لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السابع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
فلسطين
حدودها
يحد فلسطين من الغرب البحر الأبيض المتوسط، على ساحل طوله نحو 224 كيلومتراً، ومن الشرق سوريا ـ ويبلغ طول الحدود بين القطرين 70 كيلومتراً ـ والأردن على حدود طولها نحو 360 كلم، ومن الشمال لبنان ـ على حدود طولها 79 كلم وسوريا، ومن الجنوب سيناء وخليج العقبة. ويبلغ طول الحدود المصرية الفلسطينية بين رأس طابا على خليج العقبة ورفح على البحر الأبيض المتوسط نحو 240 كلم هذا وطول الساحل الفلسطيني الواقع على خليج العقبة عشرة كيلومترات ونصف الكيلومتر.
تعينت الحدود بين فلسطين من جهة ولبنان وسوريا من جهة أخرى بموجب الاتفاق الفرنسي ـ البريطاني المنعقد في 23/12/1920 وفي عام 1922 ـ 1923 عدلت هذه الحدود فأدخلت ضمن حدود فلسطين بعض الأراضي السورية القريبة من نهري بانياس والحاصباني وكذلك بعض المواقع اللبنانية وكان أهم ما أخذ من لبنان هو منطقة (الحولة) التي كان اليهود يمهدون لشرائها ثم اشتروها، وكذلك جزء من جبل عامل فيه بلدة هونين.
وبموجب هذا الاتفاق تسير الحدود من «رأس الناقورة» الواقع على البحر الأبيض المتوسط باتجاه الشرق إلى قرية «يارون» في لبنان. ومن ثم يسير باتجاه الشمال الشرقي إلى «القدس» و«المطلة» في فلسطين، وعبر وادي الأردن إلى «تل القاضي» في فلسطين، وإلى «بانياس» في سوريا.
وبعد ذلك يسير خط الحدود باتجاه الجنوب الغربي إلى «جسر بنات يعقوب» ومن ثم يسير باتجاه الجنوب على طول نهر الأردن حتى بحيرة طبرية، وساحلها الشرقي إلى نقطة تكاد تكون من مدينة طبرية حيث ينحرف خط الحدود في اتجاه الجنوب الشرقي إلى أن يصل محطة «الحمة» الواقعة على سكة حديد درعا ـ سمخ.
وحسب هذا التحديد تقع جميع «بحيرة الحولة» وحوضها، و«بحيرة طبرية» بأكملها في فلسطين.
ويتألف القسم الفلسطيني الواقع شرقي البحيرتين من قطاع ضيق يمتد على طول ساحل بحيرة الحولة الشرقي، وقطعة ضيقة تقع شرقي بحيرة طبرية يتراوح عرضها بين 10 ـ 2000 متر على أكثر تعديل.
وأما الحدود مع شرقي الأردن فقد حددها المندوب السامي البريطاني لفلسطين وشرقي الأردن في 1 ايلول 1922. وهي تبدأ من نقطة اتصال اليرموك بالأردن فتسير جنوباً من منتصف مجرى نهر الأردن وبحيرة لوط ووادي العربة حيث تنتهي في ساحل خليج العقبة على بعد ميلين غربي مدينة العقبة.
وكانت الحدود بين فلسطين ومصر قد حددت بموجب الاتفاقية المعقودة في 12 شعبان 1324هـ أول أكتوبر ـ تشرين الأول ـ 1906م. بين خديوية مصر والحكومة العثمانية. وتمتد الحدود من «تل الخرائب» في «رفح» على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتنتهي في «رأس طابا» على خليج العقبة. وخط الحدود هذا يكاد يكون في امتداده مستقيماً.
كان العثمانيون يعتبرون هذه الحدود حدوداً إدارية تفصل بين (خديوية مصر) التي كانت لهم عليها سيادة اسمية ـ وبين ولاية سورية ومتصرفية القدس.
مساحة فلسطين السطحية:
تبلغ حوالي (27.009) كيلومترات مربعة: 10429 ميلاً مربعاً، من هذه المساحة (704) كيلومترات مربعة: 262 ميلاً مربعاً، مساحة بحيرة الحولة وبحيرة طبرية ونصف مساحة البحر الميت.
ولا يمكن اعتبار أرقام مساحة البلاد صحيحة ونهائية، وذلك لعدم تعيين الحدود في «وادي عربة» بين فلسطين وشرقي الأردن. فقد جعل الحد في وسط الوادي ولكنه لم يعين حتى نهاية الحكم البريطاني فضلاً عن مجرى نهر الأردن الذي يفصل بين البلدين، عرضة للتغيرات الكثيرة، الأمر الذي يؤثر في خط الحدود، وبالتالي في مساحة البلاد.
إن الوكالة اليهودية تذكر في صفحة 435 من إحصاءاتها المطبوعة في عام 1947 بأن ما يملكه اليهود من أراض في فلسطين، في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1946 بلغ 1807000 دونم أي ما يعادل 6.8% من جميع أراضي البلاد. وتوزع الدونمات عليها كما يلي:
175000 أجرتها الحكومة للوكالة اليهودية.
325000 منحتها الحكومة للوكالة اليهودية وهي من أملاك الدولة.
420600 ما حصل عليه اليهود في عهد الدولة العثمانية ـ حسب إحصاءات الوكالة اليهودية ـ وذلك بعد جهود عظيمة بذلت خلال خمسين عاماً في العهد المذكور، وهذه الدونمات تعادل نحو 1.6% من مجموعة مساحة البلاد باع العرب هذه المساحة في وقت لم يعلموا فيه شيئاً عن الغايات الصهيونية.
261400 مساحة الأراضي التي اشتراها اليهود من عرب فلسطين. وبعضها نتيجة لقانون نزع الملكية وتنفيذاً لأحكام أصدرتها المحاكم المختصة، أو لظروف اقتصادية بالغة القسوة والشدة.
625000 ما باعه الإقطاعيون من بعض (اللبنانيين) و(السوريين) من غير أهل فلسطين وتفصيلها كما يلي:
1807000 دونم.
400000 دونم في مرج بني عامر.
156000 دونم في أراضي امتياز بحيرة الحولة.
32000 دونم أراضي امتياز وادي الحوارث.
28000 دونم من أراضي أقضية الناصرة وصفد وعكا وبيسان وجنين وطولكرم.
ويتضح من هذه الأرقام بأن الفلسطينيين باعوا، ومعظمهم تحت ظروف قاهرة، أقل من 1% من مجموع مساحة البلاد البرية.
وفي آخر إحصاء للأعداء أنهم كانوا يملكون في نهاية الانتداب البريطاني من فلسطين 7.15% من مجموع مساحة البلاد.
هذا والدونم يساوي ألف متر مربع أو 1/10 من هكتار. والفدان الواحد يساوي 0.405 من الهكتار.
عدد السكان
قدر العثمانيون سكان فلسطين في عام 1914 العام الذي أُعلنت فيه الحرب العالمية الأولى بـ 689.275 نسمة 8% منهم من اليهود. وكان عدد سكان فلسطين حسب التقدير الرسمي، في سنة 1920م 673000 نسمة منهم 521000 من المسلمين و67000 من اليهود و78000 من المسيحيين و7000 من المذاهب الأخرى. وفي الإحصاء الذي أجراه اليريطانيون في 22 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1922 بلغ عدد السكان 757182 نسمة بينهم 83794 يهودياً، والباقي عرب يعودون في أصولهم إلى العناصر العربية التي هاجرت قديماً من الجزيرة العربية وسكنت في هذه البقعة المقدسة من الوطن العربي.
وفي 13 آذار من عام 1947 م قدر عدد سكان البلاد بنحو (1933673) نسمة على حساب عدد بدو بئر السبع هو 47981 كما جاء في إحصاء عام 1931. ولما كان عدد هؤلاء البدو بلغ في إحصاء فني سري دقيق، أجرته الحكومة عام 1946، 91934 نسمة فيكون عدد سكان فلسطين هو: 1933673 ـ 47981 × 91934 = 1977626 نسمة. بينهم 614239 يهودياً، وهذا يعادل نحو 31% من مجموع السكان وفي آخر إحصاء للأعداء أن عددهم بلغ عند نهاية الانتداب حوالى 650000 نسمة إلا أن معظم هؤلاء اليهود كانوا من المهاجرين الذين دخلوا البلاد بالقوة، وخلافاً لرغبات سكانها الأصليين فلا يمكن اعتبارهم كالسكان العرب مواطنين فلسطينيين شرعيين بأي حال من الأحوال، وعليه فإن النسبة المذكورة أكثر من الواقع بكثير.
تطور قضية فلسطين
وفيما يلي كلمة للدكتور عبد الوهاب الكيالي عن الحركة الصهيونية منذ سنة 1897 حتى سنة 1947 السنة المشؤومة التي تمزقت فيها فلسطين. أما ما أتى بعد ذلك فسيكون له دراسات مستقلة نرجو أن نوفق لاستيعابها. قال الدكتور الكيالي:
تعود جذور الصراع العربي ـ الصهيوني المعاصر إلى ثلاث ظواهر متداخلة متفاعلة متناقضة، برزت في القرن التاسع عشر وحددت الإطار العام للحركة الجدلية التاريخية في المنطقة العربية:
أولاً: الظاهرة الإمبريالية وأطماع الغرب في المنطقة.
ثانياً: ظاهرة اليقظة القومية التحررية عند العرب.
ثالثاً: الظاهرة الصهيونية الاستيطانية الإجلائية وهي ظاهرة وثيقة الصلة والتحالف بالظاهرة الأولى كما سنبين.
لفلسطين أهمية تاريخية وروحية وجغرافية واستراتيجية فريدة. فهي قلب الوطن العربي وواسطة عقده وهي التي تصل أوروبا بآسيا وإفريقيا وهي مهد الديانات التوحيدية الكبرى في التاريخ وملتقى الحضارات ومن أهم بقاع الأرض قاطبة من النواحي الاستراتيجية والسياحية والدينية. ومن هنا كانت أطماع الدول الغربية في فلسطين قديمة العهد تشهد بقوتها ومداها الغزوات الصليبية المتعاقبة.
وقد استعاد الغرب اهتمامه الشديد بمنطقتنا في أعقاب احتلال بريطانيا للهند في القرن السابع عشر وبروز الأساطيل الغربية لتأمين المواصلات والتجارة بين الدول الأوروبية ومستعمراتها. كما أيقظت حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين في أواخر القرن الثامن عشر وأطماع بريطانيا ورغبتها في السيطرة المباشرة نظراً إلى ما انطوت عليه حملة نابليون من تهديد خطير للمصالح البريطانية.
من هنا (نرى)* أن بريطانيا حرصت على الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية كحاجز في وجه أطماع الدول الغربية الأخرى وعارضت قيام أية قوة حقيقية محلية في المنطقة. وهكذا نظرت بريطانيا في قلق بالغ إلى بروز محمد علي الكبير في مصر ما لبث أن تحول إلى تدخل عسكري عندما هزمت جيوش محمد علي (بقيادة ابنه إبراهيم باشا) الجيوش العثمانية ووحدت مصر وسوريا الطبيعية مهددة بذلك استانبول عاصمة الدول العثمانية ومعها مصالح الدول الغربية وامتيازاتها في المنطقة.
أثار تقدم جيوش محمد علي في المشرق العربي ما عرف بـ«المسألة الشرقية» واستتبع ذلك إقدام بريطانيا على الالتزام بسياسة ثابتة هدفها الحفاظ على المصالح التجارية البريطانية في المنطقة، تحت ستار حماية الأقليات الدينية، وذلك عن طريق الحيلولة دون قيام دولة موحدة تضم مصر وسوريا تستطيع أن تهدد نفوذ الدول الأجنبية ومصالحها.
- اضيفت(نرى) لتحصيل المعنى.
وكانت من جراء تلك السياسة أن أقامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1839 ووجهت معظم جهودها ونشاطها إلى حماية الجالية اليهودية في فلسطين التي لم تكن تتجاوز تسعة آلاف وسبعمائة نسمة.
وحاولت بريطانيا استقدام جاليات يهودية لأسباب ودوافع استعمارية بيّنها في وضوح الفايكونت بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا في رسالة بعث بها إلى سفيره في استانبول شرح فيها المنافع السياسية والمادية التي تعود على السلطان العثماني من جراء تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة حاجز بشري استعماري يحول دون قيام دولة موحدة تضم المشرق العربي وإفريقيا العربية.
«إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته تشكل سداً في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي أو من يخلفه».
وقد تبنى فكرة بالمرستون في هذا الصدد رجال السياسة الاستعمارية البريطانية الذين توالوا على الحكم في بريطانيا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولا شك في أن شق قناة السويس واحتلال بريطانيا لمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان لهما أعمق الأثر في تفكير الساسة الإنكليز الاستراتيجي بالنسبة إلى أهمية فلسطين وضرورة السيطرة عليها وأدى بالتالي إلى تزايد الحماسة لفكرة إقامة مستعمرة يهودية تحت الحماية البريطانية فيها.
نشوء الحركة الصهيونية
وعلى رغم تبني بالمرستون للكفرة الصهيونية فإن الفكرة الصهيونية السياسية لم تأخذ في شق طريقها إلا بعدما فشلت الأفكار الليبرالية التي نادت بها الثورة الفرنسية في فرض مبادئ الإخاء والمساواة على المجتمعات الأوروبية، وبعدما اتضح أن الأكثرية الساحقة من اليهود عجزت عن الانصهار في المجتمعات التي تقيم فيها أو أن هذه الأكثرية رفضت ذلك وهكذا جاءت الفكرة الصهيونية كتعبير عن فقدان الأمل في قيام مجتمعات أوروبية تحررية عادلة قادرة على استيعاب اليهود اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وكاستجابة لرغبة الدولة الاستعمارية الكبرى في استخدام الجاليات اليهودية لأغراض استعمار الشعوب المختلفة. وقد لاقى ذلك تشجيعاً من كبار الرأسماليين اليهود في غرب أوروبا الذين كانوا يرغبون في تحويل سبل الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية (نتيجة زحف الرأسمالية الصناعية إليها وفقدان اليهود مكانتهم ووظائفهم التقليدية) إلى خارج أوروبا لتجنب نتائج منافسة اليهود الوافدين للبورجوازية الصغيرة في أوروبا الغربية وعواقب البطالة في إثارة النعرات اللاسامية عند الطبقات الشعبية.
وفي مطلع ستينات القرن التاسع عشر أخذ بعض المفكرين اليهود في الدعوة إلى العمل من أجل «العودة إلى فلسطين واستعمارها» وكان أولهم هيرش كاليشر وذلك في كتابه «البحث عن صهيون» الصادر عام 1861 وفي العام التالي نشر مؤسس هس كتابه «روما والقدس» الذي نادى فيه بإقامة دولة يهودية في فلسطين. أما معاصرهما دافيد غوردن فقد نادى بما سماه «دين العمل» مشدداً على أهمية استعمار اليهود لفلسطين والعمل اليدوي لتحويل اليهود إلى أمة كغيرها من الأمم. ويعتبر كتاب ليون بينكر التحرير الذاتي auto-emancipation الصادر عام 1882 والذي حلل الوضع اليهودي العام وخلص إلى المناداة بوطن قومي يهودي في فلسطين أو أميركا، أقوى الكتابات الصهيونية وأعمقها أثراً.
لكن الصهيونية بقيت مع ذلك فكرة معزولة عن جماهير اليهود حتى العام 1881 عندما اضطرت أعداد ضخمة من هؤلاء إلى النزوح عن روسيا نتيجة المجازر التي وقعت ضدهم أثر اغتيال القيصر الروسي الكسندر الثاني. وكان من نتائج المجازر انهيار الحركة الاندماجية اليهودية Haskalah وقيام جمعيات صهيونية محلية مكانها باسم «حب صهيون» (نسبة إلى جبل صهيوني في القدس). وطرحت هذه الجمعيات مسألة استيطان اليهود لفلسطين كاحتمال عملي كما درست إحياء اللغة العبرية لتصبح لغة غالبية اليهود عوضاً عن اليديشية التي كانت أقرب إلى الألمانية.
أدت المجازر الروسية من جهة ونشوء جمعيات «حب صهيون» من جهة أخرى إلى قيام بضع مئات من الشباب الصهيوني بحركة «البيلو» التي عملت على تهجير اليهود إلى فلسطين بقصد الاستيطان وتمكنت عام 1882 من إيصال 20 مستعمراً يهودياً إلى فلسطين شكلوا طليعة ما اصطلح على تسميته الهجرة الأولى. وحول هؤلاء قرى عربية نائية عدة إلى مستعمرات صهيونية شكلت في ما بعد المراكز الرئيسية للاستعمار الزراعي الصهيوني في المراحل اللاحقة لكن هؤلاء «الرواد» واجهوا مشاكل شائكة لم تكن في حسبانهم، فقد كانوا يجهلون أساليب الزراعة إضافة إلى عدم تعودهم الطقس وصعوبة المعيشة وغير ذلك من العوامل التي جعلتهم في حالة من اليأس الشديد.
وبقيت الحركة الصهيونية مبعثرة تفتقر إلى التنظيم الشامل والخطة الواضحة والجهاز القادر على تنفيذها إلى أن تمكن يهودي نمساوي اسمه تيودور هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسية في 27 آب 1897، في حضور 204 مندوبين يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء مختلفة. وتمخض هذا المؤتمر عن رسم أهداف الحركة الصهيونية، في ما عرف ببرنامج بازل، وإنشاء الإدارة التنظيمية لتنفيذ هذا البرنامج: المنظمة الصهيونية العالمية التي حددت أغراضها بالعمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين وتغذية الشعور القومي اليهودي وتنظيم اليهودية العالمية والحصول على الموافقة الحكومية الضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية.
وعلى رغم تأييد بريطانيا والدول الغربية الأخرى للصهيونية ولمشاريع هرتزل، فقد فشلت جميع محاولاته لحمل السلطان العثماني عبد الحميد على منح اليهود الحق في إقامة مستوطَن يهودي في فلسطين. ولهذا السبب قررت المنظمة الصهيونية غزو فلسطين عن طريق التسلل والهجرة التدريجية، فأقامت المؤسسات الضرورية للتهجير وشراء الأراضي وتمويل الاستيطان. وخلال الفترة 1905 ـ 1907 بدأ ما يسمى «الهجرة الثانية» التي كان من أبرز قادتها دافيد بن غوريون. وقد وجدت الحركة الصهيونية في ثورة «تركيا الفتاة» عام 1908 وحركة الاتحاد والترقي فرصة لزيادة الهجرة والاستيلاء على الأراضي والاستيطان نظراً إلى التعاطف الذي أبداه عدد من القادة العسكريين الذين شاركوا في الحكم الجديد، بعد العام 1908، إلا أنهم اصطدموا بمعارضة عربية قوية.
الطباعة العبرية أول مظاهر الاختراق اليهودي للسلطنة العثمانية
بعد مرور نحو نصف قرن على ولادة حرفة الطباعة الأوروبية على يد حنا غوتنبرغ (أول من استخدم حروفاً مسبوكة من الرصاص في ترتيب وصف الكتب في أواسط القرن الخامس عشر) كانت السلطنة العثمانية في عهد بايزيد الثاني قد أجازت استعمال الطباعة وحصرها باليهود دون غيرهم من رعايا السلطنة، تسهيلاً لنشر ديانتهم الموسوية. حينذاك كانت المطابع الأوروبية الحديثة النشأة قد أبدت اهتماماً ملحوظاً باللغات الشرقية عموماً والعبرية خصوصاً، فعمد البعض منها إلى طباعة أول كتاب (التوراة) باللغة العبرية عام 1455 في مطبعة فراري في ايطاليا. ومنذ ذلك الحين توالت المطبوعات اليهودية تباعاً في مطابع سونسينو من أعمال دوقية ميلانو، والبندقية وباريس وغيرها من المطابع الأوروبية.
وكان من جراء الاحتكاك التاريخي المتواصل بين الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية أن انتقل فن الطباعة إليها لينتشر أولاً في الآستانة وينتقل فيما بعد إلى سائر الولايات في المشرق العربي. وتجدر الإشارة إلى أن انتشار الطباعة في السلطنة لم يكن أمراً ميسوراً حينذاك لاعتبارين رئيسيين غير منفصلين، أولهما أن السلطنة كانت تعتمد النسخ بديلاً عن الطباعة، وكان النساخون يشكلون طبقة حرفية لا يستهان بشأنها ونفوذها لدى الأوساط المحافظة إذ كانوا يتخذون من دور العبادة مراكز رئيسية لعملهم ما يشير إلى ارتباط وثيق بين عملية النسخ والمفاهيم الدينية المقدسة.
وعلاوة على ذلك كان سلاطين بني عثمان لا ينظرون إلى فن الطباعة بعين الرضى والاطمئنان خشية أن يتسلل أصحاب الغايات إلى تحريف الكتب الدينية أو تشويهها أو تزويرها. وهذا ما حمل السلطان بايزيد الثاني عام 1485 «إلى إبراز حكم عال نهى فيه رعاياه من اتخاذ المطبوعات» كما جدد ابنه السلطان سليم الأول عام 1515 حظراً مماثلاً.
إلا أن هذا المنع قد استثنى اليهود من بين سائر الرعايا العثمانيين لشدة ما كان لهم من تأثير ونفوذ وحظوة في أوساط المقربين من الباب العالي والصدارة العظمى. وهكذا استطاع اليهود أن يستحصلوا على إذن رسمي يجيز لهم ممارسة الطباعة باللغة العبرانية دون سواها من اللغات الأخرى، في حين أن الحظر على العثمانيين أنفسهم ظل سارياً عليهم حتى العام 1827 وذلك بعد صراع طويل بين المتنورين ورجال الدين المحافظين.
ويعزو بعض الباحثين هذا الأمر، الذي يبدو مستغرباً. إلى شدة التغلغل التجاري وقوة المال اليهودي واستخدامه كوسيلة لاختراق بعض المواقع المؤثرة في الحكم والسلطنة. وعلى أي حال حقق اليهود من خلال قطاع الطباعة أول اختراق ثقافي ديني أسس فيما بعد لاختراقات سياسية بلغت مداها في «جمعية الاتحاد والترقي» التي تسلمت الحكم عام 1908.
وكان أول من سعى بإنشاء مطبعة في الأستانة رجل يهودي اسمه (اسحاق جرسون) في محاولة للاستغناء عن المخطوطات التي كانت سائدة حينذاك. ويرتقي تاريخ ظهور أول مطبعة يهودية في (دار السعادة) إلى أواخر القرن الخامس عشر، وخروج أول كتاب منها عام 1490 وهو عبارة عن ملخص تاريخ اليهود ليوسيفوس كربون. بعد ذلك الحين توالت طباعة العديد من الكتب العبرانية التي تركز معظمها على المؤلفات الدينية وشروح الأسفار الإلهية القديمة العهد.
ومن أهم ال كتب التي ظهرت في تلك الفترة: «شرح سفر استير» لإسحاق جرسون عام 1495، و«رأس الإيمان» لإسحاق إيربنيل عام 1505، و«مجموع أمثال قديمة» بالشعر لإسحاق صهلة عام 1506، و«التلمود الصغير» لإسحاق بن يعقوب الفاسي عام 1509، و«مختصر الشرائع» لإسحاق بن كربيل عام 1510، و«معجم ناتان بن يحنيل» عام 1512، و«معجم داود كمخي» عام 1513، و«مجموع شروح للربانيين» على أسفار التوراة عام 1514، وفضلاً عن هذه الشروح المفردة لكل سفر من الأسفار الإلهية ظهر تباعاً شروحات أخرى لسفر أيوب عام 1545، و«الجامعة» لصموئيل أربول عام 1586 و«المزامير» لإبراهيم حانيم عام 1750. ومن أهم مطبوعات القسطنطينية التي نالت شهرة واسعة كتاب «التوراة» عام 1551 مرفقاً مع عدة شروحات ذات لغات مختلفة إنما بحرف عبري.
وعلاوة على هذه الكتب الدينية نشر اليهود سلسلة من الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية واللغوية والطبية من أهمها: «ديوان ابن أزرع» و«مقامات يهوذا الحريري» عام 1540، وعلى غرار مقامات الحريري و”ديوان ابن جبرول” عام 1545، وهو فيلسوف عبري توفي عام 1070، و«ديوان عمانويل بن سلمان» عام 1535، وكتاب «مقوم اللسان في اللغة العبرية» لحبيب موسى عام 1508.
وقد استمر ظهور الكتب اليهودية على أنواعها حتى أواخر القرن الثامن عشر والجدير بالذكر أن الطباعة العبرانية لم تنحصر في الآستانة وحسب وإنما نقل اليهود هذا الفن أيضاً إلى المدن الأخرى لا سيما سالونيك التي كانت تقيم فيها جالية يهودية كبيرة وطبعت فيها عدة كتب علمية ودينية منها «خطب ابن صموئيل» عام 1520 و«مجموع في الطب» عام 1596.
الطباعة التركية والعربية
تأخرت الطباعة التركية والعربية في السلطنة العثمانية نحو ثلاثة قرون عن مثيلتها اليهودية، أي حتى العقد الثاني من القرن الثامن عشر في عهد السلطان أحمد الثالث.. ويشير تاريخ (جودت باشا) لمترجمه عبد القادر الدنا (ص 81 ـ 84) إلى الظروف التي رافقت ولادة المطابع التركية والعربية ويرجعها إلى البعثات العلمية التي كانت توفدها السلطات العثمانية إلى الدول الأوروبية واطلاع أفرادها حينذاك على فنون الطباعة الغربية وإعجابهم بها ونقل انطباعاتهم ومشاهداتهم إلى المسؤولين العثمانيين الذين أبدوا بدورهم ترحيباً بالفكرة وتشجيعاً لها. وكان صاحب المشروع محمد أفندي حلبي وابنه سعيد اللذين كانا في عداد البعثات العلمية إلى باريس، قد استحصلا من الباب العالي على فرمان ومن شيخ الإسلام (عبدالله أفندي) على فتوى دينية عام 1129هـ الموافق عام 1712م، يرخصان بطباعة كل الكتب وبكل اللغات ما عدا كتب التفسير والحديث والكلام. واستعان سعيد أفندي بإبراهيم آغا (كان رجلاً نصرانياً أشهر إسلامه فيما بعد وكان صاحب خبرة وتجربة أوروبيتين في فن الطباعة) لتجهيز أول مطبعة عنيت بطباعة الحرف العربي في بلاد المشرق. وأول كتاب طبع فيها «صحاح الجوهري» عام 1827، ثم توالى بعد ذلك ظهور الكتب المطبوعة على اختلاف موضوعاتها ومعظمها باللغة التركية ومن أهمها: «تحفة الكبار في أسفار البحار» لمؤلفه الحاج خليفة، و«تاريخ تيمورلنك» لابن عربشاه و«تاريخ مصر» و«تاريخ حرب الأفغان» عام 1730 و«تاريخ حديقة الخلفاء» لنظمي زاده عام 1730 وكتاب «الأبرة المغناطيسية» لإبراهيم أفندي.
ويشير (جودت باشا) إلى أن الطباعة التركية جاءت في ذلك العهد رديئة وكثيرة الأخطاء ما جعلها تتوقف عن العمل فترة من الزمن إلى أن استأنفت نشاطها عام 1783 بعد أن أضيفت إليها أحدث الآلات والحروف والمهرة الطباعين، نظراً لما كان يتـ؟؟؟؟ بعض المصلحين أو المتنورين العثمانيين من دور كبير للطباعة في تنوير الأذهان وانتشار المعرفة وتقليص دائرة الأمية.
رفع الحظر عن الكتب الدينية
لقد كان المتنورون العثمانيون وراء كل حركة إصلاح ديني أو ثقافي أو سياسي في السلطنة العثمانية واستطاع هؤلاء في تلك الفترة أن يقنعوا أولي الأمر في رفع الحظر عن الكتب الدينية وحصلوا على فرمان مشفوع بفتوى شرعية يجيزان طباعة كل الكتب من دون استثناء دينية كانت أو غير دينية. يقول جودت باشا (أحد أبرز الإصلاحيين آنذاك) «لم ير علماء أصول الفقه من بأس بطبع الكتب الشرعية وإن كان فيه أعمال تخل بتعظيمها وذلك استناداً على القضية المسلمة عندهم وهي (الأمور بمقاصدها)، فإنهم بناء على هذه القضية أجازوا تجليد القرآن الكريم خوفاً من شتات أوراقه وضياعها مع أن في التجليد أموراً تخل بالتعظيم أكثر من الطبع مثل الرض بالمطارق والتضييق بالملازم. وللمقاصد الخيرية في تكثير الكتب سمحوا بطبعها تعميماً لمنافع الطلبة فاستفاد من ذلك جميع أصحاب الفنون». ومنذ ذلك الوقت بدأت المطبوعات العربية بالظهور في الآستانة من أشهرها: «تحرير أصول الحكيم أقليدس» لنصير الدين الطوسي عام 1801 و«إظهار الأسرار» للبركوي عام 1805 و«تهذيب المنطق» عام 1819 و«شرح الرسالة الشمسية في القواعد المنطقية» عام 1822 و«ملتقى الأبحر» لإبراهيم الحلبي عام 1842 و«مفتاح التفاسير» لمحمد شريف الحافظ عام 1873 و«شمائل النبي» للشيخ محمد الترمذي عام 1848 و«تاريخ أبي الفدا» عام 1870. ومعظم هذه الكتب طبعت في المطبعة السلطانية.
إلا أن أبرز مطابع الآستانة كانت مطبعة الجوانب التي أخرجت مجموعات من أمهات الكتب العربية لا سيما القديمة منها مثل «الجاسوس على القاموس» و«ديوان البحتري» و«ديوان الطغرائي» و«ديوان العباس بن الأحنف» و«نقد الشعر» لقدامة بن جعفر ورسائل الخوارزمي والهمداني والموازنة بين أبي تمام والبحتري ومقامات السيوطي وأمثال العرب ودرة الغواص للحريري ونزهة الطرف في علم الصرف للميداني وأدب الدنيا والدين للماوردي ورسائل ابن سينا والثعالبي والمقريزي وتمتاز كلها بطباعة أنيقة وحروف مشرقة وتجليد فني متقن ومزركش بالرسوم المذهبة.
وفي نهاية البحث يرى البعض في إحراز اليهود قصب السبق عن غيرهم، بمن فيه الأتراك، واستئثارهم بقطاع الطباعة ردحاً طويلاً من الزمن، أخطر مظاهر التغلغل الثقافي والديني والمالي في جسم السلطنة لدرجة تجرؤهم على الطلب من السلطان عبد الحميد الثاني وتقديم الإغراءات له مقابل تعاطفه مع المشروع الصهيوني الذي يعد لفلسطين حينذاك.
ولا غرو إذا ما كان رفض عبد الحميد باعثاً على انضمام يهود السلطنة إلى «جمعية الاتحاد والترقي» التي لعبوا من خلالها دوراً فاعلاً في إسقاط عبد الحميد في انقلاب عام 1908 ووصول «ألاتحاديين» إلى الحكم الذين أذاقوا العرب مر الإهانة والإذلال والإرهاب والبطش والتنكيل.
علي حويلي
يقظة العرب
شهد القرن التاسع عشر احتكاكاً حضارياً مهماً بين الغرب والمنطقة العربية وخصوصاً في مصر والمشرق أدى إلى تفاعلات بعيدة الأثر. فمع فتوحات نابليون أدخلت وسائل الطباعة الحديثة وتسربت بعض الأفكار الجديدة، ومع بروز محمد علي الكبير جاءت محاولات تحديث مصر في مختلف الحقول الاقتصادية والثقافية مما تطلب إيفاد البعثات الدراسية إلى الغرب والانفتاح على أفكاره وحضارته ولا سيما أفكار الثورة الفرنسية والفكرة القومية الليبرالية. وكانت بداية ظهور الوعي السياسي التيقظ للرابط القومي العربي والمطالبة بالتحرر والاستقلال سابقة لبداية بروز الحركة الصهيونية في طورها التنظيمي. وقد تتبع جورج أنطونيوس في كتابه القيم «يقظة العرب» إرهاصات الحركة العربية الحديثة منذ عام 1868 في الجمعية السورية العلمية السرية حيث أطلق رواد النهضة الأدبية والعلمية العربية الحديثة صرختهم الشهيرة «تنبهوا واستفيقوا أيها العرب» والتي بفضلها أمكن عام 1875 تأسيس أول حركة قومية سرية.
والواقع أن تقارير قناصل الدول الغربية تلقي المزيد من الضوء على التحرك السياسي القومي في تلك الفترة وتؤكد الطابع الوحدوي العربي والتحرري لهذا التحرك. ولم يكن عرب فلسطين معزولين عن التيارات والاتجاهات السياسية الجديدة في المنطقة. وبحسب شهادة القنصل البريطاني في القدس فإن عرب فلسطين أبدوا تجاوباً في يافا والقدس مع ثورة أحمد عرابي ووقوفه ضد الاحتلال البريطاني لمصر.
كما أنهم تعاطفوا مع ثورة المهدي في السودان «كعربي يناضل من أجل جنسه (العربي) ضد السيطرة العثمانية وسوء الحكم العثماني». ومن المهم أن نلاحظ أنه لم يرافق يقظة الشعور القومي عند العرب في القرن التاسع عشر أي شكل من أشكال العداء لليهود قبل بداية الغزو الصهيوني والهجرة الصهيونية الأولى عام 1882.
كان رد الفعل الأولي هو رد الفعل الطبيعي لشعب أخذ يستيقظ، محب لأرضه، متمسك بها وبتاريخه إزاء محاولات الغزو والاغتصاب. ففي الريف بدأ أول اصطدام مسلح بين الفلاحين العرب والغزاة الصهيونيين عام 1886 عندما هاجم الفلاحون المطرودون من الخضيرة وملبس (بتاح تيكفا) قراهم المغتصبة التي أجلوا عنها على رغم إرادتهم. أما في المدن فقد أثارت الهجرة اليهودية الجديدة مخاوف المهنيين والتجار وبادرت هذه القطاعات وغيرها إلى تقديم عرائض احتجاج إلى الصدر الأعظم وطالبوا فيها بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين وتحريم استملاكهم للأراضي فيها في مطلع العقد الأخير من القرن التاسع عشر.. واشتدت الحملات المناوئة للصهيونية في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول انطلاقاً من إدراك حقيقة هدف الصهيونية في إقامة دولة يهودية في فلسطين، واتخذت شكلاً تنظيمياً محدوداً وحالت دون حصول اليهود على أراض زراعية جديدة لسنوات وكان لمشاعر الفلسطينيين العرب صدى لدى المفكرين العرب كما كان لهذه المشاعر أثرها في مواقف السلطان عبد الحميد نفسه.
وبقيام ثورة 1908 وإعلان الدستور وإجراء انتخابات الهيئة التشريعية (المبعوثان) دخلت المناطق العربية في الإمبراطورية العثمانية مرحلة جديدة نظراً إلى ما تضمنه الدستور من إطلاق بعض الحريات وحق إصدار الصحف وإلى الآمال الواسعة التي علقت على المرحلة الجديدة. ولكن سرعان ما اتضح أن دعاة الإصلاح الدستوري الأتراك هم من غلاة العنصريين الأتراك الذين يكنون للعرب الحقد الأمر الذي دفع الشبان العرب في استانبول إلى تبني آراء ثورية والبدء بتأسيس جمعيات سرية («القحطانية» و«العربية الفتاة») إضافة إلى إقامة النوادي الاجتماعية والأدبية (المنتدى الأدبي) واتخاذها ستاراً لبث روح القومية العربية. وكانت جمعية «العربية الفتاة» أول جمعية تطالب بالاستقلال الكامل لا مجرد الحكم الذاتي للعرب ضمن الإمبراطورية. وأدى نشاط الجمعيات المختلفة إلى تحرك سياسي واسع مما دفع السلطات العثمانية إلى القيام بحملة اعتقالات شملت السياسيين والصحفيين.
1908 ـ 1914
أثار توافد يهود «الهجرة الثانية» الذين كانوا يتمتعون بدرجة عالية من التنظيم والتزمت الصهيوني المتمثل في مقاطعة اليد العاملة العربية مقاطعة تامة، استياء الفلاحين العرب ورافقت هذا الاستياء موجة من الغضب على الملاكين الإقطاعيين الغائبين، بعضهم من غير الفلسطينيين وبعضهم من التجار، الذين كانوا يجنون الأرباح من بيع الأراضي للصهيونيين وبحلول 1909 أصبحت معارضة الهجرة الصهيونية موضوع الأحاديث الدائمة للناس وعبرت عن ذلك الصحيفتان الفلسطينيتان الوحيدتان في ذلك الحين «الأصمعي» و«الكرمل»، ثم انتقلت معارضة الصهيونية إلى صحف دمشق وبيروت كما تولى نواب فلسطين في المبعوثان التعبير عن معارضة العرب الفلسطينيين للصهيونية والهجرة اليهودية. ولم يكتف العرب بتسجيل الاحتجاجات وإرسال البرقيات إذ شهد العام 1910 ظهور دعوة إلى مقاطعة البضائع اليهودية رداً على مقاطعة الصهيونيين للبضائع والأيدي العاملة العربية. وفي العام 1911 قام «الحزب الوطني العثماني» الذي كرس جهوده لمحاربة الخطر الصهيوني على فلسطين. وفي آب 1913 أعلنت صحيفة «فلسطين» في أحد أعدادها أنها ستضطر إلى زيادة عدد صفحاتها حتى تتمكن من استيعاب العدد المتزايد من العرائض والاحتجاجات الواردة ضد الصهيونية وفي الشهر نفسه نشرت صحيفة «الكرمل» في صفحتها الأولى نبأ قيام تظاهرة كبيرة في نابلس ضد اعتزام الحكومة بيع أراضي بيسان التابعة للدولة لليهود، وما لبثت أن أعلنت الصحيفة قيام «جمعية مكافحة الصهيونية» التي اتخذت من نابلس مقرها الرئيسي وإنشاء فروع لها في بعض المدن الفلسطينية الأخرى. وفي السابع من تموز 1913 نشرت «الكرمل» «نداء إلى الفلسطينيين» تلقته من القدس جاء فيه: »… هل تقبلون أن تصبحوا عبيداً للصهيونيين الذي جاؤوا لطردكم من بلادكم مدعين أنها بلادهم؟.. أيرضيكم ذلك أيها المسلمون والسوريون والعرب.. إننا نؤثر الموت على أن نسمح بأن يحدث ذلك».
وحث النداء الشعب على الضغط على الحكومة لحظر بيع الأراضي الأميرية للأجانب وتشجيع الصناعات الوطنية ومحاربة الهجرة والنهوض بالصناعات والمهن الزراعية وعدم الاعتماد على الحكومة في كل ذلك.
وكشف هذا النداء النقاب عن أن الفلسطينيين فقدوا الأمل في أن تتخذ الحكومة أي إجراء ضد العدوان الصهيوني، ومن هنا كان التفكير بالانتفاض على الحكم العثماني. وهكذا ضمنت جمعيتا «العهد» و«الفتاة» الثوريتان العديد من الفلسطينيين الذين باتوا ينظرون إلى الأتراك كحلفاء للصهيونيين في وجه النهضة العربية. وعبرت الانتخابات التي جرت على عام 1914 للمبعوثان عن جو البلاد حيث أعلن جميع المرشحين معارضتهم القوية للصهيونية ولسياسة الحكومة التي تعمل على تسهيل استيلاء الصهيونية على البلاد.
الحرب العالمية الأولى
كان من شأن اندلاع الحرب العالمية الأولى صرف الأنظار عن الأحداث المحلية. ومن دون الدخول في تفاصيل تطور الأوضاع العربية أثناء الحرب فإنه يكفينا في هذا المجال أن نقول إن العرب وجدوا في الحرب فرصة للثورة على الأتراك لنيل استقلالهم ووحدتهم عن طريق محالفة الإنكليز ضد دول «المحور» الذي جذب الإمبراطورية العثمانية إلى جانبه. أما الصهيونية فقد نشطت للحصول على فلسطين بموجب إعلان يصدر عن الدول المتحاربة وبما يوافق رغبة بريطانيا وفرنسا في تجزئة المناطق العربية الخاضعة للحكم العثماني. ووجدت هذه الجهود المتضاربة تعبيراً لها في وعود الحلفاء واتفاقاتهم السرية خلال الحرب.
ففي مراسلات حسين ومكماهون وعدت بريطانيا العرب بتأييد مطالبهم في الاستقلال والوحدة في الوقت الذي اتفقت ـ سراً ـ مع حليفتها فرنسا اتفاق (سايكس ـ بيكو) على تجزئة المشرق العربي إلى مناطق نفوذ ضمن المنطق الاستعماري المحض كما حصلت الحركة الصهيونية على وعد بتأييد بريطانيا لأمانيها في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين عرف بوعد بلفور (2 تشرين الثاني 1917). ويعتبر وعد بلفور من أغرب الوثائق الدولية في التاريخ إذ مُنحت بموجبه دولة استعمارية أرضاً لا تملكها (فلسطين) لجماعة لا تستحقها (الصهاينة) على حساب من يملكها ويستحقها (الشعب العربي الفلسطيني) مما أدى إلى اغتصاب وطن وتشريد شعب بكامله على نحو لا سابقة له في التاريخ.
1917 ـ 1920
سعت الإدارة العسكرية البريطانية التي حكمت فلسطين طوال تلك الفترة إلى تهدئة عرب فلسطين وذلك بإخفاء الحقائق عنهم والتوفيق ما أمكن بين الزعماء العرب والصهاينة تمهيداً لفصل فلسطين عن سوريا وتمكين السيطرة الاستعمارية عليها.
وحاول الصهاينة أن يتجاوزوا معارضة عرب فلسطين لهم ولمشاريعهم عن طريق اتصالات ـ بتأييد من بريطانيا ـ مع العرب خارج فلسطين «حتى يؤثروا في العرب داخل فلسطين». وإزاء اتضاح اللقاء الكامل بين السياسات البريطانية والأهداف الصهيونية، ونظراً إلى اندماجهم في الحركة العربية، تبنى الفلسطينيون في أيار 1918 «العلم العربي» و«النشيد القومي العربي» (نشيد الثورة العربية) كذلك عمدوا إلى إنشاء الجمعيات والنوادي بما في ذلك أول نادٍ نسائي عربي، وفي حزيران تم في القدس تشكيل جمعية مسيحية ـ إسلامية ذات برنامج يهدف إلى مقاومة السيطرة اليهودية وإلى مكافحة النفوذ اليهودي والحيلولة بجميع الوسائل الممكنة دون شراء اليهود للأراضي. وقد فشلت طبقة الوجهاء التي كانت تقود هذه الجمعيات كما فشل أسلوبها في تقديم الاحتجاجات الخطية والشفهية في ممارسة تأثير حاسم على السياسة البريطانية.
إلا أن ردة الفعل العربية للسياسة البريطانية الصهيونية لم تكن متماثلة عند جميع فئات عرب فلسطين. ففي المؤتمر العربي الفلسطيني الذي عقد في مطلع العام 1919 للبحث في أمر عرض المطالب الفلسطينية في شأن تقرير المصير على مؤتمر السلام والإعراب عن معارضة الصهيونية، نشب صراع شديد بين الوجهاء والشيوخ والملاكين الموالين لبريطانيا والميالين إلى انتهاج سياسة مساومة والشباب المثقف المنتسب في غالبيته إلى الطبقة الوسطى الذي تمسك بالمطالبة بفلسطين (سوريا الجنوبية) مستقلة تشكل جزءاً من دولة عربية كبرى ذات سيادة. وكان تيار الشباب الوطني هو المعبر عن الضمير الفلسطيني والغالبية الساحقة بحيث أدرك الصهاينة وقادة بريطانيا أنه ليس في الإمكان تطبيق البرنامج الصهيوني بالقوة وفرضه بالإكراه وعندما أوفد مؤتمر السلام الذي عقد في باريس على أثر انتهاء الحرب لجنة لاستفتاء رأي سكان المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية، وجدت إجماعاً إسلامياً ـ مسيحياً على معارضة الصهيونية في فلسطين وعموم سوريا على رغبة سكان فلسطين في الحفاظ على الوحدة مع سوريا التي هم جزء منها. وكان الموقف الفلسطيني ـ العربي مماثلاً في المؤتمر السوري العام الذي انعقد في تموز 1919 في حضور الأمير فيصل بن الحسين ومندوبين من جميع المناطق السورية وأكد المؤتمر الرفض العربي لفكرة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين:
«إننا نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية أي فلسطين وطناً قومياً للإسرائيليين ونرفض هجرتهم إلى أي قسم من بلادنا لأنه ليس لهم فيها أدنى حق ولأنهم خطر شديد جداً على شعبنا والكيان السياسي. أما سكان البلاد الأصليون من إخواننا الموسويين (اليهود) فلهم ما لنا وعليهم ما علينا».
الصهيونية الإجلائية
وعلى رغم الدور البارز الذي لعبه الشباب المثقف فإن الفلاحين الفلسطينيين كانوا أشد فئات المجتمع استعداداً للثورة والتضحية بالنفس ومرد ذلك إلى أسباب عدة منها: الأضرار التي لحقت بالفلاحين من المقاطعة الصهيونية لليد العاملة العربية وتعرضهم للتشرد كلما وضع اليهود أيديهم على مزيد من الأراضي علاوة على المعارضة الصهيونية لبرنامج القروض الزراعية للفلاحين رغبة في إفقار الفلاح الفلسطيني تمهيداً لإجلائه عن وطنه. ووجد هذا الشعور تعبيراً له على شكل هيئة نضالية سرية هي جمعية «الفدائية» هدفها الإعداد الشامل للثورة بما فيها ذلك «تسليح الأعضاء بالأسلحة الخفيفة وإعداد قوائم بأسماء اليهود البارزين والعناصر الموالية للصهيونية من غير اليهود مع تسجيل إقامة كل منهم. بث الدعاية بين بدو شرق الأردن… وبذل الجهد لتركيز الضباط الفلسطينيين في عمان ثم تعليم عدد محدود من العملاء اللغة العبرية حتى يمكنهم متابعة ما يقال أو ينشر في الصحف العبرية، وتعيين عملاء لمراقبة كل ما يدور ويجري، بذل الجهد للاتفاق مع رجال البوليس والدرك على تسليم أسلحتهم أو على الأقل عدم وضع العقبات في الطريق إذا ما نشبت الثورة، تشريب الأطفال مبادئ الوحدة العربية ولا سيما طلاب مدرستي الرشيدية وروضة المعارف».
وقد ساد الأوساط الوطنية شعور معادٍ للبريطانيين بحيث أصبح من الواضح في بداية العام 1920م أن انفجاراً غداً أمراً وشيك الوقوع وفي شباط جرت تظاهرة عربية سياسية كبيرة أعقبها تظاهرة أخرى لمناسبة تنصيب فيصل ملكاً على سوريا وفلسطين. وشن تشكيلان من الفلسطينيين المسلحين هجوماً على اثنين من المستوطنات اليهودية قرب الحدود السورية وقتل في هذين الهجومين الكابتن جوزف ترامبلدور وستة يهود آخرين. وعلى رغم الأثر السلبي الذي أحدثه اقتراب العهد الفيصلي في دمشق من الانهيار، فإن حشود الزوار من المسلمين في القدس لمناسبة الاحتفال بموسم النبي موسى في نيسان كانت كافية لإشعال حريق انتفاضة 1920 التي استمرت طوال الفترة الواقعة بين الرابع من نيسان والعاشر منه وأعلنت خلالها الأحكام العرفية. ووصل مجموع الإصابات التي بلغ عنها 251 معظمهم من اليهود، وجرح سبعة جنود بريطانيين على أيدي المتظاهرين العرب بينما بلغت إصابات العرب 28 إصابة بينها 4 قتلى بالرصاص. وصدرت أحكام مختلفة بالسجن ضد 23 شخصاً ونحي موسى كاظم الحسيني من منصبه برئاسة بلدية القدس بسبب اشتراكه في التظاهرات ضد سياسة بريطانية الصهيونية.
من انتفاضة إلى انتفاضة
وعلى رغم عنف المعارضة العربية، لم تغير بريطانيا سياستها بل بادرت إلى تعيين هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني البريطاني البارز أول مندوب سام بريطاني في فلسطين. وواصل مؤتمر السلام تحيزه الفاضح ضد العرب وضد شعب فلسطين بالذات، فقد حدد واجبات بريطانيا كدولة منتدبة من خلال تكرار نص وعد بلفور في صك الانتداب مع أن ذلك يتناقض وحق الشعب في تقرير مصيره وسيره نحو الاستقلال بموجب ميثاق عصبة الأمم المتحدة وبموجب وعود الحلفاء في هذا الصدد. ولهذه الأسباب اتخذت السلطات البريطانية إجراءات أمن غاية في الشدة واضطر وجهاء فلسطين إلى مقاطعة بعض الاجتماعات التي دعاهم صموئيل إليها. إلا أن صموئيل أخذ ينفذ خطة بريطانية مؤداها إقناع عرب فلسطين من جهة إن إنشاء وطن قومي لليهود هو أمر مفروغ منه ومن جهة أخرى محاولة كسب تأييد الفلسطينيين المعتدلين واصحاب المصالح من خلال المودة الشخصية و«عدم التحيز» ضمن إطار تصريح بلفور. وكانت حقيقة هذه الخطة هي التنفيذ التدريجي لخطة تهويد فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان وتعليق الحكم الذاتي الذي من شأنه لو تم أن يتيح للعرب عرقلة إقامة الوطن القومي اليهودي. وسارعت الصحف العربية إلى الاحتجاج في شدة على «عزل فلسطين عن أمها سوريا وجعلها وطناً قومياً لليهود» وأشارت إلى «أن إقامة وطن قومي لعناصر غريبة في بلادنا لا يمكن أن يتم من دون المساس بحقوقنا الدينية والمدنية».
ووضع المؤتمر الفلسطيني الثالث الذي انعقد (بعد سقوط الحكم العربي في دمشق) في كانون الأول 1920 سياسة وطنية عامة التزمت بها المؤتمرات اللاحقة وانطلقت من رفض وعد بلفور وعدم الاعتراف بشرعية الانتداب البريطاني لمخالفته مشيئة سكان البلاد ولتضمنه وعد بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي علاوة على رفض مبدأ الهجرة اليهودية والمطالبة بحكومة تمثيلية وطنية. وعندما زار تشرشل فلسطين عام 1921 بصفته وزيراً للمستعمرات، جابه تظاهرات عربية كانت تنادي بسقوط بلفور ورفض الصهيونية. إلا أن الوزير البريطاني تمسك بالسياسة الصهيونية مما دفع العرب إلى التظاهر على رغم حظر الحكومة للتظاهرات فوقعت صدامات بين المتظاهرين والشرطة أصيب فيها من أصيب الأمر الذي مهد الطريق لاشتعال ثورة (انتفاضة) يافا في أيار 1921 التي سرعان ما امتدت إلى الريف، واضطرت السلطات البريطانية ـ على رغم محاولات الوجهاء تهدئة الوضع ـ إلى إرسال مفارز عدة من الجنود والسيارات المدرعة والطائرات والشرطة إلى عدد من الأماكن وإرسال السفن البحرية إلى يافا وحيفا. ومع أن ثورة يافا كانت في الأصل موجهة ضد المهاجرين اليهود والمستعمرات اليهودية فإن دور القوات البريطانية وهجماتها الشرسة على التجمعات العربية المهاجمة للمستعمرات أثبتت التطابق التام بين سياسة بريطانيا والصهيونية. وقدرت لجنة التحقيق البريطانية عدد القتلى في الثورة بـ95 قتيلاً بينهم 48 عربياً و47 يهودياً.
وأربكت الصلابة الوطنية لعرب فلسطين تشرشل الذي اعترف أمام مجلس الوزراء بأن البلاد بأكملها في حالة الغليان «ولا تلقى السياسة الصهيونية قبولاً لدى أحد غير الصهيونيين أنفسهم وأن كلا الجانبين العربي واليهودي مسلح وماض في التسلح ومستعد للانقضاض على الجانب الآخر».
وأوفدت القيادة السياسية وفداً لزيارة لندن، لكن مجلس الوزراء البريطاني رفض قبول المطالب الفلسطينية التي تقدم بها الوفد. ولم تنتظر الحركة الوطنية عودة الوفد بل مضت في عقد اجتماعات سياسية سرية هدفها مقاومة الهجرة اليهودية بالعنف عن طريق القيام بسلسلة منظمة من الغارات على اليهود في فلسطين. وقد وقعت اصطدامات دموية في القدس في تشرين الأول 1921 ذهب ضحيتها خمسة قتلى من اليهود وثلاثة من العرب وأصيب 36 شخصاً بجراح.
حاولت الحكومة البريطانية تهدئة الموقف عن طريق كسب صداقة الحاج أمين الحسيني، الشاب الذي كان يتمتع بسمعة وطنية ويحظى بعطف شعبي، وذلك بالتساهل معه في الانتخابات التي جرت لملء مركزي الافتاء والمجلس الإسلامي الأعلى، وبإصدار كتاب تشرشل الأبيض للعام 1922 الذي أعلن فيه أن تصريح بلفور لا يهدف إلى إخضاع السكان العرب أو الثقافة العربية وأن على الهجرة اليهودية ألا تتعارض مع الطاقة الاستيعابية الإقتصادية في البلاد، وأن الحكومة البريطانية تعتزم تبني التطور التدريجي نحو الحكم الذاتي الكامل. لكن عرب فلسطين رفضوا كتاب تشرشل الأبيض لأنه ينطلق من وعد بلفور ومن مبدأ حق اليهود في الهجرة إلى فلسطين أي الحق في الغزو التدريجي والسيطرة على فلسطين.
مطلب وطني أساسي
وعند هذه النقطة بدأت تتكشف معالم تغيير مهم في الاستراتيجية الفلسطينية إذ تولد اعتقاد أن الطريقة الوحيدة لمقاومة الانتداب وسياسته الصهيونية إنما هي معارضة الانتداب البريطاني كمجموع والتحرك نحو الاستقلال التام وإقامة دولة موحدة تتألف من سوريا وفلسطين. وكان الاتجاه الأخير متجاوباً مع التضامن المتزايد بين الهيئات الوطنية في كل من سوريا وفلسطين ومصر وتجدد الدعوة إلى الاستقلال والوحدة في سوريا. وقد حثت الهيئات الوطنية الفلسطينية الفلاحين على الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة وظهرت تيارات شابة تدعو إلى انتهاج أساليب ثورية وتتبنى «الاستفادة من البدو للقيام بحرب عصابات». غير أن وجهاء الحركة الوطنية آثروا الوسائل السلمية. وفي آب 1922 عقد المؤتمر الفلسطيني الخامس وتبنى 18 قراراً أهمها رفض الدستور الفلسطيني المقترح ومقاطعة انتخابات المجلس التشريعي الذي نص عليه كتاب تشرشل الأبيض ومقاطعة مشروع روتنبرغ والبضائع اليهودية ومحاربة بيع العقارات لليهود وتعميق الوعي الوطني في الريف. وتبني المؤتمر «ميثاقاً وطنياً» فلسطينياً يشدد على مقاومة الصهيونية والتمسك بالوحدة العربية، تعهد المؤتمرون بالتمسك به وأقسموا اليمين الآتية على ذلك:
«نحن ممثلي الشعب العربي الفلسطيني في المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس المعقود في نابلس نتعهد أمام الله والتاريخ والشعب بأن نستمر في جهودنا الرامية إلى استقلال بلادنا وتحقيق الوحدة العربية بجميع الوسائل المشروعة وسوف لا نقبل بإقامة وطن قومي يهودي أو هجرة يهودية».
وتمكنت الحركة الوطنية من إحباط مشروع انتخاب المجلس التشريعي كما مارست اللجنة التنفيذية للمؤتمر الخامس ضغطاً قوياً على المرشحين المعيّنين من كبار الملاكين والوجهاء للمجلس الاستشاري (وهو بديل المجلس التشريعي) فاضطر هؤلاء إلى الاستقالة قبل موعد الجلسة الأولى. على أن الحركة الوطنية عجزت عن تصعيد الموقف مع الحكومة في المؤتمر الفلسطيني السادس الذي انعقد في حزيران 1923 نظراً إلى التدهور الذي طرأ على القضية العربية ونظراً إلى استفراد فلسطين من قبل البريطانيين والصهاينة علاوة على التركيب الطبقي والفكري للقيادة الفلسطينية العليا. ذلك أنه عندما ناقش المؤتمر مشروع الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة، أفاد العديد من الحاضرين ـ من أصحاب المصالح والمسنين ـ إنه من المتعذر تنفيذ ذلك من دون إحداث ثورة وأن من العبث أن يؤمل في نجاح ثورة ضد الحكومة البريطانية في بلد صغير وفقير كفلسطين.
وعندما وصل الانتداب الفلسطيني إلى مرحلة التنفيذ الكامل بناء على قرار مجلس عصبة الأمم الصادر في التاسع والعشرين من أيلول 1923، كانت مواقف أطراف الصراع الثلاثة قد تبلورت: فالحكومة البريطانية متمسكة في قوة بتصريح بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي. والحركة الصهيونية كانت مقتنعة بأن بنود الانتداب الصهيوني والسياسات البريطانية وجهود الحركة الصهيونية في الهجرة والاستيطان كفيلة بأن تؤدي إلى تحقيق هدفها في الوصول بالبلاد إلى أكثرية يهودية وبالتالي السيطرة السياسية عليها. إما في صفوف الأكثرية العربية الفلسطينية فكان ثمة اقتناع بأن بريطانيا والانتاب هما الحاميان الفعليان للصهيونية وأن سياسة الوطن القومي إنما تمثل تلاحم المصالح الإمبريالية البريطانية في المنطقة العربية بالاستعمار الصهيوني في فلسطين وأن هدف الحركة الصهيونية إجلاء عرب فلسطين عن ديارهم.
الهدنة الكبرى 1922 ـ 1929
شهد المسرح السياسي الفلسطيني خلال الفترة الواقعة ما بين 1924 و1928 فترة فريدة من الركود والشلل لأسباب عدة أهمها:
أولاً: التسوية النهائية لأمر الانتداب في عصبة الأمم وتصميم بريطانيا الكامل على عدم الاستجابة لمشاعر الفلسطينيين وضغوطهم من أجل تعديل السياسة البريطانية.
ثانياً: انخفاض الهجرة اليهودية انخفاضاً حاداً (كانت هجرة اليهود إلى خارج البلاد أكثر منها إلى الداخل في العام 1927م) وإصابة الصهيونية مؤقتاً بعجز عن التغلب على الصعوبات الناجمة عن ذلك.
ثالثاً: ازدياد حدة التشرذم وهيمنة المنافسات والمصالح الشخصية والعائلية (بين آل الحسيني وآل النشاشيبي) على موقف الوجهاء والقيادات الفلسطينية طوال هذه الفترة.
ثورة البراق
وقبل نهاية العام 1928م كانت هناك علائم تشير إلى أن فترة الركود السياسي أخذت تشرف على نهايتها بتجدد البادرة الصهيونية وبالتالي بتجدد أعمال التحريض العربي الفلسطيني واتخاذ الإجراءات المعاكسة. فقد عمد الزعيم الصهيوني وايزمن إلى توحيد الحركة اليهودية الأميركية (من صهيونيين وغير صهيونيين) وتنشيط الجباية والتبرعات لشراء المزيد من أراضي الدولة وتخصيصها للاستعمار اليهودي والهيئات الزراعية الصهيونية. وإدراك وايزمن أن إثارة المشاعر اليهودية مرتبطة بتحريك الأحداث في فلسطين وطرح المطالبة بملكية اليهود لحائط المبكى، فأخذت الحركة الصهيونية تحاول تغيير الوضع الراهن بالنسبة إلى طقوس اليهود أمام الحائط الذي يشكل الحد الغربي من الحرم الشريف المعتبر من أهم مقدسات المسلمين على الإطلاق. وعلى الرغم أن العامل الديني لم يلعب دوراً رئيسياً في الصراع العربي ـ الصهيوني فإن استفزازات اليهود عززت الشكوك حول احتمال إعادة بناء الهيكل على أنقاض الحرم الشريف وأثارت ردة فعل عربية قوية. وكان لا بد لهذا التوتر أن يؤدي إلى اصطدامات دموية بين الفريقين في آب 1929 في القدس سرعان ما امتدت إلى المناطق الأخرى من فلسطين وإلى المستعمرات اليهودية نفسها، ودامت زهاء أسبوع. بلغ مجموع القتلى من اليهود 133 نسمة وبلغ عدد الجرحى 329 بينهم 198 إصابة بالغة استوجبت إدخال أصحابها إلى المستشفيات بينما استشهد 116 عربياً وجرح 232 شخصاً. وعرفت هذه الانتفاضة بثورة البراق.
الكف الأخضر
وكان من جراء أحداث 1929 أن اتجهت أنظار الشباب الفلسطيني إلى ضرورة توجيه المقاومة نحو الإنكليز لا نحو الصهاينة وحدهم. فعلى رغم جميع المساعي التي بذلتها الهيئات الوطنية في سبيل الاستعاضة عن أحكام الإعدام بالسجن المؤبد فقد صدر قرار رسمي بإعدام كل من عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي يوم الثلاثاء 17 حزيران وأبدى الشهداء من رباطة الجأش والتفاني في سبيل الوطن ما جعلهم مخلدين في قلوب أبناء الشعب وما دفع الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان إلى تخليدهم في قصيدة «الثلاثاء الحمراء». وشكا العرب من قسوة الشرطة التي وصلت إلى حدود لم يسمع بمثلها في بلد متمدن علاوة على الغرامات الجماعية على المدن والقرى التي أُدينت بالهجوم المنظم على اليهود، والإجراءات القمعية في حق الصحف العربية. ولم تقتصر ردة الفعل العربية على مقاطعة اليهود رداً على مقاطعتهم للعرب بل أخذ الشعور المرير بالعداء لبريطانيا كحامية للصهيونيين ينتشر في الريف وامتد هذا الشعور إلى الأقطار المجاورة ونشط تهريب الأسلحة إلى فلسطين وتعزز احتمال انضمام متطوعين عرب من سوريا والأردن ولبنان إلى أية ثورة قد تنشب في فلسطين. وفي أواخر العام نفسه جرى جمع التبرعات ووقع الاختيار على 400 عربي كنواة لقوة ثورية مسلحة بقصد مهاجمة اليهود والبريطانيين. وعلى الأثر قامت عصابة «الكف الأخضر»، المؤلفة في الأساس من عشرات الأشخاص الذين اشتركوا في ثورة البراق بقيادة أحمد طافش وعززت بعدد من ثوار جبل العرب في سوريا الذين حاربوا الفرنسيين في الثورة الشهيرة عام 1925، لتعمل على طريقة حرب العصابات في المناطق القريبة من الحدود السورية ولتشن هجمات على اليهود والشرطة والجيش البريطانيين في وقت واحد.. وقد أشادت التقارير البريطانية بكفاية الثوار وأشارت إلى تعاطف الكثير من القرويين معهم. إلا أن عدم تجاوب القيادة السياسية مع فكرة المقاومة المسلحة حصر نطاق عمليات الثوار في منطقة معينة سهل على الجيش البريطاني بمعاونة السلطات الفرنسية في سوريا محاصرتها وتطويقها والقضاء عليها في غضون شهور.
محاولة عربية في لندن
وعلى رغم حالة الفلاحين المتردية نتيجة الضرائب المرتفعة التي من شأنها أن تجبر الفلاح العربي على بيع أرضه، وعلى رغم التهديد المتواصل الذي كان يتعرض له العمال العرب في المدن، أقدمت اللجنة التنفيذية على انتخاب وفد عربي مكون من الزعماء الرئيسيين في البلاد للتفاوض مع الحكومة البريطانية، وعندما وصل الوفد إلى لندن استقبله رئيس الوزراء واللورد باسفيلد وزير المستعمرات. وطلب الوفد حظر بيع الأراضي لعناصر غير عربية ووقف الهجرة اليهودية وإقامة حكومة برلمانية وطنية. وكانت النتيجة أن أصدر اللورد باسفيلد الكتاب الأبيض للعام 1930 وفيه وعدت الحكومة البريطانية بتخفيف الهجرة اليهودية وإقامة مجلس تشريعي وفق كتاب تشرشل الأبيض. وعارض اليهود في شدة كتاب بافسيلد ولم تهدأ حدة هياج الصهيونيين إلا بعدما بعث رمزي مكدونالد برسالة «سوداء» إلى وايزمن تبنى فيها جميع المطالب الصهيونية وذلك في مطلع العام 1931. وكانت هذه الرسالة بمثابة ضربة عنيفة لدعاة مهادنة الإنكليز وأدت إلى إنتهاج استراتيجية جديدة تقوم على أساس تحالف وتعاون أوثق مع العالمين العربي والإسلامي بغية تحقيق «الاستقلال الفلسطيني ضمن إطار الوحدة العربية».
المؤتمر الإسلامي العام
وفي شهر كانون الأول 1931 عقد في القدس المؤتمر الإسلامي العام الذي يعتبر من أضخم التظاهرات العالمية لمصلحة القضية الفلسطينية إذ حضر أبرز زعماء المسلمين السياسيين وكبار رجال الدين الإسلامي في العالم. إلا أن المؤتمر فشل في أن يترجم تضامنه مع عرب فلسطين واهتمامه بالمقدسات الإسلامية إلى خطوات عملية ملموسة وذلك بسبب نفوذ بريطانية لدى أغنياء المسلمين في أقطار آسيا على وجه التحديد. وكان المؤتمر الإسلامي يضم عدداً كبيراً من الأعضاء البارزين السابقين في جمعيتي العربية الفتاة والعهد وأقطاب العهد الاستقلالي في سوريا 1918 ـ 1920 المعروفين بالاستقلاليين، ممن يحملون وجهة نظر قومية عربية. وقد انتهزوا فرصة انعقاد المؤتمر للبحث في شؤون الوطن العربي ووضع خطة للعمل المنسق وأعلنوا الميثاق القومي العربي الذي أكد وحدة العرب ورفض الاعتراف بالتجزئة وضرورة توحيد الجهاد للنضال من أجل الاستقلال والوحدة ومحاربة الاستعمار بجميع أشكاله. وانبثقت من هذا الاجتماع لجنة تنفيذية معظم أعضائها من الفلسطينيين مهمتها نشر الميثاق القومي والإعداد لمؤتمر عام يضم مندوبين من جميع الأقطار العربية.
وكان من جراء ذلك بروز أحزاب وطنية عدة في أقطار مختلفة باسم حزب الاستقلال من بينها فلسطين.
ساهم حزب الاستقلال في فلسطين في تحريك الرأي العام ضد الحكومة البريطانية في مطلع الثلاثينات. وكان تدفق سيل الهجرة الصهيونية في تلك الفترة موضع استنكار العرب الشديد مما دفع الأحداث في اتجاه صدام أكيد مع السلطات البريطانية، ونظم العرب سلسلة من التظاهرات العنيفة عام 1933 كانت أهمها تظاهرة يافا في تشرين الأول التي قتل خلالها واحد من أفراد الشرطة وجرح 25 فرداً بينما استشهد 12 متظاهراً وجرح 78 وقبض على عشرات من المناضلين الشباب. وعند انتشار أخبار مجزرة يافا التهبت مشاعر الرأي العام الفلسطيني وأُعلن الإضراب العام في البلاد ووقعت اصطدامات في حيفا ونابلس مساء اليوم نفسه وأقيمت المتاريس في شوارع حيفا وهوجمت محطة سكة الحديد فأطلقت الشرطة النار على الجماهير وأصابت العشرات بجروح وفرضت السلطات منع التجول وأقفلت الميناء ثلاثة أيام. وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول وقعت اصطدامات جديدة قذف خلالها المتظاهرون العرب القنابل اليدوية على الشرطة التي فتحت النار على هؤلاء وأوقعت فيهم إصابات فادحة فأعلن الإضراب العام الذي استمر زهاء أسبوعين ولم يفك إلا بناء على دعوة اللجنة التنفيذية. وكانت انتفاضة يافا دليلاً قوياً على عمق المشاعر العربية المناوئة للبريطانيين وعلى تصميمهم على استخدام العنف لمنع تنفيذ صك الانتداب.
وفي هذا الجو اتخذ العرب بعض الخطوات للدفاع والتنظيم الذاتيين مدفوعين إلى ذلك بمحاولات «ألهستدروت» (اتحاد العمال اليهودي) لمنع أصحاب العمل اليهود من تشغيل الأيدي العاملة العربية بإرهاب أصحاب الأعمال والعمال العرب على حد سواء. وهكذا تألفت في كل من القدس ويافا وحيفا حاميات عمالية عربية وظهرت لجان عمالية في مختلف المدن الفلسطينية وأثبتت وجودها في ذكرى وعد بلفور عام 1934 عندما نفذت إضراب المواصلات على صعيد البلاد كلها. كما قاوم الفلاحون العرب في الريف تنفيذ أوامر إخلاء الأراضي التي استولى عليها اليهود نتيجة صفقات شراء الأراضي من الملاكين الغائبين أما بواسطة أطراف ثالثة ونسب الضرائب والربا الفاحشة التي واجهها الفلاح العربي من دون معين. وفي كانون الثاني 1935 تصدى الفلاحون في أراضي وادي الحوارث المبيعة لليهود ونشبت معركة بين 43 شرطياً بريطانياً وفلسطينياً انتهت بقتل أحد العرب وإصابة سبعة من أفراد الشرطة البريطانية وخمسة من الشرطة الفلسطينية بجروح نتيجة قذفهم بالحجارة([1]).
ثورة القسام
وفي هذه الفترة أيضاً تصاعد نشاط الشيخ عز الدين القسام السوري المولد الذي قدم إلى يافا عام 1921 بعد انهيار الثورات السورية ضد الاحتلال الفرنسي وهو كان فيها قائداً بارزاً. وأتيح للشيخ القسام أن يتجول في قرى فلسطين بصفة كونه موظفاً رسمياً في المحكمة الشرعية، وفي مطلع الثلاثينات أخذ ينظم الخلايا ويجمع التبرعات لشراء كميات صغيرة من الأسلحة والتحضير للثورة في جو من السرية التامة. وكان معقل القسام هو الحي القديم من حيفا حيث يقطن الفقراء والفلاحون الذين نزحوا من قراهم إلى المدينة واضطروا إلى أن يعيشوا في بؤس بسبب الهجرة اليهودية. وفي العام 1935 بات خمس القرويين العرب من دون أراضٍ ومالت البطالة بين العمال العرب إلى الازدياد، وبلغ عدد المهاجرين اليهود رقماً قياسياً (60 ألفاً) كما أن تدريب اليهود العسكري السافر ومهاجمة الفاشيين اليهود من أتباع جابوتنسكي للقرى العربية، كل هذه العوامل دفعت القسام إلى التعجيل في إعلان ثورته المسلحة ضد البريطانيين والصهيونيين. وفيما كان القسام و25 من أنصاره المسلحين متوجهين إلى جنين لدعوة أهلها إلى حمل السلاح ومفاجأة السلطات باحتلال حيفا وقع صدام عرضي بينهم وبين الشرطة نبه السلطات إلى وجود عصابات مسلحة فسارعت قوات الجيش والأمن إلى ضرب نطاق حول المنطقة وعزلها. لكن القسام رفض الاستسلام وآثر الشهادة في معركة مواجهة مع القوات الإنكليزية وتمكن العديد من أنصاره من الاختفاء في الجبال.
وكان لاستشهاد القسام البطولي أثره العميق في فلسطين كلها فأصبح رمزاً للتضحية والفداء وشيع جثمانه في حيفا في تظاهرة وطنية كبرى نادت بسقوط الإنكليز والوطن القومي اليهودي ورجم المتظاهرون في أثنائها الشرطة بالحجارة وأصبح الوجهاء من قادة الأحزاب الفلسطينية في حرج لتخلفهم عن الاشتراك في الجنازة.
ثورة 1936
وهكذا ألقت ثورة القسام ظلاً كبيراً على المسرح السياسي الفلسطيني وبدأت الأحاديث تدور على أفواه الشعب أن الوطنيين المصريين لم يتمكنوا من الحصول على تنازلات من البريطانيين إلا بعدما لجؤوا إلى وسائل أكثر عنفاً، فيما أخذ الشباب الفلسطيني الوطني يتصدر الزعامة السياسية ويعمل على إيجاد تشكيلات سياسية جديدة.
كانت ثورة القسام بمثابة النذير للعاصفة التي هبت رياحها القوية في نيسان 1936 والتي بدأت بإعلان إضراب في البلاد نتيجة حوادث اصطدام بين العرب واليهود وإعلان الحكومة حالة الطوارئ. وقد أعلنت اللجان القومية التي برزت لتنفيذ الإضراب في جميع المدن الفلسطينية أن إنهاء هذا الإضراب مرهون بموافقة الحكومة على مطالب العرب المعروفة: وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي وإقامة حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس تمثيلي. وقبل نهاية نيسان كان الإضراب عن العمل والتجارة تاماً وشاملاً وأدت الاصطدامات بين العرب والشرطة إلى قيام أعمال عنف في القدس.
وفي الثامن من أيار 1936 عقد في القدس أوسع الاجتماعات الوطنية وسمي مؤتمر اللجان القومية حيث هيمن الثوريون العرب فتبنى المؤتمر مبدأ «لا ضرائب من دون تمثيل» وطالب باستقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية. وعند هذه النقطة حاول المندوب السامي البريطاني تهدئة الموقف بإعلان تعيين لجنة ملكية للنظر في أسباب الغليان العربي إلا أنه سرعان ما اكتشف أن الوجهاء السياسيين وغير السياسيين لم تعد لديهم قدرة على الأمر بوقف الإضراب «بسبب قوة الرأي العام في جميع أنحاء البلاد».
وكان أن شهدت مدن فلسطين أطول إضراب سياسي في التاريخ دام ستة أشهر عمت خلالها التظاهرات التي كانت تهتف في حدة متصاعدة ضد بريطانيا والصهيونية وتصطدم بالشرطة. وساهم في إنجاحه نساء فلسطين وشبابها وجميع الطبقات الوطنية. ونظم الشباب العرب الحرس الوطني لتقوية الروح المعنوية لدى الشعب والدفاع عن المخازن والسكان خلال إضراب طويل الأمد)[2](.
أما التعبير عن السخط في الأرياف فاتخذ شكلين: عدم دفع الضرائب والثورة المسلحة. وكتب القائد العسكري البريطاني يصف الحالة في الريف قائلاً: «إن الشعور العام هو أن الوت قد حان لحل المشكلة اليهودية مرة واحدة وإلى الأبد، وغدا من الضروري مواصلة النضال ضد الحكومة إلى أن يتم تحقيق الأهداف السياسية». وفي الثالث والعشرين من أيار قبض على 61 مناضلاً عربياً من المشرفين على تنظيم الإضراب ولم تكد أنباء ذلك تنتشر حتى هرع المتظاهرون إلى الشوارع فأطلقت الشرطة النار فقتل أربعة أشخاص وجرح سبعة. وتوجه عدد من القرويين المسلحين إلى طولكرم فاصطدموا بالشرطة وجرح أربعة أشخاص بينهم امرأة كانت تحمل الماء للمقاتلين. وعند هذا الحد تحول الإضراب السلمي في لواء السامرة إلى ثورة كاملة سائرة. وبدأت التعزيزات العسكرية البريطانية تتدفق على فلسطين من مصر ومالطا وأخذت السلطات البريطانية تقوم بعمليات التفتيش لا بحثاً عن السلاح فحسب إنما لتأديب القرويين، الذين كانوا يمدون عصابات الثوار بالتاييد والمساندة وإتلاف ممتلكاتهم. بيد أن عمليات التفتيش والتعسف البريطاني زادت التلاحم بين القرويين والثوار وألهبت الثورة. وعلى رغم أن الثورة كانت ثورة فلاحين في الأساس إلا أن مدن فلسطين شهدت تصاعداً ملحوظاً في أعمال العنف بعد أيار إذ نصبت المتاريس في شوارع نابلس وطولكرم وغزة وهوجمت سيارات الركاب الكبيرة اليهودية والسيارات المدرعة التي تعمل كدوريات في المنطقة وتعرضت مراكز الشرطة والجيش لنشاط القناصة العرب في جميع المدن والقرى.
وفي حزيران وتموز اتخذت عمليات الثوار أبعاداً أكثر ثورية وفعالية ودرجة عالية من التنظيم والتدريب بفضل مشاركة بعض الثوار العرب من أمثال سعيد العاص ومحمد الأشمر وفوزي القاوقجي فيها. وكانت تشكيلات الثوار العسكرية التي تعمل على صعيد محلي تنقسم ثلاث فئات: الفئة الأولى تتألف من مجاهدين متفرغين معتصمين في الجبال كانوا يشكلون عمود الثورة الفقري ويجابهون قوات الجيش البريطاني ويقومون بنسف خطوط البترول (أنابيب نفط العراق) والمنشآت الأخرى. والفئة الثانية تتألف من فدائيي المدن الذين يمارسون حياتهم المدنية المعتادة ولكنهم ينجزون مهمات عسكرية محددة بناء على طلب قيادتهم (ولا سيما تصفية الجواسيس العرب والضباط الإنكليز الذين كانوا يغالون في تعذيب القرويين والمعتقلين). أما الفئة الثالثة، وهي كبرى الفئات عدداً، فهي الأنصار أو تشكيلات الريف التي كانت أكثريتها الساحقة تتألف من الفلاحين العاديين الذين يهبون إلى حمل السلاح ونجدة المجاهدين عندما تنشب معركة في منطقتهم. وكان الثوار يعتمدون داخل القرى والمدن على اللجان المحلية لتزويدهم بالطعام والرجال والمأوى والمعلومات.
وحاولت السلطات العسكرية البريطانية مواجهة تصعيد عمليات الثورة بنسف منازل المشتبه فيهم وتطويق الثوار وفرض غرامات جماعية على القرى المساندة للثوار.
وعلى رغم تزايد قوة الثورة واستمرار سكان المدن في الإضراب العام، كان القادة السياسيون الفلسطينيون متلهفين للوصول إلى تسوية مع الحكومة وكانت بريطانيا تحاول استخدام نفوذ الحكام العرب لفك الإضراب ووقف الثورة. وفي الوقت نفسه قرر مجلس الوزراء سحق المقاومة العربية عن طريق تعزيز القوات البريطانية في فلسطين بفرقة كاملة وفرض الحكم العسكري العرفي.
إجهاض الثورة ووقف الإضراب
وبعد اتصالات مع القيادة السياسية الفلسطينية وطبقاً لاستشارات مسبقة مع الحكومة البريطانية وجه الملك ابن سعود والملك غازي والأمير عبدالله في العاشر من تشرين الأول نداء مشتركاً دعوا فيه إلى حل الإضراب ووقف الثورة. وفي اليوم التالي قررت القيادة السياسية للجنة العربية العليا دعوة «الأمة العربية الكريمة في فلسطين للعودة إلى الهدوء ووضع حد للإضراب». وكان مجيء لجنة بيل الملكية للتحقيق في أوضاع فلسطين مناسبة لتثبيت التحالف البريطاني الصهيوني «لأن القومية اليهودية لا تملك رفض التحالف مع الحكومة البريطانية فهي وحدها التي تستطيع حمايتها من عداء العالم العربي»، ولإعلان معارضة الحركة الصهيونية لاستقلال فلسطين «لأن إقامة فلسطين مستقلة في الظروف الراهنة يعني إقامة دولة عربية».
وكان الثورة عاملاً مهماً في زيادة نفوذ الشباب الوطني وفي تحول الحاج أمين الحسيني الوجيه الفلسطيني الوطني من الاعتدال إلى التطرف. كما أن تفاقم مشكلة القرويين الذين طردوا من أراضيهم والعمال الذين باتوا بلا عمل والتمييز الذي كانت تمارسه الحكومة ضد العمال العرب (نصف أجر العمال اليهود)، كل ذلك جعل العرب في وضع يدفعهم إلى الثورة مجدداً في حال صدور توصيات غير منسجمة مع الآمال العربية عن لجنة بيل.
وفي السابع من تموز نشر تقرير اللجنة الملكية مرفقاً بإعلان رسمي أن الحكومة البريطانية وافقت من حيث المبدأ على مضمونه. وأوصى تقرير اللجنة بالتخلي عن الانتداب وتقسيم البلاد ثلاثة أقسام: دولة عربية تضم تلك الأجزاء التي تقطنها أكثرية ساحقة من العرب ودولة يهودية تضم الأجزاء التي تقطنها أكثرية من اليهود ومناطق معينة تضم الأجزاء ذات الأهمية الاستراتيجية أو الدينية الخاصة والتي ينبغي أن تبقى تحت الانتداب البريطاني. استقبلت الأكثرية الساحقة من عرب فلسطين التقرير والتوصيات بالاستياء الشديد لأنهم عارضوا خلق دولة يهودية فوق أرضهم العربية ولم يستطع حزب الدفاع (حزب آل النشاشيبي) الموالي لبريطانيا أن يصدر بياناً صريحاً يتضمن موافقته على المشروع بعدما لمس رد الفعل الشديد عليه لدى العرب. ورفضت اللجنة العربية مشروع التقسيم وطلبت من عصبة الأمم إلغاء الانتداب البريطاني لتحل محله دولة فلسطينية مستقلة ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة تضمن لها مصالحها المعقولة كما تتضمن مصالح الأقلية اليهودية.
وعندما رفضت حكومة فلسطين طلب اللجنة العليا عقد مؤتمر عربي عام في فلسطين لدراسة الأوضاع السائدة فيها واتخاذ ما يلزم لحماية حقوق العرب الفلسطينيين بادرت «لجنة الدفاع عن فلسطين» في دمشق إلى الدعوة إلى مؤتمر كبير عقد في بلودان في أيلول وحضره 411 مندوباً من مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين. وأكد المؤتمر أن فلسطين عربية وأن للعرب الحق في الدفاع عنها بل من واجبهم أن يفعلوا ذلك. واعتبر المؤتمرون الدولة اليهودية تهديداً خطيراً للعالم العربي وقاعدة أجنبية دخيلة فيه. إلا أن المؤتمر لم يترجم قراراته إلى صيغ نضالية ملموسة. وانتهز المناضلون الفلسطينيون فرصة انعقاد المؤتمر لإجراء اتصالات مع الثوار السوريين الذين شاركوا في ثورة 1936 واتخذت الترتيبات لانتقال بعضهم إلى فلسطين وجمع الذخائر والأسلحة وتهريبها إلى منطقة نابلس.
تجدد الثورة
اتخذ البريطانيون إجراءين لحصر ردود الفعل العربية وقمعها، فقد بادروا من جهة إلى إعلان إيفاد لجنة إلى فلسطين لإعداد التفاصيل المتعلقة بالتقسيم عوضاً عن مباشرة تنفيذه، أي احتمال التراجع عن التقسيم، واتخذوا إجراءات عسكرية لسحق الثورة الوشيكة التجدد من جهة أخرى. وعلى أثر اغتيال حاكم لواء الجليل وحرسه في عملية فدائية جريئة، اتخذت السلطات إجراءات ضد القيادات والهيئات السياسية في البلاد وأقصت الحاج أمين عن جميع مناصبه ونفت عدداً من السياسيين وقبضت على المئات من المناضلين والثوار المشتبه فيهم. وفي ليلة 14 ـ 15 من تشرين الأول شن الثوار العرب هجوماً عاماً في مختلف أنحاء البلاد شمل خطوط النفط والتلفون والسكك الحديدية وجرت غارتان على سيارات الركاب اليهودية في القدس وعلى دوريات الشرطة في جبال القدس والخليل. وفي الليلة التالية أحرق الثوار مرافق مطار اللد. وكان رد السلطات عنيفاً ففرضت الغرامات الجماعية الباهظة وهدمت المنازل وأقامت مراكز للسلطة على نفقة السكان في قرى عدة. على أن الثوار تمكنوا من اجتذاب مزيد من المتطوعين وأحكموا تنظيم ثورتهم فشكلوا «اللجنة المركزية للجهاد» في دمشق وأقاموا صلات وثيقة بالفلاحين وأنشأوا محاكم ثورية ومراكز إدارية ودوائر استخبارات في المناطق التي يسيطرون عليها وبدأوا جباية الضرائب من السكان. لجأت السلطات البريطانية إلى إجراءات استثنائية في سبيل انتزاع المبادرة من الثوار مثل إقامة أسلاك شائكة على طول الحدود الشمالية والشمالية الشرقية من فلسطين وإنشاء الحصون ومراكز الشرطة وقوة حدود شرق الأردن لعزل الثوار وقطع طريق تموينهم عبر الأردن وتسليح اليهود والبدء باستخدامهم في العمليات العسكرية لا في العمليات الدفاعية فحسب كما كانت الحال حتى العام 1937. كذلك شن الجنرال هايننغ القائد البريطاني المعروف حملات عسكرية استخدم فيها الدروع والسلاح الجوي وعمد إلى احتلال القرى لحرمان الثوار من قواعدهم ولكن من دون جدوى إذ أن هؤلاء يكثفون أعمال التخريب في الطرق والمرافق العامة ويزيدون من هجماتهم على الدوريات العسكرية والمستعمرات اليهودية المعزولة.
وكان تعزيز الجهود العسكرية ضد الثوار مصحوباً بإجراءات مشددة تعسفية جداً ضد المدنيين فكانت السلطات تعتقل المواطنين بالجملة وتفرض منع التجول لفترات طويلة جداً وتهدم البيوت وتجبي الغرامات الجماعية الأمر الذي زاد من بغض الشعب وحقده على الحكم البريطاني.. على أن زمام المبادرة بقي في أيدي الثوار في الأرياف والمناضلين في المدن وأدت أعمال التخريب وإلقاء القنابل إلى نشوب حرب شوارع في القدس ويافا وحيفا. ففي السادس من تموز انفجرت قنبلة موقوتة وضعها المتطرفون الصهاينة في سوق الخضر في حيفا فقتلت 23 شخصاً وجرحت 79 معظمهم من العرب مما حدا العرب إلى إعلان الإضراب العام في جميع المدن الرئيسية. ولولا تدخل الأسطول البريطاني في حيفا لتطور الإضراب إلى انتفاضة خطيرة هناك. وجاء تنظيم المفارز الليلية المؤلفة من عناصر يهودية ـ كان موشي دايان من بينها ـ بقيادة الكابتن وينغيت وقيامها بغارات معاكسة ضد الثوار فضلاً عن حماية خط أنابيب البترول يمثل قمة الالتحام البريطاني ـ الصهيوني في هذه المرحلة.
الثوار أسياد الموقف
واعترف الجنرال هايننغ في تموز 1938 بأن عدد الثوار أخذ في الازدياد كما أن تنظيمهم أخذ في التحسن وأن قواته تواجه شعباً ثائراً يصعب معه السيطرة على المناطق الريفية حتى حين يكون عدد الثوار قليلاً. فقد كتب إلى وزير الحربية يقول: «لقد بلغت سيطرة عصابات الثوار على جماهير الشعب حداً لم يعد معه مما تجانب الصواب أن يقال إن كل عربي في البلاد هو عدو كامن للحكومة مهما بلغت عواطفه الشخصية الخاصة من الاعتدال»، ونتيجة للتطورات طلب القائد البريطاني إرسال فرقة ثانية في تشرين الأول مما أدى إلى دعوة الاحتياط البريطاني إلى الخدمة. وقبل وصول القوات استطاع الثوار أن يستولوا فجأة على مدن كثيرة والسيطرة على شؤونها بحيث أصبحت الإدارة المدنية البريطانية غير موجودة عملياً.
مؤتمر المائدة المستديرة
ونظراً إلى تدهور الحالة في أوروبا بسبب السياسة الألمانية التوسعية قرر مجلس الوزراء البريطاني اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتواء الثورة وإقناع العرب بالتفاهم مع بريطانيا. وعلى أثر احتلال الثوار لمدينة القدس القديمة في تشرين الأول أعلنت السلطات الحكم العسكري في البلاد من جديد. وفي الشهر التالي ألغت الحكومة مشروع بيل للتقسيم باعتباره مشروعاً غير عملي وأبدت رغبتها في الوصول إلى حل عن طريق مؤتمر للزعماء العرب واليهود تشترك فيه الدول العربية المستقلة.
اتفق زعماء فلسطين على أن يقدم الوفد العربي الفلسطيني المطالب المدرجة في الميثاق الوطني بما في ذلك المطالبة بدولة عربية (ثلثي سكان البلاد) على ألا يجلس العرب والصهيونيون معاً وعلى أن تتصاعد حدة العمليات قبل المحادثات وفي أثنائها. وعلى هذا الأساس افتتح رئيس الوزراء البريطاني المفاوضات (المائدة المستديرة) بالوفود العربية صباح السابع من شباط 1939 وبالوفد الصهيوني بعد ظهر ذلك اليوم. وبمضي الوقت على المؤتمر أصبح واضحاً أنه من المتعذر الوصول إلى اتفاق لأن العرب يشكلون الأكثرية ويريدون الاستقلال بينما يعارضه اليهود ما داموا أقلية، الأمر الذي مهد السبيل أمام البريطانيين لكي يعلنوا منفردين الحل الذي يرتؤونه للقضية. وهكذا أصدرت الحكومة بيان مكدونالد الأبيض الذي جاء فيه أن ما تريده الحكومة البريطانية هو أن تقام «في النهاية» دولة فلسطينية مستقلة يقتسم فيها شعبا فلسطين، العرب واليهود، السلطة الحكومية على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما وأن تقام في غضون عشرة أعوام دولة فلسطينية مستقلة ترتبط ببريطانيا بمعاهدة تصون على نحو مرض جميع المصالح التجارية والاستراتيجية لكلا البلدين. كما أعلنت الحكومة أن الفترة الانتقالية من حكم الانتداب ستخصص لتنمية الحكم الذاتي، أما الهجرة اليهودية في الأعوام الخمسة التالية فستبلغ 75 ألف نسمة تحظر بعدها إلا بموافقة العرب. وفي بعض المناطق من فلسطين يحظر بيع أراضي العرب في حين يكون البيع في مناطق أخرى مقيداً.
استقبل الصهيونيون الكتاب الأبيض بالاستياء والعداء وتعاهدوا على مقاومته حتى النهاية فقويت الدعوة في صفوفهم إلى التطرف والعنف، وبدؤوا يلتفتون إلى الولايات المتحدة الأميركية كحامية لمخططاتهم الرامية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. لكن العرب، بدورهم لم يستقبلوا الكتاب الأبيض بالرضى، أما زعماء الثوار فقد رفضوا السياسة البريطانية لأنها لم تعدهم بالعفو ولم تظهر ميلاً إلى المصالحة مع المفتي. ومع ذلك رحبت اللجنة العربية العليا باعتراف بريطانيا بحقوق العرب من حيث المبدأ ولكنها أعربت عن أسفها لتخلف بريطانيا عن منح الفلسطينيين استقلالهم الذي هو «أقدس حقوق الشعوب وأثمن مطامحها». واختتمت اللجنة بيانها برفض الكتاب الأبيض لكونه لا يحقق مطالب العرب التي تتلخص في أن «تظفر فلسطين باستقلالها ضمن اتحاد فيدرالي عربي وتبقى عربية إلى الأبد».
حاول الثوار تعزيز الجهود من أجل تصعيد الثورة إلا أن التعب من القتال والضغط العسكري المتواصل إضافة إلى استغلال بريطانيا للخلافات والحزازات العائلية العربية وإلى معاناة العجز في الأسلحة والذخائر، كل ذلك ساهم في عرقلة الثورة. ثم أن اقتراب العالم من حافة الحرب العالمية الثانية حمل الفرنسيين على قمع رئاسة الثوار في دمشق قمعاً تاماً. ولم تكد تعلن الحرب العامة حتى أخذت الثورة طريقها نحو الاضمحلال.
سبع سنوات عجاف
على رغم البطولة النادرة وروح التضحية والفداء التي أظهرها شعب فلسطين وتقديمه آلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى والمصابين، انتهت الثورة الكبرى من دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها الرئيسية واستطاعت بريطانيا نزع السلاح من أيدي العرب نزعاً تاماً بحيث ترك عرب فلسطين عزلاً وبلا قيادة أو تنظيم سياسي أي بلا قدرة على المقاومة في المرحلة التالية. وحاول بعض الوجهاء التقرب من حكومة الانتداب على أثر نشوب الحرب لكن الحاج أمين الحسيني رفض الانحياز إلى جانب الحلفاء ونقل مقره من لبنان إلى بغداد، واستغلت ألمانيا حالة العداء بين العرب والاستعمار البريطاني فصرح هتلر أن انتصار دول المحور سوف يؤدي إلى تحرير منطقة الشرق الأوسط وإلى منح شعوبها حق تقرير المصير.
ساد الجمود صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية طوال معظم سني الحرب على رغم النشاط الصهيوني (الإرهابي والسياسي والدولي) ومحاولات المفتي الذي كان قد لجأ إلى ألمانيا إنزال بعض الثوار بالمظلات في فلسطين بواسطة طائرات ألمانية ولم يتحرك الجو السياسي العربي على نحو فعلي إلا عندما اقتربت الحرب من نهايتها وعلى أثر بدء المشاورات لإقامة الجامعة العربية بناء على تشجيع بريطانيا لهذه الفكرة لكسب الرأي العام العربي في أثناء الحرب واحتواء فكرة الوحدة العربية.
أما الحركة الصهيونية فقد سجلت تقدماً كبيراً خلال الحرب بدءاً من تولي تشرشل مقاليد الأمور في بريطانيا وفتح باب التطوع وتنظيم كتائب وفرقة يهودية وتشكيل فيلق يهودي عام 1944 وتطوير مصانع غير علنية لصنع الأسلحة والذخائر وكسب الولايات المتحدة للتدخل المباشر في سبيل الدفاع عن مطالب الحركة في فلسطين والضغط على بريطانيا في سبيل لذلك.
فلسطين والجامعة العربية
ومع أن فلسطين كانت تستأثر بمعظم أبحاث جلسات الجامعة العربية فإن الدول العربية أحجمت عن اتخاذ الخطوات العملية الحاسمة الموحدة لتقوية عرب فلسطين والضغط على الدول الكبرى ضغطاً فعالاً من أجل الحفاظ على عروبة فلسطين. ولم تحدث الجهود الحكومية العربية وقرارات الجامعة العربية تأثيراً يذكر في سياسة بريطانيا وأميركا. وكان تسلم ترومان المعروف بميوله للصهيونية سدة الرئاسة الأميركية إيذاناً بتبني أميركا، قائدة المعسكر الغربي المنتصر للحركة الصهيونية تبنياً كاملاً. وفي مطلع العام 1946 أعلنت بريطانيا أن باب الهجرة سيظل مفتوحاً على رغم انتهاء المدة المحددة في الكتاب الأبيض وأن لجنة أنكلو ـ أميركية ستكلف التحقيق في القضية الفلسطينية.
استاء العرب أشد الاستياء من إعلان استمرار الهجرة فأضربت فلسطين وتظاهرت واحتجت وتضامن معها العرب، كافة، على أن مجيء لجنة التحقيق شغل الرأي العام عن إيجاد وسائل فعالة لدعم نضال فلسطين والدفاع عن عروبتها.. وفي نيسان 1946 نشرت لجنة التحقيق تقريرها الذي أوصى بإدخال مئة ألف مهاجر يهودي جديد وبرفع الحظر عن انتقال الأراضي إلى اليهود، وطالب بالإبقاء على الانتداب حتى يكون ممكناً قيام دولة أو دول فلسطينية. كان للتقرير وقعه الصاعق على العرب مما أثار غضبة الرأي العام في كل أرجاء الوطن العربي فعمت التظاهرات والاحتجاجات وأخذت الأصوات ترتفع بوجوب الاستعداد للمقاومة المسلحة الرسمية والشعبية.
وفي هذه الظروف عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً استثنائياً في بلودان (حزيران 1946) للنظر في تقرير لجنة التحقيق والخطة العربية إزاء الوضع في فلسطين، وعقد المجلس اجتماعات سرية وعلنية عدة واتخذ مقررات أعلن بعضها وكتم ما اعتبر منها سرياً فرفض التقسيم وأوصى بتنظيم لجان دفاع عن فلسطين في كل الدول العربية وحث أهل فلسطين على تنظيم أنفسهم في هيئة جديدة وأوصى الحكومات العربية بمدها بالمساعدات اللازمة. أما القرارات السرية فسجلت خطورة الحالة في فلسطين واحتمال تطورها إلى اصطدام شديد بسبب ما بدا عند الصهيونيين من استعداد عسكري وأعمال إرهابية واسعة النطاق، وسجلت أن قبول توصيات لجنة التحقيق الأنكلو ـ أميركية سوف يسيء إلى العلاقات القائمة بين العرب وانكلترا وأميركا بحيث ستضطر الدول العربية إلى حرمان رعاياهما من الحصول على امتيازات اقتصادية جديدة والنظر في إلغاء الامتيازات القائمة ورفع شكوى إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة.
وكانت ردة الفعل الصهيونية لتردد بريطانيا في تنفيذ جميع المطالب الصهيونية التمرد الشامل وإعلان الحرب على الإنكليز والتصميم على إقامة حكومة يهودية ووضع العالم أمام الأمر الواقع. وقامت القوات الصهيونية بنسف الجسور العشرة التي تربط فلسطين بالأقطار العربية المجاورة رداً على اجتماع بلودان وإعلاناً لعزل فلسطين عن سائر البلاد العربية.
وعوضاً عن تجهيز شعب فلسطين الأعزل وإعداده للقتال وعوضاً عن وضع القوات العربية على أهبة الاستعداد، دخلت الحكومات العربية في مفاوضات عقيمة مع بريطانيا.
وعندما قررت هيئة الأمم إيفاد لجنة تحقيق أعلنت الهيئة العربية العليا مقاطعتها للجنة لأنها ليست مكلفة تحقيق مطلب العرب الأساسي وهو الاستقلال ودعت الشعب إلى إعلان الإضراب يوم وصول اللجنة. وفي أثناء إقامة اللجنة الدولية في القدس نظم العرب مهرجاناً لمقاومة سياسة الاحتلال الخاصة بالأراضي وقرأت في الاجتماع رسالة من الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا أكد فيها أن الثورة لا بد واقعة في فلسطين إن لم تعترف هيئة الأمم وبريطانيا وأميركا بمطالب عرب فلسطين. وهكذا وجد عرب فلسطين أنفسهم أمام حتمية الصدام مع الصهيونيين الذين كانوا يتمتعون بدعم أقوى دول العالم وأغناها وجهاز الحركة الصهيونية الذي استطاع أن يؤمن تدفق الأسلحة المهربة للتنظيمات العسكرية الصهيونية، في الوقت الذي كانت الحركة الوطنية تعمل من دون قاعدة تنظيمية صلبة ومن دون أن تتوفر لها فرصة التكافؤ في السلاح والتنظيم والقيادة مع عدوها الصهيوني. فعلى رغم أن مجلس جامعة الدول العربية كان قد قرر تقديم المال إلى الهيئة العليا لتكون قادرة على العمل في اجتماعاته المعقودة في آذار 1947، فإن معظم الدول الأعضاء تخلفت عن الدفع، بينما لم توضع القرارات الخاصة بإنشاء لجنة عسكرية من مندوبي الدول العربية لتشرف على شؤون تدريب الشباب الفلسطيني موضع التنفيذ السريع، وقبل أن تتمكن اللجنة من تخريج الضباط الفلسطينيين من معسكرات التدريب (وهؤلاء شكلوا نواة وقوات «الجيش المقدس» بقيادة الشهيد البطل عبد القادر الحسيني) كانت هيئة الأمم قد أصدرت قرارها بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني عام 1947 م وأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين في أيار 1948 في الوقت الذي لم يكن في مقدور شعب فلسطين مقاومة المخطط الصهيوني الرامي إلى إنشاء دولة صهيونية في فلسطين. وعلى كل حال، اتخذت الجامعة العربية قراراً بإدخال جيوشها النظامية قبل نهاية الانتداب في 15 ايار بأسابيع وبالتالي أصبح زمام المبادرة كلياً في يد الدول العربية التي كانت تنقسم دولاً غير مستقلة الإدارة وأخرى ضعيفة وغير قادرة على تغيير ميزان القوى لمصلحة العرب.
ومهما يكن من أمر هزال الموقف العربي العام وعلى رغم عدم الاستعداد والتهيئة وغياب القيادة والتنظيم الموحد الفعال، فقد تطوع عشرات الألوف من عرب فلسطين للدفاع عن بلادهم بإمكاناتهم الضعيفة وواقعهم السلبي وتم إنشاء منظمة الجهاد المقدس وخاض المجاهدون معارك عدة غير متكافئة مع عدوهم المنظم المدعوم وقدموا التضحيات والشهداء في سبيل عدم الإذعان لسلخ قسم من بلادهم وتسليمه إلى غرباء معتدين.
تقويم
يتضح مما تقدم أن الفلسطينيين العرب قد قاوموا الصهيونية والهجرة اليهودية منذ أواخر القرن الماضي حتى إعلان دولة إسرائيل على أساس أنها خطر قومي يتهدد كيانهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وبالتالي فقد شاركت مختلف الطبقات وبوسائل مختلفة متباينة الاندفاع والقوة، في التعبير عن معارضتها للغزو الصهيوني. كذلك يتضح أن عرب فلسطين رفضوا الاعتراف بشرعية الصهيونية أو ما تمخض عنها من نتائج وأمر واقع ورفضوا كل ما من شأنه أن يتضمن في شكل مباشر أو غير مباشر الاعتراف بالصهيونية حتى في أسوأ الظروف والأحوال. وهم دفعوا في سبيل مقاومة الغزو الصهيوني خسائر فادحة وتضحيات جسيمة تفوق تضحيات الشعوب المناضلة الأخرى في الفترة ذاتها وأجبروا بريطانيا، التي أدخلت الصهيونية إلى فلسطين في ظل حرابها، على أن تستدعي الاحتياط وتستخدم المدرعات والبوارج والطائرات وتعجز لفترة غير قصيرة عن إخماد ثورة شعب صغير مستفرد وفقير عندما كانت ا لإمبراطورية البريطانية في أوجها.
ومن الواضح أن القيادة السياسية للشعب الفلسطيني كانت دون مستواه نضالاً واندفاعاً وتضحية إذ تحملت الطبقات الشعبية الفقيرة من فلاحين في الريف وعمال في المدن وفئة الشباب القومي العربي المثقف الأعباء الأساسية في المجابهة مع العدو الصهيوني ـ البريطاني.
ومن الواضح أيضاً أن عرب فلسطين تمسكوا بالمبادئ التحررية ولم يكنوا بغضاً دينياً لليهود بل حافظوا في شكل متواصل على أفقهم الحضاري ورغبتهم في إقامة مجتمع ديمقراطي للجميع ضمن إطار الوحدة العربية (علم فلسطين هو علم الثورة العربية ونشيدها هو النشيد العربي نفسه). ولم يكن مستغرباً والحال هذه أن يشارك الثوار العرب من الأقطار المجاورة في جميع الثورات والانتفاضات الفلسطينية وأن يكون شيخ ثوار فلسطين هو عز الدين القسام وأن يكون أبرز شهداء ثورة 1936 هو سعيد العاص السوريان. وفي المقابل رأينا كيف أن التجزئة والاحتلال في الأقطار المجاورة خنقا النضال الفلسطيني وسهلا محاصرته واستفراده وكيف أن الطبقات الحاكمة في تلك الأقطار كانت موالية للبريطانيين وساهمت في إجهاض ثورات فلسطين وعجزت عن تحدي السياسة الاستعمارية الصهيونية لبريطانيا ولو مرة واحدة.
ومن هنا كانت هزيمة العرب في فلسطين وليدة القهر لا وليدة الاستسلام وحصيلة من محصلات الضعف لا التراخي متصلة بضعف البنية لا بفقدان الإرادة الثورية. ويمكننا أن نرد فشل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الأسباب المحددة الآتية:
أولاً: كان توازن القوة بين عرب فلسطين وأعدائهم مفقوداً، ذلك أنه كان من المستحيل على شعب فلسطين الفقير المتخلف الضئيل العدد مواجهة تحالف الأمبراطورية البريطانية وقوتها العسكرية الجبارة مع الصهيونية العالمية ذات النفوذ السياسي والمالي إضافة إلى قوة المستوطنين اليهود الذين كانوا يتمتعون بالتنظيم الشامل والتسليح الحديث والقيادة المصممة.
ثانياً: إن فقدان التوازن في المجابهة مع الاستعمار والصهيونية في فلسطين كان مرتبطاً بالأوضاع العربية. فقد رأينا أن النظرة الاستراتيجية الكامنة وراء تبني السياسيين الاستعماريين للفكرة الصهيونية كانت مرتبطة أشد الارتباط بالرغبة في السيطرة على المنطقة والحيلولة دون قيام دولة موحدة مستقلة قوية تهدد مصالح الدول الكبرى. كذلك فإن التجزئة العربية جاءت ضمن خطة برزت معالمها في اتفاق سايكس ـ بيكو ووعد بلفور ومؤتمر السلام في باريس. إن العلاقة بين الدولة الصهيونية والتجزئة العربية علاقة عضوية فالتجزئة هي التي مكنت الاستعمار والصهيونية من استفراد شعب فلسطين وقهره كما أن قيام الدولة الصهيونية كقاعدة أمامية للاستعمار ساعد الدول العربية في الحفاظ على التجزئة والضعف العربي.
ثالثاً: إن قيادة الشعب الفلسطيني لم تكن في مستوى الأحداث فقد اتصفت بضيق الأفق ومحدودية الطجموح والمهادنة ولم تستطع مواجهة الحقائق المترتبة على تبني بريطانيا إلى أن تمكنت الصهيونية من استقدام أعداد كبيرة من اليهود بحيث أصبح الوطن القومي اليهودي حقيقة قائمة عشية اندلاع الثورة الكبرى. كذلك فإن القيادة السياسية الفلسطينية كانت تغذي النزعات العائلية وتعارض تعبئة الجماهير وتنظيمها تنظيماً ثورياً يتناسب مع المهمات المترتبة على طبيعة المجابهة مع الصهيونية والاستعمار كما أن القيادات لم تربط بين معارك الجماهير اليومية وترقية أحوالها وتقدمها الحضاري.
رابعاً: كان من نتيجة تخلف القيادة وتخلف المجتمع غياب النظرية الثورية وغياب تنظيمات جماهيرية واسعة ثابتة ولم تكن هنالك معادلة تضع العمل العسكري الثوري في خدمة استراتيجية ثورية سياسية تحقق التحرر والاستقلال.
خامساً: إن الدويلات العربية المحيطة بفلسطين كانت ضعيفة غير قادرة على تعبئة الشعب وتوحيد قواها وبالتالي لم تستطع الوقوف في وجه الخطر الصهيوني.
سادساً: إن الوضع الدولي في الفترة الواقعة بين الحربين لم يكن مؤاتياً لانتصار حركات التحرر الوطني في العالم. فالدول الاستعمارية كانت تهيمن على العلاقات الدولية كما أن الظاهرة الاستعمارية لم تكن قد بلغت مرحلة الانحسار.
وكانت الصهيونية تحظى بتأييد إجماعي من الدول الغربية الاستعمارية بينما كان العرب في مواقع الصراع مع هذه الدول الأمر الذي اضطر عرب فلسطين إلى المراهنة على دول المحور التي منيت بهزيمة ساحقة في نهاية الحرب. وعندما وضعت الحرب أوزارها باتت مسألة انتصار العدو الصهيوني مسألة وقت نظراً إلى التصميم والتنظيم والدعم الهائل الذي كانت تحظى به الحركة الصهيونية بينما كان عرب فلسطين معزولين ومجردين من السلاح والدول العربية المحيطة ضعيفة ومجزأة ومسلوبة الإرادة.. (انتهى).
العرب وفلسطين عبر التاريخ
يشهد تاريخ فلسطين أن وضعها الجغرافي وصلتها الحميمة بالأراضي المجاورة حددا على مر الزمن تطورها ومصيرها. لقد كان مصير فلسطين دوماً مرتبطاً بأوضاع الجزيرة العربية ومصر وسوريا والعراق. ففي أواخر الألف الرابع وأوائل الألف الثالث قبل الميلاد تعرضت فلسطين لموجة عربية سامية كبيرة هي الموجة المعروفة باسم الأمورية الكنعانية فنزل الأموريون داخل بلاد الشام وجنوبها الشرقي، واستوطن الكنعانيون ساحلها وجنوبها الغربي أي فلسطين. ونسبة لهؤلاء سميت فلسطين أرض كنعان، وكان أقدم اسم سميت به البلاد. وبقيت للكنعانيين السيادة ما يقرب من ألف وخمسمائة سنة أي من 2500 ق.م. إلى نحو 1000ق.م. حين تمكن اليهود من إعلان مملكتهم. وفي هذه الفترة توطنت عدة قبائل عربية أخرى اشتهرت بالتجارة.
وحدث أثناء فترة سيطرة الكنعانيين نحو عام 1805ق.م. أن هاجر النبي ابراهيم إلى بلاد الشام واستقر بعد فترة في شكيم (نابلس) في فلسطين. ثم ما لبث أن انتقل إلى بئر السبع. وفي نحو عام 1794ق.م. رزق ابراهيم بولده اسماعيل جد العرب العدنانية. وبعد مولد إسماعيل بنحو أربع عشرة سنة رزق إبراهيم من زوجته الأولى سارة بولده الثاني إسحاق والد يعقوب الذي لقب بإسرائيل والذي أطلق اسمه على جميع ذرية يعقوب. ونزح يعقوب وأولاده الذين بلغ عددهم بضع عشرات إلى مصر نحو عام 1656ق.م. بسبب القحط الذي نزل بفلسطين وهناك استعبدهم فراعنة مصر فاضطروا إلى النزوح عن مصر بقيادة النبي موسى بعد إقامة دامت حوالى أربعمائة سنة. أما قصة نهجهم الحربي في فتح فلسطين على يد يوشع فمدونة في أسفار العهد القديم: «صعد الشعب إلى المدينة ـ أريحا ـ وأهلكوا كل من في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف».
مملكة يهودية في فلسطين
وعلى الرغم من ذلك فإن سيطرة يوشع على فلسطين لم تكن كاملة إذ بقي الكثير من المدن الكنعانية خارج سيطرة اليهود كما أن استيطان الفلسطينيين وهم أول من نزل أرض كنعان من سكان أوروبا (كريت) في غزة وجوارها وامتداد استعمارهم حتى الكرمل أخذ يهدد وجود القبائل اليهودية المتناثرة مما دفع هؤلاء إلى جمع كلمتهم في وحدة مؤقتة ونصبوا شاول بن قيس ملكاً عليهم نحو عام 1020ق.م. وقتل شاول بعد ستة عشر عاماً من توليه الملك على يد الفلسطينيين في إحدى معاركه معهم. وتولى من بعده داود بن يسي فأدخل المركبات الحربية في الجيش وحارب الفلسطينيين وانتصر عليهم وعلى غيرهم من الأقوام التي كانت تقطن فلسطين وشرق الأردن وبطش بهم. وفي مطلع حكم داود كانت الخليل عاصمة ملكه لكنه انتقل إلى القدس إثر فتحه لها وجعل «جبل صهيون» مقراً لحكمه وبنى عليه قلعة وقصراً من خشب الأرز اللبناني.
وفي عهد داود بلغت المملكة اليهودية أقصى اتساعها فامتدت من جبل الكرمل وتل القاضي إلى جبل الشيخ شمالاً وإلى حدود مصر ونهر الموجب جنوباً وإلى الصحراء شرقاً ولكن الساحل الفلسطيني الممتد من شمالي يافا إلى جنوب غزة كان تابعاً لمصر وبالتالي فإن عموم فلسطين لم تقع تحت حكم اليهود حتى في ذروة فتوحاتهم. وخلف داود ابنه سليمان الذي تميز عهده بالازدهار التجاري والعمراني وشيد المعبد المعروف بهيكل سليمان وذلك بمساعدة الفينيقيين إلا أنه لم يتمكن من المحافظة على جميع أجزاء المملكة التي ورثها عن أبيه. ففي أواخر عهده أدى التذمر من الضرائب المرهقة إلى انقسام اليهود فكان ذلك إيذاناً بأفول عزهم الذي لم يدم أكثر من سبعين سنة.
انقسمت مملكة سليمان إلى قسمين: مملكة إسرائيل في الشمال ومملكة يهوذا في الجنوب. وقد نشبت بينهما حروب ونزاعات كثيرة ولا سيما فيما يتعلق بالشؤون الدينية. وعاشت المملكة الإسرائيلية نحو قرنين (923 ـ 722ق.م.) وكان القسم الأكبر من أهالي المملكة وملوكها يعبدون الأوثان.. وكانت نهاية إسرائيل على يد الآشوريين الذين سبوا نخبة أهلها إلى بلادهم في العراق.
أما المملكة اليهودية فقد اشتملت على القسم الجنوبي من فلسطين وكانت أفقر من أختها في الشمال ودامت نحو 136 سنة بعد خراب المملكة الشمالية. وكانت المملكتان خاضعتين في معظم فترات حياتهما لنفوذ الدول القوية المجاورة في العراق ومصر. وكانت نهايتها على يد بختنصر الكلداني الذي فتح القدس وأحرق الهيكل وبيت الملك عام 586ق.م. وسبي زهاء 50 ألف أسير نقلهم إلى بابل.
ويذهب المؤرخون إلى أن اليهود كانوا أدنى حضارة ورقياً من الكنعانيين وأنهم اقتبسوا من هؤلاء الكثير من حضاراتهم وثقافتهم وآدابهم وطقوسهم وأن ما شيد في عهد اليهود من قصور وهياكل إنما تم بمساعدة الفينيقيين.
مكث اليهود في بابل (العراق) نحو سبعين سنة وهي فترة تعرف بالسبي البابلي تغير خلالها لسانهم وتنوعت آدابهم، فلما استولى كورش ملك الفرس على بابل عام 539ق.م. ومن ثم على بلاد الشام أمر بإرجاع اليهود الذين ساعدوه حين فتح بابل ولكن قسماً من هؤلاء آثروا البقاء في بابل حيث كانوا يتعاطون التجارة. وقد تمكن الذين عادوا إلى القدس من أن يعيدوا في عام 516ق.م. بناء هيكلهم الذي تهدم في عام 586ق.م. وجعلوا رئيس كهنتهم زعيماً لهم.
امتد عهد الفرس في فلسطين من 538 إلى 332ق.م. وكانت نهايته على يد الإسكندر المقدوني الذي نشر قواده الذين تولوا الحكم بعد موته الثقافة اليونانية بين اليهود وفرضوا عليهم آدابهم وحضارتهم فانقسم اليهود إلى قسمين: قسم اقتدى باليونان وحضارتهم الراقية وآخر تعصب لعقائده الدينية وتشبث بأساليب الحياة اليهودية التقليدية. وكان من نتائج هذا التشديد على اليهود قيام ثورة بقيادة العائلة المكابية عام 167ق.م ويعزو أرنولد توينبي نجاح الثورة المكابية إلى تأخر اجتياح الجحافل الرومانية للمنطقة على أثر ضعف الدولة السلوقية لا إلى قوة المكابين الذاتية.
وسرعان ما تحول المكابيون من ثورة على الاضطهاد ومقاومة لفرض الحضارة الهيلينية (اليونانية) على اليهود إلى قوة اضطهدت الشعوب التي كانت تعيش في فلسطين وشرقي الأردن أبشع اضطهاد وفرضت الدين اليهودي عليها قسراً في الفترة الواقعة ما بين 102 ـ 76ق.م.
ومن الخطأ الاعتقاد أن سيطرة المكابيين على المنطقة المشار إليها كان مطلقاً فقد كانوا موضع تحدي العرب الأنباط. الذين بسطوا سيطرتهم على جنوبي فلسطين عندما امتدت مملكتهم في أوج مجدها من سهل البقاع شمالاً حتى مدائن صالح (شمالي الحجاز) جنوباً. وقد نشبت بين المكابيين والأنباط معارك عدة كان النصر في معظمها للأنباط.
جاءت نهاية الأنباط على يد الرومانيين الذين بسطوا سيطرتهم على البلاد وعينوا «هيرودس بن أنتيباتر» الأدومي (وأمه من الأنباط) ملكاً على اليهود عام 37ق.م. وكان على صلة حميمة بالإمبراطور أغسطس وعلى الرغم من تهوده وإعادة بنائه للهيكل فقد كرهه اليهود لأنه لم يكن من جنسهم ولأنه نشر الحضارة الرومانية واليونانية التي كانوا يكرهونها فحقد عليهم.
وفي آخر سنة من حكم هيرودس (4 ق.م.) ولد السيد المسيح في بلدة بيت لحم ونشأ في الناصرة وعاش المسيح طول حياته في فلسطين، وفيها نشر تعاليمه. وكان أكثر تلاميذه وحوارييه من الجليل.
نهاية صلة اليهود بفلسطين
وعلى الرغم من المعاملة المميزة التي منحها الرومان لليهود كإعفائهم من عبادة الإمبراطور وخدمة الجيش وبقاء أحكامهم الدينية في يد محاكمهم الخاصة، فقد استمر الاحتكاك بين الطرفين مما أدى في النتيجة إلى ثورة اليهود عام 66م، وتم سحقها عام 70م. على يد طيطوس الروماني بمساعدة الفرق العربية والسورية والآرامية الموضوعة تحت قيادته. ولكن اليهود ثاروا مرة أخرى بقيادة سمعان المدعو أيضاً بركوكب والذي ادعى أنه المسيح المنتظر. وتم القضاء على هذه الثورة على يد هدريان الذي نكل باليهود أشد تنكيل ومنعهم من دخول القدس والسكن فيها بل الدنو منها والجدير بالذكر أن ثلاثة أرباع اليهود كانوا يسكنون خارج فلسطين قبل سقوط القدس بمدة طويلة ولم يكن لجماهير اليهود المبعثرين في الإمبراطورية الإغريقية ثم في الإمبراطورية الرومانية إلا اهتمام ثانوي جداً بالمملكة اليهودية في فلسطين)[3]( وبثورة بركوكب انتهت صلة اليهود بفلسطين حتى القرن التاسع عشر وازداد تشتتهم في مختلف أقطار العالم في أوروبا وآسيا وإفريقيا.
وهكذا نجد أن اليهود لم يدخلوا إلى فلسطين إلا في حقبة متأخرة من الزمن ولم يحكموا البلاد إلا مدة قصيرة نسبياً، ناهيك بأنهم لم يحكموا سوى أجزاء من فلسطين حتى في ذروة عزهم. ولقد تميزوا بالتعصب الشديد واستعداء الشعوب الأخرى التي كانت تقطن المنطقة. كذلك يلاحظ أنهم توزعوا في البحر الأبيض المتوسط في وقت مبكر سعياً وراء التجارة والرزق ولم يعد يربطهم بفلسطين سوى الحنين إلى جبل صهيون أي القدس. ومن هنا لخص هـ. ج. ولز في كتابه «موجز التاريخ» تاريخ اليهود العبرانيين بما يلي:
«كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار.. ومن البدء حتى النهاية لم تكن ممتلكاتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وآشور وفينيقيا ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم».
اليهودية العالمية دراسة
في أصولها وأبعادها
لا شك أن أكبر المفتريات التي أشاعها الصهيونيون وضللوا معها العقول، زعمهم بأن اليهود في جميع أنحاء العالم من أصل فلسطيني، وأنهم حينما يطالبون بفلسطين فإنما يطالبون ببلادهم التي نشأوا فيها ثم أخرجوا منها.
وهذا الزعم يمكن تفنيده بالأدلة العلمية الواضحة في هذه الدراسة التحليلية والتي نسلط الأضواء فيها على اليهودية كحقيقة واقعة لنرى متى وكيف ولماذا أقامت علاقاتها مع الصهيونية؟!
لقد انتشرت بين الناس تلك الخرافة التي تقول أن جميع اليهود في العالم من نسل بني إسرائيل، وأنهم لذلك غرباء في أوروبا، وأنهم شعب لا وطن له اليوم.
ولكن الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن يهود أوروبا من أصل أوروبي صميم، وأنهم اعتنقوا الدين اليهودي على أيدي مبشرين من اليهود في القرن الثالث قبل الميلاد وفيما تلاه من القرون، وقد كانت لهم مستعمرة واسعة في حوض نهر الراين الشمالي والأوسط، ومن هناك انتشروا في وسط أوروبا وفي شرقها وغربها)[4](.
والذين يزعمون أن اليهود جميعاً من سلالة إسرائيل قلما يقفون لحظة واحدة لكي يذكروا أن هذا الوهم لو كان صحيحاً لكان اليهود في جميع أنحاء العالم متشابهين في السحنة والمنظر والتقاطيع، لأن قانون الوراثة يقضي حتماً بأن الفروع تشبه الأصل، وتتشابه فيما بينها تشابهاً شديداً.
ولو نظرنا إلى اليهود في مختلف أنحاء العالم اليوم لوجدنا بينهم الشقر ذوي العيون الزرقاء والشعر الأصفر، ورأينا بينهم السمر ذوي الشعر المجعد في الحبشة والسود في جنوب الهند، والصفر المغول في الصين. ورأينا بينهم الطوال القامة والقصار، وذوي الرؤوس الطويلة والعريضة، ويوشك ألا تكون هناك اختلافات بين السلالات البشرية أكبر مما تجده بين الجماعات اليهودية في مختلف القارات وليس مما يقبله العقل أن تكون هذه الطوائف كلها من سلالة جنسية واحدة)[5](.
فاليهود إذن ينتمون إلى عدد كبير من السلالات، وهم يشبهون الجماعات التي يعيشون وسطها، ومن أصدق الأدلة على ذلك ما حدث للألمان اليهود في ظل الحكم النازي.
فقد استطاع كثير منهم أن يثبتوا بواسطة الوثائق التي اتقنوا صنعها وتزييفها أنهم آريون حقاً من أصل جرماني صميم، فاقتنعت السلطات الألمانية بأنهم آريون حقاً وسجلت أسماءهم بأنهم آريون لم يجر في عروقهم قطرة من دم سوى الدم الآري أياً كان هذا الدم الآري، ولو كان في شكلهم أو مظهرهم شيء يدل على أنهم من عنصر دخيل لما صعب على أولى الأمر من النازيين أن يهتدوا إلى الحقيقة)[6](.
أن مما لا شك فيه أن الصهيونيين ـ وأكثرهم من يهود أوروبا ـ ليسوا من أهل فلسطين مطلقاً، بل هم من أصل جرماني أو سلافي أو بلقاني، وأن القول بأن يهود العالم منحدرين من تلك الطائفة الصغيرة العدد نسبياً والتي سكنت يوماً ما فلسطين زعم ظاهر البطلان، أثبت بطلانه عدد كبير من علماء الأجناس ومن بينهم بعض الباحثين من اليهود أنفسهم)[7](.
تزييف الحقائق وإفساد التاريخ!!
الدعوة الصهيونية لم تتورع عن طمس الحقائق وإفساد التاريخ، ولكن هناك دراسات وأبحاثاً تاريخية وأثنولوجية ترجع إلى عهد سابق لتلك الدعاوى، وعلم الأجناس على كل حال يستند إلى المشاهدات المحسوسة المسجلة تسجيلاً دقيقاً وعلى مقاييس وملاحظات لا تحتمل الشك أو التأويل.
وهو يعتمد فوق كل شيء على قواعد الوراثة المقررة على أن الصفات الجسدية للأجداد يتوارثها الأبناء والأحفاد وفقاً لنظام مقرر ثابت تخضع له جميع الكائنات من نبات وحيوان وبشر، وليس مما يجوز في أي عصر أن تظهر في أي جنس من الأجناس صفة جديدة لم تكن من قبل شائعة بين أبناء ذلك الجنس، فإذا امتاز جنس بالشعر الفلفل، استحال أن يظهر بينه أفراد شعرهم مسترسل، وبيض الوجوه لا يولد لهم أبناء سود)[8](.
وأهم الصفات التي يتخذها علماء الأجناس مقياساً للتمييز بين السلالات هي طائفة خاصة من الصفات الجسدية وأهمها شكل الشعر ولونه وشكل الرأس والوجه والأنف ولون الشعر والعيون والبشرة وطول القامة)[9](.
لقد زعم عدد من الكتاب أن اليهود يمثلون جنساً نقياً لم يدخله غريب منذ أن نزل فلسطين أو نزح عنها إلى بلاد أخرى، وأنه مثال نادر للصفاء الجنسي الذي لم يتكرر بالامتزاج بأي عنصر آخر، وأنه لم يسمح للدم الأجنبي أن يختلط بدمه النقي، وأن الزواج بين اليهود ظل مقصوراً على أفراد منهم دون سواه كما كانت الديانة خاصة بهم لم يحاولوا نشرها بين غيرهم من الناس.
ونحن في العالم الإسلامي نعلم على كل حال أن الزعم بأن الدين اليهودي كان مقصوراً على بني إسرائيل زعم باطل، فقد انتشر الدين اليهودي في جهات مختلفة من الجزيرة العربية ومصر ـ قبل الإسلام بقرون عديدة، وانتشر بوجه خاص في بلاد اليمن. ففي القرآن الكريم إشارة صريحة إلى هذا في سورة النمل في الآيات الكريمة التي تروي قصة ملكة سبأ. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا العِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (44)﴾ )[10](.
يذهب كثير من الكتاب إلى القول بأن الدين اليهودي مقصور على بني إسرائيل، لأنه ليس من الديانات التبشيرية العالمية، بل هو دين قومي اختص به قوم من الأقوام دون سواهم. وهذا أيضاً خراقة عجيبة. فاليهود قد بذلوا جهوداً عظيمة في التبشير بدينهم والعمل على نشره بين الأمم.
فالنشاط التبشيري اليهودي قد بدأ قبل ظهور المسيحية ببضعة قرون ولا شك أنه استمر بضعة قرون أخرى في العهد المسيحي. ومعنى هذا أن اليهود قضوا بضعة عشر قرناً يعملون بجد ونشاط في نشر دينهم بين شعوب وامم لا تمت إلى بني إسرائيل بصلة، هذه الشعوب قد اعتنقت الدين اليهودي وهي تعيش في أوطانهم على أيدي مبشرين ودعاة انتشروا في مختلف الأقطار، وهؤلاء الدعاة أنفسهم ليسوا دائماً من أصل فلسطيني، بل قد يكونون ممن اعتنقوا الدين اليهودي وتحمّسوا له، وعملوا على نشره.
وليس بصحيح أيضاً ما يزعمه الكتاب بأن انتشار اليهود في العالم كان نتيجة لتشتتهم في البلاد بسبب الاضطهاد من الجائز أن يكون الاضطهاد قد ساعد على انتشار اليهود في مختلف الأقطار، ولكن من البديهي أن هذه الأعمال التبشيرية الجديدة إنما كانت متابعة للجهود السابقة في ميادين التبشير، ولهذا فمن الواجب أن نفرق بين الإسرائيليين من سكان فلسطين وبين اليهود الذين اعتنقوا الدين اليهودي ولم يكونوا في يوم من الأيام من سكان فلسطين)[11](.
ومن الواجب أيضاً على كل مفكر أن يفرّق بين انتشار بني إسرائيل وبين انتشار دينهم، ذلك لأن انتشار الدين اليهودي قد خلق أجيالاً وطوائف من اليهود لا تمت إلى بني إسرائيل بشيء سوى صلة العقيدة.
أو بعبارة أخرى أن انتشار اليهودية قد قضي على بني إسرائيل كسلالة جنسية متميزة، لأننا لو فرضنا جدلاً أن الذين حملوا الدين اليهودي إلى الأقطار المختلفة كانوا من أصل فلسطيني فأنهم لم يكونوا سوى قطرة في بحر من شعوب وسلالات لا يربطها بالإسرائيليين رابطة جنسية أو سلالية.
وفي هذا يقول أوجين بتلر)[12](: «إن جميع اليهود بعيدون عن الانتماء إلى الجنس اليهودي» ثم يقول في مكان آخر: «إن اليهود يؤلفون جماعة دينية اجتماعية قوية جداً من غير شك، شديدة التماسك ولكن العناصر التي تتألف منها متنوعة تنوعاً عظيماً».
لا شك أن الدين اليهودي قد نشأ بين بني إسرائيل في أرض فلسطين، وأنه انتشر منها في جميع أنحاء العالم بواسطة الجهود التي بذلها أصحاب هذا الدين أول الأمر،ولكن المهم الذي لا بد أن نعلمه أن اليهود في ألمانيا والبلاد السلافية هم طوائف من الألمان والسلاف اعتنقوا الدين اليهودي منذ القرن الثالث قبل الميلاد على أيدي أولئك المبشرين، كما أن العقل لا يقبل أن يكون يهود اليمن ومصر وبلاد الحبشة، وكلها أقطار قد انتشر فيها الدين اليهودي في ذلك الزمن البعيد نفسه، من أصل فلسطيني وقد أيّد هذا الرأي ما كتبه علماء اليهود أنفسهم.
وقد جاء في بحث أوجين بتلر عن اليهود ما يلي: «أن اليهود عبارة عن طائفة دينية اجتماعية انضم إليهم في جميع العصور أشخاص من أجناس شتى، وهؤلاء المتهودون جاؤوا من جميع الآفاق، فمنهم الفلاشا سكان الحبشة، ومنهم الألمان ذوو السحنة الجرمانية ـ ومنهم التامل اليهود السود من الهند ـ ومنهم الخزر والمفروض أنهم من الجنس التركي» وهكذا يمكن لنا أن نستخلص من هذا العرض مجموعة من الحقائق عن اليهودية العالمية:
1 ـ أن يهود أوروبا وهم عماد الصهيونية ودعاتها من أصل أوروبي، وأن جذورهم تمتد إلى تاريخ طويل، ربما هو تاريخ نشأة الصهيونية.
2 ـ أن اليهود هم أعضاء في شعوب كثيرة ولهم أوطان عديدة وإن اختلفوا في الدين عن سائر السكان فيها، فمن الافتراء أن يقال إن اليهود شعب لا وطن له)[13](.
3 ـ ارتباط اليهودية العالمية منذ نشأتها بجهود الصهيونية وهي جهود دينية عنصرية متطرفة تعمل من أجل اليهود قاطبة.
4 ـ أصبحت اليهودية اليوم جزءاً مكملاً لبناء المنظمة الصهيونية.
جاء في دوائر المعارف البريطانية ط1926م المجلد 27 ـ 28 ص 686 ـ 987 تحت كلمة «الصهيونية» ما نصه: «إن اليهود يتطلعون إلى امتداد إسرائيل، واجتماع الشعب في فلسطين، واستعادة الدولة اليهودية، وبناء الهيكل وإقامة عرش داوود في القدس ثانية، وعليه أمير من نسل داوود».
وجاء في دائرة المعارف اليهودية تحت كلمة «الصهيونية» «إن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم، وأن يقدموا إلى القدس فيتغلبوا على قوة الأعداء، وأن يعيدوا العبارة إلى الهيكل «أي مكان المسجد الأقصى» ويقيمون ملكهم هناك.
وجاء في كتاب «مطامع الصهيونية» طبعة 1949م ما نصه: «صرّح رئيس حاخامي اليهود في فلسطين بأنه عاصمة الدولة اليهودية لن تكون تل أبيب بل ستكون القدس لأن فيها هيكل سليمان، ولأن الصهيونية حركة سياسية ودينية معاً، وأن شباب اليهود سيضحون بحياتهم لاسترداد مكانهم المقدس الهيكل «مكان المسجد الأقصى». ويقول بن غوريون في تصريح له: «إن حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل وأنه لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون هيكل».
ويقول الفرو موند)[14]( «إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريباً وانني سأكرس ما بقي من أيام حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى».
وصرّح إسرائيل رابخويل)[15]( قائلاً:
«إن فلسطين وطن بلا سكان فيجب أن يعطي شعب بلا وطن أي لليهود وقال: «إن الواجب لليهود في المستقبل أن يضيقوا الخناق على عرب فلسطين حتى يضطروهم إلى الخروج منها».
فالفكرة الصهيونية تقوم على أساس دعوة يهود العالم المشتتين في سائر أقطار الأرض للعودة إلى فلسطين، وهذا لا يتم إلى باستيلائهم بالقوة على بيت المقدس. وتقويض أركان المسجد الأقصى، وطرد الشعب العربي الفلسطيني وتشريده أو إبادته.. لقد ظلّ اليهود يعتنقون هذه الفكرة، ويعيشون في هذا الخيال أجيالاً طويلة يقول بن غوريون:
«إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل، ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور ولا بقرارات الأمم المتحدة عام 1948م، ولكنها بدأت يوم أن وعد الله أباناً إبراهيم وعده. وقد صرح شختر بذلك قائلاً: «حينما يكون الصهيونيون عاملين نشطين تكون اليهودية حية عاملة».
فالصهيونية في جوهرها ومناطها: عقيدة دينية متطرفة، يذعن لها أشياعها يسوقهم التعصب والغرور العنصري قسراً، بلا وعي ولا إرادة وأساسها في زعمهم تعاليم التوراة التي تنصّ على أن الله سبحانه وتعالى قد وعد اليهود بملك عالمي أبدي واستخلفهم في الأرض خالصة لهم من دون الناس)[16](.
وقد استقر تعريف الصهيونية في المصطلح السياسي على أنها: «دعوة وحركة عنصرية دينية استيطانية تطالب بإعادة توطين اليهود وتجميعهم، وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة والغزو والعنف لحل المسألة اليهودية»)[17](.
إن أول الصيحات التي سجلها التاريخ كتاب أرسله يهودي فرنسي في عام 1798م)[18]( ناشد فيه أبناء دينه أن يؤلفوا مجلساً أعلى مقرّه باريس تمثل فيه فروع الطائفة في جميع أنحاء العالم على أن يرفع هذا المجلس طلباً إلى الحكومة الفرنسية بإرجاع جميع اليهود إلى سماء وطنهم، ثم وصف هذا الوطن بالعبارة التالية:
«وهذا القطر الذي نريد أن نحتله يشتمل على مصر السفلى «الوجه البحري» ويمتد شرقاً إلى الجهات المتاخمة وينتهي بخط يمتد من بلدة عكا إلى البحر الميت وموقع القطر أنفع المواقع في العالم.
وسيمكننا من السيطرة على ملاحة البحر الأحمر، وعلى تجارة الهند وبلاد الغرب وإفريقيا الشرقية والجنوبية، وكذلك سيسهل لنا تجارة إيران وآسيا نظراً لقربه من مدينتي دمشق وحلب، كما سيسهل الاتصال بواسطة البحر الأبيض المتوسط بالبلاد والممالك الأوروبية، وهكذا تكون بلادنا بفضل موقعها الممتاز في قلب العالم العربي المستودع الأكبر للمنتجات العالمية للتنمية»)[19](.
ومنذ ذلك التاريخ تأثر العديد من المفكرين اليهود بالنزعة القومية العنصرية التوسعية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر: مثل: «الحاخام زفى كاليشر (1795 ـ 1874) في كتابه «ألبحث عن صهيون»، والبارون موشي هيرش (1814 ـ 1875) في كتابه «روما والقدس» وليون بنسكر (1821 ـ 1891) في كتابه «التحرير الذاتي» وأشر عقتر برنح الأوكراني «1856 ـ 1927) وثيودور هرتزل (1860 ـ 1904) في كتابه «الدولة اليهودية»)[20](.
ثم بدأت الصهيونية تتغلغل وتنتشر أكثر بين اليهود منذ عام 1881م عندما اضطرت أعداد ضخمة منهم إلى النزوح عن روسيا على أثر المجازر التي تعرضوا لها بعد اغتيال القيصر الروسي»)[21](، وإلى قيام جمعيات «أحباء صهيون» التي طرحت مسألة استيطان اليهود بفلسطين وغزوها عن طريق الهجرة كاحتمال عملي، كما درست إحياء اللغة العبرية لتصبح لغة غالبية اليهود عوضاً عن «اليديشية» وقد تمكنت حركة «البيلو» من إيصال عشرين مستعمراً يهودياً عام 1882 م كانوا طلائع الهجرة الأولى إلى فلسطين، وأوجدوا عدة مستعمرات صهيونية شكلت المراكز الأساسية للاستعمار الزراعي الصهيوني في المراحل اللاحقة)[22](.
إلا أن أحد أعضاء جمعيات «أحباء صهيون» البارزين وهو «آحاد هاعام» ذهب إلى إعادة النظر في فكرة إقامة المستعمرات، وأخذ يركز على ضرورة الحفاظ على القيم الروحية اليهودية، وأكد بأن طريق وقف الانحلال الروحي لليهودية في فلسطين يعيد حيويتهم ووحدتهم، ويؤدي في النتيجة إلى تحقيق الحلم القومي اليهودي، وسميت صهيونيته بـ«الصهيونية الروحية»)[23](.
وبادر أنصار «آحاد هاعام» لأجل هذا الغرض إلى تشكيل جمعية «بني موسى» وتتلمذ على يده عدد من المثقفين اليهود)[24](، وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر اعتنق صحفي يهودي من فينا هو ثيودور هرتزل الفكرة الصهيونية على أثر موجة من العداء لليهود في أوروبا، وقام بتأليف كتابه حول المسألة اليهودية شرح فيه تصوره ووجهة نظره لحل المسألة اليهودية بعنوان «الدولة اليهودية» في عام 1895م ويعتبر بعضهم يوم صدور هذا الكتاب هو يوم ميلاد الحركة الصهيونية العالمية التي وضعت نصب عينها إقامة دولة يهودية)[25](.
بدأ ثيودور هرتزل بحثه بالقول «إن المسألة اليهودية لا زالت قائمة، وأنها ستنشأ في كل مكان يعيش فيه اليهود بأعداد كبيرة وأكثر من ذلك فإن المسألة اليهودية ستنتشر مع الهجرة اليهودية إلى أماكن أخرى يهاجر منها الهاربون من اليهود هذا هو واقع الحال وسيبقى كذلك في كل مكان حتى في أكثر البلدان تقدماً ولذلك فلا الاعتماد على الحكومات المتحررة، ولا الهجرة اليهودية من مناطق تسودها اللاسامية يمكن أن يقدم حلاً نهائياً للمسألة اليهودية».
وبعد عامين من هذا التاريخ تمكن «هرتزل» من عقد المؤتمر الصهيوني الأول بحضور «204» من المندوبين اليهود يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء مختلفة من العالم. وتمخض هذا المؤتمر عن تحديد أهداف الحركة الصهيونية فيما عرف ببرنامج بال، وإنشاء الأداة التنظيمية لتنفيذ هذا البرنامج وهي:
«المنظمة الصهيونية العالمية» وقد حدد المؤتمر هدف الصهيونية على أنه «خلق وطن لليهود في فلسطين بواسطة الهجرة وربط حدود العالم بهذا البرنامج»)[26](.
ولتحقيق هذا الهدف حدد المؤتمر الخطوات الأربع التالية:
1 ـ تشجيع استيطان العمال الزراعيين والصناعيين اليهود في فلسطين وفقاً لخطوط مناسبة.
2 ـ تنظيم اليهود وربطهم عبر مؤسسات مناسبة على الصعيدين المحلي والعالمي كل منها حسب قوانين البلد المعني.
3 ـ تقوية الحس والوعي القومي اليهودي وتعزيزهما.
4 ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على موافقة الدول، حيث يكون ذلك ضرورياً لتحقيق هدف الصهيونية.
بالإضافة إلى الإنجازين المشار إليهما من قبل فإن مجرد جمع ذلك العدد من الصهيونيين للتداول في أفضل الوسائل لتحقيق هدف واحد، كان في حد ذاته إنجازاً يجب ألا نقلل من أهميته)[27](.
وتعتبر صهيونية «هرتزل» صهيونية سياسية لأنها حولت المشكلة اليهودية إلى مشكلة سياسية وأوجدت حركة منظمة محددة الأهداف والوسائل)[28](.
أما الصهيونية الدينية فقد اتخذت شكلاً تنظيمياً عام 1902م بقيام حركة (مزراحي) تحت شعار «أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب شريعة توراة إسرائيل» وتحت شعار آخر «التوراة والعمل» ويرى هؤلاء أن اليهود أمة متميزة عن غيرها. لأن الله، في زعمهم هو الذي أسسها بنفسه، وأن وحدة الوجود اليهودي تتمثل بالتحام اليهود والتوراة وفلسطين، وذلك للالتحام الذي يفجّر عبقرية اليهود، ولحركة «مزراحي» هذه فروع في كل العالم، ويتبعها الحزب الديني القومي والعديد من مزارعي «الكيبونز» و«المسوشاق» والكثير من المدارس التلمودية)[29](.
وظهرت تيارات صهيونية أخرى مثل «الصهيونية التنعيمية» ومن روادها «جابو تنسكي» الذي عرف هو وأتباعه بالتشديد على أهمية بناء قوة عسكرية صهيونية كبيرة لغزو فلسطين وبناء الدولة اليهودية بالقوة، ويمثل حزب «حيروت» اليميني بقيادة «بيغن» وشارون التيار التنقيحي داخل إسرائيل)[30](.
ومن هذه التيارات الصهيونية العملية التي كانت تطالب بالاعتماد على الجهود الذاتية اليهودية والمباشرة ببناء الوطن القومي لليهود. كان «وايزمان ـ وبن غوريون» أهم دعاة هذا الأسلوب)[31](.
ومنها «الصهيونية العمومية» التي تستند إلى المطالبة بالمصلحة القومية بصرف النظر عن الانتماء الطبقي، وقد نشط أصحاب هذا الاتجاه في تجميع المال لتثبيت جنود الاستيطان اليهودي في فلسطين)[32](.
ومنها كذلك «صهيونية الدياسبورا» الشتات، التي تتبنى الصهيونية الثقافية فيما يتعلق بالنظر إلى إسرائيل على أساس أنها مركز اليهودية الثقافي أو الروحي)[33](.
ومن هذه المدارس أيضاً: الصهيونية العمالية، أو الاشتراكية، ولعل أهم تيارات هذه المدرسة هي مدرسة «جوردون» التي ركزت على فكرة اقتحام فلسطين، وركزت أيضاً على العمل باعتباره وسيلة من وسائل التخلص من عقد المنفى وصهر القومية اليهودية الجديدة)[34](.
وجدير بالإشارة إلى أن العقيدة الصهيونية وأبعادها الدينية والتاريخية تشكل الخلفية النظرية وقاعدة الارتكاز اليهودية في إسرائيل بدءاً من الناحية التشريعية، كقانون العودة (195) الذي يقضي بحق كل يهودي في الجنسية الإسرائيلية، مروراً بالقول: إن فلسطين هي موطن يهود العالم باعتبار الأقدمية والاستمرارية التاريخية لمدة ألفي سنة، وأن يهود اليوم يشكلون على هذا النحو قومية تمتد إلى آلاف السنين من التاريخ)[35](.
يقول الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون: «إن إسرائيل قد تكون أحدث دول العالم، ولكن الشعب اليهودي له وجود عمره أربعة آلاف عام متتالية»)[36](.
ويمضي قائلاً: «إن الصهيونية قد حققت هدفها في 14 مايو/ 1948 م ببناء دولة يهودية أكبر مما كان متفقاً عليه بفضل قوات «الهاجانا» وليست هذه نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات)[37](.
ويقول ثيودور هرتزل «المسافة من نهر النيل إلى الفرات، لا بد من فترة انتقالية لتثبيت مؤسساتنا يكون فيها الحاكم يهودياً، وما أن تصل نسبة السكان اليهود إلى الثلثين حتى تفرض الإدارة اليهودية نفسها سياسياً»)[38](.
ومما لا شك فيه أن التيارات والمدارس الصهيونية المختلفة وأن تنوعت أساليبها واختلفت وسائلها ـ فهي تتفق في الجوهر وتتبنى كلها نسقاً أيديولوجياً واحداً، وتتحد حول الهدف المرسوم إلا وهو: حل مشكلة اليهود عن طريق استيطان فلسطين بطريقة جماعية وإقامة دولة يهودية صهيونية.
هذه المدارس كلها تبرر نقل اليهود إلى فلسطين بمعاذير مختلفة، لكنها تصب في اتجاه واحد هو تهجير الفلسطينيين بالقوة وإبعادهم عن طريق طردهم ومصادرة أراضيهم فثقل اليهود من المضمون الماركسي يتم لأسباب أممية اشتراكية، وأما من المنظور الليبرالي فيتم لأسباب ديموقراطية وتاريخية، ولكن يظل الإجماع قائماً رغم اختلاف القناعات الفكرية حول الفكرة الصهيونية ذاتها.
إن علاقة الصهيونية باليهودية علاقة عضوية، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، وبالتالي يمكن القول «إن الصهيونية واليهودية وجهان لعملة واحدة، وما الماركسية والليبرالية إلا قناعات يستعملها اليهود لتمرير مخططاتهم وخدمة أهداف الصهيونية القريبة والبعيدة)[39](.
تتميز الشخصية اليهودية الصهيونية بصفات وخصائص كثيرة نذكر منها:
1 ـ أنها عرفت بالجبن والغدر والخيانة والتعصب والسياسة العنصرية منذ أن وجدت، فقد طغت فكرة السيطرة على العالم منذ زمن بعيد على العقلية اليهودية الصهيونية، ودونها اليهود في قوانينهم السرية لاعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، وأن بقية الناس فقد خلقوا ليسخّروا في خدمة بني إسرائيل:
جاء في البروتوكول الخامس من بروتوكولات حكماء صهيون: «إننا نقرأ في شريعة الأنبياء أننا مختارون من الله لنحكم الأرض وقد منحنا الله العبقرية كي نكون قادرين على القيام بهذا العمل، وسنضع موضع الحكومات القائمة مارداً يسمى إدارة الحكومة العليا.
2 ـ إن اليهود الصهاينة شعب شرير، يثير القلاقل، ويختلق الأزمات بين القوميات والشعوب الأخرى.
فقد نفذ اليهود إلى كل ناحية من نواحي حياة المسيحيين في الغرب وركزوا نفوذهم بشكل واضح على النواحي الفكرية حتى أن الكاثوليك والبروتستانت في الغرب يتقبلون توجيهاتهم وإرشاداتهم، واستطاعوا أن يحملوا الكنائس البروتستانتية على إزالة جميع الكتابات الخاصة بصلب السيد المسيح.
وقد جاء تقرير الجمعية اليهودية الأميركية بالولايات المتحدة في 1952م «إن الانتصارات التي حققناها هنا في السنوات الماضية، وسنة 1950م أزالت كل إشارة معادية في الكتب الدينية المسيحية وكتب التدريس، ولا سيما ما يتعلق بقضية الصلب، فبفضل جهودنا أصبح 85 بالمائة من الكتب البروتستانتية خالياً اليوم من العبارات العدائية والمحقرة لليهود، وقد توصلنا إلى نتائج مماثلة في الكنائس الكاثوليكية، ولقد تمكنا من إقناع الزعماء المسؤولين من الوقوف إلى جانب القضايا الخاصة باليهود».
ويؤكد الدكتور أوسكار ليفي في قوله: «نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومحركي الفتن فيه وجلاديه»)[40](.
3 ـ أن اليهود شعب مشهور بالعنف والقسوة والوحشية والخديعة في التوسل لأغراضهم الخسيسة، وإقامة المجازر البشرية من أجلها.
يقول البروتوكول الصهيوني الأول: «يجب أن يكون شعارنا كل وسائل العنف والخديعة».
كما يقول البروتوكول الصهيوني السابع: «من أجل أن نظهر استعبادنا لجميع الحكومات الأممية في أوروبا سوف نبين قوتنا لواحدة منها، متوسلين بجرائم العنف وذلك هو ما يقال له حكم الإرهاب، وإذا اتفقوا جميعاً ضدنا، فعندئذ سنجيبهم بالمدافع الأميركية أو الصينية أو اليابانية».
4 ـ أن اليهود يعملون لهدم الأديان الإلهية عن طريق استحداث المذاهب السياسية والفكرية الهدامة كالشيوعية والوجودية والماسونية والسريالية، ومذهب التطور ويعملون لنشر الإلحاد ونسف الإيمان من النفوس.
يقول البروتوكول الرابع عشر: «ولهذا السبب يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان وأن تكون النتيجة المؤقتة لهذا هي أثمار الملحدين، فلن يدخل هذا في موضوعنا، ولكنه سيضرب مثلاً للأجيال القادمة التي ستضفي إلى تعاليمنا على دين موسى الذي وكل إلينا بعقيدته الصارمة واجب إخضاع كل الأمم تحت أقوامنا»)[41](.
5 ـ إن من سمات الشخصية اليهودية الصهيونية الخداع والغش والخيانة والاحتيال في سبيل تحقيق المبادئ اليهودية.
يقول البروتوكول الأول: «ويتحتم أن يكون ماكراً خداعاً حكم تلك الحكومات التي تأبى أن تداس تيجانها تحت أقدام وكلاء قوة جديدة.
إن هذا الشر هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى هدف الخير، ولذلك يتحتم إلا نتردد لحظة واحدة في أعمال الرشوة والخديعة والخيانة والاحتيال إذا كانت تخدمنا في تحقيق غايتنا»)[42](.
ويقول البروتوكول السابع: «ولكي نصل إلى هذه الغايات يجب علينا أن ننطوي على كثير من الدهاء والخبث خلال المفاوضات ولكننا فيما يسمى «اللغة الرسمية» سوف نتظاهر بحركات عكس ذلك، لكي نظهر بمظهر الأمين المستحمل للمسؤولية.. ويجب علينا أن نكون مستعدين لمقابلة كل معارضة بإعلان الحرب على جانب ما يجاورنا من بلاد تلك الدولة التي تجرؤ على الوقوف في طريقنا»)[43](.
6 ـ إن الشخصية اليهودية الصهيونية فوق أنها شخصية لا أخلاقية أنها شخصية متناقضة في مواقفها وأفكارها، لأن اليهود لم يقتنعوا في يوم من الأيام بالتوراة ولا بالإنجيل ولا بالقرآن الكريم، وكانت مواقفهم من الأديان الإلهية معروفة ومشهورة.
فقد روى عن ابن عباس قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾)[44](، قد نزلت هذه الآيات في يهود المدينة في موقعة الأحزاب والآية: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44)﴾ أنها نزلت في يهود أهل المدينة. وقال: كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: أثبت على الدين الذي أنت، وما يأمك به هذا الرجل، فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلون)[45](.
7 ـ كما أن الشخصية اليهودية تمتاز بالجشع والطمع والأنانية وحب التملك، وقد تناول القرآن الكريم هذه الحقيقة التي كانوا عليها في الماضي، هي ما يحدث منهم الآن، وهي اليوم تظهر للبشرية تحت شعار إسرائيل والصهيونية، يقول الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾)[46](.
وخلاصة القول: نجد اليهود شعباً شريراً خائناً ملوناً، خبيث الطوية، ماجن السلوك عنصرياً مغروراً جشعاً يستغل الآخرين، يثير الفتن، ويبيّت المؤامرات ضد الأمم والشعوب الأخرى)[47](.
والقرآن الكريم ينص في كثير من آياته على أعمال اليهود وصفاتهم وأخلاقهم ونفاقهم وانحرافهم عن كل مبدأ قديم كانت هذه نشأتهم وديدنهم من قديم الزمان إلى يومنا هذا)[48]( وما أشبه الليلة بالبارحة.
حافظ عبد الرحمن بشارة
كيف استولى المشروع الصهيوني
على أراضي الفلسطينيين؟
كلود برزوزوفسكي يهودي من مواليد فلسطين عام 1930، ومن أسرة بولونية يهودية كانت استقرت في القدس منذ أجيال عدة في عهد الأمبراطورية العثمانية.
ولا يخفي ك. برزوزوفسكي أن موضوع هذا الاغتصاب؛ شعب وأرض. فإسرائيل ما كان لها أن تقوم ما لم تطرد الفلسطينيين من أرضهم وما لم تستولي على هذه الأرض وتصادرها في عملية نهب منقطعة النظير، في تاريخ القرن العشرين على الأقل.
وتفاصيل هذا الاغتصاب المزدوج يمكن اختصارها في رقمين، واحد يتعلق بالبشر والآخر بالأرض.
فعندما رأت بواكير المشروع الصهيونية النور ـ وهذا قبل أن يصدر هرتزل كتابه عن «الدولة اليهودية» عام 1896 ـ ما كان تعداد السكان اليهود في فلسطين يزيد على 12 ألف نسمة، وكانوا يتوطنون في المدن الأربع الأثيرة في التراث اليهودي: القدس وطبريا وصفد والخليل. وكان جلهم رجال دين ومن الحرفيين والتجار الصغار من خياطين وإسكافيين ومجلدين وصاغة وساعاتيين، ولم يكن بينهم سوى مزارع واحد يستثمر أرضاً، وهذا بشهادة تشارلز نيتر، ممثل جمعية «العهد الإسرائيلي الكوني» في فلسطين عام 1869.
ومن دون دخول في تفاصيل بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بالتواقت مع تفاقم الاضطهادات اللاسامية لليهود في روسيا وأوروبا الشرقية، فإنه عند صدور وعد بلفور عام 1917، لم يكن تعداد اليهود في فلسطين، من مقيمين دائمين ومهاجرين جدد، قد تعدى الثمانين ألفاً. وخلافاً للتقليد اليهودي المحلي، وحتى لتوصية هرتزل الذي كان يعتبر أن الفلاحين هم طبقة قيد الانقراض تاريخياً، فإن معظم المهاجرين الجدد القادمين من أوروبا الشرقية اختاروا أن يكونوا «عمال أرض».
وعلى هذا النحو أنشأوا لأنفسهم. بالإضافة إلى مدينة تل أبيب، خمسين مستوطنة زراعية تمتد على مساحة 60 ألف هكتار. وباستثناء هذه الـ600 كم مربع، التي استحصلوا عليها بالشراء على مدى أربعين عاماً من الاستيطان، لم يكن اليهود يملكون أرضاً في فلسطين، فقد كانت كلية ملكية الأرض تعود إلى العرب، سواء كانوا من الفلسطينيين المقيمين أم من العرب المالكين من لبنانيين وسوريين وعراقيين ومصريين.
وعلى هذا النحو يمكن القول إن المسار التاريخي الذي استغرق ثلاثين سنة ما بين الوعد بإعطاء «وطن قومي» لليهود إلى قيام دولة إسرائيل قد تحكم به هدفان لا ثالث لهما: تحويل الأقلية اليهودية، عن طريق الهجرة، إلى غالبية، وبالتالي إلى «شعب يهودي»، وتحويل هذا الشعب إلى مالك للأرض التي ما كان يملك حتى 1917 سوى اثنين في المئة منها، وهذا عن طريق الشراء قبل قيام دولة إسرائيل، ثم عن طريق المصادرة بعد قيامها.
الشق الأول من قصة هذا التحويل هو المعروف.
فعلى مدى ثلاثين عاماً تضاعف عدد المهاجرين اليهود أحد عشر ضعفاً ليصل إلى 650 ألفاً يوم قرار التقسيم. وفي الوقت الذي حولت فيه الهجرة اليهود إلى غالبية، فإن الهجرة المضادة ـ أي النزوح القسري أو الإرادي ـ هي التي حولت الفلسطينيين إلى أقلية. فقد تقلص عدد العرب في الدولة اليهودية الجديدة من 400 ألف قبل التقسيم إلى 100 ألف فقط في نهاية 1948.
وفي الوقت الذي تدفق فيه على الدولة الجديدة 350 ألف مهاجر يهودي إضافي في 1949، كان تعداد النازحين من الفلسطينيين قد ارتفع إلى 900 ألف (485 ألفاً في الأردن و128 ألفاً في لبنان و83 ألفاً في سورية، بالإضافة إلى 200 ألف في غزة).
وفي المقابل، فإن الشق الثاني من قصة الاغتصاب، ونعني اغتصاب الأرض، غير معروف بما فيه الكفاية، ونادراً ما يشار إليه في الدراسات المتداولة عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وميزة كتاب ك. برزوزوفسكي أنه يعقد فصلاً ختامياً لبيان الكيفية التي تحولت بها الأرض الفلسطينية إلى أرض يهودية.
فمنذ 1901 كان المؤتمر الصهيوني الخامس قد أنشأ صندوقاً خاصاً، أسماه «صندوق إسرائيل الأزلي» لشراء الأراضي من ملاكها العرب ولتحويلها إلى أراض مملوكة «للشعب اليهودي بأسره» ملكية «أزلية» وغير قابلة للنزع إلى الأبد. ومن البداية عمل هذا الصندوق تحت شعار «اشتراكي» هو: «الأرض لمن يزرعها لا لمن يملكها». وقد حصل الصندوق على الأراضي الفلسطينية، بالشراء دونماً دونماً حتى استطاع في 1947 أن يضع يده على نحو من مليون ونصف مليون دونم (1500 كلم2)، أي ما يعادل 6 في المئة من إجمالي مساحة فلسطين.
وحتى بعد قيام دولة إسرائيل وتوقيع اتفاقات الهدنة التي أقرت لها بحدود أوسع بنسبة الثلث من تلك التي أقرها لها قرار التقسيم، بقيت ملكية الأرض فيها موزعة على النحو التالي: 7 في المئة من الأراضي مملوكة ليهود، و37 في المئة مملوكة لفلسطينيين، و1 في المئة مملوك لأجانب، و55 في المئة أراضي دولة. وكما تقضي أصول القانون الدولي، وضعت الدولة الجديدة يدها على كامل الملكية العامة التي كانت عائدة إلى الدول القديمة. من دون أن تدفع فيها قرشاً واحداً، فصارت إسرائيل مالكة على هذا النحو لـ62 في المئة من الأراضي الفلسطينية.
لكن الفلسطينيين، من مقيمين ونازحين ظلوا مالكين لـ37 في المئة من الأراضي، أي ما يعادل 7500 مليون دونم من أصل 20900 مليون دونم. والحال أن جملة التشريعات العقارية التي أصدرتها الدولة العبرية الجديدة خلال العامين الأولين من وجودها استهدفت تجريد الفلسطينيين من ملكية هذه الملايين السبعة والنصف من الدونمات الباقية في أيديهم.
وكانت هذه الملكية تتوزع في 1948 على النحو التالي: 540 ألف دونم من الأراضي الغنية والمروية (وفي جملتها بيارات حيفا المشهورة)، و4960 ألف دونم من الأراضي القابلة للزراعة قمحاً وحبوباً، و1930 ألف دونم من الأراض القاحلة، هذا في الريف أما في المدن فكانت ملكية الفلسطينيين تتألف من 56 ألف دونم من الأراضي المبنية (36 ألف دونم في المدن الكبيرة مثل القدس وحيفا ويافا، و20 ألفاً في المدن الصغيرة والقرى).
ومن جراء النزوح الجماعي للفلسطينيين عام 1948 قدرت نسبة الأملاك التي أخلوها بأربعة أخماس الأراضي الريفية، وتسعة أعشار العقارات المدنية. وحتى قبل أن تضع الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى أوزارها وتوقع اتفاقات الهدنة، صدر قانون إسرائيلي في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1948 يبيح لوزير الزراعة أن يضع اليد على الحقول العربية المهجورة لتوزيعها على من يختاره من المزارعين اليهود. وفي 12 كانون الأول (ديسمبر) 1948 صدر قرار ثان يبيح وضع اليد على الأملاك العربية المهجورة في المدن، سواء كانت منقولة أم غير منقولة. وعلى هذا النحو استقر 40 ألف مهاجر يهودي في بيوت الفلسطينيين في حيفا، و45 ألف مهاجر آخر في يافا. وفي نهاية 1949 كانت جميع منازل الفلسطينيين الشاغرة قد استقبلت نزلاء جدداً. وتمت مصادرة لا المزارع والبساتين فحسب، بل كذلك المخازن والمستودعات والبضائع ووسائل النقل، فضلاً عن الفبارك وورشات العمل، وسائر الفنادق والمطاعم والمقاهي ودور السينما. وبكلمة واحدة، كانت عملية وضع اليد، كما يقول برزوزوفسكي «تامة شاملة».
ولكن حتى بعد الاستيلاء على الممتلكات بقيت مسألة الملكية معلقة، ولذا صدر في 14 آذار (مارس) 1950 «قانون ملكية الغائبين» ليحسم المسألة.
فقد اعتبر هذا القانون أن «الغائب» هو كل فلسطيني أو عربي (من بلدان الجامعة العربية السبعة) كان يقيم في فلسطين قبل الأول من أيلول (سبتمبر 1948 ثم هجر ملكه بعد ذلك التاريخ. ونص القانون على أن أملاك هؤلاء الغائبين ستدار من قبل هيئة خاصة للحجز سماها باسم «هيئة حراسة أملاك الغائبين». ولم يحدد القانون أجلاً للحجز ولا كيفية رفعه. وفي وقت لاحق أعطت حكومة بن غوريون الحق لـ«هيئة التنمية الإسرائيلية» في أن تطلب من إدارة الحجز أن تحول إليها ملكية كل عقار ترى فيه منفعة اقتصادية للبلاد.
وعلى هذا النحو تم تحويل الملايين من دونمات أراضي الفلسطينيين «الغائبين» وعقاراتهم إلى «ملكية للشعب اليهودي غير قابلة للنقل» مقابل أثمان متواضعة تدفعها هيئة التنمية الإسرائيلية لإدارة الحجز، وتسجلها هذه في «دفاتر ديون» لصالح «الغائبين» وقد قدرت مصادر جامعة الدول العربية عام 1950 قيمة هذه «الديون» بخمسة مليارات دولار. كما قدرها المحامي جاك خوري، سكرتير الوفد الفلسطيني إلى منظمة الأمم المتحدة، بـ4.8 مليار دولار. والحال أن هذا المبلغ ينبغي أن يضاعف أربع مرات على الأقل إذا ما أخذ في الحساب تراكم «الفوائد» على مدى الخمسين سنة الفائتة. وعليه يكون اليوم «للغائبين» من الفلسطينيين دين إجمالي على الدولة العبرية يتراوح بين 50 و80 مليار دولار. وإن المرء ليتساءل: ما الذي ينتظره هؤلاء «الغائبون» أو ورثتهم ليرفعونا أمام المحاكم الدولية المختصة دعاوى لرد مستحقات ديونهم إليهم؟
جورج طرابيشي
التقسيم
كان التصويت في اللجنة السياسية للأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين بين العرب واليهود بأكثرية 25 صوتاً مقابل 13 صوتاً واستنكاف أو تغيّب 19 دولة أما الدول التي صوتت ضد التقسيم فكانت الدول العربية الأعضاء الست (السعودية ومصر والعراق واليمن ولبنان وسورية) مع الدول الإسلامية (إيران وتركيا والباكستان وأفغانستان) وسيام والهند وكوبا.
هكذا كانت حصيلة توصية اللجنة السياسية للهيئة العمومية مشروع التقسيم.
وفي يوم الأربعاء في 26 تشرين الثاني اجتمعت الأمم المتحدة بصفتها هيئة عمومية (General assembly) بعد أن كانت تجتمع بصفتها لجنة سياسية خاصة (AD HOC, Committee) إنما الفارق بين الصفتين كان أن التصويت بالهيئة العموموية يجري على أساس ثلثي الأصوات التي تدلي بينما كان على أساس الأكثرية في اللجنة السياسية ومع أن التقسيم حصل على أكثرية أصوات اللجنة السياسية (25 صوتاً مقابل 13 صوتاً) في اليوم السابق (الثلاثاء في 25 تشرين الثاني) فإن هذا العدد من الأصوات لم يكن بنسبة الثلثين وكان ثمة إجماع في الهيئة العمومية على ضرورة الانتهاء من التصويت قبل منتصف الليل يوم الأربعاء في 26 تشرين الثاني. وفي هذا اليوم اعتلى المنصة مندوب اليونان وشجب التقسيم بشدة وأعلن أنه سيصوت ضده فارتفع عدد المناهضين إلى 14 كذلك فعل مندوب الفلبين فارتفع إلى 15 وتبعه مندوب هاييتي فارتفع إلى 16 وجاء مندوب ليبيريا لمندوب الباكستان ووعده بالتصويت ضد التقسيم فارتفعت أصوات المناهضين إلى 17، وشاءت الظروف أن يحدث انقلاب في ذلك اليوم في سيام ويتلقى أثره مندوبها برقية تسحب أوراق اعتماده فيهبط عدد المناهضين إلى 16 ويثبت عنده لغاية الساعات الأولى من بعد الظهر مما يتطلب 32 صوتاً عكسها ويعلن ممثلو كل من بلجيكا ونوزيلندا وهولندا أنهم سيصوتون مع التقسيم فيرتفع عدد مؤيدي التقسيم إلى 28 ويثبت عنده وهو لا يزال أقل من الثلثين ويشعر المندوبون العرب وحلفاؤهم للمرة الأولى بأنهم أفشلوا التقسيم ويدوّن غراندوس (Granados) ممثل غواتمالا الصهيونية في مذكراته «شعرت ظهر هذا اليوم (الأربعاء 26 نوفمبر) بانقباض شديد نتيجة ما حدث».
وتسري إشاعة حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر بأن النية تتجه لإلغاء جلسة المساء وتأجيل اجتماع الهيئة العمومية إلى يوم الجمعة في 28 تشرين الثاني ويذهب ظفر الله خان مندوب الباكستان بصحبة فاضل الجمالي مندوب العراق إلى رئيس اللجنة البرازيلي الصهيوني أوزولدو أرانها (Oswald Aranha) للاستفسار فيؤكد الخبر فيسأل ظفر الله عن السبب فيقول أرانها إن قائمة المتكلمين لجلسة المساء طويلة. فيقول ظفر الله إنه يسحب اسمه من القائمة كذلك يفعل الجمالي ويتذرع أرانها بأن يوم الخميس في 27 هو يوم عيد الشكر (Thanksgiving) الأميركي فيقول ظفر الله بأن الهيئة العمومية اجتمعت في يوم الشكر في السنة الماضية ويصر أرانها على موقفه وتلغى جلسة المساء ويؤجل اجتماع الهيئة العمومية إلى يوم الجمعة 28 تشرين الثاني.
وتلقي الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي والماكينة الصهيونية والحزب الديموقراطي والرئيس ترومان بكامل ثقلهم خلال ما تبقى من يوم 26 وطوال 27 تشرين الثاني على الدول المستضعفة وخصوصاً ليبيريا واليونان والفلبين وهاييتي ويرسل وايزمان إلى ترومان رسالة «استغاثة» في 27 نوفمبر وما أن ينبلج صباح 28 حتى تكون ليبيريا وهاييتي والفلبين قد تحولت بسحر الساحر وقدرة القادر من دول مناهضة للتقسيم إلى مؤيدة له وتصمد اليونان ويهبط عدد المناهضين إلى 13.
وفي اليوم ذاته، الجمعة 28 تشرين الثاني يقترح مندوب كولومبيا إعادة القضية إلى اللجنة السياسية عسى أن تصل إلى صيغة توفيقية فيرفض الاقتراح وتقترح فرنسا التي لم تكن قد قررت موقفها بعد تأجيل التصويت إلى اليوم التالي فيقبل الاقتراح على رغم معارضة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وتجتمع الهيئة العمومية للتصويت على التقسيم يوم السبت 29 تشرين الثاني فتقترح إيران تأجيل التصويت إلى 15 كانون الثاني (يناير) لإفساح المجال للمساعي التوفيقية ويرفض الاقتراح ويقترح كميل شمعون باسم الدول العربية مشروعاً فيديرالياً بديلاً للتقسيم ويرفض الاقتراح.
ويطلب رئيس الجلسة التصويت فيحصل التقسيم على 33 صوتاً مقابل 13 صوتاً وتستنكف عشر دول الأرجنتين وتشيلي والصين وكولومبيا والسلفادور والحبشة وهندوراس والمكسيك وبريطانيا ويوغوسلافيا وتغادر وفود الدول العربية دفعة واحدة القاعة غضباً واحتجاجاً.
كيف تطورت الأمور
صدم الرأي العام العربي لتوصية أكثرية أعضاء لجنة التحقيق الدولية (UNSCOP) بتقسيم فلسطين وسارع رئيس الوزارة العراقية صالح جبر إلى الدعوة إلى انعقاد اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية التي كانت تضم رؤساء الحكومات وانعقدت اللجنة في صوفر، لبنان ما بين 16 ـ 19 أيلول (سبتمبر) 1947 بحضور كل من الرؤساء صالح جبر (العراق) رياض الصلح (لبنان) جميل مردم بك (سوريا) سمير الرفاعي (شرق الأردن) يوسف ياسين وزير خارجية المملكة العربية السعودية بالنيابة، وإبراهيم دسوقي أباظة وزير خارجية مصر بالنيابة، وعلي المؤيد عن مملكة اليمن، ومعين الماضي عن فلسطين.
واحتدم النقاش في اللجنة السياسية حول مقررات بلودان السرية حزيران (يونيو 1946) بشأن إعادة النظرة في الامتيازات البترولية للدول الأجنبية وهل تُبلغ إلى الدول المعنية (بريطانيا وأميركا) ومتى، كما تناول البحث ضرورة الإسراع إلى نجدة عرب فلسطين أمام خطر التقسيم الداهم وأسفر النقاش عن مقررات سرية جديدة فحواها أن مقترحات لجنة التحقيق «تنطوي على إهدار فاضح لحقوق عرب فلسطين الطبيعية في الاستقلال كما تنطوي على خرق لجميع العهود التي قطعت للعرب» وأن اللجنة ترى فيها «خطراً محققاً يهدد أمن فلسطين والأمن والسلام في البلاد العربية جميعاً وأن اللجنة وطدت العزم على «أن تقاوم بجميع الوسائل العملية الفعّالة تنفيذ هذه المقترحات».
واتفق أن ينظر مجلس الجامعة في دورته العادية في أول تشرين الأول (أكتوبر) في تبليغ مقررات بلودان بشأن الامتيازات البترولية إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة.
أما بالنسبة لمساعدة عرب فلسطين فأوصت اللجنة بتقديم «أقصى ما يمكن من معونة عاجلة لأهل فلسطين من مال وعتاد ورجال» على أن تقوم بتنظيم وتنسيق جهود الدول العربية في هذا السبيل لجنة فنية دائمة قوامها مندوب عن كل من البلاد الأعضاء في الجامعة وعلى أن تقدم اللجنة تقريرها الأول إلى الحكومات العربية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، وبالفعل تألفت اللجنة من أمير اللواء الركن إسماعيل صفوت (عن العراق) والعقيد محمود الهندي (عن سوريا) والمقدم الركن شوكت شقير (عن لبنان) وعن فلسطين صبحي الخضرا وكان تأليف اللجنة أول عمل جدي إلى ذلك الحين قامت به الجامعة العربية في مجال الاستعداد العسكري وانعقد مجلس الجامعة العربية في دورته العادية للنظر في توصيات اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية التي اتخذت في اجتماع صوفر 16 ـ 19 أيلول.
أعلنت بريطانيا عزمها على الانسحاب من فلسطين وأعلنت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عن تأييدهما لتوصية أكثرية لجنة التحقيق بتقسيم فلسطين وألفت اللجنة السياسية في نيويورك (AD HOK Committee) لجنة فرعية لدراسة هذه التوصية ورفع توصية بشأنها إلى الهيئة العمومية فماذا فعل المجتمعون في عالية إزاء كل هذا؟
حضر اجتماع عاليه في 7 ـ 15 تشرين الأول الرؤساء رياض الصلح (لبنان) وجميل مردم بك (سوريا) والنقراشي باشا (مصر) وسمير الرفاعي (شرق الأردن) وصالح جبر (العراق) ويوسف ياسين (السعودية) وعلي المؤيد (اليمن) ومعين الماضي (فلسطين) وعبد الرحمن عزام (الجامعة العربية) وكان أمامهم بندان رئيسان أولاً: مقررات بلودان السرية بشأن امتيازات البترول وثانياً: تقرير اللجنة الفنية (العسكرية) التي ألفها اجتماع صوفر وهو تقرير رفعه باسمها إسماعيل صفوت.
وبالنسبة للبند الأول اتفق على قرار سري آخر فحواه أن مقررات بلدوان «واجبة التنفيذ في حالة تطبيق أي حل في شأنه أن يمس بحق فلسطين في أن تكون دولة عربية مستقلة».
وتضمن تقرير اللجنة الفنية شقين أحدهما وصف شامل لتنظيم اليهود وطاقاتهم العسكرية والآخر توصيات بالتدابير اللازمة المضادة وكانت خلاصة التقرير «أن للصهيونيين منظمات وتشكيلات سياسية وعسكرية وإدارية على درجة قصوى من التنظيم والإحكام… وأن ليس لعرب فلسطين من القوة على اختلاف أنواعها (رجال، سلاح، عتاد، تنظيمات) ما يقبل القياس مع القوة الصهيونية بوجه من الوجوه… وأن ما لا يقل عن 350 ألف عربي بكتل وقرى متفرقة مهددين بالقتل الجماعي والفناء… وأن عزم بريطانيا على الانسحاب ينذر بوقوع أحداث خطيرة جداً».
وإزاء كل هذا أوصت اللجنة بالآتي: 1 ـ دعوة متطوعين وتسليحهم وتدريبهم سواء بواسطة الحكومات أو الهيئات الشعبية. 2 ـ حشد الدول العربية لأقصى ما يمكن من قواتها النظامية في مناطق قريبة من الحدود الفلسطينية. 3 ـ تأليف قيادة عربية عامة ترتبط بها جميع القيادات النظامية وغير النظامية. 4 ـ إمداد عرب فلسطين بما لا يقل عن عشرة آلاف بندقية وتوابعها. 5 ـ وضع مبلغ من المال لا يقل عن مليون جنيه تحت تصرف اللجنة العسكرية الدائمة. 6 ـ شراء أكبر كمية من السلاح من الخارج. 7 ـ حشد ما يمكن من الطائرات الحربية لمراقبة السواحل الفلسطينية.
وأثناء مناقشة الوضع العسكري أفهم النقراشي باشا زملاءه بصراحة بأن ظروف مصر لا تسمح لها بالتدخل عسكرياً في النزاع ولكنها لن تتأخر عن القيام بسائر واجباتها.
وأسفر اجتماع عاليه عن قرار واحد ملموس تلبية لتوصيات اللجنة الفنية فأقر رصد مبلغ مليون جنيه فوراً يدفع بنسبة حصص الدول من موازنة الجامعة ويوضع بتصرف الأمانة العامة للجامعة العربية.
الاقتتال
مرت حرب 1948 في فلسطين، بمرحلتين رئيسيتين، مرحلة الحرب الأهلية، التي بدأت بعد فترة وجيزة من صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/نوفمبر1947، الموعد الرسمي لانتهاء الانتداب البريطاني. والثانية، مرحلة الحرب النظامية، التي استمرت من 15 أيار/مايو (أيضاً تاريخ إعلان قيام دولة إسرائيل) حتى توقيع اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل والدول العربية خلال الفترة 1948 ـ 1949.
وفي الواقع، كانت أولى المرحلتين هي المرحلة الحرجة والحاسمة. ففي أثنائها شنّت القوات الموجودة في تصرف الوكالة اليهودية، والتي كانت أوفر عدداً وأفضل تسليحاً وتنظيماً وقيادة، قياساً بأي شيء متوفر للفلسطينيين، هجومها الرئيسي الذي جرى الإعداد له والتفكير فيه طويلاً في إطار الخطة دالِتْ. وقد أتاح توقيت الهجوم (الأسبوع الأول من نيسان/ أبريل 1948) للقوات اليهودية الاستفادة من المرحلة المتقدمة التي كان بلغها تفسخ الحكم البريطاني، مع أن بريطانيا كانت لا تزال هي القوة صاحبة السيادة في البلد حتى 15 أيار/ مايو. وكان هدف الخطة دالِتْ أن تقيم بقوة السلاح الدولة اليهودية في الأراضي اليهودية والفلسطينية التي خصصها لها قرار التقسيم، وأيضاً احتلال أقصى ما يمكن احتلاله من أراضٍ إضافية (وخصوصاً القدس).
ولم يمض على قرار التقسيم أسبوع حتى أعلنت بريطانيا في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1947 أنها ستسحب إدارتها المدنية وجيوشها من فلسطين وتنهي انتدابها عليها نهائياً في 15 أيار (مايو) 1948، وبذلك حددت ساعة الصفر و«روزنامة العمل» للأطراف كلها خلال الأشهر الخمسة المتبقية من عهدها في البلاد.
وفي 8 كانون الأول 1947 اجتمعت اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية في مبنى وزارة الخارجية في القاهرة لمجابهة هذا الوضع الخطير، وكان أمامها تقرير ثان «للجنة الفنية» التي كانت قد تألفت سابقاً رفعه باسمها رئيسها اللواء إسماعيل صفوت.
وأعاد صفوت ما كان قاله في تقريره الأول الذي قدم لمجلس الجامعة عند انعقاده في عاليه (7 ـ 15 تشرين الأول/أكتوبر) قبيل قرار التقسيم من أن ليس للعرب في فلسطين ما يقبل القياس بوجه من الوجوه بما لدى اليهود من القوة عدداً وتنظيماً، وتدريباً، وسلاحاً وعتاداً وقوات احتياطية وإمدادات من وراء البحار وأن التغلب عليهم بعصابات وقوات غير نظامية «أمر أشبه بالمستحيل ولا بد من مجابهتهم بقوات نظامية مدربة ومسلحة تسليحاً عصرياً».
وناقشت اللجنة السياسية تقرير صفوت بحضور محمود فهمي النقراشي (مصر) والأمير فيصل آل سعود (السعودية) وسمير الرفاعي (وزير خارجية شرق الأردن) وصالح جبر (العراق) ورياض الصلح (لبنان) وجميل مردم بك (سوريا) وعلي المؤيد (اليمن) وعزام باشا (الأمانة العامة) واتخذت قرارات سرية أهمها «العمل على إحباط مشروع التقسيم والحيلولة دون قيام دولة يهودية في فلسطين والاحتفاظ بفلسطين عربية مستقلة موحدة وتزويد اللجنة الفنية (التي تقرر تسميتها اللجنة العسكرية الدائمة) حالاً بـ10.000 بندقية توزع على الدول العربية كالآتي: شرق الأردن (1000) سوريا (2000) العراق (2000) السعودية (2000) مصر (2000) لبنان (1000) على أن تصحب كل بندقية بـ500 طلقة على الأقل، وعمل جميع التسهيلات اللازمة لإرسال 3000 متطوع على الأقل إلى معسكر التدريب في سوريا كاملي العدة قبل نصف شهر كانون الثاني (يناير) وموزعين على الدول العربية كالآتي: فلسطين (500) شرق الأردن (200) سوريا(500) العراق (500) السعودية (500) مصر (500) لبنان (300) ورصد مليون جنيه ثان يوضع تحت تصرف الأمانة العامة التي تشرف بدورها على اللجنة العسكرية الدائمة واختيار اللواء إسماعيل صفوت قائداً عاماً لجميع قوات عرب فلسطين ومتطوعي البلاد العربية.
التدابير الصهيونية
تبين من إحصاء أجرته الوكالة اليهودية في نهاية 1947 أن عدد الذكور اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و50 هو 185.000، وفي اليوم التالي لصدور قرار التقسيم دعت الهاغانا فئة الأعمار بين 17 ـ 25 للخدمة العسكرية، وتعينت أماكن حشد ألوية الهاغانا التسعة حسب الخريطة. ويقول تاريخ الهاغانا الرسمي أن الأسلحة التي كانت في حيازة الهاغانا يوم قرار التقسيم كانت كالآتي: 84 مدفع هاون (3 بوصات)، 670 مدفع هاون (2 بوصة)، 16 بندقية مضادة للدروع، 932 مدفع رشاش (machine gun)، 17502 بندقية، 3830 مسدساً، 3662 رشيشاً (machine gun sub)، 35.000 قنبلة يدوية. وأعلنت الوكالة اليهودية في 17 كانون الأول 1947 أنها ستقوم بحملة لجمع 250 مليون دولار تبرعات من الجالية اليهودية الأميركية، وفي 6 تشرين الأول أي قبيل قرار التقسيم أصدر بن غوريون أمراً إلى الصناعة الحربية التابعة للهاغانا (التي كان قد جلب آلاتها من الولايات المتحدة) بإنتاج 20.000 بندقية و10.000 رشيش و10.000 مدسس و4.5 مليون طلقة بأسرع وقت ممكن. وكان بن غوريون كما يذكر في مذكراته أوفد إلى تشيكوسلوفاكيا بعثة لشراء الأسلحة عقدت في 15 كانون الثاني 1948 صفقة مع شركة سكودا الشهيرة لشراء 24500 بندقية، و5021 مدفع رشاش (macine gun) و46 مليون طلقة وصل معظمها قبل 15 أيار 1948، وكانت قيادة الهاغانا أعدت منذ سنوات كما أسلفنا خططاً عامة للسيطرة العسكرية على البلاد، أهمها خطتان: خطة «ج» Gimmel وخطة «د» Dalet، وفور صدور قرار التقسيم أخذت قيادة الهاغانا بتنفيذ الخطة الأولى ووضع اللمسات الأخيرة على الخطة الثانية، وكانت خطة «ج» مبنية على افتراض وجود القوات البريطانية في البلاد وعدم وجود قوات عربية من خارج فلسطين، بينما كان سيناريو الخطة «د» غياب بريطانيا ووجود قوات عربية نظامية، واستهدفت الخطة «ج» ضرب القيادات الفلسطينية العسكرية والمدنية والتجمعات الشعبية والنوادي والمقاهي والقرى والأحياء والمزارع المقاومة ووسائل النقل والمنشآت الحيوية (خزانات المياه، والمطاحن) بغية وضع حد «للشغب» ومنع الجماهير الفلسطينية من الالتفاف حول «المحرضين»، وظل العمل في نطاق الخطة «ج» من يوم قرار التقسيم لغاية مطلع نيسان (أبريل) 1948 عندما بدأ العمل على أساس الخطة «د».
وهكذا أخذ نطاق الاقتتال يتسع واتخذ خلال الأشهر الأربعة التالية لقرار التقسيم أنماطاً معينة، فمن ناحية ثابت الهاغانا في تنفيذ الخطة «ج» وأردفت «الأرغون» «وليحي» (منظمة الشتيرن) هذه العمليات بعمليات من قبلها وكانت المبادرة في أيدي هذه القوات طوال شهر كانون الأول. ففي 13 منه مثلاً قامت الأرغون بخمس غارات على الأحياء العربية في القدس ويافا وحيفا قتلت خلالها 35 عربياً. وفي 19 منه هاجمت الهاغانا قرية الخصاص (قضاء صفد) وقتلت 10 من سكانها. وفي 29 منه فجرت الأرغون لغماً في حي عربي بالقدس قتل من جرائه 17 عربياً. وفي 30 كانون الأول ألقت الأرغون قنابل يدوية على العمال العرب في معامل التكرير في حيفا فقتلت منهم 6 وجرحت 42 فانقض العمال العرب على العمال اليهود وقتلوا منهم 41 عاملاً «فانتقمت» الهاغانا لذلك في اليوم التالي بقتل 17 عربياً وجرح 33 من أهالي قرية بلد الشيخ المجاورة.
واتبعت القوات الصهيونية النمط نفسه من العمليات خلال كانون الثاني 1948 وفجرت «ليحي» في 4 كانون الثاني سيارة «مفخخة» في مبنى سرايا يافا واستشهد في الحادث 26 من زهرة شباب العرب وأعقبت الهاغانا ذلك في 5 كانون الثاني بنسف فندق عربي بالقدس (سميراميس) قضى على 20 عربياً بما في ذلك معظم أفراد عائلة أبي صوّان المسيحية المقدسية وتلى ذلك تفجير لغم في باب الخليل بالقدس أودى بحياة 25 عربياً.
وفي هذه الأثناء كانت مفارز من المتطوعين بقيادة فوزي القاوقجي تدخل فلسطين من سوريا أطلق عليها اسم «جيش الإنقاذ» ودخلت أول مفرزة عدادها 330 في 8 كانون الثاني تبعتها مفرزتان عدادهما 360 و400 في 21 و28 كانون الثاني، وباشرت هذه المفارز الاشتباك مع المستعمرات اليهودية لكنها اصطدمت بالقوات البريطانية، واستمرت الهاغانا في ضرب القرى العربية فضربت شفا عمرو وتمرا وسعسع في الجليل في 19 كانون الثاني و14 شباط (فبراير) وقرية سُكرير في قضاء غزة في 26 كانون الثاني.
وباشرت قوى التدمير التابعة «للجهاد المقدس» بقيادة عبد القادر الحسيني الرد بالقدس في أول شباط فنسفت مبنى جريدة «البلستين بوست» اليهودية، فقتل فيه 20 يهودياً وأعقبت ذلك بنسف شارع بن يهودا التجاري في 22 شباط وقتل فيه 57 يهودياً وجرح 100.
القوات اليهودية)[49](
كان لليهود في فلسطين قوات لا تقل عن (50) ألف مقاتل ـ وهي مجموع قوات الهاغانا** وشتيرن والأرغون ـ وكان نصف هذه القوات قبل أشهر كامل التسليح والتجهيز ومهيّأ للقتال أمّا النصف الآخر فكان مهيّأ للتسليح والتجهيز والالتحاق بالوحدات خلال مدة قصيرة ثم إن هذا النصف أكمل تسليحه وتجهيزه.
ومن ضمن قوة الهاغانا (فرقة البلماخ) المدرعة التي تقدر قوتها بخمسة أو ستة آلاف مقاتل وهي فرقة آلية وعلى درجة عالية من التدريب ويعتبرها اليهود بمثابة فرقة المغاوير الممتازة (كوماندوس).
وتدل المعلومات الأخيرة أن الهيود شكلوا في الأيام الأخيرة أي بعد بدء المناوشات قوات محلية من سكان المستعمرات يُطلق عليها القوات الدفاعية المحلية موزعة على المستعمرات بقصد الدفاع عنها ضد هجمات العرب ويقدر مجموع هذه القوات بما يقارب العشرين ألف مقاتل ثلثهم تقريباً من الفتيات.
القوات العربية
كانت القوات العربية تتألف من العناصر التالية:
أولاً: وحدات نظامية (الأصح أنها شبه نظامية) مؤلفة من المتطوعين الذين تم تدريبهم في معسكر قطنا)[50]( وهم ينتسبون إلى مختلف الأقطار العربية.
ثانياً: وحدات أو مفارز نظامية (أو شبه نظامية) مؤلفة من متطوعين ينتسبون إلى مناطق خاصة كالدروز والجراكسة ومعظمهم ممن سبق لهم خدمة عسكرية في أحد الجيوش.
ثالثاً: جماعات مسلحة من المجاهدين الفلسطينيين يستخدمون بصورة دائمة لقاء رواتب معينة.
ويبلغ مجموع الوحدات والمفارز المنوه عنها في الفقرتين أولاً وثانياً 5200 متطوع تقريباً دخل منهم فلسطين ما يقارب الـ(4000) متطوع (بما فيهم فوج جبل الدروز ومفرزة مجدل شمس)[51]( على وشك الدخول) أما الباقون فهم قيد التدريب والتشكيل وفي النية تأليف قوة احتياطية منهم وتحشيدها في منطقة طوباس)[52](.
أما مجموع المجاهدين الذين تم تسجيلهم حتى الآن فبلغ ما يقارب الـ(2500) مجاهد فيكون مجموع جميع القوات العربية المقاتلة لا يزيد على (7700) مقاتل وفي النية إبلاغ عدد المجاهدين الفلسطينيين إلى (5000 أو 6000) مجاهد فيما إذا تيسر السلاح والعتاد المطلوب لذلك.
ويتضح من هذه الأرقام أن النسبة بين القوات العربية والقوات اليهودية من حيث العدد تكاد تكون مفقودة وأن الفرق كبير جداً.
ويمكن القول نفس القول عن حال السلاح بين الفريقين.
تساقط المدن والقرى
أصدرت هيئة الأمم قرارها بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني سنة 1947م وأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين في أيار سنة 1948م وكان عدد الدول العربية المستقلة في ذلك الحين خمس دول هي: مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن، فقررت هذه الدول اقتحام فلسطين للحؤول دون تقسيمها.
وكان لدى اليهود في ذلك الحين نحو 67 ألف مقاتل يعتمدون في تسليحهم على ما يستوردونه من أوروبا بطرقهم الخاصة وما يحصلونه من القوات البريطانية كما لهم ما يصنعون محلياً من الأسلحة الخفيفة (راجع ما تقدم في هذا الموضوع).
وفي يوم 14 أيار سنة 1948 أعلن دافيد بن غوريون قيام (دولة إسرائيل) وشكل حكومة موقتة لها، فأسرعت أميركا للاعتراف بها وتلاها الاتحاد السوفياتي، ثم توالت الاعترافات.
ودخلت الجيوش العربية على الشكل التالي: خمسة آلاف جندي مصري، و2500 جندي عراقي، و4550 جندياً أردنياً و1876 جندياً سورياً، و1000 جندي لبناني.
وهكذا كان عدد مقاتلي الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في منتصف ليلة 15 أيار سنة 1948م حوالى 14.926. وهناك رأي آخر في هذا العدد سنراه فيما بعد.
وعلى هذا فإن تسمية هذه القوة بالجيوش العربية كانت تسمية غير صحيحة، فهي في المقياس العسكري لا تعدو أن تسمى جيشاً متواضعاً غير مهيأ لدخول حرب، لا تدريباً ولا سلاحاً، فضلاً عن ضعف بل انعدام التنسيق والتعاون بين قطعاته، وعدم وجود خطة عمليات موحدة، إذ كان كل جيش يعمل بأوامر دولته.
وقبل دخول القوات العربية كان اليهود ابتداء من أوائل نيسان 1948م هم المهاجمين وكانوا بمذابحهم قد أفزعوا العرب فغادرت أعداد كبيرة منهم بيوتها وأراضيها، وبذلك سيطر اليهود على معظم المدن الفلسطينية الكبرى مما مكنهم من توزيع قواتهم على مختلف الجاهات للتصدي للهجوم العربي المنتظر.
معركة القسطل
واستشهاد عبد القادر الحسيني
كان هجوم البلماخ على قرية القسطل الاستراتيجية في 3 نيسان/ ابريل 1948 نذيراً ببدء عملية نَحْشون في 6 نيسان/ابريل، وهي العملية الأولى في خطة دالِتْ، خطة الهاغانا العسكرية الموضوعة لحماية الدولة التي خصصتها خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة لليهود، وأيضاً لاحتلال أقصى ما يمكن احتلاله من المناطق التي خصصتها خطة التقسيم للعرب. وكان الهدف المحدد لعملية نَخشون احتلال القرى الفلسطينية الواقعة على طرفي طريق يافا ـ القدس و«تطهيرها» من سكانها الفلسطينيين، وبذلك ضمان إمكان وصول القوات اليهودية من الساحل إلى القدس، وفي الوقت نفسه شق الجزء الأوسط من الدولة المخصصة للفلسطينيين بموجب خطة التقسيم. رسمياً، كان قبول الوكالة اليهودية التقسيم يعني قبولها أيضاً استثناء القدس (التي كان من المقرر أن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة) من الدولة اليهودية. وفي الواقع كان هذا الموقف، كما أظهرت عملية نَحْشون ومعركة القسطل، موقفاً لفظياً فحسب.
عندما بدأ تنفيذ عملية نَحْشون، كانت وحدات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي قد انتشرت في المنطقتين الشمالية والوسطى من فلسطين، وكانت المسؤولية عن العمليات نظرياً في يد قيادة جيش الإنقاذ، والتنسيق فيما بينهما من مسؤوليات اللجنة العسكرية في دمشق، التابعة للجامعة العربية. لكن، عملياً، كانت اللجنة العسكرية قد وضعت منطقة القدس تحت قيادة عبد القادر الحسيني، قائد القوات الفلسطينية غير النظامية «الجهاد المقدس». وكانت قوة تابعة لجيش الإنقاذ، مكونة من 120 مقاتلاً، متمركزة في القدس، موضوعة أيضاً تحت قيادة عبد القادر.
في نيسان/أبريل 1948 بدأت آثار تفوق اليهود في السلاح والعتاد وعدد المسلحين تظهر للعيان. وعزز ذلك دعم الإنكليز لهم بشتى الوسائل، وبدأ زمام المبادرة ينتقل إلى أيديهم. ففي منطقة القدس كانت البداية أن وضع اليهود خطة نَحْشون التي هدفت إلى السيطرة على طريق تل أبيب ـ القدس، خصوصاً في منطقة باب الواد ليتمكنوا من فك الحصار عن يهود القدس وتموينهم بعد أن كادوا يموتون جوعاً. وكانت هذه الخطة تقوم على أساس احتلال القرى العربية التي تقع على المرتفعات التي تتحكم في الطريق عند مدخل وادي علي من ناحية الغرب، وهي التي يرابط فيها المناضلون الذين دأبوا على إغلاق الطريق ومهاجمة القوافل اليهودية، وهي قرى بيت محسير وساريس ودير محيسن وخلدة من جهة الغرب، والقسطل ودير ياسين من جهة الشرق.
تقع القسطل على بعد عشرة كيلومترات إلى الغرب من القدس على قمة مرتفع استراتيجي يسيطر على طريق القدس ـ يافا وعلى المنطقة المحيطة به. وترتفع 750 متراً عن سطح البحر بينما يكون ارتفاع الطريق العام قرب القسطل 500 متر فقط. وتلتف الطريق حول القسطل على شكل نصف دائرة.
وفي سنة 1948 كانت القسطل قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها على 300 نسمة، ولم تكن فيها حامية عسكرية عربية سوى عدد قليل من أبنائها المسلحين ببعض البنادق الخاصة.
وفي يوم السبت 3 نيسان/أبريل 1948 هاجمتها قوة كبيرة من رجال البلماخ مزودة بالمصفحات ومدافع المورتر واحتلتها بعد معركة قصيرة مع سكانها. وقامت بإجلاء جميع سكانها، وبدأت بجلب اللوازم لتحصينها، من أسلاك شائكة وحديد وإسمنت وألغام وعتاد حربي وكميات كبيرة من المتفجرات. ولم يتدخل الجيش البريطاني بأي شكل من الأشكال ليمنع اليهود من احتلالها أو إجلاء سكانها، مع أن تعليمات القائد العام للجيش البريطاني للعرب واليهود كانت تمنع وجود مسلحين أو مظاهر عسكرية على طريق القدس ـ يافا، الأمر الذي طُبق على العرب مراراً.
التحرك لاسترداد القسطل
آثار احتلال القسطل اهتماماً كبيراً في القدس وقراها، وفي دمشق وغيرها. ومن دمشق كان القائد عبد القادر الحسيني يتصل برجاله في القدس بشكل متواصل حاثاً إياهم على استرجاع القسطل قائلاً: «القسطل هي القدس». وفي الوقت نفسه يستحث اللجنة العسكرية في دمشق لتزويده بالأسلحة التي يحتاجها والتي أصبح سقوط القسطل في يد اليهود يستلزم ذلك من أجل استردادها.
تحركت قوات من المناضلين العرب نحو القسطل، جاء بعضها من قيادة جيش الجهاد المقدس في بير زيت وقرى منطقة رام الله، وتمركز بعضها في قرية قالونيا ليقطع اتصال القسطل بالقدس، وجاءت أعداد أخرى من الجنود عن طريق قرية عين كارم من مناضلي الجهاد المقدس في القطمون)[53]( وبيت صفافا وعين كارم. كما جاءت قوات من مدينة القدس القديمة ومن أبو ديس.
وفي 4 نيسان/ أبريل بدأ المناضلون ا لعرب يهاجمون مواقع اليهود من الجنوب، واستمر القتال في الخامس من نيسان/أبريل حيث أحرز المناضلون بعض التقدم. وفي 6 نيسان/أبريل قام العرب بهجوم فاحتلوا محاجر الياشار اليهودية ونسفوا أبراجها العسكرية ومنشآتها. غير أن اليهود جلبوا نجدات كبيرة وقاموا بهجوم معاكس، وتحركت قواتهم من المستعمرات المجاورة والمحيطة بالقدس لمنع وصول نجدات إلى العرب، واستخدموا طائرة هاجمت مواقع المناضلين قرب القسطل. ومن ناحية ثانية تمكن اليهود في 6 نيسان/ابريل من احتلال قريتي دير محيسن وخلدة القريبتين من باب الواد)[54]( وتمكنوا من شق طريق وإيصال قافلة من المؤن والإمدادات إلى القدس مؤلفة من 40 شاحنة كبيرة. وتحرج الموقف وكادت ذخائر المناضلين العرب تنفذ.
عبد القادر في دمشق
في هذه الأثناء كان القائد عبد القادر الحسيني في دمشق يتميز غيظاً ويتحرق شوقاً للعودة إلى القدس. ولكنه لم يحصل حتى ذلك الوقت من اللجنة العسكرية على أي سلاح فعاد إلى القدس.
وضع عبد القادر خطة لاحتلال القسطل وللهجوم على ثلاثة محاور، فبعد القصف بالمورتر، تتقدم الميمنة من الجنوب الشرقي والميسرة تتقدم من الجنوب الغربي. أما عبد القادر فاتخذ من محاجر الياشار مقر قيادة على بُعد نحو كيلومتر ونصف من قمة القسطل.
وعند منتصف الليل ـ وكان شديد الظلام ـ بدأ المناضلون قصف القسطل، ثم تقدم المشاة وعددهم نحو 200 تحت غطاء نيران الرشاشات لاحتلال موقع محصن. وكان القصف الممهد للهجوم غير كثيف وغير فاعل. إلا أن اليهود وقد أفزعهم الهجوم وشعروا بجديته وخطره، وكانوا مدربين على القتال الليلي، عمدوا إلى تنفيذ خطة دفاعية معروفة لديهم يسمونها (الجوزة التي لا تكسر). وبمقتضاها أخلوا جميع مراكزهم الأمامية وتجمعوا في قمة القسطل، وتحصنوا في بنايتين حصينتين مسيطرتين على منحدرات الجبل. هذا التكتيك مكّن المهاجمين العرب من الدخول إلى القرية والاقتراب الشديد من القمة باستثناء الميمنة التي بقيت بعيدة عنها. ثم قامت الميسرة بهجمة جريئة إلا أنها رُدّت بعد أن خسرت عدداً من الشهداء والجرحى، وأصبحت مشاركتها في المعركة محدوة. أما القلب فاقترب جداً لكنه لم يستطع أن يقتحم المواقع. وبذلك تجمد الهجوم وضعفت نيران العرب حرصاً على ما بقي لديهم من ذخيرة. وتحول الهجوم إلى تراشق متقطع بالنيران في ليل دامس. وصار هناك خطر أن يتحول الموقف عند الفجر إلى كارثة حين تنكشف مواقع العرب لمواقع العدو المرتفعة والمسيطرة على المنحدرات، بالإضافة إلى أن اتصال اليهود المتحصنين في القمة بالمستعمرات الغربية كان لا يزال مؤمناً من خلال حرج كثيف. وهناك روايات كثيرة تؤكد أن عبد القادر غادر مقر قيادته ودخل القسطل وفي نيته أن يصل إلى مجموعة الميمنة ليدع بها إلى الأمام. وقيل إن من معه حذره من دخول القرية في هذه الظروف فنهره ودخل القرية وحيداً.
وعند اقتراب الفجر وصلت لليهود إمدادات عن طريق الحرج، وأصبح الموقف حرجاً.
وأصبح عبد القادر في حكم المفقود أو المحاصر داخل القرية. فأصيب المقاتلون بالإحباط فَهُم لا يستطيعون إعادة الكرّة في النهار والهجوم على القرية من جديد، وذخائرهم قليلة. وأخيراً قرروا أن يرسلوا في طلب نجدات من كل مكان لإنقاذ عبد القادر المحاصر داخل القسطل. فتوجهت الرسل على جناح السرعة إلى القدس ورام الله والخليل والرملة وجميع القرى القريبة، تستنهض همم المقاتلين. فسارعت النجدات في التوجه إلى القسطل. فجاءت من القدس مجموعة من جيش الإنقاذ ومجموعة من قوات حي باب الساهرة ومجموعة من حي وادي الجوز، ومجموعة من قرى الوادية، وفريق من حرس الحرم الشريف وجاءت من الخليل مجموعة، وجاءت من منطقة الرملة مجموعة، وأصبح مجموع المناضلين يزيد على خمسمئة رجل.
وفي صباح الخميس 8 نيسان / أبريل 1948 بدأ التقدم إلى القسطل بانتظام ونجحت الخطة وترك اليهود مواقعهم ودخل العرب القسطل ووجدوا عبد القادر الحسيني فيها شهيداً وعاد اليهود فاستردوا القسطل.
دير ياسين
في 9 نيسان (أبريل) وكان يوم جمعة، وقبل أن ينبلج فجره، انقضّت فجأة، وبمعرفة قيادة الهاغانا، التابعة للوكالة اليهودية، قوات منظمتي الشتيرن (بالعبرية ليحي) والأرغون (ايتل) الإرهابيتين على قرية دير ياسين في ضواحي القدس الغربية، على بعد أقل من خمسة كيلومترات من مقر حكومة الانتداب البريطانية السياسي والعسكري في عاصمة فلسطين، وما إن غربت شمس ذلك اليوم، بعد قتال عنيف دام أكثر من 12 ساعة، اشتركت فيه إلى جانب المهاجمين وحدات من قوات البلماخ الضاربة التابعة للهاغانا، حتى تم للمعتدين ما عقدوا النية عليه واحتلت القرية واستشهد من سكانها (البالغ عددهم حوالى 750 نسمة) 150 شخصاً معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال وهُجّر الناجون كافة ليدخلوا شتاتاً لا نهاية له. وغدا اسم دير ياسين عبر الآفاق والعقود رمزاً لدموية الصهيونية وبربريتها.
لم تكن دير ياسين أول قرية فلسطينية عام 1948 تعتدي عليها القوات الصهيونية نسفاً وتقتيلاً فقد سبقتها بالتسلسل الزمني كل من الطيرة (قضاء حيفا) والخصاص (صفد) وقزازة (الرملة) وبلد الشيخ وأبو شوشة وشفا عمرو (حيفا) وتمرا (الناصرة) وعرب صقرير (غزة) وسعسع (صفد) وبيار عدس وأبو كبير (يافا) والحسينية (صفد)، ولم تكن دير ياسين أول قرية فلسطينية تحتلها القوات الصهيونية عام 1948 وتطرد سكانها منها بعد أن استشهد منهم من استشهد فقد سبقتها كل من خُلدة ودير مُحَيْسني (الرملة) ولفتا والقسطل (القدس)، كذلك لم تكن دير ياسين آخر قرية فلسطينية عام 1948 يصيبها ما أصابها من قتل ونسف وتهجير واحتلال فقد تبعها خلال العام ذاته 450 قرية دُرست معالمها ومنازلها درساً ووزعت أراضيها ومزارعها نهباً على سكان مستعمرات يهودية أنشئت على أنقاضها ولم تنفرد دير ياسين من بين قرى فلسطين بروعة صمودها ومقاومتها فقد شاركها في ذلك العديد من القرى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إجْزِم وجَبَع وعين غزال (حيفا) وسلَمَه والعباسية، وأبو كبير وتل الريش، ويازور (يافا) وخُلدة ودير محيسن (الرملة) والواقع أنه لو قاومت معظم سائر القرى كما قاومت دير ياسين وشقيقاتها لكان اختلف الوضع عما انتهى إليه في ريف فلسطين وفي 3 نيسان (أبريل) ابتدأت معركة القسطل التي تبعد حوالى كيلومترين إلى الشمال الشرقي من دير ياسين ويفصل بينهما واد سحيق واحتلتها قوات البالماخ وبهذه الخطوة بدأ العدو في تنفيذ عملية «نحشون» وهي أوفى العمليات في تنفيذ «خطة دال» الكبرى للهاغانا بعد قرار التقسيم لإقامة الدولة اليهودية بقوة السلاح وكان هدف نحشون «تطهير» طريق يافا القدس من القرى العربية كافة على جانبيها من السهل الساحلي غرباً إلى ضواحي القفس شرقاً ورافق الهجوم على القسطل هجوم ضخم على قرى السهل غربي باب الواد.
وتحتدم معركة القسطل طوال 4 و5 و6 و7 نيسان وفي صباح 7 نيسان يصل عبد القادر الحسيني إلى القدس عائداً من دمشق خالي الوفاض حانقاً غاضباً ويتوجه إلى القسطل لتوه عن طريق عين كارم ليصلها عصر ذلك اليوم ويستشهد فيها في 8 أبريل، وكان مناد قد وصل في 6 نيسان إلى دير ياسين ينادي ويستنجد بالقرى المحيطة لنجدة القسطل وتعتبر دير ياسين أن ليس في وسعها إلا الاستجابة ويتجه اثنا عشر مسلحاً منها إلى القسطل عبر عين كارم وتشترك نجدة دير ياسين في معركة استرداد القسطل في 7 ـ 8 أبريل وشاهد أعضاؤها قدوم عبد القادر ورفاقه وكيف رفض دعوة عين كارم للغداء أو حتى شرب القهوة فيها ويجرح منهم أربعة وهم يساعدون في حمل جثمانه لوضعه في المصفحة التي نقلته إلى القدس، ويعود رجال دير ياسين السالمون إلى قريتهم عصر 8 نيسان ويشاهدون تجمعاً كبيراً للمجاهدين في عين كارم يستعدون لمواكبة جثمان عبد القادر ويكون سكان دير ياسين قد تابعوا سير معركة القسطل من أسطح منازلهم عبر الوادي السحيق ويلفّ القرية شعور بالغمّ والقنوط لاستشهاد عبد القادر.
وتبكي بعض نساء دير ياسين، رجالهن الذين جرحوا في القسطل وأُرسلوا إلى مستشفى الرملة وغيره للمعالجة فيزورهن أحد «اختيارية» دير ياسين وهو عضو في لجنة الطوارئ ليقول لهن: «لا تبكين الآن لأن الصراخ والبكاء سيكون لاحقاً».
سقوط طبريا
كانت طبريا حسب تاريخ الهاغانا الرسمي «أولى المدن» التي قررت القيادة الصهيونية احتلالها وفق لخطة «د» وهي الخطة الكبرى (Master Plan) لتأسيس الدولة اليهودية.
وكان عدد سكان طبريا عام 1948 حوالى 12000، يشكل اليهود أكثر من نصفهم بقليل، وكانت منازلها ومبانيها الحديثة العربية واليهودية منتشرة على منحدر باتجاه شاطئ البحيرة بينما لامست البلدة القديمة الشاطئ ذاته، وكانت الطريق الوحيدة التي تصل الجليل الشرقي الأعلى (وبالتالي مستعمراته اليهودية) بسائر فلسطين تمر عبر منتصف المنحدر.
ولم يكن لدى سكان طبريا العرب عند قرار التقسيم أي نوع من أنواع السلاح، بيد أن اللجنة العسكرية في دمشق أرسلت إليهم 25 بندقية بتاريخ 4 كانون الأول (ديسمبر) 1947، أعقبتها بـ36 أخرى بعد عشرة أيام، ونشب أول اقتتال بين الطرفين في 11 آذار (مارس) واستمر لغاية 14 منه عندما اجتمع بعض أعيان البلدة العرب بأعضاء «لجنة الطوارئ» اليهودية واتفقوا على هدنة دامت حوالى ثلاثة أسابيع.
وتأزم الوضع ثانية في العشر الأول من نيسان (أبريل) وأنشأت خلاله لجنة قومية عربية للإشراف على الدفاع عن المدينة وارتفع عدد الحامية العربية إلى حوالى المئتين لكن سلاحها اقتصر على البنادق مع نقص فادح ومزمن في العتاد بينما كان لدى اليهود وفرة من الرشيشات الأوتوماتيكية ومدافع الهاون وعتادهما وهما السلاحان المثاليان في حرب الشارع.
وفي 12 نيسان بدأت قوات الهاغانا هجومها العام الذي كانت قد مهدت له بإخلاء الحي اليهودي في البلدة القديمة من المدنيين اليهود وإحلال قوات من لواء الغولاني Golani Brigade محلهم عن طريق التسلل، وافتتحت الهجوم العام باحتلال قرية ناصر الدين أقرب القرى العربية إل طبريا وهدم منازلها وحرقها وطرد سكانها وقتل العديد من الأطفال والنساء فيها مما أشاع الرعب بين السكان العرب في طبريا. وتلا ذلك قصف شديد ومتواصل بمدافع الهاون على المناطق العربية وهجوم مزدوج متزامن من قبل قوات الغولاني داخل البلدة القديمة وقوات البالماخ الضاربة التي استولت على الطريق العام المشرف على سائر المدينة باتجاه البحيرة. واستمر القصف وتقدم القوات اليهودية طوال يومين الأمر الذي أدى إلى انهيار تام في معنويات المدنيين العرب، وبعد أن وصل الوضع إلى هذا الدرك تحركت في 16 نيسان القوة البريطانية، التي كانت مرابطة بأعالي طبريا، وهددت القوات اليهودية بالقصف إذا لم تتوقف عن الهجوم، وفي الوقت نفسه اتصل القائد البريطاني بقائد الحامية العربي ونصحه بوقف القتال وبإجلاء السكان العرب، وأبدى استعداده لتوفير وسائل النقل بحمايته. وكان قد تبقى لدى المناضلين العرب ذخيرة تكفي لمواصلة القتال لساعة ونصف الساعة فقط، فلم ير القائد العربي بداً من قبول العرض البريطاني، خصوصاً أن القوات الصهيونية استأنفت هجومها ليل 16 نيسان على رغم وساطة القائد البريطاني، واستمرت به خلال يوم 17 نيسان، فما أن حل ليل 18 نيسان حتى كانت طبريا قد أقفرت من سكانها العرب وبات هؤلاء مشردين لاجئين.
انقضت أنباء سقوط طبريا على العواصم والشعوب العربية انقضاض الصاعقة، ذلك أنها كانت أول مدينة فلسطينية تسقط بيد اليهود.
سقوط حيفا
كانت أول مدينة هوجمت طبريا، التي سقطت في 18 نيسان/ أبريل. وكانت المدينة الثانية على قائمة الهاغانا حيفا. وكان عدم تدخل الجيش البريطاني (الذي كان من المفروض أن يحافظ على الأمن والنظام حتى موعد انتهاء الانتداب في 15 أيار/ مايو) في القتال في طبريا وإجلاء السكان العرب عنها حدثاً لقي ترحيباً كبيراً من قيادة الهاغانا وفتح عيونها على حقيقة الموقف البريطاني.
وكان جرى إعداد خطة لهجوم ضخم على الأحياء العربية في حيفا أُطلق عليه اسم «عملية مِسْبَرايم» (المقص). لكن وضع حيفا كان مختلفاً عن وضع طبريا، مع أن المدينتين كانتا من نصيب الدولة اليهودية في قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947. فقد كانت حيفا هي الميناء الرئيسي في فلسطين والمدينة المقرر أن تلتقي فيها القوات البريطانية لدى انسحابها من بقية أنحاء البلد من أجل تجميعها ونقلها بحراً إلى بريطانيا. وفي الواقع، كانت الحكومة البريطانية أعلنت مراراً أن الجلاء العسكري عن البلد لا يمكن إتمامه في 15 أيار/ مايو لأسباب لوجستية، وأن جزءاً من قواتها سيبقى في حيفا وجوارها حتى أول آب/ أغسطس. علاوة على ذلك، أخبرت بريطانيا الحكومات العربية، في سياق شرحها لخطط الانسحاب، أن حركة الانسحاب ستكون من «الجنوب إلى الشمال» عبر حيفا. وكانت مشكلة الهاغانا في حيفا، خلافاً لما كان عليه الحال في طبريا، هي أن عملية بحجم «مِسْبَرايم» من شأنها أن تؤدي إلى مجابهة مباشرة مع الجيش البريطاني، الذي كانت دورياته تحرس المنطقة الفاصلة بين الأحياء العربية والأحياء اليهودية في المدينة.
تبددت مخاوف الهاغاناه من هذه الناحية في 18 نيسان/أبريل، عندما استدعى الجنرال هيوت ستوكويل، القائد البريطاني في القطاع الشمالي، إلى مقر قيادته هاري بيلين، ضابط الارتباط في الوكالة اليهودية مع الجيش البريطاني في المدينة؛ وكان ذلك في اليوم نفسه الذي سقطت فيه طبريا وأجلى الجيش البريطاني السكان العرب عنها. ومن دون شك، كان ذلك الحدث البالغ الأهمية حاضراً بقوة في ذهن ستوكويل، كما في ذهن الهاغاناه. ولدهشة بيلين وقيادة الهاغانا (التي قدم بيلين تقريراً إليها عن اجتماعه إلى ستوكويل)، أعلم الجنرال [ستوكويل] بيلين أنه ينوي الشروع فوراً في سحب قواته من المناطق الفاصلة بين الأحياء العربية والأحياء اليهودية في حيفا وأن الانسحاب سيكون قد استكمل يوم الثلاثاء، في 20 نيسان/أبريل.
كان عدد سكان مدينة حيفا 140.000 نسمة، أكثر من نصفهم بقليل يهوداً وكانت الأجزاء العربية من المدينة ممتدة بمحاذاة شاطئ البحر من الشمال إلى الجنوب على مسافة نحو 3500 متر، وتشرف وتسيطر عليها الأحياء اليهودية الحديثة في المرتفعات العليا جبل الكرمل (هدار هَكَر حمل). وكان عرض الأحياء العربية 1000 متر في أقصى نواحيه، ومتوسط عرض المسافة بين الأحياء اليهودية والبحر بين 350 و400 متر. وفي نقطة قريبة جداً من السوق القديمة الواقعة بالقرب من الميناء (حيث كانت توجد قوة سرية للهاغاناه متخفية في هيئة عمال ميناء)، كانت الأجزاء العربية الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية من المدينة متصلة بعضها ببعض بخصر ضيق جداً لا يكاد يبلغ عرضه 200 متر. وكان الاتصال البري للسكان العرب ببقية أجزاء فلسطين يتم عبر جسر روشيما في الجنوب الشرقي.
لم يكن هناك قوات من جيش الإنقاذ في حيفا، وإنما مواطنون متطوعون فقط، وكان عدد أفراد الحامية الفلسطينية نحو 450 شخصاً، مسلحين ببنادق، بريطانية وفرنسية، معظمها من مخلفات الحرب العالمية الأولى، ويشكون نقصاً مزمناً في الذخيرة. ولم يكن لدى الحامية بأكملها سوى خمسة عشر رشيشاً، وهو سلاح أساسي في حرب المدن.
في المقابل، كانت حيفا مقر وقاعدة تجنيد لواء كرملي (اللواء الثاني) البالغ تعداده 3000 مقاتل، والذي كان واحداً من الألوية السبعة التي كان يتألف منها سلاح الميدان التابع للهاغاناه. وكان لواء كرملي يمتلك عربات مصفحة، ومدافع هاون من عيار 2 إنش و3 إنشات، ومدافع رشاشة، وستنّات ورشيشات، وبنادق، وقنابل يدوية ـ جميعها متوفرة بكميات كبيرة ـ ومخزوناً من قذائف الهاون والذخيرة غير محدود عملياً. واستخدام اللواء في حيفا أيضاً سلاحين أُطلق عليها اسم «دافيدكا» و«رصاصات باراك». وكان السلاح الأول راجمة قذائف من صنع محلي شبيهة بمدفع الهاون تطلق قذائف وزنها 60 رطلاً، وتحدث لدى انفجارها دماراً كبيراً ودوياً هائلاً. وكان السلاح الثاني براميل نفط وألغاماً بحرية كروية محشوة بالمواد المتفجرة كانت تدحرج من المناطق اليهودية المرتفعة على الأحياء العربية الواقعة إلى الأسفل منها. ولم يكن الـ«دافيدكا» و«رصاصات باراك» سلاحين دقيقين، لكنهما كانا يحدثان تأثيراً نفسياً مدمراً عند السكان المدنيين بسبب القتل العشوائي والدوي الهائل الناجمين عن انفجار عبواتهما.
شرع لواء كرملي في التحرك، مسلحاً بمعرفة مسبقة بالنّيات البريطانية وخطط الانسحاب وبضوء أخضر من ستوكويل.
يوم الأربعاء 21 نيسان/ أبريل، استدعى الجنرال ستوكويل بالتتالي إلى مقر قيادته ممثلين عن الهاغاناه وعن السكان العرب ليبلغهم رسمياً نيّته الانسحاب من المناطق الفاصلة بين الطرفين. واتخذ التبليغ شكل تصريح خطي موجه بالتساوي إلى الطرفين، قرأه ثم سلمه إلى ممثلي كل منهما في الاجتماعين المتتالين، وكان نص التصريح:
إلى المسؤولين عن الشؤون العربية واليهودية في حيفا:
خلال الأسابيع القليلة الفائتة حدثت صدامات كثيرة بين العرب واليهود. هذه الصدامات يجب أن تتوقف ويجب إعادة الأمن والنظام إلى حيفا.
لا توجد لديّ نية جعل الجيش البريطاني أو ا لشرطة يتدخلان، بأي شكل من الاشكال، في الصدامات العربية ـ اليهودية.
وأنوي حماية الشوارع والمناطق اللازمة لجلاء القوات البريطانية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة عبر ميناء حيفا.
تبع ذلك قائمة طويلة بالطرق، وشرايين المواصلات والأحياء في المدينة التي سيسحب قواته إليها، والتي أظهرت بوضوح ودقة، بعد استثنائها، المناطق التي ستنسحب قواته منها.
لكن بينما كان ممثلو الهاغاناه، الذين اجتمع ستوكويل إليهم في الساعة العاشرة صباحاً، يعرفون أن الانسحاب كان قد استكمل مع غروب شمس اليوم السابق، الثلاثاء 20 نيسان/ أبريل، كانت تلك هي اللحظة التي علم فيها الطرف العربي بما كان يجري. وقد أدرك النقيب أمين عز الدين، الذي كان يرافقه جورج معمّر، ضابط الارتباط العربي مع الجيش البريطاني، على الفور، مغزى التصريح عندما قرأه ستوكويل. وعندما خرج عز الدين من الاجتماع الذي عقد في الساعة الحادية عشرة صباحاً، توجه على الفور إلى دمشق لتنبيه اللجنة العسكرية إلى ما أصبح واضحاً، بعد أن سلم قيادة الحامية العربية إلى نائبه، يونس نفاع.
في الساعة العاشرة صباحاً، حتى بينما كان ستوكويل يقرأ تصريحه أمام ممثلي الهاغاناه، كان لواء كرملي قد أصدر أوامره ببدء عملية «بعور حَميَس»، وبالتحرك إلى المواقع التي أخلاها البريطانيون، وبمهاجمة المواقع العربية في منطقة جسر روشميا. وبذلك يطبق الفخ على الأحياء العربية، ويمنع الخروج منها أو وصول التعزيزات العربية إليها.
تضاعف التأثير التراكمي للأسلحة التي استخدمتها الهاغاناه بصورة متواصلة من الساعة 10:30 صباح الأربعاء 21/نيسان / أبريل، نهاراً وليلاً حتى وقت متأخر من مساء الخميس، 22 نيسان/ أبريل، بفعل القصف النفسي المتواصل للبث الإذاعي باللغة العربية من إذاعة الهاغاناه، «كول هَمَغِن» «صوت الدفاع»، ومكبرات الصوت المحمولة على الشاحنات، التي كانت تحث العرب على إجلاء النساء والأطفال فوراً. وفي الواقع، بحسب ما أوردته صحيفة «بالستاين بوست»، التي خلفتها «جروزالم بوست»، فإن البث الإذاعي بدأ منذ الاثنين، 19 نيسان/أبريل، أي اليوم التالي للاجتماع الذي تم بين بيلين وستوكويل.
كانت الأوامر التي صدرت إلى الوحدات المهاجمة، في 21 نيسان/ أبريل، تقضي بـ«قتل أي عربي تصادفونه.. وبإحراق كل شيء قابل للاحتراق… وباقتحام الأبواب بالمتفجرات». لقد أطلق لواء كرملي من عقاله بكامل قوته لمهاجمة سكان مدنيين يبلغ عددهم نحو 75.000 نسمة محصورين داخل منطقة لا تتجاوز مساحتها 1.5 كلم2. وعندما علمت قيادة الهاغاناه أن السلطات العربية كانت تدعو السكان العرب المدنيين إلى التجمع في ساحة السوق القديمة للاحتماء من القصف، أصدرت أوامرها، بحسب التاريخ الرسمي للواء كرملي، بقصف ساحة السوق بمدافع الهاون من عيار 3 إنشات. «عندما بدأ القصف وبدأت القذائف تتساقط داخل السوق، ساد ذعر شديد. واندفع الجمهور إلى الميناء مقتحماً البوابة بعد أن نحى جانباً الشرطة التي كانت تحرسها وصعد القوارب وبدأ الفرار من المدينة». ووصف تقرير عربي كُتب في ذلك الوقت المشهد كما يلي: «داس الرجال أصدقاءهم وداست النساء أطفالهن. وسرعان ما امتلأت القوارب في الميناء بحمولاتها البشرية، وكان الازدحام فيها مخيفاً، وانقلب كثير منها وغرق ركابه جميعاً».
لقد فاجأ تصرف ستوكويل في حيفا الحكومة البريطانية (كما فاجأ جميع العواصم العربية). واستشاط وزير الخارجية، إرنست بيفن، على السلطات العسكرية واتهمها بخذلانه.. واحتاج الأمر إلى تدخل رئيس الحكومة، كليمنت أتلي، لإعادة العلاقات إلى طبيعتها بين بيفن والفليد مارشال مونتغمري، رئيس هيئة الأركان الأمبراطورية ورئيس ستوكويل)[55](.
مناجاة حيفا
يقول حسن الأمين
كان سقوط حيفا أليماً في النفوس، وقد قلت مناجياً لها:
أحيفا الأبية طال النزوح
فكيف الشطوط وكيف السفوح
أهانت على الخطب ملتاعة
أذلت لفاتحها المستبيح
***
إذا هب في الليل منك الهواء
ذرفنا عليك دموع الأباء
ولذنا بأسيافنا ثائرين
وسرنا فلا ننثني للوراء
***
بلبيك منا الكمي العنيد
ويهتف باسمك صوت الشهيد
ونصرخ في الهول مستقتلين
سنحفظ أوطاننا أو نبيد
***
لئن عثرت ببنيك الجدود
وكانوا الأباة وكانوا الأسود
فصبراً توافيك أسيافنا
لوامع تفري هوادي اليهود
***
سنرجع بعد الغياب الطويل
فتشرق حيفا ويزهو الجليل
فصبراً تصبحك أعلامنا
خوافق فوق الربى والسهول
***
يهودا خسئت فلست لنا
نظيراً نخضب منه القنا
سسياط الأسار وذل السبا
على عارضيك وعار الخنا
***
لئن حكم الدهر أن تغتدي
خصيماً يمد يد المعتدي
فزلة هذا الزمان اللئيم
ستغسلها كفنا في غد
وقد نشرت هذه القصيدة أول ما نشرت في مجلة العرفان. ومن أوقح ما يمكن أن يقع انني قرأتها في إحدى المطبوعات الفلسطينية منسوبة إلى أحد الناس.
سقوط يافا
إن كانت حيفا هي المدينة الثانية المدرجة في قائمة الهاغاناه، فالمدينة الثالثة كانت يافا. وفي الواقع، كان الاسم الذي اختير منذ البداية للعملية المخطط لها ضد يافا هو «بِعورحَميتْس». لكن «الخميرة» التي كان ينبغي التخلص منها في عملية «بِعور حميتس» ضد يافا لم تكن في البدء سكان يافا نفسها، وإنما سكان القرى المحيطة بها: الساقية والخيرية ويازور وسلَمة، وأبو كبير، وتل الريش.
كان تلكؤ الهاغاناه النسبي فيما يتعلق باحتلال يافا راجعاً، إلى حد كبير، إلى انتشار الجيش البريطاني في جوار يافا ـ تل أبيب؛ وإلى ضآلة إمكان أن يكون هناك بالنسبة إلى يافا «ستوكويل» آخر، وخصوصاً أن يافا كانت جزءاً من الدولة الفلسطينية بموجب قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة. وبالتالي، تقرر أن يكون مصير يافا الموت خنقاً بدلاً من الموت بهجوم جبهي. وبحسب التاريخ الرسمي للهاغاناه، كانت يافا «ستضطر إلى الاستسلام بعد أن يغادر البريطانيون في 15 أيار/ مايو». وفي الواقع، كان الجيش البريطاني في قطاع يافا ـ تل أبيب مستنفراً بعد الغضب الذي أثاره تصرف ستوكويل في مجلس الوزراء البريطاني.
لكن خطط الهاغاناه ضد يافا لم تأخذ في الحسبان خطط المنظمة المنافسة لها، الأرغون، التي كان مقر قيادتها ومعظم قواتها في تل أبيب المجاورة، حيث كان يقيم قائدها مناحم بيغن.
كانت العلاقات بين الهاغاناه والأرغون محكومة، أساساً، بالتنافس في شأن النفوذ السياسي في الدولة التي كانت في قيد الإنشاء بين «اليسار» و«اليمين» اللذين كانا يمثلانه بالتتالي. وكان الميدان الأبرز والأربح سياسياً لهذا التنافس، في المرحلة الأولى من حرب 1948، العمل «العسكري» ضد الفلسطينيين، كما كان ضد البريطانيين في المرحلة السابقة مباشرة لها. وكانت إحدى الضحايا المبكرة لهذا التنافس دير ياسين التي ارتُكبت فيها المذبحة المروعة في 9 نيسان/ أبريل.
كان بيغن على علم بخطط الهاغاناه فيما يتعلق بيافا. وكان لديه خططه الخاصة لـ«التطهير». وقرر القيام بهجوم جبهي متوقعاً ألا يتجرأ البريطانيون على مجابهته، أسوة بما حدث في حيفا، ووقّت هجومه بحيث يتزامن مع عيد الفصح في 24 نيسان/ أبريل، لكنه لم يستطع البدء بتنفيذه إلا في 25 نيسان/ أبريل. وبما أنه كان قد استولى على كمية ضخمة من قنابل الهاون من قطار عسكري بريطاني، فإنه بدأ قصفاً متواصلاً وعشوائياً للأحياء السكنية والتجارية في المدينة استمر ثلاثة أيام ليلاً نهاراً على مدار الساعة. وفي الوقت نفسه، شن هجوماً أرضياً من الشرق إلى الغرب بـ600 مقاتل على حي المنشية، عنق يافا الدقيق، الذي كان يمتد شمالاً بمحاذاة البحر وتحيط به تل أبيب من الجهتين الشمالية والشرقية.
كانت المقاومة في المنشية عنيفة وشرسة. وفي ضوء العجز عن التقدم في الحيّ طوال نهار وليل 25 نيسان/ ابريل، تحول اندفاع الهجوم إلى الجنوب في اتجاه يافا نفسها، لكن هنا أيضاً صُدّ الهجوم الذي تواصل طوال نهار 26 نيسان/ ابريل. وبحلول مساء 26 نيسان/ ابريل، كان بيغن على استعداد لإيقاف العمليات الأرضية ضد يافا مع الاستمرار في القصف العنيف المتواصل لأحياء المدينة السكنية والتجارية. لكن مساعديه أقنعوه بمعاودة الهجوم على المنشية. واستمرت المقاومة هنا طوال نهار 27 نيسان/أبريل، لكن حدث بعض التقدم مع حلول الظلام. واستمر الهجوم خلال الليل، وتمكنت الأرغون في النهاية من تحقيق اختراق أوصلها إلى حافة البحر في الساعة 7:00 من صباح يوم 28 نيسان/ أبريل، وبذلك فصلت المنشية عن بقية المدينة.
وهنا، تدخل البريطانيون بعد أن وجهوا إنذاراً إلى سلطات الهاغاناه في تل أبيب. في 29 نيسان/ أبريل، قصفوا مقر قيادة الأرغون في ضاحية تل أبيب بالمدفعية، وأُطلقت نيران المدافع الرشاشة من الطائرات على وحدات الأرغون في المنشية، فأُرغمت على التراجع. ومما يدعو إلى السخرية أن اتفاقية عُقدت بين البريطانيين والهاغاناه سمحت لدوريات مشتركة من قواتهما بتسلم المنشية من الأرغون. وفي ذلك اليوم نفسه، 29 نيسان/ أبريل، بدأت الهاغاناه تنفيذ عملية «بِعور حَميتْس»، التي كانت تأخرت بسبب عمليات الإرغون الأرضية، مضيقة بذلك الخناق على يافا نفسها. وتساقطت القرى الواحدة تلو الأخرى بسرعة تحت وطأة هجوم ألوية الهاغاناه الثلاثة، كرياتي وألكسندروني وغِفْعاتي، ووضعت اتفاقية أُبرمت بين الهاغاناه والإرغون في 28 نيسان/ أبريل جعلت قوات الأرغون تحت قيادة الهاغاناه في هذه العملية.
لكن لم تجر الأمور كلها بيُسْر بالنسبة إلى عملية «بِعور حَميتْس». إذ أن الحامية في يافا، المؤلفة من 350 مقاتلاً من جيش الإنقاذ، قامت بمحاولة أخيرة للصمود وشنّت في 29 نيسان/ أبريل هجوماً مضاداً لاسترداد تل الريش، الواقع إلى الشرق من يافا، على بعد 2 كلم منها. وبحسب التاريخ الرسمي للهاغاناه، خسر لواء غِفْعاتي في هذه المعركة 33 قتيلاً و100 جريح. إلا أن أوان الصمود كان قد فات. فالسكان المدنيون، الذين دب الذعر في قلوبهم بسبب القصف المتواصل لمدافع الهاون، كانوا بدأوا الفرار بالآلاف، محطمين بذلك معنويات المقاتلين في تل الريش وبقية الأماكن. وتدخل البريطانيون في عملية «بِعْور حَميتس» فقط من أجل إجبار الهاغاناه على إبقاء منفذ بري على طريق يافا ـ القدس مفتوحاً أمام المدنيين الهاربين الذين لم يتمكنوا من المغادرة عن طريق البحر.
في هذه الأثناء، واستجابة لنداءات الاستغاثة اليائسة التي أرسلتها اللجنة القومية العربية في يافا، أمر قائد قوات جيش الإنقاذ على الجبهة الوسطى، التي كانت يافا جزءاً منها، وحدة من جيش الإنقاذ بالتحرك إلى يافا. ووصل فوج أجنادين، المؤلف من مقاتلين فلسطينيين إلى المدينة في 29 نيسان/ أبريل، خارجاً مباشرة من وطيس معركة شمالي القدس، حيث تلقى وطأة هجوم الهاغاناه والبلماح على النبي صموئيل في 23 نيسان/ أبريل. وكان ذلك الهجوم جزءاً من عملية «يبوسي»، التي هدفت إلى احتلال المرتفعات الاستراتيجية التي تسيطر على طرق الوصول إلى القدس من أجل التمكن من احتلال الأجزاء من المدينة التي كانت ما زالت في أيدي العرب)[56](.
حرب سنة 1948 في فلسطين
أصدرت هيئة الأمم قرارها بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني سنة 1947م وأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين في أيار سنة 1948م وكان عدد الدول العربية المستقلة في ذلك الحين خمس دول هي: مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن، فقررت هذه الدول اقتحام فلسطين للحؤول دون تقسيمها.
وكان لدى اليهود في ذلك الحين نحو 67 ألف مقاتل يعتمدون في تسليحهم على ما يستوردونه من أوروبا بطرقهم الخاصة وما يحصلونه من القوات البريطانية كما لهم ما يصنعونه محلياً من الأسلحة الخفيفة.
وفي يوم 14 أيار سنة 1948 أعلن دافيد بن غوريون قيام (دولة إسرائيل) وشكل حكومة موقتة لها، فأسرعت أميركا للاعتراف بها وتلاها الاتحاد السوفياتي، ثم توالت الاعترافات.
ودخلت الجيوش العربية على الشكل التالي: خمسة آلاف جندي مصري، و2500 جندي عراقي، و4550 جندياً أردنياً و1876 جندياً سورياً، و1000 جندياً لبنانياً.
وهكذا كان عدد مقاتلي الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في منتصف ليلة 15 أيار سنة 1948م حوالي 14,926.
وعلى هذا فإن تسمية هذه القوة بالجيوش العربية كانت تسمية غير صحيحة، فهي في المقياس العسكري لا تعدو أن تسمى جيشاً متواضعاً غير مهيأ لدخول حرب، لا تدريباً ولا سلاحاً، فضلاً عن ضعف بل انعدام التنسيق، والتعاون بين قطعاته، وعدم وجود خطة عمليات موحدة، إذ كان كل جيش يعمل بأوامر دولته.
حيفا 21 نيسان/أبريل 1948
وقبل دخول القوات العربية كان اليهود ابتداء من أوائل نيسان 1948م هم المهاجمين وكانوا بمذابحهم قد أفزعوا العرب فغادرت أعداد كبيرة منهم بيوتها وأراضيها، وبذلك سيطر اليهود على معظم المدن الفلسطينية الكبرى ما مكنهم من توزيع قواتهم على مختلف الجبهات للتصدي للهجوم العربي المنتظر.
ومع ذلك فقد استطاعت القوات العربية أن تتقدم في الأيام الأولى، مما جعل أميركا تطلب من مجلس الأمن التدخل لوقف إطلاق النار.
فالمصريون دخلوا مستعمرة يدمر دخاي الحصينة بعد معركة عنيفة ورفعوا عليها العلم المصري يوم 24 أيار 1948م كما احتلوا المجدل وعراق سويدان وبذلك سيطرت القوات المصرية على الطريق المؤدية إلى المستعمرات اليهودية الجنوبية وفي 29 أيار احتلوا أسدود وفي 30 منه قصفت مدفعيتهم مستعمرتي نجبا وبيئروت إسحاق كما قصفت طائراتهم مستعمرتي رحبوت ودوروت وميناء تل أبيب.
وفي الوقت نفسه كانت القوة المصرية التي سارت في الطريق الداخلي تتقدم بسرعة حتى وصلت طلائعها يوم 17 أيار 1948م إلى بير السبع دون أن تلقى أية مقاومة، على أن القوة الرئيسية وصلت إل بير السبع يوم 20 أيار وفي نفس اليوم تم الاتصال بينها وبين القوة الأردنية في بيت لحم.
أما القوة المصرية المتقدمة على الطريق الساحلي فقد وصلت إلى جسر أسدود، كما الواقع على مسافة 3 كلم شمالي أسدود وبذلك صارت على مسافة 32 كلم من تل أبيب كما أن الطائرات المصرية كانت تقصف تل أبيب.
وبوصول المصريين إلى جسر أسدود صارت مدينة أسدود مهددة، ولكن كان اليهود قد حشدوا قوات كبيرة أسرعت فنسفت الجسر ووقفت سداً دون المصريين شمالي أسدود كما أن اليهود بدأوا باستعمال أربع طائرات وصلت حديثاً من أوروبا قصفوا بها القوة المصرية التي استطاعت إسقاط واحدة منها، وكذلك فإن اليهود أخذوا يقصفون المصريين بقنابل من عيار 65 ملم وصلتهم حديثاً.
وفي منتصف ليلة 3 حزيران 1948م شن اليهود هجوماً معاكساً على القوات المصرية، لكن الهجوم فشل وتكبد اليهود خسائر كبيرة.
ورأى المصريون احتلال خط المجدل ـ الفالوجا ـ بيت جبرين ـ الخليل، وخط أسدود ـ قسطينة لفصل المستعمرات الجنوبية في النقب عن شمالي فلسطين وإرغامها على الاستسلام، فنجحوا في ذلك كما طردوا اليهود من دير نخاس وترقوميا وتقدموا باتجاه الخليل.
وعوضاً عن التوجه شمالاً نحو تل أبيب توجه المصريون نحو المجدل ـ عراق سويدان ـ الفالوجة ـ بيت جبرين لتأمين الاتصال بقوة الفدائيين المصريين التي وصلت بقيادة أحمد عبد العزيز إلى بُعد 7 كلم جنوبي القدس ودخلت بيت لحم واتصلت في 24 أيار بالقوات الأردنية.
ونجح المصريون في إخراج العدو من جنوب فلسطين وكانت آخر معاركهم الهجوم على مستعمرة نيتسانيم واحتلالها ولكنهم فشلوا في احتلال مستعمرة نجبا القريبة من المجدل.
أما الأردنيون فقد وصلت طلائعهم في الساعات الأولى من صباح 15 أيار إلى شرق القدس وأخذوا يقصفون القدس المحتلة، كما مضت وحدة أردنية فقطعت الاتصال بين يهود القدس ومستعمرات جبل المشارف وفي 17 أيار كان الأردنيون قد أصبحوا على مسافة أقل من 30 كلم من تل أبيب، كما كانوا قد احتلوا بيت لحم، وعزلوا مناجم البوتاس اليهودية وفي 19 أيار احتلوا محطة ضخ المياه قرب بتاح تكفا، ثم صدوا هجوماً يهودياً معاكساً.
وأما العراقيون فقد وصلوا في 25 أيار 1948م إلى مسافة أقل من 10 كلم من ناتانيا، وكان اليهود قد استطاعوا احتلال مدينة جنين فاستطاع العراقيون طردهم منها واستعادتها وأما السوريون فقد كانوا في 10 أيار 1948 م قد احتلوا مشمار هايردن، بعد أن خاضوا معارك عنيفة.
وعندما تقدم اللبنانيون نحو ما يسمى إصبع الجليل الممتد شمالاً من نهر الأردن والحولة حتى دان، كان السوريون قد عبروا نهر الأردن نحو شرقي إصبع الجليل في حين اتجه اللبنانيون نحو غربه، وبذلك صارت القوات اليهودية بين جبهتين عربيتين.
وهاجم اللبنانيون المالكية وهزموا اليهود فيها واحتلوها، كما احتلوا قدس، ثم استطاع اليهود استردادهما، وفي يوم 6 حزيران عاود اللبنانيون بمشاركة السوريين والمتطوعين الهجوم على المالكية فاستعادوها، ثم استعادوا قدس في اليوم التالي.
وبذلك صارت الطريق مفتوحة إلى سهل الحولة والجنوب كله وهكذا نرى أنه بالرغم من كل النواقص في القوة العربية، فإنها استطاعت في أيامها الأولى أن تجعل الموقف كما يلي: المصريون في بيت لحم وضواحي القدس الجنوبية، هذا في الشمال، وأما في الغرب فقد وصلوا حتى حدود منطقة يافا الجنوبية، كما سيطروا على منطقة النقب الجنوبي وخليج العقبة.
والسوريون مع المتطوعين الذين عرفوا باسم جيش الإنقاذ يسيطرون على الجليل كله حتى جنوب بحيرة طبريا.
والعراقيون في قلب فلسطين ومحدقون بتل أبيب، وممتدة خطوطهم الأمامية في الشمال إلى ما وراء مدينة جنين، وفي الغرب إلى بيارات طولكرم وقلقيلية على بعد أقل من ثلاثة عشر كيلومتراً من شاطئ البحر المتوسط.
والأردنيون يسيطرون على غور الأردن الجنوبي ومنطقة القدس والقدس القديمة ومنطقة رام الله والرملة واللد ومطار اللد، على بعد عشرة كيلومترات فقط من تل أبيب.
على أن هذا الاندفاع توقف وتطورت الأمور على الشكل التالي:
كان مجلس الأمن قد وجه في 22 أيار 1948 نداء لوقف القتال خلال 36 ساعة فرفض العرب الاستجابة لهذا النداء. وكانت مساعي أميركا تعمل لاستمرار القتال وعدم وقف النار لاحتمال التفوق اليهودي وصد التقدم العربي. ولكن اليهود ـ وقد وصل الحال إلى ما وصفنا ـ أدركوا الخطر الذي أحدق بهم فمستعمرات النقب معزولة تماماً وكذلك القدس، والجليل كله يسيطر عليه العرب، فلجأوا إلى أميركا التي عادت تعمل بشدة لوقف القتال وتضغط على العرب وتعدهم وتمنيهم، فوافقت جامعة الدول العربية على قرار مجلس الأمن رقم 50 المؤرخ في 29 أيار 1948 م لمدة أربعة أسابيع، وأبلغت مجلس الأمن قرارها بالموافقة. وفي صباح 11 حزيران 1948 م توقف القتال.
وفي ذلك يقول الشاعر الدمشقي أحمد صندوق)[57]( محرضاً على عدم القبول بقرار مجلس الأمن:
أإن ذقت صهيوني حر الصفاح
رجعت ترومين وقف الكفاح
أصلحاً ومسرى الرسول الطهور
لشذاذ شعبك نهب مباح
أصلحاً وهذي دماء، الضحا
يا تسيل بهن السهول الفساح
وتلك العذارى وأشلاؤها
تناثرت بين الربى والبطاح
تحنطها لافحات الهجير
وتدفنها سافيات الرياح
ولما نباد لك بيع النفوس
بسوق الملاحم بيع السماح
ولما ترعك بيوم عبوس
على السابحات وجوه صباح
كأن كؤوس الردى سلسل
يداف لديها بمسك وراح
تقبلها ثغرات السيوف
فتحسبها همسات الصباح
وتغمرها فوهات السيوف
فتحسبها لحظات الملاح
كأن عناق كعوب الرماح
لديها عناق كعاب رداح
فلا صلح حتى تئيم النساء
ويلقى الجناة الحمام المتاح
ولا صلح أو تؤذني بالفناء
وتخلي البلاد وتلقي السلاح
وكان في قرار مجلس الأمن أن يمنع كل طرف من تحسين مواقعه الراهنة، ويتعهد بألا يحرك قوات أو معدات حربية وأن لا يعزز قواته المقاتلة بوحدات أخرى. كما لا يسمح للمهاجرين اليهود البالغين سن الخدمة العسكرية بالدخول إلى فلسطين إلا بموافقة خاصة من الوسيط الدولي. كما نص القرار على أن يجري تموين مدينة القدس بقوافل يشرف عليها الصليب الأحمر الدولي.
وقد التزم العرب بكل ذلك في حين أن اليهود وجدوا فترة الهدنة الفرصة الثمينة، فنظموا قواهم واستوعبوا الأعتدة الحربية التي أخذت ترد إليهم من أوروبا، إذ أنهم تسلموا كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات والطائرات، وأصبحوا جاهزين للانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
كل ذلك وقد حيل بين العرب وبين الحصول على السلاح، واستطاعت أميركا أن تضغط لتطبيق حظر توريد الأسلحة إليهم.
وهكذا فقد كانت الهدنة الأولى بداية الانحدار العربي، وتحول اليهود إلى الهجوم، وتحول العرب إلى التقهقر حتى كان ما كان.
وفي ذلك يقول العالم الشاعر النجفي الشيخ عبد المهدي مطر:
وجدي ليعرب لا سرج ولا قتب
تنقاد حيث يشاء الصارم الذرب
سبع من الدول العرباء تنقضها
دويلة مالها ريش ولا زغب
هذي فلسطين نصب العين إن صدقوا
وذا هو (الزيت) منهم كيف يغتصب
شكت لهم وطأة الطاغي فما انبعثوا
وولولت ضجراً منهم فما غضبوا
وأيقظتهم من العادين مطرقة
فما استفاقوا لها إلا وهم شُعب
وأججت لهم ناراً لتضرمهم
هم يوقدون لظاها وهي تحتطب
شنوا فقلنا على اسم الله غارتهم
تظنها الخيل إلا أنها قصب
تغزو العدو بأطمار مهلهلة
وعنده الحلق الماذي واليلب
يا واد عين إذا استسلمتم فلمن
هذي الجيوش وماذا هذه الأهب
أما هو العار إن كأس العلى سكبت
أن لا تدار عليكم هذه النخب
سيف العقيدة يحسو من دمائهم
بخيبر وقنا الإسلام تحتلب
وأصبحوا وكؤوس النصر مترعة
لديهم ودماكم فوقها حبب
لقد طربتم على الأوتار وانتفضوا
على المفاد أما يكفيكم الطرب
و(ذو الفقار) لكم قد خط سابقة
حمراء بين شباها الموت يضطرب
أنى يسود فتور في دمائكم
وفي العروبة رأس كله عصب
أعيذكم والمواضي في سواعدكم
أن يدركوا اليوم فيكم ثأر ما طلبوا
لا تخدعنكم الأقوال فارغة
من قادة هم إذا جد الوغى خشب
صفر العزائم، هزي جذع نخلتها
أو لا تهزي، فلا بسر، ولا رطب
يا ساحة العز بالباري معوذة
أن لا يخوضك قلب خافق وجب
وإذا كان هذا الشاعر قد قال إن الدول العربية هي سبع فإن التي اشتركت منها في الحرب هي خمس لأن عبد العزيز السعودي الذي كانت مئات ملايين دولارات النفط تنهال عليه، لم يشارك في الحرب بل وقف يتفرج على دماء العرب تراق وكرامة المسلمين تداس، دون أن يهيجه ذلك، وكل ما فعله أن أرسل ثلاثمائة بدوي وألحقهم بالجيش المصري.
وقبل ذلك عندما كان الصراع سياسياً في هيئة الأمم المتحدة يروي فارس الخوري مندوب سوريا، أنه عندما كان يحاول إقناع رؤساء الدول الأجنبية بتأييد حق العرب في فلسطين قال له مندوب كولومبيا: «لماذا تسألوننا الوقوف إلى جانبكم وقضيتكم في يدكم؟! إن ذلك الرجل وحده ـ وأشار إلى فيصل آل سعود ـ لو ذهب إلى البيت الأبيض وهدد بقطع البترول وكان جاداً في تهديده لانقلبت سياسة أميركا رأساً على عقب ولوقفت منكم محايدة إن لم تقف مؤيدة. إن القضية في أيديكم وحدكم وأنتم تدركون هذه الحقيقة فلماذا تتجاهلونها؟!».
ويستطرد فارس الخوري قائلاً: إنه اجتمع أكثر من مرة بالأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود رئيس وفد بلاده لدى الأمم المتحدة وقال له أرجوك أن تكتب إلى والدك برجائنا وإلحاحنا بقطع البترول عن أميركا، والأفضل لو يقطعه فعلاً، مع التهديد بعدم إعادة ضخّه ما لم تصن الحقوق العربية صيانة كاملة في فلسطين. وأنه أكد للأمير فيصل أن هذا العمل سوف يساعد إلى حد كبير في جعل الأميركان يفكرون ألف مرة ويترددون قبل أن يقدموا على عمل فيه إجحاف بحقوق عرب فلسطين، ورغم أن الأمير فيصل كان مقتنعاً بصواب هذه الفكرة فإنه لم يتمكن من إقناع والده بالأخذ بها.
ويقول فارس الخوري: إنه التقى بعد أيام بفيصل وسأله عن جواب والده على ذلك الاقتراح، فأرسل يديه على الهواء. (راجع الصفحة 305 ـ 306) من كتاب (فارس الخوري وأيام لا تنسى).
هكذا رفض عبد العزيز السعودي أن يهدد بقطع النفط عن أميركا في الوقت الذي كان فيه هذا التهديد عندما يكون جاداً عاملاً في إنقاذ فلسطين.
أما الدولة السابعة (اليمن) فقد كانت في عزلتها البعيدة.
رأي في حرب 1948م
ونترك الكلام هنا للباحث عبد الرحيم مصطفى:
هناك دراسة بعنوان «الصداقة المنسية ـ إسرائيل والكتلة السوفياتية فيما بين عام 1947 و1953» ـ من تأليف أرنولد كرامر أستاذ التاريخ بجامعة تكساس (طبع جامعة الينوي، 1974م) ـ تعرض فيها للأسباب التي دفعت الاتحاد السوفياتي في عام 1947م إلى مساندة آمال الصهيونية في إقامة دولة يهودية ثم إمدادها بالسلاح. وقد بنى كرامر دراسته على المعلومات التي استقاها من مجموعات الوثائق الرسمية والخاصة ومن المحادثات التي أجراها مع معظم من بقوا على قيد الحياة ومن هؤلاء البعثة الإسرائيلية إلى براج في عام 1948م وبعض الدبلوماسيين والقادة العسكريين السابقين ومن الصحف والمذكرات. والكتاب يوفر أول دراسة من نوعها، وبخاصة فيما يتعلق بنشاطات الهاغاناه في تشيكوسلوفاكيا وشراء الأسلحة ثم نقلها إلى فلسطين، ويبين أن روسيا لم تقتصر على تزويد الدولة اليهودية بالعتاد الحربي والطائرات المقاتلة، بل أنها وفرت لها في تشيكوسلوفاكيا مناطق للتدريب السري لقواتها، كما أمدتها بوحدة من «المتطوعين» التشيك.
فقبل عام 1948م كانت الحرب الباردة على أشدها بين الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي، في الوقت الذي اشتدت فيه التناقضات الأميركية ـ البريطانية. وقد دخل العرب الحرب بجيوشهم النظامية في آخر المطاف دون اتفاق على خطة موحدة للتعامل مع هذه الدول الثلاث بالصورة التي تخدم قضيتهم. فبريطانيا كانت تواجه المشاكل في مصر وأوروبا والهند، ومن ثم مقاومتها للضغوط الأميركية الرامية إلى السماح بدخول مائة ألف يهودي إلى فلسطين في الحال. ذلك أن استسلام لندن للضغوط الاميركية كان يقتضي استقدام مزيد من القوات البريطانية إلى فلسطين للمحافظة على الأمن والنظام، مما يكلف الحكومة البريطانية المفلسة مزيداً من النفقات. هذا إلى أن الحكومة البريطانية العمالية لم تكن تود إغضاب العرب الذين كانت تود استمالتهم بقصد تكتيل الأنظمة العربية في حلف للدفاع عن الشرق الأوسط. وقد ذهب رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي إلى أن من واجب الحكومة البريطانية أن تتحمل النفقات المترتبة على تنفيذ توصياتها إذا ما أصرت على ذلك. إلا أن الذي حدث هو أن واشنطن لم تبد أي استعداد للاضطلاع بأي مسؤولية عسكرية أو سياسية، خاصة وأن رؤساء الأركان المشتركة قد أوصوا بعدم استخدام القوات الأميركية أو اتخاذ أي إجراء قد تترتب عليه نتائج في فلسطين لا تستطيع القوات البريطانية أن تسيطر عليها، أو يكون من شأنه إغضاب العرب على المعسكر الغربي وتحولهم إلى المعسكر الاشتراكي.
وفي 14 شباط 1947م صرح وزير الخارجية البريطاني أرسنت بيفن بأنه سيعرض المسألة الفلسطينية على الأمم المتحدة.
الحق أن بريطانيا كانت في مأزق لا تحسد عليه. ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ـ كالعادة ـ عرضة للضغط الصهيوني بسبب موسم انتخابات الرئاسة وتنافس الحزبين الرئيسيين على كسب «الأصوات اليهودية» كان الروس معادين لأنظمة الحكم العربية المتحالفة مع الغرب والتي دمغت بالإقطاع والرجعية ويسعون إلى قيام دولة يهودية عصرية تلعب دورها في القضاء على النفوذ الغربي، وبخاصة إذا لم تحل أميركا محل بريطانيا بعد انسحابها. وهكذا وجدت بريطانيا نفسها أمام أمر واقع حين أقرت الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية ـ ومن المرجح أنها حاولت خدمة أهدافها باتباع أساليب جديدة، خاصة وقد تزعزع وضعها في الشرق الأوسط حين أصبحت امتيازات النفط والأنابيب موضعاً للمراجعة المستمرة في العواصم العربية وتعثرت المفاوضات مع مصر حول معاهدة 1936 وتعرض الإنكليز لموجة إرهاب شديد في فلسطين على ايدي العصابات الصهيونية في الوقت الذي أساءت فيه الدعاية الصهيونية إلى بريطانيا في شتى أنحاء العالم.
وإذا كان حرص بريطانيا على استرضاء العرب وغضبها من الصهيونيين من العوامل الرئيسية التي شكلت سياستها الفلسطينية في هذه الحقبة، فكذلك الحال بالنسبة إلى تقدير لندن لمستقبل فلسطين بعد انتهاء الانتداب. فلم يكن احتمال انتصار العرب عسكرياً بالأمر البعيد.
فقد كشف أحد سكرتيري بيفن المقربين النقاب في مذكراته عن أن وزير الخارجية البريطانية قد تنبأ بانتصار العرب في القتال الذي بدت بوادره)[58](.
وقد شارك القادةر العسكريون البريطانيون بيفن في تقديره لنتائج الصراع العسكري على فلسطين ـ ففي الصراع العسكري على فلسطين ـ ففي آذار 1948م صرح المرشال مونتجومري بأن اليهود أصبحوا عاجزين عن حماية خطوط مواصلاتهم، وأيدت هذا الحكم تقارير العسكريين البريطانيين في القدس وعمان والقاهرة. بل إن قائد القوات البريطانية في فلسطين ـ سير جوردون مكميلان ـ صرح بأن الجيوش العربية لن تجد صعوبة في الاستيلاء على فلسطين بأسرها.
وعلى حين أن الجماهير العربية عقدت العزم على إنقاذ فلسطين بكل الوسائل وضغطت في هذا السبيل، فإن الدول العربية أبدت حماسة لاستلاب أجزاء من القسم العربي الذي نص عليه قرار التقسيم تفوق حماستها لعرقلة قيام الدولة الصهيونية.
فقد قرر رؤساء الوزارة أن تبذل حكوماتهم كل ما في وسعها لمعارضة التقسيم وذلك بجمع 10.000 بندقية وغيرها من الأسلحة الخفيفة بقصد توزيعها على عرب فلسطين وتجنيد 3.000 متطوع وإنشاء لجنة عسكرية ملحقة بالجامعة العربية مهمتها تدريب المتطوعين وتنظيمهم. وكان من رأي الملك عبد الله أن مثل هذه القرارات لن تتمخض عن أية نتائج عملية، خاصة وأن هجمات المتطوعين العرب من شأنها أن توفر لليهود فرصة شن هجوم مضاد والاستيلاء على أراض لم تخصص للدولة اليهودية التي نص عليها قرار التقسيم.
أما السعودية فكانت تعارض تسلح الفلسطينيين وإرسال جيوش نظامية حتى لا يؤثر تطور القتال على ثروتها النفطية، ولأن بريطانيا كانت تمني المملكة بالزعامة، بل ويلوح لها فلبي ـ المستشار البريطاني للملك عبد العزيز ـ بأن يتوج أحد أمرائها ملكاً على فلسطين!
وهكذا جرى تنظيم «جيش التحرير العربي» الذي اختير الجنرال العراقي إسماعيل صفوت باشا قائداً عاماً له وأقام مركز قيادته بالقرب من دمشق، على حين تولى فوزي القاوقجي ـ قائد ثورة 1936 في فلسطين ـ قيادته الميدانية. وما وافى ربيع 1948م حتى كان الفدائيون العرب قد قسموا فلسطين إلى عدة جبهات: فتولى فوزي القاوقجي وأديب الشيشكلي مسؤولية القطاع الشمالي الذي كان يعمل فيه 7.000 مقاتل عربي وتولى عبد القادر الحسيني قيادة القطاع الأوسط الذي كان يعمل فيه 5.000 مقاتل معظمهم من رجال «اللجنة العربية العليا» غير النظاميين. وأما القطاع الجنوبي، الذي كان يضم كل منطقة النقب فقد شغله ألفان من متطوعي «الإخوان المسلمين» المصريين. وبدأ المتطوعون العرب في مهاجمة المستوطنات الصهيونية. وكانت النتيجة هي نجاح العرب في أوائل عام 1948م في قطع الطرق الواصلة بين تل أبيب والقدس وبين حيفا والجليل الغربي وبين بحيرة طبرية والجليل الشرقي وبين العفولة ووادي بيسان. وما لبثت المستعمرات اليهودية في النقب أن عزلت عن بقية فلسطين، في الوقت الذي حوصر فيه اليهود في القسم الغربي من القدس. إلا أن الصهاينة نشطوا في استيراد السلاح من أميركا وأوروبا وبخاصة تشيكوسلوفاكيا في الوقت الذي جنى فيه بعض مندوبي اللجنة العسكرية المنبثقة عن الجامعة العربية أموالاً طائلة عن طريق بيع الأسلحة ـ التي جمعوها في القاهرة ـ بأثمان عالية للفلسطينيين.
كما أدى إصرار الحاج أمين الحسيني على السيطرة على القوات العربية العاملة في فلسطين إلى اشتداد الصراع بينه وبين القاوقجي الذي لقي التأييد من جانب الحكام العرب.
وفي الوقت الذي أقام فيه اليهود ما يشبه الحكومة لم تفلح «الهيئة العربية العليا» في إقامة أي شيء، إذ أنها لم تتعد كونها أداة للدعاية والعنف ولم تعبأ بإنشاء كوادر إدارية مدربة أو اكتساب خبرة بالعمل الحكومي، خاصة وأن القيادات العربية الفلسطينية دأبت في فترة الانتداب على عدم التعاون مع الإدارة البريطانية واكتفت بالمواقف السلبية.
وهكذا بدأ خروج عرب فلسطين من بلادهم نتيجة للقتال الدائر على أراضيها وللعنف الصهيوني المدبر الهادف إلى إزعاجهم وإرغامهم على الهجرة سواء في ذلك ما جرى في مذبحة دير ياسين أو بعد سقوط يافا. ولم تستطع القيادة العربية الفلسطينية تنظيم الهجرة أو تخفيف حدتها ـ بل إنها ذاتها كانت أول من ولى الأدبار إلى البلدان العربية المجاورة، يستوي في ذلك آل الحسيني وآل النشاشيبي وغيرهم الذين كانوا يضمون النخبة الفكرية والسياسية التي غادرت المسرح في الوقت الذي كان فيه الشعب العربي الفلسطيني أشد ما يكون حاجة إليها.
وحين أعلن اليهود دولتهم في أواسط أيار (مايو) 1948م وتقرر دخول الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين لم تزد القوات العربية الممكن إرسالها إلى الميدان على 23.000 مقاتل منهم 10.000 مصري و 4.500 أردني و3.000 عراقي و3.000 سوري و2.000 من متطوعي جيش الجامعة العربية و1.000 لبناني وبضع مئات من السعوديين، بالإضافة إلى بضعة آلاف من الفلسطينيين المسلحين ولكن غير المدربين. ومن الواضح أن الحكومات العربية كانت أميل إلى إبقاء معظم قواتها داخل أراضيها حرصاً منها على حماية أوضاعها الداخلية.
أما اليهود فكانت القوات التي أنزلوها إلى الميدان ـ رغم كل ادعاءاتهم ـ لا تقل عن حوالى 35.000 من مقاتلي الهاغاناه تعززهم بضعة آلاف من المتطوعين المدنيين شبه العسكريين وربما 3.000 من رجال عصابتي شتيرن وأرغون ممن لم يتلقوا قدراً كافياً من التدريب على الحرب النظامية.
أحمد عبد الرحيم مصطفى
رأي آخر في حرب 1948م
ونأخذ هنا رأياً آخر في هذه الحرب للاستاذ محمود عزمي:
حين نسعى إلى درس حركة العمل والردع في الاستراتيجية العربية التي مورست في مجرى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فإننا نسعى إلى الوقوع وراء دراسة الاستراتيجيات العربية التي مارستها (نشدد هنا على كلمة ممارسة وليس تطبيق، بحكم أنه لم يكن هناك تخطيط استراتيجي عربي بالمعنى العلمي في معظم الحالات) دول المواجهة العربية المباشرة مع إسرائيل نظراً إلى أن استقراء تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، خصوصاً في جانبه العسكري، يؤكد أنه لم تتوافر للأمة العربية في صراعها هذا مع إسرائيل قيادة قومية موحدة، سياسية كانت أم عسكرية. وكل ما جرى من جهود في هذا المجال، سواء من خلال الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية أو اتفاقات الدفاع المشترك الثنائية أو الثلاثية، لم يسفر في النتيجة عن تطبيق عملي فاعل يخرج الاستراتيجيات العربية من نطاق القطرية إلى آفاق العمل القومي الموحد أو حتى إلى إطار تحالف سياسي ـ عسكري فاعل ضد عدو مشترك، مثلما فعلت دول أوروبا الغربية حين أقامت حلف شمال الأطلسي عام 1949م في مواجهة دول شرق أوروبا الشيوعية آنذاك.
وفي الوقاع جرى تنسيق سياسي وعسكري متفاوت الجدية في التطبيق وضمن حدود معينة بين بعض الدول العربية خلال بعض مراحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكنه لم يصل أبداً إلى مستوى التحالف الفاعل ضد إسرائيل.
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء تأكد نوايا المنظمات السياسية والعسكرية الصهيونية، المدعومة من قوى دولية عدة، الاستيلاء على فلسطين لإنشاء الوطن القومي لليهود الذي وعدت به بريطانيا ـ الدول المتندبة على فلسطين ـ بمقتضى وعد بلفور عام 1917م، عقد موك ورؤساء الدول العربية المستقلة التي تشكلت منها جامعة الدول العربية (22/3/1945م)، مؤتمر قمة في إنشاص (مصر) يومي 28 و29 أيار (مايو) 1946م. واعتبروا قضية فلسطين جزءاً لا يتجزأ من القضايا «القومية الأساسية» وأن «الصهيونية خطر داهم ليس على فلسطين وحدها بل على البلاد العربية والشعوب الإسلامية جميعاً. ولذلك أصبح الوقوف أمام هذا الخطر الجارف واجباً يترتب على الدول العربية والشعوب الإسلامية جميعاً». ولذلك قرروا: (1) وقف الهجرة الصهيونية (2) منع تسرب الأراضي العربية إلى يد الصهيونية (3) العمل على تحقيق استقلال فلسطين. وفي حال الأخذ بسياسة عدوانية في فلسطين لا تتفق والنقاط الثلاث المذكورة «تتخذ كل الوسائل الممكنة للدفاع عن كيان فلسطين الذي هو جزء لا يتجزأ من كيان الدول العربية الأخرى».
وتنفيذاً لهذه التوجهات التي اتخذها الملوك والرؤساء العرب اجتمع مجلس الجامعة العربية، في حضور رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية والدفاع، في دورة استثنائية في بلودان (سوريا) في الفترة ما بين 8 و12 حزيران (يونيو) 1946م، لوضع التوجهات المذكورة موضع التنفيذ. واتخذ المجلس قرارات سرية عدة تضمنت «حض الأقطار العربية على التطوع لنصرة عرب فلسطين بكل الوسائل: المال والسلاح والمجاهدين».
وعشية صدور قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في صوفر (لبنان) يوم 16/9/1947م أعلن فيه أن عرب فلسطين لن يسلموا بأي تدبير من شأنه أن يقضي على وحدة بلادهم واستقلالهم، بل سيعلنون حرباً لا هوادة فيها لدفع ذلك العدوان عن بلادهم وأن الحكومات العربية «ستضطر إلى مباشرة كل عمل حاسم من شأنه أن يدفع العدوان ويعيد الحق إلى نصابه». وتلا ذلك عقد دورة أخرى للمجلس في بيروت وعاليه/بلدة لبنانية (7 ـ 15 تشرين الأول ـ أكتوبر 1947م) قرر فيها: (1) المبادرة حالاً إلى تجنيد المتطوعين وتسليحهم (2) أن تحشد البلدان العربية جيوشها النظامية على مقربة من الحدود الفلسطينية (3) تأليف قيادة عامة من جميع الأقطار العربية وتعيين مرجع أعلى لها (4) إلى أن يتم ذلك يجب مد عرب فلسطين بما لا يقل عن عشرة آلاف بندقية وكميات كافية من الرشاشات والقنابل اليدوية وما إلى ذلك من أسلحة (5) مبادرة الدول العربية إلى شراء أكبر كمية ممكنة من الأسلحة والعتاد لتموين المجاهدين بها (6) اعتماد مليون دينار لتمويل القوات الفلسطينية (7) حشد أقصى ما يمكن من المقاتلات والقاذفات في المطارات القريبة من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط لمراقبة المواصلات البحرية والحيلولة دون وصول النجدات إلى اليهود من وراء البحار.
ويستفاد من هذه القرارات تبلور ملامح عامة لاستراتيجية عربية موحدة إزاء السعي الصهيوني المتصاعد والمدعوم دولياً، إلى إنشاء دولة إسرائيل وفقاً لقرار تقسيم فلسطين الذي كان يجري التحضير له في الأمم المتحدة بنشاط وكانت أهم معالم هذه الاستراتيجية تحديد الهدف الاستراتيجي العربي في هذه المرحلة وهو: العمل على تحقيق استقلال فلسطين والحفاظ على وحدتها وإحباط مشروع التقسيم وإنشاء الدولة اليهودية، وتحديد العمل العسكري اللازم لتنفيذ هذا الهدف في حال فشلت السياسة في تنفيذه، أي عن طريق الكفاح الشعبي الفلسطيني المسلح ودعمه بالمتطوعين من مختلف البلدان العربية وبالسلاح والأموال، واتخاذ إجراءات احتياطية أخرى تتمثل في حشد الجيوش العربية النظامية على مقربة من حدود فلسطين وحشد قوة جوية عربية للحيلولة دون وصول التعزيزات البشرية والأسلحة إلى يهود فلسطين عبر البحر المتوسط وبدء تشكيل قيادة عربية موحدة يرأسها قائد أعلى.
وهذا يعني، في لغة الاستراتيجية الحديثة، أن العرب قرروا تنفيذ هدف استراتيجيتهم العليا إزاء مشروع الدولة الصهيونية من خلال أسلوبي العمل والردع معاً. وتمثل العمل في دعم وتطوير عمل القوى الفلسطينية المسلحة ضد التنظيمات الصهيونية المسلحة. فيما تمثل الردع في حشد الجيوش النظامية العربية قرب حدود فلسطين والتهديد باستخدام القوة الجوية العربية لتطبيق ما يسمى في لغة الاستراتيجية بـ«الخندق الاستراتيجي» على الدولة الصهيونية المزمعة، بالإضافة إلى التهديد باستخدام القوة النظامية العربية في نهاية الأمر.
لكن قرارات العمل العسكري العربية هذه شهدت تنفيذاً ضعيفاً لبعضها (مثل تشكيل جيش الإنقاذ العربي برئاسة فوزي القاوقجي وجيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني) وصعب تنفيذ بعضها الآخر أو لم ينفذ مطلقاً (أبرز مثال على الحالة الأخيرة عدم حشد القوة الجوية المكلفة فرض الحصار الجوي على حركة الملاحة إلى فلسطين في البحر المتوسط) ويرجع ذلك إلى عدم تنفيذ معظم الدول العربية ما التزمت من هذه القرارات، خصوصاً بعدما اعترضت بريطانيا على تسليح الفلسطينيين وتدريبهم، باعتبار أن هذا العمل يعتبر غير ودي وموجهاً ضد سلطتها كدولة منتدبة لا تزال مسؤولة عن أمن فلسطين.
وفي الوقت نفسه، لم يؤت الردع المتوخي من إعلان التهديد باستخدام القوة العربية وحشد بعض القوات قرب حدود فلسطين في دول المواجهة، ثماره الرادعة لدى المنظمات الصهيونية في فلسطين أو القوى الدولية المؤيدة لقرار التقسيم وإنشاء دولة إسرائيل، نظراً إلى إدراكها ضعف قدرات الدول العربية العسكرية من جهة، وعدم وحدة إرادتها السياسية فعلياً، من جهة ثانية، وارتباط معظمها بالقوة الأمبريالية المسيطرة إقليمياً ودولياً (بريطانيا والولايات المتحدة) من جهة ثالثة.
وإثر صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 عقد رؤساء الحكومات العربية اجتماعاً في القاهرة خلال الفترة ما بين 12 و18 كانون الأول (ديسمبر) 1947، وأذاعوا بياناً أكدوا فيه بطلان قرار التقسيم. وقرروا «أن يتخذوا من التدابير الحاسمة ما هو كفيل بإحباط مشروع التقسيم الظالم ونصرة حق العرب» وأنهم «وطدوا العزم على خوض المعركة التي حُملوا عليها وعلى السير فيها حتى نهايتها الظافرة».
وانقضت أربعة أشهر بعد القرار الاستراتيجي الجديد الذي اتخذه رؤساء الحكومات العربية بخوض المعركة في شكل مباشر، سقط خلالها الكثير من المدن والقرى والمواقع الفلسطينية في يد قوات الهاغاناه وغيرها من المنظمات اليهودية المسلحة. وتراجعت قوات جيش الإنقاذ وتشكيلات القوات الشعبية الفلسطينية. ولم يتم أي استعداد جديد من جانب الدول العربية لإعداد جيوشها النظامية للمعركة على رغم التقارير التي قدمها رئيس اللجنة العسكرية في الجامعة العربية عن تطور الموقف العسكري في فلسطين ومتطلبات القوات النظامية العربية للتغلب على القوات اليهودية (6 فرق كاملة التنظيم والتسليح و6 أسراب من المقاتلات والقاذفات). وفي الوقت نفسه وضعت القوى الدولية العراقيل أمام تنفيذ صفقات أسلحة عقدتها الحكومتان السورية واللبنانية لتطوير جيشيهما. وعلى رغم ذلك استمرت الدول العربية في اتجاه العمل العسكري المباشر، فقررت في اجتماع مجلس الجامعة العربية في 12/4/1948م أن تدخل الجيوش العربية فلسطين في 15/5/1948م إثر انتهاء الانتداب البريطاني مباشرة.
وفي 11/5/1948م وبعد عدة اجتماعات لرؤساء الأركان العرب وضعوا فيها خطة التحركات الموحدة اللازمة لتنفيذ العمل العسكري اللازم لتحقيق الهدف الاستراتيجي العام المشار إليه مسبقاً، اجتمع ممثلو الدول العربية السبع في دمشق وقرروا إنشاء قيادة عامة موحدة لجميع القوات النظامية وغير النظامية العاملة في فلسطين أسندت رئاستها للملك عبدالله وعيّن اللواء نور الدين محمود (عراقي) نائباً له. وقد أدخلت هذه القيادة العامة الجديدة تعديلات جذرية على خطة الهجوم العربية الموضوعة بواسطة رؤساء الأركان سببت خللاً في الأهداف والتنفيذ.
وترتب على هذه التغييرات، التي جرت، تعديل محاور عمليات كل من الجيش السوري واللبناني والأردني ومن ثم الجيش العراقي. وكانت النتيجة العملية لذلك إن فقدت هذه الجيوش ميزة الحركة على الخطوط الخارجية التي تجبر العدو على توزيع قواته على عدة جبهات في الوقت نفسه نتيجة الوضع الجغرافي لفلسطين الذي يجعل الدول العربية محيطة بها من الشمال والشرق والجنوب، مما يتيح لجيوشها التحرك من خارج الحدود نحو وسط فلسطين، بحيث تتلاقى خطوط حركتها هناك في نهاية الأمر. ومكن ذلك القوات الإسرائليية من أن تعمل مستفيدة من ميزة الحركة على الخطوط الداخلية التي أتاحت لها تركيز قواتها وتوجيهها تباعاً ضد كل جيش على حدة.
واستهدفت الخطة بعد ذلك محاولة الاستيلاء على الأرض المحددة للعرب في قرار التقسيم وعدم تخطيها. وبذلك أصبح هدف العمليات العسكرية العربية الاستيلاء على أراض ومواقع معينة وليس تدمير القوة العسكرية الإسرائيلية الوليدة التي كانت لا تزال، على رغم تفوقها العددي وفي مجال التسلح الخفيف على الجيوش العربية، قيد التشكيل كجيش نظامي فاعل وتواجه جيوشاً نظامية تفوقها في قوة النيران الثقيلة.
لذلك واجهت القيادة الإسرائيلية الجيوش العربية بخطة دفاعية اتسمت بالمرونة والقدرة على المناورة والحركة، معتمدة في الأساس على شبكة من المستعمرات القوية التي تتحكم في محاور الحركة داخل البلاد وتوفر عمقاً استراتيجياً مصطنعاً للدولة العبرية، تساندها قوات ضاربة متحركة جيدة التدريب على الهجمات الليلية، لتستفيد من غطاء الظلام في تغطية عجز قوة النيران ووسائط الحركة القتالية (المدرعات) التي كانت تعاني منها تشكيلات المشاة الإسرائيلية في المراحل الأولى من الحرب الخاصة. وكانت هذه الخطة لكسب الوقت اللازم لوصول التعزيزات المادية والبشرية من الخارج، خصوصاً خلال فترة الهدنتين: الأولى من 11/6 إلى 9/7/1948م والثانية (من 9 إلى 18/7/1948م). وهكذا لم يحقق العمل العسكري هدفه الاستراتيجي المعلن في قرارات الجامعة العربية على رغم اعتماده المبادرة الهجومية الاستراتيجية على نطاق شامل، ضمن إمكانات القتال المتاحة آنذاك. ولم يتكرر بعد ذلك مطلقاً في مختلف المراحل التي أعقبت المرحلة الأولى من حرب 1948م من الصراع العسكري العربي ـ الإسرائيلي.
وقد استخدمت الجيوش العربية في مختلف مراحل الحرب وبدرجات متفاوتة الفاعلية، قواتها الجوية والبحرية في قصف المدن والمرافئ التي تسيطر عليها إسرائيل (مثل تل أبيب وحيفا وعسقلان وناتانيا). وهو الأمر الذي لم يتكرر إلا على نطاق محدود خلال حرب 1956م وأكثر محدودية في حرب 1967، ثم بعد ذلك في قصف العراق للعمق الإسرائيلي بالصواريخ خلال حرب الخليج. وعلى رغم ذلك، أدى فقدان وحدة القيادة عملياً والتطبيق الضمني لاستراتيجيات قطرية لدى الجانب العربي، إلى فقدان المبادرة التي انتقلت تدريجاً بعد الهدنة الثانية إلى الجانب الإسرائيلي، خصوصاً في ظل اختلال ميزان القوة نتيجة تزايد التسلح الثقيل وارتفاع مستوى التدريب والتنظيم والقيادة لدى الجانب الإسرائيلي على نحو متزايد. وقابل كل ذلك نقص في الأسلحة والذخائر ووسائط الحركة لدى الجانب العربي على رغم تزايد عدد قواته تدريجاً.
لقد دخلت الجيوش العربية الحرب من دون استعداد جدي مسبق، سواء على مستوى التسليح أو التدريب أو الحشد الكامل للقوى. وهو الأمر الذي نبهت إليه معظم القيادات العسكرية العربية قياداتها السياسية عندما فوجئت بسرعة صدور قرار التدخل العسكري النظامي. لكن القيادات السياسية العربية كانت تحكمها روح استخفاف بقدرات العدو الإسرائيلي إلى حد كبير ويدفعها شعور بالحرج إزاء الرأي العام العربي وإزاء مطامع بعضها في الاستيلاء على القسم العربي من فلسطين وفقاً لقرار التقسيم. وإضافة إلى ذلك تصورت القيادات السياسية العربية أن الحرب لن تكون عسكرية فعلياً وإنما عملية سياسية ضمن لعبة تنفيذها للقوى الدولية والإقليمية في المنطقة.
لقد تصورت القيادات السياسية العربية أن قواتها العسكرية تتمتع بقدرة رادعة إزاء القوات الإسرائيلية، من جهة، وإن القوى الدولية سترسي حلاً سياسياً يحقق المصالح السياسية العربية الأساسية، من جهة أخرى. وهكذا فشل كل من العمل والردع العربيين في حرب 1948م. في حين حقق العمل العسكري الإسرائيلي نجاحات حسمت الحرب لمصلحته وأجبرت الدول العربية على عقد هدنات دائمة في النصف الأول من عام 1949م.
وعلى رغم قصور العمل العسكري العربي وعدم توافر قدرة ردع عربية خلال حرب 1948، فإن العمل العربي المذكور استطاع أن يوقف احتلال إسرائيل لكافة أراضي فلسطين. ونشأ ما عرف بالضفة الغربية وقطاع غزة كمناطق عربية غير محتلة وهو الأمر الذي اعترف به إيغال آلون، قائد قوات البلماخ، إذ قال: «لولا تدخل الجيوش العربية لما كان هناك من يوقف توسع قوات الهاغاناه، التي كانت تستطيع خلال اندفاعها الوصول إلى الحدود الطبيعية لإسرائيل الغربية، لأن معظم قوات العدو المحلية أثناء هذه المرحلة كانت مشلولة».
محمود عزمي
حرب سنة 1956
كانت مصر قد عقدت سنة 1955م مع الاتحاد السوفياتي ودول اشتراكية أخرى صفقات لشراء الأسلحة زودت بها الجيش المصري، وفي 26 تموز سنة 1956م جرى تأميم قناة السويس فقام حلف ثلاثي يهودي إنكليزي فرنسي للهجوم على مصر. وكان لكل واحد من هؤلاء الفرقاء الثلاثة أسبابه التي تدفعه إلى المساهمة في هذا الهجوم، فاليهود أرادوا ضرب الجيش المصري ليحال بينه وبين استمرار تقدم قوته بالسلاح الجديد، وفرنسا أرادت الانتقام من مصر لإمدادها الثورة الجزائرية بما تستطيع إمدادها به، وبإضعاف مصر يتوقف هذا الإمداد، وانكلترا أرادت الانتقام لتأميم القناة وتعطيل هذا التأميم، ثم العودة إلى ما كانت عليه من النفوذ في مصر.
وعقد الثلاثة اتفاقاً سرياً في ضاحية سيفر القريبة من باريس حددوا فيه عمل كل واحد منهم.
فاليهود يحركون صداماً مسلحاً بينهم وبين مصر تنذر على أثره فرنسا وإنكلترا مشتركتين كلاً من مصر واليهود بوقف القتال والابتعاد عن قناة السويس على أن تذعن مصر لاحتلال القناة مؤقتاً لحماية الملاحة البحرية العالمية فيها.
وفي عصر يوم الاثنين 29 آب سنة 1956م أنزل اليهود كتيبة مظلات فوق ممر متلا على مسافة 65 كلم من القناة وفي بيان أذاعه اليهود زجوا اسم القناة لإيهام الرأي العام بأن الحرب على مشارف القناة وأن الملاحة الدولية معرضة للأخطار.
ثم تقدم لواء يهودي وانضم إلى الكتيبة المظلية فتلقته القوات المصرية، واستمر عبور اليهود للحدود واستمر القتال براً وجواً. وفي الساعة السادسة من مساء 30 تشرين الأول صدر الإنذار الإنلكيزي الفرنسي المشترك الذي صيغ بشكل لا يمكن لمصر أن تقبل به وحُدد 12 ساعة لقبوله. وكان الغرض الأول للتقدم اليهودي استدراج الجيش المصري إلى سيناء وحصره فيها في حين تنزل القوات الإنكليزية الفرنسية على البر المصري الخالي من الدفاع، ولكن تحركات الطيران التحالفي المشترك وتقدم أساطيله غير بعيد عن المياه الإقليمية المصرية ومواقف الإنكليز والفرنسيين في مجلس الأمن وتهديدهما باستعمال حق النقض (الفيتو) كل ذلك نبه المصريين إلى التواطؤ الثلاثي فأوقفوا تدفق قواتهم إلى سيناء. ولم يلبث الطيران الإنكليزي الفرنسي أن ساهم في القتال في الساعة السابعة من مساء 31 آب فحشدت القوات المصرية غربي قناة السويس لمقابلة الغزو الإنكليزي المتوقع، كما حشدت قوات أخرى مع القوى الشعبية المتطوعة داخل المثلث: بور سعيد ـ القاهرة ـ السويس، ثم جرت عملية انسحاب للقوى المصرية من سيناء.
وقامت المعارك بين قوى الحليفتين من جهة وبين القوة المصرية المدعومة من القوى الشعبية على المحور التعبوي (قناة السويس) وفي منطقة بور سعيد، وقد بدأ ذلك بالتمهيد الجوي ثم بتنفيذ الاقتحام الجوي فالبحري لإنشاء رأس جسر في بورس سعيد.
وفي جنوبي سيناء كان اليهود يتقدمون نحو شرم الشيخ بمحاذاة الشاطئ الغربي لخليج العقبة. وانحصر الغزو الإنكليزي ـ الفرنسي عند رأس الجسر في بور سعيد فقصفت الطائرات المعادية شاطئ الغزو اعتباراً من فجر يوم 4 تشرين الثاني وفي منتصف الثامنة من صباح 5 تشرين الثاني نزلت قوات المظلات الإنكليزية والفرنسية حول المحيط الخارجي لبور سعيد في مطار الجميل ومنطقة الرسوة وبور فؤاد ثم تتابعت موجات الاقتحام البرمائي من أساطيل الغزو، وأخذت المعدات والأسلحة الثقيلة تتدفق لدعم القوات استعداداً لانطلاقها من رأس الجسر الضيق الذي أقامته، ونزلت القوات اللاحقة على أرصفة الميناء مباشرة، إلا أنها لم تتمكن من التغلب على المقاومة العنيفة التي تعرضت لها في رأس الجسر.
وجرت محاولة يائسة للوصول إلى الإسماعيلية، فاندفعت القوات الإنكليزية جنوباً ولكنها اصطدمت بمقاومة عند الكاب أجبرتها على التوقف والتحول إلى الدفاع.
وهنا أعلن الاتحاد السوفياتي إنذاره الحاسم للغازين، وأصدر مجلس الأمن قراره بوقف إطلاق النار فقبله الجميع، ووقف إطلاق النار صباح 7 تشرين الثاني، ثم انتهى الأمر بانسحاب القوات الإنكليزية والفرنسية عبر شاطئ الغزو يوم 22 كانون الأول 1956م، وكذلك انسحب اليهود على أنه كان من شروط انسحاب اليهود فتح مضائق (تيران) التي كانت مسدودة أمامهم وبفتحها انطلقوا بتجارتهم وغير تجارتهم إلى الشواطئ الأفريقية.
وإذا كان العامل الأول في هذه الحرب: حرب 1956م هو تأميم قناة السويس، فإن الذي اشعل حرب 1967م هو معاودة مصر لإغلاق مضائق تيران. وبانتصار اليهود في حرب 1967 ووصولهم إلى قناة السويس توقفت الملاحة في القناة وتعطل كل شيء فيها، وظل التعطيل مستمراً حتى سنة 1973م.
وهكذا فإن التهويل والتباهي بتأميم القناة هما مجرد تهويل وتباه هوائيين. لا سيما وأنه لم يكن قد بقي لانتهاء مدة الامتياز سوى سنين معدودة.
وإن ما لحق العرب من نتائج هذا التأميم كان شراً، فمضائق تيران فتحت أمام اليهود، وأحرز اليهود ما أحرزوه بسبب ذلك. وتعطلت القناة بعد حرب 1967م واحتلت القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. على أن الأفظع من هذا أن ذلك كله قد حول الأمر من عمل لتحرير فلسطين إلى العمل على المطالبة بالاحتفاظ ببعض حقوق العرب في الضفة والقطاع. وبعد أن كانت القضية قضية فلسطين، تنوسيت هذه القضية وتم التسليم بيهوديتها وأصبح الكلام على شؤون الضفة والقطاع لا غير.
تفاصيل أخرى
ما مرّ هو تلخيص موجز للوقائع نترك بعده الكلام لأمين هويدي الذي كان يومذاك من كبار ضباط الجيش المصري ليحدثنا عن بعض التفاصيل قال أمين هويدي:
في أي عمليات مشتركة تستخدم فيها الدول قواتها المسلحة ضد أي دولة أو أكثر تنشأ قيادات مشتركة للقيام بالتخطيط والتجهيز وإدارة العمليات، ولكن لم يكن الأمر كذلك في العدوان الثلاثي على مصر، لأمور كثيرة لا داعي للخوض فيها، كانت الإجراءات التي اتبعت في تلك الأزمة إجراءات غلبت عليها النواحي التآمرية.
كان من الطبيعي أن تغلف السرية تحضيرات الحملة التعسة، فهذا مبدأ من مبادئ الحرب، ولكن لم تكن السرية هي العامل الأساسي، بقدر ما كان الجهد لإبعاد أي شبهة عن جماعية العمل المشترك بين أطراف العدوان.
كانت هناك قيادة مشتركة بين القوات البريطانية والفرنسية، ولكن لم تكن إسرائيل الطرف الثالث في العملية ـ ضمن هذه القيادة ـ بل كان البريطانيون مثلاً يخافون من مجرد الاجتماع بالإسرائيليين وقت الإعداد للمؤامرة التي شهدت «سيفر» ـ بالقرب من باريس ـ مسرح نشاطها، وحينما تم الاتفاق أصر «بن غوريون» رئيس وزراء إسرائيل على أن يوثق هذا الاتفاق في وثيقة كتابية أعدت من صور ثلاث، احتفظ بها كل طرف في ملفاته «سري للغاية» أو كما يقول «كريستيان بينو»: «ما زالت تفصيلات مؤتمر «سيفر» لا يعلمها إلا عدد ضئيل للغاية من الأحياء إلى يومنا هذا، فلم يتم تحرير أي محاضر لهذا الاجتماع، بل تم تدمير كل النسخ الأصلية للاتفاق المكتوب بعد العدوان الثلاثي بقليل، ولم تعد هناك سوى صور نادرة للغاية من نص الاتفاقية، عند بعض الذين أتيح لهم حضوره». ولقد استمعت بنفسي إلى «كيث كلاين» رئيس المعهد البريطاني الملكي، أو ما يطلق عليه «شاتهام هاوس» في ندوة أقامتها اللجنة المصرية لتضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية، أنه استمع إلى مدير مكتب «بن غوريون» في ندوة أقامها الإسرائيليون في بئر السبع، وهو يعترف باحتفاظه بإحدى صور الاتفاق، وسوف يقوم بنشرها في كتاب سيصدره عن حرب السويس.
دوافع مختلفة
وبالرغم من تسرب الأنباء عن المؤامرة بعد العدوان، إلا أن المشتركين فيها أصروا على الإنكار، إلى الحد الذي أصدر فيه «موشيه دايان» كتابه «يوميات معركة سيناء» خلواً من قصة المؤتمر الذي عقد في سيفر، وحضره مع بن غوريون وشمعون بيريز، وإن اعترف فيه بالتعاون مرات ومرات مع الدولتين الأخريين، بل نجد أن روبرتس هنريكس في كتابه «100 ساعة إلى السويس»، والعميد الأميركي «مارشال» في كتابه «انتصار سيناء» قد أغفلا ذكر أي شيء عن المؤامرة في كتب متتابعة، فقد أشار إليها الأَخَوان بروميرجر في كتابهما «أسرار الحملة على مصر».
وأشار إلى أدوار الدول في التآمر المعلق السياسي ج. ر. ثورنو في كتابه «أسرار الدولة» الذي أصدرته مكتبة بلون في باريس، كما أشار إليها الدكتور ميخائيل باروزهار في كتابه «جسر على البحر المتوسط» الذي أعده أصلاً كبحث لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وقد أكد الباحث بأن مسألة الجزأين(المقصودالجزائر) هي التي ألقت بفرنسا في أحضان إسرائيل، وأن بريطانيا عرفت من فرنسا في منتصف 1956 أن إسرائيل، تستعد للهجوم على مصر، وأن الحلف الفرنسي ـ الإسرائيلي قد مر بمرحلة مباحثات استغرقت شهري أغسطس وسبتمبر، وأن الاتفاق وقع في 10 أكتوبر 1956م، وينص هذا الاتفاق على أن يقوم الفرنسيون والإسرائيليون بعمل مشترك ضد مصر، وأنه في يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1956م أخطر بن غوريون بأنه يستطيع الاعتماد على البريطانيين، فإن الفرنسيين قد نجحوا في إكمال إضلاع المثلث.
كانت اتفاقية كسر احتكار السلاح حافزاً لإسرائيل للتحرك المحموم، لاستعادة التوازن غير المستقر، ولم يكن أمامها إلا فرنسا، وفي نفس الوقت كانت رئاسة أركان حرب شاحال لا تكف عن تقديم اقتراحاتها لبن غوريون، للتصديق لها على القيام بعمليات تعرضية للاستيلاء على قطاع غزة، بحجة اتخاذه قاعدة للعمل الفدائي، والتحضير لاحتلال شرم الشيخ، لكسر حظر مرور السفن الإسرائيلية في خليج العقبة، ولكن كان من رأي بن غوريون عدم التسرع والانتظار للظروف الأفضل.
تفاصيل المؤامرة
وبدأت عمليات نقل السلاح من فرنسا في نيسان (أبريل) 1956م، محدودة في أول الأمر، فتم نقل بعض طائرات المستير لتتصدى لطائرات الميج، كما بُدئَ في نقل بعض الدبابات AMX، أما بريطانيا فقد أمدت إسرائيل ببعض طائرات الميتور المقاتلة الليلية، وبعض دبابات الشيرمان، وقد تسبب عن نقل السلاح الفرنسي أزمة وزارية داخل وزارة غي موليه بين وزيري الخارجية والدفاع، إذ كان من رأي كريستيان بينو إيقاف عملية الإمداد في انتظار حل سياسي لمشاكل المنطقة، إلا أن رئيس الوزراء انضم إلى مورسين بورج مانوري وزير الدفاع، مؤيداً استمرار عملية الإمداد، وكانت عملية نقل السلاح هذه السبب في توظيف الاتصالات بين الجانبين الإسرائيلي والفرنسي، إذ كان موشيه دايان يقوم بزيارات متعددة إلى باريس، هو وشمعون بيريز، للتغلب على بعض الصعاب أو للإشراف على إتمام عقود جديدة، وحينما أعلنت مصر عن تأميم القناة، تقدم موشيه دايان يوم 27 يوليو 1956م ـ أي في اليوم التالي للتأميم ـ باقتراح إلى بن غوريون للقيام بإحدى العمليات الثلاث الآتية: احتلال سيناء والسيطرة على القناة، أو احتلال شرم الشيخ، أو الاستيلاء على قطاع غزة، كما ورد في مذكرات دايان عن تاريخ حياته.
وفي نفس الوقت كلف «انتوني ايدن» ـ رئيس وزراء بريطانيا ـ رئاسة هيئة أركان الحرب المشتركة بدراسة إمكانية القيام بحملة عسكرية ضد مصر، وفعلاً تم وضع الهيكل العام للخطة (700) التي كانت تقضي باحتلال الإسكندرية، ثم التقدم إلى القاهرة لاحتلالها، لإسقاط نظام عبد الناصر، ولم يكن لدى بريطانيا قوات متاحة تحت يدها لإتمام العملية بمفردها، إلا بعد إجراء تعبئة عامة، الأمر الذي يتناقض مع الرغبة في إتمام عملية الغزو الخاطفة، إلا أن ضغط كل من اليمين واليسار في فرنسا على حكومة غي موليه للقيام بعمل عسكري ضد مصر، دفع رئيس الوزراء بالقيام باتصالات مع زميله البريطاني، أدت إلى الاتفاق على القيام بعملية مشتركة ضد مصر، واتفق على تسمية العملية بالاسم الكودي «هاميلكار»، كما تم الاتفاق على تعيين قيادة مشتركة لتنفيذ العملية قائدها الجنرال «تشارلس كيتلي»، كما عين الجنرال «هيوستر كويل» قائداً للقوات البرية المشتركة، وكان نواب القادة من الفرنسيين، وكان أول عمل يقوم به الجنرال ستوكويل هو تغيير الاسم ال كودي من هاميلكار إلى موسكتيرا، ولعلنا لاحظنا أن الاتصالات حتى الآن كانت ثنائية بين لندن وباريس، وأن قاعدة الغزو أو رأس الجسر سوف يكون ميناء الاسكندرية، لقربها من قبرص ومالطة ـ القاعدتين البريطانيتين ـ ولقربها من القوات البريطانية الموجودة في ليبيا.
وبدأت إسرائيل تدخل في العملية من الباب الخلفي نتيجة للأصوات التي بدأت ترتفع في وزارة الدفاع الفرنسية، من ضرورة إشراك إسرائيل، فوصلت برقية عاجلة جداً يوم 1/9/1956م من الملحق العسكري الإسرائيلي في باريس، موجهة إلى دايان، يخطره فيها بالنوايا البريطانية الفرنسية، ويضيف إليها أن الأدميرال «بارغو» قائد الأسطول الفرنسي يرى وجوب دعوة إسرائيل للاشتراك في العملية، ووافق بن غوريون على التعاون الفوري من ناحية تبادل المعلومات، أما إذا كان التعاون يعني إشراك القوات الإسرائيلية، فإن الأمر يحتاج إلى قيام دايان رئيس أركان الحرب بزيارة باريس للاتفاق على التفاصيل، وبعد عديد من الاتصالات سافر وفد إسرائيل، مكوناً من غولدا مائير وزيرة الخارجية، وموشيه كارمل وزير النقل، وشمعون بيريز مدير وزارة الدفاع، وموشيه دايان رئيس الأركان، ليجتمع بالفرنسيين، إذ أخذت لندن في التردد في الاشتراك في العملية، إلا أنه بعد أن حزم أنتوني إيدن أمره بالتدخل، بدأ الاتفاق الثلاثي يتكون، ليؤدي في النهاية إلى عقد معاهدة سيفر السرية.
ونترك لكريستيان بينو يحدثنا عن «محادثة تليفونية مفاجئة تلقيتها بعد ظهر يوم 21/10/56م من رئاسة مجلس الوزراء، طلب مني محدثي أن أذهب وحدي إلى فيلا في ضاحية سيفر، حيث سألتقي بشخصيات إسرائيلية حضرت إلى فرنسا في سرية تامة، وكان اختيار سيفر بسبب قربها لمطار فيلا كويليه العسكري المحظور على الصحفيين، فأخذت سيارتي الخاصة، وبعد أن ضللت الطريق بعض الوقت، اهتديت إلى العنوان المطلوب، وأدخلني أحد معاوني وزير الدفاع إلى حجرة الطعام، وجدت مجموعة من الأشخاص حيث يحتسون الشوربة، كان الجالسون بن غوريون وغولدا مائير وديان وبيريز إلى جانب وزير الدفاع الفرنسي، وقد أدركت أن هناك قرارات خطيرة لا رجعة فيها سوف تتخذ خلال هذا اللقاء، وبعد قليل لحق بنا غيموليه، ولم يحضر هذا اللقاء الأول ممثل للحكومة البريطانية، فأخذ بن غوريون الكلمة فقال: إن إسرائيل قررت الهجوم على مصر، ونحن دولة صغيرة.
يقع قلبها على مقربة من حدودها، ولا مجال أمامنا للتراجع، إذ نحن مهددون بالاختناق، بسبب الحظر المصري الذي يمنع وصول البترول إلينا، وسوف نصل إلى شرم الشيخ على أقل تقدير، ونطالب تأمين غطاء جوي، لأننا نخشى الطيران المصري، لأنه تحت سيطرة السوفييت، إلا أننا علمنا بعد ذلك أن هذه المعلومة غير صحيحة.
وتساءل بن غوريون هل أنتم على استعداد للضغط على البريطانيين لمشاركة السلاح الجوي في الدفاع عنا؟ إننا في حاجة إلى إجابة واضحة خلال 48 ساعة «ويستطرد بينو… وافق غي موليه على الفور وتحمس وزير الدفاع للفكرة، أما أنا افقد كنت ضد فكرة الحرب الوقائية، ولكني وافقت بعد ذلك على مساندة الطيران الفرنسي للجيش الإسرائيلي، وسافرت صباح اليوم التالي إلى لندن، واجتمعت صباح 22/10/1956 بمجلس الوزراء البريطاني بالكامل، لأروي لهم ما حدث مساء اليوم الماضي، وكان إيدن على علم بما اتفقنا عليه في اتصال تليفوني تم معه بعد نهاية اجتماعات أمس، وفاجأني إيدن بالموافقة على تدخل الطيران البريطاني، وبإنزال قوات بريطانية وفرنسية لاحتلال ضفتي القناة، لمنع الجيش المصري والإسرائيلي على حد سواء من عبور القناة، وكان من الواضح أن الوزراء ـ وبخاصة سلوين لويد وزير الخارجية ـ موافقون على هذه الفكرة، واتفقنا على أن يذهب لويد وبتاريك دين سكرتير وزارة الخارجية البريطانية إلى سيفر لنقل وجهة النظر البريطانية، واعترض بن غوريون ـ عند الاجتماع به ـ على الأفكار الجديدة، إلا أنه عاد ووافق عليها.
ونتيجة لهذه اللقاءات تم توقيع بروتوكول سيفر يوم 24/10/1956م من ثلاث صور، وقد تضمن البنود الآتية:
1 ـ إعلان قرار إسرائيل بشن هجوم واسع النطاق على مصر يوم 29/10/1956م، بهدف الوصول إلى منطقة قناة السويس.
2 ـ تصدر حكومتنا فرنسا وبريطانيا نداء مزدوجاً إلى الطرفين المتحاربين، تطلبان من مصر وقف العمليات العسكرية وانسحاب قواتها لمسافة 10 أميال من غرب القناة، وقبول امتلاك القوات البريطانية والفرنسية القناة بصفة مؤقتة لتأمين حرية الملاحة.
3 ـ إذا رفضت مصر مقترحاتنا نشن يوم 31/10 عمليات عسكرية ضد القوات المصرية.
4 ـ بوسع إسرائيل إرسال قوات لاحتلال الجزء الغربي بين خليج العقبة وجزر تيران وصنافير لتأمين حرية الملاحة لسفنها في الخليج.
5 ـ تتعهد إسرائيل بعدم الهجوم على الأردن.
6 ـ يبقى الاتفاق سرياً.
7 ـ ضرورة موافقة الحكومات على الاتفاق.
وفي نفس اليوم وقع وزير الدفاع الفرنسي بورغيس مونوري اتفاقاً ثنائياً بين فرنسا وإسرائيل، يقضي بتعهد فرنسا بتأمين حماية المجال الجوي الإسرائيلي، وذلك بإرسال سرب مدعم من طائرات مستير إلى إسرائيل، ما بين 29 ـ 31/ 10/56م، وإرسال سفينتين حربيتين إلى الموانئ الإسرائيلية في نفس الفترة.
وتم إدخال تعديلات جوهرية على الخطة موسكيترا إلى موسكيترا المعدلة ثم إلى موسكيترا المعدلة نهائياً، واستبدلت فيها الإسكندرية كمنطقة إنزال لقوات الغزو بمنطقة بور سعيد ـ بور فؤاد، وأصبح الهيكل العام لخطة الغزو كالآتي:
1 ـ تقوم إسرائيل بتنفيذ خطة «قادش» كمجهود ثانوي بغرض:
(أ)خلق حالة صراع مسلح على مشارف القناة، تكون ذريعة لشن الهجوم.
(ب)استدراج أغلب القوات المصرية نحو شرك مدبر يجهز لها في سيناء للقضاء عليها بضرب أجنابها ومؤخرتها.
(جـ) تحاول إسرائيل القضاء على القوات المصرية في مواقعها في المنطقة رفح ـ العريش ـ جبل لبنى، وتصل إلى مسافة 10 أميال شرق القناة، لتأمين الجناح الأيسر للقوات البريطانية أثناء تقدمها لاحتلال القناة وعليها بعد ذلك تطهير قطاع غزة وساحلي العقبة والسويس.
2 ـ المجهود الرئيسي تقوم به القوات البريطانية والفرنسية بعد ضربة جوية مركزة، بالتقدم على الاتجاه العام لقناة السويس بغرض:
(أ)الاستيلاء على منطقة قناة السويس.
(ب)الاستيلاء على رأس الشاطئ في بور سعيد، ثم تطور هجومها للاستيلاء على الإسماعيلية، ثم استغلال النجاح حسب تطور الموقف من الجهة الداخلية المصرية، إما في اتجاه السويس للاستيلاء عليها، استكمالاً لسيطرتها على منطقة القناة، أو صوب القاهرة للاستيلاء عليها لحسم الحرب، ولا داعي للخوض في تفاصيل الخطط إذ يخرجنا ذلك عن الغرض الأساسي للموضوع.
في الجانب الآخر من التل كان التآمر لاستخدام القوة يجري عى قدم وساق، وفي الجانب القريب من التل كانت المعركة السياسية على أشدها، وكان توقع العدوان قائماً في الأيام الأولى للتأميم، ولكن أخذ يتضاءل بطول المدة، فعلى الرغم من أن الصراع العربي الإسرائيلي في نظر القيادتين السياسية والعسكرية في ذلك الوقت له صفة الاستمرارية لوجود أسبابه إلا أن احتمال قيام إسرائيل بالعدوان بسبب تأميم القناة كان مستبعداً، ولو أنه كان دائماً في الحسبان، كما كان احتمال قيام بريطانيا وفرنسا باستخدام قواتهما المسلحة قائماً عند تأميم قناة السويس، ولكن أخذ هذا الاحتمال يتضاءل لدى القيادة السياسية للأسباب الآتية:
1 ـ فقد كان هناك تصور أنه بعد موافقة مجلس الأمن على النقاط الست، فإن المشكلة أصبحت في طريقها للحل السياسي.
2 ـ تم تحديد موعد لقاء وزير خارجية مصر ووزير خارجية بريطانيا وفرنسا في جنيف، بحضور داج همر شولد سكرتير الأمم المتحدة، وحدد يوم 29 أكتوبر 1956م ـ وهو يوم بداية العدوان ـ موعداً للقاء.
إلا أن استبعاد العدوان لم يكن وارداً لدى القيادة العامة للقوات المسلحة، فقد ورد في تقريرها للموقف العسكري في شرق البحر المتوسط، الصادر في سبتمبر 1956م، ترجيحاً لقيام فرنسا وبريطانيا بالهجوم على مصر، وذكر التقرير أنه من المحتمل أن يوجه الهجوم ضد منطقة الإسكندرية، لاستدراج قواتنا المدرعة إلى غرب النيل، وبذلك تهيأ فرصة للعمل من منطقة القناة بنجاح، وعموماً فلن يكون الفاصل الزمني بين العمليتين كبيراً، ثم حاول التقرير إعطاء صورة للعمليات المنتظرة كالآتي:
1 ـ القيام بعمليات جوية بغرض شل قواتنا الجوية، والتمهيد للعمليات البرية والبحرية.
2 ـ توجيه القوات البرية من قاعدة ليبيا ومالطة ضد الإسكندرية، للاستيلاء على الميناء، واستدراج قواتنا المدرعة إلى الغرب.
3 ـ توجيه القوات المنقولة جواً من قاعدة قبرص ضد منطقة القناة، لاحتلال مجموعة المطارات بها، وتعزيز هذه القوات بعناصر مشاة ومدرعة من قبرص للسيطرة على منطقة القناة.
4 ـ قد يصاحب هذه العمليات قيام إسرائيل بعمليات تعرضية على الجهبة الشرقية، لاحتلال القواعد المتقدمة بها، وقد توجه هذه العمليات ضد العريش خاصة، لعزل قواتنا في قطاع غزة.
5 ـ استخدام قاعدتي القناة الإسكندرية لحشد قوات إضافية للانطلاق نحو القاهرة في هجوم مزدوج.
ثم عادت القيادة العامة للقوات المسلحة في تعليمات العمليات الحربية التي أصدرتها للدفاع عن جمهورية مصر، بناء على تقديرها للموقف لتحدد الآتي:
1 ـ من المحتمل أن تقوم الدول الغربية بأعمال عدوانية ضد مصر، وكرد فعل لتأميم القناة.
2 ـ من المحتمل أن يتم الهجوم كالآتي:
(أ) الاستيلاء على منطقة القناة بعمليات جوية بحرية.
(ب) الاستيلاء على قاعدة الاسكندرية بعمليات جوية بحرية.
(جـ) الهجوم على القاهرة بعد ذلك.
3 ـ القيام بعمليات إنزال جوي في منطقة الدلتا.
4 ـ ألا يغفل ما قد تقوم به إسرائيل في مثل هذه الظروف.
5 ـ توضع النقاط الخاصة التالية موضع الاعتبار:
(أ)حرمان العدو من الاستيلاء على منطقة القناة بأي ثمن.
(ب)اتخاذ الترتيبات لمراقبة منطقة بير عديب على البحر الأحمر، وتعطيل أي عمليات إنزال بها، والقضاء على أي قوات تتقدم منها شمالاً أو غرباً (لأن الطريق من بير عديب يوصل إلى القاهرة في الغرب).
(جـ) منع أي قوات معادية نزلت في بور سعيد من التحرك جنوباً إلى الإسماعيلية.
(د) اتخاذ الترتيبات للقضاء على أي قوات معادية تهبط جواً بالمنطقة.
(هـ) السيطرة على المنشآت المصرية بالمنطقة، وتأمين المعابر على القناة، مع وضع خطط النسف الضرورية لتدمير الأغراض المتفق عليها، على أن يعتبر بدء إنزال أي قوات معادية على منطقة القناة أمراً بتنفيذ هذه العمليات.
وفي تلك الفترة الحرجة صدرت التعليمات بتعزيز قوات الحرس الوطني وأنشئت القوات، وسلحت في كافة المحافظات، خصوصاً المحافظات المحتملة للعدوان.
وبعد ذلك ـ وبصفتي ….. أركان حرب قوات الدفاع عن القاهرة ـ قمت بوضع خطة كاملة للدفاع عن العاصمة شرق النيل، متخذين الخط المار من مرتفعات طريق السويس إلى جبل المقطم، إلى وادي حوف، خطاً أمامياً للدفاع من الشرق، وخط أبورواش خطاً أمامياً للدفاع من الغرب، مع الدفاع عن العاصمة من داخل قطاعات محددة، والقتال من منزل إلى منزل.
أما عن التوزيع الاستراتيجي للقوات المصرية فقد اتسم بالحكمة في تلك الفترة، إذ وزعت فرقة معززة على الحدود للدفاع عن منطقة العريش وأبو عجيله، أما باقي القوات بما فيها القوات المدرعة فكانت في الخلف بل وغرب القناة، وكان هذا التوزيع سائداً من أول الثورة، وقبل الدخول في معركة الاستقلال ضد القوات البريطانية في القناة، إذ كان تصورنا في قسم الخطط بالعمليات الحربية كالآتي:
1 ـ يواجه الجيش عدوين في وقت واحد: بريطانيا في منطقة القناة، وإسرائيل على حدودها الشرقية.
2 ـ لا يمكن نجاح المفاوضات المقبلة مع بريطانيا إلا بمساندة القوات العسكرية، على أن يعطي الثقل الأكبر لاستخدام القوات الفدائية.
3 ـ لا يمكن لمصر خوض أي معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد إسرائيل، طالما ظلت القوات البريطانية في منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق.
4 ـ العدو الرئيسي في الوقت الحالي هو بريطانيا في القناة، والعدو الثانوي هو إسرائيل.
5 ـ لا بد من إخلاء سيناء من قواتنا العسكرية، حتى لا تكون عامل ضغط علينا عند بدء العمليات الفدائية، إذ يمكن للقوات البريطانية منع مرور الإمدادات والذخائر من كوبري الفردان، أو من معابر أخرى على القناة، وتتخذ من ذلك ورقة ضغط في يدها.
وتم سحب أغلب قواتنا بعد موافقة القيادة السياسية على ذلك، وتمت خطة الإخلاء تحت إشرافي وبسرية كاملة، ولم يبق في سيناء إلا قوات رمزية، عززت بعد انتهاء المفاوضات المصرية البريطانية بعقد معاهدة 1954م، ولكن احتفظ بالجزء الأكبر من قواتنا في غرب القناة، وكان من ضمن الترتيبات الجيدة التي ساعدت على تنفيذ الخطة بنجاح كامل الآتي بعد:
1 ـ كان يسمح بعودة نصف الجنود فقط الذين ينزلون في الإجازات إلى وحداتهم بسيناء، ويبقى النصف الآخر في أماكنه الجديدة غرب القناة.
2 ـ بدئ في تخفيف المعدات في ليال متتابعة بالقطارات التي تخترق القاعدة البريطانية، واتخذت ترتيبات هائلة للتمويه والخداع.
3 ـ كان يحجز من كل قطار يصل إلى العريش أو رفح عدد محدود من عربات السكة الحديد، وأحياناً القاطرات، واحتاج ذلك إلى حسابات دقيقة معقدة للتوفيق بين حجم ونوع الأحمال المراد نقلها، وبين سعة ونوع وسائل النقل المتاحة.
4 ـ واتخذت بعض الترتيبات لإرسال بعض الوحدات إلى سيناء نهاراً، لإظهار نيتنا في تعزيز قواتنا في الشرق، على أن تعود هذه الوحدات ليلاً على فترات.
5 ـ استمرار إرسال معدلات المواد التموينية دون نقصان، حتى لا يشعر البريطانيون بتخفيف القوات.
6 ـ منع تداول المكاتبات بخصوص الإخلاء.
وفي الوقت المحدد فوجئت القيادة البريطانية بسيل من القطارات تعبر كوبري الفردان إلى مواقعها الجديدة غربي القناة.
وهناك سؤال يصح أن نطرحه: هل كان هناك عند قيام إسرائيل بالعدوان يوم 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956م، وإلقائها بقوات المظلات على مدخل ممر من الشرق إحساس قاطع لدى القيادة السياسية المصرية بالتواطؤ الثلاثي؟ ويمكن للإنسان أن يقطع بأن هذا الإحساس لم يكن موجوداً، بدليل صدور الأوامر لقواتنا في مواقعها الدفاعية، بالقرب من حدودنا الشرقية، وعلى الأخص في منطقة أبو عجيلة بالدفاع عن مواقعها كالخطة الموضوعة، ثم دفعت قواتنا ليلة 29/30أكتوبر 1956م لملاقاة العدو عند ممر متلا كما دفعت الفرقة الرابعة المدرعة صباح 30 أكتوبر 1956م لاتخاذ مواقعها في منطقة بير روض سالم في سيناء، بل فكر في ليلة 30/31 أكتوبر في إسقاط قوات المظلات المصرية غرب منطقة الكونتلا، لقطع أي اتصال بين أي قوات برية معادية وبين قوات المظلات المعادية في الإسماعيلية وقد حملت بنفسي هذه التعليمات إلى القيادة الشرقية في منطقة الإسماعيلية، وكانت قوات المظلات مستعدة في مطاراتها لتنفيذ العملية، إلا أن تطور الأحداث حال دون إتمامها، ثم هناك دليل آخر هو إعطاء الأوامر للمدمرة إبراهيم، للقيام بعملية ضرب حيفا من البحر، وقامت المدمرة بمأموريتها التعسة، وتم أسرها بتعاون أساطيل دول العدوان.
إذن فيمكننا أن نقطع بأنه في يومي 29، 30 (أكتوبر) تشرين الأول، لم يكن هناك إحساس قاطع لدى القيادتين العسكرية والمدنية بوجود تواطؤ، إلا أنه حينما قامت طائرات الكاميرا البريطانية في الظهور فوق مسرح العمليات، ثم توجيه الإنذار البريطاني الفرنسي، تولد الشك الذي أصبح يقيناً.
وعلى أثر ذلك عقد جمال عبد الناصر اجتماعاً في القيادة العامة للقوات المسلحة بكوبري القبة، حضره بعض أعضاء مجلس الثورة، وحينما أثير موضوع التواطؤ كان من رأي عبد الناصر سحب قواتنا فوراً من سيناء، لإنقاذها من الفخ الذي نصب لها قبل فوات الأوان، وكان عبد الحكيم عامر يعارض الانسحاب من الناحية العاطفية، إلا أن عبد اللطيف بغدادي يذكر في مذكراته ـ وكان حاضراً داخل غرفة الاجتماع ـ «إن عبد الحكيم عامر كان يرى أن استمرار القتال سيدمر البلاد، والشعب سيكره النظام، وهو يفضل ترتيباً على ذلك إيقاف القتال، وأن صلاح سالم أيد ذلك، مضيفاً أن على عبد الناصر إعلان وقف القتال والاستسلام، على أن يسلم جميع أعضاء مجلس الثورة أنفسهم لتريفليان السفير البريطاني.
وسرعان ما اعترف صلاح سالم بخطئه بعد أن هدأت أعصابه الثائرة، وتطوع لقيادة منطقة السويس، وفي تلك الظروف الصعبة كانت استراتيجية مصر كالآتي:
1 ـ عدم قبول الإنذار، وكان ذلك أول صدمة لأطراف العدوان.
2 ـ سحب قواتنا من سيناء، على أن تقوم قواتنا بالقرب من الحدود بالدفاع إلى آخر طلقة، وآخر رجل، حتى تتيح الوقت لإتمام عملية انسحاب القوات الرئيسية، وتمت عملية الانسحاب بأقل خسائر ممكنة.
3 ـ تجنب إشراك قواتنا الجوية ضد القوات الجوية المعادية.
4 ـ الدفاع عن مدن القناة وعدم إخلاء أي مدينة تحت أي ظرف من الظروف، وتمركزت القوات المسلحة تحيط بها قوات جيش التحرير والفدائيين على طول القناة وفي المدن، استعداداً للمقاومة الشعبية، ووزعت الأسلحة دون قيد على أفراد الشعب.
5 ـ تعطيل الملاحة في قناة السويس، فنسفت بعض السفن المحملة بالإسمنت، والمعدة من قبل، وغرقت إلى القاع، وأصبحت القناة غير صالحة للملاحة.
وصمدت الجبهة الداخلية والتفت حول قيادتها، ولم يحدث ما توقعته قوات الغزو، وأفلتت قواتنا المسلحة من الفخ الذي أعد لها في سيناء، وتحولت مدن القناة مناطق دفاعية متينة، وأغلقت القناة، وأصبحت غير صالحة للاستخدام، وخرج الشعب العربي من المحيط إلى الخليج في مظاهرات عارمة تؤيد مصر.
الإنذار
لم تبدأ حرب السويس يوم 29 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1956م، لكنها بدأت قبل ذلك بأشهر طويلة، وقد تدرجت البدايات حتى وصلت إلى نقطة الصدام الساخنة يوم بدء العمليات العسكرية، وبينما أخذ الصراع الإقليمي يشتد وترتفع درجة حرارته بين مصر وأطراف المثلث التآمري ـ «إسرائيل» وبريطانيا وفرنسا ـ وفق توزيع الأدوار الذي تم بين المتآمرين، كان هناك مستوى آخر لإدارة الأزمة، يقوم به اللاعبون الكبار، وإذا كانت صورة المواجهة العسكرية هي ما يمكن أن نسميه «الاستخدام (الديناميكي) المتحرك للقوة» فإن إدارة الأزمة من قبل اللاعبين الكبار (السوفياتي والأميركان) كان من نوع الاستخدام البارد (الاستاتيكي) للقوة، ويقصد به استخدام القوة في حالة الثبات.
ويعد الإنذار السوفياتي الذي وجهه بولغانين رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي يوم 6 نوفمبر عام 1956م درساً (كلاسيكياً) تقليدياً لاستخدام القوة في حالة الثبات.
كان الإنذار عبارة عن أربع رسائل موجهة إلى كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا و«إسرائيل»، وكانت بتوقيع بولغانين رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت.
وكان الإنذار بلهجات مختلفة، فبينما كانت اللهجة حاسمة تشجع على أخذ موقف مشترك إلى إيزنهاور أصبحت لهجة حاسمة فيها تهديد باستخدام الصواريخ لكل من أنطوني إيدن، وجي موليه، لكنها حملت الازدراء والتحقير لبن غوريون.
وقد دار حوار كبير ـ وما زال ـ عن حقيقة رد الفعل الذي أحدثه هذا الإنذار. لكنني سأكتفي بنقل رد الفعل على لسان كل من المرسل إليهم.
يقول داويت ايزنهاور في كتابه «النضال من أجل السلام» ما نصه: «لقد كتب إلي بولغانين مقترحاً إرسال قوة مشتركة لبلدينا إلى مصر، لوضع حد للقتال، إذ أنه ما لم تتوقف الحرب الجارية فإن الموقف يمكن أن يتطور إلى حرب ثالثة»، «وقد عقدت اجتماعاً لإصدار بيان على رسالة بولغانين، وقلت للمجتمعين أن البيان يجب أن يشمل تحذيراً واضحاً وهو أن أعضاء الأمم المتحدة ـ ومن ضمنهم الولايات المتحدة ـ سوف يعارضون أي محاولة لإفشاء خطة الأمم المتحدة لفرض إيقاف إطلاق النيران بالقوة، ثم قلت للمجتمعين إن السوفيات وهم يرون فشلهم في دول الكتلة الشرقية قد يقدمون على أي مجازفة شرسة، كما فعل هتلر في أيامه الأخيرة، فليس هناك أخطر من (دكتاتورية) تجد نفسها في مثل هذا الظروف»، ثم يستطرد في موضع آخر من كلامه فيقول: «اجتمعت بهيئة الأركان المشتركة، وقدمت اقتراحات عديدة بخصوص حالات الاستعداد التي يجب علينا اتخاذها، ووافقت على بعضها، وأمرت باستدعاء الجنود من إجازاتهم كعلامة للروس على استعدادنا لمواجهة التهديد، واتصلت بإيدن هاتفياً، وقلت له إن من الحكمة أن يتمشى مع قرارات الأمم المتحدة الآن دون شروط، لأن هذا سيحرم السوفيات من أي فرصة لخلق المتاعب، ووافق إيدن قائلاً إنه لو أمكنه الاحتفاظ بمركزه كرئيس للوزراء حتى الصباح فإنه سيتصل بي».
وقال كريستيان بينو، وزير خارجية فرنسا في ذلك الوقت، عن تهديد بولغانين ما نصه: «أرسل بولغانين أربع رسائل، الأولى موجهة إلى إيزنهاور، وثلاث رسائل موجهة إلى كل من غي موليه، وإيدن، وبن غوريون. يمكن تلخيص الرسالة التي تلقيناها في أنه سيكون للحرب التي تشنها فرنسا وإنجلترا ـ مستخدمتين في ذلك «إسرائيل» ـ عواقب وخيمة على السلام العالمي، وأجد من واجبي ـ كما يقول بولغانين ـ أن أبلغكم أن الحكومة السوفياتية عاقدة العزم على استخدام القوة لسحق المعتدين، وإعادة السلام إلى منطقة الشرق الأوسط، وتنتهي الالرسالة بدعوتنا إلى التعقل وضبط النفس، أما الرسالة الموجهة إلى إيدن فأكثر عنفاً، إذ كانت تحمل تهديداً مباشراً باستخدام الصواريخ السوفياتية ضد بريطانيا، ومن المؤكد أن هذه الرسالة أثرت على إيدن، لكنها لم تفعل التأثير الحاسم الذي يدفعه إلى إيقاف القتال، فالعامل الحاسم كان ـ بلا جدال ـ تهديد إيزنهاور بضرب الجنيه الإسترليني، وكانت قد بدأت بالفعل مضاربة ضد العملة البريطانية في وول ستريت، ووراء هذه المضاربة البنك المركزي الامريكي، ولو استمرت تلك المضاربة لأدت إلى كارثة محققة للاقتصاد البريطاني. كانت الولايات المتحدة بمساندة شركات البترول الكبرى تشن هجوماً على بريطانيا في مجال يعتبر نقطة قوة لأميركا، ونقطة أضعف لبريطانيا، والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة وإن كانت لم تبلغ عبر القنوات الرسمية بنوايا فرنسا وبريطانيا و«إسرائيل» إلا أنها كانت تعلم أننا سنقوم بالهجوم عن طريق بعض الاتصالات، كذلك فقد أفسح الأسطول السادس الأميركي المجال في البحر المتوسط لقوات الإنزال الفرنسية والبريطانية، وأؤكد أن إيزنهاور ضغط على حلفائه حتى يتجنبوا المواجهة مع السوفيات، ولا نعلم ـ بالضبط ـ ماذا دار من حديث عبر الهاتف بين إيزنهاور وإيدن، لكن رئيس الوزراء البريطاني كان يبدو منكسراً تماماً، وقد ناقشته طويلاً ـ فيما بعد ـ في هذا الموضوع، فأكد لي أن تهديد إيزنهاور للجنيه الاسترليني كان العامل الحاسم في قرار وقف القتال، والانسحاب الذي تم بعد ذلك». لكن لم يذكر (بينو) شيئاً عن الحافز الذي دفع إيزنهاور إلى شن الحرب الاقتصادية على بريطانيا).
يقول إيدن في مذكراته «الضغوط استمرت علينا طوال يوم 5 نوفمر لوقف النيران وقبول وجود للأمم المتحدة، لكننا لم نوافق، إذ ما فائدة وجود القائد ممثلاً في الأمم المتحدة ودون جنود؟ وفي الليل وصلتنا رسالة بولغانين التي أذاعها قبل أن نتسلمها، والتي أعلن فيها أن الحرب على مصر يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية ثالثة، وهدد بأن موسكو ستلجأ إلى القوة. ثم بدأ تدهور الاسترليني في الأسواق العالمية بتسعيرة تنذر بتعريض مركزنا الاقتصادي كله لكارثة شديدة، وقد هبط فعلاً احتياطنا من الذهب والدولارات ما مقداره 279 مليون دولار، وهذا يمثل 15% من الاحتياط». ثم يقول: «وحينما اجتمعنا في السادس من نوفمبر لم نتأثر بأي من هذه الاعتبارات في اتخاذ قرارنا، ما دام القتال قد توقف بين المتحاربين، ولذلك فقد انتفى مبرر التدخل».
ومما لا شك فيه ـ وكما يظهر مما كتب إيدن ـ أن ذكر الحقيقة كان عبئاً كبيراً عليه فتجاهلها. أما على رد الفعل عند «إسرائيل» فأنقل من كتاب «حياتي» لجولدا مائير ما نصه: «لقد حققنا أغراضنا من الحرب، لكن خسرت بريطانيا الحرب، وكذلك فرنسا… كان مصدر الضغط الرئيسي هو الإنذار السوفياتي الذي لم يكتف بمشاهدة الهزيمة المصرية ولا بتسميم الجو بتدخله في المجر، لكنه أخذ يصيح معلناً أن هناك تآمراً على مصر، وهدد بالتدخل، وبذلك أصبح ظاهراً أن العالم كله أصبح ضدنا»، ثم ننقل عن موشيه دايان قوله: «في مساء 5 نوفمبر أصدر رئيس الوزراء بولغانين تهديده للدول الثلاث. وفي رسالته إلى «إسرائيل» ندد بالعدوان الإسرائيلي، والأعمال الأمبريالية ضد مصر، وطلب منا إيقاف العمليات الحربية في الحال، والانسحاب من الأراضي المصرية، وقال إن الحكومة الإسرائيلية وهي تتصرف بإجرام وبلا مسؤولية تلعب بمستقبل السلام، بل بمستقبل شعبها، وهذا سينعكس على مستقبل استمرار «إسرائيل» كدولة، وإن الحكومة السوفياتية تتخذ في هذه اللحظة إجراءات لمنع استمرار العدوان، ولإيقاف الحرب، ثم ختم رسالته باستدعائه للسفير السوفياتي، وبطلبه من «إسرائيل» أن تفهم الرسالة جيداً وتقدرها. وحينما رأيت بن جوريون أدركت أنه على الرغم من إعطائه أهمية كبرى للموقف السوفياتي وعدم تجاهله لمغزاه العميق لم يتصرف تصرفات تنم عن ارتعاش المفاصل، ولم يسيطر عليه الخوف، بل كانت الرسالة دافعاً له إلى المقاومة، لكن الأمر الذي أغضبه هو الفوارق بين لهجات الرسائل، وأن عبارات الرسالة التي وصلت إلينا تنم عن الاحتقار والازدراء.
ومن دراسة قام بها «مايكل بريشر» أحد كبار أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة نورد ما جاء بعنوان «عملية صنع القرار في السياسة الخارجية «الإسرائيلية»: «سألت عدداً من أبرز شخصيات «إسرائيل»، ومن المتصلين بعملية صنع القرار السياسي فيها عن السبب الذي دعا بن جوريون إلى اتخاذ قرار بقبول الانسحاب من الأراضي المصرية، وكانت ردودهم ـ كما سجلها في الصفحة 290 من المجلد الثاني من دراسته ـ على النحو الآتي:
جولدا مائير: إنني مقتنعة بأنه تصرف كرد فعل للتهديد السوفياتي.
شمعون بيريز: تسألني عن السبب في هذا القرار؟ إنه التهديد السوفياتي.
أبا إيبان: الأنباء الخطيرة التي جاءت مساء 7 نوفمبر وطوال يوم 8 نوفمبر عن استعدادات سوفياتية لاستخدام القوة.
بن جوريون: لم يكن يهمني ما قاله بولغانين، أو ما يحتمل أن يفعله، بل كان اهتمامي كله بموقف الأميركيين، فقد كنت أعلم شدة وطء وسائل ضغطهم علينا، مما يجعلنا نرضخ لطلبهم بالانسحاب».
لكن رد بن غوريون هذا جاء مناقضاً لخطابه الحماسي في الكنيست الذي أعلن فيه ضم سيناء وقطاع غزة إلى «إسرائيل»، فبعد 36 ساعة وصله الإنذار السوفياتي، فألغى كل ما صرح به، ووافق على الانسحاب.
ليس في نيتنا مناقشة كل هذه الأقوال بل سنجعل حديثنا عن القوى، فالقوات متشابكة بعضها ببعض على المستوى الإقليمي، وباستخدام القوات المسلحة، لكن على المستوى العالمي كانت وسائل القوة الأخرى تتحرك وتتفاعل:
*فالوسيلة السياسية تتحرك في اتصالات ثنائية وجماعية، وفي مناقشات في المنظمات الدولية، وفي مجلس الأمن وعلى وجه الخصوص.
*وسائل حربية بالتهديد باستخدام القوة، واتخاذ الإجراءات الفعالة التي تساند التهديد، حتى تكسبه المصداقية وهو ما نعبر عنه بالردع.
*وسائل اقتصادية، كمحاولات الولايات المتحدة لضرب الاسترليني، وكلها وسائل يستخدمها الكبار في التأثير على مجريات الأمور، حينما يتقاتل الصغار، لأن المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى مستحيلة في ظل ميزان الرعب النووي.
الاستراتيجية العظمى للدولة هي استغلال كافة إمكانياتها السياسية والاقتصادية والحربية، لتحقيق أهدافها، وعلى هذا الأساس يمكن تقييم نتائج هذا الصراع الذي دار فترة شهور متتالية، استخدمت فيها كل وسائل الصراع، كان الغرض النهائي الذي اتفقت عليه دول العدوان هو إعادة السيطرة على قناة السويس، عن طريق إسقاط النظام في مصر وإعادة توازن القوة إلى إطاره السابق، إلا أن هذا الغرض لم يتحقق، فقد خلصت القناة لمصر، وانسحبت «إسرائيل» من سيناء وقطاع غزة، وبقي نظام عبد الناصر، بل ازداد شعبية في الوطن العربي، في الوقت الذي سقط فيه أنتوني إيدن، واعتزل منصبه في 20/11/1956م، كما سقطت وزارة غي موليه في 21/5/1957م، وكان ذلك تمهيداً لسقوط الجمهورية الرابعة، وتولى ديغول الحكم، وقد انتهى الصراع بتحولات خطيرة في موازين القوى، على الصعيدين العالمي والإقليمي.
فعلى الصعيد العالمي دار الصراع الإقليمي منذ أزمة السويس على أساس ثنائية الأقطاب، وليس على أساس القطب الواحد، إذ كان الاتفاق الثلاثي عام 1950م قد حدد إطار توازن القوى في المنطقة، إلا أن كسر احتكار السلاح عام 1955م كسر هذا الاتفاق، وفتح الباب على مصراعيه لازدواجية سوق السلاح وبدأ الاتحاد السوفياتي يتواجد في المنطقة عن طريق تبادل المصالح بينه وبين بعض الدول في مجالات متعددة، وأصبح الاستقطاب أهم وسائل إدارة الأزمات الإقليمية، كما كانت أزمة السويس سبباً في تغير طبيعة العلاقات داخل التكتل العربي إذ حلت الولايات المتحدة بصفة نهائية محل بريطانيا وفرنسا، محاولة سد الفراغ، فقد تقدم الرئيس إيزنهاور في 5/1/1957م إلى الكونجرس بمشروعه الذي عرف بعد ذلك بمشروع إيزنهاور، وقد كانت ظروف وملابسات هذا المشروع سبباً جعله موضع رفض وارتياب في المنطقة، فقد أذيع هذا المشروع بعد فشل العدوان الثلاثي مباشرة، وقبل إزالة آثاره، وقد افترض المشروع أن المنطقة تعاني من الخطر الشيوعي، في حين أن العدوان كان مجسداً في «إسرائيل» والمعسكر الغربي، ورمزه العدوان الثلاثي، كما افترض أن الفراغ الناجم عن سقوط بريطانيا وفرنسا لا يملؤه إلا النفوذ الأميركي، متجاهلاً أن الدفاع عن المنطقة يجب أن ينبثق من داخلها.
تسببت أحداث القناة في إيجاد جفوة في العلاقات الفرنسية الأميركية، وكانت أحد الأسباب الرئيسية التي دعت الجنرال ديغول إلى ترك البنية العسكرية لحلف الأطلنطي ـ فيما بعد ـ وبالتحديد في بداية عام 1959م، كما استخدم ديغول ذلك حجة سياسية حاسمة في ذلك الوقت، لم يجهر بها علناً، لكنه استخدمها في الحوار الذي دار آنذاك حول هذه القضية، فقد قال ـ المصدر هنا كُتِب، ومصادر عديدة، وأقوال كريستيان بينو كذلك: ـ إنه إذا انفجرت الحرب في أوروبا فلا يمكن الاعتماد على التدخل الأميركي لصالحنا، والدليل على ذلك أن تدخلهم في أزمة السويس كان تدخلاً مضاداً لنا، ومن ثم اتخذ قراره الشهير ببناء القوة النووية الفرنسية المستقلة، أو ما سمي قوة الردع الفرنسية المستقلة.
لكن أهم النتائج التي تخلفت عن إدارة أزمة السويس بالنسبة للصراع الإقليمي بين العرب و«إسرائيل» كان زرع أسباب حرب 1967م، إذ ظل توازن القوى هو العامل الحاسم في تحقيق الاستقرار، ولم يكن هذا التوازن قائماً على الصعيد العالمي، فالوجود السوفياتي في قلب المنطقة، وهي مصر، لم يكن أمراً مرضياً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وسياستها الكوكبية، وكان لا بد من القضاء على هذا الوجود، أو تحجيمه على أي تقدير، ولم يكن التوازن مرضياً من ناحية الصراع الإقليمي، إذ تزايدت قوة مصر بحصولها على السلاح السوفياتي، ودخلت دول أخرى مثل سوريا والعراق ـ مشترية ـ سوق السلاح الشرقي، وكان هذا أمر لا يمكن السكوت عنه، وكان افتعال الأزمة بين سوريا و«إسرائيل» وتصاعد الأصوات بطريقة صاروخية، وتغذية أسباب الأزمة وتعميقها، وعدم استغلال الإمكانيات المتاحة لحلها سلمياً، كل ذلك كان بغرض التمهيد لعدوان 1967م، لإعادة إصلاح موازين القوى في المنطقة.
أمين هويدي
حرب 1967
نشرت جريدة في 27/4/97 مقابلة عمرها عشرون سنة مع موشي دايان يكشف فيها أن 80 في المئة من الاشتباكات التي وقعت في الجولان مع السوريين خلال السنوات التي سبقت 1967 كانت مفتعلة ومبرمجة لاستدراج سوريا إلى الحرب بهدف احتلال الجولان طمعاً بما فيه من خصائص زراعية ومياه جوفية. كما يكشف دايان عن نقاشات حامية داخل هيئة الأركان عشية احتلال الجولان حول ما إذا كان الأمر ضرورياً من ناحية الأمن.
ومما قاله دايان في تلك المقابلة: «في بداية حرب الأيام الستة حين اتضح لنا أننا انتصرنا بصورة مطلقة، وبأكثر مما توقعنا، كان واضحاً أيضاً أننا سنضطر إلى إعادة معظم الأراضي التي سيطرنا عليها». صحيح أن دايان لم يذكر صراحة أن الولايات المتحدة هي التي أتاحت لهم فرصة الإفلات مما تصوروا أنه لا بد أن يحصل. ولكن ما قاله يؤكد هذا المعنى، من دون لبس، إذ تحدث عن أن عدداً قليلاً من الإسرائيليين هم الذين آمنوا في ذلك الوقت بإمكان الاحتفاظ بالأراضي التي سيطروا عليها. أما غالبية الإسرائيليين، حسب كلامه، فكانوا يذكرون جيداً ما تعرضت له حكومة بن غوريون من ضغوط أميركية عقب حرب 1956، مما فرض عليها الانسحاب من سيناء.
والأهم هو أن دايان، وأركان حربه، تصرفوا خلال حرب 1967 على أساس أنه لا مفر من الانسحاب، ما دفعهم إلى تدمير معسكرات للجيش المصري في سيناء ومواقع عسكرية أردنية في الضفة الغربية. وهذا سلوك لا يحدث إلا في حال التأكد من عدم إمكان الاحتفاظ بهذه المناطق.
ولكن لم تمض أسابيع حتى تبين أن إدارة جونسون تتبنى سياسة تختلف كثيراً عن إدارة إيزنهاور في العام 1956. وفهم الإسرائيليون أن أصدقاءهم في واشنطن ليسوا معنيين بـ«الضغط» عليهم، ولا حريصين على تنفيذ القرار 242 عند صدوره في تشرين الثاني (نوفمبر) 1967، بل إنهم مستعدون لقبول التفسير الإسرائيلي لهذا القرار. واتضح أن واشنطن معنية فقط باستثمار انتصار إسرائيل من أجل إضعاف النفوذ السوفياتي في المنطقة، خصوصاً في مصر. وعندئذ اطمأن الإسرائيليون إلى أن ما حصل عقب حرب 1956 ليس قابلاً للتكرار، فأدخلوا مناطق واسعة من الأراضي المحتلة عام 1967 في صلب نظرياتهم الأمنية.
ودايان هذا نفسه ـ تضليلاً لمصر ـ صرح يوم الأحد 4 حزيران مؤكداً أن الحرب مع مصر أصبحت مستبعدة وبأن الوسائل الدبلوماسية ستكون معتمدة لحل الأزمة. وخرج دايان من مؤتمره ـ وقد كان وزيراً للدفاع ـ ليعقد اجتماعاً مع قادة الوحدات ويوزع عليهم كلمة السر وهي الملاءة الحمراء، ثم يحدد ساعة الصفر الثامنة من صباح اليوم التالي ويقول لهم بأن مصير إسرائيل أمانة في أعناقهم.
والسؤال الذي يطرح يتعلق بالدور الخفي الذي قام به الرئيس جونسون، ومدى تأثيره على ترجيح كفة إسرائيل في حربها ضد مصر وسوريا والأردن.
على هذا السؤال يجيب مساعد جونسون هاري ماكفرسون فيقول إن الرئيس استقبل وزير خارجية إسرائيل أبا إيبان صباح يوم الـ25 من أيار (مايو) وأصغى إلى اقتراحه بضرورة استخدام القوة من قبل المجتمع الدولي لكي يعاد فتح مضيق تيران. ورفض الرئيس الأميركي الالتزام بأي وعد لأن البلاد غارقة في مستنقع فيتنام، ولكنه أوحى لإيبان بأن عدم مشاركة الولايات المتحدة في فرض الحل لا يعني أن لا تدعم موقف إسرائيل. ويعترف ماكفرسون في مذكراته بأن جونسون علق بعد اجتماعه بإيبان، بقوله لمستشاريه بأن إسرائيل مضطرة لخوض الحرب الآن.
وفي هذا التعليق يكمن بعض الجواب عن السؤال، لأن تراجع جونسون عن القيام بأي مسعى إيجابي لم يترك أمام إسرائيل سوى الخيار الذي تبحث عنه، أي خيار الحرب، خصوصاً أن الرئيس جمال عبد الناصر كان مطمئناً وواثقاً بأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والأمم المتحدة لن تسمح باندلاع الحرب، وأنها ستتدخل في اللحظة الحرجة ثم كانت الخدمات الأميركية التي ساهمت في نجاح الخطة الإسرائيلية المباغتة. وموقف الرئيس جونسون كان مهماً ومؤثراً، إن كان على صعيد توفير العتاد الحربي واستنفار المتطوعين… أما على صعيد تحييد موسكو ومنعها من الحصول على قرار وقف إطلاق النار قبل أن يكمل دايان ورابين وموردخاي هود عمليات القصف والاجتياح على الجبهات الثلاث.
ويستدل من الوقائع والوثائق المتوافرة أن جونسون غادر البيت الأبيض في 27 أيار (مايو) وتوجه إلى مزرعته في تكساس يرافقه في الطائرة الخاصة مستشاره والت روستو وصديقه آرثر كريم وزوجته الحسناء ماتيلدا.
الصحف الأميركية لمحت في العديد من المقالات إلى العلاقة الغريبة التي تجمع بين عائلة جونسون وعائلة كريم. وهي علاقة تميزت باللقاءات الاجتماعية المكثفة إلى حد أن ماتيلدا طلبت من زوجها بناء فيلا بالقرب من مزرعة الرئيس الواقعة على نهر «بيدرنال» غربي أوستن. وكان من الأمور المألوفة أن يشاهد آرثر وزوجته الحسناء كل «ويك أند» في ضيافة جونسون وزوجته في تكساس، أو في جناح الضيوف في البيت الأبيض. وكثيراً ما كان جونسون يكسر البروتوكول ليقوم بزيارة مفاجئة لهما في شقتهما الفخمة في نيويورك إذا حدث واقتضى برنامجه أن يكون في هذه المدينة. وبطبيعة الحال كانت هذه العلاقة مصدر تساؤلات عن خلفية المرأة الفاتنة التي ترتكز حولها هذه الصداقة!
كانت حياة ماتيلدا مثيرة للفضول بقدر ما كان نمط سلوكها مثيراً للجدل. فقد ولدت ماتيلدا غالان في إيطاليا عام 1937 وتعمدت كاثوليكية، ولكنها ارتدت إلى اللوثرية عندما رجع والدها إلى وطنه سويسرا.
وفي مقابلاتها مع الصحافيين اعترفت بأنها شاهدت أفلاماً مرعبة عن عمليات اضطهاد اليهود في ألمانيا، فقررت أن تتعرف إلى قضيتهم. وقادها هذا الدافع إلى الوقوع في غرام طالب يهودي من أصل بلغاري كان يدرس الطب في جامعة جنيف يدعى ديفيد دانون. وشدتها حكاياته ومغامراته التي بدأت في فلسطين مع أفراد عصابة أرغون الإرهابية بقيادة مناحين بيغن. وأخبرها أنه طرد من فلسطين عندما اكتشفت السلطات البريطانية دوره، فلجأ إلى سويسرا حيث التحق بالجامعة.
ويبدو أن انخراطه في الجامعة كان عملاً مموهاً سهل له تجنيد الشبان اليهود وتأمين سفرهم إلى فلسطين. وروت ماتيلدا للصحف الأميركية حكاية غرامها الأول بالمغامر الشاب الذي استولى على عواطفها بشجاعته، وحضها على اعتناق اليهودية. وتشهد تلك المرحلة أن ديفيد البلغاري كان صديقاً مقرباً جداً للإرهابي الذي اغتال اللورد والتر موين في القاهرة عام 1944، ثم نسف فندق الملك داوود في القدس عام 1946.
ومع تحولها المذهبي ودعمها لقضية اليهود في فلسطين، تزوجت ماتيلدا ديفيد واشتركت معه في تسويق المشروع الصهيوني في أوربا. وفجأة وجدت نفسها عضواً في منظمة «أرغون»، الأمر الذي اضطرها للقيام بعمليات سرية أقلها تأمين الأسلحة للإرهابيين في فلسطين، وحمل رسائل للمتعاونين في فرنسا وإيطاليا. وكانت الشقراء الحسناء تعبر الحدود كل أسبوع على دراجتها الهوائية بعدما تحولت إلى عنصر منسق بين مختلف الخلايا اليهودية.
عام 1953 حصلت ماتيلدا على دكتوراه في علم الوراثة من جامعة جنيف، ثم سافرت إلى إسرائيل مع زوجها ديفيد دانون والتحقت بقسم الأبحاث في مؤسسة وايزمان. وبعد أن أنجبت ابنة طلّقها ديفيد فاستمرت تعمل في المؤسسة إلى أن تعرفت على زائر يدعى آرثر كريم. وبعد فترة قصيرة لا تتعدى أسبوعين تزوجها آرثر ونقلها معه إلى الولايات المتحدة حيث تحولت إلى نجمة اجتماعية مختارة تتزاحم أندية هوليوود ومانهاتن على استضافتها، خصوصاً أنها كانت تتمتع بذكاء وقاد ومؤهلات علمية استثنائية أظهرتها كمساهمة رئيسية في أبحاث السرطان في مركز «سلوان ـ كاترنيغ» ـ نيويورك. وقادها جمالها الأخاذ ومركزها العلمي لفتح كل الأبواب الموصدة بما فيها باب البيت الأبيض، حيث أصبحت جزءاً من البرنامج اليومي للرئيس جونسون. وكان من الطبيعي أن تتسلل بأفكارها السياسية ومعتقداتها الصهيونية إلى ذهنه فتؤثر على قراراته. وهذا ما ذكرته في حديث صحافي أجرته معها جريدة «نيويورك تايمز» بعد انقضاء خمس عشرة سنة على حرب حزيران 1967 فقالت: «كنت أتحدث طوال الوقت مع جونسون عن إسرائيل وعن مأساة الشعب اليهودي، وعن النكبات التي حلت به. وكنت أشعر بإعجابه الشديد وتقديره للشعب اليهودي الذي حوّل الصحراء المجدبة إلى جنائن خضراء». واعترفت أنه كان يعرب أمامها عن سخطه على الذين نكلوا باليهود، ويقول إن تأييده لإسرائيل ناتج عن حقده على مضطهديهم.
ومع تزايد التوتر في منطقة الشرق الأوسط واقتراب ساعات الانفجار، وجدت ماتيلدا نفسها قريبة من الرئيس جونسون بطلب من الذين كرست حياتها لنصرتهم. وكان حضورها الدائم في المزرعة والبيت الأبيض يمنح جونسون سعادة لا توصف، هي سعادة المزارع الذي هبطت عليه حورية جميلة.
وفي كتاب «ستة أيام غيّرت الشرق الأوسط عام 1967» يقول المؤلف دونالد ناف أَنَّ آرثر وماتيلدا وصلا إلى المزرعة في آخر الأسبوع. وكان جونسون يتصل دائماً بوزير الخارجية دين راسك لكي يضعه في صورة التطورات. وأخبره مرة أن أمين عام الأمم المتحدة يوثانت قدم تقريره مع تبرير موقفه لسحب القوات الدولية، وقال إن لقاءه مع عبد الناصر كان إيجابياً. ولقد وعده الرئيس المصري بأن قواته لن تبدأ الحرب، وأن الغاية من الاستنفار هي إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل العدوان الثلاثي عام 1956. وأنهى راسك حديثه عن يوثانت، ثم قرأ للرئيس برقية مرسلة من رئيس الوزراء السوفياتي كوسيغين يؤكد فيها أن بلاده لن تقف مكتوفة اليدين إذا باشرت إسرائيل بالهجوم. وأخبره أن الخارجية تعمل على صوغ برقية إلى الحكومة الإسرائيلية. واغتنم جونسون هذه المناسبة للقيام بجولة حول المزرعة في سيارته «لينكولن كونتننتال» المكشوفة. وكانت الشقراء الحسناء ماتيلدا تجلس في المقعد الخلفي. وبعد جولة سريعة عاد الرئيس وضيفاه إلى الفيلا القابعة وسط المزرعة ليجد نص البرقية التي سيرسلها دين راسك إلى أشكول. وبعد أن قرأها وأطلع عليها ماتيلدا حرص على زيادة عبارة مفادها أن إسرائيل يجب ألا تكون البادئة بالحرب. ولما آوى إلى فراشه كان الجنرالات في إسرائيل يستعدون لساعة الصفر. وفي الصباح غادر الجميع إلى واشنطن.
ساعة إعلان الهجوم الإسرائيلي ـ أي الثامنة صباحاً و38 دقيقة ـ استيقظ جونسون على رنين الهاتف، وكان المتحدث على الخط الآخر مستشاره روستو، ثم وزير الدفاع ماكنمارا، ثم دين راسك، ثم المستشار الصحافي جورج كريستيان. وقبل أن ينتقل إلى مكتبه في الطابق الأرضي فتح باب شقة الضيوف في الطابق الثالث وأيقظ عشيقته ماتيلدا ليقول لها إن الحرب في الشرق الأوسط قد اندلعت. وتعترف ماتيلدا في حديث صحافي فتقول: كنت نائمة عندما هزّني وأيقظني ليخبرني أن الحرب بدأت. ثم تعقب على هذا الكلام بتعليق يؤكد معرفتها ومعرفته بساعة الصفر فتقول: وعندما أخبرني بالحدث أدركت على الفور أنا وهو، من الذي بدأ الهجوم!
لم تقتصر الخدمات التي قدمتها ماتيلدا لإسرائيل على التحول السياسي الذي أدخلته على سلوك سيد البيت الأبيض عندما وظّفت جمالها لمضاعفة حماسته للدولة العبرية. ولكنها تعدّتها لمهمات عملية كانت أولاها طلب الإفراج عن كميات من الأسلحة طلبتها وزارة الدفاع الإسرائيلية، قبل الهجوم بأيام قليلة. وكتب آرثر كريم مذكرة مع زوجته للرئيس يناشدانه التدخل شخصياً للإفراج عن: ألف صندوق من قذائف مدفع 105 ملم وألفي كمامة واقية من الغازات السامة، وصواريخ مضادة للطائرات مع نوع «هوك». وعلى الفور وقّع جونسون على الطلب مع التذكير بالشحن على وجه السرعة.
يقول موظفو البيت الأبيض خلال تلك الفترة أن تأثير ماتيلدا السياسي ظل قوياً ونافذاً حتى خلال أيام الحرب الستة. فقد حدث مرة أنها حاولت الاتصال بالرئيس فلم توفق بسبب اجتماعاته المتواصلة. فكتبت له رسالة تحذير تقول له فيها: «علمت بأن تظاهرة ضخمة سيقوم بها اليهود في ساحة «لافييت» أخشى أن تتحول إلى تظاهرة عداء لك بسبب الموقف الحيادي الذي اقترحه ماك كلوسكي. لذلك أتمنى عليك أن تصحح موقف الإدارة بإعلان موقف مغاير يطالب بسلام دائم بدل الانسحاب. وهذا ما يريد أن يسمعه منك الشعب الأميركي».
وأعجب جونسون بالاقتراح، ثم قرأ نص الرسالة على وزير الخارجية دين راسك الذي نصحه بعدم زج الرئاسة في معركة إعلامية ضد العرب في وقت خسروا معركتهم العسكرية.
وكان راسك بهذه النصيحة يحاول ابعاد نفوذ المستشارين الأخوين يوجين ووالت روستو، إضافة إلى نفوذ غولدبرغ، السفير الأميركي في الأمم المتحدة. وكان الثلاثة اليهود يعملون بالتنسيق مع ماتيلدا لمحاصرة قرارات البيت الأبيض والتحكم بمهمات الرئيس في الأزمة الخاصة بالشرق الأوسط.
ولما نجح راسك في إلغاء اقتراح ماتيلدا دخل عليه روستو ليقرأ له نص برقية مرسلة من أبا إيبان خلاصتها: عندما يطالب المندوب السوفياتي بالانسحاب إلى خطوط ما قبل الخامس من حزيران، سأواجهه بطلب معارض خلاصته بلا للانسحاب بدون سلام نهائي.
وعلى الفور تبنى جونسون هذا الشرط، وأورثه على جميع الرؤساء الذين تعاقبوا بعده)[59]( في 12 أيار سنة 1967 صرح إسحاق رابين رئيس أركان الجيش اليهودي: «إننا سنقوم بهجوم خاطف على سوريا وسنحتل دمشق لنسقط النظام ثم نعود».
وقبل ذلك في يوم 7 أيار 1967 كان قد حدث اشتباك جوي بين طائرات الميراج اليهودية وطائرات الميغ السورية فوق الجولان أسقط فيه اليهود 13 طائرة سورية.
ومنذ أوائل أيار 1967 كان المسؤولون اليهود يصعدون تهديداتهم، فأعلن ليفي أشكول رئيس الوزراء بأن «حرب العصابات أمر لا يقبله العقل ولا يمكن تركه هكذا لأنه يهدد أمن إسرائيل. ومن الواضح أن سوريا هي قاعدة المخربين الذين يفدون إلينا».
وفي يوم 9 أيار 1967 منحت لجنة الأمن في الكنيسة سلطات كاملة للحكومة للقيام بعمليات عسكرية في مواجهة جيرانها في الدول العربية لتنفيذ تهديداتها لدمشق.
وعين ليفي أشكول رئيس الوزراء موشي دايان رئيس الأركان السابق الذي كان يكرهه)[60]( وزيراً للدفاع، فأعطى دايان أوامره بتنفيذ الخطط الموضوعة وحدد يوم 5 حزيران 1967 للتنفيذ. وكان إسحاق رابين رئيس الأركان قد أعد كل شيء في انتظار القرار السياسي الذي أصدره وزير الدفاع.
في الجانب العربي يقول حسين أحمد أمين: كنت أقترب من نهاية العام الرابع من عملي سكرتيراً ثانياً في السفارة المصرية في موسكو، حين قدم إليها أنور السادات يوم 27 نيسان (أبريل) 1967 على رأس وفد كبير من مجلس الأمة المصري الذي كان يرأسه. كانت موسكو المحطة الأولى للوفد في رحلة طويلة تشمل الاتحاد السوفياتي وكوريا الشمالية ومنغوليا. وكان أن طلب مني السفير مراد غالب أن أرافق السادات في تلك الرحلة التي أذكر من بين معالمها لقاء لمدة أربع ساعات يوم 6 أيار (مايو) ما كيم إيل سونغ حذرنا خلاله الرئيس الكوري، في صراحة مذهلة، من مغبة الاعتماد على صدق نوايا القادة السوفيات تجاه مصر، وضرب أمثلة عدة لخيانة الاتحاد السوفياتي للدول الصديقة، من بينها خذلانه المتكرر له إبان الحرب الكورية.
وصلنا موسكو من رحلة الشرق الأقصى في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة 12 أيار. توقفت الطائرة وفُتح بابها للنزول منها فلمحت من فوري عند أسفل سلمها في انتظارنا ثلاثة من كبار المسؤولين السوفيات يصحبهم أحد المترجمين، وما أن صافحوا السادات حتى انتحوا به جانباً لمدة طويلة، وراحوا يتحدثون إليه في جدية شديدة خمّنتُ معها وأنا أراقبهم من بُعد أن أمراً خطيراً حدث. فلما فرغوا أشار إليّ السادات أن أقترب، وهمس في أذني أن أتوجه إلى السفارة على التو، وأن أبعث برقية رمزية على لسانه إلى الرئيس جمال عبد الناصر مفادها أن المسؤولين السوفيات أخبروه عند وصوله بأن إسرائيل تحشد قوات عسكرية كبيرة لها عند الحدود السورية، وأن على مصر أن تتخذ من الإجراءات ما يقتضيه هذا الوضع.
أرسلتُ البرقية. فما مضى يوم أو يومان حتى أعلم عبد الناصر شعبه بالنبأ. واتخذ قراره بتوجيه الجيش إلى صحراء سيناء استعداداً لمؤازرة سوريا الشقيقة في حال وقوع عدوان عليها، ثم قراره الأخطر بإغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وإعلان التعبئة العامة. وكانت تصريحاته وتصريحات المسؤولين من أمثال عبد الحكيم عامر، ولهجة وسائل الإعلام المصرية (خصوصاً أحاديث أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب) خلال الأسابيع الثلاثة التالية، تفيض اطمئناناً وثقة بالنصر في حال نشوب معركة، كما اتسمت بنبرة الفخر بقوة الجيش المصري، والاستخفاف بقوة إسرائيل، وهو ما ذكّرني وقتها بعادة المصريين القدماء تصوير فرعون في نقوشهم عملاقاً يقبض على نواصي أعدائه أقزام البنية، ما من شأنه أن يجرد انتصاره لو تم من أي فضل، ويُضفي على هزيمته لو حلت هوانا لا حد له، إذ يتمكن الفأر الضعيف من هزيمة المارد القوي. غير أن المصريين في موسكو، من أمثالي، كانوا طوال تلك الأسابيع الثلاثة السابقة على نشوب الحرب يشاركون الشعب في مصر ابتهاجه بقرب المعركة الفاصلة، وثقته بما ستكون عليه نتيجتها.
لم يُفسد من ابتهاجنا وتطلعاتنا المتفائلة، ما بدأ أعضاء السفارة في موسكو يرصدونه من مواقف غريبة متناثرة تبدر من السوفيات ومن صحافتهم تجاهنا وتجاه مصر. فعلى رغم أنهم كانوا البادئين بتفجير الموقف بإخطارنا بالحشود الإسرائيلية عند الحدود السورية (وهو ما نفته إسرائيل لاحقاً، أو ما ثبت على الأقل أنها لم تكن بالضخامة التي تبرر تصعيد الموقف) ومن أنهم هم الذين أوصوا عبد الناصر باتخاذ الإجراءات المناسبة، إذا بقادتهم الآن يعبرون للسفير مراد غالب من غضبهم من اتخاذ عبد الناصر قراره بإغلاق خليج العقبة من دون استشارتهم سلفاً، ويلومون مصر على تصعيد الموقف تصعيداً قد يؤدي إلى حرب لا مفر من أن تورط حلفاءها السوفيات، وتُقحمهم في نزاع مع الغرب هم في غنى عنه، كما أن من شأنها في حال الهزيمة أن تثبت ضعف السلاح الروسي في يد المصريين مقارنة بالسلاح الأميركي في يد الإسرائيليين.
بدأنا في السفارة نلمس فتور لهجة وسائل الإعلام السوفياتية في حديثها عن موقف مصر، وتحركات جيشها وقرارات زعامتها، في حين كنا نحسب أننا سنحظى بتأييد حار منها لا تحفظ فيه. وحدث أن رأيت في إحدى حفلات الاستقبال أن بريجنيف وكوسيغين أدار ظهرهما لسفيرنا مراد غالب حين تقدم نحوهما للمصافحة. وأذكر أني ألفت وقتها نشيداً حماسياً عن المعركة المقبلة وضع لحناً رائعاً له الموسيقار المعروف سيد عوض (وكان في موسكو في ذلك الحين يدرس قيادة الأوركسترا) وبعد أن دربنا مجموعة من الطلبة المصريين على إنشاده وطلبنا من السلطات السوفياتية السماح لنا باستئجار أحد أستوديوهات الإذاعة لتسجيله قبل إرساله إلى مصر، رفضت السلطات الطلب قائلة إن إذنها لنا بالتسجيل سيعني أن الحكومة السوفياتية منحازة إلى جانب النزاع.
ثم كان أن جاء إلى موسكو للتشاور وفد عسكري مصري رفيع المستوى برئاسة وزير الحربية شمس بدران محملاً بالهدايا للقادة العسكريين السوفيات، كسلال البطارخ وعلب سجائر البستاني وأجهزة الراديو والأقمشة الفاخرة وصناديق نبيذ جناكليس، فإذا بالقادة السوفيات ـ وعن حق ـ لا يحاولون إخفاء تعبيرات الازدراء الشديد على وجوههم ويرفضون قبول الهدايا ويلتفتون إلى الدكتور مراد غالب قائلين له في غضب: «بحقك أهذا وقت إتياننا بالبطارخ والسجائر؟ ما قلة الذوق هذه؟ أيحاولون رشوتنا؟».
وهو ما يقودني إلى كلمة قصيرة عابرة عن كبار ضباط مصر في تلك الفترة. أتيح لي أن أراقب وقتها عن كثب طبيعة اهتمامات العاملين المصريين في مكاتب الملحق العسكري، والملحق الجوي، والملحق البحري، ومكتب المشتريات الحربية في موسكو، وأن أحضر اجتماعات المشير عبد الحكيم عامر مع هؤلاء الملاحق ومع القادة السوفيات. كان تعيين عامر لمن يشغل تلك المناصب يقوم على أساس الاستلطاف الشخصي في علاقاته ومجالسه الخاصة، ومقابل أن يزوّده الملاحق (ويزودوا بطانته) من حين لآخر أو عند الطلب، بما يحتاج إليه من سجاير صينية أو أطقم كريستال تشيكية أو علب سجاير كوبية أو مرطمانات كافيار وتحف قديمة روسية. وكان الملحقون الضباط بعد أدائهم لهذه الواجبات الرسمية يرون من حقهم أن يشغلوا أوقات فراغهم بالطواف على متاجر موسكو لشراء سلع مماثلة لأنفسهم وعائلاتهم أو بتجهيز بناتهم عن طريق الطلبيات من أشهر المحلات والشركات التجارية خارج الاتحاد السوفياتي. فإن كانت هذه عينة نموذجاً لبعض كبار الضباط المصريين في ذلك الحين ولطبيعة اهتماماتهم، لم يكن من المتوقع منهم أن يستبسلوا في القتال في صحراء سيناء عام 67، أو أن يبذلوا أرواحهم فداء للقضية، وهم الذين يحنّون إلى العودة إلى ديارهم بمقتنياتهم الثمينة. وكان الجنود على دراية تامة بالتكوين النفسي لهؤلاء القادة، وهم على غير استعداد لإطاعة أوامرهم والإلقاء بأنفسهم إلى التهلكة لنيل رضى أحد أو من أجل قضية لا يفهمونها ولا تعنيهم، حين يحدثهم سادتهم آنذاك عن حشود إسرائيلية على حدود سوريا.
صباح المعركة
قصدنا السفارة صباح الاثنين 5 حزيران (يونيو) وتسلح كل منا بجهاز راديو ترانزيستور مثبت دائماً على إرسال إذاعة لندن. لم نسمع إلا في ما بعد بخبر إيقاظ السفير السوفياتي في القاهرة للرئيس جمال عبد الناصر في الثالثة فجر ذلك اليوم ليشدد عليه بأن لا يكون البادئ بالهجوم، ولينصحه بضبط النفس. فهمنا عندئذ ـ بعد ترتيب قطع اللعبة قطعة بجوار أخرى ـ أن الأمر كله بما كان خطط له من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وإسرائيل والقوى العاملة الأخرى التي كان يهمها الهيمنة على المنطقة، أي من قبل النظام العالمي الذي يصفونه الآن بالجديد، وهو ليس جديداً وإن كان الجديد فيه اليوم أن الولايات المتحدة باتت تهيمن عليه بمفردها بعد أن كانت الهيمنة لها وللاتحاد السوفياتي يحيكان المؤامرات معاً ضد دول العالم الثالث.
ما إن وصلنا إلى السفارة وأدرنا المذياع لنستمع إلى نشرة أخبار الإذاعة البريطانية في صبيحة اليوم الأول من الحرب، حتى علمنا بنبأ الهجوم الإسرائيلي. صحتُ وصاح زملائي مهللين: قامت الحرب. هرعت إلى السفير أخبره عله لم يكن قد سمع. وعند باب مكتبه التقيت سكرتيرته الخاصة الروسية مدام نينا خارجة من عنده. وكانت مدام نينا هذه عجوز شمطاء نحيلة ضئيلة الحجم ذات ظهر أحدب، وشعر مشعث أشيب لا ينقصها غير مكنسة تطير عليها لتكون كالساحرات في قصص الأطفال. وكنت شديد الاحترام لها لعلمي بصداقتها القوية بمعشوقة فلاديمير مايا كوفسكي، وكثيراً ما كانت تحدثني بالقصص التي سمعتها من صديقتها عن الشاعر السوفياتي الكبير الذي انتحر عام 1930 بسببها عن سبعة وثلاثين عاماً… صحت بها مهللاً: «قامت الحرب!» فإذا بها تحدجني هادئة بنظرة لم أنسها حتى ال يوم وتمتمت بالإنكليزية How I Pity Your Country! (لكم أشفق على بلدكم). تركتني ومضت. تسمّرت في مكاني أرقبها وهي تبتعد وقلت في نفسي ماذا تعني هذه المرأة المخرّفة بقولها ونصرنا أكيد؟ «انتهى».
الحرب
تناقض المفهومان المصري والسوري، فأساس الأمر كله أن المسؤولين السوفيات أخبروا أنور السادات في موسكو بأن إسرائيل تحشد قوة عسكرية كبيرة لها عند الحدود السورية وأن على مصر أن تتخذ من الإجراءات ما يقتضيه هذا الوضع.
أعلنت يوم 14 أيار 1967 حال الطوارئ في الأراضي المصرية إلى أعلى الدرجات اعتباراً من الساعة الرابعة عشرة والنصف يوم 15 أيار 1967 تضامناً مع سوريا وفقاً لميثاق الدفاع المشترك.
منذ يوم 15 أيار وبسرعة غير عادية تم دفع القوات المصرية لاتخاذ مواقعها في سيناء، وتقدمت مصر بطلب سحب قوات الطوارئ الدولية فوراً فانسحبت وحلت محلها القوات المصرية في خليج العقبة وعلى الحدود الشرقية. وأعلن جمال عبد الناصر إغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة اليهودية.
كان قائد الجيش المصري عبد الحكيم عامر يصعد في الأمر وينادي بأن جنوده لا يتحملون رؤية السفن الإسرائيلية وهي تمر أمامهم في الخليج وهو يجد صعوبة كبرى في شد اللجام.
وكان على اتصال مستمر مع أعضاء القيادة العسكرية لينقل إليهم التطورات السياسية ويعطي أوامره التنفيذية لتحقيق الأغراض السياسية. ولم يتقدم أحد من أعضاء هذه القيادة باعتراض على القرارات السياسية، ومعنى ذلك تسليمهم بالتنفيذ، ولو اعترض لفكرت القيادة السياسية طويلاً في الأمر، وتوقفت عن الاندماج في تصعيد الحرب.
ويقول أمين الهويدي عن ذلك: «يمكن إرجاع ذلك لأحد سببين: إما أن القادة العسكريين خافوا فحجبوا حقيقة حال قواتهم، وهذه مصيبة تصل إلى حد الخيانة. وأما أنهم كانوا يعتقدون فعلاً أنهم قادرون على أداء المهمة بعكس الواقع وهنا تكون المصيبة أعظم وتصل إلى حد العار ممزوجاً بالجهالة».
وهنا أقف قليلاً لأعود إلى الوراء لأعرض موقفاً عربياً مشابهاً جرى قبل سبع وأربعين سنة من هذه الأحداث في دمشق، أقول مشابهاً مع اختلاف الظروف والأحداث:
عندما تأزمت الأمور بين السلطات الفرنسية التي يمثلها الجنرال غورو في بيروت وبين الحكومة السورية التي يمثلها الملك فيصل في دمشق، وأرسل الجنرال غورو إلى الملك فيصل إنذاراً بقبول الانتداب الفرنسي، كان عزم الملك وحكومته على رفض الإنذار وما يطلبه والتصميم على الحرب، وألقى وزير حربيتها يوسف العظمة على (البرلمان) بياناً باسمها رداً على الإنذار جاء فيه: «إننا مستعدون كل الاستعداد ومصممون كل التصميم على الدفاع عن شرفنا وحقوقنا بكل ما أعطانا الله من قوة».
يقول يوسف الحكيم أحد وزراء تلك الحكومة فيما كتبه عن وقائع تلك الأيام: «لما أمر الملك باجتماع الوزارة تحت رئاسته في القصر الملكي نهار الجمعة الواقع في 16 تموز، عرج الوزراء عدا زميلهم وزير الحربية يوسف العظمة ورئيسهم الأتاسي إلى منزل وزير المعارف ساطع الحصري بناء على سابق دعوته لبحث أمر هام وقف عليه مؤخراً. فأوضح لهم نقلاً عن لسان ياسين الهاشمي رئيس ميرة الجيش السوري سابقاً، أن الذخيرة والأعتدة الحربية الموجودة لدى الجيش لا تساعد على الدخول في حرب مع الفرنسيين مهما قصرت مدتها.
دهش الوزراء لهذا البيان ثم واصلوا سيرهم إلى القصر الملكي حيث التقوا بالرئيس الأتاسي ووزير الحربية يوسف العظمة. ولما عقدت الجلسة برئاسة الملك طرح إنذار الجنرال غورو لبحث ما جاء فيه وتهيئة الجواب الذي يستحقه، فوجه معظم الوزراء في بادئ الأمر سؤالاً عن مقدار الأسلحة والأعتدة والذخيرة المتوفرة لدى الجيش ليبنى على الأمر مقتضاه، فأجابهم وزير الحربية: «لدى الجيش من العتاد ما يكفي لمقاومة الفرنسيين مدة من الزمن، وربما لدحرهم على أعقابهم إذا أرادوا ظهورهم في أول ملحمة».
ولما طلب الوزراء من زميلهم وزير الحربية تقديم بيان خطي بموجود العتاد موقع بتواقيع أركان الجيش، أجابهم غاضباً: «ألا تثقون بكلامي وأنا زميلكم المسؤول عن أمور الجيش؟».
ولما قالوا له: «ولكننا لا نرتبط بمصير الأمة وقبول الحرب أو رفضها إلا بعد الوقوف على إمكانات الجيش للدفاع ولو برهة من الزمن، يحول بها دون تقدم العدو إلى العاصمة قبل وصول الخبر إلى الحلفاء».
استمهلهم مدة ساعتين دعا خلالها أركان ا لجيش، فاختلوا في غرفة نحو ساعة من الزمن، ثم حضروا معاً الاجتماع الوزاري المنعقد برئاسة الملك.
حينئذ تلا وزير الحربية البيان الذي قدموه، فوجده يتضمن أن موجود العتاد الحربي لدى الجيش لا يزيد عن مئتين وسبعين طلقة لكل بندقية، وثمانين قنبلة لكل مدفع من المدافع السبعين.
لا أريد الآن الدخول في ذكر تفاصيل ما حدث. وإنما أكتفي بالقول إن وزير الحربية تحمل المسؤولية كاملة فخرج على رأس جنوده فقاتل حتى قتل…
ويقول أمين الهويدي: إن جمال عبد الناصر سأل المشير عبد الحكيم عامر عن قدرات قواته الحقيقية، فأجاب عامر: برقبتي يا ريس!
وفي مرة أخرى رد عامر عقب جلسة للقيادة مساء 2 حزيران 1967 حينما قال له جمال عبد الناصر إنه يتوقع أن يبدأ العدوان بضربة جوية كبيرة ـ رد قائلاً: «بأنه لا يتمنى أن يكون في وضع موشي دايان الذي لا بد وأن يكون الآن حائراً في ما يمكن أن يفعله إزاء الاستعداد المصري!».
وجاء الملك حسين إلى القاهرة يوم 30 أيار 1967 وبرفقته رئيس الحكومة سعد جمعة ورئيس الأركان عامر قاسم وقائد الطيران صالح الكردي، فلم يناقش أمر معاهدة الدفاع المصرية السورية، بل لثقته بكل ما يجري وافق على أن يكون مثلها بين الأردن ومصر.
وفي هذه اللحظات الحاسمة قام وفد مصري بزيارة سوريا والكويت والعراق والجزائر مستنجداً فلقي في الكويت عتاباً لعدم تداول الآراء بين العرب في هذا الأمر الخطير ولكنه وُعد بالمعونة بكل ما يُستطاع. وأما العراق فكان حذراً، إذ أن حشد قواته الجوية في الأردن مع عدم تعزيز وسائل الإنذار والدفاع الجوي يجعلها هدفاً سهلاً للطائرات اليهودية.
وأما الجزائر فقد كان رئيسها هواري بومدين متحمساً، وكان سبب حماسته تصديقه لما يذاع من القاهرة من عنتريات وحماسيات وتوعد وتهديد، فقال للوفد المصري: قد حان الآن لإزالة «رأس الدبوس» هذا في المنطقة (أي إسرائيل)، وأمر رئيس الأركان بفتح المخازن لطلبات الوفد المصري…
وقبل أن نتحدث عما جرى للوفد في سوريا علينا أن نعود إلى ما قصه حسين أحمد أمين من أن ثلاثة من كبار المسؤولين السوفيات كانوا ينتظرون أنور السادات عند سلم الطائرة لحظة وصوله إلى موسكو فانفردوا به وحدثوه طويلاً في جدية شديدة ـ كما يصفها حسين أحمد أمين ـ. وتبين أنهم أخبروه بأن إسرائيل تحشد قوات عسكرية كبيرة لها عند الحدود السورية، وأن على مصر أن تتخذ من الإجراءات ما يقتضيه هذا الوضع. وأن السادات أبرق في الحال إلى جمال عبد الناصر بفحوى ما أخبروه به كبار الرجال السوفيات.
كان هذا الإخبار هو أساس كل ما حدث، وهو الباعث على الإعداد للحرب وللتهديد والوعيد. ولنعد الآن إلى سرد بقية قصة تجوال الوفد المصري الذي زار الكويت والجزائر والعراق والذي سمعنا ما جرى له فيها، ولنسمع الآن ما جرى له في سوريا:
يقول أمين هويدي الذي كان عضواً في الوفد، يقول فيما نشره في جريدة الحياة في عددها 12517 الصادر يوم 7 حزيران 1997 يقول بعد مرور ثلاثين سنة على تلك الأحداث:
أما سوريا فكانت غاضبة من عقد القاهرة اتفاقاً مع الملك حسين، فكانت تشك في نواياه، وأكد رئيس الجمهورية الدكتور نور الدين الأتاسي في حضور الوفد السوري، أن الاتحاد السوفياتي حذر من الحرب، وركز على أن مساعدته العسكرية هي لمنع الحرب وليس بقصد إشعالها.
ويتمم أمين هويدي كلامه قائلاً:
وقد حدث شيء غريب أثناء زيارتنا لسوريا، فقد كان في استقبال الوفد في مطار المزة كل من عبد الرحمان الخليفاوي وزير الداخلية وعبد الكريم الجندي رئيس المكتب الثاني (أي المخابرات)، وطلب مني الجندي أن أرفقه في سيارته إلى قصر الضيافة، وفي الطريق أكد لي أنه لا توجد أمامهم أي حشود إسرائيلية غير عادية، واستنكر إثارة الموقف بالطريقة التي تتم بها. وأفهمته أن إسرائيل حشدت على الجبهة الجنوبية ـ بتقدير الفريق عبد المنعم رياض ـ 12 مجموعة لواء مشاة وخمسة ألوية مدرعة ولواء مظلات، موزعة على الجبهة حتى إيلات، وأن أمامهم ثلاثة ألوية مشاة، وأن عليهم في هذه الحالة أن يقوموا ببعض المناورات لجذب جزء من القوات الإسرائيلية إلى الشمال لتخفيف ضغطهم على الجنوب إذا بدأوا القتال.
وكانت المعلومات التي قالها الجندي تأييداً لمعلومات الفريق محمود فوزي (رئيس أركان الجيش المصري) حين عودته من زيارته لسوريا قبل ذلك بأيام.
ويكمل أمين هويدي كلامه قائلاً: ولم تقم القوات المسلحة في أي بلد عربي بإعادة تقدير للموقف بناء على المعلومات المتناقضة والمتغيرة، كما لم تقم من أي أجهزة المخابرات سواء العسكرية أو العامة بإعطاء معلومات تؤكد أو تنفي قيام إسرائيل بالحشد على أي من الجبهات..
ويذكر أمين هويدي فيما يذكر عن رحلة الوفد قائلاً: وعلى الرغم من أن جميع المسؤولين في البلاد التي زرناها أيدوا موقف القاهرة ووعدوا بالمساعدات التي طلبناها إلا أن عدم الثقة المتبادل كان أعمق من أن تزيله التهديدات القائمة، كما ظهر أيضاً أن لا جدوى حقيقية لهذا النوع من التنسيق الذي يتم بشكل عابر وبلا تخطيط مسبق… (انتهى).
هؤلاء هم الرجال الذين شاءت الأقدار أن تضع بين أيديهم كيان الأمة العربية وشرفها ومصيرها. وهؤلاء هم الرجال الذين ملأوا الآفاق تشدقاً وتفقيهاً، ولم يتركوا كرامة إلا شدخوها ولا حرية إلا استباحوها ولا سمعة إلا لوثوها.
هؤلاء الذين شنقوا عبد القادر عودة وغيره.
هؤلاء الذين أذلوا مصطفى النحاس وفؤاد سراج ومحمد صلاح الدين ومن إليهم من الذين أرهقوا المستعمرين نضالاً والمستبدين كفاحاً…
هؤلاء الذين لم يعفوا حتى عن النساء فظلوا يشهرون بزوجة مصطفى النحاس محاكمة وادعاء… هؤلاء عندما جد الجد كانوا مهرجين ساعات الحزم وأغبياء في ساعات الصرامة ومشعوذين في ساعات الحكمة وجبناء في ساعات البسالة… )[61](.
إرجع إلى ما دوناه من إخبارهم قبل هذه السطور لترى من هم هؤلاء الناس.
جمال عبد الناصر كل ما عنده من إعداد لليوم الموعود، هو جواب عبد الحكيم عامر: برقبتي يا ريس! وكل ما عنده لحماية إغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة اليهودية، هو قول القائل نفسه: إن جنوده لا يتحملون رؤية السفن الإسرائيلية وهي تمر أمامهم في الخليج…
وهذا القائد المشير بلغ من إدراكه لحقيقة نفسه ولحقيقة الحال كلها إلى أن يقول بأنه لا يتمنى أن يكون في وضع موشي دايان الحائر الآن ماذا يفعل… وقد قرأت ما كان دايان قد فعله وما أعد نفسه ليفعله.
ويعيّن ليفي أشكول من كان يكرهه وزيراً للدفاع، ونور الدين الأتاسي يطرد من الجيش الضباط الأكفياء المحترفين ويضع مكانهم ضباطه الحزبيين.
وبلغ من علمهم بحقيقة الموقف في الأيام الحرجة أن رئيس الأركان السوري يؤيد وجود الحشود الإسرائيلية ورئيس جهاز المخابرات السوري ينفي ذلك)[62]( رئيس المخابرات يقول لأمين هويدي: لا حشود إسرائيلية ورئيس الأركان يؤكد لشمس بدران وزير الدفاع المصري وجود تلك الحشود.
وبعد أن قرأت ما قرأت فيما تقدم اقرأ الآن ملخصاً للمحاضر الرسمية للاجتماعين اللذين عقدهما مع المفاوضين السوفيات شمس بدران وزير الدفاع المصري الموفد إلى موسكو في تلك الأيام للاستنجاد بالسوفيات:
اجتماع يوم 26/5/1967
حضر الاجتماع من الجانب المصري وزير الدفاع شمس بدران، والدكتور مراد غالب سفير مصر في موسكو. ومن الجانب السوفياتي رئيس الوزراء أليكسي كوسيغين ووزير الخارجية أندريه غروميكو ووزير الدفاع الماريشال غريشكو ونائب وزير الخارجية سيمونييف.
أولاً: لخص السيد شمس بدران وجهة نظره في الآتي:
* اطمئن الرفاق على أن موقفنا في غاية القوة.
* حينما وصلتنا معلومات من سفارتنا في موسكو يوم 13/5 وكذلك من رئيس أركان حرب الجيش السوري في اليوم نفسه عن الحشود الإسرائيلية على الجبهة السورية، حركنا قواتنا إلى سيناء وتم حشد القوات في 48 ساعة، وأرسلنا الفريق محمد فوزي يوم 14/5 للتنسيق مع سوريا بناء على اتفاقية الدفاع المشترك وعاد في اليوم نفسه.
* قواتنا متمركزة في عدة محاور، وإسرائيل حائرة من اتجاه ضربتنا إزاء هذا التوزيع، ولذلك سحبت قوات كبيرة من الجبهة السورية إلى سيناء ومركزتها هناك، وأصبحت حرية الحركة محدودة أمامها.
* تم احتلال شرم الشيخ بعد انسحاب القوات الدولية وفتحنا بجوارها قاعدة جوية لحمايتها ثم أقفلنا الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية وقواتنا قادرة على تنفيذ ذلك، وحولنا قطاع غزة إلى جزر دفاعية سيستحيل معها نجاح إسرائيل في احتلال أي مدينة.
* بعد أسبوع من تمركزنا في سيناء لن يمكن لإسرائيل عمل شيء ضدنا، وإلا ستنال ضربة قاصمة. وحتى إذا وجهت جميع قواتها إلى جبهتنا وتركت باقي الجبهات خالية فنحن مستعدون لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل فلا يهمنا أميركا ولا غير أميركا.
* احتفظنا باحتياط كبير في منطقة القناة وهناك احتياط استراتيجي في القاهرة، ولكن هذا الاحتياط غير كاف إذا توسعت العمليات، ولذلك استدعينا قوات كبيرة من الاحتياط التي تحتاج إلى سلاح ومن أجل هذا حضرنا.
* وصلتني معلومات اليوم من المشير عامر أنه وصلته معلومات مؤكدة بأن الولايات لامتحدة ستقدم لإسرائيل طائرات عليها العلامات الإسرائيلية يقودها طيارون أميركيون، وفي جميع الأحوال نحن مستعدون لإسرائيل ومن وراء إسرائيل طالما أننا لم نبدأ بالعدوان. والمكسب الذي حققناه في شرم الشيخ أو خليج العقبة لا يمكن التخلي عنه لأنه كان مترتباً على عدوان 1956 ونحن لن نبدأ بالعدوان، فقد عدنا إلى وضعنا قبل 1956.
* التعبئة استهلكت جزءاً كبيراً من مخازننا ولذلك أعددنا كشوفاً بها طلباتنا من الأسلحة، وهذه سوف يتم التعاقد عليها مع استعجال العقود القديمة التي تم التعاقد عليها من قبل.
ثانياً: لخص السيد أليكسي كوسيغين موقف الاتحاد السوفياتي في الآتي:
* عندما حشدت إسرائيل قواتها ضد سوريا أبلغناكم بذلك وكانت المعلومات صريحة.
* معلوماتنا تؤكد وجود نشاط كبير في إسرائيل، وقد تقوم بعمليات عسكرية في نهاية أيار (مايو) فهم يجهزون لتوجيه ضربة. والمعروف أنه عندما تنشب العمليات العسكرية سيكون صعباً على العالم معرفة من بدأها، وأنا أفهم أن وجهة نظر عبد الناصر هي أن يزداد التوتر على الحدود ولكن بصورة لا تؤدي إلى عمليات عسكرية، وهذا سليم. فلا يصح أن تبدأوا بأي عمليات عسكرية، فقد حصلتم على كل ما تريدون ونحن نرى الاكتفاء بما وصلتم إليه: انسحاب قوات الطوارئ، سيطرتكم على الخليج، قواتكم في غزة، ماذا تريدون أكثر؟ ولكن العدو لن يوافق على إغلاق الخليج تماماً.
* نحن نعتبر النقاش حول الطاولة مفضلاً على المعارك الحربية مع إظهار القوة. فإذا قبلتم هذه الأفكار تكون أفكارنا متطابقة. وبخصوص طلباتكم العسكرية قدموها لوزير دفاعنا، ولكن هذه الأمور يجب ألا تساعد على قيام حرب لأن عدم قيام حرب في مصلحتكم. والمعلومات التي وصلتنا اليوم تقول إن هناك داخل إسرائيل من يدعو إلى عمليات عسكرية حتى بعد زيارة بوثانت، إذ يرون أن تأجيل المشكلة ليس في صالح إسرائيل وسوف يشترك دايان في العمليات، وهم يقيمون خنادق في تل أبيب ويعززون الدفاع الجوي. لا بد من التصرف العاقل وتفكير بارد ولا نعطي فرصة للاستفزازات. وسنجتمع في مكتبي الساعة العاشرة صباحاً لنستمع إلى وزيرنا للدفاع.
اجتماع يوم 27/5/1967
وعقد الاجتماع في الموعد المحدد يوم 27/5 في مقر رئاسة الوزارة وتحدث كوسيغين أولاً. وكان ملخص حديثه في الجلسة كالآتي:
* بعثنا برسالة إلى رئيس وزراء إسرائيل نحذرهم من بدء العدوان، وسنرسل اليوم رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة متضمنة رأينا بأن مساعداتهم لإسرائيل تزيد من حدة التوتر، وسنخبره بأنه إذا قامت إسرائيل بالعدوان فإن الولايات المتحدة ستكون في نظرنا هي المعتدية وسنؤكد له أن عواطفنا مع العرب وسنرسل رسالة أيضاً إلى بريطانيا لتوضيح موقفنا.
*قسمنا طلباتكم من الأسلحة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول خاص بالعقود المفروض تنفيذها عام 1968 سيتم شحنها كلها تقريباً في تموز وآب (يوليو وأغسطس) هذا العام، أما القسم الثاني والخاص بالطلبات الجديدة فقد صدرت التعليمات بسحبها من مخازن وزارة الدفاع وشحنها فوراً، أما بالنسبة للقسم الثالث فقد اتصلنا بالمصانع وسنخطركم بالقرار خلال 20 يوماً.
هذا بخلاف موافقتنا ـ بناء على طلب الرئيس ناصر ـ على إمدادكم بـ40 طائر ميغ، 100 مصفحة، كما قرر المكتب السياسي في اجتماعه أمس تخفيض السعر إلى 50 في المئة بسبب الظروف الحالية (كان المتبع دفع ثلثي ثمن الأسلحة على 10 سنوات بفائدة 2 في المئة).
*أكرر إن إمدادات الأسلحة لكم ولسوريا هدفها ألا يحدث اشتباك مسلح، لأننا نريد السلام من خلال القوة. وقد وصلت برقية الآن من سفيرنا في تل أبيب عن مقابلته مع أشكول والتي أكد فيها رئيس وزراء إسرائيل أنهم لا يسعون إلى الحرب وأن واشنطن تدعوهم إلى التحفظ.
يقول أمين هويدي: أرسل شمس بدران صورة محضر الاجتماع إلى الرئيس، ولكنه لم يقرأها إلا بعد انتهاء الحرب لأن وقته لم يسمح إلا بالاستماع إلى تقرير شفهي من الوزير الذي كان متأثراً إلى حد كبير بحديث عابر للمارشال غريشكو أثناء توديعه له بالمطار، إذ قال له وهو على سلم الطائرة في طريق العودة: «على العموم أساطيلنا تحت أمركم» علماً بأن حديث غريشكو لم يكن إلا «حديث طريق لرفع روحه المعنوية وهو يغادر موسكو»، حسب ما قاله المارشال السوفياتي بنفسه لمراد غالب سفيرنا في موسكو، حينما سأله عن معنى ما قاله للوزير المصري.
ويبدو أن الرئيس صدق ما نقله إليه الوزير لأنه قال لأعضاء مجلس الأمة يوم 30/5 / 1967 حينما اجتمع معهم في قصر القبة ليبلغوه بقرار التفويض الذي سبقت الإشارة إليه «حينما قابلت شمس بدران بعد عودته من موسكو أبلغني رسالة من كوسيغين بأن الاتحاد السوفياتي يقف معنا في المعركة ولن يسمح لأي دولة أن تتدخل، إلى أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل 1956». وقد أكد لي مراد غالب حقيقة انطباعاته في رسالة خطبة حملها الوزير حمدي عاشور عند عودته إلى القاهرة بعد أن أنهى زيارته للاتحاد السوفياتي يوم 26/5/1967. ولقد استمع مجلس الوزراء، وكنت عضواً فيه، إلى بيان لوزير الحربية عرض فيه بعض الخرائط التي سارع بعض الضباط بوضعها على لوحات معدة من قبل، وهو يبتسم ابتسامة لا تتفق مع خطورة الاجتماع والأوضاع. وكان البيان يؤكد الثقة بالنفس وبالقدرة القتالية للقوات. وحينما أبديت، بصفتي وزيراً للدولة لشؤون مجلس الوزراء، قلقي من الأوضاع المحلية والعربية ومن احتمال تدخل الاساطيل الأميركية الموزعة في المنطقة، رد وزير الحربية بنفس الابتسامة والثقة «إذا تدخل الأسطول الأميركي فنحن كفيلون به» وانتهى اجتماع المجلس من دون اعتراض من أحد!
الموقف في رأي وزير الدفاع لا في قوة فقط، بل في غاية القوة! هكذا افتتح شمس بدران كلامه! وكذلك فإن خطط شمس بدران وعبد الحكيم عامر قد جعلت موشي دايان وإسحاق رابين حائرين لا يدريان من أين سيوجه الوزير والمشير ضرباتهما! والقوات المؤتمرة بأوامر شمس بدران قادرة على حماية إغلاق الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية وقادرة على تنفيذ ذلك!
وترتيبات شمس بدران وعبد الحكيم عامر جعلت من المستحيل نجاح إسرائيل في احتلال أي مدينة في قطاع غزة!
وأوامرهما في تمركز الجنود ستضرب إسرائيل ضربة قاصمة!
وأكثر من ذلك: إنهما قادران على سحق أميركا التي هي وراء إسرائيل… وفي الجانب الآخر نرى أن وفدين إسرائيليين قد وصلا إلى واشنطن في الأسبوع الأخير من شهر أيار 1967 الوفد الأول برئاسة وزير الخارجية أبا إيبان. والثاني برئاسة رئيس إدارة المخابرات (الموساد) مائير أميت.
جاء الوفدان لا (للفشر) ـ كما يقول المصريون ـ ولا (للتفنيص) ـ كما يقول اللبنانيون، بل لاطلاع أركان الإدارة الأميركية على تفاصيل خطة إسرائيل العسكرية. وعادا وهما مطمئنان تماماً للدعم الأميركي. وقد اجتمع جونسون وكبار مستشاريه مع إيبان مساء 26 أيار 1967 وبعد الاجتماع قال جونسون لمساعديه: إن إسرائيل سوف تضربهم.
ومن أعجب مظاهر الفوضى والخروج عن المنطق وعن أعراف الأمم وقوانينها أن القيادة العسكرية المصرية بقيادة عبد الحكيم عامر نقلت إلى سيطرتها كل الأجهزة التي كانت تابعة لوزارة الدفاع من قبل. ثم صدر قرار جمهوري بتولي وزير الدفاع شمس بدران: «معاونة قائد الجيش ممارسة اختصاصاته وسلطاته، ويكون مسؤولاً أمامه عما يفوضه فيه في شؤون القوات المسلحة من الناحيتين الإدارية والعسكرية» وبناء على ذلك أصدر قائد الجيش عبد الحكيم عامر قراراً بتحديد اختصاصات ومسؤوليات وزير الدفاع.
وهكذا أصبح وزير الدفاع بأمره قائد الجيش ومسؤولاً أمامه!
وليس هذا ما كان يجري فقط.
وإذا كانت هوائية شمس بدران وعبثيته قد أوهمته بأنه عاد بالدعم السوفياتي، فإن واقعية أبا إيبان ومائير وجديتهما جعلتهما يعودان بالدعم الواقعي الجدي.
ويجب أن نذكر هنا أن إسحاق رابين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أعلن في 12 أيار 1967 “إننا سوف نشن هجوماً خاطفاً على سوريا وسنحتل دمشق لنسقط النظام فيها ثم نعود”.
لذلك أعلن أركان النظام نور الدين الأتاسي رئيس الدولة ويوسف زعين رئيس الوزراء وإبراهيم ماخوس وزير الخارجية بأن إسرائيل لم تستطع تحقيق هدفها من الحرب، وهو إسقاط نظامهم… وشبيه بهذا ما قاله أمين عام الحزب العربي الديمقراطي ضياء الدين داوود في شهر حزيران سنة 1997 أي بعد ثلاثين سنة من الهزيمة في حديث له مع مجلة الشراع البيروتية.
قال: «لم يكن هناك انسجام بين القوات المسلحة وعبد الناصر بسبب الصراع العلني والخفي بين المشير عامر وقوة الجيش التي كانت تعاضده. وحرص جمال عبد الناصر على تفادي أي صراع عسكري ممكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، فكان (الريس) يخشى أن يقع شقاق أو صراع داخلي في القوات المسلحة، وإن أي صراع سيؤدي بالبلاد إلى حافة الهاوية. إنما بعد سنة 1967 كان حسم الصراع أسهل، لأن الشعب خرج وأكد وجوده على الساحة وأكد إرادته وانضمامه إلى عبد الناصر، وقيادة الجيش خرجت منهزمة تحمل مسؤولية الهزيمة العسكرية، فكان من السهل حسم الصراع الذي طال أكثر مما ينبغي. ومن هنا استقامت الأمور بعد ذلك، بدليل التئام جروح الجيش الذي عاد وخاض معارك ناجحة في حرب الاستنزاف بعد أن توافرت له عناصر التدريب الجيد، وتصرف عبد الناصر مع الجيش دون أي قيود، أي أصبح اليد الطليقة في التصرف داخل الجيش».
وهكذا فإن رأي هذا الناصري المصري كرأي نور الدين الأتاسي وصحبه! ومن أعاجيب هذا الرجل أنه يعترف أنه لم يكن هناك حائط صواريخ على قناة السويس الذي يحمي الداخل في مواجهة الطائرات الإسرائيلية. ويعترف بأن القوات المسلحة لم تكن مهيأة لدخول المعركة، ويعترف بأنه كانت هناك تأكيدات عكس ذلك. ويعترف بأن من عوامل عدم تهيؤ القوات المسلحة، وهو دخول حرب اليمن. ويعترف بأن شمس بدران لم يكن الشخص الكفء عسكرياً الذي يوضع في مثل ذاك الموضع ويتحمل مثل تلك المسؤولية.
يعترف بكل هذا، ونحن نسأل من المسؤول عن كل هذا؟!
ويختم اعترافاته بأن جمال عبد الناصر لم يقرأ تقرير السفير المصري في موسكو إلا بعد انتهاء الحرب!!
وكتب اللواء الركن المصري حسام سويلم ما يلي:
تعتبر عملية صنع القرار السياسي جوهر عمل القيادات السياسية، كما حدث في حرب 1967 التي ما زالت آثارها باقية.
وقرار الحرب الرشيد هو ذلك القرار الذي يحقق الانتصار السياسي والعسكري في المعركة، ويبعد المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها أمن الأمة القومي. مثل إجبار الخصم على التراجع عن موقفه أو الاستيلاء على مساحة معينة من الأرض ذات أهمية استراتيجية، أو إصابة العدو بخسائر فادحة، أو تدمير أداة الخصم العسكري، أو فرض الإرادة على الخصم بعد تحطيمه.
وينبغي أن يكون قرار الحرب في صورته المحددة متناسباً مع إمكانيات الدولة الاقتصادية والعسكرية، وفي إطار توازن القوى بين أطراف الصراع، وأن يتمتع بإجماع شعبي وأن يستند إلى الشرعية التي ينص عليها القانون الدولي، وأن يحظى بأكبر مشاركة من صانعي القرار، وأن يؤدي إلى تحييد حلفاء العدو، أو شق صفوفهم.
* عبد الناصر والحرب:
أ ـ مؤسسات الدولة: شهدت الفترة من 1964 إلى 1970 إلغاء مجلس الرئاسة الذي كان يضم أعضاء مجلس قيادة الثورة وبالتالي عودة إلى الدور الرئيسي لعبد الناصر في عملية صنع القرار السياسي، إذ تركزت سلطات الدولة في يده، وإن كان يوجد مجلس وزراء يرأسه عبد الناصر أيضاً مسؤول عن الجوانب التنفيذية، كما كان يوجد مجلس للدفاع الوطني يرأسه عبد الناصر كذلك، وإن كان من الناحية الفعلية لم يخرج الأمر عن الدور الرئيسي لعبد الناصر.
ب ـ البيئة الداخلية: كان المجتمع المصري يعاني بصورة سيئة من القهر والتعسف على أيدي أجهزة الاستخبارات المتعددة، وتقييد الحريات والصحافة، وكانت وسائل الإعلام كلها في يد الحكومة.
ج ـ الاقتصاد المصري: كان يعاني من ضغوط عدة بفعل الحصار الغربي، مع ارتباط وثيق بالاقتصاد السوفياتي وتزايد حجم الديون خصوصاً العسكرية، مع انهيار تدريجي في البنية التحتية.
د ـ القدرة العسكرية: كانت القوات المسلحة تعاني من الآثار السلبية لحرب اليمن بعد خمس سنوات من الحرب في مناطق جبلية لم تتدرب على القتال فيها، مما كبدها خسائر بشرية ومادية جسيمة. وقد تم احتجاز قرابة ثلث الجيش المصري للحرب هناك. وعندما تقرر سحب القوات المصرية من هناك في إطار اتفاق جدة. كانت هذه القوات منهكة وغير قادرة على خوض حرب جديدة في مواجهة إسرائيل. أما القوات الموجودة داخل مصر فقد فرضت عليها قيود في التدريب والاستكمال بسبب محدودية الموازنة الدفاعية، ما أدى إلى ضعف كفايتها القتالية عموماً:
هـ ـ عملية صنع القرار: لم تكن عملية صنع القرار منظمة ولها آلياتها وأجهزتها وضوابطها، بل كانت أقرب إلى العشوائية والارتجالية، وتكاد تكون حركتها محصورة بين قطبين هما رئيس الجمهورية، ونائبه القائد العام للقوات المسلحة، ولكل منهما أعوان شخصيون، ولاؤهم لشخص متبوعهم أكثر مما يرتبط بالوطن والمصلحة العليا له.
و ـ البيئة الخارجية: كانت علاقات مصر مع معظم الدول العربية تبلغ درجة الانهيار، بسبب حرب اليمن من جهة، ومخاوف الأنظمة العربية من تغلغل الناصرية في بلدانها، أما علاقات مصر مع الولايات المتحدة ومعظم الدولة الغربية فكانت سيئة للغاية، وبلغت درجة العداء بسبب الانحياز الكامل للاتحاد السوفياتي الذي كانت تحتفظ مصر معه وباقي بلدان الكتلة الشرقية بعلاقات وثيقة لا تقوم على المشاركة بقدر ما يصل إلى التعبئة، مما كان له آثار سلبية على الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية داخل مصر. وكان لمصر دور بارز في مجموعة عدم الانحياز، لكنه لم يكن يساوي أكثر من قرارات من دون فاعلية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
قرار حرب 1967
باستعادة أحداث هذه الفترة سنجد أن سوريا منعت إسرائيل من استزراع المنطقة منزوعة السلاح عند سفوح الجولان المطلة على إسرائيل، وذلك بضرب المعدات الإسرائيلية العاملة في هذه المنطقة، الأمر الذي خلق أزمة بين سوريا وإسرائيل بلغ حد تهديد إسرائيل بضرب دمشق. ووسط هذه الأجواء أبلغ الاتحاد السوفياتي مصر أن إسرائيل تحشد قواتها على حدود سوريا توطئة للعدوان عليها، وحثّ عبد الناصر على إعلان دعمه لسوريا، وذلك بإعلان عزمه على التدخل لحمايتها، ومحاولاً استغلال الأزمة لتغطية انسحابه من اليمن، وليثبت أن مصر لا تزال قادرة تحت قيادته على توجيه الأحداث والمشاركة في صنعها في المنطقة، أعلن التعبئة العامة، وحرك القوات المصرية إلى سيناء في استعراض عسكري يبعد عن كل معايير الإعداد للحرب. ثم طلب من الأمم المتحدة سحب القوات الدولية من سيناء فوافقت على ذلك، ما اضطر عبد الناصر إلى دفع قواته حتى خط الحدود الدولية مع إسرائيل، في الوقت ذاته الذي أصدر فيه قراره بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية ثم نجده يعقد مؤتمراً صحافياً في إحدى القواعد الجوية في سيناء يوضح فيه بغير شك استعداد مصر للحرب. اتخذ عبد الناصر كل هذه القرارات في غيبة كاملة، بل غيبوبة للمؤسسات الدستورية التشريعية والتنفيذية كافة.
وكل هذا التواتر للأحداث التي يأخذ عبد الناصر زمام المبادأة في تطويرها من دون تشاور مع أحد أو جهة أو مؤسسة، ومن دون تقدير لردود الفعل الدولية، نجده يقرر أن إسرائيل ليس أمامها في مواجهة الأحداث التي حركها بنفسه سوى الحرب، وأنه يتوقع، بل متيقن من إقدامها على هجوم في الفترة من 2 ـ 5 حزيران (يونيو). وهو ما حدث فعلاً وكانت نتيجته هزيمة قاسية للقوات المصرية، واحتلال إسرائيل لكل سيناء في هجوم خاطف انتهى بوصول قواتها يوم 9 حزيران (يونيو) إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وتدمير 80 في المئة من معدات الجيش المصري وأسلحته، ومقتل 30 ألفاً من أفراده. أما على الصعيد السياسي فقد حظيت إسرائيل بموقف دولي متعاطف، لا سيما من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية، ولم يستطع الاتحاد السوفياتي أن يحرك ساكناً باستثناء تصريحات سياسية جوفاء تدين العدوان الإسرائيلي. وكان رد فعل جمال عبد الناصر متخبطاً، إذ اتهم الولايات المتحدة وبريطانيا بالاشتراك المباشر فى الحرب إلى جانب إسرائيل وهو ما لم يثبت بعد ذلك قطع علاقاته معهما تبريراً للهزيمة. ثم أعلن مسؤوليته عما حدث وتخليه عن القيادة في مصر. ثم عاد وتولى مسؤولياته مرة أخرى بدعوى الضغوط الشعبية الرافضة لقراره. وانعكس ذلك كله في قرار مجلس الأمن 242 الذي قنن نتيجة الحرب في صورة شرعية حين ربط الانسحاب من (أراض) عربية محتلة ـ وليس (كل الأراضي) المحتلة، وبين ضرورة الاعتراف بإسرائيل في حدودها الآمنة. ولم يكن أمام مصر سوى الإذعان والقبول. وكان ذلك بداية مرحلة جديدة في العلاقات الإسرائيلية العربية لها ما بعدها.
لم يحقق قرار عبد الناصر أياً من الأهداف التي كان يتوخاها بل أدى إلى نتائج عكسية تماماً. ويرجع ذلك إلى افتقاره إلى المعلومات اليقينية عن الأزمة وأطرافها، وإلى استجابته لما دس عليه من معلومات مضللة من جانب الاتحاد السوفياتي. ونتيجة للفردية والعفوية التي كانت سمة صنع القرار في أيامه، فإنه لم يستمع إلى أي مشورة أو رأي مخالف لما وقر في ذهنه من قرارات مسبقة صمم على تنفيذها، لكونها تتواءم مع معتقداته السياسية القومية، وتغذي نزعته في فرض زعامته على العالم العربي التي تضاءلت بعد تهاوي الوحدة بين مصر وسوريا وانسحابه من اليمن.
وقال الدكتور محمد عبد القادر حاتم:
أريد أن اشير إلى أن حرب أكتوبر/ تشرين الأول كانت بداية مرحلة استعادة الثقة في الإعلام المصري سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو العالمي بعدما أضعف أداؤه خلال حرب يونيو/ حزيران من مصداقيته على المستوى العربي ناهيك عن المستوى الدولي.
ذلك أن تأثير ما حدث في حزيران/ يونيو 1967 على المصريين والعرب كان عميقاً، وكان أحد الأسباب الرئيسية لذلك ما أذاعته أجهزة الإعلام المصرية من بيانات وأخبار وكذلك نشر التصريحات غير المسؤولة قبل حرب يونيو 1967 بأننا نملك الصواريخ التي ستدمر إسرائيل في ساعات محدودة، وأننا نملك أقوى قوات عسكرية في الشرق الأوسط. وأخذت أجهزة الإعلام في تهويل قوة قواتنا والتهوين من قدرة قوات إسرائيل، بل إن المسؤولين المصريين قالوا إن مصر ستُلقي إسرائيل في البحر مما حمل الرئيس تيتو، كما جاء في مذكراته، على أن يسأل الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967 هذا السؤال: هل قلت سيادتكم هذه العبارة؟ فنفى الرئيس عبد الناصر، بأنه أو أي مسؤول مصري قال تلك العبارة. ومن هنا نرى أن إسرائيل نفسها كانت تغذي وتنسب إلى المسؤولين المصريين وأجهزة الإعلام المصرية ما يقولونه وما لم يقولوه، لتكسب بذلك الرأي العام العالمي وعطف الشعوب والدول الصديقة لها. وللأسف لم تصحح أجهزة الإعلام المصرية هذه المعلومات الكاذبة، بل سكت المسؤولون، فانتشرت دعاية وادعاءات إسرائيل في كل أنحاء العالم ضد مصر وكأنها حقيقة صادقة.
وقد حدث في أوائل الساعات الأولى لحرب حزيران/يونيو 1967 أن أذاعت أجهزة الإعلام المصرية شعارات مع أناشيد وموسيقى حربية وخطب حماسية عن أخبار النصر وتباشير الفوز، وأخذت تعلن في بيانات رسمية أن مصر أسقطت 250 طائرة إسرائيلية، وتذيع أخباراً عن هزائم عسكرية مني بها الجيش الإسرائيلي، وأنه أخذ في الانسحاب أمام القوات العسكرية المصرية، بل الأغرب من ذلك أنها بعدما بشّرت به من نهاية لإسرائيل وتدميرها أذاعت خبراً هاماً ـ كما قالت ـ بأن أم كلثوم كوكب الشرق وافقت على أن تقيم حفلتها القادمة، في تل أبيب بعد أسبوع.
وهكذا عاش الشعب العربي كله في الساعات الأولى من الحرب وفي أيام معدودة في موجة عارمة من الآمال غير الحقيقية نتيجة هذه الأخبار ولكن فجأة، وعلى نقيض هذه النغمة تماماً، يسمع الشعب الحقائق وتعلن أجهزة الإعلام المصرية أنباء رسمية تحمل الحقيقة وتشير إلى الهزيمة، وأن كل ما أذيع غير صحيح، وهكذا ضاعت الآمال العريضة ونتج عن ذلك كله زلزال نفسي خطير للشعب المصري والعربي نتيجة لكل ما قيل من أكاذيب طوال أيام حرب يونيو 1967، واستغلت أجهزة الدعاية الإسرائيلية هذا الموقف، وأخذت تذيع وترد على السخريات التي أذاعتها الإذاعة والإعلام المصري، فقالت إن كوكب الشرق أم كلثوم ستكون موضع ترحيب في حفلاتها القادمة في تل أبيب، وأخذت الإذاعة الإسرائيلية تردد ما سبق أن قالته الإذاعة والإعلام المصري بأن دايان فقد في الحرب وتعلق عليه بأن «دايان معنا الآن وسيتحدث اليوم» فيقول دايان بغطرسة وتكبر في الإذاعة الإسرائيلية إن جيش إسرائيل لا يُهزم ولا يقهر، وإنه انتصر في ثلاث حروب مع العرب حرب 1948، وحرب الساعات الست في عام 1967 وحرب السويس 1956 (انتهى).
رقبة عبد الحكيم عامر
في الوقت الذي كان كل ما عند جمال عبد الناصر من خطط للحرب التي ملأ الدنيا تهديداً بها، وراح يرعد ويبرق متوعداً إسرائيل، في الوقت الذي كان كل ما عند جمال عبد الناصر وهو يهدد يوم 28 أيار صارخاً في بعض ما قاله: «إننا نتلهف لقتال إسرائيل. هذه المعركة ستظهر للعالم من هم العرب ومن هي إسرائيل، سنثبت أن الجندي العربي شجاع ومستعد للمعركة». في الوقت الذي كان كل ما عنده من خطط لليوم الموعود يوم هزيمة إسرائيل، هو سؤاله لعبد الحكيم عامر عن قدرات قواته، وجواب عبد الحكيم عامر له: برقبتي يا ريس…
في الوقت الذي كانت رقبة عبد الحكيم عامر هي جسر العبور إلى النصر عند جمال عبد الناصر، كان الجنرال (هود) قائد القوة الجوية الإسرائيلية والجنرال إسحاق رابين رئيس أركان الحرب الإسرائيلي عاكفين على وضع الخطط للصدام القادم.
كان يخطط (هود) لتدمير القوات الجوية العربية على الأرض بضربها في وقت واحد، وكانت طائراته تطير على مستوى منخفض لتفادي الرادارات وأجهزة الإنذار لتمهيد الطريق أمام قوات إسحاق رابين البرية لتدمير جيوش العرب بالاختراقات العميقة والاستيلاء على الأرض، ودوس رقبة عبد الحكيم عامر للوصول إلى غاياتها!
ولا بد لي هنا من أخذ نص لخبير عسكري مصري، طالما اعتمدت على نصوصه، فيه الكثير من الحقائق التي تجب معرفتها يقول أمين هويدي:
العلاقة الصحيحة بين القيادتين السياسية والعسكرية، كما أثبتتها التجارب، والتي لم يكن معمولاً بها في الدول العربية التي اشتركت في الحرب، تتلخص في الآتي:
* خضوع القيادة العسكرية تماماً للقيادة السياسية منفذة لسياستها وتعليماتها وتوجيهاتها، وخاضعة في الوقت نفسه لرقابة الدولة من خلال مناقشة سياستها وكفاءتها أمام المجالس المتخصصة وفي جلسات مجلس الوزراء أو المجالس النيابية، بل وفي الصحافة، كما يجب أن تخضع نفقاتها لأجهزة الرقابة المختصة حتى تتأكد الدولة أن الإنفاق يحقق أكبر عائد لأن القوات المسلحة هي درع الدولة وحاميتها.
*تلتزم القيادة السياسية بتوفير المناخ السياسي الملائم لعمل قواتها المسلحة، وتوفير الإمكانات المالية للحصول على المعدات اللازمة في حدود الإمكانات المتاحة، وعليها في الوقت نفسه عدم التدخل في كيفية قيام القوات المسلحة بتنفيذ المهام التي تكلف بها لتحقيق الأمن القومي للبلاد، مع التأكد من تفرغ القوات المسلحة لتأدية واجباتها والتثبت من كفاءة قادتها في كل المستويات لا على أساس الولاء ولكن على أساس الكفاءة والخبرة، سواء كانت المسؤولية وزارية أو برلمانية.
* وزير الدفاع مسؤول عما يجري في القوات المسلحة، فهو يمثل القيادة السياسية على قمة المؤسسة العسكرية، وعليه أن يقود مؤسسته ولا يسمح بحدوث العكس.
* إعلان الحرب ووقفها من أعمال القيادة السياسية. ومعنى ذلك أن توجيه الضربة الأولى قرار سياسي، فهي إعلان للحرب، وكذلك العمل بالنسبة إلى قرار الضربة الثانية لأن معناها رد العدوان. وللقيادة السياسية الحق في تحديد مدى العمليات العسكرية، بل وتحديد الأغراض المهمة التي يحتفظ بها أو يُستولى عليها، ومن مسؤولية القيادة العسكرية ملاحظة ذلك عند وضع خططها.
*للقيادة السياسية حق تعيين وعزل القيادة العسكرية. كما تتم التعيينات في المناصب العسكرية الرئيسية بموافقة وتصديق القيادة السياسية.
* للقيادة العسكرية أن تعترض على كل المهام التي تكلف بها أو على جزء منها. فإذا أصرت القيادة السياسية على رأيها مع استمرار عدم اقتناع القيادة العسكرية فعليها أن تقوم بالمهمة وحينئذ تصبح مسؤولة عن النتائج أو أن تخلي موقعها لمن يقبل التنفيذ عن قناعة.
كل هذه القواعد لم يكن معمولاً بها على الإطلاق، الأمر الذي يجب أن نضعه أمام أنظارنا ونحن نحاول أن نعرف حقيقة ما حدث ولماذا حدث، ولنقيم تقييماً صحيحاً ما ورد على لسان كثيرين ممن كتبوا في الموضوع خصوصاً العسكريين منهم أثناء ما أسميه «معركة الجنرالات» بعد الهزيمة، لأن هذه العلاقات لم تكن سليمة، ونجم عنها استقلال المؤسسة العسكرية عن الدولة، فأصبحت الرقابة عليها معدومة، وأصبح ما يجري فيها من تعيينات لكبار القادة أو تدريبات لرفع مستوى القدرة القتالية أو الإنفاق الطائل الذي لا يخضع إلى أي ترشيد، في إطار لا يمكن لأحد اختراقه، كما تسبب ذلك في عدم توزيع المسؤوليات على قمة القيادة العسكرية توزيعاً سليماً يتفق والتنظيم العلمي الذي يخدم إدارة العمليات العسكرية إذا وقعت، مما جعل بعض القادة يكتبون أنه لم يكن لهم أي اختصاصات يمارسونها، بل اعترف أحدهم ـ وذكر أنه لا يخجل من ذلك ـ بأنه كان «طرطوراً». ولست أدري كيف يمكن قيادة هذه الآلة المعقدة بـ«طراطير» أو بقادة بلا اختصاص؟ والسؤال الأخطر هو: كيف يمكن لهؤلاء القادة ذوي الرتب الرفيعة أن يقبلوا عن أنفسهم هذا الوضع لا لتعارضه مع الكرامة الشخصية فقط، ولكن لتعارضه أيضاً مع أبسط قواعد الأمن القومي؟ ولكن الحرص أذل أعناق الرجال!
في ظل هذه التصرفات غير السلمية، كان الجنرال هود قائد القوة الجوية الإسرائيلية والجنرال إسحاق رابين رئيس أركان الحرب الإسرائيلي عاكفين على وضع الخطط للمواجهة القادمة. كان غرض الأول تدمير القوات الجوية العربية على الأرض عبر ضربها في وقت واحد، وطائراته تطير على مستوى منخفض لتفادي الرادارات وأجهزة الإنذار، لتمهيد الطريق للقوات البرية لتدمير جيوش العرب بالاختراقات العميقة والاستيلاء على الأرض.
وفي مقابل ذلك لم يلتفت أحد لتدريب القوات العربية على الاسلحة الجديدة أو العقائد العسكرية المتطورة. ونورد هنا إحصاءً مذهلاً يؤيد ما نقول، فقد بلغت نسبة الوقود الذي استخدم في التدريب عام 65/1966 من إجمالي حجم الوقود المستهلك الآتي: بنزين 5.2 في المئة، كيروسين 1.3 في المئة، ديزل 11.1 في المئة، سولار 2.1 في المئة، واستهلك باقي الوقود في أغراض إدارية!! كما بلغت نسبة ذخيرة التدريب على إطلاق النار التي استهلكت في نفس العام، من مجموع الكمية المصدق عليها لتحقيق هدف خطة التدريب العام للقوات المسلحة، الآتي:
ذخيرة تدريب على أسلحة المشاة 26 في المئة، وعلى أسلحة المدرعات 25 في المئة، وعلى أسلحة المدفعية 18 في المئة، وعلى أسلحة المدفعية الخفيفة المضادة للطائرات 36.3، وعلى الرشاشات المضادة للطائرات 11.8. وبمقارنة الذخيرة المستخدمة للتدريب بقطع المدفعية الموجودة في الوحدات نجد أنه خص كل مدفع هاوتزر 122 ملم خلال عام 65/66 حوالى 1.5 دانة للتدريب، وكل مدفع 122 ملم دانة واحدة، وكل هاون 120 ملم 0.1 قنبلة، وكل هاون 82 ملم 0.15 قنبلة، وكل دبابة طلقة واحدة، والمدافع المضادة للدبابات نصف طلقة، ودبابات التعاون الوثيق مع المشاة طلقة، والأمر لا يحتاج إلى تعليق.
أما عن تدريب الطيارين فإنه عكس المبادئ المقررة في أن يكون لكل طائرة طياران وربما ثلاثة، كان لدينا طائرة ونصف وربما طائرتان لكل طيار. وداهمتنا الحرب ـ على رغم إعلان التعبئة العامة ـ فيما كانت عشرات الطائرات في صناديقها في المخازن، علاوة على عدم تدريب الطيارين على الطيران المنخفض، ما دفع بالمسؤولين إلى إيفاد معظم طياري قوة سيناء الجوية إلى مراكز التدريب ليتلقوا تدريباتهم على عجل قبيل بداية الحرب بأيام. وكانت فترة تجهيز الطائرة للقيام بطلعة أخرى يستغرق 45 دقيقة، بينما كانت تبلغ 5 دقائق لدى القوات الإسرائيلية. ومعنى ذلك أن الطائرة الإسرائيلية كان بمقدورها القيام بمهام 9 طائرات مصرية.
ولم تكن هناك ترتيبات هندسية لإصلاح الممرات عند ضربها، كما لم تتوفر الدشم أو الدفاع الجوي الحقيقي لحماية الطائرات والمطارات، علماً بأن ذلك لم يكن بالأمر الصعب. فحينما عينت وزيراً للحربية بعد النكسة تم تنفيذ خطط بناء الدشم، وكانت تكلفة الدشمة لا تتجاوز 5000 جنيه، وهذا مبلغ زهيد جداً بالنسبة لقيمتها الدفاعية التي لا تقدر بثمن. ولا يمكن تبرير هذا التقصير ـ كما كتب بعض القادة ـ بتخفيض الميزانية قبل الحرب لأنه كان من الممكن بناء 50 دشمة كل عام بتكلفة لا تزيد على ربع مليون جنيه على مدى 10 سنوات، منذ انتهاء العدوان الثلاثي في العام 1956، لو كان هناك تخطيط وجدية. ثم حدث التخفيض فعلاً في نيسان (أبريل) 1967، وهو تاريخ يقارب انتهاء العمل بموازنة 66/67، إذ كانت نهاية السنة المالية وقتها في آخر حزيران (يونيو). ومعنى ذلك أن موازنة العام كانت قد أنفقت كلها من دون أن يلتفت أحد إلى بناء الدشم طوال السنوات المنصرمة. وعلى أي حال فتوفير المال أو المخصصات لم يكن يفيد أمام الوضع الذي كان قائماً، إنما هي تبريرات للأوضاع السيئة التي وضعوا فيها مصر بل كل البلاد العربية لتفسير الهزيمة المهينة التي فرضوها علينا.
وبالرغم من ذلك ورد في تعليمات التدريب للعام 65/66 التي صدرت عن مسؤول في هيئة تدريب القوات المسلحة الآتي «حققت قواتنا خلال عام التدريب كل المهام التي كلفت بها داخل وخارج الجمهورية بروح عالية وتصميم أكبر للوصول إلى المستوى الرفيع المأمول من قواتنا، هادفة من تحمل الجهد والتضحيات التي تتطلبها الأحداث تحقيق آمال الأمة العربية في الحياة الحرة الكريمة». والشيء الغريب أن هذا المسؤول رفيع المستوى والرتبة كتب بعد الهزيمة ـ وبعد تعييني وزيراً للحربية ـ تعليمات تدريب جديدة كرر فيها معزوفته تلك من دون تغيير فاستبعدته من منصبه مع آخرين.
ولم يكن مستوى تعبئة القوات أحسن حظاً من مستوى تدريبها، فحينما تدهور الموقف السياسي في منتصف أيار (مايو) 1967 بدأ تغيير الخطط الموضوعة على أسس خاطئة. ذلك أن خطط التعبئة تحتاج إلى إحصائيات معينة وترتيبات معقدة يتفرغ لها المسؤولون عنها ليجروا عليها التجارب والتعديلات، الأمر الذي أهمله القائمون على الأمر فدفعوا إلى الجبهة آلافاً من الأفراد بجلابيبهم من دون أي تدريب أو استعداد، كما دفعوا إلى سيناء بالكثير من المعدات غير الصالحة أو التي لم تكن تحتاجها العمليات مما يجعل المسؤولية جسيمة بحق على الذين أشرفوا على التعبئة في تلك الفترة. وقد صدر 178 أمر استدعاء وتعبئة للحرب بين 4/5 و5/6/1967 شملت 3495 ضابطاً، و66672 من رتب أخرى من قوات الاحتياط وبالرغم من هذا العدد الهائل من اوامر الاستدعاء كان النقص في مرتبات الحرب صبيحة المعركة 40 ـ 44 في المئة من الأفراد، و30.5 في المئة من الأسلحة الصغيرة، و24 في المئة قطع مدفعية، و45 في المئة من دبابات التعاون الوثيق، و41 ـ 70 في المئة من الحملة الميكانيكية. وكان هذا الموقف البائس مصحوباً بتغيير في قادة الميدان يثير الدهشة والعجب حقيقة، فقد تم تغيير 12 قائد فرقة ولواء واستحدثت 12 قيادة جديدة تعبوية وتكتيكية وإدارية مما يدل على مقدار التخبط الذي كان يسيطر على قمة المؤسسة العسكرية. ولو أن القيادة العليا اكتفت باستكمال مرتبات الوحدات القائمة من دون إنشاء وحدات جديدة لكان عائد ذلك أفضل للكفاءة القتالية. ولكن يبدو أن القيادة العليا كانت تريد تحقيق أكبر حشد من القوات من دون النظر إلى كفاءتها القتالية. ويقول اللواء علي منير مراد في كتابه «هزيمة يونيو 1967» وكان قد اطلع على كثير من خبايا الهزيمة بصفته أحد أعضاء المحكمة العسكرية الأولى التي حاكمت قادة الطيران:
«قرر رئيس أركان حرب القوات المسلحة في وقت الهزيمة أن يرسل قوات الاحتياط إلى ميدان القتال ومعهم جلابيبهم بسبب استدعاء قوات كبيرة الحجم بلا داع. وغاب عن المستمعين إليه أنه المسؤول الأول عن تدريب الأفراد الاحتياط وإعدادهم للقتال وتعبئتهم وتجهيزهم بكل ما يلزم المقاتل من سلاح ومهمات، وهو الذي يصدر الأمر باستدعاء أفراد الاحتياط بما يتفق مع حاجة مسرح العمليات طبقاً للخطط الموضوعة مسبقاً، فإذا تحدث عن الارتجال في الاستدعاء فلا شك أنه ال سؤول الأول عن تلك الأمور».
أما إسرائيل فأمكنها تبعاً لخطط موضوعة زيادة قواتها البرية من 3 ألوية مشاة ولواء مدرع إلى 24 لواء مشاة، و7 ألوية مدرعة، أي 7 أضعاف قواتها العاملة، كما نجحت في إعداد 376 طائرة مقاتلة وقاذفة مقاتلة وحوالى 600 طيار لشن الضربة الجوية الأولى على مصر والأردن وسوريا. وقد صحبت هذا «النقص» من جانبنا تصريحات عسكرية من القادة نشرت في كل وسائل الإعلام وذلك لردع العدو، وهذا خطأ كبير لأن للردع قواعده العملية، وأهمها المصداقية فإذا لم يصدق العدو ما يجري أمامه ـ كما يحدث ـ فإن الردع يفشل ويبدأ القتال في ظروف غير مواتية.
القوات المسلحة عبارة عن كائن حي له رأس يقود ويفكر وجسم يتحرك ويقاتل وذيل يغذي ويمون، فإذا كانت الرأس معطوبة عجز باقي الكائن الحي عن الحركة وأصبح فريسة سهلة للصياد. وقد حاول عبد الناصر إجراء عمليات جراحية في الرأس عقب الانفصال، ولم تنجح المحاولة وحاول مرة ثانية لكي يتولى مجلس الرئاسة مسؤولية اختيار وتعيين القادة تحت مستويات خاصة، وفشلت المحاولة. وحاول كما أعلم مرة ثالثة قد يجهلها الكثيرون ـ عن طريق زميلين في مجلس قيادة الثورة أحدهما يتولى القيادة العامة للقوات المسلحة والآخر وزارة الدفاع ولكنهما اشترطا أن يتولى الرئيس أولاً إبعاد الموالين للمشير!!
كانت مراكز القوى حائرة، وانفتح الطريق أمام رجال الولاء وأصبح عصياً على رجال الخبرة!!!، ولكن الولاء لمن؟ لم يكن أحد قادراً على تحديد ذلك بالضبط.
حقائق
في الوقت الذي كان جمال عبد الناصر يعقد مؤتمراً يوم 2 حزيران سنة 1967 في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة حضره كل أعضاء القيادتين السياسية والعسكرية من أجل التقدير النهائي للموقف بعد أن تبين أن الحرب واقعة لا محالة.
في هذا الوقت كان مدير المخابرات الحربية هو اللواء محمد صادق، فأرسلت إدارة المخابرات تقريراً ترجح فيه عدم قيام إسرائيل بأي عمل عسكري هجومي، لصلابة الجبهة العربية التي ستجبر إسرائيل على تقدير العواقب المختلفة المترتبة على اندلاع الحرب.
وبعد ذلك في سنة 1973 أرسل مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية (زعيرا) تقريراً استبعد فيه حتى صباح 6 تشرين الأول سنة 1973 قيام مصر وسوريا بهجوم على إسرائيل.
فماذا كان مصير كل من الرجلين اللذين تبين خطؤهما في الاستطلاع والتقدير؟
أما (زعيرا) مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية فقد مثل أمام لجنة خاصة لمساءلته عن خطئه ثم ترك منصبه.
وأما اللواء محمد صادق مدير المخابرات الحربية المصرية فلم يسأله سائل واستمر في عمله ثم رقي إلى رتبة فريق وتولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة في عهد جمال عبد الناصر. ثم صار وزيراً للدفاع وقائداً عاماً للقوات المسلحة في بداية عهد أنور السادات.
وقس على ذلك أمر الفريق محمد فوزي الذي كان رئيس أركان حرب القوات المسلحة. في حرب 1967 فكان من أكثر القادة مسؤولية عن هزيمة هذه القوات لقد بقي محمد فوزي في منصبه بعد الهزيمة، ثم رقي بعد ذلك قائداً للقوات المسلحة ثم جمع وللمرة الأولى بين منصبه هذا ومنصب وزير الدفاع في آخر عهد جمال عبد الناصر وبداية عهد أنور السادات.
وفي حديث صحفي للفريق عبد المحسن مرتجي في حزيران سنة 1992 يقول فيه إنه لما قابل جمال عبد الناصر بعد الهزيمة وأخذ يعدد له السلبيات التي كانت موجودة في القوات المسلحة، سأله جمال عبد الناصر لماذا لم تقدم استقالتك؟ فأجابه الفريق مرتجي: كان الضرر سيصيبني أنا وأولادي وأقاربي حتى الدرجة الرابعة، لأنني حسب ما كان سائداً ـ سأتهم بأنني ضد النظام! ولم يرد عبد الناصر.. والفريق عبد المحسن مرتجي كان قائد الجبهة يوم الحرب.
ويواصل الفريق مرتجي حديثه الصحفي قائلاً: كيف تضع لجيشك رئيس أركان (الفريق محمد فوزي) كل مؤهلاته أنه قاد سرية مضادة للطائرات في حرب 1948 وعاد بعدها إلى الكلية الحربية ولم يخرج منها؟ كيف تجعله رئيس أركان حرب بلا علم ولا قدرة عسكرية تؤهله لموقعه؟ كيف تفسر وجود شمس بدران وزيراً للدفاع وهو الذي قال عنه جمال عبد الناصر نفسه أنه لا يعرف أن يقول كلمتين على بعض؟
ويعلق أمين هويدي على حديث مرتجي قائلاً: «لماذا يشترط في فوزي مؤهلات عسكرية؟ عبد الحكيم عامر وقادة فروع القوات المسلحة ما هي مؤهلاتهم؟ وطبعاً وكالعادة العربية الأصيلة استثنى مرتجى نفسه من الزمرة!».
والفريق مرتجي هذا الذي تحدث بما تحدث، كان هو قائد الجبهة، فكان بتصرفاته المسؤول الأول عن تدمير قواته واستشهاد آلاف من جنوده…
لقد كان أول من نفذ أوامر الانسحاب فكان أول من عبر قناة السويس في الساعة الرابعة من ذلك اليوم، عبرها وحده، وترك قواته لتلقى مصيرها ونجا بنفسه…
ومن الفواجع أنه كان قد تم الإنفاق قبل حرب 1967 بستة أشهر أن يرسل الأردن من محطات رادار فوق جبل عجلون مكلفة رصد تحركات الطائرات الإسرائيلية التي تطير على ارتفاع منخفض ـ أن يرسل إنذاراً بتحرك أي قوة جوية معادية إلى مركز العمليات العام الذي كان يشرف عليه رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق محمد فوزي. ولأهمية الوقت في مثل هذه الحالات، اتفق على أن ترمز كلمة: عنب، عنب، عنب إلى بدء الهجوم المعادي. وفعلاً أرسلت الإشارة صباح يوم 5 حزيران إلا أنها لم تصل إلى من يعنيهم الأمر لسببين: كان مركز العمليات في هذا الوقت مقفاً لا يعمل، ثم كانت الشيفرة تغيرت في اليوم السابق بدون أن تبلغ الوحدات بذلك.
وهكذا فإن رئيس أركان الحرب المصري لم يكن موجوداً في مركز قيادته عند ابتداء العمليات!
ويقول الفريق محمد فوزي في مذكراته عن ذلك: إن محطة الإنذار كان قد تم ربطها لاسلكياً بشيفرة بسيطة على جهازين للاستقبال أحدهما المركز الرئيسي بغرفة العمليات الرئيسية للقوات الجوية والدفاع الجوي بمنطقة الجيوشي، والآخر فرعي في مكتب الوزير شمس بدران. وأرسلت محطة عجلون في الساعة السابعة بتوقيت إسرائيل والثامنة بتوقيت مصر الإنذار المبكر إلى المحطتين بوجود موجات متتابعة من مقاتلات إسرائيل تتجه نحو الجنوب الغربي مضيفة اللفظ الكودي «عنب ـ عنب ـ عنب»، ولم تستقبل المحطة الرئيسية في الجيوشي الإنذار نتيجة خطأ شخصي من عريف الإشارة الذي قال في التحقيق «إنه قام بتغيير تردد الاستقبال للوصول إلى استماع أفضل» وقال في أقوال أخرى «إن توقيت العمل بالتردد القديم حسب جدول العمل بالشيفرة انتهى على التردد التالي، وعلى ذلك فلم تستلم المحطة الرئيسية الإشارة. ولكن المحطة الفرعية في مكتب الوزير استلمتها إلا أن الضابط المناوب لم يبلغها له. وبالصدفة خلال مكالمة تلفونية عابرة مع زميله في محطة الجيوشي أراد أن يذكره بالإشارة نفسها وبوصول الإشارة (عنب) فتهكم عليه ضابط الجيوشي قائلاً: «عنب إيه وبصل إيه؟ دول فوق دماغنا».
ويعلق أمين هويدي على هذا القول:
وكما نرى فإن الفريق فوزي حاول جاهداً إبعاد المسؤولية عن نفسه ليلقيها على الأموات، أو على عريف في الإشارة. ووسط هذا التضارب المقصود من الجنرالات فإنه يصعب الوصول إلى الحقيقة لأن الجنرالات قصدوا من التضارب إغراق الحقيقة إلى القاع.
الحرب
في جلسة عقدها جمال عبد ال ناصر للقيادة قال إنه يتوقع أن يبدأ العدو بضربة جوية قوية وأنها ستكون في 5 حزيران.
ومن المفروض في مثل هذه التوقعات أن يكون قائد الجيش وأعوانه في مراكزهم على تمام الأهبة لتلقي المعلومات وإصدار الأوامر.
وبالرغم من أن الجو كله جو حرب يتوقع فيه هجوم العدو في كل دقيقة. بالرغم من كل ذلك فإن قائد الجيش عبد الحكيم عامر وقائد القوات الجوية والدفاع الجوي ورئيس العمليات وآخرين كانوا في الساعة 8.45 دقيقة في طائرة في طريقهم إلى المركز الأمامي للقيادة للاجتماع مع قادة قوات سيناء، بعد أن أصدروا أوامرهم لقوات الدفاع الجوي بالسكون وعدم التعرض لأي تحرك جوي في الأجواء في غياب القيادة.
وكان القادة الآخرون المقيمون مشغولون بتوديع القادة الطائرين، فلما انتهت مراسيم الوداع عادوا إلى منازلهم لتناول طعام الإفطار والاستراحة من عناء التوديع.
وبذلك كان مركز التعليمات الرئيسي مقفلاً ليس فيه أحد.
أما قيادات الجبهة وقيادات وحدات سيناء فقد شغلهم الاستقبال كما شغل زملاءهم التوديع. لقد اجتمعوا في المقر الأمامي لقيادة الجبهة في سيناء لاستقبال قائد الجيش وصحبه.
وبينما قادة الجيش المصري مشغولين بالتوديع والاستقبال كانت قنابل الجيش الإسرائيلي وصواريخه تهوي بنيرانها على المطارات المصرية كلها في وقت واحد.
نستثني من القادة المصريين قائداً واحداً هو اللواء طيار عبد الحميد الدغيدي الذي بقي في مركز قيادته ومعه هيئة عملياته كاملة.
لقد كان يدرك أن الأمر أخطر من التلهي بتلك التفاهات من توديع واستقبال فازدراها وثبت في موقعه حذراً مترقباً.
إن عبد الحميد الدغيدي هو الذي يمثل الشعب المصري الأبي الأنوف الباسل في تلك الساعات الحرجة. ورجولة الشعب المصري وحكمته وتدبيره تتجلى في الدغيدي وصحبه، فلا يعاب هذا الشعب المصري العربي أبداً بما جناه من تولوا قيادته.
وإن العيب ولعنة التاريخ يستحقهما أولئك الذين قادوا هذا الشعب الشجاع إلى ما قادوه إليه من هوان…
إن أولئك الذين فرضوا أنفسهم على هذا الشعب بقوة السلاح هم الذين استحقوا لعنة التاريخ من أكبر رأس فيهم إلى ما دونه من رؤوس.
إذا كان مودعو عبد الحكيم عامر قد استمتعوا بوداعه ثم أووا إلى منازلهم راغدين يلتهمون الطعام بعد عناء الوداع. فإن مستقبليه في مطار (المليز) بسيناء لم يستمتعوا باستقباله، وإذا كان هو قد أرضى غروره وعنجهيته برؤيته (جنرالات) الجيش المصري يتضاءلون أمامه وهو الضابط الصغير الذي قفز به الاستبداد من رتبته العسكرية الصغيرة إلى أكبر رتبة عسكرية رتبة (المارشال) المشير ـ يتضاءلون أمامه في مطار القاهرة، فإنه وهو في طريقه إلى مطار (المليز) قد انقلب إلى حقيقته ضابطاً صغيراً يتملكه الرعب ويقعده العجز، فقد فوجئت طائرته الذاهبة إلى سيناء بانهيال القذائف على مطارات سيناء العسكرية، فأسقط بيده، وبعد أن كان عليه في مثل هذا الموقف أن يأمر الآلاف المؤلفة بالمقاومة الحاسمة، إذ به لا يملك إلا أن يأمر طيار طائرته بالنكوص على عقبيه عائداً إلى القاهرة، ولكن مطارات القاهرة العسكرية كانت هي الأخرى ترمى بالقذائف، فالتجأ بطائرته إلى مطار القاهرة الدولي.
وعوضاً عن أن يستقبله الجنرالات في مطار (المليز) كان يركض مع صحبه إلى أول سيارة أجرة لتقلهم إلى القيادة.
وبعد 24 ساعة كان الأمر الوحيد الذي أصدره عبد الحكيم عامر هو أمر الانسحاب.
وفي الساعة 8.45 من يوم 5 حزيران 1967 كانت الطائرات اليهودية تغطي سماء المطارات العسكرية المصرية كلها: مطارات سيناء الأربعة ومطارات القناة الثلاثة ومطار المنصورة ومحطات الرادار والإنذار، وتقذفها بالصواريخ والقنابل. ثم تعود إلى قواعدها لتتزود بالوقود وبالذخيرة ثم تعود إلى مطارات بني سويف والأقصر وترميها بقذائف المدافع الرشاشة. وفي هاتين المرتين كانت ترمي المطارات بقنابل معدة لتدمير الممرات خاصة وقد استغرقت الهجمتان من الوقت ما بين الساعة 8.45 إلى 12 ظهراً.
وفي هذه الساعات الأربع دُمرت القاذفات المصرية الثقيل منها والخفيف كلها و85 في المئة من المقاتلات القاذفة والمقاتلة. ومعنى هذا أن الطيران المصري قد تعطل وهو في مرابضه، ولم يبق منه ما يمكن أن يحمي أرض مصر.
جرى ذلك دون أن يُقذف الطيران اليهودي بأي دافع ناري مهما ضؤل هذا الدافع! وفي الجبهة الأردنية تم تدمير السلاح الجوي الأردني عند الظهر.
ورواية الملك حسين ملك الأردن تقول)[63](: «رن جرس الهاتف في الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين ليخبروني أن الهجوم على مصر قد بدأ، واتصلت بالمقر العام وعرفت أن تعليمات وصلت من المشير عامر إلى الفريق رياض)[64]( بأن الطيران الإسرائيلي يقذف القواعد الجوية في مصر وتم تدمير 75 بالمئة من الطائرات المغيرة، وأن الطيران المصري بدأ هجومه المضاد فوق إسرائيل نفسها وبأن المشير يأمر الجبهة الأردنية بفتح جبهة جديدة وبدء عمليات هجومية وفقاً للخطة التي وضعت في اليوم السابق».
لا بد لنا من أن نقف هنا متسائلين عن حقيقة ما جرى: في الساعة 8.45 كان الطيران اليهودي يصب جحيمه على المطارات المصرية.
والملك حسين يقول إنه علم بأوامر عبد الحكيم عامر في الساعة 8.50 أي بعد خمس دقائق من الهجوم الجوي اليهودي.
وعبد الحكيم عامر عند بدء الهجوم كان في الطائرة متجهاً إلى سيناء.
إذاً فإن بين الهجوم الجوي اليهودي وبين أوامر عبد الحكيم للجيش الأردني خمس دقائق فقط.
وعلى ذلك فإننا نتخيل الموقف كما يلي:
عند بدء الهجوم كانت طائرة عامر في بدء انطلاقها وكانت لم تبرح بعد جو القاهرة، وعندما علم بالكارثة خطر له هذا الخاطر الجهنمي، وهو أن يورط الجيش الأردني بهجوم على إسرائيل، ولم يبال في سبيل ذلك بأن يكذب وأن يدعي ما ادعى من تدمير 75 بالمئة من الطائرات اليهودية المغيرة وأن الطيران المصري بدأ بالهجوم على إسرائيل.
وإذا صح أن بين بدء الهجوم الجوي اليهودي وبين أوامر عبد الحكيم عامر هو خمس دقائق فقط، فمعنى ذلك أن أوامره قد صدرت وهو لا يزال في الطائرة. وهذا ما يشير إليه أمين هويدي حين يقول إن الفريق صدقي محمود الذي كان يرافق عامر في الطائرة أصدر أمراً وهو في الطائرة بضرب جميع مطارات العدو.
وبذلك تتجلى لنا الجرأة الهائلة على الكذب والتزوير وخداع الناس، حين يزعم عامر أن 75 بالمئة من الطائرات اليهودية المهاجمة قد تحطم. يزعم ذلك وهو لا يزال في الطائرة لا يعرف شيئاً عما يجري.
وكون الفرق هو خمس دقائق أو عشر أو خمس عشرة لا يغير من الأمر شيئاً، وربما كان الملك حسين قد أخطأ في تقدير الوقت.
ويتابع الملك حسين كلامه: «اتصلنا بالسوريين لطلب مساعدتهم الجوية، فكان جوابهم أنهم بوغتوا بالأحداث وأن طائراتهم ليست مستعدة وتقوم برحلات تدريبية وطلبوا إمهالهم نصف ساعة ثم عادوا وطلبوا إمهالهم ساعة، وفي العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين كرروا الطلب نفسه».
لقد كانت الحرب مباغتة للسوريين!! وظلوا حتى تلك الساعات يتنازعون فيما بينهم، ولا يتفقون على ما إذا كان على حدودهم تحشدات يهودية أم لا!!
وما دام المسؤولان الأساسيان عن المعلومات العسكرية يتناقضان في الأمر الواحد، فرئيس الأركان يؤيد وجود الحشود العسكرية، ورئيس جهاز المخابرات ينفي ذلك!
ما دام الأمر كذلك، وما دامت هذه هي مقدرتهم الإعدادية فلا عجب أن يقولوا بأنهم بوغتوا بالحرب. وفي الساعة الحادية عشرة قصف الطيران الأردني مطار ناتانيا اليهودي ثلاث دفعات متوالية. وكانت ترابط في الأردن طائرات عراقية فقصفت مطار اللد، كما قصف الطيران السوري قاعدة رامات دافيد ومصفاة البترول في حيفا.
ولم يلبث الطيران اليهودي أن انكفأ إلى الأردن فدمر قاعدة عمان وقاعدة المفرق وبعد الظهر بقليل كان قد قضي على السلاح الجوي الأردني الذي كان مؤلفاً من 32 طائرة (هوكر هنتر).
يرى القائد المصري أمين هويدي فيما كتبه في جريدة النهار البيروتية في عدد 9 حزيران 1997 عن حرب 1967 إن التردد السوري في تلبية طلب الأردن ومصر المساعدة الجوية قد فوت فرصة ذهبية لقلب الموقف لمصلحة العرب، فلو أنهم بادروا في التدخل المبكر لبدأت عمليات القصف الجوي في وقت مبكر ولامتص ذلك جزءاً كبيراً من المجهود الحربي الإسرائيلي المركز على مصر، ولكان من الممكن اعتراض الطائرات المعادية وهي في طريق عودتها إلى قواعدها بعد قصفها القواعد المصرية وقد فرغت خزاناتها من الوقود ونفذت ذخيرتها، وكان بالإمكان مفاجأة الطائرات المعادية وهي جاثمة في مطاراتها تملأ خزاناتها بالوقود وتزود بالذخيرة استعداداً لشن هجمات جديدة (انتهى).
ونحن نرى في هذا القول محاولة لإلقاء المسؤولية على عاتق السوريين والتخفيف منها عن عاتق المصريين.
ولكننا ونحن عرب ننتمي إلى هذه الأمة المترامية الأقطار، المتباعدة الأمصار، الممتدة أرومتها من شواطئ الخليج إلى سواحل المحيط، لا نميز بين شعوبها، ولا نفرق بين ديارها فالمجد الذي يتوج رأس شعب من تلك الشعوب هو مجدنا ونحن في لبنان، والهوان الذي يحيق بدار من ديارها هو هواننا ونحن في جبل عامل.
لذلك لا نتردد في القول بأن القائد المصري (هويدي) ـ وهو القوي المتماسك في كل ما كتب ودوّن ـ قد اعتراه في لحظة من اللحظات ضعف إقليمي فقال ما قال.
إن الفرصة التي زعم أنها فرصة ذهبية وأنه كان في إضاعتها إضاعة ما ضاع، ليست ذهبية ولا فضية ولا حتى نحاسية.
لقد كان في عدم إضاعتها لا الحؤول دون النكبة، بل ربما كان في ذلك تأخير وقوع النكبة، وسواء تقدم وقوع النكبة أو تأخر، فما دامت ستقع بكل أهوالها، فلا جدوى في تقدم وقوعها ساعات، أو تأخره ساعات..
إن القائد المصري الحكيم الرزين الخبير يتبع بعد سطور قوله الأول بهذا القول الذي قاله وقد رجع إلى أصالته العربية واستقوى على لحظة الضعف الإقليمي.
عاد أمين هويدي يقول بعد قوله الأول: «ولعل القارئ يوافقني على عدم الدخول في تعقيدات الموقف العسكري وتفاصيله أثناء قتال لم يستمر أكثر من 80 ساعة في الجبهة المصرية وأقل من 30 ساعة في الجبهة الأردنية وأقل من ذلك بكثير في الجبهة السورية، لأني أعتقد أنه في ظل الأوضاع السياسية والقيادات العسكرية على المستويين القطري والقومي ما كان يمكن لأي خطة أن يكتب لها التنفيذ أو النجاح، لأنه إذا أعطب الرأس وتوقف عن العمل أصبح جسم الجيش المتمثل في قوته المقاتلة وذيله المتمثل في إمكاناته الإدارية مجرد كيانات بلا إرادة لا تقوى على الفعل أو رد الفعل».
هذا الكلام هو من أصدق وأدق ما كتبه أمين هويدي.
ولكن لحظات الضعف تعود فتلقي بظلالها عليه فإنه بعد أن قال يوم 9 حزيران 1997 ما قال في جريدة النهار يعود فيقول يوم 16 حزيران 1997 في مجلة الشراع:
«يقال إنه كان تعاون بين الأردن ومصر وسوريا، إطلاقاً لم يكن يوجد هذا الكلام. لماذا؟ لأن سوريا لو دخلت على الخط في حرب 67 لقلبت العملية كلها».
ثم يتمم قوله بعد أن ذكر نفس ما ذكره في كلامه السابق عن الطيران السوري ـ يتمم قوله:
»… لذلك سوريا لم تهاجم إلا يوم 9 حزيران (يونيو) وموشي دايان خطأ الإسرائيليين لأنهم هاجموا سوريا، وقال في كتابه الذي يضم قصة حياته: صحيح أن السوريين ليسوا جيدين لكنهم لم يعتدوا علينا ولم يحاربونا فلماذا نحاربهم، وكذلك في قصة حياة غولدا ماير أوردت مثل هذه المعلومات، حتى أن السوريين أنفسهم قالوا إنهم أخلوا الجولان قبل 36 ساعة من دخول الإسرائيليين».
ولكنه من حيث لا يدري يعود فينقض في الحديث نفسه ما قاله من «أنه لو دخلت سوريا على الخط لقلبت العملية كلها».
يقول: «إن القيادة لم تكن على مستوى أن تدير معركة بهذا الشكل».
وهو هنا يعني القيادة العسكرية المصرية.
وعندما سئل: ماذا لو بدأت مصر الحرب؟ أجاب: «النتيجة لم تكن لتتغير. الجيش حاجة معقدة جداً لأن هؤلاء الناس كانوا غير قادرين على قيادة معركة، وهنا مسؤولية عبد الناصر، عندما سألوا بن غوريون عن أخطر منصب وهو يملأ مناصب الدولة قال لهم: قائد فصيلة المشاة لأن هذا القائد سيدافع عن بقاء إسرائيل».
ونقول: إذا لم تكن القيادة العسكرية على مستوى أن تدير المعركة، فلا نحسب أن النتيجة كانت ستتغير لو أن السوريين دخلوا على الخط.
إذا كان هذا هو الحال في الجو، فالحال في الأرض لم تكن كذلك، فهناك كان الجندي المصري الذي إذا أُمر بالقتال قاتل أحسن قتال.
فقد قوبل الزحف اليهودي البري باتجاه مصر ـ قوبل بمجابهة عنيدة على طول الجبهة، وقد مضى يوم 5 حزيران والجنود المصريون يصدون الهجمات.
وفي الجبهة الأردنية كانت قواتها أول الأمر مهاجمة تحاول الوصول إلى الخليل فبئر السبع للالتقاء بالقوى المصرية المفروض وصولها إلى المواقع الأمامية على الجبهة الجنوبية. إلا أن اليهود قاموا بهجوم في الشمال نحو نابلس وجنين فتصدى الأردنيون لرده.
انقضى اليوم الأول للحرب يوم 5 حزيران وجاء في اليوم الثاني يوم 6 منه والقتال مستمر. وإذا كان القتال قد ظل مستمراً ولم يبدُ على القطعات العسكرية أي وهن نفسي، فإن هذا الوهن النفسي كان قد حل في عقل القيادة العليا، وكان عبد الحكيم عامر قد انهزم نفسياً ولم يعد يقوى على الصمود، فقد تلقى منه قائد منطقة شرم الشيخ بجنوب سيناء في الساعة الخامسة والنصف صباحاً إشارة تطلب وضع خطة انسحاب كاملة من شرم الشيخ إلى غرب القناة.
ثم كان يؤلف مجموعة برئاسة رئيس الأركان لتخطط سريعاً للانسحاب العام. ولما عرضت عليه خطتها القاضية بالانسحاب إلى المضائق، فاجأها بأنه أمر بالانسحاب إلى غرب القناة.
ويمكن أن يكون الانسحاب هو الحل الوحيد في تلك الساعات اليائسة، وهذا ما رآه أشد الناس اعتراضاً على عبد الكريم عامر. ولكن للانسحاب شروطه وتنظيمه وإلا انقلب إلى كارثة، وهذا هو الذي حصل…
ويصف أمين هويدي ما جرى بما يلي، وقد كان ما كتبه من أفضل ما كتب في هذا الموضوع لذلك علينا أن نأخذه بنصه: «بسبب الإسراع أصبحت القوات تنسحب إلى الخلف من دون سيطرة وعلى غير هدى وبزغت شمس يوم 7 حزيران على آلاف العربات والمعدات والمركبات والأفراد وقد اكتظت بها الطرق، وتوقفت المركبات القادمة من العرضية حتى تمر القوات المنسحبة على الطريق الرأسية. وتوقف المرور بدوره على الطريق الرأسية لأنها أصبحت تستقبل أكثر من طاقتها. وحينئذ انقضت طائرات العدو بالقنابل والصواريخ والمدافع والنابالم على القوات التي صارت كل أرجلها في الهواء. فلا قوات تحمي انسحاب القوات الأخرى، والطرق مسدودة، وجسور العبور لا تسمح بالمرور إلا بقدر طاقتها، وازداد الموقف صعوبة حينما دمرت كل الجسور على قناة السويس عدا واحد، وحدث ما حدث.
وهنا يثير بعض القادة في كتاباتهم، التي يدرأون فيها المسؤولية عن أنفسهم، قضية من الذي أصدر قرار الانسحاب: هل هو الرئيسي ام المشير؟ وأخذت هذه القضية حيزاً كبيراً في كتاباتهم رغم أنها مسألة فرعية. فالرئيس كان ثابتاً على موقفه من عدم التدخل في العمليات. وبالرغم من ذلك فإن بعض القادة يؤكدون أن المشير استشار الرئيس في ذلك. والبعض يؤكد أن الرئيس رفض إعطاء المشورة. وعلى أي حال فليست هذه هي القضية، لأن القضية الأساسية كانت هي كيف يصدر الانسحاب تحت ضغط كثيف من العدو؟ ولمن يصدر القرار؟ وكيف ينفذ؟ ومتى؟ وما هي الوسائل لتأمين هذا الانسحاب بوحدات متماسكة معها معداتها وذخائرها وأسلحتها وأفرادها! أي كيف يتم الانسحاب من دون أن تفقد الدولة إرادتها حتى يمكنها مواجهة ما يستجد من أحداث على المسرحين السياسي والعسكري!
بادئ ذي بدء فإن عملية الانسحاب هي إحدى أوجه المعركة. مثلها مثل التقدم والهجوم والدفاع، يلجأ إليها القادة في مسارح العمليات. ولهذه العملية قواعدها وحساباتها المعروفة تدرب عليها القوات في زمن السلم حتى يمكن تطبيقها في زمن الحرب إذا دعت الظروف إلى ذلك. وهي عملية معقدة، وتزداد تعقيداً إذا تمت أثناء الاشتباك مع العدو وعدم وجود حماية جوية، إذ يلعب العامل النفسي فيها دوراً كبيراً يحتم السيطرة الكاملة على كل خطوة تتخذ حتى لا ينقلب الانسحاب إلى اندحار وانهيار وفوضى. ويتم الانسحاب تحت الحماية المتبادلة للقوات وعلى خطوات تحسب حساباً دقيقاً وفق اعتبارات منها مدى بُعد الموقع التالي عن الموقع الأصلي، وحال كثافة الطرق الميسرة والقوة الضاغطة للعدو. وعلى ذلك فإن القوات الكبيرة لا يمكن سحبها في فترات قصيرة.
ولذلك فإنها تُسحب على مدى ليال عدة بإجراء عمليات تخفيف منظمة بحيث لا يشعر العدو بتخفيض قوة النيران إلا في آخر لحظة ممكنة.
ولكن هل كان الموقف يدعو إلى صدور قرار الانسحاب؟ بمراجعة المصادر العديدة، التي لا أريد أن أثقل بتفصيلاتها على القارئ، كان الموقف العام للقوات متماسكاً في كل المحاور. صحيح كانت هناك اختراقات هنا وهناك بأعداد محدودة من المدرعات إلا أن هذا يعتبر طبيعياً في المعركة الدفاعية، إذ تكون القوات على استعداد دائم لمواجهة هذه المواقف عبر سد الاختراق، ثم الهجوم المضاد لاسترداد الموقع. وعلاوة على ذلك كانت الخسائر حتى صدور أمر الانسحاب في الأفراد والمعدات محدودة. ولهذا ذهب بعض من كتبوا إلى أنه لم يكن هناك داع لصدور أمر الانسحاب، وأنه كان على القوات أن تتمسك بمواقعها الدفاعية حتى ولو اشتدت الهجمات الجوية والبرية المعادية لإرهاق العدو، وحتى تتدخل قرارات مجلس الأمن لوقف القتال ومواقع قواتنا في حال أفضل لتعزيز الحركة السياسية. وهي أقوال لها وجاهتها.
ولكن من جانب آخر فالبعض ـ وأنا منهم ـ يذهب إلى أن قرار الانسحاب كان ضرورياً وصحيحاً ولازماً. فالقيادة العليا التي كانت موجودة، وكذا قيادات الجبهة والمنطقة الشرقية، لم تكن قادرة على خوض مثل هذه المعارك لتواضع كفاءتها. إذ كيف لأفراد هذه القيادات، وقد عجزوا عن توجيه العمليات أو توزيع القوات قبل الحرب وفي الساعات الأولى بعد قيامها، أن يواجهوا المعركة وتطوراتها واحتمالاتها؟ ثم كان للسيادة الجوية للعدو في تلك الفترة تأثيرها ليس فقط على القوات المدافعة في الجبهة ولكن على خطوط مواصلاتها في الخلف، والتي هي بمثابة شرايين الحياة بالنسبة لها، والتي تمد القوات الأمامية بالإعاشة والمياه والذخيرة والوقود والخدمات الطبية. والعدو يؤمن تماماً بنظرية الاقتراب غير المباشر ـ In direct Approach وعلى ذلك فإن تركيزه بالقطع يكون على خطوط المواصلات والجسور وربما على القاعدة الرئيسية في الدلتا. ثم من يضمن التقلبات الدولية ونوايا الولايات المتحدة التي أثبتتها الأيام ضد الثورة المصرية.
ولكن إلى أين يكون الانسحاب؟ ثم هل يعني الانسحاب إلى الخلف وقف القتال؟ أم أن معناه القيام بمناورة إلى الخلف في محاولة لكسب القوة لهجمة مضادة مرتبة خصوصاً وأن النجدات بدأت تصل اعتباراً من يوم العاشر من حزيران. فقد وصلت من الجزائر 40 طائرة ميغ ـ 17 مصدرها الاتحاد السوفياتي.
ولكن إذا كان قرار الانسحاب سليماً من الناحية الواقعية، فإن تنفيذه كان خاطئاً، وضد كل مبادئ الحرب التي إن تجاهلها القادة كان مصيرهم إلى الهلاك. ويحتار المرء حقيقة في معرفة تفاصيل الانسحاب، إذا أطلقنا على ما تم هذا اللفظ تجاوزاً، بل إن توقيت صدور القرار ولمن أعطي ليقوم بالتنفيذ هو أمر تختلف عليه الآراء. والبعض يذكر أن المشير أصدره عبر اتصالات هاتفية مع قيادة منطقة العريش عصر يوم 6 حزيران، والبعض يذكر أن الأمر صدر في ذلك اليوم إلى قائد المنطقة العسكرية الشرقية رأساً وبحضور الفريق القاضي رئيس هيئة العمليات، وقضى بارتداد القوات غرب الدلتا خلال ليلة واحدة، حسب ما ورد في مذكرة «أمانة» أعدها الفريق مرتجي بناءً على طلبي عندما توليت منصب وزير الحربية بعد الحرب.
كان المفروض أن يتم الانسحاب على مدى ليال عدة على أن تتم كل التحركات ليلاً نظراً للسيادة الجوية التي حققها العدو. لكن كان أغرب ما ذكر عن هذا الموضوع ما كتبه الفريق فوزي رئيس الأركان في كتابه «حرب السنوات الثلاث»، فقد قال: «وصلت الأخبار عن طريق قيادة القناة في الإسماعيلية أن المشير أصدر أوامره إلى قائد قوات العريش بانسحاب قواته بأسلحتها الشخصية فقط إلى غرب القناة في ليلة واحدة. والغريب أنه لا يمكن وصول هذه المعلومات الساعة الخامسة بعد الظهر إلا إذا كان هذا الأمر قد صدر فعلاً قبل الظهر من المشير إلى قائد لم يكن من الممكن الاستدلال عليه حتى تلك اللحظة. وقد قام هذا القائد بتنفيذ الأمر من دون إخبار قيادته العليا أو القوات المجاورة، وانتشر خبر الانسحاب عن طريق ضباط وضباط صف الشرطة العسكرية، ووصلت الحال إلى أن أصبح عريف الشرطة العسكرية الواقف عند مخرج المعبر رقم 6 بالإسماعيلية هو المصدر الرئيسي للمعلومات عن انسحاب مئة ألف فرد من سيناء استمروا في السير إلى قراهم وانضموا إلى وحداتهم بعد ذلك دون أسلحة».
هذا الكلام الخطير يدل على جهل القادة على هذا المستوى بما كان يجري وترددهم للتدخل في تلك الأوقات لتدارك الأخطاء. ووصل التخبط في إصدار التعليمات حداً لا يصدقه عقل في التعامل مع الفرقة الرابعة المدرعة التي تعتبر الاحتياط الاستراتيجي للقوات المصرية كلها وليس لقوات سيناء فقط، ما يخضع تحركاتها لحسابات دقيقة ومن أعلى سلطة في سلسلة القيادة. لقد افتتح التعامل مع هذه الفرقة بخطأ استراتيجي خطير، إذ بالرغم من أن الواجب كان يحتم الاحتفاظ بها بعيداً في الخلف حتى يمكن الدفع بها في المكان والوقت المناسبين، حسب تطورات الموقف لحسمه، إلا أنه صدرت التعليمات بدفع الفرقة من منطقة انتشارها في شرق القاهرة يوم 23/5/1967 إلى وسط سيناء لتعيد الانتشار على الطريق العرضي بيرتمادا ـ الجفجافة وعرضه 45 كلم. وتحركت الفرقة تنفيذاً للأوامر فوق جنازير دباباتها لمسافة 250 ـ 300 كلم من دون أن تستخدم الناقلات الخاصة بنقلها تبعاً للتعليمات لتوفير استهلاك الجنازير. وحينما صدرت أوامر الانسحاب في وقت ما لا يمكن تحديده بالضبط، كُلفت الفرقة المدرعة بستر عملية الانسحاب باتخاذها مواقع دفاعية عند منطقة المضايق ممر مته ـ مضيق الجدي ـ مضيق الختمية في جبهة عرضها 80 كلم وفي محاور منفصلة عن بعضها تماماً. وكانت هذه الأوضاع خاطئة تماماً وضد استخدام المدرعات. فانفصال المحاور عن بعضها يجعل استخدامها مجزأة، عكس ما هو مفترض من استخدامها في حشد حتى تكون ضربتها ذات قوة لا يمكن تحملها. وكذلك فإن استخدامها للدفاع عن منطقة المضائق حتى الساعة 12 يوم 7/6 كان يحمل تفاؤلاً كبيراً لدى القيادة التي أملت في سحب هذا الحشد الضخم من سيناء في 24 ساعة فقط علاوة على أنه كان يمكن أن تكلف فرق المشاة بهذا الواجب الدفاعي، فطبيعتها تمكنها من التمسك بالأرض.
وفي هذه الحال، تم إطلاق الفرقة المدرعة التي تتميز بخفة الحركة وقوة النيران حتى يمكنها القيام بضربات مضادة ضد القوات المهاجمة بعد أن تكون وحدات المشاة قد ثبتتها وصدت اختراقاتها. والمعلومات المتوافرة عن إعادة دفع هذه الفرقة. بعد انسحابها ناحية الشرق يوم 7، متضاربة لأن الرواة صاغوا ما حدث بما يناسبهم ويبعد المسؤولية عنهم ويلقيها على الآخرين. ونحن لا نحب أن ندخل في هذا المضمار حتى لا نشارك في إغراق الحقيقة. ولكن الثابت أن هذه الفرقة كانت سيئة الحظ بحق. فكانت بعض قواتها قد وصلت القاهرة وقت أن أعاد المشير تفكيره وقرر إعادة بعضها مرة أخرى شرقاً، والبعض الآخر كان في غرب القناة بينما كانت بعض وحداتها في الشرق. ولا غرابة بعد ذلك أن خسائر فادحة وقعت لهذه الفرقة الغالية لا يمكن أن تتحمل وحدها نتيجتها والمسؤولية عنها.
وسأنقل ما كتبه أحد القادة عن تجربة شخصية مرّ بها، وهو طه المجدوب الذي كان يشغل منصب رئيس أركان حرب اللواء الثالث المدرع في تلك الحرب. وقد أوردها في كتابه «حقائق وأسرار من النكسة وحتى حرب الاستنزاف»، وقد اختصرت مشاهداته، جاهداً ألا أخل بالمعنى، يقول: «نصت أوامر انسحاب اللواء التي تعدلت أكثر من مرة على الانسحاب إلى الإسماعيلية باستخدام الطريق الأوسط ومع شروق شمس يوم 7 حزيران (يونيو) توالت علينا الغارات الجوية الكثيفة وتحول الانسحاب إلى كارثة، ووصل اللواء إلى مدينة الإسماعيلية ظهر يوم 7. وهنا استدعى قائد الجبهة الشرقية قائد اللواء فقابله بثورة عارمة منكراً صدور أي أوامر بالانسحاب وأمره بالعودة مع لوائه إلى سيناء فوراً. وكان ذلك عملاً انتحارياً في الظروف القائمة. ولكن القيادة الشرقية كانت تريد أن تتستر على فشلها في السيطرة على عملية الانسحاب. وتنفيذاً للأوامر عاد اللواء إلى الشرق وكان قد قطع 65 كلم عند فجر يوم 8 واصطدم بإحدى كتائب العدو المدرعة. وعند ظهور ضوء النهار بدأت الغارات المعادية بغرض تدمير مدرعاتنا واستمر ذلك لمدة 12 ساعة متصلة، ولم تكن القيادة في الإسماعيلية تعلم شيئاً عنا. فكلفني قائد اللواء بعد ظهر يوم 8 بالتوجه إلى قيادة الجبهة في الإسماعيلية لاطلاعها على الموقف. وأخيراً وصلت مقر القيادة وتوجهت فوراً إلى مكتب قائد القيادة الشرقية ووجدت داخل الغرفة عدداً كبيراً من كبار قادة القوات المسلحة وشرحت لهم الموقف، ودهشت أن ما أقوله كان مفاجأة للجميع! ورن جرس التلفون وكان المشير عامر هو المتحدث ليسأل عن آخر المعلومات. وهنا حدث شيء غريب كان آخر ما أتوقعه، فقد أحجم الجميع، من رتبتي الفريق واللواء، عن إبلاغ المشير بالموقف المتدهور، وأشار إليّ أحدهم ـ وكنت برتبة عقيد ـ أن أتحدث معه، وحدثته وطلب مني أن يتحدث لأحد كبار القادة. وهنا دخل إلى الغرفة قائد الفرقة المدرعة فكلفوني بإخطار المشير بوصوله وأنه سوف يبلغه الموقف. وهذه القصة تصف طبيعة العلاقة بين كبار قادة القوات المسلحة والقائد الأعلى وتحاشيهم مواجهته بالحقائق الصعبة والمواقف السيئة» (انتهى).
ومنذ يوم 8/6 بدأت عملية الدفاع عن القناة من شاطئها الغربي وقسمت الجبهة إلى قطاعات، واحتلتها القوات المتيسرة وعين لها قادة من الموجودين في ذلك الوقت. وفي يوم 9/6 صدر بيان عبد الناصر بالتنحي.
ونحن هنا نريد أن نسأل من هو المسؤول عن صدور أمر الانسحاب بالشكل الذي صدر وأدى إلى ما أدى إليه من كارثة عارمة؟
أمين هويدي يحاول دائماً أن يبعد المسؤولية عن جمال عبد الناصر، فإن لم يستطع إبعادها تمام الإبعاد حاول تخفيفها.
والذي يبدو لي مما قرأته من تدوينات أمين هويدي أن من طبيعته الوفاء، وأنه ذو خلق رفيع يأبى عليه إلا أن يقابل من أكرمه برفيع المناصب، وآخرها وزارة الدفاع ـ يأبى أن يقابله إلاّ بمفاد الآية الكريمة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾.
لذلك نراه يداور ويداور ويداور لينقذ جمال عبد الناصر..
يقول أمين هويدي في النص المتقدم: «وهنا يثير بعض القادة في كتاباتهم التي يدرأون فيها المسؤولية عن أنفسهم قضية من الذي أصدر قرار الانسحاب هل هو الرئيس أم المشير، وأخذت هذه القضية حيزاً كبيراً في كتاباتهم رغم أنها مسألة فرعية!!».
هنا كانت تتصارع في نفس أمين هويدي خصلتان إنسانيتان، كل واحدة منهما تشرّفه: خصلة الإنسانية المحضة التي تدفعه للذود عن جمال، وخصلة الحقيقة المجردة التي تحضه على النطق بها.
وكان يتمثل فيه رجلان كريمان: رجل المودة، ورجل التاريخ، فالأول يقعد به عن الاتهام، والثاني ينهض به إليه.
فلم تستطع إحدى الخصلتين أن تفوز على الأخرى، ولم يستطع أحد الرجلين أن يتغلب على الآخر! لذلك قال: إن هذه القضية فرعية!
لو أن عبد الحكيم عامر كان بعيداً عن القاهرة في تلك الفترة، لو كان في سيناء مثلاً، لكان يمكن القول بأنه تفرد بإصدار أمر الانسحاب. فأما وهو في القاهرة، فليس من المعقول أن لا يذهب إلى جمال عبد الناصر فيذاكره في المصيبة التي حلت. لقد كان عبد الحكيم عامر بعد أن أسقط في يده وضاع تفكيره واضطرب أمره بأشد الحاجة لمن يشتور معه فيما يصنع، ولمن يشاركه في اتخاذ قرار من القرارات. وكان من الطبيعي أن يكون المفروضة مشاورته هو رأس الهرم جمال عبد الناصر.
حتى لو كان عبد الحكيم عامر في تلك الساعة في منتهى الاتزان، مالكاً نفسه، متحكماً في أعصابه لكان من الطبيعي أن يذاكر القائد الأول فيما هو في تقرير المصير.
إن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر هما المسؤولان معاً عما آل إليه حال الجيش المصري نتيجة أمر الانسحاب الفوضوي الذي صدر.
وما يقوله بعض القائلين من أن عبد الحكيم عامرلم ينتحر، وإنما دُبر له الموت تدبيراً تخلصاً مما كان يمكن أن يدلي به من أقوال. ما يقوله هؤلاء غير مُستَبْعَدٍ أبداً.
جمال عبد الناصر يتنحى
أمام هذا الانهيار التام وقف جمال عبد الناصر ظهر يوم 9/6/1967 في قصر القبة يخطب متحملاً مسؤولية ما حدث، معلناً تنحيه عن رئاسة الجمهورية ومسلماً أمرها لزكريا محيي الدين.
ونحن هنا نورد رأيين مصريين فيما قيل عن زحف الجماهير المصرية لثنيه عن التنحي. الرأي الأول لأمين هويدي وهو كما يلي:
وكان لهذ القرار ردود فعل قوية على المستوى الداخلي في مصر، وعلى المستوى القومي في البلاد العربية وعلى المستوى العالمي. وخرجت الجماهير التي هزتها الأحداث في كل مدن وقرى مصر ومن البلاد العربية تعلن رفضها القرار. وانهالت البرقيات من البلاد العربية ومن بعض زعماء العالم تضغط على الرئيس ليتراجع عن قراره، ورفع العلم من جديد لمواجهة الظروف الصعبة التي تواجهها البلاد. وفعلاً تراجع الرئيس عن قراره وأرسل في اليوم التالي 10/6/1967 خطاباً إلى رئيس مجلس الأمة يعرب فيه عن «عجز مشاعره أمام الموقف الذي اتخذته جماهير شعبنا وشعوب الأمة العربية العظمى كلها بإصرارها على رفض قراري بالتنحي، ومع اقتناعي بالاسباب التي بنيت عليها قراري إلا أن صوت جماهير شعبنا بالنسبة لي أمر لا يُرد، ولذلك فقد استقر رأيي على أن أبقى في مكاني وفي الموضع الذي يريد الشعب مني أن أبقى فيه حتى تنتهي الفترة التي نتمكن فيها جميعاً من أن نزيل آثار العدوان. على أن الأمر كله بعد هذه الفترة يجب الرجوع فيه إلى الشعب في استفتاء عام، والآن أيها الأخوة المواطنون في كل مكان.. أيديكم معي ولنبدأ مهمتنا العادلة وليمنحنا الله جميعاً تاييده وهداه».
والرأي الثاني لحسين أحمد أمين الذي كان من أركان السفارة المصرية في موسكو وهو هذا:
دخلت مكتب السفير مراد غالب، وقد دفن راسه بين راحتيه يستمع هو الآخر إلى أخبار لندن. فلما رآني وضع سبابته على شفتيه إشارة منه ألا أتكلم ريثما يسمع بقية الخبر. ثم كان أن ألممنا معاً من بقية الخبر بكل أبعاد الكارثة. هاجمتنا الطائرات الإسرائيلية وعصفت في نحو ساعة بالشطر الأعظم من سلاحنا الجوي وهو رابض من دون حراك على الأرض في المطارات، فتقرر بذلك مصير المعركة. ولم تعد الهزيمة النكراء إلا مسألة وقت. مسألة أيام أربعة فقدت مصر خلالها سيناء بكاملها، وقبل عبد الناصر بعد أن خسرها وفقد جيشه ومعداته وقف إطلاق النار.
ألممنا في موسكو بكل أبعاد الكارثة بعد ساعة واحدة من بدء المعركة، بينما كان المصريون في مصر، وليس في وسعهم الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية التي تشوش عليها الدولة، يعتمدون في استقراء الأخبار على بيانات كاذبة، وعلى أحاديث أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب يعدهم فيها بكل ثقة بأن تتناول القوات المصرية الشاي عصر ذلك اليوم (5 حزيران/يونيو) في تل أبيب. وكانت النتيجة أن ظل المصريون طوال تلك الأيام الأربعة في حال من الثقة الكاملة، والنشوة الغامرة والإيمان بالنصر، لا حديث بينهم سوى عدد طائرات العدو التي أسقطها جيشنا خلال الساعات الأخيرة، وعن المسافة التي قطعها الجيش المظفر خلال اليوم في تقدمه وزحفه من أجل تحرير فلسطين. ويحدث حين أعود إلى البيت ليلاً أن أدير المذياع للاستماع إلى ما تقوله القاهرة فيعتصر الألم قلبي إذ أتخيل وجوه بني وطني حين يدركون الحقيقة في خاتمة المطاف، وتطفو إلى ذهني قولة مدام نينا «لكم إشفق على بلدكم!».
عرفنا الحقيقة ونحن في الخارج بعد ساعة من نشوب الحرب ولم يعرفها معظم المصريين في الداخل إلا من خطاب عبد الناصر يوم الجمعة 9 حزيران حين أخبر الأمة بنبأ الهزيمة وبقراره التنحي عن الحكم. كنا وقتها في مكاتبنا في السفارة ننتظر معاً إذاعة الخطاب الذي أعلن راديو القاهرة عنه مسبقاً. استمعنا إلى قرار عبد الناصر بالتخلي عن منصبه لزكريا محيي الدين، فإذا بمراد غالب يجهش بالبكاء، وينهض سريعاً إلى حجرة مكتبه للاختلاء فيها بنفسه. وبقينا نحن في أماكننا صامتين ذاهلين وكأن على رؤوسنا الطير، حتى أفقنا بعد ساعة على أصوات نواح وعويل في فناء السفارة. توافد علينا الدارسون المصريون في موسكو وضواحيها طلباً لتفسير ما حدث أو طلباً للمشاركة في الأحزان في مأتم رسمي عام. وكان منظراً كئيباً أن نرى بينهم رجالاً يذرفون الدموع ويلطمون الخدود.
ثم وصل زميل لنا في السفارة كان استمع إلى خطاب الرئيس في بيته فأسرع إلينا. دفع بقدمه باب مكتبي حين كنا مجتمعين وصاح بأعلى صوته: أرأيتم المهزلة، أفهمتم اللعبة؟ يريد بتمثيليته أن يصرف أذهان المصريين عن مأساتهم المروعة إلى موضوع التنحي، وكأن تنحيه لا الهزيمة هي لب المشكلة. أراهنكم بكل
ما أملك أنه وزملاءه سيحشدون الآن الحشود في الشوارع تطالبه مولولة ببقائه في منصبه. ثم يعلن استجابته الخاشعة وامتثاله رغماً عنه لإرادة الشعب، فيهلل الشعب ويبتهج لهذه الاستجابة وتعود الحشود إلى ديارها وفراشها راضية باسمة خليّة البال، وينتهي الأمر.
تحقق ما تنبأ به هذا الزميل. بل وكان أن أقدم بعض العامة في الشوارع وبعض نواب الشعب في مجلس الأمة بعد سماعهم قرار التراجع عن نية التنحي على الرقص طرباً أمام عدسات التلفزيون! وما عرف التاريخ قبلها أو بعدها قط رقصاً وابتهاجاً شعبياً يعقبان هزيمة نكراء.
ما أخالف زميلي هو اعتقاده أن الجموع التي خرجت يومي 9 و10 حزيران تطالب عبد الناصر بالبقاء في الحكم قد حشدتها السلطات حشداً وأخرجتها إلى الشوارع إخراجاً للاشتراك في الجزء الباقي من التمثيلية! وفي رأيي أن كثيرين، غير من أخرجتهم السلطة، خرجوا طواعية ومن تلقاء أنفسهم وأنهم في بكائهم وعويلهم كانوا صادقين مخلصين، غير أن سبب بكائهم لم يكن بالضرورة الأسف على عبد الناصر وإنما كان على الأرجح رفضاً من جانبهم لتنحي الرئيس الذي أوقعهم في الكارثة والآن ينأى بنفسه بكل هذه البساطة عن الأزمة، تاركاً الشعب يدبر أمره وورطته. وبالتالي فقد كانت المطالبة ببقائه في حقيقتها مطالبة من الشعب للقائد المهزوم أن يظل في موقعه مسؤولاً عن التصدي للموقف المأساوي، مسؤوليته عن إلقائنا فيه (انتهى).
ولكي ننصف الحقيقة ما دمنا طلاب حقيقة، وما دمنا في كل دراساتنا نبغي الوصول إلى الحقيقة فإننا ننشر هنا مقاطع من مذكرات عبد المحسن أبو النور الذي كان من كبار أعوان جمال عبد الناصر العسكريين.
نشر عبد المحسن أبو النور مذكراته في جريدة الحياة ابتداء من أواخر شهر تموز سنة 2000. وفي الثاني من آب نشر القسم الذي نأخذ منه ما يلي:
في يوم 5 حزيران (يونيو) 1967 كنت منذ الساعة 8 صباحاً أمر على حقول القطن، بمحافظة الفيوم، متفقداً الإصابة بدودة القطن ومعي محافظها، ومديرا الزراعة والإصلاح الزراعي بالفيوم، وحوالى الساعة التاسعة صباحاً شاهدت طائرات تمر فوقنا متجهة إلى مطار أبو صوير، بمحافظة بني سويف، ثم سمعت صوت انفجار قنابل، وشاهدت أعمدة دخان. فتعجبت أنا ومن معي مما رأينا وسمعنا.
ثم فوجئت بسائق سيارتي، وكان جالساً بالسيارة يسمع الراديو، يحضر مهرولاً قائلاً: أذاع الراديو أن هناك هجوماً من الطيران الإسرائيلي على مطارات مصر، وأن الطيران المصري والمدافع المضادة للطائرات تصدت له. فعدت فوراً مع المحافظ إلى مبنى محافظة الفيوم، واتصلت بالسيد شعراوي جمعة، وزير الداخلية. فأخبرني أن هناك هجوماً إسرائيلياً شاملاً على مصر، وأن مجلس الوزراء سيُعقد فوراً لبحث الحالة. فعدت فوراً إلى القاهرة، وتوجهت إلى مجلس الوزراء الذي كان منعقداً.
وتولى السيد شمس بدران، وزير الحربية شرح الوضع قائلاً إن الطيران الإسرائيلي هاجم المطارات وأن الدفاع الجوي المصري، سواء الأرضي أو الجوي تصدى له، وأسقط عدداً كبيراً من الطائرات، وأن «القوات» البرية مشتبكة مع القوات الإسرائيلية على طول الحدود. وبعد المناقشة، طمأننا على الحال…
وبعد ذلك بدأت تصل إليّ معلومات تفيد أن الوضع العسكري ليس على ما يرام. فأخذت أجتمع مع بعض الأخوة من الوزراء وحاولنا استطلاع ما يجري وتبادلنا الأخبار المتضاربة، وحاولت الاتصال بالقيادة العامة، لمعرفة الحقيقة. ولكني لم أستطع الاتصال بأحد من المسؤولين فيها. ثم اجتمعت بالسيد عباس رضوان والسيد كمال رفعت بالاتحاد الاشتراكي وحاولنا معرفة حقيقة الأحداث التي تضاربت فيها أقوال محطات الإذاعة الخارجية والمصرية. وأخيراً اتصلنا بالسيد صلاح نصر، مدير المخابرات العامة، فأخبرنا نبأ الفاجعة التي لم نصدقها، وهي ضرب طيراننا على الأرض، وتدمير معظمه، وانسحاب قواتنا من سيناء. ولم نصدق ما نسمع، وتساءلنا عن أسبابه.
وفي يوم 9 حزيران (يونيو) تأكد لدينا نبأ النكسة. وعرفنا أن الرئيس عبد الناصر سيذيع بياناً إلى الشعب، مساء اليوم. وفي الموعد المحدد جلسنا معاً في مبنى الاتحاد الاشتراكي، نستمع إلى البيان. وفوجئنا بإعلان الرئيس استقالته، وتحمله وحده مسؤولية ما حدث. ووقع النبأ، مع ما سبق من أحداث، علينا كالصاعقة. وفي الوقت نفسه فوجئنا بالآلاف من المصريين يحاصرون مبنى الاتحاد الاشتراكي، وهم يبكون ويتصايحون مرددين هتاف «حنحارب»، ومطالبين جمال عبد الناصر بالبقاء والثأر.
خرجت مع عباس رضوان وكمال رفعت من مبنى الاتحاد الاشتراكي متجهين إلى منزل عبد الناصر. وفي الطريق شاهدنا أفواجاً من البشر متجهين إلى منزل عبد الناصر. ولكن ما أزعجنا أننا وجدنا بينهم كثيرون من جنود الجيش، وأفراد الشرطة وهم يجرون مع الشعب إلى منزل عبد الناصر. ولم يعد في الشوارع جندي مرور أو حراسة. وفي الطريق توجهنا إلى مبنى القيادة العامة في مدينة نصر لنتعرف على حقيقة الموقف العسكري. ولكننا لم نجد غير اللواء محمد فوزي، رئيس أركان القيادة. ولم نجد في القيادة غيره. فتأكدنا حقيقة المأساة. ومن هناك اتصلنا بالسيد شعراوي جمعة، وزير الداخلية، لنخطره بما شاهدناه، وأن القاهرة خلت من جنود الحراسة. فأخبرنا أن الحال سيئة، وأنه لايتحكم في الأحداث، وجميع مدن مصر تجوب شوارعها المظاهرات طالبة بقاء عبد الناصر والثأر.
ذهبنا فوراً إلى منزل عبد الناصر، ووجدناه جالساً، وحوله جميع أعضاء مجلس الثورة القدامى والموجودين بالحكم، ومعهم بعض الوزراء، والجميع يظللهم الصمت. فتقدمت من الرئيس عبد الناصر وقلت له: «هل رأيت شوارع القاهرة وما يحدث فيها؟ إنها مليئة بجماهير الشعب، الصغار والكبار، نساء ورجالاً، ويختلط معهم رجال الجيش والشرطة يجرون مع الشعب متجهين إلى منزلك مطالبين بالبقاء والثأر، وما يهمني أن أقوله لك إن البلاد الآن سائبة لا يحكمها أحد مسؤول، ولا جيش ولا بوليس، وإن قيادة الجيش ووزير الداخلية لا يتحكمان في قواتهما، ولواستغل بعض العملاء هذا الموضوع فإن البلاد كلها من الممكن أن تحترق، وأن حريق القاهرة الذي نتذكره لن يكون شيئاً إذا قورن بما يمكن أن يحدث الآن، فأرجوك أن تستوعب هذا الموضوع الذي من الممكن أن يؤدي إلى كارثة لا يعلم إلا الله مداها ومن الممكن أن تستغلها إسرائيل، فأرجو أن تعود عن قرارك، وأن تعيد لمصر حكومتها واستقرارها وقدرتها على الصمود أولاً، ثم بعد ذلك تأخذ قرارك كما شئت، أما الآن فالبلاد متجهة إلى كارثة».
وكان عبد الناصر مستمعاً لي باهتمام. ولم يقل شيئاً. وتركته وعدت إلى منزلي. وأعتقد أنه استوعب هذا الموقف الذي سمعه مني، ومن غيري. وكان لتمسك الشعوب العربية التي نادت في كل وطن عربي مطالبة عبد الناصر بالبقاء، ولاتصال جميع الرؤساء العرب مطالبين الرئيس ألا يتخلى عن الحكم، أكثر الأثر في عودته عن قرار التنحي (انتهى).
وكان لحسين أحمد أمين تعقيب على ما جرى بعد ذلك رأينا أن نأخذه بكامله في هذه الصفحات التاريخية:
كان لا يزال أمامي شهران أقضيهما في موسكو قبل مغادرتي النهائية لها عائداً إلى مصر. شهران لم أشعر خلالهما برغبة لا في قراءة الكتب أو حتى قراءة الصحف، ولا في كتابة التقارير السياسية، ولا في ارتياد المسارح، ولا في الخروج إلى حديقة عامة أو حتى في التريض. وأسهم في هذا العزوف والاكتئاب عندي ما لمسته خلال الشهرين من تعاطف غالبية أفراد الشعب الروسي مع إسرائيل عقب الهزيمة، وشماتتهم بالعرب. وكنا نعتقد قبلها العكس بفضل البيانات الرسمية وما كان يلقيه السوفيات من خطب حماسية ودية في جمعية الصداقة السوفياتية ـ المصرية والعربية. وعندئذ فقط أدركنا أن الموقف الرسمي للدولة شيء، والموقف الشعبي شيء آخر، يكفي أن أذكر مثالاً واحداً على ذلك، وهو أنني كنت أستقل سيارة أجرة في موسكو بعد الهزيمة، وحين عرف السائق الروسي أني مصري، قال متشفياً: «نساءإسرائيل هزمن رجالكم!». فترددت برهة بين أن ألكمه في رأسه، وأن أتركه، ثم كان أن طلبت منه التوقف على الفور، وألقيت بأجرته في وجهه ونزلت.
عدت إلى القاهرة يوم 4 آب (أغسطس) 1967، فإذا بي أكاد أنكر كل ما حولي ومن حولي، الكآبة أضحت مثبتة بالوجوه، رابضة في القلوب لا تتزحزح، لا ضحك ولا ابتسام ولا تحمس ولا استعداد للحديث في السياسة أو حتى في أي موضوع جاد. المسارح ودور السينما لا تزال مغلقة أبوابها، والمجلات والصحف لا ينقصها إلا أن تحمل على غلافها أو صفحتها الأولى شارة الحداد، وحين كنت أسأل الأهل والأصدقاء عن إحساسهم في الأيام التالية للهزيمة، كان رد الكافة أنهم كانوا يستيقظون في الصباح فيبقون في فراشهم ولا رغبة لديهم في النهوض منه، إذ لا يجدون معنى لأي نشاط بوسعهم القيام به، ولو كان هذا النشاط مجرد تناول الإفطار.
وكان الوضع في «العمل» في وزارة الخارجية، وبغيرها من المصالح على ما سمعت، غريباً جديداً لم آلفه من قبل أو من بعد، لا أحد يشعر بميل إلى عمل، أو أن يكتب تقريراً، أو يقابل ديبلوماسياً أجنبياً، أو يقرأ برقيات رمزية واردة من سفاراتنا في الخارج أو صادرة من مكتب الوزير، أو ينظر في الصحف والمجلات الأجنبية المتراكمة على مكتبه، ولا شك عندي في أن هذا الشعور لدى المرؤوسين كان هو نفسه السائد بين الرؤساء. غير أنه كان على الرؤساء واجب محاولة أن يقنعونا بالعمل، وأن يتظاهروا أمامنا بالقدرة على تجاوز الأزمة. ويقيني أن ثمة تعليمات صدرت إليهم من السلطات السياسية العليا بأن يتحلوا في تعاملهم مع مرؤوسيهم بالصبر، وأن يتغاضوا عن تأخرهم في الحضور صباحاً وتبكيرهم في الانصراف بعد الظهر، وأن يتحملوا الكلمات النابية التي تصدر في حقهم. ولا زلت أذكر اليوم التالي لإلقاء عبد الناصر خطابه المعروف ببيان 30 آذار (مارس) الذي ناشد الشعب فيه (بعد عشرة أشهر من الهزيمة) أن يفيق إلى نفسه، وأن يتجاوز المأساة، وأن يفتح صفحة جديدة، وأن يطرح عن نفسه الإحساس باليأس، إذ بادر كل مدير من مديري الإدارات في وزارة الخارجية بدعوة مرؤوسيه إلى اجتماع في مكتبه (لا بد أنها أيضاً كانت من تعليمات السلطات العليا) وشرع يمتدح البيان الذي لا شك في أننا استمعنا إليه، إذ عرض الرئيس فيه الوضع بكل أمانة وصراحة، واضعاً النقاط على الحروف، ومفسراً ما غمض أو التبس علينا، وهو ما لا بد أن نستجيب له بالعودة إلى العمل الجاد، لما فيه خير هذه الأمة، إلى آخره. راقبت وقتها الزملاء فإذا العيون ناعسة، والشفاه تكتم التثاؤب، والوجوه في بلادة وجوه البلهاء، ومرت الشهور الطويلة التالية على بيان الرئيس ولاجتماع المديرين بالمرؤوسين، من دون أن يطرأ على الأوضاع أو النفسيات أي تغيير.
وكان ما زاد من تعاستي في ذلك العام الذي أصبت خلاله بانهيار عصبي، أن أرى عبد الناصر، أو نظامه، يلجأ إلى حيل خبيثة ثلاث، لم أغتفرها له إلى اليوم، من أجل إلهاء الشعب وصرفه عن ذكرى الهزيمة.
الأولى: إقدامه على تعيين رقيب جديد على الأفلام الأجنبية عرف عنه من خلال كتاباته النقدية في الصحف تحرراً في الفكر، وإيماناً بالإبقاء على المناظر الجنسية ولقطات العري في الأفلام، فإذا بدور السينما توالى فيها عرض الأفلام الفاحشة التي استهوت شبابنا على الفور، فأقبلوا عليها في دهشة ولهفة وتعطش، واستحالت تلك الدور أو كادت إلى ما يشبه المواخير.
والثانية: إنه على رغم إفلاس خزينة الدولة، والضائقة الاقتصادية الرهيبة التي كانت مصر تعانيها من جراء الهزيمة، وبسبب الإقدام على إعادة تسليح الجيش وبناء أسطول جديد، أغرق النظام الجمعيات التعاونية الاستهلاكية والأسواق بسلع تموينية كمالية لم تعرفها مصر من وقت سقوط الملكية إلى هزيمة حزيران (يونيو). فإذا بها وقد توافر فيها الجبن الروكفولا وجبن البلكان والكاشكفال والسالمون والفواجرا الفرنسية، والكافيار الروسي ومختلف أصناف السجائر الأميركية والإنكليزية، إلى آخره.
والثالثة: بعد إرضاء الشهوتين، كان لا بد أيضاً من إرضاء شهوة الروح (ولمَ لا؟ من قبيل الاحتياط على الأقل) فإذا بنا سرت إشاعات عن أن طيف العذراء مريم يتراءى كل مساء في ضاحية الزيتون، وهي تحمل في ذراعيها المسيح الطفل، وإذا بالناس لأسابيع طويلة يتدفقون كالسيل على المكان، من مسلمين وأقباط، في انتظار بدء العرض الذي ثبت لاحقاً (أو هكذا ذكر الخبراء بإمكانات أشعة الليزر)، إنه كان من تدبير النظام.
الأهم من هذا كله أننا بدأنا بعد مرور ثلاثة أشهر أو أربعة على الهزيمة، (أو النكسة كما فضل عبد الناصر أن يسميها) نلمح في الطريق ظاهرة جد فريدة، بدت متواضعة محدودة في بداية الأمر، ثم سرعان ما انتشرت في السنوات التالية انتشار النار في الهشيم، ألا وهي إقبال الرجال على إطلاق اللحى ولبس الجلباب، وإقبال النساء على ارتداء ملابس الحجاب ثم النقاب.
ذلك أنه حين شرع الناس يقلّبون النظر في أسباب الكارثة التي حلت بالبلاد، ويتأملون أحوال الأمة، مال فريق كبير منهم إلى الاعتقاد بأن انتصار إسرائيل لابد راجع إلى تمسك اليهود بعقيدتهم واحترامهم لتقاليدهم الدينية، في حين هجر المسلمون الأشقياء دينهم وتراثهم وتقاليدهم، خصوصاً في عهد عبد الناصر العلماني الشبيه في مسلكه بأتاتورك، فإذا هزيمة جيشه الساحقة تأتي بمثابة عقوبة من الله عز وجل، وتحذير لأبناء أمة المسلمين وبناتها من عواقب التمادي في سلوكهم الشائن، ودعوة إلى المؤمنين منهم بالتزام الصراط المستقيم، وبالإصرار على هويتهم الإسلامية دون الهوية المصرية أو العربية.
ذكر عبد الناصر في أول خطاب إلى الأمة يلقيه بعد رجوعه عن قرار التنحي أنه أخطأ إذ لم يفسح مجالاً كافياً للعاطفة الدينية حتى تلعب دورها في تكييف الهوية المصرية، وإذكاء حمية الشعب، وما كان الرجل يدري وقتها أنه قد أشعل بتورطه في حرب حزيران نار عاطفة دينية كادت في وقت ما أن تعصف بنظام ثورة 23 تموز (يوليو) ولا تزال تلعب دوراً رئيسياً في الحياة السياسية المصرية إلى يومنا هذا.
كانت المطامح البعيدة التي أثارتها السنوات الأولى من حكم عبد الناصر لدى الشباب المصري أصيبت من جراء حرب حزيران بضربة قاصمة، كان لا بد معها من إعادة تقييم الأوضاع بأسرها. ومن ناحية أخرى، انطوت تلك الحرب على كل العناصر الباعثة على الثورة، ألا وهي الهزيمة العسكرية، وانهيار الجبهة الداخلية، وسخط المثقفين واتساع الفجوة التي تفصل بين الأجيال. واتجه البعض بعد الهزيمة إلى الدين يلتمس فيه السلوى، وانتعشت الاتجاهات الصوفية شأنها دائماً عقب الكوارث الحربية. غير أن هذه التوجهات الفردية السلبية بدت هزيلة بالمقارنة بما ساد لدى غالبية الشباب من اتجاه يربط بين الدين والثورة.
رأى هؤلاء أن مايسمى في العالم العربي بالثورات هي في حقيقة أمرها مجرد انقلابات لا تمس لب الأنظمة، وأن الحكام حين يشيدون بالإسلام لا يشيدون به عن تقوى مخلصة، بل عن رغبة في استغلال تقوى الجماهير.
وعندما تولى السادات الحكم في نهاية 1970، كانت صورة التيار الإسلامي في مصر تغيرت وإن ظلت الحكومة لسنوات عدة بعدها إلى اعتقادها أن قوام هذا التيار إما أفراد من الأتقياء لا يجمعهم تنظيم، أو الفلول الباقية من جماعة «الإخوان المسلمين» ممن تعرضوا لأبشع صنوف التعذيب في سجون عبد الناصر، ثم خرجت منها تصم نظام الحكم القائم بالجاهلية. وتهافت الآلاف من شباب مصر على الانضمام إلى الجماعات الدينية الجديدة، وكذلك العديد من أفراد الطبقة البرجوازية التي أدركت عجزها عن صد التيار الذي يجرفها تجاه هذا المصير.
إن الرجال الذين يصنعون الثورات أو الأحداث غير الرجال الذين تصنعهم الثورات والأحداث. فقد يكون القائد الذي أشعل نار الثورة وأطاح بنظام قائم، رجلاً كريهاً سيئ الخلق، غير أنه من المؤكد أنه يمتلك من القدرات والملكات ما هو كفيل بأن يضطر أعداءه إلى الإقرار له بها، كالشجاعة وقوة العزيمة، ووحدة الهدف، والتحمس والنشاط اللازمين لاكتساح المصاعب والعقبات في طريقه. أما أولئك الذين تنتجهم الثورات، أو تصنعهم الأحداث، ممن تتشكل عقولهم ونفوسهم خلال المعمعة والتغييرات الجذرية التي تعقب الثورة أو الحدث، فصنف مختلف تماماً من البشر. وكما أن علماء الطبيعة يقولون إن الحرارة تتسبب في إحداث خلخلة في الهواء، وأن خلخلة الهواء تتسبب بعدها في إحداث البرودة، كذلك فإن الثورة أو الحرب تنجم عن التحمس، ثم ينجم عن الثورة أو الحرب فتور في التحمس. لذلك فإن الرجال الذين تصنعهم الثورات أو الحروب يتسمون عادة بقدر عظيم من السطحية، وقدر من الاستخفاف وروح التشكك، وفقدان الاكتراث بأي أمر ولو جلّ شأنه، وميل إلى ترك توجيه الأمور في يد القدر، ونظرة إلى مختلف القضايا السياسية والاجتماعية على أنها جميعاً سواء، واعتقاد بأنه من الأحكم أن يكون المرء عميلاً يرتزق من أسوأ قضية، من أن يكون شهيد أنبل قضية.
وفي ظني أن معظم أفراد الجيل الذي تلقى تعليمه في مدارس ثورة 1952 ثم شهد هزيمة 1967، ثم عاش في عهد السادات، هم من هذا الصنف الأخير الذي أتحدث عنه. فهم إذ تعودوا أن يروا تقلباً أثر تقلب، وتحمساً لقضية يعقبه تحمس لأخرى مناقضة، وألفوا الترحيب الحار بالمذهب الذي أسفر عن خيبة أمل، وشهدوا الاندحار والفوضى يعقبان التوقعات المبالغ فيها، ويتمخضان عن آمال عريضة لقادة متسرعين طائشين، قد تعلموا من ذلك كله أن ينظروا إلى برامج الإصلاح نظرة الاحتقار والشك. يتظاهرون أحياناً بالولاء والإخلاص، غير أنهم في قرارة أنفسهم يرون الولاء وهماً، والإخلاص بلاهة، والوطنية سراباً، فبعد أن كانوا في الماضي على استعداد للتضحية في سبيل القضية بالنفس والنفيس، أضحوا اليوم أكثر صنوف الحرص أنانية. فمنذ هزيمة حزيران غدت الانتهازية والسعي وراء الإثراء السريع صفتين لا مبرر لأن يخجل صاحبهما منهما لشيوعها بين معظم الناس، وما عاد هناك من يلومه عليهما أن يُعيّره بهما.
شهد جيلنا عهد الملك فاروق، وفترة الوصاية على العرش، وعهد محمد نجيب، واشتراكية عبد الناصر وتبعيته للاتحاد السوفياتي، وانفتاح السادات الاقتصادي وتبعيته للولايات المتحدة، فكيف يمكن ألا يكون في الثبات على المبدأ في ظل كل هذه التقلبات خطراً على صاحبه وعلى كل من يرتبط به أو يصادقه؟ بل إن هذا الثبات على المبدأ والعقيدة يتحول في عين الناس من فضيلة إلى رذيلة، فيصمه الناس بالعناد، أو بالافتقار إلى النظرة العملية، أو بالمثالية الحالمة.
في مثل ذلك الزمان يصبح من واجب المواطن أن يهيئ نفسه للاستمرار في الخدمة في ظل ظروف متباينة، وأنظمة متصارعة، وحكومات متتالية. وفي مثل ذلك الوطن الذي رأينا فيه حشداً ضخماً من الرجال الوقورين المحترمين، ممن كانوا موالين للملك، ثم امتدحوا عبد الناصر واشتراكيته، ثم تغنوا بمناقب السادات ورأسماليته، ليس ثمة احتمال أن يخجل المرء إن هو هجر حزباً يأفل نجمه إلى حزب تشرق شمسه، أو إن هو صوت اليوم مؤيداً لمشروع قانون من القوانين كان بالأمس يمقتُه ويجاهد ضده (انتهى).
بعد ثلاثين سنة
في مرور ثلاثين سنة على الهزيمة الكبرى (حزيران 1967) كتب بعض الكتاب العرب متحدثين عن هذه الذكرى أحاديث تستحق التدوين، فمنها هذا الحديث للكاتب والسياسي المصري محجوب عمر:
قبل أسابيع قليلة من حلول الذكرى الثلاثين لحرب حزيران (يونيو) 1967، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» (27/4/1997) حديثاً كانت قد أجرته في العام 1967 مع الجنرال موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء الحرب قال فيه: «لقد ارتكبنا خطأ بالسماح باحتلال هضبة الجولان في حزيران (يونيو) 1967، وكان عليّ بوصفي وزيراً للدفاع أن أمنع ذلك لأن السوريين لم يكونوا يشكلون تهديداً لنا في هذا الوقت». واعتبر دايان أن «الحرب مع سوريا لم تكن ضرورية. يمكنك أن تصف السوريين بالسوء وأن تهاجمهم متى شئت، ولكن ذلك لا يسمى سياسة. فأنت لا تشن حرباً على عدو لأنه سيئ بل لأنه يشكل تهديداً… إن السوريين لم يشكلوا تهديداً في الأيام الأربعة الأولى لحرب الأيام الستة عندما هاجمت إسرائيل سوريا».
ويكمل هذا التصريح/ الاعتراف ما سبق أن سجله دايان نفسه في كتابه «قصة حياتي» من أنه لم يكن راضياً عن الوصول بقوات الجيش الإسرائيلي إلى الشاطئ الشرقي لقناة السويس، وأن ذلك تم في ظل تطوّر العمليات العسكرية واندفاع قادة ميدانيين مثل شارون وتال للوصول إلى شاطئ القناة، خصوصاً أن المناقشات السابقة في لجنة الدفاع والأمن الإسرائيلية لم تكن قد حسمت الهدف الاستراتيجي من الوصول فيما بعد لفتح مضايق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية على الجانب الشرقي من سيناء. وهي الممرات الملاحية التي أدى إغلاقها أمام السفن الإسرائيلية إلى تعجيل إسرائيل بشن الحرب. وكانت وجهة نظر دايان أن توقف قوات الجيش الإسرائيلي عند حدود الممرات البرية (متلا والجدي) في سيناء يكفي لبدء المساومة تجنباً لاستفزاز المجتمع الدولي إذا ما أغلقت قناة السويس أمام الملاحة.
ما الذي دفع موشي دايان إلى عدم تسجيل تقديره هذا فيما يتعلق باحتلال هضبة الجولان في كتابه المذكور، على رغم أنه ذكرفيه بالتفصيل المناقشات التي دارت أثناء المعركة على الجبهة الشمالية وسجل رأيه بالنسبة للوصول إلى شاطئ قناة السويس؟ ولم يكتف بذلك وإنما ذكر أن مناقشات مكثفة جرت في هيئة الأركان الإسرائيلية واستمرت بعد وقف القتال، حول ما إذا كان من المفيد للجيش الإسرائيلي الدفاع عن هذا الخط بدوريات متحركة تتموضع داخل سيناء على بعد يجنبها مدى المدفعية المصرية من الشاطئ الغربي للقناة، أو أن تتحصن في تحصينات على الشاطئ مباشرة كما حدث، فيما بعد، فيما عرف بخط بارليف وهو ما تبنته هيئة الأركان في نهاية الأمر.
تظل الإجابة عن هذه الأسئلة مطلوبة. ومن المرجح أن يساهم الكشف عن المزيد من الوثائق الداخلية للجيش الإسرائيلي في تفسير ما ظل غامضاً في أحداث حرب حزيران 1967. ولكن مرور ثلاثين عاماً على هذه الحرب يدفع إلى سؤال أكبر، خصوصاً وأن هذه الفترة القصيرة نسبياً في تاريخ المنطقة شهدت تغيرات كبيرة، خصوصاً بالنسبة لإسرائيل.
فإسرائيل التي وصلت في ذلك التاريخ إلى شاطئ قناة السويس جنوباً، وإلى الطريق المشرف على دمشق شمالاً، وإلى نهر الأردن شرقاً، واحتلت بذلك كل سيناء المصرية وكل هضبة الجولان السورية وكل ما بقي من فلسطين تحت الانتداب بعد 1948، بالإضافة إلى قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية، لم تعد ـ أي إسرائيل ـ تقف في هذه المواقع نفسها الآن. وإذا أخذنا بالمقياس الذي حدده بن غوريون، وهو يتحدث عن حدود إسرائيل بأنها الحدود التي يصل إليها الجندي الإسرائيلي، فإن هذه الحدود قد تراجعت، ولم تعد كما كانت عليه مساء يوم 9 حزيران 1967 عند إعلان وقف إطلاق النار. وإذا أضفنا اعترافات دايان ومذكراته وتصريحات غيره من القادة المعاصرين للحرب، ونتائج حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 التي أدت إلى جلاء الجيش الإسرائيلي من سيناء ومن قسم كبير من سطح الهضبة العليا للجولان السوري، ثم ما أصبح يعرف بإعادة الانتشار في مناطق واسعة من قطاع غزة والمدن الكبرى في الضفة الغربية، لأمكن الاستنتاج بأن حرب حزيران 1967 كانت (تمدداً مفرطاً) بالمعنى الاستراتيجي والسياسي لدولة إسرائيل، زائداً عن قدراتها على الاحتفاظ بما حققته. وذلك من عوارض انهيار الدول وأسبابه أيضاً.
لقد كان واضحاً على الجانب العربي منذ اللحظات الأولى لوقف إطلاق النار أن هذه الحرب لن تحقق هدف إسرائيل، إذا كان ذلك الهدف هو تحقيق تسوية وتوقيع اتفاقات سلام مع الدول العربية المحيطة، ولن تمنع حرباً أخرى. وبينما كان الجنرال موشي دايان يجلس منتظراً سماع رنين الهاتف ليطلب منه هذا الحاكم العربي أو ذاك ـ وبخاصة جمال عبد الناصر ـ توقيع معاهدة للصلح (الاستسلام)، كان العرب شعوباً وحكومات يعملون بالفعل على رفض الهزيمة والاستعداد للحرب من دون تردد. وقد ثبت أن التصور الإسرائيلي بأن تلك الحرب أنهت الإرادة العربية، كان خاطئاً يعتمد على تفكير عنصري لا يقدر قيم الكرامة والوطنية. فقد وقعت بالفعل حروب أخرى وليست حرباً واحدة. وهي حروب بدأت بنهوض وانتشار العمل الفدائي الفلسطيني فيما عرف بالانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية في آب (أغسطس) 1967، ثم بإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات في 21 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1967 بواسطة زورق صواريخ مصري أمام بورسعيد وما تلاها من هجمات بالمدفعية المصرية على الجانب الغربي للقناة. وحاول دايان، حسبما ذكر في كتابه، إبقاء عمليات الرد الانتقامي عليها محدودة. ولكن القيادة المصرية استمرت في تصعيد العمليات ليتحول التراشق والعمليات المحدودة إلى حرب استنزاف شاملة على طول الجبهة، تواكبت مع تصعيد كبير للعمل الفدائي على الجبهات الشمالية والشرقية، وما جرى بعد ذلك من وقائع معروفة حتى فاجأت حرب تشرين الأول الجيش الإسرائيلي المتمترس داخل تحصينات خط بارليف والتحصينات المشابهة على قمة هضبة الجولان.
من الواضح أن القيادات العربية كانت تدرك حتمية استمرار حال الحرب وحتمية وقوعها. وكان ذلك واضحاً على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 والمحاولات الدولية التي استفادت منها الدول العربية لإعادة بناء قواتها. وفي تلك الأيام قدر البعض استحالة وقوع الحرب. وهؤلاء أغفلوا أن وقع هزيمة حزيران 1967 فجر، عكس ما قدرت القيادات الإسرائيلية وتصوراتها العنصرية، حركة جماهيرية عربية عامة ساندت قرار الحرب وراقبت عمليات تنفيذه، وأن الجيوش العربية التي تحملت مسؤولية الهزيمة أمام شعوبها ما كان لها إلا أن تحارب مرة أخرى لاستعادة شرعيتها أمام نفسها وأمام جماهيرها. ثم إن الاحتلال الإسرائيلي خلق مشكلات صعبة الحل من دون تعديل الموقف بالقوة المسلحة.
وقد حاولت إسرائيل التوصل إلى تسوية مبكرة مع القيادة المصرية تضمن عودة الملاحة إلى قناة السويس، وكان ذلك عودة إلى تقديرات دايان. ولكن الأوضاع السياسية الدولية والإقليمية، والضغوط الشعبية، لم تكن تسمح بمثل هذه النهاية الباردة، ومن ثم بقيت قناة السويس مغلقة. ولم يكن في الإمكان أن توافق القيادة المصرية على أن تبقى مضائق تيران في شرم الشيخ خارج سيادتها الإقليمية. ولم يتغير الموقف إلا بعد حرب تشرين الأول 1973 التي أرغمت إسرائيل بالفعل على التراجع عسكرياً وسياسياً. ولعلها وفرت للقيادات الإسرائيلية فرصة النزول عن أعلى المواقع التي بلغتها من دون أن تقدر النتائج، كما أرغمت إسرائيل على الانسحاب من مدينة القنيطرة ومن مساحات كبيرة على هضبة الجولان بعد حرب استنزاف مكثفة شنها الجيش السوري في أوائل 1974. ومن بعد، ومع تطورات الأحداث، أرغمت المقاومة والانتفاضة الفلسطينية الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من أجزاء كبيرة من قطاع غزة ومن المدن الفلسطينية. إلا أن مشكلة القدس تبدو عصية على الحل بعد أن أعلنت إسرائيل ضمها، ولا تزال تعلن استبعادها من مساعي معالجة آثار ونتائج حرب حزيران 1967 عسكرياً على الأقل.
بعد ثلاثين عاماً من حرب حزيران (يونيو) 1967 يظهر الموقف الإسرائيلي متراجعاً ومنسحباً ودفاعياً. فهل كان الجنرال موشي دايان، الذي عُرف بأنه خبير في شؤون المنطقة والعرب، والذي انتهى مشاركاً في ترتيب معاهدة الصلح المصرية ـ الإسرائيلية، مدركاً منذ البداية أن الحملة الإسرائيلية في حرب حزيران هي من قبيل «التمدد المفرط» الذي لا تتحمله إسرائيل التي ذهبت إلى أكثر مما تستطيع في تلك الحرب، وإذا بها تحاول الآن التشبث بما اختطفته ولم تستطع ابتلاعه؟!
لقد تعلم العرب كثيراً من حرب حزيران. وبدا في مرحلة لاحقة على حرب تشرين الأول أن إسرائيل على استعداد للتعلم. ولكن وصول نتانياهو إلى الحكم بعقليته العنصرية المتعالية المغامرة أغلق باب العبر والدروس مما يوجب الانتباه والحذر والاستعداد لأشكال متنوعة من العنف بدرجاته المختلفة. ذلك أن «التمدد المفرط» للدول يزيد من غرور قياداتها وينتهي بنهايتهم. تلك دروس قديمة ومعاصرة معروفة (انتهى).
وهذا الحديث للكاتب السوري محمد خليفة: في مناسبة مرور ثلاثين سنة على حرب 1967 شهدت إسرائيل نقاشات وسجالات حامية بدءاً من نشر صحيفة «يديعوت أحرونوت» (27/4/1997) مقابلة عمرها عشرون سنة مع «نجم» تلك الحرب الجنرال موشي دايان، وانتهاءً بندوة عقدت في جامعة تل أبيب شارك فيها محللون وخبراء ومسؤولون سابقون، إسرائيليون وأجانب وفلسطيني واحد.
وبقراءة كل أو جل ما نشر تبرز حقيقتان مهمتان تعنيان العرب. الأولى أنه رغم المياه الباردة والصافية التي جرت في نهر عملية السلام منذ 1991 حتى الآن، ما زالت حرب 1967 (وهي بلا شك عدوان صارخ على العرب) تحتل في الوعي الإسرائيلي القومي مكانة خاصة وسامية. إنها على حد تعبير الكاتب سيفر فلوتسكر «ذخر وطني ساطع لا يخبو». وهي اليوم كما كانت ساعة وقوعها «حرب عادلة، حرب الاخيار، حرب داوود ضد جالوت».
في المقابلة يكشف دايان أن 80 في المئة من الاشتباكات التي وقعت في الجولان مع السوريين خلال السنوات التي سبقت 1967 كانت مفتعلة ومبرمجة لاستدراج سوريا إلى الحرب بهدف احتلال الهضبة لأن لعاب المستوطنين كان يسيل على خصائصها الزراعية ومياهها الجوفية. كما يكشف دايان عن نقاشات حامية داخل هيئة الأركان عشية احتلال الهضبة حول ما إذا كان الأمر ضرورياً من ناحية الأمن.
أهمية هذه المعلومات أنها كسرت الاعتقاد الجماعي الراسخ بين الإسرائيليين بأن حرب 1967 كانت «دفاعية ومفروضة ولا خيار فيها» وأنها «أحبطت خطة عربية محكمة لتدمير إسرائيل ورمي اليهود في البحر» كما يقول الكاتب المذكور. ويبدو أن ذلك الاعتقاد كان نتيجة «سياسة حكومية» حريصة على تدعيمه بكل الوسائل، بما في ذلك كتمان أسرار تلك الحرب حتى اليوم وإبقاؤها مثلما كانت عند حدوثها والغريب أن الأكاديميين والباحثين الذين شاركوا في ندوة جامعة تل أبيب لم يشذوا عن ذلك الاعتقاد القومي الراسخ وبرغم كل ما أظهرته السنون من حقائق، فالبروفسور شيمون شميره يكرر نفس الكلام الذي يقوله المواطنون العاديون اليوم كما في 1968. أما الكاتب فلوتسكر فيسخر من مسؤول سوفياتي سابق شارك في الندوة لأنه قال إن تلك الحرب كانت عملاً أميركياً موجهاً ضد النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط.
لقد أثارت معلومات دايان وانتقاداته (السياسية والأخلاقية) لحرب 1967 ضد العرب ردود أفعال قاسية عليه رغم مكانته ودوره في تلك الحرب، حتى أن أحد مدراء مكتبه السابقين (مردخاي بار أون) هاجمه بعنف بلغ درجة القول إن المقابلة «لا تضفي الاحترام لذكراه». وكذب قوله إن الأطماع التوسعية مثلت عاملاً ثابتاً في سياسة زعماء إسرائيل من بن غوريون إلى أشكول، وأن هؤلاء فضّلوا دائماً الحرب على السلام.
أما الحقيقة الثانية التي تبرزها المناقشات والسجالات الإسرائيلية في ذكرى حرب 1967 فهي تنطوي على مفارقة مثيرة، إذ تظهر المعلومات والآراء التي نشرت في المناسبة أن جنرالات إسرائيل أكثر واقعية وأقرب إلى السلام من السياسيين. فمقابل أفكار الكتاب والأكاديميين المذكورين عن حرب 1967 ينقل فلوتسكر عن كتاب قديم صدر في نهاية 1967 (عنوانه: حوار المقاتلين) يحتوي على مقابلات مع الضباط الذين شاركوا في الحرب اتفاقهم على قول واحد «إننا لسنا سكارى بهذا النصر. لقد عدنا من الحرب بوجهة نظر مفاجئة. لقد أدركنا أن أمامنا شعباً آخر، أناساً آخرين يجب أن نعترف بحقوقهم». لقد ظهرت هذه الأقوال بعد الحرب مباشرة حين كان المثقفون والمفكرون سكارى فعلاً بذلك الانتصار بدءاً من الشاعر نيتان الترمان وانتهاء بالبروفسور بنيامين كيدار ومروراً بالكاتب موشي شمير. حيث أجمع هؤلاء وغيرهم على مباركة تلك الحرب واعتبارها عملاً أخلاقياً مشروعاً وطالبوا بضم جميع الأراضي المحتلة فوراً وبالتخلص من سكانها الأصليين واستيطانها باليهود، مع أن دايان ظل حتى 1977 يعارض سياسة الاستيطان في الضفة الغربية بما في ذلك مدينة الخليل.
ويبدو أن الصورة في المجتمع الإسرائيلي ما تزال تحتفظ بنفس القدر من الإثارة والمفارقة إلى اليوم. إذ لا يخفى علينا أن معظم الذين أيّدوا عملية السلام وقدموا مبادرات لإنجاحها كانوا عسكريين من رابين إلى باراك مروراً بشبه العسكري وتذكيراً بآلون ودايان نفسه وكذلك عازرا وايزمان. وبالمقابل كان معظيم المتشنجين والمتطرفين ضد السلام من الساسة والمثقفين والمتدينين بدءاً من غولدا مائير وانتهاءاً بنتانياهو مروراً ببيغن وشامير وعشرات من الشباب الحزبي اليميني من دون إلغاء الاستثناءات هنا وهناك. وتجدر ملاحظة أن هذا الانقسام غير مرتبط بالانقسامات الحزبية التقليدية بين يمين ويسار.
مفارقة مهمة لكنها مفهومة (انتهى)
وهذا الحديث للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي:
بعد نصف قرن من النشاط المنظم والمعقد استطاعت الحركة الصهيونية التي انطلقت من مؤتمر بال في سويسرا (آب 1897) من إعلان إقامة دولتها على حوالى 73 في المئة من الأراضي الفلسطينية، في منتصف أيار (مايو) 1948. وعلى رغم كل الجهود السياسية والثقافية والاقتصادية التي بذلتها هذه الحركة لإقامة مشروعها، لم تستطع تأسيس كيانها وفرض وجوده آنذاك إلا على أساس ركيزتين أساسيتين وهما: الاستيطان والقوة العسكرية، اللتان استندتا أساساً إلى دعم وضمانة الدول الكبرى وخصوصاً بريطانيا أولاً، والولايات المتحدة بعدها. وهذا يعني أن إسرائيل لم تنشأ نتيجة التطور التاريخي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي للتجمع الاستيطاني في فلسطين، وأنها لم تنشأ أيضا بفعل قواها الذاتية، فضلاً عن أنها نشأت على رغم إرادة أهل الأرض الأصليين، ما أثر على طبيعتها ودورها وخلق تناقضات عديدة في مختلف نشاطاتها.
الآن وبعد مرور قرن على قيام الحركة الصهيونية، ومن ضمنها 49 عاماً على إعلان قيام إسرائيل، ما زالت بعض الأسئلة حول ماهية المشروع الصهيوني، وحول جدوى قيام إسرائيل، ومحصلة كل ذلك سواء على اليهود أنفسهم (داخل إسرائيل وخارجها)، أو حول علاقة هذه الدولة المصطنعة بإطارها الإقليمي والدولي تطرح نفسها بإلحاح وتبحث عن أجوبة لها.
فمنذ تأسيسه قام المشروع الصهيوني على فكرة أساسية وهي إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لحل «المسألة اليهودية» في العالم. وهكذا تمّ اعتبار «اليهودية» نسقاً فوق الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة المشتركة. أي أنها ليست مجرد دين وإنما هي رابطة قومية تصهر جميع اليهود في مختلف القارات والبلدان في بوتقة شعب واحد بغض النظر عن انتماءاتهم القومية وخلفياتهم الثقافية والتاريخية. ومن هنا نشأ التناقض المستمر بين الاتجاهين العلماني والديني في إسرائيل، وليس بمستطاع العلمانيين حل هذا التناقض إلا على أساس التخلي عن الطابع اليهودي لإسرائيل واعتبارها دولة لمواطنيها وهذا ما لم تتضح له الأوضاع حتى الآن.
يذكر أن خصائص الدين اليهودي وطقوسه المعقدة، وطبيعة الوظيفة الاقتصادية ـ الاجتماعية للنخب اليهودية، ساعدت على انعزال اليهود وشكلت ملامح مشتركة لهم في «غيتوات»، عززت نظرة الريبة والحذر اللتين كانت تنظر بهما الشعوب الأوروبية (المسيحية) وصاحبها ممارسات من الاضطهاد بحق اليهود نشأت على خلفيتها نزعة اللاسامية المعادية لهم.
هكذا فإن «المسألة اليهودية» هي مسألة أوروبية أساساً، لم تعرفها الأقطار العربية، وعندما حاولت النخب اليهودية حل هذه المسألة على أساس قومي (للحؤول دون مسار ذوبان اليهود)، بإيجاد وطن قومي يتجمع فيه اليهود جاء الحل خارج أوروبا، وعلى حساب الشعب العربي الفلسطيني. وكان على هذا الحل من وجهة نظر القادة الصهاينة أن ينسجم مع طموحات الدول الكبرى، وأن يلبي حاجات التحالف الصهيوني مع الدول الاستعمارية، لتأمين كل إمكانات الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للمشروع الصهيوني.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، هو هل استطاعت إسرائيل تحقيق المنطلقات الصهيونية بعدما يقارب نصف قرن على قيامها. الأكيد في الإجابة عن هذا السؤال هو أن العامل الذاتي اليهودي لم يستطع ولم يكن بإمكانه لوحده إقامة دولة إسرائيل، كما أن هذه الدولة لم تستمر بفضل هذا العامل، بقدر ما أنها قامت واستمرت بفضل الدعم الغربي ثم بفضل هشاشة البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية.
فمن ناحية الاستيطان (وهو ركيزة أساسية للمشروع الصهيوني) لم تستطع الحركة الصهيونية تجميع سوى بضع مئات الآلاف من يهود العالم في فلسطين، على رغم ظروف الحرب العالمية الثانية، إذ تدفقت الهجرة بأعداد هائلة إلى الولايات المتحدة أساساً، ولولا تقييد الهجرة إلى هذا البلد لكان نصيب الهجرة اليهودية إلى فلسطين أقل من ذلك بكثير على رغم كل الدعم الذي كان يلقاه اليهود لتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين من قبل المنظمات الصهيونية المتوزّعة في العالم. أما بالنسبة ليهود الأقطار العربية (الذين يشكلون حوالى 40 في المئة من يهود إسرائيل اليوم) فلم يهاجر منهم إلى فلسطين قبل 1948 إلا أعداد ضئيلة على رغم أن المجال متاح لهم، أي أنهم لم يستجيبوا لنداءات الحركة الصهيونية التي هي حركة للنخب اليهودية في أوروبا أساساً، إذ أن هجرتهم الأساسية وبأعداد كبيرة لم تحصل إلا بعد إعلان قيام إسرائيل (بعد 1948)، وبسبب تداعيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبدوافع أخرى مختلفة.
يقطن اليوم في إسرائيل 4.5 مليون يهودي من أصل 13 مليون يهودي في العالم. وحتى العام 1990، كانت محصلة الهجرة إليها سلبية، بسبب الأعداد الكبيرة من النازحين منها، ولم يوقف هذا المسار، كما هو معروف، سوى موجات الهجرة الكبيرة من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق بسبب التداعيات الناجمة من انهيار النظام الاشتراكي. أما الهجرة إلى إسرائيل من البلدان الأوروبية أو من أميركا التي يوجد بها أكبر تجمع يهودي في العالم فهي محدودة جداً وتقتصر على أوساط اليهود المرتبطين بنشاط تنظيمي أو سياسي مع القوى السياسية اليمينية والدينية المتشددة.
هكذا لم تعد إسرائيل تستطع (على رغم كل ما تروجه) من تقديم نفسها بوصفها دولة لكل يهود العالم، فلا أغلبية اليهود جاؤوا إليها، ولا هم يعتبرونها دولتهم الأصلية. والأنكى من هذا وذاك سبب وجود إسرائيل انشقاقاً في الأوساط اليهودية العالمية، فبدلاً من تعزيز ادعاءات الأمة اليهودية، نشأت ظاهرة الأمة الإسرائيلية، ومن ضمن ذلك نشأت أسئلة أخرى جديدة من نوع، لمن الأولوية للأمة الإسرائيلية أو للأمة اليهودية؟ ثم هل أن إسرائيل مركزاً ليهود العالم، أم أنها أحد مراكزهم؟ كما نشأت أسئلة وتناقضات أخرى حول مشروع الأمة بين الأمة الدينية (اليهودية) والأمة العلمانية (الإسرائيلية)، وصولاً إلى تعريف من هو اليهودي؟ كما أن النفوذ الكبير للتيار الأرثوذكسي اليهودي في إسرائيل ومحاولته احتكار كل ما يتعلق بالشؤون المدنية والتعليمية لليهود وعدم اعترافه بالتيارين الإصلاحي والمحافظ يزيد من الانشقاق في أوساط اليهود، خصوصاً وأن هذين التيارين يمثلان الاتجاه الغالب من اليهود المتدينين خارج إسرائيل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فعملية الانصهار المجتمعي للمستوطنين اليهود في إسرائيل باعتبارها عملية مصطنعة لم تصل حتى الآن إلى المستوى المطلوب، والتناقضات بين اليهود الشرقيين من جهة، واليهود الغربيين من الجهة الثانية ما زالت قائمة، وتبرز بحدة بين فترة وأخرى، كما حافظت الطوائف اليهودية على العادات والثقافات التي جاءت معها من بلدانها الأصلية، وتكرّس ذلك أحياناً على شكل أحزاب وتكتلات سياسية. وأيضاً هناك التناقض بين الجمهور الديني والجمهور العلماني وغير ذلك من التناقضات المجتمعية.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد بقيت إسرائيل في المحصلة من هذه الناحية مشروعاً خاسراً (من الناحية المباشرة)، وهي من الأساس ليست مشروعاً استيطانياً اقتصادياً، (على غرار المشروع الاستيطاني السابق في الجزائر وفي جنوب إفريقيا) فهي من الأساس مشروع سياسي يسعى للوصول إلى تمويل نفسه بنفسه، (وهذا هو مغزى مشاريع التطبيع والتعاون الشرق أوسطي). لكنه منذ قيامه حتى الآن ظل يعتمد على الدعم الخارجي المالي والاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، إن من المنظمات الصهيونية المنتشرة في أوساط الجاليات اليهودية في العالم، أو من الدول الكبرى، خصوصاً المساعدات الألمانية والأميركية، وهذه المساعدات المباشرة وغير المباشرة هي التي تفسّر إلى حد كبير التطور الاقتصادي في إسرائيل (من بين أسباب أخرى)، وتبليغ حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات المباشرة حوالى 1600 ـ 2000 دولار سنوياً، من دون أن نحسب عوائد الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري والسياسي. وهذا الدعم هو الذي يمكن إسرائيل من تمويل العجز في ميزانها التجاري والعجز في موازنتها، وهو الذي يرفع من مستوى معيشة مواطنيها وتأمين خدمات ممتازة لهم لترغيبهم على البقاء وتشجيع آخرين على الهجرة إليها.
التناقض الآخر الذي وجدت إسرائيل نفسها بإزائه هو عدم قدرتها على تهويد فلسطين بشكل كامل، باعتبارها «أرضاً بلا شعب»، فلم تصمد هذه المقولة في امتحان التاريخ، وإن نجحت في المرحلة الأولى بوسائل القوة والإرهاب في إجلاء 800 ألف فلسطيني من أرضهم ومساكنهم في عامي 1947 ـ 1948، مع ذلك وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع وجود أقلية فلسطينية ضمن الحدود التي قامت فيها. وهذه الأقلية (بسبب التكاثر الطبيعي) أصبحت كتلة بشرية تساوي مليون مواطن شكلت هاجساً كبيراً لإسرائيل ولمشاريع إقامة دولة يهودية «نقية». كما وجدت إسرائيل نفسها، بعد حرب 1967، وبعد احتلالها لكامل الأراضي الفلسطينية ومعها أراضي عربية (سيناء والجولان) عاجزة عن تهويد هذه الأراضي، بسبب ضعف الهجرة اليهودية في السبعينات والثمانينات، وأساساً بسبب بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، وبسبب مقاومتهم العنيدة للاحتلال، وأيضاً واجهت إسرائيل مشكلة الشرعية حين لم تعترف دول العالم بواقع الاحتلال.
وباحتلالها لكامل فلسطين عام 1967، واجهت إسرائيل مأزقاً جديداً يتمثل بالموقف من قضيتي الأراضي الجديدة (المحتلة) ووجود الشعب الفلسطيني، وحتى الآن لم تستطع إيجاد إجماع على هاتين القضيتين فلا هي استطاعت ضم هذه الأراضي، ولا هي راغبة في التخلي عنها. ونجم عن هذا المأزق تغير صورة إسرائيل لدى الرأي العام الدولي حين ظهرت على حقيقتها كدولة محتلة قائمة على الاغتصاب والعدوان، وبرز طابعها العنصري ظاهراً للعيان، وتعمقت عزلتها على الصعيد المحلي، وبرزت الخلافات بين أطراف نخبها السياسية.
ولا شك في أن أساس هذا التخبط هو اختلاف المعادلة، إذ فشلت إسرائيل في عملية التهويد. فالمستوطنون لم يأتوا بأعداد كبيرة، وبرز ما يسمى «الخطر الديموغرافي» الناجم عن وجود مليون فلسطيني في أراضي 1948 وحوالى مليونين في الأراضي المحتلة عام 1967، بكل ما لذلك من تداعيات على صورة إسرائيل ونظامها «الديموقراطي»، خصوصاً أن الفلسطينيين الغائبين والمغيبين ظهروا بقوة من خلال صمودهم في أرضهم ومن خلال مقاومتهم للاحتلال، وأصبح للأرض شعب يطالب فيها ويطالب بالحرية والاستقلال، وأصبح لهذا الشعب عنوان وكيان سياسي يوحده ويعبر عنه.
وعلى خلفية كل ذلك، وجدت النخب السياسية الإسرائيلية نفسها حائرة في تحديد مصائر إسرائيل بين عدم قدرتها على دوام الاحتلال من الناحيتين الأخلاقية والمادية، وبين التخلي عن المنطلقات التقليدية للصهيونية ودعاوى «أرض الميعاد» و«أرض بلا شعب» ثم بين محاولات التوفيق بين الجانبين، وهو الذي يشكل أساس الانشقاق العمودي في إسرائيل اليوم. وعليه تجد إسرائيل نفسها بعد ما يقارب نصف قرن على قيامها حائرة بين ضرورة مواكبة التغيرات الدولية والإقليمية وإعادة تعريف حدودها الجغرافية والسياسية والبشرية والثقافية، وبين الاستمرار في لغة الأسطورة والغطرسة والقوة والخروج على الشرعية بما في ذلك شرعيتها هي المستمدة من القرار 273، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيار 1949.
وبين هذا وذاك تبرز خيارات أخرى بديلة تتعلق بقيام دولة كونفديرالية مع الفلسطينيين للالتفاف على العناصر الأساسية للقضية الفلسطينية، وتجاوز قضية حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة للفلسطينيين، ولا يستبعد من هذه الخيارات المسارات التي قد تقود (في ظروف ومعطيات أخرى) إلى فرض قيام دولة ثنائية القومية، أو قيام دولة ديموقراطية علمانية في فلسطين.
وارتباطاً بقضية إعادة تعريف إسرائيل لحدودها، تبرز مسألة أخرى على غاية في الأهمية تتعلق بتعريف إسرائيل لارتباطها الحضاري، فهل هي دولة غربية، وامتداد للغرب في المنطقة، بكل ما لهذه الكلمة من معنى؟ أم أنها تنتمي إلى حضارة المنطقة؟ والجواب عن ذلك يتطلب من إسرائيل حسم خياراتها بالنسبة لبقائها في إطار غيتو، وعلى شكل دولة «اسبارطية» في المنطقة تتغذى من الخارج، وتحاول فرض نفسها وهيمنتها بناء على دورها السياسي والوظيفي المرتبط بالمصالح الغربية (خصوصاً الأميركية)، أو أنها ستسير في اتجاه تحولها من دولة مشروع إلى دولة عادية؟ والطريقان مختلفان في نتائجهما إن بالنسبة لطبيعة إسرائيل أو بالنسبة لطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، كذلك بالنسبة لمستقبلها ومآلها التاريخي. ولا شك في أن هناك ارتباطاً عضوياً بين الحسم في الأوضاع الداخلية والنظام السياسي، وعلاقة إسرائيل بيهود الشتات، وتحولها لدولة عادية، وبين رؤيتها لدورها الإقليمي ومسارات اندماجها في المنطقة.
وكل ذلك يعني أن المشروع الصهيوني على رغم نجاحاته الظاهرة، التي تعتمد على وسائل القوة والاستناد إلى دعم القطب المهيمن على العلاقات الدولية، فشل في القضايا الأساسية التي طرحها على نفسه منذ قيامه.
فلا هو استطاع حل المسألة اليهودية، ولا نجم عنه وجود أمة يهودية، ولا هو استطاع إلغاء شعب فلسطين، كما لم يستطع إقامة دولة يهودية خالصة. وعلى العكس من ذلك فإن الأسئلة ذاتها تعقدت وتشعبت إلى أسئلة أساسية أخرى ما زالت تبحث عن أجوبة عنها. هذا إذا تجاوزنا سؤالين أساسيين يحددان مستقبل إسرائيل: أولهما حول حقيقة وجود إسرائيل بالنسبة لتحولها من كونها دولة بذاتها (دولة مشروع) إلى دولة لذاتها، وثانيهما يتعلق بمصير الكتلة البشرية الإسرائيلية ومسارات الاندماج والتداخل في المنطقة.
وستبقى هذه الأسئلة تحتفظ بشرعيتها إلى حين إيجاد حل لمختلف التناقضات التي وجدت في قلب المشروع الصهيوني منذ قيامه.
يوم النكبة
يقول حسن الأمين:
كنت خلال توالي تلك الأحداث نزيل مدينة كراتشي الباكستانية أعمل على جمع مواد (دائرة المعارف)، متصلاً ببعض الكتاب والمفكرين الباكستانيين لمعاونتي على تدوين ما يتعلق بالباكستان من دائرة المعارف، ولأدرس الأحداث في أماكن وقوعها، وأرى بعيني المدن التي سأكتب عنها.
وكانت وسيلتي الوحيدة للاتصال بالعالم العربي ومعرفة أخباره هي (الإذاعة)، فكنت أتنقل من محطة عربية إلى أخرى مواصلاً التنقل لالتقاط أكثر ما يمكن التقاطه من أنباء. وكان يواصلني بأخبار الجرائد الباكستانية اليومية (ضياء الحسن الموسوي) رحمه الله.
وبالرغم من أن كل شيء يؤكد قرب قيام الحرب، كنت أتمنى في قرارة نفسي أن لا تقوم.
وبالرغم من (عنتريات) جمال عبد الناصر في خطبه ووعيده وتهديده لا سيما في خطبته الأخيرة مما يبعث الاطمئنان في النفس، كانت ذكريات حرب 1948 لا تزال تمضني، ولم يكن من الممكن نسيان (عنتريات) سادات العرب يومذاك وما بعثوه من الآمال في القضاء على التقسيم بحد السيف العربي، والحؤول دون قيام دولة اليهود بالنار العربية. ثم ما أدى إليه دخولهم الحرب من المصير المفجع.
بالرغم من (عنتريات) جمال عبد الناصر التي يتمنى معها العربي وقوع الحرب لرد الشرف العربي إلى عليائه، كنت أتمنى أن لا تقع الحرب.
كنت قلقاً مضطرباً يثير في كياني الفخار ما أسمعه من صوت عربي متعال بالعزة والكرامة، منذراً اليهود بما يستحقونه من اليد العربية التي جهدوا على أن يقطعوها… ولكن لا تلبث ذكريات سنة 1948 أن تطغى فأحني رأسي حذراً من الشر المستطير الذي يمكن أن يقع…
حتى لقد انقطعت عن العمل، فما كنت أستطيع كتابة كلمة، ولا أستطيع تركيز أفكاري على موضوع معين.
وصباح 5 حزيران هاتفني ضياء الحسن مخبراً لي بوقوع الحرب، ولن أنسى أبداً الهلع الذي اعتراني، حتى لقد ارتجف جسدي للحظات لن أنساها أبداً، لأنها المرة الأولى التي يرتجف جسدي فيها من الرعب…
وتوالت الأنباء نبأ بعد نبأ حتى كان نبأ موافقة جمال عبد الناصر على وقف النار امتثالاً لقرار مجلس الأمن.
كنت وحيداً في غرفتي في فندق (جبيس) فلم أملك الدمع أن يتفجر من عيني ذلك أن أخبار السوء التي كانت تتوالى، وكل خبر منها يبعث على اليأس، كانت تترك في النفس ذرة من الأمل بأنه ربما أعقب الانكفاء كرّة توقف العدو فلما قُبل وقف إطلاق النار بلا شروط انطفأ كل أمل..
وقد كان يروعني توقع زيارة الأصدقاء الذين سيقبلون عليّ مستفهمين مستطلعين، وتصورت الإنكار الذي سأطالعه في وجوههم، والدهشة التي سأقرأها على قسماتهم، بل تخيلت الصغار الذين سيواجهونني به… الصغار للأمة التي أودعوا إليها حفظ أولى قبلتيهم ومسرى نبيهم ففرطت بالأمانة المودعة إليها…
وتصورت نفسي مجللاً بينهم بالهوان، فآثرت الانقطاع عن الناس وأوعزت للفندقيين بأن ينكروا وجودي في الفندق لكل من يأتيني أو يهاتفني..
وأُخبرت بعد ذلك بكثرة من هاتفني ومن أتاني.
وبعد ساعات كان بكاء ال عينين قد عاد بكاء القلم، فأخذت القرطاس أسطر عليه هذا الشعر:
جل المصاب عن العزا فلتذرفي
دمع الذليل وعبرة المستضعف
لا تنكري الذل المحيق فإنما
أودى اليهود بعزك المتغطرف
وهويت من وقفات مجدك والعلى
لأذل ما عرف الورى من موقف
يا أمة هانت فكم من شامت
في يومها الداجي وكم من مشتف
طوّحت بالشرف الرفيع مهيضة
وغدرت بالمجد الأثيل ولم تفِ
ولما وصلت إلى هذا البيت توقفت لأستريح، وقضيت الليل مسهداً وعند الشروق كنت أستعرض ماضي أمتي وحاضرها وما أتوقعه لمستقبلها، فإذا بي أعود ـ كما يقول الأقدمون ـ كمن نشط من عقال… أعود آملاً متحمساً مستثيراً، فآخذ القلم لأبدّل مطلع القصيدة فيعود هكذا:
جل المصاب عن البكاء فكفكفي
دمع الذليل وعبرة المستضعف
يا أمة هانت فكم من شامت
في يومها الداجي وكم من مشتف
لهف العروبة والعروبة جذوة
أورى على الأيام من أن تنطفي
للثائرين استسلموا لمذلل
للشامخين تذللوا لمعنف
لمقاتلين تقصفت هاماتهم
في القدس تحت الراعد المتقصف
للمطعمين استطعمت راحاتهم
واستعطفت في الروع من لم يعطف
للمسجد الأقصى لمحراب الهدى
للطائفين على البراق لعُكّف
خفت الأذان على المآذن وانطوى
في المسجد الأقصى نداء المصحف
وهوى على المحراب خفق نعالهم
وطغى على الترتيل صوت المعزف
لا تلكم الجمع الحسان ولا صدى
آياتها للعابد المتقشف
يا أمة نامت على أحلامها
أودى اليهود بعزك المتغطرف
وهويت من وقفات مجدك والعلى
لأمضّ ما عرف الورى من موقف
شدّي على الغمرات لا تستيئسي
وامضي على الهبوات لا تتوقفي
إن يعنف الخطب الملم فداوه
من عزمك الماضي بخطب أعنف
يا نشء يا أمل النفوس وياسناً
ما انفك يبرق في الظلام المسدف
لا تجزعنّ فرب يوم عاصف
تختال فيه بكل سيف مرهف
ولرب يوم للعروبة ثائر
ولرب يوم بالفخار مفوف
القدس يجأر بالشكاة مذلة
ويهود بالنصر المؤزر تحتفي
والمسجد الأقصى يطأطئ راغماً
والقوم قومك بالتصايح تكتفي
يا نشء جدّ فلا اصطبار ولا ونى
يا نشء لا تغرر ولا تتعسف
وفي 21 تموز سنة 1967 وكان قد مضى شهر وبعض شهر على أيام النكبة، أطلق زورق حربي مصري النار على المدمرة اليهودية (إيلات) فأحرقها وأغرقها وأغرق معها 250 جندياً إسرائيلياً فكان صدى ذلك عندي هذا الشعر:
إيلات!.. صوتك في الظلام الأبعد
أورى من العزمات ما لم يخمد
نار تشب على البحار كأنها
في الحندس الداجي منارة معبد
سالت على الأمواج تحرق أهلها
وتريهم أن القيامة في غد
نار ولا نار المنجوس كرامة
ولظى ولا برد النعيم المخلد
خشعت لها النفس الكريمة وارتوى
بعد الأوام بوهجها القلب الصدي
هي إن قنت إلى الإله محجتي
ولها ـ على الإسلام ـ طول تعبدي
إيلات!.. إي يد رمتك بنارها
نار الجحيم وأي همة سيد
للخير، للضيف الملم، لنخوة
للهول، للبأس الشديد، لمعتد
ردتك عن باب الكرامة وارتمت
بالنار توقد فيك ما لم يوقد
وأرتك ما لم تبصري في غارة
يوماً وما لم تشهدي في مشهد
نُذُر من الثارات إن هبت غداً
وردت بإسرائيل أشقى مورد
إيلات!.. أي المغرقين قذفتهم
في اليم بين مُحرّق ومبدد
صُفْر من النخوات إلا أنهم
ملء البرود نذالة المتهود
الخسائر المصرية
يقدرها الفريق محمد فوزي الذي كان رئيساً لأركان الجيش المصري كما نقلها عنه أمين هويدي أنها كانت كما يلي: الخسائر في الأعداد كانت أربعة في المئة من قوة الطيارين، و17 في المئة من القوات البرية، ولا خسائر في القوات البحرية.
أما الخسائر في المعدات فكانت 85 في المئة في القوات الجوية والدفاع الجوي و85 في المئة في القوات البرية. وكانت خسائر القوات الجوية من المعدات بالتفصيل: 100 في المئة من القاذفات الثقيلة والقاذفات الخفيفة و87 في المئة من المقاتلات القاذفة والمقاتلات. وكان عدد الشهداء والمفقودين والأسرى هو 13600، عاد منهم 3799 فرداً أسيراً من بينهم 481 ضابطاً و3280 جندياً، و38 مدنياً. أما بقية المفقودين وعددهم 9800 مفقود فقد ظل التعامل معهم قانوناً كأنهم أحياء حتى سنة 1971 حين أعلن استشهادهم.
واتضح بعد المعركة أن الفرقة المدرعة كان عدد دباباتها 200 دبابة تقريباً، دمر منها 12 دبابة واستشهد منها 60 فرداً. وتركت 188 دبابة للعدو. واتضح أن 6 في المئة فقط من الأفراد هم الذين التزموا بمعداتهم. وحسب هذه الإحصاءات وبمقارنة الخسائر الطفيفة في الأفراد مع الخسائر الواسعة في المعدات، يتضح أن عدد الأفراد الذين تمسكوا بمعداتهم كان قليلاً جداً.
مؤتمر الخرطوم
انعقد مؤتمر الخرطوم في 29 و30 آب 1967 فكانت قراراته على مستوى الأحداث. وأهم ما قرره: الدعم ا لمالي لدول المواجهة سنوياً إلى حين إزالة آثار العدوان. ولا تفاوض ولا اعتراف ولا صلح مع إسرائيل)[65]( ولكن هذه اللاءات تبخرت لا بعد لا حتى صار العرب يقولون: نعم، وإسرائيل تقول: لا.
دفتر يوميات معركة 1967
على الجبهة المصرية
1 ـ 2 ـ 1967
إسرائيل تبدأ سلسلة من الاعتداءات المنتظمة والمتواصلة ضد سوريا بدعوى ضرب قواعد الفدائيين الفلسطينيين هناك.
25 ـ 2
القاهرة تمنع هبوط الطائرات الأميركية والبريطانية على الأراضي المصرية كما تمنع مرورها عبر الأجواء المصرية ارتياباً من نشاط عسكري معاد يتم بواسطة طائرات هاتين الدولتين.
5 ـ 4
السفير الأميركي في القاهرة لوشيس باتل يعلن أمام مجلس الشيوخ الأميركي أنه سئم من مهاجمة القاهرة لواشنطن ويرى ضرورة حسم الموقف بأي وسيلة.
يرد عليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية وابين موريس قائلاً إن نشاط القاهرة المعادي للمصالح الأميركية لا تقتصر آثاره على الشرق الأوسط فحسب بل تمتد لتشمل العالم أجمع.
8 ـ 5
القاهرة تتلقى معلومات رسمية من موسكو ودمشق عن حشود إسرائيلية كثيفة على الجبهة السورية توطئة لهجوم وشيك.
12 ـ 5
القاهرة ترفض السماح لبعض قطع الأسطول السادس الأميركي بزيارة الموانئ المصرية باعتبارها زيارة غير مرغوب فيها بسبب طبيعة العلاقات الأميركية مع إسرائيل.
13 ـ 5
القاهرة ترسل حشوداً عسكرية كثيفة إلى سيناء لتخفيف الضغط على الجبهة السورية وتعلن التزامها باتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا. وفي اليوم التالي إعلان حالة الطوارئ القصوى في القوات المسلحة المصرية.
أنها أجواء حرب في الشرق الأوسط.
17 ـ 5
القاهرة تطلب رسمياً من الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت سحب القوات الدولية من حدودها مع إسرائيل تحسباً لمواجهة عسكرية قد تنشب في أي لحظة بين الطرفين.
يستجيب بوثانت فوراً وقيامه بسحب القوات الدولية في اليوم التالي.
22 ـ 5
القاهرة تغلق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية وفي وجه السفن التي تحمل مواد استراتيجية إلى إسرائيل.
الرئيس الأميركي جونسون يعتبر الإغلاق عملاً غير مشروع ويصدر الأوامر للسفينة الأميركية «ليبرتي» بمغادرة سواحل غرب إفريقيا والتوجه إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
25 ـ 5
وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان يستعرض مع وزير الخارجية الأميركي دين راسك في واشنطن مدى قدرة إسرائيل على صد هجوم «متوقع» من مصر وسوريا.
30 ـ 5
مصر والأردن توقعان اتفاقية للعمل العسكري المشترك ضد إسرائيل والعراق ينضم إليهما بعد أربعة أيام.
1 ـ 6
وزارتا الخارجية الأميركية والبريطانية تعلنان عن نيتهما العمل من أجل ضمان حق إسرائيل في الملاحة عبر مضيق العقبة.
القاهرة تعتبر أي دولة تتدخل لكسر الحصار البحري على إسرائيل دولة معادية تمنع سفنها فوراً من المرور عبر قناة السويس.
2 ـ 6
السفينة الأميركية ليبرتي المجهزة كأرقى سفينة تجسس وتوجيه للصواريخ آنذاك تتخذ موقعها على بعد 6.5 ميل غرب شواطئ إسرائيل و12.5 ميل شمال شواطئ مصر.
3 ـ6
الإعلان في القاهرة وواشنطن عن زيارة زكريا محيي الدين نائب رئيس الجمهورية المصري لأميركا يوم 7/6 لتبادل الآراء مع الرئيس جونسون حول الأوضاع في المنطقة.
5 ـ 6
بدأت حرب الأيام الستة وأخذت على الجبهة المصرية شكل غارات جوية مكثفة حطمت 70 في المئة من السلاح الجوي المصري وزحف بري واسع أسفر عن استيلاء إسرائيل على قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء.
وبنهاية الحرب يوم 10/6 كانت مصر فقدت 15 ألف شهيد وستة آلاف أسير و800 دبابة و300 طائرة إلى جانب الخسائر العربية على الجبهات الأخرى.
6 ـ 6
القاهرة تقطع علاقاتها الديبلوماسية مع واشنطن بعد اتهامها بالاشتراك في العمليات الحربية إلى جانب إسرائيل.
9 ـ 6
الرئيس المصري جمال عبد الناصر يعلن استقالته واستقالة كل من المشير عبد الحكيم عامر قائد عام القوات المسلحة وشمس بدران وزير الحربية تحملاً للمسؤولية عن الهزيمة. وفي اليوم التالي يعدل عن استقالته.
11 ـ 6
عبد الناصر يعيّن الفريق أول محمد فوزي خلفاً للمشير عامر ومحمد عبد الوهاب البشري خلفاً لشمس بدران ويعزل معظم قادة القوات المسلحة.
19 ـ 6
عبد الناصر يتولى بنفسه رئاسة الحكومة ورئاسة الاتحاد الاشتراكي إلى جانب رئاسة الجمهورية والقيادة العليا للقوات المسلحة.
20 ـ 6
الرئيس السوفياتي بودغرني يصل إلى القاهرة يرافقه المارشال زاخاروف رئيس أركان حرب القوات السوفياتية الذي أكد التزام بلاده تعويض خسائر مصر العسكرية.
25 ـ 6
بدأت المرحلة الأولى من الجسر الجوي والبحري السوفياتي إلى مصر وبنهاية هذه المرحلة في 15/10/1967 تم تعويض 60 في المئة من خسائر حرب الأيام الستة.
1 ـ 7
بدأت حرب الاستنزاف بمعركة رأس العش شمال بور فؤاد التي انتصرت فيها قوات الكومندوس المصرية على القوات الإسرائيلية في المنطقة ونجحت في استعادتها. واستمرت حرب الاستنزاف في صعود وهبوط حتى 6/10/1973. وشهدت جبهة التقال المصرية ـ الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف قصفاً مدفعياً كثيفاً عبر قناة السويس وهجمات جوية مصرية على مواقع وتجمعات القوات الإسرائيلية واشتباكات بحرية داخل مياه القناة وأعمالاً فدائية مصرية ضد الأهداف الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
29 ـ 8
انعقاد مؤتمر القمة العربي في الخروم الذي أصدر بعد أربعة أيام وثيقته الشهيرة باللاءات الثلاثة «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل»، وأكد التزام الدول العربية بالدعم الكامل لدول المواجهة مع إسرائيل.
4 ـ 9
تحديد إقامة عدد من كبار قادة الدولة خلال حرب الأيام الستة وعلى رأسهم المشير عبد الحكيم عامر قائد عام القوات المسلحة وشمس بدران وزير الحربية وعباس رضوان وزير الداخلية وصلاح نصر رئيس المخابرات العامة.
14 ـ 9
الإعلان عن انتحار المشير عبد الحكيم عامر.
21 ـ 10
أربعة صواريخ «ستايكس» تنطلق من سفينتي «كومار» مصريتين لتغرق المدمرة إيلات الإسرائيلية في عمق قناة السويس وتقتل 50 من ملاحيها وتصيب 90. وإسرائيل ترد بعد يومين بضرب وتدمير معامل تكرير البترول في مدينة السويس التي توفر 75 في المئة من الطاقة المستهلكة في مصر.
22 ـ 11
مجلس الأمن يصدر القرار الرقم 242 الذي نص على:
«(1) انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أرض احتلت في الصراع الأخير. (2) إنهاء كل دعاوي أو حالات الحرب والاحترام والاعتراف بسيادة كل دولة في المنطقة ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي وحقها في الحياة بسلام داخل حدود آمنة معترف بها، متحررة من التهديدات بالقوة أو باستخدام القوة. (3) ضمان حرية الملاحة عبر الطرق المائية الدولية في المنطقة.
(4) تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين. (5) ضمان حصانة الأراضي والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات تشمل إقامة مناطق منزوعة السلاح».
حرب تشرين 1973)[66](
كل ما حصلنا عليه من مصادر أحداث الحرب التي سميت حرب تشرين (أكتوبر) 1973 هو أقوال للقادة المصريين في تلك الحرب أدلوا بها إلى بعض الصحف، ولا يتجاوز الكلام فيها عما كان على الجبهة المصرية وحدها.
أما ما جرى على الجبهة السورية فيؤسفنا أن نقول إن كل الجهود التي بذلناها للحصول على مصادرها كانت عبثاً، ولم يكن لها أي اهتمام ممن يجب أن يهتموا بها.
نحن نعرف أن بطولات جرت على الجبهة السورية وأن القيادة السورية صدقت ما عاهدت الله والشعب عليه، فأحسنت الإعداد وأحسنت الاقتحام، وأن الجيش السوري مضى مكتسحاً ما لا يكاد يقل إحكاماً عن الحاجز المائي في القناة. وأن العبور في الجبال والوهاد والقيعان لا يقل رجولة عن العبور فوق الماء.
وأن الجيش السوري وقف وحده في نهاية الأمر يقارع جيوش اليهود المتسارعة إليه بعد أن توقف التقدم في سيناء، وأصبحت الجبهة السورية هي وحدها المقصودة بكل ما أعد اليهود من قوى للقتال على الجبهتين. وأن القيادة السورية لم تتزعزع أمام هذا ولم تضعف، بل صمدت وحاربت منفردة حتى كان لا بد من وقف الحرب.
لقد كنا متلهفين على تدوين الحقائق السورية، لأن عملنا هو تدوين الحقائق، ولأن كتابة التاريخ الصحيح هي مهنتنا، التاريخ الصحيح لكل الأقوام، فكيف إذا كان هذا القوم هو القوم السوري العربي الأصيل، قومنا الذي ولدنا فيه وترعرعنا في أحضانه…
وإذا كان العسكريون قد تكلموا، فقد كنا نود لو وقعنا على المصادر الأوسع لمزيد في التفصيل، ولكن لم يتسن لنا ذلك فاكتفينا بنقل أقوالهم كما هي دون التدخل بها، متحسرين على أننا طرقنا الأبواب السورية فلم تنفتح لنا.
ولقد رأينا أن ننشر هذا الحديث الذي أجري مع اللواء أركان حرب المصري عمر حماد، وفيه إجمال عن تلك الحرب إذا كان لا يغني عن التفصيل، ففيه الكثير من الحقائق:
في حواره أكد اللواء أركان حرب عمر حماد رئيس هيئة تدريب القوات المسلحة المصرية السابق أن حرب تشرين الأول (أكتوبر) هي أول حرب حديثة تستخدم فيها كل الأسلحة مجتمعة للمرة الأولى منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لقوات ثلاث دول هي مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.
وأشار إلى أن الجندي المصري والسوري والإسرائيلي لم يختبر في حرب 1967م لأن الاختبار الحقيقي تم في حرب أكتوبر.
وأكد على أن هذه الحرب شهدت تنسيقاً مصرياً سورياً رائعاً في التخطيط الاستراتيجي السليم للمهمة السياسية والعسكرية للقوات المسلحة في كلا البلدين ويعد أحد العوامل الرئيسية في تحقيق النصر.
• ماذا كان موقعكم ودوركم خلال حرب أكتوبر؟
ـ مع بداية الحرب كنت أعمل في هيئة عمليات القوات المسلحة وقبل انتهاء الحرب اشتركت كقائد لواء مشاة ميكانيكي وكنت برتبة عقيد في محور معلومات هيئة عمليات القوات المسلحة وشاركت في عملية حصار وتصفية الثغرة حتى توقف القتال في 22 أكتوبر.
• إلى أي مدى كان الاهتمام العالمي بدراسة نتائج هذه الحرب واستخلاص الدروس المستفادة منها؟
ـ حرب أكتوبر كانت أول حرب للأسلحة المشتركة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية إذ كانت كل الأسلحة مجتمعة بالكامل لثلاث قوات مسلحة لمصر وسوريا في جانب ولإسرائيل في جانب آخر. وكانت حرباً نظامية بالمعنى العسكري الحرفي إذ اشتركت فيها جميع فروع القوات من برية بكامل تخصصاتها وبحرية بكامل أنشطتها وتنوعاتها وجوية ودفاع جوي وحرب إلكترونية وحرب كيماوية. وهذا الخليط بالكامل استخدم بكل أنشطته وبكامل فعاليته في مسرحين للعمليات: الشمالي الشرقي لجمهورية مصر العربية وهو المسرح الرئيسي مع إسرائيل التي وقعت في منطقة سيناء شرق قناة السويس وغربها وامتدت على عمق الدولتين. والمسرح الثاني الشمالي في هضبة الجولان وشملت عمق الدولتين الإسرائيلية والسورية.
لذلك كانت أنظار العالم متجهة إلى هذه الحرب لتستشف منها كل الدروس التي يمكن أن تستفاد سواء كتخطيط استراتيجي عام واستخدام هذه الدول قواها لكسب الحرب المصير أو استخدام أفرع القوات المسلحة لهذه الدول وتنسيقها للحصول على فاعلية أكبر مع وضع مبادئ الحرب موضع التنفيذ واستخلاص الدروس التعبوية ونقصد بها جبهات القتال أو اتجاهات ومحاور القتال الرئيسية، ثم الدروس التكتيكية للاستخدام القتالي للوحدات القتالية المشتركة، ثم الدروس الفنية الخاصة بالأسلحة والمعدات المستخدمة ومميزاتها وعيوبها.
واهتمت أيضاً مصانع الأسلحة في العالم للحصول على هذه الدروس حتى يمكن أن تتسابق في أن يكون لديها ما يمكنها من أن تظهر أو تخترع أو تنتج الجديد في التسليح الذي يعطيها الفرصة للمنافسة متفادية العيوب ومستغلة نقاط القوة لهذه الأسلحة وتطويرها إلى الأفضل.
وشهدت الحرب سمة فريدة وهي اقتحام أقوى مانع عسكري في التاريخ الذي قامت القوات المسلحة الإسرائيلية بتجهيزه عسكرياً وتحصينه بموانع تقليدية وغير تقليدية واستخدامها مياه القناة كمانع نيراني رهيب يمنع أي قوات من التفكير حتى في الوصول إلى الشاطئ الغربي من الجانب الآخر واستخدم النابالم والمواسير التي تحيل صفحة القناة إلى أتون مستعر من النيران طولاً وعرضاً إلى تجهيز عدد من النطاقات الدفاعية المتتالية والمجهزة تجهيزاً هندسياً نعترف أنه كان مثالياً لتجزئة القوات المقتحمة التي قد تنجح في اقتحام القناة إلى الشاطئ الشرقي وحصارها وتدميرها بالاحتياطيات المدرعة المتتالية إلى الاستخدام الخاص للقوات الجوية والمدفعية وكل الأسلحة المقاتلة الأخرى. ويتميز هذا المانع أيضاً أنه مانع مائي من الصعب عبوره دون قتال. فهناك حركة المياه التي يتغير اتجاهها كل 4 ساعات وهناك أيضاً جوانب القناة فهي عميقة وليست لها سواحل متدرجة في الانسياب إلى المانع الترابي الذي بنته إسرائيل ووصل في مناطق الاقتحام إلى ارتفاع 20 متراً بزاوية تميل حوالى 45 درجة مما يعوق المشاة عن تسلقه فما بالنا بالمعدات الثقيلة.
ومن طبيعة هذه الحرب أن القوات المهاجمة سواء الجانب السوري أو المصري تعمل في مسرح عمليات مكشوفة تماماً حيث أن المهاجم يعمل فوق سطح الأرض أما المدافع فإنه يعمل فوق سطح الأرض في بعض الأوقات وليس في معظمها.
وعلى مستوى التخطيط الاستراتيجي والتخطيط التعبوي، حيث ظلمت القوات المسلحة المصرية والسورية في حرب 1967م ظلماً بيناً، وضعت القوات المسلحة المصرية استراتيجياً وتعبوياً وتكتيكياً وفنياً ومعنوياً في ظروف قاهرة لا تمكنها من القتال وهذا ما حدث. وكان على القيادة المصرية التخطيط لحرب 1973م أن تتفادى هذه الظروف القاهرة وإن تثبت للعالم أن الجندي المصري بما لديه من أسلحة لم يختبر في حرب 1967م ولم يقاتل بالتالي فيها. وانتصار إسرائيل في هذه الحرب لا يعود إطلاقاً لكفاءة القوات المسلحة الإسرائيلية ولا لجيشها الذي قيل إنه لا يقهر. لقد وجدت القوات المسلحة الإسرائيلية نفسها أمام قوات مسلحة بأعداد غفيرة في شبه جزيرة سيناء تنقصها المهمات وتنقصها التعبوية التكتيكية السليمة. هذه القوات لم يكن لديها مهمة دفاعية ولا مهمة هجومية سواء على المستوى الاستراتيجي أو المستوى التعبوي أو المستوى التكتيكي وبالتالي فقدت فاعليتها تماماً عندما بدأت الحرب في 5 حزيران (يونيو).
لذلك عند التخطيط لحرب 1973م كان الهدف الاستراتيجي لهذه القوات أن تكون المهمة السياسية العسكرية واضحة تماماً ووفرت لها كل الإمكانات.
وكانت هذه المهمة ـ للمرة الأولى في تاريخ مصر منذ عام 1948م أو في تاريخ المنطقة العربية ـ مهمة تخطيط استراتيجي اعتراضي هجومي ومن اتجاهين. ومن أهم دروس التخطيط أيضاً أنه تم التنسيق في عملية التخطيط الشامل بين القوات المسلحة المصرية والسورية. وواكب هذا الأمر سرية تامة رغم صعوبته الشديدة وفوجئ العالم بالفعل بتنفيذ هذا التخطيط من دون أن تتسرب منه معلومات إلى أجهزة المخابرات العالمية خصوصاً الدول العظمى. وكان حديثاً عظيماً أن استطاعت القيادة السياسية والعسكرية أن تحتفظ بهذا السر حتى اللحظة الأخيرة. ومن الأمور المهمة أيضاً تحقيق المفاجأة الاستراتيجية وهذه من أصعب مبادئ الحرب، ومن الدروس أيضاً تحقيق الحشد الاستراتيجي للقوتين على جبهات القتال تحت نظر العالم كله ووسائل الاستطلاع المبكر بكل أساليبه وطرقه. واستطاعت مصر أن تحشد كل وسائل العبور من جسور ومعديات ولانشات ووسائل لنقل الجسور إلى مناطق العبور القريبة واستطاعت أن تحشد قواتها رغم حجمها الهائل إلى مناطق الانطلاق للعبور واستطاعت أن تعبر في خلال 6 ساعات بأكثر من 80 ألف جندي وتقيم الجسور إلى عدد كبير من المعديات ووسائل العبور الأخرى.
ومن الدروس المهمة توجيه الضربة الجوية على الجبهتين المصرية والسورية في وقت واحد بأكثر من 200 طائرة في اتجاه الجبهة المصرية ومثلها تقريباً في اتجاه الجبهة السورية من عدد كبير من القواعد والمطارات الجوية. واستطاعت هذه الأعداد الكبيرة من الطائرات أن تقلع في مواقيت مختلفة طبقاً لمسافاتها من خط الجبهة وطبقاً لمهماتها. وأن تعبر في وقت واحد تقريباً خط الجبهة وتصل إلى مهماتها وتنفيذها من دون أن تتمكن القوات الجوية الإسرائيلية أو حتى قوات الدفاع الجوي الإسرائيلي أن تتدخل.
وعلى الجانب السياسي استطاعت مصر وسوريا أن تستخدما قواهما في تفاعل كامل لتحقيق الهدف الاستراتيجي. على سبيل المثال لم تعمل القوات المسلحة المصرية أو السورية منفصلة عن القوى السياسية أو القوى الديبلوماسية أو القوى الاقتصادية أو القوى المعنوية للدولة بل اشتركت هذه القوى بالكامل لتهيئة أنسب الظروف المحلية والدولية لإنجاح القوات المسلحة للدولتين في تنفيذ مهماتها بكفاءة تامة.
• في ضوء خبرتكم كأحد قادة المشاة في حرب تشرين الأول (أكتوبر) ماذا كان دور القوات البرية في الحرب؟
ـ قد تنجح الضربة الجوية في تدمير الأهداف العسكرية وقد تنجح وسائل الدفاع الجوي في صد موجات الطيران المعادي وتدميرها. وقد تنجح القوات البحرية في الحصول على التفوق في مناطق عملها ولكن يبقى من يحصل على النصر. هذه القوات التي تستطيع تنفيذه هذه المهمة ـ أي تحقيق النصر ـ هي القوات البرية. لذلك قامت القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البحرية وقوات الحرب الإلكترونية بتهيئة الظروف للمقاتل البري لتحقيق هذا الهدف. وهذا ما حدث في 1973 إذ قامت القوات الجوية بتوجيه ضربات جوية ضد احتياطات العدو المدرعة ومراكز اتصالاته ومراكز قياداته ووسائل نيرانه الرئيسية والقوات البحرية قامت بتأمين السواحل التي تتوازى مع تقدم القوات البرية لحماية جوانبها من القوات البرية المهاجمة سواء من البحر الأحمر أو من البحر الأبيض المتوسط.
قوات الدفاع الجوي قامت بدورها العظيم في التصدي لطيران العدو الذي استهدف أساساً وسائل اقتحام قناة السويس في المراحل الأولى للمعركة ولم ينجح طيران العدو في تدمير كوبري أو معدية واحدة. وصدرت بعد ساعات عدة من المعركة أوامر للقوات الجوية الإسرائيلية بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة لا تقل عن 15 كيلومتراً حتى تكون خارج مناطق تدميروسائل الدفاع الجوي المصرية المتمركزة غرب القناة.
خمس فرق مشاة من القوات البرية هي التي اقتحمت قناة السويس في حوالى 8 إلى 12 موجة عبرت واقتحمت وهاجمت حوالى 31 نقطة حصينة واستطاعت أن تدمر احتياطات العدو المدرعة القريبة وتثبيت رؤوس الجسور. ثم بدأ تطور الهجوم ببناء الجسور والمعديات التي مكنت القوات المدرعة البرية من أن تلحق بقوات المشاة في زمن قياسي واستطاع الجندي المصري أن يقهر الجندي الإسرائيلي الذي قيل أنه لا يقهر وأن يقتحم أكبر مانع عسكري في التاريخ. وكان هذا هو الاختبار الحقيقي للجندي المصري الذي افتقدناه في عامي 1956 و1967م.
واستطعنا بالقوات البرية والقوات المدرعة خلال 6 ساعات في التوسع في بناء رؤوس الجسور حتى وصلنا إلى 20 كلم شرق القناة في زمن قياسي تعدى معدلات الهجوم المعروفة في القتال في المناطق الحصينة. واستطاعت القوات البرية التمسك برؤوس الجسور ضد الهجمات والضربات المضادة من جانب إسرائيل. وبعد 4 أيام من القتال استسلم موشي دايان وأعلن في مؤتمر صحافي في أحد مضائق سيناء أنه هزم وسيتخلى عن سيناء وما حدث كان زلزالاً غير متوقع وبكت غولدا مائير واستغاثت، بعد 4 أيام من الصلف والكبرياء، بأميركا التي عرضت عليها تقديم المساعدة ورفضت حتى لا يكون لأحد فضل في انتصارها الذي كانت تتوقعه. فأيقظت السفير الإسرائيلي في واشنطن فجراً لتبدأ على الفور عملية العون الأميركي ـ الأوروبي لإسرائيل ضد مصر وسوريا. ومنعت مائير نشر الحديث الذي أعلنه دايان.
كنا نتوقع كل ما حدث. وكان المخطط المصري يتوقع وجود دعم خارجي لإسرائيل في حال عجزها عن إدارة العمليات الحربية. وكنا نتوقع أنه في حال تحقيق مفاجأة عسكرية أن يحصل التدخل قبل 4 أو 7 ايام وهذا ما حدث. إذ ظهرت في سماء المعركة طائرات بأسلحة حديثة لم تستخدم قبل ذلك في المعركة ولم تكن موجودة في المنطقة وكذلك نوعية من الطائرات المزودة إلكترونياً لتفادي الصواريخ الموجهة إليها. وفهمت القيادة أن هذه ليست طائرات أو أسلحة إسرائيلية ولكنها رسالة تقول: توقف عن القتال. فأعلنا قبول وقف إطلاق النار.
• تمكنت القوات المسلحة المصرية قبل وأثناء المعركة من إدخال تعديلات فنية على بعض الأسلحة كان لها فعاليتها في ميدان القتال كيف أمكن هذا؟
ـ أسلحة المقاتل المصري إذا قورنت بما لدى الإسرائيلي هي أقل من ناحية الكفاءة الفنية والتكتيكية. فعلى سبيل المثال كانت تملك إسرائيل طائرات «الميراج» و«سكاي هوك» و«الفانتوم» وإذا قورنت بالطيران المصري والسوري فهي متفوقة فنياً وتكتيكياً واستطاع المقاتل العربي في المعارك الجوية أن يتفوق على هذه الطائرات مجتمعة.
وحدثت معارك جوية عدة كان الجانب المصري باستخدامه للميغ 21 ضد «الفانتوم» و«الميراج» يتفوق تفوقاً ظاهراً. في بعض المعارك وصلت نسبة الخسائر إلى واحد للجانب المصري مقابل 10 للجانب الإسرائيلي.
• شاركت في القوات التي حاصرت الثغرة فما هو تقييمكم للأسلوب الذي تم به التعامل مع الثغرة؟
ـ نحن نعلم تماماً الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوث الثغرة في منطقة الدفرسوار والبحيرات، وأي حرب لا تتساوى فيها القوات. فهناك قوات متقدمة وأخرى متعثرة وهناك قوات ناجحة وأخرى أقل نجاحاً وفقا لظروف المعركة. وفتح الثغرة كان أمراً طبيعياً ويمكن أن يحدث. نحن أحدثنا ثغرة في بداية المعركة على طول خط المواجهة ويجب أن نتوقع حدوث ثغرة مماثلة. كانت الثغرة محدودة على رغم قيام إسرائيل بحشد أكبر ثلاث مجموعات داخلها. وتمكنت من توسيعها إلى حد ما لكن الجيش الإسرائيلي لم يستطع دخول الإسماعيلية أو السويس واستطاعت قواتنا أن توقفه.
وأي ثغرة تحدث في جبهة القتال يكون التعامل معها على مراحل: الأولى، إيقاف امتدادها. والثانية، احتواء الثغرة وتثبيتها تماماً. والثالثة، التخطيط لتدميرها وتصفيتها بالضربات والهجمات المضادة.
تمت المرحلة الأولى بنجاح إذ تم دفع القوات التي تمكنت من إيقاف القوات الإسرائيلية على محاور تقدمها. والثانية تمت أيضاً بنجاح فبعد أن تم إيقافها دفعت بقوات من الجيشين الثاني والثالث وجزء من احتياطي القيادة العامة فاحتلت الأماكن الاستراتيجية واتخذت إجراءات الدفاع عنها مثل وضع حقول الألغام لتدمير أي هجمات معادية تتمكن من اختراق الدفاعات.
وتم التخطيط لتصفية الثغرة فقامت القوات الجوية بتوجيه الضربات وإحداث أكبر تدمير ممكن في احتياط (العدو) ومراكز قياداته ووسائل نيرانه وتم تنفيذ ضربات صاروخية مركزة أرض ـ أرض ضد الأهداف المهمة ووسائل العبور، وقامت المدفعية في الوقت نفسه بتوجيه ضربات نيرانية ضد القوات القريبة من مراكز القيادة. وكانت نتائج هذه الضربات قاسية جداً على قوات العدو إذ كان معظم قواته فوق سطح الأرض ولم يتمكن من إقامة التحصينات المناسبة.
وكانت المرحلة الأخيرة تقضي بتدمير القوات الإسرائيلية داخل الثغرة بتوجيه الضربات الأرضية المضادة ولم تتم هذه الخطوة إذ وافقت إسرائيل على الانسحاب من الثغرة بعد وقف إطلاق النار. وكانت هذه الإجراءات كافية لتصفية الثغرة في حال إطلاق النار.
ويقول المشير محمد عبد الغني الجمسي الذي كان رئيساً للعمليات في القوات المسلحة في تلك الفترة أن الجيش المصري استطاع خداع إسرائيل بأن أعد كشكولاً سمي بـ«كشكول الجمسي» أوحى فيه بأنه يجهز لحرب دفاعية، وهو ما أرفقه بمناورة دفاعية.
وقبل الدخول في الحديث عن حرب أكتوبر يذكر الجمسي كيف جرت إعادة بناء الجيش المصري بعد هزيمة 1967 حيث بدأ التغيير بعد أيام فقط على الهزيمة بتعيين الفريق أول محمد فوزي قائداً للقوات المسلحة، وتغيير معظم القادة العسكريين الذين نالتهم الهزيمة، ويتحدث عن حرب الاستنزاف التي استمرت عاماً ونصف العام بعد وفاة عبد الناصر ويقول:
إنها مرحلة بطولات… قبل العبور عبرت قواتنا مرات ومرات القناة سرايا وفصائل حتى عبرت كتيبة كاملة من 500 فرد إلى الجبهة الشرقية، تصوروا هذا.. كتيبة صاعقة بدون غطاء جوي تعبر وتنفذ عمليات في قلب العدو وتعود… قواتنا الجوية بقيادة مدكور أبو العز ضربت مراكز هناك في الجبهة الشرقية، القوات البحرية ضربت في «رمانة».. ربما لم تكن هذه العمليات متقنة 100% ولكنه يكفي أننا نغير على العدو أنا دائماً أقول الحرب هي التي تعلم الحرب والدم يتم تدريب القوات وعلى هذا اعتبر حرب الاستنزاف تدريباً حقيقياً على الحرب وتطعيماً للمعركة.
ويؤكد الجمسي أن عام 1972 وليس 1971 هو عام الحسم… السادات اتخذ إجراءات عديدة في عام 1972 تؤكد تأهيلنا للمعركة لأن تقدير الموقف في تلك الفترة كان يقول إن الوقت يعمل ضدنا ولصالح إسرائيل والقوتين الأعظم.
وأول قرار كان إنهاء مهمة المستشارين السوفيات وكان ذلك رداً على أنهم لم يعطونا السلاح الكافي لبدء المعركة وتحرير الأرض ولم يسمحوا لنا بالتفوق على إسرائيل.
ويضيف المشير إن السادات اتخذ قرار طرد المستشارين السوفيات بمفرده وعقد اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1972 وقال لنا إنه ما دام هناك سكون على الجبهة فإن هذا يعوق حركته السياسية، وأضاف إننا لن نحصل على مزيد من السلاح لأن الاتحاد السوفياتي لا يرغب في أن نحارب وهذه معركتنا ولا بد أن نحارب بها وقال بالحرف الواحد: «إذا لم نحارب في 1973 ستتآكل القضية وتنتهي».
وبعد 48 ساعة فقط من هذا الاجتماع تم تعيين الفريق أول أحمد إسماعيل على وزيراً للحربية وقائداً عاماً للقوات المسلحة أي بالضبط بعد قرار السادات بأن نحارب بما لدينا من سلاح وبالفعل جاء أحمد إسماعيل لينادي برؤية السادات نفسها.
ويقول الجمسي إن المخابرات الحربية تغيرت تماماً بعد حرب 67.. قبلها كانت تقوم على أولوية الأمن وانقلبت الآية بعد الحرب أصبحت الأولوية للمعلومات وبالفعل حققوا بطولات مميزة وشكلوا مع المخابرات العامة ثنائية خطيرة أضافت لنا الكثير عن العدو عن قواته وتسليحه وقدراته وتدريباته وقياداته.
ويتحدث المشير الجمسي عن عنصر المفاجأة فيقول إن خطة الخداع كانت مكتملة والدليل على ذلك هو التحركات على الجانب الآخر، غولدا مائير يوم 5 أكتوبر أحست أن هناك شيئاً غير طبيعي على الجبهة المصرية، مجلس وزرائها المصغر الذي عقد لتقدير الموقف بناء على طلب دايان لم يتوصل لشيء بل إن مدير المخابرات العسكرية في ذلك الوقت زعيراً قال إنها مناورة وإن أقصى ما يمكن للمصريين مشاركة مع السوريين القيام به هو ضربات جوية للاستهلاك المحلي وإن كانت هناك نيات للحرب كانت هناك ملامح أخرى أكثر وضوحاً.. وفي السابعة من مساء 5 أكتوبر استدعت غولدا مائير رئيس الأركان اليعازر وسألته هل يستطيع المصريون عبور القناة وأكد لها اليعازر استحالة ذلك ولم تطلب مائير التعبئة إلى يوم 6 أكتوبر وكانت تحتاج لـ48 ساعة كاملة وهذا يؤكد حدوث المفاجأة.
ويقول الجمسي إنه في الثانية وخمس دقائق يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر قامت أكثر من مائتي طائرة بالضربة الجوية الأولى لأهداف إسرائيلية داخل سيناء. بعدها مباشرة قام حوالى 2000 مدفع من أعيرة مختلفة، ومجموعة من صواريخ أرض ـ أرض بضرب كمية ضخمة جداً من النيران لمدة 53 دقيقة، وبلغت كمية النيران 10500 دانة في الدقيقة الأولى بمعدل 175 دانة في الثانية الواحدة، وتحت ستار المدفعية بدأت قوات المشاة والصاعقة تقدمها تتحرك بـ750 قارباً من بورسعيد حتى السويس (العبور للضفة الشرقية) وتسلقوا الساتر الترابي وواجهوا دبابات العدو بالأسلحة المضادة للدبابات وحاصروا النقاط الحصينة بخط بارليف.
في الـ15 دقيقة الأولى عبر نحو ثمانية آلاف مقاتل إلى الضفة الشرقية، بعد ساعة ونصف الساعة أصبحوا 14 ألفاً، بعدها بخمس ساعات وصلوا إلى 33 ألفاً وعندما نصبت الجسور وصلوا على 80 ألف مقاتل. كانت أيضاً قوات الصاعقة قد نقلت بطائرات الهليكوبتر إلى خط المضايق وعلى محاور تقدم الاحتياطي الإسرائيلي لمنع تقدمه.. وقد خسرنا بعض الأفراد في هذه العملية وكشفت بعض طائراتنا… ثم جاء دور المهندسين، وللتاريخ أقول إن دورهم كان حيوياً في هذه المعركة، فهم الذين فتحوا الممرات في الساتر الترابي على الضفة الشرقية، أقاموا 60 فتحة خلال ساعات كل فتحة انهال منها 1500 متر مكعب من الرمال بمجموع 90 ألف متر مكعب. وبعد 8 ساعات من بدء القتال كان المهندسون قد أقاموا أيضاً 8 جسور على القناة، وكان مقرراً عبور 5 فرق، وكل فرقة تحتاج إلى جسرين، لكن اثنين من الجسور تعطلا وتم إصلاحهما.
وعن سبب عدم تطوير الهجوم إلى المضائق يقول المشير الجمسي إنه عقب نجاح عملية العبور كان الفريق أول أحمد إسماعيل يتجه نحو ضرورة القيام بوقفة تعبوية وكنت أميل أنا إلى مواصلة الهجوم قبل أن يفيق العدو ويحرك احتياطياته.. لكنه طالبني بالتمهل وقال نريد أن نكبد العدو أكبر قدر من الخسائر الممكنة من حالة الدفاع وليس من حالة الحركة… بعدها بيومين أعدت عليه ضرورة تطوير الهجوم طبقاً للخطة لكنه أبدى تخوفاً من أن يهاجم سلاح العدو الجوي قواتنا البرية وكنت أرى أنه لا مدعاة للتخوف خاصة أن كل ما لدينا من صواريخ متحركة مضادة للطائرات يمكن دفعها إلى الأمام وذكرت له أن سلاح الطيران «عمل البدع» يوم 6 أكتوبر في الإسرائيليين لكنه لم يقتنع، وانتظرنا لعدة أيام حتى يوم 12 أكتوبر، وكانت الدفاعات السورية قد اهتزت بشدة وأرسل الرئيس الأسد مساعد وزير الحربية السوري مندوباً عنه إلى الرئيس السادات يطالبه بتطوير الهجوم تخفيفاً للضغط على الجبهة السورية، ثم التقى مندوب الرئيس الأسد بالفريق أول أحمد إسماعيل وصار الموقف محرجاً سياسياً وعسكرياً فصدر قرار سياسي بتطوير الهجوم يوم 13 أكتوبر، إلا أن قائدي الجيشين الثاني والثالث طلبا تأجيله إلى يوم 14 وتم التطوير بالفعل يوم 14 أكتوبر بعد انتظار لم يكن له مبرر.
وعن الثغرة يقول الجمسي: بداية أسقطت عملية العبور هيبة القادة العسكريين في إسرائيل وكانوا يريدون القيام بأي فعل يحفظ لهم نجوميتهم، وذكر كيسنجر في مذكراته أنه هو كان يريد لإسرائيل أن تقوم بأي عمل على الجبهة قبل وقف إطلاق النار، فأقام أكبر جسر جوي لإسرائيل من أميركا رأساً استخدم فيه 65% من قوات نقل الطيران الأميركي إلى إسرائيل.
وقامت طائرات الاستطلاع الأميركية بمسح الجبهة المصرية يوم 13 أكتوبر وكنا وقتها نستعد لتطوير الهجوم يوم 14 ونقل الأميركان كل هذا إلى إسرائيل، فقاموا بعملية العبور إلى الضفة الغربية، وعبروا بقوة محدودة ليلة 16، 17 أكتوبر بعد محاولة لمدة أربعة أيام وأوقف القتال يوم 22 أكتوبر بقرار الأمم المتحدة 338، وكان عدد الذين عبروا إلى الضفة الغربية قوة صغيرة لم تحقق أي تقدم ولا تعد مكسباً للعدو الإسرائيلي، وكانت قواتنا تحاصرهم، وزادت الثغرة حين اخترقوا هم وقف إطلاق النار من يوم 22 وحتى يوم 28 أكتوبر وتوسعوا فيها وحاولوا دخول الإسماعيلية وفشلوا، وحاولوا دخول السويس وفشلوا، وحاولوا قطع طريق القاهرة ـ السويس ونجحوا وكانت تلك الورقة الرابحة في يد كيسنجر في مفاوضات فض الاشتباك الأول.
ووضعنا خطة لتدمير القوات الإسرائيلية الموجودة في الثغرة وتم تعيين القائد الذي سيتولى تنفيذها لكن السادات أعلن أن كيسنجر طلب إليه عدم تدمير قوات الثغرة عسكرياً وأنه سيحل المشكلة سياسياً، وكان ذلك أثناء مفاوضات فض الاشتباك.
وعن مفاوضات الكيلو 101 مع إسرائيل التي كلفه السادات بإدارتها يقول المشير الجمسي أنه فوجئ بأن رئيس الوفد الإسرائيلي يا ريف بدأ مباشرة الحديث عن السلام فقلت له إننا نتحدث عن النواحي العسكرية فقط، وكانت روحنا المعنوية مرتفعة للغاية نتيجة ما حققناه من انتصارات «انتهى».
ويقول قائد قوات الدفاع الجوي في حرب أكتوبر المشير محمد علي فهمي: إن المسألة لم تكن مسألة احتلال أرض، كنا نريد احتلال الأرض بهدف تدمير العدو وليس بهدف تحريرها فقط ولقد حققنا هذه المهمة في اليوم الثالث للحرب ودمرنا للعدو 78 طائرة وحوالى 400 دبابة لدرجة أن غولد مائير قالت بعد أن قام كيسنجر ببناء الجسر الجوي إلى إسرائيل «نحن لا ننسى لأميركا طائراتها العملاقة التي أعادت لإسرائيل الحياة مرة أخرى». وعلينا ألا ننساق إذن وراء المغرضين الذين يقولون لماذا لم نتقدم إلى المضائق، فالمهم عندنا كان تدمير العدو.
وعن الدفرسوار يقول فهمي إن إسرائيل بعدما نجحت في صد الضربات المصرية قامت بإرسال مفرزة إلى منطقة الدفرسوار لتدمير حائط الصواريخ فاستطاعت تدمير كتيبتي صواريخ فقط وتقوس الحائط قليلاً لكنه ظل قائماً من الشمال إلى الجنوب ولكن ظهرت بعد ذلك مشكلة قوات الثغرة فأرادوا إنهاءها سلمياً بعد الخراب الذي أصابهم حتى أن كيسنجر قال للرئيس السادات في صيغة التهديد أنه إذا لم تصف منطقة الجيب سلمياً وأردتم تدميرها فإن أميركا ستحارب مع إسرائيل لأنها لن تسمح للسلاح السوفياتي بالانتصار.
والخلاف في الرأي حول كيفية تصفية الثغرة يجب ألا يخلق نوعاً من العداء، لكن عندما يتخذ القائد العام القرار يجب أن ينفذ، وبالنسبة لإقالة رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي بسبب خلافه مع القائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل حول هذه المسألة فالقيادة السياسية هي صاحبة القرار وهي التي تقرر مدى تعاونه أو عدم تعاونه، خصوصاً أن كل القادة وقتها التزموا بالرأي الذي اتخذه القائد العام.
وعن ضرب تسع كتائب صواريخ مصرية يوم 14 تشرين الأول/ أكتوبر يقول فهمي إنه استجابة لرسالة مندوب القيادة السورية الذي جاء يطالب بتخفيف الضغط الإسرائيلي على الجبهة السورية اتخذ قرار بتطوير القتال في الشرق ولكن جرى تأجيل يوم البدء في التطوير من 13 إلى 14 أكتوبر. وكانت قيادة قوات الدفاع الجوي قد دفعت بكتائب الصواريخ ليلة 12/13 أكتوبر، فظلت هذه الكتائب وحدها في المقدمة ليتم ضربها يوم 14 أكتوبر بالمدافع 157.
وعن دور القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي في الحرب يقول فهمي إنه كان هناك تناغم وتوافق بينه وبين الرئيس حسني مبارك الذي كان حينها قائداً للقوات الجوية الأمر الذي ساهم بشكل كبير في نصر أكتوبر 73.
ويرفض فهمي مقولة الصحافي محمد حسنين هيكل بأن التنسيق مع السوريين كان في افتتاحية الحرب فقط ويقول لقد نسقنا الخطط على الجبهتين وتم اعتمادها وتوقيعها ومنحت الحرية لكل قائد لتنفيذها في اتجاهه. وعندما طلب منا تخفيف الضغط الواقع عليهم استجبنا لطلبهم فما هو التنسيق المطلوب أكثر من ذلك؟
وعن كيفية عمل قوات الدفاع الجوي يقول المشير فهمي إن السلاح الذي كان في أيدينا كان مصمماً للدفاع عن القواعد الثابتة، ولذا كان الأميركان يسمونه في فيتنام «البط الجالس» فوزنه ثقيل وحجمه كبير وليس من السهل تحريكه من مكان لمكان. ولكننا استخدمناه بشكل مختلف تماماً. حيث جعلنا هذا البط الجالس يجري ويتحرك ونستخدمه في عمل الكمائن. المستشارون السوفيات كانوا يرفضون استخدام السلاح بهذا الأسلوب لأنه يؤثر على عمره الافتراضي وصلاحيته فهو غير مصمم أساساً لكثرة الفك والتركيب، فكان ردي عليهم إننا سندخل معركة هجومية ولا بد أن تتوافر لي خفة حركة ونحن سندخل هذه المعركة بهذا السلاح ولا نريده بعدها، ليس مهماً لدينا عمر السلاح المهم أن أنفذ به مهمتي بالأسلوب الذي يحقق لنا النجاح.
وقد نجحنا في بناء حائط الصواريخ وقد بلغت الخسائر الإسرائيلية 51 طائرة خلال المدة التي كنا نبني فيها الحائط من أواخر حزيران/ يونيو 1970 إلى 7 آب/ أغسطس من العام نفسه، وهذا ما أعلنه العدو نفسه.
كانت القيادة السوفياتية وقتها تشعر بنشوة واعتزاز لأن السلاح الذي أسقط تلك الطائرات كان سلاحاً سوفياتياً، ولكنا كنا نعتبر أن هذا السلاح طالما هو في أيدينا صار سلاحاً مصرياً لأن الذين يقومون بتشغيله هم المقاتلون المصريون «انتهى».
ويقول قائد الفرقة 18 مشاة الفريق فؤاد عزيز غالي الذي أصبح لاحقاً قائداً للجيش الثاني يقول إن الرأي استقر على الحرب منذ تولي المشير أحمد إسماعيل قيادة القوات المسلحة وكان المفروض أن أرقى إلى مساعد قائد الجيش الثاني ولكن المشير أحمد إسماعيل ألغى هذه الترقية وقال: لن ترقى لأنه مكتوب على وجهك إنك قادر على تحرير مدينة القنطرة شرق، وكان ذلك قبل الحرب بعام.
وعن خطته لتحرير مدينة القنطرة شرق يقول الفريق غالي: الذي وضعته في خطتي لتحرير مدينة القنطرة ما استفدته من خبرات خلال الاستنزاف. بالإضافة إلى الخبرات العسكرية من خلال الدورات الأربع الدراسية وما تعلمته نظرياً وعملياً من خلال مدة خدمتي بالتشكيلات الميدانية التي قضيت بها 32 عاماً. ولتحرير مدينة القنطرة كان لا بد من تدمير لواء مدرع ولواء ميكانيكي وكتيبة دبابات حوالى 210 دبابات وكتيبة مشاة والعدو كان يدافع عن مدينة القنطرة ليس من مكان واحد، ويتبع أسلوب دفاع مختلف عن أسلوبنا الذي ندافع به عن غرب القناة، يدافع بما نطلق عليه عسكرياً «الدفاع خفيف الحركة» ويستند فيه على النقاط الحصينة من خط بارليف الذي أنشأه على المياه وباستغلال قواته خفيفة الحركة من دبابات ومشاة ميكانيكي التي تعاونها قواته الجوية المتفوقة.
وهو يستند أيضاً على النقاط الحصينة التي ستقوم بتدمير قواتنا في المياه ومنعها من الوصول شرقاً، والذي ينجو منا بعد العبور يحصره في مناطق قتل ويدمره بالهجمات المضادة خفيفة الحركة.
لم أكن أريد أن أقع في المصيدة فهاجمت النقاط الحصينة المنيعة في القنطرة بالمواجهة بالقوات اللازمة المدربة جيداً على ذلك. هذا سهل لي أن أستولي عليها بسهولة، في الوقت نفسه أجبر العدو على أن يدفع احتياطاته في اتجاه هذه الحصون، وبذلك أتيحت الفرصة لقواتي الرئيسية التي ستقتحم من جنوب وشمال القنطرة للاندفاع شرقاً لإنشاء رأس الجسر وبأجنابها الداخلية، وذلك بالتعاون مع باقي القوات، ويتم إحكام حلقة حصار للعدو داخل المدينة وحلقة أخرى خارجية والتي نجحت في إنشاء رأس الجسر، وبذلك أمكنني تحرير مدينة القنطرة والتمسك بها والدفاع عنها بما يمنع العدو تماماً من استردادها.
وسارت العملية كما توقعت تماماً وتمكنا في أقل من ساعة أن نستولي على كل النقط الحصينة الموجودة في مواجهتي وعددها 7 نقاط، عدا النقطة القوية رقم (3) التي استمرت لليوم التالي يوم 7 أكتوبر «انتهى».
ويقول رئيس فرع التخطيط لحرب أكتوبر اللواء طه المجذوب إن عملية إصلاح الجيش استمرت ست سنوات يمكن تقسيمها إلى قسمين الأول: الإعداد بالقتال (حرب الاستنزاف) والثاني الإعداد بالتدريب الشاق وهو الإعداد للحرب. وكان الوضع صعباً علينا جميعاً، نحن كقيادة كنا محطمين نفسياً والجندي العادي كانت تجرحه الكلمة ويخشى أن يسير بزيه العسكري في الشارع، وكان لا بد من استعادة إيمان هذا المقاتل بنفسه أولاً وبقادته ثانياً وبإمكانية الحرب بل النصر.
أجرينا بروفة للعبور إلا أنها لم تكن بالشكل الذي جرى يوم العبور ولكننا عوضناها بتدريبات عبور على موانع مائية تشابه القناة وليست مثلها تماماً، وكان العسكري يواجه ظروفاً هي ظروف العبور نفسها بل إننا كنا نوقد المياه ناراً استعداداً لحدوث فتح قنوات النابالم، الجندي والضابط والقائد، جميعاً كانوا يتدربون على كل الظروف المحتمل مواجهتها في خطوة من خطوات المعركة لم نترك شاردة ولا واردة إلا وتم التدريب عليها مرات ومرات.
حسبنا حساب كل شيء والفشل كان غير مسموح به، نحن دخلنا الحرب ونحن نعلم أننا لا يمكن أن نفشل ولذلك حاربنا بحذر شديد جداً ولم نترك أي شيء للمصادفة، فكل شيء كانت حساباته دقيقة وبالذات العبور واقتحام القناة وعبور خط بارليف «ثلاثية النصر».
الخطط كانت موجودة والتطوير كان مخططاً له حتى المضايق وهذا لسبب وحيد أن ساتر الدفاع الجوي لا يحمي قواتنا إلا عند تلك المنطقة، دفاعاتنا كانت من طراز سام 2 و3 وهي ثابتة وثقيلة جداً ولا يمكن تحريكها مع تقدم الجنود لذا كان من غير المتصور أن تتضمن خطط التطوير الوصول للحدود الإسرائيلية. السوفيات حرمونا من ميزة الدفاع الجوي المتحرك، وإذا خرجنا من تحت المظلة كنا سنتعرض لكارثة 67 مرة أخرى، ولا أخفيكم سراً أن حرب أكتوبر لم تكن حرباً بقدر ما كانت تلقين العدو درساً قاسياً وإلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية والمعدات به وبما يؤكد فشل نظرية الأمن الإسرائيلي التي يتحدثون عنها.
وأحد دروس 1967 كانت المعلومات أن تحصل من عدوك على كل ما تستطيع من معلومات ليس عن الجيش فقط بل عن الدولة، المجتمع، بداية من عاداته وحتى إجازاته والدليل اخترنا تاريخ العاشر من رمضان السادس من أكتوبر لأنه عيد الغفران، أمدتنا المخابرات بكتيب كامل عن الإجازات والأعياد وجدنا أن عيد الغفران هو الأنسب لأن المجتمع الإسرائيلي كله يكون في حالة سكون كامل، أيضاً تصادف أن إسرائيل كانت في حالة استعداد لانتخابات هناك في أواخر أكتوبر، كان لدينا ملف كامل عن كل قائد حياته ومشاكله وحتى أهم صفاته وشخصيته، كان لا بد أن نستفيد من غرور هؤلاء.
وعدا عما إذا كانت حرب أكتوبر قد حققت كل أهدافها يقول اللواء المجذوب إن أكتوبر ليست وحدها الحرب، هي جزء من استراتيجية لتحقيق السلام، هي صنعت لتحقيق السلام، كنا نعلم أن الموقف الدولي لا يسمح بالحسم ونعلم أيضاً أن العمل العسكري لن يحسم الأمر وحده، مضى وقت كانت الحرب تحسم المواقف، القوتان العظميان أيضاً كانتا ضد دخول مصر الحرب واجتمعتا على أن تبقى الحال على ما هي عليه وكان غرضهما معاً أن يحدث استرخاء عسكري إذن كان علينا أن نتحدى كل ذلك. أكتوبر كانت جزءاً أو ترساً من منظومة متكاملة من العمل العسكري للسلام. الحرب كانت لهدف كسر الجمود وإرغام الطرف الآخر على الجلوس، ما رفضته إسرائيل في 6 أيام قبلته في 6 ساعات هذه هي نتائج حرب أكتوبر «انتهى».
ويقول رئيس عمليات سلاح الجو المصري اللواء صلاح المناوي: بداية نقرر حقيقة، نحن بدأنا مع سلاح الجو وكان كل شيء في صالح العدو، لم يكن هناك عاقل يصدق أننا سنهاجم على تلك الحالة. كيف تقارن الميغ بمثيلتيها الفرنسية والأميركية لدى العدو، الفانتوم كانت تحمل ثلاثة أضعاف حمولة «ألسوخوي 7» والأخيرة كانت أبطأ ولا تستطيع حماية نفسها، الحقيقة سلاح الجو المصري كان في حالة يرثى لها على المستويين النوعي والحكمي، وإذا كانت الحسابات النظرية تقول إن المعركة الهجومية تستلزم تفوقاً من جانبنا بنسبة 1.2: 1 على الأقل فإن الواقع يقول إننا دخلنا المعركة ولم نصل لنسبة 1: 1 وتلك هي المعجزة في حد ذاتها.
كل شيء كان محسوباً بدقة، اتخذنا إجراءات كثيرة لتعويض هذا النقص، اتجهت حساباتنا أولاً إلى المقاتل المصري لأنه هو الأساس، كل تفكير قيادة سلاح الجو كان تعويض نقص الطيارين وتعويض الهبوط المعنوي الهائل لدى الموجودين في الخدمة، على مستوى العدد أعلنا عن قبول دفعة جديدة في 67 للكلية الجوية كانت المفاجأة أن تقدم لنا ثلاثة أضعاف العدد المطلوب من ناس يعلمون مقدماً أنهم داخلون من الدار للنار. المعجزة الأكبر أنك تستطيع مضاعفة عدد القوات الجوية لثلاثة أضعاف وأن تحول إنساناً لم يركب طائرة في حياته إلى مقاتل ومطلوب منه النصر أو الشهادة بل وتدربه على تكتيكات قتالية ربما لا يحصل عليها أقرانه طوال مدة خدمتهم في الظروف العادية. على المستوى النفسي كان لا بد من تحويل الطيارين إلى مقاتلين ويصدقون أننا سنحارب، كان ذلك بالتدريب المتواصل والأهم التدريب على العدو لذا قمنا بطلعات مخططة كثيرة وضربنا أهدافاً وقواعد صواريخ ودخلنا في معارك جوية، كل مقاتل لدينا دخل حرباً أو اثنتين في الجو، لم يعد لدينا من لم يطر في أجواء معركة ويعرف مقدماً ما سيواجهه فيها.
وعما إذا كانت الضربة الجوية قد حققت أهدافها بضرب المطارات الإسرائيلية في سيناء يقول اللواء المناوي، يقيناً حدث ذلك. المطارات الثلاثة الموجودة داخل سيناء وهي العريش والمليز ورأس نصراني كان الهدف ضربها بقنبلة الممرات المصرية التي توصل مهندسونا لتصنيعها إضافة إلى ذلك ضرب جميع قواعد صواريخ دفاع العدو الجوي ما دامت في مدى طائراتنا وكانت عبارة عن ست قواعد صواريخ تدافع عن مواقعه الاستراتيجية المهمة وقواته الكبيرة كما هي الحال في منطقة (أم خشيب) وكانت هذه القواعد متحركة وليست ثابتة والصواريخ الموجودة فيها من طراز (توما هوك)، ومن مهام الضربة الجوية أيضاً ضرب جميع مراكز الإعاقة للعدو وكان لديه بالفعل مركز خطر للإعاقة في منطقة (القسيمة) وأم خشيب وكانت تشوش على رادارات الدفاع الجوي المصري وتتبع جميع الموجات التي تتعامل عليها قواتنا بحيث نفقد السيطرة على قواتنا ونفشل في التحكم فيها ونعجز عن معرفة أخبارها، ومن أهداف الضربة أيضاً ضربة القوات المتمركزة للعدو بكميات كبيرة من العتاد والسلاح لمنع العدو من تعويق عبور قواتنا البرية للقناة وهذا ما تحقق على أكمل وجه.
دولة قامت بالقوة
وباستيراد البشر
في الوقائع التاريخية الحديثة والمعاصرة، إن دولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة ي العالم التي قامت بالقوة وباستيراد البشر من كل مكان واستيطانهم بعد إجلاء واستلاب الأرض من أصحابها الشرعيين. على رغم أن الأمم المتحدة أقرت تقسيم فلسطين وفق القرار 181 لعام 1947 الذي خصص للدولة العبرية بحدود 54 في المائة من مساحة أرض فلسطين التاريخية مرتبطاً ببقاء كل الفلسطينيين حيث هم على أرض وطنهم داخل حدود التقسيم وخارجها، فضلاً عن إقامة الدولة العربية الفلسطينية على الأجزاء الباقية من أرض فلسطين، مع جيب دولي صغير في منطقة القدس. إلا أن الدولة الصهيونية لم تحترم حتى حدود هذا القرار، حيث تعتبر إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي أقيمت بقرار دولي، فتجاوزته بالاستيلاء على غالبية أرض فلسطين التاريخية واستتبعت ذلك بالاحتلال الكامل لها عام 1967. وفي السياق ذاته كان إسحاق رابين قد كشف في كتابه «ملف خدمة» وقائع طرد أبناء الشعب الفلسطيني من على أرضهم، حيث كان رابين ضابط عمليات قوات البلماخ الصهيونية (الصاعقة) التي احتلت وسط فلسطين في منطقة اللد والرملة، وأشرف رابين شخصياً على طرد أكثر من 80 ألف فلسطيني بالمذابح وقوة النار، في الوقت الذي قاد فيه إيغال ألون حملته على لواء غزة وبئر السبع ولاحقاً لواء الجليل ومدينة صفد، بعمليات الترانسفير التي تواصلت على امتداد الأرض الفلسطينية عشية نكبة 1948.
وفي الحديث المباشر عن الأرض الفلسطينية، وعن عمليات التهجير والإجلاء القسري للفلسطينيين عن أرض وطنهم عام 1948، والاستيلاء الكامل على أملاكهم فضلاً عن إعلان قيام الدولة العبرية على أجزاء واسعة من أرض فلسطين، من المهم الإشارة إلى أن أطرافاً إسرائيلية كشفت يوم 22/12/1997 بعض الخفايا عن عمليات التهجير القسرية وحملات التطهير العرقي الصهيوني التوسعية ضد الشعب الفلسطيني. أخيرها وليس آخرها ما حدث في بلدة الطنطورة جنوب مدينة حيفا حين كشف الباحث تيدي كاتس وقبله بسنوات طويلة أهالي البلدة عن وقائع المجزرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 120 مواطناً فلسطينياً، فضلاً عن تشريد مواطني البلدة بين مخيم طولكرم في الضفة الفلسطينية ومخيم اليرموك في دمشق. كما كشفت المصادر ذاتها بعض التقديرات التي كان قد أعدها وزير الخارجية الإسرائيلي موشي شاريت عام 1951 في جلسة الحكومة في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) لنفس العام. حين أشار شاريت إلى أن تقديرات قيمة الممتلكات الثابتة فقط وغير المتحركة للاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم آنذاك 805.069 ألف لاجئ آنذاك تفوق البليون دولار وفق السوق المالية للعام المذكور، وبأرقام اليوم فإن الحديث يدور عن ستة بلايين من الدولارات قيمة الممتلكات المتحركة فقد بدون احتساب الفوائد.
ويعلل شاريت تقريره المذكور لعام 1951، استناداً لما قدمته لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والمشكلة من ديبلوماسيين من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة، وهي اللجنة التي أقيمت حسب قرار الأمم المتحدة في 11/10/1948 وعقدت اجتماعاتها في لندن ولوزان وباريس.
وكان على اللجنة أن تعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة وحل قضية اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم فلسطين. واستناداً إلى موقف اللجنة أنشأت الأمم المتحدة وكالة الإغاثة الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى حين عودتهم وتنفيذ القرار اللاحق الذي حمل الرقم 194.
وتمكن العودة إلى الملف الدولي رقم 245 للاجئين الفلسطينيين الصادر في لندن عام 1993، حيث نلحظ بوضوح الحجم الكبير من الخسائر المادية والمعنوية التي أصابت الشعب الفلسطيني جراء نكبة 1948، واستناداً إلى المصدر ذاته فإن مجموع ما امتلكه اليهود من أرض فلسطين عام 1921 مثلاً لم يتجاوز 660 ألف دونم من الأرض وهم يمثلون 10,7 في المئة من السكان (90,9 ألف نسمة)، بينما امتلك المواطنون الفلسطينيون 26,94 مليون دونم من الأرض وهم يمثلون 89.3 في المئة من السكان (758 ألف نسمة). وبلغ عدد سكان فلسطين في أيار (مايو) 1948 2,115,000 مواطن، منهم 1,138,000 مواطن عربي و700,000 يهودي وفق إحصاءات سلطات الانتداب البريطاني.
وحسب الوثائق البريطانية والملف الدولي للاجئين رقم 2145 الصادر في لندن عام 1993، ففي عام 1947 وقبل إعلان تقسيم فلسطين كان عدد سكان فلسطين:
• مليون و450 ألف نسمة من المواطنين العرب الفلسطينيين، وبملكية عربية للأرض الزراعية والعقارية تتجاوز مساحتها 26.5 مليون دونم.
• 650 ألف من اليهود بملكية لا تتجاوز 950 ألف دونم من الأرض، ومنهم 152 ألف يهودي عاشوا مع الشعب الفلسطيني وحملوا الجنسية الفلسطينية والعدد الباقي 498 ألفاً دخلوا إلى فلسطين خلال مرحلة الانتداب البريطاني.
وبعد قرار التقسيم وبفعل الهجرة اليهودية المتواصلة أصبح اليهود يشكلون 23 في المئة من السكان باعتبارهم مواطنين فلسطينيين، والعرب 67 في المئة، بملكية عربية تبلغ 25 مليون دونم. أما الأرض التي تم استملاكها من قبل اليهود بعد تقديمها من قبل سلطات الانتداب البريطاني للوكالة اليهودية، وهذا ما يشير إليه ملف المفوضية البريطانية في القدس والملف الدولي للاجئين رقم 245 الصادر في لندن، حيث بلغت مساحة هذه الأرض 581 ألف دونم من إحدى عشرة مدينة. ومع نكبة فلسطين عام 1948 تم تهجير واقتلاع وتدمير 532 قرية وبلدة ومدينة فلسطينية، وتم مسح عدد كبير منها من الوجود وأقيمت مكانها المستعمرات والمدن الاستعمارية اليهودية.
تركزت عمليات التدمير والإجلاء والاستيلاء بشكل رئيسي تجاه قرى مناطق شمال فلسطين في الجليل وطبريا والساحل، كما في منطقة اللد والرملة فضلاً عن منطقة القدس وشمال قطاع غزة. وبلغ عدد القرى المدمرة بشكل كامل 418 قرية وبلدة عدا عن أحياء كاملة في المدن المختلفة.
وكانت فلسطين تتشكل
قبل النكبة من ستة ألوية تضم 15 قضاء:
• لواء الجليل: ويضم أقضية عكا، صفد، طبريا، الناصرة، بيسان.
• لواء حيفا: ويضم قضاء حيفا.
• لواء نابلس: ويضم أقضية جنين، نابلس، طولكرم.
• لواء القدس: ويضم أقضية القدس، رام الله، الخليل.
• لواء غزة: ويضم أقضية غزة، بئر السبع.
• لواء يافا: يضم أقضية يافا، الرملة، اللد.
بلغ عدد القرى المدمرة وفق كتاب («القرى المدمرة»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت 1998، الدكتور وليد الخالدي) 418 قرية وبلدة موزعة كما يلي:
بئر السبع 3 قرى، بيسان 29 قرية، جنين 6 قرى، حيفا 51 قرية، الخليل 16 قرية، الرملة 57 قرية، صفد 77 قرية، طبريا 25 قرية، طولكرم 17 قرية، عكا 23 قرية، غزة 45 قرية، القدس 38 قرية، الناصرة 4 قرى، يافا 33 قرية.
وحسب الوثائق الدولية للأمم المتحدة 1948 ـ 1954.
ومجمل تقارير لجان الأمم المتحدة 1949 ـ 1995.
وسجل وثائق الجامعة العربية، إضافة إلى الملف الدولي للاجئين الصادر في لندن عام 1993 تحت الرقم 245.
قد تم طرد 646,1 ألف مواطن فلسطيني يشكلون 232 ألف عائلة متوسط عدد أفرادها 4 أشخاص، وذلك من اصل 1.5 مليون نسمة سكان فلسطين العرب عام 1948، واستقرت عائلات اللاجئين في كل من الأردن وسوريا ولبنان وما بقي من فلسطين.
فضلاً عن ذلك، هناك اللاجؤون فوق أرضهم وعددهم يفوق 159 ألفاً عام 1948، وهم الفلسطينيون الذين ألقت بهم الأقدار في مناطق فلسطينية أصبحت لاحقاً في إطار الدولة العبرية، خصوصاً في منطقة وادي اللجون حيث تم لجوء غالبية القرويين الفلسطينيين من قرى الوادي إلى مدينة أم الفحم.
والأمر ذاته ينطبق على العديد من سكان منطقة الناصرة وشفا عمرو اللتين ضمتا عدداً واسعاً من لاجئي قرى منطقة حيفا وبيسان والناصرة والمثلث والجليل الأوسط، وقريتي أقرت وكفر برعم. وبذا يصبح عدد اللاجئين الفلسطينيين حين وقوع النكبة يزيد على 805.069 ألف لاجئ، وباحتساب رقمي بالمعالجة الرياضية لمتوسط معدلات الخصوبة لدى الشعب الفلسطيني والبالغة 3.8 وفق تقارير المفوض العام لوكالة أونروا والمقدمة للسكرتير العام للأمم المتحدة في آب (أغسطس) من كل عام، فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين أصبح الآن يفوق 4.6 مليون نسمة، وهذا الأمر تشير إليه تقارير المفوض العام للوكالة الدولية بعد احتساب أعداد اللاجئين فوق أرضهم في مناطق 1948 (المسقطين أصلاً من كشوف اللاجئين ووكالة أونروا).
وعند العودة لملفات الوثائق الدولية التالية:
● ملف الخبراء الدوليين.
● ملف وثائق فلسطين في الجامعة العربية.
● ملف الدراسات التي قدمت للأمم المتحدة.
● الملف الدولي للاجئين الفلسطينيين 245 الصادر في لندن عام 1993.
نجد أن القرويين الفلسطينيين قد خسروا مليوناً و400 ألف دونم من الأرض الزراعية المروية، وثلاثة ملايين دونم من الأرض البعلية، و260 ألف دونم من بيارات الحمضيات، و78 ألف دونم من كروم الزيتون، و52 ألف دونم من كروم العنب بمبالغ تقديرية آنذاك تفوق 3.440 بليون دولار.
كما نهبت المواشي في الأرياف بتعداد 160 ألف رأس من البقرة، و200 ألف رأس من الغنم والماعز، و42 ألف رأس من الخيول.
وبالنسبة للمتاجر فقد تم نهب 8500 متجر، وأكثر من 2600 حانوت، فضلاً عن 36 معصرة زيتون، ومعامل الدباغة، والصابون والنسيج، وتم الاستيلاء الكامل على البيوت العائدة للاجئين وعلى أثاثها، ووضع اليد على أكثر من 117 ألف منزل في القرى و33170 منزلاً في المدن، وأكثر من 32200 دونم من الأرض العقارية المعدة للبناء في المدن، وفضلاً عن ذلك السيطرة بشكل رئيسي على المساحات الواسعة من أراضي الملكية العامة في فلسطين.
وكانت الدولة العبرية بعد أسبوعين من إعلانها قد شكلت لجنة الترانسفير لمنع العرب الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، وتدمير القرى التي هجروها بشكل كامل، وإنشاء مستوطنات يهودية مكانها، وسن تشريع منع عودة أي لاجئ، واستتبع تشكيل لجنة الترانسفير بلجنة وزارية إسرائيلية للأملاك المتروكة والمنهوبة دعيت (دائرة أملاك الغائبين). وبعد ذلك شكل بن غوريون في 29 آب (أغسطس) 1948 لجنة ثالثة لمنع العودة نهائياً لأي لاجئ، حيث أوصت بتوطين اللاجئين في البلدان المضيفة، وفضلت العراق باعتباره لا يملك حدوداً مع الدولة العبرية.
أخيراً. وفي سياق المسلسل التراجيدي من الحالة القهرية التي تخيم على مجتمع اللاجئين الفلسطينيين، يمكن القول بأن اتفاقيات أوسلو التي أهملت وتجاهلت القرارين رقم 194 و237 الخاصين بحق اللاجئين والنازحين بالعودة من جهة إحالة قضية اللاجئين إلى المفاوضات المتعددة الأطراف، هي المسؤولة عن تشريع المداخل والاتفاقيات الثنائية والإقليمية والإجراءات التي تتالت بما في ذلك التآكل الجاري على صعيد قوة هذين القرارين على المستوى الدولي بما في ذلك التآكل التدريجي لدور وخدمات وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً أن قضية اللاجئين أضحت في مهب الريح وتحت رحمة المفاوضات المتعددة الأطراف باعتبارها قضية إقليمية يجري حلها على أساس التوطين وتحسين الظروف الإنسانية لمجتمع اللاجئين، وليس على أساس تنفيذ القرار 194 الذي تم التأكيد عليه إلى الآن 110 مرات في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن التآكل في قوة القرار 194 دفع الولايات المتحدة إلى الامتناع المتواصل عن التصويت في الأمم المتحدة منذ العام 1994 إلى جانب تأكيد القرار 194، مع أن الولايات المتحدة واصلت طوال السنوات الممتدة بين أعوام 1948 ـ 1994 على تقديم مشروع (تأكيد التزام الأمم المتحدة هيئة ودولاً بالقرار 194) وانتقلت إسرائيل بالسياق ذاته من الامتناع عن التصويت على القرار 194 إلى التصويت برفضه، مع أن شهادة قبول إسرائيل بالأمم المتحدة كانت مشروطة بقبول الدول العبرية للقرارين 194 و181. وتم الربط بين تنفيذ القرار 194 وبين إنهاء خدمة وكالة أونروا تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين.
إن صراع الجغرافيا/ صراع الأرض مع الاحتلال التوسعي الإجلائي. وصراع الهوية بين الوطنية الفلسطينية وبين التذويب التدريجي، عملية متواصلة لا تنتهي بقرار أو باتفاق ظالم، وقضية حق العودة لا يمكن لها أن تموت بالتقادم ولا ينهيها تجبر قوة مستبدة)[67](.
علي بدوان
يوم على القدس
في غمار اليأس المستولي على العرب وتهالك حكوماتهم على ما سموه السلام العادل الشامل، وما أطلقوا عليه عنوان: السلام مقابل الأرض.
وهذا ما يعني التسليم بقيام (إسرائيل)، وأن العدل والشمول لا يتعديان الضفة وغزة والجولان، وهي الأرض التي إذا استردها العرب قام السلام بينهم وبين إسرائيل!!
في غمار هذا اليأس والاستسلام أقيمت حفلة تكريمية في بيروت للدكتورة زاهية قدورة ألقيت فيها قصيدة جاء فيها:
قالوا السلام فقلنا نحن ننشده
ناراً بتل أبيب ترتمي نهبا
نار الصواريخ تدحوها يد صرخت
على الثنية واثاراه واحربا
في دير ياسين ثأر لا تنام له
منا العيون ولا نعيا له طلبا
حتى نرد إلى التاريخ عزته
ونسترد من التاريخ ما سلبا
الموعد القدس مزهواً بزاهية
وبالحرائر يلهبن الوغى غضبا
اليعربيات إن هبت زغاردها
لليعربيين ضج الكون واضطرابا
وماجت الأرضي بالتكبير وانطلقت
فيالق العرب تجلو الشك والريبا
يوم على القدس آت فانظري لتري
فيه اليهود حيارى تبتغي هربا
يوم على القدس بالثارات ذاكية
والجيش مقتحماً والسيف مختضبا
فنضدي الورد للأبطال ظافرة ونظمي الشعر بشراً وانثري الخطبا
التشيع في فلطسين
يدل كلام محمد بن عثمان بن علي الكراجكي صاحب كنز الفوائد ونزيل الرملة في فلسطين ـ وقد عاش في القرن الخامس الهجري ـ يدل كلامه في ذلك الكتاب على أن أهالي الرملة (قرب اللد) كانوا شيعة. على أنه قيل إن الرملة التي يحكي عنها هي في مصر.
وكذلك الرحالة الفارسي ناصر خسروا في رحلته التي ابتدأت سنة 437 هـ واجتاز فيها فلسطين ووصل إلى طبريا ذكر أن السكان خارج مدينة طبريا هم من الشيعة. وتحديده المكان كان لمناسبة اقتضت ذلك، وإلا فالمعقول أنهم لا يكونوا منحصرين خارج مدينة طبريا.
ورحلة ناصر خسرو كانت خلال العهد الفاطمي، وفي ذلك العهد كان التشيع منتشراً بكثرة في بلاد الشام كلها ومنها فلسطين.
ويقول المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم/ 179) عن مذاهب الشام في القرن الرابع الهجري: «وأهل طبريا ونصف نابلس وقدس وأكثر عمان شيعة».
على أنه يبدو أن التشيع في فلسطين كان موجوداً في أواخر القرن الثالث، وإذا وجد في هذا الوقت يقيناً فلا يبعد أنه كان موجوداً قبله. فقد جاء في المجلد التاسع من (أعيان الشيعة)، ومصدره (عمدة الطالب) في ترجمة محمد بن حمزة من أحفاد العباس بن علي بن أبي طالب (ع) «واتخذ بمدينة الأردن وهي طبريا ضياعاً وجمع أموالاً فحسده ضفر بن خضر الفراعني فدس إليه جنداً قتلوه في بستان له بطبريا في صفر سنة 291 ورثته الشعراء، وكان عقبه بطبريا يقال لهم: بنو الشهيد». وسيأتي ذكر ذلك في كلام عبدالله مخلص الآتي.
وفي نهاية الحرب العالمية الأولى واحتلال الإنكليز لفلسطين، والفرنسيين لسوريا ولبنان، ألحقت بفلسطين بعض قرى جبل عامل الجنوبية كقرية هونين وقدس وصلحة وفارة وتربيخا. وهي قرى شيعية.
على أن في فلسطين مشاهد فريق من آل البيت يدل وجودها على تشيع عريق كان في تلك البلاد. وهذه المشاهد كما عددها عبدالله مخلص ـ هي:
مشهد علي بن أبي طالب (ع)
في الرملة
في ضاحية مدينة الرملة ـ وهي تقع بين بيت المقدس ويافا ـ وعلى قارعة الطريق المؤدي إلى مدينة لد وفي يسارها كرم مغروس بالأشجار المختلفة يستغله الوقف الإسلامي بتأجيره من الراغبين وهو مقيد بسجلات الأوقاف باسم وقف الإمام علي عليه السلام.
ففي هذا الكرم قبة تحتها قبر ينسب للإمام علي بن أبي طالب (ع).
وفي منتصف الطريق العام بين بيت المقدس ويافا وفي موضع يسمى باب الواد مقام مبني بالحجارة غير مسقوف يقال له مقام الإمام علي.
ولكن هذا المقام وذلك المشهد لم يذكرهما أحد من الرحالين المسلمين أو غيرهم، إلا أن لهم أعياناً موقوفة في أراضي مدينة الرملة تستثمرها إدارة الأوقاف في مدينة يافا.
مقام علي بن أبي طالب عليه السلام
في نابلس
في مدينة نابلس مدفن واسع الجنبات يسمى رجال العامود يقع على الجادة السابلة من نابلس إلى بيت المقدس وعلي أبنية وقباب. وفي هذا المدفن مقام ينسب إلى سيدنا علي بن أبي طالب وصفه عبد الغني النابلسي المتوفى سنة 1134 الهجرية في رحلته المسماة «الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية» فقال:
«ثم دخلنا إلى مكان في داخل ذلك المدفن ينزل إليه بدرج يقال له مقام الإمام علي فيه محراب وعليه جلالة ومهابة، فلعله رئي أما في المنام وأما في اليقظة باعتبار التجلي في عالم الأوهام فوقفنا ودعونا الله تعالى ثم خرجنا إلى تلك الجبانة فزرنا ما فيها من القبور وحصلنا إن شاء الله على كمال الأجور».
مشهد علي بن أبي طالب في عكا ذكر الهروي وياقوت الحموي أنه كان على عين البقرة في مدينة عكا مشهد ينسب إلى علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) حاول الإفرنج تحويله إلى كنيسة فلم يفلحوا وعاد بعد ذلك مسجداً للمسلمين. قلنا: ولا يوجد الآن على العين المذكور مشهد أو مسجد.
مشهد الحسين بن علي عليهما السلام بعسقلان
مدينة عسقلان كانت تنعت بعروس الشام كما كانت تنعت دمشق بهذا الاسم هي من الثغور الحصينة وفي أوائل تلك الحروب الصليبية التي دارت رحاها في الأرض المقدسة ذكر أن مشهد الحسين بن علي عليه السلام في مدينة عسقلان إذ دخل الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي وزير المستعلي بالله الفاطمي عسقلان في سنة 491 وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن علي عليه السلام فأخرجه وعطره وحمل في سفط إلى أجل دار بها وعمر المسجد فلما تكامل حمل الأفضل الرأس على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره. وقيل إن المشهد الحسيني بناه أمير الجيوش بدر الجمالي وكمله ابنه شاهنشاه الأفضل وكان حمل الرأس إلى القاهرة ووصوله إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة 548هـ. كما ذكر ذلك محمد بن علي بن يوسف المعروف بابن ميسر الحلبي المتوفى سنة 677هـ.
وقد ذكرت في تعليقاتي على كتاب الإشارة إلى من نال الوزارة طبع المعهد العلمي الإفرنسي بالقاهرة ص 57 أنه يستدل من تاريخ صنع المنبر للمشهد الحسيني بعسقلان أن ذلك المسجد أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالي المستنصري في سنة 484هـ وأقام فيه المنبر بعد إتمامه وليس من بناء ابنه الأفضل شاهنشاه أو إكماله كما ظن ابن ميسر الحلبي في روايته المتقدمة.
بيد أن هذا المنبر نقل في خلال الحروب الصليبية من عسقلان إلى مدينة خليل الرحمن ووضع في مسجد سيدنا إبراهيم (ع) ولا يزال فيه وهو غاية في الإبداع والاتقان.
وبما أن المنبر المذكور هو الوثيقة التاريخية لبناء مسجد عسقلان فرأينا أن ننقل نص ما نقش فيه بالكوفي المشجر وهو ما يلي:
1 ـ بسم الله الرحمن الرحيم: نصر من الله وفتح قريب لعبدالله ووليه معد أبي تميم الإمام.
2 ـ المستنصر بالله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه البررة.
3 ـ الأكرمين صلاة باقية إلى يوم الدين. مما أمر بعمل هذا المنبر فتاه السيد الأجل أمير الجيوش.
4 ـ سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبو النجم بدر المستنصري.
5 ـ عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته للمشهد الشريف بثغر.
6 ـ عسقلان مسجد مولانا أمير المؤمنين أبي عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما في شهور سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
أما المشهد الحسيني بعسقلان فلا يزال مقصوداً بالزيارة وهو على نشز من الأرض يطل على أطلال المدينة.
مشهد سكينة بنت الحسين عليه السلام
بطبريا
ذكر الهروي وياقوت أن قبر سكينة ابنة الحسين بظاهر طبريا وقالا: والحق أن قبرها بالمدينة المنورة وهو قول صحيح لا غبار عليه. والرقيم التاريخي المثبت في الضريح يثبت أنه مشهداً لها ولعبدالله بن العباس بن علي رضي الله عنه إذ جاء فيه ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾.
أمر بعمارة هذا المشهد المبارك وهو مشهد الست سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب وعبدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب (ع) العبد الفقير إلى الله تعالى فارس الدين البكي الساقي العادلي المنصوري نائب السلطنة بالممالك الصفدية والشقيفية والساحلية وذلك في غرة رجب سنة أربع وتسعين وستمائة.
وإلى جانب هذا الرقيم رقيم آخر في ثمانية أسطر يتضمن أسماء وأوصاف أعيان الوقف التي وقفها منشئ العمارة فارس الدين المذكور بين أراض وبساتين وحواكير وكروم في مدينة طبريا نفسها.
وقد أثار اهتمامي وجود قبر لسكينة وقبر لعبدالله بن العباس رضي الله عنهما في طبريا على أنهما لم يدفنا فيها، وأخذت أتقصى الأخبار حتى عثرت على خبر ربما كان له صلة ببناء القبرين، وهذا الخبر وقد ورد في السفر الرابع من كتاب «المغرب في حلى المغرب»)[68]( لعلي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن عمار بن ياسر العنسي الأندلسي المتوفى سنة 673هـ. في فصل «العيون الدعج في حلى دولة بني طغج» على الوجه الآتي:
«قال: ولم يزل طغج على دمشق وطبريا وابنه محمد المعروف بالإخشيد يخلفه على طبريا. وكان بطبريا أبو الطيب العلوي محمد بن حمزة بن عبدالله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العمامر (كذا))[69](. ابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. وكان وجه طبريا شرفاً وملكاً وقوة وعتاقاً، فكتب الإخشيد إلى أبيه طغج يذكر له أنه ليس له أمر ولا نهي مع أبي الطيب العلوي فكتب له أبوه أعز نفسك. فأسرى عليه محمد بن طغج وأبو الطيب في بستان له ققتله».
فالظاهر أن آل أبي طالب وشيعته لم يستطيعوا سبيلاً إلى بناء ضريح للشريف المقتول غدراً وغيلة من قبل السلطة الحاكمة الغاشمة، وقد تكون قتلت معه زوجه أو إحدى محارمه من سيدات آل البيت فقاموا على بناء ذلك المشهد في المكان الذي وقعت فيه الواقعة ونسبوه إلى سكينة بنت الحسين وعبدالله بن العباس رضي الله عنهما يرمزون بذلك إلى الشريفين المقتولين فإن المشهد المذكور يقع بضاحية مدينة طبريا وحوله آثار بئر وبركة وبقايا بستان.
وجاء بعد مئات من السنين الأمير فارس الدين البكي الساقي العادلي المنصوري نائب السلطنة بالمملكة الصفدية فعمر المشهد المذكور ووقف عليه بعض الأعيان لبقاء عين الوقف ودوام عمارته. والغريب أن أحداً من المؤرخين والجغرافيين والرحالين لم يشر إلى هذا المشهد قبل الهروي المتوفى سنة 611هـ. الذي كان أول من ذكره. وفي ذكره له أثبت وجود هذا المشهد قبل الأمير فارس الدين الذي تولى عمارته سنة 694هـ.
مقام السيدة سكينة بمدينة حيفا
كان في المحلة الغربية في محلات حيفا القديمة مقام ينسب إلى السيدة سكينة ابنة الحسين، وكان الناس يقصدون إلى زيارة هذا المقام والتبرك به حتى السنوات الأخيرة من الحكم العثماني.
ولكن هذا المقام الذي كان في إحدى الدور المسكونة قد درس ولم يعد يعرف مكان وجوده، إلا أن المحلة التي كان المقام يقع فيها لا تزال تعرف باسم محلة السيدة سكينة وهي مسجلة بقيود الحكومة بذلك الاسم إلى الآن.
مشهد عبدالله بن العباس
بمدينة طبريا
جاء ذكر عبدالله بن العباس مقروناً باسم السيدة سكينة بنت الحسين في كتاب «الإشارات إلى معرفة الزيارات» للهروي ومعجم البلدان لياقوت الحموي. وقد تقدم الكلام على ذلك في مشهد سكينة بنت الحسين.
قبر فاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام
بالقرب من مسجد اليقين الواقع بأراضي قرية كفر بريك المعروفة الآن باسم بني نعيم من أعمال مدينة خليل الرحمن قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام. وهو في مغارة ينزل إليها بأدراج عدتها أربع.
والقبر على يسار الداخل إلى المغارة وهناك رخامة كتب عليها بحروف نافرة من الكوفي المشجر الذي كان يستعمله الفاطميون ما يأتي:
ـ صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر.
ـ بسم الله الرحمن الرحيم
ـ لله العزة والبقاء وله ما ذرأ
ـ وبرأ وعلى خلقه كتب
ـ الفناء وفي رسول الله أسوة
ـ وعزاء. هذا قبر أم سلمة
ـ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(ع))[70](.
وعلى اليمين من صدر المغارة ثلاثة أبيات من الشعر منقوشة في رخامتين والثانية وضعت مقلوبة رأساً على ا لأولى صحيحة التركيب في الحائط عقب وهذه هي:
أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه
بالرغم مني بين الترب والحجر
يا قبر فاطمة بنت أبي فاطمة
بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر
يا قبر ما فيك من دين ومن ورع
ومن عفاف ومن صون ومن خفر
إن الرقيم الذي على القبر وأبيات الشعر المنقوشة في الرخامتين ذكرها الرحالة ابن بطوطة المتوفى سنة 779هـ)[71]( كما ذكرهما العماد الحنبلي المتوفى سنة 927هـ)[72](.
أما مسجد اليقين فهو مبني على الموضع الذي كان وقف لوط عليه وهو ينظر من عل إلى ما تم بقريات لوط ورأى العذاب قد حل بقومه فسجد في هذا الموضع وقال: أيقنت أن وعد الله حق، والموضع الذي خسف بقومه هي البحيرة المنتنة كما ذكر ذلك الهروي وياقوت الحموي وقد أنشئ المسجد المذكور في الدولة الإخشيدية سنة 354هـ.
وقبر لوط بقرية كفر بريك التي يقع مسجد اليقين في أراضيها وهو ضمن مسجد كبير بالقرب من مسجد اليقين المطل على البحيرة المنتنة والتي تسمى أيضاً بحيرة زغر والبحر الميت وهي بحيرة شديدة الملوحة لا يعيش فيها حيوان ويستخرج منها الآن البوتاس والأملاح المعدنية الثمينة الأخرى.
قبر ابن السراج بمدينة الرملة
هو محمد بن يحيى بن محمد بن ابن أحمد بن عبدالله بن موسى بن علي بن أبي طالب الذي يقال له ابن السراج وقد قال عنه محمد بن يوسف الكندي)[73]( أنه مضى إلى الصعيد فخرج بشرونة وصار إلى غربي النيل فنهب سمسطا وذلك في ذي القعدة سنة 330 هـ. ومضى على وجهه فلحق طريق الغرب فصار إلى سلطان إفريقيا.
ثم عاد فقال عنه: )[74](
وقدم محمد بن يحيى من المغرب يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة 335هـ. فأخبر به (أنوجود بن الإخشيد) وتقدم إليه بالخروج واللحاق بالعسكر فخرج بعد أيام وتوفى بالرملة.
قلنا: ولا يعرف له قبر الآن وذلك بسبب ما أصاب الرملة ومدن فلسطين الأخرى من مصائب الحروب الصليبية من هدم وتخريب وما مني به أهلها من ظلم وتقتيل وتشريد.
ضريح الفضل بن العباس ابن عم الرسول (ع)
على يسار الذاهب من بيت المقدس إلى يافا وعلى قارعة الطريق المسلوك الذي يشق مدينة الرملة ضريح ينسب إلى سيدنا الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الذي قضى نحبه في سبيل دينه وبالرغم من أن تاريخ وفاته ومكان دفنه لم يتفق عليهما العلماء فإن الأكثر ينم على أنه توفى بطاعون عمواس وهي قريبة من الرملة والقبر الوحيد المعروف له هو هذا الذي يقوم عليه ضريح كتب عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله. كل من عليها فإن ويبقى (كذا) وجه ربك ذو الجلال والإكرام. هذا سيدي الفضل ابن العباس ابن عم رسول الله (ص)» وبجوار الضريح أرض تابعة لوقف الفضل أقيمت عليها مدرسة إسلامية يتعلم فيها أبناء المسلمين والأعيان الموقوفة على ضريح الفضل تحسب بألوف الدونمات من الأراضي الجيدة وتستغلها الأوقاف الإسلامية.
قبور آل البيت في المملكة الأردنية
الهاشمية ـ في الحميمة ـ
لقد ذكرت مشاهد آل البيت التي غشيتها ودرست أحوالها واستقصيت أخبارها في فلسطين ولم يبق من قبور آل البيت عبر من دفنوا في قريتي الحميمة ومؤتة من أعمال المملكة الأردنية الهاشمية وقد كانت من أجزاء فلسطين المتممة لها.
ففي هذه القرية توفي:
عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب سنة 98هـ.
في قرية المزار بالقرب من مؤتة
قبر جعفر بن أبي طالب الذي قضى سنة ثمان للهجرة موجودة الآن في قرية تدعى المزار، وتعرف أيضاً بقرية جعفر وهي تبعد عن مؤتة نحو أربع ساعات على الفارس المجد، وإلى جانب قبر جعفر قبر زيد بن حارثة الذي سبق جعفر بالشهادة وقبر عبدالله بن رواحة الذي لحقهما.
أما قرية الحميمة فلم أزرها ولا أعرف إذا كانت قبور آل البيت لا تزال معروفة مصانة من العبث والضياع وهو ما لا أتوقعه بعد انقضاء هذه القرون الطويلة العريقة في القدم ولا سيما أن الحميمة الآن غير مأهولة.
أما في قرية المزار فهي مأهولة ويقصدها الناس إلى زيارة قبر جعفر فيها ولا يزال المشهد الذي كان على قبره ووسع عمارته الملك الظاهر بيبرس ووقف عليه وقفاً زيادة على وقفه على الزائرين له والوافدين عليه)[75]( لا يزال قائماً وهو مؤلف من غرف عديدة وأبهاء واسعة على ما ذكره لي بعض زائريه.
الفلسفة([76]*)
ـ 1 ـ
ثمة تحول مهم في اهتمامات المجتمعات المعاصرة. فقد حدث أن نحيّت الفلسفة وأبعدت عن مواقعها في المجتمع الاستهلاكي الجديد، فكراً وممارسة، ولم يعد لها مكان سوى في الدوائر الأكاديمية. فالفلسفة، ومنذ أمد بعيد، لم تعد سوى ترف فكري في مجتمع الوفرة والاستهلاك السريع.
وعدم الاهتما بها إنما يعود، وبالدرجة الأولى، إلى كونها لم تعد سوى خادمة للسياسة، بعد أن انهار كثير من الأيديولوجيات القديمة ووقف العالم على بداية نهاية الحداثة، وبعد أن أصبح علم الاجتماع الوظيفي وعلم السياسة علوم احتراف وأصبح علم المستقبل موضة جديدة وارتفعت التجريبية إلى مستوى الممارسة الخالصة التي تؤمن فقط بما هو قائم ومعيشي. وهذه جميعاً نظريات عامة تقف بعيداً عن الوقائع الحقيقية. كما أن ظهور طرائق جديدة في السياسة والاقتصاد، والتقدم الهائل في العلم والتقنية، وبخاصة في التكنولوجيا ووسائل الاتصال الإلكترونية، كانت قد اكتسبت ثقة المواطن العادي. والحال، ليست التكنولوجيا هي هدف الإنسان وإنما تحقيق السعادة الممكنة. فالتكنولوجيا هي مجرد وسيلة، وحين تصبح هدفاً بذاتها فإنها تتحول إلى تقنية آلية. وإذا انتصر العقل الآلي فلماذا هناك فلسفة؟
الفلسفة ـ كوعي عقلاني تنويري ونقدي ـ وكموقف للإنسان من العالم، من الممكن أن تصبح أهدافها المبدئية ونشاطاتها في ظل النظام العالمي الجديد، أو أي نظام شمولي غير متغير، عامل إزعاج ومشاكسة، لأن الفلسفة الحقّة تهدف، قبل كل شيء إلى تعريض النظام القائم إلى التساؤل. هذه هي الفلسفة عند جورج لوكاش وأرنست بلوخ ويورغن هبرماس، أولئك الذين لم يستمع إلى كلامهم سوى القلّة القليلة من الناس، لأن كلامهم غير مرغوب فيه. وهكذا كانت الفلسفة عند هوركهايمر وأدورنو وبنيامين، الذين طوّروا نظرية نقدية خلال منتصف القرن الماضي وأصبحت، بالتالي، مدرسة فرانكفورت في الفلسفة وعلم الاجتماع مفهوماً عالمياً متميزاً.
يقول هوركهايمر إن هدف الفلسفة هو نقد السلطة الكليانية لآلية العقل التي ساعدت الفلسفة التقليدية على الافتتان بها، لأن النقد الواعي ينبغي أن يعكس الوضع القائم لأي نظام، وبذلك يستطيع تعرية سوء التنسيق للمدنية المعاصرة بقيمها ومعاييرها وأخلاقيتها.
فالمبادئ العظيمة التي جاءت بها الحداثة تظهر اليوم مشوهة. وهذا التشوه إنما يعكس، في الحقيقة، احتجاج الطبيعة ضد الإنسان وضد حالة القهر والبؤس التي تلفّه، وهي الشهادة الوحيدة المعبّرة التي يمتلكها الفلاسفة اليوم. ومع ذلك ينبغي على الفلسفة أن لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والحقيقة اللانهائية. وكما يقول هوركهايمر ينبغي أن يقاس محتوى الحقيقة للأفكار الأساسية بأصولها الاجتماعية التي نشأت عنها.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إلى أي مدى يمكن أن تكون الفلسفة عملية؟ من الممكن أن يفزع هذا السؤال القارئ، لكنه لا يمكن أن يثير تعجبه. فالفلسفة، مثلما يفهمها رواد مدرسة فرانكفورت النقدية، تهدف دوماً إلى أن تكون وسيلة وليس غاية لذاتها، وسيلة تربط النظرية بالممارسة العملية. وهنا تكمن أهميتها. وفي المقابل فإن الفلسفة الوضعية تحاول أن تبني عالماً بديلاً، وهذا ما وعاه المتسلطون عندما حكموا على سقراط بالإعدام.
ومهما يكن هيغل، في بعض أفكاره الفلسفية، رجعياً، فقد اقتنع بقوة الأفكار الفلسفية حتى كتب إلى صديقه شلينغ، وكان في الرابعة والعشرين من عمره: «مع انتشار الأفكار، التي ينبغي لها أن تنتشر، يختفي جمود الأفراد الذي يعتقدون أن كل شيء ثابت». كتب بعد ذلك: «تزداد قناعتي يوماً بعد يوم بأن العمل النظري يكشف لنا عن وضعيات العالم أكثر مما تعلمنا الممارسة».
وإذا كان عالم الأفكار عالماً ثورياً، فإن الواقع لا يستطيع أن يحمل أكثر من ذلك، في حين اعتبر ماركس «ان الثورة تبدأ في دماغ الفلاسفة».
وعلى أية حال هناك دوماً ربط جدلي بين الأفكار وبين تطبيقها في الواقع فلا يمكن فصل واحدهما عن الآخر.
ما جدوى الفلسفة؟
إن الوظيفة الاجتماعية الحقيقية للفلسفة هي نقد ما هو قائم، ونفس الشيء ينطبق على التذمّر السطحي لبعض المتفلسفين حينما يتحولون إلى بومة غريبة الأطوار. لأن الهدف الأساسي لمثل هذا النوع من النقد هو تجنب فقدان البشر لأفكارهم وطرائق سلوكهم التي تنبثق من المجتمع في شكله التنظيمي الحالي. وكما يقول هوركهايمر «يجب أن لا نسمح لأنفسنا بتحويلها إلى أبواق دعاية»، حتى لو كان للدعاية هدف نبيل ولو لمرة واحدة.
وأخيراً، فالفلسفة لا تعرف الأوامر، ولا ترفع دعوى الخلاص ولا تعرف سوى الفكر النقدي الذي يجلبه الواقع. وهي في الوقت ذاته، تهاجم الأساطير والأوهام التي تجبرنا السلطة الكليانية على قبولها. إن هدف الفلسفة، إذن، هو تحقيق الحرية والسعادة والأمن الداخلي.
إبراهيم الحيدري
الفلسفة
ـ 2 ـ
أُشيعت حول كلمة (الفلسفة) تهم متنوعة، فأضحت ملتبسة بمعانٍ سلبية ومداليل مثيرة منفرة، تتوثب أذهان الكثيرين حين سماعها، فيتبادر منها أنها شيء معقد، ومبهم، وغامض، وربما لا نفع فيه، أو هرطقة، وضياع للعمر، واستنزاف للجهود فيما لا طائل منه، وقد يخيل للبعض أن كثرة قراءة ودراسة الفلسفة، تقود إلى الاضطراب أو الجنون ـ كما تقول خرافات العجائز.
ويعود الجدل حول جدوى دراسة الفلسفة وقراءتها إلى فترة مبكرة من حياة البشرية، فمنذ ظهور الحضارة، وتدوين الفكر الفلسفي، انقسم الناس إزاء الفلسفة وتعددت مواقفهم تجاهها، فبينما سعى البعض لدراسة الفلسفة والدفاع عن الفلاسفة، انبرى آخرون للهجوم عليها ومحاربة كل من يتعاطاها.
ويعتبر سقراط أول فيلسوف عظيم دفع حياته ثمناً لمذهبه الفلسفي، بعد أن لفق أعداؤه ضده تهمة إنكار الآلهة الشعبية، وإفساد عقول الشباب، فحُكِمَ عليه عام 399ق.م. بتجرع السم، وتوفي بعد أن تجرع سم الشوكران)[77](.
تواصل السجال، حول معنى الفلسفة ووظيفتها، في طول فترات التأريخ، وكان يحتدم الجدل في الفترات التي تزدهر فيها الحياة العقلية، ويتطور التفكير الفلسفي، فتتسع دائرة الكلام حول الفلسفة، ويمتد إلى قطاعات الجماهير الأخرى فيتبارى الجميع في حلبة الكلام بشأن مواقف الفلاسفة، ويسعى كل واحد لانتخاب موقف، وعادة ما تحصل أخطاء كثيرة في فهم تلك المواقف، حينما يحاول كل شخص تقويل الفلاسفة ما لم يتفوهوا به، أو يسعى لاجتزاء بعض مقولاتهم، بعد اقتطاعها من منظوماتهم الفلسفية، وإسقاط فهم خاص عليها، غالباً ما يتنافى مع ما تقوله تلك المنظومات، فتتعرض آراء الفلاسفة إلى عمليات تأويل، يجري فيها تزييف مدهش لها، وتفرغ من كل ما تكتنزه من دلالات ومعانٍ عميقة، ويتم اختصار التراث الفلسفي بمجموعة عبارات هزيلة وربما مقرفة، وقد ينتهي ذلك إلى عمليات انتحال وتزوير للفكر الفلسفي، يهتم بترويجه ونشره خصوم الفلسفة، لتشويه صورة الفلسفة، وتنفير الناس من الفلاسفة.
وعندما نراجع تأريخ الفكر، والوثائق المدونة التي وصلتنا من الحضارات السالفة، نلاحظ أن أبرز القضايا ذات الصلة العميقة بالمعرفة البشرية، تعود لمشكلات فلسفية، كما في قضية الألوهية، والمصير، وما يرتبط بذلك من الرؤى والأفكار التي ظلت تلازم التفكير البشري في مختلف مراحله وأشكاله، مع أنها لم تكن من المسائل الخاصة بفئة محدودة من الدارسين، وإنما كانت من مشاغل البشرية عامة، فكل إنسان تتشكل لديه رؤية خاصة، ونظرة معينة في هذه المسألة، ويظل دائماً يسعى لتأكيد هذه الرؤية، وتجسيدها في سلوكه في الحياة، وعلاقاته بالناس والأشياء، لأن سلوك الإنسان تحكمه رؤيته الكونية، ويتبلور في إطار ما تحدده هذه الرؤية من علاقة بالمبدأ الأول، وطبيعة موقعه في الكون، والهدف من خلقه.
وهكذا الحال في العلوم الطبيعية، فضلاً عن قضايا المعرفة الأخرى، فقد ولدت كلها وتطورت في فضاء البحث الفلسفي ـ كما سنشير إلى ذلك ـ حين كانت الفلسفة علم العلوم، كذلك أضحى البحث الفلسفي مصدر إلهام علماء الطبيعة في العصور الحديثة، وظل أبداً محوراً تتشكل في إطاره مناهج البحث، ويُصاغ في ضوئه نظام الأفكار، للبحث في مختلف حقول العلوم والمعارف، فهو يقدم للباحث الأدوات المعرفية اللازمة في دراسته، باعتباره يمثل الإطار المرجعي النظري، الذي لا تنتظم أية محاولة للتفكير والبحث بدونه.
وفي مقابل ذلك لم يخلُ أي عصر من عدوان على الفلسفة، أو قمع واضطهاد للفلاسفة، حتى في أعظم فترات ازدهار الدرس الفلسفي، عاش الفلاسفة وتلامذتهم حياة خوف ورعب، ألجأتهم في مرات كثيرة للتقية والتستر على آرائهم ونظرياتهم، فصاغوها بعبارات ملغزة ملتوية، وربما نسبوها إلى آخرين من الماضين، كي يتمكنوا من التنصل منها في لحظات المحاكمة، حينما تسود عقائد وأفكار السلطات الحاكمة، فسخّر أفواجاً من مرتزقة الفكر لمحاربة كل مَن يتبنى موقفاً لا يتطابق مع عقيدة السلطة، فراح ضحية فتاوى فقهاء السلاطين الفيلسوف العبقري شهاب الدين السهروردي، مؤسس الفلسفة الإشراقية في الإسلام، وهو لم يتجاوز الأربعين من عمره، لما أفتى بعض الفقهاء في بلاط الملك الظاهر بن صلاح الدين في حلب بإباحة قتله)[78]( بسبب اعتقاده وآرائه الفلسفية، فقُتِل وصُلب أياماً عام 587هـ وأُشيع حوله عند العامة أنه كان ملحداً، معانداً للشرائع، لا يعتقد شيء)[79](.
وكان أن عمد المنصور بن أبي عامر قبل ذلك، في الأندلس عام 392هـ، في عهد الخليفة هشام بن الحكم، إلى خزائن الكتب، فأخرج ما فيها من كتب الحكمة والعلوم القديمة في المنطق وعلم الفلك، والنجوم، وأمر بإحراقها وإتلافها)[80](.
وظلت الحملات على الفلاسفة تستعر وتشتد، ويتفاعل معها تيار واسع من العلماء وطلاب العلم، عندما يقود مثل هذه الحملات فقهاء ومحدثون ومتفلسفون، ولعل الحملة التي شنها أبو حامد الغزالي المتوفى عام 505هـ على الفلسفة عامة والفلسفة الإسلامية خاصة، كانت من أضرى هذه الحملات وأعنفها، فهو لم يكتف بالرد على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة)، وإنما صرح بتكفيرهم في حديثه عن (إصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم) في كتابه (المنقذ من الضلال)، إذ يقول:
«إعلم: أنهم ـ على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبهم ـ ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون، والإلهيون».
الصنف الأول: الدهريون، وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه، وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الزنادقة.
والصنف الثاني: الطبيعيون، وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان، والنبات، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات، فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى، وبدائع حكمته، ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطّلع على غايات الأمور ومقاصدها… وهؤلاء أيضاً زنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله، واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله وصفاته.
الصنف الثالث: الإلهيون، وهم المتأخرون منهم، مثل (سقراط) وهو أستاذ (أفلاطون)، وأفلاطون أستاذ (أرسطاطاليس) هو الذي رتب لهم المنطق، وهذب لهم العلوم، حرر لهم ما لم يكن محرّراً من قبل، وأنضج لهم ما كان فجّاً من علومهم، وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية، والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم، وكفى الله المؤمنين القتال بتقاتلهم. ثم رد (أرسطاطاليس) على (أفلاطون) و(سقراط)، ومن كان قبله من الإلهيين، رداً لم يقصر فيه، حتى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى أيضاً من رذائل كفرهم، وبدعتهم، من بقايا لم يوفق للنزوع عنها. فوجب تكفيرهم، وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين (كابن سينا) و(الفارابي)، وأمثالهما»)[81](.
لكن هذا الموقف العنيف الذي قاده الغزالي، لم يؤدِ إلى إعاقة الفلسفة وانهيار مرتكزاتها، وإنما أسهم هذا التحدي في تجلي وعي فلسفي مكثف، تمظهر في إنجازات مهمة في الفلسفة الإسلامية، لم يكن (تهافت التهافت) لابن رشد إلاّ واحداً منها.
واستمرت الهجمة على الفلسفة بعد ذلك، وكان سلاح خصوم الفلاسفة دائماً هو اللجوء إلى الفتاوى، ومن الجدير بالذكر أن الفتوى استُغلّت في مرات عديدة، لتسويغ جور السلاطين، وظلمهم للرعية، ولذبح بعض الفلاسفة والعلماء)[82]( فضلاً عن قمع العقل وإجهاض التفكير الخلاّق المبدع.
فهذا ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين الشهرزوري المتوفى سنة 643هـ كان قد تبنى موقفاً أعنف من موقف الغزالي، فإن الغزالي مع استخدامه لسلاح التكفير، لم يقتصر على ذلك وإنما تجاوزه إلى محاولة محاججة الفلاسفة والرد على مدعياتهم، في غير واحد من مؤلفاته، بيد أن ابن الصلاح اعتمد على الفتوى فقط في رهانه مع الفلاسفة، وكال لهم مختلف أنواع التهم، وصب عليهم جام غضبه، ولم يوقر لسانه عن السباب، والأقاويل الرخيصة، كما جاء ذلك في (فتاواه) قائلاً: «مسألة فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعلماً وتعليماً، وهل المنطق جملة وتفصيلاً مما أباح الشرع تعلمه وتعليمه، والصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون، والسلف الصالحون ذكروا ذلك، أو أباحوا الاشتغال به، أو سوغوا الاشتغال به أم لا؟
وهل يجوز أن تستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات المنطقية أم لا؟
وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا؟ وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهراً به؟…» ثم أجاب: «الفلسفة أسُّ السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة، ومَنْ تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومَنْ تلبس بها تعليماً وتعلماً قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه، ويظلم قلبه عن نبوة نبينا محمد (ص) كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره غافل… وأما النطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه من إباحة الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة، والتابعين، والأئمة المجتهدون، والسلف الصالحون…». ثم يواصل هجومه على الفلاسفة، ويتهمهم بأنهم عكفوا «على دراسة ترهات أهل الضلال وسموها الحكمة، وربما استجهلوا من عري عنها، وهم أعداء الله، وأعداء أنبيائه ورسله، والمحرفون كلم الشريعة عن مواضعه.. فالحذر الحذر منهم! وإنما الاشتغال بحكمتهم حرام في شريعتنا، وهم أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى، لأنهم يتسترون بزي أهل الإسلام…» )[83](.
إن هذا النص المقتبس من فتاوى ابن الصلاح، يشير إلى خطاب عنيف امتد عبر قرون عديدة حتى العصر الحاضر، كان أنصاره دائماً يتحدثون بلغة التكفير، والتبديع، لكل من يتعاطى الفلسفة، وهو خطاب كثيراً ما يتجاوز أسلوب الاستدلال والمحاججة العقلية، فيستبد به العنف، وينزل أحكاماً قاسية بالفلاسفة وطلاب الفلاسفة، ولذا ربما تنصل بعض الفلاسفة العظام من الاشتغال بالفلسفة، حذراً مما قد يجلبه لهم ذلك من ملاحقة وتنكيل.
فهذا الفيلسوف المعروف أبو الوليد محمد بن رشد، طبقاً لما يذكره المراكشي، نقلاً عن أحد تلامذة ابن رشد، يقول: «لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب)[84](، وجدت عنده أبا بكر ابن الطفيل، فمدحني أبو بكر أمامه، ثم سألني عن اسمي وأسرتي، وقال لي: ما هو رأي الفلاسفة في السماء، هل هي حادثة أم قديمة؟ فخفت واعتذرت، وأنكرت اشتغالي بالفلسفة، فأدرك أمير المؤمنين ما اعتراني من الخوف..»)[85](.
ربما يرى البعض أن خوف ابن رشد، وإنكاره الاشتغال بالفلسفة ليس له ما يبرره خصوصاً في حضرة هذا الحاكم المعروف باهتمامه وشغفه بالفلسفة، لكن هذا الموقف يكشف لنا عن المناخ العام الذي كان كثيراً ما ينقلب فجأة على الفلسفة، فينفجر في تجييش عامة الناس ضد الفلسفة، وتكتنف حياة الفلاسفة محن ونكبات شديدة جراء اهتمامهم بالفلسفة، وقد انتهى مصير الفيلسوف ابن رشد إلى هذه النتيجة، وكأنه كان يحدس ما سيؤول إليه مصيره من النفي والتشريد، لذا كان يحذر من التصريح بمشاغله الفلسفية في مقام أبي يعقوب، وهذا ما حصل له بعد فترة قليلة حينما نفاه المنصور وفرض عليه الإقامة الجبرية في «اليسانة» ونقم أيضاً على جماعة أُخر من الفضلاء والأعيان، وأمر أن يكونوا في موضع أخر، وأظهر أنه فعل ذلك بهم، ذلك بسبب ما يدّعي فيهم، أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة هم: أبو الوليد بن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبدالله محمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الحافظ الشاعر القرابي.
ومكثوا مدة، ثم إن جماعة من الأعيان بإشبيلية شهدوا لابن رشد، أنه على غير ما نسب إليه، فرضي المنصور عنه وعن سائر الجماعة، وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة…»)[86](.
وبعد حوالى خمسة قرون من هذا التأريخ، نلتقي بفيلسوف سطع نجمه في سماء الفلسفة الإسلامية، في مشرق العالم الإسلامي، في فترة تأريخية تقلصت فيها دائرة الإبداع الفكري بين المسلمين، بفعل ما تعرض له العالم الإسلامي من نكبات وتمزق سياسي.
بينما استطاع فيلسوفنا هذا، وهو محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بصدر المتألهين وملا صدرا، أن يؤسس لنمط جديد من التفكير الفلسفي في الإسلام، اصطلح عليه بالحكمة المتعالية، حيث ائتلفت في هذا النمط إنجازات الحكماء، والمتكلمين، والعرفاء المسلمين، فانتظمت في بناء هيكل مدرسة جديدة في الفلسفة، استوعبت العناصر البرهانية في العقل الفلسفي المسلم، فضلاً عن تجليات مذاق العرفاء، وإشعاعات الوحي، فتمثلتها، وأعادت إنتاجها في منظومة معرفية عميقة عبرت عن ولادة اتجاه مبتكر في الفلسفة الإسلامية، لم تتحدد ملامحه من قبل في الاتجاهات الفلسفية التي كانت سائدة في دنيا المسلمين.
غير أن صدر المتألهين كان هو بدوره وفلسفته ضحية الإرهاب الفكري، فتعرض لما تعرض له الفلاسفة من قبل، حتى وصف البعض شرحه على أصول الكافي قائلاً: «شروح الكافي كثيرة جليلة قدراً، وأول مَنْ شرحه بالكفر صدرا»)[87](.
وقد اضطر أن يعتزل الناس ويعيش في قرية كهك)[88](، مدة طويلة بلغت حوالى خمسة عشر عاماً، كما يحكي لنا هو قصة هذه الفترة من حياته في مقدمة كتابه الأسفار بقوله: «فلما رأيت الحال على هذا المنوال، من خلو الديار عمن يعرف قدر الأسرار وعلوم الأحرار، وأنه قد اندرس العلم وأسراره، وانطمس الحق وأنواره، وضاعت السير العادلة، وشاعت الآراء الباطلة… ضربت عن أبناء الزمان صفحاً، وطويت عنهم كشحاً.. إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار، واستترت بالخمول والانكسار، منقطع الآمال، منكسر البال، متوفراً على فرض أؤديه، وتفريط في جنب الله أسعى في تلافيه، لا على درس ألقيه، أو تأليف أتصرف فيه، إذ التصرف في العلوم والصناعات، وإفادة المباحث ودفع المعضلات، وتبيين المقاصد ورفع المشكلات، مما يحتاج إلى تصفية الفكر، وتهذيب الخيال، عما يوجب الملال والاختلال، واستقامة الأوضاع والأحوال من فراغ البال، ومن أين يحصل للإنسان مع هذه المكاره التي يسمع ويرى من أهل الزمان، ويشاهد مما يكب عليه الناس في هذا الأوان، مع قلة الأنصاف، وكثرة الاعتساف، وحفظ الأعالي والأفاضل، ورفع الأداني والأراذل، وظهور الجاهل الشرير، والعامي النكير، على صورة العالم النحرير، وهيئة الحبر الخبير»)[89](.
هكذا يتوجع صدر المتألهين ويتأوه بمرارة من الزمن الرديء الذي تنطفئ فيه الحرية الفكرية، وتهتز التقاليد العلمية، فيفضي ذلك إلى أن يسطو الجاهل الشرير على موقع العالم ويرتدي زي الحبر الخبير، فيهرب الفيلسوف من هذه البيئة، ليعيش في منفى اختياري، يبتعد فيه عن معاينة هذا الواقع المر، ويتفرغ للعبادة والرياضات الروحية والتأمل والتفكير، استعداداً للبدء في إنجاز مشروعه الأهم، وهو إعادة بناء الفلسفة الإلهية، في سياق تجليات الوحي الإلهي، واكتشافات العقل، وإشراقات الروح.
فأضحى هذا المنفى الاختياري (قرية كهك) معتكفاً روحياً وعلمياً، مهدت فترة مكوث صدر المتألهين فيه، لأن يفيض الله عليه، ما يجدد به الفلسفة الإسلامية، ويبني مدرسة الحكمة المتعالية، التي مثلت الذروة فيما انتهت إليه الفلسفة الإلهية، إذ يشير هو إلى ذلك بقوله:
«وظني أن هذه المزية إنما حصلت لهذا العبد المرحوم من الأمة المرحومة، من الواهب العظيم والجواد الرحيم، لشدة اشتغاله بهذا المطلب العالي، وكثرة احتماله من الجهلة والأرذال، وقلة شفقة الناس في حقه، وعدم التفاتهم إلى جانبه، حتى أنه كان في الدنيا مدة مديدة، كئيباً حزيناً)[90](، ما كان له عند الناس رتبة أدنى من آحاد طلبة العلم، ولا عند علمائهم الذين أكثرهم أشقى من الجهال، قدر أقل تلاميذهم»)[91](.
وبعد بضعة قرون من هذا التاريخ، أي في زماننا هذا، نعثر على مواقف معاصرة تشجب دراسة وتدريس الفلسفة، وتتواصل مع المواقف التي حفل بها التأريخ، في نفي الفلسفة وتكفير الفلاسفة، فقد ذكر الإمام الخميني؛ أن تدريس «الفلسفة، والعرفان، كان يُعدّ ذنباً وشركاً، في المدرسة الفيضية، تناول ابني الصغير مصطفى وعاءً وشرب منه الماء، فقام أحدهم وطهّر الوعاء، لأنني كنت أُدرّس الفلسفة»)[92](.
الفلسفة حاجة عقلية
اقترن ظهور التفلسف بوجود الكائن العاقل على الأرض، لأن العاقل بطبيعته يندهش، فيثير استفهامات وأسئلة متنوعة، تتوالد عنها دائماً استهفامات جديدة، وتثوي وراءها مجهولات كثيرة لا تتوفر دائماً أجوبتها النهائية حال ولادتها، فينشط العقل في استكشاف رؤية توافي تلك الأسئلة بأجوبة، تخرج الإنسان من دائرة المجهول، وتنير له شيئاً مما يحيط به، وتقترب به نحو الحقيقة، وتفضي به في النهاية إلى إبصار الحقيقة كما هي.
فيحتضن عقله وعياً وبصيرة إزاء الوجود والكون، والمبدأ، والمصير، والماضي، والحاضر، والمستقبل، ومركز الإنسان من كل ذلك، وليست الفلسفة إلا وعي العقل بهذه القضايا الكبرى، وإفصاحه عن أسرار الوجود العظمى، وتشخيصه لموقع الإنسان في الوجود، وبهذا الوعي العقلي يتخلص الإنسان من حالة الاغتراب في الحياة، حينما يعرف أنه ليس إلا جزءاً من عالم الموجودات، وهي وهو واحد مشترك في الوجود، في أحواله وخصائصه العامة، وآنئذ سيكشف الإنسان أنه جزء من هذا الكل المتماثل.
إن كل من يعقل ويفكر يتفلسف، لكن ليس كل مَنْ يمارس عملية التفكير هو فيلسوف، ولا كل تفكير ونشاط عقلي فلسفة، وإنما الفيلسوف هو مَنْ يؤصّل مقولات، ويُبدِع نظريات، ويساهم في تحديد نظام معين للأفكار، ويوظف طاقة العقل في استكناه الحقيقة، وصياغة مفاهيم تفصح عن حدود العالم وآفاقه، وتجلية صورة الوجود على ما هو عليه، أو بما هو موجود ـ حسب تعبير الحكماء ـ حيث يعمل على تمزيق الحجب، ويكشف عما هو محتجب، فيجليه على هيئته الأساسية.
من هنا يصبح الفيلسوف أعظم مكتشف، يعمل على رصد الوجود، ونفي كل ما يلف الحقيقة من أوهام، وتغدو الفلسفة وعياً عقلياً بالعالم، يتطابق مع العالم تطابقاً تاماً، أي كما يقول الحكماء: «صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالَم العيني»)[93](، وتحريره مما يكتسي تفكيره من أوهام وخيالات، إذ قد يحسب الإنسان ما ليس بحقيقة حقيقة، فيظل أسير ما تخيله حقيقة مع أنه غير حقيقة، ويقع أثر ذلك في مشكلات فكرية وعملية جمة، تتسبب في شقائه ومتاعبه، فيتكدر عيشه وتتنغص حياته، ولا يتوقف الأمر والحال هذه عند شقاء الفرد وتعاسته، بل يسري ذلك إلى المجتمع الذي يعيش فيه، حين تتحول حياته العقلية إلى ركام مبعثر من الخرافات والأوهام، فتتداعى بنيته الاجتماعية، وتتصدع مقومات حياته الأساسية، وتتشتت طاقاته، بعد غياب وعيه، وتعطل عقله عن التفكير المستقيم، فلا يكون قادراً على تأسيس نهضة، وإبداع مرتكزات ودعائم حضارة، بعد أن تكسرت كل قدراته، وآنئذ تضمحل مساهمته في رفد المسيرة البشرية، فيخرج المجتمع من نسق الحركة التأريخية ويتهمش دوره في الحياة.
فتجيء الفلسفة لتحمي معطيات العقل البشري، ومنجزات تجارب الإنسان من الانهيار، حينما تؤمن للعقل وعياً إيجابياً عميقاً إزاء الوجود، يخترق معه العقل ما يحول بينه وبين رؤية الموجودات على حقيقتها، ويتغلب على الوعي الزائف، وما يرتهن العقل من أوهام وشكوك تحول بينه وبين إدراك الواقع على حقيقته، لأن الفلسفة كما يقول لنا صدر المتألهين تعبر عن: «استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليها، والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين، لا أخذاً بالظن والتقليد، بقدر الوسع الإنساني، وإن شئت قلت نظم العالم نظماً عقلياً، على حسب الطاقة البشرية»، ويتحدث عن غايتها فيقول: «انتقاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه، وصيرورتها عالماً عقلياً مشابهاً للعالم العيني… وهذا الفن من الحكمة، هو المطلوب لسيد الرسل المسؤول في دعائه (ص) إلى ربه، حيث قال: «ربِ أرنا الأشياء كما هي…» )[94](.
وعلى هذا تمثل لحظة ولادة الفلسفة لحظة تألق العقل باعتبارها تجسيداً مكثفاً ومعمقاً للوعي الكوني، وهي تؤرخ لأعظم ولادة معرفية في تأريخ الإنسان، ويمكن القول: إن أبرز مظهر للرقي الحضاري، في حياة أية أمة من الأمم، هو ازدهار التفكير الفلسفي فيها، ولا نحتاج إلى استقراء واسع في تأريخ الحضارات، كي ندلل على هذه المسألة، فهذه الحضارة اليونانية تعتبر أحد أبرز الحضارات التي ظهرت في الماضي، تطورت لديها الفلسفة بشكل كبير، وكان ازدهار هذه الحضارة منوطاً بالإنجاز الفلسفي للفلاسفة اليونان، حتى صار تراثها الفلسفي أخصب تراث عقلي يصلنا من عصر ما قبل الميلاد.
كذلك خلّفت الحضارة الإسلامية تراثاً فلسفياً هائلاً، وكانت لحظات ازدهار التفكير الفلسفي، هي أفضل فترات صعود الحضارة الإسلامية، فكلما ساد المنحى العقلي في التفكير، واكبه تطور وتقدم واسع في كافة نواحي الحياة الأخرى في العالم الإسلامي، كما يبدو ذلك جلياً في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري.
وفي أوروبا الحديثة نستطيع أن نلاحظ هذه الحقيقة بوضوح، فقد مهّد لدخول أوروبا في عصر النهضة قبل حوالى خمسة قرون، ظهور تيار عميق للتفكير الفلسفي، برز فيه فلاسفة كبار من أمثال فرنسيس بيكون، ورينيه ديكارت، وغيرهم، ولذا لم نجد أحداً ممن أرخو لعصر النهضة، يغفل عن الدور العظيم الذي اضطلع به هؤلاء الفلاسفة، في تهيئة الأرضية العقلية المناسبة لدخول أوروبا عصر الاختراعات والاكتشافات، وقيام الثورة الصناعية بعد ذلك.
إن العقل الأوروبي ظل حبيس أفكار ظلامية قرون عديدة، لم يتمكن فيها أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، حتى جاء هؤلاء الفلاسفة، فأعادوا للتفكير الفلسفي مهمته، وبشّروا بمشروع عقلي جديد، ينفي كل الأوهام القديمة، ويؤسس لعقلانية جديدة تقوم على منهج آخر لاكتشاف الحقيقة وتحصيل اليقين، كما نرى ذلك واضحاً في الكوجيتو الديكارتي، الذي عبر عنه ديكارت في التأمل الأول من (تأملاته)، على النحو الآتي:
«مضت عدة سنوات منذ أن لاحظت أن كثيراً من الأشياء الباطلة كنت أعتقد أبان شبابي أنها صحيحة، ولاحظت أن الشك يعتور كل ما أقمته على أساس هذه الأمور الباطلة وأنه لا بد أن تأتي لحظة في حياتي أشعر فيها بأن كل شيء يجب أن يقلب رأساً على عقب تماماً، وأن أبدأ من أساس جديد، إذا شئت أن أقرّر شيئاً راسخاً وباقياً…»)[95](.
لقد أحدث الخطاب الذي أطلقه ديكارت وبيكون وغيرهم زحزحة كبيرة لمفاهيم قدرية تعطيلية ظلت تعشعش في العقل الغربي أكثر من ألف عام، واستبدلوها بجهاز مفاهيمي جديد، كان له فيما بعد دور متميز في انطلاقة العقل الأوروبي وتحرره، وبالتالي إنجازه لكل تلك الاكتشافات المهمة.
إن هذا المنهج الجديد أرسى تقاليد جديدة لعملية التفكير، وبتعبير آخر قدم منطقاً ومنهجاً للتفكير لم تعرفه أوروبا من قبل، تمثل في أدوات وقواعد عقلية، كانت ضرورية للتعرف على الطبيعة والكشف عن أسرارها.
وقد تمكن الإنسان الأوروبي بالاعتماد على هذا المنهج أن يحقق كل فتوحاته العلمية، وأن يؤسس أعظم نهضة تقنية في التأريخ.
مع العلم أن كل ذلك لم يكن ليحدث لو لم يتعزز دور الفلسفة، ويسود الحياة العقلية هذا التيار الفكري، الذي اتخذ الفلسفة صنعة له. وكان يكبر دور الفلسفة، ويثني على الفلاسفة، وينظر لهم بإجلال وإعظام، وهو ما أكده ديكارت بصراحة في قوله:
«إن الفلسفة وحدها، هي التي تميّزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تقاس حضارة الأمة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد، هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيّين»)[96](.
وقد لا نعدو الحقيقة حين نقول: إن تعاظم دور الفلسفة، وازدياد عدد الفلاسفة في حياة أية أمة من الأمم، يكشف دائماً عن أن الأمة في حالة نهوض، أو هي على أبواب نهضة كبرى، لأن كل نهضة لا بد أن تتأسس على وعي فلسفي متطور، ولذا تمثل الفلسفة أفضل معيار للتعرف على درجة التطور الحضاري، فكلما ازداد عدد الفلاسفة، وتعمق التفكير الفلسفي وازدهرت الحياة العقلية لدى الأمة، نشأ عن ذلك ـ معه وبعده ـ نمو وازدهار واسع في تمام مرافق الحياة الاجتماعية، وأصبحت هذه الأمة هي النموذج البارز للتطور بالنسبة إلى بقية الأمم، لأن تغيير العالم إنما يتعحقق بعد تغيير وعي الناس، وتبدل أفكارهم ومفاهيمهم.
ربما يخيل إلى البعض أن النهضة الأوروبية، وما أنجزه العلماء الأوروبيون في حقل العلوم الطبيعية، لم يكن يحصل كل ذلك لولا رفض الإنسان الغربي للفلسفة، ونفيه لتمام تراث الفلاسفة، وقطيعته مع الإرث الفلسفي الكلاسيكي، ولذا يصرّ بعض الكتاب في ديارنا على رفض الفلسفة، والأخذ بموقف الغرب هذا منها، كي يتاح لنا بناء نهضة، وإنتاج مدنية معاصرة، وقد يعتبر هؤلاء أن دور الفلسفة هو أحد الأدوار التي مر بها النوع الإنساني)[97](، بعد أن تجاوز دور الأسطورة، ثم انتهى هذا الدور إلى غير رجعة، بعد أن دخل عقل الإنسان طور النضج، فبلغ دور العلم الذي هو الدور النهائي في حياة النوع الإنساني المعبر عن نضج وتكامل العقل.
إلا أن هذا الزعم يعود إلى الجهل بمعنى الفلسفة ووظيفتها، فضلاً عن الجهل بتأريخ العلم والفلسفة في أوروبا بالذات.
فإن وظيفة الفلسفة كما أشرنا هي التفسير والكشف والتحليل، أي أنها تقول لنا بطريقة برهانية ما هو كائن، وتنفي وتمحص الزيف والخرافة، التي تثوي في ذهن الإنسان، وتمنعه عن التفكير الصحيح، فتعيقه عن الخلق والإبداع، إنها تسبغ على الذهن نزعة تحليلية نقدية، تخلصه من كل ما يفسد التفكير المستقيم، وتهيئ له أدوات عقلية مهمّة، ومفاهيم ضرورية، يتوقف عليها التفكير العلمي، وكل عملية تفكير مستدلة، ويعتبر توليد الفلسفة لهذه الأدوات والأفكار من مهامها التحليلية النقدية الأساسية، لأنه لما كانت الوظيفة الأساسية للفلسفة هي تجلية الحقيقة والوصول إليها، والكشف عن الواقع وإدراكه كما هو، لا كما يتوهمه الذهن، فلا بد لها، أن تتكئ على أدوات نقدية رصينة، كي تمزق كل الحجب، وتنفي كافة الأوهام، التي تتسبب في نشوء الوعي الزائد بالحقيقة، وتحول بين الذهن وبين إدراكه الحقيقة كما هي.
إنه لكي يكون العقل حاكماً، يجب أن يسود النقد الحياة، لأن النقد هو الوقود اللازم لكل منحى عقلاني يعم الحياة، وهذا يعني إنه إذا أُريد للتفكير العقلاني أن يعم الحياة، فيجب أن يكون النقد حاكماً، حتى تتجرد الحقيقة من كل ما يلفها، فينبذ الزبد والزيف، لتظهر الحقيقة كما هي.
وهذا ما قامت وتقوم به الفلسفة، فالفيلسوف هو المفكر الذي يقول لنا ما لا يقال، أي يرينا ما ألفناه وتلقيناه بالتسالم والقبول، وحسبناه هو الحقيقة، إنه ليس كما يخيل لنا، وإنما هو وهم التبس علينا وعيه وإدراكه، حين ارتدى ثياب الحقيقة، فاشتبه بها، ومن ثم طَمَسها عندما حل محلها.
فيجيء الفيلسوف ليكشف لنا ما هو مطموس، لأنه يقدر على أن يخترق بنظراته الأعماق، فيسبر غور الوجود، ويكشف الأسرار، فيرينا ما لا نقدر على رؤيته، بطريقتنا المبسطة التي غالباً ما نعمد إليها في تفكيرنا، في قضايا الحياة المختلفة.
في هذا الضوء يتضح لنا ما كان عليه أداء الفلسفة في أروبا منذ عصر النهضة، فقد كان الفلاسفة علماء، وكانت إنجازاتهم العلمية هي الثمرة التي جنوها من رؤاهم الفلسفية.
ألم يكتشف ديكارت الهندسة التحليلية؟ أيُنكر أحد فضله العظيم في تقدم الرياضيات في العصر الحديث، خصوصاً في ميداني الجبر والهندسة، وتطبيقه الهندسة على الجبر؟)[98](.
إن الفلسفة كانت مصدراً مهماً لإلهام علماء الطبيعة في أوروبا، بل «يعتبر معظم ما قدمته النهضة وما بعدها، حتى دالتون، وهكسلي، من كشوف علمية في مختلف حقول العلم بمعناه البحث، هو من فعل فلاسفة بالمعنى الكامل والخاص جداً للفلسفة» حسب تعبير الفيلسوف وليم جيمس)[99](.
وقد حسب البعض أن الفلسفة أقفلت أبوابها وانهارت في أوروبا، عقيب الهجوم العنيف الذي قاده خصومها هناك منذ القرن التاسع عشر، لكن من العبث أن نحسب أن الفلسفة ستنتهي في عالم لن ينتهي فيه شيء، فهل استطاع الإنسان أن يصل في أي حقل من حقول العلم إلى غايته النهائية، أم أنه سيظل إلى الأبد يكدح من دون أن يبلغ نهاية المشوار؟
هل انتهى الإنسان من اكتشاف تمام الطبيعة (الأرض والكون)؟ وهل سيجيء اليوم الذي يفرغ فيه من التعرف على كل شيء في الكون، أم أن ذلك لن يتأتى له أبداً؟
وإذا ما فرغ من اكتشاف عالم الطبيعة كله، فهل سيستطيع استكناه كافة أسرار ما بعد الطبيعة، أم انه سيبقى أبداً رحالة مكتشفاً، يبحث في عالم لا ينتهي فيه الجهول؟
أليس كل ما في العالم يثير الدهشة والاستفهام لولا تعودنا، وليس غير المألوف فقط، حسبما يؤكد ابن سينا؟)[100](
ألم يؤكد القرآن ـ وقوله هو الفصل ـ على فقرنا العلمي ومحدودية معارفنا، بقوله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾)[101](.
إذاً لا يمكن أن تنتهي الفلسفة، ويتوقف الدرس الفلسفي ما دام هناك مجهول لم يبلغه عقل الإنسان.
وهذا ما أثبتته كثافة الإنتاج الفكري في الفلسفة حتى اليوم، فإن الكثيرين ممن كانوا يترقبون غياب الفكر الفلسفي إلى الأبد، فوجئوا بظهور عدد كبير من المؤلفات والبحوث الفلسفية في هذا القرن، حتى أصبح عدد الكتب الفلسفية التي ظهرت في عام واحد مثلاً، وهو عام 1938م، ما يزيد على سبعة عشر ألف كتاب، حسبما ورد في القائمة السنوية، التي أصدرها المعهد العالي للفلسفة في ذلك العام)[102](.
إن فتوحات العلم في ميدان الطبيعة، تصدر دائماً عن رؤية ومنهج محدد يقود عملية التفكير، فينتهي بها إلى تلك النتائج، أو قل تحتاج إلى نسق منطقي معين، تنتظم في إطاره حركة الفكر، ولا يتوفر مثل هذا النسق في داخل العلوم الطبيعية ذاتها، وإنما لا بد أن يتشكل سلفاً في ميدان معرفي آخر، وليس هذا الميدان إلا الفلسفة.
إن الوظيفة الأهم للفلسفة، هي وصول الإنسان إلى الحقائق الإلهية، واستدلاله على ما وراء الطبيعة، والاتصال بالغيب ومعانقته، والبرهنة على وجود الله، وترسيخ عقيدة التوحيد الذي تنبثق مواقفه ويتسق سلوكه ونشاطه في الدنيا، في ضوء ما تلهمه تلك العقيدة.
وآنئذ يسري التوحيد في كل جوانب حياته، فوعيه عن الوجود يتشكل في فضاء التوحيد، وكذا سلوكه وعمله ينتظم تبعاً لما تستدعيه عقيدة التوحيد، وبحسب تعبير العلامة الطباطبائي فإن: «كل قضية علمية كانت، أو عملية في الإسلام، هي: (التوحيد) قد تلبس بلباسها، وظهر في زيّها، وتنزل في منزلها، فبالتحليل ترجع كل مسألة وقضية إلى (التوحيد)، وبالتركيب يصيران شيئاً واحداً لا مجال للتجزئة، ولا للتفريق بينهما) )[103](.
وإن كان البعض يدعي أن الفلسفة تتقاطع مع الدين، وأن منهج الوحي يخالف منهج الفلسفة، لأن الوحي يعوّل على تلقي المعارف الإلهية منه مباشرة، فلا تعود هناك حاجة إلى الاشتغال بالفلسفة، بعد تجلي الصراط ووضوح الطريق.
وهذه الدعوى قديمة، وهي تجد لها أنصاراً ومدافعين متحمسين في كل عصر، وغالباً ما تتبلور على شكل مواقف متشددة تخاصم مشاغل الفلاسفة، وتستبعد التراث الفلسفي.
ولا نحتاج هنا أن نخوض في محاججة هذه الدعوى ونقضها، لا سيما وأنها استنزفت من الحكماء المسلمين جهوداً مضنية، وكانت سبباً لتحفيزهم نحو البحث والدراسة المعمقة، لاكتشاف الصلاة الوثيقة بين الدين والفلسفة، وقد تبلورت معطيات ذلك عن مؤلفات مهمة، لم تزل خالدة في التراث الفلسفي الإسلامي)[104](.
ولكن نود أن نشير في هذه العجالة إلى حقيقتين أساسيتين، يغفلهما أصحاب دعوى التعارض بين الدين والفلسفة:
الأولى: هي أن كل من يحاول أن ينقض الفلسفة، وينفي التفكير الفلسفي، يمتلك الفلسفة، ويعتمد أدواتها، وجهازها المفاهيمي، في تدليله على نقضها، وهذا يعني أن كل من يريد الفرار من الفلسفة يتفلسف، وترتهن عقله الفلسفة، فهو ينفي الفلسفة بالفلسفة ذاتها، لا بأمر آخر غيرها.
ألم يكن الغزالي فيلسوفاً في تهافت الفلاسفة؟ وهل استطاع الغزالي أو غيره من العلماء الذين عارضوا الفلسفة، أن يتخلصوا من تعاطي أدوات ومقولات الفلاسفة، في الاستدلال على تهافت الفلاسفة؟
أليست الفلسفة حاجة ذهنية عامة، لا يتاح لأي مفكر أن يحرم نفسه منها، ما دام يفكر، ويتأمل، ويستدل؟
أليست الأمة التي تحظر على نفسها الفلسفة، تتعرض للانتحار الفكري، لأنها تحرم نفسها من المصدر الأساسي لخلق وإبداع الأفكار، واكتشاف الأساليب الدقيقة للتفكير، وصياغة المنهج الصحيح لتوليد المعرفة؟
الثانية: وهذه الحقيقة تبدو جلية في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، كما تحكيها لنا تجربة الدعوة في حياة الأنبياء كافة عليهم السلام، وتتمثل هذه الحقيقة في أن منهج الوحي الذي جسدته دعوات الأنبياء (ع) كان يقوم دائماً على الاستدلال والبرهنة على جميع ما يدعو إليه، من عقائد ومفاهيم وأحكام، ويحث على التأمل والتفكر، ويدعو بصراحة إلى العلم بحقائق الأشياء ومن المعلوم أن العلم يولد من رحم البرهان، إذ كثيراً ما نرى في تجارب الأنبياء مع أقوامهم محاججات واستدلالات متنوعة، تأتي استجابة لمطالبة الناس بالبراهين على صدق ما يدعو إليه الأنبياء، وغالباً ما يبادر الأنبياء ابتداءً لعرض دعوة التوحيد مصحوبة بالأدلة، قبل سؤال الناس لهم.
مع العلم أن الحاجة إلى البرهان، حاجة بشرية، لأن كل تصديق غير بديهي، لا يحكم به العقل البشري بطبيعته من دون دليل، مهما كان نوع القضية التي يواجهها الذهن، فكيف يطلب الأنبياء من الناس التصديق بقضايا اللاهوت، من دون دليل تذعن به النفس، وتوقن بهذه القضايا، لا سيما وأن التصديق بالمسائل الميتافيزيقية الحقة، وتنزيهها على الباطل، يتوقف على بيان واضح، واستدلال دقيق، يوقظ بصيرة الفطرة ويكشف عن العناصر الأصيلة فيها، بعد أن يوصلها العقل، إذاً لا مناص من الاستدلال كي يتحقق ذلك.
وعلى هذا فإن فعل الفلسفة كما يقول ابن رشد: «ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها، أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم، فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك بين في غير من آية من كتاب الله تبارك وتعالى… مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾)[105](، وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجوادت»)[106](.
وهذا الاستدلال على الحقائق الإلهية، من خلال النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، وتصديق الإنسان وإيقانه واعتقاده بها، هو أوضح مصداق للوعي الفلسفي المعمق، بأسرار الوجود وقضايا اللاهوت.
في هذا الضوء يتبين «إن الدين لا يدعو الإنسان إلا إلى نيل الحقائق الإلهية بشعوره الاستدلالي، الذي جهز به، وهذا هو بالذات ما يعبر عنه بـ (الفلسفة الإلهية)، فكيف صح ـ بعد هذا ـ الفصل بين الدين الإلهي، وبين الفلسفة الإلهية، مع إنهما شيء واحد، لا تعدد فيه، ولا اختلاف؟»)[107]( كما يؤكد ذلك السيد الطباطبائي.
وتلك أزكى وأعظم وظيفة تسديها الفلسفة للحياة، إذ لولاها لظل الإنسان في حيرة وضلال، يتخبط خبط عشواء، لا يدري من أين أتى، وإلى أين سيؤول أمره فيما بعد، ولا يعرف ما يحيط به، بينما أضحت الفلسفة مصباحاً يستضيء به العقل، فيتبدد بواسطته ما يكتنف وعيه من ظلام، ويحل في بحبوحة النور، فيكون في رحمة ربه، كما قال أمير المؤمنين (ع): «رحم الله أمرءاً أعد لنفسه، واستعد لرمسه، وعلم من أين، وفي أين، وإلى أين؟»)[108](.
إن في بعض الكلمات التي وصلتنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طلب (ع)، مضامين مهمة تنبئ عن نفحات ربانية، تشع بالحكمة الإلهية، وإن مراجعة سريعة لـ(نهج البلاغة) ترينا رصيداً نفيساً لما اكتنز به كلام أمير المؤمنين، من براهين جلية على عقيدة التوحيد، وما يرتبط بها من الحقائق الإلهية. ولهذا صرح السيد الطباطبائي بأن أمير المؤمنين (ع)، هو «أول من برهن واستدل، في الفلسفة الإلهية، في هذه الأمة، فله الفضل والمنة على كل من سواه، من العلماء والباحثين في هذا العلم، فإنه هو الذي فتح لهم باب الاستدلال البرهاني في المعارف الإلهية»)[109](.
الأتباع والإبداع
في الفلسفة الإسلامية
عملت حركة الاستشراق على قراءة التراث الفلسفي الإسلامي قراءة إرجاعية، تحيل كل مفردة فيه إلى أصول خارج دائرة الحضارة الإسلامية، وبالذات إلى الفلسفة اليونانية، فمثلاً يصرح المستشرق ت.ج. دي بور، في كتابه (تأريخ الفلسفة في الإسلام) بأن الفلسفة الإسلامية ظلت «على الدوام فلسفة انتخابية، عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تاريخها أدنى أن يكون فهماً وتشرباً لمعارف السابقين، لا ابتكاراً، ولم تتميز تميزاً يذكر عن الفلسفة التي سبقتها، لا بافتتاح مشكلات جديدة، ولا هي استقلت بجديد فيما حاولته من معالجة المسائل القديمة، فلا نجد لها في عالم الفكر خطوات جديدة تستحق أن نسجلها لها… ونكاد لا نستطيع أن نقول إن هناك فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، ولكن كان في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يردّوا أنفهم عن التفلسف… ولندع الآن رد كل فكرة من أفكارهم إلى أصلها الذي انحدرت منه، تاركين هذا المبحث قائماً بذاته…»)[110](.
وتصدر هذه الرؤية عن موقف عنصري، يقوم على اعتبار الجنس السامي، يمثل تركيباً أدنى للطبيعة البشرية، ولذلك فهو غير جدير بالابتكار والإبداع، في أي منحى من مناحي التفكير، لا سيما التفكير الفلسفي، الذي يتطلب مستوى متطوراً من العقل البشري.
لقد كرّست العديد من الكتب المهتمة بتأريخ الفلسفة هذه الرؤية ولم يتحرر من هيمنة هذه الرؤية عدة أجيال من المستشرقين، الذين ظهروا في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، ولعل المستشرق الفرنسي المعروف (رينان) هو أول من عبّر عن هذه الرؤية بصراحة في كتابه (تأريخ اللغات السامية: إذ يقول: «إنا أول من عرف أن الجنس السامي، إذا قوبل بالجنس الهندي الأوروبي، يعتبر حقاً تركيباً أدنى للطبيعة الإنسانية…» )[111](.
وعلى هذا الأساس قدّم رينان رأيه المشهور، باعتبار الفلسفة الإسلامية ليست إلا اقتباساً وتقليداً بحتاً للفلسفة اليونانية، في كتابه (ابن رشد ومذهبه)، قائلاً: «ما يكون لنا أن نلتمس عند الجنس السامي دروساً فلسفية ومن عجائب القدر أن هذا الجنس الذي استطاع أن يطبع ما ابتدعه من الأديان بطابع القوة في أسمى درجاتها، لم يثمر أدنى بحث فلسفي خاص، وما كانت الفلسفة قط عند الساميين، إلا اقتباساً صرفاً جديباً، وتقليداً للفلسفة اليوناينة»)[112](.
ثم جاء بعد رينان آخرون ذهبوا مذهبه هذا، على تفاوت في مواقفهم بين غال ومعتدل، ومن أبرز هؤلاء المستشرق الفرنسي ليون جوتييه، الذي ذهب إلى: «أن أقل المتوسمين أو الملاحظين، يستطيع من أول الأمر، أن يكشف اختلافات في النواحي المتعددة، بين الجنس السامي والجنس الآري، فالزائر الأوروبي لبلد من البلاد العربية يتبين بأدنى نظر مفارقات عديدة، تقوى وتشتد حتى تصل إلى التعارض الحاد، وتظهر بوضوح بمجرد المقارنة السريعة بين شؤون البيئة السامية التي وصل إليها، وشؤون البيئة الغربية التي يعيش فيها.. وما قلناه عن عرب الجزائر ينطبق على سائر الشعوب من الجنس نفسه، أنهم تقريباً سواء في أعماق نفوسهم، ويبدون مناقضين في جميع النواحي الجوهرية للجنس الآري، بل إنهم وهذا الجنس يكونون تقابلاً حياً في التفكير»)[113](.
ثم يؤكد المستشرق جوتييه على تفوق العقلية الآرية على العقلية السامية، موضحاً أن: «العقلية السامية تميل إلى قرن الأشباه والأضداد، من دون ربطها بما يجعل منها وحدة، بل تتركها منفصلاً بعضها عن بعض، ثم تنتقل من إحداها إلى الأخرى ـ دون واسطة ـ بوثبة فجائية. أما العقلية الآرية فالأمر بالعكس، إذ أنها تنزع إلى الربط بين هذه وتلك بوسائط متدرجة، فلا تنتقل من طرف إلى آخر إلا بدرجات لا تكاد تكون مُحساً بها بالقدر الممكن، أنها تسير على نظام الألوان المذاب بعضها في بعض… وإذاً فلنسم بالمذهب المفرّق العقلية السامية، العقلية العربية، التي تترك الضدين مفترقين لا صلة بينهما، ولنسم بالمذهب المجمع أو الموحد العقلية الآرية، التي تجمع بين الأضداد بوسائط متدرجة متوالية، وتجمعها في كل واحد…»)[114](. لكي تتضح لنا محددات هذه الرؤية بجلاء، لا بد من ربطها بمكوناتها المنهجية في داخل الفكر الأوروبي عموماً، وصورة الإسلام والتراث الإسلامي في هذا الفكر خصوصاً، تلك الصورة تشكلت في سياق الصراع الحضاري التأريخي المستمر بين الإسلام والغرب، وما نتج عنه من رواسب دفينة تراكمت مع مرور الأيام، وظلت تؤسس للنزعة العدوانية إزاء التراث الإسلامي في الوعي الغربي.
وعلى هذا الأساس لم تنفك المؤلفات التي أرخت للعلوم الإسلامية، والفلسفة منها بالذات، من هيمنة هذه الرؤية عندما أحيلت على حكم مسبق، يقوم على عجز الإنسان المسلم عن الابتكار والإبداع، ولذلك عملت على إرجاع كل معطيات العقل الإسلامي إلى خارج موطن الحضارة الإسلامية، واختزال كافة عناصر الأصالة فيها، واجتزاء كل جديد جاء به المسلمون، واقتطاعه من الكل الذي ينتمي إليه، وإقصائه إلى منظومات فكرية أخرى، تنتمي في النهاية إلى أوروبا، وتقويم تجربة الإبداع العظمى في العلوم الإسلامية، باعتبارها لا تتجاوز دور الشرح والتعليق في أفضل الأحوال، وإلا فإن الوظيفة الوحيدة للعقل المسلم، إنما هي باعتباره ساعي بريد، أو واسطة بين التراث اليوناني القديم وأوروبا في العصور الوسطى.
وعلى هذا اعتبرت الفلسفة الإسلامية، مجرد واسطة بين الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، بل إن اهتمامات الاستشراق بالفلسفة الإسلامية وتأريخها، إنما جاءت كمحاولة أخرى لمواكبة حركة الفلسفة الأوروبية، ومتابعة أدوارها التأريخية، حين اغتربت عن أرضها فترة من الزمن، ثم عادت تواصل مشوارها في داخل الأرض التي أبدعتها، ولذا يعود اهتمام المستشرقين بالفلسفة الإسلامية، إلى متابعة مسار تأريخ الفلسفة الأوروبية، واكتشاف أدائها وتأثيراتها في خارج أوروبا، كما يقول المستشرق الفرنسي دي بور، في أن «الفلسفة ظاهرة فريدة مستقلة، نشأت في بلاد اليونان… ولتأريخ الفلسفة في الإسلام شأن أيضاً، لأنه يرينا أول محاولة للتغذي بثمرات الفكر اليوناني…» )[115](.
وهو ما جهر به مواطنه المستشرق رينان من قبل حين ذهب إلى أنه: «من الخطأ وسوء الدلالة بالألفاظ على المعاني أن نطلق على فلسفة اليونان المنقولة إلى العربية لفظ (فلسفة عربية) مع أنه لم يظهر لهذه الفلسفة في شبه جزيرة العرب مبادئ ولا مقدمات، فكل ما في الأمر أنها متكوبة بلغة عربية…» )[116](.
لقد ظلت هذه العقدة مستحكمة في مؤلفات الاستشراق حول تأريخ الفلسفة الإسلامية حتى مطلع القرن العشرين.
ويمكننا اكتشاف حضور واضح لرؤية الاستشراق بشأن الفلسفة الإسلامية، في أعمال الفلاسفة الأوروبيين أنفسهم، فقد جزم هيغل منذ حين في «إن الشرق لم يشهد الفلسفة، لأنه لم يعرف المفهوم»)[117](.
ولم يشأ الفلاسفة الذين جاؤوا من بعده، أن يفلتوا من أسر هذه الرؤية، فيعترفوا ولو بشيء من التراث الفلسفي الواسع، الذي خلّفه العقل المسلم، وقد احتضن هذه الرؤية أبرز الفلاسفة الأوروبيين المعاصرين، مثلما فعل الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز، وصاحبه المحلل النفسي فليكس غتاري، في كتابهما: ما هي الفلسفة، الصادر في باريس عام 1991م)[118](.
فقد استبعد دولوز وصاحبه التجربة الفلسفية عند المسلمين، وتجاهلا معطيات هذه التجربة، وكأنه لم يكن هناك في تأريخ الفلسفة أسماء لفلاسفة عظام، ولا أية إنجازات متميزة لهم)[119](.
ولم يزل فلاسفتنا يتعرضون لنفي وإقصاء في المناهج الدراسية الغربية، كما يقول الأستاذ علي حرب: «نعم أنا أعرف أن فلاسفة العرب لا يدخلون في برامج التدريس في الغرب، لا في الثانويات ولا في الجامعات، على عكس ما هو عندنا خصوصا في لبنان، حيث ندرس أعلام الفلسفة من أفلاطون حتى سارتر…» )[120](.
ومن المؤسف أن يقع بعض الباحثين في ديارنا تحت تأثير هذه العقيدة، فيعمد إلى تبني الرؤية الاستشراقية، ويستعير المعايير والأحكام التي فرضتها حركة الاستشراق، فيقرأ التراث الفلسفي الإسلامي في سياق التراث الفلسفي اليوناني، ولا يتوخى الموضوعية والدقة في دراسة هذا التراث، وتصنيفه في إطار منظومة العلوم الإسلامية، كي يصل إلى اكتشاف إبداعات العقل المسلم، وما أنجزته الحضارة الإسلامية من مكتسبات هائلة في كافة حقول المعرفة الإنسانية.
إن التحرر من سلطة المعرفة الاستشراقية، والإفلات من أحكامها المسبقة الجاهزة، شرط أساس لأية محاولة علمية جادة للتعرف على إسهامات الفلاسفة المسلمين في إثراء وتخصيب وابتكار نظريات ومقولات وأفكار فلسفية مهمة، اغتنت بها مسيرة الفلسفة الإنسانية.
لقد أكد بعض الباحثين في الفلسفة الإسلامية عندنا، على أن الفلسفة الإسلامية انتهت بوفاة ابن رشد، حيث اندثر بوفاته التفلسف، وأقفلت الفلسفة أبوابها، فيما ذهب آخرون مذهباً آخر حين زعموا أنها انتهت قبل ذلك، أي حينما ألف الغزالي كتابه (تهافت الفلاسفة)، الذي كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت على الفلسفة في الإسلام، فأقبرتها إلى غير رجعة.
وربما لا نعثر على أحد ممن أرخ للفلسفة الإسلامية، قد تحرر من هيمنة هذه الرؤى إلا نادراً، ومن المعلوم أن هذه الرؤى تصدر عن تلك المعايير والأحكام، التي أشاعتها دراسات المستشرقين حول الفلسفة الإسلامية.
وهكذا سيسدل الستار على قرون عديدة، من تأريخ أعظم تجربة للتفكير الفلسفي، خصوصاً في حقل الفلسفة الإلهية.
من هنا سنحاول إلقاء ضوء سريع على شيء من مكتسبات هذه التجربة الفلسفية، لنتعرف على الظلم الفادح، الذي نشأ عن تعميم المنهج الاستشراقي في دراسة الفلسفة الإسلامية.
تجليات الفلسفة الإسلامية
بلغت المسائل التي ورثها الفلاسفة المسلمون من مدرسة أثينا والإسكندرية، حوالى (200) مسألة في حدها الأعلى، بينما يتشكل رصيد الفلسفة الإسلامية في أدوارها المتأخرة (الحكمة المتعالية)، من (700) مسألة تقريباً)[121](، وهذا التفاوت الذي يبلغ (500) مسألة، ذو دلالة مهمة في تقويم روح الإبداع الفلسفي في الحضارة الإسلامية، لا سيما إذا لاحظنا أن التطوير والتوضيح امتد ليشمل حتى المائتي مسألة الموروثة، فلم تبق هذه المسائل على الصورة التي وصلت عليها للمسلمين، وإنما أُعيد إنتاج بعضها في ضوء منظومة التفكير الفلسفي الإسلامي، بينما اتشح غيرها برداء آخر، وانحصر ما بقي على صورته القديمة منها في مسائل محدودة.
بيد أن التصور التسلطي في الثقافة الغربية أنتج فهماً خاصاً للفلسفة الإسلامية، طمس فيه تمام ما تجلى فيها من مظاهر ابتكار وإبداع، وسعى لسلخها من عناصرها الخاصة، ودمجها في نسق حضاري آخر، لا يمت للأرض التي نبتت وازدهرت فيها بصلة.
لكن مثل هذه المحاولات لا يمكن أن تطمس وتحجب تجربة عقلية ووجدانية مكثفة، تواصلت قروناً عديدة، وتعاطت مشكلات معرفية ووجودية متنوعة، وقدمت مقولات ونظريات، مثلت وعياً فلسفياً عميقاً، تأسس على معطيات الوحي، وخلاصة التجربة الفلسفية الإنسانية، بعد استيعابها وتمثلها، وتوليف مجموع عناصرها في نسق فلسفي خاص، يتواءم والرؤية الكونية التوحيدية.
وفيما يلي تعداد سريع لأبرز ما أبدعه العقل المسلم في الفلسفة والمنطق، من قضايا ونظريات لم تعرف من قبل؛ ففي الفلسفة مثلاً ظهرت هذه المسائل:
1 ـ أصالة الوجود.
2 ـ وحدة الوجود.
3 ـ الوجود الذهني.
4 ـ امتناع إعادة المعدوم.
5 ـ مناط احتياج لا لشيء إلى العلة.
6 ـ مسألة الجعل.
7 ـ اعتبارات الماهية.
8 ـ المعقولات الثانية الفلسفية.
9 ـ بعض أقسام التقدم.
10 ـ أقسام الحدوث.
11 ـ بعض أقسام الوحدة والكثرة.
12 ـ أنواع الضرورة والامتناع والإمكان.
13 ـ الحركة الجوهرية.
14 ـ تجرد النفوس الحيوانية.
15 ـ التجرد البرزخي للنفس الإنسانية، مضافاً إلى التجرد العقلي.
16 ـ النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء.
17 ـ الفاعلية بالتسخير.
18 ـ حدة النفس والبدن.
19 ـ نحو تركب المادة والصورة، هل هو انضمامي أم اتحادي؟
20 ـ الوحدة في كثرة قوى النفس.
21 ـ ارتباط المعلول بالعلة يعود للإضافة الإشراقية، وأن المعلولية تعود إلى التجلي والتشأن.
22 ـ المعاد الجسماني البرزخي.
23 ـ كون الزمان بعداً رابعاً.
24 ـ قاعدة بسيط الحقيقة كل الأشياء.
25 ـ العلم البسيط الإجمالي للبارئ في عين الكشف التفصيلي.
26 ـ إثبات اتحاد العقل والمعقول.
27 ـ التحقيق في العلاقة بين المتغير والثابت، والحادث والقديم.
28 ـ برهان الصديقين على إثبات الواجب وتوحيده.
29 ـ تجرد قوة الخيال.
30 ـ تحقيق في حقيقة الإبصار، وسائر الإدراكات الحسية.
أما في المنطق، فهذه نماذج للمسائل التي ظهرت على يد المسلمين:
1 ـ تقسيم القضية إلى : تصور وتصديق.
2 ـ اعتبارات القضايا.
3 ـ تقسيم القضية إلى: خارجية، وذهنية، وحقيقية.
4 ـ تكثير الموجهات بعد التعمق والغور في القضية المطلقة الأرسطية.
5 ـ تقسيم القياس إلى: اقتراني، واستثنائي.
6 ـ بيان نوع آخر من عكس النقيض.
7 ـ تفكيك القضية معدولة الطرف عن القضية السالبة الطرف)[122](.
هذه بعض أبرز المسائل التي تجلى عنها إبداع العقل المسلم في الفلسفة والمنطق، ولا يسعنا تفصيل البحث في كل واحدة منها، لكن أوردناها هنا كي ندلل على تهافت ما تكرسه الدراسات الحديثة في الفلسفة الإسلامية، حين تذهب إلى نفي عناصر الأصالة والابتكار في هذه الفلسفة، وتصر على استنساخ الرؤية الاستشراقية، وتهتم بالترويج لها وتتجاهل الأداء الفعال للعقل الفلسفي الإسلامي، وبالأخص في الفلسفة الإلهية.
تجدر الاشارة الى ان الابداع، لا يعني جدة الافكار فحسب،وإنما يعني أيضاً التمكن من هضم وامتصاص التجربة البشرية، واستيعابها وتمثلها، وإعادة انتاجها وتوليفها في نسق آخر،أي أنّ كل مفردة متلقاة من الخارج تنتظم في إطار هذا الكل الجديد، فتكتسب روحاً جديدة وتؤدي وظيفة أخرى، ربما لا تتناسق مع ما كانت عليه في نسقها الاصلي.
من هنا يتبين أن الفيلسوف المبدع، لا يبدأ من الصفر، ولا ينفي مكتسبات الفلسفة السابقة عليه، وإنما لا بد له من التأثر والاستفادة من سلفه، فالتأثر لا يعني الإتباع، والاستفادة من العناصر الايجابية الحيّة في التراث الانساني لا تعني القليد.
الفيلسوف المبدع يعيد صياغة وتشكيل كل تلك القضايا الحيّة التي وصلته من الماضي،في منظومة جديدة متكاملة، تأخذ فيها كل واحدة من تلك القضايا المتلقاة من سلفه، أو القضايا التي ابتكرها هو،سياقها المنطقي في إطار هذا الكل الجديد، وآنئذٍ يأتلف منها ومن سواها في هذا الكل، نظام للافكار ومنهج للتفكير يختلف عن غيره، ويحقق قفزة تؤدي الى اهتزاز الكيان الفلسفي السابق بأسره.
عبد الجبار الرفاعي
الفلسفة الإسلامية([123]*)
ماذا نقصد بالفلسفة الإسلامية؟ للفلسفة الإسلامية رسالة محددة توجهها، لا إلى المسلمين وحدهم بل إلى الإنسانية بأسرها، ألا وهي رسالة الفهم والتعاطف وحث الإنسان على البحث عن حل لألغاز الكون، ودعوته إلى تعميق معرفته لذاته، بحيث يدع لضميره أمر تدبير سلوكه، ويستشعر في جوانبه ثقة في الله وثقة في نفسه.
وعندئذ يستطيع أن يمارس حرية إرادته ممارسة تامة، فيمضي في الحياة مطمئن النفس، متفتح الوعي، مبتهج القلب.
نعني بها مذاهب النظر العقلي في الله وفي الإنسان وفي الكون، تلك المذاهب التي شيدها الفلاسفة المسلمون في العصر الوسيط، أمثال الفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد، والرازي، والفلاسفة المسلمون في العصر الحاضر، أمثال الأفغاني، ومحمد عبده، وسيد أمير علي، ومحمد إقبال، ومصطفى عبد الرازق.
ولكن الباحثين اختلفوا في أمر الفلسفة الإسلامية منذ ظهور الدراسات الاستشراقية: اختلفوا في اسمها، كما اختلفوا في وجودها. فمن المستشرقين من رأوا أن الأولى أن يطلق عليها اسم الفلسفة «العربية» لأن رجالها كتبوا آثارهم باللغة العربية التي كانت لغة الثقافة في العالم الإسلامي الشرقي. ومنهم من رأوا أنها ليست عربية، لأن جمهرة أهلها لم يكونوا عرباً، وأنها في نظرهم أحق بأن تضاف إلى الإسلام، لأن له فيها أثراً ظاهراً، ولأنها نشأت في بلاد إسلامية وعاشت في كنف الإسلام.
ولم يقتصر الخلاف على اسم الفلسفة الإسلامية، بل تعداه إلى إنكار وجودها: فمن الباحثين الغربيين من نازع في أن يكون للفلسفة الإسلامية وجود مستقل، وزعم أنها أشبه بأن تكون خليطاً من آراء القدماء، تعددت منابعها وانعدم الاتساق بين مواردها. ومنهم من ذهب إلى أن فلاسفة الإسلام إنما استقوا فكرهم من الفلسفة اليونانية التي كانت شائعة بين المسيحيين من أهل سورية والوثنيين من أهل حران، وأضافوا إليها عناصر اقتبسوها من الهند وفارس. ومنهم أخيراً من حكم على الفلسفة الإسلامية إجمالاً بأنها إنما جاءت شرحاً مشوهاً لمذهب أرسطو والأفلاطونيين المحدثين.
أما نحن فلا يبدو لنا بدعاً في تاريخ الفلسفة أن يثور الجدل حول هذه المسألة. فالفلسفة المسيحية هي أيضاً كانت ولا تزال محل نزاع بين الباحثين. ولقد عقدت «الجمعية الفرنسية الفلسفية» قبيل الحرب الأخيرة جلسة جعلت موضوع المناقشة فيها «أهنالك فلسفة مسيحية؟» وقد كنت من شهود هذه الجلسة، فبدا لي آنذاك أن مؤرخي الفكر الفلسفي المسيحي قد انقسموا فريقين: أحدهما يذهب مذهب الأستاذ «رهييه» القائل بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يسمى على الحقيقة باسم الفلسفة المسيحية. والثاني يذهب مذهب الأستاذ «جيلسون» فيما حاول أن يثبته من وجود مذهب محدد متميز في الفلسفة المسيحية، إبان العصر الوسيط.
فإذا رجعنا إلى الفلسفة الإسلامية وجب أن لا تغيب عن بالنا مسألة لها خطرها، وهي أن أغلب كتاب الغرب ممن كتبوا عن الفلسفة الإسلامية قد عجزوا عن أن يتبينوا أصالتها واتجاهاتها: فمن جهة وجدنا المستشرقين وإن كان قد تيسر لهم أن يقرأوا اللغة العربية التي كتبت بها الفلسفة الإسلامية إلا أنهم عجزوا عن أن يحققوا لأنفسهم فكرة واضحة عن تلك الفلسفة. ولعل هذا العجز راجع في الغالب إلى قصور في ثقافتهم الفلسفية. ومن جهة أخرى وجدنا المتخصصين منهم في تاريخ الفلسفة على الرغم من كفايتهم في المجال الفلسفي، يكشفون عن عجزهم حين يواجهون الفلسفة الإسلامية: وذلك ناتج في الغالب عن جهلهم باللغة العربية.
في هذه الظروف العجيبة التي تدعو إلى الأسف الشديد، يتعين علينا أن لا نسلم برأي من آراء المدرستين الغربيتين قبل تمحيصه تمحيصاً كافياً بعناية الباحثين المسلمين المتمكنين من التاريخ العام للفلسفة تمكنهم من اللغة العربية. وما من شك في أن الباحثين الذين ينتمون إلى هذه المدرسة هم وحدهم القادرون على أن يذهبوا إلى المنابع الأولى للفلسفة عموماً والثقافة الإسلامية خصوصاً. وقد حان الوقت لأن ينهض العلماء المسلمون المتخصصون بتصحيح الأخطاء التي تورط فيها غير المسلمين، عندما تناولوا عقائد المسلمين ومذاهبهم.
ولكن مما يؤسف له كذلك أن نجد أن محمد إقبال ـ وهو فيلسوف إسلامي معاصر ـ يكتب في شبابه عن «نمو الميتافيزيقا في بلاد فارس» فيردد بعض آراء المستشرقين الغربيين وينكر على الفلسفة الإسلامية أصالتها. وليس من شك في أن محمد إقبال لو كان قد أتيح له أن يعيد نشر كتابه القديم في ضوء معارفه الجديدة لاختلف تقديره لجهود الفلاسفة الإسلاميين اختلافاً كبيراً.
وإذا نظرنا في الدعاوى المختلفة عن الفلسفة الإسلامية بدا لنا في وضوح أن وقوف الباحثين الغربيين هذا الموقف العدائي مرجعه إما إلى الجهل، وإما إلى التحيز، وإما إلى الأمرين معاً. وأخشى أن يكون الدافع إلى بعض تلك الأقوال شيئاً من قبيل التعصب الذميم الذي ينحرف بصاحبه عن سبيل الحيدة والإنصاف. ولما كنا لا نكاد نجد شيئاً فلسفياً فيما قالوه إلا اعداءهم بأن الفلسفة الإسلامية إنما هي شرح مشوه لمذاهب أرسطو والأفلاطونيين المحدثين، فإني أود أن أتناول هذه المسألة في شيء من البيان.
ولكي نكون منصفين ينبغي أن نعترف بأن الفلسفة الإسلامية تحتوي على عناصر هامة من الفكر اليوناني، وأن الفلسفة اليونانية ضرورية جداً لفهم الفلسفة العربية. بل نقول إن الفلسفة العربية ـ وشأنها كشأن الفلسفتين المسيحية واليهودية ـ لا تتصور بدون الفلسفة اليونانية: فلا مراء في أن أرسطو وأفلاطون وأفلوطين والرواقيين كانوا المعلمين الحقيقيين للفكر الإنساني على مدى العصور، وكل كشف لأثر من آثارهم وكل ترجمة لشيء من مؤلفاتهم كان عند أهل العصور الوسطى من مسلمين ومسيحيين ويهود بمثابة كشف لعالم جديد. لقد طبق موسى بن ميمون الفلسفة الأرسطية على اليهودية، كما طبقها توماس الأكويني على المسيحية. وما دامت هذه التطبيقات اليهودية والمسيحية. قد نظر الغرب إليها على أنها أنظار فلسفية يعتد بها، فلست أرى وجهاً لإنكار مثل هذا التجديد بالنسبة لفلاسفة المسلمين. وإذن فلا ضير علينا من أن نعترف صراحة بأن الفلسفة الإسلامية تفترض أولاً هضم الفلسفة اليونانية، ولكننا نود أن نقرر مع ذلك أن الفلسفة الإسلامية أو العربية شيء، ومجرد الهضم والتمثيل للفلسفة اليونانية شيء آخر. وشأن الفلسفة الإسلامية في هذا الصدد كشأن غيرها من الفلسفات: إن المذاهب الفلسفية الكبرى في العصور الحديثة متأثرة إلى حد بعيد بالفلسفة اليونانية، وأثر الفلسفة اليونانية، ظاهر للعيان في مذاهب بيكون، وديكارت، واسبينوزا، وليبنتز، وهيجل، ولكن من ذا الذي ينكر ما في مذاهب هؤلاء الفلاسفة من أصالة؟ وإذن فكيف ساغ للبعض أن يتوهموا أن عقلاً كعقل الفارابي وابن سينا وابن رشد كان عقلاً جديباً لم ينتج في الفلسفة شيئاً طريفاً، وأنه لم يكن إلا مقلداً لليونان؟
ولقد أصاب «سيد أمير علي»، حين قال بأن الغرض لأكبر الذي كان ينشده فلاسفة المسلمين هو أن «يزودوا العالم بنظرية تامة عن وحدة الكون ترضي الذهن كما ترضي الدين، ولذلك حاولوا أن يوفقوا بين الجانب الأخلاقي والروحي للعلم وبين جانبه الفلسفي». وأول مشاركة مهمة وأصيلة قام بها الفلاسفة المسلمون هي مذهبهم في «التوحيد» و«التنزيه». فالإسلام في جوهره إقرار لله بالفرد والوحدانية والهيمنة على الكون والدين الإسلامي لا يعرف إلا مرتبتين من مراتب الوجود فوق الإنسان: مرتبة الآلوهية وهي مرتبة الله تعالى، ومرتبة النبوة التي يهبها الله من يشاء من عباده. وفيما عدا هاتين المرتبتين يستطيع الإنسان أن يبلغ درجات الكمال على حسب طاقته، دون أن يعوقه أي عائق إلا عجز أعماله وقصور نظراته. والناس، في تعاليم هذا الدين، لا يحق لهم أن يعبدوا إلا الله وحده، ولا أن يستعينوا أحداً سواه: لأن طلب العون من أحد غير الله يعد وقوعاً في إثم الشرك بالله، وهو الاعتقاد بأن لله شركاء في ملكه وحكمه، وفي ذلك دعوة إلى الوثنية التي كانت سائدة قبل ظهور الإسلام. ولا حاجة إلى القول بأن هذه العقيدة التي آمن بها جميع افلاسفة المسلمين، من الفارابي وابن سينا إلى محمد عبده ومصطفى عبد الرازق، مستوحاة من القرآن الكريم والحديث الشريف.
والمشاركة الثانية لفلاسفة الإسلام هي محاولتهم التوفيق بين الفلسفة والدين: لأنهم قد اعتقدوا على العموم بأن الدين والفلسفة في المسائل الأساسية متناصران، وأي تعارض بينهما لا يكون تعارضاً حقيقياً، وإنما يكون نتيجة سوء فهم لكل منهما. وقد بين ابن رشد في كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» أن الإسلام يشجع المسلم على النظر العقلي ويدعوه إلى التأمل الفلسفي، وأن القرآن يحث على طلب المعرفة والبحث عن الحقيقة. ويرى الفيلسوف أن للفلسفة والدين هدفاً واحداً هو توجيه نشاط الإنسان إلى بلوغ الكمال: فالإسلام دين يخاطب العقل والضمير على السواء.
والنظرية الإسلامية في «النبوة» من أوفر النظريات الفلسفية أصالة. وقد بسط الفارابي هذه النظرية في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة». وتفرقته بين «النبي» و«الفيلسوف» سنجدها بنص عباراتها تقريباً ـ بعد عصره بسبعة قرون في «الرسالة اللاهوتية السياسية» للفيلسوف اليهودي «أسبينوزا». ويرى الفارابي أن الناس يختلفون باختلاف ملكاتهم وقواهم النفسية: فمنهم أهل الفطر النافذة الذين يصلون إلى الحقيقة بأنفسهم، ومنهم من تقصر فطرهم عن بلوغها. وقليلون قد وهبوا مواهب ممتازة يستطيعون بها أن يدركوا المسائل المختلفة إدراكاً صحيحاً، وأن يكشفوا الحقائق التي تؤيدها الفلسفة والدين جميعاً.
وحسبنا، لكي نتبين مكانة الفلسفة الإسلامية، أن نشير إلى أهم نظرياتها.
1 ـ ذهب فلاسفة الإسلام إلى أن المادة أزلية ومخلوقة معاً. فقولنا إن العالم محدث، أي بدأ في زمان معين، قول على سبيل المجاز: لأن الله باعتباره علة أولى هو صانع المادة والعالم. ولكنه تعالى خلق المادة والعالم بفيض من فيوضاته الأزلية: إذ لا يمكن أن يقع صنع الله في زمان. وإنما نسبة الله إلى صنعة كنسبة العلة إلى معلولها، والعلة غير منفصلة عن المعلول. ومن قال بحدوث العالم فكأنه قال إن الله قد بدأ خلق العالم بمشيئته، في زمان ما ولغرض ما: ومعنى هذا أن الله كان ينقصه شيء قبل إنقاذ مشيئته وتحقيق قصده. وهذا ما يجب أن ينزه الله عنه، لأن الله هو الكمال المطلق، وقد تعالى عن مشابهة المخلوقين.
2 ـ وذهبوا إلى أن علم الله محيط بالكائنات، أي بالأشياء العامة، وبعبارة أخرى أن علم الله لا يتعلق بالجزئيات أي بالأشياء الفردية العرضية، وإنما يحيط بالنواميس الكلية والقوانين العامة للكون لأنه لو كان الله يعلم الجزئيات والأعراض الفردية لحدث تغير زماني في عمله، ولاقتضى ذلك تغيراً في ذاته والله منزه عن كل تغير.
3 ـ وقالوا بنظرية الفيض الأفلاطونية وخلاصتها عندهم أنه لما كان الله واحداً وعقلاً محضاً، فلا يمكن أن يصدر عنه إلا عقل واحد. وصدور ذلك العقل عن الله شبيه بصدور الشعاع عن الشمس. وعن الله صدر العقل الأول، وعن العقل الأول صدر العقل الثاني، وهكذا إلى العقل العاشر، أو العقل الفعال الذي صدرت عنه المادة. وهو أدنى العقول العشرة، وهو المشرف على العالم الأرضي وحلقة الوصل بين عالم الغيب وعالم الشهادة. ولما كان العقل الإنساني، أي النفس الناطقة، ملكة «منفعلة» أي مستعدة لقبول أي نوع من الكمال، فهذا العقل المنفعل في الإنسان يصبح بالأمل والدرس وتزكية النفس أهلاً لأن يتصل بالعقل الفعال. فإذا وصلت النفس الإنسانية إلى ذلك الكمال بلغت السعادة والغبطة الحقة، مهما يكن الدين الذي اعتنقته ومهما يكن سبيلها في عبادة الله. وما ورد في الدين عن الجنة والنار وما أشبه ذلك ليس إلا مجازات واستعارات لثواب وعقاب روحيين. والثواب والعقاب الروحيان يتوقفان على مقدار ما يبلغه الإنسان من درجات الكمال في هذه الدنيا.
تلك بعض المسائل المشهورة التي وقف منها الفلاسفة المسلمون موقفاً يخالف موقف أصحاب الفرق الإسلامية كما يخالف في بعض نواحيه موقف الفلاسفة اليونان، والمشائين منهم على الخصوص.
أما مخالفتهم للمتكلمين المسلمين فبينة واضحة: لأن المتكلمين أرادوا أن يثبتوا بالحجج المنطقية التي أدلى بها الفلاسفة أن العالم محدث لا قديم، وأن المادة مخلوقة وليست أزلية، وكانت غايتهم من ذلك أن يثبتوا وجود إله خالق واحد منزه عن الجسمية. ثم أن المتكلمين لم يكن يعنيهم إلا نصرة العقائد الدينية، ولكن بأسلحة الفلاسفة أنفسهم.
وأما مخالفتهم للفلاسفة اليونانيين فواضحة كذلك: فإن أكبر ما شغل فلاسفة المسلمين، مهما يكن موقفهم من الإسلام، هو تلك «الثنائية» الناشئة من مذهب أرسطو والتي يتقابل فيها الله والمادة الأزلية، وتلك الثنائية ما كان بمقدورهم أن يقبلوها كما هي دون أن يخرجوا علناً من زمرة المسلمين. وكلما شعر فلاسفة الإسلام بأن أرسطو قد ترك هذه المسائل غامضة مضطربة، دون أن يقطع فيها برأي، زادت جهودهم لتكميلها وإيضاحها وسد ما بها من نقص، واضعين نصب أعينهم أن يصونوا نظريتهم في وحدانية الله وتنزهه عن ملابسة المادة، حريصين في الوقت نفسه على أن لا يقعوا في هوة مذهب «وحدة الوجود» الذي لا يفرق بين الله والعالم. وقد وجد من فلاسفة المسلمين أمثال ابن باجة وابن رشد من ألفوا الرسائل الخاصة في إمكان «الاتصال» (أي اتصال الإنسان بالعقل المفارق). وشغلت تلك المشكلة بال الفلاسفة المسلمين أكثر مما عنى بها فلاسفة اليونان.
وإذن فمن الإسراف الزعم بأن الفلسفة الإسلامية إما هي شرح مشوه لفلسفة أرسطو والأفلاطونيين المحدثين والواقع أن فلاسفة الإسلام إذا كانوا في سعيهم للوصول إلى الحقيقة قد تابعوا أرسطو حيناً فإنهم قد انصرفوا عنه أحياناً، واتجهوا إلى غيره من فلاسفة اليونان كأفلاطون وأفلوطين والرواقيين. ولم يقنع المسلمون بنقل الفلسفة اليونانية كما هي، بل طبعوها بطابع خاص، ونفثوا فيها من روحهم، وجعلوها تستجيب لطالب عصرهم.
ونستطيع إذن أن نقول مطمئنين أن الفلسفة في العالم الإسلامي القديم لم تكن محصورة لا في مذهب أرسطو وحده، ولا في مذاهب اليونان وحدها، بل صاغت لنفسها مذهباً ضافياً لا يخلو من طرافة، وهي كما قال أحد المستشرقين المنصفين «توشك أن تكون تقلبت في كل الأطوار التي مرت بها الفلسفة في العالم الغربي. وكلما ازداد تقصيناً لآثار الفلاسفة المسلمين زاد شعورنا بأن تلك الآثار لم تكن مجرد شروح وتعليقات، ولكنها كانت بنتائجها وأغراضها عملاً يمثل مرحلة أساسية وحاسمة في طريقة البحث عن الحقيقة».
إن فلاسفة الإسلام قد وجهوا عنايتهم لهذه المسألة الكبرى: أيكون المرء إنساناً أم لا يكون؟ بمعنى أَوَينبغي أن نبذل الجهد لكي نبلغ مثلاً أعلى من الكمال، أم أن نكتفي بأن نعيش على مستوى الحيوان؟ ولكنهم اعتقدوا محقين بأن هذ السؤال لا يمكن أن يجاب عليه إجابة ملائمة عن طريق الذهن الإنساني وحده فمهما نبلغ من تثقيف الأذهان ومعرفة الأشياء يجب علينا في كل لحظة من حياتنا أن نختار، ولا بد أن نراهن على وجودنا كله فإن الحياة ـ كما لاحظ «ديكارت» ـ لا تحتمل إبطاء. والفلاسفة المسلمون قد آمنوا مخلصين، كما آمن «بسكال» من بعدهم، بأن كل شيء، حتى في العلم وتطبيقاته، إنما يتحدد في صميمه بالموقف الإنساني، وبعبارة أخرى كل شيء يعتمد على نقاء القلوب وخلوص القصد، وبدون هذين الأمرين أو الشرطين «الجوانيين» قد نرى مدنيتنا المادية وقد تردت في هوة الهمجية. والأمر بعد، كما قال الغزالي: «العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون».
ويلوح أن المثل الأعلى الذي سعت إليه الفلسفة الإسلامية سعياً حثيثاً هو تحقيق ما يمكن أن نسميه «نضج الإنسان». ونعني به ذلك التطور الروحي الذي تمارسه النفوس الصافية في حياتها، فتشعر حينئذ أنها متآزرة كل التآزر، لا مع أهل الوطن الواحد فحسب بل مع جميع أفراد الإنسانية، بصرف النظر عن اختلافهم في الأديان واللغات والأوطان ولقد رأى فلاسفة المسلمين، وفقاً لما رآه الرواقيون اليونان، أن جميع الفضلاء هم مواطنون في عالم واحد، أو هم جميعاً من «أهل المدينة الفاضلة» كما قال الفارابي.
ولا ريب أن عالمنا الحاضر أحوج ما يكون إلى هداية أولئك المفكرين الذين وصلوا إلى ذلك النضج الروحي، فتحرروا بتفكيرهم وشعورهم تحرراً تاماً من قيود الزمان وسدود المكان.
وجملة القول إن للفلسفة الإسلامية رسالة محددة توجهها، لا إلى المسلمين وحدهم بل إلى الإنسانية بأسرها، ألا وهي رسالة الفهم والتعاطف وحث الإنسان على البحث عن حل لألغاز الكون، ودعوته إلى تعميق معرفته لذاته، بحيث يدع لضميره أمر تدبير سلوكه، ويستشعر في جوانبه ثقة في الله وثقة في نفسه.
وعندئذ يستطيع أن يمارس حرية إرادته ممارسة تامة، فيمضي في الحياة مطمئن النفس، متفتح الوعي، مبتهج القلب.
الدكتور عثمان أمين
الفلسفة الإسلامية
في أدوارها المختلفة
في تاريخ الفلسفة الإسلامية منذ أوائل عصورها أدوار مختلفة فإذا ولي الأمر خلفاء أو حكام يميلون إلى البحث والنظر ويشجعون حرية الرأي راجت البحوث الفلسفية كما وقع ذلك في عصر المأمون والمعتصم والواثق، حتى إذا آل الأمر إلى المتوكل اضطهد المعنيين بالبحوث الحرة، وكان معروفاً بالميل إلى المحافظة.
وقد اجتازت الفلسفة مراحل مختلفة ومرت بأدوار متباينة في عصور العباسيين التالية وعصور بقية الدول الإسلامية بعد المتوكل. امتاز بعض الأدوار المذكورة بالتسامح وعرف بعضها بالشدة والعنف ففي عصر الناصر العباسي اضطهد المتفلسفون في بغداد وشتموا على رؤوس الأشهاد وأحرقت كتبهم وقد تعسف الحكام حتى أحرقوا كتب الهندسة والعلوم التعليمية)[124](.
ومن الدول الإسلامية التي ازدهرت العلوم والفلسفة فيها الدولة البويهية في العراق، وفي القسم الغربي من البلاد الفارسية، ثم الدولة السامانية في القسم الشرقي من بلاد فارس أو البلاد المعروفة بما وراء النهر شرقاً حتى بخارى ففي كنف هذه الدولة السامانية ظهرت مدرسة ابن سينا وشاعت الآراء والبحوث العلمية والفلسفية، ولا يخفى أن ابن سينا سلخ فترة من شبابه في بخارى عاصمة الدولة المذكورة طالباً للعلم دارساً للفلسفة ثم رحل من الشرق إلى القسم الغربي من بلاد فارس وأمضى شطراً من حياته في الكتابة والتأليف في أشهر مدن القسم المذكور مثل اصفهان وهمدان والري، وما أن ظهرت دولة آل سبكتكين في الشرق حتى انتقلت الحركة الفلسفية إلى طور آخر امتاز بشيء من الشدة والاضطهاد.. اضطهاد أهل الرأي والمعتزلة حتى أحرقت كتبهم وأتلفت ونال أصحابها ما نالهم من الشدة.
وفي تاريخ الدولة الأيوبية بعد ذلك فترات مختلفة من هذا القبيل منها ما كان وبالاً على النظار المعنيين بالفلسفة ففي عهد الظاهر حفيد صلاح الدين وصاحب حلب اتهم الشيخ السهروردي بالانحلال والتعطيل وقتل بعد ذلك بعد محاقة أو محاكمة معروفة ويلاحظ تضارب آرائهم في الشيخ السهروردي وممن أثنى عليه ابن شداد قاضي حلب قائلاً: «كان التعظيم لشعائر الدين» ومن مفارقات هذا العصر في حلب أن يأوي إليها جماعة من الحكماء والعلماء الذين شهدوا حادثة السهروردي وفي طليعتهم الوزير جمال الدين بن القفطي)[125]( مصنف تاريخ الحكماء)[126](. ولا شك أن حلب شهدت في عصرها هذا حركة علمية منقطعة النظير كان جمال الدين بن القفطي من العوامل الفعالة فيها فقد كان نموذجاً في الدأب والاجتهاد والتوفر على التأليف وتشجيع الباحثين في القطرين المصري والسوري على ذلك، وإلى تشجعيه ومعاونته مرد النجاح الذي حالف ياقوت الحموي في تأليفه فإنه اتصل بابن القفطي الوزير وكان من أخص أصحابه به فيسر له أسباب البحث والتأليف ولولا هذا التشجيع لما استطاع الحموي أن ينجز كثيراً من كتبه وخصوصاً كتابه معجم البلدان وإذا تصفحنا مقدمة هذا المعجم نرى ياقوت الحموي أشاد بذكر صاحبه ابن القفطي جداً وأهدى هذا الكتاب الجليل إلى مكتبته وحسبنا ذلك)[127](. وقد اشتهر ابن القفطي ببعض تآليفه القيمة وفي مقدمتها كتابه المسمى (أنباء الرواة بإنباه النحاة) وكتابه المسمى (تاريخ الحكماء) وهو من أهم المصادر بعد عيون الأنباء لابن أبي أصيبعه في سيرة الحكماء القدماء والمتأخرين وقد فقد أصله ولم يطبع إلى مختصره ولا يعرف من اختصره ولكن هذا المختصر المطبوع على كل حال لا يخلو من العبث والتخليط. ومن حكماء هذا العصر المقيمين في حلب نجم الدين النخجواني)[128]( وله مؤاخذات على منطق الإشارات وشرحها أيضاً وتناوله الأفضل الخونجي بالاستنقاص وزيف أقواله في كتاب الكشف وقد ظفرنا بنسخة من هذا الكتاب في البقية الباقية من مخطوطات مكتبة المشهد الغروي وكانت بخط ابن كمونة الفيلسوف المعروف.
وكان ابن كمونه هذا من أعيان الفلاسفة المنكوبين في هذا العصر فقد ثار عليه البغداديون بسبب بعض الآراء التي نسبت إليه في كتاب سماه (الأبحاث في الديانات الثلاث) ولولا إخراجه في صندوق مقفل إلى الحلة لقتل في بغداد وكانت وفاته سنة 683هـ، وقد عني ابن كمونه بتلخيص كتب النخجواني)[129]( في الرد على ابن سينا ومنها الكتاب المسمى (لباب المنطق وخلاصة الحكمة) ويلاحظ أن موقف ابن كمونه كان موقفاً وسطاً بين النخجواني وابن سينا فهو يقول في مقدمة تلخيصه لكتاب نقض قواعد الإشارات ما هذا نصه «وأكثر هذه الاعتراضات والمناقضات التي ذكرتها يمكن الجواب عنها وينتصر لمصنف كتب الإشارات عليه فيها» هذا ما كان من عصر الدول الأيوبية في حلب.
أما دمشق فقد شهدت على العكس من ذلك نهضة للفلسفة اشتهر فيها عدد من الفلاسفة وأمها من أمها منهم من بلاد العجم والروم وكان جلهم من تلامذة الفخر الرازي.
كان كتاب «عيون الحكمة ـ من أجود كتب ابن سينا ـ من جملة كتب القراءة بمدارس دمشق في العصر المذكور وكان المقرئ له شمس الدين الخسروشاهي أحد حكماء العصر المذكور ومن جملة تلامذته الملك الناصر داود صاحب الكرك)[130]( وقد توثقت رابطة الصداقة بين الخسروشاهي وسبط ابن الجوزي صاحب «مرآة الزمان» ولذلك تجد للخسروشاهي ترجمة حسنة في الكتاب المذكور)[131](.
لا شك أن كثيراً من الفلاسفة سلموا من المحن حتى في أشد العصور خطراً ـ كالخسروشاهي مدرس كتب ابن سينا في دمشق وأمثاله ـ وإلى اعتدال هذا الفريق من المتفلسفين وكياستهم واتزانهم مرد سلامتهم في تلك الأزمان فقد قتل الشهاب السهروردي في حلب بينما عاش فيها جماعة من المتفلسفين المعاصرين له أو القريبين من عصره كنجم الدين الخونجي، ولا بد لنا من القول إن لهؤلاء النظار والفلاسفة فريقان فريق عقولهم أجل من معارفهم وفريق على العكس من ذلك معارفهم أكبر من عقولهم ومن خبرتهم بأحوال الزمان والمكان الذين يعيشون فيه وقد صدق من قال «ما كل ما يعلم يقال»:
يا رب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا استحل رجال مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا
إني لأكتم من علمي جواهره
كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن
إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
وقد شهدت دمشق في العصر نفسه أو عصر قريب منه مدارس يعني فيها بدرس كتب ابن سينا عناية بالغة وكان بعض ملوك دمشق من الأيوبيين في طليعة المعنيين بالبحوث المذكورة وفي عصر الأمير بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل نشأت للفلسفة مدرسة مشهورة وعرف فيها عدد من المعنيين بالحكمة. من أشهرهم كمال الدين الموصلي الأستاذ المصنف المعروف في الفلسفة)[132]( ومن فلاسفة هذا العصر في أواخر عصر الدولة الأيوبية في الشام وفي الموصل على عهد أميرها بدر الدين لؤلؤ حسين بن محمد بن أحمد بن نجا الفيلسوف الأربلي كان بصيراً في العربية رأساً في العقليات ووصمه الذهبي بفساد العقيدة)[133]( وقال غيره: كان الناس يقرأون عليه علم الأوائل وتتردد إليه أهل الملل جميعها مسلمها ومبتدعها واليهود والنصارى والسامرة وكان الملك الناصر يكرمه ولا يرد شفاعته توفي سنة ستين وستمائة عن أربع وسبعين سنة وقد أجمع مؤرخوه على القول بأنه من فلاسفة الشيعة ومن هذه الناحية أنحوا عليه باللائمة والطعون.
هذا طرف من تاريخ الدراسات الفلسفية وما أحاط بها في العصور المختلفة ومن ذلك نعلم كيف اختلف موقف الخلفاء والحكام ورجال الديوان من الفلاسفة أو المعنيين بدرس علوم الأوائل كما يسمونه وذلك باختلاف العصور المذكورة فإذا فهمت الفلسفة على أنها ضرب من التحليل والتحقيق أو البحث عن الحقائق وإذا كانت إحدى غاياتها تحصيل السعادة وإصلاح الحياة الإنسانية مادة ومعنى لم تعدم الفلسفة من ينصرها ويشجعها في كثير من الأحيان لأنها جديرة بالتأكيد والتشجيع، أما إذا استحال مفهوم الفلسفة والحكمة إلى ضرب من الهوس والتحريف والتقليد ومضيعة للعمر وعلماً بلا عمل لم تكن جديرة بشيء من ذلك.
فيلسوفان ينقضان آراء المشائين
ما أكثر الفلاسفة الإسلاميين الذين عنوا بنقض فلسفة المشائين والرد على ابن سينا من بعد الغزالي، وقد حفل تاريخ الفلسفة في قرون ثلاثة أي من القرن السادس إلى الثامن بعدد غير قليل من هذه الطبقة ولثورة الغزالي على القوم دخل كبير في ذلك على ما نراه، بيد أن جل آثارهم ـ إذا استثنينا الفخر الرازي ـ فقدت فلم يصل إلى أيدينا إلا النادر منها وفي مقدمتها مصنفات أبي البركات الفيلسوف البغدادي صاحب المعتبر ثم نجم الدين النخجواني الذي وصل إلينا من تآليفه كتاب نقض الإشارات ونحن نكتفي هنا بإيراد نبذة في تعريف أسلوب كل من هذين المؤلفين ـ أبي البركات والنخجواني ـ في تزييف فلسفة ابن سينا أو فلسفة المشائين استناداً إلى ما وقع إلينا من مؤلفاتهما النادرة.
فأبو البركات صاحب المعتبر نشأ في عصر لا يزال صوت الغزالي مدوياً فيه رداً على الفلاسفة ومع ذلك بقي عدد لا يستهان به من أنصار للفلاسفة المشائين ومن رأينا أن للموقف المأثور الذي وقفه الغزالي من تلك الفلسفة دخلاً في تشجيع كثير من المعنيين في تزييف آراء المشائين من النظار وكان أبو البركات في الطليعة من هؤلاء كما قلنا وقد جرد كتاباً ضخماً سماه «المعتبر» رد آراء القوم في المنطق والطبيعيات والإلهيات دون الرياضيات التي لا تقبل المناقشة، وقد ظفرنا بجزء مخطوط من المعتبر في الإلهيات بين البقية الباقية من مخطوطات الخزانة الغروية في النجف وقد عقد المؤلف هذا الجزء على مقالتين تشتمل المقالة الأولى على أربعة وعشرين فصلاً والمقالة الثانية على ثلاثة عشر فصلاً، والفصل الأول من المقالة الأولى في موضوع العلم الإلهي وغرضه وما يختص به نظره، والثاني في العلم الإلهي والإلهيات، والثالث في منفعة علم ما بعد الطبيعة، والرابع فيما يشتمل عليه ما بعد الطبيعة، ومن فصول هذه المقالة فصل عنوانه: اعتبار الحجج المنقولة عن أرسطاطاليس يليه فصل عنوانه مناقضة الاحتجاج المنقول عن ابن سينا.
أما المقالة الثانية فإنها تشتمل على أكثر من عشرة فصول الأول في بداية الخلق والإيجاد والفصل الثاني في ذكر أرسطاطاليس وشيعته في بداية الخلق وفي هذه المقالة فصل عنوانه: الرأي المعتبر في القضاء والقدر وفصل آخر عنوانه في اتساق الموجودات في العلة إلى الهيولة الأولى وقد ختم الكتاب في فصل عنوانه في النفس الإنسانية على وجه يليق بهذا العلم، ومن رأينا أنه أجود فصول هذا الكتاب وهذه النسخة من وقوف السيد أحمد الأوي النقيب كما وجد على ظهرها وهذا نصها: «هذا ما وقفه السيد السعيد صدر الدين محمد ابن السيد شرف الدين محمود بن حسن ابن خليفة الأوي وهو موقف عن عمه السيد سعيد أحمد بن السعيد حسن بن علي بن خليفة الأوي بحكم وصية صدرت له عنه على الحضرة الشريفة المقدسة الغروية وأن لا يخرج إلا برهن وثيق فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم كتب في رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة والنسخة تملك جماعة من أبناء المائة السادسة لأن النسخة منقولة عن نسخة كتبت بطلب المؤلف كما ورد في آخرها وهذا نصه: «كمل الكتاب المعتبر من الحكمة بأسره بموجب ما تقدم بكسبه الأجل السيد أوحد الزمان فيلسوف العالم مصنفه أبي البركات «كذا» هبة الله بن علي أدام الله أيامه للأجل السيد تاج الحكماء أبي سعد إسحاق بن إبراهيم بن عزرا حرس الله نعمته كتبه أبو سعد نفيس بن المبارك في شوال سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بمدينة السلام والحمد لله رب العالمين».
هذا ما وجدناه في آخر النسخة وكانت نسخة سقيمة في الجملة فيها تحريف وغلط كثير أشرنا إلى بعضه وأهملنا الإشارة إلى بعض مما دل على أن ناسخ الكتاب غريب عنه في ألفاظه ومعانيه وقد حصل في المقالة الثانية من الفصل السادس مما يليه تشويش وسوء ترتيب في نظم الكتاب أو تأليفه بتقديم بعض الكراريس والفصول وتأخير بعض مما أدى في الاهتداء إلى الوجه الصحيح إلى بذل جهد جهيد وإضافة قسط من الوقت والقوة وكان الابتداء في نقله أول صفر والانتهاء منه في أواخره وذلك سنة 1340.
نوه بهذا الكتاب غير واحد من الباحثين ويلاحظ أن بعضهم لم يسلم من معرة التقليد وممن نوه بهذا الكتاب وأشاد بذكره ابن القفطي فإنه لام كلاً من الفارابي وابن سينا بلهجة جارحة لمتابعة أرسطاطاليس في أصوله الفلسفية وقال في آخر هذه الكلمة: «لو قصدوا الرد عليه كما فعل صاحب المعتبر لسلما ولكن ما الحيلة في رد القدر «قال ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء (1/285) نقله من خط الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي فيما ذكره عن ابن الدهان المنجم قال: «كان الشيخ أبو البركات قد عمي في آخر عمره وكان يملي على جمال الدين بن فضلان وعلي بن الدهان المنجم وعلي يوسف والد الشيخ موفق الدين عبد اللطيف وعلي المهذب بن النقاش كتاب المعتبر» وممن أشاد بذكر المعتبر الشهرزوري قائلاً: إن الفخر الرازي عوّل على أبي البركات في إيراد شبهاته على الحكماء.
هذا ما قالوه في صدد الإشادة بكتاب المعتبر وقد توهم هذه الأقوال أن فخر الدين الرازي عول على أقوال أبي البركات في المعتبر دون أن ينسبها إليه، والواقع أن الرازي في المباحث المشرقية الذي ألفه في المعارف الطبيعية والإلهية وناقش آراء قدماء الفلاسفة لم يفته ذكر أبي البركات صاحب المعتبر ونسبة كل أقواله المنقولة في كتبه إليه وكان يذكره بعبارات تنم عن تقديره فنراه يقول: «اعترض الشيخ أبو البركات صاحب المعتبر» أو: «اعترض أبو البركات البغدادي صاحب المعتبر» ومن ذلك بحثهم في علم الباري وفي هذا الصدد يقول الرازي: «أكثر المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة أنكروا علمه سبحانه وتعالى بالجزئيات وأثبته الشيخ أبو البركات البغدادي» فقد اعتمد الرازي ولا شك على اعتراضات أبي البركات على قدماء الفلاسفة وناقشهم في الفلسفة الطبيعية والإلهية وكفى صاحب المعتبر ذلك)[134]( ثم أن هذا الكتاب أعني المعتبر من مآخذ ابن أبي أصيبعة في العيون)[135]( قال ابن أبي أصيبعة: «كان أمين الدولة وأوحد الزمان أبو البركات في خدمة المستضيء بأمر الله وكان أبو البركات أفضل من ابن التلميذ في العلوم الحكمية وله فيها كتب جليلة ولو لم يكن له فيها إلا كتابه المعتبر لكفى»)[136]( وكتاب المعتبر من مراجع عز الدين أبي الحديد في بعض فصوله التي كتبها عن الفلسفة في شرح نهج البلاغة ومن ذلك فصل مستفاض أورده في أحكام النجوم والتنجيم نفياً وإثباتاً حين نقل شارح النهج المذكور أقوال الحكماء وآراءهم المتضاربة في هذا الشأن وتجد في آخر هذا الفصل بحثاً طويلاً منقولاً عن كتاب المعتبر قال فيه: «قال أبو البركات بن سلطان البغدادي صاحب المعتبر فإنه أبطل أحكام النجوم من وجه وأثبتها من وجه قال: «فأما من يريد)[137]( تطبيق علم أحكام النجوم على قاعدة العلم الطبيعي فإنه لا سبيل إلى ذلك» وفي هذا الفصل يقول أبو البركات نقلاً عن الشرح المذكور: «فأما الذي يصح من هذا العلم ويلتفت (مكرر) إليه العقلاء فهي أشياء غير هذه الخرافات»)[138]( وفي ختام هذا الفصل صرح ابن أبي الحديد برأيه في علم النجوم بمعنى الكشف عن المستقبل ودلالته على المغيبات قائلاً: إنه علم باطل لا يجوز الاعتقاد به وقد ورد النهي عن تصديق المنجمين وهذا قول أمير المؤمنين: «فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن»)[139]( ولم يكتف ابن أبي الحديد بما نقله عن كتاب المعتبر في موضوع علم النجوم بل نقل عنه كلماً طويلاً في موضوع الأخبار عن المغيبات وكشف المخبئات وتعداد الطرق إلى ذلك وجاء في هذا الكلام أن أبي البركات استشهد بالمرأة البغدادية التي كانت تكشف المخبئات أنواعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها قريبها وبعيدها دقيقها وجليلها تجيب على أثر السؤال ما ينقل من العجائب عن المرأة البغدادية التي شاهدها وامتحنها أبو البركات صاحب الكتاب المذكور)[140](.
من ذلك نعلم أن ابن أبي الحديد من جملة الباحثين المعنيين بالنقل عن كتاب المعتبر والحقيقة أن ابن أبي الحديد معني بالفلسفة إجمالاً وهو ينقل في فصل طويل في الإرادة كلام ابن سينا وما إلى ذلك)[141](.
وقد بالغ ابن تيمية في غير كتاب من كتبه في الثناء على صاحب المعتبر وتقدير آرائه ونقل عنه في كتابه الذي رد فيه على المنطقيين منوهاً باستقلال رأي أبي البركات وترفعه عن التقليد تقليد ابن سينا وغيره من أساطين المشائين وحمد لأبي البركات تصديه لتزييف فلسفتهم في الكتاب المذكور وقد زعم ابن تيمية أن أبا البركات أقرب إلى السنة وأهل الحديث لأنه نشأ في بغداد أما ابن سينا فإنه نشأ بين المتكلمين من نفاة الصفات وابن رشد بين الكرامية. لا شك أن كتاب المعتبر وعناية مؤلفه بمناقشة آراء الفلاسفة من أرسطو إلى ابن سينا أثار حركة علمية وشطر عدداً من المعنيين بهذه البحوث إلى شطرين شطر له وشطر عليه وذلك في جملة من أقطار العالم الإسلامي مثل العراق إلى فارس وخراسان شرقاً وإلى الديار الشامية والمصرية غرباً وقد رأيت ما قاله الرازي وابن أبي الحديد وابن تيمية وابن أبي أصيبعة وغيرهم من كتاب المعتبر وآراء مؤلفه فيه.
لم يعدم صاحب المعتبر أنصاراً لآرائه في خراسان مهد الفلسفة بعد عصر ابن سينا ولم يعدم كذلك من يناقش فلسفته ويعني بتزييفها من أهل خراسان نفسها وفي طليعتهم الشاعر الحكيم المشهور عمر الخيام فإنه كان سيئ الرأي في فلسفة صاحب المعتبر، والخيام من القائلين بأن أبا البركات لم يفهم كلام ابن سينا ولم يصل إلى المنزلة التي تخوله إدراك معاني كلامه وقد صرح بذلك في مناقشة دارت بينه وبين علاء الدولة على ملك الري بشأن أبي البركات وآرائه والملك علاء الدولة من المنتصرين لآراء أبي البركات والمؤيدين لفلسفته في محاورة دارت بينه وبين الخيام على الصورة التالية:
ملك الري: أمن المستحيل أن يكون حدسي أقوى مما حدس أبي علي أم من الممكن؟
الخيام: ليس من المستحيل.
ملك الري: أنت تقول ليس لأبي البركات الإدراك والاعتراض وغلامي يقول له تلك الرتبة والحكيم يهجن كلام غيره بالبرهان والجدل بالوقيعة والبهتان فأطلب أعلى الدرجتين فقام الخيام ملجماً ـ البسكو)[142](. هكذا احتج علاء الدولة لأبي البركات حسب ما جاء في هذه الرواية مع أن الكلام في هذا الاحتجاج عام لا ينهض دليلاً على إفحام الخيام، والمحاورة المذكورة جرت فجلسة طارئة لم تنعقد للنظر والاستدلال أو للبحث في مسألة معينة أو لمناقشة رأي مخصوص من آراء الفلاسفة وعلينا أن نلاحظ الفروق البعيدة بين الخصمين فإن أحدهما حكيم متواضع والثاني ملك يتيه بقوته وخيلائه واين رياسة السيف من رياسة القلم؟ وإن حاول ملك الري أن يجمع بين الرياستين وما أقل الذين حالفهم التوفيق في الجمع بين المنزلتين. وعلى أي حال يتراءى لنا أن خصومة علاء الدولة في المحاورة المذكورة كانت منبعثة عن ضرب من الحسد والكراهية الشديدة لشاعر أو حكيم بلغت شهرته قمتها في خراسان ولهجت الألسن بتفوقه في الأدب والحكمة وما ذلك الرجل إلا الخيام لذلك اصطنع علاء الدولة بعض الأسئلة العامة للتشفي والاستظهار على الخيام إذا صحت هذه الرواية.
هذا وعنينا إثر ظفرنا بهذا الجزء من المعتبر في سنة 1340هـ بدراسة هذا الكتاب وتعيين المسائل الفلسفية التي انصبت عليها مؤاخذات أبي البركات وفي وسعنا تلخيصها على الصورة التالية:
1 ـ علم الباري وهل يتناول الجزئيات؟ فإن صاحب المعتبر ناقش المشائين في هذا الشأن قائلاً إن علم الرب يتناول الكليات والجزئيات على حد سواء وقد أفرد بحثاً مسهباً في هذا الكتاب ويعزو ابن تيمية ذلك إلى أن أبا البركات كان من المستنيرين بأنوار النبوات وابن تيمية يشير بذلك إلى أن أبا البركات من فلاسفة اليهود في الإسلام ولكنه لم يشأ التصريح)[143](.
2 ـ عدد العقول: ناقش أبو البركات آراء الفلاسفة في هذه القصة ولم يجد سبباً يدعو إلى حصرها بهذا العدد وجوز كونها أكثر من ذلك.
3 ـ آراء المشائين في الطبيعيات: يقول بعض الباحثين: إن التوفيق حالف أبا البركات في نقد آراء المشائين في الفلسفة الطبيعية فإن أكثر هؤلاء قلدوا أسلافهم تقليداً أعمى وتلقوا آراءهم كأنها قضايا مسلمة لا تقبل الجدل والبحث وهذا ضرب من الجمود والتقليد الذميم فإن التجربة عماد العلوم الطبيعية ومن هذا القبيل مناقشة آراء المشائين في حدوث العيون والقنوات وما يجري مجراها فإن المشائين ردوها إلى وجود الأبخرة والأهوية المحصورة في جوف الأرض بينما يقول أبو البركات: منشأها ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأننا نجدها تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها ولا مدخل للأهوية والأبخرة في ذلك، ويقول المبيدي في شرحه على «هداية الحكمة»: إن السبب الذي ذكره صاحب المعتبر معتبر لا محال)[144]( والواقع أن لطبيعيات المعتبر مزاياها فقد فطن أبو البركات إلى أن التجربة الحسية والمشاهدة العيانية محك الفنون الطبيعية ولا محل فيها للظنون والتخمينات فأبو البركات يعول في طبيعياته على التجربة والمشاهدة ولهذا الفيلسوف مضافاً إلى ذلك بحوث طبيعية لا تخلو من طرافة في تعليل محو القمر وظهور المجرة إذ علل وجودها بأجرام أو كواكب ليس في متناول القوة البصرية ولا يخفى أن الفلكيين المتأخرين يرون هذا الرأي وله أيضاً بحوثه في تكوين الجبال والأدوية والسحب والعيون والآبار وكيف يصير البر بحراً وبالعكس وفي الرياح وفي أسباب حدوثها إلى غير ذلك من الآراء الطبيعية.
4 ـ أفرد في المعتبر بحوثاً في شتى المسائل الطبيعية التي عني بها أرسطاطاليس في كل من كتبه المعروفة بالسماع الطبيعي والسماء والعالم والنبات والحيوان وغير ذلك.
5 ـ أفرد بحثاً مسهباً في علم النفس ويلاحظ أنه يورد آراء المشائين ثم يناقش وينتهي من المناقشة أما بتأييدها أو بالرد عليها.
6 ـ له بحوث في تحديد العلم وفي المبدأ والمعاد والحدوث والقدم وبداية الخلق والإيجاد بالفيض عن المبدأ الأول وبحوث في العقول والنفوس ناقش فيها آراء أئمة المشائين وقد ذهب أبو البركات إلى إبطال أصل معروف من أصول المشائين وهو اصل قديم «أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد» ثم بحث في تزييف أصل آخر لهم يقولون بموجبه أن القديم لا يكون محلاً للحوادث ومن المسائل التي ذهب إلى بطلانها تحديد عدد العقول وهو يزعم أن العقول هي الأرواح والملائكة.
هذه خلاصة دراستنا لما وقع إلينا من أجزاء المعتبر من حيث مناقشة مؤلفه لآراء المشائين. ومن المفيد أن نقول ونحن في هذا الصدد أن عدداً من الباحثين وخصوصاً المحدّثين منهم عنوا بالإرشاد إلى الاضطراب أو الخلل الطارئ على فلسفة المشائين بعد نقل كتبها لا سيما الكتب المنسوبة إلى أرسطوطاليس على أنها تمثل فلسفة المشائين مع أن هذه الفلسفة المنقولة كانت مشوبة بالأفلاطونية الحديثة أو بآراء فلاسفة الإسكندرية وغيرها من آراء المتفلسفين الإشراقيين فعزي كل ذلك إلى أرسطوطاليس وعولوا على شروح كتبه المختلفة المتضاربة وقد نسب الأفلاطونية الحديثة إلى أفلاطون أستاذ أرسطوطاليس مع أنها فلسفة مدخولة ولا يخفى أن كتب الفلسفة نقلت على علاتها وعلى ما فيها من محالات من قبيل نسبة الحياة إلى الأجرام الفلكية والأصل في ذلك عبادة الأجرام المذكورة عند اليونان وغيرهم من الوثنيين، وعلى كل حال فإن من يعنى بتاريخ الفلسفة يتضح له بأن آراء أبي البركات على طرافتها وخصوصاً في القسم الإلهي من الفلسفة لم يكتب لها الانتشار ولم يقبل عليها شراء الفلسفة وقد أسفر هذا الصراع أو الأخذ والرد بين فلسفة الرئيس أو بين فلسفة المشائين من جهة وفلسفة أبي البركات والنخجواني وأنصارها من جهة ثانية عن تراجع الأخير وخمول ذكره ولم تتاثر بذلك فلسفة الشيخ الرئيس، وقد أثبت تاريخ الفلسفة في العصور الحديثة هذه الحقيقة وهي عصور عني فيها الباحثون بسيرة الشيخ الرئيس وشرح فلسفته والتنويه بجهوده العلمية واحتفل في العصور المذكورة بذكره غير مرة دون غيره من الفلاسفة الرادين عليه كأن أبا البركات وأنصاره ومثله النخجواني وابن كمونة لا شأن لهم في تاريخ الفلسفة وفي ذلك عبرة لمن يعنى بالمقارنة بين هؤلاء الحكماء والموازنة بين فلسفاتهم من حيث قيمتها وأثرها الباقي في الأذهان البشرية.
الفلسفة والسياسة
في خلافة الناصر العباسي
امتاز عصر الخليفة الناصر بمحن جرت على فلاسفة بغداد من ذلك محنة عبد السلام الجيلي حفيد أبي الصالح الشيخ عبد القادر الجيلي وهي محنة مشهورة لعن فيها الفلاسفة والمشتغلون بالفلسفة على رؤوس الأشهاد حيث اعتقل عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر في بغداد)[145]( وأحرقت كتبه في مشهد عظيم بالرحبة في بغداد بحجة المروق والنظر في الفلسفة وكتبها.
شهدت بغداد في عصرها المذكور أسرتين كبيرتين متنافستين هما أسرة آل الجوزي وآل الشيخ عبد القادر الجيلي تمتعا بقسط عظيم من الجاه والمنزلة وقد جرى على أعيان بعض البيتين ما جرى من المحن والمصائب في خلافة الناصر فقد امتحن ابن الجوزي على يد الشيخ عبد السلام الجيلي مرة وامتحن الجيلي على يد أصحاب ابن الجوزي تارة ولا ننكر فيما نرى صلة السياسة بهذه الأحداث والمحن فإذا استوزر رجل من أنصار آل الجوزي ضايق أسرة الشيخ عبد القادر الجيلي أو نكبهم وإذا استوزر آخر من أنصار الجيلي امتحن به آل الجوزي وهكذا دواليك. أما الخليفة الناصر فكان رأيه التفرج والتسلية بهذه الأحداث المروعة وقد سجل كثير من المؤرخين نكبة عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي بحجة فساد عقيدته وعكوفه على الفلسفة القديمة ومن السهل فيما نرى تعليل هذه النكبة بتلك التحزبات السياسية وإلى الخصومة الشخصية العنيفة بين البيتين وإلى تضارب آراء رجال الديوان والوزراء في بغداد فكل أسرة من هاتين الأسرتين تتحزب إلى فريق من المعنيين بالسياسة في بغداد أو يتحزب إليها فريق من هؤلاء وذلك على عهد الخليفة الناصر ولما كان شمس الدين أبو المظفر قزوغلي التركي الشهير بسبط ابن الجوزي سنة ستمائة وأربعة وخمسين ملماً بهذه الأحداث والمحن، التي كان لأخواله من آل الجوزي نصيب وافر منها فإنه سجلها في كتابه مرآة الزمان كما سجلها من بعده غيره من المؤرخين)[146]( ويلاحظ أن سبط ابن الجوزي كان معنياً في الطعن بالشيخ عبد السلام الجيلي لأنه نكب أحد أخواله من آل الجوزي ونفاه إلى واسط حينما ولي النظر في المظالم من قبل الخليفة وقد شهد بفسق الشيخ عبد السلام وفجوره وأشار خاصة إلى قصة ابن يونس وزير الخليفة من أخواله وكيف بدد الوزير المذكور شملهم وفعل معهم كل قبيح حتى بدد الله شمله ومزقه كل ممزق ومات أقبح موتة على ما قاله السبط المذكور.
غرائب الاتفاقات
ومن غرائب الاتفاقات في هذا العصر أن تضطهد الفلسفة وحملتها في الأندلس والمغرب وتنتابهم تلك المحن التي انتابت فلاسفة المشرق في بغداد وغيرها ومن أشهر هذه المحن التي جرت على فلاسفة الأندلس في عصر المرابطين محنة أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن رشد الحكيم وهي أشبه بمحنة عبد السلام الجيلي فقد كان لسعايات أرباب الحسد من أهل قرطبة دخل كبير فيها وقد استُدعِيَ ابن رشد إلى مجلس السلطان كما استدعي عبد السلام وجرى التحقيق معه ووجهت إلى ابن رشد نفس الأسئلة التي وجهت إلى عبد السلام بشأن ما وجد عندهما من الوثائق والأوراق فأنكرها ولكن السلطان أمر بإخراجه على حالة سيئة وإبعاد من يتكلم في شأن هذه العلوم وكتبت الكتب إلى البلاد بإحراق كتب الفلسفة كما مرت الإشارة إلى ذلك.
نجم الدين النخجواني
هو من فلاسفة منتصف القرن السابع ذكره ابن العبري)[147]( في عداد حكماء هذه الفترة «كان ذا يد قوية في الفضائل وعارضة عريضة في علوم الأوائل تفلسف ببلاده وسار في الآفاق وطاف ودخل الروم وولي مناصب الكبار ثم كره كدر الولاية ونصبها فارتحل إلى الشام وأقام بحلب منقطعاً في دار اتخذها لسكناه لا يمشي إلى مخلوق ولكن يُمشى إليه إلى أن مات بها وكان شديد الميل إلى مذهب التناسخ وله مؤاخذات على منطق الإشارات وشرحها أيضاً وتناوله الخونجي الأفضل بالاستنقاص وزيف أقواله في كتاب «الكشف» ونلاحظ أن نجم الدين النخجواني المذكور من الفلاسفة المغمورين فلم يرد له ذكر في الكتب المصنفة في تاريخ فلاسفة الإسلام ومنها تاريخ الحكماء للقفطي وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة إلى غير ذلك، وبعض المستعربين في تاريخ علم الطب عند العرب يعدون نجم الدين النخجواني بين الأطباء)[148]( وهو من المطعون فيهم بالميل إلى مذهب التناسخ كما أشار إلى ذلك ابن العبري وقد يكون إلى ذلك مرد خمول ذكر النخجواني في كتب التاريخ وليس من السهل فيما نرى إثبات هذه الطعون خصوصاً بعد الرجوع إلى كتبه التي وضعها في نقض فلسفة المشائين فقد لاحظنا أن النخجواني كأبي البركات يدعو إلى أخذ الحكمة المحررة في الشريعة المطهرة وإمامهما في ذلك أبو حامد الغزالي بلا ريب.
فلسفة النخجواني عن كتبه
فقدت أكثر كتب النخجواني التي صنفها راداً بها على منطق اليونانيين وفلسفتهم كما حررها ابن سينا وأضرابه فمن كتب النخجواني في هذا الباب كتاب ضخم سماه «نقض قواعد الإشارات وكشف تمويه الشفا والنجاة» زيف فيه النخجواني ـ على ما يقول ـ الفلسفة المنسوبة إلى المشائين المنتشرة بين أهل عصره قائلاً: إن هذه الفلسفة في الحقيقة شبهات ومغالطات طرأت على حكمة الأساطين الذين أخذوا علومهم من الكتب الإلهية، ولم نعثر على أصل هذا الكتاب ولكننا ظفرنا ونحن ننقب في البقية الباقية من مخطوطات الخزانة الغروية النفيسة على رسائل بخط الفيلسوف العراقي سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن كمونة لخص فيها بعض تصاميم نجم الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد النخجواني المذكور ومن جملتها كتابه في نقض قواعد الإشارات وكشف تمويه الشفا والنجاة، وقد عنينا بنقل رسائل ابن كمونة المذكور عن خطه ومنها رسالته التي سماها «زبدة النقض ولباب الكشف» لخص فيها كتاب النخجواني قائلاً في المقدمة إني «غير ملتزم بألا أخل بشيء من اعتراضاته ومناقضاته ولا أن آتى بعبارة وتركيب يفهم المقصود منها كل من يقف عليها بل ذكرت ما ذكرته بحسب غرضي لا بحسب غرض غيري» ولم أتعرض لشيء من شرحه للكتاب بل اقتصرت على الاعتراض والنقض فقط. وما كان منه نقضاً لما يعلم قطعاً أنه غير مقصود لصاحب كتاب الإشارات لم أذكر بل ربما ذكرت مناقضه وربما يكون مقصوداً له، وأكثر هذه الاعتراضات والمناقضات التي ذكرتها يمكن الجواب عنها وهذا إنما سطرته بعد تلخيص للكتاب الذي سماه: لباب المنطق وخلاصة الحكمة».
من ذلك يعلم أن ابن كمونة وهو من فلاسفة المائة السابعة وقف كما قلنا وسطاً بين المشائين وخصومهم كأبي البركات صاحب المعتبر ونجم الدين النخجواني صاحب الكتاب المسمى «نقض قواعد الإشارات».
لباب المنطق وخلاصة الحكمة
ظفرنا بنسخة من الكتاب لمؤلفه نجم الدين النخجواني بين البقية الباقية من مخطوطات الخزانة العلوية الشريفة بالنجف الأشرف وذلك في سنة 1911م وكانت النسخة بخط الفيلسوف ابن كمونة فرغ من نسخها في صفر سنة ثمانين وستمائة هـ وفي خاتمة النسخة يقول الناسخ «نقل من نسخة سقيمة وقد نقلته كما وجدته وفيه غلط كثير فينبغي أن يقابل بنسخة صحيحة إن وجدت» والواقع أن الغلط في النسخة كثير جداً كما قال الفيلسوف الناسخ وقد اهتدى كاتب هذه الكلمة بقرائن الأحوال إلى إصلاح بعض الأغلاط وترك كثيراً منها على صورتها التي جاءت فيها كما فعل ناسخ الأصل المخطوط.
يستنتج من تصفح هذا الكتاب أعني لباب المنطق وخلاصة الحكمة للنخجواتي أنه ملخص لكتاب ضخم له سماه «نقض قواعد الإشارات وكشف تمويه الشفا والنجاة» وفي مقدمة اللباب يصف الأصل بالإطناب قائلاً: «وجدت الكتاب قد امتد طوله وتعسر نيله لكل أحد وحصوله، والأصول الصحيحة التي قررتها فيه متفوقة في خلال الاعتراضات والنواقض والمطالبات قل من يهتدي إلى وجه ارتباطها ويتمكن من التقاطها إلا المبرز في العلوم الحكمية والمباحث العقلية فرأيت أن أجمع عيون نكت تلك الأصول في مختصر على طريق الفصول يجمع إلى الإيجاز إظهار الحق الصريح والمذهب الصحيح فيجد من درس من رسوم الأساطين الراسخين ويناقض مغالطات المنحرفين ويوافق الحكمة المحررة في الشريعة المطهرة فتكون الحجة أحمدية والحكمة أحدية وأضفت إليه مختصراً في المنطق تحررت فيه من أغاليط عرضت للناقل إلينا ولمن بعده وحللت شبهاً عرضت لأبناء زماننا وسميت الكتاب ب: «لباب المنطق وخلاصة الحكمة».
وقد رتب كتابه على ثلاث جمل: الجملة الأولى في المنطق وهي مقدمة وخمسة فصول. الجملة الثانية: في خلاصة الحكمة، وهي تشتمل على إيراد جملة من النكت والشبه ودفعها وإبطالها. الجملة الثالثة: في المقاصد وهذه الجملة تشتمل كذلك على نكت وإيراد أوهام مع دفعها وشُبَه مع حلها وأسئلة مع أجوبتها والمؤلف يحيلنا كثيراً على كتابه الكبير أو الأصل الذي لخص عنه هذا المختصر الذي سماه: «لباب المنطق وخلاصة الحكمة».
مثال من الكتاب
شبهة: «إذا كان الخالق مريداً للخير طالباً للمصلحة وكان الكل منه أو مضافاً إليه وما سواه فهو من الوسائط المسخرة فالشر ممن؟».
حل: «الأقسام بحسب القسمة الفعلية خمسة الخير المحض، والغالب فيه الخير، وما يتساوى فيه الخير والشر، والشر المحض، والغالب فيه الشر، والثلاثة الأخيرة يمتنع إيجادها من الخالق والقسمان الأولان يجب إيجادهما ولا يجوز الإخلال بشيء منهما إذ لا يجوز ترك ما كثر خيره لأجل شر يسير فيه وخالقه يكون خيراً وتاركه يكون مفوتاً للخير وشريراً في الحقيقة والشر على غير هذا الوجه ممتنع الوجود، ثم أنه في الزول والانعدام إلى أن لا يبقى منه شيء ثم أنه من نفس المخلوق ولوازمه عند التأمل لا من الخالق الحكيم فالخالق لم يخلق الشر أصلاً بل خلق المشوب بالشر وأخلصه مما يشوب الشر وإنما ذلك الشر الذي يضاف إلى الخالق ففي أوهام غير العارفين بالقياس إلى الأمور البدنية ومخالفة أهوائهم فيحسبون الخير شراً وأما العارف فليس يرى الشر من الخالق أصلاً ولا يجد الشر وهذا معنى قول أساطين الحكمة الشر لا وجود له والكلام في هذا طويل».
نكتة: «لا بد من أن الخالق تعالى محيط العلم بالغ الحكمة كامل القدرة وإنه خالق الإنسان على ما يعلم من الإحسان والإتقان مواتاة أعضائه للفعل والانفعال تبين أن الغاية المطلوبة منه ليس هو التمتع بالحياة الدنيوية فقط فإنها مشوبة مكبرة سريعة الزوال ولا أمراً زائلاً منقطعاً فإن الزائل المنقطع كلما كان أحلى كان خوف زواله أمَرّ فلا تصلح غاية لمثل هذا الحكيم بل الغاية نعيم دائم وسعادة سرمدية فلا بد للإنسان من نفس باقية قابلة للابتهاج بالنعيم الدائم فهي غير البنية المتغيرة الفانية والبنية آلتها في الاستكمال وهي الإنسان بالحقيقة وسمي نفساً وروحاً وقلباً» هذا ما قاله في النكتة المذكورة وقد ألحق فيها إيضاحات تحت عنوان «تفريع» صرح فيه «بأن البدن الواحد تستكمل فيه نفوس كثيرة متفاوتة في رتبة الاستكمال وتنتهي الرتب إلى نفس واحدة وهي الحاكمة الآمرة لغيرها، وكون الإنسان عالماً بأن نفسه واحدة ينافي أن تكون لها أعوان وخدم وأن تكون تلك هي الآمرة الناهية وهي النفس المطمئنة والخوف في كيفية سياسة هذه النفس لسائر النفوس التي في كفالتها ورعايتها وسلطتها عليها أو انخداعها واغترارها بتسويلات بعض هذه النفوس أمر صعب المرتقى لا يتأتى إلا للراسخين المطلعين على أسرار الإلهية، ومن حصر عليه ذلك سهل علاج أدواء النفوس».
هذا النص ما قاله في القسم الثاني من هذه الجملة وربما كان ظاهر كلامه هنا هو الباعث على غمزة بالميل إلى مذهب التناسخ كما ورد في كلمة ابن العبري في تاريخ مختصر الدول، وللمؤلف نجم الدين النخجواني أقوال شبيهة بهذا القول في هذا الكتاب فقد قال في موضع آخر «أن النفس تتعلق ببدن آخر إذا فارقت هذا البدن ولكن لا يكون ذلك البدن على تأليفه بعينه بل البدن فكيف إذن حل بالكلية وتفرقت أجزاؤه» ثم قال «نحن لا نتشدد في ذلك بل الذي نجزم به أنه لا بد للنفس من بدن آخر» إلى أن قال والخالق هو العالم بصلاحية الأبدان للأرواح في أحوالها والمناسبات التي بينها وإنه من أي الأجزاء التي يؤلفها وللقدماء والحكماء الراسخين في تفصيل النشأتين خوض ما لكن ذلك بحر عظيم من العلم إنما يخوض فيه من عرف الاطلاع على طرف من علم تأويل التنزيل فاجتهد أن يكون منهم وقد بينا أن ما ذكره القوم في امتناع حشر الأجساد باطل وأن ذلك يقتضي أن يكون شرط الوجود أكثر من الخير.
يلي هذه النكت والأسئلة والأجوبة في الكتاب المذكور بحوث في معاني التوحيد والنبوة والخلافة أو الإمامة والمعاد والثواب والعقاب وكل ذلك معزز بالشواهد من آي الكتاب والأحاديث الشريفة المأثورة حاذياً في ذلك حذو الباحثين من أئِمة المسلمين في أصول العقائد، وأراؤهم هنا تنافي ما يستظهره بعضهم من بحثه عن انتقال الأرواح بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت فإنه رأي باطل بالإجماع.
ابن كمونة
من أشهر فلاسفة العراق في أواخر عصر الدولة العباسية وأوائل العصر المغولي واسمه كما وجدنا بخطه «سعد بن منصور بن سعيد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة». ولد ونشأ ببغداد ولم نجد له ذكراً في عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة. ولا في كثير من كتب التاريخ التي عنيت بحوادث المائة السابعة إذا استثنينا بعض كتب مؤرخ العراق ابن الفوطي فقد ترجم ابن الفوطي لابن كمونة في تلخيص مجمع الآداب)[149]( وتعارفا عن طريق المراسلة فبعث ابن الفوطي إلى ابن كمونة رسالة من بغداد أجابه عنها ابن كمونة من الحلة ولقد لجأ إليها بعد هياج عامة البغداديين عليه في قصة ذكرها بعض المؤرخين)[150]( وأنها نشأت عما جاء في كتاب ألفه ابن كمونة وأسماه «تنقيح الأبحاث عن الملل الثلاث»)[151](.
اشتهر ابن كمونة ببعض الآراء والشكوك التي أثارها في بحوثه ومنها شبهة دعيت في محافل النظار المتأخرين «شبهة ابن كمونة» وصار حلها ومناقشتها الشغل الشاغل لهم وكتبت عنها رسائل غير قليلة حتى أن «الشيرازي» كتب رسالة في نقضها. والظاهر أن آراء ابن كمونة في كتاب الأبحاث وغيره أثارت سخط الساخطين فعني غير واحد بمناقشته والرد عليه وألفت في ذلك كتب منها «الدر المنضود في رد فيلسوف اليهود»)[152]( لمظفر الدين البغدادي المعروف بابن الساعاتي والكتاب المسمى «نهوض حثيث النهود إلى حوض خبيث اليهود»)[153]( للشيخ زين الدين (سريحا) بن محمد الملطي ثم المارديني الشافعي المتوفى سنة 788هـ وممن عني بالرد على ابن كمونة في كتاب الأبحاث أبو الحسن بن ابراهيم المعروف بابن محرومة أو محروقة المارديني وهو يورد نص أقوال ابن كمونة ثم يشرع بتفنيدها ويقع كتاب المارديني في 163 صفحة)[154]( ومن ذلك نعلم مبلغ السخط الذي أثارته آراء ابن كمونة خصوصاً تلك الآراء التي وردت في كتاب الأبحاث.
مشربه في الفلسفة ومصنفاته
والغالب في ما نرى أن ابن كمونة عني بالتأليف في الفلسفة العامة على اختلاف مناحيها فلم يفرق بين فلسفة المشائيئن وفلسفة الإشراقيين بل جمع بين الفلسفتين، ففي المشائين عني بشرح كتاب الإشارات لابن سينا)[155]( وفي الحكمة الإشراقية كتاب التلويحات)[156]( للسهروردي، وعني كذلك بالتأليف في الكيمياء فذكروا له مصنفاً في الفن المذكور)[157]( وقد ظفرنا في البقية الباقية من مخطوطات خزانة المشهد العلوي في النجف برسائل غير قليلة في الفلسفة بعضها له وبعضها لغيره ولكنها كلها منسوخة بخطه وكان خطه جميلاً للغاية فمن مؤلفاته «تقريب المحجة وتهذيب الحجة»)[158]( ومن مؤلفات غيره التي نسخها بيده بعض كتب النخجواني ونبذ مقتبسة من مؤلفات البيروني والعرضي الرياضيين المشهورين.
تلخيص خلاصة الحكمة
من جملة ما ظفرنا به من مخطوطات الخزانة المذكورة رسالة لخص فيها ابن كمونة الكتاب المسمى (خلاصة الحكمة) لنجم الدين النخجواني قال في ختام نسخته: «هذا زبدة ما في خلاصة الحكمة المضمونة إلى لباب المنطق المشتمل عليها كتاب واحد تصنيف الإمام نجم الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد النخجواني ووقع الفراغ من اختيار هذا القدر منه في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وستمائة».
مختارات ابن كمونة من كتب الرياضيين
ومن جملة ما تضمنته هذه المجموعة المخطوطة لابن كمونة فصول علمية مفيدة بعضها منقول من كتاب القانون المسعودي للبيروني وكتاب الهيئة لمؤيد الدين العرضي الفلكي المشهور)[159](. ولابن كمونة مؤلفات وكتب غير قليلة توجد نسخ منها في بعض خزائن الكتب من عامة وخاصة كخزائن كتب الآستانة وإيران، ومن ذلك نسخة من شرحه لكتاب الإشارات والتنبيهات ونسخة أخرى من شرح له في كتاب التلويحات في السليمانية (تركية) تلخيص المحصل ضمن مجموعة في الآستانة. الحكمة الجديدة في آيا صوفيا وبغداد. الكافي لم يعرف موضوعه في بطرسبرغ. رسالة في العقليات في طهران. ويوجد له في خزانة المشهد الرضوي بإيران بعض الكتب منها كتاب اللمعة ألفه بإشارة فخر الدين محمد المؤمني القزويني المستوفى عند وروده إلى بغداد لصاحب الديوان شمس الدين الجويني وهو في كتاب الفلسفة)[160]( وكتاب المطالب المهمة من علم الحكمة)[161]( .
محمد رضا الشبيبي
أجنحة الفلسفة الإسلامية
أعدنا، في الجامعة اللبنانية، تعضية وتنظيم الفلسفة الإسلامية مأخوذة ضمن «الدار العالمية للفلسفة والفكر والإنسان». فقد وضعنا الجذع العام تحت تسمية هي القطاع الأورمي أو السنخي الذي يمتد حتى ابن خلدون. ثم تفرعت الدوحة إلى: الغصن أو الجناح العربي العثماني. هنا اعتبرنا أحمد بن مصطفى (طاش كبري زاده) وحاجي خليفة أبرز ممثلين لذلك. ثم ننتقل إلى الجناح العربي الفارسي، وقد تمثل هذا بشخصيات سنرى أدناه بعضها ولا سيما صدر الدين الشيرازي. يبقى جناحان هما: الإسلامي الهندوستاني أي التفاعل بين الفكرين هذين؛ ثم العربي الهندي أي الذي حققه على نحو هو الأبرز عند التهانوي، ثم محمد إقبال…
لا أعرف لهذا التصنيف أو النماطة محاكمة فارسية وذاك العمل التنظيمي ليس غاية بقدر ما هو منهج شمولاني في التفسير والتأرخة، وبالتالي في التطوير والتغيير الاستراتيجي ضمن الذمة العالمية للإنسان والمعنى والحقيقة…
ـ في المسعى للعودة إلى الفكر الأخلاقي، والاهتمام بالعقل العملي في قطاعه السياسي الاجتماعي، كان من اللابدي تفحص الفكر الفلسفي المعياري عند نصير الدين الطوسي. وبداية الكلام هي، الآن وهنا، والتنبه إلى أن الطوسي. وبداية الكلام هي، الآن وهنا، التنبه إلى أن الطوسي كان معروفاً بالعربية؛ لكنه لم يكن قط غرضاً لدراسة مستقلة؛ ولم يكن يدرّس في الجامعة، ولا هو شكل يوماً جزءاً من المقررات التدريسية الجامعية. فالمنهاج، أو برنامج التدريس، كان يتوقف عند ابن خلدون ويقفل أبواب التاريخ والفلسفة.
وتبقى أطروحة علي مقلد، في الجامعة اليسوعية (بيروت، الأولى التي قدمت الحكمة (الفلسفة) العملية عند الطوسي. تلتها أطروحة ثانية، في الجامعة عينها، عن الطوسي، لكنها لا تهم موضوعنا هنا، ولا تقلقه أو تثريه)[162](. أما رسالة الماجستير، في الجامعة اللبنانية، التي قدمها صادق فضل الله، فهي الأنفع.
ـ كنا نقرأ الدواني (ت 1501م)، في ترجمة إنكليزية سقيمة لنصه الفارسي، فعلها تومبسون (Thompson) في لندن، 1839. وسرعان ما كان يظهر الدواني، في كتابه «أخلاق جلالي»، معدلاً ملخصاً، بتبسيط وترويج، كتاب «أخلاقي ناصري» للطوسي. وكان كتاب روزنتال، وهو أيضاً بالإنكليزية، الفكر السياسي في الإسلام الوسيطي (كامبردج، 1962)، يقدم تبسيطاً تلميذياً أو للتعليم من عدة صفحات (ص 210 ـ 223؛ أيضاً، ص 299 ـ 305).
تأخرنا كثيراً، في الجامعة اللبنانية واليسوعية، حتى استطعنا أن نقرأ ترجمة عربية لكتاب الدواني. وكان للطالب صادق فضل الله حظ في توفير تلك الترجمة؛ فقد نوقشت أطروحته للدكتوراه، التي حللت جيداً فكر الدواني أو فلسفته العملية، في 20 آذار، 1999 (رآ: زيعور، ذكريات العقل الجامعي العربي…، ص 331 ـ 332) )[163](.
ـ أثبتت الدراسة النقدية للفكر التربوي للقطاع الأساسي من سياسة المنزل وبالتالي من العقل العملي أو الفلسفة العملية في التراث، أن الشهرزوري منتج يستحق إنتاجه الفكري أن يوصف بالبارع وذي الجودة والنضج. وتوفرت للباحث، والمعني بسياسة القوت والمرأة والولد والخدم وللمعني أيضاً بسياسة الذات والفكر الأخلاقي، نصوص ذلك الشهرزوري. فقد أزلنا عنه النسيان، ورفضنا إبقاءه مغموراً مهمشاً أو مطروداً، واستعاد موقعاً هو من حقه، وواجب إقراره.
لا أظن إن إعادة توزيع المكانة والدور، للمفكرين المستعادين المعاد تأهيلهم وصقلهم وتثميرهم، أوقعتنا في مبالغة. وأنا لا أظن أننا أسرفنا في تقدير عطاء الشهرزوري غسلاً لذنب تجاهه، وليس في تلك العودة إلى التراث تعويض، أو تغطية الجراح، أو عقاب ذاتي ومحو لمشاعر بالتقصير.. ليس في تلك العودة لضبط الشخصية الإسهامية المستقلة للتربويات والسياسيات وللفلسفة المعيارية بعامة، مشاعر بالافتخار، ولا تكون ظاهرة التنظيم الذاتي المستمر المرن مغامرة، إنها رهان حضاري ورغبة استراتيجية بتنمية كلية شاملة متوازنة أي تنمية على النوع الأسرع والأدق، الأكثر والأبقى، الأمنع والأجود.
الشيرازي: غرس الأفهومات
وصقل الأسئلة
يتميز نص صدر الدين الشيرازي بتعدد إمكاناته، وتنوع قراءاته، فمن السوي أن نعطيه تفسيرات مبتكرة، وتأويلات اجتهادية، وجديدة. ثم أن هذا الغنى في خطابه يتكافأ مع ثراء في الموضوعات الفلسفية التي نستطيع استخراجها أو مقاربتها انتهاضاً من مذهبه في الكائن والنظر والسياسة، أو في الألوهية والفلسفة والنفس، أو في المتعاليات والجوهري والماهويات كما في المحسوس أو المادي والعياني والوضعي والشيء، في الإيماني واليقيني والمتخيل كما في المجرد والثواب والمفارق والقيمي…
اعتنت مدرستنا الفلسفية الراهنة بتحليل نقدي، ومن ثم استيعابي وتغيّؤا لإعادة التعضية والبنينة، للطرائق أو القراءات التي عهدناها في مقاربة القول الفلسفي في تجربة الشيرازي الفكرية.
لا تتمتع بالمنعة والاقتدار على التنوير والتطوير بالعقل قراءة الشيرازي على نحو هو، على سبيل الشاهد، أيديولوجي. إن التأويل اللاهوتي النزعة (اللاهوتاني) لفلسفة الشيرازي، أعجز من أن يبقيه شخصية مستمرة، وراهنة باستمرار، في داخل الدار العالمية للفلسفة، أنا ألفظ الحكم عينه في صدد قراءته تبعاً لرؤية غير نقدية، أو لاعتناق نصه، والفناء في خطابه بغير محاكمة تكون تبعالاً لأصول (قوانين) تغيب الإشارة إلى النقائص أو مانعات التكيف مع خصائص هذه الثورات للعلم وما بعدها من منعطفات في النظر والإنسان المتعولم والحقيقة بحسب فلسفة ما بعد الحداثة.
يتمثل التيار العرفاني، داخل بنية الفلسفة العربية الإسلامية، بالفارابي، مروراً بابن سينا، وإخوان الصفا، والغزالي. وقد بلغ أوجه، أو تتوّج وسيطر، على يد الشيرازي. ويعني هذا أن ذلك التيار مميز، وقسم منا، وهو فينا، ونسغ أو أساس وتاج في قطاع فلسفة الدين داخل الفلسفة العربية الإسلامية، وفي قطاع العبادات والفقهيات والكلاميات (را: فلسفات النبوة)، وحتى في تفسير القرآن)[164]( وفي التأويلانية وتفسير الأحلام ونقد النص وصناعة البلاغة..
غير أن هذا الحضور الطاغي للعرفاني، وبالتالي لما هو رمزي وإيماني ومتخيل، لا يحجب أو يمنع حضور التيار الآخر المختلف حتى لا أقول المناقض، أي التيار الذي قوامه وبنيته التمحور على المحسوس والمادي، الأرض والوجود أو الدنيائي و«الدهري» وهذا الواقع وهذا المجتمع، وهذا الجسد الإنساني الحي الفاني…
لا يكون تفسير الشيرازي تفسيراً محيطاً ومن ثم شمولانياً أي فلسفياً وغير إيديولوجي، إلا باعتماد الإدراك الكلي أو التكامل، الأجمعي الواحد الأبعاد، غير المضخم المنرجس وغير المضأل المسفّل نريد لقراءتنا أن تكون ذات كفاية وفاعلية، وذات مرونة ومعافاة، وأن لا تدير هذه القراءة المرغوبة طرائق تكون منجرحة أو ناقصة، سلبية أو رَيْثية…
ـ هنا نمط من الإدراك يكون قوامه ونسغه انعدام الحرية، ودفع الحواجز بين النص والمتلقي كالقارئ والناقد والمتذوق والمدرك… وتلييس (انعدام الوجود) المعاني الأخرى، أي العديدة والمختلفة أو المخالفة والرفضانية، يوقع في أسطرة المعنى الحرفي، والبعد الوحيد الواحد للقول أو اللغة أو الحقيقة.
إن العامل المذهبي يلغي الرؤية الأجمعية، ويؤخر التفسير بالعوامل المتزاملة. فالدافع الجزئي لا يوصل إلا إلى نتيجة جزئية ومجزأة وغير كلية.
وإرادة تعزيز مذهب ديني ليست تكون إرادة معرفة بقدر ما تتمظهر إرادة للسيطرة والإلغاء، ومنطقاً يستبعد ويقصي أو يحجب ويمنع… وفي ذلك التفسير تكثر الإواليات (الميكانسمات) الدفاعية أي الحيلية والمخاتلة، الإبدالية، والطمسية، التلميعية والإزاحات والتنكر للواقع، الانسحابية والإسقاطية والنكوصية والطفيلية…
لا تكون القراءة الأحادية الإدراك مستقلة أو حرة، ضرامية أو قادرة على تطوير ذاتها والتطوير المعرفي… وما ذلك التقصير والمثلب فيها إلا لأنها جامدة وتجمد، محكومة بالرغبة واللاواعي بالمسبق والجاهز والمخيل. (فا: تثمر بعض المذاهب للقديس توما الأكويني، أيضاً، التفسير البروتستانتي للنص الديني والإنسان القارئ أو المفسر).
تمنع منهجية كوربان، أو رؤيته إلى النص الفكري وفهمه للقول الفلسفي العربي الإسلامي، التشخيص الدقيق الذي يُفضي إلى السيطرة على الإشكالي، وإلى الاقتدار على طرح الحل أي التحيّن. بفلسفة العلم، وبمقولات فلسفة الحداثة ثم ما بعد الحداثة، وبالنزعات لتغيير المعنى في الأخلاق والسياسة، في التاريخ والحقيقة، في تصوراتنا عن المادة والعياني والزمان، عن الإيماني والخيلة والحدسي، عن اليقيني والمسبق والإيديولوجي عن الرمزي والرقمي واللاواعي، عن المهمّش والآخر كما المختلف…
إن كوربان أسطر نفسه، وأضفى الأسطرة على شخصيات فلسفية كان من بينها، على سبيل الشاهد، صدر الدين الشيرازي… ولست الوحيد، ولا الأول أو الأخير، الذي يجرح ما عند ذلك «الاقتحامي»، الدخيل الحضاري الجارح والمنجرح: فهو أتقن نسج استعارات حول منهجه، ورؤيته إلى النص، وتصوره للحقيقة، وللفلسفة بعامة.
لقد قلت في «ذكريات العقل الجامعي العربي…» أن ذلك الرجل يُقطّع ويتخيّل، ويبتهج على غرار أي سادي أو تخريفاني أو جانح فكرياً وحضارياً… يصطاد في الأغوار، وبعين واحدة… وينقّب بعصابية وهذيان عن الرمزي ـ أو ما يتوهم أنه رمزي ـ رافعاً الحواجز والأسيجة الأيديولوجية بين بُنى الفكر الواحد. لقد نجح ذلك الرجل في التحول إلى أسطورة، إلى خرافة…
ربما تكون الجامعة اللبنانية أول جامعة عربية، وإسلامية، تقرأ ابن سينا والفارابي، وبعد ذلك آخرين كابن رشد وبخاصة الشيرازي، بمنظار وجوداني، وشخصاني، ومن ثم بتشديد على الكائن والكائنة والكينوني.
قراءة ما هو أنسانوي في الإنسان تكون ناجحة سياقياً وغير تقطيعية إن هي تعمل على تحليل المفاهيم الجوهرانية، وفكفكة ما يمنع الإنسان من أن يكون قيمة كبرى بل الأكبر، وغاية هي الأسمى أو المعيار والمحك والميزان… وهكذا فنحن نعيد إلى السوي تصورات الشيرازي، ومن هم نظراؤه في الفلسفة الإسلامية الأرومية، عن الإنسان والعقل، المعرفة والحرية، والسياسة والقيمة، الخير والحقيقة.
الإنسان المغموس المفعم بالاجتماعي والعياني يكون وحده مقصود الفلسفة. فالفلسفة تطرح مسائل عامة تهم الإنسان، كل إنسان، وكل ما في كل إنسان. وتكون الفلسفة غير جديرة باسمها ومشروعها إن كانت تمكث عند الإنسان المتميز أو اللاهوتي، المتربب أو الحكيم الإلهي، الإنسان الرباني أو الرب الإنساني… هذا الكائن فعلاً، هو هو هذا الموجود في هذه الدنيا، وأمام مصيره المأساوي بل ومحدودية علمه وعقله وحريته… تتساءل الفلسفة عن وجوده ومعرفته، كينونته وماله، طبيعته وقوله في الخير والحقيقة والمعيار، وتأخذه في أبعاده المنفتحة المتواضحة المتناقحة، الروحاني منها والجسدي، والإجماعي والتاريخي، العقلي واللاعقلي وغير العقلي، الإيماني والمتخيّل والوضعي…
هي القراءة التي تكون تكييفية للعقل المعهود مع روح العصر هذا وخصائص ما بعد هذا العصر. ومراد ذلك هو أنها تكون قراءة تفتش للإنسان عن المنعة، والاقتدار على الانتقال من الحادث إلى الحدث، ومن التلقي إلى التوليد والإسهام. كما هي تعني أيضاً أن المواطن المحلي يعي تماماً إنتماءاته الجديدة العديدة، والمتفاقمة امتداداً وعمقية، إلى فكر عالمي، ومستقبل عالمي، وفضاء تواصلي «عبر أوطاني» وعبر الحضارات والأزمنة».
قد لا تكون ناجحة صائبة كل تدبراتنا، أو إدراكاتنا الفكرية لخطاب قادم بل مستجلب من القرن السابع عشر، إن لم تكن التدبرات هذه منتجاً من منتجات أجهزة العقل المحارب ضد التزييف والجهل وآلام الإنسان، ومنتج منطق التفسير والتقويض والتفكيكية القاصد للتغيير، وأجهزة متعضية مسيطرة تزيح وتنزاح إلى الزمان الإلكتروني، والزمان الضوئي، وعصر الرقم والحاسوب والصورة أو الشبكة وما بعد هذه الشاشة وهذا الذكاء الاصطناعي وثورات العلم العديدة واللامتوقعة…
الدكتور علي زيعور
أثر الفلسفة الإسلامية
في الغرب
1 ـ قامت العلاقات الثقافية بين المسلمين وأوروبا المسيحية عن طريقين: أولهما طريق إسبانيا والآخر طريق صقلية ومملكة نابلي. وقد ارتبطت ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية باسم العالم اللاهوتي «ريمون» الذي كان رئيس أساقفة طليطلة من سنة 1130 إلى سنة 1150 ميلادية، وفي طليطلة كان المسلمون يعيشون جنباً إلى جنب مع المسيحيين، وكان وجودهم في عاصمة الملك ومقر رئيس الأساقفة مما دفع جيرانهم إلى الاهتمام بالحياة العقلية الإسلامية. وفي طليطلة أسس «ريمون» ديواناً للترجمة مهمته ترجمة أمهات الكتب العربية، فنقل الديوان بإشراف «جند يسالينوس» «المتوفى سنة 1151م» ومن بعده «جيراردي كريمونا» المتوفى سنة 1187م، كثيراً من التوجيهات العربية لمؤلفات «أرسطو» وكثيراً من مؤلفات «الفارابي»، و«ابن سينا» و«ابن رشد».
2 ـ وكان من أثر نقل المؤلفات العربية إلى اللاتينية أن بذل مجهود فكري جديد من المؤيدين والمعارضين، فامتدت آفاق النظر عند الغربيين، وأصبح للفكر العربي عندهم أثر بعيد.
3 ـ ومن المسلم به الآن لدى الباحثين الغربيين أن الفارابي كان له أثر كبير في فلسفة العصور الوسطى: ترجم كتاب «إحصاء العلوم» إلى اللغة اللاتينية، وأصبح في المدارس المسيحية ـ كما كان في المدارس الإسلامية ـ من المؤلفات التي لا يستغنى عنها. وقد أفاد منه «روجر بيكون»)[165](، وجيروم دي مورافيا)[166]( و«ريمون لول»)[167]( وغيرهم. وقد بين العلامة «فارمر» في بحث طريف عن «أثر العرب في الموسيقى» أن لكتاب «إحصاء العلوم» قيمة كبيرة عند المشتغلين بنظرية الموسيقى عند الأوروبيين، وأن منفعة الكتاب الحقيقية إنما هي في توجيه انتباه الغربيين إلى العلوم العربية التي أقبل عليها طلاب المعرفة منهم، وجدوا في تحصيلها والاستفادة منها، وخلص «فارمر» إلى كتاب المعلم الثاني قد ساق الباحثين الذين «تقاطروا من أنحاء الدنيا إلى أسبانيا الإسلامية» لينهلوا من معين المؤلفات العربية في الموسيقى، على يدي رجال مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن الصلت وابن رشد.
ويبدو مما بينه الباحث «دنن بركفسكي» في كتابه عن «إسبينوزا»)[168]( أن للفارابي في القرون الوسطى أثراً كبيراً على مفكري اليهود الذين ترجموا كتبه إلى اللغة العبرية، وأقبلوا على دراستها والانتفاع بها. ويبدو كذلك أن هذا الأثر قد امتد إلى العصور الحديثة عن طريق بعض علماء الدين من اليهود، مثل «موسى بن ميمون»، و«ابن جرسون» حتى وصل إلى فيلسوفهم «إسبينوزا» في القرن السابع عشر. والواقع أن من يقرأ مقدمة رسالة إسبينوزا عن «إصلاح الذهن» يسترعي انتباهه التشابه الواضح بين هذا الكتاب وكتاب الفارابي «فيما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة»؛ فإن تتابع الأفكار في الكتابين واحد، والباعث إلى التفلسف فيهما واحد كذلك، بل إن المقصد الأخيرفيهما واحد. وهو معرفة الله «للتشبه به بمقدار طاقة الإنسان على حد تعبير الفارابي».
ولا عجب في أن يجد «إسبينوزا» في مذاهب فلاسفة العرب التي ذكرها أساتذة اليهود، ما كان يعوزه عند أبناء دينه، من مثل «ابن جرسون» و«كرسكاس»)[169]( و«إبرهام بن عزرا»)[170](.
4 ـ ما كاد ينقضي قرن واحد على الترجمات الأولى للمؤلفات العربية حتى كان الرأي قد استقر عند الإفرنج على اختيار فلسفة ابن سينا ممثلة «للفلسفة الإسلامية» فقد ترجم «جنديسالينوس» كتاب «الشفاء» إلى اللاتينية، وترجم «جيراردي كريمونا» كتاب «القانون في الطب»، فأصبح كتاباً مدرسياً، يعول عليه في مختلف الكليات الأوروبية من القرن الثالث عشر حتى القرن السابع عشر. وبهذا الكتاب ارتفع شأن ابن سينا في الغرب، واتسع نطاق نفوذه؛ حتى جعله الشاعر «دانتي» في منزلة بين «أبقراط»، و«جالينوس»، وذهب «إسكالينجر» إلى أنه قرين جالينوس في الطب، ولكنه أسمى منه مرتبة في الفلسفة.
وقد بين الأستاذ «جيلسون» في سلسلة من البحوث القيمة، مدى الأثر الذي كان لابن سينا في الفكر الأوروبي في العصور الوسطى المسيحية، كما أوضح الصلات الوثيقة بين الفيلسوف الإسلامي واللاهوتيين المنتمين إلى مذهب «القديس أوغسطين»)[171]( وقرر أن الفلسفة الغربية في القرن الثالث عشر عبارة عن مختلف المواقف من أرسطو وابن سينا وابن رشد: يأخذ «الأوغسطينيون» من الأفكار الجديدة طائفة يكملون بها مذهبهم مع شيء من التأويل، وينبذون طائفة أخرى: يأخذون عن ابن سينا إشراق «العقل الفعال»، إلا أنهم يضيفون لله المعاني التي يضيفها ابن سينا لعقل فلك القمر.
واقترح «جيلسون» أن يطلق على هذا التيار الفكري في أوروبا اسم «الأوغسطينية النازعة إلى السينوية».
وبعد «جيلسون» أقبل الباحثون الغربيون على هذا الموضوع الخطير فتوسعوا فيه، وتناولوا مفكرين «مدرسيين» لم يكونوا أوغسطينيين؛ فجاء الأب «دوفو» ونشر سنة 1934 بحثاً عن «السينوية اللاتينية» في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبين فيه أن اللاهوتيين المسيحيين النازعين إلى السينوية كانوا يغترفون من منهل الفيلسوف الإسلامي، ويتخذونه مصدراً لإلهامهم، ولكن وجد إلى جانب هؤلاء مفكرون آخرون كانوا يتابعون مذهب ابن سينا حتى في الموضوعات التي تخالف العقيدة المسيحية، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم الأب «دوفو» اسم «ألسينويين اللاتينيين».
وأول مفكر مسيحي تأثر بابن سينا هو «جنديسالينوس» رئيس ديوان الترجمة في إسبانيا: كتب رسالة في النفس، بدأ فيها من ابن سينا، وانتهى بأوغسطين، وقد اقتبس براهين ابن سينا عن وجود النفس مبيناً أنها جوهر لا عرض، وأنها خالدة وروحية، واقتبس من ابن سينا أيضاً رمزه المشهور المسمى برمز الرجل «المعلق في الفضاء» الذي لا صلة له بالعالم الخارجي، ولكن فكره يكشف له أنه ذات مفكرة، وأنها موجودة. وهذا الرمز قد ذكره كثيرون من مؤلفي العصور الوسطى المسيحية؛ ولذلك كان من الممكن أن يكون ديكارت)[172]( قد اطلع عليه، فكان له صدى في تأملاته، ولا سيما أن الكوجيتو الديكارتي قريب منه مؤيد له.
ولعل مما يشهد بأثر ابن سينا عند المسيحيين في العصور الوسطى تلك الحملة العنيفة التي رفع لواءها «جيوم الأفروني»)[173]( لمقاتلة أرسطو «وأتباعه» (يعنى بهم الفارابي وابن سينا والغزالي). وهذا اللاهوتي يذكر ابن سينا في كتبه حوالى أربعين مرة معارضاً أقواله تارة، ومقتبساً تعريفاته وأمثلته تارة أخرى، يأخذ تعريف ابن سينا «للحق» بأنه ما يكون في الذهن مطابقاً لما هو عليه خارج الذهن، ويقتبس من ابن سينا تفرقته بين «الماهية» و«الوجود» كما يقتبس تدليله على أن النفس تدرك ذاتها بذاتها دون الحاجة إلى البدن، وهو ذلك الدليل الوارد في «الشفاء» و«الإشارات» والذي ذكره باسم رمز «الرجل المعلق».
أما «روجر بيكون» فهو يمثل تمام التمثيل ما سماه «جيلسون» اسم «الأوغسطينية النازعة إلى السينوية».
كان يرى في ابن سينا أعظم قادة الفكر العربي، وثاني فيلسوف بعد أرسطو، وقد أعجب بيكون بما وجد عند الفيلسوف الإسلامي من قوة التدليل على خلود النفس، والسعادة الأخروية وبعث الأجساد والخلق ووجود الملائكة.
والحق أن ابن سينا قد أضاف إلى الثروة الفلسفية والعلمية إضافات جعلته من مفاخر الإنسانية المفكرة.
5 ـ فإذا ما انتقلنا إلى ابن رشد وجدنا أن الإعجاب بشروحه لفلسفة أرسطو كان عظيماً في أوروبا حتى سماه «دانتي»، «الشارح الأكبر». ومن المشهور أن مدرسة «بادوا» بإيطاليا كانت تنتمي إلى مذهب ابن رشد، وأن «سيجردو برابان» كان زعيم المدرسة الرشدية في فرنسا إبان القرن الثالث عشر. ولقد ظل المذهب الذي نسب إلى ابن رشد متدارساً عند الأوروبيين في الكتب وفي الجامعات، من منتصف القرن الثالث عشر حتى أوائل القرن السابع عشر، ويجد الباحث في فلسفة «إسبينوزا» أن موقف ذلك الفيلسوف اليهودي من مسائل الفلسفة والدين والوحي والنبوة يشبه الموقف الذي سبقه إليه الفارابي وابن رشد، ولعل «إسبينوزا» عرف شيئاً من نظريات المسلمين عن طريق «موسى بن ميمون» وعرف فلسفة ابن رشد وخاصة عن طريق الطبيب اليهودي «يوسف دل ميديجو» أحد أنصار المدرسة الرشدية في القرن السابع عشر.
6 ـ ولا بد أخيراً أن نشير إلى فضل الفلسفة الإسلامية على الفلسفة اليهودية، وحسبنا هنا أن نذكر أن كتب أرسطو لم تنقل إلى اللغة العبرية، وأن اليهود قنعوا في معرفتها بما كتبه المسلمون من ملخصات وشروح، ولقد تبين للباحثين الغربيين أن أصحاب اللاهوت من اليهود قد ساروا خطوة خطوة في إثر فلاسفة الإسلام، وأن المفكرين الذين سبقوا موسى بن ميمون مدينون بمنهجهم وآرائهم في الدين لفلاسفة المسلمين. وأن كتاب «دلالة الحائرين» (لموسى بن ميمون) وإن يكن حافلاً بنقد آراء الإسلاميين ومحاولة تفنيدها والرد عليها، يجد قارئه في كل صفحة منه ما يشهد شهادة قاطعة بأهمية الفلسفة الإسلامية، وبعد أثرها على الفكر اليهودي.
7 ـ وبعد فما نحب أن يتسرب إلى وهم أحد من الناس أننا ننتحل الأسباب للإشادة بفضل المسلمين على غير حق؛ فالواقع كل ما أوردناه هنا في إيجاز شديد إنما هو مقتبس من شهادة علماء الغرب في العصور الوسطى، وفي عصرنا هذا؛ وهي شهادة تقطع في جملتها بأن ثقافة الغرب قد أفادت قسطاً موفوراً من المواد التي قدمها إليها مفكرو الإسلام.
ومتى درست مذاهب فلاسفة الإسلام حق دراستها ومتى نشر ما لم ينشر من آثارهم، كان لنا من ذلك نور يهدينا إلى تبين ما للفلسفة الإسلامية من منزلة جليلة في تراث الإنسانية الفكري.
إن فلاسفة الإسلام قريبون منا، وما يزالون يحيون فينا، ولن نتخلص من تاريخنا مهما أنكرناه، كما لا يستطيع الإنسان أن يخلع عن حياته السابقة مهما حاول أن ينسى ماضيه.
الدكتور عثمان أمين
مدرسة بغداد الفلسفية
والمقولات المنطقية
يعتبر أرسطو مصفاة الفلسفة اليونانية ومؤرخ خلاصتها وواضع منهجيتها والباحث في أقسام علومها، بعد أن اجتمعت لديه مساهمات الفيثاغوريين في العدد والنغم، والجدل الأيلي، في الواحد والكثير وقوانين بارمنيدس في الذاتية وعدم التناقض وحجج زينون ضد الحركة والتغير والفراغ، وتناقض هيراقليطس، وصراع أنباد وقليس من خلال المحبة والكراهية، وجدل السوفسطائيين، وإسهامات سقراط في الحدّ والماهية وديالكتيك أفلاطون؛ وغيرها، لتشكّل عند أرسطو (آلة ـ أوركانون ـ Organon) أداته في دراسة العلوم الرياضية والطبيعية والماورائية؛ والعملية؛ بهدف الوصول بها إلى نتائج يقينية.
وهكذا أصبح (المنطق) آلة الفيلسوف المختصة بدراسة صور الاستدلال وصور التعبير المشتركة بين شتى موضوعات الدراسة؛ بعد أن تحول إلى «علم قوانين الفكر الأساسية» بغضّ النظر عن موضوع ذلك العلم. «لا بل هو الشرط الأساس لكل علم، ولا بد من الإلمام به قبل طلب أي علم»)[174](.
وبذلك لايكون المنطق مدخلاً لهذه العلوم فحسب، بل ومنهجاً لها، مستقلاً عنها. ومع كون أرسطو، لم يستخدم كلمة (منطق Logic) في مجموعته، التي وصلتنا أصلاً. لكن الشراح، أو الرواقيين، هم الذين استخدموا بدلها كلمة (Logi) بمعنى الكلام المشتق من لوجوس (Logos) التي تعني «لب الفكر وروحه وجوهره»)[175](.
ويُرجع بدوي استخدام (المنطق) المقابل للأوركانون الأرسطي والديالكتيك الرواقي إلى الإسكندر الأفروديسي ثم شيشرون، فجالينوس)[176](.
أما الفندي، فيرى أن الرواقيين هم الذين أطلقوا كلمة (Logi) لأول مرة في التأريخ اليوناني، دلّوا بها على دراسة الكلام والفكر معاً (الألفاظ ودلالاتها) وقسموه إلى (جدل) و(بلاغة). أما استعمال كلمة (المنطق Logic) فيُعزى إلى الشراح)[177](.
وبين (المنطق) كمصطلح والمنطق (كمنهج) وقف العرب على (الأوركانون) الذي سماه أرسطو بـ(العلم التحليلي) الناشئ من رجوع العقل إلى نفسه، لتعزيز المنهج العلمي، وصولاً إلى الصواب وطلباً للحق. لذلك كان موضوعه عند هذا الفيلسوف، «أفعال العقل من حيث الصحة والفساد» (الصدق والكذب). يقع على رأسه هذا العلم التحليلي: المقولات)[178](. الذي هو بوابة الموضوعات المنطقية اللاحقة)[179](. ويتفوق على (مدخل تايساغوجي) فورفوريوس الصوري؛ لأنه من جنس عمل المعلم لأول، وألصقه بمنهجه. ويحق لنا أن نشبّهه بخارطة المنطق ودليل البحث (اللغوي والطبيعي والماورائي والأخلاقي والعملي). فإذا كان المنطق ـ كما نرى ـ خارطة الفلسفة ودليل العلوم، عند أرسطو؛ أو غيره فإن المقولات، هي مفتاح ذلك المنطق ودليله. وقبل أن نقف على إنجازات العرب في (المقولات) يستحسن بنا أن نقف قليلاً عند أرسطو، لنرى بعد ذلك نصيب فلاسفتنا من الأصالة فيها.
أولاً: أرسطو والمقولات
بين (المقولات) كمبحث (منطقي ـ لغوي ـ فلسفي) وبين كتاب المقولات الذي وصلنا عن أرسطو ثمة إشكالات، نريد تجاوزها، لنتحدث عن مبحث «المقولات العشر» الذي هو لب الكتاب وجوهره وغايته. فماذا قدم أرسطو فيه للبحث الفلسفي؟ وماذا أضاف إليه العرب؟ أسئلة هامة، أجاب عنها أكثر من باحث معاصر، أولهم الأستاذ مدكور الذي ظن ضآلة جدوى البحث في المقولات عند الفلاسفة العرب)[180](. وهو ما نترك بيان حقيقته إلى المصادر التي بين أيدينا عن الموضوع ونبدأ بالوقوف عند تسميتها وعددها وموضوعها وميادين استخدامها.
1ـ التسمية (مقولة = مقولات) (قاطيغوريا ـ قاطيغورياس).
نحن هنا إزاء مسألة تسمى «مشكلة المصطلح»، التي هي وراء كثير من اختلاف وجهات النظر، بصدد التأثير والتأثر اليوناني ـ العربي لا مجال لذكرها هنا، لكننا وجدنا «مقولة» هي ترجمة لقاطيغوريا اليونانية ـ التي تعني في اللغة «معنى قانونياً» يخصّ (الانتصاف) والاحتكام بين المتخاصمين، ويرى (ابن الطيب البغدادي ت سنة 435هـ/1042م) «أن قاطيغوريا، ليست لفظة دالة على نفس الانتصاف والاحتكام، لكنها تدل على الأقوال التي يوردها الناس بين أيدي الحكام وفي ما بينهم للانتصاف والاختصام»)[181](.
وفي رأي بدوي أن أرسطو لم يستعمل مقولة Katy yogtas، بل استعمل تسميات مثل «الأنواع الكلية العشرة»)[182]( أو تعني «الإضافة» أو «الإسناد» فالمقولة؛ أمر مضاف مسند أو محمول استخدمه الشراح)[183]( بالصورة التي وصلت إلى العرب لفظاً.
أما اصطلاحاً فالمقولة؛ معنى كليّ يمكن أن يدخل محمولاً في قضية ولا يخرج الجوهر من هذا التعريف)[184](. أما موضوعها؛ فهو الأمور المتصورة تصوّراً بسيطاً، وهي «الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين (المكان) والمتى (الزمان) والوضع، والتملك والفعل والانفعال» تفاوتت مواقعها بين هذا المبحث وذاك، وفي هذا الكتاب وغيره، وعند هذا الفيلسوف واللاحقين عليه، وظهر ذلك جلياً عند الفلاسفة العرب)[185](، الذين أدركوا مبرّرات هذا التبديل العملية.
وأرسطو نفسه لم يستقرّ على ترتيب واحد أو تسلسل، لكن الباحث يكتشف في ثنايا عرضه لمضامين هذه المقولات أن ثمة نسقاً، منطقياً، أو طبيعياً يوجب هذا الترتيب دون غيره لا سيما ما يخص منها مقولتي « الكيف والإضافة» ومقولتي «الفعل والانفعال»)[186](.
2 ـ العدد: دخلت مسألة «عشرية» المقولات من عدمها، دائرة البحث منذ وقت مبكّر، حتى ذهبت أقوال الباحثين في ذلك مذاهب شتّى؛ فقال البعض إن أرسطو كان في ذلك واقعاً تحت تأثير الفيثاغورية ونظريتها في العدد الكامل (المقدّس) (العشرة) وقال آخرون إن ثمة أثراً أفلاطونياً)[187]( أو من سوسبيوس؛ في المتقابلات والأجناس وقال غيرهم بالأسباب الصرفية، أو اللغوية والنحوية. كان أطراف هذه الآراء وأقربها زماناً إلينا تحليل (ترند لنبورج T. linbarg) الذي أورده بدوي)[188]( وهو يقدم لائحة نحوية مقابلة للبنية المنطقية للمقولات حينما جعل «الجوهر مقابل الاسم؛ والكيف مقابل الصفة، والكم مقابل العدد في النحو؛ والإضافة، اسم تفضيل، وأين ومتى، ظرفي مكان وزمان، والفعل والانفعال والوضع، أفعالاً متعدية ولازمة، والملك صيغة الماضي البعيد».
وفي ظن كرم أن أرسطو لم يذكر المبدأ الذي اعتمد عليه في تقسيم المقولات، وإنْ هو خلص من جملة الآراء إلى تفسيرين، رفض الأول وقبل الثاني وهما:
الأول: هكذا، هي المقولات؛ حصيلة جمع تجريبي استقرائي عند أرسطو، قامت على سبيل التجربة والملاحظة، دون سابق قصد أو تصميم حتى وهي تجتمع لديه في «عشر».
الثاني: تمثل نمطاً من أنماط النسق المنطقي المتكامل. وهو ما ذهب إليه توما الأكويني (1225 ـ 1274) (622هـ ـ 673هـ) في شرحه للمقولات في المقالة السادسة)[189](. حينما فحص وضع (المحمول) من خلال (ماهية الموضوع، مقولة الجوهر) و(صفات الموضوع، وهي الكم والكيف والإضافة) والعوامل الخارجة على الموضوع وهي (المبدأ الفعل) و(الغاية) ـ الانفعال ـ والملك، و(المقاس الزماني المكاني الوضعي).
وهناك من المعاصرين من رتّب هذه المقولات ترتيباً يقوم على العلاقة التي يقتضيها البناء المنطقي في ضوء مبحث الجوهر والعرض (الذي عرف به الفلاسفة العرب). وهو ما ظهر في مباحث برناو)[190]( وتسلر (زلر) مما لم يخرج عن تقسيمات توما الأكويني ذات التأثير العربي البيّن ولا سيما بالمباحث الرشدية كما سنعرف ذلك لاحقاً.
ويأتي من الباحثين العرب المعاصرين، بدوي، ليوفّق بين الإنجاز العربي في المقولات ووجهات النظر الغربية المعاصرة ليقرر)[191]( ما يلي:
1 ـ واقعية المقولات إلى جانب عقليتها، دون أن تخرج بها إلى دائرة العموم المطلق.
2 ـ وجودية المقالات ليست ذاتية وحسب، بل موضوعية أيضاً.
3 ـ منطقية المقولات لا تفسح مجالاً لدخول الحركة فيها، لأنها كلية عقلية.
ومع أن الملاحظة على تناول أرسطو للمقولات من حيث الترتيب والعدد أنه يخضع إلى اعتبارات داخلية)[192]( ـ لا مجال لذكرها هنا ـ غير التي وقف عندها من أشرنا إليه في السطور الفائتة، فليس عبثاً تفاوت اهتمامات هذا الفيلسوف، بهذه المقولة دون غيرها، ولا الحدود المنطقية التي ابتغاها ضمن دائرة المنطق أو الطبيعة أو ما وراء الطبيعة أو الأخلاق. فأسهب في الحديث عن الجوهر)[193]( والكم)[194]( والإضافة)[195]( والكيف)[196]( وأوجز بالفعل وينفعل)[197]( وابتسر بمتى وأين والتملك)[198](. وسبب إسهابه في مبحث الجوهر، هو كونه مبدأ المقولات وسر الموجودات، والحامل الأول في المباحث المنطقية والفلسفية والأخلاقية)[199](، والطبيعية)[200]( التي أثرت حتى بالرواقيين)[201](.
ثانياً: الفلاسفة المسلمون والمقولات
على الرغم من معرفة المسلمين المبكّرة لمقولات أرسطو التي عايشت المشرق طوال عشرة قرون، ولا سيما في مدرسة الإسكندرية؛ حتى وصلت إلى رجال بيت الحكمة البغدادية بأكثر من رداء، فقالوا فيها وعنها الكثير، مثلما قال فيها رجال مدرسة بغداد (الفلسفية ـ المنطقية) الأكثر وصولاً إلى ابن رشد، الذي أصلح منها الكثير وأوصلها إلى أيدي الغربيين، ولا سيما توما الأكويني، وغيره، ولكن أصحاب الموسوعة الفلسفية المختصرة)[202]( لم يشيروا في معرض دراستهم لمقولات أرسطو ووصولها إلى الأوروبيين، إلى جهود فلاسفة المسلمين بعد أن مروا من بويس أيسيوس مانليوس)[203]( (حوالى 480 ـ 524) إلى بطرس الإسباني (ق13م) )[204]( وتوما الأكويني، وديكارت وكانت… إلخ. مع أن عناية المسلمين بالمقولات تعود إلى مطلع القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، حيث كتب الكندي (ت 252هـ/866م) رسالة في المقولات العشر)[205]( ثم توسعت هذه الأبحاث في ما بعد على أيدي رجال مدرسة بغداد الفلسفية ـ المنطقية اللاحقون، فكتب الفارابي)[206]( المقولات الصغير والأوسط والكبير، وابن الطيب تفسير المقولات (الكبير) )[207](، ثم وصلت إلى الغزالي ليكتب عنها في معيار العلم)[208](. وخارج مدرسة بغداد، كانت المؤثرات تظهر في المشرق على يد إخوان الصفا)[209]( الذين أفردوا الرسالة الثالثة عشرة لهذا الغرض، وأفرد ابن سينا)[210]( كتاباً في منطق الشفاء ثم في النجاة ـ مثلما نجح ابن رشد في (المدرسة المغربية) من إعادة الوجه الأصيل للمقولات من خلال تلخيصها)[211](. وبعد ابن رشد كانت كتابات ابن ميمون وابن سبعين والإيجي وصولاً إلى البليدي، وإن أخذت هنا صيغة التأريخ أو الشرح)[212]( والمقارنة.
لقد عرف المسلمون مقولات أرسطو منذ وقت مبكر، من اليونانية أو مروراً بالسريانية، لا يهم! لكنها وصلت موشّحة بمؤثرات بيئية وعقيدية (سريانية نصرانية) لتصبح (عربية، إسلامية) حتى اتّهم العقل الإسلامي بسبب هذا التكييف والتمثيل الهاضم ـ بالتقليد والمحاكاة للإغريق؛ مع أنه ابتداء، ومنذ القرن الثاني للهجرة؛ أخذ يمنح ثوبه المسلم، إلى الوافد من الأمم الأخرى دون أن يهمل اللب الكامن في أصل ذلك الفكر. وفي مدرسة بغداد بالذات. كان العرب في موقفهم من المقولات ـ على رأي الجرّ ـ متفوقين على زمرتين من المهتمين بها. زمرة الشّراح ومدرسة الإسكندرانيين، التي زجّت مدخل فورفوريوس في منطق أرسطو، وبين الأوروبيين المتأخرين الذين درسوا المقولات بالواسطة)[213](.
1 ـ المقولات في مدرسة بغداد، ورائدها الكندي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي: سبقت مدرسة الإسكندرية غيرها في التعامل مع المقولات المعرّبة منذ زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز)[214]( (حوالى 99 ـ 101هـ/717 ـ 720م) ثم اتسع الاهتمام بها في بيت الحكمة البغدادي ومدرسة حنين)[215]( ومن هناك عرفها رائد الفلسفة الإسلامية الكندي)[216]( وهو يؤرخ لمقولات أرسطو)[217](، ويكتب رسالة عن المقولات العشر)[218]( ويتحدث عن الجوهر الذي اعتبره رأس المقولات، أما الكمية والكيفية فهما مقولتان، تأتيان بعد الجوهر، قرن بالأولى الحساب والموسيقى، وبالثانية الهندسة وعلم الفلك دون أن يكون بعيداً عن مباحث الجوهر والعرض أو الحامل والمحمولات التسع.
فبعد أن يعرّفنا الكندي بمضمون الكتاب «المسمى قاطيغورياس وهو على المقولات» يقول «أعني الحامل والمحمول، والحامل هو ما يسمى (جوهر) أما المحمول فهو ما سمي عَرَضاً محمولاً في الجوهر» غير معط له اسمه ولا حده. يقصد أرسطو. ثم يعدد المقولات التسع المحمولة على الجوهر وهي «كمية وكيفية وإضافة وأين ومتى وفاعل ومنفعل وله ووضع (نصبة الشيء) )[219](.
لقد تميز الكندي عن غيره ممّن درس المقولات باستخدامه مقولة (الفاعل) بدل (الفعل أو يفعل) الأرسطية. كما وضع هذه المقولة مع المنفعل قبل التملك والوضع!
أما غرض المقولات عنده فهو «القول على المقولات المفردة العشر» من الجوهر ومحمولاته التسع)[220](.
يقسم الكندي هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يدرس فيه الأصول والحدود، ويبين فيه معاني: الجوهر والعرض، مطبقاً فيها المقولات على العلم الطبيعي)[221](.
والثاني: المقولات العشر، وتحديد معانيها وأقسامها وخواصّها)[222](.
الثالث: ما يلحق بالمقولات.
بنية المقولات العشر الموزعة على أساس الجوهر والأعراض التسعة تنشأ من الأساس، وأعني به الجوهر الذي «هو القائم بنفسه، وهو حامل للأعراض، لم تتغير ذاتيته، موصوف لا واصف؛ وهو غير قابل للتكوّن والفساد»)[223](. ثم تأتي بقية المقولات)[224]( التي لم يخرج فيها الكندي عن العشرية)[225](.
2 ـ الفارابي ومباحث المقولات في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي: وقف أبو نصر (ت339هـ/950م) على مقولات أرسطو بعد أن وصلت إليه من روافد متعددة أهمها مدرسة بغداد وإنجازات بيت الحكمة؛ منذ أيام الكندي (ت 252هـ/866م) وصولاً إلى المنطقي متّى بن يونس (ت328هـ/940) أستاذ الفارابي في المنطق؛ وتلميذه في اللغة والنحو، وهو البارع في المنطق لا سيما المقولات منه. كما وقف على كتب أرسطو الثمانية، بعد أن وضع جانباً (إيساغوجي) فورفوريوس، مع عنايته به ـ لأنه لا يدخل ضمن مملكة الأوركانون الأرسطي)[226](. وأصر على أن يكون المقولات هو الكتاب الأول)[227]( لمنطق أرسطو.
ولما كان للشراح مبرراتهم في التعويل على (إيساغوجي) وجد الفارابي أن هذا التعويل رهن بطبيعة المصطلح والألفاظ واللغة، والأولى بالعرب أن يعولوا على مدخل ينطلق من فكرهم، ولغتهم، وألفاظهم، ونحوهم فأصبحت المقولات من اختصاص الكتاب الثالث من المختصر الأوسط الكبير)[228]( بعد أن استكمل كتاب التنبيه وكتاب الحروف، قال الفارابي «فينبغي الآن أن نشرع فيها ونبتدئ بالنظر في الكتاب الأول الذي يشتمل على أواخر أجزاء هذه الصناعة. وهو كتاب المقولات»)[229](.
درس الفارابي المقولات كموضوع فلسفي ـ منطقي دون أن يجاري أرسطو في تحديدها، بله في وظيفتها، باعتبارها أُطراً عامة يمكن الاعتماد عليها في تحديد ماهية الأشياء والأحداث. والعلاقات بين الأشياء، أو بين الأحداث أو بين الحدث والشيء.. إن المقولات هي بنى ذهنية من المفاهيم التزمت بشروط المنطق للتعبير عن خصائص الأشياء والأحداث والعلاقات، فهي على أساس هذا الفهم أطر نظرية قادرة على التعبير وتثير معنى في الذهن يدل على شيء»)[230](.
وهكذا مدّ الفارابي خارطة المقولات لتشمل جميع ميادين البحث الفلسفي والعلمي)[231]( والعملي واللغوي، على شمولية هذه المفاهيم وسعتها، الأمر الذي لا يجعل مجالاً للشك في قيمتها الفلسفية، لا سيما وهو يرسم مديات العلوم إلى حيث الفلسفة الأولى (علم ما بعد الطبيعة) الذي يقول عنه هو: «صناعة تنظر في الأشياء الخارجية عن المقولات. وتستقصي معرفتها في ما تحتوي عليه المقولات من جهة تلك الأمور وأسبابها حتى في ما تحتوي عليه منها»)[232](.
وتتجلّى وظيفة المقولات أكثر في مبحث العلم الطبيعي بعد أن أخبرنا الفارابي أنها تعرّفنا «ما هو هذا الشيء المشار إليه، وبعضها يعرفنا كم هو، وبعضها يعرفنا كيف هو، وبعضها يعرفنا أين هو، وبعضها يعرفنا متى هو، أو كأن يكون بعضها يعرّفنا المضاف، وبعضها أنه موضوع، وأنه وضع ما، وبعضها أن له على سطحه شيئاً ما يتغشاه، وبعضها أنه ينفعل، وبعضها أنه يفعل»)[233]( وذلك كما تنبئ تفصيلاته هو موضوع علم الطبيعة الذي قال عنه، «هو العلم الذي ينظر في جميع ما هو شيء شيء، وفي سائر المقولات التي توجب ماهية أنواع ما هو هذا المشار إليه أن توحد لها ويعطي جميع أسباب ما ينظر فيه»)[234](.
وفي تطبيق الفارابي للمقولات على (الطبيعة) لا بد أن يحفظ لنظرية المعنى والدلالة موازنتها، مع النسق المنطقي الذي ارتضاه للمقولات وهو يتحدث عن (الكليات) )[235]( وما تحتها ويعني بها:
أ ـ كلّي الجوهر أو العرض. ب ـ شخصيّ (جزئيّ) الجوهر أو العرض. فهما أساس التقسيم الذي طبّقه على الموجودات من خلال البحث عن:
1 ـ ما هو على موضوع: لا في موضوع أصلاً وهذا يختص بكلي الجوهر.
2 ـ ما هو على موضوع ما، وهذا يختص بكلّي العرَض.
3 ـ ما هو في موضوع لا على موضوع أصلاً وهو شخصي (جزئيّ) العرَض.
4 ـ ما ليس هو في موضوع، ولا موضوع أصلاً ويعني به شخص الجوهر.
ومن الجوهر يتحدث عن الأجناس العوالي قاصداً الأعراض التسعة الباقية التي تشكّل النسق العشري للمقولات في دائرة الطبيعة حيث يصبح (الجوهر) و(العرض) موضوعاً للأجناس، والأنواع، وإلى أن ينتهي إلى أنواع أخيرة، وتحت كل نوع منها أشخاص)[236]( فتتشكل من ذلك عشرة أجناس عالية، وفق منطق الجوهر والعرض)[237](.
إن أبا نصر يكثر من التطبيق الطبيعي للمقولات في مبحث الأجسام)[238]( وتتسع لديه إحداثيات خارطة المقولات فيستحق عن جدارة لقب المعلم الثاني بعد أن نجح في عرض نظرية (معنى اللفظ) و(دلالته الخارجية) التي تقسم المعرفة إلى ثلاثة دوائر: (العالم الخارجي) = (مصدر المعرفة) والإنسان = (الطرف العاقل) المتلقّي والجاد في اختصارها إلى أقل عدد ممكن من المبادئ (والألفاظ) التي يستخدمها ذلك الإنسان في التعبير عن ذلك العالم. وعلى هذا اعتُمدت مباحثه في الجوهر والعرض؛ فالجوهر على الإطلاق ـ كما يسمونه = الذات على الإطلاق «هو» جوهر الشيء؛ هو ذات الشيء وماهيته، فالذي هو ذاته في نفسه، وليس هو ذات الشيء؛ أصلاً هو جوهر على الإطلاق كما هو ذات على الإطلاق، لا يحمل على شيء آخر، حملاً غير حمل ما هو! ولا يقيد بشيء آخر، لأنه من كل جهاته، جوهراً لكل ما يحمل عليه صار جوهراً بالإطلاق)[239]( وبذلك تصبح المقولة «تعبير عن بُعدي المعنى والدلالة للمفهوم»)[240]( لأن المقول عند الفارابي)[241]( ـ قد يكون:
أ ـ له معنى ودلالة. ب ـ خالياً من المعنى وله دلالة، جـ ـ له معنى وخالياً من الدلالة. د ـ خالياً من الدلالة ومن المعنى. بعد أن طبق عليه قوانين الإيجاب والسلب (الحضور والغياب).
وقد يعني بالمقول حالات أخرى تتعلق بالقائل أو بالشيء أو بالوضع من حيث:
1 ـ ما كان ملفوظاً به:
أ ـ دالاً بلفظ ما، مركوز في النفس.
ب ـ غير دالّ.
2 ـ ما كان محمولاً على شيء ما.
3 ـ ما كان معقولاً.
4 ـ ما كان محدوداً.
5 ـ ما كان مرسوماً.
وهكذا يطبق الفارابي مقولته، على المعرفة بعد أن منحها منهجاً فلسفياً، لغوياً من أجل الإحاطة بالبحث العلمي، وهو العارف بحجم الإنجاز الذي حققه واستحق عليه لقب المعلم الثاني، بفضل الجهود العقلية التي بذلها وهو يفحص الوجود بمعايير العقل الإنساني؛ وأمامه مقدمات أرسطو في مبحث ما قبل المقولات)[242]( موضوعة على طاولة النقد والتشريح! والجرح والتعديل، وهو العارف بخصائص اللغة والعقل العربيين.
3 ـ المقولات في مدرسة بغداد في القرن الخامس الهجري عند أبي الطيب:
زادت عناية المناطقة بالمقولات في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي بفضل جهود رجال مدرسة بغداد، الذين لم يكتفوا بالحديث عن المقولات ومشكلاتها المنهجية والتأريخية، وتطبيقاتها المتنوعة، بل ارتقوا بها إلى ما يمكن تسميته بـ«فلسفة المقولات» أو جغرافية المنطق أو «علم إحداثيات الفكر» بفضل نضوج الدراسات)[243]( المنطقية النحوية نضوجاً بيّناً، وتلك ثمرة جهود المناطقة والنحويين، أنموذجهم في ذلك القرن الحوار الدائر بين السيرافي النحوي وابن بشر المنطقي)[244]( وما استقام لدى الفارابي وأبي السراج)[245]( فكانت نظرية الفارابي في منطق اللغة ـ التي تناولناها بإيجاز في الصفحات الفائتة، كل ذلك دفع مفكراً مثل الخوارزمي (محمد بن أحمد ت 387هـ/997م) لأن يضمّن رسالة الحدود ـ تعريفات للمقولات بمفاهيم نحوية فيقول «المقولة الثانية الكمّ بتشديد الميم، لأن (كم) اسم ناقص عند النحويين، الأسماء الناقصة وحروف المعاني إذا صُيّرت أسماء تامة بإدخال الألف واللام.. فكل شيء يقع تحت جواب كم فهو من هذه المقولة، وكل شيء أمكن أن يقدر جميعه»)[246]( وقال عن المقولة الثامنة «له… وهي نسبة المناطقة يسميها ذو، وبعضهم يسمّيها الجدة… وهي نسبة الجسم إلى الجسم المنطبق على بسيطه»)[247](. ومثل ذلك كثير، وهو فوق طاقة هذه الدراسة الموجزة.
وها هي مسيرة «المقولات» في مدرسة بغداد؛ تقطع قرنين ونيفاً، وهي تحظى بعناية الرجال وزيادة تدقيقهم فيها بعد أبي بشر وأبي نصر، على أيدي يحيى بن عديّ (ت 364هـ/974م) وأبي الحسن العامري (ت 381هـ/991م) وأبي سليمان المنطقي (ت399هـ/1007م) وغيرهم من رجال المدرسة)[248]( حتى انتهت النوبة إلى شيخ المناطقة بعد، السجستاني. وأعني به أبا الفرج ابن الطيّب البغدادي)[249](، الذي ترك تراثاً منطقياً، علمياً وفلسفياً ثرياً. وعن المقولات، وصلتنا دراسة قيّمة قلّ نظيرها)[250]( وإن هي اختفت وراء النظرة الهامشية لجهود المفكرين المسلمين الشراح، لكنها استكملت إنجازات المعلم الثاني)[251]( إلى الحد الذي تداخلت فيه مؤلفات الفيلسوفين المنطقية)[252](. وتفوقت على غيرها من نشاطات منطقية بدأها إخوان الصفا)[253](، أو استكملها ابن سينا)[254]( وهذّبها ابن رشد)[255](.
لقد قدم ابن الطيّب دراسة مستفيضة لمشكلة المقولات التأريخية وأخطاء الباحثين، ومسألة العدد ومنهج دراستها، وملاحظاته عليها، إلى جانب دراسته المستفيضة عن كل واحدة من المقولات، حتى خرج عن حدود الشرح المألوفة، إلى دائرة التنظير، حتى فاقت ـ في ظنّي ـ دراسات ابن سينا عن المقولات وتعدّتها إلى الاختصاص الطبي)[256](.
نعم، إن إنجاز ابن الطيّب في دائرة المقولات، لم يزل محتفظاً بقيمته التأريخية، وهو يتحدث عنها بروح أرسطو مضافاً إليها الروح العربية والإنجازات اللغوية التي وصلت إليه من أسلاف مدرسة بغداد. أعني منهجية البحث المنطقي، قبل الطبيعي)[257](. وهو ما أدركه ابن رشد)[258]( لاحقاً. وأعني بذلك طبيعة ترتيب المقولات وتسلسلها وبنيتها؛ حتى ظهرت هذه المقولات في إيضاحات أرسطو؛ وتلميحات الفارابي الذكية، عند ابن الطيّب، وابن رشد في صيغة (4 ـ 2 ـ 4)، أعني بذلك رفع مقولتي الفعل والانفعال، من نهاية السلسلة إلى الموقعين الخامس والسادس)[259](، دون أن يغفل ابن الطيّب مسألة ترتيبها، في السياق الطبيعي. إلى جانب السياق المنطقي، المذكور آنفاً. فيقول بتقدّم الجوهر (الجسم) على الموجودات، ثم يليه (الكم) ذو (الطول والعرْض والعمق) المقدّم على الكيف لاقتران الجوهر الجسماني بالكمّ. أمّا (الكيف) (حارّ وبارد) فمقدّم على المضاف، ويمكن مشاهدته بالحس؛ و(المضاف) مقدم على الأين، لأنه لازم لجميع المقولات، و(الأين) ـ هو مكان الجسم الذي تحرك إليه بالإضافة ـ متقدم على (متى) التي تقدم على (له) لأنه تابع للحركة، والسبق والحركة؛ تتبع الجسم الذي هو في أين مقدم على القُنية. و(له) يكون جوهراً لأنه قنية مقدّم على الموضوع؛ و(الموضوع) يحدث من إضافة الجوهر إلى أشكاله، والشكل لا تضادّ فيه بسبب حدوثه من تقلّب الأشياء، ومقدم على (الفعل) والفعل مقدّم على الانفعال؛ لأن يفعل أشرف من ينفعل)[260](. والأخيران هما خاتمتا النسق الطبيعي للمقولات باعتبار الغايات النهائية للجسم في تقدّمه من الجوهر والكم فالكيف… لأنها في ذات الشيء (الجسم) كما قدّم المضاف على سائر النّسب (اللاحقة) القائمة بين الشيء وغيره؛ وهي (نسبة) عموم، غير مخصوصة.
أمّا عن معنى المقولة والمقولات ـ وهو العارف باليونانية والسريانية والعربية)[261]( ـ فقال ابن الطيّب: «القاطيغوريا إنما هي جميع القاطيغورياس. والقاطيغوريا: لفظة بسيطة دالة على جنس عال وعلى جميع ما تحت ذلك الجنس»)[262]( وعلل تسمية أرسطو لها على سبيل الاستعارة، قائلاً: «ولعل أرسطو إنما سمّى الألفاظ البسيطة الدالة على الأجناس العوالي، قاطيغورياس (الاحتكام) على طريقة الاستعارة، كما سمّى النفس في كتابه للنفس أنطاليليكيا ما؛ أي كمال ما، وسع هذا، فإن قاطيغوريا، ليست لفظة دالة على نفس الانتصاف أو الاختصام، لكنّها تدل على الأقوال التي يوردها الناس بين أيدي الحكام، وفي ما بينهم للانتصاف أو الاختصام»)[263]( وصولاً إلى اليقين من خلال انتظام الحجج وتسلسل الأدلة؛ من هنا أكّد ضرورة سبق المقولات الباحثة في الأجناس العوالي البسيطة لسائر كتب المنطق)[264](. كما ظهر تبدّل مواقع وتسلسل المقولات بحسب (الجسمية) أو (النسبة) أو (الإضافة) أو (الشكل) المنطقي)[265](، مما لا مجال للإفاضة فيه هنا.
ومع امتداد هذه الدراسات المنطقية، لمدرسة بغداد خارج)[266]( هذا المركز العلمي الشامخ (في المشرق كان ابن سينا يحرص على متابعة خطاها))[267](، وفي المغرب كان الامتداد يتّسع في دائرتي المكان والزمان حتى طال ابن رشد. وجدنا امتداد مشيخة الدرس المنطقي، بعد وفاة ابن الطيّب (سنة 435هـ/1042م) حيث ترأسها تلميذه، الطيّب، ابن بُطلان (على كثرة تلامذة ابن الطيّب المبرّزين)، وصولاً إلى أبي حامد الغزالي، الذي كان بمثابة العلامة الأخيرة الدالة على الاهتمام المنطقي في هذه المدرسة، لا سيما وهو يحثّ في كتبه المنطقية على ضرورة التمكّن من المنطق لمن أراد الوثوق بعلمه باستثناء (الإلهيات) التي لم يسمح فيها من المنطق إلا للمقولات حيث بثّها في مباحثه الماورائية)[268](. وبخلاف ما ظن الدكتور مدكور وهو يقدّم لمقولات (ابن سينا)، وقوله بلا جدوى هذا المبحث في نظر هذا الفيلسوف، من أنّ الغزالي أهمل المقولات في كتبه المنطقية جرياً وراء الموقف السينوي)[269](، وجدناه في معيار العلم، يتناولها بدقة متناهية كدقة ابن سينا وبذات التسلسل الطبيعي المعروف)[270](.
فالكلي لديه هو «الذي لا يمنع نفس تصوّر معناه عن وقوع الشركة فيه وإن امتنع، امتنع بسبب خارج عن نفس مفهومه ومقتضى لفظه»)[271]( وهو يقر بحقيقة المقولات العشر وجوداً معلوماً بمشاهدة العقل والحس)[272](. وليس في الوجود شيء خارج عنها؛ لكنها بناء عقلي شامل)[273]( محصور في الجوهر والأعراض، وإن هو اعترض على اختصار الأشياء (الأعراض) على تسعة لتبيانها الواسع)[274]( في الوجود.
وإذا ما تجاوزنا القرن الخامس، إلى القرن السادس الهجري، وجدنا دلالات الانكماش في البحث المنطقي لأنشطة مدرسة بغداد عديدة، منها موضوعية وذاتية، دخلت بعدها حلقة الشروح والحواشي. باستثناءات، امتدت إلى آفاق العالم الإسلامي المشرقية والمغربية أخصها بالبحث وأقربه من مسيرة المقولات في مدرسة بغداد، كان ابن رشد الأندلسي (ت 595هـ/1198م) الذي أعاد المقولات إلى صيغتها وأصالتها، بعد أن أزال عنها الكثير من الحواشي والتفصيلات، وصولاً إلى الهوية الأولى لهذا المبحث.
ومن الخطأ الظنّ أن ابن رشد قدّم تلخيصاً لمقولات أرسطو، وتلك حقيقة يدركها كل من يطلع على النصين الأرسطي والرشدي، لكن الذي توفرت له فرصة الوقوف على الإنجاز العربي في دائرة المقولات خلال القرون الثلاثة الممتدة من الكندي وحتى عصر ابن رشد، يدرك مغزى ذلك التلخيص، الذي وصل بابن رشد إلى إسقاط القسم (الثالث) المشكوك بنسبته إلى مقولات أرسطو)[275](، بعد أن استبعد كلياً فكرة أن يكون (إيساغوجي) وهو السابق على هذه المقولات)[276]( بخلاف ابن سينا، أصرّ على جعل إيساغوجي هو الكتاب الأول من منطق الشفاء وأخّر المقولات إلى المرتبة الثانية)[277](. وهو أمر اتفق عليه رجال المدرسة.
لقد تابع ابن رشد الترتيب المنطقي للمقولات (4 ـ 2 ـ 4) الذي وجدناه عند ابن الطيّب وقريب مما جاء عند الفارابي، ومثلما استقر في شرح أرسطو للمقولات، وأعني به وضع (الفعل والانفعال) في المرتبتين الخامسة والسادسة)[278](. مع محافظة الجميع على الترتيب الطبيعي، الذي يبدأ بالجوهر وينتهي بالغاية أي الفعل والانفعال. وحينما ينتهي إلى تطبيق ذلك على المباحث الطبيعية والجدلية يتحدث عن الجوهر والمقايسة كما وردت في كتاب المقولات لأرسطو)[279]( وعند الفارابي، وابن الطيب. وينتهي إلى القول: «وعلى هذا تكون مطالب المقايسة داخلة في جميع المقولات»)[280]( مسترشداً بمقايسة الفارابي في مقولة الجوهر، محتجاً على ذلك بما استعمله أرسطو في كتاب المقولات من مقايسة أشخاص الجواهر لا أنواعها.. وكذلك مقايسة المادة على الصورة»)[281](.
نقول هذا عن ابن رشد مع علمنا بحجم التأثير الذي تركه في أوروبا، وتوما الأكويني)[282]( على وجه الخصوص!
خلاصة البحث ونتائجه:
ومثلما دخل المنطق في صلب الإنجاز الفلسفي الإسلامي، الطبيعي والأخلاقي والإلهي والعلمي، كانت المقولات مفتاح ذلك المنطق وأبجدية مباحث الوجود، وجمّاع العقل العربي وهو يمتد من الجزئي إلى الكلي ومن الحسي إلى العقلي ومن المشخص إلى المطلق، ومن عالم الأشياء إلى النسق الشامل الذي يؤلفه الفيلسوف عبر استقراءٍ هو طريق المفكر إلى الاستدلال الأشمل، مثلما لا يكون للكاتب وصولاً إلى الجملة والمقطع دون الحرف والكلمة. هكذا هو شأن المقولات في الحياة والفكر.
وبين تعريب المقولات الأرسطية، وبين تمكّن المفكرين العرب منها، ثمة فترة للاستكشاف، أكملت معايشتها لأروقة الإسكندرية والسريان والأديرة، حتى علق ما علِق بها، مما لم يكن منها، وكان من أثقل هذه المتعلقات إيساغوجي فورفوريوس الصوري، بعد أن أصبح باباً للمنطق، وتراجعت المقولات إلى المرتبة الثانية بسبب هذا الباب.
أما رجال الفكر المسلمون فوقفوا يفحصون ويدققون، بدءاً بالكندي رائد مدرسة بغداد الفلسفية ـ المنطقية ومروراً بأبي بشر متّى بن يونس وصولاً إلى الفارابي، الذي تفلسف في المقولات، في ضوء نظرية المعنى والدلالة للألفاظ، وهو ما يدخل ميدان فلسفة اللغة (المنطق) بعد أن كان ذلك المنطق (آلة) فحسب! فقدم المجاميع (الصغير والأوسط والكبير) وبذلك فتح آفاقاً رحبة أمام رجال هذه المدرسة، اللاحقين، مثل يحيى بن عديّ والحسن بن سوار، والعامري، وأبي سليمان المنطقي وابن الطيب وابن بُطلان حتى أيام الغزالي. هذا في بغداد. أما في الجناح الشرقي من الدولة العباسية، فكانت تأثيرات هذه المدرسة واضحة على ابن سينا وهو يكتب عن المقولات مسايرة للقوم، وخشية من الموضوع! كان ابن الطيب في بغداد يؤرخ للمقولات ومنهجها ويفصل القول في مواقف السابقين جملة وتفصيلاً، حتى كان كتابة تفسير المقولات، بحق، إسهامة فلسفية ـ منطقية، حقيقة بالدراسة والكشف، إذ ما تعاملنا معها بغير نظرتنا السريعة لعلم الشرّاح.
هذا وغيره وجد صداه عند ابن رشد الذي حاول أن يعيد للمقولات سابق حدودها و(يُرشقها) بعد أن تضخمت، فكتب (التلخيص)، وكان عودة بالمقولات إلى شكلها الصافي. وبذلك أضاء الطريق أمام المفكرين الغربيين ـ وأقربهم إليه (الرشديون)، وتوما الأكويني من بينهم ـ مما يؤكد الفضل الإسلامي في هذا الباب. ومع كل ذلك وجدنا:
1 ـ تقصير أصحاب الموسوعة الفلسفية المختصرة في دراستهم لتأريخ المقولات بدءاً من أرسطو، مروراً ببويس أينسيوس مانليوس (شارح إيساغوجي) وصولاً إلى بطرس الإسباني وتوما الأكويني دون ذكر الإسهامة العربية بهذا الخصوص.
2 ـ عدم دقة العديد من الأحكام التي سجّلها الدكتور مدكور في مقدمته التحليلية الجميلة لكتاب المقولات من منطق الشفاء لابن سينا وهو يتحدث عن جدوى أو لا جدوى البحث في المقولات معتمداً على آراء ابن سينا التي عمّمها على الغزالي وابن سبعين.
3 ـ عدم دقة المعلومات الواردة في مقدمة تلخيص المقولات عن حقيقة هذا المبحث عند العرب وفي مدرسة بغداد بالذات، وكيف أنهم ظنوا بتعويل الفارابي على إيساغوجي قبل المقولات دون التنبّه إلى ما سجله الفارابي بيده، أو لبدائله التي اقترحها عن إيساغوجي (كالتنبيه والحروف). مع أن أصالة موقف مدرسة بغداد هي في إقصاء إيساغوجي والاهتمام بالمقولات! بعد أن درسوه جيداً ولم يجدوا فيه صلة نسبة بأوركانون أرسطو.
4 ـ على الرغم من تفاوت ترتيب المقولات، وضمور المسوّغات الكامنة وراء ذلك، وجدنا القاسم المشترك بين رجال المدرسة، ومناطق نفوذها، هو التمييز بين الترتيب المنطقي لهذه المقولات عن الترتيب الطبيعي والماورائي بالقياس إلى (النسبة) أو (الإضافة) أو (الشكل) أو (الحالة.
5 ـ أهمية ملاحظة النشار في كتابه مناهج البحث عند مفكري الإسلام، التي هدانا إليها الدكتور عبد الأمير الأعسم، والتي تقول بحاجة مبحث المقولات عند الإسلاميين إلى من يتصدى له بالبحث والدراسة من قبل المعاصرين.
6 ـ وبقيت إشكالية (ابن الطيب، أبو الفرج) كما تحدث عنها الدكتور بدوي في أول جزء من كتاب الطبيعة لأرسطو، كواحدة من دوافع البحث في هذه الشخصية البغدادية التي وصلتنا دراساتها الجيدة عن المقولات.
7 ـ إلى جانب الإنجازات المنطقية الإسلامية المفقودة تداخل، العديد منها مع بعضها بسبب تشابه الأسماء، أو العنوانات، أو الألقاب، والكنى، حتى تطلب الأمر تصدياً جريئاً لمثل هذه المعضلات بهدف حلها وبيان مقدار الإنجاز العربي المتحقق منها على صعيد الفكر.
8 ـ استبعدت من متابعتي هذه، آراء المتكلمين ودراساتهم حول المقولات وعددها ومراتبها وواقعيتها من المعاصرين لمدرسة بغداد واللاحقين عليها، فإن أمر استقصاء هذه الآراء يتطلّب عملاً مستقلاً، لأهميتها.
9 ـ عليّ أن أسجل وأنا أضع بين يدي القارئ هذا البحث، أن مصادر رجال مدرسة بغداد، كان بين يديّ، إلا ما كتب عنهم في المصادر الأجنبية حيث تعذر حصولي عليها.
علي حسين الجابري
أهمية في التحقيق
في
الفلسفة الإسلامية في العصر الحاضر
اليوم، في أكثر الدول الإسلامية، وخاصة في الأوساط الجامعية، يحلّلون بكل اهتمام الفلسفة التي انبثقت في الغرب ونشأت وتطورت فيه.
وتُدرّس تلك الأفكار في الصفوف الجامعية ويتلقفها الطلاب الجامعيون إلى درجة أن أكثرهم ـ وهم مصنوعو النظام التربوي الجديد ـ يعرفون عن مفكر أوروبي من الرتبة الثانية، أكثر بكثير مما يعرفونه عن أكابر حكماء الإسلام.
وهذا الاتساع في انتشار الفلسفة الأوروبية في الأوساط الجامعية، ليس متساوياً على الإطلاق في البلاد الإسلامية. فالتشتت والتضاد وعدم التناسق الذي هو من خصائص التمدن الأوروبي الحديث، قد انعكس أيضاً على الأوساط المتجددة في مشرق الأرض. وفي هذا الأمر، كانت الحوادث والخلفيات التاريخية لكل دولة، هي ملاك نوع تلك الأفكار الفلسفية.
من الواضح للجميع أن أوروبا وإن طغى عليها في القرون الأخيرة ميلٌ تام للثورة على السنن العلمية والفكرية واتباع الطرق الاستدلالية الصرفة، إلا أن الفرنسيين والإنكليز والألمان، وطوائف قومية أخرى، حافظوا إلى حد ما على طابعهم وهويتهم الخاصة.
فالفلاسفة الفرنسيون، من عهد «ديكارت» فما بعده، قد اكتسبوا شهرة خاصة في طريقتهم «الهندسية» وأسلوبهم الاستدلالي الواضح في عرض أفكارهم، اللذان يظهران بوضوح ـ أيضاً ـ في اللغة الفرنسية الحديثة.
والإنكليز بدورهم، كانوا دائماً يميلون إلى المذهب التجريبي، وغالباً ما يُظهرون نفرتهم ومخالفتهم للطريقة «المتدولوجيّة» والجافة لفلاسفة أوروبا.
وأما الألمان ـ في غالبيتهم ـ فقد كانوا من جملة أدقّ وأعمق فلاسفة أوروبا وأكثرهم نظماً. وبعض هذه الخصائص جرّتهم إلى الإفراط، وفي الوقت عينه حافظت على البُعد المعنوي والانجذاب الكامل إلى الحكمة الإلهية وعرفان ما بعد الطبيعة في نظرتهم الكونية. وهذا واضح ليس فقط في لغتهم، بل في موسيقاهم وأدبهم وفلسفتهم كذلك.
هذه العوامل، وكذلك شرائط وأسباب أخرى متنوعة، تركت أثراً بليغاً في نوع الفلسفة الجديدة التي وقعت مورداً للتحليل والتأمّل في الدول الإسلامية المختلفة:
فحيث كان النفوذ الفرنسي هو الغالب، كانت الفلسفة الفرنسية هي العامل الأصلي. ففي إيران مثلاً، التي كانت الثقافة الفرنسية فيها أقوى وأشدّ الثقافات الأوروبية نفوذاً وتأثيراً في القرون الأخيرة، كان كتاب ديكارت: «حديث في منهج العقل»)[283]( هو أول أثر للفلسفة الحديثة يترجم فيها. لقد كانت الفلسفة الفرنسية وأسلوب المفكرين الفرنسيين هو الأكثر نفوذاً في الأوساط الجامعية، وهو يعدّ في الوقت الحاضر أشد المذاهب الغربية نفوذاً وتأثيراً. وكذلك في علم الاجتماع. لمّا يزل مذهب «أوغست كومت»)[284]( ـ الذي وهَنَ وتداعى اعتباره إلى حدّ ما في أوروبا ـ بمنزلة الوحي المنزل في نظر البعض، ولمّا يزل موضوعاً للبحث والتحليل والتدريس.
وفي الهند وباكستان اللتان كانتا تحت سيطرة الاستعمار الإنكليزي، تحْكُمُ الفلسفة الإنكليزية ـ وبالأخص فلسفة النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ جميع الأوساط والمحافل العلمية والجامعية. وهذا الأمر بالخصوص يُذهِلُ أولئك الذين ينبرون لأول مرة للتتبّع والتحقيق في فلسفة شبه القارة الهندية. في تلك الديار، يتسلط على الأفكار أفراد أمثال «اسبنسر»)[285](، في حين أنّ هؤلاء الأفراد قد يكونون مجهولين تماماً في بلدان مجاورة، ولا أحد يلتفت أصلاً إلى نظرياتهم وأساليبهم في التفكير. حتى عندما نعطف أنظارنا إلى بعض المذاهب الفلسفية المعاصرة، نرى أن «الفلسفة الوضعية»)[286]( ينحصر تأثيرها وشهرتها في الدول الناطقة بالإنكليزية، ويكاد ينعدم في سائر الدول الإسلامية غير الناطقة بها.
وهناك حالة مشابهة في الدول الغربية وسائر الدول الإسلامية. فحيثما أرسل مجموعة من الطلبة إلى ألمانيا للدراسة، ينقلب ـ عادة ـ هؤلاء إلى مروّجين للفلسفة الألمانية. وهكذا الأمر في غيرهم، فممّن أصبحوا دعاة للمذهب الإنكليزي أو الفرنسي أو ـ في بعض الحالات ـ الأميركي أيضاً.
إضافة إلى ذلك، إن نفوذ الفلسفة الغربية محدود في الغالب لا من حيث البعد الجغرافي فحسب، بل من حيث البعد الزماني أيضاً: فـ«كنت» و«اسبنسر» ما زالا يحكمان بعنوان أنهما مفكران عظيمان، بمعنى أنهما بعد فترة طويلة، من ظهورهما في المحيط الذي برزا فيه وروّج لأفكارهما في فترة من الفترات، قد سقطا من التاثير الواقعي، وظهرت مكانهما نماذج فلسفية جديدة ينبغي أن تُعرّف بـ«أعداء المعرفة والحكمة»، لا بالفلاسفة التي تعني «محبي الحكمة»؛ وأخذت أفكارها بالانتشار في مختلف الدول الإسلامية بنحو مضطرب غير متساو ولا متجانس. وهذا الاتساع كان دائماً مقروناً بحالة من التخلّف لا يمكن اجتنابها، الأمر الذي كان يؤول بهذه الأفكار ـ المقبولة والمتداولة في الدول المقلّدة ـ إلى السقوط والنسيان في البلاد التي كانت منشأ لها. وفي الحقيقة، ما زلنا نرى في مواضع عديدة بين الشرقيين والمعجبين بالأفكار الغربية، كثيراً من المتحمّسين بشدة لبعض المفكرين الغربيين الذين فقدوا رصيدهم في غرب الأرض)[287](.
وفي هذه الأرضية المتضادة والمتغايرة الطبيعة، تتلقّف الفلسفة الغربية في الدول الإسلامية وتقع مورداً للبحث والتحقيق. وقد زاد هذا الأمر في حالة الغفلة عن المذاهب العلمية والفكرية والإسلامية، ونسيان تراث الفلسفة الإسلامية، هذا التراث الذي شكّل أسلوب تفكير المسلمين عبر أربعة عشر قرناً من الزمن. وعلى هذا، فلا عجب إن حدث شقاق عميق بين مفكري المجتمع الإسلامي، وبين تلك الجماعة الواقعة تحت تأثير الفلسفة الأوروبية. ولم تعد هناك أية رابطة حية بين تلكما المجموعتين، وأضحت النشاطات الفكرية لتلك المجموعة التي ترتوي صِرْفاً من المنابع الفكرية الأوروبية الجديدة، بدلاً من أن تكون وردة تنبت من التراب، أشبه ما تكون بنبتة اصطناعية غُرزت في الأرض من دون أن تكون لها جذور تؤمّن لها طريق الغذاء والنمو والتكامل، وعندها ستُقتلع وتدمّر مع أول ريح تعصف بها.
ولا ينحصر الأمر بانعدام الارتباط الحيوي والباطني بين الأفكار الأوروبية الحديثة والمبادئ والأسس الفكرية للمجتمع الإسلامي، بل يُلاحظ وجود تخالف شديد بينهما. كما يُلاحظ الأثر المخلّ بل والمدمر الذي يخلّفه هذا النهج الفكري في الحياة الفكرية والاجتماعية للإسلام. إن الأفكار التي اقتبست من دون التفات إلى الأسس الثقافية والتاريخية، تمحو الذوق الفطري والإبداع لدى طلاب المواد التي تغلب عليها تلك الأفكار، وتوجد نوعاً من الحياة التصنعية، إلى حدّ يُظهر معه الكثيرون من متحمّسي المذاهب الفكرية الجديدة أسفهم وعدم رضاهم عن هذا الوضع المأساوي. لكن قلّما التفت أحد إلى العلّة الحقيقية لهذا الركود الفكري ومشاعر الانفلات والانحلال من كل القيود، والتي تنبُع من انعدام الارتباط الواقعي بين الكثير من المواد التي تُدرس في الأوساط العلمية والجامعية للدول الإسلامية، وجلب روح وحياة الإسلام. وقلّما التفت أحد إلى ذلك وانبرى لمعالجته ومحاولة رفعه. كما ندرَ أن التفت أحد إلى أنّ كل حركة ليست دالة على وجود الحياة، وأنّ الموت الحقيقي هو في الحياة المصطنعة، وأن العالم الإسلامي راقد على كنوز من الحكمة، والغفلة عنها لا يمكن بأي وجه أن يحكي عن عدم وجودها (عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود).
وبما أن فئات في العالم الإسلامي قد خضعت للتعليم والتربية الغربيين، فهي في حالة تلقي وقبول السيطرة الأوروبية التامة، وفي كثير من الحالات يصل بها الأمر إلى حد تعلّم الفلسفة الإسلامية وقواعد المسلمين الفكرية وعلومهم العقلية، من المستشرقين ومن مصادر غربية أخرى.
لكن حتى في المجالات التي تنعدم فيها العصبية والأهواء، فإن أكثر مستشرقي تلك المرحلة يقيمون العلوم العقلية الإسلامية التي نفدت إلى الغرب وكانت لها آثارها، مقام جميع العلوم الإسلامية. وبناء على ذلك، يظهر في مؤلفات هؤلاء ـ بنحو باعث للريبة ـ تأريخ انتهاء جميع فروع العلوم والفلسفة، في حدود القرن السابع الهجري أو الثالث عشر الميلادي، أي في العصر الذي انتهى فيه الارتباط العقلي والمعنوي بين الشرق والغرب. وبنتيجة ذلك يتخيل أكثر أولئك الذين يطالعون ويحققون في فرع تاريخ الفلسفة الإسلامية، ويستفيدون من المصادر الغربية العادية)[288](، يتوهمون أنه لم يكن هناك أي نشاط علمي وفكري في الحضارة الإسلامية على مدى القرون الستة أو السبعة الأخيرة، وحتى أنهم ينظرون إلى ميراثهم العلمي على أنه مرحلة انتقالية من تاريخ التمدن الغربي.
في القرن العشرين، برز لدى علماء الغرب ميل واهتمام بحضارة القرون الوسطى اللاتينية، ولم يعد التعصّب الذي ساد عصر النهضة والقرن السابع عشر، والذي كان يطلق على القرون الوسطى «عصر الظّلمة»، لم يعد هذا التعصب مقبولاً في الأوساط العلمية الراقية، بل أضحى مردوداً ومرفوضاً بشكل قاطع)[289](.
لقد توصل الفلاسفة والمؤرخون إلى أن «الظّلمة» كانت في جهل العصور اللاحقة بما يرجع إلى القرون الوسطى، أكثر مما هي في القرون الوسطى نفسها، وبنتيجة ذلك، لم تحدث علاقة جديدة بالمذهب الفلسفي للقديس «توماك أكويناس»)[290]( فحسب، بل إن كتباً ورسائل تحقيقيّة لعلماء كبار أمثال: «كيلسُن»)[291]( و«برهيير»)[292]( و«دوهِم»)[293]( و«وُلفسون»)[294]( و«دوولف»)[295]( وغيرهم قد أنارت الحياة المعنوية والعلمية والفلسفية ـ الغنية والمثمرة ـ لتلك الأيام.
وقد كان للدور الأول للفلسفة الإسلامية ـ من «الكِندي» إلى «ابن رشد» ـ دور مهم في هذه الأحداث المتلاحقة، وتأثير أساسي في إيجاد المذهب المشائي المسيحي، والمشارب الأخرى لتلك المرحلة. وبناء على ذلك فالمحقق الأوروبي الجدي، الذي يحصر في تحقيقاته الفلسفة الإسلامية بالقرون الأولى، هو محقق إلى حد ما، لأن التفاته الأصلي هو إلى تاريخ الفلسفة والعلوم العقلية في مغرب الأرض التي كان للتأثير الإسلامي دور في تحقيقها.
ولكن قبول هذه النظرية بالنسبة إلى علماء الدول الإسلامية، والنظر إلى التمدن الإسلامي من منظار الأوروبيين وواجهتهم، خطأ من ناحيتين:
الأولى: أن هدف المفكر الإسلامي ـ عادة ـ هو التحقيق في نفس الحضارة الإسلامية، لا الحضارات الأخرى التي ترك الإسلام فيها أثراً من نفسه.
والثانية: أن الإنسان لا يمكنه أن ينظر إلى نفسه بأعين الآخرين، ثم يتوقع حصول معرفة باطنية عن نفسه.
فإذن، لا يمكن ـ في ظل الشرائط الطبيعية ـ أن يكون لتحقيقات المستشرقين مهما كانت قيّمة، لدى المسلمين، نفس المعنى والقيمة التي لها لدى الغربيين.
إن الطلاب الجامعيين في الدول الإسلامية، الذين يتلقون معارفهم عن أصولهم وتاريخ مدنيّتهم من الحضارة الغربية العادية)[296](، يحسّون في قرارة أنفسهم بأنهم غرباء وأجنبيون عن حضارتهم، ويعتقدون بأن أبناء وطنهم وعرقهم قد انقطعوا عن العلم والمعرفة وكل مظاهر الحياة العقلية منذ سبعمائة عام. ثم يرد هؤلاء الجامعيون معترك الحياة العلمية، وهم لا يرون غير أنفسهم فناني وأبطال هذه الساحة.
ولا بد أن نذكر إضافة إلى نواقص وعيوب هذه النظرية التاريخية، خطأ أكثر المستشرقين حول الإسلام، والمقولات غير المناسبة التي يتمسكون بها عادة في تحقيقاتهم حوله. إن المستشرقين يستخدمون فيما يرجع إلى الإسلام مفردات مثل: «الصواب»، و«الخطأ»، «الأصل»، و«الفرع»، و«الإيمان» و«الكفر»، بنحو يحرّفون فيه البنية العقلية والدينية للتمدّن الإسلامي ويفرّغونها من محتواها.
إن المستشرقين الأوائل الذين كان أكثرهم من دعاة المسيحية وتخرّجوا في المعارف والعقائد المسيحية، كانوا ينقبون في المعارف الإسلامية عن المقولات والمباحث التي تلقوها وتعلموها. وبناء على ذلك، فقد أظهروا الكلام الأشعري على أنه العقيدة الصحيحة والرائجة بين المسلمين، كما أظهروا العرفان والتصوف بمظهر البدعة والكفر المقتبس من الأديان الأخرى، وأبرزوا أهمية استثنائية للأفكار الأجنبية التي نفذت في الفكر الإسلامي. وعلى هذا المنوال عبروا عن جميع المذاهب المختلفة في الفلسفة والحكمة تعبيراً خاطئاً، لرغبتهم في أن يستخدموا في الفكر الإسلامي تلك التعابير والمعايير الموجودة في المسيحية.
هذه الأسباب، وأسباب كثيرة أخرى، التي أحدثت رؤية خاطئة تجاه تاريخ الحضارة والعلوم العقلية والدينية في الإسلام، جعلت من العسير التعبير تعبيراً صحيحاً وافياً عن تراث العلوم الإسلامية، رغم أنه لما يزل يتوافر لمن لديهم استعداد وقابلية الفهم والإدراك، مصادر أصلية، مكتوبة ومسموعة.
***
علاج المرض الناشئ من المطالعة الناقصة وغير المكتملة للفلسفة الإسلامية، يكمن في التحقيق والتتبع الكاملين والدقيقين في البحر الزخّار اللامتناهي للمعارف والعلوم العقلية الإسلامية، الذي يجب أن يتم على أيدي العلماء المسلمين، من دون أي هوى وعصبية)[297](.
التحقيق الذي يتم مع الرغبة والانشداد النفسي، ومع الالتفات إلى عمق المباحث، سيُظهر الكثير من الكنوز النفيسة، تلك الكنوز البعيدة عن متناول الكثيرين من علماء اليوم الذين هم بحسب الظاهر واقعيون، ولكنهم في الحقيقة محدودون في تفكيرهم بالمقولات الفكرية لهذا القرن.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التحقيق سيزيل من الأذهان توهّم اختتام الفلسفة الإسلامية بـ«ابن رشد»، ويُظهر بوضوح أن مسيرة الحكمة الواقعية الإسلامية لم تنته في القرن السادس الهجري، بل إنها بدأت في ذلك العصر مرحلة جديدة من حياتها. ففي الوقت الذي بلغت فيه الفلسفة المشائية أوجهاً على يد «الكندي» و«الفارابي» و«ابن سينا» ثم تعرضت للهجوم العنيف من المتكلمين وبعض المتصوفين وانتقلت إلى بلاد الأندلس لتُتمّ هنالك آخر مراحل ازدهارها على يد «ابن بادة» و«ابن طفيل» و«ابن رشد»؛ فإن مذهباً جديداً كان قد بدأ باللمعان في مشرق البلاد الإسلامية على يد شيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي.
والتحقيق في المرحلة الثانية للفلسفة الإسلامية سيُظهر كيف أنّ الفلسفة المشائية قد أُحييت بيد الخواجة نصير الدين الطوسي، وأن الآراء العرفانية لمذهب ابن عربي قد اتسعت بالتدريج في البلاد الشرقية من العالم الإسلامي وبالأخص إيران، واختلطت بمبادئ الحكمة الإشراقية والفلسفة المشائية، حيث مُزجت هذه المسالك والمشارب المختلفة على أيدي كبار حكماء القرنين العاشر والحادي عشر أمثال الميرداماد، وبالأخص صدر الدين الشيرازي)[298](. المعروف بالملا صدرا هذا الحكيم العظيم الذي مزج في كتاباته البراهين والاستدلالات الدقيقة للعالم المنطقي، بالبصيرة المعنوية والذوق المرهف للعارف والحكيم الإلهي، قد فتح فصلاً جديداً في الفلسفة الإسلامية، وأوجد مذهباً لما يزل إلى اليوم ثابتاً محافظاً على حياته العقلية والمعنوية رغم كل المصائب والمصاعب التي واجهته. ومع أن هذا المذهب انتشر في إيران والبلاد التي كانت تحت تأثير الثقافة الإيرانية كالهند، إلا أن ذلك لم يكن ليحدّ من شمولية آراء وطروحات الملا صدرا (صدر الدين الشيرازي) وأتباعه، كحكيم القرن الثالث عشر الكبير «الحاج مُلاّ هادي السبزواري»، بل كانت عالمية لما هو أبعد من العالم الإسلامي. ولا بدّ لأي مذهب فلسفي جديد يريد أن تكون له علاقة وارتباط بالنظرة الكونية الإسلامية وقيم الحضارة الإسلامية وتطلعاتها، وأن يتحرر من أسر الحالة المصطنعة والمنحلّة التي تهيمن اليوم على كثير من المحافل العلمية المشرقية، لا بُدّ له أن ينطلق من أرضية هذه الحكمة العميقة.
إن التحقيق الدقيق في تراث العلوم والمعارف الإسلامية، وفي المذاهب العرفانية الإسلامية التي تقدّم أعمق النظريات فيما يرجع إلى مبدأ ونهاية الموجودات، وكيفية حدوث الكثرة من الوحدة، ورجوع جميع الأشياء إلى أصلها الواحد، والعلاقة الموجودة بين الحق والخلق، والتي لما تزل إلى يومنا هذا تنبض بالحياة في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، لهي من ضروريات المحقّق المدقّق.
كيف يمكن لمفكر إسلامي حديث العهد أن يتنطق في الفلسفة الدينية من دون أن يكون قد اجترع جرعة من ينبوع أرباب العرفان الفياض أمثال ابن عربي ومولانا جلال الدين وعبد الكريم جبلي وصدر الدين قونوي والشبستري وجامي وغيرهم؟
وأيضاً، فإن هذا التحقيق سيُظهر الطريقة التي واجه بها متكلمو المذاهب الكلامية المهمة ـ وبالأخص مذاهب المرحلة المتأخرة)[299]( ـ المسائل التي تستلهم مباحثها من العلوم الأخرى، والطريقة التي دافعوا فيها عن الحقائق الدينية في مقابل موجات التشكيك والاستفهام.
وفي هذا السياق، ظهر في القرون الأخيرة رجال عظام، أمثال الشاه ولي الله الدهلوي وعبد الرزاق اللاهيجي، ومع أن هؤلاء قد ذاعت شهرتهم في مواطنهم، إلا أنهم لم يُعرفوا في سائر البلاد الإسلامية تلك المعرفة التي تليق بشأنهم.
***
المقام لا يسمح لنا ببيان أصول ومبادئ الفلسفة الإسلامية، ولكن مع هذا لا بد لنا من ذكر بعض خصائصها ذات الأهمية الخاصة، وينبغي إلفات نظر المفكرين الجدد في البلاد الإسلامية إليها:
أولاً ـ الإسلام دين مبنيّ على أساس الوحي والتوجه شطر العالم العلوي والمبدأ الأسمى والمعنوي للعالم. وقد كان الشعور بأهمية الوحي، في المجتمع الإسلامي، على الدوام، قوياً وأساسياً.
كل مذهب فلسفي يلغي الوحي والذوق والإشراق العقلي، ويحجب نفسه بالتالي عن الحقيقة الواقعية للأشياء، لا يمكنه أن يكون سوى عامل هدام في المجتمع الإسلامي. لكن الفلسفة الإسلامية نفسها هي الفلسفة المبتنية على الوحي، وتحمل نوعاً من النظرة الكونية التي تجعل للوحي في العالم الكبير والصغير حصة رئيسية. وفي الإسلام وصلت الفلسفة المبتنية على الوحي إلى كمال البسط والتوسع. وإن كان هذا النوع من الفلسفة قد بدأ على يد «بافيلون» اليهودي وله أتباع كُثُر في العالم المسيحي منذ ما يقارب من ألفي عام.
ثانياً ـ منذ البداية، كانت مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين من جهة، والعقل والإيمان، من جهة ثانية، محل عناية خاصة لدى حكماء الإسلام، حتى حُلّت في النهاية على أحسن وأتقن وجه وبنحو مُنسّق وتكامل، بعد ثمانية قرون من طرح الكندي لها لأول مرة، على يد صدر الدين الشيرازي. هذا الحكيم الذي قلّ نظيره قد أوضح، كأمثاله من العرفاء والحكماء السابقين عليه، تلك الحكمة والمعرفة التي تشكّل قيامة العقل والإيمان، والنقطة التي يلتقي فيها طريقا الاستدلال والاعتقاد الديني ويتحدان.
ولا يحتاج إلى كثير كلام بيان أنّه إذا حُدّ العقل في جانبه الاستدلالي ـ كما هو حاصل في أكثر المذاهب الفلسفية الحديثة ـ وحُدّ الوحي في جانبه الظاهري والصوري وأُنكرت الحقائق العرفانية والباطنية للدين، فلن يمكن بعدها الملائمة والمزج بين الفلسفة والدين. وفي مثل حالة كهذه، جهد يُبذل لأجل إيجاد التناسق بينهما لن يكون ناجحاً ولا ثابتاً، بل سيؤول أمره إلى الفشل، كما عايشه وشاهده تاريخ العصر الحديث في أوروبا.
وكذلك إن الفلسفة الإسلامية تقدم رؤية واحدة ومتماسكة لمراتب وشؤون عالم الوجود، والترابط الموجود بين جميع الموجودات وسلسلة مراتب الوجود. وكذلك فإن إقرار الارتباط بين درجات وشعب العلوم والمعارف، كان دائماً من أسس وأصول هذه الحكمة.
أضف إلى ذلك، أن خطر التباعد الزائد عن حدّه بين العلوم المختلفة، وانعدام الرؤية المتحدة تجاه الكون ـ الذي اعتبره بعض المفكرين الغربيين أمثال الفيلسوف الإنكليزي «وايت هد» أعظم خطر فعلي يهدّد التمدن الغربي، بل عدّوه مرضاً مهلكاً ـ هو أكثر خطراً للتمدن الإسلامي منه للتمدن الأوروبي، لأن أصل وأساس وعلة حياة وبقاء الإسلام، هو في بيان ونشر أصل التوحيد الذي يجب أن يلج جميع مراحل حياة الإنسان سواء العلمية منها أم العملية. ولذا فإنّ من المهمات الكبرى لكل مرتبط ارتباطاً واقعياً وصادقاً بالمجتمع الإسلامي هو البحث في إمكان إيجاد وحفظ رابطة بين شُعب العلم المتنوّعة. وفي هذا المضمار، كغيره من الموارد الكثيرة الأخرى، يمكن أن يكون التراث الإسلامي ملهماً لمفكري هذا العصر.
وهناك خصوصيات أخرى متعدّدة للفلسفة الإسلامية ينبغي ذكرها وبيانها، ولكن هنا يكفي أن نذكر بأن هناك سنّة علمية وعقلية كانت ولما تزل باقية إلى يومنا هذا في التمدن الإسلامي، وإذا غفلنا عن هذه السنة، لا من جهة عدم وجود سنة كهذه، بل بمعنى الغفلة عن دليلها، نكون إذن راقدين في نوم عميق على خزائن عظيمة لا تقدّر بالأثمان.
إذا أردنا أن نزيل عامل التشتيت والتدمير الذي يتمثّل في الفلسفات الحديثة التي تنتشر هذه الأيام بسرعة في العالم الإسلامي على أيدي المسلمين أنفسهم، فعلينا أن نحيي من جديد أصول الحكمة الإسلامية، ونعرفها ونعرّفها، وعلينا أن نواجه المسائل المستجدة التي ظهرت في العصر الحاضر، مستمدين من تلك الأصول الأبدية، ونحلّها بالنحو المناسب. إذا أردنا أن نزيل الشقاق العميق بين الفئة القليلة التي تلقت العلوم الحديثة والمتأثرة بالقيم والأفكار الغربية، وبين الرؤية الكونية الشاملة للأكثرية القاطعة في العالم الإسلامي، والذي أوجد وضعاً خطيراً من التفكك والتفرّق في المجتمع؛ فعلينا أن نستكشف الأصول مجدّداً، ونتفحص الجذور العميقة الراسخة التي تربطنا بصُلب حقائق الأشياء وواقعياتها.
إن الاهتمام بالتحقيق في الفلسفة والعلوم العقلية الإسلامية، هو عينه السعي لإيجاد أصولنا؛ وهذا التحقيق وحده هو الذي يمكنه أن يضفي الروح على وجودنا وفعاليتنا، وأن يبدّل التشتت الفكري الذي يسمّى هذه الأيام فلسفة، إلى «الفيلوسوفيا» التي تعني العشق الواقعي للحكمة، والشهود الممزوج بلذة العقل وسرور الحقيقة.
الدكتور حسين نصر
الفلسفة الإسلاميّة بين
إعادة النظر وإعادة التفهّم
من السمات البارزة التي تميز الإنسان الحديث، اهتمامه دوماً بإصلاح شتى الأوضاع؛ من مؤسسات اجتماعية واقتصادية، إلى مذاهب فلسفية وتقاليد دينية؛ لكنه قلما يرغب في إصلاح نفسه. فهو إذ يتغاضى عن تنظيم الأمور داخل منزله، يعمد إلى النظر في العالم القائم حوله، ويحاول تعديل أوضاعه. وهذا الموقف الصلب، الذي يبرز في كل مجال تقريباً من مجالات الحياة اليوم، إنما هو قائم في منتهى أمره على الافتراض ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ بأن الإنسان كما هو الآن ليس ناقصاً، بل إن المؤسسات والأعراف التي طالما وجهته وغذته في حياته الباكرة هي الناقصة لأنها لم تعد تنسجم مع طبيعة الإنسان الحديث. وهكذا فإن الزمان والمكان، والعالم المادي التابع لهما، تصبح جميعها مقاييس للحق، بحيث يغدو كل ما لا يساير ما يسمى بـ«الوقت» يرفض على اعتبار أن الزمان قد تخطاه. . ومجمل هذا الموقف الذي يصبح الإنسان بمقتضاه مصلحاً لجميع الأمور إلا نفسه، وتغدو به الأوضاع الزمنية معياراً للحق نفسه، إنما هو إرث من مخلفات النهضة الأوروبية يجعل من المرء بحكم «طبيعته الأرضية» ـ أو ما يعرف بالتعبير الإسلامي بـ«البشري»، لا بالطبيعة المطلقة التي هو بها الإنسان ـ «مقياساً لجميع الأشياء. فبحسب هذه النظرة الإنسانية التي تقوم على الكثير من عناصر الفكر الأوروبي الحديث، يصبح الإنسان بطبيعته هو المعيار الذي تعرف به قيم الأشياء، ويعين به نصيبها من الصحة. وبذلك لا يعود للأشياء أنماط قياس مجردة، يقيم بها الإنسان، ويوزن بها المجتمع.
وفي ظل هذا المناخ الفكري، ينبغي أن نجابه مسألة إعادة النظر في وضع الفلسفة الإسلامية؛ وإنما نقول «الفلسفة الإسلامية» لا «فلسفة الإسلام» تأكيداً على صفة الشمول في طبيعة الموضوع)[300](. على أننا ربما وقعنا لدى معالجة هذه المسألة على هذا النحو في تعارض ظاهري في التعبير؛ فإعادة الاعتبار تعني ضمناً أنه قد سبق لنا الوقوف على الهدف المنشود، ونحن نوجه السعي الآن نحو ذلك الهدف. لكن معرفة الهدف المنشود ينبغي أن تكون هي نفسها ثمرة فلسفة ما، ونظرة إلى العالم. وعليه فبالقياس إلى أية فلسفة ننوي إعادة النظر في الفلسفة الإسلامية، غير تلك القيود الذاتية والميول الشخصية التي تكون بمجموعها محيطنا المباشر، الذي نود أن نصلح جميع الأشياء بما يوافقه؟ وهذا الموقف هو بالضبط نتيجة تلك الفلسفة الإنسانية؛ وذلك الاعتبار النسبي، اللذين يسمان الفكر الحديث بأوضح السمات. فنحن نود أن نعين هدفاً من خلال فهمنا الإنساني الخاص، ونعمل بعد ذلك على تكييف الفكر الديني في اتجاهه. ومعنى ذلك أننا نسلم ـ واعين أو لا واعين ـ بأولوية ما هو إنساني على ما هو إلهي! إن النظر في مجرد إمكان إعادة النظر في الفلسفة الإسلامية ينقلب إلى التماس ضرب من التسوية في مبادئ تلك الفلسفة نفسها، وهذا يثير التساؤل عما إذا كان الواجب أن «نعيد النظر» في الفلسفة الإسلامية، أم أن «نعيد الكرة في تفهمها».
إن كلمة «الشرق» (Orient) تعيد إلى الذهن مذهب السهروردي في الإشراق، في ما يتصل برمزية القضاء)[301](. ونحن نعلم أن المقابل لهذه الكلمة باللغات الأوروبية (Orient) له دلالة مزدوجة. فهذه الكلمة تعني «الشرق» وتعني كذلك «التكييف» أو «التوجيه الصحيح». والواقع أن «الشرق» ههنا لا يقصد به الشرق الجغرافي، بمقدار ما يراد به الشرق النوراني، وهو العالم الروحاني الذي يتخطى عالم الصور المادية. وهو كذلك مقر النور الروحي الذي به نستنير، وعن طريقه نبلغ المعرفة الحقة. فالتكييف بمعناه الحقيقي إذن هو التوجه إلى المركز والأصل الذي منه تنشأ الأشياء حقاً، ذلك «الشرق» هو كذلك البعد الداخلي والروحي في الأشياء، وهو يعني أيضاً النفاذ إلى باطن ذواتنا، وإعادة محاولة الدمج وتحقيق التكامل. وتطبيق هذا السياق الفكري على الفلسفة الإسلامية معناه إذن النفاذ من جديد إلى مضامينها الروحية الداخلية، وتمثل حقائقها الأساسية. وهذا معناه، بتعبير آخر، فهمها من جديد بالمدلول الأعمق لهذه اللفظة.
وعندما نتحول إلى الفلسفة الإسلامية، نجدها حافلة بذخائر من الحكمة لا تزال حتى الآن مجهولة، أو تكاد، بالنسبة إلينا. إذ أننا لا نلبث أن نتبين أن الكثير من المعرفة التي نلتمسها في مواطن أخرى، قائمة بالواقع في أوساطنا، دون أن نتنبه فعلاً إلى وجودها)[302](.
إن الفلسفة الإسلامية، مع أنها وافرة الغنى في حقول عديدة، فإنها تقوم بالأكثر على المنحى الماورائي. وتكاد كل رسالة وضعت في الفلسفة التقليدية، تعالج أصول الأشياء الغيبية ومصائرها المحتومة)[303](. فالفلاسفة الإسلاميون كانوا السابقين إلى جعل موضوع «الوجود» مرتكزاً للفلسفة، وأول الساعين في ربط كل شيء «بالوجود المطلق» الذي هو أصل كل وجود. وفضلاً عن ذلك فقد أنشأوا في الفلسفة الماورائية، في صميم نظرتهم إلى العالم، نظرة فلسفية في الطبيعة من أجل أن يقيموا صلة حميمة بين أنواع العلوم وفروعها، ولكي يعودوا بالكثرة إلى الوحدة.
إن الفلسفة الإسلامية قد أنشأت نظاماً خلقياً أسسته، ليس على «الأخلاقية العقلانية» وحدها، بل على تعاليم محددة في القرآن. فالإرادة الإلهية في الخلقيات الإسلامية ليست ماثلة بصورة مجردة، بل بصورة أوامر ونواه فعلية واردة نصاً في الشريعة. وهذه الشريعة تساعد العقل الإنساني في التغلب على القيود التي فرضتها عليه شهواته، وفي أن ينظر إلى طبائع الأشياء، الخيرة منها والخبيثة، من الزاوية الصحيحة. ثم إن الماورائيات، فضلاً عن ذلك، لا تنفصل مطلقاً على الأخلاقيات، ولا عن المنحى العملي في الدين، لأنها، شأن الحقيقة، هي البعد الداخلي في هذه الشريعة، والعامل الذي يقرر حياة الإنسان، ويحدد تصرفه على الأرض.
وعلى هذا النحو، فإن فلاسفة الإسلام وضعوا ضرباً رفيعاً من علم الجماليات وثيق الصلة بالماورائيات. فبما أن روح الإسلام قائم على الفطنة ودقة التمييز، لذلك كان لكل مظهر حقيقي من مظاهره، بادرة من بوادر الجمال والتناغم. أن الفلاسفة ـ إذا ما فهمنا من لفظة فلسفة المدلول الذي أشرنا إليه في هذا البحث، أي «الحكماء» ـ قد أقاموا تصورهم للجمال على فكرة التناغم والاعتدال والرصانة، واعتبروا الجمال ليس بمعنى البذخ كما يفهم اليوم، بل باعتباره وضعاً ضرورياً لوجود إنسان حقيقي. وطبيعة الحق بالنسبة إليهم هي أن يكون في وضع يكون فيه جميلاً. ولهذا السبب كان تعبير «الفلسفة الإسلامية»، لا سيما في حقل الماورائيات، مقترناً بجمال اللغة وبتعابيرها الغنية الرائعة.
هذه المناحي من الفلسفة الإسلامية، وكثير سواها، يترتب علينا أن نعيد استطلاعها ونجدد تفهمنا لها، قبل أن نخطو في دراستها خطوة جديدة. نعم، أن هنالك من قد يقول إن هذه الفلسفة، مع كل ما فيها من غنّى، لا تفي، بمشاكل هذا العصر ونحن نرد هذا الاعتراض بقولنا: إن مشاكل اليوم، إما أن تكون حقيقية، بمعنى أنها تتصل بطبيعة الأشياء، وبوضع الإنسان في نظام الوجود العام؛ وفي هذه الحالة لا تكون هذه المشاكل حقاً جديدة، بل ذات وجود مستمر، وقد عالجها الإسلام مفصلاً في مصادره المعروفة؛ أو أنها مشاكل ـ نظير الكثير من أمثالها مما يواجهه الإنسان الحديث ـ قد نشأت من أسئلة طرحت بصورة خاطئة، أو عن عناد الإنسان، في محاولته لأن يعيش «بالخبز وحده»، وفي هذه الحالة، حتى لو لم تمدنا المصادر المعروفة بجواب شاف، فإن دراستها ستكشف لنا أن ليس ثمة، بواقع الأمر من مشاكل. وأخيراً فإن واحدنا، حتى لو اختار رفض الفلسفة الإسلامية، فلا بد له أولاً من أن يفهمها. إذ قلما يستطيع أحدنا أن يرفض ما لا يعلم. وعلى ذلك فإعادة تفهم الفلسفة الإسلامية أمر واجب علينا، مهما كان الاتجاه الذي نختاره بعد ذلك ـ مهما كان المكان المقصود فإن الراحل إليه لا بد له من أن ينطلق من حيث هو.
وبعد كل ما قيل وفعل، فإن ثمة حقيقة لا بد من أن تقال: هي أن التعاليم الإسلامية التقليدية قد صيغت بلغة لا يسهل فهمها على كثيرين من المعاصرين، لا سيما أرباب الثقافة الحديثة. فالمؤلفات القديمة كانت تكتب عادة بلغة مجازية لم تعد رائجة اليوم. فالذي يترتب علينا القيام به هو أن نحرر مضمون الفلسفة الإسلامية من اللغة التي ينفر منها المعاصرون. فالذي نفتقر إليه حقاً هو إعادة عرض لمجموع الحكمة الإسلامية بلغة معاصرة، حتى يتاح للذين ينشدون حلولاً لهذه المشاكل، أن يطلعوا على الحل الذي يقدمه هذا النوع من الحكمة للمشاكل المختلفة، دون أن تعترضهم الحواجز اللغوية والفكرية. إن مرتكزات الفلسفة الإسلامية ينبغي أن تنتشر، وذلك أولاً، من أجل الحلول التي تقدمها للمشاكل التي تعرض دوماً؟ وثانياً، لتكون أساساً ومنطلقاً لمعالجة المسائل التي تقلق الإنسان الحديث، وعلى الأخص بحكم الظروف الغريبة، أو ربما الملتوية التي يحفل بها العالم الحديث)[304](.
إن إعادة تفهم الفلسفة الإسلامية وتجديد عرضها هو نفسه يعمل في تكييف أفكارنا، وذلك عن طريق إيضاح الغرض الأقصى للوجود الإنساني، والهدف الأخير لسفر الإنسان في هذه الأرض. والإنسان كائن شبه إلهي، فهو لا يستطيع أن يتفادى مطالب كامنة في صميم طبيعته. والذي يكتب له البقاء من الحضارات والنظم الفكرية هو فقط ذاك الذي ينسجم مع كنه الإنسان وطبيعة الأشياء الجوهرية. وفهم الفلسفة الإسلامية من جديد يكشف لنا مجدداً عن ذلك الهدف الذي يتحول الإنسان والكون أخيراً إلى التكيف بحسبه، وعن الغاية التي تتجه جميع الأشياء نحوها. وهي بذلك تتيح لنا اكتشاف هدف الحياة وغرض الفكر نفسه. وهي إذ تكشف لنا عن الحق، تمكننا من أن نكيف أنفسنا وأفكارنا من جديد في اتجاهها، ملتمسين ذلك الطريق الذي ينتهي بنا إلى الاتحاد بالحق. فمسألة إعادة النظر في الفلسفة الإسلامية إذن، تأول إلى إعادة تفهمها، وإلى اكتشاف الهدف الذي ينبغي أن تتجه نحوه أفكارنا وجهودنا. فالإنسان إنما يهتدي إلى معرفة الحق، ليس عن طريق تكييفه، بل عن طريق تكييف نفسه، بحيث يتمكن من أن يصبح خليقاً بتلقيه.
تراثنا الفلسفي
تراثنا الفلسفي يمثل جزءاً هاماً من بنائنا الفكري وهويتنا الثقافية التي نحرص على بقائها، لأنها تحدد ملامح شخصيتنا الحضارية التي حاولت قوى كثيرة طمسها أو إلغائها. فهو إذن حاضر معنا، لأننا نعيشه شئنا أم أبينا، غير أن هذا التراث ينتمي ـ زمنياً ـ إلى مرحلة مضت، وقد يكون من الصعب استرجاع ذات اللحظة الماضية في نطاق الحاضر: من هنا تنشأ المشكلة ويثور التساؤل: كيف نستطيع الجمع بين لحظة تنتمي إلى الماضي البعيد وأخرى تنتمي إلى الحاضر الجديد؟ أو كيف نقرأ مكونات هذا التراث على ضوء معطيات هذا العصر ومشكلاته؟.. ولسنا بصدد الخوض في المواقف المعروفة من هذه المشكلة، ولكننا نهدف إلى تقديم الدليل على حيوية تراثنا الفلسفي، وإمكانية مساهمته في قضايا ومشكلات العصر.
فهذا العصر يطرح قضايا ومشكلات جديدة باستمرار: فيها الجوهري وفيها العرضي، فيها الأصلي وفيها الفرعي، فيضعنا أمام تحديات يومية، وتساؤلات متوالية، تتطلب إجابات ومواقف حاسمة. فهل نستطيع أن نجد في تراثنا تلك الإجابات والمواقف أو بعضها على الأقل؟
لن أتناول هنا إلا ما هو جوهري، سواء بالنسبة للتراث أم بالنسبة لقضايا العصر، ولذا سأركز على أهم المشكلات ذات الطابع العلمي والفلسفي والإنساني، التي أثيرت في عصرنا وعلى موقف تراثنا منها، لنخلص بعد ذلك إلى النتائج التي تحدد موقع التراث في مشروعنا الحضاري الجديد، وترسم دوره في صياغة واقعنا الفكري والثقافي المتميز. وعلى هذا الأساس يمكن أن ينقسم البحث إلى ثلاثة محاور أو مواقف رئيسية هي:
ـ الموقف من العلم.
ـ الموقف من العقل.
ـ الموقف من الإنسان.
الموقف من العلم
لعل النهضة العلمية هي أهم ما ميّز الحضارة الحديثة والمعاصرة. فمنذ أن زلزلت الأرض تحت أقدام الجمود الذي مثلته الكنيسة إثر الاكتشافات العلمية الهامة التي قام بها كوبرنيل وغاليليه وغيرهما، ومسيرة العلم في تقدم مستمر وتطور ملحوظ بلغ غايته في النصف الثاني من هذا القرن. وأصبح العلم اليوم يطبع الحياة كلها بطابعه: الأفكار، المناهج، طرق التربية والتعليم، والتقنيات المتنوعة.. إلخ، فلم يعد يستطيع إنسان أن يغلق بابه دون العلم ومنجزاته، لأنه سيجده قد اقتحم عليه الباب، بل وجالسه في غرفته دون أن يدري، يستوي في ذلك ساكن الكوخ أو ساكن القصر المشيد، ساكن الحضر أو ساكن البادية!.. فالطابع العلمي إذن أضحى سمة لا غنى عنها لكل من يريد أن يحيا عصره فعلاً.
ولو أردنا استنطاق التراث عن هذه القضية، لوجدنا أن الفلسفة الإسلامية كانت وثيقة الصلة بالعلم (تغذيه ويغذيها، وتأخذ منه ويأخذ عنها، ففي الدراسات الفلسفية علم وقضايا علمية كثيرة، وفي البحوث العلمية مبادئ ونظريات فلسفية، والواقع أن فلاسفة الإسلام كانوا يعتبرون العلوم العقلية جزءاً من الفلسفة، وقد عالجوا مسائل في الميتافيزيقيا. ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب (الشفاء) لابن سينا، وهو أكبر موسوعة فلسفية إسلامية. فإنه يشتمل على أربعة أقسام هي: (المنطق والطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وفي الطبيعيات يدرس ابن سينا: علم النفس، والحيوان، والنبات، والجيلوجيا، وفي قسم الرياضيات يدرس الهندسة والحساب والفلك) )[305](.
واللافت للنظر أن فلاسفة الإسلام كانوا علماء وفلاسفة أيضاً، ومن بينهم علماء بارزون فالكندي عالم ـ ربما قبل أن يتجه إلى الفلسفة ـ وقد عني بالدراسات الرياضية والطبيعية وربط ربطاً وثيقاً بين الفلسفة وبين الرياضة، واجتهد في تطبيق الرياضيات في الفلك والطبيعة، بل في الميتافيزيقيا أيضاً، حيث حاول أن يبرهن على تناهي العالم ومحدوديته باستخدامه للمنهج الرياضي)[306](.
أما الفارابي فقد شكل العلم، بجوانبه النظرية والعلمية، محور اهتمامه. فلقد كانت له بحوث في الهندسة والميكانيكا ـ أو علم الحيل ـ كما كان يدّعي، كذلك اهتم بشكل خاص بعلم الموسيقى وتحليل الأصوات. وكتابه (الموسيقى الكبير) يشكل علامة بارزة في العصر الوسيط، حيث ترجم إلى اللاتينية وكان له تأثير ملحوظ على تطور هذا العلم.
غير أن أكثر ما يستوقفنا عن الفارابي هو اهتمامه بالمنهج، وكلنا يعلم أن المنهج هو ما ميز النهضة العلمية والفلسفية الحديثة والمعاصرة منذ أن كتب ديكارت مقاله الشهير في المنهج. وقد آمن الفارابي بضرورة أن يكون للبحث العلمي منهج محدود وثابت يقوم على أسس وأدوات تمكنه من أن يصل إلى النتائج الصحيحة المطلوبة التي هي غاية كل باحث أو عالم. ولتكوين مثل هذا المنهج لا بد للعالم من نظرة شاملة على مختلف العلوم السائدة في عصره، حتى يتثبت من الأرضية التي ينطلق منها أولاً، ولكي يعرف طبيعة كل علم والمنهج الخاص به ثانياً، ولعل هذا هو الأساس الذي انطلق منه الفارابي لتأليف كتابه (إحصاء العلوم)، ثم تصنيف العلوم في كتابه (التنبيه على سبيل السعادة)، لأن الفارابي أدرك أهمية هذا التصنيف وصلته بالمنهج العلمي، حيث يقول في ذلك: (وينتفع بما في هذا الكتاب ـ إحصاء العلوم ـ لأن الإنسان إذا أراد أن يتعلم علماً من هذه العلوم وينظر فيه، علم على ماذا يقدم وفي ماذا ينظر، وأي شيء سيفيد بنظره، وما غنا ذلك وأي فضيلة تنال به. ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة لا على عمى وغرر. وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقايس بين العلوم، فيعلم أيها أفضل وأيها أنفع وأيها أتقن وأوثق وأيها أوهى وأهون وأضعف) )[307](.
فالفارابي هنا، يشير من جهة إلى ضرورة المعرفة العلمية الحقة، وذلك بإدراك الخصائص الذاتية لكل علم، ويشير من جهة أخرى إلى ضرورة الترابط الموجود بين العلوم، (لأن الباحث لا يمكن أن ينفذ بفكره في علوم العصر دون أن تكون لديه فكرة تكاملية عن الترابط الموجود بين هذه العلوم واشتقاقها بعضها من البعض الآخر على النحو الذي أنجزه الفارابي) )[308](. وهو يركز أيضاً على القيمة العلمية لتصنيف العلوم وإحصائها، إلى جانب القيمة النظرية، بقوله (وينتفع) وذلك أمر هام يبين فيه فيلسوفنا وجه الارتباط بين الجانب النظري والتطبيقي في مجال العلم، بالإضافة إلى دوره في تحقيق كل ما هو نافع وضروري للإنسان.
قضية أخرى يمكن أن تثار ونحن بصدد موقف التراث من العلم، وهي دور الفلاسفة المسلمين في تأسيس العلم التجريبي وهو الركيزة الأساسية التي قام ويقوم عليها العلم الحديث.
فقد لاحظ أبو الريحان البيروني (ت 440هـ)، وهو من أعظم العلماء الموسوعيين المسلمين، حينما كان في الهند، أن لدى الهند علماً جزئياً على درجة لا بأس بها من التقدم ـ أبحاث متناثرة في الطب والرياضيات والفلك ـ ولكن لا يربط بينها رباط علمي أو منهجي، بينما اليونان على عكس من ذلك، لديهم نظرية في العلم (نظرية البرهان) ولكن لا يوجد لديهم هذه الأعداد الكبيرة من أبحاث الهنود في مختلف العلوم)[309](.
وكانت ملاحظة البيروني تلك من الدقة بمكان؛ لأنها بقدر ما أوضحت افتقار الهنود إلى المنهج وانشغالهم بالعلم الجزئي، أوضحت افتقار اليونان إلى التجربة وانشغالهم بالعلوم النظرية وآلتها البرهان. وكان أن توصل البيروني إلى المنهج الذي يجمع بين علوم الهنود وعلوم اليونان، ألا وهو المنهج التجريبي الاستقرائي، الذي كان من أهم مميزات العلم العربي الإسلامي قديماً.
ويؤكد سارتون ملاحظة البيروني تلك بقوله: (إن اليونانيين كانوا متخلفين من الناحية التجريبية، وإذا كان أطباؤهم مالوا إليها بحكم الصناعة، فإن الروح التجريبية لم تنشأ إلا بتأثير كيماويين وعلماء البصريات من العرب) )[310](.
فعالم البصرية الشهير ابن الهيثم (ت 430هـ) يشرح منهجه أو طريقته الاستقرائية فيقول: (نبتدئ البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات، وتمييز خواص الجزئيات. ونلتقط ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدرج والتدريب مع انتقاد المقدمات، والتحفظ من الغلط في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى) )[311](.
فالتجربة هي الأساس المتين الذي اعتمد عليه العلماء المسلمون، وعن طريقه تمكنوا من استخراج العلة من المعلول، والمجهول من المعلوم وانتهوا إلى عدم التسليم بما لا يثبت من غير تجربة.
ولعل سر نجاح ابن سينا وشهرته الواسعة في علم الطب يعود إلى تطبيقه لهذا المنهج التجريبي. أليس هو القائل: (وتعهدت المرضى فانفتح عليّ من المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يُوصَف) )[312](.
ولو تساءلنا عن العوامل التي غذت هذه الروح العلمية عند المسلمين، لوجدناها كامنة في الإسلام ذاته. فلقد وجد الفلاسفة والعلماء المسلمون القرآن الكريم يحثهم على طلب العلم وضرورة تحصيله في آيات كثيرة، ومنها قوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 58] وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] بل إن من الأمور ذات الدلالة على أهمية العلم في القرآن الكريم، هو ورود مصطلح العلم فيه أكثر من مائة مرة!.. فكان تجاوب فلاسفتنا مع هذه الدعوة القرآنية عظيماً وبناء، تجلت ثماره في تلك الإنجازات العلمية الهامة التي قدموها للبشرية.
الموقف من العقل
العقلانية سمة ميّزت الفلسفة الإسلامية، ووجهت كثيراً من مباحثها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية. ليس عند أصحاب التفكير الفلسفي الخالص، كالكندي والفارابي وابن رشد مثلاً، بل عند المتكلمين أيضاً. بل لم ينجُ من ذلك حتى التصوف الذي عرف في جميع الحضارات بأنه معارض للنزعات العقلية والمنطقية، بسبب اعتماده على التجربة الشعورية والوجدانية وما يتفرع عنهما، لكننا نجد في الحضارة الإسلامية تياراً هاماً حاول (عقلنة) التصوف، فنشأ ما يسمى بالتصوف الفلسفي أو العقلي، تمثل بشكل واضح عند السهروردي ومحيي الدين بن عربي، وبشكل أقل عند الفارابي وابن سينا.
والحق أن علم الكلام في جملته هو محاولة لصياغة أسس العقيدة، ومناقشة المشكلات المتفرعة عنها عقلياً، بإقامة الأدلة والبراهين. وإذا كان قد اتخذ طابع الدفاع والجدل مع المخالفين وتفنيد آرائهم بالحجة والبرهان، كما يتضح من تعريفه بأنه (علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية) )[313](، فإنه سيتحول شيئاً فشيئاً إلى (علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام) )[314](، أي أنه سيتحول إلى فلسفة تبحث عن حقائق الموجودات انطلاقاً من التصور الإسلامي، وبذا يخرج عن كونه مجرد دفاع ـ أياً كان حجم ذلك الدفاع وأهيمته ـ إلى فلسفة شاملة، تبحث في العالم وقضاياه ومشكلاته من منظور إسلامي خالص. وبذا يكون هذا العلم قد مهد الطريق إلى أصحاب النظر الفلسفي المحض.
فعند الفلاسفة يعتبر الموقف من العقل والسير على هدى أحكامه جزءاً من طبيعة الفلسفة، ولكم جاهد الفلاسفة المسلمون لتأكيد وجهة النظر العقلية والدفاع عنها في وجه تيارات كانت ترفض العقل كلياً، أو تقبله جزئياً، فكان الهجوم على العقل والسائرين على هديه، يحمل في طياته دفاعاً عن الجهل، ونكوصاً عن ركب الحضارة الذي بزغ مع فجر الإسلام، وتبريراً للاستبداد الذي أشاع الخرافة والجهل والخنوع لكي يسلس قيادة الناس، ويذهلوا عن مآسيهم ومظالمهم، حتى وإن تقنّع هذا الموقف بقناع الدفاع عن النص الديني والاحتماء به.
ولئن تجلّى موقف الفلاسفة العقلي في العديد من المسائل العلمية والمعرفية والاجتماعية وغيرها فإنه تجلّى ـ قبل كل شيء ـ في إثبات ضرورة الفلسفة ومشروعية التفلسف، وهو أمر لا بد منه في وسط يُشير بأصابع الاتهام والشك للفلسفة والمشتغلين بها.
فهذا الكندي يرى أن الناس جميعاً لا بد لهم من موقف فلسفي، إن أرادوا الحصول على قدر من التفكير السديد. وحتى خصوم الفلسفة مضطرون للتفلسف شاؤوا أم أبوا.. لأنهم رفضوا الفلسفة وجب عليهم تعليل موقفهم والبرهنة عليه. وإعطاء العلة والبرهان هو من طبيعة الفلاسفة)[315](.
أما ابن رشد، فيرى أن النظر الفلسفي واجب شرعاً، ذلك لأن الفلسفة لو تعمقنا معناها (ليست شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع) )[316](، وذلك في رأيه عَيْن ما دعا إليه الشرع، فإن الشرع قد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل ومعرفتها به، وهو واضح في أكثر من آية من كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَار﴾ [الحشر: 2] ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185]. ويرى ابن رشد في هذه الآية نصاً يحث على النظر في جميع الموجودات)[317]( والمقصود بالنظر هنا هو الرؤية العقلية البرهانية وهي جوهر الفلسفة.
ولعل تلك المنطقة هي النقطة التي انطلق منها ابن رشد لاستجلاء أسس الاتفاق بين الفلسفة والدين قائلاً: (إذا كانت هذه الشرائع حقاً، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له)[318](.
إن الموقف العقلي لابن رشد ولمن سبقه من فلاسفة الإسلام، لا بد أن يكون قد انطلق من أرضية اعتقادية وثقافية معينة، نستطيع أن نقرر هنا أنها إسلامية قرآنية قبل كل شيء. فلقد كان القرآن الكريم هو المحرك للعقلية الإسلامية كي تقوم بالبحث والنظر واكتشاف القوانين التي تحكم هذا العالم، بل ومعرفة الله وإدراك عنايته المحيطة بجميع الأشياء.
فالخطاب القرآني كان موجهاً باستمرار لقوم يعقلون، ولأولي الألباب، ولأصحاب الفكر النير والفطرة السليمة، وليس لأناس صودرت عقولهم واضطربت أذهانهم، وشُلّ تفكيرهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾[الإسراء: 7]، وتجعله حامل الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. وهو خليفة الله في هذه الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: 30].
وإنسان يكرمه الله هذا التكريم، ويجعله حاملاً للأمانة، وخليفته في هذه الأرض، لا يمكن أن يكون مسلوب الإرادة عديم الاختيار، لا يملك من أمره شيئاً، كما توهم الجبريون. الحرية إذن قيمة كبرى من قيم الإسلام، فلا عجب أن رأيناها محل نظر وصراع واختلاف جاد بين المفكرين المسلمين. وباستثناء الجبرية الصريحة، فإن أغلب الفلاسفة والمتكلمين كانوا أنصاراً لمبدأ الحرية والاختيار الإنساني، وإن تفاوتوا في قربهم أو بعدهم من هذا المبدأ.
أما الفلاسفة المسلمون فيقولون بالحرية الإنسانية، وهم يرتبون عليها فلسفتهم الأخلاقية. يقول الفارابي: (الخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار) )[319](. أي أن معيار الفعل الخير والشرير هو الإرادة والاختيار. والإنسان قادر على توجيه أفعاله نحو الخير أو نحو الشر، ولذا فهو يتحمل مسؤوليتها، وهو أمر إيجابي يعزز ثقة الإنسان بنفسه ويقتضي منه أن يكون على بصيرة من أمره.
والإرادة عند مسكويه (ت 421هـ) هي التي تميز العمل الخلقي سواء كان خيراً أم شريراً. (فالخيرات هي الأمور التي تحصل للإنسان بإرادته وسعيه في الأمور التي لها أوجد الإنسان ومن أجلها خلق، والشرور هي الأمور التي تعوقه عن هذه الخيرات بإرادته وسعيه أو كسله وانصرافه) )[320](.
فالخير إذن هو العمل لتحقيق الغايات التي من أجلها خلق الإنسان، والشر هو كل العوامل التي تعوق سبيل الخير، بالسعي والإرادة أو بالكسل والتهاون. أي أن مسكويه يشدد كثيراً على قيمة العمل وارتباطه بالإرادة، وهذا ينعكس دون شك على الجانب العملي من فلسفته الخلقية.
ولا يقتصر مفهوم الحرية على رسم الجانب الخلقي، لكنه يحمل أبعاداً سياسية متجاوزاً موانع العصبية العرقية أو الدينية أو الفكرية، ومؤسساً لدعائم التسامح الديني والإخاء الإنساني والحرية الفكرية. ولذا تحدث الفارابي عن (مجتمع المعمورة) الذي تتعاون فيه الأمم على بلوغ السعادة)[321]( بينما غاب ذلك عن أفلاطون الذي بقي في تفكيره السياسي أسيراً للتجربة اليونانية في دولة المدينة، ونظرتها المشوبة بالتعصب والاستعلاء على الشعوب الأخرى!
وحسبنا موقف الفلاسفة المسلمين من الحرية لنتبين مكانة الإنسان وقيمته وما يمكن أن يقدم تراثنا الفلسفي لإنسان اليوم الذي كبلته القيود وأرهقته المعاناة.
هذه مواقف فلسفية من مشكلات هامة شغلت الفكر الإنساني زمناً طويلاً وأحسب أنها تقدم لتلك المشكلات إجابات واضحة ومحددة، مما يدل على حيوية تراثنا وقدرته على النفوذ إلى حياتنا المعاصرة ودفعها إلى الأمام. هذا إذا قرأناه بعيون معاصرة تستوحي من الماضي ما يعين على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
الدكتور ابراهيم العاني
فلاسفة الشيعة
قال الكاتب المغربي محمد دكير في تعليقه على كتاب (محنة التراث الآخر ـ النزعات العقلانية في الموروث الإمامي)[322]*.
أهم ملاحظة عن التفكير الفلسفي لدى الشيعة، تمثلت في ظاهرة احتضان الشيعة للفلسفة، لكن فلاسفة الشيعة، وإن ذهبوا بعيداً في البحث والاستنتاج بحرية كبيرة، إلا أن صلتهم بالوحي والنص (أحاديث الرسول والأئمة) ظلت مستمرة ومأخوذة بعين الاعتبار، ما جعل الفلسفة الشيعية «حقاً رائدة فلسفة إسلامية خالصة»، أو كما قال عنها المستشرق هنري كوربان «فلسفة النبوّة».
إن مساهمة فلاسفة الشيعة تجاوزت الموروث الفلسفي اليوناني، لتنتقل من الشرح والاستيعاب إلى التطوير، ليس على مستوى النقد فقط، وإنما على مستوى الابتكار والكشف عن مفاهيم وموضوعات جديدة. خصوصاً «تطوير النظر الفلسفي لإشكالية الوجود»، حيث سيظهر الفارق الجوهري بين المدرستين اليونانيتين (الإشراقية والمشائية) بشكل واضح مع الفيلسوف الشيعي صدر المتألهين الشيرازي بخصوص «موضوع الماهية وعلاقتها بالوجود». وهذا ما سينعكس إيجاباً على التفكير الفلسفي المعاصر، ولأهمية ما توصل إليه هذا الفيلسوف الإمامي الذي يصفه المستشرق الألماني ماكس هورتن بـ«واحد من عظام الرجال المجهولين في تاريخ البشرية»، فقد حاول المؤلف بصورة موجزة عرض مباحث الوجود ونظرية المعرفة انطلاقاً من كتب هذا الفيلسوف، وتقديمه أنموذجاً عاماً يفيد «في بلورة موقف من طبيعة المنزع العقلاني للإمامية» في مجال الحكمة. لكن من دون إهمال بقية الأسماء اللامعة في هذا المجال، لأن الضرورة المنهجية تقتضي أن يوضع فكر صدر المتألهين في سياقة التاريخ. فيتمّ التعرّض بنوع من التفصيل لما يسميه المؤلف بـ«مرحلة الازدهار والنشاط».
وفي خضم هذه المعالجة وهذا العرض يتوصّل المؤلّف، بين الحين والآخر، لمجموعة من الاستنتاجات والملاحظات القيّمة، تصبّ جميعها في الكشف عن النزعات العقلانية داخل هذا الموروث الفلسفي «المجهول» وغير المعروف بما فيه الكفاية. وبالتالي غير المكتشف لدى شريحة واسعة من الباحثين والنقاد والمؤرخّين العرب والمسلمين.
من خلال هذه الملاحظات، أو الاستنتاجات المهمة، نكتشف الجوانب العقلانية في هذا التراث «المجهول»، «اسلوب الاستدماج المبدع»، الذي قام به عدد من الفلاسفة الشيعة، فالاطلاع الواسع على الاتجاهات الفكرية المختلفة أدى إلى صبها «في قالب دقيق يجعل من الفلسفة ذاتها وسيلة لتعقيل الشريعة لطموح جعل المعرفة ممكنة…»، وهذه التجربة قادتهم إلى الخوض في قضية مهمة، وهي قضية التوفيق بين الحكمة والشريعة، وبما أنهم لم ينفصلوا عن الوحي ولقربهم من النص الشيعي الذي يختزن ما يمكن أن نسمّيه عناصر عقلانية وفلسفية عميقة، فقد «كانوا الأقدر على تحقيق ذلك الحلم الكبير الذي راود رموز الفلسفة الإسلامية منذ الفارابي حتى ابن رشد، ألا وهو التوفيق بين الفلسفة والشريعة».
وهذه القدرة جاءت مشفوعة بابتكارات جديدة غير مسبوقة في كثير من جوانبها، خصوصاً مع الملاّ صدرا ونظريته المتعلقة بـ«الحركة الجوهرية»، لقد كرّس هذا الفيلسوف الإمامي جهداً كبيراً من تفكيره وانشغاله المعرفي، في محاولة للتوفيق بين الحكمة والشريعة، مستفيداً من تعمّقه الكبير في كليهما، فجاءت بحوثه أو «كتبه الفلسفية ـ كما يقول الشيخ المظفر ـ تفسيراً للدّين، كما أن كتبه الدينية جاءت تفسيراً للفلسفة». على أن الاهتمام بالتوفيق بين الحكمة والشريعة لم يكن ليستحوذ على مجمل انشغالات الملاّ صدرا، لأن ابتكاراته الجديدة، إنما جاءت بعد اطلاع واسع على التراث الفلسفي الذي سبقه، حيث تجاوز اهتمامه به التهذيب وتصحيح المطالب، بل عرف بنقده العلمي الدقيق لعدد من الآراء والأفكار، ومن ثم انطلق نحو التجديد أو بناء صرح فلسفي «على أسس جديدة من الوعي»، وأعاد «نظم نظرية الوجود، وفق رؤية شمولية وبناء فلسفي متكامل ومحكم».
إن عرض فلسفة الملا صدرا ومعالجتها ـ وخصوصاً في ابتكاراته الجديدة ـ إلى كون هذه الفلسفة قد كشفت عن «مضامين علمية غزيرة، تمثل أساساً لما ستشهده الثورة الثقافية والمعرفية في تاريخنا المعاصر، فكان أن أصّل ملاّ صدرا مفهوم الوجود قبل كل من هيدغر وسارتر، حينما قال بحقيقة الموجود وظهوره وزمانيته. كما فجر مفهوم الحركة الشاملة قبل الدياليكتيك الهيغلي والماركسي بقرون عديدة. بالإضافة إلى ابتكارات أخرى كنظريته في النشوء والتطوّر، والميكانيكا.. كل هذا يجعل من فيلسوفنا ـ بحق ـ أحد أكبر الممهّدين المجهولين للثورة العلمية المعاصرة…
وكما قلنا سابقاً فالملاّ صدرا باعتباره أنموذجاً للاشتغال الفلسفي الشيعي يمثل قمّة نضج البحث في المجال الوجودي، من دون أن ننسى المساهمات التمهيدية لكل من الخواجه نصير الدين الطوسي والحلّي وغيرهما ممن جاء بعدهما مثل الميرداماد أستاذ الملاّ صدرا، لأن صدر المتألهين يعدّ حلقة مهمة وأساسية ضمن المدرسة الفلسفية الشيعية، التي يكشف إنتاجها عن منحى عقلي عميق، لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من شأنه، بل يمكن اعتماده والانطلاق منه ليس فقط للتجديد، وإنما لبناء رؤية متكاملة نحو التراث الإسلامي في كليته، بعيداً عن أي تقييم إيديولوجي أو مللي/ طائفي ضيق. إن الإنتاج أو الموروث الفلسفي الشيعي يشكل أفقاً وامتداداً طبيعياً للفكر الفلسفي الإسلامي بشكل عام، يمكن الاستفادة من عناصره الإيجابية لربط التراث بالعقلانية المعاصرة.
أصول التشريع: النّزوع نحو اليقين
يتابع المؤلّف رصده «لمواقع تجلي أو كمونها النزعة العقلانية في الموروث الثقافي الإمامي»، وهذه المرة سيرصدها من خلال تتبّعه لعملية تأصيل الشريعة وأحوال الاجتهاد الفقهي. لكن هذا الرصد لم يكن متيسراً من دون التمهيد له تاريخياً، أي محاولة وضعه.
الفلسفة الإسلامية
في الحوزة العلمية الشيعية
واصلت الحوزة العلمية الشيعية دراسة وتدريس التراث الفلسفي الإسلامي، بينما اندثرت مثل هذه الدراسات في الحواضر العلمية الإسلامية التقليدية كافة التي كانت تهتم بذلك منذ مدة طويلة، فلا نجد تدريساً منهجياً منتظماً لتراث ابن سينا الفلسفي، وتراث محيي الدين بن عربي، وتراث صدر الدين الشيرازي، وأخيراً تراث ملا هادي السبزواري، كما تزخر بذلك حركة الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية الشيعية.
يضاف إلى ذلك أو يتفرع عنه، أنّ معظم أساتذة وتلامذة الفلسفة في الحوزة يعنون بالعرفان الإسلامي عناية خاصة، فيعكفون على دراسة بعض المؤلفات الأساسية في هذا الحقل، مثل كتاب (فصوص الحكم) لابن عربي، وغيره، ولذا قد يمكث هؤلاء سنوات عديدة لدراسة وفهم أفكار ونظريات الحكماء والعرفاء الإسلاميين، المشتملة عليها هذه المؤلفات، والمحكية غالباً بعبارة مكثفة معمقة، مبهمة، وربما ملغزة، يعاني ذو الاختصاص معاناة كبيرة ويستنزف جهداً عقلياً هائلاً في وعيها وتحليل مدلولاتها.
وعلى هذا الأساس انفردت الحوزة، بتوفرها على أجيال من الفلاسفة وأساتذة الفلسفة الإسلامية الأكفاء، في كل حقبة زمنية.
ونحسب أنه لا يوجد أحد من أساتذة الفلسفة أو الفلاسفة في عالمنا اليوم، تراكمت لديه خبرة متميزة في شرح وتوضيح وتحليل النصوص الفلسفية والعرفانية في التراث الإسلامي، كالخبرة التي لدى هؤلاء الأساتذة.
وهي خبرة راكمتها طبيعة المناخ العلمي الخاص، في دراسة وتدريس المتون القديمة للعلوم الإسلامية عامة، والفلسفة منها خاصة، وكذلك طريقة تدريس هذه المتون، التي تقوم على استجلاء مدلولاتها، واستنباء مفاهيمها، بالاعتماد على تفكيكها إلى جمل وعبارات، وتحليل تلك العبارات واستنطاق كلماتها.
ولذلك فلا غرو أن يرابط دارسو الفلسفة عدة سنوات في دراسة كتاب واحد (كالأسفار الأربعة) واستيعاب مسائله، واستظهار وحفظ ما هو مهم منها، ولعل الأرجوزة المعروفة (بالمنظومة) التي نظمها الملاّ هادي السبزواري في المنطق والحكمة، من المتون المتعارف استظهارها، لدى بعض تلامذة الفلسفة.
من مكتسبات دراسة الفلسفة
في الحوزة العلمية
مما لا شك فيه أن استمرار حضور دراسة الفلسفة الإسلامية في الحوزة العلمية ساهم في تحقيق مكتسبات مهمة، ليس أقلّها الكشف عن إبداعنا الفلسفي، وما أنجزه الفلاسفة الإسلاميون من ابتكار نظريات ومقولات ومفاهيم فلسفية عبّرت عن إضافة معرفية أساسية للتراث الفلسفي الإنساني.
إنّ اكتشاف الإبداع الخاص لحضارتنا الإسلامية هو الشرط اللازم لتأكيد الاعتزاز بالذات، وتجلية الخصوصية الحضارية، وحماية الأمة المسلمة من حالات الاستلاب والانبهار، التي قد تتعرض لها، بفعل اختراق الفلسفات الأخرى لعقل الأمة، واضمحلال هويتها إثر ذلك.
ولذا يكون التعرف على الخصوصية والنسق الحضاري الخاص لأمتنا، هو الأداة الموصلة إلى اكتشاف الهوية الحضارية، وما تختزنه من بناءات، وخصوصيات، وآفاق، ومن ثم اكتشاف السمات الحضارية النوعية والذاتيات الثقافية لها.
ومثل هذا الاكتشاف يقودنا بطبيعته إلى تحديد عناصر النهوض والتقدم واستدعاء ما هو حي ومتجدد من تلك العناصر، واستبعاد ما هو نسبي وزمني منها، واعتمادها كمرتكزات أساسية لإعادة توليد الأفكار والمقولات في ضوء متطلبات الحياة الراهنة، كي نتمكن من تعبئة طاقات الأمة الذاتية لمواجهة تحديات الحاضر، وبناء قاعدة معرفية للنهضة.
بينما يسعى تيار النقل والاقتباس، إلى تفريغ الطاقة الذاتية للأنا وتبديدها، عندما يلجأ إلى استعارة المنتجات المعرفية للآخر، ويهمل بنحو تام مكتسبات الأمة المعرفية كافة في طول تأريخها، ويتعالى على الرجوع إلى أي مؤلّف من المؤلفات التي يزخر بها تراثنا الفلسفي.
ولا نريد أن ندّعي أن الانغلاق على التراث فقط، وعدم اكتشاف منجزات الآخر، وامتصاص ما هو صواب وحق وحقيقة منها، هو وحده فقط يمكن أن يحقق النهضة، وإنما نعني أن رواد الحداثة والنقل يقعون في خطأ فادح حينما يهدرون التراث، ويضحون بمنجزات السلف فيخسرون ما يختزنه هذا التراث من مقومات ذاتية فاعلة تؤسس النهضة، وتحمي شخصية الأمة من الذوبان والتشويه.
ومن المكتسبات الأخرى التي أنجزها الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية، أنّه استطاع أن يقدم إجابات فلسفية دامغة عن كثير من الشبهات والإشكالات المتنوعة، التي أشاعتها التيارات الفكرية والسياسية العلمانية في العالم الإسلامي، بعد أن استعارتها من الفلسفة الأوروبية الحديثة وأعمال المستشرقين.
بقي أن نشير إلى أنّ الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية، أسهم في تخصيب وتوليد فكر فلسفي إسلامي جديد، مثّلته مدرسة الحكمة المتعالية التي أبدعت توليفاً اتّسقت فيه عناصر وأدوات فلسفتَي المشاء والإشراق، والعرفان، وعلم الكلام، والوحي التي أسّسها وأشاد أركانها الفيلسوف المسلم محمد بن ابراهيم الشيرازي المعروف بصدر المتألهين، وإن ظلّ منجزه الفلسفي قيد الإهمال والتجاهل حتّى لحظتنا هذه، في المواقع التي لم تزل تتعاطى شيئاً من دراسة المعقول الإسلامي، وهي أقسام الفلسفة في الجامعات العربية والإسلامية.
وربما كان إقصاء فلسفة صدر المتألهين من هذه المواقع يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، من أبرزها عدم توفّر أساتذة أكفاء متخصصين في الحكمة المتعالية في أروقة هذه الجامعات، وهذا ما لا يتحقّق إلا بانخراط طلاب نابهين في دراسة الحكمة المتعالية، ويخيّل إليّ أنّ تلك العوامل تنطلق من نزعات عرقية أو طائفية بعيدة عن روح الإسلام.
مسار الدرس الفلسفي
في النجف الأشرف
يفتش الكثير من الباحثين عن جذور المنحى العقلي في التراث الإسلامي في آثار أمم وأديان أخرى، ولذا يحاولون أن يجدوا النظائر والأمثال والإشارات في ما وصلنا من كتابات مدرسة أثينا أو الإسكندرية، أو النصوص الهندية، أو الفارسية القديمة، فيتأولون مدلولاتها في إطار هذه الرؤية، كي يحيلوا ما أنجزه العقل المسلم في عدة قرون إلى تلك الأصول، ولا تكون للمسلمين وظيفة سوى النقل والاقتباس، فالفلسفة الإسلامية ظلت باستمرار فلسفة انتخابية عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق»)[323]( حسبما يقولون.
لقد أضحت هذه الرؤية فيما بعد سلطة مرجعية لم ينفك من أسرها الكثير من الباحثين في تاريخ الفلسفة الإسلامية وحالت بينهم وبين الوصول إلى الروافد الأساسية للمعقول الإسلامي، فلم يسعَ هؤلاء لتدبر آيات القرآن الكريم، والتأمل في معاني المرويات من الأحاديث الشريفة، والأدعية المأثورة عن الرسول (ص) وأهل البيت (ع)، ليستكشفوا ما تختزنه تلك الآثار المقدسة من قضايا وقواعد ونظريات فلسفية هامة. وكأن رؤية أولئك الذين يعزون ولادة المنحى العقلي في التفكير الإسلامي إلى عوامل خارجية بمثابة من يرى شخصاً واقفاً إلى جانب نهر عظيم وبيده قدح ماء، ثم يسأله: من أية بركة ملأت هذا القدح؟ ـ حسب تعبير أحد الأدباء ـ من دون أن يريد رؤية ذلك النهر وما يفيض به من ماء.
وتأكد هذا الموقف بنحو أشد لدى بعض الباحثين المهتمين بدراسة التراث الشيعي وتحليل مكوناته، فأثاروا جملة شبهات وشكوك حول نشأة الفلسفة والكلام عند الشيعة، وأصروا على نفي معظم محتواهما عن البيئة الإسلامية، وهو ما نراه بوضوح في كتابات غير واحد من الباحثين القدماء والمحدثين.
ولم يميز البعض بين نشأة المنحى العقلي في التفكير الإسلامي وبين تطوره لاحقاً، فمما لا شك فيه أن تطوره تأثر تأثراً واضحاً باستلهام تجارب حضارات أخرى، فهو إسلامي الولادة لكنه في تطوره تأثر بعناصرخارج فضاء الحضارة الإسلامية.
مناهل التفكير الفلسفي
عند الشيعة
يمكن القول إن كتاب «نهج البلاغة» الذي يشتمل على خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتعاليمه وكتبه ووصاياه هو أول كتاب يشتمل على مادة واسعة تزخر بالمباحث العميقة في الفلسفة الإلهية، فالإمام علي (ع) أول من تناول مسائل التوحيد وما يرتبط بها من صفات الله تعالى، والحدوث والقدم، والوحدة والكثرة، والبساطة والتركيب، وغيرها من المسائل، ببيان دقيق وبراهين واضحة، بل هو أول من برهن واستدل، في الفلسفة الإلهية، في هذه الأمة، فإنه هو الذي فتح لهم باب الاستدلال البرهاني في المعارف الإلهية… وإنه قد أتى بمسائل في الفلسفة الإلهية، لم يسبقه إلى التنبه إليها أحد، كما أنه فيما أقامه عليها من البراهين، ووضعه لها من الحلول كان رائداً متفرداً. وقد بقيت روائح أنظاره العالية رهن الإبهام قروناً متتالية بعد زمانه، حتى وفق لكشفها، والوقوف عليها، ثلة من جهابذة العلم، وأفذاذ المفكرين… وإنه (ع) أول من استخدم الألفاظ العربية لبيان المقاصد الفلسفية، التي لا تفي بها الألفاظ ـ في اللغة العربية ـ بمعانيها الشائعة، واستعمالاتها المتعارفة، إلا بعد تجريدها، على نحو ما ـ عن غواشي المادة، وشوائب الخصوصيات…))[324](.
فعندما نتأمل ما ورد في نهج البلاغة ونحاول قراءة محتوياته قراءة فلسفية، سنلتقي بمضامين توضح لنا أنه المنهل الأساس الذي استقى منه الفلاسفة والعرفاء المسلمون أبرز مسائلهم، فمثلاً يظهر لنا (أن بعض المسائل الفلسفية الأساية التي تطرحها خطب الإمام علي تأخذ كل مداها عند الملا صدرا ومدرسته) )[325](. فالخطبة الأولى في نهج البلاغة ـ طبقاً للترتيب الذي صنفه جامع الكتاب الشريف الرضي ـ نقرأ فيها نصاً توحيدياً ثرياً ببيان مراحل معرفة الله، التي تبدأ من أدنى المراتب وتنتهي إلى أعمق هذه المراتب وأدقها بحسب طاقة الإنسان العقلية، متدرجة وفقاً لدرجات الإيمان حيث يقول (ع):
(أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عدّه، ومن قال «فيم» فقد ضمنه، ومن قال «علام؟» فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم. مع كل شيء له بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده) )[326](.
يحدد هذا النص خمس مراتب لمعرفة الله تعالى وهي كما يلي:
المرتبة الأولى: (أول الدين معرفته)، فمعرفة الله، والإقرار بألوهيته، هي: الاعتقاد النظري بأن للعالم إلهاً، وهو ما يشترك فيه المشرك، والموحد، كالوثنية، والثنوية، وأهل الكتاب، والمسلمين. وكل من اعترف بالإله، وأذعن بوجوده، وخضع له، أو اقتصر على مجرد العلم النظري.
المرتبة الثانية: (وكمال معرفته التصديق به)، هذا التصديق هو الذي يوجب خضوع الإنسان له في عبوديته، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد لذلك كان هذا التصديق، كمال المعرفة.
المرتبة الثالثة: (وكمال التصديق به توحيده)، توحيده هو إثبات أنه تعالى واحد لا شريك له، وبذلك يمتاز دين التوحيد عن أديان الشرك، التي تثبت مع الله آلهة أخرى، والتوحيد هو كمال التصديق به.
المرتبة الرابعة: (وكمال توحيده الإخلاص له)، الإخلاص له يكون بالإعراض عما سواه علماً وعملاً، وقصر الوجود الحق وحصره فيه تعالى، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وإذا كان كذلك انتفى عنه تعالى كل واقع، أو متوهم، أو مفروض، فيكون واحداً بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
المرتبة الخامسة: (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة)، فإنه تعالى إذا كان حقاً على الإطلاق، ووجوده غير محدود، فلا يمكن للمفاهيم الذهنية أن تحيط به، ولا أن تنطبق عليه تعالى حق الانطباق، لأن المفاهيم محدودة في أنفسها، ولذا ترى أن مفهوم العلم يمتاز عن مفهوم القدرة، وليس في أحدهما أي شيء بل أي خبر عن الآخر، ومفهوم القدرة لا ينطبق على مفهوم الحياة، ومفهوم الحياة منفصل عن مفهوم العلم، فكل مفهوم لا يسع إلا نفسه، وليس فيه من المفاهيم الأخرى أي أثر أو خبر، وكذلك ليس في المفاهيم الأخرى عنه اي خبر أو اثر «وإن كان ربما تتحد مصاديق هذا المفهوم وتتطابق مع مصاديق المفهوم الآخر، لكن الكلام ليس في المصاديق». وإذا كان الإله سبحانه ـ على كل تقدير ـ غير محدود بحد موجود وهو حق على الإطلاق، فإن المفاهيم الذهنية، التي يصف العقل بها كلما أراد أن يعرفه، أو يعرّفه، لا تستطيع أن تتناوله، فتحيط به، وتنطبق عليه. وهكذا نرى أن التعمق في معنى الإخلاص قد أدى إلى نفي الصفات عنه تعالى، فيصح إذن أن يقال: إنّ نفي الصفات عنه تعالى هو كمال الإخلاص له)[327](.
إنّ المسائل المرتبطة بالتوحيد والقضايا الأخرى في الفلسفة الإلهية تحتل مساحة واسعة من النصوص المأثورة عن الإمام علي (ع) في نهج البلاغة، ولا يقتصر ذلك على نهج البلاغة وإنما نلاحظ في النصوص الأخرى المأثور عن الأئمة (ع) بيانات عديدة تعني بإيضاح قضايا أساسية في الفلسفة الإلهية.
ففي «الأصول من الكافي»)[328]( نجد الشيخ الكليني يفرد قسماً خاصاً لأحاديث أهل البيت (ع) الواردة في موضوع التوحيد، يذكر فيه ما ورد عنهم في مسائل منها: (حدوث العالم وإثبات المحدث، وإطلاق القول بأنه شيء، وأنه لا يعرف إلا به، وإبطال رؤيته تعالى، والنهي عن الكلام في الكيفية، والنهي عن الوصف بغير ما وصف به نفسه، والنهي عن الجسم والصورة، وصفات الذات، والإرادة وكونها من صفات الفعل، وحدوث الأسماء، وتأويل الصمد، والعرش والكرسي، وجوامع التوحيد، والجبر والقدر والأمر بين الأمرين، والهداية… وغير ذلك). أما الشيخ الصدوق فإنه ألف كتاباً مستقلاً بعنوان «التوحيد»)[329]( ضمّنه (583) حديثاً مما ورد عن الأئمة (ع) في مسائل التوحيد. كذلك تشتمل هذه الأحاديث على مرتكزات اساسية في الفلسفية، لا سيما ما جاء منها بصيغة حجج برهانية في نقض مزاعم الزنادقة، فمثلاً ورد في ثنايا البراهين التي ساقها الإمام الصادق في الرد على الزنديق قوله (ع) في سياق الجواب (… إذ لم يكن بين الإثبات، والنفي منزله))[330](، وهي إشارة صريحة إلى الحقيقة الفلسفية المعروفة في نفي الواسطة بين الوجود والعدم، التي اشتبه فيها الأمر فيما بعد على بعض متكلمي المعتزلة، فذهبوا إلى القول بأن هناك واسطة بينهما.
ومن هذا القبيل قول الإمام الرضا (ع) في بيان أصل مبدأ العلية، وإن كل موجود إن لم يكن وجوده عين ذاته، كان قائماً بغيره ومتحققاً فيه ومعتمداً عليه، أي معلولاً له، لأن (… كل قائم في سواه معلول) )[331](، وهذا ما ينعكس بعكس النقيض إلى أن ما لا يكون معلولاً، فهو ليس قائماً في سواه، وإنما هو قائم بذاته مستغن عن غيره، لا يحتاج إلى أي موجود آخر)[332](.
ومن ذلك قوله (ع)، في بيان عدم إمكان اكتناه ومعرفة ذاته تعالى، ونفي الماهية عنه، أن (كلّ معروف بنفسه مصنوع) )[333](، بمعنى أن كل موجود مخلوق فإن له ماهية معينة يعرف بها، أما ما لا يكون مصنوعاً ومخلوقاً، وإنما هو خالق جميع الأشياء، فإنه لا يكون معروفاً بذاته وماهيته، لأنه لا ماهية له وراء وجوده، فهو وجود محض وماهيته إنيّته أي وجوده، ولذا لا يدركه العقل بالكنه، لعدم وجود صورة له تحكيه ولا مثال له يحاذيه، لأنه ليس كمثله شيء)[334](.
هذه الأقوال تؤسس لبعض المرتكزات المعروفة في مباحث الإلهيات لدى الفلاسفة الإسلاميين، فإنه لا بد أن يكون للحادث مبدأ أزلي قديم مصون عن الحس، إذ لو كان محسوساً لما كان وجوده عين ذاته، لاحتياجه إلى أين ومتى وكم وكيف وغير ذلك حتى يناله الحس، وكل ما كان محتاجاً فليس بمبدأ أزلي)[335](.
تأسيساً على ما سبق يمكن القول بأن نقطة الانطلاق في التأمل الفلسفي عند الشيعة تبدأ من القرآن وسنن الأئمة، (فعلى كل محاولة تنزع إلى عرض الفلسفة النبوية التي نشأت عن هذا التأمل، أن تنطلق من نفس المنهل الذي نهلت منه هذه الفلسفة) )[336](. وليس من الصحيح أن يتم استدعاء عناصر ثقافات خارج البيئة الإسلامية، وإحالة تجليات الإبداع الفلسفي في التراث الشيعي إليها، مثلما يفعل بعض الباحثين المسكونين بالتصور التسلطي في الثقافة الغربية، وما يصدر عنه من رؤية متحيزة لمكونات الحضارة اليونانية، من دون أن يتنبهوا إلى أن (كل جدلية التوحيد والمسائل المتعلقة بعلم النبوة، ناجمة من معطيات خاصة لا مقابل ولا مثال يوناني لها… وقد غذّى الفكر الشيعي، ومنذ البداية، الفلسفة ذات النموذج النبوي، أي النموذج الذي يتعلق بالدين النبوي) )[337](.
ومن الجدير بالذكر أن دعاة هذا المنهج الذي يحاول إلحاق المعقول في التراث الشيعي بثقافات أخرى، لم يقتصر على ذلك وإنما يتجاوزه إلى إقصاء التشيع بتمامه خارج الفضاء الإسلامي، مفتشاً عن جذور مزعومة له في ديانات وحضارات غابرة، متكتماً على المصدر الرباني للتشيع، وأن ما يفيض به التشيع من ثراء روحي، وخصب معنوي، ونزعة عقلية برهانية، نابع من الوجدان الشيعي نفسه، واستلهامه الغزير للوحي الإلهي ومجموع التراث النبوي عبر قنوات نقية، ذلك أن التشيع (يتكون أساساً بحسب ما تظهره لنا النصوص التي ترجع إلى الأئمة أنفسهم، من إرادة الوصول إلى المعنى الحقيقي للوحي الإلهي) )[338](.
من هنا نستطيع معرفة السبب الأساسي في بروز النزعة العقلية والتجربة الروحية العميقة لدى الشيعة منذ العصر الإسلامي الأول، وكيف تطورت تلك النزعة في عصور لاحقة، فأضحت سمة يتميز بها التراث الشيعي، كما اعترف بعض المؤرخين مؤكداً ذلك بقوله: (كانت الفلسفة ألصق بالتشيع منها بغيره، نرى ذلك في العهد الفاطمي، والعهد البويهي، وحتى في العصور الأخيرة كانت فارس أكثر الأقطار عناية بدراسة الفلسفة الإسلامية ونشر كتبها) )[339](.
بيد أن بعض الباحثين يحلو له أن يتغافل عن هذه الحقيقة، بل ربما عمد بعضهم الآخر إلى طمسها، حتى أن الدور والأهمية القاطعة التي كانت للفكر الشيعي في ارتقاء الفكر الفلسفي في الإسلام، لم تؤخذ بعين الاعتبار إطلاقاً، لا بل كان بين صفوف المستشرقين حيالها بعض التكتم والميل الذي يصل إلى حد العداء، وهم في ذلك على وفاق مع الجهالة)[340](.
عبد الجبار الرفاعي
الفهرسة (الببليوغرافيا)
الببليوغرافيا لفظ من الألفاظ التي استأثرت بها اللغات الأجنبية، وقد دأب الكتاب المتخصصون على استخدامها معربة يستطيع اللسان العربي أن ينطق بها. وهي كلمة يرجع معناها إلى اللغة اليونانية وهي مركبة أصلاً من كلمتين: الأولى Biblion ومعناها كتاب والثانية Graphien ومعناها وصف، لذا فهي تعني (وصف الكتاب)، وقد استعملت في البداية بهذا المدلول وهو كل ما يتصل بصناعة الكتب ونسخها والتعرف عليها كأشياء مادية، غير أن هذا المفهوم للكلمة تطور واتسع على مدى العصور فصارت تعني ـ فيما تعني ـ فن إصدار القوائم الوصفية لمصادر الفكر الإنساني، المخطوط منه أو المطبوع، وهو ما نعني به في هذه الدراسة. أما القائمة التي تصدر نتيجة لهذا يطلق عليها (الببليوغرافية) أو (القائمة الببليوغرافية) ويشير إليها الكتاب العرب بالفهرس وجمعها فهارس، وسوف نستخدم في دراستنا هذه الألفاظ جميعها ونقصد بها المعنى الذي اشرنا إليه.
اهتم المسلمون عبر تاريخهم القديم بحصر وتنسيق وفهرسة إنتاجهم الفكري في كافة مجالات التأليف، وقد وصلت إلينا بعض الببليوغرافيات (الفهارس) المنظمة التي تدل على تتبعهم للموضوع وإدراكهم لأهميته. وأول عمل ببليوغرافي واسع هو ما قام به الشيعة فيما ألفه ابن النديم المتوفى 385هـ ـ 965م في كتابه «الفهرست» الذي جمع فيه أسماء الكتب العربية المعروفة منذ بدء التدوين عند العرب حتى عام 377هـ. وهي السنة التي انتهى فيها من تأليف الكتاب. وقد وزع ابن النديم الكتب حسب الموضوعات وترجم لمؤلفيها وتحدث عن العلوم الشائعة في عصره.
ثم جاء طاش كبرى زاده المتوفى سنة 968هـ ـ 1561م بعد ابن النديم بحوالى ستمائة سنة وألف كتابه الضخم «مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم». جمع فيه أسماء الكتب المؤلفة في أنواع العلوم التي بلغت نحو 300 علماً.
وبعد ذلك جاء مصطفى بن عبدالله كاتب جلبي المشهور بحاجي خليفة المتوفى 1067هـ ـ 1657م مؤلف كتاب «كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون» وهو أوسع كتاب ببليوغرافي قديم، ذكر فيه ما يقارب 14500 كتاب ورتبها هجائياً بحسب عناوينها ذاكراً لكل منها وصفاً كاملاً: اسم المؤلف وسنة وفاته وموضوع الكتاب أو شيئاً من مقدمته وعدد مجلداته أو أوراقه أو كراريسه، وقد يسترسل فيذكر ما وضع على المصنف من الشروح والتعاليق والاختصارات.
وقد جاء بعده إسماعيل باشا البغدادي المتوفى سنة 1920م ووضع لكشف الظنون ذيلاً أسماه (إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون) ذكر فيه ما فات حاجي خليفة أو مما ألف بعد زمانه. وقد بلغت المؤلفات التي ذكرها حوالى 19000 كتاباً رتبها كترتيب كشف الظنون أي هجائياً بالعناوين.
وفي هذا العصر ساهم الشيعة في العمل الببليوغرافي مساهمة كبرى ومن أهم أعمالهم في ما كتبه آغا بزرك الطهراني المتوفى في عام 1970 وهو «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، جمع فيه الكتب المؤلفة بأقلام أعلام الشيعة على مر العصور ورتبها بحسب العناوين. وهو عمل ببليوغرافي رائع.
ومن ذلك معجم المطبوعات النجفية منذ دخول الطباعة إلى النجف حتى الآن. للشيخ محمد هادي الأميني وقد صدرت طبعته الأولى في النجف عام 1966 وتقع في 399 صفحة، ذكر فيه 1815 من الكتب والدوريات التي وقف عليها المؤلف ورتبها هجائياً على العناوين.
الفهرست
ـ 1 ـ
هذا البحث بقلم مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها السيد علي الخامنئي الذي قبل أن يكون رجل ثورة ودولة، كان رجل علم وفكر وقلم:
هذا الكتاب من أثمن الآثار القديمة في فن الرجال لدى الشيعة، ومن الكتب العمدة بالنسبة لعلماء هذا الفن.
والفهرست يطلق اصطلاحاً على الكتب التي تذكر فيها أسماء أصحاب «الأصول» و«المصنفات»)[341]( وغالباً ما كانت لدى القدامى من علماء الرجال فهارس اكتفوا فيها بالتعريف ببعض مؤلفي الشيعة أو بالكتب الموجودة عندهم، مثل: «فهرست الزراري» و«فهرست ابن عبدون».
وأول من وضع كتاباً مفصلاً في هذا القسم، أبو الحسين أحمد بن حسين بن عبيد الله الغضائري رجالي الشيعة المعروف، معاصر الشيخ الطوسي والنجاشي، الذي كتب كتابين أحدهما في الأصول والآخر في المصنفات. ومن دواعي الأسف أن الكتابين لم يصلا إلى الأجيال اللاحقة كما سبق أن ذكرنا.
ويستفاد من لهجة الشيخ الطوسي في مقدمة «الفهرست» هناك حيث يتكلم عن إصرار «الشيخ الفاضل»، ومن بيان الشيخ النجاشي معاصر الشيخ في مقدمة كتابه الذي ألفه في نفس الموضوع أيضاً، أن الدافع لهذين العالمين الجهبذين المعاصرين، هو بالذات خلو المجال من هذا العمل، وافتقاد كتاب جامع مشبع في هذا القسم.
فإذا تجاوزنا «فهرست ابن النديم» (المتوفى سنة 385) الذي يتفاوت إلى حد من وجهة النظر الموضوعية مع الفهرست المصطلح، ويستوعب جميع العلوم والفنون والمذاهب والسنن الجارية بين المسلمين وبيان مؤلفاتهم في كل منها ومؤلفات علماء غير المسلمين، وكان تأليفه سنة 378: فإن فهرست الشيخ هو أقدم كتاب موضوعي مفصل موجود في هذا القسم وفي متناول الأيدي منذ كان.
فهرست أبي غالب الزراري)[342]( (المتوفى سنة 368) ومن الفهارس المتقدمة على الشيخ)[343](، وهو موجود في متناول اليد، وعبارة عن كتيبات، بل رسالات للتعريف بعدة كتب)[344](.
أما عن أسبقية تأليف أي من الفهرستين، فهرست الشيخ أم فهرست النجاشي، فلم يحدث تحقيق يبعث على اليقين. ولا يستبعد بالنظر إلى أن النجاشي في فهرسته ذكر الشيخ وتاليفاته ومنها الفهرست، على حين أنه لا يوجد في فهرست الشيخ ذكر للنجاشي وتأليفاته، أن يظن أن كتاب النجاشي ألف بعد كتاب الشيخ. إلا أن ذكر كتاب الشيخ في فهرست النجاشي لا ينهض دليلاً على تقدم كتاب الشيخ. ألا يمكننا أن نتصور أن النجاشي كان قد سجل اسم الشيخ وتأليفاته الأخرى في فهرسته، حتى إذا ما ظهر فهرست الشيخ أضافه النجاشي إلى شرح حال الشيخ وزاده على كتبه، تماماً بتمام كما أضاف الشيخ نفسه كتابه «المبسوط» الذي قيل أنه آخر تأليفاته إلى شرح حاله وزاده في عداد تأليفاته في فهرسته؟ ثانياً إذا كان خلو فهرست الشيخ من كتاب النجاشي موجباً لعدم وجود فهرست النجاشي أثناء كتابة الشيخ لفهرسته، لاستوجب ذلك ـ وقد كتب فهرست النجاشي فيما بعد ـ أن يذكره الشيخ في فهرسته. لأن المشهور أن الشيخ الطوسي ظل على قيد الحياة 10 سنوات بعد النجاشي، ولا بد من أنه كان قد علم بوجود كتابه. وعليه، ينبغي البحث عن دليل لعدم ذكر كتاب النجاشي في فهرست الشيخ مع ذكر النجاشي لكتاب الشيخ، في شيء آخر، يحتمل أن يكون اشتهار الشيخ الطوسي وعظمته العلمية وكتبه التي سيطرت على المجتمع الشيعي آنذاك في مقابل قلة حظ النجاشي من الشهرة، هي التي جذبت الأنظار إليه وإلى كتبه.
ولكن مع هذا كله، فإنه بالدراسة ومقابلة الكتابين المذكورين والعثور في فهرست النجاشي على عبارات هي بعينها عبارات فهرست الشيخ مع شيء من الإضافات، وبملاحظة طريقة بيان النجاشي التي تعرض نظره الانتقادي بالنسبة إلى مطالب فهرست الشيخ في كثير من الموارد، لا يبقى هناك مجال للشك في أن فهرست النجاشي ألف بعد فهرست الشيخ.
خصوصيات الكتاب
يشتمل هذا الكتاب على أسماء ما يقرب من 900 شخص وآثارهم من أصحاب الأصول والمصنفات مع سلسلة السند بينهم وبين الشيخ غالباً.
وجاءت تهيئة هذا الكتاب وتأليفه بناء على رغبة أحد معاصري الشيخ يشير إليه في مقدمة الكتاب بقوله «الشيخ الفاضل». ومع أنه لا توجد قرينة معتمدة تمكننا من معرفة هذا الشخص، إلا أنه يمكن من تعبير «الشيخ الفاضل» وكذلك من أن رجاءه لتأليف هذا الكتاب (وكذلك كتابي الشيخ الآخرين «الرجال» و«الجمل والعقود») قد استجيب من قبل الشخصية العلمية الكبيرة في زمانه، يمكن بصورة كلية أن تطمئن إلى أن هذا الفاضل كان يتمتع بمقام علمي مرموق)[345](.
ومبنى الكتاب على التعريف بأصحاب الأصول والمصنفين الشيعة ومن ألفوا كتاباً للشيعة على السواء)[346](. والشيخ نفسه يعد في مقدمة الكتاب بأن يردف اسم كل من المصنفين وأصحاب الأصول بما يرتبط به من جرح أو تعديل وأن يشير إلى ما إذا كانت روايته مورد الاعتماد أم لا، وإلى مذهبه واعتقاده، إلا أنه حصل في الكتاب بعض التخلف عن هذه الطريقة فسكت في بعض الموارد النادرة عن توثيق المذكورين أو تضعيفهم)[347](. وأمسك في بعض الموارد عن ذكر المذاهب في التعقيب على الشيعيين غير الإماميين من قبيل الفطحية والواقفية. والتزم بذكر المذهب إذا كان صاحب الترجمة من العامة. وبناء عليه، وجب كلما سكت عن مذهب شخص ولم يذكره، الاطمئنان إلى أنه ليس من العامة وإن لم يثبت كونه شيعياً إمامياً، بمعنى أنه من الممكن أن يكون متمذهباً بمذهب من سائر شعب الشيعة مثل الفطحية والواقفية وغيرهما. والخلاصة، إن من كان على مذهب الشيعة الإمامية)[348]( أو غير الإمامية قد ذكر مذهبه أحياناً وأحياناً لم يذكر في الفهرست، أما مذهب العامة وهو غير شيعي، فهو دائماً مورد الذكر. وكذلك، غالباً ما يتحاشى القدح في إمامي ضعيف أو تضعيفه، لأن موضوع الكتاب ومبناه كما قلنا تدوين أسماء من كتبوا أصولاً أو مصنفات للشيعة سواء أكان شيعياً أم غير شيعي ممدوحاً أم مذموماً. فتعيين هذه الصفات ليس مهمة هذا الكتاب.
وضع الكتاب وترتيبه
والكتاب مرتب حسب حروف الهجاء. وفي كل حرف فتح باب لكل اسم من الأسماء المصدرة بهذا الحرف. فمثلاً، في حرف الألف، فتح «لإبراهيم» باب و«لإسماعيل» باب و«لأحمد» باب. والنسبة لجميع أسماء الآحاد، فقد فتح لكل حرف باب على حدة بعنوان «باب الواحد». فمثلاً، في باب الواحد من حرف الألف تأتي أسماء «أصبغ» و«إدريس» و«أصرم» وهي آحاد لا غير. وهكذا دواليك حتى آخر حروف الهجاء. وجميع الأسماء الواردة في الكتاب البالغ عددها 900 تتدرج كلها تحت هذه الأبواب.
كيفية نسخ الكتاب
بناء على ما قرره خبراء الفن، فإن نسخ كتاب الفهرست مثل غالبية كتب الرجال المعتبرة القديمة من قبيل كتب الكشي والنجاشي والبرقي والغضائري، مصاب بالتحريف والتصحيف والنقص والزيادة. ولم تصل نسخته الصحيحة إلى يد أبناء هذا الزمان. ويقول العلامة الكلباسي، أن «أكثر نسخ الفهرست الحالية لا تخلو من التصحيف والغلط. وكما قال بعض أصحاب النظر أن أكثر النسخ المتيسرة للمراجعين في هذا الدور أصبحت محلاً لتطاول الحدثان والعوبة بيد التصحيف. وقد تصدى المحقق الشيخ سليمان البحراني)[349]( لشرح هذا الكتاب وترتيبه وتصحيحه، فأصلح الأخطاء الناجمة عن قلم الكتاب في أكثر تراجمه، ولكنه لم يطبع إلا الأسماء المصدرة بالألف»)[350](.
فيستنبط من هذا القول إن تصحيحات المحقق البحراني من نوع «التصحيح القياسي» وأنه أجري على أساس المقابلة مع الكتب الأخرى المعتمدة لدى الرجال، لا «تصحيح النسخ» بمعنى الحصول على نسخ مصححه قابلة للاعتماد من كتاب الفهرست ومقابلتها الواحدة بالأخرى. وإلا لوجب على المحقق نفسه في هذه الحالة أن يشير إلى هذا الموضوع، ولنقله الكلباسي أيضاً. ولتحتم علاوة على هذا أن تكون مسألة اختلاف النسخ قد انحلت منذ ذاك، وتشخصت نسخة كاملة أو صحيحة تقريباً.
وفي حدود اطلاعنا، إن النسخة الصحيحة من الفهرست. كانت موجودة حتى زمان ابن داود الحلي (المولود سنة 647) فقد صرح في موارد بأن نسخة الرجال وفهرست الشيخ بخط المؤلف موجودة لديه. وليس لدينا من بعد اطلاع عن النسخة المصححة. ومن حيث أن العبارات المحرفة تشاهد بصورة قطعية في النسخ الحالية، ومن حيث أن مؤلفي الرجال المعروفين في الأدوار المتأخرة عن ابن داود مثل ميرزا محمد الأسترآبادي مؤلف «الرجال الكبير» (المتوفى سنة 1028 أو 1026) ومير مصطفى التفرشي مؤلف «نقد الرجال» (من علماء القرن الحادي عشر) يختلفون الواحد مع الآخر فيما نقل من المطالب، يمكننا بناء عليه الاطمئنان إلى أن أحداً منهم لم يصل إلى نسخة مصححة من هذين الكتابين وأن نسخة ابن داود مفقودة الأثر.
فحيثما كانت نسخ الفهرست الموجودة لا تنطبق على ما نقله ابن داود من الكتاب المذكور، وجب بلا تروّ تقديم نقل ابن داود واعتباره حجة، فالاعتقاد في صحته وتطابقه مع ما كتبه الشيخ أقوى وأبعث على الرضا. ولا يفوتنا، أنه حيثما شوهد عدم التطابق بين ما نقله ابن داود وما نقله العلامة الحلي (معاصره وزميله في التتلمذة على أحمد بن طاووس) لا نستطيع بصفة دائمة أن نقدم كلام ابن داود، لأن العلامة أيضاً كانت لديه نسخة مصححة من الرجال وفهرست الشيخ، وطبيعي ألا ينتفي الاشتباه بالكلية عن ابن داود في قراءة النسخة.
كيفية النسخ المطبوعة
طبع متن الفهرست بنفس الترتيب الأصلي لأول مرة سنة 1356 في الطبعة الحيدرية بالنجف مع مقدمة وتصحيح وهامش بمعرفة (السيد محمد صادق بحر العلوم) وتجدد طبع النسخة نفسها بنفس الخصوصيات مرة أخرى سنة 1380. وتقع هذه الطبعة في 252 صفحة من القطع «الوزيري»)[351]( وبها فهرست للأسماء وأرقام أسماء الرجال وهي كاملة التنقيط نسبياً والطباعة على وجه العموم ممتازة ولافتة للنظر. وقبل هذا التاريخ بسنوات يعني سنة 1271 الهجرية (=1853 الميلادية) رتبت نسخة من الفهرست حسب الحرف الأول والثاني والثالث من الاسم واسم الأب واسم الجد وصححت وطبعت في الهند بمعرفة «أ. سبرنجر» و«مولى عبد الحق». والعلامة الكبير الشيخ آقابزرك الطهراني (مؤلف كتاب الذريعة) رأى هذه النسخة ونقل خصوصياتها في الذريعة (ج16/384) والسيد محمد صادق بحر العلوم وصفها في مقدمة رجال الطوسي (ص69) بالنقص والامتلاء بالغلط ورداءة الطباعة.
والمصحح المذكور ينقل في مقدمة كتاب الرجال عن قول العلامة الطهراني وصفاً لطبعة أخرى من الفهرست أنه قال ما خلاصته: «منذ عدة سنوات (في حدود سنة 1315) في طهران، رأيت نسخة من الفهرست في مكتبة العالم الكبير الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني. وهذه النسخة طبعت في «ليدن». وهي من حيث الاتقان وجودة الطباعة رائعة بالغة القيمة. وبعد أن تكبّدنا مشقة ترجمة ما كتب باللاتينية في آخرها من شرح، اتضح أن الناشر بذل جهوداً كبيرة في مقابلة النسخ والدقة في التصحيح. والآن، فإن النسخة التي استنسختها بخطي في ذلك التاريخ لا تزال موجودة بنفس الخط والورق».
ومما يبعث على العجب، أن العلامة الطهراني مع إعجابه بهذه النسخة لم يأت لها بذكر أصلاً في الذريعة في ذيل اسم «الفهرست» واكتفى بما قرره عن طبعة الهند. ألا يرقى الظن بهذه القرينة، وقرينة أن أحداً آخر لم ير نسخة هكذا من كتاب الفهرست أو تكن لديه إشارة عنها، إلى أن العلامة المذكور قد اشتبه عليه الأمر وظن طبعة الهند طبعة ليدن، أو أنه أثناء كتابة الوصف (الذي ذكرنا خلاصته) يكون قد نسي خصوصياتها نظراً لطول المدة واختلط الأمر عليه؟!
اعتبار الفهرست
والانتقادات الموجهة إليه
حتى نقدّر ما لكتب الشيخ الطوسي من اعتبار، يجمل بنا قبل تناول الكتب بالدرس أن ننظر إلى ما يحتازه مؤلفه من اعتباره. لقد كانت عظمة مقام الشيخ العلمي ورفعة شأنه بحيث لا يطرأ على الذهن سوى التسليم بعظمة كتبه ورفعة مكانتها. إن كتبه في كل قسم كان فتحاً لطريق جديد وابتكاراً لأسلوب وعرضاً لقدرة علمية فائقة يندر وجود سابقة لها.
فلا يخفى على أحد أن كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار» في عداد كتب الحديث الأربعة المشهورة وكتبه الفهرست والرجال واختيار الرجال ثلاثة من الأصول الأربعة العمدة في علم الرجال. وكتبه الأخرى، كلّ في قسمه الخاص من تفسير وكلام وأصول وفقه ممتاز مشخص على خط من الابتكار.
وعليه، فإن الخدش في آرائه ونظراته في فن الرجال أمر صعب وبعيد عن الاحتياط. وبالفعل كان كتاباه الفهرست والرجال فيما بعده من الأدوار مورد اهتمام وعناية العلماء الكبار المشهورين أمثال المحقق والعلامة وابن طاووس والشهيد وغيرهم. وعلى حد قول العلامة الكلباسي في سماء المقال (ص 52):
«لقد نظر إلى مشهوري العلماء والتواثيق والتضعيفات وغيرها من نظراته للرجال بعين الاعتبار والاتقان.
وعلى الرغم من هذا كله، لا نستطيع أن نصف كل أقوال الشيخ الكبير الطوسي في الرجال بالصحة، ونغمض العين عن وجود بعض الاشتباهات في كتبه، وإن وجب الإذعان لكون هذه الاشتباهات نادرة وتعتبر بطبيعة الحال كلا شيء بجانب نظرات شيخ الطائفة الدقيقة الصائبة.
ولقد أشار المحقق الرجالي في أيامنا هذه الشيخ محمد تقي الشوشتري في عموم كتابه التحليلي الجامع «قاموس الرجال» إلى موارد أخطاء الشيخ (قدس سره) الواقعة في كتابيه «الفهرست» و«الرجال» ومن جملة ذلك ما عرضه في الفصل العشرين من مقدمات الكتاب المذكور من نموذج لها في ترجمة «أبي غالب الزراري».
وبناء على ما أظهره المحقق المذكور، فإن الموجب الأصلي لاشتباهات الشيخ هو أنه نقل في موارد كثيرة عن «فهرست ابن النديم» وهو غير بالغ في دقته وليس محلاً للاعتماد. ومن ثم كلما وجد اختلاف بين نظر الشيخ والنجاشي في مورد ما، فإن كلام النجاشي هو المقدم، لأنه لم ينقل في كتابه كله عن الكتاب المذكور إلا مرة واحدة)[352](.
ومع هذا، لا نستطيع أن نحكم بصورة دائمة بتقديم كلام النجاشي على الشيخ في موارد الاختلاف بينهما، إذ أن الحكم في غالب الموارد هو القرائن والإمارات الخارجية.
(وسوف نستوفي الكلام في هذا الصدد في قسم تحت عنوان المقارنة بين فهرست النجاشي والشيخ).
ما كتب من الكتب على محور الفهرست
إن التذييلات والترتيات المتعددة التي كتبت على محور هذا الكتاب فيما بعد الشيخ من أدوار، دليل بارز على اهتمام الأصحاب به. وسنذكر تحت كلّ ما وصلنا إليه في هذا المجال:
1 ـ معالم العلماء: تأليف رشيد الدين محمد بن علي بن شهر أشوب المازندراني (المتوفى سنة 588) هذا الكتاب بناء على تصريح مؤلفه كتب لتتمة وتكملة «فهرست» الشيخ ـ رحمة الله عليه ـ ويشتمل علاوة على ما ورد في الفهرست من أسماء، على أسماء جماعة من المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ أيضاً. ومجموع من ورد ذكرهم فيه 990 شخصاً ما عدا الشعراء. فإنهم اختصوا بفصل في الآخر لذكر أسمائهم أيضاً. وهذا الكتاب ولو أنه يشتمل على أسماء 990 شخصاً و600 كتاب علاوة على المذكورين في الفهرست، إلا أنه نظراً لحذف الأسناد يبدو مختصراً في مجموعه بالنسبة للكتاب المذكور.
وأحياناً ما يعقب أسماء الأفراد بالإشارة إلى توثيقهم أو ضعفهم وكذلك تاريخ وفاتهم. وهذا امتياز آخر لهذا الكتاب على فهرست الشيخ. وفي ترتيب الأسماء روعي الحرف الأول، أما الحرف الثاني والثالث… لم تراع. وعليه فهناك ترتيب بين «أحمد» و«بلال» ولا ترتيب بين «إبراهيم» و«أحمد».
وطبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1353 في طهران بعناية المرحوم عباس إقبال الذي قام بتصحيحه ومقابلته والتقديم له. وطبع مرة أخرى سنة 1381 مع تعليق ومقدمة مفصلة للسيد صادق بحر العلوم في 153 صفحة في المطبعة الحيدرية بالنجف. وهو في متناول اليد.
2 ـ فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن أبي القاسم عبيد الله بن بابويه القمي (وتوفى بعد 585))[353](.
اسم هذا الكتاب «أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم». وموضوعه، ذكر أصحاب الأصول والمصنفين الذين جاؤوا بعد الشيخ الطوسي أو عاصروه ولم ترد أسماؤهم في «الفهرست». فهذا يتفاوت من حيث الموضوع، لاشتماله على المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ، مع كتاب معاصره يعني معالم العلماء المتضمن للمتقدمين على الشيخ. وبناء على تحقيق عباس إقبال في مقدمة معالم العلماء، فإن هذين الكتابين مع كونهما من عالمين معاصرين وأنهما صدرا في وقت واحد تقريباً، قد كتبا دون علم لأحدهما بالآخر. وهذه الحقيقة لا تقبل الشك بالنسبة للشيخ منتجب الدين، لأنه في مقدمة كتابه بعد أن ذكر الفهرست، أضاف قوله: «ولم يصنف بعده شيء من ذلك…» وعليه، فأما أن يكون معالم العلماء في ذلك التاريخ ما زال يؤلف بعد، وأما أنه لم يصل إلى علم الشيخ منتجب الدين.
وترتيب هذا الكتاب عين ترتيب كتاب المعالم بلا زيادة ولا نقصان وحجمه أقل منه. وقد طبع مرة واحدة فقط بقطع كبير (رحلي) )[354]( منضماً إلى الكتاب المعروف بحار الأنوار (في أول المجلد الخامس والعشرين) طبعة حجرية. وهو في حاجة إلى التصحيح وتجديد الطبع.
3 ـ تلخيص الفهرست، تأليف الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق الحلي (المتوفى سنة 676).
اكتفى في هذا الكتاب باسم الرجال والكتاب وبعض خصوصياتهم، وحذفت أسماء الكتب وكذلك سند المؤلفين. وبناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة، فإن نسخة من هذا الكتاب توجد في المكتبة الخاصة للسيد حسن الصدر.
4 ـ ترتيب القهبائي:
المولى عناية الله القهبائي كما علمنا جامع الأصول الأربعة الرجالية في مجموعة «مجمع الرجال» وقد رتب جانباً من هذه الأصول أيضاً على حدة، سبق أن تكلمنا عنها عند الكلام عن ترتيب اختيار الرجال. ومن بين الكتب التي رتبها «الفهرست» وقد ذكر هذا بنفسه في مقدمة مجمع الرجال)[355](.
5 ـ ترتيب البحراني:
الشيخ علي بن عبدالله الأصبعي البحراني (المتوفى سنة 1127) هو الآخر رتب الفهرست. وهذا الكتاب ثابت برقم 277 في المجلد الرابع من الذريعة. وليس لدينا اطلاع عن خصوصياته، وعما إذا كانت نسخة منه باقية أم لا وأين هي.
6 ـ شرح الفهرست:
شرح الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله البحراني الماحوزي (1075 ـ 1121) الفهرست وصححه ورتب تراجمه وأطلق عليه «معراج الكمال إلى معرفة الرجال» ولكن هذا الكتاب لم يكتمل، ولم يكتب منه إلا حرف الألف (بناء على قول الكلباسي في سماء المقال/42) أو كتب منه حتى حرف التاء (بناء على رواية السيد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ عن قول الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين).
7 ـ بناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة (ج4/66) فإن أحد الفضلاء رتب الفهرست بترتيب الحروف: الحرف الأول والثاني والثالث. وفرغ منه سنة 1005، وهو نفس النسخة التي طبعت في كلكتا سنة 1271 الهجرية.
الفهرست
ـ 2 ـ
تمهيد في الوراقين والمكاتب
ولع العلماء منذ القديم بالاستكثار من الكتب فحفلت خزائن الخاصة بها فما ظنك بخزائن العامة ولذلك أنشئت المكاتب وكانت هذه الخزائن مفتوحة للمطالعين والنساخ والمترجمين يختلفون إليها في أثناء النهار يقتبسون من آدابها ويغذون عقولهم بثمار معارفها، فكانت قوائم الكتب قد وضعت في هذا العهد لتعريف الكتب ومؤلفيها ووصفها وترجمتهم وما شاكل مما هو جدير بالاعتبار في مثل هذه الأحوال ومن أقدم الكتب المطبوعة التي رُتبت على طريقة الفهارس أو القوائم كتاب (الفهرست) وفي صدره ما يدل على موضوعه وهو بالحرف الواحد:
«هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها وطبقات مؤلفيها وأنسابهم وتاريخ مواليدهم ومبلغ أعمارهم وأوقات وفاتهم وأماكن بلدانهم ومناقبهم ومثالبهم منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا وهو سنة سبع وسبعين وثلاث مائة للهجرة».
أما مؤلف كتاب (الفهرست) فهو أبو الفجر محمد بن إسحاق بن يعقوب النديم الوراق البغدادي المتوفى نحو سنة 385هـ(995 م) )[356]( ولا يخفى أن صناعة الوراقة كانت في العهد الماضي تطلق على من يبيع الورق ويصقله ويقتني الأدوات الكتابية ويجلد الكتب ويصلحها وينسخها فلهذا نبغ كثير من الوراقين واشتهروا باطلاعهم الواسع فوضعوا كتباً مفيدة وكانت لهم أسواق في المدن الكبرى في المغرب والمشرق. ومثلها لقب (الكتبي) لمن يشتغل بالكتب نسخاً وجمعاً ووراقة وتجليداً وإصلاحاً ونحو ذلك.
وأطلق هذان الاسمان أي (الورّاق) و(الكتبي) على قيم المكتبة وهو الخازن أو الحافظ أو الوكيل أو المدير القائم على حفظ الكتب وترتيبها وتوزيعها على المطالعين. ونحو ذلك من الأغراض التي تتعلق (بالكتب والمكاتب).
علم وصف الكتب
وهذا الفن حادث في الإسلام لأن عهد الجاهلية لم يكن حافلاً بالكتب والمكاتب لقلة الخطاطين والمؤلفين فلما ظهر الإسلام واحتك بنوه بالأمم المجاورة اشتهروا بالخط والنسخ والتأليف والترجمة فحفلت خزائنهم بالمحفوظات النادرة والنفائس المذخرة. كما فعلت الأمم القديمة في مصر وآشور وغيرهما.
وكثر الوراقون والمؤلفات في الوراقة والكتبيون. فوضعت الفهارس لتعريف المصنفات وحفظ أسمائها ونقل شيء من مقدماتها وذكر أبوابها وموضوعاتها ومعرفة مؤلفيها ومنزلتهم من الأدب. وكان من أهم هذه الفهارس (فهرست ابن النديم) و(كشف الظنون).
فهرست ابن النديم
فرتب ابن النديم كتابه على عشر مقالات حافلة بالفوائد. (فالمقالة الأولى) ثلاثة فنون: (الأول) في وصف لغات الأمم من العرب والعجم ونعوت أقلامها وأنواع خطوطها وأشكال كتابتها. و(الثاني) في أسماء كتب الشرائع المنزلة على مذاهب المسلمين ومذاهب أهلها. و(الثالث) في نعت القرآن الشريف وأسماء الكتب المصنفة في علومه وأخبار القراء وأسماء رواتهم والشواذ من قراءتهم.
و(المقالة الثانية) ثلاثة فنون أيضاً في النحويين واللغويين: (الأول) في ابتداء النحو وأخبار النحويين البصريين وفصحاء الأعراب وأسماء كتبهم. و(الثاني) في أخبار النحويين واللغويين من الكوفيين وأسماء كتبهم. و(الثالث) في ذكر قوم من النحويين خلطوا المذهبين وأسماء كتبهم.
و(المقالة الثالثة) ثلاثة فنون في الأخبار والآداب والسير والأنساب.
و(المقالة الرابعة) فنان في الشعر والشعراء.
و(المقالة الخامسة) خمسة فنون في الكلام والمتكلمين.
و(المقالة السادسة) ثمانية فنون في الفقه والفقهاء والمحدثين.
و(المقالة السابعة) ثلاثة فنون في الفلسفة والعلوم القديمة.
و(المقالة الثامنة) ثلاثة فنون في الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعوذة.
و(المقالة التاسعة) فنان في المذاهب والاعتقادات.
و(المقالة العاشرة) في أخبار الكيمائيين والصوفيين من الفلاسفة القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم، وأسلوبه في التأليف أنه يقدم الكلام في الفنون التي بوبها إلى أن يستكمل أبحاثه، ثم يترجم المؤلفين فيها ويسرد أسماء مؤلفاتهم جميعاً سواء كانت كلها مما يتعلق بالفنون أو لم تكن، وقد يغفل الوفاة والزمن ويطيل في بعض التراجم ويختصر في بعضها. وربما ذكر أسماء الكتب المؤلفة في الفن الذي يتكلم عنه في باب خاص.
وهكذا إذا طالعت (الفهرست) تجد أمامك أبحاثاً مستفيضة في الأقلام القديمة وصور حروفها واللغات وأنواعها عند العرب والعجم ومواضيع رائعة قلما تعثر عليها في غيره من آداب العربية في العصور الأولى أي منذ أيامها الأولى إلى سنة تأليف الكتاب وهي سنة 377 هـ (987م) مما ملأ 36 صفحة بقطع نصف كبير وحرف أوروبي دقيق من النسخة المطبوعة في أوروبا.
وقد اعتنى المستشرقون بمطالعة هذا الكتاب إلى أن ابتدأ غوسطاف فلوغل السكسوني ـ G. Flugel المتوفى سنة 1870م بالنظر فيه وإبداء ملاحظاته عليه ومقابلاته على نسخ متعددة وطبعه، ولكنه وافاه أجله المحتوم قبل أن ينجز ذلك.
فألفت عمله هذا أنظار زميليه هرمان روديغر H. Roediger مدرس آداب العربية في مدينة هال فاشتغل في إتمامه بمساعدة صديقه أوغست مُلّر A. Muller فخرج الكتاب سنة 1871م مطبوعاً في مجلدين الأول في 360 صفحة بقطع نصف كبير وحرف دقيق بمطبعة ليبسيك. والثاني بها في 279 صفحة بالقطع نفسه ضمن استدراكات وحواشي وإيضاحات ذات شأن بالنمسوية والعربية، وختم بفهرس للأعلام العربية مرتباً على حروف المعجم بالعربية. ثم فهرس للأعلام بالألمانية وآخر للأعلام الأجنبية بالعربية. فهو في مجلد ضخم طبع سنة 1872 م.
وبعد طبع (الفهرست) عثر الباحثون على قطعة منه ساقطة من أول (المقالة الخامسة) صفحة 172 تشتمل على تراجم بعض علماء الكلام مثل واصل بن عطاء والعلاف والنظام وثمامة والجاحظ وابن أبي دؤاد وابن الراوندي والناشئ والجبائي والرماني وهشام بن الحكم وشيطان الطاق)[357]( وغيرهم. فنشرت هذه القطعة في مجلة علمية ألمانية سنة 1889م. فتمّ الكتاب بأبحاثه الرائعة ومواضيعه المستفيضة. وإذا طالعنا النسخة المطبوعة نجد فيها نواقص كثرة تدل على أن النسخة المنقول عنها مخروقة في بعض المواضع أو فيها نقصان، فمن أمثلة هذه النواقص:
(1) نقصان أسماء الأعلام الشخصية من صفحة 71 ـ 317 في محال مختلفة تجد فيها نقطاً إشارة إلى الحذف.
(2) أسماء أعلام الأمكنة من ص 177 ـ 284.
(3) أسماء الكتب من ص 31 ـ 288.
(4) محتويات الكتب من ص 186 ـ 234.
(5) عدد أوراق الكتب من ص 234 ـ 291.
(6) كلمات مختلفة من ص 67 ـ 236.
(7) كلمات مهملة من ص 154 ـ 305.
(8) الكنى من ص 206 ـ 298.
(9) سند الولادة من ص 116 ـ 284.
(10) سند الوفاة من ص 93 ـ 284.
(11) سند الفتح ص 187.
هذا إلى ما هنالك من التصحيف والتحريف والتبديل والزيادات في بعض المواضع مما لا يخلو منه كتاب ولا سيما إذا كان قديم العهد والخط قد أكل الدهر عليه وشرب، وقرضته الأرضة ونخره السوس.
ومن أمثلة إغفاله بعض التراجم والمؤلفات قوله في صفحة 297 من الفهرست ما نصه: «مسيح الدمشقي = وهو أبو الحسن ولا يعرف في أمره أكثر من هذا وله من الكتب..» هذا ما ذكره عن مسيح مما لا يشفي غليلاً في تعريفه. وفي الحواشي النمسوية والعربية على الفهرست صفحة 142 ما نصه:
«أبو الحسن عيسى بن الحكم الدمشقي المعروف بمسيح صاحب الكناش الكبير الذي يعرف به وينسب إليه كناش منافع الحيوان. هذا رجل من أهل دمشق في زمن الرشيد وله من الكتب كتاب الكناش الكبير الذي يعرف به وينسب إليه».
فزاده المحشي تعريفاً ولكنه لم يورد شيئاً من ملخص ترجمته التي ذكرها ابن أبي أصيبعة في كتابه (تاريخ الأطباء) طبع مصر (1: 120) في أكثر من صفحة بحرف دقيق. وهو من أهل القرن الثالث للهجرة وقد ذكر له نوادر وأخباراً في الطب تدلّ على براعته فيه.
أما ابن القفطي فترجمه باختصار في كتابه (أخبار الحكماء) طبع مصر صفحة 165 ولم يذكر شيئاً من مؤلفاته مما يدل على ندرتها. وفي مكتبتي نسخة مخطوطة من كتاب طبي ورد فيه شيء من أقوال مسيح في العلاجات من صفحة 21 ـ 37 إلخ.
أما ما في الفهرست من المحاسن فكثير لأنه يسترسل في وصف بعض الأشياء ويعرّفها مثل كلامه في مذاهب الصائبة والمانوية وذكر عاداتهم وحفلاتهم وآرائهم وآلهتهم وزعمائهم إلخ مما ملأ الصفحات بين 318 و342 ثم يتطرّق إلى بقية المذاهب والنحل والبدع عند جميع الملل.
وكذلك تراه في بعض التراجم يطيل الكلام ويظهر كثيراً من مكنونات المترجم به، ويصف بعض المكاتب ونوادرها.
ولو وصف الكتب التي سماها مشيراً إلى بعض مباحثها كما فعل من جاء بعده لأفادنا كثيراً لأن مئات بل ألوفاً من تلك المؤلفات فقدت اليوم أو حجبت عن المطالعين فلا يعرفون من أمرها شيئاً. ولكنه مع ذلك لم يقصر في الإشارة إلى بعضها مثل وصفه (لكتاب الأغاني) الكبير الذي صنفه إسحاق بن إبراهيم الموصلي)[358](.
ووصف طريقة الترجمة والتعريب وبرى الأقلام والورق والوراقة والمكاتب وأجناس الخطوط والأقلام إلى أشباه ذلك مما يدل على اجتهاد عظيم وعناء كبير.
كشف الظنون
(2) «كشف الظنون من أسامي الكتب والفنون» للشيخ مصطفى بن عبدالله كاتب جلبي المعروف بالحاج خليفة (حاجي خليفة) المتوفى سنة 1067هـ ـ (1656م) ولقب بخليفة لأنه كان معاوناً في مصلحة المؤونة في الأستانة وصاحبها يسمى (خليفة) ولقد اشتغل بالعلم والأدب، وطاف البلدان وشاهد مشاهير المؤلفات، وعرف كثيراً من العلماء ودرس عليهم، وتفقد خزائن الكتب في الأستانة، والأناضول والعراق وإيران وحلب والشام وغيرها من الأقطار الشرقية وعرف خزائن المغرب ومصر وشبه الجزيرة العربية، وبعد أن ملأ دفاتره من أسماء الكتب، وتراجم مؤلفيها رتب كتابه (الكشف) على حروف المعجم فأورد فيه «14500» كتاب، ذاكراً اسم مؤلفه وسنة وفاته وموضوع الكتاب أو شيئاً من مقدمته وعدد مجلداته أو أوراقه أو كراريسه مسترسلاً إلى ما وضع عليه من الشروح والتعاليق أو الاختصارات والترجمات وما شاكل من مؤلفات العرب والعجم، ولا سيما الفرس والأتراك فهو أطول مؤلف لخزائن الكتب وأدق وصف لها.
وقد صدره بمقدمات في تاريخ العلوم والفنون وما يتعلق بها، منتقداً ما يراه منها، مُفيضاً بالكلام في العلوم الإسلامية وأنواعها والخطوط وتاريخها. ثم ذكر مفصلاً العلوم في حروفها، وأعقبها بذكر المؤلفات فيها وهو مدقق في كثير من بحوثه.
ولقد اعتنى بطبعه المستشرقون فوقفوا على بعض نسخه من مكاتب أوروبا. وكان من المشتغلين بذلك المستشرق فلوغل الآنف ذكره طابع فهرست ابن النديم. فنشر (الكشف) مطبوعاً في ليبسك من سنة 1835 ـ 1858م في سبعة مجلدات ضخمة مع ترجمة لاتينية وفهارس واسعة وملحقات مفيدة أهمها:
(1) ذيل أحمد حافظ زاده المتوفى سنة 1180هـ «1766م» وهو يشتمل على أهم الكتب التركية والفارسية التي عُرفت بعد كشف الظنون ويسمى «آثارنو».
(2) برنامج الكتب المتداولة في بلاد المغرب.
(3) فهرست السيوطي وهو جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين بن محمد الخضيري السيوطي المتوفى سنة 911هـ (1505م).
(4) ستة وعشرون فهرستاً للمكاتب الموجودة في مصر ودمشق وحلب وجزيرة رودس والأستانة وكتبها نحو ثلاثين ألفاً.
(5) فهرست الكتب والتآليف. لأبي بكر محمد بن خير بن خليفة الأندلسي من علماء القرن السادس للهجرة. وصف فيه 1400 كتاب في كل علم مع أسانيدها وقد نشرته وحده مجلة إسبانية بعناية فرنسيس كوديرا سنة 1894م في مدينة كازيرو كوسته.
ووضع بجانب أسماء الكتب أرقاماً (نمراً) متسلسلة من 1 ـ 14501 ـ ووضع لها فهرساً إفرنجياً على حروف المعجم لأسماء المؤلفين. ووجد منه نسخة نسخت من خط المؤلف. ويظهر أن بعضهم زاد عليهم شيئاً فوضع فلوغل الزيادات بين هلالين. وبعد أن ظهرت هذه الطبعة المتقنة علق عليه االمستشرق (رينو) ملاحظات مفيدة طبعت في باريس سنة 1859م.
وطبع ثانية في مصر بمطبعة بولاق سنة 1274هـ (1857م) مجلدين كبيرين بقطع نصف كبير وفي هذه الطبعة كثير من التحريف والتصحيف والنقص واختلاف الروايات.
وطبع ثالثة في الأستانة سنة 1311هـ (1893م) بعناية الكتبي حسن حلمي في مجلدين بقطع نصف كبير (الأول) رتبت فيه الكتب من حرف الألف إلى آخر الراء في 591 صفحة. و(الثاني) من الزاي إلى الياء في 663 صفحة. وهو أكثر النسختين خطأ ونقصاً وتحريفاً وتصحيفاً وتشويشاً.
وأدق طبعة من الطبعات الثلاث طبعة ليبسيك، لما فيها من التحقيقات والزيادات والملاحظات وتدارك بعض سني الوفاة المغفلة في طبعتي مصر والأستانة، فضلاً عما فيها من الفهارس التي تسهل الوقوف على ما يريده المطالع من الكتاب، وتلك مزايا المستشرقين في مطبوعاتهم فإنهم لا يألون جهداً في وضع الزيادات والاستدراكات والفهارس ومعارضة النسخ وتصحيح ما فيه تحريف أو تصحيف منها. وهاك الآن مثالاً من تلك الطبعة المتقنة وهي تقويم المكاتب التي كانت بعهد الطابع في الشرق:
| المكتبة | محلها | عدد كتبها |
| مكتبة الأزهر | بمصر | 1100 |
| مكتبة الحاج عبدالله العظم | بدمشق | 423 |
| مكتبة الحاج أحمد أفندي | في حلب | 269 |
| مكتبة جزيرة رودس | في رودس | 609 |
| مكتبة السلطان محمد الثاني | في الأستانة | 1531 |
| مكتبة السلطان سليمان | في الأستانة | 804 |
| مكتبة قبج علي باشا | في الأستانة | 752 |
| مكتبة حافظ أحمد باشا | في الأستانة | 1412 |
| مكتبة كبرلي زاده | في الأستانة | 1448 |
| مكتبة داماد علي باشا | في الأستانة | 831 |
| مكتبة سلطانه والده | في الأستانة | 732 |
| مكتبة بشير قزلار آغا | في الأستانة | 552 |
| مكتبة عاكف باشا الدفتردار | في الأستانة | 1336 |
| مكتبة آجيا صوفيا | في الأستانة | 1445 |
| مكتبة سراي غلطة | في الأستانة | 556 |
| مكتبة السلطان عثمان الثالث | في الأستانة | 2421 |
| مكتبة محمد راغب باشا | في الأستانة | 2980 |
| مكتبة لعله لي | في الأستانة | 2980 |
| مكتبة سراي خمايون | في الأستانة | 1198 |
| مكتبة ولي الدين أفندي | في الأستانة | 1769 |
| مكتبة عاشر أفندي | في الأستانة | 1900 |
| مكتبة داماد محمد مراد أفندي | في الأستانة | 1110 |
| مكتبة السلطان عبد الحميد | في الأستانة | 1194 |
| مكتبة حالت أفندي | في الأستانة | 656 |
وعلى الجملة فإن هذا الكتاب من أوسع الكتب التي نشرت للمتأخرين في آداب اللغة ووصف مؤلفاتها، ومن مزاياه نقل شيء من مقدمات الكتب والإشارة إلى مواضيعها وذكر ولادة المؤلف أو وفاته وزمن وضع الكتاب وما شاكل مما يُعين المطالع على معرفة المؤلف وكتابه وزمنه وموضوعه وهو الغرض الأولي من ذلك.
ولم يخل الكتاب من إغفال أسماء المؤلفين وإهمال سني ولاداتهم ووفياتهم والتقصير في تعريف الكتب وتراجم المؤلفين وتشويش تسميات الكتب.
وللكشف نسخ مخطوطة مضبوطة يصح الاعتماد عليها ومراجعتها لتصحيح الغلط وسدّ النقص ومنها ما هو في الخزانة الظاهرية بدمشق وفي دار الكتب السلطانية وغيرها وفي خزائن الأستانة وأوروبا. ولقد وضع جميل العظم الدمشقي الوطن ذيلاً (لكشف الظنون) سماه (الإسفار عن العلوم والأسفار) ضمنه المؤلفات التي لم يذكرها الكشف، وما كان بعده منها. وصدره بمقدمة بديعة في الكتب والمكاتب والمؤلفين، فهو جدير بالنشر لما فيه من الفوائد الكثيرة.
عيسى اسكندر المعلوف
الفهرست
ـ 3 ـ
اسم كتاب لأبي الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق الوراق النديم المعروف «بابن النديم». ولد في بغداد عام 325هـ. ولا تتوفر معلومات كثيرة عن حياته إلا أنه كان يشتغل بالوراقة وأنه ألف كتابه الشهير المعروف «بالفهرست» وعن كل ذلك يتحدث عبد الرحمن معلا:
منذ عشرة قرون خلت ألّف وراق من بغداد كتاب «الفهرست» معلناً بذلك ظهور علم جديد سيلقى ابتداء من أواخر القرن السادس عشر في أوروبا اهتماماً بالغاً ويتطور إلى أن يصل في يومنا هذا إلى عصر الآلة والعقل الإلكتروني ممثلاً قمة صراع الإنسان المعاصر للسيطرة على المعلومات (صنيعته) التي ما فتئت تتضخم وتتكاثر بشكل مذهل هذا العلم هو الببليوغرافيا.
لا تتوفر معلومات كثيرة من حياة مؤلف كتاب «الفهرست». نعرف أنه: أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق الوراق النديم البغدادي. من اسمه هذا نلاحظ أنه كان يعمل كوالده وراقاً. والوراقة هي انتساخ الكتب وتصحيحها وتجليدها والتجارة فيها.
ولد في بغداد عام 325هـ. وتوفى فيها على الأرجح عام 397هـ. كان عمره يقارب الخمسين عاماً عندما باشر تأليف كتابه «الفهرست».
من كتابه نفسه نستطيع أن نعرف شيئاً عن شخصية ابن النديم. فهو رجل «واسع الاطلاع على كل ما يكتب يحب التنظيم جداً ويعرف كيف يقيم الكتب ويصنعها». وقد مكنه عمله كوراق وثقافته الواسعة وحسن تفهمه للأمور من أن يكون صداقات مع النخبة المثقفة في بغداد. عاش ابن النديم في عصر انحطاط الخلافة العباسية عصر الانقسامات والاضطرابات والثورات الداخلية. كان القرامطة يزرعون الرعب في شمال العراق وكان اللاجئون يتدفقون على بغداد. وفي هذه المدينة نفسها كانت الاضطرابات قائمة.
أما على المستوى الفكري فإن عصر ابن النديم هو عصر انتشار رسائل إخوان الصفا وتأثيرها الفلسفي والثقافي.
في عام 377هـ/977 ـ 978م ألف ابن النديم كتاب «الفهرست». وقد تعرض فيه للعلوم المعروفة في عصره ولما كتب حول هذه العلوم. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر عرف كتاب «الفهرست» في أوروبا عن طريق مخطوطات قادمة من مصر أو القسطنطينية. وظهرت الطبعة الأولى له عام 1871 في ليبزغ بفضل جهود المستشرق الألماني جوستاف فلوجل الذي عمل 25 عاماً في تحضيرها. كانت هناك ملزمة ناقصة من المقالة الخاصة تخص كتب المعتزلة وقد وجدت هذه الملزمة فيما بعد وطبعت في ليبزغ أيضاً.
يبدأ الكتاب بعد عبارات حمد الله التقليدية بهذه الكلمات: «هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها وطبقات مؤلفيها وأنسابهم وتاريخ مواليدهم ومبلغ أعمارهم وأوقات وفاتهم وأماكن بلدانهم ومناقبهم ومثالبهم، منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة».
وفي كتاب للمستشرق الفرنسي غاستون فييت موجه للقارئ الغربي نجد تعليقاً على هذه المقدمة التي يجد فيها المستشرق الفرنسي «إعلاناً عن صنف أدبي لم نخترعه نحن إذن ألا وهو الببليوغرافية».
إن الذي يسترعي الانتباه قبل كل شيء في كتاب «الفهرست» هو التنظيم والترابط في تصميم الكتاب.
منذ السطور الأولى يقدم لنا المؤلف خطة عمله بشكل واضح ودقيق ومختصر. يتلو ذلك تعداد المقالات وأقسامها على شكل «محتوى الكتاب» بتقسيمات متدرجة تنتقل من الكل إلى الجزء ومن العام إلى الخاص مما يضفي طابعاً عملياً (بالمعنى الحديث للكلمة) على الكتاب. فالمؤلف يبدأ باللغات والكتابات المعروفة وينتقل بعدها إلى الأديان السماوية حسب تاريخ ظهورها: اليهودية، المسيحية… بعد ذلك فقط يأتي القرآن والعلوم القرآنية.
وبرغم الزمن الطويل الذي مرّ منذ أن ظهر كتاب الفهرست لابن النديم ليس من الصعب أن نجد تشابهاً في أسلوب العمل بين الببلوغرافية العربية في القرن العاشر الميلادي والببليوغرافية الغربية في القرن الثامن والتاسع عشر وحتى في قرننا هذا:
1 ـ إن ما يعطي الكتاب قيمته العلمية الكبرى هو كون المؤلفات مذكورة بشكل ببليوغرافي. أي أن الاهتمام مركز على الكتاب وموضوعه قبل مؤلفه وهذا هو المبدأ الرئيسي الذي يفرق علم الببليوغرافية عن علم الترجمة والسير فقبل ابن النديم وبعده في أيامنا نعثر على لوائح بمؤلفات تذكر في سياق ترجمة حياة مؤلف معروف وهذا ليس من الببليوغرافية بشيء.
بعد أن يقدم ابن النديم لعلم من العلوم بلمحة موجزة يذكر أسماء المؤلفين الذين كتبوا في هذا العلم وبعد ذلك يذكر أسماء الكتب التي ألفوها. وهذه الطريقة مستعملة في أحدث الفهارس الببليوغرافية المنتشرة في العالم المتقدم.
2 ـ تعتمد الببليوغرافية الحديثة على التقسيم المنهجي للعلوم بحيث تصنف الكتب حسب هذا التقسيم. والتصنيف الأكثر انتشاراً في الفهارس الببليوغرافية حالياً هو التصنيف العشري الذي وضعه الكتبي الأميركي ملفيل ديوى في النصف الثاني من القرن الماضي، يقسم ابن النديم العلوم المعروفة في عصره إلى عشرة أقسام يتعرض لها في المقالات العشرة التي يتألف منها «الفهرست» وهي:
1 ـ القرآن والعلوم القرآنية (بعد لمحة عن اللغات والأديان السماوية).
2 ـ النحو والصرف.
3 ـ التاريخ.
4 ـ الشعر.
5 ـ الكلام.
6 ـ الفلسفة والعلوم القديمة.
7 ـ الخرافات والسحر والشعوذة.
8 ـ المذاهب والمعتقدات.
9 ـ الكيمياء والصنعة.
3 ـ المبدأ العام في الببليوغرافية هو الانتقال من العام إلى الخاص ومن الكل إلى الجزء. وفي سبيل ذلك فإن التقسيمات وأجزاءها تكثر لتمكن من حصر موضوع الكتاب بدقة تحت تقسيم معين.
وابن النديم لا يهمل هذه الناحية. مثال ذلك الفصول التي تتعرض للعلوم القرآنية في المقالة الأولى: فلوائح الكتب مذكورة تحت عناوين مثل: «الكتب المصنفة في تفسير القرآن»، «الكتب المؤلفة في غريب القرآن»، «الكتب المؤلفة في القراءات»)[359]( إلخ…
عندما يؤلف كتاب في موضوعين مختلفين فإن المؤلفات تذكر حسب الموضوع ويراعى التذكير بأن للمؤلف كتباً أخرى ذكرت في موضوع آخر. هذه الناحية الفنية الدقيقة تسمى الإحالة ولا يخلو منها كتاب ابن النديم فهو يذكر مؤلفاً «اسمه محمد بن ابراهيم بن يوسف بن أحمد بن يوسف الكاتب ومولده سنة إحدى وثمانين ومائتين بالحسينية وكان على الظاهر يتفقه على مذهب الشافعي ويرى رأي الشيعة الإمامية في الباطن، وكان فقيهاً في المذهبين، وقد ذكرت كتبه على مذهب الشافعي في موضعها. وله من الكتب على مذهب الشيعة كتاب كشف القناع…» )[360]( إلخ.
4 ـ تهتم الببليوغرافية بوصف المؤلفات فتتعرض لمقاييسها وعدد صفحاتها وتحصي لوحاتها وتذكر إن كانت ملونة أم لا.. ونحن نجد شيئاً من هذا الوصف لدى ابن النديم عندما يتعرض لذكر عدد صفحات الكتب. فهو يذكر مثلاً أن كتاب الأغاني للأصفهاني يقع في «نحو خمسة آلاف ورقة»)[361](.
وعندما يذكر الدواوين فإنه يورد بعد اسم كل شاعر عدد صفحات ديوانه وفي هذا معلومات ثمينة عن كمية الإنتاج الفكري الذي قدمه مؤلف أو شاعر ما. وعندما يتعرض ابن النديم لذكر النساء الشاعرات مثلاً فإنه يكتب «علية بنت المهدي عشرون ورقة.. والخنساء مقلة..» إلخ)[362](.
5 ـ عندما يحوي كتاب ما عدداً من الموضوعات الهامة فإن الببليوغرافي يعمد إلى تفنيد محتويات الكتاب. نجد مثالاً على هذا في كتاب ابن النديم: فهو يقول في صدد الحديث عن أبي الحسن علي المصري «وله من الكتب في الزهد الكتاب الكبير ويحتوي على أربعين كتاباً منها: كتاب قيام الليل…» )[363]( إلخ. ونجد نفس الطريقة تقريباً متبعة لدى ذكر المؤلفات الكاملة لكاتب غزير الإنتاج كالكندي مثلاً)[364](.
6 ـ أخيراً لا يتعرض ابن النديم للمؤلفين القدامى فقط بل يذكر مؤلفات معاصريه مما يعطي كتابه مزيداً من الشمول. فهو يذكر مثلاً مؤلفات المرزبايي الذي ولد سنة 297 للهجرة وما زال على قيد الحياة)[365](. وقد أضيف فيما بعد تاريخ وفاته في 378هـ. أي بعد عام من تأليف الفهرست.
إذا أخذنا بعين الاعتبار الخطة التي يعلن عنها ابن النديم في مقدمة كتابه فإن «الفهرست» سجل ببليوغرافي نظراً لاهتمامه بحياة المؤلفين. غير أن واقع الأمر يخالف خطة ابن النديم. والكتاب لا يخلو من نواقص وهنات تبعده عن ميدان الببليوغرافية من جهة وتخلق تناقضاً بين الهدف والنتيجة من جهة أخرى يؤكد ابن النديم عزمه على ذكر كل الكتب المصنفة حتى عام 377هـ ولكننا واثقون من أنه لم يحقق رغبته تلك ونجد في كتابه اعترافه بذلك. إلا أن علينا أن ندرك أن إحصاء الكتب في بلاد شاسعة كالدولة الإسلامية آنذاك ودون امتلاك وسائل تساعد على حصرها أمر في غاية الصعوبة، بل هو أمر مستحيل. نلاحظ في الواقع أن ابن النديم يكرر عبارة «وله من الكتب» بعد اسم المؤلف وهذه العبارة لا تعبر بالتأكيد عن الشمول.
وابن النديم لم يكن دقيقاً كل الدقة في توزيعه للكتب على العلوم التي يقسمها في مقدمة كتابه. فهو غالباً ما يذكر بعد اسم مؤلف معين كل كتبه وإن كانت متعددة الموضوعات وما مثال «الكاتب» الذي ألف على مذهب الشافعية ومذهب الشيعة الذي أوردناه سابقاً إلا صدفة سعيدة لا تتكرر كثيراً «الفهرست».
نعتمد الببليوغرافية الحديثة على الترتيب المنطقي المتسلسل لموضوع الكتاب ولاسم المؤلف ولعنوان الكتاب مما يساعد الباحث على إيجاد ما يريده دون أدنى صعوبة. فالكتاب يذكر ضمن الموضوع الذي يعالجه بعد ذكر اسم المؤلف حسب الترتيب الأبجدي. وإذا كان للمؤلف عدة كتب في موضوع واحد فإنها ترتب حسب التسلسل الأبجدي للعناوين وهكذا… بحيث تتشكل شبكة مترابطة منطقياً ينتقل فيها الباحث من الكل إلى الجزء بموجب تسلسل متعارف عليه. المؤسف أننا لا نلاحظ شيئاً من هذا القبيل لدى ابن النديم. فهو يذكر أسماء المؤلفين وكتبهم دون أي تسلسل ظاهر وبشيء من الفوضى أدت إلى أن يجد ناشر الكتاب المستشرق فلوجل نفسه مضطراً لتنظيم ملاحق تساعد على الاستفادة الكاملة من «الفهرست».
والمؤلفات الببليوغرافية تستعمل للاطلاع فقط والبحث السريع والتأكد من معلومات معينة وليست بحال من الأحوال كتباً تقرأ بكاملها مثلها في ذلك مثل المعاجم. أما كتاب «الفهرست» فكتاب ممتع يمكن للقارئ أن يعيش معه ساعات دون ملل لما يحوي من معلومات ثمينة وطرف وأخبار. إننا نجد في «الفهرست» بعض صفات دائرة المعارف التي كانت منتشرة في ذلك العصر انتشاراً كبيراً. فنحن نلاحظ مثلاً أن المقالة التاسعة من كتاب الفهرست تعتبر بحثاً قيماً في التاريخ الديني وليس فيها شيء من الببليوغرافية أما الفصل الأول من المقالة الأولى فتعرض بذكاء وإيجاز للغات والكتابات المعروفة آنذاك. والفصل المتعلق باكتشاف واستعمال الورق يعطينا معلومات هامة عن تاريخ ظهور الكتاب عند العرب. أما المقالات الأربع الأخيرة فتكون نواة لما يسمى الآن بالتاريخ الأدبي والاجتماعي. كل هذا يبعد «الفهرست» عن ميدان الببليوغرافية كما نفهمها اليوم.
إن كتاب ابن النديم مثال صارخ للعمل الفني غير المكتمل وكان ينقصه ما يسمى في لغة التأليف في أيامنا «طبعة ثانية مزيدة ومنقحة». ومما يدعو للاستغراب أن المؤلف قد عاش حوالى عشرين عاماً بعد كتابته للفهرست دون أن يقوم بإعادة كتابته وبتحسينه.
ولن نختتم الحديث عن «الفهرست» بالتوقف عند مظاهره السلبية. فنحن نحكم عليه من خلال مقارنته بمؤلفات حديثه عرفت تطوراً مستمراً وتحسيناً خلال عدة قرون. وفي المقارنة مغالطة لا تخفى على القارئ.
ولا نخطئ حين نؤكد أن كتاب ابن النديم يبقى من أهم مصادر دراسة الحضارة العربية في صدر الإسلام. وليس هناك من باحث في هذا الميدان لا يعتمد بالدرجة الأولى على كتاب الفهرست الذي يعطي «أروع صورة رسمت للحضارة الثقافية باللغة العربية منذ بدء الإسلام». فهو إلى جانب إفادته في ذكر الكتب القديمة يعطينا فكرة عن المؤلفات المفقودة. مما يساعدنا على تقدير أهمية الخسارة التي ألحقتها الحروب والغزوات والاحتلال بالحضارة العربية. فإذا كنا نعرف للمسعودي كتابه (مروج الذهب) فإن ابن النديم يذكر له أربعة كتب أخرى. كما يذكر 26 كتاباً للواقدي غير «فتوح الشام»، وللأصفهاني 15 كتاباً غير «الأغاني».
أما المقالة السابعة فتعتبر «المرجع الأول لتاريخ حركة الترجمة عند العرب». إذ يتحدث ابن النديم فيها عن أوائل المترجمين وقيمتهم وأعمالهم وكذلك عن أسباب ازدهار حركة ترجمة الكتب الفلسفية في عصر المأمون.
كذلك فإن «الفهرست» مرجع هام وثمين فيما يتعلق بتاريخ الدين والتاريخ الأدبي والاجتماعي.
وهو لكل هذه الأسباب يبقى، رغم القرون الطويلة، المرجع الأهم في ميدان الدراسات العربية والإسلامية.
عبد الرحمن معلا
الفهرست
ـ 4 ـ
يكاد ينعقد إجماع الباحثين على أن «فهرست» ابن النديم هو أول عمل ببليوغرافي كامل في اللغة العربية، ويكاد ينصرف اهتمامهم في دراسة تاريخ هذا العلم وتطوره على أيدي المسلمين إلى أعمال بعينها تمثل علامات بارزة على الطريق الطويل الذي قطعه التجميع الببليوغرافي عبر عشرة قرون كاملة، ابتداء من «فهرست» ابن النديم، ومروراً بـ«مفتاح السعادة» لطاشكبري زاده، و«كشف الظنون» لحاجي خليفة، ووصولاً إلى «إيضاح المكنون» و«هدية العارفين» لإسماعيل البغدادي، وانتهاء بـ«معجم المطبوعات العربية والمعربة» ليوسف سركيس. ولكن نقطة البدء في تاريخ هذا العلم تحتاج إلى وقفة متأنية، فكتاب «الفهرست» بصورته التي وصلت إلينا يتضمن حصراً لكل ما ألف في العربية، وكل ما ترجم إليها في مختلف فروع المعرفة حتى العام 377 للهجرة.
وعمل تُرسم حدوده بهذا الاتساع والشمول، لا يمكن أن يكون باكورة الأعمال الببليوغرافية في لغة من اللغات، فالكتاب بصورته التي يعرفها لا يمكن إلا أن يكون ثمرة جهود منفصلة ومحاولات سابقة أصغر منه حجماً وأضيق مجالاً.
وقبل أن نستعرض الجهود المبكرة لنشأة علم الببليوغرافيا عند المسلمين، ينبغي علينا أن نفرق بين مدلولين متميزين في العصر الحديث هما: «الفهرس» و«الببليوغرافيا» فالفهرس كلمة فارسية معربة، ومعناها الكتاب الذي تجمع فيه أسماء الكتب، وتطلق أيضاً على قائمة محتويات الكتاب.
أما القائمة الببليوغرافية فهي التي تخص ما كتب عن موضوع من الموضوعات، أو شخص من الأشخاص، أو بلد من البلدان، أو فترة من فترات التاريخ، بصرف النظر عن وجودها، أو عدم وجودها في مكتبة من المكتبات. وقد يكون لشخص من الأشخاص من غزارة الإنتاج ما يجعله صالحاً لأن يكون موضوع قائمة ببليوغرافية تحصر إنتاجه الفكري وتُعرّف به.
وتتفق القوائم والفهارس في أنها (تجمع فيها أسماء الكتب)، ومن ثم يصدق عليها التعريف اللغوي لكلمة الفهرس، ولهذا نجد اللفظ في تراثنا يطلق على الفئتين من دون تمييز بينهما. فيقال فهرس مؤلفات فلان، وفهرس مكتبة كذا، وهو في الاستعمال الأول يعني ما نعرف اليوم بالببليوغرافيا، وفي الاستعمال الثاني يقصد به المعنى الاصطلاحي الحديث لكلمة الفهرس. وللعرب عذرهم في هذا، فلم يكن علم الببليوغرافيا بأصوله وقواعده ومناهجه عرف بشكله الحالي المتكامل، فهو علم حديث عُرف في الغرب منذ القرن الماضي فقط، بينما عرفه المسلمون عموماً منذ أحد عشر قرناً تقريباً.
وقد جدت فهارس المكتبات الإسلامية منذ عصر مبكر، فقد ذكر الحسن بن سهل في «رسائل البلغاء» أن «خزانة الحكمة» في بغداد كان لها «فهرس في زمن الخليفة المأمون»، وذكر ابن الجوزي في «تاريخ الملوك والأمم» أن سابور بن أردشير، وزير بني بويه اشترى داراً كبيرة في الكرخ وعمّرها وسمّاها «دار العلم»، ونقل إليها كتباً كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرساً.
وروى ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» أن فهارس مكتبة الصاحب بن عباد التي وقفها على مدينة الري بلغت عشرة مجلدات كاملة، وكذلك ذكر ابن خلدون أن خزانة الكتب في قصر الخلافة الأموية في الأندلس في النصف الثاني من القرن الرابع، كانت تضم أربعة وأربعين مجلداً تحوي أسماء الكتب الموجودة بها.
ومع أن فهارس المكتبات كانت في الأغلب على شكل دفاتر وكراريس، فإن بعض المكتبات كان يلصق على باب كل خزانة كتب فهرساً بمحتوياتها، ويذكر المقريزي في كتابه «الخطط» أن تلك الطريقة كانت متبعة في خزائن القصر الفاطمي في القاهرة.
ويصف المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» خزانة كتب عضد الدولة البويهي في شيراز بأنها كانت عبارة عن «أزج طويل فيه خزائن طول كل منها قامة في عرض ثلاثة أذرع، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب».
ومن جانب آخر تؤكد مصادر التراث العربي أن ثمة أعمالاً ببليوغرافية فردية فتحت الطريق منذ وقت مبكر، إلى التجمع الببليوغرافي الشامل الذي تمثل في كتاب «الفهرست». وعلى رغم أن تلك المحاولات السابقة كانت واضحة الأهداف والغايات، إلا أنها لم تتم بالقدر نفسه من الوضوح في مناهجها وطرق تجميعها وترتيبها، فمعظمها كان يكتفي بذكر عناوين الكتب، كما في قوائم مؤلفات الشافعي وجابر بن حيان وابن مسعود العياشي، وبعضها كان يحصي عدد أوراق الكتب، كما هيا الحال في قائمة مؤلفات داود بن علي، بينما كان البعض الآخر ينص على عدد الفصول أو المقالات في كل كتاب، كما في مؤلفات أبي بكر الرازي.
ولم يخضع أي من تلك القوائم لترتيب معين، فلا هي رتبت هجائياً بعناوينها، ولا رتبت زمنياً أو موضوعياً.
ومما لا شك فيه أن ابن النديم أفاد من هذه البواكير الببليوغرافية، وبخاصة فهرست جابر بن حيان، المتوفى سنة 200هـ، الذي جمع فيه قائمتين ببليوغرافيتين، أحدهما بمؤلفاته عموماً، والأخرى بمؤلفاته في الكيمياء بصفة خاصة، وكأنما أحس جابر، في ذلك التاريخ البعيد، بأن نوعية قراءة مؤلفاته الكيميائية تختلف عن نوعية قراء مؤلفاته في العلوم الأخرى، فجمع قائمة بمؤلفاته على إطلاقها، وبجانبها قائمة أخرى متخصصة، وذلك سبق ببليوغرافي ينبغي أن يسجل لصاحبه بكل تقدير وإعجاب.
والطريقة التي أورد بها ابن النديم مؤلفات جابر، والنص الذي نقله عن فهرسته يؤكد أنه ذكر مصنفات جابر بترتيبها نفسه في ذلك الفهرست. ونستطيع أن نلاحظ على ببليوغرافيات تلك الفترة أنها كانت تعالج أفراداً لا موضوعات، وأن المؤلفين كانوا هم الذين يقومون بجميع قوائم مؤلفاتهم في بعض الأحيان، وكان تلاميذهم يتولون هذا العمل في معظم الأحيان. ومن الأعمال التي أفاد منها ابن النديم كذلك، فهرست مؤلفات الجاحظ، التي أوردها في أول كتابه «الحيوان»، كما أفاد من كتب التراجم المختلفة مثل كتاب «مراتب التموين» لأبي الطيب اللغوي، الذي أورد فيه مصنفات النحاة واللغويين الذين ترجم لهم، وكتاب «طبقات الأطباء والحكماء»، لابن جلجل، الذي حشد فيه ترجمات مؤلفات كل من ترجم لهم من الأطباء، وألّفه في السنة نفسها، التي ألّف فيها ابن النديم كتابه.
وهكاذ كان كتاب «الفهرست» تتويجاً لهذه المرحلة الأولى في مراحل تاريخ علم الببليوغرافيا عند المسلمين، بعد أن تجاوزت المؤلفات الببليوغرافية حدودها القديمة، وخضعت فيه للتنظيم والتبويب العلمي والمنهجي.
وعلى حد وصف الدكتور عبد الستار الحلوجي، أستاذ علم المكتبات في جامعة القاهرة في بحثه القيم عن كتاب فهرست ابن النديم «إنه إذا كانت الأعمال الببليوغرافية السابقة بمثابة الفصل التمهيدي لقصة الببليوغرافيا عند المسلمين، فإن فهرست ابن النديم كان بحث هو الفصل الأول من فصول هذه القصة الطويلة التي امتدت وقائعها على مدى زمن يجاوز الألف عام».
والآن يبقى لنا الحديث عن كتاب «الفهرست» ذاته الذي احتل هذه الشهرة الواسعة بين أوساط الباحثين والمهتمين بالتراث العربي. يبدأ الكتاب بمقدمة موجزة يحدد فيها المؤلف مجال بحثه، فيقول: «هذا فهرست جميع الأمم من العرب والعجم، الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها وطبقات مؤلفيها وأنسابها وتاريخ مولدهم ومبلغ أعمارهم وأوقات وفاتهم وأماكن بلدانهم ومنافعهم ومثالبهم منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا».
وبعد تحديد الإطار العام للكتاب، يقدم ابن النديم قائمة محتويات من عشر مقالات تختص كل منها بموضوع معين، فهناك مقالة للنحويين واللغويين، وأخرى للشعر والشعراء، وثالثة للكلام والمتكلمين، ورابعة للفقهاء والمحدثين، وخامسة للفلسفة والعلوم.. وهكذا.
تتفرع المقالات العشر الرئيسية بدورها إلى فنون يتفاوت عددها من مقالة إلى أخرى، وفي كل فن يذكر ابن النديم أصحاب المؤلفات فيه وتحت كل مؤلف يكتب ما صنّفه من الكتب من دون أن يخضع المؤلفين أو المؤلفات لأي نوع من الترتيب هجائياً كان أو زمنياً، فكان المبدأ العام الذي يحكم هذا الترتيب هو الشهرة، فنراه يبدأ بالأشهر فالأقل شهرة.
وتتجلى الرؤية الببليوغرافية عند ابن النديم في مظاهر عدة، منها حرصه على تحرير الكتب التي رآها بنفسه، والكتب التي سمع، أو قرأ عنها. وكان ابن النديم يحدد أحجام الكتب التي رآها، مع إعطاء أوصافها وملامحها البارزة، ويضيف إليها أحياناً تقويماً موضوعياً ويحدد أصيلها من منحولها. وفضلاً عن ذلك كان يستعمل ما يعرف الآن بالإحالات، فهو حين يذكر كتاباً أو شخصا ما في موضعين من الكتاب، يشير في أحد الموضعين إلى أن ذكره ورد في موضع سابق أو لاحق تجنباً للحشو والتكرار.
وعلى رغم أن هذا الكتاب لم يصلنا كاملاً، إلا أنه يظل عملاً ببليوغرافياً عملاقاً ورائداً في تراثنا العربي، وحسبه أنه أول منارة تلقانا على طريق الأعمال الببليوغرافية في اللغة العربية، وأشمل وثيقة تبين لنا ما وصل إليه المسلمون في حياتهم العلمية في عصر من أزهى عصور حضارتهم، ولولاه لضاعت منا أسماء الكتب وأوصافها كما أضاعت الكتب نفسها.
عاطف مظهر
أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب
إسحاق بن محمد بن إسحاق
المعروف بـ(ابن النديم) أو النديم
صاحب كتاب (الفهرست)
كتاب الفهرست لابن النديم، هو أشهر وأقدم وأشمل الفهارس في معرفة العلوم الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى. تم تأليف الكتاب في عصر ازدهار الثقافة والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري في مركز الخلافة الإسلامية في بغداد. سُجل فيه أسماء الكثير من الكتب العلمية لأربعة قرون وجاء فيه أسماء الكثير من العلماء في مختلف التصانيف الإسلامية من العلوم والفنون الدينية وغير الدينية. إن أهمية هذا الكتاب بلغت إلى الحد الذي إذا تجاهلناه وحذفناه من قائمة التصانيف الإسلامية، فإن ثغرة كبيرة وخسارة لا تعوض قد تحدث في ميدان الثقافة الإسلامية وأن علاقاتنا تنقطع عن أكبر قسم من الثقافة والعلوم الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى. كما أن تاريخ حياة شخصية شهيرة كجابر بن حيّان ومؤلفاته الثمينة استخرجت من هذا الكتاب.
نظرة إجمالية على أبواب وفصول وفهرست هذا الكتاب، تؤكد لنا شمول وتوسع فحواه. ولا شك أن معلوماتنا وفهمنا للقسم الأكبر من هذه المحتويات تقتصر على هذا الكتاب.
من أبرز خصائص هذا الكتاب، بُعد نظر مؤلفه وعدم انحيازه ثقافته حيث كان له بُعد نظر واسع بالنسبة لجميع المذاهب والفرق الإسلامية كما كانت له علاقات وثيقة مع علماء المذاهب المختلفة، بادر بتعريف آثار كل مذهب من كتب المعتزلة وأهل الحديث، أهل السنة والشيعة. كما لم تقتصر نظرته على العلوم الدينية والكتب المذهبية بل بذل اهتمامه على جميع الفنون والعلوم كالموسيقى والغناء ومشاهير المغنين وأصحاب العلوم الغربية.
من أساتذته أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني المعروف حيث يروي عنه بين حين وآخر. وأن بُعد نظر ابن النديم جعلت الغربيين وعلماء عصرنا الحاضر يبدون اهتماماً بالغاً لكتابه الفهرست.
يبدو أن ابن النديم صنّف هذا الكتاب لأحد الرجال حيث يقول في بداية الكتاب: «النفوس (أطال الله بقاء السيد الفاضل) تشرئب إلى النتائج…» ويقول في الصفحة 92: «ونسأل الله البقاء لمن صنفنا له ولنا في عافية وأمن وكفاية…».
إن بحثنا هنا ليس حول أصل الكتاب وأهميته حيث يتطلب هذا الأمر كتاباً منفصلاً لمعرفة أهميته. إن دراستنا وبحثنا الرئيسي هو حول أسرة ابن النديم ومعرفة أصله ونسبه. وهذا الأمر مهم من ناحيتين:
الأول هو أن مثل هذا العبقري الفاضل الذي كان ولا شك من أهالي بغداد لم تُعرف أسرته بعد وهل هو عربي أو إيراني الأصل أو من عنصر آخر. وفي أية أسرة ترعرع وفي أية ظروف عاش بحيث تمكن أن يكسب مثل هذه المعلومات الغزيرة؟
والثاني هو أنه حتى يومنا هذا فإن جميع كتب الفهارس والرجال تسميه «ابن النديم». كما في فهرست الشيخ الطوسي (385 ـ 460) وهو أقدم مأخذ يشير إلى ابن النديم وكتابه الفهرست وينقل عنه. وكذلك المصادر والمآخذ الأخرى إلى يومنا هذا. إلا أن (السيد تجدد) الذي بادر قبل سنين إلى تصحيح هذا الكتاب وطبعه وحظي باهتمام الفضلاء في داخل البلاد وخارجها واستناداً إلى بعض النسخ التي تشير إليه بـ(محمد بن إسحاق النديم) أو (النديم). حيث بدّل عنوان (ابن النديم) المعروف منذ القدم إلى (النديم) حتى إن الزركلي في الطبعة الجديدة من الأعلام (ج6 ص 29) أشار إلى هذا القول وكتب في ذيل الكتاب: أقول: إن صاحب الترجمة اشتهر بـ(ابن النديم) ولكن (رضا تجدد) في الطبعة الجديدة لـ(الفهرست) التي صدرت في طهران في شعبان سنة 1391هـ يشير على أنه (النديم) وليس (ابن النديم) ونشر الصفحة الأولى للمخطوطة النادرة والثمينة الموجودة في مكتبة (جستربتي) حيث ذكر اسم الكتاب فيه هكذا «الفهرست للنديم» وفي الهامش الأيمن وبخط المؤرخ «أحمد بن علي المقريزي» جاءت هذه العبارة «مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن إسحاق الورّاق المعروف بالنديم».
ويبدو أن الزركلي قد اقتنع إلى حد ما بأن صاحب الفهرست هو «النديم» لا «ابن النديم». ولقد كنت منذ البداية في شك من قبول وجهة نظر السيد تجدد، ودهشت عندما علمت أن بعضهم قبل هذه النظرية فوراً بدون أي تحقيق واستعملوا في مقالاتهم وكتاباتهم كلمة (النديم) وتخلوا عن استعمال (ابن النديم) الذي اشتهر بها صاحب الفهرست طوال ألف سنة. ولكن رويداً رويداً تبادر إلى ذهني بعض الأسئلة مما حملني على القيام بالتحقيق في ذلك وما أكتبه الآن هو نتيجة هذا التحقيق: طبعاً ليس المهم أن يكون اسم صاحب الفهرست «النديم» أو «ابن النديم» حيث لا يحل أية مشكلة ولكن معرفة ابن النديم وعائلته تجرّنا إلى طريق جديد، لنقوم من خلاله إلى إيضاح سبب تسميته بـ(ابن النديم) أو (النديم) أو بالاثنين.
أما الأسئلة التي تبادرت إلى ذهني فهي:
1 ـ سابق كلمة (النديم) في التاريخ الإسلامي وعلى من كانت تطلق كلمة (النديم)؟
2 ـ إذا كان (ابن النديم) نفسه يحمل هذا المنصب، فنديم مَن من الخلفاء أو الوزراء كان ولماذا لم يذكر ذلك في كتابه الفهرست.
3 ـ إذا لم يكن هو نفسه (نديماً) إذاً فإن آباءه كان لهم هذا المنصب حتماً، فأي واحد من آبائه وأجداده اشتهر بهذا اللقب بحيث بقيت هذه الكلمة في أسرتهم وكان يسمى أفرادها بـ(ابن النديم) أو (النديم)؟
4 ـ هل سُجلت أنساب ابن النديم صاحب الفهرست في مكان ما، أم لا؟
5 ـ إذا كانت هذه السلسلة من الأنساب موجودة فلماذا لم يُشر إليها ابن النديم، حيث كان هو من أهالي مدينة بغداد وكما يبدو من كتاب الفهرست أنه كان يعرف الأسر المعروفة وكان على صلة وصداقة مع الكثير من الرجال المعروفين خاصة رجال العلم والأدب والفن وزعماء المذاهب الإسلامية.
6 ـ وأخيراً هل إن (ابن النديم) عربي أم إيراني ولماذا يتهمه أهل السنّة بأنه شيعي؟
موضوع البحث
نبدأ دراستنا حول اسم آباء ابن النديم الذي جاء في المآخذ والمصادر المختلفة.
يقول الزركلي هكذا:
«محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق، أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم».
وجاء في معجم المؤلفين تحت عنوان «محمد النديم» هكذا، «محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق النديم الوِراق البغدادي أبو الفرج…» وذكر هذه العبارة أيضاً المقريزي نقلاً عن ذيل مخطوطة «الفهرست» كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. ولا شك أن مصدر هذا النسب هو كتاب الفهرست لابن النديم حيث ذكر ترجمة الطبري (224 ـ 310): «قال لي أبي إسحاق بن محمد بن إسحاق أخبرني الثقة أنه رأى أبا جعفر الطبري بمصر يُقرأ عليه شعر الطرماح أو الحطيئة ـ الشك مني…» كذلك جاء في الفهرست كنية أبيه ومهنته! «قال محمد بن إسحاق النديم المعروف بابن أبي يعقوب الورّاق..» نستنتج من هذا أن ابن النديم كان معروفاً في عصره بـ«ابن أبي يعقوب الوراق… كما سنقول فيما بعد أن والده كان معروفاً باسم أبي يعقوب الوراق».
والآن يجب أن نبحث عن أسرة توجد فيها بعض هذه الأسماء «محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق» مع لقب «النديم» أو (ابن النديم). يوجد في القرنين الهجريين الثاني والثالث رجل باسم «إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي أبو محمد ابن النديم» يقول الزركلي عنه «إنه من أشهر ندماء الخلفاءتفرّد بصنعة الغناء وكان عالماً باللغة والموسيقى والتاريخ وعلوم الدين وعلم الكلام راوياً للشعر، حافظاً للأخبار، شاعراً وله تصانيف، نادم الرشيد والمأمون والواثق العباسيين». ذكر ياقوت الحموي نبذة من تاريخ حياته وأشاد بمعلوماته كما أشاد بتفرده بصناعة الغناء لكن يقول: «وكان أكره الناس للغناء». وكان يفضّل أن يكون فقيهاً وطلب من المأمون الخليفة العباسي أن يحسبه ضمن الأدباء فقبل المأمون ذلك ثم طلب أن يرتدي الملابس السوداء في يوم الجمعة ويقف معه في المقصورة للصلاة ولكن المأمون رفض ذلك. وكان المأمون يقول «لو لم يكن إسحاق معروفاً بالغناء لكنت جعلته قاضياً».
تعلّم إسحاق الحديث من مالك بن أنس وسفيان بن عيينه وبقية علماء العراق والحجاز.
على أي حال، بات يقيناً أن إسحاق كان من أكبر المغنيين وعالماً بالموسيقى في عصره بعد أبيه وقد ورث هذا الفن عن والده ابراهيم الموصلي كما جاء في كتاب الأغاني ومعجم الأدباء. ويقول الذهبي تحت عنوان «إسحاق النديم»، الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون، أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي، الأخباري صاحب الموسيقى والشعر… جاء في كتاب الأغاني والمآخذ والمصادر الأخرى حول والد إسحاق «ابراهيم بن ميمون» أنه كان أكبر المغنين في عصره وكان يغني لعدد من الخلفاء العباسيين، «المهدي والهادي والرشيد» وينقلون عنه قصصاً كثيرة ويقولون عنه إنه: «إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نُسك التميمي بالولاء، الأرجاني الأصل» وجاء هذا الذكر في كتاب الأغاني بالتفصيل بأنه كان من أهالي أرجان ووُلد في الكوفة وتيتم ثم ذهب في طفولته إلى البصرة وتعلم الموسيقى فيها ثم سمى نفسه فيما بعد ابراهيم بن ميمون (بدلاً من ماهان) كان قد اشتهر بالموصلي. حيث قضى فترة من الزمن في الموصل. ولما كان من موالي بني تميم سُمي بالتميمي. ويبدو أن هذه الأسرة كانت قد عُرفت «بالموصلي» مدة من الزمن. يقول ابن الجوزي: «إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف والده بالموصلي» وسُمي إسحاق نفسه في الكتب مراراً بـ«إسحاق الموصلي» وكان والده يكنّى بـ(أبو إسحاق).
النديم أو ابن النديم
في الوقت الذي كان إسحاق بن إبراهيم وعائلته معروفين بـ«الموصلي» وخاصة إبراهيم الذي كان قد اشتهر بـ(الموصلي) إلا أنهم كانوا يعرفون بـ«النديم» كما أشرنا سابقاً فإن الذهبي قد سماه «إسحاق النديم» إلا أنه يقول في الترجمة:
«إسحاق بن إبراهيم بن ميمون، أبو محمد التميمي الموصلي، ابن النديم» ويقول ياقوت «وأما كتاب الأغاني الكبير فقال محمد بن إسحاق النديم قرأت…».
جاء في معجم المؤلفين عن إسحاق بن إبراهيم: «إسحاق النديم» (150 ـ 235) وبعد أن يذكر نسبه يقول: «المعروف بابن النديم».
إذاً ففي ثلاثة مصادر ومآخذ أي «سير أعلام النبلاء، معجم الأدباء، ومعجم المؤلفين» نرى أن إسحاق بن إبراهيم سُمي تارة بـ«النديم» وتارة أخرى بـ«ابن النديم». وسبب هذا الاختلاف هو أن إسحاق ووالده إبراهيم كانا «نديمين للخلفاء»، حيث كان ابراهيم نديم للمهدي والهادي والرشيد، وكذلك نديماً ليحيى البرمكي وربما لم يكن معروفاً بـ«النديم» وأن لقبه كان «الموصلي» و«المغني».
أمّا ابنه إسحاق. كان وكما ذكرنا آنفاً نديماً لثلاثة من الخلفاء هم «الرشيد والمأمون والواثق» وأن الوالد والولد كانا نديمين لخمسة من الخلفاء العباسيين.
توفي إسحاق في بغداد في سنة 235 في مستهل خلافة المتوكل ولما بلغ نبأ وفاته إلى المتوكل حزن من ذلك ولما أبلغوه بعد ذلك بنبأ وفاة أحمد بن عيسى بن زيد بن علي قال هذان الحادثان عوض بعضهما البعض حيث كان يخاف من ثورة أحمد.
إذاً فإن لقب «النديم وابن النديم» في عائلة إسحاق بن إبراهيم كانتا موجودتين بعد «الموصلي» والمغني بالنسبة له ولوالده إبراهيم.
يقول الزركلي عن «إسحاق بن إبراهيم»: «ابن النديم الموصلي.. أبو محمد ابن النديم» ولكي نتأكد ونتيقن عن «النديم» في لقب إسحاق يكفي أن نعلم أن ابن بسام الشاعر وكذلك محمد بن يحيى الصُولي.. صنّفا كتاب «أخبار إسحاق النديم» كما أن إسحاق وولده حماد صنّفا كتاب «أخبار الندامى» يدلان على ارتباط هؤلاء بهما.
عنوان النديم
الندامة والمنادمة عبارة عن المؤانسة والمعاشرة الطيبة حيث أن أكثر الخلفاء والأمراء والوزراء بسبب كثرة انشغالهم وتعبهم أو مرحهم بحاجة إلى مثل هؤلاء وذكر لكل واحد منهم ندماء. وخير مصدر لهذا الفن، هو كتاب الفهرست لابن النديم الذي يقول «الفن الثالث من المقالة الثالثة من كتاب الفهرست، ويحتوي على أخبار الندماء والجلساء، والأدباء والمغنين، والصفادمة، والصفاغنة وأسماء كتبهم».
من هذه العناوين يمكن أن ندرك جيداً أن ندماء الخلفاء كانوا من أي من الرجال، وماذا كانت فنونهم، كانوا رجال شعر وأدب ومؤانسة وغناء لكي يتمكنوا من إرضاء مجالس أصحابهم ويفرحون قلوبهم. إن الندماء كانوا على الأكثر يجيدون كل هذه الفنون بما في ذلك علمهم بالأنباء والأحداث الماضية، قالوا عن إسحاق «كان حسن المعرفة حلو النادرة مليح المحاضرة».
الغريب أن ابن النديم يبدأ هذا القسم بأخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي ووالده ويقول: وُلد إبراهيم في سنة 120 وتوفي ببغداد في سنة 188 ثم يذكر نسبة كما أشرنا إليه سابقاً ثم يذكر أن إسحاق ولد سنة 150 وتوفي سنة 235 وهو في الخامسة والثمانين من عمره. ويقول في ترتيب نسب إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك: «أصله من فارس. خرج (يعني ماهان) هارباً منها من جور بني أمية في خراج كان عليه، فأتى الكوفة..».
في كتاب الأغاني ج5 ص 154 يقول عن لسان إسحاق بن إبراهيم أنه قال: أصلنا من فارس من عائلة شريفة. جدنا ميمون هرب من جور أحد رجال بني أمية فأتى الكوفة في بني عبدالله بن دارم (من بني تميم). وكانت والدة ابراهيم امرأة من الهاربات من فارس اللاتي أتين الكوفة مع ميمون وأن (ماهان) ميمون تزوجها وأنجبت له إبراهيم ولكن ميمون توفى بمرض الطاعون أوالوباء وترك إبراهيم يتيماً وكان ميلاد إبراهيم سنة 125 في الكوفة وكان عند وفاة والده طفلاً في الثانية أو الثالثة من العمر وبقي هناك حتى شبابه وتعلم فيها مع أولاد خزيمة بن حازم ولهذا كان مخلصاً لبني تميم (ص 155). وفي الكوفة صادق الشطّار وانحاز إلى الغناء. شدد أخواله الحال عليه فذهب إلى الموصل فتعلم الغناء هناك على أيدي بعض الشطار ولما عاد إلى الكوفة رحب به أصدقاؤه القدامى وقالوا له «مرحباً بالمغني الموصلي» وهذا كان السبب في ذيوع صيته بـ«الموصلي» ص 158. ثم ذهب إلى الري وتعلم فيها الموسيقى الفارسية والعربية وتزوج فيها مع والدة إسحاق (شاهك).. بدأ الغناء في الري وسافر إلى (الإبلة) إحدى قرى البصرة للاستزادة من فنه وفي البصرة التحق بمحمد بن سليمان بن علي وبعدها أخذه أحد رجال المهدي العباسي إلى هذا الخليفة وحظي باهتمام الخليفة. ص 159. يذكر ابن النديم. أحوال إسحاق وإبراهيم في عدة صفحات ولكنه ينفي انتساب كتاب «الأغاني الكبير» إلى إسحاق، ثم يذكر أحوال «حماد بن إسحاق» الذي كان يشارك والده في الغناء. وهناك في المآخذ والمصادر الأخرى منها «الأغاني ج 5» روايات كثيرة منقولة من حماد عن والده إسحاق. في عائلة «الموصلي» إضافة إلى ابراهيم وإسحاق فإن «طيّاب» شقيق إسحاق و«حمّاد» ابنه كانا هاويين للموسيقى ولكنهما لم يبلغا ما بلغه ابراهيم وإسحاق. والغريب أن ابن النديم يشير في الفن الثالث الذي يحتوي على أخبار الندماء إلى هذه العائلة ولكن لا يشيد بإسحاق وإبراهيم ولا يصفهما بـ(النديم أو ابن النديم) ويصفهما بـ«الموصلي». في حين أن المصادر الأخرى كما ذكرنا يذكر أنهما بـ«النديم وابن النديم» وسنشرح ذلك فيما بعد.
صلة ابن النديم مع هذه الأسرة
يجب أن نعرف أربعة أشخاص: محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق: يعني محمد بن اثنين وإسحاقين اثنين، المحمد الأول هو صاحب الفهرست، والإسحاق الأول هو والده وقلنا إنه اشتهر بـ«أبي يعقوب الوراق» ولا شك أن مهنته كانت الوراقة (بائع الكتب وكاتب الكتب) ونقلاً عن ابن النديم الذي قال إن والدي نقل عن الثقة أنه رأى الطبري بمصر، تستنتج أن والده كان رجل علم ومعرفة وهذا الأمر من ضروريات مهنة الوراق. إذاً عرفنا «إسحاق الأول. وهو والد محمد، رغم أننا لا نعرف تاريخ ولادته ووفاته لكن ما لا شك فيه أنه كان رجلاً معروفاً اشتهر بـ«أبي يعقوب الوراق». كما أن ابنه كان قد اشتهر بـ«ابن أبي يعقوب الوراق». والظاهر أن مهنته هو أيضاً أنه كان «وراقاً» لكن لا يوجد نص قاطع بهذا الشأن إلا أن معلوماته الواسعة حول الكتب والمؤلفين والمصنفين وكذلك معرفته للكثير من العلماء المعاصرين لزمانه في مختلف الفنون وصداقته ومجالسته مع الكثير منهم، نظراً لمهنة والده، فإن الشك يتبدل إلى اليقين بأنه كان «وراقاً» أيضاً وورث هذه المهنة كبقية الكمالات والمعلومات من والده. إن حصوله على المخطوطات ومصنفات العلماء كالطبري والآخرين الذين يشير إليهم بين حين وآخر في كتابه الفهرست يؤيد هذه النظرية. كما وأن رابطته مع الورّاقين يؤيد هذا الامر أيضاً حيث يقول: «وقال جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين» وذكرفي الصفحة 10 من الفهرست أسماء عدد من الوراقين الذين كانوا يكتبون المصحف. إلى هنا عرفنا بواسطة صاحب الفهرست اثنين منهم وهما نفسه ووالده. كما عرفنا فيما مضى من أجدادهما، اثنين أي «إسحاق وإبراهيم النديم». يبقى واحد من هذه السلسلة ليربط «إسحاق بن إبراهيم» بهذين الشخصين وهما صاحب الفهرست ووالده. إن الحلقة المفقودة هو «محمد بن إسحاق» جد صاحب الفهرست وابن «إسحاق بن إبراهيم»، فهل من سبيل للتعرف على محمد بن إسحاق بن إبراهيم النديم؟
نعم. بالإمكان إعطاء معلومات عنه من خلال الوثائق الموجودة، كما يلي:
أولاً أن كنية إسحاق بن إبراهيم جاءت في الكثير من المآخذ «أبو محمد»، يقول الذهبي: «أبو محمد إسحاق بن إبراهيم النديم ولد سنة بضع وخمسين ومائة» وفي الأغاني: «حدثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم عن أبيه…» والزركلي: «هو إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي أبو محمد بن النديم» يقول ابن الجوزي: «أبو محمد التميمي ويروي ياقوت أن المأمون كان يخاطب إسحاق ويقول له يا أبا محمد. ويقول الخطيب البغدادي: «إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي الموصلي صاحب الأغاني المعروف والده بالموصلي…».
ويروي أيضاً: «قلت يا أبا محمد» وكذلك في الكثير من المآخذ والمصادر الأخرى. وعادة ينتخبون كنية الرجل من اسم ابنه الأول. إذاً كان لإسحاق بن إبراهيم ولد اسمه محمد وكان أكبر أولاده. ولكن لم يُذكر في قائمة أولاده. يقول ياقوت إن أسماء أبنائه هم: «حميد وحماد وأحمد وحامد وإبراهيم وفضل» ولكن لم يذكر اسم محمد وهو ابنه الأكبر (ولا شك أن الذي كان مقيداً أن يختار لأولاده أسماء (أحمد وحامد وحميد وحماد) وهي أسماء مشتقة عن اسم الرسول الأكرم كان المفروض أن يختار اسم محمد لأحد أبنائه، إذاً كان لإسحاق ولد يسمى محمداً.
ثانياً: ذكر الذهبي ضمن وفيات سنة (340): «محمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو تراب الموصلي من ساكني هرات، حدث بها عن عمير بن مرادس النهاوندي، وعلي بن الحسين بن الجُنيد الرازي، وعلي بن محمد بن عيسى الماليني وعنه «أبو منصور محمد بن محمد الأزدي» ويقول مصحح الكتاب في الهامش: «لم أجده بل ذكر السمعاني أباه إسحاق بن إبراهيم الموصلي». وذكر الذهبي أيضاً: «محمد بن إسحاق بن إبراهيم القرشي الهروي وعنه القاضي أبو منصور محمد بن محمد الأزدي. ويبدو أن هذين الاسمين لرجل واحد والظاهر أنه لم يكن من أهل هرات بل حسب ما يقول الذهبي كان يقيم في هرات وكان من العلماء والمحدثين. ولكن هناك نقطة تقلل من أن يكون «محمد بن إسحاق» ابناً لإسحاق بن إبراهيم الموصلي وهو أنه يجب أن يكون من وفيات الأعوام 270 أو 280 أو على الأكثر 300هـ بينما يذكر الذهبي أنه من وفيات سنة 340. والآن إذا كان احتمالنا صحيحاً فيجب القول إن «محمد بن إسحاق» كان كأبيه مشمئزاً من صفة المغني ولهذا فقد غادر بغداد متوجهاً إلى هرات كي لا يعرفه أحد هناك بهذه الصفة وهذه المهنة.
على أي حال نحن لا نعلم عنه أكثر من هذا عدا أن المحشي يعتقد أيضاً أنه ابن إسحاق بن إبراهيم الموصلي.
والآن يمكننا القول إن محمد بن إسحاق غادر بغداد مبكراً وتوجه إلى هرات إلا أنه احتفظ باسم أبيه وجده ولقب الموصلي ولهذا السبب قد يكون قد ذهب عن الأذهان في بغداد ولم يذكر ضمن أبناء إسحاق. ويجب أن نستمر في التحقيق في هذا الأمر للحصول على المزيد من المعلومات والتأكيدات. ومن هذه التأكيدات أن ابن الجوزي يقول: «إبراهيم بن محمد أبو إسحاق التميمي قاضي البصرة أشخصه المتوكل إلى بغداد لتولية القضاء» حيث من المحتمل أن يكون ابن محمد هذا وشقيق (إسحاق) والد صاحب الفهرست وسمى ابنه إسحاقاً على تسمية جده «إسحاق بن إبراهيم».
ثالثاً: كذلك من المؤكد أن ابن النديم ذكر مراراً في الفهرست عن خط إسحاق بن إبراهيم الذي يحتمل أنه كان في أسرتهم. وهذا لا يعتبر دليلاً حيث إنه نقل عن خطوط علماء آخرين أيضاً.
سؤال
هنا سؤال، هل إن ابن النديم كان يعرف نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، المغني، النديم، أم لا؟ يبدو أنه لم يكن يعلم حيث إنه بعد ذهاب جده محمد من بغداد، فإن سلسلة الانتساب قد زالت بين الأسرة ورغم أنه ذكر اسم الأجداد إلا أنه لم يكن يعرف انطباقهم على ما ندعيه نحن، إن هذا الاحتمال متوقع من ابن النديم الذي لم يكن يعلم أن «المسعودي المؤرخ» المعاصر له بغدادي. إن المسعودي ينشد في كتابه مروج الذهب ج1 ص 334 أشعاراً تحت عنوان «الحنين إلى الأوطان» بعد أن غاب من بغداد عدة أعوام. ويقول ابن النديم في ص 171 من الفهرست حول المسعودي: «هذا رجل من أهل المغرب و…» طبعاً كان المسعودي قد قضى السنوات الأخيرة من حياته في مصر والدول الأخرى ولكن كيف تجاهل ابن النديم، بغداديته.
إن مثل هذه الأدلة التي تدل على قلة معلومات ابن النديم كثيرة في الفهرست، الحقيقة هي أنه كان ذا فنون كثيرة ولكنه لم يكن متبحراً في فن التاريخ والرجال. إنه يشير إلى كتاب مروج الذهب ولكنه لم يقرأه لكي يعرف أن مؤلفه بغدادي مثله.
الاحتمال الآخر هو أن ذكر مثل هذا النسب والإشارة إلى أجداد كانوا مغنين وندماء وقد كان هذا العنوان سيئاً إلى حد أن إسحاق بن إبراهيم نفسه كان يكرهه كما أشرنا سابقاً وقد طلب من المأمون أن يحسبه ضمن الفقهاء، إن ذكر مثل هذا النسب لم يكن فخراً لابن النديم. وربما لهذا السبب لم يحترف مهنة الغناء في هذه العائلة عدا حماد بن إسحاق بن إبراهيم وأخيه طيّاب وربما لهذا السبب أيضاً غادر محمد بن إسحاق جد صاحب الفهرست مدينة بغداد إلى هرات ليعمل في الفقه والحديث. ربما لهذا السبب لم يستخدم ابن النديم في الفهرست عنوان (النديم) لإسحاق وإبراهيم، كي يضيع هذا الانتساب ولا ينسب أحد من أسرته التي اشتهرت بـ(النديم) إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغني وهذا هو الموضوع الذي وعدنا قبلاً أن نشرحه، إن هذين الاحتمالين ممكنان.
فيما يلي أسماء بعض الرجال الذين قد يمكن أن يكونوا من هذه العائلة:
1 ـ إبراهيم بن محمد أبو إسحاق التميمي قاضي البصرة. الذي أشرنا إليه من قبل وهو شقيق إسحاق والد صاحب الفهرست.
2 ـ إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم التميمي وهو ابن إسحاق بن إبراهيم.
3 ـ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي المعروف بـ(وسواسة) وهو يروي عن والده وجده عن مخارق تلميذ إبراهيم الموصلي. أما حمّاد والفضل وطيّاب وإبراهيم أبناء إسحاق بن إبراهيم فقد جاءت أسماؤهم مراراً في الأغاني والمصادر والمآخذ الأخرى.
النتيجة
إن محمد بن إسحاق صاحب الفهرست هو من ذرية إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغني النديم وهو لا يدري أو لم يكن يريد أن ينتسب إليه. إن أسرته كانت معروفة في بغداد وقد اشتُهرت باسم (النديم أو ابن النديم) وبسبب أن محمد بن إسحاق جد صاحب الفهرست كان قد ذهب من بغداد فإن سلسلة الذرية قد انقطعت ولكن اسم الأجداد بقي في سلسلة الذرية.
هل ابن النديم إيراني الأصل؟
الآن إذا كانت استطلاعاتنا عن أسرة ابن النديم صاحب الفهرست صحيحة فإنه يمكن أن يستنتج منها أنه كان إيراني الأصل مثل جده إبراهيم الذي كان يغني بالفارسية والعربية.
لقد قدمنا ما كان عندنا من معلومات والآن على المحققين أن يتابعوا البحث للوصول إلى النتيجة القاطعة.
محمد واعظ زاده الخراساني
الفوائد([366]*)
في علم أصول البحار والقواعد
هو كتاب للربان العربي شهاب الدين أحمد بن ماجد الشهير بابن ماجد.
ولا بد قبل الحديث عن الكتاب وبقية مؤلفات (ابن ماجد) وعن ابن ماجد نفسه من التمهيد التالي:
كان لتيارات المحيط الهندي أهمية خاصة، وربما كانت فريدة في العالم بالنسبة لتأثيراتها، حيث قامت الموسميات (الرياح الموسمية الجنوبية الغربية ـ الرياح الموسمية الشمالية الشرقية) )[367]( بالدور الرئيس في حركة التجارة في المحيط الهندي، بل ارتبطت مواعيد الإبحار ارتباطاً تاماً بمواعيد تلك الرياح. وقد ذكر المسعودي هذه الحقيقة بقوله: «ولكل من يركب هذه البحار من الناس أرياح يعرفونها في أوقات تكون فيها مهابها. وقد علموا ذلك بالعادات وطول التجارب يتوارثون ذلك قولاً وعملاً، ودلائل وعلامات يعملون بها إبان هيجانه وأحوال ركوبه وثوراته»)[368](. وكان على من فاته التحرك في موعد الرياح المناسبة الانتظار إلى موعدها في العام القادم، مما جعل لهذه الرياح تأثيراً حاسماً في مسار تجارة المحيط الهندي. وإلى جانب الرياح الموسمية وجدت بعض التيارات البحرية المساعدة لعملية الملاحة، فتيارات القسم الشمالي من المحيط متمثلة في تيارات البحر العربي وخليج البنغال تسير حسب اتجاه الرياح السائدة، كما يوجد تيار استوائي راجع يجري في الشتاء نحو الشرق ويختفي في الصيف)[369](.
وجدير بالذكر أن مواسم السفر في المحيط الهندي كانت تحسب ابتداء من أول النيروز (وهو وقت دخول الشمس برج الحمل ويوافق 21 مارس وهو نقطة الاعتدال الربيعي). ومن هذا التاريخ كانت تحسب مواسم السفر فيقال مائة النيروز، أي بعد مائة يوم من نقطة الاعتدال الربيعي وهكذا)[370](.
أما التجارة في البحر الأحمر والخليج البربري أو خليج عدن فقد كانت مستمرة طوال العام، ولم تكن مرتبطة بمواسم معينة للإبحار، وكذلك الخليج الإسلامي فكان يركب فيه طوال السنة)[371](، كذلك كانت الملاحة ممكنة بين سواحل بلاد العرب والهند طوال العام، حيث كان البحارة يقطعون الرحلة كلها في محاذاة سواحل بلاد العرب وفارس)[372](.
وكما يذكر شو ـ جو ـ كوا فإنه كان لربابنة السفن دراية وعلم بمواضع السواحل، وهم في الليل يسترشدون بالنجوم وفي النهار بالشمس. وعندما تغيم الشمس فإنهم ينظرون إلى الإبرة المتجهة جنوباً، أو يستخدمون حبلاً طوله مائة قدم وهو مزود بخطاف بواسطته يرفعون قدراً من طين قاع البحر وبرائحة الطين يقررون أين هم)[373](.
وسنعرض للطرق الملاحية التي سلكتها الرحلات البحرية معتمدين على كتاب أخبار الصين للمروزي، والمسالك لابن خردذابة، والمروج للمسعودي، وسلسلة التواريخ للسيرافي، والبلدان للهمداني محاولين وضع أقرب تصور لخط سير الرحلات البحرية في تلك العصور جاعلين نقطة البدء أو الانطلاق في تلك الرحلات الساحل العربي وهو ما سار عليه المؤرخون، مع العلم بأنه ليس من الضروري أن يكون خط سير الرحلة البحرية من الساحل العربي حتى الصين أو من الساحل العربي حتى الساحل الإفريقي. بل ربما تكون متجهة إلى أقرب الموانئ الهندية. ولكننا سنرسم خط الرحلة البحرية في أقصى انطلاقاتها مع مراعاة أن الرحلة ليست بالضرورة تسير إلى تلك الغاية. وذلك في ضوء الاستعانة ببعض المؤلفات الحديثة منها: العرب والملاحة لحوراني، وعمان وتاريخها البحري.
ومن أطول تلك الطرق الملاحية)[374](، في ذلك الوقت، كان الطريق الذي تقطعه السفن من الساحل العربي إلى سواحل الصين، إذ كانت سفن الرحلات الضخمة تتوقف بسيراف عند مدخل الخليج، وذلك لكثرة الأمواج في الخليج وقلة الماء في مواضع منه، مما يجعل ملاحة السفن الكبيرة ذات الغاطس العميق خطرة)[375](. ويتم تزويد السفن بالمتاجر الآتية إليها من الموانئ المختلفة إلى الخليج كالبصرة والبحرين في سفن صغيرة. وبعد أن يتم شحن السفن بما تحتاجه من سلع تنطلق للتوقف بصحار ومسقط وهما ميناءان على ساحل عمان لتتزود بالمؤن والمياه العذبة. وكان ذلك يتم في الفترة من النصف الثاني من نوفمبر إلى النصف الأول من ديسمبر. وبعد ذلك تتجه السفن مباشرة عبر المحيط إلى ساحل الملبار مستعينة بالرياح الموسمية الشمالية الشرقية وتصل إلى كولم مالي)[376]( خلال ديسمبر. وبعد الانتظار لبعض الوقت تكون عواصف الرياح الشمالية الشرقية في خليج البنغال قد هدأت وذلك مع نهاية ديسمبر، ثم تتزود بالمياه العذبة. وينقضي شهر يناير في الوصول إلى كله بار في شبه جزيرة الملايو، ومن كله بار تبحر بعض السفن إلى سومطرة وجاوة، على حين تبحر السفن الباقية بعد عدة أسابيع عبر مضيق ملاكه)[377]( مستعينة بالرياح الموسمية الشمالية الشرقية حيث تعرج على جزيرة تيمان)[378]( (Timan)، ثم تقصد مباشرة إلى الهند الصينية فتمر بموانئ في الصنف وفي مملكة تشامبا)[379]( (Champea). على السهل الساحلي الشرقي للهند الصينية، ثم بجزيرة تجاه الساحل تعرف باسم صنف فولاو. ومن هناك تسير السفن على طول ساحل خليج تنج ـ كنج إلى لوقين، ثم تتجه إلى نهاية المطاف في خانفو (كانتون). وكان بعض السفن يسير في عرض البحر مباشرة إلى خانفو، وكان وصول السفن إلى المنطقة الجنوبية من بحر الصين في فترة ملاءمة الرياح الموسمية الجنوبية للإبحار. ويكون ذلك في أبريل وإن كان هناك بعض السفن التي جاوزت خانتو واتجهت إلى الشيلا (كوريا).
وتقضي المراكب فترة الصيف في كانتون للتجارة. وعندما تبدأ الرياح الموسمية الشمالية الشرقية بين أكتوبر وديسمبر فإن السفن العائدة كانت تستعين بها في إبحارها عائدة حتى تصل إلى كله بار مع نهاية ديسمبر. وفي يناير تعبر خليج البنغال ثانية وتمضي مع الرياح الموسمية الشمالية الشرقية من كولم مالي في فبراير أو مارس إلى الخليج والساحل العربي.
أما الرحلة إلى الهند فكانت ممكنة طوال العام من الساحل العربي، ولذلك كانت الرحلات العربية إلى الهند كثيرة حيث كان يمكن القيام برحلتين أو أكثر ذهاباً وإياباً من عمان والخليج خلال موسم واحد.
وكانت السفن العربية تقوم برحلات عند هدوء الرياح الموسمية الجنوبية الغربية حيث تصل إلى سواحل الهند خلال أسبوعين تقريباً. وكانت رحلة الذهاب والإياب مع التوقف للتبادل التجاري تستغرق ثلاثة أشهر. وكان على المراكب العربية أن تغادر ساحل كجرات وكونكان في نهاية زيارتها قبل أواخر يونيه، وهو الوقت الذي تبلغ فيه الرياح الموسمية الجنوبية ـ الغربية أقصى حدتها. وفي الأحوال العادية يمكن أن يتسع الوقت أمامها لتغادر قبل ذلك بوقت طويل، أي في مارس وأبريل.
هذا عن السفن الكبيرة، أما السفن الصغيرة فكانت تتخذ أحياناً طريقاً ساحلياً من الخليج، حيث تتوقف في قيس أو هرمز القديمة أو صحار أو تيز في مكران أو في أحد موانئ السند، ومنها مساحلة إلى مدن الملبار ومن الملبار كانت هذه السفن تبحر إما عن المضيق من سرنديب وجنوب الهند إلى خليج البنغال وإما تسير إلى سرنديب.
وتبدأ الرياح الموسمية الجنوبية الغربية مبكرة في المنطقة الجنوبية وتستمر لفترة من الوقت، ولذا فساحل الملبار يعتبر من المناطق الخطرة منذ مايو حتى نهاية سبتمبر، وهذا يعني أن موسم الرحلات البحرية في الملبار نفسها لا يتعدى سبعة أشهر أو ثمانية على حين أنه يمتد إلى عشرة أشهر على ساحل كجرات. وفي هذا)[380]( خطر على السفن الملبارية أكثر منه على السفن العربية إذ لابد من عودة السفن الهندية إلى مواطنها قبل شهر مايو في الوقت الذي تكون فيه السفن العربية قد خرجت من مياه الملبار.. وبالتالي فإن هذا يعطي ميزة للسفن القادمة من الموانئ العربية لأن موسم رحلاتها البحرية أطول. وهذا يؤيد الاعتقاد القائل إن العرب الذين لا توجد أخشاب لديهم استطاعوا أن يتغلبوا على الطرق التجارية في المحيط الهندي.
أما الطريق الملاحي إلى إفريقيا فكان أكثر قرباً للساحل العربي وأقل خطورة من الطرق الملاحية الأخرى المتجهة إلى الشرق، وقد طرق البحارة اليمنيون والعمانيون هذا الطريق أكثر من غيرهم. وكانوا يسافرون بمراكبهم من سيراف وعمان إلى زنجبار وبربرة، وسواكن، وزيلع، وعيذاب، وجميع موانئ الساحل الشرقي لإفريقيا. كما تابعوا سيرهم جنوباً حتى جزيرة القمر (مدغشقر) وقد داروا حولها.
وكانت الصلة بين الشاطئين قوية ومتصلة حتى أن العرب استوطنوا الساحل الإفريقي، بل تولوا الحكم في بعض مدن الساحل.. ويحدثنا المسعودي عن البحر الحبشي والخليج البربري فيقول: وأهل المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج. وفي هذه البحيرة مسلمون من الأكابر من الزنج والعمانيين الذين ذكرنا من أرباب المراكب.. وموجه عظيم كالجبال الشواهق فإنه موج أعمى يريدون بذلك أنه مرتفع كارتفاع الجبال ومنخفض كأخفض ما يكون من الأودية.. وعندما يدخل البحارة العرب هذا البحر يترجزون ويقولون:
بربره وحفوني)[381](
وموجك المجنون
حفوني وبربره
وموجها كما ترى)[382](
ومع عظم أهوال ذلك البحر كما يرويها المسعودي فقد كثرت الرحلات العربية إلى الساحل الشرقي قبل ظهور الإسلام، وإن ازداد عدد الرحلات وإنشاء المدن الإسلامية بعد ظهور الإسلام.
وكانت السفن ترسو عند أول مرسى يقابلها على الشاطئ الإفريقي، وهو حفون. وعندما تبحر جنوباً من حفون بمحاذاة الساحل فإنها كانت تمر على موانئ كثيرة هي مقديشيو وبراو وباتا وملندي ومنبسة وزنجبار وكلوة التي كانت من أهم المدن العربية على الساحل الإفريقي.
وعلى الرغم من أن الرحلة المباشرة من الساحل العربي إلى السواحل الإفريقية كانت تستغرق ثلاثة أسابيع أو أربعة إلا أن الوقفات على الطريق التي لا بد منها للسفن التجارية العادية كانت تؤخر الوصول إلى الوجهة المقصودة. وكانت السفن تصل عادة في منتصف شهرفبراير تقريباً، ولكن كان هناك متسع من الوقت يبلغ حوالى الشهرين قبل أن تهب الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، وكانت السفن تمضي الشهرين في البيع والشراء.
وتغادر السفن الموانئ الإفريقية في منتصف أبريل مع أول بوادر الرياح الجنوبية الغربية، وتبحر عائدة بمحاذاة الساحل الإفريقي لمواصلة تجارتها مع الموانئ أحياناً ودون أن تتوقف في بعض الأحيان. وخلاف الرحلة كان اتجاه الرياح يتغير فتكون مرة جنوبية غربية ومرة شمالية شرقية، والرياح الأخيرة هي التي كانت تضطر السفن إلى الإبحار في مواجهة الريح الأمر الذي برعت فيه السفن العربية الشراعية بسبب أشرعتها مثلثة الشكل. فإذا تيسرت للسفن رحلة مباشرة سريعة فإنها تصل إلى أقصى الساحل العربي بعمان في ثلاثة أسابيع أو أربعة قبل منتصف مايو، وقبل أن تبدأ الرياح الموسمية الجنوبية الغربية بالفعل. وكان معدل ما تستغرقه الرحلة ذهاباً وإياباً ومكوثاً ما بين ستة أشهر إلى ثمانية)[383](.
وكان البحر الأحمر بحراً خاصاً بالسفن الإسلامية خصوصاً المصرية، حيث لم يكن مسموحاً في الغالب الأعم للسفن بالإبحار فيه. إذ كان جل الملاحة فيه من شأن السفن المصرية التي سيطرت على التجارة به. ويبدو قول السيرافي متناقضاً حين يذكر «… ومراكب أهل سيراف إذا وصلت هذا البحر المتيامن عن بحر الهند فصارت إلى جدة وأقامت بها ونقل ما فيها من الأمتعة التي تحمل إلى مصر في مراكب القلزم إذا كان لا يتهيأ لمراكب السيرافيين سلوك ذلك البحر لصعوبته وكثرة جباله النابتة فيه وأنه لا ملوك في شيء من سواحله ولا عمارة، وأن المركب إذا سلكه احتاج في كل ليلة أن يطلب موضعاً يستكن فيه خوفاً من جباله فيسير بالنهار ويقيم بالليل وهو بحر مظلم)[384](. فإذا كانت السفن تصل إلى جدة، أي إلى أكثر من منتصف المسافة في البحر الأحمر. فكيف يذكر السيرافي أن المراكب لا تبحر في هذا البحر. والسبب كما سبق ذكره هو احتكار مصر للتجارة فيه)[385](.
وبجانب هذه الطرق الملاحية بين الساحل الغربي ومناطق المحيط الهندي وجدت طرق ملاحية أخرى بين جزر جنوب شرق آسيا والصين والهند، حيث كانت هناك حركة تجارية نشطة.
إذاً كانت للسفن المبحرة مواعيد منتظمة وطرقاً معلومة ارتبطت بها واعتادت عليها، وأن هذه المعرفة لهي حصيلة سنوات طويلة من الإبحار والخبرة التي تراكمت عبر السنين حتى انتهت إلى أنسب مواعيد الإبحار وأفضل طرق الملاحة. وقد توارث الملاحون هذه الخبرة التي دونت في كتب أطلق عليها اسم راهنامج)[386](. كما كان هناك الدفتر أيضاً وهو الصحيفة متضمنة الإرشادات الملاحية.
ومع هذه الخبرات المتوارثة ووجود الراهنامج والدفاتر لم يكن تولي قيادة السفينة والإبحار معها أمراً سهلاً. فبالإضافة إلى أنها كنز ثمين متنقل فإنها كانت تحمل المئات أو يزيد من الأرواح البشرية، وكل هذا مسؤول مسؤولية مباشرة من ربان السفينة أو معلمها على حسب قول ابن ماجد الذي قسم ربابنة السفن ثلاث درجات هي:
«أدناهم درجة هو ذلك الذي يسلّم السفينة أحياناً ويخطئ أحياناً؛… والذي يليه ذلك المعلم الذي درب على الذهاب إلى مكان معين فقط ولم يترك أثراً بعد موته. أما ثالث هؤلاء وأعلاهم درجة فهو الذي لم يخف عليه شيء من مشكلات البحر، ويضع عِلْماً ينتفع به الناس في حياته وبعد مماته، ويشكره الصديق والعارف والمخالف، ويسرق حساده من تصانيفه»)[387](.
ويشترط ابن ماجد فيمن يركب البحر من المعالمة أن يعرف «المنازل والأخنان، والدبر والمسافات، والباشيات، والقياس، والإشارات، وحلول الشمس والقمر، والأرياح ومواسمها، ومواسم البحر، وآلات السفينة وما تحتاج إليه، وما يضرها وما ينفعها، وما يضطر إليه في ركوبها. وينبغي تعرف المطالع والاستوايات وجلسة القياس ومطالع النجوم ومغاربها وطولها وعرضها وبعدها وممرها إن كان معلماً ماهراً. وينبغي أن تعرف جميع البرور وندخاتها وإشاراتها كالطين والحشيش والحبات والحيتان والأرياح، وتغير الأمواه؛ ومد البحر وجزره في كل طريق»)[388](.
ولا يكتفي ابن ماجد بهذا القدر مما يجب على الربان الماهر معرفته بل يضم وصايا لا بد من التزام الربان بها حتى يسلم هو ومن معه من أخطار البحر وأهمها: أنه يجب على المعلم أن يتأمل السفينة قبل إبحارها ورؤية خللها وكتابته، ومعالجة ذلك الخلل قبل الإبحار. ويبدو أن ابن ماجد كان عالماً بالنفس البشرية فيضيف إن على المعلم أن يكون محتاطاً فلا يدفعه الطمع إلى شحن السفينة أكثر من اللازم حتى لا تتعرض للغرق. وعند اعتلاء الربان ظهر السفينة عليه أن ينصب عوداً عليه قطعة من القماش للتعرف على اتجاه الريح من أي جهة. ويلاحظ أن ابن ماجد لا يترك الأمر لخبرة الربان باتجاه الريح فلكي يكون في جانب الأمان لا بد من الاستعانة بقطعة القماش هذه الذي تؤكد له اتجاه الريح)[389](.
وقد أدرك ابن ماجد أهمية البوصلة التي يسميها الحقة، فيوصي الربان بأنه يجب تفقد الحقة والتأكد من ثباتها في مكانها، لأن بعض المراكب يكون في نجارته خلل في موضع الحقة. «فإذا لم يعالج هذا الخلل أدى إلى ترك السفينة لمجراها لأن الحقة لن تتجه الوجهة السليمة»)[390](.
ويوصي المعلم بأن يتأمل الجاه (النجم القطبي الشمالي) بالليل وأن يجعله يتوافق مع اتجاه الحقة بالنهار حتى لا يكون مجرى السفينة بالنهار مختلفاً عن مجراها بالليل فيطول الطريق ويطلب عمل ذلك في بدء السفر)[391](.
ولأهمية السكان (الدقة) يطلب كل من ابن ماجد والمهري من المعلم أن يتأمله كل حين وساعة، ولا يدع خللاً في السفينة إلى وقت آخر إلا عند الضرورة القصوى)[392](.
وقد فطن ابن ماجد إلى أهمية معرفة حالة الركاب والبحارة النفسية والبدنية للاستعانة بها وقت الحاجة. وكيفية الاستفادة منهم فيطلب إلى المعلم أن يتفقد جميع الركاب والعسكر، «وتأمل نهوضهم لتكون عارفاً بهم عند الشدة»)[393](.
ولم يكتف ابن ماجد بهذا بل رسم للمعلم نهجاً ينهجه في سلوكه مع رفاق الرحلة فعليه أن يسمع جميع أقوالهم، ويأخذ ما يراه صالحاً ويدع الرديء منها بالإضافة إلى أن يكون حازماً قوياً في قوله لين الطبيعة شجاعاً ذا بأس قليل الغفلة كثير الصبر والاحتمال، تقياً نقياً عادلاً لا يظلم أحداً لأحد، وأن ينهى جميع الركاب عن كثرة المزاح في البحر حيث لا يأتي منه إلا الشر والبغض والعداوة، ولا تركب سفينة إلا وأنت بها مطاع. ويوصيه بأن لا ينفرد برأيه، فعليه أن يستشير. وفي الوقت نفسه يحذره من استشارة عدوه في السفينة، وبالإضافة إلى ذلك كله أن يكون نومه قليلاً مما يدفع عن السنة)[394](.
ولم تقتصر وصايا ابن ماجد على النواحي السلوكية. فقد اهتم أيضاً بالجانب الديني والأخلاقي، فينصح راكب البحر وخصوصاً الربان قائلاً: «وينبغي إذا ركبت البحر أن تلزم الطهارة فإنك في السفينة ضيف من اضياف الباري عز وجل فلا تغفل عن ذكره فإنه شديد العقاب: إنه لغفور رحيم لأنه يمهل ولا يهمل فلا يغرنكم بالله الغرور». ويذكر عدة آيات من القرآن الكريم وبعض الأدعية تقرأ في حالة الكرب)[395](.
وتبلغ ثقة ابن ماجد مداها عندما يخاطب المعلم قائلاً: «فإن فعلت جميع ما أمرتك به وأخطأت فأنا الملوم حياً وميتاً، وأما القضاء والقدر فهو غالب لأنه من الله تعالى»)[396](.
ومن المؤكد أن هذه وصايا وإرشادات تبتغي الوصول إلى الشكل المثالي والكمال. ولكن من الواضح أن البحارة لم يكونوا جميعاً يلتزمون بها بدليل أن ابن ماجد نفسه قسم ربابنة السفن إلى درجات ثلاث. ومن يتابع كتب عجائب الهند وابن بطوطة والمسعودي وغيرها يجد أن حوادث غرق السفن منتشرة بها مما يعطي دليلاً على أن بعض الربابنة لم يكونوا يلتزمون بتلك التعليمات. ولا يمنع ذلك من أن بعض تلك الحوادث حدث نتيجة غلبة الرياح والأمواج، أو عدم اكتشاف مواضع بعض النجوم لشدة تلبد السماء بالغيوم، أو لخلل طارئ بالسفينة وهو ما سماه ابن ماجد بالقضاء والقدر.
وكانت هناك أدوات مهمة لا بد للمعلم من أن يأخذها معه وهي: خريطة للطريق (راه نامك)، أوراهنامج، والحقة، والآلات التي تحدد ارتفاع النجوم، والأشياء التي تمكّن من تحديد خطوط العرض الجغرافية، وأحجار تستخدم في الصيد)[397](، وآلة لقياس عمق المياه «بلد»)[398](، وفانوس لإعطاء الإشارات. أما ساعة الإبحار فيحددها المعلم حسب النظام البحري للمكان، وحسب الأحوال الجوية. وكان المعلم آخر من يصعد إلى السفينة. وقبل الخروج إلى عرض البحر تقرأ سورة الفاتحة بصوت مسموع، ثم يتلوها دعاء بأن يسمعها الخضر حاكم أسفار البحر وحامي المسافرين… وكانت اتجاهات التيارات البحرية تحدد بواسطة حفنة من الرماد ترمى على سطح الماء. وكان الربابنة يفضلون الإبحار ليلاً إذ كانت الطرق البحرية معروفة جيداً تجنباً لقسوة الحر في المنطقة الاستوائية)[399](.
وكان لمعالمة السفن أوربابنتها عرف غير مكتوب تمثل في الحرص البالغ على السفن فلا يعرضونها لعطب أو يغرقونها، بل إنهم اعتبروا أن سلامتهم من سلامة السفينة «فنعيش بسلامتها ونموت بعطبها»)[400](.
ولا يخلو كتاب من كتب الرحالة أو المؤرخين أو القصص البحري من أمثلة كثيرة تدل على أمانة الربابنة المطلقة)[401](. وأن الأمانة صفة اصيلة في سلوكهم. فنجد السندباد في بعض من رحلاته يفارق المركب اضطراراً حيث تتركه السفينة على إحدى الجزر وبعد مدة يكون التلاقي بين السندباد وربان المركب الذي يحتفظ ببضاعة السندباد كما هي، بل إنه في بعض الرحلات كان يرغب في بيعها وإعطاء قميتها لأهله في بغداد. هذا فضلاً عن حبهم وإعزازهم وتقديرهم لهذا العمل.
ولم يعتمد الربابنة على خبرتهم فقط في الملاحة، ذلك أن المحيط ممتد امتداداً لا نهائياً لا تدركه الأبصار حتى ليختلط الشرق بالغرب، فلا تستطاع معرفة أيهما إلا بشروق الشمس أو غروبها. فكان لا بد للربابنة من اصطحاب بعض الأدوات المساعدة على إدراك الموضع والاتجاه وتحديد أفضل موعد للرحيل. وقد أبصر فاسكو دا جاما سفناً عربياً إلى الشمال من موزمبيق تحمل البوصلة وخارطات بحرية. وهو يذكر حرفياً بقوله: «ويحمل الربابنة بوصلات لتوجيه السفن وآلات الرصد وخارطات بحرية»)[402](.
ومن أهم ما اصطحبه الربابنة في سفنهم هو الرهماني)[403](، حيث يسجل فيه خطوط عرض كل ميناء ورأس بالإضافة إلى الجداول الفلكية ومعلومات عن الرياح والسواحل والشعاب وكل شيء يحتاج الربان إلى معرفته)[404](.
ومن أشهر الرهمانات إن لم يكن أشهرها على الإطلاق حتى الآن كتاب «الفوائد في أصول البحر والقواعد» لابن ماجد، حيث لم يترك شاردة أو واردة في علم الملاحة المعروف حينذاك إلا ذكرها. وكذلك كتاب العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية لسليمان المهري.
وهناك رهمانات أخرى ذكرها ابن ماجد وهي من تصنيف محمد بن شاذان، وسهل بن آبان، وليث بن كهلان وقد ألفت في عام 580هـ/1184م. ويعتبرهم ابن ماجد مؤلفين لا وصفيين، حيث لم يتجولوا في المحيط ويعرفوا أسراره، فإن خبرتهم بالمحيط محدودة، فلم يكتبوا مؤلفاتهم عن رؤية. بل نقلوها من أفواه الربابنة المشهورين في عصرهم)[405](.
كما استخدم الربابنة آلات لقياس ارتفاع الشمس والنجوم والكواكب فوق الأفق على البر والبحر وكذلك لتحديد الاتجاهات.
والاسطرلاب)[406]( أحد هذه الآلات، وهي كلمة يونانية معناها مرآة النجم لأن أسطر معناها باليونانية النجم، (لابون) معناها المرآة، وقد أطلقت هذه الكلمة (أسطرلاب) على عدة آلات. تنحصر في ثلاثة أنواع رئيسة بحسب ما إذا كانت تمثل مسقط الكرة السماوية على سطح مستو أو مسقط هذا المسقط على خط مستقيم، أو الكرة ذاتها بلا أي مسقط.
وقد تعددت وجوه استعمال الاسطرلاب فكان يستخدم لاستخراج البرج الذي تكون الشمس فيه، وعدد الدرجات التي قطعتها منه ومغيب الشفق وطلوع الفجر، وفي معرفة أوقات النهار وأوقات الليل، وما مر من ساعات زمانية منها، ومعرفة ما هو مجهول من كواكب السماء الموضوعة في شبكة الأسطرلاب من قبل معلوم منها، ومعرفة أي درجة تتوسط السماء مع أي كوكب شئت، ومع أي درجة يطلع ويغرب، ومعرفة القبلة بالليل والنهار والطول والعرض، وأخذ عرض كل بلد وطوله، والظل من قبل ارتفاع الشمس، وارتفاع الشمس من قبل الظل، ومعرفة ظل نصف النهار الذي هو ظل الزوال، ومعرفة ظل وقت الظهر ووقت العصر في أي يوم من أيام السنة، وارتفاع ما بين مكانين، ومقدار ما يزيد الأعلى عن الأخفض. وبالإضافة إلى ذلك كله معرفة موضع القمر من البروج ومواضع الكواكب السيارة فيها، ومعرفة المشارق والمغارب وما إلى ذلك من المسائل)[407](.
ومن الآلات المستخدمة أيضاً، وخصوصاً في المحيط الهندي، آلة الكمال. وهي عبارة عن خشبة على شكل متوازي المستطيلات يتصل بوسطها خيط مدرج بعقد، تختلف المسافة بين كل عقدة وأخرى حسب ظل تمام زاوية الارتفاع)[408](.
ولاستعمال هذه الآلة يثبت الراصد الضلع الأسفل لمتوازي المستطيلات على الأفق، بحيث يماس الضلع الأسفل لمتوازي المستطيلات على الأفق بحيث يماس الضلع النجم المرصود. وهو في هذه الحالة يقرب الخشبة أو يبعدها حتى يحصل على هذا الوضع. ثم يقرأ مباشرة عدد العقد التي بين العين ومركز الخشبة. ويوضح هذا العدد ارتفاع النجم بالأصابع. وهذه القاعدة مبنية على حساب المثلثات، ومنها يمكن معرفة خط العرض برصد النجم القطبي. ويلاحظ أن تدريج هذه الآلة يتفق مع المراحل الملاحية في المحيط الهندي وبحر الصين بين درجات 20 جنوباً و33 شمالاً. والحكمة في استخدام العقد هي تمكين الملاح من معرفة العدد الدال عليها الذي يوضح مباشرة ارتفاع النجم بالأصابع بطريق اللمس دون الحاجة إلى قراءة التدريج أثناء الظلام)[409](.
كذلك كانت الحقة أو الديرة كما سماها ابن ماجد وهي البوصلة الآن من الأدوات التي ساعدت على تحديد اتجاه السفينة. وإن كانت الحاجة إليها لم تكن ماسة لصفاء الجو ونقائه في المحيط الهندي. فكان يمكن رؤية الشمس والقمر والنجوم وتحديد الاتجاه. ولقد مرت البوصلة بعدة مراحل أو تطورت قبل أن تصل إلى الشكل المعروف عنها الآن. ففي البداية وفي تاريخ غير محدد بالضبط، وإن كان غالباً قبل القرن الحادي عشر الميلادي، كان الربابنة يلجأون عند حلول الظلام وعدم رؤيتهم للنجوم (وهذا نادر الحدوث) إلى إحضار إناء مملوء بالماء وينزلون به إلى جوف السفينة بعيداً عن الرياح، ثم يأتون بإبرة يغرسونها في حلقة من خشب السنط، أو في عود بحيث تكون على شكل صليب، ثم يلقون به في الإناء فتطفو على سطح الماء في حركة دائرية من اليمين إلى اليسار، فتدور الإبرة على السطح في هذا الاتجاه، ثم يسحبون يدهم بسرعة فتكف الإبرة عن الحركة، ويستقر طرف منها نحو الجنوب والآخر نحو الشمال)[410](.
واستعاض الربابنة من الإبرة وحلقة السنط بما يشبه السمكة وهي من الحديد الرقيق المطروق، وتصنع بشكل مقور يضمن طفوها فوق الماء، ثم يلقون بها فوق الماء فيشير رأسها وذنبها إلى الجنوب والشمال)[411](.
ثم حدث التطور الأخير والذي يتضح عند ابن ماجد في كتابه «الفوايد»، وذلك بتجليس الإبرة الممغنطة على محور لتدور أفقياً فوق قرص، ويثبت الجميع في صندوق. أطلق ابن ماجد على هذه المجموعة اسم الحقة أو الديرة. ويتضح اهتمام ابن ماجد بالحقة وطريقة ثباتها من إلزامه الربان بأن يتأكد بأنها في مكان سليم من المركب ليس به خلل. وقد قسم ابن ماجد البوصلة إلى 32 قسماً أو خناً تمثل دائرة الأفق على مطالع النجوم)[412](.
وقد حدث اختلاف في الآراء حول أسبقية اكتشاف البوصلة. فبعضهم ينسب الأسبقية إلى الفرس وآخرون إلى الصينيين، وغيرهم إلى الأوروبيين وبعض إلى العرب إلا أن أحد الباحثين أثبت أسبقية العرب والفرس في اكتشاف الإبرة المغناطيسية قبل الصينيين، ومعرفة ملاحي المحيط الهندي كلهم لها قبل ملاحي البحر المتوسط وأوروبا)[413](.
لم يكن النشاط الملاحي في المحيط الهندي نشاطاً عادياً سهلاً باستطاعة أي ملاح أن يقوم به، بل إن الصعوبات الملاحية في ذلك الخضم الهائل التي كانت تصادف الربابنة، كانت صعوبات متنوعة ومتعددة وغير موقوتة. فمن رياح معاكسة مفاجئة إلى تيارات عنيفةإلى قرصان متربص إلى غير ذلك. فراكب المحيط الهندي مفقود إلى أن يصل إلى المرسى لشدة ما تلاقيه المراكب من أهوال. لذلك يقول ابن ماجد مخاطباً ربان السفينة: «اعتبر نفسك ضيفاً من ضيوف الرحمن والزم الطهارة»)[414](.
هذه الأهوال والمخاطر هي التي أتاحت للخيال الشعبي أن يقص وينتج أروع إبداعاته عن قصص البحار. فلم نجد محيطاً في العالم أو بحراً تردد صداه في الأساطير والحكايات الشعبية كالمحيط الهندي لهول ما صادفه بحارته، ولعظم الثروات المجلوبة عبره.
ولتلافي تلك المخاطر على قدر الإمكان كان لا بد من اتباع تعليمات وإرشادات معالمة البحر الأوائل. والتي سطرت في دفاتر حملها الربابنة معهم على ظهور السفن فضلاً عن آلات الرصد والقياس ومعرفة الاتجاهات وذلك كله ليهتدوا به أثناء سيرهم.
ولم يكن على البحارة والملاحين مواجهة أخطار المحيط الهندي الطبيعية كالرياح والأمواج والشعاب المرجانية فحسب، بل كان عليهم أيضاً مواجهة اخطار القراصنة الذين انتشروا في سواحله من الساحل الإفريقي إلى بحر الصين لنهب وسلب التجار والمسافرين.
وعلى الرغم من أن البحارة والمسافرين عانوا من القراصنة فوق مياه المحيط الهندي فإنهم لم يكونوا مصدر تهديد خطير بالقياس إلى قراصنة المتوسط، كما أن السفن التي عملت في المحيط كان بها مقاتلون إلى جانب الملاحين لحماية السفينة من خطر القرصان.
ويلاحظ أن القراصنة كانوا يتجولون بجوار الموانئ لا يخرجون بعيداً في خضم المياه. ويبدو أن ذلك أمر تحتمه خطط القرصنة. ففي خضم المحيط قد تشغلهم الرياح وأمواجه العتية عن مهمتهم. فضلاً عن اتساع المجال أمامهم مما يدع للسفن فرصاً كثيرة للهرب منهم. أما عند مدخل الموانئ فلا بد من مرور السفن أمامهم. وكانوا عادة يمكثون بجوار الشعاب المرجانية أو فوقها إذ كان غاطس المركب صغيراً، ذلك لأن منطقة الشعاب المرجانية عادة ما تكون هادئة ساكنة الأمواج لأن الأمواج تتكسر عليها وتخف حدتها.
ولم تكن القرصنة قاصرة على مهاجمة السفن فقط، بل إنه حدث إن ساقت الأمواج مركباً إلى بعض الأماكن أخذ من في المركب. فعلى حد قول بزرك: «يجمع البحريون على أن بحر بربرا)[415](، وهو سبعمائة فرسخ)[416]( وهو في الطريق إلى بلاد الزنج، من أعظم البحار خطراً. وللزنج في هذا البحر جزائر عظيمة من جانب واحد، والماء فيه على ما يقال يجري جرياناً شديداً والمركب يقطعه في سبعة أيام وفي ستة أيام، وإذا وقع المركب إلى بربرا أخذوا أهل المركب»)[417](.
وعلى مدخل هذا الخليج (خليج عدن) تقع جزيرة سقطرى وهي أقرب للرأس الجنوبي الشرقي لإفريقيا منها للساحل الآسيوي. وكانت ملجأ لكثير من القراصنة لتصريف أسلابهم، وغنائمهم التي غنموها من المراكب حيث يشتريها منهم الأهالي.
والطريف أنه إذا نهبت إحدى السفن الخاصة بسقطرى فإن أهليها الذين يشتغلون بالسحر والشعوذة يعملون سحراً لسفينة القرصان أو سفنه، بحيث لا يستطيع مواصلة تطوافه في البحار، حتى يعوضهم مما حل بهم من أضرار، وحتى لو رزق ريحاً مواتية ومساعدة له في طريقه فإنه لديهم القدرة على تغيير اتجاهها، وبذلك يجبرونه ـ على الرغم منه ـ على العودة إلى الجزيرة)[418](.
ولكن ما مدى فعالية هذا السحر؟ نرى أنه لم يكن له أي تأثير، وأن ما يحدث إنما هو نتيجة معتقدات متوارثة، ربما لعبت المصادفة دوراً أحياناً فترسخ في العقول مع مرور الزمان، ويزداد اللجوء إليها كلما واجه الإنسان عجزاً أمام أمور حقيقة فيلجأ إلى الغيبيات توسلاً بها. وهذه تنتشر بصفة خاصة في المجتمعات البدائية، وبصفة عامة في الطبقات الشعبية.
وانتشر القراصنة أيضاً في الخليج عند البحرين خاصة)[419](، حيث كانوا يهاجمون السفن المارة إلى البصرة أو القادمة منها. ويبدو أنه كان للقراصنة قوة بحرية كبيرة بحيث يذكر أحد الربابنة أنه أثناء إبحاره من كله إلى عمان هاجمته سبعون بارجة للقراصنة فحاربهم ثلاثة أيام إلى أن استطاع التخلص منهم)[420](.
كذلك انتشر القرصان في ساحل كجرات قبل حكم المغول. وكان هذا الساحل مثوى لأشد أنواع القراصنة مجازفة، وكانوا يعمدون إلى إرغام من يقع في أيديهم على احتساء جرعة من ماء البحر لكي تكشف، بما تفعله بأمعائه، عما إذا كان قد ابتلع بعض اللآلئ والجواهر عند إحساسه باقترابهم)[421](.
وفي بعض الأحيان كان يتم اتفاق بين أحد الأمراء والقراصنة لسلب السفن. ففي الفترة ما بين عامي 1453 و1469 م سيّر راجا فيشالجاد (Vishalgad) )[422]( قوة بحرية عظيمة، وبدأ يزعج المسلمين بغاراته المتكررة حتى غدر به ملك كجرات وقهره. ونظم محمود أعظم ملوك كجرات (1459 ـ 1511م) أسطولاً ضخماً أخضع به القراصنة الذين أقلقوا سواحله)[423](.
وانتشر القراصنة أيضاً عند ساحل السند. وكان يطلق عليهم الميد وسفنهم تسمى بيرة. وكانوا يقطعون الطريق على جميع المراكب المارة في منطقتهم)[424](. لذلك واجهت السفن العربية بعض المخاطر على أيدي هؤلاء القراصنة، مما أدى بهم إلى الاستعانة بجنود ذوي بأس يصطحبونهم في السفن للدفاع عنها ضد القراصنة)[425](.
ولم يخل ساحل الملبار من القراصنة أيضاً، فورد ذكرهم عند كل من ماركو بولو وابن بطوطة. فلنر ما سطره كل منهم رغم البعد الزمني بينهما والذي يزيد على نصف قرن من الزمان مما يدل على أن القرصنة استمرت متواصلة بهذا الساحل فترة طويلة. وهنا أيضاً، شأن الحال بجزيرة جوزيرات)[426]( التي لا تبعد كثيراً، يكثر القراصنة)[427](. الذين يطوفون كل عام في هذه البحار بأكثر من مائة مركب صغير، ويستولون على جميع السفن وينتهبونها. ويبدو أن القرصنة كانت حرفة مستديمة لقراصنة هذا الساحل لأنهم سكنوا البحر بأولادهم وأزواجهم أثناء موسم تطوافهم الصيفي كله. ولكي يحكموا الخناق على السفن بحيث لا تفلت سفينة واحدة منها فإنهم كانوا يلقون مراسي سفنهم مع جعل المسافة بين السفينة والأخرى خمسة أميال، وبهذا تشغل عشرون سفينة متسعاً مداه مائة ميل. فإذا ظهرت سفينة أمام واحدة منها أعطت إشارة بالنار أو الدخان فتقرب مراكبهم كلها بعضها من بعض، وتستولي على السفينة وهي تحاول المرور. ولا ينزل بأشخاص الملاحين أي أذى. ولكنهم ما أن يستولوا على السفن حتى ينقلوهم إلى الشاطئ ناصحين إياهم بالتزود لإثراء آسريهم مرة ثانية)[428](.
ولم تكن القرصنة قاصرة على بعض أهل الساحل، ولكن عمل بها بعض السلاطين. فيذكر ابن بطوطة «أن سلطان فاكنور)[429](، وهو كافر، كان من المفسدين يقطع البحر ويسلب التجار وله نحو ثلاثين مركباً حربياً. وقائد هذه المراكب مسلم يسمى «لولا»، وكان يخرج إلى البحر بمراكبه تلك لكي يسلب التجار بضائعهم والمسافرين أموالهم)[430](. ويذكر ابن بطوطة في موضع آخر أنه «لما وصلنا إلى الجزيرة الصغرى بين هنور وفاكنور خرج علينا الكفار في اثني عشر مركباً حربياً، وقاتلونا قتالاً شديداً وتغلبوا علينا، فأخذوا جميع ما عندي مما كنت أدخره للشدائد، وأخذوا الجواهر واليواقيت.. وأخذوا ثيابي والزودات التي كانت عندي… ولم يتركوا لي ساتراً خلا السراويل)[431](.
كذلك انتشرت القرصنة بسرنديب كما يسميها بزرك أو سيلان كما يسميها ابن بطوطة. أما بزرك فيذكر أن من البحار الخبيثة الصعبة الشديدة التي تقل فيها السلامة بحر غباب سرنديب وهو ثلاثمائة فرسخ وفيه من التماسيح)[432]( أمر عظيم. وفي ساحل هذا البحر النمور والبوارج)[433]( الذين يقطعون في هذا البحر إذا ظفروا بمركب أكلوا أهله وهم شر قوم، وليس في سائر الأماكن من يقطع البحار مثلهم. فالمركب الذي يقطع هذا البحر متى أخذه البوارج أكلوا أهله وإن غرق لم يمض عليه ساعة حتى يأكل أهله التماسيح وإن انكسر بقرب البر وصعد أهله إلى الساحل قطعهم النمور)[434]( في ساعة واحدة)[435](.
ويؤكد ابن بطوطة على ذلك فيذكر أن بسيلان مرسى لعتاة المفسدين في البحر لرسو مراكبهم)[436](. وهنا اختلاف عما سبق. فبينما كنا نرى القراصنة في عرض البحار نراهم هنا ولهم مرسى خاص بهم بل يعرفه البحارة.
ومن وثائق الجينزا نستدل على أن القرصنة بسرنديب ليست كما ذكرها بزرك. ولأن الوثيقة غير مؤرخة فربما تكون في عصر لاحق عليه. فكان القراصنة لا يكتفون بالاستيلاء على البضائع، بل كانوا يأسرون الركاب ويطالبون بفدية لهم)[437]( حتى يفكوا أسارهم، وكما تذكر الوثيقة فإنه على الرغم من دفع الفدية المطلوبة يرجعون فيطالبون بفدية إضافية)[438](. وتختلف طريقة القرصنة في بحر كردع)[439]( عما سبق. فلا يهاجم القراصنة السفينة بل يرشقونها بالسهام المسمومة أولاً، ثم يستولون عليها بعد ذلك)[440](.
ولم تخل سواحل الصين أيضاً من القراصنة حيث كثروا وهددوا سلامة التجارة. وقد استطاع أحد المسلمين في فوكين وهو أبو الشوقيين وأخوه من أن يحدا من خطرهم، فرقي إلى منصب مراقب سواحل فوكين ثم إلى منصب أمين الأمور البحرية)[441](.
ومن أشهر السفن التي استخدمها القراصنة البوارج وكانت تستعمل بسواحل الهند وسيلان، وكذلك الشاتوري وتبحر بشراع أو بمجاذيف وهي سريعة تزيد سرعتها على السفن الكبيرة)[442](. كما عدل قراصنة بحر العرب سفن الدو فجعلوها ذات شراعين، وقاموا بتسليحها)[443](.
على أنه بالنظر إلى ما سبق سرده عن انتشار القرصان على سواحل المحيط والخلجان فإنه كان أمراً كفيلاً بالقضاء التام على تجارة المحيط. ولكننا عندما نجد أن التبادل التجاري كان في قمة نشاطه كما كانت التجارة أزهى وأثرى في ذلك العصر تأخذنا الدهشة لكيفية حدوث هذا الرواج الاقتصادي مع انتشار القرصان.
وعلى ما يبدو فإن انتشار القرصان بسواحل البلاد المختلفة بولغ فيه. ومن الواضح أن القراصنة لم يكونوا أقوياء بدرجة كافية، ففيما سبق نلاحظ أن سبعين سفينة للقراصنة هاجمت سفينة واحدة ولم تستطع الاستيلاء عليها. كذلك لم تكن عملية القرصنة عملية مستمرة أو ممتدة. ويبدو أن وجودها كان رهناً بضعف السلطة الحاكمة. فعندما ترتخي قبضة الحاكم يعبث القرصان، وعندما تشتد يمتنع لأن من مصلحة أصحاب البلاد القضاء عليه)[444](، لما يعود عليهم من فوائد جمة من عمليات التبادل التجاري، والضرائب والمكوس التي تحصل على تلك السلع. وبالإضافة إلى ذلك كانت السفن التجارية في ذلك الوقت مسلحة تسليحاً جيداً وكان يرافقها جنود للحراسة.
لذلك لم تترك القرصنة أثراً ملموساً على حجم التجارة، ولم تدفع التجار إلى الإحجام عن ممارسة هذا النشاط، فاستمرت تجارة المحيط مزدهرة، لم تؤثر فيها عمليات القرصنة. ومن يشاهد القاهرة والإسكندرية، حيث كانت تصب تجارة المحيط الهندي، يدرك أن عمليات القرصنة لم تؤثر أدنى تأثير في النشاط التجاري.
وقد فرضت تلك الطرق الملاحية، من حيث اختلاف المسافات بين الموانئ المختلفة ومواعيد الرياح والتيارات البحرية، أموراً عدة فتحكم كل هذا وغيره في حجم السفن. فيلاحظ أن السفن التي كانت تقطع المحيط من أدناه إلى أقصاه كانت أكبر حجماً كثيراً من تلك التي كانت تسير مسافات قصيرة، كما فرضت حركة المياه وطبيعة سواحل المحيط وجزره أسلوباً موحداً في صناعة السفينة وهو استعمال الخيوط بدلاً من المسامير. كذلك كان لوجود القرصنة، على الرغم من عدم انتشارها بصورة حادة، أثر في تشكيل طاقم السفينة حيث كان يوجد ضمنه بعض الجند.
الدكتور شوقي عبد الغني عثمان
الربابنة العرب وابن ماجد
لعلنا بغير حاجة إلى التدليل لتوضيح صلات العرب بسواحل إفريقيا الشرقية، التي ترجع إلى عصور قديمة، ومن المؤكد أن تلك السواحل كانت في تلك العصور، ميدان التجارة والمغامرة عند سكان جزيرة العرب.
ولعل ما جاء في «الكنّاش» البحري المسمى (بريبلوس البحر الأرتيري)[445]()، يكشف بجلاء صدق ما نقول، ويؤكد أن تلك البحار إنما يقود السفن فيها ربابنة عرب فهو يقول: (يتولى الأمر في ساحل (أوسان) ـ وهو ساحل إفريقيا الشرقية جنوب الصومال الحالية ـ أهل «موزع»)[446]( وهم يرسلون إلينا سفناً كثيرة فيها ربابنة ووكلاء من العرب لهم معرفة بأهل البلاد ويتزوجون منهم، وهم على معرفة جيدة بالساحل كله ويفهمون لسانهم).
وبعد تسعة قرون يجيء الهمداني فيقرر في كتابه «صفة جزير العرب»)[447]( أن أهل «مَوْزع» وغيرها من القرى المجاورة يحملون التجارة إلى بلاد الحبش ولهم في السنة سفرة فينضم إليهم كثير من الناس.
وقبل قدوم البرتغاليين كان العرب وخاصة سكان جنوب غرب الجزيرة العربية، هم الذين يسيطرون على الطريق التجاري إلى الهند، وكانت السفن العربية تسلك طريقين رئيسيين:
الأول: من الشرق الأقصى والهند، وتعبر السفن خليج فارس إلى رأسه.
الثاني: ينطلق مع الأول حتى البحر الأحمر، فالقاهرة والبندقية.
ويتفرع عن هذين الطريقين طريق ثانوية أخرى من أهمها تجارة العرب مع شرق إفريقيا. وكان العرب يسيطرون على كل الموانئ الهامة على طول هذه الطرق)[448](.
أما عن الملاحين فقد برز منهم في فن الملاحة من أهل سَيْراف والبحرين وعُمان ملاحون قبل ابن ماجد أمثال أبي الحسن بن عمر السيرافي، وأبي الزهر البرختي الناخذة، والحسن بن عمر، وإسماعيل بن إبراهيم بن حرواس الناخذاه ويعرف بأسماعيلوية، وبمهرة الربان الكرماني، ومحمد بن بابشاه، وعمر بن الأحرج الربان الشهير.
ومنهم أناس ألفوا في علم الملاحة وفنون البحر كأبي معشر المنجم، وقد ألف كتاباً سماه «المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم البحر»، وقد نقل عنه المسعودي، وألف في هذا العلم أحمد بن تبرويه، والمعلم خواشير بن يوسف بن صلاح الأركي من رجال القرن الرابع الهجري. والربابنة المشهورون الثلاثة، وقد كان ابن ماجد يدعو نفسه برابعهم وهو يقول في ذلك: (وقد عظمنا علمهم وتأليفهم، وجللنا قدرهم، رحمة الله عليهم بقولنا: أنا رابع الثلاثة، وربما في العلم الذي اخترعناه في البحر ورقة واحدة تقيم في البلاغة والصحة والفائدة، والهداية والدلالة، أكثر ما صنفوه.. وقد وقرتهم بقولي إني رابعهم لتقدمهم في الهجرة..) )[449](.
أما هؤلاء فهم: محمد بن شاذان وسهيل بن أبان، وليث بن كهلان وقد ألف هؤلاء الثلاثة الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، «رهماني» اطلع ابن ماجد على نسخة من هذا الرهماني، كتبها إسماعيل بن حسن بن سهيل بن أبان. وانتقده وقال: إنه غير مصقول الصورة، ولم يزيدوا فيه على جمع المعلومات معتمدين على خبرة لا تتجاوز الخليج الفارسي وقد أخذوا عن خواشير الذي كان يسافر حوالى 400 هجرية، وكان أكثر علمهم في صفات البر ومسايرات المرور أكثر من تحت الريح وبر الصين، وقد اندرست تلك البنادر والمدن، وتنكر أسماؤها ولم يُستفد في زماننا هذا شيء له صحته كعلمنا وتجاربنا واختراعاتنا التي في كتابنا هذا.
ويستدل مما ذكره ابن ماجد أنه في زمن أولئك الثلاثة عاش ربابنة مشهورن، منهم عبد العزيز بن أحمد المغربي، وموسى القدراني، وميمون بن خليل، وأحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن الفضل بن أبي المغيرة، وهو من الربابنة المشهورين.
ويأتي في المرتبة الثانية بعد ابن ماجد، سليمان بن أحمد بن سليمان المهري المحمدي توفي سنة 962هـ)[450](. أن لم يكن قد توفي سنة 961هـ)[451](، وهو من مشاهير الملاحين العرب.
ينسب إلى قبيلة عربية هي مهرة بن حيدان بن الحاف بن قضاعة، وتنسب إليها الإبل المهرية، ومهرة كما يقول ياقوت الحموي، مخلاف في اليمن بينه وبين عُمان نحو شهر واحد، وطوله أربع وستون درجة، وعرضه سبع عشر درجة وثلاثون دقيقة في الإقليم الأول.
وضع سليمان المهري مؤلفات عرض فيها لأحوال النجوم والرياح، وأنواء البحر، ووصف الطرق الملاحية بين بلاد العرب والهند وجاوة والصين.
وقد نشر المستشرق الفرنسي جبريال فران خمس رسائل لسليمان المهري ضمن رسائل ابن ماجد التي نشرها، وهي القسم الأخير مما نشر وهي:
1 ـ رسالة قلادة الشموس واستخراج قواعد الأسوس.
2 ـ كتاب تحفة الفحول في تمهيد الأصول. وهو يحتوي على سبعة أقسام، وصف الكرات والنجوم، ومعرفة الدائرة عملياً، وفي الزّام، وفي الطرق البحرية ومراقبة النجوم لتعيين عرض الأمكنة، وفي المسافات بين بعضها، وفي الرياح.
3 ـ العمدة المهرية، في ضبط العلوم البحرية.
4 ـ المنهاج الفاخر، في علم البحر الزاخر.
5 ـ كتاب شرح تحفة الفحول في تمهيد الأصول.
وهذه المؤلفات إلى جانب ما وصفه ابن ماجد تشرح بالتفصيل حالة الملاحة والمواصلات البحرية في البحار الشرقية بين سواحل إفريقيا الشرقية وثغر زينون في الصين، إلى فوكين، وتتناول البحر الأحمر، والخليج، وجمع الجزر في المحيط الهندي، وبحر الصين الغربية، والأرخبيل الآسيوي الكبير.. وهي إلى جانب ما تضيفه إلى علم الملاحة من إرشادات وتعريفات، تجعل للملاحة العربية فناً فريداً ينفذ إلى كل عقل فيبهره وينتزع إعجابه.
وقد كانت الملاحة العربية في تلك الأوقات نشطة متحركةن فازدهرت التجارة في البحار الشرقية حتى غدت مناطق خصبة بها، وقد ساعد على ذلك أن الملاحة جنوب خط الاستواء ليست أمراً صعباً إلى جانب تفوق العرب ونفاذ رأيهم في فنون الملاحة، على أن هذا العصر الذي يعد عصراً ذهبياً للملاحة العربية وللملاحين العرب، لم يدم بعد سنة 904 هجرية وهي سنة قدوم البرتغاليين إلى سواحل إفريقيا الشرقية ومياه المحيط الهندي. وهنا تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة:
الصراع البحري بين العرب والبرتغال
في سواحل إفريقيا الشرقية
ولم يكن البرتغاليون على وفاق مع إسبانيا، وقد أخرجوا العرب من بلادهم في غرب الأندلس من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، وكانت إسبانيا قد أحاطت البرتغاليين من سائر جهات مملكتهم، فحصرت نطاق توسعهم، فليس أمامهم إلا البحث عن مستعمرات على شواطئ إفريقيا الغربية. لذل حولوا أسطولهم التجاري الذي يتاجر مع سواحل أوروبا الغربية إلى شواطئ إفريقيا على المحيط الأطلنطي.
ولم تكن مملكة الكاهن (يوحنا) )[452]( هدف الحملة البرتغالية المتعصبة، بقدر ما تهدف إلى مطامع استعمارية توسعية في تلك الأجزاء. لذلك اهتم الأمير هنري)[453](، الذي دعا نفسه فيما بعد باسم هنري الملاح، بخطط هذا التوسع، فعهد إلى برتلمي دياز Dias، الملاح البرتغالي الشهير، إلى القيام على رأس حملة إلى الطرف الجنوبي لقارة إفريقيا، فبلغ هذا إلى رأس الرجاء الصالح أقصى نقطة جنوبية في إفريقيا وذلك سنة 891 هجرية، ونظراً لما قاساه دياز من الزوابع عند طرف القارة، أطلق عليه «رأس الزوابع» ولكن ملك البرتغال عرف حقيقة هذا الطرف الهام في إفريقيا والذي يعني الوصول إلى الهند، فدعاه «رأس الرجاء الصالح»)[454](.
ومن بعد ذلك توقفت جهود البرتغاليين عشر سنوات، استطاع كريستوف كولمبس أن يبحر من ثغر (بالوس) في ثلاث سفن في أول أغسطس سنة 1492م، وبدلاً من أن يتوجه إلى شرق آسية اتجه إلى الغرب واكتشف أميركا لحساب إسبانيا، ولكن كولمبس توفى سنة 1506م (912هـ) ولم يعلم أن ما اكتشفه هي الدنيا الجديدة أميركا، بل كان يعتقد أنه وصل إلى شرق آسية، لذلك لم يطلق اسمه على القارة الجديدة بل نال هذا الشرف ملاح آخر، جاء بعده وكتب رسالة بين فيها أن ما اكتشفه الأسبان لا علاقة له بهدفهم، واسم هذا الملاح «أمريكو فسيوتشي» فسميت أميركا. كما نال البرتغال فضل الاجتياز البحري من رأس الرجاء الصالح إلى الهند، وكان العرب أحق بذلك. وفي تلك الأثناء سقطت غرناطة في الأندلس من أيدي العرب، فضاع لهم مجد في تلك البقاع، عريق عظيم.
وبعد استعداد دام سبع سنوات أبحر فاسكودي كاما (Vasco du gama) في أواخر عام 1497م (903هـ) في ثلاث سفن، وطاف حول رأس الرجاء الصالح، ثم وصل (مُوزمبيق) ووقف عندها وأكرمه شيخها أول الأمر ثم شك في أمره فأبدى له الجفاء، فأسرع إلى مراكبه هارباً إلى الشمال، ووصلت الأخبار قبله إلى (كلوه) و(مَمْبَسة) فلقي فيها جفاء، يوم عرف أنه برتغالي. غير أن الخلافات بين الأمراء العرب اتخذت اتجاهاً خطراً، فرحبت (مالندي) بفاسكودي كاما نكاية بـ(ممبسة) لعداوة بينهما، فقدم حاكم مالندي المساعدات لدي كاما وزوده بالملاحين العرب وقد خرج مع ديكاما 170 رجلاً وقيل 150، لم يعد إلى البرتغال منهم سوى خمسة وخمسين رجلاً لذلك كانت حاجته ماسة إلى العرب ليسدوا النقص هذا، ووصل دي كاما إلى منتهى هدفه، وعاد إلى البرتغال سنة 1499م (905هـ) وقد تأصلت زعامة البرتغاليين عندما عاد ديكاما إلى كلوه سنة 1502م (80هـ) ليحمل من مالندي دفتراً إلى ملك البرتغال يفصح عن الولاء والطاعة.
وفي الحقيقة أن ديكاما بعمله هذا أول من فتح باب الاستعمار في الشرق.
وقد استعمل ديكاما أبشع الأساليب الإرهابية عند احتلاله لهذه الممالك العربية. هذه الأساليب تعتمد على القتل والسلب والنهب، وإحراق المدن والسفن ولا يزال التاريخ يذكر وحشية القائد البرتغالي (البوكيرك) وتعذيبه للأسرى العرب وتقطيعه لأوصالهم.
وبهذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، تلك هي مرحلة السيطرة البرتغالية، وقبل أن يثبت البرتغاليون حكمهم انقضت نحو إحدى عشر سنة في أعمال الاكتشافات والحروب من سنة 1498 ـ 1509م (904 ـ 915هـ) هي المرحلة التمهيدية للحكم البرتغالي. احتل فيها البرتغاليون كلوه، وممبسة، ولامو، وأوجا، ويراوه، وقد قاومت بستة آلاف مقاتل، وسقطرة، ومسقط، وهرمز، أما مَقدِشو وعدن فلم تقعا في أيدي البرتغاليين، ولكنهم استطاعوا في عشر سنوات أن يحتلوا السواحل الإفريقية إلا مقدشو وجزر القُمر ومدغشقر، وهكذا ضاع من العرب في بضع سنوات سلطانهم القديم العريق على سواحل المحيط الهندي ومياهه الشرقية.
ولكن نجم البرتغاليين أفل من بعد سنة 1600م (1009هـ). ومما ساعد على تضعضعهم ما يلي:
1 ـ الشعب البرتغالي محدود العدد لم يتجاوز المليون خلال القرن السادس عشر الميلادي.
2 ـ ضم الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا، البرتغاليين إلى عرش إسبانيا سنة 1580م (988هـ).
3 ـ صمود العرب، وعدم استسلامهم رغم إحراق مدنهم واستعمال الوحشية في إجلائهم عنها، وتربصهم للفرص للثورة على البرتغاليين.
4 ـ قيام الأطراف الأخرى من الممالك بمناهضة البرتغاليين.
وما أوشك القرن السادس عشر الميلادي على الأفول حتى كان البرتغالين قد قضي عليهم في هذه المنطقة نهائياً، ليبدأ الصراع في هذه البحار من جديد بين أطراف جديدة أخرى: العرب، والهولنديون والإنكليز ينازعهم الفرنسيون.
العرب المؤرخون وابن ماجد
في النصف الأول من هذا القرن قام أحد المستشرقين الفرنسيين جبريال فران Gabriel Ferrane بنشر مجموعة خطية من التراث العربي ذات موضوع جديد، تحمل عنوان «مؤلفات ابن ماجد الملقب بأسد البحر الهائج».
نشرت هذه المجموعة عن مخطوطة كانت محفوظة بالمكتبة الوطنية في باريس تحت رقم (2292)، ويرجع تاريخ حصول المكتبة على هذه المجموعة التي لم ينشر سوى جزء منها قليل، إلى عام 1860م من أستاذ جزائري، تولى التدريس في مدرسة اللغات الشرقية بباريس في ذلك الوقت.
وفي دمشق توجد نسخة أخرى من المخطوطة نفسها عثر عليها في عام 1919م، وقام جبريل فران بالتعليق عليها، ومقارنتها بنسخة باريس.. وتعتبر النسخة الموجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق من أنفس مجموعة معروفة لمؤلفات ابن ماجد.
وفي ليننكراد بمكتبة الاستشراق، عثر المستشرق الروسي كراتشكوفسكي على ثلاث (أراجيز) لابن ماجد لم يسبق نشرها، وقام المستشرق الروسي تيودور شوموفسكي بالتعليق عليها ونشرها باللغة الروسية في عام 1957م.
وفي الواقع أن ما نعرفه عن ابن ماجد، لا يسبق تاريخ نشر تلك المجموعة من مؤلفاته، بل يأتي بعد ذلك.. وأقصد بالمعرفة، معرفة حياة هذا الرجل العظيم بالتفصيل أو بشيء يشبه التفصيل.
وبعد سبع سنوات قام فران بتأليف كتاب عن الملاحة العربية بعنوان «مقدمة علم الملاحة عند العرب»)[455](، أثنى فيه على ابن ماجد ورأى أنه ثمرة الملاحة العربية طوال عهود الحضارة العربية، والعصور الوسطى.
وقام هذا المستشرق أيضاً بنشر أبحاث مستفيضة عن ابن ماجد، في دائرة المعارف الإسلامية، لم يسد معروفاً إلى ابن ماجد وحده، بل إلى العرب الذين يحرصون على صون تاريخهم من التلف والضيباع، بل صون أمجادهم. وحسبنا هنا أن نعترف بالفضل والتقدير لذلك العالم الباريسي، لا عرفان تقصير وعجز، بل تقديراً لليد التي أسداها لنا، فكانت إيذاناً بالبحث والدرس لمعرفة حياة رجل قوّم جزءاً وناحية مهمة في علوم العرب.
أما ما قام بنشره هذا المستشرق في سنة 1921م، منقولاً بالتصوير الفوتوغرافي فهو:
1 ـ الفوائد في أصول علم البحر والقواعد.
2 ـ الأرجوزة المسماة بالسبعية.
3 ـ القصيدة المسماة بالهادية.
ورسائل أخرى في فن البحر للمعلم سليمان المهري تقدم ذكرها.
مع ترجمة الأقسام الجغرافية في المخطوطات المذكورة، وشرحها وتفسير بعض الاصطلاحات العربية في فن الملاحة.
ولا ننس جهوداً في هذا الميدان بذلت وتبذل، من قبل مستشرقين من الروس، اعتنوا بابن ماجد ومؤلفاته، فنشروا في عام 1957م كتاباً لابن ماجد بعنوان «ثلاث راهمانجات المجهولة»، وقبل ذلك نشر المستشرق الروسي كراتشكوفسي)[456](، مجموعة من أشعار وأراجيز ابن ماجد، ونال المستشرق الروسي تيودور شوموفسكي درجته الجامعية ـ رسالة عن ابن ماجد ـ وفيما أعلم أن كتاب الفوائد لابن ماجد بنشر في معهد الدراسات الشرقية السوفيتي، قبل عامين تحت إشراف هذا المستشرق الروسي.
أما العرب فيتلخص ما كتبوه عن ابن ماجد ـ فيما أعلم ـ بما يلي:
1 ـ قام سعيد الكرمي بنشر وصف لرسائل ابن ماجد التي اقتنتها المكتبة الظاهرية وقتذاك.. ونشر ذلك في الجزء الثاني من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1921م.
2 ـ وعلق بولس الخوري على ما نشره الكرمي وأسهب في عرض مؤلفات ابن ماجد. وأورد بعض النصوص مما قاله فران عن ابن ماجد ذلك في الجزء التاسع من المجلة نفسها والسنة ذاتها (ص 281 ـ 286) وقد اعتمدنا على هذا البحث.
3 ـ نشر رُشدي الصالح ملحس، بحثاً قيماً عن ابن ماجد في جريدة (أم القرى) في سنة 1347هـ 18 و25 جمادى الثانية.
4 ـ وفي عام 1366هـ قام محمد ياسين الحموي بنشر رسالة عن ابن ماجد تقع في 39 صفحة، جمع فيها مقتطفات من أبحاث المستشرق الفرنسي فران.
5 ـ وفي الموسم الثقافي بالكويت لسنة 1959م، ألقى الدكتور عبد الهادي هاشم محاضرة عن ابن ماجد بعنوان: (ليث البحر ابن ماجد).
وألقى الشيخ محمد رضا الشبيبي في نفس الموسم محاضرة عن ابن ماجد أيضاً، بعنوان: (ثقافتنا البحرية وشهاب الدين أحمد بن ماجد).
6 ـ وفي عام 1380هـ نشر قدري حافظ طوقان بحثاً موجزاً عن ابن ماجد بعنوان: (ابن ماجد بحار العرب الأول) في العدد التاسع والعشرين من مجلة (العربي) وقد أضافت المجلة إلى هذا البحث بعض الفقرات. وكان طوقان قد نشر هذا البحث قبل ذلك.
7 – وفي مصر قام الدكتور أنور عبد العليم أستاذ ورئيس قسم علوم البحار بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، بما يشبه العناية بابن ماجد وآثاره. ومما يذكر فيشكر للدكتور أنه قام بنشر أبحاث عن ابن ماجد باللغة الإنكليزية كالبحث الذي نشره بمجلة المؤتمر الأول لتاريخ علوم البحار الذي عقد في موناكو، عام 1966م.
وهذا البحث قام الدكتور بتنقيحه وإضافة بعض الفصول عليه واصدره في كتاب صدر ضمن أعلام العرب، التي تصدرها دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة في عام 1967م.
وكذلك نشر الدكتور بحثاً عن كتاب «الفوائد» لابن ماجد في «تراث الإنسانية» عدد مارس 1967م (القاهرة).
هذا كل ما يمكن أن يقال إنه كتب عن ابن ماجد، فيما نعلم، وفي بعض الكتب العربية التي تعرضت لتاريخ الملاحة العربية إشارات موجزة عنه.
أما الكتب القديمة العربية، فلا نجد سوى كتاب «البرق اليماني في الفتح العثماني» لقطب الدين النهروالي [ص 18 ـ 19].
حياة ابن ماجد ونسبه
حاج الحرمين الشريفين، شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن عمرو بن فضل بن دويك بن يوسف بن حسن بن حسنين بن أبي الركائب النجدي، هكذا كُتب على طرّة كتابه «ألفوائد في أصول علم البحر والقواعد». وكُتب عليه في مكان آخر: رئيس علم البحر وفاضله وأستاذ هذا الفن وكامله الشيخ أحمد بن ماجد السعدي رحمه الله. وكُتب أيضاً في نهاية أرجوزته (المعربة):
عاش ابن ماجد في بداية القرن التاسع الهجري.. وجاء في مجلة «العربي» (عدد 29) أنه ولد سنة 836 هجرية تقريباً. وذكر الدكتور أنور عبد العليم أن ميلاد ابن ماجد حوالى عام 838 هجرية، ونحن لا نوافق الدكتور على ما ذهب إليه من استنتاجات ضمنها كتابه عن ابن ماجد، حول تاريخ ميلاده ص (14 ـ 19)!! فإذا عرفنا أن ابن ماجد ألف كتابه «الفوائد» بعد أن أمضى خمسين سنة في ركوب البحر وقيادة السفن، وفي ذلك يقول: (وما صنعت هذا الكتاب إلا بعد أن مضت لي خمسون سنة في ركوب البحر، وما تركت فيها صاحب السكان وحده). وهو أتم كتابه سنة 895هـ، فيكون قد ركب البحر واعتمل القيادة فيه وعمره تسع سنوات أو سبع، بعد ولادته التي أشار الدكتور إليها. وهذا غير معقول، وعلى الأصح يكون قد ولد قبل ذلك بعشر سنين تقريباً. وعاش بعد هذا التاريخ قرابة المائة تقريباً، وشهد عبث البرتغاليين في الجزر والممالك العربية وفي ذلك يقول: )[457](
وساحل البر وكل جُزرُه
فحكمها للبرتغال الكفره
والبرتعالي، حكمَ الجميعا
كُفيت كل الشر والتصديعا
أما محل ولادة ابن ماجد، فذلك مدار خلاف بين من كتبوا عنه، فالمستشرق الفرنسي جبريال فران يذكر أنه ولد في (جُلفار) وهي رأس الخيمة اليوم، ويستند في ذلك على ما أورده ابن ماجد في نهاية أرجوزته (السبعية) حيث قال: أتمها يوم الغدير أبرك ايام السنة)[458](، وهو الثامن عشر من ذي الحجة، عام 866 هجرية في (جلفار) موطن ليث البحر ـ وقد تبعه في ذلك آخرون كالدكتور أنور عبد العليم)[459](، ومحمد ياسين الحموي)[460](، وقبل فران الأميرال التركي سيدي علي بن حسين، حيث ذكر في كتابه «المحيط» أن ابن ماجد من أهل (جلفار)، وفيها يقول:
رعى الله (جلفاراً) ومن قد نشا بها
وأسقى ثراها واكفٌ متتابع
بها من أسود البحر كل مجرّب
وفارس يم في الشدائد بارع
يسرك في الأوصاف إن وصفت له
حذور، جسور في المهمات شاجع
إذا قام في شيء يُرجى كماله
يقوم، ولم يمنعه عن ذاك مانع
وابن ماجد من أسرة اشتهرت بعلم الملاحة، فنشأ على هذا الفن وجبلت نفسه على حبه وهوايته، وأخذه عن آبائه كابراً عن كابر، فهو يقول: (وكان جدي نادرة في البحر الأحمر، وقد كان محققاً فيه مدققاً، وزاد عليه الوالد بالتجريب والتكرار، وفاق علمه علم أبيه، فلما جاء زماننا هذا وكررنا قريباً من أربعين سنة حررنا وفدنا علم الرجلين النادرين. وكان الوالد يسميه الربابنة: (ربان البرين) ونظم الأرجوزة المشهورة (الحجازية) فوق ألف بيت، ومع ذلك كله قد أصلحنا له منها ما رأينا فيه الخلل)!! وقد دلّل ابن ماجد على صحة علم والده بمحادثة جرت له سنة 890هـ نجا هو ومن معه في السفينة من الهلاك بفضل ما أودعه والده أرجوزته من علم، وها هو يقول: (وكانت أرجوزة الوالد خيراً لي من جميع ميراثه في ذلك المكان) )[461](.
وابن ماجد قضى عمره متنقلاً بين زرقتين، زرقة السماء، ذلك البحر المزين بعلامات الاهتداء إلى مجاهل الطرق، وزرقة البحر تزينها سرج المنارات المتباعدة، وكأنها تعلن عن عرس مقام عاش بين جزر البحر العربي (المحيط الهندي) ومنها جزيرة فرموزه، وسيلان، وزنجبار والبحرين في الخليج العربي، وسوقطرة وعلى سواحل الجزيرة العربية والممالك العربية على الشواطئ الشرقية الجنوبية من إفريقية.. وبقي في (مالندي) عمدة للملاحين ومرشداً لهم، وقد وضع في ذلك المؤلفات المتعددة بلغة سهلة تضمن لغيره من الملاحين فهم مادتها لتحقق فائدتها بين جميع الملاحين.
وقد بلغ ابن ماجد الستين سنة ولم يخضب الشيب لون شعره!! مما دعى إلى استغراب معاصريه، والشيء الذي لم يتضح حتى الآن أسرة ابن ماجد، وماذا خلف من الأبناء ومن منهم سلك نهج والده في حياته العملية، هذا مما لم يتطرق له باحث، ومما لا نعلم عنه شيئاً. على أنه يتبادر إلى الأذهان أن ابن ماجد عاش طول حياته أعزب حيث قضى أوقات عمره متنقلاً بين السفن تمخر عباب البحر غدواً ورواحاً.
مكانته في الملاحة
ورث ابن ماجد علم البحر وفنون القيادة فيه ـ كما أشرنا ـ عن آبائه علماً وعملاً، وبالممارسة والتجربة، وكثرة أسفاره في البحر ومغامراته الجريئة المنبثقة عن حدة ذكائه وقوة ملاحظته، وجرأة وشجاعة نادرة فيه، وقد صرف نفسه إلى مهنته، فجعلها كل همه، فكأنه يرى أنه ينبغي لكل طالب علم أن يشتغل به من المهد إلى اللحد، وكلما افتن فيه وداوم عليه ظهر له منه شيء لم يكن عند غيره، وكما ذكر برتن الإنكليزي أن بحارة عدن سنة 1854م كانوا قبل السفر يتلون الفاتحة إكراماً للشيخ ماجد ـ والتزاماً بما بدأ به.
ويتضح جلياً مما صنفه ابن ماجد في الملاحة أنها مجموعة كاملة لكل ما عرف في أصول هذا الفن علماً وعملاً، إلى أواخر العصور المتوسطة، وإن المرء عندما يقرأ وصفاً للبحر الأحمر أبدعه يراع ابن ماجد، يزداد إعجابه به، فهو مما لم يسبقه إليه أحد، ممن كتبوا في الملاحة الشراعية، أما ما يعاب عليه في ذلك فمنشأه قصور في الآلات المستعملة في زمانه. وإن ما كتبه عن الرياح (المواسم) الدورية وعن الرياح المحلية، وعن طرق السير إلى الموانئ في المحيط الهندي، فإنه في غاية من الدقة، بل لا يمكن أن يكتب أفضل منه في القرن التاسع الهجري)[462](، وحتى قبل ذلك التاريخ، كما أنه لم يكتب لهذا الفن أن يوجد في أي لغة أخرى، كمثل ما أوجده ابن ماجد. ونظرة إنصاف إلى كتاب «الفوائد» تعطي مزيداً من الاستدلال على مكانة ابن ماجد الرفيعة في هذا الفن. وليس من المبالغة القول بأن ما وصلت إليه الملاحة البرتغالية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين من تقدم يعود إلى المعلومات التي تلقاها البرتغاليون عن العرب، وأخصهم ابن ماجد الذي كانت كتبه وإرشاداته، ومخططات ما رسمه للثغور والمسالك في البحار مما وصلت إليه أيديهم من علوم العرب في البحار الشرقية الغربية من آسيا، فاستفادوا منها وانتفعوا بها. وفي ذلك كتب الأميرال التركي سيدي علي بن حسين وقد عاش في القرن العاشر يقول: (في خلال رحلتي من البصرة إلى الهند التي استغرقت ثلاثة شهور، وكنت أقمت بالبصرة خمسة أشهر، وفي خلال هذه الأشهر الثمانية كنت أغتنم كل فرصة، ليلاً ونهاراً، للتحدث عن المسائل البحرية مع ربابنة السواحل والبحارة الذين كانوا معي في سفينتي، فسمعت منهم أخبار الملاحين القدماء.. وكيف كانوا يعبرون المحيط الهندي، وجمعت أيضاً الكتب التي ألفها الربابنة الحديثون، كأحمد بن ماجد من أهل جلفار بمقاطعة عمان. وفي الحقيقة أنه كان من العسير السفر في المحيط الهندي، بدون الاطلاع على هذه المؤلفات، والربابنة، والبحارة الغرباء، لا يقدرون على السفر في هذه البحار، ولا غنى لهم عن ربان يدلهم على الطريق، لأنهم يجهلون هذه الجهات، فرأيت من الواجب أن أدون كل ما هو مفيد في هذه الكتب، بقصد تأليف كتاب صالح يعول عليه المسافرون للوصول إلى هدفهم، بدون الاستعانة بدليل من الملاحين، أو سؤال أحد منهم، وابن ماجد هو المعول عليه، وهو المعلم في بحر الهند، وهو أحسن من يوثق به) )[463]( (انتهى).
هذا ما كتبه القائد البحري التركي في مقدمة كتابه (المحيط) عن الملاحة، وقد نقل فيه معظم ما كتبه ابن ماجد وسليمان المهري عن الملاحة، ولم يتمالك هذا البحار التركي دهشته وإعجابه بابن ماجد ومقدرته الفائقة في علوم البحر، فأكد أن ابن ماجد أفضل ربابنة الشاطئ الهندي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مقدرة ونزاهة.
على أنه لا بد للملاح حتى يقطع المحيط من معرفة بالفلك عظيمة، وللعرب في علم الفلك مكانة عظيمة.. يوم ترجمت كتب الفلك اليونانية إلى العربية، فأبدى الفلكيون العرب ضروباً من الإجادة والإبداع في هذا العلم وكان منهم البتّاني والخوارزمي والبيروني، وعلي بن عيسى الأسطرلابي المحراثي صاحب كتاب العلم بالاصطرلاب. وكان العرب قبل تطور علوم الفلك يهتدون بالنجوم، كما اهتدوا بها في البحر، وهي علامات ثابتة لدى الملاحين حتى عصور متأخرة. فهل كان لابن ماجد معرفة بالفلك؟! والجواب على ذلك نستخلصه مما قاله ابن ماجد، فها هو يقول في كتابه الفوائد: (اعلم أيها الطالب أن لركوب البحر أساب كثيرة، فأولها معرفة الشمس والقمر، والأرياح، ومواسمها، آلات السفينة.. وينبغي أن تعرف مطالع النجوم ومغاربها، وطولها وعرضها، وينبغي أن تعرف جميع البرور، وإشاراتها كالطين والحشيش، ومدّ البحر وجزره، وينبغي للمعلم أن يعرف العبير من الثواني، ويفرق بين العجلة والمحرك).
ويعلل ابن ماجد أن هذه الصناعة عقلية لا نقلية، ويوصي البحارة فيقول: وقد ذكرنا في هذا الكتاب جمّ فوائد تغني العارفين المتأملين في أوائله وأواخره عما سواها، والحكمة ضالة المؤمن، فاطلب ضالتك ولو في أهل شرك، فإنها صنعة عقلية لا نقلية، فينبغي للإنسان أن يعرفها ويسأل عنها، ويكثر السؤال ويأخذ المليح ويدع القبيح).
وابن ماجد محب لمهنته يحث على تعلمها، فيقول: «فأجدوا فيه فإنه علم نفيس، ولا يتم إلا بتمام العمر، وما لا يدرك كله لا يترك كله».
وقد فطن النّوتية البرتغاليون لشغف ابن ماجد بتعلم مهنته فقالوا: (إن به عامل الشغف وحب الاطلاع على أخبار وحوادث ملاحينا) )[464](.
وقد دفعه حب الاطلاع هذا إلى توسيع مداركه فاطلع على كل ما يتصل بمهنته من علم فاطلع على كتب كثيرة منها، كتاب المجسطي للبطلموسي، وقال عنه (وهو كتاب يوناني فعرب عنه المأمون بن هارون بعض أجزائه) واطلع على ما كتبه البتاني وزيج بن الشاطر، وأبي حنيفة الدينوري، والطوسي، وكتاب أبي المجد إسماعيل بن إبراهيم الموصلي، وكتاب المشترك لياقوت الحموي، وكتاب ابن حوقل، وقال إنه مستوفي العرض والطول، والدرج والحبال والبلدان والمدن والأقاليم والكواكب والأطوال والعروض والقبلة وأوصى بالاطلاع على هذه الكتب لمن يريد الغاية، كما وقف على أكثر منها وأخذ من كل شيء أحسنه من الذي يليق بصنعته (الفوائد).
وابن ماجد لم يكتف بإرشاد الملاحين إلى كل ما تتطلبه القيادة في البحر وركوب أهواله، بل يؤرخ للبحر والسفن، فها هو يقول: إن أول من ركب البحر وصنع السفينة هو نوح (ع)، وسفينته اسمها (هيراب)، ثم يتكلم عن الطوفان وموضعه، والمكان الذي رست فيه السفينة، وتعلم الناس صنعة السفن على جميع سواحل البحر في جميع الأقاليم التي قسمها نوح بين أولاده. ثم يقول: وانتهت الدنيا لعصر بني العباس، فكان استقامة ملكهم ببغداد وهي عراق العرب وكان خراسان جميعه لهم..
أما عن المغناطيس فيقول: (إن عليه المعتمد، ولا تتم هذه الصنعة إلا به، وهو دليل على القطبين، فهو استخراج داود (ع)، وهو الحجر الذي قتل به داود جالوت)..
ومما يلاحظ على ابن ماجد أنه كثير الاعتداد بنفسه، وقد يسميه البعض غروراً. وقد لا يباح له كل هذا الإطراء والمديح الذي يكيله لنفسه دون أن يشعر بالنقص الذي يعود به على نفسه. فمثلاً يقول: (أنا أسد البحر بلا منازع، أنا أحمد بن ماجد، أنا المعلم العربي). ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيلغي كل المؤلفات البحرية التي سبقته، وحجته في ذلك أن ما أتى به مصحح مجرب. اقرأ قوله: (فإن صُنف من عصر آدم (ع) إلى يومنا هذا أعم منها ـ أي مصنفاته ـ فأنا الكاذب فيما قلته، فإننا رأينا تصانيف الأولين كابن الوردي وغيره، وقد جعلوا الهند والسند في قسم واحد، وجعلوا الحبشة في قسم واحد تقريباً، وتركوا أكثر الدنيا مجهولة خصوصاً ما هو بقرب البحار، وأهملوا النجود والحجاز والتهائم فخير للناس من الناس)…
ولعل ابن ماجد محق في بعض ما يقول، إذ أن الإهمال الشنيع والنسيان المتناهي في هذه العلوم، أفسح المجال لابن ماجد أن يرى أن ما أتى به لم يسبق إليه. وعلى هذا يمكننا أن ننظر إلى كل ما تركه ابن ماجد كأساس لعلم الملاحة في السنين الأخيرة في القرون الوسطى، ويعد الأول بين علماء الملاحة من تلك الأزمان حتى القرن الماضي)[465](.
وليس بدعاً أن تظل روح ابن ماجد وعلمه، يذكران في المحيط الهندي وجزره حتى القرن الماضي. يقول جيمس برنسيس: (إن ذكرى ابن ماجد ما زالت حية في الهند وفي جزر (مالديف) في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وهم يعتمدون على القواعد التي وضعها في علم الملاحة، وبدون كتبه يتعذر على الملاح الرجوع من رحلته) )[466](.
وفوق ذلك جمع ابن ماجد بين شخصية الربان الماهر، والأديب المثقف فهو يحفظ الكثير من الشعر، وكثيراً ما يستشهد به في كتاباته ويجيد بعض اللغات.
وقد ذكر ابن ماجد الإبرة المغناطيسية، ونسب إليه البعض خطأ اختراعها، والحقيقة أنه لم يخترعها، وقد وجدت قبله، وكلما فعل أنه طور استعمالها في الملاحة بأن ثبت الإبرة المُمَغْنطة فوق سن من الوسط لتتحرك حركة حرة فوق قرص وردة الرياح.. وهو أول من عمل ذلك من بين معاصريه، ومن أجل ذلك قال: (من اختراعنا في علم البحر تركيب المغناطيس على الحك بنفسه، ولنا فيه حكمة كبيرة لم تودع في كتاب، إنه لم يقابل الجاه إلا سهيليه، فميزوا في هذه النكتة فإذا كان أحد يعرف فنحن مسبوقين (هكذا) وكذلك رتبنا المنكاب وأدركناه في الذهبية)[467]( وشرحها).. وقد أخطأ الأستاذ برتن الإنكليزي عندما قال: إن ابن ماجد مخترع الإبرة المغناطيسية)[468](.
ابن ماجد وفاسكوديكاما
كتب الأستاذ نجاتي صدقي، في مجلة «الأديب»)[469]( اللبنانية، بحثاً حول صلة ابن مناجد بفاسكوديكاما، رأى فيه أن ليس ابن ماجد هو الذي هدى فاسكوديكاما في طريقه إلى الهند. وقد خلص الأستاذ في بحثه إلى ما يلي:
1 ـ لم يثبت بعد أن أحمد بن ماجد، هو الذي أرشد فاسكوديكاما إلى طريق الهند..
2 ـ إن المؤرخ البرتغالي الذي رافق ديكاما في رحلته لم يأت على ذكر أحمد بن ماجد.. بل قال: تعرفوا إلى شاب مسلم في بلاد الناتال.. واستأجروا مرشدين عربيين في موزنبيق حتى مالندي.. ثم إن سلطان مالندي قدم لهم مرشداً هندياً رافقهم حتى كاليكوت.
3 ـ إن الوصف الذي ورد على لسان المؤرخ العربي النهروالي ينطبق على رحلة (دياز) وليس رحلة فاسكوديكاما.. ويحتمل أن يكون ابن ماجد قد التقى بدياز في خليج سانت هيلين سنة 1486م. (ويذكر بعض التواريخ) ثم يقول: في حين أن التواريخ الموجودة بين أيدينا تقول: إنه مات في الستين من عمره..
4 ـ ليس لدينا من التواريخ الثابتة عن الفترة التي وضع فيها ابن ماجد أراجيزه إلا ما ذكره هو نفسه في ختام كتاب الفوائد (سنة 895 هجرية). فيكون قد ختم كتابه قبل وفاته بخمس سنوات.
وفي الفقرة الخامسة علل الأستاذ أن ما ذكره عن كتابه الفوائد سنة 984هـ خطأ.. هذا هو خلاصة ما ذكره الأستاذ نجاتي صدقي في بحثه)[470](.
الوحيد الذي كان مصدر هذه التهمة هو محمد النهروالي الذي جاء بعد ثمانين سنة تقريباً على وصول فاسكوديكاما إلى المحيط الهندي فافترى هذا الافتراء العجيب في كتابه «البرق اليماني في الفتح العثماني» ورواه بهذا النص:
«وقع في أول القرن العاشر من الحوادث الفوادح النوادر دخول البرتغال اللعين من طائفة الفرنج الملاعين إلى ديار الهند وكانت طائفة منهم يركبون من زقاق سبتة في البحر ويلجون في الظلمات ويمرون بموضع قريب حيال (القمْر) بضم القاف وسكون الميم جمع أقمر. أي البيض، وهي مادة أصل بحر النيل يصلون إلى المشرق ويمرون بموضع قريب من الساحل في مضيق أحد جانبيه جبل والجانب الثاني بحر الظلمات في مكان كثير الأمواج لا تستقر به سفائنهم وتنكسر ولا ينجو منهم أحد واستمروا على ذلك مدة، وهم يهلكون في ذلك المكان ولا يخلص من طائفتهم أحد إلى بحر الهند. فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر إلى أن دلهم شخص ماهر يقال له أحمد بن ماجد صاحب كبير الفرنج، وكان يقال له (الملندي) وعاشره في السكر فعلمه الطريق في حال سكره، وقال لهم لا تقربوا الساحل من ذلك المكان وتوغلوا في البحر ثم عودوا فلا تنالكم الأمواج. فلما فعلوا ذلك صار يسلم من الكسر كثير من مراكبهم فكثروا في بحر الهند».
هذا هو المصدر الوحيد لتلك الشائعة. ويقول المؤرخ البحريني على التاجر عن النهروالي: «النهروالي قليل الاهتمام بتحري الحقائق، عديم العناية بصحة ما يكتب وخاصة بالنسبة للتاريخ، ثم يورد شواهد تخليطه التاريخي مما يطول المجال بذكرها هنا.
وظل كتاب النهروالي مخطوطاً، ولكن المخطوطة انتشرت في مكتبات مصر والحجاز والعراق واسطنبول. ونقله إلى التركية خسروزداه. المتوفى سنة 998هـ إلى أن قام بطبعه العالم النجدي المحقق الشيخ حمد الجاسر سنة 1968.
ويبدو أن تخليط النهروالي في التاريخ كان معروفاً لمن جاء من بعده عرباً وغير عرب، فلم يلتفت أحد إلى أقواله في هذا الموضوع خصوصاً المهتمين بتاريخ تلك الفترة والمعنيين بأمر الصدام العربي ـ في المحيط الهندي والمؤرخون البرتغاليون، ممن عاصروا فاسكوديكاما واهتموا برحلاته. أو ممن جاء من بعدهم، لم يشيروا إلى ابن ماجد أية إشارة. فممن عاصروه، كل من كاستنهيدا ودي باروش، وهما من كبار المؤرخين البرتغاليين، وكذلك القول في غيرهما ممن عاصروه لا سيما جون فيجوبريا، وكاتب المذكرات المجهول، وهو من الرجال الذين رافقوا فاسكوديكاما.
وهناك المؤرخون العرب لا سيما اليمنيون منهم، وهم كثيرون ممن عاصروا وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي. وكذلك المؤرخ المصري ابن عباس الذي اشتمل بعض ما كتبه في «بدائع الزهور» على شيء من أحداث تلك الفترة، وكذلك بعض المؤرخين الهنود والأتراك هؤلاء كلهم لم يرد عندهم ذكر ابن ماجد في هذا الموضوع. وظل الأمر كذلك حتى سنة 1922 حين اشتغل المستشرق الفرنسي، فيران، بابن ماجد، فإذا به وحده من كل المؤرخين والباحثين يتبنى أسطورة النهروالي، ثم لا يبالي بأن يتزيد فيها وأن يحبكها، فالنهروالي لم يزد على أن السكران تفوه بكلمات لمن يدعى الملندي بأن عليهم تعديل طرق إبحارهم، وأنهم فعلوا ذلك.
ولكن من هو هذا اللمندي؟ ذلك ما لم يوضحه النهروالي، كما أنه لم يقل إن ابن ماجد صحب هذا الملندي وتولى بنفسه قيادة سفينته، ولم يبين أين جرى لقاء الاثنين ولا تاريخ هذا اللقاء.
فإذا بفيران يتطوع عن النهروالي بإيضاح كل ذلك، وإذا بالملندي عند فيران هو فاسكوديكاما، ومكان اللقاء عنده هو مدينة (ماليندي) في مملكة (كامبيا). وتاريخ اللقاء هو 22 نسيان (أبريل) سنة 1498، وإذا بابن ماجد لا يكتفي بمجرد القول، بل يقرنه بالعمل فيقود سفينة فاسكوديكاما.
وهذا كله لم يقله النهروالي أبداً.
وهكذا خلق الافتراء كاتب قديم، وخلق تفاصيله كاتب حديث وابن ماجد نفسه أين هو من كل ذلك، إن ابن ماجد في كل ما يترك من مؤلفات وتفاصيل لم يشر أية إشارة إلى أنه اتصل بأحد من البرتغاليين في رحلاته الطويلة. حتى إذا اضطر إلى ذكر البرتغاليين ذكرهم بالشر ووصفهم بأسوأ الصفات.
مؤلفاته
وتبرز قيمة ابن ماجد كعالم من أعلام العرب في الملاحة، بما تركه من مصنفات في هذا الفن. فجميع ما خلفه قلمه يتضمن الملاحة وأصولها، إلى جانب إرشاد الملاحين، وتعليمهم طرق الملاحة وأصولها. وقد حوت الكثير مما يتصل بهذا العلم مما عرف في موضوعه، ولم يضمنها إلا ما جرب من نظريات، فأضحت مؤلفاته في بابها فريدة..
وقد بلغت مؤلفات ابن ماجد أربعين مؤلفاً تسابق إلى نشر ما عثر عليه منها مستشرقون فرنسيون وروس، أما نحن العرب فأعرضنا عنها، وكأن المعنيين بنشر التراث تناسوها.
وما سنذكر هنا من مؤلفات ابن ماجد هو ما عرفناه، أو علمناه به من مصادر موثوقة.
1 ـ كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد:
يتضمن هذا الكتاب البحث عن أصول الملاحة، وحجر المغناطيس ومنازل القمر الثمانية والعشرين، والنجوم التي تقابل أقسام الإبرة المغناطيسية الاثنين والثلاثين (الحك)، وعرض بعض الثغور على الإقيانوس الهندي، والبحر الصيني، وشكل البرور، ومراسي ساحل الهند الغربية، والجزر العشر الكبرى المشهورة، وهي كما يعدها ابن ماجد: جزيرة العرب، وجزيرة القمر، وزنجبار، والبحرين، وابن غوان في الخليج العربي، وسقطرة.
ويتعرض لذكر الرياح الموسمية في المحيط الهندي، وفي نهاية هذه المباحث وصف للبحر الأحمر بالتفصيل. ذكر مراسيه، وأعماقه، وصخوره الظاهرة والخفية. ولقد كان ابن ماجد ذروة في الإجادة في وصف البحر الأحمر مما لم يسبقه إليه أحد، من الكتاب الأوروبيين ـ كما يقول فران.
يقول ابن ماجد: (ألفته وصنفته لركاب البحر ورؤسائه، وفيه ما أشبه الحاوية وغيرها، وهو مشتمل على فوائد كثيرة غوامض وظواهر اثنتي عشرة فائدة..) وانتهى من إتمام هذا الكتاب سنة 895هجرية.
2 ـ حاوية الاختصار في أصول علم البحار.
وهذه أرجوزة أكثر من ألف بيت وتحتوي على أحد عشر فصلاً، تبحث في العلامات التي يجب على الربابنة معرفتها استدلالاً على قرب البر، وعن القمر ومهاب الريح وعن السنة الهجرية والرومية والنبطية والفارسية وعن الرياح الموسمية وأزمنة هبوبها وسكونها، على الحساب الفارسي، وعن طريق سير السفن على ساحل العربية، والحجاز وسيام، وشبه جزيرة ملقا، وأطراف بلاد الزنوج، وعلى سواحل الهند الغربية، وسواحل القمر ومندل والناط والبنغال حتى جزيرة بليطون، وجاوه والصين وفرموزة، وفي سير السفن على سواحل جزر جاوة وسومطرة، والغال ومدغشقر واليمن والحبشة والصومال وجنوبي العربية، والمقران، وفي المسافات بين الثغور العربية والثغور الهندية، وفي عرض الثغور على البحر الهندي.. إلخ تاريخها 866هـ.
3 ـ أرجوزة اسمها (المعربة) لأنها عربت الخليج البربري وصححت قياسه من حفوني إلى باب المندب، وهي نحو مائتي بيت، وتاريخها سنة 890هـ.
4 ـ أرجوزة في معرفة القبلة سمّاها (قبلة الإسلام في جميع الدنيا) في نحو خمسمائة بيت. يقول في مقدمتها: (لما رأيت الناس يميلون عن معرفة القبلة وليس لهم أصل علم يعرفونها به خصوصاً في المدن اللواتي بقرب البحر وجزره التي يمر بها المسافر، نظمت هذه الأرجوزة، وأقمتها بأوضح الأدلة وأسهلها بأربعة وجوه:
الوجه الأول: بطول مكة وعرضها، وطول البلد التي بها الإنسان وعرضها.
الوجه الثاني: على الجدي، وأدلة تقوم مقامه إذا غاب.
والوجه الثالث: على قسم بين الإبرة. وأجزائها الاثنين والثلاثين المقسمة.
الوجه الرابع: جهات الكعبة الأربع، وهو أضعف الوجوه.
5 ـ أرجوزة من مئة بيت على بر العرب في خليج فارس.
6 ـ أرجوزة من مئتين وثلاثين بيتاً على السير في البحر، وتاريخها 900 هجرية.
7 ـ قصيدة اسمها (كنز المعالمة ذخيرتهم) في علم المجهولات في البحر والنجوم والبروج وأسمائها وأقطابها. وهي من بحر البسيط وأولها:
يا أيها الناس مهما شئتم قولوا
الأرض معلومة، والبحر مجهول
وتاريخها قبل 894هـ.
8 ـ أرجوزة من مئتن وخمسة وخمسين بيتاً في ذكر المراسي على ساحل الهند الغربية، وفي ساحل العربية الواقعة بين الدرجة السادسة والدرجة الرابعة والعشرين، والدقيقة الخمسين شمالاً.
9 ـ أرجوزة من أربعة وستين بيتاً واسمها (ميمية الأبدال) في فائدة النجوم الشمالية في سير السفن. تاريخها قبل 894هـ.
10 ـ الأرجوزة (المخمسة) وهي من واحد وخمسين بيتاً من الرجز المخمس. تتضمن ذكر الكواكب المفيدة في الملاحة، وتاريخها 906هـ.
11 ـ أرجوزة من ثلاثة عشر بيتاً في عدة الشهور الرومية، تاريخها قبل 894هـ.
12 ـ أرجوزة من مئة وثلاثة وتسعين بيتاً اسمها (ضريبة الضرائب، في ذكر الكواكب) النافعة في الملاحة تاريخها 900هـ.
13 ـ أرجوزة من ثمانية وأربعين بيتاً منسوبة لعلي بن أبي طالب (ع) وهي في معرفة منازل القمر وحقيقتها في السماء وأشكالها وعددها وأوصافها التامة.
14 ـ قصيدة من مئة واثنين وسبعين بيتاً أسماها (المكية) تغزّل فيها بأهل مكة. وهي في الطرق البحرية من جدة إلى رأس فرتك (جنوبي بلاد العرب).
15 ـ أرجوزة من مئة وأربعة وتسعين بيتاً اسمها (الذهبية) تبحث عن الصخور البحرية، وعن الأعماق وعلامات البر، وتاريخها 893هـ.
16 ـ أرجوزة من ستة وخمسين بيتاً اسمها (نادرة الأبدال على النسر الواقع والعَيّوق).
17 ـ قصيدة من سبعة وخمسين بيتاً اسمها (الفائقة) في قياس الضفدع والأسماك والحيتان.
18 ـ أرجوزة في مراقبة بعض النجوم والحيتان، ويسميها (القصيدة البليغة).
19 ـ تسعة فصول نثراً مختصرة في المارزا (Mariza) ومعرفة بعض الأماكن وسبر الأغوار في المحيط الهندي.
20 ـ أرجوزة من ثلاثمائة وخمسة أبيات، اسمها (السبعية) لأن فيها سبعة علوم من علوم البحر غير الفراسة والإشارات، تاريخها 888هـ.
21 ـ أرجوزة من ثلاثة وثلاثين بيتاً، وموضوعها علم الفلك والملاحة.
22 ـ قصيدة من مئة وخمسة وخمسين بيتاً، اسمها (الهادية) قال:
سميتها هادية المعالمة
لأنها من العيوب سالمة
تبحث في النجوم التي توافق رسوّ السفن، ووصف الموانئ على الشواطئ من (الديو) إلى (ديبل).
23 ـ الأرجوزة السفالية:
وهي أكثر من سبعمائة بيت، في معرفة المجاري والقياسات من مليبار إلى آخر الأرض من الجنوب. وتعرضت لذكر السواحل والبلدان ووصفها، ومعادنها وثرواتها وعادات أهلها، وهي نسبة إلى سفالة، خير معوان على السفر في البحار الجنوبية ـ كما يقول ابن ماجد ـ وهي مما نشره شوموفسكي وتاريخها سنة 906 هجرية.
24 ـ الأرجوزة المسماة بالمعلقية، من بر الهند وما يتعلق به المشارق والجنوب والغور والصين إلى حدود الحرات وغيرها الشارفة على البحر المحيط الذي لا خلفه سوى جبل قاف.
25 ـ الأرجوزة التائية، وهي من جدة إلى عدن، في وصف المجاري والقياس في البحر الكبير. وأولها:
سرت نسمة الفردوس من أرض مكة
بريح الصبا فاشتاقتِ السّير جَلبتي
وقد اطلعت على كتاب «مخطوطات الموصل» الذي جمعه الدكتور داود الحلبي، وقد ذكر من كتبه الخطية اسم كتابين لابن ماجد مع مجموعة من الكتب في الفنون البحرية والملاحية واسم هذا الكتاب: «كتاب الميل»، يتضمن ذكر الكواكب حول وردة الرياح التي رسمها، وجداول للطول والعرض مع ذكر كل ما يصادف الملاح على الساحل من البنادر والبلاد والقرى والأخوار والجبال والرؤوس والجزائر.. من البصرة حتى نهاية البحر الأحمر، ثم ينعطف على سواحل إفريقية ويذكر أطوال وعروض ما على الساحل حتى ينتهي بشرق كالكوت.
ويذكر الدكتور الحلبي أيضاً، أن هناك كتاباً آخر قيل في صدره: «وهذا ابتداء مجرات بر الهند ولون مناتخ جباله وعلائمه وصفته ومجاريه ودوابه، ويتلوه أيضاً مجرات بر العرب والسواحل ولونه وعبراته». ويقول الدكتور الحلبي إن الكتاب قد صنف بعد وَطْء قدم الإنكليز الهند بدليل قوله: «جزر صغار ثلاث أو أربع فاحذر تسفل إليهن، وفي هذا العصر ملكها الأنقريز، وجعل لمداخلها علائم بوجات».
والذي اعتقده أن ابن ماجد يعني البرتغاليين، فلا يجوز أنه عاش حتى دخول الإنكليز الهند، هذا إذا كان الكتاب لابن ماجد كما يقول الدكتور..
وتوجد مخطوطة في فينا بعنوان: «فكرة الهموم والغموم إلخ»، ويقول الدكتور أنور عبد العليم عن تلك المخطوطتين: أغلب الظن أنهما نسبتا خطأ لابن ماجد..
وبعْدُ.. ليست هذه كل مؤلفات ابن ماجد. فلا زال جزء منها مفقوداً. وفي هذه المخطوطات التي ذكرناها ذكر لثماني رسائل أخر في الملاحة لابن ماجد لم يُظفر بها بعد…!
البنادر والثغور التي ندخها ابن ماجد
من الخريطة الجغرافية التي نقلناها عن الكتاب الذي أصدره معهد الاستشراق السوفييتي عام 1957م لابن ماجد، يتضح مواقع البنادر والثغور التي ندخها ابن ماجد.. ومنها ما يلي:
أولاً: الساحل الإفريقي، وعليه الأقاليم الآتية من الجنوب إلى الشمال:
1 ـ إقليم سفالة ـ ومن مدنه: كلواني ـ سفالة ـ مسبنيجي (ملييوني) سنجاجي ـ كلوة.
2 ـ بر الزنج ـ ومن مدنه: منبسة ـ مَلِندي ـ كتاوة ـ براوة ـ مركت.
3 ـ ساحل الهيراب والسيف الطويل (وهو الصومال وبربرة) ومدنه: مقد شوه ـ جرديل ـ مروني ـ حفوني ـ جيربش (سمالى) ـ جو ـ بتا.
ثانياً: سواحل جزيرة العرب ـ وعليه الثغور الآتية من الشمال:
جدة ـ حمضة ـ الحديدة ـ موشج ـ رأس الثور ـ عارة ـ عدن ـ الأخوار.
وعلى ساحل عُمان: ظفار ـ الأطوح ـ غبّة الحشيش ـ رأس سارق ـ قلهات.
ثالثاً: سواحل عمان وفارس وعليهما المدن التالية:
جلفار ـ سيراف ـ هرموز (جرون).
رابعاً: ساحل الدكن جوزرات) وعليه الثغور.
دابول ـ مهايم ـ دامان ـ كباية ـ سومنات ـ رأس مدور ـ ديو ـ مكران.
خامساً: ساحل الملييار (الهند) وعليه:
كاليكوت ـ رأس هيلي.
سادساً: سواحل أندونيسيا والملايو وعليها:
فاسلار ـ غبة قفاصي ـ تينورك ـ سنداً ـ دنج دنج ـ فيلنج ـ ستوة، على الساحل الصيني.
المصطلحات البحرية الواردة في البحث
وردت بعض المصطلحات البحرية التي كانت تستعمل في عصر ابن ماجد نورد توضيحاً لها فيما يلي:
أسطرلاب: آلة قياس لزاوية ارتفاع الأجرام فوق الأفق، وهي عبارة عن قرص معدني مقسم إلى 360 درجة ويعرف بميزان الشمس، وأصل الكلمة يونانية.
باشي: ارتفاع نجم بالنسبة للنجم القطبي (الجاه)، وهو على أقل ارتفاع فوق الأفق.
برور: جمع بر بمعنى ساحل.
تحت الريح: هي المناطق الواقعة شرق رأس كُمْرِن أسفل الهند.
البنادر: مكان رسو السفن.
الحقة: بيت الإبرة، أو البوصلة العربية، وأحياناً (الدّيْرة).
الحُك: (حقة أو حق) البوصلة.
الجاه: النجم القطبي الشمالي.
خن: جزء من 32 جزء من أقسام البوصلة، والخن هو القوس على الديرة، بين مطلعي نجمين أو مغيبهما، ويقول ابن ماجد إنه مقتبس من أخنان المركب. وأصل الكلمة فارسية.
خليج فارس: ورد هذا التعريف للخليج هكذا (خليج فارس، أو الخليج الفارسي)، كما أورده ابن ماجد أو مؤرخون متقدمون وذلك اصطلاح شاع في مؤلفات المتقدمين.
دبور: الرياح الموسمية التي تهب من الغرب للشرق.
ديرة: طريق ملاحي، على البوصلة.
الربان: قائد السفينة، والناخذة وهي كلمة فارسية تطلق جوازاً على الربان، وهي بمعنى صاحب المركب.
رهماني: أو رهمانج: كلمة فارسية معرّبة، تعني كتاب الطريق، وهي مأخوذة من كلمة (راهـ نامه) وتستعمل بمعنى المرشد الملاحي.
زام: وحدة لقياس المسافات المطلقة من البحر وتعادل مسيرة ساعات بالشراع، أي حوالى 12 ميلاً بحرياً، وأصل الكلمة هندية.
السكان: دفة السفينة.
صاحب السكان: متولي الدفة.
القطبين: الجهات الشمالية والجنوبية.
القلع: الشراع.
مجرى: مرحلة بحرية.
مَدَ البحر وجَزْره: مد: ارتفاع مستوى سطح البحر، وضده الجزر، والمد أيضاً بمعنى التيار البحري.
مراسي: جمع مرسى وهو الميناء.
المغناطيس: الإبرة المغناطيسية المثبتة في الحقة، وتتحرك على محور.
المواسم: الرياح موسم السفر بالشراع.
النوتية: الملاحون.
كما وردت بعض الأخطاء اللغوية في أصل ما كتبه ابن ماجد، بعضها تركناه كما كان، عملا بأمانة النقل أيضاً.
عبدالله الماجد
وعن ابن ماجد كتب كاتب ما يلي:
تعلم شهاب الدين ابن ماجد فنون البحرية على يد والده الربان الخبير وكان يصحبه في كثير من رحلاته وأسفاره، ومنذ طفولته، وهو يتمتع بصوت رخيم كان البحارة يستبشرون به، وهو يتلو عليهم ما يتيسر له من القرآن الكريم. في اللحظات التي تسبق تحرك السفن من الميناء. وبعد رحيل ابن ماجد، خلده البحارة في جميع الموانئ العربية بتقليد جميل حين يلتقون في شبه دائرة قبيل بدء رحلاتهم البحرية.. ويقرأون «الفاتحة» للشيخ ابن ماجد.
شهرة ابن ماجد، وعظمته الحقيقية، تكمن في أنه كان بحق أسداً من كواسر البحرية الشجعان في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وصاحب أعظم موسوعة في علوم البحار والملاحة وفنونها. وتتمثل قيمة الموسوعة الضخمة التي تركها ابن ماجد من 19 مؤلفاً، في أنها البذرة الأولى لعلوم البحار بكل معانيها الواسعة. منذ وضعها ابن ماجد لأول مرة في تاريخ الملاحة البحرية. وما زالت تستخدم ويسترشد بها حتى يومنا هذا.
ومن مفاخر ابن ماجد.. أنه كان مثقفاً… وقارئاً نهماً بعدة لغات ساعدته على ذلك إجادته لعدد من لغات الدول المحيطة بموطنه.
وتقدر بعض المصادر أن مؤلفات ابن ماجد يصل عددها إلى الأربعين. غير أن بعضها فقد، وبعضها الآخر اختفى، وأغلب الظن أن هناك من سرقها ونسبها إلى نفسه.
ومن مؤلفات ابن ماجد كتاب «الفوائد في أصول علم البحار والقواعد» ويقع في 176 صفحة، وفيه يلخص ابن ماجد اصطلاحاته الملاحية ويقدم الإرشادات والمعلومات المفصلة التي ينبغي على الربابنة الإحاطة بها قبل أن يتولوا قيادة السفن.
ولم يكتف ابن ماجد بذلك بل قدم لقارئ كتابه هذا عدداً من المراجع الفنية التي ينبغي على المهتمين بشؤون الفنون البحرية أن يلموا بها، إلى غير ذلك مما احتواه الكتاب من معلومات جغرافية وفلكية ورياضية. ومن مؤلفات ابن ماجد أيضاً كتاب «حاوية الاختصار في أصول علوم البحار» وفيه يتناول أسرار البحار، وما تحتويه من كائنات وأوصاف دقيقة للطرق البحرية في المحيط الهندي.
كما ترك ابن ماجد أرجوزته الشهيرة، والتي تتكون من 1083 بيتاً منها الأرجوزة المعربة، وقبلة الإسلام وبر العرب وغيرها من الأرجوزات التي بلغ عددها نحو 32 أرجوزة.
وإذا كان كل ما لخصناه من آثار ابن ماجد العلمية، يعد قطرة في بحر مما ألف وأبدع إلا أن هناك عنصراً مهماً، يستوقفنا في آثار ابن ماجد وهو الجزء الخاص بآداب وتقاليد مهنة البحارة، وكيف استطاع ابن ماجد أن يهذب ويعدل الكثير من القوانين التعسفية التي كانت تفرض على البحارة وتجعل حياتهم على ظهر السفن أشبه بحياة الرقيق والعبيد. وجاء ابن ماجد ليضع تقاليد جديدة، تتضمن الكثير من الضمانات الإنسانية للعاملين على ظهر السفينة، وتحدد وظيفة كل عامل وموقعه، وتوزيع الاختصاصات والصلاحيات بما يتفق وطبيعة العمل في البحر، تلك الطبيعة التي تحتاج إلى قدر هائل من الشجاعة والجهد والقدرة على الاحتمال.
ويمكن القول إن ابن ماجد كان أميناً مع نفسه ووفياً لمهنته فقد عاش البحريون العرب حقبة من الزمان يحتفظون لأنفسهم بكثير من أسرار معارفهم الجغرافية حتى جاء ابن ماجد، فأبدع، وحقق، وكشف وابتكر، واخترع وأضاف، حتى صار للبحر علماً، سارت على هديه ومناهجه سائر الأجيال بعد أن اكتشفت أوروبا عبقريته في القرن العشرين وقد اختلف الرواة في تحديد السنة التي ولد فيها ابن ماجد غير أن بعض المصادر أشارت إلى أنه ولد حوالى عام 838 هجرية، كما أشارت مصادر أخرى إلى أنه مات وهو في سن السبعين.
ابن ماجد الملاح الشّاعر
قال حسن كامل الصيرفي:
نشرت بعض الصحف اليومية تحت عنوان «مخطوط عربي أثري عن الملاحة في البحر الأحمر» خبراً نقلته من «لينينكراد، نصه:
«تقول وكالة» تاس إنه ستنشر قريباً في لينينكراد الطبعة الأولى في العالم للمخطوط الأثري الذي كتبه البحار العربي الشهير ابن مجيد الأحند (كذا). وقد عثر على هذا المخطوط الأثري أخيراً في أرشيف معهد الدراسات الشرقية في لينينكراد، ولا توجد في العالم سوى هذه النسخة من المخطوط. وقد حصل المتحف الآسيوي بسان بطرسبورج على هذا المخطوط في عام 1818 بين خمسمائة مخطوط أخرى باللغات العربية والفارسية والتركية. وقد كتب الأحند (كذا) مخطوطة بالشعر في ثلاثة فصول يصف فيها طرق الملاحة المختلفة في البحر الأحمر والمحيط الهندي في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، ويعد بمثابة المرشد للملاحة في هذه البحار. ومما هو جدير بالذكر أن هذا المخطوط ظل مجهولاً حتى الآن سواء في الشرق العربي أو في الغربي».
هذا ما نشر نقلاً عن وكالة «تاس» وهو إلى جانب المبالغة فيه قد وقع فيه كذلك تحريف في ترجمة اسم هذا الرحالة العربي الذي لم يعرفه إلا نفر قليل. ومؤلفات هذا الرحالة منشورة.
فهو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن عمرو بن فضل بن دَوْيك بن يوسف بن حسن بن حسين بن أبي معْلَق السعدي بن أبي الركايب النجدي نسبة إلى مسقط رأسه «نجد». المتوفى في مستهل القرن العاشر الهجري ونهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
وهو من علماء فنّ الملاحة وتاريخه، ورث ذلك عن أبيه وجدّه فقد ألّفا كذلك في هذا الفنّ. ولكن شهاب الدين هذا قد تفوّق، وهو إلى ذلك شاعر استغلّ موهبته في نظم القصائد والأراجيز التي ضمنها كل اختباراته، وشعره رقيق، ولكنه يضعف حين يحمّله الاصطلاحات الفنية، ويختلّ وزنه أحياناً أو يضطر إلى الوقوع في أخطاء صرفية. ولكنه مع ذلك لونٌ جديد في الأدب العربي.
وكان يلقب بأسد البحر، وينسب إليه ـ في رواية ـ اختراع الإبرة المغناطيسية.
ولابن ماجد هذا عدد من المؤلفات نشرها في باريس سنة 1921 ـ 1923 جبريال فران G. ferrand عن مخطوطة، محفوظة في باريس يبلغ عدد أوراقها 181 أي 362 صفحة وعدد سطور كل منها 19 كتبت سنة 984هـ ونشرها فران بطريق الفتوغرافور. وفي نسخة دار الكتب المصرية منقولة عن نسخة باريس بالتصوير الشمسي من هذه الرسائل محفوظة لديها برقم 57 جغرافياً.
وتبدأ هذه المجموعة بكتابه «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» يستغرق من تلك المجموعة 175 صفحة، وقد رتبها على اثنتي عشرة فائدة كالأبواب، وأتى فيها على ذكر أول من ركب البحر وأسباب ركوبه، وصانعي السفن. ثم أفاض في بيان المنازل والدارات والمسافات والقياسات والرياح ومطالع المغارب والاستواءات والبرور والسواحل.
وهذه الرسالة زاخرة بالمصطلحات الملاحية والفلكية. ولعل المجمع اللغوي يستصفي هذه المصطلحات ثم ينشرها مع تفسيرها وذكر أصولها ومقابلها في اللغات الأخرى، فيضيف إلى المعاجم العربية مادة ليست بالقليلة تزيد من ثروتها العلمية في هذه الناحية.
ويبدو أن هذه الرسالة بالذات قد كُتبت بعد أراجيزه وقصائده لأنه يضمّنها، بين حين وآخر، أبياتاً من تلك الأراجيز والقصائد.
وتتلو هذه الرسالة أرجوزته المسماة «حاوية الاختصار في أصول علم البحار» وقد رتبها على أحد عشر فصلاً في بيان ما يجب على البحارة معرفته عن المنازل والأخنان وقواعد الباشات والنيروز العربي والسلطاني ومعرفة السنين العربية والقبطية والرومية ودائرة برّ العرب. ومجموع أبياتها 1035 يبدأها بقوله:
الحمد لله ذي الجلال
القاهر الفرد بلا مثال
ثم أرجوزته «المعْرِبة» التي عرّبت الخليج البربريّ وصححت قياسه وهي من رأس حافوني إلى باب المندم (المندب) واشتقاق ديرة المطالقة لبرّ العرب وصفات مجاري زيلع، أوّلها:
يا سائلي عن صفة المجاري
ثم قياس الأنجم الدراري
وعدد أبياتها 177.
ثم «قِبلة الإسلام في جميع الدنيا» قال في مقدمتها: «لما رأيت الناس يميلون عن معرفة القِبلة ومساجدهم مائلة عن قصد القبلة خصوصاً في المدن اللواتي بقرب البحر وجزره التي يمرّ بها المسافر، نظمت هذه الأرجوزة، وأقمتها بأوضح الأدلة وأسهلها…».
وقد بدأها بقوله:
باسم الإله المستعان أبتدي
مصلّياً على النبيّ أحمد
ليسهل التشديد من مرامي
في نظم درّ قِبلة الإسلام
وأبياتها 295.
وتليها أرجوزة «برّ العرب في خليج فارس»؛ وهي 253 بيتاً استهلها بقوله:
يا طالعاً من آخر الفرات
والبصرة الفيحاء خذ وصاتي
ثم أرجوزة في قسمة «الجمسّة» على أنجم بنات نعش عدّتها 68 بيتاً بينّ فيها كيف يستدل رجال البحر (أو النواتية) وغيرهم على مسالك السير في البحار، ومطلعها:
يا قاسم الأرزاق لم ينس أحد
فرد غياث المستغيثين أحدْ
وبعدها قصيدة سماها «كنز المعالمة» وذخيرتهم في علم المجهولات في البحر والنجوم والبروج وأسمائها وأقطابها. وعدد أبياتها 71، ومطلعها:
يا أيها الناس ماذا شئتموا قولوا
الأرض معلومة والبحر مجهول
ثم أرجوزة في النتخات لبرّ الهند وبرّ العرب؛ وقد جعل مطلعها:
يا طالب النتخة بالحقائق
من كل برّ بقياس فائق
وهي في 255 بيتاً:
فقصيدته المسماة «ميمية الأبدال» وعدّتها 64 بيتاً؛ أولها:
سهاد حكت عيني عصارة عندم
وكل نجوم الليل تسأل عن دمي
ثم «المخمسة» وهي 51 بيتاً نظمها عام 906 ذكر فيها الكواكب التي يهتدي بها الملاحون.
وتليها قصيدة نظمها في عدة الأشهر الرومية، وعدد أبياتها 13 بيتاً:
ثم القصيدة المسماة «ضريبة الضرائب» وأبياتها 192؛ أولها:
شباب برأسي أعجب الناس من أمري
أتاني عقيب الشيب في آخر العمر
تليها أرجوزة منسوبة لعلي بن أبي طالب فيم عرفة المنازل وحقيقتها في السماء وأشكالها وعددها؛ وهي مؤلفة من 48 بيتاً.
ثم القصيدة المكية التي وصف فيها الطريق من مكة لجدة إلى فرتك لقاليقوط والدبيل وكنكن وجزرات والأطواح وهرمز، وأبياتها 172؛ مطلعها:
فؤادي أسير الحيّ من شعب عامر
أحوم عليها بالدجى والهواجر
فالقصيدة المسماة «نادرة الأبدال» في الواقع وذبان العيّوق، وهي 56 بيتاً.
وتتلوها قصيدته البائية المسماة «الذهبية» وأبياتها 194. أولها:
بدأت ببسم الله ربي وخالقي
ومستخلفي في جيرتي وأقاربي
فقصيدته المسماة «الفائقة في فياس الضفدع، ويسمى فم الحوت اليماني، ويسمى ساكب الماء، ويسمى الظليم الفرد، ويسمى النهر وقيده سهيل»؛ وهي 57 بيتاً.
ثم قصيدته «البليغة» في قياس السهيل والرامح؛ وعدّتها 65 بيتاً.
وقد ختمت هذه المجموعة بثمانية فصول نثرية زاخرة أيضاً بالمصطلحات.
هذا، ولابن ماجد أرجوزة اسمها «ألسبعية» في ذكر سبعة علوم من علوم البحار، أبياتها 305 ومطلعها:
تبارك الربّ الذي هدانا
في بحره المسجور إذ أنجانا
ثم «الهادية» في علم البحر، وعدد أبياتها 155 مطلعها:
الحمد لله الحسيب الهادي
في برّه والبحر للرشاد
وقصيدة في علم البحر أبياتها 33 ومطلعها:
خليليّ هيّا واسمعها درّ منطقي
فلا عاش من يخفي العلوم ولا بقي
وهذه القصائد الثلاث الأخرى محفوظة بمكتبة باريس برقم 2559 ولها صورة شمسية في دار الكتب المصرية برقم 395 جغرافياً.
وقد ذكر بروكلمان في ملحق الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الآداب العربية» ص 230 أن المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي نشر في لينينكراد سنة 1937 أرجوزة لابن ماجد. وقد اطلعنا في الجزء الأول من الكتاب الذي صدر عن أعمال كراتشكوفكسي سنة 1955 على صورة بالفوتوغرافية للورقة الأولى من هذه الأرجوزة التي يذكر ناظمها في مقدمتها أنها المسماة بالسفالية وعناها يقتضي معرفة المجاري والقياسات من مليبار وكنكن والزنج وسفالة (وهي المعروفة بسفالة الزنج) والقُمر وجزره ونوادر علوم جميع ما في تلك النواحي إلى آخر الأرض من الجنوب.. إلخ. ويستهلها بقوله:
الحمد لله الذي أنشا الملا
من عدم جلّ تعالى وعلا
وله رسالة موجودة في الموصل اسمها «الميل». وفي فينا رسالة عنوانها «فكرة الهموم والغموم والعطر المشموم في العلم المبارك المقسوم في العاملات والمسافات النجوم».
ولعل هذه الرسائل هي التي يعمل الآن الدكتور سومشكي أستاذ تاريخ الأدب العربي القديم في الكلية الشرقية في لينينكراد على نشرها.
ما ذكر ريتشارد برتون R.Burton المستشرق البريطاني الذي زار مصر عام 1835 واستقل من السويس سفينة إل ينبع والمدينة ومكة متنكراً، ثم راد أواسط إفريقية؛ فقد ذكر أن بحارة عدن كانوا يقرأون قبل إبحارهم الفاتحة للشيخ ماجد، وهو هذا الملاح الشاعر الذي كانوا يطلقون عليه اسم «المعلم».
ويقول الدكتور أنور عبد العليم في مقالة له في العدد 404 الصفحة 80 وما بعدها من مجلة العربي (تموز 1992):
لدينا تراث عربي قديم في مجال علوم البحار، التسمية نفسها عربية أما الاسم الأعجمي (Oceanography) فلم يعرفه الأوروبيون إلا أخيراً في القرن التاسع عشر، بعد رحلة الاستكشاف البحرية (تشالنجر)، التسمية العربية جاءت قبل ذلك بكثير على يد (ابن ماجد)، عنوان كتابه (الفوائد في أصول علم البحار والقواعد). وعنوان الكتاب الثاني: (حاوية الاختصار في أصول علم البحار).
هو إذن صاحب التسمية العربية لهذا الاسم.
ويقول الدكتور عبد العليم:
… وبدأت أتتبع تاريخ وحياة ابن ماجد وأصدرت كتابي عنه (ابن ماجد الملاح). كنت متشككاً في أنه هو الذي أرشد الملاح البرتغالي (فاسكوديكاما)، وفعلاً، لم يكن هو مرشده، وإنما بحار هندي.
ولم يكن ابن ماجد مجرد ملاح، فقد درس بعض الظواهر الطبيعية في البحر مثل التيارات، ولون ماء البحر، كما وصف طبيعة القاع، ورصد بعض أنواع الحيوانات والطيور البحرية، ووضع أسماء ومصطلحات عربية علمية جميلة.
أثر ابن ماجد
في نظريات علم البحار الإسلامية
وعن نظريات علم البحار في التراث الإسلامي وأثر أحمد بن ماجد في ذلك قال أحمد فؤاد باشا:
تعني علوم البحار والمحيطات بدراسة البحار والمحيطات من حيث هي بيئة متكاملة لها جوانبها الطبيعية والكيميائية والجيولوجية والحيوية وغيرها. ويعتقد بعض المؤرخين الغربيين بأن علم البحار والمحيطات من العلوم الحديثة التي لا جذور لها في تاريخ الحضارات السابقة، فزعم الإيطاليون أن المؤسس الحقيقي له هو مواطنهم لويجي فرناندو مرسيلي (1658 ـ 1730) الذي ألف فيه رسالة بعنوان «التاريخ الطبيعي للبحر» ويؤكد البريطانيون أن سير جون موراي هو صاحب الفضل الأول في استحداث هذا المبحث المهم عندما أشرف على رحلة سفينة الأبحاث البريطانية «تشالنجر» التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة بين كانون الأول (ديسمبر) 1872 وأيار (مايو) 1876، وقام بدراسة شاملة لمحيطات الكرة الأرضية. أما الأميركيون فيزعمون أن ضابط البحرية الأميركية ماتيوس فونتين موري (1806 ـ 1873) هو الأحق بأن ينسب إليه هذا الفضل لأنه جمع معلومات كثيرة من «قباطنة» السفن بحكم عمله كمشرف على المرصد البحري في واشنطن، وكتب في ذلك مؤلفاً بعنوان «الجغرافيا الطبيعية للبحر».
وحقيقة الأمر، المنغمسة في هذه المغالطات التاريخية، هي أن علاقة الإنسان بالبحر قديمة قدم التاريخ الإنساني ذاته، وبخاصة أن هذه العلاقة توطدت وتطورت بمرور الزمن بعد أن وجد الإنسان في البحر مصدراً من مصادر الرزق، ووسيلة من وسائل النقل، فأنس له وتجرأ على ركوبه والسفر فيه.
ويشهد تاريخ الملاحة البحرية على أن استخدام الإنسان للبحر في العصور القديمة، سواء لأغراض سلمية أو حربية، إنما تم بالاستناد إلى قدر مناسب من المعارف والخبرات المتعلقة بأمور البحر وظواهره. بل أن هناك ما يشير إلى قيام القدماء برحلات بحرية قريبة الشبه إلى حد كبير ببعثات البحث العلمي في وقتنا الحاضر، وما تزال أخبار مثل هذه البعثات منقوشة على جدران معبد الدير البحري في مصر.
ولم يتخلف العرب القدامى عن ركوب البحر الذي يحيط ببلادهم من جهات ثلاث. فقد كان عرب الجنوب خصوصاً أصحاب علم ودراية بالبحر ومسالكه، وكانوا يبحرون في سفن كبيرة لأغراض التجارة مع الهند وجزر الملايو وأندونيسيا وسواحل أفريقيا ونشطت في ذلك الوقت موانئ الإحساء والبحرين وعدن وعمان وموزا Muza (وهي مخا الحالية في اليمن)، وأيلة (وهي قريبة من السويس حالياً، أو «القلزم» قديماً في مصر).
وعندما قامت الدولة الإسلامية كان من الطبيعي أن تعتمد في أوائل عهدها على أبناء الأمم التي دانت لها، وفيهم الملاحون المهرة الذين برعوا في صناعة السفن واتقنوا قدراً مناسباً من الخبرة الملاحية. فتاريخ الحضارة البشرية لم تصنعه «المعجزة اليونانية» ولا «الحضارة الأوروبية» وحدهما، على حد زعم المتعصبين من مؤرخي العلم والحضارة، وإنما ساهمت في صنعه أمم مختلفة في عصور متعاقبة على امتداد آلاف السنين. وكان للحضارة الإسلامية دورها الرائد والأساسي في دفع حركة التقدم والرقي إبان العصور الوسطى، بخاصة بعد أن استقر ملكها وطابت ثمارها وامتدت رقعتها من الشرق إلى الغرب في موقع من الأرض يتوسط حضارات الهند والصين والفرس شرقاً، وحضارات روما واليونان غرباً.
ويكفي أن نستدل على حقيقة هذا التفاعل الحضاري بين الأمم اختلاف أجناسها بما نجده في معجم المصطلحات الملاحية من ألفاظ كثيرة ترجع أصولها إلى اللغات الفارسية أو الهندية أو اللاتينية أو اليونانية أو الصينية، بالإضافة إلى اللغة العربية. فكلمة «أسطول» ـ على سبيل المثال ـ لاتينية، وكلمة «غليون» إسبانية، وكلمة «ربان» فارسية، وكلمة «بارجة» هندية، وكلمات «أميرال» (أمير البحر)، و«كابل» (من حبل)، و«فلوكة» (من فلك) عربية.
اهتم المسلمون بالبحر والملاحة البحرية كثيراً، وأكثروا من بناء السفن حتى ملأوا البحار بالجواري المنشآت، ووضعوا لها الأسماء بحسب اختلاف أشكالها وتباين اجرامها وحجومها وتنوع أغراضها فهناك السفن الحربية مثل: «الحراقة» المخصصة لرمي النار على الأعداء، و«الحمالة» التي تستخدم لنقل المؤن والزاد للأسطول المصري في العصر الفاطمي، و«الشيني» التي تستخدم لحمل الجنود وتقام فيها أبراج وقلاع للدفاع والهجوم، و«العشاري» لنقل الجنود والعتاد، و«الغراب» وهي سفينة حربية سوداء اللون بسبب طلائها بالقار الأسود ومزودة بجسر من الخشب يستخدمه المحاربون للنزول على سفن الأعداء. وهناك من السفن التجارية: «الجلبة» و«الجهازي» و«الزخارف».
على أنه مهما تعددت أنواع السفن وتنوعت حجومها، فهي لا تخرج عن كون جزئها السابح في الماء يشبه الحوت في عومه، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وهي أجرام هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشكل.أعون لها في مصادمة الماء، وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح، وربما أعينت بحركة المجاذيف كما في الأساطيل».
وتجهز السفن عادة بالمعدات المساعدة في الملاحة، كالبوصلة والأسطرلاب والخرائط والصور ودفاتر الإرشادات البحرية والأسلحة اللازمة للدفاع والهجوم.
ومن الطبيعي أن يكون تطور الملاحة البحرية مرتبط بتطور العلوم الأخرى كالفلك والارصاد والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها، كما يكون مرتبطاً بتطور المعرفة بعلوم البحار والمحيطات وما يتعلق بدراسة طبيعة شواطئها وقيعانها، وصفات مياهها، وأنماط الحياة التي تزخر بها، والظواهر التي تنشط في قلبها وعلى سطحها مسببة الأمواج والتيارات البحرية وغيرها. ويمكن أن نلمس الكثير من مظاهر هذا التطور الذي أحرزه علماء المسلمين في كتب العجائب والجغرافيا وأدب الرحلات البحرية، فنجد المقدسي، على سبيل المثال، في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) يقول في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» في معرض حديثه عن المحيط الهندي: «وأما أنا فسرت نحو ألفي فرسخ ودرت على الجزيرة كلها من القلزم (السويس حالياً) إلى عبادان، سوى ما توهت بنا المراكب إلى جزائره ولججه. وصاحبت مشايخ فيه ولدوا ونشأوا من ربابين (جمع ربان) وأشاتمه (جمع أشتيام: وهو مسؤول عن إدارة القتال في البحر) ورياضيين ووكلاء وتجارة، ورأيتهم من أبصر الناس به وبمراسيه وأرياحه وجزائره، فسألتهم عنه وعن أسبابه وحدوده، ورأيت معهم دفاتر في ذلك يتدارسونها ويعولون عليها ويعملون بما فيها».
والدفاتر التي ذكرها المقدسي في هذا النص ما هي إلا كتب الإرشادات الملاحية التي كانت تحتوي على الجداول الفلكية وخطوط عرض الموانئ، بالإضافة إلى كل ما يحتاج الربان (قائد السفينة والمسؤول عن تسييرها) إلى معرفته من معلومات عن الرياح والسواحل والشعبان والحزر والنجوم وغيرها، مما يساعد في الاهتداء في الملاحة، والاقتراب بالسفن من مراسيها.
ومن أقدم الكتب التي ألفها علماء الحضارة الإسلامية في علم الملاحة البحرية وفنونه، وما تزال مراجع عالمية لها قيمتها، كتاب «المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم البحار» الذي ألفه أبو معشر، وكتاب «الرهماني» الذي ألفه الثلاثة محمد بن شادان وسهل بن آبان، وليث بن كهلان في العصر العباسي. وقد دون العرب بعض هذه الإرشادات الملاحية على شكل «أراجيز» تسهيلاً لحفظها.
على أن أهم ما يذكر في علم الملاحة البحرية وارتباطه بعلم البحار عند المسلمين هو كتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد «لشهاب الدين أحمد بن ماجد السعدي النجدي، وفيه يوضح المؤلف تاريخ علم البحر والملاحة البحرية حتى القرن الخامس عشر الميلادي، ويلقي الضوء على مدى تأثر البرتغال بعلوم المسلمين وبالتقاليد الملاحية التي أرسوها في الملاحة البحرية بشكل عام، وفي المحيط الهندي بشكل خاص ويبين ابن ماجد بشيء من التفصيل العلوم والثقافات التي يجب أن يلهم بها ربان السفينة فيقول: «إن لركوب البحر أسباباً كثيرة، فأهمها وأولها معرفة المنازل والأخنان والمسافات والقياس والإشارات وحلول الشمس والقمر والرياح ومواسمها، ومواسم البحر وآلات السفينة، وما يحتاج إليه… وينبغي أن تعرف المطالع والاستوايات، وجلسة القياس ومطالع النجوم ومغاربها وطولها وعرضها وبعدها وممرها، وينبغي أن تعرف الرياح والمد والجزر في كل طريقة، ويتفقد في أحضان السفينة وآلاتها ورجالها، ولا يشحنها غير العادة…».
ويضيف ابن ماجد إلى كل ذلك ما يسميه «علم الإشارات»، ويقصد به معالم السواحل والجزر وخصائص المياه وطبيعة القاع وقدراً من المعلومات عن الأسماك والطيور وحشائش البحر التي تعين الربان على التعرف على السواحل المختلفة. وتستغرق المعلومات الفلكية جانباً كبيراً من اهتمام ابن ماجد في مؤلفاته، ثم هو يطبق معلوماته على وصف الطرق الملاحية التي سلكها في المحيط الهندي بين موانئ الجزيرة العربية وسواحل إفريقيا وآسيا وجزر أندونيسيا والبحر الأحمر.
وبذلك يكون ابن ماجد، وليس غيره من المحدثين، هو الذي أرسى أصول «علم البحار» كما نعرفه اليوم بأنه مجال تتجاذبه اختصاصات عدة لدراسات البحار والمحيطات من مختلف جوانبها الطبيعية والجيولوجية والبيولوجية والكيميائية والقانونية وغيرها. ولعل في هذا ما يؤهله لما سجله التاريخ في حقه من أنه قاد الملاح البرتغالي فاسكو دي غاما في سنة 904هـ/ 1498م في بحر العرب حتى وصل به إلى مرفأ كاليكوت (أو كالكتا) على الساحل الجنوبي الغربي من شبه جزيرة الهند. وفي تلك الرحلة كان مع ابن ماجد خارطة لجميع شواطئ الهند وعدد من الآلات والأدوات التي تعكس المستوى المتقدم للملاحين العرب.
أيضاً، كان سليمان بن أحمد المهري (المتوفى بعيد 950هـ ـ 1553م) ملاحاً عربياً من حضرموت لا يقل مقدرة عن ابن ماجد، وله عدد من المؤلفات أهمها اثنان: «العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية» في الجانب العلمي النظري من الملاحة البحرية، ثم «المنهاج الفاخر في علم البحر الزاخر» في الجانب الفني العملي من الملاحة. ويرجع الفضل في اكتشاف مؤلفات ابن ماجد وسليمان المهدي لجهود المستشرق الفرنسي جبريل فران في الربع الأول من القرن العشرين.
تحدثنا مخطوطات التراث العلمي الإسلامي أن علماء المسلمين أسهموا في تطوير المعارف عن البحار والمحيطات والأنهار، وقالوا بآراء متقدمة ونظريات علمية على أسس منهجية سليمة في حدود الضوابط والآليات المعرفية المعروفة في عصرهم. ومن أبرز هذه الآراء نظريتهم في نشأة البحار وتكون الأحواض البحرية، وهي التي قال بها الشيخ الرئيس ابن سينا مبيناً العلاقة التبادلية بين البحر واليابسة عبر العصور، حيث اهتدى بحدسه العلمي إلى أن الأرض كانت في مراحل تكونها الأولى كرة ملساء خالية من التجاعيد، يحيط بها غشاء شفاف من الماء. ومع مرور الزمن نشأت منخفضات تجمعت فيها المياه، وتحولت المياه عن مناطق أخرى، فظهرت اليابسة من تحت الماء، ثم أخذت مساحة اليابسة تزداد تدريجياً فينزاح عنها الماء ليجتمع في الأغوار على هيئة أحواض مائية. وكان للعوامل الفلكية والمناخية والجيولوجية أثرها الفعلي في ظهور مواقع مكشوفة من الأرض هي اليابسة، وأخرى مغمورة بالمياه هي البحار.
يوضح ابن سينا تطور هذه العملية الكونية لنشأة الأحواض البحرية بقوله: «في طبيعة الأرض أن تستحيل أجزاء منها ماء أو ناراً، أو غيرهما من الجواهر الأخرى، ولكن الجواهر قد تستحيل أجزاء منها أرضاً، فما يستحيل من الأرض إلى غيره ينقص من جملة حجم الأرض، فيلزم ضرورة أن يقع هناك كلمة في تدوير الأرض، وغور إذا كانت الأرض يابسة لا تجمع إلى شكلها الطبيعي… فيلزم أن يتولد على كرية الأرض تضاريس من غور ونجد، وخصوصاً، وللكواكب لا محالة، تأثير في إيجاد هذه الإحالة بحسب المسافات التي تتبدل بحسب حركتها، فيشبه أن تكون هذه أسباباً عظاماً في إحداث المائية من جهة إلى جهة، أو تنقلها إليها… بتبخير الرطوبة وتصعيدها بالتبخير إلى جهة خاصة من الأرض، وإن كان واحد منها يعظم ويكثر على الدهر حتى يؤثر في هيئة شكل الماء لسيلان الماء إلى الغور وكشفه للنجد… وقد أعان على هذا أسباب أخرى، إذ لا بد من حدوث طين بين الماء والأرض، ولا بد من نفوذ قوة الشمس والكواكب إلى الطين وتحجيرها إياه إذا انكشفت حتى تتخلق الجبال، على ما قلناه، فإذا كان كذلك لم تكن بد من أن يكون براً وبحراً».
والباحث المدقق في هذا النص التراثي لابن سينا يمكنه الوقوف على حقيقة سبقه تاريخياً إلى القول بأن الأرض كانت في البداية متكاملة التكور، خالية من التضاريس، وهي الفكرة التي ينسبها المؤرخون إلى العالم الإنكليزي جوي راي في القرن السابع عشر الميلادي. كما أن هذه الفكرة تعتبر الأساس التاريخي لما أعلنه الألماني الفريد لوتر فيجنر في أوائل القرن العشرين من أن جميع القارات كانت يوماً قارة واحدة عملاقة تضم كل اليابسة، وأطلق عليها اسم «بانجيا» في طبعة العام 1928 من كتابه «نشأة القارات والمحيطات».
ومثلما كان فيجنر يستند في نظريته إلى الشواهد والبيانات التي جمعها من خلال دراسته عن المناخ قديماً، وعن الحفريات النباتية والحيوانية لكي يثبت ما لاحظه من تطابق بين كل من أميركا الجنوبية وإفريقيا على الخريطة، فإن الأساس النظري لفكرة ابن سينا المبنية على استحالة الجواهر، أو العناصر الأساسية التي تتألف منها المواد في الطبيعة، وهي الماء والهواء والأرض والتراب والنار حسب نظرية العناصر الأربعة القديمة. يعتبر أساساً ناضجاً ومنطقياً إذا ما نظرنا إليه برؤية موضوعية في سياقه التاريخي، بل إنه يعتبر أنضج وأكثر منطقية من اعتقاد جون راي في العصر الحديث بأن نيراناً عظيمة في باطن الأرض هي التي أحدثت تصدعاً كبيراً وانفجاراً مهولاً تحولت الأرض على أثرهما إلى كومة من الخراب والأنقاض، فالمناطق التي ارتفعت شكلت اليابسة، وتلك التي النخفضت شكلت الأحواض البحرية.
كذلك يجد المتأمل في النص التراثي الذي أوردناه لابن سينا أن استحالة الماء إلى الأرض (صخور) ليست مجرد رأي فلسفي بحت بل هي واقع ملموس في نشوء الصخور الرسوبية في الأحواض البحرية، فالطين الذي يحدث بين الماء والأرض هو الراسب الذي يتجمع على قاع البحر مما تحمله مياه البحر من مواد، وعندما تكشف هذه الرواسب فإنها تتحجر تحت تأثير أشعة الشمس وتبخير المياه، فتتحول إلى صخور جديدة تضاف إلى الصخور الأولية التي تتكون منها الأرض. ومن هذه الصخور الجديدة، وتحت تأثير عوامل مختلفة، تتكون الجبال فيما بعد، ومن هذه الجبال تتكون القارات. من هنا نفهم أن القارات لم تنشأ لمجرد انحسار مياه البحر عن بعض المناطق، كما كان يعتقد أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان، بل نتيجة لترسب وتكوين صخور جديدة ترسبت من مياه البحر بصورة تدريجية.
وهناك آراء أخرى متقدمة لعلماء المسلمين في ظواهر أخرى تتعلق بعلوم البحار، مثل علاقة البحر باليابسة، وحدوث الأمواج والتيارات البحرية، وظاهرة المد والجزر، وغيرها، وسوف نعرض لها في مقال قادم إن شاء الله.
أحمد فؤاد باشا
تعرف المسلمين
على اكتشاف أميركا
ما دام اكتشاف أميركا من الاكتشافات البحرية، وما دمنا في الحديث عن البحار والتوغل فيها، نورد هنا بحثاً بقلم خالد زيادة عن معرفة المسلمين باكتشاف أميركا:
إلى أي وقت يعود تعرّف المسلمين إلى اكتشاف القارة الأميركية؟
تبدو إعادة طرح السؤال جديدة كلياً، وبالكاد طُرح السؤال سابقاً على رغم مرور خمسة قرون على اكتشاف هذه القارة أو «العالم الجديد». ولا يتعلق الأمر بجمع المعلومات من المصادر والمراجع فقط، لكن يتعلق أيضاً بتحول فهم المسلمين للعالم وخريطته؛ إذ كان على الوعي الإسلامي أن يفرد مكاناً لهذه القارة في الصورة التي يكونها عن العالم، وأن يفسح المجال داخل الخريطة التي يرسمها للأرض، لهذا الاكتشاف.
من المعلوم أن المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي صرف جهده العلمي بحثاً عن التراث الجغرافي الإسلامي ـ العربي، ووضع ثمرة جهده في سفر عظيم يقع في حوالى الألف صفحة في ترجمته العربية، التي تحمل عنوان «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وقد نشر هذا الكتاب بالروسية عام 1957، ونشرته جامعة الدول العربية علم 1965. وقد وجدنا في هذا الكتاب أبرز المعطيات حول معرفة المسلمين والعرب بالقارة الأميركية. وقد استفدنا من ذلك في الجزء الثاني من هذه الدراسة، وأشرنا إلى المقاطع التي أخذناها عن المؤلف. هذا ويجد القارئ في كتاب كراتشكوفسكي تعقباً متانياً لمجمل المعطيات حول تطور الجغرافيا العربية والمفاهيم التي تستند إليها، كما يتضمن الكتاب المعطيات الأولى التي تعرف من خلالها العرب والمسلمون إلى القارة الأميركية.
كيف كان العالم يبدو عشية اكتشاف كريستوف كولومبس للقارة الجديدة عام 1492؟
كان العالم القديم يتمركز حول البحر الأبيض المتوسط وآسيا بشعوبها التركية والفارسية والهندية والصينية، وهذه الصورة تكاد تكون هي ذاتها التي ألفها العالم منذ ثلاثة آلاف سنة سابقة. والعالم الإسلامي كان يحتل موقعاً وسطاً في قلب الخريطة القديمة للعالم، فهو يشغل القسم الأعظم من شواطئ البحر المتوسط، ويحتل البقاع الخصبة والاستراتيجية من جنوبي غربي آسيا إلى أواسطها وتحيط بالعالم الإسلامي شعوب عديدة: «الأوروبيون في الغرب، والسود في أفريقيا، والهنود والصينيون في الشرق.
وفي تقسيمهم لصورة الأرض أخذ المسلمون بنظرية بطليموس اليونانية القديمة القائلة بأن الأرض تقسم إلى سبعة أقاليم، وهي قسمة تعتمد تصنيفاً للمناخ والأعراق والمواقف الجغرافية. وميزة هذا التقسيم أنه يتسم بالطابع الأيديولوجي، لأنه يضع العالم الإسلامي في وسط هذه الأقاليم المفترضة، أي في الإقليم الرابع ويجعل بغداد أو بابل مركزاً لهذا العالم. ثم تتوزع الأقاليم الأخرى شمالاً وجنوباً، بحيث تنحدر نحو قعر الحرارة والتوحش جنوباً وصولاً إلى الإقليم الأول، ثم تصعد شمالاً نحو البرودة والهمجية وصولاً إلى الإقليم السابع.
وكان هذا التقسيم يحجب صورة «القارات» التي لم تكن مجهولة تماماً، فقد كان ثمة تقسيم يتحدث عن أربعة أقسام، كما يذكر ابن خردذابة الذي يقول «قسمت الأرض المعمورة إلى أربعة أقسام فمنها: أورفي وفيها الأندلس والصقالب والروم والفرنجة وطنجة إلى حد مصر. ولوبية وفيها مصر والقلزم والحبشة والبربر… وأثيوبيا وفيها تهامة واليمن والسند والهند والصين. وأسقوتيا وفيها أرمينية وخراسان والترك والخزر». وبحسب هذا التعريف فإن قارة أوروبا تبدو أشد وضوحاً، ومع ذلك فإن مفهوم الأقاليم السبعة قد غلب على إدراك الجغرافيين العرب والمسلمين.
ولما كانت نظرية «الأقاليم السبعة» افتراضية وسابقة للتجربة، كان على الخبرة الجغرافية والبحرية، الناجمة عن المعلومات التي يوفرها الرحالة والملاحون، أن تخضع للمتطلبات النظرية. وبهذا المعنى فإن نظرية الأقاليم السبعة قد أخرت نسبياً في معرفة العرب لصورة الأرض على نحو دقيق. ومع ذلك فإن الخرائط التي كان يرسمها العرب والمسلمون للعالم حتى القرن الثالث عشر الميلادي هي أكمل الخرائط المعروفة حتى ذلك الوقت.
ونعود إلى صورة العالم الواقعية كما كانت عليه في القرن الخامس عشر الميلادي، والذي تم في نهايته اكتشاف العالم الجديد. فقد كانت شعوب أوروبا الغربية تتقدم في العلوم، وذلك ليس تبعاً لمعرفتنا الراهنة، ولكن تبعاً لمعرفة أبناء ذلك العصر. فقد ذكر ابن خلدون في مقدمته وهو المتوفى عام 1406م، ما يلي: «ويبلغنا من بلاد الشمال أن عمرانها موفور ودولها مستحيلة مستفعلة في أمم الفرنجة والترك، فلعل العمارة تنتقل من الجنوب إلى الشمال، فإن هذا الخلل الذي وقع بجهة الجنوب وأقطاره أمر له ما بعده… والسبب في ذلك إما من جهة الأمور الأرضية والعمران المشاهد فليس إلا استيلاء العرف وتقلبهم وهو مؤذن بالخراب لما يتقلبون عليه. وأما من جهة الأمور السماوية فإن للمنجمين في ذلك كلاماً ليس هذا موضع بسطه».
وكما نلاحظ فإن ابن خلدون الذي لاحظ ملاحظة نافذة ولكن عابرة، تقدم العلوم في الغرب الأوروبي، يحيل ذلك إلى امور يفقهها المنجمون والسحرة بانتقال الحضارة من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، ولم يدقق في الأمر ويتحري أصوله وكيفية حصوله.
والحق أن العالم من الوجهة الحضارية والسياسية كان يتبدل على امتداد القرن الخامس عشر الميلادي، فإذا كان العلم يتقدم في أوروبا فإن التوسع الإسلامي العسكري والسياسي كان في أوجه. فقد اندفع الأتراك العثمانيون في وسط القرن المذكور إلى قلب أوروبا وسيطروا على شرقها وطرقوا وسطها وصارت أوروبا الغربية معزولة ومحاصرة، واستمر أهالي البندقية في إيطاليا وأهالي فيينا في النمسا الحالية خائفين من هجوم تركي قد يحصل في أي لحظة. وبات البحر المتوسط بحيرة يحيط بها النفوذ الإسلامي ـ العثماني من أغلب جهاته، ما عدا الغرب حيث أوروبا الغربية واللاتينية الكاثوليكية.
كذلك فإن تقدم الإسلام لم يكن يحصل في أوروبا وإفريقيا، ولكنه كان يتم في آسيا حيث ستنهض أمبراطورية المغول الإسلامية في الهند.
ونجد تحليلاً عميقاً لمجرى الأحداث العالمية في كتاب غوستاف فون غرونباوم في كتابه «الإسلام الوسيط» (Medieval Islam)، حيث يشخص علاقات الغرب والشرق، ويلاحظ غياب الدولة البيزنطة عن مسرح الأحداث، بعد سقوط القسطنطينية عام 1453، أربعون سنة قبل اكتشاف القارة الجديدة. ويقول غرونباوم: «أن الغرب اللاتيني راح من زمن مبكر من العصور الوسطى يتقبل الفكرة القائلة بأن الحضارة تفيض من الشرق إلى الغرب». وهذه الفكرة هي التي كانت تدفع أوروبا إلى التطلع نحو العرب. ويضيف غرونباوم ما يلي: «وما وافت سنة 1500م ـ أي لحظة اكتشاف أميركا ـ حتى هوى نفوذ الشرق الثقافي إلى حضيض التفاهة النسبية. وأدركت أوروبا إدراكاً غامضاً أنه لم يعد لدى خصمها القديم شيء جوهري يُقتبس أو يُتعلم… وكان ذلك على حين تواصل الحضارة مسيرها غرباً».
وعلى رغم التحفظات التي يمكن أن نحيط بها كلام غرونباوم، فإن لما يقوله بعض الأهمية بالنسبة لموضوعنا. والحقيقة أن العالم الإسلامي كان يكرر علومه القديمة، بما في ذلك الميدان الجغرافي.
وكان الأتراك يطورون معلوماتهم البحرية في المتوسط لأغراض عسكرية وتجارية. كما كان البحارة العرب ـ من أمثال ابن ماجد ـ يطورون خبرتهم حول الشواطئ الهندية. إلا أن ذلك لم يؤد إلى قلب للمفاهيم النظرية الجغراية، وخصوصاً ما تعلق منها بتقسيم الأرض. ولهذا السبب فإن المعلومات الجغرافية التي كانت ترد من أوروبا إلى العالم الإسلامي، كان لا بد من مزجها بالنظرية التقليدية التي استمرت فاعلة في بعض الأوساط حتى نهاية القرن الثامن عشر.
ولا بد من القول هنا، بأن الأتراك العثمانيين هم الذين عملوا خلال القرن السابع عشر الميلادي على استبدال النظرية القديمة، بنظرية القارات المأخوذة عن أوروبيين وعبر ترجمة بعض الأطالس الجغرافية الأوروبية إلى اللغة التركية، كذلك فإن العثمانيين هم أول من عرف باكتشاف أميركا.
لعبت البحرية العثمانية دوراً في تقدم المعلومات الجغرافية. وكان من عادة قادة الأسطول العثماني أن يقوموا بتأليف الكتب الجغرافية. ومن هؤلاء علي ريس الذي ألف كتاباً بعنوان «المحيط…»، ونجد فيه أن المؤلف يلقب السلطان العثماني عام 1556 باسم «سلطان الأقاليم السبعة»، ويفسر ذلك بقوله إن سيطرة السلطان تمتد على مدن وأقطار تقع في نطاق الأقاليم السبعة.
ويقول كراتشكوفسكي بهذا الخصوص: «إزاء هذا التقسيم الذي يرتفع إلى العصور الوسطى والذي أضحى مجرداً من كل صلة بالواقع، فإنه لا يمكننا إلا أن نوافق على القول بأن الأمر بلغ مع العلماء آنذاك حداً جعلهم يرون أن من الأفضل أن يحنوا هاماتهم للعلماء الأوائل بدلاً من أن يفيدوا من التجارب العملية التي تجمعت في عصرهم، ذلك أن العنجهية العلمية قد دفعت باتباع مذهب بطليموس إلى الاعتقاد بأنه من العار عليهم أن ينزلوا إلى مستوى الجماهير فيأخذوا العلم من تجارب الملاحين».
ومع ذلك فإن معرفة اكتشاف أميركا قد تمت من جانب المسلمين قبل هذا التاريخ. فأحد قادة البحرية العثمانية ويعرف باسم بيري ريس ألف كتاباً بعنوان «بحرية» رفعه إلى السلطان العثماني عام 1517 إبان وجوده في القاهرة. ويبدو أن كتابه يعتمد على مصادر وخرائط أوروبية. وقد وجد الباحثون الذين درسوا أصول كتاب «بحرية» أنه اعتمد، حسبما يذكر المؤلف بنفسه، أربع عشرة خارطة من بينها ثماني بطليموسية وواحدة عربية وأربع برتغالية وواحدة كولومبسية.
ويقول كراتشكوفسكي ما يلي: «والملاحظة الأخيرة تكفي في ذاتها لإثارة قدر كبير من الاهتمام، بيد أن وجود عامل آخر قد رفع من قيمتها إلى حد يفوق العادة، فقد وضح بالتالي أن بيري ريس اعتمد على أقدم خارطة لأميركا كان قد عملها كولومبس نفسه أو أشار بعملها ليبين مسير الاستكشافات في تلك النواحي، وأرسل بها في عام 1498 من جزيرة هايتي إلى إسبانيا. وتوجد تفاصيل محددة عن هذه الخارطة في الأدب الأوروبي القديم، إلا أن نسختها نفسها اختفت تماماً ولا يوجد أثر لها إلا في عمل الكارتوغرافي التركي الذي وقع أصل خارطة كولومبس في يده عند نهب سفينة مسيحية بالبحر الأبيض المتوسط عام 1501، فاستغل الخارطة في رسم خارطته عام 1513. ولا شك أن هذا الظرف يكفي في حد ذاته ليضمن لاسم بيري ريس مكانة مرموقة في تاريخ «الكارتوغرافيا» العالمية. ويبدو أن بيري ريس قد ظل مهتماً «بالدنيا الجديدة» إلى ما بعد هذا التاريخ، بل ويوجد أساس للافتراض بأنه ترجع إليه خارطة أخرى رفعها إلى سليمان القانوني عام 1529، أي بعد ثلاثة أعوام من إتمامه لمصنف «بحرية» ومبينة عليها الاستكشافات البرتغالية الجديدة في أميركا الجنوبية والوسطى وفي «نيوفوندلاند»، وهي أيضاً بدورها محفوظة بالسراي وفي شكل ممزق أيضاً».
وهكذا فإن الصدف البحرية والتاريخية، قد جعلت المسلمين يتعرفون إلى اكتشاف أميركا منذ سنة 1501، عندما وقعت خارطة كولومبس بأيدي البحار التركي بيري ريس. وبما أن الأصل قد ضاع فإن خريطة بيري ريس صارت بمثابة الأصل حسب رأي الباحثين والخبراء.
وهكذا أيضاً فإن المعلومات الأولية حول أميركا قد تسربت إلى العالم الإسلامي منذ بداية القرن السادس عشر. إلا أن ذلك لم يؤد إلى انقلاب النظريات الإسلامية التقليدية حول العالم، ولم يثر ذلك أيضاً حشرية الجغرافيين والعلماء إلى معرفة هذا «العالم الجديد» أو هذه «الدنيا الجديدة» فهذا الاكتشاف كان بسبب عقبات أمام الوعي الجغرافي الإسلامي، ذلك أن بيري ريس الذي ذكرناه آنفاً، وهو صاحب كتاب «المحيط في علم الأفلاك والأبحر» كان لا يزال في وسط القرن السادس عشر مقتنعاً بنظرية بطليموس. لذلك فإنه حين يشير إلى «الدنيا الجديدة» أي أميركا، فإنه يقول بأنها غير داخلة في الإقليم السبعة.
ويذكر لنا كراتشكوفسكي قصة طريفة، فبعد عام 1546م، ظهر كتاب بعنوان «تاريخ الهند الغربي»، كان الدافع إليه على ما يظهر الاستجابة للمطالبة المتزايدة من جانب القراء. وبالطبع فهو لا يمثل في واقع الأمر تاريخاً ما، بل حكاية مشحونة بتفاصيل خرافية عن كشف الأوروبيين لجزر الهند الغربية مع وصف لعادات وطبائع سكانها، وهو في الحقيقة ترجمة لمصنف «فرنجي» قُصد به تعريف الجمهور في أوروبا باكتشاف العالم الجديد أميركا. ويضيف: وتشير قرائن الأحوال إلى أن الدولة العثمانية استطاعت أن تعرف خبر هذه الواقعة (أي اكتشاف أميركا) بعد لحظة وجيزة من انتشاره بين جيرانها الأوروبيين وذلك على يد أحد المسيحيين ممن دخلوا حظيرة الإسلام. وقد ظل هذا الكتاب متمتعاً بالرواج بين جماهير القراء حتى القرن الثامن عشر. وكان من أوائل الكتب التي خرجت من مطبعة مؤسس الطباعة بتركيا إبراهيم متفرقة المشهور وذلك عام 1729، وتمثل هذه الطبعة في الآونة الحاضرة شيئاً نادراً، وتعد من أشهر آثار الطباعة العربية في الدولة العثمانية وتضم إحدى وتسعين صفحة من الحجم المزدوج، وهي مزودة بأربع خارطات وبجدول يبين النجوم. وهذا إلى جانب عدد من اللوحات المنقوشة التي تصور سكان أميركا وحيواناتها ونباتها.
وهكذا أخذت المعلومات حول أميركا تتراكم ببطء، حتى أواسط القرن السابع عشر. وقد لعب أحد العلماء الأتراك، وهو حاجي خليفة المعروف أيضاً باسم كاتب جلبي (1609 ـ 1657) دوراً في تطوير المفاهيم الجغرافية. وقد صنف عدداً من المؤلفات والأطالس، وعمل على ترجمة بضعة مؤلفات بمعاونة راهب فرنسي اعتنق الإسلام. وفي كتاب «جهان نامه» أو «وصف العالم»، تخلى حاجي خليفة عن نظرية الأقاليم السبعة نهائياً، واستبدالها «بالقارات». ومنذ ذلك الوقت، أي منذ أواسط القرن السابع عشر، أخذت قارة أميركا تحتل مكانها في الخرائط والأطالس التي يعدّها الأتراك العثمانيون وقد لعبت مطبعة إبراهيم متفرقة التي تأسست عام 1727 دورها في طبع عدّة أعمال جغرافية فبينت خرائط جديدة للعالم، وقدمت معلومات جديدة عن قاراته وشعوبه.
ويقول الرأي الشائع بأن المعلومات حول أميركا كانت تنتشر من اسطنبول إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي.
وإلى هذا يشير كراتشكوفسكي حيث يتحدث عن الجغرافيا في بلاد فارس. فيتكلم عن مصنفين صغيرين ليمرزا أحمد صادق الأصفهاني المتوفى عام 1689: ففي أحد كتابيه الذي يحمل عنوان «تحقيق الأعراب» يورد الأصفهاني لفظ «ينكي دني» (اي الدنيا الجديدة، يريد بذلك أميركا). وهذه التسمية التي ترجع إلى أصل تركي، وأيضاً الأسطر التي يعالج فيها الكلام عليها، تبين لنا من أين أتى هذا الاسم الجديد إلى هذه القائمة العتيقة بمجموعها. وهو يعلم تمام العلم عن اكتشاف ذلك الجزء الجديد من العالم المدعو أميركا. ولكن متى تم هذا؟ وكم مضى عليه من القرون؟ فإن المؤلف ليس بمقدوره أن يلبي رغبتنا في هذا الصدد، ولا أن يعلم أن الأوروبيين أبحروا مراراً إلى تلك الجهات وأن خبر ذلك موجود لدى الأتراك العثمانيين.
ويمكن أن نشير أخيراً إلى أول رحلة قام بها رحالة عربي إلى أميركا. وصاحب الرحلة هو الياس بن حنا الموصلي، الذي ينتمي إلى عائلة عمون التي خرج منها عدد من البطاركة النساطرة. فقد خرج الياس من بغداد عام 1668، وأبحرت به السفينة من قادس إلى أميركا الجنوبية عام 1675، وعبر في طريقه جزر الكناري متجهاً صوب كراكاس بفنزويلا، ثم بعد إبحار دام خمسة وخمسين يوماً وصل إلى قرطجنة (كرتاخينا) بكولومبيا، وواصل المؤلف رحلته بطريق البحر والبر على طول ساحل أميركا الجنوبية الغربي فمر على بنما ومنها إلى كولومبيا ثم إلى أكوادور حيث أقام مدة طويلة بمدينة كيتو وقد أقام في «ليما» عاصمة بيرو عاماً ونصف عام، وأقصر من ذلك كانت زيارته لبوليفيا والأرجنتين وتشيلي. أما البرازيل ومدينتا توكومان وبوينس أيرس فإنه يورد وصفها اعتماداً على رواية الغير. وفي عام 1680 نراه مرة ثانية في ليما. وفي طريق الرجعة عزم على زيارة ذلك الجزء من أميركا الوسطى الذي كان يحمل التسمية التركية المعروفة لنا جيداً «ينكي دنيا» أي (الدنيا الجديدة).
وفي صدد الخرائط هناك كتاب «الترجمانة الكبرى» لمؤلفه أحمد بن علي الزياني الذي عاش حوالى مائة سنة (1734 ـ 1823) وقام بعدد من الرحلات. وقد تحدث عن رحلته إلى اسطنبول عام 1786 ضمنها كتابه الذي احتوى على خارطة اعتمد فيها على خارطة الإدريسي العائدة إلى القرن الثالث عشر ميلادي. وكان لا يزال يقسم العالم إلى سبعة أقاليم. ومع ذلك يقول ليفي بروفنسال، إن خارطة الزياني كانت النموذج الوحيد من نوعه.
وإذا كان هذا الكلام يعني شيئاً، فإنه يعني أن معرفة المسلمين بخارطة العالم الجديدة، لم تحصل مرة واحدة، بل حدثت على فترات متباعدة. وهذا يعني أيضاً ان معرفة المسلمين بالدنيا الجديدة القارة الجديدة بقيت لمدة طويلة تعتمد على المعلومات المنقولة عن أوروبا.
خالد زيادة
فَيْد
بالفتح ثم السكون ودال مهملة: موقع في نصف طريق مكة من الكوفة في وسطه حصن عليه باب حديد وعليه سور دائر يودع الحاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئاً من ذلك ومعيشة أهلها من ادخار العلوفة طول العام إلى أن يقدم الحاج فيبيعونه عليهم. قال الزجاجي سميت فيد نسبة إلى فيد بن حام وهو أول من نزلها؛ حل فيها الإمام الحسين (ع) يوم الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة سنة 60 هجرية.
عبد الحسين الصالحي
القاجاريون
كان اعتقاد المؤرخين إلى ما قبل سنوات قليلة، أن من بين الأعراق البشرية عرقاً ينسب إلى «الأورال»)[471]( و«التايي» إذ كانوا يقدّرون أن له أصلاً في ناحية «الأورال» وأصلاً في ناحية «التايي»)[472](.
ومن هذا العرق خرج جيل كبير سموه جيل «الترك والمغول» إذ أنه يشمل الفريقين معاً: الأتراك والمغول ولكن أكثر العلماء يميلون اليوم إلى التفريق بين الترك والمغول. بل ذهب بعضهم إلى القول بأن الأتراك فرقة من العرق الآري. وأبعدوا حتى قالوا إن مهد العرق الآري وموطنه الأول هو سفوح «تيان شان»)[473]( وتاريخ إيران خير شاهد على ذلك. فهذا التاريخ يذكر أن ظهور الترك سبق ظهور المغول بتسعمائة سنة. ففي مطلع القرن الخامس الميلادي كانت إيران تجاور جيلين من الناس غريبين عنها. جيل ظهر عند حدودها الشمالية الشرقية، وسماهم الإيرانيون «هفتال» وسماهم العرب «الهياطلة». والمؤرخون اليوم يجزمون بأنهم من العرق التركي. وجيل ظهر عند حدود إيران الشمالية الغربية وراء جبال القفقاس وسماهم الإيرانيون «الخزر». وأصبح من المسلمات، بالتحقيقات المعاصرة أنهم من الأتراك المعروفين اليوم.
ومن ذلك الزمان سكن الأتراك في نواحي بحر الخزر الثلاث، المشرق والشمال والمغرب. وقد انقسموا إلى طوائف وقبائل كثيرة، منها «يغما» و«خلخ» أو «خرلخ» و«الغز» و«الخرخيز» (قرقين) و«باشقرد) و«القوزاق» و«قراقالفاق» و«سلجوق» و«التركمان» و«كلموك» و«فارغلي» و«تغزغز» و«برطاس» و«قرلغ»، وكانت تسكن في شمال إيران الشرقي، و«قرافافاخ» و«كيماك» و«بجناك» و«سالور» و«بايندر» و«أفشار» و«بيكدلي» و«برسخان» و«بيات» و«الخزر»، وكانت تسكن في شمال إيران الغربي. ومنها ثلاث طوائف كبيرة كانت مساكنهم ساحل بحر الخزر كله، وهم «البلغار» و«القبجاق» و«التتر». وشيئاً فشيئاً زاحمتهم الطوائف الأخرى في المشرق فلم تترك لهم غير ناحية الغرب من بحر الخزر.
وأما المغول فقد ظهروا في التاريخ في نهاية القرن السادس للهجرة الموافق للقرن الثالث عشر للميلاد، أي بعد ظهور الأتراك بتسعمائة سنة تقريباً. فإذا كانت لهم قرابة بالترك فقد ظن أكثر الناس أن الترك والمغول عرق واحد.
وخرج من بين المغول عاهل فاتح محظوظ سرعان ما وطئ العالم المتمدن بأسرع وأعجب مما فعله الإسكندر وكل فاتح آخر. ومن ذلك الحين وإذا أذهل «جنكيز» المغولي التاريخ على هذا النحو راق لكثير من الأتراك، ولا سيما من كان منهم في إيران وأتراك تركيا الحاضرة، أن يعدوا أنفسهم من العرق المغولي وأعقاب «جنكيز» افتخاراً منهم بالانتساب إلى هذا الفاتح.
وظهر بعد «جنكيز» فاتح آخر قارب أن يصل إلى ما وصل إليه «جنكيز» من تقدم هو «تيمور جوركان» (تيمورلنك). وكان من ا لترك الأزابكة يقيناً، ولغته لغتهم ونسبه فيهم، ومع ذلك فقد نسب نفسه إلى «جنكيز» والعرق المغولي ليكسب بذلك شرفاً. ولا شك في أن الأزابكة والتركمان هما، من بين الطوائف التركية، برزخ وحدّ فاصل بين الترك والمغول. ولعلهما خليط من هؤلاء وهؤلاء، فهما من التركية والمغولية جيل بين بين، لا ترك خلصاء، ولا مغول خلصاء. أما غيرهما من الطوائف التركية الأخرى فلا يمكن مطلقاً اعتبارهم مغوليين.
وفي إيران عرف القاجاريون بأنهم من أعقاب المغول. وعلى هذا كل مؤرخي العهد القاجاري، إما انسياقاً مع رغبة القاجاريين وإما اتباعاً للسنة التي درج عليها من سبق من كتاب التاريخ.
هجرة الترك إلى إيران
قلنا إن كلاً من الترك والمغول عرق مستقل غير الآخر وآخر ما ارتآه فريق من العلماء هو أن الأتراك من العرق الآري. وكل ما يصل بينهما هو أن بعض الطوائف تشكلت من خليط من العنصرين بسبب المجاورة والمساكنة.
وفي القرن الهجري الرابع أخذت إحدى القبائل التركية الكبيرة ممن كانوا يسكنون سواحل نهر «جيحون» تنحدر شيئاً فشيئاً إلى الجنوب: فاستولت أولاً على «خوارزم» ثم ناحية «جرجان»، وأجلت السكان السابقين شيئاً فشيئاً. وانقسمت هذه القبيلة إلى شعبتين هما «الغزر» و«التغزغز». ومن قدم منهم إلى إيران كانوا يسمون «التركمان»، ومنهم طائفة من أعقاب «سلجوق» عرفوا باسم «السلاجقة» وقد ملكوا فيما بعد، على إيران وقسم وسيع من البلاد الإسلامية.
وظل التركمان من ذلك اليوم في النواحي التي نزلوها في هجرتهم)[474](. وهم اليوم قسم منهم يشكل جمهورية «تركمانستان» التي كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي والقسم الآخر يقيم في إقليم «جرجان» الإيراني.
ومن اليوم الذي ظهر فيه الأتراك في شرقي بحر الخزر وغربيه قُسموا إلى شعبتين أصليتين هما «الأتراك الشرقيون» و«الأتراك الغربيون». وتقسم اللغة التركية اليوم إلى قسمين: التركية الشرقية والتركية الغربية.
إحدى طوائف الأتراك ظلت في عهد ما قبل المغول خاملة الذكر. هذه الطائفة أخذت من النصف الثاني من القرن الثامن الهجري تنمو شيئاً فشيئاً. وإذ كان «تيمور جوركان» منها أصبحت في زمنه وزمان خلفائه أكثر قوة. هذه الطائفة هي الطائفة التي كانت دائماً من القرن الهجري التاسع إلى ما بعده، جارة إيران الشمالية الشرقية، وتردد اسمها كثيراً في تاريخ إيران خصوصاً في عهد الصفويين. وعرفت من ذلك الحين باسم «الأزبك». ولغتها فرع من التركية الشرقية التي يسمونها «التركية الجغتائية» ويكتبونها أحياناً «جاغاتا». وناس تلك القبيلة هم أزابكة اليوم.
قلنا آنفاً إن الأتراك الغربيين ظلوا قروناً يسكنون في شمال جبال القفقاس. وقد منعتهم الجبال الشاهقة الوعرة من غزو إيران. ولم يكتف الملوك الساسانيون بهذا الحاجز الطبيعي العظيم فبنوا جداراً راسخاً محكماً كجدار الصين يصدهم وكذلك بنوا جداراً مثله يصد الأتراك الشرقيين.
وأشهر طوائف الأتراك الغربيين هم «الخزر» و«البلغار» و«القبجاق». وفروعهم التي جاءت بعد ذلك إلى إيران معهم «بيات» و«أفشار» و«بايندر» و«سالور». وسنذكر من الأدلة ما يقضي بأن القاجاريين ينتمون أيضاً إلى الأتراك الغربيين.
لما انتهت الخلافة الإسلامية إلى العباسيين سنة 132هـ واتخذوا بغداد عاصمة لهم احتاجوا إلى عسكر يحفظ تلك الدولة الواسعة الأرجاء. وكانت العادة العامة المتبعة يومئذ في كل العالم أن تشكل الدول محاربيها من المستأجرين بالمال، أو أن تشتريهم من الأرقاء إن كانت على درجة من التمول تمكنها من ذلك، أما العباسيون فاختاروا لجيشهم مستأجرين من ناحية تقع في شمال جبال «ألبرز» وجنوبها، وتعرف اليوم باسم «جيلان». وكانت تقسم في تلك الأيام إلى قسمين. القسم الواقع في شمال «البرز» على ساحل بحر الخزر، ويسكنها قوم عرفوا باسم «الجيل» ومن ثم عرفت باسم «جيلان». والقسم الواقع في جنوب «البرز» وتمتد إلى «رودبار» وقزوين، ويسكنها قوم عرفوا باسم الديلم»، ومن ثم عرفت باسم «ديلمستان».
وقد عرف سكان الناحيتين، منذ القديم، بالشجاعة والإقدام. وخرج منهم أفضل قواد إيران ومحاربيها في عهد «الهخامنيشيين» والساسانيين وغيرهم. وظل الخلفاء العباسيون أكثر من ثمانين عاماً يَكِلون دائماً أمراً المحافظة على مملكتهم الواسعة إلى عسكر مستأجر من الجيليين والديالمة.
وأخذ القواد الديالمة يستقوون في مناصبهم ويستحوذون على السلطة شيئاً فشيئاً حتى بلغوا مبلغاً عظيماً من القوة. وآل بهم الأمر إلى أن أخذوا هم أنفسهم يخرجون على السلطة العباسية ويستقلون بالحكم عنها. وأول من فعل ذلك منهم «مرداويج» سنة 315هـ. ثم «عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه الديلمي» في سنة 320هـ. ثم «علاء الدولة أبو جعفر محمد بن وشمن زياركاكوية» في سنة 398هـ.
وبلغ الأمر بالبهويهيين إلى أن وصلوا إلى بغداد نفسها واتخذوا لأنفسهم عنوان «شاهنشاه» وهو لقب الشاهات الساسانيين الرسمي، بل جعلوا الخليفة قعيد بيته ليس له من الأمر غير العنوان الروحاني. واضطر الخليفة إلى منحهم لقب «أمير الأمراء». وزاد في خطر استيلاء الديالمة والجيلانيين على شؤون الخلافة أن ديارهم، وهي الإيالات الواقعة في شمال إيران على ساحل الخزر، إيالات «جيلان» و«ديلمستان» و«طبرستان»)[475]( و«رويان» كانت لا تزال، من زمن سقوط الساسانيين إلى ذلك الزمان، مستعصية على الخلفاء لم يقدروا على فتحها. وظلت بعد ذلك مستعصية قروناً. وهي أقاليم واسعة تمتد وراء جبال «البرز» من «دشت مقان»)[476]( وإقليم «طالش»)[477]( إلى ساحل نهر «أترك». وحكمت فيها تسع أسر إيرانية متتابعة مستقلة عن الخلافة العباسية. وكانت ملجأ للهاربين من بني العباس. منهم «الحسن بن زيد من أحفاد الحسن بن علي (ع). لجأ إلى «طبرستان» سنة 250هـ. فبايعه أهلها وأقام دولة علوية دامت إلى سنة 424هـ وحكمت سلسلة أخرى من السادات المرعشيين الحسينيين في مازندران من سنة 760 إلى سنة 880هـ وحكمت أيضاً اسرة من الكيابيين الحسينيين من سنة 770 إلى سنة 1001 هـ في «جيلان».
وأول من ضم تلك النواحي إلى تبعيته هو الشاه عباس الكبير. وقبله ظل بعضها مدة ألف سنة تقريباً على استقلاله الذي كان له من زمن الساسانيين.
ويتضح من هذا أن تفوق أهالي تلك النواحي وتمسكهم باستقلالهم كان دائماً يبعث التخوف في نفوس خلفاء بغداد وينذرهم بالخطر.
واستعان الخلفاء أيضاً بعسكر مستأجرين من الأكراد وكانوا يومئذ مشتتين في نواحي ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي وفي العراق وتركيا وسورية. والأكراد إيرانيون شردتهم النكبات عن ديارهم. بل توجد أدلة على أن الساسانيين أنفسهم كانوا أكراداً. ولعل الخلفاء العباسيين أرادوا باستخدامهم أن يجعلوا منهم منافساً للفرس فيخفف التنافس بينهما من تغلغل الجيلانيين والديالمة في جهاز الدولة العباسية. ولكن الأكراد قاموا بما قام به الجيلانيون والديالمة. فقد استقل «حسنويه بن الحسين» الكردي البرزيكاني من أكراد المغرب الإيراني في سنة 348هـ. بالحكم في مدن «دينور» و«نهاوند» و«شابور» و«بروجرد» و«أسد آباد» وهي أهم مدن المغرب الإيراني يومئذ، وأسس سلسلة ملكية دام حكمها إلى سنة 406هـ وعرفت بسلسلة حسنويه.
وبعده استقل «أبو الفتح محمد بن عناز» بالحكم في ناحية «حلوان» و«كرمنشاه» في سنة 381هـ واستمر حكم أسرته إلى سنة 437هـ وعرفت بالسلسلة العنازية.
وأهم الأسر الكردية التي استقلت بالحكم عن الخلافة العباسية هي الأسرة الأيوبية. وقد أسس حكمها «صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي» في سنة 564هـ. ودام حكمها إلى سنة 930هـ. على الشام ومصر واليمن. و«شادي» جد صلاح الدين من أكراد «دوين» في أرمينيا.
وقد أهمت الخلفاء العباسيين تمردات الجيلانيين والديالمة والأكراد وخلعهم لطاعة الخلفاء، فأرادوا كسر شوكتهم بقوم بدائيين لا يعتزون بما يعتز به هؤلاء من مشاعر قومية وتفوق حضاري وغنى، فلم يجدوا خيراً من الأتراك يحققون بهم غايتهم. فلما استخلف الخليفة العباسي الثامن «أبو إسحق محمد المعتصم بالله» بن هارون الرشيد (من سنة 218 إلى سنة 227) استعان بالأتراك. وزاده رغبة في ذلك أن أمه كانت أمة تركية ففي عروقه دم تركي. فاشترى ثمانية آلاف، وقيل ثمانية عشر ألفاً من الرقيق التركي، وألف منهم جيشاً يدعم خلافته في وجه النفوذ الديلمي والجيلاني والكردي.
والأرجح أن الأتراك الذين استقدمهم المعتصم كانوا من الأتراك الغربيين. وذلك لأسباب منها أن طريقهم إلى العراق أقرب وأسهل.
وأهمَّ قدوم الأتراك الغربيين إلى بلاط بغداد الأمراء السامانيين الحاكمين في «سامان» في نواحي سمرقند خارج سلطان بغداد، إذ كان في ذلك خطر على استقلالهم. فارتأوا أن يقوموا بعمل مماثل فيستقدموا إلى بلادهم الأتراك الشرقيين بشراء من كان رقيقاً منهم واستئجار غير الرقيق بالمال للتقّوي بهم. ولكن هذا العمل كان وبالاً على السامانيين، إذ لم يلبث هؤلاء الأتراك أن انقلبوا عليهم وقضوا على حكومتهم سنة 383هـ بل وصل إلى منصب «الشاه» اثنان من أولئك الأتراك الأرقاء، هما «ألب تكين» و«سبكتكين». وأخذت سائر الطوائف التركية تفر إلى إيران شيئاً فشيئاً ووصل «لغز» و«التركمان» والسلاجقة إلى المنصب الشاهاني، وتبعهم غيرهم من الطوائف التركية.
أصل القاجاريين
أجمع المؤرخون الذين كتبوا تاريخ القاجاريين على أنهم من العراق المغولي. ولكنهم لم يذكروا قط سنداً تاريخياً خطياً لهذا الزعم. وهذا يوصلنا إلى القول بأن هؤلاء المؤرخين إنما اتبعوا في زعمهم هذا قول رؤساء القاجاريين وانساقوا مع رغبتهم. وقد ذكرنا آنفاً أن كثيراً من طوائف الأتراك رأوا أن النسبة إلى «جنكيز» وملوك المغول فخر فادعوا الانتساب إليهم. وفعل مثل هذا «تيمور جوركان» والمؤرخ المدقق لا يتردد في الجزم بأن «تيمور» من العرق الذي ينتمي إليه أزابكة هذا الزمان. والدليل على نسبته إليهم لايقتصر على أنه ولِدَ وترعرع في الإقليم الذي لا يزالون يسكنونه إلى اليوم. بل إن لغتهم ولغة جميع أعقابه التي ظلوا يتكلمون بها آخر أيامهم هي «التركية الجغتائية» وهي نفس اللغة التي يتكلم بها أزابكة اليوم. وبها كان يتكلم كل أعقاب «تيمور» وينظمون الشعر ويصوغون النثر. ومن أعلى آثار هذه اللغة النثرية كتاب «بابرنامة» المشهور. وهو مذكرات «ظهير الدين بابر» مؤسس السلسلة البابرية الملكية في الهند وحفيد تيمور. وإذ كان يحسب نفسه من أعقاب المغول لما ذكرنا من الأسباب فقد عرفت أسرته بالسلسلة المغولية. حتى إن الأوروبيين كانوا يسمون ملوك الهند البابريين «المغول الكبار».
وادعى القاجاريون هذه الدعوى ليفخروا أيضاً بفتوحات «جنكيز» ويجعلوا من أنفسهم شركاء فيها فزعموا أنهم من المغول وأرجعوا نسبهم إلى التيموريين ومنهم إلى إيلخانات)[478]( المغول. بل جعلوا من طائفة «قراقويونلر»)[479]( وطائفة «آق فويونلو» شركاء لهم في هذه النسبة الباطلة، إذ كانت هاتان الطائفتان قريبتين منهم.
هذه الدعوى الشفهية التي ادعاها رؤساء القاجاريين بنى عليها مؤرخو هذه السلسلة الملكية بناء ضخماً لا يستند إلى أساس تاريخي. وخلاصة زعمهم هي أن القاجاريين قدموا إلى إيران مع رئيس المغول «هولاكوخان» في سنة 656هـ. وظلوا إلى سنة 736هـ. وهي سنة انقراض سلسلة الملوك المغول الإيلخانات، يسكنون الخيام بدواً وحلاً ما بين ساحل «جيحون» و«جشت مقان». فلما زال حكم الإيلخانات عن عرش إيران راى القاجاريون أن حياتهم أصبحت في خطر، فهاجروا من إيران إلى بلاد الشام. ولما دخل «تيمورجوركان» إلى الشام ووجد القاجاريين فيها ألحقهم بجيشه وعاد إلى إيران.
هذه هي الخلاصة من مقالة مؤرخي القاجاريين. ولا يستبعد أن يكون القاجاريون قد استقروا زماناً في بلاد الشام. ويحتمل أن تكون هجرتهم إليها قد حدثت بعد استيلاء المغول على إيران. ويمكن أن يكون «تيمور» قد أعادهم إلى إيران. ولكن هذه الوقائع لها سبب آخر يدل عليه التاريخ. ولا تُرجع نسب القاجاريين إلى المغول بل ترجعه إلى الأتراك الغربيين.
قلنا آنفاً إن طوائف مختلفة من العراق التركي كانت تسكن عند حدود إيران الشمالية الغربية وراء جبال القفقاس. وقد زحف المغول في سنة 619هـ إلى روسيا التي نعرفها اليوم وإلى أقاليم الصقالبة من طريق القفقاس هذه. واستمر استيلاء المغول على كل روسيا إلى سنة 702هـ وظلوا مستولين على بعضها إلى سنة 866هـ.
وفي مطلع القرن الهجري الثامن، إذ كان الصقالبة يطرِدون المغول عن بلادهم شيئاً فشيئاً، أخذ الصقالبة)[480]( أيضاً يوسعون مجال حكمهم من جهاته الأربع، وخصوصاً من جهة الجنوب، ويستولون على النواحي المجاورة لهم التي تسكن فيها شعوب أخرى غيرهم ويبعدون سكانها عنها. وكان من جملة الطوائف التي أخرجها الصقالبة من ديارها واستولوا على أرضها أولئك الأتراك الغربيون. ولم يكن لهم غير طريقين اثنين للخروج، أحدهما أن يجتازوا جبال القفقاس وينحدروا إلى الجنوب، أي الشمال الغربي من إيران، ـ ونعني إيران كما كانت في تلك الأيام ـ فيلجأوا إليه. والطريق الآخر أن ينتشروا في سواحل البحر الأسود. وقد اختاروا هذا الطريق. ومن ذلك اليوم ظهر الأتراك في تركيا الحاضرة وفي شبه جزيرة البلقان وشبه جزيرة «القرم» وفي شمال نهر «أوس» وجنوبه.
وظهر منهم أربع عشرة أسرة ملكية حكمت في نواحي مختلفة من إيران والعراق و«القرم» والأناضول وغيرهما.
ومن هذه الأسر أسرة آل عثمان.
بدأ ظهور هذه الأسر في آخر القرن السابع الهجري. وأكثرها ظهر في القرن الثامن بعد تراجع المغول. أو بالأحرى أن نقول حين كان الصقالبقة يطردون المغول من بلادهم ويخرجون معهم أتباعهم وأعوانهم الأتراك من ديارهم. وأقامت هذه الأسر ملكها في النواحي المجاورة لأرض القفقاس، أرض الأتراك الغربيين. وهي نواحي الأناضول وتركيا وشمال سورية و«القرم» و«غازان» والعراق وآذربيجان ومازندران. وحكمت من سنة 699هـ.ق إلى سنة 856هـ.ق.
ولا يسع المؤرخ المدقق أن ينكر أن هؤلاء الأتراك إنما هم الأتراك الغربيون انطلقوا إلى هذه النواحي المجاورة لهم، واقاموا هذه الأسر الحاكمة، بسبب توسعة الصقالبة لمجال حكمهم، وعلى الخصوص دخولهم إلى القفقاس جنوب روسيا وما يجاور. وبهذا يتضح بطلان القول الذي يكاد يجمع عليه المؤرخون بأن الأتراك القاطنين في إيران وتركيا اليوم جاؤوا إليهما في زمان السلاجقة الشرقيين أو أنهم من أعقاب هؤلاء السلاجقة.
ويقوم على هذا القول أدلة لغوية كثيرة من المقارنة بين لغات الأتراك في مختلف بلادهم. ويقوم عليه أيضاً دليل آخر هو أهم الأدلة، دليل الشكل العرقي. فتركمان هذا الزمان وأزابكه هم أكمل نموذج للأتراك الشرقيين. وهم أشبه بأهل الشرق الأقصى، الصين ومنشوريا والتبت ومغولستان، منهم بغيرهم من الشعوب. وأتراك إيران وتركيا أشبه بأنسال العرق الآري الإيراني والهندي والأوروبي منهم بغيرهم من الشعوب. ولو كانوا من أعقاب السلاجقة لأشبهوا التركمان، فالسلاجقة من التركمان.
وعلى هذا لا شك في أن القاجاريين إن كانوا قد ذهبوا إلى بلاد الشام ومنها ذهبوا إلى إيران، فلا صلة لذلك بـ«هولاكو» وتيمور وحروب المغول، بل لأن الصقالبة قد أخرجوا أتراك ما وراء القفقاس من ديارهم. فذهب فريق منهم، وهم القاجاريون أولاً إلى الشام، وفي أوالئ القرن الهجري العاشر جاؤوا إلى إيران إما مع تيمور وإما من تلقاء أنفسهم.
ولعل في تسمية بعض الطوائف ما يثبت صحة القول بأن القاجاريين أقاموا زماناً في الشام ومنها جاؤوا إلى إيران. فمن طوائف الأتراك الغربيين طائفة عرفت باسم «بيات». ومن طوائف القاجاريين طائفة اسمها «شام بياتي» أي «بياتيو الشام». وهذا يدل على أن بين القاجاريين و«البياتيين» قرابة. أو، على الأقل، أن هذه الطائفة القاجارية قد أقامت زماناً في الشام.
ومن الأدلة القوية على أن القاجاريين ليسوا من المغول، وليسوا من الأتراك الشرقيين أنهم أرجعوا نسبهم إلى طائفة «سالور». وهي قطعاً، من أتراك ما وراء القفقاس. وما انفك اسمها يقرن في كل مكان باسم «الخزر» و«القبجان» و«البلغار» و«البجناك» وغيرهم من الأتراك الغربيين.
ودليل آخر هو أن القاجاريين ما زالوا، منذ القديم، يعدون أنفسهم أنسباء طائفة «آق قويونلو»، بل كانوا أيضاً يفخرون بالسلسلة الملكية التي حكمت منهم)[481](. ولهذه الطائفة اسم آخر هو «بايندر». و«بايندر» هي أيضاً من طوائف أتراك ما وراء القفقاس، واسمها يقترن دائماً بأسماء الطوائف الأخرى من أتراك ذلك الإقليم.
بعد ذلك ظهر القاجاريون في تاريخ إيران في عهد الصوفيين. ولا يشك أحد في أن الصفويين كانوا من أهل آذربيجان من أبناء الشيخ صفي الدين الأردبيلي. وإذ كانت أم الشاه إسماعيل الصفوي بنت «أوزون حسن» ملك «آق قويونلو»، وهم من أتراك آذربيجان، وكان هؤلاء الأتراك هم مريدو آباء الشاه إسماعيل شيوخ الطريقة الصفوية، فقد اختار هذا جنوده المعروفين باسم «قزلباش» من بينهم. ووصل إلى السلطة بمعونتهم. وكان أتراك آذربيجان وحدهم عماد جيش الصفويين. ولا نجد بين من كانوا وسيلة الصفويين إلى السلطان وسندهم في التمكن من الملك غير أسماء لثلاث طوائف تركية كبيرة هي: القاجاريون والأفشاريون والبياتيون.
وإذ كان الملوك الصفويون قد خرجوا من آذربيجان. وكان عسكر «قز لباش» آذربيجانياً، وكان القاجاريون كالبياتيين، والأفشاريين قد جاؤوا من آذربيجان أيضاً فلا شك في أن القاجاريين من الأتراك الغربيين لا من المغول.
والعهد الذي انتشر فيه القاجاريون في إيران قضوا أكثر أيامه في آذربيجان ومازندران وجرجان (أسترآباد) ونواحي طهران، ولم يُعهد أثر منهم في النواحي الشرقية، وهذا دليل على أنهم جاؤوا من الغرب، إذ لو كانوا قد جاؤوا من الشرق لكانت لهم إقامة في شرق إيران.
وكانت لغة القاجاريين في كل العهود تركية غربية. وهي اللغة الي كان الشاه إسماعيل الصفوي شاعرها الأول، وكان يتخذ اسم «خطابي» اسماً مستعاراً له، ولا يزال يعد أحد المتفوقين من شعراء اللغة التركية الغربية. وكانت أمه من أتراك «بابندر» أي أتراك «آق قويونلو».
والخصائص اللغوية التي في لغة القاجاريين هي نفسها خصائص لغة غيرهم من الأتراك الغربيين الذين في إيران. وما زالت هذه اللغة واحدة عندهم جميعاً، على ما بين طوائفهم اليوم من تباعد المكان وطول افتراق بعضهم عن بعض.
ويستعملها من هم في أبعد نقطة من شمال إيران كما يستعملها من هم في أبعد نقطة من جنوبها. ومثلها أنغام وأناشيد وأسماء أعلام)[482](.
وعلى هذا يتقرر:
1 ـ القاجاريون ليسوا مغولا بل أتراكاً.
2 ـ ليسوا من التركمان ولا من السلاجقة، بل هم من الأتراك الغربيين وأقرباء «الخزر» و«القبجاق» و«البلغار» و«البجناك».
3 ـ يتصل نسب القاجاريين بطائفة «سالور» وهي من طوائف أتراك من وراء القفقاس.
4 ـ هاجر القاجاريون مع سائر طوائف أتراك ما وراء القفقاس حوالى مطلع القرن الهجري الثامن.
5 ـ ذهبوا أولاً إلى بلاد الشام فأقاموا فيها زماناً ثم جاؤوا إلى إيران.
6 ـ ليس المغول من جاء بالقاجاريين إلى إيران بل قدموا إليها من الشام بعد مائتي سنة من قدوم المغول إلى إيران.
7 ـ لغتهم هي اللغة التركية الغربية.
8 ـ جاء بهم الصفويون من آذربيجان إلى مازندران وجرجان وأواسط إيران.
9 ـ القاجاريون قريبون جداً من الأفشاريين والبياتيين والبايندريين، بل صاروا معهم إلى مصير واحد. بل لعلهم صحبوهم في سفرهم.
ظهور القاجاريين في تاريخ إيران
يتبين مما ذكرنا أن الأتراك الغربيين تركوا إقليمهم الأصلي القديم، أي ما وراء القفقاس، وصرفوا النظر عنه في القرن الهجري الثامن بعد أن خرج المغول من روسيا وانحدر الصقالبة من شمال تلك النواحي إلى جنوبها وزاحموا طوائف الأتراك الغربيين على موطنهم ذاك، فخرج هؤلاء منه وسلك فريق منهم مضائق القفقاس حتى نزلوا «أران» وآذربيجان أي نواحي الشمال والجنوب من نهر «أرسي» ولجأ فريق آخر إلى سواحل البحر الأسود الجنوبي، أي شبه جزيرة «القرم» وتركيا الحالية. وحل القاجاريون، وهم بعض طوائفهم، أرض إيران. وقد أجمع الذين أرخوا للقاجاريين في عهد ملكهم أنهم كانوا إلى سنة 736هـ يعيشون بداة في الخيام في «دشت مقان». وأن رئيسهم رحل بهم في هذه السنة إلى الشام إذ رأى أنه وقبيلته غير آمنين على أنفسهم.
وذكر أولئك المؤرخون أن جد القاجاريين اسمه «قاجارنويان»، ويكتبون أيضاً «قاجارنوين»، بن «سرتاقنويان». ووصلوا نسب هذا بسلسلة من الأجداد تصل إلى «جنكيز». وذكروا أن «سرتاقنويان» هذا كان مغولياً خرج مع «هولاكو» من مغولستان، وأن «هولاكو» ولاه رئاسة الطوائف القاجاريين. وبعد وفاة «هولاكو» اختاره ابنه وخليفته «أباقا» لمنصب «أتابك»)[483](، وأقطعه ما بين ساحل «جيحون» وساحل نهر «قز أقاج» في «دشت مقان». وتوفي «سرتاق نوبان» سنة 694هـ وخلفه ابنه «قاجارنويان» أو «نوين» الذي قالوا إنه جد الأسرة القاجارية المالكة. ولكن قرائن كثيرة من لغوية وتاريخية وجغرافية وسياسية، تثبت أنه نسب موضوع.
والمؤرخون الذين ذكروا أن القاجاريين هاجروا في سنة 736هـ. ق. إلى الشام لا ينكرون أن الشاه «عباس الصفوي» الكبير قسم القاجاريين في سنة 995 أو 996هـ.ق. إلى ثلاثة أقسام، قسم أسكنهم في «مرو» في مقابل الأزابكة، وقسم في «كنجة» و«أيروان»، وقسم في قلعة «مبارك آباد» في إقليم «أسترآباد».
ووجود القاجاريين يومذاك في آذربيجان ونواحي «كنجة» و«إيروان» دليل على أنهم ظلوا إلى أواخر القرن العاشر الهجري يسكنون آذربيجان مجاورين للقفقاس. وهو دليل على أن القاجاريين من الأتراك الغربيين.
وفي زمن الشاه «عباس» الكبير أخذوا ينتقلون شيئاً فشيئاً إلى «أسترآباد»، إلى أن استقرت أكثريتهم هناك. ثم أخذوا يهاجرون إلى نواحي طهران وخراسان ومازندران. ولذلك انقسموا إلى شعبتين. فالذين سكنوا في النواحي العليا من جهات القلعة سموهم «يخاريباش» أو «بوخاريباش» أي «المساكن العليا»، والذين سكنوا النواحي السفلى من جهاتها سموهم «أشاقباش» أو «أشاقة باش» أي «المساكن السفلى»)[484](.
وأقدم سند تاريخي يرجع نسب القاجاريين إلى المغول رسالة اسمها «ملوك الكلام» كتبها «الميرزا تقي علي آبادي».
وكان من أدباء بلاط «فتح علي شاه القاجاري» وشعرائه المشاهير. وكان رئيس مكتب «فتح علي شاه» الخاص وسكرتيره. وكل الذين أرخوا للقاجاريين استندوا إلى هذه الرسالة في إرجاع نسبهم إلى المغول. ففي أواخر حياة «فتح علي شاه» روى لسكرتيره هذا معلومات عن تاريخ القاجاريين وأوصاه بنقش هذا النسب على حجر يوضع على قبره. وقد دون السكرتير ما رواه له «فتح علي شاه» في رسالة سماها «ملوك الكلام»، هي هذه الرسالة التي يستند إليها كل مؤرخي العهد القاجاري في إرجاع نسب القاجاريين إلى المغول.
فلا مصدر تاريخياً إذن لإثبات هذا النسب سوى دعوى القاجاريين في هذا الرواية الشفهية التي رواها «فتح علي شاه». وهي أيضاً دعوى ادعوها بعد وصولهم إلى منصب الملك لا قبله. وأدعوها يوم أصبح حكم المغول والتيموريين السابق في إيران يعد حكماً مشروعاً كل الشرعية، بل أصبح يعد مناط افتخار. ومن ثم رأى القاجاريون أن يصلوا ملكهم بتلك الشرعية ويسبغوا عليه من تلك المفاخر ليقووا ملكهم عند الناس بكونهم ورثة المغول وورثة أمجادهم وشرعيتهم.
ومما يدل أيضاً على ضعف هذه النسبة، القاجاريين إلى المغول، اختلافهم في تعيين جد القاجاريين. فقد أرجع بعضهم نسبهم إلى «قاجارنويان» ورجع آخرون إلى «قراجارنويان». ومن هؤلاء الأمير القاجاري «فرهاد ميرزا معتمد الدولة» حفيد «فتح علي شاه»، وكان من العلماء وله تأليفات. فقد أرجع نسبهم في أحد كتبه إلى «قراجارنويان». وهذا الاسم هو تحريف لاسم «قراجة نوين» أحد رؤساء عسكر المغول في خراسان. فهذا التردد بين النسبين يبعث على الشك في صحة انتسابهم إلى المغول.
القاجاريون والصفويون
الشاه «إسماعيل الصفوي» أول ملوك الأسرة الصفوية)[485]( في إيران هو من أحفاد العارف المشهور «الشيخ صفي الدين» الأردبيلي الذي عاش في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري في نواحي أردبيل و«طالش»)[486]( و«دشت مقان»)[487]( في شمال إيران الغربي. وهي أقاليم كانت مساكن لقبائل الأتراك الغربيين. وأنشأ طريقة صوفية عرفت باسم «الطريقة الصفوية» نسبة إلى اسمه. وتعاقب على رئاستها أبناؤه إلى زمن «السلطان حيدر» أبي «الشاه إسماعيل» إذ أصبح عدد أتباعها من مريدي هذه الأسرة كبيراً جداً، وكلهم من الأتراك الغربيين. والجند الذين سلحهم «الشاه إسماعيل الصفوي» واستعان بهم للوصول إلى العرش هم هؤلاء المريدون أنفسهم.
وأم «الشاه إسماعيل» هي «حليمة» بنت «اوزون حسن» ملك قبيلة «آق قويونلو» التركية. ومن ثم كان هذا الشاه يتقن اللغة التركية من طفولته إذ هي لغة أمه. ولا يزال يعد إلى اليوم من أجود شعراء التركية الغربية أو الأذربيجانية شعراً. وهو أول من قال الشعر بهذه اللغة، وكان يتخذ لنفسه اسماً مستعاراً هو «خطايي» ـ كما تقدم ـ.
وقد سلح «الشاه إسماعيل» من كان يقيم في شمال نهر «أرس»، وجنوبه من الأتراك البدو وأكثرهم من مريدي أسرته. وجعل شارتهم قلنسوة حمراء على رؤوسهم. ومن ثم عرفوا باسم «قزلباش» أي: الرأس الأحمر.
وأخذ هؤلاء الجنود، وأكثرهم فرسان، ينظمون أنفسهم، ويزدادون قوة يوماً بعد يوم. ولم يسمحوا لغريب أن يتجند في فرقتهم، وبلغ بهم نقاء عنصرهم وهذا الاسم الذي عرفوا به غاية بعيدة من الافتخار والاعتزاز. ودام أمرهم على هذا النحو إلى زمن الشاه «عباس الكبير» إذ أصبحوا أقوى فرقة في حكومة الصفويين.
ولكن الشاه «عباس» سعى سعياً ماهراً إلى إنقاص عددهم شيئاً فشيئاً إلى أن لاشى قدرتهم. وكان أعظم تدبير قام به لإسقاط جند القز لباش أن حضّرهم بإسكانهم في المدن ومنحهم أملاكاً وأراضٍ يستغلونها. فقيد أيديهم بالتملك وأقلّ من نفوذهم العسكري.
ولكن هذا التدبير كان شؤماً على الصفويين. فإنهم بعد انعدام قوة القز لباش عجزوا عن مقاومة الطوائف المسلحة الأخرى التي تمردت عليهم، ولا سيما الأفاغنة، والأفشاريون بعدهم، حتى ضاع الملك من أيديهم.
إن الطوائف التركية البدوية الذين جعل منهم «الشاه إسماعيل» في آذربيجان سنداً في سعيه إلى إيصال أسرته إلى الملك لم يلبثوا أن أخذوا، من بادئ أمره، يخلون بالأمن في إقليم آذربيجان. وكانوا يعاونون الأتراك العثمانيين ويخلون لهم الطريق حين يقومون بغاراتهم على أرض إيران، لما يصلهم بهم من رابطة اللغة والعرق. وأراد «الشاه إسماعيل» أن يدفع شرهم. واستطاع في سنة 194هـ. ق. أن يكف يد آخر خلف من ملوك «قويونلو». ولكنه لم يستطع بعد أن يتفرغ لقمع غيره من بداة الأتراك هؤلاء إذ شغلته أمور أخرى.
وكان للقاجاريين يد في حوادث هذا الشعب. لا ينفكون ينادون بأنهم وعشيرة «قراقويونلو»)[488]( و«آق قويونلو» قوم واحد وعنصر واحد. ويرون في ذلك مناط افتخار، ويعدون تملكهم أطراداً طبيعياً لتملك أولئك وإرثاً شرعياً منهم لهم. وهذا دليل على أن القاجاريين كانوا في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري لا يزالون يقيمون في تلك النواحي وأنهم من الأتراك الغربيين.
وكذلك لم يتمكن خلفاء «الشاه إسماعيل» من تقصير يد أولئك الأتراك المسلحين ودفع شرهم إلى زمن «الشاه عباس الصفوي» الكبير)[489](. وقد استطاع هذا الشاه أن يخضعهم في أواخر القرن العاشر الهجري. ففي سنة 995 أو 996هـ أجلى عن آذربيجان فريقاً من أتراكها البدو. ومنهم القاجاريون أخرجهم منها إلى «جرجان» وخراسان. وأخرج غيرهم إلى نواحٍ أخرى من إيران. وبعد سنة 1027هـ أخرج بقاياهم مع من أخرجهم من الأتراك وغيرهم من آذربيجان وغيرها. وذلك بعد سلسلة من الحروب وقعت بينه وبين الأتراك العثمانيين في إقليم آذربيجان والقفقاس واستمرت من سنة 1015 إلى سنة 1027هـ، تراخى فيها فريق من سكان تلك النواحي الواقعة عند الحدود العثمانية في مقاومة العسكر العثماني.
وكان الأتراك،ومنهم القاجاريون، أجبروهم بالإجلاء إذ كانوا أكثر مسالمة للعثمانيين لما يربطهم بهم من رابطة اللغة والأصل. ومن ثم أصبحوا لا يؤتمنون على ثغور الدولة.
والأتراك الذين ظهروا في نواحي مختلفة من إيران بدأت إقامتهم في تلك النواحي من ذلك التاريخ أي أواخر القرن العاشر الهجري.
القاجاريون قبل التملك
يظهر اسم القاجاريين أول مرة في تاريخ إيران في أواسط القرن العاشر الهجري، في عهد الشاه «طهماسب» الأول. وقبلها إما أنهم لم يكونوا قد قدموا إلى إيران بعد أو أن مقامهم فيها لم يكن قد استقر ورسخ فظلوا منعزلين عن الحوادث لا أثر لهم فيها.
وفي أواسط القرن الهجري العاشر إلى سنة 1193هـ. التي هي بداية ملك «آقا محمد خان» رأس السلسلة القاجارية المالكة انقضت خمسون ومائتا سنة تقريباً كان القاجاريون فيها فاعلين في الحوادث داخلين فيها. وهي سنوات عهد الصفويين فالأفشاريين فالزنديين.
وسبق قبل «آقا)[490]( محمد خان» أن ثلاثة من أسلافه من رؤساء القاجاريين طلب كل منهم، في أوقات متفاوتة، الملك لنفسه، وحكم مدة ناحية من نواحي إيران. أولهم «فتح علي خان» خرج في سنة 1133 هـ. ق. زمن الشاه «السلطان حسين الصفوي».
وبقي خارجاً إلى سنة 1139هـ.ق. والثاني «محمد حسن خان» خرج في سنة 1164هـ.ق. في عهد «شاهرخ شاه الأفشاري واستمر تمرده إلى سنة 1172هـ.ق. والثالث «حسين قلي خان» خرج في سنة 1184هـ.ق. في عهد «كريم خان زند» واستمر تمرده إلى سنة 1191هـ.ق. وسيأتي تفصيل ذلك.
وقد عد مؤرخو البلاط القاجاري هؤلاء الثلاثة من ملوك القاجاريين، وجعلوا بداية ملك هذه الأسرة سنة 1133هـ التي هي سنة خروج «فتح علي خان» لا سنة 1193هـ التي هي بداية ملك «آقا محمد خان». وعدوا «فتح علي خان» أول ملوكهم لا «آقا محمد خان». فأضافوا بذلك إلى مدة ملك القاجاريين أكثر من 21سنة وقدموا بداية ملكهم ستين سنة.
ولكنه قول مردود لأن هؤلاء الثلاثة لم يكن لأحد منهم صفة الملك ولا تجاوز حكم أحدهم زاوية صغيرة من أرض إيران ولا طال حكمه غير سنوات قليلة. ومثلهم مثل كثير من متمردي القبائل في تاريخ البلاد، خرجوا على الحكومة المركزية ثم لم يلبثوا أن قضي عليهم. وقبل مؤرخي العهد القاجاري لم يحسبهم أحد من المؤرخين في زمرة الملوك. فالأمر الواقع أن بداية ملك القاجاريين هي سنة 1193هـ، وأول ملوكهم هو «آقا محمد خان». أما أولئك الثلاثة من أسلافه لم يعدهم أحد من المؤرخين ملوكاً سوى مؤرخي العهد القاجاري.
وترك القاجاريون ذكراً لهم في هذه السنوات الخمسين والمائتين من تاريخ إيران، قبل أن يصلوا إلى منصب الملك. وأكثرهم ذكراً في هذه الحقبة هم القاجاريون الذين أقامهم الشاه «عباس الصفوي» الكبير في «أسترآباد» وأوكل إليهم مهمة دفع تعديات التركمان وقمع فتنهم المتلاحقة)[491](.
فقد كان التركمان، من يوم استولوا على شواطئ بحر الخزر الشرقية والجنوبية الشرقية واستقروا في خوارزم، «جرجان» القديمة أي «تركمانستان» التي هي في الاتحاد السوفياتي و«جرجان» التي هي من إيران اليوم، لا ينفكون يغيرون على ما يجاورهم من النواحي، ولا سيما خراسان وجهات مرو وسرخس ونساو أبيورد وغيرها، فينهبون الأموال ويسبون النساء ويأسرون الأطفال.
وعلى طول تسعمائة سنة من الزمان ظل رد التركمان وأتقاء غاراتهم من أهم مشاغل الحكومات الإيرانية. وكان مهما ارتأى الصفويون أن يكون وسيلتهم إلى ذلك أن يجلوا القاجاريين البداة عن آذربيجان إلى «أسترآباد» (جرجان) وما حولها. وبذلك يحصلون على فائدتين، إحداهما إبعاد القاجاريين عن مجاورة الأتراك العثمانيين، أنسبائهم في اللغة والعرق، وقطعهم عن معاونتهم وإيقاع آذربيجان وأطرافها في الأخطار. والفائدة الأخرى هي اعتمادهم على ثبات القاجاريين في مقاومة التركمان، إذ هم بالنسبة إليهم غرباء عنهم. أي دفع الشر بما هو شر منه.
ومن أواسط القرن العاشر إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، أي مدة خمسين ومائتي سنة، كانت هذه المهمة عمده مهام القاجاريين. ومن أجل هذه الغاية ساندهم الصفويون أولاً ثم الأفشاريون فالزنديون. ولكن هذه المساندة التي كان القاجاريون يلقونها من بلاط الملوك الإيرانيين قوت رؤساءهم وشجعتهم، فكانوا أحياناً يصرفونها في اكتساب المنفعة لأنفسهم والإضرار بالدولة، يخرجون على السلطان ويغيرون على ما في جوارهم من النواحي فينهبون ويقتلون ويوقعون الناس في الشدائد. ومن أعظم فتنهم الفتنة التي قام بها ثلاثة منهم هم «فتح علي خان» و«محمد حسن خان» و«حسين قلي خان» الذين ذكروا آنفاً. فهي تعد من أعظم حوادث القرن الثاني عشر الهجري. وقد ظل رؤساء القاجاريين مدة ستين عاماً تقريباً في شمال إيران الشرقي لا يقتصر شغبهم على إيقاع الحكومة في العنت بل كانوا أيضاً مبعث الشدائد والمتاعب على أهالي تلك النواحي.
أما «فتح علي خان» المذكور فهو والد «محمد حسن خان» والد «آقامحمدخان» أول ملوك الأسرة القاجارية في إيران. وينتمي إلى فرع «قوانلو» من قبيلة «قاجار».
ولد «فتح علي خان» في أواخر عهد الصوفيين سنة 1104هـ.ق. أو سنة 1097هـ.ق. على خلاف بين المؤرخين. ولا نعلم ما هي قرابته بـ«مرتضى قلي خان» قائد الجيش وأمير الأمراء في عهد الشاه «السلطان حسين» الصفوي. وليس في يدنا وثيقة تنبئ عن مبدأ أمره كيف كان. وكل ما ذكره مؤرخو العهد القاجاري من ذلك أن «فتح علي بيك» هذا كان له أخوان اثنان، هما «فضل علي بيك» و«مهر علي بيك»، وأمهم اسمها «شهر بانو». ولكن المؤرخين لا يذكرون من أي مصدر أخذوا هذه المعلومات.
كان «فتح علي خان» في أول الأمر يقيم في قلعة «مبارك آباد» في «استرآباد» حيث كان مثوى آبائه من قبله. وكان ولاة مازندران يخشونه. وأدى ذلك إلى أن قرر «محمد خان تركمان» والي قزوين وأسترآباد القضاء عليه. ودفعه إلى ذلك وزيره)[492]( «الميرزا أحمد» القزويني. فواطأ الوالي بعض رؤساء القاجاريين وقاموا بهجوم مباغت على «مبارك آباد» واعتقلوا «فتح علي خان» وأخويه وسجنوهم.
وبعد مدة قليلة استطاع «فتح علي خان» أن يفر من السجن والتحق بطوائف تركمان «يموت». وبعد قليل تواطأ جماعة من قاجاريي «أشاق باش» فأخرجوا أخويه «فضل علي بيك» و«مهر علي بيك» من السجن وقتلوهما. وأقاموا «أصلمش خان قاجار» على بوابة «مبارك آباد» ليمنع «فتح علي خان» من الوصول إليها. فلما علم هذا بذلك استطاع أن يواطئ في السر «أصلمش خان».
ومن حين جلوس الشاه «طهماسب» الأول على عرش إيران سنة 930هـ.ق. أخذ القاجاريون يترقون في مناصب البلاط شيئاً فشيئاً. إلى أن بلغ رئيسهم «مرتضى قلي خان» ابن «مهراب خان» في سنة 1057هـ.ق. منصب قائد الجيش وفي سنة 1060هـ.ق. حصل على منصب أمير الأمراء، وهو يومئذ أرفع منصب عسكري في إيران. وكان ذلك في عهد الشاه «السلطان حسين» الصفوي. أسلاف «آقا محمد خان».
وبعد «مرتضى قلي خان» هذا يتردد في التاريخ من اسماء رؤساء القاجاريين اسم «فتح علي خان» ابن «شاه قلي خان» ابن «مهدي خان» ابن «ولي خان» ابن «محمد قلي خان». و«فتح علي خان» هذا يعده مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون ملكاً، تملقاً منهم لأسرته المالكة، ويجعلون أيام تمرده عهداً ملوكياً له. وليس الواقع كما زعموا.
وليس لآبائه هؤلاء ذكر في التاريخ غير تعدادهم هذا الذي ذكره مؤرخو العهد القاجاري في شجرة النسب هذه. ولا نعلم أي مقام كان لهم في حياتهم. بل لا نعلم هل كان لهم وجود حقيقي في التاريخ أم لا؟
ثم أغار على القلعة مع جماعة من تركمان «يموت» وفتح «أصلمش خان» لهم بوابتها وخلى لهم السبيل إليها. واعتقل «فتح علي خان» الوالي «محمد خان» ووزيره «الميرزا أحمد» وقتلهما. ومن ذلك اليوم أخذ «فتح علي خان» يستقوي ويتمكن من أسترآباد وأطرافها، وامتدت يده إلى نواحي أخرى غيرها.
وكان «فتح علي خان» أمرءاً يقظاً حذراً مدبراً فاستطاع التغلب على خصوم أقوياء من الأكراد والقاجاريين وقتلهم. وهكذا كان أمره لا ينفك في إقبال متواصل يوماً فيوماً.
وفي سنة 1135 هـ. بلغه خبر محاصرة الأفاغنة لأصفهان. فخف إليها ينجدها بألف فارس من جنده، وواقع الأفاغنة مراراً. ولكن رؤساء بلاط الشاه «السلطان حسين» الصفوي لم يحسنوا استقباله، إذ احتملوا أنه يسعى إلى الحصول على منصب الملك لنفسه. فانقبض عنهم وعاد بجنده إلى أسترآباد. وبعد مغادرته أصفهان لم يلبث الأفاغنة أن احتلوها في 26 شوال سنة 1135هـ.
ثم سار الأفاغنة إلى مدينة الري. فاستنجد أهلها بـ«فتح علي خان» فأنجدهم. والتقى بالأفاغنة في «إبراهيم آباد ورامن». فلما حلّ المساء بلغه خبر بأن الشاه «طهماسب» الثاني ـ وكان هذا في آذربيجان ـ قد ذهب إلى مازندران إذ بلغه خبر بأن الشاه «السلطان حسين» قد قتل. فما كان من «فتح علي خان» إلا أن خف إلى مازندران لملاقاته وإنجاده. فالتقى به في «ساري». فسر به الشاه وأحسن استقباله وشكر له نجدته.
وحمل «فتح علي خان» الشاه «طهماسب» إلى أسترآباد. وهناك جهز جيشاً انطلق به مع الشاه إلى خراسان لاستخلاصها من يد الملك «محمود السيستاني»، وكان هذا خارجاً على الحكومة المركزية مستقلاً بحكم خراسان يطلب الملك لنفسه. وفي هذا المسير حصل أول لقاء بين «نادر قلي أفشار» (نادرشاه) والشاه «طهماسب». وانضم نادر إلى جيش الشاه مع «فتح علي خان قاجار». وساروا إلى «مشهد» عند قبر «خواجه ربيع». ويرى مؤرخو العهد القاجاري أن قتله كان بدسيسة من نادر شاه نفسه. وكان مقتله يوم 12 المحرم سنة 1139هـ.
محمد حسن خان قاجار
ولد «فتح علي خان قاجار» ولدين اثنين، الأكبر منهما «محمد حسن خان»)[493]( والأصغر «محمد حسين خان»، وقد توفي هذا طفلاً . وولد «
محمد حسن خان» سنة 1127هـ. فكان عمره يوم قتل أبوه سنة 1139هـ اثني عشر عاماً.
فلما بلغ سن الرشد عزم على الخروج على «نادر شاه أفشار»، وكان هذا قد وصل إلى منصب الملك، فذهب إلى طوائف التركمان وجمع منهم جيشاً غزا به «أسترآباد» واحتلها، وفر حاكمها «محمد زمان بيك» والتحق بـ«بهبود خان» رئيس عسكر «نادر شاه» على ساحل نهر «أترك». ثم سارا بجيشهما إلى «جركان». وهناك التقى جمعهما بجمع «محمد حسن خان» فهزمهما وتراجع «بهبود خان» منكسراً، وفر «محمد خان بيك» إلى «كنجاور» حيث التقى بـ«نادر شاه»، وهو عائد من غزو الموصل، فروى له خبر الواقعة.
فأرسل «نادر شاه» حليفاً له من رؤساء القاجاريين اسمه «محمد حسين خان» بجيش إلى «أسترآباد». ففر «محمد حسن خان» مرة ثانية إلى صحراء «جرجان». ولجأ إلى طائفة «داز» التركمانية. فأرسل «نادر شاه» رسلاً من قبله إلى التركمان يطلب منهم تسليم «محمد حسن خان» إليه. وعقد رؤساء طائفة «داز» مجلساً للمشاورة، فرأوا أن مصلحتهم تقضي بتسليمه إلى «نادر شاه». وانصاع رئيسهم «بكنج» لرأيهم وعزموا على تسليم اللاجئ.
ولكن زوجة «بكنج» أبت عليها النخوة أن يغدر رجال قبيلتها بمن استجار بهم، فأخذت «محمد حسن خان» إلى بيتها وأخفته فيه. وخرجت إلى الرجال. فلما توسطتهم نزعت المعجر)[494]( عن رأسها وألقت به إليهم، وقالت لهم: أنتم أجدر منا، نحن النساء، بهذا المعجر، فاعتجروا به وأجلسوا قعيدي البيوت، وكلوا إلينا، نحن النساء، أعمال الرجال!
فاستحيا الرجال من قولها وعدلوا عن تسليم «محمد حسن خان» إلى رسل «نادر شاه»، وأعطوه حصانين وخادماً وبازاً صياداً وهرّبوه. وقالوا لرسل «نادر شاه» لا علم لنا بأمر «محمد حسن خان».
وظل «محمد حسن خان» مدة شريداً يقتات وخادمه بما يصطاده الباز، إلى أن أطلق الباز يوماً فطار ولم يعد إلهيما. فاضطرا إلى ذبح أحد الحصانين والتقوت بلحمه إلى أن نفد. فذبحا الحصان الآخر وأكلاه. وحين أوشكا أن يموتا جوعاً إذا بفرسان يصلون إلى «محمد حسن خان»، ويخبرونه أن «نادر شاه» قد قتل وأنهم يبحثون عنه. فعاد معهم. واستولى مرة ثانية على «أسترآباد» في سنة 1160 هـ.ق. وهي سنة مقتل «نادر شاه».
وإذا كان «كريم خان زند» قد سار إلى محاربة «محمد حسن خان» في سنة 1165هـ.ق. كان مؤرخو العهد القاجاري قد تملقوا ملوك القاجاريين بأن عدوا «محمد حسن خان» من ملوكهم، كما ذكرنا سابقاً، وجعلوا سنة 1164هـ. تاريخ وصول «محمد حسن خان» إلى منصب الملك، فهذا يعني أن «محمد حسن خان» قد خرج متمرداً في تلك السنة، سنة 1164هـ.
وفي سنة 1163 هـ اختار «كريم خان زند» لمنصب الملك «الميرزا أبو تراب» سبط الشاه «السلطان حسين الصفوي» باسم «الشاه إسماعيل الثالث». وحصل لنفسه على لقب «وكيل الرعايا». وفي سنة 1164هـ تمرد «محمد حسن خان قاجار» وطلب الملك نفسه. وفي سنة 1165هـ سار «كريم خان زند» إلى «أسترآباد» لمحاربته، وصحب معه الشاه الصفوي الجديد «إسماعيل الثالث».
وحاصر «كريم خان» مدينة «أسترآباد» أربعين يوماً. وبعدها خرج جند «محمد حسن خان» منها، وأحاطوا بالجند المهاجم. وطال حصارهم لهم حتى أوشك جنود «كريم خان» أن يقضوا جوعاً. وقتل اثنان من رؤساء عسكره هما «كرم خان زند» و«شجاع الدين خان زند». وخرج «الشاه إسماعيل» من معسكره وقام عند سور المدينة يطلب الأمان من «محمد حسن خان». واضطر «كريم خان» إلى التراجع فتعقبه جند القاجاريين وأوقعوا في عسكره أضراراً كثيرة.
وحمل «محمد حسن خان» الشاه «إسماعيل الثالث» إلى مدينة «أشرف» (بهشهر) مازندران. ولكن اثنين من رؤساء الإقليم هما (مقيم خان) من مدينة «ساري» و«سبز علي خان» اللاريجاني (نسبة إلى مدينة «لاريجان») اتفقا عليه ولقياه بالقرب من مدينة «بارفروش» (بابُل). ولم يلبث «مقيم خان» حين بدأت الحرب أن أصيب برصاصة ووقع جريحاً وأسر. فأمر «محمد حسن خان» بإيقاد نار وألقاه فيها وأحرقه حياً. ثم اعتقل اثنين من أعيان مازندران هما «آقا حيدر علي» و«حاجي قنبر علي» وأجبرهما على أن يؤديا إليه غرامة مالية عشرين ألف تومان ثم قتلهما. وعلى هذا النحو استولى على مازندران.
وفي سنة 1168هـ احتل «أحمد شاه الأبدالي» ملك أفغانستان الجديد مدينة مشهد، بعد أن كان قد احتل «قندهار» و«كابل» و«هرات». ثم أرسل أحد قواده «شاه بسند خان أفغان» مع خمسة عشر ألف فارس إلى «أسترآباد» لاحتلالها. وكان أربعة من أعيان خراسان هم «إبراهيم خان» و«عباس قلي خان البغايري» و«عيسى خان الكردي» و«علي خان القليجي» وآخرون قد فروا من خراسان لما هاجمها «أحمد شاه الأبدالي» إذ كانوا أضعف من الأفاغنة، وذهبوا إلى «محمد حسن خان» وحملوا معهم إليه هدايا غالية منها الماسة المسماة «درياسي نور» (بحر النور) ووزنها ثمانية مثاقيل والماسة المسماة «تاج ماه» (تاج القمر) ووزنها خمسة مثاقيل، وهما من الجواهر التي حملها «نادر شاه» من الهند. فأحسن «محمد حسن خان» استقبالهم، وأرسل «محمد ولي خان قاجار يوخاري باش»)[495]( وأخاه «حسين خان» إلى محاربة الأفاغنة ومعهما أربعة آلاف جندي. فلقوا الأفاغنة في «سبزوار» وهزموهم وحملوهم على الفرار إلى مشهد.
وبعد هذه الواقعة سار «محمد حسن خان» إلى قزوين و«جيلان» فاحتلهما. ومن هناك اتجه في سيره إلى أصفهان. وفي الطريق التقى بجيش «كريم خان زند» فهزمه وأسر ثمانية عشر رجلاً من رؤسائه وأرسلهم إلى «أسترآباد» ثم تابع سيره إلى أصفهان. وأقبل «كريم خان» بجيش لرده عنها والتقى الجمعان في محلة تعرف باسم «جلون آباد» على بعد أربعة فراسخ من أصفهان. وانجلت الحرب بينهما عن هزيمة «كريم خان» فرجع إلى شيراز وتقدم «محمد حسن خان» إلى أصفهان فاحتلها.
وفي سنة 1169 هـ سار «محمد حسن خان» إلى آذربيجان. فخرج إليه حاكمها «آزاد خان أفغان» بعشرين ألف جندي وتلاقيا على بعد ستة فراسخ من «أرومية». وانتصر «محمد حسن خان» في هذه الحرب أيضاً وفر «آزادخان» إلى «تفليس». وضم «محمد حسن خان» إلى جيشه أربعة آلاف أفغاني من جند «آزادخان» المستأجرين. وسار حتى بلغ إلى مدينة «شوشي».
وقام بغارات على تلك النواحي ثم عاد إلى تبريز. فما حلت سنة 1170هـ حتى كان قد سيطر على كل آذربيجان. ونصب أكبر أبنائه، «آقا محمد خان» الذي أسس بعد ذلك مُلك الأسرة القاجارية في إيران، حاكماً عليها. وله من العمر يومئذ سبع عشرة سنة. ثم سار منها قاصداً إلى إقليم فارس.
وفي غيبته هذه كان «كريم خان زند» قد أرسل «الشيخ علي خان زند» إلى أصفهان ليحتلها ويكون حاكماً عليها ففعل. ولما وصل «محمد حسن خان» في عودته من آذربيجان إلى «كاشان» فر «الشيخ علي خان زند» من أصفهان إلى شيراز. فقصد «محمد حسن خان» إلى أصفهان بخمسين ألف جندي بين فارس وراجل ونزل فيها. وكانت قد وقعت فيها مجاعة فجلب إليها حنطة من العراق وانفرجت الشدة.
وفي سنة 1171هـ قصد «محمد حسن خان» إلى شيراز عاصمة فارس ومقر «كريم خان زند» فحاصرها، وفي سيره هذا كان أعيان فارس يلتحقون به، إذ وجدوا أمره مقبلاً. وكان منهم «نصير خان لاري» والتحق به مع ستة آلاف بندقي)[496]( من رجاله.
وطال حصار شيراز أربعين يوماً. وإذ كان الناس في نواحي فارس وأصفهان يقاسون مجاعة فقد وقع جند «محمد حسن خان» أيضاً في شدة. وفي منتصف إحدى الليالي انفصل عنه الأفاغنة الذين كانوا معه والتحقوا بـ «كريم خان». وكانت هذه الأحوال سبباً في تراخي سائر الجنود من عسكر «محمد حسن خان» ووهن عزيمتهم. ووقع بينهم اختلاف. وأخذ كل فريق منهم ينصرف إلى بلاده. وخرج «محمد حسن خان» من خيمته فرأى أن من بقي معه قلة من الجنود. فأراد أن يديم الحصار والحرب بهذه الجماعة التي بقيت من القاجاريين وبندقيي «نصير خان اللاري». ولكن «محمد ولي خان قا جار دولو» أشار عليه بصرف النظر عن الحرب فسمع له. وأمر «محمد حسن خان» بإسراج حصانه، وكان اسمه «قراقوزي» وأركب عليه فتاة أصفهانية كان قد عشقها وحملها معه من أصفهان، وعلق بسرج الحصان جعبة جواهر وأمر الفتاة بأن تذهب تواً إلى أصفهان، وقال لها إنه لاحق بها على الأثر.
وانطلقت الفتاة حتى وصلت أصفهان. وفيما هي تسير في أحد طرق المدينة أبصر بها قاجاري يعرف حصان «محمد حسن خان» هذا. فأمسك بزمامه وسألها من أين جاءت بالحصان فأخبرته. فحمل الفتاة إلى بيته وسلمها إلى أبيه، وامتطى هو «قراقوزي» وانطلق إلى «محمد حسن خان» فالتقى به في الطريق. ووصل «محمد حسن خان» إلى أصفهان بعد ثلاثة أيام من هزيمته في شيراز. فلم يمكث إلا قليلاً وانطلق تواً إلى مازندران.
وازدادت حال «محمد حسن خان» سوءاً. فإنه حين سار من شيراز إلى أصفهان عملاً بنصيحة «محمد ولي خان قا جار» وصل خبر هزيمته إلى «حسين خان دولو قاجار يوخار يباش» الذي كان حاكماً على أصفهان من قبل «محمد حسن خان» نفسه. فعزم هذا الحاكم على الخروج عليه وبادر إلى مغادرة أصفهان إلى مازندران ليحتلها ويمنع «محمد حسن خان» من التسلط عليها. وعلم بعزمه هذا أحد رجال «محمد حسن خان» من القاجاريين، فأرسل رسالة إلى حاكم مازندران يعلمه بعزم «حسين خان» ويطلب منه أن يذود «حسين خان» عنها ويمنعه من التسلط عليها. وكان حاكم مازندران هذا اسمه «محمد خان قوانلو»، وهو ابن عم «محمد حسن خان»، وكان حاكماً عليها من قبله.
أما «محمد حسن خان» فإنه حين وصل إلى أصفهان وعلم بما صنعه «حسين خان» صرف النظر عن محاربة «كريم خان زند». وسارع إلى مازندران.
ولما وصلت تلك الرسالة إلى حاكم مازندران خشي أن ينضم إلى «حسين خان» الأفاغنة الذين كان «محمد حسن خان» قد حملهم إلى مازندران من آذربيجان. فسارع، قبل أن يصل إليهم خبر خروج «حسين خان»، إلى دعوة ثمانين رجلاً من رؤسائهم إلى وليمة في بيته. فلما حضروا قبض عليهم وألقاهم في الأغلال والسلاسل ووضعهم في السجن. فلما علم سائر الأفاغنة بما وقع على رؤسائهم تجمعوا عصبة واحدة وأعلنوا بالعصيان على الحاكم. فأرسل إليهم هذا «يوسف خان هوتكي»، وكان من أعيان مازندران، وأرسل معه أيضاً خمسين آخرين من أعيانها بجيش لقمع الأفاغنة، فحاربهم وكسرهم وقتل فريقاً منهم وأسر فريقاً.
أما «حسين خان» فكان يعلق أمله على حلفائه الأفاغنة. فلما بلغه ما حل بهم، وكان في طريقه إلى مازندران، عدل عنها إلى «أسترآباد».
وأما «محمد خان» حاكم مازندران فإنه، بعد أن قمع الأفاغنة، هيأ جيشاً من ستة آلاف فارس، ومكث ينتظر قدوم «محمد حسن خان». فلما وصل هذا إلى «علي آباد» تقدم إلى ملاقاته ثم مضيا معاً إلى مدينة «ساري». وهناك هيأ جيشاً. ثم مضى «محمد حسن خان» بجيشه قاصداً إلى «أسترآباد» لقمع «حسين خان دولو». وإذ رأى هذا أن لا قبل له بالجيش المهاجم فقد جمع أقرباءه وإخوته وفر بهم إلى «دامغان» والتحق فيها بـ«إبراهيم خان بغايري». ووصل «محمد حسن خان» إلى «أسترآباد»، ومنها سار إلى «دامغان» يتعقب «حسين خان». فلما وصلها ضرب عليها الحصار.
ولكن بلغه أن «الشيخ علي خان زند» قد وصل بجيش إلى محلة «فيروز كوه» قادماً إلى حربه. فخشي أن يغزو الزندي مازندران ويعجز حاكمها «محمد خان» عن المقاومة. فاضطر إلى الانصراف عن «دامغان» وسارع إلى مدينة «ساري». وفي طريقه إليها كان جنده قد تعبوا وأخذوا ينصرفون عنه شيئاً فشيئاً. ولما وصل إلى «ساري» انصرف عنه أيضاً التركمان الذين كانوا معه، وأغاروا على المدينة فنهبوها، ثم عادوا إلى ديارهم. فاضطر «محمد حسن خان» إلى مغادرة «ساري» والانصراف بمن معه من قرابته وعبيده إلى «أسترآباد». ودخل «الشيخ علي خان زند» إلى «ساري» لا يلقى مقاومة، ووافاه «حسين خان» من «دامغان» فالتحق به أيضاً.
وفي «أسترآباد» جمع «محمد حسن خان» جيشاً وخرج إلى ملاقاة «الشيخ علي خان زند». ووقعت بينهما معارك في نواحي مختلفة لم تنته إلى نتيجة حاسمة. فعاد «محمد حسن خان». إلى «أسترآباد» وعاد «الشيخ علي خان زند» إلى مدينة «أشرف» (بهشهر).
ومن «أسترآباد» أرسل «محمد حسن خان» رسولاً إلى أكراد خراسان، أكراد «شادلو»، يستنجد بهم. فأنجدوه بعشرة آلاف فارس.
وكان “سبز علي خان الشام بياتي”، وهو من رؤساء عسكره ومن الطائفة القاجارية، قد تركه بعد غزو آذربيجان. فعاد إليه وهو في «أسترآباد». وبيّن سبب انفصاله عنه بأنه كان يخاف على حياته من «محمد ولي خان دولو» إذ كان هذا قد سبق أن قتل أبا «سبز علي خان الشام بياتي».
وهكذا هيأ «محمد حسن خان» نفسه مرة أخرى لمحاربة «الشيخ علي خان زند». ثم دعا إخوته وأبناء عمه و«محمد ولي خان دولو» إلى مجلس للمشاورة. وقال لـ«سبز علي خان» في السر إذا رأيتني خرجت من المجلس فاقتل «محمد ولي خان» بأبيك.
وفي حال انعقاد المجلس انتحل «محمد حسن خان» سبباً للخروج وغادر المجلس. فهجم «سبز علي خان» وعبيده على «محمد ولي خان دولو» فقتلوه وقتلوا معه جماعة من رؤساء طائفة «يوخاري باش».
وبعد هذه الواقعة سار «محمد حسن خان» ومعه ثمانية عشر ألفاً ما بين فارس وراجل إلى محاربة «الشيخ علي خان زند». والتقى الجمعان في خارج مدينة «أشرف»، وكثر بينهم الضرب والطعن. ثم انكسر أكراد خراسان الذين كانوا من عسكر «محمد حسن خان» وفروا إلى خراسان. وثبت «محمد حسن خان» مع مشاته قليلاً ثم انكسروا وفروا. وانطلق جند «الشيخ علي خان زند»)[497]( يتتبعونهم. وعلقت إحدى قوائم حصان «محمد حسن خان» في الطين. ثم وصل إليه، وهو على هذه الحال «محمد علي آقاي دولو» أخو «حسين خان دولو» الذي كان حاكماً على أصفهان وخرج عليه ثم التحق بـ«كريم خان زند». ومعه أيضاً أحد غلمان «محمد حسن خان»، وكان قد أبق والتحق بعسكر «الشيخ علي خان زند»، ومعهما عشرة آلاف فارس. فلما رأوه انقضوا عليه وقطعوا رأسه.
ولما وصل خبر هذه الواقعة إلى ابن عمه «محمد خان فوانلو» حاكم على مازندران، وكان في «أسترآباد»، ذهب إلى «جرجان» وصحب معه ابن «محمد حسن خان» الأكبر «آقا محمد خان» وأخاه الشقيق «حسين قلي خان» وسائر أبنائه. وكان مقتل «محمد حسن خان قاجار» في سنة 1171 أو 1172 أو 1173هـ على اختلاف في الروايات. والأرجح أنها كانت بعد سنة 1171هـ.
ووضعوا رأسه في مخلاة وحمله أحد القاجاريين إلى «كريم خان»، وكان يومئذ في طهران. ودخل عليه القاجاري في أحد القصور الملكية ووضع المخلاة بين يديه. فسأله «كريم خان»: أي شيء هذا؟ فقال: رأس محمد حسن خان. فهب «كريم خان» واقفاً وانحدر عن مجلسه حافياً، فتناول الرأس من المخلاة، وغسله بيده وسوى شعر رأسه بالمشط وطيّبه بماء الورد وكفنه. ثم نادى بالحداد.
وفي اليوم التالي وضعه في تابوت وأمر أعيان البلاط بالخروج لتشييعه وخرج هو يشيعه معهم ماشياً إلى بوابة المدينة. ثم دفنوه عند مقام «عبد العظيم الحسني» في جنوب طهران.
أعقاب «محمد حسن خان قاجار»
مات «محمد حسن خان قاجار» عن تسعة أبناء ذكور وبنتين. وهم حسب تاريخ ولادتهم:
«آقا محمد خان»، وهو أكبرهم. ولد سنة 1155هـ وعصى في سنة 1193هـ. ونصب ملكاً على إيران في مدينة طهران سنة 1211هـ.
وثانيهم «حسين قلي خان» المعروف بلقب «جهان سوز» أي «حارق الدنيا». ولد سنة 1164هـ وعصى في سنة 1184هـ. وقتل سنة 1191هـ ودفن في «أسترآباد». وهو أبو «فتح علي شاه»، وأخو «آقا محمد خان» الشقيق. وأمهما أخت «ولد خان قاجار» أحد أعيان القاجاريين. وبعد مقتل «حسين قلي خان» هذا ولد له ولد دعي باسمه «حسين قلي خان».
والثالث «مرتضى قلي خان» والرابع «مصطفى قلي خان» وهما شقيقان وأمهما من فرع «دولو» القاجاري.
والخامس «جعفر قلي خان» وأمه من «دولو» أيضاً. والسادس «مهدي قلي خان» والسابع «عباس قلي خان» وهما شقيقان من أم كردية. والثامن «رضا قلي خان» وأمه من «أسترآباد». والتاسع «علي قلي خان» وأمه من أهل أصفهان. والظاهر أنها تلك الفتاة التي أرسلها «محمد حسن خان» إلى أصفهان وأرسل معها جواهره يوم ضاقت الأحوال وهو يحاصر شيراز.
وابنته الكبرى اسمها «شاه جهان بي بي خانم». وقد استحضرها «كريم خان زند» من قزوين إلى شيراز ليزوجها بابنه «رحيم خان». ولكن بنتاً لكريم خان رأتها غير جديرة بأخيها وقالت هي أجدر بالبغالين منها بأبناء الملوك. فأعيدت إلى قزوين. وبعد مدة قليلة تزوجها «علي مراد خان زند» وأولدها ابناً اسمه «خان لرخان». ولما ملك «آقا محمد خان» انتقم لهذه الإهانة بأن أجبر بنت «كريم خان» تلك ـ وكانت أسيرة عنده ـ على الزواج من بغال اسمه «بابا فاضل» من أهل طهران. وظلت زوجة له إلى أن ماتت. وابنة «محمد حسن خان» الصغرى أخذتها امرأة من القاجاريين معروفة باسم «الخالة زبيدة» زوجة لابنها. ثم ماتت صبية ولم تلد.
وكان لـ«محمد حسن خان» أخت يظهر أنها تزوجت «أبو الحسن خان علي شاه» المحلاني إمام الإسماعيليين. وهو الجد الرابع لإمام الإسماعيليين الحالي. وهو أول من دعي بلقب «آقا خان» من هذه العائلة.
حسين قلي خان قاجار
القاجاري الثالث الذي طلب الملك لنفسه، وعده مؤرخو البلاط القاجاري ثالث ملوك هذه الأسرة، بعد «فتح علي خان» و«محمد حسن خان» وقبل «آقا محمد خان» هو «حسين قلي خان» الملقب بـ«جهان سوز»)[498]( ثاني أبناء «محمد حسن خان» وأخو «آقا محمد خان» الشقيق. ولا يصح اعتباره ملكاً كما قال مؤرخو البلاط القاجاري تملقاً منهم لهذه الأسرة.
فهو كأبيه وجده لم يكن غير عاصٍ لم يستتب له ملك. تمرد بضع سنين ثم قضي عليه بعد سبع سنوات من قيامه.
بعد مقتل «محمد حسن خان قاجار» حمل ابن عم واليه على مازندران «محمد خان قوانلو»، وكان في «استرآباد»، أبناءه إلى «جرجان» وأقاموا بين تركمان قبيلة «يموت» بضع سنين. ثم ارتأوا أن المصلحة في التحاقهم بخدمة «كريم خان زند»، فذهبوا إليه. والظاهر أنه كان يومئذ في طهران. وحمل «كريم خان» الابن الأكبر «آقا محمد خان» معه إلى شيراز. وكان هذا يومئذ في الثلاثين من عمره، وأقام إخوته وأقاربهم الآخرين في قزوين. وكان ذلك في سنة 1185هـ. وعمر «حسين قلي خان» 21 سنة.
وبعد مدة حضر «حسين قلي خان» إلى شيراز لزيارة أخيه الشقيق «آقا محمد خان». وحين عودته نصبه «كريم خان زند» حاكماً على «دامغان». فلما استقر به المقام فيها خامره ماخامر أباه وجده من قبله من تطلع إلى الملك. فجمع جيشاً وهجم به على «أسترآباد» وقتل جماعة من رؤساء طائفة «يوخاري باش» القاجارية)[499](، وغيرهم من الرؤساء. وارتكب من القسوة وسفك الدماء أمراً عظيماً حتى لقبوه بلقب «جهان سوز» أي: حارق الدنيا. وبعد أن احتل «أسترآباد» عاد إلى دامغان.
وتحرك إلى حربه «محمد خان سواد كوهي» المعروف باسم «دادو»، وكان حاكماً على مازندران من قبل «كريم خان زند». فأرسل إليه «حسين قلي خان» أخاه لأبيه «مرتضى قلي خان» بجيش أوقع به هزيمة عند موضع اسمه «رستم كلا»، وأسر «محمد خان سواد كوهي» وأرسله «مرتضى قلي خان» مغلول اليدين إلى أخيه «حسين قلي خان» فحمله هذا مغلولاً إلى مدينة «بارفروش» (بابل) وصادر كل أمواله ثم قتله. وتم له احتلال مازندران.
فلما بلغت هذه الأخبار إلى «كريم خان زند» أرسل «مهدي خان» ابن «محمد خان سواد كوهي» القتيل إلى مازندران حاكماً عليها بدلاً من أبيه. فسار حتى استقر في «بارفروش». ولكن «حسين قلي خان» أغار عليها، واضطر «مهدي خان» إلى الفرار وظل مختبئاً في خرابات المدينة إلى أن عثر عليه رجال «حسين قلي خان» فألقوا به في السجن. وأخضع «حسين قلي خان» كل مخالفيه وهدم كل حصون «أسترآباد» التي كانت في يد مخالفيه.
وحاول «كريم خان» مراراً أن يتغلب عليه ولكن عجز عن ذلك. وأخاف تقدم «حسين قلي خان»)[500]( وارتفاع شأنه وعجز «كريم خان زند» عن التغلب عليه رؤساء «يوخاري باش». فرشوا بضعة رجال من تركمان طائفة «يموت» كانوا في جند «حسين قلي خان» بالمال ليقضوا عليه. فتسلل هؤلاء في منتصف الليل إلى خيمته وقتلوه برصاص البندقية. ثم فروا ولم يعثر عليهم أحد. ودفنت جثته في «أسترآباد».
خرج «حسين قلي خان» في سنة 1184هـ وقتل في سنة 1191هـ. وترك ولدين ذكرين أحدهما «فتح علي خان» المعروف باسم «بابا خان» وأصبح بعد ذلك «فتح علي شاه». وأمه من القاجاريين تزوج بها «حسين قلي خان» يوم كان حاكماً على «دامغان». وفي عهد ملك «فتح علي شاه» عرفت في البلاط باسم «مهد عليا». ومن ذلك الحين أصبح هذا اللقب يطلق على أم الشاه دائماً.
وبعد مقتل «حسين قلي خان» أمر «كريم خان زند» أخاه «مرتضى قلي خان» أن يخرج زوجته هذه وولديها من بين التركمان ففعل. وبعد وفاة «كريم خان زند» ذهب «آقا محمد خان قاجار» من شيراز إلى مازندران. وهناك تزوج بأرملة أخيه ونقلها مع ولديها إلى بيته وظلوا عنده إلى أن مات.
القاع
منزل بطريق مكة بعد العقبة لمن يتوجه إلى مكة تدّعيه أسد وطيء ومنه يرحل إلى زبالة ويوم القاع من أيام العرب… يوم كان بين بكر بن وائل وبني تميم وفي هذا اليوم أسر أوس بن حجر أسره بسطام بن قيس الشيباني)[501]( أنشد بعض الشعراء:
بقاع منعناه ثمانين حجة
وبضعاً لنا إخراجه ومسائله
نزله الحسين (ع) يوم الخميس 24 من ذي الحجة سنة 60 هجرية.
القانون
من أشهر كتب ابن سينا كتاب القانون في الطب، الذي لا يختلف في معلوماته عن موازين الطب الحديث.
لقد نال كتاب القانون شهرة عالمية منذ ما يقارب سبعة قرون (أواسط القرن السابع الميلادي) وظل محتفظاً بمكانته المرموقة في الشرق وأوروبا، كمعين لرجال الطب، ومصدر للمعلومات الطبية، وما أكثر ما كتب عن هذا المؤلف ووضع له من شروح وتعليمات وتلخيصات.
يقول ابن سينا: إنه بدأ بكتابة القسم الأول من كتاب القانون، ويعني به (الكليات) في مدينة جرجان حوالى سنة 403 هجرية. وألف قسماً آخر منه في مدينة الري جنوب طهران سنة 405هـ، وأنهى بقية الكتاب في همذان، ويشير الكوزكاني إلى أن ابن سينا كان يدرس طلابه كتاب القانون، والذي لا شك فيه أن هذا الكتاب يعتبر من أهم ما كتب في الطب بعد (الحاوي) للرازي و(الملكي) للأهوازي وأسلوبه يختلف عن أسلوبهما.
فقد جعل الرازي كتابه على شكل دائرة معارف طبية جمع فيه نظريات الأطباء السالفين لعصره في إيران واليونان والرومان، وختم الكتاب بآرائه ونتائج تجاربه كما شرح الرازي الأمراض وطرق معالجتها نقلاً عما رواه الأطباء السالفون ثم أبدى وجهة نظره بالتفصيل، حتى ليمكن القول إن كتاب الحاوي للرازي يعد أهم المؤلفات الطبية في القرن الرابع الهجري.
أما كتاب الملكي للأهوازي فقد جاء منسقاً في موضوعاته بأسلوب سهل وجمع فيه مؤلفه آراء الأطباء السابقين بالإضافة إلى نتائج تجاربه.
وبعد، فالقانون يعد من أهم ما ألف في الطب وأبدعه بتنسيق مواضيعه وسهولة عباراته، كما جمع فيه ما جاء من آراء وتجارب في الطب حتى عصر الشيخ ابن سينا، عدا عن أن مؤلفه طبيب فيلسوف، ولما كان الطب يدرس في إيران إلى ما قبل مائة عام تقريباً مع الفلسفة فقد فضل القانون على كتابي الرازي والأهوازي وزاد من شهرته، كما أنه درس في عهد مؤلفه ولا يعرف بعد إن كان كتابا الحاوي والملكي قد درسا في عهد مؤلفيهما أم لا؟
ولم يشتهر كتاب القانون في الشرق فقط وإنما شق طريقه إلى الغرب، فترجم إلى اللاتينية ودرس في فرنسا حتى عام 1651م.
ورغم كل ما ناله كتاب القانون من تقريظ فإن البعض تناوله بالنقد فقالوا إن المؤلف أسرف في ذكر خواص الأجسام وأنواعها، وإن شرحه للأمراض كان معقداً وغامضاً.
ويصف ابن زهر الأندلسي وهو طبيب مشهور القانون بالأوراق الفارغة، والحق يقال إن ابن زهر بالغ في القدح بالكتاب وإنكار فضله شأنه شأن بعض الأطباء وعلماء الطب الذين فضلوا علي بن عباس الأهوازي على ابن سينا (دائرة ا لمعارف البريطانية المجلد الثالث) إلا أن ادوارد براون يقول في كتابه (طب العرب) إن كتاب القانون فاق كتابي الرازي والأهوازي إذ جاء على شكل دائرة معارف بعباراته المنسقة وموضوعاته السلسة وأسلوبه الشيق ومنطقه الآخاذ، وهي أسباب يمكن إضافتها إلى ما ذكرناه آنفاً وأدت إلى شهرة القانون، ولم يفلح ابن رشد الذي ذاع صيته في أوروبا في أن يبلغ بكتابه (الكليات) المستوى العلمي الذي بلغه كتاب القانون.
وأخيراً فإن القانون يشتمل على خمسة أبواب أو كتب: الأول في الكليات والثاني في الأدوية المعدنية والنباتية والحيوانية، والثالث في الأمراض الموضعية، والرابع في أمراض الجمال ويعني ما تصاب به الأظافر والشعر، وما يعيب الوجه من نمش وغيره، والخامس في الأدوية التي تقدم كأقراص أو مساحيق أو معجون أو محلول أو دهون ودفع السموم.
الدكتور علي نجم أبادي
القاهرة
ـ 1 ـ
استولى الفاطميون على حكم المغرب في أوائل القرن (الرابع الهجري). عبدالله المهدي لقب «أمير المؤمنين»، وجعل مدينة «القيروان عاصمة له في العام 297هـ 884م، ثم شيّد لنفسه، في العام 303هـ ـ 890م، عاصمة جديدة عُرفت بأم «المهدية». ولما تسلم المعز لدين الله الخلافة (341هـ ـ 953م) تمكن من توسيع رقعة دولته، فاستولى على مصر في أواخر عهد الإخشيديين، ونجح قائده جوهر الكاتب بعد 17 سنة، في الوصول إلى الفسطاط (358هـ ـ 969م). ولما تم للفاطميين الاستيلاء على مصر، نقلوا مركز حكمهم من المهدية إلى عاصمة جديدة شيّدها جوهر الصقلي، أسماها القاهرة.
وقدمه تنبأ المعز بأن جوهراً سوف يفتح مصر، ويؤسس بها مدينة يتخذها حاضرة له، فقال وهو يودعه أمام جمع من شيوخ كتامة: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر؛ ولتدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن في خرابات ابن طولون، وتبنى كذا مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا»)[502](.
وضع جوهر الصقلي أساس مدينة القاهرة إثر دخوله الفسطاط، في 18 من شعبان 359هـ (يوليو سنة 969م)، كما وضع في الوقت نفسه أساس قصر الخليفة المعز ومقر حكمه، وأحاط مدينته الجديدة بسور من اللبن.
ويعزو المقريزي سبب بناء القاهرة بهذه السرعة وإحاطتها بسور ضخم، إلى خوف الفاطميين من هجوم القرامطة، مع أن الاصطدام الفعلي الذي قام بين الفاطميين وبين هذه الجماعة لم يبدأ إلا بعد أن احتل جعفر بن فلاح بلاد الشام في سنة 359هـ وكان جوهر يدرك حقيقة القرامطة، فاتخذ الحيطة لنفسه حتى لا يؤخذ على غرة. على أن هناك أمراً آخر ضاعف مخاوف جوهر الصقلي من ناحية الروم، الذين أخذوا يستردون نشاطهم، ويكيلون الضربات للعباسيين، ويحتلون بعض مدن العراق الشمالية ومدن الشام. ولا بد أن جوهراً كان يعلم، أن الروم كانوا يعملون على استرداد ولاياتهم المفقودة، ومن بينها الشام ومصر.
وهكذا أدار جوهر «السور اللبن على مناخه (معسكره) الذي نزل فيه بعساكره، وأنشأ من داخل السور جامعاً وقصراً، وأعدها معقلاً يتحصن به، وتنزله عساكره. واحتفر الخندق من الجهة الشامية (الشمالية) ليمنع اقتحام عساكر القرامطة (وسواهم) إلى القاهرة وما وراءها من المدينة»)[503](، أي الفسطاط والعسكر والقطائع.
يقول حسن إبراهيم حسن)[504]( في وصف مدينة القاهرة التي أنشأها جوهر: «وكانت هذه المدينة الجديدة محاطة بسور من آجر كبير الحجم، شاهد المقريزي بقاياه في سنة 802هـ (1400م). وإلى الشرق منه يقع قصر الخليفة؛ ويعرف جزء منه الآن بخان الخليلي، وآخر بمسجد الحسين، وهذا (بين القصرين) أطلق على الميدان فيما بعد، بعد أن بنى العزيز بالله قصراً أصغر من القصر الذي بناه جوهر لمولاه المعز على جانبه الغربي، عند مبدأ هذه الحديقة الغناء التي أنشأها كافور، واستحوذ عليها الفاطميون فيما بعد.
«وقد اختط طريق عام يخترق وسط القاهرة من باب زويلة جنوباً، ويتصل بمدينة الفسطاط ماراً فيما بين القصرين، حتى باب الفتوح؛ وكان يوصل إلى الفضاء الواقع في الشمال، وإلى الجنوب الشرقي من قصر الخليفة، يقع الجامع الأزهر الذي شرع جوهر في بنائه (في 24 جمادى الأولى سنة 359هـ)، بعد أن وضع أساس القاعدة الجديد. وقد تم بناء السور المحيط بالقاهرة سنة 359هـ. وإلى الجنوب منه، تقع مدينة الفسطاط التي ظلت مركز الحركة التجارية، وموطن الأهلين حتى نهاية عهد الفاطميين، وإلى الغرب تقع المقس، وكانت تمتد إلى النيل، وظلت ميناء القاهرة، إلى أن تحول مجرى النيل في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد؛ فمهد ذلك لتاسيس بولاق.
لقطة من القاهرة
وكانت القاهرة وقت إنشائها تمتد من منارة جامع الحاكم إلى باب زويلة؛ وكانت حدودها الشرقية هي نفسها حدود القاهرة الحالية، وأما من الجهة الغربية فلم تتجاوز شارع الخليج».
وقد ذكر على مبارك باشا أن «طول كل جانب من جوانب مدينة القاهرة التي أسسها جوهر كان يبلغ ألفين ومائتي متر. ومساحة هذا المكان 340 فداناً، كان القصر يشغل منها مساحة مقدارها سبعون فداناً. وكانت حديقة كافور تشغل منها خمسة وثلاثين فداناً، وخمسة وثلاثين فداناً للمكان المخصص لاستعراض الجند، والباقي وقدره مائتا فدان لسكنى العساكر. وقد زاد السور الذي أقامه أمير الجيوش بدر الجمالي وزير المستنصر الفاطمي في مساحة المدينة ستين فداناً. وقد بنى هذا السور من الحجر الكبير الحجم. وكان به ثلاثة أبواب لا تزال باقية إلى اليوم، وهي باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر».
أما القول بأن تسميتها إلى القاهرة يرجع إلى ظاهرة فلكية، وأن أساس مدينة القاهرة قد وضع وقت طلوع كوكب المريخ أو «القاهر»، فيبدو بعيد التصديق، يقول أبو المحاسن)[505](: «إن جوهراً لما قصد إقامة السور وبناء القاهرة، جمع المنجمين، وأمرهم أن يختاروا طالعاً لحفر الأساس، وطالعاً لرمي حجارته، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب. وبين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، وأفهموا البنائين ساعة تحريك الأجراس أن يرموا ما في أيديهم من اللبن والحجارة. ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع. فاتفق وقوف غراب على خشبة من تلك الخشب، فتحركت الأجراس، وظن الموكلون بالبناء أن المنجمين حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة في الأساس فصاح المنجمون. لا لا، القاهر في الطالع! ومضى ذلك وفاتهم ما قصدوه، وكان غرض جوهر أن يختاروا للبناء طالعاً لا يخرج البلد عن نسلهم أبداً، فوقع أن المريخ كان في الطالع، وهو يسمى عند المنجمين القاهر، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك، وأنهم لا بد أن يملكوا هذه البلد. فلما قدم المعز إليها، وأخبر بهذه القصة، وكان له خبرة بالنجامة، وافقهم على ذلك، وأن الترك تكون لهم الغلبة على هذا البلد، فغير اسمها وسماها القاهرة».
منظر عام لأحياء مدينة القاهرة
والواقع أن هذا القول أقرب إلى الخرافة منه إلى الحقيقة، على أن المقريزي الذي ذكر هذه الحكاية أيضاً، قد ذكر نفس هذه الحكاية عند كلامه على بناء مدينة الإسكندرية في عهد الإسكندر.
وقد ذكر أبو المحاسن)[506]( سبباً آخر في تسمية القاهرة بهذا الاسم، وهو أنه كان بقصورها قبة تسمى «القاهرة»، فسميت المدينة باسمها. ويقول بعض إنها سميت بذلك، «لأنها تقهر من شذ عنها وحاول الخروج على أميرها»)[507](.
ومدينة القاهرة رابعة حواضر مصر الإسلامية، وهي على التوالي: الفسطاط، والعسكر، والقطائع، ثم القاهرة. وكان مؤسسو هذه المدن يرمون من وراء بنائها في هذه المواضع إلى الانتفاع بماء النيل وحافة الصحراء الشرقية المعروفة بجبل المقطم لأغراض الدفاع، ويؤيد ذلك أن جوهراً لم يركز دفاعه عن مدينة القاهرة لا في الجهة الشمالية، حيث أقام خندقاً ضخماً، واعتمد على النيل باعتباره مركزاً للدفاع عن الناحية الغربية، وعلى جبل المقطم من الناحية الشرقية.
القاهرة القديمة بقباب مساجدها الأثرية
على أن المعز لما جاء إلى مصر لم يعجبه موقع القاهرة، وكان يرى أن تكون في سفح جبل المقطم، أو على شاطئ النيل. وقد عبر عن ذلك بقوله لجوهر: «لما فاتك عمارة القاهرة بالساحل، كان ينبغي عمارتها بهذا الجبل»)[508](.
وتحد مدينة القاهرة المعزية، شرقاً بباب البرقية والباب المحروق (الدراسة الآن)، وغرباً بباب سعادة وباب الفرج وباب الخوخة؛ ولم تتجاوز خليج أمير المؤمنين (شارع الخليج الآن)؛ وتحد من الشمال بباب النصر وحارة الريحانية، ومن الجنوب بباب زويلة القديم. وتقع الفسطاط والعسكر وخرائب القطائع في جنوبها، والمقس)[509]( غربيها، وكانت ميناء القاهرة.
وكانت مدينة القاهرة حين بناها جوهر صغيرة، ولكنها لم تلبث أن أصبحت من أمهات المدن في الشرق؛ فأصلح بدر الجمالي سورها، وزاد فيها كثيراً. على أن مدينة القاهرة أخذت تنمو على مر الزمن، فامتدت في قلب الصحراء، وشملت العباسية، وحدائق القبة، وعين شمس، وما وراءها، ولو قارنا مدينة القاهرة المعزية بمدينة القاهرة الحالية وجدنا البون شاسعاً والفرق عظيماً بين المدينتين.
وليس من شك في أن سكان القاهرة المعزية في عهد المعز لدين الله كانوا من الشيعة وحدهم، وكان لهذا أثره في تخطيط المدينة، فقسمت إلى حارات وأقسام، سميت بأسماء فرق الجيش الفاطمي وطوائفهم، فأصبح لزويلة خطة وحارة تعرف باسمهم؛ فكانت حارة زويلة من أكبر الحارات، وتقع في جهة الخرنفش اليوم. ولجنود برقة حارة وخطة تعرف بحارة «البرقية» في جهة الدراسة اليوم. وللفرق الرومية حارتان: إحداهما في الجنوب، وتعرف اليوم بحارة الروم، وكانت تسمى حارة الروم السفلى، وتقع بقسم الدرب الأحمر الآن، والحارة الثانية في الشمال، وكانت تعرف بحارة الروم العليا أو حارة الروم الجوانية، وتقع بشارع الجمالية، وللكتاميين حارة في الجنوب الشرقي من الأزهر تعرف بحارة كتامة، هكذا)[510](.
قصر المعز
بنى جوهر الصقلي في داخل مدينة القاهرة قصراً كان يسمى القصر المعزي، ليكون مقراً لهذا الخليفة. ويقال إن المعز هو الذي أمر جوهراً ببنائه، «وألقى إليه ترتيبه، فوضعه على الترتيب الذي رسمه له»)[511](. وهذا يدل على أن المعز كان يرغب في اتخاذ مصر حاضرة لخلافته، وأنه اتخذ لهذا الأمر عدته قبل فتح هذه البلاد. وكثراً ما كان هذا القصر يسمى «القصر الشرقي الكبير»، تمييزاً له عن «القصر الغربي» الصغير الذي بناه الخليفة العزيز فيما بعد.
وقد وضع جوهر أساس هذا القصر في اليوم الذي وضع فيه أساس مدينة القاهرة المعزية، أي في يوم الأربعاء 18 من شعبان سنة 358هـ؛ وانتهى من بنائه، وركب أبوابه في يوم الخميس 13 من جمادى الأولى سنة 359هـ، وأدار عليه سوراً متيناً في سنة 360هـ ولما جاء المعز في سنة 362هـ، كان جوهر قد استكمل بناء هذا القصر، وكان الغرض من بنائه أن يكون مقراً للخلفاء الفاطميين، فكان الخليفة يقيم فيه، ويجلس فيه للحكم، في مجلس عرف باسم «مجلس الملك». وكان هذا القصر يشتمل على كثير من دواوين الحكومة ودور السلاح)[512](. وقد أعد بالمياه درءاً للحريق، كما كثرت فيه الأنفاق السرية، ولا يركب أحد في القصر إلا الخليفة، ولا ينصرف ليلاً ونهاراً إلا كذلك (أي راكباً). وله في الليل شدادات من النساء يخدمن البغلات والحمير الإناث، للجواز في السراديب القصيرة الأقباء، والطلوع على الزلاقات إلى أعالي المناظر والأماكن وفي كل محلة من محلات القصر فسقية مملوءة بالماء خيفة من حدوث حريق في الليل»)[513](.
وقد استمر القصر الكبير داراً لخلفاء الدولة الفاطمية، منذ أقام فيه المعز لدين الله في اليوم السابع من شهر رمضان سنة 362هـ، إلى أن زالت هذه الدولة في سنة 567هـ.
ومما يمتاز به هذا القصر كثرة أبوابه، فمنها: باب الذهب، وكانت تعلوه منظرة يشرف منها الخليفة في بعض الأوقات، وباب العيد، وأمامه رحبة متسعة يقف فيها الجنود في يومي العيدين، وتعرف برحبة باب العيد. وباب الديلم وموضعه الآن مسجد الحسين، ويصل إلى باب الزعفران، وهي مقبرة الخلفاء وسائر أفراد الأسرة المالكة، وموضعه الآن خان الخليلي. وقد دفن المعز لدين الله في هذه المقبرة جثث المهدي والقائم والمنصور، وكان قد أحضرها معه من بلاد المغرب في توابيت. وظلت هذه المقبرة مدفناً للخلفاء وأولادهم ونسائهم، حتى أنشأ فيها ركن الدين جهاركس الخليلي، أحد أمراء المماليك، خانه المعروف باسمه، فأخرج منها عظام الفاطميين وألقاها على تلال البرقية)[514](، بين باب الديلم وباب تربة الزعفران التي كان يصل منها الخليفة إلى الجامع الأزهر في ليالي الوقود)[515](. وكان يجلس بمنظرة هذا الجامع لمشاهدة الناس. ويقابل باب الديلم الأزهر في الجنوب الشرقي من القصر. وكان الخليفة يصلي فيه صلاة الجمعة. وبجوار رحبة باب العيد، دار الضيافة، وكانت تسمى دار سعيد السعداء. ويقابلها دار الوزارة. وكان هناك طريق يوصل بين باب تربة الزعفران وباب الزهومة)[516](. وتقع خزائن القصر بين هذا الباب والجامع الآزهر. ومن هذه الخزائن خزائن الكتب والأسلحة والكسى والفرش، وكانت في الجهة الشرقية من القاهرة المعزية. وقد تأنق المعز في تأسيس هذا القصر بفاخر الرياش وكل ما يحتاج إليه الخلفاء والأمراء)[517](.
ويقع قبالة القصر الشرقي الكبير الذي بناه المعز، القصر الذي بناه العزيز، وكان أصغر منه، لذلك يعرف بالقصر الصغير كما تقدم. وقد بنى في موضعه المارستان الكبير المنصوري، ولا يزال بعضه إلى اليوم يعرف بسوق النحاسين، وبجواره إلى الشمال الميدان، والبستان الكافوري، ودار الضيافة القديمة، ورحبة الإقبال. وكان بين هذين القصرين فضاء يسع عشرة آلاف فارس، أطلق عليه فيما بعد «بين القصرين».
وشرع جوهر الصقلي في بناء الجامع الأزهر ـ ما ذهب إليه المقريزي)[518]( ـ حول منتصف سنة 359هـ، وانتهى من بنائه في رمضان سنة 361هـ، أي بعد دخوله مصر بنحو سنتين، وقد كتب على إحدى قبابه)[519](: «بسم الله الرحمن، مما أمر ببنائه عبدالله ووليه أبو تميم معد الإمام المعز لدين الله، أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين! على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي، وذلك في سنة ستين وثلثمائة»)[520](.
ولم تكن مساحة الأزهر في زمن جوهر كبيرة، فقد تعاقبت عليه الزيادات «وتحول هذا المسجد على مر الأيام من مسجد صغير إلى مركز عظيم لنشر الثقافة، وغدا يشغل مساحة قدرها 12.000 متر مربع. وبلغ عدد أعمدته ثلثمائة وخمسة وستين عموداً)[521](، كان في المقصورة الكبيرة التي بناها جوهر وحدها ستة وسبعون عموداً، من أجود أنواع الرخام الأبيض. وكان المعز يصل إلى هذه المقصورة عن طريق خاص.
ومن منشآت جوهر في الجامع الأزهر المحراب القديم الذي أمامه في المقصورة القديمة؛ غير أنه قد أقيمت محاريب أخرى حتى بلغ عددها تسعة محاريب، كما أنشأ منبراً ظل في الأزهر إلى أن نقل بعد ذلك إلى جامع الحاكم شمالي القاهرة. وأقام جوهر للجامع الأزهر منارة واحدة، ثم بلغت على مر الزمن خمس منارات.
يقول علي مبارك في كتابه «الخطط التوفيقية»: «من يتأمل مدة كل خليفة وأعماله، يرى أن همّة غالبيتهم كانت متجهة إلى اتساع دائرة العمارة واليسار. وبسبب اتساع ملكهم، وعظم سطوتهم، واستقلالهم وعدم تبعيتهم لغيرهم، كانت القاهرة ـ كرسي ملكهم ـ مقصد التجار من جميع أطراف المملكة، ومقر الصنائع والمعارف. وأخذت بها التجارة والعلوم غاية لم تكن لها من قبل ولا وصلت إليها من بعد إلى زماننا. واتسعت ـ بسبب ما ذكر أيضاً ـ أرزاق أهلها وزادت ثرواتهم. وما من أحد من الخلفاء إلا وصرف الأموال الجمّة في سبيل ازدياد العمارة، وبذل الجهد في التوسعة على الفقراء، حتى أنهم كانوا يجلبون من اشتهر ذكره وعلا صيته في صناعتي البناء والتصوير من أقاصي الأرض، فكانت مبانيهم من أكثر المباني أناقة، وما بقي منها إلى الآن يدل على علو قدرهم، كأبواب «زويلة» و«الفتوح» و«النصر» ومسجد «الحاكم» و«الأنوار».
ولما دخل جوهر الصقلي الفسطاط منتصراً، عبر إلى شمالها وأقام معسكراً لجنوده، وفي الليلة نفسها اختطّ أساس القصر الذي سينزل فيه الخليفة، كما اختط سور القاهرة، الذي وضع أساسه في 17 شعبان 358هـ وبُني باللبن، ثم بنى الجامع من داخل السور وقبل القصر.
وتولّى الخلافة الفاطمية أربعة عشر خليفة من العام 358هـ إلى العام 567هـ أنشأ كل خليفة عمارات ومساجداً وقصوراً، وجدد العمارات حتى اتسعت المدينة وصارت على جانب عظيم من الأبهة والاحترام.
وأقدم أثر باق حتى الآن هو الجامع الأزهر، وقد بدئ في بنائه في 24 جمادى الأول من العام 359هـ وأنجز في عامين.
والراجح أن الفاطميين سمّوه بالأزهر تيمّناً بفاطمة الزهراء بنت الرسول (ص).
وبنى بدر الجمالي باب زويلة الكبير بالحجر المنحوت، وكان في الأصل بابين بينهما قبيلة زويلة من قبائل البربر، وباب الفتوح وباب النصر. وكان من أبواب القاهرة الرئيسة بعد بنائها باب سعادة في السور الغربي وباب زويلة في السور الجنوبي. وبعد الاتساع العمراني لمدينة القاهرة، وإنشاء العمائر خارج السور في اتجاه ميدان العتبة الخضراء، ونظراً لطول المسافة بين بابي زويلة وسعادة، قام الأهالي بفتح خرق (ثغرة) في السور على الخليج الناصري (المصري)، لتسهيل الخروج من القاهرة القديمة إلى الأحياء الجديدة في اتجاه العتبة والأزبكية… وسميت هذه الفتحة باب الخرق. ومع مرور الوقت، ونظراً للصعوبة النسبية في نطق حرف الراء، بين حرفي الخاء والقاف، تحوّل حرف الراء إلى لام، فأصبح اسمه يُنطق باب الخلق وعرف به حتى الآن.
وبنت الملكة تغريد زوجة المعز، مسجد القرافة العام 366هـ، وتولّت زخرفته ونقشه جماعة من الفنانين من أهل البصرة، وتحيط به حديقة غناء وله صهريج للمياه، وصفّح بابه بالحديد. وكان الدخول إلى مقصور المسجد من أربعة عشر باباً، أمام كل باب قنطرة مقوّسة مقامة على عمودين من الرخام، وطُليت أبواب المسجد وسقوفه بمختلف الألوان.
وكان الخليفة العزيز بالله شرع في بناء مسجد، ولم يتمّه، فقام ابنه الحاكم بإتمامه العام 393هـ.
وتمتاز عمارته بالفخامة، وعقوده مدبّبة على شكل حدوة الفرس، وهي محمولة على أعمدة مربعة من الحجارة المنحوتة القائمة على دعائم ذات نسب ضخمة، والدعائم مبنية بالآجر.

ساحة جامع الأزهر
ويبدو منظر جامع الحاكم، بمئذنتيه في ركني جداره الأصم، كما لو كان قلعة أو حصناً بني على التراث المغربي. وفرشت أرضيته من الداخل بسبعة وثلاثين ألف متر مربع من الحصر، وعلّقت فيه القناديل، وعلى أبوابه الستور الدبيقية (أي صنع دبيق بالقرب من تنيس) التي صنعت خصيصاً للمسجد. وتهدم المسجد في زلزال عام 702هـ فأصلحه الملك الناصر قلاوون.
وبنى بدر الجمالي جامع الجيوشي على حافة جبل المقطم العام 478هـ وسمّي بـ«الجيوشي» نسبة إلى لقب بدر الجمالي أمير الجيوش. وهذا المسجد صغير الحجم ومبني بالحجر، وتعتبر مئذنته من أقدم المآذن الفاطمية القائمة بمصر.
أما جامع الأقمر، فقد بناه الخليفة الآمر بالله العام 519هـ، وهو مسجد صغير، لكنه يحتوي على بعض التجديدات التي تثير الاهتمام، والتي كان لها تأثير زخرفي على عمارة المساجد مستقبلاً.
باب زويلة في القاهرة
وآخر المساجد الفاطمية هو المسجد الذي أنشأه الصالح طلائع بن رزيك، وزير الفائز بنصر الله، عاشر الخلفاء الفاطميين في مصر العام 555هـ. وهو مسجد ليس بكبير، على مساحة 1522 متراً مربعاً في ميدان باب زويلة.
وفي الفسطاط، على مسافة نصف ميل غرب مشهد الإمام الليث، توجد سبعة مشاهد منذ العام 400هـ تصدّع ثلاثة منها ولم يبق سوى أربعة مبنية بالآجر على شكل مربع، ويتكوّن المشهد من ثلاث طبقات. وهي تشبه جامع الجيوشي. وتعتبر من أقدم المشاهد في العالم الإسلامي، عدا مشهد اسماعيل الساماني الذي بني في بخارى العام 259هـ. وقد انهارت قباب المساجد الأربعة. وترجع أهمية هذه المساجد إلى أنها بدء إقامة المشاهد في مصر في العصور التالية.
ومن أهم المشاهد الموجودة في القاهرة مشهد الحسين، الذي أنشئ العام 549هـ. ولم يبق منه الآن غير الباب المعروف بالباب الأخضر. أما المئذنة المقامة فوق هذا الباب، فيستدل من كتابة تاريخية على لوحة مثبتة أسفلها، أنها بنيت العام 634هـ. وهذه لم يبق منها أيضاً سوى قاعدتها المربعة التي تحليها زخارف جصية بديعة. أما ما يعلوها فقد جدده الأمير عبد الرحمن كتخذا في العام 1175هـ. ولما تولى الخديوي اسماعيل العام 1279هـ أمر بتجديد المسجد وتوسيعه. فبدئ في العمل العام 1280هـ وأنجز في العام 1290هـ، في ما عدا المئذنة التي اكتمل بناؤها العام 1295هـ ـ 1878م.
القاهرة
ـ 2 ـ
ارتبط إنشاء القاهرة بتغير كبير طرأ على العالم الإسلامي تمثل في قيام الخلافة الفاطمية في المغرب وتمكنها من (نشر) سلطانها شرقاً، وقد دخل الفاطميون مصر العام 969م/358هـ بعد فترة من الفوضى أعقبت وفاة كافور الإخشيدي، وقد دخل القائد الفاطمي جوهر الصقلي الفسطاط في الحادي عشر من شعبان، ووضع أساس القاهرة في السابع عشر من الشهر نفسه. وكانت القاهرة عند نشأتها مربعاً من الأرض ضلعه بطول 1200 ياردة، وقد أحيطت المدينة بسور من الطوب (اللبن) وبلغت مساحة الأرض التي أحاط بها السور 340 فداناً، وفي وسط هذه المساحة بنى جوهر قصراً كبيراً بلغت مساحته 70 فداناً، وخصص مثلها للبساتين والميادين أما الباقي وقدره مائتا فدان فوزع على الفرقة العسكرية في نحو عشرين خطه. أما الجامع الأزهر فأنشئ قرب قصر الخليفة الفاطمي.
إذا أردنا أن نحدد موقع «قاهرة جوهر الصقلي» في القاهرة الحالية فإننا نجد أن جبل المقطم يحدها من الجهة الشرقية، وكان الخليج المصري يحدها من الناحية الغربية وقد أصبح مكانه الآن شارع بور سعيد يحدها من الناحية الغربية، وقد كان ذلك الخليج يلتقي بآخر يمتد شمالاً بانحراف ناحية الشرق إلى ميدان رمسيس حالياً ثم ينعطف شرقاً حيث يلتقي في غمرة بالخليج المصري، وكانت الترعة البولاقية تمتد مكان الشارع المعروف الآن بالاسم نفسه. أما الناحية الجنوبية فيحدها خط يمتد في ميدان باب الخلق ويتجه شرقاً ماراً بباب زويلة (بوابة المتولي) وينتهي عند جبل المقطم، وفي الشمال تبدأ حدودها عند الناحية الغربية من ميدان باب الشعرية متجهة شرقاً إلى باب الفتوح فباب النصر، وتنتهي عند جبل المقطم.
وتعد أبواب القاهرة رمزاً لتمتع المدينة بالأمن، وهي فضلاً عن ذلك من أعظم ما أقيم خلال العصور الوسطى من آثار معمارية بنيت بالحجر، تلك الأبواب التي شهدت عظمة بلاط الخلفاء الفاطميين.
ليل القاهرة الذي تغنى به كثير من الشعراء، وسجل أجواءه الساهرة كثير من المبدعين، رسم ملامحه المضيئة العصر الفاطمي، فمنذ أن أنشأها القائد جوهر الصقلي وهي مزدانة بالأنوار عامرة بالساهرين، وكان خلفاء الفاطميين يزينون الأزهر بالأنوار ويجلسون لمشاهدته في مبنى يسمى «منظرة الأزهر» وإلى جانب منظرة الأزهر كان في القاهرة مناظر يتردد عليها الخلفاء والأمراء للإشراف على الاحتفالات، وقد ذكر المقربون أسماء هذه المناظر وهي: اللؤلؤة، والدكة، والمقس، وباب المفتوح، والبعل، والتاج، والخمس وجوه والصناعة، ودار الملك، ومنازل العز، والهودج، وبركة الحبش، والأندلس، وقبة الهواء، والسكرة.
وكان الخلفاء يقصدون منظرة باب الفتوح لتوديع الحملات الحربية، ويركبون إلى منظرة المقس لاستعراض المراكب الحربية. وكان بمنظرة بركة الحبش التي بناها الخليفة الآمر طاقات عليها صور الشعراء وأسماؤهم وبلادهم وعلى جانب كل من هذه الطاقات قطعة من القماش كتب عليها مقتطفات من شعر الشاعر في المدح، وعلى الجانب الآخر رف لطيف مذهب، فإذا دخل الخليفة وقرأ الأشعار أمر أن توضع على كل رف صرة مختومة بها خمسون ديناراً، وأن يدخل كل شاعر ليأخذ صرته بيده.
ومن المواسم الدينية التي كان الخلفاء الفاطميون يحتفلون بها «ليالي الوقود» الأربع وهي ليلة مستهل شهر رجب، وليلة نصفه، وليلة مستهل شعبان، وليلة نصفه، وكان الخليفة يجلس في منظرة عالية أقيمت عند باب الزمرد من أبواب القصر، وضوء الشموع يسطع بين يديه فيرى وجهه. وبعد صلاة الجمعة يركب القاضي من داره وقد أضاءت من حوله الشموع، ويخرج الموكب تتبعه الجماهير الغفيرة، من دار قاضي القضاة ويسير مخترقاً شوارع القاهرة الرئيسية حتى يصل إلى باب الزمرد. وبعد إلقاء الخطب يعود الموكب ماراً بالمساجد المضاءة. وكان الفاطميون يعنون عناية خاصة بتنظيم الاحتفال بمناسبات دينية كثيرة، وكانت تسطع بالأنوار وتزخر بألوان الحلوى التي يقبل الناس على شرائها.
وكانت الحياة الاجتماعية في القاهرة في العصر الفاطمي حياة رخاء ومرح، كانوا يحتفلون كل عام بما يقرب من خمسين احتفالاً، وكان الخلفاء يغدقون على الناس في هذه الاحتفالات فيوزعون نوعاً من الحلوى بداخل كل واحدة منها دينار، وفي هذا المناخ انتعش الفن الإسلامي وظهرت عروس المولد وازدهرت الصناعات المتصلة بالعمارة وبخاصة صناعة القاشاني الذي شاع استخدامه في هذه النهضة العمرانية.
عندما أُنشئت القاهرة كان الغرض من إنشائها أن تكون سكناً للخليفة ورجاله، وقبل أن يتصل العمران داخل الأسوار وخارجها كانت رمزاً للمهابة والمنعة. وقد بنيت أسوارها من الطوب الكبير الحجم الذي يبلغ طوله تقريباً قدمين ويبلغ عرضه خمسة عشر بوصة، وكان سمكها يمكن فارسين من السير عليها متجاورين. وقد قاس المقريزي ما تبقى من السور الأول سنة 1400.
في وسط القاهرة كان يوجد ميدان «بين القصرين» ولا يزال يوجد موقعه الأصلي بالقرب من سوق النحاسين، وكان ميداناً فسيحاً يتسع لعشرة آلاف جندي يمرون فيه للاستعراض. وكان الميدان يفصل بين قصرين على جانبيه، أما القصر الغربي فهو الذي بناه العزيز بالله بعد بناء القاهرة بسنوات أما الشرقي فكان يسمى القصر العظيم. وقد خصص المقريزي ما يقرب من مئتي صفحة لوصف هذين القصرين العجيبين، فهو يتحدث عن أربعة آلاف حجرة، وبوابة ذهبية تؤدي إلى بهو ذهبي، واستراحة فخمة كان الخليفة يجلس فيها. ويصف المقريزي أيضاً ردهة من الزمرد فيها أعمدة من الرخام، وإيواناً عظيماً كانت تعلوه قبة، ورواقاً كان الخليفة يستمع فيه إلى شكاوى الناس ومظالمهم.
وهذه الأبنية العظيمة التي يتكون منها القصر العظيم أنشأها الحكام المتعاقبون. وقد وصف الرحالة ناصر خسرو السور المحيط بالقصر، يبدو من الخارج كأنه جبل ضخم، وقد كان لهذا القصر عشر بوابات، كما كان الخليفة يصل من جناحه إلى جناح الحريم من ممر تحت الأرض. وقد قدر المؤرخون عدد سكان هذا القصر بثلاثين ألفاً.
وعدا القصر كانت المدينة تضم حارات تسكنها فرق الجيش الفاطمي المختلفة. أما أبواب المدينة فكانت باب النصر وباب الفتوح في الشمال، وباب القنطرة وباب الفرج (أو باب الشعرية)، وباب السعادة وباب الخوخة في الغرب، وباب زويلة في الجنوب، أما في الشرق فكان يوجد الباب المحروق، وسمى كذلك لأن المماليك أحرقوه في القرن الثالث عشر، والباب الجديد الذي بناه الحاكم وباب البرقية (أو باب الغريب). وبالقرب من الأزبكية حالياً بنى المعز لدين الله حوضاً للسفن على النيل أعمق من الأحواض التي أنشئت قبله، وقد رأى ناصر خسرو هذا الحوض وبعض سفن المعز الراسية فيه، وكان يبلغ طول السفينة 275 قدماً أما عرضها فكان 110 قدماً.
تاج البرية
في العام 1686 وصف القاهرة زائر فقال: «إن القاهرة الكبرى تعد أكبر مدن العالم تحيط بها أسوار تمتد نحو عشرة فراسخ، بها سبع بوابات تطل على أربعة وعشرين ألف شارع وتضم اثنين وعشرين ألف جامع، وهو ما أشاع في جوانحنا نوعاً من الغبطة لرؤية تلك المدينة حين تتطلع إليها من علٍ فترى الدور وقد امتدت أسطحها مستوية على سواء، والعديد من المساجد قائمة في وقار يبهج النظر»، أما «وصف مصر» الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية فيحدد عدد أحيائها بـ520 حياً. وبين القاهرة ذات الأسوار والقاهرة المفتوحة التي ضمت إليها أون والفسطاط والقطائع وامتدت في كل الاتجاهات تاريخ طويل من البناء والتجديد بدأ بعد مئة سنة من بنائها تقريباً، عندما جدد الوزير بدر الجمالي بناءها فهدمت الأبواب الثلاثة التي بناها جوهر الصقلي وأعيد بناؤها وأدخلت فيها أحياء كثيرة نشأت بجوارها كما بنى حائطاً جديداً من الآجر حولها، وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت أجزاء من هذا السور ما تزال موجودة غرب الأزبكية.
وأكثر آثار الفاطميين دلالة على المعمار الفاطمي جامع الحاكم وجامع الأقمر الذي بناه الخليفة الآمر بين القصرين، وهو أول مسجد يبنى بالحجر، إذ كانت المساجد قبله تبنى بالآجر، ويتميز هذا المسجد بواجهة جميلة تختلف عن واجهات المساجد الأخرى التي تتسم بالبساطة. وأهم ما يلفت النظر في معماره النقوش على المشكاة وتدبيج الأعمدة والإفريز الكوفي على المشكاة الجانبية. إلى جانب محاريب مميزة في الأزهر وضريح السيدة رقية.
وخلال العصر المملوكي كانت القاهرة عاصمة تجارية كبيرة، لكي تدبر القاهرة أمر إقامة التجار الوافدين إليها من الشرق والغرب، أنشأت الوكالات والخانات والفنادق، وكانت الوكالات ذات المباني الضخمة التي ما زالت تزين الشارع التجاري الرئيس في المدينة القديمة، ذائعة الصيت، لما لعبته من دور رئيس في تصريف السلع، وكان يتوسط بناءها فناء تحيط به «الحواصل» التي تخزن بها البضائع، وكانت هذه الحواصل تؤجر للتاجر ليودع بضاعته فيها، وفوق هذه الحواصل كانت تقع وحدات السكن، وغرفة أو غرفتين للسلع. وما زال عدد غير قليل من هذه الوكالات باقياً مثل خان الخليلي وخان الحمزاوي وخان جعفر ووكالة قوصون، ووكالة الغوري، وسوق الغورية، والسكرية والخيمية والفحامين وسوق السلاح.
ولم يكن دخول العثمانيين مجرد تحول كالذي شهدته القاهرة بزوال دولة وقيام أخرى بل كان بداية تحول عميق في تاريخها وكانت هزيمة المماليك في معركة ديو البحرية سنة 1507م إيذاناً بفقدان القاهرة جزءاً لا يستهان به من مصادر ثرائها بتحول التجارة إلى رأس الرجاء الصالح. وقد نشأت في القاهرة أحياء جديدة واتسعت مساحتها، وقد أضيف إلى أحياء القاهرة في هذا الوقت حي الحسينية، ورغم أنه يسمى باسم طائفة من طوائف الجيش الفاطمي في عهد الحاكم بأمر الله إلا أنه ازدهر وتحول إلى حي كبير في هذا العصر، وكذلك ظهر حي بولاق إلى الوجود بعد أن سكنه المصريون في عصر الناصر محمد بن قلاوون، ونما حي الموسكي، أما بركة الفيل فتم ردمها خلال القرن التاسع عشر وبنيت مكانها أحياء الحبانية ودرب الجماميز، وكذلك الحال في حي الأزبكية الذي أنشئ في عهد السلطان قاتيباي وكان بركة تحيط بها أرض زراعية، فلما ردمت البركة بطمي النيل بارتفاع مترين أنشئت حديقة الأزبكية ثم دار الأوبرا وما حولها.
وقد حفلت القاهرة بالمساجد ذات الطراز العثماني، ولعل أروعها مسجد السيدة صفية وأبو الذهب ومسجد البرويني، وهناك أيضاً مسجد الأربعين بجوار قرة ميدان. ويعد عبد الرحمن كتخدا ووالده من أكثر من خلفوا آثاراً في القاهرة طوال العصر العثماني، فالوالد بنى مسجداً ومدرسة وسبيلاً قرب بركة الأزبكية ومدرسة للعميان داخل الأزهر، أما ولده فأنشأ أشهر سبيل في القاهرة يحمل اسمه في نهاية ما بين القصرين، كما بنى مسجداً خارج باب الفتوح وآخر بجوار باب الغريب، كما بنى خزاناً كبيراً للمياه ومدرسة للسقائين، وأصلح ضريحي السيدة زينب والسيدة سكينة، وأنشأ أضرحة أخرى بجوار باب القرافة وفي الموسكي والحسينية وعابدين. وفوق هذا قام بإصلاح الجامع الأزهر وهو الأكبر في تاريخه على الإطلاق. وحسب المستشرق ستانلي لينبول فإن عبد الرحمن كتخدا بنى ـ أو أعاد بناء ـ ثمانية عشر مسجداً إلى جانب الأضرحة والأسبلة والمدارس والجسور وغيرها.
ويعد مسجد محمد بك أبو الذهب آخر المنشآت العظيمة في هذه الفترة، وقد أسس محمد بك هذا المسجد طبقاً لتصميم مسجد قديم في بولاق «مسجد سنان» وكان أعجوبة البناء والثراء بالأسقف المذهبة والمداخل الرخامية والقبة الرائعة والكوات البرونزية وغيرها من الزخارف الرائعة.
وحتى أواسط القرن التاسع عشر لم يطرأ على قلب القاهرة تغير أو تطور، وقد حلت محل المنشآت التي تركها الملوك والأمراء بيوت وقصور أنيقة شيدها أغنياء القاهرة، ومما بقى منها للآن، بيت السحيمي بحي الجمالية وقصر المسافر خانة الذي احترق مؤخراً، وبيت جمال الدين الذهبي بالدرب الأحمر، وبيت السناري بحي السيدة زينب، وبيت الجرتيلية الملاصق لمسجد أحمد بن طولون، غير أن العصر العثماني شهد بوضوح بداية دخول التأثيرات المعمارية الغربية لأول مرة، وقد امتزج النمط المعماري الغربي بالنمط المعماري الإسلامي.
استقبلت القاهرة القرن (التاسع عشر) وهي تحت الاحتلال الفرنسي، واستقبلت القرن العشرين وهي تحت الاحتلال البريطاني، وبين المشهدين جرت في النهر مياه كثيرة، وشهدت القاهرة تغيرات أكثر، وقد نشرت وثائق فرنسية ترجع إلى عامي 1799، 1800، تتناول بالتفصيل أسماء الشوارع التي قرر نابليون بونابرت هدمها لإقامة شوارع جديدة وكانت قراراته هذه من الأسباب المباشرة لثورة القاهرة الأولى، والطريف أن العالم الذي أعد هذه الوثائق «جاسبار مونج» اختار بيتاً في حارة صغيرة بحي السيدة زينب، هو «بيت السناري» ليضع فيه جزءاً من وثائق الحملة الفرنسية وجزءاً من مطبعتها وحسب هذه الوثائق، فإن نابليون زار هذه الحارة وأطلق عليها اسم مونج.
وقد استقبلت القاهرة القرن التاسع عشر ملطخة بدماء 26753 شهيداً هم شهداء ثورة القاهرة الأولى وعدد يقدره المؤرخون بحوالى ثلاثين ألف قتيل ضحايا ثورة القاهرة الثانية، ومنذ خروج الحملة سنة 1801 والقاهرة تنمو صوب الشمال الغربي لتغطي أحياؤها الجديدة الأراضي الناتجة من ترسب الطمى، ومع نموها المطرد بدأت تحمل الطابع الأوروبي كما ظهرت فيها منشآت جديدة، فافتتحت مدرسة الطب العام 1827 في أبي زعبل ثم نقلت إلى قصر العين العام 1837، وفي العام 1925 أدمجت في الجامعة المصرية الأهلية، وبإدماجها فيها حملت اسم كلية الطب.
وفي 1828 أنشئ فندق شبرد في قلب القاهرة، وفي 1869 أنشئت دار الأوبرا تحقيقاً لرغبة الخديوي في إكرام ضيوفه من ملوك أوروبا، وخلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي تضخمت القاهرة وازدهرت منشآتها ومنها القصور: عابدين، بولاق، الجيزة، القبة، حلوان، الإسماعيلية، الزعفران. وقد اقتضى توسع القاهرة إنشاء شوارع جديدة، وبينما كان فيها شارع واحد طويل هو شارع الحسينية، شقت في عهد إسماعيل شوارع الفجالة وكلوت بك، ومحمد علي وعبد العزيز، وعابدين، وتحول حي الأزبكية إلى حي ذي طراز فرنسي، وأنشئت أحياء جديدة مثل: الإسماعيلية، التوفيقية، عابدين، ميدان الأوبرا وجسور مثل قصر النيل والجلاء، كما شق طريق الهرم بمناسبة افتتاح قناة السويس. وعرفت القاهرة في هذه الفترة نشأة دارالكتب والمتحف المصري وغيرها من المنشآت التي كان انعكاساً طبيعياً لمناخ الاستقلال عن الباب العالي الذي كان يترسخ قانونياً وواقعياً بالتدريج لتعود القاهرة للمرة الأولى منذ 1517 عاصمة دولة مستقلة.
وبين هذه المنشآت جميعاً تشكل الجمعيات العلمية المصرية بصمة مهمة تميزت بها هذه الفترة، ففي العام 1875 أسس الخديوي إسماعيل «الجمعية الجغرافية» وهي أقدم جمعية جغرافية خارج أوروبا وأميركا وكانت مخصصاتها السنوية 400 جنيه مصري، ومع التغيرات التي طرأت على الاسم الرسمي لمصر من سلطنة إلى مملكة إلى جمهورية تغير اسمها وإن بقيت تقوم بالدور نفسه منذ أكثر من قرن بلا انقطاع، وتضم الجمعية ثروة من الكتب النادرة والخرائط إلى جانب متحف أثنوغرافي شديد الثراء».
ورغم ما عانته القاهرة من قسوة الفرنسيين في بداية القرن التاسع عشر فإنها احتضنت في نهاية القرن نفسه مؤسسات ثقافة فرنسية عديدة أهمها المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية أنشئ سنة 1881 ويقع في حي المنيرة وفيه مكتبة تضم حوالى 70 ألف كتاب وكانت مطبعته الوحيدة في العالم التي تستخدم الحروف: العربية، الهيروغليفية، القبطية، اليونانية، اللاتينية، والعبرية. وفي أوائل القرن العشرين شقت الشوارع الواقعة بين ميدان العتبة والأزهر، ووسع ميدان السيدة زينب.
وبعد 1952 أنشئ طريق كورنيش النيل وطوله 40 كم وطورت شوارع الخليج والتحرير والدقي وطريق المطار كما أصلحت معظم ميادينها وأعيد تخطيطها وأنشئت المساكن الشعبية وكثير من المنشآت الصناعية في حلوان وشبرا الخيمة، وثم أنشئ كوبري الجامعة وكان أطول كباري القاهرة (500 متر) وتكلف مليون جنيه العام 1958.
وعلى أعتاب الألفية الثالثة أصبحت القاهرة مدينة طولية تمتد في محور مواز للنيل يبلغ طوله من حلوان لشبرا الخيمة 40 كيلومتراً، مقابل نحو 20 كيلومتراً من مدينة السلام لإمبابة، وأطول محاورها محور شارعي الخليج بورسعيد وطوله 13 كيلومتر، أما أكبر الجسور فهو جسر 6 أكتوبر وطوله 11.5 كيلومتر، ورغم شبكة مترو الأنفاق وعشرات الجسور تعاني القاهرة مشكلة ازدحام مزمنة، وقد أصبحت المدن الجديدة التي أنشئت حولها لتخفف زحامها (6 أكتوبر، زايد الشروق، العبور، السلامة، القطامية)، جزءاً منها وأصبحت الأبراج السكنية الضخمة منتشرة في كل أحيائها تقريباً ففقدت هدوءها وإن لم تفقد مذاقها المميز.
ممدوح الشيخ
أشهر أبواب القاهرة الفاطمية
«بواب المتولي» أشهر أبواب القاهرة الفاطمية، جاء بدر الجمالي بعد ذلك بمئة عام تقريباً، جدد أسوار القاهرة وأضاف مساحة إلى الشمال وأخرى إلى الجنوب، وأحاط المساحتين بأسوار من الحجر وجعل في السور الشمالي باب النصر وباب الفتوح، وفي السور الجنوبي باب زويلة (485هـ/1092م) الذي يطلق عليه المصريون الآن اسم بوابة المتولي.
وكان بدر الجمالي أطلق أسماء جديدة على الأبواب التي رممها أو أعاد بناءها مثل باب العز لباب النصر الحالي، وباب الإقبال لباب الفتوح الحالي، وباب التوفيق لباب البرقية القديم الذي جدد بعد الكشف عنه سنة 1957م.
باب النصر أحد أبواب القاهرة الفاطمية
وتتكون بوابة المتولي من كتلة بنائية ضخمة أكبر قليلاً من باب النصر وباب الفتوح إذ يبلغ عرضها 26 متراً، وعمقها 25 متراً، وارتفاعها 24 متراً، ويبرز نحو ثلث الكتلة خارج وجهة السور، ويتكون من برجين عظيمين يكتنفان ممراً مكشوفاً يؤدي إلى باب المدخل ومنه إلى رحبة (ساحة) واسعة مربعة تتوسط الثلثين الباقيين من كتلة الباب وراء البرجين البارزين. والرحبة مسقوفة بقبة بسيطة تحملها مثلثات كروية في الأركان الأربعة، وفي الجانب الشرقي توجد دخلة عميقة متعامدة الجوانب تغطيها «طاقية» أو نصف قبة ترتكز عند ركني الدخلة على نوع غريب من المقرنصات هو عبارة عن مجموعتين من الحنيات على صفين تتوسط كلاً منهما صينية ذات ضلوع إشعاعية.
ويرتفع البرجان البارزان إلى ثلثي الارتفاع الكلي على هيئة بناء مصمت، وتأتي في الثلث العلوي من كل منهما حجرة كان يغطيها قبو طولي يتقاطع معه نصف قبو عرضي لجهة الجدار المطل على الممر بين البرجين، غير أن السلطان المؤيد جاءته فكرة وضع مئذنة فوق كل برج، فلجأ مهندس جامع المؤيد إلى زخرفة الجزء الأوسط من أقبية كل من الحجرتين وشيد قاعدة المئذنة فوق الكتلة الصماء التي يتكون منها ثلثا البرج، ثم ارتفع بالقاعدة المربعة للمئذنة حتى اخترقت الأقبية إلى ظهر الحجرة ثم أكمل باقي وحدات المئذنة من جسم مثمن وشرفة بارزة، ثم الجوسق ونهايته العليا وخوذته. ولكن الجوسقين في أعلى المئذنتين سقطا مع مرور الزمن.
وتنفرد بوابة المتولي بظواهر معمارية وتفاصيل زخرفية لا يوجد لها مثيل في الأبواب الشمالية منها الحشوات الغائرة داخل بعضها في جانبي البرجين البارزين جهة الممر، وتتوسط كل مجموعة حشوة ذات فصوص كبيرة مقعرة ومحدبة والوسطى منها تحيط بقوسها سلسلة من فصوص صغيرة ويعلو كل مجموعة منها شباك في جدار الحجرة العليا يطل على الممر، و«الطاقية» أو نصف القبة تعتبر قطعة معمارية فذة من جهة نحت صنجاتها وتجميعها وطريقة بنائها.
وهناك علاقة بين بوابة المتولي وبين البناء الصغير الذي شيد على بعد نحو ثلاثة كيلومترات فوق هضبة المقطم، وهو المعروف بمشهد الجيوشي، إذ أنه بني على موقع استراتيجي عام يشرف على العاصمة كلها بأحيائها من الفسطاط حتى القطائع كما يكشف الطريق الآتي من الصعيد في البر أو في النيل، فضلاً عما يحتويه البناء من عناصر معمارية لا يتطلبها مسجد أو مشهد عادي بني في مثل هذا الموقع المقفر، وأهم تلك العناصر المئذنة الضخمة العالية التي بنيت فوق السطح ليس لغرض الآذان ولكن لغرض استلام الإشارات من وإلى سطح بوابة المتولي والسور الجنوبي لحصن القاهرة الفاطمية.
وهناك أقوال مختلفة في أصل تسمية بوابة المتولي، فيظن كريسول عالم الآثار الإسلامية إنها جاءت من وجود أضرحة صغيرة في أبواب المدن لبعض الأولياء الصالحين، وما زال في باب الفتوح مثل هذا الضريح وكان يوجد مثله داخل ساحة باب النصر. وتوجد أمثلة أخرى في أبواب مدينة حلب وفي باب أنطاكية وباب قنسرين.
أما أرتين باشا فيرى أن أصل التسمية جاء من أن طومان باي، الذي تركه السلطان الغوري نائباً للسلطنة في مصر عند خروجه لمواجهة الغزو العثماني، لقب بالمتولي أي نائب السلطان. وسُمي الباب بهذا الاسم عندما شنق على الباب بعد فتح العثمانيين مصر ودخولهم القاهرة.
تراث القاهرة في شهر الصوم
عندما يتوغل المرء في تاريخ المدن العريقة في الإسلام، لا بد له أن تختطف أبصاره وتسحر لبه تلك المدينة العظيمة التي أنشأها جوهر الصقلي بأمر المعز لدين الله الفاطمي وأسماها القاهرة المظفرة. وظلت كذلك، المدينة المحروسة الأولى بعد الأستانة، في زمن العثمانيين. ولم تلبث أن شغلت الدنيا وملأت الناس، وجعلت أوروبا كلها تستنفر لملاقاتها على أبواب البوسفور في زمن محمد علي وولده إبراهيم باشا المصري في حملاته حتى أبواب قونية.
وكانت حارات القاهرة المحروسة تبلغ نحو 357 حارة وهي تتوزع من الشمال إلى الجنوب. وكانت كل حارة عبارة عن وحدة سكنية محصنة لها باب خاص بها يُتخذ من الخشب القوي والسميك. وكانوا يجعلون بأكتاف الباب سلاسل معدنية متينة. وكانت دفاعاته محصنة للغاية تجاه المخاطر الداخلية أو الخارجية. أما حراس المدينة أو البوابون، فهم الذين يشرفون على الأمن، إذ يغلقون الأبواب عقب صلاة العشاء في ما بين الحارات.
بدء رمضان
ومع بدء شهر الصوم كانت المدينة المحروسة تتأخر في إغلاق أبوابها إلى ما بعد صلاة العشاء بصورة استثنائية بناء لتوجيهات القضاة وقادة الحرس الليلي، من أجل تسهيل حركة الدخول والخروج منها إلى ساعات متأخرة من الليل، تصل إلى موعد السحور، من أجل تسهيل اتصالات الناس وتآلفهم الاجتماعي في هذا الشهر الكريم.
إلى ذلك كانت أحياء المدينة وأسواقها تشهد في شهر رمضان حركة ليلية نشيطة طوال الشهر المبارك وذلك على الصعد التجارية، والاجتماعية، والاحتفالية.
فعلى صعيد الحركة التجارية، كانت أسواق القاهرة تمثل نموذجاً للنشاط التجاري، وكانت الحركة في الأسواق تستمر حتى منتصف الليل، وقد اتخذت أبهى حللها وأجمل زيناتها. فارتفعت الرايات والأعلام والأشرطة الملونة في السقوف الخشبية والحجرية وكذلك زينت الدكك والجدران والواجهات والمنصات. أما الناس فقد كانوا يتدافعون ببهجة وحبور وإيمان لشراء الحاجات أو لبيعها في الأسواق. أما المحتسب ورجاله من الشرطة، فقد كانوا يتجولون بين الباعة يراقبون البيوع ويقمعون الغش بكل وسيلة.
أما على صعيد حركة النشاط الاجتماعي، كان الناس يقومون في أول أيام رمضان، بتبادل الزيارات الليلية للتهنئة بحلول هذا الشهر الكريم بينهم، ولتعميق أواصر المحبة بين الجماعات والأفراد. فكانت العائلة تخرج معاً لزيارة الأهل والأصدقاء والأقرباء والسادات والشيوخ الأجلاء وقضاء السهرات الطويلة حتى مواعيد السحور.
وكان الناس يقضون الليل في فرح ومرح، وتقوى وعبادة. فمن المآدب العامرة: سهرات «القرمشة» و«الطقطقة» ومضغ أنواع الأطايب. إلى جانب تناول الحلويات الرمضانية المعروفة، والمشروبات التي اعتاد الناس تناولها كثيراً في شهر رمضان. أما اللقاء الساهر، فكان يصدح بأصوات المغنين والمغنيات. واللعب المسلي، إضافة إلى سماع القصص الديني والتاريخي. فضلا عن عقد حلقات الوعظ والإرشاد وتلاوة القرآن الكريم والمشاركة في صلاة التراويح.
أما على الصعيد الاحتفالي، فكانت حارات القاهرة وأسواقها مضرب مَثَل بالابتهاج بهذه المناسبة، إذ كانت المساجد والجوامع والربض والتكايا والزوايا والأسواق والدكك العامة تشتعل بالزينات، وتستقبل مواكب الاحتفالات المختلفة في موسم الخير.
وكانت الجوقات بمنشديها ومكبريها ودعاتها، تنطلق من أمام المسجد الجامع في الحارة، وتخترق الأسواق، فترتاح في الباحات والساحات، فتكون هناك فرصة للعب بالسيوف والطبنجات والشيش. ويظهر المهرج والمغني، إلى جانب الداعية والمكبر وتكون ابتهالات واحتفالات ومواسم رقص وغناء، ثم تتقدم المواكب إلى شوارع أخرى وساحات أخرى، فيستقبلها الحراس بالأبواق والأهازيج ويلتقي أهل الحارات مع بعضهم ويتبادلون التهاني بقدوم الشهر.
قلب القاهرة في رمضان
وكانت أحياء وسط القاهرة، التي تعود إلى زمن الفاطميين، تقع بطول «قصبة رضوان» وتخترق المدينة التاريخية من الشمال إلى الجنوب، وهي تتحول في أيام رمضان الكريم إلى سوق تجارية كبرى، حيث تتجمع فيها غالبية صناعات الترف، وأهم وأكبر الأنشطة التجارية، في مقدمها تجارة الألبسة والأقمشة وأدوات الزينة والعطور.
ويقول المؤرخون إن قلب القاهرة في ليالي رمضان، يتحول إلى معرض كبير لتجارة المنسوجات، خصوصاً في المنطقة الواقعة بين الحمزاوي والجامع الأزهر وخان الخليلي والصاغة. أما الوكالات والقيساريات والخانات، التي كانت معروفة في القاهرة عصر ذاك، فقد كانت تلبس في رمضان أجمل حللها فترتفع الزينات في الباحات وعلى الجدران، وفوق الأسوار، فتعظم الموائد الرمضانية ويكثر النزلاء، فتزدهر السهرات ويظل الناس في إقبال عظيم عليها، حتى منتصف الليل ومواعيد السحور.
الاحتفالات الدينية
كانت الاحتفالات الدينية في القاهرة تبلغ أوج ضخامتها. إذ تظهر فرق الإنشاد ويكثر نشاطها، وتتخذ من المساجد والجوامع والخانقاوات والتكايا والزوايا، مراكز جماعية للاحتفال والابتهال، والتعبير وإقامة الصلوات، وتقديم الدروس الدينية. إضافة إلى دروس الإقراء والتفسير ورواية التاريخ الإسلامي وختم القرآن الكريم.
مصلى جامع الأزهر
وكان الناس يكثرون من زيارة تلك الأماكن الدينية للالتقاء بالعلماء والمشايخ وأهل الطرق الصوفية. وكانت النساء تزور الأماكن المخصصة للنساء المنقطعات والمهجورات أو المطلقات أو العجائز أو الأرامل المتعبدات. وهؤلاء النسوة كثيراً ما كنَّ يحملن معهن إلى هذه الدور، المعونات المختلفة من الأطعمة والأشربة والألبسة وحتى الأموال، وتقديمها على شكل مبرة خيرية إلى هؤلاء المنقطعات إلى الله تعالى.
قناديل رمضان
لا شك في أن عدداً من العواصم الإسلامية، عرفت بعض أشكال الإضاءة الليلية لأوقات محددة في أماكن معينة في ليالي رمضان، غير أن الأمر مختلف بالنسبة للقاهرة المحروسة في القرن الثامن عشر، خصوصا حين يحل رمضان في أسواقها وشوارعها ومنازلها وساحاتها على وجه العموم.
وعرفت شوارع القاهرة في ليالي رمضان خصوصاً فئة، تضم أكثر من حوالي مئتي نفر، كما يذكر المؤرخون، مهمتهم أن يقوموا بتزيين الدكاكين والمساجد والجوامع والأسواق العامة وبعض الساحات الرئيسية بالقناديل والمشاعل، حتى تتلألأ ليالي القاهرة الرمضانية بالأنوار. وكانت تعظم هذه الأنواع من الإنارة الليلية في مواسم الاحتفالات الدينية والعسكرية ذات الطابع الجهادي.
ويذكر المؤرخون، أن السلطة كانت تأمر بفتح الأسواق والمقاهي، خصوصاً في ليالي رمضان، وبتعليق وإضاءة الفوانيس والمشاعل، أمام البيوت والدكاكين، لطمأنة الناس وتفادي المفاجآت، وتسهيلاً لحركتهم، حتى يتمكنوا من متابعة نشاطاتهم الدينية والدنيوية وقضاء سائر أنواع حوائجهم ليلاً في الشهر الكريم.
ويقول المؤرخون، إن إضاءة الفوانيس بالليل في الشوارع والأسواق، كان يتم بواقع فانوس لكل بيت وحانوت. وكانت هناك فرقة مختصة بحمل المشاعل في الأماكن التي تحتاج إلى إنارة وحراسة في آن. والمشعل عبارة عن عامود خشبي مزود بقرص أسطواني من الحديد، توضع فيه قطعة من الخشب المشتعل، أو سائر السوائل الملتهبة التي تقدم الشعلة الفضلى في الإنارة.
مسجد الإمام الحسين
وكانت مساجد القاهرة وجوامعها في القرن الثامن عشرة، هي من أعظم المساجد والجوامع في العالم الإسلامي آنذاك. وعقب صلاة المغرب، كانت فرقة تعمل على إضاءة ورفع المشاعل صفوفاً ودوائر، خصوصاً أثناء الاحتفالات الرمضانية، التي كانت تبدأ بعد صلاة العشاء. وكانت هناك ألبسة خاصة بحملة المشاعل. وكثيراً ما كان يظهر هؤلاء، وهم يرفعون المشاعل ويديرونها بحركة، فيها جمال وروعة وبهاء، تتخطف لها القلوب والأبصار، وتجعل النفوس في غاية الرضى والخشوع والإيمان. وتبدأ منارات هذه المساجد والجوامع ترسل أضواءها المتلألئة في سماء القاهرة المحروسة طيلة الشهر المبارك. وهي تنير أيضاً جوانب العمائر الدينية جميعاً، وتسلّط الأضواء على قبابها العظيمة التي كانت تتخذ عادة من النحاس والذهب، فتزاد لمعاناً، وتعظم زينتها وتتلألأ بهاءً وجمالاً، فتبدو من بعيد، وهي تسحر القلوب وتملأ النفوس بالبهجة والحبور العظيمين.
ومن تقاليد رمضان العريقة في المحروسة، وقف ماء الأسبلة والأحواض على المحتاجين في شهر الخير، خصوصا ًعندما كان يعزّ وجودها في أيام فيضان النيل مثلاً، وكان السبيل يتألف عادة من ثلاث طبقات: الصهريج وهو تحت الأرض. والمزمّلة وهي على مستوى الأرض، حيث يتم منها توزيع الماء بكيزان من النحاس مربوطة بسلاسل أو حبال. وللمزملة عادة شباك من النحاس. أما الكتّاب، فهو فوق المزملة في الطبقة الثالثة، حيث يعد لتعليم الأطفال وختم القرآن في رمضان. وكان المنشؤون، يعتنون ببنائها وزخرفتها وزينتها بالبرونز والأعمدة الرخامية والزجاج الملون والكتابات المحفورة. وتقوم بقربها أحواض من الحجر، تقام في فجوة معقودة، مزينة بأعمدة وقباب مزخرفة للغاية. وكانت تخصص لشرب المواشي على اختلافها. وهذه الأسبلة التي بلغت زهاء 245 سبيلاً في القاهرة، كانت لها أوقاف، تجعلها دائماً صالحة للاستعمال.
وهذه الأسبلة، كانت تعتمد بصورة دائمة على مياه النيل، الذي كان يجري على بعد كيلومتر من الحد الغربي للمدينة. ولهذا كان الناس يتزودون بالمياه الصالحة للاستهلاك وللاستعمالات المنزلية، بواسطة الغدوات والروحات المستمرة لحاملي المياه الذين يعرفون بالسقائين طوال النهار.
وهؤلاء السقائين، كانوا يتلقون بدل أتعابهم من العملاء الذين يوصلون الماء إلى الناس. وإلى هذه المهمة، كانت تضاف إليهم مهمة أخرى تتعلق بجلب الماء إلى الأسبلة المتصلة بالمساجد والجوامع، وكان الناس يأخذون منها الماء بصورة مجانية طوال الشهر.
ضريح السيدة زينب
وطائفة السقائين في المحروسة، كانت تنقسم إلى ثماني طوائف. أربع منها لنقل الماء من نهر النيل على ظهو رالحمير، وتتدرج بالقرب من المداخل القريبة للمدينة. ويشير المؤرخون إلى هذه الطوائف، حيث توجد طائفة حاملي المياه على ظهور الحمير إلى حي باب البحر، ثم طائفة لباب اللوق، ثم طائفة لحارة السقائين والرابعة في قناطر السباع.
وعند حي باب اللوق الذي كان يحاذي عن بعد، اتجاه النيل، كانت توجد طائفة حاملي المياه على ظهور الجمال. وينطلق من هذه المراكز السقاء والقطاعي حاملين القرب سيراً على الأقدام، يوزعان المياه في أحياء القاهرة جميعاً. وكان المحتسب يهتم بمراقبة طوائف السقائين والتأكد من نظافة المياه، خصوصاً في شهر رمضان. كما كان يطلب منهم المساعدة في إطفاء الحرائق واستعارة الدواب لأعمال نقل التموين في رمضان.
حقيقة أن رمضان كان يعتبر في القاهرة شهر الخير. إذ بحلوله كانت مظاهر الحركة والنشاط تأخذ في الازدياد بصورة تدريجية، ابتداء من أول الشهر. وفي اليوم الخامس عشر منه تبدأ عجقة الأسواق تتسارع بصورة لافتة داخل الأحياء، وخصصوا بين بولاق ومصر القديمة والضواحي.
ويصف أحد الرحالة ارتفاع الأسعار مع قرب حلول رمضان بسبب الازدحام على الطلب. بعد أن كانت زهيدة قبل ذلك. غير أن السلطات، كانت تسهر على المراقبة وتمنع الزيادات التي يجدونها كثيرة الارتفاع. تماماً كما كانت تسهر على النظافة العامة وحفظ الأمن والنظام العام، فلا تتساهل مع المشاغبين أو الذين يعبثون بالحياة العامة، أو أولئك الذين يسيئون إلى الآداب وقواعد الحياة الإسلامية العفيفة.
ويذكر المؤرخون والرحالة من العرب والمسلمين والأجانب، أن إيقاع النظام العام في القاهرة وخصوصاً في رمضان، كان عظيماً للغاية، إذ كانت تتخذ الاحتياطات المضاعفة في مثل هذه المناسبة الكريمة، وذلك من أجل الحؤول دون وقوع حوادث مخلة بالأمن أثناء الليل، من طريق اللصوص أو غيرهم. ولهذا نجد الساهرين على الحياة العامة يتشددون في أعمال المراقبة والتفتيش، خصوصاً عند بوابات الحارات وكثيراً كانوا يبالغون في اتخاذ التدابير الاحترازية.
قصي الحسين
مشروع تحويل القاهرة الفاطمية إلى متحف مفتوح ينتظر
مسجد السيدة نفيسة
هناك نية في تنفيذ مشروع حماية منطقة القاهرة الفاطمية، الذي سيتم بمقتضاه، بعد طول انتظار، نقل السكان والحرفيين منها وترميم آثارها لتصبح في النهاية متحفاً مفتوحاً لمجموعة من العمائر التي لا يعرف أي مكان آخر في العالم الإسلامي مثيلاً لها كماً وتنوعاً.
وهذه المنطقة التي تشغل اليوم حيزاً مزدحماً في قلب العاصمة المصرية هي نفسها العاصمة التي أسسها الفاطميون لتكون مركزاً لحكمهم بعد فتحهم مصر في العام 969م، وظلت على وضعها المتميز هذا خلال العصور الإسلامية الأخرى التي تلت الحكم الفاطمي. وعن القاهرة القديمة هذه قال ابن خلدون: «من لم ير القاهرة لا يعرف عن الإسلام، فهي حاضرة الدنيا وبستان العالم» وعنها أيضاً قال المستشرق غاستون فييت الذي عمل مديراً لدار الآثار العربية (المتحف الإسلامي في القاهرة حالياً) من 1924 إلى 1944: «تحتل القاهرة مركزاً مرموقاً في تاريخ الفن، وذلك بفضل الأعمال العمرانية التي ازدهرت في ربوعها ازدهاراً باهراً. فالأبنية تقف بمثابة شهود تمنعنا من أن نقلل من شأن تاريخ هذه المدينة فنرتكب بذلك إثم تزييفه».
وخلال حكم الفاطميين لمصر الذي امتد من 969 إلى 1171م استقرت ـ كما يؤكد الدكتور أبو الحمد فرغلي الأستاذ في كلية الآثار في جامعة القاهرة ـ أسس العمارة والفنون الإسلامية في هذا البلد، وأنشئ ـ خصوصاً في القاهرة ـ الكثير من العمائر الدينية والحربية والمدنية من مساجد ومشاهد وأسوار وقصور وغيرها. وانتشرت زخرفة واجهات العمائر بدقة وإتقان بعد أن كانت تكاد تخلو من الزخرفة في ما سبق من عصور، وكذلك انتشر استخدام المداخل البارزة ـ التذكارية ـ كما تطورت بعض العناصر المعمارية المهمة مثل القبة والمئذنة.
وأقدم أثر يعود إلى الفاطميين في مصر هو الجامع الأزهر الذي شرع القائد جوهر الصقلي في بنائه بأمر من الخليفة المعز لدين الله في العام 970م، واكتمل في العام 972م. وكان الغرض منه أن يكون مسجداً جامعاً للقاهرة هذا إلى جانب تهيئته ليكون معهداً للتعليم.
وبالإضافة إلى الآثار التي خلفها الفاطميون ومنها جوامع الأزهر والحاكم بأمر الله والجيوشي والأقمر والصالح طلائع، وأبواب زويلة والنصر والفتوح، تزخر منطقة القاهرة القديمة بأكثر من 80 أثراً تعود إلى عهود إسلامية مختلفة ويقع معظمها في شارع المعز لدين الله.
ومن أهم هذه الآثار مدرسة وُقبة الصالح نجم الدين أيوب ومدرسة وبيمارستان قلاوون وقصر الأمير بشتاك ومدارس السلطان حسن والسلطان برقوق وأم السلطان شعبان والسلطان الغوري وأسبلة السلطان قايتباي وعبد الرحمن كتخدا وأوده باش ومنازل السحيمي والكريدلية وآمنة بنت سالم.
وتعتبر مشكلة الازدحام بالسكان والأنشطة التجارية والحرفية من أخطر المشاكل التي تعاني منها تلك الآثار. ومنذ سنوات طويلة جرت محاولات كثيرة لحسمها من دون جدوى بسبب توزع المسؤولية الرسمية في تلك المنطقة الأثرية الفريدة بين وزارات الثقافة والأوقاف والإسكان ومحافظة القاهرة.
ومن أجل حسم هذه المشكلة وغيرها من المشاكل التي تعوق حماية آثار منطقة القاهرة الفاطمية ووضعها في المكان اللائق على خريطة مصر السياحية ارتئي في المرحلة الأولى السياحية إنشاء 50 ألف وحدة سكنية بديلة في شرق القاهرة لينتقل إليها سكان شارع المعز لدين الله وتجاره وحرفيوه. كما يهدف المشروع إلى إزالة تعديات المواطنين وبعض الجهات الحكومية على الآثار، وتخفيض منسوب المياه الجوفية التي تسببت في أضرار جسيمة يعاني منها نحو 31 أثراً. وكذلك إغلاق المنطقة أمام حركة السيارات نهاراً باستثناء سيارات النجدة والإسعاف والمطافئ، وترميم المباني التاريخية وإحياء الوظائف الأصلية لبعضها مثل الأسبلة والبيمارستانات والكتاتيب بمعرفة المجلس الأعلى المصري للآثار والهيئات المعنية الأخرى.
أبو الحسين جوهر بن عبدالله الصقلي المشرف على بناء القاهرة وفتح مصر
جوهر الصقلي جوهر القائد الذي أشرف على فتح مصر وبناء مدينة القاهرة ومسجدها، هو من مسلمي جزيرة صقلية، لذلك عرف بالصقلي، كما وصف بالرومي، لأن جزءاً من الجزيرة كان بأيدي الروم، وبالصقلبي أيضاً، كان من بين موالي الخليفة الفاطمي المنصور المقربين إليه.
لم يظهر لجوهر دور هام ولم يلقب فيما يبدو، قبل عصر المعز لدين الله الذين عينه كاتباً في بدء خلافته ومن ثم عرف بلقب الكاتب. وبالقائد أو قائد أبي تميم، وعبد المعز ومولى أمير المؤمنين مثل جوذر الصقلي الذي ظفر بهذا اللقب بعد موقعه كناية، وعلت قيمته قبيل إرساله على رأس حملة ضد الثوار في أرجاء بلاد المغرب حتى قيل إنه رقي إلى رتبة الوزارة تشريفا ًله، لكنه لم يلقب بلقب الوزير ولا بالأشراف على الدواوين وإنما كان بمثابة الواسطة بين الخليفة المعز لدين الله وكبار رجال الدولة حتى أن القاضي النعمان لما استطلع رأي المعز عما يقرأه يوم الجمعة من علوم أهل البيت على جماعة المؤمنين رد عليه بقوله: «أخرجنا لك ما تقرأ اليوم واجتمع بجوهر يكتبه لك».
وقد عاده المعز لدين الله أثناء مرضه الخطير مبالغة في العناية به كما أسند إليه قيادة أضخم حملة لفتح مصر وفوض إليه التصرف في شؤونها بعد الفتح والإشراف على حركة التوسع منها، في بلاد الشام.
وقد أمر المعز لدين الله، جميع رجال الدولة بما فيهم أولاده وإخوته وحجته عبدالله، بأن يترجلوا له، وكان ذلك حدثاً لم تجر به الرسوم. وقد ألزم بذلك سائر الولاة، والحكام، وقد أمر حجاب جوهر جميع الوفود لاستقباله في الجيزة بالترجل له باستثناء الوزير ابن الفرات، والشريف أبي مسلم. كذلك ترجل له سعادة بن حيان عندما قدم على رأس نجدة من بلاد المغرب.
وعرف قبل انتقال المعز لدين الله بلقب النائب وخليفة المعز وكان إلى جانب الخليفة المعز على المنبر أثناء خطبة أول عيد فطر يقام بعد انتقاله إلى مصر.
وعندما منع المعز لدين الله من النداء عن زيادة منسوب النيل حتى يصل إلى مستواه العادي وهو ستة عشر ذراعاً أمر بأن لا يكتب بذلك إلا إليه أو إلى القائد جوهر.
ويبدو أن بروز أهمية عسلوج بن الحسن الصنهاجي، ويعقوب بن كلس، في سياسة الدواوين والاشراف على الأموال كان يعني الحد من صلاحيات جوهر القائد الذي احتفظ بنفوذه خاصة في الميدان العسكري. وكانت هزيمته أمام القرامطة في بلاد الشام، أثناء حركة أفتكين بمثابة شارة على تراجع أمره، وضعف سلطانه وقد اعتمد العزيز بالله على إبن كلس في تدبير شؤون الدولة وأبعد جوهر عنه لكنه كان يستشيره باطناً)[522](.
ولعل أوضح دليل على انصراف العزيز عنه أنه أمر كغيره من القادة بالترجل لمنجوتكين الذي قربه العزيز بالله. وقد شعر جوهر بما لحقه من مهانة فكان يدعو الله على نفسه بالموت: «وها أنا اليوم أمشي راجلاً بين يدي منجوكتين، أعزونا وأغزوا بنا غيرنا، وبعد هذا فأقول: اللهم قرب أجلي ومدتي فقد أنفت على الثمانين أو أنا فيها». وقد استجاب الله دعاءه فتوفي سنة 381هـ (991 ـ 992م).
ولما كان أعظم حدث في حياة (جوهر) هو فتحه لمصر، فإننا نذكر فيما يلي المحاولات الأولى لهذا الفتح، تلك المحاولات التي لم تنجح، ثم نجحت على يد جوهر، مكتوباً ذلك بقلم الدكتور موسى لقبال:
لم يكن للدعوة الفاطمية التي انتشرت من دار الهجرة في سلمية إلى الآفاق البعيدة في المشرق، وفي المغرب، هدف مباشر ونهائي في دار الإسلام، غير إسقاط نظام الخلافة العباسية وإحلال الخلافة العلوية محلها، إحياء لمجد العلويين في المشرق، وإنصافاً لهم من الغاصبين»)[523](.
ولما كان هذا الهدف لا يتحقق إلا في ظل نظام سياسي علوي قار، يكون في منطقة ما من بلاد المشرق، أو في إقليم وثيق الصلة به مثل مصر، فقد اتجهت العناية في المرحلة الأولى من التوسيع على حساب العباسيين لتحقيق الهدف نحو تأسيس أنظمة سياسية في الأطرف، حيث تكون هذه بعيدة عن مركز الثقل العباسي، وحيث توفر الأمن، ويوجد استعداد من السكان الذين كانوا يميلون إلى تأييد دعوى العلويين بدافع حبهم لآل البيت وكاتت هذه الخطة متقنة وحكيمة، لأن الفاطميين استغلوا الأوضاع المختلفة في المناطق البعيدة في التمكين لأنفسهم ولحركتهم وفي الإعداد وفي التهيئة المعنوية والمادية، قصد التسرب إلى المناطق الأخرى المجاورة، تدريجياً كل ذلك في إطار الاحتراز من الاحتمالات السيئة والمفاجآت غير السارة.
ومن ثم لم يكن رجال الدعوة الفاطمية منذ البدء راغبين في استقرار الدولة الفاطمية باليمن، لفقرها وتطرفها حتى لو حصلت هجرة عبدالله المهدي إليها، وأعلن منها الدولة العلوية، كما لم يفكر أي خليفة من خلفاء الفاطميين في الاستقرار نهائياً في بلاد المغرب رغم أهمية موقعه وغناه وسعة مجالاته وتفتح أراضيه على عالم البحر المتوسط وإفريقيا، والأرض الكبيرة. وإنما كان الفاطميون يعدون ليوم العودة إلى بيئتهم الشرقية التي غادروها مضطرين. وفي المشرق أنصارهم ومؤيدوهم ودعاتهم المنتشرو في الجزائر المختلفة ومنها مصر، وباقي أراضي الخلافة العباسية.
ومن ثم لم يكن للفاطميين خطة أخرى، ثم حملهم عداء المالكية لهم وثورات زناتة وبعدهم عن المشرق، على لسان عبدالله المهدي قبل دخوله أرض مصر أثناء فراره إلى بلاد المغرب. فقد خاطب أحد ولاة الرملة المتشيعين الذي خشي عليه من رقباء العباسيين في الطريق، بقوله: «طب نفساً، وقر عيناً، فوالذي نفسي بيده، لا وصلوا إلي أبداً، ولنملكن أنا وولدي نواصي ولد العباس، ولتدوسن خيولي بطونهم»)[524](. ومثل هذا القول، لا يدل إلا على وجود خطة ثابتة ضد العباسيين في المشرق، كان من المفروض لها فيما يبدو أن تنفذ من سلمية لولا انكشاف أمر الحركة للعباسيين، وكانت «هجرة المهدي إلى المغرب، مفاجأة مذهلة لأخلص رجاله، وأكبر دعاته لأنهم كانوا على علم بالخطة الأصلية وبأهداف الحركة الفاطمية، ولم يكن من بينها فيما يبدو، إعلان الخلافة العلوية في أقصى دار الإسلام أي في بلاد المغرب.
وتصرفات المهدي بعد إعلان الخلافة الفاطمية في رقادة وإرساله الحملات ضد برقة، ومصر أكثر من مرة ومجازفته بحياة إبنه أبي القاسم في ميادين بعيدة عنه كانت التزاماً بالخطة الأصلية)[525](.
وكان رد المهدي على إبنه الذي تردد وخاطب أباه «يا أمير المؤمنين قد خولك الله، وملكك وأعطاك من الدنيا ما فيه سعة وكفاية فعلام تغم نفسك، وتشغل صدرك، دع هذا حتى يأتي الله به عفواً». رداً حازماً وعملياً فقد قبض يده اليسرى وقال: «نعم هذا المغرب في قبضتي هذه، وبسط اليمين وقال: ولكن كفي هذه من المشرق صفر، إن ثقل عليك ما أمرتك به، خرجت له بنفسي»)[526](.
ومثل هذا الرد لا يدل على غير الإصرار على مضايقة العباسيين والرغبة في تعبيد طريق المشرق لمن يأتي بعده، رغم أنه كان يعلم أنه ينطلق من قواعد غير مستقرة، إلى مناطق يسودها الأمن والاستقرار في ظل ولاة مصر العباسيين، وأن الخلافة العباسية في هذه الفترة على جانب كبير من القوة تمكنها من الاحتفاظ بأراضيها ورد الأخطار عنها)[527](، لم يشأ إبنه أن يشذ عن الاتجاه العام، فاستجاب لرغبة أبيه، رغم اقتناعه بعدم جدوى العمل في هذا الوقت وناضل ضد ولاة العباسيين في مصر بالقلم والسيف ولقي الهزائم المنكرة وقوبل بالسخرية)[528](، وعير من طرف السكان)[529](، وكان المهدي يقابل كل ذلك بعدم الاكتراث، لأنه مقيد بخطة قديمة بانت ملامحها في بلاد المغرب في أول صلاة جمعة دعي له بإمرة المؤمنين «اللهم فانصره على أعدائك المارقين، وافتح له مشارق الأرض، ومغاربها كما وعدته، وأيده على العصاة الضالين»)[530](.
واهتمام المهدي وخلفائه بإقليم برقة يدخل في إطار السياسة الشرقية للخلافة الفاطمية. ومن برقة، انطلقت البعوث الاستطلاعية ضد حدود مصر، والحملات العسكرية البرية والبحرية لضم أراضيها في الجنوب، وفي الشمال، وإليها التجأت العناصر الموالية للفاطميين، والثائرة ضد ولاة العباسيين في مصر.
وأهمية قاعدة برقة، باب مصر في الاستراتيجية الفاطمية للنضال ضد العباسيين في المشرق، تماثلها أهمية قاعدتي فاس وطنجة، باب الأندلس، للنيل من الأمويين، ثم صقلية، وقلورية باب أوروبا، للنشاط الثغري ضد البيزنطيين.
ولم يرث القائم بأمر الله عن أبيه، لقب الخلافة فقط بل أصبح ملتزماً بنفس سياسته واتجاهاته الشرقية، وبإقلاق راحة العباسيين من مركزهم في مصر، غير أنه ـ بعد أن خبر ميدان الحرب في الجبهة المصرية ـ كان يميل أيضاً لاستخدام أساليب السياسة والدعوة الهادئة لكسب ولاء مصر)[531](، وجلب ولاتها الأخشيديين للاعتراف بالسيادة الفاطمية، والتعاون مع الفاطميين جيرانهم في المغرب، ولذلك أرسل إلى محمد بن طغج الأخشيد الذي أنزل هزيمة منكرة من قبل برجاله، يطلب منه الاعتراف بالولاء للفاطميين، بوصفه تابعاً وحليفاً، أو جاراً صديقاً، إيثاراً لجانب السلم بين الجيران وإشاعة لروح المودة والإلفة، والتعاون بينهم ضد الأخطار، ولم ينس ان يهون عليه مسألة الانفصال عن العباسيين، باعتبار أن الولاء لهم أصبح عادة تقليدية قديمة، فضلاً عن كونهم لا يقدرون قيمة المخلصين من رجالهم.
ولقد تضمنت الرقعة التي كتبها القائم بأمر الله بخطه ولم يطلع عليها أحداً قوله: يخاطب الأخشيد: «قد خاطبتك أعزك الله، في كتابي المشتمل على هذه الرقعة بما لم يجز لي في عقد الدين، وما جرى به الرسم من سياسة أنصار يستجلبون، وضمن رقعتي ما لم يطلع عليه أحد من كتابي، وذوي المانة عندي. وأرجو أن تردك صحة عزيمتك وحسن رأيك إلى ما أدعوك إليه، فقد شهد الله على ميلي وإيثاري لك ورغبتي في مشاطرتك ما حوته يمني واحتوى عليه ملكي، وليس يتوجه لك بالعذر في التخلف عن إجابتي، لأنك قد استفرغت مجهودك في مناصحة قوم لا يرون إحسانك ولا يشكرون إخلاصك، يخلفون وعدك ويخفرون ذمتك، لم يعتقد منهم أحد حسن المكافأة، ولا جميل المجازاة، وليس ينبغي لك أن تعدل عن منهج من نصحك وإيثار من آثرك إلى من يجهل موضعك ويضيع حسن سعيك، وأنا أعلم أن طول العادة في طاعتهم قد كره إليك العدول عنهم فإن لم تجد من نفسك معونة عن أتباع الحق ولزوم الصدق فإنني أرضى منك بالمودة والأمر والطاعة حتى تقيمني مقام رئيس من أهلك تسكن إليه في أمرك وتعول بمثل ذلك، وإذا تدبرت هذا الأمر علمت أن الذي يحملني على التطأطؤ لك وقبول الميسور منك، إنما هو الرغبة فيك، وأنت حقيق بحسن مجازاتي على ما بذلته والله يريك حسن الاختيار، في جميع أمرك وهو حسبنا ونعم الوكيل»)[532](.
ورغم أن الأخشيد، تأثر بمضمون الرسالة إلا أنه كان بعيد النظر، عندما لم يسارع بالإجابة عنها، واعتذر بأنه أُمي، ومن الصعب عليه نظراً لعلاقاته الخاصة بالعباسيين، أن يبوح بسر خطير، لأي كاتب من كتابه)[533](، قد يستغله عليه. وترك نفسه حر التصرف، يتأمل أبعاد المشروع الجديد ومكاسبه، ويبدو أنه مال في فترة ما من صفاء ذهنه، إلى البقاء على موقف التحفظ، لأن ارتباطه بالعباسيين يتيح له قدراً كبيراً من الاستقلال بالتدبير، أما عندما طلع نجم محمد بن رائق الخزري، وقلده الخليفة العباسي ولاية الشام التي تعتبر امتداداً لنفوذ الأخشيديين ومجالاً حيوياً لتوسعهم، فإنه هم بقطع الصلة مع الخلافة العباسية وإعلان الخطبة للقائم بأمر الله الفاطمي)[534](، لولا أن رجاله نصحوه بالعدول عن تنفيذ هذا الاتجاه الخطير، الذي سيزيد بدون شك ـ من غضب العباسيين، ويعلي شأن خصمه ابن رائق، الذي قد ينقلب إلى بطل إنقاذ، ويرمي به في ميدان مصر الثائرة ضد السلطة الشرعية في بغداد)[535](.
وإذا كان الأخشيد قد استجاب لرأي المخلصين من نصحائه، فأبقى على الرباط الشكلي، مع العباسيين، واحتفظ باستقلاله عن الفاطميين، فإنه استجاب إلى حد ما، للعرض الثاني الذي تضمنته رسالة الخليفة الفاطمي، حيث اقترح في رده على القائم، أن يقبل الأخير زواج إبنه، وحجته ولي عهد المسلمين أبي الطاهر إسماعيل بابنته، فاستجاب القائم بأمر الله وحبذ الفكرة على أساس أنها تتيح فرصة لربط المغرب بمصر، عن طريق المصاهرة، التي تتضمن الحلف والتبعية في نظره، ولذلك نلاحظ أنه عندما انطلق بالفكرة، إلى أبعادها السياسية وأرسل إلى الأخشيد يقول له: «وصل كتابك، وقد قبلنا ما بذلت، وهي وديعة لنا عندك، وقد نحلناها من بيت مالنا قبلك مائة ألف دينار فوصل ذلك إليها»)[536](. لم يرتح لمضمون الرد، الذي انبنى على أساس تبعيته للفاطميين، وكان ينتظر من الخليفة القائم أن يقبل مشروع الزواج، تشريفاً له، وطريقاً للمصافاة بين البلدين، وأن يهاديه بأموال، وألطاف كثيرة، نظير هذا العرض السخي، ليفاخر بها، ويزايد أمام بعض خصومه وليشعر الخليفة العباسي بأهمية مركزة، وعظمته، وقوته فلا يبالغ في إضفاء كل الأهمية على خصمه محمد بن رائق.
وما دام الأمر لم يتم مع القائم بأمر الله، كما توقعه الأخشيد، مكسباً مادياً وأدبياً، فإنه بقي على تحفظه، ووضعه القديم والياً مستكفياً من طرف العباسيين)[537](.
وكان يمكن للخليفة المنصور أن يواصل العمل في نفس الخط الذي رسمه أبوه، وجده، نضالاً بالقلم وبالسيف، في سبيل نشر الدعوة، وتنفيذ مشاريع الدولة، وإعلاء كلمتها في المشرق العباسي، لولا «التياث أمر بلاد المغرب)[538](، بسبب ثورة أبي يزيد وابنه فضل، وانتقاض محمد بن خزر، واضطراب أوضاع صقلية، وعندما تغلب على معظم هذه المشاكل)[539]( لم يمتد به أجله، ومع ذلك فإن اهتمامه بإرجاع الحجر الأسود إلى مكانه، أكسب خلفاء الفاطميين سمعة في المشرق، فتعاطف معهم جمهور غفير من سكانه، وكان خير وسيلة للإبانة عن أهميتهم للإبقاء على سلامة المقدسات الإسلامية، بعيدا ًعن أيدي المغامرين، وقد أوصى إبنه وحجته المعز لدين الله، بالاهتمام بأمر مصر، والشرق، تنفيذاً لوصية جده القائم)[540](. وبإشراف المعز لدين الله، تم تنفيذ الخطة الأصلية للحركة الفاطمية ضد العباسيين في المشرق.
وقد كان هذا الخليفة أوفر خلفاء الفاطميين نشاطاً في العمل ضد العباسيين، فلم يقتصر على ميدان الدعوة وإرسال الدعاة لتخذيل رعاياهم واستفساد ولاتهم، وتمهيد نفوسهم لقبول التشيع أو الولاء للخلافة الفاطمية، بل أرسل الجيوش لنجدة سكان أقريطش التابعين لهم، كي يظهرهم على حقيقتهم عاجزين عن حماية الإسلام أو عن فرض هيمنتهم على بعض ولاتهم في مصر الذين تباطأوا في نجدة سكان الجزيرة، وعندما استقبل رسول ملك الروم، في المنصورية، أوعز إليه بسر خطير «لتدخلن علي وأنا بمصر مالكاً لها»)[541](.
وتركزت خطته لتحقيق هذه الغاية، على التمهيد الكامل لذلك، في بيئة المغرب، بحشد القوى وتربية جيل جديد من كتامة، يكون جديراً بأن يمثل رجاله الدور الإيجابي في المشرق، نظير ما فعله أسلافهم في بيئة المغرب، أما التمهيد لذلك في بيئة المشرق، فيكون متابعة نشاط الدعاة، وتسقط أخبارهم، والاعتماد على الماهرين منهم في اكتساب ثقة ولاة مصر الأخشيديين، ومن هؤلاء أبو جعفر بن نصر الذي أثر على أحمد بن علي بن طغج، وحوله إلى المذهب الشيعي، وحمله على مكاتبة المعز لدين الله بعد أن صوره أمامه بمثابة والد رحيم، سوف يخفف عنه مشقات الحكم، وعبث الجند)[542](، وبواسطة هذا الداعي وغيره كان يعرف المعز لدين الله، سير الأوضاع في مصر. وعن بعض مكاتباتهم، وردوده عنهم، تحدث إلى شيوخ كتامة بقوله «وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب أجيب عليها بخطي»)[543](.
وفي أكثر من مرة كان يشرح أمام شيوخ كتامة ما يعلقه من آمال في ميدان مصر والمشرق، بعد أن تحقق الشيء الكثير على أيدي أسلافهم في المغرب «واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق، كما قرب أمر المغرب بكم»)[544](.
ولشعوره بأن التعبئة المادية، والمعنوية لم تكتملا بعد، لم يستجب لرغبة دعاته في المشرق، بأن ينتقل بسرعة إلى مصر لتطور الأوضاع في صالح الحركة الفاطمية، «إننا لم نتخلف عن ذلك إلا انتظاراً للمدة التي وعدنا الله الظهور فيها، ولو حضرت ما تخلفنا» وكي يوضح أمامهم أن التأخر لحكمة، وأن الانتقال إلى مصر هدف أساسي للحركة الفاطمية، ذكرهم بالسابقة التاريخية التي ارتبطت بالمهدي جد الخلفاء الفاطميين، تعبيراً عن وجوده السياسي، بأنه وإن لم ينجح ـ هو صاحب حق شرعي في هذه البلاد، وذلك ما أصبح تقليداً متبعاً بالنسبة لخلفائه وأمانة موروثة عنه)[545](.
وعندما شعر المعز لدين الله بأنه أصبح في مركز قوة، بعد اكتمال الاستعدادات المادية، والمعنوية، افتعل حادثة الجارية التي قيل أن أم الأمراء، وجهتها من المغرب لتباع في مصر، فاشترتها امرأة مثلها هي بنت الأخشيد، لتتمتع بها. وقد كانت هذه الحادثة محوراً لحديث دعائي قوي شنع فيه على ولاة مصر، ونظام العباسيين، وعلى المجتمع المصري، أمام جمع من شيوخ كتامة، وقادتها، وقد ختمه بقوله يا إخواننا انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم»)[546](. وهذا الأسلوب الدعائي الملتهب، كان جزءاً من خطة كاملة، غايتها التمهيد لغزو مصر ولانتقال الخلافة الفاطمية إليها، أما الوسيلة، فكانت التشهير بالمجتمع، والإساءة إلى عناصر السلطة الداخلية، والخارجية، حتى كان المعز لدين الله في مجالسه يصف العباسيين بالملاعين، ويحرص على أن يتحف رجاله بما يحط من قيمتهم كخلفاء، ومن ذلك ما لاحظه من أن كتب التاريخ، والأخبار، التي سجلت عن العباسيين واطلع عليها، تذكر ميل بعض الخلفاء إلى اللهو والشرب والتمتع بالغلمان، وعقب على ذلك بقوله «هذه محاسن القوم فكيف بمساوئهم وهذا قول من قصد بقوله مدحهم، فكيف بمن قصد ذمهم)[547](.
ولم يتورع عن الطعن في مشروعية خلافتهم، أو عن الإشارة إلى أن هدف الخطة الفاطمية منذ عصر المهدي، كان القضاء عليهم «لو أراد الله ببني العباس خيراً لقطع أمرهم يومئذ على يديه وهم في عنفوان أمرهم، وتمام سلطانهم وعزهم»)[548](.
وتدل بعض التوقيعات التي أصدرها المعز لدين الله إلى النعمان بن محمد، يمنيه بالخير الكثير، والبناء الرفيع في مصر، ردا ًعلى طلبه الحصول على أرض للبناء ليجتمع شمل أسرته بالمنصورية، على أنه كان يعتبر نفسه مؤقتاً في بلاد المغرب، وأن ساعة الانتقال إلى مصر قريبة، «فالله يهبك السلامة حتى تبتني في أيامنا، ومعنا، حيث يختاره الله ويرضاه له من أرض المشرق الأرض الواسعة)[549]( ومن هذا القبيل قوله أمام جمع من رجاله وجدهم عند جوهر متأثرين لمرضه الشديد، «لا تغتموا، فإنه يبرأ، ويفتح مصر بمشيئة الله»)[550](.
ويرتبط بالخطة الأصلية للحركة الفاطمية، في عصر المعز لدين الله، التدخل في شؤون الحجاز، تمهيداً لفرص الحماية على الحرمين الشريفين، واكتساب مودة الأشراف، إذ تشير بعض النصوص إلى توسط المعز لدين الله لتحقيق الصلح بين فرعي بني الحسن، وبني جعفر بن أبي طالب، الذين اقتتلوا فيما بينهم، وقد أنفذ أموالاً ورجالاً وتحمل ديات القتلى وكان أكثرهم من بني الحسن، «فصار ذلك جميلاً عند بني الحسن للمعز» قابلوه بالدعاء له في مكة عقب فتح مصر، وتولى ذلك منهم حسن بن جعفر الحسني، الذي أرسل إليه المعز لدين الله «بتقليد الحرم وأعماله»)[551](.
وكانت مكاتبات الدعاة، وبعض عناصر المجتمع في مصر، لا تنقطع عن المعز لدين الله ومن هؤلاء الوزير، أبو الفضل جعفر بن الفرات، المعروف بابن حنزابة، الذي حثه على فتح مصر، نكاية في الأمير الأخشيدي: الحسن بن عبيدالله بن طغج أمير الرملة والشام، الذي ضيق عليه، وآذاه، وقصد به شراً)[552](. وتضمنت بعض المكاتبات تعبيراً عن سهولة فتح مصر وطواعية سكانها للفاطميين، بعد اختفاء كافور الأخشيدي، قولاً نصه «إذا زال الحجر الأسود، ملك مولانا المعز لدين الله مصر»)[553](، وكان هذا الخادم المتغلب الذي عرف بالأستاذ، وكنى بأبي المسك وقلد مصر نهائياً من طرف الخليفة العباسي، بعد وفاة إبني الأخشيد، من الدهاء والحكمة بحيث أدرك قوة تأثير الحركة الفاطمية في مصر)[554]( وأحس بثقل الفاطميين المجاورين له في برقة، فلم يظهر العداء، لكنه لم يتعاون مع المعز لدين الله لنجدة مسلمي أقريطش خوفاً من غضب العباسيين، واحتفظ بتوازنه أمام القوتين المتصارعين، فكان يهادي المعز صاحب المغرب، ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن بالطاعة لبني العباس، ويداري، ويخدع هؤلاء وهؤلاء)[555](. وما كان من أمر بقي خافياً في مصر ويريد المعز لدين الله أن يعرفه، قبل إرسال حملة جوهر الضاربة، فقد استفاده أخيراً من يعقوب بن كلس، الذي فر من مصر ناجياً بنفسه، من فتك الوزير ابن الفرات، إلى بلاط المعز لدين الله في المنصورية)[556](. ولم يرجع إلى مصر إلا في ركابه.
وقد ظهر التعبير العملي عن أهداف الخطة الفاطمية في المشرق، في الأعمال العسكرية التي وجهت ضد مصر، منذ عصر المهدي واستمرت حتى أواخر عصر المعز لدين الله وكانت مصر في نظر الحركة هي الطريق الطبيعي للنفاذ إلى قلب الخلافة العباسية في بغداد، بعد التهام أطرافها في الحجاز والشام.
ولم تكن حملة جوهر، في عصر المعز لدين الله، غير الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الجهود العسكرية استهلها المهدي بإرسال حملتين قادهما إبنه أبو القاسم، وكان صاحب مقدمته في الحملة الأولى ومساعده في القيادة، أبا داوود حباسة بن يوسف الملوسي، واشترك إلى جانبه كثير من قبيلة ملوزة وظهر من بين قادة كتامة أو فريدن، وكانت هذه الحملة برية، كما ظهر نشاط الأسطول الفاطمي في السيطرة على مواني برقة، والاسكندرية، ومن ثم وصفت في بعض النصوص، بأنها: برية بحرية)[557](.
وكانت القوة الفاطمية ضخمة)[558](، ومن ثم سهل عليها تحطيم المقاومة في برقة، وهزيمة ولاة الإقليم المعتمدين من طرف أبي منصور تكين الخاصة والي مصر، فانسحب أبو النمر أحمد بن صالح، لأنه عزل عن الولاية، ولحق به خلفه خير المنصوري، ثم خصمه عبد العزيز بن كليب، اللذان تحاسدا، وخذل كل منهما الآخر، كما واصلت الحملة سيرها نحو الإسكندرية واقتحمتها في محرم 302 هـ/يوليه 914م بدون مقاومة، لأن أغلب أهلها تركوها إلى جهات مختلفة بما خف من أموالهم وأمتعتهم، ولم يجد أبو منصور تكين، أسلوب التخذيل الذي اصطنعه مع رجال الحملة، عندما أرسل إلى حباسة باسم الخليفة العباسي المقتدر بالله، يدعوه إلى الطاعة كما لم يغن عنه ما بذله من جهد لرد القوة المهاجمة التي ضيق جزء منها على الفسطاط، من مركز مشتول)[559](، وسار الجزء الآخر بقيادة أبي القاسم ومعه أبو فريدن نحو الفيوم)[560](، وكانت الحرب سجالاً بين الفريقين، لم ترجح كفة أحدهما حتى وصل مؤنس الخادم في رمضان 302 هـ)[561](، بعد انسحاب حباسة مغاضباً لأبي القاسم)[562](، الذي أيس من النصر، وبانت له استحالة بقائه في الفيوم بعد النكبات التي حلت به وبرجاله في الوقت الذي تدعم فيه موقف والي مصر، بنجدة مؤنس الخادم، وليجد مفراً من التستر على فشله وذلك باتهام حباسة، ثم بانسحابه يجر أذيال الخيبة إلى رقادة التي وصلها في ذي القعدة 302 هـ)[563](/ مايو 914م.
وأثر هذه الحملة الفاشلة، انتدب لولاية مصر ذكا الأعور منذ صفر 303 هـ/ أغسطس 915م خلفا لأبي منصور تكين الخاصة، فاهتم بمدينة الاسكندرية وترك فيها إبنه مظفراً، عاملاً مقيماً مع قوة كبيرة، وفي الفسطاط نكل بكل العناصر المتشيعة، أو المشبوهة، التي يشك في أن لها اتصالاً بالحركة الفاطمية في المغرب)[564](.
وأما المهدي، فقد أرسل برقة، أبا مديني بن فروخ اللهيصي، الذي أمن الإقليم، وضمه إلى الفاطميين وانطلق منه نحو النشاط على حدود مصر، وتشير بعض النصوص إلى أن سكان لوبية، ومراقية تركوا المنطقة، ودخلوا مدينة الاسكندرية القريبة منهم منذ شوال 304 هـ/ مارس 916م ـ بدافع الخوف من والي برقة الذي كان دائب النشاط والحركة ويضغط على حدود مصر، وعلى مدينة الاسكندرية التي هي باب مصر، وأول ميناء هام يتصل بالمغرب)[565]( وقد بدا لذكا الأعور، ولابنه مظفر عامل الثغر، أن المهدي لن يبقى مكتوف الأيدي ما بقيت عنده قوة، وأنه هو الذي أوحى إلي وإليه في برقة، بمواصلة نشاطه على حدود مصر، تمهيداً للحملة الثانية التي انطلقت من رقادة منذ شهر ذي القعدة 306 هـ/ أبريل 918م واشتركت فيها حشود من كتامة، مع عرب إفريقية، وبربرها، وبعض القادة المشهورين، مثل خليل بن إسحاق، وأبي غانم الكاتب ومن أبي الحسن بن أبي خنزير، وجوذر الصقلبي)[566](، وكانت حملة برية، بحرية، وتولى قيادة المقدمة ومساعده أبي القاسم، سليمان بن كافي الخادم)[567](، الذي كان له أيضاً الإشراف على الاسطول الذي باشر قيادته يعقوب الكتامي)[568](.
وقد تمكنت قوات الفاطميين من دخول الاسكندرية بدون مقاومة، لأن معظم سكانها القادرين على الدفاع غادروها إلى جهات مختلفة مثل المرة الأولى كما غادرها مظفر بن ذكا، إلى وجهة غير معروفة، وبينما تقدم سليمان بن كافي نحو مدينة الفيوم واقتحمها عنوة، بقي أبو القاسم في الاسكندرية فترة استقبل أثناءها نجدات كبرى، حتى «اجتمع إليه عدد يجل عن الإحصاء» وبهم سار نحو الفيوم، والأشمونين التي وصلها في رجب 307 هـ/)[569]( نوفمبر 919م ويبدو أنه أحس بحاجة الاسكندرية إلى قائد كفؤ يحافظ عليها، ويراقب حركات العباسيين ويتولى العناية بالأسطول، لذلك بقي وحده في الأشمونين وأرسل ابن كافي إلى الاسكندرية لينضم إلى يعقوب الكتامي.
ورغم سوء حالة ذكا الأعور، لخلافه مع الرغبة بسبب تصرفات الجند، وشغب هؤلاء عليه بسبب تأخر الأرزاق، فإنه وجد سنداً قوياً من القوة الشعبية التي شجعته على المقاومة والتحصن في الجيزة، وبناء استحكامات حول معسكره، وبقي في وضع المتأهب للقتال، يساعده محمد بن طاهر، والماذرائي، حتى توفي في ربيع الآخر 307 هـ/ أغسطس 919م فخلفه أبو منصور تكين في الولاية بتقليد من المقتدر بالله العباسي، وأشرف على تقوية جانب الدفاع بناءً على خطة سلفه، وتولى الماذرائي إيهام أبي القاسم، بأنه على الطاعة، وأن مصر خالية من الجند وأن الاستيلاء عليها هين ولا يخشى الخطر إلا من جانب «العوام» وكان قصده أن يتيح لنفسه فرصة واسعة لكي تكتمل استعدادات مصر بوصول مؤنس الخادم على رأس القوات العباسية)[570](، وبوصوله فعلاً بدأ الهجوم ضد مراكز القوة الفاطمية في الأشمونين، والفيوم، والاسكندرية أيضاً، غير أن القادة الذين كلفوا بالقتال في الفيوم، والأشمونين لم ينجحوا في مهمتهم لأن قوات أبي القاسم كانت ضارية ومسيطرة على المنطقة)[571](. بينما، نجح ثمل الفتى صاحب مراكب طرسوس في إلحاق هزيمة بحرية بقادة الأسطول الفاطمي في رشيد والاسكندرية وتحطمت معظم قطع الأسطول التي عبثت بها الرياح، وألقتها قرب البر، فأسر من فيها باليد، وسلم قادة الأسطول أنفسهم إلى ثمل الفتى الذي صحبهم إلى الفسطاط ودخلوا المقس أواخر شوال 307 ه، فمن والي مصر على أهل القيروان وطرابلس وبرقة وصقلية، لأنهم أرغموا على الاشتراك وعرفوا بمقتهم للحكم الفاطمي، بينما أمر بقتل عناصر كتامة والمتشيعين مثلهم، واكتفى بتشهير قادة الأسطول في شوارع مدينة الفسطاط قبل إيداعهم السجن)[572](.
ويبدو أن هذا الانتصار البحري، يضاف إليه صيرورة أبي القاسم في شبه عزلة في الفيوم والأِشمونين وقد طال مقامه وانتشرت الأمراض والأوبئة بين رجاله وسادت بينهم روح الملل، والتذمر، يبدو أن هذه العوامل التي شجعت مؤنس الفتى، وتكين الخاصة، وجنى الصفواني على مهجمة القوات الفاطمية في الفيوم والأشمونين، أثرت أيضاً على معنويات أبي القاسم، فتحاشى الاصطدام بالقوة المهاجمة وفضل الانسحاب إلى إفريقية عبر برقة، فأدرك المهدية في شهر رجب 309 هـ/ نوفمبر 921 م بعد غيبة استمرت نحو سنتين وثمانية أشهر)[573](.
وتلاه مؤنس الفتى، وتكين الذي عزل عن الولاية، فانسحبوا جميعاً عن مصر، التي وليها لفترة قصيرة، هلال بن بدر حتى سنة 311 هـ/ 923 ـ 924م، ثم خلفه لمدة سنة، أحمد بن كيغلغ، وأثرها عاد أبو منصور)[574]( تكين الخاصة إلى ولاية مصر وبقي فيها حتى توفي سنة 321 هـ/ 933، فوليها بتقليد من القاهر العباسي محمد بن تكين، الذي لم يتم له الأمر طويلاً بسبب معارضة الماذرائي، وتأييد عنصر المغاربة في الجيش، وكان رئيسهم هو أبو مالك حبشي بن أحمد، الذي بان تطرفه أيضاً أثناء ولاية محمد بن طغج الأخشيد، فكره الخضوع له، وانسحب مع جنده، والمؤيدين لهم من الأتراك واستقروا في الاسكندرية، وسرعان ما فارقوها إلى برقة بعد فشل محاولتهم لغزو الفسطاط، ومن أقليم برقة، الموالي للفاطميين، اتصلوا بالقائم بأمر الله، وزينوا له العودة إلى العمل العسكري على مصر، بمساعدتهم «لأنهم يعلمون وجوه الحرب! وكيفية الوصول إليها»)[575](.
وبقاء القوة المعارضة لوالي مصر في برقة كان منسجماً مع الاستراتيجية الفاطمية الجديدة التي ظهرت بعد انسحاب القائم بأمر الله من مصر، إذ غدت هذه القاعدة هي التي تشرف على النشاط العسكري وتوجهه على أراضي مصر، وقد أشارت بعض النصوص إلى حركة عسكرية قادها في بداية 310 هـ/ 922 ـ 923م، فلاح بن قمون الكتامي، ضد حدود مصر فاصطدم بجندها، بذات الحمام ونال منهم وكانت من الأهمية بحيث قرئت أخبارها في جامع القيروان)[576](، تلتها حركة أخرى ضد منطقة الواحات في صعيد مصر، منذ بداية 311هـ/923 ـ 924م وقادها، مسرور بن سليمان بن كافي، الذي استولى على الحصون القريبة، وهزم عامل المنطقة وهو الكرمازي وأسر إبنه، وابن أخيه وسيطر على المنطقة وكان في نيته فيما يبدو توسيع نشاطه في أرض صعيد مصر، لولا ظهور الأوبئة في جنده، وهو الذي حمله على الانسحاب إلى قاعدة انطلاقه في برقة، إنما بعد أن خرب الاستحكامات العسكرية، وبعض مظاهر العمران)[577](. وقد وقعت الإشادة في القيروان وأعمالها بما أنجزه مسرور بن سليمان، من أعمال هامة، في أراضي مصر، انتقاماً لهزيمة الحملة الفاطمية الثانية)[578](. وربما تلتها حركات أخرى ضد مدن وحصون مصر، وهي التي جذبت بعض المغامرين الذين عارضوا ولاية ابن طغج وأرادوا النيل منه تحت ستار مساعدة الفاطميين، ولم يشأ القائم بأمر الله أن يرفض هذه الفرصة، لأنها تحقق بعض أهدافه، ولا تتنافى مع الخطة الأصلية للحركة الفاطمية، ولذلك جهز قوة كبيرة من كتامة أشرف عليها مولاه زيدان، الذي انضم إليه في برقة عامر المجنون، وأبو زرارة، ويعيش من قوات حامية برقة الكتامية، ويبدو أن القيادة أصبحت ليعيش الكتامي الذي سار مع القوات المعارضة لحكم ابن طغج يتقدمهم بحكم واستولوا على الاسكندرية بدون صعوبة)[579](.
وقد خيل للقوات المتحالفة أن ابن طغج سوف يستسلم بسهولة ويترك الولاية إلى الشام أو إلى العراق خاصة وأن عناصر من المشارقة والمتشيعين كانوا ضده، بيد أن ذلك كان حلماً بددته عزيمة هذا الوالي الشجاع الذي أسرع بإرسال قوات كبيرة إلى الاسكندرية قادها أخوه الحسن بن طغج، بمساعدة صالح بن نافع، وفي اللقاء الذي تم بين هذه القوة وبين قوات الحلف قرب قروجة، انهزم هؤلاء وقتل يعيش أمير الجيش، وبعض مساعديه، وأسر منهم كثيرون من بينهم عامر المجنون، أما بجكم وبعض رجاله فقد تركوا ميدان القتال فراراً بأنفسهم إلى برقة حيث استقروا في منزل الرمادة، الموالي للفاطميين)[580](، فترة، ثم دخلوا مصر بأمان ابن طغج)[581]( سنة 328 هـ/ 939 ـ 940 كما أن قادة كتامة الذين أسروا أثناء الحملة، أطلق ابن طغج سراحهم سنة 327 هـ/ 938 ـ 939م لثقته بنفسه وبقوة مركزه في مصر)[582](.
وعلى هذه الصورة المحزنة، انتهت آخر محاولة فاطمية، للاستيلاء على مصر، بالاعتماد على قوة المعارضة الداخلية وعلى اضطراب أوضاع مصر بسبب نزاع الجند وعلى حامية برقة القوية وكان فشل هذه المحاولة بسبب تنافر العناصر المهاجمة واختلاف أغراضهم، وحزم ابن طغج، وإخلاص أعوانه مدعاة للانصراف عن شؤون مصر إلى المغرب وصقلية، لتهدئة أرضهما، وحشد إمكانياتهما المادية والبشرية لتوجيهها حسب خطة منظمة نحو خدمة أهداف الدولة في بلاد المشرق.
ولئن كان البناء الداخلي في مصر بقي متماسكاً طيلة حياة محمد بن طغج الأخشيد، فإن وفاته سنة 334 هـ/ 945 ـ 946م في نفس الوقت الذي قام فيه نظام شيعي في بغداد هو نظام بني بويه الذي استبد أمراؤه بالخلفاء العباسيين كان بداية لتصدع ما اجتهد من قبل في تقويته وأساء إلى اعماله في مصر، سوء المعاملة التي تعرض لها أبناء أبو القاسم أنوجور (ت 347هـ/ 958 ـ 959) وابو الحسن علي(ت355هـ/965-966م) من طرف خادمه أبي المسك كافور، وما قابله به هذان الأميران من استهانة بشأنه واحتقار له حتى توفي كل منهما وفي نفسه ألم وحزن للحجر عليهما وحرمانهما من التمتع بمباهج السلطة)[583](، كانت له أصداء قوية في صفوف أنصار أبيهما، وهم الأخشيدية، الذين احتفظوا بكراهيتهم لأنصار أبي المسك، وهم الكافورية.
وعرفت مصر، فصولاً من صراع هؤلاء، سواء في حياة كافور، أو بعد وفاته في جمادى الاولى 357 هـ/مايو 967م)[584](، وقد صيرهم النزاع الداخلي عاجزين عن صد الأخطار الخارجية سواء منها التي ظهرت من جهة النوبة)[585](، أو من جهة برقة، وقد رجحت كفة الأخشيدية بعد رجوع الأمر إلى أبي الفوارس أحمد بن علي بن طغج الذي ضيق عليهم، فتركوا مصر إلى الرملة، يشكون إلى الحسن بن عبيدالله بن طغج كبير الأسرة، فلم يلتفت إليهم ولم يستسلم لآرائهم في وجوب قتال أبي الفوارس وذلك لقرابته منه)[586](، ووصايته عليه)[587](، ويبدو أن ابن الفرات الذي كان مستبداً بشؤون الإدارة المدنية وشمول الأخشيدي الذي كان مشرفاً على النواحي العسكرية هما اللذان كانا سبباً فيما حل بزعماء الكافورية من اضطهاد ونكال.
وصراع الجند وشغبهم ضد السلطة وظهور الأزمات الاقتصادية وانتشار الأوبئة، والمجاعات، وغلبة ظاهرة الجفاف بسبب انخفاض ماء النيل وشيوع ظاهرة السلب والنهب، واختلال الأمن في العاصمة، وفي الأقاليم ونجاح دعاة الشيعة الفاطميين في التمكين لأنفسهم، وفي بث آرائهم ورجالهم في عدة جهات من البلاد خاصة الإسكندرية، التي اكتسبت بهم وبالعناصر المغربية التي استقرت فيها، تحت ستار التجارة، والرواية وطلب العلم، أو التعليم طابعاً مغربياً واضحاً، هذه كلها بعض أعراض الضعف في البناء الداخلي التي سهلت على الفاطميين مهمتهم، منذ سنة 358هـ/968 ـ 969م)[588](.
وقد استخلص الفاطميون دروساً من فشل الحملات السابقة واتضح لهم أنها، وإن فشلت في فتح مصر وضمها نهائياً إلى بلاد المغرب، إلا أنها كانت خير تمهيد لإرساء قواعد الفتح على أُسس متينة، وبسببها غدت المسالك معروفة، والبلاد معهودة، وأصبح بين سكانها عناصر متشيعة، أو موالية للنفوذ الشيعي بسبب بطولات قادة الحملات الفاطمية، وجرأتهم المنقطعة النظير، وقد ضم هؤلاء جهوهم إلى دعاة الشيعة ورجالهم القدامى في مصر، من أجل تهيئة التربة للبذر الحقيقي، وإلى هؤلاء أرسل المعز لدين الله بنوداً تحمل شعارات الخلافة الفاطمية، كي يظهروها في الأماكن الهامة وفي الوقت المناسب، ولتكون أيضاً شارة على الولاء للدعوة الفاطمية)[589](، ولعل أوضح دليل على استعداد النفوس في مصر لتقبل التحول الجديد، الذي كان يبشر به الدعاة الفاطميون، وأشار إليه القائم بأمر الله من قبل في قصائده ومراسلاته مع سكان مصر والشرق العربي، هو اتفاق أهل الرأي، والمشورة، وكبار رجال الدولة، والأشراف وزعماء الجند على إعلان الولاء للخلافة الفاطمية، وطلب الأمان من قائد الحملة جوهر الكاتب على الأنفس والأموال والعقائد.
ومع أن المعز لدين الله كان يعلم ظروف مصر السيئة، وأنها غنيمة سهلة، فإنه بدأ استعداداته لتوجيه الحملة الكبرى، منذ وقت مبكر، وكان قد كلف جوهر أثناء تجواله في بلاد المغرب 347هـ/358 ـ 959م بحشد الرجال الأكفاء)[590](. كما أمر عماله في مدن قابس، وطرابلس وبرقة بأن يتعاون كل منهم مع الآخر في إطار إقليمه من أجل حفر الينابيع والآبار، وبناء استراحة في كل منزل)[591](. ورصد أموالاً كثيرة، بلغ مجموعها حوالي أربعة وعشرين مليون دينار، وضعها في صناديق خاصة، وختم عليها بخاتمه، وكلف بها إبن مهذب صاحب بيت المال، وبلغ مجموع ما حشده من جند كتامة، وعبيد زويلة، وطبقة الفتيان نحو مائة ألف)[592](، هذا عدا النجدات التي تقاطرت على مصر بعد مسير الحملة، وقادها كل من سعادة بن حيان من جهة والحسن بن عمار من جهة أخرى.
ولم يغفل شأن الجند، فشحذ هممهم، وحباهم بالطاقة، واحتفل بلقائهم أكثر من مرة، قبل توجههم إلى مصر، أما قائد الحملة، جوهر الصقلي، فقد بالغ في إضفاء الأهمية على شخصه، وعلى عظمة دوره في مصر، كي يخلص الجند في طاعته، ويترفق به زعماء كتامة، وقادتها، وكان أظهرهم شخصية هو جعفر بن فلاح الذي رافقه أبناؤه وبقية المشاركين في الحملة.
ويبدو أن قول المعز لدين الله أمام جند كتامة «والله لو خرج هذا وحده لفتح مصر، وليدخلن بالإرادة من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا»)[593](. يتجاوز المبالغة في المدح، وتهدئة ثائرة قادة كتامة الذين طمحت أنفسهم إلى القيادة إلى بيان ملامح الخطة السياسية التي سيسير عليها جوهر بعد الفتح، وتضمنت أمراً، لبناء دار الهجرة الجديدة أو عاصمة الخلافة الفاطمية التي اقترح إسمها الجديد، وحدد مكانها نسبياً وهذا مما يبعد الروايات الأسطورية عن سبب التسمية والقول بأن المعز لدين الله كره موقع مدينة القاهرة عندما حضر إلى مصر، كما لم يقر التسمية التي اختارها قائده مجاملة له بإحياء ذكرى المنصور)[594](.
وفي القول دليل واضح على مدى معرفة المعز لدين الله لأوضاع الجبهة المصرية، فضلاً عن كونه كان يريد تهوين المشروع على رجاله، وتطمين أنفسهم من الأخطار الداخلية والخارجية.
وقد كان تصور المعز لدين الله صحيحاً، وفي محله، إذ أن الحملة الكبرى، لم تصادف أية صعوبة في نفاذها من برقة إلى مصر، بسبب هدوء الوضع، ونجاعة حامية برقة التي كان رجالها أعرف بالحرب وبالمسالك في أطراف مصر وفي دواخلها من غيرهم.
وكانت الرحلة إلى مصر أشبه بنزهة عسكرية طويلة الأمد، تخللتها الإقامة المتقطعة على طول الطريق.
وأمام مدينة الاسكندرية التي تكرر سقوطها في أيدي رجال الحملات السابقة دون مقاومة ارتاح السكان لظهور الحملة وفتحوا أبواب المدينة للجند ولم تبدر منهم أية بادرة مقاومة، ولقد كان جوهر بعيد النظر عندما سيطر على الوضع، ومنع الجند الكتاميين الميالين إلى السلب والنهب من مد أيديهم إلى أرزاق الناس أو الاحتكاك بهم)[595](.
أما صدى وصول الحملة إلى الاسكندرية بين سكان الفسطاط فقد عبر عنه تحرك الوزير ابن الفرات، بسرعة لمواجهتها، بالطرق السلمية وكان هذا أيضاً رأي من استشارهم من زعماء المجتمع في مصر الذين كلفوه بالاتصال بقائد الحملة للحصول على الأمان العام، فأناب عنه وفداً تزعمه الشريف أبو جعفر مسلم العلوي، وانضم إليه بعض كبار الدعاة الفاطميين ومنهم أبو جعفر أحمد بن نصر.
وبعد أن تلقى الوفد التفويض من سائر طبقات المجتمع بحيث لم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر)[596]( عرضوا على القائد جوهر في قرية تروجة رغبات السكان وما يشترطونه نظير إعلان الولاء والطاعة للخليفة الفاطمي، فاستجاب لجميع ما اقترح عليه وكتب نص الأمان العام)[597](، باسم أمير المؤمنين المعز لدين الله، وأشهد على نفسه جميع الحاضرين، وفي الأمان تأكيد لما طلبه السكان، مع توضيح بعض أهداف الحملة الفاطمية، ومنها الدفاع عن دار الإسلام التي نال منها الروم والمغامرون بسبب استخذاء العباسيين وضعفهم.
وعندما عرف زعماء الكافورية، والأخشيدية ما تضمنه عهد الأمان، ولم يكن فيه ما يرضي جشعهم إلى الأموال وإلى الإقطاعات)[598](، عارضوه وردوا على الشريف، رداً جافاً، خفف من وطأته ابن الفرات الذي ذكرهم بأنهم هم سبب التفاوض لطلب الأمان، وتلطف مع الشريف، وناجاه، بينما مال المعارضون إلى الصخب والضجيج وتمسكوا بشعار واحد، هو «ما بيننا وبين جوهر إلا السيف»)[599](. وانصرفوا عن الوزير، وعن أبي الفوارس أحمد بن علي، وبدؤوا بزعامة نحرير شويزان يهيئون لمقاومة حملة جوهر)[600](، الذي تصرف بحكمة عندما عرف هذه التطورات، فطلب إرجاع نسخة الأمان والتمس من القاضي أبي الطاهر الذهلي، رأيه في مشروعية قتالهم فأفتاه بحلية قتال من يمنع المسلمين من الدفاع عن حدود أرضهم ضد الروم، وعندئذٍ اقتنع جوهر بتأييد وجوه المجتمع لمبدأ الولاء للخلافة الفاطمية. وبدأ يعد لتأديب هؤلاء القوم الذي أضلهم الغرور وأعماهم التعصب ورفعوا راية الثورة وضللوا جانباً من السكان، وذلك من مركزه الحصين في منية شلقان ـ شرقي القناطر الخيرية ـ التي أراد منها العبور إلى الفسطاط، وفيها تحفظ على كل المراكب التي وصلت من دمياط والوجه البحري، وجزيرة تنيس ووجهتها الفسطاط، وكلف مساعده في قيادة الحملة، جعفر بن فلاح بالعبور إلى الجانب الآخر من النيل، بقوله: «لهذا اليوم أرادك المعز لدين الله»)[601]( وذلك للقاء القوة المعادية وبعد أن تمكن جعفر مع جمع من رجال كتامة المغامرين من عبور النيل سباح وهم عراة ليس عليه إلا «سراويل»)[602]( بدد شمل قوات الثورة وقتل بعض زعمائها ومنهم نحرير الأرغلي ومشير الأخشيدي، ويمن الطويل، وانسحب بعضهم دون قتال تاركين جماعة من «المصريين» يلقون مصيرهم وأخلى الجميع قواعد تمركزهم في الجزيرة لأنهم عرفوا أن الأمر في غير صالحهم، وتفرقوا في الأنحاء ومنهم من التجأ إلى الشام.
وهكذا عاد السكان إلى الشريف أبي جعفر مسلم الذي توسط عند جوهر الذي أكد سياسة الأمان، بشرط التحفظ على أموال وممتلكات زعماء الثورة الفارين حتى يعلنوا الولاء للخلافة الفاطمية، ويرضوا بما رضي به عامة السكان)[603](. وتلا ذلك دخوله المدينة يوم السبت 17 شعبان 358هـ على رأس قواته، وفق ترتيب خاص، حيث تمركز في موضع المناخ ووضع هنا أساس العاصمة الجديدة وقصر مولاه المعز لدين الله، مباشرة، وأثر ذلك تقبل تهاني السكان، لكنه رفض الهدايا والضيافة إلا من طرف الشريف أبي جعفر مسلم)[604](، الذي اتخذت داره مركزاً لتجميع الفقراء المعوزين بواسطة النداء حيث فرقت عليهم أموال كثيرة في الجامع العتيق، احتفاء بمناسبة الفتح)[605]( الذي أرسلت البشائر به إلى المعز لدين الله في المنصورية)[606](.
أما الإجراءات التي عبرت عن وضع مصر الجديد كولاية فاطمية فأهمها:
ـ إزالة شعار العباسيين وقطع الخطبة للمطيع العباسي والدعوة للمعز لدين الله، ولآبائه ابتداء من عشرين شعبان 358 هـ في المسجد العتيق وكان ذلك بحضور جوهر الصقلي كما دعي له في جامع ابن طولون وسائر منابر مصر.
ـ استهلت دار الضرب نشاطها بعد فتحها بأمر من القائد جوهر بسك دنانير جيدة العيار سجل عليها تاريخ الفتح واسم المعز لدين الله، والدعاء له، وشعار العلويين وهو: «علي أفضل الوصيين، ووزير خير المرسلين».
ـ وقد انتدب جوهر، عمالاً للخراج، والضياع، والحسبة، والشرطة، أما المظالم فتولاها بنفسه فترة حيث كان يجلس لسماع الشكوى كل يوم سبت، ثم تركها إلى أبي عيسى مرشد تحت نظره، كما استعان بجهود ابن الفرات الذي أقره على خطته السابقة.
وقد أرسى تقاليد الشيعة في الدعاء لأصحاب الكساء، قبل الدعاة للخليفة الفاطمي، وفي الأذان والإقامة وغير ذلك.
ولما فتحت مصر قال محمد بن هاني الأندلسي من قصيدة:
يقول بنو العباس هل فتحت مصر
فقل لبني العباس قد قضي الأمر
وقد جاوز الاسكندرية جوهر
تطالعه البشرى ويقدمه النصر
وقد أوفدت مصر إليه وفودها
وزيد إلى المعقود من جسرها جسر
فما جاء هذا البرم إلا وقد غدت
وأيديكم منها ومن غير صفر
فلا تكثروا ذكر الزمان الذي خلا
فذلك عصر قد تقضي وذا عصر
وقد أشرفت خيل الإله طوالعا
على الدين والدنيا كما طلع الفجر
لقد دالت الدنيا لآل محمد
وقد جررت أذيالها الدولة البكر
ورد حقوق الطالبيين من زكت
صنائعه في آله وزكا الذخر
فكل أمامي يجيء كأنما
على خده الشعرى وفي وجهه البدر
الدكتور موسى لقبال
قاين
ومسجدها الجامع
كتب الحكيم والشاعر الإيراني الشهير ناصر خسرو في رحلته «سفرنامه ناصر خسرو»:
«وصلت إلى مدينة قاين في الثالث والعشرين من شهر ربيع الثاني والمسافة إليها من مدينة تون تبلغ ثمانية عشر فرسخاً. وهي مدينة كبيرة محصّنة. وفيها مسجد (آدينه) الذي يشتمل على طاق كبير جداً لم أشاهد أكبر منه في خراسان، ولهذا الطاق تسعة أبواب جميلة».
تبعد قاين عن روند في الشمال الشرقي بثمانية عشر فرسخاًن وعن هرات في الجنوب بثلاثين فرسخاً. وهي من المدن القديمة الواقعة في جنوبي إقليم خراسان على الطريق بين مشهد وبيرجند، حيث تبعد عن بيرجند حوالي ستين كيلومتراً. وأهم محاصيلها؛ الزعفران الذي يشتهر في إيران، ويصدر من قاين إلى مختلف أنحاء العالم.
وقد كانت قاين منذ القرن الرابع الهجري، وحتى أوائل القرن الثاني عشر على جانب كبير من الأهمية، إلا ان بيرجند اكتسبت أهمية تجارية وثقافية وسياسية أكبر منذ القرن الثاني عشر.
وتوجد في قاين أبنية أثرية قديمة وخرائب تشهد على قدم هذه المدينة وعمرانها، ولكن التنقيبات لم تجر بصورة كافية. ولأهالي قاين عادات وتقاليد خاصة ولهجة محلية.
إن المسجد الجامع في قاين هو أحد الآثار العظيمة، بحيث إنه من المسلّم أن مسجداً في خراسان أقدم وأعظم وأمتن منه لا وجود له. وقد اكتسب هذا المسجد جماله ومتانته من جمال الإيوان الذي أشار إليه ناصر خسرو فيما نقلناه من كلامه آنفاً. ومساحة بناء المسجد تبلغ حوالي 2480 متراً مربعاً؛ منها 1050 متراً مربعاً تقع تحت الإيوان، و1200 متر مربع كساحة داخلية للمسجد، مضافاً إلى البنايات المرفقة كالمخازن والأروقة.
يقع هذا المسجد في القسم الجنوبي الشرقي من المدينة، ويقال: إنه كان قديماً في وسطها. ويشكل الإيوان العظيم الذي ذكرناه جزءه الجنوبي. وهو مشيّد على أرقى أنواع الفن المعماري، وإذا كان أصغر من حيث الطول والعرض والارتفاع عن المقصورة العظيمة لمسجد «كوهر شاد» فإنه يمتاز برونقه وجماله. ارتفاع الإيوان المذكور ثمانية عشر متراً، وعرضه عشرة أمتار، وطوله ثلاثة وعشرون متراً. ويتكون سقفه من أربعة أطواق، وثلاثة قباب، ومزيّن بألوان مختلفة، وفي داخل المسجد توجد أروقة جميلة، مضافاً إلى منظرها الرائع فإنها في فصل الصيف تدخل منها نسائم الهواء العليل.
لستة أمتار من ارتفاع الإيوان، البناء عادي، ومن بعدها إلى أعلى نقطة فيه تبدأ النقوش الجميلة المختلفة. كل طرف من طرفي الإيوان توجد ثلاثة أواوين صغيرة (المجموع: ستة أواوين) تنفتح على رواقين مسقوفين على جانبي الإيوان، ويعرف أحد هذين الرواقين بالرواق الشتوي، وهو اليوم مغلق. وبمساعي الحاج سيد معصوم قهستاني إمام جماعة المسجد وبذل المحسنين في قاين جرت تعميرات عام 1330 في الرواق الشرقي للإيوان.
وعلى الزاوية الغربية من الإيوان يوجد منبر خشبي كبير مشابه لمنبر مسجد «كوهرشاد»، وقد كتبت عليه هذه العبارة: «من عمل محمد مقيم بن الأستاذ محمد ولي بن الأستاذ حافظ بن الأستاذ حسن علي كاخكي في شهور سنة اثنين وثمانين بعد الألف».
وهذا المنبر يعتبر من المنابر ذات القيمة العالية، وقد نقشت على مدرجاته نقوش غاية في الجمال والروعة.
أحمد أحمدي
قبة الإمام علي (ع)
تقع آثارها شمال مدينة (عانة) في العراق وتبعد عنها حوالي ثمانية كلم بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات. وقد أقيمت تذكاراً لإقامة الإمام علي عليه السلام في طريق عودته من معركة صفين. وتسمى أيضاً مشهد الإمام علي. وفي موقع المشهد وحواليه توجد خرائب لبلدة لا تقل سعة عن مدينة عانة، ازدهرت في زمن العقيليين والأتابكة من بعدهم. ولم يبق منها في بداية القرن التاسع عشر الميلادي سوى مسجدها. أما الطريق من عانة إلى حديثة فلا يخلو من القبب الإسلامية القائمة على امتداد نهر الفرات، ومنها قبة الإمام علي في قرية المعاضيد إلى الجنوب من آثار الخليلية.
ولعل المشهد عُمّر على عهد الحمدانيين (293 ـ 367 هـ) الذين اتخذوا من الموصل مركزاً لدولتهم، ثم عُمّر على عهد دولة بني عقيل في الموصل (380 ـ 489 هـ) وهم كأسلافهم الحمدانيين كانوا من الشيعة، وقد عنوا بتعمير مشاهد الأئمة عليهم السلام، بل امتدت إليها دولتهم على طول نهري دجلة والفرات. ومن بين تلك المناطق عانة، فقد شيدوا فيها منارة عانة وعمروا مشهد علي.
القبسات
كتاب لمير محمد باقر الداماد يضم بحوثه ونظرياته الفلسفية. وهو عندما يتحدث عن (حدوث العالم) يتحدث عن نظريته الخاصة الناشئة عن الاعتقاد بالحدوث الدهري وعلاقتها بمفهوم (الإبداع) والإبداع، مصدر على وز إفعال من فعل «بَدَع» بمعنى الخلق الأول او المطلق لا على مثال. وقد وردت هذه المادة مرّتين في القرآن بشكل «بديع» بمعنى مُبدِع، ومرّة على شكل «ابتدعوا» بمعنى أوجدوه من أنفسهم: … بديع السموات والأرض… (البقرة/ 2/127، الأنعام/ 6/101)، … ورهبانية ابتدعوها… (الحديد/ 57/27). ففي الحالتين الأوليين وردت «بديع» بمعنى خالق، أما كلمة «الخلق» فقد وردت في القرآن بصيغها المختلفة لتؤدي معنى الإيجاد ولا شك في أن هناك اختلافاً في الوحي الإلهي بين الخلق الأول، واستمرار الوجود، وإعادة الوجود… إنه يبدء الخلق ثم يعيده… (يونس/410، وأيضاً 34).
أما كلمة «الإبداع» باعتبارها اصطلاحاً فلسفياً فقد استعملها الفلاسفة المسلمون عامة، ولا سيّما الشيعة، والمفكّرون من أمثالهم، وكان أقل استعمالاً لها أهل الكلام ولا سيّما المعتزلة الذين كانوا يستفيدون على الأكثر من اصطلاحات، الخلق والإيجاد والتكوين (الشعري، 363، 365). وكذلك لا تبدو كلمة «الإبداع» في كتابات الأشاعرة، الأولى، فالأشعري نفسه لم يتطرّق البتة إلى كلمتي الإبداع أو المُبدع في مسألة إثبات وجود الباري تعالى. ولكن كلمة الإبداع ومشتقاتها ما لبثت أن دخلت في الفترات التالية في آثار هذه النحلة، فعبد الكريم الشهرستاني يقول مثلاً في أهم آثاره الكلامية، نهاية الأقدام في علم الكلام: «إن مذهب اهل الحق بين جميع الشعوب أن العالم محدث ومخلوقٌ، والله تعالى أحدثه وأبدعه [أي] كان الله تعالى ولم يكن معه شيء. وكانت جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة توافقه في هذه العقيدة (ص 5). ويقول في موضع آخر من هذا الكتاب: «ليس العالم إلاّ موجده ومبدعه بقبليّة الإيجاد والإبداع، لا قبليّة الإيجاب بالذات وقبليّة الزمان. كما ليس فوق العالم إلا مبدعه فوقية الإبداع والتصرف، لا فوقيّة الذات ولا فوقيّة المكان (ص 53).
ونجد من ناحية أخرى أن أول مصدر وردت فيه كلمة الإبداع هي أحاديث أئمة الشيعة عليهم السلام، ومنها حديث للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، يتعلّق بمسألة الخلق، ويلقي بعض الضوء على مفاهيم كلمتي الصنع والبديع القرآنيتين، حيث يقول: «إنّ معنى الإبداع والمشيئة والإرادة واحد بأسماء ثلاثة، أول إبداعه وإرادته ومشيئته الحروف، والتي هي أصل كل شيء ودليل كل مُدرّك… ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عادتها فعلاً منه، كقوله عزّ وجلّ: كن فيكون: و«كن» منه صُنع. فالخلق الأول من الله عزّ وجلّ الإبداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حسّ». والمير داماد من خلال دراسته لمسألة «حدوث العالم» المهمّة والمثيرة للاختلاف بين الفلاسفة منذ عهد اليونان القديم فما بعد (ولا سيما التحقيق حول عقيدة أرسطو في ظهور العالم ومقارنتها بعقائد أفلاطون والفلاسفة الآخرين والدفاع عن أرسطو مقابل الذين يقولون إنه يعتقد بقدم العالم) يتحدّث ـ كما قلنا ـ عن نظريته الخاصة الناشئة عن الاعتقاد بالحدوث الدهري، وعلاقتها بمفهوم الإبداع، ويستند إلى ما جاء به أرسطو في كتابه طوبيقا (توبيكا) [أي الجدل]، الذي يعتبر فيه مسألة حدوث العالم وقدمه جدلية الطرفين (أي مسألة يمكن أن تصنع لطرفيها قياس مركّب من المقدمات الذائعة، لفقدان الحجة البرهانية في كلا الطرفين) (ص 24 ـ 25؛ قا: أرسطو، طوبيقا، الكتاب الأول، الفصل 11، 9 ـ 1 ب 104؛ ابن سينا، الشفاء، المنطق، الجدل، 76). ويعدد اختلاف النظريات حول ذلك من جهة «الحدوث الذاتي والدهري» ويقول: إذ يتّضح أن أساس النزاع هي مسألة الحدوث الدهري فقط، ثم يبيّن عقيدته قائلاً: عندنا كل حادث ذاتي حادث دهري أيضاً، والحدوث الذاتي والدهري مختلفان في المفهوم ولكنهما متلازمان في التحقّق. أما الحدوث الزماني فهو خاص بمتعلقات الإمكانات الاستعدادية في الأمور الهيولانية. وفيض الخالق الفعّال جلّ سلطانه في الدهريات هو الإبداع والصنع وفي الحوادث الزمانية هو الإحداث والتكوين. ويقول: كل حادث دهري حادث زماني أيضاً. والحدوث الدهري والزماني متلازمان في التحقق ومختلفان في المفهوم، والحدوث الذاتي في التحقق أعم منهما لأنه يضم جميع الممكنات؛ وتأثير الجاعل الفياض إبداع في الأزليات وصنع في الكيانيات (مير داماد، ن.م، 24 ـ 27). ويتحدّث مير داماد في كتابه الآخر جذوات الذي ألفه بالفارسية عن مسألة حدوث العالم وقدمه بالتالي الإبداع ويقول: «التأثير الذي هو عبارة عن الإفاضة والجعل والإيجاد ينقسم في مذهب الراسخين من العالم والإلهيين الحكماء في الحكمة اليونانية والحكمة اليمانية إلى أربعة أنواع: الإبداع والاختراع والصنع والتكوين. الإبداع والاختراع يتعلقان بالحوادث الدهرية التي فيهما الحدوث الذاتي والحدوث الدهري. والصنع والتكوين يتعلقان بالحوادث الزمانية الموصوفة بأنواع الحدوث الثلاثة جميعاً: الحدوث الذاتي والحدوث الدهري والحدوث الزماني، والإبداع جعل جوهر الماهية وإخراج أيس الذات من كتم ليس المطلق الذاتي وعدم الصريح الدهري. من غير سبق مادةٍ ومدة أصلاً، لا سبقاً بالزمان ولا سبقاً بالدهر ولا سبقاً بالذات؛ وهذا لا يكون إلا في القدسيات التي تفارق المادة وعلائق المادة… وليس الإبداع إلا [تأييس] أيس عن ليس المطلق بحسب الحدوث الذاتي لا غير» (ص 76). ويرى مير داماد ـ حسب قوله أن الإحداث يستوعب الأنواع الثلاثة. ويضيف: «مطلق الجعل والإفاضة أو الإحداث الدهري وهو ينقسم إلى الإبداع والاختراع؛ أو الإحداث الزماني وهو التكوين، وقد اتخذنا الصنع مقابل التكوين تارة ويشمل الإبداع والاختراع، وتارة خصّصناه بالتكوين. ولكن اعتبار الإحداث في الدهر، لا باعتبار الإيقاع في الزمان، والإبداع بالاتفاق أفضل الأنواع».
القدس[607](*)
تقع مدينة القدس على خط عرض 31 درجة شمالاً، وخط الطول 35 شرقاً، وعلى بعد 65 كيلومتراً من ساحل البحر المتوسط، ونحو 40 كيلومتراً من نهر الأردن، وترتفع عن سطح البحر المتوسط 750 متراً، وعن سطح البحر الميت 1150 متراً، وهي حلقة من سلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب فوق القمم الجبلية للمرتفعات الفلسطينية وترتبط بطرق رئيسية تخترق المرتفعات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وهناك طرق عرضية تقطع هذه الطرق الرئيسية لتربط وادي الأردن بالساحل الفلسطيني.
وأهمية الموقع الجغرافي للقدس هو جمعها بين ميزة الانطلاق الذي يكفل حماية المدينة، وميزة الانفتاح الذي يمنح المدينة إمكان الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة، فضلاً عن مركزية موقع القدس على سواها من المدن العربية الفلسطينية بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجي.
بلغت مساحة القدس قبل عام 1948: 39.3 كيلومتراً مربعاً منها 9.3 كيلومترات مربعة هي مساحة القدس القديمة ملك منها اليهود حتى العام المذكور، بطرق شتى، 4 في المئة والباقي ومقداره 30 كيلومتراً مربعاً وهي مساحة القدس الغربية، ملك منها اليهود 17 في المئة فقط، وبعد عدوان حزيران 1967 أصبحت السلطات الصهيونية تملك نحو 84 في المئة من عقارات القدس، وحوالى ثلثي المساحة الكلية منها وأشارت مصادر أخرى إلى أن مساحة مدينة القدس كانت قدرت عام 1945 على النحو الآتي:
أولاً: 868 دونماً داخل السور.
ثانياً: 18463 دوماً خارج السور.
ثالثاً: وبذلك يصل المجموع إلى 19331 دونماً.
رابعاً: يملك العرب منها في العام المذكور 11191 دونماً تمثل 58 في المئة، في حين يملك المستوطنون اليهود 25 في المئة، أي حوالى 2835 دونماً، وشكلت الطرق والميادين وغيرها 17 في المئة أي حوالى 3035 دونماً.
ونتيجة الحرب العربية ـ الإسرائيلية عام 1948 واحتلال الجزء الغربي من مدينة القدس في العام المذكور، جرى تبديل في التوزيع المذكور إذ أن اتفاق رودس بين الأردن وإسرائيل في 3/4/1949، وفي المادة الخامسة، الفقرة «ب» منه إشارة إلى خطوط الهدنة منذ 30/11/1948، والتي قسمت على النحو الآتي:
أولاً: القدس الشرقية تحت السيادة الأردنية ومساحتها 2220 دونماً.
ثانياً: القدس الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1948 ومساحتها 16261 دونماً.
ثالثاً: مناطق محرمة (أمم متحدة) ومساحتها 85 دونماً.
وبعدما أعلنت السلطات الإسرائيلية ضم القدس الشرقية في 30/7/1980، سعت إلى الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الضفة وضمها إلى القدس. فقدرت مساحة المدينة قرابة 108 آلاف من الدونمات، ثم توسعت إلى القدس الكبرى حتى وصلت مساحة المدينة إلى 123 ألف دونم. وهناك مخططات استيطانية (لم يكتب لها النجاح) لرفع نسبة أراضي القدس الشرقية وحدها لتصل إلى ربع مساحة الضفة قبل البدء في مفاوضات الحل النهائي التي تشمل المفاوضات على القدس. فضلاً عن ذلك جرت محاولات إسرائيلية حثيثة لتطبيق سياسة سكانية مبرمجة لتهويد القدس خلال السنوات المقبلة، وذلك في سياق سياسة ديموغرافية اعتمدت أساساً على طرد أكبر عدد من العرب الفلسطينيين من المدينة بحجج مختلفة، وجذب أكبر عدد من المهاجرين اليهود، وخصوصاً من دول الاتحاد السوفياتي السابق إليها.
التطورات الديموغرافية في المدينة
وأثر السياسة الصهيونية
لم يكن لليهود وجود سكاني يذكر في مدينة القدس، منذ قام الأمبراطور الروماني تيتوس بتشتيت بقاياهم في العام 70 ميلادي وكان الصليبيون عند استيلائهم على القدس منعوا اليهود من الإقامة فيها، ولكن صلاح الدين الأيوبي بعد فتحه القدس دعاهم إلى العودة إليها واستيطانها وبناء كنيس ومدارس. (معجم الفلاسفة ص 232).
ويقول جورج طرابيشي في معجم الفلاسفة ص 32: بعد أن فتح صلاح الدين القدس استحصل ابن ميمون لأبناء ملته (اليهود) على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصفة عامة. وعندما زار الحاخام يهودا الحريزي القدس سنة 1216 (مات صلاح الدين سنة 1193) وجد فيها جماعة يهودية معتبرة مكونة من مهاجرين من فرنسا والمغرب وسكان عسقلون السابقين (Ejudiea, 14/669) وهكذا يكون صلاح الدين الأيوبي هو أول من فتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين.
وصلاح الدين هو واحد من حكام مسلمين نادرين تحدثت عنهم (الموسوعة اليهودية) بامتداح مطنب.
العام 1267 ومع دخول فلسطين في العهد العثماني عام 1516، بدأ مجموع اليهود يتزايد في مدينة القدس، وتحت وطأة تأثير الضغوط الاقتصادية والمادية التي تعرض لها عدد من الدول الأوروبية خلال عقودها الأخيرة، بلغ عدد اليهود في القدس عام 1525، أي بعد أقل من عشر سنين من الإدارة العثمانية ستة آلاف يهودي. وأخذ الوجود اليهودي في المدينة بالتزايد خلال السنوات التالية، إلى أن عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 فاحتل موضوع استيطان وتهويد القدس من أجل زيادة مجموع اليهود، مكانة الصدارة في البيان الختامي للمؤتمر، ومنذ ذلك التاريخ سعت المنظمات الصهيونية المنبثقة من المؤتمر الصهيوني كل ما بوسعها لإيجاد واقع جديد في القدس في سياق سياسة سكانية صهيونية مدروسة تخدم الأهداف الأساسية للحركة الصهيونية، وبخاصة إقامة الدولة اليهودية المنشودة بمادتها البشرية الكافية للاستمرار في تنفيذ الحلقات التالية للمشروع الصهيوني، وقد وصل مجموع اليهود في مدينة القدس نتيجة النشاط الصهيوني إلى 28122 يهودياً، يمثلون 61.09 في المئة من إجمالي سكان المدينة عام 1898، والبالغ 45430 نسمة (كما هو موضح في الجدول رقم 1). وكان لوعد بلفور عام 1917 وفتح بريطانيا كونها الدولة المنتدبة على فلسطين أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها، بالغ الأثر في زيادة مجموع اليهود في مدينة القدس، إذ وصل مجموعهم إلى 51.2 ألف يهودي عام 1931 يمثلون 56,6 في المئة من إجمالي مجموع سكان المدينة. وما لبث أن ارتفع مجموع اليهود ليصل إلى 84 ألف يهودي يمثلون 97 في المئة من إجمالي سكان القدس الغربية بعد أيار 1948. وقد كان لطرد العصابات اليهودية نحو 100 ألف عربي من الجزء الغربي المحتل والقرى المجاورة عام 1948 بالغ الأثر في رفع نسبة اليهود في هذا الجزء حتى 1967، وهو العام الذي احتلت فيه إسرائيل الجزء الشرقي من المدينة. وبدأت الإحصاءات الإسرائيلية تشمل العرب في الجزء المذكور من إجمالي سكان مدينة القدس بشقيها الشرقي والغربي. لذلك بدأت نسبة اليهود تتراجع، بسبب الزيادة الطبيعية للعرب والتي تتعدى 3.5 في المئة، فضلاً عن توسع مدينة القدس الذي تستهدف السلطات الإسرائيلية منه ضم أكبر عدد من أراضي القرى بحيث تشكل مساحة القدس الكبرى في نهاية المطاف أكثر من ربع مساحة الضفة الفلسطينية قبل البدء في مفاوضات الحل النهائي كما كانوا يخططون. وتعتبر مدينة القدس مركز جذب لليهود، وقد ساعدت في ذلك الموازنات الإسرائيلية لتهويد القدس التي بات يقطن فيها في نهاية عام 1998 نحو 11.1 في المئة من إجمالي مجموع اليهود في فلسطين والبالغ عددهم، حسب معطيات مكتب الإحصاء الإسرائيلي، نحو 4.8 ملايين يهودي.
وتبعاً للاتجاه العام لمعدل النمو السكاني العربي والسياسات السكانية الإسرائيلية في مدينة القدس، فمن المحتمل أن يصل مجموع سكان المدينة إلى 817 ألفاً سنة 2010 منهم 73.2 في المئة يهوداً.
وبالنسبة إلى مستقبل القدس ديموغرافياً، فإن السياسات السكانية الإسرائيلية تستهدف إحداث هيمنة ديموغرافية يهودية مطلقة، بحسب تصريحات أصحاب القرار في إسرائيل. وقد أوضح آرييل شارون الذي تولى حقيبة وزير البنى التحتية ووزير الخارجية في حكومة بنيامين نتنياهو ـ أوضح في أكثر من مناسبة أنه «يحب أن تكون في القدس، العاصمة الأبدية لإسرائيل، غالبية يهودية، ونحن نسير ومن رؤية بعيدة المدى بحيث يكون في القدس الكبرى مليون يهودي».
ومن الناحية العملية وضعت مخططات إسرائيلية تستهدف جعل اليهود أكثرية ساحقة في القدس الشرقية المحتلة عام 1967، بحيث تعتمد الزيادة المقترحة لليهود في المدينة على استيعاب اليهود القادمين من الخارج عبر الهجرة اليهودية الكثيفة، جنباً إلى جنب مع الزيادة الطبيعية لليهود، وستواكب هذه الزيادة لليهود في مدينة القدس، سياسات إجلائية للعرب منها إبطال شرعية إقامتهم في مدينتهم من خلال اتباع الحالات الآتية:
1 ـ إذا عاش الفلسطيني خارج القدس سبع سنوات متتالية.
2 ـ إذا حصل على جنسية أخرى.
3 ـ إذا سجل إقامته في بلد آخر.
وتبعاً لهذه الحالات فإن المصادر الإسرائيلية تقدر عدد العرب في القدس المعرضين لفقدان بطاقة الهوية العائدة إليهم بنحو 50 إلى 60 ألف عربي، وهذا يعني ترحيلهم من مدينة القدس أو إبقاءهم خارجها. واللافت للنظر ان كل الإجراءات الإسرائيلية لترحيل عرب القدس وضعت وفق أحكام القانون الإسرائيلي الدقيق والمخطط سلفاً. فصاحب الأرض، وفقاً لنسق تطور الملكية والسكان، معرّض في أي لحظة لسلبه حقه وإقامته، بينما يكفي اليهودي القادم من دول العالم المختلفة إعلان نيته القدوم إلى فلسطين حتى يصبح مواطناً في القدس، ولا يفقدها حتى وإن غاب 7 سنوات أو سبعين سنة أو حمل جنسية أخرى على نقيض العربي صاحب الأرض الذي تفرض عليه قوانين إسرائيلية جائرة، لسلبه أرضه وتهويدها بكل الوسائل، وبخاصة عبر مصادرة المزيد من الأراضي في القدس وبناء المستوطنات عليها لتلفّ المدينة من كل الاتجاهات وتعزلها عن بقية المدن والقرى في الضفة الفلسطينية.
ونترك الكلام بعد هذا للأستاذ عبد الوهاب الراوي:
إن الاسم الأول الكنعاني للقدس يروشالم، ولفظة يرو تعني مكان، وشالم السلام، فهي مدينة السلام.
وخصصها الله تعالى بإسراء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(1)﴾ [الإسراء آية: (1)].
وخلال عمر القدس البالغ حالياً 5000 سنة تقريباً، كان العرب والمسلمون لهم الأمد الأعظم في الهيمنة على هذه المدينة التي أصبحت هُويتها موضع جدل في الوقت الحاضر، بخاصة اعتبارها جزء من «الأرض الموعودة» كما تدعي الصهيونية. ولغرض سياسي بهذه المدينة، حرص الكهّان اليهود على التأكيد عليها وتكرار ذكرها عند كتابة العهد القديم: وأورشليم هي التسمية الغالبة في كتب العهد القديم وهي مستقاة من يروشالم تسميتها الكنعانية الأصلية. وتكرر ذكر لفظة أورشليم 909 مرات ولفظة المعبد (هيكل سليمان) 279 مرة في كتب العهد القديم، مع أن تسمية أورشليم لا تجد لها ذكراً في أي من كتب التوراة الخمسة الأولى (تكوين، خروج، لاويين، عدد، تثنية).
والكلام عن القدس وتاريخها يجرنا إلى حكاية «الأرض الموعودة» التي طالما ادعى الإسرائيليون بها سواء في كتابهم التوراة أو في وسائلهم الإعلامية. وهم يعتبرون القدس جزءاً من تلك الأرض: فتقول التوراة في مواضع ما معناه أن الرب قطع وعداً لبني إسرائيل بأن يعطيهم أرضاً يعيشون فيها. يرد نص هذا الوعد بدءاً بالكتاب الأول من التوراة (تكوين) كالآتي: «في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام (إبراهيم) ميثاقاً قائلاً: لنسلِك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (تكوين 15: 18). ويتكرر هذا الوعد بصيغ مختلفة في كتب التوراة الآتية: (17: 8، 28: 13) و(خروج 3: 8، 6: 2 ـ 4) و(عدد 13: 1) و(تثنية 1: 7 ـ 8). وتتفق هذه النصوص في المعنى «أرض موعودة من الرب للإسرائيليين»؛ بينما تختلف في الصياغة لأنها وضعت من مؤلفين مختلفين عبر تاريخ التوراة ويتفق اليوم معظم علماء التوراة ومعهم «دائرة المعارف اليهودية» بأن التوراة (الكتب الخمسة الأولى: تكوين، خروج، لاويين، عدد، تثنية) هي من وضع أربعة مؤلفات: اليهوي، الإلوهيمي، الكهنوتي، التثنوي. وتعود أزمنة هذه المؤلفات إلى قرون ما قبل الميلاد هي على التوالي: 9، 8، 7، 6/5. ولفظة يهوي مستمدة من يهوه أي الرب الإله القديم للإسرائيليين والوهيمي من إلوهيم أي الله وكهنوتي من كهنة اليهود وتثنية أي الناموس الثاني. فإذاً أصل التوراة هي هذه المؤلفات الوضعية الأربعة التي اعتمدت في التدوين على النقل الملفوظ لتراث التوراة من جيل لآخر، إضافة إلى مؤلف خامس اليهودي ـ الإلوهيمي هو توحيد لنصوص يهوية مع نصوص إلوهيمية، وضعه الكهان أثناء الأسر البابلي لمنع التعارض وتحسين الصياغة، علاوة على مؤلفهم الكهنوتي. ومعظم النصوص الخاصة بـ«الأرض الموعودة» هي من وضع المؤلف الكهنوتي» في القرن 6 ق.م. في فترة السبي البابلي، بخاصة الفصل 17 من كتاب تكوين الذي فيه التفصيل عن العهد.
ويلاحظ ان لبنان أضيف على النص، ولم يذكر في النص الأول لوعد الرب لإبراهيم. ويبدو أن كتاب التوراة، كما اتوا على كتاب ليكتبوه بأيديهم، يضيفوا على النص ما نسوه عند كتابتهم النص السابق، ولكن لبنا لم يكن موجوداً أيام نزول التوراة على موسى نحو نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وبمراجعة عشر خرائط للشرق الأدنى القديم للفترة 1250 ـ 63 ق.م، من كتاب «تاريخ إسرائيل» لجون برايت وثماني خرائط قديمة أيضاً للفترة 1100 ـ 28 ق.م. من أطلس الكتاب المقدس لراند مكناني، لم يذكر لبنان فيها. وقبل فترة التوراة الأولى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، كان الفينيقيون هم الذين قطنوا الأرض التي سميت باسمهم، مملكة فينيقيا، وليس لبنان، ذلك منذ قدومهم إلى الأرض نحو 3000 ق.م. ولغاية عام 64 ق.م. عندما ضمت الأمبراطورية الرومانية فينيقيا إلى سوريا التي كانت تحت سيطرتها، فأتى إسم سوريا الكبرى.
وفي عهد رمسيس الثاني قبل خروج موسى وقومه من مصر، غزى فينيقيا واستولى عليها حتى حدود نهر الكلب. وكان رمسيس الثالث (1198 ـ 1166 ق.م). حكم فينيقيا مجيئ شيشنف منشئ السلالة حتى الثانية والعشرين. ومن بعد الاستيلاء المصري لفينيقيا (وليس لبنان)، حكم فينيقيا كُورُش الملك الفارسي واتخذ صيدا مقراً له، ثم الاسكندر الكبير الذي حاصر مركزها صور لثمانية أشهر ثم باع سكانها عبيداً.
فلبنان، لم يظهر إلى الوجود ككيان ونظام اجتماعي وسياسي خاص به حتى الفترة ما بين القرنين 15 و18 ميلادي؛ فيتضح من هذه الحقائق التاريخية مدى الخلط والتشويه الذي وقع به الكهنة اليهود عندما باشروا بكتابة كتاب تثنية، في زمان بعيد عن زمان توراة موسى، ثم راجع الماسوريون (التقليديون كتاباتهم لتصويبها وتعديلها في ضوء المعلومات المستجدة، ذلك من القرن السادس وحتى القرن العاشر الميلادي.
ويلاحظ من نصوص، «الأرض الموعودة» أن الرب يهوه متضامن ومتكافل مع «أبنائه» اليهود، عليهم أن ينفذوا أوامره باغتصاب أرض الغير وطرد أهلها الشرعيين وتعذيبهم؛ بل وارتكاب المجازر فيهم وفي بهائمهم، وحرق زرعهم وأشجارهم، كما في روايات كتاب يشوع فيما حل من تدمير كامل لمدن كنعان، ودحضها علم الآثار، فما فعله يشوع وأتباعه بكنعان، وما فعلته جماعة موسى بمديان، بحسب نص التوراة، كأنما رب بني إسرائيل رب مخرب هَولي رهيب وسفّاح متعطش لدماء البشر من غير الإسرائيليين ـ روايات لا يمكن أن تتفق مع أي عرف حضاري. فاقرأ مثلاً ما نصه كتاب عدد من التوراة في هذا المقام حول مجزرة مديان: «فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. وقال لهم موسى هل أبقيتم كل أنثى حية..؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال». (عدد 31: 7، 9 ـ 10. 15، 17). ويأمر الرب صموئيل، كما أمر من قبله يشوع وموسى، بأن يوعز إلى شاول (يُقال هو أول ملك للإسرائيليين)، يبيد العماليق عن بكرة أبيهم: «والان اسمع صوت الرب. هكذا يقول الرب رب الجنود. إني افتقدت ما عمل عمليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن إذهب واضرب عماليق وحرموا كل ماله، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً» (صموئيل أول 15: 3).
وبالمقابل، اقرأ صوت الله في القرآن الكريم: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة آية: (32)].
ومن ضمن سياسة الاعتداء على الغير التي اعتمدها رب بني إسرائيل لهم، يحثهم على طرد الشعوب من أرضها، ويطلق لهم الحرية الكاملة باجتياح ثم اغتصاب أي أرض يختارونها كما جاء في كتاب تثنية: «يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم فترثون شعوباً أكبر وأعظم منكم كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم. من البرية ولبنان. من النهر نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم. لا يقف إنسان في وجهكم. الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورُعبكم على كل الأرض التي تدوسونها كما كلمكم» (تثنية 11: 223 ـ 35).
فيعني النص أن الأرض كلها ملك بني إسرائيل، ولا يمكن أن يقف إنسان في طريق اغتصابهم لأرض الغير لأن الرب معهم فأرض فلسطين وأراضي الشرق الأدنى من حولها ساحة مفتوحة أمامهم وويل لإنسان من اعتراضهم، فهم جبارون يُرهبون عباد الله في أرضه: هم شعب الله المختار. هم أولياء على دين إبراهيم الذي لم يكن يهودياً ولا نصرانياً. وفي توراتهم يعتبرون إبراهيم جداً لهم وليس لغيرهم ولكنهم قد أخطأوا في الاعتبار، لأن إبراهيم حقيقة لم يكن جد بني إسرائيل وحدهم: فمن إبنه البكر اسماعيل تحدرت عدة شعوب. ومن قطورة زوجة إبراهيم الثالثة تحدرت منها شعوب أيضاً. وكان لإسحاق ابن ابراهيم ولدان توأمان يعقوب وعيسو الذي تسمى فيما بعد أدوم وهو جد الأدوميين. ومن يعقوب الذي تسمى فيما بعد إسرائيل تحدرت منه قبائل أو أسباط بني إسرائيل.
ولا نجد في القرآن الكريم ذكراً للفظة القدس؛ إنما تكرر أربع مرات ذكر لفظة (رُوحُ القُدُس) أي جبريل. على حين جاء ذكر لفظة [الأرضَ المُقَدَّسَة] مرة واحدة فقط في سورة المائدة 21. فجاءت هذه الآية كي يحرّض موسى بني إسرائيل على الجهاد في سبيل الله، بدخول الأرض المقدسة، أي المطهّرة، ليقاتلوا قوماً جبارين «يعكفون على أصنام لهم» اتخذوها آلهة لهم، يقال كانوا من العمالقة. (ابن كثير والقرطبي): ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)﴾ [المائدة آية: 21 ـ 24].
[يا قَوْم ادْخُلُوا الأرضَ المُقَدَّسَةَ]. والسؤال ما المقصود بـ[الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ]؟
اختلف المفسرون في تحديدها: فابن كثير مثلاً يقول: الأرض المطهرة؛ وقال ابن عباس هي الطور وما حوله وكذا قال مجاهد وغير واحد. وقال المفسر القرطبي: «المقدسة: معناه المطهرة من القحوط والجوع ونحوه. ويفسر عُلماء آخرون بأن المقصود بـ[الأَرْضَ المُقَدَّسة] أي أرض يقع فيها الجهاد في سبيل الله فهي تكسب قُدسيته تعالى. ولكن رغم أمر الله تعالى بالجهاد، نكل بنو إسرائيل فعصوا وخالفوا أمره فعوقبوا بالنفي إلى التيه لأربعين سنة». فأمر الله تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة لنشر رسالته، وليس كما كتبت أيدي الربانيين والأحبار الإغارة على أرض كنعان وتدمير مؤسساتها وقتل أهلها من دون تمييز من نساء وشيوخ وأطفال وقتل حيواناتهم وطرد من لم تنالها يد القتل ثم سلب الأرض والاستيلاء عليها والاستيطان فيها.
مدينة القدس: هل الخلاف على شوارعها وأزقتها؟
وتقرأ من هذا القبيل هنا وهناك في كتب التوراة والعهد القديم، بخاصة كتاب يشوع. [وَلاَ تَرْتَدوا عَلَى أدْبَارِكُمْ]: أي ولا تنكلوا عن الجهاد [فَتَنْقَلِبُوا خضاسِرينَ]؛ ولكنهم نكلوا فارتدوا وعصَوا وخالفوا ما أمر موسى وفرّطوا في أمر الله.
إذاً موقع «الأرض المقدسة» ما زال غير محدد، وكان أمر الله تعالى لبني إسرائيل بأن يدخلوا «الأرض المقدسة» من أجل نشر الدعوة والجهاد في سبيلها بمقاتلة من عصى وأصر على عبادة الأوثان، واعلم بأن القرآن الكريم يخلو من نص يشير إلى أية علاقة بين بني إسرائيل وأرض فلسطين.
[فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتلا إنَّا هَا هُنا قَاعِدُون]: كان هذا هو رد بني إسرائيلَ العاجزين على دعوة نبيهم للجهاد في سبيل الله. رد المتقاعسين الخائفين. [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ]: فكانما الله تعالى ليس بربهم فيما إذا كلفهم بالقتال. وبنوا إسرائيل أخبرنا القرآن الكريم في موضع آخر حول سليقتهم حرصهم على الحياة، بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 94 ـ 96]. تحدي الله تعالى لليهود بأنهم يحبون الحياة الدنيا ويفضلونها على الحياة الآخرة.
وجاء الإسلام فجعل من المسلمين أشداء شجعاناً مندفعين بالإيمان الصادق العميق برسالة الإسلام، متفانين مطيعين لرسول الإسلام، حيث واجهوا مناسبة في الشدة مشابهة لتلك التي واجهها قوم موسى الإسرائيليين، ذلك في معركة بدر العظيمة، حين كان المسلمون قلة أمام عدوهم الكثرة من قريش، فقالوا لنبيهم صلى الله عليه وسلم: إذاً لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم: فاذهب أنت وربك فقاتلاا إنا ها هنا قاعدون؛ لكن نقول: إذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون!
وها هم على أبواب الأرض المقدسة يحرضهم موسى بأمره تعالى بالجهاد ضد قوم جبارين وثنيين، فإذ هم يرتدون على الأدبار وهو الخسران المبين. فعوقبوا بالطرد إلى التيه في البراري أربعين سنة، حائرين بأمرهم لا يدرون وجهتهم، فقضي على ذلك الجيل قضاء تاماً، كما ورد نصه في التوراة وفي القرآن الكريم: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ (26)﴾ [المائدة: 26].
وأصل التيه لغوياً الحيرة، والأرض التيهاء التي لا يهتدي فيها. ومحرمة عليهم، أي ممنوعة عليهم. فلا تأس على القوم الفاسقين: ويقول تعالى لنبيه موسى: لا تأسف فيما حكمت عليهم به فإنهم مستحقون ذلك.
ويذكر أن السياق القرآني يترك بني إسرائيل هنا، في التيه، ولا يزيد عليه تعقيباً عما جرى لموسى وقومه بني إسرائيل في التيه وبعده. أي ليس بإشارة إلى دخول الإسرائيليين أرض فسطين بعد التيه، كما ورد في التوراة.
عبد الوهاب الراوي
محاولة البيزنطيين استرداد القدس
إذا كان العاهل البيزنطي، (هرقل)، قد وقف بعد معركة اليرموك وما تلاها، على قمّة من قمم طوروس وتطلع إلى سوريا التي تمزقت فيها جيوشه، وتنهد تنهد الأسيف وقال: وداعاً، يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده…
إذا كان هرقل قد أيس من العودة إلى سوريا فإن الذين تلوه بعد ذلك بقرون لم ييأسوا من ذلك وظلوا متشبثين به هدفاً لا سيما بعد أن انفرط نظام الدولة الكبرى، دولة أعدائهم، وعادت دولاً مقسّمة تتنازع وتتقاتل، في حين كانوا هم قد تقووا واستفحل أمر بعضهم استفحالاً رأى فيه نفسه جديراً بالعودة إلى بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) تحت رايات الظفر المؤزر.
فقد جاء قسطنطين ليكابينوس، ثم تلاه الخوان، برداس فوكاس أولاً ثم نقفور فوكاس، وكل من هؤلاء الثلاثة كان يجمع إلى المطامح البعيدة، القوّة التي يرتكز عليها لتحقيق هذه المطامح، وفي رأس هذه المطامح أعظمها، أعني العودة إلى بلاد الشام واسترداد السيادة البيزنطية عليها.
ولكن تشاء المقادير أن تخلق من ذلك التمزق العربي كتلتين، تتماسك كل منهما تماسكاً محكماً، ويقود كلاً منهما قائد يجمع إلى الإخلاص، الكفاءة التي تعوز مواجهة المطامح البيزنطية.
فقد قامت في شمال إفريقيا دولة الفاطميين، وقضت هناك على الكيانات الانفصالية وجمعتها كلها في كيان واحد متلاحم. كما قامت في الوقت نفسه في شمال بلاد الشام دولة الحمدانيين، وضمت إليها ما استطاعت ضمه من الأشلاء ومضت تشق طريقها شجاعة طماحة.
فوقت كان يتعاقب على حكم بيزنطية مَنْ عَدَدْناهم من قبل، ووقت كان قسطنطين ليكابينوس يُعربد مُهدّداً متوعداً، كان على رأس الدولة الحمدانية سيف الدولة، لا ينتظر تقدم عدوه إليه، بل يتحداه في عقر داره.
ثم ياتي برداس فوكاس ويقود الجيوش مقتحماً الأرض العربية على سيف الدولة ويصمد له سيف الدولة فلا ينال برداس منه منالاً، بل يفقد في كل معركة العدد الخطير من جيشه وقواده، حتى يحيق به المصير الرهيب في معركة مرعش سنة 332 هـ (953م) فيُجرح في وجهه ويقع إبنه قسطنطين أسيراً فيمن يقع من الأسرى.
ويكبر الأمر على برداس ويبلغ به الحزن مداه على أسر ولده، فلا يجد ملاذاً لخيبته وأحزانه إلاّ الترهيب ودخول الدير.
ويأتي شقيقه نقفور فوكاس الثاني وهو أشرس الثلاثة وأعتاهم، وقد كانت مطامحه متوازية مع شراسته وعتوه. وقد سبق له قبل توليه الملك أن قهر المسلمين حين كان قائداً عاماً للقوات البيزنطية البرية والبحرية في الجبهة الغربية، فانتزع منهم جزيرة كريت سنة 350 هـ (961م).
ثم ازداد طموحاً وثقةً بالنفس بعد أن تولى المُلْك سنة 352 هـ (963م) بتزوجه ثيوفانو أرملة الأمبراطور رومانوس وإعلان نفسه إمبراطوراً. كان شعاره الوصول إلى القدس، فلقد تقدم وفتح طرطوس وخطب من على منبرها قائلاً إن هذه البلدة هي التي كانت تعوقه عن الوصول إلى القدس.
يقول الدكتور حسن حبشي في كتابه الحروب الصليبية وهو يتحدث عن الغزوات البيزنطية لبلاد الشام:
«وامتد النفوذ البيزنطي عام 975م ـ 365 هـ على طول البلاد الشامية فدفعت له حمص الجزية واستسلمت بعلبك، وأراق الأفتكين صاحب دمشق ماء وجهه إبقاء على ولايته».
إلى أن يقول الدكتور حبشي في الحديث عن الفتح البيزنطي:
«على أن موجة الفتح (البيزنطي) على حساب البلدان والإمارات الإسلامية لم تلبث أن توقفت منذ أواخر القرن العاشر واصطدمت بقوة الفاطميين الذين أمدّوا الإسلام بدم جديد وعنصر قوي يتدفق حياة ويتطلع للفتح…».
لقد اتجهت سياسة الفاطميين بعد أن امتد نفوذهم إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358 هـ (969م) إلى استعادة المدن التي استولى عليها البيزنطيون في شمال الشام ليقضوا بذلك على الأخطار التي تهدد المسلمين في هذه البلاد، وقام بتنفيذ هذه السياسة القائد الفاطمي جعفر بن فلاح الذي جهز جيشاً كبيراً لاسترداد أنطاكية من الروم، ولكن الحملات الفاطمية التي أرسلت لإجلائهم عنها، فشلت في تحقيق هذه السياسة.
وأخذ البيزنطيون يواصلون شن غاراتهم على بلاد الشام، فتقدم الأمبراطور حنا زيمسكس في سنة 975م من أنطاكية إلى حمص، ومنها إلى بعلبك. واضطرت دمشق إلى التسليم ودفع الجزية له، وواصل زحفه باتجاه القدس حتى سلمت له طبريا وقيسارية. ولكنه ما لبث أن انكفأ راجعاً أمام صمود القوى الفاطمية لحماية القدس، وسار شمالاً حيث استولى على بعض المدن الساحلية مثل بيروت وصيدا. ولما حاول الاستيلاء على طرابلس، أوقعت حامية المدينة يعاونها الأسطول الفاطمي الهزيمة بقواته. ثم اضطرت الجيوش البيزنطية إلى العودة إلى أنطاكية، وعاد الأمبراطور إلى القسطنطينية حيث توفي في اوائل سنة 976م.
الزحف الصليبي إلى القدس[608](*)
في هذا البحث عن القدس نعيد بعض ما ذكرناه في بحثنا عن الدولة الفاطمية ليتسق الكلام ولا يتقطع. الراهب الفقير الزاهد بطرس، الفرنسي المولد الذي لبس الصوف الخشن وانقطع للعبادة في إحدى المغارات، ثم عنّ له أن يترك ذلك كله ويقصد بيت المقدس لزيارة ما يعتقد أنه قبر المسيح ـ بطرس هذا يمكن أن يعتبر المحرّك الحقيقي لما عُرف في التاريخ باسم الحروب الصليبية، فإنه لما وصل إلى القدس، ورأى بعينيه أنّ قبر المسيح في أرض تخضع لحكم غير نصراني، لم يكن من همه أن يتحقق عن حقيقة هذا الحكم، وعن التزامه باحترام المقدسات النصرانية، ورعايته لرجالها، بل كان همه الإصغاء بكل جوارحه إلى البطريرك سمعان وهو يحرضه على استنفار النصرانية في أوروبا لاسترداد قبر المسيح من سلطة المسلمين. فعاد إلى اوروبا قاصداً روما حيث قابل البابا أُربان الثاني، وأبلغه تحريض بطريرك القدس، واستثار في البابا كوامنه الحاقدة، فأمره البابا بالتجوال في أوروبا محرّضاً، داعياً.
امتثل بطرس لما أُمر به وركب بغله وحمل صليبه هاتفاً في المدن والقرى، في الشوارع والأزقة، في الأديرة والكنائس، في كل مكان يمكن أن يصل إليه ببغله، أو يدخله بقدميه، منادياً بالويل والثبور، غير مقتصر على الدعوة إلى إنقاذ المكان، بل إلى إنقاذ السكان، مصوراً حالهم بكل ما يمكن أن يسعفه به خياله من صور الإذلال والاضطهاد.
فنفر الناس إليه حيث كان يحل، مُقبّلين ملابسه، متوزعين للتبرك قطعاً من إكاف بغله، ونتفاً من شعرات الذيل والقوائم، مرسلين دموعهم مُصعّدين زفراتهم، معاهدين له بتقديم ما يملكون حتى حياتهم لإنقاذ أورشليم.
وإذا كانت الحروب الصليبية تُنسب إلى البابا أُريان الثاني، وإذا كان هو المنفذ الفعلي لها، فإن دور الراهب بطرس، الذي اشتهر باسم بطرس الناسك، هو الدور الأول فيها، وهو الذي استطاع إعداد النفوس وإثارة الحفائظ، مما سهّل أمر استجابة دعوة أُربان بعد مؤتمر كليرمون)[609]( في فرنسا في تشرين الثاني سنة 1095م.
ومن الطرائف العجيبة أن بطرس الناسك هذا الذي أثار الناس ودعاهم إلى التضحية والفداء في سبيل المسيح وقبره، والذي يعتبره بعض المؤرخين الفرنسيين نبي الحركة الصليبية، إن بطرس هذا قد ولّى الأدبار منهزماً عند أول شدة نزلت بالصليبيين، وذلك عندما عنف عليهم حصار أنطاكية سنة 1098م، فتخلى عنهم بطرس وهرب.
على أنه لا بد من القول إن اندفاع البابا أُربان الثاني لم يكن اندفاعاً خالصاً لوجه النصرانية وحدها، بل لقد خالطته توجهات دنيوية، فإن البابا كان يتوجس من امتداد نفوذ النورمان)[610]( فوجد طريقة للتخلص منهم وهي إثارة حماستهم الدينية وتوجيه هذه الحماسة إلى إنقاذ قبر المسيح. في حين أن الهوس الديني وحده هو الذي كان يسير بالراهب بطرس أنّى سار.
وبعد أن توثق البابا من نفاذ دعوة بطرس إلى القلوب، وأيقن من استحواذها على النفوس، دعا إلى مؤتمر كليرمون، ولكن الاستجابة إليه لم تكن بالقدر الذي قدّره البابا، فالاكليروس الألماني كان حضوره محدوداً، وحال ملك إنكلترا بين رجال الكنيسة وبين الذهاب إلى المؤتمر.
أما المتحمس القوي الحماسة لتلبية دعوة البابا فقد كان ملك فرنسا، إذ حث شعبه بكل طبقاته على حضور مؤتمر كيلرمون. وكذلك تحمّس الجنويون البحريون للأمر وعرضوا تقديم السفن لحاجة الحملة العتيدة)[611](.
ولم يكتف البابا أُربان بمؤتمر كليرمون، بل تكررت دعواته متنقلاً في فرنسا من مكان إلى مكان عاقداً الندوات والمجامع، ملاقياً فيها الاستجابة والتلبية، بعد أن شحنت النفوس بما شحنت به من استنهاض واستثارة وحقد.
وعلينا أن لا ننسى أنه كان هناك لطبقة معينة من الشعب دافع دنيوي مضافاً إلى الدافع الديني دعاها إلى أن تكون في طليعة المُلَبّين المُستجيبين.
هذه الطبقة هي التي كان يُلزمها نظام الإقطاع السائد يومذاك بملازمة أرض الإقطاعي، فرأت في مساهمتها بالحروب الصليبية تخلصاً من هذا الالتزام، وانعتاقاً مما تعانيه منه.
مضافاً إلى ذلك ما كانت قد عانته أوروبا كلها خلال عدة سنوات متتابعة من قحط نتجت عنه مجاعات وانتشار للصوصية، مما جعل المدن والقرى تضيق بأهلها، فأسرعوا للرحيل إلى البلاد التي قال عنها كتابهم المقدس إنها تدرّ سمناً وعسلاً.
وإذا كان جمهور المسارعين هو جمهور فرنسي، فقد جاءت جماعات من إنكلترا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا، ويجمع الجميع كونهم من الطبقة الدنيا الجاهلة الفقيرة.
وهنا لا بد من القول إنه تم للحركة الصليبية أمران كان لا بد لها منهما لنجاحها، فقد استطاع البابا أُربان أن يصوغ لها ما يمكن أن نطلق عليه اسم أيديولوجيا تحدد معالمها وتبلور أهدافها، ثم ما كان قد برز من طبقة الفرسان الإقطاعيين الذين كانوا قد تطوروا وأضحت لهم خلال أحداث العصور الماضية مناقبية أخلاقية مشتركة عن الحدود السياسية سواء في الإقطاعيات أم الحكومات.
وكان البابا أُريان قد وجّه خطابه إلى هؤلاء الفرسان في كليرمون بما يشتركون فيه من سمات ونظم وأخلاق وظروف اجتماعية واقتصادية. وكان اعتماده عليهم، بل إنه لم يكن مطمئناً إلى جمهور العامة، ولم تكن به رغبة بتألبهم الجماعي على الاشتراك في الحملة، ولم تكن تخطر له مسارعتهم الحاشدة التي تمت.
ويبدو ذلك جلياً في رسالته المؤرخة في 6 تشرين الأول سنة 1096م، الموجّهة إلى أتباعه في بولوني التي يجهر فيها بأن العامة الراغبين في الاشتراك في الحملة «… أشخاص غير مناسبين، لأننا كنا نستفز أذهان الفرسان للذهاب في هذه الحملة لأنهم يستطيعون كبح وحشية المسلمين…».
والسبب الذي جعل البابا أُربان غير راغب بالعامة هو ما كان يعرفه عن فقرهم وجوعهم، متوجساً من انشغالهم بالنهب والسلب في البلاد المسيحية التي سيجتازونها، هذا فضلاً عن أنهم لم يكونوا معدين للحرب، وهو يريد من تمرّسوا بالحرب، وكان ذلك موجوداً في الفرسان الإقطاعيين.
وقد كان الفرسان عند حسن ظن البابا بهم فاستجابوا له استجابة كاملة، مدفوعين إلى ذلك لا بالعامل الديني وحده، فقد كان لهم مثلما كان لغيرهم دوافع دنيوية. فالأزمة الزراعية في جنوب فرنسا وإيطاليا التي بدأت منذ سنة 850م، ظلت تشتد حتى تفاقمت كل التفاقم سنة 1000م إلى حد شهدت معه أوروبا مجاعات رهيبة.
ولم ينس البابا أُربان الثاني في كليرمون أن يذكر الفرسان بواقع الحال حين خاطبهم فيما خاطبهم فيه: «… هذه الأرض التي تعيشون عليها محاطة بالبحر من كل جانب، تحوطها سلاسل الجبال وتضيق بأعدادكم الكثيرة وهي لا تفيض بالثروات الكبيرة، وإنما تكاد تعجز عن توفير الطعام لمن يقومون بزراعتها. وهذا هو السبب في أنكم تشنون الحرب بعضكم على بعض وتقتلون بعضكم بعضاً…».
وهكذا نرى أن البابا نفسه لم يلجأ إلى إثارة النوازع الدينية وحدها، بل جمع معها إثارة النوازع الدنيوية.
وقد كان فرسان الإقطاع في حال تؤثّر فيها إثارة هذه النوازع. ففي شمال فرنسا مثلاً كان حق الإرث محصوراً بالابن الأكبر، وفي إيطاليا وفرنسا جنوب نهر اللوار اعتمد عدم تقسيم الأرض بأشكال منوعة من الملكيات الجماعية. هذا فضلاً عن أن طبقة الفرسان كان عددها يزداد باستمرار، ومهنة الفارس الإقطاعي الأساسية هي الحرب التي كان يتدرب على أساليبها منذ صباه.
وهكذا اجتمعت لهذا الفارس، الرغبة في ممارسة مهنته، والرغبة في تملّك الأرض في البلاد المفتوحة، فأسرع إلى تلبية نداء المسيح كما صُوّر له، جامعاً معه تلبية نداء المعدة!..
تقرّر أن يكون انطلاق الحملة يوم الخامس عشر من آب سنة 1096م، وكان الأصح أن نقول الحملات، لأنّ الذين شاركوا لم يتجمّعوا في مكان واحد انطلقوا منه، بل خرجوا على دفعات من أماكن متفرقة على أن يلتقوا في القسطنطينية ثم يمضوا في حملة واحدة.
والمدة بين انعقاد مؤتمر كليرمون في تشرين الثاني سنة 1095م وبين تحديد موعد الانطلاق في شهر آب سنة 1096م كانت مجالاً للبابا أريان الثاني للتجوال في غرب فرنسا وجنوبها متنقلاً من مكان إلى مكان داعياً للانضمام إلى الحملة المنتظرة عاقداً أحياناً المجامع، وملقياً أحياناً الخطب، مرسلاً الرهبان إلى كل ناحية دعاة لحملته.
وترددت أصداء الدعوة في الأراضي الواطئة وألمانيا وغرب إيطاليا، وهبّ الفقراء الحفاة يدعون في كل مكان، فكان تأثيرهم في الجمهور أعظم وأكثر نفاذاً من تأثير الأساقفة وأمثال الأساقفة.
ومع طلائع ربيع سنة 1096م عزمت الجموع على الزحف غير منتظرة الموعد الذي حُدّد في شهر آب 1096م فمضت أول جماعة بقيادة والتر فلم يكد يبلغ بجماعته بلغاريا حتى انطلقت هذه الجماعة في السلب والنهب، فقام البلغار يهاجمون القادمين ويقتلونهم حتى ألجأوهم إلى الغابات.
وكان بين الحملات الزاحفة حملة سار فيها فوشيه دو شارتر، وهو قسيس فرنسي استجاب لنداء تخليص القدس، وقد تفرد هذا القسيس بأنه سجل الكثير من وقائع رحلته، فاستطعنا بذلك التعرّف إلى الأحداث من وصف مشاهد لها. فهو حين يتحدث عن وصولهم إلى مدينة باري في إيطاليا، ثم عزمهم على ركوب البحر، واضطرارهم للتأخر حتى انقضاء فصل الشتاء تجنباً لمخاطر هيجان البحر، حين يتحدث فوشيه عن ذلك يقول فيما يقول: «في تلك الفترة وجد كثير من العامة أنفسهم بلا معين وخشوا من الحاجة في المستقبل، فباعوا سلاحهم وخلعوا ثياب الحج ورجعوا بنذالة إلى ديارهم، ولهذا حق عليهم احتقار الله وحل عليهم الخزي والعار».
وهكذا رأينا جماعة والتر، حين طال عليهم الطريق، يلجأون إلى السلب والنهب في بلغاريا المسيحية. ورأينا هنا، الجماعة التي فيها فوشيه تستبطئ الوصول إلى الغنائم فتسرع إلى بيع سلاحها، وخلع أرديتها المقدسة والعودة من حيث أتت.
استأنفت جماعة والتر سيرها حتى وصلت القسطنطينية، فلم يسمح لهم الأمبراطور البيزنطي بدخولها وأمرهم بالانتظار خارجها حتى وصول بطرس الناسك.
وكانت قد تجمعت حول بطرس هذا جماهير شعبية غفيرة، فقيرة بائسة فيها القليل من الفرسان المحاربين، وفيها العدد الأكبر من غير المحاربين رجالاً ونساءً واطفالاً. ومضوا جميعاً من ألمانيا في 20 نيسان سنة 1096م يتقدمهم بطرس على حماره وخلفه الفرسان ثم العربات التي تجرها الثيران حاملة المؤن والأموال التي تبرّع بها الأثرياء استجابة لبطرس، ثم تلك الجموع العجيبة التي ضمّت فيمن ضمت المجرمين والأفاقين وبنات الهوى، وعندما وصلوا حدود المجر لم يعترض ملكها على عبورهم بلاده على أن لا يستفزوا أحداً. وعند حدود المجر مع بيزنطية في مدينة سملين أراق صليبيو بطرس الناسك دماء الألوف من أبناء سملين وعادت المدينة خراباً تغمرها الحرائق وتملأ شوارعها الجثث.
وبالرغم من أن نيكيناس القائد العسكري لمدينة نيش البيزنطية الحدودية كان حذراً من هؤلاء الحاملين شعار الصليب والمتسمين باسم هذا الصليب، فإن حذره لم يُنْجِ القرويين البيزنطيين من أن يحرق البطرسيون منازلهم بمن فيها من الناس، وأن يعملوا يد النهب والسلب. ولكن البيزنطيين كرّوا على جموع الناسك فقتلوا وأسروا واستطاعوا الاستيلاء على ما جمعه بطرس من تبرعات أغنياء غرب أوروبا، وآل أمر بطرس وجموعه إلى التشتت ثم عادت شراذمهم تتجمع متجهة إلى مدينة صوفيا، وفيها أبلغهم مندوب الأمبراطور البيزنطي غضب الأمبراطور اليكسيوس كومينوس لما جرى، وطلبه بأن لا يمكثوا في أية مدينة بيزنطية أكثر من ثلاثة أيام.
قبة الصخرة… من أهم وأقدم النماذج التي طبقت مبادئ الفنون الإسلامية (19\691)
وفي مطلع شهر آب سنة 1096م، كان ما تبقى من شراذم جيش بطرس الناسك قد وصل إلى أسوار القسطنطينية.
ولما تقابل الأمبراطور البيزنطي وبطرس نصح الأول الأخير بعدم التوغل في البلاد الإسلامية قبل وصول الأمراء بجيوشهم ولكن بطرس المتحمس أبى ذلك، ومضى بمن معه بعد أن فعلوا الأفاعيل في القسطنطينية سلباً ونهباً وحرقاً.
وفي آسيا الصغرى ساروا السيرة نفسها فكانت مذابحهم في مسيحييها مذابح مروّعة، ووصلت أخبار زحفهم إلى المسلمين فكان أن أعدوا لهم كميناً أوقعتهم فيه فوضاهم وجشعهم، فقتل والتر وهرب بطرس إلى القسطنطينية، وأجهز على الحملة كلها قرب مدينة قونية.
هكذا انتهى أمر ما عانى بطرس الناسك في جمعه وتكتيله مما يمكننا أن نطلق عليه: الحملة الشعبية، حملة الفقراء والفلاحين، انتهى أمرها إلى التمزق الكامل.
وفي هذا الوقت كانت أوروبا مشغولة بالإعداد لتتابع الحملات، وكان المتصدون للقيادة يجمعون حولهم طرازاً من الناس لا يختلف عمّا تجمع حول بطرس من الطبقات الشعبية الفقيرة والفلاحين، ولم يكن مصير هؤلاء بأفضل من مصير الحملة البطرسية، ولكن الإجهاز عليهم هذه المرة كان بأيدٍ مسيحية لا إسلامية. إذ ان ملك المجر (كومان) قرر الوقوف في وجه طغيانهم في بلاده فلم يثبتوا وشتتوا.
راع أوروبا ما حلّ بالصليبيين الذين اعتبروا طليعة الزحف المقدس، وشمل الحزن جميع الأرجاء وكان ذلك باعثاً على الاستكانة، بل على التوعد بالثأر للذين تمزقوا بأيدي المسلمين تحت سماء الأناضول، وارتوت بدمائهم سهول آسيا الصغرى، فتقرر الزحف العام في الموعد الذي كان قد حدد له من قبل.
وفي أواخر صيف سنة 1096م كانت جموع الفرسان متأهبة للسير إلى فلسطين. وكانت جموعاً من نوع آخر غير نوع الجموع التي احتشدت حول بطرس الناسك، كانت مؤلفة من عدة جيوش مقسّمة إمّا بناءً على الجنس أو اللغة أو الروابط الإقطاعية.
فهناك الجيش الذي تولى قيادته غودفري دي بويون المؤلف من أبناء اللورين، وشمال فرنسا والألمان وشارك في قيادته بلدوين أخو غودفري.
والجيش الذي قاده روبرت كوتهوز إبن وليم الفاتح وأخو هنري الأول ملك ودوق نورماندي، ومعه زوج أخته ستيفن كونت بلوا، وكان فيه الفرسان القادمون من غرب فرنسا ونورماندي وبعض مناطق الشمال مضافاً إليهم الفرسان الإنكليز من أتباع أخيه الملك، وكان في هذا الجيش أيضاً فوشيه الذي مرّ ذكره، والذي كتب وصفاً لرحلة هذا الجيش. والجيش الذي قاده ريمون السانجيلي كونت تولوز المؤلف من فرسان جنوب فرنسا والبروفنسال، وكان فيه إديمار أسقف لوبوي ممثل البابا.
والجيش الذي قاده هيو كونت فرمانديا شقيق ملك فرنسا فيليب الأول. وكان هذا الجيش أصغر الجيوش على أنه أولها وصولاً إلى بيزنطية، بعد أن كان أول الزاحفين، وخامس الجيوش كان الجيش الذي قاده بوهيموند النورماندي، والمؤلف من النورمان الأشداء في جنوب إيطاليا.
أما الجيش الأول بقيادة غودفري فقد اتجه من ألمانيا براً إلى القسطنطينية، وسار الجيش الذي يقوده روبرت عن طريق إيطاليا مجتازاً جبال الألب، وفي مقاطعة لوكا لقيهم البابا وباركهم، ثم ساروا إلى بوليا للإبحار منها. وقد أثار مرور هذا الجيش في إيطاليا حماسة الإيطاليين فانضمت إليه جموع منهم. وقد لقي هذا الجيش أهوالاً من عاصفة بحرية هبت عليه، ولم يصل منه إلى القسطنطينية إلاّ شراذم.
وسار جيش ريمون السانجيلي من جنوب فرنسا مجتازاً جبال الألب وسهول لومبارديا متجهاً إلى الحدود اليونانية، وقد لقي هذا الجيش مصاعب جمة في دلماسيا، وكانت رحلته مضنية في البلقان، ويعد أكبر جيوش الحملة الصليبية الأولى.
أما جيش بوهيموند النورماندي فإنه ركب السفن في البحر الأدرياتيكي، ويبدو من وصف فوشيه للرحلة أنهم خرجوا من البحر إلى البر على بعد عشرة أميال من مدينة (دايرازو) ومنها مضوا براً عبر بلغاريا.
تلاقت الجيوش كلها على أبواب القسطنطينية، فاضطرب الأمبراطور اليكسيوس كومينوس لمرأى هذا الحشد الكبير من المقاتلين الظامئين إلى الدم. وكان قد سبق له أن استنجد بأوروبا لتقيه من المد الإسلامي المتقدم في آسيا الصغرى، ولكنه لم يكن يحسب أن من يمكن أن ينجده سيكون بمثل هذه الكثافة والفظاظة، لذلك فقد عاد يفكر بِمَنْ ينجد على من حسب أنهم سيكونون المنجدين)[612](.
فأول تدبير اتخذه كان أن منع القادمين من دخول القسطنطينية، وسمح لهم بإقامة المضارب خارجها، وأذن للقادة وبعض مرافقيهم فقط بالدخول إليها.
ثم إنه منعاً لاتفاق كلمتهم عليه، تعامل مع كل واحد من القادة على حدة، واختلف هذا التعامل باختلاف الشخص وظروفه، فأغدق الهدايا حيناً، ومنع المؤن حيناً، وبرز للقتال حيناً آخر.
وبذلك استطاع أن يحملهم جميعاً على أن يقسموا يمين الولاء لشخصه، وبالرغم من العداء المستحكم بين الأمبراطور وبين الزعيم النورماني بوهيموند فقد استقبل الأمبراطور عدوه اللدود بكثير من الترحاب، ولم يلبث هذا الأخير أن أقسم هو الآخر يمين الولاء.
وكانت العقدة عند ريمون السانجيلي الذي كان يقود أكبر الجيوش، أنّه ومنذ دخوله الأرض البيزنطية لم يستقر الأمر بينه وبين الأمبراطور على حال، حتى آل الوضع مرة إلى القتال ومرة إلى المفاوضة. وبتدخل القادة الصليبيين الآخرين أقسم ريمون على أن يحمي شرف الأمبراطور وحياته، ولكنه رفض أن يقسم يمين الولاء والتبعية كما فعل الآخرون.
على أن أهم ما في الأمر هو أن الأمبراطور كان يطمح إلى عودة السيطرة البيزنطية على البلاد التي فقدتها، فوجد فرصته في وجود الجيوش الصليبية وحاجة هذه الجيوش إليه، فطالب القادة بأن يعدوه أن يعيدوا إليه جميع الأرض التي تسقط في أيديهم. فتعهدوا له بشرفهم ـ باعتبارهم فرساناً مسيحيين ـ وأقسموا بالأناجيل المقدسة برد كافة المدن والقلاع التي كانت من قبل تابعة لأمبراطور القسطنطينية بمجرد استيلائهم عليها هي وبقية الأراضي التي تمتد حتى بيت المقدس.
ونريد هنا أن نستبق تسلسل الأحداث لنرى ما آل إليه أمر هذا العهد عندما تم للصليبيين النصر.
لقد وصلتهم رسالة من الأمبراطور عندما كانوا لا يزالون في طريقهم إلى القدس، يقول فيها: «إنك تدري أنك وبقية الكونتات الإفرنج قد قطعتم يمين الولاء والإخلاص لي، وأنت يا بوهيموند أوّل من تنقضه باستيلائك على أنطاكية واللاذقية وغيرهما من المدن الأمبراطورية، فأخرج حالاً من هذه المدن إذا كنت راغباً عن إثارة حرب جديدة».
فأجابه بوهيموند: «إن الفرنجة لم ينقضوا عهدهم إلاّ لأن ألكسيس نفسه قد اخلف عهوده معه، ألم يقسم بمصاحبة اللاتين في الحرب ومشاركتهم الخطر؟ لقد صادف المسيحيون العذاب في حصار أنطاكية دون أن ينهض الأمبراطور لمساعدتهم».
الشرق الذي كان يحلم هؤلاء الغربيون بالوصول إليه أصبحوا اليوم على أبوابه، ولم يبق بينهم وبين ولوجه إلاّ خطوة واحدة. هذا الشرق الغامض المثير الذي كانت تتنازع نفوسهم في تذكره شتى النوازع؛ فمن دين ودنيا، ومن خيال وشعر، ومن أمجاد وسلطان، ومن كل ما يعتلج في نفس الإنسان!..
ها هو الآن بين أيديهم، وها هي أقدامهم تتحفز لتدوس ترابه لأول مرة! وإذا كان هذا الشرق مطمح أبصارهم ومستودع أحلامهم، فلم يكن أقل من ذلك عند الأمبراطور البيزنطي، فهو لا ينسى أبداً أن راية بيزنطية هي التي كانت تظلله، وأن أسلافه القدامى هم الذين كانوا سادته، ثم هو الان مرعوب من التقدم الإسلامي المنداح في آسيا الصغرى والذي يبدو أبداً متحفزاً للوصول إليه في عاصمته الكبرى.
لذلك فإنه بعد أن أمن شر الصليبيين واطمأن لقرب رحيلهم عنه، راح يهش في وجوههم ويبش، معانقاً لهم متقرباً إليهم، طالباً إليهم أن يكون من أهدافهم حمايته وبلاده من المسلمين، فوعدوه بأن يعيدوا إليه كل ما أخذه المسلمون من أرضه في آسيا الصغرى، وطلبوا إليه أن يتولى هو بنفسه قيادة الحملة الصليبية الزاحفة، ليظهر العالم الصليبي كله صفاً واحداً في الوصول إلى الهدف الأكبر: القدس.
ولكن الأمبراطور اعتذر عن عدم قبول هذا الطلب وأمدهم بالمرشدين والأدلاء وببعض ضباط جيشه، وواصل إرسال المؤمن والإمدادات إليهم.
ويجب أن لا ننسى بطرس الناسك الذي أهاب بجماهير العامة فاستجابت له، ثم أُبيدت أمام عينيه في سهول آسيا الصغرى، وكان من العجيب أن يسلم هو فلم يقتل في ذلك المعمعان الرهيب!
إن هذا الراهب كان يحسن الهروب، بقدر ما يحسن الإهاجة، فهو لم يكد يحس بالخطر الداهم حتى شمر عن ساقيه هارباً، لاجئاً إلى القسطنطينية تاركاً ساحة المعركة ملأى بجثث الذين أهاجهم وقادهم إلى هذا المصير المحزن، ثم سيكون أول الهاربين عندما يلمح اشتداد الأمر في أنطاكية. أما اليوم وقد رأى اجتماع الجيوش حول القسطنطينية، فقد عاودته الحماسة وارتدت إليه الشجاعة فسار مع تلك الجيوش.
يرى بعض المؤرخين أنه بالرغم من تبادل الود بين قادة الصليبيين وبين الأمبراطور البيزنطي، وتهادي الوعود الجميلة على ألسنة الجميع، فإن الأمبراطور لم يكن في أعماق نفسه مطمئناً إليهم؛ وإنه لم يكن ليتمنى لهم النصر.
ويرى المؤرخ المصري سيد علي الحريري صاحب كتاب الأخبار السنية في الحروب الصليبية الذي طبع في القاهرة لأول مرة في شهر تموز سنة 1899، يرى في الصفحة 32 من الطبعة الجديدة التي صدرت سنة 1988م «ان الأمبراطور، كان الخوف لم يزل في نفسه، فلذلك أشار على غودفري بأن يكون مسير الجيش إلى آسيا من وراء البوسفور، وهكذا سافرت العساكر الصليبية من طرق وعرة أضاعت فيها زماناً طويلاً ذهب بحماستهم».
وإذ كانت نيقية معدودة عند البيزنطيين من صميم بلادهم، فقد كان جيش منهم مشاركاً للصليبيين في حصارها. ولما عاد قلج أرسلان إليها في الواحد والعشرين من الشهر نفسه، جمع قواته وهجم بها على المحاصرين، ولكن هجومه فشل، وفي 19 حزيران كانت المدينة تستسلم للجيش البيزنطي لا للصليبيين حذراً مما اشتهر عنهم من الوحشية والفظاعة.
وسواء استسلمت المدينة للصليبيين أو للبيزنطيين فقد كان النصر في الواقع نصراً صليبياً شدّ من عزائمهم وقوى نفوسهم وحفزهم على السيرد قدماً إلى الأرض المقدسة التي ينشدون.
وقد راعى الأمبراطور البيزنطي استسلام المدينة لجيشه فحماها من النهب والسلب الذي كان يعد الصليبيون أنفسهم لهما، فأغدق على الصليبيين الهدايا والهبات تعويضاً لهم.
بعد نصر نيقية انقسمت الحملة الصليبية إلى قسمين: كان على رأس أحدهما بوهيموند ومعه تنكرد وروبرت امير نورماندي، وعلى رأس القسم الثاني ريمون السانجيلي، ومعه أديمار مندوب البابا، وهيو، وروبرت كونت الفلاندر.
وبعد الهزيمة الإسلامية في نيقية تم تحالف بين قلج أرسلان وغازي بن الدانشمند، فاصطدمت قواتهما بالقوات الصليبية، فكان النصر للصليبيين. ولم يكن هذا النصر نصراً محدوداً، بل كان في الحقيقة نصراً حاسماً فتح الطريق أمام الصليبيين، وأنهى كل مقاومة منظمة.
وحين تستعرض البلاد الإسلامية، يومذاك، وترى المدى المترامي الذي تشغله، والعدد الجم من الناس الذين تحتويهم، تعجب للهوان الذي صارت إليه حتى لا تستطيع أن تجمع جمعاً يصد هذا الجمع المتدافع إليها، وهو بالنسبة إليها القلة أمام الكثرة!
وقد وصف فوشيه الجيش الزاحف وتعدد أجناسه بقوله في الصفحة 51 من كتابه المترجم إلى العربية في طبعة 1990: «فترى من سمع خليطاً من اللغات في الجيش واحد كهذا؟ إذ اجتمع فيه الفرنجة، والفلمنجيون، والفريسيون، والجاليون، واللوبرجيون، واللوثارنجيون، والبافريون، والألمان، والنورمان، والإنكليز، والاسكتلنديون، وألأوكتبانيون، والطليان، والداشيون، والأبوليون، والأسبان، والبريطانيون، والإغريق والأرمن».
كانت وجهة الزاحفين أنطاكية. وبعد سقوط نيقية تم سقوط دوريلايوم (اسكي شهر) من السلاجقة. انفصل بلدوين عن الجيش الصليبي الرئيسي وتقدم نحو الرها واستولى عليها بالاتفاق مع حاكمها الأرمني توروس سنة 1098م وأنشأ فيها أولى الدويلات اللاتينية. ومنها تقدم الفرنج إلى سميساط وسروج والبيرة وغيرها. فقامت لهم إمارة في حوض الفرات الأعلى بين مرعش في الشمال إلى منبج في الجنوب غربي الفرات، ثم تمضي شرقي الفرات فتشمل بهنسا والرها وسروج.
وكان تمركز بلدوين في الرها تهديداً متواصلاً للموصل وما يتبعها مثل نصيبين وماردين وحران، وكذلك لديار بكر وما إليها من أعالي نهر دجلة، بل كان تهديداً أيضاً لشمال العراق كله. واعتبر بلدوين أنه حقق مهمته ونال بغيته فلم يعد يهمه ما يجري على الجيش الرئيسي الزاحف إلى أنطاكية.
وواصل هذا الجيش زحفه، وفي الحادي والعشرين من تشرين الأول سنة 1097م، كان قد بدأ حصار أنطاكية، على أنها لم تكن لقمة سائغة فقد صمدت لهم صموداً طويلاً، فعادوا وكأنهم هم المحاصرون، وفي عيد الميلاد كانت المجاعة العامة بعض ما يشكون، فقرروا تشكيل فرق للسلب والنهب مما حولهم من القرى والدساكر والبلديات الزراعية. ولكن المسلمين من العرب والأتراك كانوا قد استعدوا للخطر فحصّنوا مناطقهم، وأحسنوا حراستها، فلم ينل الصليبيون منها منالاً، كما استطاع المسلمون أن يقضوا على فرق صليبية كاملة)[613](. وهنا بدأ الهروب، وكان في أول الهاربين ستيفن كونت بلوا وبطرس الناسك.
وإذا كان بطرس هذا قد ركب في تجواله التحريضي الطويل بغلاً أو حماراً، على اختلاف الروايات ـ وإذا كان قد ركب الحمار وهو يزحف في طليعة المشاة المعمدين، ثم لا ندري ما ركب وهو يعاود الزحف مع الفرسان ـ فلا شك أنه لم يجد هنا عند أسوار أنطاكية ما يركبه، فراح يطوي الأرض طياً على قدميه، ويركض ركضاً يتلفّت معه مذعوراً إلى الوراء!
صمدت إنطاكية وكان فيها بعض الأرمن، فاستطاع بوهيموند أن يتواطأ مع أرمني منهم على فتح البرج الذي يتولى حراسته من أبراج إنطاكية.
هذه رواية، ولكنها ليست الرواية الوحيدة ونحن حفاظاً على الحقيقة التاريخية نورد ما ذكره المؤرخون من روايات غيرها: فابن الأثير في الكامل (ج 8، ص 186) يذكر أن الخائن كان زراداً اسمه «زوربة»، وابن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق، (ص 135 ـ 136) يذكر أن قوماً من أهل إنطاكية من حملة الأمير ياغي سيان من الزرادين «… عملوا على إنطاكية وواطؤوا الفرنج على تسليمهم لهم، لإساءة تقدمت منه في حقهم ومصادرتهم…».
ويذكر ابن العديم في حوادث سنة 491 هـ (زبدة الحلب من تاريخ حلب، ج 2، ص 133 ـ 134) أن ذلك الرجل كان يحمل ضغينة على ياغي سيان لأنه صادر أمواله، وفي الليل البهيم تمت الخطة فسقطت أنطاكية.
وهنا في اليوم الثاني أي في الرابع من حزيران سنة 1098م وصل كربوقا بجيشه.
كربوقا)[614]( وخيانة المهمة
يحدثنا ابن الأثير في تاريخه، (ج 10، ص 276، طبعة 1966)، عن زحف كربوقا أمير الموصل لإنقاذ أنطاكية كما يلي:
«جمع العساكر وسار إلى الشام وأقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام، تُركُها وعربها سوى من كان بحلب. فاجتمع معه دُقاق بن تتش وطغتكين أتابك، وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار وسليمان بن أرتق وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم، فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم.
«وسار المسلمون فنازلوا إنطاكية، وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة.
«وأقام الفرنج بإنطاكية بعد أن ملكوها إثني عشر يوماً ليس ما يأكلونه، وتقوّت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان)[615]( ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلاّ بالسيف. وكان معهم من الملوك: بردويل وصنجل وكُندفري والقُمّص صاحب الرها وبيمُنت صاحب أنطاكية، وهو المُقدّم عليهم.
«وكان معهم راهب مُطاع فيهم، وكان داهية من الرجال، فقال لهم: إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقيسان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق.
«وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع ومعهم عامتهم والصناع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة، ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن نقف على الباب فنقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن وهم متفرقون سهل، فقال: لا تفعلوا، أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكن من معاجلتهم. فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم.
«فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بإنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافاً عظيماً، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولاً من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، وثانياً من منعهم من قتل الفرنج. وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سليمان بن أرتق وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم».
«فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال يُنهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم، وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلباً للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفاً، وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم».
وعندما ينهي ابن الأثير كلامه هذا يشير إلى ان ما أتاحه تصرف كربوقا وخيانة القادة الآخرين هما اللذان رسّخا عزم الصليبيين على الزحف إلى القدس بعدما عراهم من اليأس والانخذال، فيقول:
«لمّا فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان».
كان ابن الأثير واضحاً في تحميل كربوقا والقواد الآخرين مسؤولية نجاح الصليبيين في اختراق بلاد الشام والوصول إلى القدس، مع اختلاف نوع المسؤولية بين كربوقا وبين بقية الأمراء والقواد.
لقد استطاع كربوقا أن يجيّش الجيوش الإسلامية ويجمع جموعها من الموصل حتى بلاد الشام، وأن يحرك العرب والأتراك وكل من هو في طريقه الطويل من شمال العراق حتى شمال الشام، وفي هذا المدى الواسع من القوى البشرية ما تتألف منه جيوش جرارة، وهذا ما كان، وما أكده ابن الأثير في عباراته الصريحة.
وهذا ما أدركه الصليبيون الذين كانوا يعانون الوهن وقلة الأقوات، كما يقول ابن الأثير، بعد تلك الرحلة الطويلة التي بدؤوها من قلب أوروبا وصولاً إلى أنطاكية.
ومما زاد في وهنهم وانخذالهم ما عانوه في حصارهم لإنطاكية، حتى عادوا وكأنهم المُحاصَرون لا المُحاصِرون. وقد كانت المجاعة قد حلت بهم لانعدام موارد القوات فيهم، فلم يجدوا سبيلاً لاتقاء الجوع سوى التحول إلى عصابات تحاول نهب القرى والمزارع، ولكن أهل هذه القرى والمزارع عرفوا كيف يصدونهم ويفتكون بهم، فدب اليأس فيهم، وبدؤوا يتسللون من جيشهم هاربين. وحين نعلم أنه كان في طليعة الهاربين الرجل الأول في الدعوة إلى إشعال الحرب الصليبية، وبطل جمع جموعها وتحريض الجماهير على الانضمام إلى جيوشها، أعني بطرس الناسك…
وحين نعلم أن الفرار من الجيش الصليبي الجائع الواهن قد تعدى العامة إلى القادة ففر أمثال ستيفن كونت بلوا…
حين نعلم ذلك، ندرك إلى أي مدى كان الصليبيون يائسين منخذلين واهنين جائعين وهم حول أنطاكية محاصرين لها.
ولولا خيانة خائن كان داخل أنطاكية لعجز الصليبيون عن دخول إنطاكية.
لقد دخلوها على وهنهم وجوعهم، وظلوا على هذا الوهن والجوع وهم داخلها، لأن أسباب الوهن والجوع كانت لا تزال قائمة، فلا مصادر للقوت تقيهم الجوع وتدفع عنهم الوهن.
وصلت حملة كربوقا إلى إنطاكية والصليبيون على تلك الحال، ووصلتهم أخبار عن ضخامة الجيوش التي أخذت تُحاصرهم لذلك قرروا الاستسلام، كما ينص على ذلك ابن الأثير.
وهذا يعني أن الحملة الصليبية قد فشلت وأن جيوشها وقوادها قد قرروا الاستسلام، وأن القدس التي كانت هدفهم قد سلمت، وانتهى أمرهم، ولم تعد تقوم لهم قائمة.
فماذا غيّر ذلك كله، وماذا أحال وهنهم إلى قوة وجوعهم إلى شبع. وماذا غيّرهم من موقف طالب استسلام إلى المهاجم المنتصر؟
إن ابن الأثير يفصل لنا ذلك بعبارات مقتضبة، فهو يقول:
«… ولما سمعت الفرنج، (بقدوم الجيوش الإسلامية الكثيفة)، عظمت عليهم المصيبة وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم».
ثم يسترسل ابن الأثير قائلاً:
«وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغبضهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة».
عوضاً عن أن تبعث كثرة الجند وضخامة الجيش في نفس كربوقا التواضع لله على أن وفّقه لقيادة مثل هذه القوة الكبرى، وعوضاً عن أن يحمد الأمراء على استجابتم لدعوته ويتألفهم ويتواضع لهم، عوضاً عن ذلك، عاد إلى طبيعته فرأى في تلك الحشود الإسلامية مجرد أتباع له، وفي أولئك الأمراء مجرد مأمورين له، فازدهاه ذلك فتكبر وتجبر وعامل الأمراء بمهانة أحفظتهم وغيرت نواياهم لا عليه وحده، بل على الموقف كله، فانقلبوا من متحفّزين لنصرة الإسلام، إلى ناوين خيانة الإسلام.
ثم يصف بعد ذلك استئنافهم الزحف ووصولهم إلى معرة النعمان)[616](.
فالأمر يلخص كما ذكر ابن الأثير كما يلي:
- كان الصليبيون داخل إنطاكية في منتهى الوهن والجوع.
- قرروا الاستسلام بلسان قيادتهم الموجودة كلها في داخل إنطاكية.
- رفض كربوقا استسلامهم وقرر دخول إنطاكية بالسيف.
- بدؤوا بالتسلل من أنطاكية فرأى المسلمون مقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتهم تدريجياً، وبالفعل بدأ ذلك المسلمون فقتلوا كل من خرج، فرفض ذلك كربوقا وجاء بنفسه يمنع المسلمين من هذا.
- كان كربوقا قد أساء معاملة الأمراء المنضمين إليه وعاملهم بمهانة.
- حقد هؤلاء الأمراء عليه وقرروا عدم القتال والانهزام من المعركة عند أول مواجهة مع العدو.
- أصرّ كربوقا على منع جمهور المقاتلين معه من تصيّد الأعداء وهم شراذم ممّا أغضب هذا الجمهور فقرروا ما قرره الأمراء من الانهزام دون قتال.
- وجدت جماعة في الجيش الإسلامي رفضت ذلك فقررت الاستشهاد تقرباً إلى الله.
فأول ما يطال كربوقا من المسؤولية في ذلك هو تنفيره قلوب الأمراء منه والاستعلاء عليهم.
وثاني ما يطاله، وهو الأخطر في الأمر، هو رفضه استسلام الصليبيين بلا قتال.
وثالث ما يطاله ـ وهو ما لا يقل خطورة عن الثاني ـ هو رفضه طلب جمهور المقاتلين عدم السماح للصليبيين بالتجمع كتلة واحدة ومقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتها.
فلماذا فعل كربوقا ذلك؟
يصعب علينا اتهام كربوقا بالخيانة، فإننا هنا لا ننسبها إليه، فتصرفاته كلها منذ أخذ يجيّش الجيوش حتى وصوله إلى إنطاكية، تدل على الإخلاص والعزم على محاربة الصليبيين.
و لكننا لا نتردد أبداً باتهامه بالأنانية وحبّ الذات وتغليبهما على كل شيء، مهما تعارض هذا الشيء مع المصلحة العامة.
إن أنانيته وحبه لذاته جعلاه يحتقر الأمراء الذين استجابوا لدعوته، ويحاول بذلك إثبات أنه هو وحده السيد المطلق الآمر الناهي، وأن هؤلاء الأمراء مجرد أتباع لا شأن لهم.
وإن أنانيته وحبه لذاته وحرصه على مجده الشخصي جعلته يرفض استسلام الصليبيين بأمان بلا قتال وخروجهم من إنطاكية ورجوعهم إلى بلادهم.
لأنه، وقد أيقن بوهنهم وحلول المجاعة فيهم، اعتقد أنه سيخوض معهم معركة سهلة يكون هو بطلها المنتصر، واستسلامهم بلا قتال سيحرمه من التباهي بالإنتصار عليهم في معركة حاسمة. وكذلك القول في منعه جمهور المقاتلين المسلمين من تصيّد الصليبيين أفراداً وشراذم، وهزيمتهم بهذه الطريقة، فإن ذلك سيحرمه من المجد الشخصي والتفاخر بالانتصار.
وهكذا فإن الأنانية وحب الذات وطلب المجد الشخصي عند كربوقا وخيانة الأمراء وجمهور المقاتلين قد حالت بين المسلمين وبين إنهاء الحروب الصليبية عند إنطاكية، وعرّضتهم لما عرّضتهم له من فجائع دخول الصليبيين للقدس فاتحين واستمرار الاحتلال الصليبي لبلاد الشام مئتي سنة، وما اقتضى ذلك من إذلال وسفك دماء.
وهذا في رأينا، وفي رأي جميع المنصفين، لا يقل جريمة في كربوقا عن تعميد الخيانة.
أما أولئك الأمراء، وأما جمهور المقاتلين، فإنهم جمعوا إلى الصفات الذميمة التي كانت لكربوقا، جمعوا إليها الخيانة الصريحة..
هذا كله يتناساه مزيّفوا التاريخ ويتجاهلونه، ويفتشون عن بريء يتهمونه وبطل يخوّنونه.
وهذا ما نأسف أن يتمسك به في هذا العصر من يقولون إنهم أكاديميون وحملة دكتوراه وأساتذة جامعيون!
هل كانت الخلافة الفاطميّة
قائمة عند دخول الصليبيين؟
من بين المصادر التي كنت أعود إليها في الحديث عن الصليبيين كانت ماهية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده قاسم. ومع أن هذا الرجل يعيش في أواخر القرن العشرين ويحمل دكتوراه جامعية فإنه لم يستطع التخلص من رواسب العصبيات، فهو يقول عند الحديث عن سقوط إنطاكية ما هذا نصه: «وفي تلك الأثناء كان تجري تغيرات هامة في الجانب الإسلامي إذ كانت الخلافة الفاطمية في مصر أفاقت من الصدمة التي سببتها الهجمات السلجوقية الأولى على أملاكها في بلاد الشام، ومن ناحية أخرى ظنّ الفاطميون أن بوسعهم الإفادة من الهجوم الصليبي. وكان صاحب السلطة الفعلية الأفضل بن بدر الجمالي وزيراً للخليفة الفاطمي المستعلي، وقد أرسل سفارة لمفاوضة الصليبيين، وهم أمام إنطاكية، على اقتسام بلاد الشام ولم تثمر هذه المحاولة شيئاً».
وهذا القول هو بعض ما يقوله المفترون لا كلّه وهو من أخف ما يقولون، فما من أحد كتب في هذا الموضوع إلاّ وحاول الدس والافتراء والبهتان.
ونحن نقول للدكتور قاسم، ولمن سبقه ولمن سيلحق به، هذا القول الموجز: هل كان هناك خلافة فاطمية قائمة عندما وصل الصليبيون إلى أنطاكية، ثم دخلوها؟
إن الدكتور قاسم نفسه يجيب على هذا السؤال. إنه هو القائل فيما تقدم من كلامه: «كان صاحب السلطة الفعلية الأفضل بن بدر الجمالي وزيراً للخليفة الفاطمي المستعلي، وقد أرسل سفارة لمفاوضة الصليبيين، وهم أمام إنطاكية، على اقتسام بلاد الشام».
إذاً باعتراف الدكتور قاسم أنه لم يكن للخليفة الفاطمي أية سلطة وأن صاحب السلطة الفعلية هو المتغلب الفضل بن بدر الجمالي لا الخليفة المستعلي، وأن الأفضل هو الذي أرسل السفارة. إذاً لماذا حشر كلمة الخلافة الفاطمية في مفتتح القول وكلمة الفاطميين في ختامه؟.
فإن كان هناك من مسؤولية فهي تقع على صاحب السلطة الفعلية مرسل السفارة، لا على الخليفة الفاطمي سجين قصره والمجرد من أية سلطة، على أن انتهاء سلطة الخلفاء الفاطميين كان قبل المستعلي، كان في أواخر عهد أبيه المستنصر. وإن من أفظع ما جاء في كلام الدكتور قاسم هو زعمه أن السفارة كانت لمفاوضة الصليبيين على اقتسام بلاد الشام.
هؤلاء الناس لا يخشون الله ولا الضمير، ولا الآخلاق، ولا شرف الكلمة، فيوغلون مدفوعين بعصبياتهم وأحقادهم السوداء، يوغلون في الافتراء والتزوير فيختلقون ما طاب لهم الاختلاق، طمساً للحق وإظهاراً للباطل!!
هكذا لخص الدكتور قاسم مهمة السفارة: «مفاوضة الصليبيين لاقتسام بلاد الشام»، هكذا لخصها، وجعل نفسه مسجلاً لمحاضر المفاوضات، وناطقاً باسم المتفاوضين معلناً أن المحاولة لم تثمر!!
هكذا وبكل بساطة قال ما قال، مدوناً في كتابه هذا الكلام الخطير، دون أن يقول لنا من أي مصدر استقاه، وعلى أي شيء اعتمد في هذا القول!! هذا إذا صح أنه كانت هناك سفارة، وهو ما لم يثبت.
إن المصدر الوحيد هو عصيبته…
وحقيقة مهمة السفارة هي ما قاله الدكتور محمد جمال الدين سرور، وهو ما ذكرناه في مكان آخر من الكتاب. والسفارة كانت من الأفضل الجمالي لا من الفاطميين.
عند مداهمة الخطر الصليبي للعالم الإسلامي، لم تكن هناك خلافة فاطمية في مصر، بل كان المسيطرون على الحكم هم من تغلّبوا على الخلفاء وحجبوهم داخل قصورهم لا يملكون من الأمر شيئاً حتى في شؤونهم الخاصة.
لقد انتهت سلطة الفاطميين على مصر قبل وصول الصليبيين إلى أطراف العالم الإسلامي لا سيما بلاد الشام بربع قرن.
فإن بدراً الجمالي أنهى سلطة الخليفة الفاطمي المستنصر وسيطر على الدولة سنة 466 هـ وكان ابتداء وصول الصليبيين سنة 490هـ وسقطت إنطاكية في أيديهم سنة 491 هـ.
ويقول ابن الأثير عن سيطرة بدر: «فلما كانت سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل الدكز والوزير وابن كدية وجماعة من المسلميّة وتمكن من الدولة إلى أن مات، وولي إبنه الأفضل»، (الصفحة 87 من الجزء العاشر طبعة دار صادر ودار بيروت سنة 1966).
ويقول عن موته في أحداث سنة 487هـ: «توفي أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب الجيش بمصر وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر والمرجوع إليه».
ثم يقول: «ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر وتقدم بها وصار صاحب الأمر»، (الصفحة 235 من الجزء العاشر، طبعة دار صادر ودار بيروت، سنة 1966). على أن بدراً الجمالي لم يكتف بإنهاء سلطة الخلافة الفاطمية والسيطرة على البلاد سيطرة كاملة تنتهي بموته، بل تعدى الأمر إلى ما يمكن أن نُسمّيه إنشاء أسرة مالكة جديدة إذا لم تحمل إسم الخلافة لاستحالة ذلك عليها، فقد كان لها جميع مظاهر وحقائق الأسرة المالكة من سلطة مطلقة وإقامة ولاية عهد. فحين مات بدر الجمالي تولى بعده إبنه وولي عهده الأفضل الملقب شاهنشاه.
والمقريزي، حين يتحدث عنه في خططه، يقرّ هذ الحقيقة فيقول في ذلك: «فاستناب ولده شاهنشاه وجعله ولي عهده»، (الصفحة 372 من طبعة مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ).
ولنلاحظ تلقيبه باللقب الملكي شاهنشاه، وتسميته ولي عهد. ثم يواصل المقريزي الحديث عنه قائلاً: «وقد تحكم في مصر تحكم الملوك ولم يبق للمستنصر معه أمر واستبدّ بالأمور».
ويقول: «وهو أول وزراء السيوف الذي حجروا على الخلفاء بمصر». ويقول عن إنهاء سلطة المستنصر والخلافة الفاطمية وقيام السلطة الجديدة سلطة بدر الجمالي: «وكان من قدوم أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة ست وستين وأربعمائة، وقيامه بسلطة مصر ما ذكر في ترجمته عند ذكر أبواب القاهرة، فلم يزل المستنصر مدة أمير الجيوش ملجماً عن التصرف إلى أن مات سنة سبع وثمانين ».
ثم يقول عن الأفضل بن بدر الجمالي: «فلما مات المستنصر أقام الأفضل ابن أمير الجيوش الخلافة من بعده لابنه المستعلي بالله أبا القاسم أحمد» (الصفحة 356 من الجزء الأول ولم يذكر تاريخ الطبع، نشر مكتبة الثقافة الدينية). ويقول في الصفحة 423: «لما مات المستنصر بادر الأفضل شاهنشاه ابن بدر الجمالي إلى القصر وأجلس أبا القاسم أحمد بن المستنصر في منصب الخلافة ولقبه بالمستعلي بالله» (هو أصغر أخوته نزار وعبدالله وإسماعيل).
وهكذا نرى أن الأفضل بن بدر الجمالي هو الذي اختار الخليفة وأقامه مقام أبيه، لأنه هو الحاكم المسيطر.
وإذا كان بدر وابنه الأفضل لم يعلنا إلغاء الخلافة نظرياً في حين أنهما ألغياها عملياً، فلأنهما كانا يريدان غطاء شرعياً لحكمهما يبرران به تسلطهما، وكان وجود الخليفة الشكلي هو الغطاء المطلوب.
ثم يقول المقريزي: «ولم يكن للمستعلي مع الأفضل أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة» (الصفحة 357 من الجزء نفسه). وفي عهد المستعلي، هذا الذي لم يكن له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، تقدم الصليبيون إلى البلاد الإسلامية واحتلوا القدس.
وكان صاحب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة هو الأفضل. إذاً فلماذا تنسب أحداث تلك الفترة إلى الفاطميين وخلافتهم؟
إنها يجب أن تنسب إلى أصحاب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة، وهم غير الفاطميين. ونكرر هنا ما قلناه من أننا لا نقول هذا لأنن نرى في تصرف الأفضل تقصيراً وضعفاً، أو شياءً مما يؤاخذ عليه في موقفه من الصليبيين.
بل على العكس من ذلك نرى أنه قام بكل ما يستطيع القيام به في دفع الصليبيين عن الوطن الإسلامي. ووقف في وجههم بحزم وصلابة. فحاول أول الأمر دفعهم سلماً، بالمفاوضات كما نقول اليوم، ولما لم ينجح في ذلك قاتلتهم جيوشه أشد قتال وظلت تقاتل دفاعاً عن القدس سبعة أسابيع. وإذا كان الصليبيون قد تغلبوا عليها فقد تغلبوا على غيرها ممن هم أقوى منها.
أما الوسائل السلمية التي حاولها بدر الجمالي بعد سقوط أنطاكية وظهور الخطر الصليبي على أقوى صورة، وتهديد هذا الخطر للقدس وما في الطريق إليها من البلاد، أما هذه الوسائل فقد أوضحها الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق، (الصفحة 67).
قال الدكتور سرور: «لما وصل إلى الحكومة الفاطمية)[617]( في مصر نبأ هجوم الصليبيين على إنطاكية رأت أن تبذل جهدها لمنع زحفهم على بيت المقدس، فأنفذ الوزير الأفضل بن بدر الجمالي سنة 492هـ (1098م) سفارة إلى الصليبيين للتفاوض في عقد اتفاق معهم يتضمن أن يتفردوا بإنطاكية وأن تستقل مصر ببيت المقدس على أن يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة بفلسطين وتكون لهم الحرية في أداء شعائرهم الدينية على أن لا تزيد مدة إقامتهم بها عن شهر واحد، وألا يدخلوها بسيوفهم».
ومن هذا يتبين أنّ الأفضل بن بدر الجمالي لما رأى سقوط إنطاكية وانهزام قوى كربوقا، أيقن أنّه لم يبق في طريق الصليبيين قوى إسلامية تستطيع التغلب عليهم والحؤول بينهم وبين الوصول إلى القدس، فحاول أن يقنعهم بالوقوف عند إنطاكية على أن تكون لهم حرية زيارة القدس أفراداً غير مسلحين، وأن يغادرها من يزورها منهم في مدة أقصاها شهر.
وأحسب أن هذا أقصى ما كان يستطيع أن يفعله الأفضل من أجل القدس يومذاك، فأين هو موضع التجريح بهذا الرجل)[618](؟
ومع افتراض وجود السفارة نقول: إنه لما فشلت محاولته السلمية لإيقاف الصليبيين عند إنطاكية استعد لحربهم، مع علمه بقوتهم وضعف قوته أمام حشودهم اللجبة، فقام واليه على القدس بتسميم الآبار وطمّ القنوات لئلاَ يستفيدوا من مائها، وأخرج النصارى من المدينة وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان. ويقول الدكتور حسن حبشي في كتابه الحروب الصليبية فيما يقول عن جيش الأفضل بن بدر الجمالي المدافع عن القدس: «وأدرك الصليبيون أنهم واجهوا هذه المرة خصماً يرى أن في ضياع بيت المقدس ضياعاً لهيبته السياسية وانتهاكاً لحرماته الدينية».
ثم يصف الدفاع البطولي عن القدس قائلاً: «شرع الصليبيون في الهجوم مساء الأربعاء 13 يوليو 1099م (492هـ) ووجدوا من الحاميات الإسلامية دفاعاً قوياً رغم ما استعدوا به من آلات الحصار والأبراج المتحركة، وأخذت حامية المدينة ترميهم بالنار الإغريقية». واستمرت المعارك على هذا المنوال العنيف سبعة أسابيع من 7 يونيو إلى 15 يوليو 1099م.
ويقول ن.م. ستون في الفصل الثالث من تاريخ الحروب الصليبية الجزء الأول، على ما نقل يوسف أيبش في كتابه عن صلاح الدين بعنوان «الخلافة العربية»، يقول عن بدر الجمالي بعد أن سلّم أتسز دمشق إلى الأمير السلجوقي تتش:
«وتجنب بدر منذ ذلك الحين الدخول في أي نزاع مع السلطة السلجوقية وكرّس نفسه لإعادة تنظيم مصر واسترجاع ازدهارها. فقد قامت الخلافة الفاطمية طيلة قرن آخر، وذلك بفضل حكومته الحازمة والمنتظمة، وحكم إبنه الأفضل شاهنشاه الذي جاء بعده. والحق يقال إن إنجازه كان أكثر جدارة بالملاحظة. فالمبادئ العامة التي أعاد تنظيم الإدارة على أساسها كانت متصورة على نحو سليم إلى درجة أنها بقيت سارية المفعول على امتداد قرون رغم الحروب والتغيرات في السلالات الحاكمة. وكانت السمة الأكثر لفتاً للنظر في نظامه هي الجمع بين الحكومة العسكرية والإدارة المدنية. فلم يعد الخلفاء الفاطميون منذ هذا الوقت فصاعداً أو أنهم لم يكونوا إلاّ لفترات نادرة وقصيرة بمثابة الحكام الفعليين للبلاد. فقد قبعت مقاليد السلطة الحاكمة بيد الدكتاتور العسكري المدعو بالوزير، أو السلطان في أوقات لاحقة، يدعمه جيش يتقاضى قادته أجورهم من الإقطاعات العسكرية. غير أنه بالرغم من بقاء الحكومة العسكرية على رأس الحكم فقد أنشئت إدارة مدنية قوية وبسطت هذه الإدارة سيطرتها على التنظيم المالي برمته، ومن الجملة على دفع أجور العساكر، كما ضبطت توزيع الإقطاعات».
«وقلما تقل عن ذلك جدارة بالملاحظة تلك الثورة التي أحدثها بدر الجمالي وابنه في سياسة مصر الخارجية. فسواء تقبلا الحقيقة القائلة بأن الدولة السلجوقية قضت على كافة أحلام التوسيع الإقليمي أم لا، فإن العمل العسكري الوحيد الذي قاما به خارج مصر كان استرجاع قواعدها البحرية في عكا وصور وغيرها من الموانئ (1089م) وإقامة رأس جسر دفاعي في فلسطين. ولدى اقتراب الصليبيين أعيد تحصين صور وصيدا مثلما الاستيلاء على القدس مجدداً في سنة 1098م من الزعماء التركمان الأرتقيين الذين تولوها كإقطاعية سلجوقية».
«أما الافتراض القائل بأن الأفضل حاول التفاوض مع الصليبيين على تقسيم سوريا فتدحضه الحقيقة القائلة إن مبعوثي الفرنجة الذين ذهبوا إلى القاهرة في تلك السنة قد ألقي بهم في السجن» (انتهى).
وبعد سقوط القدس واصل الأفضل قتالهم، وقاد حملة لاسترداد القدس في رمضان سنة 492هـ (آب 1099م) وصل بها إلى عسقلان، فلما بلغت أخبارها إلى جودفري في القدس أرسل على عجل رسولاً إلى تنكريد الذي كان في نابلس يستدعيه هو والقوات التي معه للمشاركة في دفع الخطر الداهم، كما استدعى بقية الأمراء الذين ساهموا في فتح بيت المقدس، يطلب إليهم الانضمام إليه للدفاع عن القبر المقدس هذه المرة، ولم يتخلف منهم أحد، على الرغم مما كان قائماً بينهم من خلاف يومذاك. وهكذا وحد الخطر بين جميع القوى الصليبية فتحشدت بأقصى ما تستطيع من تحشد ففشلت معركة استرداد القدس في تفاصيل ليس هنا مكان الخوض فيها.
لم يستسلم الأفضل بعد سقوط القدس للأمر الواقع، كما رأينا، بل ظل يقاتل الصليبيين ما وسعه القتال.
يقول المقريزي في خططه وهو يتحدث عن الأفضل: «وفي سنة اثنتين وتسعين ملك الفرنج الرملة وبيت المقدس فخرج الفضل بالعساكر وسار إلى عسقلان، فسار إليه الفرنج فقاتلوه وقتلوا كثيراً من أصحابه وغنموا منه شيئاً كثيراً وحصروه فنجا بنفسه في البحر وسار إلى القاهرة».
ويقول المقريزي أيضاً: «وفي سنة أربع وتسعين خرج عسكر مصر لقتال الفرنج وكانت بينهما حروب كثيرة».
ويقول ابن الأثير، (ج 10، ص 394، طبعة 1966): «سيّر الأفضل ولده شرف المعالي في السنة الحالية إلى الإفرنج فقهرهم وأخذ الرملة منهم».
ويقول المقريزي في خططه (ج 1، ص 443): «وكوتب الأفضل ابن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج فاهتم للتوجه إليهم، فلم يبق ممكناً من مال وسلاح وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر أبا حمد جعفر ابن أمير الجيوش بين يدي الخليفة مكانه وقصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج فوصل إلى عسقلان وزحف عليها بذلك العسكر ولكن الحملة لم تنجح».
وقال المقريزي أيضاً: (ج 1، ص 480): «وذكر تجهيز العساكر في البرد عند ورود كتب صاحبي دمشق وحلب في سنة سبع عشرة وخمسمائة ما يحث على غزو الفرنج ومسيرها مع حسام الملك؛ وركب الخليفة الآمر بأحكام الله وتوجه إلى الجامع بالمقس وجلس بالمنظرة في أعلاه واستدعى مقدم الأسطول الثاني وخلع عليه وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدد والآلات والأسلحة».
وقال المقريزي، (ج 1، ص 212): «قال ابن المأمون البطائحي في حوادث سنة تسع وخمسمائة: ووصلت النجابون من والي الشرقية تخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى أعمال الفرما، فسيّر الأفضل ابن أمير الجيوش للوقت إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين بها وسير الراجل من العطوفية وأن يسير الوالي بنفسه بعد أن يتقدم إلى العربان بأسرهم بأن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم في الليل قبل وصول العساكر إليهم فاعتمد ذلك، ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي. فلما تواصلت العساكر وتقدمها العربان وطاردوا الفرنج وعلم بغدوين ملك الفرنج أن العساكر متواصلة إليه وتحقق أن الإقامة لا تمكنه أمر أصحابه بالنهب والتخريب والإحراق وهدم المساجد، فأحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد وعزم على الرحيل…» إلى أن يقول: «وأما العساكر الإسلامية فإنهم شنوا الغارات على بلاد العدو وعادوا بعد أن خيموا على ظاهر عسقلان»… ثم يقول: «وتواصلت الغارات على بلاد العدو وأسروا وقتلوا…».
وهذا ما يدل على أن الأفضل لم يهدأ، ولم يترك الصليبيين يهدؤون بل ظل يغير عليهم ويقاتلهم فكانت بينه وبينهم حروب كثيرة، على حد تعبير المقريزي.
وإذا كانت القوى الصليبية المتدفقة من أوروبا هي أكثر وأقوى مما استطاع الأفضل حشده، وإذا كان لقوى الصليبيين إمداد دائم من الخارج، وليس للأفضل أي إمداد من العالم الإسلامي الواسع، فذلك ليس ذنب الأفضل بن بدر الجمالي.
وبالرغم من أن من جاؤوا بعد الفاطميين طمسوا كل ما يستطيعون طمسه من مآثر تلك العهود، وما قيل فيها من الشعر والنثر، فقد أمكن أن يصل إلينا بعض ما خلّده الشعراء من مآثر الأفضل بن بدر الجمالي في جهاده للصليبيين)[619](؛ فمن ذلك قصيدة للشاعر أمية بن أبي الصلت يشير فيها إلى انصراف البلاد الإسلامية الأخرى عن مواجهة الخطر الصليبي، واقتصار تلك المواجهة على الأفضل وجيشه. وفيها يقول مخاطباً الأفضل:
جرّدت للدين والأسياف مغمدة
سيفاً تفلّ به الأحداث والغير
ثم يشير إلى فشل حملة استعادة القدس:
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجب
قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر
العود أحمد والأيّام ضامنة
عقبى النجاح ووعد الله ينتظر
لا نود الدخول في تفاصيل تولّي الجمالي شؤون مصر ولكن لا بد من شيء من التعريف ببدء تدهور الدولة الفاطمية، وتلاشي سلطة خلفائها، بدءاً من المستنصر الذي أخذت الخلافة في القسم الأخير من عهده تضعف، ثم انتهى أمرها باستيلاء بدر الجمالي عليها.
طالت خلافة المستنصر ستين سنة وأربعة أشهر؛ تحقق له في القسم الأول منها ما لم يتحقق لأحد من أسلافه، إذ خطب باسمه في بغداد بعد أن طرد منها الخليفة العباسي القائم بأمر الله، واستمر ذلك سنة في تفاصيل ليس هنا مكانها. كما أنه في أواخر عهده عند استبداد الناصر بن حمدان به، أقيمت الخطبة باسم القائم العباسي في القاهرة.
وفي القسم الثاني من عهده بدأ التضعضع بسيطرة بدر الجمالي، أو بما يمكن أن نسميه انتهاء العهد الفاطمي وحلول العهد الجمالي محله حكماً وسيطرة. فقد قامت فعلاً الدولة الجمالية، بكل ما للدول في تلك العصور من واقعية الحكم ومظاهره. وصار الخليفة سجين قصره محجوراً عليه بما نستطيع أن نطلق عليه بلغة العصر الحاضر اسم الإقامة الجبرية)[620](.
ولم يكن في مصلحة الدولة الجديدة قتله أو طرده، بل كان من مصلحتها الاحتفاظ به أسيراً في يديها لاستغلال إسمه بما يمكن أن يستغل به.
لماذا قاموا بهذه الافتراءات
واستمروا بها
أمام تلك الخيانة التي تولى كبرها من تولى عند أنطاكية، فأحالت استسلام الصليبيين إلى نصر ومكنتهم من الوصول إلى القدس، والتي لولاها لانتهت الحروب الصليبية عند أنطاكية، وعاد الصليبيون إلى بلادهم مخذولين مدحورين.
تلك الخيانة الصريحة الواضحة حاولوا التستر عليها بإلصاق التهم بالشرفاء لصرف النظر عن الخائنين المجرمين.
وليس ما قاله قاسم عبده قاسم هو القول الوحيد في هذا الموضوع. بل يمكن اعتباره أخف الأقوال التي حاولت ـ زوراً وبهتاناً ـ إلصاق التهم بالفاطميين.
كيف دخل الصليبيون إنطاكية
يصف ابن الأثير احتلال الصليبيين لإنطاكية بعد الخيانة قائلاً:
«.. وصعد جماعة كثيرة بالحبال فلما زادت عدتهم على خمسمئة ضربوا البوق وذلك عند السحر، وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة فاستيقظ باغي سيان (حاكم إنطاكية السلجوقي) فسأل عن الحال، فقيل: إن هذا البوق من القلعة، ولا شك أنها قد ملكت ـ ولم يكن البوق من القلعة وإنما كان من ذلك البرج ـ، فدخله الرعب، وفتح باب البلد وخرج هارباً في ثلاثين غلاماً على وجهه، فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه، فقيل إنه هرب، فخرج من باب آخر هارباً، وكان ذلك معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.
ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب، ونهبوه وقتلوا من به من المسلمين (انتهى).
وهكذا فقد كان مفتاح أبواب بلاد الشام الذي أهدي للصليبيين مؤلفاً من الخيانة والجبن. والذين يطيلون في الكلام ويطيلون… ويطيلون عن المسؤولين عن نكبة بلاد الشام بالصليبيين، ثم ينتهون إلى تخوين الشرفاء!…
إنهم يتعامون عن هذه الحقيقة البارزة وعن حقائق أخرى سيأتي ذكرها، يتعامون عن الخيانة التي انبعثت من قلب أنطاكية، فأمكنت عشرات الصليبيين من دخولها صاعدين بالحبال على الأسوار، ثم هابطين من الأسوار إلى داخل المدينة.
ومع ذلك فقد كان أمر هؤلاء الداخلين سهلاً غير خطر، فيمكن استئصالهم في لحظات لو كان في قيادة المدينة رجال… رجال لا في هياكلهم.. بل رجال في عزائمهم…
الحاكم السلجوقي باغي سيان لم يكد يسمع صوت البوق حتى أسرع في الهرب. هذا الحاكم القائد الذي أودع القدر إليه حماية شرف إنطاكية بالدفاع عنها حتى آخر رمق، لم يكن فيه ذرة شرف تجعله أهلاً لحماية ذاك الشرف!…
وبعد أن كان الصليبيون مرهقين من الصعود بالحبال إلى السور، ثم يزدادون إرهاقاً في النزول من السور، فلا يصل إلى داخل أنطاكية، منهم إلا أفراد محدودون، إذا برجل إنطاكية وحامي حماها يهرب بمجرد سماعه صوت البوق، ثم لا يجد وسيلة للهرب إلا باباً من أبواب إنطاكية الموصودة في وجه الصليبيين، فيفتحه على مصراعيه راكضاً منه إلى السلامة!.
لقد فتح باب إنطاكية من كان عليه أن لا يفتح هذا الباب ـ إذا قدر له أن يفتح ـ إلا وقد صبغته الدماء وتكدست عليه الأشلاء…
لقد فتح باب إنطاكية وخرج منه راكضاً، فدخل منه الصليبيون راكضين أيضاً.
ولم يكن الباب الواحد يتسع لجموع الصليبيين المتدفقة، فأسرع نائب باغي سيان، إلى فتح باب آخر خرج منه هو الآخر راكضاً ليدخل منه الصليبيون راكضين.
يقول ابن الأثير فيما تقدم من القول عن هذا الذي فتح الباب وهرب بمجرد سماعه صوت البوق: لو ثبت ساعة لهلك الفرنج…
ولكي لا نظلم باغي سيان فإننا نذكر له أنه حين بلغه توجه الصليبيين إلى إنطاكية بادر إلى اتخاذ ما يقتضيه الموقف من تدابير كان من أهمها حفر خندق حولها، حتى ليصفه ابن الأثير بأجمل الصفات من الشجاعة وجودة الرأي والحزم والاحتياط!.
وإذا أمكن أن نسلم له بهذه الصفات فإننا لا يمكن إلا أن نستثني منها صفة الشجاعة، فالذي ينخلع قلبه بمجرد سماعه بوق الأعداء، ثم يترك البلد المودع إليه حمايته والدفاع عنه، ويتخلى حتى عن أسرته فيه، ويسرع إلى باب إنطاكية فيفتحه أمام الأعداء ويخرج منه هارباً، ليدخل منه الأعداء فاتحين، إن الذي يفعل ذلك لا تكون فيه ذرة من الشجاعة ولا من جودة الرأي ولا من الحزم ولا من الاحتياط…
على أن باغي سيان هذا الذي فر ناشداً السلامة لم يسلم مما فر منه. ونترك الصورة التي رسمها ابن الأثير لما ناله ـ نتركها كما هي لتعبر عن الموقف أحسن تعبير.
يقول ابن الأثير:
وأما باغي سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالماً ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقتل، وجعل يتلهب ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين. فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشياً عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يُركبوه فلم يكن فيه مُسكة، فإنه كان قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه. واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الإفرنج بأنطاكية…
سقوط معرة النعمان
كان الظفر الهين الذي حققه الصليبيون في إنطاكية ففتح لهم أبواب الشام بخيانة الخائنين مشجعاً لهم على الإسراع في التوغل في بلاد الشام، فكانت أول مدينة في طريقهم هي (المعرة)، وكانت أول معركة يخوضونها مع الشاميين هي معركتهم مع أهل المعرة.
وإذا كانت الجيوش التي قادها كربوقا قد أخلت ساحة المعركة للصليبيين وانهزمت منذ تراءوا لها، وبذلك وطأ الصليبيون أرض الشام بلا قتال، وتقدموا فيها دون أن يلقوا مقاومة، فوصلوا إلى مدينة المعرة سالمين غانمين، فإن المدينة الشامية وقفت في وجههم في أول الأمر الوقفة الشامية العربية التي تليق بالعرب الشاميين، فلم ترهب جموعهم التي تفوق جمعها، فحين نازلوها وحصروها، نازلتهم وردت على حصارهم بالثبات على الأسوار تقاتلهم، من فوقها وتحول بينهم وبين التقدم إلى داخلها.
ويصف ابن الأثير الحال قائلاً: «وقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية، ولقوا منهم الجد في حربهم والاجتهاد في قتالهم».
فعند ذلك عمد الصليبيون إلى تدبير يجعل رماياتهم تصل إلى حماة الأسوار، فأنشأوا في موازاة الأسوار برجاً من الخشب صاروا يقاتلون منه، فلم يفدهم ذلك شيئاً.
وهنا وقع ما يجعلك تقف مندهشاً مذهولاً، فبعد ذاك الثبات، وبعد ذلك الجد في القتال، وبعد أن بدا أن البرج الخشبي لم يغن عن الصليبيين شيئاً، كان دخول الليل مصدر هلع لفريق من المقاتلين، فيبدو أن رؤيتهم البرج الخشبي الموازي للسور قد جعلتهم يتوهمون أنهم قد أصبحوا أمام الصليبيين وجهاً لوجه، وتخيلوا الحشود الصليبية الواقفة حيال السور فخارت عزائمهم، وتصوروا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار فإنها تحميهم.
وهكذا فالخائر العزيمة يصور له خوره تصورات وهمية يحاول أن يعلل بها انهزامه النفسي، فهم لم يريدوا أن يعترفوا بهزيمتهم وعارها، وإنما أوهموا أنفسهم أنهم إنما يلجؤون إلى ما يقويهم على الثبات!…
لقد نزل الخائرو العزيمة عن السور وأخلوا مكانهم ممن يرد العدو عنه، فلما رآهم غيرهم يفعلون ذلك، فعلوا فعلهم فخلا مكانهم من المدافعين.
يقول ابن الأثير: «ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول حتى خلا السور»، فصعد الفرنج إليه على السلالم، فلما علوه تحير المسلمون ودخلوا دورهم فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مئة ألف وسبوا السبي الكثير، وملكوه…».
هذه رواية ابن الأثير. على أن هناك من يرى أن المعريين كانوا يأملون وصول نجدات من رضوان أمير حلب ومن جناح الدولة أمير حمص، ولكن النجدات لم تصل، بل وصلت نجدة صليبية ما أوهن عزائم المدافعين.
هذه الحملة الصليبية الضخمة التي كان تستهدف المسلمين إذلالاً وإبادة، وتستهدف إزاحتهم من مكان هو ثالث أماكنهم المقدسة.
هذه الحملة التي كان يجب أن تقابل بالحزم والإخلاص والشجاعة، وأن يعد لمقاومتها ما يعد من تصميم على الدفاع واستماتة في القتال. كان الأمر أمامها على العكس من ذلك، فأول ما قوبلت به في إنطاكية خيانة سهلت صعود رجالها إلى الأسوار، ثم هلع وجبن من القيادة فتحت معهما الأبواب هاربة، فدخل الأعداء إنطاكية فاتحين!..
ثم تتالت المخازي: تجبّر على الأنصار ينفرهم، ثم أنانية تحول دون النصر، ثم خيانة عارمة يتعمد فيها المقاتلون الهزيمة لتخلو الساحة للفاتحين!..
ثم خور في العزائم تسقط فيه المعرة في أيديهم!…
لقد قتل الصليبيون في المعرة أكثر من مئة ألف نفس)[621]( قُتلوا قتلاً ذليلاً، فلو صمدوا على الأسوار وثبتوا في القتال لما احتاج الصمود والثبات إلى هذا العدد من القتلى…
وكما فر باغي سيان تاركاً المدينة التي عهد إليه بالدفاع عنها، وتاركاً إياها للفوضى والاستسلام.. تاركاً إياها وتاركاً فيها أسرته للسبي والأسر… أملاً بأن ينجو بنفسه، ولكنه لم ينجح فقتل قتلة الذل.
كذلك فعل أهل المعرة… وكذلك كان مصيرهم.. فالذي فروا منه وقعوا فيه… وقوعاً ذليلاً…
بعد المعرة
بعد إقامة أربعين يوماً في المعرة زحفوا إلى (عَرْقة) فلم تستسلم لهم وأقاموا على حصارها أربعة أشهر فظلت صامدة، ومع أنهم استطاعوا أن ينقبوا سورها في عدة أماكن فلم يستطيعوا النفاد إليها لشدّة الدفاع.
فوشيه يصف الموقف
ينسب فوشيه النصر الذي أحرزه الصليبيون على جيوش كربوقا إلى الرعب القاتل المنزل من السماء، ومن حقه أن يقول ذلك بعد أن رأى تلك الجموع الغفيرة تنهزم دون قتال. لقد انهزمت خيانة على الأرض لا رعباً منزلاً من السماء.
يقول فوشيه: «عندما رأى الأتراك صفوفهم وقد اخترقها اقتحام جيش الفرنجة برمته، بدأوا يتدافعون إلى الأمام فرادى ليطلقوا السهام كعادتهم، ولكن الرعب القاتل المنزل من السماء ألقي في قلوبهم فأمعنوا جميعاً في الفرار كما لو أن العالم كله سقط عليهم. وطارد الفرنجة الهاربين بأسرع ما استطاعوا».
ثم يقول: «ولكن لما كانت خيول الفرنجة قليلة العدد ومنهكة من الجوع فإنهم لم يستطيعوا القبض على كثير من الكفار».
ووصفه الخيل بأنها منهكة من الجوع، يدلنا على ما كانوا عليه هم وخيولهم من الإنهاك جوعاً.
وكما قلنا من قبل فإن جيوش كربوقا قد فرت تاركة كل شيء، وهذا ما تحدث عنه فوشي قائلاً: «ولكن خيام الأتراك بقيت مضروبة في معسكرهم ووجد فيها الفرنجة حاجيات من مختلف الأصناف، كالذهب والفضة والأردية والأثواب المختلفة والأوعية وأشياء كثيرة أخرى تركها الأتراك أو ألقوها في فزعهم وفرارهم المضطرب. وعلى سبيل المثال كان هناك خيول وحمير وبغال وجمال وعمامات فاخرة وأقواس وسهام وكنانات».
ثم يهزأ من كربوقا ناسباً ما أصابه إلى تحديه لله:
«فر كربوقا رشيقاً كالغزال، ذاك الذي طالما ذبح الفرنج بالكلام وبالوعيد والتهديد. ولكن لماذا فر ذلك الذي ملك جيشاً عظيماً ومعه كل هؤلاء الفرسان المدججون؟ لأنه جرؤ أن يتحدى الله، الرب الذي شاهد أبهة كربوقا من بُعد فدمر قوته تدميراً ساحقاً».
وعندما يتحدث عن خسائر الصليبيين يقول: «ومن ناحية أخرى فإن قليلاً من رجالنا أصيبو بجراح».
وهذا القسيس رجل الدين لا يبالي أن يقول متباهياً: «أما النساء اللواتي وجدن في خيام العدو فإن الفرنجة لم يمسوهن بأذى».
وهنا تحسب أن هؤلاء الفرنجة بلغوا من الشهامة حداً يمنعهم من التعرض للنساء بأذى. ولكن فوشيه يتابع كلامه قائلاً: «وإنما بقروا بطونهم بالحراب».
بقر بطون النساء بالحراب ليس بأذى عند أولئك الصليبيين، وعند فوشيه!…
كربوقا يلعب الشطرنج
يصف فوشيه استهتار كربوقا بالموقف وتوهمه بقاء الصليبيين على طلبهم الاستسلام فيقول عن الصليبيين: «وهكذا خرجوا كلهم من المدينة جاهزين للمعركة. تم تنظيم المشاة والفرسان في سرايا وفصائل تسبقها الرايات، وكان معهم الكهنة متشحين أردية بيضاء، يبكون لجميع الناس وينشدون للرب ويصبون الدعاء من أعماق أرواحهم المؤمنة. عند ذلك رآهم رجل تركي وكان فارساً مقداماً فأصابته دهشة عظيمة لمرآهم يتقدمون وراياتهم مرفوعة».
ونقول: دهش هذا الرجل دهشة عظيمة لرؤيته الرايات مرفوعة، لأن رفعها دليل التصميم على الحرب، في حين أن ما يتوهمه كربوقا الذي رفض استسلام الصليبيين وطلبهم الأمان ليفوز بمعركة هينة يدعي فيها شرف الأمجاد، أمجاد الانتصار ـ ما يتوهمه هو أنهم خرجوا مستسلمين، وهذا ما أوهم به رجاله. ومن هناك كانت دهشة الرجل لرفع الرايات التي لا ترفع إلاّ بنية الحرب، فأسرع يخبر كربوقا بما رأى.
يقول فوشيه: «وأيقن حين رأى رايات قادتنا التي كان يعرفها تتقدم واحدة تلو الأخرى بنظام، أن المعركة لا بد قريبة، فأسرع إلى كربوقا يخبره بما رأى، وقال له: ما بالك تلعب الشطرنج؟. أنظر فإن الفرنجة قادمون».
ولكن كربوقا العاكف في تلك الساعات المصيرية على لعب الشطرنج لم يتخيل أن الفرنج قادمون للقتال.
يقول فوشيه: «فأجاب (كربوقا) أهم قادمون للقتال؟ فأجابه: لست موقناً من ذلك حتى الآن ولكن أمهلني قليلاً».
نقول: هذا الرجل الذي كان قبل دقائق موقناً أن الفرنجة قادمون للقتال، أثّر فيه وضع كربوقا غير المبالي، فعاد مشككاً، فرجع ليتأكد.
يقول فوشيه: «عندما رأى رايات أمرائنا مرفوعة في الناحية الأخرى تتقدم بشكل حربي وتتبعها الصفوف المتراصة بانضباط عسكري سارع في العودة وقال لكربوقا: أعتقد أن المعركة واقعة، ولكن انتظر قليلاً لأني لا أميز الرايات التي أراها، وبعد التدقيق شاهد علم أسقف لابوي يتقدم في الفصيلة الثالثة، وبدون أي إبطاء قال لكربوقا: أنظر لقد حضر الفرنجة، أهرب الآن أو حارب بشجاعة لأنني أرى علم البابا متقدماً، ارتجف الآن لئلا يهزمك أولئك الذين اعتقدت أنك ستبيدهم عن وجه الأرض».
نقول: لقد أدرك كربوقا أن الأمر جد كل الجد فظن أنه لا يزال مسيطراً على الموقف فقرر قبول استسلام الصليبيين ـ فقال:
«سأبعث رسولاً للفرنجة يخبرهم أنني سأمنحهم اليوم ما طلبوا مني بالأمس. فقال الرجل: لقد فات الأوان على هذا الكلام. ومع ذلك فإن كربوقا بعث الطلب ولكنه لم يحظ بما ابتغى».
أما عن تقدم الصليبيين بعد إنطاكية فيعترف فوشيه بفظائع الصليبيين بكل مباهاة. ولكنه يختلف في روايته عما رواه ابن الأثير. فابن الأثير يقول إن اول بلد احتله الصليبيون بعد إنطاكية هو: المعرة.
أما فوشيه فيقول إنهم احتلوا بعد إنطاكية مدينتي: البارة)[622]( ومعرة النعمان، وأنهم احتلوا المدينة الأولى بسرعة فائقة وأفنوا مواطنيها عن بكرة أبيهم وصادروا كل ما فيها.
وفضلاً عن اعتراف فوشيه بفظائع الصليبيين وقوله بكل مباهاة بأنهم أفنوا مواطني مدينة البارة عن بكرة أبيهم، فإنه في الوقت نفسه يعترف بما كان لا يزال عليه الصليبيون من الجوع وانعدام المؤن لديهم وهم يحاصرون المعرة فيقول:
«ثم سارعوا إلى المدينة الثانية وحاصروها عشرين يوماً عانى خلالها رجالنا من الجوع الشديد. ويقشعر بدني إذ أذكر أن كثيراً من رجالنا وقد أضناهم الجوع وعذبهم إلى حد الجنون اقتطعوا لهم العجز من جثث الشرقيين المطروحة وطبخوه وأكلوه ملتهمين اللحم بوحشية قبل أن يتم طهيه».
من هؤلاء الجياع آكلي لحوم أعجاز الجثث الميتة، انهزمت الجيوش عند أنطاكية، وفرت جموع المعريين!..
بعد المعرة
ينقلنا ابن الأثير من المعرة إلى عرقة ـ كما رأينا ـ وبدلاً من أن يسير بنا مع الصليبيين مرحلة مرحلة إذا به يصل بنا فجأة إلى حمص، فلا نعرف منه ماذا كان قبل الوصول إلى حمص، وما أبعد ما بين عرقة وحمص..
أما فوشيه فإننا نعلم منه أن الصليبيين بعد أن عجزوا عن فتح عرقة «طووا خيامهم وبدؤوا بالرحيل» ثم حدد خطة سيرهم فيقول إنهم مروا بطرابلس، ثم بقلعة جبيل، ثم بصيدا، ثم بالصرفند، ثم بصور، ثم بما يسميه مترجم الكتاب (الزف)، وهي: الزيب، ثم بعكا، إلى أن دخلوا الرملة فبقوا فيها أربعة أيام. ومن الرملة كان تخطيط الوصول إلى القدس، فمرّوا بعمواس، ومنها انفصل مئة فارس فمروا قرب القدس وصولاً إلى بيت لحم، ثم عادوا منضمين إلى الجيش الزاحف إلى القدس الذي كان قد بدأ بحصارها.
ولنا أن نأخذ برواية فوشيه الذي كان شاهد عيان مرافقاً للحملة. واستناداً إلى هذه الرواية نرى أن الصليبيين مروا بما مروا به من مدن دون الدخول إليها، لأن محاولة دخولها تقتضي حصارها وإضاعة الوقت الطويل في هذا الحصار ما يعيق وصولهم إلى القدس، فضلاً عما يخشى من فشل الحصار كما حدث في عرقة، لذلك أرجؤا أمرها إلى ما بعد فتح القدس. ويستثنى من ذلك مدينة الرملة التي دخلوها لأن أهلها فارين منها، فمكث فيها الصليبيون أربعة أيام تزودوا خلالها بكميات وافرة من القمح الذي تركه الأهلون الفارون، فحملوه معهم استعداداً لحصار القدس الذي قد يطول.
ونحن نرى في رواية فوشيه تناقضاً مع رواية ابن الأثير الذي يقتصر في سرده لمراحل سير الحملة بعد عرقة على هذا القول: «وساروا إلى حمص وحصروها فصالحهم صاحبها جناح الدولة، وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها».
ثم بعد أربع صفحات يذكر وصولهم إلى القدس وفتحهم لها. في حين أن فوشيه لا يذكر أبداً وصول الصليبيين إلى حمص. ثم ما جاء في رواية ابن الأثير من القفز من حمص إلى النواقير، والنواقير هي الواقعة قرب صور والمعروفة اليوم باسم (الناقورة).
وهكذا نرى النقص بارزاً في سرد ابن الأثير، وهو نقص ـ لو أردنا الاعتماد على ابن الأثير وحده ـ لضاع علينا الكثير من الحقائق.
ويمكننا استناداً إلى عدد من المصادر تحديد سير الحملة الصليبية على الشكل التالي:
في 13 كانون الثاني/يناير سنة 1099م (17 صفر سنة 492 هـ) كانت حملة صليبية بقيادة الكونت ريموند تخرج من معرة النعمان فتمر بإمارات عربية مثل كفرطاب وشيزر فتتهيبها هذه الإمارات فلا تلقى منها مقاومة، بل تضطر إلى تزويدها ببعض ما تحتاج إليه أملاً بابتعادها عن أرضها. ولما حطت الحملة رحالها على أبواب شيزر هدد أميرها بقطع الذخيرة عن الحملة فاستجابت له خوفاً من أن تغضب من ستلقاهم بعد ذلك وتثير سخطهم لا سيما وأن طريقها طويل شاق.
وبعد هذا نراها تختار الطريق الساحلي وتتجه إلى جبلة، على أن تقصد منها إلى طرطوس فطرابلس فبيروت فصيدا فصور فعكا.
ولكن هناك من اعترض على هذه الخطة لأنها ستؤدي حتماً إلى الصدام العسكري في غير مكان، في حين أنهم في حاجة إلى الاحتفاظ بقواهم سليمة انتظاراً للمعركة الكبرى معركة القدس. فاتجهوا مباشرة إلى مصياف فكانوا حيالها في 22 كانون الثاني سنة 1099م فاتقى شرهم أميرها بموادعتهم، ومنها وصولاً إلى بعرين التي يقول ياقوت في معجم البلدان إن اسمها الصحيح (بارين) ثم إلى رفنية)[623]( وهنا يختلف الأمر عما مروا به من بلاد، فإن أهل رفنية فروا من البلدة فدخلها الصليبيون فوجدوا فيها ذخيرة وافية، ورأوا أن يستريحوا فأقاموا فيها ثلاثة أيام.
ولنا هنا أن نتساءل عن سبب اختلاف تصرف سكان رفنية عن تصرف من سبقهم من سكان المدن الأخرى التي لم يفر أهلها. وليس في أيدينا ما يمكن أن نجد فيه الجواب عن تساؤلنا. وقد أتاح فرار الرفنيين عن مدينتهم وخلوها من السكان ـ أتاح للصليبيين أن يستريحوا أياماً ثلاثة في بيوت المدينة التي كانت بيوتها تحوي وسائل الراحة التي خلفها فيها الفارون.
ومن رفنية مضوا إلى البقيعة، فكان حال أهلها حال أهل رفنية من الفرار من مدينتهم وتخليتها للفاتحين، ويبدو أن فرار الرفنيين هو الذي روّع البقيعيين فآثروا الفرار مثلهم. وتقول بعض النصوص إن سكان البقيعة كانوا كلهم من العرب والبدو، وأنا لا أدري ما هي حدود التفرقة هنا بين العرب والبدو، ولا ما يقصد صاحب النص بالعرب الذين جعلهم مقابل البدو.
وعلى كل فإن كثرة البدو في البقيعة جعلتهم أحسن حالاً في فرارهم من الفارين من رفنية، فهؤلاء نجوا بأنفسهم دون أن يستطيعوا نقل شيء معهم في حين أن ما يملكه البدو من الإبل سهل لهم حمل ما خف حمله وغلا ثمنه، فمضوا لاجئين إلى حصن الأكراد، فتعقبهم الصليبيون إليه وحاصروه واقتحموه.
ويبدو أن اقتحام حصن الأكراد قد بعث الرهبة في النفوس، فبعد أن كانت موادعة الصليبيين تتم عند مرورهم بالمدن، صار أصحاب المدن يستبقون وصول الصليبيين إليهم مسرعين إلى موادعتهم، فهذا جناح الدولة صاحب حمص يرسل إليهم رسله حاملة الهدايا مؤكدة الموادعة والاتفاق، وهكذا فعل غيره من أصحاب النواحي المجاورة.
وتضحكك هذه الألقاب الضخمة التي كان يطلقها هؤلاء الناس على أنفسهم: جناح الدولة، في الدولة هذا المستسلم أحد جناحيها!.
ومضت الحملة في تقدمها قاصدة المرور بطرابلس، وكان صاحب طرابلس يومذاك ابن عمار فكان على حذر منهم، وكان يدرك ضعف إمارته أمام قوتهم، فلا هو تحرش بهم ولا هو صانعهم.
وواصلوا السير إلى بيروت فصيدا فصور وعكا واللد والرملة. وفي الرملة توقفوا يشتورون في الخطوة القادمة، فارتآ بعضهم الزحف إلى مصر لأن في الاستيلاء عليها اطمئناناً من هجمات تباغتهم منها، ثم أن في ذلك ما يوفر لهم انطلاقاً تجارياً برياً وبحرياً دون التعرض لمخاطر الأسطول المصري.
أما الرأي الآخر فكان يرى أن لا بد من الزحف إلى القدس والاستقرار فيها، ثم التفكير بغيرها. وتم الأخذ بهذا الرأي وتقدموا فحاصروا القدس في 7 أيار/مايو سنة 1099م.
الدفاع عن القدس
فوجئ افتخار الدولة حاكم القدس بمقدم هذه الجموع اللجبة، وأدرك قوتها فعمد إلى تسميم الآبار وطم القنوات، وأخرج غير المسلمين من المدينة، وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان. أما الصليبيون فقد قسموا أنفسهم أقساماً حتى يكون الحصار للمدينة من جميع منافذها فلا يمكنون المسلمين من الاتصال بالخارج. وشرعوا بالهجوم على القسم الجنوبي من المدينة، وطبيعي أن تحملهم الحماسة الدينية على الاستبسال فانهارت الأسوار الأولى أمام هجماتهم العنيفة، ولكنهم قاسوا الكثير من نقص الذخيرة وقلة المياه وحرارة الجو وشدة المحصورين في دفعهم عن البلد. وأدرك الصليبيون أنهم يواجهون عدواً عنيداً ليس من السهولة قهره، فقرروا بناء آلات الحصار والقتال ونصبوا الأبراج وأسندوها إلى السور. وجرت الظروف رخاء وفق أهوائهم إذ قدم ثغر يافا في 17 حزيران/يونيو 1099 بعض أساطيل جنوية حملت إلى المهاجمين ما هم في حاجة إليه من الذخيرة والأخشاب والعمال. ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا قوة من رجالهم أخذت تجوس خلال بعض النواحي التي تتوفر فيها الأخشاب. وعمل الجميع في البناء فلم يتأخر عنه الزعماء بل عملوا جنباً إلى جنب مع الحجاج والمحاربين مما شدد عزائم الجميع وأدركوا أنهم يحاربون من أجل المسيح. وأقاموا صلاة ردت عليهم هدوءهم الروحي.
وشرع الصليبيون بهجوم شديد، ووجدوا من الحاميات الإسلامية دفاعاً أشدّ فقام المدافعون بهجوم مضاد من أجل إحراق آلات الحصار الخشبية التي نجحت في هدم أجزاء كبيرة من سور القدس، فأخذوا برميها بالسهام والأحجار، كما عمدوا إلى قذفها بجرار هشة مليئة بالنار والكبريت والقطران والزيت وكل ما يصلح أن يكون وقوداً. وأجبر المدافعون على التقهقر نحو الأسوار الداخلية بعد سقوط السور الخارجي بأيدي الصلييبيين الذين نجحوا أيضاً في تسلق بعض الأسوار الداخلية، لكن المدافعين نجحوا في رد الصليبيين على أعقابهم.
دام القتال على القدس ستة أسابيع وتم احتلالها يوما لجمعة 23 شعبان 492هـ/15 تموز (يوليو) 1099م ومما ساعد الصليبيين على النصر أنهم رموا ناراً من الأبراج الخشبية على آلات الحرب المركبة على السور فالتهبت وزادتها الريح التهاباً وتطاير الشرر والدخان على المدافعين فاضطروا للتأخر عن الأسوار. وكان احتلال القدس بعد نحو ستة أشهر من احتلال إنطاكية.
بعض التفاصيل
قبل وصول الصليبيين مباشرة قام المسلمون بطمر آبار المياه حول القدس وتغيير مجرى الينابيع، بحيث لم يجد الصليبيون سوى بعض المياه من بئر عند سفح جبل صهيون، وكانت تنفذ بسرعة لشدة تزاحمهم عليها، لدرجة أنهم كانوا يدفعون بعضهم بعضاً داخلها، مما أدى إلى معاناة الصليبيين من العطش، وإلى نفق العديد من خيولهم، وإلى سقوط العديد منهم مرضى بجوار العين، وانتشرت رائحة نتنة جراء نفق الحيوانات فجلبت العديد من الأمراض لهم، الأمر الذي دفع الصليبيين إلى محاولة إيجاد مصدر آخر للمياه عبر الممرات الخطرة في التلال المجاورة للقدس، وهو ما استغله المسلمون فنصبوا لهم العديد من الكمائن، وقتلوا منهم الكثير. كما عمل المسلمون أيضاً على نقل الأمراض إلى المعسكر الصليبي عن طريق إفساد وتسميم مياه العيون القريبة. كما قام البدو المسلمون خارج القدس بجمع كل ما يملكونه من حصاد وماشية وتخبئته في الكهوف والمغارات حتى لا يقع في أيدي الصليبيين.
وأدى هذا الأسلوب من المقاومة إلى انتشار الجيش الصليبي كله في مناطق الريف المجاورة لمدينة القدس، من أجل جمع المؤن وضمان إمدادات المياه، وهو الأمر الذي أدى إلى انشغالهم، بحيث تأخروا في صناعة آلات الحصار الخشبية، وضاع من وقتهم الكثير قبل التأهب لاقتحام مدينة القدس.
وظل الصليبيون شهراً تحت أسوار بيت المقدس، في الاستعداد لاقتحامها، واستغلوا حصارهم لها في بناء آلات الحصار، وبعد ذلك بدأت المحاولات الصليبية الجدية لاقتحام أسوار المدينة، فحاصر الدوق جودفري وكونت الفلاندر وكونت نورماندي القدس من الجانب الشمالي، بينما عسكر الكونت ريموند غربي المدينة، وفرضوا حصارهم عليها من معسكر الدوق وحتى جبل صهيون.
بعد أن قام الصليبيون بتشييد العديد من آلات الحصار الخشبية وبدؤوا بتشديد هجومهم على القدس، أجبر المسلمون على التقهقر نحو الأسوار الداخلية بعد سقوط السور الخارجي في أيدي الصليبيين، الذين نجحوا أيضاً في تسلق بعض الأسوار الداخلية، لكن المسلمين تداركوا أمرهم ونجحوا في رد الصليبيين على أعقابهم، ونجحوا في تكبيدهم العديد من القتلى.
هجوم متواصل
وقام المسلمون بهجوم مضاد من أجل إحراق آلات الحصار الخشبية، التي نجحت في هدم أجزاء كبيرة من سور مدينة القدس، فأخذوا في رميها بالسهام والأحجار، كما عمدوا إلى قذفها بجرار هشة مليئة بالنار والكبريت والقطران والزيت، وكذلك الدهون والشمع والخشب اليابس، وكل ما يصلح أن يكون وقوداً يذكي النار اشتعالاً. مما أسفر عن حدوث خسائر فادحة للصليبيين.
وبدأ اليأس يتسلل إلى نفوس الصليبيين بعدما رأوا التدمير التام الذي طال بعض آلات الحصار، والدخان المنبعث من الآلات الأخرى، ولم يجد الصليبيون بداً من سحب تلك الآلات إلى الخلف من أجل إصلاحها، ثم معاودة الهجوم في اليوم التالي، أما المسلمون فقد ارتفعت معنوياتهم، وبدؤوا يشعرون باقتراب النصر.
وإزاء ازدياد موقف الصليبيين حرجاً، أمر جودفري البوايواني رجاله بالعودة مرة أخرى إلى ساحة القتال، وبدؤوا في الهجوم من جديد على أسوار القدس الشمالية. وفي الوقت نفسه كان كونت تولوز ورجاله يهاجمون أسوار القدس من ناحية الجنوب بنفس الضراوة، وظلوا يعملون لمدة ثلاثة أيام في ردم الخندق المجاور لسور المدينة، ثم نجحوا في تثبيت إحدى آلات الحصار بالسور، وجعلوها في وضع يجعل كلاً من المدافع المسلم الموجود داخل الأبراج، والصليبي الموجود في آلة الحصار قادراً على أن يطول الواحد منهما الآخر برمحه فيصيبه، وعمت الحماسة أرجاء المعسكر الصليبي.
ونتيجة للهجوم الصليبي الكبير، نجح فرسان الدوق جودفري في تحطيم التحصينات الخارجية الشمالية للقدس، وعلى حين أصيب المسلمون بخسائر فادحة، ونالهم الإرهاق الكبير، اقترب الجنود الصليبيون من الأسوار، واقتصر المسلمون على مهاجمتهم من المنافذ الصغيرة بالأسوار.
وأمر جودفري جنوده في أعلى آلات الحصار بإضرام النيران في زكائب القش والحشايا القطنية، ثم هبت رياح الشمال فزادت اللهب ضراماً، وانعقدت سحابة من الدخان الكثيف ساقتها الريح نحو المدينة، حتى أن الذين كانوا يحاولون الدفاع عن السور عجزوا عن فتح أفواههم أو عيونهم، فأصابهم الاضطراب، واختلط عليهم الأمر جراء سحب الدخان الأسود.
وعندما رأى جنود الحملة الصليبية الأولى استيلاء الدوق جودفري على أبراج مدينة القدس، بادروا إلى نصب ما لديهم من سلالم على الأسوار، واندفع الكثيرون نحو ارتقاء الأسوار واللحاق بجودفري الذي أمر بسرعة النزول داخل المدينة والاتجاه نحو الباب الشمالي الذي كان يعرف باسم باب القديس ستيفن لفتحه أمام الجنود الصليبيين.
ولم يدرك كونت تولوز ورفاقه حتى ذلك الوقت أن جودفري قد نجح في اقتحام مدينة القدس، غير أن هتافات الصليبيين العالية وهم يدخلون المدينة، أشعرت المسلمين أن الصليبيين نجحوا في اقتحامها عنوة، فتخلوا عن الأبراج والحصون، واعتصموا بقلعة القدس، لأنها كانت أقرب المواقع إليهم.
السقوط الفاجع
ودخل الصليبيون مدينة القدس دون مقاومة من جانب المسلمين الذين أخذتهم المفاجأة، وما كاد الصليبيون يرون أنفسهم داخل المدينة حتى قاموا بفتح الباب الجنوبي للقدس على مصراعيه، وأدخلوا باقي جنود الحملة الصليبية الأولى، وعلى رأسهم ريموند كونت تولوز، والعديد من النبلاء والأساقفة، ثم سارت هذه الجموع وهي مسلحة تمام التسليح وانتشرت في كل ناحية من نواحي القدس، وليس لها من هدف سوى بث الدمار والرعب في أوساط المسلمين الذين اضطروا إلى الهرب إلى أطراف المدينة. وشهدت أرجاء القدس مذبحة فظيعة وشنيعة، وكان الدم المسفوك مخيفاً، حتى أن المنتصرين أنفسهم ساورهم الإحساس بالخوف وشعروا بالتقزز.
وحاول المسلمون في المنطقة القريبة من جبل صهيون إبداء المقاومة، وقاتلوا قوات ريموند بشراسة، كما لو كانت الهزيمة لم تدركهم بعد، ولكن بلا جدوى، وسفك الدوق جودفري والكونت ريموند وتانكرد النورماني كمية لا تصدق من دماء المسلمين، وأنزل رفاقهم آلاماً شديدة بهم، وعلى حد قول المؤرخ ريموند الأجويلري الذي كان مصاحباً للحملة الصليبية الأولى أنه «بعد سقوط بيت المقدس تم قطع رؤوس بعض المسلمين، بينما اخترقت السهام رؤوس الآخرين، وعذب آخرون لوقت طويل، ثم أحرقوا حتى الموت في اللهب المتأجج، وتكدست الرؤوس والأيادي والأقدام، في الطرقات والبيوت، وكان الفرسان الصليبيون يجرون جيئة وذهاباً فوق الجثث».
وارتكب الصليبيون لدى اقتحامهم مدينة القدس يوم الجمعة الخامس عشر من يوليو 1099م مذبحة من أبشع المذابح التي ارتكبت في تاريخ الإنسانية، عبروا من خلالها عن حقدهم الدفين تجاه المسلمين، وكذلك عبروا أيضاً من خلالها عن استمرارية تعطش البرابرة الجرمان (أجدادهم)، للدماء، وعن السلوك البربري الذي سيطر على جنود الحملة الصليبية لدى خروجهم من الغرب الأوروبي وحتى اقتحامهم لمدينة القدس.
ويذكر المؤرخ الصليبي وليم الصوري أن المسلمين قد لجؤوا إلى الاحتماء بمسجد عمر بن الخطاب من هول الكارثة، لكن الصليبيين انطلقوا وراءهم، وأعملوا القتل فيهم، ولم تأخذهم رحمة بأحد حتى النساء والأطفال والشيوخ، حتى فاض المكان كله بدماء الضحايا.
كما يذكر أيضاً المؤرخ الصليبي فوشيه الشارتري ـ المعاصر لاقتحام القدس ـ تفاصيل تلك المذبحة المروعة التي جرت في مسجد عمر بن الخطاب، فيذكر ذبح الصليبيين لعشرة آلاف مسلم حول المسجد وبداخله، فيقول: «ولو أنك كنت موجوداً هناك لغاصت قدماك حتى العقبين في دماء المذبوحين. ترى ماذا أقول؟ لم نترك منهم أحداً على قيد الحياة، ولم ينج حتى النساء والأفطال»، وهو ما يؤكد عليه أيضاً المؤرخ ريموند الأجويلري ـ الذي كان شاهد عيان أيضاً ـ فيكتب.. «خاض الصليبيون في رواق مسجد عمر بخيولهم، حتى وصلت دماء المسلمين إلى ركبهم، وإلى سروج خيولهم…».
وأجمع مؤرخو الحملة الصليبية الأولى: فوشيه الشارتري والمؤرخ المجهول، وريموند الأجويلري، وبطرس توديبود على بشاعة المذبحة التي قام بها الصليبيون تجاه مسلمي القدس في مسجد عمر بن الخطاب.
ولم يكتف الصليبيون بذلك، بل انطلقوا للبحث عن المسلمين المختبئين من أجل الإجهاز عليهم فالتجأ بعض المسلمين إلى أعلى مسجد عمر وفضلوا إلقاء أنفسهم من عليه بدلاً من الاستسلام لسيوف الصليبيين. وصدرت الأوامر بعد ذلك بطرح جثث المسلمين خارج القدس، وأمر الصليبيون بعض المسلمين الذين قيضت لهم الحياة بسحب الجثث خارج المدينة وطرحها أمام الأبواب.
محاولة استرداد القدس
لم يستقر الأفضل بن بدر الجمالي بعد احتلال القدس بل حاول استردادها، ما تقدم ذكر بعضه ونلخص الأمر هنا فيما يلي:
سار الأفضل بالجيوش في السنة نفسها التي احتل فيها الصليبيون القدس حتى وصل عسقلان في فلسطين ففاجأه الصليبيون فهزموه فارتد إلى مصر. وفي سنة 496 جهز عليهم حملة بقيادة إبنه سعد الدولة فلقيهم بين الرملة ويافا ولكنهم هزموه. فأرسل الأفضل حملة ثانية بقيادة سعد الدولة فالتقى بهم يازور قرب الرملة فانهزم الفرنج وقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد من سلم منهم مفلولين، وبينما سعد الدولة يتجهز للتقدم إما إلى يافا أو القدس، إذ وصلت للفرنج جموع غفيرة قادمة من أوروبا بطريق البحر كانت من الكثرة بحيث لا قبل للمسلمين بمقابلتها فانسحب سعد الدولة عائداً إلى مصر. وفي السنة 498 أرسل الأفضل حملة أخرى بقيادة ولده شرف المعالي إلى الفرنج فهزمهم واحتل الرملة.
استمرار الفاطميين
في محاولة استرداد القدس
بعد زوال الجماليين
يقول ابن القلانسي عن الوزير الفاطمي طلائع بن رزّيك: يعد الصالح طلائع بن رزيك خاتم الوزراء الفاطميين الأقوياء، وآخر دعامة في الدولة المتداعية.
يقول ابن القلانسي هذا القول لأن الدولة كانت تمشي إلى نهايتها وكان آخر من يمثل القوة فيها طلائع بن رزيك.
ويقول المقريزي عن هذا الوزير الفاطمي إنه آخر الوزراء الفاطميين الذين حاولوا التصدي للصليبيين، فابتداءً من العام (550 هـ/1155م) أخذ يرسل الأسطول والجيش لمحاربتهم.
وقد تمكنت جيوشه من مهاجمة غزة وعسقلان وبيروت والشوبك وعكا.
وكرر المحاولة في نهاية (شهر محرم عام 553هـ/شهر شباط عام 1158م) فأرسل جيشاً إلى غزة بقيادة الأمير ضرغام، اصطدم بقوة صليبية عند تل العجول وتغلب عليها ثم تابع تقدمه في الأراضي الصليبية حتى وصل إلى بيت المقدس، وأرسل في الوقت نفسه أسطولاً بحرياً هاجم بيروت واستاق عدداً من الأسرى)[624](.
وتكمن أهمية هذه الحملة في أنها:
ـ ساعدت على تخفيف الضغط على المناطق الإسلامية الشمالية في ظل تعرضها لهجمات بلدوين الثالث.
ـ أتاحت للجيش الفاطمي التوغل بعيداً في أراضي مملكة بيت المقدس، في غارات متلاحقة)[625](.
والواقع أن العمليات العسكرية التي قام بها الفاطميون اتسمت بالكرّ والفرّ دون التمكّن من طرد الصليبيين من المناطق التي احتلوها، لأن القوى الصليبية كانت كثيرة العدد منيعة الجانب. ونتيجة لذلك أدرك طلائع أن مصر لا تستطيع بمفردها مواجهة مملكة بيت المقدس، فأرسل أسامة بن منقذ إلى نور الدين محمود يطلب منه توحيد جهودهما)[626](.
وتأكيداً لحسن نيته، أرسل طلائع في (شهر رمضان/ شهر تشرين الأول) هدية إلى نور الدين محمود حملها محمود المسترشدي تتضمن أنواعاً من الأسلحة وغيرها بقيمة ثلاثين ألف دينار، وسبعين ألفاً عيناً، عوناً له على قتال الصليبيين، وسُرّ نور الدين محمود بهذا التقارب مع الفاطميين)[627](.
وقد تنبّه بلدوين الثالث إلى خطورة هذا التحالف على أوضاع مملكته فحاول عرقلته. فأرسل في عام (554هـ/1159م) رسولاً إلى القاهرة، ومعه هدية لطلب الهدنة. ولكن طلائع)[628]( رفض طلب الملك الصليبي وآثر الاستمرار في مساندة نور الدين محمود وكان من الطبيعي أن تتعاون الدولتان الإسلاميتان في دمشق والقاهرة في مواجهة الصليبيين.
ولكن نور الدين فضّل التآمر على الدولة الفاطمية بدلاً من التعاون معها على الصليبيين فكان منه ما كان.
في الوقت الذي ولي فيه الصالح طلائع بن رزيك الوزارة في مصر كان الصليبيون في عنفوان قوتهم وقد تسلطوا على الأرض الإسلامية، فأعد الصالح طلائع نفسه لقتالهم وتجند لمجاهدتهم كما مرّ إليهم من كان بها من الإفرنج. يقول أبو شامة في كتاب «الروضتين»: «وخرج إليهم من كان بها من الفرنج فأظهر الله تعالى المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا به وعادوا سالمين ظافرين». ويبدو أن معركة بحرية حصلت أيضاً في نفس الوقت ظفر فيها. يذكر صاحب كتاب «الروضتين» القصيدة التي أرسلها الصالح طلائع إلى أسامة بن منقذ الذي كان قريباً من نور الدين محمود في بلاد الشام يذكر له وقائعه مع الصليبيين ويطلب إليه تحريض نور الدين على مهاجمة الصليبيين، كما أرسل عدة قصائد في نفس الموضوع.
ويعلق ناشر كتاب «الروضتين» ومحققه الدكتور محمد حلمي أحمد مدرس التاريخ الإسلامي في كلية دار العلوم في القاهرة على نشر ابن أبي شامة لهذه القصائد بقوله:
يسوق أبو شامة في هذه الصفحة وفي الصفحات التالية مجموعة من القصائد المتبادلة بين الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر وأسامة بن منقذ الذي كان عندئذٍ على صلة بنور الدين تيسر له القيام بمهمة إيجاد نوع من التحالف بين مصر الفاطمية الشيعية والشام العباسية ضد الفرنج. وتدل هذه الأشعار وبخاصة ما كتبه الصالح بن رزيك منها على المحاولات المتكررة التي بذلها هذا الوزير في محاولة تحسين علاقته ممثلاً لمصر بنور الدين سلطان الشام في سبيل مقاومة العدو المشترك. فهذه الأشعار إذن ليست واردة هنا على أنها مجرد أمر أدبي فني جميل أعجب به أبو شامة وإنما اقتبسها مؤرخنا لتصور مراحل التطورات السياسية في علاقة مصر بالشام. هذا ما علق به الدكتور أحمد. ثم يقول أبو شامة مشيراً إلى الواقعة التي انتصر فيها الفاطميون على الصليبيين: وأرسل إلى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ من مصر وزيرها الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك قصيدة يشرح فيها حال هذه الغزاة ويحرض فيها نور الدين على قتال المشركين، ويذكر بما منَّ الله تعالى عليه من العافية والسلامة من المرض.
فمما جاء في تلك القصيدة:
ألا هكذا في الله تمضي العزائم
وتنضى لدى الحرب السيوف الصوارم
ويستنزل الأعداء من طود عزهم
وليس سوى سمر الرماح سلالم
وتغزى جيوش الكفر في عقر دارها
ويوطى حماها والأنوف رواغم
ويوفي الكرام الناذرون بنذرهم
وغن بذلت فيها النفوس الكرائم
نذرنا مسير الجيش في صفر، فما
مضى نصفه حتى انثنى وهو غانم
بعثناه من مصر إلى الشام قاطعاً
مفاوز وخد العيس فيهن دائم
فما هاله بعد الديار، ولا ثنى
عزيمته جهد الظما والسمائم
يهجر والعصفور في قعر وكره
ويسري إلى الأعداء والليل نائم
يباري خيولاً ما تزال كأنها
إذا ما هي انقضت نسور قشاعم
يسير بها الضرغام في كل مأزق
وما يصحب الضرغام إلا الضراغم
ورفقته عين الزمان، وحاتم
ويحيى، وإن لاقى في المنية حاتم
وواجههم جمع الفرنج بحملة
تهون على الشجعان فيها الهزائم
فلقوهم زرق الأسنة، وانطووا
عليهم، فلم ينجم من الكفر ناجم
وما زالت الحرب العوان أشدها
إذا ما تلاقى العسكر المتضاجم
يشبههم من لاح جمعهم له
بلجة بحر موجها متلاطم
وعادوا إلى سل السيوف، فقطعت
رؤوس، وحزت للفرنج غلاصم
فلم ينج منهم يومذاك مخبر
ولا قيل هذا وحده اليوم سالم
نقتلهم بالرأي طوراً، وتارة
تدوسهم منا المذاكي الصلادم
فقولوا لنور الدين، لا فلّ حده
ولا حكمت فيه الليالي الغواشم
تجهز إلى أرض العدو ولا تهن
وتظهر فتوراً إن مضت منك حارم
فما مثلها تبدي احتفالاً به، ولا
يعض عليها للملوك الأباهم
فعندك من ألطاف ربك ما به
علمنا يقيناً أنه بك راحم
أعادك حياً بعد أن زعم الورى
بأنك قد لاقيت ما لاقاه حاتم
بوقت أصاب الأرض ما قد أصابها
وحلت بها تلك الدواهي العظائم
وخيم جيش الكفر في أرض شيزر
فسيقت سبايا واستحلت محارم
وقد كان تاريخ الشام وهلكه
من يحتويه أنه لك عادم
فقم، واشكر الله الكريم بنهضة
إليهم، فشكر الله للخلق لازم
فنحن على ما قد عهدت، نروعهم
ونحلف جهداً، أننا لا نسالم
وغاراتنا ليست تفتر عنهم
وليس ينجي القوم منا الهزائم
فأسطولنا أضعاف ما كان سائراً
إليهم، فلا حصن لهم منه عاصم
ونرجو بأن يجتاح باقيهم به
وتحوى الأسارى منهم والغنائم
ومما كتب إليه أيضاً محرضاً لنور الدين:
يا سيدا يسمو بهمته
إلى الرتب العلية
فينال منها حين يحرم
غيره أوفى مزيه
أنت الصديق وإن بعد
ت، وصاحب الشيم الرضيه
ننبيك أن جيوشنا
فعلت فعال الجاهليه
سارت إلى الأعداء من
أبطالها مائتا سريه
فتغير هذه بكرة
وتعاود الأخرى عشيه
فالويل منها للفرنج
فقد لقوا جهد البليه
جاءت رؤوسهم تلو
ح على رؤوس السمهريه
وقلائع قد قسمت
بين الجنود على السويه
وخلائق كسرت من الأ
سرى تقاد إلى المنيه
فانهض فقد أنبيت مجد
الدين بالحال الجليه
والمم بنور الدين وأعلمـ
ـه بهاتيك القضيه
فهو الذي ما زال يخلـ
ـص منه أفعالا ونيه
ويبيد جمع الكفر بالبيـ
ـض الرقاق المشرفيه
فعساه ينهض نهضة
يفني بها تلك البقيه
أما لنصرة دينه
أو ملكه، أو للحميه
وكتب إليه أيضاً:
أيها المفتدى، لأنت على البعـ
ـد صديق لنا، ونعم الصديق
ليس فيما تأتيه من بر أفعا
لك للطالب الحقوق عقوق
فلهذا نرى مواصلة الكتب
تباعا إليك مما يليق
ونناجيك بالمهمات، إذ أنـ
ـت بإلقائها إليك خليق
وأهم المهم أمر جهاد الـ
ـكفر فاسمع فعندنا التحقيق
واصلتم منا السرايا، فأشجا
هم بكور منالهم وطروق
وأباحت ديارهم، فأباد الـ
ـقوم قتل ملازم وحريق
وانتظرنا بزحفنا برء نور الد
ين، علماً منا بأن سيفيق
وهو الآن في أمان من الله،
وما يعتريه أمر يعوق
ما لهذا المهم مثلك مجد الدين
فانهض به فأنت حقيق
قل له، لا عداه رأي، ولا زا
ل له بكل خير طريق
أنت في حسم داء طاغية الكفـ
ـار ذاك المرجو والمرموق
فاغتنم بالجهاد أجرك كي تلـ
ـقى رفيقاً له ونعم الرفيق
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش ما زال للإسلام
م والدين منك ركن وثيق
أسمعت دعوة الجهاد، فلبا
ها مليك بالمكرمات خليق
ملك عادل أنار به الديـ
ـن، فعم الإسلام منه الشروق
ما له عن جهاده الكفر، والعد
ل، وفعل الخيرات شغل يعوق
هو مثل الحسام، صدر صقيل
لين مسه، وحد ذليق
ذو إناة يخالها الغر إهما
لاً، وفيها حتف الأعادي المحيق
فاسلما للإسلام كهفين ما طر
ز ثوب الظلام برق خفوق
وكتب الصالح إليه أيضاً:
قل لابن منقذ الذي
قد حاز في الفضل الكمالا
فلذاك قد أضحى الأنا
م على مكارمه عيالا
كم قد بعثنا نحو الأ
شعار مسرعة عجالا
وصددت عنها حين را
مت من محاسنك الوصالا
هلا بذلت لنا مقا
لا، حين لم تبذل فعالا
مع أننا نوليك صبـ
ـرا في المودة، واحتمالا
ونبثك الأخبار إن
أضحت قصارا أو طوالا
سارت سرايانا لقصـ
ـد الشام تعتسف الرمالا
تزجي إلى الأعداء جر
د الخيل اتباعا توالى
تمضي خفافا للمغار
بها، وتأتينا ثقالا
حتى لقد رام الأعا
دي من ديارهم ارتحالا
وعلى الوعيرة معشر
لم يعهدوا فيها القتالا
لم نأت عمن يحف
بها يميناً أو شمالا
نهضت إليها خيلنا
من مصر تحتمل الرجالا
والبيض لامعة، وبيـ
ـض الهند، والأسل النهالا
فغدت كأن لم يعهدوا
في أرضها حياً حلالا
هذا في تل العجا
ل ملآن بالقتلى التلالا
إذ مر (مري) ليس يلـ
ـوي نحو رفقته اشتغالا
واستاق عسكرنا له
أهلاً يحبهم ومالا
وسرية ابن فرنج الطا
ئي طال بها وصالا
سارت إلى أرض الخليـ
ـل، فلم تدع فيها خلالا
فلو أن نور الدين يجعـ
ـل فعلنا فيهم مثالا
ويسير الأجناد جهـ
ـراً، كي ينازلهم نزالا
ووفى لنا، ولأهل دو
لته، بما قد كان نالا
لرأيت للإفرنج طراً في
معاقلها اعتقالا
وتجهزوا للسير نحو
الغرب أو قصدوا الشمالا
وإذا أبى إلا إطرا
حاً للنصيحة واعتزالا
عدنا بتسليم الأمو
ر لحكم خالقنا تعالى
فأجاب إبن منقذ بقصيدة منها:
يا أشرف الوزراء أخلا
قاً، وأكرمهم فعالا
نبهت عبداً طالما
نبهته قدراً وحالا
وعتبته، فانلته
فخراً، وحمداً، لن ينالا
لكن ذاك العتب يشعـ
ـل في جوانبه اشتعالا
أسفاً لجد مال عنـ
ـه إلى مساءته ومالا
أما السرايا حين تر
جع بعد خفتها ثقالا
فكذاك عاد وفود با
بك مثقلين ثنا ومالاا
ومسيرها في كل أر
ض تبتغي فيها المجالا
فكذا فضلك مثل عد
لك في الدنا سارا وجالا
فاسلم لنا حتى نرى
لك في بني الدنيا مثالا
وأشدد يديك بنو
ر الدين وألق به الرجالا
فهو المحامي عن بلا
د الشام جمعاً أن تذالا
ومبيد أملاك الفرنـ
ـج وجمعهم حالاً فحالا
ملك يتيه الدهر والد
نيا بدولته اختيالا
جمع الخلال الصالحا
ت فلم يدع منها خلالا
فإذا بدا للناظرين
رأت عيونهم الكمالا
فبقيتما للمسلمين
حمى وللدنيا جمالا
وكتب إليه الصالح من قصيدة:
ولعمري إن المناصح في الد
ين على الله أجره محسوب
وجهاد العدو بالفعل والقو
ل على كل مسلم مكتوب
ولك الرتبة العلية في الأمر
ين مذ كنت إذ تشب الحروب
أنت فيها الشجاع، ما لك في الطعـ
ـن ولا في الضرب يوماً ضريب
وإذا ما حرضت، فالشاعر المفلـ
ـق فيما يقوله، والخطيب
وإذا ما أشرت فالحزم لا ينـ
ـكر إن التدبير منك نصيب
لك رأي يقظان إن ضعف الرأ
ي، على حاملي الصليب صليب
فانهض الآن مسرعاً فبأمثا
لك ما زال يدرك المطلوب
الق منا رسالة عند نور الد
ين ما في إلقائها ما يريب
قل له، دام ملكه، وعليه
من لباب الإقبال برد قشيب
أيها العادل الذي هو للد
ين شباب، وللحروب شبيب
والذي لم يزل قديماً عن الإسلا
م بالعزم منه تجلى الكروب
وغدا منه للفرنج، إذا لا
قوه، يوم من الزمان عصيب
إن يرم نزف حقدهم فلأشطا
ن قناه في كل قلب قليب
غيرنا من يقول ما ليس يمضيه
بفعل وغيرك المكذوب
قد كتبنا إليك ما وضح الآ
ن، بماذا عن الكتاب تجيب
قصدنا، أن يكون منا ومنكم
أجل في مسيرنا مضروب
فلدينا من العساكر ما ضا
ق بأدناهم الفضاء الرحيب
وعلينا أن يستهل على الشا
م مكان الغيوث مال صبيب
أو تراها مثل العروس، ثراها
كله من دم العدا مخضوب
لطنين السيوف من فلق الصبـ
ـح على هام أهلها تطريب
ولجمع الحشود من كل حصن
سلب مهمل لهم ونهوب
وبحول الإله ذاك، ومن غا
لب ربي فإنه مغلوب
وكتب إليه أيضاً:
أيها السائر المجد إلى الشا
م، تبارى ركابه والخيول
خذ على بلدة بها دار مجد
الدين، لا ريع ربعها المأهول
وتعرف أخباره، وأقره منـ
ـا، لاما فيه العتاب يجول
قل له: أنت نعم ذخر الصديق الـ
ـيوم، لكنك الصديق الملول
ما ظننا بأن حالك في القر
ب ولا البعد بالملال يحول
لا كتاب، ولا جواب، ولا قو
ل به لليقين منا حصول
غير إنا نواصل الكتب إذا أقصـ
ـر منك البر الكريم الوصول
ذاكرين الفتح الذي فتح اللّـ
ـه علينا، فالفضل منه جميل
جاءنا بعدما ذكرناه في كتـ
ـب أتاكم بهن منا رسول
إن بعض الأسطول نال من الإفر
نـج ما لا يناله التأميل
سار في قلة، وما زال بالله
وصدق النيات ينمى القليل
وبقايا الأسطول ليس له بعد
إلى جانب الشآم وصول
فحوى من عكا وأنطرسوس
عدة لم يحط بها التحصيل
جمع ديوية، بهم كانت الإ
فرنج تسطو على الورى وتصول
قيد في وسطهم مقدمهم، يهد
ى إلينا، وجيده مغلول
بعد مثوى جماعة هلكوا بالسيف
منها الغريق والمغلول
هذه نعمة الإله، وتعد
يد أيادي الإله شيء يطول
بلغوا قولنا إلى الملك العا
دل، فهو المرجو والمأمول
قل له: كم تماطل الدين في الكفا
ر، فاحذر أن يغضب الممطول
سر إلى القدس، واحتسب ذاك في
الله، فبالسير منك يشفى الغليل
وإذا ما أبطأ مسيرك، فالله
إذاً حسبنا ونعم الوكيل
فأجابه أسامة بقصيدة منها:
يا أمير الجيوش، يا أعدل الحكا
م في فعله وفي ما يقول
أنت حليت بالمكارم أهل العصر
حتى تعرف المجهول
وقسمت الفرنج بالغزو شطر
ين: فهذا عان: وهذا قتيل
بالغ العبد في النيابة والتحر
يض، وهو المفوه المقبول
فرأى من عزيمة الغزو ما كاد
ت له الأرض والجبال تميل
وإذا عاقت المقادير فالله
إذاً حسبنا ونعم الوكيل
وكتب الصالح إليه جواباً قصيدته الطائية التي أولها:
هي البدر، لكن الثريا لها قرط
ومن أنجم الجوزاء في نحرها سمط
ثم قال بعد وصف السيوف:
ذخرنا سطاها للفرنج، لأنها
بهم دون أهل الأرض أجدر أن تسطو
وقد كاتبوا في الصلح، لكن جوابهم
بحضرتنا ما تكتب الخط لا الخط
سطور خيول لا تغب ديارهم
لها بالمواضي والقنا الشكل والنقط
إذا أرسلت فرعا من النقع فاحما
أثيثا، فأسنان الرماح لها مشط
رددنا به ابن الفنش عنا، وإنما
يثبته في سرجه الشد والربط
فقولوا لنور الدين: ليس لخائف
الجراحات إلا الكي في الطب والبط
وحسم أصول الداء أولى بعاقل
لبيب إذ استولى على المدنف الخلط
فدع عنك ميلا للفرنج وهدنة
بها أبدا يخطى سواهم ولم يخطوا
تأمل، فكم شرط شرطت عليهم
قديما، وكم غدر به نقض الشرط
وشمر فإنا قد أعنا بكل ما
سألت، وجهزنا الجيوش ولن يبطوا
ولكن نور الدين لم يستجب للنداء الفاطمي لأنه كان يعد العدة للتآمر على أصحاب هذا النداء الذين دعوه للتحالف على حرب الصليبيين، فآثر التحالف عليهم كما فصلناه في بحث (الفاطميون).
إنفاذ المؤامرة
قلنا فيما تقدم إن نور الدين رفض الدعوة التي وجهها إليه الوزير الفاطمي (طلائع بن رزيك) بعد زوال الجماليين، للتحالف على الصليبيين، رفضها لأنه كان يعد مؤامرة على الذين دعوه لهذا التحالف. فلما سنحت له الفرصة لإنفاذ مؤامرته بادر مسرعاً.
ففي العام 564هـ كان الفرنج الصليبيون يهددون مصر ويتحفزون للوثوب عليها بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هذا مكان سرد تفاصيلها، وكانت الخلافة الفاطمية في مصر لا تبدو بالقوة الكافية، إذ كانت قواها قد استنفد معظمها في مقارعة الصليبيين براً وبحراً، وفي إخماد الفتن، فرأى الخليفة الفاطمي العاضد أن لا قبل لمصر بمدافعة الفرنج فتجلت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبني الآخرين من أوتار وتجاهل ما يحملونه له من عداوة وشنآن، وأغضى على ما طالما بيّتوه له ولأسرته من تآمر وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر مهما كان في الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته، ورأى أن أقرب القوى إليه في الشام وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي…
وكان الفرنج قد زحفوا على عسقلان حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق المدينة)[629]( خوفاً عليها من الإفرنج وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين وأرسل في الكتب شعور نسائه وقال: هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج)[630](.
وكان قد سبق لنور الدين أن أرسل إلى مصر في نوبتين كلاًّ من أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين لأسباب لا مجال لذكرها الآن، فطلب العاضد أن يعود أسد الدين نفسه بحملة على مصر وأعلن أنه يتنازل سلفاً لنور الدين ولأسد الدين عن كثير مما تحت يده، فقرر نور الدين تلبية الطلب فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين.
وكان الفرنج في خلال ذلك قد فكوا الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا، فلم تلق الحملة القادمة حرباً، ثم تسلسلت الأحداث فتولى أسد الدين الوزارة للعاضد وساد أمره وأمر ابن أخيه صلاح الدين، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام ثم توفي فجأة.
وتطلع إلى منصب الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين. يقول صاحب كتاب الروضتين: «فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين فأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمه».
وقد صرح ابن شداد)[631]( في كتاب النوادر السلطانية أن صلاح الدين كان منهمكاً بالشهوات عاكفاً على الخمر. وقد ذكر عبارته هكذا: وشكر نعمة الله فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو أي فعل ذلك بعد توليه الوزارة. وكذلك قال كمال الدين بن العديم في كتابه زبدة الحلب في تاريخ حلب، (الجزء الثاني): «فأرسل العاضد إلى صلاح الدين وأحضره عنده وولاه الوزارة بعد عمه وخلع عليه ولقبه بالملك الناصر فاستتبت أحواله وبذل المال وتاب عن شرب الخمر»)[632](. وإذا كان أنصار صلاح الدين قد اعترفوا بأنه كان سكيراً قبل توليه الوزارة، فالله وحده يعلم ما إذا كان قد تاب أم لا.
على أن أسد الدين، ومن بعده صلاح الدين، كانا مع توليهما الوزارة يعتبران تابعين لنور الدين. يقول إبن أبي شامة: وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه وهو نائب الملك العادل نور الدين والخطبة لنور الدين في البلاد كلها.
ولما أرسل نور الدين أخوه صلاح الدين إليه إلى مصر وفيهم توران شاه وهو أكبر من صلاح الدين، قال له نور الدين: «إن كنت تسير إلى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمته وأنت قاعد فلا تسر فإنك تفسد البلاد واحضر حينئذٍ وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فسر إليه واشدد من أزره»)[633](؛ وهذا يدل على شدة عناية نور الدين بتثبيت أمر صلاح الدين.
وفي المنشور الذي أرسله الخليفة العاضد إلى صلاح الدين يقول العاضد فيما يقول: «وظهور الخيل مواطنك وظلال الخيام مساكنك، وفي ظلمات الليل قساطل الجهاد تجلي محاسنك، وفي أعقاب نوازله تتلى مناقبك فشمر له عن ساق من القنا وخض فيه بحراً من الظبا، واحلل في عقد كلمة الله وثيقات الحبا، وأسل الوهاد بدم العدا، وارفع برؤوسهم الربا، حتى يأتي الله بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخوراً لأيامك…» )[634](.
وهذا يدل على أن العاضد لم يستكن إلى الدعة بعد رحيل الفرنج: بل كان يأمل أن يغزوهم في الأرض المحتلة، وأنه كان يعدّ صلاح الدين لهذه المهمة، وأن قتال الفرنج وتخليص البلاد من حكمهم كان الهدف الوحيد للعاضد، وأنه في سبيل ذلك لم يبال بأن يولي حتى خصومه حكم البلاد ويعهد إليهم بمعونته على الدفاع عنها، بالرغم من أن ماضي هؤلاء الخصوم كان معروفاً، وحقدهم على من يخالفهم في المذهب كان صريحاً، فإن ما فعله نو رالدين في حلب كان معروفاً مشهوراً وكان العاضد يعلمه حق العلم، بالرغم من ذلك تغلبت وطنية العاضد على عصبيته، وحرصه على دينه فاق حرصه على مذهبه، فضرب بذلك أعلى الأمثال لكل الحكام. وقد كان يجب أن يكون هذا الموقف شافعاً له عند من سلمهم البلاد، ولكن لم يشفع له عندهم شيء.
يقول العماد الأصفهاني عن منشور الخليفة العاضد هذا: «وهذا آخر منشور طويت به تلك الدولة وختمت، وتبددت عقودها وما انتظمت».
وبدلاً من أن يكبر العماد هذا المنشور كل الإكبار ويثني عليه كل الثناء لما احتواه من حمية إسلامية وغيرة وطنية، ولما يدل على ما انطوت عليه نفس العاضد من إخلاص وتفانٍ في سبيل الإسلام، وبدلاً من أن يثير هذا المنشور مدح العماد للعاضد أثار شماتته، وهكذا يكون اللؤوم في أبشع صوره وأنكر أشكاله. لا لؤم العماد وحده، بل لؤم من عاصرهم ومن أتى بعدهم حتى اليوم. إن منشور العاضد هذا صفحة من أنضر صفحات تاريخنا، كان يجب أن يلقن في كل عصر لتتعلم منها الإخلاص والتفاني في حب الأوطان، كذلك إرسال العاضد شعور نسائه مستنجداً مضحياً.
ونقول للعماد الأصفهاني: إنه ليشرف الدولة الفاطمية أن يكون هذا آخر منشور لها.
وما قاله العاضد لصلاح الدين في منشوره كان قد قال مثله لعمه أسد الدين شيركوه حين ولاّه الوزارة قبل صلاح الدين، فقد قال العاضد مخاطباً أسد الدين: «… واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق، وقم في الله تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق».
ثم يقول:
«فاطلب أعداء الله براً وبحراً واجلب عليهم سهلاً ووعراً، وقسّم بينهم الفتكات قتلاً وأسراً وغارة وحصراً».
ثم يقول:
«والله سبحانه وتعالى يحقق لأمير المؤمنين فيك أفضل المخايل ويفتح على يديك مستغلق البلاد والمعاقل، ويصيب بها لك من الأعداء النحور والمقاتل، ويأخذ للإسلام بك ما له عند الشرك من الثارات والطوائل».
وللتدليل على ما أولى العاضد من ثقته وتشجيعه وتعضيده لصلاح الدين ننقل عبارة يحيى بن أبي طيّ الحلبي في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين، قال: «أقبل العاضد على السلطان الملك الناصر)[635]( وأحبه محبة عظيمة، وبلغ من محبته له أنه كان يدخل إليه القصر راكباً فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة لا يُعلم أين مقره».
وقال أيضاً: «… ولما استولى الملك الناصر (صلاح الدين) على الوزارة ومال إليه العاضد، وحكّمه في ماله وبلاده حسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية»، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام.
ولم يترك العاضد وسيلة تشيد بصلاح الدين وترفع من شأنه وتزيد في تكريمه إلاّ اتبعها، من ذلك أنه لما ارتحل نجم الدين أيوب والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته، وسار إلى القاهرة ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به، وخالف بذلك قواعد البروتوكول كما نقول باصطلاحنا اليوم، إذ لم تجر العادة بذلك.
ويقول ابن أبي طيّ: «وخلع العاضد عليه ولقبه الملك الأفضل وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا».
ثم تبيّن بعد ذلك أن نجم الدين أيوب إنما قدم مصر ليحكم مع ولده صلاح الدين أمر القضاء على العاضد ودولته.
ولم يطل الأمر، إذ بعد انقضاء سنتين على وصول أسد الدين شيركوه وصلاح الدين إلى مصر، أي سنة 665 هـ، كان صلاح الدين يكافئ العاضد على استنجاده بالمسلمين لحماية الإسلام وبلاد الإسلام، كان يكافئه بالتآمر عليه وعلى دولته، وكان يقابل الثقة الكبرى التي منه إياها العاضد بإطلاق يده في شؤون الحكم، بالعمل على تحطيم أمر العاضد وتوهين حكمه، فأمر أول ما أمر بتغيير شعار الدولة الفاطمية، وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس على حد تعبير صاحب كتاب الروضتين.
ولم تدخل سنة 567هـ حتى «استفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس»)[636]( وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة نفسها. فعل ذلك والخليفة لا يزال حياً.
ومما يجدر تسجيله أنهم لم يجدوا عربياً واحداً يحمل هذا الوزر، فقد أحجم العرب جميعاً أن يطعنوا الدولة العربية الصميمية التي كان تاريخها كله حماية للعرب ودفاعاً عنهم، وعن لغتهم وعلومهم وثقافتهم، أحجم العرب عن أن يطعنوا الدولة العربية هذه الطعنة الغادرة، ويقول ابن أبي شامة: «… وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد قبل الخطيب ودعا للمستضيء بأمر الله…» )[637](.
وأقدم صلاح الدين بعد وفاة العاضد على عمل لم يسبقه إليه أحد، ولم تشهد له مثيلاً أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً «فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر. ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا». ويقول العماد الأصفهاني: «وهم إلى الآن محصورون محسرون لم يظهروا». ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم.
وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين؛ فقال العماد الأصفهاني في قصيدة بذيئة طويلة:
عاد حريم الأعداء منتهك الحمى
وفيء الطغاة مقتسما
والأعداء الذين يتباهى هذا الشاعر بانتهاك حريمهم هم الذين استنجدوا بصلاح الدين على الإفرنج، فكانوا عند صلاح الدين وشعرائه الأعداء الذين يرتكب فيهم هذا الإجرام ويقال فيهم هذا القول…
وإنسانية صلاح الدين المُدّعاة له في معاملته للإفرنج لم تشمل أبناء قومه ودينه. ولم يكن الشعراء وحدهم البذيئين الجحودين، بل كان كذلك كتّاب صلاح الدين، فقال كاتبه القاضي الفاضل من كتاب أرسله إلى بغداد: »… والمذلة في شيع الضلال شائعة، ومزقوا كل ممزق ورغمت أنوفهم ومنابرهم وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً…».
على أن أفجع الفواجع كان ما لحق خزائن الكتب، ونترك الكلام في وصفه لابن أبي طيّ قال: «ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب وكانت من عجائب الدنيا لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تارخي الطبري، ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب)[638]( وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة».
وقد شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباءً منثوراً، وأتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها. ويقول العماد الأصفهاني في ذلك: «وفيها بالخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي. وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام يتصرف بها بشره الانتهاب والالتهام…».
والعماد هذا الذي رأينا بذاءته فيما تقدم من شعره لم يستطع أمام فاجعة العلم إلاّ أن يكون أكثر تحفظاً.
وصاحب كتاب الروضتين أبدى من التشفي والبذاءة ما لم يقصر به عن كل من تحدث عن ذلك من قرنائه، ومع ذلك فهو نفسه الذي تحدث عن استنجاد العاضد بنور الدين، مما لا يستطيع إنكاره، كما لم يستطع إنكار غير ذلك، مما يدل على أرفع مثال للوطنية والحمية الإسلامية والعربية التي كان عليها هؤلاء الذين شمت بهم ونبزهم بما نبزهم به وهو يتحدث عن انقراض دولتهم.
ومع أن نور الدين كان ولي نعمة صلاح الدين وسبب تملكه وتفوقه، فقد بدأ صلاح الدين يتنكر له ويتنمر عليه، فقد كان نور الدين عازماً على الدخول في معارك فاصلة مع الإفرنج ومجاهدتهم مجاهدة حاسمة، فأرسل يستحث صلاح الدين على أن يتقدم من ناحيته، ولكن صلاح الدين كان لا يجيب. ونترك الكلام هنا للمؤرخ ابن الأثير: «وكان المانع لصلاح الدين من غزو الفرنج الخوف من نور الدين، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم، وكان نور الدين لا يرى إلاّ الجد في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز بالمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يردّ».
لسنا نحن الذين نروي هذا القول، بل إن الذي يرويه هو ابن الأثير، وصاحب كتاب الروضتين ولا يرى فيه شيئاً. وهو الذي تكلم من قبل، وأبدى ما أبدى من القحة واللؤم على البريئين والشرفاء. ويروي ابن العديم في الجزء الثاني من كتابه هذا الأمر بهذا النص: «سار الملك الناصر، (صلاح الدين)، من مصر غازياً فنازل حصن الشوبك وحصره، فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام فلما سمع نور الدين بذلك سار من دمشق فدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر، (صلاح الدين): إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الإفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت ها هنا فلا بد من الاجتماع به ويبقى هو المتحكم فيك بما يشاء والمصلحة الرجوع إلى مصر فرحل عن الشوبك إلى مصر». وكرر ابن العديم الرواية في مقام آخر قائلاً: «واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهته وتواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال الفرنج وأيهما سبق أقام للآخر منتظراً إلى أن يقدم عليه فسبق صلاح الدين ووصل الكرك وحصره. وسار نور الدين فوصل الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان. فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر لعلمهم بأنهما متى اجتمعا كان نور الدين قادراً على أخذ مصر منه. فعاد إلى مصر، (وكتب إلى نور الدين يعتذر…)».
ونعتقد أن هذا الكلام الذي رواه ابن الأثير وابن أبي طيّ غنيّ عن أي تعليق وأنه، مضافاً إلى ما هو أعظم منه، يضع حداً لأسطورة صلاح الدين الأيوبي…
رفض صلاح الدين
نجدة الناصر العباسي له
سيكون اعتمادنا في كتابة هذا الفصل على ما دوّنه العماد الأصفهاني في كتابه الفتح القسي في الفتح القدسي، في الطبعة التي حققها محمد محمود صبح، وذلك لكي لا نظلم صلاح الدين في شيء، إذ أن العماد الأصفهاني كان عمله في ركاب صلاح الدين عمل جماعة الإعلام اليوم، الذين يصطحبهم جماعة الحكم في تنقلاتهم ليذيعوا على الناس أخبارهم في وسائل الإعلام، المكتوب منها أو المسموع أو المرئي.
لذلك فهو لا يُتهم فيما يسجله عن صلاح الدين، وإن اتهم بالمبالغة في المديح والتملّق.
والعماد هذا ولد في أصفهان سنة 519هـ ثم جاء إلى بغداد واتصل بالوزير ابن هبيرة)[639]( فولاّه أعمالاً حكومية. وبعد وفاة ابن هبيرة سجن ثم أفرج عنه، وضاقت أموره فرحل إلى دمشق فاتصل أولاً بنور الدين فكتب بين يديه وولاّه المدرسة التي أنشأها بباب الفرج التي يقال لها العمادية نسبة إلى سكناه بها وإقامته فيها. ثم اتصل بنجم الدين والد صلاح الدين ثم بصلاح الدين. وصار يرافقه في حلّه وترحاله، ويسجل ما يحلو له تسجيله، فكان من ذلك كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي، وهو ما قلنا إننا نعتمد عليه في كتابة هذا الفصل.
يفاجئنا العماد في الصفحة 183 بوصول مبعوث من دار الخلافة بغداد إلى صلاح الدين، هو تاج الدين أبي بكر حامد، أخو العماد الأصفهاني حاملاً رسالة يصفها العماد بأنها «في العتب على أحداث ثقلت وأحاديث نقلت ووشايات أثرت وأرثت)[640]( وسعايات في السلطان عثت)[641]( في الأحوال وشعثت».
وكان وصول هذا المبعوث، كما يذكر العماد، في شهر شوال سنة 583هـ. وإذا علمنا أن فتح القدس كان في رجب من تلك السنة عرفنا أنه كان بين الفتح ووصول الرسول مدة قصيرة هي ثلاثة أشهر. فماذا حدث بين الخليفة الناصر وبين صلاح الدين، ما أدى إلى أن تكون رسالة الناصر على هذا النحو من الشدة التي يحدثنا عنها العماد؟
وإذا تجاوزنا العبارات: «أحاديث ثقلت ووشايات أثرت وأرثت وسعايات في السلطان عثت في الأحوال وشعثت».
إذا تجاوزنا هذه العبارات، على خطورتها، وعلى ما ترمز إليه من عمق الهوة بين الرجلين، واشتداد نقمة الناصر على صلاح الدين…
إذا تجاوزناها واقتصرنا على عبارة واحدة، وهي: «أحداث ثقلت»، فإنه يتبين لنا أن هناك أحداثاً معيّنة أثارت غضب الناصر، فما هي هذه الأحداث؟ وقبل أن نجيب على السؤال لا بد من أن نشير إلى ما ذكره العماد من أن نصوص رسالة الناصر إلى صلاح الدين كانت عنيفة، فالعماد يقول تارة بأنها خشنة، شديدة، وتارة يقول بأن فيها غلظة. ويقول بأن صلاح الدين وصفها بأنها ألفاظ فظاظ وأسجاع غلاظ، وإنه علق عليها قائلاً: «قد كان أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظاً وأرفق» أما الأحداث التي أدت إلى ذلك فإن العماد يوضحها لا على لسانه، بل على لسان من سمّاهم جماعةً من الأكابر اجتمعوا بالسلطان صلاح الدين. حيث إن صلاح الدين أراد أن يمهد في النفوس لتبرير تمرده على الخليفة، فتظاهر بالسكوت ولكنه راح يعرض رسالة الخليفة على من سماهم أكابر ليكونوا هم البادئين بالتمرد، وليتظاهر بأنه محمول على التمرد.
إن العماد يذكر لنا أن أسلوب صلاح الدين قد نجح، فإن أولئك الأكابر قالوا له تعليقاً على رسالة الخليفة: «وقد نسب حقك إلى البطلان ورميت بالبهتان ولمحت طاعتك بعين العصيان، فكيف خفت وما عفت وألفت وما أنفت ورغت وما غرت وصبرت وما سبرت وأغضيت لما أغضبت وأعتبت لما عوتبت وراقبت وما روقبت».
ثم يزيدنا إيضاحاً قائلاً: «ووجد الأعداء حينئذٍ إلى السعاية طريقاً وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقاً. واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل. وقالوا: هذا يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة، وإنه ينعت بالملك الناصر، نعت الإمام الناصر، ويدل بما له من القوة العسكرية».
إذا كان تنتيجة معركة حطين هي فتح القدس، فإننا إذا استثنينا الميزة القدسية لمدينة القدس فهي مدينة ككل المدن الفلسطينية، لا يعدو فتحها فتح أية مدينة من تلك المدن، فإذا كانت القدس قد فُتحت، فإن القسم الكبير من فلسطين وغير فلسطين كان لا يزال محتلاً. فالوقوف عند فتح القدس وما نال فتحها من ابتهاج المسلمين وسرورهم وتمجيد الفاتحين. إن الوقوف عند هذا كان معناه التغاضي عما لا يزال محتلاً من البلاد، وعن وجود الصليبيين سادة لتلك البلاد.
لذلك عزم الخليفة الناصر الذي كان قد تخلص من سيطرة السلاجقة واستقل برقعة كبيرة من الأرض الإسلامية)[642]( تمتد إلى ما وراء خراسان، والذي كان قد بنى جيشاً قوياً)[643](، عزم الخليفة الناصر على أن يرسل جيشه إلى فلسطين للتعاون مع جيش صلاح الدين على تحرير ما لم يتحرر من الأرض الإسلامية.
وكان لا بد من استشارة صلاح الدين في ذلك، ولكن صلاح الدين وقف من الخليفة الناصر نفس الموقف الذي وقفه من قبل من نور الدين حين طلب إليه نور الدين أن يزحف من مصر، في حين يزحف نور الدين من الشام ويحصرا الصليبيين بين الجيشين مما يسهل القضاء عليهم، فأبى ذلك صلاح الدين لأنه اعتقد أنه إذا زال الصليبيون أصبح تابعاً لنور الدين، ولما أدرك أن نور الدين عازم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه احتمى منه بالصليبيين، كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم مما ذكرناه في مكان آخر من هذا الكتاب.
هنا أيضاً وقف صلاح الدين الموقف نفسه من الخليفة الناصر، فرفض قدوم جيش الخلافة لقتال الصليبيين والقضاء عليهم، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له.
ولما بلغ الخليفة هذا الرفض أرسل رسالته الشديدة المملوءة تعنيفاً لصلاح الدين، وهي الرسالة التي مر ذكرها.
ويبدو أنه بدرت من صلاح الدين في مجالسه بوادر تهديد ووعيد للخليفة، بلغ خبرها مسامع الخليفة، فرأينا العماد يقول فيما تقدم من قوله: «إنه يقلب الدولة ويغلب الصولة ويدل بما له من قوة عسكرية».
ولما كان اسم الخليفة أحمد، والناصر لقبه، واسم صلاح الدين يوسف، والناصر لقبه، فيبدو أن صلاح الدين تباهى بأنه إذا كان الخليفة: الناصر، فأنا أيضاً: الناصر، مما أشار إليه العماد.
وحيث إن صلاح الدين استشعر الشدة في رسالة الناصر، وقرر في نفسه التمرد على الخليفة إلى حد قتال جيشه إذا أصرّ على إرساله إلى فلسطين، رأيناه يمهد لذلك باستشارة الأكابر ليكونوا المتحمسين لقتال جيش الخليفة مما رأيناه فيما تقدم من القول.
ثم راح في مجالسه يمنّ على الخليفة العباسي بقضائه على الدولة الفاطمية، شاتماً الفاطميين ملقباً خليفتهم بالدعيّ، إلى غير ذلك مما يرويه العماد عن لسان صلاح الدين: «أما فتحنا مصر وقد باضت بها دعوة الدعيّ وفرخت، أما استأنفنا بها تاريخ الدولة العباسية بعد أن كانت سنين بسداها أرخت، أما استخلصت اليمن وللدعيّ بها داع وللهدى فيها ناع وللضلال فيها راع».
وإذا كانت هذه هي أحاديثه في مجالسه الخاصة بين أتباعه وأكابره، وكلها استثارة وتهديد ووعيد، فقد رأى أن يؤخر الصدام بالخليفة، وأن لا يجعل في استفزازه قبل ان يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، لذلك كان جوابه على رسالة الخليفة جواباً غير شديد، بل هو أقرب إلى اللين والموادعة.
ثم يحدثنا العماد عن وصول رسول آخر من الخليفة الناصر إلى صلاح الدين، ولا يوضح لنا العماد حقيقة مهمة هذا الرسول، وإن كان قد ذكر في ص 279، أنه أخبرهم بأن الخليفة أعلن إبنه أبا نصر محمداً ولياً لعهده.
ولا نحسب أن مثل هذا الخبر يقتضي إرسال رسول خاص، ولا شك أنه كانت لهذا الرسول مهمة أخرى إذا كان العماد لم يعلنها صراحة، فإنه قد أعلنها ضمناً خلال إيراده جواب صلاح الدين على رسالة الخليفة.
والحقيقة البارزة فيما يدونه العماد هي أنه يتعمد التعتيم على نصوص رسائل الخليفة في حين يبرز أجوبة صلاح الدين على تلك الرسائل إبرازاً كاملاً، ومع ذلك لا يقتضينا الأمر جهداً لنكتشف حقيقة مضامين رسائل الخليفة من نصوص أجوبة صلاح الدين التي كان يكتبها له العماد نفسه.
وإذا كان قد ذكر في مواضع أخرى شيئاً من نصوص بعض رسائل الخليفة، فإنه هنا لم يشر إلى شيء من ذلك.
وهذا يدلنا على أن في الرسالة أشياء خطيرة فضّل العماد كتمانها، وهذه الأشياء تعود إلى إصرار الخليفة على إرسال جيشه إلى فلسطين. وقد بدت هذه الحقيقة من جواب صلاح الدين حيث راح في هذا الجواب يهوّن من أمر الاحتلال الصليبي، قائلاً: «فلم يبق به من المدن المنيعة إلا صور وطرابلس، ومعالم الكفر بهما في هذه السنة المحسنة بعون الله تدرس. وأما إنطاكية فإنها بالعراء منبوذة، وعند الاتجاه إليها مأخوذة. على أنها بوقم قومها عام أول موقوذة وحدود العزائم إليها عند انقضاء هدنتها مشحوذة. فإنها قد نقضت من أطرافها، ودخل عليها من أكنافها…»، إلى امثال هذه العبارات التي يراد منها التقليل من شأن بقاء الصليبيين فيما بقوا فيه من مدن وأرباض، مما لا يستدعي إرسال جيش خليفي، وأنه مستطيع وحده إجلاء الصليبيين.
في مواجهة الحملة الألمانية
ثم جاءت الأخبار بقدوم حملة ألمانية كبيرة اجتازت القسطنطينية وشقّت طريقها في الأناضول ودخلت مدينة قونية، فحالفها الملك السلجوقي قلج أرسلان. ويقول العماد عن ذلك، (ص 390): «وتراسل هو، (قلج أرسلان)، وملك الألمان واتفقا في الباطن على ما كان بينهما من المواثيق والأيمان، وحمل له الملك وفراً وافراً ووافقه على العبور إلى الأقاليم الشامية والبلاد الإسلامية»… إلى آخر ما قال.
هنا تنبّه صلاح الدين إلى هذا الأمر، وعلم أن أخبار هذه الحملة الضخمة ستصل إلى الخليفة الناصر، وسيكون حافزاً له على التأهب لدخول فلسطين ومصادمة الصليبيين القادمين أقوياء. لذلك استبق الأمور ولم ينتظر رسولاً من الخليفة، بل بادر مسرعاً إلى إرسال رسالة إلى الخليفة يهوّن له فيها أمر الحملة الصليبية الجديدة، ناسباً تقدمها إلى خيانة قلج أرسلان وأولاده قائلاً فيما قال:
«ثم ورد الخبر بأنهم، (قلج أرسلان وأولاده)، صالحوهم وصانعوهم وأخلوا لهم الطريق وأودعوهم ووسعوا لهم في المضايق وسعوا في أمن طرقهم من الطوارق».
ثم يختم رسالته مطمئناً الخليفة الناصر قائلاً: «والخادم منفرد في عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض، وهو واثق بأن بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأن الذي يستبعد من النصر القريب يتسق ويتسع به سلكه ومسلكه إن شاء الله».
ويذكر العماد إرسال صلاح الدين رسولاً آخر إلى الخليفة الناصر، (ص 332)، ونستطيع استجلاء حقيقة مهمة هذا الرسول مما ذكره العماد عن رجوع هذا الرسول من بغداد ومقابلته صلاح الدين، ثم من الحوار الذي جرى بين صلاح الدين والأمراء الذين جمعهم متظاهراً بالتشاور معهم. يقول العماد: «ثم اجتمع، (الرسول)، بالسلطان وندّمه على ما قدمه وأعلمه بما علمه». ثم يكمل العماد حديث الرسول وإنه قال لصلاح الدين: «فكن للإمام يكن لك واقبل أمره ليقبلك».
لقد كانت مهمة رسول صلاح الدين إقناع الخليفة بعدم إرسال جيشه إلى فلسطين، ما أغضب الخليفة، وما جعل الرسول يُندّم صلاح الدين على ما قدمه، وأن يقول له: «كن للإمام يكن لك واقبل أمره ليقبلك».
ولم يكن أمر الخليفة إلاّ دخول جيشه إلى فلسطين ومطاردة الصليبيين فيها بغير إنفاذ هذا الأمر فعلى صلاح الدين أن لا يطمع برضا الخليفة.
وكان على صلاح الدين أن يبتّ في قراره وأن لا يطمع في الجمع بين رضا الخليفة وبين رفض تنفيذ أوامره. فإما هذا وإما هذا.
ووازن صلاح الدين بين الحالين فلم يتردد في اختيار غضب الخليفة بعدم إنفاذ أمره. وذلك لأن وصول جيش الخلافة إلى فلسطين كان سيقضي على الصليبيين فيها، وبذلك تدخل فلسطين في حكم الخلافة الإسلامية، ويصبح صلاح الدين مجرد والٍ من ولاة الخلافة يتبع السلطة المركزية في بغداد. وهذا ما لا يرضى به صلاح الدين، ففضل بقاء الصليبيين فيما هم فيه من بلاد الشام فيكون مستقلاً فيما في يده منها وما في يده من غيرها.
وهنا عمد إلى أسلوبه الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أن لا يجعل الرفض صادراً منه رأساً، بل نتيجة استشارات الأمراء والقواد، في حين يكون قد أوحى لهم بما يريد من الرفض والقبول.
يقول العماد:
«جمع السلطان الأمراء على المشورة ووقفهم على المعنى والصورة. وقال لهم: قد وعدت الخليفة على لسان الشهرزوري بشهرزور)[644](، واستدعيت عسكره المنصور وربما قدم إلينا الحضور فيكمل لنا النصر والحبور».
فهو هنا يتظاهر بقبول تنفيذ مطلب الخليفة، بل يعلن أنه هو نفسه استدعى عسكر الخليفة، تاركاً للحاضرين أن يرفضوا الطلب مبرئاً نفسه من عصيان أوامر الخليفة والخروج عليه.
فكان من ردهم قولهم كما سبكه العماد بأسلوبه الخاص: «هذا رأي رائب وشأو شائب»)[645](.
فتسلح صلاح الدين بما ادعاه من رفض الأمراء، وراح يمهد لإنهاء الحرب مع الصليبيين والتسليم باحتلالهم لما يحتلونه من أرض الوطن، لأنه خشي أن يصر الخليفة على إرسال جيوشه إلى فلسطين، فإن فعل فهو مصمم على قتال تلك الجيوش، ولأجل أن يتفرغ لقتالها عليه أن يصالح الصليبيين وينهي الاقتتال معهم، ليتوجه بقوته كلها لقتال جيوش الخلافة الإسلامية المتوجهة إلى فلسطين.
أراد صلاح الدين أن يبرر أمام الخليفة تمرده عليه، وأن يعلل تعليلاً غير مباشر سبب رفض الأمراء الذين زعم أنه شاورهم، رفضهم مواصلة قتال الصليبيين، وبالتالي رفض قدوم جيش الخليفة الذي لو قدم لكانوا مضطرين لمواصلة القتال الذي يرون أنهم لا يطيقونه، فأرسل إلى الخليفة الرسالة التالية التي تتضمن صورة موهنة للعزائم، تمثل انهيار القوى المقاتلة وتضعضعها، وعجزها عن الصمود بعد ما حل بها في المعارك السابقة، والرسالة مكتوبة بقلم العماد وأسلوبه الثقيل، نأخذها هنا بنصها عن كتاب الفتح القسي وهي كما يلي:
«وقد نهك العسكر طول البيكار)[646](، وأنضاه قتال الكفار بالليل والنهار، لا سيما في هذه السنين الأربع، فإنه لم يعرج فيها عن مباشرة الحروب ومغامرة الكروب على مصيف ولا مربع. ولا شتا ولا صاف، إلاّ حيث صف العدو وصاف. وقد تكررت عليه الزحوف، وتعثرت به الحتوف، وتفللت منه السيوف، وتحلحلت به الصفوف، وتمخضت بآحاده الألوف، وتمخضت لجنى بيضه وسمره من ورق الحديد الأخضر القطوف. حتى سئم وملّ، وضجر وكلّ، وكم عقد عزمه وحلّ، وأنهل نصله من دم الكفار وعلّ، وأمل النصر فقال عسى ولعلّ».
«وأما خيوله فقد أجهدها الجهاد، وأنضاها الطراد، وفرى جلودها الجلاد، وعزت فيها لكثرة الجراح الجياد، وأعادت شهبها كما حدود البيض الحداد. وحيث داخلها الرعب من خروج الجروخ للجروح، وتفريق السهام منها بين الجسم والروح، صارت تنفر من رنة الحنية، وأنة المبرية، كأنّ عندها للأوتار أوتاراً، ولطائرات النصال في لباتها أوكاراً، أو كأنها لما رأت أنها تباريها في المطار، وتجاريها في المضمار، ثارت لإدراك الثار، وهذا سبب ما حدث من النفار، وما عادت الآن تدخل على راجل الكفار».
«وأما العدد فقد فقدت بالكلية وعدمت، وتكسرت وتحطمت، وتقصفت وتقصبت وتقصمت، وقتلت قبل المقاتل بها وفي يد من استشهد استشهدت».
«وأما النشاب فإنه قد فنى، بعد أن اتخذ من أخشابه جميع ما وجد واقتنى. وقد عدمت أشجاره في منابتها، وأعوزت أخشابه من مناحتها. ونفضت الخزائن، وأنقضت منه ومن كل ما يُذخر الخزائن. وما تبرح الصناع في الممالك بمصر والشام، وما يجري معها من بلاد الإسلام، يبرون ويريشون، وينصلون ويعملون، ويكلمون ويحملون».
«واحتيج في هذه السنين التي استمر فيها القتال، إلى أحمال كثيرة لا يفي بها الصناع ولا يرفعها العمال. وحسبها أن نصولها أعدمت من حديدها المعادن، وخلت من ذخائرها الأماكن. هذا والخادم قائم بأداء هذا الفرض وحده، مسترهف في قطع دابر المشركين غرب عزمه وحدّه. وما استمر على مساعدته، وموازرته ومعاقدته، إلاّ صاحبا الموصل وسنجار، وكلاهما عن سنن الإسعاف والإسعاد ما جار. فهو يحضر تارة بنفسه وآونة بولده، ويستمر من جد الموازرة على جدده، ويواظب بعَدده وعُدده، ومدده في مطاولة مدده».
بهذه الصورة القاتمة صور صلاح الدين الموقف للخليفة ليثبط عزمه على إرسال جيش لقتال الصليبيين.
وصلاح الدين هذا الذي أرسل هذه الرسالة التي يعلن بها العجز عن الحرب كان في الوقت نفسه يعدّ لحرب لا على الصليبيين، بل على المسلمين.
وصلاح الدين الذي أبرز للخليفة جيشه بهذا المظهر الهزيل الضعيف العاجز عن القتال، كان يتشاور مع أهله ليغزو بهذا الجيش بلاداً إسلامية.
صلاح الدين الذي زعم في هذه الرسالة أن جيشه ملّ الحرب كان يعد لحرب جديدة ولكن لغير قتال الصليبيين ولغير تخليص البلاد منهم.
راح يفتش عن مكان آخر يقاتل فيه لأن إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحد من نفوذه ويقلل من هيمنته. أما القتال في مناطق أخرى فإنه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام.
ولو أن المناطق التي عزم على القتال فيها هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر، ولكن صلاح الدين الذي عزم على مسالمة الصليبيين وإنهاء الحرب معهم والتسليم بوجودهم… صلاح الدين هذا كان يخطط لغزو البلاد الإسلامية وسفك دماء المسلمين تحقيقاً لمطامعه الشخصية. عزم على ترك الصليبيين في أمان واتجه لترويع المسلمين الآمنين.
قال ابن الأثير وهو يتحدث عن وفاة صلاح الدين:
«كان قد أحضر قبل مرضه ولده الأفضل عليّاً وأخاه الملك العادل أبا بكر واستشارهما فيما يفعل، وقال قد تفرغنا من الفرنج وليس لنا في هذه البلاد شاغل، فأي جهة نقصد؟ فأشار عليه أخوه العادل بقصد خلاط لأنه كان قد وعده إذا أخذها أن يسلمها إليه. وأشار ولده الأفضل بقصد بلد الروم التي بيد أولاد قلج أرسلان، وقال هي أكثر بلاداً وعسكراً ومالاً وأسرع مأخذاً وهي أيضاً طريق الفرنج إذ خرجوا على البر فإذا ملكناها منعناهم من العبور فيها».
«فقال: كلاكما مقصّر ناقص الهمة. بل أقصد أنا بلد الروم)[647](، وقال لأخيه تأخذ أنت بعض أولادي وبعض العساكر وتقصد خلاط فإذا فرغت أنا من بلد الروم جئت إليكم وندخل منها آذربيجان ونتصل ببلاد العجم فما فيها من يمنع عنها. ثم أذن لأخيه العادل في المضي إلى الكرك وقال له تجهز واحضر لنسير. فلما سار إلى الكرك مرض صلاح الدين وتوفي قبل عوده».
وقال مثل ذلك ابن كثير في الصفحة 2 من الجزء السابع.
يقول صلاح الدين: لقد تفرغنا من الفرنج، وليته كان قد تفرغ منهم باستئصالهم مستعيناً عليهم بجيش الخلافة، ولكنه تفرغ منهم بمصالحتهم وترك البلاد لهم وإعادة ما أخذه منهم إليهم، كما سيأتي بيانه.
لقد تفرغ منهم بذلك وراح يحاول الانشغال عنهم بغزو المسلمين.
الاتجاه إلى الصليبيين
أرسل صلاح الدين رسالته المقدم ذكرها إلى الخليفة الناصر، غير واثق من أن الناصر سيقنع بالعدول عن الزحف إلى فلسطين. وخوفاً من المستقبل المجهول، وحذراً من أن يصر الناصر على عزمه صمم صلاح الدين على الاتجاه إلى الصليبيين لإيقاف الحرب معهم أولاً، ثم للتحالف معهم على قتال جيوش الخلافة إذا دخلت فلسطين.
ففي الوقت الذي كان يرسل رسالته إلى بغداد، كان يراسل الصليبيين الصلح معهم، وكان الوسيط بينه وبينهم أخاه العادل الذي تولى بنفسه الاتصال بالصليبيين لعقد متمثلين بملك الإنكليز الذي يسميه العماد ملك الأنكتير. ويصف العماد استجابة الملك الصليبي للصلح وجوابه للعادل على طلبه بأسلوبه المعهود.
ومن الطريف، وربما هو من المحزن، أن العادل المندوب المفاوض، لم يكتف بزوجاته المسلمات، ولم يشغله الأمر الخطير القادم عليه، بل طار به الخيال إلى الجمال الأوروبي والأنوثة الإنكليزية، فرآها فرصة سانحة ليدخل في حريمه، إلى جانب الكرديات والعربيات والتركيات، غادة تيمزية، تلوّن له مفاتن الجمال فيجمع فيه بين السمرة والشقرة، وبين الزرقة والسواد…
لذلك حاول إغراء ملك الإنكليز بأن يزوجه أخته، وجعل ذلك من مقومات عقد الصلح، وبهذه المصاهرة يصبح الإنكليز من ذوي القربى فتتوحد المصالح وتتمازج الأهداف، هذه المصالح وهذه الأهداف التي كان عليها أن تتوحد وتتمازج لمواجهة الخطر المتوقع، خطر اقتحام فلسطين من جيوش الخلافة الإسلامية.
ويبدو أن ملك الإنكليز قد منّى العادل أول الأمر وأطمعه ليزداد حماسة للتحالف بين الفريقين، ولما تيقن الملك الإنكليزي من تهالك صلاح الدين على مصالحتهم والتحالف معهم، عاد يتأبى على العادل تحقيق مطلبه كما سنرى فيما دونه العماد الأصفهاني في الفتح القسي.
وإننا لنأخذ هنا نص ما ذكره العماد تظرفاً وتأسفاً معاً؛
قال العماد:
«وصلت رسل ملك الأنكتير إلى العادل بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ بالمهاداة، والترك للمعاداة. والمظاهرة بالمصاهرة، وترددت الرسل أياماً، وقصدت التئاماً، وكادت تحدث انتظاماً. واستقر تزوج الملك العادل بأخت ملك الأنكتير، وأن يعول عليهما من الجانبين في التدبير. على أن يحكم العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد. وتكون الامراة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في أوجها. ويرضي العادل مقدمي الفرنج والداوية والأسبتار ببعض القرى، ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا. ولا يقيم معها في القدس إلاّ قسيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان».
«واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد؛ وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد؛ وهم: علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين عثمان وعز الدين بن المقدم وحسام الدين بشارة، وقال لنا: تمضون إلى السلطان، وتخبرونه عن هذا الشأن. وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد، وأنا أبذل فيها ما في وسع الاجتهاد».
«فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب، وما أخر الجواب. وشهدنا عليه بالرضى، وحسبنا أنه كمل الغرض وانقضى. وذلك في يوم الاثنين تاسع عشر رمضان».
«وعاد الرسول إلى ملك الأنكتير لفصل أمر الوصلة، وإراحة الجملة وإزاحة العلة. واعتقدنا أن هذا أمر قد تم، ونشر انضم، وصلاح عم، وصلح أذم، وحكم مضى، واستحكم به الرضى، وأن الأنثى تميل إلى الذكر، وتزيل وساوس الفكر؛ وأن بركوب الفحل، النزول على الذّحَل)[648](، وأن الشكر)[649]( يجلب الشُّكر، ويبدل بالعرف النكر؛ وأن الوقاع يؤمن من الوقائع، وأن القراع ينقضي بانقضاض القارح القارع. وأن الحرب بكسر الحاء وحذف الباء سلم)[650](، وأن غرم العرس في العسر يسر وغنم. وأن هذا الأخ لتلك الأخت كفو، وأن هذا العقد للخرق المتسع رفو، وأن الكدر يعقبه صفو؛ وأن التزويج ترويج، وتقويم لما فيه تعويج».
«وشاع الذكر، وضاع النشر، وذاع السر، وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورؤوسهم، فقصوه على قسوسهم، وعسروا على عروسهم. فجبهوها)[651]( بالعذل واللذع، وأنجهوها)[652]( بالقدع والقذع)[653](. وقالوا لها: كيف تفجئيننا بأفجع ملم مؤلم. وتسلمين بضعك لمباضعة مسلم. فإن تنصّر تبصّر، وإن تسرع فما تعسر، وإن أبى أبيناه، وإن أتى أتيناه، وإن خالف خالفناه، وإن حالف حالفناه، وأي وجهة هنا للائتلاف، ونحن لاختلاف الدين ندين بالخلاف».
«فرهبت بعدما رغبت، وبطلت بعدما طلبت، وسلت بعدما سألت، ونزت بعدما نزلت، وكرهت وكانت شرهت، وكانت اكتحلت فودت أنها مرهت)[654](، فأرسلت إلى الرسول، وأقبلت عليه بالقبول، ثم تصلبت في القسم، وأقسمت بالصليب، أنها مجيبة إلى التقرير والتقريب، وأنها مسارعة إلى التمكين، لكن بشرط الموافقة في الدين، فأنف العادل وعدل عن استئناف الحديث، وأبى الله أن يجمع بين الطيب والخبيث».
«اعتذر الملك بامتناع أخته، وأنه في معالجتها وتعرف رضاها في وقته».
خداع صلاح الدين
كان صلاح الدين في هذا الوقت يلعب لعبته المزدوجة، في وقت واحد كان يرسل رسولاً جديداً إلى الخليفة في بغداد يتظاهر فيه بالصمود ليبعد عنه شبهة الاستسلام للصليبيين، فلا يفطن الخليفة لما يجري في الخفاء، وكان يرسل أخاه العادل للقاء الملك الصليبي للإسراع في إبرام اتفاق الاستسلام.
فالعماد يذكر في كتابه بدء المفاوضات مباشرة بين العادل والملك الإنكليزي قائلاً بهذا النص: «وفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال ضرب الملك العادل بقرب اليزك لأجل ملك الإنكليز ثلاث خيام وأعد فيها كل ما يراد من فاكهة وحلاوة وطعام. وحضر ملك الأنكتير وطالت بينهما المحادثة ودامت المثافنة والمنافثة. ثم افترقا عن موافقة أظهراها ومصادقة قرراها».
ثم يشير إلى إرسال صلاح الدين رسالة إلى الخليفة في بغداد يتجاهل فيها المفاوضات الجارية بينه وبين الصليبيين والتي بدت طلائع نجاحها كما يقول العماد.
لا يتجاهلها فقط، بل يتظاهر باستمراره في القتال، ويقول في رسالته مثل هذه العبارات: «وما ينقضي يوم إلاّ عن نصرة تتجدد ونعمة تتمهد وجمع للعدو يتبدد وجمر لنكاية فيه يتوقد، وخدّ للسيف من حدة يوم الشرك يتورد، وفتح بكر من الحرب العوان بلقاح البيض الذكور يتولد…».
يكتب هذا وأمثاله للخليفة في بغداد، في نفس الوقت الذي كان فيه أخوه العادل يخطب أخت ملك الإنكليز، وفي نفس الوقت الذي نصبت فيه خيمة المفاوضات وملأها مندوب صلاح الدين أخوه العادل بالفاكهة والحلاوة والطعام، وفي نفس الوقت الذي افترق فيه المفاوضان الكبيران عن موافقة أظهراها ومصادقة قرراها ـ كما يقول العماد.
ثم لا يبالي صلاح الدين بالتناقض بين رسالته هذه وبين رسالته التي أرسلها من قبل، والتي يصف جيشه فيها بالوهن والتمزق وعدم القدرة على مواصلة الحرب.
لقد اعتمد صلاح الدين في موافقة الخداع، فهو عندما كان يهمه تثبيط عزم الخليفة على مواصلة الحرب عمد إلى وصف جيشه بما وصفه به من الضعف والانهيار.
وعندما بدأ مفاوضات الاستسلام والتحالف خشي أن تتسرب أخبارها إلى الخليفة في بغداد، فتظاهر بالقوة ومواصلة الحرب ليطمئن الخليفة الناصر.
الاستسلام
انتهت المفاوضات بالاستسلام الكامل للصليبيين، لا بإنهاء حالة الحرب بين الفريقين فقط.
هذا الاستسلام مرده إلى أن صلاح الدين كان بحاجة للصليبيين لمقاومة جيوش الخلافة إذا أصر الناصر على إرسال جيوشه، وعلم الصليبيون بهذه الحاجة فاشتطوا في مطالبهم ونزل صلاح الدين على مطالبهم، فكان أن أعاد إليهم معظم فلسطين ما عدا القدس.
لنستمع إلى عميل آخر من عملاء صلاح الدين، هو قاضيه ابن شداد، ونحن لا نريد أن ندين صلاح الدين إلا بلسان عملائه الذين لم يستطيعوا إنكار كل الحقائق.
يقول ابن شداد في كتابه الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة، يقول وهو يتحدث عن حيفا، (ص 177 ـ 178): «لم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاث وثمانين، فلم تزل في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة التي وقعت بينه وبينهم وذلك سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، ولم تزل بعد في أيديهم».
ويقول وهو يتحدث عن الرملة واللد، (ص 173 ـ 184): «ولم تزل في أيديهم، (الفرنج)، إلى أن ملكها وملك معها لد الملك الناصر صلاح الدين يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ولم تزل في يده إلى ان وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج في سنة ثمانٍ وثمانين فنزل لهم عن البلاد».
ويقول وهو يتحدث عن يافا، (ص 256): «ولم تزل في أيديهم، (الفرنج)، إلى أن فتحها عنوة الملك الناصر صلاح الدين سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة على يد أخيه العادل وخربها وبقيت خراباً إلى أن تقررت الهدنة بين الملك الناصر، (صلاح الدين)، وبين الفرنج وشرطوا عليه إبقاءها في أيديهم».
أما المقريزي في الخطط (ص 235 ج 1) فيحدد ما سلّمه صلاح الدين للصليبيين، من يافا إلى عكا إلى صور وطرابلس وإنطاكية.
ويقول الدكتور حسين مؤنس، وهو من المدافعين في هذا العصر عن صلاح الدين، يقول في مجلة العربي، العدد 149: «تنازل، (صلاح الدين)، للصليبيين عن جزء من الساحل يمتد من صور إلى حيفا».
وكعادة صلاح الدين في كل ما يقرره في الأمور المصيرية التي لا تتفق قراراته فيها مع صالح الأمة، بجعل هذه القرارات صادرة عن غيره، وأن دوره هو في تبني ما يقرره الآخرون ـ كعادته هذه جمع فريقاً من صنائعه وعرض عليهم ما عزم عليه من قرار الاستسلام وأنه ينتظر رأيهم في ذلك.
وكان فيما قاله لهم، كما يذكر العماد، (ص 603): «فأحضر السلطان أمراءه المشاورين وشاورهم في الأمر وأظهرهم على السر واستطلع ما عندهم من الرأي وسرد لهم الحديث من المبادئ إلى الغاي». فأجابوه كما ذكر العماد (ص 604): «الصواب أن نقبل من الله الآية التي أنزلها وهي قوله: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ إلى آخر ما ذكر العماد أنهم تكلموا به مما لا يخرج عن مضمون الآية».
ثم يقول العماد: «وأجيب ملك الأنكتير إلى ما طلب»… ثم يقول: «وعقدت هدنة عامة في البر والبحر والسهل والوعر والبدو والحضر»… ثم يعترف بتنازل صلاح الدين للفرنج عن البلاد، فيقول: «وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا إلى صور…».
رسالة إلى بغداد
كان لا بد لصلاح الدين أن يبرّر للخليفة ما أقدم عليه من الاستسلام للصليبيين، وأن يحاول التنصل من مسؤولية ذلك ملقياً بها على من يقول إنه شاورهم فقرروا الاستسلام.
لقد كان يعلم عظم الجريرة، وأن الأمر أكبر من أن يخادع به ولكن كان لا بد له من المخادعة ليجد مخرجاً أمام الخليفة.
لقد كان يعلم أن ما من أحد يصدقه فيما يدّعي، وأن الناس كلها تعرف أنه هو صاحب القرار، وأن ما اتخذه مخرجاً لم يكن ليخرجه، ولكن كان لا بد من أن يقول ذلك.
ومن العجيب أنه في كل ما ادعى أنه شاور به، لم يذكر اسم واحد من هؤلاء الذين يقول إنه شاورهم وشاركوه في حمل مسؤولية الاستسلام.
وإذا كان هناك من مشاوَرين فهم أخوه وأولاده. وحتى هؤلاء لم يكن لهم رأي معه، كما رأينا فيما تقدم من القول حين صمم على الاتجاه بالقتال إلى غزو البلاد الإسلامية بعد أن صافى الصليبيين واستسلم لهم وحالفهم، فهو لم يستشر إلاّ ولده الأفضل عليّاً وأخاه العادل أبا بكر. وعندما أبدى كل منهما رأيه رفض كلا الرأيين ولم يعمل بواحد منهما، فالرأي رأيه وحده. بعد أن أتم ما أتم وأقر ما أقر أرسل إلى الخليفة رسالة يقول فيها على ما ذكره العماد في الفتح القسي:
«حضر أكابر الدولة وأمراؤها، وأولياء الطاعة وألباؤها وأشاروا بعقد الهدنة».
ثم يقول: «ولقد كان الخادم للسلم متكرهاً ولا يرى أن يكون كشيحة ملوك العصر عن الغزو مترفهاً. لكنه أجمع من عنده من الأمراء وذوي الآراء أن المصلحة في المصالحة راجحة»، (ص 607 ـ 608).
ثم يقول: «ألا وإن في إطفاء هذه الجمرة وقد وقدت سكوناً عاماً وأمناً تاماً» وقد كان صادقاً في جملته الأخيرة، فقد أطفأ جمرة جهاد الصليبيين فأمنوا كل قتال، وعمّ السكون وتم لهم الأمن.
ليس لدينا من النصوص ما يشير إلى وقع نبأ هذا الاستسلام على الخليفة الناصر، إذ لم يكن لديه من يتولى تسجيل أحداثه حدثاً بعد حدث كما كان لدى صلاح الدين الذي اتخذ من العماد نفس ما يتخذه سياسيو اليوم من الأتباع الصحفييين الذين يصوغون أخبارهم حسب ما يوافق هوى أولئك السياسيين.
على أننا استفدنا من تسجيلات العماد فوائد كبرى في ظهور الكثير من الحقائق التي حاول العماد تمويهها فما استطاع التمويه الكامل، بل برزت من خلال تمويهاته أمور كشفت لنا الكثير مما كنا نحب كشفه.
ولما كانت مهمة العماد قد انتهت عند هذا الحد، ولم يكتب أحد وصفاً لما جرى في مجلس الخليفة الناصر عند تلقيه رسالة صلاح الدين، فإننا لا نستطيع إلاّ القول بأن فكرة الناصر بإرسال جيوشه إلى فلسطين متعاونة مع جيوش صلاح الدين لطرد الصليبيين قد طويت من ذهنه، إذ لو أنه أصر على تنفيذها لكانت نتيجة هذا التنفيذ الدخول في حرب أهلية إسلامية يتعاون فيها الصليبيون مع المسلمين لقتال فريق آخر من المسلمين. ولم يكن الخليفة الناصر ليقدم على ذلك.
ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن صلاح الدين لم يستسلم للصليبيين ويتحالف معهم، ودخل جيش بغداد إلى فلسطين وطرد الصليبيين منها؟
الذي كان سيحدث هو توحيد البلاد العربية في حكم واحد يضم ما في حكم صلاح الدين الواصل إلى اليمن وما في حكم الخلافة العباسية، ومن وراء البلاد العربية العالم الإسلامي الذي يخضع لسيادة معنوية للخليفة في بغداد.
ولكن ذلك كله أضاعه صلاح الدين، وآثر أن يستسلم للصليبيين ليظل مستقلاً بما في يده من بلاد، ولو أدى ذلك إلى بقاء الصليبيين في فلسطين والحيلولة دون توحيد العالم العربي معضوداً من العالم الإسلامي)[655](.
صلاح الدين يُورّث البلاد والعباد
على أن جريمة صلاح الدين لم تقف عند هذا الحد، فقد اعتبر ما ظل يحكمه من البلاد ملكاً شخصياً له يملكه كما يملك القرى والمزارع، لذلك قسمه بين ورثته على الشكل الذي يحدده ابن كثير كما يلي:
● مصر لولده العزيز عماد الدين أبي الفتح.
● دمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي وهو أكبر أولاده.
● حلب وما إليها لولده الظاهر غازي غياث الدين.
● الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات لأخيه العادل.
● حماه ومعاملة أخرى معها لابن أخيه الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر.
● حمص والرحبة وغيرها لأسد الدين بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير نجم الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب.
● اليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه لأخيه ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب.
● بعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه.
● بصرى وأعمالها للظافر بن الناصر.
ويضيف ابن كثير قائلاً: ثم شرعت الأمور بعد موت صلاح تضطرب وتختلف في جميع الممالك.
ويقول الدكتور حسين مؤنس عن ذلك:
«قسم، (صلاح الدين)، الإمبراطورية ممالك بين أولاده وإخوته وأبناء أخويه، كأنها ضيعة يملكها لا وطناً عربياً إسلامياً ضخماً يملكه مواطنوه».
ويقول أيضاً عن خلفاء صلاح الدين:
«عملوا أثناء تنافسهم بعضهم مع بعض على منح بقايا الصليبيين في إنطاكية وطرابلس وعكا امتيازات جديدة، فتنازل لهم السلطان العادل عن الناصرة، وكانت بقية من أهل مملكة بيت المقدس الزائلة قد أقامت في عكا واستمسكت بلقب ملوك بيت المقدس فاعترف لهم به هذا، (العادل)، في ثلاث معاهدات».
«وحاول الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب أن يتحالف مع الصليبيين على عمه العادل».
«وعندما نزلت الحملة الصليبية الخامسة على شاطئ دمياط يقودها الفارس الفرنسي جان دي بريين (Jean de Brienne) واستولى على دمياط سنة 1218م، استنجد العادل بأقاربه ملوك الشام والجزيرة فلم يسعفه أحد منهم، ولو لم ينهض المتطوعون من نواحي الدلتا ويتصدوا للصليبيين ويكسروا سدود النيل لما أمكن الانتصار على المغيرين على المنصورة».
«وعندما أقبل الإمبراطور فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ونزل عكا سنة 1227م، أسرع الملك الكامل سلطان مصر وتنازل له عن بيت المقدس وجزء من أرض فلسطين يمتد من الساحل إلى البلد المقدس، ووقع معاهدة بذلك في 18 شباط 1229م».
«وفي سنة 1244م تقدم أيوبي آخر هو الصالح إسماعيل صاحب دمشق فجعل للصليبيين الملكية الكاملة لبيت المقدس وسلّم لهم قبة الصخرة» (انتهى).
ونزيد نحن على ذلك:
لم يكد صلاح الدين يموت حتى استقل كل واحد من ورثته بما ورثه عن صلاح الدين، وتمزقت البلاد وفقدت وحدتها، وتشتت الشعب قطعا ًقطعاً لا تربطها رابطة. ولم يقنع كل وارث بما ورثه بل راح كل واحد منهم يطمع فيما في يد غيره، ويستعين على غريمه بالصليبيين. ففي سنة 638هـ سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا وهونين وتبنين والشقيف ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر.
وفي سنة 625هـ (شباط سنة 1229م) سلّم الكامل الأشرف ولدا العادل أخي صلاح الدين، سلّما القدس وما حولها للملك الصليبي فريدريك الثاني وسلّماه معها الناصرة وبيت لحم وطريقاً يصل القدس وعكا سلماه ذلك ليساعدهما على أقربائهما.
ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله: «واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه».
فالتفاخر بأن صلاح الدين استرد القدس يخزيه بأن تصرفات صلاح الدين أدت إلى أن يعود الصليبيون إلى القدس…
وقد مر تسليم خلفاء صلاح الدين القدس للصليبيين بالأدوار التالية:
- بعد تسليم الكامل والأشرف القدس للملك الصليبي فريدريك الثاني سنة 655هـ (1228م) ظلت في يد الصليبيين حتى استردها منهم الناصر صاحب الكرك سنة 667هـ (1239م).
- استنجد الصالح إسماعيل الأيوبي صاحب دمشق بالصليبيين ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر، وعلى الناصر داود صاحب الكرك (مسترد القدس). لقاء ذلك أعاد إليهم القدس سنة 641هـ، (1244م). كما سلّمهم صفد وعسقلان وطبرية وأعمال كل منهما، وجميع جبل عامل بما فيه قلاع هونين وتبنين والشقيف ومدينة صيدا وسائر بلاد الساحل، وهكذا عادت القدس مرة ثانية إلى الصليبيين.
ووعد الصالح إسماعيل الصليبيين أيضاً بأنه إذا ملك مصر أعطاهم بعضها. فاستعدّ الصليبيون لمهاجمة مصر وزحفوا إلى غزة، في حين كوّن الصالح إسماعيل حلفاً من بعض الملوك الأيوبيين في شمال الشام وزحفوا جميعاً للانضمام إلى حلفائهم الفرنج عند غزة.
أما الصالح نجم الدين أيوب فقد تقدم من مصر إلى غزة لمواجهة هذا الهجوم. ولما تبيّن لعساكر الشام حقيقة الموقف تمردوا على قوادهم ومالوا على الفرنج مع الصالح أيوب فانهزم الفرنج وانسحبوا إلى عسقلان، وفاوضوا الصالح أيوب سنة 638هـ (1240م) فاعترف لهم بحقهم في ملكية الشقيف ونهر الموجب، (أرنون)، وإقليم الجليل بالإضافة إلى القدس وبيت لحم ومجدل بابا وعسقلان.
وهكذا فلم يكن الصالح أيوب خيراً من الصالح إسماعيل.
وهنا تحالف الصالح إسماعيل مع الناصر داود واستنجدا من جديد بالصليبيين مقابل جعل سيطرتهم على القدس كاملة، بمعنى أن يستولي الصليبيون على الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهي الأماكن التي ظلت، ولو نظرياً، في حوزة المسلمين عندما سلم الكامل والأشرف القدس للصليبيين سنة 625هـ (1228م).
وتقدم الصالح أيوب إلى الصليبيين طالباً مساعدتهم مقابل الثمن نفسه الذي عرضه منافساه. وبذلك يكون الملوك الأيوبيون الثلاثة خلفاء صلاح الدين: الصالح أيوب والصالح إسماعيل والناصر داود، قد أقروا مبدأ استيلاء الصليبيين على الحرم الشريف، على حد تعبير بعض المؤرخين.
على أن الصليبيين اختاروا الوقوف إلى جانب الصالح إسماعيل صاحب دمشق لأنه أقرب إليهم من صاحب مصر. وبالتالي فهو أكثر قدرة على التحكم في مصائرهم. فشرع الصالح إسماعيل في غزو مصر بمساعدة حليفيه الناصر داود صاحب الكرك والمنصور إبراهيم ملك حمص، مع الصليبيين، وتقرر ان تجتمع قوات الحلفاء جميعاً عند غزة.
فاستنجد الصالح أيوب بالخوارزمية)[656]( فأنجدوه بعشرة آلاف منهم ساروا من إقليم الجزيرة فمروا بدمشق، ثم استولوا على طبريا ونابلس ثم القدس سنة 642هـ (1244م)، فعادت القدس نهائياً إلى المسلمين.
والعادل أعاد للصليبيين سنة 1204م ما كان قد ورثه عن صلاح الدين من المواقع الساحلية، ما عدا الشقة المحصورة في اللاذقية.
معركة حطين كما يصفها ابن الأثير
الانتصار في حطين هو الذي أوصل إلى استرداد القدس، وقد فضلنا أن نترك الحديث عنها كما ذكره (ابن الأثير) القريب العهد بها:
أصبح صلاح الدين والمسلمون يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر (583هـ)، فركبوا وتقدّموا إلى الفرنج، فركب الفرنج، ودنا بعضهم من بعض، إلاّ أنّ الفرنج قد اشتدّ بهم العطش وانخذلوا، فاقتتلوا، واشتدّ القتال، وصبر الفريقان، ورمى جاليشيّة المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر، فقتلوا من خيول الفرنج كثيراً. هذا القتال بينهم، والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهم يقاتلون سائرين نحو طبريا، لعلهم يردون الماء.
فلمّا علم صلاح الدين مقصدهم صدّهم عن مرادهم، ووقف بالعسكر في وجوههم، وطاف بنفسه على المسلمين يحرّضهم، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عمّا يضرّهم، والناس يأتمرون لقوله، ويقفون عند نهيه، فحمل مملوك من مماليكه الصبيان حملة منكرة على صف الفرنج، فقاتل قتالاً عجب منه الناس ثم تكاسر الفرنج عليه فقتلوه، فحين قُتل حمل المسلمون حملة منكرة فضعضعوا الكفّار وقتلوا منهم كثيراً. فلمّا رأى القمص شدّة الامر علم أنّهم لا طاقة لهم بالمسلمين، فاتفق هو وجماعته وحملوا على مَن يليهم، وكان المقدّم من المسلمين، في تلك الناحية، تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلمّا رأى حملة الفرنج حملة مكروب، علم انه لا سبيل إلى الوقوف في وجوههم، فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقاً يخرجون منه، ففعلوا، فخرج القُمّص وأصحابه ثم التأم الصف.
وكان بعض المتطوعة من المسلمين قد ألقى في تلك الأرض ناراً، وكان الحشيش كثيراً فاحترق، وكانت الريح على الفرنج، فحملت حرّ النار والدخان إليهم، فاجتمعه عليهم العطش وحرّ الزمان وحرّ النار، والدخان، وحرّ القتال، فلما انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون، ثم علموا أنهم لا ينجيهم من الموت إلاّ الإقدام عليه، فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون بها المسلمين، على كثرتهم، عن مواقفهم لولا لطف الله بهم، إلاّ أن الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلاّ وقد قتل منهم، فوهنوا لذلك وهناً عظيماً، فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها، فارتفع مّن بقي من الفرنج إلى تلّ بناحية حِطّين، وأرادوا أن ينصبوا خيامهمن ويحموا نفوسهم بها، فاشتدّ القتال عليهم من سائر الجهات، ومنعوهم عمّا أرادوا، ولم يتمكنوا من نصب خيمة غير خيمة ملكهم، هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ورجّالتهم، فبقي الملك على التلّ في مقدار مائة وخمسين فارساً من الفرسان المشهورين والشجعان المذكورين.
فلمّا صار ملك الفرنج على التلّ في تلك الجماعة حملوا حملة منكرة على مَن بإزائهم من المسلمين، فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا فصعدوا إلى التلّ، فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى، وعطف المسلمون عليهم فألحقوهم بالتلّ، وإذا الخيمة (خيمة الملك) قد سقطت.
وكان سبب سقوطها أنّ الفرنج لمّا حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشاً، وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات ممّا هم فيه، فلمّا لم يجدوا إلى الخلاص طريقاًن نزلوا عن دوابّهم وجلسوا على الأرض، فصعد المسلمون إليهم، فألقوا خيمة الملك، وأسروهم على بكرة أبيهم، وفيهم الملك وأخوه، والبرنس أرناط، صاحب الكرك، ولم يكن للفرنج أشدّ منه عداوةً للمسلمين، وأسروا أيضاً صاحب جُبيل، وابن هَنفري، ومقدّم الداوية، وكان من أعظم الفرنج شأناً، وأسروا أيضاً جامعة من الداوية، وجماعة من الأسبتارية، وكثر القتل والأسر فيهم، فكان مَن يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحداً، ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحداً، وما أصيب الفرنج، منذ خرجوا إلى الساحل، وهو سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن، بمثل هذه الوقعة.
فلمّا فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته، وأحضر ملك الفرنج عنده، وبرنس صاحب الكرك، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش، فسقاه ماء مثلجاً، فشرب، وأعطى فضله برنس صاحب الكرك، فشرب، فقال صلاح الدين: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال اماني، ثم كلم البرنس، وقرعه بذنوبه، وعدّد عليه غدراته، وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال: كنتُ نذرتُ دفعتين أن أقتله إن ظفرتُ به: إحداهما لمّا أراد المسير إلى مكة والمدينة، والثانية لمّا أخذ القفل غدراً، فلمّا قتله وسُحب وأُخرج ارتعدت فرائص الملك، فسكّن جأشه وأمّنه.
وبعد معركة حطين سقطت طبريا وعكا وتبنين وصيدا وجبيل وعسقلان.
استرداد القدس كما يصفه ابن الأثير
لمّا فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها من البلاد، على ما تقدّم، وكان قد أرسل إلى مصر أخرج الأسطول الذي بها في جمع من المقاتلة، ومقدّمهم حسام الدين لؤلؤ الحاجب، وهو معروف بالشجاعة، والشهامة، ويُمن النقيبة، فأقاموا في البحر يقطعون الطريق على الفرنج، كلما رأوا لهم مركباً غنموه، وشانياً أخذوه، فحين وصل الأسطول وخلا سرّه من تلك الناحية سار عن عسقلان إلى البيت المقدّس، وكان به البطرك المعظّم عندهم، وهو أعظم شاناً من ملكهم، وبه أيضاً باليان بن بيرزان، صاحب الرملة، وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك، وبه أيضاً مَن خلص من فرسانهم من حطّين، وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل تلك النواحي، عسقلان وغيرها، فاجتمع به كثير من الخلق، كلّهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدّس ويأخذوه منهم، ويرى أنّ بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه، وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلاً، وصعدوا على سوره بحدّهم وحديدهم، مجمعين على حفظه والذَّبّ عنه بجهدهم وطاقتهم، مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم، ونصبوا المجانيق على أسواره ليمنعوا مَن يريد الدنوّ والنزول عليه.
ولمّا قرب صلاح الدين منه تقدّم أمير في جماعة من أصحابه، غير محتاط ولا حذر، فلقيه جمع من الفرنج قد خرجوا من القدس ليكونوا يَزكاً، فقاتلوه وقاتلهم، فقتلوه وقتلوا جماعة ممّن معه، فأهمّ المسلمين قتله، وفُجعوا بفقده، وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب، فلمّا نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هاله، وسمعوا لأهله من الجلبة والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثيرة الجمع، وبقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله، لأنه في غاية الحصانة والامتناع، فلم يجد عليه موضع قتال إلاّ من جهة الشمال، نحو باب عمودا، وكنيسة صهيون، فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها، ونصب تلك الليلة المجانيق، فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها، ورمى بها.
ونصب الفرنج على سور البلد مجانيق ورموا بها، وقوتلوا أشدّ قتال رآه أحد من الناس، كل واحد من الفريقين يرى ذلك ديناً، وحتماً واجباً، فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني بل كانوا يُمنعون ولا يمتنعون ويُزجرون ولا ينزجرون.
وكان خيّالة الفرنج كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون، فيقتل من الفريقين، وممن استشهد من المسلمين الأمير عز الدين عيسى بن مالك، وهو من أكابر الأمراء، وكان أبوه صاحب قلعة جَعْبَر، وكان يصطلي القتال بنفسه كل يوم، فقتل إلى رحمة الله تعالى، وكان محبوباً إلى الخاص والعام، فلمّا رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك، وأخذ من قلوبهم، فحملوا حملة رجل واحد، فأزالوا الفرنج عن مواقفهم، فأدخلوهم بلدهم، ووصل المسلمون إلى الخندق، فجازوه والتصقوا إلى السور فنقبوه، وزحف الرماة يحمونهم، والمجانيق توالي الرمي لتكشف الفرنج عن الأسوار ليتمكن المسلمون من النقب، فلمّا نقبوه حشوه بما جرت به العادة.
فلمّا رأى الفرنج شدة قتال المسلمين، وتحكُّم المجانيق بالرمي المتدارك، وتمكُّن النقّابين من النقب، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك، اجتمع مقدّموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون، فاتفق رأيهم على طلب الأمان، وتسليم البيت المقدّس إلى صلاح الدين، فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان، فلمّا ذكروا ذلك للسلطان امتنع من إجابتهم، وقال: لا أفعل بكم إلاّ كما فعلتم بأهله حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، من القتل والسبي وجزاء السيّئة بمثلها. فلمّا رجع الرسل خائبين محرومين، أرسل باليان بن بيرزان وطلب الأمان لنفسه ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره، فأجيب إلى ذلك، وحضر عنده، ورغب في الأمان، وسأل فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم يرحمه.
فلمّا أيس من ذلك قال له: أيها السلطان اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلاّ الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان، ظناً منهم أنك تجيبهم إليه كما أجبتَ غيرهم، وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه، فوالله لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا ونحرق أموالنا وأمتعتنا، ولا نترككم تغنمون منها ديناراً واحداً ولا درهماً، ولا تسبون وتأسرون رجلاً ولا امرأة، وإذا فرغنا من ذلك أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من المواضع، ثم نقتل مَن عندنا من أسارى المسلمين، وهم خمسة آلاف أسير، ولا نترك لنا دابة ولا حيواناً إلاّ قتلناه ثم خرجنا إليكم كلنا فقاتلناكم قتال مَن يريد أن يحمي دمه ونفسَه، وحينئذٍ لا يُقتل الرجل حتى يَقتل أمثاله، ونموت أعزاء أو نظفر كراماً.
فاستشار صلاح الدين أصحابه، فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان، وأن لا يخرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدرى عاقبة الامر فيه عن أي شيء تنجلي، ونحسب أنهم أسارى بأيدينا، فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم، فأجاب صلاح الدين حينئذٍ إلى بذل الأمان للفرنج، فاستقرّ أن يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير، ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين، وتزن المرأة خمسة دنانير، فمن أدّى ذلك إلى أربعين يوماً فقد نجا، ومَن انقضت الأربعون يوماً عنه ولم يؤدّ ما عليه فقد صار مملوكاً، فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار، فأُجيب إلى ذلك.
وسُلّمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب (583هـ)، وكان يوماً مشهوداً، ورُفعت الأعلام الإسلامية على أسوارها)[657](.
القدس: عربية
أسماء القدس المتعددة عبر التاريخ هي: يبوس وشالم وأورشاليم وإيلياء كبيتولينا، ثم إيليا في العصر المسيحي بعد أن زالت دولة أصنام الكابيتول، ثم بيت المقدس، وأخيراً القدس الشريف. وكانت القدس قبل استيلاء اليهود عليها، تحت حكم ملك ومرشد ديني في آن، هو «ملكي صادق» ومعناه «العادل هو ملكي» ورد ذكر ذلك في التوراة. كما أشارت التوراة إلى أن النبي إبراهيم صلّى مع «ملكي» عندما مر بمدينة «شالم» وذلك قبل أي ظهور لليهود كتجمع بشري في فلسطين بزمن طويل.
ووردت أول إشارة إلى القدس في المدونات الفرعونية السائدة في القرنين 19 و18 ق.م، إذ كان ينطق اسم «روشاليمم» ثم ورد بعد ذلك ذكرها في رسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) باسم «أوروسالم» كما جاء في رسالة وجهها حاكمها من قبل أمنيوفيس الثالث، يطلب فيها العون العسكري لصد هجمات أهل البادية «الحابيرو»، وهذا الاسم كان يطلق على القبائل الرعوية عموماً. وكان يطلق على المدينة أيضاً اسم «يبوس» نسبة إلى اليبوسيين، كما كان المصريون يطلقون عليها اسمها اليبوسي «يابيتي» و«يابتي» وأحياناً كانوا يستخدمون اسمها الكنعاني «أوروسالم». ومن المحتمل أن هذا الاسم هو كلمة آرامية تتركب من مقطعين: الأول «أور» بمعنى موضع أو مدينة، والثاني «سالم» بمعنى السلام، وهو غالباً اسم إله وثني لسكان فلسطين الأصليين، وهو إله سلامة القوافل.
مصليات أمام المسجد الأقصى
وعلى ذلك فكلمة «أورسالم» الكنعانية تعني في النهاية «مدينة السلام». وظل اسم «يبوس» علماً على المدينة كما ورد في سفر القضاة الإصحاح 19: 10، حتى استولى عليها داود وصار اسمها بعد ذلك «مدينة داود»، كما ورد في سفر أخبار الملوك الأول الإصحاح 11: 207. ومن المؤكد أن الاسم العبري «أورشليم» هو نفسه الاسم الكنعاني القديم للمدينة، بعد إبدال حرف السين بالشين في العبرية. ويشير الكتاب إلى أن الإسرائيليين عندما تسللوا إلى فلسطين، بعد خروجهم من مصر، وجدوا اليبوسيين والآدوميين والمؤابيين والعمونيين والكنعانيين، وهم جميعاً من العرب، حيث كانوا يقطنون سوريا وفلسطين. وبذلك يؤكد المؤلف أن العرق السامي هو عرق عربي في أصوله الجغرافية في ما عدا العبرانيين. كما يؤكد أنه بعد أن تحولت المنطقة إلى المسيحية في عهد الرومان، ظلت تلك الشعوب سامية من حيث العرق والسلالة البشرية، وكذلك بعد أن أصبحت إسلامية من حيث الديانة.
وفي مقابل هذا التاريخ الممتد للجنس العربي/ السامي الذي استوطن فلسطين على مدى زمن يجاوز الخمسة آلاف عام، فإن الصهيونية تضع ـ في مقابل هذا التاريخ ـ سبعين عاماً فقط، هي مدة حكم داود وسليمان، وهذه الفترة متأخرة، بل وغير مجمع عليها من كل طوائف اليهود.
اعتبر اليهود تلك الفترة نتاج علاقة دينية بتكليف إلهي لتحقيق الإيمان به في وجه الأمر الإلهي ينتهي بنهاية حياة داود وسليمان، حيث تكون الأمة مسؤولة عن عقيدتها أمام الله. وانحرف اليهود عن تلك المسؤولية، وطبقاً لمنظورهم الديني يصبح الأمر الإلهي الذي يؤسسون عليه دعاوى الميعاد سقط، لأنهم: أضاعوا الشريعة الموسوية، ووضعوا بعد ذلك الأصنام الوثنية داخل المعبد، ثم سمحوا للنساء باحتراف الدعارة داخل الهيكل، كما ان كهنتهم كانوا يسرقون الأموال من صندوق النذور في الهيكل. واستناداً إلى تلك الانحرافات، قام يوشيا هو بعملية تطهير، أحرق فيها كل ما ينافي الأخلاق وعقيدة التوحيد، كما ورد في سفر الملوك الثاني.
وورد ذلك اسم القدس في كتابات بعض المؤرخين القدامى، وهيرودوت (484 ـ 425ق.م) لم يشر إليها باسم «أورشليم»، بل أطلق عليها مدينة «قديشتا».
ويذكر أن هذا الاسم يخضع للنطق الآرامي، وكان يطلق على المدينة المقدسة لدى العرب، قبل أن يتم تقديسها عند اليهود بزمن طويل.
وإذا كان الوجود العربي من اليبوسيين والكنعانيين والآراميين سبق أي وجود يهودي في فلسطين بمئات السنين، فإن هذا الوجود لم ينقطع، حتى بعد الوجود اليهودي بها. فلقد ظلت الحروب دائرة بين اليهود وجيرانهم حيناً، وفي أحيان أخرى يعم السلام، وفي الحالين ظل هذا الوجود المتعدد الأطراف قائماً، والدليل على ذلك أنه بعد السبي البابلي لم يتم تفريغ فلسطين من سكانها، بل من اليهود وحدهم. بالإضافة إلى أنه بعد النفي اليهودي الثاني الذي فرضه الإمبراطور هادريان، ظلت فلسطين تعج بالكثير من السلالات العربية. ويشير الكتاب إلى انه بعد أن استولى يوشع بن نون على فلسطين، وقام بتقسيمها إلى أنصبة قبلية بين الأسباط، جاءت مدينة القدس في قطاع سبطي يهوذا وبنيامين. وعلى رغم ذلك التقسيم، ظلت القدس مدينة يبوسية حتى عصر داود، فورد ذلك صراحة في الفقرة 63 من الإصحاح 15 من سفر يوشع: «وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم، فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم، فكان اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم». لذلك استمرت القدس على تسميتها القديمة «يبوس» كما جاء في سفر القضاة إصحاح 19: 11: 112: «وفيما هم عند يبوس، وقد أشرف النهار على نهايته، قال الغلام لسيده: تعال نميل على مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها، فقال له سيده لا نميل على مدينة حيث لا أحد من بني إسرائيل هناك».
عاش اليهود كأقلية بين اليبوسيين حتى السبي البابلي 587ق.م. ويشير الكتاب إلى وجود اليبوسيين في القدس، حتى في أوج درجات المد اليهودي في فلسطين، ونقصد بذلك بعد قيام مملكة داود. فحين خطط داود لبناء هيكل للرب، بدأ بشراء بيدر أرونا اليبوسي الذي كان يتخذه جرناً ومربضاً لماشيته، فوافق على بيعه لداود بما فيه من المواشي بخمسين شاقلاً من الفضة. ويؤكد الكتاب أن القدس «يبوس» قبل إقامة داود فيها كانت مدينة ذات حضارة، حيث اشتملت على منازل كبيرة فيها الكثير من أسباب الراحة، وكانت فيها حكومة وصناعة وتجارة.
تدمير القدس الأول
بعد وفاة سليمان انتهت المملكة اليهودية إلى مملكتين: إسرائيل في الشمال، ويهوذا في الجنوب. وتوالى على حكم المملكتين عدد من الملوك الضعاف الذين كانوا تابعين إما لمصر أو لآشور. وبعد أن تولى نبوخذ نصر (بختنصر 605 ـ 562ق.م) الحكم خلفاً لوالده، كانت مصر هدفاً لمطامعه. لذلك بدأ بفتح الطريق إليه عبر إسقاط يهوذا في القدس. وعندما شعر ملكها يهود باكين بخطر الهجوم البابلي، استسلم بعد 3 أشهر من توليه الحكم، وأخذ أسيراً إلى بابل. ثم قام نبوزرا وان العاشر البابلي بتهديم أسوار القدس، وتخريب المدينة تماماً بما في ذلك هيكل سليمان وإحراقه، كما ورد في سفر الملوك الثاني إصحاح 25. وقد عين بختنصر جداليا بن أحيقام حاكماً على ما بقي من أهل يهوذا وبقية العرب في القدس. وبعد اغتيال جداليا، هرعت أعداد كبيرة من اليهود إلى مصر في صحبة النبي آرميا. ومنذ هذا التاريخ لم يقم لليهود كيان سياسي يعتد به في فلسطين إلى ظهور الدولة الصهيونية الحديثة، عدا كيان سمح الفرس بإقامته، ودمره الرومان في ما بعد.
وجاء على لسان لودز تعليقاً على نقش من البرونز، يصور مشهد الرحيل إلى بابل: «أن الرجال ربطوا بعضهم إلى بعض في جماعات وذلك لمنعهم من الهرب، بينما سمح للنساء والأطفال بالسير من دون أغلال… حتى وصلوا إلى القرى المحددة لهم كمقر لإقامتهم ومعظمها إلى الجنوب من نينوى». ومن هذه القرى: «تل أبيب وتل مرشا وتل ملح» عزرا الإصحاح الثاني: 59.
وفي العام 539ق.م تمكن الملك الفارسي قورش من هزيمة بابل، واستولى عليها، ثم سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين وبناء الهيكل مرة أخرى.
القدس في العصرين
اليوناني والروماني
أطاح الأشوريون مملكة إسرائيل 722 ق.م، وأطاح الكلدانيون مملكة يهوذا 587ق.م، وبذلك فقد اليهود استقلالهم السياسي. وانتقلت السيادة في المنطقة من الكلدانينين إلى الفرس العام 539 ق.م، ومن الفرس إلى الإسكندر الأكبر العام 333ق.م، بعد سيادة دامت قرنين، واستمرت فلسطين تحت سيادة البطالمة قرناً تقريباً، وفي العام 220ق.م نجح أنطوخيوس الثالث الملك السلوقي في السيطرة على فلسطين وفينيقيا. وتناوب البطالمة والسلوقيون السيادة على فلسطين حتى الفتح الروماني عام 63ق.م، ومنذ سيادة الفرس أقام اليهود مجتمعاً سياسياً دينياً جديداً بعد العودة من السبي، حيث تحول نظام الحكم باتجاه الثيوقراطية.
وفي أثناء سيادة الملك السلوقي أنطيوخيوس الرابع (75 ـ 164ق.م)، قام بمهاجمة الفرس، واقتحم المعبد ثم استولى على كنوزه، وكان الكاهن الأعظم منيلاوس هو الذي أرشده إليها، وبعد ذلك قام بتدمير الهيكل، ثم حوله إلى مكان لعبادة زيوس أوليمبوس. وبعد أن فرض بومبي السيادة الرومانية على فلسطين (72 ـ 63ق.م) قام هيرودس الحاكم المحلي بمهاجمة مدينة القدس عام 37ق.م ثم اقتحمها. وفي مرحلة لاحقة اندلعت الثورة في القدس في الفترة من ( 70-66 ق.م)، وحاصر القائد الروماني تيطوس القدس، ثم قضى على الكيان الذاتي لليهود في فلسطين، بعد أن كان تم القضاء على الكيان السياسي لهم على يد البابليين والآشوريين.
وقام الإمبراطور الروماني هادريان بإخماد ثورة اليهود الثانية (135 ـ 132 ق.م)، وقام بتغيير اسم القدس إلى إيليا كابيتولينا، وأقام معبداً لجوبيتر. وعلى ذلك، فإن اليهود في العصر الروماني لم تستقر أمورهم في معظم الأحيان، واستمرت هذه الأوضاع قائمة في فلسطين تحت حكم الرومان طوال مئتي سنة، حتى استولى الإمبراطور قسطنطين على الحكم في روما، وجعل المسيحية دين الدولة الرسمي.
عبد العزيز موافي
تاريخ الهجرة اليهودية إلى القدس
في 15 تموز (يوليو) 1099، ذبح الفرنجة 70 ألفاً، من مسلمين ومسيحيين أرثوذكس في القدس وجوارها، وأسسوا مملكة مسيحية جديدة. في العام 1146 ذكر الرحالة اليهودي إبراهام بن Hiyya أنه لا يوجد أي يهودي في القدس. وفي العام 1173 زار القدس الرحالة اليهودي Benuamin of Tudela ولاحظ أنه يوجد 200 يهودي في المدينة من أصول فرنسية وبريطانية ويهودي واحد في مدينة الخليل. وفي 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1187 دخل القائد صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس ودعا اليهود للعيش في فلسطين. وذكر الحاخام اليهودي الفرنسي صموئيل سيمون أنه في العام 1210 تواجد 300 يهودي في القدس. وفي العام 1218 زار الرحالة اليهودي الإسباني جودا بن سلمون الحريزي Al-Harizi القدس، ورأى حاخامات من أصول فرنسية وبريطانية كالحاخام صموئيل سيمون.
غزو هولاكو
وفي العام 1260 هجم هولاكو على القدس مما اضطر اليهود الذين كانوا في المدينة أن يهربوا إلى القرى المجاورة. وفي 1267 زار الرحالة اليهودي Nahmanides القدس وقال إنه يوجد فيها يهوديان أخوان فقط يعملان في الصباغة وكان الأخوان في أيام السبت والأعياد يجمعون اليهود في القرى المجاورة لإقامة الشعائر الدينية في القدس. وفي عيد رأس السنة اليهودية في 1268 أنشأ اليهود كنيساً جديداً Ha-Ramban. وفي العام 1333 كثر عدد اليهود في القدس ومعظمهم أتوا من فرنسا. وفي 1390 أخذ الأشكيناز اليهود في القدس يتكاثرون بسرعة، على رغم أن اليهود السفارديم يشكلون أبرشية منفصلة. لكن كل اليهود في القدس (سفارديم وأشكيناز) كانوا يقيمون الشعائر الدينية في معبد واحد وهو Ha-Ramba، وفي أواخر 1391 وصل بعض اليهود السفارديم الإسبان وأقاموا في القدس بعد أن تعرضوا للمجازر على يد الكاثوليك الإسبان في فالنسيا (9 تموز 1391) وبرشلونة (5 آب/ أغسطس 1391) وجيرونس (10 آب 1391).
وفي العام 1434 ضرب الطاعون منطقة القدس وتوفي كثير من أهلها، وبينهم 90 يهودياً، وفي 1441 خرجت نحو مئة عائلة يهودية من القدس بسبب المجاعة. وفي 1481 بلغ عدد سكان القدس عشرة آلاف مسلم ومسيحي إضافة إلى 250 عائلة يهودية (نقدرهم بحوالي 1200 نسمة على الأكثر). لكن عدد العائلات اليهودية في القدس وصل في 1489 إلى 70 عائلة (الموسوعة اليهودية). وكان الأشكيناز يملكون معظم بيوتهم حول الكنيس اليهودي. وفي أواخر عام 1492 وصلت 130 عائلة يهودية (نقدرهم بـ700 نسمة تقريباً) هاربة من الأندلس. وبفضل التسامح الإسلامي سكنوا في القدس. وفي العام 1495 كان اليهود ممنوعين من الدخول إلى المسجد الأقصى لأنهم كانوا يعتبرونه مبنياً على هيكل سليمان بن داود (وذلك غير صحيح). وفي أواخر 1495 أخذ اليهود السفارديم القادمين من الأندلس يؤسسون أبرشية جديدة في القدس سموها «عادات سفارديم» Adat sefardim، مما دفع الأشكيناز إلى تأسيس أبرشية جديدة. وقام اليهود السفارديم القادمون من شمال إفريقيا بتأسيس أبرشية ثالثة سموها «عادات معرابيم» Adat ha-Ma arabin. وكانت هناك أبرشية قديمة مستقلة اسمها «عادات مستعربين» Adat ha Musta ribin. لكن جميع اليهود في القدس كانوا يصلون في معبد واحد Ha-Ramban. أما اليهود الناطقون باللغة العربية فانضموا إلى طائفة السفارديم، مما كان نتيجته تأسيس طبقتين رئيسيتين من اليهود في القدس: السفارديم والأشكيناز. وكانت عادة السفارديم الاقتران بزوجتين خلافاً للأشكيناز، وثيابهم تختلف عن ثياب الأشكيناز.
وفي مطلع 1517 احتل السلطان العثماني سليم الاول مدينة القدس وطرد المماليك منها. وبدأ المزيد من اليهود من أقطار العالم كافة القدوم إليها والسكن فيها. وفي العام 1523 ضرب الجفاف القدس وهرب كثير من اليهود، وكان عددهم قبل الهروب يقدر بحوالي ستة آلاف يهودي. عام 1599 تضاءل عدد اليهود في القدس بسبب الطاعون. وفي 1621 أصبح الأشكيناز طائفة مهمة في القدس، وقدر عدد اليهود في المدينة بألفي نسمة. وفي 1635 تأسس مدراش جديد، وفي 1690 قدم الحاخام البولوني جاهودا هاشازيد إلى القدس وانتخب رئيس الطائفة اليهودية الأشكيناز ووسع الكنيس «كنيسة صهيون». (اشتراه اليهود كمبنى مهدم في القرن الثالث عشر وفيه بعض الأعمدة من رخام، وباحة كبيرة تشبه الأديرة المسيحية وحولوه إلى معبد يهودي). في 1721 أصبح اليهود الأشكيناز في القدس في فقر، وحين لم يتمكنوا من تسديد ديونهم إلى دائنيهم أقدم بعض الدائنين على حرق معبدهم «معبد جاهودا»، وحولوه إلى رماد وطردوهم باتجاه مدينتي الخليل وصفد. وفي 1730 كان حاخام القدس التركي أليعازر بن يعقوب ناحوم، وعاونه عام 1742 الحاخام المغربي من مدينة مكناش حاييم بن عطار. وخلفه عام 1746 الحاخام اليمني نسيم مزراحي. وفي 1786 كان يوجد في المدينة 9 آلاف مسلم ومسيحي، وألف يهودي معظمهم من السفارديم. وكان لليهود مدفنان الأول تحت سور القدس قرب مسجد الأقصى والآخر في القاطع المقابل. وفي أواخر 1798 وصلت مجموعة صغيرة من اليهود المغاربة والجزائريين إلى فلسطين واستقر بعضهم في القدس. ومن أبرز العائلات: طولويدانو وبيردجو، وبهلول، وعبو. وكان عدد يهود القدس يقدر بحوالي 3000 نسمة.
وفي 1799 وخلال حصار نابوليون لمدينة عكا اتهم المسلمون والمسيحيون، اليهود، بمساعدة نابوليون، وهددوهم بالموت.
القرن التاسع عشر
وفي العام 1812 اجتاح وباء الكوليرا منطقة الجليل فغادروها 70 يهودياً، منهم عشرون من الأشكيناز إلى القدس، وتنكروا بثياب اليهود السفارديم (لأنهم طردوا عام 1721 من القدس). وفي العام 1812 أيضاً جاءت الهجرة الاولى من يهود كردستان العراق إلى فلسطين واستقر بعضهم في القدس. وفي 1815 وصل يهود إيرانيون وعائلات جزائرية، واستقروا في القدس. وفي 1820 اشترى اليهودي التركي إسحاق أغيمان منازل في القدس. وبين 1827 و1871، وصل يهود من بخارى ومن أبرز عائلاتهم الثرية يهود وميني. وفي 1831 وصلت عائلات يهودية جزائرية ومغربية، فبلغ عدد اليهود في المدينة خمسة آلاف. وفي 1832 افتتحت أول قنصلية للمملكة البريطانية في القدس. وفي 1837 حصلت هزة أرضية في مدينة طبريا أدت إلى مقتل 700 من أبنائها. وانتقل معظم اليهود المقيمون فيها إلى القدس وأسسوا Bet ha Midrash ha yashen. وفي 1840 وصلت مجموعة من الأشكيناز من روسيا وروسيا البيضاء وأوروبا الشرقية إلى القدس، وفي 8 تشرين الثاني (نوفمبر) قرر ملك بروسيا البروتستانتي والملك البريطاني الإنجيلي تنصير اليهودي البولوني ميخائيل سولومون ألكسندر لأنه بحسب زعمهم ينتمي إلى سلالة يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم (وهذا خطأ لأن هذا اليهودي أشكينازي، وليس له علاقة بذرية إبراهيم، بل هو من سلالة الخزر التترية التي تهودت عام 711م تقريباً)، وجعله أول مطران بروتستانتي إنجيلي في القدس. وفي أيار (مايو) 1842 افتتح هذا المطران منزلاً في القدس أسماه الكلية العبرية. وبلغ عدد اليهود الذين أصبحوا إنجيليين في عهده 31 فرداً. وفي العام نفسه (1842) حمل الحاخام التركي إبراهام حاييم Gagin (مواليد اسطنبول) وللمرة ألأولى، لقب الحاخام الأكبر للقدس «حاخام باشي». وفي 1842 افتُتحت القنصلية البروسية. وفي 1843 افتتحت القنصلية الفرنسية. وفي 1844 افتتحت قنصلية الولايات المتحدة الأميركية. وفي 1847 القنصلية النمساوية. وفي 21 كانون الثاني (يناير) 1849 افتتحت كنيسة للإنجيليين في القدس، وفي العام نفسه نجح الصهيوني البريطاني موشيه مونتيفيوري في الحصول على فرمان من السلطان العثماني سمح بموجبه لليهود بشراء الأراضي في القدس. وفي حزيران (يونيو) 1853 وقعت حرب القرم بين روسيا والسلطنة العثمانية، وخلال هذه الحرب هاجر كثير من يهود القرم، واستقر بعضهم في القدس. وفي نيسان (أبريل) 1854 نشر الشيوعي اليهودي الألماني كارل ماركس مقالاً تحدث فيه عن التعقيدات الإثنية اليهودية في القدس، مشيراً إلى مجيء اليهود إلى هذه المدينة من دول بعيدة ومتعددة. وقال أيضاً عن يهود القدس إنهم عرضة للأذى من المسلمين، ومن المسيحيين اليونانيين (الأرثوذكس) واللاتين. وقد تمكن موشيه مونتيفيوري عام 1855 ونتيجة لتدخل بريطانيا من شراء قطعة أرض في القدس من باشا القدس أحمد آغا الدردار وأقام عليها حياً يهودياً عام 1860 عرف بحي «مونتيفيوري» (اقتحمه المجاهدان ناجي مصطفى وعبد القادر التونسي في 23 آذار/مارس 1958 بسيارة مليئة بالمتفجرات) وبنى إلى جانب هذا الحي طاحونة للدقيق ليعمل فيها فقراء يهود. وفي 1848 افتتح المجمع الروسي «المسكوبية» خارج أسوار القدس. وفي 1860 افتتحت قنصلية سردينيا داخل القدس. وفي 1862 افتتحت القنصلية اليونانية. وفي 5 أيلول (سبتمبر) 1862 جرى توقيع معاهدة بين العثمانيين والفرنسيين والروس للحفاظ على قبر المسيح المقدس في القدس، تنص على منع اليهود من الاقتراب من قبر المسيح.
مستوطنات وأحياء
وفي آذار 1863 أنشأ اليهود جريدة في القدس دعيت Ha-Levanon ودعت إلى إنشاء المستوطنات واستصلاح الأراضي خارج أسوار القدس، كما دعت إلى الاهتمام بأرض إسرائيل التي تمتد حى أرز لبنان ولهذا السبب سميت الجريدة Ha-Levanon، وبعد هذا الإعلان شيد موشيه مونتيفيوري خارج أسوار القدس حي «مشانوت شاننيم». وفي العام 1867 أسس الحاخام داود بن شمعون، زعيم يهود شمال إفريقيا، مع اليهود المقيمين في القدس حياً خارج أسوار القدس دُعي «محنية إسرائيل». وفي 1869 أنشأ اليهود حياً دعي «نحلة شفع». وفي 1870 أنشؤوا حي «صخرة يعقوب». وفي 1872 افتُتحت القنصلية الإيطالية في القدس. وفي 1874 أنشأ اليهود حي «موشيرم». وفي 1876 أنشؤوا حي «مساكن إسرائيل».
في 1877 هاجر إلى فلسطين 130 يهودياً تونسياً واستقر بعضهم في القدس كما استقر في العام نفسه في القدس يهود من بلغاريا وصربيا هاربين من الحرب العثمانية الصربية. وفي 8 آب أقام اليهود المقيمون في القدس أول مستوطنة يهودية على أطراف إم لبس العربية (شمال شرق يافا) دعيت بتاح تكفا Tiq-va-Petah (بوابة الأمل)، وكانت أول مستوطنة تقام خارج القدس والخليل وصفد وطبريا. ومن 1879 إلى 1881 قدم بعض اليهود الروس والأوكرانيين والبولونيين الأشكيناز. وفي 1880 أنشأ اليهود في القدس حي «مذكرة موشي» وفي 1881 استقرت بعض العائلارت اليهودية اليمنية خارج أسوار القدس، ليصبح عدد اليهود في أواخر 1881 نحو 14 ألف نسمة. وفي 1885 وصلت أيضاً بعض العائلات اليهودية اليمنية واستقرت خارج القدس. وفي 1886 أنشأ اليهود في القدس حي «بيت إسرائيل» شمال حي «موشيرم» على أرض تدعى البركة والمصبنة. وفي 1886 افتتحت القنصلية الإيرانية. وفي 1887 أنشأ اليهود في القدس حي عُرف بـ«سكوت شلوم». وفي 1888 أنشؤوا حي «بن يهوذا» (نسبة إلى اليهودي أليعازر يهودا مواليد لتوانيا عام 1858، توفي في القدس عام 1922)، ونفذ المجاهدون العرب في 24 شباط (فبراير) 1948، وفي 30 تموز و4 أيلول 1997، هجمات استشهادية أدت إلى مقتل إسرائيليين في هذا الحي. وفي 1877 افتتحت القنصلية الروسية داخل أسوار القدس. وفي 1889 أقام اليهود حي «شعارية تصيدق». وفي 1890 أنشؤوا حي «بيوت تيمن»، وقد أسس هذا الأخير يهود مهاجرون من اليمن. وفي 1891 أصبح عدد يهود القدس 25 ألفاً و322 نسمة. وفي 6 كانون الأول (ديسمبر) 1892 كتب القنصل البريطاني تقريراً إلى حكومته فيه: «إن التعليمات الصادرة من حكومة الباب العالي تفيد عدم السماح لليهود الجدد بالاستقرار في القدس». وفي 1893 أنشأ اليهود حي «البخاري» واستقطب بشكل رئيسي المهاجرين اليهود من منطقة أوزبكستان في آسيا الوسطى، وكان يعتبر من أجمل الأحياء اليهودية المقامة في القدس. وفي 1894 قام الوالي التركي في القدس بتجميع اليهود القادمين من إيران بهدف ترحيلهم، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل بعد أن تدخلت جهات عدة (منها بريطانية وماسونية) حالت دون تنفيذ هذا الأمر. وفي 1894 أقام اليهود الأوروبيون مستوطنة موزا Moza خارج أسوار القدس. وفي 1895 أقام اليهود البلغار على بلدة عرطوف (قضاء القدس) مستعمرة سميت هارطوف Hartuf.
وفي 1906 أقام اليهود في القدس حي «زخرون موشيه» وحي «أهافا». وفي 1907 هاجر 200 يهودي يمني من صعدة إلى فلسطين، واستقر بعضهم خارج أسوار القدس. كما هاجر عام 1908، ألفان وخمسمائة يمني، وانتشروا في القدس ويافا. وفي 1910 أقام اليهود في القدس حي «جفعات شاؤول»، وفي 1913 وصل عددهم في المدينة إلى 44 ألف نسمة ثم تقلص عددهم عام 1917 إلى 28 ألف يهودي بسبب ارتحال أعداد كبيرة منهم عن فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى. وفي 23 شباط 1915، كوّن اليهودي الروسي فلاديمير Japotinsky مع اليهودي الروسي جوزيف ترمبلدور (اغتاله المجاهدون اللبنانيون قرب المطلة في الأول من آذار 1920) الفيلق اليهودي في مصر، لمساعدة بريطانيا في حربها في فلسطين ضد العثمانيين. وفي 9 كانون الأول 1917 دخل الجيش البريطاني مدينة القدس.
ناجي جرجي زيدان
قبل ستة آلاف سنة وضع الكنعانيون حجر الأساس لبناء مدينة القدس، ومرّ الزمن وتعاقب الفاتحون والغزاة والدخلاء.. ليأتي زمن آخر يزعم فيه مستوطنون قادمون من مختلف بقاع الأرض… أن تلك المدينة العربية.. عاصمة موحدة لهم.
لم تكن القدس أرضاً غنية في زراعتها فأقصى مداها ما يزرعه الناس حول بيوتهم بغية التزين، ولم تكن غنية في صناعتها فأقصى ما تصنعه كان جزءاً من حاجة أهلها، ولم تكن غنية في تجارتها فجل تجارتها ما كان يخدم أهلها والقرى المحيطة بها، ومع ذلك كانت القدس مطمع الغزاة على مر آلاف الأعوام.
تقع القدس في قلب فلسطين الانتدابية، أو جنوب سوريا الطبيعية، البحر الأبيض المتوسط غربها وتبعد عنه حوالي خمسة وعشرين كيلومتراً على خط مستقيم، والبحر الميت شرقها وتبعد عنه حوالي عشرة كيلومترات على خط مستقيم.
وقد يكون الأجداد اليبوسيون اختاروا تلك البقعة الجغرافية لأنها لا تغري الأجانب الطامعين فضلاً عن صعوبة الوصول إليها نتيجة وعورة المنحدرات، فكانت بعيدة عن طرق التجارة القديمة وأقرب تلك الطرق كانت تمر بعيداً بحوالي عشرة كيلومترات تملؤها العقبات الطبوغرافية.
وتوحي قسوة جغرافية كهذه بالمكان الوعر الذي شهد بناء ثاني بيت وضع للناس في الأرض (المسجد الأقصى) بقسوة المكان الجدب غير ذي زرع الذي شهد أول بيت وضع للناس في الأرض وهو المسجد الحرام.
فالقدس مدينة منذ ستة آلاف عام بناها اليبوسيون وهم فرع من العرب الكنعانيين في الألف الرابع قبل الميلاد حيث سموها يبوس، أحد ملوكهم ويدعى ملكي صادق، وسع يبوس المدينة وأطلق عليها «أورسالم» أي مدينة السلام، وبنى فيها معبدا ًكبيراً سماه بيت قدس لعبادة الإله الأكبر سالم، وبقيت المدينة عربية حتى فتحها داوود عليه السلام وسماها أورشاليم وهو اللفظ العبري للاسم العربي، وفي عهد الملك ملكي صادق وفد إبراهيم الخليل إلى فلسطين فأحسن هذا الملك وفادته لأنه كان يدعو للتوحيد.
وتعاقب عليها بعد ذلك أقوام كثيرة من الروم والفرس إلى أن فتحها المسلمون ثم سقطت في يد الصليبيين نحو 90 عاماً إلى أن استعادها المسلمون 1187.
تقع مدينة القدس على عدد من الجبال أهمها جبل موريا وهو الجبل الذي يقوم عليه الحرم الشريف وتقع على قمته قبة الصخرة بينما يربض على سفحه من الجهة الغربية حائط البراق ويقع عليه سور القدس القديم الذي يحيط بالمدينة المقدسة من جهاتها الأربع.
جبل المشارف ويدعى أيضاً جبل المشهد لأن معظم الفاتحين أقاموا عليه معسكراتهم حينما غزوا القدس كما يسمى جبل الصوانة.
وجبل الطور يدعى أيضاً جبل الزيتون ويقع إلى الشرق من القدس القديمة ويفصلها عنه وادي قدرون ويقع جنوب جبل المشارف وارتفاعه حوالي 825 متراً عن سطح البحر، ولهذا الجبل أهمية خاصة عند المسيحيين حيث تنتشر على سفوحه وقممه الكنائس والأديرة ويعتقد المسيحيون أن المسيح كان يدرس تلاميذه في منطقة آليا الواقعة في قمة الجبل، كما تناول عشاءه الأخير قبل القبض عليه في كنيسة الجثمانية، وفي هذه الكنيسة ثماني شجرات من الزيتون يقال إن تاريخها يرجع إلى أيام المسيح كان يستظل بها مع تلاميذه.
جبل المكبر ويقع في الجهة الجنوبية الغربية من القدس القديم.
سياسة التفريغ
تأتي حرب التفريغ في إطار سياسة احتلالية تهدف على المدى البعيد إلى إفراغ المدينة من أهلها العرب وتعتمد على شقين هما حرمان العرب من الخدمات، وحرمانهم من التوسع العمراني الذي يلبي التمدد الديمغرافي مع تشجيع واضح لاستيطان اليهود.
وحول الشق الثاني ترجع النشاطات الاستيطانية في القدس حالياً لخطة التطهير وهي مرحلة متقدمة من خطة أقرها شارون عام 1990 عندما كان وزيراً للإسكان وأطلق عليها مشروع «ست وعشرون بوابة حول القدس» والمقصود هو بناء أحياء يهودية داخل الأحياء العربية.
الهدف الآني إقامة طريق آمن بين البوابات الأساسية والبراق، والهدف النهائي هو إيجاد موقع جغرافي بحيث يكون الفلسطينيون أقلية والبيوت العربية محاطة بمستوطنات، واستخدمت إسرائيل أسلوبين في الضغط هما أولاً مصادرة الأرض للمصلحة العامة، وثانياً استخدام قانوني التنظيم والتخطيط».
نتيجة للأسلوب الأول صادرت إسرائيل منذ عام 1967 (35%) من مساحة القدس الشرقية، أي 24 كيلومتراً مربعاً وأقامت عليها 15 مستوطنة فيها 45 ألف وحدة ضمن مخطط لإقامة 56 ألف وحدة وأسكنت فيها 180 ألف مستوطن، بالمقابل كان عدد السكان الفلسطينيين سنة 1967 سبعين ألفاً وعدد الوحدات السكنية 12 ألفاً، أما اليوم فعدد السكان 232 ألفاً وعدد الوحدات 27 ألف وحدة.
ونتيجة لاستخدام قانون التنظيم جعلت إسرائيل ما يعادل 40% من القدس الشرقية مناطق خضراء كاحتياطي استراتيجي للتوسعات الاستيطانية 6% طرقاً، 5% إعادة تنظيم، و14% فقط للفلسطينيين. ومن أجل الحصول على وحدة بناء يجب إثبات الملكية ودفع رسوم تراخيص، وبالمعدل تحتاج الرخصة لخمس سنوات وتكلفة 20 ألف دولار، مما اضطر المواطنين للخروج من حدود القدس وتعرضهم لسحب هوياتهم، وبالمعدل مقابل ألف رخصة 1992 إلى 1998 صدرت للعرب حصل اليهود على تسعة آلاف رخصة، وفيما يستغرق الفلسطيني خمس سنوات للحصول على الرخصة يستغرق الإسرائيلي ستة شهور فقط. وأحد المواطنين احتاج إلى 20 عاماً من 1976 إلى 1996 كي يحصل على رخصة بناء.
وتشير المصادر في هذا الإطار إلى أن رئيس بلدية الاحتلال أيهود أولمرت صرح في نيسان (أبريل) 2001 بأنه سيعمل على تعزيز الأغلبية اليهودية في القدس وأن الحرم القدسي لليهود بجميع طبقاته فوق الأرض وتحتها وأن البلدية ستنفذ قرارات هدم منازل فلسطينية، وفي مناسبة أخرى تحدث عن الحاجة إلى بناء 120 ألف وحدة سكنية في القدس قائلاً إنه توجد أهمية كبيرة للحفاظ على التوازن الديمغرافي (70% يهود 30% عرب). أما المدير العام للبلدية رعنان دنيور فقد طالب بهدم منازل في القدس الشرقية كل أسبوع وخلال شهر رمضان تحديداً.
ويعيش في القدس الشرقية حوالي 200 ألف فلسطيني على مساحة 500.70 دونم ضمتها إسرائيل عام 1967 وصادرت منها 500.24 دونم وهناك 2.11% من مجموع مساحة القدس يسمح للفلسطينيين البناء فيها ويعيش 5.61% باكتظاظ رغم أنه وحسب معطيات بلدية الاحتلال فإن معدل نمو السكان غير اليهود كان سنة 1999 أعلى سبعة أضعاف مما كان عليه السكان اليهود.
وقد رصد مركز أبحاث الأراضي في القدس عدد المنازل التي هدمت خلال النصف الأول من العام 2001 بتسعة منازل وأساس منزلين ومدرسة ومسجد، وتهدف الضغوط إلى خلق ضائقة سكنية تجبر العرب على الرحيل خارج حدود البلدية وبالتالي سحب هوياتهم، لذلك يتجه المقدسيون إلى البناء غير المرخص، ويذكر أن هناك مقاولاً تابعاً لبلدية الاحتلال يتولى مهمة التفتيش على البيوت الفلسطينية ويتقاضى مكافآت مالية متزايدة كلما هدم عدداً أكبر من المنازل، وفي مفارقة عجيبة لجأت إسرائيل إلى تصنيف معظم الأراضي التي يملكها الفلسطينيون كأراض خضراء أما الأراضي المملوكة لليهود فتصنف كأراض مسموح البناء عليها ولا يكون أمام المقدسيين إلا التوجه أمام المحاكم الإسرائيلية التي تمر(تقر) عملية الهدم.
الواجهة الأمامية لكنيسة القيامة
وأبعد من ذلك فقد أظهرت الوثائق أن قطعة الأرض التي قدمتها إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأميركية لبناء سفارتها مملوكة للأوقاف الإسلامية، ولعدد من المواطنين، ويعتبر ذلك اعترافاً أميركياً بالمستوطنات.
والأمر الذي يقلق إسرائيل أن المواطن المقدسي قد صمد رغم هذه السياسة وحقق أرقاماً صعبة في الحرب الديمغرافية ضده، ففي مطلع السبعينيات كان العرب في المدينة المقدسة أقل من 2.7»% من سكان القدس وخلال الثمانينيات ارتفعت النسبة إلى 29% والآن تبلغ 32%.
في إطار السياسة القائمة على التمييز منعت بلدية الاحتلال في القدس الغربية تسجيل ثلاثة آلاف من طلاب مدينة القدس في المدارس الحكومية دون إبداء الأسباب، وقد تقدم أولياء أمور 905 أطفال بشكوى إلى المحكمة التي اكتفت بالطلب من الوزارة أن تشرح الأسباب. وقد اعترفت أسبوعية «كول هعير» الإسرائيلية في تقرير مطول يقارن بين سكان القدس الشرقية وسكان القدس الغربية بالهوة الاقتصادية الشاسعة وفيما يلي أهم المعطيات التي وردت في هذا التقرير:
ـ يحصل العامل العربي على معدل 3056 شيكلاً شهرياً بينما يحصل اليهودي على معدل 5417 شيكلاً شهرياً.
ـ ويحصل 10 ـ 20% من العمال في غرب المدينة على أقل من أجر الحد الأدنى بينما تبلغ نسبة الذين يحصلون على أقل من أجر الحد الأدنى في القدس الشرقية أربعة أضعاف.
ـ ويحصل 1.10% فقط من العمال في القدس الشرقية على أجر يزيد على معدل الأجور بينما يحصل على ذلك حوالي 50% من نظرائهم اليهود.
ـ أغلق خلال عام 1999 ما مجموعه 12% من المحال التجارية في غرب المدينة أي حوالي ألف محل بينما أغلق في البلدة القديمة في نفس الفترة 259 محلاً تشكل ربع عدد المحلات فيها.
ـ الصناعة الخفيفة والصناعات الثقيلة حكر القدس الغربية وحسب معطيات اتحاد الصناعيين الإسرائيليين وجد خلال عام 1999 ما مجموعه 720 مصنعاً في القدس الغربية يعمل بها 19500 عامل وتقارب دورتها المالية فيها 5.7 مليار شيكل وتتيح للتصدير ما قيمته 700 مليون شيكل أما في القدس الشرقية فتوجد فقط ثلاثة مصانع للأقمشة.
ـ التكنولوجيا المتطورة: تعمل أكثر من مائتي شركة تكنولوجيا متطورة في القدس الغربية، ولا توجد أي من شركات التكنولوجيا المتطورة في القدس الشرقية، ويتقاضى مهندس برمجة ذو خبرة خمسة أعوام من القدس يعمل في رام الله أجراً قدره ألف شيكل بينما يحصل نظيره الإسرائيلي على أجر يتكون من خمسة أرقام.
برج الكنيسة اللوثرية أعلى بناية داخل السور
ـ الاستهلاك: الفوارق في الأسعار بين القدس الشرقية والغربية بالمواد الاستهلاكية ضئيلة جداً وهكذا يجبر سكان القدس الشرقية رغم تدني مستوى الأجور على شراء مواد استهلاكية بأسعار متقاربة رغم الهوة الشاسعة في الأجور.
ـ الفقر: ينشأ 69% من الأطفال في القدس الشرقية تحت خط الفقر بينما 27% من الأطفال في القدس الغربية يعانون حالات الفقر.
ـ الفنادق: يصل إلى الفنادق في القدس الشرقية 18% من مجموع السياح الذين يصلون إلى المدينة بينما تستضيف فنادق القدس الغربية النسبة المتبقية.
ـ الصحة: تجبر الأم في القدس الشرقية على اختيار واحدة من خمس محطات صحة الطفل بينما الأم اليهودية تختار واحدة من ثمان وثلاثين محطة.
ـ البناء والإسكان: يتقاسم الفلسطيني في القدس منزله مع أكثر من ستة أشخاص كمعدل عام بينما يتقاسم السكان في القدس الغربية مع 5.3 أشخاص وخلال عامي 1997 ـ 1998 تم منح 3456 رخصة بناء غرب المدينة و5.3 فقط في شرقها.
ورغم أن القانون الإسرائيلي ينص على أحقية كل ساكن في إسرائيل بالمشاركة في دورات تأهيل مهني حيث يقوم مكتب العمل بإرسال العاطلين عن العمل إلى تلك الدورات فإن مكتب العمل في القدس الشرقية لا يرسل العاطلين إلى دورات كهذه لأنه لا توجد دورات مخصصة لهم.
وفي غربي القدس يتوافر 1 كم مجارٍ لكل 743 نسمة. و1 كم شوارع لكل 710 نسمات، 1 كم أرصفة لكل 690 نسمة، وحديقة عامة لكل 447 نسمة، أما في شرقي القدس فالأرقام بالترتيب هي 809.2 نسمة، و488.2 نسمة، و917.2 نسمة، و362.7 نسمة.
كما يضطر المواطن المقدسي من أجل التبليغ عن مولود حي أو تسجيل إبنه بالهوية خوض معركة تبدأ منذ ساعات منتصف الليل من أجل الحصول على دور حيث يؤم مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية يومياً 150 ـ 300 مواطن يتمكن 40 ـ 50 من الدخول وغالبية من يدخلون كانوا قد حضروا سابقاً وطلب منهم العودة مرات عديدة لإنجاز إثبات وغالبية هؤلاء موظفون وعمال وطلاب وأمهات علماً بأن عدد الموظفين في مكتب القدس الغربية ضعف العدد في مكتب القدس الشرقية.
وقد بلغ عدد بطاقات الهوية المصادرة لعام 2000 (207) بطاقات أما خلال الفترة من عام 1967م حتى عام 2000 فقد بلغت 6386 بطاقة الأمر الذي حرمهم من حقوقهم الصحية والاجتماعية والتعليمية والقانونية، أما المنازل المهدومة خلال عام 2000 فقط بلغت 79 منزلاً وخيمة.
القديمة والجديدة
وتتألف القدس من قسمين: القدس القديمة داخل السور والقدس الجديدة نسبياً خارج السور. وهناك الكثير من الآثار الإسلامية، ففي جبل الطور يقع مسجد الصحابي الجليل سلمان الفارسي ومسجد رابعة العدوية وفي الجهة الشمالية من القدس القديمة مقبرة ماملا ويروي أنها تضم قبور سبعة آلاف شهيد استشهدوا في الحروب الصليبية وقد حولها اليهود إلى حديقة عامة بعد أن داسوا جميع القبور الموجودة فيها. وفي الجهة الشرقية خارج السور تقع مقبرة باب الرحمة وفيها قبور جماعة من الصحابة الذين استشهدوا في القدس مثل شداد بن أوس وعبادة بن الصامت الأنصاري أما ضريح الصحابي عكاشة فيقع في الجهة الغربية من القدس وقد هدمه اليهود بالمعاول.
أما القدس القديمة فهي التي تقع على جبل موريا ويحيط بها سور المدينة من جهاتها الأربع وفيها كل المقدسات الإسلامية والمسيحية كالمسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة. وتتميز عماراتها بطراز شرقي قديم، فشوارعها ضيقة ومتعرجة ومسقوفة في بعض جهاتها وفيها أسواق قديمة.
السور القديم يبلغ محيطه خمسة أميال ومتوسط ارتفاعه أربعون قدماً وعليه أربعة وثلاثون برجاً وله ثمانية أبواب، بنى اليبوسيون السور الأول للمدينة عام ألفين قبل الميلاد، وبنى سليمان عليه السلام السور الثاني، وبني السور الثالث أثناء الزحف الآشوري وهدمه نبوخذ نصر وبنى هيرودوس السور الرابع وهدمه القائد الروماني طيطوس عام 70 للميلاد، ولما استولى صلاح الدين على القدس رمم أسوارها وأقام عليها العديد من الأبراج وحفر حول السور خندقاً. أما السور الحالي فقد رمم معظمه زمن السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1542 ميلادية. وللمدينة المقدسة ثمانية أبواب هي من الشرق باب الأسباط والباب الذهبي ومن الغرب باب النبي داود وباب الخليل وباب الجديد. ومن الشمال باب العمود وباب الساهرة ومن الجنوب باب المغاربة وكلها مفتوحة عدا الباب الذهبي. أما القدس الجديدة فتشمل جميع الأبنية الحديثة التي بنيت خارج السور القديم من الجهة الشرقية جبل الطومر ووادي الجوز والعيساوية والشيخ جراح ومن الجهة الغربية جبل المكبر ومن الجهة الشمالية أحياء الطالبية والبقعة التحتى والبقعة الفوقا ومن الجهة الجنوبية سلوان وأبو ديس والعيزرية.
باب العمود يعرف في التاريخ باسم باب دمشق ويقع في منتصف الحائط الشمالي لسور القدس تقريباً، ويعود تاريخه إلى عهد السلطان سليمان القانوني العثماني، وتعلو هذا الباب قوس مستديرة قائمة بين برجين. أما سبب تسميته باب العامود فقد بينت حفريات جرت سنة 1936 وجود بابين يعود أحدهما إلى زمن الأمبراطور هدير يانوس وأضيف داخل أحدهما عمود، وقد بقي هذا العمود حتى الفتح الإسلامي، ولذلك سمى العرب الباب باب العمود وكان يدعى من قبل باب دمشق لأن القوافل تخرج إليها منه.
باب الساهرة ويسميه الغربيون باب هيرودوس ويقع شمال سور القدس على بعد نصف كيلومتر شرق بابل العمود. باب الأسباط يقع في الحائط الشرقي، باب المغاربة في الحائط الجنوبي لسور القدس وهو أصغر الأبواب، باب النبي داوود في الحائط الجنوبي للسور، باب الخليل يقع في الحائط الغربي، باب الجديد في الجانب الشمالي للسور على مسافة كيلومتر غرب باب العمود، وفتح عام 1898 أثناء زيارة الأمبراطور الألماني غليوم الثاني لمدينة القدس كي يتمكن من دخول البلدة القديمة بسيارته.
هذه الأبواب مرتبطة بشبكة من الأزقة تؤدي إلى حارات القدس القديمة وأهمها حارة السعدية، حارة السلسلة، حارة الواد، حارة اليهود، حارة المغاربة، حارة باب حطة، حارة النبي داوود. وإلى عدة أسواق هي: سوق القطانين، سوق اللحامين، سوق النصارى، سوق خان الزيت، سوق باب العمود.
ننزل عبر عشرات الدرجات، توصلنا إلى باب ضخم بدفتين من حديد وخشب قديم، هو باب العمود أو «بوابة دمشق» كما تطلق عليه العديد من الكتابات التاريخية. تنفذ من الباب فتستقبلنا طرق قديمة اسودّت أجزاء منها جراء ما تراكم عليها من غبار السنين محاطة بمتاجر قديمة تبيع العديد من السلع، كأشرطة الكاسيت والقبعات الرياضية، وعصير «التمر هندي» و«عرق السوس» الذين تشتهر المدينة بهما. العديد من الأسواق، معظمها مسقوفة بحجارة تتوسطها «طاقات» تتسرب منها أشعة الشمس في خيوط رفيعة، تنير عتمة المكان بضوء خافت.
جولة في المقدسات
في العام 2000 أعلنت الحاخامية الرئيسية في إسرائيل وهي أعلى مرجعية دينية لديهم، أنها ستبحث طلباً لإقامة كنيس يهودي داخل محيط الحرم القدسي تمهيداً لبناء الهيكل، يذكر أن رئيس الوزراء أيهود باراك كان قد تقدم قبل ذلك بطلب مماثل.
ويضم الحرم القدسي مسجدي الأقصى والصخرة، ويقوم على جبل موريا على مساحة 141 دونماً وتحيط به الأوقاف الإسلامية من كل جانب، ويقع المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية من السور ويبلغ طوله 88 متراً وعرضه 35 متراً ويقوم على 53 عموداً من الرخام و49 سارية مربعة الشكل وعلى يسار المسجد من الداخل جامع مستطيل يدعى مسجد عمر وإيوان كبير يسمى مقام عزيزي وإيوان صغير يدعى محراب زكريا.
مسجد الصخرة يقع على قمة جبل موريا وتقع تحته قبة الصخرة يقوم بناء قبة الصخرة وسط ساحة الحرم الشريف وهي ساحة فسيحة مستطيلة الشكل تمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 480 متراً ومن الشرق إلى الغرب بطول 300 متر، وتشكل هذه الساحة على وجه التقريب خمس مساحة مدينة القدس القديمة.
يحاط مسجد قبة الصخرة بحجارة من الرخام وقبة من النحاس وحسب ادعاءات اليهود فإن الصخرة والتي يسمونها حجر الشرق هي قدس الأقداس وهي جزء من الهيكل يرتكز العالم عليه. كما يوجد في المدينة القديمة كنيسة القيامة وترى الرواية الدينية المسيحية أن المسيح دفن فيها بعد أن صلبه اليهود وقتلوه. كنيسة القيامة بنتها الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين سنة 335 ميلادية.
وقد بنيت في الموضع الذي اكتشفت فيه الملكة هيلانة خشبة الصليب، وهناك درب الآلام التي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح سلكها حاملاً صليبه يوم ساقه جند الرومان للصلب بعد أن حكم عليه الوالي الروماني بالموت وهي مقسمة إلى 14 مرحلة.
ويقع في الجهة الغربية من كنيسة القيامة الجامع العمري وهو الجامع الذي أقيم في المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب وقد زار الرحالة التركي أوليا جلبي القدس عام 1670 فقال: ».. وفيها 240 مسجداً للصلاة، و7 دور للحديث، و10 دور لتعليم القرآن وتحفيظه، و40 مدرسة للبنين، و6 حمامات، و18 سبيلاً للماء وتكايا لسبعين طريقة إسلامية».
القرآن
ـ 1 ـ
القرآن هو خصوص ما أنزل بين الدفتين دون أن يزاد فيه حرف أو ينقص. ولقد أحصيت آياته فبلغت «ستة آلاف وثلاثمائة واثنتين وأربعين آية، منها خمسمائة آية فقط تتعلق بالأحكام»، وقد انتظمت هذه الآيات في سور بلغ مجموعها مائة وأربع عشرة سورة، أولها (الحمد) وآخرها (الناس).
وآخر ما نزل من آياته قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾، وقد نزلت في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في غدير خم عند عودته صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، وبعد أن أعلن الولاية لعلي عليه السلام كما ورد ذلك في كثير من الروايات المأثورة لدى جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم)[658](.
المحكم والمتشابه
والقرآن فيه محكم ومتشابه لقوله سبحانه ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وقد اختلف في تعريفهما على أقوال:
«قال الجبائي: المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعداً، وقال جابر: المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله». وقيل: «المحكم ما عرف المراد منه أما بالظهور وأما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه» ولعل هذا التفسير يتلاءم مع ما يبدو من ظهور هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ بناء على ظهورها في أن كلمة يقولون خبر إلى (الراسخون) فيكون المتشابه مما استأثر الله عز وجل بعلمه، وما ورد تأويله من غوامض الآيات عن النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فهو من المحكم وللشريف الرضي في تحقيق المراد من هذه الآية حديث يحسن الرجوع إليه في هذا المجال)[659](.
ابتداء نزول القرآن
ابتدأ نزول القرآن في ليلة القدر في رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾)[660](، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾)[661](، وهو الشهر الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم يعتكف فيه بغار حراء)[662]( ويعتزل فيه الناس. وذلك سنة 610م ونزل أقساماً في 23 سنة.
والصحيح إن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾)[663](.
ولم تنزل بعد نزولها إلى ثلاث سنوات آية من القرآن، وتسمى هذه المدة زمن فترة الوحي، ثم أخذ القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً وكان تفريقه مثار اعتراض المشركين، وقد ذكر ذلك القرآن وأجاب عنه، وقال في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾.
ودل استقراء الأحاديث أن أكثر القرآن نزل مفرقاً، ومن أمثلته في السور القصار: سورة إقرأ، أول ما نزل منها إلى قولته تعالى: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، والضحى، أول ما نزل منها إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾. ومنه ما نزل جميعاً، ومن أمثلته فيها سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، ومن أمثلته في السور الطوال: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾.
وقد دل الاستقراء على نزول خمس آيات وعشر آيات، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول غير أولي الضرر وحدها وهي بعض آية ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإنها نزلت بعد نزول أول الآية وهي بعض الآية.
ثم إن السور التي نزلت دفعة واحدة أو قيل بنزولها كذلك متعددة فمنها: سورة المائدة، الأنعام، والتوبة، المرسلات، الصف، الفاتحة العاديات، الضحى، الإخلاص، والكافرون، الكوثر، تبت، البينة، النصر، والمعوذتان.
عهد نزول القرآن
وينقسم عهد نزول القرآن إلى مدتين متمايزتين: قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها.
الأولى: مدة مقامه صلى الله عليه وسلم في مكة وهي اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً، من يوم 17 رمضان سنة 41 يوم الفرقان إلى أول ربيع الأول سنة 54 من ميلاده، وما نزل في مكة ونواحيها قبل الهجرة فهو مكي.
الثانية: مدة نزوله بعد الهجرة إلى المدينة وإن نزل بغيرها فهو مدني)[664](.
قال أبو الحسن بن حصار في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: المدني بالاتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي بالاتفاق وهي: (1) البقرة (2) آل عمران (3) النساء (4) المائدة (5) الأنفال (6) التوبة (7) النور (8) الأحزاب (9) محمد (10) الفتح (11) الحجرات (12) الحديد (13) المجادلة (14) الحشر (15) الممتحنة (16) الجمعة (17) المنافقون (18) الطلاق (19) التحريم (20) إذا جاء نصرالله.
ووافقه في جميعها أبو بكر بن الأنباري)[665]( إلا في الأنفال، وأبو عبيدة)[666]( في فضائل القرآن، إلا في الحجرات والجمعة والمنافقون، وصاحب الفهرست محمد بن البشير المذكورة في أول ما نزل من القرآن، إلا في الأحزاب المتفق عليه بين هؤلاء الأربعة الذين يعتمد على أقوالهم، خمسة عشر سورة مما ذكره أبو الحسن في كتابه الناسخ والمنسوخ، والمختلف فيه خمسة وهي: (الأنفال) خالف فيها أبو بكر بن الأنباري و(الحجرات) و(الجمعة) و(المنافقون) خالف فيها أبو عبيدة في فضائل القرآن و(الأحزاب) خالف فيها صاحب الفهرست محمد بن إسحاق.
جمع القرآن
وجمع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض من الصحابة القرآن كله. وبعض منهم جمع القرآن ثم أكمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر محمد بن إسحق في الفهرست أن الجُمَّاعَ للقرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم: علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد، وأبو الدرداء عويمر بن زيد، ومعاذ بن جبل بن أوس، وأبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان، وأبي بن كعب بن قيس، وزيد بن ثابت. والذي حصل في زمن عثمان هو جمع الناس على قراءة واحدة.
دعوى التحريف
وقد نسب بعض الكتاب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن، من دون أن يكون على ذلك أي دليل سوى الجهل أو التعصب أمثال مصطفى صادق الرافعي الذي يقول:
إن قوماً كانوا «يجدون في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا وهم الرافضة، وقد شكوا في نص القرآن وقالوا: إنه وقع فيه نقص وزيادة وتغيير وتبديل».
وأمثال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني الأستاذ بالجامع الأزهر الذي يقول:
«يزعم بعض غلاة الشيعة أن عثمان ومن قبله أبو بكر وعمر قد حرفوا القرآن وأسقطوا كثيراً من آياته وسوره» وإن «القرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقاً وغرباً أشد تحريفاً عند هؤلاء الشيعيين من التوراة والإنجيل وأضعف تأليفاً منهما وأجمع للأباطيل. قاتلهم الله أنى يؤفكون»)[667](.
والحقيقة أنه أجمعت الشيعة واتفقت كلمتهم على أن القرآن هو خصوص ما أنزل بين الدفتين دون أن يزاد فيه حرف أو ينقص وروى هذا الإجماع عدد من أعلامهم أمثال الشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والشيخ الطبرسي وغيرهم في المتقدمين. والسيد محسن الأمين والشيخ جواد البلاغي والسيد أبو القاسم الخوئي وغيرهم في المتأخرين.
ويقول الشيخ محمد حسن آل ياسين:
ومع ذلك فقد دأب الكتّاب المغرضون على نبز الشيعة ولمزهم بالقول بنقص القرآن.
وإننا نكتفي هنا بمناقشة واحد من هؤلاء على سبيل المثال، ذلك هو الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني الذي أقامت منه الصدف أستاذاً في الأزهر وجعلت كتابه «مناهل العرفان في علوم القبرآن» كتاباً دراسياً يعتمد عليه طلبة هذه الجامعة الإسلامية الشهيرة. وقد نالت الشيعة من سباب هذا الكتاب نصيباً كثيراً يثير الأسف ويبعث على الألم والأسى، ونورد فيما يلي فقرات من تلك الشتائم التي حفل بها الكتاب ثم نردفها بالمناقشة الموضوعية القائمة على الحجة والبرهان والمترفعة عن السب والاسفاف.
قال الشيخ الزرقاني:
روى الشيعة «عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم كان سبعة عشر ألف آية. وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في سورة (لم يكن) اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. وروى محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله أن لفظ «أمة هي أربى من أمة» في سورة النحل ليس كلام الله بل هو محرف عن موضعه، وحقيقة المنزل «أئمة هي أزكى من أئمتكم»، ومنه ممن قال: إن القرآن كانت فيه سورة الأحزاب سقط إذ أنها كانت مثل سورة الأنعام فأسقطوا منها فضائل أهل البيت وكذلك ادعوا أن الصحابة أسقطوا لفظ ـ ويلك ـ من قبل «لا تحزن أن الله معنا» وأسقطوا لفظ ـ بعلي بن أبي طالب ـ من بعد «وكفى الله المؤمنين القتال» وأسقطوا لفظ ـ آل محمد ـ من بعد «وسيعلم الذين ظلموا» إلى غير ذلك.
إلى أن يقول:
هكذا شاءت حماقتهم وسفاهتهم «ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء».
هكذا أطلق الشيخ الأزهري لقلمه العنان، وانتقى من ألفاظ اللغة ما يتلاءم وذوقه، ولم يكلف نفسه مؤنة الرجوع إلى المصادر الرئيسية عند الشيعة ليعرف وجه الصواب ويميز بين الحق والباطل.
والغريب أن الشيخ الزرقاني قد نسي عندما نسب إلى الشيعة القول بنقصان سورة «لم يكن» حيث كان فيها «اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم» على حد زعمه. أقول: نسي أن أول من روى ذلك هو شيخ المفسرين الطبري حيث أسند عن أنس بن مالك قوله:
«إن أولئك السبعين الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتاباً: بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. ثم أن ذلك رفع»)[668](.
«وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، ومن بقيتها: لو كان ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فاعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره»)[669](.
لقد نسي الزرقاني هذه الروايات التي أخرجها حفاظ السنة وهي صريحة في نقص سورة (لم يكن)، ثم رمى الشيعة بما لم يقولوه ظلماً وعدواناً.
واتهم الزرقاني الشيعة أيضاً بالقول بسقوط أكثر سورة الأحزاب في حين أن ذلك هو قول السيدة عائشة فيما حدث به السيوطي عنها إذ تقول:
«كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن»)[670](.
وروى السيوطي عن مصحف عائشة أن فيه من سورة الأحزاب: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: «قبل أن يغير عثمان المصاحف»)[671](.
ثم كان أبي بن كعب ممن ذهب مذهب السيدة عائشة في ادعائها، فقد حدث زر بن حبيش قال: «قال لي أبي بن كعب: كأين تعد سورة الأحزاب قلت: اثنتين وسبعين آية أو ثلاث وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم»)[672](.
ولزيادة الإيضاح نقول:
إن روايات نقصان القرآن قد وردت في كتب طوائف المسلمين من غير الشيعة أكثر مما وردت في كتب الشيعة، وإن في جملة القائلين بالنقصان من الصحابة والتابعين ممن وردت الرواية عنهم في كتب الحديث السنية المعتبرة من لا يصح رد قولهم عند المتمسكين بهم. ونورد في أدناه بعضاً من تلك الروايات على نحو التمثيل لا الاستيعاب ليتضح مدى التجني الذي تطاول به المتطاولون على الشيعة.
خطب الخليفة عمر بن الخطاب فقال في جملة ما قال:
«أما بعد: فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي».
«إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم ـ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف».
«ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» أو «إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم»)[673](.
وفي نص آخر:
لولا أكره أن يقول الناس قد زاد في القرآن ما ليس فيه لكتبت آية الرجم وأثبتها، فوالله لقد قرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كفر بكم. الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم»)[674](.
«عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نقرأ سورة تعدل سورة التوبة ما أحفظ منها إلا هذه الآية: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولو أن له ثالثاً لابتغى رابعاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»)[675](.
«بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب».
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير اني حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة»)[676](.
يقول مالك بن أنس في تعليل عدم كتابه البسملة في سورة براءة: «إن أولها لما سقط معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها)[677](، وفي مستدرك الحاكم عن حذيفة قال: «ما تقرؤون ربعها يعني براءة»)[678](.
كان عدد السور في مصحف أبي بن كعب مائة وست عشرة سورة لأنه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع)[679](.
وسورة الخلع المزعومة هي:
«اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك».
أما سورة الحفد المدعاة فهي:
«اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك أن عذابك بالكفار ملحق».
وروى بعض المحدثين أن هاتين السورتين كانتا في مصحف ابن عباس، وأخرج الطبراني عن أبي إسحاق قوله: «أمنا أمية بن عبدالله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بهاتين السوريتين»)[680](.
أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف)[681](.
والقرآن المتداول «ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفاً وخمسة عشر حرفاً»)[682]( أو «ثلاثمائة ألف وأربعون ألفاً وسبعمائة وأربعون حرفاً»)[683](.
«قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: إن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فإنا لا نجدها قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن»)[684](.
«عن أبي سفيان الكلاعي: إن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في الصحف، فلم يخبروه. فقال مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة عين جزاءاً بما كانوا يعملون»)[685](.
إن أول ما نستخلصه من استعراض النقول السالفة الذكر ـ وعلى شاكلتها كثير ـ أن غير الشيعة قد رووا في نقص القرآن من الأحاديث والتصريحات على لسان بعض الصحابة والتابعين ما يفوق نقول الشيعة أضعاف المرات، وما تضيق بسرده صفحات محدودة كهذه الصفحات. ومع ذلك كله فإن (عين الرضا!!) لم تبصر هذه الروايات ـ مع كثرتها المفرطة ـ وأن لسان التشهير لم يعرف غير الشيعة مورداً للطعن والقذف والسباب «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
وبهذا الاستعراض يتضح لكل ذي عينين مدى الزيف الذي تحمله مؤلفات الزرقاني وأمثاله، وافتقادها لأي شان أو وزن أو قيمة بين كتب الدراسات المنهجية، وخلوها من كل ملامح البحث العلمي الذي يجب أن يقوم على الصدق والموضوعية والتجرد الأمين.
وقال السيد محمد تقي الحكيم وهو يتحدث عن شبهة التحريف في القرآن:
وكان مبعث هذه الشبهة ما ورد في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث من أحاديث وروايات يتبنى أصحابها فكرة التحريف والنقص فيه، فقد ذكر في صحيح البخاري، خطبة لعمر بن الخطاب «مر نص الخطبة»، والذي يبدو أن هذه الخطبة لو صحت عنه، كانت بعد أن جاءهم بهذه الآية ـ أعني آية الرجم ـ فامتنع زيد من إلحاقها بالقرآن، ففي رواية ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال:
«أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وأن آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب وأن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده»)[686](.
«وفي صحيح مسلم عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن»)[687](.
وفي روايته الأخرى قال: «بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوهن ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة»)[688](.
وفي أصول الكافي عن أبي عبدالله قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد سبعة عشر ألف آية»)[689](، إلى روايات أخرى حفلت بها هذه الكتب وغيرها، وقد نسب القول في الإيمان بهذه الشبهة إلى الحشوية)[690](، كما نسب الشيخ أبو زهرة ذلك إلى الكليني معتمداً ما استظهره الصافي من روايته لأخبار التحريف في أصوله وعدم تعقيبه عليها مما يدل على إيمانه بها وبخاصة وقد صرح في مقدمة كتابه أنه لا يروي إلا ما يثق به، وقد اعتبر هذا الاستظهار وثيقة من أهم وثائق التكفير، فسارع إلى تكفيره، يقول في كتابه (الإمام زيد): «ومن الغريب أن الذي ادعى هذه الدعاوى الكليني وهو حجة في الرواية عندهم وكيف تقبل رواية من يكون على هذا الضلال، بل على هذا الكفر المبين»)[691](. وما دام الحديث قد بلغ بنا إلى هذا الموضع فلا بد من تحقيق هذه النسبة التي وسعها بعضهم إلى جميع أصحاب الصحاح، وكتب الحديث ممن ذكروا أحاديث التحريف أخذاً بوحدة الملاك في الجميع. والذي يبدو أن الأخ أبا زهرة ممن يستسيغ التكفير بسهولة مع أنه لا يميز ـ فيما يبدو ـ بين نوعين من إنكار الضروري أحدهما يوجب التفكير والآخر لا يوجبه، فالذي يوجب التكفير إنكار ضروري من ضروريات الدين، أي ما ثبت أنه دين بالضرورة مما يعود إنكاره إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وشبهه، والقول بعدم التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلا لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية: إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون. وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات على أنهم اختلفوا في صلاحية الآية للدليلية بشبهة الدور، وما يقال عن هذه الآية يقال عن غيرها من الأدلة)[692](. نعم هو ضروري الثبوت لثبوت تواتره عندنا وإنكار الضروريات التي لا تستند في بداهة ثبوتها إلى الدين وإن استندت إليه بالنظر، لا تستوجب تكفيراً كما هو واضح لدى الفقهاء.
ومع الغض عن هذه الناحية فالتكفير لا يكون لأوهام وظنون لأن مجرد رواية أحاديث النقص وعدم التعقيب عليها لا يدل على وثوقه بصدورها ورفضه لها، وكأنه أشار بذلك لما ورد في المرفوعة من قوله عليه السلام: «ودع الشاذ النادر»، على أنه التزم في أول كتابه الأخذ بالروايات العلاجية، وهي التي تتعرض لأحكام الخبرين المتعارضين من اعتبار ترجيح إحداهما على الآخر بعرضه على كتاب الله وسنة نبيه، فما وافق الكتاب أخذ به، يقول رحمه الله في أول كتابه: «فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء إلا ما أطلق عليه العالم، أعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه»)[693](.
والأخبار التي رواها متعارضة بدليل روايته لما هو صريح بعدم التحريف، وهي الرواية القائلة: «وكان من نبذهم الكتاب بإنهم أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه»)[694]( حيث صرحت بنسبة التحريف إلى الحدود مع اعترافها بإقامة حروفه ومع تحكم المعارضة بينها وبين تلك الرواية التي استظهروا منها التحريف في الحروف، فإن مقتضى منهجه الذي رسمه في بداية الكتاب عرضها على كتاب الله، ومن الواضح أن الكتاب ظاهر بآية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وغيرها بعدم طرو التحريف عليه، ولا عبرة بمناقشات هذه الآية لكونها واردة على خلاف ظهورها، والظهور حجة وإن لم يوجب القطع بمدلوله للقطع باعتبار الحجية له، وشبهة الدور لا ترد على مذهب من يؤمن بأهل البيت لإمضائهم عليهم السلام للكتاب القائم بما فيه هذه الآية كما سيتضح فيما بعد، على أن الثقة بالصدور لا تستلزم الثقة بالمضمون لعدم التلازم بينهما، وكلامه صريح في ذلك في اول كتابه بعد ذكره للرواية القائلة: (ثم خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه)، ونحن لا نعرف من ذلك إلا أقله ولا نجد شيئاً أحوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: «بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم»)[695]( فردها إلى العالم ـ مع تعارض مضمونها ـ والتخيير بينها وأخذ أحدها من باب التسليم، كل ذلك مما يدل على أن ثقته بالصدور لا تستلزم الثقة بمدلول الأحاديث والتعبد بها، نعم ما يختاره منها لعمله ملزم بالأخذ به من باب لنحمله مسؤوليته، هذا أن نقل في أنه قد طرح تلك الأخبار الشاذة لمخالفتها للكتاب.
فرواية هذه الأحاديث في الشواذ النوادر من كتابه وتعارضها في مروياته ولزوم طرحها بالنسبة إلى منهجه الذي رسمه وعدم التلازم بين الإيمان بالصدور ـ لو آمن بصدورها ـ وبين الإيمان بمضمونها، كل ذلك مما يوجب القطع بطرحه لهذه الأخبار وإيمانه بعدم التحريف.
على أن التحريف لو كان مذهباً له لما صح دعوى الشيخ كاشف الغطاء وغيره إجماع الشيعة على عدم التحريف ومثل الكليني ممن يتجاهل أمره عادة، ومن الطريف ما ورد من الشيخ أبي زهرة وهو يقارن بين الكليني والسيوطي صاحب الإتقان، ودفاعه عن الأخير بأن روايته لأحاديث التحريف إنما ذكرها في مقام بيان ما نسخ منها تلاوة، مع أنه ذكر قسماً منها في هذا الموضع وأقساماً أخرى في مواضع أخرى لا علاقة لها بالنسخ، كالأحاديث الواردة في باب (جمع القرآن وترتيبه) )[696]( وباب (عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه) )[697](، وغيرها من كتاب الإتقان، ونحن نذكر له للتفكهة فقط (وشر البلية ما يضحك) بعض السور التي روى زيادتها في القرآن عن ابن مسعود كالمعوذتين، والسور التي أسقطت من القرآن في رأي أبي بن كعب يقول: «أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين قال: كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين»)[698](. وذكر أن في مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك) وفيه: (اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى وحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك أن عذابك بالكفار ملحق) )[699]( إلى غير ذلك مما رواه، ولم ينكر عليه في كثير من أبواب كتابه، ولعل أبا زهرة لم يستوف هذا الكتاب قراءة، ثم قال بعد ذلك: «إن الذين افتروا هذه الفرية ونسبوها إلى الأئمة ومنهم الكليني، ادعوا التغيير والتبديل وذكروا آيات غيرت ونسب هذا إلى الصادق، ولم يقل ذلك أحد من علماء السنّة ولم يقل ذلك أحد منهم».
وما أدري هل كانت هذه النسب إلى كبار الصحابة والتي حفلت بها أهم الصحاح والمسانيد والمستدركات أمثال صحيح مسلم والبخاري، ومسند أحمد والطبراني ومستدرك الحاكم. وكنز العمال، وغيرها من مفتريات الكليني، أم ماذا؟! على أن فيها ما هو أفظع من دعوى التحريف، وهو إنكار تواتر ما بين الدفتين لروايتهم في كيفية جمعه اعتماد خبر الواحد أو البينة في مقام الجمع، ومن المعلوم أن التواتر إذا كان في بعض طبقاته أخبار آحاد لا تفيد القطع لا يصبح مقطوعاً بمدلوله، لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، وقد جاء في الروايات وأمثالها كثير مما هو صريح بذلك، وقد جمعها أستاذنا الخوئي في كتابه «البيان» وأبدع في مناقشتها وإثبات تناقضها وكذبها)[700](. وما أدري ما رأي الشيخ أبي زهرة في كتاب المصاحف للسجستاني الذي سجل فيه اختلاف مصاحف الصحابة بالزيادة والنقيصة هل كان مؤلفه الكليني بالذات؟! ثم ما أدري أيضاً لما لم يجرؤ الشيخ أبو زهرة على تكفير الشيخين لروايتهما في صحيحهما أخبار التحريف وهي لا تتحمل دعوى نسخ التلاوة فيها لتصريح أصحابها بأنها مما يقرأ من القرآن إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يقع النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟! على أنهما ذكرا هذه الروايات ولم يعقبا عليها بالتشكيك، فالمشكلة ليست مشكلة الإتقان وحده ليتم الدفاع عنه بما ذكر، وإنما هي مشكلة جميع من روى عنهم الإتقان من كتب الصحاح وغيرها رأساً، والشيء الذي يقتضينا أن نفهمه ونوسع له صدورنا أن مجرد نقل الحديث وعدم التعقيب عليه، لا يدل على رأي صاحبه ما دامت هناك مسارب لحمل الصحة وبخاصة في مسائل تتصل بصميم العقيدة.
يبقى سؤال: لماذا دونوا هذه الأخبار في الكتب المعتمدة إذا لم تمثل آراءهم؟ والجواب على ذلك: أن طبيعة الأعمال الموسوعية لا تتقيد بوجهات نظر أصحابها بخاصة في هل كان مؤلفه الكليني بالذات؟!
ولقد كان من المألوف قديماً أن مؤلفي كتب الحديث ما كان ليهمهم تمحيص الأحاديث بقدر ما يهمهم تدوينها، وكأن مهمة التمحيص موكولة إلى المجتهدين في مجالات استنباط أحكامهم، ومن هنا احتجنا إلى تسليط الأضواء على جميع كتب الحديث وإخضاعها لقواعد النقد والتمحيص التي عرضت في كتب الدراية، وحسب هؤلاء المؤلفين أمثال الكليني، والشيخ الطوسي، وأصحاب الصحاح والمسانيد، أن لا يكونوا موضعاً للطعن في أمانتهم في مجالات النقد والتجريح، ولعل لهم من وجهات النظر في نقل مختلف الأحاديث ما يحمدون عليه، وإلا فإن الاقتصار على ما يراه صاحب الكتاب حقاً من الأحاديث وإلغاء ما عداه، معناه تعريض ثرواتنا إلى كثير من الضياع، وإخضاع أكثرها إلى الزاوية التي ينظر منها المؤلف إلى الحديث، وهي تتأثر عادة بعوامل بيئية وزمانية، بالإضافة إلى ترسبات أصحابها وقيمهم وعواطفهم على أن في ذلك ما فيه من تحديد لطبيعة الاجتهاد وتضييق نطاق أطر رواة الحديث بما لهم من ثقافة ضيقة لو بالغنا في توسعتها لما تجاوزنا بها طبيعة عصورهم وبيئاتهم مع أن الدين بطبعه يتسع لجميع العصور، فما نراه اليوم حقاً قد لا يرونه غداً كذلك، وما كانوا يرونه حقاً بالأمس قد لا نراه اليوم كذلك، واختلاف المجتهدين من أدل البراهين على هذا الأمر.
وشبهة التحريف من الشبه التي لا تستحق أن يطال فيها الحديث لكونها شبهة في مقابل البديهة. فأخبار التحريف ـ مع تضارب مضامينها وتهافتها في أنفسها ـ لا تزيد على كونها أخبار آحاد وهي لا تنهض للوقوف أمام التواتر الموجب للقطع بأن هذا القرآن الذي بأيدينا هو القرآن الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يزاد أو ينقص فيه، وحسبك أن تعرض ما ادعي إسقاطها أمثال سورتي الحفد والخلع وآية الرجم المأثورة عن الخليفة عمر ـ على أي سورة من سور القرآن. لترى تباين أسلوبيهما واختلافهما من حيث المستوى البلاغي بما يقتضيه من عظم الأسلوب وروعة المضامين وعدمهما، على أن دعوى النقيصة فيه لو أمكن أن تكون فإن الذي يتحمل مسؤوليتها عادة الخليفة الثالث لحرقه المصاحف الكاملة.
ومثل هذه المسؤولية لا يمكن أن يسكت عليها الرأي العام المسلم بما فيهم المهاجرون والأنصار، وهم الذين أنكروا عليها أموراً لا يقاس أعظمها فظاعة بالتلاعب في آيات الله، ولكانت عمليته هذه من أعظم وثائق الإدانة بيد الثوار للتشنيع عليه، وهذا ما لم يحدثنا عنه التاريخ ولم يشر إليه بحرف، على أن الثائرين ـ وقد تم لهم القضاء على عثمان ـ كان بوسعهم أن يعيدو الأمور إلى نصابها الطبيعي فيخرجوا ما لديهم من النسخ الكاملة للقرآن الكريم وينشروها بين الناس كرد من ردود الفعل التي تقتضيها طبيعة الثورة.
والذي يبدو أن عمل عثمان في جمع الناس على رسم واحد للمصحف ولهجة واحدة، كان له صداه العميق في نفوسهم، لذلك كانت استجابتهم له استجابة جماعية بتسليم ما لديهم من النسخ والتعويض عنها بالنسخة الجديدة ذات الرسم المعين واللهجة المعينة.
والظاهر أن الكثير من تلك الروايات أراد أصحابها التشنيع بها على عثمان، مثل رواية أبي موسى الأشعري وبعض روايات عائشة السابقة وغيرها، ولم تلق من الناس تشجيعاً كافياً، وإلا فما الباعث لأبي موسى على جمع قراء البصرة وإخبارهم بما أخبرهم به من النقص، هذا لو قلنا بصحة نسبة هذه الروايات لأصحابها، وهي موضع شك وتأمل رغم روايتها في الصحاح المأثورة.
والذي يهون الخطب أن أمثال هذه الروايات لم تجد لها أي صدى في نفوس جميع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم شيعة وسنة، إلا من شذ منهم، يقول الفقيه الشيعي الكبير الشيخ أبو جعفر الطوسي: «وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها»)[701]( ومثل هذا المضمون ورد في كثير من كتب الشيعة والسنة على السواء، وتواتره أوضح من أن يطال فيه الحديث.
القرآن
ـ 2 ـ
وهو كلام أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بألفاظ وتركيبات خاصة على سبيل الإعجاز، ودوّن في مصاحف ووصل إلينا عن طريق التواتر.
ومن المؤكد أنه لم يتعرض كتاب آخر إلى البحث والدراسة في جوانبه المختلفة مثل القرآن الكريم.
ـ من جانب: الكتاب، القراءة، الوقف، التجويد، الإعراب، الشكل وغيره.
ـ من جانب: الترجمة، التفسير بمختلف أنواعه.
ـ من جانب: الفصاحة، البلاغة، الإعجاز بمختلف جوانبه.
ـ من جانب: العلوم، الأحكام، القصص، المواعظ، الأخلاق ـ وغيرها.
ـ من جانب: عدد الحروف، الكلمات، الآيات، والسور.
ـ من جانب: تعيين موضع النصف ـ الثلث ـ الربع ـ الخمس ـ السبع ـ العشر جزء 1/3، نصف الجزء، الحزب (ربع الجزء) وغيره من جانب تعيين المكي، المدني، تقسيم المواضيع، كشف الآيات وجهات أخرى غيرها.
للقرآن الكريم مئة وأربع عشرة سورة (كبيرة وصغيرة ومتوسطة) و6236 آية منها 500 آية تختص بالأحكام، فإذا حذفنا ما تكرر منها وأخذنا بعين الاعتبار عدم دلالة بعضها على الأحكام الملحوظة لا يشكّل الباقي منها رقماً بارزاً. ولكنها في نفس الوقت كافية للأصول الكلية للأحكام وخاصة في باب المعاملات.
ولقد وردت أحاديث عن بعض المسلمين في من جمع القرآن الكريم ودوّنه، وكيف كان هذا الجمع، ودونت هذه الأحاديث في كتاب حجج البخاري ومنتخب كنز العمال واتقان السيوطي وكتب أخرى غيرها. ولقد جمع السيد الخوئي في كتابه (البيان) أهم الروايات التي جاءت في باب كيفية جمع القرآن الكريم وذكر في مقام النقد، أن هذه الروايات بالإضافة إلى نسبتها إلى خبر الواحد وعدم إفادتها العلم فأنها مطعونة من عدة جوانب:
أولاً: إن هذه الأحاديث متناقضة ولقد أشار إلى بعض أوجه التناقض وهي:
1 ـ زمان جمع القرآن الكريم:
إن ظاهر روايات ابن شهاب عن أنس بن مالك تدل على أن جمع القرآن الكريم كان في زمن عثمان ولكن ظاهر بعض الروايات وكذلك روايات زيد بن ثابت وابن أبي شيبة وابن شهاب عن سالم وخارجة تصرّح بأن جمع القرآن الكريم كان في عهد أبي بكر. وأما روايات الحسن وأبو إسحاق فإنها تدلّ على أن القرآن الكريم جمع في عهد عمر.
2 ـ الذي تولى الجمع في عهد أبي بكر:
إن رواية زيد بن ثابت وكذلك رواية ابن أشته عن ليث بن سعد اعتبرت زيد بن ثابت هو من تولى جمع القرآن الكريم أما رواية ابن شهاب عن سالم وخارجة فاعتبرت أبا بكر المتولي لهذا الجمع وأقصى ما في ذلك أن أبا بكر طلب من زيد أن ينظر فيه، هناك رواية هشام بن عروة وبعض الروايات الأخرى تعتبر أن كلاًّ من زيد وعمر من تولى جمع القرآن الكريم.
3 ـ تفويض الكتابة إلى زيد أو إلى شهادة شاهدين.
إن رواية زيد بن ثابت تدلّ على أن أبا بكر فوض جمع القرآن إلى زيد ولكن رواية هشام بن عروة وآخرين تدل على أن كتابة آيات القرآن الكريم كانت تتمّ بشهادة شاهدين ولعدم توفّر شاهد آخر لم تُقْبَل آية الرجم من عمر.
4 ـ مصدر جمع عثمان:
إن رواية ابن شهاب عن أنس بن مالك وروايته عن سالم وخارجة تصرّح بأن مصدر جمع القرآن لعثمان كان جمع أبي بكر ولكن رواية يحيى بن عبد الرحمن بن خاطب ورواية أبو قلابة ورواية مصعب بن سعد تدلّ على ان أساس الجمع كان شهادة شاهدين وإخبار من سَمِعَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5 ـ الشخص الذي طلب من أبي بكر بأن يجمع القرآن الكريم:
تقول رواية زيد بن ثابت إن عمر طلب من أبي بكر فامتنع أبو بكر في بادئ الأمر ولكنه فيما بعد قبل وطلب من زيد أن يقوم هو بالجمع فامتنع زيد كذلك ولكنه في النهاية وافق. لكن رواية سليمان بن أرقم عن حسن وابن سيرين وابن شهاب الزهري تقول إن عمر وزيد طلبا من أبي بكر فرضي أبو بكر وذلك بعد مشورة المسلمين.
6 ـ الشخص الذي جمع المصحف وأرسل نسخاً منه إلى البلاد الإسلامية:
إن رواية ابن شهاب عن أنس بن مالك تصرّح بأنه عثمان ولكن رواية أبو إسحاق أنه كان عمر.
7 ـ زمان إضافة آيتين إلى آخر سورة براءة:
إن رواية زيد بن ثابت وخزيمة بن ثابت وابن أشته عن ليث بن سعد تدلّ على أن زمن الإضافة هذا كان في عهد أبي بكر ولكن رواية يحيى بن عبد الرحمن بن خاطب تصرّح أن الإلحاق والإضافة كان في عهد عمر.
8 ـ الشخص الذي جاء بالآيتين الأخيرتين من سورة براءة:
إن روايات زيد بن ثابت وابن أشته تصرّح على أن أبا خزيمة هو الذي جاء بالآيتين ولكن رواية يحيى بن عبد الرحمن وخزيمة بن ثابت تدلّ وبوضوح على أن خزيمة جاء بذلك. وأبو خزيمة غير خزيمة.
9 ـ كيفية ثبوت الآيتين السابقتين:
إن ظاهر رواية زيد بن ثابت تدلّ وكذلك رواية عبيد بن عمير وابن أشته تصرّح بأن الآية ثبتت بشهادة شخص واحد. ولكن رواية يحيى بن عبد الرحمن تصرّح بأن عثمان أيضاً شهد بها. وأيضاً رواية خزيمة بن ثابت تصرّح بأن عمر كان شاهداً عليها.
10 ـ الشخص الذي عيّنه عمر لإملاء القرآن وكتابته:
إن صريح رواية ابن شهاب عن أنس تدلّ على ان عثمان عيّن زيد وابن الزبير وسعيد وعبد الرحمن ليكونوا من كتبة القرآن لكن رواية مصعب بن سعد تصرّح بأن عمر قد عيّن زيداً لكتابة القرآن وسعيداً لإملائه. ورواية أبو المليح تصرّح أن ثقيف كانت للكتابة وهذيل للإملاء. ورواية عكرمة تدل على أن لا الكاتب كان من ثقيف ولا المملي كان من هذيل. ورواية عطاء تدلّ على أن الكاتب كان أبي بن كعب.. ورواية مجاهد تصرّح بهذا المعنى نفسه إلاّ أنها تزيد عبد الرحمن بن الحارث وذكروا تناقضات أخرى نتجنب ذكرها.
ثانياً: في أن هذه الروايات تتعارض مع الروايات الأخرى التي ذكرت عن طريق من ينتمون إلى الجماعة نفسها. والروايات السابقة تدلّ على أن القرآن الكريم جُمِعَ ودُوِّن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قيل إن المقصود من الجمع في القسم الثاني من الروايات جمع في الذاكرة والقلب يعني الحفاظ لا التدوين، حينئذٍ لا تتعارض مع روايات القسم الأول التي تدلّ على أن الجمع بمعنى التدوين. ويقال في الجواب:
أولاً: إن تفسير الجمع بالحفاظ تأويلٌ بدون شاهد ودليل.
ثانياً: من المؤكد أن عدد حفّاظ القرآن الكريم آنذاك كان كثيراً جداً بحيث يصعب ذكر أسمائهم أو إحصاؤهم. حيث كانت هناك أمور جعلت المسلمين ينكبّون على حفظ القرآن الكريم منها عظمة القرآن وبلاغته التي وصلت إلى حدّ الإعجاز. ومع الأخذ بعين الاعتبار الاهتمام الكبير الذي كان يوليه العرب للكلام البليغ حتى دفعهم هذا الاهتمام إلى حفظ الأشعار والخطب الجاهلية وكذلك مع ملاحظة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن وحفظه واهتمام المسلمين بما يهمّ الرسول صلى الله عليه وسلم. وأهم من ذلك كله المقام الرفيع الذي كان يتمتع به حافظو القرآن الكريم. وأمور أخرى دفعت المسلمين إلى السعي أكثر لحفظ القرآن. ولهذا كيف يمكننا أن نحدّد الحافظين بأربعة أو ستة أشخاص فقط.
لهذا فإن التعارض قائم بين قسمي روايات التدوين.
بل ومن خلال الاهتمام الكبير الذي كان يعيره الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم ومع وجود الكتّاب العديدين ومع الأخذ بنظر الاعتبار للنزول التدريجي للقرآن الكريم خلال 23 سنة نستطيع أن نقول وبكل تأكيد إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بكتابة القرآن الكريم وجمعه في عهده.
ولقد روى الحاكم في المستدرك عن زيد بن حارثة رواية تقول «كنّا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع» وبعد ذلك قال: هذا الحديث صحيح ومطابق لشروط الشيخين (البخاري ومسلم) ولكنهما لم ينقلا الحديث. وهذا يُبين بوضوح أن القرآن الكريم قد جُمِعَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالإضافة إلى هذا فإن حديث الثقلين الذي نُقِلَ عن الفريقين من المسلمين يدلّ بوضوح على أن القرآن الكريم قد جُمِعَ ودُوِّنَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن لفظ الكتاب المذكور في الحديث يكون صادقاً عندما يكون الكتاب مكتوباً وله وجود جمعي واحد.
فإن لفظ الكتاب لا يصدق على القطعات المتفرقة المكتوبة أو على ما حُفِظ في القلب والذاكرة إلا مجازاً. ولا يمكن حمل اللفظ على المعنى المجازي من دون قرينة.
ثالثاً: إن هذه الروايات تتعارض مع القرآن أيضاً لأن هناك آيات في القرآن الكريم تدلّ على أن آيات القرآن الكريم كانت في الخارج تتمايز بعضها عن البعض الآخر وحتى أنها كانت منتشرة بين المشركين. ومن البديهي أن تحدّي الكفّار والمشركين على الإتيان بمثل القرآن الكريم أو عشر سور مثله أو حتى سورة واحدة يكون وارداً إذا كان جمع القرآن الكريم حاصلاً وسوره متمايزة وفي متناول اليد، وإضافة إلى هذا إن إطلاق لفظ الكتاب على القرآن كما جاء في الآيات القرآنية ـ كما أشرنا سابقاً ـ دليل على أن القرآن كان مجموعاً.
رابعاً: الروايات السابقة مخالفة لحكم العقل أيضاً، لانه كما تبيّن أن القرآن عظيم في نفسه. واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم في حفظه وقراءته وكذلك اهتمام المسلمين بالأمور التي كانت تهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأجر والثواب المترتبان على حفظ القرآن وقراءته والمنزلة الرفيعة التي يتمتع بها حفظ القرآن وقارئه كل هذه الأمور وأمثالها تُبين أن القرآن الكريم كان موضع اهتمام المسلمين أكثر من أي شيء آخر. ووضوح هذا الأمر وعظمته جعل حتى الأطفال لا يجهلون امره فكيف الكبار منهم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. إذن فالقول بالجمع الذي أشير إليه من خلال الروايات السابقة في زمن الخلفاء والذي كان يقع أحياناً بشهادة شخص واحد لا يتناسب مع ما ذكرناه.
خامساً: هذه الروايات تخالف إجماع المسلمين قاطبة لأن كافة المسلمين يجمعون على أن القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر في حين أن الروايات تشير أن كل آية قد ثبتت بشهادة شهادين أو حتى بشهادة شاهد واحد تكون شهادته معادلة لشهادة اثنين، وتكون قد دُوِّنت في المصحف الشريف. ألا يتنافى هذا المعنى مع معنى لزوم تواتر القرآن الكريم؟ ألا يلزم القطع بلزوم التواتر تكذيب هذه الروايات؟
ولعل هذا السبب هو الذي جعل ابن حجر يُفسِر شهادة شاهدين بالكتابة والحفظ في حين أن هذا التفسير غير صحيح وذلك لأسباب منها:
أولاً: هذا التفسير يُخالف ما صرّحت به الروايات السابقة.
ثانياً: إن تفسير ابن حجر يلزم أن يكون القرآن الكريم غير متضمن الآيات المتواترة التي لم يكتبها أحد. وفساد هذا القول واضح.
ثالثاً: إذا كانوا يدوّنون في المصحف ما كان متواتراً، فلا حاجة إلى الكتابة والحفظ، وإذا لم يكن المنقول متواتراً، فلأنّ الحفظ والكتابة لا يمكنهما أن يُثبتا كونه من القرآن. وملخص الكلام: إن القرآن الكريم قد جُمِعَ ودُوِّن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبأمرٍ منه، وإذا افترض أن الخلفاء هم الذين قاموا بجمع القرآن الكريم فإن مما لا شك فيه أن جمعهم هذا كان بالتواتر المستند إلى شهادة شاهدين وأحياناً إلى شهادة شاهد واحد. ومما لا شك فيه أيضاً أن عثمان قد جمع القرآن الكريم ـ لكن ليس الجمع الذي هو جمع الآيات والسور في مصحف واحد وإنما بمعنى أنه جمع المسلمين على قراءة واحدة وأحرق كلّ المصاحف التي تأخذ بقراءات أخرى غيرها. وأرسل هذا المصحف إلى سائر البلدان وأمرهم بإحراق المصاحف الأخرى التي ربّما تكون عندهم، وحذّر الناس من الاختلاف في القراءة ولقد صرّح الكثير من أهل السنّة بهذا المعنى.
إن سعي الخليفة لتوحيد القراءات وتثبيت قراءة واحدة هو ما تعارف عليه الناس آنذاك ونقل بالتواتر أيضاً. وهذا السعي لا يقبل الانتقاد، لأن هذا التوحيد يؤدي إلى توحيد الكلمة وإزالة الفرقة بين الناس التي ربما أدت إلى التكفير وإنما الانتقاد يكمن في إحراق عثمان للمصاحف الأخرى وأمره لأهالي المدن الأخرى بهذا الإحراق، ونسبة هذا الفعل إلى عثمان أدت إلى تلقيبه بحارق المصاحف.
وبعد هذا نستعرض بعض الأمور المهمة المتعلقة بالقرآن الكريم:
بأي شيء يمكن أن يُفسّرْ القرآن الكريم
سنعرض ذلك بإيجاز:
1 ـ ماذا يعني التفسير؟ وخلال ذلك سنشير إلى الفرق بين التفسير والتأويل.
2 ـ بأي شيء يجوز تفسيره؟ وبأي شيء لا يجوز؟ وماذا يعني التفسير بالرأي؟ ولماذا التفسير بالرأي غير جائز)[702](؟
3 ـ هل يجوز تفسير القرآن بالخبر الواحد؟
4 ـ هل يمكن تخصيص عمومات القرآن بالخبر الواحد؟ وهل يكمن تقييد إطلاقاته بالخبر الواحد؟
الأمر الأول: التفسير في اللغة هو توضيح أمرٌ مخفي وتبيين مُراد لفظ غامض وأما في الاصطلاح فلقد عُرِّف التفسير بتعابير مختلفة والمعنى المراد منها واحد. ومن هذه التعاريف:
إيضاح وتبيين مراد الله تعالى من كلامه (القرآن الكريم) ومن الواضح أن هذا المعنى يصدق إذا كان في كلام الله تعالى نوع من الخفاء. وعلى هذا لا يصدق التعريف على المراد من النصوص القرآنية ولا على حمل ظواهر القرآن على ما هو ظاهر. ونوضح ذلك بما يلي:
إن الألفاظ ومن جملتها آيات القرآن الكريم تنقسم إلى أربعة أقسام وذلك من ناحية دلالتها على المعنى وهي (1) النص (2) الظاهر ـ (3) المجمل ـ (4) المؤول.
النص: اللفظ الذي يدلّ على معنى قطعي لا يوجد فيه أي احتمال للاختلاف في معناه مثل دلالة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ﴾ على التوحيد.
الظاهر: أن يكون في دلالة اللفظ احتمالات متعددة ولكن أحد هذه الاحتمالات يكون أقوى من الاحتمالات الأخرى. ويطلق (الظاهر) على الدلالة الأقوى مثل دلالة (أوفوا بالعقود) تدل هذ العبارة على وجوب الوفاء بكلّ العقود وحتى العقود التي لم يكن لها وجود أثناء نزول الآية مثل عقد الضمان لأن دلالة (العقود) المقرونة بألف ولام العموم أقوى من احتمال اختصاص الآية بالعقود التي وجدت زمان نزول الآية.
المجمل: عندما يكون معنى اللفظ غير واضح وله احتمالات متعددة ولا رجحان لأحدهما على الآخر يسمى اللفظ (مجمل) ولا يمكن الاستدلال بمثل هذا اللفظ ومثال ذلك فواتح السور أو لفظ القروء في الآية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وبغض النظر عن الدليل الذي فسر وأوضح الآية فإن لفظ القروء لفظ مشترك بين الحيض والطهر ولهذا يُسمى (لفظ مجمل).
المؤول: أن يكون لدلالة اللفظ عدة احتمالات وواحدة من هذه الاحتمالات أقوى من الأخرى ولكن يحمل اللفظ على المعنى الأضعف وذلك مثل حمل آية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على العقود المتعارف عليها زمان نزول الآية. واعتبروا النص والظاهر مصداقاً للمحكم والمجمل. والمؤول مصداقاً للمتشابه.
وإنه من الواجب الانتباه إلى هذه النقطة المهمة وهي أنه على خلاف تصوّر بعض العلماء ـ في النصوصية والظهور وكذلك في الأجمال والتأويل من أنها حقائق مطلقة لا تتغير ولا تؤثر فيها الاختلافات والجهات لكنها أمورٌ إضافية بحيث يكون اللفظ أو العبارة في نفس الوقت من جهة نص أو ظاهر ومن جهة أخرى تكون مجملة وأحياناً مؤولة.
مثل الآية ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ من ناحية الدلالة على نفوذ البيع تُعتبر نصاً ولكن من ناحية عدم الأخذ بنظر الاعتبار بعض الميزات في البيع تُعتبر ظاهراً.
والآية ﴿أَقيمُوا الصَّلَواة﴾ من حيث دلالتها على وجوب الصلاة تُعتبر ظاهراً ولكن من حيث أجزاء وشروط الصلاة تعتبر مجملة.
ونرجع الآن إلى أساس الموضوع ونوضح قائلين:
إنه مع الأخذ بنظر الاعتبار اعتماد الخفاء في موضوع التفسير ومادته نقول تصدق هذه المادة (مادة الخفاء) إذ أردنا أن نحمل اللفظ المجمل على بعض الاحتمالات أو اللفظ الظاهر على خلاف ظاهره، أما في حالة وجود نصّ لا يقبل الخلاف أو ظاهر خالٍ من دليل معتبر يحمله على خلاف ظاهره فلا شك في أن تبيين معاني الألفاظ هنا لا يكون مصداقاً للتفسير.
وأما التأويل: فقد أشير سابقاً إلى أنّ التأويل في اصطلاح علماء علم الأصول عبارة عن حمل اللفظ على خلاف ظاهره ومتى كان هناك دليل معتبر يدلّ على خلاف ظاهر اللفظ يكون هذا الحمل حملاً صحيحاً وإلا يخرج عن مدار قبول العقلاء وعلى كلّ حال ولأن معنى التأويل معنى اصطلاحي ومتأخر عن زمان نزول الآيات والروايات فإنه لا يمكن أن نحمل لفظ التأويل المذكور في الآيات والروايات هذا المعنى الاصطلاحي. ولهذا يجب أن نلاحظ ماذا يعني التأويل في اللغة؟
التأويل مشتق من (الأَوْل)، والأَوْل في اللغة هو الرجوع)[703](، والرجوع إلى الأصل خاصة ومع الأخذ بعين الاعتبار في أن التأويل من باب التفعيل فمن المناسب أن نرجعه إلى معنى (الإرجاع) ولا شك في أنّ هذه المادة قد استُخدمت في هذا المعنى أيضاً. كما يُقال (آل الحكم إلى أهله) يعني رجع الحكم إلى أهله، فإذا تتبعنا كلمات أهل اللغة نجد أن هذا اللفظ يأتي أيضاً بمعنى عاقبة الأمر ومآله أو بيان عاقبة الأمر ومآله. وفي بعض الآيات القرآنية مثلاً ﴿نَبّئنَا بِتَأوِيلِهِ﴾ ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءيَى﴾ جاء فيهما التأويل بالمعنى الذي ذكرناه.
ولقد ذكر الراغب في مفردات التأويل قائلاً إن التأويل هو إرجاع الشيء إلى هدف قُصد منه ولقد حُمِلت بعض الآيات على هذا المعنى.
ونلاحظ أن التأويل في مقابل المعنى الثاني للتفسير يعني بيان مآل وعاقبة مفاد الآية ويظهر أن المراد من كلمة التأويل في الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ﴾ هو ما ذكرناه وعلى هذا نقول إن الفرق بين مفهوم التفسير والتأويل هو إن التفسير بيان مفاد الآية والتأويل بيان مآلها.
الأمر الثاني: قلنا سابقاً إن التفسير لا يصدق إلا على المجملات والمؤولات وهنا نقول: إن التفسير لا يجوز ما لم تكن هناك حجة قطعية ودليل عقلي أو نقلي معتبر لأنه في غير هذه الصورة يكون افتراء على الله تعالى وقولاً دون علم وهذا ما منعه القرآن الكريم ﴿ءالله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللهِ تَفْتَرُون﴾ ﴿وَلاَ تَقفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ولذلك لا نستطيع الاستناد في تفسير القرآن على أقوال المفسرين إلى أي مذهب انتموا ولا يمكن أيضاً الاستناد على الإمارات الظنيّة التي لم تثبت حجتها مثل الاستحسانات والقياسات وسائر الاعتبارات الظنيّة الأخرى وهذا هو ما أريد به من التفسير بالرأي الذي منعته الروايات المستفيضة التي نُقِلَت عن طريق أهل السنّة والشيعة.
ونقل الألوسي في مقدمة (روح المعاني) نقلاً عن أبي داود والترمذي والنسائي قائلاً «من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». ونقل أيضاً عن أبي داود «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». ونُقل في مقدمة تفسير مجمع البيان وتفسير الصافي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما مؤداه: «إن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح».
وعلى ما بين من ظاهر كلام بعض المفسرين الذين جوّزوا التفسير بالرأي مبرّرين أحياناً معنى هذا النوع من الروايات وطارحينها أحياناً أو تاركينها أحياناً أخرى فإذا كان المقصود منه جواز التفسير بالاعتبارات الظنية فجوابه واضح وإذا كان المقصود منه التفسير بالرأي مع الأخذ بعين الاعتبار الحجة المعتبرة المسنودة فإن هذا النوع من التفسير جائز بالإجماع. وإذا كان اختلاف في الظاهر فلا يكون إلا نزاعاً لفظياً.
الأمر الثالث: هل يمكن تفسير القرآن بخبر الواحد الثقة؟ ورد اعتراض في باب تفسير القرآن بخبر الواحد الثقة وهو في حالة تفسير آية قرآنية بخبر الواحد وهذه الآية ليست حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي فلا يكون خبر الواحد هنا مشمولاً بأدلة الحجية في الخبر الثقة. وذلك لأن معنى الإمارة غير العلمية هي في حال الجهل لا بد من أن تكون هناك آثار عملية تؤدي معنى الإمارة والفرض هنا عدم وجود آثار عملية تؤدي وتبيّن معنى الإمارة العملية (لأن الآية ليست حكماً شرعياً ولا موضوع حكم شرعي).
ولكن هذا الاعتراض غير وارد لأنه فرع من القول بأن وقوع الآثار هو شرط حجيّة الإمارة والأمر ليس كذلك لأن معنى حجيّة الإمارة هو أن الإمارة بنظر الشارع بمنزلة العلم. وكما أن العلم يستطيع أن يكون طريقاً لإثبات أمور، كذلك الإمارة. فلذلك أن كل الآثار المترتبة على العلم الوجداني تترتب على الإمارة التي هي علم تعبّدي. والعلم الوجداني لا يختص في إثبات حكم واقعي وموضوع حكم واقعي بل من آثار العلم الوجداني جواز الأخبار طبقاً للمعلوم. وهذا الأثر كما في سائر آثار العلم يترتب على الإمارة أيضاً، فإذا دلّت الإمارة على ثبوت أو عدم ثبوت موضوع معين يستطيع من عنده الإمارة أن يُنجز بهذا الموضوع حسب هذه الإمارة ولا يكون هذا الإخبار قولاً من غير علم لأن الشارع اعتبر الإمارة بمنزلة العلم وأهم دليل على ما نقوله سيرة العقلاء ولم يردع الشارع المقدّس عن هذه السيرة وكلّ ما في الأمر أن الخبر يجب أن يكون جامعاً لشروط الحجية ومن جملتها أن لا يكون مقطوع الكذب.
الأمر الرابع: إذا اخذنا بحجية الخبر الواحد فهل يمكن تخصيص عمومات الكتاب بالخبر الواحد؟
القول المشهور هو جواز التخصيص ـ وجماعة من أهل السنة ذهبوا إلى عدم الجواز والذين ذهبوا إلى ذلك بعضهم ذهب إلى المنع مطلقاً والبعض الاخر أمثال عيسى بن آبان فرّق بين كون الكتاب قد خُصِّصَ من قبل بدليل قطعي أو لم يُخصَّصْ. ففي الحالة الأولى جوّز التخصيص ومنعه في الحالة الثانية. وآخرون قالوا: إذا كان الكتاب قد خُصّص من قبل بدليل منفصل يمكن تخصيصه بالخبر الواحد وفي غير هذه الحالة تخصيصه بالخبر الواحد غير جائز والقاضي أبو بكر توقّف في هذا الموضوع.
والحق مع القول المشهور وذلك على أساس حجيّة خبر الواحد وتكون حجيته حتى في حالة تقابله مع عمومات الكتاب وما ذكر من موانع الحجيّة ليس له الصلاحية في منع حجيته ومن جملة هذه الموانع ما يلي:
1 ـ إن الكتاب قطعي وخبر الواحد ظني ولا يمكن رفع اليد أو التغاضي عن القطعي لأجل الظنّي. فقطعية الكتاب واضحة وأما ظنيّة بخبر الواحد فترجع إلى أن صدوره عن المعصوم ومطابقته للواقع أمرٌ غير مسلم فيه أو غير مؤكد منه.
الجواب: صحيح أن الكتاب صدوره قطعي أما مطابقة الحكم الواقعي لعموم الكتاب فغير معلومة ومطابقة الحكم الواقعي لعموم الكتاب مستفاده من ظهور العام في العمومات. وظهور العام في العمومات مثل سائر الظهورات وحسب حكم العقلاء يكون هذا الظهور حجة إذا لم تكن هناك قرينة منفصلة أو متصلة خلاف ظهوره والخبر الواحد يُصلح لأن يكون قرينة منفصلة على خلاف ظهور العام في العمومات.
2 ـ إذا جاز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد يجب أن يجوز أيضاً نسخ الكتاب بالخبر الواحد. لأن النسخ من نوع التخصيص، لأن النسخ هو تخصيص في الأزمان ولا يجوز قطعاً نسخ الكتاب بالخبر الواحد لذا لا يجوز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.
الجواب: هذا قياس مع الفارق لأنه قد ورد الإجماع في عدم جواز النسخ خلافاً للتخصيص ـ فإذا لم يكن الإجماع قد دلّ على عدم جواز النسخ كان جائزاً مثل التخصيص وطبعاً أن هذا الإجماع ليس إجماعاً تعبديّاً ولكن من جهة كون دواعي نقل النسخ كثيرة فإذا كان موجوداً لا بد أن يكون قد نقل بالتواتر ـ فمن قلة نقل هذا الخبر نستنتج كذبه.
3 ـ هناك روايات تدلّ على ترك الخبر المخالف للكتاب وهذا يقتضي ترك الخبر الواحد المخالف لعموم الكتاب.
الجواب: إن المخالفة على نحو العموم والخصوص لا يعتبرها العرف مخالفة حتى تستوجب الروايات السابقة ترك وطرح الخبر الواحد المخالف لعموم الكتاب، بل العرف يَعتبر الخاص قرينة لتوضيح مقصود العام. والعرف يعتبر المخالفة قائمة بين دليلين متى كان الدليلان صادرين عن متكلم واحد أو من أفراد هم في حكم متكلم واحد. فحينئذٍ لا يستطيع العرف فهم المقصود الدليل. وهذا المعنى لا يصدق إلا على الدليلين المتباينين، ولا يصدق على العام والخاص.
تواتر وعدم تواتر القراءات
في هذا الباب نواجه عدة مواضيع أو مسائل منها:
1 ـ هل أن القراءات السبع أو العشر متواترة؟
2 ـ فإذا لم تكن القراءات السبع أو العشر متواترة هل يمكن الاستناد إليها في مقام الاستنباط؟
3 ـ في الأعمال التي يتوجب فيها قراءات القرآن هل يمكن الاكتفاء بإحدى هذه القراءات؟
المسألة الأولى: اختلف العلماء في باب تواتر القراءات. فجماعة من أهل السنّة يعتبرون أن القراءات السبع متواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أنهم نسبوا هذا القول إلى المشهور. والسبكي لم يكتف بالقراءات السبع بل نسبوا إليه القول بتواتر القراءات العشر أيضاً. ولقد أفرط البعض في القول حيث كفّروا من لم يقل بتواتر القراءات السبع ونسبوا هذا القول إلى أبي سعيد فرج بن لب مفتي الأندلس.
والمعروف بين الشيعة هو عدم تواتر القراءات ـ فالقراءات تثبت عندهم أما من اجتهاد القارئ أو عن طريق خبر الواحد. واختار هذا القول أيضاً جماعة من أهل السنّة وليس بعيداً من أن يكون هذا القول هو المشهور بين أهل السنّة.
ولدراسة هذا الجانب لا مفرّ من الإشارة إلى أمور.
الأول: اتفقت كل المذاهب والنحل الإسلامية على أن الطريق الوحيد لثبوت القرآن الكريم هو التواتر. لأن القرآن الكريم هو أساس الدين الإسلامي. وإن طرق ودواعي نقل القرآن الكريم عن الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة وكل ما كانت دواعي نقله كثيرة لا بد أن يُنقَل بالتواتر لا عن طريق الآحاد. إن القرّاءَ السبعة أو العشرة لم تتواتر قراءاتهم تواتراً مجمعاً عليه بل أن هذا التواتر محل للنقاش.
الثاني: إن القراءات السبع أو العشر التي اخْتُلِف في تواتر نقلها عبارة عن:
1 ـ أبو عمران عبدالله بن عامر اليحصبي الدمشقي، وهناك اختلاف في من الذي علّمه القراءة. وأصح الأقوال إنه تعلّم القراءة على يد المغيرة. ورويت قراءة أبو عمران من قبل شخصين هما ـ هشام بن عمار بن نصير بن ميسره (153 ـ 245) وابن ذكران عبدالله بن أحمد بن بشير (173 ـ 242).
توفي أبو عمران سنة 118.
2 ـ عبدالله بن كثير المكّي، من أصل فارسي. وقال أبو عمر ولاني بأن عبدالله بن كثير تعلّم القراءة على يد عبدالله بن السائب المخزومي والمعروف أنه تعلّم على يد مجاهد بن جبر.
ولد عبدالله بن كثير سنة 45 في مكة وتوفي عام 120.
3 ـ ابن أبي النجود، أبو بكر، عاصم بن بهدلة الأسدي الكوفي. تعلّم القراءة من زربن حبيش وأبو عبد الرحمن السلمى وأبو عمر الشيباني وتوفي سنة (127 أو 128). ولقد روى عن راويين بدون واسعة عن ابن أبي النجود وهما، حفص بن سليمان الأسدي (90 ـ 180) وأبو بكر شعبه بن عياش بن سالم (95 ـ 193 أو 194).
4 ـ أبو عمرو ـ زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري، ولقد تعلّم قراءة القرآن على يد الكثيرين في مكة والمدينة وكذلك الكوفة والبصرة وولد في سنة 68 وتوفي سنة 154 ـ وله روايتان بواسطة يحيى بن مبارك اليزيدي وهما حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري المتوفى سنة 246 وأبو شعيب صلح بن زياد بن عبدالله السوسي المتوفى سنة 261.
5 ـ أبو عمارة، حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي، وتعلّم القراءة من سلمان بن الأعمش وحمران بن أعين وغيرهم ولِد عام 80 وتوفي سنة 156. له راويان مع الواسطة وهما خلف بن هشام (150 ـ 229) وخلاد بن خالد المتوفى سنة 220.
6 ـ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني. أصفهاني الأصل. تعلّم القراءة من جماعة تابعين إلى المدينة وتوفي سنة 169 وله راويان بدون واسطة هما عيسى بن ميناء بن وردان المعروف بالقالون (125 ـ 220) وعثمان بن سعيد المعروف بالوريش (115 ـ 197).
7 ـ علي بن حمزة بن عبدالله الكسائي الكوفي ـ تعلّم القراءة من حمزة وتوفي عام 189. وله أيضاً راويان دون واسطة وهما: ليث بن خالد البغدادي المتوفى عام 240 ـ وحفص بن عمر الدرومي المتوفى عام 246.
8 ـ خلف بن هشام بن ثعلب البزار ـ تعلّم القراءة على مذهب حمزة ولكنه خالف في عدة مواضع ولد عام 150 وتوفي عام 229. له راويان أيضاً وهما ـ إسحاق بن إبراهيم المروزي المتوفى سنة 286 وإدريس بن عبد الكريم الحداد البغدادي المتوفى عام 292.
9 ـ يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي: قال عن نفسه بأنه قرأ القرآن في سنة ونصف عند سلام وفي خمسة أيام عند شهاب بن شرنفه المجاشعي توفي عام 205 وكان يناهز الـ80 عاماً له راويان أيضاً وهما الرويس، محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصرى المتوفى عام 338. وروح، أبو الحسن بن عبد المؤمن الهذلي المتوفى عام 235 أو 234.
10 ـ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني ـ قرأ القرآن عند مولاه عبداله بن العياش بن أبي ربيعة وعبدالله بن العباس وأبو هريرة وتوفي عام 130 له راويان وهما: أبو الحارث عيسى بن وردان المدني الخداء المتوفى في حدود العام 160 وسليمان بن جماز الزهري المتوفى بعد عام 170.
الأمر الثالث: يتحقق التواتر في الأخبار مع الواسطة إذ كان الخبر في تمام طبقات سلسلة السند متواتراً، فإذا كان الخبر في أول السند أو وسطه أو آخره غير متواتر لا يؤثر بقية المخبرين في سائر الطبقات الأخرى على اطمئنان ووثوق صدور الخبر.
فمع وصول عدد الناقلين لحديث «إنما الأعمال بالنيات» في الوقت الحاضر إلى حدّ التواتر لكن الشهيد الثاني لم يعتبر هذا الحديث في درايته (كتاب الدراية) من الأحاديث المتواترة وذلك لأن عدد الذين نقلوا هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتجاوز عدة أفراد (أي لم يصل إلى حدّ التواتر).
مع أخذ ما ذكر بعين الاعتبار نستدل على عدم تواتر القراءات بعدة أدلّة. وهي:
1 ـ إذا تتبعنا حال رواة هذه القراءات سواء الذين نقلوا عن القرّاء أو الذين نقل عنهم القرّاء بالتأكيد واليقين سوف يتبين أن هذه القراءات لم تصل إلينا عن القرّاء بالتواتر بل حتى أنها لم يكن وصولها إليهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر، إذن فلا فائدة لنا من التواتر الذي كان للقرّاء ولا فائدة لأحد من التواتر الذي كان منهم.
2 ـ لو فرضنا أن هذه الروايات كانت متواترة في جميع الطبقات لكن وبالتأكيد يكون التواتر غير حاصل في زمن القرّاء، لأن كل قارئ كان ينقل قراءته فقط.
3 ـ إن احتجاجات القرّاء على صحة قراءتهم وكذلك احتجاجات تابعييهم على صحة القراءة هذه لدليل قاطع على أن القراءات كانت مستندة إلى اجتهادات القرّاء لا إلى التواتر لأنها إن كانت مستندة إلى التواتر لم يكن هناك داع للاحتجاج على صحتها.
إن إنكار وردّ بعض القراءات من قبل بعض العظماء دليلٌ واضح على عدم تواتر القراءات وإلا لم ينكر هؤلاء. فابن جرير أنكر قراءة ابن عامر وأنكر قراءات الآخرين أحياناً أخرى. والبعض ينتقد قراءة حمزة والبعض الآخر ينتقد قراءة أبي عمر وآخرون ينتقدون قراءة ابن كثير. والكثير ينكر القراءات التي لا تملك وجهاً واضحاً في لغة العرب ـ واعتبر أحمد بن حنبل وجماعة أخرى قراءة حمزة قراءة غير صحيحة.
ولقد صرّح الكثير من قدماء أهل البحث من السلف والخلف بعدم تواتر القراءات ومنهم أبو عمر عثمان بن سعيد الداني وأبو محمد المكي بن أبي طالب وأبو العباس أحمد بن عمار المهدوي وأبو القاسم بن عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة وأبو الخير بن الجزري وغيرهم. بل قال بعض المتأخرين: لم يقل أحد من القراء إن القراءات السبع متواترة فكيف بالعشرة. وقال بعض الأصوليين إن أهل الفن أعرف بفنهم. حتى أن البعض يصرّح بنفي قدماء الأصوليين لتواتر القراءات.
وما أثبت هو تصريح بعض الأصوليين القائل بتواتر القراءات عن القرّاء. لا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فإنهم توقفوا في مسألة تواتر القرارات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فهل بقي من الأثر لادعاء تواتر القراءات؟ فكيف يمكن إثبات التواتر بالتقليد؟! وبالتقليد المخالف للوجدان! والأعجب من هذا تكفير أبو سعيد مفتي ديار الأندلس!! لماذا منكر تواتر القراءات كافر؟! وحتى إذا كانت القراءات متواترة فهل يكون منكر المتواتر الذي ليس من ضروريات الدين كافراً؟!
ولقد استدلّ مدعو تواتر القراءات السبع بما يلي:
أولاً: إن تواتر القراءات السبع من إجماع السلف والخلف.
فالتفسير السابق يغنينا عن إثبات فساد هذا المدعى وبالإضافة إلى ذلك أن لا فائدة من إجماع فرقه مقابل فرق أخرى.
ثانياً: إن اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يحكم على كون القراءات السبع متواترة.
الجواب: إن هذا الدليل كافٍ لإثبات تواتر القرآن ولكن غير كافٍ لتواتر كيفيّة القراءة. وخاصة مع الأخذ بعين الاعتبار رأي البعض من أن القراءات مستندة إلى اجتهاد القارئ أو إلى خبر الواحد. لا إلى الخبر المتواتر. ولو فرضنا أن هذا الدليل يقتضي تواتر القراءات حينئذٍ يجب أن يكون مقتضياً لتواتر كل القراءات لا القراءات السبع أو العشر فقط. وإن حصر القراءات بسبع لم يكن في زمان الصحابة والتابعين لكنها طرحت لأول مرّة في القرن الثالث الهجري. لذلك يجب أن نعتبر كل القراءات متواترة أو ننكر تواترها جميعها في حالة عدم تواترها. فالغرض الأول لا محالة باطلٌ فلا مفرّ؛ من قبول الثاني.
ثالثاً: إذا لم تكن القراءات السبع متواترة حينئذٍ ينتفي تواتر القرآن: لأن القرآن قد وصل إلينا عن طريق القراء المعروفين.
الجواب: أ ـ إن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات: لأن الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق في أصلها. كما في الاختلاف الموجود بين البعض في ألفاظ قصيدة المتنبي ولكن لا اختلاف في أصل القصيدة أو الاختلاف في كيفية هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع عدم وجود الاختلاف في أصل الهجرة.
ب ـ إن ما وصل إلينا من القرّاء هو ميزات قراءتهم لا أصل القرآن فالقرآن وصل إلينا عن طريق التواتر ونقل الخلف عن السلف وعن طريق الحفظ أو الكتابات. ولم تكن للقراءة دخل في وصول القرآن إلينا وإذا لم يوجد القرّاء لوصل إلينا القرآن بدونهم.
رابعاً: إذا لم تكن القراءات متواترة على الأقل تكون بعض أقسام القرآن غير متواترة مثلاً «ملك» و«مالك» في سورة الفاتحة وأمثالها.
فتخصيص البعض بالتواتر ترجيح بلا مرجح وباطل وخاصة مع الأخذ بعين الاعتبار وجود بعض القرّاء أعلى رتبة من القرّاء السبعة. ولو فرض لو أن القراء السبعة أوثق وأعرف القرّاء فهذا وأن لا يوجب الاختصاص في تواتر قراءتهم ولكن أكثر ما يمكن أن يدل على ترجيح قراءتهم على سائر القراءات وبين الاثنين فرق شاسع: وواضح جداً أن القول بتواتر كل القراءات أمرٌ باطلٌ.
فخلاصة ما قلناه أن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ولقد اعترف الزرقاني وآخرون بهذا المعنى.
المسألة الثانية: اعتبر البعض هذه البراءات حجيّة القراءات حتى في حالة عدم تواترها قابلة للاستناد إليها في استنباط الحكم الشرعي ولذلك استدلّوا بقراءة الكوفيين غير حفص للآية (ولا تقربوهنّ حتى يطّهرن) بالتشديد واعتبروا مقاربة الحائض بعد النقاء وقبل الاغتسال أمرٌ حرام.
ولكن الحق عدم حجيّة القراءات. لأن هناك احتمال الغلط والالتباس وكلاهما موجودان في القراءات ولا دليل عقلي ولا نقلي يذكر في تخصيص حجية أحدهما.
لذا فالاستناد لكل واحدة من القراءات يكون افتراء على الله تعالى وقول من غير علم. والعقل والنقل يتفقان على عدم جواز هذا.
المسألة الثالثة: هل يمكن الاكتفاء بكل واحدة من هذه القراءات في الصلاة؟
إن المشهور بين علماء الفريقين أنه يجوز في الصلاة الاكتفاء بواحدة من القراءات السبع. بل ادعى البعض الإجماع في ذلك. وتجاوز البعض هذا الحد حيث اكتفوا بالقراءات العشر ـ وذهب آخرون إلى جواز أي قراءة إذا كانت هذه القراءة توافق القواعد العربية بوجه من الوجوه أو توافق ـ ولو بالاحتمال ـ أحد المصاحف العثمانية.
ثالثاً: أن تكون مسنداً للقراءة الصحيحة وفي هذه الحالة لا تحد بعدد معين من القراءات.
والحق واستناداً إلى القواعد الأولية لا يمكن الاكتفاء بأي قراءة كانت. بل يجب إحراز تحقق أن المقروء هو قرآن. وذلك أنه من المؤكد واليقين أن قراءة القرآن واجبة في الصلاة. وبحكم العقل أن اشتغال الذمة اليقيني يلزمه براءة الذمة اليقيني إذن فالمقروء في الصلاة يجب أن يكون بالتأكيد قرآناً أو يجب أن يثبت بدليل معتبر أنه من القرآن. فمثلاً بعد الفاتحة يجب أن تُقرأ سورة لا يوجد فيها اختلاف في القراءة أو أن تُقرأ بقراءة ثبتت للرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد الأئمة عليهم السلام بدليل معتبر. وفي حالة وجود اختلاف وتعارض بعدد القراءات فعلى الأقل تكرر موارد الاختلاف في الصلاة مثلاً في سورة الفاتحة تُقرأ ﴿مالِك يَومِ الدِّينِ﴾ وأيضاً ﴿مَلِكِ يوم الدين﴾ ومع التمعن بسائر الأدلة تجزي القراءة بالقراءات التي كانت معروفة في زمان الأئمة عليهم السلام سواء كانت من قراءات القّراء السبعة او العشرة أو كانت من غيرها من القراءات الأخرى. لأن هذه القراءات كانت في زمان الأئمة عليهم السلام وكان صحابة الأئمة عليهم السلام يقيمون الصلاة بها ولم يصدر عنهم عليهم السلام أي منع وإلا لكان وصل إلينا بالتواتر أو على الأقل بخبر الواحد. بل وصل إلينا وبكل وضوح إمضاء الأئمة عليهم السلام للقراءات المعروفة حيث قالوا عليهم السلام «اقرؤوا كما يقرأ الناس» أو «اقرؤوا كما تعلّمتم».
أبو القاسم الكرجي
القرآن والمسألة العلمية)[704](
الذي يقرأ كتاب الله بتمعن في محاولة للإلمام بطبيعة موقفه من العلم، يجد نفسه أمام حشد من الآيات ممتدة وفق أبعاد ثلاثة توازي المسألة العلمية في اتجاهاتها كافة، يتناول أولها مسائل تتعلق بحقيقة العلم وآفاقه ومنهج الكشف عن الحقائق العلمية فيما يعرف بفلسفة العلم ونظرية المعرفة. ويعرض ثانيها لمجموعة من السنن والقوانين العلمية في مجالات العلم المختلفة وبخاصة الطبيعة والجغرافيا وعلوم الحياة، فيما يسمى بالعلوم المحضة أو الصرفة. ويدعو ثالثها لاستخدام هذه السنن والقوانين، التي كشف عنها منهج تجريبي في البحث، من أجل ترقية الحياة وتنميتها على طريق خلافة الإنسان لإعمار العالم، فيما يعرف بالعلوم التطبيقية (التقنية).
وما من شك في أن هناك ارتباطاً وثيقاً ومحكماً بين هذه الأبعاد، يقود أحدها إلى الآخر، فالمنهج يطرح طريقة عمل للكشف عن الحقائق: السنن والنواميس التي تحكم الكون والعالم وتحمي صيرورتهما الزمنية ذات النظام المعجز.. وهذه السنن والنواميس تمنح الإنسان ـ بدورها ـ (المعادلات) التي يتمكن بها من أن يدخل إلى صميم هذا التركيب المعجز لبنية الكون والعالم من أجل اعتماد تلك السنن والنواميس لتنفيذ قدر من «التطبيقات» العلمية تمضي بالحياة البشرية قدماً صوب الأحسن والأرقى. وتتيح للإنسان أن يتحرر من شد الضرورات لكي يكون أكثر قدرة على رفع رأسه إلى فوق ومحاورة السماء وتلبية حاجاته الروحية التي بها يتميز الإنسان عن سائر الخلائق، صحيح أن كتاب الله ما جاء لكي يكون كتاباً علمياً، كما هو معروف، تماماً كما أنه ما جاء لكي يكون كتاب جغرافية أو تاريخ أو أي من حقول المعرفة المتنوعة.. وصحيح أن إلحاح بعض المفكرين المعاصرين على تحميل آيات الله معاني وتفاسير علمية لم تقصد إليها البتة، قد دفع بعضها الآخر، وبرد فعل يتميز بالإلحاح نفسه، على نفي أن تكون للقرآن أية صلة بأيما حقيقة علمية.
فإن الفعل الخاطئ ـ كما هو معروف ـ يولد رد فعل خاطئاً يساويه في القوة ويخالفه في الاتجاه، وهكذا فإن مبالغة طائفة من المفكرين في تحويل القرآن الكريم إلى كتاب رياضيات وفلك وفيزياء وطب وتشريح، دفع طائفة أُخرى إلى وضع جدار عازل بين القرآن وبين المعطيات العلمية، وكان كتاب الله قد جاء لكي يخاطب الإنسان بمعزل عن العالم الذي هيئ له والكون الذي يتحرك فيه.. إن هذا التضاد المتطرف يجب ألا يضيع علينا الرؤية الصحيحة لموقف القرآن في المسألة العلمية.. وهو موقف واضح ومؤكد من أية زاوية نظرنا.
إن القرآن يظل في حالة حضور دائم في قلب العالم والكون، يعايش سننهما ونواميسهما ويحدثنا عنهما. وإنه لأمر بديهي أن تتعانق معطيات القرآن ومعطيات العلم وتتوازيا، لا أن تتضادا أو تقوم بينهما الحواجز والجدران.. ذلك أن مصدر العطاء واحد.. وهو الله جل وعلا، صانع السنن والنواميس ومنزل القرآن.. خالق الكون والعالم وباعث الإنسان (قل: كل من عند الله) ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان باعتباره معنياً بصنع السنن ونزول القرآن.. الإنسان بما أنه خليفة الله في هذا العالم، ويده المريدة التي تسعى لإعماره وترقيته، كما تؤكد النظرية القرآنية، يقود بالضرورة إلى هذا اللقاء الأكيد بين كتاب الله وسننه في العالم.. إذ كيف يستطيع الإنسان أن يؤدي دوره في العالم، في إطار تعليم القرآن وشرائعه، إن لم يتحرك ـ ابتداء ـ لفهم هذا العالم والكشف عن سننه ونواميسه؟
إن مفهوم (الحركة) في الإسلام، على خلاف عدد من المذاهب والأديان، ينبثق أساساً عن هذا التناغم والتلاحم بين الثنائيات: الروح والمادة.. الطبيعة وما وراء الطبيعة.. الأرض والسماء. العلم والإيمان.. الإنسان والله. وأن افتقاد أي طرف من أطراف هذه المعادلة المنطقية سوف يقود إلى الفوضى والضياع، وسوف يجرد دين الله من القدرة على الحركة والانتشار.
وها هنا، بصدد الحديث عن الموقف من العلم، يبدو أكيداً ذلك التناغم والتلاحم بين كتاب الله وحقائق العلم ومعطياته..
ولكن، إذا كانت آيات الكتاب تتضمن حقائق ومسلمات مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، بينما تظل معطيات العلم أسيرة نسبيتها وتغيرها وقلقها وتحولها، فكيف يلتقي المطلق بالنسبي، والكلي بالجزئي، والشامل بالمحدود؟ وهل يصح أن نفسر بعض آيات القرآن على ضوء نظرية أو كشف علمي قد يتعرضان في أية لحظة للتشكيك والنقض؟
ألا يقود هذا إلى نوع من التشكيك والتناقض يمتد إلى صميم المعطيات القرآنية نفسها؟
والجواب يقتضينا الرجوع إلى القرآن نفسه.. إلى الأبعاد الثلاثة التي تناول من خلالها مسألة العلم هذه كما رأينا..
ففي البعد الأول، يطرح القرآن الكريم منهج عمل في الكشف عن سنن العالم والحياة ونواميس الكون.. وهو منهج متساهل مرن، لا يخضع لتقلبات الزمان والمكان، ومن ثم فإنه يعلو على المتغيرات النسبية ويظل ساري المفعول في أي عصر وفي أية بيئة.
لقد دعا القرآن الناس إلى التبصر بحقيقة وجودهم وارتباطاتهم الكونية عن طريق (النظر الحسي) إلى ما حولهم، ابتداء من مواقع أقدامهم وانتهاء بآفاق النفس والكون.. وأعطى للحواس مسؤوليتها الخطيرة عن كل خطوة يخطوها الإنسان المسلم في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب.. قال له ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله.. إلى طعامه ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَباًّ (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقاًّ (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباًّ (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30)﴾.
إلى خلقه ﴿ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ إلى الملكوت ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
إلى التاريخ وحركة الإنسان في العالم ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.. ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ إلى خلائق الله ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
إلى آياته المنبثة في كل مكان ﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾.
إلى النواميس الاجتماعية ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾.
إلى الطبيعة وهي تنبعث من قلب الفناء برحمة من الله ومقدرته ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
إلى الأثمار وهي تتدلى من غصون الأشجار ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.
إلى الحياة الأولى كيف بدأت، وكيف نمت وارتقت ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ﴾.. ودعاه أن يحرك (سمعه) باتجاه الأصوات لكي يعرف ويميز، فيأخذ أو يرفض، فمن الاختيار البصير ينبعث الإيمان ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
وانتقل القرآن خطوة أخرى وسألهم أن يحركوا (بصائرهم)، تلك التي تستقبل في كل لحظة مدركات حسية، سمعية وبصرية لا حصر لها، ومن ثم تتحمل (البصيرة) مسؤوليتها في تنسيق هذه المدركات وتمحيصها وموازنتها وفرزها من أجل الوصول إلى الحق الذي تقوم عليه وحدة نواميس الكون والخليقة ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾.
إن العقل والحواس جميعاً مسؤولة، لا تنفرد إحداها عن الأخريات في تحمل تبعة البحث والتمحيص والاختيار.. والإنسان مبتلى بهذه المسؤولية لأنه من طينة أخرى غير طينة الأنعام ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾.. ومن ثم تتوالى الآيات، تؤكد مرة تلو مرة على أن السمع والبصر والفؤاد جميعاً هي التي تعطي للحياة الإنسانية قيمتها وتفردها، وأن الإنسان بتحريكه هذه القوى والطاقات، بفتحه هذه النوافذ على مصراعيها، باستغلال قدراته الفذة حتى النهاية، سيصل قمة انتصاره العلمي والديني على السواء لأن هذه الانتصارات ستبوئه مركزه المسؤول كسيد على العالمين وخليفة لله في الأرض، وأنه بتجميد هذه الطاقات، وقفل نوافذها، وسحب الستائر عليها، يكون قد اختار بنفسه المنزلة الدنيا التي ما أرادها له الله يوم منحه نعمة السمع والبصر والفؤاد: وهي منزلة البهائم والأنعام ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
وحشد آخر من الآيات، بلغ ما يقرب الخمسين، حثّ على تحريك (العقل)، المفتاح الذي منحه الله بني آدم وقال لهم: افتحوا به أبواب الملكوت، وادخلوا ساحة الإيمان بالله الذي سخر لكم ما في السماوات والأرض ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وآيات أخرى دعت الإنسان إلى (التفكير)، العميق، المتبصر، المسؤول بكل ما يحيط به من علامات وأحداث وأشياء وموجودات ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ وما يقال عن (التفكر) يمكن أن يقال عن (التفقه) وهو خطوة عقلية أبعد مدى من التفكير، إذ هي الحصيلة التي تنتج عن عملية التفكير، وتجعل الإنسان أكثر وعياً بما يحيط به، وأعمق إدراكاً لأبعاد وجوده وعلائقه في الكون، كما تجعله متفتح البصيرة دوماً، مستعداً للحوار أزاء كل ما يعرض له من أسئلة وعلامات: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾.
وأكد القرآن الأسلوب الذي يعتمد (البرهان) و(الحجة) و(الجدال الحسن) للوصول إلى النتائج الصحيحة القائمة على الاستقراء والمقارنة والموازنة والتمحيص استناداً إلى المعطيات الخارجية المتفق عليها، والقدرات العلمية والمنطقية لأولئك الذين بلغوا شأواً بعيداً في هذا المضمار ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
هكذا يبوء العلم، بمفهومه الواضح، الشامل (فاعلية) في غاية الأهمية في المجتمعات التي ترتضي الدين، أو المنهج الإلهي، طريقة لها في الحياة.. ولا بد أن نضيف هنا حقيقة أخرى في غاية الأهمية تلك هي أن كلمة (العلم) وردت في القرآن الكريم مراراً كمصطلح على (الدين) نفسه الذي علمه الله أنبياءه… على النواميس التي يسير الله بها ملكوته العظيم.. على الحقائق الكبرى الموجودة عند الله في (أم الكتاب) وكإشارة إلى القيم الدينية التي نزلت من السماء في مقابلة الأهواء والظنون البشرية. ومن ثم يغدو العلم والدين سواء في لغة القرآن. إن كلمات الله سبحانه تعلمنا هذه الحقيقة، وتبصرنا بمواقع العلم والدين الفسيحة، الممتدة، المتداخلة، كما أراد لها أن تكون لا كما يريد لها الوضعيون الذين يسعون جهدهم للفصل بين الكلمتين ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
﴿مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ﴾ ﴿إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. ولا يسعنا هنا استعراض جل ما ورد من آيات في هذا المجال، أو حتى الإشارة إليه، ويكفي أن نشير إلى أن كلمة (علم) بتصريفاتها المختلفة وردت في عدد من الآيات جاوز السبعمائة والخمسين.
ونتجاوز البعد الثاني لحظات لكي ننظر إلى البعد الثالث، فإذا به دعوة ملحة في أكثر من موضع من كتاب الله إلى اعتماد حقائق العلم وكشوفاته لتطوير الحياة وترقيتها بمزيد من التطبيقات (التقنية) على كافة المستويات. وهو أيضاً مرن، يتميز بالشمولية والديمومة، إذ هو دعوة للإفادة من الحقائق العلمية الراهنة في مدى كل عصر، لإحداث تطبيقات على مستوى العلاقات المدنية لذلك العصر، فإذا ما حدث أن تغيرت الحقائق العلمية وتبدلت العلاقات المدنية، كان بمقدور النداء القرآني أن يمضي لكي يخاطب كل جيل أن يتحرك لإحداث تطبيقات أخرى على مستوى الحقائق الجديدة، ومن خلال العلاقات المتغيرة.. ألم يدعنا القرآن الكريم إلى أن نعد لأعدائنا القوة التي نرهبهم بها، ونحمي ـ بالتالي ـ وجودنا ودورنا في الأرض؟ ألم تأت هذه الدعوة متضمنة هذا الموقف المرن، الشمولي، الممتد عبر الزمان والمكان والذي يلتقي فيها الراهن بالشامل، والموقوت بالدائم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ مطلق القوة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، وأكثر الأسلحة مضاء في ذلك العصر ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. ألم يؤكد في (سورة الحديد) اعتماد هذا الخام الخطير في ميادين السلم والحرب دونما تحديد ملزم لطرائق الاعتماد وصيغه؟
سورة الحديد؟ هل ثمة أكثر دلالة على ارتباط المسلم بالأرض من تسمية سورة كاملة باسم خام من أهم وأخطر خاماتها؟ هل ثمة أكثر إقناعاً لنزعة التحضر والإبداع والبناء، التي جاء الإسلام لكي يجعلها جزءاً أساسياً من أخلاقيات الإيمان وسلوكيته في صميم العالم، من هذه الآية التي ترد في السورة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.. الآية التي تعرض خام الحديد كنعمة كبيرة أنزلها الله لعباده، وتعرض معها المسألة في طرفيها اللذين يتمخضان دوماً عن الحديد: (البأس الشديد) تمثلاً باستخدام الحديد كأساسات للتسلح والإعداد العسكري، «والمنافع» التي يمكن أن يحظى بها الإنسان من هذه المادة الخام في كافة مجالات نشاطه وبنائه (السلمي) وهل ثمة حاجة للتأكيد على الأهمية المتزايدة للحديد بمرور الزمن، في مسائل السلم والحرب، وأنه غدا في عصرنا الراهن هذا، وسيلة من أهم الوسائل في ميادين القوى الدولية سلماً وحرباً؟ إن الدولة المعاصرة التي تملك خام الحديد تستطيع أن (ترهب) أعداءها بما يتيحه لها هذا الخام من مقدرة على التسلح الثقيل.. وتستطيع أيضاً أن تخطو خطوات واسعة لكي تقف في مصاف الدول الصناعية العظمى التي يشكل الحديد العمود الفقري لتقدمها..
ولا بد أن نلتفت ـ هنا ـ إلى هذا التداخل العميق والارتباط الصميم في آية الحديد بين إرسال الرسل وإنزال الكتب معهم وإقامة الموازين الدقيقة لنشر العدل بين الناس، وبين الحديد الذي يحمل في طياته (البأس)، ثم التأكيد من أن هذا كله إنما يجيء لكي يعلم الله ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. إن هذا الموقف المتشعب المتداخل يقودنا ثانية إلى أن الإسلام جاء لكي يشد الإنسان إلى أعماق الأرض، ويدفعه إلى التنقيب فيها من أجل إعمارها وحمايتها.. وأن المسلم لن تحميه وتنصره إلا يده المؤمنة التي تعرف كيف تبحث عن الحديد وتصوغه من أجمل الحماية والتقدم والنصر.. وأنه ـ بمجرد أن يتخلى عن موقفه الفعال هذا، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة الجهاد الدائمة، ويختار بدلاً من ذلك، مواقع الفرار والاتكال والانتظار السائب لمعونة الله ـ فإنه يتناقض مع نفسه وعقيدته، وسيهزم لا محالة، ما دام قد أشاح عن الموقف القرآني الذي يكاد يصرخ بأعلى نبرة أنه ـ بدون الاعتماد الواعي، المسؤول الذكي الخبير، على مصادر القوة والبأس ـ لن يكون هناك (نصر) ولا (تقدم) ولا (حماية) للموازين والقيم العادلة التي جاء الأنبياء عليهم السلام، بكتبهم السماوية لتنفيذها في الأرض، حتى ولو حبس المؤمنون أنفسهم في المساجد، السنين الطوال، يبكون ويتضرعون!
وهكذا.. فحيثما تلفتنا، عبر هذا البعد الثالث من معالجة القرآن للمسألة العلمية وجدناه يتخذ دعوة دائمة، لا تحدها حدود، ولا تأسرها متغيرات ولا نسبيات، لدفع الجماعة المؤمنة إلى صياغة مزيد من التطبيقات المبنية على حقائق العلم وكشوفاته ومعادلاته.
ونرجع إلى البعد الثاني، حيث يطرح القرآن حشداً من الحقائق والسنن والنواميس في مجالات العلم المختلفة، وبخاصة الطبيعة والجغرافية وعلوم الحياة، في عدد واسع من المقاطع والآيات لا يتسع المجال لتحليلها واستعراضها.. ها هنا يلجأ بعض المفكرين أو المفسرين المعاصرين إلى اعتماد أحد الموقفين اللذين سبق أن أشرنا إليهما: الموقف الأول يتكئ كلية على معطيات العلم الحديث لتفسير آيات القرآن الكريم، والوقوع بالتالي في خطأ منهجي يقوم على تحكيم الجزئي بالكلي والمتغير بالدائم والنسبي بالمطلق.. فإذا ما حدث أن تبدلت الجزئيات والمتغيرات والنسبيات العلمية ـ وهذا شأنها كما يؤكد العلماء أنفسهم ـ أدى ذلك إلى إحداث شرخ أو قلق ذهني أزاء تلك الآيات التي فسرت وفق مقولات لم يتح لها الدوام. والموقف الثاني يرفض كلية الاعتماد على معطيات العلم الحديث تحسباً من مصير كهذا.
والمنهج الأقرب إلى الصواب هو أن نتخذ موقفاً (وسطاً) كما علمنا كتاب الله نفسه أن نتخذ في كافة مساحات الحياة، فلا هو بالالتصاق الكامل بمعطيات العلم المتغيرة، ولا هو بالرفض الكامل للتفسير بها.
إن المفسر المعاصر يجب أن يعمل عقله، وقدراته في مجال تخصصه إذا توفرت لديه، لإدراك طبيعة العلاقة بين طرفي المعادلة: الآية القرآنية والمقولة العلمية، مستفيداً ـ من جهة أخرى ـ في الاتجاهات الحديثة التي ظهرت أخيراً في مجال التفسير القرآني، تلك الاتجاهات التي تعتمد مفردات القرآن نفسه ومنحنياته البيانية لفهم مضامينه ومعانيه فيما يعرف بالتفسير البياني للقرآن، ومن شأنه أن يمنح المفسر ضمانات موضوعية لنشاطه، لتحميه من الإفراط أو التفريط في محاولة الوصول إلى الدلالات المقصودة للكلمات والتراكيب الجميلة.
ومن خلال هذا التوازن في القدرة العلمية (التخصصية) والقدرة التفسيرية (الموضوعية)، يمكن المفسر أن يتحرك لكشف من الدلالات المقصودة للآيات العلمية في كتاب الله.
هناك من الحقائق العلمية ما أصبح بمثابة قوانين نهائية، بل بداهات مسلماً بها لا تقبل نقضاً ولا تغيراً، من مثل الدور الذي تلعبه الرياح ـ على سبيل المثال ـ في عملية الأمطار، ومن مثل الدور الذي تلعبه الجاذبية في حركة المجموعة الشمسية، ومن مثل المراحل التي يمر بها الجنين في الرحم، وتغير نسب المكونات الغازية قرباً أو بعداً عن الكرة الأرضية.. وغير هذه الحقائق أمور كثيرة ما كان العربي يوم نزول القرآن يلم بأبعادها (العلمية)، ومن ثم فإن تفسير الآيات القرآنية التي تناولت هذه الحقائق وأكدت عليها، كما أنه سيتكئ على بداهات علمية بالنسبة للقرون الأخيرة، فإنه سيكشف ـ في الوقت نفسه ـ جوانب الأعجاز العديدة التي تضمنها القرآن وأشار إليها. وهنالك من الحقائق العلمية ما يحتمل أكثر من وجه، ولكن هذه الوجوه جميعاً إنما تدور في إطار واسع مرن ليس ثمة مانع أن نحيل عليه آيات قرآنية أخرى لإدراك دلالاتها، من مثل تلك الآيات التي تؤكد (النظام) الذي يمسك بناء السماوات المعجز أن يتفكك ويتبعثر ويضيع.
أما النظريات التي لا تزال موضع أخذ ورد، والتي لم تتبلور ـ بعد ـ كحقائق وقوانين وبداهات مسلم بها، فإن بمقدور المفسر أن يكون حذراً أزاءها، وألا يتكئ عليها إلا بمقدار ما يتيح له ذلك تسليط الضوء على جانب من جوانب المضمون الذي تحتويه الآية.
ليست سواء.. معطيات العلم التي تتمخض باستمرار.. ومن ثم فإن التعامل معها يجب أن يحاذر عن مظنة الارتباط الكامل أو الانفصال الكامل.
إن الارتباط الكامل سيمنع القدرة على الفهم والإدراك من التحرك بشتى الاتجاهات، والانفصال الكامل سيضعف هذه القدرة ويقيم أسلاكاً شائكة بين جانب من معطيات القرآن وبين الإنسان المعاصر..
والإنسان المعاصر ـ اليوم ـ في أمس الحاجة إلى يقين ديني يعيد إليه وحدته الضائعة وسعادته المفقودة وأمنه المسلوب.
وما دامت القناعة المبنية على (الحقائق العلمية) هي اليوم أكثر القناعات فاعلية للتحقق بهذا اليقين.. وما دام كتاب الله يمنحنا هذا القدر الكبير، المعجز من هذه الحقائق التي راحت تتكشف عقداً بعد عقد وقرناً بعد قرن.. فلماذا لا نتحرك على ضوء هذه المعادلة العلمية لإنقاذ الإنسان المعاصر من ورطته بفقدان اليقين؟ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.
وصدق الله العظيم..
د. عماد الدين خليل
القصة في القرآن
ظواهر عامة في القصة القرآنية
تكرار القصة في القرآن الكريم
من ظواهر القصة في القرآن الكريم تكرار الحديث عن القصة الواحدة في مواضع مختلفة. وقد أثيرت بعض الشبهات حول هذه الظاهرة فقيل: إنّ القصة بعد أن تذكر في القرىن مرة واحدة تستنفد أغراضها الدينية والتربوية والتاريخية فلماذا يتحدث عنها القرآن الكريم مرة أخرى. وقد أثيرت هذه المشكلة في زمن مقدم من البحث العلمي في القرآن الكريم، لذا نجد الإشارة إلى ذلك في مفردات الراغب الأصفهاني، وفي مقدمة تفسير التبيان للشيخ الطوسي)[705](، قال: والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الأنباء والقصص متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب ويزيد الحاضرين في الإفهام.
فالشيخ الطوسي يفسّر التكرار بعاملين:
الأول: معالجة التفرق في القطع القرآنية ليكون تكرار القصة موجباً لوصولها إلى الجميع.
الثاني: زيادة إفهام الحاضرين الذين يصلهم القرآن الكريم بكامله.
وعبارة الشيخ الطوسي قد لا تعالج المسألة بشكل أساسي، غير أنها تدل على أن الموضوع طرح في الدراسات القرآنية عند القدماء أيضاً.
ونحن هنا نذكر بعض الوجوه التي يمكن أن تكون تفسيراً لتكرار القصة الواحدة في القرآن الكريم:
الأول: أن التكرار إنما يكون بسبب تعدد الغرض الديني الذي يترتب على القصة الواحدة، فأهداف القصة متعددة، فقد تأتي القصة في موضع لأداء غرض معين، وتأتي في موضع آخر لأداء غرض آخر وهكذا.
الثاني: أن القرآن الكريم اتخذ من القصة أسلوباً لتأكيد بعض المفاهيم الإسلامية لدى الأمة المسلمة، وذلك عن طريق ملاحظة الوقائع الخارجية التي كانت تعيشها الأمة وربطها بواقع القصة من حيث وحدة الهدف والمضمون.
وهذا الربط بين المفهوم الإسلامي في القصة والواقعة الخارجية المعاشة للمسلمين قد يؤدي إلى فهم خاطئ للمفهوم المراد إعطاؤه للأمة، فيفهم انحصار في نطاق الواقعة التي عاشتها القصة وظروفها الخاصة، فتأتي القصة الواحدة في القرآن الكريم مكررة من أجل تفادي هذا الحصر والتضييق في المفهوم، وتأكيد شموله واتساعه لكل الوقائع والأحداث المشابهة، ليتخذ صفة القانون الأخلاقي أو التاريخي الذي ينطبق على كل الوقائع والأحداث.
الثالث: أن التكرار يكون سبباً في فاعلية القصة كمنبّه للأمة على علاقة القضية الخارجية التي تواجهها ـ في عصر النزول أو بعده ـ بالمفهوم الإسلامي لتستمد منه روحه ومنهجه. فيكون تكرار القصة بياناً للمنبه عند الحاجة إليه.
ولعلّ هذا السبب والسبب الذي قبله هو ما يمكن أن نلاحظه في تكرار قصة موسى والفرق بين روحها العامة في القصص المكي وروحها في القصص المدني، فإنها تؤكد في القصص المكي منها على العلاقة العامة بين موسى من جانب وفرعون وملئه من جانب آخر، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه، إلا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهية بشكل عام، وهذا بخلاف الروح العامة لقصة موسى في السور المدنية فإنها تتحدث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل وتتحدث عن هذه العلاقة وارتباطها بالمشاكل الاجتماعية والسياسية.
وهذا قد يدلنا على أن هذا التكرار للقصة في السور المكية إنما كان لمعالجة روحية تتعلق بحوادث مختلفة واجهت النبي والمسلمين، ومن أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العام الذي تعطيه قصة موسى في العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم والجبارين من قومه، أو القوانين التي تحكم هذه العلاقة، وأن هذه العلاقة مع نهايتها لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف.
ولعلّ إلى هذا التفسير تشير الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الفرقان:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً(32) وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً(33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وَجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾)[706](.
الملاحظ في هذه الآيات أن القرآن يذكر أنّ سبب التدرج والترتيب في القرآن الكريم هو التثبيت للنبي من ناحية والإتيان بالحق والتفسير الأفضل للوقائع والأحداث والأمثال من ناحية أخرى، ثم يأتي بهذا التفسير الأحسن من قصة موسى عليه السلام.
الرابع: أنّ الدعوة الإسلامية مرّت بمراحل متعددة في سيرها الطولى، وقد كان القرآن الكريم يواكب هذه المراحل ويماشيها في عطائه وطبيعة أسلوبه، وهذا كان يفرض أن تعرض القصة الواحدة بأساليب متفاوتة في الطول والقصر… نظراً لطبيعة الدعوة وطريقة بيان المفاهيم والعبر فيها، كما نجد ذلك في قصص الأنبياء حين تعرض في السورة القصيرة المكية ثم يتطور العرض بعد ذلك إلى شكل أكثر تفصيلاً في السور المكية المتأخرة أو السور المدنية.
الخامس: أنّ تكرار القصة لم يأت في القرآن الكريم بشكل يتطابق فيه نص القصة مع نص آخر لها، بل كان فيها شيء من الزيادة والنقيصة. وإنما تختلف الموارد في بعض التفاصيل وطريقة العرض، لأنّ طريقة عرض القصة القرآنية قد تستبطن مفهوماً دينياً يختلف عن المفهوم الديني الآخر الذي تستبطنه طريقة عرض أخرى. هذا الأمر، الذي نسميه بالسياق القرآني، يقتضي التكرار أيضاًن لتحقيق هذا الغرض السياقي الذي يختلف عن الغرض السياقي الآخر لنفس القصة، وسوف تتضح معالم هذه النقاط بشكل أكثر عند دراستنا التطبيقية التالية لقصة موسى في القرآن الكريم.
وقد ذكر السيوطي في الاتقان عدة أسباب أخرى ينسبها إلى «البدر بن جماعة» في كتابه المقتنص في فوائد تكرار القصص.
منها: ما ذكره الشيخ الطوسي آنفاً.
ومنها: أنّ ذلك كان من وسائل التحدي بالقرآن لاختلاف القصة بالنظم، ومع ذلك عجز العرب عن الإتيان بمثله.
وذكر أسباباً أخرى فيها تكرار لهذه الأسباب)[707](.
اختصاص القصة بأنبياء الشرق الأوسط
وثمة ظاهرة أخرى هي أن القرآن الكريم تحدث عن مجموعة من الأنبياء كانوا يعيشون جميعاً في منطقة الشرق الأوسط، أي المنطقة التي كان يتفاعل معها العرب الذين نزل القرآن في محيطهم ومجتمعهم. وقد تفسر هذه الظاهرة بأن النبوات كانت بالأصل في هذه المنطقة، ومن خلالها انتشر الهدى في جميع أنحاء العالم، ويؤيد ذلك الاستعراض التاريخي للنبوات وتاريخ الإنسان في التوراة، وبعض الأبحاث الآثارية والروايات الدينية خصوصاً الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، وحينئذٍ يصبح تفسير هذه الظاهرة واضحاً، وهو أنّ الواقع التاريخي للحياة الإنسانية فرض هذه الظاهرة.
ولكن توجد شواهد في القرآن الكريم تنفي هذا التفسير لهذه الظاهرة، فالقرآن يشير في بعض آياته إلى أن هناك مجموعة أخرى من الأنبياء لم يتحدث عنهم القرآن الكريم، مع أن حياتهم لا بد وأنها كانت زاخرة بالأحداث، شأنهم في ذلك شأن الأنبياء الآخرين:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾)[708](.
كما أن هذا المضمون جاء أيضاً في سورة (غافر/78)، علماً بأنّ سورة النساء من السور المدنية المتأخرة، ومن هنا فلا مجال لاحتمال أن هذه الآية نزلت في فترة زمنية لم يكن القرآن قد تعرّض فيها إلى جميع قصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.
وهناك مجموعة من الآيات تدل على أنّ الأنبياء والرسل كانوا يبعثون إلى كل قرية ومدينة لإقامة الحجة من الله على الناس، كما نفهم من الآية (165) من سورة النساء، التي جاءت في سياق الآيتين السابقتين. ﴿رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾)[709](.
بالإضافة إلى موارد أخرى لها هذه الدلالة:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾)[710](.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾)[711](.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾)[712](.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾)[713](.
وجاء التعبير في بعض الآيات عن ذلك بوجود الشهيد في كل أمة (النساء/41، النحل/84، القصص/75).
ومن هنا فلا بد من تفسير هذه الظاهرة بتفسير آخر كأن يكون الغرض الأساس من القصة كما ذكرنا هو انتزاع العبرة واستنباط القوانين والسنن التاريخية منها، ولم يكن الغرض من القصة السرد التاريخي لحياة الأنبياء أو كتابة تاريخ الرسالات، ولذلك يتحدث القرآن عن الأمور العامة المشتركة بين هؤلاء الأنبياء، عدا بعض الموارد التي يكون هناك غرض خاص في طرح بعض القضايا فيها.
ولما كان تأثير القصة في تحقيق هذه الأغراض يرتبط بمدى إيمان الجماعة بواقعيتها، وإدراكهم لحقائقها، ومدى انطباق ظروفها على ظروف الجماعة نفسها، لذا تكون القصة المنتزعة من تاريخ الأمة نفسها، ومن واقعها وظروفها وحياتها أكثر تأكيداً وانطباقاً على السنّة التاريخية، وأكثر تأُثيراً في الواقع الروحي والنفسي للجماعة، وقد أكدنا سابقاً أن صفة «الواقعية» من الصفات التي تتميّز بها القصة القرآنية.
وبهذا تكون هذه القصص أكثر انسجاماً مع هذا الهدف القرآني، بلحاظ أن القاعدة التي يريد أن يحقق القرآن الكريم التغيير فيها في المرحلة الأولى هي الشعوب التي تسكن هذه المنطقة، وتتفاعل مع هذا التاريخ، وهذا لا يعني أن القرآن الكريم تختص هدايته بهذه الشعوب، بل أنّ أحد أغراض القرآن هو إيجاد التغيير في هذه الشعوب كقاعدة ينطلق منها التغيير ويستند إليها في مسيرته إلى بقية الشعوب كما حصل ذلك فعلاً، وأشرنا إليه في بحث الهدف من نزول القرآن.
صحيح أنه قد تكون القصة المنتزعة من تاريخ النبوات التي كانت في الهند أو الصين ـ على فرض وجودها في تلك المناطق وهو فرض منطقي ومقبول جداً ـ مؤثرة في الشعب الهندي أو الصيني، إلا أنّ القرآن الكريم كان مهتماً بشكل خاص وفي مرحلة نزوله بتغيير القاعدة التي تتمثل بالشعب العربي والشعوب المتفاعلة معه فعلاً في ذلك الوقت. وضرب الأمثال وسرد القصص عن هذه الأمم التي لم تكن موجودة في المحيط الذي نزل فيه القرآن يبعد القصة بأكملها عن «الواقعية» التي حرص القرآن الكريم على تأكيدها في قصصه، ولكن تبقى النتائج العامة المشتركة بين الأنبياء ذات تأثير عام بالنسبة إلى مختلف الشعوب.
فقصة النبي الواحد لها تأثير خاص يرتبط بالوسط الذي تواجد فيه ذلك النبي، باعتبارها حالة التجسيد المعاش في ذلك الوسط، وذات التأثير الشعوري والوجداني فيه. وفي الوقت نفسه يكون للقصة تأثير عام ضمن المفاه العامة والسنن التاريخية التي توحي بها القصة، والعبر التي يمكن أن تستخلص منها، وهذا ما يمكن أن تستفيد منه كل الشعوب الأخرى. وبذلك يتحقق للقرآن الكريم بعده العام الشامل، ويبقى حياً ومؤثراً في هذا الوسط وغيره من الأوساط الإنسانية.
نعم من الصحيح أن نضيف أيضاً القول بأن الأنبياء مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى يمثلون الأصول العامة للنبوات في كل العالم، وكان خاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يمثل امتداداً لتلك النبوات، ولكن نجد أنّ القرآن لم يتحدث عن هذه الأصول وتفرعاتها فحسب، بل تحدث عن أنبياء مثل صالح وشعيب وهود ويونس وإدرس وغيرهم ممن يمثلون نبوات ليست بهذا القدر من الأهمية على الظاهر. والله هو العالم بحقائق الأمور.
ظاهرة تأكيد إبراهيم وموسى
من الملاحظ أن القرآن الكريم أكد في قصصه على بعض الأنبياء وذكر تفاصيل حياتهم وظروفهم أكثر من بعضهم الآخر، ونجد ذلك في خصوص النبي إبراهيم وموسى عليهم السلام مع أنه قد يقال بأن الخصائص العامة لحركة الأنبياء والدعوة الإلهية التي يراد منها بالأصل استنباط «العبرة» و«الموعظة» أو استخلاص القانون والسنة التاريخية، أو تحقيق الأغراض الأخرى المتشابهة، ويؤكد ذلك ما نجده في القرآن الكريم في بعض الموارد من الإشارة إلى قصص مجموعة من الأنبياء في سياق واحد.
فهل إن هذا «التأكيد» يعني أهمية شخصية هذا النبي وفضله بالمقارنة مع بقية الأنبياء فقط؟ أو يمكن أن يكون وراء ذلك ـ مضافاً إلى هذه الأهمية ـ مقاصد وأهداف أخرى اقتضت هذا اللون من التأكيد؟
والجواب عن هذا السؤال أن بعض هؤلاء الأنبياء قد يكون أفضل من بعض آخر، ويظهر من القرآن الكريم أن هذا الأفضل هو نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام باعتبارهم أنبياء أولو العزم. ولكن لا يعني ذلك ارتباط تأكيد القرآن على هؤلاء الأنبياء بأفضليتهم. لأن القرآن بالأصل ليس بصدد تقويم عمل هؤلاء الأنبياء والحديث عن التفاضل بينهم، وإنما الأهداف الأصلية للقصة التي أشرنا إليها وذكرها القرآن هي العبرة والموعظة وتصديق النبوات والتثبيت وإقامة الحجة والبرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومضمون رسالته، كما تشير إليه الآيات القرآنية.
﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾)[714](.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾)[715](.
﴿رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾)[716](.
ولذلك أن نقول بأن السبب في تأكيد القرآن لشخصية هؤلاء الأنبياء في حديثه عنهم لأسباب أخرى يأتي في مقدمتها: إن لهؤلاء الأنبياء أتباعاً وأقواماً يرتبطون بهم ـ روحياً وعقائدياً ـ في المجتمع الذي كان يتفاعل القرآن معه عند نزوله من العرب والأقوام الأخرى المحيطة بهم، وهذا الأمر كان يفرض ـ من أجل إيجاد القاعدة الرسالية ـ أن يتحدث عنهم القرآن بإسهاب.
مضافاً إلى أسباب أخرى ذات علاقة بالهدف العام للقرآن الكريم الذي أشرنا إليه سابقاً.
بالنسبة للنبي إبراهيم عليه السلام يمكن أن نجد الأسباب التالية لتوسع القرآن في الحديث عنه:
1 ـ كان إبراهيم عليه السلام يعتبر لدى كل القاعدة التي نزل فيها القرآن (المشركين، واليهود، والنصارى) أباً لجميع الأنبياء ويحظى باحترام الجميع له.
2 ـ إن تأكيد القرآن ارتباط الإسلام وشعائره بإبراهيم له أهمية خاصة في إعطاء الرسالة الإسلامية جذراً تاريخياً ممتداً إلى ما هو أبعد من الديانتين اليهودية والنصرانية، ويحقق لها الاستقلال عنهما من ناحية، والوحدة مع هذه الديانات في المصدر التشريعي لها وهو الله تعالى من ناحية أخرى.
3 ـ إعطاء فكرة «التوحيد» التي طرحها القرآن على المشركين أصلاً وانتماءاً يرتبط به هؤلاء المشركون في تاريخهم بحيث يكون الشرك والوثنية انحرافاً عن هذا الأصل الصحيح، وبذلك يعالج القرآن الكريم الحاجز النفسي الذي كان يعيشه المشركون في موضوع العدول عن دين الآباء والأجداد.
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾)[717](.
4 ـ ويتجلى هذا الربط التاريخي بشكل أوضح عندما يصبح إبراهيم عليه السلام هو المبشر بالنبي العربي الأمي، حيث يكون هذا الرسول هو الأمل المنقذ، وتكون بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام وذلك في مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)﴾.
5 ـ إعطاء الرسالة الإسلامية شيئاً من الاستقلال عن اليهودية والنصرانية يحرر القاعدة التي يتفاعل معها القرآن من الشعور بالتبعية روحياً ومعنوياً ودينياً لعلماء اليهود والنصارى، لأنها كانت تنظر إلى علماء اليهود والنصارى بأنهم أهل الذكر والكتاب والمعرفة بالأديان والرسالات السماوية، أو ترى أنّ الأصل في الديانات هو اليهودية والنصرانية كما سوف نشير إلى ذلك.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾)[718](.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾)[719](.
ومن هنا نفهم أهمية تأكيد القرآن قصة بناء إبراهيم للكعبة، وندائه بالحج، لأن هذه الشعائر الدينية ليس لها وجود في الديانة اليهودية والمسيحية من ناحية، وللموقع الخاص الذي كانت تحتله الكعبة بين العرب عامة من ناحية أخرى، وللقرار الذي كان القرآن قد اتخذه بجعل الكعبة قبلة للمسلمين، تأكيداً لاستقلالية الرسالة في كل معالمها من ناحية ثالثة. صرف الأنظار عن الأرض المقدسة وبيت المقدس ـ الذي يحظى بالقدسية الخاصة بسبب نشوء الديانات المختلفة فيه ـ ووجود إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل كلهم في هذه الأرض، يحتاج إلى إعطاء هذه الأهمية للبيت والكعبة المشرفة وهذا الانتساب الأصيل إلى إبراهيم.
وأما النبي موسى عليه السلام فإننا يمكن أن نجد الأمور التالية أيضاً في تأكيد قصته:
1 ـ موقعه من الديانة اليهودية والشعب الإسرائيلي والإنجاز السياسي والاجتماعي الذي حققه لهم، وكذلك ما تحقق من خلال التوراة من تشريع وحكمة وقانون.
2 ـ إن المعاناة الطويلة التي مرّ بها موسى عليه السلام كانت تشبه معاناة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء تجاه الطغاة الفراعنة أم المنافقين من الإسرائيليين، أم في توطيد دعائم الحكم الإلهي في الأرض.
3 ـ إنّ موقع موسى عليه السلام من الديانتين اليهودية والنصرانية كان موقعاً متميزاً، لأن النصرانية أيضاً كانت ترى أنّ الأصل في الدين هو موسى عليه السلام وما جاء به من نور أو تشريعات وقوانين وأنّ النصرانية هي عملية تصحيح للانحرافات اليهودية وأيضاً كانت تعترف بالتوراة القائمة (العهد القديم).
4 ـ إننا نجد ملامح الظروف الموضوعية القائمة التي كانت تحيط بالرسالة الإسلامية والقرآن الكريم في موطن نزوله، وبالمجتمع الذي يعمل على تغييره موجودة في كل هذه الأمور المرتبطة بهذين النبيين العظيمين. لأن القرآن كان يعايش ويتفاعل باستمرار مع أهل الكتاب وعلمائهم وأقوامهم، وكان بحاجة إلى هذا التفصيل، والحديث ـ أحياناً ـ حتى عن الحياة الشخصية لموسى عليه السلام لما في ذلك من التأثير في أوساطهم.
5 ـ إنّ العرب المشركين كانوا ينظرون إلى علماء اليهود ـ الذين يتصلون بهم أحياناً ـ أنهم أهل الذكر والكتاب والوحي الإلهي والمعرفة بالرسالات الإلهية كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾)[720](.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِيـنَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾)[721](.
ولا شك أن القرآن يكون أكثر تأثيراً في هذه الأوساط أيضاً عندما يتحدث عن النبي موسى عليه السلام حديث العارف بكل الخصوصيات والأمور بحيث يفوق كتب العهدين بذلك.
6 ـ القرآن يسعى جاداً لإعطاء فكرة أن هذه الرسالات إنما تمثل امتداداً واحداً في الوحي الإلهي، وانتساباً واحداً إلى السماء، في الوقت نفسه يؤكد على استقلالية الرسالة الإسلامية، بمعنى انها ليست تابعة ومتشعبة عن التحرك الرسالي أو السياسي للرسالات الأخرى، كما أنها ليست عملاً إصلاحياً في إطار تلك الرسالات، بل هي من جانب مصدقة لها، لأنها تمثل امتداداً للرسالات الإلهية في التاريخ البشري، ولكنها من جانب آخر وفي الوقت نفسه مهيمنة عليها أو مستقلة عنها.
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾)[722](.
ويتضح ذلك بشكل أفضل بملاحظة سياق الآيات السابقة عليها، والتي يشير فيها القرآن الكريم إلى نزول التوراة والإنجيل والنسبة بينهما، والتي تختلف عن نسبة القرآن إليهما.
وحديث القرآن عن عيسى عليه السلام يأتي لإزالة ما علق في أذهان الجماعة التي نزل فيها القرآن من أفكار وتصورات منحرفة عن الأنبياء تتنافى مع عصمتهم أو علاقتهم بالله أو طبيعة شخصيتهم، من هنا تحدث القرآن الكريم عن شخصيته وظروفها أكثر مما تحدث عن أعماله ونشاطاته. وهذا يمثل غرضاً وهدفاً آخر بالإضافة إلى الأغراض السابقة التي أشرنا إليها في الفصل السابق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (62)﴾)[723](.
وكذلك ما جاء من الحديث في القرآن عن حياة مريم وولادة عيسى في سورة آل عمران، أو في سورة مريم، أو الاهتمام بمناقشة فكرة أُلوهية عيسى التي جاءت في عدة موارد، منها ما جاء في سورة المائدة:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ﴾)[724](.
ظاهرة أسلوب القصة
لا شك أن أسلوب القصة في القرآن الكريم جاء متميزاً عن الأسلوب المعروف للقصة في التراث الأدبي والإنساني، حيث يكتفي القرآن الكريم بذكر الأحداث بشكل إجمالي أحياناً وبدون ترتيبها الزماني أحياناً أخرى، أو الانتقال فيها من حدث إلى آخر باقتطاع جانب من الأحداث ثالثة. مضافاً إلى الاستطراد في التعرّض إلى المفاهيم والحقائق والموضوعات العقائدية او الأخلاقية أو الكونية أو الشرعية. وغير ذلك من الامتيازات والخصوصيات التي قد تثير ملاحظة كبيرة حول أسلوب القصة في القرآن الكريم، تخرج القصة فيه عن كونها عملاً فنياً مستقلاً له أهدافه الخاصة. وتفقد بذلك القصة في القرآن الكريم هويتها الخاصة.
والحديث حول هذا الموضوع له جانبان:
أحدهما: الجانب الفني لأسلوب القصة الذي يمكن من خلاله أن يتبين أن القصة القرآنية تشتمل على جميع العناصر الأساسية في هذا العمل الأدبي الفني.
ثانيهما: تفسير وجود هذا الخلاف وهذه الظاهرة في أسلوب القصة في القرآن الكريم.
أما الحديث في الجانب الأول فهو حديث واسع ذو طبيعة أدبية وفنية، وقد تناولته بعض الدراسات القرآنية الأدبية الخاصة أو أشارت إليه بعض الدراسات القرآنية العامة قديماً وحديثاً)[725](. وهو خارج عن حدود هذا البحث القرآني وأهدافه المحدودة.
وأما الحديث عن الجانب الثاني فإنّ الملاحظة الرئيسة التي يمكن أن نذكرها ونؤكدها هنا هي أن أسلوب القصة في القرآن الكريم جاء منسجماً ـ بطبيعة الحال ـ مع الأسلوب العام للقرآن الكريم والذي يمكن التعرف على ميزاته من خلال الدراسات التي تناولت الجانب الفني والأدبي في أسلوب القرآن الكريم. ومنها الدراسات التي تناولت هذا الجانب في إعجاز القرآن وهي أكثر الدراسات القديمة في الإعجاز. ويأتي في مقدمة هذه الميزات والخصائص:
1 ـ أسلوب مزج الموضوعات والمفاهيم المتعددة بعضها مع بعضها الآخر في مقطع واحد وذلك من أجل الخروج بصورة متكاملة لهذه المضامين مرة واحدة لما ذكرنا من أن القرآن ليس كتاباً علمياً، بل هو كتاب تغيير وهداية ورحمة فهو يمزج الحقائق الكونية بالمعارف العقائدية وبالأحكام الشرعية السلوكية وبالموعظة والإرشاد والتبشير والتحذير، والعواطف والمشاعر والأحاسيس بالعقل وألإدراك من أجل أن يزكّي ويعلّم ليعمل الإنسان ويلتزم طريق الحق ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾.
2 ـ تكرار الموضوعات والمفاهيم بصيغ متعدة وفي سياقات مختلفة لتأكيدها أو لتحقيق مزيد من الأغراض والأهداف المتعددة، كما لاحظنا ذلك في بحث أغراض القصة وفي تفسير ظاهرة تكرار القصة.
وسوف نتبين مزيداً من ذلك عند دراسة قصة موسى عليه السلام بحسب مواضعها في القرآن الكريم في الفصل الآتي:
3 ـ اختلاف أسلوب القرآن في عرض الموضوعات بحسب الإيجاز والقصر والإطناب والتفصيل وكذلك بحسب الإيقاع الصوتي والتركيب اللفظي للآيات الكريمة. وذلك مراعاة للمراحل التي مرّت بها الرسالة الإسلامية أو في محاولة للتأثير النفسي والروحي في المخاطبين، مما جعل أسلوب القرآن الكريم أسلوباً يختلف فيه عن كل من النثر والشعر العربي.
4 ـ إن أسلوب القرآن الكريم تأثر بالهدف العام لنزول القرآن الكريم، فإن هذا الهدف كما كان له تأثير على المضمون القرآني كما أشرنا إليه سابقاً كان له تأثير على أسلوب القرآن الكريم أيضاً. وجاء الأسلوب أداءة موظفة لتحقيق هذا الهدف العام.
5 ـ نلاحظ دائماً بأنّ ذكر القصة في القرآن الكريم يأتي دائماً مرتبطاً بسياقها والآيات السابقة أو اللاحقة لها أو كليهما، وهذا يعني أن القصة ترتبط بشكل مباشر وتفصيلي بالقرآن الكريم أسلوباً ومضموناً. فالارتباط هذا والتفاعل ليس على المستوى العام للهدف فحسب، بل هو ارتباط على مستوى التفاصيل في تطبيقات هذا الهدف أيضاً.
محمد باقر الحكيم
إصطلاحات قرآنية
آي القرآن:
الآية في اللغة العلامة، والآية في القرآن أصغر وحدة معدودة في السور، سُميت بذلك لأنها علامة على صدق من أتى بها وعلى عجز المتحدى لها.
يبلغ عدد آي القرآن ستاً وثلاثين ومئتين وستة آلاف (6236). وكانت أول آياته نزولاً هي: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وآخر آية ـ في قول ـ هي ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3]. وأطول آية في القرآن الكريم هي آية الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: 282].
معرفة الآي وعددها يترتب عليها أحكام فقهية منها: اعتبارها فيمن جهل الفاتحة فإنه يجب عليه بدلها سبع آيات، واعتبارها في الخطبة، فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة ولا يكفي شطرها، واعتبارها في الوقف عليها، والصلاة لا تصح بنصف آية.
أما لفظ «آية» فقد ورد في القرآن الكريم أربعاً وثمانين مرة (84) بمعانٍ مختلفة، كما ورد جمعه على «آيات» ثماني وأربعين ومئة مرة (148).
ورد لفظ «المثاني» في القرآن الكريم مرتين:
الأول: مصاحبة للعدد سبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]. والثانية صفة للكتاب الكريم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]. والسبع المثاني إسم من أسماء فاتحة الكتاب التي سُميت ـ أيضاً ـ: أم القرآن ـ والواقية ـ والكافية ـ والنور ـ وسورة الحمد ـ وسورة الشكر… أما إطلاق السبع المثاني عليها فقد قيل لأنها سبع آيات، وقيل فيها سبعة آداب في كل آية أدب، بيد أنه يحتمل أن يكون من الثناء على الله تعالى، أو من التثنية لأنها تثنى في كل ركعة. فعن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: «السبع المثاني فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة».
وأما المثاني في آية «الزمر» فقد اعتبرها السيوطي إسماً من أسماء القرآن الكريم التي عدّدها فبلغت خمسة وخمسين إسماً.
وقيل «المثاني» ما ولى المئين ثنتها أي كانت بعدها فهي لها ثوان، وهي: الأحزاب، الحج، القصص، النمل، النور، الأنفال، مريم، العنكبوت، الروم، يس، الفرقان، الحجر، الرعد، سبأ.
تجويد القرآن:
التجويد في اللغة التحسين، وتجويد القرآن علم من العلوم الإسلامية يُعنى ـ أصلاً ـ بقراءة القرآن الكريم قراءة تلقي ومشافهة. وهو يدور حول كلمات القرآن وحروفه: مخارجها وصفاتها الذاتية كالجهر والشدة والاستعلاء والاستفال والغنة، وصفاتها العرضية كالتفخيم والترقيق. وأهم أبوابه الرئيسية:
أحكام النون الساكنة والتنوين، حكم النون والميم المشددتين، أحكام الميم الساكنة، حكم لام «أل» ولام الفعل، مخارج الحروف وصفاتها، أحكام التقاء الحروف، أحكام المد والقصر، الوقف والابتداء والقطع والوصل.
وعلم التجويد فرض كفاية على المسلمين والعمل به فرض عين على كل قارئ من مسلم ومسلمة لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْءانَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: 4].
المُحْكَم:
وصف الله تعالى القرآن الكريم في آية فجعله «مُحْكماً» فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. وفي آية أخرى، وصف بعض آياته بأنها «مُحكمات» فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7]. ووصف سورة بأنها «محكمة» فقال عز وجل: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [محمد: 20].
والمحكم هو الذي لا يختلف في معناه فهو بين واضح، والظاهر الذي لا شبهة فيه، ولا يحتاج إلى تأويل.
الذكر:
الذكر اسم من أسماء القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ [الأعراف: 63].
وسُمي القرآن «ذكراً» لما فيه من المواعظ والعبر وأخبار الأمم الماضية، والذكر الشرف، يقول تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، أي شرف.
وقد ورد لفظ «الذكر» في القرآن الكريم اثنتين وخمسين مرة (52) علماً على القرآن وللدلالة على ذكر الله تعالى وبمعنى التذكر.
رسم المصحف:
مر تدوين القرآن الكريم بمراحل:
فقد كتب أول الأمر خالياً من النقط والشكل، بما يسمح بقراءته على الأحرف السبعة أو القراءات المتواترة المعروفة، ثم:
1 ـ وضع أبو الأسود علامات الشكل بطريق النقط بمداد يخالف مداد الكتابة.
2 ـ ووضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر ـ نقط الإعجام بنفس المداد الذي يكتب به الكلام حتى لا يختلط بنقط الشكل.
3 ـ ووضع الخليل بن أحمد الشكل بطريق الحروف الصغيرة.
وثبت رسم المصحف بعد ذلك على ما هو عليه، برغم التعديل الذي أصاب الرسم العربي، وذلك خوفاً على القرآن من التحريف، ولذلك يجد المبتدئ صعوبة يسيرة في قراءة المصحف، مثل (الرحمن: الرحمان، السموات: السماوات، الصلوة: الصلاة، حم: حا ـ ميم).
وللرسم القرآني رموز ذات دلالة نذكر منها:
م: علامة الوقف اللازم، ج: علامة الوقف الجائز الذي يستوي مع الوصل، صلى: علامة على أن الوصل أولى، قلى: علامة على أن الوقف أولى، لا: علامة الوقف الممنوع، س: علامة السكتة على ـُ: علامة إظهار الضم، ـٌ. علامة إخفاء الضم، ـَ: علامة إظهار التنوين، ـً: علامة إخفاء التنوين،.
زخرفة المصحف:
كان القرآن الكريم أول نص عربي كامل يكتب على هيئة كتاب، وعلى الرغم من أن المصحف كان أول مخطوط تجلت فيه مظاهر فن الكتاب العربي، إلا أن فنون الزخرفة لم تعرف طريقها إلى المصاحف إلا متأخرة نسبياً، في القرن الثالث تقريباً، ولعلهم قبل ذلك كانوا يتحرجون من أن يجددوا شيئاً في شكل المصحف أو أن يضيفوا إليه ما ليس منه، فلم تكن هناك فواصل بين الآيات، أو علامات تعشير، وكانت الفواصل بين السور مساحات بيضاء تزيد قليلاً عن مساحة سطر من السطور.
ثم أخذت الزخارف تتسلل إلى المصاحف، وتتخذ أماكنها في الصفحات الأولى والأخيرة، وفي الفواصل بين السور وفي نهايات الآيات ومواضع علامات التعشير، ثم أخذت الزخارف تتخذ شكل إطارات أو جداول زخرفية تحيط بالمساحة المكتوبة من الصفحة، ثم امتدت لتشمل الصفحة كلها على هيئة فروع وسيقان ووريقات نباتية مختلفة تمتد في الفراغات التي بين السطور.
وكانت المصاحف تبدأ وتختم بصفحات كاملة تكتظ بالأشكال الهندسية والزخارف النباتية الملونة ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى غلاف المصحف وجلده، فكانت جلود المصاحف تحلى بزخارف إسلامية ملونة حيناً ومطعمة بالعظم والعاج حيناً آخر.
أسباب النزول:
نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسَبَب.
ومن فوائد العلم بأسباب النزول:
ـ معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
ـ تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
ـ الوقوف على المعنى وإزالة الاشكال، فلا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
ويؤخذ علم أسباب النزول بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها.
المتشابه:
المتشابه في القرآن هو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة، أو هو ما يحتمل عدة معان.
وقد جاء لفظ «المتشابه» وصفاً للقرآن كله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: 23].
وجاء وصفاً لبعض آي القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7].
قال أبو عبيدة في الأول «كتاباً متشابهاً» أي يشبه بعضه بعض ليس من طريق الاشتباه، ويجوز أن يكون متشابهاً على أهل الزيغ كله فهو (أي القرآن) عم عنه وقد اشتبه عليهم.
المصحف:
المصحف في اللغة هو مجموع من الصحف في مجلد، وغلب استعماله في القرآن الكريم، ذلك أن الذي كتب كان مجلداً بعضه إلى بعض، كما يوضح ذلك الخبر القائل بإرسال نسخ من ذلك المصحف إلى الآفاق، فلهذا أطلق عليه إسم «المصحف»، وهذا أول إطلاق للفظ «المصحف» على القرآن الكريم.
لا يسمى «مصحفاً» إلا ما كان قرآناً كاملاً مكتوباً باللغة العربية، فإذا لم يكن قرآناً سُمي كتاباً، وإذا لم يكن كاملاً سُمي جزءاً، وإذا لم يكن بالعربية سُمي تفسيراً أو ترجمة للمعاني. وتوجد الآن مصاحف كثيرة بالخط المغربي والكوفي والفارسي والباكستاني.
اهتم حكام المسلمين وأغنياؤهم بالمصاحف منذ أمد واستنساخها وتعظيمها، فهناك مصاحف مكتوبة بالذهب الخالص وأُخرى معطرة الورق وغيرها ملونة، وأُخرى مجلدة أو لها صناديق فاخرة لحفظها، وهناك المصاحف الكبيرة التي تقرأ من بعيد لغير الحفاظ من الأئمة في الصلاة، وتقلب صفحاتها بعصاً طويلة، كذلك هناك مصاحف مكتوبة سطراً من القرآن الكريم وسطراً من ترجمة معناه إلى اللغة الفارسية أو التركية أو الأندونيسية.
مضمون القرآن:
حاول بعض العلماء إحصاء الأغراض التي تضمنها القرآن الكريم، فبلغت عند (جول لابوم) وهو فرنسي، ثمانية عشر باباً تنقسم إلى واحد وخمسين وأربعمائة فصلاً، وفاته أشياء استدركها عليه مستشرق آخر هو (إدوار مونتييه) بوضع ملحق أسماه (المستدرك)، تضمن ثمانية وخمسين ومئة باباً آخر.
ويمكن أن نشير إلى الأغراض التي اشتملها الكتاب الكريم فيما يلي: العقيدة ـ الشريعة ـ التاريخ وتصحيحه ـ الآداب والأخلاق ـ شخصية النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة والحوار.
الطواسين:
هي السور التي تبدأ بحروف (ط)، (س)، (م) المقطعة. وهي:
سورة النمل التي أولها: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ القُرآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
وسورة الشعراء: ﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ﴾.
وسورة القصص: ﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ﴾.
ومن السور التي بدأت بالطاء (ط) والهاء (هـ) سورة «طه» ﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لِتَشْقى﴾.
وشاع هذان الحرفان إسم علم على الأشخاص ظناً من الناس أن (طه) إسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك «يس».
إعراب القرآن:
اتجه كثير من العلماء من أصحاب اللغة إلى إعراب القرآن الكريم، لأن الإعراب يميز المعاني ويُوقف على أغراض الكلام. وقد صنف في هذا الفن كثير من العلماء.
وعلى الناظر في كتاب الله تعالى، النظر في الكلمة وصيغتها ومحلها ككونها مبتدأ أو خبراً أو فاعلاً أو مفعولاً، أو في مبادئ الكلام أو في جواب إلى غير ذلك، ثم أن العلماء حددوا للناظر في إعراب القرآن أموراً عليه مراعاتها:
معنى ما يريد أن يعربه مفرداً أو مركباً قبل الإعراب، فإن الإعراب فرع المعنى.
أن يكون ملماً بالعربية، وأن يراعي ما تقتضيه الصنعة النحوية.
أن يتجنب الوجوه البعيدة، والأوجه الضعيفة، واللغات الشاذة.
أن يستوفي جميع ما يحتمله اللفظ في الأوجه الظاهرة.
أن يراعي الرسم القرآني:
غريب القرآن:
غريب القرآن هو الألفاظ التي يبهم معناها على قارئ القرآن ومفسره، وهذا الغريب يختلف من عصر إلى عصر، ومن إنسان إلى إنسان تبعاً لثقافة كل ناظر في القرآن.
تفسير القرآن:
التفسير في اللغة التوضيح، وتفسير القرآن واحد من العلوم الإسلامية، يقصد منه توضيح معاني القرآن الكريم وما انطوت عليه آياته من عقائد وأسرار وحكم وأحكام.
وتفسير القرآن نوعان:
تفسير بمأثور ويسمى تفسير الرواية والتفسير النقلي.
تفسير الرأي، ويسمى تفسير الرواية والتفسير العقلي.
القراءات القرآنية:
واحد من العلوم الإسلامية المتعلقة بقراءة القرآن الكريم. وهناك قراءات سبع مشهورة تعرف بـ(القراءات السبع) لسبعة من القراء هم:
عبدالله بن كثير (120 هـ)، نافع بن عبد الرحمن (169 هـ)، عبدالله اليحصبي المشهور بابن عامر (118هـ)، أبو عمرو بن العلاء (154هـ)، يعقوب بن إسحاق الحضري (205هـ)، حمزة بن حبيب الزيات (156هـ) عاصم بن أبي النجود (127هـ). كذلك أضيف إليهم اسم: علي بن حمزة الكسائي (189هـ).
وهناك شروط لمعرفة القراءات الصحيحة لا يتخلف منها واحد، وهي:
1 ـ أن تكون القراءة موافقة للعربية ولو بوجه.
2 ـ أن تكون القراءة موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً.
3 ـ أن يصح سندها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبهذه الضوابط عرفت القراءات الصحيحة من القراءات الشاذة.
وإلى جانب القراءات السبع الصحيحة اشتهرت قراءات أُخرى تمت بها عشراً، وهي: قراءة يعقوب (الذي أثبت مكانه في القراء السبعة علي بن حمزة الكسائي)، وقراءة خلف بن هشام (239هـ)، وقراءة يزيد بن القعقاع المشهور بأبي جعفر (130هـ).
المكي والمدني:
نزل القرآن الكريم ـ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجماً خلال 23 عاماً تقريباً. وفي مناسبات مختلفة، ونزل بعضه في «مكة» ويسمى بـ«المكي» ونزل بعضه في «المدينة» ويسمى بـ«المدني».
وللمكي خصائص وللمدني خصائص.
فالمكي يدور حول التوحيد وإقرار العقيدة مشاهد القيامة، ألفاظه قوية، فقراته قصار، أما المدني فهو طويل الفقرات، يدور حول أحكام الشريعة وتنظيم الدولة وقصص الأنبياء والدعوة إلى الرحمة والتسامح، الدعوة إلى الجهاد، ورود أمر المنافقين.
وفي القرآن (82) سورة مكية، و(20) سورة مدنية، و(12) مختلف فيها.
الهُدَى:
الهدى إسم من أسماء القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿الـم (1) ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: الآيتان 1ـ 2]. ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 94]، ويقول عز من قائل: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 13].
والهدى في اللغة التقدم، يقال هداه يهديه إذا تقدمه، ومنه قولهم: لنا يد ترد عمى الهادي، والهادي في الدين هو الذي يتقدم الناس ويقودهم إلى الرشد.
والهدى في القرآن جاءت لمعانٍ: الرشاد، الدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المطلوب، الطاعة.
والهادي إسم من أسماء الله الحسنى، والهادي الدليل، والهادي العُنُق، والهادي الأسد، والهادي من السهم النصل.. وقد ورد لفظ (الهدى) في القرآن الكريم (79) مرة.
الوقف والابتداء:
فن يعرف به كيفية أداء القراءة، ومواطن الوقف ومواطن الفصل، ولا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل.
الألفاظ القرآنية
المصطلحات ـ لغويتها وشرعيتها
يهدف علماء أصول الفقه من تعرف نشوئها وتطورها الى أن يمهدوا بذلك عن طريق صنع القواعد بين يدي الفقهاء لمعرفة واقعها في دلالتها على معانيها عندما يرد ذكرها في نص شرعي كآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام، أو على ألسنة الفقهاء. هل تلك الدلالة على المعنى الشرعي هي على نحو الحقيقة أو على نحو المجاز فنحتاج في حملها على المعنى الشرعي إلى القرينة الصارفة عن حملها على المعنى اللغوي؟
إن واقع هذه الألفاظ كما يؤرخ لها الأصوليون، مرت بثلاث مراحل هي:
1 ـ مرحلة استعمال هذه الألفاظ في القرآأن الكريم، وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولنسمها مرحلة الاستعمال الشرعي.
2 ـ مرحلة استعمال هذه الألفاظ في عهود الأئمة عليهم السلام، منذ عهد الإمامين الصادقين محمد الباقر وجعفر عليهما السلام، حيث كثرت إفاداتهما، وكثرت الاستفادات منهما في هذا المجال. ولنطلق عليها: مرحلة استعمال المتشرعة.
3 ـ مرحلة استعمال هذه الألفاظ على ألسنة الفقهاء حيث استقر التفقّه في الدين علماً له أصوله وفروعه وقواعده وتطبيقاتها. ويمكننا أن نسميها: مرحلة الاصطلاح الفقهي.
لا خلاف بين علماء أصول الفقه في ان استعمال هذه الألفاظ بمعانيها الشرعية في المرحلة الثالثة، أي في لغة الفقه وعلى ألسنة الفقهاء وفي حواراتهم هو استعمال حقيقي.
وهذا يعني أن هذه الألفاظ إذا استعملت في لغة الفقه مجردة عن القرينة الصارفة لها عن الدلالة اللغوية، تحمل على المعنى الشرعي لا المعنى اللغوي.
وإنما وقع الخلاف بينهم في الاستعمال لهذه الألفاظ في المرحلتين الأولى والثانية.
بمعنى أن استعمالها في القرآن الكريم وكذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مجردة عن القرينة الصارفة، هل يعتبر استعمالاً حقيقياً لها في المعنى الشرعي فتحمل عليه، أو استعمالاً مجازياً فتحمل على المعنى اللغوي مع عدم وجود القرينة الصارفة؟
وبتعبير آخر: هل أن هذه الألفاظ استقرت في الدلالة على معانيها الشرعية كمصطلحات إسلامية في عصر نزول القرآن الكريم وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن استقرار دلالتها على معانيها الشرعية كمصطلحات تأخر حتى عصر المتشرعة، أو ما بعده؟
وقد بنى الأصوليون خلافهم المشار إليه والنتائج التي توصلوا إليها على مقدمتين أرسلوهما إرسال المسلمات المفروغ من الحديث عن وقوعها لأنها متفق عليها، وهما:
الأولى: أن المعاني الشرعية لهذه الألفاظ لم تكن معروفة عند العرب قبل الإسلام.
الثانية: أن هذه الألفاظ نقلت من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية والجديدة نقلاً.
والخلاف وقع بينهم في نقطتين، هما:
1 ـ زمن وقوع هذا النقل، فهل كان في المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة.
2 ـ في كيفية النقل، فهل كان على نحو التعيين، أي التصريح من قبل المعنيين ـ مشرعاً أو متشرعين أو فقهاء ـ بالنقل، أو على نحو التعيّن، أي عن طريق الاستعمال مع القرينة، حتى استقرار المصطلح فالاستغناء عن القرينة.
لخص هذا الخلاف والأقوال فيه محمد رضا المظفر في كتابه (أصول الفقه)، قال ـ في الجزء الأول منه تحت عنوان (الحقيقة الشرعية): «لا شك في أنّا ـ نحن المسلمين ـ نفهم من بعض الألفاظ المخصوصة كالصلاة والصوم ونحوهما معاني شرعية خاصة، ونجزم بأن هذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربية قبل الاسلام، وإنما نقلت تلك الألفاظ من معانيها اللغوية إلى هذه المعاني الشرعية.
هذا لا شك فيه، ولكن الشك وقع عند الباحثين في أن هذا النقل وقع في عصر الشارع المقدس على نحو الوضع التعييني أو التعيّني فتثبت الحقيقة الشرعية، أو أنه وقع في عصر بعده على لسان أتباعه المتشرعة فلا تثبت الحقيقة الشرعية، بل الحقيقة المتشرعية.
والفائدة من هذا النزاع تظهر في الألفاظ الواردة في كلام الشارع المجردة عن القرينة سواء كانت في القرآن الكريم أم السنّة. فعلى القول الأول يجب حملها على المعاني الشرعية، وعلى الثاني تحمل على المعاني اللغوية أو يتوقف فيها. فلا تحمل على المعاني الشرعية ولا على اللغوية، بناء على رأي من يذهب إلى التوقف، فيما إذا دار الأمر بين المعنى الحقيقي وبين المجاز المشهور، إذ من المعلوم أنه إذا لم تثبت الحقيقة الشرعية فهذه المعاني المستحدثة تكون ـ على الأقل ـ مجازاً مشهوراً في زمانه صلى الله عليه وسلم.
والتحقيق في المسألة أن يقال: إن نقل تلك الألفاظ إلى المعاني المستحدثة إما بالوضع التعييني أو التعيّني:
أما الأول: فهو مقطوع العدم، لأنه لو كان لنقل إلينا بالتواتر أو بالآحاد على الأقل، لعدم الداعي إلى الإخفاء، بل الدواعي متظافرة على نقله، مع أنه لم ينقل ذلك أبداً.
وأما الثاني فهو مما لا ريب فيه بالنسبة إلى زمان أمير المؤمنين عليه السلام، لأن اللفظ إذا استعمل في معنى خاص في لسان جماعة كثيرة زماناً معتداً به ـ لا سيما إذا كان المعنى جديداً ـ يصبح حقيقة فيه بكثرة الاستعمال، فكيف إذا كان ذلك عند المسلمين قاطبة في سنين متمادية.
فلا بد ـ إذن ـ من حمل تلك الألفاظ على المعاني المستحدثة فيما إذا تجردت عن القرائن في روايات الأئمة عليهم السلام.
نعم كونها حقيقة في خصوص زمان النبي صلى الله عليه وسلم غير معلوم وإن كان غير بعيد، بل من المظنون ذلك، ولكن الظن في هذا الباب لا يغني عن الحق شيئاً. غير أنه لا أثر لهذا الجهل، نظراً إلى أن السنّة النبوية غير مبتلى بها إلا ما نقل لنا من طريق آل البيت عليهم السلام على لسانهم، وقد عرف الحال في كلمتهم أنه لا بد من حملها على المعاني المستحدثة. وأما القرآن المجيد فأغلب ما ورد فيه من هذه الألفاظ أو كله محفوف بالقرائن المعينة لإرادة المعنى الشرعي، فلا فائدة مهمة في هذا النزاع بالنسبة إليه.
على أن الألفاظ الشرعية ليست على نسق واحد، فإن بعضها كثير التداول كالصلاة والصوم والزكاة والحج، لا سيما الصلاة التي يؤدونها كل يوم خمس مرات، فمن البعيد جداً ألا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة بأقرب وقت في زمانه صلى الله عليه وسلم.
ومع هذا الذي ذكره نراه يحوم حول الحمى حيث يقرب استقرارها مصطلحات شرعية منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما سنصل إليه كنتيجة ينتهي إليها البحث في المسألة، ذلك أن منهج البحث العلمي يقتضينا، ونحن نبحث في النشوء والتطور، وهما ظاهرتان تاريخيتان، أن نمتد في البحث معهما في عمقها أو عمودهما التاريخي، ويتأتى هذا بالمقارنة بين الإسلام كدين والأديان الأخرى ـ إلهية وغير إلهية ـ لنتعرف من خلال المقارنة هل كان أجدادنا العرب يعرفون أنها من الألفاظ الدينية، أو أن هذه المعرفة جديدة عليهم؟
إن القرآن الكريم ـ وهو أهم وأقدم وثيقة دينية موثقة وصلت إلينا ـ يكفينا مؤنة المقارنة، عن طريق الرجوع إلى الوثائق الأخرى، حيث أشار إلى شيء غير قليل من هذا.
ولنأخذ ـ هنا ـ شواهد أو أمثلة لذلك، الألفاظ التالية: الصلاة، الزكاة، والصوم، الأمر بالمعروف.
فقد أشار إلى أن الصلاة كمصطلح ديني كانت معروفة في الأديان الإلهية السابقة على الدين الإسلامي، إقرأ الآيات التالية:
ـ في قصة النبي إسماعيل عليه السلام ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ﴾ [مريم: 39].
ـ في وصية لقمان لإبنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: 17].
ـ في قصة النبي شعيب عليه السلام ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: 87].
ـ في قصة النبي إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾.
ـ في قصة النبي عيسى عليه السلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ﴾ [مريم: 31].
وتاريخ الأديان المقارن يشير إلى أن الصلاة أقدم ظاهرة دينية عرفها الإنسان، ففي موسوعة المورد: مادة (Prayer) إن ذلك كان «منذ فجر الخليقة» وأنها كانت «على صور وأشكال مختلفة، ثم جاءت الأديان السماوية فوضعت لها القواعد والأصول».
وقرأنا على لسان النبي عيىسى عليه السلام في الآية المتقدمة أن الله تعالى كما أوصاه بالصلاة اوصاه بالزكاة أيضاً.
وفي تشريع الصوم دينياً نقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
كما قرأنا على لسان لقمان وهو يوصي إبنه بالصلاة يوصيه أيضاً بالأمر بالمعروف.
أضف إلى هذا أن القرآن الكريم أشار إلى أن عرب الجاهلية كانوا يدينون بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].
إلى جانب هؤلاء الوثنيين من عرب الجاهلية كان اليهود وكان النصارى، والصلاة والصيام وغيرهما من الظواهر الدينية كانت مشروعة في الديانتين اليهودية والنصرانية.
إن هذا التاريخ لاستعمال هذه الألفاظ بالمعاني الشرعية يدعونا ـ ومن دون أدنى شك ـ أن نجزم بأن العرب قبل الإسلام كانوا يعلمون بأن هذه الألفاظ من الألفاظ الشرعية.
والفارق الوحيد هو عدم معرفتهم للمعنى الإسلامي الجديد الذي هو مختلف عن المعاني الدينية السابقة في الكيفية وملابساتها.
وهذا يعني أنهم كانوا يستقبلون هذه الألفاظ من لسان المشرع المقدس وباعتبارها ألفاظاً دينية، وعند معرفتهم لمعانيها الدينية الجديدة يحملونها عليها عندما تستعمل في الإطار الديني.
وهذا هو الذي حدث، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبيّن لهم أن الصلاة مصطلح ديني أو أن لها معنى دينياً لأن هذا أمر مفروغ منه من قبلهم، وإنما أبان لهم كيفيتها بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» و«حجوا بحجّي»، هذا بدوره يعطي المعنى الديني استقراره عن طريق التطبيق.
ويؤكده اهتمام المسلمين في عصر الرسالة بالدين وتعلم مفاهيمه وأحكامه، بما يدعو إلى غلغلة المعنى الديني الجديد وترسخه في أذهانهم بسرعة ويسر.
والنتيجة: هي أن هذه الألفاظ تحمل على المعاني الشرعية في جميع المراحل التي ذكرناها أعلاه، إذا وردت في لغة المشرع أو المتشرع أو الفقيه.
فلا نقل ـ هنا ـ للفظ من الدلالة اللغوية للدلالة الشرعية، حتى يقال: لو كان هناك نقل لهذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية لأخبرنا عنه بالتواتر، ولأنه لم نخبر به حتى بالآحاد، فلا نقل.
أي أن هذا لا ينهض دليلاً أمام كون المسألة مسألة تاريخية ممتدة في جذورها عميقاً في التاريخ.
مضافاً إلى أن المفاهيم الدينية لا تختلف عن المفاهيم العرفية عندما تقولب أو تؤطر بالألفاظ كوسيلة للتفاهم في كونها ظواهر اجتماعية لا تعتمد النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الجديد.
والنقل المذكور يتحقق ـ عادة ـ في المصطلحات العلمية البحتة، كالمصطلحات الفقهية الخاصة، أمثال لفظ (الاستصحاب) الذي اصطلح إسماً لظاهرة عدم جواز نقض اليقين بالشك، ولفظ (الاحتياط) المأخوذ من أقوال المعصومين عليهم السلام: «أخوك دينك فاحتط له».
أما الألفاظ الأخرى كالصلاة والزكاة وأمثالهما مما شاع استعماله في مجتمع المسلمين في عهد الرسالة فلا يحتاج إلى ناقل.
وبعبارة أخرى: إن النقل من معنى لآخر ظاهرة علمية وليست ظاهرة اجتماعية.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
في القرآن
في القرآن المحكم والمتشابه
يقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾)[726](.
ويقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾)[727](.
ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾)[728](.
نرى في الآية الأولى أنها تنص على أن القرآن كله محكم، وتريد أنه ثابت لا يدخل عليه أي خلل أو بطلان. والآية الثانية تنص على أن القرآن كله متشابه، وتريد أن آياته على وتيرة واحدة في الجمال والأسلوب وحلاوة اللهجة والإعجاز.
أما الآية الثالثة فتقسم القرآن إلى قسمين محكم ومتشابه، وملخص ما نفهم منها هو:
أولاً: المحكم ما كان ثابتاً في دلالته بحيث لا يشتبه مراده بمراد آخر، والمتشابه ما كان غير ذلك.
وثانياً: على كل مؤمن راسخ الإيمان أن يؤمن بالآيات المحكمة ويعمل بها، وكذلك يؤمن بالآيات المتشابهة ولكن لا يعمل بها. والذين يتبعون الآيات المتشابهة ويعملون بما يوحيه عليهم التأويل فإنهم منحرفون عن الحقائق ويبتغون الفتنة وإغواء الناس.
معنى المحكم والمتشابه
عند المفسرين والعلماء
اختلف علماء الإسلام في معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة ربما تبلغ الأقوال في ذلك إلى عشرين قولاً.
والذي جرى عليه عملهم من العصر الإسلامي الأول حتى العصر الحاضر وعليه الاعتماد هو:
1 ـ المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود، فيجب الإيمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
2 ـ المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ(التأويل) لا يعلمه إلا الله تعالى، فيجب الإيمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.
هذا قول مشهور عند علماء السنة وهو المشهور أيضاً عند الشيعة، إلا أنهم يعتقدون بأن النبي والأئمة عليهم السلام يعلمون تأويل الآيات المتشابهة، وعامة المؤمنين حيث لا طريق لهم إلى معرفة تأويلها فيُرجعون علمها إلى الله والرسول والأئمة عليهم السلام.
وهذا القول بالرغم من أن عليه عمل أكثر المفسرين لا يوافق الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ الخ، كما أنه لا يطابق ما تدل عليه سائر الآيات لأنه:
أولاً: إننا لا نعرف في القرآن آيات لا نجد طريقاً إلى معرفة مداليلها ومعانيها المقصودة. هذا بالإضافة إلى أن القرآن وصف نفسه بأوصاف كالنور والهادي والبيان، وهذه الأوصاف لا تتفق مع عدم معرفة المداليل والمعاني.
ومن جهة أخرى تقول الآية: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾)[729](، فكيف يصح أن يكون التدبر في القرآن رافعاً لكل اختلاف مع أن فيه آيات متشابهة لا يمكن التوصل إلى معرفة معناها كما عليه قول المشهور الذي نقلناه.
ويمكن أن يقال: إن المقصود من الآيات المتشابهة هي الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور كـالم، الر، حم» وأشباهها، حيث لا يمكن معرفة معانيها الحقيقية.
ولكن لا بد من الالتفات إلى أن في الآية الكريمة وضعت الآيات المتشابهة مقابلاً للآيات المحكمة. ولازم هذه التسمية أن يكون المتشابه له مدلول من قبيل المدلول اللفظي إلا أن هذا المدلول اللفظي الظاهر يشتبه بالمدلول الحقيقي، والحروف المقطعة في أوائل السور ليس لها هكذا مدلول.
وبالإضافة إلى هذا يدل ظاهر الآية على أن جماعة من أهل الزيغ ومبتغي الفتنة يسعون في الإضلال بواسطة الآيات المتشابهة، ولم يسمع أن شخصاً في المسلمين أضل الناس بالحروف المقطعة المذكورة، بل الذين يضلون الناس إنما يضلونهم بتأويل كلها لا بهذه الحروف خاصة.
وقال بعض: إن الآية تشير إلى قصة ملخصها: إن اليهود حاولوا معرفة المدة التي يعيش فيها الإسلام بواسطة الحروف المقطعة في أوائل السور، ولكن قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم الفواتح واحدة بعد واحدة وأبطل بهذا ما زعموه)[730](.
وهذا الكلام غير صحيح أيضاً، لأن القصة لو صحت تدل على أن اليهود كان لهم محاولة أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها في نفس المجلس، وهي ليست من الأهمية بحيث تستدعي ذكر الآية «المتشابه» والزجر عن أتباعه. هذا مع العلم أن قول اليهود لم يكن فيه فتنة، لأن الدين لو كان حقاً لا يضره تحديد الزمن ـ ونعني به قبوله للنسخ ـ كما نراه في الأديان الحقة التي كانت قبل الإسلام.
ثانياً: لازم هذا القول إن تكون كلمة «التأويل» في الآية بمعنى «المدلول خلاف الظاهر، ويختص هذا المعنى بالآية المتشابهة. وكلا الموضوعين ليسا بصحيح، فإننا سنذكر في البحث الذي وضعناه لمعرفة التأويل والتنزيل بأن «التأويل» في عرف القرآن ليس من قبيل المعنى والمدلول اللغوي، كما نذكر بأن جميع الآيات المحكمة والمتشابهة لها تأويل ولا يختص ذلك بالآيات المتشابهة.
ثالثاً: وصفت الآية الكريمة جملة «آيات محكمات» بـ«هن أم الكتاب»، ومعنى هذا أن الآية المحكمة تشتمل على أمهات ما في الكتاب من الموضوعات وبقية الآيات متفرعة عنها. ولازم هذا أن الآيات المتشابهة ترجع إلى الآيات المحكمة في مداليلها والمراد منها، ونعني بذلك إرجاع المتشابهات إلى المحكمات لمعرفة معناها الحقيقي.
وعليه ليس في القرآن آية لا نتمكن من معرفة معناها، بل الآية إما محكمة بلا واسطة كالمحكمات نفسها، أو محكمة مع الواسطة كالمتشابهات. وأما الحروف المقطعة في فواتح السور فليس لها مدلول لفظي لغوي، فهي ليست من المحكم والمتشابه.
ويمكن معرفة ما قلناه من عموم قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقوله ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾.
أسلوب أئمة أهل البيت في المحكم والمتشابه
ما نفهه من ملخص ما أثر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هو نفي وجود آية متشابهة لا يمكن معرفة مدلولها الحقيقي، بل الآيات التي لم تستقل في مداليلها الحقيقة يمكن معرفة تلك المداليل بواسطة آيات أخرى ، وهذا معنى إرجاء المتشابه إلى المحكم. فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى (5)﴾ )[731](. وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ )[732]( يدل على الجسمية وأن الله تعالى مادة، ولكن لو أرجعناهما إلى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ )[733]( علمنا أن الاستواء والمجيء ليسا بمعنى الاستقرار في مكان أو الانتقال من مكان إلى مكان آخر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصف القرآن الكريم: (وإن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضاً، ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به) )[734](.
وقال علي عليه السلام: «يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض» )[735](.
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله» )[736](. ونقل عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: «من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم» ثم قال: «إن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا» )[737](.
إن هذه الأحاديث وخاصة الأخيرة منها صريحة في أن الآيات المتشابهة هي الآيات التي لا تستقل في مدلولها بل لا بد من ردها إلى الآيات المحكمة، ومعنى هذا ـ كما أسلفنا ـ أنه ليس في القرآن آية لا يمكن معرفة معناها بطريق من الطريق.
في القرآن التأويل والتنزيل
«تأويل القرآن» وردت في ثلاث آيات هي:
1 ـ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ )[738](.
2 ـ ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ )[739](.
3 ـ ﴿وَمَا كَانَ هَذَا القُرْآنُ أَن يُفْتَرَى﴾ )[740]( إلى قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
التأويل مأخوذ من الأوّل بمعنى الرجوع، ويراد من التأويل الشيء الذي تُرجع الآية إليه. والتنزيل يقابل التأويل، وهو المعنى الواضح للآية الذي لا يحتاج إلى إرجاعه إلى شيء آخر.
معنى التأويل
عند المفسرين والعلماء
اختلف المفسرون في معنى التأويل اختلافاً شديداً، وبعد الفحص في أقوالهم يمكن إرجاعها إلى أكثر من عشرة، إلا أن المشهور فيه قولان:
1 ـ قول القدماء، ومحصل كلامهم أن التفسير والتأويل بمعنى واحد وهما مترادفان. وعليه فلكل الآيات القرآنية تأويل، وبمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ يختص العلم بالآيات المتشابهة بالله عز شأنه.
ومن هنا ذهب جماعة من القدماء إلى أن الآيات المتشابهة هي الحروف المقطعة التي في أوائل السور، لأنه لا تُعرف آية تخفى معناها على الناس إلا هذه الحروف. ولكننا في فصول سابقة بحثنا عن هذا بشيء من التفصيل وذكرنا وجه عدم صحته.
وعلى أي حال لما نفى القرآن الكريم علم تأويل بعض الآيات عن غير الله تعالى، وليس لنا آية لا يُعرف تأويلها ـ أي يخفى معناها على الكل كما ذكروا ـ ولم تكن الحروف المقطعة التي في أوائل السور هي الآيات المتشابهة.. لهذه الوجوه ترك المتأخرون هذا القول الذي ذهب إليه القدماء.
2 ـ قول المتأخرين، وهو أن «التأويل» المعنى خلاف الظاهر الذي يُقصد من الكلام. وعليه فليس لكل الآيات تأويل، وإنما يختص ذلك بالآيات المتشابهة التي لا يحيط بعلمها إلا الله، كالآيات الظاهرة في الجسمية والمجيء والاستواء والرضا والسخط والأسف وغيرها من الأوصاف المنسوبة إليه جل جلاله، وكذلك الآيات الظاهرة في نسبة الذنب إلى الرسل والأنبياء المعصومين عليهم السلام.
بلغ هذا القول من الاشتهار بحيث أصبحت لفظة «التأويل» كالحقيقة الثانية في المعنى خلاف الظاهر، فإن تأويل الآيات القرآنية في المباحث الكلامية والخصام العقائدي يعني هذا المعنى بالذات، كما أن حمل الآية على خلاف ظاهر معناها بدليل يسمونه «التأويل» موضوع دائر على الألسن مع أنه لا يخلو من تناقض )[741](.
هذا القول مع شهرته العظيمة ليس بصحيح، ولا ينطبق على الآيات القرآنية، لأنه:
أولاً: الآيتان المنقولتان في الفصل السابق ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾. و﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ظاهرتان أن للآيات كلها تأويلاً ولا يختص ذلك بالآيات المتشابهة كما يبدو من هذا القول.
وثانياً: لازم هذا القول وجود آيات في القرآن يشتبه الناسُ في فهم مدلولها الحقيقي ولا يعلمه إلا الله تعالى. ومثل هذا الكلام الذي لا يدل على مدلوله لا يعدّ كلاماً بليغاً فكيف بتحديه للبلغاء في بلاغته.
وثالثاً: بناءً على هذا القول لا تتم حجية القرآن الكريم، لأنه حسب احتجاج الآية الكريمة ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾، إحدى الدلائل على أن القرآن ليس من كلام البشر عدم وجود اختلاف معنوي ومدلولي بين الآيات ـ مع بُعد أزمان نزولها وتباين ظروف النزول وأسبابه ـ وما يظهر من الاختلاف بين بعض الآيات في بادئ النظر يرتفع بالتفكير والتدبر في الآيات.
ولو فرضنا أن كمية كبيرة من الآيات المسماة بـ«المتشابهات» تختلف مع كمية أخرى تسمى بـ«المحكمات» ونرفع الاختلاف بينها بأن نذهب إلى أن ظاهرها غير مراد وما يراد منها معانٍ لا يعلمها إلا الله تعالى … وهكذا رفع الاختلاف لا يدل على أن القرآن ليس من كلام البشر.
وهكذا لو رفعنا الاختلاف بصرف ظاهر كل آية يخالف مضمونها أو يناقض الآيات المحكمة، فأوّلناها ـ حسب اصطلاح المتأخرين ـ بأن حملناها على معنى خلاف الظاهر.
ورابعاً: لا دليل إطلاقاً على أن المراد من «التأويل» في آية المحكم والمتشابه هو المعنى خلاف الظاهر، كما لم يقصد مثل هذا المعنى في الآيات التي ذكرت فيها لفظة التأويل، فمثلاً: في قصة يوسف عليه السلام عبر في ثلاثة مواضع )[742]( عن تعبير الرؤيا بكلمة «التأويل»، وظاهر أن تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا بل هو حقيقة خارجية تُرى في النوم بشكل مخصوص، كأن رأى يوسف تعظيم أبيه وأمه وإخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً، ورأى صاحبا يوسف في السجن الصلب وخدمة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.
وفي قصة موسى والخضر، بعد أن يخرق الخضر السفينة ويقتل الغلام ويقيم الجدار، يحتج عليه موسى في كل مرة فيذكر له السر الكامن وراء أعماله ويسميه «التأويل». ومعلوم أن حقيقة الأعمال التي جرت على يد الخضر والنظر الحقيقي في إنجازها التي هي كالروح لها قد سميت تأويلاً، وليست هي المعنى خلاف الظاهر لها.
ويقول تعالى بشأن الوزن والكيل: ﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ )[743](.
وواضح أنه يريد من التأويل في الكيل والوزن وضعاً اقتصادياً خاصاً يوجد في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن، بل هو حقيقة خارجية، وروح أوجدت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.
ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ )[744](.
من الواضح أن المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة وإقامة علاقات روحية في المجتمع، وهذه حقيقة خارجية وليست معنى خلاف الظاهر لرد النزاع.
وهكذا المواضع الأخرى من القرآن الكريم الواردة فيها لفظة «التأويل»، وهي بمجموعها ستة عشر موضوعاً. ففي كل هذه المواضع لا يمكن أخذ التأويل بمعنى «المدلول خلاف الظاهر»، بل هو معنى آخر يلائم أيضاً مع التأويل الوارد في آية المحكم والمتشابه كما سنذكره في الفصل الآتي. ولهذا لا موجب لتفسير «التأويل» في الآية المذكورة بمعنى «المدلول خلاف الظاهر».
المعنى الحقيقي للتأويل
في عرف القرآن
ملخص ما نستفيده من الآيات الوارد فيها لفظ «التأويل» ـ وقد سبق ذكر بعضها ـ أنه ليس من قبيل المعنى الذي هو مدلول اللفظ. فإن من الواضح أن ما نقل في سورة يوسف من رؤياه وتأويله لا يدل اللفظ الذي يشرح الرؤيا على تأويله دلالة لفظية، ولو كانت تلك الدلالة من قبيل خلاف الظاهر. وهكذا في قصة موسى والخضر عليه السلام، فإن ألفاظ القصة لا تدل على التأويل الذي ذكره الخضر لموسى. كما أنه في آية ﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ لا تدل هاتان الجملتان دلالة لفظية على وضع اقتصادي خاص هو التأويل للأمر الوارد فيها. وفي آية ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ لا تدل الآية دلالة لفظية على تأويله الذي هو الوحدة الإسلامية.. وهكذا دواليك في الآيات الأخرى لو أمعنا النظر فيها.
بل في الرؤيا تأويله حقيقة خارجية رآها الراؤون في صورة خاصة، وفي قصة موسى والخضر تأويل الخضر حقيقة تنبع منها أعماله التي عملها، والأمر في آية الكيل والوزن تأويله مصلحة عامة تنبع منه، وآية رد النزاع إلى الله والرسول أيضاً شبيهة بما ذكرناه.
فتأويل كل شيء حقيقة خارجية يتراءى ذلك الشيء منها وهو بدوره يحقق التأويل، كما أن صاحب التأويل بقاؤه بالتأويل وظهوره في صاحبه.
وهذا المعنى جار في القرآن الكريم، لأن هذا الكتاب المقدس يستمد من منابع حقائق ومعنويات قطعت أغلال المادية والجسمانية، وهي أعلى مرتبة من الحس والمحسوس وأوسع من قوالب الألفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية.
إن هذه الحقائق والمعنويات لا يمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة، وإنما هي إلفات للبشرية من عالم الغيب إلى ضرورة استعدادهم للوصول إلى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقة والأعمال الصالحة، ولا طريق للوصول إلى تلك السعادة إلا بهذه الظواهر، وعندما ينتقل الإنسان إلى العالم الآخر تتجلى له الحقائق مكشوفة، وهذا ما يدل عليه آيتا سورتي الأعراف ويونس المذكورتان.
وإلى هذا يشير أيضاً قوله تعالى: ﴿حـم (1) وَالْكِتَابِ المُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾)[745](.
انطباق الآية على «التأويل» بالمعنى الذي ذكرناه واضح لا غبار عليه، وخاصة لأنه قال ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولم يقل «لعلكم تعقلونه»، لأن علم التأويل خاص بالله تعالى كما جاء في آية المحكم والمتشابه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ﴾، ولهذا عندما تريد الآية أن تذكر المنحرفين الذين يتبعون المتشابهات، تصفهم بأنهم يبتغون الفتنة والتأويل ولم تصفهم بأنهم يجدون التأويل.
فإذا «التأويل <<هو حقيقة أو حقائق مظبوطة في أم الكتاب ولا يعلمها إلا الله تعالى وهي مما اختص بعالم الغيب.
وقال تعالى أيضاً في آيات أخرى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ(78) لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (80)﴾)[746](.
يظهر جلياً من هذه الآيات أن للقرآن الكريم مقامين: مقام مكنون محفوظ من المس، ومقام التنزيل الذي يفهمه كل الناس.
والفائدة الزائدة التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة، هي الاستثناء الوارد في قوله ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ الدال على أن هناك بعض من يمكن أن يدرك حقائق القرآن وتأويله. وهذا الإثبات لا ينافي النفي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾، لأن ضم إحداهما إلى الأخرى ينتج الاستقلال والتبعية، أي يعرف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق ولا يعرفها أحد إلا بإذنه عز شأنه وتعليم منه.
وعلم التأويل شبيه فيما ذكرنا بعلم الغيب الذي اختص بالله تعالى في كثير من الآيات، وفي آية استثنى العباد المرضيون فأثبت لهم العلم به، وهي قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً(26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾)[747](. فمن مجموع الكلمات في علم الغيب نستنتج أنه بالاستقلال خاص بالله تعالى ولا يطلع عليه أحد إلا بإذنه عز وجل.
نعم، المطهرون هم الذين يلمسون الحقيقة القرآنية ويصلون إلى غور معارف القرآن ـ كما تدلنا عليه الآيات التي ذكرناها. ولو ضممنا هذه إلى قولته تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾)[748](. الوارد حسب أحاديث متواترة في حق أهل البيت عليهم السلام نعلم أن النبي وأهل بيته هم المطهرون العالمون بتأويل القرآن الكريم.
القرآن والناسخ والمنسوخ
بضمن آيات الأحكام الواردة في القرآن الكريم آيات احتلت أحكامها مكان أحكام كانت موضوعة في آيات سابقة، فأنهت الآيات اللاحقة مفعول الآيات السابقة ولم تعد تلك الأحكام معمولاً بها. وتسمى الآيات السابقة بـ«المنسوخ» والآيات اللاحقة بـ«الناسخ».
فمثلاً في بداية مبعث الرسول أمر المسلمون بمداراة أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾)[749](. وبعد مدة أنهي هذا الحكم وأمروا بالقتال معهم في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾)[750](.
والنسخ الذي يدور على ألسنتنا حقيقته هي: وضع قانون لمصلحة ما والعمل به ثم ظهور الخطأ في ذلك وإلغاؤه ووضع قانون جديد مكانه.
لكن لا يمكن نسبة مثل هذا النسخ الدال على الجهل والخطأ إلى الله تعالى المنزه عن كل جهل وخطأ، ولا يوجد هكذا نسخ في الآيات الكريمة الخالية عن وجود أي اختلاف بينها.
بل النسخ في القرآن معناه: انتهاء زمن اعتبار الحكم المنسوخ. ونعني بهذا أن للحكم الأول كانت مصلحة زمنية محدودة وأثر موقت بوقت خاص تعلن الآية الناسخة انتهاء ذلك الزمن المحدود وزوال الأثر. ونظراً إلى ان الآيات نزلت في مناسبات مختلفة خلال ثلاث وعشرين سنة، من السهولة بمكان تصور اشتمالها على هكذا أحكام.
إن وضع حكم موقت في حين لم تتم مقتضيات الحكم الدائم، ثم وضع الحكم الدائم وإبدال الحكم الموقت به، شيء ثابت لا إشكال فيه. كما يفهم هذا أيضاً مما ورد في القرآن الكريم حول فلسفة النسخ. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾)[751](.
الجري والانطباق في القرآن
القرآن الكريم كتاب دائم لكل الأزمان وتسري أحكامه على كل الناس، فيجري في الغائب كما يجري في الحاضر وينطبق على الماضي والمستقبل كما ينطبق على الحال. فمثلاً الآيات النازلة في حكم ما على أحد المؤمنين بشروط خاصة في عصر النبوة يسري ذلك الحكم على غيره لو توفرت تلك الشروط في العصور التالية أيضاً، والآيات التي تمدح أو تذم بعض من يتحلى بصفات ممدوحة أو مذمومة تشمل من يتحلى بها من لم يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذاً مورد نزول آية من الآيات لا يكون مخصصاً لتلك الآية نفسها. ونعني بذلك أنه لو نزلت في شخص أو أشخاص معينين آية لا تكون تلك الآية جامدة في ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص، بل يسري حكمها في كل من يشترك مع أولئك في الصفات التي كانت مورداً لتلك الآية.
هذا هو الذي يسمى في ألسنة الأحاديث بـ«الجري». قال الإمام الباقر عليه السلام، في حديثه للفضيل بن يسار، عندما سأله عن هذه الرواية «ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف إلا وله حدّ ولكل حدّ مُطَّلَع» ما يعني بقوله «ظهر وبطن»؟ قال عليه السلام: ظهر تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شيء وقع. الحديث)[752](.
وفي بعض الأحاديث يعتبر بطن القرآن ـ يعني انطباقه بموارد وجدت بالتحليل ـ مثل الجري)[753](.
التفسير وظهور تطوره
بدأ التفسير للآيات وبيان معاني ألفاظ القرآن وعباراته من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من المعلم الأول للقرآن الكريم وتوضيح مقاصده وحل ما غمض من عباراته، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾)[754](.
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾)[755](.
وفي عصر النبي وبأمر منه اشتغل جماعة من الصحابة بقراءة القرآن وحفظه وضبطه، وهم الذين يسمون بـ«القراء». وبعد الصحابة استمر المسلمون في التفسير ولا زال حتى الآن فيهم مفسرون.
علم التفسير
وطبقات المفسرين
اشتغل جماعة من الصحابة بالتفسير بعد أن ارتحل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ومنهم أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود وجابر بن عبدالله الأنصاري وأبو سعيد الخدري وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر وأنس وأبو هريرة وأبو موسى، وكان أشهرهم عبدالله بن عباس.
كان منهج هؤلاء في التفسير أنهم ينقلون ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم في معاني الآيات بشكل أحاديث مسندة)[756]( وبلغت هذه الأحاديث كلها إلى نيف وأربعين ومائتي حديث أسانيد كثير منها ضعيفة ومتون بعضها منكرة لا يمكن الركون إليها.
وربما ذكر هؤلاء تفسير بعض الآيات على أنه تفسير منهم بدون إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فعدّ المفسرون من متأخري أهل السنّة هذا القسم أيضاً من جملة الأحاديث، بحجة أن الصحابة أخذوا علم القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ويبعد أن يفسروا من عند أنفسهم.
ولكن لا دليل قاطع على كلامهم هذا، بالإضافة إلى أن كمية كبيرة من الأحاديث المذكورة واردة في أسباب نزول الآيات وقصصها التاريخية، كما أن فيها أحاديث غير مسندة منقولة عن بعض علماء اليهود الذين أسلموا ككعب الأحبار وغيره.
وكان ابن عباس في أكثر الأوقات يستشهد بأبيات شعرية في فهم معاني الآيات، كما نرى ذلك جلياً في مسائل نافع بن الأزرق، فإن ابن عباس عند الإجابة عليها استشهد بالشعر في أكثر من مائتي مورد من الآيات، وقد نقل السيوطي مائة وتسعين جواباً منها في كتابه الاتقان)[757](.
ومن هنا لا يمكن اعتبار الأحاديث المنقولة عن الصحابة أحاديث نبوية كما لا يمكن القول بأنهم لم يفسروا مطلقاً برأيهم.
ومفسرو الصحابة هم الطبقة الأولى من المفسرين.
(الطبقة الثانية) هم التابعون، وهم تلامذة مفسري الصحابة، وهم مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وضحاك. ومن هذه الطبقة أيضاً الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن أبي مسلم وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية وزيد بن أسلم وطاوس اليماني)[758](.
(الطبقة الثالثة) تلامذة الطبقة الثانية، كربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبو صالح الكلبي ونظرائهم)[759](.
وكان منهج التابعين في التفسير أنهم ينقلونه أحياناً بصورة أحاديث عن الرسول الكريم أو الصحابة، وأحياناً ينقلونه بشكل نظريات خاصة بلا إسنادها إلى أحد، فعامل متأخرو المفسرين مع هذه الأقوال معاملة الأحاديث النبوية واعتبروها أحاديث موقوفة)[760](.
ويطلق على الطبقتين الأخرتين لفظة «قدماء المفسرين».
(الطبقة الرابعة) أوائل المؤلفين في علم التفسير، كسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وعبد بن حميد وغيرهم. ومن هذه الطبقة أيضاً ابن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور)[761](.
ومنهج هذه الطبقة من المفسرين كان نقل أقوال الصحابة والتابعين بشكل أحاديث في مؤلفاتهم التفسيرية بدون ذكر آرائهم الخاصة. إلا أن ابن جرير في تفسيره قد يبدي رأيه في ترجيح بعض الأحاديث على بعضها وكيفية الجمع بينها. ومن هذه الطبقة تبدأ طبقات المفسرين المتأخرين.
(الطبقة الخامسة) المفسرون الذين نقلوا الأحاديث في تفاسيرهم بحذف الأسانيد واكتفوا بنقل الأقوال والآراء.
قال السيوطي: فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل)[762](.
إلا أن المتدبرفي الأحاديث المسندة يرى أيضاً كثيراً من الوضع والدس، ويشاهد الأقوال المتناقضة تنسب إلى صحابي واحد، ويقرأ قصصاً وحكايات يقطع بعدم صحتها، ويمر على أحاديث في أسباب النزول والناسخ والمنسوخ لا تتفق مع سياق الآيات. ومن هنا نقل أن الإمام أحمد بن حنبل قال: ثلاثة لا أصل لها المغازي والملاحم وأحاديث التفسير. ونقل عن الإمام الشافعي أن الثابت من الأحاديث المروية عن ابن عباس مائة حديث فقط.
(الطبقة السادسة) المفسرون الذين كتبوا التفسير بعد ظهور العلوم المختلفة ونضجها، فكتب كل منهم حسب اختصاصه وفي العلم الذي أتقنه: فالنحوي أدرج المباحث النحوية كالزجاج والواحدي وأبي حيان)[763](، والأديب أورد المباحث البلاغية كالزمخشري في كشافه)[764](، والمتكلم اهتم بالمباحث الكلامية كالفخر الرازي في تفسير الكبير)[765](، والصوفي غاص في المباحث الصوفية كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني في تفسيريهما)[766](، والأخباري ملأ كتابه بالأحاديث كالثعلبي في تفسيره)[767](، والفقيه جاء بالمسائل الفقهية كالقرطبي في تفسيره)[768](. وقد خلط جماعة آخرون في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة كما نشاهده في تفسير روح المعاني)[769]( وروح البيان)[770]( وتفسير النيسابوري)[771](.
والخدمة التي قدمتها هذه الطبقة إلى علم التفسير هي إخراجه من جموده وإخضاعه للدرس والبحث، ولكن الإنصاف يقتضي القول بأن كثيراً من المباحث التي كتبها هؤلاء حملت على القرآن حملاً ولا تدل عليها الآيات.
أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم
الطبقات التي ذكرناها هي طبقات المفسرين من السنّة، وقد رأينا أن لهم منهجاً خاصاً في التفسير ساروا على ضوئه من حين نشأته، فجعلوه أحاديث نبوية وأقوال للصحابة والتابعين ولم يجيزوا أعمال النظر فيها لأنه يكون من قبيل الاجتهاد مقابل النص. ولكن لما ظهر التناقض والتضارب والدس والوضع فيها بدأت الطبقة السادسة تعمل رأيها فيها وتجتهد.
أما المنهج الذي اتخذته الشيعة في تفسير القرآن الكريم فيختلف مع منهج السنّة، ولذا يختلف تقسيم طبقاتهم مع الطبقات المذكورة.
تعتقد الشيعة ـ بنص من القرآن الكريم حجية أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، وترى أن الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لا حجية في أقوالهم إلا ما ثبت أنه حديث نبوي. وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين أن أقوال العترة الطاهرة من أهل بيته عليه السلام، فكانت طبقات المفسرين منهم كما يلي:
(الطبقة الأولى): الذين رووا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام، وأدرجوا الأحاديث في مؤلفاتم المتفرقة، كزرارة ومحمد بن مسلم ومعروف وجرير وأشباههم)[772](.
(الطبقة الثانية): أوائل المؤلفين في التفسير، كفرات بن إبراهيم الكوفي وأبي حمزة الثمالي والعياشي وعلي بن إبراهيم القمي والنعماني)[773](.
وطريقة هؤلاء في تفاسيرهم تشبه طريقة الطبقة الرابعة من مفسري أهل السنّة، فقد رووا الأحاديث المأثورة عن الطبقة الأولى وأدرجوها مسندة في مؤلفاتهم ولم يبدوا آراءهم الخاصة في الموضوع.
ومن الواضح أن الزمن الذي كان يمكن الأخذ فيه عن الأئمة عليهم السلام كان طويلاً بلغ نحواً من ثلاثمائة سنة، فكان من الطبيعي أن لا يضبط الترتيب الزمني لهاتين الطبقتين بصورة دقيقة، بل كانتا متداخلتين ومن الصعوبة بمكان التفريق الدقيق بينهما.
وقد قلّ عند أوائل مفسري الشيعة نقل أحاديث التفسير بشكل روايات مرسلة في تفاسيرهم، وكنموذج لنقل الأحاديث مروية بدون أسانيد نلفت الأنظار إلى تفسير العياشي الذي حذف بعض تلامذته أسانيده اختصاراً، فاشتهرت نسخة التلميذ المختصرة وحلت محل نسخة الأصل.
(الطبقة الثالثة): أصحاب العلوم المختلفة، كالشريف الرضي في تفسيره الأدبي والشيخ الطوسي في تفسيره الكلامي المسمى بالتبيان والمولى صدر الدين الشيرازي في تفسيره الفلسفي والميبدي الكونابادي في تفسيره الصوفي والشيخ عبد علي الحويزي والسيد هاشم البحراني والفيض الكاشاني في تفاسيرهم نور الثقلين والبرهان والصافي)[774](.
وهناك جماعة جمعوا في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة، ومنهم الشيخ الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان» الذي يبحث فيه عن اللغة والنحو والقراءة والكلام والحديث وغيرها)[775](.
كيف يتقبل القرآن التفسير؟
الإجابة على هذا السؤال تتوضح من الفصول الماضية، فإن القرآن الكريم ـ كما ذكرنا ـ كتاب دائم للجميع، يخاطب الكل ويرشدهم إلى مقاصده وقد تحدى في كثير من آياته على الإتيان بمثله واحتج بذلك على الناس، ووصف نفسه بأنه النور والضياء والتبيان لكل شيء، فلا يكون مثل هذا الكتاب محتاجاً إلى شيء آخر.
يقول محتجاً على أنه ليس من كلام البشر: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾)[776](.
ليس فيه أي اختلاف، ولو وجد فيه اختلاف بالنظرة البدائية يرتفع بالتدبر في القرآن نفسه.
ومثل هذا الكتاب لو احتاج في بيان مقاصده إلى شيء آخر لم تتم به الحجة، لأنه لو فرض أن أحد الكفار وجد اختلافاً في شيء من القرآن لا يرتفع من طريق الدلالة اللفظية للآيات لم يقنع برفعه من طرق أخرى، كأن يقول النبي مثلاً يرتفع بكذا وكذا، ذلك لأن هذا الكافر لا يعتقد بصدق النبي ونبوته وعصمته، فلم يتنازل لقوله ودعاويه.
وبعبارة أخرى: لا يكفي أن يكون النبي رافعاً للاختلافات القرآنية بدون شاهد لفظي من نفس القرآن لمن لا يعتقد نبوته وعصمته، والآية الكريمة ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ توجه الخطاب إلى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لم يسلموا لأقواله لو لم يكن هناك شاهد قرآني صريح.
ومن جهة أخرى نرى أن القرآن نفسه يثبت حجية أقوال النبي وتفسيره، كما أن النبي يثبت حجية أقوال أهل بيته وتفسيرهم.
ونستنتج من هاتين المقدمتين أن في القرآن آيات تفسر الآيات الأخرى، ومكانة الرسول وأهل بيته من القرآن كمرشد معصوم لا يخطأ في تعاليمه وإرشاداته، فما يفسرونه يطابق التفسير الذي يستنتج من ضم الآيات بعضها إلى بعض ولا يخالفها في شيء.
نتيجة البحث
النتيجة التي توصلنا إليها في الفصل الماضي هي أن التفسير الواقعي للقرآن هو التفسير الذي ينبع من التدبر في الآيات الكريمة وضم بعضها إلى بعض.
وبعبارة أوضح: يمكن أن نسلك في التفسير إحدى طرق ثلاث:
1ـ تفسير الآية لوحدها بالمقدمات العلمية وغير العلمية التي نملكها.
2 ـ تفسير الآية بمعونة الأحاديث المأثورة عن المعصومين عليهم السلام.
3 ـ تفسير الآية بالتدبر والدقة فيها وفي غيرها والاستفادة من الأحاديث.
الطريقة الثالثة هي المنهج الذي توصلنا إليه في الفصل الماضي، وهو المنهج الذي حث عليه النبي وأهل بيته عليهم السلام فيما أثر عنهم. قال صلى الله عليه وسلم «وإنما نزل ليصدق بعضه بعضاً»، وقال علي عليه السلام «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض».
ومما ذكرنا يتوضح أن هذه الطريقة غير الطريقة المنهية في الحديث النبوي المشهور «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»، لأن الطريقة المذكورة تفسير للقرآن بالقرآن لا بالرأي.
والطريقة الأولى من الطرق الثلاث لا يمكن الاعتماد عليها، وهي في الحقيقة من قبيل التفسير بالرأي الذي لا يجوز، إلا ما وافق منه مع الطريقة الثالثة.
وأما الطريقة الثانية فهي التي كان يتبعها علماء التفسير في الصدر الأول وكان العمل عليها عدة قرون، وهي الطريقة المعمولة حتى الآن عند الاخباريين من الشيعة والسنّة.
وهذه الطريقة محدودة لا تفي بالحاجات غير المحدودة، لأن ستة آلاف وعدة مئات من الآيات التي نقرأها في القرآن الكريم تقابلها مئات الألوف من الأسئلة العلمية وغير العلمية، فمن أين نجد الإجابة على هذه الأسئلة وكيف التخلص منها؟
هل نرجع فيها إلى الروايات والأحاديث؟
إن ما يمكن تسميته بالحديث النبوي في التفسير، المروي من طريق السنّة لا يزيد على مائتين وخمسين حديثاً، مع العلم أن كثيراً من هذه الأحاديث ضعيفة الأسانيد وبعضها منكرة.
نعم الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام من طريق الشيعة تبلغ عدة آلاف حديث، وفيها مقدار كثير من الأحاديث التي يمكن الاعتماد عليها، إلا أنها مع هذا لا تكفي للإجابة على الأسئلة غير المحدودة التي نواجهها تجاه الآيات القرآنية الكريمة.
هذا، بالإضافة إلى أن هناك آيات لم يرد فيها حديث أصلاً لا من طريق السنّة ولا من طريق الشيعة، فكيف نصنع بها؟
ففي هذه المشاكل: إما أن نرجع إلى الآيات المناسبة لما نروم تفسيره، وهذا ما تمنع عنه هذه الطريقة الحديثية. وإما أن نمتنع عن البحث في الآية بتاتاً ونغض الطرف عن حاجاتنا العلمية التي تدعونا إلى البحث.
إذاً ماذا نصنع مع ما تدل عليه الآيات الكريمة التالية الحاثة على البحث والتدبر والتبيين؟
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾)[777](.
وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾)[778](.
وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾)[779](.
وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾)[780](.
وقد ورد في أحاديث صحيحة عن النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام أنهم حثوا على الرجوع إلى القرآن الكريم عند حدوث الفتن وظهور المشاكل)[781](، فماذا نصنع بهذه الأحاديث؟
وقد ثبت أيضاً عن طريق العامة في أحاديث نبوية وعن طريق الخاصة في روايات متواترة عن النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام ضرورة عرض الأخبار على كتاب الله تعالى)[782](، وبموجبها يجب عرضها على القرآن الكريم بما وافقه يؤخذ به وما خالفه يطرح.
من البديهي أن مضمون هذه الأحاديث يصح لو كانت الآيات تدل على مرادها ويكون لمدلولها ـ وهو التفسير ـ اعتبار، فلو رجعنا لمعرفة محصل مدلول الآية ـ وهو التفسير ـ إلى الحديث لم يبق موضع لعرض الحديث على القرآن.
إن هذه الأحاديث التي أشرنا إليها أحسن شاهد على أن الآيات القرآنية كبقية ما يتكلم به المتكلمون لها مداليلها، وهي في نفسها حجة مع غض النظر عن الأحاديث الواردة في التفسير.
قد تبين من البحوث السابقة أن واجب المفسر هو ملاحظة الأحاديث الواردة في التفسير عن النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام والغور فيها ليعرف طريقتهم، ثم يفسر القرآن الكريم بالمنهج الذي يستفاد من الكتاب والسنّة ويأخذ بالأحاديث التي توافق الكتاب ويطرح ما عداها.
نموذج من تفسير القرآن بالقرآن
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾)[783](.
تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في أربعة مواضع من القرآن، وبحسب هذا المضمون جميع المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه.
ويجب أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن في مئات من الآيات صُدق موضوع العلية والمعلولية، ونُسب فيها فعل كل فاعل إليه، واعتبرت الأفعال الاختيارية من أفعال الإنسان نفسه، وخُصت الآثار بالمؤشرات كالإحراق بالنار والنبات إلى الأرض والمطر إلى السماء وغيرها.
والنتيجة أن صانع كل شيء وفاعله يُنسب فعله وصنعه إليه ، إلا أن مفيض الوجود والموجد الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره.
ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾)[784](، فلو انضمت هذه الآية إلى الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين، فكل ما وجد في عالم المخلوقات من خلق كان موصوفاً بالجمال.
ويجب أيضاً أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن الآيات القرآنية تعترف بالخير مقابل الشر والنفع مقابل الضرر والحسن مقابل السيئ والجمال مقابل القبح، وتعتبر كثيراً من الأفعال والأقوال والأفكار حسنة أو سيئة، ولكن هذه المساوئ والقبائح والشرور تبدو واضحة إذا ما قيست بما يقابلها، فوجودها نسبي وليس بنفسي.
مثلاً الحية والعقرب مؤذيان، لكن بالنسبة إلى الإنسان والحيوانات التي تتألم من سمهما لا بالنسبة إلى الحجر والتراب والشيء المر والرائحة الكريهة منفوران، لكن بالنسبة إلى ذائقة الإنسان وشامته لا بالنسبة إلى كل الحيوانات. وبعض الأعمال والأقوال تبدو شاذة، لكن بالنسبة إلى البيئة التي يعيش فيها الإنسان لا بالنسبة إلى كل البيئات.
نعم لو لم نلاحظ النسبة والقياس وننظر إلى الأشياء بنظرة مطلقة نراها في منتهى الجمال ونرى الوجود أخّاذاً يلفت النظر ولا يمكن وصف حسنه وجماله، لأن الوصف نفسه من الخلق الجميل الذي يحتاج بدوره إلى وصف.
والآية المذكورة أعلاه تريد صرف الأنظار عن وجوه الجمال والقبح النسبية والقياسية والاعتبارية لتوجهها إلى الجمال المطلق وتجهز الأفهام لإدراك الكلي والعموم الذي هو الأهم.
إذا ما أدركنا النقاط المشروحة في مئات من الآيات القرآنية التي تصف عالم الوجود ـ بكل جزء جزء منه وبمجموعة مجموعة منه وبمختلف أنظمته الكلية والجزئية ـ لنرى أنه أحسن دليل على التوحيد وأعظم مرشد إلى معرفة الله تعالى وكمال قدرته.
لو تأملنا في الآيتين المذكورتين سابقاً وأمعنا النظر فيما سبق من الكلام، نعلم أن هذا الجمال المحير الذي ملأ عالم الوجود كله إنما هو لمعة من الجمال الإلهي ندركه نحن بواسطة الآيات السماوية والأرضية، وكل جزء من العالم كوة ننظر منها إلى القدرة اللامتناهية لنعرف أن ليس لهذه الأجزاء شيء من القدرة إلا ما أفيض عليها.
ولهذا نرى في آيات قرآنية كثيرة نسبة أنواع الجمال والكمال إلى الله تعالى، فتقول: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾)[785](.
و﴿أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾)[786](.
و﴿فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾)[787](.
و﴿وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾)[788](.
و﴿هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾)[789](.
و﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾)[790](.
فبمقتضى هذه الآيات كل جمال وكمال نراه في عالم الوجود هو في الحقيقة من الله تعالى وليس لغيره إلا المجاز والعارية.
وتأكيداً لما مضى ذكره يوضح القرآن الكريم بأسلوب آخر أن الجمال والكمال المودع في مخلوقات العالم إنما هو محدود متناهي، وهو عند الله تعالى غير محدود وليس له نهاية، قال عز من قائل ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾)[791](.
وقال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾)[792](.
عندما يتقبل الإنسان هذه الحقيقة القرآنية يرى نفسه أمام الجمال والكمال اللامتناهي، يحيط به من كل جانب وليس فيه خللاً أصلاً، ينسى كل جمال وكمال في العالم، وحتى نفسه التي هي من تلك الآيات ينساها وينجذب إلى خالق الجمال والكمال قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ لِّلَّهِ﴾)[793](.
عند هاذ يسلم العبد إرادته واستقلاله إلى الله تعالى كما هو من شؤون الحب والعبودية الخالصة، فينضوي تحت لواء الحق ويدخل في ولايته، كما يقول عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾)[794](.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾)[795](.
فيجد حينئذٍ روحاً أخرى ويحيا حياة جديدة ويشرق في قلبه نور الحقيقة، فتتفتح له طرق السعادة ليشق مسيرته الكريمة بين المجتمع قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾)[796](، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾)[797](.
وفي آية أخرى يزمع تعالى إلى كيفية حصول هذا النور فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾)[798](.
وقد فسر الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم في آية أخرى بالتسليم له واتباعه، فقال ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾)[799](.
ووضح الاتباع في آية أخرى، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾)[800](.
وأوضح من هذا نجد معنى الاتباع في آية أخرى أيضاً حيث يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾)[801](.
فبمقتضى هذه الآية الكريمة البرنامج الكامل الإسلامي هو المتطلبات التي يحتاج إليها من يعيش في الكون، ونعني بها القوانين والشرائع التي تدل عليها الفطرة الإنسانية، الحياة غير المعقدة التي يحياها الإنسان المستقيم، كما يقول تعالى في موضع آخر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾)[802](.
القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يساوي بين الحياة الإنسانية السعيدة والحياة الفطرية النزيهة، وهو بعكس جميع الكتب والمناهج الأخرى يجمع بين البرامج الدينية والبرامج الحياتية، فله رأيه الخاص في الفرد والمجتمع وله كلمته في كل الشؤون، ودستوره ينظر إلى الحقائق الثابتة (معرفة الله تعالى ـ النظرة الشاملة إلى الكون) بأعمق النظرات.
إن القرآن يصف أولياء الله تعالى وعباده المخلصين بكثير من النعوت والخواص الصورية والمعنوية التي يتحلون بها نتيجة لإيمانهم الخالص ويقينهم الثابت، ويؤسفنا أن هذا الفصل القصير لا يسع لسردها بصورة مفصلة.
معنى حجية أقوال النبي والأئمة
قد ذكرنا فيما سبق أن القرآن نفسه يثبت حجية أقوال النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام في التفسير.
هذه الحجية واضحة في أقوال النبي والأئمة الصريحة والأحاديث قطعية الصدور، أما الأحاديث غير قطعية الصدور (المسماة بأخبار الآحاد والتي اختلف المسلمون في حجيتها وعدم حجيتها) فأمرها يرجع إلى المفسر نفسه.
إن السنّة يعملون مطلقاً بالخبر الواحد الصحيح، وأما الشيعة فالذي ثبت تقريباً عندهم في علم أصول الفقه حجية الخبر الواحد الموثوق الصدور في الأحكام الشرعية ولا يعتبر في غيرها.
ولمزيد التحقيق في الموضوع لا بد من الرجوع إلى أصول الفقه.
تنبيه
على فرض أن يكون «التفسير» بيان محصل مدلول الآية، تدخل في علم التفسير البحوث التي لها تأثير في تفسير الآية. أما البحوث التي لا يكون لها تأثير في معرفة محصل مدلول الآية ـ كبعض البحوث اللغوية والقراءة والبديع وما أشبهها ـ لا تكون هذه البحوث من تفسير القرآن في شيء.
طبقات القراء
الطبقة الأولى من القراء هم قراء الصحابة الذين اشتغلوا بالتعليم والتعلم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان جماعة منهم قد جمع القرآن كله، ومنهم امرأة تسمى بأم ورقة بنت عبدالله بن حارث)[803](.
(يراد بالجمع المنسوب في الأحاديث إلى أربعة من الأنصار أو خمسة أو ستة أو أكثر أنهم تعلموا وحفظوا القرآن كله لا التأليف وترتيب السور والآيات في مصحف، وإلا لم يبق مجال للتأليف والترتيب في زمن الخليفة الأول والثالث. وما نراه في بعض الأحاديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بنفسه يعين ويشخص موضع الآيات والسور ومكان وضعها، فهذا شيء تكذبه عامة الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم).
وعلى ما يقوله بعض العلماء اشتهر جماعة من هذه الطبقة بتعليم قراءة القرآن، وهم عثمان وعلي عليه السلام وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبدالله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري)[804](.
الطبقة الثانية: تلامذة الطبقة الأولى، وهم من التابعين والمعروفين منهم الذين كانت لهم حلقات تعليم القرآن في مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام، وهي المدن التي أرسل إليها مصحف الإمام كما ذكرنا سابقاً.
ففي مكة عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رياح وطاوس ومجاهد وعكرمة وابن أبي مليكة وغيرهم.
وفي المدينة ابن المسيب وعروة وسالم وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار ومعاذ القاري وعبدالله بن الأعرج وابن شهاب الزهري ومسلم بن جندب وزيد بن أسلم.
وفي الكوفة علقمة والأسود ومسروق وعبيدة وعمرو بن شرحبيل وحارث بن القيس وربيع بن خيثم وعمرو بن ميمون وأبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وعبيد بن نقلة وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي.
وفي البصرة أبو عالية وأبو الرجاء ونصر بن العاصم ويحيى ابن يعمر وحسن البصري وابن سيرين وقتادة.
وفي الشام مغيرة بن أبي شهاب من أصحاب عثمان وخليفة بن سعد من أصحاب أبي الدرداء الصحابي.
الطبقة الثالثة: التي تنطبق تقريباً على النصف الأول من القرن الثاني، وهم جماعة من مشاهير أئمة القراء أخذوا من الطبقة الثانية:
في مكة عبدالله بن كثير أحد القراء السبعة وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن أبي محيصين.
وفي المدينة أبو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن النفاح ونافع بن نعيم أحد القراء السبعة.
وفي الكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود أحد القراء السبعة وسليمان الأعمش وحمزة أحد القراء السبعة والكسائي أحد القراء السبعة.
وفي البصرة عبدالله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة وعاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي.
وفي الشام عبدالله بن عامر أحد القراء السبعة وعطية بن قيس الكلابي واسماعيل بن عبدالله بن مهاجر ويحيى بن حارث وشريح بن يزيد الحضرمي.
الطبقة الرابعة: تلامذة الطبقة الثالثة والرواة عنهم كابن عياش وحفص وخلف، وسنذكر المشهورين منهم في الفصل الآتي.
الطبقة الخامسة: طبقة أهل البحث والتأليف، وهم كما قيل: أول من ألف في القراءة)[805]( أبو عبيد قاسم بن سلام ثم أحمد بن جبير الكوفي ثم اسماعيل بن إسحاق المالكي من أصحاب قالون الراوي ثم أبو جعفر بن جرير الطبري ثم مجاهد. وبعد هؤلاء اتسعت دائرة البحوث والتحقيقات حتى كتب أمثال الداني والشاطبي)[806]( رسائل كثيرة نظماً ونثراً.
القراء السبعة
اشتهر كثيراً سبعة من قراء الطبقة الثالثة وأصبحوا المرجع في علم القراءة وغطوا على القراء الآخرين، وهكذ اشتهر لكل واحد من هؤلاء السبعة راويان من بين الرواة الذين لا يعدون حصراً، والقراء السبعة مع الراوين عنهم هذه أسماؤهم:
1 ـ ابن كثير، مكي)[807]( والراوي عنه قنبل وبزي يرويان عنه بواسطة واحدة.
2 ـ نافع، مدني)[808](، والراوي عنه قالون وورش.
3 ـ عاصم، كوفي)[809](، والراوي عنه أبو بكر شعبة بن العياش وحفص، والقرآن الموجود عند المسلمين اليوم هو بقراءة عاصم هذه برواية حفص.
4 ـ حمزة، كوفي)[810](، والراوي عنه خلف وخلاد ويرويان عنه بواسطة.
5 ـ الكسائي، كوفي)[811](، والراوي عنه دوري وأبو الحارث.
6 ـ أبو عمرو بن العلاء، بصري)[812](، والراوي عنه دوري وسوسي يرويان عنه بواسطة.
7 ـ ابن عامر)[813](، والراوي عنه هشام)[814]( وابن ذكوان يرويان عنه بواسطة.
ويتلو القراءات السبع في الشهرة القراءات الثلاث المروية عن أبي جعفر ويعقوب وخلف)[815](.
وهناك قراءات أخرى غير مشهورة، كالقراءات المذكورة عن بعض الصحابة والقراءات الشاذة التي لم يعمل بها، وقراءات متفرقة توجد في أحاديث مروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، إلا انهم أمروا أصحابهم باتباع القراءات المشهورة.
ويعتقد جمهور علماء السنّة بتواتر القراءات السبع، حتى فسر بعضهم الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «نزل القرآن على سبعة أحرف»)[816]( بالقراءات السبع، وقد مال إلى هذا القول بعض علماء الشيعة أيضاً، ولكن صرح بعض بأن هذه القراءات مشهورة وليست بمتواترة.
قال الزركشي في البرهان: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات وهي نقل الواحد عن الواحد)[817](.
وقال مكي: من ظن إن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً. قال: ويلزم من هذا أيضاً إن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات الأئمة المتقدمة كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء.
وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد إسم الكبسائي وحذف يعقوب.
قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدراً أو مثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيراً جداً، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه فأفردوا من كل مصر إماماً واحداً، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم.
قال: وقد صنف ابن جبير المكي مثل ابن مجاهد كتاباً في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إماماً، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال إنه وجّه بسبعة هذه الخمسة ومصحفاً إلى اليمن ومصحفاً إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبراً وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر فيه فوقع ذلك لمن لا يعرف أصل المسألة ولم تكن له فطنة فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع، والأصل المعتمد عليه صحة السند في السماع واستقامة الوجه في العربية وموافقة الرسم)[818](.
وقال القراب في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك؛ وذلك لم يقل به أحد)[819](.
محمد حسين الطباطبائي
الدراسات القرآنية عند الشيعة
حرف الألف
ـ آداب تلاوة القرآن.
صفي الدين أبو الفتح نصر الله بن الحسين الموسوي الحائري، المستشهد في القسطنطينية حدود سنة 1168 هـ حين أُشْخِص إليها سفيراً من قبل سلطان إيران عن نيّف وخمسين سنة. الذريعة 1/10.
ـ الآداب في القرآن (تفسير سورة الحجرات).
السيد عبد الحسين دست غيب الشيرازي. طبع في شيراز باللغة الفارسية عام 1982م.
ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن.
الشيخ محمد جواد البلاغي بن الشيخ حسن بن الشيخ طالب ولد في النجف 1282هـ ت 1352هـ له مقدمة ذات فصول ثلاثة أولها في إعجاز القرآن والثاني في جمعه في مصحف واحد والثالث في قراءته ثم شرع في التفسير، طبع في قم يقع في 600 صفحة إلى نهاية المائدة. الذريعة 1/38، طبقات أعلام الشيعة 1/325.
ـ آيات الأحكام.
إسماعيل بن علي نقي التبريزي، المولود في سنة 1295هـ. الذريعة 1/42، طبقات أعلام الشيعة 1/163.
ـ آيات الأحكام.
شرف الدين علي الشيفنكي، المتوفى سنة 907هـ. الذريعة 1/43.
ـ آيات الأحكام.
القطب الرواندي المتوفى سنة 573 وهو غير فقه القرآن. الميزان 6/329. الذريعة 1/41.
ـ آيات الأحكام.
محمد باقر القائني، المتوفى سنة 1352هـ.
طبقات أعلام الشيعة 1/204.
ـ آيات الأحكام.
محمد بن الحسن الطبسي نسبه إليه المقدس الأردبيلي في زبدة البيان ويوجد في مكتبة مشهد الإمام الرضا عليه السلام.
الذريعة 1/43.
ـ آيات الأحكام.
محمد حسين الطباطبائي.
طبع في مطبعة النجف سنة 1966م ـ معجم الدراسات القرآنية /29.
ـ آيات الأحكام.
محمد بن علي بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي، المتوفى سنة 1026هـ.
الذريعة 1/43، معجم رجال الفكر/30.
ـ آيات الأحكام.
ناصر بن أحمد المتوج البحراني.
الذريعة 1/43.
ـ آيات الأحكام.
السيد يحيى اليزدي، المتوفى بالنجف سنة 1969م.
طبع بمطبعة الآداب في النجف الأشرف.
ـ آيات الأحكام الفقهية.
ملك علي التوني.
باللغة الفارسية وهو في تعداد الآيات النازلة في كل باب من الأبواب الفقهية توجد نسخة منه في مكتبة مشهد الإمام الرضا عليه السلام.
الذريعة 1/44.
ـ آيات الأحكام المختصر الموسوم بمنهاج الهداية.
جمال الدين أحمد بن عبدالله بن محد بن علي بن الحسن بن المتوج البحراني.
الذريعة 1/42.
ـ آيات القرآن الموسوم بأحكام القرآن.
لأبي نصر محمد بن السائب بن بشر الكلبي من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، المتوفى سنة 146هـ.
تأسيس الشيعة/ 321.
ـ آيات الأحكام الموسوم بايناس سلطان المؤمنين باقتباس علوم الدين.
محمد حيدر العاملي المكي، المتوفى سنة 1139هـ.
الذريعة 1/41.
ـ آيات الأئمة.
علي نقي الهمداني، المتوفى سنة 1297هـ.
هو باللغة الفارسية ذكر فيه آيات يستخرج منها أسماء الأئمة وبعض أوصافهم وخصوصياتهم.
الذريعة 1/4.
ـ آيات الأئمة.
محمد علي بن مهدي الحسيني النياكي اللاريجاني الطهراني، المتوفى سنة 1323هـ.
طبع باللغة الفارسية بطهران: وهو في بيان الآيات المتعلقة بالإمامة وفضائل الأئمة عليهم السلام.
الذريعة 1/41.
ـ الآيات الباهرات في معجزات النبي والأئمة الهداة.
محمد بن الحسين المنسوب إلى أبي الحسين النقيب محمد الأشتر.
الذريعة 1/44.
ـ آيات تكوين.
عبدالله بن أبي القاسم بن عبدالله الموسوي البلادي البوشهري.
باللغة الفارسية، الذريعة 1/47.
ـ آيات التوحيد.
محمد أمين الصافي النجفي قاضي البحرين، توفي سنة 1976م.
معجم الدراسات القرآنية، الذريعة 26/17.
ـ الآيات الجلية في رد شبهات الوهابية.
مرتضى كاشف الغطاء.
ـ مطبوع من دون تاريخ.
معجم الدراسات القرآنية/ 130.
ـ آيات الحجة والرجعة.
محمد بن علي بن حسن علي الهمداني الحائري، المولود سنة 1293.
الذريعة 1/47.
ـ آيات الحج في القرآن الكريم.
الشيخ محمد واعظ زادة الخراساني.
بحث نشر في جريدة كيهان العربي ع.1135. سنة 1407هـ.
ـ الآيات الساطعة في العبر النافعة.
موسى السوداني.
طبع في النجف سنة 1965م، (1 ـ 3جـ)، معجم الدراسات القرآنية/ 130.
ـ آيات الفضائل.
علي التبريزي.
وهو في الآيات النازلة في فضائل أهل البيت عليهم السلام باللغة الفارسية.
طبع في إيران سنة 1273، الذريعة 1/48.
ـ آيات القرآن الكريم.
محمد بن حيدر بن نور الدين الجبعي العاملي، المتوفى سنة 1139هـ.
مجلة العرفان ـ المجلد 72/ عدد2/ ص 107/ سنة 1405هـ.
ـ الآيات المحكمات في دفع الشبهات.
محمد حسين الشهرستاني الحائري.
طبع في النجف سنة 1959م، معجم الدراسات القرآنية/ 130.
ـ الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام.
ابن الفحام الحسن بن محمد بن يحيى المقرئ النيسابوري، المتوفى سنة 458هـ.
مجلة تراثنا ـ العدد 4/ سنة 1406هـ.
ـ الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام.
محمد بن أبي زيد بن عربشاه الوراميني، من القرن الثامن الهجري.
مجلة تراثنا ـ العدد 4/ سنة 1406 هـ.
ـ الآيات النازلة في ذم الجائرين على أهل البيت عليهم السلام.
حيدر علي بن محمد بن الحسن الشيرواني.
باللغة الفارسية.
الذريعة 1/48.
ـ الآيات النازلة في ذم الظلم والجور.
عبد الحسين بن عبدالله بن رحيم الدزفولي.
طبع باللغة الفارسية، وقد أورد فيه ما يناهز أربعمائة آية مع تفاسيرها.
الذريعة 1/49.
ـ الآيات النازلة في فضل العترة الطاهرة عليهم السلام.
عبدالله تقي الدين الحلبي.
الذريعة 1/49.
ـ آيات الوصول إلى علم الأصول.
محمد باقر الملكي الميانجي.
صدر الجزء الأول منه في قم المقدسة.
تراثنا 4/228، سنة 1406هـ.
ـ آيات الولاية.
أبو القاسم الشريفي الذهبي الشيرازي، المتوفى سنة 1286هـ.
طبع بطهران في مجلدين ـ فسّر فيه الآيات النازلة في حق أهل البيت عليهم السلام وولايتهم.
الذريعة 1/49، طبقات أعلام الشيعة 2/68.
ـ آية الأمانة.
محمد باقر بن جعفر البهاري الهمداني المتوفى سنة 1333.
الذريعة 1/50.
ـ آية التطهير.
محمد باقر الخراساني الموسوي.
مجلة تراثنا ـ العدد 4/ سنة 1406هـ.
ـ آية التطهير.
محمد سعيد بن ناصر حسين العبقاتي الهندي المولود 1333.
العبقات 1/38.
ـ آية التطهير.
محمد جواد الحسيني الجلالي.
مجلة تراثنا ـ العدد 4/ سنة 1406هـ.
ـ آية التطهير في الخمسة أهل الكساء.
محيي الدين الغريفي.
طبع في النجف سنة 1958م ـ معجم الدراسات القرآنية/ 130.
ـ آية الولاية.
محمد سعيد السيد ناصر حسين العبقاتي الهندي المولود 1333.
العبقات 1/38.
ـ آية كن فيكون.
محمد باقر بن محمد جعفر البهاري الهمداني، المتوفى سنة 1333هـ.
توجد في خزانة كتبه بهمدان.
الذريعة 1/51.
ـ الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج من القرآن والعقل.
الصاحب بن عباد الطالقاني ـ المتوفى سنة 385هـ.
الذريعة 1/57.
ـ إبانة ما في التنزيل من مناقب آل الرسول (ويسمى مثار الحق).
أحمد بن الحسن بن علي الطوسي الفلكي.
معالم العلماء لابن شهراشوب/23.
ـ أبو عمرو الداني ورسالته في الظاءات القرآنية.
محسن جمال الدين.
مقال نشر في مجلة البلاغ 4/1، 2، السنة الثالثة.
معجم الدراسات القرآنية/ 423.
ـ الإتباع وترك المراء في القرآن.
محمد بن بحر الدهني الشيباني، المتوفى سنة 381هـ.
الذريعة 1/81.
ـ أثر القرآن في الأدب العربي.
ابتسام مرهون الصفار.
طبع في مجلة رسالة الاسلام الصادرة عن كلية أصول الدين في بغداد.
معجم الدراسات القرآنية/ 165.
ـ أثر القرآن في تطوير الأدب العربي.
محمد عبد الزهرة الفضلي.
بحث طبع في مجلة النجف العدد 4/ سنة 1966م ـ 1386هـ.
ـ الاحتراز في رد رسالة حسن الإيجاز.
محمد إبراهيم بن رضا الأصفهاني.
في رد وإبطال الإعجاز التي ألفها نصير الدين الظافر في إنكار إعجاز القرآن المبين طبع بطهران سنة 1342هـ.
الذريعة 1/284.
ـ أحسن التفاسير (فارسي).
المولى محمد جعفر الخشتي.
طبقات أعلام الشيعة 2/261.
ـ أحسن القصص (في تفسير سورة يوسف).
علي محمد نقوي اللكهنوي، المتوفى سنة 1312هـ.
طبقات أعلام الشيعة 1/1625 ـ قسم 4.
ـ أحكام القرآن.
أبو الحسن عباد بن العباس بن عباد الطالقاني.
الذريعة 1/5.
ـ اختصار تفسير علي بن إبراهيم القمي.
تقي الدين إبراهيم بن علي الكفعمي الجبعي الحارثي، المتوفى سنة 905هـ.
الذريعة 1/356.
ـ إختصار زبدة البيان المنتزع من تفسير مجمع البيان للطبرسي والزبدة للبياضي والاختصار.
للشيخ إبراهيم الكفعمي. المتوفى سنة 905هـ.
الذريعة 1/356.
ـ اختصار غريب القرآن.
الأصل لمحمد بن عزيز السجستاني والاختصار للشيخ إبراهيم الكفعمي.
الذريعة 1/356.
ـ اختيار القرآن ورواياته.
علي بن إبراهيم بن هاشم القمي.
الفهرست للطوسي/ 119.
ـ الأخلاق بين القرآن والمذاهب الفلسفية.
الشيخ مسيح مهاجري.
طبع بالفارسية في إيران.
ـ أدعية القرآن أو زبور المسلمين.
هبة الدين الشهرستاني.
طبع في بغداد سنة 1967م.
معجم الدراسات القرآنية/ 407.
ـ إرشاد الصبيان إلى تلاوة القرآن.
محمد كاظم بن محمد شفيع الهزار جريبي الحائري، المتوفى سنة 1232هـ.
هو باللغة الفارسية في بيان بعض الكلمات المشكلة المتشابهة في آيات القرآن.
الذريعة 1/514.
ـ أزهار التنزيل في تفسير القرآن المجيد.
محمد محسن الزنكي بوري، المتوفى سنة 1325.
الذريعة 1/534
ـ أساليب الدعوة للأنبياء في القرآن.
جبار حمودي.
مقال طبع في مجلة رسالة الإسلام التي صدرت عن كلية أصول الدين في بغداد.
العدد 5 سنة 5 ـ معجم الدراسات القرآنية ص 571.
ـ أسباب النزول.
قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، المتوفى سنة 573هـ.
الذريعة 2/12.
ـ أسباب النزول في القرآن ويسمى الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول.
رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، المتوفى سنة 588هـ.
تأسيس الشيعة/ 337
ـ أسباب نزول القرآن أهميتها، طرقها، حجيتها، مصادرها.
محمد رضا الحسيني.
مجلة تراثنا ـ العدد 4 ـ سنة 1406هـ.
ـ الأسباب والنزول على مذاهب آل الرسول.
محمد بن علي المازندراني المعروف بابن شهراشوب، المتوفى 588هـ.
معجم الدراسات القرآنية/ 57.
ـ أسباع القرآن.
الفراء حمزة بن حبيب الكوفي.
ولادته سنة 80هـ، توفي سنة 156هـ.
الذريعة 2/12، تأسيس الشيعة/ 347.
ـ أسرار الآيات وأنوار البينات.
صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة 1050هـ.
طبع في إيران باللغة الفارسية، مرتب على مقدمة وثلاثة أبواب.
معجم الدراسات القرآنية/134، الذريعة 1/39.
ـ أسرار الآيات.
محمد تقي بن محمد باقر بن محمد تقي المعروف بآقانجفي الأصفهاني، المتوفى سنة 1331هـ.
له جامع الأنوار ط سنة 1297هـ يظهر أنه في تفسير آيات القرآن الكريم.
الذريعة 1/534.
ـ أسرار التنزيل (مختصر من التفسير الكبير).
محمد حسين بن آقا باقر البروجردي، المتوفى في نيف وثلاثمائة بعد الألف.
الذريعة 1/534.
ـ أسرار التنزيل.
محمد محسن الزنكي بوري الزنجيفوري، المتوفى سنة 1352.
الذريعة 1/534.
ـ أسرار التوحيد. (فارسي في تفسير سورة التوحيد).
أبو تراب بن أبي طالب بن أبي تراب الحسيني القائني، المتوفى سنة 1328هـ.
طبع على هامش اللؤلؤة الغالية لوالده.
الذريعة 2/43.
ـ أسرار سورة التوحيد.
محمد مهدي بن محمد جعفر التنكابني.
الذريعة 2/46.
ـ أسرار القرآن (في تفسير كلام الله العزيز).
عبد الواحد بن نعمة الله بن يحيى الجيلاني الاسترابادي.
الذريعة 2/54.
ـ إسرائيليات القرآن.
محمد جواد مغنية المتوفى سنة 1980م في بيروت والمدفون في النجف الأشرف.
طبع في بيروت ـ دار الجواد سنة 1984.
ـ أسلوب الشرط في القرآن.
أبو هيثم.
بحث طبع في مجلة البصائر (مركز الدراسات الإسلامية ـ لندن) العدد 6/ س4/1987.
ـ أسلوب القرآن في تحقيق الوحدة الإسلامية أو منهج القرآن في تحقيق الوحدة الإسلامية.
محمد باقر الحكيم.
بحث مقدم إلى مؤتمر أئمة الجمعة والجماعات سنة/ 1983م.
ـ الأسلوب القرآني.
قاسم عباس النداف.
مجلة الرسالة (كلية أصول الدين ـ بغداد) ع1 السنة الأولى، معجم الدراسات القرآنية/ 65.
ـ أسماء أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الله عز وجل.
ابن أبي الثلج أحمد بن عبدالله أبو بكر البغدادي، المتوفى سنة 325هـ.
الذريعة 11/75. وقد ذكر في الفهرست للطوسي.
ـ أسماء أمير المؤمنين عليه السلام من القرآن.
الحسن بن القاسم بن محمد بن شمون أبو عبدالله.
الذريعة 2/165، رجال النجاشي/ 52.
ـ أسماء وأوصاف القرآن في القرآن الكريم.
محمد باقر الأنصاري.
مجلة التوحيد عدد /9 سنة/2.
ـ أسماء القرآن وأوصافه.
سامي البدري.
مجلة دراسات وبحوث ع 1 السنة الأولى ص 105/1401هـ.
ـ الأسنى في تفسير آية ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّى (8)﴾.
علي الحزين الزاهد الجيلاني الأصفهاني، المتوفى سنة 1181هـ.
الذريعة 2/69.
ـ الأسوة في القرآن الكريم.
همام باقر حمودي.
جريدة لواء الصدر. وطبع في كراس مستقل في طهران عام 1987م.
ـ أسئلة القرآن مع الأجوبة.
أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي النيسابوري، المتوفى سنة 556هـ.
أعيان الشيعة 8/243.
ـ الإشارة في غريب القرآن.
محمد بن الحسن أبو جعفر الطوسي، المتوفى سنة 460هـ.
طبقات/ 29.
ـ أشعة من القرآن.
محمد أمين زين الدين.
النجف الأشرف سنة 1962م.
ـ الأصفى.
المحدث الفيض محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني المتوفى 1091هـ.
هو أوسط التفاسير الثلاثة التي ألفها، انتخبه من تفسيره الكبير الصافي اقتصر على تفاسير أهل البيت عليهم السلام أوله: الحمد لله الذي هدانا للتمسك بالثقلين وجعل لنا القرآن والمودة في القربي قرة عين، فرغ منه سنة 1076هـ ولخص الأصفى وسماه المصطفى، طبع على هامش الصافي وتوجد منه نسخة في مكتبة السيد حسن الصدر، وطبع مستقلاً.
الذريعة 2/124، طبع على هامش كتاب الصافي في تفسير القرآن 1310هـ.
ـ إصلاح بشر أو تعاليم قرآنية (بالفارسية).
محمد الجواد بن محمد التقي بن أبي القاسم الطباطبائي التبريزي، المولود سنة 1315هـ.
في إثبات أن القرآن كافل الإصلاح لجميع الشؤون البشرية الروحية منها والمادية.
الذريعة 2/172.
ـ أصول علم التفسير.
محمد علي بن عبدالله بن جمال الدين الزاهدي الجيلاني الأصفهاني، المتوفى سنة 1181هـ.
أعيان الشيعة 46/135.
ـ أضواء على متشابه القرآن.
خليل ياسين العاملي. المتوفى عام 1985م.
طبع في بيروت بجزأين.
ـ الأطوار في تفسير آيات القرآن الكريم.
عبد الحسين الرشتي، المتوفى سنة 1373هـ.
معارف الرجال 2/49، طبقات اعلام الشيعة قسم 3 ج/1 ص /1066.
ـ الإعجاز.
محمد هارون الحسيني الزنجيفوري، المتوفى سنة 1339هـ.
طبع بلكهنو بالهند باللغة الأوردية.
الذريعة 2/231.
ـ الإعجاز البياني في القرآن.
خالد أبو ذر العطية.
جريدة الجهاد العدد /289 سنة/ 1987م.
ـ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
لبيب وجيه بيضون.
طبع بدمشق ـ وهو يتحدث عن القضايا العلمية في القرآن الكريم.
ـ إعجاز القرآن.
أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي النيسابوري، المتوفى سنة 556هـ.
أعيان الشيعة 8/243.
ـ إعجاز القرآن.
المحسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي.
أمل الأمل 2/228.
ـ إعجاز القرآن.
أبو عبدالله محمد بن زيد الواسطي، المتوفى سنة 306هـ.
ـ إعجاز القرآن.
السيد المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي المتوفى سنة 436هـ.
المجمع للطبرسي 1/15.
ـ إعجاز القرآن فيما اكتشفه العلم الحديث.
عبد الواحد بن أحمد المظفر، المتوفى سنة 1978م.
ماضي النجف وحاضرها 2/368.
ـ إعجاز القرآن في مذهب الشيعة الإمامية.
توفيق الفكيكي.
مجلة رسالة الإسلام (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ـ القاهرة) ع/ 2 سنة/ 1950م.
معجم الدراسات القرآنية/ 68.
ـ إعجاز القرآن وإقامة البرهان على شرح الإسلام.
هادي الخراساني الحائري.
طبعت بالنجف/ 1949م ـ معجم الدراسات القرآنية/ 68.
ـ إعجاز القرآن والكلام في وجوهه.
أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد، المتوفى سنة/ 413هـ.
رجال النجاشي، الذريعة 2/232.
ـ الإعجاز والمعجز في إعجاز القرآن.
محمد حرز الدين.
معارف الرجال 1/13.
ـ إعراب القرآن.
أبو علي الحسن بن علي بن أحمد النحوي الفارسي، المتوفى سنة/ 377هـ.
في مكتبة الخديوية بمصر.
الذريعة 2/236.
ـ إعراب القرآن.
أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي.
الذريعة 2/236.
ـ إعراب القرآن.
محمد علي الأفغاني المدرس، المتوفى سنة/ 1986م.
مجلة الشهيد/ ع 175، ص 51.
ـ إعراب القرآن.
أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري الملقب بالمبرد، المتوفى سنة/ 285.
الذريعة 2/236.
ـ أعظم المطالب في آيات المناقب.
أحمد حسين الأمروهري، المتوفى سنة/ 1338هـ.
الذريعة 11/95.
ـ الأعلام في القرآن.
طالب صفي الدين الصحفي.
مخطوط في 180 صفحة، نقلاً عن مؤلفه.
ـ إقبال والقرآن.
أحمد أحمدي البيرجندي.
الثقافة الإسلامية (مجلة عن المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق) ع 4 ـ ص 124 ـ س 1406هـ.
ـ اقتباس علوم الدين من النبراس المعجز المبين.
محمد حيدر المكي.
الذريعة 2/266.
ـ الاقتباس والتضمين (من كتاب الله المبين).
إبراهيم بن علي بن الحسن البلادي البحراني.
الذريعة 2/266.
ـ الاقتباس والتضمين.
أبو محمد عبدالله بن محمد الشوبكي الخطي.
الذريعة 2/267.
ـ الأقسام في القرآن.
فارس علي حسن العامري البصري ـ المعاصر.
مخطوط في مكتبته.
ـ أكذوبة تحريف القرآن بين السنّة والشيعة.
رسول جعفريان.
يقع في 80 صفحة نشرته معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي بطهران سنة 1986م ـ لواء الصدر العدد/ 263 ـ ص 9 ـ سنة/ 1986م.
ـ الألفاظ القرآنية في نهج البلاغة.
محمد جعفر الحكيم.
مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1/265.
ـ إمارات الكلم الرحمانية (في كشف الكلمات القرآنية).
ميرزا مصطفى خان بن محمد سعيد الكاسي.
الذريعة 2/ 304.
ـ إماطة اللثام (عن الآيات الواردة في الصيام).
حسن بن إبراهيم بن علي بن عبدالعالي الميسي.
الذريعة 2/304.
ـ الأمالي في التفسير.
الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي المتوفى سنة 436 طبع عدة مرات.
ـ الأمالي في تفسير سور الفاتحة والدهر والإخلاص وبعض الآيات.
حسين بن علي النقوي النصير آبادي المتوفى سنة 1273.
الذريعة 2/311.
ـ الإمامة في القرآن والسنّة.
الشيخ مهدي السماوي المستشهد بالعراق عام 1979.
طبع في النجف الأشرف.
ـ إمامة القرآن (باللغة الأردية).
السيد محمد هارون.
الذريعة ج 4 ـ ص 485.
ـ الإمام الحسين عليه السلام وواقعة الطف من خلال القرآن.
عبد الرسول عبد الحسن الغفار، محفوظ عند مؤلفه في قم المقدسة.
مجلة التوحيد 30/1408هـ.ق.
ـ الإمام علي عليه السلام في القرآن والسنّة.
محمد علي أسبر، حدثني بذلك مؤلفه الساكن في قضاء جبلة في اللاذقية.
ـ أمانت إلهي.
المحقق محمد باقر الدماد/ المتوفى سنة (1040) هـ، باللغة الفارسية في تفسير آية الأمانة.
الذريعة 2/345.
ـ الأمانة عن معجزات القرآن.
في بيان أنه معجز/ لم يعلم مؤلفه والنسخة موجودة عند السيد نصرالله التقوي بطهران.
الذريعة 7/ ص 265.
ـ الأمان من النيران في تفسير القرآن.
الميرزا عبدالله أفندي الأصفهاني/ صاحب كتاب رياض العلماء، المتوفى سنة 1130هـ. يشتمل هذا التفسير على أكثر الأخبار الواردة في حق أهل البيت عليهم السلام.
الذريعة 2/342.
ـ إمتحان أهل القرآن (باللغة الأردية).
طبع في الهند.
الذريعة 2/345. لا يُعلم إسم مؤلفه.
ـ أمثال القرآن.
ابن الجنيد… وهو أول من صنّف في أمثال القرآن.
ص 321/ تأسيس.
أعيان الشيعة ج 1/ ص 130.
ـ أمثال القرآن.
علي أصغر حكمت…
طبع في طهران سنة 1333 هـ في مطبعة المجلسي.
ـ أمثال القرآن.
سيف الدين محمد طاهر العلوي الكاظمي الموسوي… طبع في بغدد 1960.
معجم الدراسات القرآنية/ ص 69… عن مكتبة التوجيه العامة سنة 1960 بغداد.
ـ الأمثال القرآنية.
السيد علي نقي بن السيد أحمد الحيدري… المتوفى عام 1983م.
الإمام الثائر/ 142.
ـ الأمثال من كتاب الله.
أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
أعيان الشيعة 1/130.
ـ الأمثال والمثل والتمثل والمثلات في القرآن الكريم.
سميح عاطف الزين… الكتاب في جمع الأمثال في القرآن الكريم وشرحها وإظهار الغاية من إيرادها في كتاب الله سبحانه وتعالى.
طبع في بيروت عن دار الكتاب اللبناني في مجلد كبير سنة 1987م.
ـ أمثل التفاسير.
إسماعيل بن رحمن الكوفي المعروف بالسدي الكبير… عده الشيخ في التبيان من أصحاب السجاد والباقر عليهما السلام.
الكنى والألقاب 2/311. وقد نص على تشيعه ابن قتيبة في كتاب المعارف ص 306.
ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل.
الشيخ ناصر الدين مكارم الشيرازي… وهو تفسير حديث اشترك في تأليفه نخبة من الفضلاء وبإشراف الشيخ مكارم الشيرازي، صدر في عشرين مجلداً طبع في بيروت عن مؤسسة البعثة للطباعة والنشر سنة 1992م.
ـ أم القرآن.
قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي… المتوفى سنة 573.
الذريعة 2/303.
ـ أم الكتاب سورة الحمد.
حاجم سلطان التميمي… طبع في النجف سنة 1963.
معجم /136.
ـ إنارة الحالك في قراءة ملك ومالك.
ميرزا فتح الله بن محمد جواد الشيرازي الخازني الشهير بشيخ الشريعة الأصفهاني النجفي/ المتوفى بها سنة 1339هـ، وقد بين فيه حال القراءات غير المشهورة في ست وعشرين آية..
الذريعة 2/ 353.
ـ الأنبياء محاولة لدراسة القصة القرآنية.
حسين شحادة.
طبع في حلقات ضمن مجلة العرفان اللبنانية عدد (6، 7) المجلد الثالث والسبعون سنة 1985م.
ـ انتزاعات القرآن.
أبو سعيد محد بن أحمد الوزير… ذكره ياقوت في معجم الأدباء.
أعيان الشيعة 1/130.
ـ أنس الوحيد في تفسير آية العدل والتوحيد.
السيد القاضي نور الله المرعشي الشهيد سنة 1019، وهو في تفسير قوله تعالى «شهد الله أنه لا إله إلا هو>> موجود في مكتبة الشيخ محمد السماوي والتي أصبحت ضمن مكتبة آية الله الحكيم في النجف.
الذريعة 2/369.
ـ أنوار البيان في تفسير القرآن.
المولوي غلام علي بن الحاج إسماعيل البهاونكري… المولود سنة 1283هـ.
الذريعة 2/431… يقع في ثلاثة مجلدات باللغة الكجراتية.
ـ أنوار القرآن.
السيد راحت حسين الرّضوي الهندي/ المولود سنة 297.
معجم مؤلفي الشيعة/ 662.
ـ أنوار القرآن.
نور حسين صابر جهنك السالكوتي الهندي.
معجم مؤلفي الشيعة/ 650.
ـ أنوار القرآن ومصباح الإيمان في تفسير القرآن.
المولى علي بن مراد… مشتمل على تفسير المواضع المشكلة من القرآن. فرغ من تأليفه سنة 1083هـ، كانت نسخة منه عند صاحب الرياض.
الذريعة 2/438.
ـ أنيس الواعظ في المواعظ القرآنية.
جعفر بن المولى سيف الدين الأسترابادي/ المتوفى 1263هـ، وكان من أكابر الفقهاء والمجتهدين.
الكنى والألقاب 3/104.
ـ الأنيقة بالفارسية في تفسير آية المودة.
السيد علي نور الدين بن السيد نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي/ المتوفى سنة 1068. كان والده السيد نور الدين علي أخا صاحب المدارك من أبيه وصاحب المعالم من أمه.
الذريعة 2/ ص 475.
ـ الاهتزاز عن مفتريات حسن الإيجاز.
الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي… طبع في طهران سنة 1340/ وهو في إثبات إعجاز القرآن.
معجم الدراسات القرآنية/ 61.
ـ أوراد القرآن.
السيد محمد هارون الحسيني الزنجيفوري.. المتوفى سنة 1339هـ.
الذريعة 2/475.
ـ أوضح دليل فيما جاء في علي وآله من التنزيل.
الشيخ علي بن الشيخ جعفر بن أبي المكارم العوامي القطيعي.
مجلة تراثنا عدد 4 ص 52 سنة 1406.
بحث للسيد محمد رضا الحسيني.
ـ أوقاف القرآن.
نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري المعروف بالنظام النيسابوري.
أعيان الشيعة 15/228.
ـ إيمان صادق (في تفسير سورة الماعون).
الشيخ عبد العظيم الأردبيلي/ طبع سنة 1367هـ.
طبقات ج 1 قسم 3/1136.
ـ الأئمة والقرآن.
الشيخ محمد رضا الحكيمي… المولود في كربلاء ـ العراق ـ سنة 1937.
طبع في بيروت.
حرف الباء
ـ بارش أور در قرآن.
طيب علي عبد الرسول شاكر بوري الهندي… يقع في (1464) صفحة، يستفاد من الآيات القرآنية في معرفة حقيقة الأمطار وبيان أقسامها وأنواعها وآثارها وفوائدها/ بالأردية.
الذريعة 3/8. طبع في الهند.
ـ باطن القرآن.
أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي.
الذريعة 3/10.
ـ بحر الأصداف (حاشية وشرح على تفسير الكشاف).
قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي المتوفى سنة 766.
الذريعة 3/30.
ـ بحر الحقائق في تفسير سورة التوحيد (فارسي).
ميرزا فضل الله المعروف بـ(ملك) بن الشيخ جمال الدين الهيثمي العراقي الطهراني المعاصر، المولود سنة 1321هـ… بخطه في سنة 1351 هـ كما رآه صاحب الذريعة.
الذريعة 3/36.
ـ البحر الخضم في تفسير القرآن الأعظم.
السيد حيدر الآملي.
أعيان 6/273.
ـ بحر الدرر في التفسير.
محمد الشهير بالمعين المعروف بـ(مسكين) الفراهي الواعظ.
الذريعة 3/38.
ـ بحر العرفان.
الشيخ محمد صالح البرغاني… من مشاهير العلماء/ أجيز من السيد عبدالله شبر والسيد المجاهد توفي عند الحائر الشريف فجأة سنة 1283هـ… ودفن في رواق الحسين عليه السلام.
طبقات ج 2 قسم 2/610.
ـ بحر العرفان في تفسير القرآن.
محمد صالح بن محمد القزويني المتوفى سنة 1270هـ.
أعيان الشيعة 9/371.
ـ البحر المواج في تفسير القرآن.
الحسن بن شرف الدين محمد الأصفهاني الفلاورجاني نسبة إلى فلاورجان قرية في أصفهان قال صاحب روضات الجنات: إنه كثير الفائدة.
أعيان الشيعة 5/24، الذريعة 3/49.
ـ بحوث حول علوم القرآن.
الشيخ محمد جواد المحتصر السعيدي النجفي/ طبع في النجف ـ مطبعة الآداب سنة 1975م ـ وقدم له العلاّمة المغفور له المحقق السيد محمد صادق آل بحر العلوم (قدس سره).
ـ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه.
أبو الفضل مير محمدي الزرندي…
طبع في بيروت (دار التعارف سنة 1980م).
ـ بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام.
الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي/ صدر الجزء الأول منه في مدينة قم المقدسة ـ إيران ـ.
تراثنا عدد 4/228 سنة 1406.
ـ البدر الباهر.
الفقيه محمد علي بن محمد باقر الهزار جريبي… المتوفى سنة 1254هـ/ وهو مجموعة في تفسير الآيات المشتملة على القصص وشرح جملة من الأحاديث المشكلة وبيان عدة من مسائل علم الهيئة. توجد منه نسخة في مكتبة آل شيخ الإسلام الزنجاني في (زنجان).
الذريعة 3/67.
ـ البرزخية.
السيد ميرزا محمد حسين الشهرستاني الحائري… المتوفى في كربلاء المقدسة سنة 1315 وهو في تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بعالم البرزخ/ قال صاحب الذريعة رأيته في خزانة كتبه.
الذريعة 3/86.
ـ البر في المنظار القرآني.
الشيخ محمد يزبك العاملي/ وهو بحث طبع مجلة المنطلق اللبنانية.. وفيه قسّم البر وأعطى رأي القرآن فيه.
مجلة المنطلق اللبنانية عدد 25 سنة 1404هـ.
ـ برهان البيان.
السيد ابو القاسم بن الحسين بن النقي الرضوي القمي الكشميري اللاهوري/ المتوفى سنة 1342هـ. هذا الكتاب يتناول الخلافة والإمامة وفي ضمنه تفسير آية الاستخلاف… طبع بالهند/ بالأردية.
الذريعة 3/94.
ـ البرهان لعلوم القرآن.
الشيخ موسى السوداني/ طبع في النجف الأشرف (مطبعة الآداب سنة 1970م).
معجم الدراسات القرآنية/ 388.
ـ البستان في تفسير القرآن.
الفقيه المفسر أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان… معاصر السيد المرتضى والشيخ الطوسي حيث يروى عنه تفسير كبير في عشرة مجلدات.
الذريعة 3/105.
ـ بصائر الإيمان في تفسير القرآن… ويسمى أيضاً في تفسير أئمة الهدى».
السيد صبغة الله ابن السيد جعفر بن أبي إسحاق الموسوي الدارابي البروجردي. يوجد في مكتبة المولى محمد علي الخوانساري في ثلاثة مجلدات.
الذريعة 3/123.
ـ البطل في نظر القرآن.
زهراء رهنورد.
مجلة العالم العدد 161.
ـ بلابل القلاقل في تفسير الآيات المصدرة بكلمة «قل».
موجود في آخر مجلدات بحار الأنوار لبعض الفضلاء الذي لم يعرف مؤلفه.
الذريعة 3/140.
ـ بلوغ منى الجنان في تفسير بعض سور القرآن.
الشيخ محمد رضا الغراوي النجفي/ المولود 1303هـ، ألفه سنة 1349هـ.
معارف الرجال 2/288، الذريعة 3/149.
ـ بهجة التنزيل في التفسير والتأويل.
السيد حسين بن هبة الله الرضوي الكاشاني.. الملقب بـ(علم الهُدى).
الذريعة 3/161.
ـ بيان التجويد.
السيد محمد ابن السيد مهدي الحسيني الشيرازي/ مطبوع.
معجم الدراسات القرآنية/ 426.
ـ بيان الحق والصدق المطلق.
محمد صادق فخر الإسلام/ المتوفى في حدود سنة (1330هـ)، وهو في عشرة مجلدات، طبع منها الاول والرابع بالفارسية عام (1324هـ)، وهو في إثبات حقيقة القرآن.
الذريعة 3/180.
ـ البيان عن غلط قطرب بالقرآن.
الشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد/ المتوفى سنة 413هـ.
الذريعة 3/172.
ـ البيان في أنواع علوم القرآن.
الشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد/ التوفى سنة 413 هـ… وهو البغددي الحارثي.
الذريعة 3/172.
ـ البيان في تأليف القرآن.
الشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد البغدادي الحارثي، 413هـ.
أعيان 46/23.
ـ البيان في تجويد القرآن.
الشيخ ميرزا فرج الله ابن الحاج محمد العبايجي الهشترودي التبريزي/ المتوفى بالنجف 1339هـ.
الذريعة 3/72.
ـ البيان في تفسير بعض سور القرآن.
السيد عبد علي المعروف بالسيد أبي تراب ابن السيد أبي القاسم جعفر ابن السيد مهدي.
الذريعة 3/172.
ـ البيان في تفسير القرآن.
السيد أبو القاسم الخوئي… طبع منه مجلد واحد، ويتضمن المدخل لفهم القرآن وتفسير الفاتحة.
وهو كتاب جليل مشهور طبع في النجف ولبنان.
ـ البيان في تفسير القرآن الكبير.
في ستة مجلدات وهو لبعض الأصحاب رأى صاحب الذريعة منه سابقاً مجلداً كبيراً في كتب الشيخ عبد الحسين الطهراني ولعله (كشف البيان للشيباني).
الذريعة 3/173.
ـ البيان في تفسير القرآن.
السيد عبد علي المعروف بـ(أبي تراب) الخوانساري/ المتوفى في النجف سنة 1346.
أعيان 8/30.
ـ البيان في قواعد القرآن.
الشيخ محمد حسن الزنجاني/ المتوفى سنة 1343هـ.
معارف الرجال 2/248.
ـ بيان المشكلات.
السيد محمد علي بن محمد إسماعيل الحسيني القاري… وهو في بيان الألفاظ المشكلة القرآنية باللغة الفارسية، يقول صاحب الذريعة: رأيته بخط الحاج مهدي بن محمد بن محمد حسين الأصفهاني القاري المتوفى بالنجف الأشرف سنة 1350هـ.
الذريعة 3/183.
ـ البيان والتبيان في الجامعة بين السنّة والقرآن.
الشيخ موسى بن محسن العصامي/ المولود سنة 1305هـ./ المتوفى في كربلاء المقدسة سنة 1355هـ.
معارف الرجال 3/75، ماضي النجف وحاضرها 3/30.
حرف التاء
ـ تاريخ القرآن.
الشيخ أبو عبدالله ابن شيخ الإسلام الزنجاني/ طبع بـ(مصر) سنة 1354هـ.
مرتب على مقدمة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وثلاثة أبواب في كل منها عدة فصول في أدوار القرآن من نزوله وخطه وجمعه وترتيب سوره وقراءة وإعراب وإعجام وترجمة إلى سائر اللغات.
الذريعة 3/275.
ـ تاريخ القرآن.
الدكتور محمد حسين علي الصغير/ طبع في بيروت عن الدار العالمية عام 1403هـ ـ 1983م.
ـ تاريخ القرآن.
محمد علي السوني الهندي.
الذريعة 4/127.
ـ تاملات قرآنية.
محمد عبد الجبار الشبوط/ طبع في الكويت 1405هـ.
ـ تأويل الآيات.
الشيخ أبو إسحاق بن حجير الأصفهاني.
الذريعة 3/302.
ـ تأويل الآيات.
السيد الأمير روح الأمين بن شمس الدين الحسيني الأصفهاني… توجد منه نسخة ترجع إلى سنة 1091 في مكتبة السيد المرعشي في قم المقدسة ـ إيران.
الذريعة 3/303.
ـ تأويل الآيات أو تأويلات القرآن.
عارف كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني/ المتوفى سنة 735.
الذريعة 3/306.
السيد شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي/ المتوفى سنة 940 هـ، وهو من أعلام القرن العاشر وقد قامت بتحقيقه ونشره مدرسة الإمام المهدي عليه السلام في قم المقدسة.
الذريعة 3/304.
ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضل العترة الطاهرة.
الشيخ محمد تقي ابن الشيخ محمد باقر الأصفهاني/ المتوفى سنة 1332/ مطبوع بالفارسية.
الذريعة 3/304.
ـ تأويل الآيات التي تتعلق بأهل الضلال.
عبد الرشيد بن الحسين بن محمد الأسترآبادي/ كان عند السيد رضي الدين بن طاووس المتوفى سنة 664هـ وينقل عنه في كتابه سعد السعود.
الذريعة 3/303.
ـ التأويلات.
السيد حيدر بن علي العلوي الحسيني الآملي/ المتوفى سنة 777 هـ…. وهو رابع التفاسير الثلاثة التي ألفها هذا السيد الجليل.
الذريعة 3/307، أعيان الشيعة 6/273.
ـ تأويلات القرآن.
كمال الدين أبي الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشاني/ المتوفى سنة 735 حكى عنه الشيخ الشهيد الثاني أنه لم يكتب في معناه، مثله توجد منه نسخة في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في خراسان.
الذريعة 3/303.
ـ التأويل في القرآن.
الشيخ محمد جعفر شمس الدين.. محاضرة طبعت في مجلة المنطلق اللبنانية.
مجلة المنطلق اللبنانية العدد 36 ـ سنة 1408هـ، 1987م.
ـ تأويل ما نزل في النبي وآله وتأويل ما نزل في شيعتهم وتأويل ما نزل في أعدائهم.
أبو عبدالله محمد بن العباس بن علي بن مروان المعروف بابن الحجام.
معالم العلماء/ 143.
ـ تأويل متشابه القرآن وهو متشابه القرآن.
الشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب السروي/ المتوفى سنة 588.
الذريعة 3/306.
ـ تأويل مشكل القرآن.
زيد بن علي بن الحسين، والكتاب لا يزال مخطوطاً وقد أنجز تحقيقه سنة 1987م.
حدثني بذلك محقق الكتاب (الدكتور حسن محمد تقي الحكيم في رسالة بعث بها من القاهرة في 31/12/87.
ـ تأويل المقطعات في أوائل السور القرآنية.
السيد محمد باقر الداماد بن شمس الدين محمد الحسيني الأسترآبادي/ المتوفى سنة (1040هـ).
الذريعة 3/307.
ـ تبصرة القرّاء.
للمولى حسن القاري وهو باللغة الفارسية وفي تجويد القرآن.
الذريعة 3/320.
ـ تبيان البيان في قواعد القرآن.
محمد حسن بن قنبر علي الزنجاني/ المولود سنة 1256هـ/ المتوفى حدود سنة 1340هـ.
الذريعة 3/332، طبقات 1/406.
ـ التبيان في إعراب القرآن.
أبو البقاء عبدالله بن حسين بن عبدالله القنبري/ مخطوط يوجد في مكتبة كلية الشريعة والمعارف الإسلامية بجامعة طهران رقم 165/د.
مجلة الثقافة الإسلامية العدد 9/163 سنة 1407هـ.
ـ التبيان في تفسير غرائب القرآن.
السيد ميرزا محمد علي الشهرستاني الحائري/ المتوفى سنة 1344 في كربلاء المقدسة، أو في سنة 1346.
أعيان 10/21، الذريعة 3/231.
ـ التبيان في تفسير القرآن.
شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي/ المتوفى سنة 460هـ، المدفون بالنجف الأشرف وهو من أجلّ التفاسير لدى الشيعة الأمامية ويقع في عشرة مجلدات، وقد طبع عدة مرات بالنجف وإيران… وفي السيوطي في طبقات المفسرين ص 80 أنه عشرون مجلداً.
طبقات المفسرين ص 80، السيوطي.
ـ التبيين في شرح آيات المواعظ والبراهين… بالفارسية.
الشيخ الميرزا أبو تراب القزويني الشهيدي/ يقع في خمسة مجلدات ضخام، لقد فرغ منه في سنة 1365، قال الشيخ الطهراني رأيتها عنده بخطه.
طبقات 1/29.
ـ تبيين القرآن.
السيد محمد الحسيني الشيرازي. تحت الطبع في مؤسسة الوفاء بيروت.
ـ تتميم لوامع التنزيل في تفسير القرآن.
السيد علي النقوي الرضوي/ المتوفى سنة 1334هـ.
طبقات 1/1339.
ـ التجويد.
إصدار المجمع العلمي الإسلامي في طهران.
بإشراف السيد مرتضى العسكري.
طبع سنة 1402هـ في طهران.
ـ تجويد القرآن.
أحمد بن الحسين من ولد برير بن خضير الهمداني الشهيد مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء توجد منه نسخة في مكتبة المجلس بطهران كما في فهرسها.
الذريعة 3/362.
ـ تجويد القرآن.
أحمد بن زين الدين الإحسائي/ المتوفى سنة 1241هـ، يوجد منه نسخة في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف.
معجم مؤلفي الشيعة/ 13.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ مهذب الدين أحمد بن عبد الرضا/ معاصر للشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة.
الذريعة 3/362.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ إعجاز حسين بن جعفر حسن بن علي حسين البدايوني الهندي/ المتوفى سنة 1350هـ.
مطبوع باللغة الأوردية.
الذريعة 3/363.
ـ تجويد القرآن.
السيد جعفر السبزواري، المعاصر للسلطان آغا محمد خان القاجاري المتوفى 1211هـ.
الذريعة 3/365.
ـ تجويد القرآن.
حسن بن محمد باقر القرة باغي، يوجد في مكتبة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.
الذريعة 3/365.
ـ تجويد القرآن.
حسن بن محمد علي اليزدي الحائري/ باللغة الفارسية مرتب على فصول وأبواب.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
السيد حسن النصير آبادي اللكهنوي/ المتوفى سنة 1260.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
حسين بن محمد بن علي القارئ البهشتي.
الذريعة 3/367.
ـ تجويد القرآن.
السيد حسين النقوي النصير آبادي اللكهنوي/ا لمتوفى سنة 1273هـ.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
رضا قلي القارئ/ باللغة الفارسية، وهو مختصر ويحتوي على مقدمة واثني عشر فصلاً وخاتمة.
الذريعة 3/367.
ـ تجويد القرآن.
السيد الأمير رضا بن محمد قاسم الحسيني القزويني المعاصر للمجلسي صاحب البحار.
الذريعة 3/367.
ـ تجويد القرآن.
السيد زين العابدين بن عبد الحسين الخاتون آبادي/ باللغة الفارسية توجد منه نسخة في مكتبة السيد شهاب الدين المرعشي في قم المقدسة.
الذريعة 3/368.
ـ تجويد القرآن.
السيد زين العابدين ابن أبي القاسم الطباطبائي الزواري الطهراني/ المتوفى سنة 1303 وهو باللغة الفارسية، مرتب على مقدمة واثني عشر مقاماً وخاتمة، توجد منه نسخة عند الميرزا محمد الطهراني بسامراء بالعراق.
الذريعة 3/368.
ـ تجويد القرآن.
سف الدين علي الشريفي، توجد منه نسخة في مكتبة السيد هبة الدين الشهرستاني وتاريخ كتابتها سنة 1001.
الذريعة 3/370.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ شرف الدين يحيى البحراني.
الذريعة 3/ 374.
ـ تجويد القرآن.
السيد عبد الجليل القارئ الحسيني/ وهو باللغة الفارسية.
الذريعة 3/369.
تجويد القرآن.
الشيخ عبد الحسين الطريحي/ المتوفى سنة 1295.
الذريعة 3/369.
ـ تجويد القرآن.
عبد الحق الجندي الشهير بآقامير قاري/ وهو باللغة الفارسية، تاريخه 1004هـ. توجد منه نسخة في الخزانة الغروية في النجف.
الذريعة 3/370.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ عبد النبي ابن الحاج أبي تراب/ المتوفى سنة 1354هـ، توجد منه نسخة في مكتبة السيد شهاب الدين المرعشي في قم المقدسة.
الذريعة 3/370.
ـ تجويد القرآن.
السيد علي ابن السيد علي النقوي النصير آبادي اللكهنوي/ المتوفى في كربلاء سنة 1259هـ.
الذريعة 3/370.
ـ تجويد القرآن.
السيد علي محمد بن السيد محمد النقوي/ المتوفى سنة 1312هـ.
الذريعة 3/371.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي المتوفى سنة 1130هـ.
الذريعة 3/373.
ـ تجويد القرآن.
علي بن نوروز علي التبريزي كان نسخته موجودة في مكتبة الشيخ محمد جعفر الخشتي سنة 1274.
الذريعة 3/373.
ـ تجويد القرآن.
عماد الدين علي بن عماد الدين علي بن نجم الدين الشريف القاري الآسترآبادي فرغ منه عام 952هـ.
الذريعة 3/371.
ـ تجويد القرآن.
محمد إبراهيم بن محمد علي الطبسي الخراساني.
الذريعة 3/362.
ـ تجويد القرآن.
محمد جعفر بن سيف الدين الأسترآبادي/ المتوفى سنة 1263هـ، باللغة الفارسية ويمتاز بالاختصار وهو موجود في مكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني بكربلاء.
الذريعة 3/365.
ـ تجويد القرآن.
السيد محمد جواد الحسيني العاملي/ المتوفى سنة 1226هـ، طبع في النجف الأشرف مرتب على إثني عشر فصلاً.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
محمد حسن بن علي القائيني.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
محمد زمان بن محمد طاهر التبريزي/ باللغة الفارسية طبع سنة 1319هـ.
الذريعة 3/366.
ـ تجويد القرآن.
الميرزا محمد بن سليمان التنكابني/ المتوفى سنة 1302.
الذريعة 3/373.
ـ تجويد القرآن.
محمد طاهر بن عرب الحافظ الأصفهاني.
معجم مؤلفي الشيعة/39، الذريعة 3/369.
ـ تجويد القرآن
مير محمد عباس الموسوي التستري المتوفى سنة 1306 الذريعة 3/369.
تجويد القرآن.
الشيخ محمد علي الشهير بـ(علي بن أبي طالب) الحزين الزاهدي الأصفهاني/ المتوفى سنة 1181.
الذريعة 3/370.
ـ تجويد القرآن.
السيد محمد بن علي بن محمد الحسيني الجرجاني… طبعت نسخته مع القرآن سنة 1286م.
الذريعة 3/373.
ـ تجويد القرآن.
محمد محسن بن سميع القاري الكرمانشاهي.
توجد نسخته في مكتبة سبهسالار بطهران.
الذريعة 3/373.
ـ تجويد القرآن.
السيد محمد ابن السيد معزّ الدين محمد المهدي الحسيني القزويني الحلّي/ المتوفى سنة 1335هـ.
الذريعة 3/374.
ـ تجويد القرآن.
الشيخ يعقوب بن إبراهيم البختياري/ المتوفى حدود سنة 1150هـ.
الذريعة 3/374.
ـ تجويد القرآن الكبير وتجويد القرآن الوسيط وتجويد القرآن الوجيز.
الشيخ محمد علي ابن الشيخ موسى بن جعفر بن محمود الأسدي النجفي.
الذريعة 3/370.
ـ التجويد وآداب التلاوة.
السيد داود العطار/ المتوفى عام 1983… طبع في بغداد بمطبعة المعارف سنة 1973.
ـ التحريف والتبديل.
محمد بن الحسن الصيرفي، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست وهو من أصحاب الصادق عليه السلام.
تأسيس الشيعة/ 334.
ـ تحصيل الاطمئنان في شرح زبدة البيان طبع منه مجلد كبير إلى أواسط كتاب الصلاة.
الأمير ابراهيم القزويني المتوفى سنة 1149.
الذريعة 4/239.
ـ تحفة الأحباب في بيان آيات الكتاب.
حيدر قلي خان سردار الكابلي… هذا الكتاب يتناول بيان سور القرآن وتعيين المكية منها والمدنية وتعداد الآيات وذكر الاختلافات وعدد لفظ الجلالة وغير ذلك مما يتعلق بالقرآن.
الذريعة 3/410.
ـ تحفة الأخوان في تقوية الإيمان أو في تفسير القرآن.
ينسب للشيخ فخر الدين الطريحي، أو للملا سعيد المرندي، يذكر في هذا الكتاب أسماء سور القرآن والأخبار الواردة في تفسير بعض الآيات النازلة في شأن العترة الطاهرة، نسخة منه في مكتبة السيد حسن الصدر وثانية عند الشيخ مشكور وثالثة عند الشيخ محمد صالح الجزائري.
الذريعة 3/415.
ـ تحفة الأخوان في نقد آلاء الرحمن للبلاغي.
الشيخ ضياء الدين الخالصي/ توفي 1370هـ.
مستدرك الأعيان 1/51.
ـ تحفة الإسراف في شرح تفسير الكشاف.
قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي المعروف بـ(القطب التحتاني)/ المتوفى بالمدرسة الظاهرية في ذي القعدة سنة 766هـ، وهو أكبر وأبسط من بحر الأصداف المتقدم.. وهو في مجلدين من أول القرآن إلى آخر سورة (طه) يوجدان في المكتبة الخديوية كما في فهارسها.
الذريعة 3/420.
ـ تحفة الخاقان في تفسير القرآن… (بالفارسية).
ميرزا محمد باقر بن محمد اللاهجي…
«ينوّع آيات القرآن على خمسة أنواع: 1 ـ آيات القصص. 2 ـ آيات الأحكام. 3 ـ آيات المعارف. 4 ـ آيات المواعظ. 5 ـ آيات القصص في مجلد كبير يقرب من خمسين ألف بيت، والمجلد موجود كان عند العالم الورع السيد محمد تقي ابن السيد محمد رضا ابن السيد يوسف بن محمد الحسيني الخراساني الأصفهاني النجفي/ المتوفى سنة 1350هـ (سامراء) ودفن في النجف الأشرف».
الذريعة 3/431.
ـ التحفة الغروية في القواعد القرآنية… (بالفارسية).
السيد حسن الساروي/ المتوفى في حدود 1351هـ.. في علم التجويد.
طبقات 1/434.
ـ تحفة المحسنين في تجويد القرآن.
محمد رضا ابن الحاج محب علي السبزواري/ المتوفى سنة 1055… ودفن في مشهد الإمام الرضا عليه السلام.
الذريعة 3/467.
ـ التحفة المحمدية.
الشيخ عبد الرضا التستري، وهو في خواص سور القرآن.
الذريعة 3/367.
ـ التحفة المحمدية في تجويد القرآن.
السيد محمود بن محمد العلوي الحسيني التبريزي، وقد ألفه سنة 1288هـ، وهو يحتوي على مقدمة وثمانية أبواب، وقد طبع بطهران باللغة الفارسية.
الذريعة 3/468.
ـ التحقيق في كلمات القرآن.
حسن مصطفوي، مطبوع.
مجلة دراسات وبحوث عدد 1 ص 105.
ـ التحقيق في نفي التحريف.
السيد علي ابن السيد نور الدين الميلاني، بحث في حلقات في نفي التحريف في القرآن حسب رأي علماء الأمامية القدامى والمعاصرين.
مجلة تراثنا الصادرة عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/ السنة الثانية العدد 1.
ـ تذييل مفتاح التفاسير.
السيد أحمد الزنجاني/ المولود سنة 1308هـ.
طبقات 1/116.
ـ التربية من خلال القرآن والسنّة.
السيد علي العلوي/ المتوفى عام 1402هـ، طبع في قم باللغة العربية.
جريدة لواء الصدر العدد 57 عام 1402هـ.
ـ التربية والتعليم في القرآن الكريم.
د. محمد جواد السهلاني، بحث ألقي في المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي، الذي عقد في طهران 1404هـ.
مجلة التوحيد عدد 9 السنة الثانية.
ـ ترجمان القرآن ـ في ترتيب لغات القرآن.
تاج الدين بن محمد إبراهيم الهاشمي.
الذريعة 4/72.
ـ ترجمان لغات القرآن.
السيد عباس شاه منصور خراساني.
طبع في حيدرآباد (الهند) سنة 1963 باللغات العربية ـ الفارسية والإنجليزية.
ـ ترجمة تاريخ القرآن.
أبو القاسم السحاب.
طبع بطهران سنة 1357هـ الذريعة 4/87.
ـ ترجمة الخواص في تفسير القرآن.
علي بن الحسن الزواري.
يشتمل على الأخبار الصادرة عن الأئمة.
الذريعة 4/101، أعيان الشيعة 8/186.
ـ ترجمة الدر النظيم في خواص القرآن العظيم.
أحمد بن محمد السكاكي الطبسي.
الذريعة 4/101.
ـ ترجمة فوائد القرآن.
محمد مرتضى ابن السيد حسن علي صاحب الحسيني الجنفوري، المتوفى سنة 1337هـ.
الذريعة 4/123.
ـ ترجمة القرآن.
علي محمد ابن سلطان العلماء النصير آبادي النقوي، المتوفى سن 1312هـ.
الذريعة 4/127.
ـ ترجمة القرآن.
علي محمد نقوي الكهنوي، المتوفى سنة 1312هـ.
طبقات أعلام الشيعة/ القسم 4/1/1566.
ـ ترجمة القرآن
مقبول أحمد الهندي المولود سنة 1340هـ معجم مؤلفي الشيعة/ 6069.
ـ ترجمة القرآن في شرائط الإيمان.
محمد تقي المعروف بآقا القزويني.
الذريعة 4/123.
ـ ترجمة القرآن الكريم.
محمد هادي معرفة.
طبع بالنجف سنة 1969م ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 386.
ـ ترجمة لغات القرآن.
السيد الشريف علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني، المولود سنة 740هـ.
الذريعة 4/71، الذريعة 4/131.
ـ الترغيب والترهيب في القرآن.
علي ذو الفقار شاكر.
برنامج قدمته إذاعة لندن في شهر رمضان عام 1407هـ.
ـ الترف في المنظار القرآني.
محسن عطوي.
بحث بمجلة المنطلق (لبنان ـ 1987م) ـ العدد/36.
ـ تسديد اللسان في تجويد القرآن.
حسن بن محمد حكيم الكرماني.
الذريعة 4/174.
ـ التعابير القرآنية والبيئة العربية في مشاهد القيامة.
ابتسام مرهون الصفار.
معجم الدراسات القرآنية/ 73.
ـ تعاليم القرآن المجيد.
محمد جواد باهنر المستشهد عام 1981م.
طبع بطهران سنة 1364هـ. ش باللغة الفارسية.
ـ تعدد الزوجات من خلال نظرة في آيات القرآن الكريم.
محسن عطوي.
طبع بمجلة المنطلق (لبنان عام 1407هـ)، العدد/35.
ـ التعرف على القرآن الكريم.
الشهيد مرتضى المطهري المستشهد بطهران عام 1980م.
يقع في 69 صفحة ونشرته منظمة الإعلام الإسلامي.
طبع بطهران سنة 1403هـ.
ـ تعليقات على آيات الأحكام.
إسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا المازندراني، المتوفى سنة 1173هـ.
أعيان الشيعة 2/118.
ـ تعليقات على القرآن المجيد.
نعمة الله الجزائري، المتوفى سنة 1112هـ.
الكنى والألقاب 2/331.
ـ تعليق على كتاب الوجيز في تفسير القرآن العزيز. «للشيخ علي محي الدين».
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. المتوفى سنة 1373هـ في كرند بإيران والمدفون بالنجف.
مجلة دراسات وبحوث عدد 1 ص 59 السنة الأولى.
ـ تعويد اللسان في تجويد القرآن.
أحمد بن الحسين بن محمد الجزائري.
باللغة الفارسية ـ الذريعة 4/227.
ـ التفسير.
إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم سعد بن مسعود الثقفي.
الفهرس/ 132، معالم العلماء/ 4.
ـ التفسير.
أحمد بن صبيح الأسدي.
تأسيس الشيعة/ 329، معالم العلماء/13.
ـ التفسير.
أحمد بن محمد النراقي.
أعيان الشيعة 10/252.
ـ التفسير.
الشيخ إسماعيل، المولود سنة 1295م.
طبقات أعلام الشيعة 1/163.
ـ التفسير.
الحسن بن محبوب الزرّاد الكوفي، المتوفى سنة 224هـ.
معالم العلماء/ 33.
ـ التفسير.
الحسين بن مخارق بن عبد الرحمن.
تأسيس الشيعة/ 330.
ـ التفسير.
زياد بن المنذر أبو الجارود.
الفهرست/ 102.
ـ التفسير.
علي بن بابويه، المتوفى سنة 323هـ.
تأسيس الشيعة/ 331.
ـ التفسير.
علي بن الحسن بن فضالة.
تأسيس الشيعة/ 330.
ـ التفسير.
الفضل بن شاذان النيسابوري.
الفهرست/ 155.
ـ التفسير.
محمد بن أورمة القمي.
تأسيس الشيعة/ 331.
ـ التفسير.
محمد بن الحسن بن الوليد القمي.
الفهرست/ 188.
ـ التفسير.
محمد بن العباس بن عيسى، المتوفى سنة 299هـ.
تأسيس الشيعة/ 331.
ـ تفسير آيات الأحكام وفق المذهب الجعفري والمذاهب الأخرى.
حسين الطباطبائي اليزدي.
طبع بالنجف سنة 1966م ـ معجم الدراسات القرآنية/ 134.
ـ تفسير آيات الأحكام ويسمى أحكام القرآن.
عباد بن عباس بن عباد الطالقاني، المتوفى سنة 385هـ.
الذريعة 4/234، معجم الأدباء 6/172.
ـ تفسير الآيات البينات.
مصطفى بن أحمد بن الحسين بن عبد الكريم الموسوي الجزائري، المولود سنة 1320هـ.
الذريعة 4/236.
ـ تفسير الآيات من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والتأويل.
محمد علي السنقري، المتوفى سنة 1378هـ.
طبقات أعلام الشيعة القسم 4 ـ 1/1566.
ـ تفسير الآيات النازلة في أمير المؤمنين عليه السلام.
محمد بن محمد بن النعمان التلعكبري البغدادي (الشيخ المفيد)، المتوفى سنة 413هـ.
الذريعة 12/183.
ـ تفسير آية ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾.
أحمد بن زين الدين الإحسائي، المتوفى سنة 1241هـ.
الذريعة 4/325.
ـ تفسير آية البسملة.
محمد حسين بن شمس الدين محمد النسابة.
الذريعة 4/325.
ـ تفسير آية البسملة.
الشيخ زين الدين العاملي الشهيد عام 966.
الذريعة 4/325.
ـ تفسير آية البسملة.
رشيد الدين الهمداني.
الذريعة 4/426.
ـ تفسير آية الخلافة وهي ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
ميرزا حسين بن محسن العلوي السبزواري المتوفى عام 1352.
الذريعة 4/326.
ـ تفسير آية ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنا إِثْنَتَيْنِ﴾.
عبد الحسين الأميني، المتوفى سنة 1970م.
الذريعة 4/327.
ـ تفسير آية ﴿سَبِّح اسم رَبِّكَ الأَعْلَى﴾.
عبد الحسين البروجردي، المتوفى سنة 1373هـ.
طبقات أعلام الشيعة القسم 3 ـ 1/1087.
ـ تفسير آية الشهادة المسمى (غاية الإفادة في أسرار الشهادة).
السيد عبد البرهان، المتوفى سنة 1380هـ.
طبقات أعلام الشيعة القسم 4 ـ 1/1196.
ـ تفسير آية ﴿وَلِلّه الأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾.
محمد تقي الهروي، المتوفى سنة 1299هـ.
طبقات أعلام الشيعة 2/214.
ـ تفسير آية الكرسي.
فخر الدين محمد بن الحسين الحسيني الأسترآبادي.
الذريعة 4/330.
ـ تفسير آي من القرآن الشريف.
إعجاز حسين الهندي، المتوفى سنة 1340هـ.
الذريعة 4/234.
ـ تفسير آية المودة.
غلام رضا اليزدي، المتوفى بعد 1361هـ.
في 12 جزءاً ـ طبقات أعلام الشيعة القسم 4 ـ 1/ 1656.
ـ تفسير آية المودة و﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾.
عبد الحسين شرف الدين، المتوفى سنة 1377هـ.
طبقات إعلام الشيعة القسم 3 ـ 1/1196.
ـ تفسير الآي التي نزلت في أقوامٍ بأعيانهم.
هشام بن محمد السائب الكلبي.
الفهرست لابن النديم/51.
ـ تفسير آية ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْها﴾.
عبد الحسين الأميني، المتوفى سنة 1970م.
ـ تفسير آية ﴿يَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾.
محمد حسن الأصفهاني، المتوفى سنة 1363هـ.
طبقات أعلام الشيعة 2/316.
ـ تفسير أبان بن تغلب.
أبان بن تغلب البكري، المتوفى عام 141هـ.
الذريعة 4/239.
ـ تفسير الشيخ أحمد العاملي.
أحمد بن الحسن بن علي الحر العاملي، كان حياً حتى سنة 1120هـ.
مذكور في ترجمته في آمل الآمل.
ـ تفسير ابن أسباط.
علي بن أسباط بن سالم الكوفي.
ذكر في رجال النجاشي، الذريعة 4/240.
ـ تفسير الأسترآبادي.
محمد جعفر الأسترآبادي، المتوفى سنة 1263هـ.
الذريعة 4/269.
ـ تفسير الأصفهاني.
محمد حسين بن محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني، المتوفى سنة 1308هـ.
الذريعة 4/272.
ـ تفسير الأطروشي.
الناصر للحق أبو محمد الأطروشي، المقتول سنة 342هـ.
الذريعة 4/261.
ـ التفسير الإلهي.
كمال الدين الحسين ابن الخواجة شرف الدين عبد الحق الأردبيلي، المتوفى سنة 950هـ.
ذكره صاحب كشف الظنون وصاحب رياض العلماء، الذريعة 4/261.
ـ تفسير إنكليزي.
الشيخ بادشاه حسين الهندي، المتوفى سنة 1356هـ.
الذريعة 4/262.
ـ تفسير الأئمة لهداية الأمة.
محمد رضا بن عبد الحسين النصيري الطوسي.
الذريعة 4/236.
ـ تفسير ابن بابويه.
علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المتوفى سنة 329هـ.
ذكر في رجال النجاشي، الذريعة 4/241.
ـ تفسير البرغاني.
محمد صالح بن محمد البرغاني. ضليع بالنجف عام 1960م.
ـ تفسير البرقي الصغير.
أحمد بن أبي عبدالله محمد بن خالد البرقي، المتوفى سنة 274 أو 280هـ.
الذريعة 4/263. وذكر في رجال النجاشي.
ـ تفسير البرقي الكبير.
أبو عبدالله محمد بن خالد بن عبد الرحمن الكوفي البرقي.
ذكر في رجال النجاشي، الذريعة 4/263.
ـ تفسير البرهان.
السيد هاشم البحراني من أكابر علماء الأمامية في البحرين وتفسيره مشهور طبع في إيران والعراق.
الذريعة 24/340.
ـ تفسير البروجردي.
محمد البروجردي، المتوفى سنة 1313هـ.
الذريعة 4/313.
ـ تفسير بسمل.
علي أكبر النواب، المتوفى سنة 1263هـ.
الذريعة 4/264.
ـ التفسير البسيط.
علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المتوفى سنة 468هـ.
الذريعة 4/264، ذكر في كشف الظنون.
ـ تفسير البصائر.
ظهير الدين أبو جعفر محمد بن محمد النيسابوري.
الذريعة 4/264.
ـ تفسير أبي بصير.
يحيى بن أبي قاسم الأسدي الراوي، المتوفى سنة 150هـ.
الذريعة 4/251.
ـ تفسير البطائني.
علي بن أبي حمزة البطائني الكوفي.
الذريعة 4/264.
ـ تفسير بعض سور القرآن.
السيد مهدي الشهرستاني، المتوفى سنة 1216هـ.
معارف الرجال 2/86، تراث كربلاء/ 264.
ـ التفسير بالمأثور.
علي أصغر بن محمد حسن القائيني البيرجندي، المتوفى بعد سنة 1300هـ.
الذريعة 4/265.
ـ تفسير البهائي. تفسير وترجمة بالفارسية مع ذكر بعض الأحاديث المروية.
بهاء الدين الهندي.
طبع بالهند عام 1301هـ.
الذريعة 4/265.
ـ تفسير البهبهاني.
علي بن قطب الدين الهبهاني، المتوفى سنة 1206هـ.
ـ تفسير بهجة التنزيل في التفسير والتأويل.
حسين علم الهدى بن هبة الدين الرضوي الكاشاني.
الذريعة 4/265.
ـ تفسير البيهقي.
أبو الحسن علي بن أبي القاسم بن زيد البيهقي، المتوفى سنة 565هـ.
الذريعة 4/266.
ـ تفسير التجلي.
علي رضا بن كمال الدين حسين الأردكاني الشيرازي، المتوفى سنة 1085هـ.
الذريعة 4/267.
ـ تفسير التربتي.
علي أكبر التربتي الخراساني ـ المتوفى سنة 1331هـ.
الذريعة 4/294.
ـ تفسير التفليسي.
حسين العارف المشهور بالتفليسي.
الذريعة 4/267.
ـ تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان.
السيد محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي.
طبع في 30 جزءاً.
ـ تفسير التنكابني.
محمد بن سليمان التنكابني، المتوفى سنة 1032هـ.
الذريعة 4/268.
ـ تفسير التكميل.
مرتضى حسين الخطيب الإله آبادي الهندي.
تفسير آية ﴿اليَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ﴾.
الذريعة 4/267.
ـ تفسير الثقفي.
إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي، المتوفى 283هـ.
الذريعة 4/267.
ـ تفسير ابن أبي ثلج.
محمد بن أحمد، المتوفى سنة 325هـ.
ذكر في فهرست ابن الند، الذريعة 4/240.
ـ تفسير جابر الجعفي.
جابر بن يزيد الجعفي التابعي، المتوفى سنة 127 أو 132هـ.
ذكر في الرجال للنجاشي، الذريعة 4/267.
ـ تفسير أبي الجارود.
زياد بن منذر، المتوفى سنة 150هـ.
ذكر في فهرست ابن لنديم، الذريعة 4/251.
ـ تفسير جامع العلوم.
علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني الباقولي.
ذكر في الرجال للنجاشي، الذريعة 4/267.
ـ تفسير الجامي.
عبد الرحمن بن أحمد النحوي، المتوفى سنة 897هـ.
ذكر صاحب كشف الظنون، الذريعة 4/269.
ـ تفسير الجرجي.
سليمان الجرجي ـ الذريعة 4/269.
ـ تفسير الجريري.
علي وهيب بن حفص الجريري ـ ذكره النجاشي في الرجال، الذريعة 4/269.
ـ تفسير جعفر الصادق عليه السلام.
الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، المتوفى سنة 148هـ ـ معجم الدراسات القرآنية/145.
ـ تفسير جمشيد.
غياث الدين جمشيد الزواري ـ الذريعة 4/270.
ـ تفسير أبي جنادة السلولي.
الحسين بن مخارق بن عبد الرحمن ـ الذريعة 4/252.
ـ تفسير الجوالقي.
هشام بن سالم الجوالقي ـ الذريعة 4/270.
ـ تفسير حدائق الحقائق.
معين الدين فراهي الهروي. ـ طبع بطهران سنة 1346هـ.
ـ التفسير الحديث.
محمد تقي شريعتي، المتوفى سنة 1407هـ ـ كيهان العربي (مجلة تصدر بإيران) ـ العدد 1054 ـ سنة 1987م.
ـ تفسير الحمد والبقرة.
علي بن الحسين الشريف المرتضى ـ أعيان الشيعة 8/219.
ـ تفسير أبي حمزة الثمالي.
ثابت بن أبي صفية دينار الثمالي، المتوفى سنة 150هـ ـ الذريعة 4/252.
ـ تفسير الحويزي.
فرج الله بن محمد بن درويش الحويزي ـ الذريعة 4/297.
ـ تفسير الخالصي.
الشيخ محمد الخالصي ـ بحوث طبعت في (مجلة مدينة العلم) التي صدرت سنة 1954م. عن جامعة مدينة العلم في الكاظمية.
ـ تفسير ابن خواتون.
محمد رضا بن خواتون الأصفهاني ـ الذريعة 4/243.
ـ تفسير ابن دؤل.
أحمد بن محمد بن محمد حسين بن دؤل، المتوفى سنة 350هـ ـ الذريعة 4/243.
ـ تفسير الديلمي.
الحسن بن أبي الحسن الديلمي. الذريعة 4/271.
ـ تفسير أبي روق.
عطية بن حارث الهمداني الكوفي التابعي. الذريعة 4/253.
ـ تفسير الزنجاني.
آقا فتح علي الزنجاني، المتوفى سنة 1338هـ ـ الذريعة 4/297.
ـ تفسير الزيني.
محمد بن أحمد بن زين الدين الحسيني الحسني البغدادي النجفي، المتوفى سنة 1216هـ ـ الذريعة 4/276.
ـ تفسير سعيد بن جبير.
سعيد بن جبير ـ تأسيس الشيعة/ 322.
ـ تفسير سورة آل عمران ويوسف والأنبياء.
علي البختياري، المتوفى سنة 1312هـ ـ طبقات أعلام الشيعة ـ قسم 4 ـ ج 1/ 1337.
ـ تفسير سورة الإخلاص.
حبيب الله الكاشاني ـ أدب الطف 9/46.
ـ تفسير سورة الإخلاص.
الحسين بن عبدالله بن سينا، المتوفى سنة 427.
ـ تراثنا 4/103. (مجلة) لسنة 1406.
ـ تفسير سورة الإخلاص.
محمد علي الأردبادي، المتوفى سنة 1380هـ ـ مجلة تراثنا 4/207 ـ سنة 1406هـ.
ـ تفسير سورة الإخلاص.
السيد مهدي القزويني، المتوفى سنة 1300هـ ـ أعيان الشيعة ج 45/127.
ـ تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين.
محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة 672هـ ـ أعيان الشيعة ج 46/17.
ـ تفسير سورة الأنبياء.
أحمد بن رضا الهندي ـ طبقات أعلام الشيعة 1/100.
ـ تفسير سورة الحديد.
عبد الحسين دستغيب، المستشهد سنة 1982م ـ الذنوب الكبيرة 1/5.
ـ تفسير سورة الحمد.
آية الله السيد روح الله الخميني ـ طبع بالفارسية بطهران.
ـ تفسير سورة العصر.
محمد بن محمد الحسن الطوسي، المتوفى سنة 672هـ ـ أعيان الشيعة 46/17.
ـ تفسير سورة العصر.
السيد موسى الصدر ـ مجلة أمل (لبنان) ـ العدد 397 ـ السنة 1985م.
ـ تفسير سورة الفاتحة.
ملا حبيب الكاشاني، المتوفى سنة 1340هـ ـ أدب الطف 9/46.
ـ تفسير سورة الفاتحة.
مهدي القزويني، المتوفى سنة 1300هـ ـ أعيان الشيعة 45/127.
ـ تفسير سورة الفاتحة والحديد وآية الكرسي.
محمد صالح الحائري ـ طبقات أعلام الشيعة ـ قسم 3 ـ الجزء 1/936.
ـ تفسير سورة الفتح.
حبيب الكاشاني، المتوفى سنة 1340هـ ـ أدب الطف 9/46.
ـ تفسير سورة الفجر.
أحمد بن الحسن الواعظي المشهدي اليزدي ـ معجم مؤلفي الشيعة /656.
ـ تفسير سورة الفلق.
الحسين بن عبدالله بن سينا ـ مجلة تراثنا 4/103 سنة 1406هـ.
ـ تفسير سورة القدر.
مهدي القزيني، المتوفى سنة 1300هـ ـ أعيان الشيعة 45/127.
ـ تفسير سورة الملك.
مرتضى المطهري. المستشهد عام 1980 بطهران ـ مجلة المنطلق اللبنانية في سنة 1405هـ.
ـ تفسير سورة الناس.
الحسين بن عبدالله بن سينا، المتوفى سنة 427هـ ـ مجلة تراثنا العدد 4/103 ـ لسنة 1406هـ.
ـ تفسير سورة ﴿هَلْ أّتَى…﴾.
محمد علي بن عبدالله الزاهدي ـ أعيان الشيعة 46/135.
ـ تفسير سورة الواقعة (بالفارسية).
عبدالله بن عيسى الأفندي، المتوفى سنة 1130هـ.
ـ تفسير سورة الواقعة.
هبة الدين الشهرستاني، المتوفى سنة 1386هـ.
طبقات أعلام الشيعة قم 4/1/1418.
ـ تفسير سورة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
محمد إبراهيم بن غياث الدين محمد الخوارزمي ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 35.
ـ تفسير سورة يس.
عبد الحسين دست غيب، المستشهد عام 1982م.
ـ الذنوب الكبيرة 1/5.
ـ تفسير سورة يس.
محمد علي الأونساري ـ أعيان الشيعة 46/100، طبقات أعلام الشيعة 4 ـ 1/ 1341.
ـ تفسير سورة يوسف.
محمد هادي بن أبي الحسن الشريف النائيني ـ ألف سنة 1243هـ.
ـ تفسير الشاهرودي.
محمد علي بن محمد كاظم الشاهرودي، المتوفى سنة 1293هـ ـ الذريعة 4/277.
ـ التفسير الشاهي.
أبو الفتح الشريفي الحسيني ابن الميرزا مخدوم ابن السيد محمد بن المحقق الشريف الجرجاني، المتوفى سنة 976هـ.
الكنى والألقاب 2/468.
ـ تفسير ابن أبي شعبة.
محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، المتوفى سنة 333هـ ـ الذريعة 4/240.
ـ تفسير الصافي.
محمد بن مرتضى الفيض الكاشاني، المتوفى سنة 1091هـ.
ـ تفسير ابن صبيح.
أحمد بن صبيح الأسدي الكوفي ـ الذريعة 4/243.
ـ تفسير الملا صدرا.
محمد بن إبراهيم الشيرازي، توفى سنة 1050هـ.
ـ الذريعة 4/279.
ـ تفسير الصدوق.
الشيخ الصدوق، توفى سنة 381هـ ـ الذريعة 4/279.
ـ تفسير أبي الصلت.
عبدالله بن الصلت التيمي ـ الذريعة 4/243.
ـ تفسير الشيخ الطريحي.
عبد الحسين بن علاء الدين الطريحي النجفي، المتوفى سنة 1295هـ ـ الذريعة 4/281.
ـ تفسير ابن عبدك.
محمد بن علي بن عبدك الجرجاني ـ ذكر في فهرست الطوسي ـ الذريعة 4/244.
ـ تفسير عز الدين.
عز الدين علي بن فضل الله الحسيني الراوندي ـ الذريعة 4/282.
ـ تفسير ابن عقدة.
أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة الزيدي الجارودي، المتوفى سنة 333هـ الذريعة 4/245.
ـ تفسير على بعض الآيات الشريفة.
محمد بن الحسن الحر العاملي مقدمة أمل الآمل 1/33.
ـ تفسري الشيخ عمران.
عمران بن أحمد دعيبل الخفاجي النجفي، المتوفى سنة 1328هـ ـ الذريعة 4/295.
ـ تفسير غريب القرآن.
فخر الدين الطريحي. المتوفى سنة 1085هـ ـ طبع في النجف بتحقيق الأستاذ محمد كاظم الطريحي، وأعيد طبعه عدة مرّات في لبنان وإيران.
ـ تفسير غياث بن إبراهيم.
الذريعة 4/296.
ـ تفسير الأمير غياث الدين منصور.
غياث الدين منصور بن صدر الدين الحسيني الدشتكي الشيرازي، المتوفى سنة 948هـ ـ الذريعة 4/296.
ـ تفسير الفاضل الهندي.
ـ بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن بن محمد الأصفهاني، المتوفى سنة 1135هـ ـ الذريعة 4/296.
ـ تفسير أبي الفتح الديلمي.
الناصر بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبدالله، المقتول سنة 444هـ ـ الذريعة 4/255.
ـ تفسير أبي الفرج النهرواني.
المعافي بن زكريا بن يحيى بن حميد النهرواني، المتوفى سنة 390هـ ـ الذريعة 4/256.
تفسير ابن فضال.
الحسن بن علي بن فضال الكوفي، المتوفى سنة 224هـ الذريعة 4/245.
ـ تفسير أبي الفضل الديلمي.
أبو الفضل بن شهر دوير بن بهاء الدين الديلمي ـ الذريعة 4/256.
ـ تفسير القاربوز آبادي.
على القزويني القاربوز آبادي، المتوفى سنة 1338هـ ـ الذريعة 4/297.
تفسير أبي القاسم العلوي.
علي بن احمد العلوي الكوفي،المتوفي سنة 352 هـ الذريعة 4/258.
ـ تفسير القاضي محمد إبراهيمي.
محمد إبراهيمي، المتوفى سنة 1160هـ ـ الذريعة 4/240.
ـ تفسير قتيبة.
قتيبة بن أحمد بن شريح البخاري، المتوفى سنة 316هـ. الذريعة 4/130. وذكره صاحب كشف الظنون والسيوطي في البغية.
ـ تفسير القرآن.
أحمد بن الحسن بن علي الحر العاملي ـ أعيان الشيعة 4/483، أمل الآمل 1/31.
ـ تفسير القرآن.
أحمد بن محمد بن دؤل القمي، توفي سنة 350 هـ ـ تأسيس الشيعة/ 332.
ـ تفسير القرآن.
أحمد بن محمد علي بن محمد باقر الوحيد البهبهاني، المتوفى سنة 1213هـ ـ الكنى والألقاب 2/110.
ـ تفسير القرآن.
برهان الدين إبراهيم بن حسن الششتري، المتوفى سنة 915هـ ـ أعيان الشيعة 2/128.
ـ تفسير القرآن.
بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي الكنى والألقاب 2/18.
ـ تفسير القرآن.
بهاء الدين محمد بن تاج الدين حسن الفاضل الهندي الأصفهاني ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 36.
ـ تفسير القرآن.
ثابت بن دينار (أبو حمزة الثمالي)، المتوفى سنة 976هـ الكنى والألقاب 2/468.
ـ تفسير القرآن.
جابر بن الجعفي التابعي توفى 127هـ.
تأسيس الشيعة/ 326.
ـ تفسير القرآن.
حسن الجاشي النصير آبادي، توفى سنة 1348هـ.
ـ طبقات أعلام الشيعة 1/428.
ـ تفسير القرآن.
حسن صفي علي شاه بن محمد باقر الأصفهاني، المتوفى سنة 1316هـ: معجم مؤلفي الشيعة/ 32.
ـ تفسير القرآن (مجلد كبير).
حسين ابن السيد رضا البروجردي، المتوفى سنة 1276هـ ـ أعيان الشيعة 6/18، طبقات أعلام الشيعة 2/392.
ـ تفسير القرآن.
الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران ـ الفهرست للطوسي/ 87، تأسيس الشيعة/ 328.
ـ تفسير القرآن.
حسين الطباطبائي القاضي، المتوفى سنة 1314هـ طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/ 1566.
ـ تفسير القرآن.
سعيد بن مسعدة المجاشعي ـ أعيان الشيعة 4/249.
ـ تفسير القرآن.
السيد سليمان بن علي الحلو المتوفى عام 1308هـ.
ـ مشهد الإمام 3/134. ومعجم رجال الفكر/ 135.
ـ تفسير القرآن.
عباس علي كيوان القزويني ـ طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/116.
ـ تفسير القرآن.
عبد الباقي الخطاط الصوفي التبريزي، 1026هـ سنة وفاته ـ أعيان الشيعة /88.
ـ تفسير القرآن.
عبد الحسين البروجردي طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/1087.
ـ تفسير القرآن.
عبدالله الستري ـ أدب الطف 10/31.
ـ تفسير القرآن.
عبدالله بن الصلت أبو طالب التيمي ـ تأسيس الشيعة/ 332.
ـ تفسير القرآن.
عبدالله بن عباس البحراني، توفي سنة 1270هـ ـ أعيان الشيعة 38/125.
ـ تفسير القرآن.
علي بن أحمد الكوفي، المتوفى سنة 552هـ ـ تأسيس الشيعة/331.
ـ تفسير القرآن.
علي بن أسباط بن سالم ـ تأسيس الشيعة/ 329.
ـ تفسير القرآن.
علي بن أبي حمزة البطائني ـ تأسيس الشيعة/ 327.
ـ تفسير القرآن.
علي بن مهزيار الأهوازي ـ تأسيس الشيعة/329.
ـ تفسير القرآن.
علي نقي التقوي ـ طبع سنة 1395هـ. يحوي (10) مجلدات باللغة الأوردية.
ـ تفسير القرآن.
فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي ـ أعيان الشيعة 42/271، تأسيس الشيعة/ 332.
ـ تفسير القرآن.
أبو الفضل بن شهر دوير بن بهاء الدين يوسف الديلمي بن أبي القاسم الديلمي الجيلاني ـ أعيان الشيعة 53/85.
ـ تفسير القرآن.
أبو القاسم الأصفهاني، توفي سنة 1302هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 2/51.
ـ تفسير القرآن.
قطب الدين أبو الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن بن عيسى ـ دراسات وبحوث سنة 1 ـ 2/52.
ـ تفسير القرآن (لم يذكر عنوانه).
كاصد ياسر الزيدي.
ـ تفسير القرآن. (بالفارسية).
كمال الدين حسين ابن الخواجة شرف الدين عبد الحق الأردبيلي، المتوفى سنة 950هـ ـ أعيان الشيعة 6/53.
ـ تفسير القرآن.
لطف الله الأرزاني ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 21.
ـ تفسير القرآن.
محمد إبراهيمي المتوفى بأصفهان عام 1160هـ توجد نسخته في مكتبة السيد المرعشي في قم الذريعة 4/240.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن أرومة القمي ـ ذكره النجاشي في رجاله، الذريعة 4/241.
ـ تفسير القرآن الدكتور محمد بهشتي. المستشهد عام 1981م ـ هو محاضرات في تفسير القرآن كان الشهيد يلقيها في مناسبات إسلامية.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ تأسيس الشيعة/ 332.
ـ تفسير القرآن.
محمد حسين بن محمد باقر النجفي الأصفهاني ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 38.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن حسين بن محمد مفيد القمي ـ الكنى والألقاب 3/53.
ـ تفسير القرآن.
محمد رضا الحسيني ـ يقع في (30) مجلداً، وذكر في آمل الآمل.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن علي بن آغا التريزي التوحيدي، المولود سنة 1347هـ ـ معجم رجال الفكر/ 94 أو 84.
ـ تفسير القرآن.
محمد علي الأردبادي ـ طبقات أعلام الشيعة 4 ـ 1/1336.
ـ تفسير القرآن.
محمد علي التسخيري ومحمد سعيد النعماني ـ طبع في مجلة التوحيد الصادرة عن منظمة الإعلام الإسلامي في طهران وفي كل أعداد المجلة.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن علي بن عبد بن الجرجاني.
تأسيس الشيعة/333.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن مسعود بن محمد بن العياش ـ الفهرست/167، الذريعة 3/56.
ـ تفسير القرآن.
محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ـ الفهرست/171.
ـ تفسير القرآن. (محاضرات عامة وخاصة).
الشهيد مرتضى مطهري.
ـ تفسير القرآن الكريم.
السيد مصطفى الخميني. المتوفى عام 1979 في النجف. وقد طبع في أربعة أجزاء ضخمة ولم يكمل تفسير القرآن بسبب حادث وفاته. طبع في إيران عن وزارة الإرشاد الإسلامي ولم تذكر سنة الطبع.
ـ تفسير القرآن.
مصطفى الكاشاني، المتوفى سنة 1336هـ ـ معارف الرجال 3/16.
ـ تفسير القرآن.
أبو منصور الصرام النيسابوري. تأسيس الشيعة/ 333، الفهرست/ 225، أعيان الشيعة 7/236.
ـ تفسير القرآن.
ناصر خسرو، توفي سنة 481هـ ـ أعيان الشيعة 10/215 و/117.
ـ تفسير القرآن.
وهيب بن حفص الجريري ـ تأسيس الشيعة/ 328.
ـ تفسير القرآن.
أبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي ـ تأسيس الشيعة/327.
ـ تفسير القرآن.
يونس بن عبد الرحمن ـ تأسيس الشيعة/ 328.
ـ تفسير القرآن بالقرآن.
أبي آزار الشيرازي ـ طبع بمجلة المنطلق اللبنانية عدده 5 ـ سنة 1404هـ.
ـ تفسير القرآن الجامع الكبير.
محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق) ـ أعيان الشيعة 53/8.
ـ تفسير القرآن عن أهل البيت عليهم السلام.
أبو الفضل سلمة بن الخطاب القمي ـ تأسيس الشيعة/ 333.
ـ تفسير القرآن عن الصحابة.
عبد العزيز بن يحيى الجلودي ـ تأسيس الشيعة/ 329، الفهرست/ 46.
ـ تفسير القرآن عن ابن عباس.
عبد العزيز بن يحيى الجلودي ـ تأسيس الشيعة/ 329، الفهرست 46.
ـ تفسير القرآن عن علي عليه السلام.
عبد العزيز بن يحيى الجلودي. تأسيس الشيعة/ 329، الفهرست/ 46.
ـ تفسير القرآن الكريم.
حسين واعظ كاشفي ـ طبع بالهند (بومباي) عام 1279هـ.
ـ تفسير القرآن الكريم.
محمد بن حسين بن باقر النجفي الأصفهاني، المتوفى سنة 1308هـ ـ معجم رجال الفكر والأدب/ 36.
ـ تفسير القرآن المرتب منهج لليسر التربوي.
أسعد علي ـ طبع بـ بيروت (دار السؤال) ـ عام 1979م.
ـ تفسير القرآن من أوله إلى ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ الأنعام.
ـ علي آغا بن حسين الطباطبائي القاضي، توفي سنة 1314هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 4 ـ 1/1566.
ـ التفسير القرآني واللغة الصوفية في فلسفة ابن سينا.
حسن عاصي ـ طبع بلبنان عام 1983م.
ـ تفسير ﴿قُلْ تَعَالَوا أَتْلُ﴾.
علي بن الحسين الشريف المرتضى ـ أعيان الشيعة 8/219.
ـ تفسير الكاشاني.
حسين بن محمد بن الحسين الحسيني الكاشاني، المتوفى سنة 1285 هـ الذريعة 4/372 و4/276.
ـ تفسير كبير.
إبراهيم الأصفهاني المشتهر بالقاضي، المتوفى سنة 1160هـ ـ أعيان الشيعة 8/53.
ـ التفسير الكبير.
أبو الحسن بن محمد البحراني، توفي سنة 1193هـ أعيان الشيعة 53/59.
ـ التفسير الكبير.
محمد بن العباس بن علي بن مروان المعروف بابن الحجام ـ الفهرست للطوسي/ 181 ـ أعيان الشيعة 45/263.
ـ التفسير الكبير.
ميرزا محمد علي القراجة داغي ـ أعيان الشيعة 46/100.
ـ التفسير الكبير.
ناصر الحق الأطروشي ـ تأسيس الشيعة/338.
ـ التفسير الكبير المعروف بتفسير قتيبة.
قتيبة بن أحمد بن شريح البخاري ـ ذكره صاحب كشف الظنون، تأسيس الشيعة/ 342.
ـ تفسير الكعبي.
أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، المتوفى سنة 317هـ ـ الذريعة 4/311.
ـ تفسير ميرزا لطف علي.
لطف علي بن أحمد لطف علي الغاني التبريزي، المتوفى سنة 1262هـ ـ الذريعة 4/312.
ـ تفسير لوامع التنزيل.
أبو القاسم بن حسين بن علي نقي الرضوي اليزدي الهندي الكشميري ـ أعيان الشيعة 7/110.
ـ تفسير ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذينَ ءَامَنُوا﴾ علي بن الحسين الشريف المرتضى ـ أعيان الشيعة 8/219.
ـ تفسير الشيخ مبارك بن خضر اليماني الهندي.
المتوفى سنة 1001هـ ـ الذريعة 4/312.
ـ التفسير المبين.
الشيخ محمد جواد مغنية المتوفى سنة 1980 ـ مجلد واحد ضخم، طبع بـ بيروت عام 1983م/1404هـ.
ـ تفسير ابن محبوب.
الحسن بن محبوب الزرّاد، المتوفى سنة 224هـ ـ الذريعة 4/248.
ـ تفسير المحكم والمتشابه.
الشريف المرتضى ـ الذريعة 4/314.
ـ تفسير الأمير محمد إسماعيل.
محمد إسماعيل بن محمد باقر بن إسماعيل بن عماد الدين الحسيني الأفطسي، توفي سنة 176هـ ـ الذريعة 4/261.
ـ تفسير السيد محمد رضا الشبر.
محمد رضا الشبر ـ الذريعة 4/275.
ـ تفسير مختصر مكتوب على حواشي القرآن الكريم.
السيد مصطفى الكاشاني، المتوفى سنة 1336هـ ـ أعيان الشيعة 45/75.
ـ تفسير المرقاني.
يوسف بن الحسن بن أبي القاسم الديلمي المرقاني ـ الذريعة 4/314.
ـ تفسير أبي مسلم الأصفهاني.
محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن مهرايزاد الأصفهاني، المتوفى سنة 459هـ ـ الذريعة 4/258.
ـ تفسير مشكلات القرآن.
أحمد المراغي، المتوفى سنة 1310هـ ـ طبقات اعلام الشيعة 1/114.
ـ تفسير ابن مطر.
حسين بن مطر الجزائري ـ الذريعة 4/248.
ـ تفسير المظفر.
المظفر بن علي بن الحسن الهمداني ـ الذريعة 4/314.
ـ تفسير ميرزا أبي المعالي.
أبو المعالي بن محمد إبراهيم الكلباسي، المتوفى سنة 1315 هـ ـ الذريعة 4/258.
ـ تفسير معاني القرآن.
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أسلم الجعفي الكوفي ـ ذكره النجاشي في رجاله، الذريعة 4/278.
ـ تفسير معاني القرآن وتسمية أصناف كلامه المجيد.
محمد بن أحمد بن إبراهيم الجعفي الكوفي المعروف بالصابوني ـ تأسيس الشيعة/ 335.
ـ التفسير المعين للواعظين والمتعظين.
محمد هويدي ـ طبع ببيروت عام 1407هـ ـ (بمطبعة القارئ).
ـ تفسير أبي منصور الصرام.
أبو منصور الصرام ـ الذريعة 4/258.
ـ تفسير ابن مهزيار.
علي بن مهزيار الدورقي الأهوازي ـ الذريعة 4/249.
ـ التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
جعفر سبحاني ـ معجم رجال الفكر والأدب/36.
ـ تفسير ابن النجار
عيسى بن داود النجار الكوفي ـ الذريعة 4/249.
ـ تفسير النحوي.
محسن القزويني الطالقاني النحوي ـ الذريعة 4/213.
ـ تفسير النعماني.
محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ـ تأسيس الشيعة/ 313.
ـ تفسير ابن أبي نعيم.
الفضل بن دكين ـ فهرست ابن النديم/ 51.
ـ تفسير نهج البيان عن كشف معاني القرآن.
محمد بن الحسن الشيباني ـ تأسيس الشيعة/335.
ـ تفسير (هل أتى على الإنسان حين من الدهر).
أحمد بن زين الدين الإحسائي، المتوفى سنة 1241هـ.
ـ تفسير ابن همام الصنعاني.
عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني، المتوفى سنة 211هـ ـ الذريعة 4/250.
ـ تفسير ابن أبي هند.
داود بن دينار السرخي، المتوفى سنة 139هـ ـ الفهرست لابن النديم/ 51.
ـ تفسير الواعظ الطهراني.
محمد بن محمد رضا بن علي نقي بن رضا الواعظ الطهراني، المتوفى سنة 1351 هـ ـ الذريعة 4/313.
ـ تفسير وجيز.
بهاء الدين العاملي، المتوفى سنة 1030هـ ـ بهاء الدين العاملي/46.
ـ تفسير ابن الوليد.
محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، المتوفى سنة 343هـ ـ ذكره النجاشي في رجاله، الذريعة 4/250.
ـ تفسير أبي يعلي الجعفري.
محمد بن الحسن بن علي الحر العاملي ـ الذريعة 4/259.
ـ التفكر في القرآن.
الشيخ مرتضى المطهري المستشهد بطهران عام 1980م.
ـ تفنيد قول العوام بقدم الكلام ـ في تفنيد القول بقدم القرآن الكريم.
الشيخ محسن المعروف بآقابزرك الطهراني، المتوفى سنة 1969م. ألفه سنة 1359هـ بالتماس من السيد جعفر الأعرجي الموصلي ـ الذريعة 4/361.
ـ تقديس القرآن.
حيدر حسين الهندي ـ طبع باللغة الأوردية رد فيه على فرقة من القائلين بالتناسخ. الذريعة 4/364.
ـ تقديس القرآن.
غلام حسنين الباني بتي، المتوفى عام 1337هـ ـ الذريعة 4/364، معجم مؤلفي الشيعة/665.
ـ تقريب الأفهام في تفسير آيات الأحكام.
محمد قلي الهندي، المتوفى سنة 1235هـ ـ الذريعة 4/202، مقدمة عبقات الأنوار 1/24 ـ الطبعة الأولى.
ـ تقريب القرآن إلى الأذهان.
السيد محمد الحسيني الشيرازي ـ طبع عدة مرّات في ثلاثين جزءاً وضمن عشرة مجلدات ـ بيروت مؤسسة الوفاء.
ـ تقريضات المشاهير في لوامع التنزيل.
علي النقوي الرضوي، المتوفى سنة 1334هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 1/1339.
ـ التقوى في القرآن والسنة.
بحث نشر في مجلة المنطلق اللبنانية عدد 35 سنة 1407هـ.
ـ تكملة زبدة البيان في شرح آيات قصص القرآن.
محمد بن محمود بن علي الطبسي، المتوفى سنة 1093هـ ـ الذريعة 4/414.
ـ تلخيص البيان في مجازات القرآن.
الشريف الرضي ـ طبع بغداد (1329هـ).
ـ التمهيد في علوم القرآن.
محمد هادي معرفة ـ طبع ببيروت مؤسسة الأعلمي وبقم 1396هـ، تاريخ القرآن وعلومه/ 354.
ـ التنزيل.
محمد بن مسعود بن عياش السمرقندي ـ الذريعة 4/454.
ـ التنزيل عن ابن عباس…
عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصر، المتوفى سنة 332هـ ـ الذريعة 4/454.
ـ التنزيل من القرآن والتحريف (التنزيل في القرآن).
علي بن الحسن بن فضال ـ تأسيس الشيعة/ 335.
ـ التنزيل والتعبير.
محمد بن خالد البرقي ـ أعيان الشيعة 1/128.
ـ التنزيه وذكر متشابه القرآن.
محمد الحسن بن موسى النوبختي، المتوفى سنة 310هـ ـ الذريعة 4/450.
ـ تهذيب البيان في ترتيب القرآن.
بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي (البهائي)، المتوفى سنة 1130هـ ـ معجم الدراسات القرآنية/ 369.
ـ تواتر القرآن.
محمد بن الحسن الحر العاملي ـ أمل الآمل 1/31.
ـ توجيهات القرآن الكريم.
علي العلوي، المتوفى سنة 1402هـ ـ طبع بالفارسية بقم.
ـ توحيد القرآن. مطبوع.
محمد هارون الزنجفوري الهندي المتوفى عام 1339م ـ الذريعة 4/484.
ـ التوحيد والشرك في القرآن الكريم.
الشيخ جعفر السبحاني ـ طبع بدار التعارف في بيروت عام 1987م.
ـ توشيح التفسير.
محمد بن سلمان التنكابني، المتوفى سنة 1302هـ.
ـ الذريعة 4/489.
ـ توضيح الآيات.
محمد تقي بن محمد حسين الكاشاني، المتوفى سنة 1321 هـ ـ الذريعة 4/489.
ـ التوضيح المجيد في تفسير كلام الله المجيد.
علي بن دلدار اللكهنوي الهندي، المتوفى سنة 1259هـ ـ أعيان الشيعة 8/240.
ـ التنوير في التفسير.
أبو علي محمد بن الحسن بن علي بن أحمد النيسابوري (الفتال) ـ الكنى والألقاب 3/12.
ـ تفسير البيان في تخريج آيات القرآن.
أحمد المعروف بخان داود الذريعة 4/489.
ـ تيسير المرام لتفسير الكلام.
محمد بن سلطان محمد الأردبيلي ـ الذريعة 4/517.
ـ التيسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
العلامة الحلي الحسن بن المطهر. الذريعة 4/517.
حرف الثاء
ـ ثقافة قرآنية (سورة زلزلة).
محمد توفيق المقداد ـ بحث بمجلة الوحدة الإسلامية (بيروت) عدد 70 ـ السنة 4 ـ 1988م.
ـ الثقلان الكتاب والعترة.
الشيخ محمد حسين بن محمد المظفر، المتوفى عام 1381هـ ـ طبع بالنجف الأشرف.
ـ ثواب إنا أنزلناه.
أبو الحسن علي بن أبي صالح الملقب ببزرج ـ الذريعة 5/18.
ـ ثواب القرآن.
أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد علي البرقي ـ الفهرست للطوسي/48، ومعالم العلماء/12.
ـ ثواب القرآن.
إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني ـ الفهرست للطوسي/48، معالم العلماء/8.
ـ ثواب القرآن.
الشريف ابو عبدالله الجواني محمد بن الحسن المنتهي نسبة إلى الإمام السجاد عليه السلام. الذريعة 5/19.
ـ ثواب القرآن.
أبو عبدالله السياري أحمد بن محمد بن سيار البصري. الفهرست/51 ومعالم العلماء/13.
ـ ثواب القرآن.
أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة بن صفوان الجمّال. المعروف بالشيخ الصفواني تلميذ الشيخ الكليني ـ الذريعة 5/19.
ـ ثواب القرآن.
أبو عبدالله محمد بن حسان الرازي ـ الذريعة 5/19.
ـ ثواب القرآن علي محمد علي دخيل ـ طبع ضمن كتاب ثواب الأعمال وعقابها (بيروت) سنة 1983هـ.
حرف الجيم
ـ الجامعة الإسلامية والعقائد القرآنية.
محمد علي هبة الدين الشهرستاني ـ الذريعة 5/76.
ـ جامع الجوامع في التفسير.
الطبرسي الفضل بن الحسن بن الفضل المتوفى 548 هـ ـ الذريعة 5/248. وطبع بطهران سنة 1321هـ.
ـ جامع خواص أسرار القرآن.
عبد الرحمن بن علي بن أحمد القرشي ـ الذريعة 5/51.
ـ الجامع في التجويد.
لم يعرف مؤلفه ـ الذريعة 5/28.
ـ الجديد في تفسير القرآن المجيد.
محمد السبزواري النجفي ـ طبع ببيروت سنة 1982م عن دار التعارف.
ـ جلاء الأذهان وجلاء الأحزان في تفسير القرآن.
أبو المحاسن الحسين بن الحسن البحراني ـ الذريعة 5/123.
ـ جلاء الضمير في حل مشكلات آية التطهير.
محمد علي بن محمد بن يوسف المحدث البحارني ـ الذريعة 5/348.
ـ الجمان الحسان في تفسير أحكام القرآن.
محمود بن مهدي الموسوي، ولد سنة 1926م ـ طبع بالنجف عام 1959م.
ـ الجمع بين الصلاتين في القرآن والسنّة.
الشيخ عبد اللطيف البغدادي ـ طبع في العراق أكثر من مرة.
ـ الجمع بين قصد القرآن والدعاء.
محمد حسن الأشتياني، المتوفى سنة 1319هـ ـ الذريعة 5/137.
ـ جمع نجوم البيان في وقوف القرآن.
محمد بن محمود بن محمد الهمداني ـ الذريعة 5/148.
ـ الجمع والتثنية في القرآن.
الفرّاء النحوي يحيى بن زياد، المتوفى سنة 207هـ ـ الذريعة 5/133، أعيان الشيعة 1/130.
ـ جنة الناظر في تفسير مائة آية من القرآن.
أشرف بن الأغر بن هاشم العلوي الحسني، المتوفى سنة 610هـ ـ أعيان الشيعة 12/304.
ـ جنة حرير في تفسير آية ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.
آغا مهدي الهندي ـ طبعه بالأوردية بالهند ـ الذريعة 5/157.
ـ الجهاد في القرآن.
السيد الطاهري الخرمآبادي ـ مجلة التوحيد (قسم العلاقات الدولية بمنظمة الإعلام الإسلامي بإيران).
ـ الجهاد وحالاته المشروعة في القرآن.
الشيخ مرتضى المطهري المستشهد عام 1980 ـ طبع عن منظمة الإعلام الإسلامي قسم العلاقات الدولية سنة 1404هـ بإيران.
ـ جوامع التبيان في تفسير القرآن.
معين الدين محمد بن عبد الرحمن الإيجي الصوفي ـ الذريعة 5/248.
ـ جوامع التفسير. (ويسمى جامع التفسير).
موسى بن إسماعيل ـ الذريعة 5/248.
ـ جوامع الخيرات في تفسير الآيات.
حبيب الله بن زين العابدين القمي، المولود سنة 1289هـ الذرعية 5/250. وطبقات أعلام الشيعة 1/256.
ـ جواهر الإيمان في ترجمة تفسير القرآن (ترجمة تفسير العسكري بالفارسية).
محمد باقر اليزدي السيرجاني الكرماني بن محمد إسماعيل التاجر ـ الذريعة 5/264، طبع بطهران سنة 1320هـ.
ـ جواهر التفسير لتحفة الأمير (العروس).
حسين بن علي الواعظ الكاشفي، المتوفى سنة 910هـ ـ الذريعة 5/266.
ـ جواهر القرآن.
علي الهندي ـ طبقات اعلام الشيعة قسم 4 ـ 1/1488.
ـ جواهر المعادن (في تفسير المفردات القرآنية).
علي بن محمد جعفر شر يعتمدار الأسترآبادي الطهراني، المتوفى سنة 1315هـ ـ الذريعة 5/281.
ـ جوهرة البيان في نفي تحريف بعض آيات القرآن.
محمد جواد محفوظ العاملي، المتوفى سنة 1357هـ.
ـ الجوهر الثمين في تفسير القرآن المبين.
للسيد عبدالله الشبر، توفي سنة 1242هـ ـ الذريعة 5/288.
ـ الجوهر الفريد في أسرار تفسير سورة التوحيد وآية الخلافة.
عبدالله بن الحسن الموسوي السبزواري ـ طبقات أعلام الشيعة قسم 3 ـ 1/1146.
حرف الحاء
ـ حاجة زمانية في آية قرآنية.
الدكتور أسعد علي ـ أساسيات النحو العربي/185. (للمؤلف نفسه).
ـ الحاشية على التبيان في تفسير القرآن.
فخر الدين محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن الحسين بن القاسم بن عيسى العجلي (ابن إدريس) المتوفى سنة 598هـ ـ الذريعة 6/31.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
حسين الخلخالي، المتوفى بعد 1024هـ ـ توجد في خزانة المكتبة الرضوية بمشهد ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
علاء الدين حسين بن رفيع الدين محمد المرعشي الآملي الأصفهاني، المتوفى سنة 1064هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
حسين بن شهاب الدين بن حسين بن محمد حيدر البقاعي العاملي الكركي ـ تاريخ كرك نوح (حسن نصرالله)/ 114.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، المتوفى سنة 1050هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
صدر الدين بن نصير الدين بن صالح الطباطبائي الزواري الأردكاني ـ الذريعة 6/42.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
طاهر بن رضي الدين الإسماعيلي الحسيني الكاشاني ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
عبد الحكيم بن شمس الدين السيالكوتي، المتوفى سنة 1067 ـ الذريعة 6/44.
ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
علي بن رحمة الله الحويزي ـ أعيان الشيعة 38/56.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
عبد القاهر بن عبد بن رجب العبادي الحويزي ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
علي أكبر بن علي بن إسماعيل بن خليل الخراساني، المتوفى سنة 1263هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
علي قلي بن محمد الخلخالي، المتوفى سنة 1115هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
محمد جعفر الأسترآبادي، المتوفى سنة 1236هـ
ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
محمد بن الحسن الشيرواني، المتوفى سنة 1098هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
محمد بن حسين البهائي ـ أعيان الشيعة 1/244.
ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
محمد رفيع بن فرج الجيلاني ـ ت 1167هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
محمد بن محمد باقر الإيرواني، المتوفى سنة 1306هـ ـ الكنى والألقاب 4/9.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
نصرالله الشيرازي، المتوفى سنة 1291هـ.
الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
نور الله المرعشي التستري، الشهيد في سنة 1019هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
هادي بن محمد صالح بن أحمد المازندراني، المتوفى سنة 1120هـ ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير البيضاوي.
وجيه الدين عبد السلام العلوي ـ الذريعة 6/44.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
أحمد بن مصطفى الخويني القزويني، المتوفى سنة 1307هـ ـ الذريعة 6/45.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
صدر الدين اليزدي المدرسي ـ الذريعة 6/45.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
عبد الرحيم بن محمد بن يوسف الدماوندي الكربلائي، المتوفى سنة 1160هـ ـ الذريعة 6/45.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
عبد الهادي الجنابي ـ طبقات أعلام الشيعة قسم 2 ـ 2/814.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
ـ محمد التويسركاني ـ الذريعة 6/45.
ـ الحاشية على تفسير الصافي.
محمد علي بن محمد بن مرتضى الطباطبائي المدرسي اليزدي، المتوفى سنة 1240هـ ـ الذريعة 6/45.
ـ الحاشية على تفسير فخر الدين الرازي.
محمد كاظم التنكابني، المتوفى سنة 1033هـ ـ مجلة تراثنا العدد 1 سنة 2 عام 1407هـ.
ـ الحاشية على تفسير القمي.
هادي بن علي السيستاني ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على تفسير الكشاف.
إبراهيم الهمداني ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على تفسير الكشاف.
صدر الدين محمد الدشتكي، المتوفى سنة 903هـ.
ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على تفسير الكشاف.
غياث الدين منصور بن صدر الدين الدشتكي، المتوفى سنة 948هـ ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على تفسير الكشاف.
محمد بن الحسين الحارثي العاملي البهائي، المتوفى سنة 1030هـ ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على تفسير الكشاف.
ـ محمد بن محمد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمي ـ الذريعة 6/46.
ـ الحاشية على زبدة البيان.
إبراهيم الحسيني التبريزي، المتوفى سنة 1092هـ.
ـ مصفى المقال/ 7.
ـ حاشية على زبدة البيان.
بهاء الدين محمد بن محمد باقر المختاري ـ الذريعة 6/9.
ـ حاشية على زبدة البيان.
فضل الله الأسترآبادي ـ الذريعة 6/9.
ـ حاشية على زبدة البيان.
الفيض الكاشاني، المتوفى سنة 1091هـ.
ـ حاشية على زبدة البيان (تحصيل الاطمئنان).
محمد بن إبراهيم الحسيني التبريزي ـ الذريعة 6/9.
ـ حاشية على زبدة البيان.
محمد بن عبد الفتاح التنكابني السراب، المتوفى سنة 1124هـ ـ الذريعة 6/9.
ـ الحاشية على زبدة البيان.
نعمة الله الجزائري، المتوفى سنة 1112هـ ـ الذريعة 12/21.
ـ الحاشية على كتاب طيبة النشر في القراءات العشر.
عماد الدين علي بن عماد الأسترآبادي ـ الذريعة 6/57.
ـ الحاشية على مجمع البحرين في تفسير غريب القرآن والحديث.
صفي الدين الطريحي ـ الذريعة 6/191.
ـ الحاشية على مجمع البحرين في تفسير غريب القرآن والحديث.
محمد بن علي أصغر الطباطبائي التبريزي، المتوفى سنة 1310هـ ـ الذريعة 6/191.
ـ الحاشية على مجمع البحرين في تفسير غريب القرآن والحديث.
ـ محمد مرتضى بن حسن علي صاحب الجنفوري، المتوفى سنة 1337هـ ـ الذريعة 6/191.
ـ الحاشية على مجمع البيان في تفسير القرآن (للطبرسي).
خليل بن غازي القزويني، المتوفى سنة 1098هـ.
ـ الذريعة 6/191.
ـ الحاشية على مسالك الإفهام في تفسير آيات الأحكام (لجواد الكاظمي).
عبدالله بن عيسى التبريزي الأصفهاني، المتوفى سنة 1130هـ ـ تسمى (التعليقة) ـ الذريعة 6/198.
ـ الحبل المتين في مزايا القرآن المبين (الحبل المتين في أحكام الدين).
الشيخ بهاء الدين العاملي، المتوفى سنة 1030هـ.
ـ بهاء الدين العاملي/46.
ـ الحجاب في نظر القرآن الكريم.
الشيخ كاظم الحلفي ـ طبع في مطابع النعمان في النجف الأشرف.
ـ الحجة في علل القراءات.
أبو علي الحسن بن علي بن أحمد الفارسي النحوي، المتوفى سنة 337هـ ـ الذريعة 6/256.
ـ الحجج في القرآن.
الشيخ مهدي الصانعي ـ مجلة الثقافة الإسلامية (دمشق) ـ عدد 11 ـ سنة 1407هـ.
ـ الحجر في القرآن والسنّة.
السيد عز الدين بحر العلوم ـ طبع ببيروت عن دار الزهراء.
ـ حجية ظواهر الكتاب.
الشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفى سنة 1281هـ ـ الذريعة 6/275.
ـ حجية ظواهر الكتاب.
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل (الوحيد البهبهاني)، المتوفى سنة 1206هـ ـ الذريعة 6/275.
ـ حجية ظواهر الكتاب.
ميرزا محمد التنكابني، المتوفى سنة 1302هـ ـ الذريعة 6/275.
ـ حجية ظواهر الكتاب.
مهدي بن علي الطباطبائي الحائري، المتوفى سنة 260هـ ـ الذريعة 6/275.
ـ حجية ظواهر الكتاب وعدم تحريفه بالزيادة والنقصان.
محمد علي بن كاظم بن محسن المقدس الأعرجي الكاظمي ـ الذريعة 6/275.
ـ حجية القراءات السبع.
محمد التنكابني، المتوفى سنة 1302هـ ـ الذريعة 6/277.
ـ حدائق الحقائق في كشف أسرار الدقائق. (باللغة الفارسية).
معين الدين الفراهي الواعظ ـ الذريعة 6/285.
ـ حدائق اليقين في فضائل إمام المتقين عليه السلام والآيات النازلة في شأن أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو طالب الأسترآبادي ـ الذريعة 6/292.
ـ حدود آي القرآن.
حمزة بن حبيب الزيات الكوفي ـ المتوفى سنة 158هـ ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام/ 347.
ـ حركة الأرض في القرآن.
أحمد أمين الكاظمي ـ مجلة الإيمان النجفية ـ عدد 5 ـ 6 السنة الثانية 1965م.
ـ حروف القرآن.
علي بن مهزيار الأهوازي ـ الفهرست للطوسي/118.
ـ حروف القسم في القرآن.
السيد طالب الرفاعي ـ معجم الدراسات القرآنية/120.
ـ الحروف المقطعة في القرآن الكريم.
جعفر مرتضى العاملي ـ نشر بمجلة التوحيد ـ طهران.
ـ الحرية في القرآن.
الشهيد السيد محمد باقر الصدر المستشهد بالعراق سنة 1980م ـ مجلة الأضواء الإسلامية عدد 1 السنة الثانية (جماعة العلماء ـ النجف).
ـ الحسينية القرآنية الفرقانية.
غلام محسنين الكنتوري، المتوفى سنة 1340هـ ـ الذريعة 7/72.
ـ حصن حصين في خواص سورة يس.
مظفر علي خان بن خورشيد علي خان الهندي، المتوفى سنة 1354هـ ـ الذريعة 6/24.
ـ حقائق التغفيل في تأويل التنزيل.
جعفر بن ورقاء بن محمد بن جبلة أمير بني شيبان بالعراق ـ رجال النجاشي/ 96.
ـ حقائق التنزيل ودقائق التأويل أو حقائق التأويل في متشابه التنزيل.
الشريف الرضي محمد بن أبي أحمد بن موسى ـ طبع منه الجزء الخامس في النجف سنة 1936م فقط وهو الذي عثر عليه علماً أنه أكبر من تفسير التبيان لشيخ الطائفة الطوسي.
ـ حل حروف القرآن.
الشيخ بهاء الدين العاملي، المتوفى سنة 1030هـ.
ـ ذكرى بهاء الدين العاملي/48.
ـ حل متشابهات القرآن.
ابو قاسم الحسين بن محمد (الراغب الأصفهاني)، المتوفى سنة 502هـ ـ الذريعة 7/73.
ـ حل مشاكل القرآن.
جعفر الأسترآبادي الحائري، المتوفى سنة 1263هـ ـ أعيان الشيعة 4/84.
ـ حل مشكلات القرآن.
خليل ياسين العاملي، المتوفى سنة 1405هـ ـ طبع في بيروت.
ـ حل المشكلات مع الصيغ القرآنية.
محمد التنكابني ـ الذريعة 7/74.
ـ حلية المزملين في تجويد القرآن المبين.
محمد علي بن حسين القاري البهشتي ـ معجم رجال الفكر والأدب/ 80.
ـ حواشي القرآن.
الميرزا حسن الفسوي ـ الذريعة 7/102.
ـ حواشي القرآن.
علي محمد بن محمد بن دلدار النقوي الكهنوي، المتوفى سنة 1312هـ ـ الذريعة 7/102، طبقات أعلام الشيعة 1/1625.
ـ حواشي القرآن.
محمد عباس التستري الكهنوي، المتوفى سنة 1306هـ ـ الذريعة 7/102.
ـ حواشي الكشاف.
الشيخ بهاء الدين العاملي، المتوفى سنة 1030هـ
ـ ذكرى البهائي محمد التونجي/ 48.
ـ حول القرآن.
السيد علي العلامة الفاني الأصفهاني ـ مجلة تراثنا العدد 4 لسنة 1404هـ.
ـ حول القرآن الحكيم.
السيد محمد الحسيني الشيرازي ـ طبع في إيران سنة 1400هـ.
حرف الخاء
ـ خاتمة فائق البيان في تفسير آية العدل والإحسان.
نور الدين محمد بن نعمة الله الجزائري ـ الذريعة 7/132.
ـ خزائن الأنوار (تفسير كبير).
محمد رضا بن محمد مؤمن الإمامي المدرسي الخاتون آبادي ـ أعيان الشيعة 10/282، الذريعة 7/153.
ـ خزائن جواهر القرآن.
علي قلي بن فرجقاني خان ـ الذريعة 7/154.
ـ خزائن القرآن.
محمود بن محمد الحسيني التبريزي ـ الذريعة 7/155.
ـ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام من القرآن.
الحسن بن أحمد بن القاسم بن محمد بن علي بن أبي طالب أبو محمد الشريف النقيب ـ مجلة تراثنا 4/ لسنة 1406 ص 54، الذريعة 7/165، رجال النجاشي/51.
ـ خصائص علم القرآن.
أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين (الوزير المغربي)، توفي سنة 418هـ ـ أعيان الشيعة 6/112، الكنى والألقاب 6/28.
ـ خصائص الوحي المبين في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام.
يحيى بن علي بن الحسن البطريق الحلي ـ الذريعة 7/175.
ـ خطاب العلم في القرآن.
الدكتور سمير سليمان ـ بحث ألقي بمكتبة الأسد الوطنية (دمشق) سنة 1986م ـ 1406هـ ـ وطبع في مجلة الثقافة الإسلامية بدمشق.
ـ الخط القرآني في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
أبو الفضل محمد مير محمدي ـ مجلة الهادي (قم) ـ العدد 5 السنة الخامسة.
ـ خلاصة البيان في حل مشكلات القرآن.
محمد تقي بن حسين علي الهروي الإصفهاني، المتوفى سنة 1299هـ ـ الذريعة 7/216.
ـ خلاصة التجويد.
حسين بن رضا علي الهندي القاري، المتوفى سنة 1334هـ ـ باللغة الفارسية طبع سنة 1331هـ ـ الذريعة 7/218.
ـ خلاصة الترتيل والتنزيل.
لابن عماد محمد بن محمد بن حامد المتوفى سنة 597هـ ـ الذريعة 7/222.
ـ خلاصة التفاسير.
قطب الدين الرواندي سعيد بن هبة الله المتوفى 573هـ ـ يقع في عشرة مجلدات وقال السيد حسن الصدر: يقع في عشرين مجلداً ـ الذريعة 7/221.
ـ خلاصة التفسير.
محمد تقي بن المير مؤمن بن محمد تقي بن رضا الحسيني القزويني، المتوفى سنة 1270هـ ـ الذريعة 7/221.
ـ خلاصة التفاسير.
محمد حسين بن محمد باقر بن محمود الطبيب ـ معجم مؤلفي الشيعة/259.
ـ خلاصة التفاسير.
محمد مهدي بن محمد جعفر الموسوي ـ الذريعة 7/220.
ـ خلاصة التفاسير.
محمد هارون الحسيني الزنجيفوري، المتوفى سنة 1339هـ ـ طبع في الهند باللغة الأردية وكتابه هذا خلاصة لتفاسيره الثلاثة للقرآن ـ الذريعة 7/221.
ـ خلاصة التفاسير.
محمود الطهراني ـ بالفارسية طبع بطهران سنة 1352هـ ـ الذريعة 7/220.
ـ خلاصة التفاسير في أوضح التعابير.
أحمد مغنية العاملي ـ طبع ببيروت (المكتبة الحديثة).
ـ خلاصة تفسير منهج الصادقين.
فتح الله بن شكر الله الكاشاني، المتوفى سنة 997 هـ ـ الذريعة 7/234 ـ توجد منه نسخة في مكتبة مشهد الإمام الرضا عليه السلام بخراسان.
ـ خلاصة القرآن في التجويد.
محمد شفيع القاري ـ الذريعة 7/232.
ـ خلاصة القراءة في التجويد.
محمد مؤمن بن عبد الكريم القاري ـ توجد نسخة بمكتبة سبهسالار (طهران) ـ الذريعة 7/231.
ـ خلافت قرآني.
علي بن أبي القاسم الرضوي القمي اللاهوري ـ الذريعة 7/238.
ـ الخمر في نظر القرآن الكريم.
الشيخ كاظم الحلفي ـ مطبعة القضاء (النجف الأشرف).
ـ خمسمائة آية من القرآن في فضائل أمناء الرحمن.
تقي الدين بن عبدالله الحلبي ـ الذريعة 1/49.
ـ خواص الآيات.
محمد تقي بن محمد باقر (آقانجفي الأصفهاني)، المتوفى سنة 1332هـ. طبع في بومباي سنة 1299 ـ الذريعة 7/270.
ـ خواص الآيات.
أحمد بن محمد التميمي ـ الذريعة 7/270.
ـ خواص بعض السور والآيات.
محمد علي المعروف بالحزين ـ الذريعة 7/272.
ـ خواص السور.
ينقل عنه صاحب مجمع الدعوات وهو لبعض الأصحاب. ولم يعرف صاحب الذريعة. إسم مؤلفه ـ الذريعة 7/273.
ـ خواص سورة يس.
سعد الدين محمد المحمودي ـ الذريعة 7/273.
ـ خواص القرآن.
عبد الرحمن بن علي بن أحمد القرشي ـ كانت نسخته موجودة عند رشيد الشعرباف في الشطرة بالعراق ـ الذريعة 7/273.
ـ خواص القرآن.
عبدالله بن الحسين التستري، المتوفى سنة 1021هـ ـ الذريعة 7/273.
ـ خواص القرآن.
محمد بن إبراهيم التميمي الكازروني ـ أعيان الشيعة 8/198.
ـ خواص القرآن.
محمد كاظم بن محمد شفيع الحائري الهزار جريبي ـ الذريعة 7/273 ـ توجد منه نسخة في مكتبة الشيخ محمد علي الأردوبادي بالنجف.
ـ الخيرات الحسان في تفسير القرآن.
الشيخ محمد رضا الغراوي، المتوفى سنة 1385هـ ـ أدب الطف 10/189 والذريعة 7/286.
حرف الدال
ـ دراسات فنية في التعبير القرآني.
الدكتور محمود البستاني ـ طبع ببيروت عام 1982م.
ـ دراسات فنية في قصص القرآن.
الدكتور محمود البستاني ـ صدر عن مجمع البحوث الإسلامية في مهشد بإيران.
ـ دراسات في القرآن الكريم.
علي محمد الآصفي ـ مطبعة النعمان (النجف الأشرف) عام 1966م.
ـ دراسات في القرآن الكريم.
علي محمد علي الدخيل ـ تحت الطبع.
ـ دراسة لغوية إحصائية لأنماط الجملة البسيطة في القرآن الكريم.
محمد رضا محمد كاظم الطريحي ـ والبحث رسالة نال بها صاحبها شهادة الماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1985 بإشراف الدكتور عبد الصبور شاهين طبع في بيروت 1990.
ـ درة التأويل في متشابه التنزيل وتوجيه الآيات المكررة والمتشابهات الواقعة في القرآن.
أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل بن محمد (الراغب الأصفهاني)، المتوفى سنة 322 ـ الذريعة 8/95.
ـ درة التنزيل وغرة التأويل.
محمد بن مهدي الحسيني، المتوفى سنة 1264هـ ـ الذريعة 8/95.
ـ درة الدرر في تفسير سورتي التوحيد والكوثر.
حبيب الله بن علي مدد الساوجي، المتوفى سنة 1340هـ ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 206.
ـ الدر الثمين في ذكر خمسمائة آية نزلت من كلام رب العالمين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي ـ الذريعة 8/64.
ـ الدرر الأيتام (في تفسير آيات الأحكام).
علي شر يعتمدار، المتوفى سنة 1315هـ ـ طبقات أعلام الشيعة قسم 4 ـ 1/361.
ـ الدرر اللئالي من أسرار الموالي وخواص الآيات القرآنية.
محمد حسن بن حسين بن إسماعيل بن مرتضى اليزدي الحسيني، المتوفى سنة 1338هـ ـ الذريعة 8/132.
ـ الدرر الفريد في قواعد التجويد.
محمد طاهر حافظ ـ الذريعة 8/68.
ـ الدر المنثور.
عبد الرحيم بن أبي القاسم التبريزي. المتوفى سنة 1336هـ ـ الذريعة 8/85.
ـ الدر النظيم في تفسير آيات القرآن الكريم.
رضا بن محمد أمين الهمداني، المتوفى سنة 1247هـ ـ أعيان الشيعة 8/16.
ـ الدر النظيم في خواص القرآن العظيم.
عفيف الدين أبو محمد عبدالله بن أسعد اليماني، المتوفى سن 768هـ ـ الذريعة 8/83.
ـ الدر النظيم في لغات القرآن الكريم وشرح الكلمات اللغوية الواردة فيه.
الشيخ عباس القمي، المتوفى سنة 1359هـ ـ أعيان الشيعة 7/425.
ـ الدر النظيم في منافع القرآن العظيم.
عفيف الدين عبدالله بن سعد ـ أعيان الشيعة 2/192.
ـ دروس أخلاقية من القرآن الكريم.
السيد محمد باقر ابن السيد محسن الحكيم ـ جريدة لواء الصدر من العدد 298 لسنة 1407هـ. (طهران).
ـ دروس في الأخلاق على ضوء القرآن الكريم.
السيد كاظم الحسيني الحائري محاضرات ألقيت في شهر رمضان بقم في سنة 1407هـ «جريدة الجهاد».
ـ دروس في التفسير. (مجموعة محاضرات).
السيد أحمد الفهري ـ الدار الإسلامية (بيروت) سنة 1987م.
ـ دروس في التفسير (سورة البقرة).
السيد محمد بحر العلوم ـ طبعت في مجلة رسالة الإسلام (كلية أصول الدين ـ بغداد).
ـ دروس في تفسير القرآن الكريم.
السيد محمد باقر الحكيم ـ محاضرات ألقيت في شهر رمضان سنة 1407هـ (طهران).
ـ دروس في القرآن.
الشيخ محسن قرائتي ـ جريدة كيهان الإيرانية ـ العدد 690/10 السنة السادسة.
ـ دستور التجويد.
الحافظ حاجي بن يوسف الدين الكيلاني الشفتي ـ الذريعة 8/152.
ـ دستور التجويد.
عبد الرحيم سلطان القارئي الذريعة 8/152.
ـ الدعوات المأثورة وبعض السور القرآنية.
أبو القاسم الكرماني ـ الذريعة 8/202.
ـ دلائل الإيمان على ضوء آي القرآن.
الشيخ موسى السوداني ـ معجم/ 170 ـ طبع بالنجف سنة 1978م.
ـ دلائل براهين الفرقان في إبطال القوانين الناسخات لمحكمات القرآن.
أبو الحسن المرندي، المتوفى سنة 1340هـ ـ الذريعة 8/248.
ـ دلائل البيان في غريب القرآن وسماه صاحب الذريعة دلائل التبيان.
الشيخ قاسم محي الدين ـ توفي سنة 1376هـ. وهوارجوزة في غريب القرآن طبع عام 1955» ـ أعيان الشيعة 42/333 ـ الذريعة 8/249.
ـ دلائل القرآن.
برهان الدين محمد بن أبي الخير علي بن أبي سليمان ظفر الحمداني ـ الذريعة 8/252.
ـ دلائل القرآن.
محمد بن النعمان (الشيخ المفيد)، المتوفى سنة 413هـ ـ أعيان الشيعة 46/23.
ـ دلائل المرام في آيات الأحكام.
محمد جعفر شر يعتمدار ـ الذريعة 8/252.
ـ دور القرآن في تطوير الأدب العربي.
حسن عباس نصرالله ـ مجلة الثقافة الإسلامية (المستشارية الثقافية الإيرانية ـ دمشق) ـ 9/17 ـ السنة 1407هـ.
حرف الراء
ـ الربا في نظر القرآن الكريم.
كاظم الحلفي ـ مطبعة النعمان (النجف) سنة 1965م.
ـ الربانية في توضيح بعض الكلمات القرآنية.
محمد مهدي بن محمد الأصفهاني الكاظمي، المولود سنة 1319هـ ـ الذريعة 16/41.
ـ ربيع الأخوان الموضح لكلمات القرآن. (نزهة الخاطر).
فخر الدين الطريحي النجفي ـ الذريعة 10/74.
ـ رجاء الغفران في مهمات القرآن محمد رضا بن أسد الله الشيرازي ـ الذريعة 10/78.
ـ الرجعة بين العقل والقرآن حسن الطارمي.
منظمة الإعلام الإسلامي (طهران) سنة 1408هـ.
ـ رسالة أسرار القرآن.
أبو جعفر قدامة بن جعفر بن قدامة بن زيد، المتوفى سنة 310هـ ـ الذريعة 11/69.
ـ رسالة بديعة في تفسير آية «الرجال قوامون على النساء».
محمد حسين الحسيني الطهراني ـ منشورات دار الحكمة (طهران سنة 1983م).
ـ الرسالة السليمانية في بيان الآيات والرسوم القرآنية.
محمد بن شمس الدين الكاظمي القاري ـ الذريعة 11/199.
ـ رسالة في أحكام القرآن.
لأبي الحسن عباد بن العباس بن عباد الطالقاني، المتوفى سنة 335هـ ـ الذريعة 11/37.
ـ رسالة في أحكام القرآن.
أبو الحسن علي بن موسى القمي ـ الذريعة 11/37.
ـ رسالة في أربعين آية في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
الذريعة 11/50.
ـ رسالة في إعجاز القرآن.
أبو الحسن علي بن زيد البيهقي ـ الذريعة 11/94.
ـ رسالة في إعجاز القرآن.
محمد حسن بن محمد تقي بن محمد سعيد بن محمد صادق بن أبي القاسم بن محمد باقر الموسوي اليزدي المتوفى سنة 1263هـ.
ـ رسالة في التجويد.
أحمد الإحسائي ـ الذريعة 11/137.
ـ رسالة في التجويد.
عماد الدين القاري ـ الذريعة 11/137.
ـ رسالة في التجويد.
محمد زمان بن محمد طاهر التبريزي ـ الذريعة 11/137.
ـ رسالة في التجويد.
محمد بن شمس الدين القاري الكاظمي ـ الذريعة 11/137.
ـ رسالة في تجويد القرآن.
أبو الحسن الخاجوئي الإصفهاني ـ الذريعة 11/136.
ـ رسالة في تفسير بعض الآيات.
عمران دعيبل، المتوفى سنة 1328 ـ طبقات أعلام الشيعة/1634.
ـ رسالة في تفسير سورة الإخلاص.
رجب بن محمد البرسي الحلي ـ أعيان الشيعة 6/466.
ـ رسالة في تفسير سورة الدهر ورسالة في تفسير سورة الكوثر.
حبيب الله بن علي مدد الكاشاني ـ الذريعة 11/152.
ـ رسالة في تفسير العسكري.
حسين بن علي أصغر القاضي الطباطبائي التبريز، المتوفى سنة 1321 هـ ـ الذريعة 11/152.
ـ رسالة في تفسير العسكري.
محمد جواد البلاغي، المتوفى سنة 1352هـ ـ الذريعة 11/152.
ـ رسالة في تفسير العسكري.
أبو المعالي بن محمد الكباسي.
الذريعة 11/152.
ـ رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.
حسن بن ضياء الدين الموسوي الكركي، المتوفى سنة 1001هـ ـ تاريخ كرك نوح/112.
ـ رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿والسَّابِقُونَ الأَوَّلونَ﴾.
زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي (الشهيد الثاني) ـ أمل الآمل 1/87.
ـ رسالة في حقائق سورة الفتح.
محمد كاظم بن عبد علي التنكابني، المتوفى سنة 1033هـ ـ مجلة تراثنا عدد 1 السنة الثانية 1407هـ.
ـ رسالة في سجلات القرآن.
حسن بن محمد باقرة القرة باغي ـ الذريعة 12/147.
ـ رسالة في القواعد القرآنية.
حسن بن أحمد بن مهدي الحيدري، المتوفى عام 1985م ـ الإمام الثائر/146.
ـ رسالة في الكاف من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءْ﴾.
أحمد بن محمد آل ماجد البحراني ـ أنوار البدرين 18/244.
ـ رسالة في وقوف القرآن.
محمد طاهر حافظ الإصفهاني ـ الذريعة 25/142.
ـ الرسالة النووية في تفسير آية النور.
محمد هادي بن محمد أمين الطهراني النجفي، المتوفى عام 1321هـ ـ طبعت بطهران 1319هـ.
ـ الرسالة الواضحة. (كشف الآيات).
محمد بن علي الكربلائي ـ الذريعة 11/228.
ـ رسم القرآن.
عماد الدين علي بن عماد الدين علي الشريف القارئ الأسترآبادي ـ الذريعة 11/232.
ـ رشحات الملكوت في تفسير فاتحة الكتاب وأسرارها.
أبو عبدالله بن أبي القاسم الموسوي الزنجاني المتوفى سنة 1313هـ ـ الذريعة 11/236.
ـ رشحة فيض في علم التجويد.
السيد حسن النقوي النصير آبادي المتوفى سنة 1260هـ ـ طبع بالهند باللغة الفارسية ـ الذريعة 11/237.
ـ الرغيب في علوم القرآن.
أبو عبدالله محمد بن عمر الواقدي ـ وهو أول كتاب جمع فيه علوم القرآن ـ تأسيس الشيعة 89.
ـ الرق المنشور ولوامع الظهور في تفسير آية النور.
حسن بن مرتضى اليزدي الحائري، المتوفى سنة 1307هـ ـ طبع في تبريز سنة 1300هـ ـ الذريعة 11/246.
ـ الرفع والدفع.
المحدث محسن الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091هـ وهو في رفع الآفات ودفع البليات بالقرآن والدعاء ـ طبع سنة 1268. الذريعة 11/245.
ـ رموز التفاسير.
خليل بن الغازي القزويني، المتوفى سنة 1089هـ ـ الذريعة 11/250.
ـ رموز تفاسير الآيات.
علي أصغر بن محمد بن يوسف القزويني ـ الذريعة 11/250.
ـ روايح القرآن.
محمد عباس بن علي أكبر الموسوي الجزائري ـ أعيان الشيعة 7/412.
ـ روايح القرآن في فضل أمناء الرحمن.
محمد عباس التستري الهندي، المتوفى سنة 1306هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 2 ـ 2/570، أعيان الشيعة 7/412، الذريعة 11/255.
ـ روضة الأسرار في تفسير سورة الرحمن ويسمى تبصرة للإخوان الخلان في تفسير سورة الرحمن.
محمد بن إسرائيل رحمة الهجري المتوفى سنة 1332 هـ ـ مجلة تراثنا العدد 2 ـ 3 السنة 2 ص 160 ـ توجد منه نسخة في مكتبة السيد الطباطبائي صاحب الميزان.
ـ روضة الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن (بالفارسية).
جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد بن أحمد بن الحسين الخزاعي الرازي ـ الذريعة 11/275.
ـ روضة المحققين في تفسير الكتاب المبين.
ركن الدين محمد بن علي بن محمد الجرجاني ـ أعيان الشيعة 46/30.
حرف الزاي
ـ زاء القراء في التجويد.
كمال الدين بن قوام الدين (ميربزرك المرعشي الحسيني) ـ الذريعة 12/6.
ـ زبدة البيان.
أبو محمد العنجري ـ أعيان الشيعة 7/195.
ـ زبدة البيان في براهين أحكام القرآن وتفسير آيات أحكام القرآن.
الأردبيلي أحمد بن محمد، المتوفى سنة 993هـ ـ طبع بطهران عام 1305هـ.
ـ زبدة البيان في تفسير آيات قصص القرآن.
محمد بن محمود بن علي الطبسي ـ الذريعة 12/21.
ـ زبدة البيان في تفسير القرآن.
محمد هويدي ـ لا يزال مخطوطا كما حدثني بذلك مؤلفه.
ـ زبدة البيان وإنسان الإنسان المنتزع من مجمع البيان.
زين الدين أبي محمد علي بن محمد بن علي بن محمد بن يونس العاملي النباطي البياضي، المتوفى سنة 877هـ ـ الذريعة 12/21.
ـ زبدة التجويد.
محمد سعيد بن محمد الكرماني ـ الذريعة 12/22.
ـ زبدة التفاسير.
فتح الله بن شكر الله الكاشاني، المتوفى سنة 998هـ ـ الذريعة 12/23.
ـ زبدة التفاسير (تفسير مزجي).
علي بن محمد الشولستاني ـ الذريعة 12/23.
ـ زبدة المفاتيح في علم القراءة والتجويد.
أبو القاسم اللاهيجي ـ الذريعة 12/33.
ـ زبور المسلمين في جميع الأدعية القرآنية.
هبة الدين محمد علي بن الحسين الشهرستاني ـ طبع باسم أدعية القرآن سنة 1364هـ ـ الذريعة 12/38.
ـ الزواج في القرآن والسنّة.
السيد عز الدين بحر العلوم. طبع ببيروت (دار الزهراء) سنة 1983م.
ـ زينة القراء في التجويد.
نافع (من القراء السبعة)، المتوفى سنة 167هـ ـ الذريعة 12/94.
ـ زين الفتى في تفسير هل أتى.
أحمد بن محمد العاصمي ـ الذريعة 12/90.
حرف السين
ـ السبع في القراءات السبع.
أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن خالوية بن حمدان الهمداني المتوفى سنة 270 ـ الذريعة 12/128.
ـ السبع المثاني أو الإعجاز القرآني في أسرار سورة الفاتحة.
محمد علي هبة الدين الشهرستاني، المتوفى سنة 1386هـ ـ الذريعة 12/130.
ـ السبع المثاني في تجويد القرآن.
محمد بن دلدار علي النقوي النصير آبادي، المتوفى سنة 1284هـ ـ الذريعة 12/130.
ـ سبق القرآن لوضع القانون التاريخي.
جودت كاظم القزويني الحلي ـ مجلة رسالتنا ـ مؤسسة اهل البيت عليهم السلام بدمشق عدد 6 سنة 1404هـ.
ـ سجلات القرآن.
حسن بن محمد باقر القرة باغي ـ الذريعة 13/147 ـ توجد نسخته في مكتبة السيد المرعشي بقم المقدسة.
ـ سجود القرآن.
محمد بن مسعود العياشي السلمي السمرقندي ـ الفهرست للطوسي/167.
ـ السحاب المطير في تفسير آية التطهير.
نور الله بن شريف الحسيني المرعشي التستري، الشهيد سنة 1019هـ ـ الذريعة 12/150.
ـ السراج المنير في التفسير.
لطف الله بن معز الدين محمد الحسيني ـ ألفه سنة 1107هـ ـ الذريعة 12/162.
ـ السر الأكبر في تفسير سورة الفجر.
رجب علي خان الجكرواني، المتوفى سنة 1282هـ ـ الذريعة 12/165.
ـ السر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
الحسن بن سديد الدين يوسف (الحلي)، المتوفى سنة 766هـ ـ الذريعة 12/171.
ـ سعد السعود للنفوس منضود فيما يتعلق بأحوال القرآن وكيفية جمعه وتأليفه.
رضي الدين علي بن موسى بن طاووس الحسيني، المتوفى سنة 664هـ ـ الذريعة 4/279.
ـ سفير العرشي في تفسير آية الكرسي.
صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الحسيني الدشتكي الشيرازي ـ الذريعة 12/192.
ـ سلسلة دراسات في التفسير.
محمد مهدي الآصفي ـ طبعت في مجلة النجف (كلية الفقه).
ـ سلك البيان في كشف مشكلات القرآن.
محمد جعفر بن سيف الدين الأسترآبادي، المتوفى سنة 1263 هـ ـ طبع سنة 1309هـ ـ الذريعة 12/219.
ـ السنة والاكتفاء عنها بالقرآن.
علي أكبر بيداد ـ مجلة الإرشاد (إيران ـ مشهد) عدد 2 السنة 2/1401هـ.
ـ سواطع الإلهام وهو تفسير غير منقوط.
للشيخ فيضي بن المبارك. مطبوع ـ الذريعة 12/241، أعيان الشيعة 7/99.
ـ سورة الفتح.
علي الكوراني العاملي ـ مجلة الفجر (مكتب الإعلام الإسلامي ـ الحوزة العلمية في قم المقدسة) السنة 1/1403هـ.
ـ سورة المنتهى في تفسير القرآن.
الداماد محمد باقر بن محمد الحسيني الأسترآبادي، المتوفى سنة 1041هـ ـ الذريعة 2/153.
حرف الشين
ـ شافع حشر (فارسي).
صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الحسيني الدشتكي (صدر الدين الثاني) ـ الذريعة 13/5.
ـ الشامل في علم القرآن.
أبو بكر محمد بن يحيى بن العباس الصولي ـ أعيان الشيعة 1/130، الذريعة 13/13.
ـ شأن نزول آيات القرآن.
صدر الدين المحلاتي الشيرازي، المتوفى سنة 1050هـ ـ معجم الدراسات القرآنية/54.
ـ شجرة آدم ـ هو تفسير الشجرة المنهي عنها ورفع بعض الشبهات حولها.
السيد هبة الدين الشهرستاني، المولود سنة 1303هـ ـ الذريعة 13/27.
ـ شجرة الطور في تفسير آية النور.
محمد علي بن أبي طالب الزاهدي الجيلاني الأصفهاني (الحزين)، المتوفى سنة 1181هـ ـ الذريعة 3/33.
ـ شجرة طيبة في تجويد القرآن.
زين العابدين بن محمد علي السبزواري ـ الذريعة 13/35.
ـ شرح الآيات.
محمد باقر بن محمد جعفر البهاري الهمداني، المتوفى سنة 1333هـ ـ الذريعة 13/55 ـ وهو في الجواب على نصراني أورد إشكالات على بضع آيات من القرآن الشريف.
ـ شرح آيات الأحكام.
القطب سعيد بن هبة الله بن الحسن الرواندي، المتوفى سنة 573هـ ـ الذريعة 13/56. وقد اختلف العلماء فقال في أمل الآمل إنه غير كتابه فقه القرآن وقال صاحب رياض العلماء إنه هو.
ـ شرح آيات الأحكام.
محمد الأسترآبادي، المتوفى سنة 1036هـ ـ الذريعة 13/56.
ـ شرح الآيات المشكلة والأحاديث.
محمد المشهدي الخراساني، المتوفى سنة 1257هـ ـ الذريعة 13/57.
ـ شرح الآيات المشكلة والأحاديث المعضلة.
لأحد العلماء المقاربين لعصر الوحيد البهباني ولم يذكر صاحب الذريعة إسم مؤلفه ـ الذريعة 13/56.
ـ شرح زبدة البيان في آيات الأحكام (للمقدس الأردبيلي).
محمد سعيد بن قاسم الطباطبائي القهبائي ـ الذريعة 13/302.
ـ شرح الناسخ والمنسوخ (لابن المتوج البحراني).
عبد الجليل الحسيني القارئ ـ الذريعة 13/97.
ـ شفاء الصدر في تفسير آيات المواعظ والأخلاق.
جعفر الأسترآبادي الحائري، المتوفى سنة 1263هـ ـ أعيان الشيعة 4/84.
ـ شفاء الصدور وذخيرة القبر في تفسير سورة القدر.
محمد هاشم بن عبدالله الموسوي الخوئي ـ طبع سنة 1342 بتبريز ـ الذريعة 14/204.
ـ الشفاعة بين يدي القرآن والسنّة والعقل.
الشيخ جعفر السبحاني ـ طبع في قم المقدسة.
ـ شمولية القرآن الكريم.
الشيخ محمد رضا المهدوي الكني ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة الثانية ـ بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي سنة 1404هـ ـ طهران.
ـ الشهاب الثاقب في تفسير آية ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾.
مهدي بن محمد علي ثقة الإسلام الإصفهاني، المولود سنة 1298هـ. (معروف بمسجد شاهي) ـ الذريعة 14/253.
ـ الشهاب المبين في إعجاز القرآن أبو القاسم الأوردبادي، المتوفى سنة 1333هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 1/63.
ـ الشهادة في القرآن.
الشيخ محمد المقداد ـ مجلة المنطلق اللبناني العدد 34/ ذو الحجة 1407هـ.
ـ الشهيد في القرآن.
محمد واعظ زادة الخراساني ـ مجلة الإرشاد (مشهد المقدس) عدد 4 السنة 2/1401هـ.
ـ شواهد التنزيل.
ابن شهرآشوب محمد بن علي السروي المازندراني، المتوفى سنة 588هـ ـ ميزان 11/327.
ـ شواهد القرآن.
أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس، المتوفى سنة 673هـ ـ أعيان الشيعة 10/279.
ـ الشواهد من كتاب الله.
أحمد بن محمد بن خالد البرقي ـ معالم العلماء/11، أعيان الشيعة 1/130.
حرف الصاد
ـ الصافي في تفسير القرآن.
محمد بن مرتضى المدعو محسن الكاشاني، المتوفى سنة 1091هـ ـ الذريعة 15/5.
ـ الصراط المستقيم في تفسير الكتاب الكريم.
السيد حسين بن رضا الحسيني البروجردي ـ الذريعة 15/35، طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/1078.
ـ الصرفة في إعجاز القرآن.
علي بن الحسين بن موسى بن محمد «الشريف المرتضى» ـ الفهرست للطوسي/129.
ـ صفوة التفاسير.
السيد عبدالله شبر، المتوفى سنة 1242هـ ـ الذريعة 5/288. يقع في أربعة أجزاء.
ـ صفوة الصافي والبرهان ونخبة البيضاوي.
محمد بن علي بن عبد النبي بن محمد بن سليمان البحراني ـ الذريعة 15/49.
ـ صناعة البرهان في القرآن.
غالب حسن الشابندر ـ مجلة المنطلق اللبنانية عدد 38 ـ 1408هـ.
ـ صوافي الصافي في التفسير.
يعقوب بن إبراهيم البختياري الذريعة 15/95.
ـ الصورة الفنية في المثل القرآني.
الدكتور محمد حسين علي الصغير ـ معجم الدراسات القرآنية/77.
ـ صيانة القرآن من التحريف.
الشيخ أحمد الوائلي ـ بحث طبع ضمن كتاب القرآن بنظرة عصرية الذي طبع في القاهرة.
ـ صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم.
تقي الطحان ـ رسالة في جامعة القاهرة/1977. نال بها صاحبها شهادة الماجستير.
حرف الضاد
ـ ضرورة العودة إلى القرآن الكريم.
السيد علي خامنئي ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة الثانية/1404هـ ـ بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي (طهران).
ـ ضياء التفاسير (فارسي).
السيد محمد صادق الموسوي الخوانساري ـ الذريعة 15/123.
حرف الطاء
ـ الطبقات الاجتماعية في نظر القرآن.
زهراء رهنورد ـ مجلة العالم/161.
ـ طريق تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ أحمد بن محمد بن سعيد، المتوفى سنة 333هـ ـ معالم العلماء/17.
حرف الظاء
ـ ظاهرة الغريب في اللغة العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري.
حسن محمد تقي الحكيم ـ مع تحقيق تفسير غريب القرآن لزيد بن علي ـ رسالة نال بها درجة الدكتوراه بالقاهرة (جامعة عين شمس) عام 1987.
ـ ظاهرة القومية من منظور القرآن.
السيد حسين الموسوي الشامي ـ مجلة التوحيد 19/4/1406هـ.
ـ ظرف الزمان وصور استخدامه في القرآن الكريم.
علي لازم مزبان ـ رسالة في جامعة البصرة 1987م ـ جريدة الجمهورية 28 ـ تموز ـ 1987م.
حرف العين
ـ العترة الطاهرة في الكتاب العزيز.
الشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي، المتوفى سنة 1970م ـ الغدير 2/55.
ـ عدد آي القرآن.
حمزة بن حبيب الزيات ـ فهرست ابن النديم/56.
ـ عدد سور القرآن.
السيد هاشم الستري البحراني ـ الذريعة 15/242.
ـ عرائس البيان في حقائق القرآن.
محمد بن روزبهان بن نصر البغلي، المتوفى سنة 606هـ ـ الذريعة 15/242.
ـ عرض للاتجاه اللغوي في تفسير البيان.
مرتضى الشيرازي ـ مجلة الهادي التي صدرت عن دار التبليغ الإسلامي في قم المقدسة.
ـ العروة الوثقى (فارسي) في تفسير آية الكرسي.
المولى صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050هـ ـ الذريعة 15/252.
ـ العروة الوثقى في تفسير القرآن.
إبراهيم بن صدرا الشيرازي، المتوفى سنة 1070هـ الذريعة 15/249.
ـ العروة الوثقى في تفسير القرآن وهو في تفسير سورة الفاتحة وبعض من سورة البقرة.
بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الجبعي (الشيخ البهائي) المتوفى عام 1030هـ ـ أمل الآمل 1/155، أعيان الشيعة 10/244.
ـ العروة الوثقى في تفسير القرآن والصراط المستقيم.
محمد بن حسين البهائي، المتوفى سنة 1030هـ ـ أعيان الشيعة 10/244.
ـ عصر القرآن.
الدكتور محمد مهدي البصير ـ طبع ببغداد /1947م وط2 /1955م
– العضب البتار في مبحث آية الغار.
حامد حسين اللكهنوي ت 1306 هـ -الذريعة15/ 277 ، عقبات الأنوار 1/31.
ـ عظمة القرآن.
محمد حسن أردهاني ـ طبع بطهران عام 1366هـ ـ الذريعة 5/279.
ـ العقد الفريد في معرفة القراءة والتجويد.
محمد رضا بن أبي القاسم بن فتح الله بن نجم الدين الحسيني الكمالي الحلي ـ المتوفى سنة 1346هـ ـ الذريعة 15/294.
ـ العقد الفريد في نظم التجويد.
محمد بن محمود بن شريف السمرقندي ـ قصيدة لامية تمّ شرحها نثراً وسماها روح المريد ـ الذريعة 15/305.
ـ العقود والمرجان في تفسير القرآن.
السيد نعمة الله الجزائري، المتوفى سنة 1112هـ ـ الذريعة 15/305.
ـ العلاقة بين القرآن والثورة.
علي أكبر هاشمي رفسنجاني ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ سنة 2/1404هـ، بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي بطهران.
ـ العلاقة الجنسية في القرآن الكريم.
محمد مهدي الآصفي ـ طبع بالنجف (دار التربية) سنة 1968م.
ـ علم التجويد كاظم حسن الحلي ـ معجم الدراسات/ 937.
ـ علم القراءات.
جمعية القرآن الكريم (النجف الأشرف) ـ مطبعة الغري سنة 1952م.
ـ العلوم الطبيعية في القرآن.
يوسف مروّة ـ طبع في بيروت.
ـ علوم القرآن.
أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي الإشبيلي ـ تأسيس الشيعة/ 335.
ـ علوم القرآن.
السيد محمد باقر الحكيم. المولود بالنجف الأشرف سنة 1937م. بحث ملقى على طلبة كلية أصول الدين ببغداد. طبع في مجلة رسالة الإسلام الصادرة عن الكلية ثم طبع في كتاب مستقل.
ـ علوم القرآن.
محمد جواد جلال ـ معظم الدراسات القرآنية/392.
ـ علوم القرآن.
الشيخ محمد الخالصي ـ مجلة جامعة العلم. سنة 1954.
ـ علوم القرآن.
محمد هارون الزنكي بوري، المتوفى سنة 1339هـ الذريعة 15/327.
ـ علوم القرآن الاجتماعية.
أبو عبدالله بن نصرالله الزنجاني، المتوفى سنة 1360هـ ـ أعيان الشيعة 53/71.
ـ علوم القرآن والعلوم الأخرى.
طراد كنج حمادة ـ مجلة العالم (لندن) عدد 163 لسنة 1987م.
ـ علي بن موسى الرضا عليه السلام والقرآن الحكيم.
الشيخ جودي آملي ـ بحث ألقي في المؤتمر العالمي الثاني للإمام الرضا عليه السلام (مشهد) 12/ذو القعدة 1406هـ.
ـ على ضوء القرآن في البحث والتفسير.
ناصر البديري ـ مطبعة القضاء (النجف الأشرف)/1958.
ـ علي في القرآن.
السيد صادق الحسيني الشيرازي ـ بيروت (دار الصادق) ـ 1979م وأعيد طبعه في دار الفردوس ـ بيروت سنة 1989م في مجلدين.
ـ علي في القرآن.
علي محمد دخيل ـ بيروت (دار المرتضى) ـ 1983م.
ـ علي عليه السلام مع القرآن والقرآن مع علي عليه السلام.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ علي والقرآن.
الشيخ محمد جواد مغنية ـ طبع ببيروت.
ـ عمدة البيان في تفسير القرآن.
عمار علي ـ الذريعة 15/335 ـ طبقات أعلام الشيعة 4/1633 ـ يقع في ثلاثة مجلدات طبع في الهند باللغة الأردوية عام 1322هـ.
ـ عمرة القرآن.
محمد باقر البهبودي ـ جريدة كيهان ـ عدد 937 ص 9.
ـ العمل الصالح في القرآن.
السيد محمد باقر الصدر ـ مجلة الأضواء. عدد 7 السنة 2 ـ 1381هـ.
ـ العنوان في الاستخارة بالقرآن الشيخ موسى كاشف الغطاء ـ معجم الدراسات القرآنية/366.
ـ عين الحياة في التفيسر الشيخ البهائي، المتوفى سنة 1030هـ ـ الذريعة 15/369.
ـ عيون التفاسير كمال الدين الحسن بن محمد بن الحسن الأسترآبادي النجفي ـ الذريعة 15/377.
ـ العودة إلى القرآن للسيد هادي الخسروشاهي ـ طبع في إيران.
حرف الغين
ـ غاية الإفادة في أسرار الشهادة.
عبدالله البرهان السبزواري المتوفى سنة 1380هـ
ـ طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/1146 والذرعية 16/8.
ـ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب.
الشيخ عبد الحسين الأميني المتوفى سنة 1970م ـ طبع عدة مرات ويتكون من 11 مجلداً.
ـ غرائب القرآن في تفسير لغاته المشكلة.
محمد بن طيفور السجاوندي، يقوم بتحقيقه الدكتور عبد الجليل التميمي ـ الذريعة 16/31.
ـ غرائب القرآن ورغائب الفرقان.
نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري ـ الذريعة 16/31. طبع في إيران في ثلاث مجلدات.
ـ الغرائب والعجائب في غرائب التفسير وعجائب التأويل.
أبو القاسم محمود بن حمزة. ألفه سنة 521هـ ـ الذريعة 16/32.
ـ غريب إعراب القرآن.
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، المتوفى سنة 375هـ ـ الذريعة 16/46.
ـ غريب القرآن ويسمى الغريب في القرآن.
أبان بن تغلب، من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام المتوفى سنة 141هـ ـ تأسيس الشيعة/320 ـ معالم العلماء/27.
ـ غريب القرآن.
أبو زيد أحمد بن سهل البلخي المتوفى سنة 322هـ ـ فهرست ابن النديم 53.
ـ غريب القرآن.
أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم بن يزديار الطبري الآملي ـ الذريعة 14/47.
ـ غريب القرآن لزيد الشهيد.
تحقيق حسن محمد تقي الحكيم ـ رسالة من جامعة القاهرة/1987م نيل شهادة الدكتوراه.
ـ غريب القرآن.
عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي ـ الذريعة 16/48.
ـ غريب القرآن.
عطية بن الحارث الهمداني الكوفي ـ الذريعة 16/48.
ـ غريب القرآن.
علي حيدر الشرقي المتوفى سنة 1314هـ ـ الذريعة 16/48.
ـ غريب القرآن.
أبو الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي النحوي ـ الذريعة 16/50.
ـ غريب القرآن.
الشيخ فخر الدين الطريحي، المتوفى سنة 1085هـ ـ الذريعة 16/49.
ـ غريب القرآن.
بو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، المتوفى سنة 321هـ ـ الذريعة 16/50.
ـ غريب القرآن.
أبو جعفر محمد الرواسي الكوفي النحوي ـ الذريعة 16/50.
ـ غريب القرآن.
محمد بن السائب الكلبي، المتوفى سنة 146هـ ـ الذريعة 16/50.
ـ غريب القرآن (نزهة القلوب).
محمد بن عزيز السجستاني، المتوفى سنة 330هـ ـ الذريعة 16/49.
ـ غريب القرآن.
في مجلدين لا يزال مخطوطاً عند المؤلف ـ محمد مهدي بن حسن آل الخرسان الموسوي النجفي المولود سنة 1347هـ ـ الذريعة 16/50.
ـ غريب القرآن.
يحيى بن زياد بن عبدالله الديلمي الكوفي، المتوفى سنة 1308هـ الذريعة 16/50.
ـ غنائم التبيان في تفسير القرآن.
عبد الرحيم بن عبد الحسين بن محمد حسين الحائري ـ معجم الدراسات القرآنية/115.
ـ غنائم العارفين في تفسير القرآن المبين.
محمد علي بن محمد البرغاني ـ الذريعة 16/64.
حرف الفاء
ـ الفائدة الجليلة في تفسير آية ﴿نِساؤُكُم حَرَثٌ لَكُمء﴾ أبو سعيد حمزة بن محمد الحسيني الرضوي ـ الذريعة 16/87.
فائق البيان في تفسير آية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ﴾.
محمد رضا التستري، المتوفى 1232هـ.
طبقات أعلام الشيعة 2 ـ 2/558.
ـ فائق البيان في تفسير آية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ﴾ في مجلدين ـ نعمة الله بن محمد هادي بن عبدالله الجزائري. الذريعة 16/90.
ـ فاطمة الزهراء عليها السلام في القرآن.
السيد صادق الشيرازي ـ قائمة منشورات دار العلوم سنة 1990م.
ـ فتح الرحمن بترجمة القرآن.
ولي الله قطب الدين أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي النقشبندي، المتوفى سنة 1176هـ الذريعة 16/106.
ـ فتح الرحمن لطالب آيات القرآن.
فيض الله بيك الحسين ـ طبع بمصر سنة 1346هـ ـ الذريعة 16/106.
ـ الفتوحات الربانية في توضيح بعض الكلمات القرآنية.
مهدي بن محمد الواعظ الخوانساري الأصفهاني ـ الذريعة 16/410.
ـ الفحص والبيان عن أسرار القرآن.
أبو زكريا يحيى بن سعيد بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن سعيد الهذلي الحلي ـ المتوفى سنة 689هـ ـ الذريعة/124.
ـ الفرائد الحسان في تفسير القرآن.
محمد رضا الحساني النجفي المعاصر ـ طبعت منه كراسات صغيرة للتنويه عنه والإشادة به والإشارة إليه.
ـ الفرقان في تفسير القرآن.
علي الروحاني النجف آبادي ـ مطبعة الآداب (النجف) 1979م.
ـ الفرقان في تفسير القرآن علي نقي بن أبي الحسن النقوي الكهنوي ـ الذريعة 16/174.
ـ الفرقان في تفسير القرآن.
محمد الصادق الطهراني ـ صدر منه 4 مجلدات طبع في بيروت وقد فسر به أواخر السور القرآنية. وقدم له السيد الطباطبائي صاحب الميزان.
ـ الفسخ على من أجاز النسخ.
محمد بن أحمد (ابن الجنيد) معالم العلماء/98.
ـ فصل الخطاب في تفسير آية ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
عبد الصمد الجزائري، المتوفى سنة 1337هـ ـ الذريعة 16/228، طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/1133.
ـ فصل الخطاب في حجية ظواهر الكتاب.
محمد مهدي بن محمد شفيع الأسترآبادي، المتوفى سنة 1259هـ ـ الذريعة 16/230.
ـ فصل الخطاب في نفي تحريف الكتاب.
علي محمد الآصفي ـ معجم الأميني/22)[820](.
ـ الفصول في التفسير.
أبو سعيد عبد الجليل بن أبي الفتح مسعود بن عيسى المتكلم الرازي الذريعة 16/233.
ـ فضائل الآيات.
أبو عبدالله يحيى بن زكريا بن شيبان الكندي العلاف. الذريعة 16/251 وذكر في رجال النجاشي.
ـ فضائل آية الكرسي وخواصها.
أحمد بن عبد الحي الشريف ـ الذريعة 16/251. باللغة الفارسية توجد نسخته الخطية في مكتبة العسكري في سامراء بالعراق.
ـ فضائل القرآن.
أبو جعفر أحمد بن محمد خالد البرقي، المتوفى سنة 274هـ ـ الذريعة 16/262.
ـ فضائل القرآن.
أبو علي أحمد بن محمد بن عمار الكوفي، المتوفى سنة 346هـ ـ الذريعة 16/262.
ـ فضائل القرآن.
أحمد بن محمد السياري أبو عبدالله المتوفى سنة 368هـ.
تأسيس الشيعة/320.
ـ فصائل القرآن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ـ أعيان الشيعة 1/130.
ـ فضائل القرآن.
علي بن إبراهيم بن هاشم القمي الذريعة 16/262 وفهرست ابن النديم/55.
ـ فضائل القرآن.
علي بن الحسن فضال ـ الذرعية 16/263.
ـ فضائل القرآن.
ابن الفيض الكاشاني
الذريعة 16/263.
ـ فضائل القرآن.
أبو الحسن محمد بن الحسين بن سفرجلة الخزار الكوفي ـ الذريعة 16/263.
ـ فضائل القرآن. باللغة الفارسية.
محمد علي الحزين، المتوفى سنة 1181هـ ـ الذريعة 16/263.
ـ فضائل القرآن.
محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق) ـ الذريعة 16/263.
ـ فضائل القرآن.
محمد بن مسعود السلمي السمرقندي ـ الذريعة 16/263 ـ أعيان الشيعة 1/130.
ـ فضائل القرآن.
محمد بن يعقوب الكليني ـ الفهرست للطوسي/165.
ـ فضل سورة التوحيد.
محمد باقر الداماد الحسيني الذريعة 16/267.
ـ فضل سور القرآن.
محمد بن مسعود السلمي السمرقندي ـ الذريعة 6/262.
ـ فضل سور القرآن سورة سورة.
لأبي الحسن علي بن صالح بن محمد بن يزداد بن علي بن جعفر الواسطي العجلي ـ الذريعة 16/268.
ـ فضل القرآن.
أحمد بن محمد خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي ـ الفهرست/48 ـ معالم العلماء/12.
ـ فضل القرآن.
محمد بن الحسن الصفار القمي، المتوفى سنة 290هـ ـ الذريعة 16/271.
ـ فضل القرآن.
محمد بن مسعود السلمي السمرقندي ـ الذريعة 6/262.
ـ فضل القرآن
أبو محمد يونس بن عبد الرحمن. الذريعة 16/271.
ـ فضل القرآن على الدعاء.
محمد حرز الدين ـ معارف الرجال 1/13.
ـ فضل القرآن وحملته.
أحمد بن محمد بن عمار الكوفي، المتوفى سنة 346هـ ـ الذريعة 16/266.
ـ الفقه في القرآن.
السيد محمد باقر الحكيم المولود في النجف الأشرف سنة 1937م ـ شهيد صدر/21 للسيد محمد باقر المهري بالفارسية.
ـ فقه القرآن.
قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي المتوفى سنة 573هـ ـ الذريعة 16/400.
ـ فلسفة التاريخ في القرآن.
زهير عبد المطلب أبو الريحة النجفي ـ أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه (جامعة السوربون ـ باريس).
ـ فن التوكيد في القرآن الكريم.
طالب الرفاعي بن سيد شبر ـ رسالة دكتوراه ـ جامعة القاهرة.
ـ الفنون العلمية المستخرجة من القرآن.
محمد هارون الحسيني ـ الذريعة 16/396.
ـ فنون القرآن.
علي بن الحسين (الشريف المرتضى) ـ أعيان الشيعة 8/219.
ـ فهم متشابهات القرآن.
صدر الدين الشيرازي ـ الذريعة 16/400.
ـ فواصل الآيات.
حسين بن محمد ـ الذريعة 16/365.
ـ فوائد القرآن.
محمد مرتضى الحسيني الجنفوري، المتوفى سنة 1337هـ ـ الذريعة 16/29.
ـ في التعبير القرآني.
محمود البستاني. طبع في مطبعة الآداب بالنجف سنة 1979م ـ معجم الدراسات القرآنية/80.
ـ في رحاب أم الكتاب.
محمد جعفر شمس الدين العاملي المعاصر ـ مجلة الثقافة الإسلامية (المستشارية الثقافية لإيران ـ دمشق) عدد 12 لسنة 1407هـ.
ـ في رحاب القرآن.
محمد حسن آل ياسين ـ مطبعة المعارف ـ بغداد ـ 1388هـ.
ـ في ظلال سورة الأنفال.
محمد جعفر شمس الدين العاملي المعاصر ـ طبع ببيروت.
ـ الفيوضات الربانية في توضيح بعض الكلمات القرآنية.
مهدي بن محمد الواعظ الخوانساري طبع في بغداد ـ الذريعة 16/410.
ـ في علوم القرآن.
علي بن أبي طالب عليه السلام بحار الأنوار.
ـ في علوم القرآن.
الدكتور محمد حسين الصغير ـ كتابان طبعا في لبنان.
ـ في فضل القرآن.
الشيخ المفيد، المتوفى سنة 413هـ ـ أعيان الشيعة 46/23.
ـ في القرآن والدعاء.
عبدالله شبر ـ تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد (قم) للمؤلف نفسه/ 1393هـ.
ـ في كنف سورة الفاتحة.
عبد المهدي فضل الله ـ مجلة الثقافة الإسلامية (المستشارية الثقافية الإيرانية ـ دمشق) ـ عدد 12 ـ 1407هـ.
حرف القاف
ـ قاموس العرفان في تاريخ القرآن.
محمد أمين بن يحيى بن أسد الله بن حسين بن حسن الخوئي المولود في النجف سنة 303هـ ـ الذريعة 17/16.
ـ قاموس غريب القرآن (في تفسير لغاته الغريبة).
محمد بن الحجة الحاج حسين الخليلي النجفي، المتوفى سنة 1355هـ ـ الذريعة 17/16 ـ 17.
ـ قبسة العجلان في فهرست روائح القرآن.
محمد عباس التستري اللكهنوي، المتوفى سنة 1306هـ ـ الذريعة 17/35.
ـ قبس من تفسير القرآن.
علي سماكة الحلي ـ طبع في النجف/ سنة 1931م بتحقيق السيد أحمد الحسيني.
ـ قبس من القرآن الكريم.
محمد سعيد الطريحي ـ نشر في حلقات بجريدة المجتمع الكربلائية سنة 1971.
ـ قبس من الجهاد في القرآن.
فاضل النوري ـ طبع بطهران سنة 1983م ضمن سلسلة الوعي الإسلامي للجماهير.
ـ القرآن.
أبو عثمان بكر بن محمد بن حبيب المازني المتوفى سنة 249هـ ـ الذريعة 17/58.
ـ قبس من القرآن في صفات الرسول الأعظم عليه السلام.
عبد اللطيف البغدادي. طبع في النجف سنة 1970 ـ معجم الدراسات القرآنية/182.
ـ القرآن. في التنزيل وأقسام القرآن.
أحمد بن محمد بن سيار السياري من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام ـ تأسيس الشيعة/336.
ـ القرآن إمام الكل في الكل جامع لأصول التفسير وسائر العلوم الإسلامية.
محمد علي هبة الدين الشهرستاني، المتوفى سنة 1386هـ ـ الذريعة 17/58.
ـ القرآن تعليمه وإرشاده.
محمد حسين المظفر ـ المتوفى سنة 1381هـ ـ الذريعة 17/58 ـ تأسيس الشيعة 336.
ـ القرآن ثوابه وخواصه.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ القرآن دراسة عامة.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ القرآن سبب إطلاق الحرية العلمية للعقول البشرية.
كاظم حسن الحلي ـ معجم الدراسات القرآنية/182.
ـ قرآن شريف. «تفسير باللغة الفارسية لسورة ياسين والتكوير والتوحيد».
ضياء الدين الطباطبائي اليزدي ـ طبع بطهران سنة 1374هـ ـ الذريعة 17/58.
ـ القرآن علومه وتاريخه.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ القرآن في الإسلام.
محمد حسين الطباطبائي. المتوفى سنة 1983م صاحب تفسير الميزان نقله من الفارسية إلى العربية السيد أحمد الحسيني وطبع في بيروت.
ـ القرآن قاموس نفسه.
كاظم السباعي ـ مجلة البصائر (مركز الدراسات الإسلامية في لندن) عدد 6 سنة 4/1987م.
ـ القرآن كتاب حياة.
كاظم السباعي ـ بيروت ـ (مؤسسة الوفاء).
ـ القرآن الكريم في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام.
جعفر الهادي ـ دار تحفيظ القرآن الكريم ـ طهران ـ 1985م.
ـ القرآن محور العلوم.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ القرآن المعجزة الدائمة.
جعفر غضبان الحسيني الإصفهاني. طبع في يزد سنة 1332 بالفارسية ـ الذريعة 17/59.
ـ القرآن وآثاره في النشأتين.
فخري سلمان الظالمي ـ طبع بالنجف/1967م.
ـ القرآن والأحوال المناخية.
الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر. المولود سنة 1360هـ ـ طبع في النجف الأشرف/1382هـ.
ـ القرآن والترجمة.
عبد الرحيم محمد علي المولود عام 1351هـ ـ طبع بالنجف الأشرف 1375هـ الذريعة 17/59.
ـ القرآن والثقافة.
عبد الحسين المعزي ـ جريدة كيهان العربي. عدد 955 ـ ص 6/1986م.
ـ القرآن والحجاب.
عبد الرزاق الأصفهاني. طبع سنة 1324هـ ـ معجم مؤلفي الشيعة/136.
ـ القرآن والدعاء.
عبدالله شبر، المتوفى سنة 1242هـ ـ الذريعة 17/59.
ـ القرآن والدعاء.
(وهو المجلد التاسع عشر في جزأين من الموسوعة الضخمة بحار الأنوار) ـ محمد باقر المجلسي ـ الذريعة 17/59.
ـ القرآن والطب الحديث.
محمد الخليلي ـ معجم الدراسات القرآنية/183.
ـ القرآن والعترة.
محمد علي الشاه آبادي الطهراني ـ الذريعة 17/59.
ـ القرآن والعقلية العربية.
نعمة الساعدي ـ معجم الدراسات القرآنية/80.
ـ القرآن والعقيدة السيد مسلم الحلي ـ مطبعة القضاء (النجف الأشرف) 1960م.
ـ القرآن والعلوم.
ناصر سعيد الدهان ـ معجم الدراسات القرآنية/184.
ـ القرآن والعلوم الكونية.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403 هـ.
ـ القرآن ومسألة من الحياة.
مرتضى المطهري. المستهشد عام 1980 بطهران ـ طبع في إيران.
ـ القرآن ومعرفة الطبيعة.
مهدي كلشني ـ جريدة لواء الصدر ـ عدد 262 ـ ص 8/1986م.
ـ القرآن ومكارم الأخلاق.
محمد الخليلي ـ طبع ببغداد ـ سنة 1962م.
ـ القرآن يدعم الإسلام ويدحض ما سواه بالحجة والبرهان.
محمد الخالصي المتوفى سنة 1965م ـ معجم الدراسات القرآنية/ 186.
ـ القرآن يسبق العلم الحديث.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403هـ.
ـ القرآن يستدل بالحياة على التوحيد.
مرتضى المطهري. المستشهد عام 1980 في طهران ـ طبع في إيران.
ـ القرآن يهدي.
إصدار مدارس حفاظ القرآن الكريم ـ كربلاء ـ نشرة قرآنية تبحث مسائل قرآنية ودراسات في التفسير والحديث والتشريع.
ـ القرآن يواكب الدهر.
محمد رضا الحكيمي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1403 هـ.
ـ القراءات.
أبو عبدالله أحمد بن محمد السيار ـ معالم العلماء/13.
ـ القراءات.
أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان النحوي الهمداني، المتوفى سنة 380هـ.
ـ القراءات.
أبو محمد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري ـ تأسيس الشيعة/ 344 ـ الذريعة 17/52 ـ 54.
ـ القراءات االقرآنية.
عبد الهادي الفضلي ـ بيروت (دار القلم ـ 1980م).
ـ القراءة.
حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفى سنة 158هـ ـ تأسيس الشيعة/347.
ـ القراءة.
أبو جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي الكوفي ـ الذريعة 17/55.
ـ القراءة.
أبو جعفر محمد بن سعدان الضرير، المتوفى سنة 231هـ الذريعة 17/55.
ـ القراءة.
نجيب الدين أبو طالب يحيى بن علي بن محمد المقري الأسترآبادي ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة ابن عامر وحمزة ونافع وابن عمرو.
عماد علي بن عماد القاري ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة ابن عباس أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، المتوفى سنة 302هـ ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة ابن كثير.
عماد الدين علي بن عماد الدين علي الشريف القارئ ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد المقري ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة أمير المؤمنين عليه السلام.
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام الشهيد سنة 122هـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة أمير المؤمنين عليه السلام.
ابن الحجام محمد بن العباسي بن علي بن مروان بن الماهيار ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة أهل البيت عليهم السلام.
ابن الحجام محمد بن العباس بن علي بن مروان بن الماهيار ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة السمرقندي.
يار محمد بن خداداد السمرقندي ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة سورة بعد الحمد أو آية.
الشيخ البهائي ـ الذريعة 17/55.
ـ قراءة القرآن.
عبد الوحيد الجيلاني الأسترآبادي ـ الذريعة 17/56.
ـ قراءة القرآن.
علي أكبر بن محمد بن محمد حسين القاجار المروزي ـ الذريعة 17/56.
ـ قراءة ابن كثير وأثرها في الدراسات النحوية.
عبد الهادي الفضلي ـ معجم الدراسات القرآنية/124.
ـ قرائن آيات القرآن.
أبو الحسن علي البيهقي النيسابوري، المتوفى سنة 545هـ ـ أعيان الشيعة 8/243.
ـ قراضة النظرية وخلاصة التفسير.
الشيخ الكفعمي، المتوفى سنة 905هـ ـ الذريعة 17/56.
ـ القسطاس المستقيم في لغات القرآن الكريم.
محمد علي بن شاه قلي الرازي ـ الذريعة 17/81.
ـ القصة في القرآن.
محمد باقر الحكيم. المولود سنة 1937 ـ لا يزال مخطوطاً حدثني بذلك مؤلفه.
ـ القصة في القرآن الكريم.
جواد الآملي ـ مجلة التوحيد عدد 30 لسنة 1408هـ.
ـ قصص القرآن.
صدر الدين بن السيد حسن النائيني ـ الذريعة 17/107.
ـ قصص القرآن.
علي منصور المرهون ـ المطبعة الحيدرية بالنجف ـ طبعة 1/1964م، طبعة 2/1967م.
ـ قصص القرآن الكريم.
علي محمد علي الدخيل ـ مطبعة (دار المرتضى ـ بيروت) 1986م.
ـ القصص القرآني.
محمد باقر الحكيم ـ مجلة رسالة الإسلام (كلية أصول الدين ـ بغداد) عدد 1 السنة الثالثة/1968م.
ـ قصص موسى.
محمد معين الدين بن شرف الدين محمد الفراهي، المتوفى سنة 907هـ ـ الذريعة 17/108.
ـ القضايا النحوية في تفسير الطبرسي.
كاظم إبراهيم كاظم ـ رسالة دكتوراه ـ جامعة القاهرة.
ـ قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر.
أحمد الجزاري بن إسماعيل بن عبد النبي بن سعد الجزائري النجفي المتوفى سنة 1151هـ ـ طبع في ثلاثة أجزاء في مطابع النجف بالعراق.
ـ قلب القرآن.
عبد الحسين دستغيب الشيرازي ـ المستشهد عام/1982م ـ الذنوب الكبيرة 1/5.
ـ قوى الإنسان وإدراكاتها.
(وهو تفسير باللغة العربية) الحسين بن عبدالله بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس ـ تراثنا مجلة العدد 4 ـ ص 124.
ـ قوارع القرآن.
أحمد بن سهيل أبو زيد البلخي، توفي سنة 322هـ ـ أعيان الشيعة 10/408.
ـ قواعد التجويد.
باقر بن شعبان الجيلاني التيمجاني ـ الذريعة 17/181.
ـ قواعد التجويد.
محمد جواد العاملي، المتوفى سنة 811م ـ طبع بالنجف سنة/1956م.
ـ قواعد التجويد (باللغة الفارسية).
محمود بن عبدالله الموسوي الدزفولي ـ الذريعة 17/181.
ـ القواعد الحسان في تفسير القرآن.
محمد رضا الحساني. طبع في النجف سنة 1965 بمطبعة الغري ـ معجم الدراسات القرآنية/186.
ـ قواعد القرآن.
يار محمد السمرقندي ـ الذريعة 17/189.
ـ قواعد القرآن على قراءة عاصم.
يار محمد السمرقندي ـ الذريعة 7/189.
ـ قواعد القرآن في التجويد.
محمد كاظم بن محمد القاري.
نسخته موجودة في مكتب الميرزا محمد الطهراني بسامراء في العراق ـ الذريعة 17/189.
حرف الكاف
ـ كاشف الأذهان في شرح أسماء القرآن.
علي قلي آقا ناصح آذر شهري ـ باللغة الفارسية طبع بتبريز عام 1367هـ ـ الذريعة 18/233.
ـ كاشفة الكشاف.
محمود بن علي أصغر الطباطبائي التبريزي، المتوفى سنة 1310هـ ـ الذريعة 18/243 ـ وهو تعليق على تفسير الكشاف للزمخشري.
ـ الكاشف في تفسير القرآن.
محمد جواد مغنية، المتوفى سنة 1400هـ. 1979م ـ طبع في بيروت في سبعة مجلدات عدة مرات.
ـ الكافي في التفسير.
ضياء الدين فضل الله بن علي الراوندي الحسيني ـ الذريعة 17/245.
ـ الكافي والشافي.
الشيخ الطبرسي، المتوفى سنة 548هـ وهو التفسير الوجيز من تفاسير المؤلف العديدة للقرآن الكريم وله جوامع الجامع في التفسير ومجمع البيان وهو أشهرها ـ الذريعة 17/244.
ـ كانون حكمت قرآن.
محمد باقر بن أحمد الكمرة أي الخميني. في تفسير سورة لقمان (وهو بالفارسية) ـ طبع بطهران سنة/ 1323هـ ـ الذريعة 17/258.
ـ كانون عفت قرآن. في تفسير سورة يوسف وقصته.
طبع بطهران عام 1334 بالفارسية ـ محمد باقر الكمره أي الخميني ـ الذريعة 17/258.
ـ كتاب الأربعين آية في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
ألف باسم الأمير شرف الدين حيدر بن محمد بن حيدر بن إسماعيل (كلستانه)، المتوفى سنة 779هـ ـ الذريعة 18/364.
ـ الكتاب المبين (تفسير لتمام القرآن).
نور الدين الأخباري محمد بن شاه مرتضى بن محمد مؤمن الكاشاني موجود في مكتبة مشهد الإمام الرضا عليه السلام الذريعة 17/279.
ـ كتاب التفسير.
أبو عبدالله الخزار ـ أعيان الشيعة 7/11.
ـ كتاب التفسير.
محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق الفهرست للطوسي/189.
ـ كتاب في تفسير القرآن (حتى الآية 123 من سورة البقرة).
مصطفى الخميني، المتوفى سنة 1397هـ.
ـ كتاب القرآن.
للشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناحي المالكي صاحب كتاب كاشف الغطاء ـ ضمن كتابه كاشف الغطاء. المشهور المطبوع والذي عرفت الأسرة العلمية به بعد ذلك.
ـ كرائم الأخلاق. مستمدة من الآيات القرآنية.
زين العابدين بن فرج الله ذو المجدين. طبع بطهران سنة 1327هـ ـ الذريعة 18/288.
ـ كراسة آية الكرسي.
محمد علي هبة الدين الشهرستاني، المتوفى سنة 1386هـ ـ الذريعة 17/289.
ـ كرائم القرآن.
أبو القاسم التبريزي، المتوفى سنة 1362هـ ـ طبقات إعلام الشيعة 1/67.
ـ كشف الآيات.
أحمد آل زوين النجفي، المتوفى سنة 1270هـ ـ معارف الرجال 1/69.
ـ كشف الآيات.
محمد رضا الحسيني الأصفهاني أعيان الشيعة 1/283.
ـ كشف الآيات.
محمد عبد الغفار الكاشاني الرضوي. تفسير مختصر ومنتخب من تفسير الصافي والبيضاوي وغيرهما ـ الذريعة 18/6.
ـ كشف الآيات عن القرآن الكريم.
حسين بن حسن المعصومي اللاري طبع في طهران سنة 1373هـ ـ الذريعة 18/6.
ـ كشف آيات القرآن.
المرتضى علم الهدى، المتوفى سنة 436هـ ـ الذريعة 18/6.
ـ كشف آيات القرآن الكريم.
فخر الدين الطريحي، المتوفى سنة 1085هـ.
ـ غريب القرآن.
(للمؤلف نفسه)/24.
ـ كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب محمود بن أبي القاسم (المعرب الطهراني)، المتوفى سنة 1312هـ ـ الذريعة 18/9.
ـ كشف الأسرار في التفسير.
رشيد الدين اليزدي ـ الذريعة 18/16.
ـ كشف الأسرار في التفسير.
أبو الفضل الميبدي ـ باللغة الفارسية ـ الذريعة 18/16.
ـ كشف الأسرار في تفسير القرآن.
أبو تراب الكرماني، المتوفى سنة 300هـ تقريباً الذريعة 18/16.
ـ كشف البيان أو نهج البيان في تفسير القرآن.
محمد بن الحسن الشيباني ـ الذريعة 2/311.
ـ كشف التنزيل في التفسير والتأويل.
محمد بن عبد الغفار بن عبد الرزاق بن إبراهيم الرضوي الكاشاني ـ الذريعة 18/24.
كشف الحجاب عن وجوه إعجاز بعض آيات الكتاب.
مصطفى بن مرتضى الخوئي الذريعة 18/25 ـ طبع بطهران سنة 1366هـ.
ـ الكشف عن القراءات السبع في بيان اختلاف القراءات والجمع والتوفيق بينها.
محمد سعيد بن محمد مفيد القمي ـ الذريعة 18/ كشف العوار في تفسير آية الغار.
نور الله المرعشي التستري، الشهيد سنة 1019هـ ـ الذريعة 18/42.
ـ كشف الغطاء في تفسير ﴿هَلْ أَتَى﴾.(بالفارسية).
رجب عليخان الجكرواني، المتوفى سنة 1282هـ ـ الذريعة 12/165.
ـ كشف الوجوه في القراءات المختلفة المأثورة.
محمد بن المهدي الحسيني ـ الذريعة 18/67.
ـ كفاية التجويد.
عبد الحسين مؤنس علي شاه ذو الرياستين، المولود سنة 1290هـ ـ الذريعة 18/67.
ـ كفاية الحفاظ في التجويد.
عبد الحسين مؤنس علي شاه ذو الرياستين، المولود سنة 1290هـ ـ الذريعة 18/67.
ـ كفاية الحفاظ في التجويد.
محمود بن محمد الحافظ الحسيني التبريزي ـ طبع في تبريز على الحجر سنة 1297م ـ الذريعة 18/91.
ـ الكلام في حدوث القرآن.
الشيخ المفيد ـ الذريعة 18/110.
ـ الكلام في دلائل القرآن.
الشيخ المفيد ـ الذريعة 18/110.
ـ الكلام في وجوه إعجاز القرآن.
الشيخ المفيد ـ الذريعة 18/110.
ـ كلمات القرآن. تفسير لمفردات القرآن.
نظر علي الطالقاني ـ الذريعة 18/118.
ـ الكليم وفرعون.
محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي ـ مطبعة الآداب (النجف الأشرف)/ 1966م.
ـ كنز التفاسير في تفسير المفردات القرآنية.
علي بن الشريعتمدار (محمد جعفر الأسترآبادي) الطهراني ـ الذريعة 18/149.
ـ كنز الدقائق في تفسير القرآن.
محمد بن محمد رضا المشهدي.
الذريعة 13/356.
ـ كنز العرفان في تفسير القرآن.
محمد صالح البرغاني القزويني ـ الذريعة 18/159.
ـ كنز العرفان في فقه القرآن.
أبو عبدالله المقداد السيوري الحلي الأسدي، المتوفى سنة 726هـ ـ الكنى والألقاب 3/10.
ـ كنوز ألطاف البرهان في رموز القرآن.
محمد صادق الهندي ـ طبع في الهند ـ الذريعة 18/171.
ـ كنوز مفاتيح القرآن.
لم يذكر صاحب الذريعة اسم مؤلفه عند ذكره لاسم الكتاب فقط ـ الذريعة 18/175.
ـ الكون والقرآن في علم الفلك.
محمد علي الحلي ـ معجم الدراسات القرآنية/189.
ـ كيف نزل القرآن.
أبو الفضل مير محمدي ـ مجلة الهادي عدد 5 ـ السنة 3.
ـ كيف نزل القرآن.
محمد باقر حجتي ـ جريدة كيهان العربي عدد 514 ـ 1405هـ.
ـ كيف نفهم القرآن.
محمد رضا الحسيني الشيرازي ـ بيروت (مؤسسة الوفاء) ـ 1400هـ.
حرف اللام
ـ اللآلي الحسان في تفسير القرآن في مجلدين.
حسن مطر الخويبراوي الناصري المولود سنة 1910م ـ طبع في النجف/1968م.
ـ لآلي منثور في تفسير سورة النور.
(بالفارسية) طبع في قم سنة 1380 ـ أبو الفضل النبوي القمي بن علي النبوي بن عبد الهادي الحسيني المولود سنة 1345 ـ الذريعة 18/264.
ـ لب الألباب في تفسير أحكام الكتاب.
عبد علي (أبو تراب الخوانساري)، المتوفى سنة 1346هـ ـ أعيان الشيعة 8/30.
ـ اللباب في تفسير آية الكرسي.
القطب الراوندي سعيد بن هبة الدين بن الحسن المتوفى سنة 573هـ ـ حكاه في رياض العلماء، الذريعة 18/280.
ـ لب التأويل.
نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري ـ الذريعة 18/284.
ـ لسان التنزيل.
فذكره الطهراني في الذريعة ولم يذكر إسم مؤلفه ـ الذريعة 18/301.
ـ لغات غرائب القرآن.
محمد بن مهدي ـ الذريعة 18/329.
ـ لغات القرآن.
أبو زيد أحمد بن سهل البلخي. المتوفى عام 322هـ ـ الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن.
إسماعيل بن علي التبريزي. المولود سنة 1295هـ. الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن.
جعفر بن إبراهيم الهريسي التبريزي ـ الذريعة 18/330.
ـ لغات القرآن.
الفراء. النحوي اللغوي المشهور يحيى بن زياد الديلمي المتوفى عام 207هـ ـ أعيان الشيعة 1/130.
ـ لغات القرآن.
فخر الدين الطريحي. المتوفى سنة 1085هـ ـ أعيان الشيعة 1/130.
ـ لغات القرآن.
محمد بن الحسن (ابن دريد)، المتوفى سنة 321هـ ـ الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن.
محمد حسين الشيرازي، المتوفى سنة 1339هـ ـ الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن.
محمد بن حسين الخليلي، المتوفى سنة 1355هـ ـ الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن.
لأبي المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي، المتوفى سنة 205هـ ـ الذريعة 18/330 ـ 331.
ـ لغات القرآن الصغير.
أسد الله الزنجاني، المتوفى سنة 1320هـ.
ـ لغات القرآن الكبير.
أسد الله الزنجاني، المتوفى سنة 1320هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 1/163.
ـ لغة القرآن الكريم.
جواد علي، المتوفى سنة 1987م ـ جريدة الجمهورية. عدد 6333.
ـ اللفظ الوجيز في قراءة القرآن العزيز.
تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن إسماعيل الكفعمي، المتوفى سنة 905هـ ـ الذريعة 18/337.
ـ لمحات من تاريخ القرآن.
محمد علي الأشيقر ـ دار المحيط (كربلاء)/ 1967 م.
ـ لمعات النور في تفسير آية النور.
أبو الحسن بن إسماعيل اللاري (الإصطهباناتي)، المتوفى سنة 1338هـ ـ الذريعة 18/247.
ـ لوامع التأويل.
محمد معصوم بن محمد أمين بن علي بن حسين الأسترآبادي ـ الذريعة 18/365.
ـ لوامع التنزيل في تجويد القرآن.
محمد علي بن محمد حسن النحوي ـ معجم رجال الفكر/28.
ـ لوامع التنزيل وسواطع التأويل (بالفارسية).
أبو القاسم بن الحسين بن النقي الرضوي اللاهوري، المتوفى سنة 1324هـ ـ الذريعة 18/366.
ـ اللوامع النورانية في أسماء أمير المؤمنين عليه السلام القرآنية.
هاشم بن سليمان التوبلي البحراني ـ تراثنا ـ عدد 55 لسنة 1406هـ.
ـ اللوح المحفوظ لأسرار كتاب الله الملفوظ.
محمد كاظم التنكابني، المتوفى سنة 1033هـ ـ مجلة تراثنا. عدد 1، لسنة 1407هـ.
ـ لؤلؤة البحرين في تفسير آية الكرسي وسورة القدر.
محمد محسن بن محمد رفيع الأصفهاني ـ الذريعة 18/378.
ـ لؤلؤة القرآن (بالفارسية) في خواص آيات القرآن من طرق أهل البيت عليهم السلام.
علي بن أبي الفتح القاري الأصفهاني ـ الذريعة 18/378.
ـ لهجة القرآن.
جواد علي، المتوفى سنة 1987م ـ مجلة المجمع العلمي العراقي عدد 3 ـ ص 240 لسنة 1954م.
حرف الميم
ـ ما أغلق من غريب القرآن.
أحمد بن سهيل أبو زيد البلخي، المتوفى سنة 322هـ ـ أعيان الشيعة 10/408.
ـ ما تشابه من ألفاظ القرآن وتناظر من كلمات الفرقان.
أبو الحسن علي بن حمزة بن عبدالله بن مهمين (الكسائي) ـ المتوفى عم 189هـ ـ الذريعة 19/19.
ـ ما نزل في علي عليه السلام من القرآن.
عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري، المتوفى سنة 332هـ ـ رجال النجاشي/ 180 ـ الذريعة 28/19. ـ – ما نزل من القرآن في أعداء آل محمد صلوات الله عليهم.
محمد بن عباس البزار بن علي بن مروان (ابن الحجام) ـ أعيان الشيعة 45/263 ـ الذريعة 19/28.
ـ ما نزل من القرآن في أعداء أهل البيت عليهم السلام.
ابن الحجام محمد بن العباس البزاز ـ الذريعة 3/306.
ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي المتوفى سنة 283هـ ـ معالم العلماء/ 3 ـ الفهرست للطوسي/ 32.
ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن إسحاق بن موسى بن مهران (الحافظ الأصفهاني)، المتوفى سنة 430هـ ـ الذريعة 19/28.
ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو عبدالله المرزباني محمد بن عمران بن موسى الخراساني، المتوفى سنة 378هـ ـ ذكر في معالم العلماء.
ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن إسماعيل الكاتب، المتوفى سنة 325هـ ـ كتاب اليقين (ابن طاووس).
ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو جعفر محمد بن أورمة القمي ـ رجال النجاشي/ 253.
ـ ما نزل في القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو موسى هارون بن عمر بن عبد العزيز بن محمد المجاشعي ـ رجال النجاشي/ 342 ـ الذريعة 19/28 ـ 29.
ـ ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام.
ابن الحجام محمد بن العباس البزاز ـ الذريعة 3/306 ـ أعيان الشيعة 45/263.
ـ ما نزل من القرآن في الخمسة.
أبو أحمد بن عبد العزيز بن يحيى الجلودي، المتوفى سنة 332هـ.
ـ ما نزل من القرآن في شيعة أهل البيت عليهم السلام.
ابن الحجام محمد بن العباس البزاز ـ الذريعة 19/306.
ـ ما نزل من القرآن في صاحب الزمان (عج).
أبو عبدالله أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن عياش الجوهري ـ الذريعة 19/30.
ـ ما نزل من القرآن في علي عليه السلام.
الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري، المتوفى سنة 286هـ ـ مجلة تراثنا ـ عدد 4 ـ ص 57 ـ لسنة 1406هـ.
ـ ما نزل من القرآن في علي عليه السلام.
محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيدالله المرزباني، المتوفى سنة 384هـ ـ الكنى والألقاب 3/178.
ـ مباحث علوم القرآن.
محمد علي الآردبادي مجلة تراثنا ـ عدد 1 ـ السنة الثانية/ 1407هـ.
ـ المبائ العامة لتفسير القرآن الكريم.
محمد حسين علي الصغير ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ بيروت /1983م.
ـ مبرم البرهان في تحريف القرآن وفضائح أهل العدوان.
محمد حسين بن محمد مهدي السلطان آبادي، المتوفى سنة 1314هـ ـ الذريعة 19/35.
ـ المبسوط في القراءات السبع.
عارف النقشبندي ـ الذريعة 20/35.
ـ المتشابه في القرآن (تفسير الآيات الغامضة).
محمد علي الحلي ـ طبع ببيروت سنة 1966م.
ـ متشابه القرآن.
أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفى سنة 158هـ ـ الذريعة 19/61.
ـ متشابه القرآن.
محمد إبراهيم الشيرازي، المتوفى سنة 1050هـ.
ـ متشابه القرآن.
أبو سعيد محمد بن أحمد بن محمد العميدي، المتوفى سنة 433هـ ـ تأسيس الشيعة/337.
ـ متشابه القرآن.
الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي، المتوفى سنة 406هـ كتاب مطبوع مشهور.
ـ متشابه القرآن.
أبو عبدالله محمد بن هارون ذكر في أمل الآمل 2/311.
ـ متشابه القرآن (وما اختلف فيه العلماء من الآيات).
رشيد الدين بن شهرآشوب المازندراني، المتوفى سنة 588هـ ـ تأسيس الشيعة 337.
ـ متشابه القرآن.
الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي، المتوفى سنة 406هـ كتاب مطبوع مشهور.
ـ متشابه القرآن.
أبو عبدالله محمد بن هارون ذكر في أمل الآمل 2/311.
ـ متشابه القرآن (وما اختلف فيه العلماء من الآيات).
رشيد الدين بن شهرآشوب المازندراني، المتوفى سنة 588هـ ـ تأسيس الشيعة /337.
ـ مجازات القرآن.
الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي، المتوفى سنة 406هـ. الذريعة 19/351 ـ تأسيس الشيعة/ 321.
ـ مجازات القرآن.
أبو الفتح محمد بن جعفر الهمداني المراغي ـ ذكر في رجال النجاشي.
ـ مجاز القرآن.
الفرّاء يحيى بن زياد الديلمي، المتوفى سنة 207هـ ـ تأسيس الشيعة/321.
ـ مجمع أسرار القرآن.
عبدالله بن محمد هادي الهرندي الأصفهاني ـ الذريعة 20/17.
ـ مجمع البحرين في تأويل الآيات المشكلة وشرح الأحاديث المعضلة.
محمد مؤمن بن محمد قاسم الجزائري الشيرازي ـ الذريعة 19/23.
ـ مجمع البحرين في تفسير القرآن.
نوح ضياء الدين يوسف ـ الذريعة 20/23.
ـ مجمع البحرين ومطلع النيرين.
فخر الدين بن محمد علي بن أحمد الطريحي النجفي، المتوفى سنة 1085هـ ـ. كتاب مشهور طبع في إيران ولبنان والعراق في عدة مجلدات.
ـ مجمع البيان في تفسير القرآن في عشرة أجزاء.
الطبرسي أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفى سنة 548هـ.
ـ مجمع التفاسير.
ـ محمد بن علي النجار التستري، المتوفى سنة 1141هـ ـ الذريعة 20/24.
ـ مجمع الغرايب. في التجويد وعدد الآيات والكلمات والحروف والسور القرآنية.
عارف النقشبندي ـ الذريعة 20/35.
ـ مجموعة التفاسير.
محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي، المتوفى عام 1050هـ ـ الذريعة 20/76.
ـ مجموعة السور القرآنية والأدعية المأثورة.
أبو القاسم الكرماني ـ الذريعة 20/87.
ـ مجموعة السور والآيات.
محمد علي الطالقاني، المتوفى سنة 1289هـ ـ الذريعة 19/87.
ـ محاضرات في التفسير.
محمد جمال الهاشمي المتوفى عام 1979 بالنجف ـ ألقاها في صحن الإمام (علي عليه السلام) في ليالي شهر رمضان ونشرت بعض حلقاتها في مجلة الإيمان النجفية.
ـ محاضرات في التفسير.
محمد مهدي الآصفي ـ طبعت في ملازم وزعت بكليتي الفقه في النجف وأصول الدين في بغداد.
ـ محاضرات في تفسير القرآن الكريم.
إسماعيل الصدر ـ ألقيت في مسجدي الأعرجي والهاشمي بالكاظمية وطبعت في كتاب مستقل.
ـ المحجة البيضاء والحجة الغراء. في تفسير الآيات الفقهية.
بدر الدين حسن بن جعفر الحسيني الكركي، المتوفى سنة 933هـ ـ تاريخ كرك نوح/104.
ـ المحجة فيما نزل من القرآن في القائم الحجة (عج).
هاشم البحراني، المتوفى عام 1272 ـ طبع في بيروت بتحقيق السيد محمد منير الميلاني.
ـ محمد والقرآن.
كاظم بن سلمان آل نوح الحلي، المتوفى سنة 1369هـ ـ الذريعة 20/156.
ـ محمد والقرآن.
محمد رضا الحكيمي ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت.
ـ المحمدية في بيان قواعد القرآنية.
محمد بن شمس الدين الكاظمي القاري ـ الذريعة 21/157.
ـ المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم.
ركن الدين حيدر بن علي بن حيدر الحسيني الآملي ـ الذريعة 20/161 ـ أعيان الشيعة 6/273.
ـ مخازن أسرار جواهر التنزيل.
حسن بن علي كوهر القراجة داغي، المتوفى سنة 1266هـ الذريعة 20/165.
ـ مختصر التبيان.
محمود بن عبدالله الموسوي الدزفولي ـ الذريعة 20/186.
ـ مختصر التبيان في تفسير القرآن.
محمد بن هارون ـ الذريعة 21/285 ـ أمل الآمل 2/311.
ـ مختصر التجويد.
محمود بن عبدالله الموسوي الدزفولي 20/186.
ـ مختصر التفاسير.
محمد علي بن محمد حسين المرعشي الحائري (الشهرستاني) الذريعة 20/188.
ـ مختصر تفسير آية الكرسي.
محمد تقي بن حسين علي الهروي الأصفهاني الحائري، المتوفى سنة 1299هـ ـ الذريعة 20/188.
ـ مختصر تفسير الأئمة.
محمد رضا بن عبد الحسين النصيري ـ الذريعة 20/189.
ـ مختصر تفسير الصافي.
محمد بن إبراهيم السدهي الأصفهاني ـ الذريعة 20/190.
ـ مختصر تفسير علي بن إبراهيم القمي.
كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم العتايقي ـ الذريعة 20/190.
ـ مختصر تفسير القرآن.
الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، المتوفى سنة 381هـ ـ الذريعة 20/191.
ـ مختصر جواهر التفسير.
حسين بن علي الكاشفي السبزواري، المتوفى سنة 910 هـ ـ الذريعة 20/194.
ـ مختصر جواهر القرآن.
أحمد بن محمد بن إبراهيم التميمي ـ الذريعة 20/194.
ـ مختصر علوم القرآن.
محمد علي الرديني ـ طبع بالجزائر/1987م.
ـ مختصر ما نزل من القرآن في صاحب الزمان (عج).
– أحمد بن محمد بن عبيدالله الجوهري ـ معالم العلماء/20.
ـ مختصر مجمع البيان.
زين الدين بن علي بن يونس العاملي النباطي البياضي المتوفى سنة 877 هـ ـ أمل الآمل 1/135.
ـ مختصر مجمع البيان.
محمد بن أحمد الخواجكي الشيرازي ـ الذريعة 20/206هـ.
ـ مختصر مجمع البيان في تفسير القرآن.
في ثلاثة مجلدات ـ الشيخ محمد باقر الناصري ابن الشيخ عباس الخويبراوي ـ طبع ببيروت/ 1979م.
ـ مختصر نهج البيان عن كشف معاني القرآن.
صالح بن ناصر بن صالح البحراني ـ الذريعة 20/315.
ـ مخزن الآيات.
محمود بن محمد الحسيني التبريزي ـ الذريعة 20/211.
ـ مخزن العرفان في تفسير القرآن.
نصرت محمد علي أمين الأصفهاني ـ مجلة الثقافة الإسلامية ـ عدد 11/1987م.
ـ مدار الإفهام في تفسير آية، ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَأنِ اثْنَينِ﴾.
صاين الدين علي الأصفهاني ـ الذريعة 20/235.
ـ مدارك التنزيل وحقائق التأويل.
حافظ الدين عبدالله بن أحمد النسفي، المتوفى سنة 710هـ ـ الذريعة 20/240.
ـ المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
محمد باقر الموحد الأبطحي ـ طبع في النجف/1389هـ.
ـ مذكرات كلمة قرآنية.
الدكتور أسعد علي ـ الكتاب تحت الطبع.
ـ المذهب الأخلاقي في القرآن الكريم.
صالح الشماع ـ طبع ببغداد/ 1961م ـ وفي النجف/1965م.
ـ مرآة الله في تفسير آية الشهادة.
محمد علي (الحزين الجيلاني الإصفهاني) المتوفى سنة 1881هـ ـ الذريعة 20/284.
ـ مرآة الأنوار في تفسير القرآن (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار).
أبو الحسن الشريف العاملي، المتوفى سنة 1138هـ ـ طبع بطهران سنة/ 1295هـ أعيان الشيعة 17/413.
ـ مراتب القرآن.
غلام علي بن إسماعيل البهاونكري ـ الذريعة 20/91.
ـ المرآة في القرآن ونهج البلاغة.
جواد المصطفوي ـ مجلة الإرشاد (مشهد) عدد 1 السنة الثانية/1401هـ.
ـ المرأة من الضياع إلى القرآن.
ناجي النجار ـ مطبعة الحوادث (بغداد)/1979م.
ـ مراشد الإخوان في تجويد القرآن.
محمد علي بن حسين البهشتي القاري ـ الذريعة 20/299 ـ معجم رجال الفكر/80.
ـ المراشد المنتخب من غرر الفوائد.
أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، المتوفى سنة/ 449 هـ ـ الذريعة 20/299.
ـ مس الأطفال لخط القرآن.
محمد بن سليمان التنكابني ـ الذريعة 21/16.
ـ مسالك الإفهام إلى آيات الأحكام.
جواد بن سعدالله بن جواد البغدادي الكاظمي ـ الذريعة 20/378.
ـ المسائل الدمشقية.
محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة 460هـ ـ الذريعة 4/267.
ـ المسائل الرجبية في تفسير القرآن.
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة 460هـ ـ الفهرست للطوسي/193.
ـ المستخلص في ترجمة اللغات القرآنية.
حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري ـ الذريعة 4/21.
ـ المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن.
السيد محمد باقر الحكيم ـ طبع بالنجف/1970م. ضمن سلسلة من هدي النجف.
ـ مشارق النور للكتاب المشهور.
فخر الدين الطريحي، المتوفى سنة 1085هـ.
ـ مشكاة الأنوار في فضائل القرآن والدعاء.
محمد باقر المجلسي، المتوفى سنة 1110هـ ـ الذريعة 21/45.
ـ المشكاة البهية في الفوائد القرآنية.
محمد بن محمد مقيم ـ الذريعة 21/45.
ـ مشكاة الحياة في تفسير الآيات.
نجف علي دانش بن حسن علي التبريزي ـ الذريعة 21/57.
ـ مشكاة المصابيح في تفسير آية النور.
محمد مؤمن بن أبي محمد الميامي البطاحي ـ الذريعة 21/42.
ـ مشكلات القرآن.
محمد جعفر الأسترآبادي ـ الذريعة 21/47 ـ طبقات أعلام الشيعة 2/253.
ـ المشكلات القرآنية (فيه الآيات الناسخة والمنسوخة).
الذريعة 21/47.
ـ مشكل إعراب القرآن.
مكي بن أبي طالب ـ الذريعة 21/45.
ـ مصابيح الأنوار في تفسير القرآن.
عبد الغفور بن محمد بن محمد طاهر، المتوفى سنة 1314هـ ـ الذريعة 21/85.
ـ المصابيح في تفسير القرآن.
أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين النعماني ـ الذريعة 21/79.
ـ المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في أهل البيت صلوات الله عليهم.
أحمد بن الحسن الأسفرايني ـ معالم العلماء/16 ـ الفهرست للطوسي/56.
ـ المصابيح في ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام.
أحمد بن جعفر بن محمد بن إبراهيم العلوي الخيبري، المتوفى سنة 1376 ـ مجلة تراثنا ـ عدد 4 ص 58/1406هـ.
ـ مصابيح الجنان لإيضاح أسرار القرآن.
محمد صالح بن محمد البرغاني القزويني، المتوفى سنة 1283هـ ـ الذريعة 21/105 ـ طبقات أعلام الشيعة 1/124.
ـ المصادر في القرآن.
الفراء النحوي يحيى بن زياد ـ أعيان الشيعة 1/130 ـ الذريعة 21/95.
ـ مصباح العاشقين في تفسير سورة الضحى.
بهاء الدين محمود بن إبراهيم، المتوفى سنة 673هـ ـ الذريعة 21/116.
ـ مصباح المفسرين (في تفسير آية النور).
أبو الحسن محمد بن محمد الحسيني الشيرواني ـ الذريعة 21/122.
ـ المصحف المفسر.
علي محمد علي الدخيل ـ دراسات في القرآن الكريم (للمؤلف نفسه)/85.
ـ مصطلحات قرآنية.
رسول صادق ـ جريدة لواء الصدر ـ عدد 221/223.
ـ مصطلحات قرآنية.
صالح عظيمة ـ مجلة العالم (لندن) طبع في حلقات عديدة.
ـ مطلع الدرر في تفسير سورة القدر.
محمد بن سليمان الطبيب، المتوفى سنة 1302هـ ـ مصفى المقال/435.
ـ مطلع النيرين في لغة القرآن وحديث أهل الثقلين.
عبدالله بن محمد رضا الشبر، المتوفى سنة 1242هـ ـ الذريعة 21/157 ـ الموت والمعاد (للمؤلف نفسه)/11.
ـ المطهرون في القرآن.
عبد الغفار الأنصاري ـ النجف الأشرف/1964م.
ـ مظاهر الأسرار في بيان وجوه إعجاز كلام الجبار.
محمد جعفر الشريعتمدار الأسترآبادي، المتوفى سنة 1263هـ ـ الذريعة 21/262 ـ أعيان الشيعة 1/130.
ـ مظاهر محمدية في تجويد القرآن (باللغة الفارسية).
محمد بن أسد الله بن علي رضا القراي المازندراني ـ الذريعة 21/165.
ـ مظاهر محمودية في تجويد القرآن (باللغة العربية)
محمد بن أسد الله بن علي رضا القاري المازندراني ـ الذريعة 21/165.
ـ مظاهر محمودية في تجويد القرآن الكريم.
محمد بن مهدي الحسيني التبريزي الحافظ القارئ. طبع بطهران سنة 1246 ـ الذريعة 21/165.
ـ مظهر الآيات.
محمد بن مهدي الحسيني القارئ ـ الذريعة 21/166.
ـ مظهر التبيان في ترجمة الإتقان.
علي أكبر بن مرتضى الطباطبائي اليزدي ـ الذريعة 21/168.
ـ مظهر الفقرات في تجويد القرآن.
محمد بن مهدي الحسيني التبريزي الحافظ القارئ ـ طبع بإيران باللغة الفارسية ـ الذريعة 21/169.
ـ مظهر الكلمات أي كلمات القرآن.
محمد بن مهدي الحسيني التبريزي الحافظ القارئ ـ الذريعة 21/169.
ـ معادلة النصر في القرآن.
محسن عطوي العاملي ـ مجلة المنطلق اللبنانية ـ عدد 37 ص 52 ـ 1987م.
ـ معارج السؤال في مدارج المأمول. في تفسير آيات الأحكام على غرار كنز العرفان.
كمال الدين الحسين بن شمس الدين محمد بن الحسن الأسترآبادي ـ الذريعة 20/181.
ـ معارج العرفان في علوم القرآن (بالفارسية).
أحمد حسين بن رحيم علي الأمروهي، المتوفى سنة 1328 ـ الذريعة 21/182 ـ طبقات أعلام الشيعة 1/124.
ـ معارف القرآن.
محمد تقي المصباح ـ طبع بإيران (رقم)/1404 الجزء الأول منه.
ـ معارف القرآن.
السيد محمود الهاشمي ـ سلسلة بحوث طبعت في مجلة الثقافة الإسلامية = المستشارية الثقافية الإيرانية ـ دمشق= عدد 11/165 ـ 1407هـ.
ـ معالم التوحيد في القرآن الكريم.
جعفر السبحاني ـ طبع ببيروت سنة 1984م.
ـ معالم الحكومة الإسلامية في القرآن الكريم.
جعفر السبحاني ـ طبع ببيروت سنة 1984م.
ـ معالم النبوة في القرآن الكريم.
جعفر السبحاني ـ طبع ببيروت سنة 1984م.
ـ المعاني في القرآن يحيى بن زياد بن عبدالله بن مروان الديلمي الكوفي الإمامي، المتوفى سنة 207هـ ـ الذريعة 21/205.
ـ معاني القرآن.
أبان بن تغلب بن رباح البكري، المتوفى سنة 141هـ ـ الذريعة 21/205.
ـ معاني القرآن.
بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، المتوفى سنة 334هـ ـ الكنى والألقاب 2/18.
ـ معاني القرآن.
أبو جعفر محمد بن الحسن الرواسي الكوفي ـ الذريعة 21/205.
ـ معاني القرآن.
الشريف الرضي محمد بن الحسين، المتوفى سنة 604هـ ـ معالم العلماء/51 ـ معجم الدراسات القرآنية/342.
ـ معاني القرآن.
أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي الثمالي البصري النحوي، المتوفى سنة 285هـ ـ الكنى والألقاب 1/138.
ـ المعاني الكيميائية في القرآن.
محسن وهيب عبد معجم الدراسات القرآنية/298.
ـ مع التوحيد القرآني.
محمد اليزدي ـ مجلة التوحيد السنة الثانية عدد 2 ـ بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي (طهران)/1404هـ.
ـ المعجزة الخالدة في وجوه إعجاز القرآن وشرح أسراره.
هبة الدين الشهرستاني، المتوفى سنة 1386هـ ـ مطبعة النجاح (بغداد)/ 1950م.
ـ معجم أسرار القرآن.
عبدالله بن محمد هادي الهرندي الأصفهاني ـ الذريعة 20/17.
ـ معجم الأنوار وآية التطهير وحديث الكساء.
حسن الموسوي الكرماني ـ مجلة تراثنا ـ عدد 4/58 ـ 1406هـ.
ـ معجم الدراسات القرآنية.
ابتسام مرهون الصفار ـ مطابع جامعة الموصل (العراق)/1984م.
ـ معجم المؤلفات القرآنية.
أحمد الحسيني الأشكوري ـ مجلة تراثنا ـ عدد 4/50 ـ 1406هـ.
ـ معدن الأنوار ومشكاة الأسرار.
صالح البرغاني ـ الذريعة 21/220.
ـ المعرفة في القرآن.
مرتضى مطهري ـ من إصدارات وزارة الإرشاد الإسلامي/ إيران ـ 1981م.
ـ معرفة القرآن (بالفارسية).
محمد حسن بن أبي القاسم الكاشاني ـ الذريعة 21/240.
ـ معرفة القرآن.
مرتضى مطهري ـ مؤسسة القرآن الكريم/1402هـ إيران.
ـ المعنى في التفسير.
نور الدين محمد بن شاه مرتضى بن محمد مؤمن بن مرتضى (نور الدين الأخباري) ـ الذريعة 17/279 ـ 21/283.
ـ مفاتيح التفسير وكشف الآيات.
حسن المعصومي ـ معجم الدراسات القرآنية/199.
ـ مفاتيح الأحكام (شرح لزبدة البيان للأردبيلي).
محمد سعيد بن سراج الدين قاسم الطباطبائي القهبائي، المتوفى سنة 1092هـ ـ الذريعة 21/299.
ـ مفاتيح التفاسير.
محمد شريف بن عبدالله بالي زادة ـ طبع بالهند (بومباي)/1209هـ.
ـ مفاتيح التنزيل في تجويد القرآن.
محمود بن محمد العلوي الفاطمي التبريزي ـ الذريعة 21/301.
ـ مفاتيح الغيب والتبيان في تفسير القرآن.
الحسن بن محمد بن أحمد بن إبراهيم العصفوري الدرازي البحراني، المتوفى سنة 1214هـ ـ الذريعة 21/305 ـ طبقات أعلام الشيعة يذكر وفاته سنة 1216هـ ـ 2/229.
ـ مفتاح التجويد.
أحمد بن علي أصغر الموسوي الشيرازي ـ طبع بطهران عام 1329هـ.
ـ مفتاح التفاسير.
رشيد الدين فضل الله الهمداني ـ الشهيد سنة 718هـ ـ الذريعة 21/323.
ـ مفتاح التفاسير وكشف الآيات.
حسين بن الحسن المعصومي اللاري الكرمنشاهي، المتوفى عام 1955م ـ طبع بالنجف عام/1954م. الذريعة 21/323.
ـ مفتاح التفسير.
برهان الدين أبو الحرث محمد بن أبي الخير علي بن أبي سليمان ظفر الحمداني ـ الذريعة 21/323.
ـ مفتاج الجنان في تفسير القرآن.
محمد صالح البرغاني، المتوفى سنة 1283هـ ـ الذريعة 21/325.
ـ مفتاح علوم القرآن.
غلام رضا اليزدي، المولود سنة 1295هـ ـ الذريعة 21/336 ـ طبقات أعلام الشيعة 2/62.
ـ مفتاح كنوز القرآن (بالفارسية).
محمد علي بن محمد كاظم الدربندي (كاظم بك) ـ الذريعة 21/245.
ـ مفتاح اللغات القرآنية (باللغة الفارسية).
محمد حسام الدين الهندي ـ الذريعة 21/347.
ـ مفصل البيان في علم القرآن (بالفارسية).
آقا محمد (ملا آقا الطهراني)، المولود سنة 1225هـ ـ الذريعة 21/370 ـ طبقات أعلام الشيعة 2/152.
ـ مفهوم الأمة في القرآن الكريم.
جواد الخالصي ـ مجلة المنطلق اللبنانية عدد 26/1405هـ.
ـ مفهوم الرحمة في القرآن جودت كاظم القزويني بحث مقدم إلى جامعة عين شمس (القاهرة) لنيل شهادة الدكتوراة.
ـ مقارنة بين كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن مثنى وتلخيص البيان في مجازات القرآن للسيد الرضي.
علوي مقدم ـ مجلة التوحيد (منظمة الإعلام الإسلامي) عدد 22 ـ السنة 4 ـ ص 67.
ـ مقالة في سجلات القرآن وأحكامها وآدابها.
الشيخ البهائي ـ الذريعة 23/248.
ـ مقامات العارفين في بيان منازل السالكين.
محمد رضا الكلباسي الأصفهاني ـ الذريعة 22/12.
ـ مقبول ترجمة: ترجمة للقرآن باللغة الأردوية.
أحمد المستبصر الدهلوي، المتوفى سنة 1360هـ.
ـ مقتبسات الدرر وملتقطات الثمر في تفسير القرآن (بالفارسي).
مير علي بن الحسين بن يوسف اللاريجاني. الذريعة 22/35.
ـ مقتبس الأنوار من الأئمة الأطهار (في تفسير القرآن).
محمد مؤمن السبزواري ـ المتوفى سنة 1070هـ ـ 1077 هـ ـ الذريعة 22/17.
ـ مقدمات في التفسير الموضوعي.
السيد الشهيد محمد باقر الصدر الشهيد بالعراق عام 1980م ـ طبع في بيروت عن دار التعارف.
ـ مقدمة ترجمة تفسير الطبري.
أبو علي محمد بن محمد البلعمي ـ الذريعة 49/22.
ـ مقدمة التفسير. (فروع الإيمان).
محمود الشهابي ـ الذريعة 22/50.
ـ مقدمة تفسير كازر.
غياث الدين الزواري ـ الذريعة 22/50.
ـ مقطوع القرآن وموصوله.
حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفى سنة 158هـ ـ تأسيس الشيعة/347.
ـ ملاحم القرآن.
أبو القاسم الزنجاني، المتوفى سنة 1292هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 2/62.
ـ ملامح الاقتصاد الإسلامي في القرآن الكريم.
السيد محمود الهاشمي ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة الثانية ـ بحث مقدم إلى مؤتمر الفكر الإسلامي 1404 هـ طهران.
ـ ملخص التجويد.
محمد تقي بن محمد باقر الأصفهاني، المتوفى سنة 1332هـ ـ الذريعة 22/204.
ـ ملخص مجمع البيان. (أفضل التفاسير).
أفضل الملك الألمعي ـ الذريعة 22/204.
ـ من آداب القرآن الكريم.
علي محمد علي دخيل ـ دراسات في القرآن الكريم (للمؤلف نفسه)/5 ـ (دار المرتضى ببيروت).
ـ المناجاة القرآنية.
محمد كاظم بن محمد شفيع الهزار جريبي الحائري ـ الذريعة 22/268.
ـ منار الحق.
أحمد بن الحسن بن علي الفلكي الطوسي ـ أعيان الشيعة 7/487.
ـ منازل الفرقان في تجويد القرآن.
علي خان الهندي ـ الذريعة 22/268.
ـ مناظر الأنوار ومظاهر الأسرار في تفسير كتاب الله الملك الجبار.
محمد تقي بن مؤمن الحسيني القزويني، المتوفى سنة 1270هـ ـ الذريعة 22/279.
ـ منافع سور القرآن.
جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ـ تاريخ آداب اللغة العربية 1/260.
ـ منافع القرآن.
الحكيم التميمي محمد بن أحمد سعيد المقدس الطبيب ـ الذريعة 22/312.
ـ منافع القرآن (عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام).
محيي الدين عبد الرحيم بن علي بن إسحاق بن مروان القرشي البوئي ـ الذريعة 22/312.
ـ المنافقون في القرآن.
حسين الصدر معجم الدراسات القرآنية/201.
ـ مناهج التلاوة. (في تجويد القرآن) (بالفارسية).
محمد بن أحمد بن خليفة ـ الذريعة 23/362.
ـ منبع الأسرار في تفسير القرآن الكريم.
عبد الهادي بن محمد كاظم بن محمد ـ الذريعة 22/254.
ـ منتخب التأويل في بيان ما في كتاب الله من الحروف والآيات والكلمات.
حيدر الحسيني الآملي ـ الذريعة 22/381.
ـ منتخب التجويد.
محمد رضا بن محمد جعفر بن موسى الرضا الهمداني القارئ ـ الذريعة 22/382.
ـ منتخب ترجمان القرآن (شرح بالفارسية).
شريف الجرجاني ـ الذريعة 22/384.
ـ منتخب التفاسير.
علي خان الحويزي المشعشعي ـ الذريعة 22/386.
ـ منتخب التفاسير.
موسى بن أحمد المجتهد بن موسى الطهراني ـ الذريعة 22/386.
ـ منتخب تفسير إلهي (بالفارسية).
مهدي القومشهي ـ الذريعة 22/223.
ـ منتخب التفسير في غريب القرآن.
محمد علي الشاه عبد العظيمي النجفي، المتوفى سنة 1334هـ ـ أعيان الشيعة 9/442، أعيان 46/78.
ـ منتخب الدر الفريد في قواعد التجويد.
محمد طاهر بن عرب الحافظ الإصفهاني ـ معجم مؤلفي الشيعة/ 39.
ـ منتخب كشف الآيات.
محمد رضا بن محمد هاشم اليزدي ـ معجم مؤلفي الشيعة/659.
ـ المنتخب من تفسير القرآن (والنكت المستخرجة من كتاب التبيان).
محمد بن إدريس الحلي ـ الذريعة 22/440.
ـ من تفسير القرآن.
يوسف الشريباني ـ مقدمة كتاب خير الخواطر (للمؤلف نفسه) لبنان/ 1982م.
ـ من تفسير القرآن الكريم.
محمد جمال الهاشمي، المتوفى سنة 1980م ـ مجلة الإيمان النجفية السنة 1، 2، 3، 4.
ـ من حقائق القرآن.
أحمد أمين الكاظمي، المتوفى سنة 1967م ـ حلقات في مجلة الإيمان النجفية ـ السنة 2، 3.
ـ منظومة في أسماء سور القرآن. (بالفارسية).
علي رضا تبيان الملك التبريزي، المولود سنة 1287هـ ـ الذريعة 24/76.
ـ منظومة في تعدد سور القرآن وبعض أحكام التجويد.
علي آل عبد الجبار ـ الذريعة 23/96.
ـ من المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم.
عبد الحسين محمد علي البقال ـ مجلة تراثنا ـ مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث عدد 1 ـ السنة 2.
ـ منهاج التأويل والتنزيل.
ألّف سنة 1110هـ ـ الذريعة 23/159.
ـ منهج السداد.
يار علي النقوي النصير أبادي، المتوفى سنة 1262هـ ـ الذريعة 24/190.
ـ منهج الصادقين في تفسير القرآن المبين وإلزام المخالفين (بالفارسية).
فتح الله بن شكر الله الكاشاني، المتوفى سنة 997هـ ـ الذريعة 23/194.
ـ منهج الطبرسي في تفسر الألفاظ.
صبيح التميمي ـ مجلة كلية التربية (جامعة الموصل)/1978م.
ـ منهج الطوسي في تفسير القرآن.
كاصد الزيدي ـ جامعة القاهرة ـ كلية الآداب ـ رسالة دكتوراه/1974م.
ـ منهج الطوسي في تفسير القرآن.
محمد حسن آل ياسين ـ معجم الدراسات القرآنية/203.
ـ منهج تفسير القرآن.
محمد جمال الهاشمي ـ نشر بمجلة الإيمان النجفية.
ـ المنهج القويم في تلاوة القرآن الكريم.
حسن رعد العاملي ـ دار الثقافة الإسلامية (بيروت)/1407هـ ـ 1986م.
ـ منهج الكندي بالتفسير.
محمد مهدي الآصفي ـ بحث بمجلة النجف عدد 3/14 ـ سنة 1962م.
ـ منهج معرفة الطبيعة في القرآن الكريم.
مهدي كلشني مجلة التوحيد عدد 9 السنة 2، بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي الثاني/ 1404هـ طهران.
ـ من هدي القرآن.
محمد تقي المدرسي ـ تفسير سورتي الأنعام والأعراف، طبع في كتاب مستقل عن دار الهدى عام 1405هـ.
ـ المنهل الصافي.
محمد بن علي أصغر الحسين الطباطبائي التبريزي ـ أعيان الشيعة 45/263 ـ الذريعة 23/201.
ـ منهل العطشان في رسم أحرف القرآن.
طاهر الأصفهاني ـ الذريعة 23/194.
ـ المواعظ القرآنية وشرح آياتها.
مير عباس ـ الذريعة 9/482 ويراجع 23/225 في الذريعة.
ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن.
عبد الأعلى السبزواري ـ مجلة تراثنا عدد 4 السنة 2 ـ 1407 هـ ـ طبع منه عدة أجزاء في مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن.
مرتضى بن رضي الدين (مستنبط غروي) ـ طبع بتبريز سة 1381هـ.
ـ المواهب العليّة في تفسير القرآن.
حسين بن علي الواعظ الكاشفي، المتوفى سنة 910هـ ـ الذريعة 5/265.
ـ موائد الرحمن في ترجمة القرآن.
الآقا جمال الدين محمد بن الحسين الخوانساري ـ الذريعة 23/213.
ـ الموت بين الشعر الجاهلي والقرآن الكريم.
كريم الوائلي ـ بحث طبع بمجلة الثقافة العربية/1978م.
ـ موجز علوم القرآن.
داود العطار. المتوفى عام 1983م ـ طبع في بيروت عن دار التعارف.
ـ الموضح عن وجه إعجاز القرآن.
الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ـ الذريعة 23/247.
ـ المؤمنون في القرآن.
آية الله قاسم شبر ـ المستشهد عام 1979م ـ طبع في مجلدين في النجف الأشرف.
ـ مؤنس الوحيد في تفسير آية العدل والتوحيد (أُنس الوحيد).
نور الله المرعشي ـ الذريعة 23/284.
ـ موهبة الرحمن في تفسير القرآن.
محمد رضا بن قاسم الغراوي النجفي ـ أدب الطف 10/189 ـ الذريعة 23/285.
ـ الميزان في تفسر القرآن محمد حسين الطباطبائي. المتوفى عام 1982م ـ يتكون من 20 مجلداً. طبع أكثر من مرة وهو من أشهر التفاسير عند الإمامية.
ـ الميزان لمعرفة القرآن محمد بن عبد النبي الإخباري النيسابوري، المتوفى سنة 1232.
معجم مؤلفي الشيعة 628.
حرف النون
ـ ناسخ التفاسير (فارسي).
محمد بن محمود الحسيني اللواساني الطهراني، المتوفى سنة 1354هـ ـ الذريعة 24/5.
ـ ناسخ التفاسير وناصر النحارير.
علي أكبر بن شير محمد الهمداني، المتوفى سنة 1324هـ أو سنة 1352هـ ـ الذريعة 24/25 ـ طبقات أعلام الشيعة 4 ـ 1/1601.
ـ ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه.
سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي، المتوفى سنة 301هـ ـ الذريعة 24/8.
ـ الناسخ والمنسوخ.
جمال الدين أحمد بن عبدالله المتوج البحراني ـ الذريعة 9/24.
ـ الناسخ والمنسوخ.
أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى القمي ـ تأسيس الشيعة/ 335 ـ معالم العلماء/ 14.
ـ الناسخ والمنسوخ.
الحسن بن علي بن فضال، المتوفى سنة 114هـ ـ تأسيس الشيعة/ 334.
ـ الناسخ والمنسوخ.
دارم بن قبيصة بن نهشل بن مجمع التميمي الدارمي ـ تأسيس الشيعة/ 334.
ـ الناسخ والمنسوخ.
عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري ـ تأسيس الشيعة/ 334.
ـ الناسخ والمنسوخ.
علي بن إبراهيم بن هاشم القمي ـ معالم العلماء/62.
ـ الناسخ والمنسوخ.
محمد بن العباس (ابن الحجام) الرجال للطوسي/177.
ـ الناسخ والمنسوخ.
محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق)، المتوفى سنة 381 ـ رجال النجاشي/306 ـ الذريعة 4/279.
ـ النبذة المطلبية من التجويد والقراءات الإجماعية والخلافية.
يذكره صاحب الذريعة. مع عدم ذكر المؤلف 24/36.
ـ النبي والقرآن.
عبد الحسين دستغيب الشيرازي، المستشهد سنة 1982م ـ الذنوب الكبيرة 1/5.
ـ نثر الدرر الأيتام في تفسير آيات الأحكام.
علي شريعتمدار، المتوفى سنة 1315هـ ـ طبقات أعلام الشيعة 4 ـ 1/1361.
ـ نثر اللئالي في تفسير غريب القرآن.
محمد علي بن نعمة الله الأردكاني ـ الذريعة 24/53.
ـ نجوم العرفان في أطراف القرآن.
عبد الوهاب منجم باشي ـ الذريعة 24/83.
ـ نحو تفسير علمي للقرآن.
أحمد الوائلي ـ طبع في النجف/1391هـ ضمن سلسلة من هدي النجف.
ـ نخبة القرىن. (بالفارسية).
علي أكبر أحمدي ـ الذريعة 24/98.
ـ نزهة الناظرين في تفسير القرآن المبين.
عبدالله بن عباس الستري البحراني، المتوفى سنة 1270هـ ـ الذريعة 24/129 ـ طبقات أعلام الشيعة 2/783.
ـ نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين عليه السلام.
محمد بن مؤمن الشيرازي ـ الذريعة 24/104.
ـ النسخ في القرآن الكريم.
علي حسن العريض ـ معجم الدراسات القرآنية/636.
ـ النسخ في القرآن الكريم.
محمد باقر الحكيم، وهو مقال نشر في مجلة رسالة الإسلام العراقية السنة 2 (1969م/1389هـ) ـ معجم الدراسات القرآنية/ 636.
ـ النص الجلي في أربعين آية في شأن علي عليه السلام.
حسين بن باقر البروجردي ـ الذريعة 24/172.
ـ النصرة في فضل القرآن.
أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان (المفيد)، المتوفى سنة 413هـ ـ رجال النجاشي/174 ـ الذريعة 34.
ـ نضد اللآلي ومهرع التالي.
محمد بن عبد الوهاب العبد الوهابي. وهو تفسير للقرآن ـ الذريعة 25/187.
ـ نظام الدفاع والجهاد في القرآن المجيد.
الشيخ أحمد الجنتي ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة 2/1404هـ.
ـ نظام القرآن…
أحمد بن سهيل أبو زيد البلخي، المتوفى سنة 322هـ ـ أعيان الشيعة 10/408.
ـ النظام السياسي في القرآن.
محمد تقي رهبر ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة 2 ـ بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي 1404هـ/ طهران.
ـ نظرة في العلاقات الدولية على ضوء القرآن.
محمد علي التسخيري ـ مجلة التوحيد عدد 9 ـ السنة 2 ـ بحث ألقي في مؤتمر الفكر الإسلامي ـ 1404هـ ـ طهران.
ـ النظرية الجنسية في القرآن الكريم.
محمد مهدي الآصفي ـ طبع بالنجف سنة 1968م.
ـ نفحات الإعجاز في إعجاز القرآن.
السيد أبو القاسم الخوئي ـ ردّ على (حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز) ـ الذريعة 24/246.
ـ نفحات الرحمن في تفسير القرآن (ملمع فارسي وعربي).
النهاوندي محمد بن عبد الرحيم الطهراني ـ الذريعة 24/248.
ـ النقاوة في آداب التلاوة.
حسين الكاشفي ـ الذريعة 24/271.
ـ النقد الجميل على تفسير أنوار التنزيل.
ضياء الدين الخالصي، المتوفى سنة 1370هـ ـ مستدرك أعيان الشيعة 1/151.
ـ النقد اللطيف في نفي التحريف من القرآن الكريم.
أقابزرك الطهراني، المتوفى سنة 1969م ـ الذريعة 1/ز.
ـ النكت وإعجاز القرآن.
علي بن عيسى الرماني أبو الحسن النحوي، المتوفى سنة 382هـ ـ الذريعة 24/307.
ـ نماذج من تأثير القرآن والحديث في أدب سعدي.
محمد باقر حجتي ـ كتاب سعدي (المستشارية الثقافية ـ دمشق)/1985 ـ ص 101.
ـ نمونه بينات درشأن نزول آيات (بالفارسية).
محمد باقر المحقق ـ الذريعة 24/314.
ـ النهاية في تفسير الخمسمائة آية (من آيات الأحكام).
فخر الدين أحمد بن عبدالله بن سعيد المتوج البحراني ـ الذريعة 24/402.
ـ نهاية الكون بين العلم والقرآن.
محسن عبد الصاحب المظفر ـ طبع في النجف/1967م.
ـ نهج الإيمان في تفسير القرآن.
.. الحسن بن يوسف (العلامة الحلي) ـ الذريعة 24/412.
ـ نهج البيان عن كشف معاني القرآن.
محمد بن الحسن الشيباني الذريعة 24/414.
ـ نهج القرآن في تحقيق الوحدة بين المسلمين.
السيد محمد باقر الحكيم ـ بحث قدم إلى المؤتمر الثاني لأئمة الجمعة والجماعة طهران/ 1984م.
ـ نوادر الأنوار.
أحمد بن محمد علي الكرمانشاهي ـ في تفسير البسملة ـ الذريعة 24/358.
ـ نوادر الحكمة في التفسير.
أحمد بن محمد بن عيسى القمي ـ الذريعة 24/172.
ـ نوادر علم القرآن.
محمد بن أحمد أبي الحسن الحارثي الخطيب ـ ذكر في رجال النجاشي.
ـ نوادر القرآن.
أحمد بن محمد السياري.
ـ نوادر القرآن.
علي بن إبراهيم القمي ـ الفهرست لابن النديم/246 ـ الذريعة 24.
ـ نور الأنوار.
محمد علي بن كاظم الشاهرودي ـ الذريعة 24/359.
ـ نور الأنوار في تفسير القرآن.
هاشم البحراني ـ الذريعة 24/340.
ـ نور الأنوار ومصباح الأسرار.
محمد بن محمد تقي (رضي الدين الحسيني) ـ الذريعة 24/342.
ـ نور الإيمان في فضائل القرآن (بالفارسية).
محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي القمي ـ الذريعة 24/260 ـ 342.
ـ نور التوفيق وكشف التدقيق.
محسن بن طاهر القزويني النحوي ـ الذريعة 24/346.
ـ نور الثقلين. (في الرد على جاحد الرسالة المحمدية والقرآن).
حسن الجابري ـ الذريعة 34/364.
ـ نور الثقلين.
عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، المتوفى سنة 1112هـ ـ الطباطبائي/74 ـ أمل الآمل 2/104.
ـ النور المشتعل المقتبس من كتاب ما نزل.
محمد باقر المحمودي ـ مجلة تراثنا ـ السنة 2 ـ عدد 1/1407هـ.
ـ نور النور في بيان قراءة عاصم المشهور.
محمد بن شمس الدين القارئ الكاظمي ـ الذريعة 24/378.
ـ نور الهداية في تفسير سورة النور.
عبد الحسين بن علي بن محمد الحسيني آل كمونة النجفي ـ الذريعة 24/387 ـ طبقات أعلام الشيعة 3 ـ 1/1055.
حرف الهاء
ـ الهادي وضياء النادي.
للسيد هاشم بن سليمان البحراني ـ تفسير في عدة مجلدات ـ الذريعة 25/155.
ـ الهدى والشفاء في تفسير آيات رب الأرض والسماء.
الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي ـ طبع بالفارسية سنة 1324 ـ الذريعة 25/204.
ـ الهادي فيما يحتاجه التفسير من المبادئ.
الشيخ هادي بن علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء ـ طبع بمطبعة الآداب في النجف سنة 1973م ـ معجم الدراسات القرآنية 397.
ـ الهداية في تفسير آية الولاية.
ملا عبدالله بن نجم الدين المشهدي القندهاري المتوفى 1302هـ الذريعة 25/187.
ـ الهداية القرآنية إلى الولاية الإمامية.
السيد هاشم بن سليمان البحراني ـ تفسير بالمأثور عن أهل البيت عليهم السلام للآيات القرآنية في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وولده ـ الذريعة 25/188.
ـ هداية المرتاب في تحريف الكتاب لمن أخطأ أو أصاب.
ملا باقر بن إسماعيل الكجوري الواعظ المتوفى بخراسان سنة 1313هـ ـ الذريعة 25/191.
ـ هدية الأقران في أخبار لقمان المذكور في القرآن.
الشيخ نصرالله الشبستري ـ وهو في المواعظ المنسوبة إلى لقمان ـ طبع سنة 1359هـ ـ الذريعة 25/206.
ـ هل نزل القرآن سوراً كاملةً.
أبو الفضل مير محمد الزرندي ـ مجلة الهادي قم المقدسة العدد/5 ـ السنة/ 4.
ـ هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بالقرآن قبل نزوله.
أبو الفضل مير محمد الزرندي ـ مجلة الهادي العدد/11 ـ السنة/ 5.
ـ هل نعود إلى القرآن.
زهراء السيد ـ بحث طبع في مجلة الوحدة الإسلامية العدد 103 ـ 1988م.
حرف الواو
ـ الواضحة في تفسير الفاتحة.
تقي الدين إبراهيم الكفعمي الذريعة 25/12.
ـ الواضحة في تفسير الفاتحة.
ملا معين الواعظ ـ الذريعة 25/12.
ـ الواضحة لاستخراج الآيات القرآنية.
ملا محمد بن علي الكربلائي ـ الذريعة 25/12.
ـ وجوه إعجاز القرآن.
محمد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي (المفيد)، المتوفى سنة 413هـ ـ أعيان الشيعة 46/23.
ـ وجوه القرآن.
حبيش التفليسي ـ الذريعة 25/40.
ـ الوجيز (مختصر الجوهر الثمين).
عبدالله شبر ـ الذريعة 5/288.
ـ الوجيزة في التفسير.
علم الهدى محمد بن فيض ـ الذريعة 25/52.
ـ الوجيز في التفسير. (مختصر التفاسير).
الفضل بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري الذريعة 25/42.
ـ الوجيز في تفسير القرآن العزيز.
جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ـ أمل الآمل 2/83.
ـ الوجيز في تفسير القرآن العزيز.
علي بن حسين آل محيي الدين طبقات أعلام الشيعة 2/268.
ـ الوجيز في تفسير القرآن العزيز.
علي محمد علي دخيل ـ دراسات في القرآن الكريم/5 (للمؤلف نفسه).
ـ الوجيز في تفسير القرآن العزيز.
الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي ـ الذريعة 25/45.
ـ الوجيز في تفسير القرآن الكريم.
عبدالله شبر ـ مطبعة دار النجاح/ القاهرة.
ـ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
جمال الدين أحمد بن محمد بن أبي جامع العاملي ـ الكنى وألألقاب 1/191 ـ أعيان الشيعة 20/411.
ـ الوحدة الموضوعية لسور القرآن.
محمد الهجري ـ مجلة البصائر (مركز الدراسات الإسلامية ـ لندن) عدد 6 ـ السنة 4/1987م.
ـ الوحدة الفنية في سورة العاديات.
كريم الوائلي ـ مجلة الثقافة العربية/1977 ـ مجلة رسالتنا/ عدد 6/1404هـ.
ـ الوحي والنبوة في ظل القرآن.
محمد تقي شريعتي، المتوفى سنة 1406هـ ـ كيهان العربي ـ عدد 1054/ 1407هـ ـ 1987م.
ـ الورق الصادحة في فضل سورة الفاتحة.
محمد رضا الغراوي، المتوفى سنة 1385هـ ـ ماضي النجف وحاضرها 3/39.
ـ الوسيط في التفسير.
أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ـ الذريعة 25/73.
ـ الوضوء في الكتاب والسنّة.
نجم الدين الطهراني العسكري ـ طبع بإيران والقاهرة والعراق عن مكتبة النجاح.
ـ وقوف القرآن.
حسين بن محمد ـ مقسم ثلاثة أقسام ـ الوقوف في القرآن ـ وفوائد متفرقة ـ عدد آيات القرآن.
ـ وقوف القرآن.
ملا مصطفى بن محمد بن إبراهيم التبريزي.. ـ الذريعة 25/141.
حرف الياء
ـ اليتيم في القرآن والسنّة.
السيد عز الدين بحر العلوم ـ طبع عن دار الزهراء في بيروت.
ـ ينابيع الأنوار في التفسير.
السيد محمد تقي النقوي اللكهنوي التموفى 1289هـ ـ خرج منه إلى سورة آل عمران في عدة مجلدات ـ طبقات 2/212، الذريعة 25/287.
ـ ينابيع العلوم.
صفي الدين يوسف بن أبي يعقوب اللؤلؤي ـ تفسير عرفاني موجود في مكتبة السيد شهاب الدين المرعشي بقم ـ الذريعة 25/289.
ـ اليوم.
محمد بن إبراهيم النجفي الأصفهاني الحائري المولود 1304هـ ـ وهو تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي﴾ باللغة الفارسية ـ الذريعة 25/302.
ـ اليواقيت الحسان في تفسير سورة الرحمن.
الشيخ مجد الدين النجفي الأصفهاني المتوفى 1403 هـ ـ نشر دار الذخائر في قم المقدسة 1409هـ ـ تراثنا العدد 3 المجلد 16 السنة/ 4 ـ 1409هـ.
ـ اليهود في القرآن.
محمد صالح بحر العلوم ـ معجم الدراسات القرآنية/ 596.
عامر الحلو
مستدرك على ما تقدم
حرف الألف
1 ـ آل البيت في تفسير الطبري.
الأستاذ محمد رضا استادي
الثقافة الإسلامية 27/100 السنة 1410هـ 1989م بيروت.
2 ـ إبليس في القرآن والحديث.
الدكتور السيد محمد باقر حجتي.
الثقافة الإسلامية 29/128 سنة 1410هـ 1989م بيروت.
3 ـ أبواب الهدى في علوم القرآن.
الميرزا مهدي الأصفهاني المتوفى سنة 1365هـ.
4 ـ أثر القرآن في الشعر العربي الحديث.
الدكتور شلتاغ عبود شرّاد.
صدر بدمشق عن دار المعرفة 1897م.
5 ـ أجواء الدعاء القرآني في رمضان.
الدكتور علي حسين.
لواء الصدر العدد 398 سنة 1989 ـ 1409هـ.
6 ـ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لزيد بن علي: دراسة وتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم. الموسم 2/3 السنة 1989م.
7 ـ الأحكام العقلية في القرآن.
للشيخ موسى العصامي المتوفى سنة 1355هـ.
8 ـ الأخلاق في القرآن.
الشيخ محمد باقر أبو خمسي الهجري المولود عام 1336هـ.
شعراء الغري 7/316.
9 ـ الأخلاق في ضوء القرآن.
السيد محمد جمال الهاشمي المولود في النجف عام 1332هـ.
شعراء الغري 11/8.
10 ـ أسرار الفرقان في التجويد.
السيد حيدر حسن الغانوتوي الهندي طبع في الهند الذريعة 26/40.
11 ـ الإراءة في علم التجويد والقراءة.
الشيخ محسن الجواهري المتوفى سنة 1355هـ ـ أرجوزة فرغ منها سنة 1330هـ وشرحها بنفسه.
الذريعة 26/36.
12 ـ آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن.
السيد مرتضى الرضوي ـ طبع في بومباي بالهند عام 1409هـ ـ 1989م.
13 ـ أسرار القرآن.
الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271هـ.
تراثنا العدد الأول المجلد 10 السنة 3/1408هـ.
14 ـ الاستفادة من التفاسير الموجودة.
السيد محمد تقي المدرسي.
15 ـ أصول السنّة والكتاب «في أصول الفقه».
الشيخ محمد رضا ابن الشيخ محمد حسين الأصفهاني المتوفى عام 362هـ.
الوحدة الإسلامية العدد 91 السنة 5/1988م بيروت.
16 ـ إطلالة على بعض مفاهيم القرآن الكريم.
الدكتور زهير الأعرجي ـ المنطلق العدد 47 سنة 1988م بيروت.
17 ـ أضواء على الشورى في النص القرآني.
الدكتور مهدي فضل الله.
الثقافة الإسلامية العدد 26/34 السنة 1410هـ 1989م.
18 ـ إعراب الشواهد القرآنية.
السيد سعيد الشريف.
الموسم العدد 6 المجلد 2 السنة 1990م.
19 ـ آفاق قرآنية في سبيل جيل قرآني.
بحوث طبعت في جريدة الجهاد السنة الأولى 1400هـ 1980م.
20 ـ الأمالي في التفسير والمواعظ.
السيد حسين دلدار النقوي النصير آبادي الهندي المتوفى سنة 1274هـ.
أعيان الشيعة 6/13.
21 ـ الأم في القرآن الكريم.
سعاد أمين الكربلائي.
المجاهدة العدد 76 السنة 9 سنة 1409هـ طهران.
22 ـ الإنسان والمعرفة في القرآن.
السيد محمود الهاشمي.
جريدة الشهادة السنة 6 العدد 302/13 سنة 1409 هـ طهران.
23 ـ الأنوار المبسملة في بعض خواص البسملة.
الحسن بن عبدالله بن الحسن اليمني المكي المدني السمرقندي الذي كان حياً سنة 953.
الذريعة 26/62.
24 ـ أنوار القرآن.
السيد محمود الطالقاني المتوفى عام 1399هـ وهو تفسير للقرآن.
مستدركات أعيان الشيعة 1/219.
25 ـ الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم.
الدكتور عبد الجليل التميمي المولود سنة 1942.
الموسم العدد 1/288 السنة 1989م.
26 ـ أهل البيت في القرآن.
السيد صادق الحسيني الشيرازي.
طبع سنة 1979م عن المركز الإسلامي.
27 ـ إيجاز التحرير في آية التطهير.
للسيد ناصر حسين بن مظفر حسين الجنفوري المولود سنة 1313هـ.
الذريعة 26/73.
28 ـ الإيقان في الأوامر والنواهي التي في القرآن.
السيد حسين بن نصرالله عرب ياغي. مطبوع بالفارسية.
الذريعة 26/27.
29 ـ آية التطهير.
السيد حفاظت حسين الملقب بسليم البهيكيوري الهندي ـ طبع في الهند باللغة الأردوية وهو في طهارة أهل البيت عليهم السلام وتبيان حديث الكساء.
الذريعة 26/18.
30 ـ آيات الحجة.
الميرزا علي أكبر الشريف العراقي النجفي المتوفى في النجف سنة 1371هـ وهو في تفسير الآيات التي في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام.
الذريعة 26/17.
31 ـ آيات التوحيد
السيد محمد أمين ابن السيد علي ابن السيد صافي آل عبد العزيز المتوفى 1976م.
الذريعة 26/17.
32 ـ الآيات البينات.
السيد محمد حسن بن محمد حسين الزنجفوري المتوفى سنة 1325هـ.
الذريعة 26/17.
33 ـ آيات منتخبة من القرآن الكريم.
السيد مهدي الخطيب المعاصر.
طبع في بيروت عن الدار العالمية سنة 1988هـ.
34 ـ آيات الصوم في القرآن الكريم.
السيد محمد علي السيد عبد الرؤوف.
نور الإسلام العدد 2 السنة الأولى 1408هـ/ 1988م بيروت.
35 ـ آية التغيير.
الدكتور شلتاغ عبود شرّاد.
الوحدة الإسلامية السنة 6 العدد 156 سنة 1410هـ/ 1989م بيروت.
36 ـ الآية.
الدكتور محمد باقر حجتي.
الثقافة الإسلامية العدد 27 سنة 1410هـ/1989م بيروت.
37 ـ الإضاح المفيد في فن التجويد.
عبد الوهاب ملا محمد الهنداوي.
طبع النجف/ معجم الدراسات القرآنية/424.
حرف الباء
1 ـ بحث في تاريخ القرآن الكريم.
الدكتور السيد محمد باقر حجتي طبع في طهران باللغة الفارسية سنة 1360هـ.
الثقافة الإسلامية العدد 27 السنة 1410هـ بيروت.
2 ـ بدائع البيان في جامع القرآن.
مهدي بن مصطفى بن الحسن الحسيني التفريشي اللاهوتي المولود عام 1229.
الذريعة 26/88.
3 ـ بديع البيان لمعاني القرآن.
الشيخ حسين علي خان ابن الشيخ علي خان ابن الشيخ علي خان زنكنة.
الذريعة 26/91.
4 ـ براهين القرآن.
شريعة السنكلجي طبع باللغة الفارسية.
الذريعة 26/94.
5 ـ برهان القاري في تجويد كلام الباري.
الشيخ رحمه/ة الله الجيلاني ـ مخطوط في مكتبة السيد المرعشي النجفي.
الذريعة 26/97.
6 ـ البرهان المتين لإثبات نبوة خاتم النبيين بآيتين من القرآن المبين.
السيد صدر الدين القمي.
الذريعة 26/99.
7 ـ بيان الفرقان.
الميرزا مجتبى ابن الميرزا أحمد التنكابني المتوفى بالنجف سنة 1332هـ ـ وهو تفسير فارسي طبع في مشهد الرضا عليه السلام بخراسان 1 ـ 4.
الذريعة 26/116.
8 ـ بصائر القرآن في التحرك الإسلامي.
السيد محمد تقي المدرسي ـ محاضرة على كاسيت موجودة في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية قائمة الأشرطة/32.
9 ـ برنامج القرآن والصراع الطويل.
السيد محمد تقي المدرسي.
10 ـ بين الجدران في تفسير القرآن من نفس القرآن.
السيد مهدي السيد محمد السويج البصري المولود في البصرة سنة 1929م ـ حدثني بذلك مؤلفه وقال: يقع في خمسة عشر مجلداً.
11 ـ بيان الإشارات الملكية والمقامات الظاهرة والباطنة وتأويل كلمات القرآن.
السيد كاظم الرشتي المتوفى سنة 1237هـ ـ 1818م.
معجم الدراسات القرآنية/239.
12 ـ البيان في عدد آي القرآن.
علي بن هاشم بن علي القاري الأوالي.
الذريعة 26/117.
13 ـ البيان والتبيين في الجامعة بين السنّة والقرآن.
الشيخ موسى العصامي المتوفى سنة 1355هـ.
شعراء الغري 11/502.
14 ـ بوارق القمر في تفسير سورة الدهر.
المولى حبيب الله الساوجي الكاشاني المتوفى سنة 1340هـ.
الذريعة 26/109.
حرف التاء
1 ـ تاريخ القرآن.
الدكتور محمد راميار المتوفى سنة 1363هـ ـ طبع باللغة الفارسية بطهران عام 1362هـ.
الثقافة الإسلامية 27/45 السنة 1410هـ ـ 1989م بيروت.
2 ـ تأويل مشكل القرآن.
«لزيد بن علي» دراسة وتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم/ صدر عن الدار السعودية جدة.
الموسم 2 ـ 3 السنة 1989م بيروت.
3 ـ تأويل آية ﴿فَسَئَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.
الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان المتوفى سنة 413هـ.
الذريعة 26/145.
4 ـ تأويل آية ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ﴾
محمد بن محمود الدهدار.
الذريعة 26/145.
5 ـ تأويل الآيات.
شرف الدين علي النجفي الحسيني الأسترآبادي.
الذريعة 26/730
وقد نشر مؤخراً عن مدرسة الإمام المهدي (ع) في قم بإيران/ تراثنا العدد 12 سنة 1408هـ.
6 ـ تأملات قرآنية.
جواد سعدي ـ مجموعة مقالات طبعت في مجلة الوحدة الإسلامية التي أصدرها تجمع العلماء المسلمين في لبنان.
العدد 100 السنة 1409هـ بيروت.
7 ـ تاج التراجم أو مؤيد الرحمن في ترجمة القرآن.
جمال الدين بن حسين الخونساري طبع بالهند.
الذريعة 26/122
8 ـ تبصرة الإخوان في بيان أكبرية القرآن.
المولى إسماعيل الخواجوئي.
الذريعة 26/147
9 ـ تبصرة أولي الألباب في بيان حجية الكتاب.
الشيخ أحمد بن الحسين شكر النجفي.
الذريعة 26/146
11 ـ التبيان في معاني القرآن.
السيد حسين نصرالله بن صادق الحسيني الموسوي الأرومي المشتهر بعرب ياغي.
الذريعة 26/151
12 ـ التتبع لكلام أبي علي الجبائي في التفسير.
الحسن بن أحمد النحوي المشهور بأبي علي الفارسي المتوفى سنة 377هـ.
أعيان الشيعة 5/11
13 ـ التجويد أو أصول القراءة.
الميرزا محسن بن أديب العلماء الميرزا محمد علي التبريزي باللغة الفارسية في تجويد القرآن طبع سنة 1342هـ.
الذريعة 26/155
14 ـ تجويد القرآن.
السيد محمد قاسم بن الحسن بن علي الحسيني التبريزي باللغة الفارسية.
الذريعة 26/155
15 ـ تجويد اللسان في تعليم القرآن.
محمد باقر بن إبراهيم الخراساني باللغة الفارسية.
الذريعة 26/155
16 ـ تحقيق البيان في تأويل القرآن.
الراغب الأصفهاني.
الذريعة 26/147
17 ـ التدبر في القرآن.
السيد محمد تقي المدرسي المعاصر محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية/ قائمة الأشرطة مركز الشباب المسلم/32.
18 ـ ترتيب ترجمان القرآن.
المير السيد الشريف الجرجاني.
الذريعة 26/187
19 ـ ترجمان القرآن.
محمد بن القاسم القالي الخوارزمي المتوفى سنة 567هـ موجود في مكتبة السيد البروجردي في النجف.
الذريعة 26/188
20 ـ الترجمة الأنيقة.
الشيخ بهاء الدين محمد ابن الشيخ علي الشريفي اللاهجي تفسير للقرآن كبير يقع في مجلدين باللغة الفارسية.
الذريعة 26/191
21 ـ ترشيد الاستهلاك في ضوء أسلوب القرآن.
الدكتور كاصد ياسر الزيدي بحث طبع في جريدة الجمهورية العراقية.
العدد 7315/7 السنة 1989 ـ 1410هـ بغداد.
22 ـ التربية الإسلامية من خلال القرآن.
الدكتور محمد فاضل الجمالي الكاظمي المولود سنة 1903 في الكاظمية.
مجلة الهداية السنة 11 العدد 34/1405هـ 1985م تونس.
23 ـ الترغيب في علم القرآن وغلط الرجال.
محمد بن عمر الأسلمي الواقدي.
أعيان الشيعة 1/126
25 ـ تعليقات على آيات الأحكام.
للفاضل الجواد تلميذ الشيخ البهائي الميرزا عبدالله الأفندي المتوفى سنة 1130هـ.
أعيان الشيعة 8/64
26 ـ تعليمات القرآن.
السيد حسام الدين الفال حصيري الشيرازي المولود سنة 1316هـ طبع باللغة الفارسية سنة 1367هـ.
الذريعة 26/123
27 ـ تفسير آية النور.
المولى نصر الله ابن الميرزا أبي الحسن بن محمد كاظم الجابري.
الذريعة 26/215
28 ـ تفسير القرآن الكريم.
الشيخ محمد زغيب البعلبكي المولود سنة 1916م في بعلبك.
مجلة أمل العدد 609 السنة 14/1410هـ ـ 1989م بيروت.
29 ـ تفسير آية الكرسي.
أحمد بن عبد الحي الشريف باللغة الفارسية.
الذريعة 26/215
30 ـ تفسيرة آية الكرسي.
الشيخ محمد تقي الفلسفي الخطيب المعاصر المشهور.
31 ـ تفسير غريب القرآن لابن طيفور السجاوندي.
تحقيق ودراسة الدكتور الجليل مغتاط عودة التميمي.
المولود سنة 1942م.
الموسم العدد 1/288 السنة 1989
32 ـ تفسير غريب القرآن لزيد بن علي عليه السلام.
وتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم المولود سنة 1951م بالنجف صدر عن الدار العالمية ببيروت 1989م.
الموسم العدد/3 السنة 1989م.
33 ـ تفسير الحبري.
الحسين بن الحكم الحبري الكوفي من أعلام القرن الثالث الهجري يختص في بيان الآيات التي نزلت في أمير المؤمنين ـ نشر مؤخراً عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بتحقيق السيد محمد رضا الحسيني.
تراثنا العدد الثالث 12 السنة 3/1408هـ.
34 ـ تفسير القرآن بالقرآن عند العلامة الطباطبائي.
الدكتور أبو ياسر محمد المجراوي شهادة دكتوراه من جامعة طهران عام 1986م.
35 ـ تفسير القرآن.
المولى علي بن مراد وهو تفسير مختصر مشتمل على شرح بعض مشكلاته.
أعيان الشيعة 8/345
36 ـ تفسير قوله تعالى: ﴿وإِن كُنْتُم في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23].
بهاء الدين العاملي المتوفى سنة 1130هـ ـ مخطوط في الخزانة التيمورية رقم 314 في مجاميع.
معجم الدراسات القرآنية/268
37 ـ تفسير غريب الصادقين أبو سعيد عبيد بن كثير العامري المتوفى سنة 294هـ.
معالم العلماء/82
38 ـ تفسير القرآن.
المولى محسن بن محمد طاهر الطالقاني القزويني المعروف بالنحوي.
أعيان الشيعة 9/56
39 ـ تفسير بعض السور والآيات منها تفسير سورة الإخلاص.
جلال الدين محمد بن سعد الدين الديواني المتوفى سنة 908هـ.
أعيان الشيعة 9/122
40 ـ تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّها الَّذينَ ءَامَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلَواةِ﴾.
الحسن بن أحمد النحوي المشهور بأبي علي الفارسي المتوفى سنة 377هـ.
أعيان الشيعة 5/11
41 ـ تفسير نمونة أي التفسير النموذجي.
الشيخ ناصر الدين مكارم الشيرازي طبع في طهران 1363 هـ. ش عن دار الكتاب الإسلامي ويقع في 27 جزء.
42 ـ التفسير اللغوي.
عبد الرسول النعمة طبع بمطبعة المعارف 1966م بغداد.
معجم الدراسات القرآنية الصفّار/160
43 ـ تنزيه التنزيل.
للسيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني المتوفى عام 1386هـ وهو في إثبات صيانة المصحف الشريف من النسخ والنقص والتحريف. طبعت ترجمته الفارسية في طهران.
شعراء الغري 9/77
44 ـ التنزيل في أمير المؤمنين وأهله عليهم السلام.
أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني المتوفى 356هـ.
معالم العلماء/141
45 ـ تهذيب البيان في ترتيب القرآن.
بهاء الدين بن محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي المتوفى سنة 1130هـ المعروف بالشيخ البهائي مخطوط في صوفيا رقم 22ق.
معجم الدراسات القرىنية للصفار/369.
حرف الثاء
1 ـ الثقافة القرآنية تتحدى الإعلام.
السيد محمد تقي المدرسي المعاصر محاضرة على كاسيت موجود في مركز الشباب المسلم بأميركا الشمالية.
قائمة الأشرطة مركز الشباب المسلم/ 32.
حرف الجيم
1 ـ جامع الأنوار تفسير كلام الله الجبار.
السيد محمد تقي ابن السيد حسين ابن السيد دلدار اللكهنوئي المتوفي سنة 1289هـ.
أعيان الشيعة 9/195
2 ـ جولة في القرآن.
الشيخ عبد الحميد المهاجر محاضرة في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الاشرطة/32
3 ـ جدلية العلاقة بين القرآن والمؤمنين.
الأستاذ جواد سعدي.
مقال طبع في مجلة الوحدة الإسلامية العدد 91 السنة الخامسة 1988م بيروت.
4 ـ جنسية القرآن أو القومية الإسلامية.
توفيق بن علي الفكيكي المتوفى سنة 1389هـ.
مستدركات أعيان الشيعة 1/21
5 ـ جواهر القرآن.
المولى أحمد بن محمد التميمي وهو يبحث في خواص آياته الشريفة على ترتيب السور من الفاتحة إلى الناس.
الذريعة 26/261
6 ـ جوابات ابن الحسن سبط المعافي بن زكريا في إعجاز القرآن.
الشيخ المفيد محمد سيف محمد بن النعمان المتوفى سنة 413هـ.
رجال النجاشي/ 85 والذريعة 5/197 ومعجم الدراسات القرآنية للصفار/70.
حرف الحاء
1 ـ حاجتنا إلى التفسير القرآني.
السيد محمد علي السيد عبد الرؤوف.
نور الإسلام العدد الأول السنة الأولى 1408هـ ـ 1988م بيروت.
2 ـ حدود المعرفة في تفسير القرآن والتنبيه على التأويل.
القاضي نعمان المصري المتوفى سنة 363هـ.
الذريعة 26/272
3 ـ حرز الأمان من فتن الزمان في علم أسرار الحروف وخواص آيات القرآن الملا.
علي بن الحسين بن علي الكاشفي.
أعيان الشيعة 8/187
5 ـ حقائق التفسير.
محمد بن الحسين السكمي الصوفي المولود سنة 330هـ. قال صاحب الذريعة قُدس سره: توجد منه نسخة في مكتبة السيد محمد المشكاة بطهران وهو ينتهي بسورة الإيلاف في 470 صفحة.
الذريعة 26/277.
6 ـ الحقوق الطبيعية للمرأة من منظور قرآني.
حسن محمد.
مقال في مجلة الوحدة الإسلامية العدد 115 السنة 1409هـ ـ 1989م بيروت.
7 ـ الحقائق العلمية في القرآن الكريم.
الدكتور عبد الوهاب الحكيم مقال طبع في مجلة العالم وهو يتناول خلق الإنسان وأطواره الجنينية.
العالم العدد 311/36 السنة 1990م ـ 1410هـ لندن.
8 ـ حقائق من القرآن.
السيد عبد الحسين دست غيب الشيرازي المستشهد سنة 1982م ـ 1402هـ.
مستدركات أعيان الشيعة 1/82
9 ـ حول كتاب تنزيه القرآن من المطاعن لعبد الجبار المعتزلي.
الشيخ ضياء الدين الخالصي المتوفى سنة 1370هـ.
مستدركات أعيان الشيعة 1/51.
10 ـ حول إعجاز القرآن الكريم وبيانه.
الدكتور محمد علي الحسيني المعاصر.
بحث طبع في مجلة دراسات وتحقيقات/67 بيروت 1394هـ ـ 1974م.
11 ـ حياة السيد المسيح عليه السلام في ضوء القرآن.
الشيخ جعفر السبحاني المعاصر.
بحث طبع في مجلة نور الإسلام اللبنانية العدد 9 ـ 10 السنة 1989م بيروت.
حرف الخاء
1 ـ خدمات علماء الشيعة في التفسير.
الدكتور أبو ياسر محمد المجراوي المعاصر وهو رسالة ماجستير فلسفة من جامعة عليكار بالهند سنة 1985 حدثني بذلك مؤلفها.
2 ـ خصائص علي بن أبي طالب عليه السلام في القرآن. أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله الحسكاني.
معالم العلماء/78
3 ـ الخميني في القرآن.
السيد أحمد الفهري الزنجاني المولود سنة 1338هـ.
طبع في بيروت عن دار الوفاء عام 1980م.
4 ـ خطابات القرآن السيد حسين بن محمد تقي الدرودآبادي الهمداني المتوفى في همدان سنة 1344هـ.
الذريعة 26/287
5 ـ خطابات الكلمة في القرآن.
الدكتور سمير سليمان ـ قراءة في نظام دلالاتها العامة ودلالاتها النفسية.
بحث طبع في مجلة المنطلق اللبنانية العدد 44 ـ 45 السنة 1408هـ ـ 1988م بيروت.
6 ـ خواص السور القرآنية وبعض الآيات.
رقية بنت الشيخ ميرزا علامة ابن الشيخ حسن بن محمد صالح الحائرية المتوفاة بقزوين عام 1399هـ.
مستدركات أعيان الشيعة 2/131.
حرف الدال
1 ـ دائرة معارف القرآن.
الشيخ حسن سعيد صدر منه الجزء الأول في طهران.
تراثنا العدد الأول 10 السنة (3) 1408هـ.
2 ـ درس في التفسير «الاستعاذة والفاتحة».
صدر عن الوحدة الثقافية لحزب الله في لبنان ضمن سلسلة مختارات إسلامية الوحدة الإسلامية العدد 147/54 السنة 1410هـ بيروت.
3 ـ دروس من القرآن «فريضة القتال في الإسلام».
أبو أبرار.
جريدة لواء الصدر الورد 54/4 السنة 1982م طهران.
4 ـ دروس من القرآن.
الشيخ علي الكوراني العاملي المعاصر محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قامة الأشرطة/32
5 ـ دور البصائر القرآنية في فهم حضارة القرآن.
السيد محمد تقي المدرسي محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/32.
حرف الراء
1 ـ رجوم الشياطين.
الميرزا أبو القاسم بن محمد تقي الأوردبادي المتوفى سنة 1233هـ وهو تفسير ردّ فيه على مير كريم قاضي بادكوبة وطبع باللغة التركية شعراء الغري 1/347.
2 ـ الرد على ثعلب في آيات القرآن.
الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي العكبري المتوفى سنة 413هـ.
معالم العلماء/101
3 ـ رسالة في غريب القرآن رقية بنت الشيخ ميرزا علامة بن الشيخ حسن بن محمد صالح الحائرية المتوفاة سنة 1399هـ بقزوين.
مستدركات أعيان الشيعة 2/193
4 ـ الرسالة الواضحة في شرح سورة الفاتحة.
للشيخ إبراهيم الكفعمي من أعيان القرن التاسع الهجري المتوفى سنة 905هـ.
البلد الأمين/2
5 ـ رسالة في التجويد.
السيد حسين دلدار النصيرآبادي النقوي الهندي المتوفى سنة 1274هـ.
أعيان الشيعة 6/13
6 ـ رشحة الفيض في التجويد.
السيد حسن ابن السيد دلدار علي النصيرآبادي النقوي المتوفى 1260هـ.
أعيان الشيعة 5/64.
حرف السين
1 ـ سورة الحجرات.
السيد محمد علي عبد الرؤوف بحوث في تفسير سورة الحجرات.
نور الإسلام 3 ـ 4، 1408هـ بيروت.
حرف الشين
1 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.
الحافظ عبدالله بن عبدالله الحسكاني المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري.
معالم العلماء/78 وهو في الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام طبع بتحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي عام 1393هـ.
تراثنا العدد الأول 10/1408هـ.
حرف الطاء
1 ـ الطباطبائي ومنهجه في تفسير الميزان.
علي رمضان مطر الأوسي المولود سنة 1953م رسالة جامعية نال بها شهادة الماجستير من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة سنة 1980م وطبع الكتاب في طهران 1405هـ/1985م.
2 ـ الطوسي مفسراً.
الدكتور أبو ياسر محمد المجراوي رسالة ماجستير من كلية الآداب جامعة طهران سنة 1983م.
حرف الظاء
1 ـ ظلال الكلمة في القرآن.
مقال نشر في جريدة العمل الإسلامي لعدد 310 السنة (8) 1410هـ طهران.
حرف العين
1 ـ العبرة في القرآن.
الشيخ حسن موسى الصفار محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة 33
2 ـ العقل في القرآن.
حسين حمادة.
بحث في مجلة نور الإسلام اللبنانية العدد 5 ـ 6 السنة الأولى 1408 هـ ـ 1988م بيروت.
3 ـ عمل المرأة بين القرآن والسنّة وموقف فقهاء الأمس واليوم.
شيماء الصراف/ مجلة منبر الحوار 15/4 سنة 1989م ـ 1410 هـ بيروت.
4 ـ علم المنطق والقرآن العظيم.
السيد رؤوف جمال الدين المولود سنة 1345هـ بالنجف والكتاب بين عظمة القرآن وخلوده ويخطئ فيه بعض المسائل المنطقية.
لواء الصدر 369/15 سنة 1409هـ طهران.
5 ـ العلاقات العددية في القرآن الكريم.
نبيل حميد حسن.
بحث طبع في مجلة الثقافة الإسلامية العدد 25/19 سنة 1409هـ بيروت.
6 ـ العقل البشري «في تفسير القرآن الكريم».
الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني المتوفى عام 1985م في قم يقع في جزأين وطبع في قم بإيران.
حرف الغين
1 ـ غريب القرآن ووضعه على حروف المعجم.
الحاج محمد الخليلي ابن الميرزا حسين المتوفى في النجف سنة 1355هـ.
شعراء الغري 10/454.
حرف الفاء
1 ـ فقه القرآن في التراث الشيعي الشيخ محمد علي الحائري الخرم آبادي بحوث في حلقات طبعت في مجلة تراثنا.
15/392 السنة (4) 1409هـ.
2 ـ في رحاب القرآن محمد صبيح.
طبع في بيروت عن دار الأضواء 1989م ـ 1409هـ.
حرف القاف
1 ـ القرآن وعلم اللغة الحديث.
الدكتور محمد علي الحسيني.
التوحيد 36 السنة (6) 1408هـ ـ 1988م طهران.
2 ـ القرآن الكريم أساس التشريع في الاسلام.
السيد محمد الغروي مقال طبع في مجلة نور الإسلام اللبنانية.
العدد 3 ـ 4 السنة 1408هـ بيروت.
3 ـ القرآن واللغة العربية.
السيد محمد باقر الحكيم.
كيهان العربي 1606/1989م طهران.
4 ـ القرآن يتحدى.
السيد محمد السيد مهدي الشيرازي محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/33
5 ـ القرآن في بداية الدعوة.
الشيخ عبد الحميد المهاجر محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/33
6 ـ القرآن حصن الأمة.
الشيخ موسى الهادي محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/33
7 ـ القرآن والمسيرة التكاملية.
السيد محمد تقي المدرسي محاضرة على كاسيت في مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/33
8 ـ القراءات القرآنية عند أهل البيت.
محمد رضا كاظم الطريحي المولود سنة 1950م. أطروحة يعدها صاحبها لنيل شهادة الدكتوراه.
الموسم 2 ـ 3/616 السنة 1989م بيروت.
9 ـ القرآن والإنسان.
بحث ثقافي مطبوع في مجلة الهُدى الصادرة عن حركة أمل.
العدد 10/1989م بيروت
10 ـ القرآن الكريم في اللغات الأجنبية.
عماد سلطان الوحدة الإسلامية 151/54 السنة (6) 1989م بيروت.
حرف الكاف
1 ـ كيف تجوّد القرآن.
وترتله السيد سعيد الشريف
الموسم 6/2 السنة 1990م
2 ـ كيف تقرأ القرآن.
الشيخ علي الكوراني العاملي.
قائمة الأشرطة/ 32
3 ـ كيف نطبق القرآن على واقعنا.
السيد محمد تقي المدرسي.
قائمة الأشرطة/33.
حرف اللام
1 ـ لمحات في الكتاب والحديث والمذهب.
الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني نشر قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة طهران.
تراثنا العدد 3/12 السنة (3) 1408هـ.
2 ـ لماذا نقدس القرآن.
الشيخ محمد باقر أبو خمسين الهجري المولود سنة 1336هـ.
شعراء الغري 7/316.
3 ـ اللغات في القرآن.
عبدالله بن عباس المتوفى سنة 68هـ رواية ابن حسنون المتوفى سنة 386هـ تحقيق صلاح الدين المنجد، مطبعة الرسالة 1916.
معجم الدراسات القرآنية للصفار/189
4 ـ لنعد إلى القرآن.
السيد محمد تقي المدرسي المعاصر.
حرف الميم
1ـ المباحث اللغوية عند الشيخ الطوسي في تفسير التبيان.
الدكتور ناصر كاظم زوير السراجي ـ رسالة ماجستير من جامعة الأزهر كلية اللغة العربية سنة 1981م.
2 ـ المحاسن في تفسير القرآن.
الحسن بن عبدالله بن سهل المعروف بابن هلال العسكري اللغوي يقع في خمسة مجلدات.
أعيان الشيعة 5/149
3 ـ المرأة من الضياع إلى القرآن.
ناجي النجار.
بغداد مطبعة الحوادث 1979م.
4 ـ مرشد الخواص في حل بعض الآيات والروايات المشكلة.
الشيخ محمد بن الحسن المشهدي المتوفى سنة 1257هـ بمشهد الرضا بخراسان.
أعيان الشيعة 9/172
5 ـ مجد البيان في تفسير القرآن.
الشيخ محمد حسين بن محمد باقر الأصفهاني المتوفى سنة 1308هـ طبع في طهران عام 1313هـ.
تراثنا 3/12 السنة 1408هـ.
6- المذكر والمؤنث في القرآن الكريم.
الدكتور عبد الجليل التميمي المولود سنة 1942م بحث لا يزال مخطوطاً.
الموسم 1/288 السنة 1989م.
7 ـ مفردات القرآن في مجمع البيان.
الياس كلانتري وعباس الترجمان نشر مؤسسة الطبع والنشر طهران.
تراثنا 3/12 السنة 1408هـ.
8 ـ معجزة العصور.
الأستاذ ضياء موسى بحث حول القرآن.
كيهان العربي 1606/1989م طهران.
9 ـ المفردات القرآنية في الإعلام الإسلامي السياسي.
السيد محمد حسين فضل الله.
المنطلق 48 ـ 49/1409هـ ـ 1988م بيروت.
10 ـ مدرسة القرآن في رمضان.
السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني المولود سنة 1301هـ.
شعراء الغري 9/79.
11 ـ مقدمة في البنية القرآنية وشخصية المسلم العقائدية.
للسيد مسلم الجابري الخرمشهري.
المنطلق عدد رجب/1402هـ بيروت.
12 ـ من علوم القرآن.
دراسة نشرت في حلقات على صفحات مجلة الوحدة الإسلامية الصادرة عن مؤسسة ا لفكر الإسلامي بطهران.
العدد 104 محرم الحرام 1409هـ طهران.
13 ـ المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم.
الدكتور محمود الروحاني وهو قاموس يستعرض جميع ألفاظ القرآن الكريم ويذكر مواضعها في السور والآيات حسب الترقيم الكوفي ويقع في ثلاثة أجزاء وصدر عن مؤسسة الروضة الرضوية المقدسة للطباعة والنشر في مشهد.
كيهان العدد /2052/1411هـ ـ 1990م طهران
14 ـ من قصص القرآن تجربة مطلوبة رواجها مضمونها أصيل ولا تخلو من الأخطاء.
غادة موسى الحسيني وهو تقييم لكتب صدرت بعنوان من وحي قصص القرآن تأليف عبد الودود الأمين.
مجلة العالم العدد 251/1988م لندن.
15 ـ قصص القرآن الكريم قصة آسيا بنت مزاحم.
خولة القزويني.
مجلة أحمد العدد /32/ السنة (2) 1409هـ/1988م طهران.
16 ـ من الإعجاز البلاغي والعددي للقرآن الكريم.
الدكتور أبو زهراء النجدي.
طبع الوكالة العالمية للتوزيع 1410هـ ـ 1990م.
17 ـ المنهج الواقعي ومنطق الإيمان في القرآن.
الدكتور زهير حسن بيطار العاملي.
صدر عن دار التعارف في بيروت 1988م.
الوحدة الإسلامية 10/55/1988 بيروت.
18 ـ المنهج اللغوي عند الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان في تفسير القرآن.
الدكتور ناصر كاظم زوير السراجي رسالة دكتوراه من جامعة دمشق كلية الآداب 1987م.
19 ـ معدن العرفان في فقه مجمع البيان لعلوم القرآن.
إبراهيم بن حسين الدرّاق.
تراثنا العدد (2) المجلد 15/407/1409هـ.
20 ـ من وحي القرآن المنافقون والمنافقات.
الشيخ زهير كنج.
الوحدة الإسلامية العدد 44/1407هـ 1986م بيروت.
21 ـ المنتقى من كتاب البرهان على عدم تحريف القرآن.
السيد مرتضى الرضوي طبع في بومبي بالهند عام 1409هـ ـ 1989م.
22 ـ من وحي القصص القرآني.
السيد عبد الودود الأمين كراسات طبعت في بيروت عن دار البلاغة ودار الهادي يتناول فيها كثيراً من قصص القرآن الكريم.
23 ـ من هم أهل البيت في القرآن الكريم.
السيد طاهر حسن ملحم طبع في الكويت ضمن سلسلة مفاهيم إسلامية رقم (2).
24 ـ ملاحظات قرآنية.
دراسة نشرت في حلقات على صفحات جريدة كيهان العربي.
العدد 1574 السنة (9)/1989م.
25 ـ من موارد الشبهات حول القرآن.
الدكتور زهير الأعرجي مقال طبع في مجلة المنطلق اللبناني.
العدد 44 ـ 45/1408هـ 1988م بيروت.
26 ـ مراحل التدبر في القرآن.
27 ـ المسلمون وبصائر القرآن.
السيد محمد تقي السيد كاظم المدرسي محاضرتان على كاسيت في مكتبة مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/33.
حرف النون
1 ـ النبذة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ محمد بن الحارث المنصوري الجزاري.
الذريعة 24/25
2 ـ النزول والتنزيل في القرآن.
عبد الصمد سعيد
لواء الصدر العدد 106/4/1983م طهران.
3 ـ النظر القرآني.
الدكتور محمد علي الحسيني حول اللغة وعلم اللغة العام في ضوء نظرية وحدة المعرفة.
التوحيد 41 السنة (7) 1409هـ.
4 ـ النظرية القرآنية لتفسير حركة التاريخ.
الدكتور حسن سلمان إصدار مكتبة العرفان بالكويت 1406هـ 1986م.
حرف الواو
1 ـ واجب المسلمين نحو القرآن الكريم.
الشيخ علي الكوراني العاملي محاضرة على كاسيت في مكتبة مركز الشباب المسلم بأمريكا الشاملية.
قائمة الأشرطة/34
2 ـ واضحة البرهان في رد من عمل بظواهر القرآن.
الشيخ خلف بن عبد علي بن الشيخ حسين آل عصفور البحراني المتوفى سنة 1273هـ.
مستدركات أعيان الشيعة 2/134
3 ـ وسائل الإيضاح في القرآن الكريم.
أبو زهير الجزائري.
جريدة الجهاد: 41/15/1410هـ ـ 1989م طهران.
4 ـ وقفة مع التدبر في كتاب الله.
علي صادق/ كيهان العربي العدد 1779/1410هـ 1989م طهران.
5 ـ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات.
الشيخ محمد مهدي الآصفي محاضرة على كاسيت في مكتبة مركز الشباب المسلم بأمريكا الشمالية.
قائمة الأشرطة/34.
حرف الهاء
1 ـ هل نعود إلى القرآن.
السيدة زهراء السيد بحث طبع في مجلة الوحدة الإسلامية اللبنانية.
العدد 103/1988م بيروت.
حرف الياء
1 ـ اليواقيت الحسان في تفسير سورة الرحمن.
الشيخ مجد الدين النجفي الأصفهاني المتوفى سنة 1403هـ نشر دار الذخائر في قم بإيران سنة 1409هـ.
تراثنا العدد 3 المجلد 16 السنة 4/1409هـ.
عامر الحلو
أول طبعة للقرآن باللغة العربية
متى ظهرت الطبعة العربية الأولى من القرآن الكريم؟ تصعب تماماً الإجابة عن هذا السؤال. فبعد أكثر من قرنين على اكتشاف الطباعة أواسط القرن الخامس عشر، لم تكن برزت إلى العلن أية طبعة عربية من القرآن الكريم. كانت هناك الطبعة الأولى من القرآن الكريم باللغة اللاتينية التي طبعت في بال في سويسرا عام 1543، وفقاً لترجمة ـ مخطوطة ـ كان قد وضعها الإنكليزي روبرت كيتينينسيس قبل ذلك التاريخ بـ 400 عام (أي تماماً في العام 1143)، وهي ترجمة لا تتصف بالكثير من الدقة.
أما الطبعة الأولى بالعربية فتكتنفها التكهنات ويحيطها الغموض. فثمة كلام على طبعة أولى تمت في مدينة البندقية بين آخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر. ولكن لم تظهر هذه الطبعة إلى العلن حقاً وليس من دليل قاطع عليها. والدليل الأوحد على وجود هذه الطبعة هو ما ذُكر عنها في كتاب صادر في بافيا في إيطاليا عام 1593، حيث يتحدث المؤلف أمبروزيو تيزيو عن طبعة للقرآن الكريم بالعربية نفّذها باغانيني في المرحلة المذكورة أعلاه. والكتاب الإيطالي الذي يتحدث عن هذه الطبعة نشر بعد ظهورها المفترض زهاء 100 عام، أي أواخر القرن السادس عشر، بينما ليس من ذكر لهذه الطبعة إطلاقاً لدى الكتّاب الذين عاصروها، وهو أمر غريب. أما أن هذه الطبعة لم تكن موجودة قط، وإما تمّ رفضها من السلطات المسيحية فجرى التعتيم عليها. ولكن كيف يمكن أن يكون هذا التعتيم كاملاً، في زمن النهضة الأوروبية، حيث برز العقل النقدي ولم تعد أوروبا تحت الهيمنة الأحادية للفكر المسيحي كما كانت عليه طوال القرون الوسطى؟
مهما يكن من أمر، كان لا بد من انتظار العام 1694 ـ أي أواخر القرن السابع عشر، وبعد مرور 239 عاماً على اكتشاف المطبعة ـ حتى تظهر في مدينة هامبورغ الألمانية الطبعة الأولى المعروفة من القرآن الكريم. وقد تمت هذه الطبعة على يد القس البروتستانتي العالم إبراهام هاينكلمن.
لماذا هذا الموعد التاريخي المتأخّر؟
لا بد من العودة إلى هذه الطبعة الأولى نفسها لفهم الأسباب، خصوصاً العودة إلى المقدّمة الطويلة التي وضعها القس هاينكلمن لتبرير إقدامه على طبع القرآن الكريم.
فهو يجيب عن الاعتراضات التي يمكن أن يوجها إليه معاصروه الأوروبيون، ويحصر هذه الاعتراضات في ثلاثة منها أساسية في نظره. الاعتراض الأول، هو أن معرفة اللغة العربية تقتصر على نفر ضئيل جداً من المتخصصين في أوروبا مما لا يبرر الجهد الهائل المبذول لتحقيق هذه الطبعة. ولا بد من التذكير في هذا المجال بأن التعليم في أواخر القرن السابع عشر، كان محصوراً في قلة ضئيلة من الناس في مجتمعات أوروبا، وكانت تقتصر القراءة والكتابة على طبقة النبلاء والإكليروس الأعلى وبعض البورجوازية الصاعدة.
أما الاعتراض الثاني الذي كان يتوقعه هاينكلمن من معاصريه، فيقوم على القول بأن طبع القرآن الكريم ليس من الأولويات التي يجب أن تبرز لدى لاهوتي مسيحي مثل هاينكلمن، فلماذا هذا الاهتمام لدى راعي مدينة هامبورغ؟
ثم الاعتراض الأخير هو أن هذه الطبعة الأولى كان يمكن أن تتحلى بفائدة حقيقية لو رافقت النص العربي ترجمة للمعاني أو تعليقات أو شروح تجعل النص مفهوماً أكثر، فتتسع دائرة الاهتمام به.
وبعد أن يذكر هاينكلمن هذه الاعتراضات الثلاثة المحتملة التي ستواجهه، ينصرف إلى الرد عليها في قرابة ثمانين صفحة من مقدمة طبعته. وهو يركّز في الواقع على الاعتراض الأول، أي الفائدة من طبع القرآن الكريم في بيئة لا يعرف اللغة العربية فيها إلا نفر ضئيل من العلماء.
وفي معرض ردّه، يُظهر هاينكلمن ثقافته الموسوعية ومعرفته باللغات العربية، والعبرية واليونانية، فضلاً عن معرفته باللغة اللاتينية التي كانت هي لغة المثقفين الأوروبيين آنذاك. ويذكر الكثير من الأسماء، من غريغوار دو تور الفرنسي إلى فرجيل الروماني، مروراً بابن إدريس والزمخشري، ومروراً بالعالمين اللبنانيين جبرائيل الصهيوني وإبراهيم الحاقلاني وهما من كبار خريجي المعهد الماروني في روما.
وينحصر ردّ هاينكلمن في المقولة التالية: أنه أقدم على طبع القرآن الكريم بهدف علمي، ولأن معرفة القرآن هي شرط ضروري لمعرفة اللغة العربية معرفة دقيقة.
وإذا كان من إضاءة تحملها مقدّمة هاينكلمن فهي أنه حتى في أواخر القرن السابع عشر، وبعد مرور 239 عاماً على اكتشاف الطباعة في أوروبا، وبعد قرنين من انطلاق النهضة الأوروبية والعقل النقدي، لم يكن من السهل طبع القرآن الكريم في أوروبا، وأن المعوقات الثقافية واللغوية والدينية كانت لا تزال من القوة حيث تبدو طبعة هاينكلمن ثمرة جهد فردي لرجل فريد في شغفه بالعلم ومحبته للغة العربية.
كمال فخري
المسيحية في القرآن
التعريف بالإسلام وبعلاقته بالمسيحية، موضوع يتعاظم الاهتمام به في الأوساط الثقافية الغربية، وربما يأتي في هذا الاطار صدور كتاب أعده لويد ريدغون في عنوان «التأويلات الاسلامية للمسيحية» Islamic Interpretations of Christianity ونشرته أواخر العام الماضي دار كورزون للنشر في بريطانيا.
ينصبّ اهتمام البحاثة، المشاركين والمشاركات في الكتاب، على دراسة الاسلام مــن داخل تراثه الديني – الأدبي، والى اقامة الحوار المسيحي – الاسلامي والعمل على استمراريته، وايجاد الطرق المناسبة والمجديـــة للتعامل مع الاسلام الأوروبي والاسلام العالمي. معظم المشاركين هم من مدرسي الدراسات الاسلامية في الجامعات البريطانية والاميركية. فنيل روبنسون مثلاً أستاذ الدراسات الاسلامية في جامعة ويلز، بينما يحاضر فيليب لويس في دائرة اللاهــوت والدراسات الدينية في جامعة ليدز وقد رعى Runnymede Trust’s inquiry التي نتج منها إصدار تقرير «الإسلاموفوبيا (الخوف من الاسلام): التحدي الأكبر للجميع». والأستاذة جاين ماكّولف متخصصة في الدراسات القرآنية بالذات، وهي عميدة كلية الآداب في جامعة جورج تاون وتشرف حالياً على إصدار موسوعة القرآن التي صدر أول مجلداتها عن «بريل» قبل شهور. وهؤلاء الأساتذة ناشطون في كنائسهم، خدم مارستون سبايت الكنيسة في ثلاث دول شمال افريقية لمدة ثمان وعشرين عاماً، وقد أسسوا مجالس للحوار المسيحي – الاسلامي، وكانوا فاعلين في قطاعها.
اجتهاد هذه المجموعة من الأساتذة في تقديم دراسات حول مواقف الاسلام من المسيحية له أهميته القصوى، خصوصاً ان الدراسات صدرت قبل إسقاط برجَي مبنى التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن 216، ما يدل الى أن هموم النظرة الدينية لدينا، وخلطها بخيبات الأمل السياسية والتنموية، صارت تؤخذ بالاعتبار من علماء دين في الغرب. قدّم دافيد مارشيل دراسة عن «المسيحية في القرآن»، ومارستون سبايت دراسة عن «المسيحية في الحديث»، وقدمت جاين ماكولف فصلاً عن «المسيحيين في التفسير الفقهي». ولم يقتصر المساهمون على دراسة الحقبة الكلاسيكية فقد شارك نيل روبنسون في دراسة عن «موقف سيد قطب من المسيحية: تفسيره لآيات سورة التوبة»، ودرست كايت زبيري «قدرة المسلمين على فهم المسيحية والغرب»، كما درس فيليب لويس «صورة المسيحية في المؤسسات البريطانية الاسلامية». ونلاحظ ان المشاركين يسعون الى فهم أكبر للمسلمين، الذين باتوا يشكلون وجوداً يجب التعامل معه، داخل أوروبا وخارجها.
مقالة ديفيد مارشيل عن «المسيحية في القرآن» يتبع كاتبها في قراءته للنصوص القرآنية منهجية لا تقتصر إفادتها على المثقف المسيحي بل تفيد المسلمين والمسلمات من غير الملمين بقواعد قراءة النصوص الدينية القديمة.
يباشر مارشيل موضوع «المسيحية في القرآن» بدراسة الآيات المكية في محاور ثلاثة: «المسيح ومريم عليهما السلام»، «الكتاب المقدس»، و«النصارى»، ثم يكرر دراسة الآيـــــات المدنية تحت المحاور عينها. يقول مارشيل، إن هناك محاور أخرى قد تدرس مثل العقائد (التثليث) أو الشعائر (النسك)، لكن هذه المواضيع التي اختارها تقدم إطاراً معقولاً لفهم المادة القرآنية ونظرتها الى المسيحية.
ويركز مارشيل في محور «المسيح ومريم عليهما السلام» على القصص القرآنية وذكرها أنبياء العهدين القديم والجديد، ويذكر ان القصص هذه تعكس ظروف دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مكة واستجابة أهل مكة له. ويقول: إن محور القصص واحد، كل نبيٍّ من الأنبياء المذكورين يُرسله الله ليُنذر قومه، ويُرفَض. لكن سرعان ما يتبدّل الموقف بنصرة الله للنبيّ وعقاب الذين لا يؤمنون. إذاً، تخدم قصص هؤلاء الأنبياء كمثال أو نموذج للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، وتشجع أنصار الرسول، وتشدّ أزرهم في محنتهم. لكن السور المكية، التي يُذكر فيها كثير من الرسل والأنبياء من طريق تعداد قصصهم، لا نرى لعيسى ابن مريم فيها ذكراً، ذلك انه لم يكن قد شكل مثالاً يتطلع اليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلمّ في هذه المرحلة. أما قصة مريم في «سورة مريم» فتركّز على حد قول مارشيل على مريم اكثر منها على المسيح عليه السلام.
وكما لم يرد لعيسى عليه السلام ذكرٌ في الآيات المكية فكذلك ليس هناك للإنجيل في هذه الآيات ذِكر. أما بالنسبة الى «أهل الكتاب»، أي «اليهود والنصارى»، فذكرهم ودّي في شكل منتظم. هناك تعاطف مع «النصارى» المؤمنين والمضطهدين، كما يرد في مقتل مسيحيي نجران على أيدي أصحاب الأخدود (القرآن الكريم 85 : 4 – 8) وفي «أهل الكهف» (القران الكريم 85 : 9 – 26) كذلك مع الروم في حروبهم ضد الفرس (القرآن الكريم 30 : 2 – 5)، وتعتمد الآيات المكية في ما يبدو افتراضاً نظرياً لما يجب أن يكون عليه «النصارى» وماذا يُنتظر منهم (ص 9). ويأتي القرآن الكريم على ذكر الخلافات الواقعة بين «النصارى» (القرآن الكريم 23: 52-3، 21: 92-3، 65: 43) حتى في المرحلة حين لم يكن الاحتكاك المباشر بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم و«النصارى» قد حصل. فالانقسامات المسيحية العقائدية والسياسية والمعروفة آنذاك بحدتها بين الفِرق المسيحية المختلفة الملكانيون، المونوفيزيون، والنساطرة، كان لها صدى في القرآن الكريم أيضاً (ص 10).
ويعيد مارشيل دراسة المحاور نفسها: «عيسى ومريم»، و«الكتاب المقدس»، و«المسيحيون» في الآيات المدنية. ويقسم هذه الآيات طبقاً لثلاث مراحل، حيث في الأولى، لا يأتي القرآن على ذكر لـ«النصارى» إلا قليلاً، ثم في الثانية، حين يُذكرون، يأتي ذلك ضمن الجدل القائم ضد يهود يثـــرب. أما في المرحـلـــة الثالثة فيظهر الجدل في نقد العقائـــد المسيحية مما يدل الى أن اتصالاً مباشراً بين الرسول و«النصارى» قد تمّ في هذه الفترة الأخيــــرة مـــن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وينتبه مارشيل دائماً الى المخاطَب. فحين يذكر القرآن الكريم عيسى ومريم «ليس بالضروري أن المخاطَب هم «النصارى» بل بعض هذه الآيات أوحيت أصلاً بسبب صراع الرسول مع يهود يثرب. هناك بعض الذكر لعيسى، ابن مريم، وأمه في سورة البقرة (الفترة الزمنية: بين الهجرة ومعركة بدر عام 624). ويستنتج مارشيل انه حتى هذه المرحلة لم يشكل عيسى نموذجاً للرسول أو شخصية تدور حولها الحوارات. أما في المرحلة الثانية فهناك اهتمام اكثر بهما (3/33- 58) ومن المستحسن أن تفهم الآيات هنا ضمن علاقة الرسول مع يهود يثرب (بعد معركة بدر). فطفولة مريم، وعبادتها، واصطفاؤها على نساء العالمين تقرأ ضمن التهجم على اليهود لافترائهم على مريم واتهامها بالبهتان. الفكرة الرئيسة (الموتيف) هي «قتل اليهود للأنبياء والمرسلين قبل محمد (خصوصاً سورة آل عمران) باستمرار»: فليس من المستبعد في إطار عداوة اليهود لمحمد، أن يكون ذكر ولادَتي مريم ويحيى، ورد أصلاً للتذكير بعباد الله الأولين الذين رفضهم اليهود. لكن هؤلاء السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم مكرّمون عند الله. فتأتي في هذا الجو آية البشارة بولادة عيسى لتنتهي بمقولة أن المسيح ابن مريم، «وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين» (3/45). تركز الروايات أو الآيات التي تأتي على ذكر عيسى، ابن مريم، على الآتي:
«دوره كرسول الى بني اسرائيل»، يفعل الآيات العجائبية التي تأتيه من الله، يؤكد التوراة، ويحلل ما كان من قبل محرماً على بني اسرائيل. أما رد فعل الحواريين، الذين آمنوا بعيسى، فهو شبيه برد فعل صحابة الرسول تجاهه، وكذلك رد فعل الذين كفروا بعيسى وحاولوا قتله شبيه بفعل الذين كفروا بالرسول وحاولوا قتله. فصورة عيسى عليه السلام مثل صورة محمد صلى الله عليه وسلم تمثله مبعوثاً من الله لقومه، والموازاة هذه واضحة بين الرسول وعيسى، خصوصاً في سؤال «من أنصاري الى الله» (3/52).
وحين يبدأ انتقاد معتقدات المسيحيين في المرحلة الثالثة من الفترة المدنية ينصحنا مارشيل ألا نفصل فصلاً زمنياً قاطعاً بين مرحلة وأخرى، لأن المراحل هذه تتطابق أو تتشابك جزئياً في تغيير القضايا بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وكذلك في تبدّل الجمهور: فهناك صورة جديدة لعيسى، ابن مريم، وامه تحولهما من نموذجين يتطلع اليهما محمد صلى الله عليه وسلم الى شخصيتين يدور حولهما جدل عقائدي. فقد حصل في الفترة الأخيرة من حياة الرسول في المدينة تغير في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم تجاه «النصارى» والمسيحية يوازي الى حد ما تطورات رؤية اليهود في المرحلة المدنية الثالثة. وقد ظهر هذا السلوك لأسباب لاهوتية، وبسبب الصراع السياسي والعسكري، خصوصاً مع قبائل الشمال المسيحية. فظهر في صميم الإشكال اللاهوتي هذا الخلاف حول طبيعة المسيح (وإلى حد أقل حول طبيعة مريم).
فإذا كان عيسى ولد من أم عذراء، وله معجزات، وصعد الى السماء من دون موت، فهناك إصرار على بشرية عيسى، وتكرار أن عيسى، من دون التباس، مخلوق، ويتوجه مارشيل إلى القرّاء المسيحيين ليؤكد: «يجب ألا نتسرع بفهم الألقاب التي نسبت إلى عيسى، والتي وردت قبلها في العهد الجديد، فألقاب مثل «كلمة الله»، لم ترد بنفس المفهوم المسيحي له. فعيسى ابن مريم هو: عبدالله (4/172 و19/30)، خلق من تراب (3/59)، عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام (5/75)، إنكاره على الذين اتخذوه وأمه إلهين (5/116)، لا تقولوا ثلاثة (4/171).
يقول مارشيل ان تكرار آية «لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم…» ليست ضد الصيغة المسيحية لعقيدة التثليث، فهي تفهم التثليث على أنه عبادة الروح القدس وعبادة عيسى، ابن مريم، وعبادة مريم. وهذه صيغة كما فهمها المسلمون آنذاك لا كما هو التثليث في المسيحية اليوم. لذلك يشير مارشيل بأن هذه الآيات القرآنية يجب ألا تؤخذ أنها معادية للمسيحيين ذلك أنها لا تهاجم عقيدة المسيحية الأرثوذكسية إنما تهاجم نوعاً من المسيحية المنحرفة، والمنقرضة اليوم.
ويؤكد القرآن الكريم أن الكتب المقدسة سابقة له ومبشرة به، ليس فقط في مادتها، لكن في طريقة إيحائها. لذلك كما نُزّل القرآن على محمد بالحق مصدقاً لما بين يديه فقد أنزل التوراة والانجيل (لا الأناجيل) من قبل هدى للناس (3:3). وقد علّم الله عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل (3/48)، وأمر الذين أوتوا الكتاب أن يؤمنوا بما نزّل الله مصدّقاً لما معهم (5/44-50)، وهذا الايمان بتعددية الكتب التي أوحى بها الله قد أقرّ حرية المعتقد، وإن الله لو شاء «لجعلنا أمة واحدة».
لا يذكر القرآن الكريم محتويات الإنجيل والتوراة، لكنه يشبّه المؤمنين «كزرع أخرج شطأه» ويقول إن هذه الصور وردت في التوراة والانجيل (48/29). ويعِد القرآن المؤمنين من الذين قاتلوا في سبيل الله بالجنة، ويؤكد أن هذا الوعد حقّ في التوراة والانجيل والقرآن (9/111). ويشير مارشيل الى أن القضية المطروحة في هذه الفترة هي الآتي: إذ يعترف القرآن الكريم بأسبقية كتب ابراهيم وموسى وداود وعيسى، فلماذا إذاً لا يعترف اليهود والمسيحيون، من الذين يقرأون الكتب، بنبوة محمد؟
لذلك هناك هجوم على الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب (2/174 و2/159)، ويُطلـــب من اليهود والنصارى إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل اليهم من ربهم (5/68،66)، ويُتّهم بعض أهل الكتاب «بتحريف الكلم» و«القول على الله الكذب» (4/46 و3/78) وأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب (4/51، 44) «ونسوا حظاً مما ذكّروا به» (5/13) ويخلص مارشيل الى نتيجة أن موضوع الكتب المقدســـة شكّل في تلك المرحلة، وباستمرار، عدم ارتياح.
من الوجهة الأخرى، يُنتقد المسيحيون في القرآن الكريم لآرائهم في عيسى ولتحريفهم الإنجيل ولعدم استجابتهم رسالته الحقيقية. ولأنهم «يظنون أنهم وحدهم داخلون الجنة»، ويدّعون أنهم «أبناء الله وأحباؤه» (5/18). وارتبط المسيحيون بالانقسامات في ما بينهم (5/14) وبالتخاصم بينهم وبين اليهود (2/113). ويعارضون الرسالة التي أتى بها محمد ويسعون إلى «إطفاء نور الله بأفواههم» (9/32). ويرى القرآن ان بعض عقائد المسيحيين وأعمالهم كفر وشرك (9/29-31 و5/72-3) وهذه مفردات عادة ترتبط بالوثنيين. ويرى القرآن الرهبانية «ابتدعوها وما كتبت عليهم» (57/27) وأن النصارى «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ارباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا» (9/31). «وأن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل… ويكنزون الذهب والفضة…» (9/35). ومن الناحية العملية على الذين آمنوا ﴿لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ﴾ (5/ 51). لكن، يقول مارشيل: هناك إعجاب بالنسك المسيحي (3/113- 15، 22/40، 5/82) وأن الذين اتبعوا عيسى ابن مريم في قلوبهم رأفة ورحمة. وصورة المسيحيين أكثر إشراقاً من صورة اليهود وأن الله «جاعلهم فوق الذين كفروا» (3/55).
كيف نفهم المادة التي تخص «النصارى» في القرآن الكريم، هذه المادة التي تصوّرهم سلبياً وإيجابياً جنباً إلى جنب؟
يقدم ديفيد مارشيل اقتراحات للإجابة من طرق متعددة وهي: أن نفترض وجود تيارات لاهوتية مسيحية متعددة في الجزيرة أسفرت عن ردود فعل متعددة من قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك نرى «النصارى» موضعاً للثناء حيناً وموضعاً للنقد أحياناً أخرى (الرأي لفضل الرحمان). لكن صعوبة إعادة تعريف هوية فرق «النصارى» الذين خوطبوا في القرآن، تبقي هذا الفهم على فرضيته (المقولة لمارشيل). ويرى واردونبرغ أن هناك تغيراً جذرياً في علاقة محمد صلى الله عليه وسلم بالمسيحية و«النصارى» في الفترة الأخيرة من المرحلة المدنية. لكن مارشيل يرى صعوبة في تحديد جميع الآيات الإيجابية على أنها من المرحلة المدنية المتأخرة ومع أن هناك نزوعاً عاماً، من القول الايجابي الى القول السلبي، فمن المستحسن ان نفكر بمواقف متغايرة تتشابك أو تتداخل الى حدٍ ما (التشديد لمارشيل).
لاحظنا أن المسيحيين يخاطبون في القرآن الكريم باستمرار باسم «النصارى» أو «أهل الكتاب». وعلمنا أننا في ضآلة المصادر الأدبية للإسلام المبكّر وضآلة المصادر الأدبية المسيحية في محيط الجزيرة، لا نستطيع أن نعرّف هوية «النصارى». لذلك قد يلتقي هؤلاء النصارى، في بعض معتقداتهم، مع مسيحيي اليوم وقد لا يلتقون. أما منهجية مارشيل فهي تتبع طريقين للفهم المعقول لبنية الآيات القرآنية: فهو يفصل الآيات المكية عن الآيات المدنية ويقدم لكل واحدة منهما تسلسلها الزمني في سياق الأحداث التي ارتبطت بحياة الرسول ودعوته. وثانياً يتلمس أجواء وقع الآيات الكريمة على الجمهور الذي يخاطبه الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تحدد هوية المتلقي كما رأينا في أجواء الروايات أو القصص القرآنية.
هناك ملاحظتان لا يصح تجاوزهما مع كل الإيجابية التي أتت بها دراسة مارشيل: أن مارشيل ككثير من العلماء المسيحيين والمسلمين لا يلتفت إلى المكانة المميزة التي خصصت لمريم عليها السلام مكانة لا نجدها خصصت لغيرها من النساء كأمهات المؤمنين أي نساء الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذه هي في القرآن الكريم «مصطفاة على نساء العالمين».
وأخيراً فقد أردنا من وراء هذا العرض، ذكر مثل على الاهتمامات الأكاديمية المعاصرة بالقرآن وبالإسلام، وهي اهتمامات، فضلاً عن تقدمها المنهجي والمعرفي، مفيدة في التواصل بين الأديان والثقافات.
حسن عبود
قرن المنازل
من معالم الحج والزيارة
قرن ـ بفتح القاف وسكون الراء ـ، وضبطه الجوهري في (الصحاح) بفتح القاف والراء معاً، وغلطه الفيروزآبادي في (القاموس) في تحكريه الراء، قال ابن حجر في (فتح الباري): «وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء، وغلطوه، وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض تعليق القابسي: أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قاله بالفتح أراد الطريق».
ولأن كلمة (قرن) تطلق في بعض معانيها ـ على (الجبل الصغير المنفرد) كانت تطلق على جبل صغير منفرد في موضع الميقات المعروف بـ(قرن المنازل)، وبه سميت القرية التي هو فيها وكذلك سمي الوادي الذي هو فيه، من باب تسمية الكل باسم الجزء، فقيل لكل واحد منهما قرن المنازل.
ومن هنا قال الفيروزآبادي في (القاموس): «وهي قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله».
ولعل إضافة (قرن) إلى (المنازل) لأنه القرن الوحيد الواقع في مراحل ومنازل طريق الطائف إلى مكة المار بنخلة اليمانية.
وكثيراً ما تختصر العبارة فيقال (قرن) من غير إضافة، وبخاصة في كتب البلدان كما في أمثال (المناسك) للحربي، و(صفة جزيرة العرب) للهمداني وغيرهما، وربما كان هذا لشهرته أو لأنه لا يوجد قرن ـ بالمعنى الذي ذكرناه ـ في مراحل ومنازل الطريق المذكور غيره.
ويقع قرن المنازل مرحلة أو منزلاً من منازل طريق الحاج من الطائف على نخلة اليمانية، قال الحربي في (المناسك): «طريق الطائف: تخرج من عرفة على جبل يقال له (كَرَا) يظهر على حرّة كثيرة المنابت يقال لها (الهَدَة) ومن الهَدَة إلى الطائف.
وله طريق أخرى على موضع يقال له (زَيْمَة) ينفرد من (مُشاش) ثم (قرن المنازل)، وهو الموضع الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل نجد حين قال: «ويهلّ أهل نجد من قرن»، ثم من قرن المنازل إلى الطائف .. وهذه الطريق ثلاثة أيام، والطريق الأول يومان».
والطريق القديمة التي كانت تمر بقرن المنازل هي:
1 ـ طريق الطائف:
يمرّ بالمليح (ويسمى الآن السيل الصغير) فقرن المنازل (ويسمى الآن السيل الكبير) فالبوباة (وتسمى الآن البهيتاء) فوادي نخلة اليمانية، فقرية الزيمة فوادي سبوحة فوادي يَدَان (جَدَعان) فالشرائع (حنين) فالجعرانة فمكة المكرمة.
ويعرف هذا الطريق بطريق نخلة اليمانية.
أما الآن فقد اختصر هذا الطريق وكالتالي: الطائف ـ الحوية ـ السيل الصغير ـ السيل الكبير (قرن المنازل) ـ الزيمة ـ الشرائع ـ الجعرانة ـ مكة.
2 ـ طريق اليمن:
وطرق اليمن التي تمرّ على قرن المنازل هي:
أ ـ طريق صنعاء ـ صعدة:
يمر ببيشة فوادي تُرَبَة فقرن المنازل (السيل الكبير).
ب ـ طريق حضرموت ـ نجران:
يلتقي مع الطريق السابق بقرن تثليث، فوادي تُرَبَة، فقرن المنازل (السيل الكبير).
3 ـ طريق اليمامة (نجد):
أ ـ طريق جنوبي اليمامة:
يمر بوادي الدواسر، فالافلاج، ثم يجتمع مع طريق اليمامة بقرن المنازل (السيل الكبير).
ب ـ طريق وسط اليمامة:
يمر بالُمويه فعُشيرة، ثم يلتقي مع طريق الطائف ماراً بالحوية، فالسيل الصغير، فالسيل الكبير (قرن المنازل).
والطريقان الرئيسان اللذان ينطلقان من الطائف والرياض (نجد) ويمران بقرن المنازل ـ في أيامنا هذه ـ هما:
الطائف
الحوية ـ السيل الصغير ـ السيل الكبير (قرن المنازل).
الرياض
وقرن المنازل ـ الآن ـ هو قرية صغيرة تعرف باسم (السيل) و (السيل الكبير) تمييزاً لها من قرية (السيل الصغير) التي تقع قبلها للقادم من الطائف أو الرياض.
فيها مسجدان قديمان، ومسجد ثالث حديث أنشأته الحكومة السعودية للإحرام منه.
وتبعد عن مكة بحوالى ثمانين كيلومتراً على طريق الرياض ـ مكة، المتّجه إلى الطائف بمنعطف على اليمين عند الحوية ماراً بالسيل الصغير فقرية السيل الكبير.
ويمتد وادي السيل أو القرن إلى حدود وادي الغديرين قريباً من مرتفع الهَدَا، حيث يقع (وادي محرم) الذي هو منتهى قرن المنازل على رأي البعض، أو محاذ لقرن المنازل كما هو المشهور.
ومن المفيد أن أشير ـ هنا ـ إلى مفارقة خلط بين قرن المنازل الميقات الأصلي ومحاذيه وادي محرم، بسبب خطأ لغوي وقع فيه المطرزي وتابعه عليه جملة من الفقهاء، وخلاصتها هي:
إنّ كلمة (قرن) في لغتنا العربية هي من المشترك اللفظي الذي يستعمل في أكثر من معنى.
وقاربت معاني كلمة (قرن) في معجماتنا اللغوية الثلاثين معنى أو جاوزتها.
ومن معانيها التي ذكرت أنها اسم لعدة مواضع، بعضها في منطقة الحج، وبعضها خارجها. والمفارقة وقعت في الخلط والاشتباه عند تحديد المواضع الواقعة في منطقة الحج.
فلنتعرف المواضع التي هي في منطقة الحج حسبما ذكرت في المعاجم العربية، ثم نوضح المفارقة بعد ذلك من خلال درسنا لعبائر اللغويين في معاجمهم.
والمواضع التي في منطقة الحج هي:
1 ـ جبل مطل أو مشرف على عرفات.
2 ـ قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله.
3 ـ القرن الثعالب.
وإذا حاولنا أن نعين ونحدد موقع الموضع الأول الذي هو الجبل المطل أو المشرف على عرفات، علينا أن نتعرف أولا معنى (مطل) أو (مشرف)، فإنهم يقولون (أشرف على المكان): اطّلع عليه من فوق، وكذلك (أطل على المكان) بمعنى أشرف أي اطلع عليه من فوق، فـ (مطل) و (مشرف) إذا عُدّيا بحرف الجر (على) يترادفان على معنى واحد، وهو الاطلاع على الشيء أو المكان من فوق، أو قل: رؤيتهما من على مرتفع.
ومعنى هذا أن من يصعد الجبل المذكور يطل على عرفات ويراه، وهذا يعني أن الجبل المذكور إما هو واقع في جانب من جوانب عرفات، أو في مكان قريب منها يساعد على رؤيتها من فوقه.
وهناك حديث يُحدِّد فيه موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الموقف في عرفة يستفاد منه أن الجبل المشرف على عرفات هو (جبل الرحمة) في عرفات فإنه قرن (أي جبل صغير منفرد)، وأسود اللون كما وصف في الحديث، فقد جاء في (التاج) للزبيدي: «… (و) قرن (جبل مطل على عرفات) عن الأصمعي، وقال ابن الأثير: هو جبل صغير، وبه فسر الحديث: أنه وقف على طرف القرن الأسود».
وقال البلادي في (معجم معالم الحجاز): «قوله ـ يعني الأصمعي ـ (ومقصُ قرنٍ مطل على عرفات): «ذلك ما يعرف اليوم باسم القرين، وجبل الرحمة وجبل عرفات، وذكر قديماً باسم إلال، وليس هو قرن المنازل ميقات أهل اليمن».
أما القرية عند الطائف أو الوادي فقد جاءت معنى لمعاني قرن في قائمة (القاموس المحيط)، قال مؤلفه ـ وهو يعدد معاني الكلمة ـ ما نصه: «وجبل مطل على عرفات، والحجر الأملس النقي، وميقات أهل نجد، وهي قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله».
وعيّن الزبيدي المعنى الأخير ـ وهو يشرح قول صاحب القاموس ـ بقرن المنازل، قال: »… (و) قرن المنازل (ميقات) أهل نجد، وهي قرية عند الطائف. وبالنسبة إلى قرن الثعالب فقد ذكر أنه اسم لموضعين، هما:
ـ قرن المنازل.
أي أنه اسم ثان لما يعرف بقرن المنازل، قال ابن الأثير في (النهاية): «وفي حديث المواقيت: أنه وقّت لأهل نجد قَرْناً، وفي رواية: قرن المنازل، هو اسم موضع يحرم منه أهل نجد، وكثير ممن لا يعرف يفتح راءه، وإنما هو بالسكون، ويسمى أيضاً قرن الثعالب».
وقال الطريحي في (المجمع): «والقرن: موضع، وهو ميقات أهل نجد، ويسمى أيضاً قرن المنازل وقرن الثعالب».
ـ والموضع الثاني المسمى بقرن الثعالب: جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين مسجدها (مسجد الخيف) ألف وخمسمائة ذراع.
ممن ذكر هذا الفاضل الهندي في (كشف اللثام) كما حكاه عنه النجفي في (الجواهر) والحكيم في (المستمسك).
وقال البلادي في (المعجم): «وقرن الثعالب كان بمنى، أكيمة صغيرة، ثم أزيلت».
وبعد أن تعرفنا واستوضحنا تعيين وتحديد المواضع المذكورة ننتقل إلى نقل بعض عبائر المعجميين التي ترتبط بالاشتباه الذي أشرت إليه، وكالتالي:
قال الجوهري (ت393هـ) في (الصحاح): «والقرن: موضع وهو ميقات أهل نجدآ».
وقال ابن الأثير (ت606هـ) في (النهاية): «وفي حديث المواقيت: أنه وقّت لأهل نجد قرناً، وفي رواية: قرن المنازل، هو اسم موضع يحرم منه أهل نجدآ».
وهذان التعريفان ـ كما تراهما ـ ليس فيهما تعيين وتحديد للموضع.
ثم قال المطرزي (ت616هـ) ـ وهو معاصر لابن الأثير ـ في (المُغرَّب): «والقرن: ميقات أهل نجد، جبل مشرف على عرفات، قال:
لم تسأل الربع أن ينطقا
قرن المنازل قد أخلقا
وفي (الصحاح) بالتحريك، وفيه نظر».
وعبارته المذكورة واضحة في أنه يعيّن قرن المنازل بالجبل المشرف على عرفات.
ثم يأتي من بعده الفيومي (ت770هـ) فيقول في (المصباح): «وقرن ـ بالسكون أيضاً ـ ميقات أهل نجد وهو جبل مشرف على عرفات، ويقال: قرن المنازل وقرن الثعالب».
وعبارته ـ هي الأخرى ـ واضحة في تعيين قرن المنازل بالجبل المشرف على عرفات.
وبعد الشيخين المطرزي والفيومي يأتي الفيروزآبادي (ت816هـ)، فيذكر في (القاموس) ـ وهو في معرض تعداد معاني كلمة قرن ـ المعاني الثلاثة التالية حيث يقول: «وجبل مطل على عرفات، والحجر الأملس النقي، وميقات أهل نجد وهي قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله».
وعبارته واضحة في أن الجبل المطل على عرفات غير ميقات أهل نجد، وذلك بقرينة العطف والفصل بينهما بالمعنى الآخر وهو (الحجر الأملس النقي).
كما أنها واضحة في أن الميقات قرية أو واد وليس جبلاً.
وهنا نقول: إن المفارقة جاءت من سقوط الواو العاطفة من عبارة المطرزي، فبدل أن يقول (والقرن ميقات أهل نجد جبل مشرف على عرفات) كان ينبغي أن يقول: (والقرن ميقات أهل نجد وجبل مشرف على عرفات) بإضافة أداة العطف.
وقد يرجع هذا إلى خطإ النسخ، أو خطأ في الطبع أو إلى سهو من المطرزي لأنه لم يكن من اللغويين المحققين.
ويبدو أن الفيومي في (المصباح) أراد أن يصحح عبارة المطرزي في المغرب المذكورة في أعلاه استظهاراً منه بأن الذي أراد ذكره المطرزي هو معنى واحد لا معنيان، فقال: القرن: ميقات أهل نجد وهو جبل مشرف على عرفات فأوهم بإضافته عبارة (وهو) على نصّ المطرزي أن عبارة (جبل مشرف على عرفات) وصف لميقات أهل نجد فأوقع في هذا الوهم بعض من رجع إليهما من مؤلفي وشراح المناسك، أمثال: حسين بن محمد سعيد بن عبد الغني المكي الحنفي في حاشيته الموسومة بـ (إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي القاري) فقد جاء في الصفحة 55 منها ما نصّه: «قوله: وهي قرية عند الطائف: قال في المغرب: وقرن: ميقات أهل نجد جبل مشرف على عرفات اهـ. ومثله في المصباح. وفي شرح المصابيح: قرن: جبل أملس كأنه بيضة في تدوره وهو مطل على عرفات، وعليه جرى في (البحر الرائق)، فقال: هو جبل مطل على عرفة. ومثله في شرح الشيخ عبدالله العفيف والشيخ عبد الرحمن المرشدي في شرح مناسك الكنز، وشرح ابنه، وشرح الشيخ حنيف الدين المرشدي».
ونقرأ مثل هذا في (الرياض) للسيد الطباطبائي، ففيه: «يقال له قرن الثعالب، وقرن بلا إضافة، وهو جبل مشرف على عرفات على مرحلتين من مكة»، وفي (كشف اللثام) للفاضل الهندي، ففي (الجواهر): «وفي كشف اللثام: فإنه جبل مشرف على عرفات، على مرحلتين من مكة»، وفي (المناهج) للمامقاني، قال: «قرن المنازل: وهو جبل مشرف على عرفات، على مرحلتين من مكة، وهو ميقات أهل الطائف»، وفي (الموجز) لأستاذنا الشهيد الصدر، قال: «الثالث: قرن المنازل، ويقع في جبل مشرف على عرفات».
ويبدو أن تعريف الميقات بالجبل المشرف على عرفات، أوقع البعض في الحيرة حيث لا يوجد قريب من عرفات جبل يصدق عليه معنى الإشراف والإطلال، ففسر هذا بـ (جبل كَرَا).
قال القاضي عيد في شرح المناسك: «وهذا الجبل يسمى عند أهل مكة، وأهل تلك النواحي (كَرَا) بفتح الكاف والراء المهملة، ويوافق ما ذكره الشارح ـ رحمه الله ـ ما في القاموس حيث قال في تعداده معنى (قرن): جبل مطل على عرفة والحجر الأملس النقي ميقات أهل نجد وهو قرية عند الطائف واسم الوادي كله اهـ ..
وعبارة الشيخ القطبي في منسكه: وهو جبل فيه بعض القرى بقرب الطائف وبه مزارع وبساتين ويجلب منها الفواكه إلى مكة اهـ ..
أقول: واسم القرية المذكورة (الهدا) اهـ ..
ويلاحظ عليه:
1 ـ أنه توهم من عبارتي المطرزي والفيومي أن قولهما (جبل مشرف على عرفات) صفة للميقات، ثم أراد أن يوفق بين عبارتهما المذكورة وعبارة الفيروزآبادي ليتم له بأن الميقات هو الجبل المشرف أو المطل على عرفات، وذلك لأن الواو لو ذكرت لوقفت عائقاً أمام تمامية الاستدلال، ولأن الواو أيضاً تفيد بأن الميقات معنى آخر من معاني كلمة (قرن) .. وفاته أن كلمة (ميقات) في عبارة القاموس مسبوقة بمعنيين لكلمة (قرن) هما: الجبل المطلّ على عرفات والحجر الأملس، وهذا يعني أن كلمة (ميقات) لو أخذت مرتبطة بما قبلها تفيد أن الميقات هو الحجر الأملس لا الجبل المشرف، فلا يتم له بها الاحتجاج.
وكان عليه أن يتنبه لما في عبارتي المطرزي والفيومي من خطإ ويصححهما بما ورد في النهاية والقاموس والتاج وغيرها من المعاجم الأخرى.
2 ـ أن القرية (الهدا) الواقعة على جبل (كرا) لم يقل أحد بجواز الإحرام من أي موضع منها، بل أوجبوا الإحرام من الموضع المعروف بـ (وادي مَحْرَم) ـ وهو في طرفها مما يلي الطائف ـ وذلك إما لأن وادي محرم نهاية قرن المنازل أو لأنه محاذ لقرن المنازل، بينما جوزوا الإحرام في قرية السيل من أي موضع فيها.
3 ـ أن جبل كرا بينه وبين وادي عرفات: وادي كرا الكبير ووادي نعمان فلا يصدق عليه أنه مطل أو مشرف على عرفات، وهو في واقعه، وكما يشاهده الرائي يطلّ على وادي كرا الكبير الذي يتصل بعد مسافة طويلة تعد بعشرات الكيلومترات بوادي نعمان المتصل بوادي عرفات.
4 ـ أن الذي يفهم وبوضوح من عبارة أرباب المعاجم (القرن: جبل مطل أو مشرف على عرفات) هو أن الجبل المطل أو المشرف على عرفات اسمه (قرن)، وهو من دون إضافة إلى (المنازل) أو (الثعالب) أو غيرهما، فتفسيره بقرن المنازل يحتاج إلى دليل، مضافاً إلى ما بيناه من أنه هو جبل الرحمة.
وأخيراً: ينبغي أن نشير هنا أيضاً إلى شيئين هما:
1 ـ أن قرن المنازل قد يسمى قرن الثعالب، كما نصّ على هذا غير واحد من المعاجم.
2 ـ أن هناك موضعاً آخر يقع أسفل منى بالقرب من مسجد الخيف يسمى بقرن الثعالب أيضاً.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
- () يقول حسن الأمين: في تلك الأيام كنت طالباً في كلية الحقوق بدمشق فهزتني أنباء وادي الحوارث، فكانت لي قصيدة منها:وادي الحوارث لا عداك سلام
هذي الدموع على ثراك سجام
نبكي العرين المستباح تشردت
عنه الأسود وريعت الأرام
وادي الحوارث والرزايا جمة
ببني العروبة والخطوب جسام
نستاف عرفك والعيون دوامع
ونشم تربك والقلوب ضرام
في كل قطر رنة موصولة
ومناحة للعرب فيك تقام
في ذمة التاريخ يومك إنه
يوم يذل له ويحنى الهام
***
يا نازلاً بالواد أين عن الحمى
تلك السيوف البيض والأعلام
أين العراب الجرد في حلباته
أين الأغاني ثم والأنعام
أين الجفان الغر أين ضيوفه
قل لي وأين السيد المطعام
لهفي له لا الخيل تردي حوله
مرحاً ولا العرب الكرام قيام
خف القطين فلا القباب كعهدهم
فيه ولا تلك الخيام خيام
نار القرى بعد الرحيل خبت فما
يرجى لها بين البيوت ضرام
***
عوجوا على الوادي فبين طلوله
ذكرى تجددها لنا الأعوام
عوجوا على الوادي نسائل رسمه
أين الكرام النازحون أقاموا
أين الخؤولة خيموا من بعده
أم أي شعب ينزل الأعمام
لهفي عليهم حائرين تسوقهم
تلك العلوج كأنهم أنعام
صبروا على طول الأذى وتحملوا
ما ليس تحمل مثله الأقوام
لهفي على الأظعان أين مضت بها
هذي الفجاج وتلكم الآكام
يا للحفائظ يستباح حماكم
ظلماً ولم يهززكم إقدام
يا نائمين على الهوان تيقظوا
إن المنام على الهوان حرام
***
قل لليهود الشامتين رويدكم
عما قليل تنجلي الأحلام
يوم الحوارث سوف ندرك ثأثره
منكم وإن طالت به الأيام
↑ - () في تلك الفترة أذاع السيد محسن الأمين (والد المؤلف) نداء موجهاً إلى العالمين الإسلامي والعربي نشرته الصحف العربية بعنوان: (نداء المجتهد الأكبر) وهذا نصه:لقد روعت فلسطين ـ شطر الشام الجنوبي ـ بأشد ما روع به قطر، واستقبل العرب فيها أعظم ما يستقبله شعب، وصابروا فيها أقوى ما يصابر الأبطال ويغالب الفحول. ففي كل يوم نضال واقتتال ودم بريء يهدر وحق مهضوم يستصرخ وفواجع في الأنفس والأموال والثمرات، وصراع قائم بين حق وباطل، ومن خلف الباطل دولة من أقوى الدول عديداً وعدة. أما الحق في هذا الصراع فهو أعزل إلا من قوة الإيمان، مخذول إلا من نصرة العقيدة
إن هذه البقعة من الأرض التي تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين، والتي خرج منها عيسى وأطلت منها دعوته، هي اليوم موطئ لطوائف من أخلاط الشعوب يمدون الأيدي لاستلاب الإرث القومي التليد وانتزاع مخلفات الجدود. ولئن هوجمت هذه البقعة المقدسة هذا الهجوم الجائر، فقديماً ما ثبتت على الكوارث ومحن الحياة وقاومت بشمم وإباء غارات الطامعين، وناضلت بأنف وحفاظ جيوش الفاتحين. ولم تكن تلك الغارات التي أذكاها الغرب وشنتها أوروبا يوم ذاك لتوهن صخرة الجهاد فيها وتفل عزائم الذائدين عن الديار والمحامين عن الحقائق. وما تبرح ذكرى حماتها المغاوير وأبطالها المذاويد ماثلة في كل ناحية تحفز الخلف لتقفي السلف في الجهاد والذياد، وليس الأبناء اليوم بأقل عزيمة، وألين شكيمة من الأجداد بالأمس. وكما خرجت فلسطين من تلك الغمرات هازمة ظافرة وظلت عربية صريحة فكذلك يحقق حماتها اليوم الظفر لها والهزيمة لأعدائها، وستخرج ظافرة هازمة وتظل عربية صريحة.
أيها العرب أيها المسلمون:
إن لكم في فلسطين تراثاً، وإن لكم في كل غور ونجد وحزن وسهل منا دماً عجن به ترابها، وأن أربعة عشر قرناً زاخراً بالمفاخر والمآثر تحدق بكم اليوم، وأمجاداً من عليا معد ونزار ترفرف أرواحها في آفاقكم تستفز عزائمكم وتستصرخ نجدتكم.
إن إخوانكم في فلسطين قد أقض مضاجعهم ما هم فيه من محنة وبلاء، وأسهر عيونهم وبرح أجسامهم ما يلاقونه من كيد الخصوم، ففي كل ناحية دم وقتل، وهدم وتدمير وخوف وذعر. وفي كل مكان جرحى وقتلى وثكالى ومفجوعين. وإن بني أبيكم ليقدمون إقدام الآتي ويندفعون دفاع المستميت وقد وقفوا على برزخ بين الجلاء والفناء، والحياة والبقاء، يتطلعون إليكم تطلع الغريق في لجج التيار، فلا تضنوا عليهم ببذل التافه الحقير وقد بذلوا الجليل العظيم، ولا تبخلوا عليهم بالقليل وقد بذلوا الكثير من المال والأرواح والبنين. فوالله لا يستسيغ الغمض من بات وأخوه مفترش القتاد، ولا تطيب الحياة لحر يضام أهلوه وذووه. وأي لذة للعيش تحلو والبلاء محيق والقلق مساور. واي سعة تطيب إذا شكى الضيم قريب حميم. ↑
- () إبراهام ليون (المسألة اليهودية). ↑
- () عز الدين الحافظ وآخرون، القضية الفلسطينية، الخرطوم، مكتب النشر، ط1، 1968، ص 31. ↑
- () المصدر نفسه، ص 37. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () يراجع: أوجين بتلر في بحثه عن اليهود، ص 48، وأيضاً روجيه غارودي في كتابه ملف إسرائيل، ص 42، 43، 58. ↑
- () عز الدين، القضية الفلسطينية، مصدر سابق، ص 38، وأيضاً: تاريخ الحركة الصهيونية الحديثة (1897 ـ 1917)، ص 23 ، 24. ↑
- () يراجع: دراسات أنثروبولوجية: د. أحمد الخشاب، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 1959م، ص 47. ↑
- () سورة النمل، الآيات: 42 ـ 44. ↑
- () عز الدين، القضية الفلسطينية، مصدر سابق، ص 39. ↑
- () أستاذ علم الأجناس في جامعة جنيف. ↑
- () عز الدين، القضية الفلسطينية، مصدر سابق، ص 40. ↑
- () زعيم يهودي ووزوير بريطاني سابق، أصبح فيما بعد لورد مشلت. ↑
- () دكتور سلومون شختر (1847 ـ 1915م). ↑
- () دكتور علي محمد جريشة، ومحمد شريف الزيبق، أساليب الغزو الفكري على العالم الإسلامي، دار الاعتصام، ط1، 1976م، ص 149. ↑
- () د. أحمد عطية، القاموس السياسي، ص 917. ↑
- () تاريخ حملة نابليون الشهير على الشرق الأوسط. ↑
- () عز الدين، القضية الفلسطينية، مصدر سابق، ص 58. ↑
- () المصدر نفسه، ص 66، وأيضاً: د. محمد الحزون، مجلة البيان، العدد 87، ذو القعدة، 1415هـ ـ أبريل 1995م، ص 80. ↑
- () القيصر الروسي الإسكندر الثاني. ↑
- () الموسوعة السياسية، بإشراف عبد الوهاب الكيالي، ص 659. ↑
- () المسيري، عبد الوهاب، الإيديولوجية الصهيونية، ص 207. ↑
- () الحزون، مجلة البيان، مصدر سابق، ص 80. ↑
- () غارودي، روجيه، ملف إسرائيل.. دراسة الصهيونية السياسية، ص 80، وأيضاً: عز الدين، مصدر سابق، ص 68. ↑
- () الموسوعة السياسية، مصدر سابق، ص 660. ↑
- () عز الدين، القضية الفلسطينية، مصدر سابق، ص 70. ↑
- () المسيري، الإيديولوجية الصهيونية، مصدر سابق، ص 198 ـ 199. ↑
- () الموسوعة السياسية، مصدر سابق، ص 663. ↑
- () المسيري، الإيديولوجية الصهيونية، مصدر سابق، ص 201 ـ 202. ↑
- () الموسوعة السياسية، مصدر سابق، ص 665. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ص 663. ↑
- () المسيري، الإيديولوجية الصهيونية، مصدر سابق، ص 203 ـ 204. ↑
- () الحزون، مجلة البيان، مصدر سابق، ص 80 ـ 82. ↑
- () David Ben-Gurion: Rebirth and Destiny of Israel p. 195. ↑
- () أحد الطرق العسكرية الصهيونية. ↑
- () يوميات ثيودور هرتزل، ص 113. ↑
- () الحزون، مجلة البيان، مصدر سابق، ص 80 ـ 81. ↑
- () زعيم يهودي صهيوني. ↑
- () التونسي، محمد خليفة، الخطر الصهيوني، لبنان، دار الكتاب العربي، ط4، ص 169. ↑
- () المصدر نفسه، ص 118. ↑
- () المصدر نفسه، ص 141. ↑
- () سورة البقرة، الآيات 6 ـ 7. ↑
- () المقياس من تفسير ابن عباس، ص 23 ـ 24. ↑
- () سورة المائدة، الآيات 78 ـ 80. ↑
- () أنظر: الميداني، عبد الرحمن حبنكة، مكايد عبودية عبر التاريخ، ص 13 ـ 20. ومحمد عزة دروزة: اليهود في القرآن الكريم، ص 131 ـ 132. ↑
- () يراجع: البياتي، جعفر، من ملامح الشخصية الصهيونية، التوحيد، ع 82، ص 64 ـ 70. ↑
- () عن التقرير الذي رفعه اللواء إسماعيل صفوت رئيس اللجنة العسكرية إلى رئيس لجنة فلسطين التابعة للجامعة العربية. وقد قسمت اللجنة العسكرية فلسطين إلى ثلاث مناطق: الجبهة الشمالية، بقيادة أديب الشيشكلي، وكانت تشتمل على الجليل، الجبهة الوسطى بقيادة فوزي القاوقجي، واشتملت على بقية البلد باستثناء النقب الذي كان نظرياً تابعاً للقيادة المصرية، منطقة القدس التي كانت تابعة لقيادة عبد القادر الحسيني.** استخدم كاتبو المقالات:”هاجانا” او “هاجاناه” والمقصود واحد ↑
- () قرب دمشق. ↑
- () بلدة في جنوب غرب سوريا. ↑
- () قرية شمال شرقي نابلس. ↑
- () كان القطمون حياً سكنياً فلسطينياً في القدس الغربية. ↑
- () كانت هاتان القريتان أولى القرى الفلسطينية التي سقطت في سياق عملية نَحْشون، العملية الأولى في خطة دالِتْ. وجرى توقيت احتلالهما مع احتلال القسطل والقرى العربية الأخرى الواقعة على الطريق الرئيسي بين يافا والقدس في الجزء ما بين باب الواد والقدس. ↑
- () مجلة الدراسات الفلسطينية. ↑
- () مجلة الدراسات الفلسطينية. ↑
- () راجع ترجمته في موسوعة (أعيان الشيعة). ↑
- () يقول حسن الأمين:يؤيد هذا القول ما ذكره فاضل الجمالي أثناء محاكمته في محكمة المهداوي بعد حركة 14 موز 1958 م وزوال الحكم الملكي.
قال الجمالي:
«إن مستر بيفن وزير خارجية بريطانية جاءني بعد توقيع معاهدة بورتسموث زائراً إياي في الفندق فاستدعيت نوري السعيد وتباحثنا في موضوع فلسطين. وكان مستر بيفن صديق العرب حقاً ولم يرتح لتقسيم فلسطين وتأسيس إسرائيل، ولذلك وصفه أحد الصهاينة بأنه هتلر الثاني. تم الاتفاق بيننا وبين المستر بيفن على أن يسلح 50 ألف فلسطيني بسلاح يرسل للشرطة العراقية. ويسلح الجيش العراقي بأعتدة حديثة ويرسل لفلسطين فتستلم هذه القوة كل منطقة فلسطينية تخليها الجيوش البريطانية حتى يستلم العرب كل فلسطين ولا تؤسس دولة يهودية. وهذا ما تم عليه الاتفاق والتفاهم مع مستر بيفن « (انتهى قول الجمالي المنقول عن الصفحة 1093 من الجزء الثالث من محاضر جلسات ما سمي بالمحكمة العسكرية العليا الخاصة).
ولكن ما جرى في بغداد مما أدى إلى إلغاء المعاهدة أبطل ما كان يمكن أن يترتب عليها من نتائج في شأن فلسطين. ↑
- () جريدة النهار، العدد 12524. ↑
- () كان يومذاك مدير شركة أيونا للأسماك. ↑
- () «ترك عبد الناصر شعبه بعد ثمانية عشر عاماً من قيادته كما تسلمه من فاروق: نسبة الأميين فيه 75 في المئة ومتوسط الدخل القومي فيه نحو 50 جنيهاً سنوياً للفرد الواحد، ومتوسط الأمراض فيه نحو ثلاثة أمراض للفرد الواحد» ـ (لويس عوض، «أقنعة الناصرية السبعة»، ص 169 ـ 170). ↑
- () كان الفريق محمد فوزي قد عاد إلى مصر من سوريا مؤكداً ـ بناء على كلام السوريين ـ بأن لا حشود إسرائيلية. وقد علق أمين هويدي في حديث صحفي له على الوضع كله بما يلي:كان من الواجب على القادة العسكريين لمجرد أن وصلت إليهم المعلومات أن يتأكدوا منها بوسائلهم الخاصة، بواسطة المخابرات العامة أو المخابرات الحربية أو الاستطلاعات الجوية أو بأي وسيلة أخرى. كان على القادة أن يؤكدوا أو ينفوا وجودها. وعن الفريق محمد فوزي يقول:
لماذا لم يقم بواجبه ويتأكد بنفسه من وجود أو عدم وجود هذه الحشود. ↑
- () في كتابه (حربنا مع إسرائيل). ↑
- () هو القائد المصري عبد المنعم رياض الذي انتدب لقيادة الجيش الأردني. ↑
- () يقول محمود رياض الذي كان من بين من تولوا الأمانة العامة للجامعة العربية ـ يقول عن نتائج حرب 1967 نفس ما قلناه فيما تقدم: ضاع الأمل بتحرير فلسطين وركزت إسرائيل دعائم دولتها القائمة على الظلم والإرهاب وضاعت حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم على رغم ما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 242، وغيره من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأم المتحدة.فقد تحولت المطالبة العربية بأرض فلسطين إلى مطلب «إزالة آثار العدوان» أي تحرير سيناء والجولان والضفة والقطاع وما سمي بالعودة إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967. ↑
- () قال عرفان نظام الدين لا شك أن نصر السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973 أو «العاشر من رمضان» هو نقطة الضوء الخالدة النادرة، إن لم تكن الوحيدة في ظلام الواقع العربي منذ نصف قرن وأكثر، أي منذ بداية نكبة فلسطين عام 1948.فقد أعاد للعرب ثقتهم بنفسهم، واسترجع الجندي العربي كرامته وشرفه المهدور وقدرته على الدفاع عن تراب الوطن الغالي وتحرير أرضه المحتلة وحطم أسطورة التفوق الإسرائيلي وكشف حقيقة مزاعم أعاجيب الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر!
وقد جاء هذا النصر بعد سنوات من الذل والعار والألم والحزن أثر الزلزال الذي ضرب ضمير الأمة وأهان كرامتها بسبب هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967 التي أسموها تارة نكسة وتارة أخرى… وكسة. ↑
- () جاء ميلاد الحركة الصهيونية بهدف إقامة إطار ديني ـ قومي لإخراج اليهود من حال العزلة الاجتماعية التي كانوا يعيشونها في أوروبا، وتخليصهم من عقلية «الغيتو» (Ghetto) التي سيطرت عليهم لقرون. وقد رأى دعاة الصهيونية في حينه أن حل تلك المشكلة لن يتحقق إلا بإقامة دولة يهودية خالصة يعيش فيها اليهود من دون غيرهم. لذلك جاءت الصهيونية كفلسفة اجتماعية ـ سياسية لتجميع اليهود، وكأداة لتحقيق مطامعهم، وكجهاز إعلامي وقيادة سياسية للدفاع عنهم والتحدث باسمهم والتفاوض نيابة عنهم مع الغير لتحقيق الهدف المنشود. وفي الواقع أصبح الولاء اليهودي لإسرائيل، خصوصاً بعد حرب عام 1967، يحظى بالدرجة الأولى، والدعم لها أهم واجبات اليهود حيثما وجد.لذلك كان التوجه اليهودي نحو فلسطين ومنذ بدايته غزواً استعمارياً استيطانياً استهدف اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من أرضه ووطنه وإقامة دولة يهودية على أنقاضه. وعلى رغم كل المجازر التي ارتكبها يهود إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب عربية مجاورة، فإن دعم يهود العالم ليهود فلسطين لم يتراجع، بل تزايد باضطراد، وإن دفاعهم عن الجرائم اليهودية في فلسطين تعاظم مع تكاثر تلك الجرائم عدداً وبشاعة، وباستثناء عدد صغير جداً من يهود العالم، بمن فيهم بعض يهود فلسطين، فإن الغالبية أصبحت تؤمن بأن اليهودية ترى العرب مخلوقات لا تتمتع بصفات الإنسان الكامل ولا تستحق ما له من حقوق. وليس أدل على ذلك من تصريحات بعض قادة اليهود السياسيين في إسرائيل التي تصف العرب بالحشرات، وفتاوى الحاخامات العنصرية التي تحلل قتلهم وتدعو إلى التخلص منهم، وتصرفات المستوطنين الإجرامية التي تشجعها الدولة اليهودية وتدعمها وتحميها.
تفرض هذه الحقائق علينا أن نرى الصراع على الأرض العربية مع اليهود كما يجب أن يُرى، وأن نضعه في إطاره السياسي والتاريخي الصحيح باعتباره صراعاً قومياً ودينياً في آن واحد بين اليهود وكيانهم الإسرائيلي من ناحية، وبين العرب والمسلمين من ناحية أخرى. إذ لا يجوز أبداً استمرار يهود العالم بدعم سياسات الاستيطان والتوسع والعنف والعقاب الجماعي الذي تمارسه دولتهم باسمهم ونيابة عنهم، بينما يلتزم الإعلام العربي تبرئة يهود العالم خارج فلسطين من جرائم كيانهم ولسان حالهم داخلها.
لقد استخدم اليهود، في داخل إسرائيل وخارجها، سياسيون وإعلاميون ومثقفون على السواء، ألفاظاً تصف الإسلام بأنه «ثقافة تقوم على القتل»، وتصف المسلمين والعرب بأنهم «برابرة»، وتجعل الإرهاب وجهاً من أوجه الإسلام. وفي المقابل، ومن أجل المعاملة بالمثل، وجب على الساسة والإعلاميين والمثقفين العرب والمسلمين استخدام تعبير الإسرائيلي اليهودي عند الحديث عن أي عمل إنساني وإجرامي ترتكبه القوات والقيادات اليهودية. ↑
- () هو الجزء الوحيد الباقي على وجه الدهر من الكتاب النفيس الذي تعاور تأليفه أفراد أسرة واحدة نحو مائة وخمس عشر سنة والنص من الصفحة (14). ↑
- () هو العباس كما مر. ↑
- () فاطمة بنت الحسين دفنت في المدينة. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ج1، ص 22. ↑
- () الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، ج1، ص 67. ↑
- () كتاب الولاة وكتاب القضاة، ص 291. ↑
- () كتاب الولاة وكتالب القضاة، ص 29. ↑
- () النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج7، ص 194. ↑
- (*) كلمة فلسفة Philosophie يونانية. أول من وضعها فيثاغورس Pythagors.كان الباحثون في العلوم والمعارف قبله يطلقون على أنفسهم حكماء فلما جاء فيثاغورس رأى أن كلمة حكيم لا يصح إطلاقها إلا على الله سبحانه وتعالى لإشعارها العظمة والإجلال. فاختار كلمة فيلسوف ليوصف بها الباحثون في المعارف بدلاً من «حكيم» وهي أي «فيلسوف» مركبة من كلمتين يونانيتين ـ فيلو ـ ومعناها محب ـ وسوفيا ـ ومعناها الحكمة وإذاً يكون معناها محب الحكمة.
وكانت كلمة فلسفة تطلق على كل المعارف الموجودة عند القدماء يدل على ذلك قول فيثاغورس نفسه: «إن الجمهرة العظمى من الناس عبيد فبعضهم يعبد المال والبعض الآخر يعبد المجد» ولكن هناك فريقاً آخر لا يلتفت إلى غير المعرفة والبحث فهؤلاء هم الذين يطلق عليهم كلمة فيلسوف.
يتخلص ما تقدم في أن كلمة فلسفة كانت تطلق قديماً على كل معرفة ليس وراءها غاية من غير تفرقة بين المعارف العلمية والمعارف الفلسفية.
وكانت هذه المعارف كثيرة ولكن مما لا جدال فيه أن من العناصر التي يتكون منها البحث الفلسفي المباحث الآتية:
أولاً: البحث في معرفة تكوين العالم أي ما هو العنصر الأول الذي تكون منه العالم، فكان البعض يرى أن هذا العنصر هو الماء والبعض يرى أنه النار ويرى فريق ثالث أنه الهواء.
ثانياً: البحث في السلوك الإنساني. وأول من فكر في هذا البحث (سقراط) فهو الذي لفت أنظار الفلاسفة إلى عدم فائدة البحث في تكوين العالم وأن الأولى بالبحث والتنقيب إنما هو السلوك الإنساني أي البحث في معاملات الناس وسلوكهم وكيف يصير الإنسان خيراً في معنى الخير والشر وفي معنى الفضيلة والرذيلة من عدل وشجاعة وظلم وجبن إلخ.
ولذا قيل إن سقراط هو أول من استنزل البحث من السماء إلى الأرض وكان بجانب هاتين المسألتين بحوث أخرى كالبحث في الاجرام السماوية (الفلك) والطب والهندسة والمنطق وغيره.
كانت كلمة فلسفة تضم كل هذه المعارف الإنسانية التي بيناها في العدد الماضي وكانت يطلق عليها بدون تفرقة أو تمييز وظل هذا الإطلاق على حاله إلى أن جاءت العصور الحديثة وظهرت الأبحاث التجريبية وهنا ابتدأت كل طائفة من الأبحاث تستقل باسم خاص فاستقل علم الطبيعة لما كثرت فيه القوانين بفضل اكتشافات «جليلو» واستقل علم الكيمياء بفضل اكتشافات «لافوازبيه» واستقل أيضاً علم وظائف الأعضاء لما كثرت فيه اكتشافات «كلود برنارد».
وكذلك استقل حديثاً علم النفس بعد أن اصبحت غايته البحث عن القوانين التي تخضع لها الظواهر النفسية.
وبالجملة فإن العلوم المختلفة ابتدأت من ذلك التاريخ تستقل عن الفلسفة وتمتاز بأسماء خاصة. ↑
- () بدوي، د. عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1984، 1: 579. ↑
- () الذي أمر بقتله هو صلاح الدين الأيوبي نفسه، وكان الظاهر معجباً به وظل يدافع عنه ويماطل في قتله حتى ألزمه أبوه بقتله فقتله مرغماً (ح). ↑
- () ابن خلكان. وفيات الأعيان، تحقيق: د. إحسان عباس، قم: منشورات الشريف الرضي، مج6: 272، 273. ↑
- () صاعد بن أحمد الأندلسي. طبقات الأمم، بيروت: 1915م، ص 102. ↑
- () حجة الإسلام الغزالي. المنقذ من الضلال، بتحقيق: د. عبد الحليم محمود، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1955، الصفحة 66 ـ 100. ↑
- () كما جرى لشهاب الدين السهروردي والشهيدين الأول والثاني، ومن الملفت للنظر أن يسقط كل هؤلاء بفتاوى فقهاء بلاد الشام مع اختلاف الفترات التي عاشوا فيها. ↑
- () عبد الرازق، مصطفى تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط3: 85 ـ 87، عن: فتاوى ابن الصلاح، ج1: 26 ـ 27. ↑
- () يوسف بن عبد المؤمن (533 ـ 580هـ)، أب يعقوب، ثالث ملوك دولة الموحدين بمراكش. ↑
- () قمير، يوحنا، ابن رشد: دراسات مختارات، بيروت: دار المشرق، ط4، الصفحة 9. ↑
- () ابن أبي أصيبعه. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، بيروت: دار مكتبة الحياة، الصفحة 232. ↑
- () الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات بيروت: الدار الإسلامية، 1411هـ، ج4: 118. ↑
- () كهك: قرية تقع بالقرب من مدينة قم. ↑
- () صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1981م، ج1: 6 ـ 7. ↑
- () ربما يشير إلى فترة اعتزاله. ↑
- () المصدر السابق، مقدمة الشيخ محمد رضا المظفر. ↑
- () بيان الإمام الخميني في 15 رجب 1409هـ الصفحة 15. ↑
- () السبزواري، ملا هادي، شرح غرر الفرائد، باهتمام: مهدي محقق، وتوشي هيكو ايزوتسو. طهران: 1360ش، الصفحة 38. ↑
- () صدر الدين الالشيرازي، الحكمة المتعالية، ج1: 20 ـ 21. ↑
- () بدوي، د. عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ج1: 493. ↑
- () ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة: د. عثمان أمين، القاهرة: 1960م، الصفحة 48. ↑
- () ذهب أوغست كونت إلى أن البشرية مرت في أربعة أدوار، فكان الدور الرابع هو دور العلم، وهو الدور الأخير الذي انتهى إليه العقل البشري، وهذه الأدوار هي: 1 ـ دور الأسطورة. 2 ـ دور ال دين. 3 ـ دور الفلسفة. 4 ـ دور العلم. ↑
- () بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ج1: 498. ↑
- () الآلوسي، د. حسام، الفلسفة والإنسان، بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1990م، الصفحة 125. ↑
- () ابن سينا، تسع رسائل في الحكمة، القسطنطينية، الصفحة 35 ـ 37. ↑
- () الإسراء: 85. ↑
- () ابراهيم، د. زكريا، مشكلة الفلسفة، القاهرة: مكتبة مصر، الصفحة 37. ↑
- () علي والفلسفة الإلهية: 19 طهران، مؤسسة البعثة،ط2. ↑
- () من عيون هذا التراث كتاب ابن رشد المعروف ب(فضل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). ↑
- () الأعراف: 185. ↑
- () ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. قدم له وعلق عليه: د. ألبير نصري نادر، بيروت: دار المشرق، ط6، 1991م، ص 27 ـ 28. ↑
- () الطباطبائي، السيد محمد حسين، علي والفلسفة الإلهية: ص 13. ↑
- () صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية، 1: 21 ـ 22. ↑
- () علي والفلسفة الإلهية: 78. ↑
- () ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ريده. القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1957م، 50، 51. ↑
- () جوتييه، ليون. مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية، ترجمة: محمد يوسف موسى: القاهرة: دار الكتب الأهلية، 1945م، ص 7. ↑
- () عبد الرازق، مصطفى تمهيداً لتأريخ الفلسفة الإسلامية. ص 11. ↑
- () مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية: 14، 16. ↑
- () المصدر السابق: 105، 106. ↑
- () دي بور. تأريخ الفلسفة في الإسلام: 50 ـ 51. ↑
- () عبد الرازق، مصطفى تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية، ص11. ↑
- () حرب، علي، نقد النص، بيروت ـ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1993م، ص 256 ـ 257. ↑
- () صدر الكتاب بتعريب الدكتور جورج سعد، عن دار عويدات الدولية، بيروت ـ باريس: 1993م. ↑
- () حرب، علي، المصدر السابق، ص 255. ↑
- () المصدر السابق: 256. ↑
- () الطباطبائي، السيد محمد حسين. (صدر الدين محمد بن إبراهيم شيرازي مجدد فلسفة إسلامي در قرن 11 هجري)، في: يادنامه ملا صدرا (بالفارسية). طهران. كلية علوم المعقول والمنقول: 1380هـ، ص 21. ↑
- () مطهري، الشهيد الشيخ مرتضى ، مقالات فلسفي ، طهران: انتشارات حكمت، 1369ش، ج3: 29، 30، 43، 44، 80، 82. (بالفارسية). ↑
- (*) يحتل الفلاسفة الشيعة الصدارة بين فلاسفة العالم الإسلامي، من بينهم الكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم (ح). ↑
- () جاء في تاريخ مختصر ا لدولة لابن العبري (414 ـ 416): «كان في أيام الإمامة الناصرية الحكيم عبد السلام بن جنكي دوست البغدادي قد قرأ علوم الأوائل وأجادها واشتهر بهذا الشأن شهرة تامة وحصل له حسد من أرباب الشر فثلبه أحدهم بأنه معطل فأوقعت الحفظة عليه وعلى كتبه فوجد فيها الكثير من علوم الفلاسفة فبرزت الأوامر الناصرية بإخراجها إلى موضع في بغداد يعرف بالرحبة وأن يحرق الجمع منها بحضور الجميع ففعل ذلك وأحضر لها عبيد الله المعروف بابن المارستانية وجعل له منبر وصعد عليه وخطب خطبة لعن بها الفلاسفة ومن يقول بقولهم وذكر «الركن» هذا بشر وكان يخرج الكتب التي له كتاباً كتاباً يتكلم عليه ويبالغ في ذمة وذم مصنفه ثم يلقيه من يده في النار. قال القاضي الوزير جمال الدين بن القفطي: أخبرني الحكيم يوسف السبتي قال: كنت ببغداد يومئذ تاجراً وحضرت المحفل وسمعت كلام ابن المارستانية وشاهدت في يده كتاب الهيئة لابن الهيثم وهو يقول: «وهذه الداهية الدهياء والنازلة الصماء والمصيبة العمياء» وبعد إتمام خرقها ألقاها في النار فاستدللت بذلك على جهله وتعصبه إذ لم يكن في الهيئة كفر وإنما هي طريق إلى الإيمان ومعرفة قدرة الله جل وعز فيما أحكمه ودبره واستمر «الركن» عبد السلام في السجن معاقبة على ذلك إلى أن أفرج عنه سنة تسع وثمانين وخمسمائة» وفي شذرات الذهب لابن العماد تفصيل أكثر عن قصة عبد السلام المتفلسف المذكور والخصومة العنيفة بينه وبين ابن الجوزي تجد ذلك في «5/45 ـ 46» وانظر ص (8) من كتاب المذكور، وتجد لابن المارستانية هذا ترجمة حسنه في عيون الأنباء (1/303 ـ 304) ويستفاد من هذه أن ابن المارستانية كان ضليعاً في الأدب ومن شيوخه أبو البقاء عبد الدين الحسين العكبري، تولى ان المارستانية النظر بالمارستان العضدي، ولم ينج من الحبس سنتين وضع بعد الإفراج عنه تأليفاً لمدينة السلام سماه «ديوان الإسلام» كتب منه كثيراً ولم يتمه وندب من ديوان الخلافة في أواخر القرن الثالث في سفارة إلى بلاد الكرج وكانت وفاته سنة 599. ↑
- () تجد نبذة عن أحوال ابن القفطي في حلب في كتاب مختصر تاريخ الدولة لابن العبري (476) وقد خدم في ديوان الملك الظاهر نفسه ويقال إنه أكره على ذلك فلما مات الملك المذكور انقطع عن معاينة شؤون الديوان ومال إلى العزلة والانقطاع إلى أن قلده العزيز وزارته سنة ثلاث وثلاثين وستمائة فلم يزل في هذا المنصب مدة أيام العزيز صاحب حلب وابنه الناصر حتى توفي ـ أي ابن القفطي ـ سنة ست وأربعين وستمائة. ↑
- () راجع مقدمة معجم البلدان لياقوت الحموي. ↑
- () قال ابن العبري: أقام بحلب منقطعاً في دار اتخذها لسكناه لا يمشي إلى مخلوق ولكن يمشي إليه الى أن مات بها» انظر مختصر تاريخ الدول. ↑
- () وتوجد هذه المختصرات بخط ابن كمونه نفسه في البقية الباقية من مخطوطات المكتبة الغروية في النجف وفي المكتبة المذكورة أيضاً ظفرنا برسائل في المنطق والحكمة لابن كمونة يوجد بعضها في خزانة كتبي. ↑
- () أنظر عن الخسروشاهي وعن قراءة صاحب الكرك عليه «عيون الأنباء» للقفطي (1: 337، 2: 173 ـ 174 و216) وانظر عن قصة صاحب الكرك معه وأدبه البالغ في مجلس درس شيخ مختصر تاريخ الدول (445) وفي هذا الصدد يقول ابن العبري: «في هذا الزمان كان جماعة من تلامذة الإمام فخر الدين الرازي سادات فضلاء أصحاب تصانيف جليلة في المنطق والحكمة كزين الدين الكشي وقطب الدين المصري بخراسان وأفضل الدين الخونجي وشمس الدين الخسروشاهي بدمشق وأثير الدين الأبهري بالروم وتاج الدين الأرموي بقونيا» وللخسروشاهي ترجمة في شذرات الذهب (5: 255) وتجد في عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ذكراً لجل هؤلاء الحكمة وكان الخونجي من أصدقائه وأساتذته في القاهرة وقد ترجم له ترجمة حسنة في العيون 2: 10 ـ 121 وانظر عن الخونجي تاريخ مختصر الدول 445 و477. ↑
- () انظر مرآة الزمان في تاريخ الأعيان لسبط ابن الجوزي القسم الثاني من الجزء الثامن ط. حيدر آباد (543 و 793). ↑
- () في هذا البيت إشارة إلى كلمة الإمام علي عليه السلام روي أنه قالها لكميل بن زياد وأشار بيده إلى صدره: إن ههنا لعلوماً جمة لو وجدت لها حملة» وفي الحديث النبوي: «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلم الناس عن قدر عقولهم أو علومهم» وفيه أيضاً «كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما يفكرون أن يكذب الله ورسوله» قيل لبعض الحكماء ما بالك لا تطلع أحداً على حكمة يطلبها منك فقال: (اقتداء بالباري عز وجل حيث قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ وبين أن في إسماعهم ذلك مفسدة لهم» إلى أحاديث وأخبار غير قليلة وردت في منع الجهلة عن حقائق العلوم. والواقع أن هناك كثيراً من الآيات والروايات ما يحض على بث العلم والفقه بين الناس ويحتم على العلماء إرشادهم إذا وجدوا منهم قبولاً فعلياً أن نخلي بين طالب العلم والتعلم وأن نساعده على قدر الإمكان وما أكثر الشواهد على ذلك وحسبنا قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ﴾. ↑
- () تجد ترجمته في عيون الأنباء (1/306 ـ 308). ↑
- () يقول حسن الأمين: الرجل مسلم شيعي العقيدة ولكن ما دام شيعياً فلا بد للذهبي من أن يطعن فيه.تجد ترجمته في تاريخ الحكماء لابن القفطي وفي شذرات الذهب (5/301). ↑
- () انظر المباحث المشرقية للفخر الرازي ط حيدر آباد (2/475 و479). ↑
- () (1/14) وانظر (255م) الكتاب المذكور. ↑
- () انظر عن قصته مع معاصره ابن التلميذ الطيب المشهور في خلافة المستضيء المصدر المذكور (259 ـ 260) وفيها يقول بعض الشعراء:أبو الحسن الطيب ومقتفيه
أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا
وهذا بالتكبر في الحضيض
وانظر في المعاداة بينهما المصدر نفسه (1/185). ↑
- () شرح النهج ط مصر (2/73). ↑
- () شرح النهج ط (2/74). ↑
- () المصدر المذكور (2/76). ↑
- () المصدر المذكور (1/427). ↑
- () المصدر المذكور (3/70). ↑
- () تجد هذه المحاورة في ترجمة علاء الدولة ملك الري في تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي (107 ـ 118). ↑
- () انظر في كتب ابن تيمية كتاب العقل وكتاب منهاج السنّة وكتاب إغاثة اللهفان لابن قيم تلميذ ابن تيمية وقد ترجم لأبي البركات صاحب المعتبر غير واحد من المؤرخين أقدمهم البيهقي في تاريخ حكماء الإسلام ط دمشق (152 ـ 154) وابن القفطي وذكره ابن خلكان استطراداً في ترجمة ابن التلميذ (2/153) وممن ترجم له ابن العبري في تاريخ مختصر الدول (360 و363 و365).وفي كتاب عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (1/255 و259 و260 و278) ويقرأ ص 14 من كتاب المذكور وله ترجمة حسنة في نكت الهميان وفي كثير من كتب التاريخ والفلسفة وقد أجمع المؤرخون على إسلامه في أواخر عمره واختلفوا في سبب ذلك. ↑
- () شرح هداية الحكمة (102). ↑
- () ابن القفطي في أخبار الحكماء (154). ↑
- () انظر مرآة الزمان القسم الأول من الجزء الثامن ط حيدر آباد (264 و265 و466) والقسم الثاني من الجزء المذكور (438 و454 و579 و589) ومن المؤرخين الذين سجلوا محنة عبد السلام مفصلاً جمال الدين القفطي في كتاب أخبار الحكماء (145) ونقلها عنه ابن العبري في مختصر تاريخ الدول (414 ـ 416). ↑
- () مختصر تاريخ الدول (476 ـ 477). ↑
- () فردينيا ووستنفرد في كتابه تاريخ الطب عند العرب. ↑
- () توجد لابن كمونة ترجمة في الجزء الرابع من تلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي في قسم الملقبين «عز الدولة» إليك نصها: «عز الدولة أبو الرضا سعد بن نجم الدولة منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة الإسرائيلي البغدادي الحكيم الأديب كان عالماً بالقواعد الحكمية مبرزاً في فنون الآداب وعيون النكت الرياضية والحساب شرح كتاب الإشارات لأبي علي بن سينا وقصده الناس للاقتباس من فوائده ولم يتفق لي الاجتماع بخدمته للمرض الذي عرض لي وكتبت إلى خدمته ألتمس شيئاً من فوائده لأحرز به كتابي فكتب لي مع صاحبنا وصديقنا شمس الدين محمد بن أبي الربيع الحاسب المعروف بالحشرف سنة ثلاث وثمانين وستمائة:صن العلم عن أهل الجهالة دائماً
ولا توله من لا يكون له أهلا
فيورثه كبراً ومقتاً وشرة
ويقلبه النقصان في عقله جهلا
فكن أبداً في صونه عنه جاهداً
ولا تطلبن الفضل من ناقص أصلا
وتوفي في الحلة سنة ثلاث وثمانين وستمائة» هذا ما قاله ابن الفوطي عن ابن كمونة في الجزء الرابع من تلخيص مجمع الآداب ومن ذلك يعلم أن ابن كمونة معدود بين شعراء العصر المذكور وأدبائه مضافاً إلى كونه معدوداً من الفلاسفة وفي هذه الأبيات ما فيها من الإشارة إلى الهفوة التي ارتكبها في بغداد. ↑
- () جاء في الجزء الذي نشر ببغداد سنة 1351هـ «1932م» بعنوان الحوادث الجامعة منسوباً إلى ابن الفوطي «وفيها اشتهر ببغداد أن عز الدولة ابن كمونة اليهودي صنف كتاباً سماه الأبحاث عن الملل الثلاث تعرض فيه لذكر النبوات وقال ما نعوذ بالله من ذكره فثار العوام وهاجموا واجتمعوا لكبس داره وقتله فركب الأمير تمسكاى شحنة العراق ومجد الدين بن الأثير وجماعة إلى المدرسة المستنصرية واستدعوا قاضي القضاة والمدرسين لتحقيق هذه وطلبوا ابن كمونة فاختفى واتفق ذلك اليوم يوم جمعة فركب قاضي القضاة للصلاة فمنعه العوام فعاد إلى المستنصرية فخرج ابن الأثير ليسكن العوام فأسمعوه قبيح الكلام ونسبوه إلى التعصب لابن كمونة والذب عنه فأمر الشحنة بالنداء بالمباكرة في غد إلى ظهر السور لإحراق ابن كمونة فسكن العوام ولم يتجدد له بعد ذكر، وأما ابن كمونة فإنه وضع في صندوق مجلل وحمل وكان والده كاتباً بها فأقام بها أياماً وتوفى هناك» هذا كل ما جاء في الجزء التاريخي المذكور الذي أطلق عليه اسم الحوادث الجامعة وأنت ترى أن مصنف هذا الكتاب استهل رواية الحادثة بكلمة «اشتهر» ومعنى ذلك أنه لا يثق كثيراً بهذه الرواية والغالب أن ابن كمونة ارتكب خطاً كبيراً في كتابه الذي سماه تنقيح الأبحاث وهو كتاب تعرض فيه للديانات السماوية بالاستناد إلى سياسة الدولة المغولية وكانت دولة وثنية في العصر المذكور فلم يجده ذلك، ونلاحظ على كل حال أن بغداد لم تخل من قوم وقفوا موقف الدفاع عنه وساعدوه على النجاة بنفسه من هياج الجمهور ومنهم غير واحد من حكام المغول ولا عجب فإن ابن كمونة كان وثيق الصلة بفريق من أولئك الحكام ومنهم الجويني صاحب الديوان فإنه أهدى بعض مصنفاته إليه كما ستراه على أي حال فإن ابن كمونة لم يعش طويلاً ومات بعد هذه الحادثة في حلة. ↑
- () توجد من كتاب تنقيح الأبحاث عن الملل الثلاث لابن كمونة عدة نسخ مخطوطة في كل من برلين وطهران وأكسفورد وقد نشر القسم الخاص باليهود من الكتاب المذكور على يد أحد المستشرقين بحروف عبرية. ↑
- () كشف الظنون ط. أوروبا 3: 193. ↑
- () المصدر ط المذكور 2: 443 ولا يخفى ما في هذا الاسم من التكلف وكلمة «النهود» لا معنى لها وقد تكون محرفة عن «ألفهود». ↑
- () منه نسخة بروما كتبت سنة 753م (135هج) في ماردين. ↑
- () انظر كشف الظنون في عنوان كتاب الإشارات. ↑
- () انظر المصدر المذكور عن شروح التلويحات وهو شرح ممزوج. ↑
- () راجع المصدر المذكور ط. أوروبا 3: 371. ↑
- () فرغ ابن كمونة من تسويد هذه النسخة في العشر الأول من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة أي بعد سقوط بغداد بسنة واحدة. ↑
- () توجد في البقية الباقية. من كتب الخزانة العلوية مخطوطات نفيسة نادرة بخطوط عدة من الأعلام منهم الفيلسوف ابن كمونة ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن العتائقي نزيل المشهد الغروي وأحد كبار أساتذة مدرسته والقيم على خزانة كتبها في منتصف القرن الثامن، وجدنا في الخزانة المذكورة نسخاً من مصنفاته الممتعة بخطه ولا يخفى أن العتائقي مصنف مكثر ومنها «شرح نهج البلاغة» في أربع مجلدات. «شرح ديوان المتنبي» نسخة بخطه سنة 782هـ «التصريح في شرح التلويح» طب «مختصر الأوائل» للعسكري وكتاب في الحيل وكتاب في اللغة، ومما وجدنا في الخزانة بخط العتائقي عدة من مصنفات غيره نسخها بنفسه ومن ذلك كتاب «النكات» إملاء شيخه الحكيم العالم علي بن محمد الكاشي وقد أثنى العتائقي في ظهر هذه النسخة على شيخه المذكور ثناءً عظيماً وقال إنه توفي عاشر رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائة هجرية، أما كتاب النكات: فإنه مجموعة من المغالطات والنكات والفوائد والإيرادات جمعها لأحد أمراء عصره وعدتها خمسون نكتة ونسخة العتائقي من كتاب النكات مؤرخة سنة اثنين وخمسين وسبعمائة. ↑
- () انظر فهرس خزانة المشهد الرضوي ج4: 231. ↑
- () المصدر المذكور 24 وفي هذا الفهرس تعريف جيد للنسختين وقد وجد على نسخة الكتاب الأخير ما نصه «هذا الكتاب تصنيف الشيخ المحقق المتقن عز الدولة سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة الذي صار إلى مذهب الإمامية أخيراً ومات عليه غفر له». ↑
- () عن الفلسفة الأخلاقية عند الطوسي، را: زيعور، الحكمة العملية أو الأخلاق والسياسة والتعاملية…، ص 203 ـ 213؛ ميادين القصص العملي…، ص 283 ـ 290. علي مقلد. ↑
- () عن الدواني، را: «الدواني ـ سياسة المنزل الفاضل عن الدواني». في: زيعور، ميادين العقل العملي…، ص 303 ـ 318؛ وبالفرنسية: الفكر الأخلاقي في الفلسفة العربية الإسلامية، من الكندي حتى الدواني والطوسي فالشيرازي؛ ذكريات العقل الجامعي العربي (1950 ـ 2000)، ص 331 ـ 332. ↑
- () را: زيعور، «الشهرزوري ـ خطاب الشهروزري في قطاع الحكمة المنزلية»، في ميادين العقل العملي في الفلسفة الموسعة، ص 291 ـ 302،أيضاً: (Plessner)، ص 262 ـ 273. ↑
- () روجر بيكون من سنة (1214 ـ 1284م) راهب من رهبان طائفة الفرسيسكان، توصل إلى كثير من المخترعات العلمية كالتلسكوب، ومضخة الهواء، والناقوس الغاطس، والبارود. اتهموه بالسحر وحكم عليه بالسجن، ولم يطلق سراحه إلا ليموت. ↑
- () جيروم دي مورافيا في (النصف الأول من القرن الثالث عشر). ↑
- () ريمول لول من سنة (1235 ـ 1315م) كاتب مسيحي اشتهر بوقوفه على علوم العرب. وكتابه «الفن الكبير» من أغرب ما ألفه الأسقولائيون (مؤلفو العصور الوسطى). ↑
- () إسبينوزا من سنة (1631 ـ 1677م) فيلسوف يهودي فتن بكتابات الفيلسوف الفرنسي «ديكارت». حكم عليه الكنيس اليهودي بالحرمان. أشهر مؤلفاته «الرسالة الأهوتية السياسية»، وقد دعا فيها إلى الحرية التامة في القول والفكر، وأبان عن مقاصد الفلسفة والدين، فكان ممهداً لقيام الدراسات الحديثة في النقد المتصل بالكتاب المقدس. ↑
- () كرسكاس من سنة (1340 ـ 1410م) فيلسوف يهودي انتقد آراء أرسطو، وعني بمشكلتي الحرية والخلق، وأثر ذلك في فلسفة «إسبينوزا». ↑
- () ابن عزرا من سنة (1093 ـ 1167م) لاهوتي يهودي. من مؤلفاته: «عماد معرفة الله»، و«باب السماء» تأثر بالأفلاطونية الحديثة. ↑
- () القديس أوغسطين من سنة (354 ـ 430م) أكبر فلاسفة المسيحيين. تأثر بمذاهب الأفلاطونية الحديثة، وكان له في المدارس الأوروبية أثر كبير. ↑
- () ديكارت من سنة (1596 ـ 1650م) أكبر فلاسفة العصور الحديثة. ويعد زعيم المذهب العقلي في الفلسفة. أشهر كتبه «المقال في المنهج»، و«التأملات في الفلسفة الأولى». ↑
- () جيوم الأوفرني (المتوفى سنة 1249م) لاهوتي مسيحي من أتباع أفلاطون. ↑
- () جماعة، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة جلال العشري وآخرين، بإشراف د. زكي نجيب محمود، القاهرة، الأنكلو ـ مصرية، 1963. ص 36؛ راجع أيضاً: يوسف، كرم، تأريخ الفلسفة اليونانية، ط4، القاهرة، دار المعارف، 1958. ص 118. ↑
- () محمد فتحي الشنيطي، أسس المنطق والمنهج العلمي، بيروت، 1970، ص 15؛ علي، معطي، أسس المنطق الرياضي، ص 90. ↑
- () بدوي، المنطق الصوري، القاهرة، ص 3؛ راجع أيضاً: علي سامي النشار، المنطق الصوري، القاهرة، 1955، ص 3؛ ومعطي، أسس المنطق، ص 10. ↑
- () محمد ثابت الفندي، أصول المنطق الرياضي، بيروت، 1972. ص 18 و 42؛ راجع النشار، المنطق الصوري، ص 4 و42. ↑
- () مصادرها كثيرة راجع عنها:أرسطو طاليس، المنطق، المقولات، ترجمة إسحاق بن حنين، تحقيق ودراسة د. عبد الرحمن بدوي، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1948. (الجزء الأول) ص 1 ـ 56.
وأرسطو طاليس، كتاب الطبيعة، ترجمة إسحاق بن حنين وشرح ابن أبي السمع وابن عدي ومتى بن يونس وابن الطيب، نشر وتحقيق بدوي، ط2 مصورة على الأصل المؤرخ 1964، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، جزءان وخصوصاً مقدمة الجزء الأول.
راجع أيضاً نشرتها، بترجمة أحمد لطفي السيد، تحقيق وتعليق وتقديم، بارتلمي، سانتهلير، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1935، ص 26 ـ 423.
راجع بدوي، أرسطو، ط2، الكويت؛ بيروت، ب.ت.
ص 88 ـ 93. وراجع من المصادر الأجنبية:
Aristotle, The Basic Works Of Aristotle, ed. With an Intr. By Richard Makean, (New York: Random House, 1941);
David Ross, Aristotle, (London: Mehtuen, 1964); J.L. Acktill, Arisotle’s Categories, (Oxford: Clarendon press, 1963). ↑
- () وهي العبارة والقياس والبرهان والجدل، والخطابة، والشعر، والسفسطة راجعها في منطق أرسطو، لبدوي ـ ثلاثة أجزاء، القاهرة 1948. وكذلك راجع: كرم، تأريخ الفلسفة اليونانية، ص 120. ↑
- () فبعد أن شكك مدكور بنسبة المقولات إلى أرسطو، قال مرة، إنه كتاب ضئيل الفائدة وضع للمبتدئين ـ الشداة! وأخرى: هو نظرية في دراسة الجوهر وأعراضه، وثالثة: إنها محاولة لحصر الأجناس وما يربطها بالمنطق وما وراء الطبيعة، إلخ، ثم عرض آراءها ملتون، وتسلر (زيلر) بهذا الصدد. راجع مقدمة مدكور لكتاب المقولات، من منطق الشفاء لابن سيناء، تحقيق الأب جورج قنواتي، ومحمود الخضري، وفؤاد الأهواني وسعيد زايد، القاهرة، إدارة شؤون التراث، 1959، ص 2 ـ 7.راجع شكوك بدوي بصدد القسم الأخير في، أرسطو، ص 39. ↑
- () ابن الطيب البغدادي، أبو الفرج، عبدالله؛ تفسير قاطيغورياس أرسطو طاليس، مخطوط محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم حكمة/212 ورقة 42 ـ 43. ↑
- () بدوي، أرسطو، ص 39. ↑
- () انظر: عبد الأمير الأعسم، المصطلح الفلسفي عند العرب، بغداد، مطبعة دار الشؤون الثقافية، 1985، هامش (95)، ص 217. ↑
- () كرم: تأريخ الفلسفة، ص 120. ↑
- () أرسطو، المقولات، نشر بدوي، ص 6، وبدوي: أرسطو، ص 88، وكرم، تأريخ، ص 120. ↑
- () راجعها بالتفصيل في أرسطو، المقولات، (بدوي) ص 7 ـ 37. ومثل ذلك في الأصل الإنكليزي المشار إليه سابقاً. ↑
- () أشار كرم إلى حديث أفلاطون عن الأجناس عليا ومعانٍ مشتركة تعتبر سوابق لمبحث المقولات حيث يورد في التأريخ الفلسفة اليونانية معاني الجوهر والكم والكيف والإضافة والفعل والانفعال، بغير ما وردت فيه هنا؛ إلى جانب المتقابلات، ص 121. ↑
- () بدوي، أرسطو، ص 90. ↑
- () كرم: المصدر السابق، ص 120 ـ 121، دون الإشارة إلى دور العرب أو تأثيرهم بالأكويني، ولا سيما ابن رشد. ↑
- () عرضها بدوي في ص 90 ـ 91 من أرسطو، وهي عند برنار تعتمد طريقة (3 ـ 2 ـ 5) وعند زيلر (4 ـ 2 ـ 4) وهي الطريقة ذاتها التي سبق وعول عليها ابن رشد، وابن الطيب كما سنرى في مبحث مدرسة بغداد ومؤثراتها الخارجية. ↑
- () بدوي، أرسطو، ص 93. ↑
- () أي تتشكل المقولات بعد الكم، بحسب طبيعة العلم المبحوث. ↑
- () أرسطو، المقولات، ص 7 ـ 15 «وهو: ما لا يقال على موضوع ما ولا هو في موضوع ما». ↑
- () أيضاً، ص 15 ـ 21 «الكم: ما يقبل لذاته المساواة واللامساواة». ↑
- () أيضاً، ص 21 ـ 29 «الإضافة تعني وجود صلة توفّق بين شيء وآخر ـ ملازمة». ↑
- () أيضاً، ص 29 ـ 37، الكيف: ما يقبل لذاته التشابه واللاتشابه. ↑
- () أيضاً، ص 38 «يفعل وينفعل قد يقبلان المضادة والأكثر والأقل…». ↑
- () بدوي، أرسطو، ص 87 ـ 92 حيث فصّل القول في مجمل هذه المقولات. ↑
- () أرسطو طاليس، الأخلاق النيقوماخية، ترجمة أحمد لطفي السيد، القاهرة، 1924، ص 312 ـ 313. حيث طبق أرسطو المقولات على الأخلاق في ك 7 ب 4 راجع النص الإنكليزي في:Aristole, The Nicomachean Ethics, By: D.Ross. Oxford, University, London, 1963, (BK7, ch:4). ↑
- () لاحظ سانتهلير في مقدمة لكتاب الطبيعة، قول أرسطو بلا نهائية المكان وأزلية الزمان باعتبارهما من التصورات الضرورية للإدراك شبيهة بالمبادئ الرياضية عند نيوتن. راجع ص 77 و88، حيث فصل الزمان، والمكان والحيز والحركة، بعد أن قسمها تقسيماً ثنائياً (مطلقة وإضافية، حقيقة وظاهرية. رياضية واعتيادية). ↑
- () الذين قالوا بأربع مقولات فقط هي: الجوهر المادي غير المتعيّن والكيفية المادية المجردة للمفرد والحال والعلاقة. راجعها في جعفر آل ياسين، المنطق السينوي، بيروت، 1983، ص 39 ـ 40. ↑
- () الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 331 ـ 333. ↑
- () أيضاً، ص 101. ↑
- () أيضاً، ص 95 وكرم، تأريخ، ص 121. ↑
- () حسام الآلوسي، فلسفة الكندي، بيروت، 1985، ص 53 ـ 54. ↑
- () الفارابي، كتاب المقولات، نشر نهاد ككليك، النص المنشور في مجلة المورد، مجلد 4، العدد 3 لسنة 1975. ص 48 ـ 162 من مجلة معهد الدراسات الإسلامية في اسطنبول، المجلد الثاني، القسم 42 لسنة 1960. ↑
- () تفسير قاطيغورياس، بـ667 ورقة. سبقت الإشارة إليه. ↑
- () الغزالي، معيار العلم في فن المنطق، (ط3)، بيروت، دار الأندلس، 1981، ص 231 ـ 239. ↑
- () الرسائل ـ طبعة دار صادر ـ ب ت، بيروت 1/405 ـ 468. ↑
- () ابن سينا ـ الشفاء ـ المنطق ـ المقولات، (سبقت الإشارة إليه ص 91 ـ 238. ↑
- () ابن رشد، تلخيص المقولات، تحقيق المرحوم د. محمود قاسم وتقديم د. كمال ونشر د. تشارلس بتروث، ود. أحمد عبد المجيد، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص 1 ـ 145. ↑
- () مثل كتاب دلالة الحائرين لابن ميمونة (أنقره، 1974) وبدّ العارف لابن سبعين، بيروت، 1978، والمواقف للإيجي، طبعة مصورة، القاهرة، 1978 على نسخة الأستانة. والمقولات العشر للبليدي، بيروت، 1972. ↑
- () الذي وجد بعد دراسات عميقة «أن أقدم المخطوطات اليونانية المعروفة لكتاب المقولات لأرسطو، لا يعود عهدها إلى ما قبل القرن الثاني عشر الميلادي، فيما ترقى الترجمات العربية للمقولات إلى القرن التاسع (الميلادي) ويقول الجرّ: «أكدنا ذلك عندما حققنا ترجمة إسحاق بن حنين لكتاب المقولات، ونشرناها مع ترجمة سريانية ليعقوب الرهاوي يعود عهدها إلى القرن السابع (الميلادي) فوجدنا أنهما تختلفان في بعض القراءات، بعد أن عدنا إلى الأصل اليوناني لكل مصطلح فلسفي، ثم ذكرنا المصطلح الذي استعمله المترجم السرياني والمصطلح الذي اعتمده الناقل العربي.. وعندما درسنا كتاب المقولات لأرسطو ـ الذي حققه ونشره زنكر وجدنا فيه أكثر من مائتي قراءة خاطئة ما عدا أخطاء المقارنة». راجع عن كل ذلك: د. خليل الجر تحقيق النصوص الفلسفية». بحث منشور ضمن كتاب الفكر الفلسفي في مائة عام، بيروت، 1962. ص 21 ـ 27. راجع النص الفرنسي لدراسة الجر:Les Categores D’Aristote dans Leurs Version Syro-Arabs.
(بيروت: المطبعة الكاثوليكية 1948) وراجع نشرة زنكر في:
Arisolte is catigorias graege Edidit, Julius, th Zenker. D. R. Leipsig. 1846.
لقد نشر الجرّ كتاب المقولات في ترجمة إسحاق بن حنين العبرية وشروح الفيلسوف أبو الخير الحسن بن سوار. راجع الدراسة التي وضعها فالزر تحت عنوان الترجمة العربية لأرسطو في:
L’oriens, vol. 6, 30. 1953.
والأهم من ذلك مخطوطة باريس رقم (2346 عربي) التي يقول عنها بدوي إنه نشر من محتوياتها ـ كتاب المقولات، نشره زنكر الآنفة الذكر، وكتاب العبارة نشره الأب بويج. والحقيقة أن الأب بويج نشر كتاب المقولات لا العبارة، على هامش المقولات لابن رشد؛ (الجرّ، المصدر السابق، ص 39 ـ 40). ويشير مدكور في مقدمة منطق الشفاء لابن سينا ـ كتاب المقولات، ص3 إلى ذلك قائلاً «وما إن عرّب (كتاب المقولات) حتى أخذ النقلة والفلاسفة يتدارسونه ملخصين وشارحين وفي مقدمتهم اسحاق بن حنين والكندي والفارابي»، ومن جملة من كتب عن الموقف العربي من منطق أرسطو ولا سيما المقولات راجع: ـ د. عبد الأمير الأعسم محاضرات على طلبة الدكتوراه لقسم الفلسفة ـ كلية الآداب ـ جامعة بغداد لمادة المنطق العربي، الفصل الأول، لسنة 87/1988. وكذلك:
ـ د. ناجي عباس التكريتي، «انتقال الفلسفة اليونانية إلى العربية»، بحث منشور في مجلة المورد، المجلد 4، العدد14، 1975، ص 72 ـ 76.
ـ د. رشيد الجميلي، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة، بغداد، 1986. ص 39 ـ 208. وجميع إحالات هذه المصادر الأجنبية في:
N. Resher, – The Development of Arabic Logic, (pittisburgh Studies in The History of Arabic Logic, 1964). Pittisburgh 1964. Walzer (W): – Greek into Arabic, Oxford. 1962. – Aspects of Islamic Political Thought, Ariens, 1963; Rosenthal (F) Orientalia, Roma 1952.
ولمدكور راجع بالفرنسية:
-I. Madkour, L’organon d’Arsitote dans le Monde,Arabe, Paris, 2eme urin. 1969.
وعن مدرسة حنين راجع:
فؤاد قزانجي، المرجع في دراسة حنين بن إسحاق، بغداد 1982، احتوى على مصادر في أكثر من لغة. ↑
- () يشير ابن الطيب إلى منهجية الإسكندرانيين في تفسيره (المقدمة).راجع: الجميلي، المصدر السابق، ص 202. ↑
- () الجميلي، المصدر السابق، ص 267 و 306؛ وقزانجي، المصدر السابق مخصص للمدرسة. ↑
- () بدوي، مقدمة مقولات أرسطو (الجزء الأول، د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، رسائل الكندي الفلسفية، طبعة القاهرة، 1/365 ـ 368. ومحمد جلوب، دراسات في المنطق عند العرب، الموصل، 1987، ص 13. ↑
- () د. أحمد الأهواني، الكندي فيلسوف العرب، القاهرة، 1963. ص 108 ـ 111. ↑
- () الآلوسي، فلسفة الكندي، ص 52. ↑
- () أيضاً، ص 53 ـ 54، يعلق الكندي هنا على أرسطو وكتاب المقولات بعقل نقدي بيّن. ↑
- () الآلوسي، فلسفة الكندي، ص 55، نقلاً من رسائل الكندي الفلسفية، 1/379. ↑
- () كذلك. ↑
- () أيضاً. ↑
- () الكندي، رسالة الحدود ضمن المصطلح الفلسفي، ص 191. راجع الآلوسي، فلسفة الكندي، ص 62. ↑
- () وهي: الكمية: ـ ما احتمل المساواة وغير المساواة بين الأشياء؛ الكيفية: ما هو شبيه أو غير شبيه؛ المضاف: ما ثبت بثبوت شيء آخر. الإضافة: نسبة شيئين يكون كل واحد منهما بمثابة ثبات الآخر. راجع «رسالة الحدود»، ص 192. ↑
- () الكندي، الرسائل 1/365 ـ 368. راجع إشارة محمد جلوب، إلى الكندي وكمية كتب أرسطو، في دراسات في المنطق العربي ص 108 والأهم من كل ذلك. الآلوسي، فلسفة الكندي، ص 62 وما تلاها. ↑
- () تناولها الدكتور الأعسم في بحثه الموسوم: «إنجازات الفارابي المنطقية» في: دراسات الأجيال (بغداد)، العدد1، المجلد4، 1983، ص 166 و170 و177 معتمداً على مصادر أجنبية أهمها: ↑
- ()N. Resher, The Development of Arabic Logic, Pittisburgh, 1964, PP. 85 – 128.راجع هامش 83 من بحث د. الأعسم للغرض نفسه. ↑
- () مقدمة الدكتور محسن مهدي لكتاب الألفاظ المستعملة، ص 28. ↑
- () الفارابي، الألفاظ المستعملة، ص 111. يعلق الدكتور محسن مهدي على كتاب المقولات للفارابي قائلاً، هو كتاب المقولات الذي نشر في تركيا (نشره نهاد ككليك) أما كتاب قاطيغوريا أو الأوسط الصغير (ص 22 ألفاظ) وجوامع «كتاب المقولات» فلم تنشر (ص28 ألفاظ) بسبب فقدانها (لكن الأستاذ الدكتور عبد الأمير الأعسم، أخبرنا في سياق محاضرته على طلبة الدكتوراه في الفصل الأول للعام 87/1988 عن نشر هذا الكتاب مع منطق الفارابي بثلاثة أجزاء، في بيروت 1986..) ثم يقول الدكتور مهدي «إن الجزء الثالث من الألفاظ هو كتاب المقولات المختصر (ص 28 ألفاظ)».أما نشرة ككليك فيشير إليها في ص 117 باعتبارها قاطيغورياس، أي المقولات نشرة دنلوب (Dunlop) وهو ما عوّلنا في هذه الدراسة. راجع:
Dunlop, (D.M): Al-Farabi’s Paraphrase, The Categories of Aristotle London, (1958) (PP. 97 – 168) V (1959) PP. 21 – 54.
راجع عن جملة مقولات الفارابي ومصادرها وما كتب عنها بالإضافة إلى المصدر الأساس الذي نشر في تركيا: وعن كتب المقولات وشرح المقولات وشرح المواضع المستغلقة من كتاب المقولات، للفارابي، دراسة نهاد ككليك الأصل:
Keklik, (W) – Abu-Nasr al-Farabinin, katagori-Kitabi. Istanbul. II. 1958. PP. 1 – 48.
وعن هذا وغيره راجع: (الأخوين) كوركيس وميخائيل عواد، «رائد لدراسة الفارابي»، مجلد المورد (بغداد)، م4، ع3 لسنة 1975. ص 254 ـ ص 263 ـ كما خلط العديد من الباحثين بين كتبه المنطقية والمقولات إلى جانب خلطهم بين مقولات الفارابي وابن الطيب راجع، د. جعفر آل ياسين ود. حسين علي محفوظ، مؤلف الفارابي، بغداد، 1975، ص 76 و109 ـ 111، وخصوصاً ص 207 مقارناً مع ورقة 676 من ابن الطيب. ↑
- () محمد جلوب، دراسات في علم المنطق عند العرب، الموصل، ص 1987، ص 53. ↑
- () الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق، د. فوزي النجار، بيروت، 1971، ص 53 و266، وأيضاً: كتاب الحروف، ص 67. ↑
- () الفارابي، كتاب الحروف، ص 69.راجع هذه النصوص أيضاً، د. جعفر آل ياسين، الفارابي في حدوده ورسومه، بيروت، 1985، الذي أعاننا بالرجوع إلى العديد من مصادر الفارابي أو نصوصها. ↑
- () الفارابي، كتاب الحروف، ص 45 ـ 46. ↑
- () أيضاً، ص 68. ↑
- () الفارابي، كتاب المقولات، ص 147 وهي: كلّي الجوهر: يعرف من موضوعاته كلها وذواتها، ولا يعرف من موضوع أصلاً شيئاً خارجاً عن ذاته «أما كلّي العرض [ف] يعرف من موضوعات له ذواتها، ومن موضوعات له أُخر، أشياء خارجة عن ذواتها «أما الشخصي فله ضربان» شخصي العرَض، له موضوع، يعرف من موضوع؛ وشخصي الجوهر» لا يعرف من موضوع أصلاً ذاته. ↑
- () للجنس العالي عند أبي نصر «فصل مقسّم وليس له فصل مقوّم» ولكل متوسط: «فصل مقوّم، وفصول مقسمة».. وكل نوع أخير «فصل مقوّم وليس له فصل مقسّم» (الفارابي، كتاب المقولات، ص 148. راجع الألفاظ المستعملة، ص 70 ـ 71). ↑
- () وبالتقسيم ذاته يجري ترتيبها هكذا: الجوهر والكمية والكيفية والإضافة ومتى وأين والوضع وله يفعل وأن ينفعل» (الفارابي، كتاب المقولات، ص 148 ـ 162). ↑
- () الفارابي، كتاب المقولات، ص 148 ـ 149. ↑
- () الفارابي كتاب الحروف، ص 2 ـ 12. ↑
- () جلوب، دراسات، ص 54. ↑
- () الفارابي، كتاب الحروف، ص 1 ـ12، وهنا يوظف قوانين النفي والإثبات في الإجاب والسلب. ↑
- () الذي ضمّ ص 1 ـ 6 من مقولات أرسطو قائلاً عنها «وينبغي أن نعلم أيضاً الأسماء المتفقة أشكال ألفاظها والمتواطئة أشكال ألفاظها، وترتاض في هذه أيضاً، فإنها من المغالطات العظيمة..» (النص أصلاً في كتاب الحروف، ص 1 ـ 12 أورده الزميل محمد جلوب في ص 60 من دراسات). راجع ص 58 ـ 59 للغرض نفسه. ↑
- () يشير الدكتور عبد الأمير الأعسم في دراسته المكثفة عن منطق الفارابي، وكتاب الجدل المنشورين في مجلة دراسات الأجيال عامي 1983 و1986 إلى قائمة بالمناطقة العرب، حتى عصر الفارابي بما يصلح أن يكون منطلقاً لمسيرة المنطق العربي (راجع عدد 1983 و1986 إلى قائمة بالمناطقة العرب، العربي (راجع عدد 1983، ص 167 ـ 168، المشار إليه في هامش سابق، كذلك بحثه الموسوم التعريف بكتاب الجدل طوبيقا العدد 3 (أيلول 1986)، ص 90. وكان الدكتور الأعسم في كل ذلك يشير إلى مشروعه الكبير عن منطق الفارابي جامعاً بين المنطقية التي وصلت إليه، وموقفه اللاحق المتميز بالوضوح والنقد وطرح البدائل المتوافقة مع اللغة العربية، ولا سيما موقفه من (إيساغوجي) الذي وقف عنده، في سياق المنهجية الآنفة؛ لكنه اختط برنامجه الجديد الذي أشرنا إليه في الصفحات الفائتة! حفاظاً منه على القول بإضافات متميزة لهذا الفيلسوف. ↑
- () أرّخ لنا الفارابي هذه المناظرة سنة 320هـ/930م (راجع صبيح صادق، «الفارابي وأثره في الفكر الأوروبي»، مجلة المورد، المجلد 4، العدد 3 لسنة 1975، ص 128). ↑
- () د. محمد خير الحلواني «بين منطق أرسطو والنحو العربي في تقسيم الكلام»، ص 19 ـ 26، المورد، م149 لسنة 1980، محمد جلوب، دراسات، ص 52، والأصل، من كتاب الحروف، ص 46، وعلق د. سليمان دنيا في هوامشه على الإشارات والتنبيهات لابن سينا (طبعة بيروت، 1947) على ذلك في ص 62 ـ 84، واهتم بجدل النحو (اللغة والمنطق) د. عادل فاخوري، في كتابه: منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديثة، بيروت، 1980، ص 22 ـ 203، وأشار الدكتور الأعسم في حديثه عن مدرسة بغداد في جريدة الثورة البغدادية، 30/10/1986 إلى ذلك أيضاً. ↑
- () الخوارزمي، «رسالة الحدود» (ضمن المصطلح الفلسفي) ص 217. ↑
- () أيضاً، ص 219. ↑
- () د. ناجي التكريتي، الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام، بيروت، 1979، حيث تناول رجال هذه المدرسة في ص 170 ـ 178 مثلما وقف عندها في مبحث، «مدرسة بغداد» من موسوعة حضارة العراق، الجزء السادس الخاص بالفلسفة. ↑
- () خير الدين الزركلي، الأعلام، ط3، الجزء الرابع، ص 227 يقول عنه: عبدالله بن الطيب، أبو الفرج، طبيب عراقي واسع العلم كثير التصانيف خبير بالفلسفة، قال عنه ابن أبي أصيبعة: كان كاتب الجاثليق، ومتميز في نصارى بغداد، يعلّم الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه، وكان معاصراً للشيخ الرئيس، له (مقالات أرسطو) ونحو أربعين كتاباً في الطب والفلسفة قرئ عليه بعضها سنة 406هـ». مصادر الزركلي عديدة، راجعها، بدوي، وهو يقدم تعريفاً به، في مقدمة كتاب الطبيعة لأرسطو (الجزء الأول) واصفاً ظهور اسمه بين شرّاح الكتاب مشكلة كبيرة (مقدمة كتاب الطبيعة 1/14 ـ 18). ↑
- () مخطوطة، أصلها محفوظة بدار الكتب المصرية، ونسخة عنها، مصوّرة لدينا تتجاوز أوراقها الـ(670). ↑
- () قال صبيح صادق في بحثه «أثر الفارابي» المنشور في مجلة المورد (الآنف الذكر) ص 120 ما يلي: «أثر الفارابي كذلك على أبي الفرج ابن الطيب الجاثليق (يقصد كاتب الجاثليق) إذ نهج الأخير منهج الفارابي وأخذا عنه تفسير قاطيغورياس». ↑
- () وقع أكثر من مؤرخ وباحث في خطأ نسبة مؤلفات ابن الطيب إلى الفارابي، سبق وأشرنا إلى بعضها. راجع.د. يوسف حبي، «الفارابي في دائرة المعارف الإسلامية»، مجلة المورد، م4، ع3، ص 106 معتمداً على:
Stern, (A.M): BSOAS, XIX (1967), p. 19 – 99.
وراجع: مؤلفات الفارابي (السابق) ص 277 و284 و294 و295 و 419 و424 و 426 و433 ـ 436 و439 ـ 445 و449 و461 ـ 472. ↑
- () الرسائل، بيروت، دار صادر 10/401 ـ 410 «الرسالة الحادية عشرة» (عن القاطيغورياس). ↑
- () ابن سينا، منطق الشفا (المقولات) راجعه مدكور (المصدر السابق) ص 70 ـ 238 وبقية كتبه مثل، كتاب النجاة، ط2، القاهرة، 1938، ص 7 ـ 224 وتسع رسائل في الحكمة (نشرة أولكن) أنقره، 1953، ص 3. ↑
- () ابن رشد، تلخيص المقولات، ص 1 ـ 145 الذي هو في حقيقته تلخيص المقولات عند العرب، لا عند أرسطو. ↑
- () ثمة مشاحنات بين ابن سينا وابن الطيّب، أشير إليها في أكثر من موضع، جمعتها دراسة أولكن في مقدمة كتاب تسع رسائل في الحكمة، ص IV، قال فيها: «وإحدى رسائل الفيلسوف (ابن سينا) التي يردّ عليها الحكيم المعروف أبو الفجر بن الطيب البغدادي بالرسالة الشديدة» التي وردت ردودها هنا. ↑
- () أرسطو، المقولات (نشرة بدوي) ص 7 ـ 37، التي تختلف في ترتيبها عن بقية الإشارات. ↑
- () ابن رشد، تلخيص المقولات: (السابق) ص 84 و132 قارنه مع مقولات أرسطو، ص 7 ـ 37 ومقولات ابن الطيب ورقة 46 و191، إلى جانب التسلسل الآخر في مقولات أرسطو، ص 6 ومقولات ابن الطيب ورقة 155 و190 و193 وتلخيص ابن رشد، ص 82. ↑
- () التي رتّبها في الأوراق 46 و191 وفي سياق الشرح في ورقة 590 بروح التسلسل المنطقيّ؛ أما التسلسل الطبيعي فهو الذي يبدأ من الجوهر وينتهي بالفعل والانفعال. أو (أن يفعل وأن ينفعل) كما يرد عند جُلّ المفكرين العرب، وتفوّق ابن الطيب عليهم في التنبيه على التفريق بين (الترتيب المنطقي والترتيب الطبيعي) وهو ما لا مجال لذكره هنا، بصورة مفصلة. ↑
- () ابن الطيب، تفسير المقولات، ورقة 202. ↑
- () وجدنا ثمة اختلاف بين قراءته لمقولات أرسطو. والنص الذي نشره بدوي بترجمة إسحاق بن حنين نطمح إلى استكماله وإخراجه للقراء على سبيل المقارنة. والرجل يتفوّق على غيره من فلاسفة العرب في تمكنه من أداة فهم أرسطو وشرّاحه، إلى جانب التكوين العربي والعقلية العربية! ↑
- () ابن الطيب، تفسير المقولات، ورقة 42. ↑
- () ابن الطيب، المصدر نفسه، ورقة 43. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 42. ↑
- () المصدر نفسه، الأوراق 200 ـ 203. ↑
- () تأثر جلّ الجماعات الفلسفية بهذه المدرسة الشامخة ومنها جماعة إخوان الصفا، راجع رسالتهم الحادية عشرة الآنفة الذكر. ↑
- () كما ورد في منطق الشفاء، والنجاة من متابعة كاملة. وكما صرّح به في مقدمة منطق المشرقيين، فراجعه. ↑
- () الغزالي، معيار العلم في فن المنطق، بيروت، 1981 (ط3)، ص 227، راجع، له أيضاً «رسالة الحدود» (نشرت مع المصطلح الفلسفي عند العرب، طبع بغداد، 1985) ص 67 و294 ـ 299. ↑
- () سبق وعلقنا على وجهات نظر مدكور حول حقيقة الموقف السينوي من المقولات وأهميتها، لكننا نعلق هنا عن الموضوع بإيجاز، بسبب خروج ابن سينا من دائرة مدرسة بغداد، على الرغم من أنه تابعها من الناحية المنهجية، وكتابه المقولات من منطق الشفاء يؤكد هذه الحقيقة في متابعة «القوم شئنا أم أبينا» (ص 189) وهو بثه في كتاب النجاة وفي رسالة الحدود وفي الإشارات والتنبيهات، حيث قال ابن سينا بعشرية المقولات وطبّقها على مباحث عدة. وإن هو حافظ على وضع (إيساغوجي) قبلها، جرياً على عادة الشرّاح والإسكندرانيين، مع أن ابن سينا كتب في المقولات «بسبب أن أرسطو لم يبلغ فيه من التحقيق ما ينبغي» ابن سينا، 1 ـ منطق الشفاء 2 ـ المقولات، ص 189، وفي مبحث «الكلي» تحدث ابن سينا عن (العقلي والمنطقي والطبيعي) (الإشارات ص 160) وأكد أن المقولات دليل المنطق إلى مباحث العلوم النظرية والعلمية قاطبة، لكنه كان يغشاها بخلاف معاصره ابن الطيب البغدادي ـ لسبب خفيّ، علّه يذكرنا باعترافه بفضل الفارابي عليه في فهم كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو (راجع مؤلفاته المشار إليها في هوامش هذه الدراسة إلى جانب، د. جعفر آل ياسين، المنطق السينوي، بيروت، 1983. ص 20 ـ 57). ↑
- () الغزالي، معيار العلم، ص 231 ـ 239. ↑
- () أيضاً ص 44 ـ 45 وهي العبارة ذاتها التي يستخدمها ابن سينا في الإشارات، (نشرة دنيا) ص 29. ↑
- () أيضاً، ص 238، علماً أن مواقف الفخر الرازي وابن ميمون والإيجي والجرجاني تختلف في عرضها لهذه المسألة. ↑
- () أيضاً، ص 239. ↑
- () أيضاً، ص 239، وكأني بالغزالي هنا يلمح بإمكان استيعاب المقولات لعدد آخر مما لم يدر بخلد الفلاسفة ويذكرنا بالرأي القائل: إن المقولات نتاج استقرائي (عقلي) للموجودات الطبيعية والوجودية. ↑
- () راجع مقدمة تلخيص المقولات. ↑
- () ابن الطيب: ورقة 43 من تفسير المقولات وتلخيص المقولات، ص 33 و37 و75 ومقولات الفارابي، وفي بحث الدكتور الأعسم في دراسات الأجيال، عدد 1983، ص 170 ـ 172. ↑
- () ابن سينا منطق الشفاء ـ مقدمة كتاب المقولات، بقلم مدكور، ص 2 ـ 9 وما تلاها. ↑
- () أرسطو، المقولات، ص 7 ـ 37 وابن الطيب، ورقة 46 و191 وابن رشد، ص 84. ↑
- () ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الجدل، تحقيق د. محمد سليم سالم، القاهرة، 1980، ص 24. ↑
- () المصدر نفسه، ص 25. ↑
- () الفارابي، الألفاظ المستعملة، ص 96 ـ 99. ↑
- () يوسف كرم، تأريخ الفلسفة اليونانية، ص 120. ↑
- () Discours de laMethode. ↑
- () A. Comte. ↑
- () Spencer. ↑
- () Positivisme. ↑
- () من يمكنه أن ينكر بأن أكثر أتباع فكر «الرقي» و«التقدم» بالمعنى المطلق، في المحافل العلمية والجامعية هذه الأيام، هم المشرقيون المتمايلون إلى أفكار الغربيين، لا الغربيون أنفسهم. ↑
- () أشهر أثار هذا النوع، من قبيل:كتب دي بور (De Boer)، ودي ليسي أوليري (De Lacy O’leary)، ومانك (Munk)، وكوادري (Quadry)، ووالتزر (Walzer).
وهؤلاء يرون الفلسفة الإسلامية مرحلة واحدة تتحد فيها الفلسفة المشائية الإسلامية والمذهب المخالف لها، ويُنهونها بابن رشد في القرن السادس. ومنذ بعض الوقت الذي بدأوا يتداولون فيه اسم ابن خلدون، أضافوه إلى هذه اللائحة، وتابعهم فيه الكتاب المسلمون وهذا بدوره نشأ من جهة الشهرة العظيمة التي اكتسبها ابن خلدون في الغرب بعنوان كونه عالماً اجتماعياً وفيلسوفاً تأريخياً، لا من جهة أهمية ابن خلدون في التمدن والحضارة الإسلامية.
ولم يلتفت إلى المراحل المتأخرة للفلسفة الإسلامية من العلماء الغربيين سوى هُرتن (Horten) وكُرِبن (Corbin)، وبالأخص هذا الأخير.
(يرجع إلى «معرفة الملا صدرا في الغرب»، بقلم كاتب هذه المقالة ضمن هذه المجموعة) وفي آثار مثل:
Terre Celeste et Corps de Resurrection, Paris, 1960، مقالات متعددة في Eranos Jahrtuch كتابات مطوّلة على آثار السهروردي.
Opera mtaphysica et mystica. I, Instanbul, 1946; II Téhéran 1952; Histoire de la philosophie islamique (avec la collaboration de S. H. Nasr et O. Yahyo), vol 1, Paris, 1964.
وقد عرف البروفسور «كُربن» العالم الغربي على بعض كنوز الحكمة والعرفان الإسلامي في المراحل المتأخرة.
وفيما يتعلق بهذا الموضوع يُرجع إلى المقالات التي دوّنها كاتب هذه السطور، وهي: «السهروردي»، مكتب أصفهان؛ و«صدر الدين الشيرازي والسهروردي» في كتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية A History of Muslim Pohilosophy بإشراف الأستاذ محمد شريف؛ وأيضاً كتاب آخر بقلمنا بعنوان Three Muslim Sages, Cambridge, 1964. ↑
- () ولكن للاسف لما يزل هذا الاعتقاد شائعاً بين الكثيرين من المسلمين المتأثرين بالأفكار الغربية، بهذه النتيجة وهي أن هؤلاء الأشخاص يخالفون القرون الوسطى، سواء في مشرق الأرض أم في مغربها، أكثر من مخالفة المفكرين الغربيين، الذين بسبب متابعتهم في بداية الأمر حدث شعور المخالفة وحتى النفور من القرون الوسطى في مشرق الأرض. ↑
- () Thomas Aguinas. ↑
- () Gilson. ↑
- () Berhier. ↑
- () Duhem. ↑
- () Wolfson. ↑
- () De Wulf. ↑
- () ويصدق هذا الأمر أيضاً في الكثير من الكتب العربية والإنكليزية التي دوّنها كتاب مصريون وهنود وباكستانيون. وهؤلاء الكتاب وإن كانوا مسلمين، إلا أنهم ـ أساساً ـ يُبرزون في كتاباتهم آراء المستشرقين. ↑
- () كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية» History of Muslim Philosophy الذي كُتب بيد العلماء المسلمين باللغة الإنكليزية في 76 فصلاً، خطوة جبارة في هذا الطريق. ↑
- () يرجع إلى مقدمة الكاتب على رسالة «الأصول الثلاثة» للملا صدرا، طهران، 1340هـ.ش. ↑
- () في فرع علم الكلام الإسلامي ظهرت عدة تحقيقات مهمة على يد أشخاص أمثال شبلي نعماني، وإن كان الأمر يحتاج بعد إلى تتبعات واسعة حتى تثمر الجهود التي بدأها هذا العالم وغيره من علماء المرحلة الأخيرة. ↑
- () «فلسفة الإسلام» تعني الآراء الفلسفية التي قال بها المسلمون في القرون الأولى للإسلام؛ و«الفلسفة الإسلامية» يقصد بها مجموع الآراء الفلسفية التي تراكمت عبر العصور والتي تمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى الإسلام؛ فالتعبير الأول خاص والثاني عام. ↑
- () المرجع السابق، ص 65 ـ 66؛ انظر أيضاً فصلاً عن السهروردي في: A History of Muslim Philosophy, Vol. 1, P. 381 ff. ↑
- () «جميع الحضارات تعرضت للانحلال لكنها انحلت بطرق مختلفة. فقد كان انحلال بعضها انفعالياً في حين كان انحلال بعضها الآخر فاعلياً. خطأ الشرق في انحلاله أنه توقف عن التفكير، أما خطأ الغرب ففي أنه أكثر من التفكير الخاطئ. الشرق الآن ينام على الحق. والغرب يحيا في الباطل، القول الشؤون:F. Chuon, Spiritual Perspective and Haman Facts, English Translation by Matheson, London, 1954 P.22. ↑
- () هذا هو السبب في أن الكثير من أمثال الرسائل عنونت لـ«المبدأ والمعاد». ↑
- () «هنالك ولا شك معضلات فلسفية معاصرة، لكن ليس بينها من حاجة فكرية ملحة خاصة بعصرنا يمكن أن تحول دون فهمنا لمشاكل جدودنا. فمهما كان من حسن الإرادة ـ أو من سوئها ـ فإن الأسس التي تتقوم بها النفس الإنسانية لا تتغير بسهولة ولا بسرعة»، انظر: F. Chuon. O.P. Cit. PP. 14 – 15. ↑
- () د. ابراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية (منهج وتطبيقه)، ج2، ص 160 دار المعارف مصر ـ 1983م. ↑
- () انظر بشكل خاص (رسالة الكندي في تناهي جرم العالم)، ضمن رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 139، تحقيق: د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط2، دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ↑
- () الفارابي: إحصاء العلوم، ص 53 ـ 54، تحقيق: د. عثمان أمين، ط3، القاهرة 1968م. ↑
- () أنظر د. محمد علي أبو ريان: تصنيف العلوم بين الفارابي وابن خلدون، مجلة عالم الفكر ص 97، الكويت، 1978. ↑
- () د. سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص 354، ط2، دار المعارف مصر 67م. ↑
- () جورج سارتون: تاريخ العلم والأنسنة الجديدة، ص 165، ترجمة: إسماعيل مظهر، دار النهضة العربية، مصر 1961. ↑
- () قدري حافظ طوقان: العلوم عند العرب، ص 91، الألف مصر، دار مصر. ↑
- () ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ج2، ص 3، المطبعة الوهبية، مصر 1883م. ↑
- () د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، ص 54، ط8، دار المعارف مصر، 1981م. ↑
- () الجرجاني: التعريفات، ص 63، طبع الحلبي، القاهرة، 1938م. ↑
- () راجع الكندي: كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، ص 36، ضمن (رسائل الكندي الفلسفية، ج1). ↑
- () ابن رشد: فصل المقال، ص 24، تقديم وتعليق: د. أبو عمران الشيخ، وجلول البدوي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982م. ↑
- () المصدر نفسه، ص 24. ↑
- () المصدر نفسه، ص 33. ↑
- () الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 97، تحقيق د. ألبير نادر، ط5، دار المشرق، بيروت، 1985م. ↑
- () مسكويه: تهذيب الأخلاق، ص 12، مطبعة صبيح، القاهرة، 1968م. ↑
- () الفارابي: المصدر السابق، ص 118. ↑
- * المقصود بالإمامي: الشيعي. ↑
- () ت.ج. بور. تاريخ الفلسفة في الإسلام. ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ريدة. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1957، ص 50. ↑
- () الطباطبائي، السيد محمد حسين، علي والفلسفة الإلهية، بيروت: مؤسسة البعثة، ط2، 1402هـ، ص 78 ـ 79. ↑
- () كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية. ترجمة: نصير مروة، وحسن قبيسي. راجعه: موسى الصدر، وعارف تامر. بيروت ـ باريس: منشورات عويدات، ط3، 1983، ص 81. ↑
- () الإمام علي بن أبي طالب (ع). نهج البلاغة، ضبط نصه: د. صبحي الصالح، بيروت: دار الكتاب اللبناني، ط2، 1982، ص 38 ـ 40. ↑
- () الطباطبائي، السيد محمد حسين. مصدر سابق، ص 44 ـ 49. ↑
- () من أهم الجوامع الحديثية عند الشيعة الإمامية، بلغ عدد الأحاديث المروية فيه 16199 حديثاً. أي ما يزيد على ما في الصحاح الستة متوناً وأسانيد. وهو مطبوع عدة مرات. ↑
- () طبع غير مرة في إيران وخارجها. ↑
- () الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي. التوحيد. تصحيح: هاشم الحسيني الطهراني. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، ص 246. ↑
- () المصدر السابق، ص 35. ↑
- () جوادي آملي، الشيخ عبدالله، علي بن موسى الرضا والفلسفة الإلهية. قم: دار الإسراء للنشر، 1415هـ، ص 18. ↑
- () الشيخ الصدوق. التوحيد، ص35. ↑
- () جوادي آملي. مصدر سابق، ص 30 ـ 31. ↑
- () كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 82. ↑
- () المصدر السابق، ص 68. ↑
- () المصدر السابق، ص 67. ↑
- () أحمد أمين، ضحى الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، ج1، ص 190 ـ 191. ↑
- () كوربان، هنري، مصدر سابق، ص 66. ↑
- () ↑
- () سبق إيضاح معنى «الأصول» و«المصنفات» والفرق بين هذين الاصطلاحين في الهامش رقم 23. ↑
- () فهرست أبو غالب جزء من رسالته المعروفة (نامه) إلى حفيده التي ذكر فيها شرح حال آباء عائلته وأعمامها وسلسلتها. وفيها إجازة لرواية الكتب المذكورة في هذا الفهرست. وتوجد نسخة من هذا الكتاب بالخط النسخ الجميل لم توغل في القدم تقع في 29 صفحة قطع «الجاير» تحت رقم 7669 بمكتبة استان قدس الرضوية هكذا أولها:«حدثنا أبو عبدالله الحسين بن عبدالله بن ابراهيم الواسطي، قال حدثنا أبو غالب أحمد بن محمد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، منه إلى ابن ابنه محمد بن عبدالله بن أحمد، سلام عليك فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلا هو…». ↑
- () من جملة الفهارس المعروفة قبل الشيخ فهرست كتب السيد المرتضى. ويحتمل أن يكون لنفس السيد كما يحتمل أن يكون لتلميذه محمد بن محمد البصروي (المتوفى سنة 443) ارجع إلى الذريعة (ج16/381 و392) نقلاً عن العلامة الطهراني. وتوجد نسخة من هذا الكتاب في مكتبة سِبَهْسالار. ↑
- () على أي حال، فإن رأي المرحوم عباس إقبال الوارد في مقدمة معالم العلماء أن فهرست الشيخ أول كتاب بقي من علماء سلف الشيعة ناشئ عن قلة الاطلاع، فبالإضافة إلى فهرستي أبي غالب والسيد المرتضى الموجودين الآن، فإن ابن النديم مؤلف فهرست ابن النديم هو أيضاً شيعي. ارجع إلى الذريعة، ج16/375. ↑
- () ينقل العلامة الطهراني في المجلد الخامس من الذريعة (145) عن بعض نسخ «الجمل والعقود» القديمة أن المقصود بالشيخ الفاضل هو القاضي عبد العزيز بن البراج قاضي طرابلس (المتوفى سنة 481). ↑
- () زعم عباس إقبال في مقدمة «معالم العلماء» أن الفهرست يختص بالمصنفين وأصحاب الأصول من الشيعة، ولكن بيان الشيخ ذاته في مقدمة الفهرست وذكر جماعة من المؤلفين من غير الشيعة بالفعل، يجبُّ ذلك الزعم. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى: (الفهرست طبع النجف 1380) الصفحات 71/78/88/89 ـ وسماء المقال/41 ـ 42. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/18، في هذه الحالة يكون كلام العلامة الطباطبائي والسيد الداماد (نقلاً عن المامقاني في الرجال ج1/205)، من أن مبنى الشيخ على التصريح بمذهب غير الإمامي مثل الفطحية والواقفية، لا وجه له. ↑
- () توفي سنة 1121 الهجرية. ↑
- () سماء المقال/ 42. ↑
- () لعل القطع الوزيري هو ما يقال عنه باصطلاح المطابع في مصر 70 × 100. ↑
- () القاموس، ج1/37 ـ 39. ↑
- () كان منتجب الدين معمراً وفي سنة 600هـ حصل على الإجازة العامة لرواية الحديث والدليل على ذلك، القول الآتي: «قال ابن الفوطي في مجمع الآداب في تلخيص معجم الألقاب في كتاب الميم ص (775): منتخب الدين أبو الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الرازي المحدث المقري، ذكره الشيخ الحافظ صائن الدين أبو رشد محمد بن أبي القاسم بن الغزال الأصبهاني في كتاب الجمع المبارك والنفع المشارك من تصنيفه وقال: أجاز عامة سنة ستماية، وله كتاب الأربعين عن الأربعين رواه عنه مجد الدين أبو المجد محمد بن الحسين القزويني…» (حواشي وتعليقات ديوان قوامي الرازي، من جلال الدين المحدث الأرموي/229). ↑
- () القطع الرحلي هو ما زاد في الحجم عن 70 × 100. ↑
- () الذريعة، ج4/64. ↑
- () من العجيب أن الحاج خليفة في كتابه (كشف الظنون) لم يذكر الفهرست باسمه بل باسم (فوز العلوم) واغفل سنة وفاة مؤلفه مع أنه استعان به دون ريب. ↑
- () أطلق عليه هذا اللقب أعداء الشيعة حيث عرف بـ«مؤمن الطاق» واسمة محمد بن النعمان الأحول. ↑
- () قال أبو زيد البلخي في كتاب الأغاني هذا: «ما رأيت أعجب من الموصلي جمع علم العرب والعجم في كتاب ثم نشره بلا اسم». ↑
- () الفهرست، طبعة فلوجل، ص 33 ـ 35. ↑
- () الفهرست ص: 197، طبعة القاهرة ص: 292. ↑
- () نفس المصدر، فلوجل ص: 115 القاهرة ص: 173. ↑
- () نفس المصدر، فلوجل ص: 164 القاهرة ص: 239. ↑
- () نفس المصدر، فلوجل ص: 185 القاهرة ص: 277. ↑
- () الفهرست، ص 255، طبعة القاهرة ص: 371. ↑
- () نفس المصدر، ص 132، طبعة القاهرة، انظر المقدمة ص: 3. ↑
- (*) يراجع عن ابن ماجد ترجمته المفصلة في (مستدركات أعيان الشيعة). ↑
- () الرياح الموسمية الجنوبية الغربية للوصول إلى الهند والصين، والرياح الموسمية الشمالية الشرقية للوصول إلى ساحل الجزيرة والساحل الإفريقي. وقد أطلق العرب على الرياح التي تهب من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي شتاء اسم «الصبا»، والتي تهب من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي صيفاً بالدبور. ويجمع ذلك ببيتان من الشعر هما:مهب الصبا من مطلع الشمس مائل
إلى الجدي والشمال حتى مغيبها
وبين سهيل والمغيب تحققت
دبوراً ومطلعها إليه جنوبها
↑ - () المسعودي، مروج الذهب، المطبعة البهية، ص 68. ↑
- () شريف محمد، جغرافية البحار والمحيطات، ص 68. ↑
- () أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار ص 161. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، ج1، ص 870. ↑
- () حوراني، العرب والملاحة، ص 74. ↑
- () Hirth. F. Chau-Ju-Kua, P.32. ↑
- () أطول الطرق الملاحقية كان من الساحل الشرقي لإفريقيا إلى الصين، بل إن هناك بعض السفن الصينية وصلت إلى جدة كما يتضح من الفصل الأول. ↑
- () أقيم بالقرب من البصرة في الخليج علامات منصوبة من الخشب للمراكب كمنارة لتهتدي بها.المسعودي، مروج الذهب، المطبعة البهية، ج1، ص 91 ـ 92. ابن خردذابه المسالك، ص 60. ↑
- () ميناء في جنوب الملبار وتعرف اليوم باسم كويلون (Quilon). وفي الواقع أن بعض المراكب المسافرة من مسقط كانت تسير في بحر لاروي (بحر العرب) ثم على سواحل كجرات وهيمون، والكوكن وكمباية (ساحل الدكن والسند) قبل أن تصل إلى كويلون، ثم تخترق المضيق بين سيلان والهند بعد أن تقف عند رأس كومرين، ثم تسير بحذاء ساحل الشول (كروماندل) ومنها إلى نيكوبار.(أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار، ص 69). ↑
- () ملاكه هي الاسم الصحيح لملقا ـ قائمة الأعمال الجغرافية التي حققها مجمع اللغة الغربية، في السودان المصري والحبشة والصومال وشمال إفريقيا وغرب آسيا، القاهرة 1939، ص 34. ↑
- () تقع تيمان أو تيومة في خليج سيام الآلوسي (تجارة العراق البحرية)، ص 105. ↑
- () في الجزء الشرقي من الهند الصينية وهي الآن مدمجة في ولاية كوتشين ـ تشينا ـ (Cochin China).(حوراني، العرب والملاحة، ص 214). ↑
- () تأتي الخطورة على السفن الهندية من أنه لا بد للسفن من أن تبحر مسافة لكي تصل إلى أوطانها، وهنا تكون الرياح الموسمية الجنوبية الغربية معاكسة لها. إذ ربما تؤدي إلى تحطيم السفن. أما السفن العربية فيمكنها الاستفادة من الرياح الموسمية الشمالية الشرقية التي تهب أيضاً في أبريل ومايو ويونيو.«عمان وتاريخها البحري»، ص 92. ↑
- () حافوني هي حافون أو رأس جردفون.أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار، ص 75. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، ج1، ص 64 ـ 65. ↑
- () عمان وتاريخها البحري، ص 92 ـ 94. ↑
- () السيرافي، سلسلة التواريخ، ص 136. ↑
- () عن سياسة مصر في البحر الأحمر، سعيد عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، سمنار، الدراسات العليا لجامعة عين شمس، البحر الأحمر في التاريخ والسياسة الدولية المعاصرة، 1980. ↑
- () راهنامج (أو راهمانج ـ رهماني) كلمة فارسية أصلها من كلمتي راه = طريق، نامة = كتاب، أي كتاب الطريق أو المرشد الملاحي، إفادة من د. إبراهيم الدسوقي شتا أستاذ اللغات الشرقية بجامعة القاهرة. ↑
- () ابن ماجد (شهاب الدين أحمد)، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد والأراجيز والقصائد، نشر جبريل فران، باريس، 1921 ـ 1923، ورقة 67 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 6 ظهر، 7 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 وجه ظهر. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 ظهر. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 ظهر. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 ظهر، المهري، العمدة المهرية، ورقة 84 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 ظهر، 58 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 57 ظهر، 58 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 58 وجه. ↑
- () المصدر نفسه، ورقة 58 وجه. ↑
- () تربط هذه الأحجار بطريقة معينة في خيط، وبها قطع من السمك تطعم وتسقط إلى الأعماق، ثم يشد الخط فيترك الطعم في القاع ليجتمع السمك حوله. وفائدة الحجر هنا أخذ الطعم إلى القاع، ثم ترمى السنانير بعد ذلك، وتستخدم هذه الطريقة للصيد في الأعماق البعيدة ويطلق على هذا الحجر اسم السجل، وذلك في ساحل البحر الأحمر المصري وأعتقد أنه من محرف عن الثقل، وكذلك فالسجل لفظ عربي فصيح يعني الدلو الذي يلقى به في البئر، واللفظ مستخدم منذ الجاهلية. ↑
- () ثقل من الرصاص يستخدم لقياس الأعماق. ↑
- () ابن ماجد (شهاب الدين أحمد)، ثلاث أزهار في معرفة الحار، تحقيق تيودور شوموفسكي، ترجمة محمد منير، القاهرة، 1966، ص 102 ـ 103. ↑
- () المصدر نفسه، ص 17 ـ 18. ↑
- () يقابل هذا السلوك الشرقي لربابنة وملاحي البحار الشرقية سلوك الربابنة الإسبان والبرتغاليين حيث يقول الأستاذ الأميركي جوهل: «إن الربابنة الإسبان والبرتغاليين كان أغلبهم شرذمة من المغامرين الجهلاء يسعون وراء الثراء والشهرة. وكانوا يلجأون لوسائل غير مشروعة…»، ويضيف بأن الفضل يرجع للعرب الذين وضعوا القوانين العلمية للملاحة والجداول الفلكية التي اعتمد عليها الربابنة والمغامرون في عصر الكشوف البحرية الكبرى، وأن مثل هؤلاء الربابنة قد خدعوا حكام البلاد التي فتحوها.(أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار، ص 218 ـ 219). ↑
- () كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي، القاهرة 1963، ج2، ص 562. ↑
- () وضع المستشرق فران الاشكال المختلفة التي ورد فيها هذا اللفظ، وبين أصلها وهو يرتفع أساساً إلى الفارسية الوسطى (البهلوية) «راهتمك» التي تحولت في الفارسية الحديثة إلى «راهنامه». أما في الوسط العربي فإلى جانب الشكل العادي «راهنامج» يقابلنا أيضاً الشكل المقلوب «رهمانج» (وجمعه «رهمانجات») والشكل الذي تطور عنه فيما بعد وهو «رهماني»، بل حتى أيضاً «رماني» وجميع هذه الألفاظ كان يقصد بها في عهد ابن ماجد ضرب من المرشدات البحرية. ↑
- () تروي الحكاية السابعة من حكايات السندباد أنه «عندما غلبت الرياح العاصفة على السفن فماذا حدث: «نزل الريس من فوق الصاري وفتح صندوقه وأخرج منه كيس قطن وفكه وأخرج منه تراباً مثل الرماد وبله بالماء وصبر عليه قليلاً وشمه، ثم أنه أخرج من هذا الصندوق كتاباً صغيراً وقرأ فيه وقال لنا: اعلموا يا ركاب أن هذا الكتاب أمراً عجيباً يدل على أن كل من وصل هذه الأرض لا ينجو منها بل يهلك…».(ألف ليلة، طبعة صبيح، ج3، د.ت، ج3، ص 17). ↑
- () ابن ماجد، الفوايد، ورقة 3 ظهر. ↑
- () عبارة عن قرص معدني مقسم إلى 360 درجة ويعرف بميزان الشمس، ومن أجزائه العلاقة وهي حلقة يعلق بها الجهاز، بحيث يسكن في مستوى رأسي، ثم العروة وهي الجزء الذي تشبك فيه الحلقة، ثم «الكرسي» وهو الجزء البارز من المحيط، ثم (العضادة) وهي المسطرة التي تدور على ظهر المحيط منطبقة عليه ومثبتة في المركز، ثم الهدفتان وهما الصنجتان الصغيرتان القائمتان على العضادة على زوايا قائمة في كل واحدة منها ثقب يقابل ثقب الأخرى، ثم «قوس الارتفاع» وهو المرسوم على ظهر المجزاة، ثم منطقة «البروج» وهي الدائرة المقسومة باثني عشر قسماً غير متساوية مكتوب فيما بينها أسماء البروج. ولاستعمال الجهاز يعلق باليمين مستقبلاً الشمس بجهة المشرق مع تحريك العضادة حتى يدخل شعاع الشمس من ثقب الهدفة العليا، ويخرج من ثقب السفلى ويصير ظلها ساتراً لجميع العضادة السفلى. فما وقع عليه طرف العضادة من الأجزاء فهو الارتفاع. وهناك أنواع أخرى من الأسطرلاب مقسمة بالأصابع بدل الدرجات.(أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار، ص 169 ـ 170). ↑
- () سعاد ماهر، البحرية في مصر الإسلامية، ص 258. ↑
- () أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار، ص 176. ↑
- () المصدر نفسه، ص 176 ـ 178. ↑
- () المصدر نفسه، ص 181 ـ 207. ↑
- () المصدر نفسه، ص 181 ـ 207. ↑
- () المصدر نفسه، ص 181 ـ 207. ↑
- () لمزيد من التفاصيل ـ انظر المصدر نفسه. ↑
- () ابن ماجد، الفوايد، ورقة 58 ظهر. ↑
- () بحر بربرا هو خليج عدن. ↑
- () الفرسخ عند البيروني أربعة أميال، والميل عند ناصر خسرو 4.3 آلاف ذراع، الفرسخ 9000 ذراع، وعند الدمشقي وياقوت 3 أميال، والميل 4000 ذراع.البيروني تحقيق ما للهند، ص 141، ناصر خسرو، سفر نامه، ص 135، الدمشقي، نخبة الدهر، ص 135، ياقوت معجم البلدان، ج1، ص 35. ↑
- () بزرك، عجائب الهند، ص 85. ↑
- () ماركو بولو، الرحلة، ص 327. ↑
- () ابن خردذابة، المسالك، ص 60. ↑
- () بزرك، عجائب الهند، ص 98. ↑
- () ماركو بولو، الرحلة، ص 321. ↑
- () راجا لقب، وفيشالجاد أحد الحصون البحرية بالهند. ↑
- () Mookergi, R.K, Indian Shipping, P. 143. ↑
- () البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة، ص 148. ↑
- () الأستاذ قاضي أظهر المباكوري «من النارجيل إلى النخيل»، ثقافة الهند، مجلد 16 يوليو 1965، عدد 3، ص 34 ـ 35. ↑
- () جوزيرات هي كجرات. ↑
- () يذكر مترجم رحلة ماركو بولو في تحليله لظاهرة انتشار القراصنة بهذا الساحل أن هذا العدد الجم من الموانئ الصغيرة والرؤية التي لا يحجبها شيء على امتداد الشاطئ والساحل المرتفع الموائم للرؤية البعيدة كانت كلها عوامل جعلت هذا الساحل صالحاً لأن يكون قاعدة للقراصنة. ويبدو أنه منذ أقدم العصور كانت تتملك السكان في هذا الساحل أقوى الميول إلى القراصنة. ماركو بولو، الرحلة، ص 320. ↑
- () المصدر نفسه، ص 316 ـ 320. ↑
- () فاكنور هي باكنور وهي اليوم باركو (Barcur)، حسين مؤنس، ابن بطوطة، ص 173. ↑
- () ابن بطوطة، الرحلة، ص 373 ـ 374. ↑
- () المصدر نفسه، ص 404. ↑
- () من المعروف أن التماسيح من زواحف المياه العذبة ولا تعيش في المياه المالحة وربما اختلط عليه الأمر بين التماسيح وأسماك القرش التي توجد في المحيط الهندي. ↑
- () يقصد القراصنة الذين يركبون البوارج. ↑
- () صورة في منتهى القتامة لمن يعايشها فهي تدلنا على مدى الخطر الكامن في هذه المنطقة وإن كنت أميل إلى القول إن تلك الصورة فيها شيء من المبالغة لأن سيلان كانت مملكة معروفة ووصلتها سفارات من مختلف البلاد. ↑
- () بزرك، عجائب الهند، ص 86. ↑
- () ابن بطوطة، الرحلة، ص 394 ـ 395. ↑
- () لم نتمكن من التوصل إلى طريقة إعلام أهل الأسرى لطلب الفدية خصوصاً أنهم من بلاد مختلفة وبعيدة. ↑
- () وثيقة رقم 1، الملحق. ↑
- () بحر كردع يقع بين الجزر الأندونيسية، وربما ما يعرف الآن ببحر جاوة، حيث يسبقه في المسعودي بحر كلا (الملايو) وبعده بحر الصنف. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، المطبعة البهية، ص 166. ↑
- () بدر الدين، العلاقات بين الصين والعرب، ص 166. ↑
- () Jones. W.J. The Travels of Ludovico…, P. 154. ↑
- () Esq. J.E., On The Native Vesels of India and Ceylon, 1834, P. 112. ↑
- () على سبيل المثال فسدت الملاحة الهندية في كجرات بعد السلطان محمد البهمني عام 896هـ/1490م بسبب ضعف خلفائه والفوضى والاضطرابات التي سادت البلاد، مما أدى إلى سيطرة القراصنة بقيادة بهار الكيلاني على موانئ كجرات الشهيرة واستيلائهم على أموال التجار وبضائعهم، ولذلك بذل السلطان محمود مجهوداً كبيراً في القضاء على هذه الفوضى، فأعد ثلاثمائة سفينة، وقضى على القراصنة، وألقى القبض على رئيسهم.وتتضح قوة القراصنة من حجم الأسطول الذي أعد للقضاء عليهم.
محمد إسماعيل، تاريخ الصلات بين الهند والبلاد العربية، ص 166. ↑
- () هو كتاب يصف الملاحة والتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي والصين، ألفه في منتصف القرن الأول الميلادي باليونانية، تاجر لا يعرف اسمه (انظر عنه مجلة «العربي» العدد (35) ص 108). ↑
- () موزع: ثغر قرب باب المندب. وياقوت يقول: (موضع باليمن وهو المنزل السادس لحاج عدن. والهمداني يقول: (لبني مجيد بن حيدان بن عمرو بن الحاف). ↑
- () صفحة 53. ↑
- () أنظر: R.B. Sergeant, The Portaguese of the South Arabian Coast 1963, Clarendon press: Oxford Aniversi. ↑
- () كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد، لابن ماجد (مخطوط). ↑
- () الموسوعة العربية الميسرة، وقاموس المنجد، جورج فضلو حوراني (ترجمة) ص (282 ـ 283). ↑
- () مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق 1/286. ↑
- () هي مملكة القسيس يوحنا، وهو الاسم الغريب الذي يطلقونه على مملكة نصرانية في شرق إفريقيا، لا يعرفون حقيقتها إلى أن تبين لهم فيما بعد أنها مملكة الحبشة. ↑
- () هو الأمير هنري (1394 ـ 1460م) ابن ملك البرتغال حنا الأول. كان جغرافياً ورياضياً محباً للمغامرات. ↑
- () «أصول العالم الحديث» محمد عبد الرحيم مصطفى وآخرون، ص (52). ↑
- () G. Farrance: Introduction a «Astronomie Nautique Arabe Paris. 1928». ↑
- () إفناطيوس كراتشكوفسكي Kratchkoviski (1883 ـ 1951م) مستشرق روسي من أوسع علماء زمانه بمعرفة الآداب العربية عضو المجمع العلمي في دمشق وإيران، مؤلفاته لا تقل عن 300 من أشهرها دراسة في إدارة الخليفة المهدي، والرواية التاريخية في الأدب العربي «المعاصر» وتاريخ الأدب الجغرافي العربي [عرب ثم طبع على نفقة الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية في مجلدين]. ↑
- () هذه الأبيات من الأرجوزة نشرها المستشرق الروسي شوموفسكي. ↑
- () تشيع ابن ماجد هو الذي جعله يعتبر اليوم الثامن عشر من ذي الحجة أبرك أيام السنة لأنه يوم الغدير، وهو اليوم الذي وقف فيه النبي (ص) في غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع وقال: لجموع المسلمين المجتمعة هناك: من كنت مولاه فعلي مولاه. ↑
- () ابن ماجد الملاح (أعلام العرب) (163) القاهرة مارس 1967م. ↑
- () الملاح العربي (أحمد بن ماجد) دمشق 1366هـ. ↑
- () كتاب الفوائد، (مخطوط) الورقة (87). ↑
- () مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء 9، مجلد 1، ص (285). ↑
- () الملاح العربي، محمود الحموي، ص 12 ـ 13، وابن ماجد الملاح، الدكتور أنور عبد العليم، ص 62. ↑
- () الملاح العربي، ص 8. ↑
- () الملاح العربي، نقلاً عن فران. ↑
- () فران: مقدمة علم الملاحة عند العرب، وابن ماجد الملاح، هامش ص (26). ↑
- () الذهبية هي أرجوزة لابن ماجد (انظر مؤلفاته). ↑
- () في كتابه (ألسبل إلى إفريقيا واكتشاف هرمز) لندن 1856م. وانظر ابن ماجد الملاح ص 26. ↑
- () عدد أبريل (نيسان) 1968م، ص 30 ـ 33. ↑
- () يقول حسن الأمين: لا صلة لابن ماجد بفاسكودي كاما، وقد أشبع هذا الموضوع بحثاً المؤرخ البحريني علي التاجر، وهو البحث المنشور في المجلد الرابع من مستدركات (أعيان الشيعة)، والذي أثبت فيه الكاتب أن القول بمرافقة ابن ماجد لفاسكودي كاما أسطورة من الأساطير التي لا صحة لها. ↑
- () بين سيبيريا وروسيا. ↑
- () في آسيا الوسطى بين روسيا والصين. ↑
- () جبال شامخة يقع معظمها في تركستان الغربية. ↑
- () عن تركمان العراق كتب الكاتب الكردي نوزاد كركوكي يقول: نشرت جريدة «تركيا» التركية في عددها الصادر بتاريخ 27/1/1993 مقالاً مع خريطة لخمس جمهوريات تركية منتظرة، من بينها «جمهورية كركوك»! وقد نشرت الجريدة ذاتها في عددها الصادر في 29/11/1993 مقابلة مع الزعيم التركماني عز الدين قوجه ده يقول فيها «إن طابو كركوك للتركمان، وإن هذه المدينة تركمانية ولا حق لأحد فيها…» ثم يستعدي الحكومة التركية على الأكراد لادعائهم بأن كركوك تقع ضمن منطقة كردستان العراق. وكان سبق لأحد مسؤولي الحزب الوطني التركماني وهو السيد مظفر أرسلان أن ادعى بأن تعداد التركمان في العراق يبلغ ثلاثة ملايين!وللحقيقة والتاريخ أود أن أقول أولاً أن وجود التركمان يقتصر على كردستان العراق، على رغم وجود جالية تركمانية كبيرة حالياً في بغداد.
أما بشأن عدد السكان التركمان، فلا يتجاوز بأي حال من الأحوال نصف مليون. ويسكن التركمان في المدن والقصبات كجاليات في المنطقة التي كانت تشكل خط المواصلات الرئيسي بين الموصل شمالاً إلى مندلي القريبة من الحدود الإيرانية. وهذه المدن هي: تلعفر ويسكنها تركمان من الشيعة، ثم مدينة أربيل التي تعيش فيها عوائل تركمانية من السنة، ثم مدينة كركوك التي تقطنها نسبة كبيرة من التركمان (من السنة والشيعة) ولكنها لا تتجاوز 40 في المئة من سكان المدينة. وكان الأكراد يشكلون 60 في المئة من سكان المدينة قبل البدء بتعريبها منذ بداية 1963. ثم قصبات داقوق وطوز التي يقطنها التركمان الشيعة، كما تسكن عوائل تركمانية في مدينة كفري وهم من السنة وفي مدينة (مندلي) قبل تدميرها أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية وتهجير أبنائها إلى مناطق أخرى من العراق، وخاصة إلى بغداد وبعقوبة.
يرجع تاريخ وجود التركمان السنة في هذه المناطق إلى تاريخ دخول الجيش العثماني إليها، وهذه الجاليات التي استقرت واستوطنت في هذه البقاع كانت إما عوائل للجنود العثمانيين أو للموظفين المدنيين، وقد شجعتهم الإدارة العثمانية على البقاء والاستيطان لحماية طريق المواصلات الاستراتيجي الذي يربط جنوب الأناضول بالحدود الإيرانية.
وبعد الغزوات الإيرانية للعراق في عهد الصفويين عمل هؤلاء على جلب أعداد كبيرة من تركمان آذربيجان الشيعة لتوطينهم في نفس المناطق وللغاية ذاتها، وهي حماية طريق المواصلات الاستراتيجي. تلك هي نبذة تاريخية عن كيفية استيطان التركمان في كردستان. أما ادعاء البعض عن كون مدينة كركوك تركمانية، فحتى لو شكّل التركمان نسبة كبيرة فيها، فإن معظم قصبات وقرى المحافظة باستثناء قصبتي داقوق وطوز وخمس قرى أخرى تابعة لهما، يقطنها الأكراد قبل تهجيرهم بالقوة إلى المناطق الكردية الأخرى في أربيل والسليمانية. ويعيش هؤلاء الأكراد، سواء من أهل مدينة كركوك أو من قصباتها وقراها الكثيرة، في مجمعات إجبارية بناها حزب البعث لهم منذ نهاية السبعينات وخلال الثمانينات، ويعود بطبيعة الحال هؤلاء الأكراد إلى مدينتهم كركوك وإلى قصباتهم وقراهم بعد زوال نظام صدام العنصري.. ↑
- () هذه الإيالات هي ما يعرف اليوم باسم «جيلان» و«مازندران». ↑
- () سهل في شمال آذربيحان على حدود الاتحاد السوفياتي. ↑
- () بلاد في إقليم «جيلان» جنوب بحر قزوين. وهي اليوم تابعة للاتحاد السوفياتي. ↑
- () «الإيلخان» لقب رؤساء المغول الذين انفردوا بحكم إيران والعراق. ↑
- () «قراقويونلو» و«آق قويونلو» طائفتان من أتراك ما وراءجبال القفقاس، الأتراك الغربيين الذين هاجروا إلى شمال إيران. وقد أقامت كل من هاتين الطائفتين ملكاً لها في آذربيجان في أواخر القرن الهجري الثامن. ↑
- () الصقالبة (Slaves) هم عند مؤرخي العرب الشعوب السلافية القاطنة بين جبال الأورال والبحر الأدرياتيكي في أوروبا الشرقية والوسطى. وهم فرعان: صقالبة الشمال (الروس والروس البيض والبولونيون). وصقالبة الجنوب أو اليوغوسلافيون (العرب والكرواتيون والسلوفاكيون والبلغاريون).وأطلق العرب اسم الصقالبة على جماعة من العبيد المجندين في الخدمة العسكرية، وهم أما من الصقالبة الأصليين أو من غيرهم من العبيد القادمين من الغرب. ↑
- () «آق قويونلو» إحدى الطوائف التركية الأربع عشرة التي أقامت لها ملكاً بعد خروج الأتراك مما وراء القفقاس. ملكت هذه الطائفة في آذربيجان سنة 780هـ (راجع بحث آق قويونلو). ↑
- () بين لغة الأتراك الغربيين ولغة الأتراك الشرقيين اختلاف. وينقسم الأتراك الشرقيون اليوم إلى قسمين: الأزابكة والتركمان. وبين لغة كل منهما ولغة الآخر اختلاف. وينقسم الأتراك الغربيون اليوم أيضاً إلى قسمين: أحدهما أتراك إيران والقفقاس والآخر الأتراك العثمانيون، أتراك تركيا الحاضرة. وبين لغة كل منهما ولغة الآخر اختلاف. ↑
- () اصطلاح تاريخي مؤلف من كلمة تركية مركبة من لفظين: «أتا» ومعناها الأب و«بك» التي قيل إنها إما أن تكون بمعنى نبيل أو شيخ، أو أن تكون مخففة من «بيوك» أي الكبير. وقد أُطلقت كلمة «أتابك» في العصر العباسي الثالث، بمعنى مربي الأمير، وهو عادة ممن يمتون إلى الملك بصلة القرابة من جهة الأب، ثم صارت لقباً يطلق على الأمراء الأقوياء. وفي العصر المملوكي في مصر كان يطلق على أمير الجيوش «أتابك العسكر». ↑
- () ذكر «مهدي بامداد» في كتابه «شرح حال رجال إيران» في ترجمة «فتح علي خان قاجار «قوانلو» أن سبب الانقسام والقسمية هو سكنى فريق منهم في السواحل العليا في نهر «جرجان» وسكنى الفريق الآخر في السواحل السفلى منه. ذكر أيضاً أن «السرجان ملكم» الإنكليزي ذكر في كتابه «تاريخ إيران» أن سكناهم على هذا النحو كانت عند نهر في أرمينيا. ومنها جاءتهم هذه التسمية. ↑
- () اعتل عرش إيران في الثاني من رمضان سنة 907هـ وتوفي في 19 رجب سنة 930هـ. ↑
- () بلاد في إقليم «جيلان» جنوبي بحر قزوين كانت تابعة لما عرف بالاتحاد السوفياتي. ↑
- () سهل في شمال آذربيجان على حدود ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي. ↑
- () «قراقويونلو» إحدى قبائل الأتراك الغربيين الأربع عشرة التي أقامت لها ملكاً بعد خروج الأتراك مما وراء القفقاس. ملكت هذه الطائفة في آذربيجان سنة 780هـ. ↑
- () تولى الملك سنة 989هـ، وتوفي سنة 1038 وأسلاف من الملوك، بعد «الشاه إسماعيل» هم: الشاه طهماسب» و«الشاه إسماعيل» الثاني و«الشاه محمد خدابنده». ↑
- () كلمة «آقا» تركية دخلت اللغة الفارسية. وتقرن باسم الرجل للاحترام. وفي النطق يقلبون قافها غيناً (آغا). فإن كتبوها بالغين أيضاً فهي تعني «الخصي» في اصطلاحهم. ولذلك يكتبونها بالغين إذا قرنوها باسم هذا الشاه لأنه كان خصياً.ولكن المؤرخ «سعيد نفيسي» يقول إن هذا الاصطلاح إنما عرف في العهد القاجاري ولا وجه له في الأصل. لأن هذه الكلمة يكتبها الأتراك بالقاف ويكتبونها بالغين لمعنى واحد في تلك الحالتين بلا فرق، ولم يخصوها بالخصي إذا كتبت بالغين. ولذلك لم يلتزم هذا المؤرخ بكتابتها بالغين إذا قرنها باسم هذا الشاه كما فعل غيره لأن كتابتها بالغين لا تعني أنه خصي كما توهموا.
وإذا كان «سعيد نفيسي» هو مصدرنا الأساسي في هذه الدراسة فنحن نكتبها كما كتبها. ↑
- () نبه المؤرخ الإيراني «سعيد نفيسي» إلى أمر جدير بالاعتبار في استدلاله على أن القاجاريين ينتمون إلى الأتراك الغربيين لا إلى التركمان ولا المغول كما يدعون. وهذا الأمر هو أن الشاه «عباس الصفوي» الكبير أجلى القاجاريين عن آذربيجان فأبعدهم عن مجاورة الأتراك العثمانيين، وهم من الغربيين، ليقطع القاجاريين عما كانوا يمنحونه للعثمانيين من مسالمة وما كانوا يقومون به من مواطأة لهم عليه في غزواتهم المتكررة لأرض إيران لما بين القاجاريين والأتراك العثمانيين الغربيين من قرابة اللغة والعرق. وأقامهم في «استرآباد» في جوار التركمان وفي «مرو» في جوار الأزابكة، وكلاهما من الأتراك الشرقيين. وعهد إليهم بمقاومة هؤلاء وهؤلاء في فتنهم المتلاحقة التي كانوا يثيرونها عليه، مطمئناً إلى صدقهم في أداء هذه المهمة إذ لا صلة تربط القاجاريين بالتركمان والأزابكة فهم غرباء عنهم فلا مانع يمنعهم من محاربتهم. وهذا ما حصل بالفعل. فحين كان القاجاريون يجاورون العثمانيين سالموهم وواطأوهم على الصفويين. فلما جاوروا التركمان والأزابكة اشتدوا في مقاومتهم وصدقوا في محاربتهم. ولو كان القاجاريون ينتمون إلى التركمان والمغول كما يدعون لفعل الشاه عباس العكس. ↑
- () كانت كلمة «وزير» يومئذ تعني المشاور والمساعد. ↑
- () قال «مهدي بامداد» في كتابه «شرح حال رجال إيران»: تنقل رواية مشكوك فيها. وهي أن الشاه «سلطان حسين الصفوي» كافأ «فتح علي خان قاجار» على خدماته بإهدائه جارية كردية من جواريه اسمها «خير النساء». فأخذها وأرسلها إلى «استرآباد. وبعد مدة أعلنت الجارية أنها كانت حاملاً من الشاه وهي في حرمه قبل إهدائها. وأن الشاه سئل عن ذلك فصدق كلامها. فلما وضعت الجارية حملها هذا كان صبياً دعي «محمد حسن». وهو جد الأسرة القاجارية التي ملكت في إيران. ولذلك يرى بعضهم أن هذه الأسرة هي، في الواقع، من نسل الصفويين. ↑
- () المعجر: ثوب تشده المرأة على رأسها. ↑
- () من انقسامات القاجاريين انقسامهم إلى طائفتين، إحداهما تسمى «يوخاري باش» والأخرى «أشاق باش». ↑
- () المحارب بالبندقية. ↑
- () من انقسامات القاجاريين انقسامهم أيضاً إلى طائفتين، إحداهما تسمى «دولو» والأخرى «قوانلو»، وبينهما خصومة. و«محمد حسن خان» جد القاجاريين الذين تملكوا في إيران من طائفة «قوانلو». ↑
- () أي: حارق الدنيا. ↑
- () كانت طائفة «يوخاري باش» تحارب «محمد حسن خان». وهي السبب في أكثر انكساراته. وكانت منهم فرقة مع «كريم خان زند»، وهم الذين قتلوا «محمد حسن خان». ↑
- () لما صار ولياً للعهد أخذوا ينادونه في الاسرة باسم «بابا خان» إذ كان سمي جده، جد الأسرة. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدانن ج7، ص 15، القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 75. ↑
- () المقريزي: خطط جـ1، ص 361. ↑
- () الفاطميون في مصر، ص 111 ـ 112. ↑
- () النجوم الزاهرة، جـ4، ص 41 ـ 42. ↑
- () النجوم الزاهرة جـ 4، ص 42. ↑
- () الدكتور علي ابراهيم حسن: جوهر الصقلي، ص 91. ↑
- () المقريزي: خطط ج1، ص 377. ↑
- () مكان الأزبكية إلى ميدان المحطة الآن، وكانت تقع على النيل. ↑
- () أبو المحاسن: النجوم الزاهرة جـ4، ص 34، وما يليها. ↑
- () المقريزي: خطط جـ1، ص 384. ↑
- () المصدر نفسه جـ1، ص 386. ↑
- () المصدر نفسه، جـ1، ص 387. ↑
- () المقريزي: خطط جـ1، ص 407. ↑
- () وهي الليالي التي تسبق أول شهري رجب وشعبان ومنتصف كل منهما. ↑
- () سمي بباب الزهومة، لأنه يؤدي إلى مطابخ القصر، ومحله الآن شارع الصاغة. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 74.انظر أيضاً كتاب جوهر الصقلي للدكتور علي إبراهيم حسن، ص 94 ـ 95. ↑
- () خطط جـ2، ص 272. ↑
- () هي القبة التي في وسط الرواق الأول، فوق موضع المحراب والمنبر في الإيوان القديم. ↑
- () خطط جـ2، ص 272. ↑
- () حسن ابراهيم حسن: الفاطميون في مصر ص 127. ↑
- () كان ابن كلس من الناقمين على جوهر. ↑
- () المقريزي: اتعاظ 2، ص 53، ط 1961. ↑
- () اليماني: سيرة جعفر 112. ↑
- () وقد عبر بعض الباحثين عن بعض أهداف الفاطميين بقوله: إن فتح مصر كان هدفاً رئيسياً. (objectif principale) أنظر: Huart op, cit TI, p.340.. ↑
- () النعمان: المجالس، والمسايرات، 1، ورقة 19 ـ 20، وقد كان رد أبي القاسم على أبيه «بل أنفذ لما أمرت به يا أمير المؤمنين وأسارع إليه». ↑
- () نفسه، وقد عبر المعز لدين الله عن نشاط المهدي ضد مصر بقوله: «علم المهدي أنه لا يصل إلى ذلك لكنه أحب ألا يضيع الحزم». ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 69، ومن فرط تأثره نهجو الصولي وتجريحه له قال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه أن قدرت وإلا أ هلك دونه» ومن هذا القول تتضح الأهداف البعيدة للدعوة الفاطمية. ↑
- () ابن عذاري: البيان 1، 26 ص 18. ↑
- () ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان 1، 122. ↑
- () وقد شغله عن مصر، اضطراب وضع بلاد المغرب ودسائس الأمويين: أنظر، عبد المنعم، ماجد، ظهور خلافة الفاطميين 98 ـ 100. ↑
- () ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب 1، 175 وما بعدها، وعن قصائد القائم ومكاتباته لأهل مصر ليخذلهم عن التبعية للعباسيين، أنظر عريب بن سعد، صلة تاريخ الطبري، 41 ـ 43، ومن ضمنها ما ورد به الصولي على القائم بأمر الله. ↑
- () نفسه، 1، 176، عاشور، مصر في العصور الوسطى 189. ↑
- () نفسه، س 4 وقد عبر عن موقفه بقوله «قد تأذيت بالراضي، وبهذا الصبي ابن رائق، وقد أمرت الخطيب أن يدعو لأبي القاسم صاحب المغرب». ↑
- () ابن سعيد، 1، 177، س 16 ـ 17 وقد قالوا للأخشيد «لأنك إذا عملت هذا كاتبه من مصر، من يكره هذا، وكتب بذلك إلى العراق فإن كان الراضي لم يقلده قلده وأنفذ إليه الأموال والعساكر وصيرت له شيعة وخاصة ولكن دع هذا إلى وقت آخر». ↑
- () نفسه، المغرب في حلى المغرب 1، 177. ↑
- () وبموت الخليفة الراضي 329 هـ، وموت محمد بن رائق، صفا الجو السياسي للأخشيد وخلصت له ولايتا مصر وبلاد الشام. انظر ابن سعيد: المصدر السابق 1، 279. ↑
- () عبد المنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين وسقوطها، 98 ـ 100. ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 91، ويشير إلى أن المنصور الفاطمي، يشبه في الحزم وتصفية المشاكل، سميه أبا جعفر المنصور العباسي. ↑
- () نفسه 1، 69. ↑
- () نفسه 1، 266، ابن الأثير: المصدر السابق 8، 239 ـ 240. ↑
- () سبط ابن الحوزي: مرآة الزمان، ج 11 ورقة 240، خ دار الكتب رقم 551، أبو المحاسن، النجوم الزاهرة 4، 730. كامل حسين: في أدب مصر الفاطمية 16، المقريزي: إتعاظ، 1، 139، وقد صبح أبو جعفر، من بين المقربين إلى المعز لدين الله، ومن مرافقيه. ↑
- () المقريزي: إتعاظ 1، 95. ↑
- () المقريزي: إتعاظ، 1، 92. ↑
- () النعمان: المجالس والمسايرات 2، ورقة 474 وما بعدها، أما النعمان فقد عبر عن الوضع قبيل فتح مصر بقوله: «ما يمنع أمير المؤمنين من المشرق،.. إلا أنه لم ير العزم في أمره، فأما لو عزم على ذلك لما حال دونه حائل. ↑
- () المقريزي: إتعاظ، 1، 100. ↑
- () النعمان: المجالس والمسابرات 1 ورقة 170 ـ 171. ↑
- () نفسه 2، 478 وما بعدها. ↑
- () نفسه، 2، 634 ـ 635. ↑
- () لمعة في سيرة المعز ورقة 3، مخطوط مكتبة جامعة القاهرة رقم 24022. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 101. ↑
- () ابن أبيك الدواداري: الدرة المضيئة 6، 120 ـ 121، العيني، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج 19، القسم 2 ورقات 221 ـ 222. 507 ـ 508 من القسم 3. ↑
- () العيني: المصدر السابق ج 19 (ق2) ورقة 266 ـ 267، سبط ابن الجوزي: المصدر السابق ج 11، 23 وفيه «الدنيا كلها»، المقريزي: إتعاظ 1، 102، نقلاً عن إبن زولاق، وفيه «الأرض كلها». ↑
- () وكان من جلسائه أنشط دعاة الفاطميين وهو أبو جعفر بن نصر الذي أثر عنه قوله: «كافور الأسود غداً يؤخذ بإذنه إنما بنيت هذه الدار لصاحب المغرب تؤخذ فيها البيعة على كل تابع ومتبوع، وذيل مرفوع تغير فيها ألأحوال وتحمل إليها الأموال». أنظر كامل حسين: أدب مصر الفاطمية 16. ↑
- () أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 4، 6. ↑
- () ابن الجوزي: المصدر السابق ج 11 ورقة 152 ـ 153، العيني: المصدر السابق، 19 (ق3) 507 ـ 508 Huart: Op. cit, t.p. 343. ↑
- () الذهبي: تاريخ الإسلام ج 3، ورقة 5 ـ 6 (أحداث سنة 301 هـ) خ دار الكتب رقم 396 تاريخ. ↑
- () الكندي: الولاة والقضاة 268 وما بعدها وقد قدر قوة حباسة بمائة ألف وزيادة، ولم يشر إلى أبي القاسم في هذه الحملة.الذهبي: نفس المصدر السابق، وقد قدر القوة الفاطمية بأربعين ألفاً، وأشار إلى أبي القاسم ووصف حباسة بصاحب مقدمته ابن عذارى: المصدر السابق 1، 235، وما بعدها، 238 وما بعدها، ويلاحظ إمداد المهدي لحباسة بالجيوش باستمرار، وأنه خرج قبل أبي القاسم، والتقيا معاً في الا سكندرية، المقريزي: اتعاظ 1، 68، 69، ويجعل خروج أبي القاسم سابقاً على خروج حباسة، الذي قاد الحملة البحرية منذ 302 هـ، الطبري: المصدر السابق 11، 408 ـ 409، ووصف حباسة بقائد ابن البصري، عريب سعد: المصدر السابق 27 ـ 36. ↑
- () الكندي: المصدر السابق 269 ـ 270 وقد لاحظ هزيمة قوة حباسة أولاً ثم انتقامها من أهل مصر ثانياً. ↑
- () ابن عذاري، 1، 23 س 1، 4. ↑
- () نفسه 1، 239 س 11. ↑
- () نفسه، س 5، 7 ـ 8، وعن حملات المهدي ضد مصر أنظر أيضاً: سعيد عاشور: مصر في العصور الوسطى 187 وماريوس كنار في مقال: EI. Art Fatimides T. 2p. 873 2e Edition. ↑
- () ابن عذاري: البيان 1، 239، س 10، 12 وانظر ص 240 س 17 ـ 18، وعن بعض مظاهر التخريب التي تسبب فيها جند كتامة أنظر البكري: المغرب 2. ↑
- () الكندي: الولاة والقضاة 273 ـ 274. ↑
- () نفسه. والذي يلاحظ أن اسم القائد الكتامي (أبي مديني) جاء مصحفاً في المتن والهامش أيضاً، أنظر 274 هامش 1 منه، وعن كورة لوبية ومراقية ومن منازلها الرمادة، أنظر اليعقوبي: البلدان 95، عمر بن محمد الكندي: فضائل مصر 47 ـ 48 (ط 1971). تحقيق إبراهيم العدوي. ↑
- () ابن عذاري: المصدر السابق 1، 253، العزيري الجوذري: المصدر السابق 43، تعليق 35، عبد المنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين 96 وما بعدها. ↑
- () نفسه 1، 254. عريب بن سعد: صلة تاريخ الطبري 41 ـ 42. وابن كافي من عنصر الصقالبة، العزيز: المصدر السابق 35 تعليق 10. ↑
- () الكندي: المصدر السابق 276 وما بعدها، المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 71. ↑
- () ابن عذاري: المصدر السابق 1، 255. ↑
- () نفسه، ابن سعيد: المصدر السابق 1، 175. ↑
- () الكندي: المصدر السابق 276 ـ 277، الذهبي: المصدر السابق 3، ورقة 14 المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 71. ↑
- () الكندي: المصدر السابق 277، ابن عذاري: البيان 1، 255، الذهبي: المصدر السابق 3 ورقة 16، المقريزي: المصدر السابق 1، 71. وبينما مات سليمان ابن كافي في السجن، فر يعقوب الكتامي من سجن بغداد، إلى إفريقية، عبد المنعم ماجد: ظهور خلافة 98، ولقب مؤنس بالمظفر. ↑
- () نفسه، 278، ابن عذاري 1، 260، الذهبي: المصدر السابق 3، ورقتا 15، 16 ويلاحظ الذهبي أن ابن المديني القاضي قتل لأنه كان يدعو إلى المهدي مع جماعة آخرين. ↑
- () نفسه 278 ـ 279، السيوطي، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة 3، 11، الذهبي: المصدر السابق ج 3 ورقة 16. ↑
- () نفسه، 280 ـ 287، السيوطي: المصدر السابق 2، 13. ↑
- () ابن عذاري: المصدر السابق 1، 263 ويبدو أن القائد هو أبو جعفر بن فلاح الذي ازدهر في عصر المعز لدين الله وصحب جوهر إلى مصر. ↑
- () نفسه 1، 265، وبذلك انتقم مسرور لهزيمة أبيه وأسره ويبدو أن هدف حركته الضغط على والي مصر الذي بقي محتفظاً بوالده في السجن. ↑
- () نفسه 1، 267، العزيزي: المصدر السابق 152، تعليق 10. ↑
- () يشير الكندي إلى وفاة حبشي بن أحمد بالرمادة قبل وصول حملة القائم بأمر الله، النويري: المصدر السابق 26 ورقة 16. ↑
- () ابن عذاري 1، 296، الكندي: المصدر السابق 286 ـ 28، حسن ابراهيم: عبيد الله المهدي 181 وما بعدها، وهنا يشير إلى ان قائد الحملة كان هو حبشي بن أحمد على خلاف ما ورد في الكندي وابن عذاري. ↑
- () الكندي: المصدر السابق 289. ↑
- () نفسه، 287. ↑
- () المقريزي: الخطط 1، 329 ↑
- () أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 4، 10، المقريزي: إتعاظ الحنفا، 1، 96. ↑
- () ويلاحظ أن المعز لدين الله وجه الخطر النوبي، بالطرق السلمية، فأرسل بعد استقراره في مصر سفارة جورج ملك النوبة، يدعوه إلى الإسلام. وقد تولى رئاسة الوفد عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني. أنظر: زاهر رياض، اتجاهات مصر الإفريقية في العصور الوسطى 71، المجلة التاريخية، مجلد 20، مايو 1958. ↑
- () الذهبي: المصدر السابق 3 ورقة 186 (حوادث 357هـ). ↑
- () العيني: عقد الجمان ج 19 (ق 2) ورقة 219 ـ 220 (حوادث 357 هـ). ↑
- () سيدة إسماعيل كاشف: مصر في عصر الأخشيديين 360 ـ 370، المقريزي، الخطط 1، 330، عبدالله الشرقاوي: تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين ورقة 58 (س 101 ط العثمانية 1304هـ). وهي على هامش كتاب لطائف أخبار الأول للأسحاقي المتوفي، ابن الخطيب: أعمال الأعلام 52 هامش2، (القسم الثالث منه ط الدار البيضاء 1964. تحقيق مختار العبادي والكناني) يحيى بن سعيد النطاكي تاريخ الذيل 812 ط كراتشوفسكي وفازلييف، ابن أيبك الدواداري: الدرة المضيئة 120 ـ 121، الإسحاقي: لطائف أخبار الأول، 114 ط العثمانية 1304 هـ، المقريزي: إغاثة الأمة لكشف الغمة 12 ـ 13 ط حمص 1956 جمال الدين الشيال: الصلات الثقافية بين المغرب ومدينة الإسكندرية 145 ـ 154. مجلة كلية الآداب، جامعة الاسكندرية، مجلد 15 سنة 1961. ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا، 1، 102. ↑
- () ابن ظافر: أخبار الدول المنقطعة ورقم 47. مخطوط دار الكتب، بيبرس الدوادار: المصدر السابق 6، ورقة 20. ↑
- () المقريزي: إتعاظ 1، 96. علي ابراهيم حسن تاريخ جوهر الصقلي 27، جمال سرور، الدولة الفاطمية في مصر 66. ↑
- () نفسه، 1، 97، لمعة (لمجهول) ورقة 3. علي ابراهيم حسن: المرجع السابق 27، وعندما سئل الشريف أبو جعفر مسلم من طرف المؤرخ ابن زولاق عن عدد الجيش الذي رآه مع جوهر، أجاب «هم مثل جمع عرفات كثرة وعدة. أنظر المقريزي: إتعاظ 1، 107، س 23 ـ 24، الشرقاوي: المصدر السابق ورقة 59. ↑
- () لمعة (لمجهول) ورقة 3 ـ 4، ابن ظهيرة: الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة ورقة 73 ـ 74 ص 41 ـ 42 ط 1969. ويلاحظ ان المعز لم يخرج بنفسه لفتح مصر خوفاً من آثار هزيمته على وضعه في بلاد المغرب «وخاف أن يغزو بنفسه ويخيب سعيه فيفوته المغرب ولا تحصل له مصر». ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 111 ـ 113، الخطط 1، 361، أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 4، 41 ـ 42. لمعة (لمجهول) ورقة 4. ابن ظهيرة: المصدر السابق ورقة 75، عبد الرحمن زكي: القاهرة تاريخها وآثارها 10 ـ 11. ↑
- () يحيى بن سعيد الأنطاكي: المصدر السابق 818 وما بعدها. ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا، 1، 102، 103. ↑
- () نفسه، 1، 103 ـ 107، بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة 6، ورقة 201 ـ 202 ابن مسكويه: تجارب الأمم 6، 257، ابن حماد: أخبار ملوك بني عبيد 41 ـ 44 النويري: نهاية الأرب 26 ورقة 38 وما بعدها. ↑
- () بيبرس الدوادار: المصدر السابق 6، ورقة 200 ـ 201 ويلاحظ هنا أن نحرير اشترط ألا يجتمع بجوهر، وتكون الأشمونين إقطاعاً خاصاً به، ويقلد مكة والمدينة وأعمالها ويقيم هناك. ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 180 س 23، وانظر بيبرس الدوادار: المصدر السابق 6، 200 ـ عن بعض أعداء المذهب الفاطمي الذي حث الناس على الفتح بابن الفرات، وشنع على جوهر الصقلي وخاطب الناس بقوله: «أيها الناس قد أظلكم من أخرب فاسا، وسبي أهلها، فألقوا هذا الرجل المغرور «ابن الفرات فإنه شرع في إتلاف بلدكم وسفك دمائكم بمراسلة هذا الرجل». ↑
- () نفسه 1، 109 أس 1 ـ 3. ↑
- () أبو المحاسن: المصدر السابق 4 ، 31. ↑
- () المقريزي: إتعاظ الحنفا 1، 109 س 5 ـ 6. ↑
- () نفسه 1، 110، ويلاحظ أن البنود التي تحمل إسم المعز كانت قد فرقت على أنصار الدعوة لذلك «نشر كل من عنده بند بنده في درب حارته» أنظر س 2 ـ 3، أبو المحاسن: المصدر السابق 4، 8 وما بعدها، عبد المنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين 103 ـ 104، عطية مشرفة: نظم الحكم بمصر في عصر الفاطميين، 60، ..مر كمال توفيق: مقدمات العدوان الصليبي 66 وما بعدها.. ↑
- () نفسه 1، 111. ↑
- () نفسه 1، 114. ↑
- () القضاعي: المصدر السابق ورقة 179. ↑
- (*) القدس في شكلها مدينة قائمة عند دائرة العرض 31.52 وخط الطول 35.13 على هضبة غير مستوية يتراوح ارتفاعها ما بين 2130 و2469 قدماً، وتبعد المدينة عن البحر الأبيض المتوسط حوالي 32 ميلاً (55 كلم) غرباً، وعن البحر الميت 18 ميلاً (22 كلم)، وحوالي 26 ميلاً من نهر الأردن، وحوالي 19 ميلاً من الخليل جنوباً، و30 ميلاً من سبسطية شمالاً، وتبعد عن البحر الأحمر 250 كلم جنوباً.وقبل الاحتلال البريطاني لفلسطين (سنة 1917م)، لم تكن هناك سوى قدس واحدة، هي تلك التي تحيط بها أسوار سليمان القانوني التي بناها في منتصف القرن العاشر الهجري، إضافة إلى مجموعة من الأحياء أقامها الأتراك العثمانيون خارج سور القدس في الشمال الشرق والجنوب، مثل حي الشيخ جراح في الشرق، وحي المسعودية في الشمال.
وفي أثناء الاحتلال البريطاني ركز الإنكليز رسمهم لحدود بلدية القدس على التوسع جهة الغرب عدة كيلومترات؛ حيث الكثافة السكانية لليهود أعلى، أما في الجنوب والشرق حيث السكان عرب، فلم يتجاوز الامتداد بضع مئات من الأمتار، فمُنعت قرى عربية كبيرة من الدخول ضمن الحدود البلدية للقدس، وهي قرى، الطور، ودير ياسين، وسلوان، والعيسوية، والمالحة، وبيت صفافا، وشُعفاط، ولفتا، وعين كارم.
هنا ظهرت القدس كمدن عدة لا كمدينة واحدة، كما هو المعتاد:
ـ فـ «القدس القديمة» أو العتيقة هي تلك الموجودة داخل سور سليمان القانوني، ومساحتها 871 دونماً (الدونم = 1000 م2)، وطول السور 4.20 كلم، وتقوم على أربعة جبال هي: جبل الموريا، وجبل صهيون، وجبل أكرا، وجبل بزيتا، ويوجد الحرم القدسي الشريف في الجنوب الشرقي للقدس القديمة فوق جبل الموريا.
ـ و«القدس الشرقية» هي نفسها القدس القديمة، مضافاً إليها الأحياء التي زادها المسلمون خارج السور، مثل حي الشيخ جراح، وحي باب الساهرة، وحي وادي الجوز. وقد ظهر هذا المصطلح مع احتدام الصراع بين المسلمين واليهود في فلسطين قبل قيام الكيان الصهيوني، فقد تركز العرب في شرق المدينة بأغلبية كبيرة، في حين تركز اليهود بأغلبية ساحقة في غربيها، فسُمي القسم الشرقي بـ«القدس الشرقية» وأطلق على الجانب الغربي اسم «القدس الغربية».
ـ و«القدس الغربية» هي القدس الجديدة التي نشأت في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين؛ لتستوعب الهجرات اليهودية المتتالية، وقد اتسعت اتساعاً كبيراً، وضمها البريطانيون إلى الحدود البلدية للقدس عام 1946م، فصارت مساحة القدس كلها 19 كلم2؛ أي أكثر من عشرين ضعفاً من القدس العتيقة.
ـ و «القدس الموحدة» مصطلح يستعمله اليهود دلالة على القدسين معاً (الشرقية والغربية)؛ لأن المدينة انقسمت عقب حرب سنة 1948م، فسيطر الصهاينة على الجانب الغربي منها، واحتفظ الجيش الأردني بقيادة عبدالله التل، بالجانب الشرقي، وحين سيطر اليهود على القدس كلها يوم 7 حزيران (يونيو) سنة 1967م، وحدوا المدينة، وأصرّوا على فكرة «القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل»!!
ـ و«القدس الكبرى» هي القدس الموسّعة التي يحاول الصهاينة بها، صنع هوية للمدينة تنمحي معها هويتها الإسلامية، فتبدو الأغلبية السكانية اليهودية كاسحة، وتصبح مساحة الأرض التي يسيطر عليها العرب صغيرة جداً بالنسبة إلى ما يسيطر عليه اليهود.
ويستهدف مشروع القدس الكبرى تطويق الأحياء العربية في المدينة القديمة، وفصلها لإجبار العرب على معيشة صعبة تذوب هويتهم معها، أو يضطرون إلى الهجرة من بيوتهم وأوطانهم. ↑
- (*) الحروب الصليبية لم تلق من الباحثين العرب ما كان يجب أن تلقاه من الدراسات الموسّعة، ولم يُعْنَ المؤرخون العرب بكتابة تاريخ مفصل لها، على عكس الأوروبيين الذي كانت هذه الحروب موضع عناية باحثيهم ومؤرخيهم وشعرائهم، سواء في القديم أو الحديث.ومن أوسع ما كتب عنهم في هذا العصر ما كتبه المؤرخ الفرنسي رينيه غروسيه في كتابه: Histoire des croisades et du royaume franc de Jerusalem، الذي نشره ما بين عامي 1935 و1938 في ثلاثة مجلدات. يمكن اعتباره أكبر رموسوعة في هذا الباب منذ كتب: ويلكن Wilken وميشو Mihaud مؤلفيهما الكبيرين في أوائل القرن التاسع عشر.
وقبيل الحرب العالمية الثانية تكونت لجنة من بعض أعضاء أكاديمية الدراسات الوسيطة الأميركية بالولايات المتحدة، لتنظيم مؤلف كبير في خمسة مجلدات عن الحروب الصليبية، يشترك في تحرير فصوله جمهور كبير من الأخصائيين في تاريخ العصور الوسطى بأميركا وأوروبا. ولكن حالت ظروف الحرب العالمية دون تحقيقه. ثم بُعِثَ المشروع من جديد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وذلك تحت رعاية جامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا. وكان المقدّر أن يبدأ هذا الكتاب بالظهور سنة 1950 ولم نعد ندري إلى أين انتهى أمره. ↑
- () كليرمون: مدينة في جنوب فرنسا. ↑
- () النورمان، أو رجال الشمال، أمة بحرية أصلها من النروج والدانمارك نزلت في القرن التاسع للميلاد على أوروبا الوسطى واستولت بالتدريج على قسم من فرنسا باسم نورمانديا، ثم انتصبت قهراً بجنوب إيطاليا وعلى الأخص في صقلية حيث أسست مملكة قوية مستقلة. ↑
- () كذلك انضم إلى الجنويين أهل بينرا تحقيقاً لبعض المطامع، مما رأيناه، في حصار الأسطول لأرسون وعكا. ↑
- () بين المؤرخين حول استنجاد الإمبراطور البيزنطي بالغرب الكاثوليكي على المسلمين في أواخر القرن الحادي عشر، مما يرى بعضهم أن هذا الاستنجاد أدّى إلى نهوض الحملة الصليبية الأولى. ويستند القائلون بوقوع الاستنجاد إلى الرسالة التي بعث بها الإمبراطور إلى روبرت كونت فلاندر (1071 ــ 1093م) وإلى استنجاده بالبابا ضد السلاجقة. على أن الكونت ريان يشكك في صحة هذه الرسالة فيتساءل مستنكراً: أمن المعقول أن يطلب ألكسيس النجدة من الغرب، وأن يطلبها بالذات من كونت فلاندر؟ وذهب في تحليل فكرة الرسالة إلى أبعد من هذا، فيرى إلى ان الإمبراطور لم يقصد بحال من الأحوال الاستغاثة بالغرب ضد الأتراك، وأن لفظ (الوثنيين) الوارد في رسالته إلى روبرت لم يعن به السلاجقة أبداً بدليل أن (حنة كومنين) إبنة الإمبراطور لم تسمّهم قط بهذا الإسم. ونكتفي هنا بما أوردناه دون الاسترسال في ذكر من يؤيد هذا الرأي، أو يقف وسطاً بين الرأيين. ↑
- () كليرموكان قوام كل فرقة يصل أحياناً إلى ما بين ثلاثمائة وأربعمائة فرد. ↑
- () هو قوام الدولة أبو سعيد كربوقا أمير الموصل السلجوقي. ↑
- () المقصود بطلب الأمان أن يلقوا سلاحهم ويستسلموا خارجين بدون سلاح على أن يكونوا آمنين على أرواحهم فلا يُقتل منهم أحد، ولا يكونوا أسرى، بل ينطلقوا راجعين إلى بلادهم.وقد كانت القيادة الصليبية كلها في إنطاكية، كما يعدّد رجالها ابن الأثير فطلبها الأمان واستسلامها كان معناه انتهاء الحروب الصليبية عند إنطاكية وعودة رجالها إلى بلادهم شراذم جائعة عارية. ↑
- () الجيش الذي طلب الاستسلام بقيادته المحاصرة معه هو نفسه الذي زحف بعد ذلك إلى معرة النعمان، ثم تابع الزحف بعدها وصولاً إلى القدس. ↑
- () ينطلق الدكتور سرور مع رواسبه فينسب الأمر إلى الدولة الفاطمية، في حين أنه هو نفسه ينسب الأمر بعد ذلك إلى الأفضل الجمالي. ↑
- () هذا إذا صح أن الأفضل أرسل سفارة، فنحن لم نجد ذكراً لهذه السفارة المزعومة في أي مصدر عربي. ↑
- () قال ابن الأثير: «كان الأفضل حسن السيرة عادلاً». ↑
- () يقول المقريزي، (ص 207): «قدم بدر الجمالي إلى القاهرة فصار أمر الدولة كله راجعاً إليه». ↑
- () ابن الأثير، ج 10، ص 278. ↑
- () ابن الأثير، ج 10، ص 278. ↑
- () يقول في معجم البلدان: رفنية، كورة ومدينة من أعمال حمص يقال لها رفنية تدمر، وقال قوم:ـ والكلام لا يزال لمعجم البلدان ـ رفنية بلدة عند طرابلس من سواحل الشام. ↑
- () ابن القلانسي: ص 539، المقريزي، ج 3، ص 234. ↑
- () راجع فيما يتعلق بالحملات البحرية: العبادي، أحمد مختار وسالم السيد عبد العزيز: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، ص 124 ـ 126. أما فيما يتعلق بالمواجهات العسكرية البرية فيمكن الرجوع إلى ابن القلانسي: ص 537، 539 ـ 540. ↑
- () ابن القلانسي: ص 539، المقريزي، ج 3، ص 234. ↑
- () المقريزي: ج 3، ص 236. ↑
- () قال عماد الدين الكاتب عن طلائع بن رزيك: نفق في زمانه النظم والنثر واسترق بإحسانه الحمد والشكر. وقرب الفضلاء واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء وله قصائد كثيرة مستحسنة. وله ديوان كبير وإحسان كثير.وجاء في كتاب الوزراء المصرية لعمارة اليماني عن الصالح طلائع: لم يكن مجلس أنسه ينقطع إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية وفي مذاكرة وقائع الحرب، وكان مرتاضاً قد شم أطراف المعارف وتميز عن اختلاف الملوك وكان شاعراً يحب الأدب وأهله يكرم جليسه ويبسط أنيسه ولكنه كان مفرط العصبية في مذهب الإمامية. وكان مرتاضاً حصيفاً قد لقي يف ولايته فقهاء السنة وسمع كلامهم.
وقال في النجوم الزاهرة: خلت القاهرة لطلائع بن رزيك من مماثل، وأظهر مذهب الإمامية.
ثم قال: وجعل له مجلساً في أكثر الليالي يحضره أهل الأدب ونظم هو شعراً ودونه. وقد رثاه عمارة اليمني بقصيدتين قال في إحداهما:
يا أمير الجيوش، هل لك علم
أن حر الأسى علينا أمير
إن قبرا حللته لغني
إن دهرا فارقته لفقير
انطوى ذلك البساط، وعهدي
وهو بالعلم والندى معمور
لا تظن الأيام أنك ميت
ولم يمت من ثناؤه منثور
وقال في الثانية:
قد قلت إن نقلوه نقلة ظاعن
نزحت به دار وشط مزار
ما كان إلا السيف جدد غمده
بسواه، وهو الصارم البتار
والبدر فارق برجه متبدلا
برحابه تتشعشع الأنوار
والغيث روى بلدة ثم انتحى
أخرى، فنوء سحابة مدرار
يا مسبل الأستار دون جلاله
ماذا الذي رفعت له الاستار
↑ - () هي التي عرفت بالفسطاس وتوابعها. ↑
- () كتاب الروضتين، (الجزء الأول، القسم الثاني)، الصفحة 391 من طبعة 1962، وصاحب هذا الكتاب مملوء تعصباً ولؤماً على الفاطميين، ولكنه لم يستطع إنكار هذه الحقيقة. ↑
- () إبن شداد من المؤلفين الذين كتبوا للإشادة بصلاح الدين. ↑
- () كذلك ذكر أبو الفداء في تاريخه عكوف صلاح الدين على الخمر، والذهبي في سير أعلام النبلاء، ج1، ص 279 وص 282. ↑
- () كتاب الروضتين، ج 2، ص 408. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () أي صلاح الدين الذي لُقبَ بهذه الألقاب. ↑
- () المقصود هنا مدينة مصر، أي الفسطاس وما يتبعها. ↑
- () كتاب الروضتين، ج 2، ص 932 ↑
- () أي مليونان وستمائة ألف كتاب. ↑
- () هو عون الدين أبو المظفّر يحيى بن محمد بن هريرة الشيباني، ولد سنة 497هـ ببلدة الدور في العراق وزّر للمقتفي ثم للمستنجد، وتوفي سنة 560هـ. ↑
- () أوقدت نار الفتنة. ↑
- () عثت الحيّة فلاناً عضّته. ↑
- () يقول ابن كثير في البداية والنهاية، ج 13، ص 11: «استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد وقوي جانب الخلافة والخليفة على الملوك والممالك». ويقول في الصفحة 12 عن موت وزير الخلافة مؤيد أبي الفضل: «توفي بهمذان وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها إلى ديوان الخلافة». ↑
- () مر النسابة محمد الحسني ببغداد، خلال خلافة الناصر فقال في الصفحة 642 من كتابة التحفة في نظم أصول الأنساب، واصفاً جيش الناصر في بغداد وحدها بما يلي: «رأيت بغداد في أيام الناصر يركب عسكره في أيام المواسم في مئة وعشرين ألف فارس أجناد ما بين أتراك وأكراد ومتولدة، خارجاً على العرب والتركمان والمتعجين. هذا عسكر العراق لا غير…». ↑
- () شهرزود مدينة كردية في أطراف العراق، يبدو أن الخليفة كان يطالب بها. ↑
- () الرأي الرائب: الذي فيه شبهة وكدر. والشأو الشائب: الغاية غير السديدة. ↑
- () البيكار: كلمة فارسية معناها الحرب. ↑
- () المقصود ببلد الروم هنا الأناضول التي كانت بلاداً إسلامية، وكان يحكمها يومذاك أولاد قلج إرسلان. ↑
- () الذحل: الثأر. ↑
- () الشكر: النكاح. ↑
- () في هذا الذي يذكره العماد من البذاءة والانحلال الخلقي ما يندى له الجبين خجلاً. والذي يستره أنه جاء بألفاظ بعيدة عن اللهجة المحكية، ولو نقلت ألفاظه إلى اللهجة المحكية لعرف القارئ أي مدى من الاستهتار بلغ هؤلاء القوم وبأي أساليب قذرة كانوا يتعاطون مع قضايا الأمة المصيرية ويلعبون بمقدراتها. ↑
- () جبهوها: فاجؤوها، ردّوها عن حاجتها. ↑
- () أنجهوها: ردّوها أقبح ردّة، استقبلوها بما تكره. ↑
- () القدع: الجبن والانكسار. والقذع: القذر، الخناء، الفحش. ↑
- () البيكار: كلمة فارسية معناها الحرب. ↑
- () الدكتور حسين مؤنس لم يستطع إلا أن يعترف في مقاله بأن صلاح الدين الأيوبي قد عقد اتفاق هدنة مع الصليبيين سلّمهم بسببه، سلماً بلا قتال، الساحل الممتد من صور إلى حيفا. فهو يقول في أطلس تاريخ العالم، (ص 269، ط 1987)، عن تسليم صلاح الدين البلاد للصليبيين ما يلي:«ثم دخلوا، (الصليبيين، في مفاوضات مع صلاح الدين انتهت بعقد صلح الرّملة الذي نصّ على أن يترك، (صلاح الدين)، للصليبيين شريطاً من الساحل يمتد من صور إلى يافا، وبهذا العمل عادت مملكة بيت المقدس ـ التي انتقلت إلى إمرة طرابلس ـ إلى القوة بعد أن كانت قد انتهت، وتمكن ملوكها من استعادة الساحل حتى بيروت»… إلى ان يقول: «وبذلك تكون معظم المكاسب التي حققها صلاح الدين ـ فيما عدا استعادته لبيت المقدس ـ قد ضاعت».
وفي حديثه عن قادة الحملة الصليبية الأولى الذين طلبوا الاستسلام ورفض كربوقا طلبهم يقول الدكتور مؤنس ما يلي: «هم الذين سيدخلون بيت المقدس وينشئون مملكة القدس، والإمارات الصليبية الثلاث. ولولا نجاح هذه الحملة الأولى لما استمرت الحركة الصليبية ولتوقفت مسيرتها بعدها».
وهكذا يكون الأمر، كما قلنا فيما تقدم من البحث باعتراف حسين مؤنس المتحامل على الفاطميين ـ أنه لولا خيانة غير الفاطميين لانتهت الحروب الصليبية عند إنطاكية. ↑
- () هم من نزحوا عن بلادهم خوارزم، بعد غزو جنكيز خان فنزلوا العراق وحدود سوريا. ↑
- () إن تصرفات صلاح الدين بعد ذلك أدت إلى أن يعيد ورثته القدس إلى الصليبيين، كما مر فيما تقدم من القول. ↑
- () إقرأ أسانيدها في الجزء الأول من كتاب «الغدير» وراجع: غدير خم. ↑
- () حقائق التأويل، ج 5، ص 1 وما بعدها. ↑
- () سورة القدر، الآية: 1. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 185. ↑
- () حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال، وكان النبي قبل أن يأتيه الوحي يتعبد في غار حراء. ↑
- () سورة العلق:(اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). ↑
- () هذا هو القول المشهور، وهناك قولان آخران: أحدهما ما نزل بمكة فهو مكي وما نزل بالمدينة فهو مدني. الثاني أن المكي ما وقع خطاباً لأهل مكة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة. ↑
- () هو أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري كان عالماً بالقرآن وتفسيره والحديث، توفي سنة 328هـ. ↑
- () الراجح أن مؤلف كتاب فضائل القرآن هو أبو عبيدة القاسم بن سلام المتوفى سنة 334 هـ بمكة لأن ابن النديم في الفهرست نسب في ضمن ذكر الكتب المؤلفة في فضائل القرآن هذا الكتاب إليه. ↑
- () مناهل العرفان 273 ـ 274. ↑
- () تفسير الطبري 1/479. ↑
- () الإتقان للحافظ السيوطي. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () صحيح البخاري 8/209 ـ 210 وقريب منه في صحيح مسلم 5/116 وسنن أبي داود 2/456 وسنن الترمذي 4/38 ـ 39 وسنن ابن ماة 3/853. ↑
- () الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 6 وقريب منه للناسخ لابن حزم: 314 وتفسير ابن كثير 1/149. ↑
- () الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 5 والناسخ لابن حزم: 214 ويراجع تفسير ابن كثير 1/149 وتفسير الطبري ـ 1/479. ↑
- () صحيح مسلم: 3/100. ↑
- () الإتقان: 1/112. ↑
- () الإتقان: 2/42. ↑
- () الإتقان: 1/112. ↑
- () الإتقان: 1/113. ↑
- () الإتقان: 1/121. ↑
- () تفسير ابن كثير: 1/7. ↑
- () نفس المصدر: 1/7. ↑
- () الإتقان: 2/42. ↑
- () نفس المصدر: 2/42. ↑
- () الإتقان، ج/1 ص 60. ↑
- () صحيح مسلم، ج/4، ص 167. ↑
- () صحيح مسلم، ج/3 ص 100، وأصول الكافي. ↑
- () ص 536، هامش المجلد/2 من مرآة العقول. ↑
- () مجمع البيان، ج/ ص 15. ↑
- () الإمام زيد، ص 351. ↑
- () راجع استدلالهم في كتاب البيان، ص 144 وما بعدها، وتفنيد السيد الخوئي له. ↑
- () أصول الكافي، هامش مرآة العقول، ج 1، ص 6. ↑
- () الإمام الصادق لأبي زهرة ص 334. ↑
- () أصول الكافي، هامش مرآة العقول، ج 1، ص 6. ↑
- () ج/1 ص 58 وما بعدها. ↑
- () ج/1 ص 66 وما بعدها. ↑
- () ج1، ص 67. ↑
- () ج1، ص 67. ↑
- () راجع ص 156 وما بعدها من كتابه. ↑
- () التبيان، ج/1، ص 3. ↑
- () مر في بحث التفسير دراسة عن التفسير بالرأي أي فلتراجع هناك. ↑
- () جاء في معجم لسان العرب: الأَوْل: الرجوع. آلى الشيء يؤول أوْلاً ومآلاً: رجع. ↑
- () هذا البحث بقلم: الدكتور عماد الدين خليل. ↑
- () التبيان، مقدمة المؤلف 1/14. ↑
- () سورة الفرقان، الآيات: 32 ـ 35. ↑
- () الإتقان في علوم القرآن 3/230 ـ 231 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ↑
- () سورة النساء، الآيتان: 163 ـ 164. ↑
- () سورة النساء، الآية 165. ↑
- () سورة النحل، الآية 36. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 115. ↑
- () سورة يونس، الآية 47. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 24. ↑
- () سورة هود، الآية: 120. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 111. ↑
- () سورة النساء، الآية: 165. ↑
- () سورة الحج، الآية: 78. ↑
- () سورة آل عمران، الآيتان: 67 ـ 68. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 135. ↑
- () سورة النحل، الآية: 43. ↑
- () سورة النساء، الآية: 51. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 48. ↑
- () سورة آل عمران، الآيات: 59 ـ 62. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 116. ↑
- () أنظر كتاب التصوير الفني في القرآن الكريم لسيد قطب، وكتاب الإسلام والفن، للدكتور محمود البستاني. ↑
- () سورة هود، الآية: 1. ↑
- () سورة الزمر، الآية: 23. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 7. ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () أنظر: تفسير العياشي 1/26، تفسير القمي أول سورة البقرة، نور الثقلين 1/22. ↑
- () سورة طه، الآية: 5. ↑
- () سورة الفجر، الآية: 22. ↑
- () سورة الشورى،الآية: 11 ↑
- () الدر المنثور 2/8. ↑
- () نهج البلاغة، الخطبة 131. ↑
- () تفسير العياشي 1/162. ↑
- () عيون الأخبار 1/290. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 7. ↑
- () سورة الأعراف: الآيتان: 52 ـ 53. ↑
- () سورة يونس، الآية: 39. ↑
- () لأن تأويل الآية مع الاعتراف بأن التأويل لا يحيط بعلمه إلا الله تعالى عمل مناقض، ولكن هؤلاء ذكروا ذلك بعنوانه أنه احتمال في الآية. ↑
- () ذكر رؤيا يوسف عيه السلام في الآية الرابعة من سورة يوسف «إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين».وذكر تأويل رؤياه في الآية 100 على لسان يوسف حينما رأى أبيه وأمه بعد سنين من الفراق «ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً».
ورؤيا ملك مصر مذكور في الآية 43: ﴿وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾.
وتأويله مذكور في الآية 47 ـ 49 على لسان يوسف: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
ورؤيا صاحبي يوسف في السجن مذكور في الآية 36: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾.
وتأويله مذكور في الآية 41 على لسان يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 35. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () سورة الزخرف، الآيات: 1، 2، 3، 4. ↑
- () سورة الواقعة، الآيتان: 75 ـ 80. ↑
- () سورة الجن، الآيتان: 26 ـ 27. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية 33. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 109. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 29. ↑
- () سورة النحل، الآيتان: 101 ـ 102. ↑
- () تفسير العياشي 1/10. ↑
- () أنظر المصدر السابق 1/11. ↑
- () سورة النحل، الآية: 44. ↑
- () سورة الجمعة، الآية: 2. ↑
- () آخر كتاب الإتقان، طبع القاهرة سنة 1370هـ. ↑
- () الإتقان، ص 120 ـ 133. ↑
- () مجاهد، مفسر مشهور، توفي سنة 100 أو سنة 103 (تهذيب الأسماء للنووي).سعيد بن جبير مفسر معروف تلميذ ابن عباس، قتله الحجاج الثقفي سنة 94 (التهذيب).
عكرمة، مولى ابن عباس وتلميذه وتلميذ سعيد بن جبير، توفي سنة 104 (التهذيب).
ضحاك، من تلامذة عكرمة (لسان الميزان).
الحسن البصري، زاهد ومفسر معروف، توفي سنة 110 (التهذيب).
عطاء بن أبي رباح، فقيه ومفسر مشهور، من تلامذة ابن عباس، توفي سنة 115 (التهذيب).
عطاء بن أبي مسلم، من أكابر التابعين، ومن تلامذة ابن جبير وعكرمة، توفي سنة 133 (التهذيب).
أبو العالية، من أئمة التفسير وأكابر التابعين، كان في المائة الأولى من الهجرة (التهذيب).
محمد بن كعب القرظي، مفسر معروف، وهو من أسرة يهودية من بني قريظة، كان في المائة الأولى من الهجرة.
قتادة، أعمى، كان من أكابر المفسرين، وهو من تلامذة الحسن البصري وعكرمة، توفي سنة 117 (التهذيب).
عطية، ينقل عن ابن عباس (لسان الميزان).
زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، فقيه ومفسر، توفي سنة 136 (التهذيب).
طاوس اليماني، من أعلام عصره، وهو تلميذ ابن عباس، توفي سنة 106 (التهذيب). ↑
- () عبد الرحمن بن زيد، يعد من علماء التفسير.أبو صالح الكلبي، النسابة المفسر، وهو من أعلام القرن الثاني. ↑
- () الأحاديث الموقوفة هي التي لم يذكر فيها المروي عنه. ↑
- () سفيان بن عيينة، مكي من طبقة التابعين الثانية، وهو من علماء التفسير توفي سنة 198 (التهذيب).وكيع بن الجراح، كوفي من طبقة التابعين الثانية، ومن مشاهير المفسرين، توفي سنة 197 (التهذيب).
شعبة بن الحجاج البصري، من طبقة التابعين الثانية، وهو من مشاهير المفسرين، توفي سنة 160 (التهذيب).
عبد بن حميد، صاحب تفسير، من طبقة التابعين الثانية، كان في القرن الثاني من الهجرة. ↑
- () الاتقان 1/190. ↑
- () الزجاج، من علماء النحو، توفي سنة 310 (ريحانة الأدب).أبو حيان الأندلسي، نحوي مفسر قارئ، توفي في مصر سنة 745 (الريحانة). ↑
- () الزمخشري، من مشاهير علماء الأدب، مؤلف تفسير الكشاف، توفي سنة 538 (كشف الظنون). ↑
- () الإمام فخر الدين الرازي، متكلم مفسر مشهور، صاحب تفسير مفاتيح الغيب، توفي سنة 606 (كشف الظنون). ↑
- () عبد الرزاق الكاشاني، من مشاهير علماء الصوفية في القرن الثامن الهجري (ريحانة الأدب). ↑
- () أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، صاحب التفسير المشهور، توفي سنة 426 أو 427 (الريحانة). ↑
- () محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، توفي سنة 668 (الريحانة). ↑
- () تأليف الشيخ إسماعيل حقي، توفي سنة 1137 (ذيل كشف الظنون). ↑
- () تأليف شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، توفي سنة 1270 (ذيل كشف الظنون). ↑
- () غرائب القرآن، تأليف نظام الدين حسن القمي النيسابوري، توفي سنة 728 (ذيل كشف الظنون). ↑
- () زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم من فقهاء الشيعة وخواص أصحاب الإمامين الباقر والصادق.معروف بن خربوذ وجرير من خواص أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. ↑
- () فرات بن إبراهيم الكوفي، صاحب التفسير المشهور، من مشايخ علي بن إبراهيم القمي (ريحانة الأدب).أبو حمزة الثمالي، من فقهاء الشيعة وخواص أصحاب الإمام السجاد والباقر (الريحانة).
العياشي، محمد بن مسعود الكوفي السمرقندي، من أعيان القرن علماء الإمامية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (الريحانة).
علي بن إبراهيم القمي، من مشايخ الحديث الشيعي في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري.
النعماني، محمد بن إبراهيم، عن أعيان علماء الإمامية، وهو تلميذ ثقة الإسلام الكليني، كان في أوائل القرن الرابع الهجري (الريحانة). ↑
- () الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، من أجلاء فقهاء الإمامية، أعلم أهل زمانه في الشعر والأدب، ومن تآليفه كتاب «نهج البلاغة» توفي سنة 404 أو 406 (ريحانة الأدب).شيخ الطائفة، محمد بن الحسن الطوسي، من أعلام علماء الإمامية، من تآليفه «التهذيب» «الاستبصار» اللذين هما أصلان من الأصول الأربعة الحديثية عند الشيعة، توفي سنة 460 (الريحانة).
صدر المتأهلين، محمد بن إبراهيم الشيرازي، الفيلسوف المشهور، مؤلف كتاب، «أسرار الآيات» و«مجموعة تفاسير»، توفي سنة 1050 (روضات الجنات).
الميبدي.
السيد هاشم البحراني، صاحب تفسير «البرهان» في أربعة أجزاء كبار توفي سنة 1107 (الريحانة).
الفيض الكاشاني، المولى محمد محسن بن المرتضى، مؤلف كتاب «الصافي» و«الأصفى»، توفي سنة 1091 (الريحانة).
الشيخ عبد علي الحويزي الشيرازي، مؤلف كتاب «نور الثقلين» في خمسة أجزاء، توفي سنة 1112 (الريحانة). ↑
- () أمين الإسلام، الفضل بن الحسن الطبرسي، من أعيان علماء الإمامية، صاحب «مجمع البيان» في عشرة أجزاء، توفي سنة 548 (الريحانة). ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () سورة النحل، الآية: 89. ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () سورة ص، الآية: 39. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 68. ↑
- () أنظر أوائل تفسير العياشي والصافي والبرهان وبحار الأنوار. ↑
- () بحار الأنوار 1/137، باب اختلاف الأخبار. ↑
- () سورة الزمر، الآية: 62. ↑
- () سورة السجدة، الآية: 7. ↑
- () سورة غافر، الآية: 65. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 165. ↑
- () سورة النساء، الآية: 139. ↑
- () سورة الروم، الآية: 54. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 1. ↑
- () سورة طه، الآية: 8. ↑
- () سورة القمر، الآية: 49. ↑
- () سورة الحجر، الآية: 21. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 165. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 68. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 257. ↑
- () سورة الإنعام، الآية: 122. ↑
- () سورة المجادلة، الآية: 22. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 28. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 31. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 157. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة الشمس، الآيتان: 7 ـ 10. ↑
- () الإتقان 1/74. ↑
- () الطبقات المذكورة في هذا الفصل هي التي ذكرها السيوطي في كتابه الإتقان، ويراجع في الكتب الرجالية لمعرفة تراجم هؤلاء تفصيلاً. ↑
- () ريحانة الأدب 2/141، والإتقان 1/75. ↑
- () أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي، من مشاهير القراء، صاحب التآليف الكثيرة، توفي سنة 444هـ.الشاطبي من معاريف القراء والحفاظ، له القصيدة الشاطبية في القراءة وهي في 1120 بيت، توفي في القاهرة سنة 590هـ. ↑
- () عبدالله بن كثير المكي، أخذ القراءة من عبدالله بن الصائب الصحابي ومجاهد عن ابن عباس عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، توفي في مكة سنة 120. ↑
- () نافع بن عبد الرحمن بن نعيم الأصفهاني المدني، أخذ القراءة عن زيد بن القعقاع القاري وأبي ميمونة مولى أم سلمة، توفي في المدينة سنة 159 أو 169هـ. ↑
- () عاصم بن أبي النجود، كوفي مولى بني حذيفة، أخذ القراءة عن سعد بن أياس الشيباني وزر بن حبيش، توفي في الكوفة سنة 127 ـ 129هـ. ↑
- () حمزة بن حبيب الزيات التميمي، كوفي فقيه قارئ، أخذ القراءة عن عاصم وأعمش والسبيعي ومنصور بن المعتمر، وأخذ أيضاً عن الإمام السادس الإمام الصادق عليه السلام وكان من أصحابه، وله تآليف كثيرة وهو أول من ألّف في متشبهات القرآن، توفي سنة 156هـ. ↑
- () علي بن حمزة بن عبدالله بن فيروز الفارسي، كوفي بغدادي من أئمة النحو والقراءة، أستاذ الأمين والمأمون ومؤدبهما، أخذ النحو عن يونس النحوي والخليل بن أحمد الفراهيدي، وأخذ القراءة عن حمزة وشعبة بن عياش، توفي سنة 179 ـ 193 قرب الري عندما كان بصحبة هارون في سفره إلى طوس. ↑
- () أبو عمرو زبان ـ بفتح الزال وتشديد الباء ـ بن العلاء البصري أبي عبد الرحمن السلمي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وعن البغدادي، من مشاهير علماء الأدب وأساتذة القراءة، أخذ القراءة عن التابعين توفي في الكوقة سنة 154 ـ 159. ↑
- () عبدالله بن عامر الشافعي الدمشقي، أخذ القراءة عن أبي الدرداء الصحابي وأصحاب عثمان، توفي في دمق سنة 118هـ. ↑
- () اختلفوا في الرواة عن القراء السبعة، والذي ذكرناه هنا مطابق لما ذكره السيوطي في كتابه «الإتقان» ـ فلاحظ. ↑
- () أبو جعفر يزيد بن القعقاع، مدني مولى ام سلمة، يروي قراءته عن عبدالله بن عياش المخزومي وابن عباس وأبي هريرة عن النبي، توفي في المدينة سنة 128 ـ 133 هـ.يعقوب بن إسحاق البصري الحضرمي، من أئمة الفقه والأدب، يروي قراءته عن سلام بن سليمان عن عاصم عن السلمى عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، توفي سنة 205هـ.
خلف بن هشام البزاز، من أئمة القراءة، وهو أيضاً راوي قراءة حمزة، أخذ القراءة عن مالك بن أنس وحماد بن زيد، وأخذ عنه أبو عوانة، توفي سنة 229هـ. ↑
- () بحار الأنوار مجلد القرآن، والصافي في مقدماته، وقد روي في الإتقان 1/47 هذا الحديث عن واحد وعشرين صحابياً، وقد ادعى بعض تواتر هذا الحديث أيضاً. ↑
- () الإتقان 1/82. ↑
- () الإتقان 1/82. ↑
- () الإتقان 1/83. ↑
- () رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام. ↑