا رسول الله! فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان؛ قال: أعتق رقبة» حيث استفادوا عدم الخصوصية في كونه أعرابياً، فألحقوا به جميع المكلفين، ولا في كون المرأة التي وقع عليها أهلا له فألحقوا به الزنى، ولا خصوصية لخصوص شهر رمضان الذي وقع فيه على أهله فألحقوا به (جميع أشهر الصيام)، إلى ما هنالك من الخصوصيات التي يعلم بعدم مدخليتها.
وهذه التعميمات وأمثالها مما تقتضيها مناسبة الحكم والموضوع، وهناك تعميمات مظنونة وقعت موقع الخلاف، كالقول بأن النكاح لا خصوصية له، فلا بد أن يعمم إلى كل مفطر، وهي مبنية على حجية القياس المظنون.
ج ـ تخريج المناط:
«وهو أن ينص الشارع على حكم في محل دون أن يتعرض لمناط أصلاً»([568]) كتحريمه الربا في البر فيعمم إلى كل مكيل من طريق استنباط علته بدعوى استفادة أن العلة في التحريم هو كونه مكيلاً.
3 ـ تقسيم مسالك العلة:
ويراد بمسالك العلة الطرق المفضية إليها والكاشفة عنها، وقد قسمها الغزالي إلى قسمين: صحيحة وفاسدة، ونظراً لارتباط أهم مباحث القياس وهو حجيته بها، فإن من الحق أن نطيل نسبياً في التحدث عنها تبعاً لمن سبقنا من الباحثين، وإن كنا سنخالف الكثير منهم في نهج الحديث إبعاداً لما وقعوا فيه من تداخل بعض أقسامها في بعض، وقد آثرنا نهج الغزالي في تقسيمها وإن لم نقتفه في جملة ما جاء به من خصوصيات احتفاظاً بجدة ما جدَّ عليه من تنظيم.
لقد قسم الغزالي مسالك العلة إلى قسمين: صحيحة وفاسدة.
وقسم المسالك الصحيحة إلى ثلاثة أقسام([569]):
أولاها: ما كانت العلة مدلولة للادلة اللفظية، وينتظم في هذا القسم منها:
أ ـ ما كان دالاًّ عليها بالدلالة المطابقية أي دلالة اللفظ على تمام معناها كدلالة لفظ العلة ومشتقاتها، ودلالة حروف التعليل كاللام والفاء وما شاكلهما مما نص اللغويون أو النحاة على وضعها لهذا المعنى أو استعمالها فيه مع توفر القرائن المعينة في المشترك منها، أو الصارفة فيما استعمل فيها مجازاً على أن يفهم ـ نصاً أو إطلاقاً ـ استقلالها في العلية، وعدم قصرها على موضوعها.
ب ـ ما كانت مدلولة بالدلالة الالتزامية، وهي التي ينتقل الذهن فيها إلى المعنى لمجرد سماعه اللفظ أي ما كان اللازم فيها بيّناً بالمعنى الاخص ويدخل ضمن هذا القسم:
1 ـ مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية: وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الأصل([570])، ومثاله ما ورد في الكتاب من النهي عن التأفف من الوالدين (ولا تقل لهما أفّ) القاضي بتحريم ضربهما، وتوجيه الاهانة إليهما.
2 ـ مفهوم المخالفة: كمفاهيم الشرط والحصر والوصف والغاية بناء على ثبوتها المستلزم لثبوت الحجية لها، شريطة أن يفهم أن العلة فيها مستقلة ومتعدية ليستفاد الاطراد منها ـ وهو الذي يهمنا في حديثنا هذا ـ وإن كان استفادة نفي الحكم منها لا يحتاج إلى اكثر من إثبات انحصارها في العلية، وهو معنى ظهورها في مفهوم المخالفة.
3 ـ دلالة الاقتضاء: «وهي الدلالة المقصودة للمتكلم التي يتوقف صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً أو لغة عليها»([571]) إذا كان المحذوف هو العلة، واستكملت شرائطها بالقرائن، ومثاله أن يسأل سائل ما عن علة جواز الصلاة خلف العالم العادل أهي العدالة؟ فيجيبه الشارع بلى، وعندها يستفاد تعميم الحكم إلى كل عادل من هذا الجواب أخذاً بعموم العلة.
4 ـ دلالة الايماء والتنبيه: وهي الدلالة المقصودة للمتكلم أيضاً، إلا أن الكلام لا يتوقف صدقه أو صحته عليها، وانما يقطع أو يستبعد عدم إرادتها، ومثالها قول الشارع مثلاً: طهر فمك لمن قال: شربت ماء متنجساً. مما يستكشف منه أن العلة في التطهير هو استعمال المتنجس وأنه منجس ولا خصوصية للفم.
ج ـ أن لا تكون مدلولة بالدلالة البينة بالمعنى الاخص، بل بالدلالة غير البينة، أو
البينة بالمعنى الاعم، كأن تستفاد العلة المنحصرة المستقلة من الجمع بين دليلين أو أكثر، ويسمى هذا النوع بدلالة الاشارة وتسميتها دلالة لا يخلو من مسامحة.
ولقد وقع الخلط والتداخل بين هذه الأقسام على ألسنة أكثر الباحثين ولا يهم الدخول في تفصيل ما دخلوا فيه، لعدم ترتب ثمرات على ذلك.
ثانيها: الإجماع، ولا يقع ذلك إلا إذا قام على معقد له معلل بعلة خاصة فهم منها الاطراد والاستقلال بالعلية، أو قام الإجماع على نفس العلة المطردة المستقلة. يقول في القوانين المحكمة: «التعدي من قوله (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه إلى وجوب غسل البدن والازالة عن المسجد والمأكول والمشروب وغيرها، إنما هو لاجل استفادة أن علة وجوب الغسل عن الثوب هي النجاسة، ودليله الإجماع فيجب الاحتراز عنه في كل ما يشترط فيه الطهارة»([572]).
ثالثها: إثباتها من طريق الاستنباط، وهو أنواع أهمها:
أ ـ طريقة السبر والتقسيم، ويراد بالسبر الاختبار، وبالتقسيم استعراض الاوصاف التي تصلح أن تكون علة في الأصل وترديد العلة بينها.
«وخلاصة هذا المسلك أن المجتهد عليه أن يبحث في الاوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد ما لا يصح أن يكون علة منها، ويستبقي ما هو علة حسب رجحان ظنه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقق شروط العلة بحيث لا يستبقي إلا وصفاً ظاهراً منضبطاً متعدياً مناسباً معتبراً بنوع من أنواع الاعتبار»([573]).
وفي هذا المسلك تتفاوت عقول المجتهدين في مجالات الاستنباط وتختلف اختلافاً كبيراً، وعلى سبيل المثال نرى أن «الحنفية رأوا المناسب في تعليل التحريم في الاموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية رأوه القوت والادخار مع اتحاد الجنس»([574]).
ب ـ إثبات العلة بابداء مناسبتها للحكم، كأن يقال ـ مثلاً ـ أن هذا الوصف في الأصل هو الذي يناسب أن يكون مظنة لتحقيق الحكمة من هذا الحكم وعليه فيجب أن يكون هو العلة، وقد مضى منا الحديث في أقسام المناسب وتعيين ما يدخل منها في موضع النزاع من غيره فلا نعيده هنا.
هذا كله في المسالك التي اعتبرها الغزالي صحيحة، أما المسالك الفاسدة فقد حصرها في ثلاثة([575]):
1 ـ أن يستدل على علة الأصل بسلامتها عن علة تعارضها وتقتضي نقيض حكمها بدعوى أن دليل صحتها هو انتفاء المفسد، وقد رد هذا الدليل بإمكان قلبه فيقال عنه أن دليل فساده هو عدم الدليل على صحته، إذ لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام الدليل على الصحة.
2 ـ أن يستدل على عليّة أحد الاوصاف باطراده مع الحكم، ولكن مجرد الاطراد لا يكفي لإثبات عليته له لاحتمال أن يكون الوصف من لوازمها غير المنفكة عنها، فقد يلزم الخمر ـ على سبيل المثال ـ لون أو طعم يقترن به التحريم، مع أن العلة مثلاً هي الشدة.
3 ـ أن يستدل على العلية بالاطراد والانعكاس معاً، وهذا كسابقه لا يدل على أكثر من الاقتران بالحكم وهو اعم من كونه علة له أو ملازماً مساوياً لها يدور معها وجوداً وعدماً، وزيادة العكس على الاطراد لا يدل على أكثر من هذا المعنى.
واعتبار هذه المسالك من المسالك الفاسدة صحيح جداً إذا أريد اعتبارها طرقاً لإثبات العلة على نحو الجزم واليقين.
أما إذا اكتفي منها بإفادة الظن فإنكار ذلك لا يخلو من مصادرة، وهذه التشكيكات العقلية لا ترفع أكثر من اليقين، ولا أقل من تحول النزاع فيها إلى نزاع صغروي لا جدوى من تحريره.
والذي ينبغي أن يقال إن هذه المسالك كغيرها مما لا يفيد علماً من المسالك السابقة وبخاصة الأخير منها، فإن قام عليها دليل بالخصوص كانت حجة، وإلا فلا يمكن اعتمادها في ذلك.
والحديث حول حجية القياس متشعب جداً بتشعب أقوالهم وتباينها، وطبيعة البحث تدعونا إلى أن نقف منها موقفاً لا يخلو من صبر وأناة نظراً لما يعطيه البحث من ثمار في مجالات استنباط الأحكام نفياً وإيجاباً، وعمدة أحاديث القياس هو هذا الحديث.
ويكفي أن يطلع الانسان على أية موسوعة أصولية ليعرف مدى التشعب والتباين في الآراء.
فالغزالي وغيره، نسبوا إلى الشيعة ـ بقول مطلق ـ وبعض المعتزلة القول باستحالة التعبد بالقياس عقلا([576])، كما نسب المقدسي ذلك إلى أهل الظاهر والنظام وقال: «وقد أومأ إليه أحمد (رحمه الله)، فقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس، وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصّاً»([577]).
«وقال قوم في مقابلتهم يجب التعبد به عقلاً»([578]).
وذهب آخرون إلى أنه «لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، ولكنه في مظنّة الجواز، ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر أهل الظاهر وقوعه بل ادعوا حظر الشرع له»([579]).
ولكن بعض الشافعية أوجبوا التعبد به شرعاً، وإن لم يوجبوه من وجهة عقلية([580]).
والذي عليه أئمة المذاهب السنية وغيرهم من أعلام السنة([581])، هو الجواز العقلي ووقوع التعبد الشرعي به كما هو فحوى أدلتهم التي سنعرضها، وإن كان في استدلال بعضهم ما يوجبه عقلاً لو تمت أدلته العقلية.
ومن هذا العرض الموجز، تدركون مدى اختلاف العلماء في نسبة بعض الآراء إلى أصحابها؛ فالمقدسي يعتبر أهل الظاهر من محيلي القياس عقلاً، بينما يعتبرهم الغزالي من مجوزيه عقلاً ومانعيه شرعاً.
وربما كان سرّ اختلاف النسبة، هو وقوف كل منهما على ما نسب إليهم من أدلة يشعر بعضها بالإحالة العقلية وبعضها بالحظر الشرعي، فاستند إلى ما وقف عليه، وهذه الأدلة ـ مجتمعة ـ معروضة في كتاب ابن حزم (ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل) ومقدمة كتابه (المحلّى).
والشيء الذي لم أجده من هذه النسب ـ في حدود تتبعي ـ هو نسبة الإحالة العقلية ـ بقول مطلق ـ إلى الشيعة، وربما وجدوه في بعض كتب الاصول الشيعية كرأي لصاحب الكتاب، فاعتبروه رأي مذهب بأجمعه.
ومن الأخطاء التي تكررت على ألسنة كثير من الباحثين هو نسبة رأي إلى مجموع الشيعة لمجرد عثورهم على ذهاب مجتهد من مجتهديهم اليه، ناسين أن الشيعة قد فتحوا على أنفسهم أبواب الاجتهاد فأصبح كل مجتهد له رأيه الخاص ولا يتحمل الاخرون تبعته.
نعم، ما كان من ضروريات مذهبهم فإن الجميع يؤمنون به.
والشيء الذي لا أشكّ فيه، هو أن المنع عن العمل بقسم من أقسام القياس يعد من ضروريات مذهبهم لتواتر أخبار أهل البيت (عليهم السلام) في الردع عن العمل به([582])، لا أن العقل هو الذي يمنع التعبّد به ويحيله، ولذلك احتاجوا إلى بذل جهد في توجيه ترك العمل به مع افادته للظن على تقدير تمامية مقدمات دليل الانسداد المقتضية للعمل
بمطلق الظن، وسيأتي انها غير تامة؛ فلو كانوا يؤمنون بالإحالة العقلية في العمل به لما احتاجوا إلى ذلك التوجيه([583]).
وعلى أيٍّ فإن حجية القياس وعدمها تعود إلى ثلاثة أقوال رئيسة:
1 ـ قول بالإحالة العقلية.
2 ـ قول بالوجوب العقلي.
3 ـ قول بالإمكان، وهو ذو شقين إمكان مع القول بالوقوع، والقول بعدمه، فلا بد من التماس هذه الاقوال واستعراض أدلتها، وبيان أوجه المفارقة فيها لو كانت.
والذين ذهبوا إلى هذا القول لا تختص أدلتهم بالقياس، بل تعم جميع الطرق والامارات الظنية لوحدة الملاك فيها.
وأهم ما يمكن أن يستدل لهم به ما سبق عرضه من الشبه حول جعل الأحكام الظاهرية من لزوم اجتماع المثلين أو النقيضين، وقد سبق الجواب عليها في بعض ما كتبناه.
ولكن الآمدي صور إشكالهم بصورة أخرى، ودفعه على مبناه في التصويب، يقول: «إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال بأن كل مجتهد مصيب فيلزم منه أن يكون الشيء ونقيضه حقاً وهو محال، وإما أن يقال بأن المصيب واحد وهو أيضاً محال فانه ليس تصويب أحد الظنين، مع استوائهما دون الاخر أولى من العكس»([584])،
ثم دفع هذا الإشكال على مبناه في التصويب، ورفع التناقض باختلاف الموضوع، لأن موضوع أحد الحكمين هو ظن أحد المجتهدين، وموضوع الحكم الاخر هو ظن المجتهد الثاني، ومع اختلاف الموضوع لا تناقض لاشتراطهم في امتناع اجتماع النقيضين وحدة الموضوع بالإضافة إلى الوحدات الأخر وهذا الجواب صحيح بناء على صحة القول بالتصويب، وتأتي مناقشتنا لهذا المبنى في مبحث الاجتهاد، أما على مبنى المخطئة القائلين بأن الأحكام تابعة لواقعها التي قد يصيبها أحد القائسين وقد لا يصيبها، كما إذا كانت العلة في واقعها غير ما انتهينا إليها فإن الاشكال يحتاج إلى جواب.
وأظن أن الجواب يتضح مما انتهينا اليه من إنكار جعل الأحكام الظاهرية، وأن المجعول فيها ليس هو إلا المعذرية أو المنجزية، ولا علاقة لها بإصابة الواقع وعدمها ليسلم لهم هذا الترديد، وعلى فرض جعل الأحكام الظاهرية فهي مجعولة في طول الأحكام الواقعية، ولا تدافع بينهما.
وإذا استثنينا من أدلتهم هذا الدليل، فإن أكثرها لا يستحق أن يعرض ويجاب عليه.
أما الموجبون له عقلاً فأدلتهم لو تمت، فهي لا تشخص القياس ولا تعينه، وسيأتي عرضها عند الاستدلال على حجية القياس من طريق العقل، وإنما تشمل جميع الظنون، وربما كان مفادها أقرب إلى مفاد أدلة انسداد باب العلم.
والذي يستحق أن يطال فيه الكلام، هو القول الثالث لما له من أهمية تشريعية واسعة، والتحقيق فيه أن يقال: إن القياس في حدود ما انتهينا اليه من تعريفه وأنه (مساواة محل لاخر في علة حكمه) لا يقتضي أن يكون موضعاً لحديث حول حجيته وصحة استنباط الحكم الفرعي الكلي منه، لأن العلة التي أخذت في لسان الدليل إن أريد بها العلة الواقعية التامة للحكم، استحال تخلف معلولها عنها في الفرع لاستحالة تخلف المعلول عن العلة، وإن أريد بها الوصف الظاهر المنضبط المناسب غير القاصر الذي أناط به الشارع حكمه وجعله أمارة عليه، استحال تخلف الحكم في الفرع عنه أيضاً وإلا للزم الخلف لأن معنى إناطته به وجوداً وعدماً عدم تخلفه عنه؛ فإذا فرض إمكان التخلف ـ كما هو مفاد عدم الحجية ـ كان معناه عدم الاناطة، وهو خلاف الفرض.
ولكن موضع الشبهة ومواقع التأمل إنما هو في استنباط الحكم من هذا الدليل لا في أصله ـ فيما نعتقد ـ وإن بدا التشكيك على ألسنة الكثير في ثبوت الحجية له نفسه، والظاهر أن ذلك ناشئ إما من عدم تحديد مفهوم القياس، أو من الخلط بين الدليل وعملية الاستنباط منه.
وعملية الاستنباط هذه موقوفة على تمامية مقدمتين:
أولاهما: معرفة العلة التي أناط بها الشارع حكمه في الأصل.
وثانيهما: معرفة توفرها في الفرع بكل شرائطها وقيودها؛ وكلتا المقدمتين موقوفة على حجية الطرق والمسالك إليهما، ومع إثبات الحجية لها وثبوت العلة بها فلا بد من استنباط حكم الفرع وإثباته بها.
ومسالك العلة التي سبق عرضها، تنقسم إلى قسمين: قطعية، وغير قطعية؛ وغير القطعية تنقسم إلى قسمين: ما قام على اعتبارها دليل قطعي، وما لم يقم.
وعلى هذا فالأقسام المتصورة ثلاثة:
1 ـ المسالك المقطوعة.
2 ـ المسالك غير المقطوعة، ولكن قام عليها دليل قطعي.
3 ـ المسالك غير المقطوعة مع عدم قيام الدليل القطعي عليها.
ولكل منها حديث يقتضينا استيفاؤه بكل ما يتصل به نظراً لما يترتب عليه من ثمرات.
وحجيتها أوضح من أن يقام عليها دليل، لما سبق أن قلنا: من أن طريقية غير العلم لا بدّ وأن تنتهي إلى العلم، وطريقية العلم ذاتية لا تقبل الرفع والوضع، وقلنا: إن الحجية من لوازمه العقلية القهرية التي لا تقع تحت إرادة المشرّع وتشريعه، فإذا صح هذا، اتضح عدم إمكان تصرف الشارع في هذا القسم من القياس، لأن الحجية له من الأمور العقلية التكوينية ـ إن صح التعبير ـ وهي غير واقعة ضمن نطاقها كمكون؛ واذن لا بدّ من تأويل ما ورد من الردع عن الأخذ بالقياس حتى إذا أنهى إلى القطع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يذكر في هذا المجال من التوجيه، هو أن الشارع وإن لم يمكنه التصرف في حجية العلم أو طريقيّته، إلا أنه يمكنه التصرف بحكمه فيرفعه عن المكلف على تقدير المصادفة للواقع، كأن يقول: إن أحكامي التي تنتهون إليها من طريق القياس لا أريدها منكم ولا أؤأخذكم على تركها، وتكون أشبه بالأحكام التي يبدل واقعها إذا طرأ عليها عنوان ثانوي، وذلك لما يعلم الشارع المقدس من كثرة تفويت الأقيسة لمصالح المكلفين وحرمانهم منها.
والذي يهوّن الأمر أنه ليس في الأدلة الرادعة عن الأخذ بالقياس ما هو صريح الردع عن هذا القسم من الأقيسة، اللهم إلا ما يبدو من رواية أبان، يقول أبان: «قلت لابي عبدالله: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الابل، قلت: قطع اثنين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قال، ونقول: إن الذي قاله الشيطان، فقال (عليه السلام): مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف؛ يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين»([585]).
وقد ناقشها بعض أساتذتنا بمناقشات جد متينة ننقلها نصّاً من تقريرات بعض تلامذته: «وأما ما أفاده ـ يعني أستاذه ـ من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس لرواية أبان، ففيه أولاً: أن رواية أبان ضعيفة السند([586]) لا يمكن الاعتماد عليها؛ ثانياً: أنه لا دلالة فيها على كونه قاطعاً بالحكم، نعم يظهر منها أنه كان مطمئناً به، ولذا قال: كنا نسمع ذلك بالكوفة، ونقول: إن الذي جاء به شيطان؛ وثالثاً: ليس فيها إشعار بالمنع عن العمل بالقطع، وانما أزال الإمام قطعه ببيان أن السنة إذا قيست محق الدين، نعم ظهورها في المنع عن الغور في المقدمات العقلية لاستنباط الأحكام الشرعية غير قابل للانكار، بل لا يبعد أن يقال: انه إذا حصل منها القطع وخالف الواقع، ربما يعاقب على ذلك في بعض الوجوه ([587]).
وفي هذا القسم ـ أعني القياس المقطوع العلة ـ تنتظم بعض القياسات الجلية كقياس الأولوية، وما يقطع به لمناسبة الحكم والموضوع كمثال الاعرابي السابق، وما شابه ذلك من الأقيسة.
المسالك غير المقطوعة مع قيام الدليل القطعي عليها
وينتظم في هذا القسم كلما يرجع إلى حجية الظواهر من المسالك السابقة، أي ما كانت العلة فيها مستفادة من دليل لفظي سواء كانت مدلولة له بالدلالة المطابقية، أم الدلالة الالتزامية.
وهذه المسألة تعد من صغريات مسألة حجية الظهور، والأدلة الدالة على حجية الظهور ـ والتي سبق عرضها دالة عليها، وحالها حال بقية الظهورات التي هي المستند في استنباط أكثر الأحكام الشرعية.
والحقيقة أن عدّها في مقابل السنة في غير موضعه، فالأنسب كما يقول الأستاذ خلاف وغيره: إبعادها عن مباحث القياس وإلحاقها بمباحث السنة([588]).
وكل ما وقع فيها من نقاش من بعض نفاة القياس أمثال السيد المرتضى([589])، وابن حزم([590])، إنما هو من قبيل النقاش في الصغرى، أي إنكار الظهور لا التشكيك بحجيته بعد ثبوته.
وما يقال عن هذه المسالك، يقال عن الإجماع المثبت للعلة بعد القول بحجيته، وقد سبق الحديث عنها مفصلاً.
والإشكال الذي يرد على هذا القسم منه، شمول الأدلة الرادعة عن العمل بالقياس من قبل أهل البيت (عليهم السلام) له.
والأدلة الرادعة عن العمل به على نوعين:
1 ـ نوع منها منصب على القياس المتعارف، وهو الذي يلتمس فيه حكم الفرع من حكم الأصل لوحدة العلة فيهما، ومفاد رواياته أن علل الأحكام لا تبلغ بالظنون، وتنتظم في هذا النوع الكثير من احتجاجات الإمام الصادق (عليه السلام)على أبي حنيفة.
2 ـ والنوع الآخر منصب على القياس بالاصطلاح الثاني، وهو الذي تتخيل فيه العلل للأحكام، وتنزل النصوص عليها؛ يقول ابن جميع: «دخلت على جعفر ابن محمد، أنا وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين. قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه، ـ إلى أن يقول والحديث طويل نقتصر منه على موضع الحاجة ـ: يا نعمان، حدثني أبي عن جدي: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين؛ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس»([591]). ثم قال له جعفر ـ كما في رواية ابن شبرمة ـ: «أيهما أعظم: قتل النفس أو الزنى؟ قال: قتل النفس. قال: فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنى إلا أربعة، ثم قال: أيهما أعظم: الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة؛ قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ اتق الله ولا تقس الدين برأيك»([592]).
هذه الرواية مع تتمتها منصبة على الردع عن نوعي القياس، فمن ا ستشهاده بقياس إبليس وهو الذي تمرد على الأمر بالسجود لأنه ـ على خلاف قياسه لتخيله أن الأمر بالسجود يقتضي أن يبتنى على أساس التفاضل العنصري، وخطّأ الحكم الشرعي على هذا الاساس لأعتقاده بأنه أفضل في عنصره من آدم لكونه مخلوقاً من نار وهو مخلوق من طين ـ أقول: من هذا الاستشهاد ندرأ الردع عن النوع الثاني من القياس، كما أن رواية أبان السابقة منصبة في ردعها على هذا النوع بقرينة تكذيبه للحديث ونسبة مضمونه إلى الشيطان، لأنه ورد على خلاف قياسه، وهذا النوع هو الذي يشكل الخطر على الدين لفسحه المجال للتلاعب بالشريعة ومسخ أحكامها باسم مخالفة القياس. ومن الطبيعي أن يقف منه أهل البيت (عليهم السلام) وبخاصة الإمام الصادق (عليه السلام) الذي انتشر هذا النوع من القياس على عهده موقفهم المعروف، والحق كما يقول الإمام (عليه السلام): (إن السنة إذا قيست محق الدين) وقد سبق أن قلنا في مبحث العقل: أن مسرحه في إدراك علل الأحكام محدود جداً، ففتح الباب له على مصراعيه يشكل الخطر العظيم على الشريعة، وهذا معنى قول الإمام (عليه السلام): إن دين الله لا يصاب بالعقول، أي ما ثبت أنه دين لا يمكن أن تدرك جميع علله العقول.
والشق الثاني من الرواية ـ ولعلها رواية أخرى ـ وهي التي تكفل ذكرها ابن شبرمة، منصب على تعجيز العقل عن التعرف على علل الأحكام بعيداً عن الشرع كما يتضح من النقوض التي ذكرها الإمام (عليه السلام) عليه، وهو الذي يناسب القياس بالمعنى الأول، ونظائر هذه الرواية كثيرة، وهي معروضة في جلّ كتب الاصول الشيعية الباحثة عن القياس.
ونسبة ما دلّ على حجية الظواهر إلى الأدلة الرادعة عن النوعين معاً هي نسبة العموم والخصوص من وجه، لأن الأدلة الرادعة تشمل القياس المنصوص العلة ومستنبطها، وأدلة حجية الظواهر تشمل القياس المنصوص العلة وغير القياس، فمورد الاجتماع هو القياس المنصوص على علته، ومقتضى القاعدة التعارض والتساقط فيه ثم الرجوع إلى اصالة عدم الحجية، لأن الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، كما سبق القول فيه.
ولكن التعارض إنما يتم إذا لم يمكن الأخذ بالدليلين معاً وتم تدافعهما في مورد الاجتماع، أما إذا أمكن الأخذ بهما فلا مجال للتعارض والتساقط.
والذي اعتقده أنه لا تدافع بين هذين النوعين من الادلة، لأن القياس المنصوص العلة إن قلنا بأنه ليس بقياس، كما ذهب إلى ذلك كثير من الاعلام، كان خارجاً عن موضوع الأدلة الرادعة عنه على نحو التخصص.
وإن قلنا إنه من القياس فلا بد من صرف الأدلة الرادعة إلى غيره؛ بل لا يمكن أن تكون متناولة له كما يدل على ذلك ما في بعضها من التعليل بأن دين الله لا يصاب بالعقول، إذ مع فرض كون العلة مستفادة من النص لظهوره فيها، يكون المشرع هو الذي دل عليها لا أن العقول أصابتها بمنأى عنه، كما أن ما في بعضها الآخر من القول بأن السُنَّة إذا قيست محق الدين ظاهر في ذلك، إذ لا معنى لئن تمحق السنة نفسها، إذ المفروض أنها هي التي صرحت بالعلل أو كانت ظاهرة فيها، فلا بد أن تكون واردة في خصوص ما لم تدلنا هي على علله، بل كان الدليل عليها هو عقولنا التي اثبتت لها هذه الروايات في الجملة العجز والقصور.
المسالك التي لم يقم عليها دليل قطعي
وهي المسالك إلى العلة من طريق الاستنباط بوسائله التي عرضناها سابقاً كالسبر، والتقسيم، وإثبات المناسبة، وسلامة العلة عن النقيض، واطراد العلة، واطرادها وانعكاسها، إلى غيرها من المسالك التي لا تفيد غير الظن على أكثر التقادير.
والظن كما سبق شرحه مراراً، ليست طريقيته ذاتية لنقصان الكشف فيه، كما أن حجيته ليست من اللوازم العقلية القهرية التي لا تحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ولذلك احتجنا إلى الاستدلال عليه بالأدلة القطعية ـ شرعية كانت أو عقلية ـ وهذه الأدلة أن تمّت أخذنا بها، وإلا فحسبنا من القطع بعدم الحجية عدم ثبوتها، والشك وحده فيها كاف للقطع بعدمها.
ولهذا، لا ترانا بحاجة إلى التماس أدلة على النفي، بل لا نحتاج إلى عرض الأدلة التي ذكرها النافون، بما فيها الأدلة الرادعة وتقييمها وبيان مقدار صلوحها للدلالة، اللهم إلا إذا تمت أدلة حجية هذا القسم من القياس، فاننا محتاجون إلى فحصها ومعرفة مدى صلوحها لمعارضة الأدلة المثبتة.
والأدلة التي ذكرها المثبتون لهذا النوع من القياس كثيرة نعرض نماذج من كل قسم منها، ويعرف حساب الباقي من هذه النماذج، وسنختار أقواها وأظهرها في الدلالة.
وهذه الأدلة تعتمد الأدلة الاربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل.
وقد استدلوا من الكتاب بعدة آيات هي:
1 ـ قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وخير ما تقرب به دلالة هذه الآية: إن القياس بعد استنباط علته بالطرق الظنية من الكتاب والسنة، يكون ردّاً إلى الله والرسول (صلّى الله عليه وآله)، ونحن مأمورون بالرجوع إليهما بهذه الآية، ومعناه اننا مأمورون بالرجوع إلى القياس عند التنازع، وليس معنى الأمر بذلك إلا جعل الحجية له، وهذا التقريب منتزع من مختلف الصور المعروضة لدى المثبتين في توجيهها مع إكمال نقص بعضها ببعض.
ولكن هذا التوجيه لم يتضح بعد لما أورد أو يرد عليه من مؤأخذات وهي:
أ ـ إن دلالة الآية متوقفة على أن يكون القياس الظني ردّاً إلى الله والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهو موضع النزاع، ولذلك احتجنا إلى هذه الآية ونظائرها لإثبات كونه رداً.
والمقياس في الرد وعدمه قيام الدليل عليه، فإن كان هذه الآية لزم الدور بداهة أن دلالتها على حجية القياس المظنون موقوفة على كونه رداً، وكونه رداً موقوف على دلالتها على حجيته؛ على أن القضية لا تثبت موضوعها بالضرورة. وإن كان الدال على كونه رداً غير هذه الآية تحول الحديث إلى حجيته، ومع قيامها لا نحتاج إلى الاستدلال بهذه الآية.
ب ـ ومع الغضّ عن هذه المناقشة، فالآية إنما وردت في التنازع والرجوع إلى الله والرسول (صلّى الله عليه وآله) لفضّ النزاع والاختلاف، ومن المعلوم أن الرجوع إلى القياس لا يفضّ نزاعاً ولا اختلافاً لاختلاف الظنون، بل الرجوع إلى الكتاب والسنة، كذلك لما يقع فيه المتنازعون عادة من الاختلاف في فهم النصوص؛ ومن هنا رأينا أعاظم العلماء والصحابة يختلفون في فتاواهم مع وحدة مصادرهم؛ واذن فلا بد أن يكون المراد من الآية هو تشريع الرجوع في مقام التخاصم إلى الرسول باعتباره منصوباً من الله عز وجل، ومن ينصبه الرسول من أولي الأمر لفض خصوماتهم، أي إلى أشخاص القائمين بالحكم بأمر الله، أو قل إلى أشخاص الولاة ومن يعينونهم لفض الخصومات.
ومن هنا أعطي لحكم الحاكم أهمية كبرى في الاسلام، حتى جعل الرادّ عليه رادّاً على الله، وهو على حد الشرك بالله كما طفحت بذلك كثير من الروايات.
وعلى هذا، فالآية أجنبية عن جعل الحجية لاي مصدر من مصادر التشريع قياساً أو غير قياس، وموردها الرجوع إلى من له حق القضاء والحكم باسم الاسلام لفض الخصومات.
ج ـ ومع تناسي هذه الناحية والتي قبلها، فإن الآية لا تدل على حجية القياس بقول مطلق إلا بضرب من القياس، وذلك لورودها في خصوص باب التنازع، فتعميمها إلى مقام الافتاء والعمل الشخصي، لا يتم إلا من طريق السبر والتقسيم أو غيره؛ وإذن يكون ظهور الآية في حجية القياس مطلقاً موقوفاً على حجية القياس، فإذا كانت حجية القياس موقوفة على هذا الظهور لزم الدور.
2 ـ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وموضع الدلالة منها كلمة اعتبروا الظاهرة في جعل الوجوب للاعتبار، وقد اختلفت كلمتهم في المراد من الاعتبار، فقال بعضهم: إن المرآد منه الاتعاظ؛ وقيل كما ـ عن ابن حزم ـ: إن معناه التعجب؛ وقيل: إنه مأخوذ من العبور والمجاوزة، والذي يرتبط بالقياس هو المعنى الأخير بدعوى أن في القياس عبوراً من حكم الأصل ومجاوزة عنه إلى حكم الفرع؛ فإذا كنا مأمورين بالاعتبار فقد أمرنا بالعمل بالقياس، وهو معنى حجيته، بل حتى لو أريد من الآية الأمر بالاتعاظ وقلنا: إن المراد من الاعتبار هو هذا المعنى، فالآية ـ فيما يرى خلاف ـ ظاهرة في جعل الحجية للقياس لانها «تقرير لأن سنة الله في خلقه أن ما جرى على النظير يجري على نظيره»([593]).
ولكن هذه الاستفادة كسابقتها لا يتضح لها وجه وذلك:
أ ـ لأن إثبات الحجية لمطلق الاعتبار بحيث يشمل المجاوزة القياسية، موقوف على أن يكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة، والمقياس في كونه في مقام البيان هو أننا لو صرحنا بالمعنى الذي يراد بيانه لكان التعبير سليماً، وظاهر الدلالة على كونه مرادا لصاحبه، فلو قال الشارع: أحلّ الله البيع، وأردنا أن نصرح بمختلف البيوع بدلاً من الاطلاق لساغ الكلام، وليس ما يمنع من ذلك إلا التطويل كأن نقول: أحلّ الله البيع العقدي والبيع المعاطاتي، وهكذا حتى نستوفي جميع انواع البيوع…
وإذا صح هذا المقياس عدنا إلى الآية لنرى هل أن سياقها يتسع لهذا النوع من التفصيل كأن نقول: وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا يا أولي الابصار أنفسكم عليهم؛ والنبيذ على الخمر، والضرب على التأفف، والذرة على البر في الربا، وهكذا أمثال هذا مما يسيغه كلام عربي لتصح نسبة مدلوله إلى قائله.
ومن هنا يعلم أن الآية ليست واردة لبيان هذا المعنى، فلا يسوغ الاستدلال بها عليه.
ب ـ ومع التنزل وافتراض مجيئها لبيان هذا المعنى ولو بإطلاقها إلا أنها واردة لجعل الحجية لأصل القياس كدليل، وأصل القياس لا ينبغي أن يكون موضعاً لنقاش جذري لما سبق أن قلنا: من أن حجيته يقتضي أن تكون من الضروريات العقلية، وإنما الخلاف الجذري في الطرق والمسالك الكاشفة عن توفر العلة في الأصل والفرع.
والدليل الوارد لجعل الحجية لأصل الدليل لا يتعرض إلى طرق إثباته، فكما أن الأدلة الدالة على أن السنة النبوية من مصادر التشريع لا تتكفل جعل الحجية لخبر الواحد الحاكي لها، بل نحتاج في الاستدلال عليه إلى أدلة أخرى، فكذلك هنا.
3 ـ قوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
وقد قرب دلالتها صاحب مصادر التشريع بقوله: «إن الله عز وجل، استدل بالقياس على ما أنكره منكرو البعث، فإن الله عز وجل قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أول مرّة، لاقناع الجاحدين بأن من قدر على بدء خلق الشيء قادر على أن يعيده، بل هذا أهون عليه، فهذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجية القياس وصحة الاستدلال به، وهو قياس في الحسيات، ولكنه يدل على أن النظير ونظيره يتساويان»([594]).
والجواب على هذا التقريب
أ ـ إن هذه الآية لو كانت واردة لبيان الاقرار على حجية القياس، لصح أن يعقب بمضمون هذا الاقرار، ولسلم الكلام، كأن نقول: قل يحييها الذي أنشأها أول مرّة، فقيسوا النبيذ على الخمر، والذرة على البر، ولكم بعد ذلك أن تقدروا قيمة هذا النوع من الكلام ـ لو صدر ـ من وجهة بلاغية، وهل يتسع هذا النوع من الكلام لمثله؟
ب ـ ولو سلم ذلك ـ جدلاً ـ فالآية غاية ما تدلّ عليه، هو مساواة النظير للنظير، أي جعل الحجية لأصل القياس لا لمالكه، والدليل الذي يتكفل حجية الأصل لا يتكفل بيان ما يتحقق به كما سبق تقريبه.
ج ـ ولو سلمنا أيضاً دلالته على حجية مسالكه، فهي لا تدل عليها بقول مطلق إلا بضرب من القياس، لأن الآية إنما وردت في قياس الأمور المحسوسة بعضها على بعض، فتعميمها إلى الأمور الشرعية موقوف على السبر والتقسيم أو غيره فيلزم الدور؛ وقول خلاف: «إنها تدل على أن النظير ونظيره يتساويان» غير صحيح على إطلاقه، إذ غاية ما تدل عليه هي مساواة النظير للنظير في الأمور التكوينية، فتعميمها للغير لا يتم إلا بضرب من القياس الظني.
4 ـ قوله تعالى: ﴾فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴿([595])، وهي التي استدل بها الشافعي على حجيته حيث قال: «فهذا تمثيل الشيء بعدله» وقال: يحكم به ذوا عدل منكم وأوجب المثل، ولم يقل أيّ مثل، فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا، وأمر بالتوجّه إلى القبلة بالاستدلال، وقال: ﴾وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴿([596]). انتهى([597]).
والجواب: أن الشارع وإن ترك لنا أمر تشخيص الموضوعات، إلا أنه على وفق ما جعل لها الشارع أو العقل من الطرق، وكون القياس الظني من هذه الطرق كالبينة هو موضوع الخلاف، والآية أجنبية عن إثباته.
ثم إن عد تشخيص صغريات الموضوع أو المتعلق من القياس لو أراد الشافعي ذلك في كلامه، لا يعرف له وجه، لأن القياس بجميع تعاريفه لا ينطبق عليه، فتشخيص أن هذا مثل أو أن هذه قبلة بالطرق الاجتهادية انما هو من تحقيق المناط
بمعناه الأول، وقد قلنا: انه ليس بقياس بالبرهان الذي سبق أن ذكرناه.
5 ـ قوله تعالى: ﴾إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴿([598])، وقد استدل بها ابن تيميّة على القياس بتقريب «أن العدل هو التسوية، والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم، فيتناوله عموم الآية»([599])، وقد أجاب عنه الشوكاني: «بمنع كون الآية دليلاً على المطلوب بوجه من الوجوه، ولو سلمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي، ونوع من أنواع الظنون الزائفة، وخصلة من خصال الخيالات المختلّة»([600]).
والأنسب أن يقال: إن هذه لو تمت دلالتها على الأمر بالقياس بما أنه عدل فهي إنما تدل على أصل القياس لا على مسالكه المظنونة، والكلام إنما هو في القياس المعتمد على استنباط العلل بالطرق السالفة.
وهذه المؤاخذات كلاًّ أو بعضاً واردة على كل ما استدل به من الآيات من أمثال: ﴾إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴿([601]). ﴾وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴿([602])، فلا نطيل الكلام بعرض ما ذكروه لها من كيفيات الاستدلال والمناقشة، وهي تتضح من جملة ما عرضناه في أجوبة الاستدلال بهذه الآيات.
أما ما استدل به من السنة، فروايات تكاد تنتظم في طائفتين تتمثل:
أولاهما: بحديث معاذ بن جبل وما يعود اليه من الأحاديث، ونظراً لما أعطاه مثبتو القياس من أهمية لهذا الحديث، فإننا سنحاول أن نطيل التحدث فيه نسبياً.
والحديث كما رواه «أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، من حديث الحارث بن عمر بن أخي المغيرة بن شعبة، قال: حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال: لما بعثه (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن، قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله؛ قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله؛ قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؛ قال فضرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله»([603]).
وخير ما يقرب به هذا الحديث ـ من وجهة دلالية ـ أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أقر الاجتهاد بالرأي في طول النص بإقراره لاجتهاد معاذ، وهو شامل باطلاقه للقياس، ويرد على الاستدلال بالرواية:
1 ـ إنها ضعيفة بجهالة الحارث بن عمرو، حيث نصوا على أنه مجهول وباغفال راويها لذكر من أخذ عنهم الحديث من الناس من أصحاب معاذ.
«قال في عون المعبود: وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال: هذا حديث باطل رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقاً غير هذا، والحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون؛ ومثل هذا الاسناد لا يعتمد عليه في أصل الشريعة، فإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه، قيل: هذا طريقه والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا طريقاً غير هذا مما يثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم البتة»([604]).
وما أدري مَنْ مِنَ السلف تلقاه بالقبول غير مثبتي القياس؟! وهم لا يصلحون لتقوية حديث هذا سنده لكونهم من المتأخرين، وأخذهم به لا يكشف عن قوة في سنده خفيت علينا عادة وبخاصة وقد أوردوه كغيره من الأحاديث دليلاً على الأخذ بالقياس، فلو كان مجرد أخذهم به يوجب تقويته له، لكان حال ما أخذوا به من الأحاديث الضعيفة حاله في التقوية وهو ما لم يدّعوه لها على الاطلاق.
2 ـ إن هذا الحديث غير وافي الدلالة على ما سبق لإثباته، وذلك:
أ ـ لأن إقرار النبي (صلّى الله عليه وآله) لمعاذ ـ لو صحّت الرواية ـ ربما كان لخصوصية يعرفها النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه تبعده عن الوقوع في الخطأ ومجانبة الواقع، وإلا لما خوله هذا التخويل المطلق في استعمال الرأي، ومن عدم الاستفصال والاستفسار عن أقسام الرأي التي يستعملها في مجالات اجتهاده مع كثرة ما في هذه الأقسام من الآراء التي سلم عدم حجيتها حتى من قبل القائلين بالقياس ندرك هذه الخصوصية ولا أقل من احتمالها.
ومع هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال به إلا بعد دفع الخصوصية، وهي لا تدفع إلا بضرب من القياس الظني، ولزوم الدور به في هذا النوع من الاستدلال واضح بداهة أن دلالة الحديث تكون موقوفة على حجية هذا النوع من القياس، فإذا كانت حجية هذا النوع من القياس موقوفة عليها لزم الدور.
ب ـ إن هذا الحديث وارد في خصوص باب القضاء، وربما اختص باب القضاء بأحكام لا تسري إلى عالم الافتاء، لما تقتضيه لوازم فض الخصومات من استعمال بعض العناوين الثانوية أحياناً، فتعميمه إلى عوالم الافتاء والعمل الشخصي للمجتهد موقوف على إلغاء هذه الفوارق ولا يكون إلامن طريق السبر والتقسيم، أو غيرها من مسالك العلة المظنونة، فيلزم الدور أيضاً بنفس التقريب السابق.
ج ـ إننا نعلم ومعنا مثبتو القياس أن هذا الحديث معارض بما دلّ على الردع عن إعمال الرأي([605])، ولا أقل من تخصيصه بخروج الآراء الفاسدة جمعاً بين هذه الأدلة ـ على طريقة أخذ بعضهم بالجموع التبرعية ـ أو أخذاً بالضرورة من أن هذا الحديث لم يبق على عمومه، بالنسبة إلى كل رأي.
فإذا علمنا بأن عندنا نوعين من الرأي أحدهما فاسد، وهو المردوع عنه، والآخر صحيح، وهو الذي أقر عليه معاذ، فمع الشك بحجية القياس الظني ـ والمفروض أننا شاكّون، ولذلك احتجنا إلى هذه الأدلة ـ لا يصح الرجوع فيها إلى هذا الحديث، وإلا لزم التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بداهة أن الحكم في القضايا الحقيقية لا يمكن أن يثبت موضوعه، فالدليل الدالّ على حجية الرأي الصحيح لا يشخص لك أن هذا الرأي صحيح بل عليك بتشخيصه من الخارج وتطبيق الحكم عليه؛ وإذن فالقياس الظني لا يكون مدلولاً للحديث حتى يثبت من الخارج أنه من القياس الصحيح، ومع إثباته لا نحتاج بعد إلى هذا الحديث لنتمسك به كدليل على الحجية.
وقد يكون أصرح من هذه الرواية ما أثر عنه (صلّى الله عليه وآله) من أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري: «بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة، قسنا الأمر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به»، «حيث صرّحوا بالقياس والنبي (صلّى الله عليه وآله) أقرهما عليه، فكان حجة»([606]).
ولكن هذه الرواية ـ بالإضافة إلى ضعفها سنداً، وعدم طبعيتها في صدور الجواب المشترك عنهما بلسان واحد في آن واحد ـ وكأنهما كانا على اتفاق مسبق بالنسبة له ـ يرد عليها الاشكالان السابقان على رواية معاذ من لزوم الدور فيهما لتوقفهما على دفع احتمال الخصوصية فيهما من ناحية، ودفع احتمال خصوصية القضاء من ناحية ثانية بطريق القياس الظني.
ومع الغضّ عن ذلك وافتراض تماميتها، فإن مقتضى لسانها جعل الحجية لأصل القياس لا لمسالكه المظنونة التي هي موضع النزاع.
وقد قلنا فيما سبق: ان الدليل الدالّ على أصل الشيء لا يدل بنفسه على الطرق المثبتة له.
ثانيهما: ما ورد من الأحاديث المشعر بعضها باستعمال النبي (صلّى الله عليه وآله) للقياس، وبما أن عمله حجة باعتباره سنة واجبة الاتباع، فإن هذه الطائفة من الأحاديث دالة على حجية القياس.
والأحاديث التي ذكروها كثيرة، نجتزئ بذكر بعضها، ثم نعقب عليها بما يصلح ان يكون جواباً عن الجميع.
منها: حديث الجارية الخثعمية أنها قالت: «يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخاً زمناً لا يستطيع ان يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم؛ قال: فدين الله أحقّ بالقضاء».
ووجه الاحتجاج به كما قربه الآمدي «أنه أَلْحَقَ دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس»([607]).
ومنها: الحديث الذي جاء فيه «انه قال لام سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم: هل أخبرته أني أقبّل وأنا صائم»([608]) وإنما ذكر ذلك فيما يقول الآمدي تنبيهاً على قياس غيره عليه.
ومنها: قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم؛ فقال: فلا إذن»([609]).
والجواب على هذه الأحاديث ككل ومعها غيرها مما لم نذكره من أحاديث الباب:
1 ـ إن هذه الأحاديث لو كانت واردة في مقام جعل الحجية للقياس، فغاية ما يستفاد منها جعل الحجية لمثل أقيسته (صلّى الله عليه وآله) مما كان معلوم العلة لديه كما هو مقتضى ما تلزم به رسالته من كونه لا يعدو في تشريعاته ما أمر بتبليغه من الأحكام.
ومثل هذا العلم بالحكم لا يتوفر إلا عند العلم بالعلة في الفرع، على ان نسبة ما يصدر منه للقياس موقوف على إمكان صدور الاجتهاد منه، أما إذا نفينا ذلك عنه، وقصرنا جميع تصرفاته على خصوص ما يتلقاه من الوحي (ان هو إلا وحي يوحى) فتشبيه قياساتنا بقياساته وإثبات الحجية لها على هذا الاساس قياس مع الفارق الكبير، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا الفارق في بعض خطبه بقوله: «يا أيها الناس، ان الرأي إنما كان من رسول الله مصيباً، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الرأي والتكلف»([610]).
ومع هذا الفارق، كيف يمكن لنا أن نسري الحكم إلى قياساتنا المظنونة؟ أليست صحة هذه التسرية إليها مبنية على ضرب من القياس المظنون، وهو موضع الخلاف!.
والقياس المعلومة علته تعبّداً أو وجداناً مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لخلاف، كما سبق الحديث فيه.
2 ـ إن هذه الأنواع من الأحاديث ليست من القياس في شيء، فرواية الخثعمية واردة في تحقيق المناط من قسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها.
فالكبرى ـ وهي مطوية ـ: «كل دين يقضى» هي في واقعها أعم من ديون الله وديون الآدميين، وقد طبقها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على دين الله لابيها، فحكم بلزوم القضاء، وأين هذا من القياس المصطلح؟ على أنّا لو سلمنا أنه منه، فهو من قبيل قياس الأولوية بقرينة قوله (صلّى الله عليه وآله): «فدين الله أحق»، أي أولى بالقضاء، وهو ليس من القياس موضع النزاع في شيء كما مرّ تحقيقه.
وما يقال عن رواية الخثعمية، يقال عن الرواية الثالثة حيث نقح (صلّى الله عليه وآله) بسؤاله صغرى لكبرى كلية، وهي كلما ينقص لا يجوز بيعه ـ لو أمكن نسبة الجهل بالموضوعات اليه لتصحيح مثل هذا السؤال منه ـ اللهم إلا أن يكون سؤاله هذا من قبيل ما نبّه عليه الشاعر:
«وكـم سائل عـن أمـره وهـو عالـم».
والرواية الثانية، لا أعرف كيف أقحمت في هذا المجال مع انها صريحة ـ بحكم ما فيها من استفسار وسؤال لام سلمة ـ في ورودها لتنبيهها على لزوم ذكر السنّة النبوية لامثال هذه السائلة لتأخذ بها، والأخذ بالسنة ليس من القياس في شيء، على أن لسان الرواية يأبى نسبة مضمونها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فهو أسمى من أن يشهر بشيء يعود إلى شؤونه وعوالمه الخاصة مع نسائه، وحسبه من تبليغ الحكم غير هذه الطريق.
والإجماع المحكي هنا هو إجماع الصحابة، وقد اعتبره الآمدي([611]) أقوى أدلتهم، وكذلك جملة من الاعلام «قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي، وقال الصفي الهندي: دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين؛ وقال الرازي في المحصول: مسلك الإجماع هو الذي عول عليه جمهور الأصوليين»([612])، وأمثال هؤلاء في التصريح بأهمية الاستدلال به، كثيرون…
وتقريب الاستدلال به هو: «أن الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نصّ فيها من غير نكير من احد منهم»([613]).
وتوجيه اتفاقهم ـ مع أنه لم ينقل ذلك عنهم تاريخياً ـ هو أن آحاداً منهم، افتوا استناداً إلى القياس، وسكت الباقون فلم ينكروا عليهم، وسكوتهم يكوّن إجماعاً، أو ان بعضهم صرح بالأخذ بالرأي من دون إنكار عليه، ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه»([614]).
ومنه: «حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء، حتى قال له: كيف تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الاسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، وحيث انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهم»([615]). ومنه قول عمر: «أقضي في الجد برأيي، وأقول منه برأيي»([616]).
وعن ابن مسعود (رض): «سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده، وان كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء»([617]).
ولم يرد في رواية عن أحدهم لفظ الأخذ بالقياس إلا نادراً، كقول عمر في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: «اعرف الاشباه والامثال وقس الأمور»([618])، وهي رسالة قال عنها ابن حزم: إنها موضوعة مكذوبة عليه، وراويها «عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه، أو من هو مثله في السقوط»([619]).
والنقاش في هذا الإجماع واقع صغرى وكبرى؛ أما الصغرى فبإنكار وجود مثله عادة لأن مثل هذه الروايات ـ لو تمت دلالتها على القياس ـ فإنما هي صادرة من أفراد من الصحابة امام أفراد، فكيف اجتمع عليها الباقون منهم، واتفقوا على فحواها؟ ولعل الكثير منهم لم يكن في المدينة عند صدورها.
ومن المعلوم أن ميادين الجهاد والبلدان المفتوحة والثغور وغيرها، أخذت كثيراً من الصحابة ولاة وعمالاً وجنداً وقادة، فكيف عرف اتفاقهم على هذه المضامين حتى كونوا إجماعاً، ومن هو الجامع لكلمتهم؟ وما يدرينا ان بعضهم سمع بشأن هذه الأحكام وأنكرها ولم يصل الينا؟ ومجرد عدم العلم بإنكاره لعدم النقل لا يخلق لنا علماً بالعدم، وهو الذي يفيدنا في الإجماع لتصحيح نسبة السكوت إليهم المستلزم للاطلاع وعدم الإنكار.
وأما المناقشة من حيث الكبرى، فبالمنع من حجية مثل هذا الإجماع، وذلك لأمور:
1 ـ إن السكوت ـ لو شكل إجماعاً ـ لا يدل على الموافقة على المصدر الذي كان قد اعتمده المفتي أو الحاكم بفتياه أو حكمه، وبخاصة إذا كان هو نفسه غير جازم بسلامة مصدره، كقول أبي بكر السابق: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان». وكذلك قول ابن مسعود المتقدم، إذ لو كانا عالمين بسلامة مصدرهما وصحته لقيام الدليل القطعي على حجيته لديهما، لما صحّ نسبة استنادهما عليه حتى مع الخطأ إلى الشيطان. وأصرح من ذلك ما ذكره عمر في هذا المجال حيث قال: «اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني وإني لارد أمر رسول الله برأيي أجتهد ولا آلو وذلك يوم ابي جندل والكتاب يكتب، فقال رسول الله: اكتبوا باسم الله الرحمن الرحيم؛ فقال: تكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله وأبيت؛ فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى»([620]).
على أن منشأ السكوت قد يكون هو المجاملة أو الخوف أو الجهل بالمصدر، فدفع هذه المحتملات وتعيين الايمان بالمصدر وهو حجية الرأي من بينها لا يتم إلا بضرب من القياس المستند إلى السبر والتقسيم أو غيره من مسالك العلة، وهو موضع الخلاف، ولا يمكن إثباته بالإجماع للزوم الدور بنفس ما مر من التقريب في نظائره من الأدلة السابقة.
2 ـ إن هذا الإجماع معارض ـ لو تم ـ بإجماع مماثل على الخلاف ادعاه بعضهم([621])، ويمكن تقريبه بمثل ما قربوا به ذلك الإجماع من أن الصحابة أنكروا على العاملين بالرأي والقياس، أمثال قول أميرالمؤمنين علي (عليه السلام): «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه»([622]). وفي رواية أخرى «لو كان الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره»([623]). وقول ابن مسعود: «إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرّم الله، وحرمتم كثيراً مما حلل الله ([624]). وقول ابن عباس: «إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس»([625]) إلى عشرات من أمثالها من الروايات، وهي معروضة في كتاب أعلام الموقعين، وكتاب إبطال القياس، وغيرهما من الكتب التي عنيت بالإضافة في أمثال هذه المواضيع.
وسكوت الصحابة بنفس تقريبهم السابق يكوّن إجماعاً على إبطاله.
وقد حاول غير واحد من مثبتي القياس أن يوفقوا بين هذه المضامين وسابقاتها بحمل هذا النوع من الروايات النافية «على ما كان من ذلك صادراً عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفاً للنص، وما كان ليس له أصل يشهد بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل من ذلك فيما تعبّدنا فيه بالعلم دون الظن جمعاً بين النقلين»([626]).
والحق أن الجمع بين الأدلة ـ إذا لم يكن له ظاهر من نفس الأدلة أو ما يحيط بها من أجواء وملابسات ـ لا يسوغ الركون إليه.
ومجرد كونها منقولة عمن نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس، لا يستدعي هذا النوع من الجموع.
والقاعدة تقتضي الحكم بالتساقط عند تحكم المعارضة.
ودعوى ـ «إن الشخص لا يتناقض مع نفسه، فيذهب إلى القياس تارة والى عدمه أخرى» ولازمها المدعى تكذيب الطائفة الثانية من الأحاديث ـ بعيدة عن تفهم طبيعة الاجتهاد، وما أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين فيعدلوا عن فتاوى سبق لهم فيها رأي.
وهذه الجموع كلها جموع تبرعية، لا تعتمد على ظهور عرفي يقتضيها، وكلّ جمع لا يقتضيه الظاهر لا يسوغ الرجوع إليه، وإلاّ لما تعذر جمع بين أمرين مختلفين فإذا ورد ـ مثلاً ـ حديث يأمر بوجوب الصلاة وآخر يحرمها، فإنّ لنا أن نجمع بينهما ـ على هذا المبنى ـ بحمل الأمر على خصوص الصلاة في الليل، والدليل المحرم على خصوص الصلاة في النهار، أو حمل إحداهما على صلاة الشاب، والأُخرى على صلاة الشيخ، وهكذا…
وما الذي يمنع من وقوع ذلك من الصحابة مع الايمان بعدم عصمتهم؟ بل إن مقتضى العدالة أن ينبهوا على أخطائهم بعد تبين وجه الخطأ فيها لئلا يتكرر وقوع خطأ العاملين بها من أتباعهم.
على أن بعض هذه الروايات صريحة في تسجيل الخطأ على أنفسهم لعملهم بالرأي كما سبق في رواية عمر «اتهموا الرأي على الدين».
ومن تتبع هذه الفتاوى التي يبدو أن أصحابها عملوا فيها بالرأي، يجد الكثير منها جارياً على خلاف النصوص لا ضمن إطارها كما يراد حملها عليه من قبل بعض المؤلفين.
ومع إمكان وقوع الاختلاف منهم والتناقض مع أنفسهم لا ملجأ لتكذيب احدى الطائفتين، على أن تكذيب إحداهما ليس بأولى من تكذيب الثانية للزوم الترجيح بلا مرجح، وما ذكر من المرجحات لا يصلح لذلك كما سبق بيانه.
3 ـ ومع الغضّ عن تحكم المعارضة والأخذ بما ذكروه من الجمع بينها وبين الطائفة الأولى بحمل الثانية على الردع عن القياس الفاسد، فإن مقتضى هذا الجمع، هو حمل الطائفة الأولى على القياس الصحيح.
فإذا شككنا في حجية القياس الظني، فهل نتمكن من إثباته بأحد الإجماعين؟ وهل ذلك إلا من قبيل إثبات القضية لموضوعها؟ وهو مما تأباه جميع القضايا الحقيقية كما سبق ذكره أكثر من مرة.
4 ـ ومع تسليم حجية هذا النوع من الإجماع والتغاضي عن كل ما أورد عليه، إلا أن ما قام عليه الإجماع هو نفس القياس لا مسالكه المظنونة، اذ ليس في هذه الفتاوى ما يشير إلى الأخذ بمسلك من هذه المسالك موضع الخلاف ليصلح للتمسك به على إثباته، والإجماع ـ كما هو التحقيق فيه ـ من الأدلة اللبيّة التي يقتصر فيها على القدر المتيقن، إذ لا إطلاق أو عموم لها ليصح التمسك به ـ لو أمكن ـ والقدر المتيقن هو خصوص ما كان معلوم العلة منه فلا يصح التجاوز عنه إلى غيره.
وهذه المناقشات إنما تحسن وتكون ذات جدوى إذا صحّ صدور هذه الروايات على اختلافها ـ في النفي والإثبات ـ من قبل أصحابها بهذه الألفاظ: (الرأي، القياس) وبما لها من مداليل ومسالك وفق ما حدودها بعد أكثر من قرن.
ولقد أنكر كل من الأستاذ سخاو، والدكتور جولد تسيهر، أن يكون القياس بمفهومه المحدد لدى المتأخرين كان مستعملاً لدى الصحابة([627])، ورد عليهما الدكتور محمد يوسف موسى بقوله: «حقاً ان الرأي في هذه الفترة من فترات تأريخ الفقه الاسلامي ليس هو القياس الذي عرف فيما بعد في عصر الفقهاء وأصحاب المذاهب الاربعة المشهورة، ولكن الرأي الذي استعمله بعض الصحابة لا يبعد كثيراً عن هذا القياس إن لم يكنه، وان كانوا لم يؤثر عنهم في العلة ومسالكها، وسائر البحوث التي لا بدّ منها لاستعمال القياس شيء مما عرفناه في عصر أولئك الفقهاء»([628]).
وما أدري كيف علم أن الرأي الذي استعملوه لا يبعد عن قياس المتأخرين إن لم يكنه إذا كان لم يؤثر عنهم شيء عن العلة ومسالكها وسائر بحوثها؟ وإذا صح ما يقوله الدكتور موسى من أنه لم يؤثر عنهم فيها شيء ـ وهو صحيح ـ في حدود ما تقتضيه طبيعة زمنهم، وفي حدود ما قرأناه من مأثوراتهم، فكيف يتم لنا الإجماع منهم على حجية السبر والتقسيم وغير السبر والتقسيم من المسالك المظنونة؟
والذي يبدو من مجموع ما تتبعت من أسانيد بعض الروايات، المتعرضة للرأي والقياس على اختلافها في النفي والإثبات، شيوع الضعف والوهن فيها مما يدل على أن الكثير منها كان وليد الصراع الفكري بين مثبتي القياس ونفاته من المتأخرين، وما كانت للقدامى من أبناء صدر الاسلام وبخاصة كبار الصحابة فيها يد تذكر، وليس في هذا ما يمنع من استعمال كلمة رأي وورودها على ألسنتهم، ولكن في حدودها الغامضة غير المفصحة، فالحق ـ فيما يبدو ـ هو ما ذكره الأستاذ سخاو وجولد تسيهر في هذا المجال.
وقد صوروها بصور عدة تعود في أصولها إلى أربعة:
1 ـ ما ذكره خلاف من: «إن الله سبحانه ما شرع حكماً إلا لمصلحة، وإن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علة الحكم التي هي مظنة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تساويهما في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدل الله وحكمته أن يحرم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر وهي الإسكار، لأن مآل هذا المحافظة على العقول من مسكر وتركها عرضة للذهاب بمسكر»([629]).
وهذا الدليل إنما يتم ـ لو فرض له التمام ـ على خصوص مبنى العدلية في التحسين والتقبيح العقليين، وإلا فأي ملزم للشارع المقدس ـ بحكم العقل ـ أن لا يخالف بين الحكمين ما دام لا يؤمن العقل بحسن أو قبح عقليين.
ودعوى اتفاق غير العدلية من المسلمين مع العدلية في أن أحكامه لا تصدر إلا عن مصلحة أو مفسدة لا تجدي في تتميم حكم العقل ما دام هو لا يلزم بذلك ولا يؤمن به.
وموضع المفارقة في هذا الدليل ـ حتى على مبنى العدلية ـ هو ما أخذه في العلة من كونها مظنة المصلحة، فالعقل لا يحكم بالمساواة بين الفرع وأصله في الحكم إذا لم يدرك المساواة بينهما في العلة المحققة للمصلحة لا التي هي مظنة تحقيقها، وما هي علاقة ظنون المجتهدين بأحكام الله الواقعية ليتقيد بها الشارع المقدس في مقامات الجعل والتشريع وبخاصة على مبنى من ينكر التصويب.
والحقيقة أن حكم العقل غاية ما يدل عليه هو حجية أصل القياس لا حجية مسالك علله وطرقها، فمع المساواة في العلة التامة الباعثة على الحكم، لا بد أن يتساوى الحكم، أي مع إدراك العقل لمقتضى التكليف وشرائطه، وكل ما يتصل به لا بد أن يحكم بصدور حكمه على وفق ما يقتضيه، لما قلناه من استحالة تخلف المعلول عن العلة التامة أو لزوم الخلف على اختلاف في معنى العلة سبق عرضه.
أما أن يحكم لمجرد ظنه بالعلة وتوفرها في الفرع فهذا ما لا يلزم به العقل أصلاً.
نعم إذا ظن العقل بوجود العلة فقد ظن بوجود الحكم إلا أن مثل هذا الظن لا دليل على حجيته، ما دامت طريقيته ليست ذاتية، وحجيته ليست عقلية، كما مرت البرهنة على ذلك في بحوث التمهيد تفصيلاً.
2 ـ ما ذكره الشهرستاني من أنا «نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضاً، والنصوص إذا كانت متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد»([630]).
وهذا الاستدلال يبتني في تماميته على مقدمتين:
الأولى: دعوى تناهي النصوص وعدم تناهي الحوادث.
الثانية: دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.
والدعوى الأولى ليست موضعاً لشك ولا شبهة ليطال فيها الكلام، فالنصوص بالوجدان متناهية، والحوادث بالوجدان أيضاً غير متناهية.
ولكن الكلام في تمامية الدعوى الثانية وهي دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.
وذلك أن الذي لا يتناهى هي الجزئيات لا المفاهيم الكلية، والجزئيات يمكن ضبطها بواسطة كلياتها، وقضايا الشريعة انما تتعرض للمفاهيم الكلية غالباً، وهي كافية في ضبط جزئيات ما يجد من أحداث وبخاصة إذا ضم إليها ما يكتشفه العقل من أحكام الشرع على نحو القطع.
وما جعل لها من الطرق والامارات والاصول المؤمّنة يغني عن اعتبار القياس بطرقه المظنونة كضرورة عقلية، لا بد من اللجوء إليها وهي وافية بحاجات الناس على اختلاف عصورهم وبيئاتهم.
على أن حكم العقل هذا ـ لو تم ـ فهو لا يشير ولا يعين القياس المظنون فكيف يكون حجة فيه؟ لأن تعيينه أو غيره مما يحتاج إلى مقدمات أخرى وهي مفقودة في الدليل، وستأتي الاشارة إليها في دليل الانسداد.
3 ـ قولهم: «ان القياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح، ويبني عليه العقلاء أحكامهم، فمن نهي عن شراب لأنه سام يقيس بهذا الشراب كل سام، ومن حرم عليه تصرف لأن فيه اعتداء وظلماً لغيره، يقيس بهذا كل تصرف فيه اعتداء وظلم لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الاخر، وان التفريق بين المتساويين في أساسه ظلم»([631]).
وهذا الدليل ـ بعد الغض عما فيه من الخلط بين الفطرة السليمة وحكم العقل وبناء العقلاء ولكل منها منبع يستقى منه وهو يختلف عن البقية ـ انه لا يتعرض إلى أكثر من حجية أصل القياس لا طرقه المظنونة، وحجية أصل القياس لا تقبل المناقشة كما سبق الحديث في ذلك.
ومن الواضح انه لا تلازم بين حرمة شيء وحرمة ما ظن وجود علتها فيه، وان لم تكن موجودة واقعاً لأن الظن بالعلية لا يسري إلى الواقع فيغيره عما هو عليه.
4 ـ ما ذكر من أن حكم العقل بحجية مطلق الظن المبتني على مقدمات الدليل المعروف بين العلماء بدليل الانسداد الكبير شامل ـ بعد تماميته ـ لجميع الظنون بما فيها الظنون القياسية.
وتقريبه يقتضي التعرض لهذه المقدمات، وقد بلغ بها صاحب كفاية الاصول إلى خمسة([632]) وهي:
1 ـ علمنا إجمالا بتوجه تكاليف من الشارع لنا.
2 ـ انسداد باب العلم التفصيلي بالكثير منها وكذلك انسداد باب العلمي، أي الطرق والامارات المجعولة من قبل الشارع عليها، والتي تثبت حجيتها أو طريقيتها بأدلة قطعية.
3 ـ القطع بعدم تسامح الشارع عنها على نحو يسوغ اهمالها وعدم امتثالها.
4 ـ عدم وجوب الاحتياط في أطراف العلم للزوم العسر والحرج أو عدم جوازه، كما إذا لزم منه اختلال النظام، وربما كان غير ممكن أصلاً كما في دوران الأمر بين المحذورين، ومع عدم جعل الاحتياط لا يسوغ العقل الرجوع إلى الاصول في أطرافه لمنافاتها لمقتضى العلم، كما لا يسوغ العقل الالتجاء إلى التقليد، لأن مبنى التقليد قائم على رجوع الجاهل إلى العالم، ومع أعتقاد المكلف بانسداد باب العلم والعلمي لا يرى غيره عالماً ليسوغ لنفسه الرجوع إليه وتقليده.
5 ـ امتناع ترجـيح المرجـوح على الراجـح، وبما أن الظـن في الحكـم في بعض الاطراف أرجح من الشك أو الوهم؛ فإنه يتعين بحكم العقل الرجوع إليه واعـتباره حجـة سـواء كـان منشـؤه القـياس أم غـيره، واستثـناء القيـاس من الحجية يلزم منه تخصيص الحكم العقلي، والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص.
وهذا الدليل من أمتن الأدلة نسبياً وأقربها إلى الفن لو تمت جميع مقدماته.
ولكن الإشكال في تمامية بعض هذه المقدمات وبخاصة ما يتصل منها بالمقدمة الثانية من دعوى انسداد باب العلم والعلمي، فقد مرّ لدينا قيام الأدلة القطعية على حجية كثير من الامارات، بالإضافة إلى الأدلة الموجبة للقطع بالحكم الشرعي، فباب العلم والعلمي اذن غير منسد لنلجأ إلى التعويض بمطلق الظنون، وإذا انهارت واحدة من المقدمات فقد انهار الدليل على نفسه من الاساس وانحل العلم الاجمالي بما قام عليه العلم والعلمي وأمكن الرجوع في الاطراف المشكوكة إلى الاصول، وبهذا المقدار نكتفي عن مناقشة بقية المقدمات.
وأعتقادي شخصياً أنه ليس بين المسلمين اليوم من يذهب إلى انسداد باب العلم والعلمي عليه، وان كان فيهم من يسد على نفسه أبواب الاجتهاد.
على أن هذا الدليل لا يلزم نفاة القياس ابتداءً، لأن حكم العقل لو تمت جميع المقدمات ـ لا يكون متناولاً للظنون القياسية ـ وعلى الاخص بعد افتراض قيام الأدلة القطعية على عدم جواز العمل به لديهم، أمثال روايات أهل البيت (عليهم السلام) الرادعة عنه وهي متواترة.
إذ مع قيام الردع القطعي عنه كيف يمكن للعقل أن يعتبره حجة يمكن الركون إليها في مقام الاحتجاج به على المولى عند المخالفة مع اصرار المولى على عدم اعتباره حجة بأدلة الردع.
وما يقال من أن حكم العقل لا يقبل التخصيص صحيح جداً، إلا أنه أجنبي عن موردنا هذا، لأن خروج القياس الظني عن حكم العقل هنا ليس من قبيل التخصيص، وانما هو من قبيل التخصص، إذ من الواضح أن هذا النوع من الأحكام العقلية مأخوذ في موضوعه عدم قيام الحجة على المنع عنه، أي عدم انفتاح باب العلم أو العلمي في جميع المسائل، ومع انفتاحه في مسألة ما، فلا حكم للعقل بحجية الظنون في تلكم المسألة بداهة، والمفروض هنا أن باب العلم بالردع عن القياس مفتوح، أي أن القياس معلوم عدم حجيته، ومع هذا الفرض فلا تتم مقدمات دليل الانسداد بالنسبة إليه ولا يكون مشمولاً لنتيجتها بداهة ليقال: كيف يمكن تخصيص الحكم العقلي.
ولقد ذكرت محاولات كثيرة للتوفيق بين ما دل على الردع منه من الروايات وبين نتائج دليل الانسداد ـ لو تم ـ وهي معروضة في رسائل الشيخ الانصاري([633])، وحقائق الاصول للامام الحكيم([634]) وغيرهما من الكتب المعنية بأمثال هذه المواضيع.
على أن هذه المقدمات لا ملزم فيها لجعل الحجية لمطلق الظنون، وغاية ما تقتضيه هو التبعيض في الاحتياط حتى في الموهومات بمقدار لا يلزم منه اختلال النظام أو العسر والحرج.
والخلاصة أن جميع ما ذكره مثبتو القياس من الأدلة لا تنهض بإثبات الحجية له، فنبقى نحن والشك في حجيته، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها.
فلا نرى بعد هذا حاجة إلى عرض أدلة نفاة القياس ومناقشتها.
وهذه الأدلة التي عرضوها ـ وهي مستوعبة للادلة الاربعة كتاباً وسنة وإجماعاً وحكم عقل ـ لا يخلو أكثرها من مناقشة، اللهم إلا إذا استثنينا ما تواتر عن أهل البيت (عليهم السلام) من الردع عنه وعدم الأخذ به، فإنه واف بإثبات نفي الحجية عنه.
وتمام رأينا في القياس أن القياس يختلف باختلاف مسالكه وطرقه، فما كان مسلكه قطعياً أخذ به، وما كان غير قطعي لا دليل على حجيته.
وأظن أن في مقياس الحجية الذي صار بأيدينا ما يغني عن التعرض لبقية تقسيماته وشرائطه، إذ لا جدوى من عرضها وإطالة الحديث فيها، وليست لها أية ثمرة عملية تترتب على ذلك.
محمد تقي الحكيم
كابُل (النهر)
كابل: اسم نهر في أفغانستان، منبعه بالقرب من وادي «اني» بين خط العرض الشمالي 34 درجة و31 دقيقة، وخط الطول الشرقي 68 درجة و30 دقيقة، يخترق هذا النهر مدينة «كابل»، حيث يصب فيه ـ بالقرب منها ـ من جهة الجنوب نهر «الوكر»، ثمّ يتّحد معه: نهر «بنجشير» من ناحية الشمال.
ومن مرتفعات مدينة كابل، يخترق هذا (النهرُ) المناطق الجبلية، لينحدر في وادي «جلال آباد» القليل الارتفاع؛ حيث يمتزج معه هناك نهر «سرخاب» من جهة الجنوب و«كنر» من جهة الشمال. بعد ذلك يدخل في جبال «مهمند»، ومن هناك إلى «يشاور»، ثمّ يتفرّع إلى فرعين؛ يمتزج الشمالي منهم بنهر «صوات»؛ ليعود الفرعان يمتزجان من جديد. وبعد اجتياز مسافة 316 ميلاً يصب نهر كابل في نهر الهاندوس قرب «اتك».
هذه الكلمة (كابل) عبارة عن الكلمة السانسكريتية (Kubha).
وكان المؤرخون القدماء أمثال (آرين) و(ستريبو)، يسمّونها (كوفين) (Kophen) و(كوفيس) (Kophes) وكان بطليموس يسميها كوا (Koa) وكان نهر (Kubha ) ـ بلا شك ـ أحد الأنهر السبعة المذكورة في «ريكوردا». ويذكر الجغرافيون العرب هذا النهر بأسماء مختلفة. فالبيروني يتحدّث عن «غورواند» (Ghorwand) الذي يصب إلى الأسفل من «وهاند» (Waihand) عاصمة قندهار (كندهارا) في نهر الأندوس. والاسم مأخوذ من وادي «غوربند» الذي ينبع حواليه بالقرب منه نهر «بنجشير».
يكتب المسعودي ما مضمونه: «يأتي النهر الرابع للبنجاب من أرض كابل ومن مناطقها الجبلية، ويشكل حدود السند». والاسم الجديد لهذا النهر بلغة (البنبتو): السند (Sind) (وهذا الاسم كلمة تحمل المعنى العام للبحر في لغة البنبتو. أي أنّهم يسمّون مطلق البحر في البنبتو: (سيند).
ويستفاد من «بابر» أنّ نهر السند ـ هذا ـ ينبع من مناطق كان «بابر» ـ نفسه ـ قد أطلق ـ في مواضع أُخرى ـ اسم السيند على نهر الأندوس.
ويبدو أنّ اسم «كامه» الذي أطلق من قبل «الفنستون» كان خطأً، وأنّ «كامه» كان مجرد اسم لأحد المعاونين أو الشُعَب. ولعل ولاية أو مدينة «كابل» قد أخذت اسمها من اسم هذا النهر نفسه.
كابل (المدينة)([635]*)
عاصمة أفغانستان. وتقع بين خط العرض الشمالي 24 درجة و30 دقيقة وخط الطول الجنوبي 69 درجة و13 دقيقة على ارتفاع (5780) قدم فوق مستوى سطح البحر في وادٍ خصب.
وبالرغم من أنّ نهر كابل كان موجوداً منذ فترات بعيدة وإلى اليوم، ومذكوراً بأسماء مختلفة؛ إلاّ أنّه لم يرد ـ في أي مكان ـ ذكر عن مدينة بهذا الاسم، كان بعض المؤرخين يتصوّر ـ تخميناً ـ أنّ «كاروره» التي ذكرها بطليموس هي «كابروه» وأنّ الأقوام الذين سمّاهم (بطليموس) باسم: بوليتي (Boliton) هم: كابوليتي؛ أي أهالي كابل. إلاّ أنّ أياً من هذه التخمينات لا تعضدها الشواهد العلمية الموثقة، ولا تستند إلى أي أساس متين. وتكوفن (Kophen) هو اسم يشمل الوادي كلّه، والمشتق من نهر كوفن (Ko-Fen).
وقد احتلت هذه الأراضي من قبل الملك ديمتريوس؛ وظلّت حتّى بداية (الميلاد) تحت السيطرة اليونانية والغربية. وكما يتّضح فإنّها كانت خاضعة ـ مدّة من الزمن ـ لـ «كوندوفارنس» ملك سيستان وقندهار عن أسرة بهلواي. وفي القرن الأوّل الميلادي سيطر عليها الكوشانيون. كما عُثر في «ورك» بالقرب من كابل على آنية فيها نقوش الملك «هوفيشكا». وكان دين الناس في تلك الفترة: البوذية. ثمّ انسحب الكوشيون أمام «اليفتليين» فترة؛ ثمّ أعقبها وصول جماعات الكوشيين «تسانغ» في 657م. «كوفو» (Kao-Fu) هو الاسم الذي أطلقه الصينيون ـ آنذاك ـ على كابل. وشيئاً فشيئاً حلّت الديانة البرهمية محل البوذية، وصارت دين الملوك الكوشانيين الذين جاؤوا فيما بعد؛ حيث كان هؤلاء الملوك يلقّبون بلقب شاهي (Shahi). وما يستنبط ويستفاد من آثار البيروني فيما يتعلق بهذه الطائفة من الملوك هو أنّهم كانوا يعملون بمعونة ومساعدة وزرائهم البرهميين؛ وكان هذا ـ في الأغلب ـ في أوائل الفتوحات الإسلامية الأولى.
وأغلب الظن، أنّه بعد الفتح الإسلامي الأوّل كانت الهنود دولة ومركزها «يودا بهندا» (Udabhanda) أو «ويهند» (Waihand) التي كانت تقع على ضفاف نهر الأندوس؛ وكانت تمتد إلى الجبال الواقعة غرب (جلال آباد)، إلاّ أنّها لم تكن تستوعب كابل جميعها بصورة كاملة، وبقيت كابل أراضٍ مستقلة تدار من قبل ملكها. وكانت تارة تخضع للنفوذ الإسلامي. وتارة تبقى متحررة بصورة كاملة إلى أن وصل (سبكستين) إلى السلطة.
ويظهر من الكتابات التاريخية الأولى للعرب أنّ جميع البلاد كانت تسمّى قندهار أي كندهارا، ومن هنا يحصل الاشتباه والخطأ ـ غالباً ـ مع مدينة قندهار. ويتبيّن من تاريخ الطبري: أنّه في زمن عمر، وفي عام 23هـ، زحف كلّ من عاصم بن عمرو وعبدالله بن عمير باتجاه سيستان وواصلاً تقدمهما إلى تخوم الهند وقندهار. ولم يرد ذكر لمدينة كابل بصراحة ووضوح؛ في حين ذُكر وصُرّح بوادي كابل والوادي المجاور لتلك المنطقة الجبلية إلى وديان الهندوكش، باسم دائرة نفوذ كابل شاه. وعاصمة هذه الدائرة ذكرت باسم مشكوك قرأها (Lestnange): جوراس (Djwrwas).
يقول اليعقوبي إنّ هذه المدينة فتحت في زمن عثمان من قبل عبد الرحمن بن سمرة؛ إلاّ أنّ اليعقوبي حين كتب نظريته ـ هذه ـ كانت توجد مجرد كلمة جبولك (كابلي).
والتعرّض الثاني الذي حصل كان في زمن معاوية بن أبي سفيان. ثمّ في عصر هارون الرشيد، وبالتحديد في عام 176هـ (793م) توجّه جيش من بلخ وهجم على هذا الوادي من جهة الشمال، وذلك عن طريق وادي (باميان).
وأعقبهُ هجوم آخر وقع في زمن المأمون انتهى باستسلام كابل شاه وأدّى إلى اعتناق وتقبل الدين الإسلامي.
وكما يتّضح فإنّ هذه الغزوات والهجمات كانت ـ تتمّ ـ باسم الإسلام، ولم يقع أو لم يوجد ثمة احتلال وتسلّط حقيقي حتّى زمن الصفاريين عام 357هـ (871م).
لا شك أن بنجشير ـ بما تمتلكه من معادن كالفضة ـ قد جذبت اهتمام الحكام نحوها بشدّة. وكان يعقوب بن ليث الصفار يسك بها النقود غير أنّه لا يمكن الاستنباط أبداً أنّ «كابل» قد أطلق على مدينة إلاّ في العصور المتأخرة جداً، ولم يوجد في السابق ثمة مركز مهم بهذا الاسم.
ينبغي أن لا يغيب عن البال أنّ حملة يعقوب بن ليث تمّت من جهة الشمال وعن طريق وديان هندوكش، وليس عن طريق سجستان الأكثر شهرة ومن طريق وادي أرغنداب وغزنة. وكان ملك كابل في هذه الفترة شخص على المذهب البوذي. وأغلب الظن أنّه كان من أعقاب وخلفاء الكوشيين.
ولم تكن (Cf. Afghanstan) مدينة مشهورة قبل أباطرة المغول، وقد ضربت فيها النقود للمرّة الأولى في عهد بابر. وكانت كابل عاصمة للبلاد زمن حكم الغزنويين واقتدارهم.
يعرّف الإدريسي ويشير إلى كابل كمدينة كبيرة، ويضيف أنّه لم يكن بوسع ملك أن ينسب إلى نفسه لقب (شاهي) (Shahi) ما لم يكن قد اجتاز مراحل ذلك في كابل. ومعلومات الإدريسي تستند إلى وثائق أبعد من عصره أي أنّه كان يكتب هذه المعلومات بعد مضي زمن طويل على أنقراض سلالة الشاهيين (جمع شاهي).
وأغلب الظن أنّ حالات الاضمحلال المتواترة لغرنة كانت وراء اشتهار ورقي كابل. وبعد ذلك، وفي عصر تيمور، وعلى يد أحد أعضاء اسرته، برزت كابل كعاصمة لرقعة كبيرة من الأرض.
بعد موت أبي سعيد، احتل ابنه (أولوغ بيك) مدينة كابل، وحافظ عليها واحتفظ بها شخصياً حتّى موته، وأُخرج ابنه من قبل مقيم بن ذي النون بيك أرغون، الذي أخرج بدوره من قبل بابر عام 910هـ (1504م).
وكان فتح كابل أساساً لإمبراطوريته على الهند، واستمرّت سيطرة أسرته على كابل حتّى في زمن اخراج ابنه (همايون) من الهند. وملكها ـ بعد ذلك ـ همايون ـ نفسه ـ حتّى عادت إليهم الهند مرّة أُخرى، من جديد.
كان بابر يحبّ كابل كثيراً، وترك ذكريات مؤثّرة كتبها عن هواء كابل ومائها وفاكهتها وأزهارها، وبعد موته في أكرة نُقل جثمانه إلى كابل وأُودع الثرى في بستان كان قد بناه ـ في حياته ـ بالقرب من مدينة كابل.
من الآن فصاعداً يعود تاريخ مدينة كابل لتاريخ إمبراطورية المغول في الهند، فقد أضحت مركزاً للذهب والفضة والنحاس. وهنا وجدت مسكوكات الأباطرة حتّى زمن سلطنة محمود.
وفي عام 1738م سقطت كابل أمام نادر.
إنّ الروبية وعملة عالمية ثانية أيضاً قد سكّت هناك بعد موت نادر شاه، لكن هذه المدينة لم تصر ـ مع ذلك ـ جزءاً من الإمبراطورية، وسرعان ما فتحت من قبل أحمد شاه دراني.
وانتقلت العاصمة بعد ذلك إلى قندهار، ولكن سرعان ما أثبتت كابل تفوّقها على قندهار من هذه الناحية، وظلّت هي العاصمة منذ حكم الأسرة السدوزانية والباركزائية حتّى اليوم.
تطوّرت كابل بعد ذلك من جميع الجوانب وأصبحت عاصمة لدولة مهمة، على الرغم من الضربات المتلاحقة والتكاليف الباهظة التي لحقت هذه المدينة أثر الحوادث والوقائع الكثيرة، خاصّة خلال الأعوام (1843ـ1939) حيث وقعت صدامات بين السدوزائيين والباركزائيين. كما تعرّضت هذه المدينة لضربات كثيرة موجعة في زمن شير علي خان وإخوته. وأخيراً أصابها ما أصابها في الحروب الأهلية بين اليساريين والإسلاميين أوّلاً، ثمّ بين الإسلاميين أنفسهم، ولا تزال في مصائبها حتّى هذه الساعة.
توابع كابل في عصر كوركانيّي الهند
كانت كابل ـ المدينة التاريخية في هذا البلد ـ تحظى بشهرة كبيرة في زمن (بابر) مؤسس دولة الكوركانيين في الهند. ومن هذا المكان شنَّ بابر حملاته على اللوديين الدهليين. في الفترات اللاحقة التي حكمت فيها أسرة هذا الإمبراطور الهند، كانت كابل مشهورة أيضاً. ولمؤرخي ذلك الزمان قصص في هذا المجال.
الشيعة في كابل
يشكّل الشيعة في كابل أكثر من الثلث من مجموع سكانها، ويسكنون فيها الأحياء الآتية: شنداول، وجمال مينا، ومراد خاني، ومرابد آباد، وقلقشة، وقلعة شادة، وأفشار نانكجي، وأفشار تبة، وقلعة فتوح، وزندة ببانان، وقلعة علي مردان. وأكبر هذه الأحياء هي: حي شنداول وحي جمال مينا وحي مراد خاني. على أنّ وجودهم غير محصور في هذه الأحياء، بل هم موجودون في أحياء كابل الأُخرى بأعداد متفاوتة.
وأبو خالد الكابلي كان من أصحاب الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام).
كارون (نهر)
كارون اسم مصحَّف على ما يُقال من كون رنك «الجبل الملوّن» وهو الجبل الذي ينحدر منه هذا النهر فالاسم «كارون» على ما يظهر لم يعرفه بلدانيو القرون الوسطى من عرب وفرس. وكان اسم هذا النهر في القديم: (دجيل) ونسب إلى الأهواز، فقيل: دجيل الأهواز تمييزاً له عن دجيل دجلة في أعلى بغداد.
وأعالي نهر دجيل، أي كارون، تتخلل الشعاب الجبلية في بلاد اللر الكبرى. أمّا روافده فتنحدر من بلاد اللر الصغرى وجبال كردستان. ومخرج دجيل في كوه زرد «الجبل الأصفر». ومن الجانب الثاني لهذه الجبال ينحدر نهر زندرود الذاهب إلى أصفهان، وبعد أن يشق مجرى دجيل المتعرج بكثير من روافده الصغيرة سلسلة الجبال يصل إلى مدينة تسَتر وهي التي عدّها المستوفي في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) قاعدة إقليم خوزستان، ولذلك سمّي هذا النهر بدجيل تستر. ويخرج من النهر عند تستر فرع يعود ثانية إليه عند عسكر مكرم([636]) ومنها يمر بالأهواز حيث يلتقي هو ونهر جنديسابور أي نهر دزفول. ويأخذ نهر دزفول ماءه من بروجرد في اللر الصغرى. وكانت أعاليه تعرف باسم قرعة (أو قوعة) وبعد أن يلتقي به نهر آخر يُقال له كُزكى يجتاز النهر مدينة دزفول فيلتقي بدجيل على ما مرَّ بنا. وللدجيل رافد كبير آخر أكثر اتجاهاً إلى الغرب هو نهر السوس ويعرف أيضاً بنهر كرخه. ومخرجه في جبال اللر الصغرى. وكان يلتقي به نهر كُوْلْكُو ونهر خُرّم آباد. وبعد أن تجري هذه الأنهار المتحدة مسافة طويلة وتجاوز مدينة السوس تأتي إلى أراضي الحويزة في غرب الأهواز ثمّ تلتقي بـ دجيل. وعلى شيء يسير أسفل من ملتقى هذه الروافد، يصير نهر دجيل فيضاً عظيماً يحمل مياه أنهار خوزستان مجتمعة ويجري شرق فيض دجلة إلى أن يصب في خليج فارس.
كاشان
تُعرف مدينة كاشان أنّها رابع أهم مدينة إيرانية من حيث وجود الآثار التاريخية فيها بعد أصفهان وشيراز ويزد، فهي عريقة في التاريخ ورائدة في الفن المعماري الإيراني وغنية بالجمال التاريخي الأصيل، ولا زالت بعد مئات السنين تحمل عطر الماضي وعراقة التاريخ وحضارة العصر.
كما أنّ كاشان تُعرف عالمياً بسجادها الذي تصنعه أنامل نسائها في أغلب بيوتها، فضلاً عن مصانع السجاد الحديثة الموجودة في هذه المدينة.
وبالرغم من وجود الأحياء والمباني والأسواق والشوارع الحديثة في كاشان، إلاّ أنّها لا زالت تحتضن الأزقة القديمة الطويلة المتعرّجة، والأحواض والمعابر الهوائية والأقبية العميقة المنتهية إلى عيون المياه العذبة، وكذلك تزخر المدينة بالعشرات من المساجد القديمة والمراقد والمدارس الدينية التي شُيّدت قبل عدّة قرون من الزمن.
تقع مدينة كاشان عند حافة صحراء كبيرة تشغل معظم وسط إيران، وهي ثاني أكبر مدينة في محافظة أصفهان بعد أصفهان… وتقع عند طول شرقي 51 درجة و 27 دقيقة وعرض شمالي 33 درجة و 59 دقيقة. وتحدّها مدينة قمّ من الشمال والشمال الغربي، والصحراء الكبرى من الشرق والشمال الشرقي، ومدينة أردستان من الشرق، ومدينة أصفهان من الجنوب، ومدينتا گلبايگان ومَحلاّت من الغرب.
تبعد مدينة كاشان عن طهران بحوالي 220 كيلو متراً إلى الجنوب منها، وعن مدينة قمّ بحوالي 90 كيلو متراً، وعن أصفهان بحوالي 150 كيلو متراً.
نتيجة لموقع المدينة الجغرافي، ووجودها في مهبّ الرياح الصحراوية الحارة والأعاصير الموسمية التي تهبّ من الصحراء، فإن طقسها يتميّز بالتغيّر خلال فصول السنة، وهو عموماً بارد جافّ في الشتاء، وحارّ بشدة في الصيف.
تقع مدينة كاشان على مفترق أهم الطرق التجارية في إيران، حيث يمرّ بها الطريق البري التجاري الذي يربط طهران بمدن وسط وجنوب إيران، وكذلك تقع على الخط الحديدي الذي يربط العاصمة بأصفهان ويزد وكرمان، لذلك فهي مهمة أيضاً من هذه الناحية.
هذا وأنّ كاشان تعتبر أيضاً من المناطق الصناعية المهمة في إيران، حيث يوجد فيها أكبر مصانع السجّاد الإيراني والنسيج، بالإضافة إلى وجود عدد من الكليّات والمعاهد الصناعة والهندسية. كما تُعرف المدينة بمحاصيلها الزراعية وإنتاجها الغذائي، حيث يوجد فيها أيضاً عدد من الصناعات الغذائية والتعليب.
أسباب تسميتها
حول أسباب تسمية المدينة بـ (كاشان) هناك العديد من الآراء التي ذكرها المؤرّخون والمستشرقون وعلماء الآثار، نذكر بعضها هنا:
1 ـ يعود سبب التسمية إلى أنّ المدينة كانت تعتبر خلال القرون التاريخية القديمة مركزاً لصناعة أفضل أنواع الآجُر والبلاط والموزاييك الملوّن، يُسمى بالفارسية (كاشي)، لذا سُمّيت المدينة بـ (كاشيان) أو (كاشان).
2 ـ مجموعة من علماء التنقيب والآثار بعد أن أنهَوا أعمال التنقيب الأثري في تلال (سيلك) بالقرب من المدينة، توصّلوا إلى هذه النتيجة، وهي أن اسم (كاشان) مشتقّ من كلمة (كاشو) أو (كاسو). وهو اسمُ قوم قدماء كانوا يعيشون في بلاد ما بين النهرين قبل أن يهاجروا إلى هذه المنطقة، وعُرفت منطقتهم فيما بعد (كاسيان) أو (كاشان).
3 ـ اعتبر مَلِكُ الشعراء بَهار في ديوانه أن سبب تسمية (كاشان) يعود إلى معناه وهو (معبد) أو (مكان إقامة محافل أو طقوس العبادة).
4 ـ ذكر مؤلف كتاب (معجم المصطلحات الفارسية في اللغة العربية): تطلق كلمة (كاشان) على البيوت الصيفية المبنية من الخشب.
5 ـ ذكر مؤلف كتاب (الآثار التاريخية في كاشان ونَطَنْز): أن أول مركز عمراني شُيّد بأمر من الملوك الأسطوريين عند حافة نبع (فين) في هذه المنطقة، وسمّوه (كي آشيان): أي مكان الحكام.
نبذة تاريخية
تحتفظ مدينة كاشان في ذاكرتها أنّها من أقدم الحضارات الإنسانية التي شهدتها الكرة الأرضية… حيث إن الأعمال التنقيبة التي قام بها علماء الآثار التاريخية في تلال (سيلك) التي تبعد ثلاث كيلومترات عن المدينة الحالية، أشارت إلى وجود حضارة قديمة في هذه المنطقة، تعود إلى الألف الرابع وحتى السابع قبل الميلاد، وقد شهدت بروز فنون مختلفة منها المعمارية.
لأنّ منطقة كاشان لا يوجد فيها أي آثار للعهدين الحاخامنشي والأشكاني، كما أنّ الدراسات الأثرية والأعمال كثيرة عن حضارة هذين العهدين في منطقة كاشان، إلاّ أنّ العثور على مسكوكات فضية تعود إلى العهدين الحاخامنشي والأشكاني في هذه المنطقة دلّ على آثار(أقدام) تاريخية قديمة لهذين العهدين في هذه المنطقة.
وخلافاً للعهدين السابقين، فإنّ منطقة كاشان لا زالت تحتفظ بمبانٍ تاريخية تعود إلى العهد الساساني… حيث إن وجود أطلال معبدَيْ (نياسرو وخرم دشت) تؤكد على أن هذه المنطقة كانت لها مكانة كبيرة في العهد الساساني.
فضلاً عن ذلك، فإن المصادر التاريخية الإسلامية ذكرت أن كاشان في أواخر العهد الساساني (قبل الإسلام) كانت مدينة كبيرة وعامرة وذات مكانة اقتصادية مهمة وخاصة.
ودخل الإسلام إلى كاشان كغيرها من المناطق الإيرانية في الصدر الإسلامي الأول…
ضَربت كاشان هزتان أرضيتان شديدتان في عامي 346 و 347 للهجرة، مما أدّى إلى تدميرها بالكامل، إلا أن عدة مبانٍ ظلت من تلك الحقبة مثل (بقعة قاضي أسد) ومحلّة (الساحة القديمة) والمسجد الجامع.
واستعادت كاشان مكانتها السابقة في العصر السلجوقي؛ حيث انتشرت فيها مختلف الفنون، مثل صناعة الوسائل الخزفية والبلاطات المزخرفة، كما شُيّدت قلعة في جنوب المدينة في عهد جلال الدين مَلِكْشاه (465 ـ 485 للهجرة)، تُعرف اليوم بقلعة جلالي.
بعد فترة من الزمن أُحيطت المدينة بسور حصين بفضل جهود مجد الدين عبيدالله، حيث يمكن اليوم مشاهدة بقايا هذا الأثر التاريخي في الأجزاء الجنوبية من المدينة.
وأُصيبت كاشان خلال حملات المغول بأضرار كبيرة، إلاّ أن المدينة أصبحت في عهد الإيلخانيّين من أهم المراكز الصناعية في إيران، حيث شُيّدت مبانٍ جديدة ورُمِّمت الخرائب، بحيث كتب (فريرا ودوريك) حول رحلة قاما بها إلى المدينة في عام 721 للهجرة ما يلي:
«بالرغم من أن جزءاً كبيراً من مدينة كاشان دُمّر إثر غزو المغول للمدينة، إلاّ أنها رُمِّمت ثانية والمدينة تبدو عامرة، وفيها الكثير من الخيرات».
يمكن اعتبار العصر الصفوي أوج ما وصلت إليه مدينة كاشان من فن وإعمار ووسعة… وبالرغم من أنّ أصفهان كانت عاصمة الصفويين، إلاّ أن السلاطين الصفويين كانوا يقضون الكثير من وقتهم في مدينة كاشان. ومع توسع السوق في المدينة ازداد تردّد التجّار الإيرانيين والأجانب عليها.
كذلك فإن صناعة الغزل والنسيج تقدمت كثيراً في هذه المرحلة، حيث أنتجت المصانع والورش والبيوت الكاشانية أجمل وأروع الأقمشة الحريرية والكتانية وغيرها، فضلاً عن إنتاج أنفس أنواع السجّاد الصوفي والحريري.
كما أن صناعة الأواني الخزفية والمعدنية والبلاطات السيراميكية المزخرفة قد نمت وتطوّرت في هذا العهد، بعد سنوات من الركود والتوقف.
وهكذا فإن كاشان تبدو اليوم مدينة زاهرة حاملة معها تراث الماضي وعراقة الحاضر وأمل المستقبل المشرق.
المخطط المعماري التاريخي لمدينة كاشان
من ينظر إلى الواقع المعاصر لمدينة كاشان يبدو أمامه المخطّط المعماري التاريخي القديم للمدينة، فضلاً عن وجود آثار كثيرة لنشاطات واسعة وعامة في الفنون المعمارية التي كانت منتشرة في هذه المدينة، وهي مختلطة مع الظروف الإقليمية التي كانت سائدة عبر التاريخ، والممزوجة مع الفنون التقليدية والمصالح الخاصة لهذه المنطقة.
يمثّل السوق الرئيسي مركز المخطط المعماري التاريخي للمدينة، حيث تتوزع المحلات والمناطق السكنية على أطرافه، وهذه المحلات تتكون من مجموعة من الأزقّة الضيّقة المتشابكة المتعرّجة التي تنتهي بساحة واسعة بدورها تتفرع إلى أزقة وحارات وهكذا.
وكل محلة يوجد فيها مسجد وحسينية ومخزن للماء وحمّام وسوق صغير، ويزداد عدد هذه المراكز مع زيادة مساحة المحلة.
كذلك فإن المنازل السكنية متلاصقة مع بعضها، وتحيط بها جدران مرتفعة، وأغلبها ذات مساحة كبيرة تتكون من غرف مخصصة للشتاء وأُخرى للصيف.
ولا تزال المدينة تحتفظ بهذا المخطط رغم قدمه، لا سيما في المناطق المركزية منها، بالطبع مع دخول التحديث والتجديد عليها، فضلاً عن المحلات والأحياء الحديثة التي شُيّدت طبقاً للمقاييس والمخططات المعمارية الحديثة.
الآثار التاريخية
لا شك أن مدينة كاشان تأتي في المرتبة الرابعة بعد أصفهان وشيراز ويزد، من حيث كثرة وجود الآثار والمباني التاريخية.
لذلك اهتمّ بها الباحثون والعلماء عبر التاريخ من داخل إيران وخارجها، حيث ذكرها هؤلاء في كتبهم باعتبارها كنزاً يحتفظ بالآثار التاريخية. من ذلك بقعة السلطان مير أحمد التي تقع في محلة بالاسم نفسه. وهي تعتبر من آثار العصر الصفوي.
وفي المبنى قبّة هرمية الشكل، ومنارتان وصحن واسع وإيوان واحد، وتؤدي إلى الخارج عبر خمسة أبواب خشبية كبيرة ونفيسة.
ويعود تاريخ بناء هذه البقعة إلى عام 941 للهجرة، كما يعود تاريخ بناء هذه الأبواب إلى أعوام 941 و 931 و 915 و 1241 للهجرة. وهناك بقعة السلطان عطا بخش التي تقع خارج المدخل القديم للمدينة باتجاه أصفهان في شارع (الملاّ حبيب الله شريف)… ويعود البناء الأول للبقعة إلى عصر آل بُوَيْه، كما ذكر علماء الآثار. وهناك بقعة چهل دُخْتَران التي تقع إلى الغرب من بقعة السلطان مير أحمد بمسافة 100متر، وهي من آثار القرن الثامن الهجري، وقد زُيّنت قبّتها بالآجرّ المزخرف. وهناك بقعة الأمير إبراهيم التي تقع في جانب من شارع أمير كبير، وهي من آثار العصر القاجاري.
تعلو البقعة قبّة مزيّنة بالآجُر من الداخل، تحيط بها منارتان مرتفعتان، ويتوسّطها صحن كبير جميل، ويرتبط به إيوان مزيّن بالمرايا والرسوم. وهناك بقعة وتكية طاهر ومنصور التي تعتبر من أهم تكايا كاشان التاريخية، وتقع في منطقة تحمل الاسم نفسه. وإذا أخذنا ما ذُكر في تاريخ قُم فإن البقعة تضم رفات السيد طاهر بن أبي القاسم بن زيد بن الحسن بن علي (عليه السّلام) ونجله أبي المنصور.
تعلو البقعة قبّة ومنارة مزينة بالبلاط المزخرف، ذكر في اللوحة الكتابية الموجودة عليها أن المبنى يعود لعام 1110 للهجرة. وهناك بقعة مير يشانة التي تقع في أحد أزقّة شارع محتشم باسم زقاق باقبان.
وتعتبر من آثار العصر الصفوي؛ والمبنى مزيّن بلوحة كتابية مصنوعة من حجر الظفر. وهناك بقعة حبيب بن موسى التي تعتبر من المزارات القديمة المهمة في المدينة، حيث يعود بناؤها الأصلي إلى القرن السابع الهجري، وأُعيد ترميمه في العصر الصفوي… تعلو البقعة قبة ومنارتان ويتوسطها إيوان وصحن.
ومرقد حبيب بن موسى الذي يتوسط البقعة مزيّن بآجر مزخرف نفيس ومذهب، يعود إلى العصر المغولي.
وبالإضافة إلى البقاع الموجودة داخل المدينة التي ذُكرت آنفاً، فإن هناك العديد من البقع التي تحيط بالمدينة في الأرياف والقرى المحيطة بها… منها بقعة السلطان علي بن محمد باقر في مشهد أردهال، وبقعة بيرداود، وبقعة بابا أفضل في مرق، وبقعة بي بي شاه زينب تبعد عن المدينة بثلاثين كيلومتراً، وبقعة السيد محمد الصانع ومحمد إسماعيل في قرية أزوار، وبقعة السيد محمد الأوسط في جوشقان، ومقبرة محتشم وغيرها.
وهناك مسجد مير عماد الذي يقع إلى الجنوب من ساحة فيض وإلى جانب السوق الكبير، وكان قد شُيِّد عام 868 للهجرة في عهد جهانشاه قرا قويونلو، من قِبل وزيره الخواجة عماد الدين محمود.
للمسجد باب كبير ونفيس وجميل، ويوجد فيه أيضاً منبر تاريخي مزيّن يعود إلى عهد السلطان أبي سعيد كوركان.
يحتوي المسجد على نصوص أوامر ملكية منقوشة على ألواح حجرية. وهناك مسجد وزير الذي يعود بناؤه إلى عهد الشاه عباس الثاني الصفوي، حيث شُيّد عام 1055 للهجرة، ويتكون المسجد من صحن كبير وأواوين مزينة بالبلاطات المزخرفة. وهناك المسجد الجامع الذي يعتبر من أقدم المباني التاريخية في كاشان. وتعلو المسجد قبة مصنوعة من الآجر، ويتوسطه إيوان واسع وصحن كبير وفسحات شتائية وصيفية.
ويعود بناؤه إلى العصر السلجوقي، ولم يبق منه سوى المنارة. وهناك مسجد ومدرسة آقا، وهي من المدارس المعروفة في كاشان. وتعتبر القبة والمنارة من أعلى المباني التاريخية في المدينة.
وقد شُيّدت المدرسة عام 1248 للهجرة، من قبل الحاج محمد تقي خانبان.
تقع المدرسة والمسجد في شارع فاضل راقي وسط المدينة، وتحتوي على فسحات شتائية وأواوين وصحن جميل بطابقين، وحجرات متعددة. وهناك مجمع قلعة جلالي وهو من آثار السلطان جلال الدين مَلِكْشاه السلجوقي (455 ـ 456هـ). ويقع في الجهة الغربية من المدينة.
يحيط بالقلعة سور ضخم ومرتفع مع ثمانية أبراج دائرية عالية. وهناك سور كاشان القديم الذي يقع في الجنوب الغربي من المدينة، ولم يبق سوى القسم الجنوبي الشرقي منه، بين المدخل المؤدّي إلى أصفهان وباب (فِين) على شكل أبراج دائرية.
وتزخر كاشان بمجموعة أُخرى من الآثار التاريخية، بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفاً، منها عدد كبير من الحمّامات الآثرية القديمة، مثل حمّام مير عماد، وحمّام خان، وحمّام السلطان مير أحمد، وحمّام ملاّ قطب الذي شيّده مولانا قطب الدين محمد أحد علماء القرن العاشر الهجري في عام 966 للهجرة.
وكذلك مجموعة الأسواق القديمة الأثرية في كاشان التي تقع في مركز المدينة، والتي شُيّدت طبقاً للفنّ المعماري القديم على شكل أسواق متداخلة.
يعود البناء للأسواق إلى العصر الصفوي، إلاّ أنّه دُمّر إثر زلزال عام 1192 للهجرة، وأُعيد ترميمه بعد ثلاث سنوات، كما تمّ توسيعه في عهد السلطان فتح علي شاه.
كذلك يوجد في كاشان العديد من البيوت الأثرية الواسعة والقديمة ذات القاعات الكبيرة المزينة بالزخارف والمرايا والرسوم، ويعود بعضها إلى العصر القاجاري، والبعض الآخر إلى العصر الصفوي.
بالإضافة إلى ما ذكرناه من آثار تاريخية يؤمّها الناس بالآلاف سنوياً، فإن مدينة كاشان تزخر بالعشرات من مراكز الترفيه والاستجمام التي يرتادها سكان المدينة والضيوف، لا سيما في أيام العطل، منها مجموعة من المنتزهات والحدائق، منها (بستان فِين) الذي يُعتبر من الآثار التاريخية المهمة في المدينة، حيث يعود إلى العصر الصفوي. كذلك شُيّد في البستان متحف كبير يضم الكثير من الفنون التقليدية والأثرية والأزياء الشعبية.
ولا بدّ من القول إنّ كاشان تُعرف بصناعاتها اليدوية ومنسوجاتها الحريرية، كذلك بالسجّاد الكاشاني ذي الشهرة العالمية، فضلاً عن اشتهار المدينة بماء الورد، ولا سيما منطقة (قَمْصَر) القريبة من كاشان، حيث يتمتع أيضاً بشهرة عالمية.
كاشمر (ترشيز ـ طريثيث)
تقع مدينة (كاشمر) في الجنوب الغربي من مدينة (نيشابور) وعلى الشرق من مدينة (سبزوار)، وتعتبر من المدن الكبيرة نسبياً، ويطلق الجغرافيون على (كاشمر) اسم (بُشت)، ويُعتقد بأنّ الكثير من الملوك الإيرانيين القدماء إنّما اتخذوها عاصمة لهم لاشتمالها على الهواء المعتدل والماء الصافي. وفي هذه المدينة تمّ اللقاء الأوّل بين كلّ من (كشتاسف) المعروف بـ (كشتاسب) ـ وهو ملك إيراني قديم ـ و(زردشت) منشئ العقيدة المسمّاة باسمه في إيران قديماً، واعتناق (كشتاسب) للمعتقد الزرادشتي وتشييد أوّل معبد لهذا المعتقد هناك، بالإضافة إلى زرع أوّل شجرة من أشجار (السرو) والادعاء من قبل (زردشت) ورجاله بأنّها من الجنة، واعتبروها آية ومعجزة بالنسبة لمعتقدهم في مدينة (بتش) التي سمّيت بـ (اشكمر) بعد نمو الشجرة هذه مضافاً إليها ضواحي هذه المدينة. ومعنى هذا الاسم هو شجرة السرو الكبيرة واسم (كاشمر) تحوير لكلمة (كازخر) وقد ذكر الكثير من الشعراء هذه الشجرة الكبيرة في أشعارهم. وتعتبر من ذكريات (زردشت) وكان أتباعه يعتبرونها من الأشجار المقدسة لديهم.
وفي فترة الخلافة العباسية ـ في أوائل القرن الثالث الهجري ـ قام الخليفة آنذاك تحسّباً من رجوع المعتقد الزرادشتي وعبادة الأشجار ـ قام بقلع كلّ أشجار السرو هناك والاستفادة منها في بناء المأذنة المعروفة بـ (الملوية) في سامراء، ورغم إصرار الزرادشتيين على الطلب من الخليفة عدم قلع هذه الشجرة وإعطائهم خمسين ألف دينار نيشابوري مقابل العدول عن قلع هذه الشجرة فإنّ الخليفة لم يتردّد في ذلك الأمر ممّا حدا بهم إلى أن يشيدوا بناءً شبيهاً بشجرة السرو الأصلية.
أمّا تسمية هذه المدينة باسم (بُشت) فيُعتقد بأنّه قد جاء من اسم (بشتاسف) وهو تعريب لاسم (كشتاسب) أو لظهور علماء ورجال ذوي بصيرة في العلوم المختلفة في هذه المنطقة، إضافة إلى انتساب معظم أساتيذ المدرسة (النظامية) المعروف في مدينة نيشابور إلى (بشت)، والاحتمال الآخر هو وجود المواد الغذائية الكثيرة وبالأخص الحنطة ولمكانتها التجارية حيث يتم عن طريقها تصدير المواد من خراسان إلى أصفهان وشيراز وبالعكس.
وتعتبر (بشت) الظهير والسند القوي لمحافظة خراسان من الناحية الاقتصادية والتجارية وتفوّق نيشابور في هذا الأمر.
وهي تشتمل على مئتين وست وعشرين قرية، وسبع مدن منها:
1 ـ ترشيز.
2 ـ كاشمر.
3 ـ كند.
4 ـ خارزنج.
5 ـ بتان.
وهناك مدينتان لم يُعرف أسماهما، وتعتبر (ترشيز) المركز لهذه المدن، أمّا مؤسّسها فهو (كشتاسب). وبالنسبة إلى اسم (ترشيز) يحتمل وجود علاقة بين هذا الاسم وبين اسم مدينة (شيز) الواقعة في آذربيجان وهي المدينة التي ولد فيها (زردشت)، وتحسباً من المسلمين وكتاب التاريخ الإسلامي من بقاء الصبغة الزرادشتية على ترشيز فقد سمّيت باسم (طريثيث) وهو اسم عربي تصغير لكلمة (طرثوث) وهو شراب لذيذ يوجد في الجبال الشمالية لمدينة (ترشيز). ويوجد في كلّ مدينة من مدن (بشت) مسجد كبير ومن بين هذه المساجد مسجد مدينة (ترشيز) الذي يعتبر من أكبر وأجمل هذه المساجد ويوصف بأنّه من أجمل المساجد ما عدا المسجد الأموي في (دمشق)، حيث يوجد أمام الباب الأمامي له حوض دائري للماء، ولم يبق من هذا المسجد سوى المأذنة المعروفة باسم (مأذنة فيروز آباد) وذلك بعد الخراب الذي أحدثه (هولاكوخان) الذي غزا تلك المنطقة ودمر الكثير منها.
وبعد سنة 530هـ تعرّض الإسماعيليون النزاريون لترشيز، فقام حاكم (ترشيز) بطلب العون من الأتراك لدفع خطر الإسماعيليين، لكن الذي حدث أنّ الأتراك دخلوا (ترشيز) ودمروها ممّا حدا بحاكمها إلى إعلان الهدنة والصلح مع الإسماعيليين الذين تولّوا أمرها حتّى منتصف القرن السابع حيث جاء (هولاكوخان) غازياً هذه المنطقة وقضى على الإسماعيلين.
والجدير ذكره هو أنّه كان للإسماعيليين النزاريين في هذه المنطقة (قهستان) سبعون قلعة فتحت جميعاً على يد (هولاكوخان) وجيوشه، وتقع (قلعة آتشگاه) على الشمال الغربي من مدينة (كاشمر) الحالية ومن خلال الآثار المتبقية والرسوم يظهر أنّ هذه البناية كانت من الأهمية بحيث كان بالقرب منها غار كبير عند بابه جندي متأهب بيده رمح ويمتطي فرساً.
هذا بعد خلاصها (ترشيز) من الإسماعيلية أُعيد بناؤها بعد أقل من قرن وفي عهد (حمدالله مستوفي) كانت (ترشيز) من أهم مدن منطقة (قهستان)، وفي نهاية القرن الثامن كانت هذه المدينة عرضة لغزو جيوش (تيمور) وبالرغم من وجود الحصون والقلاع المنيعة فإنّ ذلك لم يجد نفعاً أمام هذا الغزو العنيف حيث قامت هذه الجيوش بحفر الأرض من تحت القلاع والحصون والنفود إلى الداخل ودمروا مدينة (ترشيز) تدميراً ماحقاً ولم يبق منها سوى الخرائب، وتقع هذه الخرائب في الوقت الحاضر على جانب (كندر) و(فيروز آباد)، وقد اهتم الكثير من المنقبين عن الآثار في هذه المنطقة ومنع الوصول إليها لعملهم فيها.
وبعد هذا الدمار الذي حلّ بـ (ترشيز) أسّست (ترشيز) الجديدة في منطقة (سلطانية) التي تقع على بُعد سبعة فراسخ من مدينة (ترشيز) القديمة، والآن فإنّ (كاشمر) قد حلّت محل مدينة (ترشيز) ويحتمل أنّ سبب اختيار منطقة (سلطانية) لبناء المدينة الجديدة هو قربها من مرقد أحد أحفاد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي يرتبط نسبه بالملوك الصفويين وعرف بـ (موسوي) ومن المعروف أنّ الشاه إسماعيل الصفوي قد قام بإعمار وتوسيع هذا المرقد واهتم به كثيراً، وفي المزرعة الموجودة في هذا المكان توجد أشجار سرو تقدّر أعمارها بثمانمائة سنة تقريباً.
هذا وقد غُيّر اسم مدينة (ترشيز) قبل خمسين سنة تقريباً شأنها شأن الكثير من المدن التي غيّرت أسماؤها.
علماء ترشيز ـ كاشمر المتأخرون
من المهم ذكره هو أنّ مدينة (ترشيز) ظلّت من المدن اللامعة في مجال العلم وطلبه، وكلّ عالم تقريباً من مدينة نيشابور قد تتلمذ على يد أساتذة من (ترشيز) هذا ما يذكره (عبد الغافر فارسي) في كتابه (سياق تاريخ نيشابور) لكن في نفس الوقت بقي الكثير من العلماء ممّن يلقب باسم مدينة (بشت) أو توابعها من المدن ومن هؤلاء العلماء:
1 ـ البشتي: يقول (ياقوت الحموي) عن (بشت) إنّه قد ينسب إليها جماعة كثيرة في فنون من العلم. وقد ذكر أحد عشر عالماً مع أساتذتهم وزملائهم، ولا يتّسع المجال لذكرهم جميعاً هنا إنّما نذكر واحداً منهم وهو (أحمد بن محمد البشتي اللغوي) الذي ذهب إلى بغداد ودرس هناك اللغة العربية دراسة عميقة، وقد قام بتأليف كتاب في اللغة العربية وهو (العين) ويعتبر هذا لكتاب ملحقاً بكتاب (الخليل) ويعتبر (البشتي) من أساتذة علماء خراسان في الأدب أيضاً.
2 ـ الطريثيثي: نسبة إلى (طريثيث) التي هي (ترشيز) وقد خرج منها جماعة من أهل العلم منهم (سعيد بن محمد بن يحيى الترشيزي) الذي يذكره صاحب كتاب (وفيات الأعيان) ويقول عنه إنّه أستاذ المتأخرين وأوحدهم علماً وزهداً، وقد درس على (ابي حامد الغزالي) و(أبي المظفر أحمد الخوافي) ويقول عنه أيضاً: قد برع في الفقه وصنّف فيه وفي الخلاف، إضافة إلى تأليفاته الأُخرى.
ويقول صاحب كتاب (السياق) إنّ (الترشيزي) كان في نيشابور في (المدرسة النظامية) أستاذاً فاضلاً وعلى يده تخرّج الكثير من العلماء.
3 ـ البتاني: علي بن إبراهيم البتاني وهو أستاذ جليل من كبار رواة الحديث وكان أحد أساتذة (أحمد بن حنبل).
4 ـ الخارزنجي: هو يوسف بن حسن بن إسماعيل الخارزنجي أحد علماء القرن الخامس الذي يقول فيه (ياقوت الحموي) إنّه أحد الفضلاء، أخذ الكلام وأُصول الفقه من أصحاب أبي عبدالله، كما أخذ الكثير من دروسه عن (أبي المعالي الجويني) و(أبي المظفر السمعاني) في مدينة (مرو) وبعدها رجع إلى نيشابور وألَّف في عشرين نوعاً من العلم.
5 ـ الكندري: هو عميد الملك الكندري ويكنى بـ (أبو نصر) وهو أوّل وزير في دولة السلاجقة سنة 412 أو 415 هـ.
ولد في مدينة (كندر) وهي إحدى مدن (بُشت) وذهب إلى نيشابور ودرس فيها الفقه.
ولمّا قدم السلطان (طغرل بيك) أوّل سلاطين الدولة السلجوقية مدينة نيشابور تقرب (أبو نصر) منه حتّى أصبح وزيراً للدولة ثمّ ازداد تقرّباً فأصبح يلقب بـ (عميد الملك).
وكان (الكندري) يجيد اللغتين العربية والفارسية ممّا جعله وسيطاً بين (طغرل بيك) و(الخليفة العباسي)، وفي سنة 456هـ قتل الكندري.
علماء ترشيز ـ كاشمر المعاصرون
1 ـ المولى أحمد الترشيزي: يعرف بـ (حاجي مجتهد) وهو من كبار علماء (ترشيز) وقد درس في النجف الأشرف في حوزة المحقق الأنصاري والميرزا محمد حسن الشيرازي ثمّ ذهب إلى سامراء بقي هناك فترة ثمّ رجع إلى (ترشيز) وخدم فيها بعمله أيّما خدمة، وانتقل إلى جوار ربّه سنة 1323هـ.
2 ـ المولى الشيخ إسماعيل الترشيزي: درس في سامراء على (الميرزا محمد حسن الشيرازي) وبعدها رجع إلى (مشهد) وكان إماماً للجماعة في مسجد (گوهر شاد) وفي نفس الوقت كان يعطي درساً في القضاء. وقد وافاه الأجل بين سنة 1320ـ1330.
3 ـ المولى الشيخ أحمد الترشيزي المظفر آبادي: ولد سنة 1307هـ درس في النجف الأشرف في حوزات العلماء الكبار أمثال السيد أبو الحسن الأصفهاني الميرزا محمد حسين النائيني وقد حاز على إجازة الاجتهاد من السيد الأصفهاني ثمّ رجع إلى إيران سنة 1341 وفي سنة 1380 انتقل إلى جوار ربّه ودفن في (مظفر آباد) بـ (ترشيز).
4 ـ المولى الشيخ محمد باقر الإمامي النوري: وهو من علماء (كاشمر) الكبار وأحد أساتذتها المتواضعين، درس في النجف الأشرف وحصل على إجازة الاجتهاد، وفي سنة 1351 رجع من النجف إلى (كاشمر) وقد وافاه الأجل سنة 1406 عن عمر يناهز التسعين عاماً([637]).
شعراء ترشيز ـ كاشمر
ذكر العلاّمة (الطهراني) في كتابه (الذريعة) ستة عشر شاعراً من (ترشيز) ودواوينهم الآن محفوظة، ومن بين هؤلاء الشعراء:
1 ـ كاتبي ترشيزي: المتوفى سنة 839 في (أستر آباد).
2 ـ شهاب ترشيزي: المتوفى سنة 1215 في (تربت حيدرية) وهو من الشعراء المشهورين آنذاك. أمّا بالنسبة للشعراء المعاصرين فيذكر منهم: الشيخ علي إمام جمعة وله ديوان (مشكوة) وقد ولد في (كاشمر) سنة 1288هـ وتوفي سنة 1374هـ. ويعتبر ديوانه من الدواوين التي يطلبها الكثيرون من المختصين بالشعر وغير المختصين.
محمد صادق السعيدي
الكاظمية
ـ 1 ـ
إن أول ما نعلمه عن منطقة الأرض التي تَجثِم «الكاظمية» اليوم في طرفها الشرقي أنّها كانت ـ برواية بعض المؤرخين ـ جزءاً قريباً من الحدود الفأصلة بين دولة الآشوريين من شمالها والكيشيين من الجنوب، في العصور البابلية الأولى، أي قبل الميلاد ببضعة عشر قرناً، ويُروى أن منازعات وحروباً قد وقعت فيها أو قريباً منها بين الدولتين.
والظاهر أن هذه المنطقة قد حَظِيَت ـ لسبب أو لآخر ـ باهتمام خاص من حكومة الكيشيين، حيث نجد أن الملك كوريكالزو ملك الكيشيين يومئذٍ قد بالغ في العناية بهذا الجزء من وقعة مُلكه ببنائه لمدينة «عَقرقُوف» العظيمة التي كانت تسمّى حينذاك «دور ـ كوريكالزو». ولا تزال آثارها باقية حتّى اليوم في جوار الكاظمية على نحو ستّة أميال عنها من جهة الغرب، وهي تنطق بالمهارة الفائقة المبذولة في بناء هذه المدينة الكبيرة وصرحها الشاهق.
وتدلّنا ضخامة أبنية المدينة وجودة بنائها والإسراف فيه على أنّها ظلت مأهولة بالسكان حيناً طويلاً من الدهر، ويُرجَّح كثيراً أنّها كانت عاصمة السلالة الكيشية منذ بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد وإلى نهاية تلك السلالة.
وهكذا تظل «عَقرقُوف» هي الأثر الأول الذي وصل إلينا علمُه في أصل الأرض التي سمّيت بعض أطرافها بـ «مقابر قريش» ثمّ «مشهد باب التِّبن» ثمّ «المشهد الكاظمي» فـ «الكاظمية» بعد ذلك بعشرات القرون.
وبقيت هذه الأرض مجهولة الحقيقة في العهود التالية للعهد الكيشي كالعهد السلوقي والأخميني والفرثي والساساني، وإن رجح في أكثر الظن أنّها كانت غير خالية من الحياة والسكان ولو لغرض الزراعة في الأقل.
ويتضح من دراسة الأنهار والقرى والمدن المحيطة بدجلة، ابتداءً من «دور ـ كوريكالزو» في الشمال الغربي حتّى «المدائن» في الجنوب الشرقي: أن المنطقة التي شَيّد المنصور مدينته عليها ـ وهي منطقة بغداد بجانبها الغربي والشرقي ـ كانت عامرة بِرِّيّها ومزارعها منذ أقدم العصور.
وأرض الكاظمية الحالية كانت جزءاً من هذه المنطقة العامرة الخضراء بلا شك، وإن لم نكن نعرف شيئاً من تفصيل ذلك.
وترشدنا كتب البلدان إلى أن القرى والمدن الواقعة جنوب أرض الكاظمية وشرقيّها وجنوبها الغربي ـ قبل الإسلام ـ كانت كثيرة متعددة، تتسلسل وتتلاحق حتّى تصل إلى مدينة «المدائن» الضخمة شرقيّ دجلة و «سلوقية» الكبرى غربيّها، وكلتا المدينتين الأخيرتين عاصمة كبيرة لدولة كبيرة، وتُعَدّان من العواصم الفخمة الرائعة في تلك العهود.
ومن أقرب تلك القرى إلى أرض الكاظمية قرية «سوانا» التي كانت واقعة في الجنوب الشرقي للكاظمية الحالية، وهي «قرية قديمة… ينسب إليها العنب الأسود الذي يتقدّم ويُبكّر على سائر العنب مَجْناه، ولما عمرت بغداد دخلت هذه القرية في العمارة وصارت محلة تعرف بالعتيقة لذلك، وبهذا مشهد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)([638]) يعرف بمشهد المنطقة، وما زالت تسمى حتّى اليوم بـ «المنطقة» بين الكاظمية والكرخ.
وآخر عهدنا بأرض الكاظمية قبل تأسيس بغداد أنّها كانت تُسمّى «الشُّونيزي»، فإن صدقت الرواية فمقتضاها أن هذه التسمية قد أُطلِقت بعد انتهاء العهد الساساني، لأن التسمية عربية، والشونيز في اللغة هو الحبّة السوداء، والنسبة إليها شونيزي.
يروي الخطيب البغدادي ما سمعه بصدد هذه التسمية فيقول: «سمعتُ بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديماً تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير، أخَوان يقال لكل واحد منهما ـ الشونيزي ـ فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونُسبت المقبرة إليه.
ويستفاد من روايات بعض المؤرخين أن المنطقة المجاورة لموضع الكاظمية من جهة الشرق كانت قبل إنشاء مدينة المنصور بستاناً لبعض ملوك فارس، ثمّ أقطعها المنصورُ عمارةَ بن حمزة أحد مَوإليه، فسُمّيت دار عمارة.
وفي عام 145هـ ابتدأ المنصور العبّاسيّ بتأسيس مدينته المدوَّرة «بغداد»، واستتمّ البناء ـ في رواية الخطيب الغبداديّ ـ في سنة 146هـ، ثمّ استتم بناء سور المدينة وفرغ من خندقها وسائر شؤونها في سنة 149هـ.
ولما أنهى المنصور عمارة مدينته اقتطع «الشونيزي الصغير» المجاورة لمدينته من جهة الشمال فجعلها مقبرة، ولعله اعتبرها خاصة بعائلته وأسرته فسماها «مقابر قريش». وربما اختار لفظ «قريش» ليشير إلى مشاركة فيها، وقد تسمى أيضاً «مقابر بني هاشم»، ويروي الشيخ المفيد أنّها كانت مقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس.
ومع مرور الأيّام دُرِس اسمها «الشونيزي الصغير»، واشتهرت باسمها الجديد «مقابر قريش».
وكان أول من دفن في هذه المقابر: جعفر الأكبر بن أبي جعفر المنصور، وذلك في سنة 150هـ، ثمّ توالى الدفن فيها بعد ذلك.
وفي عام 183هـ لخمس بَقِينَ من رجب توفي الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكان قد دُسّ إليه السم من قبل السِّندي بن شاهك فقضى عليه، وحُمل جثمانه الطاهر إلى مقابر قريش فدفن هناك حيث قبره الشريف الآن.
وذهب بعض المؤرخين إلى أنّه «دفن في موضع كان ابتاعه لنفسه في مقابر قريش»، فإن صحت هذه الرواية فإنّها لَتدل على مقدار ما حَظِيت به هذه الأرض من الأهمية خلال مدة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة عقود من السنين.
واشتهر مدفن الإمام بعد ذلك باسم «مشهد باب التِّبن»، نسبةً إلى باب التبن الذي كان في شرقيّه ممّا يَقرُب من دجلة، كما أن المسجد المجاور لقبر الإمام (عليه السلام) كان يسمّى «مسجد باب التبن» أيضاً.
وفي عام 220هـ في آخر ذي القعدة أو لخمس أو لستّ خَلَون من ذي الحجة توفي ببغداد الإمام أبو جعفر محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى بن جعفر (عليهم السلام)، ودفن في تربة جده أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام).
وأصبح السكن حول مقابر قريش ـ بعد دفن الإمامين فيها ـ في ازدياد واتساع على مرور الأيّام، وإن لم نعثر في المصادر التاريخية على نص خاص يحدد لنا تاريخاً تحقيقياً لبدء السكنى هناك.
والواقع أننا لو أمعنَّا النظر جليّاً في الموقع الجغرافي لـ «مقابر قريش» يومذاك من حيث قربها من دجلة وجودة تربتها ومجاورتها للقرى والأرياف والمزارع الوارفة الظلال، لخرجنا بترجيح يشبه الأعتقاد بكون السكنى في هذه المنطقة قديمة قِدَمَ الماء والخضراء، ولكنه ازداد اتساعاً بعد تأسيس المنصور مدينته قريبة منها واختيارها عاصمة الدولة العباسية، ثمّ أخذ طريقة التجمع والتقارب بعد دفن الإمامين (عليهم السلام)، حيث دفعت العقيدة الدينية بعض الناس إلى السكنى حول المشهد لحمايته وإدارته وإيواء زائريه إضافة إلى قصد الانتفاع المادي من أولئك الزائرين بتقديم المأكل والمشرب والمأوى لهم، وكان هذا التجمع حول المشهد هو النواة الأولى لمدينة الكاظمية.
صحن الروضة الكاظمية
ويستفاد من مجموع النصوص التاريخية المتعلقة بالعصر العباسي الأول أن هذه المنطقة المغمورة قد قفزت قفزات واسعة إلى الإمام فأصبحت جزءاً متصلاً ببغداد، بل محلة من محلاتها، وصارت تُحدَّد يومذاك بكونها بين الحربية ومقبرة ابن حنبل والحريم الطاهري، في الوقت الذي كانت فيه بغداد من الصَّراة إلى باب التبن، ثمّ زِيد فيها حتّى بلغت كلواذى والمخرم وقَطْرَبُل.
ومعنى ذلك أن «مقابر قريش» كانت متصلة بالمحلات الآتية:
1 ـ باب التِّبن: وهو محلة كبيرة كانت ببغداد على الخندق بإزاء قَطيعة أمّ جعفر، ويلصق هذا الموضع في مقابر قريش، وكانت في عصر ياقوت الحموي (مؤلف كتاب معجم البلدان) خراباً صحراء لا يزرع فيها.
2 ـ قطيعة أم جعفر زبيدة بنت المنصور: محلة ببغداد عند باب التبن قرب الحريم.
3 ـ الحريم الطاهري: وهو بأعلى بغداد في الجانب الغربي بين الكاظمية والمنطقة، منسوب إلى طاهر بن الحسين. ويروي ياقوت أن العمارات كانت متصلة وهو في وسطها، ثمّ خرب جميع ما حوله وبقي كالبلدة المفردة في وسط الخراب.
4 ـ دار عمارة: منسوبة لعمارة بن حمزة أحد موالي المنصور، ويتصل بها رَبض أبي حنيفة وربض عثمان بن نُهَيك، وهو ما بين دار عمارة ومقابر قريش.
5 ـ رَبض أبي حنيفة أحد قوّاد المنصور: محلة كانت ببغداد قرب الحريم الطاهري، تتصل بباب التبن من مقابر قريش.
6 ـ الحربية: وهي محلة مشهورة كبيرة عند باب حرب في شمال الكاظمية الغربي، تُنسب إلى حرب البلخي من قوّاد المنصور، وقد خرب جميع ما كان يجاورها في عصر ياقوت وبقيت وحدها كالبلدة المفردة في وسط الصحراء.
ويتضح من هذا كله أن مقابر قريش بعد أن أصبحت تعد جزءاً من بغداد ومحلة من محلاتها صارت منطقة عامرة بالسكان زاخرة بالعمران، شأنها في ذلك شأن سائر المحلات البغدادية الشرقية والغربية.
وفي أوائل القرن الرابع كانت المنازل حول مقابر قريش كثيرة، وكان بعض تلك المنازل مشتملاً على حُجَر ولكل حُجرة باب أو أكثر، ويرشدنا إلى ذلك ما رواه مسكويه في حوادث سنة 312هـ.
وفي عام 334هـ سيطر معزّ الدولة البُويهي على أزمّة الحكم في بغداد، وكان من جملة أعماله خلال أيّام ملكه: تشييد المرقد الكاظمي تشييداً رائعاً في عمارته وإنزال جماعة من الجنود الديالمة ومعهم أفراد من المراوزة هناك لغرض الخدمة والحفاظ على الأمن. وكان ذلك سبباً جديداً وذا أهمية في توسع السكن وانتشار الدُّور حول المشهد.
وكان من جملة آثار استتباب الأمن في العهد البويهي والتصاق ـ أو اندماج ـ مقابر قريش ببغداد: ذهاب الناس في أعداد غفيرة إليها في الجمعات والمواسم والمناسبات الدينية. ولابد أنّه كان في المشهد وحوله من محلات الراحة والأكل والشرب والوقاية من البرد والمطر وشمس الصيف ما يناسب تلك الأعداد الضخمة التي كانت تُهرَع إلى المشهد في كل مناسبة دينية، كذكرى عيد الغدير وذكرى مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء وفيما شابه ذلك من المناسبات.
وفي سنة 367هـ أصيبت البلدة بالغرق، ولم تصلنا تفاصيل ذلك.
وفي النصف الثاني من القرن الرابع تأصل السكن في هذه المدينة حتّى صحّ أن يُطلَق على المقيمين هناك اسم السكّان، كما حدث عندما أمر عضد الدولة البويهي بإطلاق الصِّلات لأهل الشرف وغيرهم من ذوي الفاقة.
وكان من أسباب ازدياد العمران في هذه المدينة الناشئة أن أبا طاهر سباشي الملقب بالسعيد حاجب شرف الدولة بن عضد الدولة قام بحفر ذُنابة لنهر دُجَيل وسَوق الماء منها إلى مشهد موسى بن جعفر (عليه السلام)، وكان ذلك ما بين عام 376 ـ 379هـ وهي أعوام مَكْث شرف الدولة ببغداد.
ويستفاد من النصوص التاريخية المتعلقة بتلك الفترة تَزايدُ السكان حول المشهد في أواسط القرن الخامس، وإن كثيراً منهم من العلويين، كما يستفاد منها أيضاً وجود دور للسكنى داخل سور المشهد ودور خارجه. جاء في رواية ابن الجوزي في حوادث سنة 450هـ ما نصه: «وحُمل الخليفة إلى المشهد بمقابر قريش وقيل له: تبيت فيها، فامتنع وقال: هؤلاء العلويون الذين بها يُعادوني».
وفي غرق سنة 466هـ ـ وكان بالِغَ الخطر ـ تَهدّم سُور المشهد، وتقضي العادة بتأثر ما يحيط بالمشهد من الدور بالماء، ولكننا لم نعرف تفصيله.
في فتنة 517هـ جاء العلويون الساكنون حول المشهد إلى ديوان الخليفة يشكون ما أصابهم وأصاب المشهد، وهو الأمر الذي يدل على سكنى عدد كبير منهم هناك.
وتأثرت بلدة المشهد الكاظمي بغرق سنة 554هـ، ثمّ بغرق سنة 569هـ، وكان الغرق الثاني شديداً جداً أدى إلى هدم البيوت وأكثر سور المشهد.
والظاهر أن البلدة قد أصبحت مأهولة بالسكان بنحو يصح أن يقال فيه: «أهل مشهد موسى بن جعفر»، كما يقال: «أهل الكرخ» أو «أهل المختارة»، وكانوا كثيري العدد. ويروى أن نائب الوزارة ابن العطار أساء إليهم بقسوة بالغة وقطع أرزاقهم وبدد شملهم.
ولما حدث فيضان سنة 614هـ أثَّر في المشهد ومدينته أثراً بالغاً، فقام الناصر لدين الله بتعمير ما خرّبه الماء كما شيَّد سوراً جديداً للمشهد، وكذلك فيضان سنة 654هـ.
ويحسن بنا وقد انتهينا إلى أواسط القرن السابع أن نقف قليلاً لنرى ما طرأ على هذه المنطقة من تطور وتقدم خلال العصر العباسي الطويل الحافل. والمُشاهَد أن هذه الأرض قد سارت بخطى سريعة في طريق الأزدهار، فانتقلت ـ في فترة قصيرة من عمر الزمان ـ من مقبرة خاصة ببني هاشم أو القرشيين والأشراف من الناس إلى مشهد زاهر خاص بالإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام) ثمّ إلى محلة من محلات بغداد العامرة المشهورة، وأخيراً إلى مدينة قائمة بنفسها فيها كل معالم المدن ومرافقها الرئيسية.
وهكذا انطوى العصر العباسي وبلدةُ المشهد الكاظمي «محلةٌ عامرة، فيها خَلقٌ كثير، ذات سور، مفردة».
ولم نعثر فيما بين أيدينا من مصادر على تحديد لتاريخ انفرادها عن بغداد وصيرورتها مدينة ذات كيان خاص، ولكن الراجح أن ذلك قد تحقق في أواسط القرن الخامس إثر الفتن والاضطرابات التي عمّت العراق وخصّت بغداد نفسها، فدمّرت البلاد وأشاعت الخراب، وسببت انكماش بغداد على نفسها، فانفردت الكاظمية عنها على أثر هذا الضمور والانكماش.
ولما كان خراب بغداد قد ظهر أثره في أوائل القرن الخامس، فإن بدء استقلال مدينة الكاظمية كان في هذه الفترة أيضاً، وربما يؤكد ذلك ويؤيده تعيين النُّقَباء الخاصّين بالمشهد الكاظمي ـ ابتداءً من أوائل القرن الخامس ـ ولم يكن قبل ذلك، حيث يرشدنا إلى بدء انفراد البلدة وازدحامها بالسكان أيضاً بالشكل الذي تدعو فيه الحاجة إلى تعيين نقيب خاص بها غير نقيب العلويين أو الطالبيين ببغداد.
ومهما يكن من أمر، فإن بلدة المشهد الكاظمي قد أصبحت في أُخرَيات العصر العباسي مدينة مفردة تضم سائر مقتضيات المدن ومرافقها من دُور وسكان وعمارة ومؤسسات. ونوجز في أدناه ـ لزيادة الإيضاح ـ جريدة ببعض تلك المشتملات.
كان المشهد في وسط المدينة قريباً من طرفها الشمالي الغربي، وقد اشتمل على: قبة فخمة، وصندوقين من الخشب الجيد على القبرين، إبهاء وأروقة حول الروضة، أبواب متعددة، صحن فيه حُجَر وإيوان واحد أو أكثر، تُرَب كثيرة حول المشهد، سور يحيط بالمشهد كله، دار للأيتام، دار قرآن لتعليم الخط والقراءة والقرآن الكريم، مكان خاص لدراسة الفقه والحديث، مكتبة، دار لاستراحة الزائرين وإطعامهم في شهر رمضان في الأقل، مارستان «مستشفى» فيه الأدوية والأشربة والمعالجون، نقيب يشرف على شؤون المشهد والبلدة.
وكانت المناسبات الدينية ـ في هذه الفترة الأخيرة من العصر العباسي ـ غاصة بجماهير الزائرين، وفيهم الخليفة ووزراؤه. ثمّ كانت أسر علوية متعددة ـ في هذه الفترة ـ قد اختارت الكاظمية مقراً لسكناها كـ «بني الحدّاد» و «بني نازُوك» و «بني الحطب» وآخرين غيرهم.
كما كان من جملة سكانها أعلام فقهاء وأدباء مبرّزون وعلماء دين لامِعون، عرفنا منهم أفراداً وضاع عنَّا الباقون، بسبب إهمال التاريخ لهم أونسبتهم إلى بغداد، تغليباً لها على كل ما يجاورها من محلات وبقاع.
وفي الشهر الأول من عام 656هـ حاصر الجيش المغولي بغداد، وتم احتلالها يوم الاثنين الثامن عشر من المحرم أو بعد ذلك بأيّام، ورافق هذا الاحتلال عدد من حوادث التخريب والتلف وضروب من المصائب والنكبات.
وعلى الرغم من خروج بلدة المشهد الكاظمي عن خط زحف الجيش المحتل وعدم وجود أية قوة عسكرية عباسية فيها، فقد أُصيبت بشيء من ذلك الخراب العام، كما أصيب المشهد نفسه بالحريق. وسارع الوزير ابن العلقمي إلى الأمر بأصلاح ما تلف وتجديد ما اندثر من البلدة، كما قام صدر الوقوف شهاب الدين علي بن عبدالله بعمارة ما أتلفه الحريق في المشهد المطهر.
ما أن أطل القرن الثامن حتّى كانت المدينة قد سارت أشواطاً في طريق تقدمها، عاجّةً بسكانها، صاخبةً بزوّارها القآدمين إليها. يصفها حمد الله المستوفي ـ في أوائل القرن الثامن ـ فيقول: إنها مدينة صغيرة يبلغ طول محيطها (آلاف خطوة)، وأن سكانها ستة ألاف نسمة.
ويشير إليها صلاح الدين الصَّفَدي في أثناء حديثه عن بغداد ومحلاتها السبعة، فيعتبرها خامسةَ تلك المحلات وأنها مسوّرة.
أما الحنبلي فيذكر أنّها «محلة فيها خلق كثير، وعليها سور».
وبدأ استعمال لقب «كاظمي» في هذه الفترة، حيث جاء في ترجمة السيّد عبدالكريم آل طاووس ـ وهو من سكان الكاظمية في أواخر القرن السابع ـ أنّه «حلّي المنشأ، بغدادي التحصيل، كاظمي الخاتمة».
والمؤسف أن تظل معلوماتنا عن هذه الفترة وما طرأ على الكاظمية خلالها ضئيلة جداً، بل بحكم العدم.
وفي أوائل القرن العاشر الهجري دخلت الكاظمية عهداً جديداً من الشأن والاستقلال الإداري الداخلي، وأصبحت مدينة لها كيانها ودورها في الشؤون العامة.
وبدأت الخطوة الأولى نحو هذا العهد الجديد في سنة 914هـ ـ وهي سنة سيطرة الصفويين على العراق ـ فقد زار الشاه إسماعيل الصفوي الكاظمية وأمر بتشكيل إدارة خاصة بالبلدة ومحكمة شرعية يرأسها قاضٍ يحمل لقب «شيخ الإسلام»، وقد عيَّن الشيخ عبدالله قنديل بهذا المنصب. كما أمر الشاه بتشييد المشهد الكاظمي تشييداً رائعاً فخماً، وتعيين الرواتب لخدام المشهد والمسؤولين عنه.
وعندما زال الاحتلال الصفوي وتم للسلطان سليمان القانوني احتلال العراق سنة 941هـ لم يتغير وضع الكاظمية السابق، ولما زارها السلطان أمر بإكمال بعض ما لم يتم من عمارة المشهد، وأقرّ رواتب سدنة المشهد والعاملين به.
وحفلت القرون الأربعة الأخيرة ـ أي منذ الاحتلال الصفوي إلى نهاية الاحتلال العثماني ـ بما لا يمكن وصفه من مآسي الأوبئة والطواعين والغرق، وكانت من العنف والشدة والتتابع بشكلٍ حَدَّ من تطور الكاظمية، بل تطور العراق كله إلى أبعد الحدود.
وعلى الرغم من كل هذه العوائق المانعة لأي تقدم وازدهار فقد سارت الكاظمية بخطوات ثابتة في طريقها نحو التقدم، وحافظت على كيانها الخاص خلال العهد الصفوي الأول فالعهد التركي الأول فالعهد الصفوي الثاني ثمّ العهد التركي الثاني والأخير.
ولما تولى مدحت باشا حكم العراق جعل الكاظمية قضاءاً يديره «قائمُ مقام» بعد أن أضاف إلى حدود الكاظمية الإدارية بعض الأراضي والمقاطعات المجاورة.
وتوالت الإصلاحات على الكاظمية خلال مدة حكم مدحت باشا، وكان في طليعتها أمره بتأسيس شركة الترامواي لتسهيل أمر النقل بين الكاظمية وبغداد، ومُدّت سكة الحديد لمسافة سبعة كيلومترات بين كرخ بغداد والكاظمية، وكانت عربات الترامواي تجرّها الخيول.
وفي نحو سنة 1320هـ أمر المشير هدايت باشا قائد الفيلق العسكري السادس في بغداد بعمل جسر من الخشب عائم بين الكاظمية والأعظمية على نهر دجلة، وبذلك ارتبطت الكاظمية بالجانب الشرقي من بغداد بعد أن ارتبطت بالجانب الغربي منها بواسطة الترامواي.
وفي يوم السبت 24 رجب سنة 1318هـ تمّ وضع حجر الأساس لبناء سراي الكاظمية، وأُقيم احتفال بهذه المناسبة حضره الوالي نامق باشا والمشير أحمد فيضي وغيرهما من رجال الدولة والوجوه.
وعلى الرغم من قلة المعلومات المتوفرة عن هذه الفترة، فإن النتف المارة الذكر ترشدنا بوضوح إلى استمرار التقدم في البلدة خلال هذه السنين.
ويؤسفنا جداً أن تُعدَم تلك الفترة جداول إحصاء تلقي الأضواء على وضع البلدة من النواحي البشرية والاقتصادية والعمرانية، سوى بعض الإشارات المقتضية التي لا تشبع نَهَم الباحث، ولكنها لا تخلو من الفائدة على كل حال.
فلقد روى المنشي البغدادي أنّه كان في الكاظمية سنة 1237هـ ثلاثة آلاف بيت. ولو قدّرنا سكان كل بيت بما معدله خمسة أفراد كان مجموع سكان المدينة خمسة عشر ألف نسمة.
وقُدّرت بيوتها في سنة 1273هـ بألف بيت، وكان عدد الخانات في تلك السنة خمسة، والحمامات أربعة.
وقدرت بيوتها أيّام الاحتلال البريطاني بثلاثة آلاف دار، ونفوسها بخمسة عشر ألف نسمة.
أمّا الوضع العلمي والفكري للكاظمية فكان أكثر تقدماً واتساعاً وعمقاً من وضعها العمراني، فقد أنجبت هذه البلدة ـ خلال عمرها الطويل ـ عدداً كبيراً جداً من الفقهاء والأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء.
وضمت الكاظمية بين جوانحها مجموعة من المدارس الدينية التي تُعنى بتدريس العلوم الإسلاميّة، وكانت عامرة زاهرة بطلاّبها وأساتذتها وفي طليعتها مدرسة الفقيه السيّد محسن الأعرجي، المؤسَّسةُ في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، كما ضمت البلدة عدداً كبيراً من المكتبات الضخمة الحافلة بنفائس المخطوطات وأمهات الكتب.
وإن صح ما يُروى من تأسيس أول مطبعة عراقية حجرية في الكاظمية في سنة 1237هـ، فإن ذلك يُعدّ في صدر قائمة النشاط العلمي لهذه المدينة في النصف الأول من القرن الماضي.
ومن الناحية السياسية كان للكاظمية رأي وصوت في الشؤون والمشاكل العامة منذ العهد الصفوي الأول حتّى نهاية العهد العثماني الأخير.
وكان أبرز مواقف الكاظمية السياسية: موقفها خلال الحرب العالمية عندما هجم البريطانيون على البصرة، ووصلت برقية استنجاد من وجوه البصرة إلى علماء الكاظمية بتاريخ يوم الاثنين 20 ذي الحجة سنة 1333هـ، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع عن كل مسلم.
وفي يوم الثلاثاء 12 محرم سنة 1333هـ خرج السيد مهدي الحيدري قاصداً ساحة الحرب وبصحبته الشيخ مهدي الخالصي وجماعة من المجاهدين، وخرجت البلدة بأسرها لتشيّع ركب الجهاد الزاحف.
ثمّ تواردت على الكاظمية وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الأشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كل واحد منهم بمنتهى الترحاب والتكريم وتودّعه بمثل ذلك.
واحتل الجيش البريطاني الكاظمية في الساعة التاسعة الغروبية ودقيقتين من عصر اليوم السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1335هـ، فطُويت صفحة احتلال طويل لتبدأ صفحة احتلال آخر.
ولم تنقطع الكاظمية بعد الاحتلال البريطاني الغاشم عن العمل الجاد في محاربته بكل ما أُوتيت من طاقات وقوى مادية ومعنوية، بل كان لها من الدور الكبير في مكافحة المحتل ما حمل (المس بل) في رسائلها على وصف هذه البلدة بـ «المتطرفة في إيمانها بالوحدة الإسلاميّة، والمتشددة في مناوأة الإنكليز».
وحسبنا من نشاط الكاظمية السياسي في محاربة الاحتلال أن نقرأ ما كتبه الكاتب الإنكليزي (فيليب أيرلاند) إذ يقول ما نصه:
«وكان الشعور المعادي لبريطانيا في الكاظمية شعوراً قوياً جداً، فقد هدد العلماءُ جميعَ من يصوّت للاحتلال البريطاني بالمروق عن الدين».
ثمّ حَسبُنا من ذلك النشاط ما ذكره مؤرخو الثورة العراقية الكبرى مِن سَبق الكاظمية في العمل ضد الاحتلال، ومن طبع المنشورات الكاظمية وتوزيعها سراً بتوقيع (الجمعية الإسلاميّة العربية)، الأمر الذي أقضَّ مضجع السلطة العسكرية المحتلة، فبثت العيون والجواسيس لمعرفة أعضاء هذه الجمعية فلم تقف لهم على أثر أو خبر.
المشهد الكاظمي
في العام 183هـ لخمس بَقِين من رجب توفي الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في بغداد، فحمل جثمانه الطاهر إلى مقابر قريش فدفن هناك حيث قبره الآن.
وليس لدينا من أحاديث المؤرخين ما يصلح أن يكون وصفاً لقبر الإمام (عليه السلام) حين دَفنِه وما أُضيف إليه وما أُسبغ عليه من بناء وعمران بعد ذلك بسنوات.
وفي العام 220هـ في آخر ذي القعدة توفي الإمام محمد الجواد (عليه السلام) في بغداد، فدفن في تربة جده موسى الكاظم (عليه السلام).
ولم نعثر على وصف لما أصبح عليه المشهد بعد دفن الإمام الجواد (عليه السلام) مباشرة أو بعد ذلك بحين، ولكنّ المتيقَّن أن القبرَين كانا في بنية خاصة بهما، وكان يتردد لزيارتهما كثير من الناس في هذه البنية الخاصة. ويستفاد من كلام بعض المؤرخين ـ من ذكر «تربة موسى بن جعفر» أن هناك قبة خاصة شملت القبرين، لأن التربة لا تُطلَق إلاّ على قبر مختص عليه قبة، كما يستفاد من رواية مسكويه ـ أثناء حديثه عن المحسن ابن الوزير ابن الفرات ـ وجودُ سكان حول المشهد وبجانب مقابر قريش.
وكان للمشهد خلال العصر العباسي خمس عمارات نلخصها فيما يأتي:
1 ـ العمارة الأولى بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مباشرة وكانت عمارة بدائية صغيرة، ولعلها كانت لا تتجاوز غرفة واسعة خاصة بالقبر عليها قبة ولها أبواب وإلى جانبها حجر متعددة يُودَع فيها الأثاث والزيت وينام فيها الخدم والقوامون، ويحيط بها عدد من المساجد يعتبر مسجد باب التبن أشهرها.
2 ـ وكانت العمارة الثانية بعد استيلاء معز الدولة البويهي على بغداد حيث أعاد تشييد المرقد سنة 336هـ، ووضع على القبرين ضريحين من خشب الساج وفوقهما قبّتَين من الساج أيضاً، وأدير عليهما حائط كالسور. وكانت هذه العمارة أول عمارة كبرى تُشَيَّد على المرقد، ويستفاد من النصوص التاريخية أن القبتين كانتا كبيرتين يتسع فضاؤهما لعدد غفير من المصلين في حجرتين. وإن القبرين كانا منفصلين في حجرتين. وكان من نفائس ما أُهدي إلى المشهد بعد انتهاء هذه العمارة بفترة قصيرة قنديل صفر مربع غاية في حسنه.
واستمرت العناية بهذه العمارة وإضافة ما ينبغي إليها وتوسيع ما يجب توسيعه منها، حتّى بلغت في سنة 443هـ غاية فخامتها وروعتها، وأصبحت زاخرة بالقناديل والستور والمحاريب وأكثرها من الفضة والذهب، وأصبح للمشهد سور يدور حوله وأبواب للدخول والخروج وبوابون وقوام وترب كثيرة للأشراف من الناس.
3 ـ وقامت العمارة الثالثة في سنة 450هـ بفعل فتنة طائفية. وهي عمارة البساسيري، واشتملت على بناء المشهد كاملاً من أساسه ووضع صندوقين جديدين على القبرين، وتشييد بَهْوٍ واسع من جهة الجنوب ومسجد ومئذنة، وأصبحت القبتان في هذه العمارة قبة واحدة.
4 ـ أما العمارة الرابعة فهي عمارة مجد الملك القمّي سنة 490هـ، وقد اشتملت على صندوقين جديدين من الساج وُضِعا فوق القبرين، ومئذنتين كبيرتين، كما اشتملت على تزيين بالفسيفساء وتشييد دار بجوار المشهد لاستراحة الزائرين وإقامتهم. ولعل تسمية هذه الأعمال بالعمارة لا تخلو من مسامحة، لأنّها في الحقيقة مجموعة مرافق أضيفت للعمارة السابقة التي لم يكن مرَّ عليها أكثر من أربعين عاماً.
5 ـ وكانت العمارة الخامسة عمارة الناصر لدين الله سنة 575هـ وما يليها من السنين، وهي عمارة وسّعت وأضيف إليها الشيء الكثير خلال عهد الناصر الطويل وبعده. فكانت خاتمة عمارات العصر العباسي بل أفخمها أيضاً.
ونلخص ـ فيما يأتي ـ بإيجاز وصفاً للمشهد في أخريات العصر العباسي من ناحية شكله وعمرانه وما دار عليه سوره من مرافق وملحقات:
كانت على القبرين الشريفين قبة فخمة كبرى واحدة، بعد أن كانتا في العهد البويهي اثنتين.
كان على القبرين الشريفين صندوقان من الخشب الجيد.
كانت في المشهد مكتبة.
كان إلى جوار المشهد محل خاص بالأيتام.
وكانت في المشهد حلقات دراسية، وكانت الترب في المشهد كثيرة جداً.
وكان يتصل بالمشهد صحن فيه حجر وإيوان واحد أو أكثر.
وكانت حول القبرين الشريفين إبهاء وأروقة.
وكانت في المشهد دار لاستراحة الزائرين.
وكان المشهد مجمعاً للزائرين والقاصدين في المناسبات الدينية والأعياد.
الروضة الكاظمية
وكان للمشهد خدام وبوابون، ونقيب يشرف على شؤون المشهد.
وأصبحت حول المشهد مدينة عامرة بالسّكان يدور عليها سور.
كان للمشهد سور يحيط به، وهو غير سور البلدة.
ويصف ياقوت الحموي المشهد فيقول:
«ويعرف قبره (أي الإمام الكاظم (عليه السلام)) بمشهد باب التبن مضاف إلى هذا الموضع، وهو الآن محلة عامرة، ذات سور، مفردة».
«مقابر قريش ببغداد، وهي مشهورة ومحلّة فيها خلق كثير، وعليها سور».
وفي سنة 769هـ قام السلطان أويس الجلايري بتعمير المشهد فبنى قبتين ومنارتين، وأمر بوضع صندوقين من الرخام الجيد على القبرين الشريفين وزيَّن الحرم بالطابوق الكاشاني الذي كُتب عليه سور من القرآن الكريم، كما عمَّر الرواق ورباطاً كان في الصحن وأمر بإطلاق الأموال للخدم والسدنة وسائر العلويين الساكنين هناك.
وكانت هذه العمارة الجلائرية هي الأولى بعد انقضاء العصر العباسي، والظاهر أن سبب إنشائها تصدّعُ المشهد من جراء تتابع الغرق والفيضانات.
وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر جمادى الثانية سنة 914هـ انتهى عهد التركمان بدخول الشاه إسماعيل الصفوي بغداد فاتحاً محتلاً.
وبعد مرور فترة من الزمن على بقائه في العراق مضى لزيارة المشهد الكاظمي، فأنعم على من كان هناك بأنواع الإنعام، وعيَّن الرواتب لخدام المشهد وأصدر أمره بقلع عمارة المشهد من أساسها وتجديدها تجديداً يشتمل توسيع الروضة وتبليط الأروقة بالرخام وصنع صندوقين خشبيين يوضعان على القبرين الشريفين، وتزيين الحرم وأطرافه الخارجية بالطابوق الكاشاني ذي الآيات القرآنية والكتابات التاريخية، كما أمر بأن تكون المآذن أربعاً بعد أن كانت اثنتين، وبتشييد مسجد كبير في الجهة الشمالية للحرم متصل به، وأحال أمر تنفيذ ذلك إلى أمير الديوان خادم بيك، وعاد إلى إيران.
كذلك أمر الشاه إسماعيل أيضاً بتنظيم شؤون الصحن المحيط بالمشهد، وكان فيه رباط للحيوانات التي تقلّ الزائرين إلى المشهد ومنه، فأمر بإبعاده وجعله خلف الصحن.
كما أمر بتقديم ما يحتاجه المشهد من فرش وقناديل، وكان منها الفضي والذهبي. وعين للمشهد عدداً من الحفاظ والمؤذنين والخدام.
وبدأ العمل على قدم وساق، فتمّ تشييد هيكل الحرم وروضته وأروقته ـ وهو الهيكل القائم اليوم ـ والقبتين والصندوقين والمسجد، وبلغت المآذن الكبيرة الأربع ارتفاعاً يعلو عن سطح الحرم بمقدار ذراع، كما تم صنع الكاشاني ووضعه في محله المقرر، كذلك وضع الرخام في موضعه، ولم يبق شيء مما أمر به إلا وقد نُفِّذ ـ ما وسعه الوقت ـ بأمانة ودقة وإخلاص.
والآثار الصفوية المؤرخة الباقية إلى اليوم ـ بالإضافة إلى هيكل الحرم والجامع المتصل به ـ ثلاثة:
الأثر الأول
الطابوق الكاشاني الموضوع على جدار الروضة المطهرة، وهو الطابوق الذي يحيط بالروضة من داخلها ويرتفع عن أرضها نحواً من مترين، وتزينه بأجمعه كتابة تبدأ من منتصف الجدار الغربي للروضة «جهة الرأس» وتفتتحها سورة الدهر حيث تنتهي في أواسط الجدار الشرقي مارة بالجدار الشمالي، ثمّ تبدأ ثلاث آيات من سورة الزمر ﴾وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴿ ـ إلى قوله تعالى ـ ﴾ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴿ ويلي ذلك رقم 935 تاريخاً لانتهاء صنع هذا الكاشاني.
ويظهر من تاريخ الطابوق أن الأعمال العمرانية قد تمت بعد وفاة إسماعيل وفي عهد الشاه طهماسب، بل يمكن تحديد تاريخ نصب هذا الطابوق وانتهاء الأعمال العمرانية بعام 936هـ، وهو العام الذي استعاد به طهماسب الأول حكم العراق من يد الأمير ذي الفقار رئيس قبيلة موصلو الكردية، وكان هذا الأمير قد انتزع حكم العراق من الصفويين ما بين 930 ـ أوائل 936هـ.
الأثر الثاني
الطابوق الكاشاني المثبت في جدار الرواق الشرقي من جهته الخارجية المقابلة للصحن، وقد أُودِع ذلك في إيوان خاص ذي ثلاثة أضلاع يقع في أواسط «طارمة باب المراد ملاصقاً للباب الرئيسي الذهبي».
وفي يوم الاثنين 24 جمادى الأولى سنة 941هـ دخل السلطان سليمان القانوني بغداد محتلاً لها مُزيلاً حكم الصفويين، وفي 28 جمادى نفسه ـ أي بعد أربعة أيّام من الاحتلال ـ بدأ السلطان جولة طاف خلالها في أطراف بغداد وأنحائها، وكان المشهد الكاظمي احد تلك المناطق التي زارها.
وعندما زار السلطان مرقد الإمامين (عليهما السلام) أمر بدفع رواتب لخدام المشهد من خزانة بغداد، كما أصدر السلطان فرماناً بإكمال النواقص الصغيرة التي لم يكملها الصفويون.
وفي يوم الأحد 23 ربيع الأول سنة 1032هـ فتح الشاه عباس الكبير الصفوي بغداد فعاد لها حكم الصفويين بعد غياب دام 92 عاماً.
وبعد استتباب الأوضاع واستقرارها زار الشاه المشهد الكاظمي، وأمر بإعادة تشييد ما خرَّبته الحروب والفتن وما سببته من إهمال وتسيب.
وكان من أبرز أعماله أمرُه بصنع ضريح ضخم من الفولاذ يوضع على الصندوقين الخشب ليقيهما غوائل النهب والسلب أثناء معارك الفوضى أو هجوم العشائر على البلدة.
بالنظر إلى ما حدث بعد ذلك من تأزم في العلاقات السياسية بين إيران وتركيا، فقد تأخر إرسال هذا الضريح حيناً طويلاً من الدهر استمر حتّى عام 1115هـ، حيث وصل إلى الكاظمية في شهر جمادى الثانية من تلك السنة وفد كبير يضم لفيفاً من علماء الدين والوزراء والوجهاء الإيرانيين وفي مقدمتهم شيخ الإسلام الشيخ جعفر الكمرئي ومعهم هذا الضريح الفولاذ، وأُقيم لنصبه على المرقد احتفال عظيم حضره الآلاف من العراقيين والإيرانيين. ويروى أن هذا الضريح كان على جانب كبير من الضخامة والفخامة، وأنه كان يشتمل على كتابات كثيرة من جملتها سورة الدهر وآيات أُخرى من القرآن المجيد، مضافاً إلى بعض الأبيات والمقطعات الشعرية.
ومن أعمال الصفويين خلال عهدهم الثاني في العراق ما أمر به الشاه صفي بن عباس الصفوي سنة 1045هـ بإجراء بعض الأصلاحات في المشهد: كإحكام قواعد المنائر الأربعة الكبيرة وتصغير المنائر الأربعة الصغيرة الواقعة في زوايا سطح الحرم؛ حذراً من عدم تحمل دعائم القبتين لكل هذا العبء الثقيل.
وفي سنة 1207هـ بدأ العمل في المشهد الكاظمي على قدم وساق، وتنفيذاً لأوامر أقا محمد شاه القاجاري بإكمال ما بدأه الصفويون في هذا المشهد. واشتملت هذه الأعمال على إنشاء المنائر الثلاث الكبرى التي رفع الصفويون سمكها إلى حد السطح، وكانت الرابعة مشيدة منذ عهد السلطان سليم ـ ولكنها بلا سقف من فوق رأس المؤذن ـ فشُيِّد لها بهذه المناسبة سقف كسقوف الثلاثة الأُخرى الجديدة.
ومن تلك الأعمال أيضاً تأسيس صحن واسع يحف بالحرم من جهاته الثلاث: الشرقية والجنوبية والغربية، ويتصل الجامع الكبير بالحرم من جهته الشمالية. وتم تخطيط الصحن بمساحته الموجودة اليوم.
ولم تنقطع الأعمال العمرانية في المشهد بموت محمد شاه سنة 1211هـ، بل كانت للشاه الجديد فتح علي شاه أعمال أُخرى، منها: نقش باطن القبتين ـ سقف الروضتين ـ بماء الذهب والميناء وقِطَع الزجاج الملون، ومنها: تزيين جدران الروضة كلها من حد الطابوق الكاشاني الصفوي «الكتيبة» إلى أعلى الجدار المتصل بالسقف بقطع الزجاج الجميل المثبت على الخشب.
وكان من أبرز أعمال هذا الشاه تذهيب القبتين والمنائر الصغار الأربع، وذلك لمّا جدد هذا الشاه تذهيب قبة الإمام الحسين (عليه السلام) بكربلاء وبقي الذهب القديم فائضاً عن الحاجة، فنُقل ـ بموجب فتوى شرعية ـ إلى الكاظمية، حيث أُعيد صقله وطليه على الطابوق المُعَدّ لهذا الغرض، وأُضيف إليه ما لزمت إضافته، وتم هذا التذهيب في سنة 1229هـ.
وفي سنة 1255هـ غشي الإيوان الصغير الذي يشرع فيه باب الرواق في (الطارمة) الجنوبية بالذهب، وكان ذلك بنفقة منوجهر خان الملقب بمعتمد الدولة أحد رجال الحكومة الإيرانية، وقد توفي نحو سنة 1260هـ.
وفي سنة 1255هـ أيضاً أهدى السلطان محمود الثاني إلى المشهد الكاظميّ «الستر النبوي» وهو من السندس المطرز، فأُسدل على الضريح في ليلة القدر من شهر رمضان من السنة المذكوره.
وأهدى السلطان عبدالمجيد ابن السلطان محمود العثماني مِشكاتين للمشهد الكاظمي خلال فترة حكمه 1255 ـ 1277هـ.
وفي عام 1270هـ أرسل ناصر الدين شاه القاجاري ملك إيران أحد علماء عصره المعروفين ـ وهو الشيخ عبدالحسين الطهراني المشتهر بلقبه «شيخ العراقَين» ـ إلى العراق للإشراف على تنفيذ مخطط عمراني واسع للعتبات المقدسة، من: تجديد وإصلاح وتجميل، وخوّله التخويل الكامل في الصرف والتصرف.
وبدأت الأعمال العمرانية في المشهد الكاظميّ سنة 1281هـ بعد انتهاء أعمال العمران في كربلاء وسامراء. وكان من جملة ما حصل عليه المشهد: احكام أُسس جدرانه من قعرها المتصل بالماء إلى أعلى، وتجديد الواجهة الخارجية من جدران الحرم، وتغشية الجدران بالطابوق الكاشاني، وتأسيس دكّتين كبيرتين أمام الحرم متصلتين به من جهتَيه الجنوبية والشرقية وتبليطهما بالمرمر، وبناء مداخل في أطراف هاتين الدكتين لإيداع الزائرين أحذيتَهم وأماناتهم فيها.
ثم تم اختيار الدكة الشرقية لرفع سقف عليها يقوم على 22 عموداً خشبياً، وأُطلق على المجموع اسم «طارمة باب المراد».
ثمّ ذهب الإيوان الكبير الواقع في وسط «الطارمة» الشرقية بما زاد من الذهب الذي ذهبت به قبة العسكريين (عليهما السلام) في سامراء.
وانتهى العمل في كل ذلك سنة 1285هـ.
ويشرف القرن الثالث عشر الهجري على الانتهاء وقد انتهت سائر الأصلاحات المطلوبة في المشهد الكاظميّ بروضته وأروقته وإيوانَيه «طارمتَيه» وأصبح آية في الفن والجمال والإيداع والأحكام، فلا غرو إذا ما اتجهت الأنظار إلى ضرورة تجديد بناء الصحن لأنه بشكله ذاك لم يكن يتناسب مع فخامة الحرم، خصوصاً وأنّه كان مترباً بلا تبليط ولا رصف، وإن سُوْرَه من الطابوق العادي، وإن القبور فيه متطامنة يتعثر فيها الماشي، وبِركة الماء في وسطه من الجهة الشرقية تغمر الأرض حوإليها بالطين والوحل، وليس فيه موضع يستفاد منه للصلاة سوى دكة كبيرة في شمالي الجهة الشرقية تقام فيها صلاة الجماعة.
وتطوع الأمير فرهاد ميرزا القاجاري ـ عم ملك إيران ناصر الدين شاه ـ للإنفاق على هذا المشروع الضخم الكبير.
وقد اشتمل التعمير على ما يأتي:
أ ـ بناء سراديب منظّمة لدفن الموتى في ساحة الصحن وإيواناته وحجراته.
ب ـ تذهيب المنائر الأربعة الكبرى من حد وقوف المؤذن إلى قمتها.
ج ـ تشييد سور مرتفع للصحن يتكون من طابقين.
د ـ تأسيس قاعدتين ضخمتين في سطح الطابق الثاني من الصحن فوق البابين الرئيسيين في جانبي الشرق والجنوب لنصب ساعتين كبيرتين عليهما.
وعلى أي حال، فقد بدأ العمل في عمارة الصحن يوم 17 ذي القعدة 1296هـ، وتم بجميع ما فيه في 17 ربيع الأول سنة 1301هـ.
محمد حسن آل ياسين
الكاظمية
ـ 2 ـ
الكاظمية منسوبة إلى لقب الإمام موسى بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، الملقب بالكاظم (عليه السلام)، وقد عرفت بهذه التسمية في عصرنا هذا، وكانت تعرف عند العامّة بالكاظم على تقدير «بلدة الكاظم» وبالكاظمين على تقدير «بلدة الكاظمين» وعرفت قديما بالمشهد الكاظمي وبمشهد موسى بن جعفر (عليه السلام) وبمقبرة قريش، ومن المؤرخين من يُريد الإعمام والإبهام فيسمّيه «مشهد باب التبن» لقرب مقبرة قريش من مقبرة باب التبن الواقعة ـ كانت ـ في شرقي مقابر قريش. وسنأتي على ذكرها في المواضع الخاصّة بها القريبة منها.
كانت أرض مقابر قريش أي دارة الكاظمية الحالية من الأرضين القديمة المسكونة التابعة لدولة الكشيين الذين جاؤوا في أواسط القرن الخامس عشر قبل الميلاد من الجبال الشمالية الشرقية من منطقة لورستان في إيران يقودهم زعيم لهم اسمه «كندش» فاحتلوا مدينة بابل وقارشين دولة بابل الأولى المعروفة باسم «الأمورية»، واتخذوها مركزاً لتنظيم أمورهم وتركيز سيطرتهم وسلطانهم وتثبيت إدارتهم لأواسط ما يسمّى بعد ذلك «العراق» وجنوبيه. قد ذكرت الكتابات التاريخية المسمارية أنّ عدد ملوكهم الذين حكموا في هذه البلاد «76» ستة وسبعون ملكاً حكموا «576» سنة قمرية. وقد تعلّم الكشيون اللغة البابلية السامية مع أنّهم كانوا من الآرايين، وكتبوا بها واستعملوا أيضاً اللغة السومرية الآرية فضلاً عن لغتهم الكشية في جملة من أخبارهم واقتبسوا الحضارة البابلية واعتدوا بها، وكانت لهم اتصالات دولة واسعة بالملوك المثيانيين والملوك الحثيين والفراعنة بمصر والشعوب المجاورة لهم فازدهرت التجارة في عصورهم وعمّ الرخاء البلاد في عهود العظماء من ملوكهم وكان منهم الملك «كاريكالْزو» وهو الذي شيَّد للدولة عاصمة جديدة أُطلق عليها اسمه المذكور وتعرف أطلالها وتلّها العظيم اليوم بعقر قوف، وهذا التلّ هو بقية زقورة المدينة، وقد استحاثت مديرية الآثار العامّة في المدينة لُقىً أثرية نفيسة من مصوغات وأوانٍ من الفخار وكتابات يشاهدها الزائر معروضة في القاعة البابلية من المتحف العراقي([639]).([640]). ولم نقف على اسم منطقة الكاظمية في عصر الكشيين ولا في عصور من حكموا قبلهم كالأكديين الساميين والبابليين ولا في عصر من حكموا بعدهم كالكلدانيين والأخمينيين الإيرانيين، وإنّما نستطيع أن نذكر اسماً لها يشبه الأسماء اليونانية وهو «قُطربل» وهذا يدل على أنّ الاسم كان معروفاً في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد وهو القرن الذي أنشئت فيه دولة السلوقيين اليونانيين بعد وفاة الإسكندر المكدوني، وقد دلّت الاستحداثات القديمة على وجود نقود يونانية في تلك المنطقة مخلوطة مع نقود غيرها. وذلك يدل على أنّ أحد سكان هذه المنطقة في العهود الإسلامية عثر عليها في أثناء حفر أُسّس لداره أو لعمارة أُخرى من العمارات، ففي سنة «647هـ» أمر الخليفة المستعصم بالله بعمارة مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في مقابر قريش المذكورة. فلمّا شرع الفعلة والبناة في ذلك وجدوا برنيّة أو بستوقة فيها ألف درهم قديمة منها يونانية عليها صور ومنها ضرب بغداد ومنها ما هو ضرب واسط، فعرضت على الخليفة المذكور آنفاً فأمر أن تصرف في عمارة المشهد فاشتراها الناس بأوفر الأثمان وأهدي منها إلى الأكابر، فنفّذوا إلى المشهد أضعاف ما كان حُمل إليهم منها»([641]).
ووجدت دراهم يونانية أيضاً في مقبرة الشهداء الآتي ذكرها من بعد وكانت في الغرب الجنوبي من مقابر قريش، وعلى صلة بمقابر باب حرب من الغرب فقد جاء في الكتاب الذي نقلنا منه خبر العثور على الدراهم اليونانية وغيرها من أخبار سنة 641 أنّ ميتاً حُمل إلى مقبرة الشهداء ليدفن فيها فلمّا حفر الحفار قبراً له فوجد في الحفر جرّة مملوءة دراهم يونانية ودراهم إسلامية ممّا ضرب بالمدينة المنور فأحضرها إلى المحتسب ببغداد فحملها المحتسب إلى دار الوزير نصير الدين أحمد بن الناقد وزير الخليفة المستعصم بالله فأمره بالمضي إلى المقبرة واعتبار الحفر أي فتشه فحضر وحفر حول القبر فوجدوا جرّة أُخرى كان بها نحو عشر آلاف درهم([642]).
وكانت المنطقة التي فيها مقابر قريش تعرف في أيام الساسانيين بطسّوج قطربل أي كورة قطربل وكانت تروى من نهر يتفرّع من الجانب الأيمن من دجلة ويعرف بنهر دجيل ولا يزال عقيقه ومجاري شعبه وشاخاته ظاهرة بين البلدة المعروفة باسم «بلد» بغداد، وكان نهر يفصل بين طسّوج قطربّل وطسّوج بادوريا في الجنوب يعرف بنهر الصراة يتخلج من نهر عتيق يأخذ ماءه من الفرات. وعُرف في أيام الساسانيين باسم نهر ورفيل وفي أيام العباسيين وبعدهم باسم نهر عيسى بن علي عم أبي جعفر المنصور.
ومقبرة الشهداء التي ورد ذكرها آنفاً هي على المشهور مقبرة الشهداء المسلمين الذين حاربوا الخوارج قرب أرض الكاظمية فأثخنتهم الجراح وماتوا فدفنوا هناك أعني في غربي الكاظمية الجنوبي سنة 37هـ.
وقيل بل حملوا من ساحة الوغى في وقعة النهروان وهم مرتثّون فأدركهم الموت في ذلك الموضع، قال الخطيب البغدادي:
«وبالقرب من القبر المنسوب إلى هشام (بن عروة بن الزبير بن العوام) بالجانب الغربي قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء لم أزل أسمع العامّة تذكر أنّها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتثّوا في الوقت ثمّ لمّا رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم علي هناك. وقيل إنّ فيهم من له صحبة وقد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر أيضاً ما اشتهر عند العامّة من ذلك وسمعته يزعم أنّ لا أصل له والله أعلم»([643]).
قلنا: إنّ اعتداد الخطيب البغدادي لحمزة بن محمد بن طاهر من المنكرين يشير إلى غيره ممّن يلقي الكلام على عواهنه، فقد ذكر الخطيب في تاريخه قبل ذلك في الكلام مسجد العتيقة المعروف قديماً وحديثاً بمسجد المنطقة القائم المعمور اليوم بين بغداد والكاظمية ما هذا نصه: «قال الشيخ أبو بكر: وفي سوق([644]) العتيقة مسجد تغشاه الشيعة وتزوره وتعظمه، وتزعم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) صلّى في ذلك الموضع ولم أر أحداً من أهل العلم يثبت أنّ علياً دخل بغداد ولا روي لنا شيء غير ما أخبرنا به القاضي أبو عبدالله الحسين بن علي الصيمريّ قال أنبأنا أحمد بن محمد بن علي الصيرفي أنبأنا القاضي محمد بن عمر الجعابي الحافظ ـ وذكر بغداد ـ فقال: يقال إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) اجتاز بها إلى النهروان راجعاً منه وأنّه صلّى في مواضع منها فإن صحَّ ذلك فقد دخلها من كان معه من الصحابة. قال الشيخ أبو بكر والمحفوظ أنّ علياً (عليه السلام) سلك طريق المدائن في ذهاب النهروان وفي رجوعه والله أعلم. حدّثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوماً عند أبي بكر الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلموا عليه ودفعوا إليه صُرّة فيها دراهم ثمّ قالوا له: أيّها القاضي إنّك قد جمعت أسماء محدّثي بغداد وذكرت من قدم إليها وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك. فقال: نعم يا غلام هات الكتاب. فجيء به، فكتب فيه (وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يُقال إنّه قدمها) قال ابن زرقويه: فلمّا انصرف القوم قلت له: أيّها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب مَن ذكره؟ فقال: هؤلاء الذين رأيتهم، أو كما قال([645]).
قلنا: وزاد الخطيب وغيره توهين ما ذكره الشيعة من مرور الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بهذه المواضع ونفي دخوله بغداد في العصر الذي كانت فيه قرية من القرى المشهورة المسكونة، وهؤلاء المنكرون كانوا من القرون المتأخرة بالنسبة إلى وقعة النهروان، فلا حق لهم في إنكار ذلك من غير رجوع إلى التواريخ المعتمدة والأخبار المسندة، ومن يقرأ أخبار وقعة النهروان في تاريخ الطبري محمد بن جرير يعلم أنّ جيش الإمام علي (عليه السلام) قد وطئ هذه الأرض القريبة من أرض الكاظميين، وسنذكر من غير تاريخ الطبري أنّ الإمام علياً (عليه السلام) مرَّ بقرية تعرف بقطفتا باسمها الآرامي الداخل على قطف الثمار وهي التي صارت محلة من محال بغداد الغربية أيام بني العباس ووصفها ياقوت في معجم البلدان وذكرها غيره.
قال الطبري في حوادث سنة 37 وهو يروي أخبار وقعة الخوارج: «وأرسل عدي بن حاتم الطائي إلى سعد بن مسعود الثقفي عامل علي (عليه السلام) على المدائن يحذره أمرهم ـ يعني أمر الخوارج ـ فحذر وأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد وسار في طلبهم فأخبر عبدالله بن وهب الراسبي خبره فراقبا طريقه وسار على بغداد ولحقهم سعد بن مسعود الثقفي بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبدالله في ثلاثين فارساً فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم، وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك أمر؟ خلهم فليذهبوا واكتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّ أمرك بإتباعهم اتبعتهم وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم فلمّا جنَّ الليل خرج عبدالله بن وهب الراسبي فعبر دجلة إلى أرض جوخا وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه وقد أيّسوا منه وقالوا: إن هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردّهم أهلوهم كرهاً… قال أبو مخنف حدّثني يوسف بن يزيد عن عبدالله بن عون قال: لمّا أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار قدّم قيس بن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزله حتّى يأمره بأمره، ثمّ جاء مقبلاً إليهم ووافا قيس سعد بن مسعود الثقفي بالنهر وبعث إلى أهل النار: ارفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثمّ انا تارككم وكافٍ عنكم حتّى ألقى أهل الشام فلعل الله يقلب قلوبكم ويردّكم إلى خير ممّا أنتم عليه من أمركم… قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أيمن عن زيد بن وهب أنّ علياً (عليه السلام) أتى أهل النهر فوقف عليه فقال: أيتها العصابة التي أخرجها ـ عداوةً ـ المرار واللجاجة، وصدَّها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق، وأصبحت في اللبس والخطب العظيم، إنّي نذير لكم أن تصبحوا تفلكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط»([646]).
وإذا استخلصنا هذا الخبر نستطيع أن نقول إنّ الخوارج في هربهم من الكوفة أرادوا التوجّه إلى المدائن أيام كانت من مدن العراق الكبيرة الحصينة ليتخذوها معقلاً، فمنعوا من دخولها فارتفعوا نحو الشمال ومرّوا ببغداد حين كانت قرية من القرى المشهورة على دجلة في أرض الصالحية الحالية من غربي بغداد، وتعقبهم قائدان من قواد الإمام علي (عليه السلام) وعامل من عماله هو سعد بن مسعود الثقفي فلحق بهم في الكرخ أيام كانت قرية كبيرة محصنة كما يدل عليها اسمها، وكانت بين أرض الشالجية والفلاحات من الجانب الغربي، والشالجية مجاورة لأرض العتيقة المعروفة بقرية «سونايا» قديماً وفي عهد الإمام علي (عليه السلام) وقبله وبعده حتّى عصر العباسيين فقد سمَّوها «العتيقة» لأنّها أقدم زمناً ووجوداً من مدينة السلام التي أنشأها أبو جعفر المنصور في شمالها الغربي، وكان قريباً من الشالحية موضع مقبرة الشهداء المذكورة آنفاً، ونستخلص أيضاً أنّ جيش سعد بن مسعود الثقفي وعصبة الخوارج اقتتلوا ساعة قرب الكرخ، ولم يكن بد من أن تكون بين الفريقين جراحات مثخنة فيهم أدَّت إلى موت عدّة فرسان من جنود الإمام علي (عليه السلام) فدفنوا هناك، تسمّوا الشهداء، ونستخلص بعد ذلك أنّ الخوارج قد هرب معظمهم من نواحي الكرخ متجهين إلى الشرق بعد عبورهم دجلة وبقي عبدالله بن وهب الراسبي مع الباقين من الثلاثين فارساً الذين حاربوا جنود الإمام علي (عليه السلام) فلمّا أطل عليه الليل لحق بأصحابه عابراً دجلة أيضاً قرب أرض الكاظمية، ثمّ اتجه نحو طريق بعقوبا والتقى القوم عند فم النهروان قرب الموضع المعروف باسمه الإنكليزي الحالي «كاسل بوست»، فهناك وقعت وقعة النهروان قبل عبور الخوارج النهروان. ونستخلص أخيراً أنّ الإمام علياً (عليه السلام) في تعقيبه الخوارج سلك طريق الأنبار وأقام فيها وقدم عليه بها قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري ثمّ انحدر الإمام (عليه السلام) من الأنبار نحو الخوارج وهذا معناه أنّه سلك طريق الفلوجة فبغداد ليعبر دجلة إلى نواحي النهروان من المعبر المشهور عند قصر سابور قرب موضع مدرسة الكرخ الثانوية الحالية وهو المعبر الذي عبرت منه سرية خالد بن الوليد سنة 12هـ ولكن من شرق إلى الغرب لا من الغرب إلى الشرق كما فعل الإمام علي (عليه السلام) وفي أثناء قدوم علي بغداد ونواحيها، وفراغه من حرب الخوارج مرَّ بقرية «قطفتا» التي قدمنا ذكرها ومظنة خبرها، قال مؤلف كتاب إثبات الوصية: «وروي أنّه (عليه السلام) اجتاز في طريقه إلى الشام ببادوريا([647]) فخرج أهل قرية منها يُقال لها قطفتا فشكوا إليه ثقل الوضائع في الخراج وأنّها مخالفة لسائر وضائع السَّواد بالعراق، فقال لهم وبالنبطية «وغرار وطاموغزريا»([648])، يعني (رب جحش صغير خير من حمار كبير) فكانوا كلموه بالنبطية فأجابهم بكلامهم ثمّ قال لهم: «أنتم تبيعون ثماركم بضعف ما يبيعها غيركم من أهل السَّواد»([649]).
وبعد نقلنا هذه النصوص التاريخية الواضحة تتهادى في درك الباطل والبطلان أقوال من أنكر قدوم الإمام علي (عليه السلام) بغداد ونواحيها وصلّى في براثا إحدى القرى المجاورة لها ودخل حماماً هناك فاستحم فيه، وبطل أيضاً إنكار ياقوت الحموي في الكلام على براثا من معجم البلدان، وبقي الاختلاف في الموضع الذي استحم فيه وصلّى أهو براثا على التحقيق أم سونايا المعروفة بعد ذلك باسم العتيقة؟ وإنّا ذاكرون مختلف الأقوال فيما يلي السطر.
براثا ومسجدها
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «بَراثا بالثاء المثلثة والقصر… وكانت قبل بناء بغداد قرية يزعمون أنَّ علياً مرَّ بها لما خرج لقتال الحرورية بالنهروان وصلّى في موضع من الجامع… وذكر أنّه دخل حماماً كان في هذه القرية وقيل: بل الحمام التي([650]) دخلها كانت بالعتيقة: محلة ببغداد خربت» وقال قبل ذلك «براثا… محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محوّل وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة وقد خرب عن آخره وكذلك المحلّة ولم يبق لها أثر (أي سنة 625هـ) فأمّا الجامع فأدركت بقايا من حيطانه وقد خربت في عصرنا واستعملت في الأبنية…».
وفي هذا الخبر تمييز من جامع براثا وموضعه ومن موضع العتيقة وسوقها اللذين قدمنا الكلام عليهما آنفاً نقلاً عن تاريخ الخطيب وتعيين الموضع الجامع بأنّه كان في قبلى الكرخ، وقد ذكرنا تعيين الكرخ سابقاً بأنّه كان بين موضع الشالجية والفلاحات، فجامع براثا كان في غربي هذه المواضع، وقال الخطيب البغدادي: «وكان في الموضع المعروف ببراثا مسجد يجتمع فيه قوم ممّن ينتسب إلى التشيع ويقصدونه للصلاة والجلوس فيه فرفع إلى المقتدر بالله أنّ الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسبّ الصحابة والخروج عن الطاعة فأمر بكبسه يوم جمعة وقت الصلاة. فكُبس وأخذ من وجد فيه فعُوقبوا وحبسوا حبساً طويلاً وهُدم المسجد حتّى سُوي بالأرض وعُفي رسمه ووصل بالمقبرة التي تليه ومكث خراباً إلى سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة فأمر الأمير بجكم بإعادة بنائه وتوسعته وإحكامه فبني بالجصّ والآجر وسقف بالساج والمنقوش ووسع فيه ببعض ما يليه اسماً ممّا ابتيع له من أملاك الناس وكتب في صدره اسم (الخليفة) الراضي (بالله) وكان الناس ينتابونه للصلاة فيه والتبرك به، ثمّ أمر المتقي لله بعدُ بنصب منبر فيه كان بمسجد مدينة المنصور معطلاً مخبوءاً في خزانة المسجد عليه اسم هارون الرشيد، فنصب في قبلة المسجد وتقدّم إلى أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمي ـ وكان الإمام في جامع الرصافة ـ بالخروج إليه والصلاة بالناس فيه الجمعة، فخرج وخرج الناس من جانبي مدينة السلام حتّى حضروا هذه الصلاة في هذا المسجد وكثر الجمع هناك وحضر صاحب الشرطة فأقيمت صلاة الجمعة فيه يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وتوالت صلاة الجمعة فيه وصار من مساجد الحضرة (يعني بغداد) وافراد أبو الحسن أحمد بن الفضل الهاشمي بإمامته وأخرجت الصلاة بمسجد جامع الرصافة عن يده» وقال الخطيب بعد ذلك: «فأدركت صلاة الجمعة وهي تقام ببغداد في مسجد المدينة (يعني مدينة المنصور ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة (يعني مسجد سوق الغزل) ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر وتعرف بقطيعة الرقيق، ومسجد الحربية، ولم تزل على هذا إلى أن خرجت بغداد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ثمّ تعطلت في مسجد براثا فلم تكن تصلى فيه) ([651]). وجاء في أخبار سنة (420هـ) ما يفيد أنّ الشيعة كانوا مسيطرين على جامع براثا في ذلك العصر»([652]).
وقد وهم ياقوت الحموي في خبر كبس جامع براثا في معجم البلدان وقال: «فكبسه الراضي بالله وأخذ من وجده فيه وحبسهم وهدمه حتّى سويّ بالأرض وأنهى الشيعة خبره إلى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد فأمر بإعادة بنائه وتوسيعه وإحكامه وكتب في صدره اسم الراضي، ولم تزل الصلاة تقام فيه إلى بعد الخمسين وأربعمائة ثمّ تعطلت إلى الآن». إنّ ياقوتاً جعل الكبس باسم الراضي مع أنّه كان بأمر المقتدر كما نقلنا من تاريخ الخطيب البغدادي. وقد أيَّد ابن عبد الحق البغدادي قول الخطيب في كتابه مراصد الاطلاع.
مسجد العتيقة ومشهدها «المنطقة»
ذكرنا اختلاف المؤرخين والرواة في الموضع الذي صلّى فيه الإمام عليه (عليه السلام) واستحمّ فيه، وقد ذكرنا تاريخ أحد الموضعين، وهو براثا، أمّا الموضع الثاني فهو مشهد العتيقة ومسجدها وهو المعروف قديماً وحديثاً باسم «المنطقة» وكانت قرية تعرف قديماً باسم سونايا الأرامي قال ابن عبد الحق البغدادي في مراصد الاطلاع: «سونايا، بضمّ أوّله بعد الواو الساكنة بعد الألف ياء مثناة من تحت وألف مقصورة، قرية قديمة كانت ببغداد ينسب العنب الأسود إليها الذي يتقدّم ويبكّر على سائر العنب مَجناه، ولما عمرت بغداد صارت محلة من محالها وهي (العتيقة) وبها مشهد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) يعرف بمشهد «المنطقة» ففي هذا النص تصريح باسم المنطقة المعروف المتعارف حتّى في هذه الأيام، وهو نص يدحض إلى أبد الآبدين قول من يسمّي مسجد المنطقة «بجامع براثا». ولإتمام ذكر النصوص المؤيدة لما قدمنا ننقل ما ذكره ابن عبد الحق وغيره وقال ابن عبد الحق: في مراصده: «العتيقة بفتح أوّله وكسر ثانيه: محلة ببغداد بالجانب الغربي ما بين طاق المراني إلى باب الشعير وما اتصل به من شاطئ دجلة وإليها تنسب القنطرة العليا التي على الصرّاة، وسمّيت العتيقة لأنّها كانت قبل بناء بغداد قرية يُقال لها سونايا وإليها ينسب العنب الأسود، ومساكن هذه القرية مكان المحلة»([653]).
فتأمّل توحيد ابن عبد الحق بين ما سمّاها سونايا وذكر فيها «مشهد المنطقة» القائم حتّى اليوم وإن كان مجدداً وبين العتيقة، لكنّه حين ذكر جامع براثا ميّزه عن العتيقة وسونايا أوضح التمييز قال: «براثا بالثاء المثلثة والقصر: محلة كانت في طرف بغداد في قبلّي الكرخ وبنى بها جامع كانت تجتمع به الشيعة ويسبّون الصحابة فيه فأخذ الراضي من وجد فيه وهدمه ثمّ أعاده بجكم ووسعه وكتب اسم الراضي في صدره وأقيمت به الجمعة إلى ما بعد الخمسين وأربعمائة ثمّ قطعت منه وخرب، وآثاره باقية إلى الآن». بقي إلى ما بعد سنة سبعمائة الهجرية أي البرهة التي ألّف ابن عبد الحميد الكتاب لأنّه توفي سنة 739هـ. وقد اختصر ابن عبد الحميد كلام ياقوت على هذا المسجد وقد نقلناه آنفاً ووهم مثله في اسم الخليفة الذي هدمه وهو المقتدر بالله كما نقلناه من تاريخ البغدادي لا الراضي بالله وأفاد ابن عبد الحق أنّ آثار الجامع كانت باقية في القرن الثاني للهجرة، ولكنّها آثار لا عمارة قائمة كاملة المرافق المسجدية.
الدكتور مصطفى جواد
الكاظمية
ـ 3 ـ
تُعد الكاظمية الواقعة على نهر دجلة إلى الشمال من مدينة بغداد بحوالي 10 كلم، إحدى أهم المدن الدينية في العراق والعالم الإسلامي، وتضم مشهد الإمامين موسى بن جعفر الملقّب بـ «الكاظم» المعروف بحلمِه وعفوه وكظمه للغيظ والمتوفى سنة 183هـ (791م) ومحمد بن علي بن موسى الملقّب بـ «الجواد» لجوده وحلمه والمتوفى سنة 220هـ (825م). وقد سُمّيت بالكاظمية نسبة إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
ويعتبر مشهد الإمامين نواة الكاظمية التي شُيّدت على أرض كانت تُعرف أيام الساسانيين بطسوج «قُطربَل» أي كورة «قُطربَل» وقد حوّلها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلى مقابر «قريش» وخُصّصت لدفن العباسيين والعلويين. ودفن فيها كلّ من جعفر ابن الخليفة العباسي المنصور وكذلك الخليفة العباسي الأمين ووالدته زبيدة، إضافة إلى الكثير من العلماء والفقهاء والشعراء والمؤرخين من بينهم الشريفان الرضي والمرتضى والإمام أحمد بن حنبل والشيخ المفيد والخطيب البغدادي وابن الأثير وابن الجوزي والوزير ابن العلقمي وغيرهم.
لعبت الكاظمية، تزامناً مع بغداد خلال العهود الإسلامية، دوراً حضارياً في تاريخ العراق والعالم الإسلامي، وكانت مصدر النهضة العلمية والأدبية والفكرية. وأصبحت في فتراتٍ زمنية مختلفة مقر كبار العلماء والفقهاء ومكان تدريسهم. ومن أبرزهم الشيخ مهدي الخالصي والسيد مهدي الحيدري والسيد حسن الصدر والسيد مهدي الصدر والشيخ محمد حسن آل ياسين.
وكان للكاظمية دور بارز مع بقية مدن الفرات الأوسط في اندلاع ثورة العام 1920، وكان لتأييد علمائها ومساندتهم للفتوى التي أصدرها من مدينة كربلاء المرجع الديني الأكبر الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي في الثالث والعشرين من كانون الثاني (يناير) العام 1919 التي كان لها الأثر الأوّل في استقلال العراق وتأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921.
اشتهرت الكاظمية بمعالم حضارية وتاريخية بارزة تميزت بأروع فنون العمارة الإسلامية كالمساجد والمدارس الدينية والأسواق والخانات والحمامات الشعبية والبيوت التراثية الجميلة.
وتميّزت المباني الدينية في المدينة خصوصاً مشهد الإمامين بجمال عمارتها وبخصائص معمارية: ارتفاع جدرانها وروعة مآذنها وقبابها الذهبية، واستعمال أغلى المواد البنائية فيها كالرخام والمرمر والبلاط القاشاني الملوّن والزخارف الآجرية الرائعة.
وتعدّ الحسينية الحيدرية في المدينة من أشهر الحسينيات في العراق، فقد شُيّدت سنة 1279هـ (1863م) من قِبَل مشير الملك ميرزا نصر الله خان، وتضمّ مكتبة عامرة بالمصادر والكتب الدينية القيّمة.
وعرفت الكاظمية بأسواقها التراثية الجميلة، وما زال قسم منها يحتفظ بطابعه المعماري الإسلامي الأصيل، ومن أشهرها سوق «الأسترآبادي» وسوف العتيق أو القصّابين وكذلك الجلوخانة.
ومن الظواهر المألوفة في الكاظمية أن بيوتاتها القديمة تعتبر من أجمل البيوتات التراثية في العراق لما تمتاز به من روعة في فن العمارة الإسلامية وكثرة الشرفات والشناشيل أو المشرّبيات الجميلة الرائعة التي تعتبر إحدى سمات العمارة التقليدية المميزة لهذه المدينة.
وفي عهد الوالي العثماني مدحت باشا العام 1870م ارتبطت مدينة الكاظمية ببغداد بخط ترامواي من طابقين كان يعتبر من المظاهر الحيوية والمميزة في تلك الفترة. وتعرّضت المدنية خلال السنوات الأخيرة، كبقية المدن الدينية الأُخرى للعراق، للتشويه العمراني بسبب إزالة الكثير من المباني الدينية والتراثية، من دون أي اهتمام من قبل الجهات المختصة لإعادة إحياء ما تهدّم وبما يليق بمكانة هذه المدينة الإسلامية العريقة.
أمّا أبرز معالم فن العمارة الإسلامية في المدينة فهي: مشهد الإمامين أو الروضة الكاظمية، مرقد الشريف الرضي، مرقد الشريف المرتضى.
الروضة الكاظمية
تعتبر الروضة الكاظمية معلماً من معالم فن العمارة الإسلامية المهمّة في العالم الإسلامي، وتقع في وسط المدينة، وتضمّ رفات الإمامين موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد (عليهم السلام). شُيّدت عمارة الروضة سنة 648هـ (1249م) في عهد الخليفة العباسي المستعصم بالله، وتتميز بروعتها وجمالها حيث التعامل الفني مع حلل البلور والذهب والفضة وقطع من المرايا الصغيرة المزجّجة التي تزيّن المبنى وتضفي عليه مسحة من البهاء. وتقوم على قبري الإمامين قبّتان ذهبيتان تحفّ بهما أربع مآذن كبيرة أسطوانية الشكل، قسمها العلوي مطلي بقشرة من الذهب، أمّا قسمها السفلي فقد كُسي بتشكيلات زخرفية من البلاط المزجج (القاشاني) الملوّن، وأربع مآذن أُخرى صغيرة أسطوانية الشكل قسمها العلوي مطلي بقشرة من الذهب أيضاً، أمّا قسمها السفلي فقد كُسي أيضاً بتشكيلات زخرفية من القاشاني.
وأهم ما يميّز بناء الروضة سعتها وعظمة بنيانها وطرازها المعماري الإسلامي، وتشغل أرضاً مستطيلة الشكل طولها 140 متراً وعرضها 135 متراً وتتكوّن من الحضرة والجامع والصحن الواسع. ويتوسط القبران المكان الذي يصل بين غرفتي الحضرة الرئيسيتين المستطيلتين، ويبلغ طول ضلعهما 21 متراً و11 متراً، وتتميز الروضة عن غيرها من الأضرحة والمشاهد والجوامع الأُخرى بوجود المآذن الأربع وهي ظاهرة مميزة في طراز العمارة الإسلامية في العراق، ووجود قبّتين متجاورتين تغطيان غرفتي الضريحين، إضافة إلى وجود المآذن الأربع الصغيرة الموزعة على أركان الحضرة.
وإلى جانب الحضرة من ناحية الشمال يوجد جامع كبير يُعرف بالجامع الصفوي ينخفض سقفه قليلاً عن سقف الضريحين وله قباب صغيرة تتخلل رقابها نوافذ الإنارة والتهوية، ويعود تاريخه إلى الحكم الصفوي في العراق (القرن السادس عشر).
وتعود اثنتان من مآذن الروضة الكبيرة إلى الجامع الصفوي، وهما من أقدم المآذن الأربع. وإحدى هذه المآذن تختلف عن المآذن الأُخرى، وذلك بوجود صفّين من المقرنصات تحت الشرفة العلوية، بدل ثلاثة صفوف من المقرنصات كما في المآذن الثلاث الأُخرى. أمّا سقف الرواق في هذه الحضرة فهو أخفض من سقف غرفتي الضريحين، وله قباب صغيرة تتخلل رقابها نوافذ الإنارة والتهوية، ويتصل الرواق بغرفتي الضريحين بستّة أبواب، كما يتّصل الصحن بعدد من الأبواب أيضاً. ويتوسط جدار القبلة في الحضرة إيوان ضخم مرتفع يضم الباب الرئيسي للمرقد ويسمّى باب القبلة. ويمكن الدخول إلى صحن الروضة عن طريق ثمانية أبواب تتوزّع على السور الخارجي المحيط بصحن الروضة، أهمها باب القبلة وباب المراد وباب الإنباريين.
مرقد الشريف الرضي
هو أبو الحسن بن الحسين الذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم المتوفى سنة 406هـ (1016م) في الكاظمية. وكان الشريف الرضي عالماً فاضلاً محققاً وأديباً شاعراً وقيل عنه إنّه أشعر من المتنبي، وذلك دليل على سمو منزلته الأدبية، وهو الجامع والمنتقي من خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) «نهج البلاغة».
يقع مرقد الشريف الرضي في محلة (حارة) الإنباريين، ومشيّد بالطابوق (الآجر) والجص وتعلوه قبة بصلية الشكل تقوم على رقبة أسطوانية زُيّنت بالبلاط القاشاني الجميل.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أنّه بعد وفاة الشريف الرضي في الكاظمية نقل جثمانه إلى كربلاء ودُفن داخل الروضة الحسينية.
مرقد الشريف المرتضى
هو أبو القاسم علم الهدى علي بن الحسين أخ الشريف الرضي، المتوفى سنة 436هـ (1045م) في الكاظمية. ويعتبر من المجددين، وكان عالماً متكلماً فقيهاً، متقدماً في الأصولين الكلام وأصول الفقه، بارزاً في الأدب والشعر واللغة، له تصانيف كثيرة تنوف على الثمانين مؤلفاً.
يقع مرقده بجانب صحن الروضة الكاظمية في الجنوب الشرقي، جدّد سنة 1385هـ (1965م) وقد شُيّد بالطابوق (الآجر) والجصّ تعلوه قبّتان غُطّيتا بالقاشاني. وملحق بالمرقد مصلّى واسع ومكتبة تضمّ عدداً كبيراً من الكتب القيّمة.
د. رؤوف الأنصاري
كاليفورنيا
تعتبر ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية من أكثر الولايات المأهولة بالسكان حيث يبلغ عدد سكانها 34 مليون نسمة ومساحتها حوالي 156 ألف ميل مربع، ويتواجد فيها نحو مليون مسلم. ويبلغ تعداد المسلمين في كلّ الولايات الأميركية 6 ملايين نسمة، يشكل المهاجرون منهم نسبة 65 في المئة. ولعل أبرز ما يميز ولاية كاليفورنيا اقتصادها المتين حيث يعتبر سابع أقوى اقتصاد في العالم، إذ تعتمد في تجارتها وصناعتها ونمو اقتصادها على المنتجات الزراعية والألبسة والإلكترونيات والتصنيع في مجالات الطيران والفضاء والنفط والمعادن وصناعة السينما وغيرها، فيما يعتبر اقتصاد لوس أنجلوس ـ ثاني كبريات المدن الأميركية وأكبر مدن ولاية كاليفورنيا ـ أقوى من اقتصاد جمهورية كوريا الجنوبية. يبلغ عدد سكان مقاطعة لوس أنجلوس 14 مليون نسمة ويوجد فيها 13 مدرسة إسلامية ذات دوام كامل منها مدرستان تحوي مراحل الدراسة كافة.
ونظراً لانتشار الجالية الإسلامية بأعراقها المختلفة ـ لا سيما الشيعية ـ على مساحة واسعة في ولاية كاليفورنيا فقد أنشئت مراكز متعددة ساهمت في إثراء الثقافة الإسلامية وروح الإيمان لدى أبناء الجالية، ولبّت الحاجة الملحة للمحافظة على هوية الجيل الجديد. كما أنّ الحنين إلى الوطن والترابط الاجتماعي والأسري والرغبة في التحدّث باللغة الأم ساهم إلى حد كبير في إيجاد هذه المراكز الإسلامية. وسنستعرض أهمها في جنوب ولاية كاليفورنيا، حيث يوجد ما يقارب 70 مسجداً ومركزاً إسلامياً:
1 ـ مجلس الشورى الإسلامي: تأسّس قبل سبع سنوات ويعتبر مظلة لنشاطات غالبية المراكز والمؤسسات الإسلامية ويضمّ في عضويته ما يقارب 64 مركزاً ومؤسسة وله مجلس إدارة يتكوّن من تسعة أعضاء يمثلون أئمة المراكز الإسلامية ويتم انتخابهم كلّ عامين. وينص القانون الأساسي للمجلس على ضرورة انعقاد جمعيته العمومية كلّ ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى الاجتماع الشهري لمجلس الإدارة، الذي تناقش فيه قضايا تهمّ المسلمين في جنوب كاليفورنيا. وقد برز نشاط المجلس بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة بسبب أحداث القدس وكوسوفو والشيشان والعراق وغيرها من القضايا الساخنة التي يهتم بها جمهور الجالية الإسلامية.
2 ـ مؤسسة إيمان: من كبريات المؤسسات الإسلامية الإيرانية في أميركا الشمالية، مضى على إنشائها أكثر من عشرة أعوام. وقد أُسّست بجهود مجموعة من الأطباء ورجال الأعمال الإيرانيين في لوس أنجلوس ولها برامج أسبوعية باللغتين الفارسية والإنكليزية.
3 ـ جامع الإمام الحسين (عليه السلام) ومدرسة الهادي الإسلامية: ساهم في تأسيسهما أبناء الجالية اللبنانية المقيمون في لوس أنجلوس وتعقد في الجامع مجالس أسبوعية بالإضافة إلى إقامة مراسم الفاتحة والتأبين وإحياء مواسم شهر رمضان وعاشوراء.
4 ـ جامع أهل البيت (عليهم السلام) في منطقة (Pomona): ساهم في تأسيسه مجموعة من الأطباء العراقيين منذ أكثر من عشر سنوات وتعقد فيه مجالس أسبوعية وصلاة الجمعة ومجالس التأبين وكذلك إحياء مواسم شهر رمضان وعاشوراء.
5 ـ المركز الحسيني: مضى على إنشائه عقدان من الزمن في منطقة (Pico Rivera) ويختص بأبناء الجالية المسلمة من الخوجة الإثني عشرية الذين هاجروا من شرق إفريقيا واستوطنوا غالبية المدن الكبرى في شمال أميركا.
6 ـ المركز الثقافي الإسلامي: يقع في منطقة (Orange County) تأسّس منذ أربع سنوات بمساهمة مجموعة من رجال الأعمال، أغلبهم من الإيرانيين. وتعقد فيه مجالس أسبوعية وصلاة الجمعة وحلقات دراسية للشباب، كما تحيى فيه مواسم شهر رمضان ومحرم. وللمركز برنامج تلفزيوني أسبوعي باللغة الإنكليزية بعنوان «اكتشف الإسلام».
7 ـ مركز الجعفرية: هو أقدم مركز إسلامي لأتباع أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) في غرب الولايات المتحدة. ساهم أبناء الجالية المسلمة من الهند وباكستان وشرق إفريقيا في تأسيسه. وتقام فيه النشاطات الإسلامية الموسمية والأسبوعية ويوجد مركزان آخران للاهلية الباكستانية هما: الزينبية في شرق لوس أنجلوس والفاطمية في غربها.
8 ـ مركز الزهراء (عليها السلام): يقع بالقرب من وسط مدينة لوس أنجلوس، ومضى على إنشائه ثمان سنوات وتقام فيه البرامج الأسبوعية والموسمية ويساهم في برامجه العرب والإيرانيون والأفغان كما يقام فيه برنامج لتعليم الناشئة.
9 ـ مركز الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أنشأه الأميركان من أصل إفريقي قبل أكثر من عشر سنوات. وتوجد في لوس أنجلوس مراكز أخرى لأبناء الجاليات الإيرانية مثل «رسالت» و«ابن سينا» و«منظمة الطلبة المسلمين» و«باب العلم». كما توجد في مدينة سان دييغو التي تقع في أقصى جنوب ولاية كاليفورنيا مراكز متعددة مثل جامع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والمركز الثقافي الإسلامي ومركز آريانا الأفغاني.
وهناك عدد من المطبوعات والدوريات التي تصدر عن المراكز والمؤسسات الإسلامية باللغات الإنكليزية والعربية والفارسية والأردية وتقيم غالبية المراكز صفحات على شبكة الإنترنت لتعريف الغربيين بالإسلام وكذلك لأبناء المسلمين.
وللمسلمين مقبرة خاصّة تقع إلى الشمال الشرقي لمدينة لوس أنجلوس، تأسّست العام 1990 على مساحة واسعة من الأرض. وهي أوّل مقبرة إسلامية مستقلة في الولايات المتحدة. ويوجد في وسطها مغتسل ومصلّى ويبلغ عدد المدفونين فيها 350، ويقع بالقرب منها المركز الإسلامي في فكتورفيل.
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
من المؤسسات الثقافية الإسلامية في لوس أنجلوس مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) التي تأسّست العام 1966 في منطقة بومونا (شهينيا) الواقعة شرق مدينة لوس أنجلوس وهي إحدى المناطق التاريخية التي سكنها المهاجرون الأوائل إلى كاليفورنيا. وتتألف من مصلّى ومركز إسلامي ومدرسة «مدينة العلم الإسلامية» لمراحل الدراسة كافة، تأسّست العام 1994 وتخرّجت دفعتها الأولى من المرحلة الثانوية في حزيران (يونيو) العام 2000.
مدينة العلم ومراحل تطورها
ممّا لا شكّ فيه أنّ الهمّ الأكبر والشغل الشاغل للجاليات المسلمة في بلاد الغرب هي مسألة تربية أبنائهم والمحافظة عليهم من الانحراف في المجتمعات التي تكثر فيها الإباحية وتعاني من أزمات أخلاقية شديدة.
لذا كان من الضروي بمكان إنشاء المدارس الإسلامية التي تأتي في طليعة اهتمامات المربّين وأولياء الأمور والقادة الروحيين والدينيين في بلاد الغرب. انطلاقاً من هذا التوجه فقد سعت ثلّة مخلصة إلى افتتاح مدرسة مدينة العلم الإسلامية في لوس أنجلوس بمشاركة نخبة من الناشطين في المجال التربوي في أوساط الجالية المسلمة، وبإشراف السيد مرتضى القزويني([654]).
وقد انطلقت المدرسة في برامجها بمشاركة 24 طالباً وطالبة وبهيئة تدريسية متواضعة، ولكن سرعان ما بدأ العدد يرتفع حتّى بلغ نهاية العام الدراسي 1999ـ2000 إلى 200 طالب وطالبة وبدأ العام الدراسي الجديد بـ 230 طالباً وطالبة.
المنهج الدراسي
تعتمد مدينة العلم على المنهج الأميركي المتبع في النظام الحكومي التربوي مضافاً إليه التركيز على مواد اللغة العربية والقرآن الكريم حفظاً وتفسيراً ناهيك عن التربية الإسلامية بفروعها الأخلاق والعقائد والأحكام مع الالتزام باللباس الإسلامي الشرعي ومراعاة الموازين الأخلاقية، ويقوم المشرف على المدرسة السيد مرتضى القزويني بتنقيح منهج التربية الإسلامية.
وقد حققت المدرسة نجاحاً على المستوى العلمي والأكاديمي في مرحلتي المتوسطة والثانوية مقارنة مع المدارس الأميركية الخاصّة وذلك في الاختبار الحكومي الرسمي المتعارف لتحديد مستويات التفوق في التدريس.
وتصدر المدرسة كتاباً سنوياً في نهاية كلّ عام دراسي يتضمن مقالات ونبذة مختصرة عن برامج ونشاطات المدرسة بالإضافة إلى صور وأسماء الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والمتطوعين من أولياء الأمور، كما أصدرت فيلماً وثائقياً عن فعاليات المدرسة ومراحل تطورها.
تصورات مستقبلية
من ناحية أخرى تقوم مدرسة مدينة العلم ببناء مختبر نموذجي للعلوم طبقاً للمواصفات العلمية حيث يعين طلبة الثانوية على تطوير قدراتهم وتجاربهم العلمية استعداداً للمرحلة الجامعية.
كما تتطلع المدرسة إلى المشاركة في إثراء الحوار الثقافي والحضاري بين المسلمين أنفسهم من جهة وبين المسلمين والديانات الأخرى، حيث تستضيف شخصيات ثقافية ودينية وعلمية من أجل خلق وعي عام عن الثقافة الإسلامية وتأصيل الحوار الحضاري.
الكان وكان
فن شعري له وزن واحد وقافية واحدة، غير أنّ الشطر الأوّل من كلّ بيت يكون أطول من الشطر الثاني. ويجب أن تكون قافيته قبل حرف الروي بأحد حروف العلة دائماً.
اخترع هذا الفن البغداديون، وانتشر إلى سائر البلاد فتداوله الناس ولكنّهم لم يبلغوا به مبلغ البغداديين. وسمّي بهذا الاسم لأنّ من اخترعوه كانوا ينظمون به الحكايات والخرافات والمراجعات، فكان قائله يحكي ما كان وكان، ولفظة (قال). لذلك قيل له الكان وكان، إلى أن كثر واتّسع طريق النظم فيه وظهر مثل الشيخ (جمال الدين بن الجوزي) و(شمس الدين بن الواعظ) وغيرهم فنظموا فيه المواعظ والزهديات والأمثال والحكم وتداولها الناس، وظلّ يسمّى بهذا الاسم.
ولصفي الدين الحلي في هذا الفن عشر قصائد، خمس في الغزل وواحدة في تقييد عدد قرى الموصل وما جاورها وذكر أسمائها منها:
من كان (باعشيقا) و(باخذ يدا) تعجبو
يحتاج إلى (بادني) تايبلغ الآمال
وإن قصد (باطناي) أو صوب (باتلي) طلب
يصبر على (برطلي) ويبذل الأموال
وأمّا الغزليات فيحكي في واحدة منها قصة تصوّر فساد المجتمع وتدهور الأخلاق في عصره، إذ يصوّر طريقة النساء الساقطات في الاحتيال على الرجال لاصطيادهم وابتزاز أموالهم يقول فيها:
جازت فقلت إن رتني لا بد أن تلعب معي
ذي لعبها وعبثها أنا أعرفو إسراف
من أبصرتني تهيت وحركت لي رأسها
مثقلة مشيتها وهزَّت الأعطاف
قلت صباحاً مبارك قالت على من تكلمو
قلت: إن سمع ما أقلو قالت: ولا انخاف
ويتغزّل في قصيدة بغلام لعب معه الشطرنج وكان الغلام يغشه في اللعب ويغالطه حتّى غلبه:
أي من لعب بقلبي بحكم شطرنج الهوى
وغرني وغلبني بكثرة الزغلات
والله قوي أي بيذق غلبت فرزين الرفع
لو علمت حسبت لك حسبات
جعلت حظي الأسود وتهت بأبيضك النقي بزغلك
وإن عذلتك ثقل لي السود للسادات
وهناك غزلية من الفراقيات يصف فيها فراق الحبيب ويبين أثر هجره وما يقاسيه من حزن وألم فيقول:
أي سادة هجروني وهم نزول بخاطري
لا أوحش لله منكم في سائر الأوقات
أوحشتم العين مني وإنكم في خاطري
فالقلب في النور منكم والعين في الظلمات
وقد اخترع صفي الدين نوعاً جديداً في هذا الفن لم يسبق إليه، فقد جمع عشرين بيتاً مختلفة الأغراض متفقة القوافي والأوزان مجهولة القائل، ونظم هو عشرين بيتاً في قافيتها ووزنها مكملة لها في المعنى فكانت قصيدة كاملة:
أي من يسرو سخطي وكلّ أحد راضي من
وتستريح بو الخلايق وأنا معو تعبان
(الخلق ومن خلق الله تصفك عندي بالكرم
ما أدري الزمان تغير أم شوم حظي كان)
أيش أقدر أعمل بحظي وأيش ينفعني الحسد
يعطي الذليل النائم ويحرم اليقظان
(ما هو بحد الصوارم ولا بمشتبك القنا
هذي هدايا تهدى لمن يشا الرحمن)
ونلاحظ أنّ لغته في هذه القصائد سهلة رقيقة، قريبة من الفصحى. وأنّ معاني هذه القطع معظمها من المعاني السامية مثل:
لم يبق غير خيالي يلوح كالشبح الخفي
أعد بين الأحياء وأنا من الأموات
ودعتموني وسرتم والقلب يتبع ركبكم
أيش كان لو كان جسمي من جملة التبعات
ما مر ما ريت ضدي يقول لي من فرحتو
هنا تشق المرائر وتكسب العبرات
لو لم أسلي نفسي وأروض نفسي بالمنى
لكان قلبي تقطع من بعدكم حسرات
وقفت لما رحلتم حيران بين أضعانكم
أخفض جناح المذلة وأرفع الأصوات
ما أطول ليالي جفاكم ساعاتها مثل السنة
وما أقصر أيام وصلي كأنّها ساعات
مالي أرى حسناتي بالسيئات تبدلت
وسيئات الأعادي تبدلت حسنات
نسكت ونصبر عنكم ويفعل الله ما يشا
فالدهر من عاداتو يقلّب الحالات
وآخر من نظم في هذا الفن هو أحمد بن علي العمري المفتي الموصلي المتوفى سنة 1216 ونقل هذا الفن إلى الديار المصرية صفي الدين الحلي سنة 727هـ. والمصريون بدّلوا اسمه وأطلقوا عليه (الزكالش) نسبة إلى أعظم شاعر نظم فيه وهو أبو منصور بن نقطة الذي كان يزكلش الكان وكان في أسواق بغداد ويغني به. وبذلك صار الزكالش بمعنى الغناء الشعبي، كدلالة الزجل الذي هو في اللغة: الصوت.
كتامة (قبيلة)([655]*)
يحمل تاريخ قبيلة كتامة، وعلاقتهم بالحركة الفاطمية منذ القرن الثالث للهجرة عدّة معانٍ ودلالات هامّة منها:
أنّ عملهم يعبر عن فترة حاسمة في نهضة الفروسية الإسلامية في بلاد المغرب، وهو أيضاً يمثّل دوراً إيجابياً للإسلام الشيعي، ثمّ لقبائل البرانس في إفريقيا والمغرب الأوسط في التاريخ الإسلامي، وفي العلاقات السياسية والمذهبية لمدى قرنين. ثمّ إنّ ما أسفر عنه هذا العمل في النهاية، تمثّل في نجاح حركة التحدّي للإسلام السني، الذي يمثّله العباسيون، الذين اضطروا تحت ضغط أولياء الفاطميين من كتامة، إلى الاعتراف بالأمر الواقع وبتعديل الحدود السياسية، وبنوع جديد من العلاقات بين المغرب والمشرق.
ولم يكن دافع الكتاميين عقائدياً بحسب، وإنّما يبدو أنّ الإحساس بضرورة رد الجميل لما قام به عرب المشرق لفائدة سكان المغرب، منذ عصر الفتوح، كان وراء حركة التوسّع التي أخذت طريقاً عكسياً.
وبفضل عمل كتامة، سرى تيار الوحدة، وأصبحت أصداؤه هي المسموعة في أرجاء المغرب والمشرق أيضاً.
كما أنّ نشاطهم خاصّة في ميدان المغرب، قد ساعد على ظهور حركات تطهيرية تمثّلت في مهدويات المرابطين، والموحدين، وفي نهضة حركة الأشراف بعد ذلك. وتاريخ كتامة، يمثّل زاوية هامة لدراسة أهم فصول العلاقة في نطاق دار الإسلام ودار الحرب على السواء.
ومع ذلك كلّ هذه المعاني، التي يمثّلها تاريخ حلف كتامة، وارتباطهم بنظام الخلافة الفاطمية، أفلم يلقوا من العناية ما لقيه فرعا صنهاجة في الشمال والجنوب ثمّ حلف مصمودة، وبعض فروع زناتة ودولهم.
وقد نسب بعض الجغرافيين والرحالة إلى كتامة بعض تقاليد خاصّة، وأهملهم المؤرخون وغطّوا محاسنهم، تأثّراً بالسياسة وبالمذهبية، وخوفاً من الحكام، وتملقاً لجماهير السكان الذين غدوا سوط عذاب بالنسبة لكتامة بعد تدهور شأنهم، بحيث وجد بقايا كتامة من جور الحكام وتعسفهم، واضطهاد العامّة، وكراهيتهم وإهمال المؤرخين وتجاهلهم ما أثر على تاريخهم وشخصيتهم، فضلاً عن وضعيتهم الاجتماعية، فبقي اسم كتامة مصطلحاً يكاد يكون غامضاً، ولغزاً محيراً، غير أنّه في نفس الوقت كان محوطاً بأسرار ضخمة أشبه بتلك التي واكبت فترة في تاريخ الأئمة الفاطميين.
ظهر العرب المسلمون لأوّل مرّة بتقسيم اجتماعي فريد لسكان بلاد المغرب من البربر لم يكن معروفاً قبلهم، ذلك هو تقسيمهم إلى مجموعتين كبيرتين تسمّى إحداهما: مجموعة البرانس أو حلف البرانس، وتسمّى الأُخرى: مجموعة البتر، أو حلف البتر.
وما زال الباحثون في حيرة من أمر هذا التقسيم واشتدّ اختلافهم حول الأساس الذي لوحظ اعتباره في هذا التقسيم.
وقد اتّسعت الافتراضات وتشعّبت الآراء حول هذا التقسيم البدائي لسكان المغرب، فهل أنّ اساس التقسيم هو ملاحظة اختلاف أساليب الحياة الاجتماعية بين مجموعتين كبيرتين من السكان؟ وهنا يلاحظ أنّ أغلب قبائل البتر تعيش وفق أنماط وأساليب المجتمع البدوي من النقلة لانتجاع الماء والكلا، وسكنى الخيام، وامتلاك النوق والجمال والميل إلى قطع السابلة والإغارة على مراكز الاستقرار والعمران والاعتصام بالصحراء، أو بالأماكن النائية عن مراكز السلطة السياسية في قمم الجبال أو الجبال أو فوق الهضاب والتلول.
وبعكس البتر، البرانس، فأغلبهم مستقرون في القرى الساحلية أو التلية ومنتشرون في السهول للفلاحة وللغراسة ويحترفون سائر المهن التي اعتاد ممارستها المستقرون ومنها مزاولة النشاط التجاري والصناعي. والبرانس بحكم استقرارهم هم قريبون من مراكز السلطة السياسية ومن ثم فهم يتأثرون بكل ما يطرأ على البلاد من هجرات وثقافات وحروب.
وهنا نلاحظ أنّ سمة البداوة كما تبدو وحيدة بالنسبة لبعض فروع البتر من زناتة كبني خزر من مغراوة وتوجين، بحيث لا تترك مجالاً لغيرها من السمات، كذلك سمة الاستقرار بالنسبة لبعض فروع البرانس مثل كتامة وزواوة سلك سبيل البداوة أو عُرف بذلك أو أشير إليه في ماضي حياته كما لم يحدث أن استقر بنو توجين أو بنو عبد الواد، أو بعض فروع مغراوة في غير الصحراء وحتّى عندما تمكّن بعض هؤلاء من تأسيس ملك وراثي حول عاصمة سياسية بقيت صفة البداوة غالبة عليهم، وبيئة الصحراء تجذبهم، ومواشيهم وأنعامهم وخيولهم هي خير ما يملكون.
ويرد على هذا الاعتبار الاجتماعي للتقسيم جملة ملاحظات منها:
أنّ العرب المسلمين لم تجر عادتهم في هذه الحالات بملاحظة الأُسس الاجتماعية سواء في تصنيفهم لأنفسهم أو لغيرهم من الشعوب.
ثمّ إنّ ظاهرتي النقلة، والاستقرار بالنسبة لقبائل البربر، مسألة نسبية، قد تكثر هنا، وتقل هناك حسب الظروف.
وقد اشتهرت بعض قبائل البتر بالحياة المستقرة للزراعة واحتراف مهن المستقرين مثل قبيلة كومية بفروعها الثلاثة ندرومة وصعارة وبني يلول، وتعرف كومية بصطفورة أيضاً ومضاربها حول جبال ترارة الواقعة على سيف البحر شمال غربي تلمسان وأرشقول وعلى ساحل هنين. وكومية هي قبيلة عبد المؤمن بن علي مؤسس دولة الموحدين وهانئ بن مصدور النسابة المشهور.
وقبيلة جراوة أيضاً، اشتهرت بمضاربها في كتلة الأوراس، وهي قبيلة الكاهنة التي أسّست في ظل زعامتها نظاماً سياسياً قبلياً وقف يدافع عن البلاد ضد التيار العربي الإسلامي.
وكانت نفوسه أيضاً معروفة بمضاربها في إقليم طرابلس وإليها ينسب الجبل الذي يقع جنوب مدينة طرابلس.
هذا بينما عرفت بمظاهر الحياة البدوية النقية بعض قبائل البرانس، مثال صنهاجة الجنوب، وهم أهل اللثام، ومنهم مسوفة ولمتونة، وجزولة وجدالة، رعاة الإبل والمهاري الذين عرفوا بالأبالة، وبالرعاة الكبار تمييزاً لهم عن رعاة الغنم والمعزى الذين اختصّوا بلقب الرعاة الصغار.
وقد بقيت فروع صنهاجة الجنوب يضربون في قلب الصحراء المغربية حتّى القرن الخامس للهجرة. عندما تأسّس لهم ملك وراثي في المغرب والأندلس، على أنقاض حكم مغراوة، وغيرها من فروع زناتة.
وممّا له علاقة بهذا الأساس الاجتماعي في تقسيم البربر، ما لاحظه بعض الباحثين من أنّ السبب في التسمية ربّما يعود إلى المظهر الخارجي.
فالبرانس يشتمل لباسهم الخارجي على غطاء للرأس ذي شكل مخروطي، وما زال يستعمل حتّى الآن في الثوب المعروف في بلاد المغرب بالبرنس، والقشابة أو الجلابة. أمّا البتر فسمّوا بذلك لأنّ لباسهم الخارجي لا يشتمل على هذه الإضافة التي تغطي الرأس، ويكاد يشبه في وقتنا لباس سكان جزيرة جربة، والساحل التونسي المعروف محلياً بالكدرون. وإذا فقد ميز فرع البتر عن فرع البرانس كما ميّزت خطبة زياد ابن أبيه بين الخطب المشهورة فعرفت بالبتراء.
ويلاحظ أنّ هذا الاعتبار مردود لسببين:
أولهما أنّ قبائل صنهاجة الجنوب من فروع البرانس قطعاً، ومع ذلك فهم لا يلبسون البرنس ولم يثبت أنّهم لبسوه في يوم ما ثم هجروه إلى غيره، كما أنّه يصعب إيجاد علاقة ما بين غطاء الرأس في البرنس، وبين اللثام عند قبائل صنهاجة الجنوب.
والذي يستخلصه الباحث من دراسة فرع البرانس:
الكثرة العددية الظاهرة بالنسبة لمجموع قبائل المغرب ومظاهر الغنى والعمران ملحوظ في بيئتهم، باستثناء سكان الجنوب.
وقد قامت معظم قبائل البرانس بتمثيل أدوار سياسية رئيسية في المنطقة وفي خارجها.
ويبدو أنّ أكبر كتلة للبرانس في عصرنا، توجد مضاربها في نطاق المغرب الأوسط بل ربما كانت كذلك قبل هذا الوقت.
ومحبة آل البيت (عليهم السلام) وتأييدهم، ودعم قضية الشيعة الفاطميين، كانت ظاهرة بارزة في مجموعهم، وارتطبت بالعصبية القومية وبالشرف.
ويلاحظ أنّ الاستعراب في بيئتهم ـ رغم بقاء جيوب تحتفظ بلهجاتها ـ يكاد يكون كاملاً.
أمّا كتامة فهي مجموعة قبائل مستقرة تنتمي إلى فرع البرانس. وهي قبل غيرها من قبائل الجهة في نظر نسابة البربر، سمّيت باسمها نسبة لجد أعلى لسائر فروعها، ربّما كان اسمه (كتام) وقد يكن كتم، والافتراضان مطروحان عند النسابة المحليين.
وهناك اعتبار آخر لتوضيح سبب تسمية كتامة باسمها المشهور يمكن أن يشار إليه هنا، وهذا الاعتبار في نظر دعاة الفاطميين في المنطقة هو الكتمان إذ قال أبو عبدالله الداعي أمام ملأ من وجوه كتامة، أنّ اسمهم مشتق من الكتمان.
والكتمان فضلاً عن كونه مبدأً أساسياً عند الدعاة وغيرهم، فقد أراد الداعي أن يعرف به رجال كتامة، هو اتجاه الساعة، وقد كان غرض الداعي أن يوحي إلى القوم بما يطلبه منهم، ويفرضه الاتجاه الجديد، وما يجب عليهم الالتزام به في مثل هذه الفترة الدقيقة من حياة الدعوة الفاطمية في بلاد المغرب.
والمؤرخون الذين كتبوا عن كتامة كقبيلة وصفوها بالشهرة بين القبائل، وبالكثرة العددية، وبقوّة البأس والأصالة في الملك، والتمكّن من أساليب الحضارة ثمّ الاعتزاز بالأصل والامتناع في حمى البيئة عن الطوارئ وعن العناصر الأجنبية، اكتفاء بالحياة الاجتماعية التقليدية واحترازاً من تحكّم الغير فيها وإخضاعها للمغارم والأحكام.
ويشير ابن خلدون إلى أنّها كانت قبل الإسلام تنتشر في جهات بلاد المغرب كلّها. وهذا الرأي إنّ صحّ ربّما يفسّر إلى حد بقاء جيوب كتامية في غير أرض إفريقيا والمناطق الشرقية من أرض المغرب الأوسط الآن، حتّى مضاربهم الأصلية التي اشتهروا بها منذ عصر الفتح الإسلامي حتّى وقتنا الحاضر.
ويضيف أنّ بقاياهم بعد «تغريبة» كتامة إلى مصر، وبلاد الشام، كانت موجودة في الجبال والبسائط بعضها ظلّ محتفظاً باسمه القديم والبعض الآخر افتتن فغير اسمه، وانتحل غير نسبه.
وبينما احتفظ الجبليون بتمنّعهم عن أوامر السلطة بعزّهم القديم خضع سكان السهول، للجبايات، وطبقت عليهم الأوامر المخزنية.
ومن الفريق الأوّل سكان جبل بني زندوي، وجبال جيجل، وزواوة. ومن الفريق الثاني مجموعة قبائل سدويكش.
وحدود منطقة كتامة ـ كما رسمها ابن خلدون في عصره «تنتهي عند بجاية غرباً، وعند كتلة أوراس جنوباً، إلى سيف البحر عند بونة شمالاً، ويحمل ذلك في قوله من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر، ما بين بجاية وبونة».
وعيب هذا التحديد، أنّه يترك الحدّ الشرقي لمنطقة كتامة دون توضيح كما يجعل منطقة زواوة خارجة عن الإطار، مع أنّه يقرّر هو نفسه، أنّ زواوة جزء من كتامة. ويعني ذلك أنّ ما بين هذه الحدود التي عبّر عنها ابن خلدون «بأرياف قسنطينة» هي مجالات كتامة ومضارب فروعها المختلفة منذ عصر الفتح حتّى القرن الثامن الهجري. وينبغي أن نلاحظ بالنسبة لموضوع حدود كتامة، أنّ وفد الحجيج الكتاميين ذكر للداعي الشيعي، أنّ حدّ بلادهم خمسة أيام طولاً، وفي ثلاثة أيام عرضاً، كما وصفوا الأمصار القريبة منهم، وهي بلزمة وسطيف وميلة بأنّها على حدودهم. أي أنّ مجال كتامة على هذا التحديد أصبح أقل اتّساعاً ممّا ذكره ابن خلدون.
ويمكن تحديد امتداد منطقة كتامة شمالاً بخط وهمي على الساحل يبدأ من نقطة ما قرب مرمى الخرز (القالة) إلى ما وراء مرسى تدلس في أرض زواوة التي تعرف الآن بدقى، وهي تبعد عن مدينة الجزائر بحوالي 100 كلم.
وفيما بين هذين الحدّين توجد مواني: القالة وعنابة، والقل وسكيكدة، وجيجل وبجاية ودلس.
أمّا الحدّ الجنوبي فيمكن اعتبار جبل عالي الناس من سلسلة جبال الأوراس وهو بين مركز أنوغيسن قرب آريس، وبو حمامة قرب خنشلة، ثمّ جبال الحضنة الشرقية حدوداً ينتهي عندها امتداد منطقة كتامة، أمّا في جهة الشرق فالحدّ يبدأ في نقطة ما على الساحل قرب القالة، ويمرّ عبر جبال النمامشة في اتجاه الجنوب تاركاً تبسة ومسكيانة خارج الحدّ.
أمّا في الغرب فالحدّ يبدأ من نقطة ما على الساحل تقرب من دلس ثمّ ينزل بحذاء جبال تيتري، حيث مضارب صنهاجة، تاركاً كتلة جرجرة التي تعرف بجبال زواوة داخل مجالات كتامة وضمن فروعها.
وفي داخل هذا العمق توجد قرى زواوة الجبلية، ومراكز ومدن كتامة وهي:
قالمة، وسوق أهراس، وسطيف، وأيكجان، وميلة، وقسنطينة الهواء.
هذا عدا القرى الجبلية والسهلية والقصور المنتشرة هنا وهناك ويتضح من هذا التحديد التقريبي لمجالات كتامة:
أنّها ذات حدود ساحلية تشرف على البحر ولها عليه عدّة موانئ معتبرة تكفل لها الاتصال بالعالم الخارجي، وبالمراكز الحضارية والتجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فلم تكن من هذه الناحية تعيش في عزلة كالتي تفرضها عليها حدودها البرية، التي تتضمن كتلاً جبلية وهضاباً هي النمامشة، وأوراس والحضنة. وتحتضن بيئة كتامة كتلة جبال شمال قسنطينة وبابور وتابابور وتجاورها كتلة جرجرة، ومعنى ذلك أنّ بيئة كتامة وبعض حدودها تشتمل على مراكز عزلة وأماكن نائية، وتستعصي عمّن يرومها وتفرض سيادتها الكاملة عمّن يسكنون حولها وتغذي فيهم إلى جانب روح العزلة، روح التمرّد أيضاً وهذا ما قصده المؤرخون من قولهم إنّ هذه القبيلة تحرص على تقاليدها وتأبى الضيم، وتمتنع عن الخضوع للسلطة.
ويصحّ نظراً لما لاحظناه من كثرة الكتل الجبلية حول أرض كتامة وفي داخلها أن نقول إنّها بيئة جبلية في مجموعها.
ـ ويعتقد النسابة أنّ جميع بطون كتامة ترجع إلى فرعين أساسيين هما غرسن بن كتام، ويسودة بن كتام.
وعن غرسن، تتفرّع بطون:بني يناوة، وبني ينطاسن وبني أيان، مع من أضيف إليهم من القبائل الأُخرى مثل ماوطن، ومعاذ وقلان.
1 ـ وفي إطار بني يناوة تندرج فروع، وعشائر أهمها:
أ ـ فرع جيملة وتنتشر عشائرها حول عدوتي وادي جندين، قرب جيجل على البحر وتتوغل في الداخل ربّما حتّى منطقة العملة، لأنّ اسم جميلة يوجد في هذه الجهة ويطلق الآن على آثار المدينة الرومانية: (Cuiculum)، ونطقه الشعبي الدارج فيه تحريف، لأنّ اسم القبيلة إنما هو جيملة، وليس جميلة، كما يرد عند بعض المؤرخين والباحثين.
واسم جيملة موجود حتّى الآن، بين بلديات ولاية جيجل، والطريق إليها من جيجل عبر قرية تاكسانة، على مسافة 50 كلم إلى الجنوب الشرقي، ووردت كذلك بكثرة عند القاضي النعمان في افتتاح الدعوة كما ورد في شعر أبي عقب ما يشعر بأنّ مركز الأحداث هو جيجل([656])، والتي هي في إطاره إنّما هي جيملة وليست جميلة البعيدة عنه، وبلدية جيملة الآن تشتمل على ثلاث وحدات إدارية وقبلية، أو دواوير هي:
وحدة تمسجيدة، ووحدة جيملة نفسها، ووحدة بني عافر.
ولكلّ وحدة فروع، فتمسجيدة تتضمن فرع بني زرارة الذين عرفوا بابن ياجيس في العهد الفرنسي، ويتفرّعون على مشاتي:
تسيطين، وبوكرامة، ونينقلاست، وسطيطرة وبوشقايف وصيدا.
ثمّ فرع أولاد علاوة ويتوزّعون على مشاتي: مرادة، وتاعنصرت، ورأس البور، والأعشاش، والقرافة، والتمرة.
أمّا فروع أو دوار جيملة فتنتظم حوله مجموعات بني حسان والقره بلة(القرابلة)، وأولاد عيسى وتايلامت.
وكلّ مجموعة من هذه المجموعات تختصّ بمشاتي ومضارب لا يشاركها فيها غيرها، وأهمها مشتى المحد، في مضارب القره بلة، وهي مقر شيخ بلدية جيملة الآن، ثمّ مشتى الخربة في مضارب أولاد عيسى.
أمّا دوار (بني عافر) فيشتمل على مجموعات أولاد مدورة، والزواعرة، وأولاد زمارة، ولكلّ مجموعة مضاربها الخاصّة بها.
ويلاحظ أنّ جيملة، ليست بعيدة عن قلعة أيكجان، كما أنّ وفد حجاج كتامة في مكة كان من بينه رجال من هذه القبيلة، ومن بني سكتان أهم فروعها لقي الداعي الشيعي والحركة الشيعية التأييد والحماية.
ب ـ ثمّ فرع مسالتة، وبقاياها يوجدون الآن بهذا الاسم في قبيلة الساحل القبلي في دوار (تالا أيفاسين)، ويقع بين سطيف وآقبو، ويبدو أنّ وادي مسالقة بين مدينتي قالمة وعزابة في إطار بيئة كتامة، منسوب إلى قبيلة مسالتة، لكن ناله التصحيف في النطق الشعبي، وفي بلدة الرواشد شمال فج مصالة، وضمن دائرة ميلة يوجد الآن دوار باسم تسالة.
ونبغ في مسالتة رجال أسهموا بجهودهم في تأييد الداعي، والحركة الشيعية في كتامة، مثل هارون بن يونس أو شيخ المشايخ.
كما تمسّك بعضهم بالعداء لها حتّى آخر لحظة من حياتهم ومنهم فتح بن يحيى المسالتي الذي لقب بالأمير([657]).
ج ـ أمّا فرع لهيصة، الذي كان في عهد الداعي، يضرب في نواحي ميلة وتازروت وبجوس خلال هذه المنطقة، فلم يبق في بيئة كتامة فيما نعلم ما يدل عليه أو يذكر به ولم نستطع رغم التنقل في أكثر من جهة، وسؤال أكثر من مجموعة، التوفيق في العثور على أي أثر من هذا الفرع، والسبب فيما يبدو أنّ عدد أفراد هذا النوع كانوا قليلين، وقد أكلت بعضهم الفتن والحروب، وذاب بعضهم في فروع أُخرى سواء في بيئة كتامة، أو في مواطن هجرتها في بلاد المغرب، وصقلية وفي المشرق العربي.
وإلى لهيصة ينسب كثير من القادة بعضهم، عارض الدعوة الشيعية بقوّة ومن هؤلاء كناوة، وابنه مهدي، وبعضهم الآخر انضمّ إليها عن عقيدة وناضل في سبيلها، ومن هؤلاء أبو مدين بن فروخ اللهيصي الذي مثل دوراً هاماً في إفريقيا وأصبح والياً على برقة، ثمّ لاوة بن صوحان، وأبو حميد دواس بن صولات([658]) الذي ولي تاهرت من قبل الداعي الشيعي بعد تصفية نظام الإمامة الرستمية([659]).
2 ـ وعن بني ينطاسن تتفرّع قبائل: أجانة، وأوفاس، وغسمان.
فأجانة لا تعرف مواطنها بالتحديد، ولكن يرجح أنّ بقايا هذه القبيلة توجد على هوامش الحد الإداري بين مدينتي الميلية والطاهير، وبين جبل سدات والمسيد بقرب قبيلة أولاد عسكر، وتعرف في هذه الجهة مع التحريف الشعبي أرجانة وفي نفس المكان يوجد وادي يعرف بوادي أرجانة وكانت تنتشر فروع القبيلة حول ضفتيه فيما يبدو ويصبّ في وادي الرمل (أمساقة القديم الكبير الآن)، الذي يصب بدوره في البحر قرب ساحل جيجل.
ويمكن أن يعدّ من أرجانة، فريق بني ورجانة، الذين يوجد بعضهم في منطقة شلية بكتلة أوراس، وبعضهم حول مدينة سدراتة التل.
أمّا غسمان، فتردّ عثمان أيضاً، ويبدو أنّه هو الرسم الصحيح، ويدل عليه وجود فرع بهذا الاسم يضرب حول جبل الحلفا، قرب فج مصالة «مزالة أيضاً» وهناك قرية باسم وادي العثمانية، لا تبعد عن عين ملوك، القريبة من قلعة تازروت التي كانت موطناً قديماً لقبيلة عثمان، وإلى هذه القبيلة ينتسب رهط بني عثمان، ويوجدون في حوز مكناسة الزيتون في المغرب الأقصى.
والناسخون هم الذين يوقعون الباحثين في الحيرة، وذلك بالتعجيم حيث لا يجوز، أو بإهماله حيث يجب أحياناً، أو بالزيادة أو بالنقص أو بوضع التعجيم في غير مكانه الصحيح أو بالتصحيف، أو بالقلب أيضاً.
وإلى أرجانة ينتمي كثير من القادة الذين أسهموا في تأييد الدعوة الفاطمية، في كتامة وفي إفريقيا ومن أشهرهم ماكنون بن ضبارة، وابن أخيه تمام بن معارك.
أمّا أوفاس، فتحديد مضاربهم أمر غير ميسور، لكن يبدو أنّ آثارهم توجد ضمن مضارب قبيلة الساحل القبلي، مع آثار مسالتة، وباسمها البربري «أيفاسين» يسمّى الدوار، إذاً فكلمة أيفاسين هي كلّ ما يشير إلى هذا الفرع المجهول من بني ينطاسن.
3 ـ أمّا بنو أيان، فلم يذكر ابن خلدون من فروعهم غير قبيلة ملوسة، وتأتي أحياناً ملوزة (بالزاي) وبهذه الصورة ينطق بها الآن في المغرب الأوسط، أمّا في غير المغرب الأوسط، فقد أشار بعض الرحالة إليها باسم ملوثة (بالثاء).
وآثارها في المغرب الأوسط تتمثّل في قبيلة مشهورة بهذا الاسم توجد بجوار المسيلة وبقرب البرج وقد عرفت أحداثاً دامية أثناء الحركة التحريرية بين رجال جبهة التحرير، ورجال الحركة المصالية، عرفت في حينها بمذبحة ملوزة.
ومن ملوزة أيضاً، فرع بني زولدوي سكان المنطقة الجبلية التي تطل على قسنطينة، ويعرفون الآن ببني زونداي، وفي أرضهم تقام سوف أسبوعية كلّ يوم جمعة ومن ثمّ عرفت بجمعة بني زونداي، أو سوق بني زنداي، وأحياناً أُخرى تسمّى (جمعة بابور) وترجع لدائرة جيجل. ومنذ قديم أشار بعض الرحالة والجغرافيين، إلى أنّ بني زونداي، عندهم منعة وإباء، وميل إلى الخلاف، والتشاجر مع بعضهم، ولا يؤدّون جبايتهم إلاّ بالقوّة. ونزعتهم الحربية قويّة بدرجة أنّ صغيرهم وكبيرهم لا يسير إلى أي مكان، إلاّ وهو شاكي السلاح، مجهّز بالرمح، والسيف، والدرقة اللمطية.
ويوجد فرع آخر لملوزة، مندمجاً في إطار قبائل أولاد عبد النور شرقي جبل غروس، كما توجد قرب مدينة القل الآن، قرية كبرى تعرف باسم (تاملوس) وهو نطقها البربري.
وقد نبغ من هذه القبيلة (ملوزة) رجال كانوا ذخراً للداعي وللحركة الشيعية الفاطمية، وللدولة الفاطمية نفسها بعد قيامها في أرض المغرب، ومن هؤلاء «عروبة بن يوسف، وأخوه حباسة وغيرهما» وفي عصور تالية، تشير بعض النصوص إلى شخصيات علمية من هذه القبيلة، كان لها شرف النهوض بالقضاء في مدينة قسنطينة، وبخاصّة في العصر الحفصي، ومن بينهم المعروف بالملوسي الذي ولي القضاء سنة (870هـ/ 1465ـ1466م) خلفاً لقاضي قسنطينة الذي يعرف بالجباس.
ـ أمّا فرع يسودة بن كتام فقد ذكر ابن خلدون من قبائله:
متوسة، ودنهاجة، وفلاسة، ووريسن.
ـ فبقايا متوسة توجد إلى الآن محتفظة بالاسم العام للقبيلة، ضمن مجموعة قبائل الحراكتة بالعين البيضاء دائرة قسنطينة. وضمن مضارب قبيلة جيملة المشهورة ويعرف فرع متوسة في هذه الجهة باسم (متوسين).
وعلى بُعد إثني عشر ميلاً من بجاية توجد قرية متوسة إلى اليوم، ومن أهم خصائصها كما ذكر بعض الرحالة وجود الجص الذي يحمل منها إلى بجاية للتصدير، وإليها ينسب أبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الجبار المتوسي (ت: 664 هـ/ 1246 ـ1247م) وكان عالماً راوية رحل إلى المشرق للحج والدراسة ثمّ استقرّ في بجاية للتدريس.
وكانت قبيلة متوسة، ضمن القبائل الكتامية التي وقفت ضد الداعي الشيعي وقاومته وانضمّت إلى الأحلاف التي أرادت أخذه عنوة من فرع بني سكتان.
وبقايا دنهاجة تحتفظ بالاسم العام للقبيلة ضمن قبيلة زردازة (دوار ـ بو طيب) في دائرة سكيكدة في الطريق بينها وبين عنابة وفي مضاربها يوجد سد زردازة على وادي الصفصاف الذي يروي سهول سكيكدة.
وقد ذكر اليعقوبي، في هذه المنطقة ميناء باسم دنهاجة ضمن قبائل ميلة التي كادت للدعوة الفاطمية في بدء أمرها، ويبدو أنّها انضمّت إليها قسراً وتحصيلاً لمكاسب خاصّة.
وإلى الآن يوجد فرع من السكان بنفس الجهة في دوار ريشية (دائرة العين الكبيرة) يعرفون (بوطانة) فلعلهم الأثر الذي يذكر بقبيلة لطانة التي انتسب إليها بعض قادة كتامة المعادين للدعوة الفاطمية: سيما وأنّ القاضي النعمان ذكر لطانة ضمن قبائل جهة ميلة، أي في نفس هذه المنطقة.
وأضاف ابن خلدون لقبائل كتامة، نقلاً عن نسابة البربر فروع بني يستيتن وبني قنسيلة، وهشتيوة، ومصالة، ثمّ زواوة بجميع بطونها في نظر النسابة الأندلسي ابن حزم.
وبقايا بني يستيتن، تتمثّل في قبيلة تعرف (يستيتن) قرب قرية البيض في الصحراء الغربية (الجزائر) وانتقال هذا الفرع عن مضارب كتامة يظهر أنّه تمّ في عصور قديمة بسبب الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وترتب عليها هجرة فروع أُخرى إلى غير هذا المكان.
وفي إطار قبيلة بني كلال جهة دبدو في إقليم وجدة قرب الحدود الجزائرية المغربية يوجد فرع من بني يستيتن.
أمّا مصالة، أو مزالة فبقاياها تمثّلها قبيلة بهذا الاسم شمال غربي مدينة بجاية على بُعد ستة وعشرين كلم. ومزالة تطلق الآن على إحدى مدن منطقة فرجيوة بل هي قاعدتها وتوجد في عمق مضارب كتامة، وتعرف المدينة بفج مزالة الذي كان من المرجح حتّى الآن أن يكن هو الذي سمّاه الداعي باسم «فج الأخيار» أمام جمع من كتامة، غير أنّه لم يثبت وجود أثر لقبيلة أو لبطن ما باسم الأخيار أو الخيار باعتبار أنّ المقصود في نظر الداعي إنّما هو الاسم وليس الوصف ويبدو أنّ اسم خيار ولقب خياري يوجدان في بعض جهات إفريقيا (تونس).
ولو لم يوجد في المنطقة غير الفج المنسوب لمصالة لكان الاحتمال راجحاً غير أنّ هذه المنطقة بحكم طبيعتها هي كثيرة الفجوج.
وممّا له علاقة بمزالة وجود دوار([660]) في أرض كتامة يعرف باسم المزلية، ربّما لاستقرار فروع من مزالة في هذه الجهة.
وتشيع ألقاب مصالة ومصالي ومزالي في جهات من بلاد المغرب قديماً وحديثاً ومن ذلك مصالة بن حبوس المكناسي وقائد المهدي المشهور، ومصالي اسم لشخصية سياسية تنتمي لمدينة تلمسان ومزالي وهو رأس أسرة تولت في تونس أرفع المناصب السياسية قبل الاستقلال.
ـ أمّا زواوة فقد اضطرب النسابة في أصلها فاعتبرها بعضهم فرعاً من كتامة أي من البرانس بينما مال البعض لاعتبارها مثل قبيلة زواغة يجمعهما أصل واحد هو: سمكان بن يحيى بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر فهي على هذا الرأي من فرع البتر ومن ضريسة وبطن بني يحيى منها بنوع خاص وهو البطن الذي تنتمي إليه فروع زناتة.
وتردّد ابن حزم فذكرها مرّة ضمن قبيلة ضريسة البترية وعاد مرّة أُخرى عندما تحدّث عن أنساب البيوتات البربرية في الأندلس فجعلها ضمن كتامة وتأثّر ابن خلدون بهذا الاضطراب الذي حصل لابن حزم فتحدّث عنها مع فروع قبيلة ضريسة إلى جانب زواغة. وفي مكان آخر أشار إليها كفرع من قبيلة كتامة غير أنّ ابن خلدون مع تقليده الحرفي، لابن حزم في هذه الناحية أخذ برأيه الراجح في اعتبارها فرعاً من كتامة.
واستند على تشابه البيئة واتصال البلاد ببعضها ثمّ على سرعة أخذها بالمذهب الشيعي الذي تبنته كتامة ونشرته في الآفاق المغربية بدافع العصبية حتّى صارت زوازة من أشدّ أولياء كتامة تعلّقاً بها، ودفاعاً على كيانها وأيّ مبرر لذلك، غير الشعور بوحدة الأصل والمصير. ويشير ابن خلدون إلى هذا المعنى بقوله (والمواطن أوضح دليل عليه، وإلاّ فأين مواطن زواغة وهي طرابلس وبالمغرب الأقصى من مواطن كتامة).
ويفسّر خطأ النسابة على أساس وقوع التصحيف الجزئي، بحيث وضع الواو محل حرف الزاي من اسم زواة فصار زواوة واستمرّ هذا التصحيف وعلى أساسه جمعت زواوة وزواغة في نسب واحد.
إنّما يلاحظ هنا أنّ ابن خلدون نسي أنّه لم يذكر إطلاقاً ضمن قبائل البتر اسم قبيلة زوازة «بالزاي»، لهذا يبدو أنّ الاسم الذي ناله التصحيف إنّما هو اسم قبيلة زوارة (بالراء) وهي تضرب حول مدينة بهذا الاسم، في إقليم طرابلس (ليبيا) وتعتبر فعلاً من أخوة زواغة التي اعترف ابن خلدون بأنّه يعرف عن أخبارها غير القليل.
والظاهرة التي تلفت النظر هي عدم وجود بقايا ظاهرة من فروع كتامة في كلّ من تونس (إذا استثنينا جربة) وطرابلس وبرقة مع أنّ هذه البلاد كان مجالاً خصباً لنشاط كتامة وموطناً لاستقرار كثير من رجالاتها خاصّة في العصر الذهبي وهو عصر قيام الخلافة الفاطمية وتوسعها في أرجاء المغرب العربي.
وقد أشار ابن حوقل و غيره إلى عدّة مراكز لقبيلة كتامة في مجال إفريقيا وعبر طريق القيروان ـ المسيلة.
ويبدو أنّ السبب في اختفاء بقايا كتامة في إفريقيا تونس هو السبب في اختفاء اسمها الأصلي القديم من بيئتها الأولى أي يرتبط بنهضة السنة وحرص رجال المالكية في إفريقيا على طمس كلّ ما يتّصل بهذه القبيلة المبتدعة في نظر جمهور السكان.
أمّا أرض طرابلس، وبرقة فلم تكن غير القواعد الأمامية والمعابر الضرورية إلى أرض المشرق ومن ثمّ لم تترسّب فيها عناصر كتامية إلاّ بالقدر الذي يهيئ لمشروع الانتقال إلى المشرق والاحتفاظ بولاء المغرب بعد الاستقرار في مصر.
وكانت مصر بالنسبة لقادة كتامة هي مركز الجذب ونقطة الارتكاز لكلّ من أراد الظهور والمجد في ميادين السياسة والجندية.
ومن هذه الناحية تعتبر مصر الوطن الثاني لقبيلة كتامة حيث ظهرت هناك على غيرها من قبائل المغرب وطوائف المشرق أيضاً حتّى عصر المستنصر بالله ووزارة بدر الجمالي.
ـ ويبدو أنّ تيار هجرة كتامة نحو المغرب والمشرق وتوالي الحروب والفتن في المنطقة وانتعاش السُّنة بنهضة المالكية وسياستهم في تتّبع واضطهاد المتشيعين هي من بين العوالم التي تفسّر ظاهرة تناقص عدد قبيلة كتامة في بيئتها الأصيلة وذهاب مجدها وصيرورتها أقلية مذهبية صاغرة في بيئة لا تعترف بغير المذهب المالكي وقوّة العدد وكمال العدّة على حدّ قول القائل «إنّما العزّة للكاثر».
ـ وكتامة([661]) وزواوة لم تشتهر منذ العصر الفاطمي بغير الجندية والحياة الإدارية فمنها القادة والولاة الإداريون والقضاة بحيث لم تنجب بيئة كتامة في الناحية الثقافية والعلمية إلاّ قدراً يسيراً بالقياس لما أنجبته بيئات أُخرى وقبائل مجاورة. ويلاحظ أنّ بعض فروعها التي هاجرت إلى أماكن في غير إفريقيا والمغرب الأوسط عبّرت عن نفسها في الميدان الثقافي في العصور والتأليف كما تكون الجو الثقافي الخاص في مراكزها بواسطة علماء وأدباء ومحدّثين منها. كما أنّ زواوة التي كان لها في ميدان الفروسية والنضال من أجل العقيدة أثر حميد شهدت البلاد فصلاً منه في عصر الفاطميين وفصلاً آخر مع الفرنسيين كان لبيئتها ولرجالها في العصور التالية في ميدان الفكر والثقافة اللغوية والدينية مساهمة معتبرة. ومدى ما قدّمته كتامة وزواوة في الميدان الفكري تظهر أصداؤه في كثير من كتب التاريخ والطبقات والأنساب والتراجم والرحلة والمفاخر التي تشيع فيها أحياناً ألقاب «الكتامي» والزواوي والملوسي والزنديوي والعثماني وغيرهم.
ـ ومن بين هؤلاء العلماء الذين ينتسبون إلى كتامة عبد الملك بن محمد بن إسحاق الكتامي، ازدهر في أواخر العصر الموحدي وأدرك بداية العصر المريني، رحل من بلده في مضارب كتامة في المغرب الأقصى إلى حاضرة سبتة التي كانت في هذا الوقت مركزاً ثقافياً هاماً تتجمّع فيه التيارات الثقافية المغربية والأندلسية والشرقية.
وفي سبتة أخذ على مجموعة من الأعلام من بينهم أبو الحسن الغماري وعندما فارق سبتة لم يفارقه اهتمامه بشؤون الفكر والثقافة حتّى توفي بمدينة آزمور (693هـ/ 1293 1294م). وأبو علي حسين ابن القطان الكتامي، وهو من المؤرخين النابهين عاش في فترة من العصر الموحدي واشتهر بكتاب تاريخي هام هو «نظم الجمان في أخبار الزمان» وقد خصّص جزء منه لتفصيل حوادث العصر الموحدي التي لم تخل من إشارات خفيفة عن بعض ما يتصل بها من أحداث في إفريقيا والمشرق.
والكتاب مصدر أساسي من الدرجة الأولى لكلّ من يحاول إعادة صياغة تاريخ المغرب، خاصّة منذ عصر الموحدين.
وقد اعتمد عليه بعض المؤرخين القدماء، ومنهم ابن عذارى المراكشي في صياغة بعض الأخبار في كتبه «البيان المغرب».
ـ ثمّ أبو عبدالله محمد بن غازي، العثماني وينتمي إلى فرع بني عثمان، من كتامة في شمال المغرب الأقصى ولد بمكناسة الزيتون سنة (841هـ/ 1438م) وتوفي بفاس (929هـ/ 1513م) واشتهر بكتاب لطيف خلَّد فيه آثار مدينة مكناسة الزيتون عرف «بالروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون».
وقد لمع نجمه في فاس الوطاسية حيث تولّى خطط الإمامية والخطابة بجامع القرويين ومشيخة الجماعة في هذه المدينة التي كانت حاضرة بني وطاس وقد أجازه ابن مرزوق الكفيف العجيسي.وأخذ عنه كلّ من عبد الواحد الونشريشي وأحمد بابا التمبكتي السوداني.
وكعادة المعاصرين من علماء المغرب والأندلس، جمع ابن غازي شيوخه مع الذين اجتمع بهم من رجال العلم والرواية وأجازوه ثمّ بعض المعاصرين له ممّن تأثّر بهم وتأثّروا به في دليل شامل يعرف بمصطلح «الفهرست» أو البرنامج، سمّاه «التعلل برسوم الأسناد بعد انتقال أهل المنزل والنادي».
وممّن أشار إليهم ابن غازي في الروض يونس بن عطية الونشريسي ربّما لأنّه ولي القضاء في قصر كتامة.
ويلاحظ أنّ هذا المنصب وُلِّيه، من شيوخ المغرب أيضاً، أبو عبدالله محمد بن علي بن حسين بن مصباح الحسني الشفشاوني الملقب بابن عسكر، وقد قتل هذا الشيخ في معركة وادي المخازن الحاسمة التي جرت غير بعيد من قصر كتامة وانتصر فيها الوطاسيون ضد جحافل البرتغال بقيادة ملكهم دون سباستيان.
ـ وينسب إلى كتاب أبو الحسن علي بن أحمد مصباح الزروالي العثماني. وقد عرف عنه أنّه كتب مناقب أبي العباس اليحمدي، أحد وزراء السلطان إسماعيل العلوي سمّاه «سناء المهتدي إلى مفاخر الوزير اليحمدي».
وفي مجال البحث عن بذور حركة التشيع وعن كيفية تسرّب الدعوة الفاطمية إلى بلاد المغرب نشير إلى ما تمتعت به شخصية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، عند جميع المسلمين في المغرب من محبة وتقدير كمجتهد في الرأي وكولي من أولياء الله فارس مظفر حتّى أنّ جهوده أثناء حركة نشر الإسلام ضد قريش وضد اليهود في خيبر وغيرها من واحات شبه الجزيرة، يتغنّى بها عامّة المسلمين في هذه البلاد، حبّاً في الفروسية وإعجاباً بالفرسان.
وجاء حادث قتله غيلة وظلماً ليرفعه إلى مقام رفيع وهو مقام الشهداء، وجمهور العامّة في هذا الوقت يروون عن (السيد علي، أو علال) كثيراً من الخوارق كما يخلعون عليه لقب «حيدر»([662])، ويسمّون فرسه باسم السرحان، الذي يعتقدون أنّه لا يغلب، وأنّ مصدر نبات النرجس من لعابه، وصورته وحده، أو مع ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثمّ وهو راكب على جواده تنتشر في الأسواق ويتبرّك الناس بتعليقها على جدران البيوت.
وعلى ذلك ومن زاوية حبّ الناس لعلي (عليه السلام) للاعتبارات السابقة، أصبح تقدير آله وسائر بني هاشم سنة متبعة وقدراً مشتركاً بين مجموع سكان بلاد المغرب. بل إنّ الانتساب إليهم يعدّ شرفاً، ومفخرة كبرى. ويكثر اسم علي في هذه البيئة.
ويعتقد كثير من الناس أنّ علامة الخمسة، وهي صورة الكف، التي ترمز فيما يبدو إلى آل البيت (عليهم السلا) أو أصحاب الكساء مفيدة في الوقاية من شر العين والحسد.
وجلّ قصائد القُصاص الشعبيين في الأسواق تدور حول بطولات علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي غدا الصورة النموذجية لكلّ الفرسان والأبطال.
ويشير ابن أبي الضياف([663]) إلى مدى ما يكنّه مسلمو المغرب جميعاً من محبّة لعلي وآله جبلة في طباعهم في قوله «وأهل إفريقيا يدينون بحبّ علي وآله، ويستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم جبلة في طباعهم» وبعد أن يؤيّد ذلك، بأنّ النساء الحوامل في إفريقيا والمغرب ينادين عند الوضع يا محمد يا علي لتسهل الولادة وبأنّ أبا الحسن الشاذلي الإمام المتصوّف وصاحب الطريقة الشاذلية كان يوصي أصحابه ومريديه بقوله: «إذا اشتدّ عليكم كرب فقولوا يا محمد يا علي».
وقد يُقال إنّ هذه كلّها من مخلّفات الدعوة الفاطمية ومن أثر نشاط الفاطميين في نشر الدعوة بين جمهور المغاربة لكن يبدو من المقبول أن تكون أيضاً رواسب قديمة من عصور الإسلام الأولى احتفظت بها بيئة المغرب التي أخذت بمبادئ الإسلام على بساطتها الأولى أي قبل أن يدخلها تحريف أهل الأهواء والفرق الإسلامية.
ولا يستبعد أن يكون مذهب مالك بن أنس إمام دار الهجرة وهو الذي يأخذ به كافة مسلمي المغرب باستثناء الخوارج، وهو نتاج بيئة المدينة المنورة وهي مهد الإسلام الأوّل، ومقرّ لكثير من العلويين، أحد العوامل فيما يكنّه أهل المغرب لآل البيت (عليهم السلام) من تقدير خاص، وسرّ ذلك فيما يبدو يفهم على ضوء معرفة صلة مالك بأشهر أئمة الشيعة وسادسهم، جعفر(الصادق) بن محمد الباقر، فقد أخذ مالك عنه وتأثّر به واعتبر من أقرب المقربين إليه ومن المؤيدين لنشاط العلويين ولنضالهم من أجل حقّهم الشرعي، حتّى امتحن في سبيل ذلك، على يد أبي جعفر المنصور، وشبيه بهذا الوضع ما لقيه فيما بعد إدريس بن عبدالله ومساندة أبي ليلى إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي.
واستمرّ الدعم، وقويت مساندة سكان المغرب الأقصى للأدارسة، نظراً لأنّهم علويون ومن نسل شريف.
والحب والتقدير لآل البيت (عليهم السلام)، هو الذي جعل مسلمي البربر، بتراً وبرانس، يتحمّسون لقضية إدريس بن عبدالله ويقدّمون مساعدتهم له حتّى تمكّن من تأسيس ملك وراثي، يعتبر أوّل تجربة سياسية ناجحة للعلويين، على مستوى العالم الإسلامي مشرقه ومغربه.
والأدارسة الحسنيون، باعتبارهم علويين، أصبحوا مركز جذب لكلّ المحبين لآل البيت (عليهم السلام). ويلاحظ أنّ اختلاطهم بالسكان عن طريق المصاهرة والجوار واحتفاظهم بمذهبهم مع ترك رعاياهم في إطار المذهب السنّي، ثمّ سلكوهم سبيل الدعوة السلمية الهادئة لآل البيت (عليهم السلام).
هذه العوامل كلّها كانت سبب بقائهم في المنطقة لمدّة طويلة، حتّى أصبحوا (بلديين) أو مواطنين وقد اكتسبوا ذلك أيضاً عن طريق أمهاتهم وزوجاتهم من بين السكان. وهنا يفهم لماذا انتشرت فروعهم في أرجاء من المغربين الأوسط والأقصى بين مضارب البتر ومضارب البرانس أيضاً؟
وأغلب الأسرات الكبيرة في المغرب تفتخر حتّى الآن بنسبها الحسني الشريف وتتّخذ السمات والأسماء التي تشير إلى ذلك.
ولئن كان للأدارسة نقاط ضعف في تاريخهم السياسي، فإنّ أهميتهم تظهر في كونهم التجسيد الحقيقي لآمال أهل البيت (عليهم السلام)، ولكلّ أنصارهم، وقد مارسوا لأوّل مرّة منذ انتهاء عصر الفتح الإسلامي في البلاد في عهد إدريس الثاني، حركة تبشيرية إسلامية أعادت إلى الأذهان سيرة جدّهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يقاتل مشركي قريش أو اليهود فأحبّهم جمهور السكان وأحاطوهم بهالة من التقديس، كالتي أضفوها ويضفيها على جدّهم الشيعة حتّى اليوم.
ويبدو أنّ عمل الأدارسة في هذا الميدان، سهّل مهمة الفاطميين الذين وجدوا النفوس مستعدة لتقبّل أيّة حركة جديدة تنتسب إلى آل البيت (عليهم السلام)، والبيئة صالحة للبذر الطيب كالذي زرعه ورعاه الأدارسة الحسنيون.
ولولا دسائس الأمويين الذين استغلوا النعرات القبلية بين البتر والبرانس وقسّموا السكان إلى مشايعين للفاطميين، ومعارضين لهم، مثل قبائل زناتة لوقف الجميع أيضاً إلى جانب الفاطميين الحسينيين، صفاً واحداً مثلما وقفوا هذا الموقف إلى جانب الأدارسة الحسنيين.
ويظهر أنّ تأثير الدعوة الشيعية ظهر مبكراً في بيئة إفريقيا أي قبل دخول الداعي بوقت طويل، ومن مظاهره، تشيّع الرجال ثمّ انتشار القصص الأدبي الذي يبشّر بقرب ظهور دولة المهدي، فضلاً عن تنبؤ المنجمين والشعراء.
وتشير بعض النصوص، إلى أنّ إبراهيم بن أحمد الأغلبي عيَّن على قفصة وقسطيلية علياً بن حجر والياً وعندما أوصاه قبل سفره بالعدل وبالاقتداء في تسيير شؤون الولاية بسيرة العمرين اعترض عليه وقال له: «لا والله لا أسير فيهم إلاَّ بسيرة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإن شئت وإلاَّ فهذا عهدك» وتشيُّع هذا الرجل قديم، ولم يقتصر عليه وحده وإنّما كان ضمن أسرة من المتشيعين، ولم يخش طائلة العقاب من الأمير، فجاهره بحقيقة ميله إلى التشيع، ولعل ردّ الأمير عليه بقوله: «أفضل سيرة والله فسّر بها، وما أراك تفعل» وعدم معاقبته له بسبب هذه الجراءة، يؤيّد إلى حد ما رواية ميله إلى التشيع.
ـ وقد لاحظنا وصيته لابنه أبي العباس عبدالله بترك حرب الداعي، لما علم بأنّه صاحب دعوة خاصّة في كتامة.
ـ وممّن عرف بالتشيع منذ القدم، محمد بن عمر بن يحيى بن عبد الأعلى المروزي وكان من جند خراسان، ونسبته لمرو، قاعدة الإقليم وهو الذي أصبح قاضياً للقيروان في عهد عبدالله المهدي، لم ينسب إليه أي دور قبل ظهور الفاطميين.
ممّا يشير إلى خموله وعزلته عن الحياة السياسية والإدارية، لأنّه كان على غير مذهب الدولة وقد توفي فيما بعد برقادة (303هـ/ 915ـ916م) مغضوباً عليه، بعد تعذيب شديد تعرّض له بإشارة عبدالله ودفن بباب سالم ليلاً.
ـ وكان بعض رجالات الدولة الأغلبية من غير فئة الكتاب يبطنون التشيع ويردّد بعضهم أخباراً عن قُرب ظهور دولة جديدة وقد لصقت التهمة ظلماً بأشهرهم وأظهرهم في الحياة السياسية وهو ابن الصائغ الذي قيل إنّه أساء التدبير ولم يخلص في النصيحة للأمير زيادة الله الأخير ربّما بدافع تشيّعه، ويستند بعض المؤرخين على قول للأمير «ارحل إلى مصر سراً واستخلف على إفريقيا قائداً تجعل له أمر العساكر وتترك له الأموال».
ـ وبجانب تشيّع الرجال، نلاحظ أنّ تأثير الدعوة ظهر أيضاً في ميدان القصص الشعبي. ومن ذلك إشارة بعض النصوص إلى أنّ الداعي لما دخل أرض كتامة ممتطياً بغلة شهباء ومرَّ في طريقه برجل وابنه وسألهما عن اسم كلّ منهما وتبيّن أنّ اسم الابن «تمام» واسم أبيه معارك، استبشر الداعي بالفأل ولخَّص انطباعه بقوله: «تمّ أمرنا إن شاء الله لكن بعد معارك».
وحينما مرَّ الداعي على معلم للصبيان، وبدأ يطيل النظر إليه، استراب في أمره وسأله عن سبب ذلك فأخبره بما كان شائعاً متواتراً في بلد كتامه، ضمن أخبارها القديمة التي تشير إلى أنّ الحرب القبيلة عندما كانت تشتعل بينهم، كان أحد كهنتهم وعرف باسم «فيلق»، يقول لهم إنّما ترونه الآن من فتن، هو قليل إذا قيس بما سوف ترونه «إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة الشهباء».
وعندما نزل الداعي ضيفاً على أحد شيوع كتامة، من الذين صحبوه من مكة استراب في أمره معلم آخر وفارق الناحية وهجر التعليم، لأنّ الشيخ الكتامي، قدم الداعي لإمامة الصلاة، وأخَّر معلمه على غير العادة المألوفة، كما عامل الداعي معاملة من يعرفه جيداً إذ عانقه أمام المعلم.
أمّا إبراهيم بن أحمد من الأمراء، فكان يتحاشى ذكر الداعي في المجالس، ويحاول إن ذكر أن يقلّل من شأنه أمام الملأ حتّى لا تتأثّر الروح المعنوية لكنّه كان يردّد أمام أقرب خواصه قوله: (والله لو دخل على هذه المدينة من باب، لخرجت بين يديه من باب آخر، والله لكأنّي أنظر إلى أكسية أصحابه منشورة على شرفات قصري هذا).
وبلغ تأثير القصص الشعبية لدرجة أنّ شيوخ القيروان وفقهائها ومن ضمنهم ابن عبدون الحنفي قد ذكروا في مجلس الداعي أبي عبدالله في رقادة أنّهم ما سمعوا بشيء من الحدثان أصحّ من هذا الذي قيل عن سنة ظهور دولة المهدي في إفريقيا.
واعترف أحد المتشيعين وهو أبو اليسر، للداعي بعد دخوله رقادة بأنّ الرواة كانوا يقرؤون بيتاً شعرياً بطريقة تشعر بأنّ ظهور دولة المهدي يقع في سنة (290هـ/ 902ـ903م) فكنّا نرى ذلك مخالفاً للتنبؤات([664]).
ولم يقتصر تأثير الدعوة الشيعية على الرجال أو على القصص الأدبي والشعبي بل ظهر أيضاً في ميدان الشعر وعرف مجموعة من الشعراء بتشيعهم وترويجهم لقصائد تبشّر بقرب ظهور دولة المهدي، وبزوال نظام بني الأغلب ومن بين هؤلاء:
ـ محمد بن رمضان، وكان من بين العناصر الشيعية في مدينة نفطة، عرف عنه انتحاله للتنجيم وقرض الشعر الحكمي، الذي يضمنه دائماً، إشارات صريحة عن زوال دولة بني الأغلب بواسطة حركة يتزعمها آل البيت (عليهم السلام) ومن أجل ميوله الشيعية حاول بنو الأغلب القبض عليه، ففرّ من نفطة إلى بلزمة واستجار بسكانها، فلم يتخلوا عنه، فلمّا حصلت واقعة البلزميين في رقادة بتدبير إبراهيم بن أحمد، خلد الحادثة بقصيدة طويلة رثى فيها القتلى ونعى على إبراهيم بن أحمد وأسرته غدرهم وتشريدهم لآل البيت (عليهم السلام)، ولكلّ المتشيعين جوراً واستبداداً، ولم ينس أن يذكرهم بقرب نهاية عهدهم وظهور دولة المهدي وكان لهذه القصيدة صدى واسع. وعندما سمع إبراهيم بن أحمد بها، تأثّر لمتابعة هذا الرجل وتظاهر بالنقمة على من ظلمه أو اضطهده لعقيدته الشيعية وأظهر استعداده للعفو عنه، وتقريبه إليه، «ولو أتانا لصفحنا عنه وأحسنا إليه… ومثل هذا تزكو عنده النعم وما ينقم عليه تشيعه بل ذلك ممّا يقربه منّا ويدنيه عندنا».
غير أنّ الشاعر رفض هذه العروض، لأنّه تأكّد من أنّها مجرد استدراج له لينكل به مثلما نكل بعرب بلزمة. ولقد استمرّ إلى جوار بني مالك من سكان بلزمة، يرضي عاطفته المذهبية وينفس عن نفسه، بهجو نظام بني الأغلب وبالتصريح بقرب ظهور دولة الحق:
فهذا أوان الحق قد حان حينه
ودولة أهل البغي آن زوالها
هذا رغم أنّه كان في ضيافة قوم من بني تميم، أي من نفس عصبية بني الأغلب لأنّ هؤلاء أيضاً كانوا يعجبون بهذه القصائد المؤثّرة التي تشفي غيظهم وتسيء إلى عدوهم وتثأر إلى حد ما لقتلاهم.
وبقيام الدولة الفاطمية تحقّقت نبوءته وأدرك مجداً كبيراً في ظلّها إذا ولي قضاء ميلة رغم كبر سنّه، وبقي في منصبه حتّى توفي.
ومن بين الشعراء المتشيعين، ابن أبي عقب وكان يضمن قصائده، إشارات عن علامات خاصّة بقيام دولة المهدي في المغرب، على أنقاض دولة الأغالبة([665]).
ـ وينسب لأحد شعراء قرية الخربتين، من ضواحي مدينة تونس وكان ماهراً في التنجيم وقد أحضر للأمير رغم أنّه طعن في السن، ما يوضح معالم التطوّر الذي سيحصل على رأس سنة (296هـ/ 908ـ909م) بتدخّل بربر كتامة، نصرة لآل البيت ولإمامهم المهدي (عليه السلام) الفاطمي([666]).
ومن بين الشعراء المتشيعين في إفريقيا محمد بن البديل كاتب أبي قضاعة.
ثمّ سعدون الورجيني، وكان شاعراً مشهوراً في العصر الأغلبي، بنزعته السنية سواء في مدحه لبعض الأمراء أو في رثائه ليحيى بن عمر (289هـ/ 901ـ902م) كما اشترك في الحياة الإدارية وفي حرب صقلية، وناله الأسر وافتدى غير أنّه بعد دخول عبدالله إلى رقادة مدحه بقصيدة هامّة ضمنها تأكيد نسبه العلوي، وما جرى له ولداعيه أبي عبدالله من خطوب ومحن كلّلت جميعها بالنجاح ضد المخالفين، وأشار إلى ما ينتظر أن ينجزه في المستقبل من نشر العدل، والنفوذ الروحي والسياسي في الشام والعراق ومصر أيضاً([667]) بحيث أصبح ضمن المحظوظين في الدولة الجديدة وأعجب به المهدي وداعيته أبو عبدالله فأجزلا له الصلات.
ثمّ علي بن محمد الأيادي، وكان من بين الذين ازدهروا في العصر الأغلبي لكنّه بقي مغموراً حتّى ظهرت الدولة الفاطمية فاشترك في الحياة السياسية ومدح المهدي وعاصر القائم والمنصور وخلَّد انتصار الأخير على خصمه الثائر أبي يزيد بقصيدة طويلة يصف فيها قلعة كناية ويشير إلى تأكيد النسب العلوي، للمنصور إسماعيل([668]).
ـ ويبدو أنّ آثار هؤلاء المتشيعين ـ في عصر الدولة ـ الأغلبية من الشعراء والقصّاص تعتبر في جملتها، إحدى النتائج الطيبة لحركة الدعوة لآل البيت (عليهم السلام) التي هي أقدم من عصر الداعي أبي عبدالله في كتامة، ولو أنّ بعضها نتج فيما يظهر عن التوفيق الذي أحرزه أبو عبدالله في هذه البيئة، بعد استقراره بين سكانها في الثمانينات من القرن الثالث الهجري، لأنّ قبل ذلك كان إمّا في الكوفة مسقط رأسه أو في البصرة مقر عمله أو في سلمية دار هجرة صاحب الدعوة ومقر منصور اليمن ابن حوشب.
ولعل أهم ما تمخضّت عنه الحركة الفاطمية ثمّ قيام الخلافة الفاطمية هو بعث ظاهرة التكامل السياسي والمذهبي بين المغرب والمشرق وأصبح المغرب وملحقاته صقلية وقوصرة وقلورية ثمّ مصر وملحقاتها وهي الشام والحجاز واليمن وحدة سياسية قاعدتها القاهرة المعزية.
وهذا العمل الضخم كان نتيجة جهد الطاقات الجديدة التي كوَّنتها الأحداث الكبرى في بلاد المغرب في العصر الفاطمي، وعليهم اعتمد الخلفاء «المصريون» في تصفية الأنظمة المستضعفة وحماية دار الإسلام بتنشيط حرب الثغور وإزالة خطر الروم البيزنطيين والحدّ من جموح المغامرين وكان لخيرة من رجال الحرب والدعوة، والسياسة من بين فروع كتامة العامّة وهم:
مسالتة ولهيصة وأجانة وملوسة وجيملة ودنهاجة دور بارز في إرساء قواعد الخلافة الفاطمية وفي نشر نفوذها السياسي والروحي كما كان لهم شرف الإسهام في مشروعاتها الكبرى ضد البيزنطيين.
كلمة أخيرة
يمكن القول بأنّ ظاهرة التجزئة ظلّت طابع الحياة السياسية والمذهبية في بلاد المغرب الإسلامي منذ نجاح ثورة الخوارج إلى نهاية القرن الثالث للهجرة.
والحادث الكبير الذي قلّب الأوضاع السياسية والمذهبية وغيّر مجرى الحياة الاجتماعية والثقافية، هو ظهور الدعوة الفاطمية في المنطقة بين أظهر قبائل البربر، وهم كتامة بواسطة دعاة مهرة ينتمون إلى مهد التشيع القديم في بيئة المشرق، وقد وهب هؤلاء حياتهم وراحتهم وكرَّسوا جهودهم لضمان ولاء هذه القبائل، الصعبة المراس التي كانت تعيش مغمورة في ظلّ أنظمتها القبلية، منبوذة من طرف الأنظمة السياسية المعاصرة وفي عزلة عمّا تموج به المنطقة من أحداث سياسية أو خلافات مذهبية كان يغذّيها منذ القدم جماهير السنّة وطوائف الخوارج والمعتزلة والأسر العلوية.
ولئن كان اعتناق كتامة للمذهب الشيعي بإشراف الدعاة الفاطميين يعتبر حادثاً كبيراً في حدّ ذاته، فإنّ حماسة هذه القبائل لنشره، بمختلف الوسائل أو فرضه على مجموع سكان المغرب، على اختلاف نحلهم المذهبية السابقة يعتبر هو الآخر من بين الأحداث الموجهة في تاريخ المغرب الإسلامي.
وقد أسفرت الجهود الكبرى في هذه الناحية عن نتائج هامّة، وفريدة يأتي في مقدمتها:
إنّ تصفية الأنظمة السياسية التي كانت سبباً في تجزئة المنطقة وتفتيتها هيَّأت لظاهرة جديدة هي الوحدة الإقليمية على مستوى المغرب العربي.
إنّ ظهور الفاطميين كان بحق قوّة للجبهة الإسلامية في ميدان البحر بسبب اهتمامهم بشؤونه وإشرافهم على قواعد هامّة في المثاغرة توجد على شواطئه، وامتلاكهم لأساطيل قويّة تملك القدرة على المناورة وعلى مواجهة الحرب البحرية وقد اشتركت قواتهم في ضم ما بقي من قلاع صقلية وفي إخضاع منطقة قلورية للجزية وفي دحر البحرية البيزنطية في أكثر من موقعة، وفي نجدة مسلمي أقريطش الذين هدّدوا في وجودهم وأهمل شأنهم المسؤولون عنهم والمستفيدون منهم وهم الأخشيديون أتباع العباسيين.
وكانت دار الإسلام حتّى قبيل ظهور الفاطميين تعيش خلافات مذهبية متنوعة لم تقتصر على ما كان بين المعتزلة وأهل السنّة أو بين هؤلاء والشيعة والخوارج وإنّما كان هناك أيضاً خلاف داخلي بين طوائف السنّة أنفسهم مثلما كان يوجد نظيره بين طوائف الخوارج والشيعة أيضاً. وموقف الزيدية من متطرفي الشيعة واعتبارهم رافضة مثل موقف الحنابلة المتشددين من بقية طوائف السنّة ومثل موقف النكارية الإباضية من الوهابية وغيرها من نحل الإباضية وتنهض مواقف هؤلاء من أولئك دليلاً واضحاً على وجود الخلافات المذهبية الداخلية منذ قديم.
وكانت دار الإسلام في الناحية السياسية تسودها حالة الفوضى والانقسام والانفصالية، قبل ظهور دولة الفاطميين حيث لم يكن للخلفاء العباسيين غير الاسم والشكل، أمّا النفوذ الحقيقي فكان بيد قادة الجند الأتراك والأمراء البويهيين وغيرهم من حكّام الأطراف، هذا بينما كان البيزنطيون منذ قيام الأسرة المقدونية يعيشون نهضة سياسية وعسكرية، ويتبنون سياسة هجومية ناجحة ضد دار الإسلام ابتدأت حلقاتها الأولى قبل ظهور الفاطميين في مصر واستمرّت بعد انتقالهم إليها. وما قام به الفاطميون بعد ضمّ بلاد الشام من جهود مشكورة ضد الروم وأحلافهم أمراء العرب في حلب وأنطاكية يبرهن على أنّ ظهور الفاطميين في هذه الفترة كان عاملاً حاسماً ومفيداً لدار الإسلام في المشرق مثلما كان مفيداً من قبل في المغرب، ولم تقتصر الإفادة على النواحي السياسية والعسكرية، بل تجاوزتها إلى النواحي الاقتصادية والثقافية.
الدكتور موسى لقبال
كراتشي
مرفأ في جنوب باكستان على بحر عُمان كان في الأصل مدينة صيد، وفي العام 1843هـ احتلها الإنكليز وأنشأوا فيها مرفأ للتجارة (1850 ـ
1873). ولما أُنشئت دولة باكستان عام 1948 جُعلت كراتشي عاصمة لها حتى سنة 1960 فنقلت العاصمة إلى إسلام آباد التي بُنيت حديثاً لهذه الغاية. تقوم في كراتشي عدة صناعات هامة منها صناعات ثقيلة. ولا تزال كراتشي أعظم مدن باكستان وأكثرها عدد سكان. ويسكنها الكثير من الشيعة، ومن أحيائهم القديمة فيها حي كرادر ويسكنه قدامى الشيعة في المدينة. وكان هذا الحي في الأصل حياً للآغاخانيّة ثم أخذوا يتحولون إلى المذهب الجعفري حتى كثروا، فأرادوا إنشاء مسجد وحسينية فعارضهم الآغاخانيون، وحدث صدام بين الفريقين ثم تم إنشاء المسجد والحسينية.
ويعرف هذا الحي الآن بأنه حي الشيعة الأول وإن كان يشاركهم فيه الآغاخانيون ولهم فيه بعض المعابد، وكذلك السنيون الذين يطلق عليهم فيه اسم ميمن.
وقدامى الآغاخانيين في هذا الحي هم من أصل هندوسي. ومن الاصطلاحات الهندية الباكستانية أن كل من أسلم من الهندوس على أي مذهب كان يُطلق عليه لقب (الخوجا) بشرط أن يكون من المناطق الآتية: سورت وكما تياوار وكجرات وبومباي والسِّند، ويظل هذا اللقب مطلقاً على الأبناء والأحفاد، وبذلك كان حي كرادر في كراتشي حي الشيعة الخوجا.
حسن الأمين في حفلة جمعية خدام القرآن بكراتشي
وقد شهدنا فيه ليلة مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في 13 رجب سنة 1383 / 1964 ويسمونها (يوم علي)، فرأينا الحي مزداناً بالأنوار على كل شُرفة وجدار وباب، ورأينا الاحتفالات تقام في كل مسجد وحسينية وفي البيوت، وتستمر الاحتفالات في كراتشي كلها خمسة أيام.
ومن تقاليد هذه الاحتفالات: أن يصنع كل بيت أنواع الحلويات، وأن تُضاء فيه الشموع ويُحرق البخور، ثم يجتمع أهل البيت ويقرأ كبيرُهم الفاتحة مُهداةً إلى الإمام علي (عليه السلام)، ثمّ يتزاور الناس، وتُقدَّم هذه الحلويات للزائرين.
كما شهدنا حفلاً ضخماً ليوم (عليّ) أُقيم في ساحة من ساحات كراتشي حَضَرته الألوف المؤلّفة، وازدحمت فيه بكل نظام وترتيب وهدوء. افتُتح بتلاوة القرآن الكريم، فلم يكد يعلن عريف الحفلة عن ذلك حتى وقفت الجموع كلها على أقدامها تستمع واقفة بخشوع إلى كتاب الله مما ليس له مثيل في أي بلاد إسلامية أُخرى.
حسن الأمين بين المستقبلين في مطار كراتشي
ثمّ تتالى الخطباء والشعراء، فكان الشعراء ينشدون قصائدهم إنشاداً جميلاً مؤثراً يهزّ النفوس. وإذا أراد أحد التعبير عن استحسانه لما يُتلى من شعر أو نثر هَتَف بقوله (سبحان الله) يقولها بنغمة حلوة عذبة، فإذا ازداد الاستحسان وقف المستحسن ملتفتاً إلى الحاضرين هاتفاً بأعلى صوته: (نعريي حيدري) فتجيبه تلك الألوف بصوت واحد منادية: (يا علي)، تقولها بهدير منتظم تحسبه لانتظامه صوتَ رجلٍ واحد لا صوت ألوف وألوف، وتقولها بطريقة جميلة مثيرة تلامس شغاف القلب، فيتفجّر السامع عاطفةً وحناناً وحماسة ورقّة… ولم أنفعل في حياتي كلها كما انفعلت وأنا أستمع إلى تلك الحناجر تهتف: يا علي!.. ثم شهدنا ذلك في الباكستان كلها. (بنعريي حيدري): صرخة حيدرية وهي الكلمة العربية الأصل: (نعرة) ومعناها: صرخة.
وبعد تقسيم شبه القارة الهندية أصبحت كراتشي أكبر موطن للشيعة في الباكستان، إذ هاجر الشيعة فيمن هاجر من مسلمي الهند وقصد كثير منهم إلى كراتشي، فنشأت لهم أحياء جديدة هي: رضوية وكوليمار والفردوس، وهذه الثلاثة أحياء شيعية بحتة. ويتجمع الشيعة في أحياء أُخرى في ناظم آباد ولياقت آباد، وبحش، وحيدر آباد، (ويسكنه النازحون من حيدر آباد الدكن)، ومحمود آباد، وحيّ الموظفين الحكومي التعاوني، وحي محمد علي، وبهادر آباد، وبنكلور، وأهالي بهار، وحي السادات، وسعود آباد، وشارع دريغ، وملير، وحسين آباد، ومحمد آباد، ولاني، وكورنغي. وهناك جماعات شيعية متفرقة في كل أحياء كراتشي وفي جميع أحيائهم لهم مساجد وحسينيات وجمعيات.
وفي أواخر العام 1963 زرت كراتشي فكتبت عنها ما يلي:
في مطار كراتشي
اللطف والإيناس هما اللذان يطالعانِك في أول خطوة تخطوها في مطار كراتشي، ثم يمضيان معك أمام رجل الجمرك الذي يكتفي بإلقاء نظرة على ظاهر حقيبتك ثم يَسِمُها بالبياض. وأما رجل الجوازات فلا يُشعرك بالغربة والوحشة، وأمام كل من تلقاه في مطار كراتشي من رسميين وغير رسميين.
العربة المجرورة بالبقر
وتتطلع عيناك في رحاب المطار فترى لغة (الأوردو) الباكستانية بحروفها العربية تتناثر في الجدران وعلى الأبواب. ولغة الأردو هذه حَفَلَت لا بالحرف العربي وحده، بل بالكلمات العربية الأصيلة، فعلى باب ترى مكتوباً (صحة عامة) وعلى باب آخر (مسافرون) أو على آخر (توطن)، كما عُبّر في إحدى اللوحات عن السيدات بالخَواتين.
وفي مكاتب المطار فتيات موظفات شأنهنّ شأن الموظفين فيه، ويتميزن عن غيرهن من الموظفات في البلاد الأخرى بالذوائب السود المجدولة المتدلّية على ظهورهنّ، كما كانت هذه الذوائب تتدلى من شعور كثير ممن رأينا من فتيات سافرات.
وإذا كان توظيف الفتيات في مكاتب المطار ذا دلالة خاصة، فإن هذا ليس المظهر الوحيد للمرأة الباكستانية، ففي نفس المطار إلى جنب المسافرات كانت بعض المودّعات أو المسافرات يتجلببن بما يشبه (الملاية) ببرقعها المرخى على الوجه، ويفترقن عن لابسات (الملاية) بالسراويل البيضاء المسترسلة تحت (الملاية) إلى القدمين.
أسواق طريفة
يربط شارع البندر بشارع روبسن في كراتشي أسواق من أطرف ما يشاهد السائح في بلد من البلاد!
فعلى طول شارع روبسن، ومن الضفّة المواجهة لشارع البندر تتفرع هذه الأسواق منطلقة إلى الشارع مستقيمة تارة دون تشعبات، ومتشعبة تارة بانفراجات تختلف سعةً وتتباين طولاً!
وهذه الأسواق من شرطها الضِّيق حتّى لا تكاد تتّسع لأكثر من اثنين، وهي بهذا الضيق تمتد طويلة من ضفّة الشارع الأول إلى ضفة الشارع الآخر!
ومن شرطها أن أرض حوانيتها مصاطب ترتفع عن أرض الشارع بعض ارتفاع، فيجلس عليها أصحابها متربعين أو «مُقَرفِصين» بلا مقاعد ولا مساند مما تجد به شبيهاً في بعض الأسواق العراقية في بغداد وغيرها!
أما العملاء فلا يتكلّفون الوقوف على أقدامهم، بل إن لهم كراسي مرصوصة رصّاً على باب الحانوت، فتراهم جلوساً عليها يناقشون ويطيلون التناقش!
وإذا عرفتَ أن عملاء هذه الأسواق هم النساء لم تعجب إذا رأيت حرص التجار على إعداد المقاعد لهنّ، فإلى أن يقرّ قرار السيدة على البضاعة المختارة وإلى أن توافق على الثمن، فإن وقتاً طويلاً سينقضي مما تكلّ معه الأقدام الواقفة، فلابد من كراسٍ على طول السوق الطويل مما يزيده ضيقاً على ضيق!
والنساء المشتريات هن صنوف شتّى تتمثل في مظاهرها ما تعبّر مخابرها من ميول، فمن لابسة البُردة الفضفاضة البيضاء التي تجلّل المرأة من رأسها إلى قدميها عدا فتحتين مشبّكتين عند العينين، إلى لابسةٍ ما يشبه العباءة العراقية، إلى لابسة الساري، إلى غير ذلك مما تتباين فيه أزياء السيدات في هذا العصر!
والبضائع في هذه الأسواق كلها بضائع نسائية، فمن نسيج برَّاق الألوان مقصّب الأديم يتألق تحت المصابيح وهّاجاً متلألئاً بأشكال تخلب البصر، حتّى كأن السوق قد استحال إلى زينة وضَّاءة بما رُصف على الجدران أو عُلّق على الحبال من ضروب النسيج الزاهي اللامع، إلى أحذية إلى عطور إلى دَمالج إلى مخانق، إلى كل ما يمكن أن تفكّر حواء في اقتنائه، وما أكثر ما تفكر في اقتنائه!
وأغلب ما تعمر هذه الأسواق في الليل، فإذا دنا الغَسَق ودجا الظلام وهَجَعَت الأسواق.. عند ذلك يدبّ الضجيج في هذه الأسواق ويسطع النور سطوعاً عجيباً من المصابيح القوية المتدلّية من السقف. المصابيح التي يكثر عددها حتّى ليبلغ العشرة في الحانوت الواحد فيتألق الحانوت تألقاً تعكسه نضارة الأنسجة فيبدو كل شيء مضيئاً مشرقاً!
وها نحن في مطلع الليل نعبر سوق (جامع كلات ماركت) من ضفة شارع روبسن في زحمة متدافعة، متطلعين إلى صفوف الجالسات وقد غُصْنَ في نقاش طويل واستغرقنَ في تطلع عميق. ولم أر أبداً في حوانيت الدنيا التي رأيتها مثلما أرى في كل حانوت من هذه الحوانيت في هذا السوق من عدد الرجال الموكّل إليهم أمر المساومة والبيع. فمهما عَرُض مدخل المخزن امتدّت على عرضه المقاعد، وحيال كل مقعد مَن يشاغل الجالسة ويحاورها!
ومما يُذكر أني عبرت سوقاً من هذه الأسواق في نهار اليوم الثاني وقد قارَبَت الساعةُ العاشرة صباحاً، فإذا السوق لا يزال شبه مقفل، وإذا بتجّاره لم يغدوا إليه بعد، إلاّ قليل منهم، ولما تجاوزت الساعة الحادية عشرة وافتتح السوق كله ظل شبه خالٍ من الزبائن، مقفراً من الرواد، وظلت المقاعد عاطلة لا سيدة فوقها، ولا آنسة عليها، مما أشار إلى أن ساعات الإقبال على هذه الأسواق هي ساعات الليل لا ساعات النهار!
ونفذنا ـ ولا نزال في الليل ـ من (جامع كلات ماركت) طالعين إلى شارع البندر، فإذا بالحياة هنا غيرها هناك!
فليس هنا إلا السيارات (والركشات) والتراموايات منطلقة في الليل إلى غاياتها، بينما اصطفّ باعة الموز وأمامهم عرباتهم ينادون على موزهم نداء متداركاً، وانتشر باعة المأكولات غير المطبوخة. هذا يضع فوق عربته مجموعة منوّعة من التمر والجوز المكسور وغير المكسور، وذلك يضع الزبيب، وآخر الصنوبر الباكستاني وآخر البرتقال، وقد علق الجميع (اللوكسات) تئزّ نارها ويلتهب شعاعها!
أما باعة قصب السكّر فقد سهّلوا على الشارين أمرهم فقطعوه قطعاً مقشورة صغيرة لا يضيق بها الفم، وفعل مثلهم بعض باعة البرتقال فقشروا برتقالهم وربما قطعوه فليس على المشتري أن يتكلف التقشير والتقطيع!
هذا كله على ما جاوز الأرصفة من ضفّة الشارع، أما على الأرصفة نفسها، فقد اقتعد الأرض باعة البوابيج النسائية والمناشف والستائر والأقمشة والحَلَق والمخانق والدمالج ولُعب الأطفال. ونشر بعض الباعة حبالاً علّقوا بضائعهم عليها!
ولعله اقتسام عادل هذا الذي يجري هنا، فالمَتاجر لكبار التجار، والرصيف لهؤلاء الباعة الصغار بأموالهم، الكبار بآمالهم وهممهم!
والعجيب في الأمر أن كل هذه الحركة وهذا الأخذ والعطاء والبيع والشراء يجري ليلاً في ضفّة من ضفّتي الشارع هي المناوحة لشارع روبسن. أما الضفّة المقابلة فخالية إلاَّ من السيارات الواقفة في صف طويل.
وقطعتُ ـ ولا أزال في الليل ـ عرض شارع البندر إلى السوق المتفرّع منه والمناوح (لأسواق السيدات)، فكنت في شارع يعقوب خان، فإذا الحياة هنا شيء يتباين مع الحياة هناك. وإذا هنا سكون لا يشوبه إلاَّ صوت بائع البرتقال ممتدحاً ببرتقاله من المقشور. ولعل هذا البرتقالي أدرك قلة الرواد فأقلَّ من الصياح فلم يرسله إلا بين الهنيهة والهنيهة، أو لعله شاء أن يتداخل صوته مع صوت نفير السيارة العابرة أو هدير (الركشا) الجارية فترك لكل واحدة نوبتها وجعل له نوبة بين نوبة هذه ونوبة تلك.
وهنا شارع يعقوب خان، وأمام حانوت جلال وتحت مكتب المحامي محمد يوسف، وقفت بقرة صفراء مربوطة تقضم الحشيش اليابس، وجلس بائع (البان) على الدكة الخشبية العالية يوزع (بانه) العجيب، وما أعجب مضغ (البان)!
وحتّى هنا فالبضائع النسائية هي الغالبة، ومصاطب الحوانيت هي المتعارفة حتّى في حوانيت الخياطين، ولكن مكتبة (كفاية أكدمي) شذَّت عن ذلك، ولا بدع، فتجارة الأوراق غير تجارة الأنسجة.
التخفّف من الملابس
هذه القيود التي تفرض على الناس في الحر من ضرورة ارتداء السترة ورباط العنق حتّى في غير الرسميات… هذه القيود يتحلّل منها الباكستانيون، فالناس هنا في الحر بقمصانهم المفتوحة العنق القصيرة الأكمام على اختلاف صنوفهم يسيرون في الشوارع ويجلسون وراء المكاتب. وإذا استثنينا بعض المرابع التي يديرها أوروبيون والتي تفرض على روادها شيئاً سخيفاً فهي مثلاً تبيح لهم في الجلوس على الموائد نزع السترة ولكن لا تجيز لهم نزع رباط العنق! إذا استثنينا هذا وبعض ما يشبهه كانت القاعدة عامة شاملة. وتَخَفّف الباكستانيون أثناء الحر مما يصنع من الصوف، فاتّخذ معظمهم سراويل بيضاء من القطن وحده، ولكنهم لم يغرقوا في القاعدة فلم يتخذوا السراويل القصيرة التي تكشف عن الساقيين.
وسائط النقل
وسائط النقل هنا طُرفة من الطُّرف، ولن نتحدث عن السيارة والأتوبيس والدراجة مما ألفه الناس ومما هو موجود في كراتشي كغيرها من المدن، بل إن حديثنا عما جمعته المدينة في قلبها من وسائط متباينة، فواسطة النقل التي كانت سائدة منذ ألف سنة لا تزال تسود شوارع كراتشي مع أحدث ما أنتجته معامل النصف الثاني من القرن العشرين، فحين تركنا المطار متجهين في السيارة إلى المدينة شهدنا على طول الطريق الجِمال تَجرّ بأجسامها الشامخة عربات النقل الكبيرة، ومع ما في هذا المنظر من مفاجأة إذ أننا عرفنا الجمل ينقل الأحمال ولا يجرّ الأثقال، فقد حسبنا أن الأمر لا يعدو الضواحي، ولكننا منذ صرنا في كراشي رأينا عربات الجمال بدواليبها المطاطية الضخمة تسير في الشوارع جنباً إلى جنب مع أجمل السيارات متثاقل الخطو، رأيناه هنا يتخلى عن رزانته وتثاقله ويركض بالعربة خبباً وسط الشوارع المزدحمة. وهكذا مَحَت كراتشي الأسطورة القائلة بأن الجمل سفينة الصحراء وجعلت منه عربة المدينة!
وإذا عرفت أن الباكستان بلد زارعي عريق، ثم رأيت ما تنقله عربات الجمال من أحمال زراعية لا يقوى على نقلها غير عربة الجمل، أدركت أن لا غنى عن هذه العربة مهما تقدمت وسائل النقل. وغير عربات الجمل تشاهد في بعض شوارع كراتشي عربات الحمير، وإذا كان ليس بالغريب أن تجرّ الحمير العربات، فإن الغريب هو هذه الرشاقة والخفة التي تجرّ بها حمير كراتشي عرباتها، فإنك لن تجد أصغر حجماً من هذه الحمير ولكنك لن تجد أقوى منها نشاطاً ولا أسرع منها عَدْواً.
الجمل يجر العربة في كراتشي
وهناك تكسيّات الدراجات النارية (الركشا) فقد صنعوا للدراجة عجلتين خلفيتين وصنعوا فوقهما مقعداً يتسع لشخصين فكانتا من وسائط نقل الناس في كراتشي، ولا شك أنها ابتكار حسن بل ضرورة لا بدّ منها.
(والترام) هو الآخر من وسائط النقل في كراتشي، ولكن إذا كانت المدن في العالم قد أخذت بالترام الكهربائي فإن كراتشي قد أخذت بالترام (المازوتي)، فقد استغربتُ أن أرى (الترام) يجري ولا سلك يمده بالكهرباء ولا حربة تشده إلى السماء، ثم لم ألبث أن بصرت بالدخان الكثيف يتفجر من أسفله أسود قاتماً.
وأخيراً فإن الذين ذللوا الجمال والحمير وربطوها إلى العربات ترقل بها ارقالاً وتركض بها استعجالاً، لم ينسوا أن يساووا بينها وبين ذكور البقر، فربطوها هي الأخرى إلى عربات النقل تتهادى بها بقرونها الطويلة وأجسامها الثقيلة. وإذا كانت الجمال والحمير والثيران قد ذُلّلت لعرباتهم، فمن نافلة القول أن نذكر الخيل وعرباتها.
الحدائق العامة
هنا في هذا البلد حدائق عامة مُعشوشبة شَجيرة يستمتع بها الجمهور في الآصال والليالي، وهؤلاء الفقراء الذين حُرموا من حدائق المنازل يجدون في هذه الحدائق الرحبة والساحات الواسعة ما تستريح إليه جسومهم وتستَرْوِح فيه نفوسهم، فتراهم في الأصيل يتقاسمون مقاعدها الحجرية ويقتعدون مرجها الأخضر، بينما يغيب بعضهم في نوم عميق طويل فوق خضرتها اللينة الرقيقة، وهيهات أن يعرف هؤلاء في عيشهم اللين والرقة في غير هذه الحدائق وفي غير عشبها النامي النضير.
وكم أحسَنَ الذين أنشأوا هذه الحدائق صُنعاً حين أقاموها في قلب المدينة خضراء زاهية، فكانت من أفضل ما أدوه من خير للطبقات الشعبية الكادحة، ثم كانت بظلها الوريف مُلطّفة للجو مُعدّلة لحرارته.
الشوارع
وعدا هذه الحدائق فإن في كراتشي شوارع من أحسن ما تعرف المدن من شوارع، فهي رحيبة نظيفة مستقيمة شَجْراء، تمضي في امتدادها بعيداً على اتساع ونضارة وحسن تنظيم، بل إن بعضها يبلغ الغاية في الرونق ويُعدّ مثالياً في عرضه وطوله.
وكراتشي ككل المدن الشرقية ذات وجهين: حديث وقديم. وككل تلك المدن يتباين وجهاها تبايناً أي تباين، فمع تلك الشوارع تقوم الأزقة الضيقة التي تتكاثف منازلها وتتلاصق دروبها مما نعرف له أمثالاً بينة في مدننا العربية الكثيرة!
في الأسواق
لما تَجُول في أسواق كراتشي ترى فعل الحروف العربية في اللغة الأوردية، مما يُخَيّل إليك معه أنك في أسواق عربية بحتة، فهذه اللافتات الكبيرة منها والصغيرة أبرزت الحروف العربية إبرازاً يشدّ بصرك إليها شداً، فما تلبث أن تتبين هذا المزيج من اللغتين الأوردية والإنكليزية وقد كُتب بالحرف العربي فبدت فيه اللغة الإنكليزية محطّمة مهشّمة!
وإذا لم تَعْدُ أسماء الأعلام فإنك واجد فيها صورة عما تجده في أي سوق عربي ما دامت أسماء الناس واحدة في كراتشي وفي كل بلد عربي، ولكن حين تتجاوز أسماء الأعلام تقع في العجيب!
ومن بين اللافتات الكبيرة لافتة بارزة خُطّ عليها هذا الكلام (دار الأشاعت)! ومإذا يمكن أن يخطر ببالك أن تكون (دار الأشاعت) هذه؟ أهي الدار التي تصنع فيها الإشاعات ثم تُبثّ في الناس!؟ أهذا ممكن أن للإشاعات داراً مستقلة في عاصمة من العواصم؟! وهَبْ أن لها داراً مستقلة فهل من مصلحة أصحابها أن يفضحوها بمثل هذه اللافتة الكبرى؟! وفي الواقع فإن في كل بلد من بلاد الناس دُوراً لا داراً للإشاعات، ولكن ليس في بلد من تلك البلاد من يعترف بوجودها فكيف به أن يشهرها هذا التشهير!…
لا، ليست هذه الدار (للإشاعة) بما يمكن أن يتبادر إلى ذهنك، إنها دار لما اصطلحنا على تسميته (بالنشر) فهي دار للنشر ككل الدور أمثالها في البلاد العربية، فهم اختاروا كلمة (الإشاعة) ونحن اخترنا كلمة (النشر)، ولا نستطيع أن ندّعي أن اختيارنا هو الأقرب إلى الصواب. وإذا كانت (دار الأشاعت) هذه عربية محضة سواء بحروفها أو كلماتها فليست هي العربية الوحيدة، فأنت تقرأ مثلاً على إحدى اللافتات (محمد سعيد عبدالغني تاجر عطر)، وتقرأ على باب إحدى السينمات اسماً للرواية المعروضة (عشق ليلى). ومن أسماء الأعلام التي تلفت النظر أسماء: عظمة الله إسلام الدين، شجاع الدين.
أما الصيدليات فإنهم يطلقون عليها (دواخانه) وهو كلام عربي فارسي، ولا بِدع في ذلك ما دامت الفارسية والعربية من أهم الروافد في اللغة الأوردية، وقد رأيت إحدى الصيدليات تحمل هذا الاسم: (قَومي دواخان) أي الصيدلية القومية، وكذلك فهم يسمّون العيادات الطبية أو المستوصفات باسم (شفاخانه)، على أن بعضهم يشتق لها اسم مكان فيطلق عليها كلمة (مَطَبّ) وهو كما ترى أسلوب عربي عريق في الاشتقاق.
كربلاء
ـ 1 ـ
تقع محافظة كربلاء على الحافة الشرقية للهضبة الصحراوية وجنوب غرب بغداد. يحدّها من الشمال محافظة الرمادي وجزء من محافظة الحلّة ومن الشرق محافظة الحلة ومن الجنوب محافظة النجف وجزء من محافظة الرمادي.
تبلغ مساحة كربلاء (5034) كيلومتر مربع.
يرى قسم من الباحثين أنّ تاريخ كربلاء قديم وأنّها كانت من أمّهات مدن طسوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالا كوباس (الفرات القديم) وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة، ولكربلاء عدّة أسماء منها الفاخرية ونينوى وعمورا ومارية والنويس والطف والغاضرية.
وتأخذ كربلاء شهرتها ومكانتها من واقعة الطف سنة (61هـ) تلك المعركة الخالدة التي استشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، حيث غدت كربلاء نقطة تحوّل عظيمة في تاريخ الإسلام والمسلمين.
في عام (1801م) كانت كربلاء قصبة صغيرة مؤلفة من ثلاثة أطراف مسورة بسور بسيط من اللبن وسعف وجذوع النخيل حيث تعرّضت لهجوم الوهابيين وهدموا أركان الحضرتين ونهبوا ما في الحضرة الحسينية من نفائس ومجوهرات ثمينة، في عام (1824م) كانت كربلاء تشعّ بروح المعاداة للدولة العثمانية والتي لم تكن تسيطر على كربلاء سيطرة تامة، وشهدت ثورة عنيفة ضد العثمانيين في سنة (1820مـ1823م) وعند تعيين مدحت باشا والياً على العراق خلال فترة (1869ـ1872م) طبق نظام الولاية الجديدة وهو نظام إداري أصبحت كربلاء سنجقاً (لواء) تابعاً لولاية بغداد.
وكان لأهالي كربلاء وعلمائها دور بارز في ثورة 1920.
المراقد الموجودة فيها مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ومرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) والحر بن يزيد الرياحي وعون بن عبدالله بن جعفر والسيد أحمد بن هاشم.
توجد في كربلاء مواقع أثرية منها قصر الأخيضر الذي يقع على بُعد (50كلم) إلى الجنوب الغربي وخان النخيلة (ويعرف بخان الربع) لأنّه يقع في ربع المسافة بين كربلاء والنجف. وكان هذا الخان مخصّصاً لراحة الزوار والمسافرين الذين يقصدون زيارة كربلاء، وقصر شمعون ويرجع تاريخ بنائه إلى القرن السادس ويقع في قضاء عين التمر.
تتكوّن محافظة كربلاء من قضاء كربلاء وقضاء عين التمر وقضاء الهندية ومن ناحية الحسينية وناحية الجدول الغربي.
الجانب الاقتصادي لهذه المدينة المقدسة يعتمد بالأساس على الزراعة أوّلاً والصناعة والسياحة ثانياً.
تشتهر كربلاء بزراعة الفواكه والحمضيات والتمر حيث بلغ عدد النخيل فيها مليوني نخلة، إضافة إلى زراعة الحنطة والشعير والذرة.
الصناعة هناك صناعة المواد الغذائية حيث يوجد معمل لتعليب المواد الغذائية وصناعة المشروبات والتبغ والغزل والنسيج، وصناعة الورق والخشب. تعدّ مدينة كربلاء من المدن الدينية الكبرى والمشهورة في التاريخ وكان لواقعة الطف سنة (61هـ) دور بارز لجعل كربلاء مدينة الفداء والتضحية وظلّ تأريخها مرتبطاً بهذه التضحية حتّى مجيء صدام وزمرته الذين أرادوا مسح وتغيير هذه المدينة ليفقدوها كلّ شيء استمدّته من ثورة أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) ولكنّهم ما استطاعوا رغم كلّ ما فعلوه، ففي الانتفاضة الشعبانية من عام 1991م كان لهذه المدينة موقف بطولي مشرف، ممّا أدّى ذلك إلى تعرّضها إلى الدمار من قبل زمرة البعثيين حيث قصفوا قبّة الإمام الحسين (عليه السلام) وقبّة أبي الفضل العباس (عليه السلام) بالمدفعية والصواريخ.
كربلاء
ـ 2 ـ
1 ـ الجذور التأريخية لمدينة كربلاء:
يرجع بعض الباحثين والمؤرخين المدينة إلى أصل بابلي، ويقدّمون تفسيراً لذلك من خلال اسمها المركب من [كور بابل] وتعني مجموعة قرى بابلية. وكانت تشمل نينوى والغاضرية [كربلاّ] حسب اللفظ البابلي والنواويس.
ويعيدها آخرون إلى أصل آشوري ويعتمد هؤلاء في تفسيرهم على الاسم أيضاً وهو مركب من كلمتين [كرب] وتعني [حرم] و[إيللا] وتعني [الآلهة] وعليه فإنّها [حرم الآلهة].
كما أسفرت الحفريات والتنقيبات الأثرية عن سكن الإنسان في كهوف الطار القريبة من المدينة في العصر الحجري قبل ثلاثة آلاف عام.
وبغض النظر عن هذا وذاك فالمدينة وجدت قبل التأريخ وحملت عدّة أسماء بمرور الوقت فهي [كربلاء، الطف، الغاضرية، نينوى، عمورة، شاطئ الفرات، طف الفرات، مشهد الحسين، والحائر].
ب ـ النفوس والمساحة:
يبلغ عدد نفوس المدينة حسب إحصاء 1988 [455،686] نسمة. وتبلغ مساحتها 52،856] كيلومتر مربع، تغطي معظمها ومن ثلاث جهات بساتين الفاكهة وأشجار النخيل ومن الغرب تمتد الصحراء الغربية. يسقي المدينة نهر الحسينية الذي يصبّ في بحيرة [أبو دبس] من جهة الغرب. والمدينة تقع جنوب غربي بغداد وتبعد عنها مسافة تبلغ [105] كلم.
أثناء القصف خلال حرب الخليج تجاوز عدد سكان المدينة المليون نسمة نتيجة لتوجّه سكان العراق إليها من مختلف المناطق طلباً للأمن والطمأنينة، لأنّها كانت تعتبر من المناطق الآمنة ولم يجرؤ الحلفاء على قصفها، بعكس ما فعله النظام التكريتي الحاكم بها فيما بعد.
ج ـ التركيبة السكانية للمدينة:
تحتل أسر السادة التي تنتسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) الجانب الأهم والأوسع من المجتمع الكربلائي وهناك غير السادة وهم الأسر والعشائر العربية ثمّ سكان الريف من العشائر والقبائل المحيطة بالمدينة وفي تماس مباشر مع سكانها. ثمّ يأتي المقيمون الأجانب والزوار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
الساحة بين الروضتين في كربلاء
د ـ التنظيم الإداري للمحافظة:
تتألف المدينة حسب آخر تقسيم إداري من ثلاثة أقضية وأربع نواح. والأقضية هي [قضاء كربلاء، قضاء الهندية وقضاء عين التمر]. أمّا النواحي فهي [الحسينية والحر الرياحي] وتتبعان قضاء كربلاء وتتبع ناحيتا [الخيرات والجداول الغربي] قضاء الهندية.
هـ ـ المعالم الحضارية:
تعتبر العتبات المقدسة ومراقد الأئمة الأبرار وخاصّة مرقد سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام) وأخيه العباس (عليه السلام) من أهم المعالم الحضارية الدينية الأساسية في المدينة، ثمّ هناك المدارس الدينية والحسينيات. أمّا أهم المعالم الأثرية والسياحية فهو قصر الأخيضر على أطراف الصحراء وكهوف الطار وعين التمر التي تتميّز بوفرة عيون المياه المعدنية الصالحة لعلاج مختلف الأمراض الجلدية. وهناك أيضاً بحيرة الزرازة.
و ـ اقتصاد المدينة:
اعتمد اقتصا كربلاء ابتداءً وأساساً على وجود العتبات المقدسة ومراقد الأئمة الأطهار، فلولا ذلك لما قامت المدينة ولما احتلت هذه الأهمية المميزة. فرغم التعامل غير الطبيعي والإهمال المقصود لها من قبل مَنْ تعاقبوا على السلطة في العراق وخاصّة النظام التكريتي الراهن، إلاّ أنّ المدينة كونها مركزاً مهماً دفعت بسكانها أن يكيفوا أنفسهم اقتصادياً بل نجحوا في جعل اقتصادها مزدهراً في حقب عديدة. واعتمدوا في ذلك على الفروع التالية:
1 ـ استثمار مواسم زيارة العتبات المقدسة والأعياد والأحداث الدينية والتاريخية الهامّة وهي كثيرة وتمتد على أيام السنة تقريباً.
فالزوار القادمون من داخل العراق وخارجه يشكّلون عاملاً مهماً ومستمراً لتحريك اقتصاد المدينة ومعيشة سكانها. ولذلك يمكنني القول إنّ اقتصاد كربلاء مرتبط جداً بوجود العتبات ومراقد الأئمة (عليهم السلام). وبدون ذلك لم تكن الحال في كربلاء كما هي عليه، علماً أنّ هذا الفرع من الاقتصاد يطلق عليه الآن صناعة السياحة في المفهوم المعاصر.
2 ـ الزراعة والصناعة والتجارة:
تتميز المدينة بوفرة بساتينها وخاصّة بساتين التمور والفواكه المختلفة والخضراوات إلى جانب الحبوب، وهي تعدّ من أهم المناطق الزراعية في العراق نظراً لتربتها الصالحة والخصبة ووفرة مياهها.
أمّا أهمّ الصناعات فيها إلى جانب الصناعات الحرفية اليدوية والفلكلورية وخاصّة النحاسية والترب الحسينية وسبح الصلاة، فهناك [البزّارات] لصناعة الدبس (عسل التمر) وهي صناعة مهمة وقديمة في المدينة. ثمّ صناعة الأحذية وخاصّة النسائية منها التي كانت تغطي سوقي كربلاء والبصرة بالكامل إلى جانب مهم من سوق بغداد وخاصّة سوق السراي.
ثمّ استحدث معمل للتعليب وآخر لليشماغ ومعمل للألبان. ولا ننسى صناعة الطابوق المزدهرة وصناعة القرميد المزجج الملون، وكذلك دباغة الجلود…
ز ـ الجانب الفكري والثقافي:
بالنظر لقدسية المدينة وصغر حجمها وانعدام وسائل الترفيه الحديثة كالسينما والمسارح وغيرها، فقد ازدهرت المكتبات الخاصّة والعامّة وكانت القراءة والبحث والتتبع هي الوسيلة الأساسية لأبناء المدينة ولذلك قامت مطابع عديدة لطباعة الكتب في المدينة.
وتعتبر كربلاء من أولى مدن العراق التي دخلتها الطباعة فكانت أوّل مطبعة حجرية تدخل العراق في كربلاء عام (1273 هجرية / 1856م)، ودخلت في نفس السنة مطبعة أخرى إلى مدينة الموصل. أمّا بغداد فدخلتها أوّل مطبعة حجرية عام (1870م) أي بعد أربع عشرة سنة من دخولها كربلاء والموصل.
وهكذا استمرّ تزايد عدد المطابع في المدينة حتّى وصل عددها ثمانية.
وكانت تصدر في كربلاء سبع صحف محلية يومية وأسبوعية بين أدبية وسياسية وواحدة اقتصادية نصف شهرية وثلاث مجلات أدبية تربوية شهرية ومجلة علمية دينية واحدة وأربع نشرات دينية شهرية لم يبق منها الآن أي شيء.
هـ ـ الجوانب السياسية:
كانت كربلاء السباقة في المساهمة في جميع الحركات والانتفاضات والثورات التي حصلت في العراق لمقاومة الظلم والطغيان منذ ثورة الحسين سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحتّى الوقت الحاضر. وأنّ شرارة ثورة العشرين المباركة قامت من هذه المدينة التي كانت مقر قيادة ثورة العشرين وعاصمة الثورة، فإليها كان يحج جميع رجالات الثورة من مختلف أنحاء العراق للتحاور والتشاور واتخاذ القرارات اللازمة والعودة بها وبفتاوى العلماء الأعلام الشرعية لمقاومة الاحتلال وإنجاز الاستقلال. وثورة العشرين المباركة هي التي وضعت حجر الأساس للكيان العراقي، وفي كربلاء ولأوّل مرّة في العراق رفع الثوار العلم العراقي العربي فوق مقر حكومة الثورة وقيل يومذاك:
بشراك يا كربلا قومي انظري العلما
على ربوعك خفاقاً ومبتسما
وكفكفي دمعك الهطال وابتهجي
فإن بند بني قحطان قد حكما
نوري جعفر
كربلاء
ـ 3 ـ
تقع كربلاء جنوب غرب بغداد بمسافة 105 كيلومترات وترتبط بمحافظات بغداد والحلة والديوانية بطرق معبدة. وكربلاء هي مركز المحافظة المسمّاة باسمها (محافظة كربلاء) حسب التقسيمات الإدارية العراقية. وهذه المحافظة من محافظات العراق الوسطى يحيط بها محافظة الرمادي من الشمال والغرب وتقع إلى الشرق منها محافظة الحلة ويحدّها من الجنوب محافظة الديوانية. ومساحة محافظة كربلاء تبلغ (6065) كيلومتراً مربعاً.
وتقع كربلاء على نهر الحسينية الذي يتفرّع من الفرات في مقدم سدة الهندية ويدخل المدينة من جهة الشمال الشرقي ثمّ يصب في بحيرة أبي دبس في جهة الغرب.
امتازت هذه المدينة بكثافة بساتينها، وفي مجموع المحافظة ما يناهز (600) ألف شجرة مثمرة وما يزيد على مليونين وثمانمائة وسبعين ألف نخلة وتزرع فيها الحنطة بمقادير جيدة وفي المحافظة ثروة حيوانية من الأغنام والماعز تقدر بـ (25) ألف رأس، ومن الأبقار عشرة آلاف رأس.
واشتهرت كربلاء بعدد من الصناعات والفنون الشعبية الدقيقة كصناعة السيراميك والقاشاني الملون المنقوش بالصور الجميلة وصناعة النقش على النحاس التي برع فيها الكربلائيون فأخرجوا من النماذج ما يرتقي إلى مصاف اللوحات الفنية المتكاملة.
وتعتبر كربلاء من المدن العراقية القديمة التي يرتفع تأريخها إلى العهد البابلي حيث ذكر أنّ اسمها يعني (قرب الآلهة) وكذلك ذهب البعض أنّ اسمها مشتق من كلمة (كور بابل) التي هي عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة منها نينوى والغاضرية والنواويس والحائر. وتشتهر مدينة كربلاء بقدسية تربتها التي أريق عليها دم سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) في واقعة الطف التي استشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) وآل بيته وصحبه (عليهم السلا) في العاشر من محرم الحرام سنة 61 هجرية (680). وأنّ الروضتين الشريفتين اللتين تضمان رفات الحسين وأخيه العباس (عليهم السلام) وما تحويانه من فنون الزيارة العربية الإسلامية وما تضمان من هدايا ومجوهرات ونوادر المفروشات جعلت من هذه المدينة المقدسة محطاً لأنظار المسلمين والزوار والوفود العربية والإسلامية من شتّى أنحاء العالم العربي والإسلامي.
قبر الحسين (عليه السلام)
يمتاز ضريح الحسين (عليه السلام) عن باقي العتبات المقدسة بسعة صحنه وكثرة أواوينه الجميلة المزخرفة ويبلغ طول الصحن 95 متراً وعرضه 75 متراً وله عشرة أبواب مزنية بالكاشي الجذاب وهذه الأبواب تعرف بباب القبلة وباب العلامة الشيرازي وباب قاضي الحاجات وباب علي الأكبر (عليه السلام) وباب الكرامة وباب الناصري وباب السلطان وباب الزينبية وباب رأس الحسين (عليه السلام) وباب السدرة ولكلّ باب من هذه الأبواب طاق معقود بالفسيفساء البديع ويحيط بالروضة المطهرة 65 إيواناً في كلّ إيوان حجرة زينت جدرانها من الداخل والخارج بالفسيفساء وقد أعدّت هذه الحجر ليتلقى بها طلاب العلم دروسهم كما أعدّ البعض الآخر مقابر للسلاطين والملوك وكبار العلماء ورجال الدين.
والمقام بناء شامخ متين حيث يتوسّط بلاط المشهد الطاهر بناء القبر وله عدّة أبواب أشهرها باب القبلة الذي يعرف بباب الذهب نسبة إلى أحجار إيوانه المغشاة بالذهب والفضة والداخل من باب إيوان الذهب ينتهي به المطاف إلى رواق يحيط بالحرم المطهر من الشرق والجنوب ويجد عن يمينه قبر الشهيد حبيب بن مظاهر الأسدي الذي نال الشهادة في واقعة الطف. وحول الحضرة المقدسة رواق جميل تزيّنه نقوش بديعة من المرايا ولهذا الرواق سبعة أبواب تؤدّي إلى الصحن هي باب حبيب بن مظاهر وباب القبلة وباب صاحب الزمان وباب علي الأكبر (عليه السلام) وباب الكرامة وباب سيّد إبراهيم المجاب وباب رأس الحسين وللرواق ثمانية أبواب تؤدّي إلى الحضرة المطهرة منها باب القبلة وباب علي الأكبر وبابان يعرفان بباب الكرامة وباب حبيب بن مظاهر وفي هذا الرواق مدافن لشخصيات كبيرة. وهناك صندوق إلى يمين باب علي الأكبر (عليه السلام) ضمّ أجداث عدد من العلماء.
منظر عام لمدينة كربلاء عام 1970م، وتظهر الروضتان الحسينية والعباسية
وتعلو الروضة الحسينية قبّة شاهقة يبلغ ارتفاعها 27 متراً وهي مغشاة من أسفلها إلى أعلاها بالذهب الإبريز ويحيطها في الأسفل 12 شباكاً ترتفع على جنبيها مئذنتان شاهقتان مكسوتان بالذهب الخالص وتتجلّى فيها الريازة الإسلامية بأبهى فنونها. وفي وسط الحضرة المطهرة القبر الشريف وقد وضع عليه صندوق من الرخام مطعّم بالميناء والعاج يحيط به صندوق من الزجاج ويحيط به شباك فضي مطعَّم بالذهب والميناء كما تعلوه صفائح ذهبية مزخرفة.
الروضة الحسينية من الخارج
وقد ذكرنا تاريخ عمارة المشهد الحسيني مفصلاً في الجزء الثاني في سيرة الحسين (عليه السلام).
زيارة قبر الحسين (عليه السلام)
يؤخذ من رواية أبي مخنف التي ذكرها الطبري أنّ أوّل من زار قبر الحسين (عليه السلام) بعد دفنه، كان عبدالله بن الحر الجعفي وهو الذي كان ينزل قصر بني مقاتل عند مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق، وأراده الحسين (عليه السلام) على الخروج معه فاعتذر، ثمّ ندم بعد قتل الحسين (عليه السلام) ندماً شديداً على أن لا يكون نصره.
ولا بدّ أنّ الزيارات الفردية قد تتابعت بعد ذلك سراً، ولا يشير المؤرخون إلاّ إلى زيارة جابر بن عبدالله الأنصاري، ثمّ كانت الزيارة الجماعية التي قام بها التوابون في السادس من ربيع الأوّل سنة 65.
ويروى ميراسد علي خان الهندي في كتابه (عراق وإيران سياحة نامة) على ما حكي عنه، أنّ المختار لمّا استتب له الأمر أرسل محمد بن إبراهيم الأشتر إلى كربلاء ليشرف على إشادة البناء الذي أمر ببنائه على قبر الحسين (عليه السلام) ويتّخذ حوله مسجداً لإيواء الوافدين للزيارة، وأنّ ذلك البناء قد تمّ أواخر عام 65.
ولا شكّ أنّ الفترة التي ساد فيها المختار وانحسر نفوذ الأمويين عن العراق شهدت الألوف يزدحمون لزيارة القبر في كلّ حين. ولمّا عاد نفوذ الأمويين إلى سابق عهده كانت الزيارة للقبر تحدث سراً. ويقص المؤرخون أنّ الكثيرين من المعروفين ظلّوا يزورون القبر حتّى أواخر المائة الأولى مثل زائدة بن قدامة وسليمان بن مهران الأعشى وحسن بن محبوب الحلي وأبي حمزة الثمالي وعقبة بن عميق الشاعر.
ويفهم من أخبار الزائرين أنّهم كانوا يتسللون تسللاً إلى زيارة القبر، غير متجاهرين بذلك، وأنّ الحراس والجنود كانوا يراقبون القادمين ويمنعونهم ويعاقبونهم. وأكثر ما كان يصل الزائرون إلى القبر ليلاً. وهكذا لم تعمر كربلاء في القرن الأوّل الهجري ولا أصبحت مدينة بل ظلّت على عمرانها السابق البسيط لأنّ الراغبين في تشييد المنازل فيها والإقامة الدائمة لم يكونوا يجرؤون على ذلك.
وانقضى العصر الأموي على هذا المنوال. أمّا في العصر العباسي فقد كان الحال يختلف باختلاف الخلفاء وحسن سيرتهم. ولا ننسى أنّ المتوكل أمر بهدم قبر الحسين (عليه السلام) وشدّد على الزائرين ومن أخباره يستدل أنّ زيارة القبر كانت قد أصبحت عامّة يلتقي فيها الناس من كلّ مكان. وكان ابنه المنتصر على عكس أبيه، وكان يسؤوه من أبيه تهجّمه على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وربّما كان ذلك من أسباب تآمره عليه وقتله لأنّ المتوكل سلك في حقده على علي (عليه السلام) أحط السبل ولمّا قتل المتوكل وتولّى المنتصر عاد الناس للزيارة جماعات وأفراداً، وصاروا يسكنون كربلاء ويبنون فيها الدور الجديدة.
تطوير كربلاء
ومنذ أواسط القرن الثالث الهجري أخذ أمر الزيارة بالتركّز وكربلاء بالتقدّم حتّى جاء القرن الرابع واستولى البويهيون على العراق، فكان ذلك بداية عهد جديد لكربلاء إذ أنّ البويهيين ـ وهم شيعة ـ جدّدوا بناء القبر وصرفوا عنايتهم بجميع المقامات في النجف وكربلاء وغيرها وقد زارها عضد الدولة البويهي سنة 370هـ وكانت بلدة عامرة بالسكان وكان عدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويين فيها خاصّة يزيد على ألفين ومائتي إنسان فأكرمهم عضد الدولة ومنحهم الأموال والعطايا.
وأوّل علوي سكنها هو إبراهيم المجاب حفيد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وقد جاءها في حدود سنة 247، كما توالت زيارة الملوك والأمراء لها.
ويستدل ممّا رواه سبط ابن الجوزي أنّه في سنة 422 كان الزائرون يشكّلون قوافل كاملة كهذا الذي يرويه عن وصول قوافل زائرة قادمة من مدينة (قم) إلى بغداد في طريقها إلى كربلاء وكالذي يروي عن القوافل الأُخرى القادمة سنة 442 التي التقت بوفود بغداد سنية وشيعية وذهب الجميع إلى كربلاء.
ويستمرّ هذا الحال بتوالي العصور ونقرأ مثلاً أنّه في سنة 529 مضى خلق كثير لا يحصى لهم عدد إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام)([669]) ولا شك أنّ كربلاء كانت قد أصبحت يومذاك مدينة عامرة زاهرة.
قبر العباس (عليه السلام)
يقع قبر العباس (عليه السلام) في مدينة كربلاء على بُعد 350 متراً في الجهة الشمالية لقبر أخيه الحسين (عليه السلام) وتولّى تشييد صرح الروضة الشريفة كلّ من تولّى تشييد الروضة الحسينية في الأدوار المتعاقبة من ملوك وأمراء ورجال إصلاح.
تبلغ مساحة الروضة بما فيها الصحن (4370 متر مربع) وتقع في جوانب الصحن الشريف عدّة غرف وأواوين دفن فيها العلماء والسلاطين والوزراء وكبار الشخصيات الإسلامية.
ويتوسّط الصحن الروضة العباسية ويعلو القبر قبّة ذهبية ضخمة نقشت في أسفلها الآيات القرآنية المطعمة بالميناء والذهب وفي أطراف القبّة مئذنتان ضخمتان كما هناك ساعة أثرية كبيرة دقاقة واقعة على باب القبلة وقد زيّنت جوانب الصحن بالفسيفساء والقاشاني التي هي من صنع قديم وتعتبر اليوم من النفائس الأثرية. وفي عام 1385هـ احتفلت مدينة كربلاء بوصول الضريح الجديد لمرقد العباس (عليه السلام) وهو ضريح مصنوع من الذهب الخالص والفضة ومطعَّم بالميناء والأحجار الكريمة ويعتبر من أبدع الأضرحة الموجودة في العالم الإسلامي، وقد بلغت كلفته حوالي 150 ألف دينار وقد استعمل في حينه 400000 مثقال من الفضة و8000 مثقال من الذهب وقد استغرق عمله حوالي 3 سنوات.
مقام العباس عليه السلام
مدرسة كربلاء
ظلّت مدرسة النجف مدرسة الشيعة الكبرى حتّى وفاة مؤسسها أبو جعفر الطوسي في ليلة الاثنين 22 محرم سنة 460هـ.
وخلفه في التدريس والزعامة الدينية نجله الشيخ أبو علي الحسن والتفّ حوله كثير من أهل الفضل، ومضت مدرسة النجف بقيادته حتّى وفاته في حدود سنة 515هـ، فخلفه نجله الشيخ أبو الحسن محمد، وكانت مدرسة النجف على عهده مزدهرة بالطلاب حتّى توفي سنة 540هـ. وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب ووصفه قائلاً: «… شيخ الشيعة وعالمها وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كلّ جانب إلى العراق، وحملوا إليه، وكان ورعاً عالماً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني، وقال العماري الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة، صلّيت عليه…»([670]).
وكانت مدرسة كربلاء موازية طوال هذه الفترة لمدرسة النجف الأشرف حتّى وفاة الشيخ أبي الحسن محمّد. فبدأ عصر الفتور والركود العلمي في مدرسة النجف الأشرف وأصبحت مدرسة كربلاء هي المدرسة الأولى في العراق وسائر المدن الشيعية. ولا بدّ أن نشير إلى أسماء بعض المدرسين والعلماء اللامعين في هذه المدرسة من الذين عاشوا خلال هذه الفترة وتزعموا قيادة الحركة العلمية وخلّفوا تراثاً فكرياً في مدرسة كربلاء: منهم الشيخ أبو محمّد الياس الحائري الذي كان حياً في شعبان سنة 538هـ، وهو من مشايخ الشيخ عربي بن مسافر العبادي الحائري الحلّي، أستاذ ابن إدريس. قال شيخنا الرازي في موسوعته طبقات أعلام الشيعة: «… ويروي عنه الفقه عربي بن مسافر العبادي الحلّي وجاء في صدر سند «الزيارة الجامعة الكبيرة» في المزار للمفيد: أخبرنا الشيخ الأجل الفقيه أبو محمّد الياس بن هاشم الحائري في داره بالحائر على ساكنه السلام في منتصف شعبان 538هـ…»([671]).
ومنهم الشيخ هاشم بن محمّد الحائري الذي كان حياً في سنة 552هـ. قال الحر العاملي في كتابه أمل الآمل: «… كان فاضلاً محدثاً، كثير الروايات، له كتاب مصباح الأنوار وغيره…» ([672]). يقول عبد الحسين الصالحي: «مصباح الأنوار في فضائل إمام الأبرار، من أجلّ تراث القرن السادس الهجري. وينقل عنه المجلسي في بحار الأنوار»([673]).
ومنهم الشيخ عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي الحائري، الذي كان حياً سنة 560هـ، المعروف بابن حمزة وأبي جعفر الثاني، وخلّف تراثاً هاماً، منه كتاب الوسيلة. قال شيخنا الأستاذ في الذريعة إلى تصانيف الشيعة: «… من المتون الفقهية المعوّل عليها والمنقول عنها في الكتب الفقهية»([674]).
توفي ابن حمزة في كربلاء، وقبره مزار معروف.
ومنهم الشيخ جعفر بن علي بن جعفر الحائري المشهدي الذي كان حياً في سنة 573هـ، وهو من رواة الصحيفة السجادية الكاملة.
وظلّت مدرسة كربلاء أهم مركز علمي في العراق، حتّى انتهت قيادتها إلى أسرة آل معد، وهي من أقدم الأسر العلمية في كربلاء، وهم من ذرية السيّد إبراهيم المجاب، الذي استوطن الحائر الشريف في سنة 247هـ.
بزغ بدر هذا البيت العظيم في أفق كربلاء في أواخر القرن السادس ومطلع القرن السابع الهجري، وأوّل من اشتهر من أهل هذا البيت الجليل هو السيّد معد بن فخار بن أحمد المتوفى حدود سنة 605هـ، وهو من زعماء الدين. قال السيّد تاج الدين بن زهرة الحسيني في كتاب «غاية الاختصار»: «وأمّا آل معد فهم أجدادي لأمّي، ولمّا مات الشريف معد صلّى عليه بالنظامية ودفن بالحائر…» ثمّ أضاف قائلاً: «… ومنهم النقيب الطاهر معد، كان ذا جاه عريض وبسطة عظمية، وتمكّن تام، هو الذي تولّى سكر الفلوجة…» وروى عنه ولده الإمام شمس الدين أبو علي فخار في كتابه «الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب» فقال: «… فإنّ أبي معد بن فخار بن أحمد العلوي الموسوي (ره) حدّثني، قال: أخبرني النقيب أبو يعلى محمد بن علي بن حمزة الأقساسي العلوي الحسيني (ره) وهو يومئذٍ نقيب علينا بالحائر المقدس على ساكنه السلام…» ([675])، ثمّ انتهت الزعامة الروحية ورئاسة التدريس في كربلاء إلى نجله شمس الدين فخار المتوفى سنة 630هـ، وتخرّج عليه جماعة منهم العالمان الشيخ سديد الدين يوسف، والد العلاّمة الحلّي، والشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر المتوفى سنة 676هـ صاحب الشرائع، وهما من مؤسسي مدرسة الحلّة الشهيرة.
قال شيخنا في إجازة السيّد محمّد صادق بحر العلوم في مقدمته على كتاب «الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب»: «… وكان من عظماء وقته، بحيث لم يخل منه سند من أسانيد علمائنا ومحدثينا…»([676]). واستمرّت رئاسة التدريس والزعامة الروحية والمرجعية في هذه الأسرة العريقة حتّى السيّد علم الدين المرتضى ابن السيّد جلال الدين عبد الحميد بن شمس الدين فخار بن معد الموسوي الحائري. وأنّ هناك بيوتات علمية لامعة في الحائر الشريف في القرن السابع والثامن، الذين نهضوا بهذه البيوت بالحركة الفكرية في كربلاء أمثال أسرة ابن العلقمي وبني الفوارس الذين تزعموا التدريس والرئاسة الروحية بموازاة مدرسة الحلّة.
ولكي يلمس القارئ حدود هذه المدرسة وضخامتها نشير إلى أسماء بعض الفقهاء والمحدثين اللامعين من هذه المدرسة: أسرة آل العلقمي، أسرة العلم والزعامة البعيدة الذكر القديمة العهد، وهم من ذرية علقمة، صاحب نهر العلقمي الذي حفره جدّهم علقمة، يقول ابن الطقطقي المتوفى سن 709هـ: «أصلهم من النيل وقيل لجدّه العلقمي، لأنّه حفر النهر المسمّى بالعلقمي…»([677]).
نبغ من آل العلقمي رجال حازوا فضيلتي العلم والزعامة والرئاسة، فكانت لهم مكانة مرموقة لدى الخلفاء العباسيين، منهم مؤيد الدين أبو طالب محمد ابن الشيخ أحمد بن محمد بن علي المشهور بابن العلقمي (591ـ656هـ)، وزير آخر خلفاء بني العباس، وخاله عضد الدين أبو نصر القمي المتوفى سنة 627هـ، وهم من خلفاء بني أسد.
وأمّا بنو الفوارس الذين تزعموا قيادة الحركة العلمية والمرجعية في كربلاء فهم من ذرية عبيدالله الأعرج بن الحسين الأصغر ابن الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وأوّل مَن قطن الحائر الشريف هو السيّد عزّ الدين محمّد المعمر المتوفى حدود سنة 655هـ، ابن أحمد الزائر بن علي بن يحيى سابة بن الحسن بن جعفر الحجة بن عبيدالله الأعرج، ولد ابنه فخر الدين علي المتوفى سنة 702هـ في كربلاء.
وبزغ بدر هذه الأسرة في أفق كربلاء في القرن السابع الهجري وانتشر صيتها وعمّ فخرها منذ عهد جدّهم السيّد مجد الدين أبي القاسم الفوارس محمّد المتوفى حدود سنة 735هـ، ابن السيّد أبي الحسن فخر الدين علي ابن السيّد عز الدين محمّد المعمر، وكان تلميذه وصهره على ابنته الشيخ سديد الدين يوسف الحلّي، والد العلاّمة الحلّي. وقال السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة: «… كان سيّداً جليل القدر رفيع المنزلة عظيم الشأن حسن الشمائل جمّ الفضائل كريم الأخلاق زكي الأعراق ذا همّة عالية ومروءة وشهامة وكرم وسخاء، عالماً عاملاً فاضلاً ورعاً زاهداً عابداً تقيّاً نقيّاً ميموناً مرقوماً اسمه بالحائر الحسيني ومساجد الحلّة، ويُقال لولده بنو الفوارس…»([678]). ويقول ابن عنبة في كتابه «عمدة الطالب»: «… السيّد مجد الدين أبو الفوارس محمّد ابن السيّد فخر الدين علي… كان له سبعة بنين أكبرهم من أمّ ولد وكذا أصغرهم… والخمسة الآخرون أمّهم بنت الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر، وهم النقيب جلال الدين علي ومولانا السيّد العلاّمة عميد الدين عبد المطلب قدوة السادات بالعراق، والفاضل العلاّمة ضياء الدين عبدالله والفاضل العلاّمة نظام الدين عبد الحميد والسيّد غياث الدين عبد الكريم…»([679]).
يقول عبد الحسين الصالحي: هؤلاء كلّهم من العلماء الأعلام ذكرهم الرجاليون والنسّابون، وبلغ الازدهار الفكري ذروته في عهدهم في كربلاء المقدسة، وخلّفوا تراثاً ضخماً. ومع الأسف الشديد غابت أسرة آل العلقمي وبني الفوارس عن جميع المعاصرين الذين كتبوا عن تاريخ كربلاء المقدسة.
وبعد أفول مدرسة الحلّة انتقلت حركة التدريس والكتابة والمرجعية إلى كربلاء، وأصبحت كربلاء عاصمة الشيعة العلمية بلا نزاع حتّى عصر ابن فهد الحلّي الحائري (757ـ841هـ) وقبره مزار معروف في كربلاء، فقد تبنّى الحركة العلمية والنهضة الفكرية في جامعة كربلاء وازدهرت في عصره وزخرت بطلاب العلم من الأقطار الإسلامية وانحصرت مدرسة أهل البيت (عليهم الأسلام) بها ولمّا سقطت أصفهان في سنة 1135هـ في يد الأفغانيين وهدمت الجامعة العلمية الشيعية فيها، هذه الجامعة التي أنتجت آثاراً عظيمة، مثل الأسفار في الفلسفة لصدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050هـ، وموسوعة بحار الأنوار للمجلسي المتوفى سنة 1110هـ، وغيرها، هرب كثير من العلماء ملتجئين إلى مدرسة كربلاء، كثاني مدرسة علمية في العالم الشيعي. فبدأ العصر الذهبي في تاريخ مدرسة كربلاء، ولا نريد أن نستقصي أسماء فقهاء وزعماء التدريس في هذه المدرسة بل نكتفي بالقول إنّ من اللامعين فيها في ذلك العصر السيّد نصر الله الحائري المعروف بمدرّس الطّف، والشهيد في إسطنبول سنة 1168هـ، الذي استطاع خلال زعامته في مدرسة كربلاء أن يربّي جمعاً غفيراً من المجتهدين والفقهاء، فتخرّج من مدرسته العملاقة عدد كبير من أعلام الشيعة.
ولو تحرّينا الإجازات في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لوجدنا أنّهم جميعاً يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى مدرّس الطف السيّد نصر الله الحائري ومدرسة كربلاء، حتّى ذهب السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة إلى القول: «… وأمّا من يروي عن السيّد نصر الله فأكثر من أن يحصوا، كما يظهر من الإجازات…» ([680]).
مدرسة كربلاء
بين الإخبارية والأصولية
بعد النكبة التي أصابت أصفهان، أخذت مدرسة كربلاء تستقطب العلماء والفقهاء، ثمّ بدأت تتّسع شيئاً فشيئاً حتّى أصبحت عاصمة الشيعة العلمية والمرجعية العامّة لهم، ولمّا كانت النزعة الإخبارية سائدة بين المدارس الشيعية آنذاك، لذا نرى أكثر هؤلاء النازحين من الإخباريين، ولمّا كان اتجاه مدرسة كربلاء منذ بدء الأمر هو الاتجاه الأصولي، فقد انشقّت مدرسة كربلاء إلى شطرين متصارعين، وأصبحت مركزاً للصراع الفقهي بين المدرستين الشيعيتين الإخبارية والأصولية ومنطلقاً للحركة الفكرية. ومن أبرز الشخصيات العلمية التي تزعمت هاتين المدرستين الشيخ باقر البهبهاني المتوفى سنة 1205هـ، المرجع الأعلى للأصوليين بلا نزاع، والشيخ يوسف البحراني الحائري المتوفى سنة 1186هـ، صاحب الحدائق، زعيم الإخباريين بلا نزاع. وقد اختارا مدرسة كربلاء قاعدة ليواصلا عملهما العلمي الذي انفردا به في هذه المدرسة، وجرت مشاحنات علمية حادّة بين أقطاب هاتين المدرستين.
وبعد مجادلات طويلة لا مجال لذكرها، استطاع البهبهاني تأسيس مدرسته الخالدة في الفقه الاجتهادي وتعميق علم الأصول ووضع أساس حقوقي يلائم عصر النهضة الحديثة كأيديولوجية تقدمية في التشريع الشيعي في مقابل التزمت الإخباري، كما تمكن من تربية كوكبة من شيوخ الشيعة الذين ساروا من بعده على نهجه ونهضوا بأعباء الخلافة وتزعموا حركة الإصلاح في المدارس الشيعية وتركيز ودعم أصول الفقه الاستدلالي والاجتهادي في جميع المدارس الشيعية في مختلف الأقطار، ولم يكتف الوحيد البهبهاني بهذا الحد، بل رسم مخططاً دقيقاً لتعميم مدرسته الخالدة في سائر المراكز العلمية الشيعية والعتبات المقدسة في العراق وإيران، فبعث السيّد محمّد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ، الذي ولد ونشأ في كربلاء، وهو من أبرز تلامذته في حياته، إلى النجف الأشرف ليشيّد ركنها الأساسي. ثمّ تزعّم الحركة الأصولية من بعده تلميذه الثاني الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب كشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ، ثمّ أرسل الشيخ أسد الله الكاظمي، صاحب مقابس الأنوار المتوفى سنة 1234هـ إلى الكاظمية، والسيّد الميرزا محمّد مهدي الخراساني المستشهد في سنة 1217هـ إلى خراسان، والميرزا أبو القاسم القمي صاحب القوانين المتوفى سنة 1231هـ إلى قم، والشيخ محمد مهدي النراقي المتوفى سنة 1261هـ وزميله السيّد محمّد باقر الأصفهاني صاحب مطلع الأنوار المتوفى سنة 1260هـ إلى أصفهان، وسلّم مدرسة كربلاء إلى نجله والعالمين السيّد ميرزا مهدي الشهرستاني والسيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض المتوفى سنة 1231هـ، كما تزعّم الحركة الأصولية في قزوين عاصمة الصفويين سابقاً والمركز العلمي الوحيد لآسيا الوسطى، الأخوان العالمان الشهيد الثالث المستشهد سنة 1263هـ والشيخ محمّد صالح البرغاني المتوفى سنة 1271هـ.
وعلى الرغم من ظهور بعض الإخباريين النشطين على مسرح التاريخ كميرزا محمّد الإخباري المقتول في سنة 1232هـ والشيخ أحمد الإحسائي المتوفى سنة 1241هـ، الإخباري المتفلسف، وبعض المناقشات والمشاحنات الطفيفة، عاشت مدرسة الآغا باقر البهبهاني حتّى عصر النهضة الحديثة. ولم تتمكن المدرستان الشيخية والإخبارية المعارضتان من الصمود أمام المدرسة الكربلائية العملاقة وقد ذهبت جميع الحوزات العلمية الشيعية المعاصرة في العالم إلى تدريس الفقه الاجتهادي وأصول المدرسة الكربلائية الخالدة، ثمّ انزوت تدريجياً النزعة الإخبارية التي أقام دعائمها محمّد أمين الأسترابادي المتوفى سنة 1063هـ ـ صاحب الفوائد المدنية ـ الإخباري المتصلب، بانتصار الأصوليين بزعامة الوحيد باقر البهبهاني الكربلائي المتوفى سنة 1205هـ وقيادته الحكيمة.
عبد الحسين الصالحي
كربلاء
ـ 3 ـ
كربلاء اسم قديم في التاريخ، يرجع إلى عهد البابليين، وقد استطاع المؤرخون والباحثون التوصل إلى معرفة لفظة (كربلاء) من نحت الكلمة وتحليلها اللغوي، فقيل إنها منحوتة من كلمة (كوربابل) العربية، وهي عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة منها (نينوى) التي كانت قرية عامرة في العصور الغابرة، تقع شمال شرقي كربلاء، وهي الآن سلسة تلول أثرية ممتدة من جنوب سدة الهندية حتى مصب نهر العلقمي في الاهوار، وتعرف بتلول نينوى. ومنها (الغاضرية) وهي الاراضي المنبسطة التي كانت مزرعة لبني أسد، وتقع اليوم في الشمال الشرقي من مقام أو شريعة الإمام جعفرالصادق (عليه السلام)، على العلقمي بأمتار وتعرف بأراضي الحسينية. ثم (كربله) بتفخيم اللام، وتقع إلى شرقي كربلاء وجنوبها. ثم (كربلاء أو عقر بابل) وهى قرية في الشمال الغربي من الغاضرية، وبأطلالها أثريات مهمة. ثم (النواويس) وكانت مقبرة عامة للنصارى قبل الفتح الإسلامي، وتقع في أراضي ناحية الحسينية قرب نينوى. أما الأطلال الكائنة في شمال غربي كربلاء تعرف بـ (كربلاء القديمة) يستخرج منها أحياناً بعض الجرار الخزفية، وكان البابليون يدفنون موتاهم فيها. ثم (الحير) ومعناه اللغوي الحمى. ثمّ (الحائر) وهي الأراضي المنخفضة التي تضم موضع قبر الحسين (عليه السلام) إلى رواق بقعته الشريفة، وقد حار الماء حولها على عهد المتوكل العباسي عام 236هـ. وكانت للحائر وهدة فسيحة محدودة بسلسلة تلال ممدودة وربوات متصلة في الجهات الشمالية الغربية والجنوبية منه تشكل للناظرين نصف دائرة مدخلها الجهة الشرقية، حيث يتوجه منها الزائر إلى مثوى العباس بن علي (عليهما السلام). وسميت كذلك بـ (الطف) لوقوعها على جانب نهر العلقمي، وفيها عدة عيون ماء جارية منها الصيد والقطقطانية والرهيمة وعين الجمل وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء الخندق الذي حفره شابور كحاجز بينه وبين العرب([681]). ومنها (شفية) وهي بئر حفرتها بنو أسد بالقرب من كربلاء، وأنشأت بجانبها قرية، وكان الحسين (عليه السلام) عندما حبسه الحر بن يزيد الرياحي عن الطريق، وأم كربلاء، أراد أن ينزله في مكان لا ماء فيه، قال أصحابه دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى أو هذه القرية يعنون الغاضرية أو هذه الأخرى يعنون شفية. وأن الضحاك بن عبد الله المشرفي عندما اشتد الأمر على الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء وبقي وحيداً استاذن الحسين (عليه السلام) بالانصراف لوعد كان بينهما (أنه ينصره متى كان كثير الأنصار) فاستوى على ظهر فرسه فوجهها نحو العسكر، فأفرجوا له واخترق صفوفهم، ثم تبعه منهم خمسة عشر فارساً حتى جاء شفية فالتجأ بها وسلم من القتل. وتسمى بـ (العقر) وكانت به منازل بخت نصر، ويوم العقر قتل به يزيد بن المهلب سنة 102. وكلها قرى متقاربة، وقد روي أن الحسين (عليه السلام) لما انتهى إلى كربلاء وأحاطت به خيل عبيد الله بن زياد قال: «ما اسم تلك القرية وأشار إلى العقر فقيل له اسمها العقر فقال: نعوذ بالله من العقر، فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها قالوا: كربلا فقال أرض كرب وبلاء…» إلى غير ذلك من الأسماء التي وردت في التاريخ، وليس باستطاعتنا استيفاء البحث عن قدمها. وذكر ياقوت في كتابه (معجم البلدان) بخصوص لفظة (كربلاء) وأوعزها إلى ثلاثة أوجه، فقال ما نصه: «كربلا بالمد وهو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي (عليه السلام) في طرف البرية عند الكوفة». فأما اشتقاقه فالكربلة رخاوة في القدمين، يقال جاء يمشي مكربلاً فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة فسميت بذلك، ويقال كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها وينشد في صفة الحنطة:
يحملن حمراء رسوباً للثقل
قد غربلت وكربلت من القصل
فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى والدغل فسميت بذلك والكربل اسم نبت الحماض. وقال أبو وجزة السعدي يصف عهود الهودج:
وتامر كربل وعميم دفلى
عليها والندى سبط يمور
فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نباته هناك فسمي به، ونزل خالد كربلاء عند فتحه الحيرة سنة 12هـ فشكى إليه عبد الله بن وثيمة البصري الذبان فقال رجل من أشجع في ذلك:
لقد حُبست في كربلاء مطيتي
وفي العين حتى عاد غثّاً سمينها
إذا رحلت من منزل رجعت له
لـعمري وايهـاً انني لأهينهـا
ويمنعها من ماء كل شريعـة
رفاق من الذبان زرق عيونهـا
ويرى فريق آخر من المؤرخين أن لفظة (كربلاء) مركبة من كلمتين آشوريتين هما: (كرب) و (ايلا) ومعناها (حرم الله)، وذهب آخرون إلى أن الكلمة فارسية المصدر، فهم يرون أنها مركبة من كلمتين هما (كار) و(بالا) ومعناهما العمل الأعلى أي العمل السماوي أو بعبارة أخرى محل العبادة والصلاة، ومن الأسماء التي أُطلقت على كربلاء اسم (النوائح) وربما اشتق من كلمة النياح لكثرة البكاء والعويل منذ نزول الحسين (عليه السلام) فيها، وذكر ياقوت الحموي في معجمه أبياتاً أنشدها الشاعر معن بن أوس المزني من قصيدة طويلة:
إذا هي حـلت كربلاء فلعلعـا
فجوز العذيب دونها و النوائحا
فباتت نواها من نواك فطاوعت
مع الشانئين الشانئات الكواشحا
توهمت ربعاً بالمعبر واضحـاً
أبت قرّتـاه اليـوم ألا تراوحا([682])
وذكر صاحب دبستان المذاهب: ان كربلاء كانت في الزمن السالف تحوي بيوت نيران ومعابد للمجوس ويطلق عليها بلغتهم (مه بارسور علم) أي المكان المقدس…
وتحدثنا المصادر أن هناك أسماء قرى كانت تحيط بكربلاء القديمة عند ورود الحسين (عليه السلام) لها سنة 61هـ منها: عمورا ومارية وصفورا وشفية.
وقد سبق أن أوضحنا أن كربلاء هي أم لقرى عديدة تقع بين بادية الشام وشاطئ الفرات. ويحدثنا التاريخ أنها كانت من أمهات مدن بين النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس ـ الفرات القديم ـ وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة كما يستدل من الأسماء التي عرفت بها قديماً. وقد كثرت حولها المقابر كما عثر على جثث الموتى داخل أواني خزفية يعود تاريخها إلى قبل العهد المسيحي. أما الأقوام التي سكنوها فكانوا يعولون على الزراعة لخصوبة تربتها وغزارة مائها والسبب في ذلك هو كثرة العيون التي كانت منتشرة في ربوعها. وقد أخذت كربلاء تزدهر شيئاً فشيئاً سيما على عهد الكلدانيين والتنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصمة ملكهم، وعين التمر([683]) البلدة العامرة ومن حولها قراها العديدة التي من ضمنها شفاثا.
الأنهار في كربلاء
هناك مصادر قديمة تؤكد على وجود أنهار كانت تروي المزارع في كربلاء، إلا أنها طمست بمرور الزمن ولم يبق منها غير الآثار، اللهم سوى نهر الحسينية الذي مازالت مياهه تتدفق فتحمل الخيرات والبركات إلى المدينة. ومن بين هذه الأنهار التي اندثرت بسبب ترسبات الغرين الذي كان يحمله الفرات خلال موسم الفيضان من كل عام هي:
النهران
وهو فرعان يشتقان من عمود الفرات كانا يجريان في كربلاء قديماً، وقد ورد ذكرهما في كتب المؤرخين الذين تطرقوا إلى مأساة الحسين (عليه السلام) ومنهم أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين) وابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) وابن شهر آشوب في كتابه (المناقب) والطبري في تاريخه المعروف.
نهر العلقمي
وكان يسقي كربلاء قديماً نهر العلقمي، وهو اليوم من الآثار المندرسة أيضاً. فقد ذكر المسعودي في التنبيه والاشراف وكاتب البريد ابن خرداذبه في المسالك: إذا جاز عمود الفرات هيت والأنبار (يقابل الثاني الأول في الضفة الغربية) فتجاوزهما فينقسم قسمين: منها قسم يأخذ نحو المغرب قليلاً المسمّى (بالعلقمي) إلى أن يصير إلى الكوفة([684]).
يروي السيد عبد الحسين الكليدار في كتابه (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) عن آثار العلقمي فيقول: وآثار العلقمي الباقي منه اليوم ـ على ما وقفت عليه ـ إذا انتهى إلى شمال ضريح عون اتجه إلى الجنوب، حتى يروي ـ الغاضرية لبني أسد ـ والغاضرية على ضفته الشرقية، وبمحاذاة الغاضرية شريعة الإمام جعفر ابن محمد (عليه السلام) على الشاطىء الغربي من العلقمي. وقنطرة الغاضرية تصل بينه وبين الشريعة ثم ينحرف إلى الشمال الغربي، فيقسم الشرقي من مدينة كربلاء بسفح ضريح العباس (عليه السلام) إذا استشهد مايلي مسناته. فإذا جاوزه انعطف إلى الجنوب الشرقي من كربلاء ماراً بقرية نينوى وهناك يتصل النهر (نينوى والعلقمي) فيرويان مايليهما من ضياع وقرية شفيه فيتمايلان بين جنوب تارة وشرق أخرى، حتى إذا بلغ خان الحماد ـ منتصف الطريق بين كربلاء والغري ـ اتجها إلى الشرق تماماً وقطعا شط الهندية بجنوب برس وحرقة ـ وأثرهما هناك مرئي ومشهور ـ حتى يشتقان شرقي الكوفة([685]).
وذهب فريق آخر من المؤرخين إلى الأعتقاد بأن القسم المحاذي من هذا النهر لطف كربلاء قد كلف بحفره رجل من بني علقمة بطن من تميم ثم من دارم جدهم علقمة بن زرارة بن عدس فسمي النهر بالعلقمي، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري، وبذلك قال الشريف محمد بن علي الطباطبائي الشهير بالطقطقي في تاريخه الفخري عند ذكره ترجمة حال أبي طالب مؤيد الدين ابن العلقمي الوزير العباسي على عهد المستعصم وهولاكو الايلخاني انه سمي بابن العلقمي نسبة إلى جده علقمة الذي قام بحفر نهر العلقمي. والفريق الثاني من المؤرخين سموا النهر بإسم العلقم فذكر النويري في كتابه (بلوغ الأرب في فنون الأدب) أن نهر الفرات بعد اجتيازه الأنبار ينقسم إلى قسمين: قسم يأخذ نحو الجنوب قليلاً وهو المسمى بالعلقم، وذلك لكثرة العلقم حول حافتي النهر([686]). والعلقم بالفتح والسكون يطلق على كل شجر مر (الحنظل) وما عداه من غير فارق، والعلقمة المرارة، يخال لي لشدة ما كان العرب يكابدون من مرارة ماء آبار الجزيرة حتى تخوم الجزيرة ومياه عيون الطف ثم ينهلون عذب نمير هذا النهر فلبعد شقة البين بالضد أطلقوا عليه اسم (العلقمي)([687]).
وجاء في تاريخ آل سلجوق لعماد الدين الأصفهاني المؤرخ الإسلامي الذي عاش في القرن الثامن الهجري أن جدول العلقمي كان يمر بالمشهديـن أي كربلاء والنجف([688]).
وقد بقي نهر العلقمي حتى عام 697هـ ثم علته الرمال والأوحال مما عرقل جريان الماء فيه، وتروي بعض المصادر القديمة ان السلطان محمود الغزنوي قد أرسل وزيره علي الجويني إلى كربلاء فأمر بتطهير نهر العلقمي وإزالة الرمال والطمي منه، وعاد الماء في واديه متدفقاً. وفي عام 915هـ عادت الرمال تعلو هذا النهر وتوقفه عن الجريان.
نهر نينوى
ومن الأنهار الأخرى التي كانت تروي هذه التربة الطاهرة نهر نينوى الذي كان يتفرع من عمود الفرات ما يقارب الحصاصة وعقر بابل، بين شمال سدة الهندية وجنوب قضاء المسيب من نهر سوري ثم يشق ضيعة أم العروق، ويجري جنوب كرود أبو حنطة (أبو صمانة) وتقاطع مجراه باقياً إلى يومنا هذا، ويعرف بعرقوب نينوى. ويقال ان البابليين هم الذين حفروا هذا النهر مع تشكيل قرية نينوى باسم عاصمة الآشوريين التي كانت تعرف (كربا ـ ايلو) أبان حكمهم.
النهر الغازاني
ومن الأنهار المندرسة الاخرى النهر الغازاني نسبة إلى غازان خان من آل جنكيز أحد ملوك التتر الذين حكموا العراق بعد سقوط الخلافة العباسية، فأمر غازان بتجديد نهر العلقمي وتقريب مأخذه من الفرات، وقد بتر المغول القسم الأعلى من مجرى النهر وأوصلوا القسم الآخر بالنهر الذي حفره غازان من فرات الحلة ولم يستسيغوا بقاء اسم العلقمي على هذا النهر، لا سيما وقد طرأ عليه الكثير من التغيير والتبديل كما نص على ذلك ابن الفوطي في حوادث سنة ثمان وتسعين وستمائة بقوله: فيها سار السلطان غازان إلى العراق وجعل طريقه على جوخا وسير بعض العسكر إلى بطائح واسط، فحصروا الأعراب وأكثروا القتل فيهم والنهب والسبي وغنموا أموالهم، وعين جماعة لملازمة أعمال واسط ومنع من تخلف من العرب عن الفساد، ثم توجه إلى الحلة وقصد زيارة المشاهد الشريفة وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير، ثم أمر بحفر نهر بأعلى الحلة فحفر وسمي النهر الغازاني تولى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي وغرس الدولة ابن…. ثم سار إلى بغداد([689]).
نهر السليماني (الحسينية)
أما النهر السليماني (الحسينية) فقد أنشأه السلطان سليمان القانوني العثماني سنة 941هـ/1534م. ذكر المستر لونكريك في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق) أن السلطان سليمان كانت غايته الثانية أن يزور العتبات المقدسة في الفرات الاوسط، ويفعل هناك أكثر مما فعله الزائر الصفوي في العهد الأخير، فوجد مدينة كربلاء المقدسة حائرة في حائرها بين المحل والطغيان. إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها. وعند هبوط النهر كانت عشرات الألوف من الزوار يعتمدون على الاستسقاء من آبار شحيحة قذرة. فرفع مستوى (روف السليمانية). وهي سدة ماتزال تقوم بعملها حتى اليوم لوقاية البلدة من الفيضان، ثم وسع الترعة المعروفة بالحسينية وزاد في عمقها لكى تأتي بالماء المستمر، ولتجعل الأراضي الخالية المغبرة حولها بساتين وحقولاً يانعة للقمح. وصارت هذه الترعة تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي. فاستبشر الجميع بالمعجزة واقتسم الحسين الشهيد (عليه السلام) والسلطان القانوني جميع الثناء والإعجاب. وبعد أن زار سليمان قبر الإمام علي (عليه السلام) في النجف رجع إلى بغداد([690]). ويعقب عباس العزاوي على ذلك بقوله: نهر الحسينية هذا النهر من أعظم أعمال السلطان سليمان القانوني كان يسمى باسمه (النهر السليماني) والآن يسمى بالحسينية أجراه إلى كربلا فأحياها([691]). وبتبرع زوجة محمد شاه القاجاري ملك إيران أنفذ نهر الرشدية وذلك عام 1259هـ فسمي الفرع عند ذاك بأسم الرشدية اما الفرع الثاني لهذا النهر فسمي بالهنيدية ويسير باتجاه جنوب مدينة كربلاء.
سلمان هادي الطعمة
بيوت كربلاء
تقع مدينة كربلاء إلى الجنوب الغربي من مدينة بغداد بحوالي 105 كيلومترات، وتضم مرقد الحسين بن علي بن أبي طلب ومرقد أخيه العباس (عليه السلام).
كان الطراز المعماري الشائع في بناء البيوت في الجيل الماضي على نمطٍ معيّن، حيث كثافة هذه البيوت حول المرقدين على حساب الطرق واستقامتها، وتوزيعها عشوائياً، كأن تكون متلاصقة بعضها إلى بعض، وفي أكثر الأحيان لا فواصل بينها والممرات والأزقة المؤدية إلى هذه البيوت ملتوية ذات أشكال متعرجة، وقد تنتهي بنهايات مسدودة لا مخارج لها.
ومن الأسباب الموجبة في اتباع هذا الطراز من البناء في ذلك الوقت المحافظة على أمن المدينة من عمليات السطو والاعتداء، وكذلك اتقاء البرد القارص والحر الشديد. ومع مراعاة هذه الظروف كان بالإمكان أن يتخذ البناء شكلاً آخر، لكن الجهل في أمور التخطيط والعمران من قبل الجهات المسؤولية آنذاك لعب دوراً في ذلك.
والبيوت الكربلائية القديمة، شأنها شأن البيوت في المدن العراقية الأُخرى، تتميز بخصائص تخطيطية وإنشائية ذات طابع معماري واحد يتمثّل في إحلال الساحة الداخلية المكشوفة التي يطلق عليها بالعامية (الحوش) المكان الأوّل في التخطيط، وتأتي الغرف السكنية وبقية المرافق والمداخل والممرات لتأخذ مكانها حول تلك الساحة.
وعلى رغم التأثيرات الواضحة التي تركتها تقاليد فن العمارة التركية والفارسية في البيوت الكربلائية، إلاّ أنّ التخطيط الأساسي لهذه البيوت لم يصبه التغيير خلال عصور مختلفة، بل ظلّ محافظاً على جوهره مع البيوت البغدادية لجهة التصميم الهندسي ومواد البناء والزخارف، ولا شك في أنّها تحمل خصائص وتأثيرات حضارات وادي الرافدين في العراق.
ويختلف البيت الكربلائي باختلاف المراتب الاجتماعية للناس، فتتكوّن بيوت الميسورين عادة من ساحة مكشوفة كبيرة أو من ساحات مكشوفة عدّة الواحدة تلي الأخرى، تبدأ بمجالس الضيوف، ثمّ تنتقل إلى غرف الحريم وتنتهي بغرف الخدم.
وتعتبر الساحات الوسطية قاعات مكشوفة ومحجوبة عن الأنظار في آن، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في توزيع الإضاءة الطبيعية للغرف التي تحيط بالساحة. وتطل الشبابيك الواسعة لهذه الغرف على الساحة الوسطية فتكون في هذه الحال واجهات لغرف الطابق الثاني، وتتحقق عن طريقها الإضاءة والتهوية الطبيعيتان.
وينعزل السكن عن الشارع أو الزقاق في مثل هذا التكوين الإنشائي الذي يحقق ضمن مساحات قليلة مرافق كافية لسكن عائلي متعدد الأشخاص، وفي بعض الحالات نجد أنّ مساحة الدار بكاملها لا تتجاوز 50 متراً مربعاً ممّا يظهر براعة المعمار أو المهندس في استغلال المساحات إلى أقصى حدودها لتأمين بيت ذي ساحة داخلية وفي حدود ضيقة، وفي بعض الأحيان تزرع هذه الساحة بشجرة واحدة أو أشجار عدّة توضع في وسطها نافورة جميلة تسمّى (الشاذروان). ومن العناصر الجوهرية في تصميم البيت الكربلائي توفير ما يسمّى بـ (الطارمة) المسقفة وهي الديوان المصغر للبيت. وتستعمل (الطارمة) الأرضية للنوم صيفاً في حال عدم وجود السرداب، وتستعمل أيضاً لتناول وجبات الطعام وشرب الشاي.
ومن الخصائص المميزة للبيوت الكربلائية كذلك وجود المدخل المنكسر المعروف بالمجاز الذي يوصل الشارع أو الزقاق بالساحة الداخلية المكشوفة. ومصمم البيت تجنب أن يكون المدخل مباشراً بهدف عزل فضاء الساحة الداخلية عن الشارع أو الزقاق، وترطيب الهواء عبر اختراقه للمجاز.
ومن الخصائص التي امتاز بها البيت الكربلائي بصورة عامة ارتفاع سقف الطابق العلوي بحيث لا يتجاوز أربعة أمتار. وهناك مميزات إنشائية أُخرى منها كثرة الشبابيك وارتفاعها خصوصاً في الواجهات التي تطل على الأزقة والشوارع، وكذلك الرفوف (الروازين) المتعددة من الداخل لتخفيف سمك الجدار والاستفادة منها كدواليب، أو لاستعمالات أُخرى.
وارتفاع الغرف هذا يحقق في بعض الأحيان وجود طابق وسطي توجد فيه غرف خاصّة تستعمل للخزن، وفي مرّات أُخرى لإقامة الخدم، وتكون عادة معزولة عن الغرف العائلية.
واستعملت في البيوت الكربلائية مواد بناء خفيفة في الطابق العلوي كالخشب والقوغ (خشب الحور) وجذوع النخيل وحصران القصب (البواري) وغيرها، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في كتل البناء.
أما ارتفاع الطابق الأرضي فيكون عادة أقل من الطابق العلوي، ويتميز أيضاً بنوافذه التي تكون في الغالب فوق مستوى النظر وهي تطل على الأزقة والشوارع التي تكثر في المناطق المزدحمة.
ويتميز البيت الكربلائي بوجود مكان للراحة والاستقرار هو السرداب الذي تقضي فيه العائلة ساعات طويلة في أيام الصيف الحارة. ويتّصف بجدرانه السميكة وانخفاض مستوى أرضيته عن مستوى أرضية البيت، قد يصل في بعض الأحيان إلى أمتار عدّة ممّا يساعد في حمايته من الحرارة الشديدة.
وتجري تهوية السرداب بواسطة فتحات صغيرة جانبية تكون عادة في مستوى أرضية الساحة الداخلية المكشوفة، وكذلك من أبواب المدخل والدرجات (السلالم) المؤدية إليه. وهناك مجار عمودية للتهوية هي عبارة عن فتحات داخل الجدار وفوهتها في أعلى السطح تنقل الهواء من الأعلى عبر هذه الفتحات إلى مستوى منخفض في أرضية السرداب فيساعد الماء الموجود في قاعها على ترطيب الهواء الخارجي الجاف الآتي من السطح عبر هذه الفتحات، وتسمّى هذه الفتحات (البادكير) وهي كلمة فارسية مؤلفة من مقطعين (باد) أي هواء، و(كير) أي جالب أو ساحب.
في أكثر الأحيان يتم بناء السرداب من عقود وقباب مبنية من الطابوق (الآجر) والجص، أمّا الأرضية فتبلط عادة بالآجر ذي الأبعاد المربعة ويسمّى (الطابوق الفرشي) وهي تحتفط بالرطوبة والبرودة عن طريق رشّها بالماء دائماً. وفي الشتاء تستعمل السراديب مخزناً لحفظ الحبوب والغلال وبعض الحاجيات المنزلية الأُخرى.
وتستعمل في البيوت الكربلائية أعمدة الخشب التي تسند الممرات العلوية، وفي بعض الأحيان تسند الغرف العلوية. وتنتهي هذه الأعمدة بتاج مقرنص متدرج يساعد في تقليل مقطع الجسر الذي يعلو عدداً من هذه الأعمدة.
ومن أهم المواد الأولية المصنعة محلياً والمستعملة في أُسس بناء تلك البيوت مخلوط مسحوق النورة والرماد كمانع للرطوبة، وتستعمل في الأساسات أيضاً كسر من الطابوق (الآجر) الخضراوي المصخرج.
لم تقتصر الزخارف الهندسية والبنائية في هذه البيوت على الآجر، بل شملت الأعمال الخشبية في البناء. وأظهر النجارون تفوّقاً في الدقة والمهارة في أعمال تانلأيبؤ الخشبية للنوافذ والأبواب وألواح المشبكات، وهي مزينة بنقوش جميلة رائعة ومطعمة بزجاج ملوّن رائع الجمال، وظهرت بخصائص متميزة في الواجهات الداخلية للبيوت.
وتستعمل مادتا الجص والبورق في الإكساءات الداخلية، في تبييض الجدران لإعطائها وجهاً مصقولاً يستغنى به عادة عن طلاء الجدران نهائياً.
ومن الظواهر المألوفة في البيوت الكربلائية القديمة أنّ شناشيلها تطل على الأزقة وتسمّى (البنجرات)، وهي عبارة عن قضبان حديد ذات أشكال زخرفية هندسية جميلة تصفُ عمودياً وتثبت من الأعلى إلى خشبة مرتكزة في أعلى الشباك، وأُخرى تستند إلى قاعدة الشباك، وفي الصيف تُصف مشربيات الماء الفخارية (التنك) على هذه البنجرات.
أمّا سطوح البيوت فتستخدم للنوم ليلاً خلال موسم الصيف هرباً من الحرب الشديد. وتتشابه السطوح في ما بينها لأنّ معظم بيوت المناطق بارتفاع واحد تقريباً.
وكان البيت الكربلائي في الماضي يحتوي بئراً للماء تقع في أحد الأركان، وهي ذات مياه عذبة. وأحياناً تشترك بيوت عدّة في بئر واحدة.
وبعد حرب الخليج سنة 1991، وإثر الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في أكثر المدن العراقية وخلال المعارك الحامية بين السلطة والمنتفضين، عمدت القوات الحكومية إلى تدمير مركز المدينة ممّا أدّى إلى خراب الكثير من هذه البيوت التراثية الجميلة.
د. رؤوف الأنصاري
معالم العمارة الإسلامية والأثرية في كربلاء
تبرز معالم العمارة الإسلامية في مدينة كربلاء من خلال التفاعل الواضح بين التأثيرات الخارجية والتقاليد المحلية، وذلك عبر العصور الإسلامية التي مرّت بها هذه المدينة منذ نشأتها بعد استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ونفر من أهل بيته وأصحابه في واقعة الطف في العاشر من شهر محرم الحرام العام (61هـ/ 680م) وإلى يومنا هذا.
فقد تركت حضارات وادي الرافدين ـ باعتبار هذه البقعة من الأرض جزءاً منها ـ والحضارات الفارسية والتركية والهندية آثارها فيما شيد فيها من روائع فنون العمارة الإسلامية، كالمراقد والمساجد والمدارس الدينية والأسواق والخانات والحسينيات والبيوت التراثية الجميلة، وتمثل جزء منها في الأواوين الكبيرة والمجنبات (الأبهاء) الواسعة والفناءات المكشوفة، وباستعمال مفردات العمائر المختلفة الرائعة كالفسيفساء والزخارف الآجرية والقاشانية والخشبية المتنوعة خصوصاً الشناشيل (المشربيات) والأبجورات (الشبابيك الخشبية المزخرفة التي تفتح وتغلق برفعها إلى الأعلى والأسفل) وكذلك البنجرات (وهي عبارة عن قبضان حديد ذات أشكال زخرفية جميلة تصف عمودياً وتثبت من الأعلى إلى خشبة مرتكزة في أعلى الشباك وأخرى تستند إلى قاعدة الشباك)، بحيث أصبح لهذه المدينة طابع معماري مميز.
وكانت مدينة كربلاء في فترات إسلامية مختلفة مركزاً مهماً وبارزاً من الناحية العمرانية والفنية بعد أن تمّ استقدام أبرز المعماريين والفنيين والعمال المهرة من أنحاء البلاد الإسلامية كالهند وتركيا وآسيا الوسطى وبصورة رئيسية من إيران، لتشييد أجمل المباني الإسلامية فيها.
ومن أهم الخصائص المعمارية التي تميزت بها مباني مدينة كربلاء أنّ جذور تصاميمها وتخطيطاتها تنبع من بلاد وادي الرافدين، وكذلك استعمال مواد البناء المحلية المتوافرة ومنها الطابوق (الآجر) الذي يعتبر عنصر بناء رئيسياً في تشييد الأبنية الكربلائية، مقتفية بذلك أساليب البناء في مدن الحضارات القديمة التي نشأت في وادي الرافدين، وما زالت آثار الكثير منها شاخصة إلى يومنا هذا، كمدن أور وبابل والوركاء.
وتميز الآجر بمرونته في تشكيل أجمل الزخارف البنائية كالمقرنصات المعقدة الجميلة والنتوءات والعقود (الأقواس) والقباب والقبوات وغيرها من الأشكال البنائية الأخرى التي كانت ولا تزال من أهم الخصائص المعمارية لهذه المدينة التاريخية العريقة، وبمساعدة مادة محلية شائعة هي الجص التي تساعد في تماسك الآجر بصورة سريعة جداً.
ومن خصائص المباني الدينية والتراثية في كربلاء استعمال البلاط المزجج الملون (القاشاني) الذي اشتهرت هذه المدينة بصناعته ويطلق عليه اسم (الكاشي الكربلائي) في تزيين القباب المآذن والجدران والأقواس والمداخل وغيرها. ولم تقتصر المباني الدينية والتراثية في كربلاء على استعمال مواد البناء المحلية فقط إذ استعمل المرمر والرخام والأحجار الملونة والأخشاب النادرة المستوردة في إكساب الكثير من هذه المباني وزخرفتها.
وتمتاز جوامع ومراقد المدينة، خصوصاً جامعي ومرقدي الإمام الحسين بن علي وأخيه العباس (عليهم السلام)، بهيبتها وروعتها، وبقبابها ومآذنها المغطاة بقشرة خفيفة من الذهب، والقسم الآخر منها كُسي بزخارف من القاشاني الملون المزين بكتابات من الخط الكوفي على شكل زخارف وكتابات الآيات القرآنية الكريمة، وكذلك بتشكيلات زخرفية رائعة من المقرنصات تغطيها قطع صغيرة من المرايا المزججة التي تزين المرقدين من الداخل والخارج.
أمّا أبرز معالم فن العمارة الإسلامية في مدينة كربلاء فهو جامع ومرقد الإمام الحسين (عليه السلم) (الروضة الحسينية).
الروضة الحسينية
يقع الجامع والمرقد وسط مدينة كربلاء القديمة التي تبعد عن بغداد حوالي 105 كلم إلى الجنوب الغربي منها. ويعتبر من أهم المعالم المعمارية الإسلامية في المدينة، ويضمّ رفات الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويحيط بالبناء شارع شبه دائري، وتتّصل به شوارع قديمة وحديثة أهمها الفضاء الواسع المكشوف حالياً والذي يتّصل بمرقد العباس (عليه السلام) وكذلك شارع باب القبلة (شارع أبو الفهد) وشارع السدرة وشارع باب السلطانية.
وأهم ما يميز بناء الروضة الحسينية سعتها وعظمة بنيانها وطرازها المعماري الإسلامي، وتشغل أرضاً مستطيلة الشكل طولها 125 متراً وعرضها 95 متراً، وتتكوّن من أبنية الحضرة يتوسطها الضريح ويحيط بالحضرة صحن واسع تطل عليه من جميع الجهات الغرف والمداخل.
بناء الروضة الحسينية متين ومشيّد من الطابوق (الآجر) والجص ومكسو بأروع التشكيلات الزخرفية المنفذة بالذهب والفضة والمرايا والقراميد المزججة (القاشاني)، أمّا بناية الحضرة فتحتل القسم الوسطي من الروضة، وهي على شكل مستطيل طوله 55 متراً وعرضه 45 متراً وارتفاع جدرانه الخارجية 12 متراً، ويتوسط قبر الحسين (عليه السلام) غرفة الضريح التي تعتبر بمثابة قلب الروضة، ويغطي القبر صندوق فضي ذو سقف ذهبي طوله 5 أمتار وعرضه 4 أمتار، أمّا غرفة الضريح فيبلغ طولها 14 متراً وعرضها 9 أمتار. وتقوم فوقها قبّة مرتفعة ترتكز على أربع دعامات ضخمة ذات مقاطع مستطيلة طول كلّ منها 50،3 متر وعرضها 2،50 متر. وترتفع قمّة القبّة حوالي 27 متراً عن مستوى أرضية الحضرة، وهي ذات رقبة طويلة، تتخللها نوافذ ذات عقود مدببة عددها 12 وبين كلّ نافذة وأخرى مسافة 1،55 متر. وطليت القبّة من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب، عدا نطاق من البلاط القاشاني نقشت عليه الآيات القرآنية الكريمة، ويتوج الرقبة مخطوط بلون أبيض على أرضية زرقاء داكنة، وتكسو القبّة من الداخل تشكيلات زخرفية رائعة مغطاة بقطع صغيرة من المرايا.
وتحيط بغرفة الضريح أربعة أروقة كبيرة عرض كلّ منها 5 أمتار وطول ضلعيها الشمالي والجنوبي 40 متراً وطول ضلعيها الشرقي والغربي 45 متراً تقريباً، وأرضيتها مبلطة بالرخام الأبيض وقد كُسيت جدرانها إلى ارتفاع مترين من الرخام نفسه، فيما كُسيت بقية الجدران والسقوف بزخارف من قطع من المرايا الصغيرة البديعة الصنع.
ارتفاع سقف الأروقة 12 متراً، ويعرف الرواق الشمالي برواق الشاه لوجود مقبرة سلاطين الدولة القاجارية في إحدى زواياه، وهذا الرواق على هيئة مسجد تقام فيه الصلاة. ويعرف الرواق الغربي برواق السيد إبراهيم المجاب. أمّا الرواق القبلي فيعرف برواق حبيب بن مظاهر الأسدي أحد شهداء واقعة الطف وذلك لوجود قبره في الجهة الغربية من الرواق.
ولهذه الأروقة الأربعة ثمانية أبواب تؤدي كلها إلى صحن الروضة، وأهمها الباب الرئيسي الذي يقع في وسط الرواق القبلي ويعرف بباب الذهب، وتنفتح غرف هذا الرواق من الخارج على بهو واسع يتقدم هذا القسم من الحضرة ويعرف بـ (إيوان الذهب) يبلغ طوله 36 متراً وعرضه 10 أمتار. ويرتفع سقف هذا الإيوان بمستوى أعلى من بقية أجزاء هذا البناء عدا القبة والمئذنتين ويبلغ أرتفاعه 15 متراً، ويستند على أعمدة من الرخام تعلوها أقواس مدببة. ولقد كُسيت جدران الإيوان الامامية بقشرة خفيفة من الذهب والفسيفساء والقاشاني. وعلى جانبي إيوان الذهب وإلى مسافة قليلة من فتحته الخارجية، تقع مئذنتا الحضرة الجميلتان المطليتان من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب وهما أسطوانيتا الشكل ويبلغ أرتفاع كل منهما ابتداء من سطح بناء الحضرة إلى أعلاها 25 متراً وقطرها 4 أمتار.
زينت الجدران الخارجية للروضة الحسينية بتشكيلات زخرفية رائعة تعكس روعة الفن المعماري الإسلامي، ويبلغ ارتفاعها 10،50 متر وتفتح على الصحن بسلسلة من الغرف يبلغ عددها 65 غرفة، يتصدر كل منها إيوان ذو عقد (قوس) مدبب. وزينت جدران هذه الغرف من الداخل والخارج بالفسيفساء ومعضمها أستخدم كمقابر للعلماء والشخصيات الدينية، وتقوم فوق هذه الغرف في الطابق الأول المخازن وسطح يشرف على الصحن. وفي سنة 1980م تم الإنتهاء من إزالة الكثير من هذه المقابر من قبل السلطات الحكومية، وحوّلت الغرف إلى قاعات ومخازن.
الروضة العباسية
يُعد جامع ومرقد العباس (عليه السلام) ثاني أهم المعالم المعمارية الإسلامية في مدينة كربلاء. ويضم رفات العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي استشهد مع أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف.
وتبعد الروضة العباسية حوالي 300 متراً إلى الجهة الشمالية الشرقية من الروضة الحسينية. ويحيط بها شارع شبه دائري، وتتصل بها شوارع قديمة وحديثة أهمها الفضاء الواسع المكشوف حالياً الذي يتصل بمرقد الحسين (عليه السلام) وكذلك شارع العباس (عليه السلام) وشارع العلقمي، وشارع صاحب الزمان وشارع بغداد وشارع الإمام علي (عليه السلام).
تشغل ابنية الروضة العباسية أرضاً مستطيلة الشكل طولها 118,50 متر وعرضها 93,60 متر، وتتألف من بناية الحضرة التي تحتل القسم الوسطي من الروضة وطولها 48 متراً وعرضها 39 متراً تتوسطها غرفة الضريح الواسعة نسبياً وصحن واسع يحيط بالحضرة من جميع الجهات وسور يفصل الحضرة وصحنها عن الشارع المحيط بها.
إن تخطيط الروضة العباسية لا يختلف عن تخطيط الروضة الحسينية من حيث السعة والضخامة وعظمة البنيان وطرازها المعماري الإسلامي، إلا في حجم الأروقة التي تحيط بغرفة الضريح التي تعتبر بمثابة قلب الروضة وهي على شكل مربع تقريباً واسعة نسبياً يبلغ طول ضلعها 19 متراً من الخارج، وتتسم بضخامة جدرانها وارتفاعها. ويتوسط ضريح العباس (عليه السلام) فناء هذه الغرفة، وهو مغطى بصندوق فضي مشبك غاية في الدقة. وتعلو غرفة الضريح قبة مرتفعة، يبلغ قطرها 12 متراً وارتفاعها عن سطح أرضية الحضرة 39 متراً، وشكلها نصف كروي مدبب الرأس وذات رقبة طويلة، تتخللها نوافذ ذات عقود (أقواس) مدببة من جميع الجهات، وقد كُسيت من الداخل بتشكيلات زخرفية رائعة على شكل مقرنصات مغطاة بقطع من المرايا الصغيرة، أما من الخارج فقد طليت بقشرة خفيفة من الذهب.
تتوسط جدران غرفة الضريح أربعة أبواب تؤدي بدورها إلى أربعة أروقة مفتوحة بعضها على بعض، عرض كل منها خمسة أمتار تحيط بها غرف. وتفتح هذه الأروقة على صحن الروضة بواسطة ستة أبواب أهمها الباب القبلي للحضرة الذي يفتح على بهو مستطيل واسع طوله 30,90 متر وعرضه 6,90 متر يعرف بـ (إيوان الذهب) وكُسي جداره الامامي من السقف حتى ارتفاع مترين من الأرض ببلاطات نحاسية مطلية بقشرة خفيفة من الذهب.
وترتفع عند جانبي إيوان الذهب مئذنتان متلاصقتان لجدار الروضة ارتفاع كل منهما 44 متراً عن مستوى أرضية الحضرة. كُسي نصفهما الأعلى بالذهب وأمّا نصفهما الأسفل فقد غطي بالقاشاني الملون، وكتبت في وسطهما آيات قرآنية كريمة بالخط الكوفي الجميل.
أما الجدران الخارجية للروضة العباسية فقد زينت بتشكيلات زخرفية من الطابوق (الآجر) والجص، ويبلغ ارتفاعها 10,50 متر، وتفتح على الصحن بسلسلة من الغرف يبلغ عددها (57) غرفة يتصدر كل منها إيوان ذو عقد (قوس) مدبب وزينت جدران هذه الغرف من الداخل والخارج بالفسيفساء.
أمّا أبرز المعالم الأثرية الإسلامية في كربلاء فهي:
حصن الأخيضر
يعتبر حصن الأخيضر من المباني الإسلامية التي أنشئت في الصدر الأوّل للإسلام، ويعدّ هذا الحصن المنيع من المعالم الحضارية المهمة الشاخصة في العراق نظراً إلى ضخامة بنائه وتفرّده من حيث التصميم والبراعة في هندسته، وهو مشيّد بالحجر والجص وبعض أجزائه مبني بالطابوق (الآجر) والجص أيضاً.
يقع الحصن في الصحراء الغربية من العراق على بُعد 50 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء وعلى بُعد 152 كلم من بغداد و17 كلم إلى الجنوب من مدينة عين التمر (شفاثا). وهو مستطيل الشكل طوله من الشمال إلى الجنوب 176 متراً وعرضه من الشرق إلى الغرب 164 متراً وارتفاع السور الخارجي 21 متراً بعرض 4,50 متر إلى ارتفاع 10,50 متر أي إلى مستوى أرضية المجاز العلوي ثمّ ينقسم إلى جدارين أحدهما خارجي والآخر داخلي يفصل بينهما مجاز بعرض مترين وعليه قبو (قادة) نصف أسطوانية، ويمكن الوصول إلى هذا المجاز عن طريق أربعة سلالم في كلّ زاوية من الزوايا الداخلية للحصن وسُلّمين على جانبي كلّ مدخل رئيسي. وتبلغ مساحة الحصن 29 ألف متر مربع تقريباً، ويحيط بالسور الخارجي 48 برجاً، أربعة منها في زواياه الأربع بقطر 5 أمتار وأربعون برجاً بقطر 3,50 متر موزعة على أربعة أضلاع بواقع عشرة في كلّ ضلع وأربعة أبراج منشطرة في كلّ مدخل رئيسي من مداخله الأربعة، وفي السور الخارجي توجد مزاغل (فتحات في الجدار) لرمي السهام.
وللحصن مرافق داخلية مكوّنة من البهو الكبير والمسجد وأقسام الحرس والمعية والقسم المركزي ومجموعة الدور وبيت الخدم، وجميعها ضمن بناية مستطيلة الشكل طولها 120 متراً وعرضها 80 متراً ملاصقة للسور الخارجي من الجهة الشمالية. والبناية مدعمة بأبراج عددها 26 برجاً بقطر 1,20 متر، ثمانية منها في كلّ من الضلعين الغربي والشرقي وخمسة في الضلع الجنوبي وبرجان في الزاويتين الجنوبية الغربية والشرقية بقطر 1,80 متر، وأبعاد البهو الكبير 15,50 متر×9 أمتار.
ويقع قسم الحرس والمعية في الجهة الشرقية من البهو ويلتصق بالسور الخارجي من الشمال ويؤدّي إليه بواسطة مدخل يقع في المجاز الطويل، كما يوجد مدخل آخر على شكل سطح مائل يؤدّي إلى الطابق الأوّل بواسطة مدخل فرعي على يمين الصاعد وإلى الطابق الثاني بعد انعطافه إلى الجنوب يؤدّي إلى الطابق الثاني.
القسم المركزي الذي يتكوّن من الرحبة الكبرى والإيوان الكبير وصالات الاستقبال مستطيل الشكل، ويحيط به رواق من جميع جهاته يفصله عن باقي أقسام الحصن، فالرحبة مستطيلة الشكل طولها 33 متراً وعرضها 27 متراً وتفتح عليها أربعة أبواب بواسطة الرواق ولها في القسم الجنوبي الشرقي سُلّمان أحدهما يؤدّي إلى الطابق العلوي، والثاني يؤدّي إلى السرداب. وواجهة الرحبة الشمالية مكوّنة من جدار ذي طابقين. أمّا الجدران التي تحيط بالرحبة فهي عبارة عن سلسلة من التجاويف تتكوّن من دعائم مستطيلة الشكل، تتقدّمها أعمدة نصف أسطوانية وتجلس على كلّ عمودين حنية غير عميقة على شكل نصف قبة مبنية بالطابوق (الآجر) بينما نجد جدران هذه التجاويف وأعمدتها مبنية من الحجر، وكسيت بطبقة من الجص وعلى الجدار الجنوبي زخارف هندسية مبنية بالآجر أمّا الرواق الكبير فتعلوه عقادة (قوس) من الآجر والجص.
ويقع الإيوان الكبير في القسم المركزي طوله 10,75 متر وعرضه 6 أمتار يحيط به عدد من القاعات خصّصت لاستقبال الضيوف وإجراء مراسيل الاستقبال. أمّا دور السكن فعددها أربع، اثنتان في كلّ من الجانبين الشرقي والغربي للحصن ومدخلهما الرئيسي يقع على الرواق الكبير، والدوار متشابهة من حيث التخطيط والتصميم، ومتناظرة في الوقت نفسه من حيث الموقع.
إنّ نظام الأواوين الموجودة في هذه الدور ينسب إلى الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة قرب الكوفة). أمّا قسم الخدم فهو بناء كبير يتألف من صحن مستطيل الشكل، مع ثماني قاعات، وهو منعزل عن دور السكن الخاصّة بالعوائل ويقع خلف القسم المركزي وغرف الاستقبال.
والحمام بناء مستطيل الشكل يقع بين الدار الجنوبي من دور السكن وبين قسم الخدم طوله 9،90 متر وعرضه 9،30 متر، ويقع مدخله في الركن الجنوبي الشرقي من الرواق الكبير.
وللحصن بنايتان الأولى خارج الصحن إلى الشمال الغربي منه طولها 76 متراً وعرضها 12 متراً مكوّنة من سلسلة غرف ذات عقادات وعددها 14 غرفة، وتكون إحداها بشكل إيوان مفتوح من الجانبين وهناك باب لسلم يؤدّي إلى سطح البناية. أمّا البناية الثانية فتقع داخل الحصن من شمال الساحة الشرقية المحصورة بين السور الخارجي وبناء الحصن الداخلي وهي مكوّنة من إيوان كبير ومجموعة غرف وفي الجزء الجنوبي منها سلم يؤدّي إلى سرداب وهو الثاني في الحصن([692]).
خان العطيشي
يُعتبر هذا الخان أحد أهم خانات القوافل في العراق، ويقع في قرية العطيشي التابعة لناحية الحسينية، إلى الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على الطريق القديم الذي يربط بين بغداد وكربلاء.
وفي فترة متأخرة اتّخذ هذا الخان مخفراً لشرطة قرية العطيشي، وفي الوقت الحاضر تهدّمت وتداعت معظم جدرانه ومرافقه، خصوصاً الأواوين القائمة في الأبهاء.
إنّ نظام تخطيط عمارة خان العطيشي يشبه بناء الخانات التي أقيمت خارج المدن في تلك الفترة من الزمن، وهو مستطيل الشكل طوله 65 متراً وعرضه 51 متراً، ويبلغ ارتفاع جدرانه الخارجية حوالي 5 أمتار وسمكها متر واحد، وزوّد الجزء العلوي منها بمزاغل تستخدم للدفاع وحماية الخان من اللصوص، وأركان الخان الخارجية مدعمة بأربعة أبراج كبيرة يبلغ نصف قطر كلّ منها 4,50 متر. ولهذا الخان مدخل يتوسط الواجهة الجنوبية الغربية بارز عن مستوى الجدار يبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار وعرضه متران، ويعلوه قوس كبير مدبّب الشكل.
يتوسط الخان ساحة داخلية مكشوفة طولها 50 متراً وعرضها 35 متراً تحيط بها الغرف التي تتقدّمها أواوين ذات قياسات مختلفة تعلوها عقود (أقواس) مدببة الشكل، أمّا الطريقة المتبعة في عملية تسقيف الغرف والأواوين فهي استخدام الأقبية المدببة. وشاع استخدام هذا الطراز من التسقيف في بناء بعض العمائر الدينية والمدنية التي أقيمت في العراق خلال فترة الحكم العثماني للعراق. وفيما يتعلق بتقبية الأبراج استخدمت القباب ذات شكل نصف كروي تقوم على رقبة أسطوانية. واتبع البناء رصف الطابوق (الآجر) والجص بشكل دائري على غرار الأسلوب القديم المتبع في بناء القباب التي بنيت في وسط وجنوب العراق خلال العصور الإسلامية. وزينت الواجهة الخارجية للمدخل الرئيسي للخان بالزخارف الآجرية المتشابكة التي تشبه نسيج الحصير. واستعملت مواد البناء المحلية في بناء خان العطيشي كالطابوق (الآجر) والجص.
خان النخيلة
يعتبر هذا الخان أحد أبرز الخانات التي تقع على طريق كربلاء ـ النجف، ويبعد عن مدينة كربلاء حوالي 14 كلم إلى الجنوب الغربي منها، وهناك خانان آخران يقعان على الطريق نفسه وهما خان الحماد (خان النص) وخان المصلى.
ومن الناحية التاريخية يعود خان النخيلة والخانات الأخرى التي تقع على طريق كربلاء ـ النجف إلى فترة الحكم الصفوي والعثماني للعراق. ويتشابه خان النخيلة من الناحية التخطيطية والمعمارية مع خانات القوافل الأخرى التي تقع على الطرق الخارجية التي تربط بين المدن العراقية، حيث يتوسطه الصحن (الفناء المكشوف) تحيط به مجموعة من الغرف التي تتقدّمها الأواوين التي تعلوها عقود (أقواس) مدببة الشكل. ويتميز هذا الخان بأسواره العالية ومدخله الذي يتألف من طابقتين تتوسطه بوابة كبيرة، واستخدمت الأقبية المدببة في تسقيف الغرف والأواوين واستعمل في بنائه الطابوق (الآجر) والجص.
خان العطشان
يقع هذا الخان في المنطقة الواقعة بين كربلاء والنجف وعلى بُعد 16 كلم باتجاه الغرب من خان النخيلة، وإلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء بنحو 30 كلم. وهو بناء قديم يعود تاريخه إلى الفترة التي بني بها حصن الأخيضر الشهير في مطلع العصر العباسي، ويستدل من طراز بناء هذا الخان وعناصره الزخرفية على أنّه لم يكن سوى دار استراحة لوالي منطقة الأخيضر في رحلته إلى مدينة الكوفة. أمّا تسمية المبنى بالخان فأغلب الظن أنّها أطلقت عليه في فترة متأخرة لنزول المسافرين والقوافل التجارية.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أنّ خان العطشان من منشآت الدولة الصفوية والدليل على ذلك وجود (تل مزعر) بالقرب منه، وهذا التل هو المكان الذي كانت تقف فوقه قوافل التجار والزوار والمسافرين لرؤية قبّة الروضة الحسينية خلال فترة العهد الصفوي. ولا تزال أطلال هذا الخان باقية إلى يومنا هذا.
د. رؤوف الأنصاري
مراحل التطور العمراني لمدينة كربلاء
ومظاهر التخريب في السنوات الأخيرة
تتميز كربلاء بموقع جغرافي أكسبها أهمية كبيرة منذ أقدم العصور، وهي تنتمي إلى حضارة الأقوام السامية في العراق لا سيّما البابليين منهم، وذلك لقرب موقعها من بابل، فقد كانت في عهدهم عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة منها نينوى ـ وهي غير نينوى عاصمة الآشوريين في شمال العراق قرب مدينة الموصل ـ وكذلك كانت توجد قرى أخرى كعمورا، ماريا، صفورا، شفية، والعقر كانت جميعها تقع في المنطقة المحصورة بين كربلاء الحالية ونهر الفرات. وعلى مقربة من هذه القرى منطقة تدعى النواويس وهي مجموعة مقابر للمسيحيين الذين سكنوا هذه المنطقة قبل الفتح الإسلامي للعراق.
أمّا اسم كربلاء فيعتقد فريق من المؤرخين أنّه يمكن ربط اسمها باللفظة الآرامية كاربيلا (Kar-Bella) المتصلة بلفظة كربلاتو (Kar-Ballato) الآشورية أو كاربيل (kar-Bel) التي تعني سور الإله بيل. وذكر أيضاً أنّ كربلاء تتكوّن من كلمتين هما «كرب» بمعنى معبد أو حرم و«إل» بمعنى الإله ومجموعة الكلمتين بمعنى «معبد الإله» أو «حرم الإله».
أمّا مدينة كربلاء الحالية والتي تبعد عن بغداد بحوالي 105 كلم إلى الجنوب الغربي منها، فقد كانت أرض غير مأهولة بالسكان عندما نزل الإمام الحسين (عليه السلام) سبط الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأهله وأصحابه فيها عام 61هـ (680م).
وبعد استهشاد الإمام الحسين (عليه السلام) ونفر من أهل بيته وأصحابه في العاشر من شهر محرم الحرام عام 61هـ (680م) بدأت مدينة كربلاء الحالية بالظهور وكان نواتها قبر الإمام الحسين (عليه السلام) حيث أقيم عليه بناء مسقف وبجانبه مسجد كان لهُ بابان أحدهما نحو الجنوب والآخر نحو الشرق. كما شُيّدت قرية صغيرة تحيط بالقبر وذلك من قبل المختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة 66هـ (686م)، وكان بناء القبر تعلوه قبّة من الآجر تعتبر أوّل قبّة شيّدت في الإسلام. بينما يذهب بعض المؤرخين أنّ أوّل قبّة بنيت في الإسلام هي قبّة مسجد الصخرة في مدينة القدس الشريف التي شيّدها عبد الملك بن مروان الأموي سنة 72هـ (691م). وربّما يعود ذلك إلى عدم التوسّع في المصادر التي اعتمد عليها هؤلاء المؤرخون في استنتاجهم وقلّة معرفتهم بتأريخ عمران مدينة كربلاء.
كما شيّدت قرية صغيرة تحيط بقبر الحسين (عليه السلام) وكانت عبارة عن مجموعة بيوت بدائية بسيطة مبنية من الطين وجذوع وسعف النخيل الذي كان يجلب من المناطق القريبة من موضع القبر. وقد أولى الكثير من الحكام والولاة في مختلف العهود الإسلامية المتعاقبة على العراق عنايتهم بهذه المدينة ومراقدها المقدسة وأصبحت في فتراتٍ زمنية مختلفة أحد أهم المراكز الدينية والعلمية والعمرانية في العالم الإسلامي.
ففي بداية العهد العباسي بدأت المنطقة المحيطة بالقبر تتطوّر عمرانياً وذلك لكثرة الزائرين واختيار البعض منهم الإقامة فيها ليجاوروا مرقد الحسين أو لتقديم الخدمات للزائرين، وعلى أثر ذلك بدأ تشييد بيوت جديدة بسيطة تمركزت حول المرقد الشريف.
وظلّت كربلاء تنمو عمرانياً إلى أنّ قام الخليفة العباسي هارون الرشيد في أواخر أيام حياته سنة 193هـ (809م) بهدم قبر الحسين (عليه السلام) الذي كان تعلوه قبّة وهدم ما حوله من البيوت.
وعندما تولّى الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد الحكم بعد أخيه الأمين سنة 198هـ (813م) عاد الاهتمام بمدينة كربلاء بشكل عام، وأعيد بناء مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وأخذ المأمون بإظهار الحب لأهل البيت (عليهم السلام) وبدأ المسلمون يتوافدون على المدينة والسكنى بجوار المرقد تباعاً.
وعند استلام الخليفة العباسي المتوكل الحكم سنة 236هـ (850م)، كان المسلمون يقصدون كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) وكثرت البيوت حول المرقد الشريف وصار لهم سوق كبير فقام المتوكل بهدم المرقد الشريف وما حوله من المباني ثلاث مرات خلال فترات حكمه الذي انتهى سنة 247هـ (861م).
وعاد العمران إلى مدينة كربلاء مرة أخرى في زمن الخليفة العباسي المنتصر بن المتوكل سنة 247هـ (861م) بعد أن أعاد بناء مرقد قبر الحسين (عليه السلام)، وبمرور الزمن أخذت البيوت تتكاثر من جديد وبصورة متراصة وخاصةً في المنطقة التي تحيط بالمرقد فاستعادت كربلاء مكانتها العمرانية والعلمية حيث وفد إليها عدد من العلماء والمحدثين.
بدأت مرحلة جديدة في عمران مدينة كربلاء، في فترة العهد البويهي، بعد أن دخل معز الدولة بغداد سنة 334هـ (946م)، فقد استعمل الطابوق (الآجر) في كربلاء في هذه الفترة في بناء القباب والأقبية لتغطية السقوف بصورة محدودة بدلاً من أخشاب جذوع النخيل واستعمال الآجر هو تراث معماري قديم عرفته عمارة وادي الرافدين في المدن الأثرية كبابل، وأور، والوركاء.
وفي العهد البويهي بدأ تأثّر الفن المعماري في العراق ومدينة كربلاء خصوصاً بعمارة وفنون الحضارة الفارسية وخاصةً في زخرفة الطابوق (الآجر) الذي وصل في زمن البويهيين إلى قمة الإبداع.
وقد شيّد عضد الدولة البويهي سنة 371هـ (982م) سوراً يحيط بالمدينة يعتبر السور الأوّل لمدينة كربلاء، وجعل لهذا السور ثلاثة مداخل ضمن تخطيط جديد للمدينة وتعتبر هذه المرحلة في تاريخ كربلاء العمراني أهم مراحلها الأولى حيث بدأ تمصير كربلاء في هذه الفترة. وفي عهد عضد الدولة البويهي شيّدت أوّل مدرسة إسلامية في العراق هي «المدرسة العضدية» في مدينة كربلاء المقدسة سنة 369هـ (980م)، وكان موقعها بجانب مسجد رأس الحسين (عليه السلام) الذي شيّده عضد الدولة البويهي أيضاً بالقرب من باب السدرة أحد أبواب الروضة الحسينية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ بناء المدارس الإسلامية في العراق يرجع في تاريخه إلى عهد السلاجقة الذين حكموا العراق بعد البويهيين، وأوّل مدرسة شيّدت من قبل السلاجقة حسب تلك المصادر هي المدرسة النظامية في بغداد والتي شيّدها نظام الملك سنة 459هـ (1067م) الذي كان وزيراً للسلطان السلجوقي ألب أرسلان وابنه السلطان ملكشاه.
وبالمقارنة بين التاريخين اللذين ذكرتهما المصادر التاريخية يظهر أنّ المدرسة العضدية قد شيّدت قبل المدرسة النظامية بما يقارب 90 عاماً وعليه فإنّها أولى المدارس الإسلامية التي شيّدت في العراق.
وقام الوزير البويهي أبو محمد الرامهرمزي سنة 414هـ (1023م) بإعادة بناء سور مدينة كربلاء فكان السور الثاني لها.
وقد ظلّ استخدام الآجر في أبنية مدينة كربلاء مقتصراً على بعض المباني الدينية المهمة والأسواق والخانات وبعض البيوت، ولكن ظلّت مادة (اللَبِن)، التي هي عبارة عن كتل الطين المخمر والمخلوط مع التبن في قوالب مضلعة الشكل مختلفة الأبعاد والمجففة طبيعياً بواسطة أشعة الشمس، هي المادة الرئيسية في بناء البيوت الكربلائية في هذه الفترة ما بعدها.
وفي عهد السلاجقة قام السلطان ملكشاه سنة 479هـ (1087م) بإعادة تعمير سور مدينة كربلاء الذي شيّده الوزير البويهي الرامهرمزي.
وقد تعرضت مدينة كربلاء من الناحية العمرانية للإهمال عند بداية استيلاء المغول على العراق سنة 656هـ (1258م) ولكن في نفس الوقت سلمت المدينة وعمرانها من الخراب والدمار الذي حدث ببغداد في تلك الفترة.
وعند زيارة الرحالة الشهير ابن بطوطة مدينة كربلاء سنة 727هـ (1327م) وصف هذه المدينة وقال: إنّ أهل هذه المدينة طائفتان هما أوّلاً (زحيك) وثانياً (فائز) والخصام بينهما مستمر وهم علويون ويرجعون إلى أب واحد.
ويستدل من ذلك أيضاً بأن كربلاء كانت مقسمة عند زيارة أبن بطوطة إلى منطقتين عمرانيتين كبيرتين كل منطقة تسكنها إحدى الطائفتين.
فطائفة آل زحيك كانت تسكن المنطقة التي تعرف اليوم ـ باب النجف وباب الخان ـ.
أما طائفة آل فائز فكانت تسكن المنطقة التي تعرف اليوم ـ بباب السلالمة والقسم الشرقي من باب الطاق وباب بغداد وبركة العباس ـ وقد سكنت أيضاً طائفة علوية أخرى هي آل عيسى المنطقة التي تعرف اليوم ـ بمحلة المخيم والقسم الغربي من باب الطاق.
أما في العهد الجلائري فقد قام السلطان أويس ابن الشيخ حسن الجلائري وولداه حسين وأحمد وواليه على بغداد أمين الدين مرجان بالاهتمام بمدينة كربلاء وإعادة تجديد مبنى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وذلك سنة 786هـ (1384م).
وأبدع ما أدخل في العهد الجلائري من الفنون هو أسلوب زخرفة المباني الدينية في كربلاء بالنقوش الزخرفية وخاصةّ البلاط المزجج (القاشاني) الملون الجميل في تغطية الواجهات والسطوح، وهذا ما ظهر في مسجد ومئذنة العبد الشهير اللذين بناهما مرجان في الجهة الشرقية من صحن مرقد الإمام الحسين (عليه السلام).
دخلت مدينة كربلاء مرحلة عمرانية جديدة بعد استيلاء الشاه إسماعيل الصفوي على العراق سنة 914هـ (1508م)، حيث قام الصفويون بخدمات جليلة وذلك بتعمير وتزيين المراقد المقدسة والمباني الدينية وشيدوا بيوتاً جديدة.
فقد جمعوا لهذا الغرض نخبة من البنائين والمهرة المبدعين من أطراف البلاد الإسلامية في صناعة القاشان الملون وزخرفة الخشب وبناء الآجر الذي استعمل في البناء بطرقٍ فنية غاية في الإبداع.
وقد جلبوا أغلى المواد البنائية، كالرخام والأخشاب النادرة.
وعند ملاحظة الطابع المعماري للأبنية الدينية في كربلاء والمدن المقدسة الأخرى في العراق والتي شيدت في العهد الصفوي، يمكن القول بأنها جمعت بين العناصر المعمارية التي عرفت في أبنية العراق وإيران في فترات زمنية مختلفة كالإيوان الكبير، والبهو الواسع المغطى بعقود نصف دائرية، والفناء المكشوف.
وبعد سيطرة العثمانيين على العراق سنة 941هـ (1535م) وفي عهد السلطان سليمان القانوني بذل هذا السلطان ما بوسعه للاهتمام بمدينة كربلاء والمراقد المقدسة. وأمر بشق نهر يروي أراضي مدينة كربلاء في نفس السنة سمّي بـ(النهر السليماني) نسبة إلى السلطان ويسمّى حالياً بـ (نهر الحسينية) وما زال يروي أراضي كربلاء إلى يومنا هذا.
وفي سنة 1216هـ (1801م)، أصاب الخراب مباني مدينة كربلاء وذلك عندما دخل الوهابيون المدينة فهدموا المساجد والأسواق والكثير من البيوت التراثية المحيطة بالمرقدين وعبثوا بالمراقد المقدسة وهدموا سور المدينة.
وبعد هذه الحادثة تبرع أحد ملوك الهند بإعادة بناء ما خربه الوهابيون، فأخذ المرجع الكبير السيد علي الطباطبائي على عاتقه مسؤولية إعادة بناء وترميم المراقد المقدسة والأسواق والبيوت وشيّد للمدينة سوراً حصيناً.
وجعل لهذا السور ستة أبواب هي:
1 ـ باب الخان: وقد سُمي بهذا الأسم لوجود خان أقيم بالقرب من السور.
2 ـ باب الطاق: وقد سُمي بهذا الإسم نسبة إلى طاق (قوس) إبراهيم الزعفراني أحد رجالات كربلاء الذين قاوموا الأتراك.
3 ـ باب بغداد: وهو الباب الذي يمر منه المسافرون إلى بغداد.
4 ـ باب النجف: وهو الباب الذي يمر منه المسافرون إلى مدينة النجف الأشرف.
5 ـ باب السلالمة: سُمي بهذا الإسم نسبة إلى المنطقة التي سكنتها عشيرة (السلالمة) فعرف باسمها.
6 ـ باب المخيم: سُمي بهذا الأسم تيمناً بوجود المخيم الحسيني، وهو الموقع الذي خيم فيه الإمام الحسين (عليه السلام) مع أهله عند وصوله كربلاء.
وفي عهد الوالي العثماني مدحت باشا سنة 1285هـ (1868م) تمّ هدم قسم من سور المدينة من الجهة الجنوبية الغربية وتمّ توسيع المدينة بإضافة طرف آخر إليها سمّي بطرف أو محلة العباسية التي قسمت بدورها إلى قسمين يعرفان بالعباسية الشرقية والعباسية الغربية ويفصل بينهما شارع العباس.
فأصبحت لمدينة كربلاء ثمانية أطراف (محلات أو حارات)، ستة منها سُميت بأسماء سور المدينة وهي:
1 ـ محلة باب الخان.
2 ـ محلة باب الطاق.
3 ـ محلة باب بغداد.
4 ـ محلة باب النجف.
5 ـ محلة باب السلالمة.
6 ـ محلة المخيم.
7 ـ محلة العباسية الشرقية.
8 ـ محلة العباسية الغربية.
وخلال فترة الانتداب البريطاني على العراق التي بدأت سنة 1917م استقدم الكثير من الهنود المهرة والفنيين إلى العراق وقد تأثّرت العمارة الكربلائية في هذه الفترة ببعض مفردات فنون العمارة الهندية وتطوّرت صناعة زخرفة الخشب الشناشيل (المشربيات) والتي يعود تاريخها إلى العصور الإسلامية الأولى…
بعد قيام الدولة العراقية سنة 1921م بدأ العمران في مدينة كربلاء يأخذ منحى جديداً كسائر المدن العراقية الكبيرة، حيث انتقلت إليها أساليب جديدة في البناء وأنماط معمارية في التصميمات وعناصر المفردات المعمارية الغربية وخاصةً في الأبنية التي استُحدثت خارج حدود المدينة القديمة.
فبدأت المناطق الجديدة من المدينة بالابتعاد عن الأزقة الضيقة والطرق الملتوية التي تميز بها الجزء القديم منها وخاصّة في المناطق المحيطة بالمرقدين. ولأوّل مرّة استعملت في المباني الجديدة مواد بناء كالإسمنت والحديد وخاصةً الشيلمان (I Beam) الذي استُعمل بكثرة في تسقيف البيوت والأبنية الأخرى بدلاً من أخشاب جذوع النخيل وألواح جذوع الحور (القوغ) وبعض الأخشاب الأخرى.
وقد حافظت البيوت والمباني داخل محيط مدينة كربلاء القديمة على النسيج العمراني الخاص بالمدينة، إذ كانت منخفضة وذات طابق واحد إلى طابقين بحيث تلائم طبيعة وبساطة العادات الاجتماعية والوضع الاقتصادي والبيئي، وكذلك لا تتعدّى ارتفاعاتها ارتفاع السور المحيط بصحن كلّ من المرقدين الشريفين وذلك حرمةً لمكانة المرقدين.
ومنذ الخمسينات، أخذت المدينة بالتوسّع أفقياً خارج محيطها القديم فاستحدثت أحياء جديدة تقع أغلبها في الجهة الغربية والجهة الجنوبية الغربية من المدينة القديمة.
وفي سنة 1977م بدأ العمل في تنفيذ مشروع شارع المشاة بعرض 40 متراً والذي يربط مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) وانتهى العمل فيه سنة 1980م وقد تسبّب هذا المشروع في تشويه الطابع الجميل لمركز مدينة كربلاء بصورة ملفتة للنظر، وجاء مقترناً بعدم الالتفات والحفاظ على الأصالة الحضارية للبيئة الإسلامية التي تتميز بها هذه المدينة وكذلك نسيجها العمراني، ممّا أدّى إلى تهديم الكثير من معالم العمارة الإسلامية البارزة فيها، كسوق الحسين الشهير وسوق العباس وجامع الصافي ومدرسة بادكوبة الدينية ومدرسة حسن خان والبيوت التراثية الجميلة وغيرها.
وشيدت على جانبي شارع المشاة مبانٍ غير منتظمة ومن غير دراسة وتخطيط مسبق وبدون تفهّم لطابع المدينة العمراني الإسلامي.
وفي آذار من سنة 1991م بعد انتفاضة الأهالي في المدينة والمدن العراقية الأخرى ضد النظام التكريتي القائم، قامت القوات الحكومية بتدمير مركز مدينة كربلاء (ما بين المرقدين وما يحيط بهما) تدميراً كاملاً، فأزيلت جميع المعالم العمرانية التراثية لمركز المدينة، ممّا أدّى إلى فقدانها الكثير من ثرائها العمراني الذي كانت تحفل به كالمساجد والأسواق والمعاهد والمدارس الدينية والحسينيات والخانات والقيسريات والبيوت التراثية الجميلة، وتحوّلت المنطقة الواقعة بين المرقدين إلى ساحة خالية يبلغ عرضها 160 متراً وطولها 350 متراً تحيطها أبنية مهدمة.
ومن الغريب بأنّ السلطات الحكومية أعطت في الآونة الأخيرة رخص بناء للمنطقة التي تحيط بهذه الساحة (ما بين المرقدين وما يحيط بهما) بدون دراسة الموقع من الناحية التخطيطية والهندسية، ممّا سيؤدّي حتماً إلى تشويه الطابع العمراني لمركز المدينة.
وتنتشر في أرجاء مدينة كربلاء وضواحيها الكثير من معالم العمارة الإسلامية التأريخية أشهرها بمبنى المخيم ومرقد الحر بن يزيد الرياحي ومرقد عون بن عبدالله ومرقد أحمد بن فهد الحلي ومرقد ابن الحمزة ومرقد الأخرس بن الكاظم ومرقد الإمام نوح (عليهم السلام).
وهناك معالم عمرانية إسلامية أخرى في كربلاء كالمساجد والمدارس الدينية والحسينيات والخانات والقيسريات والبيوت التراثية الجميلة.
أمّا أبرز المعالم الأثرية وأشهرها فهي: حصن الأخيضر وكهوف الطار.
د. رؤوف الأنصاري
دراسة هندسية لمدينة كربلاء
ومقترح لتطوير مركزها
تعرّضت الكثير من المدن الحضارية في العراق وخاصّة الدينية منها في السنوات الأخيرة للتشويه والتخريب العمراني المتعمد وغير المتعمد أحياناً، بسبب التخلف في النظرة العمرانية والفنية والفكرية ومن دون الالتفات إلى بيئة هذه المدن ونسيجها العمراني الخاص، إضافة للتعصب والنظرة الضيقة لدى المسؤولين في هذا الإطار. ممّا أدّى إلى تشويه مراكزها وبصورة لافتة للنظر سيّما المناطق المحيطة بالجوامع والمراقد الرئيسية.
ولعل ما قامت به حكومة الطغيان التكريتي الحالية منذ العام 1991م من تهديم لمساحات واسعة لمركز مدينة كربلاء بحجة توسيع هذه المنطقة لهذه المدينة، وأنّ إعطاء رخص بناء في الآونة الأخيرة للمنطقة المحيطة بالساحة الواسعة المكشوفة بين جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) ـ الروضتين الحسينية والعباسية ـ وزراعتها بأشجار النخيل ومن دون دراسة مسبقة من الناحية التخطيطية والهندسية ما هو إلاّ لتشويه الوجه الحضاري لمركز المدينة من الناحية العمرانية، وكذلك أضعاف هيبة ومكانة الروضتين وحرمتهما ضمن المحيط العمراني الحالي غير المتجانس، وكذلك إلغاء كافة الأنشطة الحيوية والتجارية التي كانت متمثلة بالأسواق التراثية والقيساريات والخانات والمحلات التجارية.
ومن هذا المنطق قام المعماري والباحث رؤوف محمد علي الأنصاري بدراسة معمارية لمدينة كربلاء بشكل عام ولمركز المدينة بشكل خاص، نال على أثرها شهادة الدكتوراه من جامعة ويلز في بريطانيا.
ومن أبرز الفصول التي تضمنتها الدراسة هي:
- موقع ومكانة مدينة كربلاء بالنسبة للمدن الإسلامية.
- تعريف عام بالمدينة.
- المراحل التاريخية التي مرّت بها المدينة.
- مراحل التطوّر العمراني للمدينة الحالية منذ نشأتها عام 61هـ (680م) وإلى يومنا هذا.
- الدراسة المعمارية للروضتين والمباني الدينية الأخرى في المدينة والمناطق المحيطة بها.
- الدراسة المعمارية للمباني التاريخية والتراثية في المدينة والمناطق المحيطة بها.
- الدراسة المعمارية لمركز المدينة ما بين الروضتين وما يحيط بهما.
- المقترحات والتوصيات المتعلقة بتحسين وتطوير المدينة ومركزها.
وقد تضمن المحور التاريخي عدداً من الاستنتاجات من أهمها:
1 ـ أنّ كربلاء قبل الإسلام كانت تنتمي إلى حضارة الأقوام السامية في العراق لا سيما البابليين منهم، وكانت عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة تحيط بمدينة كربلاء الحالية أشهرها نينوى، عمورا، ماريا، صفورا، وشفية.
2 ـ أمّا مدينة كربلاء الحالية فهي غير كربلاء ما قبل الإسلام، حيث إنّ موقعها الجغرافي والديني الذي برز نتيجة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) سبط الرسول الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله) ونفر من أهل بيته وأصحابه عام 61هـ (680م) أعطى لهذه المدينة لاحقاً مكانتها الإسلامية الرفيعة في العالم الإسلامي.
3 ـ إنّ تاريخ هذه المدينة يعدّ جزءاً هاماً ورئيسياً من تاريخ العراق الإسلامي خلال كافة القرون الماضية، وكانت محط اهتمام وعناية أكثر الحكام والولاة المسلمين من كافة أنحاء البلاد الإسلامية.
4 ـ لعبت مدينة كربلاء دوراً رئيسياً في مقاومة الاحتلال البريطاني عام 1920م وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921م، حيث كان في كربلاء مركز قيادة الثورة العراقية المتمثلة بالمرجع الكبير الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي.
5 ـ كانت مدينة كربلاء في حقب عديدة من تاريخها مركزاً لالتقاء الحضارات والثقافات والشعوب، من شتى الأقطار الإسلامية، ومأوى للمضطهدين من العلماء والمفكرين من البلدان الإسلامية على مرّ العصور، وانعكس هذا في أحد جوانبه على التركيبة السكانية المتسامحة للمدينة، كما كانت منطلقاً لكثير من الحركات الفكرية والسياسية.
6 ـ لعبت كربلاء تزامناً مع مدن عراقية أخرى أبرزها مدينة النجف الأشرف والحلة طيلة قرون عديدة دوراً حضارياً متميزاً في تاريخ العراق والعالم الإسلامي، وكانت مقر كبار العلماء ومكان تدريسهم، وعلى الرغم من تعرّضها للظلم والاضطهاد في فترات من تاريخها.
7 ـ أشاد الكثير من الرحّالة والمؤرخين العرب والمسلمين والغربيين والمستشرقين على الدوام بأهمية ومكانة هذه المدينة من الناحية التاريخية والدينية والعلمية والأدبية والسياسية والعمرانية.
أمّا الاستنتاجات على الصعيد العمراني فنلاحظ من بين أهمها:
1 ـ إنّ أوّل قبّة شيّدت في التاريخ الإسلامي كانت فوق قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وذلك عام 66هـ (686م) من قبل المختار بن أبي عبيدة الثقفي أيام إمرته على الكوفة.
2 ـ إنّ أوّل مدرسة إسلامية شيّدت في العراق كانت المدرسة العضدية في كربلاء والتي شيّدها عضد الدولة البويهي عام 369هـ (980م).
3 ـ اتّسمت عمائر مدينة كربلاء بصفات وخصائص وطراز عمارة وادي الرافدين ولكنّها في الوقت نفسه تأثّرت بطرز وعناصر ومفردات عمائر دول وحضارات مختلفة كالفارسية والتركية والهندية.
4 ـ تميّزت المباني التاريخية والتراثية في مدينة كربلاء باستعمال مواد البناء المحلية وكذلك بقلّة الكلفة المادية بالإضافة إلى الجوانب الجمالية، كما أنّها تنسجم مع الحياة الحضارية والاجتماعية وملائمة للظروف المناخية والبيئية.
وقد تضمنت الدراسة عدداً من المقترحات والتوصيات من أهمها:
1 ـ تحقيق الترابط والتكامل العمراني بين الروضتين والمباني المقترحة الواقعة بينهما وذلك من خلال مخطط تصميمي يتمحور حول صحن واسع يهدف إلى ربط الروضتين ربطاً يحافظ على خصوصية كلّ منهما من جهة ويحقق وحدتهما ككيان معماري واحد من جهة أخرى.
2 ـ تحقيق الترابط والتكامل العمراني بين الروضتين والمناطق المحيطة بهما.
3 ـ تحقيق الترابط والتكامل العمراني بين مركز المدينة والأحياء القديمة المحيطة به عبر نسيج عمراني متكامل.
4 ـ العمل على إنشاء سوقين كبيرين جديدين يقعان على جانبي الصحن الواسع المقترح ويرتبطان به بواسطة مداخل كبيرة، إحياءً لذكرى مجموعة الأسواق التراثية المتمثلة (بسوق الحسين وسوق التجار الكبير وسوق العباس)، وسوق العرب والتي تمّ هدمها.
5 ـ العمل على إنشاء مرافق للخدمات العامّة تحيط بالمنطقة (ما بين الروضتين وما يحيطهما)، كالمرافق الصحية، الحمامات العامة، أماكن شرب المياه (السبيل)، العيادات الطبية، مخافر الشرطة، مكاتب سياحية وفنادق صغيرة.
6 ـ يقترح إعادة بناء الحسينية الحيدرية (قاعة الاحتفالات) في موقعها القديم لا سيما وأنّها كانت القاعة الرئيسية بل الوحيدة في المدينة للاحتفالات الدينية.
7 ـ تحديد ارتفاعات الأبنية الجديدة ما بين الروضتين وما يحيطهما بثلاثة طوابق بما فيها الطابق الأرضي أو ارتفاع السور المحيط بصحن كلّ من الروضتين كحدّ أقصى وذلك للمحافظة على استمرارية النسيج العمراني للمدينة القديمة وكذلك على هيبة الروضتين وكيانهما العمراني.
8 ـ تحديد المعالجات المعمارية لواجهة الأبنية الجديدة بما يتلاءم وخصائص العمارة الإسلامية الخاصّة بالروضتين والمباني التراثية في المدينة.
9 ـ استعمال مواد البناء المحلية التقليدية في المباني الجديدة كالطابوق الطيني (الآجر) والجص والبلاط القاشاني إضافة إلى استعمال مواد البناء الأساسية الأخرى كالإسمنت والحديد والخشب واستعمال المواد التزيينية كالرخام والأحجار الملونة وغيرها وبأسلوب يستلهم الهوية المعمارية الإسلامية لمدينة كربلاء.
10 ـ الحفاظ على الفصل بين مناطق سير المشاة وشوارع المركبات لما له من أهمية في حياة سكان المدينة والزوّار وكذلك توفير مواقف للسيّارات داخل وخارج حدود المدينة القديمة.
11 ـ إنشاء مؤسسة تراثية تتفرّع لإدارة وتنفيذ المقترحات والتوصيات الضرورية ومنها المذكورة أعلاه والإشراف على المباني الدينية التراثية والثقافية مستقبلاً والتي تهدف إلى الحفاظ عليها.
12 ـ إقامة متحف يضم التحف الأثرية النادرة والمجوهرات والمصاحف الشريفة والمخطوطات المهمة المحفوظة في الروضتين الحسينية والعباسية لإبراز الثراء الثقافي للمدينة إضافة إلى تحقيق واردات إضافية من الرسوم المجباة من زيارة المتحف.
13 ـ إقامة وتطوير المكتبات والمراكز الثقافية في المدينة.
14 ـ دعوة المنظمات الإقليمية والعالمية المعنية بالحفاظ على التراث والعمارة الإسلامية خصوصاً اليونسكو والأيسيسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) ومؤسسة آغا خان للثقافة وكذلك الهيئات العلمية والأكاديمية لاستشارتها الإضافية ومساعدتهم في بناء وإعادة الوجه الحضاري لمدينة كربلاء ومركزها.
15 ـ العمل على تسجيل الأماكن التاريخية والآثار الإسلامية والمباني الدينية في المدينة لدى منظمة اليونسكو كجزء من التراث الخالد للإنسانية.
16 ـ إنشاء معاهد ومراكز حرفية للتراث الإسلامي في كربلاء تتولى تدريب وتوفير الأيادي الفنية المتخصصة بالفنون الإسلامية كالبناء والترميم والزخرفة بكافة أنواعها، وكذلك فتح مدارس أو ورشات متخصصة بالخط العربي والنجارة والحدادة وغيرها، والاستعانة بخبرات فنية عربية وإسلامية ومن دول أخرى لتطوير هذه المراكز.
17 ـ إقامة وتطوير الصناعات المحلية المختصة بمواد البناء خصوصاً صناعة الطابوق الطيني المفخور (الآجر) وصناعة البلاط المزجج (القاشاني) والصناعات التي تتعلق بزخرفة الجبص وكذلك زخرفة الخشب كالشناشيل أو المشربيات.
ومن بين أهم التوصيات والضوابط والتشريعات التي تضمنتها الدراسة:
1 ـ وضع تشريعات تحدّد الضوابط التخطيطية والعمرانية للسيطرة على عملية البناء الجديدة وكذلك تغيير الاستعمال للأبنية التراثية وذلك للحفاظ على معالم المدينة التاريخية ونمطها المعماري مع ضرورة متابعة تنفيذ تلك التشريعات بشكل حازم وقضائي، وحبّذا لو اقترن هذا بتثقيف واسع للسكان حول أهمية ذلك.
2 ـ وضع محفزات لتشجيع سكان المدينة للمشاركة في إحياء معالم المدينة العمرانية والحفاظ على روحية مجتمعها عن طريق تحسين أبنيتها.
3 ـ وضع سياسة للحفاظ على الأبنية التاريخية وصيانتها تتضمن منح قروض لترميمها أو قيام المؤسسة التراثية المقترح إنشاؤها بشرائها وصيانتها والتي لا يمكن لأصحابها ترميمها إلى حد مقبول.
4 ـ توثيق جميع الأبنية ذات القيمة التاريخية والتراثية لدى المؤسسة التراثية المقترح تأسيسها وتسجيلها لغرض الكشف عليها دورياً وإعادة بناء المهترئ منها وفق تصاميم تجري الموافقة عليها من قبل الهيئات التخطيطية والهندسية.
5 ـ القيام بمسح شامل وذلك بعمل المخططات والواجهات والمقاطع مع أخذ الصور الفوتوغرافية للأبنية الدينية والتراثية الرئيسية داخل المدينة وخارجها والموجودة حالياً كالروضتين الحسينية والعباسية والمساجد والمدارس الدينية والخانات والحمامات العامة والمقامات وبعض البيوت التراثية المهمة، وذلك لتكون مرجعاً يُستعان به عند ترميم وصيانة هذه المباني أو عند إعادة بنائها من جديد في حالة هدمها.
الكرك
مدينة في الأردن، ذكرها ياقوت «بأنّها قلعة حصينة جدّاً في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها، بين أيلة (العقبة) وبحر القلزم (البحر الأحمر) وبيت المقدس. وهي على سنّ جبل عالٍ تحيط بها أودية إلاَّ من جهة الربض».
والكرك قديمة جدّاً كانت عاصمة مملكة مؤاب في عهد قائدها مشع بن لكموش، ثمّ صارت الكرك بلدة رومانية، استولى عليها المسلمون صلحاً. وفي الحروب الصليبية جعلت أمنع معقل فرنجي على الجانب الشرقي للأردن والبحر الميت، سكنها الملك بلدوين الرابع.
وعندما تذكر الكرك يتبادر إلى الذهن حالاً اسم (الشوبك) القريبة منها، بل وقل أن تذكر الأولى إلاّ وتذكر معها الثانية، فيقال: (الكرك والشوبك) وفي الحروب الصليبية كان لهما ذكر طويل.
فيمن ذلك أنّ نور الدين محمود صاحب دمشق كان عازماً على الدخول في معارك حاسمة مع الصليبيين، فأرسل إلى واليه على مصر صلاح الدين الأيوبي أن يتقدّم من ناحيته، ويتقدّم نور الدين في الوقت نفسه من ناحيته، ولكن صلاح كان لا يجيب. ونترك الكلام هنا للمؤرخ ابن الأثير الذي قال: «وكان المانع لصلاح الدين من غزو الفرنج الخوف من نور الدين، فإنّه كان يعتقد أنّ نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم. وكان نور الين لا يرى إلاّ الجد في غزوهم بجهده وطاقته، فلمّا رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز بالمسير إليه، فأتاه أمر «الله الذي لا يرد».
ويروي ابن العديم في الجزء الثاني من كتابه هذا الأمر بهذا النص: سار الملك الناصر (صلاح الدين) من مصر غازياً فنازل حصن الشوبك وحصره، فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فلمّا سمع نور الدين بذلك سار من دمشق فدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأُخرى، فقيل للملك الناصر (صلاح الدين): إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الإفرنج، فلا لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت ها هنا فلا بدّ من الاجتماع به ويبقى هو المتحكم منك بما يشاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك إلى مصر.
وكرّر ابن العديم الرواية في مقام آخر قائلاً: واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كلّ منهما من جهته و تواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال الفرنج وأيّهما سبق أقام للآخر منتظراً إلى أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك وحصره. وسار نور الدين فوصل الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر لعلمهم بأنّهما متى اجتمعا كان نور الدين قادراً على أخذ مصر منه. فعاد إلى مصر، وكتب إلى نور الدين يعتذر.
وورد ذكر الكرك في حادث آخر: وذلك أنّ الكامل والأشرف ولدا العادل أخي صلاح الدين الأيوبي تردّدت الرسل بينهما وبين الملك الصليبي فريدريك الثاني إمبراطور الألمان ليساعدهما على أقربائهما لقاء ثمن باهظ، وتمّت الصفقة وسلماه القدس وما حولها، ومعها الناصرة وبيت لحم واللد وطريقاً يصل بين القدس وعكا يشمل القرى الممتدة على طول الطريق بين القدس وعكار، وذلك في ربيع الأوّل سنة 625هـ 18 شباط 1229م. ويصف ابن الأثير وقع هذه الصفقة على المسلمين قائلاً: «وتسلم الفرنج بيت المقدس واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه».
ثمّ استرد القدس الناصر داود صاحب الكرك سنة 637هـ (1239م). ولكن الصالح إسماعيل الأيوبي صاحب دمشق عاد فسلم القدس إلى الصليبيين وسلمهم معها عسقلان وصفد وطبرية وجزء من أرض مصر. وكلاً من هونين وتبنين والشقيف أي جبل عامل كلّه ووعدهم أنّه إذا ملك مصر أعطاهم بعضها وذلك لكي يساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر والناصر داود صاحب الكرك. ولمّا حشد الصليبيون قواهم عند غزة لمهاجمة مصر كوَّن الصالح إسماعيل حلفاً من بعض الملوك الأيوبيين في شمال الشام وزحفوا جميعاً إلى الصليبيين عند غزة، ولكن جند الشام رفضوا محالفة الفرنج وانضموا إلى جند مصر المتقدم للدفاع ففشل الهجوم الصليبي الأيوبي.
ويرد هنا ذكر الكرك، فإنّ الصالح إسماعيل هذا أرسل إلى من يسمّيه صاحب (كتاب الأعلاق الخطيرة) الحاج موسى، وهو شيعي من أبناء جبل عامل يبدو أنّه كان هو المشرف على شؤون قلعة الشقيف ـ أرسل إليه الصالح إسماعيل أن يسلم القلعة إلى الصليبيين فرفض ذلك وقال: «والله لا جعلته في صحيفتي».
ولكن الملك الأيوبي ظلّ يضربه حتّى قتله، ثمّ صادر أمواله. ولكن الآخرين من أبناء جبل عامل الشيعة الموجودين في القلعة والساكنين حولها قرّروا مقاومة تسليم القلعة للصليبيين وتحصنوا فيها للدفاع عنها، وكاتبوا صاحب الكرك لإنجادهم، فجاءتهم منه نجدة لم تغن شيئاً لأنّ الملك الأيوبي إسماعيل جمع جموعه وخرج من دمشق وحاصرهم بنفسه وضيّق عليهم حتّى اضطرهم للاستسلام، فقالوا له: «نحن لا يحل لنا أن نسلمه إلى الإفرنج ونحن نسلمه إليك وأنت تفعل ما تختاره» فسلمها الصالح إسماعيل إلى الصليبيين.
وفي عصر المماليك جعلوا من الكرك ملجأ أو سجناً للسلاطين والأمراء، وكانت الكرك من البلاد التي ثارت على احتلال إبراهيم بن محمد علي باشا حاكم مصر. في أواخر القرن التاسع عشر صارت (متصرفية) مرتبطة بوالي دمشق، تضم أقضية العقبة ومعان والطفيلة وناحية تبوك.
الكرك اللبنانية
كرك نوح
وهناك كرك أُخرى غير هذه تنسب إلى نوح فيقال: كرك نوح، وهي قريبة من بعلبك في لبنان وينسب إليها العديد من علماء الشيعة إذ كانت في أوائل القرن العاشر الهجري مقصداً لرحلة العلماء وطلاب العلم حتّى أنّ الشهيد الثاني ارتحل إليها لطلب العلم.
وعبر العصور كانت الكرك هذه مركزاً تجارياً ترتاح فيه القوافل بين بعلبك ومدن الساحل الفينيقي، وخضعت في عهد الرومان لسلطة ابن زيتون Myenodirus الذي حكم البقاع وبعلبك ومنحدرات السلسلتين لجبال لبنان الغربية والشرقية حتّى سنة 24 ق.م.
وفي نسبتها لنوح (عليه السلام): ربّما أقام القدماء مزاراً للنبي نوح (عليه السلام) فاعتقده المتأخرون ضريحه، وقد منحها مشهد النبي نوح (عليه السلام) شهرة في العهود الإسلامية فنشأت فيها مدرسة للفقه قصدها الأوزاعي (88ـ157) في صباه وقرأ على مشايخها، ثمّ زارها مع الزمن الملوك والوزراء والمؤرخون والرحالون. وقوي شأن الكرك في العهد الزنكي وما تلاه وبلغت عهد ازدهارها في عهد المماليك إذ تحوّلت إلى مركز ولاية البقاعين العزيزي والبعلبكي (قرى غرب بعلبك) وحفظت لنا نقوش مسجدها مراسيم ملوكية تضمّ معلومات قيّمة عن سكان الولاية والضرائب وبعض الصناعات التي عرفتها البلدة. وقد خضعت لنفوذ آل الحنش الأسرة البدوية البقاعية وظلّت في مطلع حكم الأتراك مركزاً لولايتي البقاع، ثمّ خضعت لنفوذ الأقطاع مع بني فريخ، وتلاهم بنو الحرفوش.
منظر عام لبلدة كرك نوح
وأبان حكم الحرافشة تحوّلت إلى قلعة مهمة من قلاعهم، ثمّ إلى مدينة محروقة استعادت عافيتها قليلاً وظلّت نهضتها خجولة. وظلّ الأمر على جموده حتّى القرن السابع عشر الميلادي عندما قامت قرية زحلة على ضفاف البردوني وتمدّدت حتّى غدت في مطلع القرن العشرين أكبر مدينة في البقاع بعدما كانت مزرعة صغيرة تابعة للكرك، في حين تقلّصت هذه وأصبحت قرية صغيرة تضمّ أربعمائة نسمة فقط تابعة لزحلة، أمّا الآن فعادت تنمو.
ويقول الدكتور طراد حمادة عن كرك نوح:
كرك ـ نوح بلدة تتربّع، الآن، هادئة على السَّفح الأسفل لجبال لبنان الغربيَّة، في قلب سهل البقاع، لكن الهدوء الذي يلف البلدة كثوبٍ لائق، لا يحاكيه الضجيج الصادر عن موقع كرك ـ نوح في التاريخ: ما تعلَّق منه بقصة عمرانها، أو حياة رجالاتها وأعلامها. وفي هذا الاستطلاع لسيرة المكان والسكّان، نقف على موجبات هذه الضجَّة، ونحن نأخذ من تراث المؤرخين الذين كتبوا عن كرك ـ نوح، لما يصاحب هذا النوع من التأريخ من مشكلات، كلّما ساهمت الأبحاث في إزاحة الخلاف والغموض عنها أو ترسيخها، أعانت الكتابة على الذهاب بعيداً في عالم الأسرار…
الكرك حاضرة علمية
لقد تجمّعت عناصر تاريخية عديدة، لتجعل من كرك ـ نوح مكاناً يفوح منه عبق التاريخ، وحاضرة علمية تخرج من مدرستها كثير من العلماء الشيعة في بلاد الشام. وإذا كانت سِيَرُ المدن تعرف بأحوال علمائها، فإنّ موعد الكرك الآخر مع التاريخ كان في السيرة العلمية والسياسية لهؤلاء العلماء، وتذكر كتب السير والتراجم أنّ أكثر من ثلاثين عالماً كركياً درسوا في بلدتهم، ونالوا درجة عالية من الفقه والعلوم.
وكِرْكَ نوح: أي مدينة نوح، أو حصن نوح. وقيل كِرْك لفظة سريانيّة (كِرْكو) بمعنى حصن أو معقل. وورد أيضاً بالعبريّة (كِرْكونَوَه) مدينة السلام، وضبطها العرب بفتح الكاف وسكون الراء، بمعنى الجبل تمييزاً لها عن كَرَك الأردن بفتح الراء، وورد الكَرِك بكسر الراء: الأحمر، أي المدينة الحمراء، نسبة إلى تربتها، وما زالت التلَّة المجاورة للكرك حتّى الآن تعرف (بالحمَّار).
ونوح أو «نَوَه» اسم عبري معناه الراحة والطمأنينة أو السَّلام، ونيَّح لفظة عاميَّة بمعنى أراح، وتنيَّح استراح. وقد يكون الاسم يعني مدينة الراحة أو حصن السلام ويقوّي هذا الظن أنّه محطّة قديمة في طريق القوافل الوافدة من الساحل إلى بعلبك فتدمر. وهذا أمرٌ مألوف بالنسبة للموقع، لأنّ الكرك تقع على تلَّة عند سفح الجبل، تشرب من مياه البردوني. وكانت الأدغال والغابات تتصل بها من جهة جبل لبنان، بينما يربض سهل البقاع الخصيب عند أقدامها. وهكذا قامت تقابل خالكيس (عنجر) محطّة القوافل القادمة من دمشق إلى بعلبك. ولعلّ هذه التسميات هي التي أحدثت لبساً لدى المتأخرين، فأسموها (كرك نوح) نسبة إلى نبيّ الله نوح (عليه السلام). وأقاموا له مزاراً ما زال يعرف بـ (قبر نوح).
الموقع والأهميَّة
مُصِّرَت الكرك قديماً بدليل وجود الضريح فيها، وتاريخها المدوّن أتى متأخراً، وتدل الحفريات على قدم الكرك، وأنّها كانت عامرة في عهد الرومان، ونقطة وصل بين بيروت الحقوقية وبعلبك المدينة الدينيّة. تأثّرت بالعبادات الوثنية واتّخذت البعل أو جوبيتر إله بعلبك رمزاً لها، وتنتشر فيها وحولها آثار رومانيّة تشبه الموجود منها في هياكل بعلبك الشهيرة.
وعلى الأرجح بادر العرب إلى تشييد مزار النبي نوح (عليه السلام)، ورفعوا مسجداً إلى جواره. وتوافد المؤمنون والنسَّاك يتبركون بزيارة قبره، وأقاموا بجواره يتعبّدون؛ حيث نشأت مدرسة مبكرة للفقه الإسلامي في القرن الأوّل الهجري. إذ تشير الروايات إلى أنّ الأوزاعي (88هـ ـ 157هـ). غادر بعلبك في طفولته. أي قبل أن يلفظ القرن الأوّل أنفاسه ـ ولجأ، تصحبه أمّه الفقيرة، إلى كرك نوح. وتلقى فيها بعض علومه، ورغم سكوت المصادر عن مكانة الكرك، يرجّح أنّها تمتعت بنوع من الاستقلال. فكانت قلعة حصينة، ومركزاً فقهياً، لها حاكم يرتفع إلى رتبة الوالي أحياناً، يرتبط بوالي بعلبك، وقد يتصل بوالي دمشق مباشرة. وإلى جانب الوالي نجد قاضياً يفصل في الدعاوي بين الناس. ومن قضاتها المشهورين سنان الكركي الشيعي في القرن السادس الهجري، وأحمد بن بهاء الدين بن محبوب البعلي (المتوفى سنة 696هـ/ 1297م).
مزار ومسجد النبي نوح (ع) في بلدة الكرك اللبنانية
إنّ استراتيجية موقعها واستقلاليتها النسبية جذبا الشيعة إليها منذ عهد مبكر، وقطنتها قبائل شيعية، وتنامت مع الزمن، فضمّت السادة لأنّ بعض قضاة الكرك، وولاتها اتهموا بـ «الرَّفض»، وقتلوا بسبب هذه التهمة، وكثيراً ما جرَّد ولاة الشام جيوشهم، وهاجموا الكرك وقتلوا أهلها ومشايخها بسبب
ترفضهم. وحبس وقف النبي نوح (عليه السلام) قروناً على السادة الأشراف ابتداء من سنة 731هـ مع تنكز الحسامي الذي أسند الوقف النوحي إلى السيد حسين بن موسى مرتضى الحسيني.
البارز في تاريخها
كتابة بارزة على الحجر نصّها «سلام على نوح في العالمين. إنّا كذلك نجزي المحسنين» ـ أنشأ هذا البنيان السيد الشريف مرتضى بن علوان الحسيني، المتولي بشرط الواقف، رحمه الله تعالى، سنة 1128.
مرّت البلدة، عبر العصور الإسلامية، بأزمات عديدة، لعلّ في أصل أسبابها ميل أهلها إلى التشيّع، وقد أحرقت ونهبت بيوتها وقتل علماؤها، لكن ذلك لم يمنع سكانها من التفقه في الدين، وظهر فيها العلماء والقضاة وأهل الفتوى وأصحاب التأليفات والمصنفات، واشتهر فقهاؤها بالزهد والتقوى وغزارة العلم، حتّى أصبحت في القرنين: العاشر والحادي عشر محط رحال العلماء وقصدها الطلاب ووجدوا فيها ضالتهم المنشودة. وموقع كرك ـ نوح، بوصفها حاضرةً علمية، يعود إلى القرون الهجرية الأولى، حيث تشير الروايات إلى أنّ الأوزاعي (157هـ) غادر بعلبك في طفولته ولجأ بصحبة أمّه الفقيرة إلى كرك نوح كما أشرنا.
لكن البارز في تاريخ كرك ـ نوح العلمي أنّها، وقد دخلها التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) باكراً، حضنت أوّل مدارس التعليم للمسلمين الشيعة في بلاد الشام، ويكشف تاريخها عن وجود حركة علمية ناشطة، ضمّت الخطباء والمؤذنين والقراء والطلاب والشيوخ والمتصوفة والزهاد المجاورين. وجاء، في تاريخ الكرك، أنّه قد انحصرت تراجم الأعلام الكركيين، الذين عثرت عليهم في بطون الكتب، خلال قرون عدَّة، على الشيعة فقط، ولم أقع على ترجمة واحدة لعالم كركي من المذاهب الأربعة. لقد ترجم ياقوت الحموي (ت621هـ)، في معجم الأدباء، لأحمد بن طارق بن سنان أبو الرضا الكركي الرافضي (529ـ592هـ). وترجم له أيضاً ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب، وقال عنه: «كان شيعياً جلداً»، في حين ترجم المحبي في خلاصة الأثر، ونفحة الريحانة للشيخ محمد بن علي الحرفوشي الكركي، وللشيخ حسين بن شهاب الدين بن جاندار الكركي الشيعي. وترجم الحر العالمي في أمل الآمل لما يقرب من ثلاثين كركياً جميعهم من الشيعة. وازدهرت مدرسة الكرك في القرنين: العاشر والحادي عشر وبلغت درجة مرموقة، من حيث عدد العلماء والطلاب، وأنواع العلوم التي تعطى وطرق التدريس، فقصدها طلاب المعرفة من مختلف الأقطار، وخصوصاً من جبل عامل، أمثال الشهيد الثاني زين الدين الجبعي الذي رحل إلى كرك ـ نوح طلباً للأخذ عن مشايخها، يرافقه الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي. ومن العلماء الذين أمّوا الكرك، وقرؤوا على مشايخها، علي بن هلال الجزائري.
وأسهم في النهضة العلمية، والحشد البشري في المؤسسة الكركية، توالي الوقفيات، وخصوصاً وقفية الأمير محمد بن ناصر الدين الحنش التي قدمها سنة 950هـ/1543م. وضمّـ كثيراً من الضواحين والبساتين والحقول… واشترط أن تصرف على عمارة النبي نوح، وأماكنه، وتنويره وفرشه، ومطبخه لإطعام المجاورين والواردين والمنقطعين والمتولي والناظر، وأرباب الشعائر والإمام والخطيب والمؤذنين والخدم…
ولم تكن الكرك مركزاً علمياً للمسلمين الشيعة وحسب، بل لعبت دوراً سياسياً بالغ الأهمية من حيث كونها مقرّاً لولاية البقاع العزيزي إلى جانب بعلبك، ومقرّاً لولاية البقاع البعلبكي، واستفاد الأمراء الحرافشة من موقع الكرك التي آلت إليهم سلطتها من أسرة آل الحنش، بعد معركة دير زيتون سنة 1003هـ/ 1594م.
كانت الكرك قلعة حصينة للحرافشة، وهي من المعاقل التي نما فيها نفوذهم وساعدهم على تسلّم زمام الحكم في بعلبك، وكانت منطلق تحركاتهم نحو بعلبك شرقاً، وباتجاه قب الياس ومشغرة غرباً. اختارها الحرافشة لغلبة التشيع على سكانها منذ عهد مبكر، وكانت ملاذ رجال الشيعة لما يدهمهم خطر الحكام.
وحصل حريق الكرك بعد معركة شرسة داخل المزار وفي المئذنة التي كانت آخر مواقع الدفاع عن البلدة، حتّى نفذت ذخيرة المدافعين عنها، فقام جند فخر الدين المعني بنهب الكرك وإحراقها. قال الصفدي: «وحرق العشير جميع البلد حتّى لم يبقوا بها بيتاً واحداً بلا حريق».
لكن الكرك، وبعد هذه المأساة، ما لبثت أن نهضت من كبوتها، إذ جدّد الحرافشة بناءها، بفضل موقعها المهم على حدود إمارتهم، وظلّت ملاذ أمرائهم عند حلول الملمات، وكانت أحياناً تخرج من أيديهم، عندما تغضب عليهم السلطات التركية، وتوعز إلى والي الشام أن يمنح حكم بلاد بعلبك والبقاع إلى أمراء محليين، أو ولاة يدفعون مبالغ طائلة من المال.
وفي سنة 1680م، تولّى أمير حاصبيا، فارس الشهابي، الملقب بالكبير، بلاد بعلبك والبقاع، لقاء رشوة قدَّمها لوالي دمشق. فتوجّه الشهابي بألفي فارس واحتل الكرك، ثمّ تقدَّم إلى نيحا، وأقام فيها، ما أغاظ الحرافشة، فاستنجد الأمير عمر الحرفوش بآل حمادة الشيعة، فجمع رجالهم ودهم الأمير فارس الشهابي ليلاً في قرية نيحا بجوار الفرزل، وانجلت المعركة عن سقوط الأمير فارس صريعاً مع خمسين رجلاً من جماعته. وهكذا استعاد الحرافشة سلطتهم بالقوّة على بلاد بعلبك والكرك. واستمرّ العداء مع السلطات التركية، ما حمل الأمير عمر الحرفوش على مغادرة البقاع إلى بلاد جبيل، وأقام عند الحمادية الشيعة، وما لبت أن توفي هناك سنة 1683م. ودفن في طرزيا، فعيّنت الدولة العثمانية ابن صدقة على سنجقية بعلبك وتدمر ووادي التيم.
وعندما زار الرحالة الفرنسي جان دي لاروك بعلبك سنة 1689م، أشاد بجهود الحرافشة في استغلال خيرات سهل البقاع وخصبه، ورغم هذا الازدهار كثرت مشاكلهم مع ولاة دمشق، ودبّت الخلافات داخل الأسرة، التي تفاقمت مع ولاية الأمير جهجاه الحرفوشي، الذي اضطر للتنازل عن الكرك ونواحيها إلى الأمير بشير الشهابي.
- () العزاوي: عشائر العراق الكردية (182 – 183) الفريق درويس.باشا: تقرير الحدود/34. ↑
- () انظر ترجمة السلطان أويس في أعيان الشيعة ج3، ص512، ومستدركات أعيان الشيعة ج2، ص695، بيروت. ↑
- () بوداق منشي القزويني: جواهر الأخبار ص63، طهران ميراث مكتوب. ↑
- () لعبة جوگان: هي لعبة يركب اللاعبون فيها على خيولهم وبيد كل منهم عصا، ويحاول كل واحد من اللاعبين أن يختطف من الآخرين كرة صغيرة على الأرض.. ↑
- () بوداق منشي القزويني: جواهر الأخبار، ص63 – 64 طهران منشورات ميراث مكتوب. ↑
- () استانلي لين بول: طبقات سلاطين الإسلام ص226 الترجمة الفارسية الطبعة الأولى طهران 1312 هجرية شمسية. ↑
- () أعيان الشيعة ج3، ص301 بيروت دار التعارف 1403هـ (1983م). ↑
- () عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين ج3، ص27 بغداد 1357هـ (1939م). ↑
- () أعيان الشيعة ج10، ص322 – 323 بيروت دار التعارف 1403هـ (1983م). ↑
- () القاضي نور الله الشوشتري: مجالس المؤمنين ج2، ص368 طهران 1376هـ المكتبة الإسلامية. ↑
- () أعيان الشيعة ج10، ص322 – 323 بيروت دار التعارف 1403هـ (1983م). ↑
- () القاضي نور الله الشوشتري: مجالس المؤمنين ج2، ص369 – 370 طهران 1376هـ المكتبة الإسلامية. ↑
- () أمير دولتشاه: تذكرة الشعراء ص342 – 345 طهران 1338هـ مطبعة خاور. ↑
- () الأمير دولتشاه السمرقندي: تذكرة الشعراء ص342 – 346 طهران. ↑
- () أعيان الشيعة ج3، ص300 بيروت دار التعارف 1403هـ (1983م). ↑
- () القاضي نور الله التستري: مجالس المؤمنين ج1، ص523 طهران 1375هـ. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: الضياء اللامع ص18. ↑
- () القاضي نور الله التستري: مجالس المؤمنين ج2، ص367-370 طهران 1376هـ. ↑
- () الغياثي ص328. ↑
- () الغياثي. ↑
- () عباس عزاوي: تاريخ العراق. ↑
- (*) الأصل باللغة الفارسية وقد نقل لنا إلى العربية بعجمة ظاهرة فيه. ↑
- () لب التواريخ طباعة السيد جلال الدين الطهراني ص 219. ↑
- () لب التواريخ ص221. ↑
- () المصدر نفسه ص221. ↑
- () الجزء الأول ص524. ↑
- () الجزء الأول من روضات الجنان ص525. ↑
- () مجلة يادكار السنة الثانية العدد 9، ص 36. ↑
- () ثم ذكر نص هذه الوصية في روضات الجنان من ص 217 وما بعدها. ↑
- () استشهد عند استيلاء العثمانيين على آذربيجان. ↑
- () نجد شرح سيرة حياته في كتاب خلاصة الحساب للشيخ البهائي. ↑
- () يوجد قبره في المحلة الدمشقية. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 121. ↑
- () ميدان صاحب الأمر نفسه. ↑
- () توفي عام 1183 ودفن في محلة الله بيك في شارع الشاه الحالي أمام ثانوية مهند للبنات ولكن قبره طمس. ↑
- () وهو محمد بن شرف الدين (المعروف بهذا الاسم) أما عبد المطلب فهو من سلالة ملا صدرا التبريزي واحفاده حالياً يسكنون تبريز واسم عائلتهم صدر الفضلاء. ↑
- () عثر أخيرا على وثائق تثبت أن الذي أسس جامع القرويين هو داود بن ادريس. ↑
- () زندكاني شاه عباس أول – المجلد الأول ص 159 و160. ↑
- () (تاريخ سياسي واجتماعي إيران) ص 138. ↑
- () (فرهنك ألبسه مسلمانان) 99 ترجمة حسين علي هروي. ↑
- () (بوشاك إيرانيان) تأليف جليل ضياء بور ص 324. ↑
- () (تاريخ عالم آراي أميني) النسخة المصورة في المكتبة المركزية بجامعة طهران صفحة 89. ↑
- () (تشكيل دولت ملي در إيران) ترجمة السيد كيكاوس جهاندارى س 93. ↑
- () بعث بلاط السطان يعقوب برسائله التي كتبها فضل الله بن روزبهان الى ملك مصر والسلطان حسين بايقر وسائر الملوك وقد وردت صورة هذه الكتب والإشارة إليها في صفحات 117-119-122 من كتاب (تاريخ عالم آراي أميني). ↑
- () تاريخ عالم آراي أميني ص 143. ↑
- () مجلة يغما السنة الثانية العدد الرابع. ↑
- () أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3 ص 23 بيروت دار صادر سنة 1399 هـ 1979 م. ↑
- () المولى محمد باقر المجلسي بحار الأنوار ج 60 ص 229 طهران دار الكتب الإسلامية سنة 1386 هجرية. ↑
- () حمد الله المستوفي: تاريخ كزيده ص 766 تحقيق الدكتور عبد الحسين نوائي طهران أمير كبير. ↑
- () المستشرق ل – ماسينيون: خطط الكوفة ترجمة تقي الهندي الحائري المصعبي ص 11 صيدا العرفان سنة 1365 هـ 1946 م. ↑
- () ل – ماسينيون: خطط الكوفة ترجمة تقي الهندي الحائري المصعبي ص 30 صيدا مطبعة العرفان 1365 هـ. ↑
- () انظر أعيان الشيعة ج 5 ص 227 بيروت سنة 1403 هـ 1983 م. ↑
- () عندنا نسختان من كتاب الطب الدعائي انظر فهرست: كتب خطي شاه جراغ: علي نقي بهروزي ج1 ص 241 و302 و306 طبعة شيراز منشورات مصطفوي. ↑
- () السيد محمد علي كلريز: مينودر ص 257 طهران، جامعة طهران. ↑
- () السيد محمد كلريز: مينودر ص 257-258 طهران، جامعة طهران. ↑
- () انظر أعيان الشيعة الجزء الثاني ص 589 بيروت دار التعارف سنة 1403 هـ 1983 م. ↑
- () السيد ميرزا شفيع: الروضة البهية ص 56 الطبعة الحجرية سنة 1280 هجرية. ↑
- () الميرزا محمد التنكابني: قصص العلماء ص25 الطبعة الحجرية عام 1304 هجرية. ↑
- () نفص المصدر ص26. ↑
- () الميرزا السيمد محمد باقر الموسوي الخوانساري روضات الجنات ج1 ص91-92 طهران سنة 1390 هجرية من منشورات إسماعيليان. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: الكرام البررة ج1 ص227 الطبعة الأولى النجف الأشرف. ↑
- () الدكتور علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ج2 ص152 بغداد عام 1971 م. ↑
- () نفس المصدر ج2 ص156-157. ↑
- () الشيخ آغا يزرك الطهراني الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج22 ص135 يبروت دار الأضواء. ↑
- () مسيو نيكلا: مذاهب ملل متمدنة ص478 ترجمة عن الفرنسية المطبوعة في باريس سنة 1905م. المترجم ع-م-ف طبعة عام 1322 هجرية شمسية. ↑
- () الدكتور علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ج2 ص190 بغداد عام 1971م. ↑
- () يقول حسن الأمين: إن استشهاد الصاحب بهذا البيت كان ظلماً، فقد رأينا عند من عرفنا من القزوينيين ودّاً وعهداً أي عهد. ↑
- () استقينا هذه المعلومات من تقارير السيد أمير ماهاني رئيس إدارة الثقافة والفن في قزوين الموجودة الآن في قسم الوقائق التابع لدائرة الآثار. ↑
- () تقارير علم الآثار المجلد الثاني. ↑
- () المقصود بالمضيق هنا هو المضيق الجبلي (المترجم).. ↑
- () صورة ألارض ترجمة الدكتور شعار ص133. ↑
- () طبع الجامعة ص142. ↑
- () طبع بنكاه ص 166 وص172. ↑
- () (سفرنامه ناصر خسرو) طبع سنة 1335 طهران ص 12. ↑
- () تاريخ كزيده ص778. ↑
- () نفس المصدر ص781. ↑
- () مسالك الممالك ص166 طبع بنكاه. ↑
- () صورة الأرض ص113. ↑
- () مثل أحمد بن أبي عبدالله البرقي في التبيان. وحمد الله المستوفي في (تاريخ كزيده) وأحمد أمين الرازي في كتاب(هفت إقليم) ومحمد حسن اعتماد السلطنة في كتاب(مرآة البلدان) والمستشرق الروسي بارتولد Barthold في كتاب (تذكرة جغرافيائي تاريخي إيران). ↑
- () مثل المسعودي في مروج الذهب وابن القفيه الهمداني في أخبار البلدان والإمام الرافعي في كتاب التدوين وزكريا القزويني في آثار البلدان وياقوت الحموي في معجم البلدان. ↑
- () يذكر حمد الله المستوقي في (تاريخ كزيده) موقع (شاد شابور) على أنه وسط قرى قرقسين ومزجه، ويذكر بأن نهر رامند يجري في جنوبها ونهر أبهر في شمالها، ويتحدث عن وجود أطلال قلعة في هذا المكان. (الفصل الثاني من الباب السادس من كتاب «تاريخ كزيده» ص 773). ↑
- () فتوح البلدان نشر (بنياد فرهنك إيران) ص 155. ↑
- () تاريخ كزيده – ص 382. ↑
- () تاريخ قم، تأليف حسن بن محمد بن حسن ص 33. ↑
- () النسخة الخطية لبلدان ابن الفقيه – التدوين (أيضاً خطي) للرافعي، فتوح البلدان للبلاذري (الجزء الذي يتعلق بإيران) ص 156. ↑
- () تاريخ كزيده ص 787-788. ↑
- () فتوح البلدان (القسم المتعلق بإيران) ص 156. ↑
- () فتوح البلدان ص 61. ↑
- () (تاريخ كزيده) ص 795. ↑
- () تاريخ كزيده ص 775. ↑
- () تاريخ كزيده ص 775. ويعادل الباع مسافة ما بين رأس الإصبع الوسطى من يد ورأسها من اليد الأخرى حين تفتحان على آخرهما. ↑
- () فتوح البلدان (الجزء المتعلق بإيران). ص 102 وص 158، طبع (بنياد فرهنك إيران) وكذلك كتاب (مالك وزارع) تأليف السيدة لمبتون Lambton، ترجمة السيد منوجهر أميري، حاشية ص 78. ↑
- () فتوح البلدان ص 159. ↑
- () (تاريخ كزيده) ص 794. ↑
- () حبيب السير المجلد الثاني ص 348. ↑
- () حبيب السير- المجلد الثاني ص 355. ↑
- () تاريخ كزيده ص 794. ↑
- () (شهرياران كم نام) ص 31. ↑
- () تاريخ طبرستان لابن أسفنديار ص 294. ↑
- () حبيب السير المجلد الثالث ص 422. ↑
- () (تاريخ كزيده) – ص 794. ↑
- () يقول حمد الله المستوفي في كتابه «نزهة القلوب»: إن هذا المكان يدعى الآن آباد. ص 62. ولكنه يقول في «تاريخ كزيده» أن لا وجود لأثر لهذا البناء. ↑
- () «تاريخ كزيده» ص 775. ↑
- () «تاريخ كزيده» ص 776- وذكر في (نزهة القلوب) أن حرب سالار إبراهيم مع أهل قزوين كانت في عام 411-ص63. ↑
- () تاريخ البيهقي ص 259، وابن الاثير المجلد التاسع ص 262 و263. ↑
- () تاريخ قم، تأليف حسن بن محمد القمي ص 279 وتاريخ كزيده ص 795. ↑
- () شهرياران كم نام ص 195. ↑
- () «تاريخ كزيده» ص 796. ↑
- () مسالك الممالك ص 172. ↑
- () صورة الأرض ص 113 وص 122. ↑
- () أحسن التقاسيم، طبع طهران ص 392. ↑
- () مذكرات ناصر خسرو طبع طهران ص 12. ↑
- () (طبقات ناصري) المجلد الثاني ص 181.نقول: هكذا برع هؤلاء إلى اتهام من يخالفهم في المذهب بالإلحاد والباطنية ومختلف التهم. ↑
- () راجع: بحث الإسماعيلية. ↑
- () (جهان كشا) المجلد الثالث ص 110 و(جامع التواريخ-قسم الإسماعيليين ص 109). ↑
- () نسائم الإسحار من لطائم الأخبار ص 64. ↑
- () تاريخ كزيده ص 792. ↑
- () تاريخ كزيده ص 796. ↑
- () جامع التواريخ (قسم الإسماعيليين) طبع بنكاه ص 126-127. ↑
- () تاريخ كزيده. ص 781. ↑
- () يقول الرافعي: شاهدت صورة لمحضر، كتب في آخر صفر عام 514 هـ، وفيه خطوط جماعة من شخصيات المدينتين (أي المدينة الشابورية ومدينة موسى) وخلاصة هذا المحضر ما يلي: وقعت في قزوين زلزلة شديدة في ليلة الخامس من رمضان عام 513 هـ، ونتج عنها خراب كبير، وتهدمت مقصورة مسجد (اصحاب أبي حنيفة) الجامع وشق القبر الموجود فيه، وحينئذ التُمِس من الأمير الزاهد خمارتاش المحب للخيرات أن يعيد بناءه،وحينما أصدر أوامره بإعادة بناء المقصورة، وجد لوح ملصق على حائط تحت المحراب، وقد كتب عليه ما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله أجمعين. أمر الملك العادل المظفر المنصور عضد الدين علاء الدولة وفخر الأمة وتاج الملة أبو جعفر محمد بن دشمن زيار حسام أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بتخليد هذا اللوح ذكر ما رآه وإباحة من واديتي(دزح وأرنزك) لخالصته أهل قزوين ليسيحوه مزارعهم وكرومهم في القصبة وتحريم أخذ ثمن له وإلزام مؤنة عليه على التأييد، فمن غير ذلك أو نقضه أو خالف مرسومه فقد باء بغضب من الله واستحق اللعنة واستوجب العقاب الأليم فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. وكتب في شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وأربعمائة 422. ويستفاد من هذا اللوح بأن قزوين كانت خاضعة لأبي جعفر محمد بن دشمن زيار علاء الدولة كاكويه أثناء حكمه. ↑
- () جامع التواريخ (قسم الإسماعيليين) ص 140. ↑
- () راحة الصدور ص 289، وكذلك (سلجوق نامه) لظهيري النيشابوري ص 77. ↑
- () تاريخ كزيده ص 792. ↑
- () التدوين للرافعي (نسخة خطية). ↑
- () تاريخ كزيده – حمد الله المستوفي ص 776. ↑
- () تاريخ كزيده. ↑
- () راجع: بحث الإسماعيليين. ↑
- () (سلجوق نامه) لظهيري النيشابوري ص 91. ↑
- () (جهان كشا) الجويني، المجلد الثاني ص 26 وراحة الصدور ص 399. ↑
- () (آثار البلاد) لزكريا القزويني. ↑
- () تاريخ كزيده ص 793. ↑
- () حبيب السير، المجلد الثالث ص 33. ↑
- () (تاريخ أدبي إيران) تأليف براون ص 139. ↑
- () تاريخ كزيده ص 814. ↑
- () ورد في تاريخ كزيده، ص 798 أن الملك إمام الدين يحيى توفي في بغداد عام 700 ودفن فيها. ↑
- () يبدوالتناقض واضحاً في التاريخ، فهو يقول بأن الملك إفتخار الدين كان حاكماً على قزوين ثم خلفه في عام 678 هـ أخوه إمام الدين في هذا المنصب، ثم يعود ويقول إن حسام الدين الشيرازي والخواجه فخر الدين قد توليا الحكم في قزوين لعشر سنين بدءًا من عام 677 ليخلفهم بعدها الملك إمام الدين-المترجم. ↑
- () تاريخ كزيده ص 797. ↑
- () (جهان كشا) للجويني، المجلد الثاني ص 163. ↑
- () طبقات الناصري، المجلد الثاني ص 181. ↑
- () (جهان كشا) الجويني/ المجلد الثاني ص 275. ↑
- () تاريخ كزيده ص 973. ↑
- () راجع كتاب (حبيب السير) المجلد الثالث ص 211 وكذلك جامع التواريخ لحافظ أبرو ص 125. ↑
- () حبيب السير المجلد الثالث ص 211 وص 215. ↑
- () تاريخ طبرستان ورويان ومازندران-المرعشي ص 71. ↑
- () تاريخ آل المظفر – المجلد الأول- تأليف الدكتور حسينقلي ستوده ص 130. ↑
- () (تاريخ طبرستان ورويان ومازندران) تأليف ظهير الدين المرعشي، ص 290. ↑
- () تاريخ كيلان وديلمستان لظهير الدين المرعشي ص 68. ↑
- () جامع التواريخ – لحافظ أبرو ص 242. ↑
- () حبيب السير، المجلد الثالث ص 454. ↑
- () نفس المصدر ص 442. ↑
- () (سفرنامه كلا فيخو clavijo) طبع بنكاه ص 309. ↑
- () حبيب السير، المجلد الثالث صفحات 606 وحتى 612. ↑
- () حبيب السير ص 630. ↑
- () نفس المصدر المجلد الرابع ص 39. ↑
- () نفس المصدر ص 88. ↑
- () (تاريخ كيلان وديلمستان) السيد ظهير الدين المرعشي ص 325. ↑
- () (تاريخ كيلان وديلمستان) للسيد ظهير الدين المرعشي. ص 333. ↑
- () (عالم آراي) ص 544. ↑
- () كتاب (دون زون إيراني) تأليف أروج بيك، ص 259. ↑
- () كتاب (دون زون إيراني) ص 235. ↑
- () (عالم آراي) المجلد الثاني، ص 1111. ↑
- () (عالم آراي) المجلد الأول، ص 201. ↑
- (*) قبق أو قابوق أو قباق: وهي خشبة عالية توضع وسط الميدان وتوضع عليها حلقة ثم يطلق عليها الفرسان سهامهم (المترجم) . ↑
- () (عالم آراي عباسي) المجلد الأول ص 499. ↑
- () نفس المصدر ص 532. ↑
- () كتاب (دون زون إيراني) ص 16. ↑
- () عالم آراي عباسي المجلد الأول ص 115. ↑
- () عالم آراي عباسي، المجلد الأول ص528. ↑
- () (عباس نامه) ص54. ↑
- () (عالم آراي عباسي) المجلد الأول ص499. ↑
- () تعني كلمة (جهل ستون): الأربعون عموداً (المترجم). ↑
- () نفس المصدر ص115. ↑
- () نفس المصدر ص371. ↑
- () نفس المصدر صفحات 130 و192. ↑
- () كتاب (زندكاني شاه عباس أول) المجلد الأول ص23. ↑
- () (عالم آراي عباسي) المجلد الأول صفحات 532 و518 و506. ↑
- () ميدان أسب تعني ميدان الحصان. ↑
- () نفس المصدر، المجلد الأول صفحات 196 و201. ↑
- () كتاب (زندكاني شاه عباس أول) المجلد الثالث ص276. ↑
- () كتاب (عالم آراي) المجلد الأول ص371. ↑
- () نفس المصدر، المجلد الثاني ص1111. ↑
- () نفس المصدر المجلد الأول، ص638 وص755. ↑
- () هشت بهشت تعني الجنائن الثمانية. ↑
- () كتاب (انقره ض صفوية) تأليف لكهارت ص115. ↑
- () (تاريخ نادري) ص10، وكذلك كتاب (انقره ض صفوية) تأليف لكهارت ص223. ↑
- () كتاب (انقره ض صفوية) ص 225. ↑
- () (عالم آراي عباسي) المجلد الأول ص 196. ↑
- () كتاب (دون زون إيراني) ص 235. ↑
- () (عباس نامه) ص 217. ↑
- () كتاب (سيا حتنامه شاردن) ص 298. ↑
- () تاريخ كيلان-المرعشي، ص 457 وص 458. ↑
- () كتاب(منتظم ناصري) المجلد الأول ص 121. ↑
- () نفس المصدر، ص 190. ↑
- () (تاريخ كزيده) ص 777. ↑
- () جامع التواريخ ص 52. ↑
- () كتاب (إيرابن ومسألة إيران) (النسخة الخطية). ↑
- () يحدد حمد الله المستوفي موقع مقبرة كهنبر بين محلات (راه ري) وفي أرداق وشهر ستان، ويذكر بأن سور المدينة يقع إلى الجنوب من هذه المقبرة.ويضيف المستوفي كذلك بأن هذه المقبرة تضم قبور العديد من العلماء مثل ابن ماجه المحدث القزويني وخير النساج والشيخ إبراهيم ستنبه الهروي والشيخ أحمد الغزالي والشيخ رضي الدين الطالقاني والخواجه أبي بكر الشاداني والشيخ نور الدين الكيلكي والخواجه جمال الدين عين الزمان والخواجه إمام الدين الرافعي ومولانا نجم الدين عبد الغفار والعديد من كبار الإئمة والعلماء (تاريخ كزيده) ص800 وما بعدها. ↑
- () حياط خورشيد تعني ساحة الشمس. ↑
- () يذكر الكاتب أن العدد (18 محلة) بينما يذكر 17 منها. ↑
- () تاريخ كزيده ص777. ↑
- () تقسيم قاقزان في خريطة عام 1335 إلى ثلاثة أقسام: ولاية قاقزان وقاقزان الغربية، وقاقزان الشرقية. ↑
- () (دشت آبي) يعنى سهل الماء. ↑
- () تاريخ قم – تأليف حسن بن محمد ص57. ↑
- () تاريخ كزيده ص833. ↑
- () تاريخ (جهان كشاي جويني) المجلد الثالث ص43، 98، 144. ↑
- () (نزهت القلوب) ص67. ↑
- () آموخت تعني تعليم. ↑
- () الكامل في التاريخ لابن الأثير ص131 المجلد العاشر. ↑
- () (تاريخ كزيده) ص528 – (نزهت القلوب) ص61. ↑
- () (جهان كشا) المجلد السادس ص270. ↑
- () الكامل في التاريخ لابن الأثير المجلد الثامن ص72. ↑
- () (جهان كشا) المجلد الثالث ص175 وص195. وتاريخ كزيده ص517. ↑
- () (جهان كشا) الجويني، المجلد الثالث ص261. ↑
- () نفس المصدر ص122. ↑
- () (تاريخ جهان كشا) المجلد الثالث ص268. ↑
- () نفس المصدر ص208. ↑
- () جامع التواريخ – قسم الإسماعيليين ص27. ↑
- () تاريخ جهان كشا، المجلد الثالث ص268. ↑
- () «داداش» معناه «أخ». وسبب التسمية أنه كانت له أخوات ينادينه بهذا الإسم فاشتهر به في الأسرة، ثم اشتهر به بين الناس. وكلمة «بيك» للتعظيم. ↑
- () كتيبة القوزاق أنشأها «ناصر الدين شاه سنة 1229 هـ (1882م) على طراز القوزاق الروسي في اللباس والتنظيم. ↑
- () اسم الشهر الثاني عشر من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية. وبإضافة (621) إلى السنة الشمسية تكون السنة الميلادية. ↑
- () اسم الشهر الثالث من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية. ↑
- () اسم الشهر الثامن من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية، ويقابله أيلول وتشرين الأول. ↑
- () اسم الشهر الخامس من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية، ويقابله تموز وآب. ↑
- () اسم الشهر التاسع من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية. ↑
- () اسم الشهر الثاني من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية، ويقابله نيسان وأيار. ↑
- () اسم الشهر السادس من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية، ويقابله آب وأيلول. ↑
- () اسم الشهر السابع من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية. ↑
- () إنشاء كتيبة القوزاق الإيرانية امتياز منحه «ناصر الدين شاه» لروسيا سنة 1299 هـ.ق. و1882م. على أن تكون في إمرة ضباط من الروس. وقد سببت هذه الفرقة لإيران متاعب كثيرة، وكانت وسيلة فعالة من وسائل الروس للسيطرة على إيران وانقطعت صلتها بروسيا بعد الانقلاب البلشفي وظل على قيادتها ضابط روسي وكانت موزعة أفواجاً في طهران وقزوين وهمذان وتبريز. ↑
- () ذكر «السير دنيس رايت»، وهو سفير سابق لبريطانيا في إيران، في كتاب له بعنوان: «الإنكليز بين الإيرانيين» أن «رضا خان» لما تمكنت أموره في طهران أرسل أحد خواصه إلى لندن يلتمس من الجنرال «آيرن سايد» أن يحله من هذا العهد الذي عاهده في تلك الليلة التاريخية من 12 شباط سنة 1921م. فأجابه «آيرن سايد» يثني على هذه الإستقامة في خلقه، ويقول: إذ أنني علمت بنفسي من مصادر موثوق بها كل الثقة أن الأمة الإيرانية راغبة في تغيير الأسرة الملكية، فإن العقيد «البهلوي» «رضا خان» في حلّ من العهد الذي عاهد. ↑
- () اسم الشهر الحادي عشر من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية. ↑
- () بعد اتفاق مخططي الانقلاب الإنكليز و«رضا خان» والسيد «ضياء الدين الطباطبائي» عادت السفارة فكذبت هذه الأمور كما تقدم. ↑
- () من ألاعيب السياسة أن الإنكليز هم الذي هيؤوا للانقلاب، وهم الىن يتظاهرون بمخالفته. ولو كان الإنكليز غير راضين عن حركة جيش القوزاق لما استطاع هذا الجيش الخروج من قزوين، وهم المسيطرون عليه، بل هم المسيطرون على كل شيء في قزوين حتى أسماء شوارعها وأزقتها – كما قال مؤرخ فرنسي – وليس يعقل أن يخرج هذا الجيش الضخم منها وهم غافلون. ولو كانو على غير علم بنوايا جيش القوزاق لما استعدوا قبيل حركته لملء مراكزه التي ستخلو منه بجنودهم، فاستقدموا إلى قزوين ثلاثة آلاف منهم لهذه الغاية (عددهم بمقدار عدد جنود القوزاق الزاحفين) ولا استقدموا إلى مدينة كرج نجدة احتياطية من جنودهم لتكون مدداً للانقلابين حين ورودهم إلى طهران إذا اقتضى الأمر. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 7 ص 111 القاهرة الطبعة الأولى 132 هـ – 1906 م. ↑
- () أبو عمرو محمد الكشي رجال الكشي ص 105 الطبعة الأولى كربلاء مؤسسة الأعلمي. ↑
- () المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الدكتور جواد، ط2، ج5، ص 504. ↑
- () ط حجرية، مادة: قضي. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 14. ↑
- () مادة: قضي. ↑
- () ص 3. ↑
- () 8/5. ↑
- () 4/230. ↑
- () ص 25. ↑
- () 2/514 ط حجرية. ↑
- () ص 429. ↑
- () 8/8. ↑
- () ص 25. ↑
- () 40/9. ↑
- () انظر: فقه القضاء للسيد الأردبيلي، ص39. ↑
- () مادة: قضاء. ↑
- () 4/230. ↑
- () سورة ص، الآية: 26. ↑
- () وسائل الشيعة 18/17 تحقيق الرازي، وفي (من لا يحضره الفقيه):أبواب القضايا والأحكام، اتقاء الحكومة: «كنبي أو وصي نبي».. ↑
- () انظر: مستند الشيعة 2/514 ط حجرية. ↑
- () فقه القضاء، ص 42. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 57، وسورة يوسف الآيتان:40و67. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 62. ↑
- () سورة القصص، الآية: 70. ↑
- () سورة القصص، الآية 88. ↑
- () سورة النساء، الآية: 105. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 48. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 49. ↑
- () سورة النساء، الآية: 65. ↑
- () فقه القضاء 41 عن مستند الشيعة 5142. ↑
- () وسائل الشيعة 18/4، وفيه «ورواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلّى بن محمد عن الحسن بن علي عن أبي خديجة مثله إلاّ أنه قال: «شيئاً عن قضائنا». ↑
- () وسائل الشيعة 18 / 99. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 44. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 45. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 47. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 48. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 49. ↑
- () سورة النساء، الآية: 105. ↑
- () سورة النساء، الآية: 60. ↑
- () معجم المصطلحات القانونية، مادة: قضاء. ↑
- () 4/241،242. ↑
- () مباني تكملة المنهاج 1 / 12. ↑
- () أصبحت بعد ذلك قصبة (أي ولاية) في الإمبراطورية المغولية، وفي عام 1724م، استولى عليها جين قليج خان (آصاف جاه، نظام الملك) وأقام نفسه حاكماً عليها من قبل الدكن ثم استقل بها عن الحكم المغولي، واستمر حكمها بعد ذلك تتناقله الأسر المحلية وآلَ أمرها أخيراً إلى الأسرة النظامية التي توطدت سلطنتها في البلاد بتدخل الإنكليز إلى جانبها، وبعد استقلال الباكستان عن الهند خضعت للحكومة الهندية، وهي اليوم عاصمة مقاطعة Andhra Pradesh.ويجب التمييز هنا عن مدينة (حيدر آباد- السند) التي تقع في الباكستان، والتي شيدها غلام شاه كلهوره في منتصف القرن الثامن عشر، وحكمها البلوشيون فالإنكليز بعد معركة مياني سنة 1843م، واتخذ الإنكليز (كراجي Karachi) عاصمة للسند بدلاً منها ففقدت حيدر آباد – أهميتها السياسية. ↑
- () قصد المشهد الرضوي بإيران ومنها توجه إلى حيدر آباد الدكن وبقي بها حتى وفاته، وله عدة كتب ورسائل (راجع أعيان الشيعة) 10/10. ↑
- () كان (كوه نور) أو (جبل الجواهر) من مفاخر مملكة القطب شاهية ومورد زهوها، وكان مقابلاً لنهر كرشنا(درياي كرشنا). احتله المغول بعد القضاء على القطب شاهيين، ولما جاء نادر شاه إلى دهلي، أخذ جميع الجواهر والأحجار الثمينة المستخرجة من هذا الجبل، وفي سنة 1859 استولى عليها شاه شجاع بيشاوري، ثم اصبحت من نصيب (ارنجيت سنك) الزعيم السيكي الشهير في عصره، وكان في البنجاب ولكنه أهداها إلى الإنجليز معبراً بذلك عن وفائه لهم، ومن هذه الجواهر الآن قطعة ألماس تزن 360 قيراطاً تزين تاج ملكة بريطانيا. ↑
- () محمد سعيد الطريحي: المخطوطات العربية في إيران، المجلد الثاني. ↑
- () مجلة الأقلام. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج7 ص 125 الطبعة الأولى القاهرة 1324 هـ – 1902 م. ↑
- () الشيخ الصدوق: الأمالي ص 132 الطبعة الإيرانية. ↑
- (*) راجع: المنطقة الشرقية. ↑
- () كانت المناطق الثلاث تعرف في التاريخ الإسلامي ببلاد البحرين، ثم استقلت بهذا الإسم مؤخرا جزيرة أوال، وهي عبارة عن أرخبيل يضم خمس جزر: 1- أوال وفيها «المنامة» العاصمة، 2- المحرق مقر الأسرة الحاكمة، 3- ستره وفيها مصافي البترول، 4-جداي، 5-نعسان، ومساحتها أجمع تقدر بـ 551 كلم مربعاً، وتبعد عن ساحل الظهران بنحو 30 كلم. ↑
- () تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 140. ↑
- () معجم البلدان ج 3 ص 449. ↑
- () تاريخ العرب قبل الإسلام ج1 ص 140 عن Enoy Vol 2.p821. ↑
- () النزهة بستان بالقطيف يقع قريباً من حاضرتها «القلعة». ↑
- () العصر النحاسي في حدود 3500 سنة ق.م. ↑
- () stadion أو اسطاديون وهي كلمة استخدمها علماء تقويم البلدان لمسافة أربعمائة ذراع. ↑
- () استرابون Strapo المتوفى سنة 58 ق.م وهو جغرافي يوناني له كتاب في الجغرافيا فيه معلومات تفصيلية عن بلاد العرب لم يسبقه إليها غيره من المؤرخين. ↑
- () القاموس المحيط 3/193. ↑
- () معجم البلدان 4/378. ↑
- () رحلة ابن بطوطة 280. ↑
- () درة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ↑
- () درة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ↑
- () الجزيرة العربية 67. ↑
- () المفصل 2/550 – 551. ↑
- () المفصل 2/78. ↑
- () المفصل 1/176. ↑
- () المفصل 2/ 16-17. [*: الازهار الأرجية 4/159.] ↑
- () معجم البلدان 4/378. ↑
- () تقويم البلدان 98-99. ↑
- () رحلة ابن بطوطة 280. ↑
- () معجم البلدان 4/378. ↑
- () ديوان ابن المقرب 112 ، 225، 621. ↑
- () معجم البلدان 2/328. ↑
- () شروح سقط الزند 1066، 1067. ↑
- () شرح المفضليات 245. ↑
- () الكامل 1/184. ↑
- () الطبري 2/41. ↑
- () تاريخ سني ملوك الأرض 44. ↑
- () التنبيه على أوهام أبي علي 190. ↑
- () مختارات الشعر الجاهلي 364. ↑
- () شرح الحماسة (المرزوقي) 333. ↑
- () المفضليات 124. ↑
- () شروح سقط الزند 1066-1739. ↑
- () شروح سقط الزند 1066-1739. ↑
- () ديوان ابن المقرب 74 ،75، 108، 171. ↑
- () معجم البلدان 3/126. ↑
- () مروج الذهب 1/126. ↑
- () القاموس 2/37-38. ↑
- () أنوار البدرين 277. ↑
- () شرح ديوان عمرو بن قميئة 162. ↑
- () المفصل 1/176. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 56-57. ↑
- () المصدر السابق 47. ↑
- () تقويم البلدان 83. ↑
- () معجم البلدان 2/432. ↑
- () رسالة الغفران 82. ↑
- () طبقات الشعراء 139. ↑
- () شروح سقط الزند 1912. ↑
- () النقائض 64. ↑
- () المصدرالسابق 132. ↑
- () النقائض 1007، معجم البلدان 2/432. ↑
- () معجم البلدان 2/174. ↑
- () القاموس 1/169. ↑
- () الطبري 2/213. ↑
- () معجم البلدان 4/315. ↑
- () الطبري 3/804 – الكامل 2/868 – معجم البلدان 1/349. ↑
- () معجم البلدان 2/174-175. ↑
- () مختارات الشعر الجاهلي 229،94،37. ↑
- () النقائض 328، شرح سقط الزند 1729. ↑
- () النقائض 328. ↑
- () معجم البلدان 2 / 174-175. ↑
- () معجم البلدان 2/359. ↑
- () التنبيه والإشراف 240. ↑
- () مجلة المنهل 17/ج8 (1375 هـ). ↑
- () ديوان ابن المقرب 559. ↑
- () ديوان ابن المقرب 284. ↑
- () القاموس 3/324. ↑
- () معجم البلدان 4/164. ↑
- () معجم البلدان 4/63 وعن الفوراة معجم البلدان 4/279. ↑
- () معجم البلدان 5/52. ↑
- () شرح ديوان لبيد 138. ↑
- () معجم البلدان 1/530. ↑
- () ديوان ابن المقرب 15. ↑
- () معجم البلدان 2/359. ↑
- () معجم البلدان 4/315. ↑
- () معجم البلدان 5/18. ↑
- () معجم البلدان 4/251. ↑
- () المصدر السابق 1/55. ↑
- () معجم البلدان 1/0. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 49-50. ↑
- () ديوان ابن المقرب 638. ↑
- () راجع ساحل الذهب الأسود 53. ↑
- () المفصل 1/232. ↑
- () المفصل 1 533/534. ↑
- () المفصل 1/543. ↑
- () المفصل 1/545. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 47. ↑
- () مجلة المنهل العدد 17/ ج 8/ (1375 هـ). ↑
- () الأزهار الأرجية 6/77-78. ↑
- () الكامل 1/384. ↑
- () الطبري 2/41. ↑
- () سنى ملوك الأرض 44. ↑
- () معجم البلدان 2/329-330. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 100. ↑
- () الطبري 2/57. ↑
- () معجم البلدان 5/135. ↑
- () معجم البلدان 1/348. ↑
- () معجم البلدان 4/378، انوار البدرين 22. ↑
- () معجم البلدان 1/348. ↑
- () الطبري 3/304، الكامل 2/368-369. ↑
- () الكامل 4/202. ↑
- () أرض المعجزات 118، ساحل الذهب الأسود125، أنوار البدرين278. ↑
- () ديوان ابن المقرب 531-532. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 131-135. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 149. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 151. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 153-154. ↑
- () المصدر السابق 154. ↑
- () المصدر السابق 155-156. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 159. ↑
- () الحدج عملة تركية أقل من الفلس. ↑
- () مجلة المنهل الجزء الرابع/ المجلة 21ربيع الثاني 1388 هـ ص 582. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 164. ↑
- () المسؤول عن الحامية التركية في القطيف. ↑
- () الأزهار الأرجية 2/136-137. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/161. ↑
- () أنوار البدرين 376-377. ↑
- () الأزهار الأرجية 2/117،3/74 . ↑
- () المصدر السابق 1/ 93، 2/120، 3/165. ↑
- () المصدر السابق 1/81، 2/33. ↑
- () المصدر السابق 2/135. ↑
- () المصدر السابق 2/38. ↑
- () المصدر السابق 1/147، 2/165. ↑
- () المصدر السابق 2/323، 3/23. ↑
- () رحلة ابن بطوطة 279. ↑
- () تقويم البلدان 98-99. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/162 نقلاً عن «التعريفات الشافية لمريدي الجغرافية 1/179. ↑
- () المصدر السابق 4/163. ↑
- () الغيص: من يغوص في البحر لاستخراج المحار.السيب: المحافظ على الغيص من على ظهر السفينة بحيث يسحبه
عند حاجة الغيص للتنفس.
النوحذة: رئيس السفينة.. ↑
- () الحضرة عند أهل القطيف. سياج من جريد النخل يبنى غير بعيد عن الساحل ن فإذا مدّ البحر امتلأت بالماء المحمل بالأسماك، وإذا جزر جمعه الصيادون، وأصبحت (الحضرات) لها قيمة مادية تباع وتشترى وتستأجر.. الخ. ↑
- () يمكن استنتاج ذلك من ذكر ياقوت الحموي للمناطق والمياه التي ترتبط بتميم، وهي أغلبها في عُمان ولا سيما أزد تميم والبراجم منهم – وكذلك الأحساء: يراجع معجم البلدان 1/337، 532، 3/107، 4/138. ↑
- () معجم البلدان 2/240، 453، 4/76، 82، 343، 431. ↑
- () المصدر السابق 1/172. ↑
- () المصدر السابق 5/135. ↑
- () المفصل 4/483-485. ↑
- () معجم البلدان 2/110. ↑
- () المصدر السابق 4/63. ↑
- () المصدر السابق 4/251. ↑
- () المصدر السابق 2/259. ↑
- () المصدر السابق 1/55. ↑
- () التنبيه والإشراف 240. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 219-221. ↑
- () راجع عنه: الأعلام4/4 وما فيه من مصادر، والشعر والشعراء 233-235، معجم الشعراء 167 خزانة الأدب 4/431 طبقات الشعراء 69-70. ↑
- () الشعر والشعراء 234. ↑
- () راجع عنه: الأعلام 3/222 ما فيه من مصادر، طبقات السفراء70،معجم الشعراء481، المفضليات 299-302، شرح المفضليات600. ↑
- () المفضليات 229-300. ↑
- () راجع عنه المفضليات 253 – 255، وشرح المفضليات 511 – 559. ↑
- () المفضليات 253-255. ↑
- () البيان والتبيين 1/97-98. ↑
- () ساحل الذهب الأسود 223- 226. ↑
- () الشعر والشعراء 314- 316، معجم الشعراء، الأعلام 6/29، خزانة الأدب 1/308، طبقات الشعراء 95- 96.. ↑
- () الشعر والشعراء 314- 316. ↑
- () معجم الشعراء 95- 96. ↑
- () معجم الأدباء 4/215- 216. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/170- 172: نقلاً عن (أعيان الشيعة) و(الطليعة في تراجم شعراء الشيعة). ↑
- () العرب/الجزء الرابع السنة الثالثة/شعبان 1388هـ/ ص379. ↑
- () راجع عنه الأزهار الأرجية3/40، 4/174، 5/123، أنوار البدرين 288، ساحل الذهب الأسود235، شعراء القطيف ق1 ج1/12. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/179. ↑
- () الأزهار الأرجية 1/123- 126، 3/33، أنوارالبدرين295. ↑
- () أنوار البدرين348، الأزهار الأرجية 4/172، شعراء القطيف ق1 ج1 – 34. ↑
- () أنوار البدرين 348، الأزهار الأرجية. ↑
- () أنوار البدرين 348، الأزهار الأرجية 4/18، شعراء القطيف ق1 ج1/27. ↑
- () شعراء القطيف 32. ↑
- () شعراء القطيف 43. ↑
- () شعراء القطيف 51. ↑
- () الأزهار الأرجية 5/63، أنوار البدرين 349، شعراء القطيف ق1 ج1/61. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/18. ↑
- () الأزهار الأرجية 3/37، 6، 65، أنوار البدرين 332، شعراء القطيف ق1 ج1/96. ↑
- () الأزهار الأرجية 11/199، شعراء القطيف ق1 ج1/111. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/19، أنوار البدرين 331. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/19. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/19، شعراء القطيف ق1 ج1/79. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/19. ↑
- () شعراء القطيف ق1 ج1/69، 100 وأنوار البدرين 328، 373. ↑
- () شعراء القطيف ق1 ج1/69، 100، أنوار البدرين 328، 373. ↑
- () من عدد ]10- 16[ يراجع شعراء القطيف ق ج1: 61، 83، 106، 116، 120، 123. ↑
- () شعراء القطيف يراجع 142 – 165. ↑
- () شعراء القطيف يراجع 142 – 165. ↑
- () الأزهار الأرجية 5/98، 101 أنوار البدرين 351. ↑
- () الأزهار الأرجية 6/115، 11/160، شعراء القطيف ق1 ج1/128. ↑
- () الأزهار الأرجية 2/118، 139، 4/133، 10/176، شعراء القطيف ق1 ج1/162. ↑
- () الأزهار الأرجية 2/117، 120، 3/165، أنوار البدرين 179. ↑
- () من عدد (7-26) يراجع شعراء القطيف ج1 ص166، 176، 180، 183، 196، 201، 205، 207، 209، 212، 221، 225، 229، 243، 247، 250، 255، 259، 268، 272. ↑
- () الأزهار الأرجية 3/74، أنوار البدرين 378. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/128. ↑
- () الأزهار الأرجية 4/164. ↑
- () الأزهار الأرجية 5/79، أنوار البدرين 252. ↑
- () الأزهارالأرجية 11/177. ↑
- () الأزهار الأرجية 2/169، أنوار البدرين 375. ↑
- () أنوار البدرين 270.. ↑
- () الأزهار الأرجية 5/161. ↑
- () الأزهار الأرجية 6/138، 163-167. ↑
- () شعراء القطيف ق جـ 1/281. ↑
- () الأزهار الأرجية 12/121. ↑
- () ديوانه (في محراب الذكرى) مخطوط. ↑
- () الأبيات لعبد الرسوم الجشي. ↑
- () البيان والتبيين 1/97، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر. والأعجب من عجب الجاحظ؛ أنّ المؤرخين لم يهتموا بالمنطقة قدر اهتمامهم بسواها، كالحجاز والعراق وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي وإيران وغيرها من الديار العربية والإسلامية. ↑
- () تزخر القطيف بالعديد من الشواهد التاريخية على عراقتها وصلاتها بجيرانها وتأثيرها القوي على مجريات الأحداث التاريخية، فقد كان ميناء القطيف في القرن السابع والثامن الهجري أحد الأقطاب الرئيسية بالنسبة للموانئ التجارية في الخليج، ويعتبر الثغر الرئيسي لتجارة شرق ووسط الجزيرة العربية، وكانت بنو عصفور قبيلة من بني عامر هي القوة المسيطرة على شرق الجزيرة العربية من الداخل، أما القوة البحرية على سواحل الخليج فقد كانت في أيدي ممالك جزيرتي قيس وهرمز الواقعتين في مدخل الخليج. ↑
- () محمد حرب فرزان، وعيد مرعي ـ دول وحضارات في الشرق العربي القديم، ص (53). ↑
- () د. وديع بشور، سومر وآكاد، ص (33). ↑
- () محمد حرب فرزان، وعيد مرعي، دول وحضارات في الشرق العربي القديم، ص (52). ↑
- () د. وديع بشور، سومر وآكاد، ص (33). ↑
- () قدري قلعجي، الخليج العربي، ص (63). ↑
- () محمد العزب موسى، حضارات مفقودة، ص (91). ↑
- () خالد سالم محمد، جزيرة فيلكا، ص (32). ↑
- () محمد حرب فرزان، وعيد مرعي، دول وحضارات في الشرق العربي القديم، ص (53). ↑
- () محمد سعيد المسلم، واحة على ضفاف الخليج، ص (93). ↑
- () د. سليمان سعدون البدر، مكان الخليج العربي في حضارة الشرق الأدنى القديم، ص (12). ↑
- () د. سليمان البدر، المصدر السابق. ↑
- () د. سليمان البدر، المصدر السابق. ↑
- () د. وديع بشور، سومر وأكاد، ص (48). ↑
- () د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 1، ص (554). ↑
- () د. جواد علي، المصدر السابق، ج 1. ↑
- () د. جواد علي، المصدر السابق، ج 1. ↑
- () د. عامر سليمان، عادات وتقاليد الشعوب القديمة، ص17. ↑
- () د. عامر سليمان، نفس المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، عادات وتقاليد الشعوب القديمة، ص (17). ↑
- () د. عامر سليمان، المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، المصدر السابق. ↑
- () د. عامر سليمان، عادات وتقليد الشعوب القديمة، ص (19). ↑
- () د. وديع بشور، سومر وأكاد، ص (56). ↑
- () د. عامر سليمان، عادات وتقاليد الشعوب القديمة، ص (19). ↑
- () ألبرز هو اسم أعلى القمم في الجبال الغربية للقفقاس، وهي غير جبال ألبرز في إيران. ↑
- () رغم الشك في صحة هذه الوصية إلاّ أن محتواها هو عين السياسة الروسية. ↑
- () منات هي النقد الروسي المتداول آنذاك وتعادل مائة من النقد الروسي الصغير المعروف بالـ (كوپك Kopeck). ↑
- () إضافة إلى ذلك فإنّه لجأ ما يقارب الخمسمائة ألف شخص منهم فهاجروا إلى الدولة العثمانية وإيران هرباً من الاحتلال الروسي. ولم يبق من هذه الأقوام في موطنها إلاّ حوالي خمسين ألفاً. ↑
- () Tchinownik: تعني بالروسية مستخدمي الدولة وموظفيها. ↑
- () يطلق عليه اليوم أيضاً اسم بحر قزوين. ↑
- () القوموق: قبائل تقيم في بلاد الداغستان عند مصب نهر ترك وتختلف عنهم في الجنس. ↑
- () أزاق: آزوف. ↑
- () كان هذا الحديث قبل تفكك الاتحاد السوفياتي. ↑
- (*) مرت لها دراسة خاصة. ↑
- () هو الزعيم العراقي الكبير الذي ناضل في الثورة العراقية الكبرى. ولما قام الحكم الوطني كان من الأركان الذين قامت على أيديهم نهضة العراق. وقد تميز بدفاعه عن حقوق المحرومين والمضطهدين بشجاعة وثبات وتضحية. ↑
- (*) المقصود بقلم الحبر: القلم الذي يعبأ بالحبر وينقل في الجيب. ↑
- () الدكتور حسن كمال «أدوات الكتابة عند قدماء المصريين» المقتطف ج86 (1935) 424. ↑
- () راجع كلمة Calame في معجم العاديات اليونانية واللاتينية لمؤلفه Deremberg et Saglio. ↑
- () راجع كلمة قلم في معجم Vigourour الكتابي. ↑
- () صبح الأعشى، ج2: 44 وما إليها. ↑
- () راجع في معجم لاروس كلمة Plume. ↑
- () محمد كامل حسين في مجلة الثقافة، ج1 (3939) بعدد 8ـ21. ↑
- () عن جريدة الحديث البيروتية بعدد 1944 بتاريخ 29/7/1945. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المتوفى في قم سنة 1355هـ والمدفون فيها. ↑
- () المتوفى في 13 شوال 1380هـ ودفن في صدر مسجده الذي أنشأه قرب الحرم المطهر. ↑
- () روضة الناظر وجنة المناظر: ص145. ↑
- () الأحكام للامدي: ج3، ص3. ↑
- () إرشاد الفحول، ص198. ↑
- () إرشاد الفحول، ص198. ↑
- () المستصفى، ج2، ص54. ↑
- () الأحكام، ج3، ص4. ↑
- () الأحكام، ج3، ص4. ↑
- () سلم الوصول، ص274. ↑
- () راجع الأحكام، ج3، ص63. ↑
- () مصادر التشيع فيما لا نص فيه، ص19. ↑
- () روضة الناظر، ص146، والمستصفى، ج2، ص54. ↑
- () المستصفى، ج2، ص54. ↑
- () المستصفى، ج2، ص72. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف، ص77. ↑
- () مباحث الحكم، ج1، ص136. ↑
- () علم أصول الفقه، ص87. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص21. ↑
- () مباحث الحكم، ص135. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص42. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص42. ↑
- ( ) مصادر التشريع الإسلامي، ص42. ↑
- () مباحث الحكم، ص144. ↑
- () مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص45. ↑
- () مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص45. ↑
- () سورة النساء، الآية: 6. ↑
- () مصادر التشريع، ص46. ↑
- () مصادر التشريع، ص46. ↑
- () و(1) و(2) روضة الناظر، ص146 وما بعدها. ↑
- () روضة الناظر، ص146 وما بعدها. ↑
- () روضة الناظر، ص146 وما بعدها. ↑
- () روضة الناظر، ص146 وما بعدها. ↑
- () روضة الناظر، ص146 وما بعدها. ↑
- () روضة الناظر، ص147. ↑
- () المستصفى، ج2، ص74 وما بعدها. ↑
- () القوانين المحكمة، ج2، ص87. ↑
- () أصول الفقه للمظفر، ج1، ص118. ↑
- () ج2، ص84. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف، ص87. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف، ص87. ↑
- () المستصفى، ج2، ص80. ↑
- () المستصفى، ج2، ص56. ↑
- () روضة الناظر، ص147. ↑
- () المستصفى، ج2، ص56. ↑
- () المستصفى، ج2، ص56. ↑
- () روضة الناظر، ص147. ↑
- () الأحكام للآمدي، ج3، ص14. ↑
- () انظر (المعالم)، ص213 مبحث القياس. ↑
- () اقرأ ما أفاده الشيخ الأنصاري في رسائله، ص220 (أواخر مبحث دليل الانسداد). ↑
- () الأحكام، ج3، ص66. ↑
- () القوانين المحكمة، ج2، ص89. ↑
- () بلغنا أنّ الأستاذ عدل عن تضعيف الرواية لثبوت صحتها لديه، ولم تسعني مراجعته للتأكد من ذلك. ↑
- () دراسات في الأصول العملية، ص29. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص24. ↑
- () القوانين المحكمة، ج2، ص8. ↑
- () إبطال القياس والاستحسان، ص29. ↑
- () حلية الأولياء، ج3، ص197. ↑
- () حلية الأولياء، ج3، ص197. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص26. ↑
- () انظر ص27 منه. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 95. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 150. ↑
- () إرشاد الفحول، ص201. ↑
- () سورة النحل، الآية: 90. ↑
- () إرشاد الفحول، ص202. ↑
- () إرشاد الفحول، ص202. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 11. ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () إرشاد الفحول، ص202. ↑
- () هامش الأحكام السلطانية، ص46. ↑
- () راجع إبطال القياس، لابن حزم، ص56. ↑
- () راجع إبطال القياس، لابن حزم، ص56. ↑
- () الأحكام للآدمي، ج3، ص78. ↑
- () الأحكام للآدمي، ج3، ص78. ↑
- () الأحكام للآمدي، ج3، ص78. ↑
- () إبطال القياس لابن حزم، ص58. ↑
- () راجع الأحكام، ج3، ص81. ↑
- () إرشاد الفحول، ص203. ↑
- () الأحكام، ج3، ص81. ↑
- () روضة الناظر، ص148، والكلالة ما عدا الوالد والولد. ↑
- () الأحكام، ج3، ص81. ↑
- () الأحكام، ج3، ص81. ↑
- () المحلى، ج1، ص59، وص61. ↑
- () المحلى، ج1، ص59، وص61. ↑
- () المحلى، ج1، ص59، وص61. ↑
- () ابن حزم في إبطال القياس، ص58. ↑
- () المحلي، ج1، ص59. ↑
- () المحلي، ج1، ص61. ↑
- () الآمدي في الأحكام، ج3، ص83. ↑
- () الآمدي في الأحكام، ج3، ص85. ↑
- () الآمدي في الأحكام، ج3، ص85. ↑
- () الآمدي في الأحكام، ج3، ص85. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي، ص26. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد يوسف موسى، ص29. ↑
- () مصادر التشريع، ص29. ↑
- () سلم الوصول، ص295. ↑
- () مصادر التشريع، ص29. ↑
- () راجعها في حقائق الأصول، ج2، ص156 (متن). ↑
- () ص255 منها. ↑
- () ج2، ص198 وما بعدها. ↑
- (*) ترتفع كابُل 800 متر عن سطح البحر، وتكون درجة الحرارة في الشتاء أقل من 8/2 تحت الصفر، مع احتمال تساقط الثلوج التي قد تبقى حولاً كاملاً في الأماكن المرتفعة. أمّا معدل درجة الحرارة ما بين تموز وآب من كلّ عام فتبلغ 32 درجة مئوية. وتصل درجة الحرارة في الصيف إلى 49 درجة مئوية في جنوب أفغانستان ولكن في الشتاء تنخفض إلى 26 تحت الصفر في جبال هندوكوش إلى الشمال الشرقي التي تعتمر قممها بالثلوج الدائمة. ↑
- () عسكر مكرم سميت بذلك لأنّ مكرماً، وهو قائد عربي كان الحجاج قد بعثه إلى خوزستان لإخماد فتنة نشبت هناك، فعسكر قرب أطلال مدينة فارسية يُقال لها رستم كواد، وصحف العرب هذا الاسم وقالوا رستقباذ، فعرفت بعسكر مكرم. ونشأت في موضع المعسكر العربي مدينة جديدة بهذا الاسم. وقد زال اسم عسكر مكرم من الخارطة ولكن موضعها تشير إليه الخرائب المعروفة باسم بندقير أي (سد القير) حيث يلتقي آب كركر بنهر كارون. وفي المئة الرابعة (العاشرة) كانت عسكر مكرم مدينة ذات جانبين يشقها نهر المسرقان (آب كركر) أعمرهما الجانب العربي، وبين الجانبين جسران من سفن. والمدينة بهية الأسواق كثيرة الخير وأسواقها وجامعها في الجانب الغربي. ومن عيوب عسكر مكرم عقارب سامة لا يسلم من لسعها أحد. وعلى ما في المستوفي كان يقال للمدينة الفارسية القديمة برج شابور. وإنّما سميت بذلك لأنّ الملك سابور الثاني جدّد عمارتها ووسعها. وذكر المستوفي أنّها كانت تسمّى في أيامه لشكر ومعنى ذلك بالفارسية «العسكر» وكانت حين كتب في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) أصح مدينة في خوزستان كلّها. ↑
- () يقول حسن الأمين: ومن كبار علماء كاشمر الباحثين، المحققين، العاملين، المناصرين لكلّ خير، صاحب هذا المقال الشيخ محمد صادق السعيدي الذي توفي هذا العام رحمه الله. ↑
- () معجم البلدان 5/179. ↑
- () دليل المتحف العراقي (ص32ـ33) نشرة مديرية الآثار العامة سنة 1966. ↑
- () وفي (نزهة القلوب) لحمدالله المستوفي القزويني المطبوع بليدن أنّ الذي بنى عقر قوف هو كيكاوس الذي أطلق عليه اسم النمرود ونسبت له قصة إبراهيم، والكتاب بالفارسية س39. ↑
- () كتاب الحوادث الذي سمّي الحوادث الجامعة وهي في أخبار سنة 647. ↑
- () المرجع المذكور في حوادث سنة 641. ↑
- () تاريخ بغداد (1: 126). ↑
- () جاء في الأصل المطبوع بمصر «وفي السوق العتيقة» يجعل العتيقة صفة للسوق وهو تحريف لا ندري مأتاه لأنّ العتيقة اسم من أسماء الأعلام لموضع ما يعرف اليوم بالمنطقة وما حولها واسمها الآرامي «سونايا» وسيأتي ذكرها في البحث فالتركيب إضافي لا وصفي. ↑
- () تاريخ بغداد (1: 90). ↑
- () تاريخ الطبري (6، 42، 48 طبعة مصر الأولى). ↑
- () هي منطقة الجانب الغربي من بغداد وكرادة مريم والدورة وما إليها. ↑
- () يظهر أنّ الجملة فيها تصحيف لغموضها. ↑
- () كتاب إثبات الوصية (ص116 طبعة طهران). ↑
- () من الأغلاط القديمة تأنيث الحمام وقد التبس بالحمام الطيور المعروفة والحمام يجوز تأنيثه وتذكيره ومن هنا نشأ الغلط. وذكر ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين أنّ بعضهم أنث الحمام فقيل له كيف تؤنثه؟! فقال: هذا حمام نساء. ↑
- () تاريخ بغداد (1: 109ـ111). ↑
- () المنتظم (8: 44) والكامل (7: 344). ↑
- () ويسجل الشيخ محمد السماوي المنطقة (سونايا) وموقعها من جامع براثا في تخطيط بغداد وبنائها من قبل المنصور فيقول في أرجوزته عن تخطيط المنصور وموقع (المنطقة) وموقع (براثا):وعين الغرب لنهر دجلة
على ازورار نهرها في الجملة
وخطها دائرة متسقة
ومركز الخط بحيث (المنطقة)
وهي التي يدونها (سونايا)
خلف (براثا) إذ تقاس نايها
حيث (برااثا) للجنوب سمت
تبعد عما خطه نوبخت
↑ - () هو العالم الجليل والخطيب الكبير الذي اضطره نظام الطغيان التكريتي الصدامي إلى هجر وطنه مدينة (كربلاء)، فقصد أميركا، وكما كان في كربلاء علماً إسلامياً عالياً في حفظ الإسلام ومناهج أهل البيت (عليهم السلام)، كذلك هو في أميركا. ↑
- (*) وكتامة أيضاً: قرية حديثة بنيت في موقع جميل اشتهرت بجودة مناخها وعذوبة مياهها وغابات الأرز المنتشرة حولها تتهاطل بها الثلوج ويقصدها السواح لمزاولة رياضة الانزلاق على الثلج في فصل الشتاء كما يؤمّها عدد كبير من المصطافين خلال فصل الصيف.تقع على مقربة من جبل تيدغين الذي يبلغ ارتفاعه 2452م المشرف على مناظر أخاذة لجبال الريف وجبال الأطلس والبحر المتوسط ويمتد حولها سهل فسيح يعرف بالسهل الأصفر لغلبة هذا اللون عليه في فصل الربيع. ويفصلها عن تطوان 170كلم. في الطريق الذاهبة إلى الحسيمة وبينها وبين تار گيست 39كلم.
ومنها تمتد الطريق إلى فاس عبر فاس البالي وتاونات (79 كلم) وهي طريق الوحدة التي شقها شبان المغرب الذين تطوعوا لبناء هذه الطريق مباشرة بعد الاستقلال لتحطيم ما أقامه الاستعمار من حدود مصطنعة بين الشمال والجنوب. ↑
- () النعمان: المصدر السابق ورقة 50 ونص البيت:بعد كمال المائتين في رجب
من جيجل ينهض جيش ذو لجب
↑ - () انظر: النويري: نهاية الأرب 26 ورقة 25 وما بعدها. ↑
- () النعمان: المصدر السابق ورقات 65 و68 و 69 وغيرها. ↑
- () ابن عذاري: المصدر السابق 1، 210 البكري: المصدر السابق 68. ↑
- () والدوار يرادف المشتى ويدل على الفحص الخاص بقبيلة أو بفرع منها. ↑
- () يقول ابن خلدون عن بقايا كتامة في عصره: بعد الأربعمائة سنة لانتحالهم الرافضة ومناهجها الكفرية حتّى صار كثير من أهل نسبهم يفرّون منهم وينتسبون فيمن سواهم من القبائل فراراً من هجنته. ↑
- () حيدرة من ألقاب علي، وهذا اللقب شائع في بلاد المغرب. ↑
- () وحب المغاربة للعلويين ظهرت آثاره في عدم اقتناعهم باتجاه الطعن في نسب الفاطميين وأصداء ذلك تظهر عند المؤرخين المغاربة كما تظهر عند بعض من تأثّر بهم وأخذ عنهم من مؤرخي المشرق، انظر الباجي المسعودي: الخلاصة النقية، الذي ذكر نسب المهدي على الصورة العلوية الصحيحة كما يعتقدها الفاطميون وعقب بقوله: «ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب ولا بالمحضر الذي كتب في عهد القادر بالله». ↑
- () والبيت من قصيدة لابن أبي عقب يتنبأ فيها بقرب ظهور المهدي ونصفه: (في الست والتسعين يأتيك العجب).ومن ضمنها:
عن ألف أروع كالأساد قد قتلوا
الساعة من سواد الليل إذ غدروا
عن المشرد في حب الأئمة من
آل النبي وخير الناس إن ذكروا
جرعت ضيفك كأساً أنت شاربها
عما قليل وأمر الله ينتظر
فدولة القائم المهدي قد أزفت
أيامها في الذي أنبأ به الأثر
عن النبي وفيها قطع مدتكم
يا آل أغلب أهل الغدر فاقتصروا
↑ - () ومن ضمن قصائده قوله:تنقلب الدولة فيما تنقلب
مهدية في نص أسفار الكتب
↑ - () ويظهر من أبناء فاطمة امرؤتقي نقي العرض جم المواهب
سمي نبي الله وابن صفيه
وأكرم مولود وأشرف طالب
↑ - () ومن بين قصيدته قوله:هذا الإمام الفاطمي ومن به
أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه
من مهرب من جيشه المنصور
حتّى يفوز من الخلافة بالمنى
ويفاز منه بعدله المنشور
↑ - () ومن بينها قوله:فارتقى الملعون من خيفته
في ذرى أعيط عال مصعد
فارتقى المنصور بالسيف له
يوم طعن كشآبيب البرد
واثقاً بالله في غربته
عن بني أحمد ناء منفرد
↑ - () المنتظم لابن الجوزي. ↑
- () ابن عماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج4/ ص: 126ـ127، دار الفكر ـ بيروت. ↑
- () الثقات العيون، ص24، دار الكتاب العربي ـ بيروت. ↑
- () الشيخ الحر العاملي: أمل الآمل، ج2/ ص341، النجف الأشرف 1385هـ. ↑
- () انظر: مجلة حوزة القميّة، عدد: 78، ص151ـ153. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني، الذريعة، ج25، ص76. ↑
- () السيّد شمس الدين فخار: الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، ص288، منشورات سيد الشهداء ـ قم. ↑
- () السيد محمد صادق بحر العلوم: مقدمة الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، ص7، منشورات سيد الشهداء ـ قم. ↑
- () ابن الطقطقي: الفخري، ص337، منشورات الشريف الرضي ـ قم. ↑
- () أعيان الشيعة، ج10، ص17، دار التعارف ـ بيروت. ↑
- () ابن عنبة: عمدة الطالب، ص33، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف. ↑
- () أعيان الشيعة، ج10، ص214، دار التعارف ـ بيروت. ↑
- () معجم البلدان لياقوت الحموي، مادة الطف. ↑
- () معجم البلدان لياقوت الحموي (مادة كربلاء)، وانظر (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، المجلد 12، ص63. ↑
- () تقع غربي كربلاء وتبعد عنها 74 كيلومتراً في طريق ترابي وعر. ذكرها ياقوت الحموي في (معجم البلدان) ج 3 ص 759 فقال: «عين التمر بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له شفاثا منها يجلب القسب والتمر إلى سائر البلاد وهو بها كثير جداً وهي على طرف البرية وهي قديمة». كما ورد ذكرها في «مراصد الاطلاع على أسماء الامكنة والبقاع» لابن عبد الحق البغدادي ج 2 ص 977 وهذا نصه: «عين التمر بلدة في طرف البادية على غربي الفرات وحولها قريات منها شفاثا وتعرف ببلدة العين أكثر نخلها القسب ويحمل منها إلى سائر الأماكن». وشفاثا مجموعة قرى نمت على حساب بلدة «عين التمر» التي هجرها سكانها بعد جفاف ينابيعها وهي ناحية من نواحي كربلاء واقعة في الجهة الغربية تسقيها الأنهار المنسابة من ينابيعها المعدنية المتفجرة. وقد بلغ عدد سكانها حوالي 10 آلاف نسمة هاجروا إليها من المناطق البعيدة والمجاورة، وعدد القرى (القصور) سبعة عشر قصراً سميت أغلبها بأسماء العشائر والرؤساء من الذين سكنوها.أما اليوم فقد أصبحت عين التمر قضاءاً تابعاً لمحافظة كربلاء وتبعد عنها مسافة (70) كيلو متراً وطريقها معبد بالأسفلت وفيها دار للاستراحة. ولأهالي عين التمر ارتباطات وثيقة بأهالي كربلاء، لاسيما وان عدداً كبيراً من مالكي البساتين هم من أهالي كربلاء. ↑
- () التنبيه والإشراف: للمسعودي، ص47. ↑
- () بغية النبلاء في تاريخ كربلاء للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة (كطبعة الإرشاد ـ بغداد) (31/4/1966م) ص82. ↑
- () مدينة الحسين/ محمد حسن الكليدار آل طعمة/ ج2، ص4 و5 طبع طهران. ↑
- () بغية النبلاء في تاريخ كربلاء/ عبد الحسين الكليدار آل طعمة/ ص83 و84. ↑
- () مدينة الحسين/ ج2، ص4 و5. ↑
- () الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة/ لأبي الفضل عبد الرزاق بن الفوطي ص497 و498 طبع ببغداد 1351هـ. ↑
- () أربعة قرون من تاريخ العراق للمستر لونكريك ـ ترجمة جعفر الخياط ص39 (الطبعة الرابعة ـ مطبعة المعارف ـ بغداد 1968م). ↑
- () تاريخ العراق بين احتلالين عباس العزاوي، ج4، ص36ـ37. ↑
- () راجع عن الأخيضر بحثاً خاصاً به في مكانه. ↑